{"ً":{"ٌ":2125,"ٍ":"سورة القصص دراسة تحليلية","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: سورة القصص دراسة تحليلية\nالمؤلف: الدكتور محمد مطني\n[الكتاب مرقم آليا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":41,"ٕ":3,"ٖ":1770153711,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول: التمهيدي","level":1,"page":6},{"title":"المبحث الأول: دراسة عامة عن السورة","level":2,"page":6},{"title":"المطلب الأول: اسمها","level":3,"page":6},{"title":"المطلب الثاني: التعريف اللغوي والاصطلاحي للقصص","level":3,"page":7},{"title":"المطلب الثالث ترتيب سورة القصص في المصحف","level":3,"page":10},{"title":"المطلب الرابع فضلها","level":3,"page":11},{"title":"المطلب الخامس: سورة القصص أمكية هي أم مدنية؟","level":3,"page":13},{"title":"المطلب السادس: الأغراض العامة لسورة القصص ومقاصدها","level":3,"page":15},{"title":"المطلب السابع: التناسب والتناسق بين سورة القصص وما قبلها وما بعدها.","level":3,"page":19},{"title":"المطلب الثامن: التناسب بين بداية السورة وخاتمتها","level":3,"page":23},{"title":"المبحث الثاني: الحروف المقطعة في القرآن الكريم وسورة القصص","level":2,"page":29},{"title":"المطلب الأول: أقوال العلماء في معاني الحروف المقطعة","level":3,"page":29},{"title":"المطلب الثاني: إعراب الحروف المقطعة","level":3,"page":37},{"title":"المبحث الثالث: شبه وجود الأساطير والتكرار في القصة القرآنية والرد عليها","level":2,"page":38},{"title":"التمهيد","level":3,"page":38},{"title":"المطلب الأول: أدلة القائلين بوجود الأساطير والتكرار في القرآن الكريم والرد عليهم","level":3,"page":39},{"title":"المطلب الثاني: قضية التكرار","level":3,"page":44},{"title":"المطلب الثالث: الحكمة من التكرار","level":3,"page":47},{"title":"المطلب الرابع: فوائد القصص القرآني","level":3,"page":48},{"title":"الفصل الثاني: وقفات بين يدي السورة","level":1,"page":53},{"title":"المبحث الأول: نظرات توجيهية في سورة القصص","level":2,"page":53},{"title":"المطلب الأول: توجيه المعنى في ذاتية السورة","level":3,"page":53},{"title":"المطلب الثاني: توجيه الآيات التي أشكل إعرابها","level":3,"page":61},{"title":"المطلب الثالث: التوجيه المضموني في سورة القصص ودلالاته","level":3,"page":98},{"title":"المطلب الرابع: التوجيه البياني التفسيري في سورة القصص","level":3,"page":100},{"title":"المطلب الخامس: الصورة البلاغية في سورة القصص","level":3,"page":109},{"title":"المطلب السادس: الحكمة من استخدام الجمل والصيغ والعبارات في سورة القصص","level":3,"page":117},{"title":"المطلب السابع: الرسم القرآني في سورة القصص وعلاقته بأداء المعنى","level":3,"page":133},{"title":"المبحث الثاني: الأطر العامة لسورة القصص","level":2,"page":137},{"title":"المطلب الأول: دلالة التوحيد في سورة القصص","level":3,"page":137},{"title":"المطلب الثاني: المرأة في سورة القصص","level":3,"page":145},{"title":"المطلب الثالث: الزمن في سورة القصص","level":3,"page":149},{"title":"المطلب الرابع: التربية والسلوك في سورة القصص","level":3,"page":155},{"title":"المطلب الخامس: النظرة القرآنية لليهود في سورة القصص","level":3,"page":162},{"title":"المطلب السادس: المال مفهومه وغاياته في سورة القصص","level":3,"page":166},{"title":"المطلب السابع: أسلوب الدعوة في سورة القصص","level":3,"page":172},{"title":"المطلب الثامن: النظرة القرآنية للإنسان في سورة القصص","level":3,"page":179},{"title":"المطلب التاسع: الإيمان والكفر في سورة القصص","level":3,"page":184},{"title":"الفصل الثالث: الطغيان والتكبر في سورة القصص","level":1,"page":196},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الطغيان والتكبر في سورة القصص","level":2,"page":196},{"title":"تمهيد","level":3,"page":196},{"title":"المطلب الأول: علو فرعون في الأرض","level":3,"page":204},{"title":"المطلب الثاني: نصرة المستضعفين","level":3,"page":220},{"title":"المبحث الثاني: الاستعلاء والطغيان بالثروة والمال","level":2,"page":233},{"title":"المطلب الأول: قارون وكنوزه","level":3,"page":233},{"title":"المطلب الثاني: تجبر قارون واستكباره","level":3,"page":245},{"title":"المطلب الثالث: هلاك قارون وماله","level":3,"page":254},{"title":"الفصل الرابع: نشأة سيدنا موسى (﵇) والظروف المحيطة به","level":1,"page":262},{"title":"المبحث الأول: ولادة سيدنا موسى (﵇)","level":2,"page":262},{"title":"المطلب الأول: إلقاء سيدنا موسى (- ﵇ -) في اليم","level":3,"page":262},{"title":"المطلب الثاني: سيدنا موسى في بيت فرعون","level":3,"page":274},{"title":"المطلب الثالث: المعجزة الإلهية في تحريم المراضع على سيدنا موسى (- ﵇ -)","level":3,"page":285},{"title":"المبحث الثاني: سيدنا موسى (- ﵇ -) في مرحلة البلوغ","level":2,"page":299},{"title":"المطلب الأول: سيدنا موسى (- ﵇ -) يهبه الله الحكم والعلم","level":3,"page":299},{"title":"المطلب الثاني: سيدنا موسى (- ﵇ -) يقتل قبطيا خطأ","level":3,"page":307},{"title":"المطلب الثالث: فرعون يريد قتل موسى (- ﵇ -) لقتله القبطي","level":3,"page":330},{"title":"الفصل الخامس: هجرة سيدنا موسى (- ﵇ -) إلى مدين","level":1,"page":337},{"title":"المبحث الأول: سيدنا موسى (- ﵇ -) على ماء مدين","level":2,"page":337},{"title":"المطلب الأول: سيدنا موسى (- ﵇ -) يسقي الماء لبنات شعيب (- ﵇ -)","level":3,"page":337},{"title":"المطلب الثاني: زواج سيدنا موسى (- ﵇ -) من ابنة شعيب (- ﵇ -)","level":3,"page":349},{"title":"المبحث الثاني: المسائل الفقهية المتعلقة بهجرة سيدنا موسى (- ﵇ -) إلى مدين","level":2,"page":359},{"title":"المطلب الأول: المسائل المتعلقة بزواج سيدنا موسى (- ﵇ -) من ابنة شعيب (- ﵇ -)","level":3,"page":359},{"title":"أولا - تعريفه وألفاظه ومسائله","level":4,"page":359},{"title":"ثانيا - ألفاظ عقد النكاح (الإيجاب - القبول)","level":4,"page":361},{"title":"ثالثا - مسائله:","level":4,"page":365},{"title":"المسألة الأولى - الإشهاد على عقد الزواج","level":5,"page":365},{"title":"المسألة الثانية - الولاية في عقد الزواج","level":5,"page":367},{"title":"المسألة الثالثة - تعين الزوجة","level":5,"page":373},{"title":"المسألة الرابعة - المهر","level":5,"page":374},{"title":"المسألة الخامسة - مسألة الدخول قبل النقد","level":5,"page":377},{"title":"المسألة السادسة - اشتراط الولي شيئا من المهر لنفسه","level":5,"page":378},{"title":"المطلب الثاني: الإجارة","level":3,"page":380},{"title":"تعريفها، وأركانها، ودليل مشروعيتها، والمسائل المتعلقة بها","level":4,"page":380},{"title":"المسألة الأولى: ذكر المدة دون ذكر الخدمة","level":4,"page":383},{"title":"المسألة الثانية: الإجارة على رعاية الغنم","level":4,"page":384},{"title":"المسالة الثالثة: اجتماع إجارة ونكاح","level":4,"page":384},{"title":"المسالة الرابعة: شبهات وردها","level":4,"page":385},{"title":"المطلب الأول: سيدنا موسى (- ﵇ -) يرى نارا في جانب الطور","level":3,"page":396},{"title":"الفصل السادس: عودة سيدنا موسى (- ﵇ -) إلى مصر","level":1,"page":396},{"title":"المبحث الأول: بعثة سيدنا موسى (- ﵇ -)","level":2,"page":396},{"title":"المطلب الأول: سيدنا موسى (- ﵇ -) يرى نارا في جانب الطور","level":3,"page":396},{"title":"المطلب الثاني: تكليم الله لسيدنا موسى (- ﵇ -)","level":3,"page":403},{"title":"المطلب الثالث: تأييد الله لسيدنا موسى (- ﵇ -) بنبوة أخيه هارون (- ﵇ -)","level":3,"page":419},{"title":"المطلب الرابع: المقارنة بين سورة النمل وسورة القصص","level":3,"page":426},{"title":"المبحث الثاني: موقف فرعون وقومه من دعوة سيدنا موسى (- ﵇ -)","level":2,"page":433},{"title":"المطلب الأول: اتهام سيدنا موسى بالسحر","level":3,"page":433},{"title":"المطلب الثاني: ادعاء فرعون الألوهية وتكبره وملؤه في الأرض","level":3,"page":439},{"title":"المطلب الثالث: عاقبة فرعون وجنوده","level":3,"page":445},{"title":"المطلب الرابع: الفرق بين الرواية التوراتية وسفر الخروج وبين الرواية القرآنية في سورة القصص لقصة موسى (- ﵇ -)","level":3,"page":449},{"title":"الفصل السابع: الرسول محمد (- ﷺ -) ودعوته في سورة القصص","level":1,"page":461},{"title":"المبحث الأول: الدلائل القرآنية على صدق الرسول محمد (- ﷺ -) في دعوته","level":2,"page":461},{"title":"المطلب الأول: دلالة قصة سيدنا موسى (- ﵇ -) على صدق دعوة الرسول محمد (- ﷺ -)","level":3,"page":461},{"title":"المطلب الثاني: إيمان طوائف من أهل الكتاب بدعوته (- ﷺ -)","level":3,"page":478},{"title":"المطلب الثالث: الهداية البيانية والهداية التوفيقية","level":3,"page":488},{"title":"المبحث الثاني: موقف المشركين من دعوته (- ﷺ -)","level":2,"page":495},{"title":"المطلب الأول: أعذار المشركين والرد عليها","level":3,"page":495},{"title":"المطلب الثاني: مشاهد من يوم القيامة وتوبيخ المشركين على مزاعمهم","level":3,"page":509},{"title":"المطلب الثالث: الله وحده الخالق المتصرف العالم بمكنونات الأنفس","level":3,"page":519},{"title":"المطلب الرابع: دلائل قدرة الله ﷿ في سورة القصص وتأكيد توبيخ المشركين على مزاعمهم","level":3,"page":529},{"title":"المبحث الثالث: التوجيهات الإلهية للرسول محمد (- ﷺ -) من خلال سورة القصص","level":2,"page":541},{"title":"المطلب الأول: وعد الله الرسول بالنصر ورحمة الله على محمد (- ﷺ -) بإرساله بالقرآن","level":3,"page":541},{"title":"المطلب الثاني: عدم جواز مظاهرة الكافرين","level":3,"page":546},{"title":"المطلب الثالث: الدعوة إلى وحدانية الله وعدم الإشراك به شيئا","level":3,"page":552},{"title":"المطلب الرابع: شخصية الرسول محمد (- ﷺ -) من خلال سورة القصص","level":3,"page":559},{"title":"المطلب الخامس: المناسبة بين رسالة الرسول محمد (- ﷺ -) ورسالة سيدنا موسى (- ﵇ -) كما جاءت في سورة القصص","level":3,"page":566},{"title":"الفصل الثامن: دراسة مقارنة بين هيمنة فرعون وأمريكا وسقوط دولتها وانتصار الإسلام من خلال سورة القصص في دلالاتها السياسية الحديثة","level":1,"page":580},{"title":"تمهيد","level":2,"page":580},{"title":"المبحث الأول: دراسة مقارنة بين دولة فرعون ودولة أمريكا","level":2,"page":581},{"title":"المطلب الأول: هيمنة فرعون وأمريكا في الملك والقوة والمال والأعلام وفقا لما جاء في سورة القصص","level":3,"page":581},{"title":"المطلب الثاني: أسباب زوال الطغاة قديما وحديثا في سورة القصص","level":3,"page":586},{"title":"المطلب الثالث: أموال قارون واقتصاد العولمة وتفككه في سورة القصص","level":3,"page":592},{"title":"المطلب الرابع: الاستعداد لمواجهة الطغيان الأميركي من خلال سورة القصص","level":3,"page":597},{"title":"المبحث الثاني: السنن الإلهية في زوال الأمم وسقوط الحضارات في سورة القصص","level":2,"page":600},{"title":"المطلب الأول: الزوال - نهاية أميركا مقارنة بفرعون وهامان وقارون في سورة القصص","level":3,"page":600},{"title":"المطلب الثاني: مصير الكفرة في العصر الحديث مقارنة بسورة القصص","level":3,"page":605},{"title":"المطلب الثالث: مبشرات انتصار الإسلام","level":3,"page":608},{"title":"المطلب الرابع: القواعد الكلية للمجتمعات الإنسانية في سورة القصص","level":3,"page":614}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"2,1":501,"2,2":502,"2,3":503,"2,4":504,"2,5":505,"2,6":506,"2,7":507,"2,8":508,"2,9":509,"2,10":510,"2,11":511,"2,12":512,"2,13":513,"2,14":514,"2,15":515,"2,16":516,"2,17":517,"2,18":518,"2,19":519,"2,20":520,"2,21":521,"2,22":522,"2,23":523,"2,24":524,"2,25":525,"2,26":526,"2,27":527,"2,28":528,"2,29":529,"2,30":530,"2,31":531,"2,32":532,"2,33":533,"2,34":534,"2,35":535,"2,36":536,"2,37":537,"2,38":538,"2,39":539,"2,40":540,"2,41":541,"2,42":542,"2,43":543,"2,44":544,"2,45":545,"2,46":546,"2,47":547,"2,48":548,"2,49":549,"2,50":550,"2,51":551,"2,52":552,"2,53":553,"2,54":554,"2,55":555,"2,56":556,"2,57":557,"2,58":558,"2,59":559,"2,60":560,"2,61":561,"2,62":562,"2,63":563,"2,64":564,"2,65":565,"2,66":566,"2,67":567,"2,68":568,"2,69":569,"2,70":570,"2,71":571,"2,72":572,"2,73":573,"2,74":574,"2,75":575,"2,76":576,"2,77":577,"2,78":578,"2,79":579,"2,80":580,"2,81":581,"2,82":582,"2,83":583,"2,84":584,"2,85":585,"2,86":586,"2,87":587,"2,88":588,"2,89":589,"2,90":590,"2,91":591,"2,92":592,"2,93":593,"2,94":594,"2,95":595,"2,96":596,"2,97":597,"2,98":598,"2,99":599,"2,100":600,"2,101":601,"2,102":602,"2,103":603,"2,104":604,"2,105":605,"2,106":606,"2,107":607,"2,108":608,"2,109":609,"2,110":610,"2,111":611,"2,112":612,"2,113":613,"2,114":614,"2,115":615,"2,116":616,"2,117":617,"2,118":618,"2,119":619,"2,120":620,"2,121":621,"2,122":622,"2,123":623,"2,124":624},"ٜ":{"1":[1,500],"2":[1,124]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2,3,4],"7":[5],"10":[6],"11":[7],"13":[8],"15":[9],"19":[10],"23":[11],"29":[12,13],"37":[14],"38":[15,16],"39":[17],"44":[18],"47":[19],"48":[20],"53":[21,22,23],"61":[24],"98":[25],"100":[26],"109":[27],"117":[28],"133":[29],"137":[30,31],"145":[32],"149":[33],"155":[34],"162":[35],"166":[36],"172":[37],"179":[38],"184":[39],"196":[40,41,42],"204":[43],"220":[44],"233":[45,46],"245":[47],"254":[48],"262":[49,50,51],"274":[52],"285":[53],"299":[54,55],"307":[56],"330":[57],"337":[58,59,60],"349":[61],"359":[62,63,64],"361":[65],"365":[66,67],"367":[68],"373":[69],"374":[70],"377":[71],"378":[72],"380":[73,74],"383":[75],"384":[76,77],"385":[78],"396":[79,80,81,82],"403":[83],"419":[84],"426":[85],"433":[86,87],"439":[88],"445":[89],"449":[90],"461":[91,92,93],"478":[94],"488":[95],"495":[96,97],"509":[98],"519":[99],"529":[100],"541":[101,102],"546":[103],"552":[104],"559":[105],"566":[106],"580":[107,108],"581":[109,110],"586":[111],"592":[112],"597":[113],"600":[114,115],"605":[116],"608":[117],"614":[118]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سورة القصص.. دراسة تحليلة\nتأليف\nالدكتور محمد مطني\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله والشكر له وهو الشكور الحميد، منزل الَقُرْآن هدى ورحمة، ﴿مِنْهُ ءايَاتٌ مُحْكَمَتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَبِ﴾ «١» .\nوالصلاة والسلام والبركات على سيدنا ورسولنا ونبينا وحبيبنا أبي القاسم مُحَمَّد بن عَبْد الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وتابعيه ووارثيه، القائل: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» «٢» .\nفصَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ وَسَلَّمَ عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.\nأما بعد:\nفقصتي مع هذه الأطروحة غريبة كلّ الغرابة، فقد كان من المقدر - والله المقدر - أن يكون كاتب هذه الأطروحة شخصًا سواي وبمنهج غير هذا المنهج وبطريقة غير هذه الطريقة.\nفشاءت مشيئة الله أن يتوفى هذا الشخص ﵀ بالحرق قبل الشروع بها فعزمت على تحقيق رغبته بدراسة هذا الموضوع وباقتراح من الأستاذ الدكتور مُحَمَّد صالح عطية الذي أراد أن أحقق رغبة أخي الشيخ جاسم مُحَمَّد سلطان ﵀ الذي وافاه الأجل قبل أن يحقق ما أراد.\n_________\n(١) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٧.\n(٢) صحيح البُخاري. مُحَمَّد بن إسماعيل أبو عَبْد الله البخاري الجعفي. (١٩٤ - ٢٥٦) . تحقيق: د. مصطفى ديب البغا. دار ابن كثير، اليمامة. بيروت. ط٣. ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧ م: ٤ /١٩١٩ رقم (٤٧٣٩) . من حديث عثمان ﵁.","vol":"1","page":1},{"text":"فاقترح علي المشرف الأستاذ الدكتور مُحَمَّد صالح عطية أن تقسم السّورة على مقاطع موضوعية يحلل كلّ منها على حدة، وقد وجهت باختيار منهجية علمية أكاديمية في تحليل كلّ مقطع وفق النظام الآتي:\nتحليل الألفاظ على وفق المصطلح المعجمي.\nإبراز المناسبة بين الآيات في المقطع وما قبلها وما بعدها.\nتخريج القراءات الَقُرْآنيّة ومواردها في كلّ مقطع.\nذكر القضايا البلاغية.\nالمعنى العام للمقطع.\nما يستفاد من المقطع.\nوقد سرت على طريقتين في كتابتي هذه الأطروحة:\nالطريقة الأولى:\nالاعتماد على المصادر والمراجع في استعراض الآراء في تفسير وتأويل المقطع دون إبداء رأي شخصي في التأويل والتحليل، لأن مورد النصّ لا يحتمل في بعض الأحيان الزيادة على آراء السابقين ﵏ ولو بكلمة، لتكاملها، فكان عملي الوحيد فيها هو العرض مع الترجيح بين هذه الآراء.\nالطريقة الثانية:\nأن أبرز الرأي في تأويل بعض المواضع والمواضيع التي تحتمل إبداء الرأي ولا سيما في المواضيع الصورية - البيانية - الأسلوبية غير المقطعية، وكان في ذلك مجال واسع لإبراز الرأي الجديد مع ربطه بما ذهب إليه القدماء.\nوقد استشرفت في بحثي الأطر الخاصة والعامة، والذي تمثل في مواضع مثلتها جملة من المفاهيم نحو (التربية والسلوك، والزمن، والتوحيد، والشخصية والهوية، والإيمان والكفر) .\nولقد حاولت هنا أن أدرس ارتباط الماضي بالحاضر في القراءة التأويلية لسُوْرَة الْقَصَصِ بمقارنة فرعون ودولته بالولايات المتحدة الأمريكية على ما يراه القارئ في الفصل الثامن من هذه الأطروحة.","vol":"1","page":2},{"text":"إن هذا العمل في حد ذاته كان عملًا مبتكرًا في بابه، ذلك أن إبداء الرأي - بصورة غير منهجية - في بعض مواضع الَقُرْآن الكَرِيم من الأمور المنهي عنها في الحديث الشريف، ولكني قمت بذلك تبعًا لمنهج أهل السنة والجماعة، وهكذا فلم أتعرض لتأويل آيات الصفات في سُوْرَة الْقَصَصِ، ولكني أولت آيات تتعلق بهذا العصر في مواضعها لمسيس الحاجة إليها، لإيقاظ عقول الشباب وقلوبهم من الغفلة والوهن إلى الاندفاع والعزيمة في مبشرات سُوْرَة الْقَصَصِ، تبعًا للقراءة الجهادية لسُوْرَة الْقَصَصِ.\nوقد كانت لي استفادة في قراءتي التحليلية لسُوْرَة الْقَصَصِ من جمهرة كبيرة من المصادر والمراجع القديمة والحديثة بطبعاتها القديمة والحديثة - مع صعوبة الحصول عليها في ظل الظروف الحالية - وقد كان لي من شبكة المعلومات العالمية (الانترنيت) معينًا في الحصول على بعض التوجيهات المعلوماتية وبعض الآراء الحديثة.\nإن البحث في الدراسة التحليلية لكل سورة على حدة أمر مهم، لأن هذا التحليل يظهر وجوه الإعجاز الَقُرْآني في كال نواحيه المتطورة. وكان هذا الأمر من بين الأسباب التي دفعتني لاختيار سُوْرَة الْقَصَصِ لما تحمله من مبشرات بزوال دول الكفر والطغيان، وذلك بما بشر به رَسُول الله (- ﷺ -) قبل الهجرة المباركة من أن النصر آت، وربطها بين حال رَسُول الله (- ﷺ -) وبين حال موسى (- ﵇ -)، وبين قوة قريش ومالها ونفوذها، وبين قوة فرعون وهامان وقارون ومالهم ونفوذهم، وما آلت إليه قوى هؤلاء جميعًا إلى الزوال والهلاك.\nوكان من منهجي في البحث فضلًا عما أبرزته فيما سبق هو ربط الماضي بالحاضر، وهو ما جاء متماشيًا مع الخطوط العامة للسورة، ويعقبها التحليل الذي شمل المباحث والمطالب.","vol":"1","page":3},{"text":"وأدى هذا إلى جعل مهمة الباحث تنتقل بين نقل تفسيرات الأقدمين وتأويلاتهم وإبراز الفهم الحديث للتفسير والتأويل حسب ما يقدح في ذهن الباحث في أثناء الدراسة الموضوعية دون الخروج عن مذاهب القدماء في ابتعادهم عن التفسير بالرأي.\nوقد كانت أهم المصادر والمراجع التي اعتمدتها، جمهرة من كتب التفاسير والمعجمات والتأويلات الجزئية لبعض آيات سُوْرَة الْقَصَصِ، وكتب القراءات والبلاغة والإعراب، والكتب التي تحدث عن انتصار الإسلام، والكتب التي تقارن فرعون ذلك العصر بفرعون هذا العصر، الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى ما يراه القارئ في فهرست المصادر والمراجع الملحق بآخر الرسالة.\nوقد قمت بتحليل بعض المواضع التي يستنبط منها أحكام الفقه، والتي سبقني إليها القدماء، مع أن سُوْرَة الْقَصَصِ لا تتضمن الأحكام الفقهية المباشرة، بل ما استنبطه منها الفقهاء والأصوليون من أحكام من قصة زواج موسى (- ﵇ -) .\nإن أهمية الكتابة في سُوْرَة الْقَصَصِ تبرز في خمسة محاور:\nتحليل آراء القدماء في السّورة نفسها.\nإظهار بعض أوجه الإعجاز الَقُرْآني التي لا تحصى عددًا.\nإبراز النصر الإلهي الممتد من زمن موسى ومُحَمَّد - عَلَيْهما الصَلاة والسَّلام - إلى قيام الساعة.\nبيان أن الحاكمية لله جَلَّ جَلاُله.\nفهم الماضي وصولًا لفهم الحاضر والمستقبل. وسُوْرَة الْقَصَصِ حافلة بالحقائق التاريخية، وتتوافق أحداثها مع ما أثبته العلم الحديث.\nوقد سارت الأطروحة في أصلها تبعًا لمنهجية حسبت أنها الأفضل في التحليل العام لسُوْرَة الْقَصَصِ، فكانت خطتي في الأطروحة هي:\nالفصل الأول التمهيدي وضمنته ستة مباحث.\nأما الفصل الثاني فقد أسميته وقفات بين يدي السّورة، وقسمته على مبحثين.\nوقد خصصت الفصل الثالث لدراسة الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ، وقد قسمت هذا الفصل على مبحثين أيضًا.","vol":"1","page":4},{"text":"وفي الفصل الرابع. ناقشت نشأة سيدنا موسى (- ﵇ -) والظروف المحيطة به. واقتضت مستلزمات البحث أن أقسم هذا الفصل على مبحثين.\nوخصصت الفصل الخامس لمناقشة موضوع هجرة سيدنا موسى (- ﵇ -) إلى مدين. وكان هذا الفصل من مبحثين.\nوفي الفصل السادس تناولت عودة سيدنا موسى (- ﵇ -) إلى مصر واشتمل على مبحثين.\nوقد تناولت في الفصل السابع، الرسول مُحَمَّد (- ﷺ -) ودعوته في سُوْرَة الْقَصَصِ، وقد قسمته على ثلاثة مباحث.\nوقد قارنت في الفصل الثامن بين هيمنة فرعون وأمريكا وسقوط وانتصار الإسلام من خلال سُوْرَة الْقَصَصِ في دلالاتها السياسية الحديثة. وقد توزع هذا الفصل على تمهيد ومبحثين.\nوختمت هذا كله بخاتمة أوجزت فيها ما استطعت التوصل إليه من نتائج.\nلقد أدى المنهج الجديد الذي اعتمدت عليه في بحثي إلى صعوبات وصعوبات قد لا يتسع المجال لذكرها، غير أن أبرزها هو ما واجهني في مواضع لم أجد القدماء قد بحثوا فيها بما يلائم منهج البحث، ولا سيما ما يوافق حال المجتمعات الإسلامية اليوم.\nوأيًا ما كان فهذا هو جهدي الذي بذلت ما وسعني الجهد والاجتهاد والبحث والدرس، فإن أصبت فبفضل الله جَلَّ جَلاَله هو أهل الفضل، وإن كان غير ذلك فمني، ولا أملك هنا إلا أن أقول: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ «١» .\nوصلى الله على سيدنا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين\n\nالباحث\n_________\n(١) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٨٦.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول: التمهيدي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: دراسة عامة عن السّورة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المطلب الأول: اسمها</span>\n\" ثبت أن جميع أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار \" «١» . والمعروف أن تسمية السور القرآنية على ما يبدو من أسمائها، كتسمية السورة بكلمة أو باشتقاق كلمة واردة فيها، وأن اختلاف المصاحف في تسمية بعض السور ناشئ عن تعدد الروايات الواردة في ذلك «٢» .\n\" ومن عادة العرب قديمًا أن تراعي في كثير من المسميات أخذ أسمائها من شيء نادر أو مستغرب، يكون في الشيء من خلق أو صفة تخصه، ويسمون القصيدة بأشهر ما ورد فيها، وعلى ذلك جرت أسماء سور القرآن، لأن الَقُرْآن الكَرِيم جاء على سنن العرب في كلامها وخطابها «٣» .\nوسورة القصص سميت بذلك لاشتمالها على كلمة (القصص) في قوله تعالى: ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ «٤»، أي: وقص موسى على شعيب «٥» .\nوهي السّورة الوحيدة التي انفردت بذكر موسى (- ﵇ -) وسبب هجرته من مصر إلى مدين، وهو المذكور بعد تفصيله بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ «٦» .\n_________\n(١) الإتقان في عُلُوْم القُرْآن. السيوطي. ت ٩١١ هـ. الطبعة الثالثة. شركة مَكْتَبَة مصطفى البابي الحلبي وأولاده. مصر. ١٩٥١ م: ١/٥٢.\n(٢) ينظر المصاحف. أبو بكر عَبْد الله بن أَبِي داود السجستاني. ت ٣١٦ هـ. نشره: د. آرثر جفري. مطبعة الرحمانية. مصر. ١٩٣٦ م: ص ١٨٢ - ١٨٣.\n(٣) الإتقان: ١/ ٥٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٥) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز. مجد اليدن مُحَمَّد بن يعقوب الفيروزآبادي المتوفى سنة ٨١٧ هـ. تحقيق: مُحَمَّد علي النجار. مطابع شركة الإعلانات الشرقية. القاهرة. ١٣٨٣هـ - ١٩٦٣ م: ١/٣٥٣.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.","vol":"1","page":6},{"text":"فهي قصص موسى ﵇ وهو في مصر مع المصريين، وليس قصصه مع فرعون وقومه، ولعل هذا القصص الخاص هنا هو الوجه في تسمية السّورة باسم (القصص) «١» .\nوقيل: \" سميت بدلالة قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين﴾ «٢» الدال على نجاة من هرب من مكان الأعداء إلى مكان الأنبياء، اعتبارًا بقصصهم الدالة على نجاة الهاربين، وهلاك الباقين بمكان الأعداء، من الهلاك \" «٣» .\nوتسمى أيضًا سورة (طسم) على ما ورد في بعض الروايات «٤» وتسمى أيضًا سورة موسى «٥»، وهو رأي شاذ.\nوأسماء السور توقيفية على ما ورد في صَحِيْح البُخَارِي «٦»، وبذلك تكون هذه السورة إنما سميت بدلالة لفظة عامة فيها خصصتها بالتسمية، وهو الصواب من الأقوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المطلب الثاني: التعريف اللغوي والاصطلاحي للقصص</span>\n_________\n(١) إلى الَقُرْآن الكَرِيم. محمود شلتوت. دار الهلال. (د. ت): ص١١١.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٢.\n(٣) محاسن التَّأؤيِل. المُسَمَّى (تَفْسِير القَاسِمي) . تَأَلِيْف مُحَمَّد جَمَال الدِّيْن القَاسِمي. ت ١٩١٤م. تصحيح وتعليق: مُحَمَّد فُؤَاد عَبْد البَاقِي. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه. ١٩٩٥ م: ١٣/٤٦٩٥.\n(٤) مرويات الإمام أحمد بن حنبل في التفسير. جمع وتخريج أحمد أحمد البزرا، ومُحَمَّد بن برزق بن الطرهوني، وحكمت بشير ياسين. الطبعة الأولى. مكتبة المؤيد. السعودية. ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.: ٣ /٣٢٩.\n(٥) الفتوحات الإلهية بتوضيح تَفْسِير الجلالين للدقائق الخفية. للعَلاَّمَة الشيخ سليمان بن عمر العجيلي الشافعي المشهور بالجمل. المتوفى سنة ١٢٠٤ هـ. مطبعة الاستقامة. القاهرة. (د. ت): ٣ /٣٣٣.\n(٦) ٤/ ١٧٨٨ كتاب التفسير. باب تفسير سورة القصص.","vol":"1","page":7},{"text":"القصة لغة: \" من القص، فعل القاصِ إذا قصَّ القِصَصَ، والقصة معروفة ويقال: في رأسه قصة، يعني الجملة من الكلام، مثل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَص﴾ «١»، أي: بينت لك أحسن التبيان ... ويقال:\nقصصت الشيء، إذا تتبعت أثره شيئًا بعد شيء ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ «٢»، أي: اتبعي أثره، وقد يأتي القصُّ والقصصُ والقصَصُ الصدر من كل شيء، وقيل: هو وسطه \" «٣» .\nوالقصة الخبر، وهو القَصص، وقصَّ عليَّ خبره يقُصه قصًا وقصصًا، والقصص الخبر المقصوص، وضِع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، والقِصص بكسر القاف جمع القصة التي تكتب، وتقصص الخبر تتبعه، والقِصة الأمر والحديث، واقتصصت الحديث رويته على وجه، كأنه يتتبع معانيها وألفاظها، ويقال: خرج فلان قصصًا في أثر فلان وقصًا، وذلك إذا اقتصَّ أثره «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١١.\n(٣) أساس البلاغة. جار الله محمود بن عمر الزَّمَخْشِرِي أبو القَاسِم. ت ٥٣٨ هـ. تحقيق: عَبْد الرحيم محمود. مطبعة أورفاند بالقاهرة. ط١. ١٩٥٣ م: ص ٧٧٠ – ٧٧١. لسان العرب. جَمَال الدِّيْن مُحَمَّد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري أبو الفضل. ت ٧١١ هـ. الطبعة الأولى. دار صادر. بيروت. لبنان. ١٩٦٨ م: مَادة (قصص) ٧ /٧٣ –٧٥.\n(٤) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (قصص) ٧/٧٤.","vol":"1","page":8},{"text":"وقيل: إنه المصدر، وقيل: إنه مفعول به، وعلى القول الأول يكون المعنى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَص﴾ «١»، أي: نحن نقصُّ عليك أحسن الاقتصاص كما يقال: نحن نكلمك أحسن التكليم ونبين لك أحسن البيان. وعلى القول الثاني يكون المعنى، نحن نقصُّ عليك أحسن ما يقصُّ، أي: أحسن الأخبار المقصوصات، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ «٢»، ويدل على هذا وأنه هو المراد قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ «٣» .\nأي: المراد خبرهم، ونبأهم وحديثهم، وليس المراد مجرد المصدر فالقولان متلازمان في المعنى، ولهذا يجوز أن تكون كلمة (القصص) قد جمعت بين معنى المصدر ومعنى المفعول به، لأن فيه كلا المعنيين، بخلاف المواضع التي يباين فيها الفعل المفعول به، فإنه إذا انتصب بهذا المعنى وامتنع المعنى\nالآخر «٤» .\nوالذي يبدو أن دلالة (قص) بمعنى القطع هي الدالة على اقتطاع القصة من الكلام.\n_________\n(١) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ٣.\n(٢) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ١٢٢.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٤) ينظر الكشاف عَنْ حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التَّأؤيِل. أبو القَاسِم جار الله محمود بن عمر الزمخشري. ت ٥٣٨ هـ. ط٢. دار الكِتَاب العربي. بيروت. لبنان. (د. ت.): ٢ /٣٠٠. مجموع فتاوى أحمد بن تيميه. ت ٧٢٨ هـ. جمع وترتيب: عَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن قَاسِم العاصمي النَّجْدِي الحَنْبَلِي وساعده ابنه مُحَمَّد. مطبعة الحكومة بمَكّة المُكَّرمة ١٣٨٦ هـ: ١٧ /٢٢.","vol":"1","page":9},{"text":"وللقصة تعاريف كثيرة لدى العلماء، ومنها ما ذكره الرازي بأنها:\n\" مجموع الكلام المشتمل على ما يهدى إلى الدين ويرشد إلى الحق ويأمر بطلب النجاة \" «١» .\nفالقرآن الكريم أطلق لفظ القصص على ما حدث من أخبار القرون الأولى في مجالات الرسالات السماوية، وما كان يقع في محيطها من صراع بين قوى الحق والضلال وبين مواكب النور وجحافل الظلام «٢» .\nوقيل: \" هي كشف عن آثار وتنقيب عن أحداث نسيها الناس أو غفلوا\nعنها، وغاية ما يراد لهذا الكشف هو إعادة عرضها من جديد لتذكير الناس بها، ليكون لهم منها عبرة وموعظة \" «٣» .\nوالذي يبدو أن التعريف الاصطلاحي للقصص يعني أحاديث الأخبار الماضية، أو غير المرتبطة بزمن محدد. ولكنها في الَقُرْآن الكَرِيم دالة على التاريخ الماضي حصرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الثالث ترتيب سورة القصص في المصحف </span>وعدد آياتها وكلماتها وحروفها\nقيل: \" إن الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك \" «٤» .\nأما ترتيب السور أهو توقيفي أم باجتهاد الصحابة؟ ففيه أقوال:\n_________\n(١) مفاتيح الغيب المعروف بالتفسير الكبير. وبتفسير الرَّازِي. فَخْر الدِّيْن مُحَمَّد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الشافعي الرَّازِي أبو عَبْد الله. ت ٦٠٦ هـ. المطبعة البهية المصرية بميدان الأزهر. مصر. ط٣. (د. ت.): ٨/ ٨٣ -٨٤.\n(٢) ينظر القصص الَقُرْآني في منظومه ومفهومه. عبد الكريم الخطيب. بيروت، لبنان. (د. ت) .: ص٤٠.\n(٣) المصدر نفسه: ص ٤٨.\n(٤) الإتقان في علوم القرآن: ١/٦٠.","vol":"1","page":10},{"text":"فجمهور العلماء أنه حصل ترتيب سوره باجتهاد من الصحابة الكرام، منهم الإمام مالك، واستدل أصحاب هذا الرأي باختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي (- ﵁ -) حيث كان أوله: أقرأ، ثُمَّ المدثر ... ثُمَّ النساء، ثُمَّ البقرة ثُمَّ آل عمران. ومنهم من رتبها ترتيبًا أخرًا كمصحفي أبيّ بن كعب، وعَبْد الله بن مسعود.\nوهناك من قال إن ترتيب السور في القرآن توقيفي كترتيب الآيات «١» .\nإن ترتيب سورة القصص بين سور القرآن هو أنها السورة الثمانة والعشرون، وعدد آياتها ثمانية وثمانون آية، ولا يماثلها في عدد آياتها إلا سورة\n(ص)، وعدد حروفها خمسة آلاف وثمانمائة حرف «٢»، وعدد كلماتها ألف وأربعمائة وكلمة واحد «٣» .\nوقد ذكر ابن الجوزي أعدادًا أخرى مقاربة لا تخرج عما أوردناه هاهنا «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الرابع فضلها</span>\n_________\n(١) الإتقان في علوم القرآن: ١/٦١-٦٢.\n(٢) ينظر لباب التَّأويِل في معاني التنزيل (المُسَمَّى: تَفْسِير الخازن) . علاء الدِّيْن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن إبراهيم البغدادي الصوفي المعروف بالخازن. ت ٧٢٥ هـ. الطبعة الثانية. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. ١٩٥٥ م: ٣/٤٢٣.\n(٣) بصائر ذوي التمييز: ١/٣٥٣.\n(٤) فنون الأفنان في عجائب عُلُوْم القُرْآن. أبو الفرج عَبْد الرَّحْمَن بن عَلِيّ بن الجوزي. ت ٥٩٧ هـ. تحقيق: د. رشيد عَبْد الرَّحْمَن العبيدي. مطبعة المَجْمَع العلمي العراقي. ١٩٨٨م: ص١١٧-١١٨.","vol":"1","page":11},{"text":"ذكر الطبرسي في مجمع البيان رواية عن أبي بن كعب (- ﵁ -) عن النبي (- ﷺ -) قال: «من قرأ طسم القصص أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بموسى وكذّب به، ولم يبق ملك في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة، أنه كان صادقًا أن كل شيء هالك إلا وجهه» «١» والحديث الآخر: «يا علي من قرأ طسم القصص أعطاه الله مثل ثواب يعقوب وله بكل آية مدينة عند الله» «٢»، ومعظم الأحاديث في فضل سورة القصص من الموضوعات كما صرح بذلك الإمام عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه «٣» .\n_________\n(١) مَجْمَع البَيَان في تَفْسِير القُرْآن المعروف بتفسير الطَّبَرْسِي. الفَضْل بن الحَسَن بن الفضل الطَّبَرْسِي الطُّوْسي السَّبْزَواري أبو عَلِيّ. ت ٥٤٨ هـ. تصحيح وتعليق: هاشم الرسولي وفضل الله الطباطبائي اليَزْدِي. شركة المعارف الإسلامية. إِيْرَان. ط١. ١٣٧٩ هـ: ٧/٣٣٨، بصائر ذوي التمييز: ١/٣٥٨.\nوالحديث لم أقف عليه في كتب الأحاديث. وقد أورده الطرابلسي ت ١١٧٧ هـ، في الكشف الإلهي عن شديد الضعف والموضوع. تحقيق د. مُحَمَّد محمود أحمد بكاء. الطبعة الأولى. مكتبة الطالب الجامعي. الريان. مكة المكرمة. ١٤٠٨ هـ: ١ /٩٨٦.\n(٢) ينظر الكشاف، ٣/١٩٤. والحديث لم أقف عليه في كتب الأحاديث، وقد ضعفه الحافظ ابن حجر في تخريجه لأحاديث الكشاف.\n(٣) الموضوعات. أبو الفرج عَبْد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن عثمان بن عَلِيّ بن الجوزي القرشي. ت ٥١٠ هـ. تحقيق: عَبْد الرَّحْمَن مُحَمَّد عثمان. الطبعة الأولى. المكتبة السلفية. المدينة المنورة. ١٩٦٦ م: ٢/٢٣٢-٢٣٤.","vol":"1","page":12},{"text":"والذي يبدو أن لكل سورة في الَقُرْآن الكَرِيم فضل خاص بها، وإن كانت جميع سور الَقُرْآن الكَرِيم لها فضيلة، ولكن وردت أحاديث في فضائل سور وآيات مخصوصات كالإخلاص، والكرسي، ولم أقف على حديث صحيح في فضل سُوْرَة الْقَصَصِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المطلب الخامس: سورة القصص أمكية هي أم مدنية</span>؟\nسُوْرَة الْقَصَصِ مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء، وقال مقاتل: فيها من المدني قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِين﴾ «١»، وذكر السيوطي أنها نزلت هي وأواخر الحديد في أصحاب النجاشي «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: من الآيات ٥٢ - ٥٥.\nومقاتل ممن لا يحتج بقوله في التفسير، فقد كذبوه وهجروه ورموه بالتجسيم.\nينظر: تقريب التهذيب. أبو الفضل أَحْمَد بِن عَلِيّ بِن حَجَر العَسْقلاني الشافعي. (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) . تحقيق: مُحَمَّد عوامة. الطبعة الأولى. دار الرشيد. دمشق. سوريا. ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م: ص ٤٥٤.\n(٢) ينظر الإِتقَان فِي علُوم القُرْآن: ١ / ١٦.","vol":"1","page":13},{"text":"وقال ابن عباس ﵄ وقتادة: مكية إلا آية نزلت بين مكة والمدينة «١»، وقال ابن سلام: نزلت بالجحفة «٢» في وقت هجرة النبي (- ﷺ -) إلى المدينة، وهي قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد﴾ «٣» .\n_________\n(١) ينظر الكَشَّاف: ٣/ ١٦٤. زاد المسير في علم التفسير. جَمَال الدِّيْن عَبْد الرَّحْمَن بن عَلِيّ بن مُحَمَّد التَّيْمِي البِكْري القُرَشي البَغْدادي الحَنْبَلِي. المعروف بابن الجَوْزِي أبو الفَرَج. ت ٥٩٧ هـ. المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. بيروت. ط٣. ١٤٠٤ هـ - ١٩٩٠ م: ٦/٢٠٠. مَفَاتِيح الغَيْب: ٢٣/ ٢٢٤. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن (المعروف بتفسير القرطبي) أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أحمد القرطبي. ت ٦٧١ هـ. الطبعة الثالثة. تحقيق: أحمد عَبْد العليم البردوني. مركز تحقيق التراث. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ١٩٧٨ م: ٦/ ٤٩٦٢. البَحْر المُحِيْط. أثِيْر الدِّيْن مُحَمَّد بن يوسُف بن عَلِيّ بن يوسُف بن حَيَّان الأَْندَلُسيِ أبو عَبْد الله. الشهير بابن حَيَّان وبأَبي حَيَّان. ت ٧٥٤ هـ. مطبعة السعادة. مصر. ١٣٢٩ هـ: ٧ /١٠٤.\n(٢) الجحفة: موضع بين مكة والمدينة. معجم البلدان شهاب الدِّيْن ياقوت بن عَبْد الله الحموي الرومي البغدادي أبو عَبْد الله. ت ٦٢٦ هـ. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. (د. ت): ٣ /١١٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.","vol":"1","page":14},{"text":"إن سياق النص في سورة القصص الشريفة يدل على مكيتها وكونها ذات صبغة مكية من خلال الضوابط التي وضعها العلماء للتميز بين المكي والمدني، ولما اشتملت عليه من ذكر القصص بإسهاب، ومن الدلائل على توحيد الله عزل وجل بأسلوب الجملة الطويلة، وخلوها من الجملة القصيرة. وتكرار ذكر الله ﷿، واليوم الآخر فيها، وذلك من ضوابط السور المكية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المطلب السادس: الأغراض العامة لسورة القصص ومقاصدها</span>\nقبل التحدث عن غرض السورة، ينبغي أن نبين الظروف التي نزلت فيها، لأن معرفتنا لذلك تفتح لنا الباب الواسع أمام معرفة أغراض السورة وأهدافها التي من أجلها أنزلت.\nكما هو معلوم أن السورة مكية نزلت والمسلمون في مكة قلة مستضعفة، وقد لاقى رسول الله (- ﷺ -) وأصحابه (- ﵃ -) ألوانًا من العذاب، فقد مات تحت العذاب من مات، وسلم من سلم، في حين نجد تجمع المال والقوة العددية في يد المشركين، والمسلمون لا يملكون سوى قلوبًا عامرة بالإيمان، يصارعون بها كل جبروت قريش «١»، فنرى تشابهًا واضحًا بين الظروف التي أحاطت بالمسلمين، مع الظروف التي مر بها سيدنا موسى (- ﵇ -) مع قومه، حيث تسلط جبروت فرعون والأقباط على سيدنا موسى (- ﵇ -) - وبني اسرائيل يذبح أبنائهم ويستحيي نسائهم، فجاءت هذه السورة بأغراض مهمة، يمكن أن نعد منها:\n_________\n(١) ينظر السيرة النبوية: عَبْد الملك بن هشام بن أيوب الحِمْيَري المَعَافِري البَصْري أبو مُحَمَّد ت ٢١٣ هـ تقديم وتعليق: طه عَبْد الرَّؤُوْف سَعَد. دار الجيل. بيروت. ١٤١١ هـ: ٢ /٢٥٤.","vol":"1","page":15},{"text":"أولًا: تسلية الرسول (- ﷺ -) وأصحابه الكرام وشد أزرهم، ليعلموا أن النصر حليفهم مهما طالت ساعة إعلانه وكذلك لتبين لهم حقيقة مهمة وهي ان كل اصحاب الرسالات السماوية السابقة لم يكن طريق الدعوة الى الله أمامهم معبدًا ممهدًا، بل جاهدوا وقاتلوا وقَتلوا وعُذبوا حتىأتى نصرالله، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيْبٌ﴾ «١» .\nوربما يسأل سائل: لماذا هذا العذاب الذي يلقاه الأنبياء وأتباعهم؟ والجواب عن ذلك أن الأنسان بطبيعته مكلف بالعبادة لله، فهو مقرون بهذه التكلفة فلا عبودية بدون تكليف، والتكليف يستلزم تحمل المشاق ففي كلّ الدعوات إلى الله هناك تكليف وهناك تحمل مشاق لحكم ثلاث، هي:\n١- لاثبات صفة العبودية لله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ «٢» .؟\n٢- لإثبات صفة التكليف المتفرعة من صفة العبودية فما من مؤمن يبلغ سن الرشد إلا وهو مكلف من الله ﷿ بتحقيق شرعه وعليه أن يتحمل في سبيل ذلك كثيرًا من المشاق والأذى «٣»\n٣- لإظهار صدق الصادقين وكذب الكاذبين ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ﴾ «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢١٤.\n(٢) سُوْرَة الذَّارِيَاتِ: الآية ٥٦.\n(٣) ينظر فقه السيرة. مُحَمَّد سعيد رمضان البوطي. ط٧. مَكْتَبَة الشرق الجديد. بغداد (د. ت): ص٨٥-٨٦.\n(٤) سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية ٣.","vol":"1","page":16},{"text":"ثانيا - نزلت هذه السورة لتضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم، ولتبين أن هناك قوة واحدة مؤثرة في الكون ألا وهي قوة الله وحده وأن هناك قيمة واحدة في الكون هي قيمة الإيمان. وجاءت السورة لتقرر حقيقة مهمة ثابتة على مرّ العصور أن النصر لا يأتي بالضرورة مع الكثرة والقوة وأن النصر يأتي بأمر الله وحده فهو الناصر الذي ينصر عباده، فمن كانت معه قوة الله فلا خوف عليه ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع قوى الكون «١» . ومن كتب الله عليه العذاب لا تنفعه كل استحكامات العالم. ففرعون لما أخبره الكهنة بان قتله سيكون على يد طفل من بني إسرائيل «٢»، أستخدم نفوذه وجبروته وسلطانه في قتل الأطفال من بني إسرائيل ووضع الأعين من نساء مصر لكي يخبرنه عن أي مولود لم يصل إليه خبره ولكن يقظته وحذره وسلطانه وعيونه لم تمكنه من إزالة الخطر عن نفسه ولم تدفع عنه خطر الطفل الصغير المجرد من كل قوة إلا من قوة الله ﷿ فهي القوة الحقيقية في الكون فكان هذا الطفل الذي تربى في حجر فرعون سببًا في إنهاء جبروت فرعون وسلطانه.\n_________\n(١) ينظر في ظلال الَقُرْآن. سيد قطب. الطبعة الثانية. دار إحياء التراث العربي. بيروت. ١٩٧١ م: ٦ /٣١٧.\n(٢) تفسير القرآن العظيم. الإِمَام الحَافِظ عماد الدِّيْن أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي. ت ٧٧٤ هـ. ط١. دار مَكْتَبَة الهلال. بيروت. لبنان. ١٩٨٦ م: ٢ /٢٢٥.","vol":"1","page":17},{"text":"ثالثًا - بعد أن بين الله جل وعلا نهاية طغيان الملك والقوة أمام قوة الله تنتقل الآيات لتبين حقيقة أخرى وغرض آخر وهو نهاية طغيان الكفر، ثُمَّ نهاية طغيان المال وذلك من خلال قصة قارون مع قومه وكان قارون من قوم موسى قال تعالى: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِم﴾ «١» فخرج على قومه بهيئة المتبختر وهو يحسب انه أوتي هذا المال والعلم عن ذكاء ودهاء فانقسم قومه على فريقين فريق فتن فيه وتمنوا مكانه:\n... ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَرُون﴾ «٢» .\n... وفريق آخر هم عباد الله الصالحين لم يهتزوا بهذه المظاهر الزائفة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ «٣» .\n... وهنا تتدخل قوة الله فتخسف به وبداره الارض فلا يغني عنه ماله وعلمه من الله شيئًا. وقصة قارون مرتبطة كلّ الارتباط بنهاية فرعون وطغيانه، فالقصتان تعبران عن استمرار الانذار الإلهي.\nرابعًا - كذلك تعزز السورةغرضًا آخرًا، وهو التاكيد على أن الدنيا زائفة فانية، وأن الدار الباقية هي دار القرار (الجنة) جعلها الله للذين لا يريدون علوًا في الارض ولا فسادًا، وأن العاقبة للمتقين.\nخامسًا - في ختام السورة هناك وعدٌُ وبشارة للرسول (- ﷺ -) وصحبه الكرام بنصر الله والرجوع الى مكة فاتحًا منتصرًا لنشر دعوة الاسلام الى أرجاء المعمورة وإمتلاك زمام الامور في الجزيرة العربية وانتقال مركز القوى من يد الشر الى الخير والى الابد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٠.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.","vol":"1","page":18},{"text":". من كل ما سبق يمكن أن نستفيد دروسًا وعبرًا تفيدنا في تجاوز حالة الضعف والهوان التي يمر بها المسلمون اليوم.\n... واليوم نرى تخاذل كثير حكام المسلمين اليوم أمام أعداء الاسلام اليهود والامريكان منبهرين بما تمتلكه أمريكا من قوه عسكرية وإقتصادية فأشاعوا وهولوا هذه القوة حتى أصبح بعض هؤلاء الحكام أبواق دعاية لهذه القوة الغاشمة. فلو كان النصر لا يأتي الأ مع القوة والمال لاستسلم سيدنا محمد (- ﷺ -) وصحبه الكرام وهم قلة أمام قوة قريش المادية والعددية ولاستسلم موسى (- ﵇ -) من قبل وبني أسرائيل أمام جبروت فرعون وقوة الاقباط فقد كانت بأيديهم خزائن مصر، نعم إن المال والقوة من أسباب النصر، ولكن الناصر هو الله، فلو وعى المسلمون اليوم هذه الحقيقة جيدًا لما وقفت أمام دعوتهم كل قوى الشر، لأنهم أصحاب دعوة سامية ورسالة الهية إن هم تمسكوا بها وقد جاء ذلك واضحًا في نهاية سورة القصص: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «١» .\nفقد حكم الله جل وعلا بأنه لا سلطان إلا سلطان الله وكل قوة هالكة الأّ قوة الله. ولادلالة (إليه ترجعون) واضحة فيما نذهب إليه من رجوع النصر إلى هذه الأمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المطلب السابع: التناسب والتناسق بين سورة القصص وما قبلها وما بعدها</span>.\nلا ريب أن فهم العلاقة التناسبية والروابط المتناسقة بين كل سورة قرآنية وما قبلها وما بعدها مما يعين على فهم أدق لجوهر السورة نفسها إذا ما أخذنا بالرأي الراجح القائل إن الصحابة لم يضعوا سورة معينة في موضع إلا بإشارة من\nرسول الله (- ﷺ -) . والرسول (- ﷺ -) لم يضعها إلا بوحي إلهي.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.","vol":"1","page":19},{"text":"ولذا نجد أن هناك وشائج بين أواخر سورة النمل وأوائل سورة القصص بحديثهما معًا عن تلاوة القرآن، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ (١)، و﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ*نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْن﴾ «٢»، وحديثهما عن منة الله تعالى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّه﴾ «٣»، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ «٤»، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ «٥»، فقد تناسب مع قوله تعالى: في سُوْرَة الْقَصَصِ ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ «٦» .\n_________\n(١) سورة النمل: الآية ٩٢.\n(٢) سورة القصص: الآية ٢-٣.\n(٣) سورة النمل: الآية ٩٣.\n(٤) سورة القصص: الآية٥.\n(٥) سورة النمل: الآية ٩٣.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.","vol":"1","page":20},{"text":"إذ تناسب الكلام عن عدم غفلة الله تعالى وحاشاه عن افعال العباد، وعن علو فرعون في الأرض ثم تناسب أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ «١» مع أوائل السورة في ايراد الاحرف المقطعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى ﴿طسم﴾ «٢»، وليس بينهما الا فاصل البسملة فكل هذا يرجح الرأي الذي نذهب اليه من ان القرآن الكريم قطعة واحدة، في السبك والصياغة والبلاغة، ولعل هذا أحد أوجه إعجاز القرآن الكريم التي طالما نبه عليها المفسرون والمتكلمون واللغويون، فاذا ما جئنا الى اخر سورة القصص وأوائل سورة العنكبوت نجد تشابهًا جد عظيم، وتناسقًا كبيرًا، وتناسبًا في المعنى والمبنى والمضمون والسبك والصياغة فكان أوائل سورة العنكبوت إمتداد لآواخر سورة القصص فنجد أن هنالك حديثًا عن العودة الى الله تعالى كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «٣»، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ «٤»، وكلام عن الفتنة ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ «٥»، وذلك مرتبط بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ «٦» . فالحديث هو هو لا زال متسقًا مترابطأً متماسك الصيغة.\n_________\n(١) سُوْرَة النَّمْلِ: الآية ٩٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٤) سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية ٥.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.\n(٦) سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية ٣.","vol":"1","page":21},{"text":"ونجد كلامًا عن الايمان الالهي في قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ «١»، وذلك مع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ «٢» . فإن وجه المناسبة بينهما في عدم دعوة إلهًا آخر مع جزاء الإيمان والعمل الصالح.\nونجد كلامًا مهمًا عن الدعوة الى الله تعالى ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ «٣» يتناسب مع قوله تعالى في أوائل سورة العنكبوت ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ «٤»، وبذلك كله يستقيم لنا ترابط سورة القصص وتناسقها وتناسبها مع آواخر ما قبلها (النمل) ومع أوائل ما بعدها\n(العنكبوت)، وذلك بعض أوجه الاعجاز القرآني، لأنه مما يرد على أولئك القائلين باضطراب النصّ الَقُرْآنيّ في انتقال الخطاب «٥»، فسُوْرَة الْقَصَصِ في تناسبها أوجدت تناسبًا ووحدة في الموضوع في أوائلها وأواخرها.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٢) سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية ٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.\n(٤) سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية ٦.\n(٥) الَقُرْآن والكتاب. الأب الحداد. الطبعة الثانية. (د. ن.) . بيروت، لبنان. ١٩٨٦ م: ١٣٥- ١٣٧.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المطلب الثامن: التناسب بين بداية السورة وخاتمتها</span>\nمذهب العرب في نظم الكلام أن يوازنوا كلّ الموازنة بين مطلعه ونهايته، لأجل أن يستقيم الكلام ولا يخرج أوله عن آخره، ولا آخره عن أوله، وهذا المذهب البلاغي تنبه له قدماء البلاغيين كالجاحظ «١»، وأبي هلال العسكري «٢»، وقدامة بن جعفر «٣»، وابن المعتز «٤»، وابن الأثير «٥» .\nوقد جاء الَقُرْآن الكَرِيم على سنن العرب في كلامها في فنونه البديعة، وأفانينه البلاغية البيانية، وكان من ذلك أن يستقيم المعنى في أول السورة وآخرها بحيث يأخذ أولها برقبة آخرها لأجل أن يظهر الإعجاز القرآني «٦» .\n_________\n(١) ينظر البَيَان والتبيين. أَبِي عثمان عمرو بن بحر. ت ٢٥٥ هـ. تحقيق: المحامي فوزي عطوي. دار صعب. بيروت. ط١. ١٩٦٨م: ١ /٢٠.\n(٢) ينظر كتاب الصناعتين: النظم والشعر، العسكري، أبو هلال الحسن ابن عبد الله بن سهل ت ٣٩٥ هـ، تحقيق: مُحَمَّد علي البجاوي ورفيقه، الطبعة الأولى، مطبعة الأستانة، ١٩٥٢م: ص ١٤٩.\n(٣) ينظر نقد الشعر. أسامة بن منقذ. تحقيق: مُحَمَّد زغلول سلام. الطبعة الثانية. بيروت، لبنان. مصورة عن طبعة مصر. ١٩٧٥ م: ص ٢٩.\n(٤) ينظر نقد الشعر: ص ٣٨.\n(٥) ينظر المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. ضياء الدِّيْن نصر الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَرِيْم الموصلي أبو الفتح. ت ٦٣٧ هـ. تحقيق: مُحَمَّد محيي الدِّيْن عَبْد الحميد. المكتبة العصرية. بيروت. ط١. ١٩٩٥ م: ٢ /١٠٤.\n(٦) ينظر الإعجاز القُرْآن. مُحَمَّد بن الطيب بن مُحَمَّد بن جعفر بن القَاسِم الباقلاني أبو بكر. ت ٤٠٣ هـ. تحقيق: السيد أحمد صقر. دار المعارف. القاهرة. (د. ت): ص ١٩٦.","vol":"1","page":23},{"text":"وقد فصل بعض ذلك البقاعي في كتابه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) «١»، والسيوطي في كتابه (تناسق الدرر في تناسب السور) «٢» . ونجد في سُوْرَة الْقَصَصِ - التي نقوم هنا بتحليلها - أنها جاءت على هذه السنة في الأسلوب العرضي لمادتها الداخلية، ويتضح ذلك أكثر ما يتضح باستعراض مبادئ هذه العلاقة المترابطة بين فاتحة السورة وخاتمتها، وتشمل هذه المبادئ المتشابهة:\nذكر الآيات الإلهية مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ﴾ «٣»، وقوله:\n﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ «٤» .\nالمقابلة بين الإيمان والكفر، كما في قوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «٥»، وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ «٦» .\n_________\n(١) ينظر مثلًا: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور. الإِمَام برهان الدِّيْن أَبِي الحَسَن إبراهيم بن عمر البقاعي. ت ٨٨٥ هـ. خرج الآيات وأحدثه ووضع حواشيه: عَبْد الرَّزَّاق غالب المهدي. الطبعة الأولى دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. ١٩٩٥ م: ١/ ١٢٦.\n(٢) ينظر مثلًا: تناسق الدرر في تناسب السور. جلال الدِّيْن السيوطي. ت ٩١١ هـ. ط٢. تحقيق: عَبْد الله مُحَمَّد الدرويش. دار عالم الكتب. بيروت. لبنان. ١٤٠٨ هـ – ١٩٨٧ م: ١ /٢١٦.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.","vol":"1","page":24},{"text":"ذكر عاقبة العلو، كما في قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الاَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٢»\nبيان الوراثة الإيمانية، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «٣»، وقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٤» .\nكون كلّ طغيان يعقبه هلاك كلّ شيء يطغى به، كما في قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٥»، وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٦» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.","vol":"1","page":25},{"text":"المقابلة بين عودة موسى (- ﵇ -) إلى أمه، وعودة رَسُول الله (- ﷺ -) إلى مكة كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ «١» وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ «٢» . فموسى (- ﵇ -) عاد إلى أمه، ورسول الله (- ﷺ -) عاد إلى أم القرى، وهو معنى استنبطناه من السياق.\nفهذه المبادئ المتشابهة في حد ذاتها بين فواتح السورة وخواتيمها تدل على ما ذهبنا إليه، فسنرى مثلًا أن العلاقة بين قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ﴾ (٣) في إشارتها إلى الَقُرْآن الكَرِيم، وما أنزل على الرسل من قبل ﵈ تماثل العلاقة مع قوله تعالى: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ «٤»، كونها إشارة إلى آيات الله تعَاَلىَ التي أنزلت على رَسُول الله (- ﷺ -) .\nثم أن هنا علاقة وثيقة بين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٥» وبين قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ «٦» لأن المفسدين مقابل لفظي للمشركين، والعلاقة بينهما علاقة تضاد الإفساد بالشرك، وهي علاقة مترابطة ترابط الإفساد والشرك.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.","vol":"1","page":26},{"text":"ونجد أن قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ «١» موافق تمام الموافقة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلاَّ رَحْمَةً﴾ «٢»، لأن التلاوة الإلهية متعلقة بما ألقي على رَسُول الله (- ﷺ -) من الكتاب المتلو رحمة.\nونجد أن قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «٣» موافق في دلالته المتناسقة مضمونيًا مع قوله تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٤»، لأن من صفات المؤمنين أنهم يؤمنون برجوعهم لله ﷾، وهذا اتساق في المعنى.\nنجد كذلك أن الآية: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «٥» مطابقة في تناسبها المضموني مع الآية: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «٦» في كون الآيتين تتحدثان عن الوراثة الإلهية والعودة النبوية، فكما ورث بنو إسرائيل ما تركه آل فرعون، ورث المؤمنون من أصحاب مُحَمَّد (- ﷺ -) أرضًا لم تورث إلا لهم، وهذا من الاتفاقات الإلهية التي انفردت سورة القصص بإظهارها في أبان العصر المكي.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.","vol":"1","page":27},{"text":"ونحن نجد أن قوله تعالى في فاتحة سُوْرَة الْقَصَصِ: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ «١» متعلقة في كون الإمامة هاهنا إمامة دعوية، أي: أئمة يدعون إلى الله ﷾، وهو ما عبرت عنه الآية القرآنية في خاتمتها ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ «٢»، لأن الدعاة إلى الله ﷾ هم أئمة الهدى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فصفات الدعاة إلى الله تعَاَلىَ بينت في سُوْرَة الْقَصَصِ، في أولها وفي آخرها.\nونجد أن صفات المؤمنين في أولها كانت:\nالإيمان ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «٣» .\nالوراثة ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «٤» .\nالتمكين في الأرض ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ «٥» .\nثم نجد في خاتمة السورة أن صفات المؤمنين هي:\nالإيمان ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ «٦»\nالوراثة ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «٧» .\nالتمكين في الأرض ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٨» .\n_________\n(١) سورة القصص: الآية٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.","vol":"1","page":28},{"text":"وبهذا يتضح هذا التناسق بين أول السورة وآخرها، ثُمَّ أننا نجد أمرًا أخرًا هو إظهار عاقبة الطغاة والمتكبرين والمفسدين في الأرض، لقوله تعالى: ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «١»، ويقابله في آخر السّورة قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ الله﴾ «٢»، لأن ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ متقابلة كلّ التقابل مع ﴿فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ الله﴾ أي: الجنود الذين كانوا يحرسون قارون، وهذا اتساق بياني في المعنى المتوافق.\nوبهذا يكون أول السّورة مترابطًا كلّ الترابط مع آخرها، ومتناسبًا معه بما يجعل من داخل السورة وحدة متكاملة في مبناها ومعناها، وهو بعض أوجه الإعجاز الَقُرْآنيّ.\n\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الثاني: الحروف المقطعة في الَقُرْآن الكَرِيم وسُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلب الأول: أقوال العلماء في معاني الحروف المقطعة</span>\nمعاني الحروف المقطعة في القرآن وإعرابها:\nإن الحروف المقطعة على اختلاف الأقوال فيها، من الافتتاحيات الرائعة التي يصدر بها الكلام. وقد \" قال أهل البيان من البلاغة حسن الابتداء، وهو أن يتأنق في أول الكلام لأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان محررًا أقبل السامع ووعاه وإلاّ أعرض عنه، ولو كان الباقي في نهاية الحسن، فينبغي أن يؤتى فيه بأعذب لفظ وأجزله، وأرقه وأسلسه، وأحسنه نظمًا وسبكًا، وأوضحه معنى وأوضحه، وأخلاه من التعقيد والتقديم والتأخير الملبس، أو الذي لا يناسب. وقد أتت جميع فواتح السور على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها كالتحميدات وحروف الهجاء والنداء وغير ذلك من الابتداء الحسن \" «٣» وما يعنينا هنا هو الحروف المقطعة، وحسن ابتداء الكلام بها.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.\n(٣) الإتقان في علوم القرآن: ٢/١٠٦.","vol":"1","page":29},{"text":"إن في القران الكريم تسعًا وعشرين سورة تبدأ بحروف الهجاء المقطعة منها ما يبدأ بحرف واحد وهي ثلاث سور هي (ص٠ق٠ن) ومنها عشر سور مفتتحه بحرفين وهي سورة (غافر. فصلت. الشورى. الزخرف. الدخان. الجاثية. الأحقاف. طه. النمل. يس)، ومنها ما يبدأ بثلاثة أحرف، وهي: (البقرة. آل عمران. العنكبوت. الروم. لقمان. السجدة. يونس. يوسف. إبراهيم الحجر. الشعراء. القصص) .\nومن السور ما يفتتح بأربعة أحرف هما (الأعراف، والرعد) ومنها ما يفتح بخمس أحرف (كهيعص) سورة مريم، و(حم عسق) الدخان.\nأقوال العلماء في معاني الأحرف المقطعة:\nقبل الخوض في أقوال العلماء لابدّ من الإشارة إلا انه لم ينقل عن رسول الله (- ﷺ -) بيان لمعانيها وبناء على ذلك اختلفت أقوال العلماء في بيان معانيها إلى ما يأتي:","vol":"1","page":30},{"text":"القول الأول: وهي سر الله في القرآن وهي من المتشابه «١»، الذي انفرد الله بعلمه ولا يجوز أن يتكلم فيه، ولكن نؤمن بها ونقرأها كما جاءت روي ذلك عن أبى بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبى طالب، وابن مسعود\n(- ﵃ -) أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر «٢»، ومما يؤيد هذا القول الادلة النقلية والعقلية الاتية:\n١- الادلة النقلية: ما روته السيدة عائشة ﵂ قالت: قرأ رسول الله (- ﷺ -) هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ «٣» .\n_________\n(١) المتشابه: هوا للفظ الذي خفي المراد منه فلا تدل صيغته على المراد منه ولا سبيل إلى إدراكه إذ لا توجد قرينة تزيل هذا الخفاء واستأثر الشارع لعلمه (مثل الحروف المقطعة في أوائل السور) . ينظر أنوار الربيع في أنوار البديع. علي صدر الدين بن معصوم المدني. تحقيق: شاكر هادي شكر. النجف الأشرف. ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م: ٢١٧.\n(٢) ينظر بحر العُلُوْم. المُسَمَّى (تَفْسِير السمرقندي) . أبو الليث نصر بن مُحَمَّد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي. ت ٣٧٥ هـ. تحقيق: عَلِيّ مُحَمَّد معوض. وآخرون. ط١. دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. ١٤١٣ هـ. ١٩٩٣ م: ١/٢٤٩-٢٥٠. والجامع لأحكام القرآن: ١/١٣٤.\n(٣) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٧.","vol":"1","page":31},{"text":". قالت: فقال رسول الله (- ﷺ -): «فأذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» «١» .\n... إذن والله أعلم، إن هذه الاحرف من المتشابه الذي لا يعرفه الا الله جل وعلا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ «٢» .\n٢-الادلة العقلية: ذكر القرطبي عن الصحابي الجليل الربيع بن خيثم (- ﵁ -): إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما يشاء، وأطلعكم على علم ما يشاء، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه، فلا تسألوا عنه، وأما ما أطلعكم عليه، فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به وما بكل القرآن تعلمون ولا بكل ما تعلمون تعملون \" «٣»، فإن الله جل وعلا قد ستر معاني هذه الأحرف عن خلقه اختبارًا من الله ﷿ وامتحانًا، فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم، وشأنها شأن كثير من الأفعال التي كلفنا بها ولا نعرف وجه الحكمة فيها، كرمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة.\n... ثم إن ورود هذه الحروف في أوائل السور، منها إفهام للبشر أنهم مهما بلغوا من العلم، فإنهم لن يطلعوا على كثير من الأسرار، ومنها معاني هذه الحروف، بهذه الصورة ستكون دافعًا إلى إعمال الفكر والنظر والاجتهاد في الوصول إلى حقيقتها، وفي هذا شحن همة العقل إلى التأمل والحركة، حتى لا يبقى جامدًا أمام حقائق جاهزة «٤» . وهذا رأي أهل السنة والجماعة.\n_________\n(١) صَحِيْح البُخَارِي: كتاب: التفسير، باب: منه آيات محكمات ٤ /١٦٥٥.\n(٢) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٧.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ١ /١٣٤.\n(٤) ينظر تطور تفسير الَقُرْآن. نظرة جديدة. د. محسن عبد الحميد. جامعة بغداد. ١٩٨٩م: ص ٥٥.","vol":"1","page":32},{"text":"القول الثاني: قال جمع كبير من العلماء: يجب أن نتكلم فيها ونلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها.\nواختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، منها القريب ومنها الغريب.\nأولًا: فقد روي عن ابن عباس ورواية عن علي ﵄ أن الحروف المقطعة في القرآن هي اسم الله الأعظم، إلا إننا لا نعرف تأليفه منها «١» .\nثانيًا: وقد نقل السيوطي عن ابن عباس (- ﵁ -) أنها حروف مقطعة كل حرف منها مأخوذ من إسم من أسمائه تعالى، ففي قوله في (آلم) قال: معناها (أنا الله أعلم)، وفي قوله: (ألمص): (أنا الله أفصل)، وفي قوله: (ألر) قال معناها: (أنا الله أرى)، (ألمص): الألف من الله والميم من الرحمن والصاد من الصمد. و(ق): حرف من اسمه قادر، (ن): إنه مفتاح اسمه نور وناصر «٢» .\nثالثًا: عن ابن عباس (- ﵁ -) أنها قسم أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه.\n... وقد رد بعض العلماء هذا القول، فقالوا: لا يصح أنها قسم لأن القسم معقود على حرف مثل (إن، وقد، ولقد، وما) ولم يوجد هاهنا حرف من هذه الحروف فلا يجوز أن يكون قسمًا «٣»، وقد أجيب بان موضوع القسم في سورة البقرة (لا ريب فيه) فلو أن إنسانًا حلف فقال: والله هذا الكتاب لا ريب فيه لكان الكلام سديدًا وتكون (لا) جواب القسم «٤» .\n... وذكر الزمخشري أن حرف القسم مضمر كأنه أقسم بهذه السورة وبالكتاب المبين إنا جعلناه «٥» .\nرابعًا- وقيل إنها أسماء للقرآن.\nخامسًا- قيل إنها أسماء للسور.\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ١ /١٣٤.\n(٢) الإِتقَان فِي علُوم القُرْآن: ٢ /٩.\n(٣) بَحْر العلوم: ١ /٢٤٦. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ١ /١٣٤.\n(٤) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ١ /١٣٥.\n(٥) ينظر الكَشَّاف: ١/ ٩٢.","vol":"1","page":33},{"text":"سادسًا- قال قطرب، والفراء: هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها كلامهم ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم.\n... وقيل: إن العرب المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه قال تعالى:\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ «١»، فانزل الله هذا القرآن ليعجبوا منه ويكون تعجبهم منه سببًا لأستماعهم له فترق قلوبهم وتلين الافئدة «٢» .\n... وقد اعترض ابن كثير على أن هذه الحروف جاءت خطابًا للمشركين بقوله: \" إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وال عمرآن مدنيتان وليستا خطابًا للمشركين) «٣» .\nوقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:\nأولا- المنقول، قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ «٤» .\nوجه الدلالة ان الله جل وعلا حثنا على تدبر القرآن ومعرفة معانيه ومن تدبر القرآن البحث عن معرفة معاني الحروف المقطعة.\nثانيا- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ «٥» .\nووجه الدلالة ان الله تعالى قد أنزل القرآن الكريم ويسره للناس ليذَّكروا آياته، فيمكن معرفة جميع المراد منه لان الله يسره للناس ومنها هذه الحروف المقطعة.\n_________\n(١) سُوْرَة فُصِّلَتِ: الآية ٢٦.\n(٢) الإِتقَان فِي علُوم القُرْآن: ٢/ ١٠.\n(٣) تفسير القُرْآن العَظِيْم: ١ /٣٧.\n(٤) البرهان في عُلُوْم القُرْآن. الإِمَام بدر الدِّيْن مُحَمَّد بن عَبْد الله الزركشي. ت ٧٩٤ هـ. تحقيق: مُحَمَّد أَبِي الفضل إبراهيم. دار المعرفة. بيروت. ١٣٩١ هـ. ١٩٧٢ م: ١/١٧٢.\n(٥) سُوْرَة مُحَمَّد (- ﷺ -): الآية ٢٤.","vol":"1","page":34},{"text":". وقول أهل ... المعقول ان القرآن الكريم أنزله الله جل وعلا كتاب هداية وبيان للبشر فلا يمكن أن يكون فيه ما هو غير مفهوم لهم «١» .\nومن التفسيرات الغريبة:\n١-ما قاله الشيخ محي الدين بن عربي \" إن مبادىء السور لا يعلم حقيقتها الا أهل الصورة المعقولة، فجعلها ﵎ تسع وعشرون سورة وهو كمال الصورة ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ «٢»، والعشرون القطب الذي به قوام الفلك وهو علة وجوده، وهو سر (آل عمران) (آلم)، ولولا ذلك لما ثبتت الثمانية والعشرون، وجملتها على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفًا فالثمانية حقيقة البضع، قال (- ﷺ -): «الايمان بضع وسبعون شعبة» «٣»، وهذه الحروف ثمانية وسبعون فلا يكمل عبد اسرار الايمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها \" «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَمَرِ: الآية ١٧.\n(٢) سُوْرَة (يس): الآية ٣٩.\n(٣) متفق عليه، صَحِيْح البُخَارِي: كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان ١ /١٢. صحيح مُسلم، مسلم بن الحجَّاج القُشَيْري النَّيْسابوري أبو الحسين، (٢٠٦ - ٢٦١)، تحقيق: مُحَمَّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بَيْرُوت، (د. ت): كتاب الإيمان، باب عدد شعب الإيمان ١/ ٦٣.\n(٤) الفتوحات المكية. أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَلِيّ المعروف بابن عربي الحاتمي الطائي. ت ٦٢٨ هـ. دار صادر. بيروت. لبنان. (د. ت.): ٤/ ٦٤-٦٦.","vol":"1","page":35},{"text":"٢- \" زعم قسم من العلماء أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم \" «١»، \" كما استخرج بعض الأئمة من قوله تعالى: ﴿آلم * غُلِبَتْ الرُّومُ﴾ «٢» أن البيت المقدس يفتحه المسلمون في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ووقع كما قال. وقال السهيلي: لعل عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر للأشارة الى مدة بقاء هذه الامة، وهو من أراء الحروفيين واهل الروحانيات منقولًا عن\nالإسرائيليات \" «٣» .\n... وقد رد ابن كثير هذا الرأي، ومن قال به لانه ادّعى ما ليس له وطار في غير مطاره، وإن مقتضى هذا المسلك ان كان صحيحًا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرار فأعظم «٤» .\nالرأي الراجح:\n... والراي الراجح والله أعلم، الرأي الاول، وذلك لأنه لا يمكن القطع بمعانيها لعدم ورود نص يبين معنى هذه الحروف المقطعة لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، وإنها من قبيل المتشابه قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ «٥» .\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم: ١ /٣٨.\n(٢) سُوْرَة الرُّوْمِ: الآيتان ١- ٢.\n(٣) الإِتقَان فِي علُوم القُرْآن: ١ /١٠.\n(٤) تفسير القرآن العظيم: ١ /٣٨.\n(٥) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٧.","vol":"1","page":36},{"text":"ثم إن العلم بمعانيها لا يفيدنا بشيء ولا يتوقف على العلم بها إقامة العبادة لله وإنها إختبار وامتحان للخلف فالاولى السكوت عن معانيها كما هو صنيع السلف الصالح في التفويض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المطلب الثاني: إعراب الحروف المقطعة</span>\nاختلفت آراء العلماء في إعرابها على رأيين.\nالرأي الاول:\nليس لها محل من الاعراب وهي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية، اي: حروف مقطعة لا محل لها من الاعراب «١» .\nالرأي الثاني:\nلها محل من الاعراب «٢»:\nفمن قال إنها اسماء للسور فموضوعها عنده الرفع على انها عنده خبر ابتداء مضمر، اي: هذه (الم) أو (طسم) كما تقول هذه سورة البقرة، او تكون رفعًا على الابتداء والخبر ذلك، كما تقول زيد ذلك الرجل، وقال ابن كيسان في موضع نصب كما تقول: إقرأ (طسم)، أو عليك (طسم)، وقيل: في موضع خفض بالقسم لقول ابن عباس: إنها أقسام أقسم الله بها «٣» .\nأما الزمخشري فقد قسم هذه الحروف على ضربين:\nأحدهما: ما لا يتأتى فيه إعراب نحو (كهيعص، المر) .\nثانيهما: ما يتأتى فيه الاعراب، وهو إما أن يكون اسمًا فردًا (ص، ق ن)، أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كـ (حم، طس، يس)، فانها موازية لقابيل وهابيل، وكذلك (طسم) يتأتى فيها أن تفتح نونها وتصير ميمًا مضمومة إلى (طس) فيجعلا اسمًا واحدًا كدار بجرد فالنوع الاول محكي يس الا واماالنوع الثاني فسائغ فيه الامر ان الاعراب والحكاية «٤» .\n_________\n(١) ينظر إعراب القُرْآن. أبو جعفر أحمد بن مُحَمَّد بن إسماعيل النحاس. ت ٣٣٨ هـ. تحقيق: د. زهير غازي زاهد. عالم الكتب. مَكْتَبَة النهضة العربية. (د. ت.): ١/١٢٧\n(٢) الكَشَّاف: ١/٨٣. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ١/١٣٦.\n(٣) الكَشَّاف: ١/٨٣. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ١/١٣٦.\n(٤) الكَشَّاف: ١ /٨٣.","vol":"1","page":37},{"text":"والراجح هو الرأي الأول، القائل أنها لا محل لها من الإعراب، وأرى أن الخلاف في إعرابها، وعدم إعاربها لا يفيد العلم بشيء، وليس له أي ثمرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الثالث: شبه وجود الأساطير والتكرار في القصة القرآنية والرد عليها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>التمهيد </span>«١»\nإن بعض أصحاب المدرسة البيانية الحديثة تبنوا فكرة الطعن بالقرآن من خلال القصص القرآنية بحجة أن في القرآن قصصًا مكررة وأن فيه أساطير «٢»، إلى غير ذلك من الترهات، تنزه كتاب الله عن كل ذلك.\nوسمي من يؤمن بهذه الفكرة بأصحاب المدرسة الأمينية نسبة إلى الشيخ\n(أمين الخولي) الذي تبنى هذه الفكرة ثم أشرف بنفسه على رسالة دكتوراه تحت عنوان (الفن القصصي في القرآن) لمحمد أحمد خلف الله قدمت إلى جامعة الأزهر، وقد ردت هذه الرسالة، وأثارت هذه الأفكار الشاذة زوبعة فكرية تأثر بها شرذمة قليلة من ضعاف العقول ممن انبهر بالفكر الغربي، وقد اعترف صاحب هذه الرسالة بوضوح وبكل صراحة بتأثره بالآراء العلمانية. فيقول: \" كنت قد أحسست بحاجتي الملحة إلى الإطلاع على ما يفعله علماء الغرب حيث يدرسون الأدب وتاريخه، فاستجبت لهذا الإحساس، وقرأت بعض الكتب التي تعالج هذه المسائل \" «٣» .\nفالذي يقرأ هذه الرسالة لا يشك لحظة واحدة أن وراء كتابة هذه الرسالة يدًا خبيثة تريد العبث والتشكيك بكتاب الله وعقائد المسلمين، وقد قام علماء أجلاء بالرد على هذه الرسالة منهم العلامة محمد الخضر الحسين شيخ الأزهر الأسبق في كتابه نقد كتاب الفن القصصي في القرآن. والأستاذ عبد الكريم الخطيب في كتابه قصص القرآن وأجاد في الرد.\n_________\n(١) أوردنا هذا المبحث لأن نفي الواقعة التاريخية في القصص الَقُرْآنيّ يشمل كلّ سُوْرَة الْقَصَصِ أيضًا.\n(٢) ينظر الفن القصصي في الَقُرْآن الكَرِيم. مُحَمَّد أحمد خلف الله. الطبعة السادسة. دار امريث للنشر. القاهرة. ١٩٣٦ م: ١٧ -٢٧.\n(٣) المصدر نفسه: ص ١١.","vol":"1","page":38},{"text":"\" وقد أجمع علماء الإسلام في هذا العصر على رفض هذا الرأي وعده مخالفًا لضوابط تفسير القرآن، بل عدوه تكذيبًا للقرآن نفسه \" «١»، فقد قال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ﴾ «٢» . وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَق﴾ «٣»، وقوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ «٤»، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَق﴾ «٥» .\nونحن نعلم مما تقدم إن هذه المحاولات الإلحادية للقضاء على حقيقة النص القرآني ورميه بالزيف التاريخي وحاشاه فقد بدأها طه حسين «٦» نقلا عن نولدكه (المستشرق اليهودي الألماني الشهير) «٧»، وليس الهدف منه سوى الإساءة للنص القرآني في مبناه ومعناه على ما نراه في المطلب القادم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المطلب الأول: أدلة القائلين بوجود الأساطير والتكرار في القرآن الكريم والرد عليهم</span>\n\nلقد اعتمد القائلون بوجود الأسطورة (بمعناها الخرافي، أي الذي لا وجود له إلا في القصص) على الأدلة الآتية التي تدعم زعمهم بوجودها في الَقُرْآن الكَرِيم نفسه:\n_________\n(١) تطور تفسير القرآن: ص٨٥.\n(٢) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٦٢.\n(٣) سُوْرَة الكَهْفِ: الآية ١٣.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٥) سُوْرَة هُوْد: الآية ١٧.\n(٦) في الشعر الجاهلي. طه حسين. ط١. دار المعارف بمصر. ١٩٢٤ م: ص٣١\n(٧) المستشرقون. نجيب العفيفي. ط٤. دار المعارف بمصر ١٩٨٥ - ١٩٨٧ م: ١١/٢١٣، وكتابه اسمه (تاريخ الَقُرْآن) وهو أول من تبنى هذه النظرية.","vol":"1","page":39},{"text":"١-إن الأساطير في اللغة: \" الأباطيل، والأساطير أحاديث لا نظام لها. قال الليث: يقال سطر فلان علينا يُسَطرِّ، إذا جاء بأحاديث تشبه الباطل \" «١»، وذكر محمد خلف الله في رسالته: \" إن القران الكريم لا ينكر أن فيه أساطير وإنما ينكر أن تكون الأساطير هي الدليل على أنه من عند مُحَمَّد (- ﷺ -) «٢»، وقد استدل على رأيه ذلك ببعض الآيات القرآنية التي جاءت لتنقل أقوال المشركين عن القرآن الكريم بأنه أساطير الأولين، مثل:\nأـ قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين﴾ «٣» .\nب - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ «٤» .\nج - قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ\nالأَوَّلِينَ﴾ «٥» .\nفيقول ما يفهم من النظر في هذه الآيات أن المشركين كانوا يعتقدون بما يقولون اعتقادًا صادقًا وأن الشبه عندهم كانت قوية جازمة «٦» .\n... ثم يذكر بان \" ما يفهم من النظر في هذه الآيات التي كل ما تحدث به القرآن عن الأساطير أن القرآن لم يحرص على أن ينفي عن نفسه وجود الأساطير \" «٧»، ثم يذكر \" أن القرآن اكتفى بتهديد القوم في سورة الأنعام والمطففين، فهل هذا الرد ينفي ورود الأساطير في القرآن \" «٨» .\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (سطر) ٤/ ٣٦٣.\n(٢) الفن القصصي في القرآن: ص٢٠٩.\n(٣) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ٢٥.\n(٤) سُوْرَة الأَنْفَالِ: الآية ٣١.\n(٥) سُوْرَة النَّحْلِ: الآية ٢٤.\n(٦) الفن القصصي: ص٢٠٢.\n(٧) المصدر نفسه: ص ٢٠٣.\n(٨) المصدر نفسه: ص ٢٠٣.","vol":"1","page":40},{"text":"٢- إن حقائق النص القرآني لا تدل على حقيقة تاريخية «١» .\nوهذه الآراء في حقيقة ورودها هي آراء نولدكه، وطه حسين التي تقدمت الإشارة إليها.\nمناقشة الأدلة\nونحن نخالف ذلك وفق المنهجية العلمية لعدة أسباب:\nأولًا - إن آية الأنعام - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ «٢» تتحدث عن الوعيد لمن كذب بآيات الله، ثم تتحدث عن وحدانية الله تعالى، فهم حين قالوا: أساطير الأولين لا يقصدون القصص القرآني فقط، بل كل ما جاء به النبي (- ﷺ -) والقرآن الكريم من تشريع وعقيدة، فاستكبروا وعتوا عتوًا كبيرًا «٣» .\nثانيًا - إن آية النحل ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ «٤» التي تتحدث عن قدرة الله وعلمه وحكمته.\nإن الآيتان تتحدثان بصيغة المقول لا بصيغة القول. وليس في هذه الآيات شئ من القصص، فقولهم: أساطير الأولين يقصدون قرآن الله.\n... ونلاحظ أن استدلاله بالآيات يتم من خلال استدلاله بالجمل التي تدل على ما ذهب إليه باجتزائها من موقعها.\n... ثم إن قوله: \" إن القرآن لم ينف وجود الأساطير فيه \"، فهذا كذب صريح، ومن الآيات التي ترد على الكافرين القائلين بأنه أساطير الأولين:\n_________\n(١) تاريخ الَقُرْآن. ثيودور نولدكه. ترجمة: عَبْد الرَّحْمَن حسن عَبْد الرَّحْمَن. الطبعة الأولى. مطبعة حسان. بيروت، لبنان ١٩٩٢ م: ٣١٧-٣١٩.\n(٢) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ٢٥.\n(٣) ينظر القصص القرآني في منظومه: ص ٣٠٨.\n(٤) سُوْرَة النَّحْلِ: الآية ٢٤.","vol":"1","page":41},{"text":"قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون﴾ «١»، فكان رد القرآن الكريم ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا\nوَزُورًا﴾ «٢» .\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ «٣» .\nفكان رد القرآن الكريم ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ﴾ «٤» .\n... ثم إن القول: إن في القرآن الكريم أساطير هو تكذيب لله جل وعلا لأن الأسطورة هي عبارة عن قصص خيالية وأوهام استقرت في أذهان الشعوب. وحاشا أن يكون في كتاب الله مثل ذلك، والذي يعتقد بأن في القرآن أساطير وقصص خرافية لا فرق بينه وبين كفار قريش في رميهم الَقُرْآن بأنه (أساطير الأولين) وهو حديث النضر بن الحارث، وأبي جهل «٥» . ونحن نعجب لهذه الآراء التي تبناها المستشرقون وتلامذتهم الذين يكيدون للإسلام، ولكننا نقول لهم: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ «٦» .\nفكيف يكون فيه أساطير، والله جل وعلا يحكم بأنه لا ريب فيه قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ «٧» .\nوكيف يكون فيه أساطير، والله جل وعلا يحكم بأنه نزّل الكتاب بالحق قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ «٨» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية ٤.\n(٢) سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية ٤.\n(٣) سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآيتان ٥ - ٦.\n(٤) سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية ٦.\n(٥) ينظر سيرة ابن هشام: ٢ /٤١.\n(٦) سُوْرَة الطَّارِقِ: الآيتان ١٥ -١٦.\n(٧) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢.\n(٨) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ١٧٦.","vol":"1","page":42},{"text":"فالذي يقول بأن في القرآن أساطير كافر بالقرآن، وقد توعده الله بقوله:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ «١» .\nقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ «٢» .\nوهاهنا أمر آخر جدُّ مهم، وهو أن الزعم بوجود الأسطورة في القرآن الكريم يؤدي بالقائلين به على اختلاف مشاربهم إلى مناقضة نتائج العلم الحديث من خلال علم (الاحفوريات الحديثة)، التي جاءت لتؤكد ما جاء به القرآن الكريم «٣» من أخبار الأمم السابقة وأنبيائها ﵉، وفي ذلك يقول بعض الباحثين: \" لقد تبين أن النظريات التي تبناها نولدكه وجولدزيهر وطه حسين وإسماعيل مظهر وأمين الخولي ومحمد أحمد خلف الله وسيد القمني التي تتلخص بعدم وجود حقائق تاريخية في آيات وسور القرآن الكريم هي نظرية متهافتة ساقطة مردودة لأن العلم الحديث أثبت وجود كلّ الأمم التي قصها القرآن الكريم، ووجود أسماء أنبيائهم على ما ذكره القرآن الكريم مما يجعل القرآن الكريم مهيمنًا على التوراة والإنجيل المحرفين اليوم في قصص الحق \" «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٤.\n(٢) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ٢٥.\n(٣) علم الجيولوجيا والقرآن الكريم. موريس بوكاي. ترجمة: رشوان غالب. الطبعة الثانية. الدار الأكاديمية. قطر. ١٤١٢ هـ: ص٧٨.\n(٤) في التراث والحداثة: ص ١٩٣.","vol":"1","page":43},{"text":"ونحن نوافق الباحث فيما ذهب إليه ونعتقد أن الزعم بوجود الأساطير في القصص القرآني إنما هو فرية إستشراقية أعانهم عليها بعض بني جلدتنا، وليس ذلك مما يستغرب من تلامذة المستشرقين «١» .\nونرى أن ما جاء في سُوْرَة الْقَصَصِ من قصص تاريخي هو ما وقع فعلًا في التاريخ، وحدثنا الله ﷾ وهو أصدق القائلين في الَقُرْآن الكَرِيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المطلب الثاني: قضية التكرار</span>\nإن معنى التكرار في اللغة: \" عبارة عن الإتيان بشيء مرة بعد أخرى \" «٢»، أو \" هو الرجوع على الشيء \" «٣» .\nوكان بعض تلامذة المستشرقين قد عاب قضية التكرار في مواضع معينة من الَقُرْآن الكَرِيم منها تكرار قصة موسى في سُوْرَة الْقَصَصِ، فذكر محمد خلف الله في رسالته أن في القرآن قصصًا مكررة اعتمادًا على ورود بعض قصص الأنبياء في أكثر من سورة. فيتساءل هازئًا: \" لماذا كرر القرآن قصص آدم، ونوح، وهود، ولوط، وصالح، وشعيب وغيرهم من الرسل والأنبياء؟ إن الوقوف على تاريخ كلّ واحد من هؤلاء يكفي في إيراد القصة الواحدة في الموطن الواحد، وليس يلزم أن تكرر القصة في أكثر من موطن من مواطن القرآن \" «٤» .\n_________\n(١) ينظر دفاع عن القرآن: ص ٢١.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (كرر) ٥/١٣٥.\n(٣) التعريفات. أبو الحَسَن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن عَلِيّ الجرجاني المعروف بالسيد الشريف. ت ٨١٦ هـ. تحقيق: إبراهيم الأبياري. دار الكِتَاب العربي. بيروت. الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ. ص ٩٨.\n(٤) الفن القصصي: ص٣٧.","vol":"1","page":44},{"text":"وقد رد سيد قطب على ذلك بقوله: \" قد يحسب أناس أن هناك تكرارًا في القصص القرآني لأن القصة الواحدة قد يتكرر عرضها في سور شتى، ولكن النظرة الفاحصة تؤكد إنه ما من قصة أو حلقة قد تكررت في صورة واحدة من ناحية القدر الذي يساق وطريقة الأداء في السياق، وأنه حينما تكررت حلقة كان هنالك جديد تؤديه ينفي حقيقة التكرار \" «١» .\nوذكر النورسي \" أن القرآن الكريم يظهر نوعًا من إعجازه البديع أيضا في تكراره البليغ لجملة واحدة أو لفظة، وذلك عند إرشاده طبقات متباينة من المخاطبين إلى عدة معانٍ، وعبر كثيرة في تلك الآية أو القصة فاقتضى التكرار، حيث إنه كتاب دعاء ودعوة، كما أنه كتاب ذكر وتوحيد، وكل من هذا يقتضي التكرار. فكل ما كرر في القرآن الكريم إذًا من آية أو قصة إنما تشتمل على معنى جديد وعبرة جديدة \" «٢» .\n_________\n(١) في ظلال القرآن: ١ /٦٤.\n(٢) المعجزات الَقُرْآنيّة. بديع الزمان سعيد النورسي. ترجمة: إحسان قاسم الصالحي. الطبعة الأولى. العراق. ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م: ص١٨٤-١٨٥.","vol":"1","page":45},{"text":"وذكر الشيخ محمد رشيد رضا أنه قد تكرر القصة الواحدة في القرآن، ولكن في تكرارها فوائد في كل منها فائدة لا توجد في الأخرى من غير تعارض في المجموع، لأنها لما كانت منزَّلة لأجل العبرة والموعظة والتأثير في العقول والقلوب؛ اختلفت أساليبها بين إيجاز وإطناب، وذكر في بعضها من المعاني والفوائد ما ليس في بعضها الآخر حتَّى لا تُملَّ ألفاظها ومعانيها، ثُمَّ إن الأقوال المحكية فيها إنما هي معبرة عن المعاني وشارحة للحقائق وليست نقلا لألفاظ المحكي عنهم بأعيانهم، فإن بعض أولئك المحكي عنهم أعاجم، ولم تكن لغة العربي منهم كلغة القرآن في فصاحتها وبلاغتها، هذا وإن اختلاف الأساليب وطرق التعبير في قصص القرآن وفي القرآن عمومًا عن المعنى الواحد لا تختلف إلا لكي تفيد في فهمها فائدة لفظية أو معنوية «١» .\nونحن نرى رأي الشيخ مُحَمَّد رشيد رضا، ونعدّ التكرار إنما أتى في مواضع من الَقُرْآن الكَرِيم كي يستزيد المؤمن إيمانًا كون التكرار الذي يراه في الَقُرْآن الكَرِيم يأتي في كلّ مرة بأٍسلوب جديد، وصياغة جديدة وهو ما وقع في سُوْرَة الْقَصَصِ، فقصة موسى (- ﵇ -) لا تشبه قصته نفسها في إطارها العام في سُوْرَة (طَه) .\n_________\n(١) ينظر تفسير المَنَار (تَفْسِير القُرْآن الحكيم) . السيد مُحَمَّد رَشِيد رِضا. ت ١٩٣٥ م. وفيه صفوة ما قاله الأستاذ الإِمَام الشيخ مُحَمَّد عبده. ت ١٩٠٥ م. الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٢ - ١٩٧٩ م: ٨/٣٤٣-٣٤٤.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المطلب الثالث: الحكمة من التكرار</span>\nإن اعتقادنا أنه لا يوجد تكرار في القصص القرآني بمعنى مشابه للتكرار في القصة التاريخية أو الأدبية، لأن القرآن الكريم كتاب دعوة، والقصة إحدى وسائله لإبلاغ هذه الدعوة وتثبيتها، والقصة تتكون من الحدث والشخصية، ففي القصص التاريخية نلاحظ التركيز على الشخصية، فحينما تقرأ أي قصة تجد أنها تركز على شخصية أو مجموعة أشخاص من أول القصة إلى خاتمتها، أما في القصص القرآني فنرى إعجازًا آخر يضاف إلى إعجازات القران الكثيرة، وهو الملائمة بين الحدث والشخصية. لذلك كان التكرار غير مقصود لذاته، بل جاء لإيراد معنى آخر في سياق القصة نفسها.\nوإضافة إلى ما تقدم يمكن أن نبين الحكم الجلية الجليلة لتكرار القصة في القرآن الكريم:\nقد ينزل الشيء مرتين تعظيمًا لشأنه وتذكيرًا له عند حدوث سببه خوف نسيانه «١»، فالعرب حينما تكرر أمرًا أو تؤكده، يدل ذلك على الاهتمام بذلك الأمر، فتكرير صفات الله دال على الاعتناء بمعرفتها والعمل بموجبها «٢» .\nرسوخها في الأذهان بتكريرها مرة بعد مرة.\nظهور البلاغة، فإن تكرار الكلام في الغرض الواحد من شأنه أن يَثقُلَ على البليغ، فإذا جاء اللاحقُ منه إثر السابق تفنن في المعاني، وتفنن في الألفاظ وتراكيبها، وتفنن في المحسنات البديعية المعنوية واللفظية كان ذلك من الحدود القصوى في البلاغة «٣» .\nأن يقتضي سياق السورة الواردة فيها القصة أن تذكر مختصرة وتذكر في موضع آخر بشكل أوسع لاقتضاء ذلك التطويل في هذا الموضع الثاني.\n_________\n(١) ينظر البرهان في علوم القرآن: ١/٢٩.\n(٢) محاسن التأويل: ١ / ٢٥٧.\n(٣) أَسَاس البَلاَغَة: مادة (ق. ص. ص) ص ٤٦٨.","vol":"1","page":47},{"text":"إن حفظ القرآن كاملًا لم يتيسر لكل الناس، فبعضهم يحفظ بعض السور، فيكون الذي حفظ إحدى السور التي ذكرت فيها قصة معينة عالمًا بتلك القصة كعلم من حفظ سورة أخرى ذكرت فيها تلك القصة «١» .\nوفي ذلك يقول بعض الباحثين:\n\" إن في القصص القرآني المعاد مبناها ومعناها فوائد عديدة، ولكن أهمها هو أن حكمة إعادتها تشتمل على التذكير بالله ﷿ والطريق للوصول إلى معرفته عز اسمه \" «٢» .\nونحن نعتقد من خلال استقراء سورة القصص أن ما ورد فيها من ذلك يحمل كل الحكمة والموعظة الحسنة. لأن التكرار الذي فيها إنما كان في قصة موسى\n(- ﵇ -) وفرعون في تكرار تعداد نِعم الله ﷿، وفي تكرار التحذير من الدنيا، وكل تلك المعاني صيغت في سُوْرَة الْقَصَصِ بأسلوب آخر مختلف كلّ الاختلاف عن أي سورة أخرى من سور الَقُرْآن الكَرِيم، فبطل ما ادعاه هؤلاء (المتحذلقون) في سوء فهم التكرار في النصّ الَقُرْآنيّ عمومًا وفي سُوْرَة الْقَصَصِ خصوصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المطلب الرابع: فوائد القصص القرآني</span>\n_________\n(١) التَّحْرِيْر والتَّنْوِير. تَأَلِيْف مُحَمَّد الطاهر ابن عاشور. الدار التونسية للنشر. سنة ١٩٨٤ م: ١ /٦٨- ٦٩.\n(٢) إعادة المعنى في النصّ الَقُرْآني. د. عَبْد الله سلوم. الطبعة الثانية. الدار الجامعية للنشر. بيروت، لبنان. ١٩٩٤ م: ص ٢٢٨-١٢٩.","vol":"1","page":48},{"text":"إن القرآن الكريم كتاب الله تعالى الذي يتضمن كلماته إلى خاتم رسله وأنبيائه محمد (- ﷺ -)، هو كتاب الدين كله، وهو عمدة الملة وروح الوجود الإسلامي منه تستمد العقيدة والشريعة والأخلاق، فهو كتاب لكل الأزمان جعله الله هدى للعالمين من الإنس والجان. كل شيء فيه لحكمة وقد قص الله علينا في كتابه أحسن القصص ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَص﴾ «١»، وهذا يتناول كل ما قصه الله علينا في كتابه العظيم، وكان لإيراد القصص القرآنية حكمًا ودروسًا لتربية الأفراد والمجتمعات للقادة والدعاة، ومن هذه الفوائد التي تلاحظ بمجملها في سورة القصص الشريفة وفي باقي سور القرآن الكريم:\nأن نفقه ما جاء في هذه القصص من أخبار وحقائق ومعاني وأنماط من المدافعات بين أهل الحق والباطل وان نعتبر به. فمن ذلك ما حصل للأنبياء وما أصابهم من الأذى في سبيل الله، ثم إن الله نصرهم وجعل العاقبة الحسنى لهم، وفي ذلك عبرة للمؤمنين «٢»، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ «٣» .\nالتحدي العظيم لأهل الكتاب، لأن أهل الكتاب كانوا في ذلك العصر لهم معرفة بأخبار الأنبياء لاسيما أحبارهم ورهبانهم، فقطع القرآن حجتهم على المسلمين قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ «٤»، فكان حملة القرآن أحق بان يوصفوا بالعلم الذي وصفت به أحبار اليهود، فانقطعت صفة الأمية عن المسلمين في نظر اليهود «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ٣.\n(٢) المستفاد من قصص الَقُرْآن للدعوة والدعاة. د. عبد الكريم زيدان. الطبعة الأولى. مؤسسة الرسالة. بيروت. ١٩٩٧ م: ١/٧.\n(٣) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ١١١.\n(٤) سُوْرَة هُوْد: الآية ٤٩.\n(٥) التحرير والتنوير: ١ /٦٥.","vol":"1","page":49},{"text":"في القصص القرآنية فائدة عظيمة للكفار والمشركين والعصاة والظلمة والمتكبرين، لكي يروا ما حصل بأمثالهم من الأمم السابقة ليتعظوا قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ «١» .\nفي قصص القرآن بيان لسنن الله في خلقه من الأمم والجماعات والأفراد، وهي سنن جرت على الماضين، وتجري على اللاحقين ليعتبر بها المؤمنون، فلهذا لا يراد بقصص القرآن الكريم السرد التاريخي للأمم والأشخاص والجماعات، وإنما يذكر منها مواضع العبرة والاتعاظ والتذكر، كما قال تعالى: ﴿وَكُلًا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ «٢»، لذلك لا تذكر الحوادث بالترتيب ولا تستقصى «٣» .\nفي القصص القرآني فائدة كبيرة لأهل الدعوة والدعاة لا غنى لهم عن معرفتها فهي تعرفهم:\nمناهج الأنبياء ﵉ في دعوة أقوامهم إلى الله وبيان ما أصابهم من أذى في سبيل الله، وكان النصر في نهاية المطاف نصيبهم، وكيف أن الله أظهرهم على عدوهم رغم قلة عددهم. فعلى اللاحقين من المؤمنين عدم اليأس، وليعلموا أن ما أصابهم من أذى قد أصاب من قبلهم، ولكن العاقبة أبدًا للمتقين «٤» لما قال سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٥» .\nوكذلك هناك فائدة أخرى للدعاة، وهي ما اشتملت عليه القصص القرآنية من بيان لما جبلت عليه النفس الإنسانية من غرائز وميول ورغبات وكيف عالج الأنبياء ﵉ أحوال الناس وفقًا لهذه الميول والرغبات.\n_________\n(١) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٧٦.\n(٢) سُوْرَة هُوْد: الآية ١٢٠.\n(٣) ينظر محاسن التأويل: ١ /١٤٤. المستفاد من قصص القرآن: ١/ ٧.\n(٤) المستفاد من قصص القرآن: ١/ ٧.\n(٥) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٢٨.","vol":"1","page":50},{"text":"هناك فائدة أخرى يمكن أن يستفاد منها التربويون من خلال دراسة المنهج التربوي في القصص القرآني.\nوكذلك يمكن الاستفادة من القصص القرآني لأهل الاقتصاد من خلال دراسة المعالجة الاقتصادية كما في قصة سيدنا يوسف (- ﵇ -) مثلًا، أو اقتصاد قارون الجامع بين العلم والكفر كاقتصاد العولمة الحديث مثلًا.\nوالقادة كذلك لا غنى لهم عن دراسة القصص القرآني من خلال إدارة بعض الأنبياء لشؤون الناس، إضافة إلى مهمة النبوة، ولهم في قصة سيدنا سليمان (- ﵇ -) المثل الأعلى، وكيف استطاع الرسول (- ﷺ -) في زمن بسيط من أن يجعل كل جزيرة العرب تحت لوائه قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ «١» «٢» .\nويتعلم الشباب من قصة سيدنا يوسف (- ﵇ -) العفاف وكيفية كبح الشهوات. وكذلك من حياء ابنة شعيب في سُوْرَة الْقَصَصِ في قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ «٣» .\nوفي القصص تسلية للمبتلين فقد ابتلي سيدنا أيوب (- ﵇ -) بالمال والأولاد والنفس.\nوأغرى إبليس قومه فطردوه وجعلوه بعيدًا عن الديار فلم يزده ذلك إلا شكرًا وصبرًا حتى عوفي «٤» .\nولا ريب أن كل ذلك مما يستقيم به بناء الشخصية الإسلامية قرآنيًا أو على قول بعض الباحثين:\n_________\n(١) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ١٥٩.\n(٢) المستفاد من قصص القرآن: ٢ /٢١١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٤) القصص الحق. وهبة رشدي. تقديم: مُحَمَّد عمارة. الطبعة الأولى. دار البيان العربي. القاهرة. ١٩٩٢ م: ١/٢١٤-٢١٥.","vol":"1","page":51},{"text":"\" يستفاد من قصص القرآن الكريم التأسي الحق بأنبياء الحق - عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام - وفي ذلك فائدة وأي فائدة \" «١»، وهو الذي نعده نحن أحد مقومات السلوك الإيماني للشخصية الإسلامية من خلال تكرار القصص القرآني المتلو يوميًا وإعادتها.\nوفي سُوْرَة الْقَصَصِ استفدنا أيضًا أربعة فوائد:\nإن الطاغية مهما بلغ جنده وتجبره مآله الهزيمة.\nإن قوة الإيمان تغلب كلّ قوة كفرية.\nإن المال الذي يؤدي بصاحبه إلى الهلاك، هو مال لا فائدة فيه في الحياة الدنيا.\nإن مآل الإنسان المؤمن هو الرجوع إلى معاده الذي أحب في الدنيا أو في الآخرة.\n_________\n(١) المصدر نفسه: ٢/ ٣٩٧.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الفصل الثاني: وقفات بين يدي السّورة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الأول: نظرات توجيهية في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب الأول: توجيه المعنى في ذاتية السورة</span>\nمن الواضح للعيان أن السمة الغالبة على سورة القصص هي نظام الجملة الطويلة، المؤدية للبيان في تفخيم اللفظ وتعظيم المعنى، وذلك أن اختلاف سياق قصة نبي الله موسى (- ﵇ -) فيها، يختلف كل الاختلاف عن قصة النبي الكريم نفسه في باقي مواضعها من القرآن الكريم.\nوقد علل ذلك الدكتور راجي رفاعي بقوله: \" وقصة نبي الله موسى (- ﵇ -) في سورة القصص تأخذ بعدًا شموليًا مؤديًا لذاتية حقيقة القصة في إطالة مقصودة بذاتها، لتشمل فيما تشمله من أشياء:\nأولًا: زيادة التبيين للسياق الذي تسير فيه القصة بأسلوب جديد.\nثانيًا: الإكثار من ذكر الجزئيّات القصصية التي لم تعرف من قبل.\nثالثًا: إعادة الرواية الحقيقية التي حرفت في التوراة المنحولة \" «١» .\nونحن نوافق هذا الباحث فيما ذهب إليه، ونزيد عليه في توجيه المعنى الذي هو:\n(الأخذ بسياق النص نحو إبراز تأويلاته المؤدية إلى معناه) «٢» . بأن نحاول بناء مخطط بياني بخطوط عريضة لذاتية سورة القصص، فهذا المخطط سوف يشمل «٣»:\nعلو فرعون في الأرض.\nاستضعاف بني إسرائيل.\nولادة موسى (- ﵇ -) والتقاط آل فرعون له.\nقصة إرضاع موسى (- ﵇ -) .\nحادثة قتل موسى (- ﵇ -) لعدوه.\nهم موسى (- ﵇ -) بالبطش بالعدو الآخر.\nخروج موسى من المدينة بعد التآمر عليه.\nوصول موسى (- ﵇ -) إلى مدين وسقيه الماء للمرأتين.\nزواج موسى (- ﵇ -) من بنت شعيب (- ﵇ -) .\n_________\n(١) موسى (- ﵇ -) في الكتاب والسنة. د. راجي رفاعي. الطبعة الأولى. دار النشر الأكاديمية. القاهرة. ١٩٩٢ م: ص٢٣٨. وراجع قصص الأنبياء في المرويات الإسلامية. دراسة مقارنة. فهيمة مُحَمَّد علي. الطبعة الأولى. . دار الشرق. القاهرة. ١٩٩٤ م: ص ٢٩٩. إذ تؤيد مؤلفته ما نقلناه بقولها: \" إن في سُوْرَة الْقَصَصِ انسجامًا في إعطاء تشخيص كلي لصورة موسى ﵊ \".\n(٢) التحليل التطبيقي للنصوص. حكيمة محسن. الطبعة الثانية. مكتبة الفكر. بيروت، لبنان. ١٩٨٨ م: ص ٣٣٧.\n(٣) استنادًا إلى السورة نفسها.","vol":"1","page":53},{"text":"ونلاحظ ههنا أن اسم الأب لم يذكر صراحة في سورة القصص ولا في سواها، غير أن الآثار الصحيحة وردت بذلك «١» .\nقضاء سيدنا موسى (- ﵇ -) الأجل.\nقصة إرسال موسى (- ﵇ -) وكلام الله تعالى له.\nإرسال هارون مع موسى (- ﵇ -) .\nأمر فرعون لهامان ببناء الصرح.\nإغراق جنود فرعون معه.\nالمنة على موسى (- ﵇ -) .\nتذكير رسول الله (- ﷺ -) بما جرى، وذكر كفر قومه.\nصفات المؤمنين.\nشروط إهلاك القرى.\nآلاء الله ﷿ يوم القيامة.\nصفات الله ﷿.\nذكر قصة قارون.\nتذكير رسول الله (- ﷺ -) بما لله من قوة.\nوالملاحظ على هذا المخطط الذي يختصر لنا مقاصد سورة القصص أنه يشمل أمورًا يرتبط بعضها ببعض، ويأخذ بعضها برقبة بعض.\n_________\n(١) ينظر قصص الأنبياء في المرويات الإسلامية: ٢٩٩، وراجع قصص الأنبياء. الحَافِظ عماد الدِّيْن إسماعيل بن عمر بن كَثِير القُرَشي الدَّمَشْقي أبو الفِداء. ت ٧٧٤ هـ. الطبعة الثانية. تحقيق وتعليق: مُحَمَّد عَلِيّ الصابوني. دار القُرْآن الكَرِيْم. مصر. ١٩٨١م: ص٢٢٤. قصص الأنبياء. عبد الوهاب النجار. مكتبة النهضة العربية. الطبعة الثالثة. مصر. (د. ت): ص١٦٩، وهو يشكك في ذلك.","vol":"1","page":54},{"text":"ومن قبل تنبه القدماء لذلك، فقال ابن جماعة المقدسي: \" وقد تضمنت سورة القصص جماع قصة موسى - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ، وجاءت القصة في موضعها ناصعة كالشمس في رابعة السماء، ثم بعد ذلك أثنى الله ﷻ على نفسه وعدد على رسوله (- ﷺ -) نعمه حتَّى انتهاء السورة \" «١» .\nويزيد هذا النص المهم وضوحًا ما ذكره بعض الباحثين المحدثين، إذ قال: \" والمتتبع لما احتجنته سورة القصص يجد جانبًا من جوانب إبراز النص المكرر بصيغة لا تشعر بتكراره، ولم يأت ذلك إلا في كلام الله تعالى، فقصة نبي الله موسى (- ﷺ -) متفرقة في عدة آيات، إلا أن صيغتها الإلهية في سورة القصص تجعلها من الروعة بمكان، ثم إن وجه الإعجاز يظهر بعد ذلك في المقارنة القرآنية بين فرعون وجنوده وقريش وأظن ظنًا يقرب من اليقين أن خواتيم سورة القصص التي احتوت على قصة قارون، هي إشارة لقريش وعظماء أغنياء رجالها بأنهم إن لم يسلموا ويؤمنوا ويتقوا، فإنهم سيواجهون الخسف - مصير قارون - وفي ذلك ما يدلنا على الرابط المعنوي لأوائل السور بنهاياتها، وما فيها من إشارات\" «٢» .\n_________\n(١) رسالة في فضائل السّور. مُحَمَّد بن إبراهيم بن سَعَد الله بن جماعة. (٦٣٩ - ٧٢٧) . تحقيق: مُحَمَّد رشاد. الطبعة الأولى. دار الحديث. مصر. ١٤٠٨ هـ.\nرسم المصحف دراسة لغوية تاريخية. غانم قدوري الحمد. الطبعة الأولى. اللجنة الوطنية للاحتفال بمطلع القرن الخامس عشر الهجري. مؤسسة المطبوعات العربية. ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م: ص ٤٧-٤٨.\n(٢) الوحدة الموضوعية في الَقُرْآن الكَرِيم. سليم سليمان. الطبعة الثانية. الدار التونسية للنشر. تونس. ١٩٨٨ م: ص٣٩١.","vol":"1","page":55},{"text":"ونحن إِذَا اتجهنا ناحية التوجيه المعنوي لذاتية السورة في محاولتنا لإبراز مكامن التحليل البحثي لهذه السورة نجد أن آيات سورة القصص تأخذ طريقًا مبينًا في الإيضاح فقوله تعالى: ﴿َلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «١» قد سبك في صياغته اللفظية بجملة غير مسبوقة، في التعبير القرآني ﴿وَصَّلْنَا﴾، واقتران هذا الإيصال والتوصيل بالتذكير بالفعل المضارع يرينا وجهًا من وجوه آفاق النص القرآني، ويمكن فهم هذا الوجه بأن جملة ﴿لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ مقترنة بما بعدها لا بما قبلها، فينتج عن ذلك أن نخرج بالمعنى العام: إنا نواصل إرسال رسلنا بكلماتنا للناس كافة لأجل ان يتذكروا الإيمان «٢» .\nوهو بعض ما تنبه له قدماء المفسرين «٣»، فإذا ما أخذنا آية أخرى وحاولنا تحليلها تحليلًا موضوعيًا فإننا سنأخذ على سبيل المثال لا الحصر في ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥١.\n(٢) ينظر الإِتقَان فِي علُوم القُرْآن: ١ /١٧٧.\n(٣) جامع البَيَان عَنْ تَأوِيل آي القُرْآن المعروف بتفسير الطَّبَري. أبو جعفر مُحَمَّد بن جَرِير الطَّبَري. ت ٣١٠ هـ. حققه وخرج أحاديثه: محمود مُحَمَّد شاكر. راجع أحاديثه: أحمد مُحَمَّد شاكر. دار المعارف بمصر ج ٨ سنة ١٩٧١. ج ١١ سنة ١٩٥٧ م: ٨ /١٩٩. وقارن مَفَاتِيح الغَيْب: ١٢/ ٢٦٢.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٧.","vol":"1","page":56},{"text":"فإن سياق المعنى في الآية هو خطاب أهل مكة من الكفار والمشركين لرسول الله (- ﷺ -)، والملاحظ أن الصيغة التي أتت بها بعض ألفاظها تحمل إعجازًا محسوسًا في حد ذاتها فقوله تعالى: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ يكاد أن يشخص حالهم بين الخوف والاستهزاء، وهو ماتنبه له بعض المفسرين المعاصرين فقال: \" وقوله تعالى: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ مشعر في جوهره ومضمونه أنهم - أي الكفار من قريش - مزجوا رفضهم الانكاري بمحاولة إبراز ما في دواخل أنفسهم من خوف من أنهم إِذَا ما اسلموا اخرجتهم العرب من الحرم - هكذا تصوروا وزعموا - فمنّ الله عليهم بتمكين الحرم، ووصف أكثرهم بعدم العلم \" «١» .\nفتوجيه المعنى واضح هنا كلّ الوضوح في سياقه من سُوْرَة الْقَصَصِ، ونحن في توجيهنا للمعنى العام نلاحظ أن هنالك تواصلًا بين قصة موسى (- ﵇ -) وهذه الآية، فبنو اسرائيل بعد أن أنجاهم الله تعالى من فرعون وجنوده جادلوا رسولهم ورفضوا دخول الارض المقدسة. والسياق التعبيري القرآني يشعر في بعض معانيه بأن حال هؤلاء كحال هؤلاء «٢»، أي: إن بني إسرائيل كادوا يتخطفون في رفضهم دخول الأرض المقدسة، وهو أمر إلهي.\n_________\n(١) تفسير آيات الجدل في القرآن الكريم. حسن رفاعي. الطبعة الأولى. القاهرة. ١٩٩٤ م.: ص٤٩٧.\n(٢) ينظر التفسير الحديث. مُحَمَّد عزة دروزة. الطبعة الرابعة، بيروت، لبنان. ١٩٨٤ م: ٧/١١٨.","vol":"1","page":57},{"text":"ونجد من هذا التوجيه للمعنى في داخل السورة أن قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ «١»، يتوجه نحو تقرير موضوع جديد في النفوس بواسطة ابراز مآل رسول الله (- ﷺ -)، وهي آية طالما آثارت عند المفسرين نقاشات لإبراز المعاني الأولى، والمعاني الثانية، لا بل والمعنى الكامن في سياق النص، فقال ابن قتيبة: \" معاد الرجل بلده، لانه يتصرف في البلاد، ثُمَّ يعود إليه. وفي الآية تقديم وتاخير، والمعنى أن الذي فرض عليك القرآن، أي: جعلك نبيًا، ينزل عليك القرآن، وما كنت ترجو قبل ذلك أن تكون نبيًا يوحى اليك الكتاب، لرادك إلى مكة ظاهرًا\nقاهرًا \" «٢» .\nوهو تأويل معنوي يشعر بإحساس ابن قتيبة بتحليل المضمون بدلالة الفظ، بينما يقرر مفسر من المحدثين في توجيهه للمعنى أنه: \" اختلفت الآراء في هذا المعاد الذي تقرره الآية الكريمة، فقال قوم: أي إلى وطنك مكة.\nوقال قوم: أي إلى يوم القيامة.\nوعزز الرأي الاول ما تلاها من قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ «٣»، فإن السياق مشعر بالرأي الاول \" «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٢) تَأوِيل مُشْكِل القُرْآن. ابن قتيبة أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مسلم. ت ٢٧٦. الطبعة الثالثة. تحقيق: أحمد صقر. المكتبة العلمية. المدينة المنورة. ١٩٨١ م.: ص ٤٢٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٤) مكامن العرفان في تفسير الَقُرْآن. الشيخ حازم عَبْد الله. الطبعة الأولى. الدار الإسلامية، بيروت، لبنان. ١٩٩٥ م: ٤ / ٢٦٦-٢٦٧.","vol":"1","page":58},{"text":"وهكذا يستبين لنا أن آفاق النص المفتوح توجه المعاني في تأويله، ومثل ذلك قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «١»، وهي آية صيغت صياغة جميلة ذات دلالة على ما يرضي الله عزوجل، غير أن كلمة ﴿الْفَرِحِينَ﴾ تفتح أبوابًا لتفسيرها وتأويلها بين كونها على الحقيقة، أو على المجاز. فقال مجاهد: \" يعني المبذخين الأشرين البطرين الذين لايشكرون الله فيما أعطاهم \" «٢»، فأول الفرحين بمن هذه صفتهم، ولا ريب في أن توجيه هذا التأويل يتطلب أن يكون قد تم نقله من المعنى الحقيقي الذي هو كل فرح ضمن سياق الفرح الانساني. الى المعنى المجازي، الذي هو: الفرح، كل من أوتي نعمة فكفرها وجحدها وفرح بكفره وجحوده في الدنيا، أو بمعنى آخر هو أن مجازية معنى (الفرح) انتقلت إلى حال من نهي عن الفرح بما أوتي في الدنيا، ولم يحبه الله ﷾.\nفيتوجه المعنى في ذلك إلى سياق جديد مجازي، وهو ما تنبه عليه بعض الدارسين للنص القرآني، فقال: \" الفرح مفهوم مجازي حقيقته السرور، ومجازه الحب الدنيوي، والأطمئنان لها، وفي سورة القصص جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «٣» .\nوفسرت كلمة ﴿الْفَرِحِينَ﴾ بمعنىالكفار، فنقلت إلى المجاز، ولا ريب أن نقل الكلمة من الحقيقة إلى المجاز لا يتم الا بقرينة صارفة \" «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٢) تفسير مجاهد. مجاهد بن جبر المخزومي التابعي أبو الحجاج. (٢١ - ١٠٤) . تحقيق: عَبْد الرَّحْمَن الطاهر مُحَمَّد السورتي. المنشورات العلمية. بيروت. (د. ت): ص٤٩٠.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٤) الألفاظ الَقُرْآنية بين الحقيقة والمجاز. دراسة نقدية. عَبْد الله إمام عَبْد الله. الطبعة الأولى. مطبعة الرحمة. القاهرة. ١٩٩١ م: ص ٣٢٢ –٣٢٣.","vol":"1","page":59},{"text":"ونحن نعتقد أن الأسلوب القرآني في سورة القصص من أولها إلى أخرها جاء في شكل من أشكال التعبير الإنسيابي الذي فتح المعنى الكامن في سياق الألفاظ؛ ليتوجه تأويل قدماء المفسرين ومحدثيهم، فالمعنى في سورة القصص يجري في شكل يأخذ بمجامع القلوب.\nوقد تنبه دارسو الأسلوب القرآني على حقيقة ذلك، وقرروا أن نص آيات سورة القصص في أسلوبه يحمل من أوجه الإعجاز ما يفتح المعاني لتنساب انسيابًا وفق البناء اللغوي المعنوي «١» .\nوقد وجدنا أثناء التحليل الشمولي لسورة القصص أن في ضمن آياتها معاني لا تتأتى من مجرد القراءة الأولى ولا الثانية، بل تحتاج إلى قراءات وقراءات ليتفتح للعقل من إعادة استقرائها استنباط إشارات النص وهو أمر يمس توجيه المعنى يحبث يكون متواصلًا ومترابطًا معه، ولا بأس باستعراض نموذج سوى ما قدمناه في استعراضنا للنماذج الأخرى المنتقاة من سورة القصص، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ «٢» .\nفإن سياق الآية في توجيهها المعنوي يختلف عن آيات أخرى جاءت بالمعنى نفسه في مواضع أخرى من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ «٣»، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ «٤» .\n_________\n(١) ينظر دراسات في أساليب القرآن الكريم. مُحَمَّد عبد الخالق عظيمة. الطبعة الثالثة. مَكْتَبَة الخانجي بالقاهرة. ١٩٨٦ م: ٥ / ٣٥١.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٨.\n(٣) سُوْرَة النَّحْلِ: الآية ٨.\n(٤) سُوْرَة الرَّعْدِ: الآية ١٦. سُوْرَة الزُّمَرِ: الآية ٦٢.","vol":"1","page":60},{"text":"فإن قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار﴾ دال على شمولية الخلق وفق المشيئة الإلهية التي لا اختيار معها، والنصف الثاني من الاية: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ دال في معناه المستنبط على أن لا خيار لمخلوق في خلق مع خلق الله «١» .\nوقد دل العلم الحديث على إعجاز هذه الآية إعجازًا سبق القرن العشرين الميلادي بخمسة عشر قرنًا، ونجد ذلك في النص الآتي الذي يحلل فيه أحد الباحثين هذه الآية:\n\" وفي القرآن الكريم آيه تفتح معانيها الظاهرة والباطنة (المعاني الكامنة) أعين المؤمنين والكافرين في الإعجاز الذي تُؤَوَّل وتؤُول إليه وهي: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، أي: في الخلق والاختيار فيه، فقد دلت البحوث العلمية الأكاديمية أن لا إمكانية مطلقًا رغم كل التطور العلمي والتقني لاختيار خارجي في التكاثر والحمل والإنجاب، بعد أن أثبت العلم الحديث استحالة إيجاد خلق جديد من لا شيء سوى الانتخاب العلمي، وبهذا فإن الجملة وردت في آية قصيرة سبقت كل علوم الغرب الحديثة \" «٢» . ونحن إنما نقلنا هذا النص استئناسًا به في تحليلنا لعملية توجيه المعنى في سورة القصص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الثاني: توجيه الآيات التي أشكل إعرابها </span>في سورة القصص\nوأثرها في تغيير المعاني\nلاحظ القدماء أن الإعراب يدل على المعنى الكامن في الجملة لذلك جعلوا الإعراب كما يقول الدكتور ثروت سعيد:\n_________\n(١) الجواهر في تفسير الَقُرْآن الكَرِيم. الشيخ طنطاوي جوهري. الطبعة الثانية. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر. ١٣٥٠ هـ: ١٣ / ٤٥.\n(٢) الَقُرْآن الكَرِيم والعلوم الطبية الحديثة. د. رشدي عبد الحميد. الطبعة الثانية. الدار العلمية. الكويت. ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م: ص٣٢٥.","vol":"1","page":61},{"text":"\" بابًا للولوج إلى باحة النص وضياءً ينير ظلمة المخفي، فالإعراب ليس كما فهمه بعض الناس أنه مجرد معرفةُ أماكن الرفع والنصب والخفض، بل هو في حقيقة الأمر مفتاح فهم النص وتأويله وشرحه \" «١» .\nوقد اهتم القدماء من المفسرين بتوجيه إعراب سورة القصص نحو المبنى والمعنى، وخرجوا من ذلك بنتائج مهمة جدًا على صعيد البلاغة والمعاني «٢» .\nومن الملاحظ نحويًا أن سورة القصص نصّ متعدد المعاني، لذلك كان اختلاف القدماء والمحدثين في توجيه الإعراب أحد أسباب (ثراء النص المعرب) رغم إنهم أوجدوا مشكلًا في الإعراب - هكذا بزعمهم - ولكن كل ذلك كان في خدمة النصّ القرآني في سورة القصص في حد ذاتها «٣» .\nوفي ذلك يقول بعض الباحثين:\n_________\n(١) أثر الإعراب في علم المعاني. د. ثروت أحمد سعيد. الطبعة الثانية. دار النشر الحديث. مصر. ١٩٩٦ م: ص١٧٧.\n(٢) راجع في إعراب سُوْرَة الْقَصَصِ نحويًا وبلاغيًا لدى القدماء الكشاف: ٣/١٦٤. البحر المحيط: ص١٠٤. ومن المحدثين، دراسات في أساليب القرآن الكريم: ٥/٣٥.\n(٣) إعراب القرآن المنسوب للزجاج، أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، ت ٣١١ هـ، تحقيق: إبراهيم الأبياري، الطبعة الثالثة، دار الكتب اللبنانية، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.: ١/٧١، ١/١٢٣ و٢/٤٣٣ و٣/٨٠٢. البَيَان في غريب إعراب القُرْآن. أبو البركات الأنباري. ت ٥٧٧ هـ. تحقيق: طه عَبْد الحميد طه. مراجعة مصطفى السقا. الناشر الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر. مصر. ١٣٩٠ هـ. ١٩٧٠ م: ٢/٣٢٩. مشكل إعراب القُرْآن. مكي بن أَبِي طالب القيسي أبو مُحَمَّد. ت ٤٣٧ هـ. تحقيق: د. حَاتِم صالح الضامن. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط٢. ١٤٠٥ هـ: ١ /٥٤١.","vol":"1","page":62},{"text":"\" إن في سورة القصص مواطن أشكلت إعرابيًا على بعض المعربين القدماء إلا أن ذلك الإشكال والاختلاف أثرى معاني الآيات، مما جعل المفسرين يستعينون بنتائج تلك الإشكالات الإعرابية في زيادة المعاني المؤداة. ومن ذلك اختلافهم في إعراب: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «١»، فقد أشكل في النص إضمار الفاعل (وهو الله ﷻ)، فأعرب بعضهم (نتلو) فعلًا مضارعًا وفاعله محذوف تقديره نحن، ولكن بعضهم أعربوا (نتلو) بأن فاعله ظاهر، لأنهم لم يستحلوا دينيًا أن يقدروا حذف الفاعل في أول النص \" «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٢) المشكلات الإعرابية في النصّ الَقُرْآني. د. عماد علي خربوطلي. الطبعة الثانية. مؤسسة النشر الحديث. القاهرة. ١٩٨٦ م: ص٣١٧.","vol":"1","page":63},{"text":"وكل هذا أدى إلى أن تكون عملية إعراب كلمات آيات سورة القصص ذات خاصية استلهامية في توجيه معنى النص المعرب، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ «١» «٢»، فان الإعراب هو الذي كشف عن العائد إلى الضمير في ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ هل هو الإسرائيلي أم هو المصري؟ فإن قوله: ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾، وهي جملة مكونة من (جار ومجرور للاسم الموصول ومبتدأ وخبره مرتبط ذلك كلّ بالجار والمجرور (لهما)، وفاعل هو المراد معرفته) دلت على أن الثاني (أي المصري الآخر ليس هو الذي يدلّ عليه النص القرآني بصيغة (عدو لهما) أبدًا بل هو الإسرائيلي نفسه «٣» .\nوفي ذلك يقول الدكتور عبد الله عبد الله:\n_________\n(١) جامع البيان: ٨ /٢١٨.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٩.\n(٣) المعاني الكامنة في النصّ الَقُرْآنيّ. دراسة تحليلية. د. عَبْد الله عَبْد الله. الطبعة الأولى. الدار الجماهيرية. طرابلس. ليبيا. ١٤١٢ هـ:: ص٣١٨.","vol":"1","page":64},{"text":"\" إن استنباط المعنى من ذاتية الإعراب يفيد في فهم ذات الآية، وهو علم تنبه له القدماء إلا أنهم لم يطوروه بل نقلوا علم المعاني من علم النحو إلى علوم البلاغة، ولو أنهم أبقوهما سويًا لما اضطروا إلى التنازع في عائد الضمير في قوله تعالى في سورة القصص ﴿عَدُوٌّ لَهُمَا﴾، فلو أنهم أعربوه فاعلًا مقترنًا جاره بضمير موسى والمصري، لتوصلوا إلى تحديد المراد من خلال دلالة الإعراب، وهناك آيات أخرى لا يمكن حل مشكلاتها المعنوية إلا بالعودة إلى الإعراب وتوجيه\nالمعنى \" «١» .\nوقد وجدنا كثيرًا من الباحثين يقومون بإعادة إعراب سورة القصص (كاملة) ليستخرجوا من ذلك دواعي الظواهر التأويلية فافلحوا في ذلك «٢» .\nإن سُوْرَة الْقَصَصِ في حد ذاتها من السور القليلة التي تتميز بانسيابية المعنى الإعرابي، ويتواصل التوجيه النحوي - الإعرابي - كما تقدم أيضًا - لذلك قمنا في سياق الرسالة بإعراب كلّ مقطع من مقاطعها، ضمن فصله الخاص به، غير أنا في هذا المطلب قمنا بعملية توجيه نحوي للدلالة الإعرابية المختلف فيها بين بعض المفسرين ومشكلاتها لدى بعض المعربين لأجل فهم أدق لما يؤدي إليه اختلاف الإعراب من اختلاف في المعنى بين الإعراب القديم والتوجيه الحديث، ولم نذكر في توجيهها إلا ما يقتضيه السياق في بعض الآيات وفق ترتيبها في سُوْرَة الْقَصَصِ لأجل الاستفادة من دلالة الإعراب، وقمنا بذلك وفق التقسيم الآتي:\nذكر الآية أو بعض الآية موضع الخلاف الإعرابي.\n_________\n(١) المعاني الكامنة: ص ٣٢١.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ الَقُرْآن. أبو القَاسِم بن حسين بن مُحَمَّد المعروف بالراغب الأصفهاني. ت ٥٠٢ هـ. تحقيق: نديم المرعشلي. دار الفكر. بيروت. (د. ت): ص٥٠٦. إعراب القرآن وبيانه وصرفه، محيي الدين درويش. دار ابن كثير للطباعة والنشر. بيروت، لبنان. ١٤١٢ هـ.: ٥/ ٢٧٦.","vol":"1","page":65},{"text":"ذكر رأي أو رأيين أو أكثر في الاختلاف في إعراب الآية.\nتوجيه الرأي المختار وفق تحليلنا.\nوبذلك نكون - إن شاء الله العلي العظيم - قد أتممنا الدلالات الإعرابية المختلف فيها.\n\n﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ «١»\nقال مكي بن أبي طالب القيسي: \" (تلك) في موضع رفع بمعنى هذه تلك، و(آيات) بدل منها، ويجوز في الكلام أن تكون (تلك) في موضع نصب بـ\n(نتلو) وتنصب آيات على البدل من (تلك) \" «٢» .\nوقال القرطبي: \" (تلك) في موضع رفع بمعنى هذه تلك، و(آيات) بدل منها، ويجوز أن يكون في موضع نصب بـ (نتلو)، و(آيات) بدل منها أيضًا، وتنصبها كما تقول: زيدًا ضربت. و(المبين)، أي: المبين بركته وخيره، والمبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص\nالأنبياء، ونبوة مُحَمَّد - ﷺ - \" «٣» .\nوقال محي الدين درويش: \" (تلك) مبتدأ، و(آيات الكتاب المبين) خبرها \" «٤» .\nوقال محمود صافي: \" وجملة (نتلو) لا محل لها، استئناف بياني، أو في محل رفع خبر المبتدأ (تلك)، والرابط مقدر، أي: نتلوها ... و(آيات) بدل من الإشارة، أو هي خبر ثان ... ويجوز أن تكون في محل نصب حال من (آيات) والعامل الإشارة \" «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٢.\n(٢) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤١.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن (المعروف بتفسير القرطبي) أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أحمد القرطبي. ت ٦٧١ هـ. الطبعة الثالثة. تحقيق: أحمد عَبْد العليم البردوني. مركز تحقيق التراث. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ١٩٧٨ م: ٦/ ٤٩٦٣.\n(٤) إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥/ ٢٧٨.\n(٥) الجدول في إعراب القُرْآن وصرفه وبيانه. محمود صافي. الطبعة الأولى. دار الرشيد. دمشق. ١٩٩١ م: ٢٠/ ٢٢١.","vol":"1","page":66},{"text":"إن الاختلاف بين المعربين أدى إلى أن يكون إعراب كلمة (تلك) بكونها مرفوعة دال على الثبات لآيات الَقُرْآن الكَرِيم التي أنزلت، أما إعرابها منصوبة بالفتحة بتقدير: أعني، فهو تكلف لا يضيف إلى المعنى شيئًا.\n﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ «١»\nقال العكبري: \" مفعوله محذوف دلت عليه صفته، تقديره شيئًا من نبأ موسى، وعلى قول الأخفش (من) زائدة و(بالحق) حال من النبأ \" «٢» .\nوقال السمين الحلبي: \" ويجوز أن يكون مفعوله محذوف دلت عليه صفته، وهي (مِنْ نَبَإِ مُوسَى)، ويجوز أن تكون (من) مزيدة، أي: نتلو عليك نبأ موسى. (وبالحق) يجوز أن يكون حالًا من فاعل (نتلو) أو من مفعوله، أي: متلبسين أو ملتبسًا بالحق، أو متعلق بنفس (نتلو) يعني نتلوه بسبب الحق \" «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٢) التبيان في إعراب القُرْآن. محب الدِّيْن عَبْد الله بن أَبِي عَبْد الله الحسين بن أَبِي البقاء عَبْد الله بن الحسين العكبري أبو البقاء. (٥٣٨ - ٦١٦) . تحقيق: عَلِيّ مُحَمَّد البجاوى. إحياء الكتب العربية. (د. ت): ١ /١٧٦.\n(٣) ينظر الدُّرُّ المَصُوْن في عُلُوْم الكِتَاب المَكْنُوْن. ابن السمين الحلبي. شهاب الدِّيْن أبو العباس بن يوسف. ت ٧٥٦ هـ. تحقيق الشيخ عَلِيّ بن معوض. وآخرون. ط١. دار الكتب العلمية. بيروت. ١٤١٤ هـ. ١٩٩٣ م: ٥/ ٣٣١.","vol":"1","page":67},{"text":"ونحن نرى أن إعراب (نتلو) وتعليقه بما سبق من الكلام على رأي بعض المعربين فيه إبعاد للمعنى عن وضعه الذي وضع ذلك التقدير له، وذلك إن جعل مفعوله محذوفًا وتقديره (شيئًا) على رأي العكبري، أوجه في دلالته الإعرابية من باقي الآراء، أما رأي الأخفش في كون (من) زائدة، فلا يليق بالمقام التفخيمي لألفاظ الَقُرْآن الكَرِيم حتَّى وإن أتى ذلك التعبير في مقام الإعراب، وأيًا ما يكن، فنحن نرجح هنا أن (نتلو) - بعيدًا عن الخلاف فيها - فعل مضارع مرفوع وأنه لا محذوف في تقديره.\n﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ «١»\nقال مكي بن أبي طالب: \" مفعولان لـ (جعل) بمعنى صير، فإن كانت بمعنى خلق تعدت إلى مفعول واحد \" «٢» .\nوقال ابن الأنباري: \" نصب (أهلها) و(شيعًا) لأنهما مفعولا (جعل) لأنه بمعنى صيَّر \" «٣» .\nوقال النحاس: \" و﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ مفعولان \" «٤» .\nوقال محي الدين درويش: \" (جعل أهلها) فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول و(شيعًا) مفعول به ثانٍ \" «٥» .\nونحن نرى أن الدلالة الإعرابية لـ (جعل) في نصبها مفعولين بعدها، أوجبت تصور شدة الظلم من فرعون، ولا خلاف بينهم في كون (جعل) نصبت مفعولين، إنما الخلاف في كونها بمعنى (صيّر)، فدلالة (جعل) غير دلالة (صيّر) وإن كانتا مما ينصب مفعولين من بعدهما، ففرعون جعل على الحقيقة ولم يصيّر على المجاز، ومن هاهنا كان تقدير الإعراب على حقيقته خيرًا من الاختلاف في كون (جعل) بمعنى (صيّر) كما هو واضح.\n﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ «٦»\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٢) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١ /٥٤١.\n(٣) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢/ ٢٢٩.\n(٤) إعراب القرآن (النحاس): ٢/ ٥٤٢.\n(٥) إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥/ ٢٧٩.\n(٦) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٤.","vol":"1","page":68},{"text":"قال السمين الحلبي: \" يجوز فيها ثلاثة أوجه:\nالأول - إنه مستأنف بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقًا وأصنافًا.\nالثاني - إنه حال من فاعل (جعل)، أي: جعلهم كذا حال كونه مُسْتَضْعِفًَا طائفة منهم.\nالثالث - إنه صفة لطائفة \" «١» .\nوقال الزمخشري: \" حال من الضمير في (وجعل) أو صفة لـ (شيعًا) أو كلام مستأنف \" «٢» .\nوقال أبو حيان: \" والظاهر أن (يستضعف) استئناف يبين حال بعض الشيع، ويجوز أن يكون حالًا من مضير \" «٣» .\nونحن نرى مما تقدم في الأوجه الخلافية في إعراب (يستضعف) أنهما جميعًا ذات إثراء للنص القرآني في سُوْرَة الْقَصَصِ، وإن كنا نرجح كون (يستضعف) حالًا على رأي الزمخشري، وابن السمين الحلبي، خلافًا لأبي حيان في جعله إياها استئنافًا، وهو تقدير لا يليق بالكلام الإلهي، لأن بلاغة إعراب النص حالًا أقوى من بلاغة إعراب النص استئنافًا، وذلك بمعنى أن الفعل المضارع (يستضعف) إذا أعرب حالًا دل على أن فرعون قام بالاستضعاف حقيقة فعلية، أما إعرابها استئنافًا فليس فيه تلك الدلالة.\n﴿يُذَبِّحُ﴾ «٤»\nقال السمين الحلبي: \" يجوز فيها ثلاثة أوجه: الاستئناف تفسيرًا لـ (يستضعف)، أو حال من فاعله، أو صفة ثانية لـ (طائفة) \" «٥» .\n_________\n(١) ينظر الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣١.\n(٢) الكَشَّاف: ٣/ ١٦٥.\n(٣) البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١٠٤.\n(٤) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٥) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٢.","vol":"1","page":69},{"text":"إن دلالة إعراب (يذبّح) - وهو فعل مضارع مضعف للمبالغة - في كونه حالًا أبلغ وأشدّ بلاغة من إعرابه صفة، لأن الصفة هاهنا لا تدلّ على ما يدلّ عليه الحال الذي هو للاستمرارية والدوام، وذلك لأن الحال في مقاييس الإعراب يتوجه للديمومة الزمنية خلافًا للصفة التي هي جامدة في كلّ حالاتها الإعرابية، ونحن إذا ما أعربنا (يذبّح) هاهنا حالًا دللنا على الزمنية المستمرة، أما إعراب ذلك استئنافًا فلا محل له في أوجه الدلالة الإعرابية، إذ تنتفي بذلك زمنية عملية قيام فرعون بالاستضعاف والقتل والتذبيح والاستحياء، لأن الاستئناف جملة جديدة بعد قوله تعالى: ﴿علاَ فِي الأَرْضِ﴾ والجمل الجديدة تستحق أن تعربا حالًا في موقعها.\n﴿وَنُرِيدُ﴾ «١»\nقال السمين الحلبي: \" فيه وجهان:\nأظهرهما إنه عطف على قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ عطف فعلية على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ.\nوالثاني إنه حال من فاعل (يستضعف) وفيه ضعف من حيث الصناعة، ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه مضارعًا مثبتًا فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريد، ولا حاجة إليه، أما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون وإرادة المِنَّة من الله تعَاَلىَ؟ لأنه متى منَّ الله عليهم تعذر استضعاف فرعون إياهم، وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّة بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع قريبة جُعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم \" «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٢) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٢.","vol":"1","page":70},{"text":"وقال الزمخشري: \" وعطفه على (نتلو) و(يستضعف) غير سديد. قلت: هي جملة معطوفة على قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ علاَ فِي الأَرْضِ﴾، لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيرًا لنبأ موسى وفرعون، واقتصاصًا له، (ونريد) حكاية حال ماضية. ويجوز أن يكون حالًا من (يستضعف)، أي: يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمنّ عليهم، فإن قلت: كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله المّنَّة عليهم، وإذا أراد الله شيئاَ كان ولم يتوقف إلى وقت آخر؟ قلت: لما كانت مِنَّة الله بخلاصهم من فرعون قرينة الوقوع، جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم \" «١» .\nإن حجج الاختلاف التأويلي في إعراب (ونريد) مما يثري النص القرآني ودلالاته المتعددة، وذلك أن كونه عطفًا على (إن فرعون) لا يستقيم به المعنى، أما ما يستقيم به المعنى فهو جعل (ونريد) حالًا لديمومة القدرة الإلهية، لأن الحال كما قدمنا يدلّ على الاستمرارية، ولا ريب أن عطفه - أي النصّ - على (ويستضعف) غير سديد لاختلاف التوجيه في الرفع والنصب، وبذلك يستقيم النصّ إعرابيًا.\n﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾ «٢»\nقال مكي: \" رفع على إضمار مبتدأ، أي: هو قُرَّة عَيْنٍ لي. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر (لا تقتلوه) . ويجوز نصبه بإضمار فعل يفسره (لا تقتلوه) تقديره: اتركوا قُرَّة عَيْنٍ لا تقتلوه \" «٣» .\nوقال ابن الأنباري: \" (قُرَّة عَيْنٍ) مرفوع من وجهين: أحدهما أن يكون مرفوعًا لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو قُرَّة عَيْنٍ. والثاني: أن يكون مرفوعًا لأنه مبتدأ، و(لا تقتلوه) خبر \" «٤» .\n_________\n(١) الكَشَّاف: ٣ /١٦٥.\n(٢) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٩.\n(٣) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٧.\n(٤) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢/ ٢٢٩ –٢٣٠.","vol":"1","page":71},{"text":"وقال النّحاس: \" قال الكسائي: المعنى هذا قُرَّة عَيْنٍ لي ولكَ، وقال أبو جعفر: وفي رفعه وجه آخر بعيد ذكره أبو إسْحًاق: يكون رفعًا بالابتداء والخبر (لا تقتلوه)، وإنما بَعُدَ لأنه يصير المعنى: إنه معروف بأنه قُرَّة عَيْنٍ له، وجوزاه أن يكون المعنى: إذا كان قُرَّة عَيْنٍ لي ولك فلا تقتلوه، ولم تقل نقتله، وهي تخاطب فرعون كما يخاطب الجبارون، وكما يخبرون عن أنفسهم (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) يكون لبني إسرائيل، ويجوز أن يكون لقوم فرعون، أي: لا يشعرون أن يسلبهم مُلكهم «١» .\nوقال العكبري: \" أي هو قُرَّة عَيْنٍ و(لي ولك) صفتان لـ (قُرَّة) \" «٢» .\nوقال أبو حيان: \" و(قُرَّة) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو قُرَّة، ويبعد أن يكون مبتدأ والخبر (لا تقتلوه) \" «٣» .\nوقال الحلبي: \" (قُرَّة عَيْنٍ) فيها وجهان أظهرهما أنه خبر مبتدأ أي: هو قُرَّة عَيْنٍ. والثاني - وهو بعيد جدًا - أن يكون مبتدأ والخبر (لا تَقْتُلُوهُ) وكأن هذا القائل حقه أن [لا] يذكر فيقول لا تَقْتُلُوها إِلاَّ أنه لما كان المراد مذكرًا ساغ ذلك \" «٤» .\nوعلى الرغم من هذا الخلاف الواسع في إعراب (قُرَّة عَيْنٍ) فإن جعل المضاف والمضاف إليه رفعًا على المبتدأ والخبر مما يستقيم به النص في دلالاته، وذلك أن الرفع أقوى تقديرًا من حالتي النصب والجر وكون المرفوع المبتدأ مضافًا لا يستلزم له تقدير محذوف أو محذوفين، على رأي الكسائي في تقديره، وأبي حيان في تقديره أيضًا، فإهمال التقدير في إعراب أوجه من تكلف ما لا يحتاجه النص القرآني التام.\n_________\n(١) إعراب القرآن (النحاس): ٢/ ٥٤٣- ٥٤٤.\n(٢) التبيان في إعراب القرآن: ١/ ١٧٦.\n(٣) البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١٠٦.\n(٤) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٢ – ٣٣٣.","vol":"1","page":72},{"text":"وإن هذا الاختلاف في إعراب (قُرَّة عَيْنٍ) يستنتج منه أن جعل الجملة (مضافًا ومضاف إليه) هو أرجح الأقوال عندنا لأنه يدلّ على القوة في إقناع امرأة فرعون لفرعون بدلالة الرفع دون أن نقدر أي محذوف.\n﴿لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ «١»\nقال مكي بن أبي طالب: \" (أن) في موضع رفع والجواب محذوف \" «٢» .\nوقال النَّحَّاس: \" (أنْ في موضع رفع، وحُذف الجواب لأَنَّهُ قد تقدم ما يدلّ عليه، ولا سيما وبعده ﴿لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ \" «٣» .\nوقال السمين الحلبي: \" جوابها محذوف، أي: لأبدت ﴿لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بـ (ربطنا)، والباء في (به) مزيدة، أي: لتُظْهِرَه. وقيل: ليست زائدة بل سببية، والمفعول محذوف أي: لتُبْدي القول بسبب موسى أو بسبب الوحي، فالضمير يجوز عوده على موسى أو على الوحي \" «٤» .\nونحن نرى أن المعنى الذي أوجبه اختلاف موضع التقدير في مرفوع (أن) يتوجه إِلى أَنَّ أم موسى اطمأنت بإيمانها بالربط على قلبها دون أنْ نقدر المحذوف الذي قدره ابن السَّمِين الحَلَبِي (أبدت) لأَنَّهُ يخل بالمعنى، وفيه زيادة على النص لا داعي لها.\n﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ «٥»\nقال مكي بن أبي طالب: \" (أشدّه) عند سيبويه وزنه أَفْعُل، وهو عنده جمع شدّة، كنعمة وأنعم، وقال غيره هو جمع شدّ من قدّ واقد. وقيل: هو واحد وليس في الكلام اسم مفرد على أفعل بغير هاء إلا اصبعًا في بعض لغاته \" «٦» .\nوقال الأَنْبَارِي: \" أشد جمع فيه ثلاثة أوجه:\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ١٠.\n(٢) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٢.\n(٣) إعراب القرآن (النَّحَّاس): ٢/ ٥٤٤.\n(٤) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٣.\n(٥) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ١٤.\n(٦) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٢.وينظر إعراب القرآن (النَّحَّاس): ٢ /٥٤٥.","vol":"1","page":73},{"text":"الأول: أن يكون جمع (شِدّة) كنِعْمَة وأنعم، وأصل أشدّ أشدُد على وزن أفعل، إلاَ أَنْه اجتمع حرفان متحركان من جنس واحد في كلمة واحدة، فسكنوا الأول وأدغموه في الثاني.\nوقيل: أشدّ جمع شدّ نحو قدّ وأقُدّ\nالثالث: أن يكون واحد ليس في الأسماء المفردة ما هو على وزن أفعُل ألا أصبع في بعض اللغات\" «١» .\nوالاختلاف الصرفي في تقدير وزن (أشده) إنما يستقيم تصريفه على رأي سيبويه في جعله له جمع شدة خلافًا للباقين الذين قدروا فيه عدة وجوه، منها ألا يكون له جمع كما ذكر ابن الأَنْبَارِي، وكذلك زعمهم أنه على زنة أفعل، وكل ذلك تكلف في التقدير الصرفي، أما إعرابه فهو مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وتقديره هو، أي: لما بلغ أشده هو على رأي النحاة.\n﴿يَقْتَتلاَنِ﴾ «٢»\nقال السمين الحلبي: صفة لرجلين. وقال ابن عطية: حال منهما وسيبويه وإن كان جَوَّزَها من النكرة مطلقًا إلاَ أَنْ غيره - وهم الأكثر - يشترطون فيها ما سيُسَوِّغُ الابتداء بها «٣» .\nإِنَّ دلالة كون (يقتتلان) في الاختلاف الإعرابي ذات توجيه للمعنى كون إعراب الكلمة صفة أبلغ من إعرابها حالًا، والرأي الذي ذكره سيبويه فيه توجيه للمعنى كون النكرة المطلقة تفيد عموم القتال بين الاثنين، وإن كانت العرب لا تجوز الابتداء بالنكرة في ذلك.\n_________\n(١) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢ /٢٣٠.\n(٢) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ١٥.\n(٣) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٥. وينظر المُحَرِّر الوَجِيْز في تَفْسِير الكِتَاب العزيز (المعروف بتفسير ابن عطية) . عَبْد الحق الغرناطي الأندلسي ابن عطية أبو مُحَمَّد. ت ٥٤١ هـ. تحقيق: عَبْد الله بن إبراهيم الأنصاري. ورفيقه مؤسسة دار العُلُوْم. الدوحة. ط١. ١٤٠٤ هـ. ١٩٨٤ م: ١٢ /١٥١.","vol":"1","page":74},{"text":"يعدّ رأي سيبويه الراجح في أَنَّ التوجيه الدلالي للمعنى أنما جعل الصفة أبلغ من الحال والمعلوم أَنَّ يقتتلان فيه فعل مطاوعة ومشاركة فيقارب المعنى أن يكون عموم القتال في كون الصفة أنما لازمت (يقتتلان) بدلالة الآية الأخرى حيث كان الإسرائيلي يقاتل القبطي الآخر مرة أخرى، فدلّ ذلك على ملازمة صفة القتال عدة مرات للإسرائيلي أي إن القتال صار طبعًا له.\n﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ «١»\nقال مكي بن أبي طالب: \" أي من أعدائه، ومعناه إذا نظر إليهما الناظر قال ذلك \" «٢» .\nوقال الأَنْبَارِي: \" أراد بهما حكاية حال كانت فيما مضى كقوله تعالى:\n﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ «٣»، فأعمل اسم الفاعل وإن كان لماضي على حكاية الحال من (عدوه)، أي: من أعدائه، وهو يصلح للواحد والجمع \" «٤» .\nوقال النَّحَّاس: \" ابتداء وخبر، والمعنى إذا نظر إليهما الناظر قال هذا من شيعته، أي: من بني إسرائيل ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾، أي: من قوم فرعون، وعدوّه بمعنى أعداء، وكذا يقال في المؤنث: هي عدو لك ومن العرب من يدخل الهاء في المؤنث هي عدو لك، لأنه بمعنى معادنه عند البصريين وعند\nالكوفيين \" «٥» .\nإن رأي ابن الأَنْبَارِي يفيد معنى الدوام كون الحال لما مضى يفيد الدوام. إن جذور العداء بين القبط وبني إسرائيل متأصلة في القدم، أما رأي النَّحَّاس فيفيد قصر المعنى على المبتدأ والخبر في وقته - أي وقت موسى (- ﵇ -) - فكانت الرسالة الإعرابية في كون ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ للحال الماضي أبلغ وأتم لواقع النص القرآني.\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ١٥.\n(٢) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٢.\n(٣) سُوْرَة الكَهْفِ: الآية ١٨.\n(٤) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢ /٢٣٠.\n(٥) إعراب القرآن (النَّحَّاس): ٢/ ٥٤٦.","vol":"1","page":75},{"text":"قال النَّحَّاس: \" فيه قولان أحدهما أنه بمعنى الدعاء، وهذا قول الكسائي، والفرّاء. وقدّره الفرّاء بمعنى اللهم فلن أكون ظهيرًا للمجرمين والقول الآخر\nأَنه بمعنى الخبر. وقال أبو جعفر: إِنْ يكون بمعنى الخبر أولى وأشبه بنسق\nالكلام \" «١» .\nوقال العكبري: \" (بما أنعمت) يجوز أن يكون قسمًا والجواب محذوف، و(فلن أكون) تفسير له، أي: لأتوبنّ، ويجوز أنْ يكون استعطافًا، أي: كما أنعمت عليّ فاعصمني فلن أكون \" «٢» .\nوقال الزمخشري: \" يجوز أن يكون قسمًا جوابه محذوف تقديره أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة لأتوبنّ ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وأن يكون استعطافًا كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من المغفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيرًا للمجرمين \" «٣» .\n﴿بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ يجوز في الباء أن تكون قسمًا والجواب لأتوبنَّ مقدرًا ويفسره (فَلَنْ أَكُونَ) وأن تكون متعلقة بمحذوف ومعناها السببية، أي: اعصمني بسبب ما أنعمت به عليّ، ويترتب عليه قوله ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ . و(ما) مصدرية، أو بمعنى الذي والعائد محذوف. وقوله: (فَلَنْ) نفي على حقيقته. وزعم بعضهم أَنه دعاء، وأَنَّ (لن) واقعة موقع (لا)، وأجاز قوم ذلك مستدلين بهذه الآية، وبقول الشاعر «٤»:\nلنْ تزالوا كذاكُمْ ثُمَّ لا زِلتَ لهم خالدًا خُلود الجبالِ «٥»\n_________\n(١) إعراب القرآن (النَّحَّاس): ٢/ ٥٤٧.\n(٢) التبيان في إعراب القرآن: ١/ ١٧٧.\n(٣) الكَشَّاف: ٣ /١٦٩.\n(٤) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٥.\n(٥) البيت للأعشى، ينظر ديوان الأعشى. تحقيق: المحامي فوزي عطيوي. الشركة اللبنانية للكتاب. بيروت. لبنان ١٩٦٨ م: ص ١٦٩.","vol":"1","page":76},{"text":"والذي أراه أَنَّ الراجح هو رأي من قال إن الجملة (قسم) بدلالة الباء في\n(بما) وليس استعطافًا دعائيًا وإن احتملت الجملة ذلك، وسبب ترجيحنا لكون (بما أنعمت) دعاء هو أن الباء باء القسم التي تجر (ما) في كلّ حالاتها.\n﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ «١»\nقال مكي بن أبي طالب: \" (خائفًا) خبر (أصبح) وإن شئت على الحال، و(في المدنية) خبر \" «٢» .\nوقال ابن الأَنْبَارِي: \" (خائفًا) منصوب لأنه خبر (أصبح)، ويجوز أن يكون (في المدينة) خبرها، و(خائفًا) منصوب على الحال \" «٣» .\nقال السمين الحلبي: \" (يترقب) يجوز أن يكون خبرًا ثانيًا وأن يكون حالًا ثانية، وأن يكون بدلًا من الحال الأولى، أو الخبر الأول، أو حالًا من الضمير في (خائفًا) فتكون متداخلة. ومفعول (يترقب) محذوف، أي: يترقب المكروه أو الفرج أو الخبر هل وصل لفرعون أم لا؟ \" «٤» .\nونحن نرجح الرأي الذي يجعل الجملة حالية لأنها أقوى في دلالة المعنى من كلّ الآراء الأخرى، لأن الحال يدلّ على الاستمرارية في كون فترة بقائه (- ﵇ -) في المدينة كلّ الوقت بخوف وتوجس، فلو أعربناها صفة لكان المعنى أَنه خاف مرة وترقب مرة، وهذا ما لا يدلّ عليه النصّ القرآني.\n\n﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ «٥»\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ١٨.\n(٢) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٢.\n(٣) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢ /٢٣٠- ٢٣١. وينظر إعراب القرآن (النَّحَّاس): ٢/ ٥٤٧.\n(٤) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٦.\n(٥) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ١٨.","vol":"1","page":77},{"text":"قال مكي بن أبي طالب: \" (الذي) مبتدأ وما بعده صلته، و(يستصرخه) الخبر، ويجوز أن تكون إذًا هي الخبر و(يستصرخه) حال \" «١» .\nوقال ابن الأَنْبَارِي: \" (الذي) في موضع رفع لأنه مبتدأ. وفي خبره وجهان:\nأولهما - أن يكون خبره (يستصرخه) .\nثانيهما - أن يكون خبره (إذا) و(يستصرخه) في موضع نصب على الحال \" «٢» .\nقال النَّحَّاس: \" (أمس) إذا دخلت عليه الألف واللام تمكنّ وأعرب عند أكثر النحويين، ومنهم من يبنيه وفيه الألف واللام، وإذا أضيف أو نُكِرَ تمكن أيضًا، والصلة في بنائه عند مُحَمَّد بن يزيد أن تصريفه ليس كتصريف المتمكنات، فوجب أنْ يبنى ولا يعرب، فكسر أخره لالتقاء الساكنين. ومذهب الخليل أن الياء محذوفة منه. وللكوفيين فيه قولان: أحدهما أنه منقول من قولهم أَمسى بخير، والآخر أن خِلقة السين الكسر، هذا قول الفراء، وحكى سيبويه وغيره أن من العرب من يجري أمسى مجرى ما لا ينصرف في موضع الرفع خاصة \" «٣» .\nإِنْ إعراب (الذي) مبتدأ هو أوجه الأقوال لأن الرفع فيه يدلّ على الفاعلية، والخبر هو (يستصرخه) . والتقدير: الذي هو يستصرخه. وإنما حذف (هو) وجعل تقديرًا.\nوأما إعراب (بالأمس) فهو جار ومجرور في موضع الظرف الزمني حالًا، وهذا ما نذهب إليه هاهنا في كون المعنى دلّ على أن الذي استنصره في اليوم الماضي هو نفسه الذي استنصره اليوم، بسوء فعله في قتاله القبطي، فكان إعراب الآية في كونها في موضع الحال مما يدلّ على أن خلق الإسرائيلي هو هو لم يتبدل.\n﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ «٤»\n_________\n(١) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٢.\n(٢) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢/ ٢٣١. وينظر إعراب القرآن (النَّحَّاس): ٢/ ٥٤٧.\n(٣) إعراب القرآن (النَّحَّاس): ٢/ ٥٤٩.\n(٤) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ١٨.","vol":"1","page":78},{"text":"قال أبو حيان: \" الظاهر أن الضمير في (له) عائد على الذي ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ بكونك كنت سببًا في قتل القبطي بالأمس، قال ذلك على سبيل العتاب والتأنيب. وقيل: الضمير في (له) والخطاب للقبطي ودل عليه قوله (يستصرخه) ولم يفهم الإسرائيلي أن الخطاب للقبطي \" «١» .\nوقال القرطبي: \" أي إنك لغويّ في قتال من لا تطيق دفع شره عنك \" «٢» .\nالذي يدلّ عليه السياق الإعرابي أن المتكلم هو الإسرائيلي خلافًا لمن قال إنه القبطي لأن بعدها: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾، فاستخدم الاستفهام و(أن) المصدرية هنا بعدها، والفعل الماضي مع تاء الخطاب، والجار والمجرور (بالأمس) فيدل على أن المتكلم هو الإسرائيلي الذي هو من شيعته، وليس القبطي، فما أدرى القبطي أن موسى قتل نفسًا بالأمس، وهذا من توجيه الإعراب للمعنى في سُوْرَة الْقَصَصِ.\n﴿يَسْعَى﴾ «٣»\nقال السمين الحلبي: \" يجوز أن يكون صفة وأن يكون حالًا، لأن النكرة قد تخصصت بالوصف بقوله ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، فإن جعلت (مِنْ أَقْصَى) متعلقًا بـ (جاء) فـ (يسعى) صفة ليس إلا، قاله الزمخشري بناء على مذهب الجمهور، وتقدم أن سيبويه يجيز ذلك من غير شرط، وفي سورة (يس) قدّم ﴿مِنْ أَقْصَى﴾ على ﴿رَجُلٍ﴾ «٤» لأنه لم يكن من أقصاها، وإنما جاء منها، وهنا وصفه بأنه من أقصاها وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان \" «٥» .\n_________\n(١) البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١١٠.\n(٢) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٨١.\n(٣) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٢٠.\n(٤) سُوْرَة (يس): الآية ٢٠.\n(٥) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٧.","vol":"1","page":79},{"text":"إِنَّ الفعل المضارع (يسعى) هاهنا في إعرابه صفة لا يصلح دلالة أن يعرب عليها، بل إن إعرابه حالًا أبلغ في الدلالة الإعرابية من النعت، وهي في كلّ الأحوال متعلقة بالفعل الماضي، والفاعل (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) والدلالة الإعرابية أوضح في الحالية منها في الصفة.\nيدلّ الفعل (يسعى) على أنه صفة للرجل، و(مِنْ أَقْصَى) متعلق به، وبـ (جاء)، والرجل إنما قدم مرة واحدة، فكان إعراب ذلك صفة أوجب في دلالة المعنى ليدلّ على كون المجيء في وقت بعينه.\n﴿تَذُودَانِ﴾ «١»\nقال السمين الحلبي: (تَذُودَانِ) صفة لـ (امرأتين) لا مفعول ثاني، لأن\n(وَجَدَ) بمعنى لقي، والذّودُ الطرد والدفع، وقيل: حَبَسَ ومفعوله محذوف أي تَذُودَانِ الناس عن غنمهما أو غنمها عن مزاحمة الناس (من دونهم)، أي: من مكان أسفل من مكانهم.\nوقال الزمخشري: \" فإن قلت لم ترك المفعول غير مذكور في (يسقون) و(تَذُودَانِ) و(لا نسقي)؟\nقلت: لأن الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قولهما: (لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) المقصود منه السقي لا المسقي «٢» .\nإِنَّ اختلاف إعراب (تَذُودَانِ) بين الصفة والمفعول خلاف لا يعتدّ به، لأَنَّ الرأي الذي يجعل الكلمة مفعولًا ثانيًا بعيدًا عن الدلالة، أما إعرابها صفة فهو الذي يجعل النصّ ظاهر المعنى، والصفة لـ (امرأتين) هي الأرجح إعرابيًا.\n﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ «٣»\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٢٣.\n(٢) ينظر الكَشَّاف: ٣/ ١٦٩. الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٨.\n(٣) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٢٥.","vol":"1","page":80},{"text":"قال مكي بن أبي طالب: \" (تَمْشِي) في موضع الحال من إحداهما، والعامل فيه (جاء) و(عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) في موضع الحال من المضمر في (تَمْشِي) والعامل فيه (تَمْشِي)، ويجوز أن يكون (عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) في موضع الحال المقدمة من المضمر في (قالت) والعامل فيه (قالت)، والأول أحسن \" «١» .\nقال أبو حيان: \" في الكلام حذف، والتقدير: فذهبتا إلى أبيهما من غير إبطاء في السقي وقصتا عليه أمر الذي سقى لهما، و(عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) في موضع الحال، أي: مستحيية متحفزة \" «٢» .\nإِنَّ الدلالة الإعرابية الممتزجة بمعاني البلاغة الكامنة في قوله تعالى:\n﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ واضحة جدًا، فالدلالة الإعرابية للفعل المضارع ثُمَّ ما أعقبه من حروف الجر والمصدر المزيد بالألف والسين والتاء، وزيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني - كما قال أهل العربية - كلّ ذلك جعل الجملة حالية - كما قال مكي بن أبي طالب ﵀ وأجاد في هذا القول خلافًا لبعض من أعربها خلاف ذلك، ولا تعلق لـ (قالت) بما تقدم، فإن في ذلك تكلفًا في الإعراب وفي التقدير الإعرابي.\n﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ «٣»\nقال السمين الحلبي: \" (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي) في موضع نصب على الحال إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطًا عليّ أو عليك ذلك و(تَأْجُرَنِي) مضارع أجَرْتُه: كنت له أجيرًا، ومفعوله الثاني محذوف، أي: تَأْجُرَنِي نفسك. و(ثَمَانِيَ حِجَجٍ) ظرف له «٤» .\nونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني «٥» .\n_________\n(١) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٢ – ٥٤٣.\n(٢) البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١١٤.\n(٣) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٢٧.\n(٤) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٩.\n(٥) البَحْر المُحِيْط: ٧/١١٤.","vol":"1","page":81},{"text":"قلت: الزمخشري لم يجعلها مفعولًا ثانيًا على هذا الوجه، وإنما جعلها مفعولًا ثانيًا على وجه أخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصّه ليتبين لك، قال: \" تَأْجُرَنِي من أَجَرْتُه كنت له أجيرًا كقولك: أَبَوْتَه إذا كنت له أبًا، و(ثَمَانِيَ حِجَجٍ) ظرف أو مِنْ أجَرْتُه كذا إذا أثبته إياه، ومنه تعزية الرَّسُول (- ﷺ -): «أجركم الله ورحمكم» «١»، و(ثَمَانِيَ حِجَجٍ) مفعول به.\nوكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدّر مضافًا ليصبح المعنى به، أي: رعي ثَمَانِيَ حِجَجٍ لأن العمل الذي تقع به الإنابة لا نفس الزمان فكيف يوجه الإجارة على الزمان \" «٢»؟\nإِنَّ الجملة الإعرابية (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي) انما كانت منصوبة الإعراب نحوًا ولغة لأن مفهوم النصّ في إعرابها حالًا هو الأقوى في العربية من إعرابها صفة، فكما قدمنا أن الحال أقوى في الاستدلال به من أي ظاهرة أخرى، لأن الحال للدوام المتجدد، لذلك كان قوله (أَنْ تَأْجُرَنِي) حال من المصدر (إيجارك لي)، وهو أبلغ في السياق.\n﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ «٣»\nقال مكي بن أبي طالب: \" (ذلك) مبتدأ وما بعده خبره، ومعناه عند سيبويه ذلك بيننا \" «٤» .\nوقال الزمخشري: \" (ذلك) مبتدأ و(بَيْنِي وَبَيْنَكَ) خبره، وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب، يريد ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشاطرتني عليه\" (٥) .\n_________\n(١) لم اقف عليه في كتب الحديث. وقد ذكره الزمخشري في الكَشَّاف: ٣ /١٧٢.\n(٢) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٩. وينظر أيضًا الكشاف: ٣ /١٧٢.\n(٣) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٢٨.\n(٤) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٣.\n(٥) الكَشَّاف: ٣ /١٧٣.","vol":"1","page":82},{"text":"إِنَّ دلالة الفعل الماضي (قال) في اقترانه بالمبتدأ يدلّ على استمرارية العهد في الإيجار، وتقدير سيبويه (ذلك بيننا) مبتدأ وخبر هو التقدير الأصوب لأنه يدلّ على العهد بين الاثنين، لأن موسى (- ﵇ -) وفقًا لهذه الآية إنما أتم الإيجار الأوفى الأتم والأكمل لقوله (بيني وبينك) على ما يدلّ عليه السياق الإعرابي للعهد الذي تقدم ذكره.\n﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ «١»\nقال مكي بن أبي طالب: \" نصبت (أي) بـ (قضيت)، و(ما) زائدة للتأكيد وخفضت (الأجلين) بإضافة أي إليهما. وقال ابن كيسان: (ما) في موضع خفض بإضافة (أي) إليها، وهي نكرة، و(الأجلين) بدل من (ما) \" (٢) .\nوقال الزمخشري: \" وفي قراءة عَبْد اللَّهِ بْنَ مَسْعُود: (أيّ الأجلين مَا قضيت)، وقريء (أيْما) بسكون الياء ... فإن قلت: ما الفرق بين موقعي (ما) المزيدة في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام أي زائدة في شياعها، وفي الشاذة تأكيد القضاء كأنه قال: أي الأجلين صممت على قضائه \" «٣» .\nوقال القرطبي: \" (أيما) استفهام منصوب بـ (قضيت) و(الأجلين) مخفوض بإضافة (أي) إليهما، و(ما) صلة للتأكيد، وفيه معنى الشرط وجوابه (فلا عدوان)، وأن (عدوان) منصوب بـ (لا) \" «٤» .\n(أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ) (أي) شرطية وجوابها (فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ) وفي (ما) هذه قولان:\nأشهرهما أنها زائدة كزيادتها في أخوتها من أدوات الشرط، والثاني أنها نكرة، و(الأَجَلَيْنِ) بدل منها «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٢٨.\n(٢) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٣. البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢/ ٢٣١.\n(٣) الكَشَّاف: ٣/ ١٧٤.\n(٤) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٩٥.\n(٥) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٩.","vol":"1","page":83},{"text":"إِنَّ إعراب (أي) مفعولًا مقدمًا هو الوجه الراجح، أما كون (ما) زائدة، فلسنا ممن يقول بالأحرف الزائدة في الَقُرْآن الكَرِيم، وهي مضافة إلى الأجلين، والتقدير: أي الأجلين، وليست مضافة إلى (ما) لأن دلالة ما اخترناه من الإعراب تزيل الإشكال الإعرابي الموجود، وبذلك تستقيم الجملة في دلالتهما الإعرابية في موقعها ليكون المعنى: أي أجل من الأجلين اخترته فهو لك بالخيار، وهذا مما يوجه المعنى نحويًا.\n﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾ «١»\nقال مكي بن أبي طالب: \" (أن) في موضع نصب بحذف حرف الجر، أي: بأن يا موسى \" «٢» .\nإننا نرى أن (أن) هنا منصوبة على تقدير (أعني) لا على تقدير (حذف حرف الجر الباء) فذلك تكلف، وبما اخترناه يكون جعلها منصوبة أوجه في العربية ليستقيم فهم المعنى بنصبها نحويًا ليكون المعنى أكثر قوة من حذف حرف الجر بتقدير (النداء) .\n﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ «٣»\nقال مكي بن أبي طالب: \" هو تثنية (ذا) المرفوع، وهو رفع بالابتداء، وألف (ذا) محذوفة لدخول ألف التثنية عليها، ومن قرأه بتشديد النون فإنه جعل التشديد عوضًا من ذهاب ألف (ذا) ... إنما شدد النون في هذه المبهمات ليفرق بين النون التي هي عوض من حركة وتنوين، أو من تنوين، وذلك موجود في الواحد، أو مقدر فيه ... وقيل: شددت للفرق بين النون التي تحذف في الإضافة، والنون التي لا تحذف في الإضافة أبدًا، وهي نون تثنية المبهم \" «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٣٠.\n(٢) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٣. وينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٩٩.\n(٣) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٣٢.\n(٤) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٤ – ٥٤٥.","vol":"1","page":84},{"text":"وقال القرطبي في تعليل تشديده خمسة أقوال: \" قيل: شدّد النون عوضًا من الألف الساقطة في (ذَانِكَ) الذي هو تثنية (ذا) المرفوع، وهو رفع الابتداء، وألف (ذا) محذوفة لدخول ألف التثنية عليها، ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأن أصله (فَذَانِكَ)، فحذف الألف الأولى عوضًا من النون الشديدة. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك وقيل: إن من شدّد إنما بناه على لغة من قال في الواحد ذلك، فلما بنى أثبت اللام بعد نون التثنية، ثُمَّ أدغم اللام في النون على حكم إدغام الثاني في الأول، والأصل أن يدغم الأول أبدًا في الثاني إلاّ أن يمنع من ذلك علة، فيدغم الثاني في الأول، والعلة التي منعت في هذا أن يدغم الأول في الثاني أنه لو فعل ذلك لصار في موضع النون التي تدل على التثنية لام مشددة، فيتغير لفظ التثنية، فأدغم الثاني في الأول لذلك، فصار نونًا مشددة. وقد قيل: إنه لما تنافى في ذلك أثبت اللام قبل النون، ثم أدغم الأول في الثاني على أصول الإدغام، فصار نونًا مشددة. وقيل: شددت فرقًا بينها وبين الظاهر التي تسقط الإضافة نونه، لأن (ذان) لا يضاف. وقيل: للفرق بين الاسم المتمكن وبينها \" «١» .\nوقد أختلف المعربون في تقدير إعراب (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ) فقيل: إنهما رفعا بالابتداء والخبر. أما تشديد النون فهو قراءة، والقراءة سنة متبعة، والتشديد قد يدلّ في العربية بزيادته على زيادة في المعنى غير موجودة في التحقيق، وتقدير الجملة: هذان برهانان، ولكن النون والكاف الإشارية أبلغ مما قدرناه وبهما جاء النص القرآني.\n﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا﴾ «٢»\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٠٢.\n(٢) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٣٤.","vol":"1","page":85},{"text":"قال مكي بن أبي طالب: \" (ردءًا) حال من (الهاء) في (أرسله) وكذلك (يصدقني) حال في قراءة من رفعه، أو نعت لـ (ردءًا)، ومن جزمه فعلى جواب الطلب \" «١» .\nوقال القرطبي: \" أختار الرفع أبو عبيد على الحال من الهاء في (أرسله)، أي: أرسله ردءًا مصدقًا حالة التصديق، ويجوز أن يكون صفة لقوله (ردءًا) \" (٢) .\nتقدير (ردءًا) حالًا هو الوجه المستقيم في الدلالة الإعرابية، لهذه الآية، أما (يصدقني) فهي صفة (نعت) وليست حالًا كما زعم بعضهم وليست مجزومة إلاّ في بعض القراءات، والقراءة سنة متبعة لا تناقش ولا تعلل، إلاَ أَن دلالة فعل الأمر الطلبي في الدعاء (فأرسله)، وجعله حالًا لـ (يصدقني) قد يحمل بعض معاني الإلحاح في الطلب من الله ﷾، وهو ما يتوجه له إعراب الآية في دلالتها.\n﴿بِآيَاتِنَا﴾ «٣»\nقال السمين الحلبي: (بِآيَاتِنَا) يجوز فيه أوجه: أن يتعلق بـ (جعل) أو بـ (يصلون) وبمحذوف، أي: أذهب، أو على البيان، فيتعلق بمحذوف أيضًا، أو بـ (الغالبون) على أن (أل) ليست موصولة أو محولة، واتبع فيه ما لا يتبع في غيره، أو قسم وجوابه متقدم، وهو (فلا يصون) أو من كَفْوِ القسم قالهما الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن جواب القسم لا يدخله الفاء عند الجمهور، ويريد بالقسم أن جوابه محذوف، أي: وحق آياتنا لتغلبن «٤» .\n_________\n(١) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١ /٥٤٥.\n(٢) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٠٤.\n(٣) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٣٥.\n(٤) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٧٦. البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١١٥. الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٤٥.","vol":"1","page":86},{"text":"الوجه أن تعرب (بِآيَاتِنَا) متعلقة بالجار والمجرور، والضمير الخاص بالمتكلمين هو أكثر دلالة في العربية على كون الآيات مستمرة في السريان على يد موسى (- ﵇ -) وأخوه من فرعون وملأه بآيات الله، وإنما صيغت الجملة على صيغة التعظيم والتفخيم لتكون أكثر دلالة.\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ﴾ «١»\nقال مكي بن أبي طالب: \" انتصب (يوم) على أنه مفعول به على السعة، كأنه قال: واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة، ثم حذفت اللعنة لدلالة الأولى عليها، وقام يوم قيامها، وانتصب انتصابها ويجوز أن تنصب اليوم على أن تعطفه على موضع في هذه الدنيا ... ويجوز نصب (يوم) على أنه ظرف للمقبوحين، أي: وهم من المقبوحين يوم القيامة ثم قدم الظرف \" «٢» .\nوزاد ابن الأَنْبَارِي على ما تمّ ذكره أن يكون منصوبًا بما يدلّ عليه قوله\n(مِنْ الْمَقْبُوحِينَ) لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول \" «٣» .\nوالذي يبدو لي أن إعرابه ظرفًا أرجح لدلالته الظرفية.\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ﴾\nقال السمين الحلبي: فيه أوجه:\nأحدهما أن يتعلق بـ (الْمَقْبُوحِينَ) على أن (أل) ليست موصولة واتسع فيها، وأن يتعلق بمحذوف يفسره (الْمَقْبُوحِينَ) كأنه قيل: وقُبِّحُوا يوم القيامة نحو: ﴿لِعَمَلِكُمْ مِنَ القَاليْنَ﴾ «٤» أو يعطف على موضع (في الدنيا)، أي: واتبعناهم لعنة يوم القيامة، أو معطوفة على (لعنة) على حذف مضاف، أي: لعنة يوم القيامة.\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٤٢.\n(٢) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٥- ٥٤٦.\n(٣) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢ /٣٤. وينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٠٦.\n(٤) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية ١٦٨.","vol":"1","page":87},{"text":"والوجه الثاني أظهرها، والمقبوح المطرود قبحه الله وطرده «١» .\nتدلّ الآية في سياقها الإعرابي على أن الظرف (يوم) أعطى لمعنى الآية معنى أخر، هو أن الكفرة قبحوا يوم القيامة بما ارتكبوه في الدنيا بدلالة (هم) مع الظرف الزماني.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ «٢»\nقال مكي بن أبي طالب: \" نصب كله على الحال من (الكتاب) \" «٣» . وقال أبو حيان: \" (بصائر) على الحال، أي: طرائق هدى يستبصر بها \" «٤» .\nإن إعراب (بَصَائِرَ) و(هدى) و(رحمة) أحوالًا متوالية متتالية هو الصواب في الدلالة الإعرابية، أما موسى (- ﵇ -) فمفعول أول، و(الكتاب) مفعول ثانٍ، و(القرون) مفعول به و(الأولى) صفة له، والتقدير: نحن أنزلنا على موسى ﵊ التوراة بعد هلاك الأمم بصائر وهدى ورحمة. فاستغنى اللفظ القرآني المعجز عن هذه الإطالة بما أنزله الله جَلَّ جَلاَله، وهذا بعض ما دلت عليه الدلالات الإعرابية للآية.\n﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ «٥»\n_________\n(١) الدُّرُّ المَصُون: ٥ /٤٤٥.\n(٢) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٤٣.\n(٣) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٦.\n(٤) البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١٢١.\n(٥) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٤٦","vol":"1","page":88},{"text":"قال مكي بن أبي طالب: \" انتصبت الرحمة على المصدر عند الأخفش بمعنى: ولكن رحمك ربك يا محمد رحمة، وهو مفعول من أجله عند الزجاج، أي: ولكن للرحمة فعل ذلك، أي: من أجل الرحمة. وقال الكسائي: هي خبر (كان) مضمرة بمعنى: ولكن كان ذلك رحمة من ربك. ويجوز في الكلام الرفع على معنى: ولكن هي رحمة \" «١» .\nوالذي أراه أنه قد نصبت (الرحمة) على المصدر لتدلّ على توالي الرحمة الإلهية على رَسُول الله (- ﷺ -) من خلال النصب في المصدر.\n﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ «٢»\nقال أبو البقاء: \" عدّاه بنفسه، لأن معنى (نمكن): نجعل. وقد صرّح به في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ «٣»، أي: من الخسف. و(مكن) متعد بنفسه من غير أن يضمن معنى جعل كقوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ «٤» . و(آمِنًا) قيل: بمعنى مُؤمن أي يُؤمن من دخله. وقيل: هو على حذف مضاف، أي: أمنا أهله. وقيل: فعل بمعنى السبب، أي: ذا أمن \" «٥» .\nوالذي أراه أن التعدية بنفس الفعل الذي هو بمعنى صيّر وجعل، لأن (مكن) من الأفعال المتعدية، وهو الأصوب، ويعرب (نمكن) فعلًا مضارعًا و(حرمًا آمنا) مفعول، وصفته التابعة له في النعت بمعنى أن المعنى الجديد هو إبراز منة الله ﷿ على أهل مكة في أمان الحرم وما تأتيه من الأرزاق، وهذا من دلالات الإعراب.\n_________\n(١) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١ /٥٦٤. وينظر الكَشَّاف: ٣ /١٨٢. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٠٨.\n(٢) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٥٧.\n(٣) سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية ٦٧.\n(٤) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ٦. سُوْرَة الْحِجْرِ: الآية ٤١. سُوْرَة الأحقاف: الآية ٢٦.\n(٥) التبيان في إعراب القرآن: ٢ /١٧٩. وينظر الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٤٩.","vol":"1","page":89},{"text":"﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ «١»\nقال مكي بن أبي طالب: \" المعيشة نصب عند المازني على حذف حرف الجر تقديره: بطرت في معيشتها. وقال الفراء: هي نصب على التفسير. وهو بعيد، لأنها معرفة، والتفسير لا يكون إلا نكرة. وقيل: هي نصب بـ (بطرت)، وبطرت بمعنى جهلت، أي: جهلت شكر معيشتها، ثُمَّ حذف المضاف \" «٢» .\nوقال ابن الأَنْبَارِي: \" ولا يجوز أن يكون منصوبًا على التمييز لأن التمييز لا يكون إلا نكرة، و(مَعِيشَتَهَا) معرفة \" «٣» .\nوقال القرطبي: \" وانتصبت (مَعِيشَتَهَا) إما بحذف الجار والمجرور وإيصال الفعل، وإما على الظرف بنفسها كقوله: زيد ظني مقيم، أو بتقدير حذف الزمان لمضاف، أصله بطرت أيام معيشتها \" «٤»\nإِنَّ الجملة (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) هي فعل ماضٍ، وتاء المؤنث المحكي عنها، وهي فاعل، والمعيشة مفعول به، والضمير (هي) في محل نصب، وهذا التقدير يستقيم به دلالة (كفران النعمة) المرادة من (بطر المعيشة) وهذه الجملة مما اختلف فيه المفسرون لأنه مشكل إعرابيًا، وإن كنا لا نرى ذلك خلافًا لمن رآه، وذلك يدلّ على الاستمرارية في الزمان والمكان أي أن كلّ قرية تبطر سيهلكها.\n﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ «٥»\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٥٨.\n(٢) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١ /٥٤٦.\n(٣) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢ /٢٣٥.\n(٤) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٣ /١٨٦.\n(٥) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٦٨.","vol":"1","page":90},{"text":"قال مكي بن أبي طالب: \" (ما) الثانية للنفي لا موضع لها من الإعراب. وقال بعض العلماء كالطبري: هي في موضع نصب بـ (يختار)، وليس ذلك بحسن في الإعراب، لأنه لا عائد يعود على ما في الكلام. وهو أيضًا بعيد في المعنى والاعتقاد، لأن كونها للنفي يوجب أن تعم جميع الأشياء ... وإذا جعلت (ما) في موضع نصب بـ (يختار) لم تعمّ جميع الأشياء على أنها مختارة لله ... وهذا هو مذهب القدرية والمعتزلة، فكون (ما) للنفي أولى في المعنى، وأصح في التفسير، وأحسن في الاعتقاد، وأقوى في العربية، ألا ترى أنك لو جعلت (ما) في موضع نصب لكان ضميرها في كان اسمها، ولوجب نصب الخيرة، ولم يقرأ بذلك أحد ... وهذه الآية تحتاج إلى بسط كثير \" «١» .\nوقال ابن الأَنْبَارِي: \" (ما) الأولى اسم موصول بمعنى الذي في موضع نصب لأنها مفعول (يخلق)، و(ما) الثانية نافية ولا موضع لها من الإعراب \" (٢) .\nوقال الزمخشري: \" فإن قلت: فأين الراجع من الصلة إلى الموصول إذا جعلت (ما) موصولة؟\nقلت: أصل الكلام ما كان لهم فيه الخيرة فحذف فيه كما حذف منه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ «٣» \" «٤» .\n_________\n(١) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١/ ٥٤٧- ٥٤٨.\n(٢) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢ /٢٣٥.\n(٣) سُوْرَة لُقْمَان: الآية ١٧. سُوْرَة الشُّورَى: الآية ٤٣.\n(٤) الكَشَّاف: ٣/ ١٨٨.","vol":"1","page":91},{"text":"وقال القرطبي: \" والوقف التام على (ويختار) . وقال علي بن سليمان: هذا وقف التمام ولا يجوز أن تكون (ما) في موضع نصب بـ (يختار)، لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء. قال: وفي هذا ردّ على القدرية. قال النحاس: التمام: ويختار، أي: ويختار الرسل ﴿مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾، أي: ليس يرسل من اختاروه هم. قال أبو إسحاق: ويجوز أن تكون (ما) في موضع نصب بـ (يختار)، ويكون المعنى: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة.\nوقال القشيري: الصحيح الأول لإطباقهم على الوقف على قوله: (ويختار) .\nوقال المهدوي - وهو أشبه بمذهب أهل السنة ـ: و(ما) من قوله:\n﴿مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة الله ﷿.\nوأجاز الزجاج، وغيره: أن تكون (ما) منصوبة بـ (يختار)، وأنكر الطبري أن تكون (ما) نافية لئلا يكون المعنى: إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى، وهي لهم فيما يستقبل، ولأنه لم يتقدم كلام بنفي.\nقال المهدوي: ولا يلزم ذلك، لأن (ما) تنفي الحال والاستقبال كـ (ليس)، ولذلك عملت عملها ... فـ (ما) على هذا لمن يعقل، وهي بمعنى الذي.\nو(الخيرة) رفع بالابتداء، و(لهم) الخبر، والجملة خبر كان وشبهه بقولك: كان زيد أبوه منطلق. وفيه ضعف إذ ليس في الكلام عائد يعود على اسم كان، إلا أن يقدر فيه حذف، فيجوز على بعد \" «١» .\nقال السمين الحلبي: \" ﴿مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ فيه أوجه:\nالأول: أن (ما) نافية، فالوقف على (يختار) .\nالثاني: (ما) مصدرية، أي: يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول به، أي: مختارهم.\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٣/ ٥٠٢١ –٥٠٢٢.","vol":"1","page":92},{"text":"الثالث: أن تكون بمعنى: الذي، والعائد محذوف، أي: ما كان لهم الخيرة فيه كقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ «١»، أي: منه.\nوجوز ابن عطية أن تكون تامة و(لَهُمْ الْخِيَرَةُ فيه) جملة مستأنفة قال: \" ويتجه عندي أن تكون (ما) مفعولة، إذا قدرنا (كان) تامة، أي: إن الله يختار كلّ كائن و(لَهُمْ الْخِيَرَةُ) مستأنفة معناه تعديد النعم عليهم في اختيار الله لهم لو قبلوا، وجعل بعضهم في (كان) ضمير الشأن. وأنشد:\nأمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العين ذَرِيفُ لَو كان ذا منك قبل اليوم معروف «٢»\nولو كان (ذا) اسمها لقال معروفًا \" «٣» . وابن عطية منع ذلك في الآية قال: لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها محذوف.\nقلت: كأنه يريد أن الجار متعلق بمحذوف، وضمير الشان لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزئيها، إلا أن في هذا نظر إن أراده، لأن هذا الجار قائم مقام الخرب، ولا أظن أحدًا يمنع هو السلطان في البلد، وهي هند في الدار، و(الخيرة) من التخيير كالطيرة من التطير، فيستعملان استعمال المصدر.\nقال الزمخشري: \" ما كان لهم الخيرة بيان لقوله (ويختار) لأن معناه: ويختار ما يشاء، ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى أن الخيرة له تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها لا أحد من خلقه أن يختار عليه \" «٤» .\nقلت: لم يزل الناس يقولون أن الوقف على (يختار) والابتداء بـ (ما) على أنها نافية، وهو مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة، وهو رأي الطبري «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَة الشُّورَى: الآية ٤٣.\n(٢) ديوان عنترة بن شداد العبسي، الطبعة الثانية. دار صادر. بيروت. لبنان. ١٩٦٧ م: ص ٥٣.\n(٣) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٥١. المحرر الوجيز: ١٢ /١٨١.\n(٤) الكَشَّاف: ٣ /١٨٨.\n(٥) جامع البيان: ١٠ /٩٥.","vol":"1","page":93},{"text":"لقد تقدم اختلاف المعربين في هذه الآية، فاختلاف الإعراب هنا يوجب اختلاف العقيدة، حسب الدلالات المطلوبة من التقدير، والذي نرجحه في ذلك رأي الطبري، وهو الأقرب في التأويل إلى مهب أهل السنة والجماعة، دون غيره في جعل الآية الثانية (مَا كَانَ) في موضع نصب بـ (يختار) لأن تقدير الطبري يكون لدلالة الآية بجعلها تدلّ على أن لا خيار للإنسان في الخلق خلافًا للمعتزلة الذين يوافقون القدرية والفلاسفة في خلق الإنسان لفعله، وبذلك استقام لنا النصّ وفق دلالته الإعرابية بما يعزز رأي أهل السنة والجماعة.\n﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ «١»\nقال مكي بن أبي طالب: \" (ما) في موضع نصب بـ (آتيناه) مفعول ثاني، و(إن) واسمها وخبرها وما يتصل بها إلى قوله: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ صلة\n(ما) وواحد أولي: ذي \" «٢» .\nوقال الأَنْبَارِي: \" (ما) اسم موصول بمعنى: الذي، في موضع نصب بـ (آتيناه) وصلته (إن) وما عملت فيه وكسرت (إن) في الصلة لأن الاسم الموصول يوُصل بالجملة الاسمية والجملة الفعلية، و(إن) متى وقعت قي موضع يصلح للاسم والفعل كانت مكسورة، و(أولي) واحدها (ذو) من غير لفظها \" «٣» .\nوقال القرطبي: \" (إن) واسمها وخبرها في صلة (ما)، و(ما) مفعوله (آتينا) \" «٤» .\nوقال النَّحَّاس: \" قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلات أنه لا يجوز أن يكون صلة الذي وأخوانه (إن) وما عملت فيه، وفي الَقُرْآن ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ . وهو جمع مفتح \" «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٢) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١ /٥٤٨.\n(٣) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢/ ٢٣٦.\n(٤) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٢٧.\n(٥) إعراب القرآن (النَّحَّاس): ٢/ ٥٥٨.","vol":"1","page":94},{"text":"نحن نرى أن (ما) هنا تفسيرية خلافًا لمكي بن أبي طالب وسواه ممن جعلها في موضع نصب بـ (آتيناه)، لأن كونها تفسيرية يجعل القطع في الجملة الجديدة يدلّ على عظم كنوز قارون، وهو الدلالة التضمينية للآية الشريفة.\n﴿وَلاَ يُسْأَلُ﴾ «١»\nقال السمين الحلبي: \" هذه قراءة العامة على البناء للمفعول وبالياء من تحت ورفع الفعل وأن تركه مرفوعًا يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون (المجرمون) خبر مبتدأ محذوف ي٠ هم المجرمون.\nالآخر: أن يكون بدلًا من أصل الهاء والميم في (ذنوبهم) لأنهما مرفوعا المحل\" (٢) .\nإن قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ﴾ يدلّ على عدم السؤال لوجود (لا) النافية، فصار المعنى أن المجرمين لا يسألون بعد عقوبتهم، وذلك هو المعنى الإعرابي للفعل المضارع المنفي.\n﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ «٣»\nقال مكي بن أبي طالب: \" (وَيْكَأَنَّ) أصلها (وي) منفصلة من الكاف. قال سيبويه عن الخليل في معناها: إن القوم انتبهوا أو نبهوا فقالوا: (وي)، وهي كلمة يقولها المتندم إذا أظهر ندامته. وقال الفراء: (وي) متصلة بالكاف وأصلها: ويلك إن الله، ثم حذف اللام واتصلت الكاف بـ (أن) . وفيه بعد في المعنى والإعراب، لأن القوم لم يخاطبوا أحدًا، ولأن حذف اللام من هذا لا يعرف، ولأنه كان يجب أن تكون (أن) مكسورة إذ لاشيء يوجب فتحها \" «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٢) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٥٣.\n(٣) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٨٢.\n(٤) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١ /٥٤٨.","vol":"1","page":95},{"text":"وقال الأَنْبَارِي: \" منهم من قال (وي) منفصلة من (كان) وهي اسم سٌمِّي الفعل به، وهو (أعجب)، وهي كلمة يقولها المتندم إذا أظهر ندامته وكأن الله لفظهُ لفظ التشبيه، وهي عارية عن معنى التشبيه، وهذا مذهب لخليل وسيبويه. وذهب الأخفش إلى أنَّ الكاف متصلة بـ (وي) وتقديره: ويك أعلم أن الله. و(ويك) كلمة تقرير، و(أن) مفتوحة بتقدير: أعلم. وهو كقولك للرجل: أما ترى إلى صنيع الله وإحسانه. وذهب الفرّاء إلى أَن (وي) متصلة بالكاف وأصله (ويلك) وحذفت اللام، وهو ضعيف لأن القوم لم يخاطبوا واحدًا، ولأن اللام من هذا لا يُعرف \" «١» .\nوقال السمين الحلبي: قوله: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ (وَيْكَأَنَّ) فيه مذاهب منها:\nالأول: إن (وي) كلمة برأسها، وهي اسم فعل معناها أعجب، أي: أنا والكاف للتعليل، و(أن) وما في خبرها مجرورة بها، أي: أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، وسمِعَ كما أَنه يعلم غفر الله له. قياس هذا القول أن يوقف على (وي) وحدها، وقد فعل ذلك الكسائي، إلاَ أَنه ينقل عنه أَنه يعتقد في الكلمة أن أصلها (ويلك)\nالثاني: قال بعضهم: (كأن) هنا للتشبيه إلاَ أَنه ذهب منه معناها وصارت للخبر والتيقن.\nالثالث: إن (ويك) كلمة برأسها، والكاف حرف خطاب و(أن) معمولة لمحذوف، أي: أعلم أنه لا يفلح، قاله الأخفش.\nالرابع: إن أصلها (ويلك) فحذف اللام، واليه ذهب الكسائي.\nالخامس: إن (وَيْكَأَنَّ) كلها كلمة مستقلة بسيطة، ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابْن عَبَّاس «٢» .\n_________\n(١) البَيَان فِي غَريب إعْرَاب القُرْآن: ٢ /٢٣٧.\n(٢) الدُّرُّ المَصُون: ٥ /٣٥٤.","vol":"1","page":96},{"text":"والخلاف في (وَيْكَأَنَّ) صرفي - نحوي في اشتقاقها وأصلها، ونحن نرجح من استعراض الأقوال السابقة أن أصل (وَيْكَأَنَّ) هو (وي) كلمة الندم، وكاف الخطاب، و(أن) المحذوف ما بعدها، وهو مفهوم رأي سيبويه ﵀ وما سوى ذلك فتكلف في التقدير وتمحل في الإعراب، وهي منصوبة أو مبنية على النصب على خلاف في ذلك، ولا فائدة في ترجيح أي من القولين فيه، لأن ذلك ما لا يزيد النص القرآني أي دلالة.\n﴿إِلاَ رَحْمَةً﴾ «١»\nقال السمين الحلبي: فيه وجهان:\n\" أحدهما: هو منقطع، أي: لكن رحمك رحمة.\nوالآخر: إنه متصل، قال الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة، فيكون استثناءً من الأحوال أو من المفعول له \" «٢» .\nوالذي أراه أن المستثنى هاهنا في كونه منقطعًا يوازي كونه متصلًا على رأي الزمخشري ﵀ وإنما الاستثناء منقطع لأنه لم يتقدم في الكلام ما يدلّ عليه، فكان منقطعًا غير متصل، وأما كونه متصلًا فلتلحقه باستمرارية إنزال الكتاب، ونحن نرى أنه استثناء متصل أي أن إنزال الكتاب متعلق بالرحمة في إنزاله، وهو الرأي الذي نرجحه.\n﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ «٣»\nقال مكي بن أبي طالب: \" انتصب الوجه على الاستثناء، ويجوز في الكلام الرفع على معنى الصفة كأنه قال: غير وجهه... كذلك جواز الآية \" «٤» .\nقال القرطبي: \" قال الزجّاج: (وَجْهَهُ) منصوب على الاستثناء، ولو كان في غير القرآن كان: إلا وجهه بالرفع بمعنى كلّ شيء غير وجهه هالك \" «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٨٦.\n(٢) الدُّرُّ المَصُون: ٥ /٣٥٥. وينظر أيضًا الكَشَّاف: ٣ /١٩٤.\n(٣) سُوْرَةُ الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٤) مَشْكِل إِعْرَاب القُرْآن: ١ /٥٤٩.\n(٥) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٣٨.","vol":"1","page":97},{"text":"يجوز في هذه الآية رفع ونصب الوجه، وذلك أن الرفع يكون صفة، والنصب بأداة الاستثناء (إلاّ)، ودلت الآية على أن الله ﷿ غير هالك، وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل به، فيكون المعنى أن الكون بما فيه هالك إلا الله ﷿، وإنما خصّ تعالى الوجه بالاستثناء للتعظيم. ومما تقدم يتضح لنا أن اختلاف الإعراب في الآيات المختلف في إعرابها بين النحاة، أكسب النص القرآني في سُوْرَة الْقَصَصِ آفاقًا جديدة في استفادة معانٍ أخرى، وهو ما يشعر بتجدد الفهم عند التفسير، وذلك لأن الاختلاف هو تجدد وتجديد في إضافة المعاني الجديدة التي تختلف بتعدد سياقات التوجيه الإعرابي بين النحاة، وهكذا فإن ما اختلفوا فيه وما قمت بترجيحه، تبعًا لقراءة سُوْرَة الْقَصَصِ هو إضافة جديدة للمعنى، يمكن أن تعين على تصور أدق لبعض المواضع (المشكلة إعرابيًا) في سُوْرَة الْقَصَصِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>المطلب الثالث: التوجيه المضموني في سورة القصص ودلالاته</span>\nيتعلق موضوع التوجيه المضموني بموضوع (الوحدة الموضوعية) وبتعبير أدق:\nالتوجيه المضموني:\nهو \" تحليل نص بإعادة صياغته من جديد وإبراز مكامن الاتصال فيه باعتباره وحدة عفوية متكاملة \" «١» .\nويبدو أن هذا الموضوع متعلق كما نعتقده بما أسماه القدماء (تناسق وتناسب الآيات السور)، وممن صنف فيه:\nالبقاعي.\nالسيوطي.\nوكتاباهما مطبوعان وفيهما فوائد مهمة في بابهما «٢»، وقد ذكر السيوطي ذلك كله في الإتقان وأشاد به «٣» .\nونحن نستفيد من الجمع بين التحليل التراثي والمعاصر لفهم كلي للنص القرآني، وبخاصة في موضوعنا هنا عن سورة القصص الشريفة.\n_________\n(١) المصطلحات النقدية. سليمة الحكيم. الطبعة الأولى. دار البيان. دمشق. ١٩٨٩ م.: ص١٢١.\n(٢) سبق الإشارة إليها ص ١٩.\n(٣) الإِتقَان فِي علُوم القُرْآن: ٢ /١١٨.","vol":"1","page":98},{"text":"قال بعض الباحثين: \" لابدّ في تحليل أي سورة قرآنية من إدراك العلاقة بين آياتها وترابطها فيما بينها، والصلات بين أولها وآخرها، ومكامن الوحدة الموضوعية فيها وذاتيتها الخاصة \" «١» .\nونحن في التوجيه المضموني لسورة القصص واجدون من ذلك الكثير. إذ تتميز سورة القصص بكونها ذات خصوصية في ترابط موضوعاتها بعضها مع بعض، بحيث أن القارئ يجد فيها انسيابًا للمعاني وهي تصب في هدف واحد، على رغم أن السورة تنقسم على نصفين:\nالنصف الأول: خاص بقصة موسى (- ﵇ -) .\nالنصف الثاني: خاص بتعداد آلاء الله ﷿ ونعمه، ثم تأتي في أواخر آيات السورة قصة الخسف بقارون لتعيد التذكير بأول القصة في أول السورة ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ «٢»، فيتم بذلك التلاحم المضموني.\nوقد فصل سليم سليمان فقال: تتميز آيات سورة القصص بأنها تمثل لوحة متكاملة المعالم واضحة الأطر، لا زيادة فيها ولا نقصان فيها فهي بذلك تسير وفق قواعد الوحدة الموضوعية «٣» .\nوالبناء الموضوعي للسورة يعدّ في الذروة من الالتزام بعدم الخروج عن المعنى المراد إيصاله، فهي بذلك \" نص متكامل \" لا يمكن حذف شيء منه، ولا يمكن إضافة شيء إليه البتة، فقوله ﷻ: ﴿أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ (٤) له علاقة وطيدة بقوله تعالى فيها: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ «٥» .\nفتتجلى بعض مظاهر تلك العلاقة في الأمن الإلهي الذي حبى به موسى (- ﵇ -) وقريش.\n_________\n(١) التحليل التطبيقي للنصوص: ص٤٠٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٣) ينظر الوحدة الموضوعية: ص٣٨٨.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣١.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٧.","vol":"1","page":99},{"text":"وقد لاحظ الباحث ذلك ووجد أن البناء المضموني لسورة القصص يسير في اتجاه واحد، مثل قافلة من المعاني المتدفقة المتلاحقة، مما أكسب النص الإلهي إعجازًا إلى إعجازه، لأن هذه الصفات ليست من صفات البشر في كلامهم يعتريه النقص والاختلاف في مصادر موارده.\nوأنى للبشر أن يكون له كلام متكامل مثل ما نجده في الربط الوحدوي واللغوي في قوله تعالى في سورة القصص: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ «١»، وقوله تعالى فيها أيضًا: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ «٢»، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةَِ﴾ «٣»، فالآيات الثلاث على رغم اختلاف موضوعها في داخل السورة، يكمّل بعضها بعضًا، ويأخذ أحدها بمعنى الآخر في وحدة موضوعية شمولية ذات دلالة كلية كونها جميعًا آيات توحيد خالص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الرابع: التوجيه البياني التفسيري في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\nإذا كان التحليل قد كشف عن سياق بناء النص، وإذا كان فهم الدلالة الإعرابية قد أوضح مفهوم النص، فإن التوجيه البياني يفيد في إيضاح ما أسماه أسلافنا «٤» البيان التفسيري الذي يسمى أحيانًا (البيان المبين)، والمقصود به: \" ما يستخرج من فهم بلاغة النص من المعاني الأخر \" «٥»، لاجل ذلك أقتبسنا في هذا المبحث هذا المصطلح لفهم أدق لمجموعة الظواهر البلاغية الموجودة في سورة القصص، ولاستخراج ما فيها من كوامن المعاني.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٠.\n(٤) رسالة في البلاغة. ابن كمال باشا. تحقيق: نور الدين حسن. الطبعة الأولى. منشورات كلية الآداب. جامعة القاهرة. ١٩٩١ م: ص٤٧.\n(٥) رسالة في البلاغة: ص ٤٨.","vol":"1","page":100},{"text":"ولا ريب أن التوجيه البياني معين على فهم إعجاز القرآن الكريم وفي ذلك يقول بعض الباحثين:\n\" إن مباحث إعجاز القرآن قد اقترنت بمباحث البلاغة إقترانًا مشعرًا بالدور المهم المكمل من أحدهما للآخر، وهكذا نشعر أن الغاية من علم البلاغة فهم وإدراك إعجاز القرآن، وأن الغاية من تحديد إعجاز القرآن تسطير مباحث ومضامين علم البلاغة \" «١» . وقد عبر عن مثل ذلك وزاده ايضاحًا باحث أخر فقال: \" والمتتبع للظواهر البلاغية الثلاثة البيان – المعاني – البديع.\nوما تتضمنه من تفرعات وتقسيمات يلاحظ لأول وهلة بادىء ذي بدء أن لكلها شواهد من القرآن الكريم تدل على ما يتعلق بها من آيات تضمنت معانيها تلك المحسنات اللفظية والمعنوية، وهو الأمر الذي تنبه له الزمخشري في (الكشاف)، والجرجاني في كتابيه (أسرار البلاغة) (ودلائل الإعجاز) \" «٢» .\n_________\n(١) مباحث في البلاغة والإعجاز. د. سعد خليفة أحمد. الطبعة الأولى. دار الأندلس. دمشق. ١٩٨٤ م: ص٨٨-٨٩.\n(٢) الصلة بين إعجاز الَقُرْآن الكَرِيم وعلوم البلاغة. د. محمود مُحَمَّد محمود. الطبعة الأولى. مطبعة جامعة المعزى. (د. ت) .: ص ١٨٧.","vol":"1","page":101},{"text":"والباحث يرى أن القدماء اهتموا بإبراز العلاقة بين سورة القصص والتوجيه البلاغي لظواهرها اللغوية، ومن أقدم النصوص في ذلك ما أورده القاضي الباقلاني اذ قال ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ\nالْمُفْسِدِينَ﴾ «١»، \" هذه تشتمل على ست كلمات سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف. وهي تشتمل على جملة وتفصيل وجامعة وتفسير، ذكر العلو في الارض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي النساء، وإذا تحكم في هذين الأمرين فما ظنك بما دونهما، لأن النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على هذا الجور، ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره \" «٢»، ثم قال ﵀ عن قوله تعالى:\n﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٣»، \" وهي خمس كلمات متباعدة في المواقع نائية المطارح قد جعلها النظم البديع أشد تألفًا من الشيء المؤتلف في الأصل، وأحسن توافقًا من المتطابق في أول الوضع \" «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٢) إعْجَاز القُرْآن: ص ١٩٣.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٤) إعْجَاز القُرْآن: ص ١٩٤.","vol":"1","page":102},{"text":"وهذا الكلام لرجل قد بحث الجوانب البلاغية لسورة القصص من كل نواحيها، ونحن نلاحظ في التحليل البلاغي لسورة القصص إِذَا ما أخذناها على حده أنها تكاد أن تكون جامعة لمعظم - إن لم يكن كلّ - الظواهر البلاغية، فالسياق البلاغي يجري فيها بأسلوب جزل فخم مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ «١» . فإن هذه الآية تبدأ بداية هادئة، ثم يتصاعد إيقاع جرسها البلاغي، ثم يهبط بالسكينة والطمأنينة على أم موسى (- ﵇ -)، ثم يأتي الوعد الالهي ولم يقل تعالى: (جاعلوه مرسلًا)، بل جعله في جملة المرسلين ﵈ ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأن (من) التبعيضية هنا تدخله في أوائلهم، وهو كذلك (- ﵇ -) من الرسل الخمسة أولي العزم.\nوقد تنبه الزمخشري في الكشاف لهذه الطريقة البلاغية في سورة القصص لولا أنه خلط بعض مباحثه بنظريته الإعتزالية، فحاول إقحام الإعتزال في المعنى المستخرج من آيات سورة القصص ليعزز ما كان ﵀ يذهب إليه فيه (٢) .\nوقد حاول بعض الباحثين إيضاح ذلك كله (أي توجيه المعنى بلاغيًا في سورة القصص)، فقال:\n\" وفي سورة القصص نجد صورًا بلاغية في آيات الصفات أخذت حيزًا كبيرًا جدًا في التفكير الاعتقادي، لأن القائلين بالحقيقة والمجاز في القرآن الكريم حاولوا أن يستدلوا بها (أي بصورة هذه الآيات) على ما كانوا يذهبون إليه من آراء ومذاهب، ولا ننسى هنا أن المعتزلة كانوا على رأس أولئك القوم.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٢) الكَشَّاف: ٣ /٢٢٩.","vol":"1","page":103},{"text":"فقوله عزّ من قائل: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «١»، يحتوي على أمر، وخبر، وتقرير، ورد صدر على عجز، ومؤدى ذلك صورة بلاغية للإله الواحد الباقي. ولكن طوائف المعتزله القائلين بالمجاز أولوا الآية بلاغيًا لأجل نفي الوجه عن الله ﷿، فأخطاؤا الصواب \" «٢» .\nونحن مع هذا الباحث فيما ذهب إليه، وسنحاول فيما يلي هذه الصفحة إعادة ترتيب الظواهر البلاغية في سورة القصص وفق التقسيم البلاغي «٣» .\nوالغرض من هذه العملية إبراز دور تلك الظواهر البلاغية في تحسين وتزيين وتجميل المبنى والمعنى في كلام الله وهو أصدق القائلين إستنادًا إلى ما ذكره بعض الدارسين، اذ قال: \" إن وضع آيات كل سورة تحت التقسيم البلاغي التراثي يدلنا على مواطن الإعجاز في كل سورة من السور، مما يفتح الطريق أمام جمهرة الباحثين لإعادة صياغة إعجاز القرآن الكريم \" «٤» .\nوهو ما يراه القارىء في الصفحات الآتية:\nونحن سنختار بعض الأنواع البلاغية لا كلها من باب الإشارة إلى الشيء للدلالة على ما هو أعم.\n١-التشبيه:\nهو (ما حذفت فيه أداة التشبيه، ووجه الشبه) «٥»، مثل قوله تعالى فيها:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٢) الصورة البلاغية في آيات الصفات في الَقُرْآن الكَرِيم. الشافعي حسن. الطبعة الأولى. دار المعارف بمصر. ١٩٩٤: ص٣٩٧-٣٩٩\n(٣) ينظر معجم المصطلحات البلاغية. د. أحمد مطلوب. الطبعة الأولى. منشورات المجمع العلمي العراقي. بغداد. ١٩٨٤ م.: ١/٣.\n(٤) الظواهر البلاغية في سورة البقرة: ص ١٢٢.\n(٥) ينظر أنوار الربيع: ٣ /٤٥.","vol":"1","page":104},{"text":"﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ «١»، فإن الإحسان الإلهي هو المشبه به، والمشبه هو المأمور بالإحسان، ووجه الشبه الموازنة بين الأمر بالإحسان ليوافق إحسان الله ﷻ.\n٢-الاستعارة:\nهو (اللفظ المستعمل فيما يشبه معناه الأصلي لعلاقة المشابهة، أو هي استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة) «٢» . مثل قوله تعالى:\n﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ «٣» . فإن قرة العين بردها واستقرارها، فجعل استعارة عن الولد.\n٣-الكناية:\nهو (أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وهي مصدر من كنيت بكذا عن كذا إذا تركت التصريح به، واصطلاحا: لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه معه أيضا) «٤»، مثل قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ «٥»، فإن جملة ﴿وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ تشمل كناية عن سبيهن واغتصابهن.\n٤- الإيغال:\nهو (ختم الكلام نثرًا كان أو نظمًا بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها) «٦»، مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ «٧» .\n٥- الإلتفات:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٢) شرح التلخيص في عُلُوْم البلاغة. للإمام جلال الدِّيْن بن عَبْد الرَّحْمَن القزويني. ت ٧٣٩ هـ. دار الجيل. بيروت. لبنان. (د. ت): ص ٣٣٩.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٩.\n(٤) ينظر شرح التلخيص: ١٥٥.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٦) أنوار الربيع: ٥ /٣٣٣.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٠.","vol":"1","page":105},{"text":"هو (إنصراف المتكلم عن المخاطبة الى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة، أو الإنصراف من معنى يكون فيه إلى معنى آخر) «١»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ «٢»، فإن قوله تعالى: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إلتفاف في الخطاب، وتغير في سياقه من الإسرائيلي والمصري لموسى (- ﵇ -) .\n٦- المجاز:\nهو (نقل الشيء عن حقيقته التي وضع لها إلى معنى آخر) «٣»، وذكروا أن من أمثلته في سورة القصص قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه﴾ «٤»، والنص لا يستقيم بزعمهم إلا بنقله للمجاز والله أعلم بالصواب في ذلك.\n٧- المقابلة:\nهي (أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو اكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب) «٥»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة﴾ «٦»، فإن الحسنة مقابلة للسيئة، وقد ازدات بها الجملة جمالًا.\n٨- الإشارة:\n_________\n(١) بديع الَقُرْآن. ابن أبي الإصبع المصري. (٥٨٥ - ٦٥٤ هـ) . تحقيق: حفني مُحَمَّد شرف. الطبعة الأولى. مكتبة نهضة مصر. الفجالة. ١٩٥٧ م: ص ٥٨. العمدة في مَحَاسِن الشعر وآدابه ونقده. أبو الحَسَن بن رشيق القيرواني الأزدي. ت ٤٥٦ هـ. تحقيق: مُحَمَّد محيي الدِّيْن عَبْد الحميد. دار الجيل. بيروت. لبنان. (د. ت.) .: ٢ /٤٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٨.\n(٣) الإيضاح في علوم البلاغة، القزويني، أبو عبد الله جلال الدين بن سعد الدين أبي محمّد بن عبد الرحمن الخطيب، ت ٧٣٩ هـ، تحقيق مُحَمَّد عبد المنعم خفاجي، بيروت، ١٩٨٣ م: ص ١٥٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٥) شرح التلخيص: ص ١٦٣.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٤.","vol":"1","page":106},{"text":"هي (أن تطلق لفظًا جليًا تريد به معنى خفيًا) «١»، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ «٢»، فإن المعاد إشارة إلى مكة المكرمة أو يوم القيامة، فازداد النص بها حسنًا.\n٩-الخبر الإنشائي:\nهو (صيغة الكلام التامة الدالة على معنى جميل) «٣»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ\nالظَّالِمِينَ﴾ (٤) .\nفمجمل الكلام الإلهي في هذه الاية هو خبر إنشائي حقيقي، الغرض منه الخروج بمفهوم نصي، وأما قوله تعالى في الآية: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، فهو نص إعجازي لايتأتى نظمه أو نظم مثله للبشر.\n١٠- المثل:\nهو (كلام يتداوله الناس لجماله وقصره وحكمته، ومتى فشا استعماله سمي مثلًا، ولذلك لا تغيّر الأمثال) «٥»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ «٦»، فهذه الجملة القرآنية قد غدت مثلًا إلهيًا ينطقه الناس، للدلالة على أخذ القوي الأمين في العمل المراد له، فصارت مثلًا بليغًا.\n\n١١- الدعاء:\n_________\n(١) الفوائد. أبو عَبْد الله بن أَبِي بكر ابن قيم الجوزية. . ت ٧٥١ هـ. دار الفكر ببيروت للطباعة والنشر والتوزيع. (د. ت): ص ١٢٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٣) ينظر الإيضاح في علوم البلاغة: ص ١٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٥) ينظر الإيضاح في علوم البلاغة: ص ٣٠٧. شرح التلخيص: ٤ /١٤٧.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٦.","vol":"1","page":107},{"text":"هو (طلب من هو أدنى ممن هو أعلى بألفاظ بليغة) «١»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ «٢»، فهذا النص دعاء علمنا الله ﷿ أن ندعوه به على لسان موسى (- ﵇ -) .\n١٢- الأمر:\nهو (طلب من هو أعلى أمرًا ممن هو دونه، أو اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير لفظ كف، ولا يعبر به علو ولا استعلاء على الأصح) «٣»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء﴾ «٤»، فجملة ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ أمر إلهي صيغ صياغة بلاغية إعجازية، فدلّ على جماليته في حد ذاته.\n١٣- الإضراب:\nهو (ذكر شيء قد يستقبح، إلا أن القرينة تدل على حسنه، أو الإعراض عن الشيء تركًا وإهمالًا بعد الإقبال عليه) «٥»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء﴾، فإن قوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوء﴾ إضراب لئلا يظن البرص بيده (- ﵇ -) فكمل بها الكلام.؟\n١٤- تجاهل العارف:\n_________\n(١) ينظر التوقيف على مهمات التعاريف. مُحَمَّد عَبْد الرَّؤُوْف المناوي. (٩٥٢ - ١٠٣١) . تحقيق: د. مُحَمَّد رضوان الداية. دار الفكر المعاصر - دمشق، دار الفكر - بيروت. ط١ ١٤١٠ هـ: ص ٣٣٨.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٤.\n(٣) التوقيف على مهمات التعاريف: ص ٩٢.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٢.\n(٥) التوقيف على مهمات التعاريف: ص ٧١.","vol":"1","page":108},{"text":"هو (استخدام العارف صيغة تشعر الجهل عند من لا يجهل، أو سوق المعلوم مساق غيره لنكتة) «١»، كقوله تعالى فيها: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إلى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ «٢»، فإن جملة ﴿لأَظُنُّهُ﴾ تأتي بمعنى (لأوقنه) .\nوهو تجاهل العارف لأن فرعون كان يعلم أن موسى (- ﵇ -) من الصادقين، بدليل حكاية الله ﷿ عنه أنه قال في آخر عمره: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ «٣» .\n١٥- الاستثناء البلاغي:\nهو (ذكر أمر ثم تخصيصه بغير صيغ الاستثناء المعروفة) «٤»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ «٥»، فجملة ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ هي استثناء بلاغي أخرج بها قارون من قوم موسى بغير أدوات الاستثناء المستخدمة في مثل هذه الحالات.\nإن ما تقدم كان محاولة لإبراز بعض الظواهر البلاغية في سورة القصص، وتخريجها وتحليلها بإيجاز، ليتطابق ذلك مع منهجها في درس وتحليل سورة القصص من كل جوانبها، وهو الأمر الذي عبر عنه أحد الباحثين بقوله: \" إن استخراج أي ظاهرة بلاغية في أي آية، ثم تحليلها يتيح لنا فهمًا كاملًا لإعجاز هذه الاية نفسها، لأن الظاهرة البلاغية كانت وما زالت مفتاح إدراك الإعجاز \" «٦» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الخامس: الصورة البلاغية في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n_________\n(١) التعريفات (الجرجاني): ص ٧٣. التوقيف على مهمات التعاريف: ص ١٦٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٨.\n(٣) سُوْرَة يُوْنِسَ: الآية ٩٠.\n(٤) التوقيف على مهمات التعاريف: ص ٥٥.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٦) الظواهر البلاغية: ص ٢٧.","vol":"1","page":109},{"text":"يعدّ مفهوم الصورة البلاغية بوصفه فنًا من فنون البلاغة الحديثة أحد أوجه التشكيل الصوري البياني للمعنى الملفوظ من خلال ذاتية المبنى وقد عرف أحد دارسي البلاغة الصورة البلاغية بأنها:\n\" التشخيص الذي يحسه القارئ مصورًا في ذاته عند قراءته نصًا ما استنادًا إلى الإبداع الفني في نقل النص المكتوب من عالم اللفظ والمعنى إلى عالم الصورة بكل أطرها وألوانها \" «١» . ولا ريب أن قضية الصورة هي قضية قديمة قدم البلاغة العربية، فقد عرفها القدماء بأسماء مثل «٢» .\n١-التصوير.\n٢-التشبيه (في بعض جوانبه) .\n٣-الاستعارة (في بعض جوانبها) .\nوقد ورد ذكر ما يشبه مفهوم الصورة البلاغية لدى علماء البيان باسم\n(الإيغال في الوصف) «٣»، وأرادوا بذلك: \" أن يغرق الكاتب أو الشاعر في وصفه لشيء ما، حتى يخرجه إلى مخرج الصورة المصورة، فإذا كان ذلك كذلك تم له الوصف، وأجاد به \" «٤» .\nونحن نعتقد أن مفهوم الصورة البلاغية بكل جوانبه الداخلية والخارجية يمكن تطبيقه في الدراسات الحديثة للنص القرآني، وقد فعل ذلك سيد قطب في كتابه\n(التصوير الفني في القرآن الكريم) «٥»، ومحمد عبد الله في كتابه (الصورة والتشخيص البياني في القرآن الكريم) «٦» .\n_________\n(١) البلاغة الحديثة. عطية فرج. الطبعة الأولى. دار مصر العلمية. القاهرة. ١٩٨٨ م: ص ٢٢١-٢٢٢.\n(٢) ينظر الصناعتين: ص١٩٣.\n(٣) المصدر نفسه: ص ٣١٥.\n(٤) رسالة في البلاغة: ص٢٢.\n(٥) ينظر التصوير الفني في الَقُرْآن الكَرِيم. سيد قطب. دار الكتاب العربي. بيروت، لبنان. (د. ت): ص ١٧٧. الصورة والتشخيص البياني في الَقُرْآن الكَرِيم. سليمان عبد الحكيم. الطبعة الأولى. بيروت، لبنان. ١٩٩٤ م: ص ٢٥٧.\n(٦) ينظر الصورة والتشخيص البياني في القرآن الكريم: ص ٢٥٧.","vol":"1","page":110},{"text":"وأثناء دراستنا في هذه الرسالة لكل ما يتعلق بسورة القصص، وتحليلنا لكافة جوانبها، كان لزامًا علينا أن ندرس قضية الصورة البلاغية فيها باعتبار أن ما ورد في سورة القصص من صورة بلاغية يعدّ دليلًا للكاتب والشاعر على حد سواء في إقامة تصوير النص استنادًا إليها «١» .\nلقد تحققت في سورة القصص التطبيقات البلاغية من خلال جوانب الصورة البلاغية التي احتوتها في ذاتها.\n... ولا شك أن هذا التحليل باب من أبواب إدراك إعجاز النص القرآني الذي أخرس القائلين، وأبكم الناطقين.\n﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ «٢»، ففي قوله تعالى فيها: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ «٣» .\nنجد أن مشهد صورة هذا القول الكريم من (امرأة فرعون) هو مشهد شاخص بكل جوانب الصورة، فيكاد القارىء للنص أن يحسّ بمشاعر (امرأة فرعون)، وقلقها أمام فرعون وكبار قومه وآله. وفي قولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ ما يشعر من خلال استخدام لفظة (عسى) بمحاولتها التأثير عليهم نفسيًا بأسلوب الترجي، وفي قولها: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ جعلت الصورة مصورة أمام عين فرعون، الذي يبدو أنه لم يكن له (ولد)، وتأخيرها جعل موسى ولدًا على رجاء النفع منه، فيه نكتة بلاغية جميلة في أسلوب الحث على فعل شيء ليكون الطلب بالتدريج «٤» .\n_________\n(١) الصورة والتشخيص البياني في الَقُرْآن الكَرِيم: ص٢٥٧-٢٦٠.\n(٢) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ٨٢.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٩.\n(٤) الصورة والتشخيص: ص ٢٣٧.","vol":"1","page":111},{"text":"ونجد أن قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُون﴾ «١»، يجسد صورة بلاغية فنية مبدعة في لفظها وجرسها ومعناها وصوته الذاتي، ذلك أن لفظة (قصيه) لفظة مفتوحه على معانٍ متعددة «٢» .\nولكن من الممكن هاهنا أن نفهم منها معنى (قص الاثر والبحث والنظر عن بعد)، ويعزز المعنى الاخير قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾، وفي ذلك صورة الأخت الحنون التي تبحث عن أخيها بأمر من أمها الوالهة التي فقدته، وهي صورة لا تتكرر في البيان.\nأما قوله تعالى فيها: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ «٣»، فهو تصوير فني - بلاغي متكامل الصورة، النبي الكريم موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - في نضجه واكتماله، وقد كان الربط بين الفعل الماضي (بلغ)، والمفعول به\n(أشده)، ثم مجيء الفعل المضارع (استوى) ربطًا متكاملًا في جوانب الصورة كلها، بحيث يشعر قارىء النص وسامعه على حد سواء ان هنالك رجلًا (مكتمل الخلقة) بدلالة الافعال المتتالية المتوالية.\nوالصورة البلاغية واضحة كل الوضوح، وظاهرة كل الظهور في قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّب﴾ «٤»، فإن الفعل الناقص (أصبح)، والحال (خائفًا)، ثم الفعل المضارع التام (يترقب) يتركب منها تصوير بلاغي تام، يدل على إنسان يتلفت إلى يمينه ويساره وفي هذه الصورة إعجاز صوري لا يتأتى لأي أحد إعادة تصويره مهما بلغ من إجادة وإتقان، وتلك إحدى خصائص النص القرآني في إعجازه.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١١.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (قصص) ٧ /٧٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٨.","vol":"1","page":112},{"text":"ونجد أن قوله تعالى: ﴿جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ «١» فيه تصوير بلاغي تام، فيخيل للقارىء أنه يرى في ذهنه أمام ناظريه مجيء رجل من أطراف تلك المدينة راكضًا ليبلغ موسى (- ﵇ -) نبأ المؤامرة.\nوليس في أي أسلوب من أساليب العربية ما يمكن أن يماثل قوله تعالى:\n﴿جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾، فلو قال القائل: (أتى إنسان من أطراف المدينة راكضًا) . أو (وصل رجل من أقصى المدينة مبلغًا) . وعشرات الصيغ الاخرى المقترحة لم يكن لقوله: (أي القائل) بكل صيغة روعة إعجاز قوله تعالى: ﴿جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ بما تضمنه من صورة بلاغية.\nأما قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ «٢»، فهي من الآيات التصويرية التي تصور لنا امرأة كلها حياء وعفة وحشمة وتواضع، وكل ذلك استدللنا عليه بقوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ لأن استعارة الفعل المضارع الحقيقي تمشي، ونقل (على) من الأرض المحذوفة إلى (استحياء) بالتنكير المشعر بفخامة القصد المراد، يرينا صورة بلاغية أعجزت الأولين والآخرين، لذلك قال في هذه الآية بعض الباحثين: \" إن المتتبع لقوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ لا يجد لها نظيرًا في كافة التعبيرات الإنشائية البلاغية، وما ذلك إلا لأن إستعارة الشيء الحقيقي لمجازية الاستحياء مشعرة بالتصوير البياني الخاص بالصورة الفنية بكل أوجهها من حقائق السير إلى مجازات الحياء بأنواعه، فالآية بذلك قمة من قمم الإعجاز التصويري القرآني \" «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٣) الإعجاز التمثيلي في آيات الوصف. دراسة تحليلية. د. حسن رفاعي. الطبعة الأولى. دار المعارف بمصر. ٤٩٩٤ م: ص٤٢٤.","vol":"1","page":113},{"text":"ونحن واجدون في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ «١» ما يعدّ آية الآيات في التصوير البلاغي في القرآن، وبخاصة في سورة القصص.\nفتوالي حروف الجر، وتوالي الاضافات، والتصاق كل ذلك بعضه ببعض، ثم التقريب من العام إلى الخاص (شاطىء الواد)، (البقعة المباركة)، (من الشجرة)، يدلّ على تصوير المعنى بأبلغ الصفات التي تدلّ (بما قبلها) على (ما بعدها) من قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ «٢»، ومايتلوه من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ «٣»، ففي كل ذلك التصوير، شُخِّصَ المعنى بأبلغ لفظ موجز، وهو نوع من أنواع الإيغال البلاغي، وفيه التفاف في الوصف. وجملة\n(نودي) المبنية للمجهول تدلّ على تعظيم المنادى والمنادي.\nونجد أن قوله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ «٤»، يضم صورة بلاغية بجنب مجموعة من الصور الفنية تتمثل في أن الأمر نتيجته هاهنا الحقيقة في الوقوع - وليس المجاز فلو أن الأمر (اسلك) كان مؤداه مجازًا لبطل وجه من أوجه الإعجاز الخبري في صدق قوله تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ بقرينة ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ احترازًا عن البرص الذي هو بياض بسوء.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٠.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣١.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٢.","vol":"1","page":114},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ «١» مشعر بعظم الصورة التي يتصورها الإنسان من (النبذ) الذي هو إلقاء باحتقار ثم إن قوله تعالى ﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾ مشعر بكلية الجيش المنبوذ في اليم، وحقيقة الصورة نابعة من صورة المجاز فيها (الأخذ) و(النبذ) .\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ «٢» فيها أحد أجمل أنواع التصوير البلاغي في بابه، وذلك متمثل في أن (سماع اللغو) نتيجته (الإعراض عنه)، وقد تأتى ذلك التصوير للقوم االمؤمنين من خلال أداة الشرط (إذا) وجواب الشرط (عرضوا)، ثم حذف (اللغو) والاستعاضة عنه بهاء (عنه)، فأنظر كيف غدا النص اعجازبًا تصويريًا بلاغيًا، لا يمكن لأحد أن يجيء بمثله مهما حاول من محاولات.\nوقوله تعالى: ﴿اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ «٣»، وقوله تعالى: ﴿النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾ «٤» على التوالي صورة مجازية لتقرير إستفهامي هو سؤال العارف، فصارت الصورة في الذهن منقلبة عن الصورة الحقيقية (الليل اللاسرمدي) و(النهار اللاسرمدي) إلى الصورة المجازية الآتية من الإستفهام عن الليل والنهار السرمديين، وهذا من أبلغ التصوير.\nوقوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ «٥»، قول بديع بليغ فيه كل أنواع التصوير الفني، وذلك نابع من أن إسناد النوء بالحمل مجازيًا إلى المفاتيح لا إلى (العصبة أولي القوة)، فهو من المقلوب لفظًا ومعنى.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧١.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٢.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.","vol":"1","page":115},{"text":"وفي هذا القلب يتجسد التصوير البلاغي وتتمثل الصورة البلاغية واضحة كل الوضوح بما يراه القارىء في ذهنه من صورة (عصبة) (أولي قوة) تنوء بهم مفاتيحهم الخاصة بكنوز قارون.\nفكأن القرآن الكريم أسند كل الصورة هاهنا إلى المفاتيح، وجعلها محور النص، لأن من عادة العرب في كلامها أنها:\n(تقدم ما بيانه عندها أهم) «١»، فقدمت المفاتح لنكتة بلاغية في التصوير البلاغي.\nوقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِه﴾ «٢» فيه من الصورة البلاغية، الصورة المقبوحة لشخص طاغية متكبر متجبر، تراه في نفسك وقد خرج على قومه، (وقد أسند الضمير لقومه تمييزًا لهم عن المؤمنين) . وفيه قوله تعالى: (في زينته) مشعر بأنه خرج بكل ما عنده من هيئة ولباس وحلي وكنوز، ولا يستطيع أي إنسان مهما بلغت به البلاغة أن يعيد تجسيد هذا المشهد إلا وهو ينتقص إما من اللفظ، وإما من المعنى.\nثم نجد بعد ذلك متواصلًا معه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ «٣»، فنحسّ أن ذلك الخسف متعلق بخروجه متكبرًا في زينته بعد ما كاد يفتن قلوب فريق من المؤمنين. والخسف الحقيقي هاهنا (لا المجازي) هو الذي جعل هذه القوة المتدفقة من النص يحسّها القارىء، ويشعر بها السامع على حد سواء.\n_________\n(١) ينظر تأويل مشكل القرآن: ص ١٩٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.","vol":"1","page":116},{"text":"ولعل إحدى أهم الصور البيانية قوله تعالى فيها: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «١»، فهي آية قد لا يشعر القارىء لأول وهلة بصورتها البيانية غير أنه ما إن يمضي بها ليصل إلى قوله تعال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه﴾ يجد نفسه مستعيدًا الصورة السابقة بالنهي عن دعاء سواه تعالى، ثم متقدمًا على الصورة اللاحقة ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .\nوهل قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه﴾ حقيقة أو مجاز؟ ففي ذلك خلاف بين علماء الكلام منذ أمد بعيد، غير أن الأصل في ذلك أن الألفاظ القرآنية على حقيقتها ما لم تصرفها قرينة إلى المجاز.\nوبذلك تكون الصورة في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه﴾ صورة حقيقية كل الحقيقة، مشعرة بما فيها من بلاغة وفن بلاغي وإيجاز في الوصف.\nوإذا وصلنا إلى هذا الموضع من هذا التحليل، نجدنا قد حاولنا أن نبرز جملة الصور البلاغية من خلال المفهوم العام للصورة البلاغية في آيات سورة القصص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب السادس: الحكمة من استخدام الجمل والصيغ والعبارات في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n_________\n(١) سُوْرَة (ص): الآية ٨٨.","vol":"1","page":117},{"text":"من الواضح أن في اللغة العربية أساليب متباينة يمكن من خلالها فهم دلالات ألفاظ نفسها، أو بمقارنتها بغيرها، وذلك أن علم اللغة الحديث المأخوذ من أصوله التراثية قد أثبت أن أي نص لا يمكن فهم أسلوبه إلا بمقارنته بنص آخر، أو بإبدال بعض كلماته (بمرادفات) أخرى. ولا ريب أن علم إعجاز القرآن استفاد فائدة كبرى قديمًا وحديثًا من ذلك، لأن علم إعجاز القرآن يبحث في خصائص الأسلوب وبدائل الأسلوب. وقد حاولت استنادًا إلى ذلك أن أدرس بعض الكلمات والألفاظ في آيات مختارة من سورة القصص مع توجيه المعنى المقارن نحو بدائلها بحيث يبدو إعجاز الأسلوب القرآني في سورة القصص خاصةً، وذلك من ثلاثة أوجه:\nأولًا - البديل اللفظي.\nثانيًا - البديل الأٍسلوبي.\nثالثًا - البديل المعنوي.\nوالجمع بين هذه البدائل فعله القاضي الباقلاني من قبل في كتابه إعجاز القرآن في سورة أخرى، ودرسها القاضي عبد الجبار في كتابه المغني في أبواب التوحيد والعدل، والإمام عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز، وابن أبي الإصبع المصري في كتابه بديع القرآن.\nوممن درسها من المحدثين:\nالدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطي «١» .\nالشيخ مُحَمَّد عبد الخالق عضيمة «٢» .\nالدكتور فاضل السامرائي «٣» .\nوسواهم من النحاة والبلاغيين المعاصرين الذين درسوا إعجاز النصّ القرآني لغويًا.\nونحن في دراستنا لسورة القصص أردنا ان ندلي بدلونا في ذلك، فنفهم لماذا جاءت بعض الأشكال اللغوية في مواقع منها دون أشكال أخرى قد يتوقع الإنسان أن تجيء في كلام بديل لو كان كلامًا بشريًا.\n_________\n(١) التفسير البياني للقرآن الكريم. عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ. الطبعة الثامنة. دار المعارف بمصر. ١٩٨٢ م: ص ٨٨.\n(٢) دراسات في أسلوب القرآن الكريم: ٥ /١١٩.\n(٣) التعبير القرآني. د. فاضل صالح السامرائي. بيت الحكمة. بغداد. ١٩٨٩ م: ص ٥١.","vol":"1","page":118},{"text":"وهذا الفن أولع به الأدباء إذ يروي اليازجي:\nإن رجلًا سأل عن قول المتنبي:\nقد شرف الله أرضا أنت ساكنها ... وشرف الناس إذ سوّاك إنسانًا\nفقال: لماذا لم يقل خلاك بدل سواك؟ فأجابه ابن جني: إن قوله: (خلاك) لا يعطي النصّ بلاغته التي أعطته إياها (الصيغة القرآنية) سواك التي جاءت في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ «١» «٢»\nوقد أكثر الدكتور فاضل السامرائي من ذكر النصوص المشابهة «٣»\nإن سورة القصص في ألفاظها ومعانيها تحتوي على ما يمس القلوب والأرواح في المعاني المنطبعة في النفس الإنسانية عند قراءتها لأسباب تتعلق بذاتية الألفاظ وفق خمسة عوامل.\nأولًا - الجرس اللفظي.\nثانيًا - بنية الكلمة.\nثالثًا - موقع الكلمة.\nرابعًا - سياق الكلمة.\nخامسًا - مقارنة الألفاظ بمرادفاتها.\nونحن سنحاول ان ندرس المرادفات البديلة التي تبرز إعجاز الألفاظ الأصلية.\nإن الأسلوب الذي أنزلت به هذه السورة في مكة المكرمة يحمل كلّ سمات الأسلوب المكي (المختلف في دلالاته عن سمات الأسلوب المدني)، وبذلك فإن الصورة العامة لسورة القصص تتميز بأن بناءها في إطاره العام خال من الجمل التي توجه المعنى نحو الدلالة الفقهية - الشرعية. بل إن جمله توجه المعنى نحو الدلالة التوحيدية التي تزرع العقيدة الصحيحة المستندة إلى نفي الشريك عن الله، والداعية إلى عبادة الله وحده. والتي تسلي رَسُول الله ﷺ. وتشد من أزره وأصحابه لمواجهة ظلم قريش.\n_________\n(١) سُوْرَة الانْفِطَارِ: الآية ٧.\n(٢) العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب. تحقيق: إِبْرَاهِيمُ اليازجي. الطبعة الثانية. دار العلم. بيروت. ١٩٧٨ م: ٢ /٦٢٢.\n(٣) التعبير القرآني: ص ٥١.","vol":"1","page":119},{"text":"واستنادًا إلى ذلك فإن آيات سورة القصص تعبر كلماتها تمام التعبير عن مقتضيات واقع الحال المراد إبانته لمن أنزلت السورة في زمنهم وبين أيديهم من أهل مكة.\nفنحن نسأل استنادًا إلى ذلك لماذا جاء النصّ القرآني في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ «١» ولم يستخدم كلمة أخرى في صفة الكتاب مثل (الحكيم)، (العزيز)، (المجيد)؟\nوالذي نراه أن المبين هاهنا أنسب، لأن الإبانة متناسبة مع صفة الكتاب كونها الإبانة بليغة الدلالة على الظهور والنصاعة في تلك الفترة، أما لو قيل:\n(الكتاب الحكيم) فمن أين لهم ان يعرفوا حكمته. أو العزيز فمن أين لهم أن يعرفوا عزه ولأنكروا ذلك رأسا، فقيل لهم: (الكتاب المبين) وهم لفصاحتهم لا يستطيعون إنكار إبانته «٢» .\nفالله جل وعلا وصف كلامه بصفة يعرفها أهل مكة أكثر من سواهم لاشتهارهم بهذا فكأن القرآن أراد أن يتحدا بيانه.\nونحن نجد أن الصيغة القرآنية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ «٣» تحتمل سؤالًا هو: لِمَ لَمْ يقل تعالى: (طغى)، أو (بغى)، أو (استكبر)؟\nوالذي نراه في ذلك أن دلالة (علا) من العلو الزماني والمكاني أبلغ من تلك الصيغ الأخرى، ومن كلّ صيغة، لأنه لو كانت العبارة (إن فرعون طغى) لكان ذلك دليلًا على الطغيان فقط، والطغيان (لا يعم، بل هو خاص بفرعون ولا يشمل جنوده ولا هامان) .\nولو قيل: (إن فرعون تكبر) لكان التكبر خاصًا به وبقومه لأن الإنسان لا يتكبر إلا على من هم من حوله يرونه ويراهم.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.\n(٢) ينظر الكشاف: ٣ / ١٦٤. جامع البيان: ٦ /٤٩٦٣. البحر المحيط: ٧ /١٠٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.","vol":"1","page":120},{"text":"ولو قيل: (إن فرعون بغى) لكانت الجملة غير مبينة عن هذا البغي، فجاءت العبارة (علا في الأرض) لتدل على أن فرعون جمع الطغيان والبغي والتكبر الذين اجتمعوا جميعًا في العلو على الأرض، فكان إعجاز استخدام الفعل الماضي (علا) دالًا تفضيلها على غيرها من الصيغ الأخرى، لأن كلمة (علا) في هذا الموقع في ذكر فرعون أبلغ في مكان الآية من أي صيغة أخرى، فالآية تصف دولة فرعون ومجتمعه أي نظام دولة كامل.\nفلا بد من كلمة تصف نظام دولة فرعون. ولا يوجد أليق من كلمة (علا) في هذه السورة من القرآن الكريم، وربما استخدمت بقية الكلمات في مواضع أخرى من سورة أخرى فناسبت موضعها في تلك السور «١» .\nإن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ «٢» يحمل في استخدامه اسم الجمع (شيع) وهو منصوب بكونه مفعولًا به ثانيًا دلالة خاصة تختلف عما لو استخدم فيه أي لفظ مرادف للكلمة نفسها، مثل (فرقًا) أو (أحزابًا) على سبيل المثال. ونحن نرى أن صيغة (شيعًا) التي جاءت في النص أبلغ من كلّ صيغة، لأن الشيع هي العصبة، ومن معانيها العصبة القوية، وفرعون إنما قسم الناس على شيع، أي: أقسام، فجعل منهم شيعته وشيعة موسى، ولو جاء النصّ بصيغة (فرقا) لدلّ على تحزب قوم دون كونهم من شيعته، أي: المطاوعون له.\n_________\n(١) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٦٤.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.","vol":"1","page":121},{"text":"ونحن نجد أن قوله تعالى في سُوْرَة الْقَصَصِ ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ «١» . ﴿الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾ «٢» دالان على كون شيعة موسى (وهم اليهود) تمبزوا منذ ذلك الوقت عن شيعة فرعون، فدل ذلك على أن الشيعة بالنسبة للرجل عصبته، وقد غرقت شيعة فرعون معه في اليم لإيمانهم بدعوته، بدلالة: ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «٣» . وليس من الأسلوب القرآني ذكر جنود ملك ما إلا إذا بلغوا في عداوتهم للإيمان مبلغًا عظيمًا.\nوهذا يجرنا إلى صيغة (يحذرون) لماذا جاءت بهذه الصيغة في النصّ، ونحن نعلن أن الحذر \" هو احتراز عن مخيف \" وقد كانوا جميعًا أي: فرعون وهامان وجنودهما يحذرون مولودًا بعينه هو موسى (- ﵇ -) فجاءت الصيغة\n(يحذرون) بدلًا من غيرها من الصيغ مثل (يخشون)، لأن الخشية هي خوف أو (يخافون)، فالخوف هو أمر يقع بالمواجهة، وهم لم يواجهوا موسى (- ﵇ -)، فكانت صيغة (يحذرون) ابلغ في دلالتها من كلّ دلالة أخرى.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.","vol":"1","page":122},{"text":"ونحن نجد أن قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا\nوَحَزَنًا﴾ «١» يثير سؤالًا مهمًا هو ما دلالة العداوة والحزن في كينونة موسى\n(- ﵇ -) ولم لم تستخدم أي صفة أخرى مثل (وبالًا وصعوبة) أو (كائدًا ومعسرًا) والذي أراه والله أعلم أن ذكر المصدر (العدو) والاسم (الحزن) أبلغ من أي تعبير أخر، لأن التقاط آل فرعون (وهي صيغة عمومية) بمعنى ذكر الحال بالمآل لموسى (- ﵇ -) وهو رضيع في أيامه الأولى لا يحمل يومذاك لهم أي معنى بأن هذا الصغير سيكون سبب عسرهم (الحزن) وسيكون عدوًا لهم (كلّ العداوة) في سبيل الله جَلَّ جَلاَله. ولو قيل: (ليكون لهم وبالًا) أو (كائدًا) أو (معسرًا) لم يكن كذلك ذا معنى، لأن كلّ ذلك لا يمكن أن يتحقق من طفل صغير رضيع فكانت صيغة (عدوًا وحزنًا) هنا دالة على أنه سيعاديهم هم وليكون حزنهم هم دون سواهم، فكانت هذه الصيغة أبلغ في حد ذاتها مما لو استخدمت ألفاظ الآية أي مجموعة أخرى من الصفات، واللام في هذه الآية تدلّ على أنها لام التعليل، أو لام كي «٢» . ومما يؤيد هذا المعنى الذي ذكر ليكون موسى عدوًا خاصًا لهم تقديم الجار والمجرور (لهم) من عدوًا وحزنًا، فهذا التقديم أفاد الاختصاص.\nوقوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ «٣» يَدُلُّ على أن الإعجاز الَقُرْآني إنما كان في استخدام لفظة (يشعرون) ونفيهما بـ (لا) لأن الشعور هو (العلم الدقيق) «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨.\n(٢) الكَشَّاف: ٣ /١٦٦. مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٢٨. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ / ٤٩٦٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١١.\n(٤) ينظر جامع البيان: ١ ٠/٣٨. معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٦٩. مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٣٠.","vol":"1","page":123},{"text":"و(لا يشعرون) أي لا تدركون بالحواس ودلالة (لا يشعرون) في هذا الموضع أبلغ من أية دلالة أخرى مثل لا يعلمون لأن العلم متحقق بعد وجود شيء ما معروف في العقل وليس الشعور بشيء مادي، بل هو شيء معنوي دقيق كلّ الدقة كخبر ولادة موسى (- ﵇ -)، وكونه بين ظهراني قوم فرعون، وأما دلالة (يعقلون) هاهنا فقد تكفل بهما وببيانهما الراغب الأصبهاني إذ قال:\n\" ولو قال في كثير مما جاء فيه (لا يشعرون) لا يعقلون لم يكن يجوز، إذ كان كثير مما لا يكون محسوسًا قد يكون معقولًا \" «١»، والشعور إحساس، والعقل معرفة ونحن نرى أن هذه الآيات كذلك، وهو يوافق ما ذهبنا إليه آنفًا، لأن المعنى هو أن عدم شعورهم يعني انهم لم يحسوا بلهفتها عليه، ولو قيل: إنهم لا يعقلون لكان المعنى أنهم لا عقل لهم قط.\nونحن نجد أن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ «٢» يثير سؤالًا هو: لماذا جاءت الصيغة القرآنية (يستصرخه) هكذا، ولم تجيء في الاستخدام أية صيغة أخرى مثل (يستنجده)، أو (يستغيثه)، أو (يستنصره)؟\nوالجواب عن ذلك هو أن أية صيغة أخرى إذا ما وضعت موضع كلمة\n(يستصرخه) لا يمكن أن تدلّ على المضمون الذي دلت عليه الصيغة القرآنية، فلو قلنا (يستنجده بالأمس) دلّ ذلك على طلب النجدة ولم يكن ذلك حال الرجل. ولو قلنا: (يستغيثه) لم يكن ذلك الاستخدام مناسبًا، فطلب الغوث دعاء من قريب لبعيد، وليس ذلك واقع الحال، لأنهم كانوا جميعًا في مكان واحد.\n_________\n(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٢ /٢٣٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٨.","vol":"1","page":124},{"text":"فكانت كلمة (يستصرخه) في مبناها القوي الصياغة أوفى بالمراد إذ فيها الحروف القوية (الصاد، والخاء) جرسيًّا، وفي معناها إذ نتخيل رجلًا يسترعي الانتباه من صراخه بأن يجيء له موسى (- ﵇ -) وهي المعبرة كلّ التعبير عن حال الرجل، لأن المعركة بين الإسرائيلي والقبطي لم تكن في علم موسى (- ﵇ -) «١» .\nونحن كذلك نجد في سُوْرَة الْقَصَصِ أن قوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ «٢» وهي من الآيات البليغة التي عدّها قدامى المفسرين من الآيات المعجزة كلّ الإعجاز، يحمل في طياته تساءلًا.. لماذا استخدم الَقُرْآن الكَرِيم المصدر المزيد بأحرف الزيادة (استحياء)، ولم يستخدم ألفاظ أخرى مثل (تمشي على حياء)، أو (تمشي على خجل) أما استخدام (حياء) فإن المصدر المزيد أبلغ في دلالته من المصدر العادي، لأن زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني، على ما قاله اللغويون، فناسبت شدة الحياء أن يجاء لها بمصدر مزيد (استحياء) . أما الخجل فإنه أخص من الحياء الذي هو أعم، فالخجل يكون من أمر معين، أما الحياء فإنه خصلة في الذات، وهو إحدى شعب الإيمان، لذلك كان استخدام النكرة المصدرية المزيدة (استحياء) أبلغ من أي استخدام أخر. وإن استخدام صيغة (استفعل) تدلّ على الطلب فكأنها تريد أن تثير في مقابلها هذه الخصلة الشريفة «٣» .\n_________\n(١) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٣٦. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٩٨٠. البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١١٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٣) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٤٠. البَحْر المُحِيْط: ٧ / ١١٤.","vol":"1","page":125},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ﴾ «١» يثير في النفس سؤالًا هو: لماذا جاءت الصيغة القرآنية بالمصدر (الرهب)، وهي صيغة استعيرت من فعل الطائر، لأنه إذا خوف نشر جناحيه، ولم تجيء مثلًا على صيغة (الخوف)، أو (الخشية)، أو (التوجس)، أو أية صيغة من صيغ العموم؟\nوالذي أراه، والله أعلم بالصواب، أن دلالة استخدام أي مصدر أخر غير\n(الرهب) لا يمكن أن تكون له في نفس المقام الذي جاءت به. فلو قيل: (من الخوف) لم يكن للخوف، وهو معادل لفظي للجبن، أية دلالة، ولو قيل: (من الخشية)، وهي لفظة تدلّ على ذات نفسية غير مطمئنة لم يكن لها أية دلالة، ولأن المراد الإلهي، والله أعلم بالصواب إنما كان أن يضمم موسى (- ﵇ -) جناحه (يديه) من رهبته من الموقف الذي تلقى فيه الوحي دون الخوف الذي تقدم في قوله تعالى: ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾ «٢» والأوامر الإلهية بعد صدورها متحققة كما هي القاعدة المعروفة، كان استخدام صيغة (من الرهب) هو الأبلغ في دلالته، فاستعارة صورة الطائر صور لنا دقة حال سيدنا (- ﵇ -)، فكأنه من حذره صار كالطائر الذي يتوجس من كلّ شيء «٣» .\nوقد يسأل سائل: لماذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (٤)، وليس هناك أحد يدعو إلى النار؟\nقلنا: إن هذه الصيغة جاءت وفيها فائدتان:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٢.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣١.\n(٣) ينظر الكَشَّاف: ٣/ ١٧٥. مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٤٧. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٠٠.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤١.","vol":"1","page":126},{"text":"الفائدة الأولى - غن النار هنا بتأويل ما سيكون، أي: إنهم يدعون لما يؤدي إلى النار في خاتمتهم، وهو كقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ «١»، والخمر لا تعصر بل العنب هو الذي يعصر، ولكنه بما أنه سيكون العنب خمرًا قيل: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ورأي أبي مسلم أن \" النار هنا بمعنى التقدم نحو النار \" «٢»، فهو بتأويل ما سيكون.\nالفائدة الثانية - إن الصيغة القرآنية لو جاءت بلفظ (يدعون إلى الضلال) مثلًا، لم تكن معبرة عن دعوة فرعون وجنوده، وكذا لو جاءت بلفظ (يدعون إلى الكفر) لكان المعنى أنهم في كفرهم يدعون إلى كفر، وهكذا على التوالي، فجاءت صيغة ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ لتدل على المعنى الذي أريد لها أن تجيء به، وهو ما زاد النصّ الَقُرْآني جمالًا على جمال «٣» . وارى أن الدعوة إلى النار بمعنى الكينونة في النار.\n_________\n(١) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ٣٦.\n(٢) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٥٤. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٠٥.\n(٣) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٥٤. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٠٥.","vol":"1","page":127},{"text":"وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «١»، فإن السؤال الذي قد يثار، هو عن دلالة قوله تعالى: ﴿بَصَائِرَ﴾، والبصائر جمع بصيرة، بمعنى العبرة - كما قال الراغب الأصفهاني - ودلالة العبر هاهنا أبلغ من أية دلالة أخرى، فمعنى الآية إذا ما حللناها هو أن التوراة أنزلت على موسى (- ﵇ -) عبرة للناس وهدى ورحمة، أما دلالتها (أي كلمة بصائر) فهي أن في التوراة عبرًا بالجمع، وليس عبرة بالإفراد، لأنها قد حوت على أحكام ومواعظ وقصص، وقد جمعت البصائر، والله أعلم لدلالة العبر البليغة وكونها أكثر في التعبير الَقُرْآني معنىً مما لو جاءت بلفظ أخر مثل (دلائل)، أو (معالم)، أو أي جمع أخر. فلو قيل:\n(دلائل) لم تدلّ هذه الكلمة إلا على كون التوراة علامات، لأن الدليل هو العلامة، ولو قيل: (معالم) لكان المعنى إشارات، لأن المَعْلَم هو الإشارة، أما لفظة\n(بصائر) فدلت على أن المعنى هو العبر تلو العبر «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٣.\n(٢) ينظر جامع البيان: ١٠ /٧٦. معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٧. مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٥٥. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٠٧.","vol":"1","page":128},{"text":"وأما قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ «١» . فإن سؤالًا قد يتبادر هنا عن دلالة\n(عميت) دون سواها من الصيغ، لأن إسناد المعنى لتاء الضمير الخاص بالمذكورين آنفًا يَدُلُّ على حقيقة العمى عن رد السؤال، ولو جاءت الصيغة بلفظ\n(فذهبت عنهم الأنباء) لم يكن ذلك دالًا على أي شيء، فذهاب الأنباء عن قوم يحتمل ردهم لجوابهما، ولو قيل: (فغادرت عنهم الأنباء) لكان كذلك، والمعنى أن حال الكفار والمشركين الظالمين يوم القيامة عند سؤالهم سؤال توبيخ، هو العمى الكامل حتَّى عمى الإجابة، ويفسر هذا المعنى الَقُرْآن الكَرِيم في آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ «٢» وهذا هو المعنى بعينه في الوصف الَقُرْآني، فدل ذلك على أن المعنى هو هو في الحالتين يوم القيامة، ولكن الأسلوب الَقُرْآني هو إعادة المعنى بأكثر من صيغة أسلوبية لإبراز أوجه الإعجاز في الَقُرْآن الكَرِيم، وقد أشار الطبري إلى غياب الحجة عنهم عند السؤال يوم القيامة فقال: \" وإنما عني بذلك أنهم عميت عليهم الحجة، فلم يدروا ما يحتجون لأن الله تعَاَلىَ قد كان ابلغ إليهم في المعذرة \" «٣» . وهذا يوافق ما ذهبنا إليه.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٥ – ٦٦.\n(٢) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٧٢.\n(٣) جامع البيان: ١٠ /٩٤. معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٦٠.","vol":"1","page":129},{"text":"ونجد في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ «١» يحمل صيغة قرآنية ذات دلالة خاصة في عموميتها البلاغية وقد يسأل سائل: لماذا لم تجيء الصيغة بلفظة (أممًا)، أو (طوائف) أو (شعوبًا)، أو (أناسًا) بدل (قرونًاُ)؟\nوالجواب والله أعلم: إن دلالة (قرونًا) في موضعها أبلغ مما لو قيل (أممًا) لأن الأمم هي المجموعات من الناس، والطوائف هي أناس بعينهم، والشعوب مجموعات غير متجانسة، والأناس، جمع ناس، وهم المجموعة ذات السمات المميزة، أما صيغة (قرونًا) فتحمل كلّ تلك المعاني مجتمعة في لفظها، ولأن الَقُرْآن الكَرِيم يستخدم الألفاظ القصيرة التي تدلّ على المعاني العديدة، فاستخدم الَقُرْآن الكَرِيم لفظة (قرونًا) بدل أية صيغة أخرى، وتلك خصيصة من خصائص النصّ القرأني، والآية تحمل معنى تقدم ذكر رَسُول الله (- ﷺ -) . وتطاول العمر مشعر بتقادم ذكر رَسُول الله (- ﷺ -) «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٥.\n(٢) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٧٠٦.","vol":"1","page":130},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ «١» تسائل عن ماهية دلالة (بطرت) بدل كلّ الصيغ الأخرى التي ترادفها، مثل (كفرت)، أو\n(بغت في)، أو (عتت)، أو (طغت في نعمتها)؟ والجواب عن ذلك والله أعلم: إن صيغة (كفرت معيشتها) لا تحمل دلالة البطر لأن الفرق بين الكفر - وهو إخفاء الشيء - والبطر - وهو التكبر على الشيء - واضح بين، ولو جاءت الصيغة (بغت في معيشتها) لم تدلّ على البطر. ولو قيل: (عتت في معيشتها) لم تكن الصيغة دالة على معنى البطر مع دلالة انتصاب الفعل، لذلك كانت صيغة (بطرت) أوضح كلّ الوضوح من أية صيغة أخرى «٢» .\nأما قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ «٣» فإن سؤالًا قد يثار في معنى كلمة (سرمدًا) المنصوبة مفعولًا به، هو: لماذا جاءت هذه الصيغة هاهنا بهذا اللفظ دون سواه؟\nوالذي أراه والله أعلم أن دلالة السرمد بمعنى (الدائم) أبلغ من أية دلالة أخرى، فالسرمد هو الدائم غير المنقطع، ولو استخدمت أية صيغة أخرى لم تدلّ على ما دلت عليه هذه الصيغة في مبناها ومعناها. فلو قيل بدلها: (دائمًا) فإن الدوام هو البقاء، ولكنه لا يعطي المعنى الذي يعطيه معنى كلمة (سرمد) الذي يفيد الاستمرارية.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.\n(٢) ينظر مفاتيح الغيب: ١٣/ ٦.الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧١.","vol":"1","page":131},{"text":"وقد بين الطبري، والقرطبي المعنى نفسه، ففسرا السرمد بمعنى الدائم، ونحن نرى أن معنى الآية هو امتنان الله ﷿ على الناس جميعًا بكون الليل والنهار ليسا سرمديين \" أي: ليسا دائمين، وقد تكررت كلمة (سرمد) في الموضعين في ذكر الليل والنهار، لأن العرب تبدأ اليوم بالليل قبل النهار، ليكون أبلغ في التعبير البياني عن فضل الله ﷿ «١» .\nوأما قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ «٢» فإنه يثير سؤالًا مهمًا جدًا، هو لماذا جاءت كلمة (شهيد) هاهنا وهي بمعنى النبي في هذا المقام دون صيغة نبي أو رسول، مع أن المفسرين أجمعوا على أن المراد بالشهيد هنا هو النبي الذي يشهد على قومه بما فعلوه؟\nقال الطبري في تفسير هذه الآية: \" أي وأحضرنا من كلّ جماعة شهيدها وهو نبيها الذي يشهد عليها بما أجابته أمته فيما أتاهم به عن الله من الرسالة \" «٣» .\nوقيل: \" أي نبيًا عن مجاهد. وقيل: هم عدول الآخرة يشهدون على العباد بأعمالهم في الدنيا \" «٤» .\nونحن نرى أن دلالة النبوة والرسالة في موضعها تفهم من خلال سياق معنى الآية لأن الآية تدلّ على أن الأمم يوم القيامة ينزع من كل منها نبيها يشهد على ما فعلوه عند دعوته لهم.\n_________\n(١) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٨٩. جامع البيان: ١٠ /٩٨. معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٣٦\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٥.\n(٣) جامع البيان: ١٠ /٨٩.\n(٤) مفاتيح الغيب: ١٣ /١٣.","vol":"1","page":132},{"text":"ولو جاءت الصيغة (نبيًا) لم تدلّ على الشهادة النبوية، لأن النبوة مقام لا يَدُلُّ في معناه على النزع، وقد جاءت الصيغة (نزعنا) وهي تدلّ على الأخذ، ولا يليق موضع النبوة والرسالة بصيغة (نزعنا) لأن النصّ لو جاء بصيغة نزعنا من كلّ أمة نبيًا لما كان في النصّ من معنى سوى ما فيه من أخذ الأنبياء. والَقُرْآن ينقل النصوص في حالة تغير المعاني من معنى إلى أخر ليهذبها، فجاءت الصيغة كما تقدم، وهي وجه من وجوه الإعجاز القرآني في تبديل الصيغ والأساليب «١» .\nإن ما تقدم كان محاولة لاستعراض بعض كلمات وصيغ سُوْرَة الْقَصَصِ وتحليلها وفق نظام الصيغ القرآنية وبدائلها اللغوية، ولعلنا حاولنا محاولة في الصياغة اللغوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب السابع: الرسم الَقُرْآني في سُوْرَة الْقَصَصِ وعلاقته بأداء المعنى</span>\nأجمع القدماء على أن هنالك خطان لا يقاس عليهما:\nخط المصحف.\nخط العروض «٢» .\nولكن قومًا ممن بلغوا في العربية والتفسير مبلغًا كبيرًا أجمعوا على أن رسم المصحف يمثل تطورًا كبيرًا في أداء المعنى «٣»، وأنه إنما كتب ورسم بلسان وأحرف قريش لغابات معنوية مهمة كلّ الأهمية، وتروي الرواية الشهيرة عن جمع القرآن:\n«وقال عثمان (- ﵁ -) للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم انتم وزيد بن ثابت في شيء من الَقُرْآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم» «٤» .\n_________\n(١) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٧٤.\n(٢) ينظر في اللغة والنحو. د. طه إِبْرَاهِيمُ، الطبعة الأولى، مصر، ١٩٨٥ م: ٢١ -٢٢.\n(٣) صَحِيْح البُخَارِي: ٦ /٢٢٤.\n(٤) صَحِيْح البُخَارِي: ٦ /٢٢٤.","vol":"1","page":133},{"text":"مما يَدُلُّ على أن فعل عثمان (- ﵁ -)، \" وفعله حجة في بابه على ما هو مشهور من حجية قول الصحابي \" «١»، إنما يبين كيف أن بعض صور الرسم للخط الَقُرْآني لا يمكن فهمها إلا بكتابتها ورسمها بلسان قريش.\nولا ريب أن مسألة الَقُرْآن بالأحرف السبعة امتزجت في بعض الحالات بظواهر الرسم الَقُرْآني على رأي طائفة من العلماء الذين ذهبوا إلى أنَّ الأحرف السبعة موجودة في اللفظ والصوت الَقُرْآني وهو رأي مشهور «٢» .\nوقد ألف قوم كثيرون في رسم الخط المصحفي الَقُرْآني وما فيه من فوائد «٣»، وقد بين القدماء أن من الواجب التزام ظواهر الرسم المصحفي في كتابة المصاحف، وجعلوا خط المصاحف خاصًا بها «٤» .\nوقد ذكر الزمخشري في الكشاف أن: \" خط المصحف سنة لا يتغير \" «٥» .\nوقد علل كثير منهم ظواهر الرسم بعلل لغوية أو نحوية أو بيانية، وبينوا أوجه بعض أشكال الرسم بيانيًا «٦» . ويقول ابن قتيبة: \" وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها \" «٧» .\n_________\n(١) المُسْتَصْفَى من علم الأصول. مُحَمَّد بن مُحَمَّد الغَزَالي أبو حامد. (٤٥٠ - ٥٠٥) . تحقيق: مُحَمَّد عَبْد السلام عَبْد الشافي. دار الكتب العلمية. بيروت. ط١. ١٤١٣ هـ.: ٢ /١١٥.\n(٢) تأويل مشكل الَقُرْآن: ص ٣٠. جامع البيان: ١/٤٧ –٤٨ و٥٧-٥٨.\n(٣) ينظر رسم المصحف: ١٦٨.\n(٤) همع الهوامع شرح جمع الجوامع. جلال الدِّيْن عَبْد الرَّحْمَن السيوطي الشافعي. ت ٩١١هـ. دار المعرفة. بيروت. لبنان. ١٣٢٧ هـ. مصورة عَنْ ط١. بولاق. مصر: ٢ / ٢٤٣.\n(٥) الكَشَّاف: ٣ /٢٠٩.\n(٦) المحكم في نقط المصاحف. عثمان بن سعيد الداني أبو عمرو. (٣٧١ - ٤٤٤) . تحقيق: د. عزة حسن. دار الفكر. دمشق. ط١. ١٤٠٧ هـ: ص ١٩٦.\n(٧) تَأوِيل مُشْكِل القُرْآن: ص ٤٠ –٤١.","vol":"1","page":134},{"text":"ويقول ابن خلدون: \" ثُمَّ اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها (أي المصاحف) تبركًا بما رسمه أصحاب رَسُول الله (- ﷺ -) وخير الخلق من بعده، المتلقون لوحيه من كلام الله تعَاَلىَ وكلامه ... \" «١» .\nثُمَّ يذكر بعض ما يتعلق بعلاقة الرسم الَقُرْآني بأداء المعنى استنادًا للخط فيقول ناقلًا: \" ويقولون في مثل زيادة الألف في (لا أذبحنه) «٢» أنه نبع على أن الذبح لم يقع. وفي زيادة الياء في (بأييد) «٣» أنه تنبيه على كمال القدرة الربانية وأمثال ذلك \" «٤» .\nوقد ذكر القدماء أن من صور اختلاف الرسم ما يكون لاختلاف المعنى «٥»، وكان ممن أولع بذلك المراكشي - على ما نقله القسطلاني ﵀ «٦» . ونحن في هذا المطلب سنحاول أن نعلل تعليلًا معنويًا بعض صور الرسم في سُوْرَة الْقَصَصِ لأننا نعد ذلك ذا فائدة في إيضاح بعض معاني هذا السورة.\nونحن نجد من صور رسم المصحف في هذه السورة:\n١. ءايت:\nإذ رسمت الهمزة مستقلة وحذفت الألف بعد الياء. ولعل ذلك يَدُلُّ على كمال الجمع في كون تقديم الهمزة مشعر بذلك.\n٢. يستحي:\nإذ رسمت بياء واحدة، وكان حقها أن ترسم بيائين، ولعل ذلك يَدُلُّ على شدة المبالغة في الإبقاء على النساء دون الرجال.\n٣. ءَاَلُ:\n_________\n(١) مقدمة ابن خلدون. عَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن خلدون الحضرمي. ت ٨٠٨ هـ. دار القلم. بيروت. ط٥. ١٩٨٤ م: ص ٧٥٧ و٧٩١.\n(٢) سُوْرَة النَّمْلِ: الآية ٢١.\n(٣) سُوْرَة الذَّارِيَاتِ: الآية ٤٧.\n(٤) المصدر نفسه: ص ٧٥٨.\n(٥) ينظر رسم المصحف: ٢٢٣.\n(٦) لطائف الإشارات لفنون القراءات. للإمام شهاب الدِّيْن أبو العباس أحمد بن مُحَمَّد القسطلاني. ٨٥١ هـ - ت ٩٢٣ هـ. تحقيق: عامر السيد عثمان. د. عَبْد الصبور شاهين. طبع المجلس العلمي للشؤون الإسلامية. القاهرة. ١٩٧٢ م: ٢٨٣ –٢٨٤.","vol":"1","page":135},{"text":"إذ رسمت همزة بدل علامة المد على الألف. ولعل ذلك للدلالة على أن هؤلاء الآل غير الصالحين، لأن الهمزة حرف تقليل أحيانًا «١» .\n٤. امرأتُ:\nإذ رسمت بتاء طويلة بدل التاء المدورة، ولعل ذلك ليدل على كمالها ﵂ لأن التاء الطويلة تدلّ على الكمال والعظمة.\n٥. يموسى:\nإذ رسمت ياء النداء بغير ألف، ولعل ذلك للدلالة على سرعة النداء والخطاب في الحالتين «٢» .\n٦. استئجره:\nإذ رسمت الهمزة على كرسي، واستئجرت إذ رسمت الهمزة كذلك، ولعل ذلك للدلالة على مبالغتها وحرصها على طلب إجارة موسى (- ﵇ -) لحاجتها وأختها لحمايته، فجاء الرسم الَقُرْآني بهذه الصيغة مشعرًا بذلك.\n٧. ءانس:\nإذ رسمت الهمزة لوحدها، ولعل ذلك لبيان شدة أنسه بالنار التي رآها.\n٨. فذنك:\nإذ رسمت بغير ألف.\nولعل ذلك للدلالة على اسم الإشارة، وكونه موجهًا للبراهين الإلهية.\n٩. يهمن:\nإذ رسمت بكرسي ياء بدل الألف، ولعل ذلك للدلالة على استعجال فرعون في ندائه لهامان.\n١٠. ما اتهم:\nإذ رسمت بكرسي بدل الألف، ولعل ذلك يتوجه لعدم مجيء النذير لهم من قبل.\n١١. سحران:\nإذ رسمت بصيغة تقرأ بها بعدة قراءات، ولعل ذلك لكي يتوجه النصّ لعدة آفاق من القراءات، وبذلك إما للإشارة إلى موسى وهارون ﵉ (ساحران)، أو موسى ومحمد - عَلَيْهما الصَلاة والسَّلام ـ. وأما للإشارة إلى سحر معه سحر، أي سحر موسى وهارون ﵉، وكل ذلك مما يفتح آفاق متعددة للنص.\n١٢. شركاءي:\n_________\n(١) لقد رسمت في بعض المصاحف (سلام على آل ياسين) بألف ممدودة للتكريم، كما في الكَشَّاف: إذ قال: \" وأما من قرأ آل ياسين اسم أبي إلياس أضيف إليه الآل \". الكَشَّاف: ٣/ ٣٥٣ –٣٥٣.\n(٢) أي الآية ٢٩ و٣٠ من سُوْرَة الْقَصَصِ.","vol":"1","page":136},{"text":"إذ لم ترسم الهمزة على كرسيها،، ولعل ذلك للإشارة إلى انتفاء الشركاء وكون الله ﷾ فردًا، لأن إفراد الهمزة مشعر بذلك كما لا يخفى.\n١٣. ءامن:\nإذ رسمت الهمزة منفردة دون رسم الألف وعليها علامة المد،، ولعل ذلك للإشارة إلى الثواب الموحد لمن آمن بجعل الهمزة مفردة، كما أن المؤمن مفرد في إيمانه.\nإننا لا ندعي أن ما قدمناه من تأويلات للمعنى وفق ظواهر الرسم هو التأويل الوحيد، ولكن ما قدمناه هو تعليل استنتجناه من استقراء ظواهر الرسم المصحفي في سُوْرَة الْقَصَصِ، وهو في كلّ الأحوال اجتهاد مجتهد، ولسنا ممن يقول في الَقُرْآن الكَرِيم برأيه، فحاشى لله من ذلك، وإنما هو رأي أبديناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الثاني: الأطر العامة لسُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>المطلب الأول: دلالة التوحيد في سورة القصص</span>\n\nأنزل الله ﷻ القرآن هاديًا للناس ومرشدًا لهم، ووضع لهم فيه المنهج الأقوم، والمنهاج الأحكم، فكان كما وصفه في ملازمته لرسول الله (- ﷺ -) ﴿النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ «١»، وتتضمن سور القرآن الكريم دلالات متعددة على التوحيد الإلهي الذي هو ذات (المعرفة الإلهية) «٢»، ولذلك كانت سورة الإخلاص تعدل\n(ثلث القرآن) «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٥٧.\n(٢) حال أهل الحقيقة مع الله. السيد أحمد الرفاعي. (٥١٢ - ٥٧٨ هـ) . تحقيق: مُحَمَّد علي مُحَمَّد. الدار الجماهيرية. ليبيا. ١٩٧٥ م: ص١١١.\n(٣) صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب فضل قل هو الله أحد ٤ /١٩١٥ رقم (٤٧٢٦) . من حديث أبي سعيد الخدري عن الرَّسُول ﷺ قوله: والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن) . وصحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة قل هو الله أحد. رقم (١٣٤٤) من حديث أبي هريرة (- ﵁ -) .","vol":"1","page":137},{"text":"ولعل من السور التي تضمنت جوانب متعددة من دلالة التوحيد سورة القصص (المكية) «١»، التي وصفها بعض الباحثين، فقال: \" إن سورة القصص قد احتوت في ذاتها على جوانب تشريعية في باطن النص، وفي نفس الوقت فقد احتوت على جوانب توحيدية في ظاهر النص بما لا يدع مجالًا للشك في أن سورة القصص تضمنت في مجملها روحًا إيمانيًا يفيض على المؤمنين بوداعة وسكينة \" «٢» .\n_________\n(١) الإِتقَان فِي علُوم القُرْآن: ١ /٥٨.\n(٢) قصص الَقُرْآن، دروس وعبر. سعد يوسف أبو عزيز. الطبعة الأولى. دار الفجر للتراث. القاهرة. ١٤٢٠ هـ. ص٢٢٤ وما بعدها.","vol":"1","page":138},{"text":"وتلك هي ميزة النص في سورة القصص كونه يحتوي على أسلوب خطاب يقرر حقيقة التوحيد بأسلوب غير مباشر، كما في قوله تعالى فيها: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ «١»، فمفهوم النص في هذه الآيات له ظاهر وباطن معنوي، فأما المفهوم الظاهر، فهو إن الله ﷿ هو الذي يصرف الكون ويقدر تصرفه فيه وما يجري فيه، أما المفهوم الداخلي «٢» الإشاري، فيقرر حقيقة توحيدية أخرى، هي (أن إرجاع موسى (- ﵇ -) إلى أمه كان لقدير إلهي ليكون فرعون وقومه الذين التقطوه في خانة المحاجة بكفرهم، وهو رسول الله تعالى لهم، ونحن نجد في سورة القصص أن آيات دلالة التوحيد ذات مبنى ومعنى صيغا بأسلوب يقرر حقيقة التوحيد حتى لدى أولئك الذين لا يؤمنون بالله ﷻ «٣»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ﴾ «٤» في بيان الوعد الإلهي، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ «٥» في المشيئة الكلية، ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ «٦)\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.\n(٢) لا ريب أننا لا نعني بالمفهوم الداخلي هاهنا ما كان يعنيه الباطنيون من ملاحدة القرامطة والإسماعيلية، بل إن مفهومنا لهذا التعبير هو (معرفة إشارات النص الكامنة فيه)، راجع فضائح الباطنية. مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الغزالي أبو حامد. (٤٥٠ - ٥٠٥) . تحقيق: عَبْد الرَّحْمَن بدوي. مؤسسة دار الكتب الثقافية. الكويت. (د. ت) .: ص٤٥.\n(٣) ينظر التوحيد والمعرفة في الفكر الإسلامي. أحمد حسن الزين. الطبعة الثانية. دار العرفان. بيروت، لبنان. ١٩٨٨ م.: ص ٢٢٢-٢٢٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٧.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٨.","vol":"1","page":139},{"text":") الوكالة الإلهية، ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ «١» التوحيد الخاص بالربوبية، ﴿بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ «٢» معطي الهدى، ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ «٣» .\nوقد عرف العلماء التوحيد بأنه:\n\" إفراد الله تعالى بالعبودية، والإقرار له بالوحدانية \" «٤» .\nوهذا التعريف الذي يراه الباحث جامعًا مانعًا يرينا كيف أن سورة القصص قد تضمنت ما يمكن أن يكون بحق (كل دلائل التوحيد ودلالاتها) استنادًا إلى ما ذهب إليه أحد الباحثين إذ قال: \" إن آيات التوحيد الخالص في سورة القصص تنطق في حد ذاتها بمعنى (لا إله إلاَّ الله) على سبيل الإيضاح، أو الإشارة على حد سواء، لا بل يكاد أن يكون السياق العام للسورة في خطها البياني التصاعدي المتصاعد نحو الذروة ناطقًا بإفراد التوحيد. فسورة القصص في هذا الباب شارحة للصفات الالهية التوحيدية \" «٥» .\nولقد لاحظنا أن سورة القصص فيها عشرة مطالب توحيدية نوجزها في النقاط الآتية:\n١- المنّ على المؤمنين: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «٦» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٢.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٧.\n(٤) علم الكلام نظرة تحليلية. د. عبد الكريم راجي. الطبعة الثانية. دار ذات السلاسل. الكويت. ١٩٨٨ م.: ص٩٣.\n(٥) القصص القرآني: ص٣٠٧ وما بعدها.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.","vol":"1","page":140},{"text":"٢- صدق وعد الله ﷿: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «١» .\n٣- الجزاء الصالح: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ «٢» .\n٤- غفران الله لعبادة المؤمنين: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ «٣» .\n٥- الهداية الإلهية: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ «٤» .\n٦- إشهاد الله ﷿: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ «٥» .\n٧- الربوبية: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ «٦» .\n٨- الحق والهداية من الله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ «٧»، و﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ «٨»\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٢.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٨.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٠.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٣.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٦.","vol":"1","page":141},{"text":"٩- عدم إهلاك القرى إلا بإنذار: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ «١» .\n١٠- التوحيد بإسناد الصفات: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٢» .\nفهذه المطالب العشرة تبين لنا أن آيات التوحيد في سورة القصص تجري في نظام قرآني إعجازي لا يدانيه بحق أي نظام لغوي آخر. وفي ذلك يقول الدكتور ناصر الحسن:\n\" والذي يحلل ما جاء في سورة القصص الشريفة يلاحظ كيف أن مجرى آيات وحدانية الله ﷿ فيها تسير في طريق مستقيم فتأخذ بالعقول والقلوب كمثل قوله تعالى فيها: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ «٣»، فإن دلالته على أن الله ﷿ يتكفل برسله، ويصطفيهم منذ طفولتهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فالآية هنا تجعل تحريم المراضع على موسى (- ﵇ -) في قصر فرعون فعلًا من أفعال الله ﷿، وفي ذلك دلالة عظمى على وحدانيته تعالى \" «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٢.\n(٤) مباحث في إعجاز الَقُرْآن. د. سليمان علي. الطبعة الثانية. دار المعارف بمصر. ١٩٨٦ م.: ص ١٥٨.","vol":"1","page":142},{"text":"وإذا ما حاول الباحث - استنادًا إلى ما تقدم - إعادة صياغة معنى الآيات التوحيدية في سورة القصص، فإنه يخرج بما يمكن أن نوجزه من صفات الله ﷿ في النص الآتي المستخلص من السورة نفسها على ما قدمنا نقله من سوابق الآيات: (إن وعد الله حق يلحق بالصالحين وهو وكيلهم، رب العالمين ببراهينه، وهو العليم بمن جاء بالهدى، وإن الهدى هو هداه الذي هو الحق من عنده وبيده وحده الهداية، الذي لا يعذب قرية إلا بعد أن يقيم عليها الحجة، وما عنده هو الخير الباقي الذي يخلق، والذي يعلم الخوافي، لا إله إلا هو رب الليل والنهار، وهو الذي لا يحب الفرحين ولا المفسدين، مهلك القرون الماضية الذي ثوابه الثواب لمن آمن وما من احد يشعر امرًا من دونه الذي يرد الناس إلى معاد، كلّ شيء هالك إلاّ وجه جل جلالة) .","vol":"1","page":143},{"text":"وهذه الإشارات لاقت هوى من العارفين، فتحققوا بها، وبخاصة ما ورد منها على الاجمال «١» . وقد كان لآية ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ «٢» دلالة توحيدية تنزيهية تشبه دلالة قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ «٣»، أو دلالة قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ «٤»، فإثبات الوجه لله تعالى دون كيفية هو قمة من قمم التوحيد. وفي ذلك يقول الدكتور محمد عياش الكبيسي: \" وصفات لا يدل ظاهرها على علاقة معنوية مع هذه الاسماء بل إن ظاهرها ولّد نوع إشكال في فهم المدارس الكلامية ... كإبعاض وأعضاء أضيفت إلى الله تعالى مثل الوجه في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ \" «٥» . ثم يعود الدكتور ليقرر ذلك، فيقول: \" إن العقيدة القرآنية عقيدة عامة تناسب جميع المكلفين، لأنها جاءت لهم جميعًا ... وعلى هذا نرى كيف استطاعت عقيدة القرآن أن تقنع مختلف المستويات الفكرية والاجتماعية وغيرها ودفعت بالجميع إلى الغاية\nالعظيمة \" «٦» .\n_________\n(١) النظام الخاص لأهل الاختصاص. السيد أحمد الرفاعي (٥١٢ - ٥٧٨ هـ) تحقيق: مُحَمَّد علي مُحَمَّد. الدار الجماهيرية. ليبيا. ١٩٧٨ م.: ص٨٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٣) سُوْرَة الرَّحْمَنِ: الآية ٢٧.\n(٤) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ١١٥.\n(٥) العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم ومناهج المتكلمين. مُحَمَّد عباس الكبيسي. الطبعة الأولى. بغداد. ١٩٩٢ م.: ص١٢١.\n(٦) المصدر نفسه: ص ٣٢.","vol":"1","page":144},{"text":"وهذا الكلام مهم جدًا جدًا في بابه ونجاحه في تقرير آية الوجه في سورة القصص، التي هي في نفس الوقت آية من الآيات التي تتضمن دلالة التوحيد بما أراده هو ﷾ أن يثبته لنفسه ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ «١»، ومن الواضح استنادًا إلى ما تقدم أن آيات وجود الله ﷿ في سورة القصص، قد احتوت على كثير من دلالات التوحيد ذات المضمون العام المباشر الظاهر اللفظ والمعنى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المطلب الثاني: المرأة في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\nهنالك في سور القرآن الكريم وآياته مواضع كثيرة ذكرت فيها المرأة، وبينت فيها أحكامها، وخوطبت أكرم خطاب وأعزها أعظم إعزاز «٣» .\nوقد كانت المرأة وما زالت مكرمه بإيمانها في النص القرآني، لها ما للرجل، وعليها ماعليه، وحفظ لها القرآن الكريم كرامتها وشخصيتها وبينت ذلك أحاديث رسول الله (- ﷺ -) وأبرزت ذلك كله الشريعه السمحاء.\nويذكر ذلك بعض الباحثين فيقول: \" إن توجيه الخطاب للمرأة في النصوص القرآنية حظي بأسلوب إلهي خاص جدير بالدراسه إستنادًا إلى ظواهر النصوص وبواطنها، ذلك أن آليات المعنى تشير خلافًا إلى ما يزعمه مبغضو الاسلام إلى أن المرأة في الخطاب القرآني الموجه لها حضيت بالإكرام الذي ما بعد إكرام \" «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٨٠.\n(٢) سُوْرَة مُحَمَّد (- ﷺ -): الآية ١٩.\n(٣) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ القُرْآن الكَرِيْم. وضعه مُحَمَّد فُؤَاد عَبْد البَاقِي. مطابع الشعب. ط١. ١٣٧٨ هـ. مادة (نساء)، (امرأة)، (المؤمنات)، (فتياتكم) . . .. الخ.\n(٤) خطاب المرأة الَقُرْآني. د. سعاد الحكيم. الطبعة الأولى. دار المعرفة. بيروت. ١٩٨٨ م: ص٨٨ - ٨٩.","vol":"1","page":145},{"text":"وقد حاولنا في هذا البحث أن ندرس - ضمن دراستنا المتكاملة إن شاء الله تعالى لسورة القصص - طبيعة الوصف القرآني للمرأة فيها، وهو ما أوضحه الدكتور مرشد عبد العزيز، فقال في ذلك:\n\" لقد كانت سورة القصص المكية تجد وصفين لنوعين من أنواع النساء:\n١- النساء المؤمنات (امرأة فرعون. أُم موسى) .\n٢- النساء بصورة عامة (يستحيي نساءهم) .\nوذلك أوجد نوعًا من ثنائية الوصف الدلالي في إيضاح الصورة القرآنية للمرأة في سورة القصص \" «١» .\nونحن نجد أن هذا التقييم قاصر في حد ذاته، فسورة القصص تحتوي ضمن وصفها الإلهي للمرأة على عدة أنواع من النساء تتعلق بها عدة طبائع ونوازع يمكن تلخيصها في الآتي بيانه إن شاء الله تعالى:\n١. النساء الأسيرات (يستحيي نساءهم):\nوالاستحياء ترك القتل مع الأسر، وقد فعل ذلك فرعون بنساء بني إسرائيل، وهن يظهرن في هذا النص بغير شخصية، فكأنهن ذبن في مجتمع العبيد الفرعوني.\n٢. الام:\n_________\n(١) خطاب المرأة القرآني: ص ١٩١.","vol":"1","page":146},{"text":"وتتجسد ملامح الأم في عدة مواضع من سورة القصص: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ «١»، ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «٢»، ﴿وَقَالَتْ لأُِخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ «٣»، ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ﴾ «٤»، ففي هذه المواضع نجد أم موسى (- ﵇ -) في أبهى مشاعرها بالامومة من ارضاعة الاول إلى إلقائه في التابوت في البحر، وتوكيل الله تعالى، وعدم الخوف، إلى فراغ فؤادها، وكونها كادت أن تخبر بذلك لولا أن سكَّن الله ذلك عنها، ثم أمرها لأخته بالبحث عنه وإرجاعه إليها بسلام لترضعه من بيت فرعون، فهذه مجموعة مشاعر الأم مجسدة في آيات سورة القصص على حده.\n٣. الاخت:\nونجدها هنا صورة الأخت التي تطيع أمها، وتتمتع بقدرات خارقة للنظر عن بعد كما يوحي بذلك سياق الاية: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ «٥»، ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ «٦» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٠.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١١.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١١.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٢.","vol":"1","page":147},{"text":"فنحن نشاهد في هاتين الآيتين اللطف في خطاب أخت موسى لحاشية فرعون لتعيد أخاها - بإذن الله ﷻ إلى أمها بأمر الله تعالى، والله على كل شيء قدير.\n٤. الملكة المؤمنة:\nويصورها النص القرآني بأنها تتلطف في الخطاب لتحافظ على موسى (- ﵇ -) من بطش زوجها الكافر. ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ «١» .\n٥. المرأة المستضعفة:\nوهي شخصية تصورها سورة القصص في حكايتها لأخبار ابنتي النبي الكريم شعيب - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ «٢» .\n٦. المرأة الحيية:\nوهي سورة بليغة في كل بلاغة النص القرآني، وسورة معجزة في الوصف بما صورها الله تعالى في وصف حياء ابنة شعيب (- ﵇ -)، ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ «٣» .\nوتتجسد في هذه السورة أعلى مراحل كرامة المرأة في النص وأعظم مراتب شخصيتها القرآنية.\n٧. المرأة المخطوبة:\nويستخدم القرآن الكريم في هذا الموضع صيغة خطبة الأب لإبنته لمن رآه مكافئًا لها كما في قوله تعالى فيها: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ «٤» .\n٨. المرآة المتزوجة:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٣.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٧.","vol":"1","page":148},{"text":"والنص في سورة القصص يضيف المرآة المتزوجة إلى زوجها اكرامًا لها بضمير الغائب، وهذا من بدائع الوصف القرآني للمرآة، كما في قوله تعالى: ﴿فَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾، ﴿قَالَ لأهْلِهِ﴾، والمعنى القرآني الكامن في وصف المرأة المتزوجة، وإضافتها إلى موسى (- ﵇ -) تقرّ بأن المرأة تبع لزوجها، وهذا من حكمة الله تعالى في خلقه، فإذا أدركنا مما تقدم صورة المرأة، والوصف القرآني في سورة القصص أدركنا إلى أي حد، وإلى أي مقدار كرم القرآن الكريم المرأة، وامتدحها وأثنى عليها ووصف ذكأها، وجعل لها أحكامًا خاصة بها دون مشقة ولا عسر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المطلب الثالث: الزمن في سورة القصص</span>\n\nيعد الزمن بعدًا دلاليًا خاضعًا لتغيرات فلسفية - ذات صيغة عامة في كونها تتميز بأبعاد لا يمكن وصفها إلا من خلال تعريف الزمن بأنه: \" البعد الدال على تغير الوقت \" «١» .\nأو هو \" مرور الوقت في المكان الذي هو نقيض حركة الزمن \" «٢»، ويمكن ربط المفهوم الحديث للزمن بالمفهوم العربي الإسلامي لفكرة الزمن بأنه: \" تلك المداولة الإلهية للساعات والثواني والدقائق واللحظات التي تتحكم بحركة الإنسان على الأرض من خلال تقرير إلهي لليل والنهار المرتبطين بالشمس والقمر في دورانهما حيث دارا \" «٣» .\nونجد إضافة إلى ذلك كله ومقارنة به كله، أن للزمن بعدًا لغويًا - بلاغيًا يمكن تلمسه في قول بعض الباحثين:\n_________\n(١) موجز تاريخ الزمن. هربرت رج. ترجمة: رضوان علي رضوان. الطبعة الثانية. دار الشؤون الأكاديمية. بيروت، لبنان ١٩٨٩ م.: ص ٤٧. وينظر الزمن في الفكر الحديث. ديفد رأي. ترجمة: أحمد عَبْد الله. الطبعة الأولى. دار الشؤون الأكاديمية. بيروت، لبنان ١٩٩٢ م.: ص ١١٥.\n(٢) موجز تاريخ الزمن: ص٤٨. وينظر الزمن في الفكر الحديث: ص ١١٧.\n(٣) الزمن في الفكر الحديث: ص ١٢٠.","vol":"1","page":149},{"text":"\" لم يختلف اللغويون والنحاة والبلاغيون والكتاب المنشؤون العرب اختلافهم في دلالة لفظة الزمن على معناها فهي في مقابل الوقت تدلّ على المداولة اليومية للساعات. وقد شرح القرآن الكريم شرحًا وافيًا فكرة أن الأيام بليلها ونهارها من الله ﷾، وهي الفكرة التي تبناها العلماء العرب في الكلام وفي اللغة على حد سواء، فالزمن عندهم جميعًا آلة حركة الوقت \" «١» .\nوقد حاول بعض المستشرقين أن ينفوا من اللغة العربية وجود دلالة زمنية في الأفعال (الماضية والحاضرة والمستقبلية) تدل على معنى زمني «٢»، وهذا الزعم باطل من أساسه لأن الدلالة الذاتية للفعل العربي تحمل الدلالة الزمنية في الماضي الذي ذهب، والحاضر الذي يضارع الكلام، والمستقبل المجرد عن سوف والسين، أو التصق بهما لفظًا وتقديرًا في كون تلك الأفعال في معناها الفعلي وفي معناها البلاغي تدل على زمن «٣» .\nولا ريب أن هذه الفرية بعض ما تعود المستشرقون على إلصاقه باللغة العربية منذ زمن طويل «٤» .\n_________\n(١) اللغة العربية وفكرة الزمن. د. علي دك الباب. الطبعة الأولى. الطبعة الأولى. دار الكتاب العربي. بيروت. دمشق. ١٩٩٤ م.: ص ١٤٥.\n(٢) اللغة العربية وفكرة الزمن: ص ٢١٧.\n(٣) ينظر اللغة العربية وفكرة الزمن: ص ١٩٢.\n(٤) أباطيل وأسحار. محمود مُحَمَّد شاكر. الطبعة الرابعة. مَكْتَبَة الخانجي بالقاهرة. ١٩٨٨ م: ص ٢٤٤.","vol":"1","page":150},{"text":"ونحن في هذا المطلب سنحاول - إن شاء الله تعالى - دراسة البلاغة القرآنية المعجزة إلهيًا في استخدام الزمن بصيغه الماضية، والحاضرة، والمستقبلية في سورة القصص تحديدًا لما لاحظناه من هذا الإكثار الذي يكاد أن يعم في مدلولات الزمن، وكل ذلك إنما أتى لحكمة إلهية قد تكون غابت يومًا عن عصر المفسرين القدماء والبلاغيين القدماء وفق معارف عصرهم، أما اليوم فمن واجب المفسر المحدث إظهارها. وقد تنبه الرازي لبعض ذلك فقال في تفسير قوله تعالى:\n﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ «١»، \" (ونريد) للاستقبال، ولكن أريد به حكاية حال ماضية، ويجوز أن يكون حالًا من يستضعف، أي: يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم \" «٢»، فنحن واجدون في سورة القصص أن قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ «٣» يحمل دلالة زمنية في كون الخطاب الحاضر متعلقًا بحال ماضي يؤول في مجمله إلى المستقبل، وهذا أحد أوجه الإعجاز القرآني في أسلوبه الفخم المتعدد الدلالات والمعاني.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٢) مفاتيح الغيب: ١٢ / ٢٢٦.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.","vol":"1","page":151},{"text":"واستخدام صيغ الماضي بكثرة في سورة القصص مثلما ورد في قصة موسى (- ﵇ -) مثلًا: ﴿علاَ فِي الأَرْضِ﴾ «١»، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ «٢»،\n﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ «٣»، ﴿وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ﴾ «٤» ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ\nالْمَرَاضِعَ﴾ «٥»، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ «٦»، ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ «٧»، مشعر في حد ذاته بأن الزمن الماضي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالزمن الحاضر لا يكاد ينفصل عنه أبدًا، لأن ذلك الاستخدام لا يكاد يفارق ما مضى إلا لدلالة أخرى بقرينة أخرى، فقوله تعالى: ﴿علاَ فِي الأَرْضِ﴾ هو نفسه (يعلو) و(سيعلو) لما ضارع ولما استقبل في دلالته، وكذلك تنبه لهذه الدلالة الماضية الإمام الآلوسي ﵀ برحمته - فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾ «٨»، \" (بالأمس) منذ زمان قريب، وهو مجاز شائع، وجوز حمله على الحقيقة، والجار والمجرور متعلق بـ (تمنوا) أو بمكانه، قيل: والعطف بالفاء التي تقتضي التعقيب في (فخسفنا) يدل عليه \" «٩» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٩.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٢.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٤.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٥.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٢.\n(٩) روح المعاني في تَفْسِير القُرْآن العَظِيْم والسبع المثاني. لأبي الفضل شهاب الدِّيْن السيد محمود الآلوسي البغدادي. ت ١٣٠٧ هـ. إدارة الطباعة المنيرية بمصر (د. ت): ٢٠ / ١٢٤.","vol":"1","page":152},{"text":"ونحن نوافق الآلوسي في ذلك، فإن دلالة الفعل الماضي الناقص (وأصبح) مقترنة (بالأمس) أصبحت تظهر استمرارية الزمن الماضي ودلالات الماضي في هذه السورة بلاغيًا توجب الانبهار لبديع الأسلوب القرآني المعجز فقوله تعالى فيها: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ «١»، يدلّ على اقتران الفعل الماضي (عما) بالظرف الزماني (يومئذ) يصلح في استخدامه لوصف حال أولئك القوم الذين مضوا، مثلما يصلح في استخدامه لوصف حال كل قوم عميت عليهم الأنباء، فهم لا يتساءلون عن أي شيء لأنهم لا يستفيدون من سؤالهم بعد أن ذهب عنهم الزمن الذي هم فيه.\nوقد تنبه على ذلك الزمخشري ﵀ برحمته - فقال في قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ﴾: \" فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعًا لا تهتدي إليهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا يسال بعضهم بعضًا كما يتساءل الناس في المشكلات، لأنهم يتساوون جميعًا في عمى الأنباء عليهم \" «٢» .\nأما دلالات الفعل المضارع على الحاضر في سورة القصص، فهي ذات صيغة خاصة تجعل قارئ النص القرآني في سورة القصص يشعر بكونه مشاهدًا لما يقرأون في خياله الذي يتصور به الأشياء.\nفقوله تعالى: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ «٣» يدلّ فيما يدلّ عليه على أن توالي الأفعال المضارعة (يستضعف)، (يذبح)،\n(يستحي) خاص بهذه الصيغة الزمنية التي تجعل النص ليس خاصًا ببني إسرائيل وفرعون فحسب، بل خاصًا بكل من استضعف في الأرض.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٦.\n(٢) الكَشَّاف: ٣/١٨٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.","vol":"1","page":153},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ «١»، يدلّ في\n(تمشي) وهو فعل مضارع تام على أن المشي استمر في النص، وهذه دلالة زمنية بليغة كل البلاغة تشعر بإعجاز النص القرآني.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِن الْمُؤْمِنِينَ﴾ «٢»، فقد توالت الأفعال المضارعة تواليًا جعلها سنة إلهية خاصة بكل مجموعة من الناس في الماضي، والحاضر، والمستقبل.\nوهذه الدلالات المضارعة تنبه لها الزمخشري ﵀ فقال: \" وجيء بالقول معطوفًا عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا \" «٣»، فجعل الزمخشري هذه الآية دالة على الزمن بكل دلالاته.\nفقد قدمنا فيما مضى استعراضًا موجزًا يبرز مكامن دلالات الزمن في سورة القصص، لنبرهن على جمالية (الاستخدام القرآني) ليجعل منه نصًا متحركًا قابلًا للعمل به في كل زمان ومكان.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٧.\n(٣) الكشاف الزمخشري: ٣ / ١٨٣.","vol":"1","page":154},{"text":"فالذي دفعني لكتابة هذا المطلب في موضوع الزمن في سورة القصص بصورة خاصة، والذي يعبر عن دلالته في القرآن الكريم بصورة عامة هو ما يتفوه به بعض المتشدقين بالحضارة الغربية، والمنبهرين بترهاتها، مما أدى بهم إلى أن ادعوا ظلمًا وبهتانًا أن القرآن لم يعد يصلح لزمن العولمة ولزمن الإنترنت «١»، فنحن نريد أن نثبت ونبرهن من خلال هذا المطلب أن الزمن مستمر في دلالته على الماضي، والحاضر، والمستقبل على ما سنبينه - إن شاء الله تعالى - في الفصل الثامن، وبهذا بينا وجهًا من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم بقدرته على الأخذ بدقة الحياة وتوجيهها نحو شاطئ الأمان، بعد أن تاه الناس في دوامة الأيديولوجيات الغربية والأفكار المشوهة، فإنها خطوة أولى تتبعها خطوات على طريق تفعيل العمل بالقرآن الكريم.\nقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المطلب الرابع: التربية والسلوك في سورة القصص</span>\n\nلا يمكن إغفال أمر مهم كل الأهمية في استعراضنا التحليلي لسورة القصص، مفاده أن المرامي التربوية والسلوكية فيها تختلف كل الاختلاف عن باقي السور القرآنية التي تحتوي على غايات تربوية وسلوكية وإرشادية في كونها استهدفت أربعة أمور استطعنا أن نستخلصها من تحليلنا العام للسورة:\nتسلية قلوب المؤمنين إيمانيًا.\nطمأنينة النفوس الإيمانية.\nتوجيه الفهم المعرفي إيمانيًا.\nإبراز المآل والعاقبة في الدنيا والآخرة «٣» .\n_________\n(١) مفاهيم قرآنية. مُحَمَّد أحمد خلف الله. الطبعة الثانية. الكويت. ١٩٨٥ م.:\n(٢) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ٦٥.\n(٣) ينظر التربية في الَقُرْآن الكَرِيم. د. عبد الحميد سليمان. الطبعة الأولى. دار الرياض. جدة. ١٤١١ هـ: ص ٢٢١ - ٢٢٢.","vol":"1","page":155},{"text":"ولا ريب في أن هذه الأمور تستلزم أن نفهم مسارد مجيء الآيات القرآنية في سورة القصص من تلك التي تحتوي فيما تحتويه على مكامن تربوية وسلوكية وتحليلها، وفق نظرة عصرية حديثة جديدة، لأجل فهم أدق وأشمل لتلك الجوانب التربوية والسلوكية، تعد سورة القصص - وهي مكية كما قدمنا - من أوائل السور التي احتوت على كافة مبادئ الإرشاد التربوي الخمسة:\nالقراءة: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ «١» .\nالبيئة: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ «٢» .\nالاطمئنان: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ «٣» .\nالوصول: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ﴾ «٤»\nالتذكير ﴿وَمَا كُنتَ﴾ «٥» .\nوهذه المبادئ الإرشادية التربوية الخمسة احتوت فيما احتوته على جوانب هي في حد ذاتها جوانب التربية والسلوك القرآني الإيماني، فنحن نجد مثلًا أن دلالة قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ «٦»، تدل فيما تدل عليه على أن الإنسان في بلوغه أشد عمره واستواء فهمه يؤتى إذا ما اخلص نيته لله ﷾ الحكم والعلم، وبخاصة إذا ما ترقى في مرتبة الإحسان التي هي «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» «٧»، وبهذا تستقيم التربية التي حض عليها الله ﷾.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٩.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٠.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٨٦.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٤.\n(٧) صحيح البخاري وهو جزء من حديث طويل عن عمر بن الخطاب ﵁: كتاب الإيمان. باب سؤال جبريل ﵇ عن الإيمان والإسلام والإحسان ٤ / ١٧٩٣. رقم (٥٠) .","vol":"1","page":156},{"text":"ونجد كذلك أن دلالة قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ «١»، تدل فيما تدل عليه على أن الخروج لطلب العلم والمعرفة والفهم تكمن في النفسية التي تستطيع بشخصيتها أن تستهدي بالله ﷾، لأن الهداية الإلهية أساس طلب العلم، وهذا من أهم مبادئ السلوك التربوي الحديث التي سبقت آيات سورة القصص نظريات التربية الحديثة إلى أبرزها، ونجد أن قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ «٢»، يدل فيما يدل عليه على أن المراد بالحياء التربوي أساس من أساسيات السلوك العام والخاص الذي يتوجه، كما قال علماء النفس والسلوك: في أن الحياء خصلة من خصال التربية التي لا يمكن إقامة نظام تربوي متكامل إلا بها، لأن الحياء في أساسه أساس فعل كل شيء، أو الامتناع عن فعل كل شيء «٣» .\nونجد في قوله تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ «٤» أنه يدل على جواز طلب الاستعانة في العلم بمن هو ناطق اللسان، وهذا من مبادئ علم السلوك التربوي الحديثة التي تنص على أن من حق الطالب أن يستعين في عرض آرائه بمن هو أقدر منه على عرض المادة.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٢.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٣) ينظر التربية في الَقُرْآن الكَرِيم: ص ٢٣٢ – ٢٣٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٤.","vol":"1","page":157},{"text":"ونجد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «١»، أنه يدل في مجمل دلالاته الكلية والجزئية على أن إتيان الكتاب يكون من بعد إهلاك من لا يستحق إتيان الكتاب، وأن في العلم البصيرة والبصر، والهداية والهدى، والرحمة، وأن الغاية التربوية من ذلك كله التذكر العلمي الذي تكون نتيجة تحصيل كمال المعرفة، وقد نص علماء السلوك على أن أخذ العلم بعد ذهاب من لا يستحقونه ينتج عنه كمال العلم نفسه، وبهذا كذلك نجد السبق التربوي السلوكي للقرآن الكريم من قبل أصحاب هذه النظريات الحديثة.\nونجد أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ﴾ «٢»، يدل في اقتضاءات سياقاته التربوية على أن نقصان الهداية وإتباع الهوى يؤدي إلى الضلال، وهذا ما قرره علماء التربية الحديثة، إذ جعلوا الهوى أحد مهلكات تحصيل العلم، وقرنوا بين الهوى النفسي (الرغبات الشخصية الذاتية) وبين الجهل المطبق، فجاء القرآن الكريم وأثبت هذه الحقيقة مما يدل على مصدره الإلهي.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥١.","vol":"1","page":158},{"text":"ونجد أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ «١»، يدل في الذي يدل عليه على الأمر بترك سماع ما لا ينفع، لأنه يأخذ مساحة من العقل، جديرة بأن يخزن فيها أمر نافع، ولعل ذلك بعض العلة في تعوذ رسول الله (- ﷺ -) من العلم الذي لا ينفع «٢» . وهو عين ما قرره علماء الإرشاد التربوي اليوم.\nونجد أن قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ «٣»، ثم نهاية قارون التي خسف فيه من خلالها، يدل على عدم جواز الاغترار بالعلم وحده، بل لا بد من تطبيق العلم والعمل، أو العمل والعلم. ورحم الله الإمام السنوسي صاحب الجوهرة إذ قال:\nوعالم بعلمه لم يعلمن ... ... معذب من قبل عباد الوثن\nوكل من بغير علم يعمل ... ... أعماله مردودة لا تقبل «٤»\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٥.\n(٢) إشارة إلى حديث رواه مسلم عن زيد بن أرقم قال: «لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله (- ﷺ -) يقول، كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» . صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، ٤/ ٢٠٨٨ رقم (٢٧٢٢) .\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٤) بوارق الحقائق. مُحَمَّد مهدي بهاء الدين الرواس. تحقيق: عبد الحكيم القباني. الطبعة الرابعة. (د. ن.) . دمشق. ١٩٩٤ م: ص ٢١٨.","vol":"1","page":159},{"text":"وهذا هو عين ما قرره علماء السلوك التربوي إذ قالوا: إن من اغتر بعلمه جهل نفسه وعلمه، وكان القرآن الكريم قد سبقهم إلى ذلك في هذه الحقيقة التي لا زالت عندهم هنالك في الغرب نظرية لم تحقق، وهذا بعض أوجه الإعجاز التربوي القرآني.\nونجد أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ «١»، يدل في مفهومه العام على أن الإنسان مهما كان في ماضيه، وحاضره، ومستقبله لا يمكن له أن يتنبأ بما يؤول إليه أمره في العلم والمعرفة، لأن ذلك من الأمور المقدرة المسلمة بيد الله ﷾، وهذه الحقيقة كررها في العصر الحديث علماء التربية إذ ذهبوا إلى أن الإنسان مهما بلغ ذكاؤه لا يمكنه أن يعلم ما سيكون عليه مستواه العلمي والتعليمي، ولكنهم لكفرهم لم ينسبوا ذلك كله إلى الله ﷾، أما القرآن الكريم كلام الله ﷻ، فقد أسند هذه الحقيقة لله ﷾ ليسبق هؤلاء العلماء في هذه الحقيقة التربوية.\nوبذلك يمكن لنا أن نقول: إن سورة القصص الكريمة قد احتوت فيما احتوته على كافة المبادئ التربوية والإرشادية والسلوكية التي لم يتوصل إليها علماء النفس من التربويين إلا في أخريات العصر الحديث، وهذا مما توصلت إليه بحمد الله وشكره.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.","vol":"1","page":160},{"text":"فسورة القصص الكريمة في جوانبها التربوية، وفي مضامينها للسلوك التربوي لا تغفل أمرًا، هو جد مهم في الحياة الإرشادية التعليمية والتفهيمية للإنسان ألا وهي الحرص على الجمع بين الدنيا والآخرة، وبين العمل للآخرة - وهو العمل الأهم - وبين عموم نسيان نصيب الإنسان من الحياة الدنيا - وهو العمل المهم - وهكذا فإن من قيم سُوْرَة الْقَصَصِ الإرشادية في ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «١»، فالإمامة للدنيا في بعض معانيها، والوراثة للآخرة، كما ذهب إلى ذلك من ذهب «٢» .\nونجد أن الإرشاد في ذلك يتمثل في قوله تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ (٣)، فالتمكين في الأرض يكون بنصيب من الحياة الدنيا مقابل (الجنة) التي هي نصيب الآخرة.\nونجد أن موسى (- ﵇ -) أجر نفسه ثمان حجج أو عشراَ، وهذا أمر دنيوي أريدت به مجموعة الأمور الأخروية، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٢) ينظر التربية في الَقُرْآن الكَرِيم: ص ١٨٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٨.","vol":"1","page":161},{"text":"وهكذا تتضح قيمة التربية الإلهية، والإرشاد السلوكي في الجمع الذي تقدم ذكره قي قوله تعالى حاكيًا عن بعض قوم موسى في مخاطبتهم لقرون: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ «١»، فهذه الآية تدلّ في قيمتها التربوية التي تحملها على أن هناك عدة أمور يجب التنبه لها في التربية الإيمانية:\nابتغاء وجه الله ﷿.\nتذكر الدار الآخرة.\nعدم نسيان نصيب الحياة الدنيا.\nالإحسان، وهو أحد أعظم المراتب المعرفية التربوية السلوكية.\nالابتعاد عن الفساد، لأنه خلاف أوامر الله ﷿.\nوفي ذلك يقول الله ﷿ في سُوْرَة الْقَصَصِ واصفًا الدار الآخرة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾ «٢»، ثُمَّ أعقبها بقوله:\n﴿وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .\nبمعنى تربوي أن الذين يأخذون العلو في الأرض بعيدًا عن الفساد يأخذون بفضل الله ﷿ ورحمته الدار الآخرة.\nوبذلك تستقيم الحياة الدنيا بالآخرة في القيم التربوية، وفي الإرشاد التربوي السلوكي في سُوْرَة الْقَصَصِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المطلب الخامس: النظرة القرآنية لليهود في سورة القصص</span>\n\nتعد الشخصية اليهودية الإسرائيلية نسبًا، من الشخصيات المحورية المعقدة كل التعقيد في القرآن الكريم، ذلك أن السمات العامة لهذه الشخصية في مجمل آيات القرآن الكريم على ما لاحظناه تتجسد في انهماكها في:\nالكفر والشرك والإلحاد والاستهزاء الديني.\nالمال والبيع والشراء والاقتصاد والتجارة.\nالانغماس في اللذات والأخذ بالدنيا.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.","vol":"1","page":162},{"text":"الغرور بالنسب والدين والقوية والجنس وما في الوعود السابقة.\nالجرأة على انتهاك حدود الله ﷿.\nوالإجرام هو محور هذه الشخصية، والصفة التي اتصفت بها طوال عصورها، ومع هذا الإجرام هناك لعنة الجبن المحيطة بهذه الشخصية في كل أطوارها، وفي كل نزالاتها الداخلية والخارجية «١» .\nومن الملاحظ أن سورة القصص قد حفلت بجانب كبير، ضمنيًا، أو مضمونيًا، أو تصريحًا، أو تلميحًا من هذه الجوانب في إطارها الذي حللناه ودرسناه في كافة فصول هذه الرسالة.\nفموسى (- ﵇ -) وهو الشخصية المحورية في سورة القصص، وقصته هي الأساس الذي بينت عليه السورة كما يتضح من استقرائنا لها بصورة عمومية يتمحور من حوله اليهود وبنو إسرائيل، بمؤمنيهم وكافريهم، وطغاتهم وطواغيتهم.\nونحن نحسب أن من المفيد جدًا أن نفهم من خلال كل سورة على حدة كيفية تطور الشخصية اليهودية دينيًا، ووظيفة بعض آيات القرآن الكريم في التحذير منهم، وفي التنبيه إلى الحكمة الإلهية التي أوجبت أن يتحولوا إلى قردة وخنازير، على ما ورد في النص القرآني على الحقيقة لا على المجاز على ما أخبر الله ﷾ «٢» .\nلذلك يمكن أن نجد في هذا المطلب السمات الشخصية العامة للشخصية اليهودية في سورة القصص باستقراء كلي شمولي للآيات القرآنية الخاصة بهذا الموضوع.\nوفائدة هذا الموضوع تتجلى في كونه معينًا على التصور العام لكل يهودي من بني إسرائيل في مضمون النص المحلل، وفق آليات الفهم الداخلي والخارجي للمعنى، ومعنى المعنى في آيات سورة القصص.\nإن سورة القصص تجعل الشخصية اليهودية لبني إسرائيل متجسدة كل التجسد في:\n_________\n(١) ينظر بنو إسرائيل في الكتاب والسنة. مُحَمَّد السيد طنطاوي. الطبعة الرابعة. القاهرة. ١٩٨٨ م: ١ /١٩٧ –١٩٨.\n(٢) ينظر بنو إسرائيل في الكتاب والسنة: ٢/ ٢٨٤ –٢٨٧.","vol":"1","page":163},{"text":"الاستضعاف وموافقة الظالم في طغيانه. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ علاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ «١» .\nالجبن والعام والسقوط تحت سيف القتل. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ «٢» .\nالاستهانة بالعرض وعدم الالتفات لما يقع عليه. ﴿وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ «٣» .\nنبذ الإمامة والوراثة من قبل موسى ﵊ بدليل الوعود الإلهية في قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ «٤» .\nحاجتهم إلى قوة إلهية للنصر على أعدائهم. ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «٥» .\nالإيغال في الشر والقتال بسب أو بدون سبب. ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ «٦» .\nالعودة لصنع الفتن والمشاكل وافتعال الشر والتكرار البالغ فيه. ... ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ «٧» .\nالغدر ونكران المعروف. ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ «٨» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٥- ٦.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٥.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٨.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٩.","vol":"1","page":164},{"text":"الكذب على الإنسان في وجهه وصنع البهتان. ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاَ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ﴾ «١» وهذا باب من أبواب نكر الجميل، فالشخصية هاهنا كما صورت في سورة القصص لا ينفع معها معروف أبدًا.\nطول العمر قد ينسيهم ذكر الله ﷿. ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ «٢» .\nالبغي. ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ «٣» .\nالفرح بالنعمة الدنيوية. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «٤» .\nنسيان الآخرة. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ «٥» .\nعدم الموازنة بين الدنيا والآخرة. ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ «٦»، فإن الشخصية اليهودية تميل إلى عدم التوازن بين الدنيا والآخرة، وجعل جل الاهتمام بالدنيا وعبادتهم للمال والمظاهر الدنيوية.\nعدم الإحسان. ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ «٧» .\nالإفساد. ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٨» .\nالظن الكاذب بأن المال يؤتى عن طريق العلم الشخصي. ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ «٩» .\nمحبة الزينة. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ «١٠» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٩) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(١٠) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.","vol":"1","page":165},{"text":"محبة الحياة الدنيا. ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا﴾ «١» .\nالطع والشراهة وحسد الآخرين. ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ «٢» .\nالجهل العميق. ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ «٣» .\nعدم نصرة بعضهم لبعض إذا وقع في أمر معضل. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ «٤» .\nحلول اللعنة الأبدية عليهم. ﴿وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ﴾ «٥» .\nالانهزامية وعدم الثبات على رأي. ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ «٦» .\nتقريرهم للحقائق بعد وقوعها رغم علمهم السابق بها. ﴿وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ «٧» .\nونحن إذا حللنا ما تقدم من مقومات الشخصية اليهودية في سورة القصص والتي وضعنا لكل منها دليلًا في آيات السورة، نجد مثلًا أن صفة الاستضعاف وما تلاها من صفات هي صفات دائمة مما يوصلنا إلى نتيجة مهمة وهي: إن الشخصية اليهودية في سورة القصص، مصورة في أحوال وأشكال تجمع كل ما وصفهم به القرآن الكريم في كل آياته وسوره «٨»، وهو وجه آخر من وجوه الإعجاز القرآني في سورة القصص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المطلب السادس: المال مفهومه وغاياته في سورة القصص</span>\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٢.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٢.\n(٨) ينظر بنو إسرائيل في الكتاب والسنة: ١ / ٩٨.","vol":"1","page":166},{"text":"تعد النظرة القرآنية في الحدود الإلهية للمال ومقوماته، وسبل جمعه وخصائصه، ومقومات وجوده، والهدف منه، نظرة تجعله سبيلًا لا غاية ولا هدفًا، بل إن كثيرًا من آيات القرآن الكريم تحضّ على عدم الالتهاء والانغرار بالمال، وتجعل المال في الوقت نفسه مما يلهي، ومما ينسب للذين نسوا الله ﷿.\nولا ريب في أن للمال في القرآن الكريم مفهومًا ماديًا يجعله مما يلهي ويعجب أو يبعث على الحسد، وأحيانًا يزيد من طغيان الطاغية، وتجبر المتجبر «١» .\nونلاحظ في سورة القصص التي حللنا كافة مضامينها في هذه الرسالة أنها أشارت إشارات متعددة للمال تصريحًا، أو مجازًا، أو ضمن مفهوم سياق النص على أنه من الأشياء المذمومة التي تبعث على الابتعاد عن الله ﷿، ولكن آيات سورة القصص في الوقت نفسه حضت على عدم نسيان نصيب الإنسان من الدنيا: (وهو ما يشمل المال بأنواعه المتنوعة) «٢»، لذلك كانت لسورة القصص مجموعة من المفاهيم (عن المال)، ودعوه لمجموعة من الغايات (للمال نفسه) يمكن إيجازها في النقاط الآتية استنادًا إلى تحليلنا وتفسيرنا للآيات:\nالوراثة الإلهية للمستضعفين ماليًا ضمن كل أنواع الإرث من خلال وعد الله ﷿: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ «٣»، فهاهنا موقف وسط غير رافض للمال في حد ذاته كونه مالًا، وإلا لم يوعد به كلّ هؤلاء المستضعفين من الله ﷻ مع التمكين في الأرض وإنما المرفوض ما كان من تصرف فرعون بماله حتَّى:\n﴿علاَ فِي الأَرْضِ﴾ «٤» كما قررت سورة القصص.\n_________\n(١) ينظر في الاقتصاد الإسلامي. د. عمر شقرا. الطبعة الثالثة. دار الحكمة. لندن. ١٩٩٤ م: ص ٢٧٧ – ٢٧٨.\n(٢) ينظر المصدر نفسه: ص ٣١٠.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٥ – ٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.","vol":"1","page":167},{"text":"الإجارة المالية وإعطاءها حقها الوافي التام، وما يترتب عليها من أجور مالية أو غير مالية، وهو الوقت الذي قرره الله ﷿ في طلب شعيب - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - من موسى أن يؤجر نفسه له إذ قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ «١»، فلم يكن للمال وجود في هذه الإجارة، ورغم ذلك قبل موسى ﵊ ذلك، وزاد عليه في قبوله عندما قال لشعيب (- ﵇ -): ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ «٢»، فإن موسى (- ﵇ -) لم يجعل المال (وهو أحد شروط الإجارة عرفًا وعقلًا وشرعًا وفقهًا في القديم والحديث) غاية، بل قبل بهذه الإجارة الطويلة الأمد، مما يدل على أن المال هاهنا مفهوم مجازي بعيد كل البعد عن عقله (- ﵇ -) (وذلك كذلك قبل بنفسه ﵊) .\nالإنفاق المالي من رزق الله ﷻ من صفات المؤمنين، وذلك بدليل قوله ﷿: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ «٣»، فإن هذا المدح بصفة هؤلاء المؤمنين هنا إنما كان لأنهم جعلوا المال وسيلة لا هدف، وإنما كانوا ينفقون بقدر الرزق بإنصاف دون إسراف، فكان ذلك من صفات إيمانهم والذكر المجازي للمال دون التصريح به في سياق هذه الآية يجعله بعيدًا كل البعد عن الذم، بل ربما كان هنا مما يؤجر عليه.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٤.","vol":"1","page":168},{"text":"المال قد يكون سببًا في البطر والكفر على رغم أنه نعمة من نعم الله ﷿، وذلك فيما أمتنه الله ﷿ على قوم الرسول الله (- ﷺ -) إذ قال ﷻ بعد أن قالوا:\n﴿إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ «١»، فبين الله ﷿ منته (ماليًا) عليهم بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «٢»، فالمال في مفهومه المجازي هاهنا مع الثمرات والرزق لم يكن سببًا لإيمان هؤلاء القوم، بل خافوا على أموالهم، فبين الله ﷿ لهم سوء رأيهم (المالي) في ذلك بأسلوب إعجازي مبين.\nإن الهلاك قد يكون بسبب طغيان المال وبطر المعيشة، وذلك أن بطر المعيشة بمعنى التمادي في الإسراف ونسيان الآخرة بالدنيا سبب وفرة المال مفهوم كفري بينه الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ «٣»، وما ذكره الله ﷿ من نسبة الوراثة هذه له تعالى يعزز ما ذهبنا إليه آنفًا.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.","vol":"1","page":169},{"text":"إن المال في حد ذاته أمر دنيوي، وذلك واضح في جعل الله ﷿ للمال في سورة القصص شيئًا دنيويًا لا يؤبه له في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ «١»، بمعنى آخر أن كل مال هو متاع دنيوي معرض إلى زوال، أي: انه غير باق، وهذا من دلالات السياق القرآني.\nإن المال متاع دنيوي لا أخروية له إلا بمقدار ما يوصل المرء إلى إقامة الدين، وذلك واضح في قوله ﷿: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾ «٢»، فمن كانت هذه صفته في استمتاعه المالي كان محضرًا للحساب يوم القيامة، كما تقرر هذه الآية الشريفة.\nالمال فضل من الافضال. وذلك في سياق من الله ﷿ للناس أن جعل لهم أوقات اليوم في قوله ﷿: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ «٣»، ثم بين الله ﷿ كون ذلك الفضل محتاجًا للشكر (اليوم) في قوله ﷿ بعد ذلك (لعلكم تشكرون)، لان الشكر دال على الفضل في ابتغاء هذا الرزق، وهذا من معاني القرآن الكريم التي تجيء بلفظ مختصر يغني عن المقولات.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٣.","vol":"1","page":170},{"text":"المال الذي يكون هدفًا في حد ذاته موجب للعذاب، وذلك في قصة قارون إذ أن كنوزه المالية على كثرتها جعلته يفرح بما ليس له قط ونسي نصيبه من الآخرة، إذ جعل كل نصيبه من الدنيا وابتعد عن الإحسان (وإعطاء المال بعض صور الإحسان) وابتغى الفساد بماله ثم زاد على ذلك بأن قال «١» ﴿: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ «٢» ثم كان المال عنده وسيلة للظهور بزينته المادية والمعنوية وفتنته لبعض ضعاف الإيمان ممن زعموا أن له حظاُ عظيمًا، ثم كان عاقبته أنه كما قال ﷿ فيه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ﴾ «٣» وهذا أمر يشمل ما مضى ومن سيأتي! .\n_________\n(١) في عصرنا هذا كان من مبادئ العولمة أن المال إنما يأتي من العلم الموجود عند دعاة العولمة من خلال ثورة المعلومات وأجهزة الاتصالات لنقل المعلومات، فجمعوا مثل قارون بين ما عندهم وبين العلم الموجود عندهم، ولا ريب أن الاستقراء المستقبلي لمستقبل العولمة يرينا أنها ستكون في تفككها مثل تخسف قارون بماله في الأرض، وتلك سنة الله ﷻ في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ونحن نجد أن كل من يقول لدعاة العولمة (اتقوا الله ولا تكفروا) يستهزئون به كما فعل قارون وحاشيته بمن وعظوهم، وهذا من عجائب تكرر التاريخ بنفسه؟ !، لان استمرارية (كان) في الماضي، والحاضر، والمستقبل في قوله تعالى: ﴿وما كان من المنتصرين﴾ تدلّ على تلك النهاية التي نراها للعولمة إن شاء الله العلي العظيم. وينظر نذر العولمة. عبد الحي زلوم. الطبعة الثانية. بيروت، لبنان. ١٩٩٨ م.: ص ١٨٨ – ١٨٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.","vol":"1","page":171},{"text":"إن المال في بسط الرزق منسوب لله ﷿ وكذلك التقتير، وهذه من حقائق الفوائد القرآنية التي تكرر ذكرها فيه بدليل قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ «١»، وهذه النسبة للرزق المالي لله ﷿ تجعل المؤمن مطمئنًا عند تحققه الإيماني بأن المال مفهوم مساعد وليس هدفًا مطلوبًا في حد ذاته.\nونصل من ذلك إلى أن المال في سورة القصص في الوقت الذي قد يوصل بعض الأشخاص للعذاب بعد الطغيان، يمكن أن يوصل المؤمنين للرحمة بعد المحن والصبر عليها، وهم أولئك الذين استحقوا وراثة الدنيا والآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المطلب السابع: أسلوب الدعوة في سورة القصص</span>\n\nإن أسلوب الدعوة في سورة القصص يكمن في توجيه النظر الإنساني في نحو معرفة الله ﷿، ونحو الوصول إلى الله عن طريق الأداء المعرفي، لذلك كانت غايات الدعوة وأهدافها في سورة القصص عبارة عن غايات عالمية وأهداف إنسانية «٢» .\nفالدعوة القرآنية عمومًا لله ﷿ في كل سور وآيات القرآن الكريم ذات خصوصية مميزة هي (الحكمة والموعظة الحسنة) «٣»، أما سورة القصص فقد جمعت في مجموع آياتها ما يتعلق بركني الدعوة الإسلامية:\nجمعت الحكمة في أخبار الماضين.\nجمعت الموعظة الحسنة في المعاصرة في الخطاب.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٢.\n(٢) ينظر الدعوة إلى الإسلام. د. حسن عَبْد الله. الطبعة الثانية. دار العلم للملايين. ١٩٨٦ م: ص ١٢١ - ١٢٢.\n(٣) ينظر المصدر نفسه: ص ٨٨ -٨٩. ١٤٧ - ١٥٠.","vol":"1","page":172},{"text":"وقد لاحظت في تحليلي لسورة القصص والاتجاه الدعوي فيها أن أسلوب الدعوة لله ﷿ يتميز بالتوحيد في الخطاب (بمعنى توجيه الخطاب نحو مخاطب واحد)، ويتميز بالتذكير في الوحي (بمعنى تعداد نِعَمِ الله ﷿)، ويتميز بالأسلوب المفتوح في عرض الدعوة وإبراز ما أصاب من رفضوا الدعوة من الأمم الماضية.\nوقد لاحظت أن أسلوب الدعوة في سورة القصص جاء بعدة أساليب:\nأسلوب التاريخ الماضي.\nأسلوب الحاضر الموجود.\nأسلوب المستقبل القادم.\nأسلوب ما فوق الزمان والمكان من قوى إلهية أصابت الأمم.\nأسلوب تمثيل الطغاة.\nأسلوب تمثيل الدعاة.\nأسلوب الرجع والمال.\nأسلوب الجمع بين الدنيا بنصيبها والآخرة بكليتها الجمعية.\nوهذه الأساليب الدعوية حفلت بمواطن تبعث على الرجوع إلى الله ﷻ.\nإن أسلوب الدعوة في سورة القصص في مبناها ومعناها يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط أساسية:\nالإيمان بالله ﷾.\nترك الظلم والطغيان.\nمعرفة نصيب الدنيا ونصيب الآخرة من الإنسان.\nوإذا كان علماء الاجتماع المحدثون قد بينوا أن الدعوة لعقيدة ما أنما تكون بالتيسير لا بالتعسير «١»، فإن الأسلوب القرآني في سورة القصص جمع تلك النظرية وعرضها بالخطاب الإلهي في دلالة قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «٢» فإن دلالة التلاوة هاهنا مع ذكر وتقديم موسى أولًا، وتأخير فرعون ثانيًا ثم ذكر المصدر مقرون بحرف الجر (بالحق) وذكر أن ذلك إنما هو لقوم يؤمنون، كل ذلك يبين أن أسلوب الدعوة في سورة القصص هي بالتيسير في الدعوة نحو العقيدة الحقيقية «٣» .\n_________\n(١) في علم الاجتماع الإسلامي. أحمد العلمي. الطبعة الأولى. دمشق. الدار الإسلامية. ١٩٨٦ م: ص ٢٢ –٢٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٣) ينظر في علم الاجتماع الإسلامي: ص ١٧١ – ١٧٢. ١٨٤ –١٨٧.","vol":"1","page":173},{"text":"ويمكن ان نلتمس في سورة القصص أسلوب الدعوة في النقاط الآتية، من خلال ذكر القاعدة الدعوية والآية القرآنية من سورة القصص:\nإبراز أن الله ﷿ وعد المؤمنين بالاستخلاف والنصر. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ «١» فهذا الخطاب الوعدي جعل للدعاة لله ﷿:\nالإمامة.\nالوراثة.\nالتمكين في الأرض.\nإن اللين في الدعوة مطلوب حتَّى مع الكفر، بدليل خطاب امرأة فرعون لفرعون: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ «٢»، ثم قالت: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ «٣»، مع أنها بإيمانها كانت تعلم أن فرعون حريص على قتل موسى (- ﵇ -) .\nإن التوفيق الإلهي بالنصر الرباني يعزز الدعاة في ضيقهم بالاطمئنان بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ «٤» .\nإن من صفات الداعية إلى الله ﷿ الشدة والاستواء في الكمال بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥)، فهذه الصفات تؤول إلى الحكم والعلم، وجزاء ذلك (الإحسان)، وأن يكون الداعية من (المحسنين) .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٥ – ٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٩.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٩.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٠.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٤.","vol":"1","page":174},{"text":"إن النصح حتَّى في أوقات المخاطر من صفات الدعاة بدليل قوله ﷿ في حكاية مؤمن آل فرعون ودعوته لموسى ﵊: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ﴾ «١»، فهذا الخطاب الدعوي تميز بأنه خطاب ناصح مشفق شفيق.\nإن من واجب الدعاة طلب الهداية الإلهية في دعوتهم ومنهاجهم: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ «٢»، فهذه الآية في إبرازها لقصة موسى (- ﵇ -) وخروجه نحو مدين، بينت انه (- ﵇ -) استهدى الله ﷿، وذلك غاية الغايات لكل الدعاة.\nإن من واجب الداعية أن يكون فصيح اللسان ليكون مستطيعًا في دعوته لله ﷿ ليبرز ما أنزله الله ﷿ للناس، وذلك ماثل في قوله تعالى:\n﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ «٣» .\nإن الداعية يجب ان يلين في الخطاب ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ «٤»، فخطاب موسى (- ﵇ -) احتوى على:\nنسبة العلم لله تعالى.\nنسبة الهداية لله تعالى.\nنسبة عاقبة الدار لله ﷿.\nإبراز عدم فلاح الظالمين.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٢.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٧.","vol":"1","page":175},{"text":"إن الكتاب الإلهي هو أساس كل دعوة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «١»، فهذه الآية احتوت على صفات الكتاب الدعوي:\nإنه بصيرة لكل الناس.\nإنه هداية ربانية.\nإنه رحمة إلهية.\nإنه أساس التذكر.\nومعلوم عند علماء الدعوة أن هذه الصفات هي مميزات كل كتاب دعوة، وهي في الإسلام خاصة بالقرآن الكريم، فجاءت سورة القصص وأبرزت ذلك في خطاب متناسق.\nإن من إحدى أساليب خطاب الداعية هو الخطاب الإنذاري بدليل قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «٢»، إن الغرض من الإنذار لأجل التذكر على ما نصت عليه الآية، وقد جعل علماء الدعوة الذكرى والتذكر من أهم صفات من توجه لهم الدعوة.\nإن الإبلاغ هو أساس الدعوة بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ «٣»، بدليل أن صبغة الأمر المجرد (قل) تعني الإبلاغ، وفي هذه الآيات دلالة دعوية مهمة تتمثل في كون المجتمع الذي يتبع هواه بغير علم بعيدًا عن السبيل الإلهي والطريق النبوي، فلا يستجيب للداعين مهما بلغت بلاغة الدعوة.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٦.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٤٩ –٥٠.","vol":"1","page":176},{"text":"إن معرفة حقائق القرآن إنما تكون للعلماء الربانيين الداعين إلى الله ﷿ بإذنه بدليل قوله ﷻ في هذه السورة: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ «١» .\nإن الصبر من صفات الدعاة بدليل سياق الآية المتممة لما سبق ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ «٢» .\nإن من صفات الدعاة اللين في الدعوة بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ «٣» .\nإن الخلق الكريم من صفات الدعاة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٤) .\nإن الهداية في الدعوة من الله ﷻ، حتَّى وإن رغب الدعاة بمزيد هداية لمن أحبوا بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ «٥»، وهذا الخطاب وإن رجع إلى رسول الله (- ﷺ -)، إلا انه في محتواه خطاب عام يصلح في دلالته الحالية أن يكون على ما قدمناه صفة من صفات الدعاة الربانيين، لأن الهداية في آية سورة القصص نسبت حصرًا لله ﷿.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٥٢ –٥٤.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٥.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٦.","vol":"1","page":177},{"text":"إن الله ﷿ لا يخلي أرضًا من رسول، أو نبي، أو داعية بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ «١» .\nإن وعظ الدعاة يكون في كل حال، وخاصة عند ظهور الفساد بدليل خطاب بعض قوم قارون لقارون بعد أن طغى وتكبر وتجبر: ﴿لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين﴾ «٢»، فقد تضمنت هذه الآيات جملة من صفات (المَدْعُوِّ) وهي:\nالنهي عن الفرح.\nالأمر بابتغاء الآخرة.\nعدم نسيان نصيب الدعوة من الدنيا.\nلزوم الإحسان في المعاملة مع الله ﷿ ومع الناس جميعًا.\nنبذ الفساد.\nفهذه الصفات تلزم (المدعو) بعد أن يتحقق بها معه الداعي في دعوته.\nإن من واجب الدعاة التحذير والإنذار بدليل خطاب بعض قوم قارون لمن تمنوا مكانه، وهم ممن وصفوا في الآية بأنهم (أوتوا العلم) إذ قالوا: لهؤلاء الجهلة من بني إسرائيل: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَ الصَّابِرُونَ﴾ «٣» .\nتحقق الوعد الإلهي بالنصر بدليل عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٧٦ –٧٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٠.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.","vol":"1","page":178},{"text":"إن الدعوة إلى الله ﷿ أمر إلهي خوطب به رسول الله (- ﷺ -)، وما كان خطابًا عامًا لرسول الله (- ﷺ -)، فهو خطاب خاص لأمته على ما قرره علماء الأصول وما كان خطابًا عامًا للنبي، فهو خطاب خاص لأمته، ولذلك كان قوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ «١»، يشمل عموم الدعاة من أمة المصطفى (- ﷺ -)، إذ أن هذا الأمر مشترك في الدعوة بين دعوة رسول الله (- ﷺ -)، ودعوة الدعاة العلماء من أمته ﵊ «٢» .\nوبعد ذلك يمكن أن نقرر استنادًا إلى ما تقدم إن سورة القصص سورة دعوية (خاصة وأنها مما نزل بمكة المكرمة)، وأنها سورة احتوت أوصاف الدعاة، ومن تمت دعوتهم، ووعد الله ﷿ لهم بالنصر، والتمكين، والإمامة، والوراثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المطلب الثامن: النظرة القرآنية للإنسان في سورة القصص</span>\n\nإن النظرة القرآنية للإنسان في كل أطواره وأحواله هي نظرة جامعة لكل خير ومانعة لكل شر، ذلك أن الإنسان في القرآن الكريم هو الشخصية المحورية المخلوقة للعبادة والاستخلاف في الأرض، وإصلاح ما فيها من فساد، واستعمارها بالوعد الإلهي، فإذا ما زاغ عن الحق، أو عن طريق الحق، أمكن بواسطة السنن الإلهية إرجاعه، وذلك لأن الإنسان في القرآن الكريم له مقومات شخصية «٣» . يمكن أن نجعل منها أمرين على أنها أهم المهم:\nالاستخلاف الإلهي.\nالعبادة الإيمانية.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.\n(٢) ينظر الدعوة إلى الإسلام: ص ١٣٩.\n(٣) ينظر الإنسان الحضاري في الَقُرْآن الكَرِيم: د. سليمة أحمد حسن. الطبعة الثانية. دار الهدى. تونس. ١٩٩١ م: ص ١٤١.","vol":"1","page":179},{"text":"وهكذا فإن سورة القصص تجسد النظرة القرآنية للإنسان في إيجاز يجمع ما تفرق في كثير من سوره وآياته الشريفة، ذلك أن سورة القصص تحمل في مضمونها العام النزوع الإنساني نحو الإيمان بالله ﷻ، والثقة بنصره، والتحذير من نسيان اليوم الآخر «١» .\nوسورة القصص في مضامينها الإنسانية تحمل الدواعي الذاتية للتوجه نحو الله ﷿ من خلال استلهام الإنسان لمعنى إنسانيته التي سبقت علم النفس اليوم، ومعنى وجوده، ومعنى تكوينه على الأرض منذ آدم (- ﵇ -) إلى يوم القيامة، وهو الأمر الذي تكفلت سورة القصص بإبرازه.\nإن سورة القصص تبدأ بالإنسان وتنتهي بالإنسان، وما بين ذلك علاقة الإنسان بالله ﷿ وبالرسل - عليهم الصلاة والسلام - وبالمجتمع الإنساني المحيط به، فسورة القصص تذكر ضمن الإطار الإنساني في نظرتها الإلهية:\nالتلاوة للمؤمنين بما يراعي الضعف وفق أساس فكري. ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «٢» .\nالضعف الإنساني. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ «٣» .\nالمن الإلهي على الإنسان. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ «٤» .\nتحذير الإنسان من تجاوزه في الظلم. ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «٥» .\n_________\n(١) ينظر الصورة الَقُرْآنيّة للإنسان. عَبْد الله مُحَمَّد. الطبعة الأولى. دار الهدى الإسلامي. بيروت، لبنان. ١٩٩٢ م: ص ٢٣٠ – ٢٣١.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.","vol":"1","page":180},{"text":"الأمومة الإنسانية ومشاعرها المتحيرة في نمطها. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ «١» .\nالأخوة الإنسانية ومشاعرها. ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ «٢» .\nكمال الإنسانية بالحكم (الحكمة) والعلم. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ «٣» .\nالاقتتال قد يكون في نوازع الشر الإنسانية. ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ﴾ «٤» .\nالإنابة الإنسانية. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ «٥» .\nالخوف سمة إنسانية. ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ «٦» .\nإن الإنسان محتاج في استهدائه لله ﷿. ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ «٧» .\nالرحمة صفة من صفات الطبع الإنساني. ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ «٨» .\nالحياء سمة النساء. ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ «٩» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٥.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٦.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٨.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٢.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٤.\n(٩) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.","vol":"1","page":181},{"text":"إن طلب النصر للأخ صفة إنسانية كما قرر علماء النفس. ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ «١» .\nإن الإنسان يتهم ما لا يعرفه بالسحر. ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ «٢» .\nإن الظلم لا يدوم إنسانيًا. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ «٣» .\nإن الكتب الإلهية هداية ربانية. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «٤» .\nطول العمر الحضاري الأممي مبعد عن الله ﷿. ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ «٥» .\nإن اتباع الهوى صفة إنسانية قد تفني. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ «٦» .\nالإيمان الإنساني قد يكون بالنصح فقط أو الهداية. ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ «٧» .\nإن الهداية الإنسانية من الله ﷿. ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ «٨» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٤.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٦.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٧.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٣.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٥.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٠.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٣.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٦.","vol":"1","page":182},{"text":"إن البطر الإنساني سمة وسم بها الكفرة. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ «١» .\nإن الوعد الإلهي في صميم التحقق الإنساني. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ «٢» .\nإن التوبة تعيد الإنسان لله ﷿. ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ «٣» .\nليس للإنسان الخيار في الخلق. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ «٤» .\nإن مكنونات الصدور بعلم الله ﷾. ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ «٥» .\nإن الإنسان قد يطغى بالمال ويبغي. ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ «٦» .\nإن الإنسان قد لا يجازي الإحسان بالإحسان. ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ «٧» كما قال الأصوليون.\nإن الاغترار بالعلم يؤدي للاغترار والاجتراء على الله تعالى. ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ «٨» فنسب علمه لنفسه.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٧.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٨.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٩.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.","vol":"1","page":183},{"text":"إن الحسد على النعم موجود في بعض الطبيعة البشرية. ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ «١» .\nإن الإنسان يفعل ويصنع حسناته وسيئاته بنفسه. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ «٢» .\nإن الضلال الإنساني كله في علم الله ﷻ. ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ «٣» .\nإن الإنسان يشعر بالراحة الأبدية إذا ما أوكل الأمور في الحكم والرجعة الأخروية إلى لله ﷿. ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٤» .\nإن هذه القواعد في أصولها القرآنية، إنما تكشف عن مجمل السمات البشرية، وترينا كيفية النظرة القرآنية في سورة القصص للإنسان وأفعاله وأقواله وأحواله، كما يجعل سورة القصص إحدى النصوص الإلهية التي سبقت علم النفس، والتي جمعت جمعًا عظيمًا صفات النفس البشرية، وهو وجه آخر من أوجه إعجازها الكثيرة «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المطلب التاسع: الإيمان والكفر في سورة القصص</span>\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٥) ينظر الصورة الَقُرْآنيّة للإنسان: ص ١٩٧ -١٩٨.","vol":"1","page":184},{"text":"الإيمان بالله ﷿ هو: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان على ما ذهب إليه أكثر المحققين «١» . فالإيمان إذًا هو تصديق بالغيب وإطاعة لما صدق به الإنسان في قراره قلبه، أما الكفر فهو جحود الخالق، والشرك تثنية إله أو آلهة مع الله ﷿. وقد حفلت سورة القصص في خطوطها العامة والخاصة بمقومات الإيمان وخصائصه، وبآليات الكفر والشرك، ومآل الكافرين والمشركين على حد سواء.\nجمعت سورة القصص في معانيها الكامنة ومعانيها الظاهرة أنواعًا عديدة من الإيمان مثل:\nالإيمان العام.\nالإيمان الخاص.\nوأبرزت في حقائقها حقائق الكفر والشرك مثل:\nحقيقة الادعاء بالألوهية بعد الطغيان.\nحقيقة الحجج التي يسوقها الكفرة والمشركون.\nولا ريب في أن ذلك ساهم ضمن فوائد سورة القصص في استفادة أمر جدًا مهم هو:\n(إن الإيمان في صراعه مع الكفر والشرك مصيره النصر الإلهي وتعزيز الرسالة النبوية، ودعم كل المؤمنين، وتوريثهم الأرض في الدنيا والنصيب الحسن في الآخرة) .\nونحن في محاولتنا هذه لإبراز كل ما يتعلق بما تحتويه سورة القصص، سوف نحاول هاهنا - إن شاء الله العلي العظيم - إبراز آيات الإيمان والكفر والشرك في سورة القصص بتحليلها شموليًا، وإظهار معانيها:\n١. التلاوة القصصية إنما تكون للمؤمنين حصرًا:\n_________\n(١) ينظر التعريفات (الجرجاني): ص ٧٠. شرح النسفية. تحقيق: د. عبد الملك السعدي الطبعة الأولى. دار الأنبار. ١٩٨٨ م: ص ١٦٥.","vol":"1","page":185},{"text":"﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «١»، فالآية تقرير إلهي بصيغة الجمع لقصة رسول كريم مع كافر، والقيد القرآني (بالحق) دليل على حصرية المعنى في حقيقته، ثم لماذا استخدم التعبير القرآني ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ولم يقل للمؤمنين، وذلك في رأينا الذي توصلنا إليه من خلال الاستقراء اللغوي هو أن دلالة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أبلغ في هذا المقام مما لو استخدمت لفظة (للمؤمنين) العامة فقد أراد القرآن الكريم أن يخصص (قومًا) بالتنكير، وهم أمة مُحَمَّد (- ﷺ -)، ولا يعمم كلّ مؤمن (مما قد يشمل من لا يؤمن بحقيقية هذه القصة كبعض طوائف يهود من الذين آمنوا بالله تعالى، وأنكروا قصة موسى (- ﵇ -) وفرعون، وقالوا: إنها رمز، ومنهم في عصرنا هذا سيجموند فرويد (ت ١٩٣٩ م) عالم النفس الشهير في كتابه موسى والتوحيد «٢» ! .\n٢. إن العلو في الأرض دليل الكفر:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٢) موسى والتوحيد. سيجموند فرويد. ترجمة: جورج طرابيشي. الطبعة السادسة. دار الطليعة. بيروت. ١٩٨٥ م: ص ٥٧ – ٥٨.","vol":"1","page":186},{"text":"﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ علاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ «١»، وذلك أن عمل الإنسان قد يكون دليل إيمانه، وقد يكون دليل كفره، لذلك كان القتل كبيرة، والفساد كبيرة، وقد صح عن رسول الله\n(- ﷺ -) أنه قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» «٢»، وهكذا بقية الكبائر المعروفة، فلما علا فرعون في الأرض ارتكب من خلال سياق الآية أعمالًا توجب كفره كما تقدم.\nومن هاهنا بان لنا خطأ بعض القائلين بإيمان فرعون في آخر لحظة مستندين إلى قوله: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ «٣»، بدليل قوله تعالى في آية أخرى من سورة القصص عن فرعون وهامان وجندهما: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ «٤»، فالآية هاهنا دلت دلالة قطعية على أن العلو في الأرض دليل من أدلة الكفر المؤدي إلى النار، والعياذ بالله ﷻ.\n٣. إن الوحي الإيماني ليس دليلًا على رسالة النساء:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، صَحِيْح البُخَارِي: كتاب المظالم والغصب، باب النهب بغير إذن صاحبه. ٢ /٨٧٥ رقم (٢٣٤٣) . صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس ١ /٧٦ رقم (٥٧) .\n(٣) سُوْرَة يُوْنِسَ: الآية ٩٠.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤١.","vol":"1","page":187},{"text":"﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ «١» الآية، وذلك ان قومًا من الجهلة لم يفهموا المراد من الوحي الإلهي والإيماني في بعض الحالات فزعموا استناد إلى قصتي أم موسى (- ﵇ -) ومريم ﵍ جواز إرسال النساء نبيات، وقد تأثروا في ذلك بما ورد في التلمود «٢» من كون أم موسى نبية فوافقوا بذلك اليهود، وسياق آيات سورة القصص مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ «٣» يدلّ على خلاف ذلك في المفهوم الإيماني، وذلك أن سورة القصص ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٢) الكنز المرصود في قواعد التلمود. مجهول المؤلف. الطبعة الرابعة. دار العلوم. بيروت، لبنان (د. ت): ص ٢٢٧ –٢٢٨.\n(٣) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ١٠٩. سُوْرَة النَّحْلِ: الآية ٤٣.","vol":"1","page":188},{"text":"لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «١» قررت في الوحي الإلهي لأم موسى جملة حقائق (تبطل نبوتها التي توهمها المتوهمون)، إذ قررت الآيات هنالك لأم موسى\n(- ﵇ -):\nالأمر بالإرضاع.\nالأمر بالإلقاء في اليم.\nالأمر بعدم الخوف والحزن.\nالربط على قلبها.\nعلمها بأن وعد الله حق.\nوليس في هذه التقريرات ما يتعلق بالنبوة والأنبياء، ولا الرسالة والرسل، فبان بذلك كونها - عليها الرضوان - غير نبية، وبأن الوحي هاهنا هو مفهوم الأمر الإلهي الخاص على ما قرره القدماء! .\n٤. إن من الإيمان الدعاء الدائم:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٧ –١٣.","vol":"1","page":189},{"text":"بدليل توجه موسى (- ﵇ -) في كل مواقفه لله ﷾ بالدعاء: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ «١»، ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ «٢»، ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «٣»، ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ «٤»، ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ «٥»، وسياق هذه الآيات الثلاث الغير متوالية يدل من خلال تحليلها على أن شخصية موسى (- ﵇ -) كانت شخصية مطمئنة راضية مرضية، لا تهتم بشيء قبل البعثة ولا بعدها ما دامت تعرف الله ﷿ حق معرفته، فموسى (- ﵇ -) وجه لله ﷾ في هذه الآيات حقيقة مآله التي هي:\nظلم النفس.\nالوعد بعدم مظاهرة المجرمين.\nطلب النجاة.\nالفقر لله تعالى.\nطلب الهداية.\nويقابلها في مواطنها العامة:\nالإيمان بمعرفة ظلم النفس بدليل آية يونس: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ «٦» .\nالإيمان بمعرفة ان مظاهرة المجرمين كفر: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ «٧» .\nالإيمان بنسبة الانجاء لله ﷻ بدليل: (رَبِّ نَجِّنِي) .\nالإيمان بمعرفة مقام الفقر لله تعالى بدليل: (فَقِيرٌ) في سياق دعائه.\nالإيمان بالاستهداء.\nوهذه المواطن الخمسة أوجبت في سورة القصص أن يكون الدعاء باب الإيمان الدائم.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢١.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٤.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٢.\n(٦) سُوْرَة الأنْبِيَاءِ: الآية ٨٧.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٧.","vol":"1","page":190},{"text":"إن دعاء موسى (- ﵇ -) في سورة القصص طريق إيماني يوضح فضل الدعاء بصورة غير مباشرة، وذلك بعض الفوائد الخفية المستنبطة من سورة القصص.\n٥. إن إشهاد الله تعالى دليل إيماني:\n﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ «١»، إن موسى (- ﵇ -) قبل بعثته الشريفة (بعد ان أثبت لنا لجؤه إليه في كل موطن بالدعاء) جعل الوكالة الإلهية له في عهوده وعقوده طريق للمعرفة الحقيقة، وهو ما يعبر عنه العارفون في الإسلام بجعل (الوكالة له بطريق التوكل) كما قالوا: وتلك من معالم الإيمان، وعلائم التحقق بمعرفة الله ﷿ إيمانيًا.\n٦. إن الرسالة تنير القلب بالإيمان كله فيزول الخوف الطبيعي في النفس بالأمان:\n﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ «٢»، ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ «٣»، إن ملاحظة سياق هاتين الآيتين في هذا الموطن يرينا من خلال التحليل المقارن كيف وازن النص القرآني بين ذكر الألوهية العظمى التي سرت في روح وقلب ونفس وعقل موسى (- ﵇ -) وما لاقاه من خوف انجلى عنه إيمانيًا بالأمر الإلهي بالإقبال ونبذ الخوف وهذا يذكر بالأمر الإلهي لأمه ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ «٤»، فكان كل خوف عن هذه الأسرة أزاله الله ﷿ بالإيمان كله الذي أنار القلوب كلها، وتلك شوارق نورانية عرفانية من بوارق سورة القصص.\n٧. إن أهل الكفر والشرك يختلقون المعاذير للكفر والشرك:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٨.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٠.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣١.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.","vol":"1","page":191},{"text":"﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ «١»، فالكفرة والمشركون من قوم فرعون، وإسناد الكلام هنا لهم بصيغة الجمع مشعر باستحقاقهم الغرق مع فرعون، جعلوا ما جاء به موسى (- ﵇ -) من الآيات الإيمانية سحرًا مما لم يألفون بزعمهم، فكان الرد الإيماني من موسى\n(- ﵇ -) في وجههم مسكتًا لهم جميعًا، ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ «٢»، وقد يثار سؤال هاهنا لما استخدم القرآن الكريم (الظالمون)، ولم يستخدم (الكافرون) في هذا السياق، والذي توصلت إليه أن ظلمهم بالتكذيب أعم من كفرهم بالرسالة، فناسب الظلم أن يستخدم في هذا السياق.\n٨. إن كل أمة لم يأتها نذير ليدلها على الإيمان، يرسل الله ﷿ لها من يدلها على الإيمان به ليكون حجة عليها:\n﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «٣»، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ «٤»، إن هاتين الآيتين تدلان على أن الله ﷿ لا يعاقب قومًا على كفرهم إلا بعد أن يقيم عليهم الحجة بالإنذار بالرسالة، وهذا ما أثبته القرآن الكريم في أكثر من موضع، وهو من الدلالات الإيمانية في سورة القصص.\n٩. إن الكفرة قد يلجئون للأعذار في كفرهم عند حسابهم يوم القيامة:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٩.","vol":"1","page":192},{"text":"﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «١»، إن هذه الآية تحلل تحليلًا نفسيًا (يسبق كل التحليلات النفسية للشخصية الباطنية الإنسانية)، كيف أن الكفرة بعد أن تصيبهم مصيبة في الدنيا، أو مصيبة العذاب في الآخرة، يحاولون أن يجادلوا بالباطل، فيسألون الله ﷿ بطريقة سؤال العارف عن رسلهم، ولِمَ لَمْ يرسلوا إليهم وهم قد جاءتهم الرسل، ولكنها الطبيعة البشرية في الإنسان الذي كان أكثر شيء جدلًا، فهذه الآية في سورة القصص تبرز الشخصية الإنسانية الكافرة على حقيقتها.\n١٠. إن للإيمان وللمؤمنين شروط خاصة:\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ «٢»، حفلت هذه الآيات من سورة القصص بما يعزز هذه القاعدة من كون الشروط الإيمانية للمؤمنين ذات دلالات خاصة، وهي هاهنا في هذه الآيات تشمل:\nالإيمان بما مضى من الكتب السماوية (التوراة - الزبور - الإنجيل) مع القرآن الكريم.\nالإيمان قلبيًا عند سماع التلاوة، وهي أعلى مراتب المعرفة الإيمانية عند العارفين.\nالإيمان بالحق المنزل من الله (واستخدم القرآن الكريم لفظة (ربنا» بدل لفظة الجلالة (الله) تعالى لخصوصيتها في هذا الموضع.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٥٢ –٥٥.","vol":"1","page":193},{"text":"الإيمان بأن كل الأديان تدعو إلى الإسلام من قبل الإسلام ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ «١» .\nالإيمان بالصبر.\nدرء السيئة بالحسنة (وقدم القرآن الكريم الحسنة وأخر السيئة، لأن المقصود في الوضع اللغوي أن تقدم العرب المهم في الكلام وهو هنا (ما يدرؤون) وهي الحسنة، وليس ما درؤا وهي السيئة، جعل تقديم الحسنة لازمًا على ما ذكروا وهي السيئة، وهذا من إعجاز النص القرآني في سورة القصص) .\nالإنفاق من الرزق الإلهي.\nالإعراض عن سماع اللغو.\nترك عمل الكافرين وجعل أعمالهم لهم (لنا) .\nعدم ابتغاء الجدال مع الجاهلين.\nوهذه الصفات العشرة هي عين ما جاءت به الفطرة السليمة للمؤمنين بالله ﷿.\n١١. إن الإيمان هو هداية إلهية:\n﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ «٢» فنسبة الهداية لله ﷿ تقرير لحقيقة الإيمان من الله الهادي ﷿، وهذا من مستنبطات سورة القصص في القرآن الكريم.\n١٢. إن المشركين معرضون للتوبيخ الشديد يوم القيامة:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٦.","vol":"1","page":194},{"text":"﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ «١» فصيغة النداء ونسبتها للمشركين، ومقول القول باستخدام الفعل المضارع مع فاء التعليل (فيقول)، ثم استخدام صيغة الاستفهام (أين)، ونسبة الشركاء لياء المتكلم في لفظة الجلالة\n(توبيخًا)، والإتيان بالاسم الموصول مع الفعل الماضي الناقص، وصيغة (زعم) المضارعة كل ذلك جعل هذه الحقيقة التوبيخية تكون أشد إيلامًا وتبكيتًا للمشركين بالله ﷿ بدليل ما بعدها: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ «٢»، وهو خطاب بليغ كل البلاغة في وصف توبيخ المشركين، ونلاحظ أن هذه الآية تكررت مرة أخرى في الآية ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ «٣»، وتكرارها هنالك كان تحقيقًا لموقعها في سياق آيات أتت بينهن ولا تختلف دلالتها عما حللناه.\n١٢. إن التوبة والعمل الصالح مقترنان بالإيمان ثم الفلاح:\n﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ «٤»، فهذه الآية تقرر حقيقة الإيمان في أسلوب تقريري (التوبة، والإيمان) مقابل (العمل الصالح، والفلاح) وهي معادلة قرآنية عظيمة كل العظمة تقرر حقيقة الإيمان في النفس.\n١٣. إن نسبة الإعادة لله تعالى تقرر حقيقة الهدى الإيماني:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٢.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٧.","vol":"1","page":195},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ «١»، فهذه الآية تجعل الإيمان النبوي في رسول الله (- ﷺ -) مقرونًا بعلمه (- ﷺ -) بأن الله ﷿ يرجعه بالنصر إلى مكة المكرمة، وهو ما تحقق يوم الفتح (ولنحن نعلم أن هذه الآيات نزلت بمكة المكرمة قبل الهجرة) فكانت بشارة إيمانية من الله ﷿ لتقرر حقيقة الإيمان في مقابل الكفر والشرك من خلال كون جملة ﴿مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ تعني رسول الله (- ﷺ -)، وجملة ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ تعني الكفرة والمشركين من قريش، وذلك يبرّز الإيمان في مقابل الكفر والشرك.\nوبذلك يمكن لنا أن نبين كيف أن الإيمان والكفر والشرك في سورة القصص برزت بروزًا واضح المعالم في كل الآيات الشريفة التي تقدم ذكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الفصل الثالث: الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الأول: مفهوم الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>تمهيد</span>\nلازال البحث في المفاهيم القرآنية ميدانًا فيه مجال عظيم السعة للسير فيه ما وسع الباحث السير.\nذلك أن جملة المفاهيم القرآنية تحتوي في ظاهرها وباطنها على دلالات عقلية - قلبية تعين على إدراك النص الكامن في ظواهر معاني الآيات والسور.\nلذلك اهتم العلماء بهذه المفاهيم القرآنية، وأولوها الاهتمام كله سواء من درسها درسًا لغويًا أو درسًا بيانيًا أو درسًا تفسيريًا بالمأثور والمعقول من القدماء والمحدثين.\n\nولعل من تلك المفاهيم مفهوما (الطغيان) و(التكبر) اللذين وردا في جملة من آيات وسور القران الكريم، وكانا بدلالتهما معبرين عن المعنى المراد لهما إيضاحه للمؤمن المسلم «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٢) ينظر الصورة الَقُرْآنيّة للإنسان: ص ١٣٣ -١٣٤.","vol":"1","page":196},{"text":"وقد ورد هذان المفهومان في سورة القصص التي هي بإجماع المفسرين\n(مكية)، ونحن نعلم أن مجموعة السور المكية مما أنزل قبل هجرة رسول الله (- ﷺ -) احتوت على إشارات من أخبار الأمم السابقة تقرع أسماع طغاة ومتكبري قريش من الكفرة الذين جحدوا رسالة رسول الله (- ﷺ -) فكان لزامًا عليهم التنبه لسبب أسماعهم أخبار الطغاة والمتكبرين لعلهم يتعظوا بها، ويرجعوا عن طغيانهم وتكبرهم في الأرض «١» .\nوسوف نحاول فيما يأتي تحليل هاتين المادتين في سورة القصص بلفظهما ومعناها حسب ما يتضح من سياق السورة، وأهمية ذلك تكمن في أن الفهم الشمولي لمفاهيم المصطلحات القرآنية يعين على الإدراك الكلي للنص القرآني.\nوسنحاول في البداية تبيين المعنى التعريفي للمادتين من خلال كتاب\n(المفردات في غريب القران) للراغب الأصفهاني «٢»، ومقارنة ذلك بالتأويل المفهوم من نص سورة القصص إن شاء الله العلي العظيم.\n_________\n(١) ينظر المصدر نفسه: ص ٢٠٥ –٢٠٧.\n(٢) ص ١٢١ وما بعدها.","vol":"1","page":197},{"text":"قال الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات: \" طغى طغوت وطغيت طغوانًا، وطغينا وطغاة، كذا حمله على الطغيان، وذلك تجاوز الحدّ في العصيان. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ «١» ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ «٢» . وقال تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا انَّنَا نَخَافُ أن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أو أن يَطْغَى﴾ «٣»، ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ «٤»، قال تعالى: ﴿فَخَشِينَا أن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانا وَكُفْرا﴾ «٥»، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ\nيَعْمَهُونَ﴾ (٦» ﴿إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ «٧»، ﴿وَانَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ «٨»، ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أطْغَيْتُهُ﴾ «٩» .\nوالطغوى الاسم منه، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ «١٠»، تنبيهًا أنهم لم يصدقوا إذ خوفوا بعقوبة طغيانهم.\nوقوله تعالى: ﴿هُمْ أظْلَمَ وَأطْغَى﴾ «١١» .\n_________\n(١) سُوْرَة (طَه): الآية ٢٤. والآية: ٤٣. وسُوْرَة النَّازِعَاتِ: الآية ١٧.\n(٢) سُوْرَة الْعَلَق: الآية ٦.\n(٣) سُوْرَة (طَه): الآية ٤٥.\n(٤) سُوْرَة (طَه): الآية ٨١.\n(٥) سُوْرَة الكَهْفِ: الآية ٨٠.\n(٦) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ١٥.\n(٧) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٦٠.\n(٨) سُوْرَة (ص): الآية ٥٥.\n(٩) سُوْرَة (ق): الآية ٢٧.\n(١٠) سُوْرَة الشَّمْسِ: الآية ١١.\n(١١) سُوْرَة النَّجْم: الآية ٥٣.","vol":"1","page":198},{"text":"تنبيهًا على أن الطغيان لا ينجي الإنسان، فقد كان قوم نوح أطغى منهم فاهلكوا وقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ «١»، فاستعير الطغيان فيه لتجاوز الماء الحد. وقوله: ﴿فَاهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ «٢»، فإشارة إلى الطوفان المعبر عنه بقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ .\nوالطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع قال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ «٣» \" «٤» .\nوقال ﵀ في المادة الأخرى:\n\" كبير ... فالكبر والتكبر والاستكبار تتقارب، فالكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان في إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم. والتكبر على الله تعالى بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. والاستكبار... أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيرًا...وأن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له\" (٥) .\n_________\n(١) سُوْرَة الحَاقَّة: الآية ١١.\n(٢) سُوْرَة الحَاقَّة: الآية ٥.\n(٣) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٥٦.\n(٤) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٢١.\n(٥) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص٨٠ وما بعدها. وينظر معجم المفردات والألفاظ والأعلام الَقُرْآنيّة. د. شفيق حسن. الطبعة الثانية. دار المعرفة للتوزيع والنشر. القاهرة. ١٩٨٤ م.: ٢/١٥٦.","vol":"1","page":199},{"text":"فإذا جئنا إلى سورة القصص الكريمة وجدنا أن مادة (طغى) وردت فيها\n(معنى)، وإن مادة (تكبر) وردة فيها لفظًا ومعنى من خلال مفهوم النص، والمزج بين الوارد لفظًا ومعنى يدلنا على اقتضاء معرفة السياق القرآني. فقوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ «١»، فيه دلالة التكبر العام. وفي ذلك يقول مصلح رافع:\n\" والقارئ للآية الرابعة من سورة القصص يجد أن إفساد فرعون في الأرض كان بسبب طغيانه وكفره وتكبره وعتوه لأمارة في نفسه (الحمقاء) من أن الملك الأرضي معادل للملك الإلهي العام، لذلك ظن أنه صار الرب، فعاث في الأرض فسادًا، ولكن العلو في الأرض بالنسبة له مفهوم مجازي، فهو يرى نفسه الأعلى - وحاش لله - كما في قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ «٢»، وقوله لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إله مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ «٣»، لذلك كان ما ورد عنه في سورة القصص مشعرًا بحمقه، في عين الوقت المشعر بطغيانه \" «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٢) سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية ٥١.\n(٣) سُوْرَة غَافِرِ: الآيتان ٣٦ –٣٧.\n(٤) آيات الإفساد في الَقُرْآن الكَرِيم. د. رشدي أحمد. الطبعة الأولى. دار المعارف الجامعية. الإسكندرية. ١٩٨٤ م.: ص ١١.","vol":"1","page":200},{"text":"ونحن نوافق الباحث الفاضل فيما ذهب إليه، ونزيد عليه أن فرعون لم يميز في ادعائه الألوهية بين ذاته الفانية، وبين الذات الإلهية الخالدة. وهذا الطغيان والتكبر برأينا عائد إلى أن المصريين (الفراعنة) كانوا يؤمنون بأنهم هم الآلهة. وحتى (إخناتون) و(توت عنخ آمون) كانا يؤمنان بإله واحد هو (إله القمر الساري فيهما) خلافًا لبعض المتعصبين المصرين الذين يزعمون أنهما كانا\nموحدين!!!\nفالتوحيد بمعنى توحيد الله ﷿ لم يكن في يوم من الأيام دين قدامى المصريين أبدًا. ودليلنا في ذلك ما قاله أحد المستشرقين، إذ ذكر في ذلك: \" لقد كان معظم الفراعنة يرون أنفسهم أعظم وأطهر وأسمى وأقدس من عامة الناس، لذلك كانوا يتصورون أنهم هم (الآلهة)، وتظهر البرديات أن (رمسيس) الذي يراه البعض الفرعون المذكور في القران كان أشدهم إحساسًا بنفسه في علوه على الناس، حتى إنه أمر بطمس كل ذكر للفراعنة الذين سبقوه ليحظى بذكر أنه هو الإله الأوحد، وقد أساء السيرة في الناس، وفي الإسرائيليين الذين سكنوا أرض مصر في عصره حتى زمن الخروج \" «١» .\n_________\n(١) عصر الفراعنة. لويس توبريان. ترجمة: مُحَمَّد كمال مُحَمَّد. الطبعة الأولى. القاهرة. ١٩٩٢ م: ص٩٩-١٠١.","vol":"1","page":201},{"text":"فهذا النص يدلنا على هذا التكبر والطغيان. ونجد في سورة القصص تكبرًا لعامة الناس عن مساعدة النساء، وهو ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ «١»، فهذا النص دال على أن هؤلاء الناس في (مدين) كانوا على درجة عالية من قلة الأدب، ومن العلو ومن التكبر الواضح في سقي رعائهم لأنفسهم، وفي منعهم النساء من السقي، (والنص يشعر بأن هذا الفعل يومي متجدد) . وفي ذلك يقول بعض الباحثين: \" تشعر هذه الآية «٢» إن موسى (- ﵇ -) كان يحمل من التواضع الشيء العظيم، وإن شعب مدين كان يحمل من التكبر والتجبر الشيء العظيم، ويبدو أنهم كانوا من تلك الشعوب التي تنظر إلى المرأة نظرة دونية \" «٣» .\nويعود السياق القرآني ليرينا صورة أخرى من صور تكبر وطغيان فرعون: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ «٤»، فالآية الشريفة مشعرة بان فرعون كان إذ يستكبر في الأرض يظن الخلود، وأنه لا يرجع إلى الله تعالى، ويبدو أنها كانت عقيدة جنوده كذلك على ما يوحي به السياق.\nويقول تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٣.\n(٢) أي الآية ٢٣ من سُوْرَة الْقَصَصِ.\n(٣) ينظر الصفة الإنسانية في الَقُرْآن الكَرِيم. أحمد عَبْد الله. مكتبة الناشر العربي. دمشق. ١٩٨٨ م.: ص١١٩ – ١٢٠.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٩.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.","vol":"1","page":202},{"text":"فتجد في مفهوم النص الطغيان المادي لتلك القرى التي بطرت فاستكبرت وطغت، ويقول تعالى في الطغيان البشري والتكبر الروحي: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ «١» .\nثم يقول تعالى في ذلك السياق: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ «٢» .\nثم يقول تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ «٣» .\nفتجد أن البغي القاروني كان بسبب تكبره وطغيانه في الأرض بماله الذي هو رزق الله ﷿ والذي ليس له منه مقدار شعرة.\nوالنص القرآني واضح كل الوضوح في أن هذا التكبر لا عاقبه له إلا أن يخسف بالمتكبر وبداره الأرض ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ «٤» .\nويذكر الله تعالى في نقض مفهومي التكبر والطغيان على حد سواء في السورة نفسها ﴿تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادا ً﴾ «٥»، فتجد أن السياق القرآني يتواصل معك في استقرار نفسي يجعلك تنبذ في ذاتك (إن كان فيك ذرة من كبر، أو طغيان) . وهذا من بدائع إعجاز النص القرآني في سورة القصص. وذلك لأن سياق بعض الآيات في سورة القصص - وخاصة ما ورد منها في شان مادتي الطغيان (مفهومًا) والتكبر (لفظًا) على حد سواء - يجعل القارئ والسامع والمخاطب بها يستشعر في نفسه أن كلّ ذلك التكبر والطغيان مما يستحي منه لا مما يتفاخر به لان قوله تعالى فيها: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ «٦» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.","vol":"1","page":203},{"text":"ينقل النفس الإنسانية لهذا الجعل الإلهي: (والذي هو أصدق جعل في الوعد)، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ «١» .\nلذلك كانت هذه الآية إحدى آيات اطمئنان النفس في القران الكريم «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>المطلب الأول: علو فرعون في الأرض</span>\n﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَا مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * انَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ اهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ ابْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ انَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٣» .\n\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿آيَاتُ﴾:\nقال الراغب الاصفهاني: \" واشتقاق الآيات إما من أيٍّ فأنها هي التي تُبَيِّنُ أيّا من أيٍّ، والصحيح أنها مشتقة من التّأيّي الذي هوَ التثبت والإقامة على الشيء، يُقال: تأيَّ، أي: ارفُق، أو من قولِهِم: آوي إليه وقيل للبناء العالي ولِكلِّ جملة من القران دالة على حكم أو طغيان سورة كانت أو فصولًا أو فصلًا من سورة. وقد يقال لِكلِّ كلامٍ منه مُنفَصِل بفَصلِ لفظيٍ آية \" «٤» .\nوقال أبو بكر: سميت الآيات من القران لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام، ويقال: سميت لأنها جماعة من حروف القرآن \" «٥» .\nفهذا النص يدل على أن المعنى العام لا يرجعون وجمعها ذا دلالة واحدة.\n٢. ﴿الْكِتَاب﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ١٢٢.\n(٢) السكينة النفسية في الَقُرْآن الكَرِيم. د. سلمان أحمد. الطبعة الأولى. المكتبة العلمية. القاهرة. ١٩٩٨ م: ص٨٨ وما بعدها.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات: ٢ - ٤.\n(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص٢٨.\n(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (ايي) ١٤ /٦٢.","vol":"1","page":204},{"text":"في الأصل مصدر ثم سُمِّيَ المكتُوُبُ فيه كتابًا، والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب «١» . وقد وردت لفظة (الكتاب) في القران في مواضع عدة ولمعاني مختلفة، فقد جاءت بمعنى التوراة، كقوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ «٢» . وجاءت بمعنى اللوح المحفوظ قال تعالى: ﴿إلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ انْ نَبْرَأهَا﴾ «٣» إشارة إلى اللوح المحفوظ كما ذكر الخازن «٤» .\nوالأرجح أن المراد به القران الكريم لان ما بعده يفسره: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾، أي: نتلو عليك يا محمد في القران من نبأ موسى وفرعون.\nبمعنى أن الكتاب (في معناه الذي يدل على المجموع) دال على الضم.\n٣. ﴿الْمُبِينِ﴾:\n\" من البيان، ما بُيِّنَ به الشيء من الدلالة وغيرها، وبان الشيءُ بيانًا: اتضح، فهو بَيِّنٌ وأبَنْتُهُ: أي أوضحته، واستبانَ الشيءُ ظهرَ، وقيل: المبين الذي أبان طُرقَ الهُدى من طرق الضلالة، وأبان كل ما تحتاج إليه الأمة. وقيل: معنى مبين خيره وبركته. وقيل: مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام \" «٥» .\nفهذا يدل على استقلالية معنى كلمة (المبين) .\n٤. ﴿نَبَإِ﴾:\nالنَّبأ، هو \" القراءة المجمع عليها طرح الهمز وقد همز جماعة من أهل المدينة جميع ما في القران من هذا، واشتقاقه من نَبأَ وأنبأ، أي: أخبر. قال: والأجود ترك الهمز \" «٦» .\n_________\n(١) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٤٠.\n(٢) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ١٠١.\n(٣) سُوْرَة الحَدِيْد: الآية ٢٢.\n(٤) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٢٣.\n(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (بين) ١٣ /٦٨.\n(٦) لِسَان العَرَب: مَادة (نبأ) ١٥/ ٣٠٣.","vol":"1","page":205},{"text":"وقال الراغب الأصفهاني: \" النَّبأ خبرٌ ذو فائدة عظيمة يحصل بها علمٌ أو غَلَبهُ ظَنّ، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرَّى عن الكذب كالتواتر، وخَبرَ الله تعالى، وخبر النبي (- ﷺ -) \" «١» .\n٥. ﴿عَلاَ﴾:\nقال الراغب: (العُلوُ ضِدَّ السُّفلِ والعُلُوُّ الارتفاع، وقد عَلا يَعلُو عُلُوا وهو عالٍ. وقيل: إنَّ علا تقّال في المحمود والمذموم \" «٢» .\nوقال ابن منظور: \" العُلُوُّ العَظمة والتجَبُّر والتكبر في الأرض، وقال الحسن: والفساد المعاصي، يقال: علا في الأرض استكبر \" «٣» .\nفجاء كلامهما دالًا على استلهام المعنى اللغوي والاصطلاحي.\n٦. ﴿شِيَعًا﴾:\nقال ابن منظور: \" الشَّيعُ مِقدارٌ من العدد، والشيعة القوم الذين يجتمعون على الأمر، وقيل: الذين يتبع بعضهم بعضًا، وليس كلهم متفقين. وقيل: الشَّيَعُ الفِرًقُ \" «٤» .\n٧. ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾:\n\" من الضَّعفُ والضُعفُ خلاف القوة. وقيل: الضُعفُ في الجسد والضَّعف بالفتح في الرأي والعقل.\nاستَضعَفَه وتَضَعَّفَه وجده ضعيفًا فركبه بسوء. قال ابن الأثير: يقال تَضَعَفتُه واستَضعَفتُه بمعنى للذي يتضعفه الناس ويتجبَّرون عليه في الدنيا للفقر ورَثاثَةِ\nالحال \" «٥» .\n٨. ﴿يُذَبِّح﴾:\n\" أصل الذبح شق حَلقِ الحيوانات، المراد هنا في هذه الآيات التكثير، أي: يَذبَح بَعضُهم اثَرَ بَعضٍ \" «٦» .\n_________\n(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٠٠.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٥٧.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (علا) ١٥/ ٨٥.\n(٤) المصدر نفسه: مادة (شيع) ١٨/ ١٨٨.\n(٥) المصدر نفسه: مَادة (ضعف) ٩/ ٢٠٤.\n(٦) المصدر نفسه: مَادة (ذبح) ٢ /٤٠٠.","vol":"1","page":206},{"text":"فمجمل هذه الألفاظ تدل في اجتماعها على أن افتتاح السورة بها كان مقصودًا به تنبيه السامع وقرع سمعه على ما يراه ويسمعه فيما يتلوه من الآيات.\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿طسم﴾:\nبإمالة فتحة الطاء. قرأ بها كل من (حمزة، والكسائي، وخلف وشعبة) .\nبإمالة فتحة الطاء بين بين (نافع) .\nبإظهار نون سين عند الميم، قرأ بها (حمزة، وأبو جعفر) .\nبالسكت على الحروف، قرأ بها (أبو جعفر) «١» .\n٢. ﴿الْمُبِينِ نَتْلُو﴾:\nبالإدغام (الكبير) «٢»، على ما قاله مجاهد بمعنى إدغام النون الأولى بالنون الثانية من دون أن يظهر ذلك بينهما.\n٣. ﴿مُوسَى﴾:\nقرأ بالإمالة كل من (حمزة، والكسائي، وأبي جعفر، وخلف، وورش) «٣» .\n٤. ﴿فِرعَونَ﴾:\nقُرأ (فُرعون) بضم الفاء وكسرها والكسر أحسن كالقُسطاس والقِسطاس «٤» .\n\n٥. ﴿يُذَبِّحُ﴾:\nقرأ الجهور يذبح مضعّفا، وأبو حيوة، وابن محيصن بفتح الياء وسكون الذال (يَذْبَحُ) «٥» .\nالقضايا البلاغية\n١. ﴿نَتْلُو﴾:\nإسناد التلاوة إلى الله إسناد مجازي، لأنه الذي يأمر بتلاوة ما يوحى إليه من الكلام، والذي يتلو حقيقة هو جبريل بأمر من الله، وجعلت التلاوة على النبي (- ﷺ -) لأنه الذي يتلقى ذلك المتلوّ، وعبر عن هذا الخبر بالنبأ لإفادة إنه خبر ذو شأن وأهمية «٦» .\n٢. ﴿عَلا فِي الأَرْضِ﴾:\nمجاز إسنادي، لأن فرعون لم يعل بل استعلى بكفره.\n٣. ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾:\n_________\n(١) معجم القراءات القُرْآنية. د. أحمد مختار عمر. عَبْد العال سالم مكرم. الطبعة الثانية. مطبوعات جامعة الكويت. سنة ١٩٨٨ م.: ٥/٥.\n(٢) معجم القراءات القرآنية: ٥ /٥.\n(٣) المصدر نفسه: ٥ /٥.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٢٤ /٢٢٥.\n(٥) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٤.\n(٦) التحرير والتنوير: ٢ /٦٤.","vol":"1","page":207},{"text":"استعارة مكنية، لأن استحياء النساء وضع لغة للترك، فاستعير في الآيات لنبذ النساء وامتهانهن، وهذا من بليغ إعجاز النص القرآني في بلاغته «١» .\nالمعنى العام\n﴿تِلْكَ﴾: أي هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ . قال ابن كثير: \" أي الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن \" «٢» .\n﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ قال البيضاوي: \" نقرؤه بقراءة جبريل، ويجوز أن يكون بمعنى ننزله مجازًا \" «٣» . ﴿نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ قال القرطبي: \" نتلو عليك بعض خبرهما \" «٤» . ﴿بِالْحَقِّ﴾، قال البقاعي: \" الذي يطابقه الواقع، فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه الكائن عند وقوعه، ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولي الإذعان بقوله \" «٥» . ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قال الزمخشري: \" لمن سبق في علمنا أنه يؤمن لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم \" «٦» .\n﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ «٧)\n_________\n(١) معجم المصطلحات البلاغية: ٣ /١٥٤.\n(٢) تفسير القرآن العظيم٣: /٣٧٩.\n(٣) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل وأسرار التَّأؤيِل المعروف بتفسير البَيُضَاوي. نَاصِر الدِّيْن عَبْد الله بن عمر بن مُحَمَّد الشِّيُرَازي البَيُضَاوِي الشافعي أبو سعيد. المُتَوَّفَىَ ٦٨٥ هـ. تحقيق: عَبْد القادر عرفات العشا حسونة. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. ١٤١٦ هـ – ١٩٩٦ م.: ٢/٢٠٩.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن: ٦/٤٩٦٤.\n(٥) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: ٥/٤٦١.\n(٦) الكشاف: ٣/١٦٤.\n(٧) فرعون: اسم أعجمي، قيل: إنه اسم ذلك الملك بعينه، وقيل: لقبه. إنه اسم كل ملك من ملوك العمالقة مثل كسرى للفرس، وقيصر للروم، والنجاشي للحبشة. وقد قيل في اسمه أقوال:\nأولا - قابوس في قول أهل الكتاب.\nثانيًا - الوليد بن مصعب بن الريان، ويكنى أبا مرة، وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح ﵇.\nثالثًا - قال السهيلي: كلّ ولي القبط ومصر فهو فرعون.\nرابعًا - قال الجوهري: لقب لكل عاتٍ وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: دهاء ومكر.\nخامسًا - قيل: هو فيطوس قاله مقاتل. سادسًا - قيل: اسمه مغيث، والفراعنة هم ملوك القبط بالديار المصرية.\nينظر: زَاد المَسِيْر: ١ /٧٧. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ١/٣٢٧. والمختصر في أخبار البشر. عماد الدين إسماعيل بن كثير. ت ٧٧٤ هـ. الطبعة الأولى. المطبعة الحسينية المصرية. (د. ت) .: ١/٥٦.","vol":"1","page":208},{"text":") عَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ قال المفسرون:\n\" استكبر وتجبر وبغى وتعاظم في أرض مصر \" «١» .\n﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ قال الزمخشري: \" فرقًا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه، أو يشيع بعضهم بعضًا في طاعته، أو أصنافًا في استخدامه يسخر صنفًا في بناء، وصنفًا في حرث، وصنفًا في حفر، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية، أو فرقًا مختلفة، قد أغرى بينهم العداوة، وهم بنو إسرائيل والقبط \" «٢» .\n_________\n(١) الوَسِيْط في تَفْسِير القُرْآن المجيد. النيسابوري. الإِمَام أبو الحَسَن عَلِيّ بن أحمد الواحدي. ت ٤٦٨ هـ. تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عَبْد الموجود. وآخرون عَلِيّ مُحَمَّد معوض. مَكْتَبَة الباز. مَكْتَبَة المدينة المنورة. (د. ت.) .: ٣/٣٨٩.\n(٢) الكَشَّاف: ٣ /١٥٦.","vol":"1","page":209},{"text":"﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ قال المراغي: \" أي يجعلهم أذلاء مقهورين وهم بنو إسرائيل \" «١» . ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾، قال ابن عطية: \" يذبِّح مضعف للمبالغة، والعبارة عن تكرار الفعل وقال قتادة: كان هذا الفعل من فرعون بأنه قال له كهنته وعلماءه: إن غلامًا لبني إسرائيل يفسد ملكه. وقال السدي: رأى في ذلك رؤيا فأخذ بني إسرائيل يذبح الأطفال سنين، فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد يذبح عامًا ويستحيي عامًا، فولد هارون في عام الاستحياء، وولد موسى في عام الذبح. وقال وهب بن منبه: إن فرعون ذبح سبعين ألفًا من الأطفال. وقال النقاش: جميع ما قتل ستة عشر طفلًا \" «٢» . والذي يبدو من اختلاف الروايات أنه لا يوجد نص ثابت يبين عدد الأطفال، لذا لا يمكن الجزم بعدد معين، أو ترجيح قول على أخر، ولكن ما جاء في رأي النقاش بعيد عن الحقيقة، وذلك لأن الَقُرْآن الكَرِيم استخدم صيغة المبالغة (يذّبح) للدلالة على المبالغة في الذبح.\n﴿وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ قال ابن عاشور: \" يستبقي حياة الإناث من الأطفال، فأطلق عليهنَّ اسم النساء باعتبار المال إيماء إلى أنه يستحيهن ليصرنَ نساء، فتصلحن لما تصلح له النساء، وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج، وإذا كان احتقارهن بصدّ قومه عن التزوج بهنَّ لم يبق لهنَّ حظّ من رجال القوم إلا قضاء الشهوة، وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء، إذ كل ذلك اعتداء على الحق \" «٣» .\n_________\n(١) تفسير المراغي. أحمد مصطفى المراغي. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر. (د. ت) .: ٢٠/٣٣.\n(٢) المحرر الوجيز: ١٢/١٤٢.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢٠ /٧٠.","vol":"1","page":210},{"text":"﴿إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ قال أبو السعود: \" أي الراسخين في الفساد، ولذلك اجترأ على مثل تلك العظيمة من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء - عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام - \" «١» .\nما يستفاد من النصّ\nأشارت الآيات التي مرت إلى جانب من حياة مصر في حقبة حكم الفراعنة إلى فرعون موسى على وجه الخصوص بقوله تعالى: ﴿انَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ ابْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، فمن هذه الآيات يمكن لنا أن نستنتج صورة للحياة في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ مصر.\nأولًا - الحالة الاجتماعية:\nلنتكلم أولًا عن الحالة الاجتماعية في تلك الفترة حتى تكتمل الصورة. \" فان أهل مصر كانوا أهل ملك عظيم ما بين قبطي ويوناني وعمليقي، إلا أن جمهرتهم قبط، وأكثر ما يملك مصر الغرباء، وقد تعاقب على مصر ملوك كاليونان، ثم ملوك الروم والفراعنة الذين هم ملوك القبط \" «٢» .\n_________\n(١) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القُرْآن الكَرِيْم. مُحَمَّد بن مُحَمَّد العِمَادي أبو السعود. ت ٩٨٢ هـ. دار إحياء التراث العربي. بيروت. (د. ت): ٧ /٢ – ٣.\n(٢) المختصر في أخبار البشر: ١/٥٦.","vol":"1","page":211},{"text":"ولقد كان العبرانيون الذين كانوا يدعون (بني إسرائيل) أصحاب شرف وأموال سكنوا الديار المصرية برضى ملكها، واستملكوا الأراضي وساهموا في بناء مصر، فكان سبب مجيئهم إلى هذه الديار هو أن عزيز مصر اشترى سيدنا يوسف (- ﵇ -) صغيرًا حينما وجده السقاة في غيابة الجُبِّ، وعاش وكبر في قصره، إلا أن مُلِّك إدارة شؤون مصر ثم نقل سكن والديه وأخوته إلى مصر، وهكذا تناسلوا وتكاثروا مع من آمن بنبوة سيدنا موسى (- ﵇ -) فأصبحوا عدد لا يستهان به. ولكن بعد أن توفي سيدنا يوسف (- ﵇ -) تغيرت الأحوال بعد ذلك، فقد فسدت أخلاق معظمهم وتركوا الدعوة إلى الله ودعاء الخلق إلى الله وسقطوا على الدنيا وتغير لهم الناس أيضًا، وصاروا ينظرون إليهم بغير ما كانوا ينظرون إلى آبائهم، وصاروا كسائر الناس لا يمتازون عن الناس إلا بالنسب، وصار الناس يحسدون الغني منهم ويحتقرون الفقير منهم، وصار أهل مصر ينظرون إليهم كغريب جاء من بلد آخر، وليس له حق في مصر، وكان أهل مصر يعتقدون أنهم أهل البلاد وهم أحق بها، ونسي كثير منهم فضل يوسف (- ﵇ -) وتدبيره اللذان أنقذا مصر من الموت جوعًا (١) .\n_________\n(١) ينظر: قصص النبيين. أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي. الطبعة الثالثة. دار القلم. دمشق. ١٩٨٨ م.: ص١٤٠.","vol":"1","page":212},{"text":"\" وتوارثت الفراعنة ملك مصر ونشر الله بني إسرائيل، فلم يزل بنو إسرائيل تحت يد الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم ﵈، شرعوا فيهم من الإسلام، حتَّى كان فرعون موسى، وكان أعتاهم على الله، وأعظم قولًا وأطولهم عمرًا، واسمه فيما ذكر الوليد بن مصعب، وكان سيئ الملكة على بني إسرائيل، يعذبهم ويجعلهم خولًا ويسومهم سوء العذاب \" «١» .\nثانيًا - الحالة الأخلاقية:\nإن الذي يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾، تتجسد أمامه أخلاقية فرعون الفاسدة، والتي كانت سببًا في هلاكه وهلاك ملكه، فقد بينت الآيات جملة من الصفات الفاسدة التي كان يتصف بها فرعون والتي كانت السبب في هلاك ملكة وهي:\n١. الكِبرُ:\nقال تعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ﴾، والكِبرُ \" والتَكبُّرُ والاستكبار تتقارب، فالكِبرُ الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره \" «٢» .\n_________\n(١) الكامل في التاريخ. عز الدِّيْن أبو الحَسَن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن الأثير الجزري. ت ٦٣٠ هـ. تحقيق: أَبِي الفداء عَبْد الله القاضي. دار الكتب العلمية. بيروت. ط٢. ١٤١٥ هـ – ١٩٩٥ م: ١/٩٦.\n(٢) مفردات ألفاظ القران: ص٤٣٨. وينظر: لِسَان العَرَب: مَادة (كبر) ٥/١٢٩.","vol":"1","page":213},{"text":"والكبر مولودًا من (العُجبِ) وذلك \" إنَّ ذا العُجب إذا مرّ نظره إلى أدنى منه تبين له أنه ممتاز عنه بما سما به في نظرة نفسه، فيرى ذلك الغير في درجة منحطة عن درجته، فيعتقد أن مستواه فوق مستوى غيره، فالمتكبر يعتقد في قرارة نفسه أنه أكبر وأعظم من غيره، فيرى غيره بعين الصغر والحقارة ويرى نفسه بعين العظمة والفخامة \" «١» .\nومعنى العُلوّ في الآيات الكِبْر، وهو المذموم من العُلو المعنوي «٢» كالذي في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ «٣» .\nوللكبر آثار تظهر على الجوارح فتراه إذا مشى مع الناس يريد التقدم عليهم، وتراه إن جالسهم يصدر نفسه في المجلس، يسره أن يتكلم ويسمعوا له، وأن لا ينطق غيره بحرف، ثم هو ينتظر من الناس أن يتلقوا كل كلمة يقولها بالقبول والتصديق.\nكقولة تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ «٤» .\nفالمتكبر يحتقر الناس ويستضعف حقوقهم، ويسيء معاشرتهم، ويبث عدوانه فيهم، ويزداد الأمر سوءً إن كان ذلك المتكبر ولي أمرهم وراعيهم، فتنتج صفة الكبر في الحالة سوء رعايته لهم، والاعتداء على حقوقهم، وينظر إليهم بعين الاحتقار، ويرى دائمًا أنه صاحب الفضل عليهم.\n٢. العُجبُ:\nوهو الزَّهُوَّ ورجل مُعجَبٌ مزهُوّ بما يكون منة حسنًا أو قبيحًا.\n_________\n(١) أمراض القلوب وشفاؤها. أحمد بن تيمية. (٦٦١ - ٧٢٨) . المطبعة السلفية. القاهرة. ط٢. ١٣٩٩هـ.: ص ٥٦٨.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢ /٦٦.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.\n(٤) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٢٣.","vol":"1","page":214},{"text":"وقيل: العُجب فضلةٌ من الحمق صَرَفَتهَا إلى العُجب «١»، وقيل لمن يروقه نفسه فلان مُعجبٌ بنفسه «٢» .\nوهو من أمراض القلوب المهلكة أعاذنا الله منها.\nوأيضًا هو \" نظر الإنسان إلى ما حباه الله به من كمال نظر استعظام وتفخيم وفرحة به باعتباره أثرًا من آثاره ونتيجة من نتائج ما بذل من مجهود في تحصيله، ولا يخطر على باله أنه يزول عنه يومًا من الأيام \" «٣» .\nوهذا ما يتضح من قول فرعون إلى قومه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ «٤»، فقد وهم فرعون بوحدانيته بملكه وقصوره وعبيده، فظن أن هذه النعم هي ملكه وحده، وهو أحق بها ن فقد أضاف إلى نفسه ملك مصر وأنهارها، وظن أنها لن تبيد، فأداه عُجبُه بنفسه ومُلكه أن أدعى الربوبية لنفسه.\nولكن شاءت إرادة الله تعالى وسنته في خلقه بهلاك المتكبرين من الأمم والأفراد أن ينزع عنهم النعمة التي لم يشكروها، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيم * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ «٥» .\nإن العاقل هو الذي إذا ما انعم الله عليه أن يبادر بشكرها، والمجنون هو من إذا ما حباه الله بنعمة تخيل إنها جاءته بجهده وعقله وذكائه، فالنعم كلها لا يمكن أن تكون إلا من بعد أن يهبها الله لمن شاء من عباده كما يقول ﷿: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه﴾ «٦» .\n٣. التفرقة العنصرية:\nويتبين ذلك من خلال:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (عجب) ١ /٥٨٢.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٣٤.\n(٣) أمراض القلوب: ص ٥٩٨.\n(٤) سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية ٥١.\n(٥) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآيات ٥٧ –٥٩.\n(٦) سُوْرَة النَّحْلِ: الآية ٥٢.","vol":"1","page":215},{"text":"أ. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعًا﴾، أي: \" فرقًا. قال قتادة: فرّق بين بني إسرائيل والقبط، والمعنى يكرم قومًا ويذل آخرين بالاستبعاد والأعمال الشاقة. وقيل: جعل إسرائيل أصنافًا في الخدمة والتسخير \" «١»، فهذه التفرقة العنصرية كانت سببًا أيضًا في هلاك دولته فجعل هناك تمايز طبقي بين الأقباط وبين بني إسرائيل، فكان يرى ويرى الأقباط معه أن مصر هي ملك لهم، وما وجود بني إسرائيل إلا لخدمتهم في هذه الحياة، فجعل من مملكته فرقًا مختلفة، وجعل منهم شيعًا مقربين منه، والقسم الآخر ناصبهم العداء، وجعل بين الطائفتين العداوة والبغضاء ليسهل له السيطرة عليهم جميعًا.\nب. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾، يعني بني إسرائيل بالاستبعاد والأعمال القذرة، فجعل من هذه الطائفة محقّرة مهتضمة الحقوق لا مساواة بينها وبين الأقباط مع أنهما يسكنان في أرض واحدة وتحت سماء واحدة. والسبب في ذلك لأنه يرى أنهم غرباء عنه في النسب والدين، لأنهم كانوا يعتقدون بعقيدة تختلف عن عقيدته هو وقومه، فهم يدينون بدين جدهم إبراهيم وأبيهم يعقوب ﵉، فهم يعتقدون بإله واحد هو الله، وينكرون ألوهية فرعون، وكذلك أحسَّ فرعون أن هناك خطرًا على عرشه من وجود هذه الطائفة في مصر، ولم يكن يستطيع أن يطردهم منها، فهم جماعة كبيرة قد يتحالفون مع أعدائه من دول الجوار الذين كانت تقوم بينهم وبين فرعون حروبًا. فاحتقرهم ولم يجعل لهم دورًا في الحياة السياسية والإدارية في مصر، فجعل منهم خدمًا، وفرض عليهم الضرائب الباهظة، وكلفهم بالأعمال الشاقة.\n٤. التصفية الجسدية:\n﴿يُذَبِّحُ أبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ انَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾\n_________\n(١) مجمع البيان: ٧/ ٢٣٩.","vol":"1","page":216},{"text":"يُذَبِّحُ على التكثير، أي: يَذبح بعضهم إثر بعض «١»، وذكر الرازي «٢» في سبب ذبح الأبناء وجوه:\nأحدهما - إن كاهنًا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا يذهب بملكه على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلامًا فقتلهم. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى (- ﵇ -) تسعين ألفًا من بني إسرائيل. قال بعضهم: \" العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل \" «٣» .\nثانيًا - وهو قول السدي: إن فرعون رأى في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس، واشتملت على مصر، فأحرقت القبط دون بني إسرائيل، فسأل عن رؤياه، فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر، فأمر بقتل الذكور.\nثالثًا - إن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى (- ﵇ -) بشروا بمجيئه وفرعون كان قد سمع ذلك، فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل، وهذا الذي يرجحه الرازي «٤» .\nومن صور التصفية الجسدية ما توعده للسحرة الذين آمنوا برب موسى (- ﵇ -) ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأَقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وَأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أجْمَعِينَ﴾ «٥»، وهذا أبشع أنواع الظلم ألا وهو مصادرة الحرية الدينية والاعتقادية والفكرية، ففرعون قام بذلك لأنه أحس بالخطر على ملكه من إيمان أقرب الناس إليه وهم سحرته.\nثالثًا - الحالة الدينية:\n_________\n(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٨٠.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٢٤/ ٢٢٥.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٦٤.\n(٤) ينظر مفاتيح الغيب: ٢٤ /٢٢٥.\n(٥) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآيتان ١٢٣ –١٢٤.","vol":"1","page":217},{"text":"خلال الفترة ما بين وفاة سيدنا يوسف (- ﵇ -) إلى الفترة التي بُعث فيها سيدنا موسى (- ﵇ -) يبدو أن المصريين لم يستقروا على عبادة إله واحد، فكان الناس غالبًا على دين ملوكهم إلا القلة القليلة من أحفاد نبي الله يعقوب (- ﵇ -) ومن آمن معهم كانوا موحدين \" مع أن كثيرًا منهم فسدت أخلاقهم وسقطوا على الدنيا وتركوا دعوة الناس إلى الله \" «١»، فكانوا يعبدون الأصنام «٢»، ويعبدون الشمس فلقد \" أخذت عبادة الشمس تنتشر منذ عصر الدولة القديمة، ولعّل السبب في ذلك أن ملوك الآسرة الخامسة الذين حكموا مصر من عام (٢٥٦٠) إلى (٢٤٢٠) قبل الميلاد كانوا ينتمون إلى هذا الإله، فأصبح هذا المعبود أكثر المعبودات تقديسًا عندهم، فقد أخذ الناس على مدى الألف سنة التالية يضيفون في كلّ مكان اسم (رع) الشمس على أسماء الآلهة القديمة، وقد أرادوا بذلك أن يضيفوا إلى الآلهة الأخرى نصيبًا من القوة التي تتمتع بها إله الشمس \" «٣» .\nوحينما جاء إخناتون دعا إلى عبادة إله واحد خالق كل شيء (الشمس)، وقد تصور المصريون إله الشمس على صورة آدمي، أو على هيئة صقر، ونستطيع أن نستشف صورة الوضع الديني من خلال الآيات القرآنية التي تحدثت عن فرعون وقومه، وتتميز هذه الفترة بما يأتي:\n_________\n(١) قصص النبيين: ص ١٤٠.\n(٢) المختصر في أخبار البشر: ١ /٥٦.\n(٣) ديانة مصر القديمة. أدولف إرمان. ترجمة: د. عبد المنعم أبو بكر. ورفيقه. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر. (د. ت) .: ص ١٩ –٢١. والعرب واليهود في التاريخ. د. أحمد سوسة. الطبعة السادسة. دمشق. ١٩٨٧ م.: ص ٣٨٩.","vol":"1","page":218},{"text":"تنقسم عبادة المجتمع في فترة حكم فرعون موسى إلى قسمين: الفئة القليلة كانوا يعبدون الله، وهم من بقي على دينه من أحفاد نبي الله يعقوب (- ﵇ -)، فكانوا يلاقون ألوانًا من العذاب والتصفية الجسدية لرفضهم عبادة غير الله، والقسم الأكبر كانوا يعبدون فرعون. لقد وصل الكبر والطغيان والجبروت بفرعون أن ادّعى الألوهية، وأجبر رعيته وسكان مصر على ذلك \" فجعل من نفسه إلهًا وأنه ابن الشمس \" «١» .\nفقال فرعون في خطابه لسيدنا موسى (- ﵇ -): ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلها غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِين﴾ «٢» .\nوقال تعالى أيضًا على لسان فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا ايُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إله غَيْرِي﴾ «٣» .\nوكلّ هذِهِ الآيات نؤكد بما لا يقبل الشك أن فرعون ادّعى الألوهية. وقد قص القران الكريم أنه ادّعى الإيمان لحظة موته: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ «٤» .\nوهناك تأويلات لألوهية فرعون وعبادته هو، نورد بعضها:\nقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام فكان يعْبدُ ويُعْبدَ. وقال سليمان التيمي: بلغني أن فرعون كان يعبد البقر.\nوقيلَ معنى: ﴿وَآلِهَتِكَ﴾، أي: وطاعتك كما قيل في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَابا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ «٥»، فإنهم ما عبدوهم، ولكن أطاعوهم فصار تمثيلًا.\nعلى قراءة انس بن مالك: (ونذرُك) بالرفع والنون، أي: نذر عبادتك إن تركت موسى حيًا.\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢٠ / ٦٦.\n(٢) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية ٣٠.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٨.\n(٤) سُوْرَة يُوْنِسَ: الآية ٩٠.\n(٥) سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية ٣١.","vol":"1","page":219},{"text":"قرأ علي بن أبي طالب (- ﵁ -)، وابن عباس، والضحاك: (وإلآهتك)، معناه: وعبادتك. فعلى هذه القراءة كان يعَبُد ويُعبَد. قال أبو بكر الأنباري: فمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال: ﴿أنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ «١»، و﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إله غَيْرِي﴾ «٢» . نفى أن يكون له رب وإله، فقيل له: ﴿وَيَذَرَكَ وَالِهَتَك﴾ «٣» بمعنى ويتركك وعبادة الناس لك «٤» .\nوهناك رأي ينسب لابن عباس ﵄ على قراءة من قرأ: (ويذرك والهتك) بمعنى ويدعك والشمس، لأن العب تسمي الشمس آلهة، وهي إن فرعون قد كان يعبد الشمس «٥» .\nوالذي يراه الباحث أن فرعون كان لا يعبد إي إله، بل كان يدعو الناس إلى عبادته على عادة فراعنة مصر في زمنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>المطلب الثاني: نصرة المستضعَفين</span>\n﴿وَنُرِيدُ انْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الارْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «٦» .\nالمناسبة\n_________\n(١) سُوْرَة النَّازِعَاتِ: الآية ٢٤.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٨.\n(٣) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٢٨.\n(٤) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٣ /٢٦٩٨.\n(٥) الروايات التفسيرية عن عَبْد الله بْن عَبَّاس ﵄. د. حسن عبد المجيد. الطبعة الأولى. الدار السعودية. جدة. ١٤١٢ هـ: ص ١٩٨.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٥ - ٦.","vol":"1","page":220},{"text":"أخبر جل وعلا فيما سبق من الآيات عن فعل فرعون الشنيع بقتل الأولاد واستحياء النساء، واستضعاف بني إسرائيل وتفرقهم شيعًا لغرض المحافظة على دوام ملكه كما يعتقد، لأن كهنته وعلماءه أخبروه بأنه سيولد مولود من بني إسرائيل يكون زوال الملك على يديه. ثُمَّ عطفه على هذه الأفعال الشنيعة لفرعون. فمنّ الله على عباده المستضعفين بأن يخلصهم من فرعون ويورثهم ملكهم.\nوقال البقاعي: \" عطف عليه قوله يحكي تلك لحالة الماضية ﴿وَنُرِيدُ﴾، أو هي حالية، أي: يستضعفهم، والحال أنا نريد في المستقبل أن نقويهم، أي: يريد دوام استضعافهم حال إرادتنا ضده من أنا نقطع ذلك بإرادة ﴿أَنْ نَمُنَّ﴾، فكانت إرادة الله فوق إرادة فرعون وملأه وتبقى إرادة الله فوق إرادة الظلمة والمتجبرين\n﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ «١» \" «٢» .\nتحليل الألفاظ\n﴿نَمُنَّ﴾:\nمن المِنَّةُ \" النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين:\nأحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: مَنَّ فلان على فلان، إذا أثقله بالنعمة، وعلى ذلك قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ «٣»، وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى.\n_________\n(١) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٥٤.\n(٢) نظم الدرر: ٥/ ٤٦٤.\n(٣) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ١٦٤.","vol":"1","page":221},{"text":"ثانيهما: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، ولقبح ذلك قيل: المِنّةُ تَهدِمُ الضَّيِعةَ، ولحُسنِ ذكرها عند الكفران قيل: إذا كُفِرتِ النّعمَةُ حَسُنَتِ المِنَّةُ. قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ اسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ «١»، فالمنة منهم بالقول، ومِنَّةُ الله عليهم بالفعل وهو هدايتهُ إياهم \" «٢» .\n﴿نُمَكِّنَ﴾:\nالمَكنُ والمَكِنُ: بيض الضَّبَّةِ والجرادة، والمُكنةُ: التمكن، تقول العرب: إن بني فلان لذوو مَكِنةٍ من السلطان، أي: تمكُّنٍ. قال الجوهري: يقال: الناس على مكانتِهم، أي: على استقامتهم. وقال: لا يصح أن يقال في المكنة: إنه المكان الأعلى التَّوسُّعِ، لأن المُكْنة إنما هي بمعنى التَمكُّنِ مثل الطَّلِبَة بمعنى التَّطَلُّب، يقال: إن فلانا لذو مكنِةٍ من السلطان فسمي موضع الطير مَكنِةً لتمكُّنه فيه \" «٣» .\nوقال الآلوسي: \" أصل التمكن أن يجعل للشيء مكانًا يتمكن فيه، ثم استعير للتسليط وإطلاق الأمر وشاع في ذلك \" «٤» .\n﴿يَحْذَرُونَ﴾\n\" الحِذرُ والحَذَرُ: الخيفة، حَذرَهُ يَحْذَرُهُ حَذَرًا \" «٥» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿أَئِمَّةً﴾:\nقرأت بعدة أوجه:\nبتسهيل الهمزة مع القصر، قرأ به (ابن كثير، وأبو عمر، ونافع، والأزرق، ورويس، والأصفهاني، وقالون) .\n_________\n(١) سُوْرَة الْحِجْرِ: الآية ١٧.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٩٤.\n(٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية. إسماعيل بن حماد الجوهري. ت ٣٩٣ هـ. تحقيق: أحمد عَبْد الغفور عطا. دار العلم للملايين. بيروت. لبنان. ط٢. ١٤٠٤ هـ – ١٩٨٤ م.: مادة (مكن) . لِسَان العَرَب: مَادة (مكن) ١٣ /٤١٢.\n(٤) روح المعاني: ٢/ ٤٤.\n(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (حذر) ٤ /١٧٤.","vol":"1","page":222},{"text":"بالتسهيل مع المد (الأصفهاني، وأبو جعفر) .\nبالتحقيق والفصل بألف (هشام) «١» .\n٢. ﴿وُنَمِكّنَ﴾:\nوقرأ الأعمش (ولِنُمكِّنَ) بزيادة لام كي، أي: وأردنا «٢» .\n٣. ﴿وَنُرىَ فرِعَونَ﴾:\nاختلفوا في النون والياء ورفع الأسماء ونصبها.\nفقرأ حمزة، والكسائي، وخلف بالياء وفتحها وإمالة الراء بعدها ورفع الأسماء الثلاثة.\n_________\n(١) معجم القراءات القرآنية: ٥/ ٦.\n(٢) البَحْر المُحِيْط: ٧/١٠٥.","vol":"1","page":223},{"text":"وقرأ بالنون عامة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيون: (وَنرُيَ فرعونَ وهامان) ونصب الأسماء بعده، وحجة من قرأ (نرُي) أن ما قبله للمتكلم فينفي أن يكون ما بعده أيضًا كذلك ليكون الكلام على وجه واحد، لأن فرعون يُرى ذلك «١» . وحجة من قرأ: (يَرَى) أن فرعون وحزبه يرون ذلك ويُعلُم أنهم يرونه إذا رأوه «٢»، وذكر الطبري أن معنى من قرأ على هذه القراءة أن الفعل لفرعون بمعنى ويعاين فرعون بالياء من يرى، ورُفع فرعون وهامان والجنود «٣» .\nونحن لا يمكن أن نوازن بين القراءات، لأن القراءة سنة متبعة تعرض كما هي، وإنما عرضنا لاختلاف القراء ﵏ برحمته - في ذلك على ما أوردته كتب القراءات والتفاسير.\nالقضايا البلاغية\n١. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْض﴾ .\n_________\n(١) ينظر النشر في القراءات العشر. أبو الخير مُحَمَّد بن مُحَمَّد الدمشقي. الشهير ابن الجزري. ت ٣٣٣ هـ. ط٢. صححه وراجعه عَلِيّ مُحَمَّد الضباع. دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. ١٩٧٨ م.:٢/ ٣٤١. المحرر الوجيز: ١٢/ ١٤٣. الإقناع في القراءات السبع. أبو جعفر أحمد بن عَلِيّ بن خلف الأنصاري المعروف بابن الباذش. ت ٥٤٠هـ. ط١. تحقيق: أحمد فريد المربدي. قَدَّمَ لَهُ وقَرَّظَهُ: فتحي عَبْد الرَّحْمَن حجازي. دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. ١٤١٩ هـ – ١٩٩٩ م.: ٢ /٧٢٣.\n(٢) الحجة في علل القراءات السبع. أبو عَلِيّ الحَسَن بن أحمد الغفاري الفارسي. ت ٣٧٧ هـ. تحقيق: د. عَلِيّ النجدي ناصف. د. عَبْد الحليم النجار. د. عَبْد الفتاح شلبي. مراجعة: مُحَمَّد عَلِيّ النجار. ط١. دار المأمون. دمشق. ١٩٩٢ م.: ٥/ ٤١٢.\n(٣) جامع البيان: ١٠ /٢٩.","vol":"1","page":224},{"text":"قال الرازي: \" فإن قيل: كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المنّ عليهم، وإذا أراد الله شيئا لم يتوقف إلى وقت آخر؟\nقلنا: لما كان مِنّة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنه لاستضعافهم \" «١» .\nوهذه من القضايا البلاغية المهمة في هذا النص القرآني لكونها تدلّ على أن المنة فضل بعد الاستضعاف.\nوذكر البقاعي أيضًا: \" والآية من الاحتباك «٢»، ذكر الاستضعاف أولًا دليلًا على القوة ثانيًا، وإرادة الحذر ثانيًا دليلًا على إرادة المحبوب أولًا، وسر ذلك أنه ذكر المُسلي والمرجي ترغيبًا في الصبر وانتظام الفرج \" «٣» .\n٢. ﴿وَنُمَكِّنَ﴾:\n\" أصل التمكين أن تجعل للشيء مكانًا يتمكن فيه، ثم استعير للتسليط وإطلاق الأمر \" «٤» .\nالمعنى العام\n١. ﴿وَنُرِيدُ انْ نَمُنّ َ﴾:\nقال البيضاوي: \" إن يتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه (ونريد) حكاية حال معطوفة على أن فرعون علا من حيث أنهما واقعان تفسيرًا للنبأ، أو حال من يستضعف \" «٥» .\n٢. ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾:\nفي معناها قولان ذكرهما الماوردي أحدهما:\n\" بنو إسرائيل قاله يحيى بن سلام.\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٢٢/ ٢٢٦.\n(٢) الاحتباك: هو أن يجتمع في الكلام متقابلان، ويحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر ينظر التعريفات (الجرجاني): ص٢٥.\n(٣) نظم الدرر: ٥ /٤٦٥.\n(٤) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل: ٢ /٢٠٩.\n(٥) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل: ٢ /٢٠٩.","vol":"1","page":225},{"text":"والثاني يوسف وولده قاله علي (- ﵁ -) \" «١» .\nوالذي أرجحه أن المراد بالذي استضعفوا هم بنو إسرائيل، وذلك لأن السورة سبقت في ذكر قصة سيدنا موسى مع فرعون، وفرعون إنما يستضعف بني إسرائيل.\n٣. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾:\nقال الطبري: \" ولاة الأمر \" «٢» . وقال الرازي: \" أي متقدمين في الدنيا والدين. وعن مجاهد دعاة إلى الخير \" «٣» .\n٤. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾:\nأي: \" لملك فرعون يرثون ملكه ويسكنون مساكن القبط، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي اسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ «٤» \" «٥» .\n٥. ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾:\nأي: \" نوطد لهم أرض مصر والشام ونجعلها لهم سكنًا \" «٦»، وهو الوعد القديم لهم قبل تبديلهم دينهم الذي أنزله الله تعالى.\n٦. ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾:\n_________\n(١) النُكَت والعُيُوْن (المُسَمَّى: تَفْسِير المَاوَرْدِي) . أبو الحَسَن عَلِيّ بن حَبِيْب البصري، ت ٤٥٠ هـ. ط٢. علق عليه: السيد بن عَبْد المقصود بن عَبْد الرحيم. مؤسسة الكتب الثقافية. بيروت. دار الكتب العلمية. بيروت. ١٩٩٢ م.: ٣ /٢١٦.وينظر تفسير القُرْآن العَظِيْم مُسْنَدا عَنْ رَسُوْل الله – ﷺ – والصَّحَابَة والتَّابِعِيْن. الإِمَام الحَافِظ عَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن إِدْرِيْس الرَّازِي ابن أَبِي حَاتِم ت (٣٢٧) هـ. تحقيق أسعد مُحَمَّد الطيب. مَكْتَبَة نزار مصطفى الباز. مكة المكرمة. الطبعة الأول. عام ١٩٩٧ م.: ٩/ ٢٩٤١.\n(٢) جامع البيان: ١٠/٢٨.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٢٤ /٢٢٦.\n(٤) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٣٧.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٢٤ /٢٢٦.\n(٦) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٢٣.","vol":"1","page":226},{"text":"قال البيضاوي: \" من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم \" «١» .\nوقال الشهاب في حاشيته: \" لما يحذرون ولا شبهة في أنه المحذور عندهم، وهو الذي خافوا منه بعد إخبار الكهان حتى حملهم على القتل، وأما كون ذلك مرئيًا، فإن كانت الرؤية بمعنى المعرفة، وهم قد عرفوا ذلك لما شاهدوه من ظهورهم عليهم وطلوع طلائعه من طرق خذلانهم فظاهر. وإن كانت بصرية، وهو المناسب للبلاغة، فالرؤية لمقدماته جعلت رؤية له مبالغة، وهذا مستفسر منهم حتى يقال: رأى موته بعينه، وشاهد هلاكه، أو المراد رؤيته وقت الهلاك فلا يرد أنهم لم يروا ما ذكر وإنما الرائي له بنو إسرائيل \" «٢» .\nوقال المراغي: \" أي ونري أولئك الأقوياء والأعداء والأدلاء على أيدي بني إسرائيل من المذلة والهون، وما كانوا يتوقعونه من زوال الملك والسلطان على يد مولود منهم، ولكن لا ينجي حذر من قدر، فنفذ حكم الله الذي جرى به العلم عن القدم على يد هذا الغلام \" «٣» .\n٧. ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾:\n_________\n(١) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل: ٢ /٢٠٩.\n(٢) حَاشِيَة الشِّهَاب الخفاجي على تَفْسِير البيضاوي المسماة عناية القاضي وكفاية الراضي. شهاب الدِّيْن أحمد بن مُحَمَّد بن عمر الخفاجي. ت ١٠٦٩ هـ. تحقيق: عبد الرزاق المهدي. دار الكتب العلمية. بيروت. الطبعة الأولى. دار إحياء التراث العربي. بيروت. ١٩٩٧ م: ٧ /٦٤.\n(٣) تفسير المراغي: ٢٠ /٣٤.","vol":"1","page":227},{"text":"في الحقيقة لم اعثر على الاسم الكامل لهامان، فقد اكتفى المؤرخون كالطبري، وابن الأثير، وابن قتيبة، وكذلك المفسرون بالقول إنه وزير فرعون فقط. وقد رجح ابن عاشور: \" أن هامان ليس باسم علم ولكنه لقب مثل فرعون وكسرى وقيصر ونجاشي، فالظاهر أن هامان لقب وزير الملك في مصر في ذلك العصر، وقد جاء في كتاب استير من كتب اليهود الملحقة بالتوراة المحرفة تسمية وزير احشويردش ملك الفرس (هامان)، فظنوه علمًا، فزعموا أنه لم يكن لفرعون وزير اسمه هامان، واتخذوا هذا الظن مطعنًا في هذه الآيات. والرد على ذلك أن الأعلام لا تنحصر، وكذلك ألقاب الولايات قد تشترك بالاسم وخاصة المتجاورة، فيجوز أن يكون هامان علمًا من الأمان، فإن الأعلام تتكرر في الأمم والعصور، ويجوز أن يكون لقب خطه في مصر، فنقل اليهود هذا اللقب إلى بلاد فارس في مدة أسرهم \" «١» .\nأما أنا فاذهب إلى أنه اسم للرجل لأن النص القرآني إذا أخبر باسم رجل فهو على حقيقته.\nما يستفاد من النصّ\nعبرت الآيات بكلمات معدودة عن الحالة المأساوية التي عاشتها مصر في ظل حكم الفراعنة مما تعجز أن تصفها مجلدات، فيمكن أن نستنبط منها المعاني الآتية:\nأولًا: حاجة البشرية إلى هدي النبوة.\n_________\n(١) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /٧٢. وينظر الحياة ترجمة تفسيرية. جمع ج. س. سنتر. الطبعة الأولى. مصر الجديدة. القاهرة. (د. ت) .: ص ٦٤٧.","vol":"1","page":228},{"text":"فقد خلق الله تعالى هذا الكون وفق نظام دقيق متوازن، وجعل الحاجة الفطرية من مخلوقات الله تعالى، ومن ذلك فطرة الله تعالى للإنسان، فإن الله خلق البشر وخلق فيهم حاجتهم إلى الدين، فالإنسان بفطرته بحاجة إلى الدين. قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ «١»، والإنسان مفتقر إلى منهج ينظم حياته إذ إنه قاصر عن بلوغ هذه الغاية لتسلط الأهواء عليه، فإن النفس الإنسانية مائلة إلى الكسب وأخذ ما ليس لها، فلا بد للبشر في كل العصور إلى رسل الله لربط تصرفات الإنسان بخالقه وبأخيه الإنسان، ولمعرفة ثواب المطيع وعقاب العاصي، وأهداف أخرى كثيرة سنذكر منها فقط ما يخص حاجة أهل مصر إلى هدي النبوة في ضوء هذه الآيات من سورة القصص.\n١-الدعوة إلى عبادة الله وحده:\nلو عدنا إلى الآيات السابقة من سورة القصص: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ ابْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ انَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٢» .\nفبعد هذا العرض القرآني الذي يبين فيه حاجة أهل مصر إلى هدي النبوة لإنقاذ المستضعفين وإحقاق الحق وإرجاع الناس من عبادة فرعون إلى عبادة الله تعالى الواحد الأحد. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأَنْسَ الاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ «٣»، ويتحقق معنى العبودية لله بتحقيق معنى التوحيد، أي: إخلاص العبودية لله وحده لا شريك له، والخضوع له خضوعًا تامًا، والاستسلام له في جميع شؤون الحياة.\n_________\n(١) سُوْرَة الرُّوْمِ: الآية ٣٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٣) سُوْرَة الذَّارِيَاتِ: الآية ٥٦.","vol":"1","page":229},{"text":"ومن معاني التوحيد هو الاستقامة في الأرض ضمن المنهج الذي يريده الله جل وعلا، وكل هذه المعاني لا يستطيع الإنسان أن يصل إليها بدون بعثة الرسل، فقد امتحنت البشرية مرات عديدة حينما بعد بها العهد من الله تعالى ورسالاته فعبدت غير الله.\n٢. الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر:\nإن الإيمان باليوم الآخر من أساسيات كل الأديان السماوية، وجاءت جميعًا لتقيم الأدلة على إثبات اليوم الآخر، وأن هناك ثواب للطائعين وعقاب للعاصين، فجاءت رسالة موسى (- ﵇ -) لتدعو إلى الإيمان باليوم الآخر، فقد كان فرعون وقومه لا يؤمنون باليوم الآخر ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا انَّهُمْ الَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ «١»، فجاء أمر الله إلى سيدنا موسى وهارون لتحذير فرعون وملئه من اليوم الآخر.\n﴿إنَّا قَدْ أوحِيَ إلَيْنَا أنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأَولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ «٢» .\n\n٣. إصلاح النظام الأخلاقي والاجتماعي:\n_________\n(١) سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية ٣٩.\n(٢) سُوْرَة (طَه): الآيات ٤٨ –٥٣.","vol":"1","page":230},{"text":"إن إصلاح النظام الأخلاقي والاجتماعي هو قاسم مشترك بين كل الديانات، ورسالة الله للبشر في كل العصور، ولأن الإنسان مخلوق كرّمه الله وسخّر له كل ما في الكون من أرض وسماء لخدمته، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ «١»، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعا مِنْهُ﴾ «٢» .\nفلذلك أنكر الله جل وعلا على قوم فرعون، لأنهم فقدوا شخصيتهم وأصبحوا أذنابا لفرعون، قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطَاعُوهُ﴾ «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٧٠.\n(٢) سُوْرَة الجَاثِيَةِ: الآية ١٣.\n(٣) سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية ٥١.","vol":"1","page":231},{"text":"فالناس سواسية عند الله تعالى، لا فرق بين ملك ومملوك إلا بالتقوى ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتْقَاكُم﴾ «١»، هذه سنة الله في خلقه، ولكن فرعون أراد أن يغير هذه السنة، فجعل أهل مصر شيعًا وطبقات متفاوتة، فمن أطاعه بما يريد حظي بالعيش الرغيد، والمكانة المرموقة، ومن يخالفه - كما حصل لبني إسرائيل ممن بقي على التوحيد - جعلهم خدمًا للأقباط يذيقونهم ألوان العذاب، وحفظ الله للإنسان في هذه الدنيا حق الحياة للذكور والإناث، ومن سنة الله في الأرض إنّه حرّم الظلم بكلّ أنواعه، فالإنسان بطبيعة خلقه فيه غرائز وشهوات وميول ونزوات تدفعه إلى تحصيل ما يريد بأي السبل، وهنا تتجلى حاجة البشر إلى هدي النبوة فالشرع هو الذي يضبط هذه الشهوات والغرائز من أن تتعدى حدودها بالعقوبات الدنيوية والأخروية، وقد جاءت آيات كثيرة تتحدث عن الظلم في عهد فرعون، فقد وصف بالطاغية ﴿اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى﴾ «٢»\nوحيثما قلبت صفحات التاريخ في تلك الفترة، فلن تعثر إلا على الفساد والضياع وفي كل مجالات الحياة، فإن المجتمع الذي بعث فيه سيدنا موسى (- ﵇ -) عالم بأمس الحاجة إلى منقذ، فأرسله الله بحكمته ورحمته وعدالته لينقذ الناس من ظلام الكفر إلى نور الإيمان الساطع الوضاء، ومن قسوة الظلم إلى حلاوة العدالة.\nثانيًا. دلت الآيات كذلك على أسباب هلاك دولة فرعون وسقوط حضارته فبعد أن ذكر الله جل وعلا أسبابًا خمسة للهلاك:\nإنه علا في الأرض.\nجعل أهلها شيعًا.\nيذّبح أبناءهم.\nويستحي نساءهم.\nإنه كان من المفسدين.\nقابلها بخمسة:\nوَنُرِيدُ انْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ .\nوَنَجْعَلهُمْ أئِمَّةً﴾ .\nوَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ .\nوَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ .\n_________\n(١) سُوْرَة الْحُجُرَات: الآية ١٣.\n(٢) سُوْرَة (طَه): الآية ٢٤.","vol":"1","page":232},{"text":"وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ .\nفهذه الخمسة مقابل تلك الخمسة يثبت صدق الوعد الإلهي ويثبت عاقبة الطغاة.\nثالثا: دلت الآيات كذلك على إحدى المبشرات بانتصار الإسلام والمسلمين على أعدائهم بعد الأخذ بأسباب النصر، فكل أسباب الهلاك متوفرة في أعدائهم، وكل أسباب النصر متوافرة في المؤمنين بدلالات النصّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثاني: الاستعلاء والطغيان بالثروة والمال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المطلب الأول: قارون وكنوزه</span>\n﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «١» .\nالمناسبة\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.","vol":"1","page":233},{"text":"لما دل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ امَّةٍ شَهِيدا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا انَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ «١» \" على عجزهم في تلك الدار وعلمهم أن المتصرف في جميع الأقدار إنما هو الواحد القهار، دلّ على أن ذلك له أيضًا في هذه الدار وقوع العلم به بالهلاك أولى البطر والمرح والأثر من غير أن يغنوا عمن أضلوا أو يغني عنهم من أضلهم من ناطق، وما أضلهم من صامت تطبيقًا لعموم ﴿وَكَمْ اهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ «٢» على بعض الجزئيات تخويفًا لمن كذب النبي (- ﷺ -)، ولاسيما من نسبة إلى السحر، وإعلامًا بأن الأنبياء - عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام - يقاطعون الأشقياء وإن كانوا أقرب الأقرباء لأنه ﷾ عذب قارون ومن كان معه بعذاب لم يسبقهم فيه أحدهم من بني إسرائيل ومن أقرب من بني إسرائيل إلى موسى (- ﵇ -) \" «٣» . فبعد أن بينت الآيات السابقات تخلي الشركاء يوم القيامة عن الاستجابة لمن اتخذوهم شركاء، وضل عنهم ما كانوا يفترون، يبين الله جَلَّ وَعَلا في هذه الآيات تخلى المال عن صاحبه المغتر به، وانتفاء الانتفاع به، وانعدام الفائدة له في إنقاذه من عقاب الله تعَاَلىَ ليستكمل المعنى أنه لا ناصر إلا الله، ولا معز إلا الله، فنلاحظ الترابط بين الآيات والتلازم بين المعاني.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿فَبَغَى﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.\n(٣) نظم الدرر: ٥ /٥١٦.","vol":"1","page":234},{"text":"البَغْيُ: التَّعَدَّي، وبَغَى الرجلُ علينا بَغْيًا: عدل عن الحق واستطال. وقال الفراء: البَغْي استطالة على الناس. وقال الأزهري: معناه الكبر والَغَي الظُّلم والفساد. والبَغْيُ معظم الأمر، وقال: معنى البَغْي قصد الفساد، ويقال: فلان يَبْغي على الناس إذا ظلمهم وطلب آذاهم، وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدّ الشيء بَغْيٌ «١»، بمعنى أن البغي يتلوه سوء العاقبة والخاتمة، والعياذ بالله ﷾.\n٢. ﴿الْكُنُوزِ﴾:\nالكَنْزُ، قال الراغب الأصفهاني: \" الكَنْزُ جَعْلُ المال بعضَهُ على بعض وحفظُه، وأصْلُه من كنزتُ التّمْرَ في الوِعاءِ \" «٢» . \" وقيل: الكنز المال المدفون، وجمعه كُنُوزٌ، كَنَزَهُ يَكْنزُه كَنْزًا واكْتَنَزَهُ، وتسمي العرب كلّ كثيرٍ مجموع يتنافس فيه كنزًا \" «٣» .\n٣. ﴿لَتَنُوءُ﴾:\n\" النّأنَأةُ: العَجْزُ والضَّعْفُ، وروى عِكْرمِةُ عن أبي بكر الصديق (- ﵁ -) أنه قال: طُوبَى لِمَنْ مات في النَّانَاةَِ، مهموزة يعني أول الإسلام قبل أن يَقْوَى ويكنُزَ أهله وناصريُه والدّاخِلونُ فيه، فهو عند الناس ضعيف. وتَنَأنَأ: ضَعُفَ واستَرخَى، ورجل نَأنأ ونَأناءُ بالمد والقص: عاجز جبان ضعيف، ونَأنَأتُ الرجل نَأنأةً، أي: حَمَلتُه على أن ضَّعُفَ عما أراد وتراخى \" «٤» .\n٤. ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾:\n\" العُصبةُ والعِصابةُ جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين، وقال الأخفش: والعُصبة والعِصَابة جماعة ليس لها واحد، والتَّعَصُّبُ من العَصَبِيَّة أن يَدعُوَ الرجلَ إلى نُصرة عَصَبِته والتَالُّبِ معهم على من يناوئهم.\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (بغي) ١٧ /٧٨.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٦٠.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (كنز) ٥ /٤٠٢.\n(٤) لِسَان العَرَب: مادة (نأي) ١ /١٦١ – ١٦٢.","vol":"1","page":235},{"text":"واعصَوصَبُوا: استَجمعوا فإذا تَجَمَعَّوُا على فريق آخر قيل: تَعَصَبَّوُا واعصَوصَبُوا استَجمعوا \" «١» . وقال الراغب: \" والعُصبَةُ جماعةٌ مُتَعَصِّبَةٌ مُتَعَاضِدَةٌ \" «٢» .\n٥. ﴿الْفَرِحِينَ﴾:\n\" الفرح نقيض الحزن. وقال ثعلب: إن يجد في قلبه خِفَّةً، فَرِحَ فَرَحًا، ورجل فَرِحٌ وفَرُحٌ ومفروح. وعن ابن جني: وفرحانُ من قوم فَراحَى وفرَحَى، وامرأةُ فَرِحةُ وفَرحَى، وامرأةٌ فَرِحةٌ وفَرحَى وفَرحانة \" «٣» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿عَلَيْهُمْ﴾:\nقرأها حمزه بضم الهاء وسكون الميم «٤» .\n٢. ﴿فَبَغَى﴾:\nوقرأ بالإمالة كل من حمزة، والكسائي، وخلف، وورش «٥» .\n٣. ﴿مَفَاتِحَه لتنوّاُ﴾:\nقرأ الأعمش: (مفاتيحه لتنوء) .\nوقرأ بديل بن ميسرة: (مفتاحه لينوء) .\nوروي أيضًا عن يديل بن ميسرة: (مفاتحه لينوء) «٦» .\n٤. ﴿الفَرِحيِنَ﴾:\nوقرأ (الفَارحين) حكاه عيسى بن سليمان «٧» .\n٥. ﴿وَاتَبعِ﴾:\nوقرأ واتَّبعْ «٨» .\n\nالقضايا البلاغية\n١. القلب:\n_________\n(١) المصدر نفسه: مَادة (عصب) ١ /٦٠٥- ٦٠٦.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٤٨.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (فرح) ٢/ ٥٤١.\n(٤) معجم القراءات القرآنية: ٥ /٣١.\n(٥) المصدر نفسه: ٥/ ٣٢.\n(٦) الكَشَّاف: ٣ /١٩٠. البَحْر المُحِيْط: ٧/١٣٢. معجم القراءات القرآنية: ٥/ ٣٢.\n(٧) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٣٣. روح المعاني: ٢٠ /١١٢. معجم القراءات القرآنية: ٥ /٣٢.\n(٨) الكَشَّاف: ٣/١٩١.","vol":"1","page":236},{"text":"وذلك في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا انَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ الأصل هو: لتنوء العصبة بالمفاتح، أي: لتنهض بها بجهد. وقال أبو عبيد هو كقولهم: عرضت الناقة على الحوض، وأصله عرضت الحوض على الناقة. وقيل: يجوز أن لا يكون هناك قلب لأن المفاتح تنهض ملابسة للعصبة إذا نهضت العصبة بها، ورجح الآلوسي الرأي الأول فهو منقول عن الخليل، وسيبويه، والفراء، واختاره النحاس «١» .\n٢. المبالغة:\nوذلك في وصف كنوز قارون حيث ذكرها جمعًا الكنوز والمفاتح، والنوء والعصبة، وأولي القوة. وقال محي الدين درويش:\n\" وهذه المبالغة في القرآن من أحسن المبالغات وأغربها عند الحذاق وهي أن يتقصى جميع ما يدل على الكثرة، وتعدد ما يتعلق بما يملكه \" «٢» .\n٣. بلاغة التعليل:\nوذلك في قوله: ﴿إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ . حسن تعليل جميل بجملة ﴿انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «٣» .\nالمعنى العام\n١. ﴿انَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾:\n﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ فيه وجوه:\nأولًا - إنه بغى بسبب ماله، وبغيه إنه استخف بالفقراء ولم يرع لهم حق الإيمان ولا عظمهم مع كثرة أمواله.\nالثاني - إنه من الظلم، قيل: ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم.\n\nالثالث - بغى عليهم، أي: طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده «٤)\n_________\n(١) إعراب القرآن (النحاس): ٢/ ٥٥٨. روح المعاني: ٢٠/ ١١١.\n(٢) إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥/ ٣٨٠.\n(٣) المصدر نفسه: ٥/ ٣٨٠.\n(٤) نقل الطبري عن ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب كان من قوم موسى يقول كان من عشيرة موسى بن عمران النبي وهو ابن عمه لأبيه وأمه. جامع البيان: ١٠ /٩٩.\n\nوأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة: \" كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل، وكان يسمى المنور من حسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري فأهلكه الله لبغيه. ينظر تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠٠٥.\nونقل الطبري عن ابن إسحاق: \" إن يصهر بن قاهث تزوج سميت بنت بتاويت بن بركنا بن بقشان بن إبراهيم، فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر، فنكح عمران بخنت بنت شمويل بن بركنا بن بقشان بن بركنا، فولدت له هارون بن عمران، وموسى بن عمران صفي الله ونبيه، فموسى على ما ذكر ابن إسحاق ابن أخي قارون، وقارون هو عمه أخو أبيه لأبيه ولأمه. وأكثر أهل العلم في ذلك على ما قاله ابن جريج. ينظر جامع البيان: ١٠/ ٩٩. تاريخ الطَّبَري (تاريخ الرُّسُل والملوك) . أبو جعفر مُحَمَّد بن جَرْير الطَّبَري. ت ٣١٠ هـ. تحقيق: مُحَمَّد أَبِي الفَضْل إبراهيم. دار المعارف بمصر. ط٢. ١٩٦٧ - ١٩٧٦ م: ١ /٣٨٥. الكامل في التاريخ: ١ /١١٥","vol":"1","page":237},{"text":") .\nالرابع - قال الضحاك: طغى عليهم واستطال، فلم يوفقهم في أمر.\nالخامس - قال ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم وسخط عليهم.\nالسادس - قال شهر بن حوشب: بغيه عليهم إنه زاد عليهم في الثياب شبرًا، وهذا يعود إلى التكبر.\nالسابع - أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس (- ﵁ -) قال: \" كان ابن عمه، وكان يبتغي العلم حتَّى جمع علمًا، فلم يزل في أمره ذلك حتَّى أبقى على موسى (- ﵇ -) وحده، وقال له موسى (- ﵇ -): إن الله أمرني أن آخذ الزكاة فآبي، فقال: إن موسى (- ﵇ -) يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوه إن تعطوه أموالكم؟ قالوا: لا نحتمل، فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها، فأرسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى (- ﵇ -) إنه فجر بك، قالت: نعم، فجاء قارون إلى موسى (- ﵇ -)، قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك، قال: نعم، فجمعهم، فقالوا له: بم أمرك ربك؟ قال: أمرني ربي أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تصلوا الرحم كذا وكذا، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن بالرجم قالوا: وإن كنت أنت؟ قال: نعم، قالوا: فإنك قد زنيت، قال: أنا، فأرسلوا إلى المرأة فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى (- ﵇ -)؟ فقال لها موسى (- ﵇ -): أشهدك بالله آلا ما صدقت؟ قالت: آما إذ أنشدتني بالله، فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلًا على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء وأنك رسول الله. فخر موسى (- ﵇ -) ساجدًا يبكي، فأوحى الله إليه: ما يبكيك! قد سلطناك على الأرض فمرها فتطيعك، فرفع رأسه فقال: خذيهم، فأخذتهم","vol":"1","page":238},{"text":"إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى! يا موسى!، فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى! يا موسى! فقال: خذيهم فانطبقت عليهم، فأوحى الله: يا موسى سالك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم.\nقال ابن عباس: وذلك قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ «١» .\n٢. ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾:\nقال أبو السعود: \" أي: الأموال المدخرة \" «٢» .\nونقل الرازي رواية عن سعيد بن المسيب، والضحاك \" بأن سيدنا موسى (- ﵇ -) أنزل عليه علم الكيمياء من السماء، فعلّم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه، وكالب ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضه والنحاس يجعله ذهبًا \" «٣» .\n_________\n(١) ينظر الكِتَاب المصنف في الأحاديث والآثار. أبو بكر عَبْد الله بن مُحَمَّد بن أَبِي شيبة الكوفي. (١٥٩ - ٢٣٥) . تحقيق: كمال يوسف الحوت. مَكْتَبَة الرشد. الرياض. ط١. ١٤٠٩ هـ.: ٦/ ٣٣٤. تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠٠٦. المستدرك على الصحيحين. الحاكم النيسابوري. مُحَمَّد بن عَبْد الله أبو عَبْد الله. ت ٤٠٥ هـ. وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي. دار الكِتَاب العربي. بيروت. (د. ت.): ٢ /٤٤٣ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. جامع البيان: ٢٠ /١١٧. تاريخ الرُّسُل والملوك: ١ /٢٦٤. مفاتيح الغيب: ١٣ /١٥. الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمَأَثُوْر. الإِمَام جلال الدِّيْن السيوطي. ت ٩١١ هـ. ضبط النصّ والتصحيح وإسناد الآيات ووضع الحواشي والفهارس بإشراف دار الفكر. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. (د. ت.) .: ٦ /٤٣٦.\n(٢) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧/ ٢٤.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١٣/ ١٧.","vol":"1","page":239},{"text":"وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾، قال: أصاب كنزًا من كنوز يوسف (- ﵇ -) «١» .\n٣. ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾:\nقيل في معنى المفاتح وجوه:\nالمفاتح ظاهرها أنها الذي يفتح بها، ويحتمل أن يريد أنها الخزائن والأوعية الكبار قاله الضحاك، لأن المفتح في كلام العرب الخزانة «٢» .\nوأخرج ابن أبي حاتم عن خيثمة قال: \" كانت مفاتح كنوز قارون من جلود، كلّ مفتاح مثل الإصبع، كلّ مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلًا أغرًا محجلًا \" «٣» .\nإن مفاتح الكنوز: إحاطة علمه بها، حكاه ابن بحر «٤» لقول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْب﴾ «٥»، ونقل الرازي إن هناك من طعن بذلك من وجهين:\nأولًا: إن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدةً مملوءة من الذهب والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتح.\nثانيًا: إن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض، فلا يجوز أن يكون لها مفاتح.\nوأجاب الرازي عن الأول: إن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقد؛ جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد. وأيضًا فهذا الذي يقال: إن تلك المفاتح بلغت ستين حملًا ليس مذكورًا في القران، فلا تقبل هذه الرواية، وتفسير القران إن تلك المفاتح كانت كثيرة، وكان كلّ واحد منها معينًا لشيء آخر، فكان يثقل على الصعبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها، وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد.\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم: ٩ /٣٠٠٧. الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦/٤٣٧.\n(٢) المحرر الوجيز: ١٢/ ١٨٦.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠٠٧.\n(٤) النُّكَت والعُيون: ٣/ ٢٣٧.\n(٥) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ٥٩.","vol":"1","page":240},{"text":"وعن الثاني: إن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا، فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها إغلاق «١» .\n٤. ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾\nأي: نثقل وتميلهم «٢» .\n(والعصبة): قال الطبري: فإنها الجماعة، واختلف أهل التأويل في مبلغ عددها الذي أريد به في هذا الوضع:\nمبلغ عددها أربعون رجلا\nوعن قتادة: إن العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين.\nقال آخرون: ستون رجلًا.\nوعن ابن عباس: العصبة (ثلاثة)، وقال أيضًا: العصبة ما بين الثلاثة إلى العشرة.\nوقيل: كانت تحمل على ما بين عشرة إلى خمسة عشر «٣» .\nوالذي أرجحه أن كل تلك عبارة عن روايات، ولا يعلم الحقيقي إلا الله ﷿، لأنه مما لا ينضبط عددًا.\n٥. ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾:\nقال الطبري: أولي الشدة «٤» .\n٦. ﴿ِ إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾:\nأخرج ابن حاتم عن السدي في قوله تعالى: ﴿إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال: هم المؤمنون منهم قالوا: يا قارون لا تفرح بما أوليت، فتبطر.\nوأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قوله: لأن الله لا يحب الفرحين المتمدحين الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله فيما أعطاهم.\nوأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أيضًا: إن الفرح هنا البغي. وعن السدي قوله: إن الله لا يحب الفرح بطرًا «٥» .\nما يستفاد من النصّ\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١٣ /١٦.\n(٢) زَاد المَسِيْر: ٦/ ٢٤٠.\n(٣) جامع البيان: ١٠ /١٠٤.\n(٤) المصدر نفسه: ١٠ /١٠٢.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠٠٩.","vol":"1","page":241},{"text":"\" عرضت السورة في بدايتها قوة السلطات والحكم، وكيف باءت بالبوار مع البغي والظلم والكفران بالله والبعد عن هداه، والآن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم، وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر والاستكبار على الخلق، وجحود نعمة الخالق \" «١» .\nوسنعرض فيما يأتي بعض المعاني والعبر التي يمكن استقصائها من قصة قارون:\nأولا: دلت آيات على أن قارون كان من قوم موسى (- ﵇ -) ولم تمنعه قرابته من عذاب الله ومقته بعد أن بغى وبطر، واستكبر وابتعد عن منهج الله، ولم يسمع نصيحة الناصحين. فإن ما يمرّ به المسلمون اليوم من ضعف وتكالب الأعداء عليهم شبيه بقصة قارون، فكثير من الدول الإسلامية اليوم، وأغنياء المسلمين يملكون من الأموال الكثير، لكن هذه الأموال والموارد الكثيرة لم تستغل بالشكل الصحيح في طاعة الله، ووفق منهج الله وسنته في المال، وبينما يعيش قسم من دول المسلمين في حالة رفاهية مطبقة وترف كبير وبذخ في الملذات وفيما يغضب الله، هناك من المسلمين من يصارع الموت من الجوع والمرض بسبب الفقر، فلم تنفع المسلمين أموالهم في صد كيد الأعداء المتكالبين، فكثير من أثرياء المسلمين اليوم يستثمر أمواله في البنوك الغربية، ولا يستثمرها في البنوك الإسلامية المحتاجة.\n_________\n(١) في ظلال القرآن: ٦/ ٣١٢.","vol":"1","page":242},{"text":"ثانيا: الغنى والفقر لا يعنيان رضا الله أو سخطه على عبدة، إن الله ﷿ يعطي المال للمؤمن والكافر. قال تعالى: ﴿كُلًا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ «١»، فالله جل وعلا رب العالمين، وقد وعد واخبر بأنه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ «٢»، فكل ذي روح يدب على الأرض، فإن الله يرزقه ويهيأ له أسباب تلقى هذا الرزق سواء كان كافرًا أو مؤمنًا «٣» . فلا يعني أبدًا وجود المال عند شخص ما أن الله راضي عنه، ولا يعني أبدًا أن تضيق الرزق على عبد ما أو فقره على سخط الله على هذا العبد. فلقد أعطى الله تعالى المال الكثير والكنوز لقارون، ولم يكن ذلك دليلًا على رضا الله عنه، لأن الله خسف به وبداره الأرض. وقال تعالى: ﴿فَأمَّا الإَنْسَانُ إذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَاكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي اكْرَمَنِ * وَأمَّا إذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهَانَنِ﴾ «٤»، فقد أنكر جل وعلا في هذه الآيات على الإنسان اعتقاده إن توسعة الرزق على الإنسان دليل على إكرام الله، أو اعتقاده أنَّ تضيق الرزق على الإنسان دليل على إهانة الله له «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٢٠.\n(٢) سُوْرَة هُوْد: الآية ٦.\n(٣) ينظر السنن الإلهية. د. عبد الكريم زيدان. الشركة المتحدة للتوزيع. مؤسسة الرسالة. بيروت. (د. ت) .: ص ٢٧٠.\n(٤) سُوْرَة الفَجْرِ: الآيات ١٦ - ١٨.\n(٥) ينظر المستفاد من قصص القرآن: ١/ ٥٣١- ٥٣٣.","vol":"1","page":243},{"text":"ثالثًا: ودلت الآيات كذلك على ذم الله للبطر والفرح بالدنيا وزهوتها، والاغترار بالمال إثر نصيحة قوم قارون له. قال الآلوسي: \" والفرح بالدنيا لذاتها مذموم، لأنه نتيجة حبها والرضا بها، والذهول عن ذهابها، فإن العلم بان ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح حتمًا، كما قال أبو الطيب:\nأشدُّ الضم عندي في سرور\n... تيقن عنه صاحبه انتقالًا «١»\nولذلك قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ «٢»، وعلل سبحانه النهي هاهنا بكون الفرح مانعًا من محبته ﷿، فقال تعالى: ﴿انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، فهو دليل على أن الفرح بالدنيا مذموم شرعًا. وإنما قلنا إن الفرح بها لذاتها مذموم، لأن الفرح بها لكونها وسيلة إلى أمر من أمور الآخرة غير مذموم.\nوليس المقصود هو النهي عن الفرح مطلقًا، فالفرح والحزن فطرة فطر الناس عليها، فالمؤمن يفرح بما يفرحه ويشكر الله على ذلك وإذا أصابه ما يحزنه يصبر. فالفرح المنهي عنه هو فرح البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، ولما في هذا الفرح من تفضيل الدنيا على الآخرة التي هي دار الخلود\" «٣» .\n_________\n(١) ديوان المتنبي. أبو الطيب المتنبي. دار صادر. بيروت: ص ٢٢٤.\n(٢) سُوْرَة الحَدِيْد: الآية ٢٣.\n(٣) روح المعاني: ٢٠ /١١٢.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المطلب الثاني: تجبر قارون واستكباره</span>\n﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَ الصَّابِرُونَ﴾ «١» .\nالمناسبة\nلما كان ترك الفرح في قوله تعالى: ﴿انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ سببًا للزهد، وهو سبب للقرب إلى الله، كأنه قيل: وازهد فيه إن الله يحب الزاهدين «٢»، فقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ .\nومن الواضح أن كفره سول له البقاء على ذلك والعياذ بالله تعالى، فخسف الله به وبداره الأرض جزاءً وفاقًا لكفره وتكبره على ما أخبرنا ﷿ في سورة القصص في الآيات التي نحللها هنا.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿وَابْتَغِ﴾:\nبَغَى الشيءَ ما كان خيرا أو شرًا يَبغِيه بُغاءٍ وبُغىً: طَلَبَه، وبغى ضالّته وكذلك كل طَلبِة، بُغاءً بالضم والمد وبُغايةً.\nوقال اللحياني: بَغَى الرجلُ الخير والشر وكلّ ما يطلبه بُغاءً وبِغيَة وبِغّى مقصور والبُغْيَهُ: الحاجة. وقال الأصمعي: بَغَى الرجلُ حاجته أو ضالته يَبغْيها بُغاءً وبُغايةً إذا طلبها «٣» .\n٢. ﴿وَلاَ تَنسَ﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٧٧ -٨٠.\n(٢) نظم الدرر: ٥/ ٥١٨.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (بغي) ١٤/ ٧٥ -٧٦.","vol":"1","page":245},{"text":"والنسِيان بكسر النون ضدّ الذِّكر والحِفظ نَسِيِه نِسيًْا ونسيْانًا ونِسْوةً ونَساوة. والنسيان الترك يقال: أنسيته، أي: أمرت بتركه ونَسيِتهُ تَرَكْتهُ «١» .\nوقال ابن عاشور: \" والنهي في ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ﴾ مستعمل في الإباحة والنسيان كناية عن الترك \" «٢» .\n٣. ﴿نَصِيبَكَ﴾:\n\" الحظ والقسط وهو فيصل من النصب، لأن ما يعطى لا حد ينصب له ويميز \" «٣» .\n٤. ﴿زِينَتِهِ﴾:\nالزَّيْنُ خلاف الشين، وجمعه أزيانٌ زانه زَيْنًا وأزانه وأزْيَنَه على الأصل، وتَزَيَّن هو وازْدان بمعنىً، وهو افتعل من الزّينةِ، والَّزينة اسم جامع لكل شيء يُتَزَيَّن به والزَّينَةُ ما يتزين بهِ «٤» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿وابَتغِ﴾:\nذكر الزمخشري أن هناك من قرأ: (وإتبع) دون أن يذكر من قرأ بذلك «٥» .\n٢. ﴿ءاتَاكَ﴾:\nقرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة «٦» .\n٣. ﴿عِندِي﴾:\nقال أبو ربيعة عن البُزي، وقنبل بالإسكان، وفتح نافع (عندِيَ) وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر «٧» .\nالقضايا البلاغية\n١. التتميم:\nوذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ . ففيه تتميم لابد منه، لأنه إذا لم يغتنمها ليعمل للآخرة لم يكن له نصيب فيها «٨» .\n٢. تشبيه:\nفي قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ «٩» .\n٣. الاستعارة:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (نسي) ١٥/ ٣٢١ –٣٢٢.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٧٩.\n(٣) المصدر نفسه: ٢٠ /١٧٩.\n(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (زين) ١٣/ ٢٠١.\n(٥) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٩١.\n(٦) ينظر معجم القراءات القرآنية: ٥/ ٣٢.\n(٧) الإقناع في القراءات السبع: ٢/ ٧٢٤.\n(٨) الجدول في إعراب القرآن: ٢٠/ ٢٩٤.\n(٩) ينظر ص من هذه الأطروحة.","vol":"1","page":246},{"text":"في قوله تعالى: ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إلاَّ الصَّابِرُونَ﴾،\" التلقية جعل الشيء لاقيًا، أي: مجتمعًا مع شيء آخر، وهو مستعمل في الإعطاء على طريقة الاستعارة، أي: لا يعطى تلك الخصلة أو السيرة إلا الصابرون \" «١» .\nالمعنى العام\n١. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ﴾:\nأي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل بها الثواب في الدنيا والآخرة.\n٢. ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾:\nفقد اختلف المفسرون فيه، فقال ابن عباس، والجمهور: لا تضيع عمرك في إلا تعمل عملًا صالحًا في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها، فالكلام على هذا التأويل شدّة في الموعظة. وقال ابن عطية: فالكلام كله على هذا التأويل شدة في الموعظة.\nوقال الحسن، وقتادة: معناه لا تضيع حظك من تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك «٢» .\n٣. ﴿وَأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾:\nفيه عدة تأويلات:\nأحدهما - أعط فضل مالك كلما زاد على قدر حاجتك، وهذا معنى قول ابن زيد.\nثانيا - وأحسن فيما افترض الله عليك كما أحسن في إنعامه عليك. قاله يحيى بن سلام.\nثالثا - أحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الحلال «٣» .\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٨٥.\n(٢) ينظر المحرر الوجيز: ١٢/ ١٨٩. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٣. تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٣٩٩.\n(٣) ينظر النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٨.","vol":"1","page":247},{"text":"رابعا - وقال القرطبي: \" أي أطع الله وأعبده كما أنعم عليك. ومنه حديث ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه» «١» . وقيل هو أمر بصله المساكين. قال ابن عربي: فيه أقوال كثيرة: جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله «٢» .\n٤. ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾:\nقال البقاعي: \" لا ترد إرادة ما بتقتير ولا تبذير، ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير، ثم اتبع ذلك علته لأن أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا، وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب، فقيل: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾، أي: لا يعاملهم معاملة من يحبه، فلا يكرمهم \" «٣» .\n٥. ﴿قَالَ إنَّمَا آوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾:\nيقول الله ﷿ في هذه الآية مخبرًا عن جواب قارون لقومه حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير فيه خمسة أقوال:\nأحدها - على علم عندي بصنعة الذهب رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: وهذا لا أصل له، لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له «٤» .\nوالثاني - يرضى الله عني. وقال ابن كثير: وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الحمن بن زيد بن أسلم فإنه قال في قوله: ﴿قَالَ إنَّمَا آوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، قال: لولا رضى الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال. وقرأ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأكْثَرُ جَمْعًا﴾ . وقال: هكذا يقول من قلَّ علمه إذا رأى مَنْ وسّع الله عليه لولا أن يستحق ذلك لما أعطي «٥» .\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٤ / ١٧٩٣، وهو جزء من حديث طويل عن عمر بن الخطاب ﵁.\n(٢) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٣٠.\n(٣) نظم الدرر: ٥/ ٥١٩.\n(٤) ينظر زَاد المَسِيْر: ٦/ ٢٤٢.\n(٥) ينظر تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٤٠١.","vol":"1","page":248},{"text":"الثالث - على خبرِ عَلِمَهُ، قاله مقاتل.\nالرابع - إنما أعطيته لفضل علمي، قاله الفراء. قال الزجاج: ادعّى أنه أُعطي المال لعلمه بالتوراة.\nالخامس - على علم عندي بوجوه المكاسب، حكاه الماوردي «١» عن ابن عيسى.\n٦. ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأكْثَرُ جَمْعًا﴾:\nقال المراغي: في معناها \" أَنسي ولم يعلم حين زعم أنه أوتي الكنوز لفضل علم عنده، فاستحق بذلك أن يؤتى ما أوتي؟ إن الله قد أهلك من قبله من الأمم من هم أشد منه بطشًا وأكثر جمعًا للأموال؟ ولو كان الله يؤتى الأموال من يؤتيه لفضل فيه وخير عنده ورضاه عنه، لم يهلك من أهلك من أرباب الأموال الذين كانوا أكثر منه مالًا، لأن من يرضى عنه فمحال أن يهلكه وهو عنه راضٍ، وإنما يهلك من كان عليه ساخطًا، ألم يشاهد فرعون وهو في أبَّهة ملكه، وحقق أمره يوم هُلْكه، وفي هذا الأسلوب تعجيب ما من حاله، وتوبيخ له على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك \" «٢» .\n٧. ﴿وَلا يُسْالُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾:\n\" فأخرج أبي حاتم عن قتادة في معنى هذه الآية يقول: المشركون لا يسألون عن ذنوبهم، يعذبون ولا يحاسبون. وأخرج أبي حاتم عن الربيع بن أنس قوله: لا يسألون عن إحصائها، يقول: هاتوا فبينوها لنا ولكن أعطوها في كتب فلم يشكوا الظلم يومئذٍ، ولكن شكوا الإحصاء.\nوهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُم﴾ «٣» أي: سود الوجوه زرقًا، الملائكة لا تسال عنهم قد عرفتهم، كما روي عن مجاهد «٤» .\n٨. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾:\n_________\n(١) ينظر النُّكَت والعُيون: ٣/ ٢٣٩.\n(٢) تفسير المراغي: ٢٠ /٩٥.\n(٣) سُوْرَة الرَّحْمَنِ: الآية ٤١.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠١٣.","vol":"1","page":249},{"text":"قال ابن عطية: \" إن قارون خرج على قومه وقد أظهر قدرته من الملابس والمراكب وزينته الدنيا. قال جابر، ومجاهد خرج: في ثياب حمر. وقال ابن زيد: خرج هو وجملته في ثياب معصفرة. وقيل: في ثياب الأرجوان «١» . وقيل غير هذا. وأكثر المفسرين في تحديد زينة قارون وتعينها بما لا صحة له \" «٢» .\n٩. ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾:\nأي: الذين معه تعلقت إرادتهم فيها، وصارت منتهى رغبتهم ليس لهم إرادة في سواها «٣» .\n١٠. ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أوتِيَ قَارُونُ﴾:\nمن الدنيا ومتاعها وزهرتها.\n١١. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾:\nوصدقوا إنه لذو حظ عظيم لو كان الأمر منتهيًا إلى رغباتهم، وإنه ليس وراء الدنيا دار أخرى، فإنه قد أعطي منها ما به غاية التنعيم بنعيم الدنيا، واقتدر بذلك على جميع مطالبه، فصار هذا الحظ العظيم بحسب همتهم، وأن همة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطالبها لمن أدنى الهمم وأسفلها، وليس لها أدنى صعد إلى المرادات العالية والمطالب الغالية «٤» .\n١٢. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آوتُوا الْعِلْمَ﴾:\nقال أبو السعود: \" أي بأحوال الدنيا واكثر المفسرون كما ينبغي وإنما لم يوصفوا بإرادة ثواب الآخرة تنبيهًا على أن العلم بأحوال النشأتين يقتضي الإعراض عن الأولى والإقبال على الثانية حتمًا، وأن تمني المتمنين إلا لعدم علمهم بها كما ينبغي \" «٥» .\n_________\n(١) الأرجوان: صبغ أحمر، ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٣٣.\n(٢) المحرر الوجيز: ١٢/ ١٩١.\n(٣) ينظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي. (١٣٠٧ - ١٣٧٦ هـ) دار الصفا للنشر. الزقازيق. (د. ت) .: ٤/ ٤٣.\n(٤) ينظر تيسير الكريم الرحمن: ٤/ ٤٣.\n(٥) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٢٦.","vol":"1","page":250},{"text":"١٣. ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾:\nقال الخازن: \" أي ما عند الله من الثواب والخير لمن آمن وصدق بتوحيد الله وعمل صالحًا خيرٌ مما أوتي قارون في الدنيا \" «١» .\n١٤. ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إلاَّ الصَّابِرُون﴾:\nقال ابن عطية: \" أي يُمكن فيها ويخولها إلا الصابر على طاعة الله وعن شهوات نفسه، وهذا هو جماع الخيرُ كله \" «٢» .\nما يستفاد من النصّ\nيمكن إن نستنبط من هذه الآيات المعاني الآتية:\nأولًا - اعتدال المنهج الرباني فيما يخص الإنسان وعلاقته بالدنيا والآخرة فقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ . وقال: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ . وقد بين سيد قطب أن في الآية توازنًا يتمثل باعتدال \" المنهج الإلهي القويم المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة، ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة، بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفًا كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها \" «٣» .\nونلاحظ أن الله عز وعلا أكد أولًا على الآخرة، وأن يوظف الإنسان هذا المال الذي هو مال الله أصلًا في طاعة الله، والتقرب إليه بأنواع القربات، وأن لا يستخدم هذا المال فيما لا يحل له، وهذا المنهج الرباني ينبغي أن تعمل عليه الدول الإسلامية في توظيف ثروات وأموال المسلمين ومواردهم التي أنعم الله بها عليهم في طاعة الله وخدمة الإنسانية.\n_________\n(١) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣/ ٤٢١.\n(٢) المحرر الوجيز: ١٢/ ١٩٢.\n(٣) في ظلال القرآن: ٦/ ٣٧٤.","vol":"1","page":251},{"text":"ثانيًا - وجهت الآيات من خلال قصة قارون الأغنياء على مساعدة الفقراء عيال الله، فقال تعالى حكاية عن نصيحة المؤمنين لقارون: ﴿وَأحسن كَمَا أحسن اللَّهُ إلَيْكَ﴾ . قال ابن كثير: \" أي أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك \" «١»، فالمال هو مال الله، وإحسان منه اختص به بعض عباده، فليقابل من اختصم الله بنعمته بالإحسان إلى الفقراء. قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ «٢» .\nثالثا - كثرة المال قد توقع صاحبه في البغي والبطر، فإن المال فتنة، قال تعالى:\n﴿إنَّمَا أمْوَالُكُمْ وَأوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ «٣»، فيمتحن الله بهذا المال عباده. \" ووجه الفتنة في المال أنه يوقع صاحبه في الشحّ والبخل، وعدم القيام بشكره بإخراج حق الله فيه، كما أن كثرة المال تسهل عليه سبل الترف والطغيان ـوبطر النعمة، فيصير من المترفين الطاغين البطرين \" «٤» .\nوهذا ما حصل فعلًا مع قارون، فقد أطغاه المال فبغى على قومه وادعى أنه حصل على هذا المال بعلمه: ﴿قَالَ إنَّمَا آوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، وليس هذا يعني ان على المسلم أن يبتعد عن المال مخافة أن يطغيه، ولا بأس من أن يمتلك المسلم المال إذا أطاع به الله.\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٣٩٩.\n(٢) سُوْرَة النُّوْرِ: الآية ٣٣.\n(٣) سُوْرَة التَّغَابُن: الآية ١٥.\n(٤) المستفاد من قصص القرآن: ١/ ٥٣٣.","vol":"1","page":252},{"text":"فالمسلم الحقيقي هو من ينبغي أن يكون لديه المال، فهو أمين على ما استخلفه الله فيه، يساعد الفقراء، ويجاهد في سبيل الله كما فعل سيدنا عثمان (- ﵁ -) بتجهيزه جيش العسرة، فامتدح اللهُ الرسولَ وأصحابَه، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ وَأولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ «١» وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ «٢» .\nرابعًا - ودلت الآيات كذلك على أن على الدعاة واجب النصح لأهل الأموال الذين نسوا الله وشغلتهم أموالهم عن طاعته، فشابه حالهم حال قارون، وتذكيرهم لما جرى لقارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ .\n_________\n(١) سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية ٨٨.\n(٢) سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية ٢٠.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المطلب الثالث: هلاك قارون وماله</span>\n﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ* وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاَ أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ «١» .\nالمناسبة\nأكدت هذه الآيات صدق مقولة أهل العلم لقارون: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَ الصَّابِرُونَ﴾، فبادرت بعدها مباشرة إلى الحديث عن إهلاك الله تعالى لقارون وأمواله وزينته. فأنزل الله عليه العذاب وهو في موكبه أمام الناس. وصُدِّر الكلام بحرف الفاء التي أفادت العطف على جملة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾، وأفادت أيضًا التعقيب «٢»: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ .\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿فَخَسَفْنَا﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات: ٨١ - ٨٤.\n(٢) عاقبة الطغيان والفساد في سُوْرَة الْقَصَصِ. عبد الحميد طهماز. دار القلم. دمشق. (د. ت): ص ٦٤.","vol":"1","page":254},{"text":"\" الخسف سُؤُوخُ الأرض بما عليها. خَسَفَتْ تَخْسِفُ خَسفًْا وخَسوفًَا وانْخَسَفَتْ وخَسَفَها الله، وخَسفَ الله به الأرض خَسْفًا، أي: غابَ به فيها وخَسفَ هو في الأرض وخُسفَ به. وقال الأزهري: وخُسِفَ بالرجل وبالقومِ إذا أخذته الأرض ودخل فيها \" «١» .\n\n٢. (فَسَادًا):\nالفساد: \" نقيض الصلاح، فَسَدَ يَفْسُدُ وَيفْسِدُ وفَسُدَ فسادًا وفُسُدًا فهو فاسد وفَسيِدُ فيها، ولا يقال: انفَسَد وأفْسَدْتُه أنا وقوم فَسْدَى كما قالوا: ساقِط وسُقْطَى. قال سيبويه: جمعوه جمع هَلْكى لتقاربهما في المعنى وأفَسدَه هو وأسْتفْسَد فلان إلى فلان، وتفاسد القوم تدابروا وقطعوا الأرحام. والمفسد خلاف المصلح، وفَسَّدَ الشيءِ إذا أباره \" «٢» .\n٣. ﴿الْعَاقِبَةُ﴾:\n\" عَقِبُ كلَّ شيء وَعْقُبه وعاقبِتهُ وعاقِبهُ وعُقْبَهُ، وعُقُبْاه وُعقْبانُه لآخره، والجمع العَواقِبُ، والعَقَبُ والعُقْبانُ والعْقبَى كالعاقبةِ والعُقْبِ والعقبى جزاء الأمر \" «٣» .\nوقال ابن عاشور عن العاقبة: \" وصف عومل معاملة الأسماء لكثرة الوصف به، وهي الحالة الآخرة بعد حالة سابقة، وغلب إطلاقها على عاقبة الخير \" «٤» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿فِئَةٍ﴾:\nقرأ أبو جعفر: فِيَةٍ «٥» .\n٢. ﴿وَيْكَأنَّ﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (خسف) ٩/ ٧٦.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (فسد) ٣ /٢٣٥.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (عقب) ١/ ٦١١.\n(٤) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٩٠.\n(٥) معجم القراءات القرآنية: ٥/ ٣٣.","vol":"1","page":255},{"text":"\" قال ابن جني في (ويكأن) ثلاثة أقوال: منهم من جعلها كلمة واحدة فلم يقف على (وي) . ومنهم من وقف على (وي) . ومنهم من قال: (ويك) وهو مذهب أبي الحسن. والوجه عندنا - وهو قول الخليل وسيبويه - وهو أن (وي) اسم سمي به الفعل في الخبر، فكأنه اسم اعجب، ثم أبتدأ فقال: كأنه لا يفلح الكافرون، وكأن الله يبسط الرزق. فـ (وي) منفصلة من كأن. ومن قال: إنها (ويك)، فكأنه قال: أعجب، لأنه لا يفلح الكافرون، وأعجب لأن الله يبسط الرزق، وهو قول أبي الحسن. وينبغي أن يكون الكاف حرف خطاب بمنزلة الكاف في ذلك وأولئك «١»، ويشهد لهذا قول عنترة:\nولقد شفا نفسي وأَذهب سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم «٢»\n٣. ﴿أن مَّنَّ اللهُ﴾:\nقرأ الأعمش: (لولا منَّ الله) بحذف أن وهي مزادة. وروي عنه (مَنَّّ الله) برفع النون والإضافة «٣» .\n٤. ﴿لخَسَفَ﴾:\nقرأ الجهور: (لَخُسُفَ) مبنيًا للمفعول، وقرأ حفص، وعصمة، وأبان عن عاصم، وابن أبي حماد عن أبي بكر مبنيًا للفاعل (لَخُسِفَ) . وقرأ ابن مسعود، وطلحة، والأعمش: (لانْخُسِفَ)، كقولك انقطع بنا وعن ابن مسعود أيضًا: (لَتُخُسُِّفَ) بتاء وشدّ السين مبنيًا للمفعول «٤» .\n٥. ﴿يُجزَي اللذِينَ﴾:\nقرأت بالإمالة (وقفًا)، وهي مروية عن حمزة، والكسائي، وورش «٥» .\n\nالقضايا البلاغية\n١. ﴿وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾:\n(الأمس) مستعمل في مطلق زمن مضى قريبًا على طريقة المجاز المرسل.\n٢. ﴿وَيكَأن اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾:\n_________\n(١) مجمع البيان: ٧/ ٢٦٤- ٢٦٥.\n(٢) ديوان عنترة:\n(٣) البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١٣٥.\n(٤) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن:","vol":"1","page":256},{"text":"يقدر مضارع قدر المتعدي وهو بمعنى أعدي بمقدار، وهو مجاز في القلة، لأن التقدير يستلزم قلة المقدار، اعسر تقدير الشيء الكثير.\n٣. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾:\nفائدة البيان بقوله: (مِنْ عِبَادِهِ) الإيمان إلى أنه في بسطه الأرزاق وقدرها متصرف تصرف المالك في ملكه، إذ المبسوط لهم والمقدور عليهم كلهم عبيدة، فحقهم الرضى بما قسم لهم مولاهم «١» .\nالمعنى العام\n١. ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾:\nقال ابن عاشور في ذلك: \" دلت الفاء على تعقيب ساعة خروج قارون في ازدهائه، وما جرى فيها من تمني قومه أن يكونوا مثله، والخسف انقلاب بعض ظاهر إلى باطنها، والباء في قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ باء المصاحبة، أي: خسفنا الأرض مصاحبة له ولداره، فهو وداره مخسوفان مع الأرض التي هو عليها \" «٢» .\n\" ولما أمر قارون البَغيَّ بقذف موسى (- ﵇ -) غضب موسى (- ﵇ -)، فأوحى الله تعالى إليه: إني قد أمرت الأرض أن تُطيعكَ فُمْرُها فقال موسى (- ﵇ -): يا أرض خُذيه، فأخذته حتى غيَّبَتْ سريره، فلمّا رأى ذلك ناشده بالَّرحم فقال: خُذيه فأخذته حتى غيَّبت قدميه، فما زال يقول: خذيه حتى غيَّبته، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى ما أفظك، وعِزَّتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته \" «٣» .\nوقال سمره ابن جندب: \" إنه يخُسف به كلَّ يوم قامة، فتبلغ به الأرض السفلى يوم القيامة \" «٤» .\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢٠ / ١٨٥ - ١٨٧.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢ /١٨٥.\n(٣) تقدم تخريجه: ص ٢٣٧.\n(٤) زَاد المَسِيْر: ٦/ ٣٤٥. وذكره السيوطي في الدَّرُّ المَنْثُوْرُ من رواية ابن أبي حاتم من طريق قتادة عن سمرة بن جندب: ٧/ ٤٤٢.","vol":"1","page":257},{"text":"وقال مقاتل: \" لما أمر موسى الأرض فابتلعته قال بنو إسرائيل: إنما أهلكه ليرن ما له لأنه كان ابن عمه أخي أبيه، فخسف الله تعالى به وبداره الأرض وبجميع أمواله بعد ثلاثة أيام \" «١» .\nوجاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب (- ﵁ -): أن رسول الله (- ﷺ -) قال: «بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» «٢» .\nوعن أبي هريرة (- ﵁ -) أن رسول الله (- ﷺ -) قال: «بينما رجل يتبختر يمشي في بُردته قد أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» «٣» .\n٢. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِين َ﴾:\nأي \" فما كان له جماعة يمنعونه العذاب، وما كان من الممتنعين على خلاف ما كان يظن أن الذي يجلب إليه الخير، ويدفع عنه الشر هو قوته وجمعه اللذان اكتسبها بعمله، فلم يقه جمعه، ولم تفده قوته من دون الله، وبان أن الله سبحانه هو الذي آتاه ما آتاه \" «٤» .\n٣. ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾:\n_________\n(١) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٣٤.\n(٢) صَحِيْح البُخَارِي: كتاب الأنبياء: ٣/ ١٢٨٥ رقم (٣٢٩٧) .\n(٣) صحيح مسلم: باب تحريم التبختر في المشي مع إعجابه بثيابه: ٣ /١٦٥٤ رقم (٢٠٨٨)\n(٤) تفسير الميزان في الَقُرْآن. مُحَمَّد حسين طباطبائي. الطبعة الثانية. مؤسسة الأعلمي. بيروت، لبنان. ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م.: ١٦/ ٨٠.","vol":"1","page":258},{"text":"قال الطبري: \" وأصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس من الدنيا وغناه وكثرة ماله، وما بسط له منها بالأمس - يعني قبل أن ينزل به ما أنزل من سخط الله وعقابه - يقولون ويكأن الله \" «١» .\nوقال سيد قطب: \" وقفوا يحمدون الله إن لم يستجب لهم ما تمنوه بالأمس، ولم يؤتهم ما أتى قارون، وهم يرون المصير البائس الذي انتهى إليه بين يوم وليلة، وصحوا إلى أن الثراء ليس آية على رضى الله فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويضيقه لأسباب أخرى غير الرضى والغضب، ولو كان دليل رضاه ما أخذ قارون هذا الأخذ الشديد العنيف \" «٢» .\n٤. ﴿لَوْلا أن مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾:\nقال ابن كثير: \" لولا لطف الله بنا وإحسانه إليه لخسف بنا كما خسف به لأنا وددنا أن نكون مثله \" «٣» .\n٥. ﴿وَيْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾:\nوروى ابن أبي حاتم عن قتادة يقول: أو لا يعلم أنه لا يفلح الكافرون \".\nوفي رواية أخرى عن قتادة بلفظ \" أو لا يرى أنه لا يفلح الكافرون \" «٤» .\n٦. ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾:\nقال الرازي \" \" فتعظيم لها، وتفخيم لشانها، يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها، ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتها وميل القلب إليها، فعن علي (- ﵁ -): (إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها) «٥» .\n_________\n(١) جامع البيان: ١٠ /١١٢.\n(٢) في ظلال القرآن: ٦/ ٣٧٨.\n(٣) تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٤٠١.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠٢٢.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٣/ ٢٠ - ٢١.","vol":"1","page":259},{"text":"وقال الزمخشري: \" ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون والفساد لقارون متعلقا بقوله: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾، ويقول: من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر \" «١» .\n٧. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾:\nقال المراغي: \" أي العاقبة المحمودة وهي الجنة لمن اتقى عذاب الله بعمل الطاعات وترك المحرمات، ولم يكن كفرعون في الاستكبار على الله بعدم امتثال أوامره، والارتداع عن زواجره، ولا كقارون في إرادة الفساد في الأرض \" «٢» .\n٨. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ الاّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:\nيقول الطبري في معناها: \" من جاء الله يوم القيامة بإخلاص التوحيد، فله خير، وذلك الخير هو الجنة والنعيم الدائم، ومن جاء بالسيئة وهي الشرك بالله فله الشر \" «٣» .\nما يستفاد من النصّ\nدلت الآيات القرآنية على ما يأتي:\nأولاَ - دلّ ارتباط الفاء بالخسف في قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ على الترتيب والتعقيب، أي: إن الله خسف به وبماله بعدها خرج على قومه في زينته، وكان خروجه هذا هو السبب المباشر في خسف الله به لغروره وتكبره «٤» . وفي هذا دلالة أكيدة على بغض الله للتكبر والمتكبرين، وقد يكون التبختر والغرور سبب لعقاب صاحبه، فقد روى البخاري من حديث الزهري عن سالم: إن أباه حدثه أن رسول الله (- ﷺ -) قال: «بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» «٥» .\n_________\n(١) الكَشَّاف: ٣ /١٩٣.\n(٢) تفسير المراغي: ٢٠/ ١٠٢ -١٠٣.\n(٣) جامع البيان: ١٠ /١١٥.\n(٤) ينظر القصص القرآني: ٣ / ٦٠ - ٦١.\n(٥) تقدم تخريجه: ص ٢٥٨.","vol":"1","page":260},{"text":"(لقد اخذ الله قارون هو في أوج انتعاشه وغروره وتكبره وفرحه وبطره، وقصمه قصمًا وهو في سكرته وزينته خسف به وبداره الأرض، انشقت الأرض وابتلعته، ابتلعت أمواله وكنوزه، وابتلعت خزائنه ومفاتحه، وابتلعت داره وملكه، ولم تنفعه أمواله وكنوزه لأنها لم تمنع عنه عذاب الله، ولم ينصره المتجمعون حوله المنتفعون بأمواله ولم يدفعوا عنه عذاب الله \" «١» .\nفيمكن للدعاة أن يوظفوا هذه القصة لنصح أصحاب الأموال المتبخترين بأموالهم وتذكيرهم بعقاب الله.\nثانيًا - قد يعجل العقاب على مستحقيه في الدنيا.\n\" الأصل في العقاب لمستحقيه أنه يكون في الآخرة، ولكن قد يعجّله الله لمستحقيه في الدنيا مع ما ينتظره من عقاب الآخرة، كما عجل الله عقاب قارون في الدنيا حيث خسف به وبداره الأرض، وهذا التعجيل إنذار وتحذير قد ينتفع به بعض العصاة، فينزجروا عن معصيتهم وينتفع به ضعفاف الإيمان حيث يتقوى إيمانهم \" «٢» .\nولكن لا يعني هذا أن كل عاص لله ينال عقابه في الدنيا، فإن شاء الله عجّل للعصاة العذاب في الدنيا، وإن شاء آخر لهم العقاب إلى يوم القيامة.\nثالثًا - الرجوع عن الخطأ فضيلة.\nويتضح هذا من خلال رجوع الذين تمنوا أن يكون لهم مثل ما أوتي قارون من المال. ﴿وَأصبح الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَانَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ .\n_________\n(١) القصص القرآني: ٣/٦١. وينظر عوامل فساد الأمم كما يصورها الَقُرْآن. فائز صالح الخطيب. رسالة ماجستير غير منشورة. كلية أصول الدين. جامعة الأزهر. ١٤٠٠ هـ.: ص ١٥٥.\n(٢) المستفاد من قصص القرآن: ١/ ٥٣٦.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الفصل الرابع: نشأة سيدنا موسى (﵇) والظروف المحيطة به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الأول: ولادة سيدنا موسى (﵇)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المطلب الأول: إلقاء سيدنا موسى (- ﵇ -) في اليم</span>\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ «١» .\nالمناسبة\nبعد أن قال الله جلّ وعلا في بداية السورة: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «٢»، قصّ حالة بني إسرائيل في ظل حكم فرعون بقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ «٣»، فأوضح أن الفرج قريب بقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ «٤»، فلما تعلقت إرادة الله بإنقاذ بني إسرائيل من الذل خلق الله المنقذ لهم، وهو الذي كان يحذره فرعون على ملكه، وكان يذبح أبناء بني إسرائيل لأجله وقضينا بأن يسمى موسى بسبب أنه يوجد بين ماء وشجر وتربيته في بيت الذي يحذره ويحتاط لأجله، عطف على هذا المعلوم التقدير أول نعمة منّ بها على الذين استضعفوا «٥»، فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ «٦» .\n\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿أوْحَيْنَا﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٥) ينظر نظم الدرر: ٥/ ٤٦٥.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.","vol":"1","page":262},{"text":"قال ابن منظور: \" الوَحْيُّ الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلام وأَوْحَيْتُ ووَحَى وَحْيًا وأَوْحَى أيضًا، أي: كتب. والوحي: المكتوب والكتاب أيضًا، وعلى ذلك جمعوا فقالوا: وَحِيٌّ مثل حُلْيٌّ وحُلِيٌّ \" «١» .\nوقال الراغب: \" معنى الوحي الإشارة السريعة، ولتضمنّ السرعة قيل: أمر وَحْيٌ، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة. ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه: وحي \" «٢» .\nوقد بين القرآن الكريم أنواع الوحي في سورة الشورى بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ «٣» .\nوعليه فقد بين الراغب الأصبهاني أنواع الوحي بما يأتي «٤»:\nأولًا - الوحي برسول مشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه كتبليغ جبريل (- ﵇ -) للنبي في صورة معينة.\nثانيًا - بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى لكلام الله.\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (وحي) ١٥/ ٣٧٩.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٥٢.\n(٣) سُوْرَة الشُّورَى: الآية ٥١.\n(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٥٢.","vol":"1","page":263},{"text":"ثالثًا - بإلقاء في الروع كما ذكر (- ﷺ -): «إن روح القدس نفث في روعي» «١» .\nرابعًا - بالهام نحو: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ «٢» .\nخامسًا - بتسخير مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ «٣» .\nسادسًا - بمنام لقوله (- ﷺ -): «انقطع الوحي وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة» «٤» .\nونحن نعد الوحي إنما جاء من القول الخفي على ما قالته العرب في كلامها.\n٢. ﴿أَرْضِعِيهِ﴾:\nقال ابن منظور: \" رَضَع الصَّبيُّ وغيره يَرْضع مثال ضرب يضرب، لغة نجدية، ورَضِعَ مثال سَمِعَ يَرْضَع رَضْعًا ورَضَعًا ورَضِعًا ورَضاعًا ورِضاعًا ورَضَاعةً ورِضاعة، فهو راضِعٌ، والجمع رُضّع \" «٥» .\n_________\n(١) مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة: ٧ /٧٩. رقم (٣٤٣٣٢) . فتح البَاري بشرح صحيح الإِمَام أَبِي عَبْد الله مُحَمَّد بن إسماعيل البُخَاري. ومقدمته: هَدْيُ السَّاري لأَحمد بن عَلِيّ المعروف بابن حَجَر العَسْقَلاني. ت ٨٢٥ هـ. الناشر: دار المعرفة ببيروت. بيروت. ط١. ١٣٧٩ هـ.: ١/٢٠ وقال: الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة وصححه الحاكم من طريق ابن مسعود.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.\n(٣) سُوْرَة النَّحْلِ: الآية ٦٨.\n(٤) صَحِيْح البُخَارِي: باب المبشرات ٦ /٢٥٦٤ رقم (٦٥٨٩) من حديث أبي هريرة.\n(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (رضع) ٨/ ١٢٥.","vol":"1","page":264},{"text":"وقال الراغب: \" يقال: رضع المولود يرضع، ورضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وعنه استعير: لئيم راضع: لمن تناهى لؤمه، وإن كان في الأصل لمن يرضع غنمه ليلًا؛ لئلا يسمع صوت شخبه «١»، فلما تُعورف في ذلك قيل: رضع فلان، نحو: لَؤُم \" «٢»\n٣. (ولا تحزني):\nالحَزَنُ: نقيضُ الفرَح، وهو خلافُ السُّرور. والجمعُ أَحْزانٌ، لا يكسَّر على غير ذلك، وقد حَزِنَ بالكسر، حَزَنًا وتحازَنَ وتَحَزَّن. ورجل حَزْنانٌ ومِحْزانٌ: شديد الحُزْنِ. وحَزَنَه الأَمْرُ يَحْزُنُه حُزْنًا وأَحْزَنَه، فهو مَحْزونٌ ومُحْزَنٌ وحَزِينٌ وحَزِنٌ؛ وقال سيبويه: أَحزَنَه جعله حَزِينًا، وحَزَنَه جعلَ فيه حُزْنًا \" «٣» .\nوقال الراغب: \" والحزن: خشونة في الأرض، وخشونة في النفس لما يحصل فيه من الغم \" «٤» .\nوالأمر هاهنا للوجوب الإلهي كما هو مبين في سياق الخطاب لأم موسى (- ﵇ -) .\n٤. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾:\n_________\n(١) الشخب: صوت اللبن عند الحلب. ينظر الصحاح: مادة (شخب) .\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٠٢. وينظر كتاب الأفعال. عَلِيّ بن جعفر السَّعْدِي أبو القَاسِم. ت ٥١٥ هـ. عالم الكتب. بيروت. ط١. ١٩٨٣ م.: ٣/٩١.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (حزن) ١٣/ ١١١.\n(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١١٤.","vol":"1","page":265},{"text":"الرَّسَل: القَطِيع من الإِبل والغنم؛ والجمع الأَرْسال؛ والرَّسَل: قَطيعٌ من الإِبِلِ قَدْر عشر يُرْسَل بعد قَطِيع. والإرسال: التوجيه. قد أرسل إليه، والاسم الرسالة والرسول والرسيل. والرسول بمعنى الرسالة يؤنث ويذكر. وتراسل القوم: أرسل بعضهم إلى بعض. والرسول والرسالة والمرسل. والرسول معناه في اللغة: الذي يتابع أخبار لذي بعثه أخذًا من قولهم: جاءت الإبل رسلًا، أي: متتابعة. وقال الأخفش: سمّي الرسول رسولًا لأنه ذو رسول، أي: ذو رسالة. والرسول اسم من أرسلت. وكذلك الرسالة «١» .\nوقال الراغب: \" أصل الرسل: الانبعاث على التؤدة \" «٢» .\nأما تعريف الرسول في الاصطلاح: \" هو من يأتي بشرع على الابتداء أو بفسخ بعض أحكام شريعة قبله \" «٣» .\nوالرسالة: \" هي سفارة العبد بين الله وبين ذوي الألباب من خليقته ليزيح بها عللهم فيما قصرت عنه عقولهم من مصالح الدنيا والآخرة \" «٤» .\nأما النبي: هو الذي ألقي إليه الروح شيئًا اقتصر به ذلك النبي على نفسه خاصة، وإن قيل له بلغ ما أنزل إليك، فهو رسول، فعلى هذا كلّ رسول نبي، وليس كلّ نبي رسول \" «٥» .\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (رسل) ١١ /٢٨١ - ٢٨٤.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٠٠.\n(٣) أصول الدين. أبو الميسر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الكريم البَزْدَوِي. ت ٩٩٣ هجرية. تحقيق: د. هانز بيترلس. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه. مصر. القاهرة. ١٩٦٣ م.: ص ١١٥.\n(٤) شرح العقائد النسفية. الإِمَام سَعَد الدِّيْن مسعود بن عمر التفتازاني. طبع شركة صحافية عثمانية. مطبعة سي. ١٣٢٠هـ.: ص ١٣٣.\n(٥) اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر. للشيخ عَبْد الوهاب الشعراني. مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة ١٣٧٨ هـ.: ١/ ١٧٧.","vol":"1","page":266},{"text":"ويظهر الرسول في فرق عن معنى النبي لأن بينهما عمومًا وخصوصًا «١» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾\nقرأ عمرو بن عبد الواحد، وعمر بن عبد العزيز (أنِ ارْضِعيه) بكسر النون بعد حذف الهمزة على غير قياس، لأن القياس فيه نقل حركة الهمزة وهي الفتحة إلى النون كقراءة ورش (أَنَ ارْضِعيه) «٢» .\nوقد حذف عمرو بن عبد الواحد الهمزة من نون (أن) ووصلها بالراء من (أَرْضَعيه) بعد تسهيل همزة الأمر، وهذه من سنن العرب في كلامها أن تسهل الهمزة ليستقيم النطق عندهم «٣» .\nالقضايا البلاغية\n١. في هذه الآية من الدلائل على الإعجاز القرآني حيث اشتملت على أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين، فذكر القرطبي أن الأصمعي قال:\n\" سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول:\nاستغفر الله لذنبي كله قبّلت إنسانًا بغير حله\nمثل الغزال ناعمًا في دلّه وانتصف الليل ولم أحله\n_________\n(١) التعريفات (الجرجاني): ص ١٦٧.\n(٢) المُحْتَسَب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها. عُثمان ابن جِنِّي أبو الفتح. ت ٣٩٢ هـ. تحقيق: عَلِيّ النجدي ناصف. وآخرون. لجنة أحياء التراث الإسلامي. القاهرة. ط١. ١٩٦٦ م.: ٢/ ١٤٧. البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٥. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٦٦.\n(٣) ينظر القراءات القرآنية والدلالات البيانية. د. مُحَمَّد عبد العزيز. الطبعة الأولى. مطبعة جامعة عبد العزيز آل سعود. الرياض. ١٤١١ هـ.: ص ١١٧ -١١٨.","vol":"1","page":267},{"text":"فقلت: قاتلك الله ما أفصحك، فقالت له: أيعدّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية «١»، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. فالخبران هما (وأوحينا إلى أم موسى) وقوله (فإذا خفت عليه) لأنه يشعر بأنها ستخاف عليه، والأمران (أرضعيه) و(ألقيه) . والنهيان (لا تخافي) و(لا تحزني) . والبشارتان (إنا رادوه إليك) و(وجاعلوه من المرسلين) «٢» .\n٢. معنى الخوف والحزن:\n\" لقائل أن يقول: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾؟ ثُمَّ أليس من التناقض أن يثبت الخوف في قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾، ثُمَّ ينفيه بقوله: ﴿وَلاَ تَخَافِي﴾؟ .\nالجواب على التناقض المزعوم أن الخوف الأول المثبت هو غرقه في النيل، والثاني هو خوف الذبح، فاندفع ما يتوهم من تناقض.\nأما الاعتراض الأول، فهو مندفع بأن هذا من باب الإطناب، بل هو قسم نادر من أجمل أقسامه، وهو أن يذكر الشيء فيؤتى فيه بمعانٍ متداخلة إلا أن كل معنىً مختص بخصيصة ليست للآخر \" «٣» .\nوهذا يدل على إعجاز الأسلوب القرآني في كونه يوهم أحيانًا شيئًا فإذا ما قرأه القارئ المتمعن بان له خلاف ما توهمه، وتلك سمة من سمات إعجازه.\nالمعنى العام\n١. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾:\nهنا يتبادر إلى الذهن سؤال هو ما المقصود بالوحي إلى أم موسى؟\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٦٨.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠/ ٧٤.\n(٣) إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥/ ٢٨٥.","vol":"1","page":268},{"text":"فقد ذكر الرازي أنه قد أتفق الأكثرون على أن أم موسى (- ﷺ -) ما كانت من الأنبياء والرسل «١»، فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء، لأن المرأة لا تكون نبية لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ «٢» خلافًا لليهود حيث ورد في بعض كتبهم كون بعض نسائهم من الأنبياء.\nوقد اختلف العلماء في المراد بهذا الوحي على وجوه:\nأحدهما - المراد رؤيا رأتها أم موسى (- ﵇ -) وكان تأويلها وضع موسى (- ﵇ -) في التابوت وقذفه في البحر وأن الله يرده إليها.\nثانيًا - أن المراد عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة.\nثالثًا - المراد منه الإلهام فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ يقول: أي ألهمناها الذي صنعت بموسى «٣» .\nرابعًا - لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب (- ﵇ -) أو غيره، ثم إن ذلك النبي عرّفها إما مشافهة أو مراسلة.\nخامسًا - لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ أخبروا بذلك وانتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة.\nسادسًا - لعل الله تعالى بعث إليها ملكًا، لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم ﵍.\nوالذي يرجحه الباحث من هذه الوجوه هو الوجه الثالث القائل بأن الله تعالى ألهمها لا إلهامًا على جهة النبوة، بل هو إلهام لا يشبه أي صيغة أخرى، وهو الأقرب للمنقول والمعقول.\n٢. اسم أم موسى:\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١١/ ٥١. وينظر زَاد المَسِيْر: ٦ /٣٠١ - ٣٠٢.\n(٢) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ١٠٩.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٢٩٤١.","vol":"1","page":269},{"text":"اختلف المفسرون والمؤرخون في اسمها، فذكر الطبري أن اسمها \" يحيب ابنة شمويل بن بركبا \" «١» .\nوذكر ابن قتيبة أن اسمها \" أباحثة وفي التوراة اسمها يوخابث \" «٢»\nوذكر ابن الأثير أن اسمها \" يوحانذ \" «٣» .\nوذكر الصاوي أن اسمها \" لوحا بنت هاند بن لاوي \" «٤» .\nوالذي أرجحه هو أنها من مبهمات القرآن التي ليس في معرفتها كبير فائدة.\n٣. ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾:\nنقل القرطبي عن مجاهد قوله \" بأن الوحي إليها بالرضاعة كان قبل الولادة \" «٥» .\nوذكر أبو حيان في تفسيره \" أن هذا الإيحاء هو بعد الولادة، فيكون ثم جملة محذوفة، أي: وضعت موسى أمه في زمن الذبح وخافت عليه \" «٦» . فقد اخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي عبد الرحمن الحبلي أن الله أوحى إلى أم موسى حين وضعت أن ترضعه. واخرج عن مجاهد أن الله أوحى إلى أم موسى حين تقارب ولادها أن ارضعيه «٧» .\n_________\n(١) تاريخ الرُّسُل والملوك: ١/ ٣٨٥.\n(٢) المَعَارف، ابن قُتَيْبَة الدِّيْنوَري أبو مُحَمَّد عَبْد اله بن مسلم. ت ٢٧٦ هـ. تحقيق وتقديم: الدكتور ثروت عكاشة. ط٢ ١٩٦٩ م دار المعارف بمصر.: ص ٢٠.\n(٣) الكامل في التاريخ: ١ /٩٥.\n(٤) حاشية العلامة الصاوي على تفسير الجلالين. أحمد بن مُحَمَّد الصَّاوِي المالكي الخَلْوَتي. ت ١٢٤١ هـ. المكتبة الإسلامية. القاهرة. (د. ت) .: ٣/ ٢٠٩.\n(٥) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٦٦.\n(٦) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٥.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٢٩٤١ -٢٩٤٢.","vol":"1","page":270},{"text":"والذي أرجحه أن الوحي إليها كان بعد الولادة وبعد تسميته، لأن القرآن قد أشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾، فبعد أن وضعته وكانت خائفة عليه من الذبح، وطمأنها ربها بأن ترضعه ليتقوى للمهمة اللاحقة، وهي المدة التي يستغرقها في سيره في اليم لحين وصوله إلى قصر فرعون، ثم عودته إلى أمه بعد معجزة تحريم المراضع عليه.\nونقل ابن الجوزي، والقرطبي رواية \" أنها حين اقتربت وضربها الطلق كانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصاحبة لها فقالت: لينفعني حُبُّك اليوم، فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها ثم قالت: ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون، ولكني وجدت لابنك حبًا ما وجدت مثله قط فاحفظيه. فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفّته في خرقةٍ ووضعته في تنور مسجور نارًا لم تعلم ما تصنع لما طاش عقلها، فطلبوا، فلم يلقوا شيئًا، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور وقد جعل الله عليه النار بردًا وسلاما \" «١» .\n٤. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾:\nالخوف هو \" توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة \" «٢»، وأم موسى حينما خافت على مولودها من القتل كان ذلك بأمارة معلومة، فهي ترى بعينها يوميًا عشرات الأطفال يذبحون.\n_________\n(١) زَاد المَسِيْر: ٦ /٢٠٢. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٦٧.\nونرى في هذه القصة أنها مصدرة بكلمة (روي) ولم يذكروا عمن رويت ولا تخريجها، فلعلها من الإسرائيليات التي نقلها بعض المفسرين، فلو كانت صحيحة لذكرها الَقُرْآن الكَرِيم لنا، لأن فيها معجزة، وهي إنقاذه من النار في التنور المسجور، وهي أبلغ في الإعجاز من إنقاذه من الغرق لأنه موضوع في تابوت.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٦١.","vol":"1","page":271},{"text":"وذكر القرطبي \" أنه استخدم (إذا) لما يستقبل من الزمان، أي: إذا خفت عليه أن يصبح ويكشف أمره فيقتل. ويروى أنها اتخذت له تابوتًا من بردي وقيرَّته بالقار من داخله، ووضعت فيه موسى، وألقته في نيل مصر\" «١» .\n٥. ﴿فَأَلْقِيهِ﴾:\n\" أي بعد أن تضعيه في شي يحفظه من الماء \" «٢» .\n٦. ﴿فِي الْيَمِّ﴾:\n\" أي: في النيل الذي كان يشق مدينة فرعون من حيث منازل بني إسرائيل. واليم في كلام العرب مرادف للبحر، والبحر في كلامهم يطلق على الماء العظيم المستبحر، فالنهر العظيم يسمى بحرًا \" «٣» .\n٧. ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾:\nاخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد في قوله الله ﴿وَلاَ تَخَافِي﴾: قال: لا تخافي عليه البحر. ﴿وَلاَ تَحْزَنِي﴾، يقول: لا تحزني لفراقه «٤» .\nوقال يحيى بن سلام: لا تحزني أن يقتل «٥» .\n٨. ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾:\n\" لتكوني أنت المرضعة له \" «٦» .\n٩. ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾:\nأخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحاق في معناها \" أي: باعثوه إلى هذه الطاغية، وجاعلو هلاكه ونجاة بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء على يديه \" «٧» .\nما يستفاد من النصّ\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٦٧.\n(٢) نظم الدرر: ٥/ ٤٦٥.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢٠/ ٧٤.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم: ٩ /٢٩٤٢. إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧/٣.\n(٥) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٦٧.\n(٦) مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٢٧.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم: ٩ / ٢٩٤٣.","vol":"1","page":272},{"text":"دلّ قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ على إعجاز طبي سبق العلم الحديث بآلاف السنين، وهو الإشارة إلى فائدة الرضاعة الطبيعية للطفل المولود، فقد أكد الأطباء هذه الحقيقة العلمية، وذلك بأن حليب الأم مصدر مهم للطاقة والبروتين، وهو يساعد على وقاية الطفل من المرض، ويساعد كذلك على نمو الطفل العقلي والعاطفي، ويكسب شخصيته توازنًا أكبر. وهذا بعض إعجاز القران «١» .\nنلاحظ من النص القرآني أن الله جل وعلا بعد أن نهى أم موسى عن الخوف والحزن ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ أراد الله جل وعلا طمأنتها أكثر من خلال المبشرات التي أعقبت النهي، لتقوية قلبها، وإزالة خوفها وحزنها. فالبشارة الأولى ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ . وهذا أهم شي يشغل بالها. والبشارة الثانية هي البشارة بمستقبله بأنه سيكون من المرسلين.\nودلت كذلك على التحدي الإلهي بهذا الطفل الرضيع لقوة فرعون وجبروته، وليقتحم به حصون فرعون وجيوشه، فيستدل منه على أن الأمن والخوف بيد الله تعَاَلىَ.\nفإذا شاءت إرادة الله ﷾ أن يجعل الخوف أمنًا كإلقاء أم موسى لطفلها في اليم، وإن شاء جعل الأمن خوفًا كما حصل لفرعون إذ قتل مئات الأطفال ليأمن. ولكن الله جعل من أمنه خوفًا، فأدخل الله موسى (- ﵇ -) إلى قصر من حرص أن لا يدخله، وقَتَل ما قتل من أجل ذلك.\n_________\n(١) لحياة أفضل. تأليف مجموعة من الأطباء. هيئة الطفولة. هيئة اليونسيف بالتعاون مع وزارة الصحة العراقية. الطبعة الأولى. ١٩٩٧ م: ص ٢٢ –٢٣.","vol":"1","page":273},{"text":"دلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ على أن الأمر كله بيد الله يرفع أقوامًا ويضع آخرين. وهذا ما أكدته الآيات اللاحقة من سُوْرَة الْقَصَصِ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «١» وما ختم به سُوْرَة الْقَصَصِ بقوله: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٢» ليؤكد للناس ولأمة هذا القرآن أن القوة لله، فهو المعزّ والمذلّ، وليؤكد مرة أخرى على الترابط القرآني بين أوله وآخره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المطلب الثاني: سيدنا موسى في بيت فرعون</span>\n﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ «٣» .\nالمناسبة\nصورت الآيات السابقة مشهد الأم الحائرة الخائفة على ولدها من فرعون وجنوده، ثم يأتيها الإيحاء بالبشرى من الله، وبما يثبت فؤادها ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ «٤»، ثم تبتدئ أولى الخطوات اللازمة في طريق إرجاعه إلى أمه، أن يلتقطه آل فرعون ويرجعونه إلى أمه بعد أن امتنع عن قبول الرضاعة من صدور المربيات والمرضعات، ليكون ذلك سببًا لإرجاعه لأمه لتحقق أولى البشارات.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٨ - ٩.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.","vol":"1","page":274},{"text":"قال البقاعي: \" ولما كان الوحي إليها بهذا السبب لإلقائه في البحر وأن إلقاءه سبب لالتقاطه قال ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ \" «١» .\nوقال الرازي: \" لفاء فصيحة مفصحة عن عطفه على جملة محذوفة. والمعنى: فعلت ما أمرت به من إرضاعه وإلقائه في اليم لما خافت عليه. وحذف ما حذف تعويلًا على دلالة الحال، وإيذانًا بكمال سرعة الامتثال \" «٢» .\nفنلاحظ الترابط البديع بين الآيات القرآنية باستخدام الحروف المناسبة والمغنية عن استخدام الجمل العديدة.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾:\nاللَّقْطُ: أَخْذُ الشي من الأرض لَقَطَه يَلْقُطَه لَقْطًا. وَالْتَقَطَه: أخذه من الأرض، يقال لكل ساقطة لاقِطة. الالتقاط أن تَعْثَرَ على الشي من غير قصد وطلب، وشيء لقيط وملقوط. واللقِّيط: إلى، يُلتقط لأنه يُلتقط والأنثى لقيطة «٣» .\n٢. ﴿خَاطِئِينَ﴾:\nالخَطَأ والخَطاء ضدُّ الصواب. وقد أخطأ وأخطأ الطريق عَدَل عنه وأخطأ الرَّامي الغرض: لم يُصِبه. وخَطِئَ الرجل يَخْطأ خِطْأ وخِطْأَةَ على فِعْلة: أذنب. وخَطّأه تَخطِئة وتَخْطِيئًا نسبة إلى الخطأ وقال أَخْطَأتَ والخَطَأ ما لم يُتَعَمَّد. والخِطء ما تُعُمِّد، والخَطِيْئَة الذَّنْب على عمد والخِطءَ الذنب «٤» .\n٣. ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾:\n_________\n(١) نظم الدرر: ٥/ ٤٤٦.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٢٠ /٤٥. وينظر تنوير الأذهان من تَفْسِير روح البَيَان. إسماعيل حقي البروسوي. ت ١١٣٧ هـ. تحقيق: مُحَمَّد عَلِيّ الصابوني. دار القلم. دمشق. ط٢. ١٤٠٩ هـ – ١٩٨٩ م.: ٣ /١٢٠.\n(٣) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (لقط) ٧/ ٣٩٢ –٣٩٣.\n(٤) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (خطأ) ١ /٦٥.","vol":"1","page":275},{"text":"\" قال ابن سيده: وقرَّت عينه تَقَرّ هذه أعلى عن ثعلب، أعني فَعِلْت تَفْعَل، وقَرَّت تَقَرُّ قَرَّةً وقُرَّةً، الأخيرة عن ثعلب، وقال: هي مصدر، وقُرورًا وهي ضدّ سَخِنَت، قال: ولذلك اختار بعضهم أن يكون قرَّت فعلت ليجيء بها على بناء ضدها \" «١» .\nوقول العرب قَرَّت عين فلان جاء من خلال استقرئنا لدلالة الكلمة على معنى رؤية المحبوب.\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿وَحَزَنًا﴾:\nاختلف العلماء في قرائتها في فتح الحاء وضمها، فقرأ حمزة والكسائي (وحُزْنًا) بضم الحاء وإسكان الزاي. وقرأ الباقون بفتحتين. وقال أبو علي الفارسي (الحُزْن) (والحَزَنُ) لغتان مثل العُجْم والعَجَم والعُرْب والعَرَب «٢» .\n٢. ﴿خَاطِئِينَ﴾:\nقرئت بغير همز بتخفيف، أي: خاطين الصواب «٣»، فاحتمال أن يكون أصله الهمز وحذفت وهو الظاهر. وقيل: من خطا بخطو «٤» .\n٣. ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (وقر) ٥ /٨٦.\n(٢) النشر في القراءات العشر: ٢ /١٤١. الحجة في القراءات السبع. الحسين بن أحمد بن خالويه أبو عَبْد الله. (٣١٤ - ٣٧٠) . تحقيق: د. عَبْد العال سالم مكرم. دار الشروق. بيروت. ط٤. ١٤٠١ هـ.: ٥ /٤١٢. الكشف عَنْ وجوه القراءات السبع. وعللها وحججها. القيسي. مُحَمَّد بن أَبِي طالب. ت ٤٣٧ هـ. تحقيق: د. محيي الدِّيْن رمضان. بيروت. لبنان. ١٣٩٤. ١٩٧٤.: ٢ /١٧٢.\n(٣) الكَشَّاف: ٣/ ١٦٦.\n(٤) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٦.","vol":"1","page":276},{"text":"قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (قُرَّةْ) وقفا. وقرأ ابن مسعود بتقديم لا تقتلوه: (لا تقتلوه قرة عين لي ولك) «١» .\nوروي عن ابن مسعود انه قرأها: (قرة عين لي وله) . وقرأ: (قرة عين لي ولك لا تقتلونه) «٢» .\nالقضايا البلاغية\nالاستعارة في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ لام التعليل، وهي المعروفة بلام كي. وقد استعملت في الآية استعمالًا واردًا على طريقة الاستعارة دون الحقيقة لظهور أنهم لم يكن داعيهم إلى التقاطه أن يكون لهم عدوًا وحزنًا، ولكنهم التقطوه رأفة به، وحبًا له لما أُلقي في نفوسهم من شفقة عليه. ولكن لما كانت عاقبة التقاطهم إياه أن كان لهم عدوًا في الله، وموجب حزن لهم، شبهت العاقبة بالعلة في كونها نتيجة للفعل كشان العلة غالبًا، فاستعير لترتب العاقبة المشبّه الحرف الذي يدل على ترتب العلة تبعًا لاستعارة معنى الحرف إلى معنى أخر، استعارة تبعية، أي: استعير الحرف تبعًا لاستعارة معناه «٣» .\nوالذي اعتقده أن في الآية تأويلًا بما سيكون خلافًا لما قال الشهاب الخفاجي، وابن عاشور، لأن موسى حينما كان طفلًا لا يعلم أنه عدو لفرعون، ولا فرعون يعلم أن هذا الطفل بعينه هو الذي سيقتله.\n_________\n(١) إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر المسمى (منتهى الأماني والمسرات في علوم القراءات)، أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الغني الدمياطي الشافعي، الشهير بالبناء ت ١١١٧ هـ الطبعة الأولى، تحقيق: د. شعبان محمّد إسماعيل، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.: ص ٣٤١.\n(٢) الكَشَّاف: ٣ /١٦٦.\n(٣) ينظر حاشية الشهاب: ٧ /٦٤. التحرير والتنوير: ٢٠ /٧٦.","vol":"1","page":277},{"text":"المجاز العقلي في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ والمعنى هذا ليكون لهم حزنًا، والإسناد مجاز عقلي لأنه سبب الحزن وليس هو حزنًا «١» .\nوهنالك إشارة بلاغية أشار إليها أبو حيان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، وهي أنه أضيف الجند وفيما قبل إلى فرعون وهامان، وإن كان هامان لا جنود له، لأن أمر الجنود لا يستقيم إلا بالملك والوزير، إذ بالوزير تحصل الأموال، وبالملك وقهره يتوصل إلى تحصيلها، ولا يكون قوام الجند إلا بالأموال «٢» .\nذكر الآلوسي \" إن امرأة فرعون قالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾، وعدلت عن قولها (لنا) لتفخيم شأن القرّة وقدمت نفسها عليه لما تعلم من مزيد حب فرعون إياها، وأن مصلحتها أهم عنده من مصلحة نفسه، فيكون ذلك أبلغ في ترغيبه بترك قتلة \" «٣» . وفيه استعارة، فإن قرة العين بردها واستقرارها، فجعل استعارة عن الولد.\nالمجاز بليغ الخطاب في ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ قيل لفرعون. وإسناد الفعل إليه مجازي لأنه الآمر. والجمع للتعظيم. قال أبو علي الفارسي: من سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، فيقال للرجل العظيم: انظروا في أمري. وهو مجاز بليغ «٤» . وقال الطباطبائي في الميزان: إنما خاطب بالجمع لأن شركاء العقل كانوا كثيرين من مسبب ومباشر، وآمر ومأمور «٥» .\nالمعنى العام\n١. ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾\nلقد اختلف المفسرون في المقصود بآل فرعون:\n_________\n(١) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /٧٦.\n(٢) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٦.\n(٣) روح المعاني: ٢٠ /٤٨.\n(٤) ينظر روح المعاني: ٢٠ /٤٨.\n(٥) ينظر الميزان: ١٦/ ١١.","vol":"1","page":278},{"text":"فقد ذكر الطبري أن قسمًا من أهل التأويل قال: المراد به (جواري امرأة فرعون) . ثم ساق رواية عن السدي قوله: \" أقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويحفظه مرة، حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسيا امرأة فرعون يغسلن، فوجدن التابوت فأخذنه إلى آسيا، فلما نظرت إليه آسيا، وقعت عليها رحمته، فأحبته فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسيا تكلمه حتى تركه لها «١» .\nوذكر عن قسم آخر أن المراد به ابنة فرعون حيث كانت ابنة فرعون برصاء، فجاءت إلى النيل، فإذا التابوت في النيل تخفقه الأمواج، فأخذته بنت فرعون، فلما فتحت التابوت، فإذا هي بصبي، فلما اطلعت في وجهه برأت من البرص، فجاءت به إلى أمها فقالت: إن هذا الصبي مبارك لما نظرت إليه برئت، فقال فرعون: هذا من صبيان بني إسرائيل هلم حتى أقتله فقالت امرأته: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ «٢» .\nعني به أعوان فرعون لأن فرعون أصبح في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس إذ مر بالنيل تابوت يقذف به، وآسيا بنت مزاحم جالسة إلى جنبه فقالت: إن هذا لشيء في البحر فأتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده، فألقى الله عليه محبته ولطّف عليه نفسه فقالت امرأته آسيا «٣»: ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ «٤» .\nوالذي نرجحه: إن المراد بـ (آل فرعون) هم أتباع فرعون وأعوانه لعدة أسباب:\nأولا - إن ابنة فرعون تعيش في قصر أبيها وخدمه وأعوانه، فليس من المعقول أن تلتقط بنفسها التابوت من النيل المتلاطم الأمواج، وهذا يحتاج إلى جهد كبير لا يقوم به إلا الرجال.\n_________\n(١) ينظر جامع البيان: ١٠ /٣١.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٩.\n(٣) ينظر جامع البيان: ١٠ /٣١.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٩.","vol":"1","page":279},{"text":"ثانيا - إن ما بعد كلمة (آل فرعون) يدلّ على أن من قام بالتقاطه هم أتباع فرعون من جنوه أو خدام قصره. قال تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، فكلمة (لهم) تدلّ على أن من قام بالالتقاط اكثر من واحد. وقد يسال سائل ويقول: إن كلمة (الآل) لا تستعمل إلا فيما فيه شرف.\nوالجواب عن ذلك: \" إنه مبني على الغالب، أو الشرف فيه أعم من الشرف الحقيقي والصوري. ومعنى التقاطهم إياه (- ﵇ -) أخذ اعتناء به وصيانة له عن الضياع \" «١» .\n٢. ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾:\nقال ابن كثير: \" إن الله تعالى قيضهم لالتقاطه ليجعله عدوًا لهم وحزنًا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ \" «٢» .\nوقال القاسمي: \" إنهم مجرمون، فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم، ومن هو سبب هلاكهم على يديه \" «٣» .\nومن النكت البديعة في الآية أنه دلت على ما يكون عليه آل فرعون من غرقهم في البحر من طرف خفي، فهم قد التقطوه ليكون لهم مغرقًا في البحر، فلا يلتقطه أحد، وهو من شواهد الإعجاز القرآني.\n٣. ﴿وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ﴾:\n﴿امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ﴾ وهي \" آسيا بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمان يوسف الصديق (- ﵇ -)، وعلى هذا الرأي لم تكن من بني إسرائيل \" «٤» .\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٢٠ /٤٦.\n(٢) تفسير القرآن العظيم: ٣ /٣٨٠.\n(٣) محاسن التأويل: ١٣ /٤٦٩٧.\n(٤) روح المعاني: ٢٠ /٤٧.","vol":"1","page":280},{"text":"وقيل: \" إن آسيا كانت امرأة قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف، فلما نودي موسى أعلم أن قابوس بن مصعب مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، ويقال: إن الوليد تزوج آسيا ابنة مزاحم بعد أخيه \" «١» .\nوقيل: \" كانت من بني إسرائيل. وقيل: كانت من سبط موسى \" «٢» .\nوحكى السهيلي أنها عمته. وقال الآلوسي: \" هذا القول غريب \"، ويرجح الآلوسي أنها لم تكن من بني إسرائيل «٣» .\nوقد امتدحها القران الكريم في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «٤» .\nوأثنى عليها رسول الله (- ﷺ -) فقد أخرج الإمام احمد عن أنس بن مالك قوله: قال رسول الله (- ﷺ -): «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسيا امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد» «٥» .\n٤. ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ﴾:\n_________\n(١) تاريخ الرُّسُل والملوك: ١ /٣٨٦. الكامل في التاريخ: ١ /٩٥ –٩٦.\n(٢) السبط: هو ولد الولد كأنه امتداد الفروع. ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٢٧.\n(٣) ينظر روح المعاني: ٢٠ /٤٧.\n(٤) سُوْرَة التَّحْرِيمِ: الآية ١١.\n(٥) مسند أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) شرحه ووضع فهارسه: أحمد مُحَمَّد شاكر. دار المعارف للطباعة والنشر بمصر. ١٣٦٨ هـ – ١٩٤٩ م.: ١٤ /١٤٧. صحيح ابن حبان. مُحَمَّد بن حبان بن أحمد أبوحَاتِم التميمي البستي. ت ٣٥٤ هـ. ضبط وتحقيق: عَبْد الرَّحْمَن مُحَمَّد عثمان. المكتبة السلفية. المدينة المنورة. ط١. ١٩٧٠م.: ١٥ /٤٠١. المستدرك على الصحيحين: ٣ /١٧١.","vol":"1","page":281},{"text":"أختلف الأقوال في هذه الآية، فقيل: أي قالت تخاصم عنه وتحببه إلى فرعون: إنه مما تقر به العيون، وتفرح لرؤيته القلوب، فلا تقتلوه. ثم ذكرت العلة التي قالت لأجلها ما قالت ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، أي: لعلنا نصيب منه خيرًا لأني أرى فيه مخايل اليمن ودلائل النجابة، أو نتخذه ولدًا لما فيه من الوسامة وجمال المنظر التي تجعله أهلا لتبني الملوك له، وكانت لا تلد فاستوهبته من فرعون، فوهبه لها \" «١» .\nأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: \" قال امرأة فرعون: ﴿قرت عين لي ولك لا تقتلوه﴾ قال فرعون: قرة عين لك أمّا لي فلا. قال محمد بن قيس: قال رسول الله (- ﷺ -): «لو قال فرعون قرة عين لي ولك لكان لهما جميعًا» \" «٢» .\n٥. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾:\n\" أي: بإلقائه هو الذي يفسد ملك فرعون على يده قاله قتادة، وغيره \" «٣» .\nما يستفاد من النصّ\nيمكن إن نفيد من هذه الآيات العبر والعضات الآتية:\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢٠/٣٩.\n(٢) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ١٣ / ٢٥٤. الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦ /٣٩٤. والحديث لم أقف عليه في كتب الحديث.\n(٣) الجواهر الحسان في تَفْسِير القُرْآن. عَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مخلوف الثعالبي. ت ٨٧٦ هـ. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. بيروت. (د. ت) .: ٤ /٢٦٥.","vol":"1","page":282},{"text":"أولا - إن الحذر لا ينفع من القدر، ويتبين ذلك في التحدي الإلهي الكبير لقوة فرعون الغاشمة من طفل رضيع لا حول له ولا قوة، إلا من قوة الله وحمايته. فيتحدى الله به جبروت فرعون وعظمته، فقد قتل فرعون مئات الأطفال من أجل العثور على هذا الطفل الموعود الذي سيكون على يديه هلاك ملكه، فيتحدى الله كلّ حصونه، ويفشل كلّ تدابيره، ويجعل هذا الطفل الموعود في متناول يده وبين جنده وحراسه وفي قصره، ولا يستطيع أن يؤذيه. فقد زود الباري ﷿ هذا المولود الرضيع بسلاح لم يعهده الناس من قبل كسلاح لدفع الخطر عنه، وهو سلاح (الحب) قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ «١»، فملأ الله قلب امرأة فرعون (آسيا) المؤمنة بالحب لهذا الطفل، فاستخدمت ذكائها وفطرتها في منع فرعون من أن تناله، فقدمت عذر المنفعة ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا﴾، وأردفته بعذر آخر وهو ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ لأن فرعون كان بحاجة إلى الولد.\nثانيا - إن وجود الصالحين في المجتمعات الفاسدة يخفف من أذى المفسدين، فإن وجود امرأة فرعون كان سببًا في إنقاذ سيدنا موسى (- ﵇ -)، فقالت امرأة فرعون: ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وهذا من المعاني الكامنة في سياق النص.\n_________\n(١) سُوْرَة (طَه): الآية ٣٩.","vol":"1","page":283},{"text":"ثالثا - الاستفادة من منهج القران في تناول الأحداث في ربط الماضي بالحاضر، فإن ما حدث لأمريكا في ١١ أيلول من ضربات شبيهة بما حدث لفرعون ودولته، ويعيد المسلمين إلى القران ودراسة منهجه في تحليل الأحداث والأزمات. والقرآن يؤكد دائمًا على أن الأمر كله لله. وهذه حقيقة ينبغي لكل مسلم أن يعتقد فيها. ففي ظل الهيمنة الأمريكية التي بلغت ذروة عنفوانها بعد دمار الاتحاد السوفيتي وتفكك معسكره، ظن كثير ممن يضع يده في يد أمريكا، وخُدع بالإعلام الأمريكي الذي طبل وزمر وروج لأمريكا، فأدخل الرعب في قلوبهم، إنها وأجهزة مخابراتها تعلم دقائق الأمور وجلائلها. ولسان حاله يقول: نخشى أن تصيبنا دائرة فجاء هذا الحادث ليرد على مثل هذه الأراجيف والخور الذي يخالط أفئدة من في قلوبهم مرض، والسامعين لهم، والمتأثرين بما يبثون من أفكار لتخضع الأمة، ليقول الجميع: إن الأمر كله لله من قبل ١١ أيلول، ومن بعده، وما أمريكا أو غيرها من قوى الظلم والطغيان مهما بلغت في تكبرها وتجبرها، إلا منفذة لأمر الله العزيز الجبار، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وكذلك لتؤكد هذه الأحداث أن الحذر لا ينفع من القدر فأمريكا لم تنفعها كل استحكاماتها وقوة مخابراتها من قدر الله شيئًا، كما لم تنفع فرعون من قبل كل استحكاماته وحذره من قدر الله في شيء.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المطلب الثالث: المعجزة الإلهية في تحريم المراضع على سيدنا موسى (- ﵇ </span>-)\n﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «١» .\nالمناسبة\nيستمر النص القرآني بمتابعة مسيرة حياة سيدنا موسى (- ﵇ -) فبعد أن بين القرآن الكريم حالة الأم الحائرة في بداية ولادة سيدنا موسى، وإنزال الإيحاء المطمئن لها والمبشر بأن ترضعه وتضعه في تابوت في البحر. ثُمَّ يتابع النص مسيرته ووصوله إلى يد ملتقطيه من آل فرعون وما حصل له في القصر، وكيف أن الله جَلَّ وَعَلا هيئ له أسباب النجاة بزرع محبته في قلب امرأة فرعون. ثُمَّ ينتقل النص بالقارئ من القصر مباشرة إلى البيت الذي ولد فيه موسى (- ﵇ -) ليصف لنا حالة أمه بعد فراق ولدها وفلذة كبدها، فالتعبير القرآني يصور لنا فؤاد الأم المسكينة كالصورة الحية فقال: (فارغًا)، أي: لا عقل فيه ولاوعي ولا قدرة على نظر أو تصريف، فكادت من شدة خوفها عليه أن تذيع أمرها في الناس، وتهتف كالمجنونة: أن أضعت طفلي «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ١٠ -١٣.\n(٢) ينظر في ظلال القرآن: ٦ /٣٢٧.","vol":"1","page":285},{"text":"فيأتي الإعجاز الإلهي بالربط على قلبها وتثبيته، ثم تأتى المعجزة الأخرى، تحريم المراضع عليه، ليجعلهم يحتارون به، وهي مرحلة إعادته إلى أمه لينجز لها الوعد الإلهي، ويلاحظ الترابط العجيب بين الأحداث كما هو حاصل في الجمل والعبارات: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ «١» .\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿فُؤَادُ﴾:\nالتَّفَؤُّدُ: التَّوَقُّد. والفؤاد القلب لِتَفَؤُدِه وتوَّقِده مذكر لا غير، صرّح بذلك اللحياني، يكون بذلك لنوع الإنسان وغيره من أنواع الحيوان الذي له قلب. والفؤاد القلب. وقيل: وسطه. وقيل: الفؤاد غشاء القلب حبته وسويداؤه والجمع أفئدة «٢» .\n٢. ﴿فَارِغًا﴾:\nالفَرَاغُ: الخلاء. فَرَغَ يَفْرَغُ ويَفْرُغ فَراغًَا وفُروغًا. وفَرغ يَفرَغ وفَرَّغ المكان: أخلاه. وتَفْرِّيغ الظُّرُوف إخلاؤها «٣» .\n٣. ﴿لَتُبْدِي﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٢) ينظر العين، الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد، ت ١٧٥ هـ، تحقيق: د. مهدي المخزومي، ود. إبراهيم السامرائي، بغداد، ١٩٨٠ - ١٩٨٥. مادة (فود) ٨/ ٧٩. لِسَان العَرَب: مَادة (فود) ٣/ ٣٢٨.\n(٣) ينظر العين: مادة (فرغ) ٤ /٤٠٨. القاموس المحيط. مجد الدِّيْن مُحَمَّد بن يعقوب الفيروزآبادي الصديقي الشيرازي أبو الطاهر. ت ٨١٧ هـ. المؤسسة العربية للطباعة والنشر. بيروت. لبنان. (د. ت) .: مادة (فرغ) ١ /١٠١٦. لِسَان العَرَب: مَادة (فرغ) ٨ /٤٤٤ –٤٤٥. المصباح المنير. الفيومي. أحمد بن مُحَمَّد بن عَلِيّ المقرئ. = = ت ٧٧٠ هـ. تصحيح: مصطفى السقا. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر. ط١. ١٣٢٢ هـ.: مادة (فرغ) ٢ /٥٥٤.","vol":"1","page":286},{"text":"بَدَا الشيء يَبْدُو بَدْوًا وبُدُوّاُ وبَداءً وبَدًا، الأخذ عن سيبويه: ظهر. وأبديتهُ إن أظهرته «١» .\n٤. ﴿رَبَطْنَا﴾:\n\" رَبَطَ الشيءَ يَرْبِطُه ويَرْبُطُه رَبْطًا، فهو مَرْبُوطٌ ورَبِيطٌ: شدَّه. والرِّباطُ: ما رُبِطَ به، والجمع رُبُطٌ، وربَط الدابةَ يربِطُها ويربُطُها رَبْطًا وارْتَبَطَها ... والرِّباط الفؤاد كأن الجسم رُبِط به ورجل رابِطُ الجأش \" «٢» .\n٥. ﴿قُصِّيهِ﴾:\nيقال: قَصَصْت الشيء إِذا تتبّعْت أَثره شيئًا بعد شيء. قال الأزهري: القصّ اتباع الأثر، ويقال: خرج فلان قصَصًَا في إثر فلان، وقصًّا وذلك إذا اقتص أثره. وقيل: القاصّ يقصّ لاتباعه خبرًا بعد خبر والقَصِيصَة البعير أو الدابة يُتَّبع بها الأثر. وهو الرؤيا عن بعد «٣» .\n٦. ﴿جُنُبٍ﴾:\nالجَنْبُ والجَنَبَة والجَانِب: شِقُّ الإنسانِ وغيره، تقول: قعدت إلى جَنب فلان وإلى جانبِه والجمع جُنُوب وجَوَانِب وجَنَائِب، والأخيرة نادرة وقال الفراء: الجنب القرب، والجنب الناحية «٤» .\n٧. ﴿يَكْفُلُونَهُ﴾:\n_________\n(١) العين: مادة (بدو) ٨ /٨٣. القاموس المحيط: مادة (بدا) ١ /١٦٢٩. لِسَان العَرَب: مَادة (بدو) ١٤/ ٦٥.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (ربط) ٧/ ٣٠٢ –٣٠٣.\n(٣) ينظر المصباح المنير: مادة (قصص) ٢/ ٥٠٥. لِسَان العَرَب: مَادة (قصص) ٧/ ٧٣ –٧٥.\n(٤) ينظر القاموس المحيط: مادة (الجنب) ١ /٨٨ –٨٩. لِسَان العَرَب: مَادة (جنب) ١ /٢٧٥ –٢٧٦.","vol":"1","page":287},{"text":"الكافِل: العائل، كَفَلَه يكَفْلُه وكَفَّله إياه، والكافِل القائم بأمر اليتيم المربِّي له، وهو الكفيل الضمين. والكافل فهو الذي كَفَلَ إنسانًا يَعُوله ويُنْفِق عليه «١» .\n٨. ﴿نَاصِحُونَ﴾:\nنَصَح الشيء خَلَص. والنَاصِح الخَالِص من العسل وغيره، وكل شيء خَلَصَ فقد نَصَحَ. والنُّصْح نقيض الغِشّ، مشتق منه نَصَحَه وله نُصْحًًا ونَصِيحة ونَصَاحَة ونِصَاحَة ونَصاحِيّةً ونَصْحًَا. ويقال: نَصَحَت له نَصِيْحَتي نَصُوحًَا، أي: أخْلَصْتُ وصَدَقْتُ «٢» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿فُؤَادُ﴾:\nقرأ أحمد بن موسى عن أبي عمرو: (فُوَاد) بالواو «٣» .\n٢. ﴿مُوسَى﴾:\nوقريء (مؤسى) بالهمز جعلت الضمة في جارة الواو وهي الميم كأنها منها فهمزت «٤» .\n\n٣. ﴿فَارِغًا﴾:\n_________\n(١) ينظر مختار الصحاح. مُحَمَّد بن أَبِي بكر بن عَبْد القادر الرَّازِي. ت ٦٦٦ هـ. دار الكِتَاب العربي. بيروت. لبنان. ط١. ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.: مادة (كفل) ١ /٢٣٩. لِسَان العَرَب: مَادة (كفل) ١١/ ٥٩٩ –٥٦٠. المصباح المنير: مادة (كفل) ٢ /٥٦٣.\n(٢) ينظر أَسَاس البَلاَغَة: ص ٤٥٨. لِسَان العَرَب: مَادة (نصح) ٢ /٦١٥.\n(٣) ينظر معاني القُرْآن. يحْيى بن زِياد الفَرَّاء أبو زَكَرّيا. ت ٢٠٧ هـ. مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب. ط٣. ١٩٧٢ - ١٩٧٣ م.: ٢ / ٣٠٣. المحتسب: ٢ /١٤٧. التبيان في إعراب القرآن: ٢ /٩٦. البَحْر المُحِيْط: ٣ /١٠٦.\n(٤) ينظر المحتسب: ٢ /١٤٨. الكَشَّاف: ٣ /١٦٧. التبيان في إعراب القرآن: ٢ /٩٥ –٩٦.","vol":"1","page":288},{"text":"قال أبو حيان: \" القراءات الشواذ في اللفظة قرأ فضالة بن عبيد، والحسن، ويزيد بن قطيب، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير (فَزِعًَا) بالزاي والعين المهملة من الفزع وهو الخوف. وعن ابن عباس (قَرِعًًا) بالقاف وكسر الراء وإسكانها (قَرْعًَا) . وقرأ بعض الصحابة (فِزْعًًا) بغين منقوطة، ومعناه ذاهبًا. وقرأ الخليل بن أحمد (فُرُغًًا) بضم الفاء والراء «١» . وقرأ فضالة بن عبيد (فَرِغًَا) بفتح الفاء وكسر الراء «٢» .\n٤. ﴿فَبَصُرَتْ﴾:\nوقرأ قتادة بفتح الفاء والباء والصاد (فَبَصَرت) . وقرأ عيسى بكسر الصاد (فَبَصِرَت) «٣» .\n٥. ﴿جُنُبٍ﴾:\nقرأ قتادة، والحسن، والأعرج، وزيد بن علي (جَنْب) بفتح الجيم وسكون النون. وعن قتادة بفتحها (جَنَب) . وعن الحسن بضم الجيم وإسكان النون (الجُنْب) . وقرأ النعمان بن سالم (عن جَانِب) وكلها بمعنى واحد «٤» .\nالقضايا البلاغية\n١. الكناية «٥»، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾، فإن ذلك كناية عن فقدان الفعل وطيش اللب. والمعنى أنها حيث سمعت بوقوعه في يد فرعون طاش صوابها وطار عقلها لما أنتابها من فرط الجزع والدهش. ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ «٦»، أي: جوف لا عقول فيها، ومنه بيت حسان:\n_________\n(١) ينظر المحتسب: ٢ /١٤٨.: البَحْر المُحِيْط: ٣ /١٠٦.\n(٢) ينظر الكَشَّاف: ٣/١٦٧.\n(٣) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٦٧. البَحْر المُحِيْط: ٧/١٠٧.\n(٤) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٦٧. مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٢٠. البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٧.\n(٥) الكناية: هو أن تتكلم بالشيء وتريد غيره، وكنى عن الأمر بغيره. معجم المصطلحات البلاغية: ٣ /١٥٤.\n(٦) سُوْرَة إِبْرَاهِيمُ: الآية ٤٣.","vol":"1","page":289},{"text":"ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء «١»\nوذلك أن القلب مراكز العقول «٢»، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ «٣» .\n٢. الاستعارة في قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ شبّه ما قذف الله في قلبها من الصبر بربط الشيء المنفلت خشية الضياع، واستعار لفظ الربط للصبر «٤» .\n٣. الاستعارة في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ \" لما كان التحريم الحقيقي بكونه عبارة عن النهي واقتضاء ترك الفعل غير متصور هاهنا، لكونه فرع التكليف جعل التحريم مستعارًا للمنع من الإرتضاع بأن شبّه المنع بالتحريم للمناسبة بينهما في التأدية إلى الامتناع فأطلق عليه اسم التحريم واشتق منه حرمنا \" «٥» .\nالمعنى العام\n١. ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾:\n(أصبح) فيها وجهان للعلماء:\nأحدهما أنما ألقته ليلًا فاصبح فؤادها في النهار فارغًا.\nالثاني أنها ألقته نهارًا. ومعنى (أصبح)، أي: صار كما قال الشاعر:\n_________\n(١) ينظر ديوان حسان بن ثابت. تحقيق: فوزي عطوي. الطبعة الثانية. دار الكتاب العربي. بيروت. ١٩٧٥ م.: ص ١١٠.\n(٢) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٦٧. إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ / ٢٨٦.\n(٣) سُوْرَة الحَجِّ: الآية ٤٦.\n(٤) ينظر حاشية الشهاب: ٧ /٦٦. صفوة التفاسير. تَأَلِيْف مُحَمَّد عَلِيّ الصابوني. الطبعة السادسة. دار القُرْآن الكَرِيْم. ١٩٨١م.: ٢ /٤٢٨.\n(٥) حَاشِيَة الشيخ محيي الدِّيْن أحمد القنوجي. والمسمى حَاشِيَة الشيخ زاده على تَفْسِير البيضاوي. ت ١٣٠٧ هـ. المطبعة السلطانية. الإستانة. ١٢٨٣ هـ.: ٢ /٥٠٦.","vol":"1","page":290},{"text":"مضى الخلفاء بالأمر الرشيد وأصبحت المدينة للوليد «١»\n(فارغًا) في معناها أربعة أقوال:\nالقول الأول: أي: خاليًا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك.\nالقول الثاني: وقال الحسن، وابن إسحاق، وابن زيد: فارغًا من الوحي إذ أوحي إليه حين أمر إن تلقيه في البحر ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ «٢»، والعهد الذي عهده إليه إن يرده ويجعله من المرسلين.\nالقول الثالث: فارغًا من الهم والحزن لعلمها أنه لم يغرق. قاله أبو عبيدة. والأخفش «٣» .\nوقد ردّ أغلب المفسرين هذا الرأي، فقال ابن قتيبة في (غريب القرآن): \" وهذا من أعجب التفسير، كيف يكون فؤادها من الحزن فارغًا في وقتها ذاك والله تعالى يقول: ﴿لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، وهل يربط إلا على قلب الجازع والمحزون، والعرب تقول للخائف والجبان: فؤاده هواء \" «٤» .\n_________\n(١) ينظر جامع البيان: ١٠ /٣٥- ٣٦. زَاد المَسِيْر: ٦/ ٢٠٤. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٧٢. البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٦ –١٠٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٣) نسب القرطبي هذا القول للأخفش في الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩١٧. ولكن حينما رجعت إلى كتاب معاني القُرْآن. صنفه الأخفش الأوسط. الإِمَام أبو الحَسَن سعيد بن مسعده المجاشعي البلخي البصري. ت ٢١٥ هـ. تحقيق: د. فائز فارس. ط١ ١٤٠٠ – ١٩٧٩. ط٢ ١٤٠١ – ١٩٨٠. ٢/ ٦٥٢ وجدته يقول بأن معنى (فارغًا) من الوحي، ولا يقول بأنه فارغًا من الحزن.\n(٤) تفسير غريب القُرْآن. ابن قتيبة. ت ٢٧٦ هـ. تحقيق: أحمد صقر. مطبعة البابي الحلبي. مصر. ١٣٢٩ هـ.: ص ٣٢٨.","vol":"1","page":291},{"text":"وقال الطبري: \" هذا قول لا معنى له لخلافه قول جميع أهل التأويل \" «١» .\nوقال أبو حيان: \" وهذا فيه بعد، وتبعده القراءات الشواذ التي في اللفظة \" «٢» .\nوقد ردّ الشيخ زاده على هذه الردود بقوله: \" الحصر ممنوع، فأنه تعالى كما يربط على قلب الجازع الحزين يربط على قلب الواثق بوعد الله تعالى وضمانه، ومعنى الربط على القلب إلهامه الصبر وتقويته، كما يربط على الشيء المتقلب ليقرّ ويطمئن \" «٣» .\nالقول الرابع: أصبح فؤادها فزعًا، أو نافرًا. قاله العلاء بن زياد. وقال الكسائي: ذاهلًا. وقيل: والهًا، قاله سعيد بن جبير، وهو ذهاب العقل. والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ «٤»، أي: جوفى لا عقول بها، وذلك أن القلوب مراكز العقول ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ «٥» . ويستدلون على قولهم بقراءة من قرأ: (أصبح فؤاد أم موسى فَزعًا) بزاي معجمة «٦» .\nوالذي أراه: أن أولى الآراء ملاءمة مع النص القرآني هو قول من قال بأن معناه أن فؤاد أم موسى أصبح فارغًا من كل شيء إلا من هم موسى، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ من شدة الخوف على ولدها، فلم يبق لها أي تفكير سوى تفكيرها بسلامة ولدها.\n٢. ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾:\nأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال في معناها: كادت أن تقول وا أبناه «٧» .\n_________\n(١) جامع البيان: ١٠ /٣٦.\n(٢) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٧.\n(٣) حاشية الشيخ زاده: ٢ /٥٠٦.\n(٤) سُوْرَة إِبْرَاهِيمُ: الآية ٤٣.\n(٥) سُوْرَة الحَجِّ: الآية ٤٦.\n(٦) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩١٧.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم: ٩ /٢٩٤٧.","vol":"1","page":292},{"text":"وأخرج القرطبي عن السدي: كادت تقول لما حُمِلت لإرضاعه وحضانته: هو ابني. وقيل: \" إنه لما شَبَّ سمعت الناس يقولون موسى بن فرعون، فشق عليها وضاق صدرها وكادت تقول هو ابني \" «١» .\n٣. ﴿لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾:\nقال قتادة: بالإيمان. وقال السدي: بالعصمة «٢» .\n٤. ﴿لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾:\nأي: المصدقين بوعد الله تعالى أو من الواثقين بحفظه لا بتبني فرعون وتعطفه، فالمراد بالمؤمنين المصدقون بوعد الله «٣»، فاستعمل الإيمان هنا بمعناه اللغوي دون الشرعي، لأنها كانت من المؤمنين من قبل أو أريد من كاملات الإيمان «٤» .\n\n٥. ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾:\nأي: اتبعي أثره وانظري أين وقع وإلى من صار، يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره متعرفًا حاله «٥» .\nوفي اسم أخت موسى قولان:\nالقول الأول: مريم بنت عمران، وافق اسمها اسم مريم أم عيسى (- ﵇ -) ذكره السهيلي والثعلبي.\nالقول الثاني: ذكره الماوردي عن الضحاك أن اسمها كلثمة. وقيل: كلثوم «٦» .\nفإن قيل: ما الغرض من التعبير القرآني بلفظ (لأخته) دون أن يقال: (لبنتها)؟\nقال أبو السعود: للتصريح بمدار المحبة الموجبة للامتثال بالأمر «٧» .\n٦. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾:\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٧٢.\n(٢) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٧٢. الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦ /٣٩٥.\n(٣) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٥.\n(٤) التحرير والتنوير: ٢٠ /٨٢.\n(٥) ينظر الوسيط: ٣/ ٣٩٢.\n(٦) ينظر النُّكَت والعُيون: ٣ /٢١٩.الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٧٢.\n(٧) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٥.","vol":"1","page":293},{"text":"قال ابن عباس (- ﵁ -): أبصرته. قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى واحد «١» . والفاء فصيحة، أي: فقصت أثره فبصرت به. (عن جنب) قال قتادة: تنظر إليه كأنها لا تريده «٢» .\nوقيل: \" عن شوق إليه حكاه أبو عمرو \" «٣» .\nوأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قوله: \" بصرت به وهي مجانبة لم تأته \". وإخراج عن مجاهد قوله: \" عن بعيد \" «٤» .\n(وهم لا يشعرون) . قال المراغي: \" أي وهم لا شعور لهم بما خبأه لهم القدر، وبما يؤول إليه أمرهم معه من عظائم الأمور التي تؤدي إلى هلاكهم، وإنما علم ذلك لدى علام الغيوب \" «٥» . وسياق الأمر يشعر بالحنان في كلام أخت أم موسى (- ﵇ -) على ما يظهر في المعاني المستنبطة من كلامها.\n٧. ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾:\nقال ابن عاشور: \" هو تحريم تكويني، أي: قدرنا في نفس الطفل الامتناع من إلتقام أثداء المراضع وكراهيتها ليضطر آل فرعون إلى البحث عن مرضع يتقبل ثديها \" «٦» .\nو(المراضع): \" جمع مُرضِع، وهي المرأة التي ترضع أو جمع مَرضَع وهو موضع الرضاع، أي: الثدي أو الرضاع \" «٧» . وقيل: المقصود بذلك المراضع المحضرة التي أحضرها فرعون «٨» .\n_________\n(١) ينظر روح المعاني: ٢٠/٥٠.\n(٢) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٧٣.\n(٣) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٧.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم: ٩ /٢٩٤٨.\n(٥) ينظر تفسير المراغي: ٢٠ /٣٩ –٤٠.\n(٦) التحرير والتنوير: ٢٠ /٨٣.\n(٧) مفاتيح الغيب: ٢٠ /٢٣٠. مدارك التنزيل وحقائق التَّأؤيِل. المعروف بتفسير النسفي. عَبْد الله بن احمد بن محمود النسفي. ت ٧١٠ هـ. دار الكِتَاب العربي. طبع بهامش تَفْسِير الخازن. مؤسسة الرسالة. بيروت. لبنان. (د. ت.) .: ٣ / ٢٢٨.\n(٨) الفُتُوحَات الإِلَهِية: ٣ /٣٣٨.","vol":"1","page":294},{"text":"(من قبل) \" أي: من قبل قصها أثره \" «١» .\n٨. ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾:\nقال ابن عاشور: \" الفاء فصيحة تؤذن بجملة مقدرة، أي: فأظهرت أخته نفسها كأنها مرت بهم عن غير قصد، وإنما قالت ذلك بعد أن فشا في الناس طلب المراضع له، وتبديل مرضعة عقب أخرى، حتى عرض على عدد كثير في حصة قصيرة، فعرضت أخته سعيها في ذلك بطريق الاستفهام المستعمل في العرض تلطفًا مع آل فرعون، وإبعادًا للظنة عن نفسها \" «٢» .\nيقول الباحث: إن أخت موسى قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ولم تقل على أم ترضعه؟ فلماذا كان ذلك؟\nوقال البقاعي: \" لتوسع دائرة الظن \" «٣»، أي: أرادت أن تبعد معرفتها بهذه المرأة المرضعة وصلتها بالطفل الرضيع.\nوذكر الآلوسي تخريجًا آخر \" وهو أن المراد بذلك امرأة من أهل الشرف تليق بخدمة الملوك \" «٤» .\nوالذي أراه أن المعنى الأول اقرب لأن الموقف صعب جدًا على أخت موسى، فأرادت بأي طريقة أن تخفي هوية هذا الطفل، وهوية المرضعة.\n(يكفلونه) \" أي: يضمونه ويقومون بشؤونه ويرضعونه \" «٥» .\n(وهم له ناصحون): أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: \" فأخذوها فقالوا: ما يدريك ما نصحهم له وشفقتهم عليه؟ هل تعرفونه؟ حتَّى شكوا في ذلك، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صهر الملك رجاء منفعة فأرسلوها \" «٦» .\n_________\n(١) محاسن التأويل: ١٣ /٤٦٩٨.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ /٨٣.\n(٣) نظم الدرر: ٥/ ٤٦٩.\n(٤) روح المعاني: ٢٠ /٥٠.\n(٥) التفسير الفريد للقرآن المجيد. د. مُحَمَّد فريد وجدي. الطبعة الثالثة. دار الزهراء. القاهرة. ١٩٧٦ م.: ٣ /٢٣٥٨.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم: ٩ /٢٩٥٠.","vol":"1","page":295},{"text":"وأخرج عن السدي: \" فأخذوها فقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله؟ فقالت: ما أعرفه، ولكن إنما هم للملك ناصحون، فلما جاءت أمه أخذ منها \" «١» .\n٩. ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ﴾:\nقال القرطبي: \" أي: رددناه. وقد عَطّف الله قلب العدو عليه، ووفينا لها بالوعد كي تقرعينها ولا تحزن \" «٢» .\nقال البقاعي: \" أي: تبرد وتستقر عن الطرف في تطلبه إلى كل جهة، وتنام بإرضاعه وكفالته في بيتها آمنة لا تخاف \" «٣» .\n١٠. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾:\nقال ابن كثير: \" أي: فيما وعد من رده إليه وجعله من المرسلين فحينئذ تحققت برده إليها إنه كائن من المرسلين \" «٤» .\n١١. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾:\nفيها أربعة وجوه:\nأحدهما: ولكن اكثر الناس في ذلك العهد وبعد لا يعلمون لإعراضهم عن النظر في آيات الله.\nثانيًا: قال الضحاك، ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعقلون أن الله وعدها برده إليها.\nثالثًا: هذا كالتعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى (- ﵇ -) فجزعت وأصبح فؤادها فارغًا.\nرابعًا: أن يكون المعنى أنا إنما رددناه إليك لتعلم أن وعد الله حق، والمقصود الأصلي من ذلك الرد هذا الغرض الديني، ولكن الأكثر لا يعلمون أن هذا هو الغرض الأصلي «٥» .\nما يستفاد من النصّ\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم: ٩ /٢٩٥٠.\n(٢) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٧٤.\n(٣) نظم الدرر: ٥/ ٤٧٠.\n(٤) تفسير القرآن العظيم: ٣ /٣٨٢.\n(٥) مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٣١.","vol":"1","page":296},{"text":"أولًا. الفرج بعد الشدة قد يكون سريعًا، وقد يكون بعد حين. وكل ذلك بمشيئة الله وحكمته، فهو الذي يدفع الضر عن الإنسان، ويأتي بالفرج بعد الشدة، فعلى المسلم أن يتوجه إلى ربه لرفع ما حل به من شدة وضرر، ولكن لا يجوز له أن يوقت لله تعالى، فقد يكون سريعًا، وقد يكون بعد حين. فمن أمثلة الفرج السريع ردّ موسى وهو رضيع إلى أمه بعد أن ألقته في اليم «١» . قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ﴾، فقال ابن كثير: \" ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل يوم وليله \" «٢» . وأمثلة الفرج بعد أمد إرجاع سيدنا يوسف (- ﵇ -) لوالده يعقوب (- ﵇ -) بعد عشرات السنين. وحصول الفرج لسيدنا أيوب (- ﵇ -) بعد أن لازمه المرض سنين عديدة. قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ «٣» . فمن ذلك يتبين لنا أن الله مع المؤمنين الصابرين يعزهم بنصره، بعد أن يبتليهم بالشدائد والمصائب، فعلى المؤمنين أن يصبروا في الشدائد ويلتجئوا إلى الله تعَاَلىَ بالدعاء، ولا يستعجلون النصر، مع الأخذ بالأسباب.\nثانيًا. في قوله تعالى ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ إضافة إلى ما قاله المفسرون في تفسيرهم لقوله تعالى ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ينقدح في ذهن الباحث أن هناك إشارة واضحة أراد الله جل وعلا أن ينفي الألوهية عن فرعون، وينفي كذلك علمه بالغيب، إذ لو كان إلهًا كما يدعي لأمكنه أن يتعرف على هوية الطفل، فأراد الله جل وعلا أن يظهر كذب فرعون بادعائه الألوهية من خلال واقع ملموس وتجربه حية.\n_________\n(١) ينظر المستفاد من قصص القرآن: ١ /٣٦٢.\n(٢) تفسير القرآن العظيم: ٣ /٣٨٢.\n(٣) سُوْرَة الأنْبِيَاءِ: الآية ٨٣.","vol":"1","page":297},{"text":"وذلك نظير ما كان يعتقد الناس في زمن سيدنا سليمان (- ﵇ -) أن الجن تعلم الغيب. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ «١»، ولم يستطع سيدنا سليمان (- ﵇ -) أن يغير قناعة الناس، فأراد الله جل في علاه من خلال إماتته لسيدنا سليمان وهو متكأ على عصاه والجن تخدمه ولم يعلموا بذلك إلا بعد أن أكلت الإرضة عصاه فخرّ، وحينها تأكد للجميع أن الجن لا تعلم الغيب، من خلال واقع ملموس.\nثالثًا. ما في قوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ من الإشارة إلى تذكير المؤمنين في كل زمان بأن النصر الذي وعدهم إياه حاصل لا محالة، وفيه إنذار للظالمين ولأعداء الإسلام بأن وعيد الله لهم لا مفرّ لهم منه، فالثقة واليقين بنصر الله سبيل الراشدين والفائزين بالنصر، ولابد للمسلم أن لا يتأثر بما يوضع لهم من عراقيل، بل إن ذلك يزيدهم طموحًا وتفاؤلًا، لأنه واثقًا بنصر الله، فالمؤمنون هم المتفائلون، وغيرهم البائسون، وآيات البشارة مبثوثة في آيات كثيرة من القرآن الكريم منها:\n﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾ «٢» .\n﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة سَبَأ: الآية ١٤.\n(٢) سُوْرَة الصَّافَاتِ: الآية ١٧٣.\n(٣) سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية ٣٣.","vol":"1","page":298},{"text":"﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ «١» .\n﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «٢» .\nفي هذه الآيات أخبر الباري ﷾ أن من سنته في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين ولكن متى؟ إذا قاموا بنصر دينه، وإذا قاموا بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فقد وعد الله باستخلافهم في الأرض وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى ﴿يَاءيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الثاني: سيدنا موسى (- ﵇ -) في مرحلة البلوغ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المطلب الأول: سيدنا موسى (- ﵇ -) يهبه الله الحكم والعلم</span>\n﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ «٤»\nالمناسبة\n_________\n(١) سُوْرَة النُّوْرِ: الآية ٥٥.\n(٢) سُوْرَة الرُّوْمِ: الآية ٤٧.\n(٣) سُوْرَة مُحَمَّد (- ﷺ -): الآية ٧.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٤.","vol":"1","page":299},{"text":"نلاحظ أن النص القرآني قد تحدث عن المرحلة التي سبقت ميلاد سيدنا موسى (- ﵇ -) بصورة موجزة، ثم فترة ولادته وإرضاعه، ولم يتحدث عن الفترة التي هي ما بين إرضاعه إلى أن بلغ أشده واستوى. فمن الطبيعي أن أم موسى بعد أن أكملت إرضاعه عادت به إلى قصر فرعون وتربى فيه وهو صغير، بدليل قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ «١» .\nقال البقاعي في هذا الصدد: \" ولما استقر الحال على هذا المنوال عُلم أنه ليس بعده إلا الخير والإقبال والعز بتبني فرعون له والجلال، فترك ما بينه وبين السن الصالح للإرسال وقال مخبرًا عما بعد ذلك من الأحوال ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ \" «٢» .\nوقال ابن عاشور: \" هذا اعتراض بين أجزاء القصة المرتبة على حسب ظهورها في الخارج، وهذا الاعتراض نشأ عن جملة ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ «٣»، فأن وعد الله لها قد حُكي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ «٤»، فلما انتهى إلى حكاية رده إلى أمه بقوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ «٥» إلى أخره كمّل ما فيه وفاء وعد الله إياها بهذا الاستطراد في قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، وإنما أوتي الحكم أعني النبوءة بعد خروجه من أرض مدين كما سيجيء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ «٦» \" «٧» .\n_________\n(١) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية ١٨.\n(٢) نظم الدرر: ٥ /٤٧٠.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٩.\n(٧) التحرير والتنوير: ٢٠ /٨٧.","vol":"1","page":300},{"text":"تحليل الألفاظ\n١. ﴿بَلَغَ﴾:\nبَلَغَ الشيء يَبلَغُ بُلُوغًا وبَلاغًا: وصل وانتهى «١» .\n٢. ﴿أَشُدَّهُ﴾:\nشدد الشّدّة: الصلابة، وهي نقيض اللين تكون في الجواهر والأعراض، والجمع شِدَدٌ. وعن سيبويه قال: جاء على الأصل لأنه لم يشبه الفعل وقد شَدَّه يَشُدَّه ويَشِدَّه شَدًَّا فَاشْتَدَّ، وكل ما أحكم فقد شُدَّ وشُدِّدَ.\nوالأشُدّ: مبلغ الرجل الحُنْكَةَ والمَعْرِفَة. قال الفراء: الأَشُدُّ واحدها شُدّ في القياس، قال: ولم أسمع لها بواحد. وقا أبو الهيثم: وواحدة الأَنْعُم نعْمَة وواحدة الأَشُدَّ شِدَّة. قال: والشِّدَّة القوة والجلادة، والشَّدِيد الرجل القوي.\nوقال الأزهري: الأشُدّ في كتاب الله تعالى في ثلاثة معان يقرب اختلافها، فأما قوله تعالى في قصة يوسف (- ﵇ -): ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ «٢» فمعناه الإدراك والبلوغ، وحينئذ راودته امرأة العزيز عن نفسه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ «٣»، قال الزجاج: معناه احفظوا عليه ماله حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله. قال: وبلوغه أشُدّه أن يؤنس منه الرُّشْد مع أن يكون بالغًا.\nوأما قوله في قصة سيدنا موسى (- ﵇ -): ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾، فإنه قرن بلوغ الأشد بالاستواءِ، وهو أن يجتمع أمره وقوته ويكتهل وينتهي شبابه.\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (بلغ) ٨ /٤١٩.\n(٢) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ٢٢.\n(٣) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٥٢. سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٣٤.","vol":"1","page":301},{"text":"وأما قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ «١»، فهو أقصى نهاية بلوغ الأشد، وعند تمامها بعث النبي محمد (- ﷺ -) وقد اجتمعت حُنكته وتمام عقلهِ «٢» .\n٣. ﴿وَاسْتَوَى﴾:\nقال الليث: الاسْتِواء فعل لازم من قولك سَويْتُه فاستوى. قال أبو الهيثم: العرب تقول استوى الشيء مع كذا وكذا وبكذا، إلاّ قولهم للغلام إذا تمَّ شبابه: قد استوى. واستوى الشيء: اعتدل، والاسم السواء، يقال: سَوَاءُ عَليَّ قمتَ أو قعدت، واستوى الرجل بلغ أَشُدّه. وقيل: بلغ أربعين سنة «٣» .\n٤. ﴿حُكْمًا﴾:\nقال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى الحَكَم والحَكِيمُ، وهما بمعنى الحَاكِم وهو القاضي، فهو فعيل بمعنى فاعِل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، والحُكم العلم والفقه قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ «٤» أي: علمًا وفقهًا، هذا ليحيى بن زكريا. والحُكْم العِلْم والفِقْه والقَضَاء بالعَدْل، وهو مصدر من حَكَم يَحْكُم. والعرب تقول: حَكَمْت وأَحْكَمْت وحَكَمْت بمعنى مَنَعْت ورَدَدْتُ، ومن هذا قيل للحاكم بين الناس: حَاكِم لأنه يمنع الظالم من الظلم «٥» .\n٥. ﴿وَعِلْمًا﴾:\nمن صفات الله ﷿ العَلِيْم والعَالِم والعَلاّمُ. والعِلمُ نقيض الجهل عَلِم عِلْمًا وعَلُمَ هو نفسه، ورجل عَالِم وعَلِيم من قوم عُلَمَاء فيهما جميعًا \" «٦» .\n_________\n(١) سُوْرَة الأَحْقَافِ: الآية ١٥.\n(٢) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (شدد) ٣ /٢٣٢ –٢٣٦.\n(٣) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (سوي) ١٤ / ٤١٠ – ٤١٤.\n(٤) سُوْرَة مَرْيَمْ: الآية ١٢.\n(٥) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (حكم) ١٤ /١٤١ –١٤٤.\n(٦) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (علم) ١٢ /٤١٦ –٤١٧.","vol":"1","page":302},{"text":"وقال الراغب الأصفهاني: \" العِلْمُ إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما إدراك الشيء. والثاني الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه. والعلم من وجه ضربان: نظري وعملي، فالنظري ما إذا عُلِمَ فقد كَمَلَ نحو: العِلْم بِمُوجُودَات العالم، والعملي مالا يتم إلا بأن يعمل كالعِلْم بالعبادات، ومن وجه آخر عقلي وسمعي \" «١» .\nالمعنى العام\n١. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ .\nقد اختلف العلماء في مدة بلوغ الأشد إلى تسعة أقاويل:\nإحداهما: أربعون سنة قاله الحسن.\nالثاني: أربع وثلاثون سنة، قاله سفيان.\nالثالث: ثلاث وثلاثون سنة، قاله ابن عباس.\nالرابع: ثلاثون سنة، قاله السدي.\nالخامس: خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة.\nالسادس: عشرون سنة، حكاه يحيى بن سلام.\nالسابع: ثماني عشرة سنة، قاله ابن جبير.\nالثامن: خمس عشرة سنة، قاله محمد بن قيس.\nالتاسع: الحلم، قاله ربيعه، ومالك.\nوالذي نراه أن لا فائدة تذكر في ترجيح أي من هذه الآراء على الرأي الآخر، مما لا توجب علمًا ولا عملًا على ما قاله الأقدمون، بل هي منصوصة بأية أخرى دالة على أن بلوغ الأشد يكون ببلوغ الأربعين سنة، وهي قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ «٢» .\n٢. ﴿وَاسْتَوَى﴾:\nفيه كذلك أربعة أقوال:\nأحدهما: اعتدال القوة.\nالثاني: خروج اللحية.\nالثالث: أي استحكم وانتهى شبابه واستقر، فلم تكن فيه زيادة «٣»\nالرابع. أربعون سنة «٤» .\nوقد اختلوا في مدة الاستواء إلى قولين:\n_________\n(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٥٦.\n(٢) سُوْرَة الأَحْقَافِ: الآية ١٥.\n(٣) غريب القرآن (ابن قتيبة): ص ٣٢٩.\n(٤) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٢.","vol":"1","page":303},{"text":"أحدهما: إنه أربعون سنة، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد.\nوالثاني: ستون سنة، ذكره ابن جرير «١» .\nوالذي أراه أنه (أربعون سنة) بقرائن الآيات الأخرى، وهي من إرسال المرسلين - عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام ـ.\nوقد ذكر الرازي اختلافًا آخر في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾، فذكر فيها قولين:\nأحدهما: إنهما بمعنى واحد وهو استكمال القوة واعتدال المزاج والبنية.\nالثاني: وهو الأصح إنما معنيان متغايران.\nثم اختلوا على وجوه:\nالأشد عبارة عن كمال القوة الجسمانية البدنية، والاستواء عبارة عن كمال القوة العقلية.\nالأشد عبارة عن كمال القوة، والاستواء عبارة عن كمال البنية والخلقة.\nقال ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر سنة إلى الثلاثين، ثم من الثلاثين سنة إلى الأربعين يبقى سواء من غير زيادة ولا نقصان، ومن الأربعين يأخذ في النقصان «٢» .\nوالذي يحسم الخلاف في ذلك كله هو قوله الآلوسي ﵀ والذي أرى أنه الراجح، \" بأن البلوغ الأشد عبارة عن بلوغ القدر الذي يتقوى فيه بدنه وقوه الجسمانية، وينتهي فيه نموه المعتد به. والاستواء اعتدال عقله وكماله، ولا ينبغي تعين وقت لذلك في حق موسى (- ﵇ -) إلا بخبر يعول عليه، ولأن الوقت يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال \" «٣» .\nومن المشهور أن الله لم يبعث نبيًا قبل الأربعين، والسر في ذلك لأن قوى الإنسان الجسمانية من الشهوة والغضب والحس قبل الأربعين قوية مستكملة، فيكون الإنسان منجذبًا إليها، فإذا انتهى إلى الأربعين أخذت القوى الجسمانية في الانتقاص، والقوة العقلية في الازدياد فهناك يكون الرجل أكمل ما يكون «٤» .\n_________\n(١) زَاد المَسِيْر: ٦ /٢٠٧.\n(٢) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٣٢.\n(٣) روح المعاني: ٢٠ /٥١.\n(٤) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٣٢.","vol":"1","page":304},{"text":"٣. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾:\nوقد قيل في المراد بالحكم أربعة أقوال:\nإنه العقل، قاله عكرمة.\nالنبوة، قاله السدي أو علمًا على ما هو من خواص النبوة على ما تأول به بعضهم كلامه.\nالقوة، قاله مجاهد.\nالفقه، قاله ابن إسحاق.\nويحتمل أن يراد به علم الحكماء وأخلاقهم «١» .\nوذكر الزمخشري \" أن المراد بالحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم \" «٢»، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ «٣» .\nوقد ذكر الرازي أنه قد يعترض معترض على من قال إن معنى الحكمة: النبوة وما يقترن بها من العلوم والأخلاق، فتكون النبوة قبل قتل القبطي، فسياق الآيات يخالف ذلك، فإن الله قد أعطاه الحكم والعلم، ثم دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ .\nويجيب: ليس في الآيات دليل على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القطبي أو بعده، لأن الواو في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ لا تفيد الترتيب «٤» .\nوالذي أرجحه هو قول الشيخ زاده بأن المراد بالحكم علم الحكماء وأخلاقهم (٥)، ولا يمكن أن يراد به النبوة لما يأتي:\nأولًا: لقوله تعالى في نهاية الآيات ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، فجعل الله إيتاء الحكم والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة اصطفاء من الله لا تأتي جزاء على عمل.\n_________\n(١) ينظر النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٢٠. حاشية الشيخ زاده: ٢ /٥٠٧.\n(٢) الكَشَّاف: ٣ /١٦٨.\n(٣) سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية ٣٤.\n(٤) مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٣٢. وينظر حاشية الشيخ زاده: ٢ /٥٠٧.\n(٥) حاشية الشيخ زاده: ٢ /٥٠٧.","vol":"1","page":305},{"text":"ثانيًا: لو كان المراد بالحلم والعلم النبوة لوجب حصول النبوة لكل من كان من المحسنين «١» لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ .\nوقد اختلف العلماء كذلك في المراد بالعلم إلى ثلاثة أوجه:\nأحدهما: إنه الفهم.\nالثاني: الفقه.\nالثالث: العلم بما في دينه من شرائعه وحدوده «٢» .\nوالرأي الراجح عندي إنه العلم بما في دينه لأنه مما أوحي إليه.\n٤. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾:\n\" أي: كما جزينا أم موسى لما استسلمت لأمر الله وألقت ولدها في البحر وصدقت بوعد الله فرددنا ولدها إليها، ثم وهبنا له العقل والحكمة والنبوة، وكذلك نجزي كل محسن \" «٣» .\n\nما يستفاد من النصّ\n_________\n(١) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٣٢.\n(٢) ينظر النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٢٠.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٧٥.","vol":"1","page":306},{"text":"نستدل من هذه الآية على عصمة الأنبياء فإن سيدنا موسى (- ﵇ -) مع أنه عاش في بيت فرعون لم يتأثر بالجو الديني والأخلاقي الفاسد في داخل القصر، إن الله جل وعلا قد حماه منذ ولاته إلى أن بلغ، فنجاه من القتل، وحماه من الغرق، وحماه وهو في قصر فرعون من أن يصاب برذاذ الكفر والأخلاق الفاسدة، فلم يلج الكفر قلبه صغيرًا كان أو كبيرًا، وأنه رضع عقيدة التوحيد والإيمان بالله مع لبن أمه، كيف لا وقد تعهد الله بحفظه بقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ «١» . فقد كان مؤمنًا بالله، منيبًا إليه، وتبين ذلك من خلال ندمه وطلب المغفرة من الله حينما ضرب القبطي فقتله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ «٢» . ومما هو معروف أن هذه الحادثة قد وقعت قبل نبوته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المطلب الثاني: سيدنا موسى (- ﵇ -) يقتل قبطيًا خطأً</span>\n_________\n(١) سُوْرَة (طَه): الآية ٣٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ١٦ -١٧.","vol":"1","page":307},{"text":"﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِين﴾ «١» .\nالمناسبة\nبعد أن أوضحت الآيات السابقات الإرهاصات التي تسبق نبوته (- ﵇ -)، وذلك بإتيانه الحكم والعلم بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ . فقد أخبرت هذه الآيات سبب هجرته (- ﵇ -) إلى مدين، وجملة ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ عطف على جملة ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ «٢» عطف جزء القصة على جزء أخر منها.\nوقد علم موسى أنه من بني إسرائيل لعلمه بأن أمه كانت تتصل به في قصر فرعون، وكانت تقصّ عليه نبأه كله «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ١٥ -١٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٣) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /٨٨.","vol":"1","page":308},{"text":"فنلاحظ كيف أفاد العطف في الإجابة عن ما تبادر إلى الذهن من سؤال: هو كيف علم إنه إسرائيلي؟ وذلك عن طريق أمه التي جيء بها لإرضاعه في قصر فرعون، فمن ذلك يتبين لنا الإعجاز القرآني في استخدام الإشارات القرآنية للتعبير عن معاني كامنة اكتفى الَقُرْآن الكَرِيم بالإشارة إليها باستخدامه للعطف.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿الْمَدِينَةَ﴾:\nمَدَنَ بالمكان أقام به، فِعْل، ومنه المَدِينَة وهي فَعِيلة وتجمع على مدائن بالهمز. ومُدْن ومُدُن بالتخفيف والتثقيل. وفيه قول آخر إنه مفعلة من دَنَت، أي: ملكت. قال ابن بري: لو كانت الميم في مدينة زائدة لم يجز جمعها على مُدْن. وفلان مَدَّنَ المَدَائِن، كما يقال: مصّر الأمصار والمدينة الحصن، وكلّ أرض يبنى بها حصن فهي مدينة، والنسبة إليه مديني، والجمع مدائن ومدن «١» .\n٢. ﴿غَفْلَةٍ﴾:\nغَفَل عنه يغَفْل غُفُولًا وغَفْلةً وأَغْفَلَه عنه: غيره. وأَغْفَلَه تركه وسها عنه «٢» . وقال الراغب الأصفهاني: \" الغَفْلَة سهوٌ يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، يقال: غفل فهو غافل \" «٣» .\n٣. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾:\nغوث، أجاب الله غَوْثاه وغُواثَه وغَواثَه. وحكى ابن الإعرابي: أجاب الله غِياثَه. والغُواث بالضم الإغاثة، وغَوَّث الرجل واسْتَغَاث صاح واغَوْثَاه، والاسم الغَوْث الغُواث والغَواث بالفتح كالغِيّاث بالكسر من الإغاثة. وقال الراغب الأصفهاني: \" الغَوْث يقال في النصرة، والغَيْث في المطر \" «٤» .\n٤. ﴿فَوَكَزَهُ﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (مدن) ١٣ /٤٠٢. وينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٨٥.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (غفل) ١١ /٤٩٧.\n(٣) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٧٥.\n(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٧٩.","vol":"1","page":309},{"text":"وَكَزَه وَكْزًا: دفعه وضربه، مثل نَكَزه. والتَّوْكز الطعن، ووَكَزَه أيضًا طعنه بجُمْعِ كفه. وقيل: وَكَزَه، أي: ضربه بجمع يده على ذقنه. وقال الكسائي: وَكَزته ونَكَزْتُه ونَهَزْتُه ولَهَزْتُه بمعنى واحد «١» . وقال الزمخشري: \" الوَكْز الدفع بأطراف الأصابع. وقيل: بجمع الكف \" «٢» وقيل: الوَكْز الضرب في الصدر «٣» . وقيل: الوَكز على القلب، واللَكْز في اللحى. وقال أبو زيد: في جميع الجسد وقال: هو بالجُمْع في اللهازم والرقبة «٤» .\n٥. ﴿الشَّيْطَانِ﴾:\nوهو البعيد عن الحق ومنه شَطَنَتْ الدابة شَطَنَت شُطُونًا، أي: بعدت، ومنه نوا شُطونًا بعيدًا شاقة. والشَّطْن مصدر شَطَن بَشْطُنه شطانًا أي: خالفه عن\nوجهه (٥» .\nوذكر قسم من العلماء على وزن فيعال من شَطَن إذا بعد. وقال قسم من العلماء: إنها زائدة على وزن فعلان من شَاط يَشِيط إذا هلك واحترق مثل هيمان وغيمان من همام وغام «٦» .\n_________\n(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (وكز) ٥ /٤٣٠.\n(٢) الكَشَّاف: ٣٠ /١٨٦.\n(٣) ينظر لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٢٧.\n(٤) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٧٦.\n(٥) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (شطن) ١٣/ ٢٣٨ –٢٣٩. وينظر تاج العروس من جواهر القاموس، الزَّبَيْدِيّ، محيي الدين أبو الفضل محمد مرتضى الحسيني الواسطي الحنفي، ت ١٢٠٥ هـ، مطبعة حكومة الكويت. ١٣٨٦ – ١٣٩٦ هـ: مادة (شطن) ١٥/ ٣٥٣.\n(٦) ينظر تفسير القرآن العظيم: ١ /١٦.","vol":"1","page":310},{"text":"والذي يبدو لي أن الكلمة تدلّ على المعنيين، فتدل على البعد، لأن الشيطان بعيد عن الحق والصواب، وتدلّ كذلك على الاحتراق لأن الشيطان محترق بذنوبه. فلفظ الشيطان يطلق على كل متمرد من الجن والإنس والحيوان. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ «١» . وركب سيدنا عمر (- ﵁ -) برذونًا فطفق يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل فقال: «ما حملتموني إلا على شيطان» «٢» .\n٦. ﴿ظَهِيرًا﴾:\nالتظاهر التعاون والتساعد، واسْتَظْهَر به، أي: استعان. وظَهَرتُ عليه: أعنته، وظَهَر عليّ أعانني كلاهما عن ثعلب. وتَظَاهَرُوا عليه تعاونوا. وظَاهَر بعضهم بعضًا أعانه. والظَّهِيْر العون الواحد والجمع في ذلك سواء، وإنما لم يجمع ظهير لأن فعيلًا وفعولًا قد يستوي فيها المذكر والمؤنث والجمع «٣» .\n٧. ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية ٣١.\n(٢) مسند الإمام أحمد: ٥ /١٧٨. سُنَن النَّسَائي الكبرى. أحمد بن شُعَيب بن عَلِيّ بن عَبْد الرَّحْمَن النسائي أبو عَبْد. (٢١٥ - ٣٠٣) . تحقيق: د. عَبْد الغفار سليمان البنداري. وسيد كسروي حسن. دار الكتب العلمية. بيروت. ط١. ١٤١١ هـ - ١٩٩١م.: ٨ /٢٧٥. المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. ضياء الدِّيْن نصر الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَرِيْم الموصلي أبو الفتح. ت ٦٣٧ هـ. تحقيق: مُحَمَّد محيي الدِّيْن عَبْد الحميد. المكتبة العصرية. بيروت. ط١. ١٩٩٥ م.: ١ /١٦٠.\n(٣) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (ظهر) ٤/ ٥٢٥.","vol":"1","page":311},{"text":"الجُرْم التَّعْدي، والجرم الذنب والجمع أجْرام وجُرُوم وهو الجَرِيمَة وقد جَرَم يَجْرِم جُرْمًَا واجْتَرَم وأَجْرَم، فهو مُجْرِم وجَرِيم وتَجَّرَم عليَّ فلان، أي: ادعى ذنبًا لم أفعله. وجَرَم إليهم وعليهم جَرِيمَة وإِجْرَام جنى جناية، وجَرُم إذا عظم جُرْمُه، أي: أذنب، والجُرْم مصدر الجَارِم الذي يَجْرِم نفسه وقومه شرًّا. الجَارِم الجَانِي: المُجْرِم المُذْنِب «١» .\n٨. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾:\nرَقَبَه يَرْقَبَه رِقْبَةً ورِقْبَانًا بالكسر فيها، ورُقُوبًا وتَرَقَّبَه وارْتَقَبَه انتظره ورصده. والتَّرَقُّب الانتظار، وكذلك الارْتِقَاب، والتَّرَقُب تَنَظُّرُ وتَوَقُّع شيء «٢» .\nوتفسير الرقيب على وجهين:\nالوجه الأول: يعني حفيظًا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ «٣» يعني حفيظًا لأعمالكم.\nالوجه الثاني: يعني الانتظار لقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ «٤» .\n٩. ﴿اسْتَنصَرَهُ﴾:\nالاسْتِنْصار: اسْتِمْدَاد النَّصْر. واسْتَنْصَرَه على عَدُوّه، أَي: سأَله أَن ينصُره عليه. والتَّناصُر: التَّعاون على النَّصْر. وتَنَاصَرُوا نَصَر بعضُهم بعضًا. والنَّصِير فعيل بمعنى فاعِل أَو مفعول لأَن كل واحد من المتَناصِرَيْن ناصِر ومَنْصُور. وقد نصَره ينصُره نصْرًا إِذا أَعانه على عدُوّه وشَدَّ منه «٥» .\n١٠. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾:\n_________\n(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (جرم) ١٢ /٩١.\n(٢) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (رقب) ١ /٤٢٤.\n(٣) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ١.\n(٤) سُوْرَة الدُّخَانِ: الآية ٥٩.\n(٥) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (نصر) ٥ /٢١٠.","vol":"1","page":312},{"text":"الصَّرْخَة: الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة. الصارخ والصريخ: المستغيث. وقيل: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث والمستصرخ المستغيث، والاستصراخ الاستغاثة، صرخ فلان يصرخ صراخًا إذا استغاث فقال: واغوثاه واصرختاه «١» .\n١١. ﴿يَبْطِشَ﴾:\nالبَطْش: التناول بشدة عند الصَّوْلة، والأَخذُ الشديدُ في كلّ شيء بطشٌ؛ بَطَشَ يَبْطُش ويَبْطِش بَطْشًا. والبَطْشُ: الأَخذ القويّ الشديد. والبَطْشة: السَّطْوة والأَخذُ بالعُنْف.\nووردت البطش في القرآن على وجهين:\nالوجه الأول: العقوبة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ «٢» .\nالوجه الثاني: البطش القوة ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ «٣» يعني قوة «٤» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾:\nقرأ أبو طالب القارئ: (على حِينَ) بفتح النون، ووجهه أنه أجرى المصدر مجرى الفعل، كأنه قال: على حين غفل أهلها فبناه، كما بناه حين أضيف إلى الجملة المصدرة بفعل ماض كقوله: (على حين عاتبت المشيب على الصبا) . وقال أبو حيان: هذا توجيه شذوذ «٥» .\n٢. ﴿يَقْتَتِلاَنِ﴾:\nقرأ نعيم بن ميسرة (يقِّلان) بالإدغام، نقل فتحة الأولى إلى القاف وأدغم «٦» .\n٢. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾:\n_________\n(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (صرخ) ٣ /٣٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَمَرِ: الآية ٣٦.\n(٣) سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية ٨.\n(٤) الوجوه والنظائر في الَقُرْآن الكَرِيم عن هارون بن موسى. تحقيق: د. حاتم الضامن. سلسة خزانة دار صدام للمخطوطات. وزارة الثقافة والإعلام. العراق. ١٩٨٨ م.: ص ٣٧٠.\n(٥) ينظر البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٩. الدُّرُّ المَصُون: ٥ /٣٣٤.\n(٦) ينظر الدُّرُّ المَصُون: ٥ /٣٣٤.","vol":"1","page":313},{"text":"هذه قراءة الجمهور من الغَوْث، أي: طلب غوثه ونصره. وقرأ سيبويه، وابن مقسم، والزعفراني بالعين المهملة والنون (فَاسْتَعَانَهُ) من الإعانة.\nقال أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة: والاختيار قراءة ابن مقسم، لأن الإعانة أولى في هذا الباب. وقال ابن عطية: ذكرها الأخفش وهي تصحيف لا قراءة. وقال أبو حيان: ليست تصحيفًا فقد نقلها ابن خالويه عن سيبويه، وابن جبارة عن ابن مقسم، والزعفراني «١» .\n٣. ﴿فَوَكَزَهُ﴾:\nقرأ ابن مسعود: (فَلَكَزَهُ) و(فَنَكَزَهُ) باللام والنون «٢»، والفرق بين الوكز واللكز أن الأول بجمع الكف، والثاني بأطراف الأصابع. وقيل: بالعكس والنكز كاللكز «٣» .\n٤. ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾:\nوهنالك قراءة أخرى عند عبد الله بن مسعود: (فلا تجعلني ظهيرًا) وعلى هذه القراءة دعا ربه «٤» .\n٥. ﴿يَبْطِشَ﴾:\nهذه قراءة الجمهور. وقرأ الحسن، وأبو جعفر بضمها: (يَبْطُش) «٥» .\nالقضايا البلاغة\nاستخدام صيغ المبالغة (جبار، غوي، مبين) لأن فعال، وفعيل من صيغ المبالغة.\nالطباق المعنوي، وهو مقابلة الشي بضده في المعنى لا في اللفظ «٦»، ﴿جَبَّارًا ... وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ﴾، لأن الجبار المفسد المخرب المكثر للقتل وسفك الدماء، ففيه طباق في المعنى «٧» .\n_________\n(١) ينظر المحرر الوجيز: ١٢ /١٥١.البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٩. الدُّرُّ المَصُون: ٥ /٣٣٥.\n(٢) ينظر البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٠٩.\n(٣) ينظر الدُّرُّ المَصُون: ٥ /٣٣٥.\n(٤) جامع البيان: ١٠ /٤٦.\n(٥) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٦٩. البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١١٠.\n(٦) أنوار الربيع: ٢ /٣٩.\n(٧) ينظر صفوة التفاسير: ٢ /٤٢٨.","vol":"1","page":314},{"text":"الاستعطاف ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ «١» .\n﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ استخدم (على) للاستعلاء المجازي كما في قوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ «٢»، أي: متمكنًا من حين غفلة «٣» .\nوقال النحاس: \" دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا يقال على حين غفل أهلها. ودخلت (على) في هذه الآيات، لأن الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئت على غفلة، وإن شئت قلت: جئت على حين غفلة، فكذا الآية \" «٤» .\nوالذي يراه الباحث أن الَقُرْآن الكَرِيم أراد تخصيص دخول موسى (- ﵇ -) إلى المدينة دون ظرفي الدخول زمانيًا (حينًا) ومكانيًا (المدينة)، وهذا التخصيص المقصود منه إظهار معنى الدخول وحده، فجاءت الآية في صورتها البلاغية محتوية على الزمن (الفعل الماضي: دخل) والمكان (الاسم: المدينة)، وإنما جاء وسط ذلك الظرف (حين) ليكون أبلغ في استشعار صيغة الدخول.\nالمعنى العام\n﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ .\nمن خلال هذه الآيات يتبادر مجموعة من الأسئلة:\nأولا. ما المقصود بالمدينة في هذه الآيات؟\nلقد اختلف العلماء في المراد بالمدينة:\n_________\n(١) ينظر التبيان في إعراب القرآن: ٢ /١٠١٨.\n(٢) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٥.\n(٣) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /٩٠.\n(٤) إعراب القرآن (النَّحَّاس): ٢ /٥٤٦.","vol":"1","page":315},{"text":"ذكر الطبري إنما مدينة منف. ونقل أبو حيان الأندلسي هذا القول عن ابن عباس «١» .\nوقال ابن إسحاق: المقصود بالمدينة (مصر) نفسها. وقيل: خرج من قصر فرعون ودخل (مصر) .\nوقيل: هي مدينة عين شمس.\nوقيل: قرية على بعد فرسخين من مصر يقال لها: (حابين) .\nوقيل: الإسكندرية «٢» .\nثانيًا. ما السبب الذي دعا سيدنا موسى (- ﵇ -) لدخول المدينة متخفيًا؟ لقد نقل الطبري أقوال أهل العلم في ذلك:\nقيل دخلها متتبعًا أثر فرعون، لأن فرعون ركب وموسى غير شاهد، فما حضر علم بركوبه فركب واتبع أثره وأدركه المقيل في هذه المدينة.\nوقال السدي: كان موسى حيث كبرَ يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ما يلبس، وكان إنما يدعى موسى ابن فرعون، ثم أن فرعون ركب مركبًا وليس عنده موسى، فما جاء موسى. قيل له: إن فرعون قد ركب فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: (منف) فدخلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها وليس في طرفها أحد.\nونقل الطبري عن ابن إسحاق: بل دخلها مستخفيًا من فرعون وقومه، لأنه كان قد خالفهم في دينهم وعاب ما كانوا عليه.\nوقال آخرون: بل كان فرعون قد أمر بإخراجه من مدينته حين علاه بالعصا، فلم يدخلها إلا بعد أن كبر وبلغ أشده «٣» .\n_________\n(١) ينظر جامع البيان: ١٠ /٤٣. البَحْر المُحِيْط: ٧/١٠٩.\n(٢) ينظر مجمع البيان: ٧ /٢٤٣. البَحْر المُحِيْط: ٧/١٠٩. لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٢٤١.\n(٣) ينظر جامع البيان: ١٠ /٤٢.","vol":"1","page":316},{"text":"وأرى أن المقصود بالمدينة عاصمة ملكه، والتي يعيش فيها الأقباط، وبني إسرائيل المستضعفين. فسيدنا موسى (- ﵇ -) لما بلغ أشده واستوى أتاه الله الحكم والعلم ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ «١»، ونوّر بصره بالحكم والعلم، وبدء ينكر على فرعون ظلمه لبني إسرائيل، وينكر عليه ادعاءه الألوهية وعبادة الأقباط له من دون الله، فأصبحت له من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه ويطيعونه ويجتمعون إليه، فسمع فرعون وقومه فأغضبهم ذلك حتى ناصبوه العداء، فخاف على نفسه منهم، فلا يدخل المدينة إلا متخفيًا منهم.\nثالثًا. ما هو الوقت الذي دخل فيه موسى المدينة؟\nقيل: وقت القيلولة، أو بين العشائين. وقيل: المقصود في وقت لا يعتاد دخولها أو ليتوقعونه. وقيل: كان يوم عيد، وهم مشغولون بلهوهم «٢» .\nوذكر ابن عاشور أن \" المقصود من ذكر الوقت، الإشارة إلى أن قتله القبطي لم يشعر به أحد تمهيدًا لقوله بعد: ﴿قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾، ومقدمة لذكر خروجه من أرض مصر \" «٣» .\n﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾\nأحدهما ممن شايعه على دينه وهم بنو إسرائيل، والآخر من مخالفيه وهم القبط وإلا شارة على الحكاية «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٤.\n(٢) ينظر جامع البيان: ١٠ /٤٢.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢٠ /٨٨.\n(٤) ينظر حاشية الشهاب: ٧ /٢٨٦.","vol":"1","page":317},{"text":"وقد أختلف في سبب تقاتل هذين الرجلين، فقيل: كان أمرًا دينيًا. وقيل: كان أمرًا دنيويًا، فقد روي أن القبطي كلف الإسرائيلي حمل الحطب إلى مطبخ فرعون، فأبي فاقتتلا لذلك، وكان القبطي خبازًا لفرعون كما ذكر ذلك سعيد بن جبير «١» .\nوذكر الرازي قولًا غربيًا لمقاتل بأن الرجلان كانا كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط، واستدل بقول سيدنا موسى في اليوم التالي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ «٢» .\nويمكن الجواب على ذلك: أن المشهور إن الذي من شيعته كان مسلمًا، لأنه لا يقال فيمن يخالف الرجل في دينه وطريقة إنه من شيعته فالمقصود بـ (مِنْ شِيْعَتِهِ)، أي: ممن شايعه وتابعه في أمره ونهيه، أو في الدين ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، أي: \" فاستنصر الإسرائيلي موسى على القبطي \" «٣»، \" فضربه بمجمع كفه فقتله \" «٤» .\nوذكر ابن عاشور \" والاستغاثة طلب الغوث، وهو التخلص من شدة، أو العون على دفع مشقة، وإنما يكون هذا الطلب بالنداء، فذكر الاستغاثة يؤذن بأن الإسرائيلي كان مغلوبًا، وأن القبطي اشتد عليه وكان ظالمًا \" «٥» .\n﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾\nقال المراغي: \" إن هذا الذي حدث من القتل هو من تزيين الشيطان ووسوسته، ثم أخبر عن حال الشيطان ليحذر منه فقال: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (٦)، أي: إنه عدو فينبغي الحذر منه مضل لا يقود إلى خير بيّن العداوة والإضلال) .\n_________\n(١) ينظر روح المعاني: ٢٠ /٥٣.\n(٢) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٣٩.\n(٣) الوسيط: ٣ /٣٩٣.\n(٤) محاسن التأويل: ١٣/ ٤٦٩٩.\n(٥) التحرير والتنوير: ٢٠/٨٩.\n(٦) تفسير المراغي: ٢٠/٤٤.","vol":"1","page":318},{"text":"﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، أي: بوكزٍ ترتب عليه القتل ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ذنبي، وإنما قال (- ﵇ -) ما قال، لأنه فعل ما لم يؤذن له به، وليس من سنن آبائه الأنبياء (- ﵇ -) في مثل هذه الحادثة التي شاهدها، وقد أفضى إلى قتل نفس لم يشرع فيه شريعة من الشرائع قتلها «١» .\n﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ رأي المبالغ في مغفرة ذنوب عباده وصمتهم \" «٢» .\n﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾\nالباء في ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ للقسم والتقدير: أقسم بما أنعمت به عليّ من المغفرة والجواب محذوف، أي: لأتوبن فلن أكون، أو متعلقة بمحذوف، أي: لاتوبنّ فلن أكون، أو متعلقة بمحذوف تقديره: \" اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيرًا للمجرمين. وقيل: (فلن أكون) دعاء لا خبر،\nو(لن) بمعنى لا في الدعاء. وذكر أبو حيان أن (لن) لا تكون في الدعاء «٣» .\nوذكر الزمخشري أنه أراد بمظاهرة المجرمين:\nأما صحبة فرعون وانتظامه في حملته وتكثيره سواده حيث كان يركب ركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون.\nأما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له «٤» .\n﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾\n_________\n(١) ينظر روح المعاني: ٢٠ /٥٤ –٥٥.\n(٢) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٧.\n(٣) ينظر التبيان في إعراب القرآن: ٢ /١٧٧. البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١٠٩.\n(٤) الكَشَّاف: ٣ /١٦٩.","vol":"1","page":319},{"text":"قال ابن عطية: \" فأصبح عبارة عن كونه دائم الخوف في كل أوقاته كما تقول: أصبح زيدًا عالمًا. ويترقب معناه عليه رقبة من فعله في القتل فهو متحسس. قال ابن عباس: فمرّ وهو بحالة الترقب، وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قتل القبطي بالأمس يقاتل أخر من القبط، وكان قتل القبطي قد خفي عن الناس واكتتم، فلما رأى الإسرائيلي موسى استصرخه بمعنى صاح به مستغيثًا، فلما رأى موسى قتاله لأخر أعظم ذلك وقال له معاتبًا ومؤنبًا: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، وكانت إرادة مع موسى مع ذلك أن ينصر الإسرائيلي، فما دنا منهما خشى الإسرائيلي وفزع منه، وظن أنه ربما ضربه وفزع من قوته التي رأى بالأمس، فناداه بالفضيحة وشهر أمر المقتول \" «١» .\n﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾\n\" وظاهر قوله: ﴿عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أنه قبطي، وربما جعل عدّوًا لهما لأن عداوته للإسرائيلي معروفة فاشية بين القبط، وأما عداوته لموسى فلأنه أراد أن يظلم رجلًا، والظلم عدّو لنفس موسى، لأنه نشأ على زكاء نفسي هيأها الله للرسالة \" «٢» .\nواختلف العلماء فيمن قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ هل هو الإسرائيلي أم القبطي؟\nالرأي الأول - قال قسم من العلماء: هذا القول للإسرائيلي لما خاطبه سيدنا موسى\n(- ﵇ -): ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، ورآه غضبان وقد همُ موسى أن يبطش بالفرعوني، فظن أنه يريده، فخاف على نفسه، فقال ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ﴾ الآية.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١٢ /١٥٨.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ /٩٤.","vol":"1","page":320},{"text":"الرأي الثاني - قال آخرون: بل هو قول القبطي، وقد كان عرف القصة من الإسرائيلي «١» .\nوالرازي يرجح هذا الرأي ويستدل بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى﴾، \" فهذا القول من القبطي. وقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاَ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ﴾ لا يليق إلا أن يكون من كافر \" «٢» .\nوالذي نرجحه أن القول للإسرائيلي وليس للقبطي لسببين:\nأولًا - إن حادث القتل لا يعلم به إلا موسى، وهذا الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس وكان لقول الإسرائيلي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ سببًا لظهور قاتل القبطي.\nثانيًا - وقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاَ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ﴾ يدلّ على أنه قول الإسرائيلي لمعرفته بأخلاق موسى (- ﵇ -) بأنه رجل صالح مصلح لا يحب البغي والتجبر، فأراد أن يذكره بهذا لأنه يخالف ما عرف عنه.\n﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاَ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ﴾\nقال أبو حيان: \" وشأن الجبّار أن يقتل بغير حق. وقال الشعبي: من قتل رجلين فهو جبار - يعني بغير حق - ولما أثبت له الجبروتية نفى عنه الصلاح \" «٣» .\n\" فما سمع الفرعوني هذا ترك الإسرائيلي، فأوصل الخبر إلى فرعون فوقع الأمر بقتل موسى (- ﵇ -) \" «٤» .\nوذكر الرازي إنه احتج بهذه الآيات من طعن في عصمة الأنبياء ﵈ من وجوه:\n_________\n(١) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٣٤.\n(٢) مفاتيح الغيب: ١٢ / ٢٣٤.\n(٣) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٠.\n(٤) نظم الدرر: ٥ /٤٧٤.","vol":"1","page":321},{"text":"أحدهما - إن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل، أو لم يكن كذلك، فإن كان الأول فلم قال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، ولم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾، ولم قال في سورة أخرى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ﴾ «١» . وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل، وكان قتله معصية وذنب.\nثانيًا - إن قوله: ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يدلّ على أنه كان كافرًا حربيًا، فكان دمه مباحًا، فلم استغفر عنه، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز، لأنه يوهم في المباح كونه حرامًا «٢»؟\nورد على هذه الطعونات بعدة أجوبة:\nالجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال: إنه كان لكفره مباح الدم.\nأما قوله: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ففيه وجوه:\nأحدهما - لعل الله وإن أباح قتل الكافر، إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان أخ، فلما قتل ترك ذلك المندوب، فقوله: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ معناه: قدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان.\nوثانيا - إن قوله هذا إثارة عمل المقتول لا إلى عمل نفسه، فقوله ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، أي: عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، المراد منه بيان كونه مخالفًا لله تعالى مستحقًا للقتل.\nوثالثاَ - إن يكون قوله هذا إشارة إلى المقتول، يعني إنه من جند الشيطان وحزبه يقال: فلان من عمل الشيطان، أي: من أحزابه «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية ٢٠.\n(٢) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٣٥.\n(٣) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٣٤ –٢٣٥.","vol":"1","page":322},{"text":"وهذا بعيد جدًا عن المعنى الحقيقي لأن سيدنا موسى (- ﵇ -) في الآية الأخرى استغفر لتسرعه في قتل هذا القبطي، وطلب المغفرة من الله تدلّ على أن المراد بقوله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، أي: العجلة وإطاعة النفس، والانسياق وراء الغضب من عمل الشيطان.\nويتابع الرازي رده على هذه الطعونات:\nأما قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ فعلى نهج قول أدم (- ﵇ -): ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ «١» . والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن هناك ذنب قط. أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب.\nأما قوله: ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾، أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب، وفيه وجه أخر وهو أن يكون المراد ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ حيث قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾، أي: فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون. ويدلّ على هذا التأويل أنه على عقبه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾، ولو كانت إعانة المؤمن ههنا سببًا للمعصية لما قال ذلك.\nأما قوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ﴾ «٢»، المقصود بكونه ضالًا، أي: متحيرًا لا يدري ما يجب عليه أن يفعله.\nأما قوله: إن كان كافرًا حربيًا فلم استغفر عن قتله، قلنا: كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ٢٣.\n(٢) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية ٢٠.\n(٣) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٣٥.","vol":"1","page":323},{"text":"والذي أراه أنه لا حاجة إلى هذا التكلف في التفسير، لأن القتل كان خطأً، ولأن الوكز - وهو الضرب بمجمع اليد - لا يقتل عادةً، إضافة إلى ذلك فإن هذه الحادثة وقعت له قبل النبوة.\nفقد روى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله يقول:\n«إن الفتنة تجيء من هاهنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال ﷿ ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ «١»» «٢» .\nما يستفاد من النصّ\nيمكن أن نستخلص المعاني الآتية من خلال قراءتنا للآيات القرآنية التي مرّ شرحها.\n_________\n(١) سُوْرَة (طَه): الآية ٤٠.\n(٢) الحديث بتمامه في مسند أَبِي يعلى. أحمد بن عَلِيّ بن المثنى الموصلي التميمي أبو يعلى. (٢١٠ - ٣٠٧) . تحقيق: حسين سليم أسد. دار المأمون للتراث. دمشق. ط١. ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤ م.: ٩ /٣٨٣ رقم (٥٥١١) . وشطر الحديث الأول إلى قوله (قرنا الشيطان) أخرجه مسلم في صحيحه: باب الفتنة من المشرق ٤ /٢٢٢٩ رقم (٢٩٠٥) . وينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٧٧.","vol":"1","page":324},{"text":"أولا. نصرة المظلوم واجبة. فسيدنا موسى (- ﵇ -) انتصر للذي استغاثة ضد ظالمه، لأن نصرة المظلوم واجبة، ولكنها ينبغي أن تكون بقدر ما يندفع به ظلم الظالم وبغيه، ولهذا لما وكز موسى الرجل المعتدي فقضى عليه قال عن فعله هذا إنه من عمل الشيطان، لتجاوز موسى (- ﵇ -) حدّ الدفاع الشرعي عن المظلوم، وإن كان هذا التجاوز دون قصد ولا عمد من موسى (- ﵇ -) «١» . لذلك قال موسى (- ﵇ -): ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .\nوجعل الله القتال لنصره المظلومين واجب شرعي في نص القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ «٢» .\nوقال (- ﷺ -): «المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله» «٣»\n_________\n(١) ينظر المستفاد من قصص القرآن: ١ /٣٦٤.\n(٢) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ٧٥.\n(٣) متفق عليه من حديث عبدُ الله بْن عمر ﵄. صحيح البخاري: باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه ٢ /٨٦٢ رقم (٢٣١٠) . صحيح مسلم باب تحريم الظلم ٤/ ١٩٩٦ رقم (٢٥٨٠) .","vol":"1","page":325},{"text":"فمن خذلان المسلم أن لا تدفع الظلم عنه وأنت قادر على ذلك، فينبغي أن يؤكد الدعاة ويحثوا المسلمين على نصرة المظلومين، ولاسيما في هذه المرحلة التي تخلى الكثير من المسلمين عن هذا الواجب الشرعي فيرى المسلمون من على شاشات التلفاز ويسمعوا عن قتل للمسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان، وفي كل مكان من قبل أعداء الله اليهود والنصارى ولا يتحركوا لرفع الظلم عنهم.\nثانيا. دلت الآيات كذلك على حرمة معونة (المجرمين)، ولفظة المجرمين جاءت في القرآن الكريم وصفًا لعدة معاني.\nجاءت وصفًا للكفار قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ «١» .\nوللمنافقين قال تعالى في وصف حال المنافقين في المدينة ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ «٢» .\nوجاءت وصفًا للمكذبين لله ورسوله قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة الرُّوْمِ: الآيتان ١٢ –١٣.\n(٢) سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية ٦٦.\n(٣) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ١٤٧.","vol":"1","page":326},{"text":"وكذلك جاءت وصفًا للظلمة قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ «١» . فعلى هذا يحرم مناصرة ومعاونة كل مجرم وكل من ينطبق عليه لفظ المجرم من المعاني سالفة الذكر. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ﴾ «٢» .\nقال سلمة بن ثُبَيْط: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى وقال: أعظهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقيل: له ما عليك أن تعظهم وأنت لا ترزؤهم شيئًا؟ قال لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم.\n_________\n(١) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ١٢٣.\n(٢) سُوْرَة هُوْد: الآية ١١٣.","vol":"1","page":327},{"text":"وقال عبد الله بن الوليد الوصّافي: قلت لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخًا يأخذ بقلمه وإنما بحسب ما يدخل ويخرج، وله عيال، ولو ترك ذلك لاحتاج وآدَّانَ؟ فقال من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله القسري. قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . قال ابن عباس: فلم يستثن فأبتلى به ثانية فأعانه الله فلا يعينهم أخوك فإن الله يعينه «١» . وفي الحديث: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشياه الظلمة، حتى من لاق لهم دواة وبرًا لهم، فلما يتجمعون في تابوت واحد، ثم سيق بهم على رؤوس الخلائق إلى نار جهنم» «٢» .\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٧٩.\n(٢) الفردوس بمأثور الخطاب. أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمذاني. (٤٤٥ - ٥٠٩) . تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول. دار الكتب العلمية. بيروت ط١. ١٩٨٦ م.: ١ /٢٥٥ من حديث أبي هريرة ﵁ ورواه الديلمي دون ذكر سند الحديث. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ١٣ /٢٦٣. والذي أراه أنه حديث ضعيف.","vol":"1","page":328},{"text":"وقال (- ﷺ -): «من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة يوم تزل فيه الأقدام، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه أزل الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام» «١» .\nوقال ابن عطية وهو يفسر هذه الآية: \" احتجّ أهل الفضل والعلم بهذه الآية في منع خدمة أهل الجور ومعونتهم في شيء من أمرهم، ورأوا أن هذه الآية تتناول ذلك، نص عليه عطاء بن أبي رباح \" «٢» .\nوتدل الآية كذلك - كما قلنا - على حرمة معونة الظالمين سواء أكانوا دولًا أو حكام، فينبغي للدعاة أن يبصِّروا الناس بحرمة وخطورة نصرة الظلمة من الحكام والدول.\nويحرم معاونتهم بأي شكل من أشكال المعاونة، فقد جاء النهي عن معونة الظالم بقوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ﴾ «٣» . وجاء في تفسيرها: الركون هو الميل اليسير إلى الشيء والنهي متناول لانحطاط في هوى الذين ظلموا والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم «٤» .\n_________\n(١) حِلْيَة الأولياء وطبقات الأصفياء. أحمد بن عَبْد الله الأَصْبَهاني أبو نعيم. ت ٤٣٠ هـ. دار الكِتَاب العربي. بيروت. ط٤. ١٤٠٥ هـ.: ٦ /٣٤٨. وأصل الحديث عند الشيخين: «المسلم أخو المسلم ...» الحديث وقال المنذري وهذه زيادة رزين العبدري وهي من رواية ابن أبي الدنيا والأصبهاني. الترغيب والترهيب من الحديث الشريف. عَبْد العَظِيْم بن عَبْد القوي المنذري أبو مُحَمَّد. (٥٨١ ـ٦٥٦) . تحقيق: إبراهيم شمس الدِّيْن. دار الكتب العلمية. بيروت. ط١. ١٤١٧ هـ: ٣ /٢٦٢.\n(٢) المحرر الوجيز: ١٢ /١٥٣.\n(٣) سُوْرَة هُوْد: الآية ١١٣.\n(٤) ينظر الكَشَّاف: ٢ /٤٣٣. المستفاد من قصص القرآن: ١ /٣٦٦.","vol":"1","page":329},{"text":"فإذا كان كل هذا داخلًا فكيف بمن يعين دول الكفر على المسلمين ويفتح ديار المسلمين ومطاردتهم لضرب المسلمين. فأعوان الظلمة ظلمة مثلهم وشركاه لهم في العذاب الدنيوي والأخروي، ولذلك لما نزل العذاب بفرعون نزل بأعوانه أيضًا. قال تعالى عن هلاك فرعون وجنوده بالغرق: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ «١» .\n\" فجعلهم الله جميعًا ظالمين، فرعون لمباشرته الظلم إرادة له وأمرًا به، وجنوده لمعاونتهم له بتنفيذ ظلمه وما يأمرهم به من أنواع بغيه وظلمه \" «٢» . وهم مشتركون في العذاب الأخروي قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ «٣» .\nثالثًا. ودلت الآيات كذلك على عدم التعسف في أخذ الحق، ولذلك عد سيدنا موسى (- ﵇ -) إفراطه بما لا يقصد في ردع المعتدي من عمل الشيطان ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ .\nوقد جاء كذلك في القرآن النهي عن الإسراف في أخذ الحق قال تعالى:\n﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ\nمَنصُورًا﴾ «٤» .\nرابعًا. ودلت الآيات كذلك على أن الغضب من الشيطان، وعلى الإنسان أن يبادر إلى التعوذ بالله من الشيطان الرجيم في حالة امتلكه الغضب.\nخامسًا. وتدل الآيات كذلك على أن يبادر الإنسان إلى الاستغفار عند حصول الذنب والالتجاء إلى الله وطلب المغفرة منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المطلب الثالث: فرعون يريد قتل موسى (- ﵇ -) لقتله القبطي</span>\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٠.\n(٢) المستفاد من قصص القرآن: ١ /٣٦٧.\n(٣) سُوْرَة هُوْد: الآية ٩٨.\n(٤) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٣٣.","vol":"1","page":330},{"text":"﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «١» .\nالمناسبة\nبعد أن بينت الآيات السابقات ما جرى من محاورة بين سيدنا موسى (- ﵇ -) والإسرائيلي الذي كشف بحماقته أمر موسى (- ﵇ -)، وسمع الفرعوني كلماته فترك الخصومة وأسرع ليخبر جنود فرعون الموكلين بالبحث عن القاتل ليخبرهم بما سمع، أدرك سيدنا موسى أنه أصبح في خطر، وأن جنود فرعون سيلاحقونه، فأخذ يفكر في وسيلة للنجاة.\n\" وظاهر النظم أن الرجل جاء على حين محاورة القبطي مع موسى، فلذلك انطوى أمر محاورتها ما هو أهم منه وأجدى في القصة \" «٢» . وفي هذه الأثناء تضيق الدنيا أمام عيني سيدنا موسى (- ﵇ -)، إلا من رحمة الله وعونه، فلا ناصر إلا هو، فهنا تسفر يد القدرة في اللحظة المطلوبة لتتم مشيئتها، فانتدبت يد القدرة واحدًا من الملأ ليحذر موسى ويخبره بضرورة خروجه من مصر «٣» .\nفنلاحظ من الترابط بين هذا النص والذي قبله أن الآيات بينت الخطر الذي يمرّ به سيدنا موسى (- ﵇ -) من خلال كشف الإسرائيلي لأمر موسى، فتأتى الآيات التي بعدها لتبين التدخل الإلهي لإنقاذ نبيه (- ﵇ -) من القتل بقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ﴾ .\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿أَقْصَى﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٢٠ –٢١.\n(٢) في ظلال القرآن: ٦ /٣٣٤.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢ ٠/٩٥.","vol":"1","page":331},{"text":"\" قَصَا عنه قَصْوا وقُصُوَّا وقَصَا وقَصاء وقَصِيَ: بَعُدَ. وقَصَا المكانُ يَقْصُو قُصُوًّا: بَعُدَ. والقَصِيُّ والقَاصِي: البعيد والجمع أقْصَاء فيها كشَاهِد وأَشْهَاد ونَصِير وأَنْصَار \" «١» .\n٢. ﴿يَسْعَى﴾:\nقال ابن منظور: \" السَّعْيُ: عَدْوٌ دُوْنَ الشَّدِّ سَعَى يَسْعَى سَعْيًا \" «٢» وجاء السعي في القران الكريم على ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: المشي كقوله تعالى في ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ «٣» .\nالوجه الثاني: السعي يعني العمل كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ «٤» .\nالوجه الثالث: السعي يعني أسرع كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ «٥» .\n٣. ﴿الْمَلأَ﴾:\nقال ابن منظور: \" المَلأَ الرؤساء سموا بذلك، لأنهم مِلاء بما يحتاج إليه. والمَلأ مهموز مقصور الجماعة.\nوقيل: أشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم \" «٦» .\n٤. ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (قصي) ١٥/ ١٨٣.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (سعي) ١٤ /٣٨٥.\n(٣) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٦٠.\n(٤) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ١٩.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٠.\n(٦) لِسَان العَرَب: مَادة (ملأ) ١ /١٩٥. وينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٩٢.","vol":"1","page":332},{"text":"قال ابن منظور: تأمَّروا على الأمْرِ. وائْتَمَرُوا: تَمَارَوْا وأَجْمَعُوا آرَاءَهم. وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ . قال أبو عبده أي: يتشاورون عليك ليقتلوك. وقال القتيبي: إن معناها إن الملأ يأتمرون بك، أي: يهمون بك، ولو كان كما قال أبو عبيدة لقال: يَتَأَمَّرُون بك. وقال الزجاج: معناها يأمُرُ بعضهم بعضًا بقتلك «١» .\nوقال ابن عاشور: \" أصل الائتمار قبول أمر الأمر فهو مطاوع أمره، ثم شاع إطلاق الائتمار على التشاور لأن المتشاورين يأخذ أمر بعض فيأتمر به الجميع\n«٢» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾:\nقرئت بالإمالة وقفًا عند كل من حمزة، والكسائي، وورش، وخلف.\n٢. ﴿يَسْعَى﴾:\nقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة.\n﴿عَسَى﴾:\nقرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة أيضًا «٣» .\n٤. ﴿رَبِّ﴾:\nقرئت بالفتح (رَبَّىَ) عند كل من نافع، وابن كثير، وأبي عمر، وأبي جعفر «٤» .\nالمعنى العام\n١. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾:\nقيل: إن اسم الرجل سمعون. وقيل: سمعان. وقيل: حزقيل بن صبورا مؤمن من آل فرعون، وكان ابن عم فرعون ذكر ذلك الثعلبي. وقيل: طالوت ذكره السهيلي. وقيل: شمعان «٥» .\n٢. ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾:\n_________\n(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (أمر) ٤ / ٢٩.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ / ٩٦.\n(٣) إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤١. غيث النفع في القراءات السبع. عَلِيّ النوري الصفاقسي. مطبوع بذيل كتاب سراج القاري المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي. ط١. المكتبة التجارية الكبرى بمصر ١٣٥٢هـ – ١٩٣٤ م.: ص ٣١٦.\n(٤) النشر في القراءات العشر: ٢ /٣٤٢. الكشف عن وجوه القراءات: ٢ /١٧٦.\n(٥) ينظر جامع البيان: ١٠ /٥. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٨٢.","vol":"1","page":333},{"text":"قال البقاعي: \" أبعدها مكانًا \" «١» .\nوقال ابن عاشور: \" والظاهر أن (أَقْصَى الْمَدِينَةِ) هو ناحية قصور فرعون وقومه، فإن عادة الملوك السكنى في أطراف المدن توقيًا من الثورات والغارات لتكون مساكنهم بخروجهم عند الخوف \" «٢» .\n٣. ﴿يَسْعَى﴾:\nقال قتادة: \" يعجل \" «٣» . وقال البقاعي: \" إنه بين بقوله: ﴿يَسْعَى﴾ كان ماشيًا، ولكنه اختصر طريقًا وأسرع في مشيه، بحيث كان يعدو فسبقهم بإعظامه للسعي، وتجديد العزم في كل وقت من أوقات سعيه \" «٤» .\n٤. ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾:\nقيل في معنى ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ثلاثة أقوال:\nالأول: يتشاورون فيك ليقتلوك، قاله أبو عبيدة.\nالثاني: يهمّون بك، قاله ابن قتيبة.\nالثالث: يأمر بعضهم بعضًا بقتلك، قاله الزجاج «٥» .\nوالذي أراه راجحًا هو الرأي الأول.\n٥. ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ﴾:\nقال البقاعي: \" ثم علل ذلك على سبيل التأكيد ليزيل ما يطرقه من احتمال عدم القتل لكونه عزيزًا عند الملك ﴿إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ)، أي: العريقين في نصحك \" «٦» .\nوقد جاء ذكر الرجل المؤمن في القرآن الكريم في عدة مواضع من الَقُرْآن الكَرِيم:\nاستذكر على فرعون وملئه حينما قرروا قتل موسى (- ﵇ -) قال تعالى عن لسان فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ «٧» فقال لهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ﴾ «٨» .\n_________\n(١) نظم الدرر: ٥ /٤٧٤.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ /٩٥.\n(٣) جامع البيان: ١٠ /٥٠.\n(٤) نظم الدرر: ٥ /٤٧٤.\n(٥) زَاد المَسِيْر: ٦ /٢١٠ –٢١١.\n(٦) نظم الدرر: ٥ /٤٧٥.\n(٧) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٢٦.\n(٨) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٢٨.","vol":"1","page":334},{"text":"لما قال فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ «١» . ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ «٢» .\nوبعد أن أمر فرعون هامان بناء الصرح استهزاءً بوعود موسى (- ﵇ -):\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ «٣» . فقال الرجل المؤمن: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ «٤»، ثم أراد تخويفهم وتهديدهم فقال لهم:\n﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ «٥» . قال مقاتل: قال هذه الكلمات فقصدوا قتله، فهرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه، وقيل: نجا مع موسى في البحر وفر معه قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ «٦» .\n٦. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: فخرج من المدينة خائفًا يترقب لحوق الظالمين. ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: خلصني منهم واحفظني من لحوقهم «٧» .\nما يستفاد من النصّ\nنستطيع أن نستنبط من الآيات السابقة المعاني الآتية:\n_________\n(١) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٢٩.\n(٢) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٣٠.\n(٣) سُوْرَة غَافِرِ: الآيتان ٣٦ –٣٧.\n(٤) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٣٨.\n(٥) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٤٤.\n(٦) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٤٥.\n(٧) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٨.","vol":"1","page":335},{"text":"أولا. إنه يجوز عند الضرورة خروج الداعي من بلده فرارًا من عدوه، ولهذا قبل موسى (- ﵇ -) نصيحة مؤمن آل فرعون بالخروج من مصر، لأن الملأ من قوم فرعون يتشاورون في قتله، ولا يعدّ هذا الفرار جبنًا من الداعية، لأن الداعي في كرّ وفرّ مع أعداء الله. والداعية إذ يفعل ذلك، فلأن حياته ليست ملكًا له، بل هي ملك الله، ومن الأولى الإبقاء عليها خدمة لدعوته، ولا يجوز له أن يعرضها للهلاك بالبقاء في مواجهة العدو مع عدم التكافئ في القوة بينه وبين عدوه.\nثانيًا. يلمح المتابع أن هناك تشابهًا كبيرًا بين خروج سيدنا موسى (- ﵇ -)، وهجرة الرسول محمد (- ﷺ -)، وما رافقها من ظروف صعبة شبيهة بالتي مرت على موسى (- ﵇ -) . فلما خشيت قريش من تفاقم أمر النبي (- ﷺ -) واتساعه، اجتمعوا في دار الندوة للتشاور فيما يجب أن يفعلوه برسول الله (- ﷺ -) فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعض آخر: أخرجوه من مكة، فقال لهم أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من بطون قريش غلامًا وتعطوه سيفًا فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ «١» . وهنا تتدخل القدرة الإلهية لحمايته (- ﷺ -)، فيرسل الله جل وعلا سيدنا جبريل (- ﵇ -) ليخبر الرسول (- ﷺ -) بما عزم عليه المشركون، وأخبره بأن الله أذن له بالهجرة إلى المدينة.\n_________\n(١) سُوْرَة الأَنْفَالِ: الآية ٣٠.","vol":"1","page":336},{"text":"فقد ذكر ابن كثير أنه قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما أتمروا بك؟ قال يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني؟ فقال من أخبرك بهذا قال ربي «١»؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>الفصل الخامس: هجرة سيدنا موسى (- ﵇ -) إلى مدين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث الأول: سيدنا موسى (- ﵇ -) على ماء مدين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المطلب الأول: سيدنا موسى (- ﵇ -) يسقي الماء لبنات شعيب (- ﵇ </span>-)\n﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إليَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ «٢» .\nالمناسبة\nلما دعا سيدنا موسى (- ﵇ -) من الله أن ينجيه من القوم الظالمين في الآية السابقة: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «٣»، أراد الله جل وعلا أن يعلم باستجابته منه مخبرًا بجهة قصده زيادة في الإفادة، فقال: (ولما)، أي: فاستجاب الله دعاءه فنجاه منهم ووجهه إلى مدين «٤» .\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم: ٢ /٣٠٢ -٣٠٣. وينظر أيضًا الكَشَّاف: ٢ /٢١٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٢٢ -٢٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢١.\n(٤) ينظر نظم الدرر: ٥ /٤٧٥.","vol":"1","page":337},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ عطف على جملة محذوفة تقديرها: ولما خرج من المدينة هائمًا على وجهه فهداه الله إلى الطريق الذي يؤدي إلى أرض مدين فلما سلك هذا الطريق «١»، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ . فنلاحظ الترابط بين الكلمات والمعاني، ومناسبة الآيات بعضها للبعض الآخر فبدت كنسيج واحد دقيق يكمل بعضه بعضًا ليدل على المعنى المراد توصيله بأقرب الطرق، وأبلغ العبارات وأقصرها، وهذه ميزة أخرى من المزايا التي تميز بها الَقُرْآن الكَرِيم عن غيره، ومعجزة أخرى تؤكد أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون إلا من عند الله جَلَّ وَعَلا.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿تَوَجَّهَ﴾:\nالجِهَةُ، والوِجهَةُ جميعًا الموضع الذي تتوجه إليه وتقصده وضلَّ وِجْهَةَ أمره، أي: قصده وخَلَ عن جِهَتِه: يريد جِهَةَ الطريق، وتَوَجَهَ إليه ذهب «٢» .\nوقال النسفي: \" التوجه الإقبال على الشيء \" «٣» . وقال أبو حيان: \" توجه وجهة تلقاء أي ناحية وجهه استعمل المصدر استعمال الظرف \" «٤» .\n٢. ﴿تِلْقَاءَ﴾:\nأصله مصدر على وزن التِفعال بكسر التاء، وليس له نظير في كسر التاء إلا تِمثال. قال ابن سيدة: وَتَلَقاه والتَقاه والتَقَيْنا وتَلاقَينْا والتَقَوْا وتَلاقَوْا بمعنى، وجلس تِلقاء، أي: حِذاءه. وقال الطبري: \" يقال داره تلقاء دار فلان إذاَ كانت محاذيتها \" «٥» .\n٣. ﴿وَرَدَ﴾:\n_________\n(١) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /٩٧.\n(٢) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (وجه) ١٣/ ٥٥٦.\n(٣) مدارك التنزيل: ٣ /٢٣١.\n(٤) البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١١١.\n(٥) التحرير والتنوير: ٢٠ /٩٧.","vol":"1","page":338},{"text":"وردَ الوِرْدُ ووُردُ القوم الماء والوِرْدُ الماء الذي يُورَدُ، والوِرْدُ الإبل الواردة ... المَوْرِدةُ الطريق إلى الماء. وقال ابن سيدة: وَوَرَدَ الماء وغيره وَرْدًا ووُرُودًا، وورد عليه أشرف عليه دخله أو لم يدخله «١» .\nوقال الراغب الأصفهاني: أصل الورود قصد الماء ثم يستعمل في غيره (٢) .\n٤. ﴿أُمَّةً﴾:\n\" كلّ جماعة يجمعهم أمرُ واحد، إما دينٌ واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرًا، أو اختيارًا وجمعها أمم «٣» . قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ «٤» . فالمراد بالأمة في هذه جماعة كثيرة يجمعهم أمر واحد وهو سقيهم للمواشي في مكان واحد وهو البئر.\n٥. ﴿تَذُودَانِ﴾:\nالذَوْدُ: السَوق والطرد والدفع تقول: ذُدْتُه عن كذا، وذاده عن الشيء ذَوْدًا وذِيادًا ورجل ذائد، أي: حامي الحقيقة دفاع، وذُدتُ الإبل أذودها ذَوْدًا إذا طردتها وسقتها «٥» . وذكر الرازي أن معنى (الذود) الدفع والطرد فقوله: (تذودان)، أي: تحبسان «٦» .\nوالذي تبين مما سبق أن الدفع والطرد والحبس من معاني الذود فكلها تعطي معنى واحدًا.\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿عَسَى﴾:\nقرأ حمزة والكسائي وورش بالإمالة «٧» .\n٢. ﴿رَبِىَ﴾:\nقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر (رَبىَ) «٨» .\n٣. ﴿دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ﴾:\n_________\n(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (ورد) ٣ /٤٥٦.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٥٦.\n(٣) المصدر نفسه: ص ١٩.\n(٤) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ٣٨.\n(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (ذود) ٣ /١٦٨.\n(٦) مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٣٩.\n(٧) الكَشَّاف: ٣ /١٦٩. البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٣.\n(٨) النشر في القراءات العشر: ٢ /٣٤٢.","vol":"1","page":339},{"text":"قرأ أبو عمرو: (دونِهِمِ)، وقرأ حمزة، والكسائي: (دونِهُمُ) «١» .\n٤. ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾:\nنقل القرطبي أنه في بعض المصاحف (امرأتين حابستين تذودان) وهي من القراءات الشاذة التي لم يذكرها غير القرطبي «٢» .\n٥. ﴿خَطبُكُما﴾:\nقال أبو حيان: وقرأ شمر بكسر الخاء (خِطْبُكُما)، أي: من زوجكما ولم لا يسقي هو، وهذه قراءة شاذة «٣» .\n٦. ﴿لاَ نَسقِي﴾:\nقرأ أبن مصرف بضم النون (لا نُسقِي) «٤» .\n٧. ﴿يُصْدِرَ﴾:\nقرأ أبو جعفر، وشيبة، والحسن، وقتادة: (يَصدُر)، أي: يصدرون بأغنامهم «٥» .\n٨. ﴿الرِعَآءُ﴾:\nهذه قراءة الجمهور جمع تكسير. قال الزمخشري: \" وإما الرِعاء بالكسر فقياس كصيام وقيام \" «٦» . وقال أبو حيان: \" وليس بقياس لأنه جمع راع، وقياس فاعل الصفة التي للعاقل أن تكسر على فعله، كقاض وقضاة، وما سوى جمعه هذا فليس بقياس. وقرأ: (الرُعاء) بضم وهو اسم جمع كالرجال والثناء «٧» .\nالقضايا البلاغية\n_________\n(١) غيث النفع: ص ٣١٥.\n(٢) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٨٤.\n(٣) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٣.\n(٤) الكَشَّاف: ٣ /١٦٩. البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٣.\n(٥) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٣.\n(٦) الكَشَّاف: ٣ /١٧٠.\n(٧) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٣.","vol":"1","page":340},{"text":"الإيجاز «١»: فقد حذف المفعول في أربعة أماكن: أحدها مفعول (يسقون)، أي: مواشيهم. والثاني مفعول (تذودان)، أي: مواشيهما، وعلة الحذف أن الفرض هو أن يعلم أنه كان من الناس سقي ومن البنتين ذود، وإنهما قالتا: (لا نسقي)، أي: لا يكون من سقي حتى يصدر الرعاء وأنه كان من موسى سقي «٢» .\n(ماء مدين) مجاز من إطلاق الحال وإرادة المحل «٣» .\nالكناية «٤» في قوله تعالى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ فقد استخدمتا الكناية تعبيرًا عن المعنى المراد، فقد أرادتا أن تقولا له إننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ومالنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ طاعن في السن قد أضعفه الكبر وأعياه، فلا بد لنا من ترك السقيا وإرجائها إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء، وبذلك طابق جوابهما سؤاله لأنه سألهما عن علة الذود فقالتا ما قالتاه «٥» .\nالمعنى العام\nوذكر الرازي اختلاف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾:\n_________\n(١) الإيجاز: أن يكون اللفظ أقل من المعنى مع الوفاء به، وإلا كان إخلالًا يفسد الكلام. ينظر معجم المصطلحات البلاغية: ١ /٣٤٤.\n(٢) ينظر بديع الَقُرْآن: ص ١٨٦. البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن. كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني. تحقيق: د. خديجة الحديثي ود. أحمد مطلوب. الطبعة الأولى. مطبعة العاني. بغداد ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.: ص ٢٤٥. إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ /٣٠٤.\n(٣) ينظر روح المعاني: ٢٠ /٥٩.\n(٤) الكناية: هو أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وكنى عنه الأمر يغيره. معجم المصطلحات البلاغية: ٣ /١٥٤.\n(٥) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٧١. الجدول في إعراب القرآن: ٢٠ /٢٤٥.","vol":"1","page":341},{"text":"القول الأول: قال بعضهم: إنه خرج وما قصد مدين، ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة، فوصله الله تعالى إلى مدين. وهذا قول ابن عباس (- ﵁ -) .\nالقول الثاني: إنه لما خرج قصد مدين، لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم (- ﵇ -)، وهو كان من بني إسرائيل، لكن لم يكن له علم بالطريق بل أعتمد على الله.\nالقول الثالث: ومن الناس من قال بل جاءه جبريل (- ﵇ -) وعلمه الطريق. وذكر ابن جرير عن السدي: لما أخذ موسى (- ﵇ -) في السير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني، فتبعه نحو مدين. وهذه الرواية غير صحيحة لأنه لا يمكن لموسى أن يسجد لغير الله تعَاَلىَ حتَّى ولو كان قبل النبوة لأن الأنبياء معصومون قبل النبوة وبعدها، واستغرب من عدم رد الرازي لها.\nورجح الرازي القول الأول للأدلة الآتية:\nقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ ولو كان قاصدًا الذهاب إلى مدي (١) لقال: ولما توجه إلى مدين، فلما لم يقل ذلك بل قال: ﴿تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ علمنا أنه لم يتوجه إلا إلى ذلك الجانب من غير أن يعلم أن ذلك الجانب إلى أين ينتهي.\n_________\n(١) مدين: وهي قرية سميت باسم مدين بن إبراهيم (- ﵇ -)، وهي بلاد واقعة حول خليج العقبة من عند نهايته الشمالية وشمال الحجاز وجنوب فلسطين. وذكر الطبري إن بين مصر ومدين مسيرة ثمان ليالِ، وكان يقال على نحو من الكوفة إلى البصرة، ينظر جامع البيان: ١٠/ ٥٢. معجم البلدان: ٥ /٧ ٨. روح المعاني: ٢٠/٥٩.","vol":"1","page":342},{"text":"قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، وهذا كلام شاك لا عالم، والأقرب أن يقال: إنه قصد الذهاب إلى مدين وما كان عالمًا بالطريق، ثم إنه كان يسأل الناس عن كيفية الطريق، لأنه يبعد من موسى (- ﵇ -) في عقله وذكائه أن لا يسأل «١» .\nوهو الذي نرجحه، فإضافة إلى الأدلة السابقة، نضيف دليلًا عقليًا أخر وهو أن سيدنا موسى (- ﵇ -) قضى أغلب مراحل حياته في قصر فرعون، ولا علم له بأقاربه في المدن الأخرى، ولا سيما أنها تبعد عن مصر ثمان ليال، هذا جانب. والجانب الأخر هو أن سيدنا موسى (- ﵇ -) كان في حالة خوف شديد من أن تصله أيدي جنود فرعون فأراد أن يخرج من هذا المكان بأسرع وقت حتى نسي أن يأخذ الزاد معه ولوازم السفر، فكيف له في هذه اللحظات العصيبة أن يتذكر أقربائه في مدين.\n﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾\nقيل عُني بـ ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ الطريق إلى مدين، وهذا قول مجاهد. وقيل: معناه قصد السبيل. وقيل: الطريق المستقيم «٢» .\n﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾\nوذكر أبو حيان الأندلسي إن الورود يكون بمعنى الوصول إلى الشيء وبمعنى الدخول فيه «٣» .\nوذكر القرطبي: \" أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ مشى موسى (- ﵇ -) حتى ورد ماء مدين، أي: بلغها. ووروده الماء معناه بلغها لا أنه دخل فيه، ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول وقد تكون بمعنى الاطلاع والبلوغ إليه، وإن لم يدخل فورود موسى كان بالوصول إليه \" «٤» .\n_________\n(١) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٣٨ –٢٣٩.\n(٢) جامع البيان: ١٠ /٥٢.\n(٣) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١١.\n(٤) الجامع لأحكام القران: ٦/٤٩٨٣.","vol":"1","page":343},{"text":"وذكر البقاعي أن المراد بقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ﴾ \" أي: حضر سيدنا موسى (- ﵇ -) حضور من يشرب\" «١» . وذكر الآلوسي \" أن الورد بمعنى الدخول وبمعنى الشرب\" (٢)\nوالذي أراه أن المراد بالورود في هذه الآية هو الوصول إلى مكان الماء، ولا يدل أبدًا على معنى الشرب في هذه الآية، فسياق الآية يصور المشهد وكأنك تراه، ففي الآية السابقة ذكر جل وعلا ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: جهتها وقبل الوصول إلى الماء. وفي هذه الآية يبين جل وعلا أن سيدنا موسى (- ﵇ -) وصل ماء مدين، فالسياق القرآني يتابع هجرة سيدنا موسى (- ﵇ -) مرحلة مرحلة، وهذه الآيات تنقل قارئ القرآن إلى مشهد وصوله إلى الماء.\n﴿مَاءَ مَدْيَنَ﴾ بئر كانوا يسقون منه «٣» ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ﴾ .\n\" وجد فوق شفيره ومستقاه \" «٤» والمراد بالأمة كما بينا في التحليل اللغوي للألفاظ جماعة كثير يجمعهم أمر واحد وهو سقيهم للمواشي في مكان واحد وهو البئر ﴿يَسْقُونَ﴾، أي: ماشيتهم «٥»، ولم يبين نوع الماشية. والظاهر أنهم كانوا يسقون مواشي مختلفة لم يبينها النص القرآني، لأن المهم في سياق القصة السقي لا المسقي.\n﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ . قال النسفي: \" في مكان أسفل من مكانهم \" «٦» . وقال القرطبي: \" معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها، فوصل إلى المرأتين قبل وصوله إلى الأمة \" «٧» .\n_________\n(١) نظم الدرر: ٥/٤٧٥\n(٢) روح المعاني: ٢٠/٥٩\n(٣) روح المعاني: ٢٠/٥٩\n(٤) الكَشَّاف: ٣ /١٧٠.\n(٥) المصدر نفسه: ٦ /٤٩٨٤.\n(٦) مدارك التنزيل: ٣/ ٢٣١.\n(٧) الجامع لأحكام القران: ٦/ ٤٩٨٤.","vol":"1","page":344},{"text":"قال ابن عاشور: \" في مكان غير المكان الذي حل الماء، أي: في جانب مباعد للأمة من الناس، لأن حقيقة كلمة (دون) أنها وصف للشيء الأسفل من غيره «١» .\n﴿امْرَأتَيْنِ﴾ . قيل: اسم أحدهما ليا. وقيل: عبرا. وقيل: شرفا. واسم الأخرى صفوريا. وقيل: صفوراء. وقيل: صفيراء «٢» . ولا أرى فائدة من ترجيح اسم على آخر، فضلًا عن كون ذلك كله من الإسرائيليات.\n﴿تَذُودَانِ﴾، أي: تمنعان ما معهما من الأغنام عن التقدم إلى البئر كيلا تختلط بالأغنام الأخرى «٣» . واختلفوا في علة ذودهما الغنم على وجوه:\nأحدها - قال الزجاج، لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي.\nثانيها - كانتا تكرهان المزاحمة على الماء.\nثالثها - لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم.\nرابعها: لئلا تختلط بالرجال «٤» .\n﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾\nقال ابن عطية: \" أي ما أمركما وشأنكما، وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو من يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الأمر، فكأنه بالجملة في شر، فأخبرتاه بخبرهما وأن أباهما شيخ كبير، فالمعنى أنّه لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه، وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا يقدران على مزاحمة الأقوياء، وإن عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى وحينئذ تردان \" «٥» .\n﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ وقد أختلف العلماء في اسم هذا الشيخ الكبير إلى الأقوال وهي:\nالقول الأول - قال الجهور: هو شعيب (- ﵇ -)، وهما ابنتاه.\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢٠/٩٩.\n(٢) روح المعاني: ٢٠/ ٥٩.\n(٣) إرشاد العقل السليم:٧/٨\n(٤) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٣٩\n(٥) ينظر جامع البيان: ١٠ /٦١ –٦٢. المحرر الوجيز: ١٢/ ١٥٨. تفسير القران العظيم: ٣/ ٣٨٤. الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦/ ٤٠٧-٤٠٨.","vol":"1","page":345},{"text":"القول الثاني - قال الحسن: هو ابن أخي شعيب واسمه ثروان، وقال أبو عبيدة: يثرون.\nالقول الثالث - قيل: هو رجل صالح ليس من شعيب بنسب.\n\nالقول الرابع - قال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى (- ﵇ -) بمدة طويلة «١»، لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ «٢» .\nوقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل (- ﵇ -) بنص القرآن. وقد علم أنه كان بين الخليل وبين موسى (- ﵇ -) مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة كما ذكر غير واحد. وما قيل إن شعيبًا عاش مدة طويلة إنما هو والله اعلم احترازًا من هذا الاشكال. ويرجح ابن كثير أنه ليس بشعيب، ويقول: من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث التصريح باسمه لم يصح سنده «٣» .\nورجح القرطبي أنهما ابنتا شعيب «٤» فهو ظاهر القرآن.\nقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ «٥» . وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ «٦» .\nوالذي يرجحه الباحث هو القول الأول، وأنه سيدنا شعيب الرسول وذلك لأن علماء الفقه الإسلامي قد استدلوا بما في هذه القصة من أحكام عند من يرى أن شرع من قبلنا من الرسل شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ومنها مباشرة المرأة الأعمال ووجود الحياء فيها، وولاية الأب في النكاح وجعل النكاح والإجارة في عقد واحد «٧) على ما سنوضحه لاحقًا.\n_________\n(١) جامع البيان: ١٠ /٦٠ –٦١.الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦ /٤٠٧ –٤٠٨.\n(٢) سُوْرَة هُوْد: الآية ٨٩.\n(٣) ينظر تفسير القران العظيم: ٣/ ٣٨٤.\n(٤) الجامع لأحكام القران ٦: / ٤٩٨٦.\n(٥) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ٨٥.\n(٦) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآيتان ١٧٦- ١٧٧.\n(٧) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٠١.","vol":"1","page":346},{"text":"﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾\n﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾، أي: سقى غنمهما لأجلهما، وفي كيفية السقي ذكر الرازي أقوالًا:\nالقول الأول - إنه (- ﵇ -) سأل القوم أن يفسحوا ففسحوا.\nالقول الثاني - قال قوم: عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلاّ عشرة. وقيل: أربعون. وقيل: مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر.\nالقول الثالث: إن القوم لما زاحمهم موسى (- ﵇ -) تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو (- ﵇ -) رمى ذلك الحجر، وسقى لهما «١» .\nوالصحيح أنه لم يرد بيان من القرآن يبين كيفية السقي، ولكن المرأة وصفت سيدنا موسى بالقوة حينما طلبت من والدها استئجاره\n﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾، فدلّ ذلك على أنها رأت منه قوة كبيرة وصفته بها أمام والدها ودعتها لطلب استئجاره. وأن موسى (- ﵇ -) رفع صخرة كبيرة لا يستطيع غيره من الرجال أن يرفعها ليسقي لهما الماء.\n﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾\nأي انصرف موسى (- ﵇ -) جاعلًا ظهره يلي ما كان يلي وجهه ليقيل تحت الظل، ويستره مقبلًا على الخالق.\nوذكر الطبري أنه قال هذا القول ﴿إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، وهو محتاج، وهو بجهد شديد، وعرض ذلك للمرأتين تعريضًا لهما لعلهما أن تطعماه مما به من شدة الجوع «٢» .\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٣٩.\n(٢) جامع البيان: ١/ ٥٦- ٥٧.","vol":"1","page":347},{"text":"وفيه دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر. ونقل ابن كثير رواية عن ابن عباس: \" سار موسى من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا، فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وأن بطنه لاصق بظهره من الجوع \" «١» .\n﴿فَقَالَ رَبِّ﴾ \" لأنه ليس في الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص، ولما كان حاله في عظيم صبره، حالة من لا يطلب أكدّ سؤاله إعلاماَ بشديد تشوقه لما سأل، فيه زيادة في التضرع والرأفة، فقال ﴿إني﴾ وأكد الافتقار بالإلصاق باللام دون (إلى) فقال ﴿لما﴾، أي: لأي شيء، ولما كان الرزق الآتي إلى الإنسان مسببًا عن القضاء الآتي عن العلي الكبير عبر بالإنزال، وعبر بالماضي تعميمًا لحالة الافتقار وتحققًا لإنجاز الوعد بالرزق \" «٢» .\nوأما اسم الشجرة، فقد ذكر القرطبي أنها (سمرة) قاله ابن مسعود «٣» .\nما يستفاد من النصّ\nدلت الآيات السابقة على جملة المعاني وهي:\nأولا - الدعاء وأثره في تفريج الكروب، فقد رأينا كيف صور القرآن الكريم حالة سيدنا موسى (- ﵇ -)، بعد أن اخبره الذي آمن بوصول أمر القبطي\n(المقتول) إلى سماع فرعون وتآمرهم على قتله، فانتابته حالة من الخوف والترقب، ودعا الله أن ينجيه من القوم الظالمين، فمرة أخرى يتعرض إلى محنة أخرى، ومرة أخرى يتحدى الله جل وعلا فرعون وجنوده من أن ينالوا ممن اصطفاه واصطنعه لنفسه.\n_________\n(١) تفسير القران العظيم: ٣/ ٣٨٤.\n(٢) نظم الدرر: ٥/ ٤٧٧.\n(٣) السمرة: شجرة صغيرة الورق قصير الشوك لها برقة صفراء. ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٨٥.","vol":"1","page":348},{"text":"فماذا يفعل شخص مثله مطارد وحيد مجرد من كل قوى الأرض الظاهرة جميعًا لا يعلم إلى أين يتوجه، أي الطرق تخرجه من أرض الخطر، فقد سدت في وجهه كل طرق النجاة إلا طريقًا واحدًا هو طريق الله، فاتجه إلى ربه داعيًا أن يهديه سبيل النجاة فهداه الله جل وعلا إلى مدين، ومن هذا نتعلم درسًا مهما هو أن على المسلم أن يلتجأ إلى الله في يسره وعسره.\nثانيًا. على المسلم أن يقدم المساعدة للمحتاج ولو لم يطلبها، وهذا ما فعله سيدنا موسى (- ﵇ -) مع بنات سيدنا شعيب (- ﵇ -) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المطلب الثاني: زواج سيدنا موسى (- ﵇ -) من ابنة شعيب (- ﵇ </span>-)\n﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ «١»\nالمناسبة\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٢٥ - ٢٨.","vol":"1","page":349},{"text":"قال تعالى قبل هذه الآيات: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ «١» \" ولما كان سماعهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سببًا لدعاء شعيب (- ﵇ -) قال بانيًا على ما تقديره: فذهبت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه بخبرهما وبإحسانه إليهما، فأمر بدعائه ليكافئه، قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ﴾، أي: بسبب قول الأب، وعلى الفور \" «٢» . فجاءت فاء التعقيب في قوله تعالى:\n﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ مشعرةً باستجابة الله له بأن ألهم شعيبًا أن يرسل وراءه لينزله عنده ويزوجه ابنته «٣» .\nفنلاحظ مرة أخرى الإعجاز القرآني في استخدام الحروف في مواضعها بحيث تغني عن جمل كثيرة، ونلاحظ كذلك التناسب في موارد مجيء الحروف في الجمل القرآنية، ونرى كيف أن هذه الآية جاءت متناسقة متناسبة مع الآية التي سبقتها في كمال المعنى واكتماله.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿اسْتِحْيَاءٍ﴾:\nالحياء التوبة والحِشْمَة، وقد حَيَي منه حَيَاء واسْتحيا واسْتَحَى، حذفوا الياء الأخيرة كراهية التقاء الياءين، والأخيرتان تتعديان بحرف وبغير حرف يقولون: اسْتَحياء منك واسْتَحْياك، واسْتَحَى منك واسْتَحَاك قال ابن بري: شاهد الحياء بمعنى الاسْتحياء «٤» . وقال الراغب الأصفهاني: الحياء انقباض النفس عن القبائح وتركها\n«٥» .\n٢. ﴿لِيَجْزِيَكَ﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٤.\n(٢) نظم الدر: ٥/ ٤٧٥.\n(٣) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٠٣.\n(٤) ينظر لسان العرب: مادة (حيي) ١٤/ ٢١٧.\n(٥) معجم مفردات ألفاظ القران: ١٤٠.","vol":"1","page":350},{"text":"الجزاء المكافأة على الشيء جَزَاء به وعليه جَزَاء جَازَاه مُجَازَاة وجَزَاء. قال أبو الهيثم: الجزاء يكون ثوابًا ويكون عقابًا «١» .\n٣. ﴿حِجَجٍ﴾:\nالحجّ: القصد حجّ إلينا فلان، أي: قَدِم. وحَجَّه يُحِجَّه حَجًّا قصده يقرا بفتح الحاء وكسرها والفتح الأصل. والحَجُّ اسم العمل والحَجّ والحِجّ ليس عند الكسائي بينها فرقان وغيره يقول: الحَجّ حَجّ البيت. والحِجّ عمل السُّنَّة. والحِجّة السَّنَة والجمع حِجَج «٢» .\nوقال ابن عاشور: الحِجَج جمع حِجَة بكسر الحاء، وهي السُّنَّة مشتقة من اسم الحَجّ، لأن الحَجّ يقع كل سنة وموسم الحَجّ يقع في آخر شهر من السنة العربية\n«٣» .\nالقراءات الَقُرْآنيّة\n١. ﴿فَسَقَى﴾:\nقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة.\n٢. ﴿تَوَلَّى﴾:\nقرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة «٤» .\n٣. ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾:\nقرأ ابن محيصن: (فجاءتهُ احْداهما) بحذف الهمزة على غير قياس كقولهم يا أبا فلان «٥» .\n٤. ﴿يَا أَبَتِ﴾:\nقرأ ابن عامر (يا أبتَ) .\nوقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وأبو جعفر (يا أَبَهْ) وقفًا «٦»\n٥. ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾:\n_________\n(١) ينظر لسان العرب: مادة (جزى) ١٤/ ١٤٣.\n(٢) لسان العرب: مادة (حجج) ٢/ ٢٧٧.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٠٧.\n(٤) غيث النفع: ص ٣١٦. معجم القراءات القرآنية: ٥/ ١٤.\n(٥) المحتسب: ٢/١٥٠. البَحْر المُحِيْط: ٧/١١٤. الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٨.\n(٦) النشر في القراءات العشر: ٢/ ١٣١. التيسير في القراءات السبع. أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني. ت ٤٤٤ هـ. تحقيق: أوتو برترزل. طبع دار الكتب العلمية. بيروت. ١٩٩٦.: ص ١٢٧. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٢.","vol":"1","page":351},{"text":"روى عن أبي عمرو (أنكحك حْدى) بحذف همزة إحدى «١» .\n٦. ﴿هَاتَيْنِ﴾:\nقرأ ابن كثير (هَاتَّيْنِ) بتشديد النون «٢» .\n٧. ﴿سَتَجِدُنِي﴾:\nقرأ نافع، وأبو جعفر: (سَتَجِدْنيَ) «٣» .\n٨. ﴿أَيَّمَا﴾:\nقرأ أبو عمرو، والعباس، والحسن بسكون الباء (أَيْمَا) . وقرأ ابن مسعود (أيَّ الأجلين ما قضيت) بإقحام ما بين الأجلين وقضيت، فإن قلت: ما الفرق بين موقعي (ما) المزيدة في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة الإبهام، أي: زائدة في شياعها، وفي الشاذة تأكيد القضاء كأنه قال، أيّ: القضاء صممت على قضاءه وجردت عزيمتي له «٤» .\n٩. ﴿عُدْوَانَ﴾:\nقرأ أبو حيوة، وابن قطيب: (عِدْوَان) «٥» .\nالقضايا البلاغية\n١. قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾:\n_________\n(١) البحر المحيط: ٧/ ١١٥. مختصر في شواذ القُرْآن (كتاب القراءات الشاذة) من كتاب البديع. لابن خالويه. ت ٣٧٠ هـ. تحقيق: برجستراسر. الطبعة الثانية. بيروت، لبنان ١٩٨٦ م.: ١١٢.\n(٢) النشر في القراءات العشر ١/ ٣١٢-٣١٣. التيسير في القراءات السبع: ص ٩٥. الدر المصون: ٥/ ٣٣٩.\n(٣) التيسير في القراءات السبع: ص ١٧٢. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٢. معجم القراءات القرآنية ٥/ ١٦\n(٤) الكشاف: ٣/ ١٧٤. البحر المحيط: ٧/ ١١٥.\n(٥) البحر المحيط ٧/ ١١٥.","vol":"1","page":352},{"text":"هي من الآيات الصورية التي تصور لنا امرأة كلها حياء وعفة وحشمة استدللنا عليه بقوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، فذكر الفعل المضارع\n(تمشي) ليبني عليه قوله: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، وإلا فان فعل (جاءته) مغن عن ذكر (تمشي)، واستخدم (على) للاستعلاء المجازي مستعارة للتمكن من الوصف، والمعنى أنها مستحية في مشيها، أي: تمشي غير متبخترة ولا متثنية، ولا مظهرة زينة، ولكنها مبالغة في الحياء و(الاستحياء) مبالغة في الحياء «١» .\n\" فان المتبع لقوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ لا يجد له نظيرًا في كافة التعبيرات الإنشائية البلاغية، وما ذلك إلا لأن استعارة المشي الحقيقي لمجازية الاستحياء مشعرة بالتصوير البياني الخاص بالصورة الفنية بكل أوجهها من حقائق السير إلى مجازات الحياء بأنواعه فالآية قمة من قمم الإعجاز التصويري القرآني \"\n«٢» .\n٢.الكلام الجامع المانع:\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٠٣\n(٢) الإعجاز التمثيلي في آيات الوصف: ٤٢٤","vol":"1","page":353},{"text":"في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ في هذه الآية فنون عديدة، فلهذا جعلها علماء البلاغة أنها من الكلام الجامع المانع الحكيم الذي لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان في القائم بأمرك والمتعهد لشؤونك وهما الكفاية والأمانة، فقد فرغ بالك وتم مرادك وأصبح هذا القول مثلًا يتداوله الناس على مر العصور، وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوته وأمانته. وفي التعميم الذي هو أجمل وأليق في مدح النساء للرجال من المدح الخاص، وأبقى للتحشم والتصون ولا سيما بعد أن فهمت غرض أبيها وهو تزويجها منه، وهذا الإبهام من ابنة شعيب (- ﵇ -) قد سلكته زليخا مع يوسف (- ﵇ -)، ولكن شتان ما بين الحياء المجبول والمستعمل حيث قالت لسيدها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ «١»، وهي تعني ما جزاء يوسف بما أرادني من السوء إلا أن تسجنه، أو تعذبه عذابًا أليمًا، ولكنها أوهمت زوجها الحياء أن تنطق بالعصمة منسوبًا إليها الخنا إيذانًا بان هذا الحياء منها الذي يمنعها أن تنطق بهذا الأمر يمنعها من مراودة يوسف بطريقة الأحرى والأولى. إذًا هذه الآية قد حوت الإيجاز والمثل والتعميم والإبهام «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ٢٥.\n(٢) ينظر الكشاف: ٣/ ١٧٢، والانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال. نَاصِر الدِّيْن أحمد بن مُحَمَّد بن المنير الإسكندري المالكي. ت ٦٨٣ هـ. دار الكِتَاب العربي. بيروت. لبنان. (د. ت.) .: ٣/ ١٧٢.","vol":"1","page":354},{"text":"٣.الإيجاز «١» في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ إيجاز بليغ:\nفان معنى شق عليه الأمر مترجح بين اليأس والرجاء، وفيه إيماء إلى أولئك المعاسرين الذين يكلفون عمالهم أعمالًا تربو على طوقهم وتتجاوز حدود قدرتهم المعهودة، وعلى هذا درجت الشرائع في حسن المعاملة والأخذ بالأسهل «٢» .\nالمعنى العام\n﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾\nذكر الطبري أنه جاءت إحدى المرأتين اللتين سقى لهما تمشي على استحياء من موسى وقد سترت وجهها بثوبها، وعن سيدنا عمر بن الخطاب (- ﵁ -) قال:\n«مستترة بكم درعها، أو بكم قميصها» «٣» .\n﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ قال الآلوسي: \" وأسندت الدعوة إلى أبيها وعللتها بالجزاء لئلا يوهم كلامها ريبة، وفيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة ما لا يخفى. فقام معها موسى (- ﵇ -)، فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف جسدك \" «٤» .\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾\nقال ابن عطية: \" فوصل موسى (- ﵇ -) إلى داعيه، فقص إليه أمره من أوله إلى أخره، فآنسه بقوله: لا تخف من القوم الظالمين، وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون \" «٥» .\nشبه وردها\n_________\n(١) الإيجاز: أن يكون اللفظ أقل من المعنى مع الوفاء به، وإلا كان إخلالًا يفسد الكلام. معجم المصطلحات البلاغية: ١ /٣٤٤.\n(٢) إعراب القران وبيانه وصرفه: ٥/ ٣١٠.\n(٣) جامع البيان: ١٠/ ٥٨.\n(٤) روح المعاني: ٢٠ /٥٩.\n(٥) المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٠.","vol":"1","page":355},{"text":"ذكر الزمخشري، والرازي «١» مجموعة افتراضات لشبه أجابا عنها مدارهما على قول ابنة الشيخ الكبير: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ .\nالشبهة الأولى:\nفان قيل: كيف ساغ لموسى (- ﵇ -) أن يعمل بقول امرأة، وأن يمشي معها وهي أجنبية؟\nالجواب عنها: أما العمل بقول امرأة، فكما يعمل بقول الواحد حرًا كان أو عبدًا، ذكرًا كان أو أنثى في الأخبار، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه. وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا باس بها في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط والتورع.\nالشبهة الثانية:\nإنه سقى أغنامها تقربًا إلى الله تعالى، فكيف يلق به أخذ الأجرة عليه، فان ذلك غير جائز في المروءة ولا في الشريعة؟\nالجواب: إن المرأة وإن قالت ذلك، فَلعَلَّ موسى (- ﵇ -) ما ذهب إليهم طلبًا للأجرة، بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ. وروي أنها لما قالت: ليجزيك كره ذلك. ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: (إنا أهل البيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمنًا) . حتَّى قال شعيب هذه عادتنا مع كلّ من ينزل بنا. وأيضًا فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك على سبيل الاضطرار.\nالشبه الثالثة:\nكيف يليق بشعيب النبي (- ﵇ -) أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفًا أو فاسقًا؟\nالجواب: لعله (- ﵇ -) كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها.\n_________\n(١) الكشاف: ٣/١٧١. مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٤١.","vol":"1","page":356},{"text":"والذي يظهرا من خلال قراءة متفحصة للآية أن المسافة كانت قصيرة جدًا بدليل سرعة رجوعها إلى سيدنا موسى (- ﵇ -)، فالذي يبدو أنهم كانوا ساكنين بقرب بئر الماء على عادة أهل البادية بالتجمع قرب مصادر المياه بحيث يرى ابنته حينما ذهبت لدعوة موسى، فهي قريبة منه، فلا خوف عليها، وإنه حسن الظن به بسبب مدح بناته له لأنه سقى لهما، فهو يحمل صفة المروءة والمساعدة.\n﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾\nقال أبو حيان: إن القائلة هي التي ذهبت إلى موسى والتي تزوجها فيما بعد\n«١» . وجاء لفظ استأجرت بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.\nوعن ابن مسعود (- ﵁ -) قال: \" أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا﴾ «٢»، وأبو بكر في عمر.\nفقد عرفت قوته من رفعه الصخرة ولا يطيقه إلا عشر رجال. وقيل: أكثر، وأمانته من قوله لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق «٣» .\n\n﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾\nيفهم من قوله: (هاتين) على أنه كان له غيرهما، وأراد بهاتين الحاضرتين اللتين سقيت لهما ليتأملها، فينظر من يقع اختياره عليها منها ليعقد له عليها «٤» . وجعل لموسى اختيار إحداهما لأنه قد عرفها، وكانت التي اختارها موسى (صفّورة) وهي الصغرى وإنما اختارها دون أختها لأنها التي عرف أخلاقها باستحيائها وكلامها، فكان ذلك ترجيحًا لها عنده «٥» .\n_________\n(١) الكشاف: ٣/١٧٢.\n(٢) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ٢١.\n(٣) ينظر المحرر الوجيز: ١٢/١٦. الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦/٤٠٥.\n(٤) ينظر المحرر الوجيز: ١٢/١٦٠. روح المعاني: ٢٠/٦٧.\n(٥) التحرير والتنوير: ٢٠/١٠٦.","vol":"1","page":357},{"text":"﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾\nأي: \" قال أبو المرأتين اللتين سقى لهما موسى: إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتيّ على أن تكون أجيرًا لي ثماني سنوات ترعى لنا فيها غنمي، فإن أتممت الثماني السنين التي شرطتها عليك فجعلتها عشرًا فإحسان من عندك، وما احب أن أشاقك بمناقشة، أو مراعاة أوقات، أو أكلفك ما فيه مشقة، وإنك ستجدني إن شاء الله ممن تحسن صحبتهم ويوفون بما تريد من خير لك ولنا \" «١» .\n﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ\nوَكِيلٌ﴾\nأي: \" ذلك الذي عاهدتني فيه قائم بيننا لا نخرج عنه، أيما الأجلين أطولهما أو أقصرهما وفيتك إياه، فلا يتعدى عليّ بطلب الزيادة، فكما لا أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على ثماني، أو فلا أكون معتديًا بترك الزيادة عليه كقولك: لا إثم علي، وهو أبلغ في إثبات الخيرة وتساوي الأجلين في القضاء من أن يقال إن قضيت الأقصر فلا عدوان علي «٢» . والله على ما نقول وكيل حافظ يراقبنا ويعلم ما تعاقدنا عليه \" «٣» .\nما يستفاد من النصّ\nيمكن أن نستنتج المعاني الآتية من الآيات القرآنية الخاصة بزواج سيدنا موسى:\nفقد رأينا الحياء والعفة المتمثلتين في ابنة سيدنا شعيب (- ﵇ -) وهو ما ينبغي لكل امرأة أن لا ترفع عنها هذه النعمة العظيمة التي يريد أعداء الله أن ينتزعوه عنها بدعوى الثقافة والانفتاح.\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢٠/٥٢.\n(٢) أنوار التنزيل: ٢/٢١٤.\n(٣) تفسير الكريم الرحمن: ٤/ ١٤.","vol":"1","page":358},{"text":"ودلت كذلك على جانب عظيم من المروءة المتمثل بمساعدة سيدنا موسى (- ﵇ -) في السقي لبنات شعيب، وعدم أخذ الأجرة على ما قدمه من مساعدة وابتغاء بهذا العمل وجه الله جل وعلا.\nودلت الآيات كذلك على ضرورة أن يجتمع في العمل شرطان أساسيان وهما: القوة، والأمانة. فلا تصلح القوة بلا أمانة، ولا تنفع الأمانة بلا قوة.\nودلت كذلك على جملة من المسائل الفقهية وهذا ما سنناقشه في مبحث خاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الثاني: المسائل الفقهية المتعلقة بهجرة سيدنا موسى (- ﵇ -) إلى مدين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>المطلب الأول: المسائل المتعلقة بزواج سيدنا موسى (- ﵇ -) من ابنة شعيب (- ﵇ </span>-)\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>أولًا - تعريفه وألفاظه ومسائله:</span>\n١ - تعريف النكاح في اللغة:\n\" نكح فلان امرأة ينكحها نكاحًا إذا تزوجها ونَكَحها ينكِحُها إذا تزوجها. أصل النكاح في كلام العرب الوطء. وقيل: للتزويج وطأً، لأنه سبب النكاح وعقد التزويج يسمى النكاح \" «١» .\nوذكر الراغب الأصفهاني \" أصل النّكاح للعقد، ثُمَّ أُستعير للجماع ومحال أن يكون في الأصل للجماع، ثُمَّ أُستعير للعقد لان أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره \" «٢» . وذكر الشافعي \" أن اسم النكاح يتناول العقد فقط \" «٣» .\nوفي الحقيقة أن لفظة النكاح جاءت في القران الكريم للعقد وللوطء\nأما التي للعقد فقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ «٤»، فالمقصود اعقدوا عليهنَّ بإذن أهلهن آتوهنَّ مهورهنّ. فلا يمكن أن يقصد بالنكاح في هذه الآية الوطء، لأنه من غير المعقول أن يقول لوالد المرأة ائذن لي أن أطأ ابنتك أو موكلتك.\n_________\n(١) لسان العرب: مادة (نكح) ٢/٦٢٥ - ٦٢٦.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٢٦.\n(٣) المبسوط. شمس الأئمة مُحَمَّد بن أحمد بن أَبِي سَهْل السَّرَخْسي الحنفي أبو بَكْر. ت ٤٨٣ هـ. ط٢. دار المعرفة. بيروت. ١٤٠٦ هـ.: ٤/١٩٢.\n(٤) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ٢٥.","vol":"1","page":359},{"text":"وقد وردت في القران الكريم لفظة النكاح بمعنى الوطء قال تعالى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ «١»، فقد أخرج البخاري في جامعه الصحيح: أن رفاعة القرظي تزوج امرأة، ثُمَّ طلقها فتزوجت أخر، فأتت النبي (- ﷺ -) فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثلُ هدبةٍ، فقال النبي\n(- ﷺ -): «لا حتى تتذوقي عويسلته ويذوق عويسلتك» «٢»، إن المقصود بذوق\n(العويسلة) كناية عن المجامعة أي الوطء «٣» .\n٢ - النكاح في الاصطلاح الشرعي:\n(عقد يفيد ملك المتعة قصدًا)، أي: حلّ استمتاع الرجل من المرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي «٤» .\nعقد يتضمن إباحة وطء «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٣٠.\n(٢) صحيح البخاري بشرح العسقلاني: ٨/١٨٠.\n(٣) المصدر نفسه: ٨ /١٨٠.\n(٤) حَاشِيَة الطَّحْطَاوي أحمد بن مُحَمَّد بن إسماعيل الحَنَفي. ت ١٢٣١ هـ. على الدُّرُّ المختار لمحمد بن عَلِيّ الملَقَّب علاء الدِّيْن الحَصْكَفي الدمشقي. ت ١٠٨٨ هـ. والدُّرُّ المختار هو شرح تنوير الأبصار لمحمد بن عَبْد الله بن أحمد الخَطيب التُّمُرْتَاشي الحَنَفي الغَزِّي. ت ١٤٠٠ هـ. دار المعرفة للطباعة والنشر ببيروت سنة ١٩٧٥. وهي طبعة مصورة على المطبوعة بدار الطباعة العامرة ببولاق مصر سنة ١٢٥٤ هـ.: ٢/٣.\n(٥) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. شمس الدِّيْن مُحَمَّد بن أَبِي العباس شهاب الدِّيْن أحمد بن حمزة الرَّمْلي المُتَوَّفَىَ المَصِري الأنصاري. الشهير بالشافعي الصغير. ت ١٠٠٤ هـ. مَكْتَبَة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة ١٩٣٨ م.: ٦/١٧٩.","vol":"1","page":360},{"text":"وعرفه بعض الفقهاء بأنه: عقد يفيد حلّ استمتاع كل من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع «١» .\nعقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمته «٢» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>ثانيًا - ألفاظ عقد النكاح (الإيجاب - القبول)</span>\nلا خلاف بين الفقهاء في أن الإيجاب والقبول في عقد النكاح يصحّ أن يكونا بلفظ التزويج، أو بلفظ الانكاح، وينعقد بهما لورود هذين اللفظيين في القران الكريم:\nأولًا - بلفظ الزواج، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ «٣» .\nثانيًا - بلفظ النكاح، قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ «٤» .\n_________\n(١) عقد الزواج وآثاره. مُحَمَّد أبو زهرة. مطبعة مخيمر بالقاهرة. ١٩٥٨ م.: ٣٧. المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية. د. عبد الكريم زيدان. الطبعة الأولى. مؤسسة الرسالة. بيروت. ١٩٩٣ م.: ٦/١٠.\n(٢) مُغْني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. شمس الدِّيْن مُحَمَّد بن أحمد الشَّرْبِيْني القاهري الشافعي الخَطِيب. ت ٩٧٧ هـ. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. (د. ت) .: ٣/١٢٣.\n(٣) سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية ٣٧.\n(٤) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ٢٢.","vol":"1","page":361},{"text":"وسواء اتفق العاقدان في استعمال واحد من هذين اللفظين، أو اختلفا مثل أن يقول ولي الأمر للخاطب: زوجتك ابنتي هذه، فيقول الخاطب: قبلت النكاح، أو قبلت هذا التزويج «١» . وقد اختلف الفقهاء في ألفاظ عقد النكاح في غير لفظي التزويج والانكاح، وقد استدل من قال بأن النكاح موقوف على لفظ التزويج والانكاح بقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾، وسنعرض موجزًا لأقوال الفقهاء في ذلك مع أدلتهم:\nالقول الأول:\nلا يصح الإيجاب والقبول بغير هذين اللفظين (التزويج والانكاح) وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وربيعة، والشافعي وهو مذهب الحنابلة (٢» .\nالدليل:\nقوله (- ﷺ -): «اتقوا الله في النساء، فأنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» «٣»، وكلمة الله هي التزويج، أو الانكاح فإنه لم يذكر في القرآن سواهما، فوجب الوقوف معهما تعبدًا واحتياطًا.\n_________\n(١) المُغْني. مُوَفَّق الدِّيْن أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن أحمد بم مُحَمَّد بن قُدَامة المَقْدِسي. ت ٦٢٠ هـ. الناشر: دار الكِتَاب العربي ببيروت سنة ١٩٧٢.: ٧/٣. مغني المحتاج ٣/١٣٩.\n(٢) المغني (ابن قدامة): ٧/٧٨. نهاية المحتاج: ٦/٢٠٧. مغني المحتاج: ٣/١٤٠.\n(٣) صحيح مسلم: باب حجة النبي (- ﷺ -) ٢ /٨٨٩ رقم (١٢١٨) من حديث جابر (- ﵁ -) .","vol":"1","page":362},{"text":"أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «١»، فذكر الهبة في الزواج هو خاص بالرسول (- ﷺ -)، والهبة تجمع أن ينعقد له عليها عقد النكاح بأن تهب نفسها له بلا مهر وفي هذا دلالة على أن لا يجوز نكاح إلا باسم النكاح، أو التزويج ولا يقع بكلام غيرهما وإن كانت معه نية التزويج «٢» .\nالقول الثاني:\nذهبت الظاهرية إلى جواز الإيجاب والقبول في عقد النكاح بلفظ التمليك إضافة إلى لفظي التزويج والانكاح، لورود لفظ التمليك في قوله: (- ﷺ -) إنه زوج امرأة فقال: «ملكتكها بما معك من القرآن» «٣» .\nالقول الثالث:\n_________\n(١) سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية ٥٠.\n(٢) الأم. مُحَمَّد بن إِدْرِيْس الشافعي أبو عَبْد الله. (١٥٠ - ٢٠٤) . برواية الربيع بن سليمان المرادي. الطبعة الأولى. شركة الطباعة الفنية المتحدة. القاهرة. ١٣٨١ هـ.: ٥/٣٧.\n(٣) المحلى. عَلِيّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو مُحَمَّد. (٣٨٣ - ٤٥٦) . تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي. دار الآفاق الجديدة. بيروت. (د. ت) .: ٩/٤٦٤. وينظر المفصل في أحكام المرأة: ٦/٨٣.","vol":"1","page":363},{"text":"ينعقد عقد النكاح بلفظ النكاح والزواج وبكل ما يفيد التملك من الألفاظ مثل لفظة (البيع. الهبة. الصدقة. والتمليك) إذا شهد عليه، قال به أبو حنيفة، وأصحابه، والنوري، والحسن بن حىّ «١» . وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «٢»، فقد انعقد نكاح الرسول (- ﷺ -) بلفظ الهبة، فينعقد به نكاح أُمته. ولأن الطلاق يقع بالصريح والكناية قالوا، فكذلك النكاح.\nالقول الرابع:\nعند المالكية الألفاظ من جهة انعقاد النكاح بها هي كالآتي:\nالألفاظ تصلح للإيجاب والقبول وينعقد بها النكاح إن ذكر المهر، وهذه الألفاظ هي الانكاح والتزويج.\nيصح بها الإيجاب والقبول، وينعقد بها النكاح إن ذكر المهر وهذه الألفاظ لفظ (وهبت) .\nما في صحة الإيجاب والقبول به خلاف، وهو كلفظ يقضي البقاء مدى الحياة كبعت، أو ملكت، فبعض المالكية جعلها مثل وهبت وبعضهم لم يجعلها بمنزلة وهبت، فلا ينعقد بها النكاح.\n_________\n(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. الكاساني. علاء الدِّيْن أبو بكر مسعود. ت ٥٨٧ هـ. تقديم أحمد مختار عثمان. الناشر: زكريا عَلِيّ يوسف. مطبعة العاصمة. القاهرة. ١٩٢٨ م.: ٢/٢٢٩. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/٤٩٨٨.\n(٢) سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية ٥٠.","vol":"1","page":364},{"text":"ما لا ينعقد بها النكاح مطلقًا ولا يصحّ أن يعبر به عن الإيجاب، أو القبول، وهو كلفظ لا يقضي البقاء مدى الحياة كلفظ الإجارة والعارية «١» .\nالقول الراجح لاشك إن الأولى الالتزام بألفاظ النكاح الصريحة كلفظ التزويج والانكاح وذلك لخطورة عقد الزواج ومنعًا للمتلاعبين. ولكن إذا كان العرف في مدينة من المدن يستعمل لفظة معينة لديهم، وتدل هذه على إنشاء عقد الزواج على التأييد ووجَود القرائن كالشهود والمهر فلا مانع من ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>ثالثًا - مسائله:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>المسألة الأولى - الإشهاد على عقد الزواج</span>\nقال تعالى حكاية عن أحد المتعاقدين: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، قيل: هو قول موسى. وقيل: هو قول والد المرأة «٢» . والمهم أنه قد اكتفى النبيان الصالحان - صلوات الله عليهماـ في الإشهاد عليها بالله ولم يشهدا أحد من الخلق.\nوقد اختلف العلماء في وجوب الإشهاد في النكاح\nالقول الأول:\nوهو قول جمهور الفقهاء من الشافعية، والحنفية، والحنابلة قالوا باشتراط الإشهاد لصحة النكاح، وإلا كان فاسدًا. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وقول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، وقتادة، والنووي، والأوزاعي «٣» .\n\nالقول الثاني:\n_________\n(١) بُلْغَة السالك لأقرب المسالك. لأحمد بن مُحَمَّد الصَّاوِي المالكي الخَلْوَتي. ت ١٢٤١ هـ. خرج أحاديثه وفهرسه وقرر عليه بالمقارنة بالقانون الحديث: الدكتور مصطفى كمال وصفي. مطبعة دار المعارف. مصر. ط١. ١٩٧٢ - ١٩٧٤ م.: ١/٣٨٠. المفصل في أحكام المرأة: ٦/٨٤.\n(٢) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/٤٩٩٦.\n(٣) الأم: للشافعي. المبسوط (السرخسي): ٥/٣٠. بدائع الصنائع: ٥/٢٥٢.","vol":"1","page":365},{"text":"ونقل الكاساني عن مالك قوله: \" وقال مالك: الشهادة ليست بشرط وإنما الشرط هو الإعلان حتى لو عقد النكاح وشرط الإعلان جاز، وإن لم يحضر شهود، ولو حضر شهود وشرط عليهم الكتمان لم يجز \" «١» .\nأدلة القول الأول:\nأخرج الإمام الترمذي في جامعه عن النبي (- ﷺ -) إنه قال: «البغايا: اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة» «٢»، والتسمية بالبغايا تشديد والمراد بالبينة الوليّ والشهود.\nأخرج الإمام البيهقي عن عائشة (﵂) قالت: قال رسول الله (- ﷺ -): «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» «٣» .\n_________\n(١) بدائع الصنائع: ٢/٢٥٢. وينظر المفصل في أحكام المرأة: ٦/١١٠.\n(٢) تُحْفًةُ الأَحْوَذِيّ بشرح جامع التُّرْمِذيّ. مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمَن بن عَبْد الرحيم المباركفوري أبو العلا. (١٢٨٣ - ١٣٥٣) . دار الكتب العلمية. بيروت. (د. ت) .: ٤/٢٣٤.\n(٣) سُنَن البَيْهَقي الكُبرى. أحمد بن الحسين بن عَلِيّ بن موسى البَيْهَقي أبو بكْر. (٣٨٤ - ٤٥٨) . تحقيق: مُحَمَّد عَبْد القادر عطا. مَكْتَبَة دار الباز. مكة المكرمة. ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م: ٧/١٢٥.","vol":"1","page":366},{"text":"أخرج الإمام مالك: أن عمر بن الخطاب (﵁) أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: «هذا نكاح السرّ ولا أجيزه» «١» .\nأدلة المالكية:\nإنه عقد معاوضة، فلا يشترط فيه الإشهاد، وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح، وفرق ما بين النكاح والسفاح: الدُّفُّ.\nفقد روي عن النبي (- ﷺ -) أنه قال: «أعلنوا النكاح ولو بالدّف» «٢»، وإن اشترط الإعلان لنفي التهم، لأن الزنا لا يكون إلا بالسر فالحلال لا يكون إلا ضده، وذلك بالإعلان عنه «٣» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المسألة الثانية - الولاية في عقد الزواج</span>\nالولاية في الاصطلاح الفقهي\nتعريف الولاية في اللغة:\n_________\n(١) الموطأ. الإمام مالك بن أنس أبو عَبْد الله الأصبحي. (٩٣ - ١٧٩) . تحقيق: مُحَمَّد فُؤَاد عَبْد البَاقِي. دار إحياء التراث العربي. مصر. (د. ت) .: ٢ /٥٣٥. مجمع الزوائد: ٤ /٢٨٥ وقال: رواه الطبراني في الروض الداني (المعجم الصغير) . سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني أبو القَاسِم. (٢٦٠ - ٣٦٠) . تحقيق: مُحَمَّد شكور محمود الحاج أمرير. المكتب الإسلامي، دار عمار. بيروت، عمان. ط٢. ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م. عن مُحَمَّد بن عبد الصمد بن أبي الجراح لم يتكلم فيه أحد وبقية رجاله ثقات.\n(٢) صحيح ابن حبان: ٩ / ٣٧٤. المستدرك على الصحيحين: ٢ /٢٠٠ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. كلاهما دون لفظ (بالدف) . وهو بهذه الزيادة في البحر الزخار المعروف بمسند البزار. أحمد بن عمرو بن عَبْد الخالق البزار أبو بكر. (٢١٥ - ٢٩٢) . تحقيق: د. محفوظ الرَّحْمَن زين الله. مؤسسة عُلُوْم القُرْآن - مَكْتَبَة العُلُوْم والحكم. بيروت - المدينة. ط١. ١٤٠٩ هـ.: ٦ /١٧١ وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن الزبير إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.\n(٣) المبسوط (السرخسي): ٥/٣١.","vol":"1","page":367},{"text":"في أسماء الله تعالى: الولي الناصر. قيل: الوِلاية بالكسر السلطان والوَلاية الوِلاية النَصرة. قيل: هم عليّ وَِلاية، أي: مجتمعون في النّصرة، قال سيبويه: الوَلاية بالفتح المصدر، والوِلاية بالكسر الاسم مثل الأمارة لأنه اسم لما توليه وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا. الوَليّ: ولي اليتيم الذي يلي أمره ويقوم بكفايته، وولي المرأة الذي يلي عقد النكاح دونه «١» .\nتعريف الولاية في الاصطلاح الشرعي:\n\" تنفيذ القول على الغير \" «٢» .\nوقبل الخوض في أحكام الولاية علينا أن نبين:\nأسباب الولاية وهي القرابة. الملك. الولاء. الإمامة. الوصية «٣» مع اختلاف في بعضها وليس هنا مقام تفصيله.\nأنواع الولاية \"ولاية الإجبار. ولاية الندب والاستحباب. ولاية الشركة\" (٤) .\nشروط الولي \" العقل. البلوغ. الحرية. اتحاد الدين. العدالة. الذكورة. الرشد) «٥» .\nالولاية على تزويج البالغة العاقلة\nتعريف البلوغُ:\nالبلوغُ والبلاغُ الانتهاء إلى أقصى المقْصِد والمنُتهى مكانًا كان، أو زَمانًا، أو أمرًا من الأمور المقدرة «٦» .\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (ولي) ٥ /٤٠٧.\n(٢) حاشية الطحاوي: ٢/٦.\n(٣) بدائع الصنائع: ٢/٢٣٧. المفصل في أحكام المرأة: ٦/٣٤١ – ٣٤٢.\n(٤) بدائع الصنائع: ٢/٢٤١ - ٢٤٧. شرح فتح القدير. كمال الدِّيْن مُحَمَّد بن عَبْد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام. ت ٦٨١ هـ. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. (د. ت) .: ٢/٣٩٣.\n(٥) المغني (ابن قدامة): ٧/٢١. بدائع الصنائع: ٢/٢٣٩. مغني المحتاج: ٣/١٥٤.\n(٦) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٨.","vol":"1","page":368},{"text":"وعلامات البلوغ في الأنثى هي الحيض. الاحتلام «١» . وأدنى سن لظهور علامات بلوغ الأنثى من العمر تسع سنوات. وقال الشافعية: استكمال تسع سنين قمرية. بالنسبة للذكر أدنى سن لاحتلام الذكر أثنتا عشرة سنة «٢» .\nفسنستعرض أقوال الفقهاء في مسألة تزويج الأب ابنته البالغة، وهل يستأمرها؟ مع أدلتهم باختصار وبما يفي بغرض التفسير التحليلي فقط، فقد استدل قسم من العلماء بقوله تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيّ﴾ على أن النكاح للولي ولاحظ للمرأة فيه، لأن صالح مدين تولاه وبه قال فقهاء الأمصار وخالف في ذلك الحنفية. واستدل الأمام مالك على أن للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ من غير إستئمار، وبقول مالك قال الشافعي وكثير من العلماء، وخالف بذلك أبو حنيفة «٣» .\nسنتعرف على آراء العلماء في هذه المسالة مع الأدلة وبشكل مختصر:\nأولًا - مذهب الحنفية:\n_________\n(١) المبسوط (السرخسي): ٩/١٨٤. بدائع الصنائع: ٧/١٧١.\n(٢) المبسوط (السرخسي): ٩/١٨٤. مغني المحتاج: ٢/١٦٧.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/٤٩٨٧.","vol":"1","page":369},{"text":"قالوا: لا يجوز للولي أيًا كان، أو غيره إجبار البالغة العاقلة البكر على النكاح، لأن علة ولاية الإجبار في النكاح هي الصغر، وقد زالت ببلوغها «١»، ومن حقها أن تزِّوج نفسها بنفسها دون الحاجة إلى إذن الوليّ، ولا إلى أن يتولى عقد نكاحها نيابة عنها. ولكن للولي حق الاعتراض على زواجها بغير كفء، أو بأقل من مهر المثل إذا كان هذا الولي من عصباتها «٢» .\nأدلة الحنفية:\n١. من القرآن:\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ «٣» .\nوجوه الدلالة\nأـ إضافة عقد النكاح إليها من غير ذكر الوليّ في قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ .\nب - إضافة المراجعة إليها من غير ذكر الوليّ في قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ «٤» .\n٢. من السنة:\n_________\n(١) الهِداية شرح بداية المُبتدي. برهان الدِّيْن عَلِيّ بن أَبِي بكر بن عَبْد الجليل المَرْغِيْنَاني الفَرْغَاني أبو الحسين. (٥١١ - ٥٩٣) . المكتبة الإسلامية. بيروت (د. ت) .: ١/١٩٦. حاشية الطحاوي على الدر المختار: ٢/٢٦.\n(٢) حاشية الطحاوي على الدر المختار: ٢/٢٦. المبسوط (السرخسي): ٥/١٠ - ١١.\n(٣) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٣٠.\n(٤) أحكام القُرْآن. أحمد بن عَلِيّ الرَّازِي الجَصَّاص أبو بكر. (٣٠٥ - ٣٧٠) . تحقيق: مُحَمَّد الصادق قمحاوي. دار إحياء التراث العربي. بيروت. ١٤٠٥ هـ.: ١ /٤٠٠.","vol":"1","page":370},{"text":"روت خنساء بنت خذام الأنصارية: «أنها أتت رسول الله فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة فخيّرها النبي (- ﷺ -) بين فسخ النكاح وبين بقائه وعدم\nفسخه» «١» «٢» .\nمن المعقول أن البالغة العاقلة البكر في تزويج نفسها بنفسها إنما تتصرف في خالص حقها، وهي من أهل التصرف لكونها بالغة عاقلة، ولهذا كان لها التصرف في مالها فكذا التصرف بزواجها «٣» .\n٣. الإجماع:\nاتفق الفقهاء جميعًا على جواز قيام الرجل بعقد النكاح لنفسه إذا كان جائز التصرف بماله، والمرأة البالغة العاقلة لما كانت جائزة التصرف بمالها وجب جواز عقد نكاحها بنفسها «٤» .\nثانيًا - مذهب الشافعية والمالكية:\nقال الشافعي: لا تزوج المرأة نفسها، أي لا تملك مباشرة عقد النكاح بحال لا بأذن من وليّها ولا من غيره. سواء كانت هي الموجبة في عقد النكاح، أو القابلة له. وإن الذي يباشر عقد النكاح لها هو وليها وليست هي «٥» .\nوللأب ولاية الإجبار على ابنته البالغة العاقلة البكر فله أن يزوجها بدون حاجة إلى إذنها ولا توقف على هذا الإذن «٦» .\nالأدلة:\n١. من القرآن:\n_________\n(١) صَحِيْح البُخَارِي: باب إذا زوج ابنته وهي كارهة ٥ /١٩٧٤ رقم (٤٨٤٥) .\n(٢) الهداية: ١/١٩٦.\n(٣) أحكام القرآن (الجَصَّاص): ١/٤٠٢.\n(٤) أحكام القرآن (الجَصَّاص): ١ /٤٠٢.\n(٥) الأم: ٥/١٢ - ١٣. نهاية المحتاج: ٦/ ٢٢٤. مغني المحتاج: ٣/١٧٤. بدية المُجتهِد ونهاية المقتصد. مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن رشد القرطبي بن الإِمَام مُحَمَّد بن أحمد بن رُشْد القُرْطُبي. الملقب بابن رُشْد الحَفيد أَبِي الوليد. ت ٥٩٥ هـ. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. (د. ت) .: ٢/٥.\n(٦) الأم: ٥/١٩. مغني المحتاج: ٣/١٤٩. نهاية المحتاج: ٦/٢٢٤.","vol":"1","page":371},{"text":"قال تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ «١» دليل على اعتبار الوليّ في عقد النكاح، وأنه هو الذي يتولى عقد لموليّته. ولو كان الحقُّ لها في عقد النكاح لنفسها لما كان لعضله معنى.\n٢. من السنة النبوية:\nقوله (- ﷺ -): «لا نكاح إلا بولي» «٢» .\nوقوله (- ﷺ -): «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها\nباطلْ» «٣» .\nقوله (- ﷺ -): «الثيب أحق بنفسها من وليِّها، والبكر يزوجها\nأبوها» «٤» .\n٣. المعقول:\nلا يليق بمحاسن العادات دخول المرأة في أمر النكاح ولا اشتراكها مع الرجل في إنشاء عقد النكاح.\nوقال الشافعي: يستحب للولي المجبر (الأب) أن يستأذن ابنته البالغة العاقلة البكر في تزويجها قبل أن يعقد لها عقد النكاح تطييبًا لخاطرها «٥» .\nثالثًا. الحنابلة:\nفهم مع الشافعية والأحناف في مسألة أن المرأة البالغة البكر لا تملك تزويج نفسها، أما في مسالة هل للأب ولاية الإجبار على ابنته البالغة العاقلة البكر فيزوجها جبرًا دون توقف على إذنها.\nقال أبن قدامة الحنبلي عن أحمد روايتان:\nالرواية الأولى: له إجبارها على النكاح وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة.\n_________\n(١) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٣٢.\n(٢) صَحِيْح البُخَارِي: باب من قال لا نكاح إلا بولي ٥/١٩٧٠. صحيح ابن حبان: ٩ /٣٨٦ من حديث عائشة ﵂.\n(٣) صحيح ابن حبان: ٩/ ٣٨٤. المستدرك على الصحيحين: ٢ /١٨٢ من حديث عائشة ﵂. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(٤) صحيح مسلم: باب استئذان الثيب في النكاح ٢/ ١٠٣٧ رقم (١٤٢١) من حديث ابْن عَبَّاس ﵄.\n(٥) ينظر المفصل في أحكام المرأة: ٦/ ٣٤٤.","vol":"1","page":372},{"text":"الرواية الثانية: ليس له ذلك واختارها أبو بكر وهو مذهب الأوزاعي، والنوري «١» .\nوالدليل على الرواية الأخيرة ما روي عن ابن عباس: «أن جارية بكرًا أتت النبي (- ﷺ -) فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة فخَّيرها النبي (- ﷺ -») «٢»، ولأنها جائزة التصرف في مالها فلم يجز إجبارها على الزواج كالثيب والرجل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>المسألة الثالثة - تعين الزوجة</span>\nذكر القرطبي ﵀ في قوله: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ ما يدل على أنه عرض لا عقد، لأنه لو كان عقدًا لعين المعقود عليها له لأن العلماء وإن كانوا قد اختلفوا في جواز البيع إذا قال: بعتك أحد عبدي هذين بثمن كذا، فإنهم اتفقوا على أن ذلك لا يجوز في النكاح، لأنه خيار وشيء من الخيار لا يلصق بالنكاح.\n_________\n(١) المغني (ابن قدامة): ٧/٤٠.\n(٢) . سُليمان بن الأشعث السِّجِسْتَاني الأزدي أبو داود. ت ٢٧٥ هـ. تحقيق: مُحَمَّد محيي الدِّيْن عَبْد الحميد. دار الفكر للطباعة والنشر. (د. ت) .: ٢ /٢٣٢ رقم (٢٠٩٦) . السنن الكبرى (البيهقي): ٧ /١١٧ رقم (١٣٤٤٧) وقال البيهقي: فهذا حديث أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني والمحفوظ عن أيوب عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا.","vol":"1","page":373},{"text":"وذكر القرطبي أنه إنما عرض الأمر مجملًا (أي والد البنتين)، ثُمَّ عين بعد ذلك وقد قيل: إنه زوّجه صفوريا وهي الصغرى، وهي التي جاءت خلفه القائلة: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ . وقيل: إن الحكمة في تزويجه الصغرى من قبل الكبرى إنه توقع أن يميل إليها لأنه رآها عند البئر وما شاهده في إقباله إلى أبيها معها فلو عرض عليه الكبرى ربما أظهر له الاختيار وهو يضمر غيره «١» .\nقال الشافعي بهذا الخصوص: \" لا يكون التزويج إلا لامرأة بعينها \" «٢» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>المسألة الرابعة - المهر</span>\nتعريف المهر لغة واصطلاحًا:\n١. المهر في اللغة:\nالمهر: الصداق، وقد مهر المرأة بمهَرها ويمهُرها مهرًا وأمهرتها زوجتها غيري على مهر «٣» .\n٢. المهر في الاصطلاح:\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/٤٩٨٨. منتهى المرام في شرح آيات الأحكام. عبد السلام مُحَمَّد بن الحسين بن الإمام القاسم بن مُحَمَّد. الدار اليمنية للنشر والتوزيع. الطبعة الثانية. ١٩٨٦ م.: ٤٢٦.\n(٢) الأم: ٥/٣٨.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (مهر) ٥/١٨٤.","vol":"1","page":374},{"text":"وهو الصداق، وهو اسم لما يجب على الرجل للنساء في النكاح والوطء «١» . وللمهر أسماء: الصداق. الصدقة. النِحلة. الفريضة. والأجر. الطول. العلائق. العقر. وزاد بعضهم اسم النكاح لقوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ «٢» «٣» .\nأما الدليل على مشروعيته فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ «٤» .\nوهناك عدة تساؤلات فيما يخص المهر وبخصوص زواج سيدنا موسى مع صالح مدين، وهي:\nأولا - هل تكون المنفعة مهرًا؟\nقال الجمهور: تصح تسمية المنفعة مهرًا في عقد النكاح كسكن الدار، أو منفعة عمل يقوم به حرًّا، أو عبد «٥»، فالقاعدة عندهم كلّ ما جاز ثمنًا في البيع، أو أجرة في الإجارة من العين والدين والمال المؤجل والقليل والكثير ومنافع الحر والعبد وغيرها جاز أن تكون صداقًا (أي مهرًا) «٦» .\n_________\n(١) ينظر حَاشِيَة الدسوقي على الشرح الكبير. مُحَمَّد بن أحمد بن عَرَفة الدُّسُوقي المالكي. ت ١٢٣٠ هـ. تحقيق: مُحَمَّد عليش. دار الفكر. بيروت. (د. ت) .: ٢ /٢٩٣. كشاف القناع: ٥ /١٢٨. حَاشِيَة رَدّ المحتار على الدُّرُّ المُختار شرح تَنْوير الأبصار. رد المحتار. السيد مُحَمَّد أمين عابِدِيْن بن السيد عُمَر عابِدِيْن بن عَبْد العزيز الدَّمَشْقي الحنفي. ت ١٢٥٢ هـ. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. ط٢. ١٣٨٦ هـ.: ٢ /٣٢٩\n(٢) سُوْرَة النُّوْرِ: الآية ٣٣.\n(٣) المغني (ابن قدامة): ٧/٢٠٩. مغني المحتاج: ٣/٢٢٠.\n(٤) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ٤.\n(٥) المحلى: ٩ /٦٠٣.المغني (ابن قدامة): ٧/٢١٢. مغني المحتاج: ٣/٢٢٠.\n(٦) المغني (ابن قدامة): ٧/٢١٢. ينظر المفصل في أحكام المرأة: ٧/٥٤ - ٥٥.","vol":"1","page":375},{"text":"ويترتب على ذلك أنه يجوز أن يكون المهر عملًا يقوم به الزوج حرًا كان أو عبدًا فيه منفعة لزوجته سواء كان خدمة معينة لها كخدمة سنة كذلك لو جعل مهرها أن يبني دارها، أو يخيط ثوبًا لها، أو يرعى غنمها مدة معينة «١» . وفيما يأتي تفصيل آراء العلماء في ذلك:\nالشافعية:\nقال الشافعي: \" الصداق ثمن من الأثمان، فكل ما يصلح أن يكون ثمنًا صلح أن يكون صداقًا، وذلك مثل أن تنكح المرأة الرجل على أن يخيط لها الثوب، ويبني لها البيت، ويذهب بها البلد، ويعمل لها العمل، فإن قال قائل: ما دلّ على هذا؟ قيل: إذا كان المهر ثمنًا كان في معنى هذا، وقد أجازه الله ﷿ في الإجارة في كتابه، وأجازه المسلمون، فذكر قصة شعيب وموسى في النكاح فقالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ وقال: \" لا أحفظ من أحدٍ في أن ما جازت عليه الإجارة جاز أن يكون مهرًا \" «٢» .\nالمالكية:\nالمشهور عن مالك الكراهة، ولذلك رأى نسخه قبل الدخول وأجازه من أصحابه أصبغ وسحنون «٣» .\nالحنفية:\nلقد فصل الأحناف القول في هذه المسألة:\nفعندهم منافع الأعيان من المنقولات والعقارات تقع تسميتها مهرًا في عقد النكاح، لأن هذه المنافع تعتبر أموالًا، أو إنها ألحقت بالأموال في سائر العقود ولمكان الحاجة إليها.\nمنافع الحر.\nجعل مهرها خدمتها:\nقالوا: لو تزوج رجل حرّ امرأة على أن يخدمها سنة، فالتسمية فاسدة ولها مهر المثل في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. وعند محمد التسمية صحيحة ولها قيمة الخدمة.\nتزوجها على فعل لها غير خدمتها:\n_________\n(١) المغني (ابن قدامة): ٧/٢١٢.\n(٢) الأم: ٥/١٦١. منتهى المرام: ٤٢٦.\n(٣) بداية المجتهد: ٢/٢٠.","vol":"1","page":376},{"text":"أما لو تزوجها على مهره وأن يقوم لها بفعل، وليس في الفعل استهانة له ولا مذلة كزراعة أرضها ونحو ذلك من الأعمال خارج البيت التي لا مهانة فيها ولا مذلة صحت تسمية هذه الأفعال مهرًا في عقد النكاح.\nوقال الكاساني: لفظ رواية الأصل يدل على أن التسمية لا تصحّ في رعي غنمها كما لا تصح في خدمتها لأن رعي غنمها كخدمتها «١» .\nوجاء في الفتاوى الهندية في فقه الحنفية: \" ولو تزوجها على أن يرعى غنمها، أو يزرع أرضها في رواية لا يجوز، وفي رواية جاز، والأولى رواية الأصل والجامع. والصواب أن يسلم لها إجماعًا استدلالًا بقصة موسى وشعيب\n(- ﵇ -) وشريعة من قبلنا تلزمنا إذا قص الله تعالى أو رسوله بلا إنكار «٢» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المسألة الخامسة - مسألة الدخول قبل النقد</span>\nقال تعالى عن شعيب (- ﵇ -) في قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ هنا يتبادر سؤالًا مهمًا هل دخل سيدنا موسى (- ﵇ -) حين عقد أم حين سافر؟ فإن كان دخل حين سافر فطول الانتظار في النكاح جائز، وإن كان مدى العمر بغير شرط «٣» .\n_________\n(١) ينظر بدائع الصنائع: ٢ /٢٧٨.\n(٢) الفتاوى الهِندية (العالَمْكَيْرية) . جمعت بأمر سلطان الهند محيي الدِّيْن مُحَمَّد اورُنْك زِيْب عالَم كَير ت ١١١٨ هـ. المكتبة الإسلامية بديار بَكْر بتُرْكيا. ط٣ ١٣٩٣ هـ. وهي مصورة على ط٢ المطبوعة بالمطبعة الأميرية ببولاق مصر ١٣١٠ هـ.: ١/٢٨٣. وينظر المفصل في أحكام المرأة: ٧/٥٦ - ٥٧.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/٤٩٩٠.","vol":"1","page":377},{"text":"وإن كان دخل حين عقد؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال نود أن نبين \" أن المهر يجبُ بنفس عقد الزواج، لأنه من آثار هذا العقد، فإن اتفق عليه الطرفان فهو المهر المسمى وهو الواجب بعقد الزواج، ولكن هذا الوجوب يبقى قلقًا لا يستقر ولا يتأكد وجوبه ويلزم الزوج به إلا إذا حصل ما يؤكده ومؤكداته هي: الدخول، أو موت أحد الزوجين، أو الخلوة الصحيحة \" «١» .\nوقد ذكر القرطبي \" قد منع علماؤنا من الدخول حتى ينقد ولو ربع دينار، قاله ابن القاسم والمتأخرين من أصحابنا قالوا: تعجيل، أو شئ منه مستحب، فإن كان الصداق رعيةُ الغنم فقد نقد الشرع في الخدمة \" «٢» .\nوقال ابن قدامة: \" لا يجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئًا سواء كانت مفوضة، أو مسمى لها، قاله سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والنووي الشافعي، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، والزهري، وقتادة، ومالك لا يدخل حتى يعطيها شيئًا \" «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المسألة السادسة - اشتراط الولي شيئًا من المهر لنفسه</span>\nلقد استدل قسم من العلماء باشتراط سيدنا شعيب (- ﵇ -) الإجارة من سيدنا موسى (- ﵇ -) مقابل تزويجه ابنته، قال الله تعَاَلىَ على لسان شعيب: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ . وقسم أخر من العلماء لم ير أن له الحق في ذلك، وفيما يأتي أقوال العلماء في ذلك:\nقال الحنابلة: \" يجوز لأبي المرأة أن يشترط شيئًا من صداق ابنته لنفسه، وبهذا قال إسحاق، وروي نحو ذلك عن علي بن الحسين \" «٤» .\n_________\n(١) المفصل في أحكام المرأة: ٧/٨٨\n(٢) الجامع لأحكام القرآن: ٦/٤٩٩٠\n(٣) المغني (ابن قدامة): ٧/٢٤٥\n(٤) المغني (ابن قدامة): ٧/٢٢٤ - ٢٢٥. المفصل في أحكام المرأة: ٧/٨٠","vol":"1","page":378},{"text":"وقال الشافعي: \" إذا فعل ذلك فلها مهر المثل وتفسد التسمية لأنه تعطي من صداقها لأجل هذا الشرط الفاسد، ولأن المهر لا يجب إلا للزوجة لأنه عوض بعضها \" «١» .\nواحتج الحنابلة:\nبقوله تعالى في قصة شعيب وتزويجه إحدى ابنتيه موسى (- ﵇ -) ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج﴾ فجعل المهر الإجارة على رعاية غنمه وهو شرط لنفسه.\nوذكر القرطبي أن قسم من العلماء قالوا: \" هذا الذي جرى من شعيب لم يكن ذكرًا لصداق المرأة، وإنما كان اشتراطًا لنفسه على ما يفعله الأعراب، فإنها تشترط صداق بناتها وتقول: لي كذا في خاصة نفسي. وترك المهر مفوضًا ونكاح التفويض جائز \" «٢» .\n_________\n(١) المغني (ابن قدامة): ٧/٢٢٤ - ٢٢٥. المفصل في أحكام المرأة: ٧/٨٠.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن:٦/٤٩٩٤.","vol":"1","page":379},{"text":"قال ابن العربي: \" هذا الذي تفعَلُه الأعراب هو حلوان وزيادةُ على مهر. وهو حرام لا يليق بالأنبياء، فأما إذا شرط الوليُّ شيئًا لنفسه فقد اختلف علماؤنا فيما يخرجه الزوج من يده ولا يدخل في يد المرأة على قولين: أحدهما أنه جائز، والآخر لا يجوز. والذي يصح عندي التقسيم. فان المرأة لا تخلو إما أن تكون بكرًا، أو ثيبًا، فان كانت ثيّبًا جاز لأن نكاحهَا بيدها، وإنما يكون للوليّ مباشرة العقد، ولا يمتنع العِوَض عنه كما يأخذُه الوكيلُ على عقد البيع، وإن كانت بكرًا كان العَقْدُ بيده، فكأنه عِوَضٌ في النكاح لغير الزوجة، وذلك باطل، فإن وقع فُسِخ قبل البناء وثبت بعده على مشهور الرواية \" «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المطلب الثاني: الإجارة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>تعريفها، وأركانها، ودليل مشروعيتها، والمسائل المتعلقة بها</span>\nتعريف الإجارة في اللغة:\nالإجارة من أجرَ يَأجِرُ، وهو ما أعطيت من أجر في عمل، والأجر الثواب. والأجر الجزاء على العمل والجمع أجور، أجر الإنسان واستأجره. والأجير المستأجَرُ وجمعه أجَراءُ والاسم منه الإجارة، والأجرة: الكراء «٢» .\nتعريف الإجارة في الاصطلاح:\n\" تمليك نفع بعوض \" «٣» .\nوقيل: \" عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعرض\nمعلوم \" «٤» .\nأركانها أربعة: عاقدان، وصيغة، وأجرة، ومنفعة «٥» .\nمشروعية الإجارة:\n_________\n(١) أحكام القُرْآن. مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن أحمد أبو بكر. المعروف بابن العَرَبي. المَعَافري الاِشْبِيْلي. ت ٥٤٣ هـ. تحقيق: عَلِيّ مُحَمَّد البجاوي. مطبعة عيسى البِابي الحَلَبي بمصر. سنة ١٩٧٤ م.: ٣/ ١٤٧٣.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (أجر) ٤/١٠.\n(٣) حاشية الطحاوي على الدر المختار: ٤/٢.\n(٤) مغني المحتاج: ٢/٣٣٢.\n(٥) المصدر نفسه: ٢ /٣٣٢.","vol":"1","page":380},{"text":"قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْه﴾ دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة معلومة، وكذلك كانت في كل ملة. وهي من ضرورة الخليقة ومصلحة الخلطة بين الناس «١» .\nوقد اتفق الفقهاء على مشروعية عقد الإجارة ما عدا أبا بكر الأصم وإسماعيل بن غُلبة، فأنهم لم يجيزوه. ودليلهم في ذلك أن الإجارة بيع المنفعة والمنافع حال انعقاد العقد معدومة القبض، ثُمَّ تستوفى شيئًا فشيئًا مع الزمن، والمعدوم لا يحتمل البيع، ولا يجوز إضافة البيع إلى شئ في المستقبل.\nوقد رد عليهم ابن رشد \" إنها وإن كانت معدومة في حال العقد فهي مستوفاة في الغالب، والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما يستوفى في الغالب، أو يكون استفتاؤه وعدم استيفائه على السواء \" «٢» .\nوقد استدل الجمهور على جواز عقد الإجارة بالقرآن، والسنة:\nأولًا - القرآن:\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ «٣» .\nقوله تعالى حاكيًا قول إحدى ابنتي شعيب (- ﵇ -): ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ «٤» . والاستدلال بهذه الآية صحيح عند القائلين بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ «٥» .\nثانيًا - السنة النبوية:\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن: ٦ /٤٩٨٧.\n(٢) بداية المجتهد: ٢/٢١٨.\n(٣) سُوْرَة الطلاق: الآية ٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٢٦ - ٢٨.\n(٥) الفقه الإسلامي وأدلته. (د. نش) . وهبة الزحيلي. ط٤. دار الفكر. دمشق. سوريا. ١٩٩٧ م.: ٥/٣٨٠١.","vol":"1","page":381},{"text":"قوله (- ﷺ -): «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» «١» .\n_________\n(١) مُسْنَد أَبِي يَعْلَى: ١٢ /٣٥. سُنَن ابن مَاجَه. مُحَمَّد بن يَزِيد القَزْويني أبو عَبْد الله. (٢٠٧ - ٢٧٥) . تحقيق: مُحَمَّد فُؤَاد عَبْد البَاقِي. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. (د. ت) .: ٢/ ٨١٧. الروض الداني (المعجم الصغير) . سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني أبو القَاسِم. (٢٦٠ - ٣٦٠) . تحقيق: مُحَمَّد شكور محمود الحاج أمرير. = = المكتب الإسلامي، دار عمار. بيروت، عمان. ط٢. ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.: ١ /٤٣. السنن الكبرى (البيهقي): ٦ /١٢٠. روي من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث جابر، ومن حديث أنس، فحديث أبي هريرة رواة أبي يعلى في مسنده، وحديث ابن عمر أخرجه ابن ماجة في سننه، وحديث جابر رواه الطبراني في معجمه الصغير، وحديث أنس رواه الترمذي في نوادر الأصول. قال ابن حجر: كلها ضعاف. ينظر نَصْب الرَّايَة لأحاديث الهِداية. جَمَال الدِّيْن بن عَبْد الله بن يوسُف الحَنَفي الزَّيْلَعِي أبو مُحَمَّد. ت ٧٦٢ هـ. تحقيق: مُحَمَّد يوسف البنوري.. دار الحديث. مصر. ط١. ١٣٥٧ هـ.: ٤/١٢٩ وما بعدها. مجمع الزوائد: ٤/٩٧. سُبُل السَّلام شرح بلوغ المَرَام من جمع أَدلَّة الأحكام. مُحَمَّد بن إسماعيل الصَّنْعَانِي الأمير. ت ١١٨٢هـ. تحقيق: مُحَمَّد عَبْد العزيز الخولي. ط٤. دار إحياء التراث العربي. بيروت. ١٣٧٩ هـ - ١٩٦٠ م.: ٣/٨١.","vol":"1","page":382},{"text":"روي عن ابن عباس (﵁): «إن النبي (- ﷺ -) احتجم وأعطي الحجام أجره» «١» .\nثالثًا - الإجماع:\nفقد أجمعت الأمة على جواز الإيجار لحاجة الناس إليه من ضرورة الخليقة، ومصلحة الخلطة بين الناس والحاجة إليها إذ ليس لكل أحد مركوب ومسكن وخادم، فجوزت لذلك كما جوزت بيع الأعيان «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>المسألة الأولى: ذكر المدة دون ذكر الخدمة</span>\nقاله تعالى حكاية عن قول الشيخ الكبير: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ نلاحظ في هذه الآية الكريمة كان ذكر للمدة دون ذكر الخدمة، فهنا يتبادر سؤالًا هو: هل يصح في عقد الإجارة ذكر المدة دون ذكر الخدمة؟\nقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يجوز حتَّى يسمي، لأنه مجهول. وقال مالك: إنه جائز ويحمل على العرف فلا يحتاج في التسمية إلى الخدمة «٣» .\nوذكر ابن العربي \" دليلًا معلوم لأنه استحقاق لمنافعه فيما يصرف فيه مثله، والعُرْفُ يشهد لذلك ويقضي به، فيحمل عليه، ويعضد هذا بظاهر قصة موسى، فإنه ذكر إجارة مطلقة على أن أهل التفسير ذكروا أنه عيّنَ له رَِعْيةَ الغنم، ولم يرووا ذلك من طريق صحيحة، ولكن قالوا: إن صالح مدين لم يكن له عمل إلا رعية الغنم، فكان ما عُلِم من حاله قائمًا مقام تعيين الخدمة فيه «٤» .\n_________\n(١) صَحِيْح البُخَارِي: باب السعوط. ٥ /٢١٥٤ رقم (٥٣٦٧) صحيح مسلم: باب حل أجرة الحجامة ٣ /١٢٠٥ رقم (١٢٠٢) . وينظر نصب الراية: ٤/١٣٤. نيْل الأوطار شرح مُنتقَى الأَخْبَار من أحاديث سيّد الأخيار. الشيخ مُحَمَّد بن عَلِيّ بن مُحَمَّد الشَّوْكَاني. ت ١٢٥٠ هـ. مَكْتَبَة دار الجيل. بيروت. ط١. ١٩٧٣ م.: ٥/٢٨٥. سبل السلام: ٣/٨٠.\n(٢) مغني المحتاج: ٢/٢٣٢. بداية المجتهد: ٢/٢١٨.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن: ٦/٤٩٩١.\n(٤) أحكام القرآن (ابن العربي): ٣ /١٤٧٢.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المسألة الثانية: الإجارة على رعاية الغنم</span>\nأجمع العلماء على أنه جائز أن يستأجر الراعي شهورًا معلومة بأجرة معلومة لرعاية غنم معدودة. فإن كانت معدودة معينة، ففيها تفصيل:\nقال ابن القاسم: لا يجوز حتى يشترط الخلف إن ماتت، وهي رواية ضعيفة جدًا.\nالرد عليه:\nفقد استأجر صالح مدين موسى على غنمه، وقد رآها ولم يشترط خلفا «١» . وإن كانت مطلقة غير مسماة ولا معينة جازت عند علمائنا قاله ابن العربي. وقال: \" إنما عوّل علماؤنا على العرف، وأنه يعطي على قدر ما تحتمل قوَّتهُ. وزاد بعضهم أنه لا يجوز حتى يعلم المستأجر قدْرَ قوته، فإن صالح مدين قد علم قَدْرَ قوة موسى برفع الحجر.\nوقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يجوز لجهالتها «٢» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المسالة الثالثة: اجتماع إجارة ونكاح</span>\nوفي حكم اجتماع الإجارة مع النكاح ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: قال في ثمانية أبي زيد يكره ابتداء، فإن وقع مضى.\nالقول الثاني: قال مالك، وابن القاسم في المشهور: لا يجوز ويُفسخ قبل الدخول وبعده لاختلاف مقاصدها كسائر العقود المتباينة.\nالقول الثالث: أجازه أشهب، وأصبغ. وقال ابن العربي: والصحيح جوازُه، وعليه تدل الآية. وقد قال مالك: النكاح أشبه شيء بالبيوع، فأي فرق بين إجارة وبيع، أو بين بيع ونكاح «٣» .\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن:٦/٤٩٩٠\n(٢) أحكام القران (ابن العربي): ٣/١٤٦٠\n(٣) ينظر الجامع لأحكام القرآن: ٦/٤٩٩٠. أحكام القران (ابن العربي): ٣/١٤٦٤.","vol":"1","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المسالة الرابعة: شبهات وردها</span>\nأثارت الهجمة الفكرية التي يشنها أعداء الإسلام في كل مكان عدة شبهات، وتأثر بها ومع الأسف بعض ممن يدعون الإسلام وبدئوا يروجون لها وهي فيما يخص اختلاط المرأة بالرجل وعملها. متهمين الإسلام بأنه قد ظلم المرأة وجعل منها حبيسة الجدران، وقبل بيان موقف الإسلام من اختلاط وعمل المرأة، نود أن نبين جملة حقائق مهمة لابد منها لغرض رفع الحيف الكبير عن الإسلام.\nإن الإسلام العظيم كرّم المرأة أيّما تكريم، وانصفها أعظم إنصاف وأنقذها من الظلم، منذ أن خلق الخليقة لا يوجد هناك نظام، أو دين أنصف المرأة وأكرمها مثل الإسلام، فقد كرّم الإسلام المرأة كإنسانة، فأكد أهليتها للتكليف والمسؤولية والجزاء ودخول الجنة، فلها ما للرجل من حقوق إنسانية وعليها ما عليه. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ «١» . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ «٢»\nوكرم الإسلام المرأة كأم، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ «٣» .\nوكرم المرأة بنتًا، فقد انتقد الإسلام وحرم وأد البنات التي كانت عادة منتشرة في الجاهلية، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة النَّحْلِ: الآية ٩٧.\n(٢) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ١٢٤.\n(٣) سُوْرَة لُقْمَان: الآية ١٤.\n(٤) سُوْرَة التَّكْوِيْرِ: الآيتان ٨ - ٩.","vol":"1","page":385},{"text":"وكرمها كزوجة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ «١» .\nوكذلك القرآن يجعل الرجل والمرأة شريكين في تحمل مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ «٢»، فإن دعاة التغريب يريدون من المرأة أن تكون ألعوبة يلعبون بها كيف يشاءون، فمرة ينزعون عنها ثوب حياءها من خلال نزع الحجاب عنها وإلباسها ملابس الرجال حتى لا نكاد نفرق بين المرأة والرجل. ودعوتها للاختلاط بالرجال ومزاحمتهم بحجة المساواة بين الرجل والمرأة، فحملوها اكثر مما تطيق. وسنبين موقف الإسلام من هذه الشبهات فيما يأتي.\nموقف الإسلام من اختلاط المرأة وعملها\nقد يستدل البعض بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا﴾ على إباحة الاختلاط بين الرجال والنساء، وعلى حِليّة عمل المرأة، فلغرض توضيح هذه المسألة سنتكلم عنها ضمن محورين وبصورة مختصرة:\nالمحور الأول\nموقف الإسلام من الاختلاط\nتعريف الاختلاط في اللغة:\n_________\n(١) سُوْرَة الرُّوْمِ: الآية ٢١.\n(٢) سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية ٧١.","vol":"1","page":386},{"text":"قال ابن منظور: \" خلط الشيء بالشيء يخلطه خلطًا وخلطه فاختلط: مزجه وخالط الشيء مخالطة وخِلاطًا: مازَجَه والخِلاط اختلاط الإبل والناس والمواشي \" «١» .\nحكم الاختلاط من جهة الحظر، أو الإباحة:\nإن الأصل في اختلاط المرأة بالرجل هو الخطر ويتبين ذلك من خلال الأدلة الآتية:\n١. القران الكريم:\nفي الحقيقة لا توجد أية صريحة تحرّم عمل المرأة واختلاطها، ولكن من خلال الإشارات في بعض الآيات القرآنية يمكن الاستدلال بها على حرمة الاختلاط إلا للضرورة:\nأـ قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ «٢»، قد يعترض معترض بالاستدلال بهذه الآية لكونها تخص أزواج النبي (- ﷺ -)، ويمكن الإجابة عليه بان الله جل وعلا قد ارتضى لأمهات المؤمنين في هذه الآية لزوم البيت وترك التبرج الجاهلي، فعلى النساء أن ترضى بما رضي الله به لأمهاتهنّ أزواج الرسول (- ﷺ -)، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nب - قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ*وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ «٣» .\nهذه الآية تحث المؤمنين والمؤمنات على غض البصر، وفي قولنا بتحليل الاختلاط تعطيل لعمل هذه الآية، لأن في الاختلاط صعوبة التحرر عن النظر إذا قلنا استحالة ذلك.\n٢. السنة النبوية:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (خلط) ٧/٢٩١.\n(٢) سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية ٣٣.\n(٣) سُوْرَة النُّوْرِ: الآيتان ٣٠ - ٣١.","vol":"1","page":387},{"text":"روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحة أن النبي (- ﷺ -) قال:\n«لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم» . وفي رواية الإمام مسلم أن النبي (- ﷺ -) قال: «لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذم محرم» . وقد قال العلماء في معنى الحديث: \" وفيه منع الخلوة بالأجنبية وهو إجماع لا خلاف فيه \" «١» . وقال الإمام النووي: \" وقال أصحابنا ولا فرق في تحريم الخلوة حيث حرمناها في صلاة، أو غيرها \" «٢» .\nأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين (﵂) قالت: «استأذنت النبي (- ﷺ -) في الجهاد فقال: جهادكن الحج» . وقد نقل العسقلاني عن ابن بطال في شرحه لهذا الحديث يقوله: \" دلّ الحديث على أن الجهاد غير واجب على النساء، وإنما لم يكن عليهن واجبًا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال \" «٣» .\n_________\n(١) صحيح البخاري بشرح العسقلاني: ٣/٣٢٤. نيل الأوطار: ٤/٣٢٤. سبل السلام: ٢/١٨٣.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي. النووي. يحيى بن شرف. ت ٦٧٦ هـ. دار الفكر. بيروت. لبنان. ١٤١٠ هـ – ١٩٨١ م.: ٩/١٠٩.\n(٣) صحيح البخاري بشرح العسقلاني: ٥/٨٢.","vol":"1","page":388},{"text":"أخرج أبو داود عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه: إنه سمع رسول الله (- ﷺ -) يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله (- ﷺ -) للنساء: «إستاخرن، فإنه ليس لكنَّ أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق»، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليعلق بالجدار من لصوقها به «١» .\nمعنى الحديث الشريف إبعدْنَ عن الطريق، أي: لا تسيروا في وسطه، وإنما سيروا في حافاته حتى لا تختلطوا بالرجال، فأطَعْنَ كلام رسول الله (- ﷺ -) وسْرنَ في جوانب الطريق، حتى إن إحداهن من شدة تنَّحيها عن وسط الطريق وابتعادها عنه، أَن ثوبها ليعلق بالجدار على جانب الطريق من شدة التصاقها به مبالغة في الابتعاد عن وسط الطريق «٢» . وفي هذا الحديث دلالة واضحة وصريحة في النهي عن اختلاط النساء بالرجال، وأن الأصل فيه هو الحظر «٣» .\nالمحور الثاني\nموقف الإسلام من عمل المرأة\nالجواب على ذلك يكون في التفصيل الآتي فإن المرأة لا تخلو إما أن تكون في عصمة الزوج، أي: متزوجة، أو غير متزوجة.\n_________\n(١) سُنَن أَبِي داود: ١٤/١٩٠. والحديث حسن الإسناد كما ذكر الحافظ المزي في تَهْذيب الكَمَال في أسماء الرجال. جَمَال الدِّيْن يوسف بن المَزِّي عَبْد الرَّحْمَن المزي أبو الحَجاج. (٦٥٤ - ٧٤٢) . تحقيق: د. بشار عواد معروف. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط١ ج ١ سنة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م وج ٢ سنة ١٩٨٢ م.: ١٢ / ٤٠٢.\n(٢) عَوْن المعبود على سُنَن أَبِي داود سُليمان بن الأَشْعَث السِّجِسْتَاني ت ٢٧٥ هـ. شَمس الحقّ أبو عَبْد الرَّحْمَن الشهير بمحمد أَشرف بن أَمير بن عَلِيّ ابن حيدر الصِّدِّيقي العَظِيْم آبادي. دار الكتب العلمية. بيروت. ط٢. ١٤١٥ هـ.: ١٤/١٩٠ - ١٩١.\n(٣) المفصل في أحكام المرأة: ٣/٤٢٦.","vol":"1","page":389},{"text":"فان كانت في عصمة الزوج:\n\" فنفقتها على زوجها سواء كانت غنية، أو فقيرة فهي مكفية المؤونة فالعمل إذن في حقها مباح، وإذا كان العمل للاكتساب والرزق وتحصيل أسباب العيش مباحًا في حق المرأة، فإن هذا المباح يجب أن لا يزاحم ما هو واجب عليها. فواجب المرأة هو القيام بأعمال البيت وما تتطلبه الحياة الزوجية والوفاء بحق الزوج عليه وقيامها بشؤون أولادها وتربيتهم وخدمتهم، وهذه الواجبات كثيرة ومتعبة تحتاج إلى تفرغ المرأة لها، وبالتالي لا يمكنها عادة وغالبًا القيام بالعمل المباح لها خارج البيت إلا على حساب التفريط بهذه الواجبات والتقصير في أدائها، وحيث أن من أصول الحقوق والواجبات عدم جواز مزاحمة ما هو حق للإنسان لما هو واجب عليه \" «١» .\nفان لم تكن في عصمة زوج:\nفنفقتها على أبيها إن لم تكن ذات مال، فإن لم يكن لها أب فنفقتها على أخيها، أو من يلزمه نفقتها، فلا حاجة لها إلى العمل، لأن بقاءها في البيت أسترها، وهي مكفية المؤونة والشرع يندب إليها القرار في البيت ويرغبها في البقاء فيه ما دام لا يوجد مبرر شرعي لخروجها، وهي ملزمة برعاية أبويها، أما إذا كانت هناك ضرورة لعملها خارج البيت كأن لا يوجد هناك مورد مالي لها، ولا من يعيلها، أو كان من يعيلها شيخ كبير كما هو حال المرأتين التي سقى لهما سيدنا موسى (- ﵇ -) وحالات أخرى تعتبر ضرورة، والضرورة تقدر بقدرتها «٢» .\nوقد يسال سائل ويقول هل يباحُ الاختلاط والعمل للضرورة؟\n_________\n(١) المفصل في أحكام المرأة: ٤/٢٦٥.\n(٢) ينظر المفصل في أحكام المرأة: ٤/٢٦٥ - ٢٦٧.","vol":"1","page":390},{"text":"وللجواب على ذلك نعود إلى نفس الآية التي استدل بها على إباحة الاختلاط والعمل أخذًا من سقى البنات لغنمهن: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا﴾، نستدل بها على إباحة العمل والاختلاط للضرورة، فإن الآية الكريمة قد أجابت عن من يتسأل في السبب الذي دعا الشيخ لدفع بناته للعمل ولاحتمالية الاختلاط، فقالت إحدى البنتين حينما سألها موسى (- ﵇ -) عن سبب امتناعها عن السقي: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، فقد كان الجواب عن سؤال موسى المعلن وهو سبب عدم السقي ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ . وأجابت عن سؤال مضمر في نفس موسى كأنها أحست أخفاه من الحياء، وهو لماذا لم يأتي رَجل مكانهن، فقالت: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، أي: إنا مضطرات، لأن والدنا كان في حالة عجز عن القيام بمهمة السقي، ولا يوجد رجل يقوم مقامهن، لأن والدهن لم يكن لديه من يخلفه غيرهما.\nوقد قال الإمام الرازي بهذا الخصوص \" فإن قيل: كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب أن يرضى لابنته بسقي الماشية؟ فالجواب: إنا وإن سلمنا أنه كان شعيبًا النبي (- ﵇ -)، لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه وأما المروءة، فالناس فيها مختلفون، وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل الحضر لاسيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة \" «١» .\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١٢/٢٤٠.","vol":"1","page":391},{"text":"ومما يدلل على أنهن مارسن عمل السقي للضرورة طلب إحدى البنات من أبيها أن يستأجر سيدنا موسى (- ﵇ -) ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ تبين هذه الآية أنها كانت متحرجة جدًا من العمل، ولكنها مضطرة للعمل لعدم وجود البديل، فحال توفر البديل طلبت من أبيها استئجاره ليقوم بمهمة السقي بدل عنهما. وقد جاء في السنة النبوية روايات في عمل المرأة خارج البيت للحاجة، سنذكر قسمًا منها، ونذكر كذلك بعض الحالات التي يجوز الاختلاط فيها للحاجة.\nالشروط العامة بعمل المرأة واختلاطها للضرورة:\nوإذ كان عمل المرأة واختلاطها قد يباح للضرورة لكن بشروط وهي كآلاتي:\nعدم مزاحمة الرجال ويتبين ذلك من قول إحدى البنات ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ فقد امتنعن عن السقي لعدم مزاحمة الرجال.\nأن تلتزم بالآداب الشرعية ويتبين ذلك من خلال قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، وأن تتوقر في مشيتها لقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ «١» .\nأن تبتعد عن التميع في الكلام مع الرجال إذا كان في كلامها مع الرجال ضرورة، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة النُّوْرِ: الآية ٣١.\n(٢) سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية ٣٢.","vol":"1","page":392},{"text":"ونلاحظ من خلال المحادثة التي دارت بين المرأة وسيدنا موسى (- ﵇ -) أنها كانت قصيرة، ودخلت في الموضوع الذي جاءت به بدون إطالة في الكلام مبينة السبب في طلب والدها مباشرة: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ «١»، فقد كان تحدثها معه للضرورة.\nارتداء الحجاب، قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ «٢» .\nغض البصر، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ «٣» .\nالأمر بعدم الخلوة، قال رسول الله (- ﷺ -): «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» «٤» .\nأن تتجنب كل ما يجذب انتباه الرجل إليها ويغريه بها، قال رسول الله (- ﷺ -): «أيما امرأة استعطرت، ثُمَّ خرجت من بيتها ليشم الناس فهي زانية» «٥» .\nما جاء في السنة النبوية من عمل المرأة خارج البيت للحاجة:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٢) سُوْرَة النُّوْرِ: الآية ٣١.\n(٣) سُوْرَة النُّوْرِ: الآية ٣١.\n(٤) متفق عليه من حديث ابْن عَبَّاس. صحيح البخاري: باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة وكان له عذر هل يؤذن له ٣ / ١٠٩٤ رقم (٢٨٤٤) . صحيح مسلم باب ٢سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره / ٩٧٨ رقم (١٣٤١)\n(٥) رواه أبو داود عن أبي موسى ٤ /٧٩ رقم (٤١٧٣) . سنن الترمذي: ٥ /١٠٦ رقم (٢٧٨٦) وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. سنن النسائي: ٨ /٥٣ كتاب الشريعة. وينظر مركز المرأة في الحياة الإسلامية. تأليف مجموعة من العلماء. دار الفكر الإسلامي. الكويت. ١٩٧٥ م.: ص ٤٠.","vol":"1","page":393},{"text":"١- أخرج الإمام البخاري (رحمه الله تعالى) في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر (﵂) قالت: «تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شئ غير ناضح وغير فرسه، فكنت اعلفُ فرسه، واستقي الماء، وأحرزُ غربه، وأعجن، ولم أكن أعجنُ، ولم أكن أحسن أخبز، فكان يخبزه جاراتٌ من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله (- ﷺ -) على رأسي، فلقيت رسول الله (- ﷺ -)، ومعه نفر من الأنصار فدعاني، ثُمَّ قال: أخ أخ، ليحملني خلفه، فاستحيت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغيرَ الناس، فعرف رسول الله (- ﷺ -) إني قد استحيت فمضى رسول الله (- ﷺ -)، فجئتُ الزبير فقلت: لقيني رسول الله (- ﷺ -) وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأ ركب فاستحيت منه عرفتُ غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشدُّ علي من ركوبك معه، قالت: حتَّى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم، تكفينني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني» «١» .\n_________\n(١) صَحِيْح البُخَارِي: باب الغيرة ٥/ ٢٠٠٢ رقم (٤٩٦٢) .\nالناضح الجمل الذي يستقى عليه الماء.\nالأرض التي أقطعه رسول الله (- ﷺ -) تدخل في الإقطاع، وهو تمليك قطعة الأرض دون رقبتها. ينظر فتح الباري: ٩/٣١٩ - ٣٢٠.","vol":"1","page":394},{"text":"\" قصة أسماء وحملها النوى من أرض بعيدة عن بيتها لحاجة زوجها لهذا العمل، واطلاع النبي (- ﷺ -) على حالها وفعلها وسكوته، دليل واضح على جواز عمل المرأة خارج البيت إذا كان هناك ضرورة لعملها، ووجه الضرورة في عمل أسماء، أن زوجها الزبير كان في حال انشغال بالإسلام والجهاد في سبيله، وعجزه عن استئجار من يقوم له بما كانت تقوم به زوجته أسماء \" «١» .\n٢- وكذلك يجوز للمرأة أن تعمل خارج بيتها جهادًا في سبيل الله، فقد روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحه عن الرُّبِّيع بنت موذ قالت: «كنا مع النبي «) نستقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة» «٢»، وكذلك كلّ الأعمال التي لا يمكن إلا أن تقوم بها المرأة كتوليد النساء.\nوأمثلة اختلاط المرأة للضرورة:\nذكر النووي \" وقال أصحابنا: ولا فرق في تحريم الخلوة حيث حرمناها بين الخلوة في صلاة، أو غيرها، ويستثنى من هذا كله مواضيع الضرورة بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق، أو نحو ذلك فيباح له استصحابها بل ويلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها، وهذا لا خلاف فيه \" «٣» .\nوذكر الدكتور عبد الكريم زيدان حالات لجواز الاختلاط للحاجة منها:\nالاختلاط لإجراء المعاملات المالية\nالاختلاط لحاجة مباشرة أعمال القضاء، فعلى رأي الأحناف يجوز للمرأة أن تتولى القضاء في غير الحدود، أو في جميع القضايا بما فيها الحدود عند الظاهرية والإمام الطبري.\nالاختلاط لغرض تحمل الشهادة «٤» .\n_________\n(١) المفصل في أحكام المرأة: ٤/٢٧٠ - ٢٧١.\n(٢) ينظر صحيح البخاري بشرح العسقلاني: ٥/٨٥.\n(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٩/١٠٩\n(٤) المحلى: ٩ /٤٢٩ -٤٣٠. بدائع الصنائع: ٧ /٣. بداية المجتهد: ٢/٤٤٩. المفصل في أحكام المرأة: ٤ /٢٧١.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفصل السادس: عودة سيدنا موسى (- ﵇ -) إلى مصر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الأول: بعثة سيدنا موسى (- ﵇ </span>-)\n<span data-type=\"title\" id=toc-79><span data-type=\"title\" id=toc-82>المطلب الأول: سيدنا موسى (- ﵇ -) يرى نارًا في جانب الطور</span></span>\n﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (١) .\nالمناسبة\nبينت الآيات التي سبقت هذه الآيات الاتفاق الذي حصل بين سيدنا موسى\n(- ﵇ -)، وشعيب على الإجارة والنكاح، وحدد سيدنا شعيب المدة بثماني سنوات، فإن أتم العشرة فهو فضل من عند موسى ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ «٢»، فلما كان من المعلوم أن التقدير فلما التزم موسى (- ﵇ -) بما اتفقا عليه، زوجه ابنته كما شرط، واستمر عنده حتى قضى ما عليه بنى عليها ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾، أي: وفى وأتم موسى الإجارة، أي: الأوفى وهو العشر، فقد ورد أنه قضى من الأجلين أوفاهما، وتزوج من المرأتين صفارهما «٣» . والظاهر أنه مكث عنده بعد الإجارة أيضًا مدة لأنه عطف بالواو لقوله ﴿وَسَارَ﴾ ولم يجعله جوابًا للما «٤»، فنلاحظ الترابط الواضح بين هذه الآيات والتي قبلها، وكذلك نلاحظ الاختصار الشديد غير المخل بالعبارات، إذ أغنت كلمات عن جمل، فأغنت ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ عن كلمات كثيرة، أبهم بعضها القرآن كما هو الحال في كثير من المبهمات التي جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ، كاسم التي تزوجها موسى، واسم أخته، وأمه، وعن نوع المواشي التي سقاها موسى\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٨.\n(٣) أخرجه البزار: ٢٢٤٤. والطبراني في الصغير: ٨١٥، والأوسط كما في مجمع الزوائد: ٧/ ٨٨ من حديث أبي ذر، وضعف الهيثمي إسناد البزار وحسن إسناد الصغير والأوسط\n(٤) ينظر نظم الدرر: ٥/ ٤٨٢- ٤٨٣.","vol":"1","page":396},{"text":"لبنات شعيب، وكذلك أبهم الأجل الذي قضاه موسى أولًا لعدم أهمية المبهم في المعنى بشيء، وليبتعد القرآن عن السرد القصصي الممل الذي يقصه القصاصون، وكذلك ليحفز العقل البشري على التفكير في هذا المبهم بواسطة القرائن الواردة في النصّ القرآني، وليجعل النصّ متحركًا غير جامد، قابلًا للتطبيق في كلّ زمان ومكان.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿آنَسَ﴾:\n\" آنس الشيء أحَسَّه وآنَسَ الشَّخص واستأنسه وأبْصَرَه ونَظَر إليه. وقال ابن الأعرابي: آنِسْتُ بفلان، أي: فَرِحْت به وآنَسْت فَزَعًا وآنَسْته إذا أحْسَسْتُه ووجدته في نفسك. وفي التنزيل: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ يعني: موسى أبصر نارًا، وهو الإيناس\" «١» .\nوقال الزمخشري: \" الإيناس: الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين، لأنه يتبين به الشيء، والإنس لظهورهم. وقيل: هو أبصار ما يؤنس به \" «٢» .\n٢. ﴿الطُّورِ﴾:\nذكر أبو السعود أن \" الطور بالسريانية الجبل، والمراد به طور سينين، وهو جبل بمدين سمع فيه موسى كلام الله تعالى \" «٣» .\n٣. ﴿امْكُثُوا﴾:\n\" المُكْث الأناة واللَّبْثُ والانتظار، مَكَثَ يَمْكُث ومَكَث مَكْثًا ومُكْثًا مُكُوثًا ومَكُوثاُ ومَكَاثة. والمُكْث: الإقامة مع الانتظار، والتلبث في المكان \" «٤» .\n٤. ﴿جَذْوَةٍ﴾:\n\" الجَذْوَة والجِذْوَة والجُذْوة: القبة من النار. وقيل: هي الجمرة والجمع جِذًا وجُذًا. وحكى الفارسي جِذاء ممدودة. وقال أبو عبيدة: الجِذْوَة مثل الجِذْمة وهي القطعة الغليظة من الخشب ليس فيها لهب \" «٥» .\n٥. ﴿تَصْطَلُونَ﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (أنس) ٦/١٥.\n(٢) الكشاف: ٢/ ٥٣١.\n(٣) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٨/ ١٤٦.\n(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (مكث) ٢/ ١٩١.\n(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (جذذ) ١٤/ ١٣٨.","vol":"1","page":397},{"text":"صَلِيَ بالنار وصَلِيْها صَلْيًا وصُلِيًا وصِلِيًا وصَلَى وصِلاءً واصْطَلَى بها وتَصَّلاها: قاس حرّها، والاصْطِلاء افتعال من صَلا النار والتسخين بها. واصْطَلى بالنار استدفأ «١» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾:\nقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر بفتح الياء: (إِنَّيَ) «٢» .\n٢. ﴿جَذْوَةٍ﴾:\nواختلفوا في ضم الجيم وكسرها وفتحها، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عامر، والكسائي: (جِذْوَة) بكسر الجيم. وقرأ حمزة، وخلف، والأعشى، وطلحة، وأبو حيوة، ويحيى: (جُذْوَة) . وقرأ عاصم: (جَذْوَة) «٣» .\nالقضايا البلاغية\n١ـ الترجي «٤» في قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ .\n_________\n(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (صلي) ١٤/ ٤٦٧- ٤٦٨.\n(٢) التيسير في القراءات السبع: ص ١٧٢. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٢.غيث النفع: ص ٣١٦.\n(٣) ينظر النشر في القراءات العشر: ٢/ ٣٤١: الحجة لقراء السبعة. أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي. (٢٨٨ - ٣٧٧ هـ) . الطبعة الأولى. دار المأمون للتراث. ١٩٩٢ م.: ٥/ ٤١٣. الكَشَّاف: ٣ / ١٧٤. البحر المحيط: ٧/١١٦.\n(٤) الترجي: من أساليب الإنشاء، ويكون في القريب والممكن والمتوقع، وهو بحرفين: لعل، وعسى. معترك الأقران في إعجاز القُرْآن. الإِمَام جلال الدِّيْن عَبْد الرَّحْمَن أبو بكر السيوطي الشافعي. ت ٩١١ هـ. ط١. ضبطه وصححه وكتب فهارسه: أحمد شمس الدِّيْن. دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. ١٤٠٨ هـ – ١٩٨٨ م.: ١ /٤٤٦.","vol":"1","page":398},{"text":"٢ - التقسيم «١» في قوله تعالى: ﴿بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ﴾ .\nالمعنى العام\n﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾\n_________\n(١) التقسيم: هو أن يؤتى بالأقسام مستوفية لم يخل بشيء منها، ومخلصة لم يدخل بعضها في بعض. جواهر الألفاظ. قدامة بن جعفر. تحقيق: رشيد كمال. الطبعة الأولى. المطبعة العلمية. بيروت، لبنان ١٤١١ هـ.: ص ٥.","vol":"1","page":399},{"text":"أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله (- ﷺ -) سأل جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما. وأخرجه عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله (- ﷺ -): «يا أبا ذر إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل: خيرهما وأوفاهما» «١» . وأخرجه الحاكم في المستدرك مرفوعًا «٢» . وفي الدر المنثور، وعزاه إلى البيهقي عن ابن عباس «٣» . وأخرجه ابن عطية عن سعيد بن جبير قال: سألني رجل من النصارى أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتَّى أقدم على حبر العرب - أعني ابن عباس - فقدمت عليه فسألته فقال: قضى أكملهما وأوفاهما، إن رسول الله إذا قال وفى، فعدت فأعلمت النصراني، فقال: صدق هذا. وروى عن ابن عباس أن النبي (- ﷺ -) سأل في ذلك جبريل فأخبره أنه قضى عشر سنين. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قضى عشرًا، أو عشرًا وبعدها. وقال ابن عطية: هذا ضعيف «٤» . والمراد بالأهل هنا الزوجة «٥» .\n﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٢٩. المعجم الصغير (الطبراني): ٢ /٧٩. المعجم الكبير (الطبراني): ٩ /١٧٦. قال الحافظ الهيتمي: \" رواه الطبراني في الصغير والأوسط والبزار باختصار، وفي إسناد الطبراني عويد بن أبي عمران الجوني ضعفه ابن معين وغيره، ووثقه ابن حبان، وبقية رجال الطبراني ثقات \" مجمع الزوائد: ٨ /٢٠٣.\n(٢) المستدرك على الصحيحين: ٢/ ٤٠٧ من حديث عبدُ الله بْن عَبَّاس بلفظ (أبعدهما وأطيبهما) قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه.\n(٣) السنن الكبرى (البيهقي): ٦ /١١٧ من حديث سعيد بن جبير. الدر المنثور: ٦/ ٤١٠.\n(٤) المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٢.\n(٥) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١١١.","vol":"1","page":400},{"text":"\" أي أبصر من الجهة التي تلي الطور لا من بعضه كما هو المتبادر \" «١» . فبعد أن ضلوا الطريق واشتد عليهم البرد، فبينما هو كذلك إذ رأى نارًا، وكان ذلك نورًا من الله تعالى قد التبس بشجرة.\nقال وهب: كانت عليقًا «٢» . وقال قتادة: عوسجًا (٣) . وقيل: زعرورًا «٤» .\nوقيل: سمرة «٥» قاله ابن مسعود، وأنس.\nمعناه أحس، والإحساس بالصبر، وكان هذا الأمر كله في جانب الطور وهو جبل في الشام «٦» .\nوقال بعض العارفين: \" كان المبصر في صورة النار الحقيقية، أما حقيقته فوراء طور العقل، إلا أن موسى (- ﵇ -) ظنه النار المعروفة \" «٧» .\n﴿قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾\nبعد أن أظلم عليهم الليل في الصحراء، وضلوا طريقهم، فوجدوا بردًا شديدًا، فأبصر النار، فسار إليها يطلب من يدله على الطريق، وهو قوله: ﴿آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ دلالة على أنه ضل. وفي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ دلالة على البرد «٨» .\nما يستفاد من النصّ\n_________\n(١) روح المعاني: ٢٠/ ٧٢.\n(٢) العليق: نبات شانك معرش من فصيلة الورديات، زهوره صغيرة بيضاء أو وردية اللون، وله ثمار كثمار التوت، ينظر المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٣.\n(٣) العوسج: جنس شجيرات من فصيلة الباذنجانيات أغصانه شائكة وأزهاره مختلفة الألوان ينظر: المحرر والوجيز: ١٢/ ١٦٣.\n(٤) الزعرور: شجرة مثمر من فصيلة الورديات يكثر في مناطق المتوسط، ثمره أحمر وأصفر ينظر: المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٣.\n(٥) السمرة: وهو شجر من العضاة، وليس في العضاة أجود خشبًا منه. ينظر: المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٣.\n(٦) ينظر: المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٣.\n(٧) روح المعاني: ٢٠/ ٧٢.\n(٨) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٤٤.","vol":"1","page":401},{"text":"يمكن أن نستفيد من هذه الآية المعاني الآتية:\n١.دلت الآيات على الوفاء بالعهد، وأنها من شيم المؤمنين وأخلاق الأنبياء، فقد وفى سيدنا موسى بما قبل على نفسه من شرط، ونفذ سيدنا شعيب ما جعله جزاء لهذا الشرط.\n٢.وفي هذه الآية دليل على أن للرجل أن يذهب بأهله حيث يشاء مما يرضي الله لما له عليها من فضل القوّامية وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمرًا، فالمؤمنين عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج «١» .\n٣.ونستدل من قول سيدنا موسى ﴿امْكُثُوا﴾ على غيرته الشديدة على زوجته، وهو ما ينبغي أن يكون علية كل إنسان، فسيدنا موسى لما رأى النار لم يعرف مصدرها، فما أراد أن يأخذ أهله إليها لاحتمال وجود خطر، فأراد أن يجازف بنفسه ويعرف مصدرها ثم يرجع إليهم.\n٤.يتبين من سياق الآيات أن مسيرهم كان ليلًا، لقوله تعالى: ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾، فالنار في الليل تُرى من مسافة بعيدة، وهذا ما جعله يرى النار من مسافة بعيدة، ولأن السفر في الليل أستر للعائلة وأسهل في المنفعة.\n_________\n(١) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٩٧.","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المطلب الثاني: تكليم الله لسيدنا موسى (- ﵇ </span>-)\n﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي﴾ «١» .\nالمناسبة\nبعد أن بينت الآيات السابقات مرحلة مهمة من حياة سيدنا موسى (- ﵇ -) وهي تأهله وزواجه من ابنة شعيب لتكون له عونًا على تحمل مشاق الدعوة، وفي طريق عودته إلى مصر يرى نارًا، وتحرك ليعرف مصدر هذه النار، أو ليأتي بشيء منها ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ «٢» جاءت هذه الآيات لتبين مصدر النار ومصدر النداء قال ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾، أي: النار، ولما كان آخر الكلام دالًا دلالة واضحة على أن المنادي هو الله ﷾ بنى للمفعول قوله دالًا على ما في أول الأمر من الخفاء ﴿نُودِي﴾ (٣) .\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿تَهْتَزُّ﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٣٠ - ٣٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٩.\n(٣) نظم الدر: ٥/ ٤٨٢.","vol":"1","page":403},{"text":"الهزّ تحريك الشيء كما تَهْتَزّ القناة فتضطرب وتَهْتَز وهَزَّه يَهِزَّه هَزًّا وهَزَّ به وهَزَزَّه، والعرب تقول: هزّه وهزّ به إذا حركه «١» .\n٢. ﴿جَانٌّ﴾:\n\" جَنَّ الشيء يَجِنَّه جَنًّا ستره، وكل شئ ستر عنك فقد جُنَّ عنك وجَنَّه الليل يَجِنَّه جَنًَّا وجُنُونًا وجَنَّ عليه يَجُنُّ بالضم. وسمي الجِنّ لاستتارهم واختفائهم عن الإبصار. والجَان أبو الجِنّ خُلق من نار، ثم خُلق من نسله. والجان: الجن، وهو اسم جمع ضرب من الحيات أكحل العينين يضرب إلى الصفرة، لا يؤذي، وهو كثير في بيوت الناس والجمع جِنَان. والجَانّ الشيطان أيضا «٢» .\n٣. ﴿وَلَّى﴾:\nيقول الراغب الأصفهاني: \" التولي يكون بالجسم وقد يكون بترك الإصغاء والإئتمار يقال: ولاه دبره إذا انهزم. قال تعالى ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ﴾ (٣) .\n٤. ﴿مُدْبِرًا﴾:\nالدُّبر: نقيض القُبُل، ودُبُر كل شئ عَقِبُه ومُؤَخَّره وجمعها أَدْبَار ودُبُر كل شئ خلاف قبله في كل شئ «٤» .\n٥. ﴿يُعَقِّبْ﴾:\nالعَقِبُ مؤخر الرجل. وقيل: عُقْب وجمعه أَعْقَاب وعَقبُ الشهر آخره، ورجع على عَقِبِه إذا انثنى راجعًا، وانقلب على عَقِبِه نحو رجع على حافرته، وعَقَبُه إذا تلاه عَقبًا نحو دَبَره وقَفَاه. وقوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ «٥»، أي: لم يلتفت وراءه \" «٦» .\n٦. ﴿اسْلُكْ﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (هزز) ٥/ ٤٢٣\n(٢) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (جنن) ١٣/ ٩٢ وما بعدها.\n(٣) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٥٢، سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ١١١.\n(٤) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (دبر) ٤/ ٢٦٨\n(٥) سُوْرَة النَّمْلِ: الآية ١٠. سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣١.\n(٦) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٥٢.","vol":"1","page":404},{"text":"\" السُّلوك مصدر سَلَك طريقًا وسَلَك المكان يَسْلُكه سَلْكًا وسُلُوكًا وسَلَكَه غيره، والسَّلْك بالفتح مصدر سَلَكَت الشيء في الشيء فانْسَلَكَ، أي: أدخلته فيه فدخل، وسَلَكَ يده في الجيب يَسْلُكها وأَسْلَكَها: أدخلها فيه \" «١» .\n٧. ﴿الرَّهْبِ﴾:\n\" بالكسر يَرْهَب رَهْبَة ورُهْبًا بالضم ورَهَبًَا بالتحريك، أي: خاف ورَهَبَ الشيء رَهْبًا ورَهْبَة خافه \" «٢» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿الْبُقْعَةِ﴾:\nوقرأ مسلمة، والأشهب، والعقيلي بفتحها (البَقْعَة) . وقال أبو زيد: سمعت من العرب من يقول: هذه بَقْعَة طيبة «٣» .\n٢. ﴿إِنِّي أَنَا﴾:\nقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر بالفتح على الياء (إنيَ) «٤» . وقرأ الجمهور على الكسر على إضمار القول، أو على تضمين النداء معناه. وقريء بالفتح (إنيَّ) وفيه إشكال لأنه إن جعلت أن تفسيرية وجب كسر (إني) للاستئناف والمفسر للنداء بما كان، وإن جعلتها مخففة لزم تقدير (إني) بمصدر، والمصدر مفرد وضمير الشأن لا يفسر بمفرد، والذي ينبغي أن يخرج عليه هذه القراءة أن تكون (أن) تفسيرية وإني معمولة لفعل مضمر تقديره: أن يا موسى أعلم إني أنا الله «٥» .\n٣. ﴿رَآهَا﴾:\nقرأ الأصبهاني، وورش بتسهيل الهمزة، وقرأ حمزة، والكسائي وابن ذكوان بإمالة الراء والهمزة، وهنالك قراءة لأبي عمرو بإمالة الهمزة فقط، وهناك قراءة للسوسي بإمالة الراء «٦» .\n٤. ﴿وَلَّى﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (سلك) ١٠/ ٤٤٢- ٤٤٣.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (رهب) ١/ ٤٣٦.\n(٣) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٧٥. البحر المحيط: ٧/ ١١٦.\n(٤) النشر في القراءات العشر: ٢ /٣٤٢. الكشف عن وجوه القراءات: ٢/١٧٦.\n(٥) الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٤١.\n(٦) النشر في القراءات العشر: ١/ ٤٥ - ٤٦. وينظر معجم القراءات القرآنية: ٥/ ١٩.","vol":"1","page":405},{"text":"قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة «١» .\n٥. ﴿الرَّهْبِ﴾:\nوقرأ بفتح الراء والهاء ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر: (الرَّهَب) . وقرأ حفص بفتح الراء وسكون الهاء، وباقي السبعة بضم الراء وإسكان الهاء: (الرَّهْب) . وقرأ قتادة، والحسن، وعيسى، والجحدري بضمها: (الرُّهُب) «٢» .\n٦. ﴿فَذَانِكَ﴾:\nقرأ \" ابن كثير، وأبو عمرو: (فَذَانّك) بتشديد النون، وباقي السبعة بتخفيفها. وقرأ ابن مسعود، وعيسى، وأبو نوفل: (فذانِيكَ) وهي لغة هذيل. وقرأ ابن كثير: (فذانَيْك) على لغة من فتح نون التثنية وقرأ ابن مسعود بتشديد النون مكسورة: (فذانِّيكَ) «٣» .\n٧. ﴿يَقْتُلُونِي﴾:\nقرأ يعقوب: (يَقْتُلُونِي) وصلًا ووقفًا «٤» .\nالقضايا البلاغية\n١.التشبيه المرسل المجمل «٥» في قوله تعالى: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حذف وجه الشبه فاصبح مجملًا.\n_________\n(١) النشر في القراءات العشر: ٢ /٤٥ –٤٦. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٢.\n(٢) ينظر البحر المحيط: ٧/ ١١٨.\n(٣) ينظر كتاب السبعة في القراءات. أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي البغدادي أبو بكر. (٢٤٥ - ٣٢٤) . تحقيق: د. شوقي ضيف. دار المعارف. القاهرة. ط٢. ١٤٠٠ هـ: ص ٤٩٣. التبيان في إعراب القرآن: ٢/ ١٠٢٠. الدر المصون: ٥/ ٣٤٢.\n(٤) ينظر النشر في القراءات العشر: ٢/ ٣٤٢.\n(٥) التشبيه المرسل: ما ذكرت أداته. والتشبيه المجمل: هو الذي لم يذكر فيه وجه الشبه، وهذه الآية جمعت التشبيهين. ينظر: التلخيص في عُلُوْم البلاغة. للإمام جلال الدِّيْن بن عَبْد الرَّحْمَن القزويني. ت ٧٣٩ هـ. الطبعة الرابعة. مكتبة الكليات الأزهرية. ١٣٨٤ هـ.: ص٢٧٤ و٢٨٨.","vol":"1","page":406},{"text":"٢. ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾، فقد أورد الزمخشري ما في هذه الآية من فنون الإعجاز البلاغي \" قلت: فيه معنيان: أحدهما أن موسى (- ﵇ -) لما قلب الله العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد، لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضم جناحه إليه. والثاني أن يراه بضم جناحه إليه تجلده وضبط نفسه، وتشدده عند انقلاب العصا حية، حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خوف نشر جناحيه وأرخاهما، وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران، ومعنى\n﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾، وقوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ على أحد التفسيرين واحد، ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، فالغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. فإن قلت: قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضمومًا، وفي الآخر مضمومًا إليه، وذلك قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ . وقوله: ﴿واضمم يدك إلى جناحك فالتوفيق؟ قلت: المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، والمضموم إليه اليد اليسرى، وكل واحد من يمنى اليد ويسراهما جناح \" «١» .\nفيمكن أن نستنتج أن في هذه الآية تكرير حيث كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب.\nوقال ابن عاشور: \" وادعاء أن يكون التكرير لاختلاف الغرض من الأول والثاني كما في الكشاف بعيد \" «٢» .\n_________\n(١) ينظر الكشاف: ٣/ ١٧٥.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١١٤.","vol":"1","page":407},{"text":"وفيها كناية، فضم الجناح كناية عن التجلد والضبط، وهو مأخوذ من فعل الطائر عند الأمن بعد الخوف، وهو في الأصل مستعار\n(استعارة تمثيلية) من فعل الطائر عند هذه الحالة، ثم كثر استعماله في التجلد وضبط النفس حتى صار مثلًا فيه وكناية عنه «١» .\n٣.وهناك التفاته بلاغية أشار إليها الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾، \" فإن قلت: لم سميت الحجة برهانًا؟ قلت: لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء: برهرهة بتكرير العين واللام معًا، والدليل على زيادة النون قولهم: أبره الرجل إذا جاء بالبرهان \" «٢» .\nالمعنى العام\n﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾\n﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ يعني: الشجرة حيث قدم ضميرها عليها «٣» . ﴿نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ﴾ . قال ابن عطية: \" روي أنه كان يمشي إلى ذلك النور فكان يبعد منه تمشي به الشجرة وهي خضراء غضة حتى نودي، والشاطئ والشط ضفة الوادي. وقوله: ﴿الأَيْمَنِ﴾ يحتمل أن يكون من اليمن صفة للوادي أو للشاطئ. ويحتمل أن يكون المعادل لليسار، فذلك لا يوصف به الشاطئ إلا بإضافة إلى موسى في استقباله مهبط الوادي أو يعكس ذلك \" «٤» .\n_________\n(١) ينظر حاشية الشهاب: ٧/ ٢٩٧. الجدول في إعراب القرآن: ١٠/ ٢٥٤.\n(٢) الكشاف: ٣/ ١٧٦.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٩٦.\n(٤) المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٤.","vol":"1","page":408},{"text":"﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ \" وصفت البقعة بالمباركة لما خصت به من آيات الله، وأنواره وتكليمه لسيدنا موسى (- ﵇ -)، أو لما حوت من الأرزاق والثمار الطيبة \" «١» .\nوالذي ببدو لي أنها وصفت بالمباركة بسبب ما جرى عندها من تكليم الله لسيدنا موسى، وامتلاءها بالأنوار الإلهية. وقيل: الشجرة العناب، أو هي شجرة العليق، أو سمرة، أو العوسج «٢»، ولا يوجد ثمة دليل قطعي يبين نوع الشجرة لا من كتاب ولا من سنه صحيحة، ولا يتوقف على معرفة نوع الشجرة في المعنى شئ من الأشياء.\nوقد اختلف العلماء قديمًا في مسالة كلام الله هل هو مخلوق أم لا؟ فأدى ذلك إلى نشوء عدة فرق، وكان سببًا لتسمية علم العقائد، أو علم التوحيد بعلم الكلام، لأن أهم مسألة وقع الخلاف فيها هي كلام الله، كما اختلفوا في تفسير آيات الصفات، فنشأت مدرستين مدرسة الإثبات، وتسمى في المشهور مدرسة السلف. \" ومذهب السلف فإنهم يثبتون جميع الصفات التي وصف الله جل وعلا نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهو ﷾ ليس كمثله شئ \" «٣» .\n_________\n(١) البحر المحيط: ٧/ ١١٦.\n(٢) روح المعاني: ٢٠/ ٧٣.\n(٣) ينظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه. (٦٦١ - ٧٢٨) . جمع وترتيب: عَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن قَاسِم العاصمي النَّجْدِي الحَنْبَلِي وساعده ابنه مُحَمَّد. مطابع الرياض ١٣٨١ مطبعة الحكومة بمَكّة المُكَّرمة ١٣٨٦ هـ.: ٥/ ٢٦. تفسير آيات الصفات بين المثبتة والمؤولة. د. محسن عبد الحميد. بغداد. (د. ت) .: ص ١٣.","vol":"1","page":409},{"text":"ومدرسة التأويل المنضبط الأصولي التي ظهرت نتيجة لاستجابة علماء الإسلام للتحديات العقيدية والفكرية التي واجهتهم، فهؤلاء التزموا في تفسيراتهم بالقران والسنة، وقواعد اللغة، وقواطع العقل السليم «١» . ولكن ظهرت بعض الفرق التي لم تلتزم بمنهج مدرسة التأويل المنضبط منها المؤولة من الفلاسفة وفرق الباطنية، فظهرت آراء غريبة من غير ضابط من النص من القران أو السنة الصحيحة، أو اللغة ولا قواطع الأدلة، في تفاسير غريبة يتقاطع بعضها مع الَقُرْآن الكَرِيم والسنة النبوية لأنها نتاج عقول بشرية، وفي الحديث: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ» «٢» .\nآراء العلماء في مسالة كلام الله\nأولًا - ذكر البزدوي ﵀ أن أهل السنة والجماعة قالوا: إن الله تعالى متكلم بالكلام وهو قديم بكلامه كما هو قديم بجميع صفاته وكلامه غير مخلوق ولا مختلف ولا حادث ولا محدث «٣»\nثانيًا - قالت المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والروافض، والمجبرة أن كلام الله تعالى محدث «٤»، وحقيقة الكلام عند المعتزلة أنه حروف منظومة وأصوات مقطعة شاهدًا وغيابًا، والكلام ليس جنسًا أو نوعًا ذا حقيقة عقلية كسائر المعاني، بل هو مجرد اصطلاح لا يكون إلا باللسان، فمن قدر عليه فهو المتكلم، ومن لم يقدر فهو الأعجم الأبكم «٥» .\n_________\n(١) تفسير آيات الصفات: ص ١٣.\n(٢) سنن الترمذي: ٥ /١٩٩ رقم (٢٩٥١) وقال الترمذي: وهذا حديث حسن.\n(٣) أصول الدين: ص ٥٣.\n(٤) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أُصُوْل الاعتقاد. إمام الحرمين الجويني. ت ٤٧٨ هـ. تحقيق: د. مُحَمَّد يوسف موسى. وعلي عَبْد المنعم عَبْد الحسين. مطبعة السعادة.١٣٦٩ هـ - ١٩٥٠ م. أوفست مَكْتَبَة المثنى. بغداد. (د. ت.) .: ص ١٠٠.\n(٥) المعتزلة. زهدي حسن جار الله. مطبعة مصر. القاهرة. ١٩٤٧.: ص ٧٧.","vol":"1","page":410},{"text":"ثالثًا - الكرامية \" إن كلام الله تعالى حادث، فإن القادر على الكلام لا يكون متكلمًا، والقدرة على الكلام يكون كلامًا كالقدرة على الحركة ليست بحركة \" «١» .\nرابعًا - وذهب الإمام الجويني إلى القول أنه \" ذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس، وهو الفكر الذي لا يبدو في الخلد، وتدل عليه العبارات تارة، وما يصطلح عليه من الإشارات ونحوها \" «٢» .\nخامسًا - قال هشام بن الحكم \" إن لله تعالى كلامًا، ولا أقول إنه مخلوق أو غير مخلوق وروي عن أبي عبد الله البلخي، وعبد الله بن المبارك أنهما قالا بذلك، وهو مذهب أهل الحديث، وقالوا لا حاجة إلى القول إنه مخلوق أو غير مخلوق \" «٣» .\nأما كيف كلم الله موسى (- ﵇ -)؟\nفقد نقل الرازي آراء العلماء في ذلك:\nالأول - قول المعتزلة إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم. احتجوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ الشَّجَرَةِ﴾، فهذا صريح في أن موسى (- ﵇ -) سمع النداء من الشجرة، والمتكلم بذلك النداء هو الله ﷾، متنزه أن يكون في جسم، فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم «٤» .\nوقد أجاب القائلون بقدم الكلام فقالوا: لنا مذهبان: الأول قول أبو منصور الماتريدي وأئمته ما وراء النهر، هو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير مسموع، إنما المسموع هو الصوت والحرف، وذلك كان مخلوقًا في الشجرة منها، وعلى هذا التقدير زال السؤال «٥» .\n_________\n(١) أصول الدين: ص ٥٤.\n(٢) الإرشاد إلى قواطع الأدلة: ص ١٠٥.\n(٣) أصول الدين: ص ٥٤.\n(٤) أصول الدين: ص ٥٩. مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٤٤.\n(٥) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٤٤.","vol":"1","page":411},{"text":"الثاني: قول أبي الحسن الأشعري، وهو أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعًا، كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية، فعلى هذا القول لا يبعد أنه سمع الحرف والصوت من الشجرة، وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة فلا منافاة بين الأمرين.\nواحتج أهل السنة بان محل قوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لو كان هو الشجرة لكان قد قالت الشجرة إني أنا الله.\nوالمعتزلة أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم بالكلام هو محل الكلام لا فاعله، وهذا هو أصل المسألة.\nأجاب أهل السنة: بأن الذراع المسموم قال: لا تأكل مني فإني مسموم «١»، ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى، فإن كان المتكلم بالكلام هو فاعل ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال: لا تأكل مني فإني مسموم، وهذا باطل، وإن كان المتكلم هو محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت: إني أنا الله، وكل ذلك باطل «٢» .\nونقل القرطبي كلامًا لأهل العلم في كيفية تكليم الله لسيدنا موسى (- ﵇ -):\nقال المهدوي: \" وكلم الله موسى (- ﵇ -) من فوق عرشه وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء، أو لا يجوز أن يوصف بالانتقال والزوال وشبه ذلك من صفات المخلوقين.\n_________\n(١) إشارة إلى تسميم الذراع الذي قدم لرسول الله (- ﷺ -) . سنن أبي داود: ٣ /٣٥٠ رقم (٣٧٨١) بلفظ (وسم في الذراع وكان يرى أن اليهود هم الذين سموه) . والحديث حسن.\n(٢) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٤٥ أصول الدين: ص ٦٥.","vol":"1","page":412},{"text":"وقال أبو المعالي: وأهل المعاني وأهل الحق يقولون: من كلّمه الله تعالى وخصّه بالرتبة العليا والغاية القصوى، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات، كما أن من خصّه الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته، ورزقه رؤيته، يرى الله ﷾ منزهًا عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث، ولا مثيل له سبحانه في ذاته وصفاته.\nوقال الأستاذ أبو إسحاق: واتفق أهل الحق على أن الله تعالى خلق في موسى (- ﵇ -) معنى من المعاني أدرك به كلامه، وكان اختصاصه في سماعه وانه قادر على مثله في جميع خلقه.\nوقال عبد الله بن سعد بن كلاب: \" أن موسى (- ﵇ -) فهم كلام الله القديم من أصوات مخلوقة أثبتها الله تعالى في بعض الأجسام \" «١» .\nونقل الآلوسي ﵀ عن الشيخ الأشعري، والإمام الغزالي أنه \" سمع كلامه تعالى النفسي القديم بلا صوت ولا حرف، وهذا كما ترى ذاته ﷿ بلا كيف ولا كم. وذكر بعض العارفين أنه إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت، وكان ذلك بعد ظهوره ﷿ بما شاء من المظاهر التي تقتضيها الحكمة، وهو سبحانه مع ظهوره تعالى كذلك باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق \" «٢» .\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي﴾ . هل هو نداء الوحي أم نداء الكلام؟\nنقل الرازي اختلاف أهل العلم في ذلك \" قال الحسن أن موسى (- ﵇ -) نودي نداء الوحي لا نداء الكلام، والدليل عليه قول تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ «٣» .\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٩٨.\n(٢) روح المعاني: ٢٠/٧٤.\n(٣) سُوْرَة (طَه): الآية ١٣.","vol":"1","page":413},{"text":"وقال الجمهور: \" إن الله تعالى كلّمه من غير واسطة بدليل قوله تعالى:\n﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ «١»، وسائر الآيات، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف، لأن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ «٢» لم يكن بالوحي، لأنه لو كان ذلك أيضا بالوحي لانتهى أخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي والإلزام المتسلسل، بل المراد من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل إليه في مستقبل الزمان بالوحي \" «٣» .\n﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾\nقال ابن عطية: \" أمره الله تعالى بإلقاء العصا فألقاها، فانقلبت حية عظيمة ولها اضطراب الجان - وهو صغير الحيات - فجمعت هول الثعبان، ونشاط الجان. وهذا قول بعضهم. قالت فرقة: بل الجان يعمّ الكبير والصغير، وإنما شبه بالجان جملة العصا لاضطرابها فقط، وولى موسى (- ﵇ -) فزعًا منها ولم يعقب معناه: لم يرجع على عقبه من توليه فقال الله تعالى: يا موسى اقبل، فأقبل وقد آمن بتأمين الله إياه \" «٤» .\nفانقلاب العصا حية أحد المعجزات التي أيد الله بها نبيه موسى (- ﵇ -) .\nوذكر الرازي عدة روايات في تبيان العصا سنذكر أهمها:\n_________\n(١) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ١٦٤.\n(٢) سُوْرَة (طَه): الآية ١٣.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٤٥.\n(٤) المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٥.","vol":"1","page":414},{"text":"قالوا: إن شعيبًا كانت عنده عصى الأنبياء ﵈ فقال لموسى بالليل: إذا دخلت البيت فخذ عصا من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم (- ﵇ -) من الجنة، ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقفت إلى شعيب (- ﵇ -)، فقال: أرني العصا، فلمسها وكان مكفوفًا فضن بها فقال: خذ غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات، فعلم أن له معها شأنًا.\nوقال بعضهم: تلك العصا هي عصا آدم (- ﵇ -)، وأن جبريل (- ﵇ -) أخذ تلك العصا بعد موت آدم (- ﵇ -)، فكانت معه حتى لقى بها موسى (- ﵇ -) ربه ليلًا «١» .\nوقال الحسن: ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضًا، أي: أخذها من عرض الشجر، يقال: اعتراض، أي: لم يتخير. وعن الكلبي الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج، ومنها كانت عصاه «٢» .\nوالذي أراه أنه لا يمكن ترجيح إحدى هذه الراويات على الأخرى، لأنه لم يرد نص صحيح صريح في بيان ذلك، إلا ما ورد في سورة طه قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ «٣»، فقد نقل الرازي عدة روايات في معنى سؤال الله عن العصا التي مع سيدنا موسى منها \" إنه تعالى لما عرف موسى كمال الألوهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية، فسأله عن منافع العصا، فذكره بعضها فعرفه الله تعالى أن فيها منافع أعظم مما ذكر \" «٤»\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٤٦- ٢٤٧.\n(٢) ينظر تفسير القُرْآن. عَبْد الرَّزَّاق بن هَمَّام الصَّنْعَانِي. (١٢٦ - ٢١١) . تحقيق: د. مصطفى مسلم مُحَمَّد. مَكْتَبَة الرشد. الرياض. ط٢. ١٤١٠ هـ.: ٢/ ٤٩٣. مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٤٧.\n(٣) سُوْرَة (طَه): الآيتان ١٧ – ١٨.\n(٤) مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٥.","vol":"1","page":415},{"text":"يرى الباحث أن سؤال الله سيدنا موسى (- ﵇ -) عنها فيه دلالة على أن هذه العصا لم تكن عصا عادية، وأن الله قد أودع فيها مكنونات أسراره.\nوقد كانت المعجزة في العصا من عدة وجوه:\nأولا - تحولها إلى حية تسعى قال تعالى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ «١» . وقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ «٢» . وقول تعالى:\n﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ «٣» .\nثانيًا - في تلقفها لحيات السحرة. قال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ «٤» . وقال تعالى: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ «٥» .\n\nثالثًا - ضرب بها البحر فشق طريقًا له ولقومه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ «٦» .\nرابعًا - استخدم العصا في ضرب الحجر. قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ «٧» .\nونقل الرازي عن الشيخ أبي القاسم الأنصاري ﵀ \" وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة \" «٨» .\nوالمعجزة الثانية بياض اليد من غير سوء:\n_________\n(١) سُوْرَة (طَه): الآية ٢٠.\n(٢) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٠٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣١.\n(٤) سُوْرَة (طَه): الآية ٦٩.\n(٥) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١١٧.\n(٦) سُوْرَة (طَه): الآية ١١٧.\n(٧) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٧٧.\n(٨) مفاتيح الغيب: ١١/ ٢٩.","vol":"1","page":416},{"text":"قال تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وقد جاء هذا الأمر في القرآن الكريم بثلاث عبارات:\nأولها - في سورة طه: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (١) .\nثانيهما - في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ «٢» .\nثالثهما - الذي في سورة القصص، والذي نحن بصدد تفسيره: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ .\n\" قال قتادة: في جيب قميصك، كانت له مدرعة من صوف لا كمين لها.\nوقال ابن عباس، ومجاهد: كان كمها إلى بعض يده. وقال السدي: في جيبك، أي: تحت إبطك \" «٣» .\n﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير برص. ونقل الطبري رواية عن الحسن قال: \" خرجت كأنها المصباح فأيقن موسى أنه لقى ربه \" «٤» .\nقال سيد قطب: \" أطاع موسى الأمر وأدخل يده في فتحة ثوبه عند صدره، ثم أخرجها، فإذا هي المفاجأة الثانية في اللحظة الواحدة إنها بيضاء لامعة مشعة من غير مرض وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة إنها إشارة إلى إشراق الحق، ووضوح الآية، ونصاعة الدليل، وأدركت موسى طبيعة، فإذا هو يرتجف من رهبة الموقف وخوارقه المتتابعة، ومرة أخرى تدركه الرعاية الحانية بتوجيه يرده إلى السكينة، ذلك أن يضم يده في على قلبه فتخفض من دقاته وتطامن من خفقاته\" (٥) .\n﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾\n_________\n(١) سُوْرَة (طَه): الآية ٢٢.\n(٢) سُوْرَة النَّمْلِ: الآية ١٢.\n(٣) البحر المحيط: ٧/ ٥٨.\n(٤) جامع البيان: ١٠/٧٠.\n(٥) في ضلال القرآن: ٦/ ٣٤٦.","vol":"1","page":417},{"text":"\" والمعنى إذا هالك أمر يدك وشعاعها، فأدخلها في جيبك وأرددها إليك تعد كما كانت. وقيل: أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه خوف الحية. قال ابن عباس: ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى (- ﵇ -) ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب. وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ أن كاتبًا كان يكتب بين يديه فانفلتت منه فلتة ريح فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض، فقال له عمر: خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرغ روعك، فإني ما سمعتها من أحد اكثر مما سمعتها من نفسي. وقيل: المعنى اضمم يدك إلى صدرك ليذهب الله ما في صدرك من الخوف \" «١» .\nما يستفاد من النصّ\nدلت الآيات السابقات على جملة من المعاني التي يمكن تلخيصها بما يأتي:\nدلت الآيات على أن سيدنا موسى (- ﵇ -) تلقى نداءً من الله ﷿ بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذه الآية من الآيات المتشابهات التي اختلف العلماء في المراد منها مما فتحت الباب واسعًا للعلماء لجملة من التساؤلات التي أثارتها الآية، هل الكلام قديم أم حادث؟ وكيفية تكليم الله لسيدنا موسى (- ﵇ -) مما بينا آنفًا؟\nدلت الآية كذلك على تأييد الله لرسله وأنبياءه بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأن الله كذلك يعين الدعاة بالوسائل والأسباب التي تساعدهم على تنفيذ مهمتهم.\nكذلك دلت على صفات فرعون وجنوده وهي (الفسق)، والتي كانت سبب من أسباب إرسال سيدنا موسى (- ﵇ -) إلى فرعون.\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٠٠.","vol":"1","page":418},{"text":"ودلت الآية على أنه لا بأس للداعية أن يحذر ما يعتقد أنه يمنعه من تنفيذ مهمته ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي﴾ . والمعنى أخاف أن يذكروا قتلي القبطي فيقتلوني، فأراد ان يكون في أمن إلهي من أعدائه، فهذا تعريض بالدعاء ومقدمة لطلب تأييده لهارون أخيه «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>المطلب الثالث: تأييد الله لسيدنا موسى (- ﵇ -) بنبوة أخيه هارون (- ﵇ </span>-)\n﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ «٢» .\nالمناسبة\nلما أمر الله جل وعلا سيدنا موسى (- ﵇ -) في الآيات السابقات بالتوجه إلى فرعون وملأه ودعوتهم إلى عبادة الله وحده وزوده بالمعجزات المناسبة لزمن فرعون وما اشتهروا به من السحر، وذلك بقلب العصا حية، وخروج اليد بيضاء من غير سوء، عرض سيدنا موسى بالدعاء من الله بأن يحميه من أعدائه، ويكون بمأمن منهم، ومقدمة لطلب تأييده بهارون أخيه ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي﴾ «٣»، ولما تسبب عن ذلك طلب الإعانة بشخص فيه كفاية وله عليه شفقة، وكان أخوه هارون أحق الناس بهذا الوصف، كان التقدير فأرسل معي أخي هارون، الخ.\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢٠ /١١٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٣٤ - ٣٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٣٣.","vol":"1","page":419},{"text":"غير أنه قدم ذكره اهتمامًا بشأنه فقال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾، أي: إنه يخاف أن يفوت مقصود الرسالة، إما بقتله، أو لعدم بيانه، فاكتفى بالتلويح في الكفاية من الأول لأنه لا طاقة لأحد غير الله بها، وصرح بما يكفي من الثانية، فكان التقدير: إني أخاف أن يقتلوني فيفوت المقصود ولا يحمني من ذلك إلا أنت، وأن لساني فيه عقده وأخي هارون ... الخ. وزاده في تعظيمه بضمير الفصل فقال: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، فنلاحظ هنا وجه أخر من وجوه الإعجاز في الآيات القرآنية هو التناسق والتناسب، فكل حرف وضع بعناية ليؤدي غرضًا بعينة بحيث لو وضعنا غيره لما أعطى المعنى المراد. وشاهدنا ترابط الآيات فيما بينها، وترابط الحروف مع بعضها.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿أَفْصَحُ﴾:\nالفصاحة: البيان فَصَحَ الرجل فَصَاحَةً فهو فَصِيْح من قوم فُصَحَاء وفِصاح وفُصَح وامرأة فَصِيحة من نسوة فِصاح وفَصَائِح. وتقول: رجل فَصِيح، وكلام فَصِيح، أي: بليغ، ولسان فَصِيح، أي: طلق «١» .\n٢. ﴿رِدْءًا﴾:\nرِدْأ رَدْأ الشي بالشيء، جعله له رِدْءًا.\nوأَرَدَأَهُ: أعانه وترادأ القوم: تعاونوا، وأرْدَأتُه بنفسي إذا كنت له رِدْءًا، وهو العون، وفلان رِدْءٌ لفلان، أي: ينصره ويشد ظهره «٢» .\n٣. ﴿عَضُدَكَ﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (فصح) ٢/ ٥٤٤.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (ردء) ١/ ٨٤.","vol":"1","page":420},{"text":"العُضُدُ والعَضِدُ والعَضُدُ من الإنسان وغيره الساعد، وهو ما بين المرفق إلى الكتف، والكلام الأكثر العَضُدُ والعَضُدُ: القوة، لأن الإنسان إنما يَقْوي بعَضُدِهِ فسميت القوة به. وقال الزجاج في معنى قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، أي: سنعينك بأخيك. وكل معين فهو عَضُد «١» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿رِدْءًا﴾:\nهذه قراءة الجمهور. وقرأ نافع، والمدنيان بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى الدال (رِدًًا) والمشهور عن أبى جعفر بالنقل ولا همز ولا تنوين، ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف «٢» .\n٢. ﴿يُصَدِّقُنِي﴾:\nقرأ عاصم، وحمزة بضم القاف فاحتمل الصفة لـ (ردأ)، والحال احتمل الاستئناف. وقرأ الكسائي، وابن عامر، وأبو عمرو، وابن كثير، ونافع، وأبو جعفر، وخلف، ويعقوب بالإسكان: (يُصَدِّقْنِي) . وقرأ أبي، وزيد بن علي:\n(يُصَدِّقُوْنِي) والضمير لفرعون وقومه. وقال ابن خالويه: هذا شاهد لمن جزم لأنه لو كان رفعًا لقال: يصدقونني «٣» .\n٣. ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾:\nقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: (إنِّيَّ) «٤» .\n٤. ﴿يُكَذِّبُونِي﴾:\nقرأ يعقوب وصلًا (يكذبوني) «٥» .\n٥. ﴿عَضُدَكَ﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (عضد) ٣/ ٢٩٢- ٢٩٣.\n(٢) ينظر الكشاف: ٣/ ١٧٦. البحر المحيط: ٧/ ١١٨. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٢. غيث النفع: ص ٣١٦.\n(٣) ينظر السبعة في القراءات: ص ٤٩٤. التيسير في القراءات السبع: ص ١٧١. الكشاف: ٣/ ١٧٦. البحر المحيط: ٧/ ١١٨.\n(٤) النشر في القراءات العشر: ٢/ ٢٤٢. الكشف عن وجوه القراءات: ٢ /١٧٦. غيث النفع: ص ٣١٦.\n(٥) النشر في القراءات العشر: ٢/ ٣٤٢. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٣.","vol":"1","page":421},{"text":"قرأ الحسن، وعيسى بالفتح: (عَضَدَكَ) . وقرأ زيد بن علي، وقرأ الحسن أيضًا بالضم (عُضُدَك) . وعن الحسن أيضًا بضم العين وإسكان الضاد\n(عُضْدُكَ) . وعن بعضهم بفتح العين وكسر الضاد وإسكانها (عَضِدُك، عَضْدُك) «١) .\nالقضايا البلاغية\n١.الإسناد المجازي في قوله تعالى: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ قال الزمخشري: \" ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل به الكفار كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة، فذلك جار مجرى التصديق المفيد كما يصدق القول بالبرهان، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي﴾، وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك، لا لقوله صدقت، فإن سَحْبَان وبَاقِلاّ يستويان فيه، أو يصل جناح كلامه بالبيان حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه، فأسند التصديق إلى هارون، لأنه السبب فيه إسنادًا مجازيًا، ومعنى الإسناد المجازي: أن التصديق حقيقة في المصدق، فإسناده إليه حقيقية، وليس في السبب تصديق، ولكن استعير له الإسناد لأنه لابس التصديق بالتسبب كما لابسه الفاعل بالمباشرة، والدليل على ذلك قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ \" «٢» .\n٢.الاستعارة التمثيلية في قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ \" شبّه حال موسى (- ﵇ -) في تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بعضد شديد، ويجوز أن يكون هناك مجاز مرسل من باب إطلاق السبب على المسبب بمرتبتين بأن يكون الأصل سنقويك به، ثم نؤيدك، ثم سنشد عضدك به \" «٣» .\nالمعنى العام\n_________\n(١) ينظر المحتسب: ٢ /١٥٢. البحر المحيط: ٧/ ١١٨.إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٣ غيث النفع: ص ٣١٦.\n(٢) الكَشَّاف: ٣ /١٧٦.\n(٣) محاسن التأويل: ١٣/ ٤٧٠٦ وينظر الجدول في إعراب القران: ٢٠/ ٢٥٦- ٢٥٨.","vol":"1","page":422},{"text":"﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾\nقال: رب إني قتلت من قوم فرعون نفسًا فأخاف إن أتيتهم ولم أُبِنْ عن نفسي بحجة أن يقتلوني، لأن ما في لساني من عقدة يحول بيني وبين ما أريد من الكلام، وأخي هارون هو أَفْصَحُ مني لسانًا واحسن بيانًا فأرسله معي عونًا يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ويجنب الشبهات ويجادل هؤلاء الجاحدين المعاندين، وإني أخاف أن يكذبوني ولساني لا يطاوعني حين المحاجة، فأجابه ﷾: سنقويك ونعينك بأخيك ونجعل لكما سلطانًا عظيمًا وغلبة على عدوكما، فلا يصلون إليكما بوسيلة من وسائل الغلبة «١» .\nهل كان سيدنا هارون نبيًا:\nلقد وردت آيات كثيرة في القران الكريم تؤكد على نبوة هارون (- ﵇ -) منها:\nقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ «٢» .\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمْ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ «٣»، فإرشاده لهم باتباعه يدل على أنه نبي.\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢٠/ ٥٧.\n(٢) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ١٦٣.\n(٣) سُوْرَة (طَه): الآية ٩٠.","vol":"1","page":423},{"text":"قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾، فهذه الدعوة من سيدنا موسى بأن يرسل إلى أخيه هارون كما أرسله فاستجاب الله لدعائه وأعطاه ما أراد بقوله: ﴿قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ «١» .\nقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ «٢»، ففي هذه الآية دلالة واضحة على إرسال سيدنا هارون (- ﵇ -) .\nقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ «٣» .\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٤» .\nقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ «٥» .\nفقد نقل الرازي أقوال العلماء فيها:\n\" قال مقاتل: المعنى كي يصدقني فرعون، والمعنى أرسل معي أخي هارون حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان، فعند اجتماع البرهانين ربما حصل المقصود من تصديق فرعون.\nقال السدي: إن نبيين وآيتين أقوى من نبي واحد وآية واحدة.\n_________\n(١) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية ١٣-١٥.\n(٢) سُوْرَة المُؤْمِنُوْنَ: الآية ٤٥.\n(٣) سُوْرَة مَرْيَمْ: الآية ٥٣.\n(٤) سُوْرَة الأنْبِيَاءِ: الآية ٤٨.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٣٣- ٣٥.","vol":"1","page":424},{"text":"وقال القاضي: والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين ونبي ونبيين لأن المبعوث إليه إن نظر في أيهما كان علم وإن لم ينظر فالحالة واحدة، هذا إذا كانت طريقة الدلالة في المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلفت وأمكن في أحدهما إزالة الشبه، ما لا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يختلفا، ويصلح عند ذلك أن يقال: إنها بمجموعها أقوى من إحداهما على ما قاله السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون ﵉ لأن معجزتهما كانت واحدة لا متغايرة) «١» .\nوالذي أراه:\nإنه بعد استعراضنا الآيات القرآنية تبين لنا بما لا يقبل الشك أن سيدنا هارون (- ﵇ -) قد كان رسولًا إلى فرعون وملائه وبني إسرائيل، ومن ذلك يتبين لنا حجم المهمة التي اضطلع بها سيدنا موسى وأخيه، فقد أرسله الله إلى ملك متجبر طاغية ضرب به المثل في الظلم والتكبر حتى أداه تكبره إلى ادعاء الربوبية. قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلاَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ «٢» .\nفإن رسالتها رسالة واحدة، قال تعالى في سورة طه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ «٣» . وفي الشعراء: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «٤» . وقال في سورة طه: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ «٥»، ففي هذه الآيات وآيات آخر دلالة على أن مهمتهما كانت مهمة واحدة.\nما يستفاد من النصّ\nنستطيع أن نستنبط المعاني الآتية مما مرّ من الآيات القرآنية.\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٤٩- ٢٥٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٨.\n(٣) سُوْرَة (طَه): الآية ٤٧.\n(٤) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية ١٦.\n(٥) سُوْرَة (طَه): الآية ٤٧.","vol":"1","page":425},{"text":"أولا - إذا كلف والي أمر المسلمين أحدًا بمهمة ما، أو أسند إليه مسؤولية ما، لا ضير عليه أن يطلب إشراك غيره معه في المهمة إذا كانت نيته خالصة لله، ويريد الإخلاص والنجاح في مهمته، حتَّى ولو كان ذلك المستعان به أخوه، أو ابنه، إذا كان ينطبق عليه الشرط السابق للعمل ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ «١»، وشرط أن يكون العمل المكلف به مما يرضي الله أولًا.\nثانيًا - وكذلك على المكلف بواجب أو مهمة أن يبين لمن كلّفه ويصارحه بكل شيء يمكن أن يفسد عليه مهمته ويقترح ما يعتقده كافٍ في إزالة هذه العوائق ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ وقد أجابه الله تعالى بإرسال هارون معه إلى فرعون وملائه «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المطلب الرابع: المقارنة بين سورة النمل وسورة القصص</span>\nمن خلال الآيات الخاصة ببعثة\nسيدنا موسى (- ﵇ -)\n\nسورة النمل\nسورة القصص\n\nإِنِّي آنَسْتُ نَارًا\n------\nسَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ\nأَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ\nفَلَمَّا جَاءَهَا\nنُودِيَ أَنْ بُورِكَ\nوَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ\nيَامُوسَى\nإِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ\nوَأَلْقِ عَصَاكَ\nيَا مُوسَى لا تَخَفْ\nإِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ\nإِلاَّ مَنْ ظَلَمَ\nوَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ\nفِي تِسْعِ آيَاتٍ\n-------\nإِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ\nآنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا\nامْكُثُوا\nلَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ\nأَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ\nفَلَمَّا أَتَاهَا\nنُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٦.\n(٢) ينظر المستفاد من قصص القران: ١/ ٣٧٣.","vol":"1","page":426},{"text":"------\nأَنْ يَامُوسَى\nإِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ\nوَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ\nيَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ\nإِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ\n------\nاسْلُكْ يَدَكَ\nفَذَانِكَ بُرْهَانَانِ\nوَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ\nإِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ\n\nمن خلال استعرضنا لقصة سيدنا موسى (- ﵇ -) في القران الكريم نلاحظ أنها ذكرت مرات عديدة وبصيغ مختلفة، وقد تكلمنا في الفصل التمهيدي عن فوائد وأغراض التكرار في القصة القرآنية، وسنتكلم الآن عن الأوجه المناسبة والاختلاف في بعض الألفاظ بين سورتي النمل والقصص فيما يخص بعثة سيدنا موسى (- ﵇ -)، فقد لا حظنا هناك اختلاف في الزيادة والنقصان في بعض الكلمات، وسنبين أسباب هذا الاختلاف وماذا يعني ذلك.\nفكما نعرف أن سورة القصص قد استوعبت تقريبًا كل مراحل حياة سيدنا موسى (- ﵇ -) تقريبًا ابتداء من اللحظات التي سبقت ولادته إلى بعثته وما بعدها من أحداث، أما ما ورد في سورة النمل فلم يكن بهذا التوسع، وورد بصورة مجملة.\nوقد درسها الدكتور فاضل صالح السامرائي بالتفصيل في كتابه لمسات بيانية في نصوص من التنزيل «١» . وفيما يأتي بعض من هذه المقومات:\nقال تعالى في سورة النمل ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ وقال في سورة القصص: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ . في سورة القصص زاد ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾، وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص.\nقال في سورة النمل: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ وقال في سورة القصص: ﴿قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ بزيادة ﴿امْكُثُوا﴾ وذلك لمقام التفصيل في سورة القصص أيضًا.\n_________\n(١) لسمات بيانية في نصوص من التنزيل: ص ٦٩- ٨٦","vol":"1","page":427},{"text":"قال في سورة النمل: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، وقال في القصص:\n﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، فبنى الكلام في سورة النمل على القطع\n﴿سَآتِيكُمْ﴾ وفي القصص ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ إن مقام الخوف في القصص لم يدعه يقطع بالأمر، فإن الخائف لا يستطيع القطع بما سيفعل بخلاف الأمن، ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق والقطع بالأمر.\nإن الترجي من سمات سورة القصص، والقطع من سمات سورة النمل واليك الشواهد.\nقال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ «١» وهو ترجي\n﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ «٢» وهو ترج أيضًا.\n﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ «٣» .\n﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ «٤» .\n﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ «٥» .\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «٦» .\n﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ «٧» .\nوقال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ «٨» .\nأما سورة النمل لم يرد ترجي إلا في موطنين وهما:\nقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ «٩» .\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ «١٠» .\nفناسب الترجي ما ورد في القصص، وناسب القطع واليقين ما ورد في سورة النمل.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٢.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٩.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٩.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٨.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٤٣، ٤٦، ٥١.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٧.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٣.\n(٩) سُوْرَة النَّمْلِ: الآية ٧.\n(١٠) سُوْرَة النَّمْلِ: الآية ٤٦.","vol":"1","page":428},{"text":"وكذلك كرر فعل الإتيان في سورة النمل فقال: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾، ولم يكرر في القصص بل قال: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ﴾، فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.\nقال في سورة النمل: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ وقال في القصص: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ . فذكر في سورة النمل أنه يأتيهم بشهاب قبس والشهاب هو شعلة من النار ساطعة ومعنى (القبس): شعلة نار تقتبس من معظم النار. (والجذوة) العود الغليظ في رأسه نار (١)، والشهاب الشعلة والقبس: النار المقبوسة «٢» .\nأولا: المجيء بالشهاب أحسن من المجيء بالجمرة، لأن الشهاب يدفئ أكثر من الجمرة لما فيها من اللهب الساطع، كما أنه ينفع في الاستنارة أيضًا، فهو أحسن من الجذوة في الاستضاءة والدفء.\nوثانيًا: إنه سيأتي بالشهاب مقبوسًا من النار، وليس مختلسًا أو محمولًا منها، لأن الشهاب يكون مقبوسًا وغير مقبوس «٣»، وهذا أدل على القوة والثبات، لأن معناه أنه سيذهب إلى النار ويقبس منها شعلة ساطعة، أما في القصص فقد ذكر أنه ربما أتى بجمرة من النار ولم يقل إنه سيقتبسها منها، ولا شك أن الحالة الأولى أكمل لما فيها من زيادة دفع كل تعبير في موطنه اللائق به، ففي موطن الخوف ذكر الجمرة، وفي غير موطن الخوف ذكر الشهاب القبس.\n_________\n(١) الكشاف ٣/ ٢٤٤\n(٢) الكشاف ٣/ ١٣٧\n(٣) ينظر: الكَشَّاف: ٣ /١٣٧. البحر المحيط: ٧/٥٥.","vol":"1","page":429},{"text":"قال في سورة النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾، وقال في القصص: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي﴾، وقد فرق الراغب بين المجيء والإتيان فقال: \" المجيء كالإتيان، لكن المجيء أعم لأن الإتيان مجيء بسهولة، والإتيان قد يقال باعتبار القصد وأن لم يكن منه الحصول، والمجيء يقال اعتبارًا بالحصول \" «١»، فإن ما قطعه موسى على نفسه في سورة النمل أصعب مما في سورة القصص، فقد قطع على نفسه أن يأتيهم بخبر أو بشهاب قبس، في حين ترجى ذلك في القصص، والقطع أشق وأصعب من الترجي، وغالبًا ما يستعمل القران الكريم المجيء لما فيه صعوبة ومشقة «٢» .\nذكر في القصص جهة النداء ﴿نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ﴾، ولم يذكر الجهة في سورة النمل، وذلك لأن موطن القصص موطن تفصيل وموطن النمل موطن إيجاز.\nقال في سورة النمل: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقال في القصص: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . قال الرازي: \" ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل، إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء \" «٣»، ولأن الموقف في سورة النمل موقف تعظيم.\n_________\n(١) معجم مفردات ألفاظ القران: ص ١٢٠.\n(٢) ينظر: لمسات بيانية في نصوص من التنزيل. د. فاضل صالح السامرائي. الطبعة الأولى. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد. ١٩٩٩ م: ص ٧٤ - ٨٠.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٤٢٥. البحر المحيط: ٧/ ١١٧.","vol":"1","page":430},{"text":"قال في سورة النمل: ﴿يَا مُوسَى﴾، وقال في القصص: ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾، فجيء بـ (أن) المفسرة، وذلك لأن المقام في سورة النمل مقام تعظيم لله ﷾ وتكريم لموسى فشرفه بالنداء المباشر، في حين ليس المقام كذلك في القصص، فجاء بما يفسر الكلام، أي: ناديناه بنحو هذا، أو بما هذا معناه «١» .\nقال في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وقال في القصص: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فجيء بضمير الشان الدال على التعظيم في آية النمل (إِنَّهُ أَنَا)، ولم يأت به في القصص، ثم جاء باسميه الكريمين (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) في سورة النمل زيادة في التعظيم.\nقال في سورة النمل: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾، وقال في القصص: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾، فجيء بـ (أن) المفسرة أو المصدرية، ويقال فيها مثل ما قيل في الفقرة العاشرة من النمل ﴿يَا مُوسَى﴾، وفي القصص ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾ .\nقال في سورة النمل: ﴿يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ﴾ . وقال في القصص: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾ بزيادة ﴿أَقْبِلْ﴾، وذلك أن مقام الإيجاز في سورة النمل يستدعي عدم الإطالة، ولأن شيوع جو الخوف في القصص يدل على إيغال موسى في الهرب، فدعاه إلى الإقبال وعدم الخوف «٢» .\nقال في سورة النمل: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾، وقال في القصص: ﴿إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾، وذلك أن المقام في سورة القصص مقام الخوف، والخوف يحتاج إلى الأمن، فأمنه قائلًا: ﴿إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾، وأما في سورة النمل فالمقام مقام تكريم وتشريف. فقال: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ «٣» .\n_________\n(١) لمسات بيانية: ص ٨٠.\n(٢) المصدر نفسه: ص ٨٠.\n(٣) لمسات بيانية: ص ٨٣.","vol":"1","page":431},{"text":"قال في القصص: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ﴾، ولم يذكر مثل ذلك في سورة النمل، والرهب هو الخوف، وهو مناسب لجو الخوف الذي تردد في القصة، ومناسب لجو التفصيل فيها «١» .\nيقول الباحث: بعد هذا العرض لأوجه الاختلاف بين هذين النصين يمكن أن نقول أن ذلك يعود إلى ثلاثة أسباب:\nالسبب الأول - هو أن سورة القصص جاءت مفصلة استوعبت كلّ جوانب حياة سيدنا موسى تقريبًا، بينما وردت هذه القصة بصورة مجملة في سورة النمل، فكان ذلك سببًا من أسباب الاختلاف.\nالسبب الثاني - طابع الخوف الذي كان سمة من سمات سوره القصص فكان سببًا أخرًا من أسباب الاختلاف.\nالسبب الثالث - إن المقام في سورة النمل مقام تكريم لسيدنا موسى (- ﵇ -) أوضح مما هو في القصص «٢» .\nففي سورة القصص كان جو القصة مطبوعًا بطابع الخوف، وفيما يأتي جرد لعبارات الخوف التي جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ:\nفقد خافت أم موسى (- ﵇ -) على ولدها من فرعون وملائه قال تعالى:\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ «٣» .\nومن شدة الخوف اصبح فؤادها فارغًا من الحزن قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ «٤» .\nخوفه بعد قتل القبطي: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ «٥» .\nوبعد خروجه من مصر قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ «٦» .\n_________\n(١) المصدر نفسه: ص ٨٣.\n(٢) المصدر نفسه: ص ٧٠.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٠.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٨.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢١.","vol":"1","page":432},{"text":"بعد أن ذهب إلى مدين واتصل بالشيخ الكبير والد البنات وقص عليه قصته فطمأنه: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «١» .\nوبعد البعثة طلب المعونة من الله أن يرسل معه أخوه هارون ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ «٢» .\nونلاحظ في سورة النمل أنه لم يرد ذكر للخوف إلا في مقام العصا: ﴿يا يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ «٣» . وانما اخترنا سُوْرَة النَّمْلِ نموذجًا للمقارنة بين القصتين، وقد وضعنا الجدول في أول المطلب لتسهيل المقارنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الثاني: موقف فرعون وقومه من دعوة سيدنا موسى (- ﵇ </span>-)\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المطلب الأول: اتهام سيدنا موسى بالسحر</span>\n﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ «٤» .\nالمناسبة\nلقد بينت الآيات السابقات أن الله جل وعلا قد وعد سيدنا موسى بأن يجيب طلبه ودعائه بأن يحميه من فرعون وملائه، وأن يرسل معه أخوه هارون معينًا:\n﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، وليبين جل وعلا سرعة امتثال موسى وهارون لأمر الله قال: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٤.\n(٣) سُوْرَة النَّمْلِ: الآية ١٠.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٣٦ - ٣٧.","vol":"1","page":433},{"text":"وقال البقاعي: \" ولما كان التقدير فأتاهم كما أمر الله وعاضده أخوه كما أخبر الله ودعواهم إلى الله تعالى، وأظهر ما أمر به من الآيات بنى عليه قوله مبينًا بالفاء سرعة امتثاله ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ﴾، أي: فرعون وقومه، ولما كانت رسالة هارون (- ﵇ -) إنما هي تأييد لموسى (- ﵇ -) أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي فقال ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ «١» .\nفنلاحظ مرة أخرى إلى روعة التناسق والتناسب في الآيات القرآنية كذلك الروعة في استخدام الحروف للدلالة على معانٍ لا يمكن أن تعبر عنها الجمل الطويلة.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿سِحْرٌ﴾:\nقال ابن منظور: هو كل ما لطف مأخذه ودقّ فهو سِحْر والجمع أسْحَار وسَحُور وسَحَرَة يَسْحَرَه سَحْرًا وسِحْرًا وسحَّرَه. ورجل ساحِر من قوم سَحَرَة وسُحَّار من قوم سَحَّارِين. وأصل السِحْر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لمّا أُري من الباطل في الحق، وخيل الشيء على غير حقيقته - وقد سَحَر الشيء عن وجهه، أي: صرفه «٢» وعرف الشافعي السِحْر بأنه: \" عقد ورقى وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور وقلبه، أو عقله من غير مباشرة وله حقيقته \" «٣» .\n٢. ﴿مُفْتَرًى﴾:\nالفِرْية الكذب فَرَى كَذِبًا فَرْيًَا وافْتَرَاه اختلقه، ورجل فَرِىُّ ومِفْرىً وأنه لقبيح الفِرْيَة، قال الليث: يقال فَرَى فلان الكذب يَفْرِيه إذا اختلقه «٤» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾:\n_________\n(١) نظم الدرر: ٥/ ٤٨٨.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (سحر) ٤/ ٣٤٨.\n(٣) المغني (ابن قدامة): ٨/ ٢٨.\n(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (فري) ١٥/ ١٥٤.","vol":"1","page":434},{"text":"قرأ ابن كثير: (قال) بغير واو لأنها كذلك في مصحف أهل مكة كأنه استئناف كلام. وقرأه الباقون: (وقال) بالواو، كأنه عطف على ما قبله عطف جملة على جملة «١» .\n٢. ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾:\nوقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر بالفتح (رَبِّيَ) بالفتح «٢» .\nالمعنى العام\n﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾\n﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ وهي العصا واليد (بينات)، أي واضحات الدلالة على صدقه وأنه أمر خارق معجز، كفوا عن مقاومته ومعارضته، فرجعوا إلى البهت والكذب، ونسبوه إلى السحر، لأنهم يرون الشيء على حالة، ثم يرونه على حالة أخرى، ثم يعود إلى الحالة الأولى، فزعموا أنه سحر يفتعله موسى ويفتريه على الله، فليس بمعجز ثم مع دعواهم إنه سحر مفترى وكذبهم في ذلك، زادوا في الكذب أنهم ما سمعوا بهذا في آباءهم، أي: في زمان آبائهم وأيامهم «٣» .\n﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾\nلما اخبره تعالى بقولهم عطف عليه الأخبار بقول موسى (- ﵇ -)\n﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، ليوازن السامع بين الكلامين ويتبصر بعقله ما الفاسد منهما فبضدهما تتبين الأشياء «٤» .\n_________\n(١) الكشف عن وجوه القراءات: ٢/ ١٧٤ الإقناع في القراءات السبع: ٢/ ٧٢٣.\n(٢) الكشف عن وجوه القراءات: ٢/ ١٧٦.\n(٣) ينظر البحر المحيط: ٧/ ١١٩.\n(٤) ينظر نظم الدرر: ٥/ ٤٨٩.","vol":"1","page":435},{"text":"وقال الرازي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾:\n\" من ثواب على تمسكه بالحق أو من عقاب، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ «١» . وقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ «٢»، والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها وعقابها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان، وتلقي الملائكة بالبشرى عند الموت، فإن قيل: العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار، لأن الدنيا قد تكون خاتمتها خير في حق البعض، وشر في حق البعض الآخر، فلم اختصت خاتمتها بالخير في هذه التسمية دون خاتمتها بالشر؟ قلنا: إنه قد وضع الله ﷾ الدنيا مجازًا إلى الآخرة، وأمر عباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الخير، وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار، ثُمَّ إنه (- ﵇ -) أكد ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، أي: لا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع، بل يحصلون على ضد ذلك، وهذا نهاية في زجرهم عن العناد الذي ظهر منهم \" «٣» .\nما يستفاد من النص\n_________\n(١) سُوْرَة الرَّعْدِ: الآيتان ٢٢ -٢٣.\n(٢) سُوْرَة الرَّعْدِ: الآية ٤٢.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١٢ / ٣٥١.","vol":"1","page":436},{"text":"أولًا - في هذه الآية بشرى من البشارات القرآنية لانتصار المسلمين على أعدائهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، وهذه الآية نظير ما جاء في سورة الأعراف من قول موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «١» .\nفمن السنن الإلهية التي لا تنتهي أبدًا هي أن العاقبة الحسنة للمتقين في الدنيا والآخرة، وليست مقصورة على الآخرة بدخول الجنان، وإنما تشمل عاقبتهم الحسنة المرضية في الدنيا، وتشمل انتصارهم على أعدائهم وإزالة الظلم عنهم، واسترداد حقوقهم، وعزتهم وكرامتهم، وعلو مكانتهم. وهذه العاقبة الحسنة هي للمتقين من عباده، وهم القائمون بكل مقتضيات ولوازم العبودية لله، والتي هي عبادة الله وحده لا شريك له، وتنفيذ ما أمر الله به، والابتعاد عمّا نهى عنه، وتحكيم شرع الله، وإقامة المجتمع الصالح القائم على الأخلاق الفاضلة التي ربى عليها الإسلام الجيل الأول «٢» .\nودلت كذلك على الاستعانة بالله في جميع الأحوال وجمع الكلمة، ولا ينبغي للمسلم أن ييأس أبدًا.\n_________\n(١) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٢٨.\n(٢) ينظر المستفاد من قصص القران: ١/ ٣٧٥.","vol":"1","page":437},{"text":"ثانيًا - نلاحظ التشابه الواضح في رد فعل قوم فرعون من دعوة سيدنا موسى (- ﵇ -) واتهامهم له بالسحر في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾، ورد فعل كفار قريش من دعوة المصطفى\n(- ﷺ -) وعجزهم عن معارضته لما رأوا فصاحة القران وبلاغته، نسبوه إلى السحر قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ «١»، فعلى الدعاة أن لا يضجروا من عدم استجابة من يدعونهم إلى الله، فالناس بطبيعتهم يختلفون في مدى استعدادهم للاستجابة لصوت الحق وفي سرعة هذه الاستجابة، فمن الناس من يقبل الحق بدون تردد، ومن الناس من لا يقبل الدعوة إلى الله ويظل يقاومها ثُمَّ يقبلها بعد ذلك، فعلى الداعي أن يفقه ذلك، ولا يتعجب ولا ييأس من الاستجابة له حتَّى من أعتى الناس وأشدهم مقاومة للدين «٢» .\nوكذلك ما ورد أيضا من تشابه بين ما جاء في خطاب سيدنا موسى\n(- ﵇ -) لقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ .\nوما ورد من خطاب الرسول محمد (- ﷺ -) للمشركين بقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ «٣» .\nوهو يرجح ما ذهبت إليه.\n_________\n(١) سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية ٣٠.\n(٢) ينظر المستفاد من قصص القران: ١/ ٣٧٦.\n(٣) سُوْرَة سَبَأ: الآيات ٢٤-٢٦.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المطلب الثاني: ادعاء فرعون الألوهية وتكبره وملؤه في الأرض</span>\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ «١» .\nالمناسبة\nبعد أن بينت الآيات السابقات سرعة امتثال سيدنا موسى لأمر الله بدعوته لفرعون وقومه، وجاءهم بالمعجزات الدالات على صدقه، فاتهموه بالسحر، فقال لهم موسى بكل أدب: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ فتضمن رده عليهم ترغيب وترهيب بعد أن قدم لهم المعجزات، وجاء رده عليهم بأسلوب غاية في الروعة، وبأسلوب عالٍ من أدب الخطاب والمناظرة \" فهو لم يؤكد أن خصمه في ضلال، كما لم ينسبه إلى نفسه، بل ردده بينهما وهو يعلم انه لأيهما \" «٢»، ثم علل هذا بأن من سنن الله أن المخذول هو الكاذب فقال: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٣٨ - ٣٩.\n(٢) تفسير المراغي: ٢٠/ ٥٨.","vol":"1","page":439},{"text":"ثم يأتي النص القرآني والذي نحن بصدد تحليله ليبين في الجانب الآخر رد فرعون على مقالة موسى بمقالة تدل على الجهل ونقصان العقل ليؤكد النص القرآني على أنه بلغ غاية لا حد لها في الإنكار، وأنه لا مطمع في إيمانه لعتوه وطغيانه واستكباره في الأرض، وما جرى له من العذاب في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ «١» . فأراد النص القرآني في هذا المقطع أن يبين الفرق بين رد أهل الحق المتمثل في قول موسى المتفائل بنصر الله والمتوكل على الله، ورد فرعون المتكبر الظالم وليبين لنا بوضوح الفرق بين أخلاق الأنبياء، وبين أخلاق أعداء الله.\nتحليل الألفاظ\n﴿صَرْحًا﴾:\nالصَّرْح بيت واحد يبنى منفردًا ضخمًا طويلًا في السماء. وقيل: هو القصر. وقيل: هو كل بناء مرتفع. وقال الزجاج: الصَّرح في اللغة القصر والصحن «٢» . وقال الراغب الأصفهاني: \" وهو بيت عالي مزوق سمي بذلك اعتبارًا بكونه صرحًا عن الشوب، أي: خالصًا \" «٣» .\nوقال الآلوسي هو: \" بناء مكشوف عاليًا، من صرح الشيء إذا ظهر \" «٤» .\nوقال ابن عاشور هو: \" القصر المرتفع \" «٥» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿لَعَلِّي﴾:\nقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر بالفتح:\n(لَعَلَى) «٦»\n٢. ﴿لاَ يُرْجَعُونَ﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٣٨- ٣٩.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (صرح) ٢/ ٥١١.\n(٣) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٨٧.\n(٤) روح المعاني: ٢٠/ ٨٠.\n(٥) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٢٣.\n(٦) ينظر الإقناع في القراءات السبع: ٢/ ٧٢١.","vol":"1","page":440},{"text":"قرأ حمزة، والكسائي، ونافع: (لاَ يَرْجِعُون) مبينًا للفاعل والجهور مبينًا للمفعول «١» .\nالقضايا البلاغية\nفي قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ فيها إطناب «٢» بديع، وذلك أنه لم يقل: اطبخ لي الآجر، وذلك ليتفادى ذكر كلمة الآجر لأن تركيبها على سهولة لفظه ليس فصيحًا، وذلك امر يقرره الذوق وحده، فعبر عن الآجر بالوقود على الطين لأن هذه العبارة أحسن مطابقة لفصاحة القرآن، وعلو طبقته، وأشبه بكلام الجبابرة، وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين، منادى باسمه بـ (يا) في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر، وقد اشتملت هذه العبارة على الكثير من ألفاظ الجبابرة العتاة، وذلك على الوجه الآتي:\nنادى وزيره بحرف النداء.\nتوسيط ندائه خلال الأمر وبناء الصرح.\nرجاؤه الإطلاع إلى الله.\nالغباء الذي يلازم الجبابرة العتاة، إذ يقعون في التناقض من حيث لا يشعرون، فقد صرح قبل قليل بقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، فعرب عن نفي المعلوم بنفي العلم، وأعلن تصميمه على الجحود، ثُمَّ ما عتم أن أعلن رجاءه الإطلاع، فهل كان مصممًا على الجحود أم لم يكن «٣»؟\nالمعنى العام\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾\n_________\n(١) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٨٠. البحر المحيط: ٧/ ١٢٠.\n(٢) الإطناب: هو البلاغة في المنطق والوصف مدحًا كان أو ذمًا، وأطنب في الكلام بالغ فيه. ينظر معجم المصطلحات البلاغية: ١ /٢٢٤.\n(٣) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٧٩ –١٨٠. إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ /٢٣١.","vol":"1","page":441},{"text":"أي: وقال فرعون منكرًا لما أتى به موسى (- ﵇ -) من توحيد الله وحده وعبادته، فقد اخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس (﵄) قال: \" لما قال فرعون: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ قال جبريل (- ﵇ -): يا رب طغى عبدك، فأذن لي في هلاكه، قال: يا جبريل هو عبدي ولن يسبقني له أجل قد أجلته حتى يجيء ذلك الأجل، فلما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ «١» قال جبريل: قد سكنت روعتك بقى عبدي وقد جاء أوان هلاكه \" «٢»\n﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾\n\" أي أطبخ لي يا هامان الآجر، فعن ابن عباس (﵁) وقتادة: هو أول من صنع الآجر وبنى به \" «٣» .\nوقد اختلف العلماء في فرعون هل بنى الصرح أم لا؟\n١.فقال قوم: إنه بناه، \" فقالوا إنه لما أمر ببناء الصرح جمع هامان العمال حتَّى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الاتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص، ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيدوه حتَّى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق فبعث الله تعالى جبريل (- ﵇ -) عند غروب الشمس فضربه بجناحيه فقطعه ثلاث قطع \" «٤» .\nونقل الآلوسي رواية عن السدي \" بأنه لما بنى له الصرح ارتقى فوقه، وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي متلطخة دمًا فقال: قتلت إله موسى \" «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَة النَّازِعَاتِ: الآية ٢٤.\n(٢) ينظر تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٢٩٧٩. والأثر لم أقف عليه في كتب الأحاديث والآثار.\n(٣) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٠٤ وما بعدها.\n(٤) مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٥٣.\n(٥) روح المعاني: ٢٠ /٨٠.","vol":"1","page":442},{"text":"٢.ومن الناس من قال: إنه لم يبن ذلك الصرح، لأنه يبعد من العقلاء أن يظنوا أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من على أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما يراها حين كان على قرار الأرض، ومن شك في ذلك خرج عن حد العقل، وهكذا القول فيما يقال من رمى السهم إلى السماء، وأن من حاول ذلك كان من المجانين، فلا يليق بالعقل والدين حمل القصة التي حكاها الله تعالى في القرآن على محمل يعرف فساده بضرورة العقل، فيصير ذلك مشرعًا قويًا لمن أحب الطعن في القران «١» .\nوالذي أراه أن أمر فرعون لهامان ببناء الصرح لم يكن يقصد البناء حقيقة، ولكنه أراد الاستهزاء بموسى وتكذيبه بدلالة قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ بعد الأمر ببناء الصرح، فهو إنما أراد أن يبين لهم بطريقة الاستدلال العقلي أنه لا دليل حيّ على وجود إله موسى، فأوهمهم بأن الإله لا بد أن يكون محسوسًا، وهذا ما أراده من قوله لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾\nأي: ما دمت أنا محسوسًا فأنا أحق بالعبادة من إله موسى غير المحسوس وهذا من قلة عقله واستخفافه بعقول قومه.\n﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾\n_________\n(١) المصدر نفسه: ٢٠/ ٨٠.","vol":"1","page":443},{"text":"أي: رأوا كل من سواهم حقيرًا بالإضافة إليهم، ولم يروا العظمة والكبرياء إلا لأنفسهم، فنظروا إلى غيرهم نظر الملوك للعبيد في الأرض وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، لأن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى وهو المتكبر، أي: المتبالغ في كبرياء الشأن، فكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق «١» . قال (- ﷺ -) فيما يحكيه عن ربه: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحدة منهما قذفته في النار» «٢» .\n﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾\nالظن، قيل: إما على ظاهره، أو عبر عن اعتقادهم به تحقيرًا وتمهيلًا «٣» .\nويقول الرازي في معنى قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾، فهذا يدل على أنهم كانوا عارفين بالله تعالى، إلا أنهم كانوا ينكرون البعث، فلأجل ذلك تمردوا \" «٤» .\nوقال ابن عاشور: \" فذكر (إلينا) لحكاية الواقع وليس بقيد، فلا يتوهم أنهم أنكروا البعث ولم ينكروا وجود الله مثل المشركين، وبتقديم (إلينا) على عامله لأجل الفاصلة، ويمكن أن يكون المعنى: وظنوا أنهم في منعة من أن يقعوا في قبضة قدرتنا \" «٥» . أو أنهم كانوا يعتقدون بالبعث، ولكن الذي يحاسبهم هو فرعون وليس الله ﷾ كما هو الواقع بدليل قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُون﴾ .\nما يستفاد من النصّ\n_________\n(١) ينظر الكشاف: ٣/ ١٨١. روح المعاني: ٢٠/ ٨٢.\n(٢) صحيح ابن حبان: ٢ /٣٥. المستدرك على الصحيحين: ١ /١٢٩. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأخرجه مسلم بغير هذا اللفظ.\n(٣) روح المعاني: ٢٠/ ٨٣.\n(٤) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٥٤.\n(٥) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٢٤.","vol":"1","page":444},{"text":"لقد ذم القرآن الكريم في آيات كثيرة الكبر بصورة مباشرة أو من خلال ذكره لقصص المتكبرين في الأرض وذمه لهم، وتبيان عاقبتهم في الدنيا والآخرة، وفي هذه الآية يقص علينا القرآن قصة من قصص المتكبرين في الأرض، وكيف أوصله تكبره إلى ادعاه الألوهية، فكان عاقبته أنه وقومه في النار.\nودلت كذلك على التشابه بين ردّ فرعون وقومه من دعوة موسى (- ﵇ -) ورد فراعنة قريش من دعوة المصطفى (- ﷺ -) كأبي جهل، وأمية بن خلف، وغيرهم. وفي هذه الآية تحذير واضح لكل من يقف في طريق الدعوة إلى الله من الحكومات والأفراد، فمهما بلغ من القوة والمنعة فإنه ليس بمأمن من قوة الله وعقابه في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>المطلب الثالث: عاقبة فرعون وجنوده</span>\n﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «١» .\nالمناسبة\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٤٠ - ٤٣.","vol":"1","page":445},{"text":"بعد أن بينت الآيات السابقات الدواعي لاستحقاق فرعون وجنوده العقوبة لادعائه الألوهية وتكبره في الأرض وتهكمه واستهزاءه بموسى أمام قومه ليشكك في صدق مقالته، جاءت هذه الآيات لتخبر بما نالهم من عقاب الدنيا، فقال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، ثم أمر رسوله محمد (- ﷺ -) وقومه بالنظر والاعتبار والتأمل بالعواقب ليعلموا أن هذه سنة الله في كل مكذب برسله «١» . فقال: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ثم بينت الآيات مصيرهم في النار، فقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ﴾ .\n\" فإن السياق هنا يعجل بالضربة القاضية، ويختصر حلقة السحرة التي تذكر في سور أخرى بتفصيل أو إجمال، يختصرها ليصل من التكذيب مباشرة إلى الإهلاك، ثم لا يقتصر عند الأخذ في الدنيا بل يتابع الرحلة إلى الآخرة، وهذا الإسراع في هذه الحلقة مقصود متناسق مع اتجاه القصة في السورة، وهو تدخل القدرة بلا ستار من البشر، فما أن يواجه موسى فرعون، حتى يعجل الله بالعاقبة وتضرب يد القدرة ضربتها الحاسمة بلا تفصيل في المواجهة أو تطويل \" «٢» .\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾:\n\" النَّبْذُ طرحك الشيء من يدك أمامك أو وراءك، نَبَذْتُ الشيء أَنْبِذَه نَبْذًا إذا ألقيته من يدك، ونَبَّذتُه شدد للكثرة، ونَبَذَت الشيء أيضًا إذا رميته وأبعدته \" «٣» .\n٢. ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾:\n_________\n(١) ينظر تفسير المراغي: ٢٠ / ٥٨.\n(٢) في ضلال القران: ٦/ ٣٤٨.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (نبذ) ٣/ ٥١١.","vol":"1","page":446},{"text":"\" القُبْح ضد الحسن يكون في الصورة، والفعل قَبَحَ يَقْبَح قُبْحًا وقُبُوحًا وقُبَاحة وقُبوحة وهو قَبِيح والجمع قَبَائح وقَباحى، والأنثى قَبِيحة، وقال الأزهري: هو نقيض الحسن عام في كل شيء \" «١» .\n٣. ﴿بَصَائِرَ﴾:\nقال ابن الأثير في أسماء الله تعالى البصير، وهو الذي يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وخافيها بغير جارحة. وقيل: البصر العين إلا أنه مذكر. وقيل: البصر حاسة الرؤية، وقال ابن الأعرابي: أبصر الرجل إذا خرج من الكفر إلى الإيمان «٢» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿الدُّنْيَا﴾:\nقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة.\n٢. ﴿الأُولَى﴾:\nقرأ حمزة، والكسائي، وورش، وخلف بالإمالة.\n٣. ﴿لِلنَّاسِ﴾:\nقرأ الدوري بالإمالة.\n٤. ﴿وَهُدًى﴾:\nقرأ كل من حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة «٣» .\nالقضايا البلاغية\nتشبيه بليغ في قوله تعالى: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، أي: أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس، حذف أداة التشبيه ووجه الشبه، فأصبح بليغًا، قال الشيخ زاده: \" أي مشبهًا بأنوار القلوب من حيث أن القلوب لو كانت خالية عن أنوار التوراة وعلومها لكانت عمياء لا تبصر ولا تعرف حقًا من باطل \" «٤» .\nالمعنى العام\n﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾\nأي: طرحناهم في البحر المالح. قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له: أساف، أغرقهم الله فيه. وقال وهب، والسدي: المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية القلزم يقال له: بطن مريرة. وقال مقاتل: يعني نهر النيل «٥» .\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (قبح) ٢/ ٥٥٢.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (بصر) ٤/ ٦٤.\n(٣) ينظر معجم القراءات القرآنية: ٥/ ٢٥-٢٦.\n(٤) حاشية الشيخ زاده: ٣ /٥١٥. وينظر الكَشَّاف: ٣ /١٨١.\n(٥) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٠٥.","vol":"1","page":447},{"text":"﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ﴾\nجعلهم الله عبرةً لمن سلك وراءهم وأخذ طريقهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، فأجمع الله عليهم خزي الدنيا موصولًا بذل الآخرة «١»\n﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ﴾\nأي أهلكهم الله فلا ناصر لهم من دون الله، وأتبعهم زيادة في عقوبتهم وخزيهم في الدنيا، لعنة يلعنون، ولهم عند الخلق الثناء القبيح والمقت والذم وهذا أمر شاهد فهم أئمة الملعونين في الدنيا ومقدمتهم «٢» .\nما يستفاد من النصّ\nبينت الآيات سنة من سنن الله في الطغاة والظلمة بأن مصيرهم الهلاك مهما تحصنوا، ومهما بلغت قوتهم، ولتنبهنا الآية على هذه الحقيقة الساطعة جاءت بكلمة (فانظر) لتحفز القارئ على الاتعاظ بتأكيدها على عاقبة الظالمين بقوله تعالى: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ وهي كلمة عامة تشمل كلّ ظالم من دول وأفراد.\nودلت كذلك الآيات على أن الجزاء من جنس العمل، ففرعون كما كان في الدنيا إمامًا من أئمة الظلم والطغيان سيكون يوم القيامة هو وجنوده من أئمة النار.\nودلت الآيات على أن التاريخ لا يذكر الظالمين إلا بسوء لقوله تعالى:\n﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ﴾ .\nودلت الآيات كذلك على سنة من سنن الله في إرسال الرسل والأنبياء، فكلما تنقضي فترة من الزمن ويصبح الناس بحاجة إلى رسول يبعث ليعيد الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد.\n_________\n(١) ينظر تفسير القران العظيم: ٣/ ٣٩٠.\n(٢) ينظر تفسير الكريم الرحمن: ٤/ ٢٠.","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الرابع: الفرق بين الرواية التوراتية وسفر الخروج وبين الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ لقصة موسى (- ﵇ </span>-)\n\nلقد كان الَقُرْآن الكَرِيم ولا زال كتابًا مهيمنًا على كلّ الكتب التي سبقته باعتباره أخر الكتب الإلهية المنزلة بعد صحف إِبْرَاهِيمُ وموسى والتوراة وزبور داود وإنجيل عيسى - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - فكيف إذا ما حرفت تلك الكتب من بعد أنبيائها على يد اليهود والنصارى، ونحن في تحليلنا العام لسورة القصص الشريفة استطعنا أن نجد أن الرواية القرآنية - إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير في وصف كلام الله تعَاَلىَ - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كانت ولا زالت مهيمنة وشاملة وعالية فوق النصوص التوراتية لقصة موسى (- ﷺ -) منذ طفولته حتَّى غرق فرعون على يديه بنصر الله ﷾.\nوإن ما ذكره الَقُرْآن الكَرِيم كان منزهًا لموسى (- ﵇ -)، بل وزائدًا على ما في العهد القديم المسمى بالتوراة زيادات فيها فائدة وتوجب حقائق تاريخية ألهمها الله تعَاَلىَ وأوحاها إلى رسوله مُحَمَّد بن عَبْد الله النبي الأمي (- ﷺ -) مما لم يكن هو\n(- ﷺ -) ولا قومه يعرفونه من قبل، وهو ما جعل اليهود يتميزون من الغيظ حسدًا وحقدًا على ما آتاهم الله من كتابه، فنسوه وحرفوه واشتروا بآياته ثمنًا قليلًا ثُمَّ نبذوه وراء ظهورهم، فأنزل الله تعَاَلىَ كتابًا أخر على الرَّسُول (- ﷺ -) .\nولا ننسى هاهنا أن سُوْرَة الْقَصَصِ مكية أنزلت قبل أن يقدم رَسُول الله\n(- ﷺ -) المدينة المنورة حتَّى لا يقول قائل أن أحدًا علم رَسُول الله (- ﷺ -) تلك القصة.","vol":"1","page":449},{"text":"وسوف نحاول فيما يلي استعراض الروايتين وفق جداول علمية للمقارنة، ثُمَّ بعد ذلك - إِنْ شاء الله العلي العظيم - نجري مقارنة نقدية بين الروايتين، لنرجح أي الروايتين هما الأصح والأدق تاريخيًا:\nت\nالخروج\nسُوْرَة الْقَصَصِ\n(وقام ملك جديد على مصر ... فأقاموا عليهم وكلاء تسخير ... فاستخدم المصريون بني إسرائيل) (١: ١٤) .\n﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ علاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءهُمْ﴾ (٤)\n(ولما لم تستطع أن تخفيه بعد أخذت له سفطًا من بردى ... وجعلت الولد فيه) (٢: ٤)\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٧)\n(ووقفت أخته من بعيد لتنظر ما يقع له) (٥: ٢)\n﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ (١١)\n(فقالت أخته لابنة فرعون هل أذهب وأدعو لك مرضعًا) (٢: ٨)\n﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (١٢)\n(فأخذت المرأة الصبي وأرضعته) (٢: ١٠)\n﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ (١٣)\n(إذا برجل مصري يضرب رجلًا عبرانيًا من اخوته ... فقتل العبري) (٢:١٣)\n﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (١٥)\n\n(ثُمَّ خرج في اليوم الثاني فإذا برجلين عبرانيين يتضاربان) (٢: ١٤)\n﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ (١٨)\n(أتريد أن تقتلني كما قتلت المصري) (٢: ١٥)\n﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ (١٩)","vol":"1","page":450},{"text":"(وسمع فرعون بهذا الخبر فطلب أن يقتل موسى) (٢: ١٦)\n﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (٢٠)\n\n(فهرب موسى من وجه فرعون) (٢: ٢٦)\n﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٢١)\n(وصار إلى أرض مدين وقعد عند البئر)\n﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٢)\n\n(وكان لكاهن مدين سبع بنات) (٢: ١٧)\n﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ﴾ (٢٣)\n\n(فجئن واستقين وملأن المساقي ليسقين غنم أبيهن فجاء الرعاء وطردوهن فقام موسى ونجدهن وسقى غنمهن) (٢: ١١٨ –١٩)\n﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢٤)\n\n(فقال لبناته وأين هو لم تتركن الرجل ادعونه ليأكل طعامًا) (٢: ٢١)\n﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (٢٥)\n(فارتضى موسى أن يقيم عند الرجل فزوجه صفورة أبنته) (٢: ٢٢)\n﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (٢٧)\n\n(وكان موسى يرعى غنم بيثرو حميه كاهن مدين فساق الغنم إلى ما وراء البرية حتَّى أفضى إلى جبل الله حوريب) (٣: ٢)\n﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ (٢٩)\n\n(فتجلى له ملاك الرب في لهيب نار من وسط العليقة) (٣:٣)\n\n﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ (٢٩)","vol":"1","page":451},{"text":"(ورأى الرب أنه قد مال لينظر فناداه الله من وسط العليقة وقال: موسى موسى. قال ها أنذا) (٣: ٥)\n﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ﴾ (٣٠)\n\n(قال لا تدن إلى هاهنا أخلع نعليك من رجلك فإن الموضع الذي انت فيه أرض مقدسة) (٣: ٦)\n﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ (٣١)\n\n(فالآن تعال أبعثك إلى فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر) (٣: ١١)\n﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (٣٢)\n(قال موسى لله من أنا حتَّى أمضي إلى فرعون) (٣: ١٢)\n﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي﴾ (٣٣)\n(قال أنا أكون معك) (٣: ١٢)\n(وقال إنهم لا يصدقوني) (٤: ٢)\n﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ (٣٥)\n﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ (٣٤)\n\n(فقال الرب ما تلك التي بيدك قال عصا قال ألقها على الأرض فألقاها على الأرض فصارت حية تسعى فهرب موسى من وجهها فقال الرب لموسى خذ يدك وأمسك بذنبها فمد يده فأمسكها فعادت منا في يده) (٤: ١ – ٥)\n﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ (٣١)\n\n(أدخل يدك في جيبك فأدخل يده في جيبه ثُمَّ أخرجها فإذا يده برصاء كالثلج قال أردد يدك في جيبك فرد يده في جيبه ثُمَّ أخرجها من جيبه فعادت كسائر بدنه) (٤: ٦-٨)\n﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ﴾ (٣٢)","vol":"1","page":452},{"text":"(فإن لم يصدقوك ولم يسمعوا لصوت الآية الأولى يصدقون صوت الآية الأخرى) (٤: ٩)\n﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (٣٢)\n\n(فقال موسى للرب رحماك يا رب إني لست أحسن الكلام) (٤: ١١)\n﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ (٣٤)\n(يا رب أبعث من أنت باعثه) (٤: ١٤)\n﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ (٣٤)\n\n(فاتقد غضب الرب على موسى وقال ألست أعلم أن أخاك هارون اللاوي هو فصيح اللسان وهاهو أيضًا خارج للقائك) (٤: ١٥)\n﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ (٣٥)\n\n(فإني أكون مع فيك وأعلمكما ما تصنعان) (٤: ١٦)\n﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ (٣٥)\n\n(فقال فرعون من هو الرب فاسمع لقوله وأطلق إسرائيل لا أعرف الرب ولا أطلق إسرائيل) (٥: ٣)\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٣٨)\n\n(وأمر فرعون في ذلك مسخري الشعب ومدبريهم قائلًا لا تعطوا الشعب) (٥: ٦ –٧)\n﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ (٣٩)\n\n(فغرق الرب المصريين في وسط البحر) (١٤: ٢٨)\n﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (٤٠)","vol":"1","page":453},{"text":"فحيث نجد في الفقرة الأولى أن الرواية التوراتية تنسب التسخير للمصريين في عهد الملك الجديد، أما الرواية القرآنية فتجعل إسناد الفعل إلى فرعون وهو الأليق والأًصوب لأنه ليس كلّ المصريين كانوا يضطهدون بني إسرائيل، وهذا من الحقد اليهودي العام على كلّ الأمم، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل الإلقاء عامًا في اليم، وتوضحها آية أخرى إذ تجعل الإلقاء في التابوت، فالنص القرآني أوضح تاريخيًا.\nونجد تقاربًا بين الفقرة الثالثة في الروايتين التوراتية والقرآنية في المعنى فقط دون اللفظ، فالقرآن استخدم كلمة (قصيه) أي تتبع الأثر فهي تتبع أثر التابوت إلى أنَّ وصل إلى قصر فرعون، فهي أبلغ وأدل على الواقع من العبارة العامية لرواية التوراة، فقد استفاد حاخامات بني إسرائيل من الترجمة العربية للتوراة من النصوص القرآنية التي أعادوا صياغتها.\nوتجعل الفقرة الرابعة الخطاب مباشرًا بين أخت موسى وابنة فرعون، وهو ما تبهمه الرواية القرآنية لحكمة إلهية لتجعل النصّ القرآني أبلغ في التعبير بإبهام المقصود بخطاب الأخت.\nأما الفقرة الخامسة فتتشابه الروايتان إلاَ أَن صياغة النصّ القرآني أجمل وابلغ وأدق في الدلالة، وهذا وجه من وجوه الإعجاز القرآني في مبناه ومعناه.","vol":"1","page":454},{"text":"وتصرح الفقرة السادسة بالنسب الخاص بالمتشاجرين، أما النصّ القرآني فجعل النصّ مبهمًا (من شيعته) (من عدوه) (يستصرخه) دون تعيين. والفقرة الثامنة تصرح بأن المقتول مصري، أما النصّ القرآني فيستمر في الإبهام، وذلك لأن آفاق إعجاز الإبهام في الَقُرْآن الكَرِيم تتمثل في أن الإبهام لما يأتي بيانه من بعده كون ما قبله أهم منه في الذكر، فقوله تعالى: ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾ إلهام لهذه الشيعة التي تقدم ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ وهذا ترابط في النصّ الَقُرْآنيّ، ولم يقل الله ﷿: (وهذا من بني إسرائيل) ولو قيل ذلك لكان غير بليغ، وغير دال بل أبهم الله ﷿ الضمير في الخطاب حتَّى يفسر ما تقدم من تقسيم فرعون لأبناء مصر على شيع (أي: جماعات) وفيهم بنو إسرائيل، فهذا من شيعته أي من بني إسرائيل، وهذا وجه مهم إدراكه.\nويأتي الإبهام إما تعظيمًا، وإما تفخيمًا، فجاء النصّ مبهمًا في سُوْرَة الْقَصَصِ كذلك وفق الأسلوب القرآني، ولأن الإبهام القرآني قد يراد به في بعض الآراء أن يبحث المسلم في ما أبهم ولا يتكل على الصراحة القرآنية.\nوتجعل الفقرة التاسعة فرعون هو الذي يأتمر بقتل موسى، أما النصّ القرآني فيجعل الملأ هم الذين يأتمرون بقتل موسى دون تصريح بمن هم أولئك الملأ وهو ما يتعلق بالفقرة العاشرة، إذ تجعل الرواية التوراتية الهرب من فرعون، أما الرواية القرآنية فتجعل الهرب بترقب من المدينة.\nوفي الفقرة الحادية عشر تتشابه الروايتان إلاَ أَن الفقرة الثانية عشر تجعل نبي الله شعيب (- ﵇ -) كاهن مدين، وهذا انتقاص منه (- ﵇ -) خلافًا للنصّ القرآنيّ، أما عدد البنات فتجعله الرواية التوراتية سبعًا على عادة اليهود في تقديس الرقم سبعة، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل عدد بناته اثنين.","vol":"1","page":455},{"text":"وتطيل الرواية التوراتية في الفقرة الثالثة عشر في قصة الاستسقاء بينما توجز ذلك الرواية القرآنية وتجعل موسى (- ﵇ -) في صورة الحيي الكريم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ.\nوفي الفقرة الرابعة عشر يجري الحوار بين شعيب (- ﵇ -) وبين بناته، أما الرواية القرآنية فهي من الإعجاز الوصفي بمكان عالٍ جدًا إذ تقول هذه الرواية الإلهية - ومن أصدق من الله قيلًا - ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ ولا وصف أبلغ من هذا الوصف الإلهي لحياء هذه الفتاة المؤمنة وهو ما أتى بصيغة الحال.\nوتظهر الفقرة الخامسة عشر رضا موسى (- ﵇ -) بالمقام عند شعيب\n(- ﵇ -)، وتعلن أن نتيجة هذا المقام الزواج. أما الرواية القرآنية فتظهر أن الخاطب هو والد الفتاتين، أي: شعيب (- ﵇ -) مقابل تأجير موسى (- ﵇ -) لنفسه لديه ثماني أو عشر سنين، والنصّ القرآني أبلغ وأفصح وأبين.\nأما الفقرة السادسة عشر فهي تتناقض في الرواية التوراتية التي تجعل يوم إنزال الوحي هو يوم سوق الغنم إلى جبل الله حوريب مع الرواية القرآنية التي تجعل ذلك بعد قضاء موسى (- ﵇ -) الأجل وسيره نحو جبل الطور في سيناء، ولا ريب أن تغيير الحقيقة الواحدة من قبل حاخامات بني إسرائيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه إنما كان لمآرب إسرائيلية. وبذلك يتبين لنا أن التحديد القرآني للطور بأنه يوم بدء الوحي لموسى (- ﵇ -) هو الحقيقة التاريخية المطلقة والمهيمنة على النصّ والرواية التوراتية في سفر الخروج الذي تعرض لتحريف شديد.\nأما الفقرة الثامنة عشر في الرواية التوراتية فتجعل نداء الرب من وسط شجرة العليق، والرواية القرآنية تجعل النداء الإلهي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وهو تحديد فيه البلاغة كلّ البلاغة والفصاحة كلّ الفصاحة.","vol":"1","page":456},{"text":"وهناك تناقض في الفقرة التاسعة عشر إذ تجعل النداء نهيًا لموسى (- ﵇ -) عن القدوم، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل الخطاب الإلهي لموسى (- ﵇ -) أشرف خطاب بطمأنته ودعوته للإقبال في قوله تعالى: ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾ وهو نص تكرر في عدة مواضع من الَقُرْآن الكَرِيم.\nوفي الفقرة العشرين كان سبب الدعوة إخراج بني إسرائيل من مصر، أما الرواية القرآنية فتبين أن السبب هو دعوة فرعون وملأه للهداية إذ كانوا قومًا فاسدين وهذا أسلوب الهداية العالمية القرآنية خلافًا لأسلوب الشعب المختار توراتيًا.\nأما الفقرة الحادية والعشرون فتنسب لموسى (- ﵇ -) خوفه من البعثة واستهانته بنفسه على العموم، إلاَ أَن الرواية القرآنية تكرم موسى (- ﵇ -) وتجعل سبب خوفه قتله نفسًا من عندهم، وفي هذا قمة التكريم الإلهي لموسى (- ﵇ -) .\nوتجعل الفقرة الثانية والعشرون من الله مخاطبًا في التوراة لموسى (- ﵇ -) وهو ما يستقيم به النصّ، أما التكملة فتجعل الخوف من أن لا يُصدق المصريون موسى، أما الرواية القرآنية فتجعل الخوف من التكذيب، وكأن الحاخامات اليهود من بني إسرائيل اقتبسوا هذه الفقرة القرآنية هاهنا في رواية سفر الخروج.\nونجد في الفقرة الثالثة والعشرين تشابه بين الرواية التوراتية المأخوذة من الرواية القرآنية في زمن ترجمة التوراة إلى العربية في العصر العباسي على ما حققه التاريخ، لذلك جاءت الروايتان متشابهتان.\nأما الفقرة الرابعة والعشرون فتجعل اليد برصاء بعد خروجها من الجيب بينما تجعلها الرواية القرآنية ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي منيرة وتزيد على الرواية التوراتية بضم الجناح من الرهب، وهذ معجزة قرآنية في الزيادة على اليهود في توراتهم ما لم يكونوا يعرفونه حتَّى في مروياتهم.","vol":"1","page":457},{"text":"ونجد الفقرة الخامسة والعشرين تتشابه في معناها العام مع الرواية القرآنية في وجود البرهانين الذين تسميهما الرواية التوراتية آيتين، وهو من اختلاف الترجمة في النقل من الآرامية والعبرانية إلى العربية، وهذا ما يعزز ما ذهبنا إليه في هذا البحث من أن حاخامات اليهود اعتمدوا بخفاء على الرواية القرآنية في تنقيح ترجمتهم للتوراة، وهذا ما استندنا في اكتشافه إلى تحليلنا العام لسورة القصص.\nوالفقرة السادسة والعشرون تجعل موسى لا يحسن الكلام، أما الرواية القرآنية فتنسب لموسى (- ﵇ -) من تواضعه أنه جعل أخاه هارون (- ﵇ -) أفصح منه لسانًا، ونلاحظ هاهنا أن الرواية التوراتية في سفر الخروج تتعمد الانتقاص بصورة غير مباشرة من موسى (- ﵇ -)، وهذه عادة اليهود وديدنهم في الانتقاص من الأنبياء، فهم قتلتهم ومن رموهم بالكبائر والصغائر، ومصداق ذلك في الفقرة السابعة والعشرين التي تجعل موسى يخاطب الله تعَاَلىَ - حاشاه - خطابًا جافًا (أبعث من أنت باعثه) . أما الرواية القرآنية فتجعل الخطاب ألطف خطاب ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي﴾ وهذا دليل على كمال النصّ القرآني وهيمنته على النصّ التوراتي.","vol":"1","page":458},{"text":"وكذلك نجد أن الفقرة الثامنة والعشرين من هذه الفقرات تنتقص انتقاصًا جد عظيم من نبي الله موسى (- ﵇ -) بسبب حقد بني إسرائيل على أنبياء الله - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - فهي تجعل غضب الرب متعمدًا على موسى\n(- ﵇ -) - وحاشاه - ويمن عليه بهارون (- ﵇ -)، وهذا خلاف الحقيقة، فإن الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ تجعل الخطاب الإلهي مؤازرًا لموسى (- ﵇ -)\n﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ وهو ما يتناسب مع واقع الحال كلّ التناسب وليس فيه انتقاص من سيدنا موسى (- ﵇ -)، بل على العكس، فإن فيه تكريم له بشد عضده بأخيه.\nونجد في الفقرة التاسعة والعشرين تشابهًا بين الرواية التوراتية والنصّ القرآني وإن كان الخطاب القرآني أعمق في الدلالة والأمر. كذلك في الفقرة الثلاثين وإن اختلف الخطاب في الأمر بإطلاق إسرائيل، ولكن صيغة الخطاب القرآني تجعل إسناد الألوهية لفرعون، وهو ما أغفل عنه النصّ التوراتي المحرف المنحول في أساسه كله على ما قدمناه.\nأما الفقرة الحادية والثلاثون فتجعل إسناد الأمر من فرعون لأعوانه من مسخري الشعب، بينما يجعل النصّ القرآني إسناد الاستكبار لفرعون وجنوده وينسب إليهم الاعتقاد الذي أثبته علم الحفريات من أن فرعون وقومه يومذاك في مصر كانوا يظنون أنهم لا يرجعون إلى الله ﷾، بل يرجعون إلى دنيا أخرى يحكم فيها فرعون الإله، فسبق النصّ القرآني علم الحفريات الحديث في إثباته اعتقاد الفراعنة بعالم آخر ولكنهم لا يرجعون فيه إلى الله ليحاسبهم، بل إلى فرعون، وهو ما غفل عنه كُتّاب التوراة، وهذا مما يقتضي التنبيه عليه.","vol":"1","page":459},{"text":"أما الفقرة الثانية والثلاثون فتختصر الرواية التوراتية القصة إلى الإغراق، أما النصّ القرآني فهو يزيد بلاغة على بلاغة، إذ يجعل الإغراق بأخذ فرعون وجنوده والتذكير بعاقبة الظالمين، وهذا أحد أوجه الإعجاز القرآني.\nفإذا استبان لنا من خلال الجدول السابق وتحليلنا له الفرق الشاسع بين الروايتين، فنستطيع أن نؤكد أن العقل السليم يدلّ على أن الرواية القرآنية أصدق دلالة وأكثر تاريخية من تلك الرواية التوراتية لكل الحقائق التاريخية.","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الفصل السابع: الرسول مُحَمَّد (- ﷺ -) ودعوته في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>المبحث الأول: الدلائل الَقُرْآنية على صدق الرَّسُول مُحَمَّد (- ﷺ -) في دعوته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المطلب الأول: دلالة قصة سيدنا موسى (- ﵇ -) على صدق دعوة الرسول مُحَمَّد (- ﷺ </span>-)\n﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ * قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «١» .\nالمناسبة\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٤٤ - ٥١.","vol":"1","page":461},{"text":"بعد أن بين الله ﷿ وعلا قصة سيدنا موسى (- ﵇ -) وما جرى فيها من أحداث عظام، ينتقل السياق القرآني ليوظف هذه القصة كأحد الأدلة على صدق الرسول (- ﷺ -) في دعوته، فرسول الله (- ﷺ -) يتلو هذه الأحداث بتفاصيلها كما يقصها شاهد عيان، وما كان حاضرًا زمانها، ولم يكن يقرأ ويكتب، ولكن تنزيل العزيز الرحيم، فبعد أن بين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «١» أنه تعالى أرسل سيدنا موسى بعد أن أهلك القرون الأولى، ودرست الشرائع واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى ما فيه صلاحهم أردف بقوله تعالى:\n﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ لبيان الحاجة إلى إرسال رسوله محمد (- ﷺ -) لمثل تلك الدواعي، التي دعت إلى إرسال موسى (- ﵇ -)، لئلا يكون للناس حجة «٢» بعد الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٣.\n(٢) ينظر تفسير المراغي: ٢٠ /٦٥.\n(٣) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ١٥.","vol":"1","page":462},{"text":"وإن ذكر قصة سيدنا موسى (- ﵇ -) وما جرى للمكذبين له من عقاب بشارة للرسول (- ﷺ -) أن النصر هو حليف المؤمنين مهما عظمت قوة الكافرين. ومن هذا يتبين لنا الإعجاز القرآني في اختيار الآيات والكلمات والمعاني في مواقفها الخاصة بها، وجاء ذكر سيدنا موسى (- ﵇ -) كدليل على صدق رَسُول الله (- ﷺ -)، ولوجود توافق كبير بين حياة النبيين الكريمين - عَلَيْهما الصَلاة والسَّلام - وللتشابه في الظروف التي مرت بهم، وهذا ما سنبينه لاحقًا إن شاء الله تعالى.\nفمع وجود قصتين في السورة بينهما زمن طويل، إلاَ أَن السورة جاءت بأحداث القصتين فيها ترابط، وبين آياتها تناسب في دلالتها بحيث وظفت قصة سيدنا موسى (- ﵇ -) توظيفًا رائعًا للاستدلال بها على صدق الرَّسُول (- ﷺ -) وصدق دعوته.\nأسباب النزول\nذكر الطبري في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ عن مجاهد، قال: اليهود تأمر قريشًا أن تسأل مُحَمَّدًا مثل ما أوتي موسى، يقول الله لمحمد (- ﷺ -): قل لقريش يقولوا لهم: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل «١»؟\n_________\n(١) جامع البيان: ١٠ /٧٩.","vol":"1","page":463},{"text":"ونقل القرطبي عن الكلبي: \" بعثت قريش إلى اليهود وسألوهم عن بعث مُحَمَّد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الجواب إليهم\n﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾، وقال قوم: إن اليهود علموا المشركين، وقالوا: قولوا لمحمد لولا أوتيت مثل ما أوتي موسى، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة، فهذا الاحتجاج وارد على اليهود، أي: أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى حين قالوا في موسى وهارون هما ساحران \" «١» .\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ نقل الطبري عن رفاعة القرظي، قال: \" نزلت هذه الآية في عشرة أنا أحدهم \" «٢» .\nوقال الواحدي: \" إن الآية مما اختلف العلماء في سبب نزولها \" «٣» .\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿قَضَيْنَا﴾:\nالقضاء، قال ابن منظور: \" الحكم وأصله قضايّ، لأنه من قَضَيْت إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت والجمع الأقضية، القضيّة مثله والجمع القضايا على فَعالى، وأصله فضائل. وقال أبو بكر: قال أهل الحجاز: القاضي معناه في اللغة القاطع للأمور المحكِم لها... والقضايا الأحكام واحدتها قضية.\nقال ابن السيرافي: قضاهما فرغ من عملها، والقضاء الحكم والأمر، وقضى أي حكم، ومنه القضاء والقدر \" «٤» .\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٠.\n(٢) جامع البيان: ١٠ /٧٩.\n(٣) أسباب النزول. أبو الحَسَن عَلِيّ بن أحمد الواحدي النيسابوري. ت ٤٦٨ هـ. ط٢. بإشراف لجنة تحقيق التراث. دار مَكْتَبَة الهلال. بيروت. لبنان. ١٩٨٥ م.: ص ٢١١ وما بعدها.\n(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (قضى) ١٥ /١٨٦.","vol":"1","page":464},{"text":"وقال الراغب: \" القضاء فصل الآمر قولًا كان ذلك أو فعلًا، وكل واحد منهما على وجهين إلهي وبشري، فمن القول الإلهي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ «١»، أي: أمر بذلك، ومن القول البشري نحو: قضى الحاكم بكذا، فإن حكم الحاكم يكون بالقول، ومن الفعل البشري: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ «٢»، فالقضاء هو الحكم من أعلى إلى أدنى على ما قاله أهل اللغة «٣» .\n٢. ﴿قُرُونًا﴾:\nقال الراغب: \" القرن القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ «٤» \" «٥» .\nوقال ابن منظور: \" الأُمَّة تأتى بعد الأَمَةِ. قيل: مدته عشر سنين وقيل: عشرون سنة. وقيل: ثلاثون. وقيل: ستون. وقيل: سبعون. وقيل: ثمانون. وقيل: القرن مائة سنة، والذي يقع عندي إن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي، أو كان فيها طبقة من أهل العلم. قلت السنون أو كثرت \" «٦» .\n٣. ﴿فَتَطَاوَلَ﴾:\nيقال: طويل وطوّال، وعريض وعراض للجمع طِوالُ. وقيل: طيال باعتبار الطول. قيل: للحبل المرخي على الدابة: طَول وطوّل فرسك أي أرخ طِوَلهُ. وقيل: طوال الدهر لمدته الطويلة، وتطاول فلان \" إذا اظهر الطوّل أو الطْوّل قال تعالى: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ «٧» \" «٨» .\n٤. ﴿ثَاوِيًا﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٢٣.\n(٢) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٠٠.\n(٣) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٢.\n(٤) سُوْرَة يُوْنِسَ: الآية ١٣.\n(٥) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤١٧.\n(٦) لِسَان العَرَب: مَادة (قرن) ١٣/ ٣٣٣ –٣٣٤.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٥.\n(٨) لِسَان العَرَب: مَادة (طول) ١١ / ٤١٢ –٤١٣.","vol":"1","page":465},{"text":"الثوّاء \" طولُ المقام ثَوَى يَثْوي ثَواءً، وَثوَيْتُ بالمكان وثَويَتهُ ثواءً وثوِايًّا مثل مضى يمضي مَضَاء وُمضاءً وُمضّيًا، والأخيرة عند سيبويه، وثويت له أطلت الإقامة به وأثْوَيتْه أنا وَثّويْته ألزمته الثّواء فيه، وثَوَى بالمكان نزل فيه، وبه سمي المنزل مثوَى، والمثوَى الموضع الذي يقام به وجمعه المثاوي \" «١» .\nوقال الراغب: \" الثواء الإقامة مع الاستقرار \" «٢» .\n٥. ﴿تَظَاهَرَا﴾:\n\" الظّهر الجارِحَةُ وجمعهُ ظهورُ رجل ُمظَهّرُ شديد الظهر. ويعبّر عن المركوب بالظهر ويستعار لمن يتقوى به ظهر عليه غلبه وظاهرته عاونته قال تعالى: ﴿وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ «٣» \" «٤» .\n\nقال الآلوسي: أي تعاونًا بتصديق كل واحد منهما الآخر تأييده إياه «٥» .\n٦. ﴿وَصَّلْنَا﴾:\nقال ابن منظور: \" وصلت الشيء وصلًا وصلة، والوصل ضد الهجران. وقال ابن سيده: الوصل خلاف الفصل وفي التنزيل: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ﴾، أي: وصلنا ذكر الأنبياء وأقاصيص بعضها ببعض لعلهم يعتبرون \" «٦» .\nوقال الراغب: \" أي أكثرنا لهم القول موصولًا بعضه البعض \" «٧» .\n٧. ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾:\n\" الدّرْءُ الدفع درأهُ يَدْرؤهُ دَرْءًا دَرْأ هُو درْأهُ دَفَعَهُ تداَرأ القوم تدافعوا في الخصومة \" «٨» .\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (ثوى) ١٤ /١٢٥.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٨١.\n(٣) سُوْرَة المّمْتَحَنَةِ: الآية ٩.\n(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٢٨.\n(٥) روح المعاني: ٢٠/٩١.\n(٦) لسان العرب: مادة (وصل) ١١/٧٢٦.\n(٧) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٦٢.\n(٨) لسان العرب: مادة (درء) ١/٧١.","vol":"1","page":466},{"text":"وقال الراغب: \" الَدْرءُ الميل إلى أحد الجانبين يقال: قوّمتُ دَرْأه وَدَرَأتُ عنه َدفعتُ عن جانبه ودارَأتهُ دافعته \" «١» .\n٨. ﴿نُتَخَطَّفْ﴾:\nالخَطْفُ: الاستلابُ. وقيل: الخَطْفُ الأخذ في سرعِة استلاب خطفِه بالكسر يْخطفهُ خَطفًا بالفتح \" «٢» . وقال الراغب: \" الخطف والاختطاف الاختلاس بالسرعة يقال خَطَفَ يَخْطَفَ وخَطفَ يْخِطفْ وقرئ بهما جميعًا \" «٣» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿رَحْمَةً﴾:\nقرأت رحمة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بالنصب والرفع، فقد قرأ الجمهور: (رَحْمَةً) بالنصب بمعنى جعلناك رحمة وقدر: أعلمناك ونبأناك رحمة. وقرأ عيسى، وأبو حيوة بالرفع: (رَحْمَةٌ)، وقدر: ولكن هو رحمة، أو أنت رحمة «٤» .\n٢. ﴿سِحْرَانِ﴾:\nواختلف القراء في قراءة (سِحْرَانِ)، فقرأ الجمهور: (سَاحِرَان) وقرأ عبد الله، وزيد بن علي، والكوفيين: (سِحْرَان) «٥» .\n٣. ﴿تَظَاهَرَا﴾:\nأصلها تتظاهران ثم أدغمت التاء في الظاء وحذفت النون وروعي ضمير الخطاب، ولو قريء يظاهرا بالياء حملًا على مراعاة ساحران لكان له أوجه، أو على تقديرهما ساحران تظاهرا «٦» .\n٤. ﴿أَتَّبِعْهُ﴾:\nقرأ زيد بن علي، والفرّاء بالرفع (اتَّبِعُهُ) لأنه صفة لكتاب وكتاب نكرة «٧» .\n٥. ﴿وَصَّلْنَا﴾:\n_________\n(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٦٨.\n(٢) لسان العرب: مادة (خطف) ٩/٧٥.\n(٣) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٥٢.\n(٤) الكَشَّاف: ٣ /١٨٢. البَحْر المُحِيْط: ٧/١٢٣.\n(٥) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٤.\n(٦) البحر المحيط ٧/١٢٤. معجم القراءات القرآنية: ٥/٢٧.\n(٧) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١١.","vol":"1","page":467},{"text":"قرأ الحسن (وَصَلْنا) بالتخفيف «١» .\nالقضايا البلاغية\nالمجاز العقلي: ﴿أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾ المراد به الأمم، لأنهم يخلقون في تلك الأزمنة، فنسب إلى القرون بطريق المجاز العقلي «٢» .\n﴿تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ جناس الاشتقاق، ويسمّى أيضًا جناسًا ناقصًا «٣» «٤» .\n﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ مجاز مرسل «٥» . قال الزَّمَخْشَرِيّ: \" لما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كلّ عمل معبرًا عنه باجتراح الأيدي وتقديم الأيدي وإن كان من أعمال القلوب، وهذا من الاتساع في الكلام وتصير الأقل تابعًا للأكثر وتغليب الأكثر على الأقل \" «٦»، أي: من باب إطلاق الجزء على الكل، فالمجاز المرسل بذلك تعلق بما قدمته أيديهم، والأيدي لا تقدم العمل لأن العمل لا يمسك باليد، فكان التعبير القرآني ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دالًا على عظم الصيغة القرآنية في تصوير القضايا البلاغية.\n_________\n(١) الكَشَّاف: ٣ /١٨٤. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١١. معجم القراءات القرآنية: ٥ /٢٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢ /٤٤٣.\n(٣) الجناس الناقص، هو التجنيس الناقص، أي غير التام والكامل، وذلك أن يكون نقص في إحدى الكلمتين، وذلك بأن يكون الاختلاف واقعًا في هيئة الحروف. معجم المصطلحات البلاغية: ٢/١٠٨.\n(٤) البلاغة الَقُرْآنية. د. عَبْد الله أدهم. الطبعة الثانية. القاهرة. ١٩٩٠م.: ص ١١٥.\n(٥) المجاز المرسل: هو الكلام المستعمل في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة غير المتشابه مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. ينظر تنبيه الوسنان إلى علم البَيَان. د. عَبْد الرَّزَّاق عَبْد الرَّحْمَن السَّعْدِي. دار الأنبار للطابعة والنشر. بغداد. ١٩٩٧ م: ص ٢٩.\n(٦) الكَشَّاف: ٣/ ١٨٤.","vol":"1","page":468},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ فالأمر خرج عن حقيقته إلى معنى التعجيز «١»، وهذا من أساليب الَقُرْآن الكَرِيم البليغة أن يأمر الله تعَاَلىَ بشيء هو ﷾ يعلم أنهم لا يقدرون عليه كقوله تعالى: ﴿قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ «٢»، وهو تعالى يعلم أنهم لا يستطيعون ذلك.\nالمعنى العام للآيات\n﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾\nوما كنت يا محمد بجانب غربي الجبل «٣» . وقال البقاعي \" أي: الوادي من الطور الذي رأى موسى (- ﵇ -) فيه النار، وهو مما يلي البحر منه من جهة الغرب على يمين المتوجه إلى ناحية مكة المشرفة، ومن ناحية مصر، فناداه منه العزيز الجبار وهو ذو طوى \" «٤» .\nوالمعنى أنك على ما أخبرتك لم تكن موجودًا وقت ذاك ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾ .\nقال أبو حيان: \" والأمر. قيل: النبوة والحكم الذي أتاه الله موسى وقيل: الأمر أمر مُحَمَّد (- ﷺ -) أن يكون من أمته، وهذا التأويل يستقيم معه مما بعده من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾ . وقيل: الأمر هلاك فرعون بالماء، ويحمل الغربي على اليم، وبدأ أولا بنفي شئ خاص، وهو أنه لم يحضر ومعه وقت قضاء الله لموسى الأمر، ثم ثنى بكونه لم يكن من الشاهدين بجميع ما أعلمناك به، ونفي لشهادة جميع ما جرى لموسى، فكان عمومًا بعد خصوص \" «٥» .\n_________\n(١) ينظر روح المعاني: ٢٠ /٩٠.\n(٢) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٥٠.\n(٣) جامع البيان: ١٠/ ٧٦.\n(٤) نظم الدرر: ٥/٤٩٤.\n(٥) البَحْر المُحِيْط: ٧/١٢٠-١٢١.","vol":"1","page":469},{"text":"ويجيب الرازي ﵀ عن سؤال مهم ربما يخطر في البال وهو: أنه تعالى لما قال: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ ثبت أنه لم يكن شاهدًا، لأن الشاهد لا بد أن يكون معه حاضرًا، فما الفائدة إذًا من إعادة قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾ بقوله: \" قال ابن عباس ﵄ التقدير: لم تحضر الموضع، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ويرى \" «١» .\nوأرى أن ذلك قمة البلاغة في الوصف القرآني، فيزول بذلك سؤال فخر الدين الرازي، والإشكال الذي افترضه في تفسيره ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ \" أي: ولكنا أنشأنا من عهد موسى إلى عهدك قرونًا كثيرة، فتطاول عليهم العمر إلى أن وجد القرن الذي أنت فيه، فدرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء وأحوال موسى، وأرسلناك بما فيه سعادة البشر \" «٢» .\nونحن نوافق ما أورده القرطبي في الذي ذهب إليه من أن ذكر رسول الله\n(- ﷺ -) جاء على لسان كل الأنبياء \" ظاهرًا هذا يوجب أن يكون جرى لنبينا (- ﵇ -) ذكر في ذلك الوقت وان الله سيبعثه، ولكن طالت المدة وغلبت القسوة فنسى القوم ذلك \" «٣» .\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٥٧.\n(٢) تفسير المراغي: ٢٠/ ٦٥.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٠٧.","vol":"1","page":470},{"text":"ويشير الزملكاني في البرهان عن إشارة لطيفة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ ...﴾، فيقول: \" فإن مثل هذا يقال لمن جرى له ذكر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾، وهو من الشهادة على الشيء، لا أنه بمعنى الحضور، إذ قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ قد أفاده. وقوله تعالى:\n﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾، من باب ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ «١»، وطول العهد منسيٍ ومؤدٍ إلى الإهمال، أي: فأهملوا وصيتنا بالإيمان بك، وهو إشارة إلى ما أوحي إليهم في التوراة من أمر نبينا (- ﷺ -) \" «٢» .\nوفي الآية نكتة بلاغية جديرة بالالتفات إليها هي أن الصيغة القرآنية للخطاب ذكرت رسول الله (- ﷺ -) بأنه رسول صادق كصدق موسى الرسول (- ﵇ -) باقتضاء الدلالة المفهومة بمقابلة (بجانب الغربي) برسول الله (- ﷺ -) في مكة المكرمة.\n_________\n(١) سُوْرَة (طَه): الآية ٨٦.\n(٢) البرهان الكاشف عن وجوه إعجاز القرآن: ص ٧٦.","vol":"1","page":471},{"text":"وقال أبو حيان في البَحْر المُحِيْط، والرازي في مفاتيح الغيب: \" فإن قلت كيف يتصل قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾ بهذا الكلام، ومن أي جهة يكون استدراكًا؟ قلت: اتصاله به وكونه استدراكًا من حيث أن معناه: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونًا كثيرة، فتطاول على أخرهم، وهو القرن الذي أنت فيهم. واندرست العلوم، فوجب إرسالك، فأرسلناك وكسبنّاك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى، كأنه قال: وما كنت شاهدًا لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة النظرة، ودلّ به على المسبب على عادة الله في اختصاره \" «١» .\n﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾\n\" أي: وما كنت مقيمًا في أهل مدين إقامة موسى وشعيب حال كونك ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ﴾، أي: تقرأ على أهل مدين بطريق التعليم منهم ﴿آيَاتِنَا﴾ الناطقة بالقصة\n﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إياك وموحين إليك تلك الآيات \" «٢» .\nونقل الرازي وجهين في قوله تعالى: ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ﴾ \" الوجه الأول - قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ولكنا كنا مرسلين أرسلناك وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها. الوجه الثاني - قال الضحاك: يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب، وإنما كان غيرك، ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولًا \" «٣» .\nونحن نرجح الوجه الأول.\n_________\n(١) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٢. وينظر مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٥٧.\n(٢) تنوير الأذهان: ٣ /١٤٩.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٥٧.","vol":"1","page":472},{"text":"﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾\n\" أي: كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى فرعون، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات \" «١» .\n﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ \" أي: لكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر رحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس \" «٢» .\nوذكر الرازي لطيفة من لطائف القرآن الكريم الكثيرة، وهي \" إنه تعالى لما بين قصة موسى (- ﵇ -) قال لرسوله: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾، و﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا﴾، و﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، فجمع تعالى بين كل ذلك، لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى (- ﵇ -)، إذ المراد بقوله: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا﴾ أول أمره، والمراد ناديناه وسط أمره، وهو ليلة المناجاة لما بين تعالى أنه (- ﵇ -) لم يكن في هذه الأحوال حاضرًا، بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين، ثم فسر تلك الرحمة بأن قال: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ \" «٣» .\n﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾\n\" أي: لم يأتيهم نذير لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى، وهي خمسمائة وخمسون سنة \" «٤» .\nوفي الآية اقتضاء لرسالة محمد (- ﷺ -) بتذكيره (- ﵇ -) بإنذاره كفار قريش الذين لم يأتهم نذير ليتذكروا ذلك، وهذا من بديع الأسلوب القرآني.\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٠٨.\n(٢) تنوير الأذهان: ٣ /١٤٩.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١٢ / ٢٥٨.\n(٤) تنوير الأذهان: ٣ /١٤٩.","vol":"1","page":473},{"text":"﴿وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾\nقال الطبري في تأويل هذه الآية: \" لولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك يا محمد إليهم، لو حلّ بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم واكتسابهم الآثام واجتراحهم المعاصي، ربنا هلا أرسلت إلينا رسولًا من قبل أن يحل بنا سخطك والمصيبة في هذا الموضع العذاب والنقمة \" «١» .\nوذكر القرطبي أنه تعالى \" خص الأيدي بالذكر في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، لأن الغالب من الكسب إنما يقع بها \" «٢» .\nوأرى أن الآية دالة في عمومها على معنى المنة على الكفار من أهل مكة بإرسال رسول الله مُحَمَّد (- ﷺ -)، إذ لو لم يرسل لهم لاحتجوا بأنهم لم يعرفوا رسلًا، وهذه بعض مواطن رحمة الله تعالى بعباده، وإقامة الحجة عليهم.\n﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُون َ﴾\n_________\n(١) جامع البيان: ١٠ /٧٩.\n(٢) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٠٩.","vol":"1","page":474},{"text":"قال أبو حيان \" والحق هو الرسول محمد (- ﷺ -) جاء بالكتاب المعجز الذي قطع معاذيرهم. وقيل: القرآن. ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ أي: من قبل الكتاب المنزل جملة واحدة، وانقلاب العصا حية، وفلق البحر وغيرها من الآيات، اقترحوا ذلك على سبيل التعنت والعناد، كما قالوا: لولا أنزل عليه كنز، وما أشبه ذلك من المقترحات لهم، وهذه المقالة التي قالوها هي من تعليم اليهود لقريش قالوا لهم ألاَ يأتي بآية باهرة كآيات موسى، فرد الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى، وقد وقع منهم في آيات موسى ما وقع من هؤلاء في آيات الرسول \" «١» .\n﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ نقل الطبري عن قتادة في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾: قالت ذلك أعداء الله اليهود للإنجيل والفرقان فمن قال: (ساحران) فيقول (محمد وعيسى) «٢» .\nوقيل: المراد به \" أن موسى ومحمد - عَلَيْهِما الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - تعاونا على السحر \" «٣» .\nوقيل: المراد به \" موسى وهارون قاله مجاهد، فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة \" «٤» .\nوالذي يبدو لي أن المراد به سيدنا موسى (- ﵇ -)، وسيدنا مُحَمَّد (- ﷺ -)، وذلك بدلالة قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ وهو القرآن، ومن جاء به هو سيدنا مُحَمَّد (- ﷺ -) . وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ هذا على قراءة (ساحران) أو على قراءة (سحران) يكون المقصود القرآن والتوراة.\n_________\n(١) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٣.\n(٢) جامع البيان: ١٠ /٨١.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠١٠.\n(٤) زَاد المَسِيْر: ٦ /٢٢٧.","vol":"1","page":475},{"text":"﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾\nأي \" قل يا محمد للقائلين للتوراة والإنجيل هما سحران تظاهرا أتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما لطريق الحق ولسبيل الرشاد ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ\nصَادِقِينَ﴾ في زعمكم أن هذين الكتابين سحران، وأن الحق في غيرهما \" «١» .\nوذكر أبو حيان \" أن تعليق إتيانهم بشرط الصدق أمر متحقق متيقن أنه لا يكون ولا يمكن صدقهم، كما أنه لا يمكن أن يأتوا بكتاب من عند الله يكون أهدى من الكتابين \" «٢» . وهذا من آرائه البليغة.\n﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾\nقال الآلوسي ﵀: \" فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب أهدى منهما، وإنما عبر عنه بالاستجابة إيذانًا بأنه (- ﷺ -) على كمال أمن من أمره، كان أمره (- ﷺ -) لهم بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه. وقيل: المراد فإن لم يستجيبوا دعاءك إياهم إلى الإيمان بعد ما وضح لهم من المعجزات التي تضمنها كتابك الذي جاءهم، فالاستجابة على ظاهرها لأن الإيمان أمر يريد (- ﷺ -) حقيقة وقوعه منهم بمعنى الإجابة ونتصدى إلى الداعي باللام \" «٣» .\nوالذي يتوجه عندي في ذلك أنهم خوطبوا بذلك لعجزهم الكلي عن الآتيان بكتاب أهدى من الكتب التي أنزلها الله تعالى، وهذا وجه من أوجه الإعجاز القرآني.\n﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾\n_________\n(١) جامع البيان: ١٠ / ٨٢.\n(٢) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٤.\n(٣) روح المعاني: ٢٠ /٩٣.وينظر البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٤.","vol":"1","page":476},{"text":"قال الفراء: \" أنزلنا عليهم الَقُرْآن يتبع بعضه بعضًا \" «١» .\nوقال ابن عاشور: \" للتوصيل أحوال كثيرة فهو باعتبار ألفاظه ووصلِّ بعضه ببعض، ولم ينزل جملة واحدة، وباعتبار معانيه، ووصلّ أصنافًا من الكلام وعدًا ووعيدًا، وترغيبًا وترهيبًا، وقصصًا ومواعظ، وعبرًا ونصائح، يعقب بعضه بعضًا \" «٢» .\nما يستفاد من النصّ\nبعد تحلينا للنص والوقوف على معانيه يمكن لنا أن نستخلص المعاني والعبر الآتية:\nأولا. استدل القرآن الكريم بقصص الأنبياء والأمم السابقة التي جاء ذكرها في القرآن بتفاصيل أحداثها على صدق الرسول (- ﷺ -) فيما جاء به فالقرآن الكريم تحدث عن قصة سيدنا موسى (- ﵇ -) مع فرعون وقومه بتفاصيل دقيقة ربما لا يعرفها حتى أهل الكتاب أنفسهم، وتحدث كذلك عن قصص للأنبياء مع أممهم مما لا علم للنبي (- ﷺ -) ولا لأهل جزيرة العرب بها، مما يؤكد كون القرآن وحيًا من عند الله بصدقه في الخطاب التاريخي خلافًا لمن زعم أن قصصه للعظة وليست للأخبار التاريخية.\nثانيًا. دلت هذه الآيات على حاجة البشرية إلى هدي النبوة في عهد سيدنا موسى\n(- ﵇ -) بعد أن أهلك القرون الأولى ودرست الشرائع واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى صلاحهم في الدنيا والآخرة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «٣» .\nثالثًا. نستدل من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ على تاريخ اليهود المريب تكذيبهم ومحاربتهم لرسل الله - عَلَيْهِمْ السَّلاَم - على مرّ العصور وقتلهم الأنبياء بغير حق.\n_________\n(١) معاني القرآن (الفراء): ٢ /٣٠٧.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٤٢.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٤.","vol":"1","page":477},{"text":"رابعًا. نستدل من سياق الآيات على الحاجة الماسة في حياتنا المعاصرة للأخذ بالوعي الإلهي المنزل على رسول الله (- ﷺ -) في الدين والدنيا والنفس والمجتمع، لأن ذلك مما يعين على إدراك الاستقرار الروحي الذي نحن جميعًا بأمس الحاجة إليه اليوم.\nخامسًا. إن تلك المعاني القديمة تدل فيما تدل عليه أن التواصل الحضاري لا زال قائمًا بين الأمم، وأن الأمم تنسى بمرور الزمن أحداثًا ما كان لها أن تنساها بدلالة قوله تعالى: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ وأن للأمم كلها على اختلافها لهم سنن ثابتة في حياتها الحضارية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المطلب الثاني: إيمان طوائف من أهل الكتاب بدعوته (- ﷺ </span>-)\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ «١» .\nالمناسبة\nنلاحظ أن النص القرآني يعرض في هذه الآيات والتي قبلها صورًا مختلفة للإيمان وللسلوك الخلقي.\nالصورة الأولى متمثلة في كفر كفار قريش وتكذيبهم للرسول (- ﷺ -) مستعينين باليهود على اختلاق الحجج الواهية وزرع الشكوك في نفوس المؤمنين كما مرّ في الآيات السابقة.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٥٢ - ٥٥.","vol":"1","page":478},{"text":"والصورة الثانية تقدم نموذجًا أخرًا، وصورًا أخرى وهي استقامة الطبع وخلوص النية متمثلة في فريق من الذين أوتوا الكتاب الذين كانوا مثلًا للعباد الصالحين، فآمنوا بالنبي محمد (- ﷺ -) وصدقوا بالقرآن وكانوا مثالًا في الأخلاق الحميدة، كما عبر عنه المفسرون من قدماء ومحدثين\nفأراد الَقُرْآن الكَرِيم بامتداحه الذين آمنوا من أهل الكتاب أن يعيب على كفار قريش عدم إيمانهم بالرسول (- ﷺ -)، فكان الأولى بهم أن يصدقوه لأنهم يعرفون صدقه وسيرته الحسنة بينهم، ونلاحظ الترابط والتناسق بين هذه الآيات والتي قبلها في مدح الَقُرْآن الكَرِيم للذين آمنوا من قريش، بالمقارنة التي استخدمها الَقُرْآن.\nأسباب النزول\nذكر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ عدة روايات منها ما رواه الطبري عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن علي بن رفاعة، قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب، منهم أبو رفاعة - يعني أباه - إلى النبي (- ﷺ -)، فآمنوا، فأوذوا، فنزلت:\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ قبل القرآن «١» .\nونقل الماوردي قولين في سبب نزول هذه الآية:\nأحدهما - نزلت في عَبْد الله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العنبري وسلمان الفارسي، أسلموا، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها، قاله قتادة.\n_________\n(١) جامع البيان: ١٠ /٨٥.","vol":"1","page":479},{"text":"الآخر - إنها نزلت في أربعين رجلًا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي (- ﷺ -) قبل مبعثه اثنان وثلاثون رجلًا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه، وثمانية قدموا من الشام منهم بحيرة، وغبرهة، والأرشف، وعامر، وايمن، وإدريس، ونافع، فأنزل الله فيهم هذه الآية، والتي بعدها إثر قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ «١» .\nونقل القرطبي رواية عن عروة بن الزبير أنها نزلت في النجاشي وأصحابه، ووجه باثني عشر رجلًا، فجلسوا مع النبي (- ﷺ -)، وكان أبو جهل وأصحابه قريبًا منهم، فآمنوا بالنبي (- ﷺ -)، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه، فقال لهم: خيبكم الله من ركب، وقبحكم من وفد، ولم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ركبًا أحمق منكم ولا أجهل، فقالوا: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾، لم نأل أنفسنا رشدًا.\n﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ «٢» .\nولا يمكن ترجيح رواية على أخرى، ولكن الذي أراه مناسبًا أنها نزلت عامة فيمن كان قبل رسالة النبي (- ﷺ -) على دين سماوي ولما جاء المصطفى (- ﷺ -) آمنوا به وأوذوا في سبيل الإسلام أشد الأذى فصبروا.\n\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾:\nالإيمان ضد الكفر والإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب يقال: آمن به قوم وكذب به قوم.\n_________\n(١) ينظر النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٢.\n(٢) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٢.","vol":"1","page":480},{"text":"وقال الزجاج: الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة ولما أتى به النبي\n(- ﷺ -) واعتقاده وتصديقه بالقلب، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن مسلم غير مرتاب ولا شاك، وهو الذي يرى أداء الفرائض واجب عليه لا يدخله في ذلك ريب (١) .\nوقال الراغب الأصفهاني: \" الإيمان يستعمل تارة اسمًا للشريعة التي جاء بها محمد (- ﷺ -)، ويوصف بها كل من دخل في شريعته مقرًا بالله وبنبوته قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ﴾ «٢» .\nوتارة يستعمل على سبيل المدح ويراد به إذعان النفس للحق على السبيل التصديق «٣» .\n٢. ﴿مُسْلِمِينَ﴾:\nالإسلام والاستلام الانقياد والإسلام من الشريعة إظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبي (- ﷺ -) وبذلك يحقن الدم. قال ثعلب: الإسلام باللسان، والإيمان بالقلب. قال الأزهري: الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به الرسول (- ﷺ -)، وبه يحقن الدم فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان «٤» .\n\n٣. ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾:\nالدَرّءُ الدَفّعْ دَرَأهُ يَدْرؤهُ دَرْءًا وَدْرأهً دَفَعهُ وتدارَأ القومُ تدافعوا في الخصومة ونحوها ودرأت بالهمز دافَعْت، وكل من دَفْعتهُ عنك فقد دَرَأْتهُ\nوالمدارَأَةُ المخالفةُ المدافعة «٥» .\nقال الراغب الأصفهاني: \" الدرْءُ المَيلُ إلى أحَدِ الجانبين يقال: قوّمتُ َدرْأهُ وَدَرأتُ عنه دَفعْتُ عن جانبه \" «٦» .\n٤. ﴿اللَّغْوَ﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (أمن) ١٣/٢١.\n(٢) سُوْرَة المَائِدَة: الآية ٦٩.\n(٣) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٢.\n(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (سلم) ١٢/ ٢٩٣-٢٩٤.\n(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (درأ) ١١/ ٧١.\n(٦) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٦٨.","vol":"1","page":481},{"text":"الّلغا الّسقط وما لا ُيعتّد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع. اللّغو والّلغا والَلغوْي ما كان من الكلام غير معقود عليه. اللغو في الإيمان ما لا يعقد عليه القلب مثل قولك (لا والله) . قال الشافعي: اللغو في لسان العرب الكلام غير المعقود عليه «١» .\nالقضايا البلاغية\nفي قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ عبر الَقُرْآن الكَرِيم عنهم باسم الإشارة لتنبيه على أنهم جديرون بما سيذكر بعد اسم الإشارة من الأوصاف.\n﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي أعمالنا مستحقة لنا كناية عن ملازمتهم إياها. وأما قوله: ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ فهو تتميم على حد ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ «٢» .\n﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ المقصود من السلام أنه سلام المباركة المكنى بها عن الموادعة أن لا نعود لمخاطبتكم. قال الحسن: كلمة (السلام عليكم) تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين، ولعل الَقُرْآن غير مقالتهم بالتقديم والتأخير لتكون مشتملة على الخصوصية المناسبة للإعجاز، لأن تأخير الكلام الذي فيه المباركة إلى أخر الخطاب أولى ان يكون فيه براعة المقطع \" «٣» .\nالمقابلة في قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ فإن الحسنة مقابلة للسيئة، وقد زادت بها الجملة جمالًا.\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (لغو) ١٥/٢٥٠.\n(٢) سُوْرَة الكَافِرُوْن: الآية ٦.\n(٣) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /١٤٦.","vol":"1","page":482},{"text":"ونحن نرى أن القضايا البلاغية في هذه الآيات هو ما يتمثل في قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ آفاق في الكلام تقديمًا وتأخيرًا إذ الأصل يدرءون السيئة بالحسنة، ولكن لما كان ذكر الحسنة مقدمًا بلاغيًا على ذكر السيئة قدمت الحسنة وأضيف لهما باء الجر.\nالمعنى العام للآيات\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ﴾\nقال الماوردي: \" في معناها وجهان:\nأحدهما - يعني الذين آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل الَقُرْآن وهم بالقرآن يؤمنون قاله يحيى بن سلام.\nالثاني - الذين آتيناهم التوراة والإنجيل هم بمحمد (- ﷺ -) يؤمنون، قاله ابن شجرة \" «١» .\nوهاهنا يثور سؤال مهم: هل المقصود بالذين آتيناهم الكتاب اليهود وحدهم أم اليهود والنصارى؟\nوالذي أراه أن سياق الآيات يدلّ على أن المقصود جميع أهل الكتاب من يهود ونصارى على اختلاف مشاربهم، فكلهم يعرفون رَسُول الله (- ﷺ -) كما يعرفون أبنائهم، ولكن كفر من كفر منهما حسدًا وحقدًا وغلًا \" «٢» .\n﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾، أي: من قبل الَقُرْآن. وقيل: من قبل مُحَمَّد (- ﷺ -) ﴿هُمْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن أو بمحمد (- ﷺ -) ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ «٣» .\n_________\n(١) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٢.\n(٢) ينظر مُحَمَّد في الكتاب المقدس. عبد الأحد داود. الطبعة الثالثة. قطر. الدار الإسلامية. ١٤٠٤ هـ.: ص ١١٥.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٣.","vol":"1","page":483},{"text":"﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، أي: إذا قريء عليهم الَقُرْآن قالوا صدقنا بما فيه ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ . وقال الرازي: \" قوله إنه الحق من ربنا يدلّ على التعليل يعني أن كونه حقًا من عند الله يوجب الإيمان به. وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ بيان لقوله: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ لأنه يحتمل أن يكون إيمانًا قريب العهد وبعيد، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء ﵈ المتقدمين من البشارة بمقدمه «١» . وهو ما تدلّ عليه المعاني الكامنة في الآية الكريمة: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾، وذكروا في معناها عدة وجوه، وهي:\nالأول - إنهم صبروا على الإيمان بمحمد (- ﷺ -) قبل أن يبعث ثُمَّ على إتباعه حين بعث، قاله الضحاك.\nالثاني - يؤتون أجورهم مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل مُحَمَّد (- ﷺ -) ومرة أخرى بإيمانهم بمُحَمَّد (- ﷺ -) .\nالثالث - قال مقاتل: هؤلاء لما آمنوا بمُحَمَّد (- ﷺ -) شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح، وأجر على الإيمان، فيروى أَنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.\nويرجح الرازي القول الأول، ويستدل على ذلك بأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة، وبيّن أيضًا أنهم كانوا به مؤمنين قبل البعثة، ثُمَّ أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك \" «٢» .\n_________\n(١) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٦٢. البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٥.\n(٢) ينظر زَاد المَسِيْر: ٦ /٢٣٠. مفاتيح الغيب: ١٢/ ١٦٢.","vol":"1","page":484},{"text":"والذي أرجحه هو القول الثاني بأنهم يؤتون أجرهم مرتين لإيمانهم بأنبيائهم الذين كانوا قبل النبي (- ﷺ -)، ومرة لإيمانهم بمحمد (- ﷺ -)، فعن أبي موسى الأشعري (- ﵁ -): «أن رَسُول الله (- ﷺ -) قال: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي (- ﷺ -) فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أدّى حق الله تعَاَلىَ وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثُمَّ أدبها فأحسن أدبها، ثُمَّ أعتقها وتزوجها فلها أجران \" «١» .\n﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ \" فيه عدة وجوه:\nأحدهما - (يدفعون) بالعمل الصالح ما تقدم من ذنب، قاله ابن شجرة.\nالثاني - يدفعون بالحلم جهل الجاهل.\nالثالث - يدفعون بالسلام قبح اللقاء، وهذا معنى قول النقاش.\nالرابع - يدفعون بالمعروف المنكر، قاله ابن جبير.\nالخامس - يدفعون بالخير الشر، قاله ابن زيد.\nالسادس - يدفعون بالتوبة ما تقدم من المعصية \" «٢» .\nوأغلب هذه الأقوال يدلّ على مكارم الأخلاق وذات معنى متقارب ولا نجد فيها خلافًا كبيرًا.\nيقول القرطبي: \" فهذه آية مهادنة، وهي من صدر الإسلام، وهي مما نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاه أمة محمد (- ﷺ -) إلى يوم القيامة «٣» .\n_________\n(١) متفق عليه. صحيح البخاري: كتاب العلم، باب العلم ١ /٢٢٩. . صحيح مسلم كتاب الإيمان باب الإيمان ٢٤١ –٢٤٥.\n(٢) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٢.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٤.","vol":"1","page":485},{"text":"ومنه قوله (- ﷺ -) لأبي ذر: «اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» «١» .\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ في سبيل الخير ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nقال مجاهد: السبّ والأذى.\nوقال الضحاك: الشرك.\nوقال ابن زيد: ما غيرته اليهود من وصف الرَّسُول (- ﷺ -)\n﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ وتركوه تكرمًا «٢» .\nوالراجح أنهم إذا سمعوا ما قال المشركون من الأذى والشتم، أعرضوا عنه ولم ينشغلوا به كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ «٣» .\nأما قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ فقال الطبرسي: \" أي: لا نسأل نحن عن أعمالكم ولا تسألوا عن أعمالنا، بل كلّ منا يجازى على عمله \" «٤» .\nوهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ «٥» .\n﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال صاحب الخازن: \" ليس المراد من (سلام) تحية، ولكن سلام المشاركة، والمعنى: سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم \" «٦» .\n﴿لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ \" لا نطلب صحبتهم ولا نريد مخالطتهم \" «٧» .\nما يستفاد من النصّ\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٤ /٣٣٥ وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. المستدرك على الصحيحين: ١ /١٢١ من حديث أبي ذر قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) ينظر روح المعاني: ٢٠ /٩٥.\n(٣) سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية ٧٢.\n(٤) مجمع البيان: ٧ /٢٥٨.\n(٥) سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية ٦٣.\n(٦) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٣٦.\n(٧) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /١٩.","vol":"1","page":486},{"text":"نستدل من إيمان هؤلاء النفر من أهل الكتاب بنبوة المصطفى (- ﷺ -) أن جميع رسالات الله ذات أصل واحد فيما يتعلق بالعقائد ومكارم الأخلاق، فهي قاطبة تدعو إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتدعو إلى فعل الخير، وتنهى عن فعل الشر، وتأمر بطاعة الله. والَقُرْآن الكَرِيم قد احتوى على تلك الأسس جميعًا من حلال وحرام، وترغيب وترهيب، ومواعظ وقصص، فجاء مصدقًا للأنبياء من قبله، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «١» وكذلك تضمن الَقُرْآن فضلًا عن ذلك أحكام وتشريعات جديدة تتناسب ورسالة الله الخاتمة.\nلما كان الَقُرْآن الكَرِيم مشتملًا على أصول كتبهم ومصدقًا لنبوة أنبيائهم ودعا الناس للإيمان بهم، فصار كفر أهل الكتاب بالنبي (- ﷺ -) أو بكتابه كفرًا بكتبهم ورسلهم، فإن التوراة قد بشرت بنبوته (- ﷺ -) في عدة أسفار «٢»، وكذلك الإنجيل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ «٣» .\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ودلت هذه الآية كذلك على صفة أخرى من صفات الأتقياء، وهي بذل المال في سبيل الله.\n_________\n(١) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ١٠١.\n(٢) إظهار الحق. رحمة الله الهندي. الطبعة الرابعة. دار جدة. السعودية. ١٣٨٨ هـ: ١٢/ ١٤٥.\n(٣) سُوْرَة الصَّفِ: الآية ٦.","vol":"1","page":487},{"text":"ودل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ الآية، على الدعوة بالابتعاد عن اللغو، والابتعاد عن الدخول في المنافسات والجدال العقيم في مسائل أخلاقية غير مهمة والابتعاد عن مجادلة الجهلة لأن الجدل مع أهل اللغو لغو، والتركيز على كلّ ما يربط الإنسان بخالقه.\nنستدل من الآيات على أن الكفر برسالة بمحمد (- ﷺ -) يدخل اليهود والنصارى في الكفر ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ «١» ما دامت الدعوة قد بلغتهم على اختلاف مشاربهم المذهبية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المطلب الثالث: الهداية البيانية والهداية التوفيقية</span>\n﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ «٢» .\nالمناسبة\nفيما مرّ من الآيات السابقات تم استعراض نموذجًا من الذين نزل عليهم الوحي، وبلغتهم دعوة المصطفى (- ﷺ -) النموذج الأول المتمثل في كفار قريش الذين كانوا يمارون بغير حقّ، ويأتون بالحجج لا ليؤمنوا كقولهم: ﴿لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، فبين الَقُرْآن الكَرِيم أنهم لم يكونوا صادقين في حجتهم بقوله تعالى: ﴿أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، والنموذج الآخر هو فريق من الذين أوتوا الكتاب ممن استقام طبعهم، وخلصت نيتهم، فبين الَقُرْآن الكَرِيم طريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ .\n_________\n(١) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ١٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٦.","vol":"1","page":488},{"text":"ثُمَّ أراد الَقُرْآن الكَرِيم في هذه الآيات أن يبين أن هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب لم يزد الرسول (- ﷺ -) في جهاده معهم للإيمان على أن يتلو عليهم الَقُرْآن ووراءه من قومه من جهده ليؤمن، ومن أحب بكل نفسه أن يهديه للإسلام فلم يقدِّر الله له ذلك لأمر يعلمه من نفسه، وما كان النبي (- ﷺ -) ليهدي من يحب، إنما يهدي الله من يعلم من نفسه ما يستحق به الهدى ومن هو مستعد للإيمان «١» . فناسبت هذه الآية مكانها في سُوْرَة الْقَصَصِ، وناسبت أيضًا ما قبلها ليكتمل المعنى بأن الهداية التوفيقية هي بيد الله وحده، العالم بمن يستحقها، والهداية البيانية هي مهمة الرسل والأنبياء والدعاة أن يقوموا بها.\nأسباب النزول\nأخرج مسلم، عن أبي هريرة (- ﵁ -) قال: قال رَسُول الله (- ﷺ -) لعمه:\n«قل لا إله إلا الله أشهد لك يوم القيامة. قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقرت بها عينك، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ\nأَحْبَبْتَ﴾» «٢» .\nوأخرج النسائي بسند جيد عن أبي سعيد بن رافع قال: سألت ابن عمر عن هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أفي أبي جهل، وأبي طالب؟ قال: نعم \" «٣» .\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿تَهْدِي﴾:\n_________\n(١) ينظر في ظلال القرآن: ٦ /٣٦٠.\n(٢) صحيح مسلم: باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ١/٥٥ رقم (٢٥) .\n(٣) السنن الكبرى (النسائي): ٦ /٢٤٥. وينظر أسباب النزول (الواحدي): ص ٢٤٣. لباب النقول في أسباب النزول. عَبْد الرَّحْمَن بن أَبِي بكر بن مُحَمَّد السيوطي أبو الفضل. (٨٤٩ - ٩١١) . الطبعة الأولى. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه. مصر. ١٩٦٤ م.: ص ٥٩٨ –٥٩٩.","vol":"1","page":489},{"text":"الهُدى ضدّ الضلال وهو الرَّشادُ، والهادي من أَسماء الله ﷾. وقد هَداه هُدىً وهَدْيًا وهِدايةً وهِديةً وهَداه للدِّين هُدىً وهَداه يَهْدِيه في الدِّين هُدىً. وقال الليث: ومعنى هَدَيْتُ لك في معنى بَيَّنْتُ لك وهُدَى الله، أَي: الصِّراط الذي دَعا إِليه هو طَرِيقُ الحقّ. وقال ابن بري: يقال هديته الطريق بمعنى عرفته.\nوقال ابن الأَثير: والهادي هو الذي بَصَّرَ عِبادَه وعرَّفَهم طَريقَ معرفته حتى أَقرُّوا برُبُوبِيَّته، وهَدى كل مخلوق إِلى ما لا بُدَّ له منه في بَقائه ودَوام وجُوده «١» .\nوقال الراغب الأصفهاني: \" الهداية دلالة بلطف ... وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه:\nالأول: الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية.\nالثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٢) .\nالثالث: الهداية التوفيقية التي يختص بها من اهتدى، وهو المعني بقوله تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ «٣» . وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ «٤» .\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر. مجد الدِّيْن بن أَبِي الكرم مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَرِيْم الشيباني الجزري. المعروف بابن الأثير أبو السعادات. (٥٤٤ - ٦٠٦) . تحقيق: طاهر أحمد الزاوي – محمود مُحَمَّد الطناحي. المكتبة العلمية. بيروت. ط١. ١٣٩٩هـ – ١٩٧٩م.: ٥ /٥٢٥. لِسَان العَرَب: مَادة (هدى) ١٥ /٥٣٥.\n(٢) سُوْرَة الأنْبِيَاءِ: الآية ٧٣. سُوْرَة السَّجْدَةِ: الآية ٢٤.\n(٣) سُوْرَة مُحَمَّد (- ﷺ -): الآية ١٧.\n(٤) سُوْرَة التَّغَابُن: الآية ١١.","vol":"1","page":490},{"text":"الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ «١» .\nوهذه الهدايات الأربع مرتبة؛ فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة، ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله.\nأما بقية أنواع الهداية فهي لله وحده، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وكل هداية ذكر الله ﷿ أنه منع الظالمين والكافرين منها، فهي الهداية التوفيقية، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة، وإدخال الجنة.\nقال تعالى: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ «٢» وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ «٣» ... إذ طالب الهدى ومتحريه هو الذي يوفقه ويهديه إلى طريق الجنة لا من يتحرى طريق الظلال والكفر «٤» .\nفالهداية بذلك التي هي نقيض الضلال دالة في سياق تعريفها الاصطلاحي على كونها بنوعيها هي من هبات الله ﷿.\nالقضايا البلاغية\n١. في الآية طباق سلب بين ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وبين ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .\nالمعنى العام للآيات\n﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾\n_________\n(١) سُوْرَة مُحَمَّد (- ﷺ -): الآية ٥.\n(٢) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٥٨ وغيرها.\n(٣) سُوْرَة النَّحْلِ: الآية ١٠٧.\n(٤) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٣٦.","vol":"1","page":491},{"text":"\" هداية متواصلة إلى البغية لا محالة \" «١» . وقال الزَّمَخْشَرِيّ: \" لا تقدر أن تدخل في الإسلام كلّ من أحببت أن يدخل فيه من قومك ومن غيرهم لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره \" «٢» .\nوقال النسفي: \" يخلف فعل الاهتداء فيمن يشاء \" «٣» .\nوقال الشيخ أحمد الصاوي: \" أي فسلّم أمرك لله، فإنه أعلم بأهل السعادة والشقاء ولا يبالي بأحد \" «٤» .\n﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾\n\" بالمستعدين لذلك \" «٥» .\nوقال البقاعي: \" أي الذين هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم، فيكونوا عرقيين فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو العرب، أقارب كانوا أو أباعد \" «٦» .\nوقال الشيخ زاده: \" وهذه الآية حجة لنا على المعتزلة في قولهم إن الهدى هو البيان، وقد هدى الناس جميعًا، ولكن لم يهتد البعض منهم بسوء اختيارهم، فهذه الآية دلت على أن وراء البيان ما يسمى هداية، وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق والقدرة التي هي داعية اكتساب الخير والاجتناب عن الشر إذ يفعل ما يشاء بحكمته لا يسئل عما يفعل \" «٧» .\nما يستفاد من النصّ\n١ـ كثيرًا ما يعتذر المخلّ بواجب الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه الآية، ويتشبث بظاهرها ليرفع اللوم عنه بسبب تكاسله بحجة أن الهداية بيد الله، ونفاها عن حبيبه (- ﷺ -)، وكذلك يعتذر بهذه الآية المنهمكون في الشهوات والمعاصي بحجة أن الله لم يهده، والجواب عن ذلك في شقين:\n_________\n(١) روح المعاني: ٢٠ /٩٦.\n(٢) الكَشَّاف: ٣ /١٨٥.\n(٣) مَدَارِك التَّنْزِيل: ٣ /٢٤٠.\n(٤) حاشية الصاوي: ٣ /٢٢١.\n(٥) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /١٩.\n(٦) نظم الدرر: ٥ /٥٠١.\n(٧) حاشية الشيخ زاده: ٢ /٥١٨.","vol":"1","page":492},{"text":"إِنْ الله جَلَّ وَعَلا قد أرسل رسله وأنبياءه ليهدون الناس إلى طريق مستقيم، طريق الهداية، وهو ما يسمى بالهداية الإرشادية، لكي لا يكون للناس حجة بعد الرسل، فمن واجب الأنبياء والرسل والدعاة أن يقوموا ما باستطاعتهم ويؤدوا واجبهم في التبليغ، وتبيين شرع الله، وهذا الواجب الذي عليهم، وليس بمقدورهم ولا من واجبهم أن يجعلوا كلّ الناس مهتدين، فهذا بيد الله وحده.\nإِنْ هداية الله جَلَّ وَعَلا لبعض عباده دون آخرين بما يسمى (الهداية التوفيقية) تسبقها مقدمات مستندة إلى الهدايات الأخرى وهذه المقدمات هي عبارة عن صلاحيات اكتسبها أصحابها بالهداية الأولى العامة، وأتبعها أعمال صالحة، بمعنى أن المعنيين بالهداية الخاصة أصبحوا مستحقين لنزول تلك الرحمة، إما بإنابتهم إلى الله ﷾، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ «١»، أو بجهادهم في سبيل الله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ «٢»، أو بأعمالهم الصالحة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ «٣»، فإن الله لا يهدي الوقم الكافرين، ولا الظالمين، قال تعالى: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ «٤»، وقوله: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) . فالظلم والفسوق تكون حجبًا تمنع نفوذ الهداية الإلهية (التوفيقية) .\n_________\n(١) سُوْرَة مُحَمَّد (- ﷺ -): الآية ٧.\n(٢) سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية ٦٩.\n(٣) سُوْرَة يُوْنِسَ: الآية ٩.\n(٤) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٦٤ وغيرها.\n(٥) سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية ٣٧ وغيرها.","vol":"1","page":493},{"text":"٢ - اختلف المفسرون في إسلام (أبي طالب) استنادًا إلى مدلولات هذه الآية\n﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، ومن الأحاديث الواردة في سبب نزول هذه الآية. قال قسم من المفسرين: إنه لم يسلم. وقال آخرون إنه الأسلم. قال الرازي: \" وهذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب \". وذكر الطباطبائي أن الروايات المستفيضة عن أهل البيت دلت على إيمانه \" والمنقول من أشعاره بالإقرار على صدق النبي (- ﷺ -) وحقية دينه، وهو الذي آوى النبي (- ﷺ -) صغيرًا وحماه بعد البعثة وقبل الهجرة فقد كان آثر مجاهدته وحده في حفظ نفسه الشريف \" «١» .\nالذي أراه أن الثابت في الروايات الصحيحة الواردة في سبب نزول هذه الآية أنه مات على غير الإسلام، أما ما استدل به الطباطبائي من أشعار أبي طالب على إسلامه فليس بحجة، فليس فيها دلائل على إسلامه وإنما فيها دلالة على نصرته، ولم ينكره أحد، كقوله:\nكذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما نطاعن عن حوله ونقاتل\nونسلمه حتَّى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل «٢»\n_________\n(١) ينظر تفسير الميزان: ١٦/ ٥٧.\n(٢) ينظر حاشية الشيخ زاده: ٢ /٥١٨.","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الثاني: موقف المشركين من دعوته (- ﷺ </span>-)\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>المطلب الأول: أعذار المشركين والرد عليها</span>\n﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ* وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ * وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ* أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾ «١» .\nالمناسبة\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٥٧ -٦١.","vol":"1","page":495},{"text":"قال البقاعي: \" ولما عجب من حال قريش في طلبهم من الآيات مثل ما أوتي موسى (- ﵇ -)، ثُمَّ كفرهم به، وبما هو أعظم منه، وختم بِأَنَّهُ أعلم بأهل الخير وأهل الشرّ إلى الإعراض عن الأسف على أحد، والإقبال على عموم الدعاء للقريب والبعيد على حد سواء، قال دليلًا لأنهم إنما يتبعون أهوائهم عاطفًا على قولهم: ﴿لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ «١»، ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ «٢»، كان الرد بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ \" «٣» . ومناسبة هذه الآيات على موقعها أنها جاءت لبيان حال قريش في كفرهم برسول الله (- ﷺ -)، وكيف أن الله بين تفاهة حججهم بعد تعداد نعمه عليهم.\nثُمَّ دعتهم الآيات إلى الاعتبار بإهلاك الله للأمم السابقة لأنهم تنكروا لنعم الله، وبطروا بها، فنلاحظ كيف أن الآيات جاءت متناسقة متناسبة فيما بينها، ولتعطي القارئ صورة لعناد قريش، ثُمَّ تربطه بما جرى للأمم السابقة لغرض العبرة والعظة، ولكي يستمر الاتعاض بها في كلّ زمان ومكان من خلال نبذها للدنيا، وتذكير الإنسان بأن ما عند الله خير وأبقى «٤» .\nأسباب النزول\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٨.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٧.\n(٣) نظم الدرر: ٥ /٥٠٢.\n(٤) ينظر مُحَمَّد والقوى المضادة. مُحَمَّد أحمد خلف الله. الطبعة الثالثة. القاهرة. ١٩٨٢ م: ص ٤٢ –١٤٣.","vol":"1","page":496},{"text":"نقل الطبري عن ابن عباس ﵄ أن الحارث بن نوفل الذي قال ﴿إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ . وقال أيضًا: قد علمنا أنك رسول الله، ولكن نخاف أن نتخطف من أرضنا، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ «١» .\nونقل الزمخشري \" عن الزجاج إجماع المسلمون أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمد أو صدقوه، تفلحوا وترشدوا، فقال النبي (- ﷺ -): يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟ قال: فما تريد يا ابن أخي؟ قال: أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول: لا اله ألا الله أشهد لك بها عند الله، قال: يا ابن أخي قد علمت أنك لصادق، ولكن أكره أن يقال: خرع عند الموت، ولولا أن تكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف.\nقالت قريش - وقيل: إن القائل الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف - نحن نعلم أنك على الحق، ولكن نخاف أن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك وإنما نحن أكلة راس - أي: قليلون - يتخطفونا من أرضنا \" «٢» .\nوجاء في بيان نزول قول تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾\nوالتي اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟\nقال مجاهد: نزلت في النبي (- ﷺ -) وفي أبي جهل بن هشام.\n_________\n(١) جامع البيان: ١٠ /٨٩. لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٣٧. أسباب النزول (السيوطي): ص ٣٠٦.\n(٢) جامع البيان: ٢١ /١٣٩. الكَشَّاف: ٣ /١٨٥.","vol":"1","page":497},{"text":"وعن مجاهد أنها نزلت في حمزة، وعلي بن أبي طالب، وأبي جهل «١» .\nوقيل: نزلت في عمار، وفي الوليد بن المغيرة «٢» .\nوالذي أرجحه جمعًا بين الروايات أنها نزلت في رسول الله (- ﷺ -) ومن معه - رضوان الله عليهم - وفي قريش ومن معهم من الكافرين أخذًا لظاهر المعنى وتوجيههًا للقراءات المختلفة فيه.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿نُتَخَطَّفْ﴾:\n\" الخَطْفُ: الإِسْتِلابُ، وقيل: الخَطْفُ الأَخْذُ في سُرْعةٍ واسْتِلابٍ. خَطِفَه، بالكسر، يَخْطَفُه خَطْفًا، بالفتح، وهي اللغة الجيّدة، وفيه لغة أُخرى حكاها الأَخفش: خَطَفَ، بالفتح، يَخْطِفُ بالكسر، وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف: اجّتَذَبه بسُرْعة \" «٣» .\nوقال الراغب الأصفهاني: \" الخطف والاختطاف: الاختلاس بالسرعة، يقال: خَطِفَ يَخْطِف، وخَطَف يَخْطَف، وقرئ بهما جميعًا \" «٤» .\n٢. ﴿نُمَكِّنْ﴾:\nالمَكْنُ والمَكِنُ: بيضُ الضَّبَّةِ والجَرَادة ونحوهما واحدته مَكْنةٌ. ومَكِنة، بكسر الكاف. وقد مَكِنَتِ الضَّبَّةُ وهي مَكُونٌ وأَمْكَنتْ وهي مُمْكِنٌ إِذا جمعت البيض في جوفها، والمكنة التمكن، تقول العرب: إِن بني فلان لذوو مَكِنةٍ من السلطان أَي تَمكُّنٍ. قال ابن بري: لا يصح أَن يقال في المَكِنة إِنه المكان إلا على التَّوَسُّع لأن المكنّة إنما هي بمعنى التمكن.\n_________\n(١) جامع البيان: ١٠ /٩١ –٩٢.\n(٢) مجمع البيان: ٧ /٢٦١.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (خطف) ٩ /٥٧.\n(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٥٢.","vol":"1","page":498},{"text":"والطَّلِبَة بمعنى التَّطَلُّبِ والتَّبِعَةِ بمعنى التَّتُّبع. يقال: إِنَّ فلانًا لذو مَكِنةٍ من السلطان، فسمي موضع الطير مَكِنةً لتَمكُّنه، والمَكانةُ المَنْزلة عند الملك. وقال أبو منصور: المكان والمكانة واحد. قال ابن سيده: تَمَكَّنَ من الشيء واستمكن: ظفر «١» .\n٣. ﴿يُجْبَى﴾:\nجَبَى الخراجَ والماء والحوضَ يَجْبَاهُ ويَجْبِيه: جَمَعَه. جَبَيْتُ الماء في الحوض وجَبَوْته والجابي: الذي يجمع الماء للإبل. والجِباوةً اسم الماء المجموع، والجبا بالفتح الحوض الذي يجبى فيه الماء «٢» .\nقال الراغب الأصفهاني: جبيت الماء في الحوض: جمعته، والحوض الجامع له: جابية، وجمعها جواب. ومنه استعير: جبيت الخراج جباية على طريق الاصطفاء «٣» .\n٤. ﴿بَطِرَتْ﴾:\nالبَطَرُ: النشاط، وقيل: التبختر، وقيل: قلة احتمال النِّعمة، وقيل: الدَّهَشُ والحَيْرَةُ. وقيل: البَطَرُ الطُّغيان في النِّعْمَة. وقيل: هو كراهة الشيء من غير أَن يستحق الكراهية. بَطِرَ بَطَرًا، فهو بَطِرٌ. والبَطَرُ: الأَشَر، وهو شدّة المَرَح. وبَطِرَ النِّعْمَةَ بَطَرًا، فهو بَطِرٌ: لم يشكرها «٤» .\nوقال الراغب الأصفهاني: \" البطر: دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها \" «٥» .\n٥. ﴿مُهْلِكَ﴾:\nالهَلْكُ: الهلاك. هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكًا وهَلْكًا وهَلاكًا: مات. واستعمل أبو حنيفة الهلكة في جفوف النبات «٦» .\n_________\n(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (مكن) ١٣ /٤١٢ –٤١٣.\n(٢) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (جبي) ١٤ /١٢٩ –١٣١.\n(٣) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٨٥.\n(٤) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (بطر) ٤ /٦٨ –٦٩.\n(٥) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٨.\n(٦) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (هلك) ١٠ /٥٠٣.","vol":"1","page":499},{"text":"وقال الراغب الأصفهاني: \" الهلاك على أربعة أوجه:\nافتقاد الشيء عنك، وهو عند غيرك موجود كقوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ «١» .\nوهلاك الشيء باستحالة وفساد، كقوله: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ «٢» .\nوالثالث: الموت، كقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ «٣» .\nبطلان الشيء من العالم وعدمه رأسا، وذلك المسمى فناء المشار إليه بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ «٤»، ويقال للعذاب والخوف والفقر: الهلاك «٥» .\n٦. ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾:\nالحُضُورُ: نقيض المَغيب والغَيْبةِ؛ حَضَرَ يَحْضُرُ حُضُورًا وحِضارَةً؛ وقال الجوهري: حَضْرَةُ الرجل قُرْبهُ وفِناؤه. وقال الأَزهري: الحَضْرَةُ قُرْبُ الشيء، تقول: كنتُ بِحَضْرَةِ الدار، أي: بقربه «٦» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿الْهُدَى﴾:\nقرأها بالإمالة حمزة، والكسائي، وورش «٧» .\n٢. ﴿نُتَخَطَّفْ﴾:\nقرأ المنقري: (نُتَخَطَّفُ) برفع الفاء «٨» .\n٣. ﴿يُجْبَى﴾:\nقرأ نافع، وعاصم، وأبو جعفر: (تُجْبَى) بتاء التأنيث، وقرأ الباقون بالياء، وحجة من قرأ بتاء التأنيث (الثمرات)، وحجة من قرأ بالياء أنه فرق بين المؤنث وفعله بـ (إليه) لأنه تأنيث غير حقيقي، ولأن معنى الثمرات الرزق، فحمل على المعنى فَذُكِّر «٩» .\n٤. ﴿ثَمَرَاتُ﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الحَاقَّة: الآية ٢٩.\n(٢) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٠٥.\n(٣) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ١٧٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٥) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٤٢- ٥٤٣.\n(٦) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (حضر) ٤ /١٩٦ –١٩٧.\n(٧) غيث النفع: ص ٣١٧.\n(٨) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٩.\n(٩) الحجة في علل القراءات: ٥ /٤٢٤. الكشف عن وجوه القراءات: ٢ /١٧٥.","vol":"1","page":500},{"text":"قرأ الجمهور (ثَمَرَاتُ) بفتحتين، وقرأ أبان بن تغلب بضمتين: (ثُمُرات)، وهي قراءة شاذة «١» .\n٥. ﴿فِي أُمِّهَا﴾:\nقرأ حمزة، والكسائي: (امِّها) وصلًا للإتباع «٢» .\n٦. ﴿تَعْقِلُونَ﴾:\nقرأ أبو عمرو (يعقلون) بالياء إعراضًا عن خطابهم، وخطاب لغيرهم كأنه قال: انظروا إلى هؤلاء وسخافة عقولهم أفلا يعقلون يا مُحَمَّد (- ﷺ -) .\nوقرأ الجمهور بالتاء على خطابهم وتوبيخهم في كونهم أهملوا العقل في العاقبة، ونسب هذه القراءة أبو علي في الحجة إلى أبي عمرو وحده «٣» .\n٧. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾:\nقرأ طلحة: (أمَن وَعَدْنَاه) بحذف الفاء «٤» .\n\n٨. ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾:\nوقريء: (مَتَاعًا الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) انتصب الحياة الدنيا على الظرف «٥» .\n٩. ﴿ثُمَّ هُوَ﴾:\nبسكون الهاء (هْوَ) كما قرأها الكسائي، وأبو جعفر وصلًا «٦» .\nالقضايا البلاغية\n_________\n(١) الكَشَّاف: ٣ /١٨٥. البَحْر المُحِيْط: ٧/١٢٦.\n(٢) النشر في القراءات العشر: ٢ /٢٤٨. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٣. غيث النفع: ص ٣١٧.\n(٣) التيسير في القراءات السبع: ص ١٧٢. السبعة في القراءات: ص ٤٩٥. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٣.\n(٤) البَحْر المُحِيْط: ٧/١٢٧.\n(٥) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٧.\n(٦) التيسير في القراءات السبع: ص ٣١٧. السبعة في القراءات: ص ٥٤٨. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٣.","vol":"2","page":1},{"text":"١. الإسناد المجازي «١» (مجاز عقلي) في قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾، لأن المراد أهل الحرم. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ المراد أهلها بدليل قوله تعالى بعد:\n﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا﴾، أي: لقد زهوا بها حينًا من الدهر وغرتهم الأماني وأبطرتهم النعمة وكان ديدنهم ديدن المترفين الرافلين في حلل السعادة، فما عتموا أن فنوا وطوتهم الأيام وبقيت آثارهم شواخص «٢» .\nالمعنى العام الآيات\n﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾\n\" أي: نستلب من أرضنا يعني أرض مكة والحرم، وقيل: إنما قاله الحارث بن نوفل بن عبد مناف فإنه قال للنبي (- ﷺ -): إنا لنعلم أن قولك الحق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك أن يتخطفنا العرب من أرضنا، ولا طاقة لنا بالعرب «٣»، فقال ﷾: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ .\nقال الماوردي: \" فيه وجهان:\nأحدهما - إنه جعله آمنًا بما طبع النفوس عليه من السكون إليه حتَّى لا ينفر منه الغزال والذئب والحمام والحدأة.\nالثاني - إنه جعله آمنًا بالأمر الوارد من جهته بأمان من دخله ولاذ به، قاله يحيى بن سلام، يقول: كنتم آمنين في حرمي تأكلون رزقي وتعبدون غيري أفتخافون إذا عبدتموني وأمنتم بي \" «٤» .\n﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾\n_________\n(١) الإسناد المجازي: هو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأويل، ينظر الإيضاح للقزويني: ١٦.\n(٢) إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ /٢٥٦ –٢٥٧.\n(٣) مجمع البيان: ٧ /٢٦٠.\n(٤) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٤.","vol":"2","page":2},{"text":"﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ \" هو استفهام إنكار، وهذا الإنكار يقتضي توبيخًا على هذا الحال التي نزلوا لأجلها منزلة من ينفي أن الله مكن لهم حرمًا \" «١» .\n﴿يُجْبَى﴾ أي يجمع ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه\n﴿إِلَيْهِ﴾، أي: خاصة دون غيره من جزيرة العرب «٢» .\n﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ \" أي يجمع إليه ثمرات كلّ أرض وبلد \" «٣»، وقال ابن عاشور: \" عام في كلّ ذي ثمرة، وهو عموم عرفي، أي: ثمر كلّ شيء من الأشياء المثمرة المعروفة \" «٤» .\n﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا، والعندية مجاز في التكريم والبركة أي: رزقًا قدرناه لهم إكرامًا، فكأنه رزق خاص من مكان شديد الاختصاص «٥» .\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ قال النسفي:\" متعلق بـ (من لدنا)، أي: قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله. و(أكثرهم) جهلة لا يعلمون ذلك، ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الخوف والأمن من عنده ولما خافوا التخطف إذ أمنوا به \" «٦» .\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾\nقال القرطبي: \" بين لمن توهم أنه لو آمن لقاتلته العرب أن الخوف في ترك الإيمان أكثر، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار\" «٧» .\n﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾\nقال الرازي: \" في هذا الاستثناء وجوه:\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٤٩.\n(٢) ينظر نظم الدرر: ٥ /٥٠٤.\n(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٦.\n(٤) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٤٩.\n(٥) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /١٤٩.\n(٦) مَدَارِك التَّنْزِيل: ٣ /٢٤١.\n(٧) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٦.","vol":"2","page":3},{"text":"أحدهما - قال ابن عباس ﵄: لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يومًا أو ساعة.\nثانيًا - يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقى أثرها في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلًا فتهلكه كما أهلكت من قبله \" «١» . ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ \" لهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم، وسائر ما يتصرف فيه، والشيء إذا لم يبق له مالك معين. قيل: إنه ميراث الله هو الباقي بعد خلقه \" «٢» .\n\n﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾\n﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ قال أبو السعود: \" بيان للعناية الربانية إثر بيان إهلاك القرى المذكورة، أي: وما صحّ، وما استقام، بل يستحال في سنته المبنية على الحكم البالغة، أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الإنذار، بل كانت عادته أن لا يهلكها ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ \" «٣» .\n﴿فِي أُمِّهَا﴾ قال الماوردي فيه ثلاثة أوجه:\nأحدهما - أوائلها، قاله الحسن.\nالثاني - في معظم القرى من سائر الدنيا، حكاه ابن عيسى.\nالثالث - إن أم القرى مكة، قاله قتادة \" «٤» .\nوقال الخازن: \" في أكبرها وأعظمها رسولًا ينذرهم، وخصّ الأم ببعثه الرسول لأنه يبعث إلى الأشراف وهم سكان المدن. وقيل: حتَّى يبعث في أم القرى وهي مكة رسولًا يعني مُحَمَّد (- ﷺ -) لأنه خاتم الأنبياء \" «٥» .\nوالذي أرجحه أن المقصود هو أم القرى بدلاله السياق.\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١٣ /٦.\n(٢) تفسير المراغي: ٢٠ /٧٦.\n(٣) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٢٠.\n(٤) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٥.\n(٥) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ / ٣٤٧.","vol":"2","page":4},{"text":"﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾، أي: بتكذيب الرسل والعتو في الكفر \" «١» .\nوقال عطاء: \" يريد بظلمهم أهلكتهم وظلمهم شركهم \" «٢» .\nوجاء في المحرر الوجيز \" إن الله تعالى يقيم الحجة على عباده بالرسل فلا يعذب إلا بعد أن يتمادى أهل القرى في ظلم وطغيان، والظلم هنا يجمع الكفر والمعاصي والتقصير في الجهاد. وبالجملة وضع الباطل موضع الحق \" «٣» .\nوالذي أراه أن المعنى الخاص بالظلم يشمل كفرهم بالله تعالى على ما يتضح من سياق النص.\nويثور هنا سؤالان أوردها الرازي ﵀:\nالسؤال الأول: لماذا ما أهلك الله الكفار قبل بعثة مُحَمَّد (- ﷺ -) مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى، والتكذيب بمحمد (- ﷺ -)؟\nالسؤال الثاني: لماذا ما أهلكهم بعد مبعث مُحَمَّد (- ﷺ -) مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى والتكذيب بمحمد (- ﷺ -)؟\nفأجاب عن السؤال الأول بقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ .\nوحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة.\nوأجاب عن السؤال الثاني بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ أنفسهم بالشرك، وأهل مكة ليسوا كذلك، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون، وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمنًا «٤» .\n_________\n(١) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل: ٢ /٢٢١.\n(٢) الوسيط: ٣ /٤٠٤.\n(٣) المحرر الوجيز: ١٢ /١٧٨.\n(٤) ينظر مفاتيح الغيب: ١٣ /٦.","vol":"2","page":5},{"text":"﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾\nأجاب الله جل وعلا عن شبهتهم التي قالوا فيها تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا، فبين الله تعالى خطأهم في ذلك، لأن ما عند الله خير وأبقى وذلك لوجهين كما ذكر الرازي:\nأحدهما - إن المنافع هناك أعظم.\nوثانيها - إنها خالصة عن الشوائب، ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار بل الضار فيها أكثر.\nوأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة، ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدمًا، فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر، فكان من الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستيفاء منافع الدنيا، ونبه عن ذلك بقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ يعني: من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجًا عن حد العقل «١» .\n﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾\nقال المراغي في تفسير هذه الآية \"أي: أفمن وعدناه من خلقنا على طاعته إيانا بالجنة وجزيل نعيمها مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر فآمن بما وعدناه وأطاعنا، فاستحق أن نجزله وعدنا فهو لاقيه حتمًا وصائر إليه، كمن متعناه الحياة الدنيا ونسي العمل بما واعدنا به أهل الطاعة، وآثر لذة عاجلة على لذة آجلة لا تنفذ، ثم هو يوم القيامة إذا ورد على الله من المحضرين لعذابه واليم عقابه \" «٢» .\nوأرى أن المقصود بذاك الوعد بمغفرة الله تعالى ورضوانه بإقراره في دار القرار والمستقر الجنة يوم القيامة، وهو ما يوضحه المعنى العام للآيات.\nما يستفاد من النصّ\n_________\n(١) ينظر مفاتيح الغيب: ١٣ /٧.\n(٢) تفسير المراغي: ٢٠ /٧٩.","vol":"2","page":6},{"text":"١. دل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ على أنهم لا ينكرون أنه الهدى، فإن أهل الجزيرة العربية بما اشتهروا به من فصاحة اللغة وحسن البيان أدركوا بفطرتهم أن الذي جاء به مُحَمَّد (- ﷺ -) ليس من كلام البشر، ولا هو من سجع الكهان، ولا هو من السحر، ولكن ما منعهم من الإيمان به هو العصبية القبلية، والخشية من ذهاب السلطة الدينية والسياسية والإدارية عن مكة المكرمة.\nفقد جاء فيما يرويه ابن هشام عن ابن إسحاق أن عتبة بن ربيعه قرا عليه الرسول (- ﷺ -) سورة فصلت إلى أن وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ «١»، فأمسك عتبة بفيه وناشده الرحم أن يكف عن القراءة، وذلك خوفًا مما تتضمنه الآية من تهديد. ثم عاد عتبة إلى أصحابه فقالوا: ما ورائك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي إني سمعت قولًا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فو الله ليكون لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة فُصِّلَتِ: الآية ١٣.\n(٢) الطبقات الكبرى. مُحَمَّد بن سَعَد بن مَنِيْع الزُّهْرِي البصري (كاتب الواقدي) أبو عَبْد الله. (١٦٨ - ٢٣٠) . قَدَّمَ لَهُ: د. إحسان عباس. دار صار بيروت ١٩٦٨ م.: ٥ /٤٣١. سيرة ابن هشام: ٢ /١٣١. الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث. أحمد بن الحسين البيهقي. (٣٨٤ - ٤٥٨) . تحقيق: أحمد عصام الكاتب. دار الآفاق الجديدة. بيروت. ط١. ١٤٠١ هـ.: ١ /٢٦٧. تفسير القرآن العظيم: ٤/ ٩٢. فقه السيرة: ص ٨٨.","vol":"2","page":7},{"text":"٢. دلت الآيات على أن الأمن والخوف من الله، فالله جل وعلا وحده الحافظ، والنافع والضار، والمحي والمميت، والمعز والمذل، وأنه لو اجتمعت كل قوى الأرض على أن تضر إنسانًا أو مجتمعًا دخل في حمى الله لا تستطيع، ولا أن تنصر من خذله الله، فالخوف الحقيقي هو في البعد عن هوى الله، والأمن لا يكون إلا في حمى الله.\nقال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ «١» .\nفلو عادت الدول العربية والإسلامية إلى كتابها وتمعنت به لأنقذها من حيرتها أمام القوة الغاشمة (أمريكا) وتفردها بمصائر الشعوب، فقد انهار من انهار من المسلمين أمام قوة أمريكا، وقدم التنازلات تلو الأخرى لإرضائها، ولم يجرأ على مخالفتها، فعلى المسلمين أن يعلموا أن الأمن من الله لا من أمريكا والخوف من الله لا من أمريكا.\n٣. ودلت كذلك هذه الآيات على أن البطر والظلم من أسباب هلاك الأمم والشعوب قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ .\n٤. ودلت هذه الآيات كذلك على أن الأمم لا تستمر حضاريًا إن عتت باقتصادها ببطران المعيشة، وتغيير نعم الله ﷾، لأن ذلك مشعر ببوار هذه الأمم إلى يوم القيامة.\n_________\n(١) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٣٨.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المطلب الثاني: مشاهد من يوم القيامة وتوبيخ المشركين على مزاعمهم</span>\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ * فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ «١» .\nالمناسبة\nبعد أن ردّ القرآن الكريم على حجج المشركين، وبيَّن تهافتها بتأكيده على أن الأمن يكون بالقرب من الله، وأن الخوف في البعد عنه، يجول النص بهم جولة أخرى بعرض مشهد من مشاهد يوم القيامة وما يحصل فيه من الإهانة والتقريع والعذاب للمشركين حين يسألهم عدة أسئلة للتوبيخ والتأنيب:\nالسؤال الأول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؟\nالسؤال الثاني: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾؟\nالسؤال الثالث: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾؟\nفأراد القرآن الكريم من خلال هذه الآيات أن يجسد حقيقية مهمة لعباده، مفادها أن الخوف ينبغي أن يكون من الله، فهو القاهر فوق عبادة ويبطل الخوف من غيره، فما قدره الله كائن لا محالة، وما لم يقدر لم يقع أبدًا. إذن علام الخوف من المرض، وعلام الخوف من الفقر، وعلامة الخوف من الموت إذا كان كلّ شي مقدر ومكتوب؟\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٦٢ - ٦٧.","vol":"2","page":9},{"text":"قال تعالى ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ «١» .\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿تَزْعُمُونَ﴾:\nالزَّعْم والزِّعم والزُّعْم ثلاث لغات القول زَعَمَ زَعْمًا وزُعْمًا وزِعْمًا، أي: قال. وقيل: هو القول يكون حقًا ويكون باطلًا.\nوقال الليث: سمعت أهل العربية يقولون: إذا قيل: ذكر فلان كذا أو كذا، فإنما يقال ذلك للأمر يستيقن أنه حق، وإذا شك فيه فلم يدر لعله كذب أو باطل. قيل: زعم فلان. وقيل: الزعم الظن. وقيل: الكذب «٢» .\nقال الراغب الأصفهاني: الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذم القائلين به «٣» .\n٢. ﴿أَغْوَيْنَا﴾:\nغَوَى الغَيَّ الظَّلال والخيبة. غَوَى بالفتح غَيًَّا وغَوِى غِوَايَة، فعن أبي عبيد: ضلَّ ورجل غاوٍ وغَوٍ وغَوَى وغَيَّان ضَالّ وإِغْواء. قال ابن الإعرابي: الغَيّ الفساد «٤» .\nقال الراغب الأصفهاني: \" الغَيُّ جهل من اعتقاد فاسد \" «٥» .\n٣. ﴿تَبَرَّأْنَا﴾:\nقال الراغب: برأ أصل البُرْء والبَراء والتَّبِّري مما يكره مجاوزته ولذلك. قيل: بَرَأْتُ من المرض، وبَرَأتُ من فلان، وتَبَرَّأتُ وأبْرَأتُه وأَبْرَأتُه من كذا، وبَرَأتُه، ورجل بَرِئ وقوم بُرَاء وبَرِيئُون «٦» .\n٤. ﴿فَعَمِيَتْ﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ١٧٥.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (زعم) ١٢/ ٢٦٤.\n(٣) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢١٧.\n(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (غوي) ١٥ /١٤٠.\n(٥) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٨٠.\n(٦) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٨.","vol":"2","page":10},{"text":"العمى: ذهاب البصر كله عَمِي يَعْمَى عَمَىً فهو أَعْمَى وأعْمَاي يعَامِي أعْمِياء، وتعمَى في معنى عَمِيَ. قال الليث: رجل أعْمَى وامرأة عَمْياء ولا يقع هذا النعت على العين الواحدة لأن المعنى يقع عليها جميعًا ويقال: امرأتان عُميًا ونسوة عُميًا وقوم عُمي، وتَعَامى الرجل أي أري من نفسه ذلك «١» .\nوقال الراغب: العَمَى في اقتضاء البصر والبصيرة، ويقال في الأول: أعمى، وفي الثاني أعمى وعمٍّ. وعَمِي عليه، أي: أشتبه حتى صار بالإضافة إليه كالأعمى «٢» .\n٥. ﴿الْمُفْلِحِينَ﴾:\nالفَلح والفَلاح: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير. قال الأزهري: إنما قيل لأهل الجنة مفلحون لفوزهم ببقاء الأبد «٣» .\nوقال الراغب الأصفهاني: الفلاح الظفر وإدراك بغية، وذلك ضربان دنيوي وأخروي، فالدنيوي الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا، وهو البقاء والغنى والعز، وفلاح أخروي وذلك أربعة اشياء بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل \" «٤» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿غَوَيْنَا﴾:\nقرأ أبان عن عاصم وبعض الشاميين: (غَوِينا) بكسر الواو «٥» .\n٢. ﴿يُنَادِيهِمْ﴾:\nقرأ يعقوب: (يناديهم) بضم الهاء «٦» .\n٣. ﴿فَعَمِيَتْ﴾:\nوقرأ الأعمش، وجناح بن حبيش، وأبو زرعة، وابن عمرو بن جرير بضم العين وتشديد الميم (فَعُمَّيَتْ) والمعنى أظلمت عليهم الأمور فلا يستطيعوا أن يخبروا بما فيه نجاة لهم «٧» .\n٤. ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾:\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (عمي) ١٥٠ /٩٥ – ٩٩.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٦١.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (فلح) ٢ /٥٤٧.\n(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ٣٩٩.\n(٥) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٨.\n(٦) غيث النفع: ص ٣٤٣.\n(٧) المحرر الوجيز: ١٢ /١٨٠. البَحْر المُحِيْط: ٧/١٢٩.","vol":"2","page":11},{"text":"قرأ طلحة (يسَّاءلون) بإدغام التاء في السين، أي: لا يسأل بعضهم بعضًا فيما يتحاجون به «١» .\nالقضايا البلاغية\nأولًا. أسلوب السخرية والتهكم في قول تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ «٢» .\nثانيًا. تشيبه مرسل في قوله تعالى: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ ووجه الشبة في أنهم تلقوا الغواية من غيرهم فأفاد التشبيه أن المجيبين أغواهم مغوون قبلهم وهم يحسبون هذا الجواب يدفع التبعية عنهم «٣» .\nثالثًا. استعارة تصريحية «٤» تبعية في قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ﴾ أستعير العمى لعدم الاهتداء، فهم لا يهتدون للأنباء، ثم قلب للمبالغة فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم وضمن معنى الخفاء فعدي بـ (على) ففيه أنواع من البلاغة الاستعارة والقلب والتضمين «٥» .\nالمعنى العام للآيات\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾\n_________\n(١) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٩.\n(٢) الكَشَّاف: ٣ /١٨٧.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢ /١٥٨.\n(٤) الاستعارة التصريحية: ما صرّح فيها بلفظ المشبه به، وذكر فيها شيء من لوازم المشبه. كقول الشاعر:\nدقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان\nالمشبه به: المستعار منه: الدقات القائمة والقول بمعنى الدلالة. والمشبه: المستعار: الشيء الدال. والجامع بينهما: إيضاح المراد من الحياة. والقرينة: نسبة القول إلى الدقات. والتبعية منها: هي ما يكون فيها اللفظ المستعار فعلا أو اسما مشتقا أو اسما مبهما أو حرفا. ينظر شرح التلخيص: ١٢٢، ١٤٤. تنبيه الوسنان: ص ٣٢ –٣٣.\n(٥) ينظر محاسن التأويل: ١٣/ ٤٧١٩. إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ /٣٦٦.","vol":"2","page":12},{"text":"قال أبو حيان: \" يوم يناديهم الله ونداؤه إياهم يحتمل أن يكون بواسطة وبغير واسطة \" «١» .\nوقال الثعالبي: \" الضمير المتصل بـ (ينادي) لعبدة الأوثان والإشارة إلى قريش وكفار العرب \" «٢» .\n﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . قال الرازي: \" أين الذين ادعيتم ألهيتهم لتخلصكم؟ أو أين قولكم تقربنا إلى الله زلفى، وقد علموا أن لا اله إلا الله، فيكون ذلك زائدًا في غمهم إذا خوطبوا بهذا القول \" «٣» .\nوقال البقاعي: \" ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم بقوله ﴿الَّذِينَ كُنتُمْ﴾، أي: كونًا أنتم عريقون فيه (تزعمون) ليدفعوا عنكم أو عن أنفسهم \" «٤» .\n﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ﴾\n\" الشياطين وأئمة الكفر ورؤوسه و(حق)، أي: وجب عليهم القول، أي: مقتضاه «٥»، وهو قوله تعالى: ﴿لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ «٦» .\nنلاحظ تكرار (الذين):\nأولًا: ﴿الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .\nوثانيًا: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ﴾ .\nما الغرض من ذلك؟\nيجيبنا الآلوسي ﵀ بقوله: \" المراد بالموصول الشركاء والذين كانوا يزعمونهم شركاء من الشياطين ورؤساء الكفر وتخصيصهم بما في حيز الصلة مع شمول مضمونها الاتباع أيضًا لأصالتهم في الكفر واستحقاق العذاب، والتعبير عنهم بذلك دون زعمهم شركاء لإخراج مثل عيسى وعزير والملائكة ﵈ لشمول الشركاء على ما سمعت له \" «٧» .\n_________\n(١) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٨.\n(٢) الجواهر الحسان: ٤ /٢٧٨.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١٣/ ١٣.\n(٤) نظم الدرر: ٥/ ٥٠٩.\n(٥) ينظر الوسيط: ٣ /٤٠٥. البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٨.\n(٦) سُوْرَة هُوْد: الآية ١١٩.\n(٧)؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟","vol":"2","page":13},{"text":"﴿رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾\nأي: ربنا أن هؤلاء الاتباع الذين أضللناهم أغويناهم باختيارهم كما غوينا نحن كذلك، ولم يكن منا لهم إلا الوسوسة والتسويل لا القسر والإلحاد فهم كانوا مختارين حين اقدموا على تلك العقائد وهذه الأعمال وإن كان تسويلنا داعيًا لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتب المشحونة والزواجر بالوعد والوعيد والمواعظ «١» .\n﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ قال القرطبي: \" أي: تبرأ بعضنا من بعض والشياطين يتبرؤون ممن أطاعهم والرؤساء يتبرؤون ممن قبل منهم \" «٢»\nكقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ «٣» .\n﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ قال الزمخشري معناها: \" إنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم \" «٤» .\nوقال ابن عاشور: \" ابتدءوا جوابهم بتوجيه النداء إلى الله بعنوان أنه ربهم، نداء أريد منه الاستعطاف بأنه الذي خلقهم اعترافًا منهم بالعبودية وتمهيدًا للتنصل من أن يكونوا هم المخترعين لدين الشرك \" «٥»\n﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ قال البقاعي: \" وقيل: أي ثانيًا للاتباع تهكمًا بهم وإظهارًا للاستهانة لعجزهم الملزوم لتحسرهم وعظم تأسفهم، وعبر بصيغة المجهول إظهارًا للاستهانة بهم \" «٦» .\n_________\n(١)؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟\n(٢)؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟\n(٣)؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟\n(٤)؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟\n(٥)؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟\n(٦)؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟الدرر: ٥ /٥١٠.","vol":"2","page":14},{"text":"﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ قال أبو حيان:\"هذا لسخافة عقولهم في ذلك الموطن لا يجيبهم\".\nوقال ابن عاشور: \" والدعاء دعاء الاستغاثة حسب زعمهم أنهم شفعاؤهم عند الله في الدنيا \" «١» .\nوقال الآلوسي: \" لفرط الحيرة والإفلاس هناك طلب حقيقة الدعاء وقيل: دعوهم لضرورة الامتثال على أن هناك طلبًا والغرض من طلب ذلك منهم تفضيحهم على رؤوس الأشهاد بدعاء من لا نفع له لنفسه \" «٢» .\n﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ قال أبو السعود: \" ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة \" «٣» .\n﴿وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾، فكثير من المفسرين زعموا أن جواب (لو) محذوف وذكروا فيه وجوهًا:\nأحدهما - قال الضحاك، ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة.\nثانيًا. لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق.\nثالثًا. ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون.\nرابعًا. لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.\nخامسًا. قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذ رأوا العذاب «٤»، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ﴾ «٥» .\nفإن المراد به - والله اعلم - أن المشركين حينما يرون العذاب في الآخرة، وأنه واقع بهم لا محالة، وحاصل كما ذكره الرسول (- ﷺ -) لهم وحذرهم منه يتمنون لو أنهم كانوا مهتدين، ولات حين مناص، ولا يمكن أن يراد بالعذاب عذاب الدنيا كما قال ابن عاشور «٦» .\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢٠/١٦٠.\n(٢) روح المعاني: ٢ /١٠١.\n(٣) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٢٢.\n(٤) مفاتيح الغيب: ١٣/٩.\n(٥) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآية ٢٠١.\n(٦) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٦٠- ١٦١.","vol":"2","page":15},{"text":"وذلك لأننا إذا رجعنا قليلًا إلى الآيات التي قبل هذه، فكلها تتحدث عن يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، أي: يوم القيامة يناديهم ثم ما يحصل من تبرأ بين الذين أتَبَعوا والذين أَتُبِعوا ﴿رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾، ثم يسألهم الله ليوبخهم، ويبين لهم عدم قدرة من اتخذوهم آلهةً على نصرهم. فبعد أن سقطت كل حججهم، وتبين لهم كم كانوا على ضلال ورأوا العذاب، فتمنوا لو أنهم كانوا مهتدين مع من اهتدى.\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ . قال القرطبي: \" أي: يقول الله لهم ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين لما بلغوكم رسالاتي \" «١» .\n﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ﴾ . قال الماوردي: فيها وجهان:\n\" الوجه الأول - الحجج، قاله مجاهد.\nالوجه الثاني - الأخبار، قاله السدي \" «٢» .\nوقال ابن الجوزي: \" سميت أنباء لأنها أخبار يخبرها \" «٣» .\n﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ نقل القرطبي عدة آراء للعلماء في معناها:\nقال الضحاك: لا يسأل بعضهم بعضًا عن الحجج، لأن الله أدحض حججهم.\nوقال ابن عباس ﵄: ﴿لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا ينطقون بحجة.\nوقيل: ﴿لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ في تلك الساعة ولا يدرون ما يجيبون من هول تلك الساعة.\nوقال مجاهد لا يتساءلون بالأنساب.\nوحكى عيسى أنه لا يسأل بعضهم بعضًا أن يحمل من ذنوبه شيئًا (٤) .\nوالذي أراه في ذلك هو رأي ابْن عَبَّاس لصوابه ودلالته على الحجة.\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٢٠.\n(٢) النُّكَت والعُيون: ٣/ ٢٣٥.\n(٣) زَاد المَسِيْر: ٦/ ٢٣٦.\n(٤) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٢٠.","vol":"2","page":16},{"text":"﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾، أي: من الشرك ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ جمع بين الإيمان والعمل الصالح ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ قال الآلوسي: \" أي: الفائزين بالمطلوب عنده تعالى الناجين عن المهروب \" «١» .\nوقد ذكر العلماء في (عسى) وجوه ذكرها الرازي:\nإنه من الكرام تحقيق والله اكرم الأكرمين.\nأن يراد ترجي التائب وطمعه كأنه قال فليطمع في الفلاح.\nعسى أن يكونوا كذلك إن داموا على التوبة والإيمان لجواز أن لا يدوموا «٢» .\nوقال الطبري: \" وعسى من الله واجب \" «٣» .\nوابن كثير:\" عسى من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضله ومنته لا محالة \" (٤) .\nوقال ابن عطية: \" وهذا ظن حسن بالله تعالى يشبه فضله وكرمه واللازم من (عسى) أنها ترجيه لا واجبة، وفي كتاب الله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن\nطَلَّقَكُنَّ﴾ «٥» \" «٦» .\nوقال الثعالبي: \" معنى الوجوب الوقوع \" «٧» .\nوذكر ابن عاشور: \" ﴿فَعَسَى﴾ ترج لتمثيل حالهم بحال من يرجى منه الفلاح. و﴿أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ أشد في إثبات الفلاح ثم أن يفلح \" «٨» .\nوقال البقاعي: \" وإنما يقطع له بالغلام وإن كان مثل ذلك في مجاري عادات الملوك قطعًا إعلامًا بأنه لا يجب عليه سبحانه شيء ليدوم حذره ويتقي قضاؤه وقدرة، فإن الكل منه \" «٩» .\nما يستفاد من النصّ\nدلت الآيات السابقات على ما يأتي:\n_________\n(١) روح المعاني: ٢٠ /١٠٣.\n(٢) مفاتيح الغيب: ١٣ /١٠.\n(٣) جامع البيان: ١٠ /٩٤.\n(٤) تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٣٩٧.\n(٥) سُوْرَة التَّحْرِيمِ: الآية ٥.\n(٦) المحرر الوجيز: ١٢ /١٨١.\n(٧) الجواهر الحسان: ٤/ ٢٧٩.\n(٨) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٦٤.\n(٩) نظم الدرر: ٥ /٥١٢.","vol":"2","page":17},{"text":"أولًا. هناك في الآيات نداءان؛ النداء الأول لإثبات الألوهية لله وحده لا شريك له من خلال إخباره ﷿ عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة حيث يناديهم ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ .\nثانيًا. النداء الثاني لإثبات النبوات من خلال قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم وكيف كان حالكم معهم، وهذا كما يسئل العبد في قبره: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا اله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله. وأما الكافر فيقول: هاه، هاه لا أدري. ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت، لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا، ولذا قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ «١» .\nثالثًا. أجابت الآيات عن ما يتبادر من سؤال في الذهن وهو: ما حكم من تاب من المشركين «٢»؟ بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ .\nوعطف الإيمان عليها لأن المقصود حصول إقلاع عن عقائد الشرك وإحلال عقائد الإسلام محلها، ولذلك عطف عليه بقوله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، لأن بعض أهل الشرك كانوا شاعرين بفساد دينهم، وكان يصدهم عن تقلد شعائر الإسلام أسباب مغرية من الأعراض الزائلة التي افتتنوا بها \" «٣» .\nفباب التوبة إذا مفتوح للمشركين ولغيرهم بهذه الشروط:\nالندم بالقلب.\nترك المعصية في الحال.\nالعزم على ألا يعود إلى المعصية.\n_________\n(١) ينظر تفسير القرآن العظيم: ٣ /٣٩٧.\n(٢) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٦٣.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٦٣.","vol":"2","page":18},{"text":"أن تكون التوبة خوفًا وحياءً من الله.\nأن يكثر الاستغفار.\nإعادة حقوق الناس إذا كان الأمر يتعلق بهم، لأن الله تعالى لا يتخلى عن حقوق الآخرين «١» .\nقال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ «٢» . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المطلب الثالث: الله وحده الخالق المتصرف العالم بمكنونات الأنفس</span>\n﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٤» .\nالمناسبة\nبعد أن بين جل وعلا فيما مضى من الآيات كيف تسقط في يوم القيامة من بين أيدي المشركين الكفرة أعذارهم، ويتخلى عنهم من اعتقدوا في الدنيا أنهم ينصرونهم من دون الله، فأظلمت في وجوههم الأمور وعميت عليهم الأنباء، ثم ينتزع الله تعالى من الكفرة من تاب من كفره وآمن بالله ورسله وعمل بالتقوى، فيرتجي ﵀ وتوبته له ونعيمه المقيم في جناته، ثم يأتي قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ليخبر بها أنه يختار من بين عباده رسلًا وأنبياء، وليس لأحد من خلقه مثل ذلك «٥» .\n_________\n(١) ينظر التوابين. ابن قدامة المقدسي. الطبعة الأولى. بيروت، لبنان. ١٩٨٨ م: ص ٣٢٠.\n(٢) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ١٦٠.\n(٣) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٢٢.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٦٨ -٧٠.\n(٥) ينظر المحرر الوجيز: ١٢ / ١٨١.","vol":"2","page":19},{"text":"وقال ابن عاشور: \" وظاهر عطفه على ما قبله أن معناه آيل إلى التفويض إلى حكمة الله تعالى في خلق قلوب متفتحة للاهتداء ولو بمراحل وقلوب غير متفتحة له، فهي قاسية صماء وأنه الذي اختار فريقًا على فريق \" «١» .\nأسباب النزول\nقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾:\nاختلف المفسرون في سبب نزولها على قولين:\nأولًا. أنه عني بذلك قومًا من المشركين جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا: هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا، فنزل ذلك فيهم قاله ابن شجرة «٢» .\nثانيًا. وقال جماعة من المفسرين: إنها نزلت جوابًا للمشركين حين قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ «٣» يعني الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف «٤» .\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿يَخْلُقُ﴾:\nالخالق هو الله تعالى، والخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثال لم تسبق إليه، وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه. وقال أبو بكر الأنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه والآخر التقدير.\nوقال ابن سيده: خلق الله الشيء يخلقه خلقًا أحدثه بعد أن لم يكن «٥» .\nوقال الراغب: \" الخلق أصله التقدير المستقيم ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا اقتداء \" «٦» .\n٢. ﴿الْخِيَرَةُ﴾:\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٦٤.\n(٢) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٦.\n(٣) سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية ٣١.\n(٤) ينظر المحرر الوجيز: ١٢ /١٨١. لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٣٩.\n(٥) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (خلق) ١٠ /٧٥.\n(٦) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٥٨.","vol":"2","page":20},{"text":"قال الراغب: \" الخبر الفاصل المختص بالخير يقال: ناقة خِيَار وجمل خِيَار واسْتَخَار الله العبد فَخَارَ له، أي: طلب منه الخير فأولاه، وخَابَرت فلانًا كذا فَخِرتَه. والخِيَرَة الحالة التي تحصل للمتَخَيّر والمُخْتَار نحو القِعْدة والجِلْسَة لحال القاعد والجالس \" «١» .\n٣. ﴿تُكِنُّ﴾:\n\" كنت الكِنّ والكِنَّة والكِنَان: وقاء كل شيء وستره. والكِنّ البيت أيضًا والجمع أَكْنَان، وأَكِنَّه وكَنَّ الشيء يَكُنَّه كَنَّا وكُنُونًا وأَكَنَّه وكَنَّنَه ستره \" «٢» .\nقال الراغب: \" الكِنُّ ما يحفظ فيه الشيء يقال: كَنْنَت الشيء كِنًّا جعلته في كِنٍّ، وخصّ كَنْنت بما يُستر ببيت أو ثوب وغير ذلك من الأجسام. وأَكْنَنْت بما يستر في النفس قال تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ «٣» \" «٤» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿وَيَخْتَارُ﴾:\nقال القرطبي: \" الوقف التام على (ويختار) «٥» . وقال علي بن سليمان: هذا الوقف التام \" «٦» .\n٢. ﴿تُكِنُّ﴾:\nوقرأ ابن محيصن بفتح التاء وضم الكاف (تكن) «٧» .\n٣. ﴿تُرْجَعُونَ﴾:\nقرأ يعقوب بفتح التاء وإسكان الراء وكسر الجيم (تَرْجِعون) «٨»\nالقضايا البلاغية\n_________\n(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٦٥.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (كنن) ١٣/ ٣٦٠.\n(٣) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٣٥.\n(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٥٩.\n(٥) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٢١.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢/ ٤٤٣.\n(٧) البَحْر المُحِيْط: ٧/١٣٠.\n(٨) إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٣.","vol":"2","page":21},{"text":"أولًا. الإدماج «١» في قوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ﴾ فإن هذه الآية أدمجت فيها المبالغة في المطابقة لأن انفراده سبحانه بالحمد في الآخر، وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه مبالغة في وصف ذاته بالانفراد والحمد، وهذه وإن خرج الكلام مخرج المبالغة في الظاهر فالأمر فيها حقيقة في الباطن لأن أولى بالحمد في الدارين ورب الحمد والشكر والثناء الحسن في المحلين حقيقة وغيره من جميع خلقه إنما يحمد في الدنيا مجازًا وحقيقة حمده راجعه إلى ولي الحمد سبحانه (٢) .\nثانيًا. الطباق بين (تكن - ويعلنون)، وبين (الأولى - والآخرة) وهو من المحسنات البديعة «٣» .\nالمعنى العام للآيات\n﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾\nقال ابن عاشور المعنى: إن الله يخلق من يشاء من خلقه من البشر وغيرهم، ويختار من بين مخلوقاته لما يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء إرساله، وليس يرسل من اختاروه هم \" «٤» .\nوقيل: هو جواب لليهود إذ قالوا: لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به. قال ابن عباس ﵄: يخلق ما يشاء من خلقه ويختار من يشاء لنبوته.\nوقال النقاش: يخلق ما يشاء من خلقه يعني محمد (- ﷺ -) ويختار الأنصار لدينه «٥» .\n_________\n(١) الإدماج: هو أن يتضمن الكلام معنيين: معنى مصرح به، ومعنى مشار إليه، ينظر الصناعتين: ص ٤٢٣.\n(٢) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /١٦٨. إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ /٣٦٦.\n(٣) ينظر المصدران أنفسهما.\n(٤) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٦٤.\n(٥) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٢١.","vol":"2","page":22},{"text":"وقال ابن عطية: \" ويحتمل أن يريد؛ ويختار الله تعالى الأديان والشرائع وليس لهم الخيرة في أن يميلوا إلى الأصنام في العبادة. ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ \" «١» .\nقال الزمخشري: \" والمعنى الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجود الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. وقيل: يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح وهو أعلم بصالحهم من أنفسهم \" «٢» .\n﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾\nقال الزمخشري: \" أي: الله برئ من إشراكهم وما يحملهم عليه من الجرأة على الله واختيارهم عليه ما لا يختار \" «٣» .\n﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾\nأي \" ما يكنون ويخفون في صدورهم من الاعتقادات الباطلة، ومن عداوتهم لرسول الله (- ﷺ -) ونحو ذلك ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، وما يظهرونه من الأفعال الشنيعة والطعن فيه (- ﷺ -) وغير ذلك، ولعله للمبالغة في خباء باطنهم لأن ما فيه مبدأ لما يكون في الظاهر من القبائح لم يقل ما يكنون كما قيل ما يعلنون \" «٤» .\nوذكر الرازي أن الثواب غير واجب عليه، بل هو سبحانه يعطيه فضلًا وإحسانًا، فله الحمد في الآولى والآخرة، ويؤكد ذلك قول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ «٥» .\nأما المعتزلة فعندهم الثواب مستحق، فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فما أنعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١٢ /١٨١.\n(٢) الكَشَّاف: ٣ /١٨٨ –١٨٩.\n(٣) المصدر نفسه: ٣ /١٨٩.\n(٤) روح المعاني: ٢٠ /١٠٦.\n(٥) سُوْرَة فَاطِرِ: الآية ٣٤.","vol":"2","page":23},{"text":"وقيل: إنه يستحق الحمد والشكر من أهل النار. وأيضًا بما فعله بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم لأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله عليهم من أن يوجب الشكر.\nوقال الرازي: وهذا فيه نظر لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا بالضرورة أن التوبة عن القبائح يجب على الله قبولها، وعلموا بالضرورة أن الاشتغال بالشكر الواجب عليهم يوجب على الله الثواب وهم قادرون على ذلك وعالمون بأن ذلك مما يخلصهم عن العذاب ويدخلهم في استحقاق الثواب، أفترى أن الإنسان مع العلم بذلك والقدرة عليه يترك هذه التوبة؟ كلا بل لا بد أن يتوبوا، وأن يشتغلوا بالشكر ومتى فعلوا ذلك بطل العقاب «١» .\n﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾\nقال ابن عاشور: \" له القضاء، وهو تعيين نفع أو ضر للغير وحذف المتعلق بالحكم لدلالة قوله تعالى: ﴿فِي الآولَى وَالآخِرَةِ﴾ عليه أي: له الحكم في الدارين. والاختصاص مستعمل في حقيقته ومجازه، لأن الحكم في الدنيا يثبت لغير الله على المجاز، وأما الحكم في الآخرة فمقصور على الله، وفي هذا إبطال لتصرف آلهة المشركين فيما يزعمونه من تصرفاتها، وإبطال لشفاعتها التي يزعمونها \" «٢» .\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قال الرازي: \" إلى محل حكمه وقضائه ترجعون \" «٣» .\nما يستفاد من النصّ\n_________\n(١) ينظر مفاتيح الغيب: ١٣ /١٢.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٦٨.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١٣/١٢.","vol":"2","page":24},{"text":"أولًا. دلت الآيات على الاختيار الدال على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته، فلا أحد يشاركه في اختياره، ولا فيما يفضله جل وعلا، فخلق الخلق، وجعل الأفضلية من بين خلقه للإنسان على كثير ممن خلق تفضيلًا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ «١» . ويهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء ذكورًا، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير ٌ﴾ «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٧٠.\n(٢) سُوْرَة الشُّورَى: الآيتان ٤٩ – ٥٠.","vol":"2","page":25},{"text":"واختار من بين عبادة رسلًا وأنبياء، واختار منهم سيدنا محمد (- ﷺ -) لختم الرسل والأنبياء وجعل رسالته خاتمة الرسالات وفضله على جميع الأنبياء والرسل قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ «١» . واختار من بين الأيام يوم النحر كأفضل يوم عند الله، واختار من بين الشهور شهر رمضان، واختار من أفضل الليالي ليلة القدر، واختار يوم الجمعة كأفضل يوم من أيام الأسبوع، واختار البلد الحرام من بين الأمكنة ليكون مكانًا لبيته الحرام، واختار السموات السبع، واختار العليا منها فجعلها مستقرًا للمقربين من ملائكته وأسكنها من يشاء من خلقه، فلا أحد له حق الاعتراض على ما فضل، وليس من واجبه معرفة السر في التفضيل والاختيار «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٥٥.\n(٢) ينظر محاسن التأويل: ١٣/ ٤٧٢٢.","vol":"2","page":26},{"text":"ثانيًا. أشارت الآية إلى سنة (الاستخارة) التي علمها رسول الله (- ﷺ -) لأصحابه الكرام، قال بعض العلماء: لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك، بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ «١»، وفي الركعة الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ «٢»، واختار بعض المشايخ أن يقرا في الركعة الأولى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ «٣»، وفي الركعة الثانية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ «٤»، وكلٌ حسن، ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السلام.\nوهو ما أخرجه البخاري، والترمذي، والبيهقي من حديث جابر (- ﵁ -) «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَة الكافرون: الآية ١.\n(٢) سُوْرَة الإخلاص: الآية ١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٨.\n(٤) سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية ٣٦.\n(٥) صَحِيْح البُخَارِي: باب ما جاء في التطوع ١ /٣٩١ رقم (١١٠٩) . سنن الترمذي: ٢ /٣٤٥. السنن الكبرى (البيهقي): ٣/ ٥٢.","vol":"2","page":27},{"text":"قال: «كان رسول الله (- ﷺ -) يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذَا هَمَّ أحَدُكُمْ بالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فإنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أعْلَمُ، وأنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لي فِي دِيني وَمَعاشِي وَعاقِبَةِ أمْرِي، أو قال: عاجلِ أمْرِي وآجِلِهِ، فاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لي، ثُم بارِكْ لي فِيهِ، وَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ شَرٌّ لي في دِينِي وَمعاشِي وَعاقِبَةِ أمْرِي، أو قال: عاجِلِ أمْرِي وآجِلِهِ، فاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، قال: ويُسمِّي حاجَتَهُ» .\nوعن سعد بن أبي وقاص (- ﵁ -): قال رسول الله (- ﷺ -): «مِنْ سَعَادَةِ ابنِ آدَمَ اسْتِخَارَته الله، وَمِنْ شَقَاوَته تَرْكُهُ» «١» .\n_________\n(١) نوادر الأصول في أحاديث الرَسُوْل. مُحَمَّد بن عَلِيّ بن الحَسَن أبو عَبْد الله الحكيم الترمذي. من علماء القرن الثالث الهجري. تحقيق: د. عَبْد الرَّحْمَن عميرة. دار الجيل. بيروت. ط١. ١٩٩٢ م.: ٢ /١٠٧. المسند للشاشي. الهيثم بن كليب الشاشي أبو سعيد. ت ٣٣٥ هـ. تحقيق: د. محفوظ الرَّحْمَن زين الله. مَكْتَبَة العُلُوْم والحكم. المدينة المنورة. ط١. ١٤١٠ هـ.: ١ /٢٢٤. مجمع الزوائد: ٢ /٢٧٩. وقال الحافظ الهيتمي: وفيه محمد بن أبي حميد وقال ابن عدي ضعفه بين على ما يرويه وحديثه مقارب","vol":"2","page":28},{"text":"قال العلماء: ينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون حائلا إلى أمر من الأمور. فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه فإن الخير فيه أن شاء الله «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المطلب الرابع: دلائل قدرة الله ﷿ في سورة القصص وتأكيد توبيخ المشركين على مزاعمهم</span>\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ «٢» .\nالمناسبة\nلما بين من قبل استحقاقه للحمد على وجه الإجمال بقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه ما لا يقدر عليه سواه «٣»، فقال لرسوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ .\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٢٣. الجواهر الحسان: ٤ /٢٨٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٧١ - ٧٥.\n(٣) ينظر مفاتيح الغيب: ١٣ /١٢.","vol":"2","page":29},{"text":"وقال البقاعي: \" ولما قامت على القدرة الشاملة والعلم التام، وأنه الإله وحدوا أو ألحدوا هذه الأعلام على هذا النظام أقام دليلًا على ذلك كله بما اجتمع فيه\nمن العلم والحكمة وتمام القدرة منبهًا على وجوب حمده مفصلًا لبعض ما يحمد عليه \" «١» .\nوقال ابن عاشور: \" بعد أن تم الاستدلال بما سبق من الآيات على انفراده بالإلهية بصفات ذاته إلى الاستدلال على ذلك ببديع مصنوعاته، وفي ضمن هذا الاستدلال إدماج الامتنان على الناس وللتعريض بكفر المشركين جلائل نعمه \" «٢» .\nفنلاحظ الترابط والتلازم بين الآيات القرآنية، وهو وجه من وجوه الإعجاز القرآني.\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿سَرْمَدًا﴾:\nقال ابن منظور: السَّرْمَد دوام الزمان من ليل أو نهار. قال الزجاج: السرمد الدائم «٣» . وقال الزمخشري: \" والسرمد الدائم المتصل من السرد وهو المتابعة، ومنه قولهم في الأشهر الحرم: «ثلاثة سرد وواحد فرد» «٤» . والميم زائدة ووزنه فعمل «٥» .\nوقال قسم من العلماء أن الميم أصلية ووزنه فعلل، لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر «٦» .\n٢. ﴿تَسْكُنُونَ﴾:\n_________\n(١) نظم الدرر: ٢٠ /١٦٨.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٦٨.\n(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (سرمد) ٣/٢٠٠.\n(٤) لم اقف عليه في كتب الحديث. وقد رواه المفسرون ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٣ /٤٥. تفسير القرآن العظيم: ٢ /٣٥٦. وينظر أيضًا شرح النووي على صحيح مسلم: ١١ /١٦٨. فَتْح البَاري: ٢/ ٣١٥.\n(٥) الكشاف: ٣/ ١٨٩.\n(٦) ينظر إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ / ٣٦٧.","vol":"2","page":30},{"text":"السُّكُون ضد الحركة سَكَنَ الشيء يَسْكُن سُكُونًا، إذا ذهبت حركته وأَسْكَنه هو وسَكَّنَه غيره تَسْكِينًا، وكل ما هَدَأ فقد سَكَنَ كالريح والحر والبرد ونحو ذلك. وسَكَن الرجل سَكَت. وقال أبو العباس في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ «١»، قال: إنما الساكن من الناس والبهائم، والبهائم خاصة وقال ابن الأعرابي: معناه وله ما حل في الليل والنهار «٢» .\nوقال الراغب الأصفهاني: \" السكون ثبوت الشيء بعد تحرك ويستعمل في الاستيطان نحو سكن فلان مكان كذا، أي: استوطن، واسم المكان مسكن، والجمع مساكن \" «٣» .\n٣. ﴿وَنَزَعْنَا﴾:\n\" نَزَع الشيء يَنْزَعُه نَزْعًَا فهو مَنْزُوع ونَزِيْع وانْتَزَعَه فانْتَزَعَك اقتلعه فاقتلع. وفرّق سيبويه بين نَزَع وانْتَزَع فقال: انْتَزَع اسْتَلَب ونَزَعَ: حوَّل الشيء عن موضعه، وإن على نحو الاستلاب نَزَع الأمير العامل من عمله أزاله \" «٤» .\nوقال ابن عاشور: \" النَّزْع جذب شيء من بين ما هو مختلط به، واستعير هنا لإخراج بعض من جماعة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ «٥» \" «٦» .\n٤. ﴿شَهِيدًا﴾:\n_________\n(١) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ١٣.\n(٢) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (سكن) ١٣/ ٢١١.\n(٣) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٤٢.\n(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (نزع) ٨/ ٣٤٩-٣٥١.\n(٥) سُوْرَة مَرْيَمْ: الآية ٦٩.\n(٦) التحرير التنوير: ٢٠/ ١٧٢.","vol":"2","page":31},{"text":"الشَّهيد من أسماء الله ﷿ الأمين في شهادته. وقيل: الشهيد الذي لا يغيب عن علمه شيء. وقال ابن ميسره: الشاهد العالم الذي يبين ما علمه، والجمع أشهاد وشهود وشهيد والجمع شهداء والشهادة، خبر قاطع تقول منه: شهد الرجل على كذا، وقال أبو العباس: شهد الشاهد عند الحاكم بيَّن ما يعلمه وأظهره «١» .\nوقال الراغب: \" الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة أما بالبصر وأما بالبصيرة \" «٢» .\n٥. ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾:\n\" البرهان بيان للحجة، وهو فعلان مثل الرُّجْحان والثُّنْيان، وقال بعضهم: وهو مصدر بَرَه يَبَرَه إذا أبْيَّض. ورجل أَبَرَه وامرأة بَرْهَاء، وقوم بُرْه. وبَرهَرْهَة شابة بيضاء، والبُّرْهَان أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق أبدًا لا محالة \" «٣» .\nوقال ابن منظور: \" البرهان بيان الحجة واتضاحها \" «٤» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾:\nقرئت بثلاث قراءات:\nأ. بتسهيل الهمزة بين بين (نافع، وأبو جعفر، والازرق، وورش) .\nب. بإبدالها ألفًا ممدودة (الازرق، وورش) .\nج. بحذفها وليس بحذف قياسي (الكسائي) «٥» .\n٢. ﴿بِضِيَاءٍ﴾:\nقرا ابن كثير: (بِضَأء) بهمزتين، وقرأها كذلك قنبل. وروى ابن فليح، والبزي عن ابن كثير بغير همز، وهو الصواب «٦» .\n٣. ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾:\nقرأ بالإدغام الكبير «٧» .\nالقضايا البلاغية\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (شهد) ٣/ ٢٣٨-٢٣٩.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٧٦.\n(٣) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٢- ٤٣.\n(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (بره) ١٣/ ٤٧٦.\n(٥) الحجة في علل القراءات: ٥ /٤٢٥. الكشاف: ٣/ ١٨٩. روح المعاني: ٢٠/ ١٠٦. معجم القراءات القرآنية: ٥/ ٣٣.\n(٦) الحجة في علل القراءات: ٥/ ٤٢٥.\n(٧) غيث النفع: ص ٣١٧. معجم القراءات القرآنية ٥/ ٣٣","vol":"2","page":32},{"text":"١. (المناسبة) «١» في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾، فإنه ﷾ لما أسند جعل الليل سرمدًا إلى يوم القيامة لنفسه، وهو القادر الذي جعل الشيء لا يقدر غيره على مضادته قال: ﴿أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾، لمناسبة السماع للطرف المظلم من جهة صلاحية الليل للسماع دون الإبصار لعدم نفوذ البصر في الظلمة. ولما أسند جعل النهار سرمدًا إلى يوم القيامة لنفسه كأن لم يخلق فيه ليل ألبتة، قال في فاصلة هذه الآية: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ لمناسبة ما بين النهار والإبصار «٢» .\n_________\n(١) المناسبة: مرجعها في الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينهما عام أو خاص، عقلي أو حسي أو خيالي أو غير ذلك من أنواع علاقات التلازم الذهني من السبب والمسبب، والعلة والمعلول، وفائدته جعل أجزاء كلام بعضها آخذًا ببعض. معترك الأقران: ١ /٥٧.\n(٢) ينظر الكشاف: ٣/ ٣٦٩. إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥/ ٣٦٩.","vol":"2","page":33},{"text":"٢. (اللف والنشر) «١» في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، قال الزمخشري: \" زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة: لتسكنوا في أحدها وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر وهو النهار، ولإرادة شكركم، وقد سلكت بهذه الآية طريقة اللف في تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء إيذانا بأن لا شيء أجلب الغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده \" «٢» .\n_________\n(١) اللف والنشر: هو لف الخبرين المختلفين ثُمَّ رمي تفسيرهما جملة ثقة بأن السامع يرد إلى كلّ خيره، الكامل في اللغة والأدب، المبرد، أبو العباس محمد بن يزيد النحوي، ت ٢٨٥ هـ، تحقيق: مُحَمَّد أبو الفضل إبراهيم. الطبعة الرابعة. مَكْتَبَة الخانجي بالقاهرة. ١٩٨٧ م.: ١ /١١٢.\n(٢) ينظر الكشاف: ٣/١٨٩. التحرير التنوير: ٢٠/ ١٧١.","vol":"2","page":34},{"text":"٣. صحة المقابلات «١) \" فقد جاء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان، وجاء السكون والحركة في عجزه وهما ضدان، ومقابلة كل طرف منه بالطرف الآخر على الترتيب، وعبر سبحانه عن الحركة بلفظ الإرداف، فاستلزم الكلام ضربًا من المحاسن زائدًا على المقابلة، والذي أوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل كون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة، وابتغاء الفضل حركة للمصلحة دون المفسدة، وهي اشتراك الإعانة بالقوة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل، وسلامة الحس، ويستلزم إضاءة الطرف الذي تلك الحركة المخصوصة واقفة فيه ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المآرب ويتقي أسباب المعاطب. والآية سيقت للاعتداد بالنعم، فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه وتابعه ليتم حسن البيان، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح التي لو عدد بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة، فحصل بهذا الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن، ألا تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان حيث قال: (لتسكنوا)\nو(لتبتغوا) بلام التعليل، فجمعت هذه الكلمات المقابلة والتعليل الإشارة والإرداف والائتلاف وحسن النسق وحسن البيان لمجيء الكلام فيها متلاحمًا آخذة أعناق بعضه ببعض ثم اخبر بالخبر الصادق أن جميع ما عدد من النعم التي هي من لفظي الإشارة والإرداف بعض رحمته حيث قال بحرف التبعيض (ومن رحمته) وكل هذا في بعض آية\n_________\n(١) صحة المقابلات: هو عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي، فإذا أتى في صدره بأشياء قابلها في عجزه بأضدادها أو بأغيارها من المخالف أو المواقف على الترتيب بحيث يقابل الأول بالأول والثاني بالثاني ولا يحرم من ذلك شيئًا في المخالف والمواقف ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة، ينظر نقد الشعر: ص ١٥٤. إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥/ ٣٧٠.","vol":"2","page":35},{"text":"عدتها إحدى عشرة لفظة \" «١» .\n٤. التفسير «٢»: في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ \" من هنا للسبب، أي: وبسبب رحمته إياكم جعل لكم الليل والنهار، ثُمَّ علل جعل كل واحد منها، فبدأ بعلة الأول وهو (الليل)، وهو (لتسكنوا فيه)، ثم بعلة الثاني وهو (ولتبتغوا من فضله) ثم بما يشبه العلة لجعل هذين الشيئين وهو (لعلكم تشكرون)، أي: هذه الرحمة والنعمة \" «٣» .\nالمعنى العام للآيات\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾\nأي (قل) يا محمد لأهل مكة (أرأيتم) اخبروني إن جعل الله عليكم الليل سرمدًا بأن يسكن الشمس تحت الأرض إلى يوم القيامة، لا نهار معه، فمن إله غير الله يأتيكم بنور تطلبون فيه المعيشة، ونهار تبصرون فيه، (أفلا تسمعون)، أي: سماع فهم وقبول، فتستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى «٤» .\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾\nقال أبو السعود: \" بإسكانها في وسط السماء، أو بتحريكها على مدار فوق الأفق، من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه \" «٥» .\n_________\n(١) ينظر إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ /٣٧٠ –٣٧١.\n(٢) التفسير: هو البيان والكشف والتصريح ضد الإبهام. أنوار الربيع: ٦/١٢٣.\n(٣) البحر المحيط: ٧/ ٣٠.\n(٤) ينظر الوسيط: ٣ /٤٠٦. لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٣٩. حاشية الصاوي: ٣ /٢٢٥.\n(٥) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧/ ٢٣. وينظر أيضًا زاد المسير: ٦/ ٢٣٨.","vol":"2","page":36},{"text":"قال الزمخشري: \" فإن قلت: هلا قيل: بنهار تتصرفون فيه كما قيل: بليل تسكنون فيه؟ قلت: ذكر الضياء - وهو ضوء الشمس - لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثم قرن بالضياء (أفلا تسمعون)، لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل (أفلا تبصرون) لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون \" «١» .\n﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾\nقال ابن كثير في معنى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ بكم ﴿جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، أي: خلق هذا وهذا «٢» .\nوقال الخازن: \" يتعاقبان بالظلمة والضياء و﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾، أي الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: بالنهار \" «٣» .\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قال البيضاوي: \" لكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها \" «٤» .\nوقال الخازن: \" وقيل: إن من نعمة الله تعالى على الخلق أن جعل الليل والنهار يتعاقبان، لأن المرء في حال الدنيا وفي حال التكليف مدفوع إلى التعب ليحصل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولأجله يحصل الاجتماع، فتمكن المعاملات. ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالراحة والسكون بالليل، فلا بد منهما \" «٥» .\n\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾\n_________\n(١) الكشاف: ٣/ ١٨٩. البحر المحيط: ٧/ ١٣٠.\n(٢) تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٣٩٨.\n(٣) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣/ ٤٣٩.\n(٤) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل: ٢/ ٢٣٣.\n(٥) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣/ ٤٣٩. الفُتُوحَات الإِلَهِية: ٣/ ٧٥٩.","vol":"2","page":37},{"text":"\" نداء ثان على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهًا آخر يناديهم الرب على رؤوس الأشهاد ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، أي: في دار الدنيا \" «١» .\n﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾\nأي: أخرجنا من كلّ أمة رسولها الذي يشهد عليها بالتبليغ «٢» .\n﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾\n\" قال مجاهد: حجتكم بما كنتم تعبدون. وقال مقاتل: حجتكم بأن معي شريكًا \" «٣» .\n﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾\nنقل الماوردي في معناها ثلاثة أوجه:\nأولًا - العدل لله.\nثانيًا - التوحيد لله، قاله السدي.\nثالثًا - الحجة لله، قاله ابن جبير «٤» .\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾\n\" أي: وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع من ألوهية غير الله والشفاعة لهم\" (٥) .\nما يستفاد من النصّ\nدلت الآيات فيما دلت عليه على الإعجاز العلمي في تكوين الليل والنهار:\n١. دلت الآيات على أن الله جعل ليل ونهار ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾\nفأشارت الآية إلى أن قسم من الناس عليهم ليل يسكنون فيه، والقسم الآخر من الكرة الأرضية المواجه للشمس عليهم نهار يبتغون فيه من فضل الله، وتدور الأرض ويصبح أهل النهار عليهم ليل يسكنون فيه بعد نهار من التعب والعمل، وأهل الليل يكون عليهم نهار للعمل والابتغاء من فضل الله بعد أن أخذوا قسطًا من الراحة استعدادًا لليوم التالي، ودل على أن الأرض كروية.\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم: ٣ /٣٩٨.\n(٢) زَاد المَسِيْر: ٦ /٢٣٨.\n(٣) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٦.\n(٤) المصدر نفسه: ٣ /٢٣٦.\n(٥) مَدَارِك التَّنْزِيل: ٣/ ٣٤٤.","vol":"2","page":38},{"text":"٢. يفهم من تقديم الليل على النهار في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ على أن النهار انما ينسلخ من الليل كما دل على ذلك قوله تعالى ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ «١»، ولقد كشف العلم الحديث أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض، ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار الرقيقة التي كانت متكونة بسبب انعكاسات الأشعة القادمة من الشمس على الجزيئات الموجودة في الهواء مما يسبب النهار فيحدث بهذا الدوران سلخ النهار من الله «٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة (يس): الآية ٣٧.\n(٢) ينظر شبكة الانترنيت موقع (gogele) الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، عبد المجيد الزناداني.","vol":"2","page":39},{"text":"٣. أطلق القرآن الكريم على ما تصدره الشمس من أشعة ضياء قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾، وأطلق على ما يصدره القمر نورًا ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ «١»، فأكثر القواميس لا تفرق بين الضوء والنور، بل يعدهما البعض مرادفين لمعنى واحد، وفي الحقيقة أن هناك فرق كبير بين اللفظيين، فكما معروف أن مصادر الضوء تقسم على نوعين: مصادر مباشرة كالشمس والنجوم، ومصادر غير مباشرة كالقمر والكواكب، فهذه الأخيرة تستمد نورها من الشمس ثم تعكسه علينا، فعلى هذا فأن الأشعة التي تأتي من مصدر ضوئي مباشر تسمى (الضوء)، والتي تأخذ من مصدر غير مباشر بـ (النور) «٢» .\n٤. أشارت الآيات كذلك إلى الفوائد الكثيرة التي لا تحصى لأشعة الشمس، ومنها:\nأ. يقول الدكتور (بنتلي) عميد كلية الطب بكلكتا أن الشمس تسبب زيادة سكان الممالك أو نقصها كما تسبب نمو المحصولات أو ضعفها «٣»\nب. وأجمع الأطباء على أن ضوء الشمس يجب أن يتخلل جميع حجرات المنزل حتى تقتل الحيوانات الذرية بل أن الأمر فوق ذلك، فكثير من المدارس في ألمانيا تعرض التلاميذ لأشعة الشمس بين فترة وأخرى لفوائدها الكبيرة لجسم الإنسان «٤» .\nج. وإن الشمس بها يكون البخار فيصير سحابًا فمطرًا فيكون النبات والحيوان.\nد. أن أشعة الشمس مصدر مهم للطاقة في العصر الحديث يستخدم للإنارة، وتسيير السيارات من خلال خزن الضوء في ألواح زجاجية بلورية وتوليد الطاقة منها.\n_________\n(١) سُوْرَة يُوْنِسَ: الآية ٥.\n(٢) انظر شبكة الانترنيت موقع (gooele) الإعجاز العلمي في القرآن.\n(٣) تفسير الجواهر: ١٣/ ٥٨ - ٦٤.\n(٤) المصدر نفسه: ١٣/ ٦٤.","vol":"2","page":40},{"text":"٥. دل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ .\nأ. على أهمية النوم لجسم الإنسان بعد ساعات العمل التي استقر فيها جميع أعضاء الجسد والتي تحتاج إلى الراحة لتبدأ نهارًا جديدًا.\nب. ونستدل من جعل الليل للسكون على أهمية العتمة والظلام للنائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المبحث الثالث: التوجيهات الإلهية للرسول مُحَمَّد (- ﷺ -) من خلال سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المطلب الأول: وعد الله الرسول بالنصر ورحمة الله على مُحَمَّد (- ﷺ -) بإرساله بالقرآن</span>\n﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ «١» .\nالمناسبة\nقال تعالى في الآيات التي سبقت هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ «٢» .\nفقال البقاعي: \" ولما قرر ذكر الآخرة التي هي المرجع وكرره وأثبت الجزاء فيها، وأن العاقبة للمتقين أتبعه ما هو في بيان ذلك كالعلة فقال مستأنفًا مقررًا مؤكدًا لما تقرر في أذهانهم في إنكار الآخرة وما يقتضيه حال خروجه (- ﷺ -) من مكة المشرفة من استبعاد رده إليها «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٨٣ -٨٤.\n(٣) نظم الدرر: ٥/ ٥٢٩.","vol":"2","page":41},{"text":"فنلاحظ أن الَقُرْآن جعل البشارة بالآخرة في الآيات التي سبقت هذه الآيات للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا، وفي هذه الآية جعلت البشارة لهم في الدنيا بالتمكين في الأرض بعد أن نوهت إلى هذا التمكين في الآيات السابقات، بقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فيتبين بذلك الترابط بين الآيات، ودلالة بعضها على بعضها الآخر.\nأسباب النزول\n﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾\nذكر القرطبي عن مقاتل: خرج النبي (- ﷺ -) من الغار ليلًا مهاجرًا إلى المدينة في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع الطريق ونزل الجحفة عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها، فقال له جرير: إن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ...﴾، أي: إلى مكة ظاهرًا عليها «١» .\nوفي الخازن: \" قال ابن عباس إلى مكة أخرجه البخاري «٢» عنه \" «٣» .\nوقال ابن كثير بعد أن أورد رواية ابن أبي حاتم عن الضحاك: \" وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان جميع السورة مكية \" «٤» .\nونقل القرطبي رواية عن ابن عباس بقوله: نزلت هذه الآية بالحجة «٥» ليست مكية ولا مدنية «٦» .\nوالذي أراه أن هذه الآية ما دامت نزلت بالجحفة وهو (- ﷺ -) متوجه إلى المدينة، وهو إليها أقرب أن تكون مدنية استنادًا إلى القاعدة في المكي والمدني.\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٣٧\n(٢) صَحِيْح البُخَارِي: باب إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد: ٤/ ١٧٩٠ رقم (٤٤٩٥) .\n(٣) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣/ ٤٣٣\n(٤) تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٤٠٣\n(٥) الجحفة ك موضع بين مكة والمدينة وهي ميقات أهل الشام ينظر حاشية الشيخ زاده: ٣/ ٥٢٤.\n(٦) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٥٠٣٧.","vol":"2","page":42},{"text":"تحليل الألفاظ\n١. ﴿فَرَضَ﴾:\n\" فَرَضْت الشيء أفْرِضُه فَرْضًَا وفَرَّضُته للتكثير أوجبته \" «١» .\nوقال الراغب الأصفهاني: \" الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه، كفرض الحديد، وفرض الزند والقوس، والفرض كالإيجاب لكن الإيجاب يقال اعتبارًا بوقوعه وثباته، والفرض بقطع الحكم فيه. قال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ «٢»، أي: أوجبنا العمل بها عليك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ «٣»، أي: أوجب عليك العمل به، ومنه يقال لما ألزم الحاكم من النفقة: فرض \" «٤»\n٢. ﴿لَرَادُّكَ﴾:\n\" الرد صرف الشيء ورجعه، والرَّدُّ مصدر رددت الشيء. ورده عن وجهه يرده ردًا ومردًا وتردادًا: صرفه وهو بناء للتكثير \" «٥» .\nوقال الراغب الأصفهاني: \" الرد صرف الشيء بذاته أو بحالة من أحواله يقال: ردتته فارتد \" «٦» .\nوقال ابن عاشور: \" الرد إرجاع الشيء إلى حاله أو مكانه \" «٧» .\n٣. ﴿مَعَادٍ﴾:\nالمعاد المصير والمرجع. والآخرة معاد الخلق. وقوله تعالى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، يعني إلى مكة عدة للنبي (- ﷺ -) أن يفتحها له. وقال الفراء:\" ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ حين ولدت، والمعاد هنا إلى عادتك حيث ولدت وليس من العود \" «٨» .\n_________\n(١) لِسَان العَرَب: مَادة (فرض) ٧/٢٠٢.\n(٢) سُوْرَة النُّوْرِ: الآية ١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٩٠.\n(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (كثر) ٣/ ١٧٢.\n(٦) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٩٧.\n(٧) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٩٢.\n(٨) لِسَان العَرَب: مَادة (عود) ٣/ ٣١٧.","vol":"2","page":43},{"text":"وقال الراغب: \" العود الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه إما انصرافًا بالذات، أو بالقول والعزيمة. والمعاد يقال للعود وللزمان الذي يعود فيه، وقد يكون للمكان الذي يعود إليه \" «١» .\nالقراءات القرآنية\n﴿يُلْقَى﴾:\nقرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة «٢»، وليس للإمالة ها هنا أي دلالة في توجيه المعنى.\nالقضايا البلاغية\nقال الزمخشري: \" سر التنكر «٣» في قوله تعالى ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ قيل: المراد به مكة، ووجهه أن يراد رده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معادًا له شان، ومرجعًا له اعتداد، لغلبة رسول الله (- ﷺ -) عليها وقهره لأهلها، ولظهور عز الإسلام وأهله، وذل الشرك وحزبه «٤» .\nوقال ابن عاشور: \" والتنكير في (معاد) للتعظيم كما يقتضيه مقام الوعد والبشارة وموقعها بعد قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾، أي: إلى معاد أي معاد. فتنكير (معاد) أفاد أنه عظيم الشان، وترتبه على الصلة أفاد أنه لا يعطى لغيره مثله، كما أن القرآن لم يفرض على أحد مثله «٥» .\nالمعنى العام\n﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾\nأوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل به «٦» . وقد نقل ابن الجوزي ثلاثة أقوال في معنى قوله تعالى: ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ﴾:\n_________\n(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢١٩.\n(٢) معجم القراءات القرآنية: ٥/ ٣٥.\n(٣) التنكر: هو نقيض المعرفة وخلافها، وما دلّ على شيء لا يعينه. الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعُلُوْم حقائق الإعجاز. تَأَلِيْف يحيى بن حمزة بن عَلِيّ العلوي اليمني (٦٦٩ – ٧٤٩) هـ. انتشارات طهران. ١٣٨٥ ش. ق.: ٢ /١١.\n(٤) الكشاف: ٣/ ١٩٣-١٩٤. التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٩٢.\n(٥) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٩٢.\n(٦) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٢٨.","vol":"2","page":44},{"text":"أحدهما - فرض عليك العمل بالقرآن، قاله عطاء بن أبي رياح، وابن قتيبة.\nالثاني - أعطاك القرآن، قاله مجاهد.\nالثالث - أنزل عليك القرآن، قاله مقاتل، والفراء «١» .\n﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾\nنقل الماوردي فيها خمسة أوجه:\nأحدهما - إلى مكة، قاله مجاهد، والضحاك، وابن جبير، والسدي.\nالثاني - إلى بيت المقدس، قاله نعيم القارئ.\nالثالث - إلى الموت، قاله ابن عباس، وعكرمة.\nالرابع - إلى يوم القيامة، قاله الحسن.\nالخامس - إلى الجنة، قاله أبو سعيد الخدري «٢» .\nوقال الشيخ زاده: إن (معاد) هاهنا بمعنى المصير والمنقلب، لا بمعنى المتبادر منه وهو المكان الذي يكون المرء مدة فيه، ثُمَّ يرجع إليه بعد أن فرق عنه، لأنه (- ﷺ -) لم يكن في ذلك المقام مدة حتَّى يعود إليه «٣» .\nوالذي أراه هاهنا أن المقصود بالمعاد (مكة المكرمة) لأن سياق الآية، وما ورد في ذلك من الآراء يعضد الرأي القائل بذلك.\n﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾\nقال الرازي: \" ووجه تعلقه بما قبله أن الله تعالى لما وعد رسوله (- ﷺ -) الرد إلى معاد قال: ﴿قُلْ﴾ للمشركين ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ يعني: نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والاعتزاز بالإعادة إلى مكة ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ يعنيهم وما يستحقون من العقاب في معادهم «٤» .\nما يستفاد من النصّ\nأولًا. دلت الآية على معجزة من معجزات الَقُرْآن، وهي إخباره عن الغيب باعتبار ما سيكون. وهي البشرى بدخول مكة، وذلك في وقت كان يتم فيه استضعاف المسلمين.\n_________\n(١) زَاد المَسِيْر: ٦ /٢٥٠.\n(٢) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٤١.\n(٣) حاشية الشيخ زاده: ٣ /٥٢٤.\n(٤) مفاتيح الغيب: ١٣ /٢٣.","vol":"2","page":45},{"text":"ثانيًا. يمكن أن نستدل من هذه الآية على أن النصر هو للإسلام وللقرآن، مهما كثر أعداؤهما وأنها أحد المبشرات بانتصار الإسلام والمسلمين، فالذي أنزل القرآن ونصر الإسلام والمسلمين في الجيل الأول سينصر دينه وجنده على أعداءه في كلّ زمان ومكان.\nولكن النصر مشروط باتباع الهدى ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ\nأَقْدَامَكُمْ﴾ «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المطلب الثاني: عدم جواز مظاهرة الكافرين</span>\n﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ «٢» .\nالمناسبة\nبعد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾، وما عطف عليها وما تخلل بينها مما اقتضى جميعه الوعد بنصره وظهور أمره وفوزه في الدنيا والآخرة، وأنه جاء من الله إلى قوم في ضلال مبين، وأن الذي رحمه فأتاه الكتاب على غير ترقب منه لا يجعل أمره سدى، فأعقب ذلك بتحذيره من أذى مظاهرة المشركين \" «٣» .\nتحليل الألفاظ\n﴿ظَهِيرًا﴾:\n\" استظهر به أي استعان، وظهرت عليه أعنته، وظهر عليّ أعانني وكلاهما عن ثعلب. وتظاهر فلان فلانًا عاونه، والمظاهرة المعاونة، والظهير العون الواحد والجمع في ذلك، وإنما يجمع ظهير لأن فعيلًا وفعولًا قد يستوي فيه المذكر والجمع \" «٤» .\nالقراءات القرآنية\n١. ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ﴾:\nقرأ ابن مسعود (فلا تجعلنَّ) «٥» .\n٢. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾:\nقرأ كلّ من أبي عمرو، وورش بالإمالة «٦» .\nالقضايا البلاغية\n_________\n(١) سُوْرَة مُحَمَّد (- ﷺ -): الآية ٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٩٥.\n(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (ظهر) ٤/ ٢٥٢.\n(٥) مختصر شواذ القراءات: ص ١١٣.\n(٦) غيث النفع: ص ٣١٨.","vol":"2","page":46},{"text":"قال الشيخ زاده: \" ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ في معنى من يلقي إليك، عبر عنه بقوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا﴾ للمبالغة فإن نفي رجاء الإلقاء أبلغ من نفي الإلقاء، فكأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة، أي: في حال كونه رحمة، أو إلا لأجل رحمة، فيكون الاستثناء متصلًا مفرغًا، ويكون المستثنى منه أعم الأحوال أو العلل، ولا يجوز أن يكون الاستثناء باعتبار اللفظ لأنه إذا قيل: ما كنت ترجوه إلا رحمة، لزم أن يكون ﵊ راجيًا أن يلقى إليه الكتاب لأجل الرحمة، وظاهر أنه ﵊ لم يكن راجيًا له أصلًا \" «١» .\nقوله تعالى: ﴿يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ فيه استعارة، وذلك أن معنى إلقاء الكتاب وحيه به إليه، أطلق عليه اسم الإلقاء على وجه الاستعارة «٢»\n﴿فَلاَ تَكُونَنَّ﴾ قال ابن عاشور: \" فإن فعل الكون لما وقع في سياق النهي، وكان سياق النهي مثل سياق النفي، لأن النهي أخو النفي في سائر تصاريف الكلام، كان وقوع فعل الكون في سياقه مفيدًا في تعميم النهي عن كلّ كون من أكوان المظاهرة للمشركين «٣» .\nالمعنى العام\n﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾\nقال أبو حيان: \" هذا تذكير لنعمه تعالى على رسوله، وأنه تعالى رحمه رحمة لم يتعلق بها رجاؤه. وقيل: بل هو متعلق بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ وأنت بحال من لا يرجو ذلك «٤» .\n﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾\n_________\n(١) حاشية الشيخ زاده: ٣/ ٥٢٤.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٩٤.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢٠ / ١٩٥.\n(٤) البَحْر المُحِيْط: ٧ / ١٣٦.","vol":"2","page":47},{"text":"قال القرطبي: \" أي عونًا ومساعدة \" «١» .\nوقال ابن عاشور: \" تعميم النهي عن كون كلّ من أكوان المظاهرة للمشركين، والمظاهرة المعاونة، وهي مراتب أعلاها النصرة، وأدناها المصافحة والتسامح، لأن في المصافحة على المرغوب إعانة لراغبه \" «٢» .\nما يستفاد من النصّ\nهناك معانٍ جليلة يمكن أن نستنبطها من هذه الآية، لأهميتها القصوى في هذه المرحلة الحرجة والمعقدة من حياة المسلمين، فبعد أن ابتعد المسلمون عن منهج الله وتفرقوا، تكالب الأعداء عليهم، واستلبوا حقوقهم و‘إرادتهم، نصَّبوا على كثير من البلاد الإسلامية ولاة أذنابًا للأجنبي وللكافرين، فحرفوا منهج الله فقادوا شعوبهم إلى الذل والتخاذل، فأجبروا شعوبهم على تقديم المعاونة لأعداء الله، بل وحتى القتال معهم جنبًا إلى جنب، فكلنا يذكر أن قسمًا من الدول العربية والإسلامية قاتلت مع أمريكا في حربها الظالمة ضد العراق بفتوى باطلة أصدرها بعض علماء السلاطين.\nوفي أفغانستان ذلك البلد المسلم الفقير بكل شيء إلا من إيمانهم بالله جل وعلا قام قسم من ولاة المسلمين بفتح قواعده للطائرات الأمريكية الغازية للتزود بالوقود ولضرب الشعب الأفغاني المسلم، وقسم اخر قام بمعاونة الأعداء سرًا عن طريق تزويده بالمعلومات الاستخبارية عن المجاهدين الأفغان.\nسنجعل من قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ منطلقًا للإجابة عن سؤال في غاية الأهمية، هو: ما الحكم الشرعي فيمن يعين دولة أجنبية على دولة إسلامية بما يكون سببًا في سفك دماء المسلمين أو إتلاف ديارهم وأموالهم؟\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٣٧.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٩٥.","vol":"2","page":48},{"text":"إن ظاهر سياق الآية الكريمة ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ جاءت في سياق التوجيهات الإلهية للرسول (- ﷺ -) والمقصود بها أمته (- ﷺ -) لأنه حاشا لرسول الله (- ﷺ -) أن يظاهر الكافرين.\nإن الإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أولياء بعضهم للبعض الأخر، وحذر كلّ التحذير من موالاة أعداء الإسلام، وجعل الولاء والبراء شرط في الإيمان كما قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ «١»\nوعدَّ الرَّسُول (- ﷺ -) الولاء والبراء من أوثق عرى الإيمان كما قال (- ﷺ -): «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» «٢» وهذا من دليل الكمال في آفاق النص القرآني بمعناه العام والخاص.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة المَائِدَة: الآية ٨٠ –٨١.\n(٢) مسند الإمام أحمد: ٤ /٢٨٦. مجمع الزوائد: ١ /٨٩ وقال الهيتمي: رواه أحمد، وفيه ليث بن أبي سليم ضعفه الأكثر.\n(٣) سُوْرَة المَائِدَة: الآية ٥١.","vol":"2","page":49},{"text":"فمن حارب الإسلام خفيةً أو ظاهرًا منفردًا أو مع جماعة فهو عدو المسلمين، وكل من أعانه من المسلمين فهو مرتد قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ «١»، فقد نفى الله جل وعلا الإيمان نفيًا مطلقًا عن الذين يوادون من حاد الله ورسوله. وقال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ «٢» .\nفالآية تكشف عن تلك النوايا الخبيثة وتحارب الجرائم التي تنال من جسم الأمة وتفتك بقوتها والولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم ونصرتهم والنصح لهم والدعاء لهم والسلام عليهم وزيارة مريضهم وتشييع ميتهم وإعانتهم والرحمة بهم.\nوالبراءة من الكفار تكون ببغضهم دينًا، ومفارقتهم وعدم الركون إليهم والحذر من التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم شرعًا، ولما كانت موالاة الكفار تقع على شُعب متفاوتة وصور مختلفة، لذا فإن الحكم فيها ليس حكمًا واحدًا، فإن من هذه الشُّعب والصور ما يوجب الردة ونقض الإيمان بالله، ومنها ما هو دون ذلك من المعاصي «٣» .\nالإجماع، أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تحريم معاونة الكافرين بأي شكل من أشكال المعاونة للأدلة التي سقناها فيما مضى:\n_________\n(١) سُوْرَة المُجَادَلَةِ: الآية ٢٢.\n(٢) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٢٨.\n(٣) رسالة الولاء والبراء. عبد العزيز القحطاني. الطبعة الأولى. دار الدعوة للنشر والتوزيع. ١٩٩٨ م.: ص ٣ – ٧.","vol":"2","page":50},{"text":"فقد انعقدت ندوة لواء الإسلام «١» بدار لواء الإسلام في مساء الثلاثاء ١٦ من جمادى الأولى ١٣٧٦ هجرية الموافق ١٨ من ديسمبر ١٩٥٦ م بحضور مجموعة كبرى من علماء الأزهر، وهم كلّ من: أحمد حمزة، صبري عابدين، أمين عز العرب، عبد العزيز عامر، سليمان العقاد، مصطفى زيد، سليم أبو العز، مرسي عَبْد الله الصديق العماري، مُحَمَّد سيد جاد الحق، فهمي خالد مسعود، مُحَمَّد سابق، مُحَمَّد البنا، مُحَمَّد أبو زهرة مُحَمَّد توفيق عربة، مُحَمَّد علي شتا. وبدأت الندوة بمناقشة (الحكم الشرعي فيمن يعين دولة أجنبية على دولة مسلمة) فأجمعوا على تحريم أية معاونة للكافرين على المسلمين باعتبار من فعل ذلك تجري عليه أحكام المرتدين.\nوقد أجمع «٢» علماء العراق المجتمعون في مقر منظمة المؤتمر الإسلامي الشعبي ببغداد في صبيحة الثلاثاء الموافق ٢٩ رجب ١٤٢٢ هجرية الموافق ١٦ تشرين الثاني ٢٠٠١ م، وحضره كبار علماء العراق؛ على أنه لا يجوز شرعًا وبإجماع الأمة أن يكون المسلمون عونًا للكافرين تحت أية ذريعة وعلى وفق أي شعار، فلا يجوز لأي مسلم أو مؤسسة تسهيل مهمة العدوان للطاغوت الأمريكي الصهيوني على أمتنا العربية الإسلامية وعلى أية دولة من دولها أو فرد من أفرادها سواء ذلك بالتسهيلات العسكرية أو المعلومات أو فتح القواعد العسكرية أو الأجواء أو الممرات البحرية أو تقديم عون وجهد للعدوان وإن من فعل ذلك يعد خائنًا ويعد ناقضًا من نواقض الإيمان العشرة، وإن جهاد الكفار ومقاومة العدوان الأمريكي الصهيوني وتحالفه الصميمي فرض على كلّ مسلم وبالأدوات والوسائل كافة، وجهاده دين وشريعة، وهذا ما قالته نصوص الشريعة وأدلتها، والتي منها:\n_________\n(١) جريدة ندوة لواء الإسلام: ص ٦١٩ –٦٢٣.\n(٢) جريدة الرأي عدد ١٣٠.","vol":"2","page":51},{"text":"أولًا - قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ «١» .\nثانيًا - ويثبت الَقُرْآن الكَرِيم أنه لا ولاية للكافر على المسلم ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ «٢» .\nثالثًا - كما يثبت الَقُرْآن الكَرِيم أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ «٣» .\nرابعًا - وقال (- ﷺ -): «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم، أدناهم يد على من سواهم» «٤» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المطلب الثالث: الدعوة إلى وحدانية الله وعدم الإشراك به شيئًا</span>\n﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٥» .\nالمناسبة\n_________\n(١) سُوْرَة الأنْبِيَاءِ: الآية ٩٢.\n(٢) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ١٤١.\n(٣) سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية ٧١.\n(٤) سنن ابن ماجه: ٢ /٨٩٥. المستدرك على الصحيحين: ٢ /١٥٣ ولم يعلق الحاكم عليه. مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه. أحمد بن أَبِي بكر بن إسماعيل الكناني. (٧٦٢ - ٨٤٠) . تحقيق: مُحَمَّد المنتقى الكشناوي. دار العربية. بيروت. ط٢. ١٤٠٣ هـ.: ٣ /١٣٤ وقال: إسناده ضعيف لضعف حنش واسمه حسين بن قيس. وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب (- ﵁ -) .\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٨٧ - ٨٨.","vol":"2","page":52},{"text":"بعد أن ذكَّر الله جَلَّ وَعَلا رسوله الكريم (- ﷺ -) بنعمه عليه بقوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أمره الله بخمسة أشياء:\nأولًا - ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ .\nثانيًا - ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ .\nثالثًا - ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ .\nرابعًا - ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ .\nخامسًا - ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .\nقال البقاعي: \" ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضًا عن الأوامر، وإن كان المتواني مجتهدًا في العمل قال مؤكدًا تنبيهًا على شدة الأمر لكثرة الأعداء وتتابع الإيذاء والاعتداء (ولا يصدنك)، أي: الكفار بمبالغتهم في الإعراض \" «١» .\nأسباب النزول\nنقل السيوطي في الدَّرُّ المَنْثُوْرُ عن ابن المنذر عن ابن جريج (- ﵁ -) قال: لما نزلت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ «٢» قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزلت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ «٣» قالت الملائكة: هلك كل نفس، فلما نزلت:\n﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ «٤» قالت الملائكة: هلك أهل السماء وأهل الأرض.\n_________\n(١) نظم الدرر: ٥/ ٥٣١.\n(٢) سُوْرَة الرَّحْمَنِ: الآية ٢٦.\n(٣) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ١٨.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.","vol":"2","page":53},{"text":"وذكر السيوطي والآلوسي عن ابن عباس ﵄ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ قال: لما نزلت قيل: يا رسول الله فما بال الملائكة؟ فنزلت:\n﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ فبين في هذه الآية فناء الملائكة والثقلين من الجن والإنس وسائر عالم الله وبريته من الطير والوحش والسباع والأنعام، وكل ذي روح أنه هالك ميت «١» .\nتحليل الألفاظ\n١. ﴿يَصُدُّنَّكَ﴾:\nالصَّدُّ: الإِعْراضُ والصُّدُوف. صَدَّ عنه يَصِدُّ ويَصُدُّ صَدًّا وصُدُودًا: أَعرض. ورجل صادٌّ من قوم صُدُّادٍ، وامرأَة صادَّةٌ من نِسوة صَوادَّ وصُدادٍ أَيضًا. ويقال: صدّه عن الأَمر يَصُدُّه صَدًّا منعه وصرفه عنه «٢» .\nوقال الراغب الأصفهاني: \" الصدود والصد قد يكون انصرافًا عن الشيء وامتناعًا، نحو: ﴿يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ «٣»، وقد يكون صرفًا ومنعًا نحو:\n﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ «٤» \" «٥»\n٢. ﴿هَالِكٌ﴾:\nالهَلْكُ: الهلاك. قال أَبو عبيد: يقال الهَلْك والهُلْكُ؛ هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكًا وهَلْكًا وهَلاكًا: مات. وقال أبو بكر: قد يجوز أن يكون ماضي يهلك هلك، كعطب فاستغنى عنه، يهلك وبقيت يهلك دليلًا عليها «٦» .\nوقال الراغب الأصفهاني: \" الهلاك على أربعة أوجه:\nافتقاد الشيء عنك، وهو عند غيرك موجود كقوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ «٧» .\n_________\n(١) الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦ /٤٤٧. روح المعاني: ٢٠ /١٣١.\n(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (صدد) ٣ /٢٤٥.\n(٣) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ٦١.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.\n(٥) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٨٣.\n(٦) لِسَان العَرَب: مَادة (هلك) ١٠ /٥٠٣ –٥٠٤.\n(٧) سُوْرَة الحَاقَّة: الآية ٢٩.","vol":"2","page":54},{"text":"وهلاك الشيء باستحالة وفساد كقوله: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ «١» . ويقال: هلك الطعام.\nوالثالث: الموت كقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ «٢» .\nوالرابع: بطلان الشيء من العالم وعدمه رأسًا، وذلك المسمى فناء المشار إليه بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ «٣» \" «٤» .\n\nالقراءات\n١. ﴿يَصُدُّنَّكَ﴾:\nقرأ يعقوب (يَصُدَّنْكَ) مجزوم النون. وقرئت (يُصِدَّنَّك) من أصده بمعنى صده وهي لغة في كلب «٥» .\n٢. ﴿تُرْجَعُونَ﴾:\nقرأ يعقوب، وعيسى: (تَرْجِعون) بفتح التاء وإسكان الراء وكسر الجيم «٦» .\nالقضايا البلاغية\nالاستعارة في قال تعالى: ﴿يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ إلقاء الكتاب وحيه إليه، أطلق عليه اسم الإلقاء على وجه الاستعارة «٧» .\nالاستعارة: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ الرجوع مستعمل في معنى أخر الكون على وجه الاستعارة، لأن حقيقة الانصراف إلى مكان قد فارقه فاستعمل في مصير الخلق، وهو البعث بعد الموت، شبه برجوع صاحب المنزل إلى منزله ووجه الشبه الاستقرار والخلود «٨» .\nالمجاز المرسل في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه من ذكر بعض الكلام وإرادة الكل، وقد جرت عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة «٩» .\n\nالمعنى العام\n_________\n(١) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٠٥.\n(٢) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ١٧٦.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٤٢.\n(٥) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٣٨. البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١٣٧.\n(٦) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٣٧.\n(٧) المحرر الوجيز: ١٢ /١٩٧.\n(٨) إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ /٣٦٩.\n(٩) المصدر نفسه: ٥ /٣٩٦.","vol":"2","page":55},{"text":"﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾\nقال القرطبي: \" يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك.\nوقال الضحاك: وذلك حين دعوه إلى دين آبائه، أي: لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدونك عن اتباع آيات الله \" «١» .\n﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾\nقال ابن عاشور: \" هذا النهي موجه إلى النبي (- ﷺ -) في الظاهر والمقصود به إبطال الشرك وإظهار ضلال أهله إذ يزعمون أنهم معترفون بألوهية الله تعَاَلىَ، وأنهم إنما اتخذوا له شركاء وشفعاء، فبين أن الله لا إله غيره، وأن انفراده بالألوهية في نفس الأمر يقضي بطلان الإشراك في الاعتقاد ولو أضعف إشراك\" (٢) .\n﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾\nقال أبو السعود ﵀: \" هذا وما قبله للتهييج والإلهاب وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم وإظهار أن المنهي عنه في القبح والشريّة بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدروه عنه أصلًا \" «٣» .\n﴿لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ﴾\nقال الطبري: \" لا معبود تصلح له العبادة إلا الله الذي كلّ شيء هالك إلا وجهه \" «٤» .\n﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾\nقال البيضاوي: \" فإن ما عداه ممكن هالك في ذاته معدوم \" «٥» .\n_________\n(١) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠٣٨.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٩٧.\n(٣) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٢٨.\n(٤) جامع البيان: ١٠ /١١٩.\n(٥) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل: ٢ /٢٢٥.","vol":"2","page":56},{"text":"وقال الشيخ زاده في تفسير قول البيضاوي: \" فإن الممكن لما استفاد الوجود من الخارج كان الوجود له كالثوب المستعار بالنسبة إلى الفقر، فكما لا يخرج الفقير باستعارة ذلك الثوب من الغني عن كونه فقيرًا في حد ذاته، فكذا الممكنات لا تخرجن عن كونها هالكة عارية عن الوجود في حد نفسها، فظهر بهذا أن كلّ ما سواه من الممكنات هالك في الحال \" «١» .\nوهذه الآية من متشابه الَقُرْآن الكَرِيم وهي من الآيات التي وقف عندها المفسرون.\n﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾\nأي \" القضاء النافذ في خلقه، وقيل: الفصل بين الخلائق في الآخرة دون غيره \" «٢» .\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾\n\" أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم \" «٣» .\nما يستفاد من النصّ\nوَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ صحيح أن هذه الآيات في ظاهرها موجه للرسول (- ﷺ -) لكنها تشمل كل من يتصدى للدعوة، لأن وظيفة الرسل والأنبياء هي وظيفة الدعاة تبليغ الدعوة وإرشاد الناس إلى طريق الهداية، وعلى هذا فأن المطلوب من الدعاة القيام بواجب تبليغ الدعوة إلى الناس على أحسن ما يكون التبليغ وليس عليهم مسؤولية رفض الناس لدعوتهم كما ليس عليهم إجبارهم. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ «٤» .\n_________\n(١) حاشية الشيخ زاده: ٣ /٥٢٤.\n(٢) مجمع البيان: ٧ /٢٧٠.\n(٣) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٤٤.\n(٤) سُوْرَة يُوْنِسَ: الآية ١٠٨.","vol":"2","page":57},{"text":"ضرورة الصبر للدعاة، فالصبر من أهم عوامل نجاح الدعاة في مهماتهم لأنهم يواجهون الناس بدعوتهم التي تخالف أهواءهم وانحرافهم وغالبًا ما يقابلونها بالرفض والإنكار وإيذاء الدعاة، ولهذا أمر الله رسوله الكريم (- ﷺ -) بالصبر على عناد وأذى المشركين وتكذيبهم له وإصرارهم على الشرك وطعنهم بالقرآن وبث الشبهات الباطلة في طريق الدعوة، وأمره الله جل وعلا في سورة القصص إلى عدم الالتفات إلى هذه الشبه بقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ . وقد كان رسول الله - ﷺ - في صبره مستجيبًا لأمر الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ «١» .\nأكد في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ على مبدأ الولاء والبراء عند الدعاة والذي سبق أن بينه في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾ . \" فالولاء هو الإسلام وأهله، والبراء من الشرك وأهله، وهكذا يكون الولاء والبراء عند الدعاة إلى الله، فولاءهم للإسلام ومعانيه ولمن يؤمن به ويدعو إليه، والبراء من كل شيء يخالف الإسلام قولًا وعملًا واعتقادًا وأشخاصًا يحملون هذه المخالفات \" «٢» .\nعلى الدعاة واجب أساسي وهو الدعوة إلى التوحيد الخالص لله جلا وعلا وحده لا شريك له والدعوة إلى تحكيم شرع الله في الأرض. وأن لا تشغله الدنيا بما فيها من زخارف وشهوات وملذات عن هذا الهدف السامي لأن المال والجاه والمنصب يفنى ولا يبقى إلا ما كان خالصًا لله جل وعلا. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .\n_________\n(١) سُوْرَة الأَحْقَافِ: الآية ٣٧.\n(٢) المستفاد من قصص القرآن: ٢ /٧٨.","vol":"2","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المطلب الرابع: شخصية الرسول مُحَمَّد (- ﷺ -) من خلال سورة القصص</span>\nلا بد لنا أن نفهم أن لرسول الله (- ﷺ -) صورة مصورة في سورة القصص كانت ذات دلالات متعددة في مبناها ومعناها من خلال تصويرها الإلهي له (- ﷺ -) وللمؤمنين الذين سيقرأون القرآن الكريم وقد كان تحليلنا في هذا المطلب لهذه الصورة منصبًا على إدراك التفصيلات القرآنية (الكلية والجزئية) لرسول الله (- ﷺ -) من خلال مواطن ذكره في سورة القصص، ونحن واجدون في سورة القصص إلحاحًا على تأسية رسول الله (- ﷺ -) بما جرى لرسل الله - عليهم الصلاة والسلام - من قبله وخصوصًا نبي الله موسى (- ﵇ -) الذي كانت السورة كلها تقريبًا مخصصة له (- ﵇ -) . وهذا ما نلاحظه في مثل قوله تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾، فإن دلالتها الخاصة والعامة كانت على أن إخبار رسول الله (- ﷺ -) بما جرى في آيات الكتاب المبين إنما هو لحكمة إلهية وسر رباني.","vol":"2","page":59},{"text":"ثم إن تسلية رسول الله (- ﷺ -) جاءت بمعنى متجدد شمولي ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ فتوالي الأفعال (نمن، نجعلهم، نجعلهم) وإسنادها إلى الله ﷾ مشعر بأن الخطاب موجه لرسول الله (- ﷺ -) الذي كان يوم أنزلت عليه هذه السورة مستضعفًا في الأرض مع أصحابه - عليهم الرضا والرضوان - فهو جانب يصور لنا جانبًا من شخصية رسول الله (- ﷺ -) في سورة القصص، وجانبًا آخر هو ما نلاحظه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فهذه الآية هي حديث إخبار عن رد موسى (- ﵇ -) إلى أمه ونجد جوانبًا من تشبيه رسول الله (- ﷺ -) بموسى في خروج رسول الله (- ﷺ -) إلى المدينة المنورة مهاجرًا ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ «١»، وهذا من بديع البلاغة القرآنية في تصوير الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بأجمل وأكمل الأوصاف.\nونجد وحدة الرسالة في قوله تعالى مخاطبًا موسى (والخطاب لمحمد) - عليهما الصلاة والسلام - وهو قوله ﷿ فيها ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ «٢»، وهذا يرد على اليهود الذين فرقوا بين الرسل وجعلوا إلههم مختلفًا عن إله العالمين إذ جعلوا أنفسهم شعبه المختار.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٨.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٠.","vol":"2","page":60},{"text":"ونرى تشابهًا في شخصية رسول الله (- ﷺ -) في سورة القصص بينه وبين موسى - ﵇ - في كونها رميا جميعًا بالسحر ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ «١»،\n﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ «٢» وهو عين ما رمت به قريش رسول الله (- ﷺ -) .\nونلاحظ أن ما فعله الله ﷿ بفرعون في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ «٣» هو عين ما جازى الله به كفار قريش يوم بدر إذ ألقاهم في يم الصحراء مع جنودهم، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ «٤»، وهذا من عجيب الاتفاق الإلهي والله تعالى يخاطب رسوله (- ﷺ -) بلفظ الأمر ﴿فَانظُرْ﴾ للدلالة العامة في لفظ الأمر.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٠.\n(٤) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ١٢٣.","vol":"2","page":61},{"text":"وتبدو لنا شخصية رسول الله (- ﷺ -) في سورة القصص واضحة كل الوضوح في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ «١»، ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَن﴾ «٢»، لأن ذلك الإخبار الإلهي يدل على صدق رسول الله (- ﷺ -) في كل ما أخبر به عن موسى (- ﵇ -) في سورة القصص مما لم يكن موجودًا عنده وقومه ولا يعلمه في زمنه (- ﷺ -) إلا اليهود من أهل الكتاب الأول. ويصدق ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ «٣»، أما قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «٤»، فهو دال على أن رسالة مُحَمَّد (- ﷺ -) إنما كانت عامة عالمية بعد أن ينذر قومه الذين لم يأتيهم نذير ولا رسول لعلهم يتذكرون، فقال الله ﷿ في إرساله رسوله مُحَمَّد (- ﷺ -) كما أرسل موسى يوم الطور الذي لم يكن رسول الله\n(- ﷺ -) بالطبع موجودًا يومه.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٤.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٦.","vol":"2","page":62},{"text":"ثم ذكر الله ﷿ جانبًا من منته على قريش قوم رسول الله (- ﷺ -) بقوله عز من قائل: ﴿وَلَوْلاَ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاَ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «١»، وهذه الآية موضحة لعموم السنة الإلهية وفضل الوجود النبوي في قومه، وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ «٢» وهذا من بليغ كفر قريش، ثم بين الله أن مُحَمَّد (- ﷺ -) جاء بالحق من عنده ﷻ، وواسى الله ﷿ رسوله - ﷺ - بقوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ﴾ «٣»، وفي هذا الخطاب الرقيق الحكيم كل الدلالة على صدق رسول الله (- ﷺ -) في دعوته وفي رغبته بإيمان عامة قومه وعامة العالم لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ «٤»، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٠.\n(٤) سُوْرَة سَبَأ: الآية ٢٨.\n(٥) سُوْرَة الأنْبِيَاءِ: الآية ١٠٧.","vol":"2","page":63},{"text":"وتتضح بعض جوانب شخصيته رسول الله (- ﷺ -) بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ «١»، وفي ذلك بيان كافٍ شافٍ في أن رسول الله (- ﷺ -) كان يتمنى هداية بعض من يحبهم فبين الله ﷿ له أن الهداية بيده وحدة تعالى. ونجد كذلك شخصية رسول الله (- ﷺ -) في إخباره تعالى له بكلام قومه من كفار قريش له في قولهم: ﴿إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ «٢» وهذا من استهزائهم برسول الله (- ﷺ -) الذي لا ريب أنه كان يؤذيه لإصرارهم من خلاله على كفرهم وينسب الله ﷿ نفسه لرسول الله\n(- ﷺ -) تكريمًا فيقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ «٣» . وهذه إضافة تعظيم وتفخيم تشعر بقدر رسول الله (- ﷺ -) ومقداره وقد تكررت هذه الإضافة في مواطن أخرى في سورة القصص.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٩.","vol":"2","page":64},{"text":"ونرى كذلك أن قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (١) يتضمن خطاب إلهي مبين لحال الكفار في سرهم ونجواهم وفي ظاهرهم وباطنهم وفي أذاهم لرسول الله (- ﷺ -) أمامه ومن ورائه أما الأوامر الإلهية لرسول الله - ﷺ -\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ «٢» فهي تنبيه على لسان الرسول (- ﷺ -) للكافرين بأنهم إنما ينعمون بفضل الله ﷿ وإخبار الله ﷿ لنبيه مُحَمَّد (- ﷺ -) بقصة قارون فيه أسرار وحكم إلهية منها:\nإن حال أغنياء الكافرين من قريش كحال قارون.\nإن المال سلطة زائلة وليس قوة دائمة.\nإن قلة الصحابة الفقراء رضوان الله عليهم فيهم البركة.\nإن الاغترار لا يجر إلا إلى الندم.\nسرعة انقلاب الناس عن تولي زمانه.\nالصبر على الفقر في الدنيا نجاح وظفر في الآخرة.\nوأسرار أخرى تتضح بقراءة الآيات الخاصة بقارون مما كان فيه مفهوم النص الموجه لرسول الله (- ﷺ -) .\nونلاحظ كذلك أن الله ﷿ بشر رسوله (- ﷺ -) في وقت ضعفه بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٣»، فجعل رسول الله (- ﷺ -) في أمن وأمان في الدنيا وفي الآخرة، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «٤»، فهو قول فيه جماع شخصية رسول الله (- ﷺ -) يستنبط منه:\nعظمة شخصية المصطفى (- ﷺ -) .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.","vol":"2","page":65},{"text":"وثوق النبي (- ﷺ -) بربه.\nعظمة الدار الآخرة في الرجوع إليها.\nإسناد كل شيء لله ﷾.\nصحة إنزال القرآن الكريم.\nأهمية الرجوع لله ﷾ في الدنيا والآخرة.\nانتصار الإسلام.\nالعودة للأرض التي أخرج منها رسول الله (- ﷺ -) .\nإن الهدى والضلال علمها عند الله ﷾.\nوبذلك تتضح مقومات شخصية رسول الله (- ﷺ -)، وكذلك الأمر في قوله تعالى مخاطبًا رسوله (- ﷺ -): ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾ «١»، فهي آية دالة على أن الله يصطفي من رسله من يشاء عن غير استعداد نفسي منهم كما يقول بعض الفلاسفة والعقلانيين والملاحدة الذين جعلوا الرسالة اصطفاء عقليًا فبان بذلك فضل رسول الله (- ﷺ -) .\nوكذلك قوله تعالى لرسول الله (- ﷺ -) آمرًا فإن المأمور من الله تعالى مستلزم لشرفه وفضله (تَكُونَنَّ) (لا يصدنك) (ادع) (لا تدع) فكلها أشرف خطاب لأشرف الرسل عليهم وعليه أفضل الصلاة والسلام.\nوبذلك كله يمكن أن تصور رسول الله (- ﷺ -) على ما أسلفنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>المطلب الخامس: المناسبة بين رسالة الرسول مُحَمَّد (- ﷺ -) ورسالة سيدنا موسى (- ﵇ -) كما جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.","vol":"2","page":66},{"text":"لقد جاءت سورة القصص في فترة نزولها المكية لتؤكد جانبًا مهمًا من الجوانب الإيمانية التي نبه عليها المفسرون القدماء منهم والمحدثون ألا وهو جانب المناسبة، بمعنى (التناسب الإيماني) بين الرسالة المحمدية وبين الرسالة الموسوية، ولعل مما يوضح ذلك قول رسول الله (- ﷺ -): «لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا إتباعي» «١» .\nلذلك اشتدت عناية بعض حاقدي اليهود ومبشري النصارى بتحليل سورة القصص لإثبات كونها مأخوذة من سفر الخروج وسفر تثنية الاشتراع «٢» .\nوقد لاحظنا من خلال تحليلنا لسورة القصص أنها تشكل رابطًا خفيًا لا يكاد ينتبه إليه أحد في العلاقة بين رسالة رسول الله (- ﷺ -) ورسالة موسى (- ﵇ -) . وهو اتحاد القضيتين في المبنى والمعنى والدلالة.\nويكفي في إثبات ذلك أن المناسبة هاهنا تكمن في وجود روابط خفية في السورة بين أولها وآخرها تدلّ على ذلك، وأن هيمنة الرواية القرآنية على المرويات الإسرائيلية (المنحولة) أمر قد غدا في حكم المسلمات العلمية التي تثبت بالبراهين والأدلة «٣» .\n_________\n(١) مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة: ٥ /٣١٢ من حديث جابر بن عَبْد الله والحديث حسن الإسناد.\n(٢) ينظر الَقُرْآن والكتاب: ١ /١٢٢ و٢/ ١٤٢ و٣/٢٢٥. وفيه يذكر كون سُوْرَة الْقَصَصِ مأخوذة من سفر الخروج مع إعادة صياغة (إسلامية) .\n(٣) ينظر الإنجيل والصليب. عبد الأحد داود. الطبعة الثانية. قطر. الدار الإسلامية. ١٤٠٥ هـ.: ص ٥٧. الفارق بين الخالق والمخلوق. عَبْد الرَّحْمَن الباججي. الطبعة الأولى. بولاق. مصر. ١٣٠٥ هـ: ص ١٤٥- ١٤٧.","vol":"2","page":67},{"text":"وذلك أن الرواية التاريخية في أفاق النص القرآني تعتمد إضافة إلى قدسية مصدرها على الاستعداد الذاتي لقبولها بعد أن تشوهت كل الروايات التاريخية للقصص نفسها في العهد القديم وفي التلموذ (بنسختيه الأورشليمية والبابلية) وفي العهد الجديد بأناجيله الأربعة والرسائل التي تتلوها «١» .\nوهذا ما توصلت له أحدث الدراسات الجديدة للمؤرخين اليهود والنصارى وفق أحدث المكتشفات الأثرية في فلسطين وفي أرض الجزيرة العربية في مطلع القرن العشرين الميلادي على أيدي الرحالة والمستكشفين.\nوفي ذلك يذكر الدكتور رون سنوبي: \" إن المقارنة بين ما ورد في أسفار التوراة (العهد القديم) وما ورد في بعض آيات وسور كتاب المسلمين المقدس ترينا أن النص الإسلامي أبتعد ابتعادًا كليًا عن التعتيم التاريخي اليهودي على حقائق حيوات أنبياء بني إسرائيل أو ما يسمى في الأدب اليهودي - المسيحي الأباء الأوائل (البطاركة الأول)، وهكذا فإن قصة موسى على سبيل المثال - وهو كما لا يخفى أساس الوجود اليهودي - صيغت في أسفار العهد القديم وبخاصة سفر الخروج صياغة توحي ببدائيتها وبأنها أجترحت لموسى أفكارًا لم تكن له، أما كتاب المسلمين المقدس فأنه يصور (موسى) على أنه نبي واجب الاعتراف له بالنبوة ويصفه بأجمل وأحلى وأحسن الصفات \" «٢» .\nوقد تنبه لذلك كله قوم آخرون من كبار الباحثين حتَّى وإن كانت توجهاتهم علمانية - لا دينية «٣» .\n_________\n(١) ينظر الديانة اليهودية. إسرائيل شاماك. الطبعة الثانية. دار الطليعة. بيروت. ١٩٩٥ م.: ص ٤٦. مُحَمَّد في الكتاب المقدس: ص ١١١.\n(٢) تراث العهد القديم. (مع معجم جغرافي للعهد القديم) . د. برنارد روب. ترجمة: جوميد ميضال. الطبعة الأولى. الدار الكاثوليكية للنشر. المطبعة الكاثوليكية. بيروت، لبنان. ١٩٨٠ م.: ص ١١٧.\n(٣) ينظر قراءة سياسة التوراة: ص ٨٥.","vol":"2","page":68},{"text":"وهذا الأمر جعل بعض الباحثين من اليهود أنفسهم يتنصلون من قصة موسى - ﵇ - بكاملها، أو يعيدون صياغتها صياغة تختلف كلّ الاختلاف عن النصّ التوارتي وفق نظريات جديدة، وذلك لما لاحظوه في النص التوراتي من كذب ودجل «١» .\nوفي ذلك يقول فرويد: \" المأثور الذي يستند إلى محض تناقل شفهي لا يمكن أن يكون له ذلك الطابع اللجوج التسلطي المميز للظاهرات الدينية، بل هو قد يلقى أذنًا صاغية فيقيم ويحاكم وقد ينبذ ويطرح جانبًا مثله مثل أي آت من الخارج، ولن يكتب له أبدًا في هذه الحال امتياز الإفلات من مقتضيات نمط التفكير المنطقي\" (٢) .\nففرويد في هذا النص الذي يختم به تحليله للنص التوراتي الذي يسرد سيرة موسى يكَّذب كل ما ورد في التوراة عنه، ويقول كذلك:\n\" إن واحدة من خصائص قصة موسى تفسر علة اختلاف هذه القصة عن سائر الخرافات المماثلة لها في النوع \" «٣» .\nوهذا الكلام السقيم اليهودي - النصراني تدحضه سورة القصص في أنبائها لصدق الرواية القرآنية وغلبتها وهيمنتها على الروايات الكاذبة وصولًا إلى صدق رسول الله (- ﷺ -) في رسالته.\n_________\n(١) موسى والتوحيد: ص ٩٨.\n(٢) المصدر نفسه: ص ١٤١.\n(٣) المصدر نفسه: ص ١٧.","vol":"2","page":69},{"text":"فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ «١» جاء فيها النصّ مفتوح المعنى لاحتمال أن يفهم من خصوصية لآيات الكتاب المنزل على موسى - ﵇ -، أو على مُحَمَّد (- ﷺ -) وهذا من إعجاز الأسلوب القرآني وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ «٢» يدلّ في اختصاص التلاوة برسول الله (- ﷺ -) على أنه إنما أريد له التسلية عن مواقف فراعنة قريش من كفارها معه - ﵇ -» وكون تلك المواقف سيكون عاقبتها الإلهية عاقبة فرعون.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ «٣» يحتمل الوارثين وراثة قوم موسى ووراثة أصحاب رسول الله (- ﷺ -) للأرض، وهو ما تحقق بعد فتح مكة لرسول الله (- ﷺ -) فكانت المناسبة ظاهرة بين السنتين الإلهيتين.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ «٤» جاءت دالة على المناسبة والمقارنة بين من مكن لهم في الأرض من الطائفتين (بني إسرائيل والصحابة الكرام رضوان الله عليهم) فالتمكين في الأرض من الله تعالى هاهنا دال على أنه يدل في دلالته على المناسبة بين رسالة موسى، ورسالة مُحَمَّد (- ﷺ -) .\nوقوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ «٥» فيه تسلية لرسول الله (- ﷺ -) في كون الخطاب محتملًا أن يكون مضارعته لام موسى (- ﵇ -)، أو أمر (بالتاء) لرسول الله (- ﷺ -) وهذا من إعجاز النص القرآني.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.","vol":"2","page":70},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ «١» يشبه الذي سيحدث فيها بعد لرسول الله (- ﷺ -) من الخروج بخوف مترقبًا من مكة عند الهجرة، وذلك قبل أن يهاجر رسول الله (- ﷺ -) بزمن.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ «٢» يدلّ كلّ الدلالة في عموميته وخصوصيته على المناسبة التامة والمقارنة الكاملة بين التوحيد الذي جاء به موسى (- ﵇ -) ومحمد (- ﷺ -) خلافًا لبعض الذين زعموا أن موسى تعلم التوحيد من قوم فرعون «٣»، ولا يقول بذلك إلا كافر بالله ﷾.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ «٤» يدلّ في التوجيه المعنوي وفي تحليل عموميات ألفاظه على أن موسى بَشَّر صدقًا وحقًا برسول الله (- ﷺ -)، فرسول الله (- ﷺ -) وهو الذي جائ بالهدى، وهو من كانت له ولأمته عاقبة الدار.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ «٥» يدلّ على أن توجيه الخطاب لرسول الله (- ﷺ -) خاص بذاته، لأن النبي لم يكن موجودًا بجانب الغربي، ولكنها كانت موجودة بتواصل الرسالة النبوية - الإلهية\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢١.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٠.\n(٣) أسطورة إيزيس. سيد مُحَمَّود القمني. الطبعة الثانية. دار مدبولي. القاهرة. ١٩٩٤ م.: ص ١٢١.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٧.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٤.","vol":"2","page":71},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ «١» وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ «٢» يحملان المعنى ذاته في تواصل الرسالة بين موسى ومحمد - عَلَيْهما الصَلاة والسَّلام ـ.\nأما قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ «٣» فهو نص خاص بأن رسالة مُحَمَّد (- ﷺ -) كانت متواصلة مع رسالة موسى (- ﵇ -) من خلال سياق الفعل المضارع (لتنذر) .\nوقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ﴾ «٤» خاص بأن عدم الاستجابة لرسول الله (- ﷺ -) مثل عدم الاستجابة التي قام بها فرعون وقومه لموسى (- ﵇ -) في العاقبة والمآل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِين﴾ «٥» من أعظم الأدلة على صدق ما عرضنا في هذا المطلب كون هؤلاء الذين أوتوا الكتاب من قبل مُحَمَّد (- ﷺ -) كانوا من قبل مسلمين، وهذا دليل ما بعده دليل على المناسبة التواصلية بين الرسالتين.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ «٦» مما اختلفت فيه العلماء بين أن يكون أمها (أم القرى)، أو أي مدينة كبيرة على ما قدمنا بيان ذلك فيما مضى، فإذا كان النص محتملًا لهذه المعاني المتواصلة المتقاربة دل على صدق الرسالتين، رسالة مُحَمَّد (- ﷺ -)، ورسالة موسى (- ﵇ -) .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٦.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٠.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٣.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٩.","vol":"2","page":72},{"text":"قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «١» . أوتيها قوم موسى فنبذوها وأوتيها أصحاب مُحَمَّد - ﷺ - فحافظوا عليهما فجعلت الأرض لهم دينًا ودنيا على مر حضارتهم الزاهرة العظيمة في الماضي والحاضر والمستقبل.\nأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ «٢» فإنهما في خطابهما لرسول الله - ﷺ - دالة على صدقه فلو كان هذا القرآن من عنده - ﷺ - لما خاطب نفسه هذه المخاطبة وهذا كذلك من الدلائل على المناسبة بين\nالرسالتين.\nولا ريب في أننا واجدون من خلال القراءة التحليلية لسورة القصص إن هنالك أوجهًا عجيبة من الشبه النبوي بين سيدنا موسى - ﵇ - وسيدنا مُحَمَّد - ﷺ - من خلال تقصينا لحياتهما قبل النبوة وبعد النبوة وهو الأمر الذي تعده بعض التقديرات الإلهية انطلاقاُ من قوله تعالى (والله أعلم حيث يجعل رسالته) فالاصطفاء الإلهي هو بين الحالتين وهذا عين ما عبرت عنه سورة القصص في فاتحتها بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ «٣» فالإشارة العامة للكتاب (أي كتاب إلهي كان) تجعل أفاق المقارنة والمشابهة مفتوحة من خلال التقصي لسيرتي النبيين الكريمين.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.","vol":"2","page":73},{"text":"ولقد عبر عن ذلك النص القرآني أصدق تعبير إذ قال تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «١» إذ أن مجيء الصيغة المضارعة (يؤمنون) مشعرة باستمرارية التلاوة الحقة وهكذا يمكن لنا أن نجد استنادًا إلى ذلك بعض المقارنات التفصيلية بين حالي الرسولين الكريمين - عليهما الصلاة والسلام - من خلال سيرتهما القرآنية النبوية الموثقة وفي ذلك رد كل الرد على من زعم ان القصص القرآني لا تفيد أي حقبة تاريخية لا في مبناها ولا في معناها.\nوهكذا فنحن واجدون ما يأتي من خلال القراءة المقارنة لسورة القصص:\nإن قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، ثم قوله تعالى على لسان شعيب - ﵇ -: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «٢»، ثم قوله تعالى له: ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ «٣» يشبه كل الشبه خوف رسول الله (- ﷺ -) على الإسلام وخروجه من مكة وقوله لأبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه ـ: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ «٤»، ثم نزول قوله تعالى له (- ﷺ -): ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ «٥» فالأمر واحد في الحالتين، وهو يدل على التشابه التام بين القصتين كحكمة إلهية عالية.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣١.\n(٤) سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية ٤٠.\n(٥) سُوْرَة المَائِدَة: الآية ٦٧.","vol":"2","page":74},{"text":"إن سيدنا موسى قد رعى الغنم فترة من عمره على ما جاء في الآثار العديد\n﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ «١»، فكان له من ذلك خبرة في الحياة فجعل رعية لغنم شعيب (- ﵇ -) مهرًا لأبنته، وسيدنا مُحَمَّد (- ﷺ -) رعى الغنم فترة من عمره قبل البعثة (على قراريط قريش) «٢» كما قال (- ﷺ -)، فحاز من ذلك الخبرة بالناس ومعرفته لهم وتعوده على الصبر. فقوله تعالى في سورة القصص: ﴿أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ «٣» في رعي الغنم كما في حديث رعي الرسول (- ﷺ -) للغنم.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٦.\n(٢) صَحِيْح البُخَارِي: باب رعي الغنم على قراريط ٢ /٧٨٩ رقم (٢١٤٣) من حديث أبي هريرة (- ﵁ -) .\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٧.","vol":"2","page":75},{"text":"إن هناك تشابهًا عجيبًا في قصتي الهجرتين هجرة موسى (- ﵇ -) وهجرة الرسول (- ﷺ -) فنجد في سورة القصص قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ «١» و﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «٢» و﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ﴾ «٣» يشبه كل الشبه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ «٤»، فالنص واحد والمعنى واحد والنهاية واحدة في النجاة الإلهية إلى النصر الإلهي فموسى (- ﵇ -) انتصر على فرعون ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ «٥» . ومحمد (- ﷺ -) انتصر على المشركين والكافرين جميعًا ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ «٦»، وهذا مما يوضح الترابط العفوي بين كل سور وآيات القرآن.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٢.\n(٤) سُوْرَة الأَنْفَالِ: الآية ٣٠.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٠.\n(٦) سُوْرَة النَّصْرِ: الآية ١.","vol":"2","page":76},{"text":"إن هنالك رهبة أولى من تلقي الوحي الإلهي متشابهة بين الرسولين الكريمين، فنجد قوله تعالى في سورة القصص: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ «١» وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ «٢» وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ «٣»، فالمعنى واحد هو محصول الاطمئنان الإلهي والأمن الرباني بعد الوحي للنبيين إذا أصابهما بعض الروع والخوف فاذهب الله ﷾ ذلك عنهما.\nإن هنالك تشابهًا كبيرًا بين سيرة النبيين الكريمين قبل الزواج في اختيار الزوجة، وفي العلاقة التجارية معهما فموسى (- ﵇ -) كما جاء في سورة القصص عمل أجيرًا لدى والد زوجته (- ﵇ -) ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ «٤»، أي: أن والدها هو الذي خطبها له. ونجد في السيرة النبوية أن رسول الله (- ﷺ -) عمل عند خديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنها - وأجرته في تجارتها، ثم خطبته لنفسها ونجد أن النبيين عملا لدى والد الزوجة، أو الزوجة نفسها لحكمة إلهية لا تخفى على ذوي الألباب تتمثل في التعويد الإلهي على الدخول على كل أصناف المجتمع وتحمل المشاق والمسؤولية وليؤكد على أهمية العمل.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣١.\n(٢) سُوْرَة المُدَّثِرِ: الآيات ١ – ٤.\n(٣) سُوْرَة المُزَّمِّلِ: الآيتان ١ – ٢.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٧.","vol":"2","page":77},{"text":"إن النبيين الكريمين - عَلَيْهِما الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - استطاعًا من خلال دعائهما أن يحوزا وزيرين يشدان بهما عضدهما وينتصران بهما في دعوتهما فقوله تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ «١» ونجد مقاربًا لذلك قول رسول الله (- ﷺ -): «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب» «٢» . وقوله تعالى:\n﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ «٣» ففي كلا الحالتين هناك ترابط واحد في السيرتين الشريفتين.\nإن النبيين الكريمين رميا بالسحر، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ «٤»،\n﴿قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ «٥» وهذا من ديدن الكفار من الفراعنة، وكفار قريش على حد سواء.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٣٤ –٣٥.\n(٢) صحيح ابن حبان: ١٥ /٣٠٦. المستدرك على الصحيحين: ٣ / ٨٩ من حديث ابن عباس. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقد صح شاهده عن عائشة بنت الصديق ﵄.\n(٣) سُوْرَة التَّوْبَةِ: الآية ٤٠.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٦.\n(٥) سُوْرَة الذَّارِيَاتِ: الآية ٥٢.","vol":"2","page":78},{"text":"إننا نجد من هذا التشابه الكبير الواضح بين شخصية الرسول مُحَمَّد (- ﷺ -) وسيرته الشريفة ومراحل دعوته. وسيرة نبي الله موسى (- ﵇ -) أثناء قراءتنا المعاصرة للنص القرآني بآفاقه المفتوحة في سُوْرَة الْقَصَصِ إن مجيء سيدنا مُحَمَّد\n(- ﷺ -) بعد سيدنا موسى (- ﵇ -) وختم الله به الرسالات دالًا على أن الله ارتضى لصلاح هذا الكون ولخلافة الأرض الديانة الإسلامية، وأن أمة الإسلام لها السيادة في الدنيا والآخرة.\nوإن من أراد أن يطفئ نور الله الذي هو الإسلام من اليهود والنصارى الذين حرفوا الديانات، وقتلوا الأنبياء، قد حكم الله عليهم في سُوْرَة الْقَصَصِ بأنهم سيلاقون المصير نفسه الذي لاقاه فرعون على يد موسى (- ﵇ -) لأن الإرادة الإلهية شاءت أن يكون الإسلام الدين المهيمن على كلّ الديانات والناسخ لهما ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ «١»، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ «٢» . وهذا الترابط في سُوْرَة الْقَصَصِ يجعلنا نعرج على ما جاءت به صحاح الآثار في كتب الفتن والملاحم في الصحيحين - البخاري، ومسلم رحمهما الله برحمته - في أن النهاية القرآنية لبني إسرائيل ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ «٣» آتية لا محالة مهما علا اليهود في الأرض كما فعل الله ﷾ بفرعون وهامان وجنودهما وقارون.\n_________\n(١) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ١٩.\n(٢) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٨٥.\n(٣) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٥.","vol":"2","page":79},{"text":"أما قوله تعالى في أخر آيتين من السورة: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «١» فإنها من الآيات التي تلخص سُوْرَة الْقَصَصِ كلها، وتوجه المعاني فها نحو الدلالة العامة على التواصل بين الرسالتين، رسالة موسى (- ﵇ -) ورسالة مُحَمَّد (- ﷺ -)، وبذلك كله يستقيم لنا الغرض الذي قدمناه من قبل من كون سُوْرَة الْقَصَصِ تحمل صدق رسالة مُحَمَّد (- ﷺ -)، ومن كونها تخالف التوراة المحرفة في تحريفها العام، ومن كونها تربط ربطًا متسلسلًا متواصلًا بين الرسالتين، وتدل على أن منبعهما واحد.\n...\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الفصل الثامن: دراسة مقارنة بين هيمنة فرعون وأمريكا وسقوط دولتها وانتصار الإسلام من خلال سُوْرَة الْقَصَصِ في دلالاتها السياسية الحديثة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>تمهيد</span>\nتعدّ القراءة المعاصرة لأي سورة قرآنية في حدود الرأي المأثور باستقراء كوامن النص وبواطنه المعنوية التي تعطي للنص القرآني آفاقا جديدة، عملية مهمة جدًا في التفسير القرآني والتأويل الكتابي، وقد حاولت في هذا الفصل من هذه الرسالة أن أقارن بين فرعون وقومه وقارون وأمواله، وبين أمريكا وقومها واليهود وأموالهم، وذلك لوجه الشبه الكبير بين الماضي والحاضر، وصولًا إلى استشراف آفاق المستقبل الإسلامي، فقد تأثر المسلمون اليوم بالهيمنة الأمريكية، كما تأثر قوم موسى ﵇ من المؤمنين بالهيمنة الفرعونية وهو ما سنلاحظه في هذا الفصل (المقارن) ولأنه عبارة عن فكرة جديدة.\nوعسى أن لا نكون في ذلك ممن يقول في القرآن الكريم برأيه، فما هي إلا محاولة لخدمة النص القرآني وتجدده الزماني - والمكاني.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المبحث الأول: دراسة مقارنة بين دولة فرعون ودولة أمريكا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>المطلب الأول: هيمنة فرعون وأمريكا في الملك والقوة والمال والأعلام وفقًا لما جاء في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\nإن موضوع الهيمنة في الطغيان الفرعوني مقارنة بالهيمنة في الطغيان الأمريكي، هو من المواضيع المتعددة المفاهيم، وذلك لأوجه الشبه والتشابه بين الطغيانين، فكأن التاريخ يكرر نفسه، وهو يكرر نفسه بحق في الصدام الخطابي بين الإيمان والكفر، بين القديم والحديث «١» .\nفنحن نجد في سورة القصص إن قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبين﴾ «٢» يدلّ في مضمونه اللغوي على استمرارية الدلالة الزمانية - المكانية لآيات الكتاب المبين في الماضي والحاضر والمستقبل. وذلك كما قال ﷿ في آية أخرى: ﴿إِنَّ هذا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ «٣»، بمعنى أن الهداية القرآنية التي دلّ عليها في سورة القصص قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبين﴾ هي هداية مضافة إلى آيات باهرة تجعل الإنسان يفهم س في الأرض: ﴿إِنَّ فِرْعَوْن علاَ في الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ يُذَبِحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٤» . وقوله في موضع آخر: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ «٥» يصلح أن يكون إذا ما نقل من قرآنية المعنى إلى إنسانية المعنى، ونقل من الماضي إلى الحاضر لوصف هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم كما نرى في الجدول الآتي المقتبس من دلالات سورة القصص.\n\nالموضوع\nتسلسل\nهيمنة فرعون\nهيمنة أميركا\nهيمنة الملك\n١\n_________\n(١) صدام الحضارات. صموئيل هنتنغتون. ترجمة: جميل حماد. الطبعة الثالثة. (د. نش) . بيروت، لبنان. ١٩٩٨ م: ص ٩٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.\n(٣) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٩.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٥) سُوْرَة النَّازِعَاتِ: الآية ٢٤.","vol":"2","page":81},{"text":"العلو في الأرض: ﴿إِنَّ فرعون علاَ في الأَرْضِ﴾ «١»\nالقوة العظمى الوحيدة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي\n٢\nجعل أهلها شيعا: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ «٢» .\nجعل العالم إما معها وإما مع الإرهاب وإما ديمقراطيًا وإما غير ديمقراطي وإما حرًا وإما غير حر كذلك زرعها الفتن والنزعات الطائفية وتغذيتها\n٣\nكان فرعون يأتمر بالمؤمنين ليقتلهم ﴿يُذَبِّح أَبْنَاءهُمْ﴾ «٣» .\nتشن أميركا حرب شعواء على المسلمين في كل بقاع الأرض\n٤\nفرعون ظالم في ملكه ﴿علاَ في الأَرْضِ﴾ «٤»\nأميركا ظالمة في قوتها العاتية\nهيمنة القوة\n١\nيستضعف طائفة من أهل الأرض ﴿يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ﴾ «٥» .\nتستضعف أميركا شعوب العالم والمسلمين من خلال تهديدها بالقوة الغاشمة أو من خلال سيطرتها على مقدرات الشعوب.\n\n٢\nادعى أن الأرض له: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ «٦»\nتدعي أميركا اليوم أن كلّ الأرض مفتوحة أمامها باسم حق التدخل المفتوح.\n\n٣\nكان لفرعون وهامان وجنودهما ما يحذرون من يومئذ ألا وهو الإيمان ﴿وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «٧» .\nلأميركا وإسرائيل وجنودهما ما يحذرون منه اليوم، وهو الإسلام.\n\nهيمنة المال\n١\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٠.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤. .\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٦) سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية ٥١.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.","vol":"2","page":82},{"text":"سلب أموال المستضعفين في الأرض ﴿اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ﴾ «١» .\nسلب كل الأموال المودعة لديها باسم مكافحة الإرهاب، وجمدت أرصدة وحسابات دول وجماعات من الضعفاء\n٢\nسلب إمامتهم في المال.\nسلب اقتصاديات كثير من الدول التي تعد إمامة في المال، مثلما حدث في أزمة الخمور الأسيوية ١٩٩٧ م.\n\n٣\nكان يدعي أن له ملك مصر أو مالها ﴿أَلَيْسَ لِي ملك مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ «٢» .\nتدعي أميركا أنها ملك العالم وأموالها.\n\nهيمنة الإعلام\n١\nادعاؤه أن ما جاء به موسى سحر ﴿قَالُوا مَا هذا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ «٣» .\nرميها كل ما خالفها بالإرهاب.\n\n٢\nادعاؤه أنه الإله الواحد: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ «٤» .\nأميركا تدعي أنها القوة المتحدية الواحدة. تقول أولبرايت «٥»: \" في هذا الكون قوة عظمى واحدة هي الولايات المتحدة الأميركية \".\n٣\nاستهزائه بموسى وطلبه الإيقاد على الطين برجًا (صرحًا) ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ «٦» .\nإن بناء ناطحات السحاب ومكوكات الفضاء الأميركية يشابه الأبراج والصروح التي أراد تشييدها فرعون وهامان.\n\n٤\nالاستكبار مع الجنود ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ «٧» .\nإن العقيدة السياسية الأميركية هي أن الأميركي لا يقهر وفق رؤية عصرية.\n\n٥\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٢) سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية ٥١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٨.\n(٥) هي مادلين أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا في عهد كلنتون.\n(٦) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٣٦.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٩.","vol":"2","page":83},{"text":"الزعم بأنهم لن يرجعوا لله تعالى ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ «١» .\nأميركا تدعي أنها لن ترجع إلى أي جهة كانت كما جاء في دستور الولايات المتحدة الأميركية بانفرادها بضرب الدول، وتهديدها بالضرب دون الرجوع إلى قرارات مجلس الأمن.\n\nالجرائم\n١\nقتل أبناءهم ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ﴾ «٢» .\nقتل الناس بالجملة كما في هيروشيما ونكازاكي والعراق وأفغانستان.\n\n٢\nيستحي نسائهم ﴿وَيستحي نِسَاءهُمْ﴾ «٣»\nاستعباد النساء في الرق الأبيض.\n\n٣\nالفساد ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٤» .\nإشاعة الفساد العالمي والإباحية والشذوذ.\n\n٤\nالتآمر على أهل الإيمان وموسى: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ «٥»\nتآمر أميركا المستمر على أهل الإيمان وضربها تلك الحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم\nإن الجدول الماضي المستخلص من سورة القصص للمقارنة بين فرعون وأميركا، يرينا كيف أن فرعون استحق قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ﴾ «٦»، وكذلك أميركا اليوم بقادتها وجنرالاتها المستكبرين في الأرض، وهيمنتها بهم على العالم، استحقت أن تكون ملعونة من قبل كل شعوب العالم في هذه الدنيا، كما لعن فرعون في سورة القصص في الآية السابقة.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٠.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٢.","vol":"2","page":84},{"text":"إن هيمنة فرعون قديمًا، وأميركا حديثًا واستمرارية ذلك يوضحها في سورة القصص قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ «١»، بمعنى إننا نستنتج من هذه الآية أن كل قرية (دولة، أمة)، إذا ما بطرت معيشتها سيكون مصيرها الهلاك، وأميركا دولة باطرة مبطرة، وأمثلة بطرها كثيرة، منها أنها تلقي فائض غذائها في البحر بطرًا وعدوانًا.\nوتوضح آيات سورة القصص أن هيمنة فرعون، وبالتالي الهيمنة الأميركية عاقبتها الإهلاك بعد الإنذار، ونجد في العصر الحديث أن أميركا لها من ينذرها من المسلمين، والنصارى المخلصين من الوعاظ الحقيقيين، ولكنها في طغيانها لا ترجع من ذلك الطغيان «٢» . يقول ﷿: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ «٣»، وأي ظلم أشد من الظلم الأميركي اليوم، فكأن هذه الآية تنطق بحال هذا العصر مثلما نطقت بحال العصر الذي وصفته بصورة عامة، وذلك وجه من أوجه الإعجاز القرآني «٤» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.\n(٢) إعاقة الديمقراطية. نعوم تشومسكي. مركز دراسات الوحدة العربية. ١٩٩٩ م: ص ١٨٧ -١٨٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٩.\n(٤) ينظر الإسلام حضارة الغد. يوسف القرضاوي. الطبعة الثالثة. المكتب الإسلامي. بيروت، لبنان. ١٤١٨ هـ.: ص ٥٠ الإسلام ومشكلات الحضارة. سيد قطب. . دار الشرق. بيروت، لبنان. (د. ت): ص ١٤٩.","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>المطلب الثاني: أسباب زوال الطغاة قديمًا وحديثًا في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\nكتب كثيرًا عن أسباب وآليات زوال الطغاة واندثارهم في القرآن الكريم بصورة عامة، أو في سور من السور القرآنية بصورة خاصة غير أن ما تتميز به سورة القصص - موضوع هذه الرسالة - هو احتواءها على عوامل وأسباب وآليات وشروط زوال الطغاة في الماضي والحاضر والمستقبل.\nوذلك أن آفاق المعنى المفتوح في سورة القصص تتضمن البشارات والإنذارات التي حددها الله ﷿، كي يتعظ من يتعظ بالإنذار، ويزداد إيمانًا من يزداد بالبشارات الصادقة جملة وتفصيلًا.\nلقد احتوت سورة القصص على نقاط كثيرة يمكن إيجازها وفق المنهجية العلمية في النقاط التالية أدناه (أي: أسباب زوال الطغاة) التي هي:\nعدم التمسك بالشرع الإلهي الذي هو: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ «١»\nالابتعاد عن شرعة الحق: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ من نَبَإِ موسى وفرعون بِالْحَقِّ﴾ «٢» .\nالعلو في الأرض: ﴿إِنَّ فِرْعَوْن علاَ في الأَرْضِ﴾ «٣» .\nتفريق الناس: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ «٤» .\nاستضعاف الناس: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ﴾ «٥» .\nالقتل غير المبرر: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ «٦» .\nاستعباد النساء: ﴿وَيَسْتَحْيِ نِسَاءهُمْ﴾ «٧» .\nالفساد العالمي: ﴿إِنَّهُ كَانَ من الْمُفْسِدِينَ﴾ «٨) (.\nاغتصاب الأرض: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «٩» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٩) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.","vol":"2","page":86},{"text":"الاغترار بالجيوش: ﴿وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «١» .\nإشاعة الخوف في الناس: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في الْيَمِّ﴾ «٢»\nظهور الأعداء: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ «٣» .\nظهور الأحزان: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ .\nالخطأ العام: ﴿إِنَّ فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ «٤»\nالفساد العسكري: ﴿وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطئِينَ﴾ .\nكثرة الهرج والمرج: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ﴾ «٥» .\nالمؤامرات العالمية: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ «٦» «٧» .\nالظلم: ﴿رَبِّ نَجِّنِي من الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «٨» .\nالفسق الخاص والعام: ﴿إِلَى فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ «٩» .\nتكذيب الدعاة: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ «١٠» .\nوصم الناس المصلحين بصفات مهنية: ﴿مَا هذا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ «١١) .\nالاغترار بالدساتير الوضعية: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهذا في آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ «١٢» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٥.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٠.\n(٧) ينظر أحجار على رقعة الشطرنج أدوارد غاي. الطبعة الثالثة. دمشق. دار النهار. ١٩٨٧ م: ص ١٢٧ -١٣٠.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢١.\n(٩) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٢.\n(١٠) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٤.\n(١١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٦.\n(١٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٦.","vol":"2","page":87},{"text":"جنون العظمة: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلَهٍ غَيْرِي﴾ «١» .\nطلب المحال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ موسى﴾ «٢» .\nالاغترار بالظن الكاذب الشيطاني من الشيطان الذي لعنه الله بنفسه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ من الْكَاذِبِينَ﴾ «٣» .\nالاستكبار العالي: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ﴾ «٤» .\nالحكم بغير الحق بظلم الناس: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغير الْحَقِّ﴾ .\nإنكاره الآخرة: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ «٥» .\nعدم معرفة العواقب: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ «٦» .\nتقبيح الحسن وتحسين القبيح: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ من الْمَقْبُوحِينَ﴾ «٧» .\nالمطاولة في العمر الحضاري للقوة العظمى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ «٨» .\nكذب الأماني: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ من عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ موسى﴾ «٩» .\nالكفر: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ موسى من قَبْلُ﴾ «١٠» .\nتسخير الإعلام للإضلال: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ «١١» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٨.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٨.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٩.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٩.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٠.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٢.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٥.\n(٩) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٨.\n(١٠) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٨.\n(١١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٨.","vol":"2","page":88},{"text":"اتباع الهوى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ﴾ «١» .\nالخوف من غير الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أَرْضِنَا﴾ «٢» .\nبطر المعيشة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ «٣» .\nالغواية: ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الذين أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كما غَوَيْنَا﴾ «٤» .\nالكذب الدائم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ «٥» .\nعمى الأنباء: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ «٦»\nالفراغ الروحي: ﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ .\nالانشغال بالمادة: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ «٧» .\nالزعم الكاذب: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ «٨» .\nالافتراء: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ «٩» .\nالبغي: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ من قَوْمِ موسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ «١٠» .\nوفرة المال والطغيان فيه بنسيان الله ﷿: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «١١» .\nالفرح بما هو ليس لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٠.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٣.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٣.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٦.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٤.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٤.\n(٩) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٥.\n(١٠) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(١١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.","vol":"2","page":89},{"text":"عدم الإحسان: ﴿وَأَحْسِنْ كما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ «١» .\nبغي الفساد في الأرض: ﴿وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٢» .\nالاغترار بالعلم: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ «٣» .\nالاغترار باشتداد القوة والجموع: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ من قَبْلِهِ من القُرُونِ من هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ «٤» .\nالإجرام: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ﴾ «٥» .\nالاغترار بالزينة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «٦» .\nإرادة العلو في الأرض: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ﴾ «٧» .\nإرادة الفساد: ﴿وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٨» .\nالمجيء بالسيئات: ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ «٩» .\nالضلال المبين: ﴿وَمن هُوَ في ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ «١٠» .\nمظاهرة الكافرين: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ «١١» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.\n(٩) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٤.\n(١٠) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(١١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.","vol":"2","page":90},{"text":"الصد عن آيات الله ﷻ: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ «١» .\nالشرك الظاهر والخفي: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ من الْمُشْرِكِينَ﴾ «٢» .\nدعوة إله آخر مع الله ﷿: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ «٣» .\nالحكم بغير ما أنزل الله ﷿: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٤» .\nإن هذه الأسباب التي تقدم ذكرها يمكن رؤيتها بجلاء ووضوح في الطغيان الأميركي المعاصر لنا، وكأن سورة القصص عند التحليل الدقيق لدلالات ألفاظها تصف حال أميركا وما جنته في الأرض من إفساد وفساد عام وخاص، وكيف أنها اليوم تحاول أن تكون القوة العظمى، وتظن أنها لا تهلك ولن تهلك، والله ﷿ يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٥»، فلا بدّ من خلال استقراء ما جرى لفرعون وهامان وقارون، وما يشابههم من حال أميركا وجشعها وعدتها من ملاقاة المصير نفسه، لأنه كما قال ﷿ في سورة القصص: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ «٦»، وهذا ما يعزز ما ذهبنا إليه آنفًا «٧» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٤.\n(٧) دعوة الرسل إلى الله. مُحَمَّد أحمد العدوي. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر. ١٣٥٤ هـ.: ص ١٧٦.","vol":"2","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المطلب الثالث: أموال قارون واقتصاد العولمة وتفككه في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\nمن الواضح مما تقدم أن الولايات المتحدة الأميركية في اعتمادها على الرأسمالية التي طورتها في عقد التسعينات باسم العولمة التي تعني: \" تحرير التجارة العالمية، وفتح الحدود، وإلغاء الضرائب والقيود على المعاملات المالية، ونقل قيم الاقتصاد الرأسمالي إلى كل الدول والأنظمة والحكومات على اختلاف مشاربها \" «١» .\nحاولت أميركا ولا زالت تحاول من خلال آلياتها العسكرية أن تفرض نظم استهلاكها الاقتصادي، ونظم معاملاتها التجارية، ونظم مصارفها الربوية على العالم كله، اغترارً بما هي عليه من قوة وعلم وجمع مال، ووجود مؤسسات المال الدولية في الأرض الأميركية، حتَّى صار كثير من جهلة الناس يعتقدون أن أميركا هي (أرض الأحلام)، ويتمنون السكنى فيها والتجنس بجنسيتها، وهو عين ما تتمناه أميركا، وإن تمنعت قليلًا على استحياء.\nإن مقومات اقتصاد العولمة:\nرأس المال المشترك.\nالتقانة العلمية.\nالاتصالات المفتوحة.\nثورة المعلومات.\nيمكن رؤيته على أنه (الوحش الكاسر) الذي يهدد عالمنا كما وصفه بعض مناهضي العولمة.\nوالعولمة: \" وهو في الأصل مبدأ اقتصادي يهدد لإشاعة فاحشة الربا في الناس كافة \" «٢»، وجه من أوجه الطغيان الأميركي، ونحن علينا أن نجد في القراءة المعاصرة لسورة القصص ما يدلّ على ذم العولمة فيها، ومن ذلك:\nتقسيم العالم إلى أول وثان وثالث: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ «٣»\nالسيطرة على سياسات الدول وقراراتها من خلال قروض صندوق النقد الدولي: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ﴾ «٤» .\n_________\n(١) نذر العولمة: ٢٧ -٢٨. وينظر القصص الَقُرْآنيّ: ٣ /٤٤.\n(٢) نذر العولمة: ٢٧ -٢٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.","vol":"2","page":92},{"text":"أخذ أموال الناس بالباطل طمعًا: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ من قَوْمِ موسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ «١» .\nوذلك أولى بالتالي لأن تتضح صورة هذه العولمة الأميركية في مثل دلالة قوله ﷿ وهو أصدق القائلين: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغير الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ «٢» .\nفأميركا من خلال قوتها العسكرية وهيمنتها الإعلامية، واقتصادها المعولم المحرر التي تريد فرضه مع قيمتها (الأخلاقية) على العالم، واستكبرت هي وجنودها (بقواعدهم) في الأرض، وهي تظن أنها لن ترجع إلى الله ﷿، بدليل أنها لا ترقب في مؤمن إلًاّ ولا ذمة، فعل من لا يخاف الله ﷿.\nوقد حاول بعض الناس في العصر الحديث تبرير دخولهم إلى منظمة التجارة العالمية (بوابة العولمة الأميركية) بدعوى أنهم لا يملكون مالًا ولا تجارة ولا ثروات طبيعية، وأنهم محتاجون للعولمة. ومن قبل يبين الله ﷿ حجة أمثال هؤلاء في قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا من لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «٣» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٩.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٧.","vol":"2","page":93},{"text":"واقتصاد العولمة المحرر ادعى إلى بطر في المعيشة بفعل الرخاء الغربي، حيث يتنعم الغرب وأميركا والشمال، ويتضور المسلمون والأفارقة والجنوب من الجوع، ولقد بطرت أميركا باقتصادها حتَّى صارت تفرض ما غيرته من خلق الله ﷿ بإدراجها مبررًا فرض قبول الأغذية المعدلة وراثيًا في مساعداتها للدول النامية. ونحن نجد مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ «١»، مع قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ «٢»، بمعنى أن ما تقوم به أمريكا في هذا العصر إنما مآله الانتهاء بالاندحار.\nوهذه الآية تدل فيما تدل عليه أن الاقتصاد البطر (في عصر اقتصاد العولمة) مصيره الهلاك، وهو عين الدستور القرآني في كون الأمم التي تظلم نفسها بجحود النعم، وكفران الله ﷿، تنقلب بها الأحوال من حال إلى حال، وقد حدث ذلك في عصرنا للاتحاد السوفيتي السابق سنة ١٩٩١ م، وسيكون - إن شاء الله العلي العظيم - كما تدل عليه قواعد نذر سورة القصص للولايات المتحدة الأميركية.\nونجد في قصة قارون في سورة القصص كيف يتطور الاقتصاد (الكفري)، (اقتصاد العولمة مثلًا)، ثُمَّ كيف يذهب هذا الاقتصاد بنظرياته وأهله، (كذلك في عصرنا حدث مثل ذلك للنظرية الماركسية الشيوعية في الاقتصاد التي بدأت في أيام ماركس وأنجلز، وطبقت بعد ثورة ١٩١٧ م في روسيا، وأنشأت القوة العظمى الثانية للاتحاد السوفيتي ثُمَّ كان لها أن تتفكك وان تغرق في مهاوي النسيان) .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٨.","vol":"2","page":94},{"text":"ففي سورة القصص نجد أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ من قَوْمِ موسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ «١» يدلّ على أن اليهود الذين هم (من قوم موسى) كانوا ولا زالوا أهل بغي، ثُمَّ نجد قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ «٢»، فنلاحظ أن في عصرنا هذا قد كثرت البنوك الرأسمالية حتَّى صار من الصعب إحصاؤها أو عدها أو ذكر أسمائها، وأن ما فيها من أموال يغطي الأرض مرات ومرات، ونجد أن قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٣»، يحمل في طياته كل سمات العولمة الحديثة في وعظ قوم موسى من المؤمنين لقارون، فنجد من سمات العولمة في قصة قارون:\nالفرح الاحتفالي المبالغ فيه.\nنسيان الآخرة.\nجعل الدنيا النصيب كله.\nعدم الإحسان.\nالفساد في الأرض.\nونجد كذلك في سورة القصص مقومات العولمة العلمية التي هي في عصرنا ثورة المعلومات والاتصالات والتقنيات في جواب قارون لقومه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ «٤» .\nونجد رياء العولمة وتبخترها وتكبرها في مثل ما نجده في صفة قارون في سورة القصص في قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٧٦- ٧٧.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.","vol":"2","page":95},{"text":"ونجد إعجاب بعض الجهلة بالعولمة التي لا يدرون مآلها ومآلهم معها من قوله تعالى في السورة نفسها: ﴿قَالَ الذين يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ «١»، وفي عصرنا تكفلت وسائل الإعلام كلها بتحبيب نموذج العولمة للأذهان، فصار الناس يتشدقون: إن العولمة في هذا العصر هي (الحظ العظيم)، وهذا ما وسوسه الشيطان الرجيم - لعنه الله بلعنته - في قلوب الناس.\nثم نجد مصير قارون في الخسف هو عين ما يتوقع المنظرون الاقتصاديون للعولمة من مصير (التفكك) في قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾ «٢»، ويبين الله ﷿ الحقيقة على لسان الذين اغتروا بقارون بعد أن رأوا أمثاله (وفي عصرنا بعد أن يروا تفكك العولمة)، في قوله ﷿ حاكيًا عنهم قولهم: ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمن يَشَاءُ من عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ «٣»، ويقرر القرآن الكريم دلالة حقيقة الاقتصاد العالمي في كل نظرياته بقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ من جَاءَ بِالْهُدَى وَمن هُوَ في ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ «٤»، بمعنى أن النظريات الاقتصادية في هدايتها وفي ضلالها إنما جاءت بمعناها العام لتدل على الخصوصية الاقتصادية العالمية، لأن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد هداية خاصة، والاقتصاد العالمي المعولم اقتصاد ضلال يهودي ربوي، فبان الفرق بينهما في دلالات الآية.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٢.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.","vol":"2","page":96},{"text":"وبذلك كانت سورة القصص دالة كل الدلالة على وجه الشبه بين أموال قارون واقتصاد العولمة، والخسف والتفكك الذي أصاب وسيصيبها قديمًا وحديثًا «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>المطلب الرابع: الاستعداد لمواجهة الطغيان الأميركي من خلال سورة القصص</span>\n\nلقد أمر الإسلام الحنيف المؤمنين كافة بالاستعداد وإعداد العدة لأعداء الله ﷿، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ من قُوَّةٍ وَمن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ «٢» .\nلذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية خشيت الاستعداد للجهاد، فبدأت تطالب بإلغاء تدريس آيات القتال في العالم الإسلامي، وخشيت قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ «٣»، فاخترعت مصطلحًا وترجمته للعربية بالفعل (ر. هـ. ب)، وجعلته كلمة مكروه هو (الإرهاب)، كما كره الغرب للناس من قبل كلمة الاستعمار في ترجمته لها، وهي كلمة قرآنية: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ «٤»، (فنسب الاستعمار لله ﷿) وهذا من فساد حياتنا اللغوية! .\nوهكذا فإن الاستعداد لمواجهة العدو الكافر المشرك ثابت في كل آيات القتال الكريمة ظاهرًا وباطنًا، غير أنا نجد في سورة القصص آيات كثيرة تتعلق دلالتها الماضية بما سبق، ودلالتها الحاضرة بالوضع العام العالمي الذي نعيشه في عصر الطغيان والهيمنة الأميركية على العالم.\n_________\n(١) ينظر قصص الَقُرْآن: ص ٢٨٤. دراسات في التفسير الموضوعي للقصص الَقُرْآنيّ. د. أحمد جمال العمري. الطبعة الأولى. مَكْتَبَة الخانجي بالقاهرة. ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.: ص ٢٩٥.\n(٢) سُوْرَة الأَنْفَالِ: الآية ٦٠.\n(٣) سُوْرَة الأَنْفَالِ: الآية ٦٠.\n(٤) سُوْرَة هُوْد: الآية ٦١.","vol":"2","page":97},{"text":"وتتلخص آليات الاستعداد لمواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وكل من كان على شاكلتها في سورة القصص في آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «١» .\nفإن هذه الآية في دلالتها العامة والخاصة تشمل الاستعداد بالقوة لوراثة الأرض من أميركا التي استضعفت المؤمنين.\nثم نجد أن قوله تعالى: ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «٢»، يدل في دلالته الحديثة المعاصرة على أن ما وعد به الله ﷿ في الثواب الكريم، ورسوله ﷺ في السنة النبوية الشريفة من انتصار الإسلام بعد أخذ الحذر والاهبة والاستعداد لقتال الكفرة واليهود، هو أمر متحقق إن شاء الله العلي العظيم.\nولا ننسى هاهنا أن أميركا تمثل اليهود، وأن الوعد النبوي الذي ما ينطق صاحبه عن الهوى ﵊ بقتال اليهود والانتصار عليهم، يشمل أميركا بدلالته، وهو ما نجده في سورة القصص في قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ «٣» .\nونجد ضمن الاستعداد لمواجهة أميركا قوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ «٤»، فالآية تدل على أن من فعل فعل فرعون وهامان وجنودهما ملعون في الدنيا، وفي الاستعداد لمواجهة أميركا (فرعون العصر وهامانه)، (إذا جاز لي هذا التعبير)، نجد أن أميركا (أمة ملعونة) كما وصفها بعض أبنائها من قبل! .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٢.","vol":"2","page":98},{"text":"ونجد ضمن الاستعداد لمواجهة أميركا في سورة القصص قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً من رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ من نَذِيرٍ من قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «١» .\nوضمن الاستعداد لمواجهة أميركا نجد دلالة قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ «٢»، وأي ظلم يجب الاستعداد لملاقاته أشد من ظلم الولايات المتحدة الأميركية منذ نشؤها (وقتلها للهنود الحمر) حتَّى اليوم (في عدوانها على أفغانستان بدعوى محاربة الإرهاب)؟ ! .\nثُمَّ نلاحظ من سمات الاستعداد لمواجهة أميركا دلالة توجيهية لأخذ أميركا بذنوبها بعد أن اعترف شهودها بأن لا برهان لهم على ما تفعله حكومتهم بالعالم، وهو قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَنَزَعْنَا من كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ «٣» .\nثم خاتمة مطاف الاستعداد لمواجهة أميركا في قوله تعالى في وصف الآخرة مقابل الدنيا الزائلة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٤»، مع أن المبدأ الأساسي لأميركا هو:\nالعلو في الأرض.\nالفساد في الأرض.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٩.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.","vol":"2","page":99},{"text":"وهو ما أوجب على المسلمين أن يستعدوا ما وسعهم الاستعداد للملحمة الكبرى التي تستعد لها أميركا في أدبياتها النصرانية تحت اسم (هار مجدون)، إذ يظنون أنهم باستعدادهم لملاقاة المسلمين سيعيدون مملكة (يسوع المسيح) في ألفيتها حسب مزاعمهم، وهو ما قرره الكبراء منهم من قسسهم وحاخاماتهم ودجاليهم المنبئين.\nأما الاستعداد الإسلامي لذلك فنجده مندرجًا تحت قوله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «١»، على الذي تحقق من دلالته قديمًا وحديثًا في التراث والمعاصرة، كما لا يخفى على أحدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المبحث الثاني: السنن الإلهية في زوال الأمم وسقوط الحضارات في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الأول: الزوال - نهاية أميركا مقارنة بفرعون وهامان وقارون في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\nإن من خصائص النص القرآني أنه نص متجدد يصلح في دلالاته للماضي والحاضر والمستقبل في الدنيا والآخرة على ما قرره العلماء، ونحن يمكن أن نفهم دلالاتها الحقيقية في دلالات معاصرة على أمور نعلم أن الله ﷿ يعلم بها جميعًا وبأعمالها بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ «٢» .\nلذلك فليس عجيبًا أن نجد أن النهاية التي انتهى إليها فرعون وهامان وجنودهما وقارون، هي عين ما يتوقع المنظرون السياسيون وعلماء علم المستقبليات السياسي من الغربيين للولايات المتحدة الأميركية في قابل أيامها ومستقبل أعوامها.\nويمكن على وجه من الوجوه رؤية الزوال الفرعوني الهاماني القاروني في الزوال الذي وقع زلزالًا صبيحة ١١ / أيلول / ٢٠٠١ م في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا وسمي باسم (أحداث الحادي عشر من أيلول) على ما هو مشهور معروف!\nونحن في قراءتنا المعاصرة الدينية لسورة القصص، نجد أن هنالك نقاطًا تحذيرية - تنبيهية كثيرة، عن الزوال الأعظم في الماضي والحاضر:\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٢) سُوْرَة الصَّافَاتِ: الآية ٩٦.","vol":"2","page":100},{"text":"زوال الماضي هو زوال فرعون وهامان وقارون والجنود.\nزوال الحاضر هو زوال أميركا وإسرائيل وجنود العولمة.\nولا ريب أن ذلك منصوص عليه بصورة أكثر صراحة في كثير من أحاديث رسول الله ﷺ، ولا سيما ما نجده في أبواب الفتن «١» .\nغير أننا في تحليلنا لسورة القصص نجد الأمر بوضوح كبير يكاد لا تخطئه العين.\nإن هلاك فرعون وهامان وقارون وجنودهم جميعًا في الماضي التاريخي إنما كان بسبب عوامل أسلفنا الحديث عنها في الفصول الماضية ولا ريب في أن هذه العوامل نفسها ستكون سبب في زوال وهلاك أميركا وإسرائيل وجنود العولمة في العصر الحديث، وذلك كما يقول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الْكِتَابَ من بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «٢» .\n_________\n(١) منها ما روي عَنْ أبي بن كعب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بشر هذه الأمة بالسناء والنصر والتمكين فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب» . المستدرك على الصحيحين: ٤ /٣٤٦ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٣.","vol":"2","page":101},{"text":"وهكذا نجد أن قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «١» يشمل اليوم في دلالاته المسلمين والإسلام، لأنهم استضعفوا في الأرض بعد أن تفرقوا قبل بروز الصحوة الإسلامية، ثم أنهم الآن الأئمة، ولا ريب في أن الوعد الإلهي حق في أن الوراثة لهم، ولا وراثة قبل هلاك أميركا وزوالها، وذهاب دولة إسرائيل على ما ورد في سورة الإسراء، وفي أحاديث رسول الله ﷺ عن مقاتلة اليهود مصداقًا لهذه الآية من سورة القصص «٢» .\nوعن الزوال في سورة القصص نجد قوله تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «٣»، وهذا يشبه إلى حد كبير ما ابتدأت أميركا وإسرائيل والجنود يروه من علامات الزوال:\nأميركا وأحداث ١١ / أيلول (مقابل فرعون) .\nإسرائيل وانتفاضة الأقصى المباركة (مقابل هامان) .\nجنود العولمة وحركات مناهضة العولمة (مقابل قارون) .\nوهذا من الأدلة على الصدق الإلهي للنص القرآني.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٢) من ذلك ما رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تُقَاتِلُونَ الْيَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الْحَجَرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ» . صَحِيْح البُخَارِي: كتاب الجهاد والسير، باب قتال اليهود ٣ /١٠٧٠ رقم (٢٧٦٧) .\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.","vol":"2","page":102},{"text":"ونجد قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْن لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ «١»، إن أميركا تهاوت تحت ضربات أعدائها، وان الأحزاب تغلغلها وتعمها كل العموم في هذا العصر الحديث، مثلما حدث من قبل لفرعون وآله.\nونجد أن الإسلام في العصر الحديث في صحوة بالعودة إلى القرآن الكَرِيم والسُّنَّة النَبَوِيَّة. وهو ما يدل عليه بعض الدلالة قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ «٢» .\nثم نجد أن دلالة قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ «٣»، هي دلالة متجردة تصلح لوصف زوال أميركا بها، وهي في وسط البحار التي تحيط بها والمحيطات، وهذا من عجائب الأقدار الإلهية إغراق فرعون في اليم، وزوال أميركا في أرضها وسط بحارها وحيدة مع جنودها.\nثم نجد في سورة القصص أن قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ «٤»، يدل على قرب زوال أميركا باقتضاء النص لمعانيه الكامنة بين الماضي والحاضر والمستقبل، بل إن هذا النص أجود القواعد القرآنية الدائمة التي حددها العلماء لزوال الأمم والحضارات وفق العقيدة القرآنية.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٠.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.","vol":"2","page":103},{"text":"ونجد كذلك أن ما يدل على زوال أميركا وإسرائيل في سورة القصص زوال العولمة وتفككها، بدليل قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾ «١» الذي نستطيع نحن في القراءة التفسيرية الدينية أن نربط الماضي بالحاضر وصولًا إلى آفاق المستقبل، وذلك قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾، لأن هذه الآية تصف وصفًا معاصرًا كيف أن الخسف (مع الإغراق) بكل معانيها الحالية والحقيقة المجازية هو مصير عولمة أميركا الإسرائيلية بـ (الوصف السياسي الحديث)، وهذا من عجائب إعجاز التنبؤات القرآنية في سورة القصص.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.","vol":"2","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المطلب الثاني: مصير الكفرة في العصر الحديث مقارنة بسُوْرَة الْقَصَصِ</span>\nمن المعروف لدى كافة المفسرين أن النصوص القرآنية في تجددها ذات دلالات تشمل ما مضى وما سيأتي، وأن قواعدها الكلية بمعنى القواعد العامة تشمل كل الناس، وكل الأمم، وكل الأزمنة والأمكنة، وبذلك حللنا في المطالب الماضية علاقة فرعون بأميركا وإسرائيل، وسنحاول في هذا المطلب استعراض الصورة القرآنية لمصير الكفرة في العصر الحديث في سورة القصص من خلال تجدد دلالات الآيات فيها على ما نراه في الصفحات التالية وفق النقاط الآتية أدناه المستنبط بعضها من قوله تعالى فيها في المقارنة بين المؤمنين والكافرين: ﴿أَفَمن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمن مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ من الْمُحْضَرِينَ﴾ «١»، وهذا هو عين وصف مصير الكافرين في الدنيا والآخرة، أما مصير الكافرين في سورة القصص فيتحدد في:\nإن الكافر يعلو في الأرض: ﴿إِنَّ فِرْعَوْن علاَ في الأَرْضِ﴾ «٢»\nإن مصير المؤمنين وراثة الكافرين: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ﴾ «٣» .\nإن الإمامة والوراثة الإيمانية تكون بعد الإمامة والوراثة الكفرية ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «٤» .\nإن التمكين الإيماني في مقابل الزلزلة الكفرية: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «٥» .\nإن الهزيمة مصير الكافرين كلهم: ﴿مِنْهُمْ مَا كَانُوا يحذرون﴾ «٦» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦١.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.","vol":"2","page":105},{"text":"إن وعد الله حق للمؤمنين: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «١» .\nإن الكافر مهما بلغت قوته لا يصل إلى المؤمن: ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ «٢» .\nإن مصير الاستكبار والكفر الهزيمة والفشل: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ «٣» .\nإن الكفرة ملعونين في الدنيا مقبوحين في الآخرة: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ من الْمَقْبُوحِينَ﴾ «٤» .\nإن مصير الكفر الهلاك: ﴿من بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ «٥» .\nإن الكفرة في مصيرهم يتبعون أهواءهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمن أَضَلُّ مِمن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغير هُدًى من اللَّهِ﴾ «٦»\nإن الكفرة لا يهتدون لظلمهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ «٧»\nإن مصير بطر الكافرين هو الهلاك: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ «٨»\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٠.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٤٠ – ٤١.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٣.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٠.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٠.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.","vol":"2","page":106},{"text":"إن الهلاك لا يكون إلا بعد ظهور الحجة على الكافرين بظلمهم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ «١»\nإن العذاب مصير الكافرين: ﴿وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ «٢» .\nالعمى مصير الكفرة: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ «٣» .\nإن القوة والجمع ليست بمنجية من عذاب الكافرين: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ من قَبْلِهِ من القُرُونِ من هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ﴾ «٤» .\nإن الخسف مصير الكافرين: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ «٥»\nلا ناصر للكافرين بعد العذاب في الدنيا والآخرة: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾ «٦» .\nإن الرجوع والمال والمآب والمعاد إلى الله ﷿: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٧» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٩.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٤.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.","vol":"2","page":107},{"text":"وبهذه النقاط المهمة المستخلصة تحليليًا من مضامين سورة القصص نجد أن لا شيء يعادل الكفرة في كفرهم بالله ﷿ على علم منهم، لذلك كانت آيات سورة القصص تفسر لنا بعض دلالات قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمن يَشَاءُ﴾ «١»، لأن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضًا، وهذا من استدلالاتنا الحديثة في تحليلنا الاستقرائي المعاصر لدلالات سورة القصص الشريفة.\nفلا يغترن أحد بما عليه الكفار اليوم من رغد العيش وتسلط على البشر، وتقدم علمي يريد الله أن يبتليهم به. قال تعالى: ﴿وَالذين كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ «٢» . هذا من جانب، وأن من سنن الله في خلقه أن من عمل وسعى وبذل جهده وطاقته في تحصيل مقصد وصل إليه، فالمسلمون حين يستجمعون أسباب التوفيق والتمكين المادية والمعنوية فإنهم يصلون في القيادة والريادة إلى ما وصل إليه الغرب وأكثر، فالمسلمون يملكون العون من الله والتوقيف لأنهم حملة دينه، وحماة شرعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المطلب الثالث: مبشرات انتصار الإسلام </span>في مفهوم ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾\nمع آيات نصر المؤمنين في سورة القصص\nفي العقيدة الإسلامية الحقة الحقيقية، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة من أهل الحق، نجد تقريرات مهمة لآخر الزمان من عمر الدنيا تشمله كلمتان جامعتان (انتصار الإسلام) .\n_________\n(١) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ٤٨. و١١٦.\n(٢) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآيتان ١٨٢ -١٨٣.","vol":"2","page":108},{"text":"وذلك هو الوعد الإلهي الذي تكفل به ﷿ للمؤمنين، وجعله ضمن أشراط الساعة قبل أن تقوم الساعة على شرار الناس، وليس على الأرض من يقول (الله ... الله)، كما ورد في حديث النبي ﷺ «١» .\nونحن نجد أن ضمن الدلالات الاستنباطية من مفهوم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «٢»، يمكن لنا أن نفهم منه، وكما فهم بعض القدماء من قبل أن معاد (مكة المكرمة) مع أنه (يوم القيامة) - كما قال المفسرون القدماء - «٣» فهمًا جديدًا ذا دلالات جديدة في موضوع (انتصار الإسلام) .\nفالمنة الإلهية بفرض القرآن الكريم على رسول الله ﷺ اقترنت بلام التوكيد برد الرسول ﷺ إلى معاد، يمكن لنا أن نفهمه على أنه انتصار الإسلام مع دلالته الحقيقة على يوم القيامة.\nوهذا النص القرآني تعززه شواهد كثيرة في سورة القصص ضمن مبشرات الإسلام بانتصاره، فالدلالة العامة لقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «٤» هي عين الدلالة التي تدل على انتصار الإسلام بعد استضعاف أهله، وإعادة الإمامة العظمى للإسلام ووراثة الإسلام للأرض فينتشر فيها، بعد أن يتمكن المسلمون من الأرض عند زوال قوم الكفر والشرك\n(أميركا وإسرائيل ومن تابعهم على حد سواء) .\n_________\n(١) نص الحديث: «لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله» . صحيح مسلم: كتاب الإيمان. كتاب باب ذهاب الإيمان آخر الزمان ١ /١٣١ رقم (١٤٨)\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٣) ينظر ص: من هذه الرسالة\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.","vol":"2","page":109},{"text":"ودلالة قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَخَافي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ «١»، يمكن أن تشمل فيما تشمله من دلالات حقيقية أمرًا للمسلمين بأن لا يخافوا علو أميركا وإسرائيل، ولا يحزنوا من الهزيمة في معركة إذا ضمنوا من خلال مبشرات سورة القصص ربح الإسلام للحرب كلها.\nودلالات قوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «٢»، يستنبط منها أن قرة عين المسلمين بالانتصار الإسلامي القادم الذي أخبر به رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة متواترة (في الصحيحين والسنن الأربعة والمسند والموطأ) «٣» - سنذكرها لاحقًا - سيكون تحقيق للوعد الإلهي الحق، ولكن بعض الناس لا يعلمون ذلك، إما كفرًا أو استعجالًا لقدر الله ﷻ، وهو من الأشياء المنهي عنها.\nونجد في سورة القصص ضمن مبشرات انتصار الإسلام العامة والخاصة المتعلقة بقوله تعالى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ «٤»، وقد هدي المسلمون بالقرآن الكريم والسنة النبوية إلى سواء السبيل لو انهم تمسكوا بها، فإن تمسكوا بها هدوا إلى ذلك السواء وانتصروا على كل أعداء الإسلام، حتَّى وإن كانوا أشد منهم قوة وجمعًا أو لم يعلموا ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾ «٥» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.\n(٣) تقدم تخريجه ص:\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٢.\n(٥) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ١٦٥.","vol":"2","page":110},{"text":"ونجد في سورة القصص أن قوله ﷿: ﴿وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا﴾ «١»، يمكن أن تجعل كل مؤمن ومسلم يتوكل على الله ﷿ ويدعون بدعاء صادق وبدعوتهم لكل أمة مُحَمَّد (- ﷺ -) بالنصر بدليل دعاء موسى لأخيه هارون ﵉ بالغيب.\nأما قوله تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ «٢»، فإنه شامل لكل من آمن بموسى وهارون - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام - والمسلمون جميعًا يؤمنون بهما ويتبعونهما وفق قوله تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بين أَحَدٍ من رُسُلِهِ﴾ «٣»، فحقت حقيقة الوعد الإلهية بالغلبة للمتبعين، وهذا من المعاني الدلالية الكامنة.\nونجد في سورة القصص أن قوله تعالى: ﴿وَمن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ «٤»، يشمل أمة الإسلام التي جعلت لها في جاه رسول الله (- ﷺ -) عاقبة الدار، ولا شك أنها اليوم بحاجة ماسة إلى أن تعيد صلتها بعاقبة الدار، لتكون الأمة في انتصارها مع المصطفين الأخيار.\nونجد ضمن مبشرات انتصار الإسلام القادم - إن شاء الله العلي العظيم - في سورة القصص قوله عز من قائل: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ «٥»، فدلت هذه الآية في بناءها ومعناها أن عاقبة الظالمين تشمل كل ظالم، كافر في كل جيل من الأجيال القديمة والحديثة والقادمة على حد سواء، وهذا وعد من الوعود الإلهية الغنية بانتصار الإسلام.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٥.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٥.\n(٣) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٨٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٧.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٠.","vol":"2","page":111},{"text":"ولعل ذلك هو المقصود بقوله تعالى - وهو عندي أبلغ الأدلة من سورة القصص على انتصار الإسلام - إذ يقول ﷻ: ﴿أَفَمن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ﴾ «١» .\nومن بشارات انتصار الإسلام في سورة القصص قوله ﷻ ﴿فَأَمَّا من تَابَ وَآمن وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ من الْمُفْلِحِينَ﴾ «٢»، والفلاح في بعض معانيه النصر والظفر والفوز والغنيمة في الدنيا والآخرة.\nومن مبشرات انتصار الإسلام في سورة القصص قوله ﷿ فيها: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ «٣»، ونحن نعلم أن الحق الذي وعد الله ﷿ به هذه الأمة هو النصر على أعدائها، وإعلاء كلمة الله ﷻ العليا.\nثم نجد في سورة القصص حقيقة قرآنية هي قوله ﷿ في وصف ديمومة الانتصار الإسلامي في الدنيا والآخرة، ضمن مبشرات سورة القصص، وذلك قوله ﷿ في وصف الآخرة والدنيا باب الآخرة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها﴾ «٤» .\nوالمسلمون من صفاتهم الجماعية:\nإنهم لا يريدون علو في الأرض.\nإنهم لا يريدون الفساد.\nإن التقوى لهم.\nانهم يجيئون بالحسنة.\nانهم يعرفون مزية الإحسان بالتقوى والحسنات.\nفدلت هذه الصفات بمجموعها على وجود مبشرات كثيرة على الانتصار الإسلام - إن شاء الله العلي العظيم بحوله وقوته ـ.\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦١.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٥.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٨٣ –٨٤.","vol":"2","page":112},{"text":"ونجد بعد ذلك في سورة القصص قوله تعالى: ﴿إِلاَ رَحْمَةً من رَبِّكَ﴾ «١»، وديمومة الرحمة في كلّ شيء تدلّ على انتصار الإسلام، وفق هذه المبشرات التي وردت في سورة القصص، والتي يمكن لنا من استخلاص نتائجها أن نقرر استنادًا لها أن انتصار الإسلام والمسلمين قريب قادم على ما تقدم بيانه في هذا المطلب والمطالب التي سبقته من مباحث هذا الفصل، فإننا باستبشارنا بنصر الله لهذه الأمة استندنا إلى عدة أسباب جاء قسم منها في سُوْرَة الْقَصَصِ وفي غيرها، وهي:\nتحريم اليأس: فلا يجوز للمسلم أن ييأس أبدًا، فاليأس قرين الكفر والضلال.\nبشارة المؤمنين بنصر الله.\nالصراع الدائم بين المسلمين وأعدائهم، دال على قوة المسلمين وخوف الأعداء منهم، لذا كانوا وما زالوا يكيدون للإسلام والمسلمين لما يرونه في الإسلام من مظاهر القوة.\nالصحوة التي يشهدها الإسلام اليوم والرجوع الصادق إلى الله تعالى.\nالتاريخ المجيد للأمة العربية الإسلامية الذي يمد المسلمين بالعبر وما فيه من دروس تجاوزت فيها الأمة المحن.\nواقع الحضارة الغربية الآيلة للانهيار، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وأما الرأسمالية التي تمثلها اليوم أمريكا، فإن واقع المجتمع الأمريكي يحمل أسباب دماره وهلاكه، جراء تفشي الأمراض الخطرة في ميادين الحياة كافة. وسنعرض بعض الحقائق المهمة التي ربما كانت غائبة عن عيون المنبهرين بالغرب وبحضارته الزائفة، ففي ذلك يقول كولن ولسن يصف عمران نيويورك وازدهارها المادي بأنه \" غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء \" «٢» . فالعاصمة الأمريكية عاصمة الخوف والجريمة، يستيقضون كلّ صباح على جريمة قتل، أو سرقة، أو غير ذلك من الجرائم التي ترتكب ببشاعة. وأن عدد الجرائم قد زادت\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.\n(٢) الإيمان والحياة. د. يوسف القرضاوي. مؤسسة الرسالة. بيروت. ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٩ م.: ص ٨٦.","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>المطلب الرابع: القواعد الكلية للمجتمعات الإنسانية في سُوْرَة الْقَصَصِ</span>\nمن المعلوم شرعًا وعقلًا أن هنالك في كل أنواع الفكر السياسي القديم والحديث قواعد كلية تسير عليها الأمم في سلوكياتها العامة للأخذ بالدين والدنيا، والحاضر والمستقبل. وهو ما يطلق عليه في علم السياسة الحديث اسم (قيم الأمم) .\nوفي القرآن الكريم مجموعة واسعة موحدة من هذه القواعد الكلية الشمولية التي تصلح في كل عصر، وفي كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل أمة من الأمم، على اختلاف توجهاتها الفكرية والدينية والخلقية، وتستوي في ذلك الحضارات والثقافات والقوميات والأعراف، لأن هذه القواعد السياسية (وعندنا ما أسميناه القواعد الكلية القرآنية) تصلح بمجملها لكل المجتمعات الإنسانية.\nونجدها في القرآن الكريم إما مفرقة أو مجموعة في مكان واحد، وهذه القواعد يمكن وصفها بأنها تحوي الصادق، كون مصدرها إلهي غير إنساني، بمعنى أنه كما لا يخفى لا يتطرق إليه الخطأ، وحاشا لله ﷾.\nوفي استعراضنا لسورة القصص في هذا الفصل بمجمله الذي هو أشبه بالقراءة السياسية التأويلية لمضامينها ومعانيها، نجد أن سورة القصص أكدت على جملة من هذه القواعد الكلية التي هي عامة غير خاصة لكل المجتمعات الإنسانية.\nوسوف نحاول هاهنا عرضها وفق الفهم التحليلي التأويلي الحديث، بمعنى أننا سنعطي القاعدة، ثم دليلها من سورة القصص للوصول أثناء ذلك إلى تمثل أكبر وأدق وأشمل وأكمل لكل الأهداف التي احتوتها سورة القصص في معانيها الظاهرة\nوالباطنة:\nإن لكل أمة أو مجتمع إنساني وقتًا للاستضعاف ووقتًا للنصر ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «١» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.","vol":"2","page":114},{"text":"إن الظالم في طغيانه لا بد له من ملاقاة ما يحذره ﴿وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «١» .\nإن الظالم الخاطئ لا بد له من عدو يحزنه قد يكون قريبًا منه ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ «٢» .\nإن الوعد الإلهي صادق مهما طال الزمن. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «٣» .\nإن جزاء كل محسن الحكم والعلم. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكما وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ «٤» .\nإن القتل الخطأ من عمل الشيطان لعنه الله بلعنته ﴿فَوَكَزَهُ موسى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هذا من عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبين﴾ «٥» .\nإن المعجزات الإلهية لا تماثلها خارقات العادة ولا الكرامات. ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ من رَبِّكَ﴾ «٦» .\nإن من جعل الله ﷿ له سلطانًا فليس بواصل إليه أحد ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ﴾ «٧» .\nإن التقليد المخطوء في العقائد سنة الجهلة. ﴿مَا هذا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهذا في آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ «٨» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٣.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٤.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٥.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٢.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٥.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٦.","vol":"2","page":115},{"text":"إن الملك في علم الله ﷻ. ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمن جَاءَ بِالْهُدَى من عِنْدِهِ وَمن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ «١» .\nلا فلاح لظالم. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ «٢» .\nإن استكبار الظالم وجنوده مصيرهم الهلاك. ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغير الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ «٣» .\nإن الظالم ملعون دائمًا وأبدًا في الدنيا والآخرة. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ «٤» .\nإن طول العمر مضل للأمم ومجتمعاتها. ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ «٥» .\nإن التكذيب لله ورسله قد يكون خاصًا وعامًا بذريعة أو بغير ذريعة ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ من عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ موسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ موسى من قَبْلُ﴾ «٦» .\nإن اتباع الهوى مضل. ﴿أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمن أَضَلُّ مِمن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغير هُدًى من اللَّهِ﴾ «٧» .\nلا هداية للظلمة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ «٨» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٧.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٧.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٣٩ - ٤٠.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٢.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٥.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٨.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٠.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٠.","vol":"2","page":116},{"text":"إن الهداية الإلهية للمجتمعات الإنسانية بأمر الله ﷿ ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي من أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي من يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ «١» .\nإن البطر مؤداه الهلاك. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ «٢» .\nإن مساكن الأمم والمجتمعات الهالكة قليلًا ما تسكن من بعدهم ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا﴾ «٣» .\nإن وراثة الملك لله ﷿ وحده. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ «٤» .\nإنه لا هلاك إلا بعد إنذار لأي مجتمع من المجتمعات. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ «٥» .\nأن كلّ ملك زائل. وَمَا أُوتِيتُمْ من شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ «٦» .\nأن الغوي قد يغوي الآخرين. أَغْوَيْنَاهُمْ كما غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ «٧»\nأن التوبة والعمل الصالح نتيجتهما الفلاح. ﴿فَأَمَّا من تَابَ وَآمن وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ من الْمُفْلِحِينَ﴾ «٨» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٦.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٩.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٠.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٣.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٧.","vol":"2","page":117},{"text":"أن العلم مهما تطور لا يمكن إيجاد الخلق فيه. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ «١» .\nأن كل فرية تضل في الدنيا والآخرة. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ «٢» .\nلا قيمة للفرح الإنساني بالمال. ﴿لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «٣» .\nالموازنة بين الدنيا والآخرة من رجاحة العقل. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيَا﴾ «٤» .\nأن الفساد مؤداه الهلاك في الأمم والمجتمعات. ﴿وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٥» .\nأن التقانة العملية والتطور والتقدم في المعارف لا يعني الخروج من الهلاك الساحق بالكفر والظلم. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ من قَبْلِهِ من القُرُونِ من هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ «٦» .\nأن الأجرام لا يحتاج إلى إيضاح. ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ﴾ «٧» .\nأن الهلاك الضاري لا ناصر له ولا يُنصر. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ﴾ «٨» .\nلا فلاح لكافر مهما بلغ ماله من الكثرة. ﴿وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ «٩» .\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٨.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.\n(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨١.\n(٩) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٢.","vol":"2","page":118},{"text":"إن الحسنة والسيئة لهما جزاء محدد من الله ﷿ لكل المجتمعات. ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ «١» .\nأن النصر الإلهي لا بد أن يأتي لمن آمن وعمل بالكتاب. ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «٢» .\nإنه لا يجوز أن يكون المؤمن ظهيرًا للكافر. ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ «٣» .\nأن كل الكون زائل ولا يبقى إلا الله ﷿. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ «٤» .\nإن الحكم لله ﷿. ﴿لهُ الْحُكْمُ﴾ «٥» .\nأن الرجوع في الدنيا والآخرة لله ﷿. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٦»\nوبذلك يمكن بالابتعاد عن القواعد المذمومة، والقرب من القواعد المحمودة، والإيمان بما يجب الإيمان به منهما، أن تتوحد المجتمعات الإنسانية كلهما، إلى العودة إلى الفطرة الإلهية من خلال هذه القواعد الكلية الثبوتية حكما في سورة القصص الشريفة.\nالخاتمة\nوبعد فقد كانت هذه الأطروحة محاولة للقيام بتحليل سورة منفصلة على حدة وإبراز مكانتها التي تدل على ما فيها من عظات وعبر.\nوإذ أعانني الله جَلَّ جَلاَله على إتمامها أجدني قد توصلت من خلال عملي إلى جملة من النتائج والاستنتاجات التي ظهرت من البحث نفسه أوجزها في النقاط الآتية\n_________\n(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٤.\n(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.\n(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.\n(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.\n(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.","vol":"2","page":119},{"text":"إن هذه السّورة في حد ذاتها ضمن سياق باقي السور القرآنية، فيها دلالات متعددة، وأوجه مختلفة للإعجاز القرآني. ولعل صيغها اللغوية وما يستنبط من تلك الصيغ من معانٍ وأفكار كان أحد تلك الأوجه.\nإن في سُوْرَة الْقَصَصِ ربطًا متواصلًا لماضي التاريخ وحاضر الدعوة ومستقبل الأمة.\nإن النصّ القرآني في سُوْرَة الْقَصَصِ يمكن وصفه بأنه نص متحرك المعاني والدلالات بمعنى أنه يصلح في جملة معانيه وجملة دلالاته لفهم أدق للإيمان الواحد والمصير الواحد والمآل الواحد.\nكانت سُوْرَة الْقَصَصِ إحدى السور التي امتازت ببناء الجملة الطويلة وتعداد آلاء الله ﷿ وتأسية رسول الله ﷺ بما مضى وتلك بعض خصائص السور المكية.\nتبرز في سُوْرَة الْقَصَصِ إرشاداتها الوعظية ردًا على جميع أولئك الذين رفضوا تحكيم شرع الله وحاولوا الخروج على السنن والحدود الإلهية.\nأبرزت سُوْرَة الْقَصَصِ معالم تكون الأمة والدولة والمصير الذي يصيب الطغاة بقوته، أو بماله.\nإن النصّ القرآني في سُوْرَة الْقَصَصِ هو نص متدرج في مقاطع يرتبط بعضها ببعض وفي ذلك رد على تلامذة المستشرقين الذين لمحوا إلى تفكك النصّ القرآني.\nإن القصة القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ وفي باقي سور القرآن الكريم استنادًا إلى ذلك هي نص تاريخي واقعي وليست رمزًا، أو أسطورة، كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين ممن أعماهم الحقد على الإسلام.\nإن قضية تكرر القصة القرآنية في عدة آيات بصيغة متشابه أو مختلفة هي بعض مناحي الإعجاز الوصفي في القرآن الكريم، وذلك لأن الصياغة إذا اختلفت في الأمر الواحد دلت على القدرة في بلاغة الوصف وهكذا فإن قصة موسى ﵊ في سُوْرَة الْقَصَصِ هي صياغة أخرى للقصة نفسها، ولكن وقف جمل وعبارات تؤدي معاني أرادها الله في موضعها.","vol":"2","page":120},{"text":"إن المعنى العام في سُوْرَة الْقَصَصِ يؤكد تأكيدًا كليًا على أن أي قوة عسكرية أو أي فساد وطغيان، وأي اقتصاد أريد به الإفساد في الدنيا، إنما يكون مآلهم إلى الهلاك.\nبشرت سُوْرَة الْقَصَصِ برسول الله ﷺ وللأمة من بعده بحتمية النصر الإلهي مها طال الزمن أو مهما استبد الطغاة بطغيانهم.\nإن الأهداف العامة في سُوْرَة الْقَصَصِ تؤكد على أن وراثة الأرض لا تكون إلا للمؤمنين وأنه لا بد من مآل ورجوع إلى الوطن والأمة في أحلك أوقات الأزمات وهو وعد إلهي تحقق وسيتحقق.\nتحتوي سُوْرَة الْقَصَصِ على أسس متكاملة لقواعد بناء الدولة في المنظور السياسي والأخلاقي وهي بذلك تنطق بالواقع وتقدم الصورة المثلى للدولة لئلا تظاهر كافرًا، أو طاغية، أو تغتر بهما.\nإن القيم الأخلاقية في السّورة هي منظومة سلوكية تجعل الإنسان الملتزم بها يتخلق بأخلاق القرآن الكريم.\nإن تطور تفسير القرآن الكريم في ربطه للماضي بالحاضر بين قدامى المفسرين ومحدثيهم ودارسي النصّ القرآني كليًا وجزئيًا أبرز لنا أن سُوْرَة الْقَصَصِ ما زالت تحتمل تفسيرات حديثة تنطق بالواقع المعاصر وهكذا فإن إلحاح العالم الإسلامي في تصريحاته وخطبه على تشبه دولة فرعون بالولايات المتحدة الأميركية وقادتها بقائدها، يمكن أن تجد بعض جوانب الصحة في القراءة المعاصرة لسُوْرَة الْقَصَصِ.\nإن سُوْرَة الْقَصَصِ كانت لها أغراض ومقاصد تتناسب مع فترة نزولها، والبيئة التي نزلت فيها.\nإن آيات السّورة قد تناسبت وتناسقت في التحليل البلاغي في انتظام بما قبلها وما بعدها بل وتناسبت في مقاطعها بين أولها وآخرها.\nتضمنت سُوْرَة الْقَصَصِ صورًا بلاغية وحكمة في استخدام الجمل","vol":"2","page":121},{"text":"إن هناك مجموعة من دلالات التوحيد التي أظهرت أن الله ﷾ هو الذي بيده كلّ شيء وهو المتفرد بالوحدانية وأنه هو المؤثر في هذا الكون، ودلالة وصف المرأة التي كانت في سُوْرَة الْقَصَصِ أمًا وزوجةً في إيمانها بالله ﷿، وقد أبرزت أن قيمة الزمن في السّورة قيمة متجددة، ثُمَّ أبرزت دلالات التربية والسلوك، وتحتوي على قواعد شمولية سبقت العلم الحديث.\nإن الشخصية الإسرائيلية اليهودية في سُوْرَة الْقَصَصِ تتراوح بين ثلاثة أقسام هي: الذلة والضعة. الاعتداء والبغي. الكفر بالمال والحسد.\nإن للمال مفهومًا وغاية في سُوْرَة الْقَصَصِ فمفهومه أنه يصيب الحياة الدنيا وغايته الاستعانة به على الحياة الدنيا وليس نتيجة الوجود بحد ذاته عن علم، أو عن غير علم.\nإن أسلوب الدعوة في سُوْرَة الْقَصَصِ يظهر كيف أن التدريج في خطاب الدعاة، إنما يقر الإيمان في النفوس رويدًا رويدًا.\nإن في سُوْرَة الْقَصَصِ نظرة قرآنية ذات مفهوم متكامل للإنسان، أي إنسان في مبدأ أمره وخاتمته وفق قربه من الهداية أو بعده منها.\nإن الإيمان بمعنى الإقرار بالقلب واللسان في سُوْرَة الْقَصَصِ هو نتيجة للهداية التي تنسب لله ﷿ وحده.\nأبرزت سُوْرَة الْقَصَصِ شخصية فرعون الذي حارب موسى ﵇ وبينت أنه حكم في الأرض وفرق أهلها وذلك مطابق للاكتشافات الأثرية الحديثة.\nإن في سُوْرَة الْقَصَصِ أحكام فقهية بالاستقراء المقارن بمعنى دلالة القصة على واقعة تستوجب حكمها الفقهي وهو ما فعلته في بعض مطالب السّورة تأسيًا بالمفسرين القدامى.","vol":"2","page":122},{"text":"إن هنالك فرقًا بين الرواية التوراتية في سفر الخروج لقصة موسى ﵇، وبين الرواية القرآنية لقصة موسى ﵇ في سُوْرَة الْقَصَصِ، وذلك بالمقارنة النقدية بين العهد القديم والقرآن الكريم، وقد توصل الباحث استنادًا إلى ذلك إلى أهمية الرواية القرآنية وتفوقه على تلك الرواية الأخرى من خلال احتوائه على دقائق التاريخ ومعالم التوحيد.\nإن للرسول ﷺ صورة متكاملة تنبض في النصف الثاني من سُوْرَة الْقَصَصِ من خلال دلائل القرآن على صدقه ﷺ، وإيمان طوائف أهل الكتاب بدعوته ﷺ على وفق معالم الهداية البيانية، والهداية التوفيقية.\nإن هنالك تشابهًا بين قصة موسى ﵇ ابان بصفته، وما تعرض له من أذى مع فرعون موافقًا لما جرى لرسول الله ﷺ ابان دعوته وما جرى له مع فراعنة قريش.\nإن هناك سننًا إلهية في نظرية سقوط الحضارات تبرز واضحة في سُوْرَة الْقَصَصِ مع القواعد الكلية لنظم المجتمعات.\nإن العولمة الحديثة تشبه في اعتمادها على الكفر والعلم كنوز قارون المعتمدة على الكفر بالله تعالى، وما نسبه لنفسه من علم وأن مآل الجميع إلى التفكك.\nإن في سُوْرَة الْقَصَصِ مبشرات بانتصار الإسلام على كلّ من حاربه من قبل ومن بعد، وتبعًا للقياس بأحاديث رسول الله ﷺ وهذه المبشرات ينبغي أن تبرز كلما أصاب الأمة الوهن، لأن الوعد الإلهي متحقق لا محالة.\nلقد كانت هذه النتائج والاستنتاجات بعض ما خرجت به مما يتسع به المقام ههنا، غير أني أجدني قد توصلت من خلال تحليلي لسُوْرَة الْقَصَصِ إلى نتيجة كلية توصل إليها القدماء وستبقى كذلك إلى الأبد، هي: وحدة وتماسك النصّ القرآني كليًا.","vol":"2","page":123},{"text":"ولا يسعني في ختام هذه الدراسة بعد ما تقدم إلا أن أترك عملي هذا بين يدي القارئ الكريم مطلعًا عليه، تاركًا له وحده الحكم على ما بذلته من جهد، علم الله ﷿ إنني لم أقصر في اجتهاده، غير أني أقر بأن عملي لا يخلو من قصور. وقديمًا قال الإمام المزني في حق بعض كتبه أبى الله أن يكون كتابًا كاملًا إلا كتابه، وإذا وقف بي القلم حامدًا شاكرًا مصليًا مسلمًا، أسأل الله ﷿ أن يتقبل مني هذا العمل خدمة لكتابه الكريم، واعتزازًا بدينه القويم، وأردد ههنا قوله ﷿:\n﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ «١» .\n_________\n(١) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٨.","vol":"2","page":124}]}