{"ً":{"ٌ":21486,"ٍ":"مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن\nالمؤلف: د. عبد الجواد خلف [ت ١٤٤٤ هـ]\nالناشر: دار البيان - القاهرة\nعام النشر: ١٩٩٦ م= ١٤١٠ هـ\nعدد الصفحات: ٢٤٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2502,"ٕ":4,"ٖ":1780758946,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"القسم الأول جذور الحضارة الإسلامية","level":2,"page":3},{"title":"المبحث الأول: تمهيد","level":3,"page":4},{"title":"(١) نوح: ﵇","level":4,"page":11},{"title":"(٢) إبراهيم: ﵇","level":4,"page":11},{"title":"(٣) إبراهيم وإسماعيل: ﵉","level":4,"page":12},{"title":"(٤) يعقوب (إسرائيل) وبنوه: ﵈","level":4,"page":12},{"title":"(٥) يوسف: ﵇","level":4,"page":12},{"title":"(٦) سليمان: ﵇","level":4,"page":13},{"title":"(٧) موسى: ﵇، والنبيون حملة التوراة","level":4,"page":13},{"title":"(٨) عيسى: ﵇، وأتباعه: الحواريون","level":4,"page":14},{"title":"(٩) محمد: ﷺ، وختم الوحى والنبوات","level":4,"page":15},{"title":"نتيجة هذا المبحث: حقق هذا المبحث النتائج التالية","level":4,"page":17},{"title":"المبحث الثانى: الوحى الإلهى","level":3,"page":18},{"title":"مطلب فى: الله ... والفطرة ... والأنبياء ... والوحى ...","level":4,"page":18},{"title":"نتيجة هذا المبحث","level":4,"page":22},{"title":"مطلب فى: التعريف بالوحى","level":4,"page":22},{"title":"مطلب: فى صور الوحى","level":4,"page":24},{"title":"(١) النفث فى روع النبى، أو إلقاء الإلهام فى قلبه على صورة غير مشكوك فيها أنها من عند الله.","level":5,"page":24},{"title":"(٢) تكليم الله تعالى لنبيه من وراء حجاب.","level":5,"page":25},{"title":"(٣) ملك يخصص بالوحى","level":5,"page":25},{"title":"ودليله: قول عبد الله بن عمر ﵄","level":4,"page":25},{"title":"حديث عمر ﵁؛ قال","level":4,"page":26},{"title":"وجميع صور الوحى مجملة كلها فى قوله تعالى","level":4,"page":27},{"title":"مطلب فى: أنواع الوحى وخصائصه","level":4,"page":29},{"title":"١ - الخصائص المشتركة بين الوحى الخفى والوحى الجلى","level":5,"page":30},{"title":"٢ - خصائص الوحى الجلى وصوره","level":5,"page":30},{"title":"٣ - خصائص الوحى الخفى وصوره","level":5,"page":30},{"title":"مطلب فى: كتابة الوحى، وتدوينه، وأشهر كتابه","level":4,"page":31},{"title":"الوحى الجلى","level":5,"page":31},{"title":"نتيجة هذا المبحث","level":4,"page":34},{"title":"المبحث الثالث: السنة النبوية المشرفة (الوحى الخفى)","level":3,"page":34},{"title":"نتيجة هذا المبحث","level":4,"page":40},{"title":"المبحث الرابع: القرآن الكريم (الوحى الجلى)","level":3,"page":41},{"title":"مطلب فى التعريف بالقرآن الكريم","level":4,"page":41},{"title":"(١) فى اللغة","level":5,"page":41},{"title":"(٢) فى الاصطلاح","level":5,"page":41},{"title":"القيد الأول","level":6,"page":42},{"title":"القيد الثانى","level":6,"page":42},{"title":"القيد الثالث","level":6,"page":42},{"title":"القيد الرابع","level":6,"page":43},{"title":"القيد الخامس","level":6,"page":43},{"title":"القيد السادس","level":6,"page":43},{"title":"القيد السابع","level":6,"page":44},{"title":"القيد الثامن","level":6,"page":44},{"title":"مطلب فى بعض أسماء القرآن، وأوصافه","level":4,"page":45},{"title":"(أ) أسماؤه: للقرآن أسماء كثيرة أهمها","level":5,"page":45},{"title":"(ب) أوصافه","level":5,"page":46},{"title":"القسم الثانى علوم القرآن","level":2,"page":47},{"title":"تمهيد","level":3,"page":48},{"title":"علاقة علوم القرآن بالمعنى الاصطلاحي، بعلوم القرآن بالمعنى الإضافي","level":3,"page":48},{"title":"فائدة علوم القرآن الكريم","level":3,"page":49},{"title":"أهمية علوم القرآن","level":3,"page":49},{"title":"تطور علوم القرآن","level":3,"page":50},{"title":"أ - ما يتعلق بالقراءة","level":4,"page":53},{"title":"ب - ما يتعلق بالكتابة","level":4,"page":54},{"title":"أ - علوم اللغة، والنحو، والبلاغة.","level":5,"page":54},{"title":"ب - علوم أخرى أشار إليها القرآن الكريم تنبيها لا تفصيلا","level":5,"page":56},{"title":"الباب الأول علم التفسير","level":1,"page":57},{"title":"تمهيد، وتعريف","level":2,"page":58},{"title":"مبحث فى: نشأة التفسير ومراحله","level":2,"page":61},{"title":"(أ) من الرجال","level":3,"page":61},{"title":"(ب) ومن النساء: ١٦ - عائشة - ﵂.","level":3,"page":61},{"title":"مطلب فى: أقسام التفسير وأنواعه","level":3,"page":63},{"title":"مطلب فى: شروط المفسر، وآدابه","level":3,"page":64},{"title":"أولا: شروط المفسر","level":4,"page":64},{"title":"ثانيا: آداب المفسر","level":4,"page":65},{"title":"مبحث فى الأربعة المكثرون فى التفسير من الصحابة","level":2,"page":66},{"title":"(١) عبد الله بن عباس - ﵁ -","level":3,"page":66},{"title":"التعريف به","level":4,"page":66},{"title":"علم ابن عباس - ﵁ -","level":4,"page":67},{"title":"* تقريظ عمر له ﵄","level":4,"page":68},{"title":"منزلة ابن عباس فى التفسير","level":4,"page":69},{"title":"أسباب نبوغ ابن عباس ﵁","level":4,"page":71},{"title":"أدوات التفسير عند ابن عباس ومصادره","level":4,"page":72},{"title":"طرق الرواية عن ابن عباس ﵁","level":4,"page":74},{"title":"المطاعن","level":4,"page":76},{"title":"(٢) عبد الله بن مسعود - ﵁ -","level":3,"page":77},{"title":"التعريف به","level":4,"page":77},{"title":"منزلته فى العلم","level":4,"page":78},{"title":"منزلة ابن مسعود فى التفسير","level":4,"page":80},{"title":"مرويات ابن مسعود ومبلغها من الصحة","level":4,"page":81},{"title":"(٣) على بن أبى طالب\"كرم الله وجهه\"","level":3,"page":83},{"title":"مكانته فى العلم بصفة عامة","level":4,"page":83},{"title":"مكانته فى التفسير بصفة خاصة","level":4,"page":83},{"title":"مرويات على - كرم الله وجهه - ومدى صحتها","level":4,"page":84},{"title":"وأهم هذه الطرق هى","level":4,"page":85},{"title":"(٤) أبى بن كعب - ﵁ -","level":3,"page":85},{"title":"مكانته فى العلم بصفة عامة","level":4,"page":85},{"title":"مكانة أبى - ﵁ - فى التفسير خاصة","level":4,"page":86},{"title":"أشهر طرق الرواية عنه","level":4,"page":86},{"title":"مطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن الصحابة ﵃","level":3,"page":87},{"title":"مطلب فى: خصائص تفسير الصحابة، ومميزاته","level":3,"page":90},{"title":"مبحث فى: التفسير فى عصر التابعين ومدارسه","level":2,"page":91},{"title":"مطلب تمهيدى فى: مدارس التفسير فى عصر التابعين","level":3,"page":92},{"title":"١. المدرسة المكية فى التفسير وأشهر تلاميذها","level":4,"page":92},{"title":"٢. المدرسة المدنية فى التفسير، وأشهر تلاميذها","level":4,"page":93},{"title":"٣. المدرسة العراقية وأشهر تلاميذها","level":4,"page":94},{"title":"مطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن التابعين","level":3,"page":96},{"title":"مطلب فى: خصائص ومميزات التفسير فى عصر التابعين","level":3,"page":98},{"title":"مبحث فى: التفسير بالمأثور","level":2,"page":101},{"title":"مراحل التفسير بالمأثور","level":3,"page":101},{"title":"نموذج من مناهج المفسرين بالمأثور ابن جرير الطبرى وتفسيره\"جامع البيان\"","level":3,"page":108},{"title":"مطلب فى: منهج ابن جرير فى تفسيره","level":4,"page":112},{"title":"تنحصر جملة مناهجه التى سلكها فى كتابه\"جامع البيان\" فى عدة نقاط","level":4,"page":112},{"title":"مبحث فى: التفسير فى بداية عصر التدوين","level":2,"page":117},{"title":"مطلب فى التدوين","level":3,"page":118},{"title":"مبحث فى: التفسير بالرأى","level":2,"page":122},{"title":"والتفسير بالرأى (الاجتهاد) نوعان","level":3,"page":122},{"title":"أدلة الفريقين","level":3,"page":123},{"title":"أدلة المانعين للتفسير بالرأى","level":3,"page":123},{"title":"أولا: شروط المفسر","level":4,"page":128},{"title":"ثانيا: آداب المفسر","level":4,"page":129},{"title":"نموذج من مناهج المفسرين بالرأى المحمود فخر الدين الرازى: وكتابه: مفاتيح الغيب","level":3,"page":130},{"title":"التعريف به","level":4,"page":130},{"title":"مولده","level":4,"page":130},{"title":"تلقيه العلم","level":4,"page":130},{"title":"مؤلفاته","level":4,"page":130},{"title":"منهج الفخر الرازى فى تفسيره","level":4,"page":131},{"title":"نموذج من التفسير بالرأى المذموم الزمخشرى وكتابه\"الكشاف\"","level":3,"page":133},{"title":"الزمخشرى وكتابه","level":4,"page":135},{"title":"قيمة الكشاف العلمية","level":4,"page":135},{"title":"مبحث فى: التفسير الفقهى\"الجامع لأحكام القرآن للقرطبى\"","level":2,"page":137},{"title":"القرطبى وكتابه الجامع لأحكام القرآن الكريم","level":3,"page":139},{"title":"مصنفاته","level":3,"page":139},{"title":"شيوخه","level":3,"page":140},{"title":"منهج القرطبى فى تفسيره","level":3,"page":140},{"title":"الباب الثانى علم نزول القرآن الكريم","level":1,"page":142},{"title":"مبحث فى: وقت نزول القرآن، ومدته، وكيفيته، وحكمة تنجيمه","level":2,"page":143},{"title":"مبحث فى: كيفية إنزال القرآن الكريم","level":2,"page":145},{"title":"فأما الكتاب فمنه","level":3,"page":146},{"title":"وأما السنة فمنها","level":3,"page":146},{"title":"مبحث فى: حكمة تنجيم القرآن الكريم","level":2,"page":146},{"title":"(١) تثبيت فؤاد النبى ﷺ.","level":3,"page":147},{"title":"(٢) التحدى والإعجاز","level":3,"page":147},{"title":"الباب الثالث علم أسباب النزول","level":1,"page":150},{"title":"مبحث فى: التعريف بعلم أسباب النزول وفوائد معرفته","level":2,"page":151},{"title":"مبحث فى: طرق معرفة أسباب النزول، ومصادره، وصيغته","level":2,"page":154},{"title":"صيغ أسباب النزول","level":3,"page":154},{"title":"مبحث فى: تعارض الروايات فى سبب النزول","level":2,"page":154},{"title":"الباب الرابع علم معرفة أول وآخر ما نزل","level":1,"page":161},{"title":"سبب الخلاف","level":2,"page":162},{"title":"عرض الروايات الدالة على أول ما نزل","level":2,"page":163},{"title":"القول الأول","level":3,"page":163},{"title":"القول الثانى","level":3,"page":164},{"title":"القول الثالث","level":3,"page":164},{"title":"تحقيق هذه الأقوال","level":3,"page":165},{"title":"مبحث فى: ما نزل من القرآن أولا فى موضوعات مختلفة","level":2,"page":167},{"title":"موضوع القتال","level":3,"page":167},{"title":"موضوع القتل","level":3,"page":167},{"title":"موضوع الخمر","level":3,"page":167},{"title":"موضوع الأطعمة","level":3,"page":168},{"title":"موضوع السجدات","level":3,"page":168},{"title":"موضوع أول ما أنزل من آيات سورة\"براءة\"","level":3,"page":168},{"title":"موضوع أول ما نزل من آيات سورة\"آل عمران\"","level":3,"page":169},{"title":"مبحث فى: آخر ما نزل من القرآن الكريم","level":2,"page":169},{"title":"الباب الخامس علم معرفة المكى والمدنى","level":1,"page":175},{"title":"مبحث فى: فائدة معرفة المكى والمدنى","level":2,"page":177},{"title":"مبحث فى: طرق معرفة المكى والمدنى","level":2,"page":178},{"title":"أولا: الفرق بين المكى والمدنى","level":3,"page":180},{"title":"ثانيا: ضوابط ومميزات المكى والمدنى","level":3,"page":181},{"title":"أ - المكى: ضوابطه ومميزاته","level":4,"page":181},{"title":"تنبيه هام","level":5,"page":181},{"title":"ب - موضوعه","level":4,"page":182},{"title":"مبحث فى: حصر المكى والمدنى وكلها (مائة وأربع عشرة سورة)","level":2,"page":183},{"title":"الباب السادس علم معرفة الناسخ والمنسوخ","level":1,"page":188},{"title":"تمهيد: تعريف النسخ","level":2,"page":189},{"title":"مبحث فى: ما يقع فيه النسخ، وأهميته، وطرق معرفته","level":2,"page":191},{"title":"أهمية النسخ","level":3,"page":191},{"title":"طرق معرفة النسخ","level":3,"page":191},{"title":"مبحث فى: أقسام النسخ","level":2,"page":192},{"title":"مبحث فى: أوجه النسخ فى القرآن، والحكمة من وقوعه، والتعرف على بعض مصطلحاته","level":2,"page":193},{"title":"مطلب فى: الحكمة من وقوع النسخ","level":3,"page":195},{"title":"مطلب فى: التفريق بين بعض المصطلحات","level":3,"page":196},{"title":"(١) البداء والنسخ","level":4,"page":196},{"title":"(٢) النسخ والتخصيص","level":4,"page":197},{"title":"مبحث فى: قضية النسخ بين الإغراق والغلو","level":2,"page":200},{"title":"(١) من سورة البقرة","level":3,"page":200},{"title":"(٢) من سورة آل عمران","level":3,"page":201},{"title":"(٣) ومن النساء","level":3,"page":202},{"title":"(٤) ومن المائدة","level":3,"page":202},{"title":"(٥) ومن الأنفال","level":3,"page":203},{"title":"(٦) ومن التوبة","level":3,"page":203},{"title":"(٧) ومن النور","level":3,"page":203},{"title":"(٨) ومن الأحزاب","level":3,"page":203},{"title":"(٩) ومن المجادلة","level":3,"page":204},{"title":"(١٠) ومن الممتحنة","level":3,"page":204},{"title":"(١١) ومن المزمل","level":3,"page":204},{"title":"مبحث فى: النسخ إلى بدل وإلى غير بدل","level":2,"page":205},{"title":"الباب السابع علم معرفة القراءات والقراء","level":1,"page":207},{"title":"مبحث فى: أنواع القراءات","level":2,"page":208},{"title":"مطلب فى: حكم هذه القراءات وضوابطها","level":3,"page":213},{"title":"مبحث فى: أهم ضوابط القراءة الصحيحة","level":2,"page":213},{"title":"مطلب فى: أهم الكتب المؤلفة فى علم القراءات","level":3,"page":215},{"title":"فوائد","level":3,"page":215},{"title":"الخاتمة والنتائج","level":1,"page":217},{"title":"فهرس المصادر","level":1,"page":220},{"title":"فهرس الموضوعات","level":1,"page":223}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,53":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,65":57,"1,67":58,"1,68":59,"1,69":60,"1,70":61,"1,71":62,"1,72":63,"1,73":64,"1,74":65,"1,75":66,"1,76":67,"1,77":68,"1,78":69,"1,79":70,"1,80":71,"1,81":72,"1,82":73,"1,83":74,"1,84":75,"1,85":76,"1,86":77,"1,87":78,"1,88":79,"1,89":80,"1,90":81,"1,91":82,"1,92":83,"1,93":84,"1,94":85,"1,95":86,"1,96":87,"1,97":88,"1,98":89,"1,99":90,"1,100":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,124":115,"1,125":116,"1,126":117,"1,127":118,"1,128":119,"1,129":120,"1,130":121,"1,131":122,"1,132":123,"1,133":124,"1,134":125,"1,135":126,"1,136":127,"1,137":128,"1,138":129,"1,139":130,"1,140":131,"1,141":132,"1,142":133,"1,143":134,"1,144":135,"1,145":136,"1,146":137,"1,147":138,"1,148":139,"1,149":140,"1,150":141,"1,151":142,"1,153":143,"1,154":144,"1,155":145,"1,156":146,"1,157":147,"1,158":148,"1,159":149,"1,162":150,"1,163":151,"1,164":152,"1,165":153,"1,166":154,"1,167":155,"1,168":156,"1,169":157,"1,170":158,"1,171":159,"1,172":160,"1,174":161,"1,175":162,"1,176":163,"1,177":164,"1,178":165,"1,179":166,"1,180":167,"1,181":168,"1,182":169,"1,183":170,"1,184":171,"1,185":172,"1,186":173,"1,187":174,"1,189":175,"1,191":176,"1,192":177,"1,193":178,"1,194":179,"1,195":180,"1,196":181,"1,197":182,"1,198":183,"1,199":184,"1,200":185,"1,201":186,"1,202":187,"1,203":188,"1,205":189,"1,206":190,"1,207":191,"1,208":192,"1,209":193,"1,210":194,"1,211":195,"1,212":196,"1,213":197,"1,214":198,"1,215":199,"1,216":200,"1,217":201,"1,218":202,"1,219":203,"1,220":204,"1,221":205,"1,222":206,"1,223":207,"1,225":208,"1,226":209,"1,227":210,"1,228":211,"1,229":212,"1,230":213,"1,231":214,"1,232":215,"1,233":216,"1,235":217,"1,236":218,"1,237":219,"1,239":220,"1,240":221,"1,241":222,"1,243":223,"1,244":224,"1,245":225,"1,246":226,"1,247":227,"1,248":228},"ٜ":{"1":[5,248]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,53","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,65","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,189","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,235","1,236","1,237","1,239","1,240","1,241","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"4":[3],"11":[4,5],"12":[6,7,8],"13":[9,10],"14":[11],"15":[12],"17":[13],"18":[14,15],"22":[16,17],"24":[18,19],"25":[20,21,22],"26":[23],"27":[24],"29":[25],"30":[26,27,28],"31":[29,30],"34":[31,32],"40":[33],"41":[34,35,36,37],"42":[38,39,40],"43":[41,42,43],"44":[44,45],"45":[46,47],"46":[48],"47":[49],"48":[50,51],"49":[52,53],"50":[54],"53":[55],"54":[56,57],"56":[58],"57":[59],"58":[60],"61":[61,62,63],"63":[64],"64":[65,66],"65":[67],"66":[68,69,70],"67":[71],"68":[72],"69":[73],"71":[74],"72":[75],"74":[76],"76":[77],"77":[78,79],"78":[80],"80":[81],"81":[82],"83":[83,84,85],"84":[86],"85":[87,88,89],"86":[90,91],"87":[92],"90":[93],"91":[94],"92":[95,96],"93":[97],"94":[98],"96":[99],"98":[100],"101":[101,102],"108":[103],"112":[104,105],"117":[106],"118":[107],"122":[108,109],"123":[110,111],"128":[112],"129":[113],"130":[114,115,116,117,118],"131":[119],"133":[120],"135":[121,122],"137":[123],"139":[124,125],"140":[126,127],"142":[128],"143":[129],"145":[130],"146":[131,132,133],"147":[134,135],"150":[136],"151":[137],"154":[138,139,140],"161":[141],"162":[142],"163":[143,144],"164":[145,146],"165":[147],"167":[148,149,150,151],"168":[152,153,154],"169":[155,156],"175":[157],"177":[158],"178":[159],"180":[160],"181":[161,162,163],"182":[164],"183":[165],"188":[166],"189":[167],"191":[168,169,170],"192":[171],"193":[172],"195":[173],"196":[174,175],"197":[176],"200":[177,178],"201":[179],"202":[180,181],"203":[182,183,184,185],"204":[186,187,188],"205":[189],"207":[190],"208":[191],"213":[192,193],"215":[194,195],"217":[196],"220":[197],"223":[198]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى أصحابه ومن والاه.\nوبعد: فإن أكثر ما قامت عليه الحضارات البشرية كلها مردّه إلى التعاليم الإلهية التى جاءت بها النبوات الكبرى منذ العصور الأولى للإنسان.\nوقد ختمت هذه النبوات، وتبلورت مفاهيمها، ووضحت صورتها تمام الوضوح ببعثة محمد ﷺ بالإسلام.\nوقد كان لبعثته ﷺ فاتحة عهد جديد لظهور أمة جديدة ختمت بها الأمم، أرست قواعدها وأركانها الأساسية، وأقامت جذورها، على «الوحى الإلهى» الذى تبلور فى علوم القرآن، وعلوم السّنة.\nوهذا الكتاب محاولة «لترتيب المفاهيم الفكرية للإنسان» حول جذور الحضارة الإسلامية خاصة فيما يتعلق بالمنبع الأصلى لهذه الجذور، وهو «الوحى الإلهى»، الذى لم تكن الحضارة الإسلامية بدعا من الأمم فى الاعتماد عليه، وإنما تفردت عن سائر الأمم المعتمدة على هذا المنبع فى تنظيمه، وتنسيقه، وإعداده ليكون منهج حياة يستوعب سائر الأمم مكانا وزمانا.\nو«الوحى الإلهى» فى مفهوم الحضارة الإسلامية هو القرآن والسنة معا، لا ينفكان ولا ينفصلان عن «مفهوم الوحى». وإنما ينفكان وينفصلان فى ضوابط الحكم على جزئيات المسائل الفرعية بين ما هو قطعى فى دلالته على الحكم، أو ما هو ظنىّ فيها، وهذا ما توصف به السنة كما يوصف به القرآن، وذلك عند من يفهم أن منبع هذه الجذور واحد.\nأما من لا يستقيم له هذا الفهم فينكر السّنة أو شيئا منها، فليس له من فهم الحضارة الإسلامية نصيب كبير، وعلّته فى سقم فهمه، ولا يفتّ فى عضد جذر","vol":"1","page":5},{"text":"من جذور هذه الحضارة قليلا أو كثيرا.\nوهذا الكتاب أيضا، وإن ألقى ضوءا سريعا على السنّة النبوية المشرفة، ومنزلتها، وعلومها الجليلة إلا أنه معنىّ بالدرجة الأولى فى الأخذ بيد القارئ إلى التعرف على علوم القرآن الكريم، وأولها «علم علوم القرآن» وهو علم التفسير.\nفلا غرابة إذا أن يكون عنوان هذا الكتاب: «مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن» ليعرف القارئ الكريم أن أول ما نشأ من علوم القرآن فى أحضان النّبوّة، وتحت رعايتها هو «علم التفسير» الذى احتاج فيما بعد إلى ابتكار سائر علوم القرآن ليشدّ من أزره على خدمة القرآن، والكشف عن مراد الله تعالى، وبيان تشريعه، وأحكامه، وآدابه.\nوكذلك ليرتب كلّ منتم إلى حضارة الإسلام ذهنه وفكره، على أن القرآن والسنة بعلومهما، وفنونهما هما منابع تلك الحضارة، وأن البعد عن هذه المنابع بعد عن الأمة الإسلامية والانسلاخ عنها إلى حضارات أخرى ليست محل عنايتها.\nوقد جاء هذا المدخل فى قسمين رئيسين: تناولت فى القسم الأول: الكلام حول مجموعة من المباحث اهتمت بالحديث عن جذور الحضارة الإسلامية.\nوتناولت فى القسم الثانى: مجموعة من الأبواب المختارة فى علم التفسير، وبعض علوم القرآن المتعلقة به.\nوتركت تفصيل ذكر مباحث القسمين إلى الفهرس العام.\nوالله أسأل أن ينفع به من صلحت نيته للاستفادة منه، وأن يأجرنا جميعا بصوالح نوايانا إنه نعم المجيب.\nد/ عبد الجواد خلف كراتشى فى: ١٤٠٩ هـ- ١٩٨٩ م القاهرة فى: ١٤١٠ هـ- ١٩٩٦ م","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>القسم الأول جذور الحضارة الإسلامية</span>","vol":"1","page":7},{"text":"القسم الأول جذور الحضارة الإسلامية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: تمهيد</span>\nكل أمة من أمم الأرض تخضع فى «حضارتها» بمفهومها الشامل، من ثقافة، وتربية، وتعليم، وزراعة، وصناعة، وعادات، وتقاليد، وعمران، إلى «دينها» الذى تدين به.\nفأمة الهند مثلا تبنى كل حياتها على الديانة «الهندوكية» وتوابعها من البوذية، والجينية وتستمد كل ثقافاتها من هذه العقائد الدينية بما فيها أشكال الأبنية والعمارات، والزواج، والطلاق، وسائر شئون الحياة حتى التعامل مع جثث الموتى.\nوكذلك أمة اليهود والنصارى يستمدان حضارتهما من ديانتهما.\nوالأمة التى لا تدين بدين، ولا تؤمن بإله، أمة- أيضا- تستمد حضارتها من الدين. ودين مثل هذه الأمة: «أنه لا دين لها».\nومنذ أدرك الإنسان نفسه على سطح هذا الكوكب الذى نعيش فيه، وهو يبحث بفطرته وغريزته عن سرّ وجوده فى هذا الكون، بل وعن الكون المحيط به:\nمن أوجده؟ وما غاية هذا الوجود؟.\nولم يزل الإنسان فى هذا البحث منذ عهد سحيق يريد أن يحدد مركزه ومركز الكون المحيط به وهو يرى السماء والأرض، والسهول والجبال، ويرى الرعد القاصف والبرق الخاطف والعواصف الشديدة، ويرى الأعاصير التى تقتلع الأشجار، والأمطار الغزيرة التى تجعله يبحث عن مأوى يحميه منها.\nثم يرى الليل، والنهار، والشمس، والقمر، وتأثير كل واحد منها على حياته، وحياة الكائنات الحية فيما حوله من حيوانات، وطيور.","vol":"1","page":9},{"text":"ثم يتأمل الحياة فيمن يولد من حوله .. ويتفكر فى الموت فى من يذهب عنه ليدفن فى باطن الأرض .. ما السّر وراء كل ذلك؟!\nوها هي الآثار الأدبية للإنسان المصرى القديم تحدثنا عن هذه التأملات الفكرية المتقدمة فى تلك المنظومة الرائعة للوزير «حتب» الكاهن المصرى الفرعونى، والتى سجلها فى «كتاب الموتى» حيث يقول:\n«إن الموتى الذين ذهبوا لم يعد واحد منهم من «الأبديّة» ليحدثنا بما جرى لهم حتى يسعد قلوبنا .. فدع عقلك ينسى هذا، واتبع رغبات قلبك ما دمت حيّا، وتمتّع بأطايب الحياة قبل أن يأتى «يوم الآخرة» .. فالمرء لا يأخذ متاعه، والذاهب لا يعود».\nولا أحسب أن ذلك الإنسان القديم .. قدم التاريخ .. وهو يقدم لنا هذا الفكر المتواضع كان يدرك- وهو يفعل هذا- أنه إنما ينمّى غريزة كامنة فى نفسه، ألا وهى غريزة التدين!\nفكما أن علماء الاجتماع توصلوا إلى أن الإنسان «مدنى بطبعه» فإن علماء الأديان يحق لهم أن يقولوا أيضا: «إن الإنسان متدين بطبعه» .. !\nوغريزة التدين شأنها شأن سائر الغرائز التى أودعها الله فى الإنسان كغريزة الجوع، وغريزة العطش، وغريزة التّمدن، وغريزة حبّ التملك، وغيرها من الغرائز التى تطالب الإنسان أن يسعى إلى إشباعها، وسدّ مطالبها واحتياجاتها.\nفغريزة الجوع: تدفعه إلى العمل، والسعى فى الأرض للحصول على الرزق الذى يهيئ له الطعام ليسد به غائلة جوعه، ويشبع به هذه الغريزة.\nوغريزة العطش: تدفعه إلى البحث عن الماء، وتنمية موارده وتخزينه، واستعماله عند الضرورة والحاجة.\nوغريزة التّمدّن: جعلته يشعر بالحاجة إلى أخيه من بنى الإنسان، وأنه لا","vol":"1","page":10},{"text":"يمكن أن يعيش بمفرده منعزلا عن الآخرين.\nوغريزة حب التملك: دفعته إلى اقتناء الحاجات الضرورية، وحفظها، والدفاع عنها ضد من يحاول أن ينتزعها من يده.\nوكذلك «التدين» غريزة دفعته إلى أن ينظر إلى نفسه، من أين أتى ..؟ وإلى أين يذهب ..؟\nوأن ينظر إلى الكون من حوله .. ما مصيره؟ وما مصير العالم كله من بعده؟\nوسرعان ما اكتشف بعقله المجرد .. أن هذا الوجود كله لا بد وأن يكون وراءه موجد، وأن هذا الكون كله لا بد له من صانع، وقد تبين له أن الصانع الموجد قوة جبارة تقهر ولا تقهر، تجير ولا يجار عليها.\nعرفها أيضا بعقله، وفطرته، وغريزته .. واستصرخها، وطلب نجدتها عند ما ألمّت به أمواج البحار توشك أن تغرقه، أو عند ما عصفت به الرياح توشك أن تهلكه .. فأغاثته ونجدته.\nوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ (١).\nوَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ (٢).\nوانتشر الإنسان على الأرض ليكوّن الجماعات، وانتشرت الجماعات لتكوّن الشعوب، والقبائل، والأمم، وعرفت كل أمة بحضارتها، ولونها وجنسها، ودينها.\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا. (٣)\nومع انتشار الأمم وتفرق القبائل، تفرّقت الأديان، وتشعبت الملل والنّحل\n_________\n(١) الزمر: ٨.\n(٢) الروم: ٣٣.\n(٣) الحجرات: ١٣.","vol":"1","page":11},{"text":"واعتصمت كلّ أمة بإله تناجيه، وتلوذ به.\nعرف أن العرب قبل الإسلام كانوا يعبدون الأصنام .. فصنعوها من الحجر، والخشب ثم ما لبثوا أن صنعوها من العجوة، وكانوا يحملونها فى أسفارهم حتى إذا جاعوا جلسوا إلى شجرة فأكلوا منها ثم سجدوا لها شاكرين.\nوقد ذكروا أن أعرابيا مسافرا أكل من عجوة صنمه شيئا، ثم قام يقضى حاجته بعيدا، فجاء ثعلب من الثعالب يطوف حول متاع الأعرابى والصنم قائم عند المتاع، فأخذ الثعلب يشم رائحة الصنم يستسيغ أكله فلم يسغه، لأن الثعالب من فصيلة الكلاب .. تأكل ما يأكله الكلب، وتبول كما يبول الكلاب، فما كان من الثعلب- وقد استقذر- رائحة الصنم إلا أن رفع رجله وبال على رأسه والأعرابى يرقبه فى حذر ودهشة. فلما انتهى الثعلب من فعلته، وأفاق الأعرابى من دهشته، قام إلى متاعه فحمله، وإلى صنمه فداسه، ثم أنشد على فطرته السليمة هاتفا:\nأربّ يبول الثّعلبان برأسه؟ ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب (١)\nومثله ذلك الأعرابى على فطرته السليمة .. وغريزته البصيرة، وقد نظر فى ما حوله من صحراء مترامية الأطراف، ترتمى فى أحضان أرض بعيدة المدار ..\nتعلوها سماء تتعانق معهما عند مدّ البصر، ذات نجوم وأبراج، فما لبث يفكر فى عظمة هذا الخلق، ويردّه بفطرته إلى يد الخالق فيقول:\n«سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج.\nالبعرة تدل على البعير، والقدم يدل على المسير.\nأفلا يدل هذا على الحكيم الخبير» ...؟\n_________\n(١) تاج العروس ٢/ ٩٠.","vol":"1","page":12},{"text":"وأما أصحاب الفطر السقيمة، والعقول القاصرة، فلم يبلغوا هذا المبلغ فتخبطوا فى دياناتهم خبط عشواء متحلقين حول صنم لا ينفع ولا يضر، أو متجهين إلى كوكب مصيره الأفول، أو إلى نار يوقدها بنفسه لتنطفئ وتخلف رمادا لا طائل من ورائه لعابد ولا ناسك.\nأو حائرين حول فلسفات عقلية، أو مناظرات ومجادلات عقيمة لا تؤدى إلى نتيجة قاطعة.\nفكان من رحمة الله الخالق المدبر أن أرسل رسله مبشرين، هادين ومرشدين ولم يترك عباده لعقولهم وأهوائهم تلعب بهم:\nوَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١).\n* فبعث فى كل أمة رسولا منهم ليعرفوه:\nوَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ (٢).\n* يتكلم بلسانهم، ويخاطبهم بلغتهم ليفهموا عنه، ويبين لهم، ليعوا ما يقول:\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (٣).\n* يعلمهم أنهم مخلوقون لله جل شأنه، خلقهم ليعرفوه فيعبدوه، وهم محتاجون له وهو غنى عنهم:\nوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٤).\nومنذ ذلك الوقت البعيد: تنزّل الوحى، على رسل مختارة بعناية الله لهداية الأمم والأقوام، والتقت السماء بالأرض، والملائكة بالأنبياء تحمل معها كتب\n_________\n(١) النساء: ١٥.\n(٢) النحل: ٣٦.\n(٣) إبراهيم: ٤.\n(٤) الذاريات: ٥٦ - ٥٨","vol":"1","page":13},{"text":"الله وصحفه، لتتلوها رسله على خلقه.\nفسارع إلى الإيمان بها من كتب له النجاة.\nوسارع إلى نكرانها من كتبت له الشقاوة والحرمان.\nوتنازعت أمم الأرض أديان مختلفة، وعقائد متباينة، نجملها فى اثنين لا ثالث لهما.\nأديان إلهية سماوية، وأديان فلسفية عقلية.\nوالأديان الإلهية: أساسها الوحى، ووسائل بيانها وتبليغها الأنبياء والرسل.\nوالأديان الوضعية: أساسها العقل البشرى، ووسائل تبليغها مفكروها وفلاسفتها.\nوجميع الأديان سواء كانت إلهية، أو عقلية متفقة كلها على التمييز بين الخير والشر فكلها يدرك أن الصدق، والوفاء، والأمانة، وإطعام الجائع، وإكساء العارى، وعلاج المرضى، ونصرة المظلوم، والنكاح الصحيح من مكارم الأخلاق ومحاسنها. وكلها يدرك أن الكذب والخيانة، والسرقة، والفظاظة والغلظة، والقتل، والزنا، وشرب الخمر من مساوئ الأخلاق التى لا يرضاها العاقل من الناس.\nوالفارق بين الديانات الإلهية والعقلية: أن الديانات العقلية الفلسفية ترد الأعمال إلى ضرورة الاجتماع البشرى الذى يرى العقل المجرد ضرورة تنظيمه فى إقرار المعروف وإنكار المنكر فى صورة قوانين، ولوائح، ونظم، يجرّمها ويعاقب عليها سلطة زمنية مؤقتة سواء كان حاكما، أو إلها مزيفا لا يملك مع الله الخالق الحقيقى شيئا.","vol":"1","page":14},{"text":"وأما الديانات الإلهية، فإنها ترد الأعمال كلها إلى الخالق الحقيقى للكون والإنسان، وترد التجريم، والعقاب، والجزاء إليه، وتعتبر أن هذه الحياة التى يحياها البشر حياة مؤقتة، معدة للأعمال، وما يسرى فيها من جزاء إنما هو جزاء مؤقت، وأن الجزاء الأوفى فى حياة أبدية دائمة، تقام بعد فناء هذا العالم الذى سيزول يوما ما.\nوهذا الفكر الذى جاءت به الديانات الإلهية تبلور بصفة نهائية فى مسمّى الإسلام، واكتملت كل أسسه وقواعده على يد النبىّ محمد ﷺ، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء.\nإذا: فما هو هذا «الإسلام»؟\nوالجواب: الإسلام هو دين الله ﷿.\nقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ (١).\nوقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢).\nوقال تعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا (٣).\nوهو دعوة جميع الرسل، والأنبياء.\nأى أن جميع الرسل والأنبياء أمروا من الله تعالى بتبليغ «الإسلام» إلى أممهم من أولهم: «نوح» ﵇، إلى آخرهم: «محمد» ﷺ، وعلى إخوانه من الأنبياء.\nقال ﷿: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى، وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ\n_________\n(١) آل عمران: ١٩.\n(٢) آل عمران: ٨٥.\n(٣) المائدة: ٣.","vol":"1","page":15},{"text":"عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١)\nوقال النبى ﷺ: «الأنبياء إخوة لعلّات، أمّهاتهم شتّى ودينهم واحد» (٢).\nوما أرسل الله رسولا من هؤلاء الرسل، ولا أتبعه بنبىّ من بعده إلا بلّغ قومه بالإسلام، وحثهم عليه فى نفسه، وأمرهم فى أنفسهم أن يسلموا، بل وربما كان من شدة خوف الأنبياء من الله تعالى، وخوفهم على أبنائهم وأممهم أنه كان إذا حضر الواحد منهم الموت جمع أبناءه حوله، وأخذ يطمئن منهم على تمسكهم من بعده بدعوة الإسلام.\nوالمتتبع لدعوة الأنبياء جميعا من خلال نصوص القرآن الكريم يراهم حريصين جدّ الحرص الذى لا حرص بعده ولا قبله على تمسكهم بمسمى الإسلام وغايته، لا مسمى غيره، ولا غاية سواه، واحدا بعد واحد.\nوسنمضى مع مسيرتهم المباركة بحسب ترتيبهم الزمنى كما يأتى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>(١) نوح: ﵇:</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ. فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>(٢) إبراهيم: ﵇:</span>\n١ - وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ\n_________\n(١) الشورى: ١٣.\n(٢) صحيح البخارى ٣/ ١٢٧٠ الحديث رقم (٣٢٥٩) - كتاب الأنبياء.\n(٣) يونس: ٧١.","vol":"1","page":16},{"text":"١ - وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١).\n٢ - وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>(٣) إبراهيم وإسماعيل: ﵉:</span>\nوَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ\nأَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>(٤) يعقوب (إسرائيل) وبنوه: ﵈:</span>\n١ - أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤).\n٢ - قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>(٥) يوسف: ﵇:</span>\nيطلب يوسف من ربه- بعد أن منّ عليه بالنبوة والملك أن يحسن ختامه «بالإسلام».\nرَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٦).\n_________\n(١) البقرة: ١٣٠ - ١٣١\n(٢) البقرة: ١٣٢.\n(٣) البقرة: ١٢٧ - ١٢٨\n(٤) البقرة: ١٣٣\n(٥) البقرة: ١٣٦\n(٦) يوسف: ١٠١.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>(٦) سليمان: ﵇:</span>\n١ - فى خطاب سليمان الذى أرسله إلى «بلقيس» ملكة اليمن يدعوها إلى «الإسلام».\nإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (١).\n٢ - طلب سليمان من معاونيه من الجنّ، ومن عنده علم من الكتاب إحضار عرش «بلقيس» من اليمن إليه فى الشام قبل أن تجئ إليه «مسلمة»:\nقالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٢).\n٣ - إقرار بلقيس «بالإسلام» الذى يعتقده ويدين به سليمان ﵇:\nقالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>(٧) موسى: ﵇، والنبيون حملة التوراة:</span>\n١ - يقول موسى لقومه وهو يشد من أزرهم وعزمهم ويثبّتهم على الإيمان إن كانوا قد أسلموا حقيقة.\nوَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٤)\n٢ - إقرار سحرة فرعون بالإيمان بالله، وصبرهم على تعذيب فرعون، ودعائهم إلى الله بالصبر والثبات، وعدم إماتتهم إلا على «الإسلام».\nوَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (٥).\n٣ - إقرار فرعون «بالإسلام» الذى عليه موسى، وبنو إسرائيل فى آخر لحظة من عمره:\n_________\n(١) النمل: ٣٠، ٣١.\n(٢) النمل: ٣٨.\n(٣) النمل: ٤٤.\n(٤) يونس: ٨٤\n(٥) الأعراف: ١٢٦","vol":"1","page":18},{"text":"وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١).\n٤ - إثبات أن «التوراة» يحكم بها النبيون، والربانيون، والأحبار- الذين أسلموا على يد موسى ﵇- شعب اليهود.\nإِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ\nوَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ\n. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>(٨) عيسى: ﵇، وأتباعه: الحواريون:</span>\n١ - يقر أصحاب عيسى ﵇- وهم الحواريون الذين آمنوا به- أنهم على دين «الإسلام».\nوَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (٣)\n٢ - إثبات القرآن اعتراف أهل الكتاب- من اليهود والنصارى- وغيرهم بالإيمان بالله تعالى، وبالقرآن الذى سينزل على نبىّ آخر الزمان محمد ﷺ:\n_________\n(١) يونس: ٩٠.\n(٢) المائدة: ٤٤.\n(٣) المائدة: ١١١.","vol":"1","page":19},{"text":"الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. (١)\n٣ - كما نجد أن الله تعالى ينفى تماما عن أبى الأنبياء وجدّهم إبراهيم ﵇ أىّ مسمى آخر غير مسمى «الإسلام» وأىّ دين آخر غير دين «الإسلام».\nما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>(٩) محمد: ﷺ، وختم الوحى والنبوّات:</span>\nثم بعث الله محمدا ﷺ برسالة الإسلام التى كلّف بها إخوانه من الرسل السابقين، وأمره ربّه بتبليغ الإسلام لقومه:\n١ - قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ (٣).\n٢ - قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤).\n* ثم شاءت إرادة الله تعالى أن يجعل محمّدا ﷺ آخر الأنبياء والمرسلين وأن يختم به الوحى والنبوات إلى قيام الساعة.\n١ - يقول الله تعالى:\nما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ (٥).\n٢ - ويقول الرسول محمد ﷺ:\nأ- «أنا محمد النبىّ الأمىّ، ولا نبىّ بعدى» (٦).\n_________\n(١) لقصص: ٥٢ - ١٥٧.\n(٢) آل عمران: ٦٧.\n(٣) الأنعام: ١٤.\n(٤) الأنعام: ٧١.\n(٥) الأحزاب: ٤٠.\n(٦) صحيح البخارى- كتاب الأنبياء، مسند أحمد ٢/ ١٧٢.","vol":"1","page":20},{"text":"ب- «يا علىّ: أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبىّ بعدى» (١)\nج- «يا محمد: أنت رسول الله وخاتم الأنبياء» (٢).\n* كما شاءت إرادته سبحانه أن يجعل رسالة محمد ﷺ رسالة كافة للعالمين، عامة للناس أجمعين إلى قيام الساعة:\n١ - وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (٣).\n٢ - وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ (٤).\n* وبهذا شبّه «الإسلام» كأنه قصر عظيم بدئ فى بنائه منذ عهد أول نبى، حتى كمل بناؤه، واستقر صرحه، وثبتت دعائمه، وحسنت صورته ببعث محمد صلى الله عليهم جميعا وسلّم.\nوهذا تماما ما صوره رسول الله ﷺ حيث يقول:\n«مثلى فى النبيين كمثل رجل بنى دارا فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون لو تم موضع هذه اللبنة؟\n«فأنا فى النبيين موضع تلك اللبنة». (٥)\n* وبعد تمام نعمة «الإسلام» واكتمال الدين:\n١ - نفى الحرج عن كل أتباع الإسلام الذين ينتسبون إليه منذ عهد إبراهيم ﵇:\n_________\n(١) سنن الترمذى باب المناقب، مسند أحمد ١/ ١٧٧.\n(٢) صحيح مسلّم ١/ ١٨٥ كتاب الإيمان.\n(٣) الأنبياء: ١٠٧.\n(٤) سبأ: ٢٨.\n(٥) مسند الإمام أحمد ٥/ ١٣٧، وانظر الأحاديث التساعية ص ٣.","vol":"1","page":21},{"text":"وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (١).\n٢ - ونهى عن التعرض بالأذى أو الاعتداء لأهل الكتاب من اليهود والنصارى المندرجين بالعهد فى أمة الإسلام والذين أعرضوا عن مسمى الإسلام إلى مسمى اليهودية، والنصرانية. والاكتفاء بدعوتهم «إلى العودة» إلى مسمى «الإسلام» بالحسنى والرفق فإن أجابوا فلأنفسهم، وإن أعرضوا فعليها، و«أما نحن». فله «مسلمون».\nأ- وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٢).\nب- فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٣).\n* أمر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ «بالاعلان» لجميع البشر أن «الإسلام» هو الدين القيّم، وهو الصراط المستقيم:\nقُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>نتيجة هذا المبحث: حقق هذا المبحث النتائج التالية:</span>\n١ - «الدّين» غريزة من الغرائز التى فطرها الله وأودعها فى الإنسان عند خلقه كسائر الغرائز.\n٢ - غريزة «التّديّن» الكامنة فى فطرة الإنسان تحتاج إلى درجة من الإشباع\n_________\n(١) الحج: ٧٨.\n(٢) العنكبوت: ٤٦.\n(٣) آل عمران: ٢٠.\n(٤) الأنعام: ١٦١.","vol":"1","page":22},{"text":"سدّا لحاجة هذه الغريزة عند الشعور بها، تماما كحاجته إلى الطعام لسد غائلة الجوع عند الشعور به غريزيا.\n٣ - إهمال معالجة إشباع غريزة التدين يؤدى إلى الانحراف عن الله تعالى، وعن دينه الصحيح.\n٤ - للإشباع السليم لغريزة التدين عند الإنسان أرسل الله الرسل والأنبياء للناس أيا كان زمانهم أو مكانهم لإرشادهم إلى أن الحقيقة الكبرى، والوحيدة، والباقية التى لا تفنى إنما هى: وجود الله ﷿.\n٥ - أن جميع الرسل والأنبياء دعاة لدين واحد، له مسمى واحد: هو «الإسلام»، وأنّ له غاية واحدة هى: معرفة الله الذى لا شريك له، ولا خالق سواه.\n٦ - اكتملت رسالة الإسلام تماما، وأغلقت النبوات، وختمت الشرائع ببعث محمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الثانى: الوحى الإلهى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>مطلب فى: الله ... والفطرة ... والأنبياء ... والوحى </span>...\n(١) استدلّ إنسان ما قبل النّبوّات فى مواقع مختلفة من هذا الكوكب بفطرته، وغريزته إلى أن هناك قوة عظمى وخفية هى المؤثرة فى هذا العالم وجودا، ونظاما، ونشاطا. وكان هذا استجابة لمطلب غريزى يدفعه إلى سوق بعض التساؤلات عن خلقه وخالقه، والكون المحيط به، وأنظمته، والحياة، والموت، وما وراءهما.\nكما كانت استجابة لمطلب عقلى فطرى يدفعه إلى ضرورة الإجابة عن ما قد يتوفر له معرفته ردّا على هذه التّساؤلات الغريزية.","vol":"1","page":23},{"text":"(٢) ولما كان العقل البشرى الفطرى يختلف من إنسان لآخر فى حدّ القدرة والذكاء، كما يختلف فى حدّ الضعف والغباء، وأن الناس يتفاوتون فى المعرفة نتيجة تفاوتهم فى الاستنتاج والاستنباط من مقدمات الكون وأدلته، لذلك لم يترك الله ﷿- وهو الحقيقة الكبرى والوحيدة- هذا المخلوق نهبا لعقله الفطرى الذى قد يصيب عند البعض، ويخطئ عند الغالبية العظمى، لذلك «ألهم» من بينهم عقلاء ... شرفاء ... أمناء ... أرسلهم إلى أممهم ليدلوهم على الطريق السوى ... ويهدوهم إلى السبيل القويم ... ويتلوا عليهم كتبا فيها تنظيم لسلوكياتهم، وترشيد لمفاهيمهم وأعمالهم، وتعريفهم بمنازلهم عند الخطأ أو حال الصواب.\n١ - أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١).\n٢ - وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (٢).\n* إذا فالله تعالى هو حقيقة الوجود بلا مراء، ولا جدال، وكل ما عداه باطل .. زائف .. زائل.\nوهذا المعنى هتفت به فطرة الإنسان العربى قبل أن يبعث النبىّ محمد ﷺ.\nقال لبيد:\nألا كل شىء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل (٣)\n* وقد دلّت الفطرة السليمة، والنظر السديد فى آيات الكون المنظور .. فى السماء .. فى الأرض .. فى الجبال .. فى البحار .. فى المطر .. فى الرعد ..\nفى كل شىء على إثبات حقيقة وجود الله تعالى .. وحقيقة أنه الخالق ..\n_________\n(١) المؤمنون: ١١٥.\n(٢) الإسراء: ١٥.\n(٣) جامع البيان ١٣/ ١٤٨.","vol":"1","page":24},{"text":"القادر .. القاهر فوق عباده:\nوفى كل شىء له آية ... تدل على أنه الواحد\nإلى حدّ أنه من البساطة بمكان إحباط حجة «الملحد» الذى ينكر وجود الله أصلا عند ما يبادرك بسؤاله التقليدى الساذج: ما الدليل على أنّ الله موجود؟\nفيكون إحباط ما يظنّ ويدّعى أنه سؤال مفحم بمجرد عكس السؤال وردّه عليه كالآتى: وما الدليل على أن الله غير موجود؟\nعندئذ ينكشف الستار عن سهولة الإجابة عن السؤال الأول حيث تتوفر هذه الإجابة فى ملايين الملايين من الأدلة القاطعة التى لا مجال لإنكارها.\nكما ينكشف الستار لا عن صعوبة الإجابة على السؤال الثانى فحسب .. بل عن استحالة وجود جواب صحيح قاطع يصلح أن يقيم لمعارض حجة.\n* ولما ثبت وجود الله تعالى بالنظر فى آيات الكون المنظور، والفطرة الغريزية، والدلائل العقلية، والمقدمات المنطقية السليمة المؤدية إلى نتائج صحيحة ثبتت له جل شأنه القدرة على كل شىء:\n١ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١).\n٢ - يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢).\n٣ - يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣).\n* وتبعا لهذا الإيمان اليقينى الراسخ، نؤمن بأن الله تعالى خلق ما يشاء من الخلق كالملائكة من حيث شاء، وكالجن من حيث شاء، وكالطير من حيث شاء، وكسائر الخلق من حيث شاء، فهو ربّ الخلائق، والعوالم، وله الحمد على كلّ ما خلق:\n_________\n(١) البقرة: ٢٥٩.\n(٢) النور: ٤٥.\n(٣) فاطر: ١.","vol":"1","page":25},{"text":"١ - الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١).\n٢ - وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ (٢).\n* وقدّر لكل مخلوق عمله، ووظيفته، وقدّر له مقدرته على أداء هذه الأعمال، فشأن الملائكة مثلا: القدرة على الهبوط إلى الأرض، والصعود إلى السماء، والتشكل بما يشاءون من الأشكال الحسنة، والأجنحة المتعددة التى تساعدهم على أداء وظائفهم.\nالْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ (٣).\n* فلا غرابة إذا أن تنزل الملائكة على أشخاص مميزين ليكونوا رسل الله إلى الناس فى أممهم ..\nولا يستنكر العقل، ولا العاطفة، ولا الشعور، ولا الغريزة: تلك الظاهرة التى عرضناها فى صلة السماء بالأرض، ألا وهى ظاهرة: الوحى.\nفلا ينكر أهل «التوراة» أن «الوحى» نزل على موسى ﵇ بها، و«بالألواح» التى كتب له فيها من كل شىء موعظة، وبكل شىء تفصيل.\nولا ينكر أهل «الإنجيل» أن «الوحى» نزل على عيسى ﵇ «بالإنجيل»، فيه هدى ونور، ليحكم به أهله بما أنزل الله فيه.\nفظاهرة «الوحى» عند أصحاب النبوات جميعا ظاهرة معروفة غير منكرة، فهى إذا ثابتة بالتواتر منذ عهد آدم، والكلام عنه من باب تعليم المتعلم ما ينبغى أن يعلم، وليس من باب إثبات شىء يحتاج إلى إثبات؛ وما كتبه بعض الباحثين عن «إمكانية وقوع الوحى» ومحاولة إثباته، لا يعدو أن يكون ترفقا ببعض من يركبهم الغرور الناتج عن خلل فطروا عليه فى تفكيرهم.\n_________\n(١) الفاتحة: ١.\n(٢) الأنعام: ١٦٤.\n(٣) فاطر: ١.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>نتيجة هذا المبحث:</span>\n١ - أن «لله» تعالى هو الخالق للوجود كله بلا مراء ولا جدال.\n٢ - ثبوت الوحى المنزل على الرّسل بالتواتر عن جميع الأديان السماوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>مطلب فى: التعريف بالوحى:</span>\nقال الله ﷿: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (١). قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (٢). قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ (٣).\nفما هو الوحى إذا؟ ما معناه؟ وما أنواعه؟:\n(١) الوحى فى لغة العرب: مصدر مأخوذ من الفعل: وحى، و.. أوحى وهو لفظ من ألفاظ الاشتراك اللغوى التى تطلق على معان منها: الإلهام، والإشارة، والرسالة، والأمر، والإيماء ويجمعها كلها معنى واحد هو: «إعلام الغير فى خفاء» (٤). وقد ورد لفظ «الوحى» فى القرآن الكريم بهذه المعانى اللغوية الشائعة على النحو التالى:\n١ - على سبيل الإلهام الغريزى الذى يعطى للكائن البسيط كالحشرات، والحيوانات لكى تؤدى وظائفها المنوطة بها.\nونجد هذا المعنى فى قوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا (٥).\n٢ - على سبيل الإلهام الفطرى للإنسان، حيث يتلقى الإنسان معلومة فطرية سريعة لم تكن فى سابق تفكيره.\n_________\n(١) النجم: ٤.\n(٢) فصلت: ٦.\n(٣) الأنبياء: ٤٥.\n(٤) تهذيب اللغة: ٥/ ٢٩٦.\n(٥) النحل: ٦٨، ٦٩.","vol":"1","page":27},{"text":"ونجد هذا المعنى متمثلا فى تصرف «أم موسى» الذى يحدثنا به القرآن الكريم: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (١).\n٣ - على سبيل الوسوسة، وهو ما يحدث من تفكير الشياطين الذى تحدث عنه القرآن الكريم بقوله:\nوَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ (٢).\nفهذه المعانى الثلاثة للوحى تناولها القرآن الكريم من حيث الدلالة اللغوية العامة لمعنى كلمة «الوحى» وليس من حيث الدلالة الاصطلاحية الفنية، التى تدل على الوحى بالمعنى الشرعى.\nالوحى: شرعا:\nيجب أن يعرف أن أى معنى اصطلاحى، أو شرعى لا بد وأن يكون مأخوذا من المعنى اللغوى أو من أحد المعانى اللغوية إن كان للكلمة أكثر من معنى.\nولا يكون المعنى الاصطلاحى أو الشرعى معتبرا إذا أهمل المعنى اللغوى للكلمة، ومن هنا فإن:\nالوحى هو: تكليم الله ﷾ لمن اختاره من عباده بإحدى طرق الوحى. (٣)\nأو هو: كلام الله المنزل على الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم. (٤)\nوقد عرفه الإمام محمد عبده بقوله:\n«عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من الله تعالى بواسطة أو\n_________\n(١) القصص: ٧.\n(٢) الأنعام: ١٢١.\n(٣) مورد الظمآن إلى علوم القرآن: ص ١٠.\n(٤) أنوار البيان فى علوم القرآن ص ٣٤.","vol":"1","page":28},{"text":"بغير واسطة» (١).\nومن هذه التعاريف يفهم أن للوحى الشرعى قيودا، وضوابط يخصصه عن الإطلاق اللغوى العام، وأهم هذه الضوابط هى:\nأ- له مصدر أساسى، أوحد: وهو الله تعالى (الموحى).\nب- له مستقبل مختار بعناية الله: لا يملك التنصل عن مهمة الاستقبال والتبليغ: وهو الرسول المختار (الموحى إليه).\nج- له نصّ خاص يراد إبلاغه وبيانه للناس (موحى به).\nد- له كيفية خاصة تربط المصدر بالمستقبل وهذه الكيفية هى الواسطة بين المصدر، والمستقبل (وهى صور الوحى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>مطلب: فى صور الوحى</span>\nللوحى صور متعددة يأتى فيها وهى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>(١) النّفث فى روع النبى، أو إلقاء الإلهام فى قلبه على صورة غير مشكوك فيها أنها من عند الله</span>.\nوهذه الصورة تتم بطريقتين:\nالأولى: بالإلهام.\nودليلها: قوله ﷺ: «إن روح القدس نفث فى روعى أن نفسا لن تموت حتى تستوفى رزقها، ألا فاتقوا الله، وأجملوا فى الطلب» (٢).\nوالثانية: بالرؤيا فى المنام.\nودليلها:\n١ - قوله تعالى فى شأن إبراهيم وولده إسماعيل:\n_________\n(١) الوحى المحمدى للشيخ محمد رشيد رضا: ص ٤٤.\n(٢) شرح السنة للبغوى ١٤/ ٣٠٤ (٤١١٢).","vol":"1","page":29},{"text":"يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى (١).\n٢ - ما أخرجه البخارى عن عائشة ﵂ قالت:\n«أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى: الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>(٢) تكليم الله تعالى لنبيّه من وراء حجاب</span>.\nوصورتها: أن يسمع الموحى إليه الصوت، ولا يبصر المتكلم لتنزه البارى ﷻ عنه.\nودليل هذه الصورة: قوله تعالى فى شأن «موسى» ﵇:\nوَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى. إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً،. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>(٣) ملك يخصص بالوحى:</span>\nفيأتى إلى النبى ﷺ على واحد من الصور الآتية:\nالأولى: صوت كصوت الجرس، أو كدوى النحل، أو كخفق أجنحة الملك يتقدم بإلقاء القول الثقيل على قلبه، ويكون تقدمه من أجل أن يفرغ سمعه للوحى فلا يبقى فيه مكانا لغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>ودليله: قول عبد الله بن عمر ﵄:</span>\n«سألت النبى ﷺ: هل تحس بالوحى؟، فقال: أسمع صلاصل، ثم\n_________\n(١) الصافات: ١٠٢.\n(٢) صحيح البخارى بشرح السندى ١/ ٦.\n(٣) طه: ٩ - ١٤.","vol":"1","page":30},{"text":"أسكت، وعند ذلك: فما من مرة يوحى إلىّ إلا ظننت أن نفسى تقبض (١).\nوهذه أشد حالات الوحى قوة، كما ورد فى صحيح البخارى عن عائشة ﵂ قالت:\n«سأل الحارث بن هشام رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله ﷺ: أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه علىّ فيفصم عنى، وقد وعيت عنه» (٢).\nالثانية: يأتيه ملك الوحى على صورته الحقيقية التى خلقه الله تعالى عليها بأجنحته الوفيرة ودليله:\n١ - حديث عائشة ﵂ فى رؤيته ﷺ لجبريل.\nقال ﷺ: «رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض» (٣).\n٢ - حديث زرّ بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، قال:\n«لقد رأى من آيات ربه الكبرى، قال: رأى جبريل فى صورته له ستّمائة جناح» (٤).\nالثالثة: يأتيه ملك الوحى على صورة «رجل» مجهول حسن الصورة لا يعرفه أحد ودليله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>حديث عمر ﵁؛ قال:</span>\nبينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثّياب. شديد سواد الشّعر. لا يرى عليه أثر السّفر. ولا يعرفه منّا أحد. حتّى\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد ٢/ ٢٢٢.\n(٢) صحيح البخارى بحاشية السندى ١/ ٦.\n(٣) صحيح مسلّم ١/ ١٥٩ (٢٨٧)\n(٤) صحيح البخارى، تفسير سورة النجم ٣/ ١٩٣.","vol":"1","page":31},{"text":"جلس إلى النّبىّ ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه. وقال:\nيا محمّد! أخبرنى عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله. وتقيم الصّلاة. وتؤتى الزّكاة. وتصوم رمضان. وتحجّ البيت، إن استطعت إليه سبيلا» قال: صدقت. قال فعجبنا له.\nيسأله ويصدّقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان، قال «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشرّه» قال: صدقت، قال:\nفأخبرنى عن الإحسان، قال «أن تعبد الله كأنّك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنّه يراك». قال: فأخبرنى عن السّاعة. قال «ما المسئول عنها بأعلم من السّائل» قال: فأخبرنى عن أمارتها. قال: «أن تلد الأمة ربّتها. وأن ترى الحفاة العراة، العالة، رعاء الشاة، يتطاولون فى البنيان». قال: ثمّ انطلق فلبثت مليّا، ثم قال لى «يا عمر! أتدري من السّائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال «فإنّه جبريل. أتاكم يعلّمكم دينكم».\nالرابعة: يأتيه ملك الوحى، على صورة رجل معين من العرب كان حسن الصورة والهيئة اسمه «دحية الكلبى». أما الرسول ﷺ، فيعرف أنه جبريل ﵇، ويذكر ذلك لأصحابه بعد أن ينصرف جبريل ﵇. (١).\nودليله قوله تعالى:\nوَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ. (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>وجميع صور الوحى مجملة كلها فى قوله تعالى:</span>\nوَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٣).\n_________\n(١) تفسير البغوى ٢/ ٨٦\n(٢) الأنعام: ٩.\n(٣) الشورى: ٥١.","vol":"1","page":32},{"text":"ويلاحظ من التدبر والنظر فى ظاهرة الوحى أنّ لها الخصائص التالية:\nالأولى: أنها قوة خارجية، ليست ذاتية فى نفس النبى الذى يوحى إليه.\nالثانية: أنها قوة خيّرة معصومة، مهمتها الإرشاد إلى الخير، ومعصومة من الخلل والزلل فى توجيه الأوامر والنواهى، والسلوكيات العامة والخاصة.\nالثالثة: أنها قوة عالمة، تمد النبىّ بعلم مكنون لم يكن له به معرفة سابقة.\nالرابعة: أنها حالة اختيارية.\nالخامسة: أنها أمر عارض غير عادى (١).\nولما كنّا قد استخلصنا من تعريف الوحى بالمعنى الشرعى الخاص، والمقيد بالإطلاق اللغوى بمفهومه العام قيودا، وضوابط هى:\n(١) الموحى: وهو الله تعالى شأنه.\n(٢) الموحى به: وهو الكلام المنزل.\n(٣) المرسل بالوحى: وهو الملك.\n(٤) المستقبل للوحى: وهو الرسول المختار.\nلذلك فإن كلمة «الوحى» قد تطلق على أغلب هذه الضوابط.\nفقد يسمى الملك المرسل، وحيا.\nوقد يسمى الكلام الموحى به- القرآن، والحديث النبوى، والحديث القدسى- وحيا.\n* ويلاحظ- كذلك- أن الوحى كان ينزل بأوامر الله تعالى، ونواهيه، كما ينزل بالأخبار وقصص الأولين، كما ينزل فاصلا لمنازعات وقتية، ومشاحنات عارضة.\n_________\n(١) مورد الظمآن فى علوم القرآن ص ١٧.","vol":"1","page":33},{"text":"وهى فى كل هذه الأمور لا بدّ أن يوقف الوحى الرّسول الموحى إليه على القول الموحى به من حيث إثباته فى السطور وتدوينه وحفظه فى الصدور، أم لا.\nويوقفه على ما ينبغى معرفته إن كان آية يجب إثباتها على أنها من كلام الله تعالى أم أنها خبر للفصل فى قضية أو منازعة.\nكما نلاحظ- أيضا- الفرق بين الوحى الّذي هو شخص الملك، والوحى الذى هو إلهام، والوحى الذى هو رؤيا فى المنام.\nفما كان متعلقا بكلام الله تعالى لفظا ومعنى، ونصّا فإن الوحى «الملك» ينزل به شخصيا، ويوقف عليه رسول الله ﷺ على أنه كلام الله تعالى نصا، كما يعلمه موقع الآية، أو الآيات من السورة الواحدة.\nوما ليس من كلام الله تعالى نصا، ولكنه من كلامه معنى، فإن الوحى فى هذه الصورة يمكن أن يكون بطريق الإلهام، أو الرؤيا، كما يمكن أن يكون بطريق الملك نفسه غير أن الملك يخبر الرسول على أنه ليس من كلام الله نصا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>مطلب فى: أنواع الوحى وخصائصه:</span>\nولذلك يمكن لنا أن نقسم «الوحى» تقسيما «اجتهاديا» وذلك على ضوء الملاحظات المتكررة فى مبحث «الوحى» إلى حالتين اثنتين «نختصهما بالوحى المنزل على نبينا محمد ﷺ» وهما:\n(١) وحى جلىّ: وهو القرآن الكريم، كلام الله ﷿ (لفظا ومعنى).\nويقال فيه: وحى مسطور، أو وحى مسجل فى اللوح المحفوظ، خص «جبريل» من بين الملائكة (غالبا) بإنزاله على رسوله محمد ﷺ مفرقا على مدار سنوات الدعوة التى بلغت ثلاثا وعشرين سنة.\nكما نزل بالكتب على سائر الأنبياء من قبله صلوات الله عليهم جميعا.","vol":"1","page":34},{"text":"(٢) وحى خفىّ: وهو السنة النبوية المشرفة، التى هى (كلام الله ﷿ معنى)، وأقوال النبى ﷺ لفظا، وأفعاله عملا.\nوهو بمثابة البيان، والتفصيل للقرآن، قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١).\nويدخل فى هذا النوع الحديث القدسى.\nولما كانت صفة الوحى على هذا الاعتبار والتقسيم الاجتهادى فإننا نلاحظ خصائص عامة مشتركة بين الوحى بنوعيه خفيا أم جليا، كما نلاحظ خصائص منفردة لكل منهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>١ - الخصائص المشتركة بين الوحى الخفى والوحى الجلى:</span>\n* أن كليهما من الله ﷿.\n* أن كليهما منزل على محمد ﷺ خاصة.\n* أن كليهما قابل للتشريع (أى الأمر، والنهى، والإباحة والتحريم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>٢ - خصائص الوحى الجلى وصوره:</span>\n* أن جميعه متواتر قطعى الثبوت، محصور ومحفوظ بين دفتى المصحف.\n* أن نزوله بواسطة «الروح الأمين جبريل» الملك المخصص برسائل رب العالمين إلى الرسل والأنبياء، فلا يثبت بالإلهام، ولا بالرؤيا فى المنام.\nقال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>٣ - خصائص الوحى الخفى وصوره:</span>\n* ليس كله متواترا، وليس كله قطعى الثبوت لكثرته، وتعدد روايته،\n_________\n(١) النحل: ٤٤.\n(٢) الشعراء: ١٩٣.","vol":"1","page":35},{"text":"واختلاف رواته، وليس كله محصورا فى مكان واحد من كتاب واحد.\n* يثبت الوحى الخفى بالإلهام، وبالرؤيا فى المنام، وبجبريل ﵇ فهو أعم من الوحى.\nوهو بهذا الإثبات نوعان: توقيفى، وتوفيقى.\n* غير مقصود بذاته فى الصلاة فلا تجوز الصلاة به.\n* معناه من الله تعالى ولفظه من النبى ص.\n* غير معجز، ولا متحد به البلغاء، وإنما هو من جوامع الكلم.\n* يصح أداؤه بالمعنى لمن قدر على فهمه ونسى خاصة لفظه، أو شك فيما حفظه منه.\n* هو أعم من أن يكون إلهاما، أو رؤيا منامية، أو بواسطة جبريل ﵇.\n* الحديث القدسى يشتمل على الحكم، والمواعظ، وليس فيه تشريع، ولا أحكام. وعلى ألفاظه سمة خاصة تعطيه معنى القدس، أى: الطهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>مطلب فى: كتابة الوحى، وتدوينه، وأشهر كتابه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الوحى الجلى:</span>\nلما كان الوحى الجلى هو القرآن الكريم وهو كلام الله ﷿ المنزل على نبيه محمد ﷺ، المتعبد بتلاوته فى الصلاة.\nلذلك حظى من الرعاية والعناية الغاية القصوى سواء، كان ذلك بالحفظ فى الصدور، أو بالكتابة فى السطور.\nفلم يلحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، إلا وقد جمع القرآن الكريم ودون فى الصحف، إلى جانب حفظ رسول الله ﷺ له فى صدره حفظا تاما كاملا يراجعه جبريل ويسمعه منه فى شهر رمضان، كما حفظه عدد وفير من","vol":"1","page":36},{"text":"الصحابة رضوان الله عليهم.\nوكان أشهر كتاب الوحى بين يدى النبى ﷺ:\n* عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ)\n* على بن أبى طالب. (ت: ٤٠ هـ)\n* أبى بن كعب. (ت: ٢٠ هـ)\n* زيد بن ثابت. (ت: ٤٥ هـ)\n* أبو بكر بن أبى قحافة. (ت: ١٣ هـ)\n* عمر بن الخطاب. (ت: ٢٣ هـ)\n* عامر بن فهيرة. (ت: ٣ هـ)\n* عبد الله بن الأرقم. (ت: ٣٣ هـ تقريبا)\n* ثابت بن قيس بن شماس. (ت: ١٢ هـ)\n* خالد بن سعيد بن العاص. (ت: ١٢ هـ)\n* أبان بن سعيد بن العاص. (ت: ٣٥ هـ)\n* حنظلة بن أبى عامر الأسدي. (ت: ١٠ هـ)\n* معاوية بن أبى سفيان. (ت: ٦٠ هـ)\n* شرحبيل بن حسنة. (ت: ١٨ هـ)\n* عبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول. (ت: ١٢ هـ)\n* الزبير بن العوام. (ت: ٣٦ هـ)\n* معيقب بن أبى فاطمة الدوسى. (ت: ٣٤ هـ تقريبا)\n* المغيرة بن شعبة. (ت: ٥٠ هـ)","vol":"1","page":37},{"text":"* خالد بن الوليد. (ت: ٢١ هـ)\n* العلاء بن الحضرمى. (ت: ٢١ هـ)\n* عمرو بن العاص. (ت: ٤٣ هـ)\n* جهيم بن الصلت. (ت: .... هـ)\n* عبد الله بن رواحة. (ت: ٨ هـ)\n* محمد بن مسلمة. (ت: ٤٦ هـ)\n* عبد الله بن سعيد بن أبى سرح. (ت: ٣٦ هـ)\n﵃ أجمعين.\nوقد بلغ عدد كتاب الوحى نيفا وأربعين كاتبا، غير أن أكثرهم مداومة وملازمة لكتابة الوحى هو: زيد بن ثابت ﵁، أما أكثر الصحابة حفظا وجمعا للقرآن الكريم فهم:\n* عثمان بن عفان. (ت: ٣٥ هـ)\n* على بن أبى طالب. (ت: ٤٠ هـ)\n* أبى بن كعب. (ت: ٢٠ هـ)\n* عبد الله بن مسعود. (ت: ٣٢ هـ)\n* زيد بن ثابت. (ت: ٤٥ هـ)\n* أبو الدرداء: عويمر بن صخر. (ت: ٣٢ هـ)\n* أبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر. (ت: ٥٧ هـ)\n* عبد الله بن عباس. (ت: ٦٨ هـ)\n* عبد الله بن السائب. (ت: ٧٠ هـ)","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>نتيجة هذا المبحث:</span>\n(١) أن «الوحى» بنوعيه الجلىّ، والخفىّ، وصوره التى نزل بها مصدرها واحد. وعن الوحى جاء ما عرف علميا باسم «السنة»، وما عرف علميا باسم «القرآن».\n(٢) أن الجيل الأول الذى شاهد الوحى وهو ينزل «بالعلم» هم الذين قاموا على تسجيله وضبطه، وحفظة، سواء فى الصدور، أو فى السطور تحت رعاية النبىّ ﷺ وتوجيهه، وإرشاده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثالث: السنة النبوية المشرفة (الوحى الخفى)</span>\nأما الوحى الخفى (أعنى السنة المشرفة) فقد تأخر تدوينها بصفة رسمية نظرا لوجود بعض الأحاديث الناهية عن كتابتها وتدوينها، مما جعل كثيرا من حفاظ السنة ونقلتها يحجمون عن كتابتها تورعا، وخوفا من وقوعهم فى ما نهى رسول الله ﷺ عنه. بقوله: «لا تكتبوا عنى شيئا، ومن كتب عنّى غير القرآن فليمحه».\nوقد اتخذ بعض المغرضين من تأخر تدوين السنة ذريعة للتشكيك فى صحتها جملة وتفصيلا، أو التشكيك فى معظمها.\nغير أن الباحث المنصف إذا أمعن النظر فى الحكمة من نهى الرسول ﷺ عن التدوين لوجد أن الباعث على النهى أحفظ للسنة من الباعث على الإجازة بكتابتها.\nولو كتبت السنة فى وقت متزامن مع القرآن لكان مجال الطعن فيها وفى القرآن معا أكثر من مجال الطعن فى تأخر تدوينها.\nوغالب ما يؤدى إليه نظرى أن النبى الأكرم صلوات الله وسلامه عليه كان أكثر تشوفا للمستقبل عند ما نهى عن التدوين المبكر للسنة مما أدى فيما بعد إلى ابتكار علوم الدفاع عنها، وإثراء الفكر الإسلامى بها، وتفتق الملكات العقلية","vol":"1","page":39},{"text":"بمصنفاتها وبحوثها، فى الوقت الذى تجنب فيه كتاب الوحى مظنة الخلط بين تدوين القرآن الكريم وتدوين السنة المشرفة، فقد أمن اللبس والخلط بينهما تماما بسبب ظهور هذا النهى الرسمى المبكر.\nحتى إذا كان مطلع القرن الثانى الهجرى حفزت مجموعة من الأسباب والبواعث همّة عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين إلى إصدار أمره إلى ابن شهاب الزهرى بجمع السنة وتدوينها.\nوكان هذا أول أمر رسمى بتدوين وكتابة السنة.\nغير أن المنيّة لم تمهل هذا الخليفة العظيم حتى يرى ثمرة أمنيته وقد تحققت، بل لم يقدّر للسنة النبوية أن تجمع كلها من صدور الرجال فى كتاب واحد.\nولكن لم ينته القرن الثالث الهجرى حتى دونت أهم كتب المسانيد والصحاح وهما مسند الإمام أحمد بن حنبل، وصحيح أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى، وحتى وقت جمع هذين السفرين الجليلين من صدور الرواة إلى سطور الصحف كانت السنة غالبا تحفظ فى الصدور، ويتلقاها الخلف عن السلف شفاها فى حرص شديد، ودقة تامة.\nوكان هذا هو الحال الغالب والأعم بالنسبة للسنة النبوية، وإن كان قد وجد بعض الصحف المكتوبة سواء فى عهد النبى ﷺ أم فى عهد الصحابة ﵃، غير أن هذه الصحف لم تكن من الغلبة والكثرة بالقدر الذى يمكننا من إصدار حكم قاطع بأن السنة قد دونت وجمعت كلها كما دون القرآن وجمع.\nولما كان حظ السنة فى القرون الثلاثة الأولى الغالب عليها «الرواية»، فقد حرص النقاد من حفاظ الحديث حرصا شديدا على تتبع رواة السنة ونقلتها، وتمييز مروياتهم من مرويات غيرهم من الضعفاء والمتهمين بقلة الأمانة فى نقل مأثور الكلام عن المعصوم ﷺ، لما فى «الرواية» شفاها من مظنة الخطأ وضعف","vol":"1","page":40},{"text":"الحفظ، والتدليس، بل والوضع والكذب فى بعض الأحيان، خاصة وأنه لا يوجد كتاب ضابط، ولا سفر يدوّن على الراوى مقولته، ويسجل عليه روايته، فنشأت لذلك علوم الجرح والتعديل، وتاريخ الرواة لدفع الكذب والكذابين عن صاحب الوحى، سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه.\nفلا يوجد فى هذه الأعصر الثلاثة الأولى راو إلا وقد غربله النقاد غربلة تامة، وتتبعوه فى كل شأن من شئون حياته، ووضعوه تحت قيود فنية على غاية من الدقة فى التعديل إن كان عدلا، أو فى التجريح إن كان مجروحا.\nأما ما خلا القرون الثلاثة الأولى، فقد شمّر الحفاظ عن سواعد الجدّ لتدوين السنة المشرفة فى الكتب والأسفار التى ما لبثت أن أخذت من جهود الحفاظ أثمن وأغلى ما فى أعمارهم، واجتهدوا فى ترتيبها، وتبويبها، وتصنيفها حتى استقر غالب السنة فى أسفار عظيمة سمى كل سفر منها بحسب اجتهاد جامعه، وتبويبه، وترتيبه على النحو التالى:\n١ - المسند: وهو كتاب يرتبه راوى أحاديثه على أسماء الصحابة بحيث يجمع أحاديث كل صحابى فى مكان واحد على حدة، وأول من رتب الأحاديث النبوية فى مسند هو الإمام أبو داود الطيالسى المتوفى سنة ٢٠٤ هـ، وأجمع المسانيد تدوينا للسنة والحديث هو شيخ الإمام البخارى الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى المتوفى سنة ٢٤١ هـ، إذ جمع فيه قريبا من أربعين ألف حديث.\n٢ - الصحيح: وهو الكتاب الذى يجمع الحديث طبقا لشروط دقيقة للصحة والاعتبار مشتملة على أبواب الفقه الأكبر (فقه العقائد)، وهى المعروفة اليوم بالصحاح الستة، وهى بحسب ترتيب أهميتها: صحيح البخارى، مسلّم، أبو داود، والترمذى، والنسائى، وابن ماجة.\n٣ - السنن: وهى الكتب التى رتبت الحديث طبقا لترتيب أبواب الفقه الكبير (فقه الشريعة)، فتبدأ بأحاديث الطهارة، إلى آخر أبواب هذا الفقه، ومنها","vol":"1","page":41},{"text":"سنن البيهقى المتوفى سنة ٤٥٨ هـ وسنن الدارقطنى المتوفى سنة ٣٠٦ هـ.\n٤ - المصنف: وهو مثل السنن فى ترتيب الأحاديث، وأهمها: مصنف عبد الرزّاق الصنعانى المتوفى سنة ٢١١ هـ ومصنف أبى بكر بن أبى شيبة المتوفى سنة ٢٣٥ هـ.\n٥ - الموطأ: وهو مثل السنن، والمصنفات فى ترتيب الأحاديث، وأهمها:\nموطأ الإمام مالك المتوفى سنة ١٧٩ هـ وموطأ محمد بن الحسن الشيبانى المتوفى سنة ١٨٩ هـ.\n٦ - المعجم: وهو الكتاب الذى يرتب الأحاديث على أسماء الصحابة، أو الشيوخ، أو البلدان حسب ترتيب الحروف الهجائية لهذه الأسماء. فمثال المعجم على أسماء الصحابة: المعجم الكبير للطبرانى المتوفى سنة ٣٦٠ هـ.\nومثال المعجم على أسماء الشيوخ: المعجم الأوسط للطبرانى أيضا.\nومثال المعجم على أسماء البلدان: معجم السفر لأبى طاهر السّلفى المتوفى سنة ٥٧٦ هـ.\n٧ - الجامع: وهو كتاب الحديث المشتمل على الأبواب المختلفة من عقائد، وأحكام، ورقاق، وآداب وأكل وشرب وسفر ومقام، وما يتعلق بالتفسير والتاريخ والفتن\nوالمثالب وغير ذلك، مثل جامع الترمذى المتوفى سنة ٢٧٩ هـ.\n٨ - المستخرج: وهو الكتاب الذى يقوم راويه بتخريج أحاديث كتاب معين ولكن بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع معه فى شيخه أو من فوقه مثل: مستخرج أبى على الحسين بن على الخراسانى المتوفى سنة ٣١٢ هـ على صحيح الترمذى.\n٩ - الجزء: جمع الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم مثل: جزء الحسن بن سفيان النسائى المتوفى سنة ٣٠٣ هـ ومستخرج","vol":"1","page":42},{"text":"الإسماعيلي على البخارى. أو جمع الأحاديث فى موضوع واحد كجزء فى صلاة الضحى للسيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ، أو جزء فى قيام الليل للمروزى المتوفى سنة ٢٩٢ هـ.\n١٠ - المستدرك: هو الكتاب الذى يستدرك فيه راويه ما فات راوى كتاب آخر من الأحاديث التى شرط على نفسه شروطا معينة لروايتها. مثل: المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابورى المتوفى سنة ٤٠٥ هـ.\n١١ - الموضوع: هو كتاب جمع فيه صاحبه غالب ما رواه الوضاعون والكذابون، والغرض حصره فى مكان واحد ليعرف أنه كذب. مثل:\nالموضوعات لابن الجوزى المتوفى سنة ٥٩٧ هـ واللآلى المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة للسيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ.\nومن هنا يعرف أنه بعد تدوين غالب السنة، واستقرار العلماء على تسجيلها فى الدفاتر والأسفار قلّت الحاجة إلى تجريح الرواة وتتبعهم كما كان الحال فى القرون الثلاثة الأولى، وصار جلّ اهتمام الرواة على نقل الأحاديث وروايتها من أسفارها المعتبرة، وليس من صدور الرواة، فاكتفى بتعديل الرواة على ستر الحال، وثناء العلماء على الراوى، وشهادتهم له بالتقوى والصلاح دون الحاجة إلى قوانين وقواعد الجرح والتعديل التى نشأت فى عصر الرواية.\nوبهذا نكون قد أجملنا القول فى معنى «الوحى» بنوعيه القرآن والحديث (ومنه الحديث القدسى)، إجمالا غير مخلّ بالمفهوم العلمى للوحى.\nعلى أن ما يجب أن أنبه عليه هو أن تقسيم الوحى إلى خفى وجلى، ليس من قبيل التقسيم الشرعى المنصوص عليه، وإنما هو تقسيم اجتهادى تصورى نابع من البحث والنظر والاستقراء، للتسهيل على الفهم العام.\nكما يجب التنبيه على أن «الوحى» بأنواعه كلها وحى واجب الاعتبار لا","vol":"1","page":43},{"text":"يصح إنكار جزئية من جزئياته إذا صح ورودها طبقا للمواصفات العلمية الدقيقة التى حققها العلماء، ووضعوا ضوابطها.\nفالسنة الثابتة بالنقل المحرر الدقيق، كالقرآن سواء بسواء تستقل بالتشريع ويثبت بها الأحكام، ومنكرها منكر للوحى.\nقال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (١).\nوقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (٢).\nوقال ﷺ: «ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه» (٣).\nوقالت الصحابة- وهم الذين عاينوا الوحى وشاهدوه-: «كان جبريل ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن». «وسأل رجل عبد الله بن الشّخيررضي الله عنه- كالمعترض: «حدثنا بالقرآن. كل يوم تقول قال رسول الله .. قال رسول الله!! أما تقل يوما قال الله؟! فقال له عبد الله: أما وإنك لرجل أحمق، والله ما نبغى عن الله بديلا، ولكنّا نريد من هو أعلم منّا بالله (يعنى رسول الله ﷺ).\nيا هذا أو تجد الظهر فى كتاب الله أربعا لا يجهر فيه بالقراءة؟»\nوالواقع أن منكر السنة هو أصلا منكر للقرآن، لأن السنة والقرآن كليهما وحى مصدرهما النبىّ ﷺ. فالذى أعلمنا بالقرآن هو النبى ﷺ، ولولاه ما عرفنا القرآن فكيف ننكر قوله بالسنة؟.\nولا ينسحب هذا الكلام على ما انفك عن ضوابط العلم من نقل الرواة المجرحين، فالمجرحون من الرواة جنّبت رواياتهم، وغربلت، ووضعت تحت مجهر البحث العلمى والنقد الفنى المنضبط، وقسمت الروايات كلها إلى:\n_________\n(١) الحشر: ٧.\n(٢) الأحزاب: ٣٦.\n(٣) النساء: ٨٠.","vol":"1","page":44},{"text":"صحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع. وجعل لكل قسم دواوين، وأسفار مستقلة منضبطة. كما عرف كل راو من نقلة الوحى معرفة تامة كاملة أحاطت بكل دقة باسمه، واسم أبيه. وأجداده، وكنيته، ولقبه، وسنة مولده ووفاته، وحياته، وشيوخه وتلاميذه، وكل ما ينفى الجهالة عنه فى دينه أو خلقه، ومحله من التعديل والجرح، والإتقان والضبط، بحيث لم يبق هناك إسناد ولا متن لم يخضع لمبضع العلم سندا أو متنا. حتى صار الإسناد وتوثيق الكلام ضابطا من ضوابط أمة الإسلام وخاصية، ومزية من المزايا لا تشاركها فيها أمة سواها. قال عبد الله بن المبارك ﵁: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء» (١).\nوروى عن محمد بن أسلّم الطوسى قوله: «قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله ﷿» (٢).\nفما صحّ نقله أخذ بعين الاعتبار فى تشريع الحلال والحرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>نتيجة هذا المبحث:</span>\nأن السنة النبوية المشرفة جزء من الوحى لا ينفصل عنه، أخذت حظّها من الحفظ مثلما أخذ القرآن سواء بسواء، وأخذت حظّها من الجمع والتدوين مثلما أخذ القرآن سواء بسواء غير أن جمعها وتدوينها تأخر لحين الانتهاء من استقرار القرآن الكريم بين دفتيه، حتى إذا ما أمن عليه عدم الاختلاط بغيره وأصبح متميزا جدّت الهمم لتدوين السنة مثلما جدّ لتدوين القرآن. ثم أخذ الوحى (قرآنا وسنة) مكانه فى إنشاء الحضارة الإسلامية، ثم رقيّها، ثم استقرارها.\n_________\n(١) علوم الحديث لابن الصلاح (ص ٣٥٧)، والأحاديث التساعية (ص ٤٨ من المقدمة).\n(٢) الأحاديث التساعية ص ٤٨ المقدمة.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الرابع: القرآن الكريم (الوحى الجلى)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>مطلب فى التعريف بالقرآن الكريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>(١) فى اللغة:</span>\nأ- إما أن يكون مصدر على وزن: «فعلان»، ويكون فعله: «قرأ» بالهمزة ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ (١) أى قراءته.\n«وقرأ» الشيء؛ أى: جمعه، وضمه بعضه إلى بعض، ويكون معنى: «القرآن:\nالجمع، والضم؛ سمى بذلك لأنه: يجمع الآيات فيضمها فى سورة، ويجمع السور فيضمها بعضها إلى بعض (٢).\nوقيل: سمى بذلك لكونه جامعا لثمرة الكتب السماوية السابقة، أو لكونه جامعا لثمرة كل العلوم، كما أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ (٣).\nب- وإما أن يكون من: «قرن» تقول: قرن الشيء بالشيء: إذا ضمّه.\nج- وإما أن يكون لفظ «قرآن». اسم علم مرتجل على كتاب الله غير مشتق من أى فعل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>(٢) فى الاصطلاح:</span>\nحاول بعض الباحثين حصر القرآن الكريم في تعريف ذى قيود مميزة لخصائص القرآن فقال:\nهو كلام الله تعالى المنزل على محمد ﷺ، المكتوب بين دفتى المصحف، المبدوء بسورة الحمد، المختوم بسورة الناس، المعجز بلفظه ومعناه، المتعبّد\n_________\n(١) القيامة: ١٧.\n(٢) تاج العروس: ١/ ٣٧٠.\n(٣) النحل: ٨٩.\n(٤) مباحث فى علوم القرآن: للقطان (ص ١٦).","vol":"1","page":46},{"text":"بتلاوته، المنقول بالتواتر».\nورغم أن القرآن الكريم لا يمكن حصره فى تعريف اصطلاحى لتعذر جمع قيوده الضابطة لمعناه، الحاصرة لأوصافه؛ غير أن هذا التعريف اشتمل على أشهر قيود المعرّف، وبيانها على النحو التالى (١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>القيد الأول:</span>\nإضافة الكلام إلى الله﷿- فكانت العبارة «كلام الله» فخرج بهذا القيد: سائر كلام المخلوقين: كالملائكة والرسل والإنس والجن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>القيد الثانى:</span>\n«المنزل» خرج بهذا القيد: الكلام الإلهى الذى استأثر الله- تعالى به، ولم ينزله على أحد من خلقه. وهذا المنزل بالنسبة لغير المنزل قليل جدا؛ يشير إلى ذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>القيد الثالث:</span>\n«على سيدنا محمد ﷺ» خرج بهذا القيد: الكلام الإلهى المنزل على الأنبياء والمرسلين قبله مثل: التوراة والزبور والإنجيل وصحف آدم وشعيب وإبراهيم وموسى يقول الحق﵎: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ\nوَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا\n١٦٤ (٣).\n_________\n(١) أنوار البيان فى علوم القرآن ص ٧ - ١١.\n(٢) لقمان: ٢٧.\n(٣) النساء: ١٦٣، ١٦٤.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>القيد الرابع:</span>\n«المكتوب بين دفتى المصحف، وذلك أن النبى صلوات الله عليه وسلّم كان يدعو كتبة الوحى، ويأمرهم بكتابة الآيات والسور إثر تلقيها من جبريل﵉- وقد أشار إلى ذلك قوله﷾-: وَالطُّورِ ١ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ٢ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ٣ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>القيد الخامس:</span>\n«أوله سورة الحمد وآخره سورة الناس» خرج بهذا القيد ما نسخت تلاوته، وما نسخت تلاوته وحكمه معا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>القيد السادس:</span>\n«المعجز بلفظه ومعانيه» فقد تحدى الله﷾- الإنس والجن، وطلب إليهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بعشر سور أو بسورة واحدة فعجزوا قال تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ٨٨ (٣). وقال﷿- أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ١٣ (٤).\nهذا؛ من جهة اللفظ، أما من جهة المعانى: فقد ثبت إعجازه للخلق كافة:\nفمن نظر إلى آيات القرآن وجدها محدودة العدد إذا ما قورنت بالمعانى التي تندرج تحت الألفاظ ولا يزال عطاء القرآن ممتدا إلى يوم الجزاء. قال- جلت حكمته- وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ٨٩ (٥).\n_________\n(١) الطور: ١ - ٣.\n(٢) أنظر مناهل العرفان ٢/ ١١٠، ١١١. (٢) الإسراء: ٨٨ ..\n(٣) هود: ١٣.\n(٤) البقرة: ٢٣.\n(٥) النحل: ٨٩.","vol":"1","page":48},{"text":"وقد سجل لنا التاريخ بعضا ممن اختلت عقولهم وفسدت عقائدهم: حاولوا معارضة القرآن ففضح أمرهم وهموا بما لم ينالوا، إذ أن المطلع على كلامهم يجده هراء ولغوا لا يقوى على مواجهة الفصيح من كلام الخلق فضلا عن قدرته على مواجهة كلام الخلّاق، فكانت محاولاتهم بمثابة العدم المحض. (١)\nولقد كان القرآن معجزا لأنه من لدن قوى قاهر أحاط بكل شىء علما، متصف بصفات الكمال ومتنزه عن صفات النقص فكان كلامه معجزا لذلك، وكلام المخلوقين صادر عن ضعيف ناقص لا يملك أسباب الكمال، لذا فقد جاء غير معجز ولا سالم من صفات النقص.\nويخرج بهذا القيد- أيضا- الحديث القدسى، فهو منسوب إلى الله تعالى، لكنه لم يصل بألفاظه ومعانيه إلى حد الإعجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>القيد السابع:</span>\n«المتعبد بتلاوته» فقد تعبدنا الله﷿- بتلاوته واعتبرها الشارع الحكيم عبادة فى حد ذاتها، فى الصلاة وفى خارجها. قال تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ (٢) فقد أمر بالتلاوة فى الصلاة وجعلها ركنا من أركانها لا تصح الصلاة بدونها. وقال﵎- آمرا بالتلاوة حاضا على التدبر والعمل بما فى القرآن من أوامر ونواه حيث قال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣)، وبهذا القيد خرج الحديث القدسى والحديث النبوى، والقرآن المنسوخ التلاوة لأن الله لم يأمرنا بتلاوتها فى الصلاة ولا فى خارجها ولم يتعبدنا بها كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>القيد الثامن:</span>\n«المنقول بالتواتر» لم يحظ كتاب من الكتب السماوية بمثل ما حظى به\n_________\n(١) السيرة النبوية لابن هشام ٤/ ٥٧٧.\n(٢) المزمل: ٢٠.\n(٣) القمر: ١٧.","vol":"1","page":49},{"text":"القرآن الحكيم من حيث قوة السند الناقل له حتى كان معصوما ومحفوظا من أيدى العابثين، والمقصود بالتواتر: هو أن ينقله جمع غفير لا يمكن تواطؤهم على الكذب- عن جمع مثلهم حتى يتصل السند بالمنزّل عليه ﷺ. وهكذا قد نقل إلينا القرآن بسوره وآياته بهذا الطريق القطعى الثبوت، وقد هيأ الله له الأسباب حتى كان كذلك تحقيقا لوعده بحفظه حيث قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. (١)\nويخرج بهذا القيد: ما نسخت تلاوته، والقراءات غير المتواترة سواء أكانت مشهورة أم غير ذلك مثل قراءة عبد الله بن مسعود (متتابعات) عقب قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وكقراءته- أيضارضي الله عنه (متتابعات) عقب قوله﷿- وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، فإن شيئا من ذلك لا يسمى قرآنا ولا يأخذ حكمه (٢).\nفإن قال قائل: لم اهتم علماؤنا اهتماما بالغا بتدوين مثل هذه القراءات أو بما نسخت تلاوته على حين أنها لا يطلق عليها حكم القرآن ولا تسمى به؟\nقيل: كان اهتمامهم بها (وبتدوينها) من أكبر الأدلة على مدى اهتمام المسلمين عامة والصحابة والأولين خاصة بتدوين كل ما يتعلق بكتاب ربهم سواء وصل سنده إلى حد التواتر أولا. كما أنه يحتاج إلى غير المتواتر عند اختلاف الأحكام الفقهية فى ترجيح أحدها على الآخر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>مطلب فى بعض أسماء القرآن، وأوصافه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>(أ) أسماؤه: للقرآن أسماء كثيرة أهمها:</span>\n(١) القرآن: قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٤).\n(٢) الكتاب: قال تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ (٥).\n_________\n(١) الحجر: ٩.\n(٢) مناهل العرفان ١/ ١٣، ١٤.\n(٣) المرجع السابق ١/ ١٤١.\n(٤) الإسراء: ٩.\n(٥) البقرة: ٢.","vol":"1","page":50},{"text":"(٣) الفرقان: قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ (١).\n(٤) الذكر: قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٢).\n(٥) التنزيل: قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣).\n(٦) كلام الله: قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>(ب) أوصافه:</span>\nوصف الله تعالى القرآن الكريم بأوصاف كثيرة منها:\n١ - أنه: «عربى، وبشير، ونذير» قال تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا (٥).\n٢ - أنه: «هدى، وشفاء، ورحمة، وموعظة» قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٦).\n٣ - أنه: نور: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (٧).\n٤ - أنه: بشرى: مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٨).\n٥ - أنه: عزيز وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٩).\n_________\n(١) الفرقان: ١.\n(٢) الحجر: ٩.\n(٣) الشعراء: ١٩٢.\n(٤) التوبة: ٦.\n(٥) فصلت: ٣ - ٤.\n(٦) يونس: ٥٧.\n(٧) النساء: ١٨٤.\n(٨) البقرة: ٩٧.\n(٩) فصلت: ٤١.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>القسم الثانى علوم القرآن</span>","vol":"1","page":53},{"text":"القسم الثانى علوم القرآن الكريم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>تمهيد:</span>\nعلوم القرآن بالمعنى الإضافى: هى كل ما يتعلق بعلوم الحضارة الإسلامية التى ذكرنا لك أن أساسها الوحى، سواء كانت هذه العلوم دينية، أم عربية.\nفعلوم القرآن إذا تشمل جميع علوم الحضارة الإسلامية من فقه، وتفسير، وحديث، وعقيدة، ونحو، وصرف، وبلاغة، وأدب. وغير ذلك.\nعلوم القرآن بالمعنى الاصطلاحي: ويقصد بها مجموعة العلوم التى تتعلق مباحثها بالقرآن الكريم خاصة سواء ما يتعلق بنزوله، وترتيبه، وجمعه، وكتابته، وقراءته، وتفسيره، وإعجازه، وناسخه، ومنسوخه، ومكّيه ومدنيه، ودفع الشبه عنه، إلى آخره.\nموضوع علوم القرآن: هى مسائلها المتعلقة بالقرآن الكريم من أىّ ناحية من النواحى المذكورة فى التعريف، كل علم فيما يخص مسائله.\n(١) فعلم التفسير: موضوعه: القرآن الكريم من حيث شرح آياته، وبيان معناها.\n(٢) وعلم الناسخ والمنسوخ: موضوعه: القرآن الكريم من حيث معرفة الآيات التى رفع حكمها بخطاب شرعى آخر متراخ عنه فى النزول.\n(٣) وعلم القراءات: موضوعه: القرآن الكريم من ناحية لفظه وأدائه.\nوهكذا سائر علوم القرآن الباقية موضوعها كلها «القرآن الكريم» ولكن بالحيثيات المختلفة التى تتعلق بكل فنّ على حدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>علاقة علوم القرآن بالمعنى الاصطلاحي، بعلوم القرآن بالمعنى الإضافي:</span>\nإذا كانت علوم القرآن بالمعنى الإضافى تشمل كافة العلوم المتعلقة بالحضارة","vol":"1","page":55},{"text":"الإسلامية بالمعنى العام، وأن علوم القرآن بالمعنى الاصطلاحي تتعلق بالقرآن الكريم بالمعنى الخاص.\nفإن العلاقة بين المعنى الاصطلاحي، والمعنى الإضافى كعلاقة الفرع بالأصل، ونسبته إليها «كنسبة الفرع إلى أصوله، أو الدليل إلى مدلوله. كما عبّر الزرقانى فى «المناهل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>فائدة علوم القرآن الكريم:</span>\nلما كانت الحضارة الإسلامية ككل مبنية أصلا على «الوحى». سواء أكان جليا وهو «القرآن». أم خفيا، وهو «السّنّة». فأن «المفسّر» للقرآن، والشارح للسنة يحتاج إلى أدوات يفسّر بها القرآن لتعينه على تقريب مراد الله تعالى من آياته إلى أذهان الناس.\nولا وسيلة لهذا إلا بمعرفة العلوم التى تعينه على ذلك.\nومثل علوم القرآن هنا كمثل علوم الحديث بالنسبة لمن أراد أن يدرس علم الحديث. وهو ما عبر عنه السيوطى فى مقدمة «الإتقان». حين قال:\n«ولقد كنت فى زمان الطلب أتعجب من المتقدمين إذ لم يدونوا كتابا فى أنواع علوم القرآن، كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث». ثم أخذ يستعرض ما وقع له من مشايخه فى علوم القرآن (٢).\nوبهذا يعرف فى الجملة أن من أراد أن يقترب من مراد الله تعالى فى آيات القرآن فعليه أن يلم إلماما كافيا بعلوم القرآن فهى وسيلته التى تعينه على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>أهمية علوم القرآن:</span>\n(١) لا شك أن القرآن الكريم نفسه هو أساس مادة التشريع والأحكام، وبيان\n_________\n(١) مناهل العرفان لمحمد عبد العظيم الزرقانى ١/ ٢٨.\n(٢) مقدمة كتاب «الإتقان» للسيوطى ١/ ٤.","vol":"1","page":56},{"text":"الحلال والحرام، ولا يعرف ذلك إلا من خلال معرفة علوم القرآن الكريم كمعرفة المكى والمدنى، وأول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل، ليتوصل بذلك إلى ما إذا كان\nالحكم منسوخا أو محكما، فهذه العلوم هى التى تمد المفسر ببيان التفسير، وتمد الفقيه بمعرفة الأحكام، وتمد الأصولى بالقواعد الكلية.\n(٢) ولمواقع النظم القرآنى غرض لا يعرفه إلا من تمرس بعلم البلاغة، ولبيان إعجاز القرآن، وبلاغته يلجأ إلى دراسة علم إعجاز القرآن ودراسة أسلوبه.\n(٣) وكذلك فإن معانى القرآن، وأسلوب القرآن، وضمائره، كلها تتضافر مع علم الناسخ والمنسوخ، والمكىّ والمدنى، المتقدم والمتأخر، وغيرها من علوم القرآن فى خدمة القضايا الكلية التى نزل القرآن أصلا لمعالجتها سواء فى النواحى الاجتماعية، أم السياسية، أم الاقتصادية، أم الحربية، أم الأخلاقية، أم غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>تطور علوم القرآن</span>\nيرى كثير من الباحثين أن علوم القرآن لم تترعرع وتشب عن الطوق إلا على يد بدر الدين الزركشى فى نهاية القرن الثامن الهجرى.\nغير أنه يحسن بنا أن نلقى الضوء فى اختصار على تاريخ بدء هذا العلم ومراحل نموّه فى النقاط التالية:\n* نشأت علوم القرآن فى صدور الصحابة- رضوان الله عليهم- حيث كانوا أعلم الناس بالقرآن ومعرفة علومه دون أن تكون لهذه العلوم ثمة شىء من التدوين أو التسجيل، شأن كافة العلوم التى نبتت فى صدور الصحابة، وعرفوها وميزوا آيات الذكر الحكيم على ضوئها دون أن تسمّى هذه العلوم، فضلا عن أن يكون لها نصيب من التدوين، إذ كان النهى عن تدوين غير القرآن أمر صاحب الرسالة- صلوات الله وسلامه عليه- مخافة أن يلتبس غير القرآن به.\nوما أن كانت الخلافة الراشدة الثالثة حتى هبّ عثمان بن عفانرضي الله عنه- بجمع القرآن على لغة واحدة هى لغة قريش، وعلى رسم واحد فى الكتابة","vol":"1","page":57},{"text":"عرف حتى يومنا هذا باسم «الرسم العثمانى». وكان هذا العمل بعد أن بلغه أن المسلمين فى الأمصار من أهل القبائل المختلفة يكادون يتقاتلون لاختلاف القراءات والروايات.\nوما أن جمع المصحف على لغة واحدة، ورسم واحد، حتى نسخت منه عدة نسخ أرسلت إلى مختلف الأمصار الإسلامية، وأحرق ما عداها.\nوبهذا يكون خليفة المسلمين الثالث عثمانرضي الله عنه- قد وضع أول لبنة فى «علم رسم القرآن». وهو أحد «علوم القرآن» وهو علم الرسم والضبط.\nولما انتقل مقر الخلافة من المدينة إلى الكوفة فى عهد على- كرم الله وجهه- وانتشر أصحاب رسول الله ﷺ: ظهرت مدارس التفسير فى الأمصار الإسلامية وعلى رأسها:\n(١) المدرسة المكية: وشيخها ابن عباسرضي الله عنهما- وتلاميذها:\nمجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغيرهم.\n(٢) المدرسة المدنية: وشيخها أبىّ بن كعبرضي الله عنه- وتلاميذها:\nأبو العالية، ومحمد بن كعب القرظى، زيد بن أسلم العدوى، وغيرهم.\n(٣) المدرسة العراقية: وشيخها عبد الله بن مسعودرضي الله عنه- وتلاميذها: الحسن البصرى، علقمة النخعى، ومسروق بن الأجوع، وعامر الشعبى، وغيرهم.\nوقد قدّم لنا المعنيون برصد علوم القرآن مادة علمية وفيرة، سواء ما يتعلق منها بإنشاء علوم القرآن علما علما، أو ما يتعلق منها بحصر ما كتب حولها منذ نشأة هذه العلوم.\nوإذا كان القرآن الكريم هو أصل الأصول فى إنشاء الحضارة الإسلامية فلا غرابة أن تكون العلوم التى تأسست على هذا الأصل قد بلغت عشرات العلوم.","vol":"1","page":58},{"text":"وإذا نحن تتبعنا ما رصده بدر الدين الزركشى، وجلال الدين السيوطى من علوم القرآن الكريم وحده لوجدنا أنها تعدّت السبعين علما.\nوهذا السيوطى على وجه التحديد يذكر لنا ثمانين علما من علوم القرآن الكريم.\nوالناظر فيها إجمالا يجدها تندرج تحت ستّ مجموعات يمكن إجمالها على النحو التالى:\nالمجموعة الأولى: علوم تتعلق بنزول القرآن الكريم، وتبلغ ستة عشر علما هى:\n١ - علم معرفة: ما نزل بمكة، وما نزل بالمدينة.\n٢ - علم معرفة: ما نزل فى الحضر، وما نزل فى السفر.\n٣ - علم معرفة: ما نزل فى الليلى، وما نزل فى النهار.\n٤ - علم معرفة: ما نزل فى الصيف، وما نزل فى الشتاء.\n٥ - علم معرفة: ما نزل فى الفراش، وما نزل فى النوم.\n٦ - علم معرفة: ما نزل فى الأرض، وما نزل فى السماء.\n٧ - علم معرفة: أول ما نزل من القرآن.\n٨ - علم معرفة: أخر ما نزل من القرآن.\n٩ - علم معرفة: أسباب نزول آيات القرآن وسوره.\n١٠ - علم معرفة: ما أنزل من القرآن على لسان بعض الصحابة.\n١١ - علم معرفة: ما تكرر نزوله من الآيات، أو السور.\n١٢ - علم معرفة: ما تأخر حكمه عن نزوله، وما تأخر نزوله عن حكمه.\n١٣ - علم معرفة: ما نزل مفرقا، وما نزل جمعا.\n١٤ - علم معرفة: ما نزل مشيّعا، وما نزل مفردا.\n١٥ - علم معرفة: ما أنزل من القرآن على بعض الأنبياء، وما لم ينزل منه","vol":"1","page":59},{"text":"على أحد قبل محمد ﷺ.\n١٦ - علم معرفة: كيفية إنزاله.\nالمجموعة الثانية: علوم تتعلق بذات القرآن الكريم، وتصل إلى تسعة علوم وهى:\n١٧ - علم معرفة: أسماء القرآن، وأسماء سوره.\n١٨ - علم معرفة: عدّ سوره، وآياته، وكلماته، وحروفه.\n١٩ - علم معرفة: فواصل الآى.\n٢٠ - علم معرفة: فواتح السّور.\n٢١ - علم معرفة: خواتم السور.\n٢٢ - علم معرفة: مناسبة الآيات، والسور لما قبلها، وما بعدها.\n٢٣ - علم معرفة: فضائل القرآن.\n٢٤ - علم معرفة: أفضل القرآن، وفاضله.\n٢٥ - علم معرفة: خواص القرآن.\nالمجموعة الثالثة: علوم إجرائية تتعلق بالقراءة، والكتابة، والآداب، وتبلغ عشرة علوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>أ- ما يتعلق بالقراءة:</span>\n٢٦ - علم معرفة: أماكن الوقف، وأماكن الابتداء فى القراءة.\n٢٧ - علم معرفة: الإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإقلاب.\n٢٨ - علم معرفة: ما ينبغى أن يمد، وما ينبغى أن يقصر.\n٢٩ - علم معرفة: الإمالة، والفتح.\n٣٠ - علم معرفة: تخفيف المهموز.\n٣١ - علم معرفة: الموصول لفظا، المفصول معنى.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>ب- ما يتعلق بالكتابة:</span>\n٣٢ - علم معرفة: رسم خط المصحف.\n٣٣ - علم معرفة: جمع القرآن، وترتيبه.\n٣٤ - علم معرفة: كيفية تحمله، وحفظه.\n٣٥ - علم معرفة: آداب تلاوته، وآداب تاليه.\nالمجموعة الرابعة: علوم تتعلق بدرجة تحمّل القرآن عن السلف حفظا، ورواية. وتصل إلى ثمانية علوم هى:\n٣٦ - علم معرفة: حفّاظه، ورواته.\n٣٧ - علم معرفة: العالى والنازل من أسانيده.\n٣٨ - علم معرفة: المتواتر.\n٣٩ - علم معرفة: المشهور.\n٤٠ - علم معرفة: الآحاد.\n٤١ - علم معرفة: الشاذ.\n٤٢ - علم معرفة: المدرج.\n٤٣ - علم معرفة: الموضوع.\nالمجموعة الخامسة: هى العلوم المستنبطة من القرآن، وهى أنواع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>أ- علوم اللغة، والنحو، والبلاغة</span>.\n٤٤ - علم معرفة: مفردات القرآن.\n٤٥ - علم معرفة: غريب القرآن.\n٤٦ - علم معرفة: ما وقع فى القرآن بغير لغة أهل الحجاز.\n٤٧ - علم معرفة: ما وقع فى القرآن بغير لغة العرب.","vol":"1","page":61},{"text":"٤٨ - علم معرفة: إعراب القرآن.\n٤٩ - علم معرفة: المحكم والمتشابه.\n٥٠ - علم معرفة: العام والخاص.\n٥١ - علم معرفة: المجمل والمبين.\n٥٢ - علم معرفة: مطلقه ومقيده.\n٥٣ - علم معرفة: مشكلة، وموهم الاختلاف، والتناقض.\n٥٤ - علم معرفة: مقدمه، ومؤخره.\n٥٥ - علم معرفة: منطوقه، ومفهومه.\n٥٦ - علم معرفة: الخطاب فى القرآن، ووجوهه.\n٥٧ - علم معرفة: حقيقة القرآن ومجازه.\n٥٨ - علم معرفة: تشبيهه، واستعارات.\n٥٩ - علم معرفة: كناياته، وتعريضاته.\n٦٠ - علم معرفة: الحصر، والاختصاص.\n٦١ - علم معرفة: الإيجاز والإطناب.\n٦٢ - علم معرفة: الخبر والإنشاء.\n٦٣ - علم معرفة: بديع القرآن.\n٦٤ - علم معرفة: إعجاز القرآن.\n٦٥ - علم معرفة: الوجوه والنظائر.\n٦٦ - علم معرفة: المتشابه.\n٦٧ - علم معرفة: المبهم.\n٦٨ - علم معرفة: أسماء من نزل فيهم القرآن.\n٦٩ - علم معرفة: ما وقع فى القرآن من الأسماء، والكن، والألقاب.","vol":"1","page":62},{"text":"٧٠ - علم معرفة: أمثال القرآن.\n٧١ - علم معرفة: أقسام القرآن.\n٧٢ - علم معرفة: جدل القرآن.\n٧٣ - علم معرفة: الناسخ والمنسوخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>ب- علوم أخرى أشار إليها القرآن الكريم تنبيها لا تفصيلا:</span>\n٧٤ - كعلم الأجنة، والطب النفسى والعضوى، والعلوم الفلكية، والجغرافية، وعلوم الحرف، والصناعات، وغيرها.\nالمجموعة السادسة: وهى علوم تتعلق بخدمة القرآن تفسيرا، واستنباطا، وبيانا وتأويلا.\n٧٥ - علم معرفة: تفسير القرآن.\n٧٦ - علم معرفة: الأدوات التى يحتاج إليها المفسر.\n٧٧ - علم معرفة: القواعد النحوية التى يحتاج إليها المفسر.\n٧٨ - علم معرفة: شروط المفسر وآدابه.\n٧٩ - علم معرفة: غرائب التفسير.\n٨٠ - علم معرفة: طبقات المفسرين.\nوللباحثين تقريع هذه العلوم واستنباط ما يشاءون منها من علوم القرآن الكريم، فهو معين لا ينضب، وقد قال من نزل عليه ﷺ:\n«هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرّد، ولا تنقضى عجائبه». (١)\n_________\n(١) سنن الترمذى ٥/ ١٧٢ الحديث رقم ٢٩٠٦.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الباب الأول علم التفسير</span>","vol":"1","page":65},{"text":"الباب الأول علم التفسير\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>تمهيد، وتعريف:</span>\nمن المفيد جدا أن نقول: إن علم «التفسير» هو أصل علوم القرآن كلها؛ وهو أول ما نشأ من هذه العلوم، وكانت نشأته بذرة طيبة نبتت وترعرعت فى أحضان «الوحى».\nفالمفسر، والمبين الأول عن الله تعالى، هو رسول رب العالمين، ومن أنزل عليه القرآن الذى طولب بأن يكون هو المبين، والموضح، والمفسر له.\nقال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١).\nوكان تفسير النبى ﷺ فى الحدود المطلوبة التى احتاج الناس إليها فى زمنه، فلم يؤثر عنه ﷺ أنه فسّر جميع القرآن آية آية.\nذلك أن القرآن كان ينزل فيترجم إلى سلوك، وواقع عملى، وكان هذا السلوك الواقعى هو أعظم ما يفسر القرآن ويبينه، ويوضّحه، إلى جانب أن القرآن كان ينزل بلغة العرب، وما تعارفوا عليه من استعمالاتها البلاغية المختلفة، ولم يكونوا قد اختلطوا- بعد- بغيرهم من أصحاب اللغات الأخرى.\nوكان منهج النبى ﷺ فى بيانه وتفسيره للقرآن يقوم على القرآن نفسه، فما هو مبهم فى موضع موضح فى موضع آخر كما فى قوله تعالى: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (٢). عرّفوا فى سورة النساء بأنهم النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون فى قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٣).\n_________\n(١) النحل: ٤٤.\n(٢) فاتحة الكتاب: ٧.\n(٣) النساء: ٦٩.","vol":"1","page":67},{"text":"كما اعتمد تفسيره ﷺ على ما كان «يوقفه الوحى» عليه من التفسير، كما فى قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١)؛ قال ﷺ؛ الكوثر «نهر فى الجنة أعطانيه ربّى» (٢).\nأو ما كان ينزل لسبب من الأسباب الكثيرة الواردة فى مظانها المختلفة من علم التفسير.\nولم يكن ثمّة حاجة إلى تدوين التفسير فى عهده ﷺ لبواعث هامة اقتضتها النبوة، وهى النّهى عن تدوين شىء «غير القرآن» آنذاك، وهو باعث لا يدركه إلا النبىّ بينما يلوكه بالنقد من يجهل مثل هذا الباعث الهام.\nولكن المتفحص لهذا الباعث يرى أنه من قبيل الإرهاصات النبوية للمستقبل، فعدم تدوين شىء من تفسير النبىّ ﷺ، أو شىء من أحاديثه فى غير مجال التفسير، أفسح المجالات الواسعة لظهور علوم الحضارة الإسلامية، وهى مئات العلوم.\nلأنه لمّا لم تدوّن علوم القرآن، ولا علوم الحديث؛ ظهر الافتيات على الأمة ورسولها بظهور الكذابين، والوضاعين، فقام الجهابذة من العلماء لوضع القوانين العلمية الضابطة لعلوم القرآن، ولعلوم الحديث، ولولا ذلك ما شحذت الهمم لمثل هذا القيام.\nوكان أول ما ظهر علم تفسير القرآن الذى صار بعد ذلك محتاجا إلى إظهار كافة علوم القرآن علما علما.\nفالمفسّر صار يحتاج فى تفسيره إلى معرفة، القراءات الواردة عن المعصوم ﷺ لأن هذه القراءات بمثابة بيان للقرآن، وتفسير له.\nواحتاج فى تفسيره إلى معرفة علوم نزوله: كالمكى والمدنى، وما نزل أولا، وما نزل آخرا؛ وغير ذلك من علوم القرآن.\nوكان كلما تباعد الزمان عن وقت نزول الوحى قلّت الحاجة إلى ذلك فى زمن التنزيل لقربهم من التعامل الذاتى مع الوحى، وشارحه المكلف بالبيان وهو\n_________\n(١) سورة الكوثر\n(٢) صحيح البخارى بحاشية السندى ٣/ ٢٢١.","vol":"1","page":68},{"text":"رسول الله ﷺ.\nفلا غرابة إذا أن يكون التفسير هو أمّ علوم القرآن كلها، وأنها إنما ابتكرت ونشأت لخدمة التفسير، فالتفسير إذا علم خادم لكتاب الله ﷿، وعلوم القرآن كلها، أو جلّها- على أقل تقدير- خادمة لعلم التفسير.\nفأصبح من اللازم علينا أن نجعل منهجنا فى هذا المدخل وفقا لما عنونّا به هذه الدراسة وهى (مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن) ليخبر عنوان هذه الدراسة عمّا يحتويه باطنها من القصد العلمى، ويلمس كبد الحقيقة منها.\nتعريف التفسير: يستعمل التفسير فى الكشف الحسى، كما يستعمل فى الكشف عن المعانى المعقولة، والاستعمال الثانى أكثر.\nالتفسير: لغة مأخوذ من «الفسر» وهو: الإبانة وكشف المغطّى.\nوالتأويل: ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر.\nوقال ثعلب: «التفسير والتأويل واحد» (١).\nواصطلاحا: عرفه الزركشى فى «البرهان» بأنه:\n١ - علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى المنزل على محمد ﷺ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه (٢).\n٢ - أو هو: «علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية».\n٣ - أو هو: علم يبحث فى نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها.\nويظهر من هذه التعاريف أن موضوع التفسير هو آيات القرآن الكريم من حيث بيان معانيها واستخراج أحكامها وحكمها.\n_________\n(١) القاموس المحيط (مادة: فسر).\n(٢) البرهان فى علوم القرآن للزركشى ١/ ١٣.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>مبحث فى: نشأة التفسير ومراحله</span>\n١ - كان القرآن ينزل منجما على رسول الله ﷺ على مدى ثلاثة وعشرين عاما فمنه ما كان ينزل على الحوادث والأسباب، فيكون هذا بيانه وتفسيره، ومنه ما كان ينزل ابتداء، وفيه من بواطن العلم ما لا يعرفه أحد إلا رسول الله ﷺ فيفسره ويوضحه للناس كما ورد فى تفسير الكوثر فى قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ قال: «الكوثر نهر فى الجنّة أعطانيه ربى».\nفكان النبى ﷺ هو المصدر الأول للتفسير، والمرجع الأساسى المبين لمراد الله- تعالى- على وجه الحقيقة.\n٢ - وانتقل علم رسول الله ﷺ فى معرفة كتاب الله وبيان معانى آياته إلى فئة معينة من أصحابهرضي الله عنهم- وكانوا ستة عشر نفرا هم أعلم الأمة بالتفسير وهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>(أ) من الرجال:</span>\n١ - أبو بكر الصديقرضي الله عنه-\n٢ - عمر بن الخطابرضي الله عنه-\n٣ - عثمان بن عفانرضي الله عنه-\n٤ - على بن أبى طالبرضي الله عنه-\n٥ - عبد الله بن عباسرضي الله عنه-\n٦ - عبد الله بن مسعودرضي الله عنه-\n٧ - أبىّ بن كعبرضي الله عنه-\n٨ - زيد بن ثابترضي الله عنه-\n٩ - أبو موسى الأشعرىرضي الله عنه-\n١٠ - عبد الله بن الزبيررضي الله عنه-\n١١ - أنس بن مالكرضي الله عنه-\n١٢ - أبو هريرةرضي الله عنه-\n١٣ - عبد الله بن عمررضي الله عنه-\n١٤ - عبد الله بن عمرورضي الله عنه-\n١٥ - جابر بن عبد اللهرضي الله عنه-\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>(ب) ومن النساء: ١٦ - عائشةرضي الله عنها</span>.","vol":"1","page":70},{"text":"أما الستة نفر الأخيرة فلم يرو عنهم من التفسير سوى النذر اليسير وبقى علم التفسير منحصرا كله فى العشرة رجال الأول (١).\nغير أن المكثرين منهم فى رواية التفسير عن النبىّ ﷺ، بله الاجتهاد أيضا فى الحدود الشرعية انتهى إلى أربعة منهم سنذكرهم أيضا فى الترتيب التالى بحيث الأكثر فالأقل وهم:\n١ - عبد الله بن عباسرضي الله عنه-\n٢ - عبد الله بن مسعودرضي الله عنه-\n٣ - عليّ بن أبى طالب- كرم الله وجهه\n٤ - أبىّ بن كعبرضي الله عنه-\nوعلى علم هؤلاء الأربعة نما علم التفسير وترعرع.\nكما نشأت على أيديهم أهم مدارس التفسير فيما بعد، عند ما تفرق الصحابة فى الأمصار بسبب نقل الخلافة الإسلامية من المدينة إلى الكوفة فى زمن الخليفة الرابع علىّ بن أبى طالب- كرم الله وجهه، وبسبب الفتوحات الإسلامية.\n(١) فنشأت المدرسة المكية فى التفسير على يد ابن عباسرضي الله عنهما-\n(٢) ونشأت المدرسة المدنية على يد أبىّ بن كعبرضي الله عنه-\n(٣) ونشأت مدرسة العراق فى الكوفة على يد عبد الله بن مسعودرضي الله عنه-\nوبهذا انتقل التفسير من المرحلة الأولى فى عصر الصحابة إلى المرحلة الثانية فى عهد التابعين، ثم انتقل من صدور التابعين إلى صدور أتباع التابعين.\nوكان التفسير خلال هذه العهود الثلاثة يحتفظ بطابع الرواية والمشافهة من الصدور إلى الصدور، لأنه كان جزءا لا يتجزأ من علم الحديث، حتى ما جرى عليه علم الحديث بعد ذلك من التدوين فى أواخر عهد الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية.\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ٤/ ٢٠٤.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>مطلب فى: أقسام التفسير وأنواعه:</span>\nيختلف الباحثون فى تقسيم التفسير باعتبار اصطلاحاتهم فى هذا التقسيم إذ يعتمد ذلك على قرائحهم، واجتهاداتهم فى التفريع وتنظيم العلوم على النحو التالى:\n(١) تقسيم عبد الرزاق بن همام الحميرى عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال: التفسير أربعة أقسام:\n١ - قسم تعرفه العرب فى كلامها.\n٢ - وقسم لا يعذر أحد بجهالته من الحلال والحرام.\n٣ - وقسم يعلمه العلماء خاصة.\n٤ - وقسم لا يعلمه إلا الله وحده.\nقال الزركشى فى البرهان: وهذا تقسيم صحيح (١).\n(٢) تقسيم عام يقول به بعض الباحثين فيقسمه إلى قسمين اثنين هما:\nأ- تفسير جاف لا يتجاوز حلّ الألفاظ، وإعراب الجمل، وبعض النكات البلاغية.\nب- تفسير هادف غرضه تجلية هدايات القرآن وتعاليمه، وحكمة الله فيما شرع للناس.\n(٣) تقسيم ثالثا مشهور علميا، وهو ثلاثة أقسام:\nأ- تفسير بالرواية، ويسمى أيضا: «التفسير بالمأثور».\nب- تفسير بالدراية، ويسمى أيضا: «التفسير بالرأى» و«التفسير بالاجتهاد».\nج- تفسير بالإشارة ويسمى أيضا: «التفسير الإشارى».\n_________\n(١) البرهان للزركشى ٢/ ١٦٤.","vol":"1","page":72},{"text":"وهذا التقسيم الأخير هو ما يجرى عليه العمل فى الأوساط التعليمية، لأنه أقرب تفريعا إلى النواحى العلمية المتعلقة بالدراسات الجامعية والمدرسية.\nوسنتحدث عن كل نوع أو قسم، أو لون من هذه الألوان الثلاثة الأخيرة أيضا فى مباحث مستقلة إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>مطلب فى: شروط المفسر، وآدابه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>أولا: شروط المفسر:</span>\nينبغى ألا يتصدى للتفسير من لم يحط بمجمل الشروط التى حددها العلماء لمن يتصدى للبيان عن مراد الله- تعالى- وأهمها:\n١ - أن يكون المفسّر صحيح الاعتقاد بالله تعالى، فإن صحة العقيدة تقى المفسّر من تحريف النصوص، وخيانة الآيات، والوقاية من الزلل فيها.\n٢ - التخلى عن الأهواء المذهبية، والتحلى بالحق لوجه الحق دون لىّ أعناق الآيات لمذهب يروج له، أو عقيدة خاصة ينحرف بالقرآن إليها.\n٣ - ألا يخوض فى التفسير الاجتهادى حتى يتم له النظر والإثبات فى التفسير بالمأثور على النحو التالى:\nأ- أن يطلب التفسير من القرآن نفسه، فإن القرآن يشرح بعضه بعضا فى آيات مختلفة.\nب- ثم إن لم يجد: طلب التفسير من السنّة فإن النبى ﷺ هو المبين الحقيقى عن الله- تعالى- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١).\nج- ثم إن لم يجد: طلب التفسير فى أقوال الصحابة، فهم أقرب الناس\n_________\n(١) النحل: ٤٤.","vol":"1","page":73},{"text":"جميعا إلى رؤية الوحى، ومعرفة الوقائع، وأقرب إلى التقوى وسمت النبى ﷺ، واقرب الأجيال جميعا إلى الملكة اللغوية التى نزل بها القرآن الكريم.\nد- ثم إن لم يجد: اجتهد فى تفسير آيات الذكر الحكيم بما حصّل من الأدوات الضرورية واللازمة لكل مفسر وهى تحصيل العلوم المعينة على التفسير والبيان وأهمها:\n١ - العلم باللغة العربية\n٢ - العلم بالنحو\n٣ - العلم بالاشتقاق\n٤ - علم الأبنية.\n٥ - علوم البلاغة الثلاثة: المعانى، والبيان، والبديع\n٦ - علم القراءات.\n٧ - علم الكلام.\n٨ - علم أصول الفقه.\n٩ - علم أصول الدين\n١٠ - علم السيرة والقصص.\n١١ - علم الناسخ والمنسوخ.\n١٢ - علم الحديث.\n١٣ - علم الموهبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>ثانيا: آداب المفسّر:</span>\n١ - حسن النية، وسلامة القصد لله تعالى.\n٢ - حسن الخلق\n٣ - الورع والتقوى.\n٤ - تحرى الصدق والضبط فى النقل\n٥ - عزّة النفس.\n٦ - التواضع ولين الجانب.\n٧ - الجهر بالحق.\n٨ - التروى والأناة فى سر التفسير.\n٩ - حسن الإعداد وطريقة الأداء.\n١٠ - تقديم من هو فى العلم أولى منه.\nوالله أعلم","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>مبحث فى الأربعة المكثرون فى التفسير من الصحابة</span>\nرأينا أن التفسير، قام فى باكورته الطاهرة الأولى على جهود خمسة عشر صحابيا، شاركتهم أم المؤمنين عائشة ﵂.\nفكان لجهود هؤلاء الستة عشر فضل السبق فى خدمة القرآن الكريم، وإرساء المادة العلمية القيمة لعلم التفسير الذى هو الغرض الأول من انزاله ليكون عقيدة، وتشريعا، وأخلاقا وارساء لدعائم الحضارة الإسلامية.\nغير آن ثمة أربعة منهم قامت على أكتافهم مهمة التفسير فى جيلهم، ثم تواصلت مهمتهم الطيبة المشكورة حتى امتدت فيما بعد إلى الأمصار الإسلامية، فيما سنعرفه عند الحديث عن مدارس التفسير فى عصر التابعين، وهؤلاء الأربعة هم: ابن عباس، وابن مسعود، وعلى وأبىّ ﵃ جميعا، وسنوجز الكلام عنهم فيما يأتى:-\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>(١) عبد الله بن عباسرضي الله عنه</span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>التعريف به:</span>\n* هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشى، الهاشمى ابن عم رسول الله ﷺ.\n* ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات، والنبى ﷺ محصور بالشعب بمكة.\n* توفى رسول الله ﷺ وعمر ابن عباس ثلاث عشرة سنة وقيل: خمس عشرة سنة\n* لازم النبىّ ﷺ لقرابته منه ﵊، ولأن خالته ميمونة أم المؤمنين زوج النبى ﷺ.\n* ماترضي الله عنه- بالطائف ودفن بها سنة (٦٩ هـ) وله من العمر سبعون سنة.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>علم ابن عباسرضي الله عنه</span>-\nحظى ابن عباس بموهبة علمية فذّة جعلته على درجة عالية من الاجتهاد، ومعرفة تامة بالفقه ومعانى كتاب الله العزيز مما جعل شخصية عظيمة مثل شخصية عمر بن الخطاب الخليفة الثانىرضي الله عنه- يرفع منزلته عنده ويدنيه منه ويقربه من مجالس كبار الصحابة ومتقدميهم فى السن والمنزلة، حتى أن ابن عباسرضي الله عنه- يقدم لنا بنفسه هذه الصورة فى بيانه التالى الذى نقله البخارى إلينا.\n«كان عمر يدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد فى نفسه، وقال: لم تدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من أعلمكم فدعاهم ذات يوم، فأدخلنى معهم، فما رأيت أنه دعانى يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون فى قول الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا: فقال لى: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله فقال إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول» (١).\nلم يصل ابن عباس إلى هذه المنزلة إلا بشيئين هامين:\nالأول: دعاء النبى ﷺ له: «اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل» (٢).\nالثانى: دأبه على تحصيل العلم فقد مكث يعقل النبوة والوحى ثمانى سنوات على الأقل فى بيت رسول الله ﷺ عند خالته أم المؤمنين «ميمونة» فنهل من بيت النبوة فى تلك الفترة ما شاء الله له أن ينهل (٣).\nوبعد أن لحق رسول الله ﷺ بربه انصرف ابن عباس إلى كبار الصحابة يستزيد\n_________\n(١) من صحيح البخارى بحاشية السندى ٣/ ٢٢٢، الإتقان للسيوطى ٤/ ٢٠٦.\n(٢) صحيح البخارى بشرح فتح البارى ١/ ١٣٨.\n(٣) التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبى ١/ ٦٨.","vol":"1","page":76},{"text":"من علمهم، ويتزود من معارفهم، منهم الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت وأبىّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود وغيرهم، فأدرك ما فاته فى صغره منهم، ولحقت به دعوة رسول الله ﷺ له: «اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل» «اللهم آته الحكمة» (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-72> تقريظ عمر له ﵄:</span>\n١ - «إنك لأصبح فتياننا وجها، وأحسنهم خلقا، وأفقههم فى دين الله».\n٢ - ذاكم فتى الكهول: «إن له لسانا سئولا، وقلبا عقولا».\n٣ - يا ابن عباس: «إنها قد طرأت علينا أقضية وعضل، فأنت لها ولأمثالها» (٢).\n* شهادة عبد الله بن مسعود:\n١ - «نعم ترجمان القرآن ابن عباس».\n* شهادة أقرانه: يقول فيه ابن عمر ﵄:\n١ - «ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد».\n* شهادة تلاميذه (٣):\n١ - روى الأعمش عن أبى وائل قال: «استخلف «علىّ» عبد الله بن عباس على الموسم فقرأ فى خطبته سورة البقرة- أو قال: سورة النور- ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم، والترك، والديلم لأسلموا.\n٢ - قيل لطاوس: «لزمت هذا الغلام- أى ابن عباس- وتركت أكابر الصحابة! فقال: «إنى رأيت سبعين رجلا من أصحاب النبى ﷺ إذا تدارءوا- أى\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ٤/ ٢٠٦.\n(٢) التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبى ١/ ٦٧.\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":77},{"text":"اختلفوا- فى أمر صاروا إلى قول ابن عباس».\n٣ - وقال عطاء: «ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس: أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واحد».\n٤ - وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب، وتأويل، وما رأيت أحدا كان أعلم بمن سبقه من حديث رسول الله ﷺ منه، ولا بقضاء أبى بكر، وعمر، وعثمان منه، ولا أفقه فى رأى منه، ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه.\nولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما التأويل، ويوما المغازى، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، ولا رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا قط سأله إلا وجد عنده علما».\nفلا غرابة بعد ذلك أن يكون علم ابن عباسرضي الله عنه- فى مقام رفيع بين أصحاب النبى ﷺ، وأن يلقبه محمد بن الحنفية ب «حبر الأمة»، بعد أن دفنه بيده فى الطائف قال «مات والله اليوم حبر هذه الأمة».\nولعل أصدق عبارة تشرح منزلة ابن عباسرضي الله عنه- فى وضوح لا لبس فيه ولا غموض تلك الجملة الفائقة العظيمة للإمام عليّ- كرم الله وجهه- يقرظ علم ابن عباس فى التفسير فيقول: «كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>منزلة ابن عباس فى التفسير</span>\nإنك لتستطيع أن تتبين منزلة ابن عباس فيما أثر عنه من روايات توضح مدى اجتهاده فى تقريب المعنى المراد من كلام الله تعالى بقلب مؤمن؛ وعقل واع رشيد، وذاكرة حافظة لشعر العرب ولغاتهم.\n* أخرج البخارى عن ابن عباس: قال: قال عمر يوما لأصحاب النبى ﷺ:\n«فيمن ترون هذه الآية نزلت أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ (١). قالوا: الله أعلم، فغضب عمر، فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال\n_________\n(١) البقرة: ٢٦٦.","vol":"1","page":78},{"text":"ابن عباس: فى نفسى منها شىء، فقال: يا ابن أخى، قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل، فقال عمر: أى عمل؟ قال ابن عباس: لرجل يعمل بطاعة الله، ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصى حتى أغرق أعماله.\n* وأخرج أبو نعيم فى «الحلية» (١): أن عمر بن الخطاب جلس فى رهط من المهاجرين من الصحابة، فذكروا ليلة القدر، فتكلم كل بما عنده، فقال عمر: مالك يا ابن عباس لا تتكلم! تكلم ولا تمنعك الحداثة، قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إن الله وتر يحب الوتر، فجعل أيام الدنيا تدور على السبع، وخلق الإنسان من سبع، وخلق فوقنا سماوات سبعا، وخلق تحتنا أرضين سبعا وأعطى المثانى سبعا، ونهى فى كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع. وقسم الميراث فى كتابه على سبع، ونقّع فى السجود من أجسامنا على سبع وطاف رسول الله ﷺ بالكعبة سبعا، وبين الصفا والمروة سبعا، ورمى الجمار بسبع، فأراها فى السبع الأواخر من شهر رمضان، فتعجب عمر، وقال: ما وافقنى فيها أحد إلا هذا الغلام الذى لم تستو شئون رأسه، ثم قال: يا هؤلاء من يؤدينى فى هذا كابن عباس» (٢).\n* يقول سعيد بن جبير: سألنى يهودى بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنى أراك رجلا متتبع العلم، فأخبرنى أى الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعنى ابن عباس- فسائله عن ذلك، فلما قدمت مكة، سألت ابن عباس عن ذلك، وأخبرته بقول اليهودى، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما: إن النبى إذا وعد لم يخلف. قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودى فأخبرته، فقال: «صدق والذى أنزل على موسى» (٣).\n* وعند ما يسأل عن عدد أهل الكهف فيقول: (ما يعلمهم إلا قليل) وأنا من القليل الذين يعلمون عددهم، فيقولون: وكيف، فيقول: إن الله تعالى ذكر ثلاثة أقوال لأهل الكتاب فى عددهم فوصف القولين الأولين بأنهما رجم بالغيب (أى\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ٤/ ٢٠٦.\n(٢) الإتقان للسيوطى ٤/ ٢٠٧.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":79},{"text":"كذب) وسكت عن الثالث وهو أنهم سبعة والثامن كلبهم، فدل على صحته لأنه لو كان باطلا لرده كما ردهما.\nإذا فلقد عرف كبار الصحابة منزلة ابن عباس وقيمته فى التفسير لآيات الكتاب الحكيم وفى الفتيا رغم حداثة سنه بالنسبة لهم.\nوهذا وحده يبين لك أن ابن عباس﵁- هو أساس علم تفسير القرآن الكريم بلا مراء،- ﵁- وعن أبيه ونفعنا الله بعلمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>أسباب نبوغ ابن عباس ﵁:</span>\nلعل من أهم الأسباب التى ساعدت على بروز العلم فى شخص ابن عباس ﵁ واحتلاله لمنزلة العالم الذى تتجه إليه الأنظار، وترشحه العقول للفتيا، وبيان آيات الله العزيز ترجع فى مجملها إلى مجموعة من العوامل أهمها:\nأولا: بركة دعاء النبى ﷺ (١). وتفصيلها بعد الإجمال الذى ذكرناه على النحو التالى:\n* اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل.\n* اللهم علمه الحكمة.\n* اللهم آته الحكمة.\n* اللهم بارك فيه وانشر منه.\n* أخرج أبو نعيم فى «الحلية» عن ابن عباس قال: انتهيت إلى النبى ﷺ وعنده جبريل، فقال جبريل: إنه كائن حبر هذه الأمة فاستوصى به خيرا (٢).\n* وأخرج عنه أيضا أن النبى ﷺ قال لى: نعم ترجمان القرآن أنت.\nثانيا: نشأته فى بيت النبوة منذ عهد التمييز ووعيه للشيء الكثير فى وقت مبكر من حياته عن حياة النبى ﷺ بين أهله، وشهوده كثيرا من أحوال الوحى وهو ينزل بالقرآن.\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ٤/ ٢٠٥.\n(٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":80},{"text":"ثالثا: حرصه الشديد على ملازمة كبار الصحابة للأخذ عنهم ما فاته خاصة الأنصار، يقول ابن عباس﵁-: «وجدت عامة حديث رسول الله ﷺ عند الأنصار فإنى كنت لآتى الرجل فأجده نائما، لو شئت أن يوقظ لى لأوقظ، فأجلس على بابه تسفى على وجهى الريح حتى يستيقظ متى ما استيقظ، وأسأله عما أريد ثم أنصرف» (١).\nرابعا: بلوغه مرتبة الاجتهاد، وعدم تحرجه منه، وشجاعته فى بيان ما يعتقد أنه الحق، وما ذلك إلا عن علم أوتيه.\nخامسا: عنايته الفائقة، واهتمامه البالغ بلغة القرآن، يبحث عنها فى ألسنة العرب ولهجاتهم خاصة فى دواوين الشعر القديم، ويرى أن الشعر هو ديوان العرب وأصل لغتهم، فلا يمنعه مانع من أن يسافر فى سبيل كلمة من كتاب الله تعالى غاب فهم معناها عنه. يقول: «ما كنت أعرف معنى «يحور» فى قوله تعالى:\nإِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (٢) حتى كنت فى البادية فسمعت أعرابية تقول لابنتها وقد تركت غنمهما، لماذا تركت الغنم؟ حورى. أى ارجعى».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>أدوات التفسير عند ابن عباس ومصادره</span>\nمن هذا العرض السريع تعرف قيمة ابن عباس ومنزلته فى التفسير كما يمكن استخلاص أهم مصادر التفسير عند ابن عباس وأدواته فى النقاط التالية:\n١ - رسول الله ﷺ هو المصدر الأول لدى ابن عباس بطبيعة الحال، بحكم التربية والملازمة له فى صغره.\n٢ - الصحابة- رضوان الله عليهم- خاصة كبارهم والسابقين منهم إلى الإسلام وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة، وأبىّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومتقدمو الأنصار.\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ٤/ ٢٠٥.\n(٢) الانشقاق: ١٤.","vol":"1","page":81},{"text":"٣ - الملكة العلمية لدى ابن عباس، والحاسة التفسيرية، التى أدت به إلى النظر والتأمل ثم الاجتهاد وخوض غماره غير هيّاب.\n٤ - تحصنه بلغة العرب وحفظه لشعرهم ودواوينهم ساعده كل المساعدة وملّكه أهم أداة من أدوات التفسير لكتاب الله العزيز.\nحتى أن نافع بن الأزرق قال لنجدة بن عويمررضي الله عنهما- قم بنا إلى هذا الذى يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به فقاما إليه فقال: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب، فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين، فقال ابن عباس: سلانى عما بدا لكما:\n١ - فقال نافع: أخبرنى عن قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (١).\nقال ابن عباس: العزون: الحلق الرقاق، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول عبيد بن الأبرص.\nفجاءوا يهرعون إليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا\n٢ - قال أخبرنى عن قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (٢) قال: الوسيلة:\nالحاجة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول عنترة:\nإن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلى وتخضبي\nوقد جمع السيوطى هذه الأسئلة فى حوالى مائة وتسعين سؤالا من طريق الطبرانى شيئا، ومن طريق أبى بكر بن الأنبارى وغيره شيئا آخر (٣).\n_________\n(١) المعارج: ٣٧.\n(٢) المائدة: ٣٥.\n(٣) الاتقان للسيوطى ٢/ ٥٦ - ٨٠.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>طرق الرواية عن ابن عباس ﵁:</span>\nيعتبر ما أثر عن ابن عباسرضي الله عنه- فى التفسير، كما هائلا ليس له مثيل عند مفسرى الصحابة، إذ لا نكاد نجد آية من كتاب الله تعالى ليس لابن عباس فيها تفسير، مما جعل علماء الأثر يقفون موقف الارتياب من هذه المرويات ويتتبعون طرقها بالنقد، وقد لخص الدكتور محمد حسين الذهبى أهم هذه المرويات فيما يأتى باختصار:\n١ - طريق: معاوية بن صالح، عن علىّ بن أبى طلحة، عن ابن عباس وهذه أجود الطرق عنها.\nقال الإمام أحمد- يرحمه الله تعالى: «إن بمصر صحيفة فى التفسير رواها علىّ بن أبى طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا» (١).\n٢ - طريق: قيس بن مسلم الكوفى، عن عطاء بن السائب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس.\nوهذه الطريقة صحيحة على شرط الشيخين، ويخرج منها الفريابى كثيرا والحاكم فى مستدركه.\n٣ - طريق: ابن إسحاق- صاحب السير- عن محمد بن أبى محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة- أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس.\nوهى طريقة جيدة وإسنادها حسن، خرج منها ابن جرير، وابن أبى حاتم والطبرانى فى المعجم الكبير.\n٤ - طريق: إسماعيل بن عبد الرحمن (السّدى الكبير) تارة عن أبى مالك،\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ٧٧ - ٨١ (٢).","vol":"1","page":83},{"text":"وتارة عن أبى صالح عن ابن عباس.\nوالسّدى: مختلف فيه، وفيه تشيع لم يخرج منه ابن أبى حاتم وخرج له ابن جرير.\n٥ - طريق عبد الملك بن جريج، عن ابن عباس.\nوهذه الطريقة فيها الصحيح والسقيم، وتحتاج إلى دراية وحنكة فى معرفة الجرح والتعديل لمن يأخذ منها (١).\n٦ - طريق: الضحاك بن مزاحم الهلالى، عن ابن عباس ﵁، وهى طريقة منقطعة لأن الضحاك روى عن ابن عباس ولم يلقه، وهى مرضية فى إجمالها، ومن أى طرقها.\n٧ - طريق: عطية العوفى، عن ابن عباس ﵁.\nوهى غير مرضية أيضا لضعف عطية، وإن خرج منها ابن جرير، وابن أبى حاتم كثيرا.\n٨ - طريق: مقاتل بن أبى سليمان الأزدى الخراسانى.\nوهو الذى قال فيه الشافعى: «الناس عيال على مقاتل فى التفسير».\nومع ذلك ضعفه علماء الفن، وكذبه غير واحد، واشتهر عنه التجسيم والتشبيه.\n٩ - طريق: محمد بن السائب الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباسرضي الله عنه- وهذه أوهى طرق الرواية عن ابن عباس ﵁.\nوإن كان تفسير ابن السائب أطول وأشيع التفاسير، ويروى عنه محمد ابن\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ٤/ ٢٠٧.","vol":"1","page":84},{"text":"مروان (السّدى الصغير)، فإذا انضم هذا إلى ابن السائب فإن هذه سلسلة الكذابين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المطاعن</span>\nلم يسلم ابن عباسرضي الله عنه- من نقد اجتهاده لا فى حياته، ولا بعد وفاته؛ أما فى حياته فقد كان عبد الله بن عمر يلوم جرأته فى التفسير، وأما بعد مماته فإن كثيرا من المحدثين سواء كانوا من الغربيين أو المستغربين، ما زلنا نجد لهم نقدا عليه.\nوهذا بطبيعة الحال قدر المجتهدين، ونصيب المجدين، وحظ النابهين أما نقد ابن عمر فقد كان نقدا شريفا عفيفا طابعه الورع وعدم التقول على الله والخوف على ابن عباس منه، فلما عرف ابن عمر أن ابن عباس لا يتجرأ على التفسير إلا عن علم صدع له بالحق.\nيروى أن رجلا جاء إلى ابن عمر وسأله عن قول الله ﵎: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما (١). فقال: «اذهب إلى ابن عباس، ثم تعال أخبرنى: فذهب، فسأله، قال ابن عباسرضي الله عنه:\n«كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات».\nفرجع الرجل إلى ابن عمر، فأخبره، فقال: «قد كنت أقول: ما يعجبنى جرأة ابن\n_________\n(١) الأنبياء: ٣٠.","vol":"1","page":85},{"text":"عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتى علما» (١).\nأما نقد غير ابن عمر، فلن نقف عنده طويلا، ونحيل الطالب إلى مظانه حتى لا يطول الكلام عن المنهج المحدد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>(٢) عبد الله بن مسعودرضي الله عنه</span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>التعريف به:</span>\n* هو: عبد الله بن مسعود بن غافل: أبو عبد الرحمن المضرى، الشهير ب «ابن أم عبد» نسبة إلى أمه: أم عبد بنت عبد ود الهذلية.\n* كانرضي الله عنه- قصيرا، نحيفا، خفيف اللحم، شديد الأدمة.\n* سادس من أسلم، وأول من جهر بالقرآن بمكة وأسمعه قريشا بعد رسول الله ﷺ.\n* كان فى خدمة رسول الله ﷺ فى أكثر شئونه: فهو صاحب طهوره وسواكه، ونعله، يلبسه إياه إذا قام، ويخلعه ويحمله فى يده إذا جلس، ويمشى أمامه إذا سار، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، ويلج عليه داره بغير حجاب، حتى ظن من رآه لأول مرة، أنه من أهل بيت رسول الله ﷺ.\n* هاجر الهجرتين، وصلى القبلتين، وشهد مع رسول الله ﷺ سائر المشاهد بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، كما شهد اليرموك بعد وفاة رسول الله ﷺ، وهو الذى أجهز على أبى جهل يوم بدر.\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(٢) راجع التفسير والمفسرون للذهبى، وراجع لغيره أيضا.","vol":"1","page":86},{"text":"* شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وشهد له بالفضل.\nأخرج أحمد فى مسنده عن علىّ- كرم الله وجهه- قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كنت مؤمرا أحدا دون مشورة المؤمنين لأمّرت ابن أم عبد».\n* ولى بيت مال الكوفة لعمر، وعثمان ﵄.\n* مات بالمدينة ودفن فى البقيع سنة (٣٢ هـ) وعمره بضع وستون سنة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>منزلته فى العلم:</span>\n* كان ابن مسعودرضي الله عنه- من أحفظ الصحابة لكتاب الله تعالى.\n* وكان رسول الله ﷺ يحب أن يسمع القرآن منه.\nيقول ابن مسعود: قال لى رسول الله ﷺ: «اقرأ علىّ سورة النساء» قال: قلت أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إنى أحب أن أسمعه من غيرى، فقرأت عليه، حتى بلغت:\nفَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٢). فاضت عيناه ﷺ.\n* كان ابن مسعود يعرف لنفسه حقها، ويعتز بعلمه حتى إنه كان يرى أنه أحق من زيد بن ثابت فى نسخ المصاحف فى عهد عثمان وأنه أولى بالقيام بهذا الشأن منه وله فى ذلك تلك الصيحة المجلجلة فى الناس: «يا معشر المسلمين .. أعزل عن نسخ المصاحف ويتولاه رجل والله لقد أسلمت وإنه لفى صلب رجل كافر»؟!\nيريد زيد بن ثابت.\n* قيل لحذيفة أخبرنا برجل قريب السمت، والدّلّ، والهدى من رسول الله ﷺ،\n_________\n(١) بتصرف عن: التفسير والمفسرون للدكتور/ محمد حسين الذهبى ١/ ٨٣ - ٨٨.\n(٢) النساء: ٤١.","vol":"1","page":87},{"text":"نأخذ عنه، فقال: «لا نعلم أحدا أقرب سمتا ولا هديا برسول الله ﷺ من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة» (١).\n* كتب أمير المؤمنين عمر كتابا إلى أهل الكوفة يقول لهم فيه: «إنى قد بعثت عمار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما، وأطيعوا واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسى».\n* وقال مسروق ﵁: «انتهى علم أصحاب رسول الله ﷺ إلى ستة:\nعمر، وعلىّ، وعبد الله بن مسعود، وأبىّ بن كعب، وأبى الدرداء، وزيد بن ثابت، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى رجلين: علىّ، وعبد الله» (٢).\n* لمّا دخل علىّ الكوفة حضر عنده ناس من أهلها، وذكروا بين يديه عبد الله بن مسعود وقالوا: «يا أمير المؤمنين ما رأينا رجلا أحسن خلقا، ولا أرفق تعليما، ولا أحسن مجالسة، ولا أشد ورعا من ابن مسعود»، قال علىّ: أنشدكم الله، أو الصدق من قلوبكم؟ قالوا: نعم. قال: اللهم أشهد أنى أقول مثل ما قالوا وأفضل» (٣).\n* أقام ابن مسعود فى الكوفة ما يشاء الله له أن يقيم يعلّم أهلها الحديث، والتفسير، والفقه، وأسس فى الكوفة علم أهل الرأى حيث كان لا يتردد فى أن يبدى رأيه فى الوقائع النازلة عند ما لا يجد نصابين يديه، ولقد نشأت مدرسة الرأى على يديه وامتدت حتى ذاع صيتها فى متصف القرن الثانى الهجرى على\n_________\n(١) أسد الغابة لابن الأثير ٣/ ٢٥٨.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":88},{"text":"يد أبى حنيفة وأصحابه ويعد عبد الله بن مسعود أساس هذا المذهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>منزلة ابن مسعود فى التفسير:</span>\n* تظهر منزلة ابن مسعود التفسيرية فى تقديمه لنفسه، وفى ثناء أصحاب رسول الله ﷺ على مكانته ومنزلته فى العلم، وفى تقديم هذه الشهادات سواء كانت على لسان ابن مسعود نفسه باعتباره كلاما حقيقيا بعيدا عن الفخر والخيلاء، أو كانت على لسان بعض أصحاب رسول الله ﷺ.\nأ- يقول ابن مسعودرضي الله عنه- عن نفسه لما بلغه تحريق عثمانرضي الله عنه- للمصاحف: «لقد علم أصحاب محمد أنى أعلمهم بكتاب الله- وما أنا بخيرهم- ولو أنى أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله منى تبلغه الإبل لأتيته».\nقال أبو وائل: «فقمت إلى الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت أحدا من أصحاب محمد ينكر ذلك عليه».\n* ويقول ابن مسعودرضي الله عنه: «أخذت من فىّ رسول الله ﷺ سبعين سورة». ويقول: «والذى لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته» (١).\nهذه شهادة ابن مسعود على نفسه وهى شهادة ما قصد بها التباهى والتعالى، وإنما قصد بها البيان، والإيضاح أن ما عنده من علم رسول الله ﷺ أحق\nوأسرع أن يحمل عنه، حتى لا يضيع بذهابه.\nب- أما شهادة أصحاب رسول الله ﷺ، وتلاميذه فمنها:\n_________\n(١) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ٤/ ٢٠٤.","vol":"1","page":89},{"text":"* روى أبو نعيم فى «حلية العلماء» عن أبى البحترى قال: قالوا لعلىّ أخبرنا عن ابن مسعود، قال: «علم القرآن والسنّة ثمّ انتهى، وكفى بذلك علما» (١).\n* وقال عقبة بن عامررضي الله عنه: «ما أدرى أحدا أعلم منه بما نزل على محمد بن عبد الله، فقال أبو موسى: إن تقل ذلك، فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل».\n* وقال تلميذه مسروق: «كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النّهار».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>مرويات ابن مسعود ومبلغها من الصحة </span>(٢):\nإن الحكم على مرويات ابن مسعود بالصحة والسلامة، أو بالضعف والسقم ليس بالنظر إلى ابن مسعود نفسه، وإنما بالنظر إلى من روى عنه بطبيعة الحال.\nولقد حصر الدكتور/ محمد حسين الذهبى مرويات ابن مسعود فى خمسة طرق سلم منها أربعة طرق كاملة، فكان حظه فى تلاميذه، ونقلة علمه أكثر من ابن عباسرضي الله عنه- وقد سبق أن عرفنا أن مرويات ابن عباس لا يكاد يسلم منها أكثر من طريقين، والضعف فى أكثر مرويات ابن عباس فى التفسير كانت فى نقلة علمه كما عرفت.\nونقدم بين يديك طرق الرواية عن ابن مسعود فيما يأتى:\n١ - طريق الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود.\n_________\n(١) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ٤/ ٢٠٥.\n(٢) عن التفسير والمفسرون للدكتور الذهبى ١/ ٨٧ بتصرف.","vol":"1","page":90},{"text":"٢ - طريق مجاهد، عن أبى معمر، عن ابن مسعود.\n٣ - طريق الأعمش، عن أبى وائل، عن ابن مسعود.\n٤ - طريق السّدّى الكبير، عن مرة الهمدانى، عن ابن مسعود.\n٥ - طريق أبى روق عن الضحاك، عن ابن مسعود.\nأما الطرق الثلاثة الأولى فقد اعتمدها البخارى فى صحيحه.\nوأما طريق السّدّى الكبير (إسماعيل بن عبد الرحمن) فحديثه عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة، وقد جمع من الأئمة فيهم: شعبة، الثورى (١).\nوأما الطريق الخامس: عن الضحاك، عن ابن مسعود، فقد حكم عليه العلماء بالانقطاع لأن الضحاك لم يلق ابن مسعود يرحمهما الله تعالى.\nوهكذا بعد أن قدمنا بين يديك ثانى أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ممن علموا الكتاب والحكمة، وعكفوا على تفسير آيات الله، وكانوا أقرب إلى تأدية مراد الله تعالى ممن جاء بعدهم، فنهلت الأجيال من فيض معينهم، وغزير ما أعطوا من فقه الوحى فبنوا هذا العلم- علم التفسير- وأقاموه على أعمدة صحيحة راسخة، أشهر بناتها ابن مسعود فحق لنا أن نحفر اسمه فى ذاكرتنا وذاكرة التاريخ لعلم التفسير، وأن نقول بحق ما قاله المغبطون لعلمه وقربه من المعصوم- صلوات الله وسلامه عليه: «كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل».\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ٨٨ بتصرف.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>(٣) علىّ بن أبى طالب «كرّم الله وجهه»</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>مكانته فى العلم بصفة عامة:</span>\nلا يستطيع أحد أن ينكر على آخر الراشدين علىّ بن أبى طالب، ابن عمّ رسول الله ﷺ، وصهره، وأول من أسلم من الأحداث، وشهد المشاهد كلها، ومن آخاه رسول الله ﷺ فى الدنيا والآخرة. لا أحد ينكر سعة علمه، وقوة حجته، وسلامة استنباطه، ونضج عقله، ورجاحة قضائه. فكما كان ابن عباسرضي الله عنه- مرجع الصحابة فى التفسير، كان علىّ- كرم الله وجهه- مرجعهم فى القضايا المعضلة.\nوكما كان تفسير ابن عباس بركة دعوة رسول رب العالمين، كان «قضاء علىّ» وهدى قلبه فيه دعوة رسول رب العالمين كذلك. قال النبى ﷺ فيه: «اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه». «أنت أخى فى الدنيا والآخرة». «لأعطيّن الراية رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. ثم أعطاها عليا». ولّاه رسول الله ﷺ قضاء اليمن، فأوفى وأجاد، ورجع إليه الصحابة فى معضلات أمور القضاء حتى صار يضرب به المثل فيقال: «قضية ولا أبا حسن لها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>مكانته فى التفسير بصفة خاصة:</span>\nقدمنا أن مفسرى الصحابة كانوا لا يزيدون على ستة عشر صحابيا من بينهم أم المؤمنين عائشةرضي الله عنها- وأن المشهورين منهم عشرة، والمكثرون من العشرة أربعة.\n_________\n(١) أسد الغابة لابن الأثير ٤/ ٢٨ بتصرف.","vol":"1","page":92},{"text":"فاعلم أن عليا- كرم الله وجهه- ثالث الأربعة فى ترتيب المكثرين. وقد جمع- كرم الله وجهه- إلى جانب مهارتى القضاء والفتيا العلم بالقرآن بشهادته عن نفسه، وشهادة علماء الصحابة- خاصة المفسرين منهم- عنه. أما شهادته عن نفسه فيقول: «سلونى، فو الله لا تسألوننى عن شىء إلا أخبرتكم، وسلونى عن كتاب الله فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم فى سهل أم فى جبل».\nوأخرج أبو نعيم فى «الحلية» عنه: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وإن ربي وهب لى قلبا عقولا، ولسانا سئولا» (١).\nوأما شهادة علماء الصحابة له: قال فيه عبد الله بن مسعود ﵁: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، وإن علىّ بن أبى طالب عنده منه الظاهر والباطن» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>مرويات علىّ- كرم الله وجهه- ومدى صحتها:</span>\nلو أننا نظرنا بمنظار غير منظار التثبت من العلم لوضعنا «عليا» - كرم الله وجهه- قبل ابن عباس فى كثرة ما روى عنهما من تفسير. فقد بلغ ما روى عن علىّ- كرم الله وجهه- حدا من الكثرة لا تليق بوضعه فى المرتبة الثالثة بين المكثرين، ولكن النظرة الموضوعية العلمية التى جعلت الباحثين يضعون الإمام عليا فى المرتبة الثالثة هى النظر فقط إلى ما صحّ من الروايات عنه، وإلا فإن المغالين الذين أسرفوا فى حبّهم له، هم السبب فى اختلاق أكثر الروايات التى نسبت إليه فى التفسير مما جعل القيمة العلمية لهذه الروايات لا ترتقى إلى مرتبة الوثوق بها.\nولذلك يقول الدكتور محمد حسين الذهبى: «لم يعتمد أصحاب الصحيح فيما\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ٨٩ - ٩١.\n(٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":93},{"text":"يروونه عنه إلا على ما كان من طرق الإثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلمانى، وشريح وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>وأهم هذه الطرق هى:</span>\n١ - طريق: هشام، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلمانى، عن علىّ- كرم الله وجهه- طريق صحيح يخرج منه البخارى وغيره.\n٢ - طريق: ابن أبى الحسين، عن أبى الطفيل، عن علىّ- كرم الله وجهه- وهذا الطريق غالب ما عند سفيان بن عيينة فى تفسيره، وهو صحيح أيضا.\n٣ - طريق الزهرى، عن على زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن جده علىّ.\nوهذه أصح الطرق، بل عدّها البعض أصح الأسانيد مطلقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>(٤) أبىّ بن كعبرضي الله عنه</span>-\nتعريفه: هو أبىّ بن كعب بن قيس الأنصارى، الخزرجى. كناه النبى ﷺ ب «أبى المنذر» وكناه عمررضي الله عنه- ب «أبى الطفيل» أحد السابقين من بنى النجار إلى الإسلام، المسارعين لقبوله: قبله الله ورضى عنه، وتقبل منه. شهد بدرا، والعقبة. أول من كتب لرسول الله ﷺ مقدمة المدينة. مات فى خلافة عمررضي الله عنه- وعنه. قال فيه عمر: «أبىّ سيّد المسلمين».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>مكانته فى العلم بصفة عامة:</span>\nكانرضي الله عنه- أحد كتّاب الوحى، وأحد الحفاظ لكتاب الله العزيز،","vol":"1","page":94},{"text":"وأحد المشهورين من القرّاء فى الإسلام. سماه الله لنبيّه وطلب من نبيّه ﷺ أن يقرأ عليه القرآن.\nفقد أخرج الترمذى عن أنس بن مالكرضي الله عنه- قال: «إن النبى ﷺ قال لأبيّ بن كعب: «إن الله أمرنى أن أقرأ عليك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا. قال أبىّ: آلله سمانى لك؟ قال: نعم، فجعل أبىّ يبكى. فقيل له: وفرحت بذلك؟ قال: وما يمنعنى وهو القائل قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١).\nونقل ابن الأثير من رواية الشعبى عن مسروق قال: «كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله ﷺ ستة: عمر، علىّ، عبد الله، أبىّ، زيد، وأبو موسى».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>مكانة أبىّرضي الله عنه- فى التفسير خاصة:</span>\nسبق أن علمت فى ما قدمناه أن أبىّ بن كعب أنه رابع الأربعة المكثرين من صحابة رسول الله ﷺ، ولا غرابة فى ذلك، فهو كاتب الوحى بيده، وأكثر الصحابة علما بجودة قراءته، ومن الحفظة المعدودين. وهذه الأدوات الهامة جعلته أهلا للعلم بالتفسير وروايته. وأخذ التفسير على يديه جمهرة من الصحابة من أمثال ابن عباس، وابن عمررضي الله عنهما- كما أنه يعتبر مرجعا هاما للصحابة .. لذلك فإن ما يصل إلى يديك من تفسير أبىّ إذا صحت الرواية عنه له قيمة علمية على جانب عظيم من الأهمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>أشهر طرق الرواية عنه:</span>\n١ - طريق: أبى جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس، عن أبى العالية، عن أبىّ-\n_________\n(١) التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبى ١/ ٩١ بتصرف.","vol":"1","page":95},{"text":"﵁. وهذا طريق صحيح، أخرج ابن جرير، وابن أبى حاتم، والحاكم، والإمام أحمد عنه الكثير (١).\n٢ - طريق: وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبىّ بن كعب عن أبيه. وهذا الطريق على شرط الحسن، يخرج منه الإمام أحمد فى مسنده. وإن كان فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، صدوق تكلم فيه البعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>مطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن الصحابة ﵃</span>\nلا شك أن الصحابة العشرة الذين اشتهروا بتفسير القرآن الكريم هم الذين أرسوا قواعد علم التفسير، وأقاموا دعائمه باعتبار أنهم المصدر الأول الذى شاهد الوحى، وعاصر التنزيل، هم بهذا أصل هذا العلم وحملته، وكلامهم فيه مرده إلى المعصوم ﷺ.\nوعلى هذا الأساس فقد اهتم العلماء اهتماما كبيرا «بمأثورات» الصحابة المفسرين خاصة المكثرين منهم فى الرواية عن النبى ﷺ، أو باجتهادهم باعتبار أن من عنى منهم بتفسير القرآن الكريم هم من اهتموا بجمعه، وحفظه، ومعرفة أسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، وحلاله وحرامه وأوجه قراءاته ممن تناولناهم بالدراسة السابقة وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلى بن أبى طالب، وأبىّ بن كعبرضي الله عنهم جميعا.\nونظرا إلى أن تفسير هؤلاء الأئمة الكبار منه ما يعود إلى أسباب النزول ومنه ما يعود إلى اجتهاد مفسرى الصحابة لذلك نرى أن العلماء انقسمت نظرتهم إلى قيمة التفسير المنقول عن الصحابة على ما يأتى:\n١ - يرى الحاكم النيسابورى أن تفسير الصحابى الذى شاهد الوحى، وعاصر التنزيل له حكم الحديث المرفوع إلى النبى ﷺ، وهو بهذا ينقل عن البخارى ومسلم ما ذكراه.\n_________\n(١) أسد الغابة لابن الأثير ١/ ٥٠.","vol":"1","page":96},{"text":"يقول الحاكم: «ليعلم طالب الحديث أن تفسير الصحابى الذى شاهد الوحى والتنزيل- عند الشيخين- حديث مسند» (١).\nأما اعتبار الحاكم بأن تفسير الصحابى له حكم الحديث المرفوع فهو اعتبار «مطلق وعام». إذ لا يخلو تفسير الصحابى من الاجتهاد برأيه- وإن قل- فى زمانهم، لكنه كان موجودا وبارزا خاصة فى ما نقله الرواة من تفسير ابن عباس وابن مسعود ﵄.\nولهذا نرى ابن الصلاح صاحب المقدمة المشهورة فى علم الحديث يقيد هذا العموم والإطلاق بما إذا كان المأثور عن الصحابة متعلقا بسبب نزول، أو برواية يسندها الصحابى إلى المعصوم ﷺ.\nيقول ابن الصلاح: «ما قيل من أن تفسير الصحابى حديث مسند، فإنما ذلك فى تفسير يتعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابى، أو نحو ذلك لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبى،، ولا مدخل للرأى فيه كقول جابررضي الله عنه: كانت اليهود تقول:\nمن أتى امرأته من دبرها فى قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله﷿- نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (٢) فأما سائر تفاسير الصحابة التى لا تشتمل على إضافة شىء إلى الرسول ﷺ فمعدودة فى الموقوفات (٣) ومن هنا نرى أن تفسير الصحابى نوعان:\n١ - نوع موقوف على الصحابى، وهو ما يتعلق باجتهاده فى تفسير النص القرآنى.\n٢ - ونوع مرفوع إلى النبى ﷺ يسنده الصحابى، أو له حكم المرفوع كذكر سبب النزول.\n_________\n(١) تدريب الراوى للسيوطى ص ٦٤.\n(٢) البقرة: ٢٢٣.\n(٣) تدريب الراوى ص ٦٤.","vol":"1","page":97},{"text":"أما النوع الأول: فقد اختلف العلماء فى حكم الأخذ به، والرجوع إليه وعدم العدول عنه إلى غيره إلى رأيين:\nأ- ذهب فريق إلى أن الموقوف على الصحابى لا يجب الأخذ به، ويمكن العدول عنه إلى رأى مجتهد آخر، لأن الصحابى فى قوله الخاص غير المسند إلى رسول الله ﷺ مجتهد كسائر المجتهدين فلنا أن نأخذ به، أو بقول مجتهد آخر غيره، لأن كليهما يخطئ ويصيب.\nب- وذهب آخرون إلى أن «موقوف الصحابى» لا يعدل عنه إلى غيره، ويجب الأخذ به لظن سماعهم له من رسول الله ﷺ، ولأنهم حتى وإن فسروا القرآن بآرائهم واجتهاداتهم الشخصية فآراؤهم أقرب إلى الصواب ممن بعدهم، فهم أدرى الناس وأعلم بكتاب الله- تعالى- باعتبارات كثيرة منها أنهم: أهل اللسان، وصحبتهم لرسول الله ﷺ وتخلقهم بأخلاقه، ولما لهم من العلم الصحيح والفهم الدقيق لا سيما علماؤهم وقراؤهم، ومنها أنهم شاهدوا نزول القرآن ووعوا أسبابه فيم نزل، وفى أى شىء، ومتى.\nحتى قال السيوطى فى الإتقان: «اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد.\nوالأول: إما أن يرد عن النبىّ ﷺ، أو الصحابة، أو رءوس التابعين. فالأول:\nيبحث فيه عن صحة السند، والثانى: ينظر فى تفسير الصحابى، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك فى اعتماده، أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه» (١).\nولقد وضّح العلامة ابن كثير فى مقدمة «تفسير القرآن العظيم» هذا المعنى\n_________\n(١) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ٢/ ١٨٣.","vol":"1","page":98},{"text":"بجلاء ووضح وبين أهمية تفسير الصحابى، وقيمته العلمية فقال وهو يعدد أوليات هذه الأهمية:\nمن حيث ترتيب مصادر هذه الأقوال: «إذا لم نجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة رجعنا فى ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التى اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم».\nوأما النوع الثانى: فمجمع على وجوب الأخذ به وعدم العدول عنه إلى اجتهاد من بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>مطلب فى: خصائص تفسير الصحابة، ومميزاته</span>\n١ - لم يكن التفسير فى هذا العهد تفسيرا مكتوبا، ولا مدونا، وإنما كان شأنه شأن علم الحديث. والسبب فى ذلك أن الأمة كلها فى هذه الفترة اعتمدت على نقل علمها رواية ومشافهة، لا تدوينا ولا كتابة لوجود النهى الصارم عن تدوين غير القرآن خوف إلباسه بما ليس منه لقوله ﷺ: «لا تكتبوا عنى شيئا ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه» اللهم إلا ما كان ينقله البعض من الحفاظ والمفسرين على هوامش مصاحفهم من أوجه القرآن ولغاته فظنها المتأخرون عنهم أنها من تفاسيرهم.\n٢ - لم يأخذ التفسير شكلا منتظما يتماشى مع ترتيب السور، أو حتى ترتيب آيات السورة الواحدة.\n٣ - لم يستقص أى مفسر من كبار مفسرى الصحابة ومكثريهم جميع آيات القرآن الكريم، وإنما فسروا فقط ما غمض فهمه على الناس، أو ما عرفوا له أسبابا","vol":"1","page":99},{"text":"للنزول، أو ما كان جوابا نزل به الوحى لسؤال سائل.\n٤ - اتفاق جيلهم على الفهم العام لمعظم آيات القرآن باعتبار معايشتهم لنزوله، وعدم اختلاف مفسريهم إلا فى النادر القليل.\n٥ - قلة الاستنباط الفقهى لقلة الحوادث والواقعات والمستجدات.\n٦ - الاقتصار على التفسير لغريب الألفاظ التى كانت تغيب على معرفة البعض منهم لكونه على لغات قبيلة دون أخرى مثلا.\nتلكم هى المرحلة الأساسية فى بيان مراد كلام الله- تعالى- وهى مرحلة كريمة لها طابع نورانى لم تشبها شوائب عقلية، ولا إحن مذهبية .. لك أن تسميها باسم المرحلة الأولى فى التفسير، ولك أن تسميها باسم الصحابة رضوان الله عليهم ...\nالمهم عندنا أن مصدرها نبع صاف .. وموردها صاحب كريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>مبحث فى: التفسير فى عصر التابعين ومدارسه</span>\nتمهيد: بدأت الفتوحات الإسلامية فى أواخر عهد النبى ﷺ، ثم بدأت تتسع شرقا، وشمالا، وغربا، حتى أتت على مملكة كسرى، والروم، ومصر، وما لبث الجهاد أن حمل الصحابة- رضوان الله عليهم- إلى كل هذه البلدان واستقر العديد منهم فيها، والتف الناس حولهم متشوقين إلى هؤلاء النفر الكرام البررة الذين رأوا النبىّ ﷺ، وعاصروا الوحى، ونالوا شرف القتال فى الغزوات الكبرى.\nومع ذلك فقد تفرغ منهم للعلم فى موطن الوحى عبد الله بن عباس فى مكة، وأبىّ بن كعب فى المدينة فلم يشأ كل منهما أن يغادر موطنه الذى ولد فيه فنشأت على أكتافهما مدارس التفسير فى الحرمين الشريفين. بينما استقر علىّ ومن قبله ابن مسعود فى العراق فقامت بهما مدارس التفسير فيه.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>مطلب تمهيدى فى: مدارس التفسير فى عصر التابعين</span>\nوبذلك شاءت إرادة الله﷾- إلا أن تقوم على عاتق المشاهير الأربعة أهم مدارس التفسير، وأن يكون حظ التابعين من علمهم الحظ الموفور، وأن تمتد بهم فى أشخاص تلاميذهم السمة الأساسية لتفسير كتاب الله العزيز.\nومما تجدر الإشارة إليه أن كلمة «مدرسة هنا» لا تعنى بناء خاصا لتلقى علم التفسير كما هو الحال فى زماننا، ولكنه تعبير تجاوزى عن بداية الاستقرار لتلقى العلم فى مكان ما .. ليكن المسجد، وليكن السؤال فى الطريق العام من التلميذ للأستاذ أيا ما كان فقد أصبح لابن عباس تلاميذه من التابعين فى مكة.\nوكذلك لأبيّ تلاميذه من التابعين فى المدينة، ولعلىّ وابن مسعود تلاميذهما فى العراق.\nولنلق ضوءا بسيطا على كل مدرسة وأشهر تلاميذها باختصار شديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>١. المدرسة المكية فى التفسير وأشهر تلاميذها:</span>\nشيخها: عبد الله بن عباسرضي الله عنه- وقد سبق لك أن عرفت قيمته ومنزلته العلمية، وأدواته ومصادره فى التفسير.\nتلاميذها: وقد أخذ عن ابن عباس علمه فى مكة ثلّة من التابعين أشهرهم:\n١ - سعيد بن جبير بن هشام الأسدي: أبو محمد، حبشى الأصل، أسود اللون، أبيض الخصال، أخذ عن ابن عباسرضي الله عنهما- القراءة والتفسير، وهو ثقة حجة.\n٢ - مجاهد بن جبير: أبو الحجاج المخزومى، أوثق تلاميذ ابن عباسرضي الله عنهما- من القراء المشهورين، توفى بمكة سنة ١٠٤ هـ وهو ساجد.","vol":"1","page":101},{"text":"٣ - عكرمة (مولى ابن عباس) أبو عبد الله البربرى المدنى، أصله من البرير بالمغرب. كان جريئا على العلم، ولذلك توقف بعض العلماء عن توثيقه، ومع ذلك فعكرمة- يرحمه الله- لم يثبت عليه شىء يلام عليه، وقد فند مطاعن الطاعنين عليه الشيخ محمد حسين الذهبى فلتراجعه هناك (١). وتوفى﵀- سنة ١٠٤ هـ.\n٤ - طاوس بن كيسان اليمانى الحميرى. أبو عبد الرحمن. كان على جانب عظيم من الورع والتقوى حتى صار شيخ اليمن، جالس أكثر من خمسين صحابيا، وكان خبيرا متقنا لمعانى كتاب الله تعالى، توفى سنة ١٠٦ هـ بمكة المكرمة أثناء حجه إليها من اليمن.\n٥ - عطاء بن أبى رباح المكىّ القرشى: أبو محمد، توفى سنة ١١٤ هـ. كان من سادات التابعين فقها وعلما، وورعا، وفضلا زيّنه الله بالعلم ونوّره بالورع، وأفاض عليه من نوره مع أنه كان- يرحمه الله- أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمى بعد ذلك، فأنّا يدانيه منّا أحد؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٢. المدرسة المدنية فى التفسير، وأشهر تلاميذها:</span>\nشيخها: أبىّ بن كعب بن قيس الأنصارى من السابقين للإسلام من بنى النجار، ومن السابقين فى خدمة رسول الله ﷺ وخدمة القرآن، كتابة، وحفظا، وعلما بقراءاته.\nتلاميذها: حمل علم أبىّرضي الله عنه- فى المدينة أناس كثيرون من التابعين كان من أشهرهم:\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ١١٠.","vol":"1","page":102},{"text":"١ - أبو العالية: رفيع بن مهران الرياحى. أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبى ﷺ بسنتين وهو من ثقات التابعين المشهورين فى التفسير، ونسخة كبيرة من تفسير أبىّ بن كعبرضي الله عنه- يرويها أبو العالية، وأخرج منها الأئمة فى تفاسيرهم، مات- يرحمه الله تعالى- سنة ٩٠ هـ.\n٢ - محمد بن كعب بن سليم القرظى، المدنى: أبو حمزة من حلفاء الأوس.\nروايته عن أبىّ بن كعب بالواسطة، لكنه اشتهر بالثقة، والعدالة، والورع وكان من أفاضل أهل المدينة علما بالقرآن، توفى سنة ١١٨ هـ.\n٢ - زيد بن أسلم العدوى المدنى: أبو أسامة. اشتهر عنه التفسير بالرأى دون تحرج، ولكنه كان ثقة، لم ينسبه أحد إلى مذهب من المذاهب المبتدعة، وكان من أشهر من تلقى علم زيد بن أسلم: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وابنه عبد الرحمن بن زيد، توفى- يرحمه الله تعالى- سنة ١٣٦ هـ تقريبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٣. المدرسة العراقية وأشهر تلاميذها:</span>\nشيخها: عبد الله بن مسعودرضي الله عنه. والواقع: أن عليا- كرم الله وجهه- وكذلك كثير من الصحابة يعدون من شيوخ هذه المدرسة حيث تلقى أهل العراق العلم عنهم جميعا. غير أن أحدا منهم لا ينازع عبد الله بن مسعود فى مشيخة هذه المدرسة لاعتبارات أهمها:\n١ - شهرة ابن مسعود فى القراءات والتفسير.\n٢ - تعيينه رسميا من قبل الخليفة الثانى عمررضي الله عنه- ليكون معلم أهل الكوفة ووزير أميرها عمار بن ياسر مما جعل الكوفيين يجلسون إليه ويأخذون عنه أكثر من غيره من الصحابة- رضوان الله عليهم. حتى أن العلماء يقولون بأن ابن مسعود هو الذى أسس «الرأى» فى مسائل الخلاف وهو الذى وضع الأساس لهذه","vol":"1","page":103},{"text":"الطريقة فى الاستدلال، والتى اشتهر بها أهل العراق فيما بعد. ومن المرجح أن تؤثر هذه الطريقة فى ظهور تفسير القرآن الكريم بالاجتهاد والرأى خاصة فى استنباط المسائل الشرعية للواقعات المستجدة فى عصورهم كنتيجة طبيعية من نتائج إعمال الرأى فى فهم النصوص الشرعية من القرآن والسنة.\nتلاميذها: تتلمذ على ابن مسعودرضي الله عنه- عدد كبير من التابعين- من أهل العراق فحملوا عنه علما كثيرا، كان من أشهرهم:\n١ - علقمة بن قيس بن عبد الله النخعى الكوفى. أشهر من روى عن ابن مسعود، وأعلمهم بعلمه على الإطلاق، كان ثقة، مأمونا، حتى قال فيه مرة الهمدانى: «كان علقمة من الربانيين». مات وعمره تسعون سنة فى «٦١ هـ».\n٢ - مسروق بن الأجدع بن مالك الهمدانى الكوفى: أبو عائشة. قيل: سمّى مسروق، لأنه سرق فى صغره ثم وجد. كان من أعلم تلاميذ ابن مسعود، وكان شريح القاضى يستشيره فى معضلات المسائل، امتاز بورعه، وعلمه، وعدالته، وكانت وفاته سنة «٦٣ هـ».\n٣ - الأسود بن يزيد بن قيس النخعى: أبو عبد الرحمن، المتوفى سنة «٧٤ هـ» بالكوفة. كان من كبار التابعين، وثقاتهم، على جانب عظيم من فهم كتاب الله وكان من صوّام الدهر معدود فى أصحاب ابن مسعود بالافتاء.\n٤ - مرّة بن شراحيل الهمدانى، الكوفى العابد، الملقب ب «مرة الخير». و«مرة الطيب» لكثرة صلاحه، وشدة روعه. سجد «مرة» حتى أكل التراب وجهه، وكان يصلى كل يوم ستمائة ركعة. توفى سنة «٧٦ هـ» (١).\n_________\n(١) تهذيب التهذيب ١٠/ ٨٨ - ٨٩.","vol":"1","page":104},{"text":"٥ - عامر الشعبى: عامر بن شراحيل الشعبى، الحميرى، الكوفى، التابعى الجليل، قاضى الكوفة، سمع من ثمانية وأربعين صحابيا. يقول عنه ابن سيرين:\n«قدمت الكوفة وللشعبى حلقة، وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذ كثير». كان فقيها، شاعرا، ثقة، وكان يقال عنه: «ابن عباس فى زمانه».\n٦ - الحسن البصرى: الحسن بن أبى الحسن يسار البصرى، مولى الأنصار كان غزير العلم بكتاب الله، جامعا، عالما، فقيها، ثقة، مأمونا، قال فيه أبو جعفر الباقر:\n«ذلك الذى يشبه كلامه كلام الأنبياء (١).\n٧ - قتادة بن دعامة السدوسى: أبو الخطاب الأكمه، عربى الأصل، سكن البر.\nكان واسع الاطلاع فى الشعر العربى، بصيرا بأيام العرب، عليما بأنسابهم وكان ثقة، مأمونا، وكان من علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حفاظ زمانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>مطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن التابعين</span>\nاختلف علماء الأمة فى قبول «رأى» التابعى فى التفسير، ومدى الالتزام به، إذا كان هذا قولا مستقلا له موقوفا عليه غير مسند إلى صحابى، أو غير مرفوع إلى النبىّ ﷺ. وهم فى ذلك على رأيين:\nالأول: أن قول التابعى ورأيه الشخصى فى التفسير، هو كقول آحاد الناس غير ملزم بقبوله وللأمة أن تأخذ به أو تأخذ برأى مجتهد سواه فى عصره أو بعد عصره وذلك للأسباب الآتية:\n١ - أن التابعى (فى رأيه الشخصى) ليس له سماع من النبىّ ﷺ، ولا من الصحابى حتى تلتزم الأمة رأيه.\n_________\n(١) تهذيب التهذيب ١٠/ ٨٨ - ٨٩.","vol":"1","page":105},{"text":"٢ - أن التابعى (فى رأيه الشخصى) شأنه شأن غيره من جيله ومن بعده لم يرث القرائن التى نزل عليها الوحى، فيجوز عليه الخطأ- كما يجوز على غيره- فى فهم المراد، وظن ما ليس بدليل دليلا.\n٣ - أن التابعى لم تنصّ على عدالته، كما نص عليها بالنسبة للصحابة.\n٤ - أن جميع مجتهدى الأمة (من التابعين وأتباعهم) نصّوا على ذلك، ولكل من الأئمة الأربعة مقالة مشهورة عنه تصلح كدليل لهذا الرأى.\nأ- يقول أبو حنيفة- يرحمه الله تعالى: «ما جاء عن النبىّ ﷺ فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة تخيرنا. وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال».\nب- ويقول مالك- يرحمه الله تعالى: «كل منا يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر» مشيرا إلى قبر النبى ﷺ.\nج- ويقول الشافعى- يرحمه الله تعالى: «إذا رأيت قولى يخالف قول رسول الله ﷺ فاضرب بقولى عرض الحائط».\nد- ويقول أحمد بن حنبل- يرحمه الله تعالى: «إذا صح الحديث فهو مذهبى» فقد قال هؤلاء الأئمة كلمة الفصل فى هذه المسألة وهى أن قول التابعى «الخاص» غير واجب الأخذ به فى ما يفسره من آيات الله تعالى، وشأنه فى ذلك شأن غيره من المفسرين.\nالثانى: أن قول التابعى «الشخصى». غير المسند إلى صحابى، وغير المرفوع إلى النبى ﷺ قول يؤخذ بالقبول، ويعتد به. وحجتهم فى ذلك: أن التابعين تلقوا غالب","vol":"1","page":106},{"text":"تفسيراتهم عن الصحابة (١) فمجاهد مثلا يقول: «عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها».\nوقتادة يقول: «ما فى القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا» (٢). وهذا رأى أكثر المفسرين.\nتحقيق المسألة: لابن تيمية- يرحمه الله تعالى- كلمة جيدة فى هذه المسألة ننقلها عنه فى كتابه «مقدمة فى أصول التفسير» فيما يلى: «قال شعبة بن الحجاج وغيره:\nأقوال التابعين ليست حجة، فكيف تكون حجة فى التفسير؟، يعنى أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم- وهذا صحيح- أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب فى كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع فى ذلك إلى لغة القرآن، أو السنّة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة فى ذلك (٣).\nوهذا أيضا ما استقر عليه بعض الباحثين المعاصرين كالدكتور/ محمد حسين الذهبى فى كتابه «التفسير والمفسرون» حيث يقول: «والذى تميل إليه النفس هو أن قول التابعى فى التفسير لا يجب الأخذ به إلا إذا كان مما لا مجال للرأى فيه فإنه يؤخذ به حينئذ عند عدم الريبة، فإن ارتبنا فيه، بأن كان يأخذ من أهل الكتاب، فلنا أن نترك قوله ولا نعتمد عليه. أما إذا أجمع التابعون على رأى فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه إلى غيره (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>مطلب فى: خصائص ومميزات التفسير فى عصر التابعين</span>\nيعتبر عصر التابعين- بالنسبة لعلم التفسير- مرحلة تالية لعصر الصحابة- رضوان الله عليهم- وامتدادا لخصائصه خاصة فى ناحيتين اثنتين:\nالأولى: أن خاصية التلقى والرواية، وعدم التدوين التى كانت الطابع المميز\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ١٢٩.\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) مقدمة فى أصول التفسير لابن تيمية ص ٢٨.\n(٤) التفسير والمفسرون ١/ ١٣٠.","vol":"1","page":107},{"text":"للتفسير فى عصر الصحابة ظلت كما هى فى عصر التابعين، بفارق بسيط وهو أن التلقى والرواية لم تكن مجموعة فى إقليم واحد كما كان الشأن فى المدينة المنورة فى التفاف الصحابة حول رسول الله ﷺ، وإنما أصبح لكل إقليم تلاميذ يلتفون حول صحابى أو أصحاب نزحوا إلى هذا الإقليم والتف أهل الإقليم للأخذ عنه أو عنهم.\nالثانية: النقل عن بعض الروايات الإسرائيلية فى التفسير، انتقلت هذه الخاصية أيضا من جيل الصحابة إلى جيل التابعين، ولكن أيضا بفارق أكبر. ذلك أن النقل عن أهل الكتاب فى عصر الصحابة كان محصورا للغاية، خاصة عند أبىّ بن كعب، وابن عباس، وابن مسعودرضي الله عنهم- ولكن فيما لا يتعدى ما هو جاد فى ديننا من مسائل، أما عصر التابعين فقد كثرت الإسرائيليات بكثرة من أسلم منهم.\nهاتان الخاصتان انتقلتا إلى عصر التابعين بالنسبة لمسائل التفسير. أما الخصائص المميزة لهذه «المرحلة الثانية» (عصر التابعين) فأهمها ما يلى:\n١ - بداية ظهور المذاهب والفرق، والكلام حول بعض الآيات التى حملها بعض المفسرين من التابعين آراءه الخاصة. وذلك كمسائل الكلام حول القضاء والقدر الذى نسب إلى كل من الحسن البصرى، وقتادة بن دعامة السدوسى- يرحمها الله تعالى.\n٢ - اتساع الخلاف بين التابعين فى مسائل التفسير بصورة واضحة ومتباعدة بينما لم يكن الخلاف بين الصحابة فى تفسير آيات كتاب الله تعالى شيئا ملموسا، أو محسوسا.\nومع هذا فإن هذه المسألة- أعنى مسألة الخلاف بين التابعين- لم تأخذ الفجوة العميقة التى سنراها فيما بعد، وإنما يمكن أن يقال «إنه خلاف» أى بالنسبة لما سبقهم من عصر الصحابة.","vol":"1","page":108},{"text":"وإلا فما كان خلافهم ذا شأن كبير كما صار الحال عليه فيمن بعدهم، كما لم يكن خلافهم فى التفسير «كتفسير» وإنما كان خلافهم على حسب اختلاف رؤاهم فى مستجدات الوقائع التى لم تسبق من قبل فى عصر الصحابة، مع اختلاف البيئات التى انتقلوا إليها ووجدوا أنفسهم بإزائها، مما لم يألفوه فى جزيرة العرب- من عادات وتقاليد وطبائع كان ينبغى عليهم مواجهتها لما طلبت آراؤهم فيها.\nفى حين أن اختلاف الصحابة لم يكن يتعدى ما عند واحد منهم من أسباب النزول، أو العلم بمفردات اللغة ما ليس عند الآخر، أو علم أحدهم بقراءة لا يعرفها غيره. كما لم يتعد خلافهم غير اختلاف العبادات حول مسمى متحد، أو أن يكون للفظ واحد عدة معان، فيحمله أحدهم على معنى، ويحمله الآخر على أحد المعانى الأخرى، أو أن يكون تعبيرهم عن المعانى بألفاظ متقاربة، وليست مترادفة- إلى غير ذلك من الأسباب التى تبدو اختلافا وهى ليست كذلك فى حقيقة الأمر .. غير أن الباحثين وضعوا لنا ما يشبه التقنين فى ما لو وقع خلاف صريح بين قولين من أقوال الصحابة يتعذر الجمع بينهما فى مسائل التفسير بإحدى الوسيلتين الآتيتين:\nالأولى: إن تعارضت الأدلة تماما بحيث لا يمكن الجمع بينها فإن موقفنا من هذا التعارض أن نؤمن بمراد الله﷿- ولا نلجأ إلى الميل لأحد القولين المتعارضين.\nوتصبح المسألة بالنسبة لنا بمنزلة المجمل قبل أن يفصل، والمبهم قبل أن يبين، والعام قبل أن يخصص، والمتشابه قبل أن يفسر.\nالثانية: يقدم قول ابن عباس- إن كان له فيها قول- على آراء غيره (وهذا رأى الزركشى) لبشارة النبى ﷺ له.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>مبحث فى: التفسير بالمأثور</span>\nالتفسير بالمأثور هو التفسير المنقول عن الرسول ﷺ، أو الصحابة، أو التابعين، فهو يشمل تفسير هذه الأجيال الثلاثة من حملة العلم ونقلته.\nفهو إذا جزء من علم رواية الحديث سواء كان مرفوعا إلى النبى ﷺ، أو موقوفا على الصحابى، أو مقطوعا على التابعى.\nويشترط فيه ما يشترط فى علم الحديث من ضوابط النقل وصحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>مراحل التفسير بالمأثور:</span>\nيعتبر التفسير بالمأثور أهم أنواع التفاسير على الإطلاق إذا صحت روايته ونقله، وسلمت ضوابطه من عدالة الناقل، وصحة النقل متنا وسندا.\nولا يعدل عن هذا التفسير إلى سواه مع وجوده، وسلامة نقله إلى غيره من أنواع التفسير الأخرى.\nهذا وقد مرّ التفسير بالمأثور بعدة مراحل:\nأ- المرحلة الأولى: هى مرحلة الرواية والتلقى مشافهة من صدور الشيوخ إلى عقول التلاميذ وهذه المرحلة هى المرحلة الطبيعية فى حياة الأمة الإسلامية الأولى، إذ كان علم التفسير ناشئا فى أحضان علم الحديث حيث لم يكن ثمة علم يومئذ غير علم الحديث.\nومعلوم للباحثين أن الأمة الإسلامية ظلت مأمورة بعدم التدوين والكتابة إلا للقرآن الكريم وحده. فظل تدوين «ما عدا القرآن» محصورا فى نطاق ضيق جدا يقتصر على بعض الأفراد الذين كانوا يسجلون ما يتلقونه من صدور الرجال فى نطاقه المحدود هذا ومع التحرج والتأثم للنهى الوارد عن المعصوم ﷺ حيث قال:","vol":"1","page":110},{"text":"١ - «لا تكتبوا عنى شيئا ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه».\n٢ - وما نقل عن أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه- وقد سأله سائل أن يكتب له شيئا من الحديث: «لا نكتبكم ولا نجعلها مصاحف، احفظوا كما كنا نحفظ على عهد رسول الله ﷺ».\nوقد كان هذا هو حال الأمة الإسلامية فى شأن «التدوين» وهو المنع بصورة «رسمية» من تدوين غير القرآن حيث كان التدوين مقصورا على القرآن الكريم وحده.\nواستمر الحال على ذلك حتى مع وجود بعض النصوص المجيزة للكتابة من مثل قوله ﷺ:\n١ - قيدوا العلم بالكتابة.\n٢ - قيد العلم الكتاب.\n٣ - اكتبوا فو الله ما صدر منى إلا حقا.\nإذا هذه النصوص أخذها بعض الصحابة والتابعين على محمل خاص ومحدود للغاية، وأن الإذن بها كان لضرورة خاصة كالمعاهدات، والكتب إلى الملوك، أو الإذن لكاتب معين معروف بالتنسيق وحسن الترتيب وجودة الخط كعبد الله بن عمرو بن العاص.\nواستمر الامتناع عن الكتابة طبع الورعين الوجلين من الوقوع فى محظور النهى عن الكتابة واكتفى حملة العلم بنقله مشافهة من الصدور إلى الصدور حتى زمن الخليفة الأموى الراشد عمر بن عبد العزيز- يرحمه الله تعالى- (٩٩ هـ- ١٠١ هـ).\nخشى عمر بن عبد العزيز- يرحمه الله- ضياع العلم بموت الصحابة وكبار","vol":"1","page":111},{"text":"التابعين، كما بدأت بوادر الكذب على رسول الله ﷺ تظهر بعد ما انساح العرب فى بلاد الأعاجم نتيجة الفتوحات ودخول بعض رؤساء الأديان فى الإسلام دغلا وحقدا لا إيمانا وتصديقا وهؤلاء بدأت أحقادهم على الإسلام تفرخ بيضتها.\nفما كان من عمر بن عبد العزيز- يرحمه الله- إلا أن كلف ابن شهاب الزهرى بجمع الحديث وتدوينه وكان هذا أول أمر «رسمى» بتدوين العلم وكتابته.\nفانصاع ابن شهاب الزهرى لهذا الأمر مع تحرجه واعتذاره بقوله: «والله لولا أن عمر بن عبد العزيز أمرنا بالكتابة ما كتبت».\nوقد استمرت مرحلة الرواية هذه حتى طالت ثلاثة أجيال هى:\n١ - جيل الصحابة.\n٢ - جيل التابعين.\n٣ - جيل تابعى التابعين.\nغير أن بداية «الإذن الرسمى» الذى أصدره عمر بن عبد العزيز كان فى بداية أواسط جيل التابعين حيث استمر الغالب فى نقل العلم على المشافهة- مع وجود الإذن بالكتابة- وقد كانت المشافهة هى السمة الغالبة فشملت جيل أواسط التابعين ثم صغار التابعين- ثم بداية تابعى التابعين فى أول العصر العباسى. وفى هذه المرحلة المباركة كانت مصادر التفسير هى:\n١ - تفسير القرآن بالقرآن.\n٢ - الحديث النبوى الشريف.\n٣ - اجتهاد الصحابة: وكان هذا الاجتهاد مبنيا على:\nأ- اللغة. ب- قوة الاستنباط من النّص القرآنى والقدرة عليه بما كان يملكه علماء الصحابة فى التفسير من الملكة الشخصية، ورؤية التنزيل.\n٤ - كما كان هناك مصدر رابع لا يستهان به وإن لم يكن أساسيا إلا وهو:","vol":"1","page":112},{"text":"الرجوع إلى «مسلمة أهل الكتاب» من اليهود والنصارى.\nب- المرحلة الثانية: وهى مرحلة التدوين والكتابة: وهذه المرحلة بدأت منذ أن أصدر عمر بن عبد العزيز أوامره بالتدوين فى أول القرن الثانى الهجرى وظلت ممتدة إلى عصرنا الحاضر، فهى إذا مرحلة عظيمة وهامة إذ تميزت بظاهرتين هامتين:\nالأولى: استقرار التفسير بالمأثور فى بطون المدونات التفسيرية، مما حفظ لنا هذا التفسير بأسانيده، وطرقه، ومروياته، ورواته فى هذه المدونات العظيمة فبقيت إلى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة إن شاء الله تعالى.\nوأصبح فى متناول كل باحث أن يطلع على ما فسّره النبى ﷺ من آى القرآن وما فسره الصحابة الذين كانوا على علم بالتفسير وأهمهم الأربعة المكثرون من التفسير وهم: ابن عباس، وابن مسعود، وعلى بن أبى طالب، وأبىّ بن كعب، وهم الذين قامت على أكتافهم فيما بعد مدارس التفسير المشهورة فى الأقاليم الإسلامية وهى: مكة، والمدينة، والعراق.\nالثانية: اكتشاف أى دخيل على هذا اللون من ألوان التفسير بمجرد قراءة «المروية التفسيرية» والنظر فى رجالها، ونصّها، وذلك بالرجوع إلى السجلات الضابطة لتواريخ الرجال ومعرفة أحوالهم من صحة الرواية جرحا أو تعديلا.\nوأهم المدونات التفسيرية التى سجلت لنا المرويات التفسيرية عن الأجيال الثلاثة المباركة هى:\n١ - جامع البيان فى تفسير القرآن لابن جرير الطبرى.\n٢ - معالم التنزيل لأبى محمد بن الحسين البغوى.\n٣ - بحر العلوم لأبى الليث السمرقندى.","vol":"1","page":113},{"text":"٤ - تفسير القرآن العظيم لأبى الفداء الحافظ ابن كثير.\n٥ - الدر المنثور فى التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطى.\nوهناك مدونات أخرى غير هذه أيضا، كما أن منها ما جمع التفسير بالمأثور وحده فنقل التفسير بالرواية والأسانيد على ترتيب المصحف دون أن يدخل فيه شيئا من الاجتهاد أو اللغة، أو النحو أو الأحكام كتفسير السيوطى، ومنها ما كان جامعا للمأثور والاجتهاد المحمود معا كتفسير الطبرى، ومنها ما حذف أسانيد الرواية، وأوقفها فقط على من صدرت عنه مباشرة.\nغير أن ما ينبغى الإشارة إليه أن مرحلة التدوين للمأثور مرت «داخليا» هى الأخرى بأدوار أهمها ما يلى:\n١ - دور التبعية لعلم الحديث: حيث بدأ التدوين لعلم الحديث إذ سبق أن قلنا بأنه حتى بداية العصر العباسى لم يكن ثمة علم يومئذ غير علم الحديث، حتى أن لفظ «العلم» فى هذه الفترة التاريخية لم يكن يعرف إلا أنه علم الحديث. فبدأ جمع الحديث من صدور الحفظة إلى سطور الكراريس. ولما انتهت مرحلة الجمع من الصدور إلى السطور وفيها أحاديث ذات موضوعات شتى فمنها أحاديث تتعلق بالأحكام من طهارة، وصلاة، وآذان، وحج، وزكاة، وصوم، وبيع، وسلم، وصرف، ومزارعة، ومصانعة، وزواج، وطلاق، وحرب، وسلم، وأسرى، وتقاض.\nومنها ما يتعلق بالتفسير وبيان مراد الله- تعالى- من كلامه المنزل على رسوله الكريم كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ وغيرها. وهكذا جمعت الدواوين ما حفظته الصدور.\nفلما عرف الناس التدوين عرفوا التبويب والتهذيب. فبدءوا يضمون الأحاديث ذوات الموضوع الواحد تحت باب واحد، والأبواب المتشابهة فى علم واحد تحت كتاب واحد، فهذا كتاب فى الطهارة يحتوى على أبوابها، وهذا كتاب فى التفسير يحتوى على سور القرآن وما قيل فى كل سورة من مأثور القول. وفى هذه المرحلة","vol":"1","page":114},{"text":"انجمع علم التفسير فى باب مستقل داخل كتب الحديث ومصنفاته وأشهر من أفرد أبواب التفسير فى كتب المرويات الحديثة هم بالترتيب الزمنى:\n١ - يزيد بن هارون السلمى المتوفى سنة ١١٧ هـ.\n٢ - شعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هـ.\n٣ - وكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧ هـ.\n٤ - روح بن عبادة المتوفى سنة ٢٠٥ هـ.\n٥ - عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة ٢١١ هـ.\n٦ - آدم بن إياس المتوفى سنة ٢٢٠ هـ.\n٧ - عبد بن حميد المتوفى سنة ٢٤٩ هـ.\n٢ - دور الاستقلال عن علم الحديث: وفى هذه المرحلة استقلت الأحاديث المنجمعة فى كتب الحديث تحت عنوان «باب فى التفسير» أو تحت عنوان «كتاب التفسير» وصارت فى كتب مستقلة، ومصنفات خاصة عرفت ب «التفسير المأثور».\nواستمر هذا الدور من الثلث الأخير للقرن الثالث الهجرى إلى العقد الأول من القرن الهجرى.\nوعزى جمع التفسير بالمأثور فى هذا الدور إلى ثلّة من العلماء كلهم من أهل الرواية الحديثية كما كان الحال فى الدور الأول دور التبعية لعلم الحديث.\nوأشهر من جمع تفاسير مستقلة فى مصنفات فى هذا الدور هم حسب الترتيب الزمنى لوفياتهم:\n١ - ابن ماجة المتوفى سنة ٢٧٣ هـ.\n٢ - ابن جرير الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ هـ.\n٣ - أبو بكر النيسابورى المتوفى سنة ٣١٨ هـ.\n٤ - ابن أبى حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.","vol":"1","page":115},{"text":"٥ - ابن حبان المتوفى سنة ٣٦٩ هـ.\n٦ - الحاكم النيسابورى المتوفى سنة ٤٠٥ هـ.\n٧ - ابن مردويه المتوفى سنة ٤١٠ هـ.\n٣ - دور اختصار الإسناد، أو حذفه نهائيا: وفى هذا الدور خلا التفسير بالمأثور من ذكر السند، وبقيت المتون دون عزو لقائل، وأصبح الإسناد موقوفا على أعلى راو فى السند دون ذكر بقية الرواة.\nوهذا أدى إلى أول مدرج من مدارج الوضع فى التفسير، كما كان أول إلباس يدخله مصنفو هذه الكتب على قارئيها فى هذا الدور بحيث ظنّ ما ليس بصحيح صحيحا. بل أصبح الأمر أكثر خطورة إذ نقلت الإسرائيليات فى هذه الكتب خالية من نقلتها، فأخذت على أنها حقائق تفسيرية ثابتة ومقطوع بها. إلى جانب أن مصنفى هذا الدور لم يحرروا المسائل التى قطع بالتفسير فيها إذ المعلوم أن ما قطع بتفسيره عن الصدر الأول لا يحتاج بعد ذلك إلى من يفسره.\nومع انتقال الأمة من تحويل العملية التعليمية من مرحلة التعليم بواسطة «التلقى» إلى مرحلة التعليم بواسطة «التدوين» فإن هذه الخطوة الأخيرة أحدثت خللا خطيرا. إذ ما كاد الناس يستغنون عن «التلقى» إلى «التدوين» حتى استغنوا أيضا عن «الإسناد» إلى تصنيف الكتب فى التفسير دون عزو لقائل.\nوهذا الخلل برمته فرّخ فى هذه المرحلة ثلاث ظواهر سلبية هى:\n١ - ظهور الإسرائيليات بشكل كبير، وعدّها كأنها حقائق ثابتة.\n٢ - ظهور الوضع والكذب فى التفسير على غرار ما كان فى الحديث.\n٣ - ظهور التفسير بالرأى.\n***","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>نموذج من مناهج المفسرين بالمأثور ابن جرير الطبرى وتفسيره «جامع البيان»</span>\nنتناول الآن- بحمد الله وتوفيقه- بعض المختارات والنماذج من كتب ومصنفات التفسير بالمأثور، ومناهج أصحابها فيها، وطريقة تناولهم لتفسير آيات الذكر الحكيم.\nوسنعرض الآن لأولى هذه المختارات والنماذج فيما يلى:\n١ - اسم المصنّف: جامع البيان فى تفسير القرآن.\nاسم المصنّف: أبو جعفر: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ هـ. عدد أجزاء المصنّف: ثلاثون جزءا. إجمالى عدد صفحات المصنّف: ٨٠٠٠ ثمانية آلاف صفحة على وجه التقريب لا التحديد إذ يختلف كل جزء عن الآخر حسب الطباعة الحديثة.\n* الطبرى: حياته وتلقيه العلم: المحققون من أهل العلم سلّموا لابن جرير الطبرى بالاجتهاد المطلق، لما جمعه من أدوات الاجتهاد الكاملة، ومعرفته بشتى الفنون معرفة تامة.\n** ولد محمد بن جرير الطبرى سنة ٢٢٤ هـ فى آمل بطبرستان، وإليها نسب.\n** رحل من بلده طلبا للعلم وهو فى الثانية عشرة من عمره، فنزل مصر، والشام، والعراق.\nشيوخه: وأخذ العلم عن كبار شيوخ عصرهم فى هذه البلاد منهم:\nمحمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب، وإسحاق بن إسرائيل، وأحمد بن منيع","vol":"1","page":117},{"text":"البغوى، ومحمد بن حميد الرازى، وأبو همام الوليد بن شجاع، وأبو كريب محمد ابن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقى، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن على، وغيرهم من أقران عصرهم فى البلاد التى رحل إليهم فيها وهى: الشام، والعراق، ومصر.\nمنزلة الطبرى فى العلم: تكلم الخطيب البغدادى عن الإمام محمد بن جرير الطبرى فى «تاريخ بغداد» بما يعين الطالب على فهم المنزلة العلمية التى وصل إليها ابن جرير فى\nعصره فقال: «كان أحد أئمة العلم، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله» وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره.\nوكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعانى، فقيها فى أحكام القرآن، عالما بالسنة وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخائضين فى الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم وله الكتاب المشهور فى تاريخ الأمم والملوك، وكتابه:\nفى التفسير لم يصنّف أحد مثله. وكتاب سماه تهذيب الآثار لم أر سواه فى معناه إلا أنه لم يتمه. وله فى أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء. وتفرد بمسائل حفظت عنه. مكث أربعين سنة يكتب فى كل يوم منها أربعين ورقة.\nقال أحمد بن أبى الطاهر الإسفرايينى: «لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل على كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا».\nوقال عبيد الله بن محمد السمسار: «إن أبا جعفر الطبرى قال لأصحابه:\nأتنشطون لتفسير القرآن؟ (يعنى نسخه) قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة.","vol":"1","page":118},{"text":"ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟\nفذكر نحوا مما ذكره فى التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم، فاختصره فى نحو ما اختصر التفسير» (١).\n* عدّه العلماء من الأئمة، وسلموا له بالاجتهاد المطلق حتى صار له مذهب فقهى عرف باسم «الجريرية» انتشر، وقلده فيه كثير من الناس ثم انقرض وكان أول أمره على مذهب الإمام الشافعى- يرحمه الله تعالى.\nوهذا ما ينقله لنا السبكى فى طبقات الشافعية على لسان ابن جرير الطبرى فيقول: «أظهرت فقه الشافعى، وأفتيت به فى بغداد عشر سنين، وتلقاه منى ابن بشار الأحوال أستاذ أبى العباس بن سريج» (٢).\nوذكره السيوطى فى طبقات المفسرين فقال: «كان أولا شافعيا، ثم انفرد بمذهب مستقل، وأقاويل واختيارات، وله أتباع ومقلدون، وله فى الأصول والفروع كتب كثيرة (٣).\nدرجته فى الرواية: اختلط على بعض علماء التاريخ كأحمد بن على السليمانى حال محمد بن جرير الطبرى فنسب إليه ما لم يكن من حاله، حيث ذكر عنه أنه كان يضع للروافض. وقد ردّ العلامة ابن حجر فى «لسان الميزان» هذا الزعم فقال:\n«ثقة، صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر .. وقد أقذع أحمد بن على السليمانى الحافظ فقال عنه: «كان يضع للروافض، وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندّعى عصمته من الخطأ، ولا يحل\n_________\n(١) تاريخ بغداد للخطيب البغدادى ٢/ ١٦٢ - ١٦٩ باختصار.\n(٢) طبقات الشافعية للسبكى ٢/ ١٣٥.\n(٣) طبقات المفسرين للسيوطى ص ٣.","vol":"1","page":119},{"text":"لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم فى بعض ينبغى أن يتأنى فيه، ولا سيما فى مثل إمام كبير». ولعل السليمانى أراد- محمد بن جرير بن رستم الطبرى الرافضى.\nقال ابن حجر: «ولو حلفت أن السليمانى ما أراد إلا ابن رستم هذا لبررت.\nوالسليمانى حافظ متيقن كان يدرى ما يخرج من رأسه، فلا أعتقد أنه يطعن فى مثل هذا الإمام بهذا الباطل» (١).\nأوصافه: كان- رحمه الله تعالى- أسمر إلى الأدمة، أعين، نحيف الجسم، وريد القامة، فصيح اللسان، ولم يؤذ به أحدا (٢).\nتلاميذه: حدث عنه: أحمد بن كامل القاضى، ومحمد بن عبد الله الشافعى، ومخلد بن جعفر، وخلق كثير (٣).\nتفسيره: يطلق بعض الباحثين على ابن جرير أنه: «أبو التاريخ» كما يطلقون عليه أنه «أبو التفسير» وهذا الإطلاق فى الأوصاف لم يأت من فراغ.\nومعنى أنه أبو التاريخ: أنه أول مؤرخ فى الإسلام وضع تاريخا موثقا للبشرية منذ أول آدم ﵇ واستوعب تاريخ الأرض استيعابا لم يسبقه فيه أحد فى الإسلام. ونفس هذا المعنى ينسحب عليه فى علم التفسير.\nفهو «أبو التفسير» وواضع أول كتاب «كامل». فى تفسير جميع آيات القرآن الكريم آية آية بكل مروياتها المأثورة بطرقه هو التى تلقاها عن المفسرين المحدثين.\n_________\n(١) لسان الميزان ١/ ١٠٠ - ١٠٢.\n(٢) تاريخ بغداد للخطيب البغدادى ٢/ ١٦٢ - ١٦٩.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":120},{"text":"وقد أجمع الباحثون من الإسلاميين والمستشرقين على السواء على أن فى تفسير الطبرى غنية وكفاية عن سائر التفاسير: يقول ابن تيمية فى «الفتاوى»: «وأما التفاسير التى فى أيدى الناس فأصحها تفسير ابن جرير الطبرى، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن سليمان، والكلبى» (١).\nوينقل المستشرق الألمانى «جولد زيهر» عن مقال كتبه المستشرق «نولدكه». فى سنة ١٨٦٠ م بعد أن قرأ شيئا عن كتاب جامع البيان للطبرى- ولم يكن كتاب الطبرى قد ظهر طبعه بعد- فقال: «لو كان بيدنا هذا الكتاب لاستغنينا به عن كل التفاسير المتأخرة ومع الأسف فقد كان يظهر أنه مفقود تماما، وكان مثل تاريخه الكبير مرجعا لا يغيض معينه أخذ عنه المتأخرون معارفهم» (٢).\nهذا والحمد لله فقد ظهر الكتاب من عهد قريب، إذ وجدت نسخة خطية فى حوزة الأمير حمود بن عبد الرشيد أمير حائل بمنطقة نجد بالسعودية فطبع عليها الكتاب، وتداولته أيدى طلاب العلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>مطلب فى: منهج ابن جرير فى تفسيره:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>تنحصر جملة مناهجه التى سلكها فى كتابه «جامع البيان» فى عدة نقاط:</span>\nأولها: التزامه التام بالنقل المأثور عن الأجيال الثلاثة الأولى مع ذكر سلسلة الرواية كاملة حتى تنتهى إلى قائلها الأصلى مرفوعة إلى النبىّ ﷺ، أو موقوفة على الصحابة، أو مقطوعة على التابعى.\n_________\n(١) فتاوى ابن تيمية ٢/ ١٩٢.\n(٢) المذاهب الإسلامية فى تفسير القرآن ص ٨٥.\n(٣) التفسير والمفسرون للذهبى ١/ ٢٠٤.","vol":"1","page":121},{"text":"والطبرى ينقل سلسلة الرواية بطريقه هو. وهو وإن لم يفند هذه الرواية من حيث القوة والضعف، ولم يحكم عليها إلا أنه يكون- أى بمجرد ذكر سلسلة الرواية- يكون قد خرج من العهدة العلمية. علما بأن الطبرى التزم بعدم النقل عن المشهورين بالتلفيق والكذب كمقاتل بن سليمان، ومحمد بن السائب الكلبى كما سبق أن نقلناه عن ابن تيمية.\nثانيها: يبدأ الآية التى يريد أن يفسرها بذكر معناها العام إجمالا بما يتفق له مع مأثور الرواية عنده فيقول:\n«القول فى تأويل قول الله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ يقول: فإذا أمنت حين تحصر؛ إذا أمنت من كسرك، من وجعك فعليك أن تأتى البيت فيكون لك متعة فلا تحل حتى تأتى البيت. وقال آخرون معنى ذلك: فإذا أمنتم من وجع خوفكم.\nذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:\nفَإِذا أَمِنْتُمْ لتعلموا أن القوم كانوا خائفين يومئذ (١). ثم يعدد الروايات فى ذكر من قال بهذا المعنى إن كان فيها أكثر من طريق، أو أكثر من قائل.\nثالثها: لا يقف مكتوفا على مجرد الرواية، وإنما:\n١ - يتعرض لنقدها إذا تبين له أن الرواية مخالفة لظاهر النّص القرآنى. فنراه يتعرض لمجاهد بن جبر عند ما قال فى قوله تعالى فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ قال: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا.\n_________\n(١) جامع البيان ٢/ ١٤٣.","vol":"1","page":122},{"text":"يردّ ابن جرير قول مجاهد هذا فيقول: «وهذا القول الذى قاله مجاهد قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف» (١).\nوالطبرى هنا يميل إلى الأخذ بالمذهب الظاهر من لفظ القرآن فحين أن الحق قد يكون مع مجاهد، فلا سبيل إلى القطع إذن بأن مراد الله تعالى فى هذا هو المسخ الحقيقى أو المسخ المجازى.\n٢ - أو يرجح بين قولين فيختار أحدهما دون الآخر كما فى قوله تعالى: تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ فيها قولان، ولكل قول منها روايات:\nالأول: أنا أول المؤمنين بك من قومى أن لا يراك فى الدنيا أحد إلا هلك. فيأتى الطبرى بأسانيده على ذكر من قال ذلك وهم: أبو العالية، والربيع، ومجاهد، وابن عباس.\nالثانى: أنا أول المؤمنين بك من بنى إسرائيل. فيذكر أن ذلك قول عكرمة، ومجاهد فى رواية أخرى عن ابن عباس. ثم يختار الطبرى القول الثانى ويعلل هذا الاختيار بقوله: «لأنه كان قبله فى بنى إسرائيل مؤمنون وأنبياء منهم من ولد إسرائيل لصلبه، وكانوا مؤمنين وأنبياء فلذلك اخترنا القول الذى قلناه قبل» (٢).\nرابعها: يحتكم الإمام الطبرى إلى اللغة، والمعروف من كلام العرب عند ما يجد أن الآراء تتعاوض مع المفهوم اللغوى، وهذا له من النماذج فى تفسير الطبرى الشيء الكثير.\nويدخل فى هذا المنهج احتكام الطبرى إلى الشعر القديم، وهذا أيضا شواهده كثيرة يلمسها الطالب عند ما يضع الكتاب عمليا بين يديه، ويقلب فى صفحاته جزءا جزءا.\n_________\n(١) جامع البيان ١/ ٢٥٢.\n(٢) جامع البيان ٩/ ٥٥ - ٥٦.","vol":"1","page":123},{"text":"خامسها: يعنى عناية فائقة بذكر القراءات، ويثبت منها ما صحت روايته ويرد القراءات الواردة من غير أئمتها المشهود لهم بصحة الرواية.\nوابن جرير الطبرى فى هذا يصدر عن قدم راسخ فى علم القراءات، فإنه ألف فى هذا العلم كتابا ضخما فى ثمانية عشر مجلدا كما يذكر ذلك ياقوت الحموى فى ترجمة ابن جرير (١).\nسادسها: يكثر الطبرى من إيراد مسائل النحويين والصرفيين حسب مدارسهم المختلفة، ويبين وجوه الإعراب إذا كان لها فى الآية أكثر من وجه.\nسابعها: يتعرض كثيرا لذكر المرويات المنقولة عن مسلمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى أو ما يعرف باسم «الإسرائيليات».\nوابن جرير فى ذلك متأثر بمواقف المفسرين فى عصره فى النقل عن الروايات الإسرائيلية وربما كان لاشتغاله بالتواريخ القديمة أثرها عليه فى ذلك النقل أيضا.\nوتفسير الطبرى فى هذه الناحية من منهجه يحتاج إلى دقة القارئ فى تمحيص الرواية والوقوف على صحتها.\nثامنها: وقوفه كثيرا عند الآيات التى تتناول الحلال والحرام، وتعنى بالمسائل الفقهية، فيذكر عندها آراء الفقهاء. وتظهر فى العرض لهذه المسائل ملكة الاجتهاد عنده، فيختار الرأى الراجح، أو يخلص هو إلى رأى بنفسه، ويسوق الأدلة العلمية عليه (٢).\nهذا إلى جانب تعرضه لمسائل تخص علم الكلام والجدل، كما أنه يقف فى وجه من يتصدى لتفسير الآيات بالرأى المجرد، ويصفه بالخلوّ عن العلم (٣).\n_________\n(١) معجم الأدباء لياقوت الحموى ١٨/ ٤٥.\n(٢) راجع فى ذلك ص ٥٧ وما بعدها من الجزء الرابع عشر.\n(٣) راجع ص ١٣٨ من الجزء الثانى عشر، وغيره كثير.","vol":"1","page":124},{"text":"هذا وقد عكف الطبرى على تفسير كتابه «جامع البيان» زهاء سبع سنوات يمليه على أصحابه إملاء.\nوكانت أهم مروياته المأثورة فى هذا التفسير ما ذكره ياقوت فى معجم البلدان ونقلها الشيخ محمد حسين الذهبى فقال: «ذكر فيه من كتب التفاسير المصنفة عن ابن عباس خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير طريقين، وعن مجاهد بن جبر ثلاثة، وعن عكرمة ثلاثة طرق، وعن الضحاك بن مزاحم طريقين، وعن عبد الله بن مسعود طريقا.\nوتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتفسير ابن جريج، وتفسير مقاتل بن حبّان. سوى ما فيه من مشهور الحديث عن المفسرين وغيرهم، وفيه من المسند حسب حاجته إليه.\nولم يتعرض لتفسير غير موثوق به، فإنه لم يدخل فى كتابه شيئا عن كتاب محمد بن السائب الكلبى، ولا مقاتل بن سليمان، ولا محمد بن عمر الواقدى لأنهم عنده أظنّاء» (١).\n...\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ٢١٨.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>مبحث فى: التفسير فى بداية عصر التدوين</span>\nمن المعروف علميا أن عمر بن عبد العزيز خامس الراشدين- يرحمه الله تعالى- هو أول من اتخذ خطوة عملية نحو نقل الأمة الإسلامية كلها من عصر تلقى العلم رواية ومشافهة إلى مرحلة تسجيل العلم واستعمال القراطيس، وتدوين العلوم.\nوأحسب أن ذلك القرار- فى ذلك الوقت- كان يعد انقلابا هائلا فى الحركة العلمية. ذلك أنه قد مرّ قرن كامل وحركة التعليم كلها قائمة على المشافهة وتلقى الرواية وذلك للمنع الصادر من رسول الله ﷺ، ونهيه عن كتابة شىء سوى القرآن الكريم.\nولقد أشبع الباحثون هذه المسألة بحثا، وعزوها إلى أن التحذير الوارد فيها كان لخوف إلباس كتاب الله ما ليس منه، فلما أمن اللبس ظهر الأمر، والإذن بالكتابة فى قوله ﷺ: «قيّدوا العلم بالكتاب». وقوله: «اكتبوا فو الله ما صدر منى إلا حقا».\nمما حدا ببعض الباحثين إلى محاولة التأكيد على أن الكتابة ظهرت فى عصر مبكر قبل عمر بن عبد العزيز (١).\nوأيا ما كانت الآراء فإن الكلّ مجمع على أن «عصر التدوين» لم يأخذ السمة البارزة له والتى تستحق تطابق هذه التسمية إلا فى أواخر عهد الدولة الأموية، وأول قيام دولة العباسيين أى قبيل منتصف القرن الثانى الهجرى.\nوفى هذا الوقت بدأت المرحلة الثالثة للتفسير بعد المرحلة الأولى فى عصر الصحابة، والمرحلة الثانية فى عصر التابعين وظهور مدارس التفسير فى مكة، والمدينة، والعراق، وبعض الباحثين ينظر إلى هذه المرحلة الثالثة نظرة ثنائية:\n_________\n(١) دلائل التوثيق البكر للسنة والحديث د/ امتياز أحمد ص ٢٦.","vol":"1","page":126},{"text":"١ - فيعتبر جيل الصحابة وجيل التابعين خطوة أولى فى التفسير تعتمد على تلقى العلم رواية.\n٢ - ومرحلة ما بعد التابعين خطوة ثانية لتلقى العلم عن طريق التدوين والكتابة، وهذا التقسيم لا مشاحة فيه لأنه من قبيل اصطلاح العلماء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>مطلب فى التدوين:</span>\nأ- فى بداية مرحلة التدوين: لم يكن هناك ثمة علم غير علم «الحديث» وجلّ اهتمام المدونين كان مقتصرا على الحديث النبوى الشريف، مع تنوع أبواب الحديث فى كافة العلوم كالفقه، والتاريخ وغيرهما.\nولا شك أن علم التفسير كان أحد الأبواب الهامة التى أفرد لها المحدثون مكانا رحبا فى كتبهم، فأفردوا تحت هذا الباب مرويات الصحابة والتابعين فى تفسير آيات القرآن الكريم سواء ما كان منها مرفوعا إلى النبى ﷺ، أو موقوفا على الصحابة، أو مقطوعا على التابعين.\nوكان الطابع المميز لهذه الفترة فى بداية التدوين ما يلى:\n١ - لم يفرد للتفسير تأليف خاص به منفصل عن علم الحديث ومستقل بنفسه.\n٢ - لم يعرف أن أحدا قام بتفسير كل آيات القرآن الكريم سورة وآية.\nوإن كان «ما جمع ودوّن هو ما روي من الآثار فى آيات وسور متفرقة».\nوأشهر من تصدّى لتدوين التفسير وأفرده كباب من أبواب الحديث منهم:\n١ - يزيد بن هارون السلمى المتوفى سنة ١١٧ هـ.\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ١٤٥.","vol":"1","page":127},{"text":"٢ - شعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هـ.\n٣ - وكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧ هـ.\n٤ - روح بن عبادة المتوفى سنة ٢٠٥ هـ.\n٥ - عبد الرزّاق بن همّام المتوفى سنة ٢١١ هـ.\n٦ - آدم بن إياس المتوفى سنة ٢٢٠ هـ.\n٧ - عبد بن حميد المتوفى سنة ٢٤٩ هـ.\nولعلك تلاحظ أن هذه الأسماء لأشخاص برزوا فى علم الحديث، فلم يكن شأنا مستغربا أن يكون التفسير عندهم من أبواب علم الحديث.\nولم يكن مستغربا أيضا أن يكون ما جاء فى هذه الأبواب إنما هى مروياتهم هم بأنفسهم تلقوها عمن سبقهم. بفارق واحد فقط هو أنهم قيدوها ودوّنوها فى الكتب. ومن قبلهم، كانت من محفوظات الصدور لا من مكتوبات السطور.\nب- المرحلة الثانية فى عصر التدوين: هى «مرحلة الاستقلال عن الحديث».\nفى أول القرن الرابع الهجرى أخذت تبرز شخصية «علم التفسير» كعلم مستقل بذاته له مصنفاته الكاملة فى تفسير آيات القرآن آية آية، وعزى ذلك إلى طائفة من العلماء نذكر أشهرهم فيما يلى حسب ترتيب وفياتهم.\n١ - ابن ماجة صاحب السنن المتوفى سنة ٢٧٣ هـ.\n٢ - ابن جرير الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ هـ.\n٣ - أبو بكر بن المنذر النيسابورى المتوفى سنة ٣١٨ هـ.\n٤ - ابن أبى حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.\n٥ - أبو الشيخ بن حبان المتوفى سنة ٣٦٩ هـ.\n٦ - الحاكم النيسابورى المتوفى سنة ٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":128},{"text":"٧ - وأبو بكر بن مردويه المتوفى سنة ٤١٠ هـ.\nويلاحظ على التفسير فى تلك الفترة الخصائص التالية:\n* الاستقلال التام فى مؤلفات خاصة.\n* لا يوجد فيها من آراء المفسر الشخصية شىء يذكر إلا ما عند ابن جرير الطبرى من توجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، وإعراب بعض الآيات أحيانا، واستنباط بعض الأحكام أحيانا أخرى- وسنعرض لذلك إن شاء الله تعالى.\n* ما يوجد فى هذه التفاسير- رغم استقلالها بمصنفات- أنها مرويات صاحب الكتاب المفسر عمن سبقه من مفسرى أتباع التابعين، ثم التابعين، ثم الصحابة- رضى الله عن الجميع- بسلسلة روايته هو شخصيا عن هؤلاء. وبهذه الخاصية الأخيرة تكون الخصائص متصلة منذ عهد الصحابة إلى وقت المرحلة الثانية من عصر التدوين.\nوما ينبغى أن يعرفه طالب العلم أن هذا لم يكن أبدا أول ما دوّن من الكتب على سبيل الاستقلال على وجه الإطلاق، فلا يعدم أن يكون لأحد العلماء ممن سبقهم كتاب مجموع فى تفسير كل القرآن أو غالبه، وما ذكرناهم مقطوع بهم، وأما من قبلهم فاجتهادات باحثين، واستقراءات منقبين، ومن هؤلاء المجتهدين المنقبين من يقول بأن الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ هو أول من دون تفسيرا جامعا لكل آيات القرآن مرتبا على وفق ترتيب المصحف، أو سعيد بن جبير المتوفى سنة ٩٥ هـ، أو عبد العزيز بن جريج المتوفى سنة ١٥٠ هـ. والذى نعرفه الآن أن تفسير الفراء المعنون ب «معانى القرآن». مطبوع بين أيدينا فى ثلاثة أجزاء وهو وإن كان لكل سور القرآن إلا أنه يبقى خاصا بمعانى القرآن فقط دون استقصاء لأحكامه وسائر فنون التفسير الأخرى، فهو وإن استوعب السور إلا أنه لم يستوعب كل","vol":"1","page":129},{"text":"آيات السور آية آية. فيبقى تقرير المسألة على ما ذكرناه من أن حصر الكتب المصنّفة فى التفسير بالمعنى العام فى هذه الكتب السبعة من سنة ٢٧٣ هـ إلى ٤١٠ هـ.\nح- المرحلة الثالثة: ويعرّفها الباحثون بأنها مرحلة اختصار الأسانيد، أو حذفها نهائيا من التفسير. واشتراك هذه المرحلة مع ما سبقها من مراحل إنما هو فى استمرار التفسير بالمأثور والجديد فى هذا «المأثور» أنه خلا من السند، وبقيت المتون دون إسناد، أو على أقل تقدير أوقف النقل على أعلى رجل فى الإسناد، واختصرت السلسلة كلها.\nوهذا أدى إلى أول مدرج من مدارج الوضع فى التفسير، كما كان أول إلباس يدخله مصنفو هذه الكتب على قارئيها فيظنون ما ليس بصحيح صحيحا.\nكما أصبح الأمر أكثر خطورة من ذلك إذ نقلت الإسرائيليات فى هذه الكتب على أنها حقائق ثابتة ومقطوع بها. إلى جانب أن مصنفيها لم يحرروا المسائل التى قطع بالتفسير فيها، ومعلوم أن المقطوع بتفسيره بالنّص لا يحتاج بعده إلى تفسير.\nفإذا عرفنا من تفسير النبى ﷺ أن «الكوثر». فى قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ نهر فى الجنة أعطاه الله لنبيه، والخطاب موجه إلى النبى ﷺ، فليس لأحد من المفسرين بعد ذلك أن يفسر الكوثر بغير ما فسره النبىّ ﷺ.\nوالذى حدث فى هذه المرحلة «الخطيرة» أنه مع انتقال الأمة من تحويل العملية التعليمية من مرحلة التعليم بواسطة «التلقى» .. إلى مرحلة التعليم بواسطة «التدوين» والكتابة، فإن هذه الخطوة الأخيرة أحدثت خللا بالغ الخطورة! إذ ما كاد الناس يستغنون عن «التلقى» إلى «التدوين» حتى استغنوا أيضا عن «الإسناد». إلى تصنيف الكتب فى التفسير دون عزو لقائل، كما كان الحال طوال عصور الصحابة،","vol":"1","page":130},{"text":"والتابعين وأتباع التابعين.\nهذا الخلل برمته فرّخ فى هذه المرحلة ثلاث ظواهر سلبية خطيرة هى:\n١ - ظهور الإسرائيليات وتفشيها فى التفسير، واعتبارها حقائق مسلّمة.\n٢ - ظهور الوضع والكذب فى التفسير على غرار ما كان فى علم الحديث.\n٣ - ظهور عصر التفسير العقلى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>مبحث فى: التفسير بالرأى</span>\nالتفسير بالرأى هو أحد قسمى التفسير الرئيسين وهما التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأى، ويقال له أيضا بالاجتهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>والتفسير بالرأى (الاجتهاد) نوعان:</span>\nالأول: التفسير بالرأى الجائز. الثانى: التفسير بالرأى الممنوع (المذموم).\nوقد ظهر التفسير بالمأثور فى أول الخلافة العباسية مع بداية ظهور العصر العباسى الأول عند ما كثرت الفرق والمذاهب، وبرزت على الساحة الحركات الفكرية والعقلية كالمعتزلة وغيرهم.\nومما تجدر الإشارة إليه أن التفسير الاجتهادى ليس معناه طرح التفسير بالمأثور المنقول عن سلف الأمة، ولكن معناه الاجتهاد فى تفسير ما لم يثبت فيه منقول صحيح، ولا أثر مروى. وأيا ما كان فإن العلماء اختلفوا فى جواز التفسير الاجتهادى. فذهب قوم إلى منعه تماما، وقالوا لا يجوز لأحد بعد الأجيال الثلاثة الأولى أن يفسر القرآن مهما بلغت مرتبته من العلم، وأقاموا على ذلك أدلة كثيرة.\nوذهب آخرون إلى نقيض ما ذهب إليه الأولون فأجازوا لمن كان ذا علم وبصر، وتكاملت فيه أدوات علمية معينة أن يجتهد فى التفسير.","vol":"1","page":131},{"text":"وهؤلاء نقضوا أدلة المانعين، وحددوا شروطا للمفسّر المجتهد إذا توفرت فى أحد جاز له أن يخوض فى بيان مراد الله- تعالى- من آياته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>أدلة الفريقين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>أدلة المانعين للتفسير بالرأى:</span>\nاستدل المانعون للتفسير بالرأى بأدلة كثيرة نذكر أهمها فيما يلى، ونعقبها بنقض المجوزين للتفسير بالمأثور وهى:\nالدليل الأول: قالوا: إن التفسير بالرأى قول على الله بغير علم «صغرى»، والقول على الله بغير علم منهى عنه «كبرى». فالتفسير بالرأى منهى عنه «نتيجة».\nدليل الصغرى: أن المفسر بالرأى ليس على يقين بأنه أصاب ما أراد الله تعالى ولا يمكنه أن يقطع بما يقول، وغاية الأمر أنه يقول بالظن، والقول بالظن قول على الله بغير علم.\nودليل الكبرى: أن الله تعالى جعل القول بغير علم من المحرمات الأربع المذكورة فى قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١).\nوردّ المجوّزون للتفسير بالرأى هذا الدليل فقالوا: نمنع الصغرى: لأن الظن نوع من العلم إذ هو إدراك الطرف الراجح وعلى فرض التسليم بالصغرى فإنّا نمنع الكبرى لأن الظن منهى عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقينى.\nأما إذا لم يوجد العلم اليقينى فالظن كاف لاستناده إلى دليل شرعى مقطوع به،\n_________\n(١) الأعراف: ٣٣.","vol":"1","page":132},{"text":"وهو قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها (١).\nوقوله ﷺ: «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر».\nوكذلك قوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فقال له: «بم تحكم يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى ولا آلو». فضرب رسول الله ﷺ صدر معاذ وقال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله» (٢).\nالدليل الثانى: أن المبين عن الله تعالى والمفسر لآياته هو النبىّ ﷺ لقول الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (٣). فليس لغيره أن يفسر آيات الله تعالى.\nورد المجوزون هذا الدليل فقالوا: نعم النبىّ ﷺ مأمور بالبيان، وقد بيّن ما احتاج الناس إلى تفسيره فى عصره، وقبض ولم يرد عنه تفسير القرآن آية آية. وما لم يرد عنه فيه شىء من التفسير فللمجتهدين من أهل التفسير فيه فكر ونظر دعاهم الله تعالى إليه فى آيات كثيرة منها: لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤). أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٥). وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (٦).\nالدليل الثالث: ما ورد من السّنة المشرفة من تحريم القول فى القرآن بالرأى ومنه:\n_________\n(١) البقرة: ٢٨٦.\n(٢) التفسير والمفسرون ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨.\n(٣) النحل: ٤٤.\n(٤) الأعراف: ١٧٦، الحشر: ٢١.\n(٥) محمد: ٢٤.\n(٦) النساء: ٨٣.","vol":"1","page":133},{"text":"أ- قوله ﷺ: «من قال فى القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» رواه الترمذى عن ابن عباسرضي الله عنهما.\nب- قوله ﷺ: «من قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» رواه أبو داود عن جندب بن جنادة. وأجاب المجوزون عن هذين الحديثين بما يأتى:\n١ - أن الحديثين محمولان على من قال فى القرآن برأيه فيما هو ممنوع من تفسيره أصلا كمتشابه القرآن، ومشكله مما لا يعلم إلا بالنقل الصحيح عن المعصوم ﷺ.\n٢ - أنهما محمولان فيمن قال فى القرآن برأيه وهو يعلم أن الحق بخلافه كأصحاب المذاهب الفاسدة.\n٣ - أنهما محمولان على قول من يفسر بغير مستند من نقل، أو لغة صريحة دالة على البيان.\nالدليل الرابع: ورد المنع عن الصحابة والتابعين أن يفسر أحد القرآن برأيه، بل كانوا يهابون تفسير القرآن ويعظمونه، ويتحرجون أن يقولوا فيه باجتهادهم.\n١ - سئل أبو بكررضي الله عنه- فى تفسير حرف من القرآن فقال: «أى سماء تظلنى، وأى أرض تقلنى، وأين أذهب، وكيف أصنع إذا قلت فى حرف من كتاب الله بغير ما أراد ﵎».\n٢ - وما ورد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع شيئا».","vol":"1","page":134},{"text":"٣ - وهذا رجل يقابل مجاهد بن جبر فيقول لمجاهد: «أنت الذى تفسّر القرآن برأيك؟ فبكى مجاهد، ثم قال: إنى إذا لجرىء، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلا من أصحاب النبى ﷺ ورضى عنهم» (١).\nوأجاب المجوزون عن هذه الأقوال الواردة فى الدليل بما يأتى:\nأ- أن قول هؤلاء إنما كان منهم ورعا واحتياطيا، وتواضعا أولا، مخافة ألا يبلغوا ما يعتقدونه أنه مراد الله- تعالى- لأنهم كانوا يرون التفسير بمثابة الشهادة على الله- تعالى- أنه عنى هذا فأمسكوا وأحجموا خوف ألا يبلغوا هذه الغاية.\nب- أن إحجامهم عن التفسير كان فيما لم يعرفوا وجه الصواب فيه.\nج- أن امتناع أحدهم إنما كان لوجود من يعتقد أنه أفضل منه فى هذا الباب يكفيه مؤنة التفسير، وإلا فما كان ليتردد أبدا إذا سئل (٢).\nومع ردّ المجوزون على أدلة المانعين وإبطالها إلا أنهم مع ذلك أثبتوا صحة ما ذهبوا إليه من جواز التفسير بالرأى أى بالاجتهاد فى الآيات التى لم يرد فيها عن الأجيال الثلاثة نقلا صحيحا بأدلة كثيرة أهمها ما يلى:\nالأول: أن الله- تعالى- حث على تدبر القرآن، وعلى أن فى القرآن الكريم ما ينبغى للعلماء وأولى الألباب أن يتدبروه ويستنبطوه، ويصلوا إليه بعقولهم فى آيات كثيرة منها:\nأ- قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٣).\nب- وقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٤).\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ١٠٧.\n(٢) مناهل العرفان فى علوم القرآن للزرقانى ١/ ٥٦ - ٥٧.\n(٣) ص: ٢٩.\n(٤) محمد: ٢٤.","vol":"1","page":135},{"text":"ج- وقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (١).\nولا يعقل أن يكون تفسير لم يستأثر الله- تعالى- بعلمه محظورا على الناظر المتدبر مع أنه طريق العلم وسبيل المعرفة.\nالثانى: ثبت عن الصحابة الكرام- خاصة الذين كانت لهم عناية بالتفسير منهم- أنهم قرءوا القرآن، واختلفوا فى تفسيره فيما لم يسمعوه من النبىّ ﷺ ولو لم يكن التفسير بالرأى جائزا لم اختلفوا وأبان كل منهم عن وجهة نظره واجتهاده فى الآيات.\nالثالث: لو كان التفسير بالرأى غير جائز لما كان الاجتهاد جائزا ولتتوقف الأحكام، وهذا بيّن البطلان.\nالرابع: ثبت أن النبىّ ﷺ دعا لابن عباسرضي الله عنهما- قائلا فى دعائه:\n«اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل».\nولو كان التفسير مقصورا على السماع والنقل لما كانت هناك فائدة لتخصيص رسول الله ﷺ ابن عباس بالدعاء.\nهذا ولو دققت النظر فى هذين القولين، وفى أدلتهما: لوجدت أن كلا منهما يحاول أن يتمسك برأيه ويطير به فرحا، ويتحفك بالأدلة كأنه أقنعك، وأبطل حجّة الخصم مع العلم بأن الخلاف لا يعدو أن يكون خلافا لفظيا لا حقيقيا.\nومع ذلك فلا يجوز- عند من يقول بعلم التفسير- أن يقدم على كتاب الله ليفسره عن الله- تعالى- ما لم يستجمع شروط المفسر وأدواته وهى كما يلى:\n_________\n(١) النساء: ٨٣.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>أولا: شروط المفسر:</span>\nينبغى ألا يتصدى للتفسير من لم يحط بمجمل الشروط التى حددها العلماء لمن يتصدى للبيان عن مراد الله- تعالى- وأهمها:\n١ - أن يكون المفسّر صحيح الاعتقاد بالله تعالى، فإن صحة العقيدة تقى المفسّر من تحريف النصوص، وخيانة الآيات، والوقاية من الزلل فيها.\n٢ - التخلى عن الأهواء المذهبية، والتحلى بالحق لوجه الحق دون لىّ أعناق الآيات لمذهب يروج له، أو عقيدة خاصة ينحرف بالقرآن إليها.\n٣ - ألا يخوض فى التفسير الاجتهادى حتى يتم له النظر والإثبات فى التفسير بالمأثور على النحو التالى:\nأ- أن يطلب التفسير من القرآن نفسه، فإن القرآن يشرح بعضه بعضا فى آيات مختلفة.\nب- ثم إن لم يجد: طلب التفسير من السنّة فإن النبى ﷺ هو المبين الحقيقى عن الله- تعالى- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١).\nج- ثم إن لم يجد: طلب التفسير فى أقوال الصحابة، فهم أقرب الناس جميعا إلى رؤية الوحى، ومعرفة الوقائع، وأقرب إلى التقوى وسمت النبى ﷺ، وأقرب الأجيال جميعا إلى الملكة اللغوية التى نزل بها القرآن الكريم.\nد- ثم إن لم يجد: اجتهد فى تفسير آيات الذكر الحكيم بما حصّل من الأدوات الضرورية واللازمة لكل مفسر وهى تحصيل العلوم المعينة على التفسير والبيان وأهمها:\n_________\n(١) النحل: ٤٤.","vol":"1","page":137},{"text":"١ - العلم باللغة العربية. ٢ - العلم بالنحو. ٣ - العلم بالاشتقاق.\n٤ - علم الأبنية. ٥ - علوم البلاغة الثلاثة: المعانى، والبيان، والبديع.\n٦ - علم القراءات. ٧ - علم الكلام. ٨ - علم أصول الفقه.\n٩ - علم أصول الدين. ١٠ - علم السيرة والقصص.\n١١ - علم الناسخ والمنسوخ. ١٢ - علم الحديث. ١٣ - علم الموهبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>ثانيا: آداب المفسّر:</span>\n١ - حسن النية، وسلامة القصد لله تعالى.\n٢ - حسن الخلق. ٣ - الورع والتقوى.\n٤ - تحرى الصدق والضبط فى النقل. ٥ - عزّة النفس.\n٦ - التواضع ولين الجانب. ٧ - الجهر بالحق.\n٨ - التروى والأناة فى سرّد التفسير. ٩ - حسن الإعداد وطريقة الأداء.\n١٠ - تقديم من هو فى العلم أولى منه.\nوالله أعلم***","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>نموذج من مناهج المفسرين بالرأى المحمود فخر الدين الرازى: وكتابه: مفاتيح الغيب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>التعريف به:</span>\nهو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن على. تنحدر أصوله إلى الأصل العربى فهو: بكرى من بنى تميم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>مولده:</span>\nولد أبو عبد الله فخر الدين: فى مرو من كور طبرستان فى سنة ٥٤٤ هـ.\nونسب إليه واشتهر بهذه النسبة: فخر الدين الرازى وتوفى بها سنة ٦٠٦ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>تلقيه العلم:</span>\nأخذ أكثر علومه عن أبيه خطيب الرّى فى زمانه: ضياء الدين عمر، كما أخذ عن الكمال السمعانى، والمجد الجيلى، وكثير من علماء عصره. حتى أصبح فريد عصره، ومتكلم زمانه.\nكان إماما فى علم الكلام، والعلوم الطبيعية، كما كان إماما فى العلوم العقلية وعلوم اللغة، وشدّت الرحال إليه لتلقى العلم على يديه من مختلف الأقطار.\nوصار فلتة زمانه فى الوعظ باللسانين العربى، والفارسى القديم، وربما لحقه الوجد وهو يعظ فيكثر البكاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>مؤلفاته:</span>\nخلّف الرازى مجموعة من المصنفات كتب لها القبول وتناولتها أيدى الطلاب بالبحث والدراسة إلى يومنا هذا فى مختلف الفنون وأهمها:\n١ - البيان والبرهان فى الرد على أهل الزيغ والطغيان.\n٢ - المطالب العالية فى علم الكلام.\n٣ - المحصول فى أصول الفقه.\n٤ - الملخص فى الحكمة.","vol":"1","page":139},{"text":"٥ - السر المكنون فى الطلسمات.\n٦ - شرح الإشارات لابن سينا.\n٧ - شرح الحكمة لابن سينا.\n٨ - شرح الوجيز فى الفقه للغزالى.\n٩ - شرح المفصل فى النحو للزمخشرى.\nثم: مفاتيح الغيب فى التفسير ويسمى أيضا «التفسير الكبير».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>منهج الفخر الرازى فى تفسيره</span>\nيقع «مفاتيح الغيب» فى ثمانية عشر مجلدا. وهناك خلاف على أن الفخر الرازى أتم تفسير القرآن كله أو أن الذى أكمله هو: نجم الدين القمولى المتوفى سنة ٨٢٨ هـ، أو شهاب الدين الخويّيّ المتوفى سنة ٦٣٩ هـ.\nوأيا ما كان فإن الفخر الرازى ترك لنا ذخيرة فى تفسير كتاب الله العزيز على منهج المفسرين بالرأى المحمود حظى بشهرة واسعة بين العلماء، لأن الكتاب يمتاز عن غيره بالأبحاث الكثيرة فى نواح شتى من العلوم حتى قال ابن خلكان فى وفيات الأعيان»: «جمع فيه كل غريب وغريبة».\nوأهم ما نلاحظه على الإمام فخر الدين الرازى فى منهجه التفسيرى ما يلى:\n١ - المناسبات: يعتبر كتابه أهم تفسير لذكر مناسبات السّور بعضها لبعض، بل لذكر الآيات بعضها لبعض، وفى كثير من الأحيان يذكر مناسبة آخر الآية والسورة وختمها لأولها، وربما لا يكتفى بذكر مناسبة واحدة بل يعددها. وهو فى هذا أثبت بأن كلام الله- تعالى- على غاية من الترابط والدقة والإحكام وهو ما لا نجده فى تفسير آخر.\n٢ - الاهتمام بالعلوم الرياضية والكلامية: الفخر الرازى ينتهز فرصة تفسير الآيات التى يلمح فيها أية إشارة إلى العلوم الطبيعية والكونية كالفلك، والهيئة، والطب، فيتعرض لمباحثها، ويستطرد فيها بشكل ملفت.","vol":"1","page":140},{"text":"٣ - اهتمامه بالرد على المعتزلة والفرق الكلامية: والرازى كسنّى يعتقد ما يعتقده أهل السّنة لا يترك فرصة من آية قرآنية تتعرض لها المذاهب الكلامية خاصة المعتزلة حتى يفند أقوالهم فيها، ويرد عليها.\nأما ذكر أقوالهم فإنه يستطرد فيها استطرادا يأخذ بالألباب حتى أن صاحب المذهب نفسه لا يستطيع أن يقرره مثله.\nأما تفنيد أقوالهم والرد عليها فلا يكاد يصل إلى المرتبة السابقة من التقرير ولذلك ظن بعض العلماء فى الفخر الرازى أنه ربما يميل إلى هذه المذاهب لقصوره فى الرد بالنسبة لما برز فيه من التقرير.\nلكن الطوفى يرد على ذلك بقوله: «لعل سببه أنه كان يستفرغ قواه فى تقرير دليل الخصم، فإذا انتهى إلى تقرير دليل نفسه لا يبقى عنده شىء من القوى».\n٤ - إبرازه ووقوفه عند آيات الأحكام: وأيضا فالفخر الرازى كان شافعى المذهب متمكنا من الدراسات الفقهية، فكان إذا وقف عند آية من آيات الأحكام فنّدها تفنيدا جيدا وانتصر لمذهب الشافعى انتصارا ظاهرا.\n٥ - ترتيب المسائل: وأبرز ما فى منهج الرازى أيضا أنه كان يورد الآية الكريمة ثم يذكر عدد ما يمكن أن يكون فيها من مسائل فيقول هذه الآية فيها سبع مسائل:\nالأولى: كذا وكذا، والثانية: كذا وكذا.\nولعل القرطبى تأثر بهذه الطريقة الجيدة فى الترتيب والتنسيق.\n٦ - ذكر اللغة والقراءات وأسباب النزول: ولا شك أن الرازى لم يفته فى منهجه الاعتماد على ما اعتمد عليه غالب المفسرين فى مناهجهم كالاهتمام بذكر أسباب النزول، والقراءات، واللغة، والاستدلال بالشعر على مفردات القرآن الكريم.\nولك الآن أن تنظر فى «مفاتيح الغيب». لتكتشف بنفسك ما عرضناه عليك إجمالا من بعض مناهجه، ولتبحث أنت بنفسك أيضا عما عساه نكون قد غفلنا عنه.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>نموذج من التفسير بالرأى المذموم الزمخشرى وكتابه «الكشاف»</span>\nتوطئة: ابتليت الأمة الإسلامية بالفرقة والاختلاف منذ استشهاد الخليفة الثالث عثمان بن عفانرضي الله عنه- فألبسها الله شيعا، وجعلها فرقا، وأذاق هذه الفرق بعضها بأس بعض، فكانت كما أخبر المصطفى ﷺ: «وستفترق هذه الأمة ثلاثا وسبعين فرقة كلها فى النار إلا ما كان عليه أنا وأصحابى».\nهذا: وقد تناولت كل فرقة من هذه الفرق كتاب الله﷿- تفسره بما ارتضته لنفسها من اعتدال أو تطرف، فظهرت كتب تفاسير الفرق العقائدية كأنها المرايا التى تنعكس عليها صور المفسرين لها على اختلاف مذاهبهم وتباين منازعهم، ولا غرو فكل إناء ينضح بما فيه (١).\nوالذى اشتهر من هذه الفرق وعظم أمره خمس فرق وهم:\n١ - أهل السنة. ٢ - المعتزلة. ٣ - المرجئة. ٤ - الشيعة. ٥ - الخوارج.\nوقد تناولنا نماذج من تفاسير أهل السنة سواء كان بالمأثور أو بالرأى الراجح فيما سبق أن قدمناه بين يديك وهى تفاسير ابن جرير الطبرى، والفخر الرازى والقرطبى. وهذه كلها من تفاسير أهل السنة وإن كانت فى ألوان مختلفة.\nأما الآن فنعرض لتفاسير «الفرق العقائدية» وقد اخترنا فرقة «المعتزلة»، واخترنا كتاب «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل» لجاد الله الزمخشرى.\n_________\n(١) مناهل العرفان ١/ ٦٩.","vol":"1","page":142},{"text":"أما المعتزلة: فكان أول ظهورهم ونشأتهم فى الدولة الأموية على يد «واصل بن عطاء» المتوفى سنة ١٣١ هـ، وكان أول أمره تلميذا للحسن البصرى، وهو الذى سمّاه معتزليا عند ما بدأ يجيب عن الحسن البصرى فى مسائل يتكلم منها بالعقل المجرد الذى ترفضه الناس عن مرتكب الكبيرة أنه «فى منزلة بين المنزلتين».\nومن هنا قال الحسن البصرى لواصل: «اعتزلنا واصل» فصارت علما على هذا المذهب، وبدءوا يتكلمون فى مسائل كثيرة كالقضاء والقدر وغيرهما ثم ما لبث أن استقر مذهبهم على أصول خمسة هى:\n١ - التوحيد: وهو لبّ مذهبهم، تأثروا فيه بالإباضية، وهم أول من قالوا به، وبنوا عليه رأيهم القائل: باستحالة رؤية الله﷾- يوم القيامة، وأن الصفات ليست شيئا غير الذات.\n٢ - العدل: وهو قائم عندهم على أساس أن الله تعالى لم ينشأ جميع الكائنات ولا خلقها ولا هو قادر عليها، لأن أفعال العباد لم يخلقها الله تعالى. لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أراد الله به شرعا، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته.\n٣ - الوعد والوعيد: فمعناه أن الله يجازى من أحسن بالإحسان، ومن أساء بالسوء لا يغفر لمرتكب الكبيرة ما لم يتب ولا يقبل فى أهل الكبائر شفاعة ولا يخرج أحدا منهم من النار.\n٤ - المنزلة بين المنزلتين: وهو أن مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن مطلقا ولا كافر مطلقا.\n٥ - وأما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقد قالوا: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يكون بالقلب إن كفى، وباللسان إن لم يكف القلب، وباليد إن لم يغنيا، وبالسيف إن لم تكف اليد.","vol":"1","page":143},{"text":"ومعلوم أن مذهب أهل السنة والجماعة لا يتفق مع مذهب المعتزلة فى القول بهذه الأصول. والمعتزلة ينكرون الأحاديث الصحيحة إذا عارضت مذهبهم.\nيقولون بأن كل محاولاتهم فى التفسير مرادة لله تعالى. كما يعتمدون اعتمادا قويا على اللّغة فى إثبات ما يذهبون إليه من هذه الأصول.\nكما يتذرعون بالفروض المجازية إذا بدا لهم ظاهر القرآن غريبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>الزمخشرى وكتابه:</span>\nكان الزمخشرى عالما عبقريا فذا فى علوم النحو، واللغة، والأدب، والتفسير، ويشهد لآرائه فى العربية علماء الأندلس. والزمخشرى معتزلى الاعتقاد، حنفى المذهب، ألف كتابه الكشاف فى التفسير ليدعم به حقيقته ومذهبه. واعتزاليات الزمخشرى فى تفسيره دليل على حذقه ومهارته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>قيمة الكشاف العلمية:</span>\nبصرف النظر عما فى الكشاف من الاعتزال، فإن هذا الكتاب يعد بحق قيمة علمية فريدة لم يسبق مؤلفه إليه لما أبان فيه عن وجوه الإعجاز فى غير ما آية من القرآن، ولما أظهر فيه من جمال النظم القرآنى وبلاغته، وليس مثل الزمخشرى من يستطيع أن يكشف لنا عن جمال القرآن وسحر لغته لما برع فيه من المعرفة بكثير من العلوم، لا سيما لغة العرب، وأشعارهم والإحاطة بعلوم البلاغة والبيان، والإعراب، والأدب ولقد أضفى هذا النبوغ العلمى والأدبى على تفسير الكشاف ثوبا جميلا لفت إليه أنظار العلماء (١).\nومهما قيل فى وصف الكشاف وإطرائه من ناحية إثباته لإعجاز القرآن فإن ما فى الكتاب من اعتزال جعل كثيرا من أقلام العلماء تنال منه وتضعه فى هذا\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ٤٠٧.","vol":"1","page":144},{"text":"الموضع الذى هو فيه وهو أنه منضو تحت مسمى «تفسير الفرق المبتدعة» أو التفسير بالرأى المذموم.\nويمتاز كتاب الزمخشرى «الكشاف» بأمور منها:\n* خلوه من الحشو والتطويل.\n* سلامته من القصص والإسرائيليات.\n* عنايته بعلوم البلاغة.\n* اعتماده على لغة العرب.\n* بجعل مسائله على طريقة السؤال والجواب.\n***","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>مبحث فى: التفسير الفقهى «الجامع لأحكام القرآن للقرطبى»</span>\nتوطئة: كما كان التفسير نطفة فى ظهر علم الحديث لم تشب عن الطوق إلا بعد معرفة الأمة للتدوين.\nولقد سبق أن قلنا بأنه لما عرف الناس التدوين عرفوا التبويب فاستقل علم التفسير عن علم الحديث وبدا يستقل بنفسه فى كتب ودواوين كان من أهمها كتب التفسير بالمأثور المنقول عن الأجيال الثلاثة الأولى، فاستقر علم «التفسير العام» وكان تفسيرا «موسوعيا» يشمل جميع أنواع التفسير وألوانه التى يعرفها المعاصرون فى زماننا على سبيل الاستقلال: كتفسير المبهمات، وتفسير المتشابهات، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، أو ما أطلق عليها: «التفاسير المتخصصة».\nفإن هذه التفاسير المتخصصة كانت هى الأخرى «أجنة» فى ظهر علم «التفسير العام» فما لبث الباحثون أن نقبوا على هذه التفاسير فى فنونها المختلفة حتى أخرجوها عن التفسير العام وأفردوا لها مؤلفات على سبيل الاستقلال. من هذه الألوان المختلفة يبرز لنا: التفسير الفقهى. أو: تفسير آيات الأحكام.\nلمحة تاريخية سريعة: ولا شك أن النبى ﷺ كان معنيا بطبيعة الحال حين كانت تنزل آية من آيات الأحكام أن يبينها للناس ويشرح ما فيها من أحكام شرعية. ثم جاء جيل الصحابةرضي الله عنهم- بعد ما قبض رسول الله ﷺ ولحق بالرفيق الأعلى، فكانوا يقرءون القرآن، فما فهموه بسليقتهم بحسب معطيات لغتهم التى يملكونها وميراثهم من النبى ﷺ كانوا يفسرونه ويشيعونه للناس. وربما استجدت وقائع وأحداث على الأمة الإسلامية فتكلموا فيها واستنبطوا لها من آيات القرآن الكريم أدلة يستندون إليها.","vol":"1","page":146},{"text":"ومن هنا كان الخلاف طبيعيا حول تفسير الآية التى تحتمل ألفاظها هذا الخلاف.\nوإن بدت فى ذلك الوقت نادرة الحدوث من ناحية، ومن ناحية أخرى لم تكن خلافا بالمعنى الفنى الذى يفسد للصحبة ودا، بل كثيرا ما كان أحدهما يتنازل للآخر عما فهمه ويرجع إلى قول صاحبه.\nحتى خلف من بعدهم أجيال برزت فيها حركة فقهية نشطة نتيجة سياحة المسلمين من السلف فى بلاد المسلمين ورؤيتهم لوقائع لم يعتادوها، فظهر الأئمة المجتهدون كأبى حنيفة، ومالك، والشافعى، وأحمد بن حنبل- يرحم الله الجميع.\nوما لبث أن وضع كل إمام قواعد كلية يستند عليها فى صحة استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية فى الكتاب والسنة. وبدت تظهر الكتب التفسيرية لآيات الله- تعالى- طبقا للحلال والحرام، أو ما عرف بآيات الأحكام، فظهرت طبقا لظهور هذه المذاهب تاريخيا. ولعل أقدم كتاب فى تفسير آيات الأحكام هو:\n١ - «الدراية وكنز العناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية فى تفسير خمسمائة آية» فى تفسير آيات الأحكام على مذهب الإباضية. والكتاب لأبى الحوارى: محمد بن الحوارى العمانى الإباضى، توفى أول القرن الرابع الهجرى.\n٢ - ثم فى فقه الحنفية: «أحكام القرآن» للجصاص.\n٣ - ثم فى فقه الشافعية:\nأ- كتاب: «أحكام القرآن للإمام الشافعى».\nب- كتاب: «أحكام القرآن: للكيا الهراسى.\n٤ - وفى فقه المالكية:\nأ- كتاب أحكام القرآن لابن العربى.","vol":"1","page":147},{"text":"ب- كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبى.\n٥ - ثم فى فقه الشيعة الإمامية:\nكتاب: العرفان فى فقه القرآن: لمقداد السيورى من الإمامية الاثنا عشرية.\n٦ - وفى فقه الزيدية: الثمرات اليانعة، والأحكام الواضحة القاطعة: ليوسف الثالثى الزيدى».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>القرطبى وكتابه الجامع لأحكام القرآن الكريم</span>\nالتعريف به: هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرح. أيضا أصوله عربية كالفخر الرازى: فهو من خزرج الأنصار. ظهر جدوده فى الأندلس، وفى قرطبة على وجه التحديد فنسب إليها واشتهر بها فقيل: القرطبى.\nكان رحمه الله تعالى: من عباد الله الصالحين، والعلماء العاملين العارفين بالله تعالى، الزاهدين فى الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة. وبلغ من زهده أن ترك التكلف، وصار يمشى بثوب، وعلى رأسه طاقية. وكانت أوقاته كلها بين العبادة، والتصنيف حتى أخرج للناس كتبا انتفعوا بها واستفادوا منها، وأهمها ما يلى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>مصنفاته:</span>\n١ - كتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة، ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة.\n٢ - كتاب التذكار فى أفضل الأذكار.\n٣ - شرح أسماء الله الحسنى.\n٤ - شرح التقصى.","vol":"1","page":148},{"text":"٥ - كتاب التذكرة بأمور الآخرة.\n٦ - الجامع لأحكام القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>شيوخه:</span>\nرحل القرطبى إلى مصر، واستقر بمدينة «منية ابن خصيب محافظة المنيا حاليا فى صعيد مصر، ومات بها سنة ٦٧١ هـ. سمع من الشيخ أبى العباس بن عمر القرطبى مؤلف: «المفهم فى شرح صحيح مسلم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>منهج القرطبى فى تفسيره</span>\nكتاب «الجامع لأحكام القرآن» كتاب جامع لأحكام القرآن الكريم حقيقة، حيث استوعب الكتاب جميع أنواع آيات الأحكام فى الحلال والحرام. ويقع الكتاب فى عشرين مجلدا شمل تفسير كل القرآن الكريم بصفة عامة ووقف على آيات الأحكام بصفة خاصة. يهتم الإمام القرطبى- رحمه الله تعالى- فى منهجه فى هذا الكتاب بما يلى:\nيعلق تعليقات وجيزة تتناول نكات من التفسير فى:\n١ - اللغة. ٢ - والإعراب. ٣ - القراءات.\nيرد على أهل البدع والريب والزيغ والضلالات. ويستدل بأحاديث كثيرة تشهد لما يذكره من الأحكام، ونزول الآيات جامعا بين معانيها، ومبينا ما أشكل منها بأقاويل السلف ومن تبعهم من الخلف.\nيقول الإمام القرطبى فى تحديد منهجه هذا: «وشرطى فى هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله». وكثيرا ما يجيء الحديث فى كتب الفقه والتفسير مبهما لا يعرف","vol":"1","page":149},{"text":"من خرجه إلا من اضطلع على كتب الحديث فيبقى من لا خبرة له بذلك حائرا، لا يعرف الصحيح من السقيم. وأضرب عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين إلا ما لا بدّ منه، وما لا غنى عنه للتبيين. واعتدت من ذلك تبيين آيات الأحكام بمسائل تفسر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها فضمنت كل آية تتضمن حكما أو حكمين فما زاد مسائل أبين فيها ما تحتوى عليه من أسباب النزول، وتفسير الغريب، والحكم. فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل».\nعدم التعصب: يمتاز القرطبى بميزة فريدة فهو رغم أنه «مالكى المذهب» إلا أننا لا نجد أى بادرة من بوادر العصبية المذهبية، بل كثيرا ما ينقل عن ابن العربى الذى يتناول المذاهب الأخرى خاصة الحنفية بلسانه، وربما عاب عليه القرطبى وانتقده فى ذلك. والقرطبى يحمله الإنصاف إلى حدّ الدفاع عمن يهاجمهم ابن العربى من المخالفين مع توجيه اللوم إليه أحيانا.\nوأيا ما كان فإن العلامة القرطبى كان مفسرا نزيها، عفّ اللسان، دفاعا عن أصحاب الآراء الأخرى بصرف النظر عن كونهم من المخالفين (١).\n...\n_________\n(١) الديباج المذهب فى معرفة أعيان المذهب لابن فرحون: ص ٣١٧ وما بعدها، التفسير والمفسرون ج ٢/ ٤٣٧ وما بعدها، مباحث فى علوم القرآن لمناع القطان ص ٣٨٠ وما بعدها.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الباب الثانى علم نزول القرآن الكريم</span>","vol":"1","page":151},{"text":"الباب الثانى علم نزول القرآن الكريم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>مبحث فى: وقت نزول القرآن، ومدته، وكيفيته، وحكمة تنجيمه</span>\nاختلف الباحثون فى علوم القرآن فى وقت نزول القرآن الكريم، وفى المدة التى نزل فيها.\nويرجع سبب الخلاف فى وقت النزول إلى أن القرآن الكريم نفسه ذكر ثلاث آيات انتظمت وقت النزول وهى:\n١ - قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ سورة الدخان- الآية ٣.\n٢ - قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ سورة القدر- الآية الأولى.\n٣ - قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ سورة البقرة الآية ١٨٤.\nففي أى وقت نزل: أفى الليلة المباركة؟\nأو فى ليلة القدر؟\nأو فى شهر رمضان؟\nاتفق المفسرون على أن هذه الآيات يفسر بعضها بعضا، فقد نزل فى الليلة المباركة التى هى ليلة القدر التى هى فى شهر رمضان.\nولكنهم اختلفوا بعد ذلك فى مدة النزول، وكيفيته على ثلاثة أقوال:\n(١) قال الجمهور: نزل القرآن الكريم جملة واحدة إلى بيت العزة فى السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجّما على محمد ﷺ على مدى ثلاث وعشرين سنة.\n١ - واستدلوا لذلك بما رواه البخارى عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال:\n«بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه.\nأمر بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة».","vol":"1","page":153},{"text":"٢ - وما رواه البيهقى والحاكم عن ابن عباسرضي الله عنهما- أيضا قال:\n«أنزل القرآن فى ليلة القدر فى شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوما.\n(٢) القول الثانى: أن ابتداء نزول القرآن الكريم كان فى الليلة المباركة وهى ليلة القدر من شهر رمضان ثم تتابع نزوله بعد ذلك مفرقا على الوقائع والأحداث فى ثلاث وعشرين سنة أى أن القرآن نزل ابتداء منجما مفرقا فليس له إلا هذا النزول فقط.\nوهذا قول الشعبى- يرحمه الله تعالى:\nواستدل لقوله بقول الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ (١).\n(٣) القول الثالث: أن القرآن الكريم أنزل إلى السماء الدنيا فى ثلاث وعشرين ليلة قدر أو عشرين، أو خمس وعشرين، فى كل ليلة قدر منها ما يقدر الله انزاله طول السنة.\nومعنى هذا الرأى أن القرآن الكريم كان ينزل إلى السماء الدنيا مفرقا على سنى الدعوة، ثم ينزل ما خصّ به السنة كلها منجما على وقائع هذه السنة على رسول الله ﷺ.\nوهذا مذهب بعض المفسرين منهم فخر الدين الرازى.\nكما اختلفوا فى عدد سنى الدعوة التى نزل فيها القرآن الكريم على ثلاثة أقوال أيضا:\nالأول: أنها ثلاث وعشرون سنة: ثلاث عشرة فى مكة، وعشر فى المدينة.\nالثانى: أنها خمس وعشرون سنة: خمس عشرة فى مكة، وعشر فى المدينة.\n_________\n(١) الفرقان: ٣٢.","vol":"1","page":154},{"text":"الثالث: أنها عشرون سنة: عشر فى مكة، وعشر فى المدينة.\nوهذا الرأى الأخير هو ما أخرجه ابن أبى حاتم، عن الضحاك عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال:\n«نزل القرآن جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السّفرة الكرام البررة الكاتبين فى السماء الدنيا، فنجّمته السّفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجّمه جبريل على النبى ﷺ عشرين سنة».\nوقد حقق ابن حجر فى «فتح البارى». صحة رأى الجمهور القائل بأن القرآن نزل أولا جملة واحدة إلى السماء الأولى فى بيت العزة، ثم نزل بعد ذلك منجّما على الوقائع فى ثلاث وعشرين سنة.\nأولا: لصحة الأخبار الواردة فى ذلك، وضعف غيرها.\nثانيا: تفخيم أمره وأمر منّ نزل عليه كما نقل ذلك السيوطى عن أبى شامة.\nثالثا: بيان حظ هذه الأمة من أن الله تعالى أرسل إليهم محمدا ﷺ رحمة، وأنزل القرآن إلى بيت العزة ليدخل فى حدّ الدنيا، وجاء جبريل بالرسالة والوحى كأنه تعالى أراد أن يسلم هذه الرحمة من الله تعالى إلى هذه الدنيا، نقل ذلك السيوطى عن الحكيم الترمذى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>مبحث فى: كيفية إنزال القرآن الكريم</span>\nمجمل ما ذكره المحررون فى علوم القرآن كبدر الدين الزركشى، وجلال الدين السيوطى أن القرآن الكريم أنزل على محمد ﷺ بلسان عربى مبين لفظا ومعنى، منجّما مفرقا على حسب الحوادث والوقائع فيما يخص الحوادث والوقائع أو ابتداء فيما يتعلق بالأخبار والقصص وذلك لقطعية النصوص الواردة فى هذا سواء من الكتاب أم من السنّة الصحيحة.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>فأما الكتاب فمنه:</span>\n١ - قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١).\n٢ - قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>وأما السنة فمنها:</span>\n١ - ما رواه البيهقى فى شعب الإيمان عن واثلة بن الأسقع أن النبى ﷺ قال:\n«أنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والانجيل لثلاث عشرة، خلت منه، والزبور لثمانى عشرة خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت منه».\n٢ - ما رواه البخارى عن عائشةرضي الله عنها- قالت:\n«إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شىء: «لا تشربوا الخمر» لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: «لا تزنوا» لقالوا: لا ندع الزنا أبدا».\n٣ - ما أخرجه ابن عساكر- عن أبى نضرة- قال:\n«كان أبو سعيد الخدرىرضي الله عنه- يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة، وخمس آيات بالعشى، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات.\n٤ - ما أخرجه ابن أشتة فى كتاب «المصاحف». عن عكرمة فى قوله تعالى:\nبِمَواقِعِ النُّجُومِ: قال:\n«أنزل الله القرآن نجوما ثلاث آيات، وأربع آيات، وخمس آيات».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>مبحث فى: حكمة تنجيم القرآن الكريم</span>\nلإنزال القرآن الكريم منجما مفرقا على سنى الدعوة على مدى ثلاث وعشرين سنة حكما كثيرة، وأسبابا متعددة، وبواعث هامة أفاض فيها علماء الأمة الأول\n_________\n(١) الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥.\n(٢) البقرة: ٩٧.","vol":"1","page":156},{"text":"المتكلمون فى القرآن وعلومه: كابن أبى حاتم، وابن أشتة، وأبى شامة، والسبكى، والزركشى، والسيوطى.\nومن الباحثين المعاصرين: صبحى الصالح، ومناع القطان وكثيرون غيرهما أجملوا هذه الحكم- كما لك أنت- أن تستنبط غيرها وأهمها ما يلى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>(١) تثبيت فؤاد النبى ﷺ</span>.\nوهو ما ذكره الله تعالى فى قوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ.\nأى كذلك أنزلناه منجما وليس جملة واحدة بغرض تثبيت فؤادك.\nقال ابن شامة فى «الوجيز إلى علوم تتعلق بالقرآن العزيز»:\nأى: لنقوى به قلبك، فإن الوحى إذا كان يتجدد فى كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به، وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبادة، ولهذا كان أجود ما يكون فى رمضان لكثرة لقياه جبريل».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>(٢) التحدى والإعجاز:</span>\nذلك أن لكل نبىّ معجزة، وكانت معجزات الأنبياء السابقين مسوقة بحسب مهارة أقوامهم فى فنّ يعجز عنه فيه سواهم، فتأتى المعجزة على يد نبيهم المرسل إليهم لتدحض مهارتهم، وتعجز فنهم.\nفأعطى موسى﵇- قوة فوق مهارة السحرة التى كانت مفخرة علماء فرعون وأعطى عيسى قوة فوق مهارة الطب التى كانت مفخرة بنى إسرائيل .... هكذا.\nفلما بعث محمد ﷺ فى قوم جلّ فخرهم الفصاحة والبلاغة أعطى القرآن الكريم تحديا لبلاغتهم وإعجازا لهم أن يأتوا بمثله، أو بنصفه، أو بعشر سور منه، أو بآية واحدة.","vol":"1","page":157},{"text":"والقصد من الإعجاز ليس فى مجرد الألفاظ ودقة ترتيبها، وبراعة نظمها، ولكن فيما وراء كل حرف من حروف القرآن من الدلالة على معان خفية لا يحيط بها إلا الخالق فيضع الحرف للدلالة على هذا المعنى الخفى الذى لا يعرفه المخلوق.\nيقول الله جل شأنه وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١).\nولا شك أن نزوله منجما مفرقا بضع آيات، أو حتى جزء آية على مدى هذا الزمن الذى امتد ثلاثا وعشرين سنة أبلغ فى التحدى، وأوقع لثبوت الإعجاز خاصة فيما كان\nمشركو مكة، ويهود المدينة يسوقونه للنبى ﷺ من أسئلة التحدى بين الحين والآخر ظنا منهم توقيفه وقطعه عن الجواب، فيأتى التنجيم هنا فى مكانه المناسب فى وقته المناسب.\nيقول الله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٢).\n(٣) التدرج فى التشريع:\nذلك أن النبى ﷺ بعث على رأس أمة استفحلت فيها عادات مرذولة متمكنة فى نفوسهم، ملوثة لعقولهم، راسخة فى وجدانهم، ممتزجة بدمائهم كالاعتقاد الجازم بألوهية الأوثان، وعقرهم للخمر بحيث صارت جل دمائهم التى تسيّر قلوبهم وعقولهم منها.\nفلا يعقل فى تدبير الحكماء أن تنزل هذه الأشياء وأمثالها دفعة واحدة. بل تحتاج إلى التدرج بالعلاج شيئا فشيئا.\nوهذا معنى كلام أم المؤمنين عائشةرضي الله عنها- الذى أوردناه سابقا:\n«إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب\n_________\n(١) البقرة: ٢٣ - ٢٤.\n(٢) الفرقان: ٣٣.","vol":"1","page":158},{"text":"الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شىء لا تشربوا الخمر لقالوا:\nلا ندع الخمر أبدا» أخرجه البخارى.\nهذه الثلاثة أهم أسباب تنجيم القرآن الكريم، وللطالب أن يستنبط من ذلك الشيء الكثير مثل: تيسير الحفظ والفهم، والاستفادة منه فى أصول التربية وذكر تواريخ الأمم ومجاهدة الأنبياء، وقصصهم مع أقوامهم، ومناسبة كل منها لحوادث مشابهة لنبينا محمد ﷺ، وللدلالة على أن القرآن الكريم مع طول زمن تنزيله لا ينفك عن حقيقة جزئية، ولا يتفلت من حكمة، ولا يقع فيه خلط ولا اختلاف.\n١ - وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (١).\n٢ - قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٢).\n_________\n(١) النساء: ٨٢.\n(٢) الإسراء: ٨٨.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>الباب الثالث علم أسباب النزول</span>","vol":"1","page":162},{"text":"الباب الثالث علم أسباب النزول نزل القرآن الكريم على رسول الله ﷺ منذ أخبره الوحى أن «اقرأ» وكانت هذه أول الآيات حتى ختمت بقوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.\nوما بين أول الآيات وآخرها نزولا توالى القرآن على مدى ثلاث وعشرين سنة يتنزل به الوحى وكان بشأن نزوله لا يخرج عن قسمين:\nالأول: قسم أنزله الله ابتداء غير مرتبط بسبب من الأسباب الخاصة، وإنما كما يقول الزرقانى فى «مناهل العرفان». إنما هو لمحض هداية الخلق إلى الحق (١).\nوهذا القسم هو غالب آيات القرآن الكريم.\nالثانى: قسم أنزله الله تعالى لسبب من الأسباب الخاصة كحادثة الإفك، وظهار أوس بن الصامت من زوجته خولة بنت ثعلبة ومجادلتها للنبى ﷺ وكأخذ النبى ﷺ للأسرى وعتاب الله تعالى له ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (٢) وغيرها.\nوهذا القسم هو المعنى بهذه المحاضرة، وفيه كتب العلماء بحوثهم، وألفوا الكتب لبيان أسباب النزول، وحصر الآيات التى نزل القرآن بسببها، وبيان فائدته، وطريق معرفته، ومصادره، وصيغه الواردة به، والعمل به عند تعارض الروايات، وهذا ما سنلقى عليه ضوءا كافيا فيما يلى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>مبحث فى: التعريف بعلم أسباب النزول وفوائد معرفته</span>\nيمكن حصر ماهية هذا العلم بالقول أنه:\n«العلم الذى يختص بمعرفة ما لبعض آى القرآن الكريم من سبب نزلت بشأنه، أو سؤال وقعت الآية جوابا عنه فى زمن نزول الوحى».\n_________\n(١) مناهل العرفان للشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى ١/ ١٠٦.\n(٢) الأنفال: ٦٧.","vol":"1","page":163},{"text":"علم أسباب النزول يتصل اتصالا وثيقا بعلم التفسير حتى قال ابن تيمية فيما نقله السيوطى عنه فى «الإتقان»: معرفة سبب النزول تعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» (١).\nكما نقل عن ابن دقيق العيد: «بيان سبب النزول طريق قوى فى فهم معانى القرآن» (٢).\nفها هو ذا جلال الدين السيوطى يورد هذه المزاعم، ويرد عليها مبينا فوائد هذا العلم.\nومن المستحسن أن ننقل فوائد علم أسباب النزول عن السيوطى باعتباره مصدرا أصليا قديما، يقول السيوطى (٣).\n«زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن لجريانه مجرى التاريخ، وأخطأ فى ذلك بل له فوائد:\n١ - منها: معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.\n٢ - ومنها: تخصيص الحكم بسبب النزول عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.\n٣ - ومنها: أن اللفظ قد يكون عاما، ويقوم الدليل على تخصصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعى وإخراجها بالاجتهاد ممنوع، كما حكى الإجماع عليه، ولا عبرة بمن شذ فجوّز ذلك.\n٤ - ومنها: الوقوف على المعنى، وإزالة الإشكال، قال الواحدى:\n«لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها» (٤).\n_________\n(١) الإتقان فى علوم القرآن ١/ ٨٣.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) الإتقان ١/ ٨٢ - ٨٣ ببعض التصرف.\n(٤) الإتقان للسيوطى ١/ ٨٤.","vol":"1","page":164},{"text":"مثاله: ما أشكل على مروان بن الحكم فى قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ فقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتى، وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون، فبين له ابن عباس أن الآية إنما نزلت فى أهل الكتاب- خاصة- حين سألهم النبى ﷺ عن شىء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وأروه أنهم بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، فأنزل الله فيهم وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا الآية.\n٥ - ومنها: دفع توهم الحصر، قال الشافعى ما معناه فى قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية. إن الكفار لما أحلوا ما حرّم الله، وحرموا ما أحل الله، وكانوا على المضادة والمحادة، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة فتقول: لا أكل اليوم إلا الحلاوة، والغرض المضادة لا النفى والإثبات على الحقيقة فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل» (١).\n٦ - ومنها: معرفة اسم النازل فيه الآية، وتغيير المبهم فيها لأن بيان المبهم وزوال إبهامه مفيد لردة الفضل إلى أهله كما فى قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ نزلت فى الصحابى الجليل صهيب ابن سنان الرومى. وللمتمعن أن يستنبط ما يشاء من الفوائد.\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ١/ ٨٤.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>مبحث فى: طرق معرفة أسباب النزول، ومصادره، وصيغته</span>\nإن مصادر علم أسباب النزول وطريق معرفته تتمثل فى:\nالنقل الصحيح عن مشاهدى الوحى، ومعاينى التنزيل، وهذا النقل له مصدران:\n(أ) أن يكون الراوى صحابيا، فإذا كان كذلك كان سبب النزول مقبولا لأن رواية الصحابى المعاين للتنزيل له حكم المرفوع إلى النبى ﷺ.\n(ب) إذا جاءت الرواية مرسلة عن الصحابى (أى سقط منها الصحابى) فلا تقبل هذه الرواية إلا إذا قويت واعتضدت برواية أخرى ولو مرسلة.\nوعلى هذا الأساس فلا مجال للأخذ بالاجتهاد والنظر فى هذا العلم وإنما مصدره الأساسى هو النقل المحرر عن الصحابة والتابعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>صيغ أسباب النزول</span>\nللتعبير عن سبب النزول صيغتان:\nالأول: أن يقول الصحابى:\n١ - سبب نزول هذه الآية كذا.\n٢ - حدث كذا- أو سئل ﵊ عن كذا فنزلت آية كذا فهذه الصيغة بشقيها نص صريح واضح فى سبب النزول.\nالثانية: أن يقول الصحابى: «نزلت الآية فى كذا» فمعناه أن الآية هذه تتضمن هذا الحكم وليس هذا سبب نزولها.\nوالمعول عليه فى هذه الصيغة هو القرائن الدالة على السبب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>مبحث فى: تعارض الروايات فى سبب النزول</span>\nيرجع تعارض الروايات فى سبب النزول إلى تعددها وهو نوعان:\nالأول: تعدد الروايات فى سبب نزول آية واحدة.\nالثانى: تعدد الآيات فى سبب نزول واحد.","vol":"1","page":166},{"text":"أما الأول: وهو تعدد الروايات فى سبب نزول آية واحدة؛ وهذه لها ثلاث صور:\n(١) الصورة الأولى: أن تكون الروايات الواردة فى سبب نزول الآية الواحدة كلها بصيغ غير صريحة فى سبب النزول كأن يقول كل راو: «نزلت هذه الآية فى كذا» أو «أحسبها نزلت فى كذا».\nفهذه الصورة لا تعارض فيها، لأن المراد بها التفسير وليس ذكر سبب النزول.\nإلا فى حالة واحدة: وهى ما إذا قامت قرينة على أحد هذه الأسباب بأنه فى سبب النزول فحينئذ تتعين هذه الرواية من بين أخواتها لأن تتقدم على الأخريات.\n(٢) الصورة الثانية: أن تكون الروايات المتعددة فى سبب نزول آية واحدة بعضها صريح الصيغة فى الدلالة على سبب النزول، وبعضها غير صريح، فحينئذ يتعين تقديم الرواية المصرحة بسبب النزول على غيرها.\nومثال ذلك قول الله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (١).\nفقد تعددت الروايات فى سبب نزولها بعضها مصرح بسببه كحديث جابررضي الله عنه- قال: «كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها فى قبلها جاء الولد أحول، فنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (٢).\nوبعضها غير مصرح به كما جاء عن نافع قال: «قرأت ذات يوم نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فقال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت فى إتيان النساء فى أدبارهن».\nفهذه الصيغة من ابن عمر غير صريحة فى السببية، فتقدم رواية جابر لصراحتها بأسباب النزول.\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٣.\n(٢) أسباب النزول للواحدى ص ٦٢.","vol":"1","page":167},{"text":"(٣) الصورة الثالثة: أن تكون جميع الروايات الواردة فى سبب نزول الآية الواحدة كلها صريحة فى الدلالة على سبب نزول هذه الآية.\nوهذه الصورة يتفرع عنها عدة صور منها:\n١ - أن تكون هذه الروايات المصرح بسبب نزولها أحدها صحيح دون الآخر وفى هذه الحالة يقدم الصحيح دونه.\nويمثل السيوطى بحديث جندب البجلى يرويه البخارى عنه قال:\nأ- «اشتكى النبى ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم يقربك ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (١).\nب- وأخرجه الطبرانى بسنده: «أن جروا دخل بيت النبى ﷺ فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبى ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحى، فقال: يا خولة، ما حدث فى بيت رسول الله ﷺ؟ جبريل لا يأتينى فقلت فى نفسى: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبى ﷺ ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله وَالضُّحى إلى قوله فَتَرْضى).\n* قال ابن حجر فى شرح البخارى: «قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفى إسناده من لا يعرف، فالمعتمد ما فى الصحيحين (٢).\n٢ - أن تتساوى الروايات فى الصحة،\nأ- وفى هذه الحالة يرجح أحد الروايات بكون راويها حاضر القصة مثلا.\nومثاله: ما ذكره السيوطى أيضا عن ابن مسعودرضي الله عنه- قال: «كنت\n_________\n(١) سورة الضحى.\n(٢) الإتقان للسيوطى ١/ ٩١ - ٩٢.","vol":"1","page":168},{"text":"أمشى مع النبى ﷺ بالمدينة وهو يتوكأ على حسيب فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، فقالوا: حدثنا عن الروح، فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحى، ثم قال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (١).\nوأخرج الترمذى- وصححه ابن عباس- قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية- فهذا يقتضى أنها نزلت بمكة، والأول خلافه.\nوقد رجح بأن ما رواه البخارى أصح من غيره، وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة (٢):\nب- وقد يحمل الترجيح على أن الآية قد نزلت عقب سببين أو أكثر على أزمان متقاربة.\nومثاله: ما أخرجه البخارى عن عكرمة عن ابن عباس قال:\n«إن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبى ﷺ: البينة أو حد فى ظهرك، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البيّنة؟! فأنزل وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ حتى بلغ إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣).\nوأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدى فقال: اسأل رسول الله ﷺ: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله ﷺ، فغاب السائل، فأخبر عاصم عويمرا، فقال: والله لآتين رسول الله ﷺ، فلأسألنه، فأتاه، فقال: إنه قد أنزل فيك وفى صاحبتك قرآنا ...) الحديث (٤).\n_________\n(١) الإسراء: ٨٥.\n(٢) الإتقان للسيوطى ١/ ٩٤.\n(٣) النور: ٦.\n(٤) الإتقان ١/ ٩٤.","vol":"1","page":169},{"text":"فهذا مما يجمع بينهما: بأن أول ما وقع له ذلك هلال بن أميّة، وصادف مجيء عويمر أيضا. فنزلت الآية بشأنهما. وإلى هذا مال الخطيب فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك فى وقت واحد»، وقال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب (١).\nج- فإن لم يمكن الجمع لتباعد الزمن، فإن الترجيح يحمل على تعدد نزول الآية، وتكرره.\nومثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال: «لمّا حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية، فقال: أى عمّ قل:\nلا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله.\nفقال أبو جهل، وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب.\nفقال النبى ﷺ: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنه» فنزلت ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية (٢).\nوأخرج الترمذى- وحسّنه- عن على- كرم الله وجهه-، قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان، فقال استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ. فنزلت.\nوأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود، قال: خرج النبى ﷺ يوما إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا، ثم بكى، فقال: إن القبر الذى جلست عنده قبر أمى، وإنى استأذنت ربى فى الدعاء لها فلم يأذن لى، فأنزل علىّ ما كان للنبى والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين.\nوفى هذه الأمثلة، وما هو على حالتها يجمع بين نصوصها بتعدد نزول الآية فيها (٣).\n_________\n(١) الإتقان ١/ ٩٥.\n(٢) صحيح مسلم.\n(٣) الإتقان فى علوم القرآن ١/ ٩٦.","vol":"1","page":170},{"text":"وأما الثانى: فهو تعدد نزول آيات فى سبب واحد.\nفقد ينزل فى الحادثة الواحدة آيات متعددة فى سور شتى.\nمثاله: موضوع النساء وذكر الرجال فى القرآن دون ذكرهن.\nهذا الموضوع المعين كان سببا فى نزول آيات عديدة منها:\n١ - ما أخرجه ابن جرير وغيره عن أم سلمةرضي الله عنها- قالت: «يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء فى الهجرة بشيء، فأنزل الله فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (١).\n٢ - ما أخرجه ابن جرير أيضا عن أم سلمةرضي الله عنها- قالت: «قلت يا رسول الله: ما لنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعنى منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول (إن المسلمين والمسلمات) إلى آخر الآية.\n٣ - ما أخرجه الحاكم عن أم سلمةرضي الله عنها- قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث؟ فأنزل الله وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ (٢).\nمن مفردات هذا العلم الجليل معرفة بعض الجزئيات الآتية التى نذكرها إجمالا ونحيل تفصيلها إليك فى «البرهان للزركشى ١/ ٢٢ - ٣٥، الإتقان ١/ ٨٢ - ٩٩» وهى:-\nقد يتصل بأسباب النزول ومعرفته معرفة ما يسمى ب «تقدم نزول الآية على الحكم، وقد مثل لها البغوى بقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ثم ظهر أثر الحلّ يوم فتح مكة حين قال ﷺ: «أحلت لى ساعة من نهار».\n_________\n(١) آل عمران: ١٩٥.\n(٢) النساء: ٣٢، وانظر هذه الأمثلة وغيرها عند السيوطى فى الإتقان ١/ ٩٧ - ٩٨.","vol":"1","page":171},{"text":"قد يتعدد نزول آيات مختلفات فى شأن صحابى واحد لتعدد الوقائع بشأنه:\nكسعد ابن أبى وقاص نزلت فيه أربع منها اثنتان متفرقتان فى البقرة، وواحدة فى لقمان، وواحدة فى الأنفال» (١).\nخصوص السبب وعموم الصيغة، أو يقال: عموم اللفظ وخصوص السبب.\nفقد يكون السبب خاصا وتنزل الصيغة عامة، لينبه على أن العبرة بعموم اللفظ.\nوقد قال الزمخشرى مثلا فى تفسير سورة الهمزة: «يجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه، فإن ذلك أزجر له، وأنكى فيه (٢).\n...\n_________\n(١) البرهان فى علوم القرآن ١/ ٣٣ - ٣٤.\n(٢) البرهان فى علوم القرآن ١/ ٣٣ - ٣٤.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>الباب الرابع علم معرفة أول وآخر ما نزل</span>","vol":"1","page":174},{"text":"الباب الرابع علم معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل هذا علم جليل من علوم القرآن الكريم له أهميته الخاصة التى تتركز أساسا فيما يلى:\n١ - معرفة تاريخ التشريع الإلهى الذى نزل به الوحى الكريم على رسول الله ﷺ.\n٢ - التدرج فى أحكام الله- تعالى- من خلال معرفة هذا العلم بقدر الطاقة ومناسبة كل حكم لما نزل فيه دون تعارض بين ما نزل أولا، وما نزل متأخرا عن الأول.\nوقد اهتم الباحثون المتقدمون بإبراز شخصية هذا العلم، وعدوّه علما من علوم القرآن.\nعدّه السيوطى (١) - فى الإتقان- النوع السابع من علوم القرآن، بينما عدّه الزركشى (٢) النوع العاشر، وهذا بحسب اصطلاح كل منهما فى تقسيم العلوم، ولا مشاحة فى الاصطلاح كما قال العلماء.\nهذا وقد اختلف العلماء فى تحديد أول ما نزل من القرآن الكريم، كما اختلفوا فى تحديد آخر ما نزل منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>سبب الخلاف:</span>\nويرجع سبب هذا الخلاف إلى اختلاف النصوص الواردة فى بيان أول ما نزل وبيان آخر ما نزل. ذلك أن معرفة هذا الفن لا تتأتى إلا بالنّص.\nوقد اجتهد كثير من الباحثين المعاصرين اجتهادا مشكورا مأجورا إن شاء الله تعالى من أمثال: مناع القطان، وصبحى الصالح، وغيرهما فى توضيح غرض هذا العلم.\n_________\n(١) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى: ١/ ٦٨.\n(٢) البرهان فى علوم القرآن للزركشى: ١/ ٢٠٦.","vol":"1","page":175},{"text":"ولكننا سنسلك هنا طريقا آخر للبحث حول هذا الموضوع. وإن كانت الطرق كلها تؤدى إلى الغاية المطلوبة التى هى «معرفة هذا الفن». حيث نسوق النصوص الواردة، والدالة على بيان أول النزول أو آخر النزول بحسب رواية أصحابها ممن شهدوا التنزيل، وعاصروا واقع الوحى من أصحاب رسول الله ﷺ، ثم نفند هذه الروايات لنخرج منها على أصح فهم إن شاء الله- تعالى- على النحو التالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>عرض الروايات الدالة على أول ما نزل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>القول الأول:</span>\n١ - أخرج الشيخان فى صحيحيهما عن عائشةرضي الله عنها- قالت:\n«أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يأتى حراء فيتحنث فى الليالى ذوات العدد، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجةرضي الله عنها- فتزوده لمثلها، حتى فاجأه الحق وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول الله ﷺ: فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد. ثم أرسلنى، فقال اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطنى الثالثة، حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ (ما لم يعلم)، فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره».\n٢ - وأخرج الحاكم فى «المستدرك»، والبيهقى فى «دلائل النبوة». عن عائشةرضي الله عنها قالت:\n«أول سورة نزلت من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وصححاه.\n٣ - وأخرج الطبرانى فى «المعجم الكبير». بسند على شرط الصحيح عن أبى رجاء العطاردى قال:\n«كان أبو موسى يقرئنا فيجلسنا حلقا، عليه ثوبان أبيضان، فإذا تلا هذه السورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ قال: هذه أول سورة أنزلت على محمد ﷺ.","vol":"1","page":176},{"text":"٤ - وأخرج سعيد بن منصور فى «السنن». عن عبيد بن عمير، قال: جاء جبريل إلى النبى ﷺ، فقال له: اقرأ، قال: وما اقرأ، فو الله ما أنا بقارئ، فقال:\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، فكان يقول: هو أول ما نزل».\n٥ - روى أبو عبيد فى «فضائل القرآن» عن مجاهد قال: إن أول ما نزل من القرآن «اقرأ باسم ربك» و«ن والقلم».\n٦ - وروى عن الزهرى أن النبىّ ﷺ كان بحراء إذ أتى ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى: (ما لم يعلم).\nفهذه ست روايات كلها صحيحة تدل على أن أول ما نزل هو قوله تعالى:\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>القول الثانى:</span>\n١ - روى الشيخان عن سلمة بن عبد الرحمن، قال: سألت جابر بن عبد الله:\nأىّ القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أيها المدثر، قلت: أو اقرأ باسم ربك؟ قال:\nأحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ: إنى جاورت بحراء فلما قضيت جوارى نزلت فاستبطنت الوادى فنظرت أمامى وخلفى، وعن يمينى وشمالى، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو- يعنى جبريل- فأخذتنى رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثرونى، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ.\nوهذا الحديث صحيح الرواية، ودليل قوى لمن يقول أن أول ما نزل: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>القول الثالث:</span>\n١ - أخرج البيهقى فى «دلائل النبوة»، والواحدى بطرقهما عن عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة\" «إنى إذا خلوت وحدى سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا».\nفقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدى الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث.","vol":"1","page":177},{"text":"فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له، وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة، فانطلقا فقص عليه، فقال: إذا خلوت وحدى سمعت نداء خلفى: يا محمد ..\nيا محمد ..، فأنطلق هاربا فى الأفق»: فقال: لا تفعل إذا أتاك فأثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتنى فأخبرنى، فلما خلا ناداه: يا محمد: قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى بلغ (ولا الضالين) وهذا حديث مرسل، ورجاله ثقات (١).\nالقول الرابع:\n١ - نقله السيوطى فى «الإتقان» حكاية النقيب فى مقدمة تفسيره، أن أول ما نزل (بسم الله الرحمن الرحيم).\n٢ - أخرج الواحدى بإسناده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن (بسم الله الرحمن)، وأول سورة (اقرأ باسم ربك).\n«أول ما نزل جبريل على النبى ﷺ قال: يا محمد استعذ، ثم قل: (بسم الله الرحمن الرحيم).\nوهذه أيضا أدلة ثلاثة للقول الرابع على أن أول ما نزل من القرآن الكريم هو:\n(بسم الله الرحمن الرحيم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>تحقيق هذه الأقوال:</span>\nبعد استعراض نصوص الأقوال الأربعة نجد أن ظاهرها التعارض والتضارب فى إثبات أول ما نزل من القرآن الكريم.\nوالحقيقة أنه ليس ثمة تعارض على الإطلاق بين هذه الأقوال جميعا، وتحقيق ذلك على ما يأتى:\n١ - أن أول ما نزل على الإطلاق هو قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ٧١١.","vol":"1","page":178},{"text":"أولا: كثرة الروايات والطرق المروية عن أول ما نزل وأنه على التعيين (اقرأ باسم ربك) مع صحة هذه الروايات كلها.\nثانيا: أن الاستعاذة والبسملة داخلتان فى هذه السورة، وفى كل سورة فى القرآن الكريم على ما حققه العلماء ما خلا سورة «براءة» فإنها خلت من البسملة.\nوبذلك يكون القول الرابع مندرج فى القول الأول تأصيلا.\nثالثا: لا تعارض بين حديث عائشةرضي الله عنها- وبين حديث جابررضي الله عنه- لأنه بالتأمل والنظر يجاب بما أجاب به السيوطى فى الإتقان عن إزالة هذا التعارض، وألخص هذه الأجوبة فيما يأتى:\n(١) أول ما نزل هو «اقرأ» والسؤال لجابررضي الله عنه- كان عن أول سورة نزلت كاملة. و(اقرأ) نزلت فقط إلى (علم الإنسان ما لم يعلم).\n(٢) أن أول ما نزل من الوحى الكريم هو (اقرأ) ثم فتر الوحى بعد ذلك مدة على ما هو معلوم من كتب السيرة، فكان أول ما نزل بعد فتور الوحى هو (يا أيها المدثر قم فأنذر)، فالمراد هنا أولوية مخصوصة لا أولوية مطلقة.\n(٣) أن جابرارضي الله عنه- أجاب عن سؤال السائل مجتهدا، وليس هو من الرواة عن رسول الله ﷺ، فيقدم عليه رواية عائشةرضي الله عنها.\n(٤) أن الأولوية لآية (يا أيها المدثر)، (أولوية خاصة بالأمر بالإنذار، أى أنها أول آية نزلت فى «الإنذار».\n(٥) أنها أولوية بسبب متقدم وهو ما وقع من تدثر النبى بسبب الخوف والرعب مما رآه أول مرة من صورة الملك. وأن (اقرأ) نزلت بغير سبب متقدم.\nرابعا: أما عن القول «الثالث» بأن أول ما نزل هو (الحمد لله رب العالمين).\nفقد نقل عن أبى بكر القاضى، فى كتاب «الانتصار». أن الخبر منقطع (١).\n_________\n(١) مباحث فى علوم القرآن لمنّاع القطان ص ٦٨.","vol":"1","page":179},{"text":"كما نقل عن السيوطى أن فيه إرسالا مع ثقات رجاله أو هو خبر عن نزولها بعد (اقرأ) والمدثر وبهذا يتبين من عرض هذه الروايات أنه لا تعارض بينها، وأنه ثبت أن أصحها هو رواية عائشةرضي الله عنها- فى أن أول ما نزل هو (اقرأ باسم ربك).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>مبحث فى: ما نزل من القرآن أولا فى موضوعات مختلفة</span>\nذكر السيوطى فى «الإتقان». جملة من الآيات الكريمة نزلت أوائل ما نزلت ولكنه رتبها على موضوعات أفرد لكل موضوع أوائله، وننقله عنه بترتيب، مع التصرف فى النقل للعودة إلى مصادر أخرى على النحو التالى (١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>موضوع القتال:</span>\n١ - روى الحاكم فى «المستدرك»، عن ابن عباسرضي الله عنهما-: «أن أول أية نزلت فى القتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا (٢).\n٢ - روى الحاكم فى «الإكليل». قال: «إن أول ما نزل فى القتال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>موضوع القتل:</span>\n١ - أخرج ابن جرير عن الضحاك، أول ما نزل فى شأن القتل وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>موضوع الخمر:</span>\n١ - روى الطيالسى عن ابن عمر، قال: نزل فى الخمر ثلاث آيات:\nفأول شىء: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (٥) الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها- كما قال الله- فسكت عنهم.\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ١/ ٧١.\n(٢) الحج: ٣٩.\n(٣) التوبة: ١١١.\n(٤) الإسراء: ٣٣١.\n(٥) البقرة: ٢١٩.","vol":"1","page":180},{"text":"٢ - ثم نزلت هذه الآية: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى (١) فقيل:\nحرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم.\n٣ - ثم نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ (٢) فقال رسول الله ﷺ: حرمت الخمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>موضوع الأطعمة:</span>\n١ - أول آية نزلت فى الأطعمة بمكة آية الأنعام: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا (٣).\n٢ - ثم آية النحل: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا (٤) إلى أخرها.\n٣ - وبالمدينة، آية البقرة إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ (٥) الآية.\n٤ - ثم آية المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الآية، قاله ابن الحصار (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>موضوع السجدات:</span>\n١ - روى البخارى عن ابن مسعود ﵁ قال:\nأول سورة أنزلت فيها سجدة «سورة النجم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>موضوع أول ما أنزل من آيات سورة «براءة»:</span>\n١ - أخرج الفريابى عن مجاهد قال:\nأول ما أنزل الله تعالى من سورة براءة لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ (٧).\n٢ - أخرج أيضا عن أبى الضحى قال:\nأول ما نزل من «براءة» انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا (٨).\n٣ - أخرج ابن أشتة فى كتاب «المصاحف» عن أبى مالك، قال:\nكان أول براءة انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا.\n_________\n(١) النساء: ٤٣.\n(٢) المائدة: ٩٠.\n(٣) الأنعام: ١٤٥.\n(٤) النحل: ١١٤.\n(٥) البقرة: ١٧٣.\n(٦) الإتقان ١/ ٧٥.\n(٧) التوبة: ٢٥.\n(٨) التوبة: ٤١.","vol":"1","page":181},{"text":"ثم أنزلت «براءة أول السورة، فألفت بها أربعين آية».\n٤ - وأخرج ابن أشتة فى «المصاحف». أيضا من طريق داود، عن عامر فى قوله تعالى: انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا قال:\nهى أول آية نزلت فى غزوة تبوك، فلما رجع من تبوك نزلت «براءة». إلا ثمان وثلاثين آية من أولها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>موضوع أول ما نزل من آيات سورة «آل عمران»:</span>\n١ - أخرج ابن أشتة فى «المصاحف» عن سعيد بن جبير، قال:\nأول ما نزل من آل عمران: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>مبحث فى: آخر ما نزل من القرآن الكريم</span>\nكما اختلف الرواة فى أول ما نزل اختلفوا كذلك فى آخر ما نزل.\nوهذه الاختلافات كلها سواء فى أول أو فى آخر ما نزل خلافات شكلية مردها إلى:\n(١) اختلاف الرواة بحسب اجتهاداتهم الشخصية.\n(٢) يحتمل أن كل راو منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبى ﷺ فى اليوم الذى مات فيه، أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو.\n(٣) ويحتمل أيضا أن تنزل هذه الآية التى هى آخر أية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك فيظن أنه آخر ما نزل فى الترتيب (٢).\nولذلك نقل الزركشى فى «البرهان» عن القاضى أبى بكر فى الانتصار قال:\n«وهذه الأقوال ليس فى شىء منها ما رفع إلى النبى ﷺ، ويجوز أن يكون قاله\n_________\n(١) آل عمران: ١٣٨.\n(٢) البرهان للزركشى ١/ ٢١٠.","vol":"1","page":182},{"text":"قائله بضرب من الاجتهاد، وتغليب الظن، وليس العلم بذلك من فرائض الدين، حتى يلزم ما طعن به الطاعنون من عدم الضبط» (١).\nوقد نقل كل من الزركشى فى «البرهان» والسيوطى فى «الإتقان». بعض ما روى فى آخر ما نزل ننقله عنهما بعبارة «السيوطى» لأنه أكثر استقصاء:\nأخر آية فى سورة النساء يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ.\n١ - رواه الشيخان عن البراء بن عازبرضي الله عنه.\n* آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا (٢).\n١ - روى البخارى عن ابن عباسرضي الله عنهما- أنها آخر ما نزل.\n٢ - روى البيهقى عن عمررضي الله عنه- مثله.\n٣ - روى ابن مردوية عن أبى سعيد الخدرى، قال: خطبنا عمر، فقال: إن من آخر القرآن نزولا آية الربا (٣).\n* آية: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ (٤) الآية.\n١ - أخرج النسائى من طريق عكرمة عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال:\nآخر شىء نزل من القرآن وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ.\n٢ - وأخرج ابن مردوية من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباسرضي الله عنهما- بلفظ «آخر آية نزلت».\n٣ - وهى آية رواية ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس،\n٤ - وقال الفريابى فى «تفسيره». من طريق ابن صالح عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال: آخر آية نزلت وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ الآية.\nوكان بين نزولها وبين موت النبى ﷺ واحد وثمانون يوما.\n_________\n(١) البرهان للزركشى ١/ ٢١٠.\n(٢) البقرة: ٢٧٨.\n(٣) الإتقان للسيوطى ١/ ٧٧.\n(٤) البقرة: ٢٨١.","vol":"1","page":183},{"text":"٥ - وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير، قال:\nآخر ما نزل من القرآن كله وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ الآية.\nوعاش النبى ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.\n٦ - وأخرج ابن جرير مثله عن ابن جريج.\n٧ - وأخرج من طريق عطية عن أبى سعيد قال: كان آخر أية وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ.\nقال السيوطى معلقا على آية الربا، وآية الدين المتقدمتين:\n«ولا منافاة عندى بين هذه الروايات فى آية الربا وَاتَّقُوا يَوْمًا وآية الدين، لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها فى المصحف، ولأنها قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح، وقول «البراء» آخر ما نزل (يستفتونك) أى فى شأن الفرائض.\n* آية: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (١).\n١ - روى الحاكم فى «المستدرك» عن أبىّ بن كعب، قال: آخر آية نزلت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة.\n٢ - روى عبد الله بن أحمد فى «زوائد المسند» وابن مردوية عن أبىّ بن كعب أنهم جمعوا القرآن فى خلافة أبى بكر، وكان رجال يكتبون، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة «براءة» ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٢). ظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم «أبىّ بن كعب» إن رسول الله ﷺ أقرأنى بعدها آيتين لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى قوله وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وقال هذا آخر ما نزل من القرآن.\n_________\n(١) التوبة: ١٢٨، ١٢٩.\n(٢) التوبة: ١٢٧.","vol":"1","page":184},{"text":"قال: فحتم بما فتح به: بالله الذى لا إله إلا هو، وهو قوله وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (١).\n٣ - وأخرج ابن مردوية عن أبىّ أيضا: آخر القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ.\n٤ - أخرجه ابن الأنبارى بلفظ «أقرب القرآن بالسماء عهدا».\n٥ - وأخرج أبو الشيخ فى «تفسيره عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال:\nآخر آية نزلت لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ.\n* آية: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ\n١ - أخرج مسلم عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال: آخر سورة نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ.\n* سورة المائدة:\n١ - أخرج الترمذى، والحاكم عن عائشةرضي الله عنها- قالت: آخر سورة نزلت «المائدة» فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه. الحديث.\n* سورة «براءة»\n١ - روى عثمانرضي الله عنه- قال: براءة من آخر القرآن نزولا» (٢).\nقال البيهقى: «يجمع بين هذه الاختلافات- إن صحت- بأن كل واحد أجاب بما عنده.\n* آية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ ... (٣).\n١ - أخرج ابن جرير عن معاوية أنه تلا هذه الآية، وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.\n_________\n(١) الأنبياء: ٢٥.\n(٢) الإتقان ١/ ٧٩.\n(٣) الكهف: ١١٠.","vol":"1","page":185},{"text":"قال ابن كثير: هذا أثر مشكل، ولعله أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها، ولا تغير حكمها، بل هى محكمة.\nقلت: ومثله ما أخرجه البخارى وغيره عن ابن عباسرضي الله عنهما.\nقال: آية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ (١) هى آخر ما نزل، وما نسخها شىء.\n* آية: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ (٢).\nقالت أم سلمةرضي الله عنها-: هى آخر آية نزلت .. إلى آخرها.\nقال السيوطى معلقا: قلت وذلك أنها قالت: يا رسول الله أرى الله تعالى يذكر الرجال، ولا يذكر النساء فنزلت.\n١ - وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ (٣).\n٢ - ونزلت: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ (٤).\n٣ - ونزلت هذه الآية، فهى آخر الثلاثة نزولا، أو آخر ما نزل بعد ما كان ينزل فى الرجال خاصة (٥).\n* آية فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ (٦).\n١ - قال أنسرضي الله عنه- إنها آخر ما نزل.\n* آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي (٧).\nقال السيوطى فى «الإتقان». هذا من المشكل، لأن الله أنزلها بعرفة عام حجة الوداع، وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها، وقد صرح بذلك جماعة منهم السدّى فقال: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام، مع أنه وارد فى آية الربا، والدين، والكلالة أنها نزلت بعد ذلك، وقد استشكل ذلك ابن جرير، وقال: الأولى\n_________\n(١) النساء: ٩٣.\n(٢) آل عمران: ١٩٥.\n(٣) النساء: ٣٢.\n(٤) الأحزاب: ٣٥.\n(٥) الإتقان: ١/ ٨.\n(٦) التوبة: ٥.\n(٧) المائدة: ٣.","vol":"1","page":186},{"text":"أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم بإفرادهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون لا يخالطهم المشركون، ثم أيده بما أخرجه من طريق ابن أبى طلحة عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال: كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا، فلما نزلت براءة نفى المشركون عن البيت، وحج المسلمون لا يشاركهم فى البيت الحرام أحد من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي (١).\n...\n_________\n(١) البرهان للزركشى ١/ ٢٠٩، الإتقان للسيوطى ١/ ٨١، مباحث فى علوم القرآن لمنّاع القطان ص ٦٩ - ٧١.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الباب الخامس علم معرفة المكى والمدنى</span>","vol":"1","page":189},{"text":"الباب الخامس علم معرفة المكى والمدنى لا شك أن الأمة الإسلامية معنية بأساس قيام حضارتها وهو «الوحى الإلهى». بصفة عامة سواء كان قرآنا أم سنة.\nولما كان القرآن الكريم هو «الوحى الجلى». الذى لا مرية فيه ولا مراء، لذلك أخذ من جهود العلماء أقصى عناية فى الترتيب، والرسم، والقراءة، والتفسير حتى تعددت علومه، وكثرت فنونه، وكلها لكلام الله خادم.\nومن جملة العلوم المهمة فى علوم القرآن الكريم علم معرفة «المكّى والمدنى» ولنشرع الآن فى إلقاء بعض الضوء على هذا العلم، لنتحدث فيه عن «ماهية هذا العلم، وفائدته، وطريق معرفته، وخصائص المكى والمدنى، وما قيل فى حصر ما هو مكى ومدنى، ونبذة عن كلام بعض المستشرقين.\nأولا: ماهية هذا العلم: بالاستقراء، وتتبع كتابات الباحثين قدامى أو محدثين يمكن تعريف هذا العلم بأحد طريقين:\n١ - هو: العلم الذى يختص بآيات القرآن الكريم من حيث الترتيب الزمانى والمكانى، والشخصى، والموضوعى فى آن واحد.\n٢ - هو: علم يختص بالترتيب الزمانى، والمكانى، والشخصى، والموضوعى لآيات القرآن الكريم.\nوقد كتب الباحثون قديما وحديثا:\nأ- فمن أهم مصادره الأساسية قديما:\n(١) كتب السنّة المشرفة التى لأصحابها سلسلة رواية فيها.\n(٢) كتب التفسير بالمأثور.\nب- ومن أهم ما صنّف فى هذا العلم على سبيل الاستقلال، ومن صنّف فيه.","vol":"1","page":191},{"text":"(٣) مكّى، ثم العزّ الدرينى، وإن كنا لا نعرف عن مكان مصنفاتهما شيئا.\n(٤) بدر الدين الزركشى: فى كتابه «البرهان فى علوم القرآن».\n(٥) جلال الدين السيوطى فى كتابه «الإتقان فى علوم القرآن».\nج- ومن الكتب الحديثة:\n(٦) محمد عبد العظيم الزرقانى فى كتابه «مناهل العرفان فى علوم القرآن».\n(٧) صبحى الصالح فى كتابه: «مباحث فى علوم القرآن».\n(٨) منّاع القطان فى كتابه «مباحث فى علوم القرآن» وآخرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>مبحث فى: فائدة معرفة المكى والمدنى</span>\nالأول: أنه من أشرف علوم القرآن، وعليه كان اهتمام الصحابة العلماء كعلىّ وابن مسعود، وابن عباسرضي الله عنهم.\nأخرج البخارى عن ابن مسعودرضي الله عنه- قال: «والله الذى لا إله غيره، ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟» الحديث، ومثله مروى أيضا عن [على] كرم الله وجهه.\nالثانى: أن معرفة المكى والمدنى رافد هام من روافد معرفة الناسخ والمنسوخ.\nيقول الزرقانى: «تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم فى موضوع واحد، وكان الحكم فى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفا للحكم فى غيرها، ثم عرف أن بعضها مكى وبعضها مدنى، فإننا نحكم بأن المدنى منها ناسخ للمكى نظرا إلى تأخر المدنى عن المكى» (١).\nللباحثين العاملين فى المجالات الآتية:\nأ- المفسرون لكتاب الله تعالى: فمن لم يكن على دراية تامة بهذا العلم لا يليق له أن يتصدى للتفسير.\n_________\n(١) مناهل العرفان ١/ ١٩٥.","vol":"1","page":192},{"text":"ب- الفقهاء المجتهدون.\nج- الأصوليون المستنبطون للقواعد العامة.\nالثالث: التعرف على طريقة عرض الدعوة الإسلامية على الناس فى مختلف مراحل نمو المجتمعات.\nففي عرض الإسلام على مجتمع «ما» يبدأ الداعية فى التركيز على جانب العقيدة، وتصفية النفوس من الخضوع لغير الله تعالى .. وتكون مادته هى «المرحلة المكية بسورها وآياتها». ثم يبدأ فى المرحلة الثانية ببيان الأوامر، والنواهى، والحلال والحرام .. وتكون مادته هى المرحلة المدنية بسورها وآياتها.\nوللمستنبط أن يعمل فكره لاستخلاص فوائد أخرى كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>مبحث فى: طرق معرفة المكى والمدنى</span>\nاعلم أن طريق معرفة أىّ علم من علوم الإسلام إنما يعتمد على واحد من الاثنين الآتيين، أو هما معا:\nأ- إما على السماع: (أى الرواية والنقل) وهذا هو أصل علوم الحديث، وعلوم القرآن التى تفرعت عنهما سائر العلوم.\nب- أو على القياس (أى الاستقراء العقلى) والنظر فى الأدلة، والاجتهاد فى استخراج كنوز المعرفة.\nوعلم المكى والمدنى واحد من العلوم التى تعتمد على هاتين الطريقتين.\nوقد ذكر العلماء فى معرفة المكى والمدنى أنه لم يرد فيه شىء عن النبىّ ﷺ والأجدر لطالب العلم أن ننقل عن الزركشى ما نقله هو عن «أبى بكر الباقلانى» عبارته المشهورة فى ذلك من كتاب «الانتصار» فيقول:\n«إنما هذا- أى طريق معرفة المكى والمدنى- يرجع لحفظ الصحابة وتابعيهم، كما أنه لا بدّ فى العادة من معرفة معظمى العالم والخطيب- وأهل الحرص على","vol":"1","page":193},{"text":"حفظ كلامه، ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولا وآخرا.\nوحال القرآن فى ذلك أمثل، والحرص عليه أشد غير أنه لم يكن من النبى ﷺ فى ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا، وفصّله لهم. ولو كان كذلك منه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب فى بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ ليعرف الحكم الذى تضمنهما، فقد يعرف ذلك بغير نصّ الرسول بعينه، وقوله هذا هو الأول المكى، وهذا هو الآخر المدنى. وكذا الصحابة والتابعون من بعدهم لمّا لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكى والمدنى مما لا يسوغ الجهل به لم تتوفر الدواعى على إخبارهم به، ومواصلة ذكره على أسماعهم، وأخذهم بمعرفته، وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف فى بعض القرآن هل هو مكى أو مدنى، وأن يعملوا فى القول بذلك ضربا من الرأى والاجتهاد. وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكى والمدنى، ولم يجب على منّ دخل فى الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه: مكية أو مدنية.\nفيجوز أن يقف فى ذلك، أو يغلب على ظنه أحد الأمرين.\nوإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته فى الناس ولزوم العلم به لهم، ووجود الارتفاع فيه» انتهى كلام الباقلانى (١).\nوإذا أنت- أيها القارئ- فهمت هذه العبارة خلصت إلى نتيجة وهى:\nلا يروعنك اختلاف الصحابة فى ترتيب السور كما حدث فى مواقف كلّ من أبىّ ابن كعب، وابن مسعود وغيرهما، إذ لم يكن خلافهما يؤدى إلى شىء من الانزعاج، ويبقى الأمر بعد ذلك على الاجتهاد والاستقراء العقلى، وهو ما جعل كثيرا من الباحثين يضعون القواعد والضوابط النظرية لتحديد المكى من المدنى، وسنذكرها فيما يلى:\n_________\n(١) البرهان فى علوم القرآن للزركشى ١/ ١٩١ - ١٩٢.","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>أولا: الفرق بين المكى والمدنى</span>\nيقول السيوطى فى «الإتقان»:\n«أعلم أن للناس فى المكى والمدنى اصطلاحات ثلاثة:\nأشهرها: أن المكى ما نزل قبل الهجرة، والمدنى ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة عام الفتح، أم عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار.\nأخرج عثمان بن سعد الرازى بسنده إلى يحيى بن سلام، قال: ما نزل بمكة، وما نزل فى طريق المدينة قبل أن يبلغ النبى ﷺ المدينة فهو من المكىّ.\nوما نزل على النبى ﷺ فى أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدنى وهذا أثر لطيف يؤخذ منه أن ما نزل فى سفر الهجرة «مكىّ» اصطلاحا.\nالثانى: أن المكىّ ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدنى ما نزل بالمدينة.\nوعلى هذا تثبت الواسطة، فما نزل بالأسفار لا يطلق عليه مكىّ ولا مدنى.\nوقد أخرج الطبرانى فى «الكبير». من طريق الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن ابن عامر عن أبى أمامة قال: قال رسول الله ﷺ.\n«أنزل القرآن فى ثلاثة أمكنة: مكة والمدينة، والشام» قال الوليد: (يعنى: بيت المقدس، وقال الشيخ عماد الدين بن كثير: بل تفسيره: بتبوك أحسن).\nقلت (أى السيوطى): ويدخل فى مكة ضواحيها كالمنزل بمنى، وعرفات، والحديبية، وفى المدينة: ضواحيها؛ كالمنزل ببدر، وأحد وسلع.\nالثالث: أن المكى ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدنى ما وقع خطابا لأهل المدينة» (١).\nولذلك يحلو لبعض المعاصرين من الباحثين أن يقول: إن العلماء فى التفريق بين المكىّ، والمدنى نظروا إما إلى المخاطبين، وبعضهم نظر إلى المكان وبعضهم نظر إلى الزمان. يعنون بذلك اختلاف مصطلحهم فى تحديد المكى من المدنى.\n_________\n(١) الإتقان ١/ ٢٣.","vol":"1","page":195},{"text":"ولذلك لاحظوا بدقة بعض الضوابط والخصائص نذكرها فيما يأتى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>ثانيا: ضوابط ومميزات المكىّ والمدنى</span>\nاستنبط العلماء ضوابط ومميزات اجتهادية لكل من المكىّ والمدنى على النحو التالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>أ- المكىّ: ضوابطه ومميزاته:</span>\n* كل سورة مفتتحة بحروف التهجى (وتسمى حروف التحدى) فهى مكية.\n* كل سورة فيها لفظ (كلّا) فهى مكية، وهى مذكورة فى خمس عشرة سورة فى النصف الأخير من القرآن ثلاثا وثلاثين مرة.\n* كل سورة فيها قصة آدم وإبليس، فهى مكية.\n* كل سورة فيها قصص الأنبياء والقرون الماضية فهى مكية.\n* كل سورة فيها آية سجدة فهى مكية.\n* كل سورة فيها (يا أيها الناس) دون ذكر (يا أيها الذين آمنوا) فهى مكية هذا مع أن المكى لوحظ بتمعن النظر فيه أنه:\n١ - أسلوبه: يعتمد على: إيجاز العبارة، وقصر الفاصلة، وجزالة اللفظ، وقوة الجرس الذى يدق القلوب.\n٢ - موضوعه: يعالج قضية الإيمان من وحدانية، وبعث، وحساب، وجنة ونار، وإثبات الرسالة، وسوق الأدلة والبراهين، وضرب المثل.\nفهذه المرحلة المكية- إذا- راعت ظروف: ضعف الإسلام، وقلة عدد المسلمين، فتوجهت إلى الصفح والمهادنة بغرض الوصول إلى تثبيت العقيدة، وقطع دابر الشرك فتركز اهتمام هذه المرحلة على إصلاح الجبهة الداخلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>تنبيه هام:</span>\nينبغى أن يعرف طالب العلم أن هذه الضوابط والمميزات ليست قطعية. وإنما","vol":"1","page":196},{"text":"هى مجرد اجتهادات نظرية، وكل واحد منها «منقوض» بمثال أو أكثر، مما يدل على أن الحكم فيها ليس على الجميع، وإنما على المجموع. وانظر إلى ما يلى:\n* ضابط حروف التهجى، وقع منه فى «المدنى» سورتى البقرة وآل عمران.\n* ضابط آدم وإبليس فى «البقرة» وهى مدنية لا مكية.\n* ضابط «يا أيها الناس» فى «النساء» وهى مدنية لا مكية وقس على ذلك.\nب- المدنى: ضوابطه ومميزاته:\n* كل سورة ذكر فيها النفاق والمنافقين فهى مدنية، لأنه لم يكن بمكة نفاق أصلا، وإنما إيمان مطلق، أو كفر بواح.\n* كل سورة فيها حدّ، أو أمر بفريضة فهى مدنية.\n* كل سورة ذكر فيها «أمر بالجهاد والقتال» فهى مدنية.\n* كل سورة فيها جدال مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهى مدنية.\n* كل سورة فيها خطاب للمؤمنين غالبا.\nهذا أيضا مع أنّ المدنى لوحظ بإمعان النظر والتدبر فى قراءته أن له مميزات فى:\nأ- أسلوبه: يعتمد على طول العبارة، وسلاسة الجرس، ومخاطبة العقل، كما أنها ذات مقاطع طويلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>ب- موضوعه:</span>\n١ - دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالإسلام، وتبكيت إخفائهم ما أنزل الله فى كتبهم بشأن دعوة محمد ﷺ وشخصه.\n٢ - كشف حقائق النفاق والمنافقين، وتحليل ما فى داخل نفوسهم، والتحذير من خطرهم.\n٣ - فرض الأحكام الشرعية: وإعلان المبادئ التى يقوم عليها الدين الجديد من عبادات، ومعاملات، وأحوال شخصية، وعلاقات دولية سلّما أو حربا، أو عهودا ومواثيق.","vol":"1","page":197},{"text":"فهذه المرحلة المدنية- إذا- راعت ظروف الدعوة الإسلامية فى ناحيتين هامتين:\nالأولى: إعداد الجبهة الداخلية ليشتمل هذا الإعداد كافة الأنظمة التى تقوم عليها المجتمعات المنظّمة، من تشريعات قانونية، وأنظمة اجتماعية أسرية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو حربية.\nواقتلاع جذور النفاق، واستئصال شأفة المنافقين باعتبارهم فئة معوقة ومثبطة لهمة الدعوة.\nالثانية: الإعداد للعمل الخارجى: وغايته تحرير الإنسان فى كل مكان من ربقة الكفر والشرك إلى نور الإيمان بالله والعبودية له وحده، وشمل فى ذلك:\nأ- الدعوة بالرفق واللين بواسطة البعوث وإرسال الكتب.\nب- تجهيز الجيوش وإعداد الجند، وترتيب الأجناد.\nوما سبق أن ذكرناه فى «تنبيه الطالب». حول خصائص ومميزات المكى نعود لنذكره به أيضا هنا. وهو أن هذه الضوابط والمميزات إنما هى أمور استقرائية تختلف فى كل مسألة، فالحكم فيها على «المجموع». لا على الجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>مبحث فى: حصر المكى والمدنى وكلها (مائة وأربع عشرة سورة)</span>\nأسهب كل من الزركشى والسيوطى فى حصر وتحديد المكى والمدنى وتوابعهما، وسأذكر لك ذلك إجمالا، وأحيلك على هذين الكتابين إن أحببت الإسهاب وزيادة المعلومة (١).\n_________\n(١) هذا الحصر مرتب حسب ترتيب سور مصحف عثمان، أما عند الزركشى والسيوطى فهى مرتبة طبقا لروايات الرواة حسب نزولها فلم نشأ أن نذكرها هنا بنفس نظامها لأنه خاص بعلم أول ما نزل وآخر ما نزل وعلى كلّ فراجعه عندهما: (البرهان- الجزء الأول من ١٩٢ - ٢٠٥، الإتقان- الجزء الأول من ٢٤ - ٥٠)،","vol":"1","page":198},{"text":"(١) السور المدنية: أصح ما قيل فيها أنها عشرون سورة:\n(١) البقرة.\n(٢) آل عمران.\n(٣) النساء.\n(٤) المائدة.\n(٥) الأنفال.\n(٦) التوبة.\n(٧) النور.\n(٨) الأحزاب.\n(٩) محمد.\n(١٠) الفتح.\n(١١) الحجرات.\n(١٢) الحديد.\n(١٣) المجادلة.\n(١٤) الحشر.\n(١٥) الممتحنة.\n(١٦) الجمعة.\n(١٧) المنافقون.\n(١٨) الطلاق.\n(١٩) التحريم.\n(٢٠) النصر.\n(٢) السّور المختلف فيها: اثنتا عشرة سورة هى:\n(١) الفاتحة.\n(٢) الرعد.\n(٣) الرحمن.\n(٤) الصف.\n(٥) التغابن.\n(٦) المطففين.\n(٧) القدر.\n(٨) البينة.\n(٩) الزلزلة.\n(١٠) الإخلاص.\n(١١) الفلق.\n(١٢) النّاس.\n(٣) السّور المكية: ثنتان وثمانون سورة، وهى باقى سور القرآن الكريم على حسب ترتيب مصحف عثمان الذى بين أيدينا.\n(٤) الآيات المكية فى السّور المدنية (١).\n١ - الأنفال: ٣٣ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ الآية.\n٢ - التوبة: ١٢٨ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة.\n٣ - الرعد: ٣١ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا إلى هنا.\n_________\n(١) البرهان للزركشى ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣.","vol":"1","page":199},{"text":"٤ - الحج: أربع آيات ٥٢ - ٥٥ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى إلى قوله تعالى أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ.\n(٥) الآيات المدنية فى السّور المكية:\n١ - الأنعام: كلها مكية ما عدا ست آيات هى:\n* آية ٩١ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى آخر الآية نزلت فى مالك بن الصيف (١).\n* آية ٩٢ - ٩٣ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ (٢). نزلت فى مسيلمة الكذاب، وعبد الله بن أبى سرح أخى عثمان من الرضاعة،\nالأول فيه (أو قال أوحى إلىّ) والثانى فيه (سأنزل مثل ما أنزل الله).\n* الآيات من ١٥١ - ١٥٣ قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ إلى آخر السورة.\n٢ - الأعراف: مكية إلا تسع آيات مدنية ١٦٣ - ١٧١ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إلى قوله تعالى: وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.\n٣ - إبراهيم: مكية غير آيتين نزلتا فى قتلى بدر أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا. ٢٨، ٢٩.\n٤ - النحل: مكية ما عدا الآيات من ٤١ إلى آخر السورة فمدنية وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ٨٨ آية.\n٥ - الإسراء: مكية ما عدا الآية ٧٣ وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعنى ثقيفا فقد نزلت فى وفدهم.\n_________\n(١) البرهان للزركشى ١/ ١٩٩.\n(٢) سورة الأنعام: ٩٣.","vol":"1","page":200},{"text":"٦ - الكهف: مكية: غير الآية ٢٨ فمدنية وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ نزلت فى سلمان الفارسى.\n٧ - القصص: مكية غير الآية ٥٢ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكتاب- يعنى الإنجيل- مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ- يعنى القرآن، نزلت فى أربعين رجلا من أهل الكتاب قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبى طالب فأسلموا.\n٨ - الزمر مكية، غير الآية ٥٣ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.\n٩ - سور الحواميم كلها مكية غير الآية ١٠ فى سورة الأحقاف، فمدنية قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ نزلت فى عبد الله بن سلام.\n١٠ - الماعون: مكية إلا أربع آيات ٤ - ٧ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ إلى آخر السورة فمدنى.\n(٦) ما نزل بمكة وحكمه مدنى:\n١ - منها: قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا (١) نزلت بعد الهجرة فى مكة يوم فتحها.\n٢ - ومنها فى المائدة: الآية ٣ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ إلى قوله تعالى الْخاسِرِينَ فى الآية ٥ نزلت يوم الجمعة، والناس وقوف بعرفات فبركت ناقة النبى ﷺ من هيبة القرآن، وهى مدنية لنزولها بعد الهجرة.\n(٧) ما نزل بالمدينة وحكمه مكىّ:\n١ - الممتحنة كلها، وهى فى حاطب بن أبى بلتعة.\n٢ - النحل: الآيات ٤١ إلى آخر السورة وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا\n_________\n(١) سورة الحجرات: ١٣.","vol":"1","page":201},{"text":"كلها مدنية والخطاب لأهل مكة.\n٣ - سورة الرعد: مدنية، وخطابها موجه إلى أهل مكة.\n٤ - سورة التوبة من أولها إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ الخطاب لمشركى مكة، وهى مدنية.\n(٨) ما يشبه تنزيل المدنية فى السور المكية:\n١ - النجم: الآية ٣٢ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ يعنى كل ذنب عاقرته، (الفواحش) يعنى كل ذنب فيه حد (إلّا اللّمم). وهو بين الحدين من الذنوب.\n***","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>الباب السادس علم معرفة الناسخ والمنسوخ</span>","vol":"1","page":203},{"text":"الباب السادس علم الناسخ والمنسوخ علم الناسخ والمنسوخ هو أيضا من العلوم الجليلة التى وضعت لخدمة الفقه والأصول فيما يتعلق بترتيب الأحكام، ورفع تعارض أحكامها.\nوقد اهتم بالكلام فى هذا العلم والتصنيف فيه جماعة من السلف والخلف على السواء.\nوقد ذكر بدر الدين الزركشى فى «البرهان». أسماء طائفة من العلماء ممن أفرد هذا العلم بالتصنيف منهم.\nقتادة بن دعامة السدوسى، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو داود السجستانى صاحب السنن، وأبو جعفر النحاس، وابن العربى، وابن الجوزى، وابن الأنبارى وغيره (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>تمهيد: تعريف النسخ:</span>\nالنسخ لغة: يطلق على معان منها:\n١ - الإزالة: تقول: نسخت الشمس الظّل، أى أزالته. ومنه قوله تعالى فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ (٢).\n٢ - التبديل: ومنه قوله تعالى وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ (٣).\n٣ - التحويل: ومنه «تناسخ المواريث». يعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد.\n_________\n(١) البرهان فى علوم القرآن للزركشى ٢/ ٢٨.\n(٢) الحج: ٥٢.\n(٣) النحل: ١٠١.","vol":"1","page":205},{"text":"٤ - النقل: من موضع إلى موضع، ومنه «نسخت الكتاب» إذا نقلت ما فيه حاكيا لخطّه ولفظه.\nنقل الزركشى عن «مكّى». وهذا الوجه لا يصح أن يكون فى القرآن، وأنكر على «النحاس» إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتى بلفظ المنسوخ، وإنما يأتى بلفظ آخر.\nوانتصر الإمام أبو عبد الله محمد بن بركات السعدى لما قاله النحاس بشهادة الآية الكريمة إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١).\nالنسخ اصطلاحا: يعرف النسخ فى اصطلاح العلماء بأنه:\n«رفع حكم شرعى، بخطاب شرعى، متراخ فى النزول، وصالح للنسخ» ويستفاد من التعريف ما يأتى:\n١ - أن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، فإن لم يكن كذلك كعادات الجاهلية مثلا فلا نسخ.\n٢ - أن يكون الدليل على الناسخ خطابا شرعيا، فلا يكون قاعدة وضعية مثلا.\n٣ - أن يكون الدليل الناسخ متراخيا فى الزمن عن الخطاب المنسوخ.\n٤ - ألا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت معين، فإن كان كذلك لم يكن نسخا، بل تأجيلا لأجل كقوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (٢).\n_________\n(١) البرهان للزركشى ٢/ ٢٩ (والسعدى له كتاب مخطوط بدار الكتب المصرية سماه: الإيجاز فى معرفة ما فى القرآن من الناسخ والمنسوخ).\n(٢) ١٠٩: البقرة.","vol":"1","page":206},{"text":"٥ - أن يكون بين هذين الدليلين تعارض حقيقى لا سبيل إلى الجمع بينهما بأى وجه من الوجوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>مبحث فى: ما يقع فيه النسخ، وأهميته، وطرق معرفته</span>\nحكى الزركشى قول الجمهور: على أنه لا يقع النسخ إلا فى: الأمر، والنهى (١).\nوزاد بعضهم: الأخبار، وأطلق ذلك فى كل الأخبار، وقيدها الآخرون بالتى يراد بها الأمر والنهى.\nفلا يقع فى الاعتقادات التى تتعلق بذات الله تعالى، وصفاته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، أو الآداب الخلقية، أو أصول العبادات والمعاملات (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>أهمية النسخ</span>\nيقدم علم النسخ خدمات جليلة لكل من: المفسرين، والفقهاء والأصوليين حتى لا تختلط الأحكام يتبلبل الناس.\nولقد عرف سلفنا الصالحرضي الله عنهم- أهمية هذا العلم خاصة فى مسائل الفتيا والقضاء «فقد نقل عن علىّ- كرم الله وجهه- أنه مرّ على قاض فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال: هلكت وأهلكت» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>طرق معرفة النسخ</span>\n(١) يعرف الناسخ والمنسوخ بالنقل الصريح عن النبى ﷺ، أو عن صحابى يقول آية كذا نسخت آية كذا. هكذا نقله السيوطى عن ابن الحصّار.\n(٢) أو بإجماع الأمة.\n_________\n(١) البرهان للزركشى ٢/ ٢٣.\n(٢) مباحث فى علوم القرآن لمنّاع القطان ص ٢٣٣.\n(٣) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ٣/ ٥٩.","vol":"1","page":207},{"text":"(٣) أو بمعرفة المتقدم والمتأخر.\nقال السيوطى:\nولا يعتمد فى النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بينة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر فى عهده ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>مبحث فى: أقسام النسخ</span>\nنظر الباحثون فى علوم القرآن فوجدوا أن النسخ لا يخلو عن أربع حالات هى:\nالأول: نسخ القرآن بالقرآن: وهذا القسم متفق على جوازه ووقوعه عند من يقول بالنسخ ومثاله، قوله تعالى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ (١)، منسوخة بآية أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٢).\nالثانى: نسخ القرآن بالسنة: وهى نوعان:\n(أ) نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وقد أجازه الجمهور على أنهما وحى صريح.\n(ب) نسخ القرآن بالسنة الآحادية، ومنعه الجمهور لأن القرآن متواتر، والآحاد ظنى فلا نسخ.\nالثالث: نسخ السنة بالقرآن: وأجازه الجمهور وقالوا: كالتوجه إلى بيت\n_________\n(١) ٢٤٠: البقرة.\n(٢) ٢٣٤: البقرة.","vol":"1","page":208},{"text":"المقدس فقد كان التوجه إلى بيت المقدس ثابتا بالسنّة، ونسخ بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (١).\nالرابع: نسخ السنة بالسنة: وهو على أربعة أنواع:\n١ - نسخ متواترة بمتواترة، وهذه جائزة.\n٢ - نسخ آحاد بآحاد، وهذه جائزة.\n٣ - نسخ آحاد بمتواترة، وهذه جائزة.\n٤ - نسخ متواترة بآحاد، وفيها الخلاف بين العلماء على نفس الخلاف الذى بينهم فى نسخ القرآن بالسنة الآحادية، والجمهور على عدم جوازهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>مبحث فى: أوجه النسخ فى القرآن، والحكمة من وقوعه، والتعرف على بعض مصطلحاته</span>\nهو على ثلاثة أوجه ننقلها عن الزركشى فيما يأتى:\nالأول: ما نسخ تلاوته، وبقى حكمه، فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول.\nومثاله: ما روى عن عائشة، وأبىّ بن كعب ﵄:\n«كان مما يتلى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله».\nقال عمر ﵁: «لولا أن يقول الناس: زاد عمر فى كتاب الله، لكتبتها بيدىّ» رواه البخارى فى صحيحه معلقا (٢).\nوقد يقال: ما الحكمة فى رفع التلاوة وبقاء الحكم؟ وهلّا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟\n_________\n(١) ١٤٤: البقرة.\n(٢) البرهان للزركشى ٢/ ٣٥.","vol":"1","page":209},{"text":"والجواب: إنما كان ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة فى المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير طلب أو إلحاح لطريق مقطوع به، فيسرعون إلى الاستجابة بأيسر شىء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحى (١).\nوبعض أهل العلم ينكر هذا النوع من النسخ، لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد.\nوقد يقال: كيف يقع النسخ إلى غير بدل، والله تعالى يقول ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها. وهذا وجه ليس له بدل من مثله؟\nويجاب عن ذلك: بأن كل ما ثبت الآن فى القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته، وكل ما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن، فقد أبدله بما علمناه، وتواتر إلينا لفظه ومعناه (٢).\nالثانى: نسخ الحكم وبقاء التلاوة:\nومثاله: نسخ حكم آية العدة بالحول مع بقاء تلاوة الناسخ والمنسوخ وهذا النوع هو الذى ألفت فيه الكتب، وذكر المؤلفون فيه الآيات المتعددة، وإن حقق العلماء أنها معدودة، بل ومحصورة فى زهاء عشرين آية.\nوقد يقال: ما الحكمة فى رفع الحكم وبقاء التلاوة؟\nوالجواب من وجهين: أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فإنه يتلى كذلك لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت تلاوته لذلك.\n_________\n(١) البرهان للزركشى ٢/ ٣٥.\n(٢) الإتقان للسيوطى ٣/ ٧٧.","vol":"1","page":210},{"text":"وثانيهما: بقاء المنسوخ تذكيرا بالنعمة فى رفع المشقة (١).\nالثالث: نسخ التلاوة والحكم معا.\nومثاله: ما رواه مسلم وغيره من أصحاب السنن عن عائشة ﵂.\nقالت: «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات». فتوفى رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن» (٢).\nفإن قيل: ظاهر «وهن مما يقرأ من القرآن» بقاء التلاوة، وليس كذلك فإنه غير موجود فى مصحف عثمان.\nوالجواب: أن التلاوة نسخت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة الرسول ﷺ، فتوفى وبعض الناس يقرؤها.\nوقد أنكر بعض العلماء هذا القسم لأن الأخبار فيه أيضا أخبار آحاد لا يحتج بها على النسخ.\nوأجيب عن ذلك: بأن ثبوت النسخ شىء، وثبوت نزول القرآن شىء آخر.\nفثبوت النسخ يكفى فيه الدليل الظنى بخبر الآحاد، أما ثبوت نزول القرآن فهو الذى يشترط فيه الدليل القطعى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>مطلب فى: الحكمة من وقوع النسخ:</span>\nذكر الشيخ مناع القطان خلاصة الحكمة فى وقوع النسخ فى ما يأتى:\n_________\n(١) الإتقان ٣/ ٦٣.\n(٢) الإتقان للسيوطى ٣/ ٦٢، مباحث فى علوم القرآن للقطان ص ٢٣٨.\n(٣) المصدرين السابقين.","vol":"1","page":211},{"text":"(١) مراعاة مصالح العباد.\n(٢) تطور التشريع بتطور أحوال المكلفين.\n(٣) ابتلاء المكلفين واختبار مدى قدراتهم على الامتثال من عدمه.\n(٤) إرادة الخير للأمة والتيسير عليها لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة ثواب، وإن كان إلى أخف ففيه السهولة واليسر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>مطلب فى: التفريق بين بعض المصطلحات:</span>\nالتبس على بعض علماء الأمة- أو غيرهم- بعض المصطلحات التى تشكك فى النسخ فأنكروا وقوعه إما جملة وتفصيلا، أو بالإيهام بهذه المصطلحات.\nولعل أهم هذه المصطلحات التى التبست بالنسخ مصطلحان هما:\n(١) البداء. (٢) التخصيص.\nوسنفرق بين كل مصطلح منهما وبين النسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>(١) البداء والنّسخ:</span>\nمعنى البداء: للبداء معنيان:\nالأول: الظهور بعد الخفاء، ومنه قوله تعالى: بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ.\nالثانى: نشأة رأى جديد لم يكن موجودا من قبل، ومنه قوله تعالى فى شأن عزيز مصر مع يوسف ﵇ ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ.\n_________\n(١) مباحث فى علوم القرآن لمناع القطان ص ٢٤٠. (بتصرف).","vol":"1","page":212},{"text":"والتداخل الذى التبس على بعض الناس هنا، أن النسخ لا يجوز لأنه يؤدى إلى البداء وهو أن يكون ثمة حكم ظهر لله تعالى بعد أن كان خافيا عليه، أو أنه أنشأ حكما جديدا كان يجهله- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nوالنسخ ليس كما ظن هؤلاء- وإنما هذا زعم اليهود ابتداء- إنما النسخ والمنسوخ أصلا فى علم الله ابتداء ظاهرة لديه لم يخف عليه منهما شىء، غاية ما هناك بالنسبة للمكلفين أن الله أظهر ما علمه لعباده- وهو عليم به- لا ظهور ذلك له، لحكمة يعلمها وهو أن الحكم المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهى فى وقت معلوم، كما علم- جل شأنه- أن الناسخ يجئ فى هذا الوقت المعلوم منوطا بحكمة ومصلحة معينة أخرى لتدرج أحوال المكلفين من الضعف إلى القوة، ومن السقم إلى الصحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>(٢) النسخ والتخصيص:</span>\nمعنى التخصيص: هو أن تقصر الحكم على بعض الأفراد دون الجميع، أو هو:\nقصر العام على بعض أفراده.\nوالتداخل هنا أن الذين توهموا أن النسخ يؤدى إلى البداء- بزعمهم- اخترعوا القول بالتخصيص للتخلص بدلا من القول بالنسخ، أى أن ما وقع فى القرآن من الآيات الناسخة إنما هى مخصصة للعموم فى ما ظنّ أنه منسوخ.\nوهذا خلط تماما بين النسخ والتخصيص، والتخصيص أبدا لا يقوم مقام النسخ ولا يسد مسده لاعتبارات أهمها:\nأولا: أن النسخ يجئ لإبطال حجية المنسوخ إمّا لجميع أفراده فيكون مبطلا للعام، أو مبطلا لبعض أفراده حسب الحكم الذى جاء به الناسخ.","vol":"1","page":213},{"text":"أما التخصص فلا يبطل حجية العام (أى المنسوخ) أبدا، بل تظل حجية العام قائمة والمخصّص إنما هو بعض الأفراد فقط.\nثانيا: أن النسخ لا يقع إلا بالكتاب أو السنّة، والتخصيص يمكن أن يقع بالعقل والحسّ.\nثالثا: أن النسخ لا يكون إلا فى الأوامر والنواهى، بينما التخصيص يكون فى الأخبار.\nرابعا: أن العام الذى يراد تخصيصه يشمل حكمه جميع الأفراد، وإخراج البعض منهم يكون على سبيل المجاز الذى لا بدّ له من قرينة لتخصيصه بينما النسخ على سبيل الحقيقة القاطعة.\nمن أجل هذا التوهم والالتباس وقع خلاف العلماء فى موضوع النسخ على أربعة آراء:\nأصحاب الرأى الأول: ينكرون تماما النسخ فى الشرائع، ويعتبرون أنه «بداءة» أى ظهور مسألة عند الله كانت خافية عليه، وهو يؤدى إلى وقوع الجهالة على الله تعالى.\nوهذه المسألة رغم أنها لبعض علماء المسلمين لكنها فى الأصل فكرة يهودية شاعت بين علمائهم وأحبارهم بغرض إثبات عدم إمكانية نسخ «التوراة» بعد نزولها. مع أنهم يقرون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها كتحريم كثير من الحيوان على بنى إسرائيل بعد حلّه، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم فى قوله تعالى:\nكُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ (١).\n_________\n(١) ٩٣: آل عمران.","vol":"1","page":214},{"text":"أصحاب الرأى الثانى: يثبتون النسخ على أنه وإن كان «بداء» فالبداء عندهم جائز على الله تعالى. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهم الروافض، وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ (١)، على أساس أن الآية تظهر لله المحو والإثبات، وهذا تحريف للمعنى الموجود فى الآية: إذ المعنى البين من الآية هو: ينسخ الله ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما يرى فيه المصلحة فى إثباته: وهذا المعنى ثابت فى حالات كثيرة من القرآن كقوله تعالى:\nإِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ (٢). ومحو الكفر والمعاصى بالتوبة.\nأصحاب الرأى الثالث: يجيزون النسخ عقلا، ويمنعون وقوعه شرعا.\nوهذا رأى أبى مسلم الأصفهانى: محمد بن بحر المعتزلى المتوفى سنة ٣٢٢ هـ، وهو أول من قال بفكرة التخصيص بدلا من النسخ، واحتج بقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٣).\nووجه استدلاله بها أنه جعلها على معنى أن أحكامه لا تبطل أبدا، مع أن المفهوم من الآية أن القرآن لم يتقدمه ما يبطله من الكتب، ولن يجئ بعده ما يبطله.\nأصحاب الرأى الرابع: قالوا بجواز النسخ عقلا، ووقوعه شرعا.\nأما الشرع: أ- فقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤).\nب- ما ورد فى الصحيح عن ابن عباسرضي الله عنهما- أن عمر-\n_________\n(١) ٣٩: الرعد.\n(٢) ١١٤: هود.\n(٣) ٤٢: فصلت.\n(٤) ١٠٦: البقرة.","vol":"1","page":215},{"text":"﵁ قال: «أقرؤنا أبىّ، وأقضانا علىّ، وإنا لندع من قول أبىّ. وذاك أن أبيّا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله ﷺ، وقد قال الله ﷿ ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها.\nوأما العقل: فلأن أفعال الله تعالى لا تعلل بالأغراض، فله أن يأمر بالشيء فى وقت، وينسخه بالنهى عنه فى وقت لمصلحة تقتضيها مشيئته تعالى.\nوهذا رأى جمهور علماء المسلمين، وهو المعتد به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>مبحث فى: قضية النسخ بين الإغراق والغلو</span>\nويتبين من هذه الآراء الأربعة أن قضية النسخ أخذت هذه الأبعاد الأربعة فى الفكر الإسلامى، وبعضها دخيل عليه، وهى تتركز كلها ما بين مغال فى إنكار النسخ، وما بين مفرط فيه إلى حدّ الإغراق حتى عدوا جميع السور ناسخة ومنسوخة ما عدا ثلاثا وأربعين سورة فقط ليس فيها ناسخ ولا منسوخ (١).\nوالتحقيق هو وقوع النسخ فى بعض الآيات فقط، فالنسخ موجود ولكنه محصور فى آيات معينة ننقلها عن السيوطى بإجمالها وهى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>(١) من سورة البقرة:</span>\n١ - كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (٢) منسوخة: قيل بآية الميراث، وقيل بحديث (لا وصية لوارث) (٣)، وقيل: بالإجماع.\n_________\n(١) البرهان للزركشى ٢/ ٣٣ - ٣٤.\n(٢) البقرة: ١٨٠.\n(٣) النساء: ١١.","vol":"1","page":216},{"text":"٢ - وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ (١)، قيل: منسوخة بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (٢)، وقيل: محكمة، و(لا) مقدرة: أى (لا يطيقونه).\n٣ - كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٣) منسوخة بقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ (٤) لأن مقتضاها الموافقة فيما كانوا عليه من تحريم الأكل والوطء بعد النوم. وقيل نسخ لما كان بالسّنة.\n٤ - يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ (٥) منسوخة بقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً (٦) أخرجه ابن جرير عن عطاء.\n٥ - وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ (٧) منسوخة بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٨) والوصية فى الآية منسوخة بآية الميراث (٩).\n٦ - إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ (١٠) منسوخة بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها (١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>(٢) من سورة آل عمران:</span>\n٧ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ (١٢) قيل منسوخ بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (١٣)، وقيل: محكمة.\n_________\n(١) البقرة: ١٨٤.\n(٢) البقرة: ١٨٥.\n(٣) البقرة: ١٨٣.\n(٤) البقرة: ١٨٧.\n(٥): البقر: ٢١٧.\n(٦) التوبة: ٣٦،\n(٧) البقرة: ٢٤٠.\n(٨) البقرة: ٢٣٤.\n(٩) النساء: ١١.\n(١٠): البقرة: ٢٨٤.\n(١١) البقرة: ٢٨٦.\n(١٢) آل عمران: ١٠٢.\n(١٣) التغابن: ٦.","vol":"1","page":217},{"text":"قال السيوطى: وليس فيها آية يصح فيها دعوى النسخ غير هذه (أى فى آل عمران)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>(٣) ومن النساء:</span>\n٨ - وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ (١) منسوخة بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (٢).\n٩ - وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ (٣)، قيل: منسوخة، وقيل: محكمة ولكن الناس تهاونوا فى العمل بها.\n١٠ - وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً (٤).\nمنسوخة بقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>(٤) ومن المائدة:</span>\n١١ - وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ (٦) منسوخة بإباحة القتال فيه.\n١٢ - فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (٧)، منسوخة بقوله:\nوَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ (٨).\n١٣ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ (٩)، منسوخة بقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (١٠).\n_________\n(١) النساء: ٣٣.\n(٢) الأنفال: ٧٥.\n(٣) النساء: ٨.\n(٤) النساء: ١٥.\n(٥) النور: ٢.\n(٦) المائدة: ٢.\n(٧) المائدة: ٤٢.\n(٨) المائدة: ٤٩.\n(٩) المائدة: ١٠٦.\n(١٠) الطلاق: ١١.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>(٥) ومن الأنفال:</span>\n١٤ - إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ (١). منسوخة بقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>(٦) ومن التوبة:</span>\n١٥ - انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا (٣)، منسوخة بآيات العذر، وهى:-\n* لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ (٤).\n* وقوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى (٥).\n* وقوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>(٧) ومن النور:</span>\n١٦ - الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً (٧)، منسوخة بقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ (٨).\n١٧ - لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (٩). قيل: منسوخة: وقيل محكمة ولكن الناس تهاونوا فى العمل بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>(٨) ومن الأحزاب:</span>\n١٨ - لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ (١٠)، منسوخة بقوله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ (١١).\n_________\n(١) الأنفال: ٩٥.\n(٢) الأنفال: ٦٦.\n(٣) التوبة: ٤١.\n(٤) النور: ٦١.\n(٥) التوبة: ٩١.\n(٦) التوبة: ١٢٢.\n(٧) النور: ٣.\n(٨) النور: ٣٢:.\n(٩) النور: ٥٨.\n(١٠) الأحزاب: ٥٧.\n(١١) الأحزاب: ٥٠.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>(٩) ومن المجادلة:</span>\n١٩ - إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ (١)، منسوخة بما بعدها أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>(١٠) ومن الممتحنة:</span>\n٢٠ - فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا (٣)، قيل: منسوخة بآية السيف، وقيل: بآية الغنيمة، وقيل: محكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>(١١) ومن المزمل:</span>\n٢١ - قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٤)، قيل: منسوخ بآخر السورة، ثم نسخ الآخر بالصلوات الخمس.\nقال السيوطى: «فهذه إحدى وعشرون آية منسوخة- على خلاف فى بعضها- لا يصح دعوى النسخ فى غيرها».\nوالأصح فى آية: الاستئذان، والقسمة: الإحكام، فصارت تسعة عشر، ويضم إليها قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (٥)، منسوخة بقوله:\nفَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. (٦) على رأى ابن عباس ﵄ فتمت عشرون.\n_________\n(١) المجادلة: ١١.\n(٢) المجادلة: ١٣.\n(٣) الممتحنة: ١١.\n(٤) المزمل: ٢.\n(٥) البقرة: ١٥.\n(٦) البقرة: ١٤٩.","vol":"1","page":220},{"text":"وقد نظمتها فى أبيات فقلت:\nقد أكثر الناس فى المنسوخ من عدد ... وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر\nوهاك تحرير آى لا مزيد لها ... عشرين حررها الحذاق والكبر\nآى التوجه حيث المرء كان وأن ... يوصى لأهليه عند الموت محتضر\nوحرمت الأكل بعد النوم من رفث ... وفدية لمطيق الصوم مشتهر\nوحق تقواه فيما صح من أثر ... وفى الحرام قتال للأولى كفروا\nوالاعتداد بحول مع وصيتها ... وأن يدان حديث النفس والفكر\nوالحلف والحبس للزانى وترك أولى ... كفروا شهادتهم والصبر والنفر\nومنع عقد لزان أو لزانية ... وما على المصطفى فى العقد محتظر\nودفع مهر لمن جاءت وآية نج ... واه كذاك قيام الليل مستطر\nوزيد آية الاستئذان من ملكت ... وآية القسمة الفضلى لمن حضروا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>مبحث فى: النسخ إلى بدل وإلى غير بدل</span>\nوقد نظر العلماء فى هذه الآيات العشرين فوجدوها لا تخرج عن أن يكون النسخ فيها على وجهين: (٢) أو نسخ بغير بدل.\nوهو ثلاثة أنواع:\nأ- نسخ ببدل مماثل ومثاله: نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة.\nب- نسخ ببدل إلى أخف من المنسوخ، ومثاله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ وقد كان محرما عليهم ذلك إذا صلوا العشاء،","vol":"1","page":221},{"text":"وناموا إلى اليوم التالى.\nج- نسخ ببدل أثقل من المنسوخ، ومثاله: نسخ الحبس فى البيوت بالجلد ثمانين جلدة، أو الرجم حتى الموت فى حال الإحصان.\n(٢) وأما النسخ بغير بدل: فمثاله: نسخ الصدقة بين يدى نجوى رسول الله ﷺ. وأنكر ذلك بعض المعتزلة، والظاهرية.\nكما نظر إلى هذه الآيات أيضا بتقسيم آخر فقالوا:\n* فرض نسخ فرضا، ولا يجوز العمل بالأول، ومثاله: نسخ الحبس للزوانى بالحد.\n* فرض نسخ فرضا، ويجوز العمل بالأول، ومثاله: آية المصابرة.\n* فرض نسخ ندبا، ثم صار فرضا: ومثاله: القتال كان ندبا ثم صار فرضا،* ندب نسخ فرضا، كقيام الليل، نسخ بالقراءة (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ (١).\n_________\n(١) الإتقان للسيوطى ٣/ ٦٢.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الباب السابع علم معرفة القراءات والقراء</span>","vol":"1","page":223},{"text":"الباب السابع فى معرفة علم القراءات والقراء (١)\nوهو: العلم الذى يعرف به أوجه القراءات المختلفة لبعض مفردات النّص القرآنى على حسب ما روى من الأحاديث والآثار.\nفهو أيضا من علوم التلقى والرواية، وليس من العلوم المبنية على النظر والاجتهاد.\nفائدته:\nالوقوف على أوجه القراءات المختلفة للقرآن لتكون دليلا على حسب المدلول عليه، أو مرجحا، كما نقل الزركشى فى البرهان عن الكواشى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>مبحث فى: أنواع القراءات</span>\n١ - متواترة: وهى القراءات السبع.\n٢ - آحاد: وهى القراءات الثلاث المتممة للعشر، وقيل: العشر متواترة.\n٣ - شاذة: وهى ما بقى من القراءة.\nومن العلماء من استخلص من هذه الأنواع أنواعا أخرى فجعل القراءات ستة هى:\n١ - المتواتر: وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه- وهذا هو الغالب فى القراءات.\n٢ - المشهور: وهو ما صح سنده ولم يبلغ درجة المتواتر، ووافق العربية والرسم، واشتهر عند القرّاء فلم يعدوه من الغلط، ولا من الشذوذ- وذكر العلماء فى هذا النوع أنه يقرأ به.\n_________\n(١) البرهان للزركشى ١/ ٣٣٩ - ٣٤٢، الإتقان للسيوطى ١/ ٢١٠ - ٢٢٩، مباحث فى علوم القرآن ص ١٧٣ - ١٩٦.","vol":"1","page":225},{"text":"٣ - الآحاد: وهو ما صح سنده، وخالف الرسم، أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور. وهذا لا يقرأ به، ومن أمثلته ما روى عن أبى بكرة: «أن النبى ص قرأ: «متكئين على رفارف خضر وعباقرى حسان» (١).\nوما روى عن ابن عباس أنه قرأ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (٢).\n- بفتح الفاء.\n٤ - الشاذ: وهو ما لم يصح سنده. كقراءة «ملك يوم الدين» (٣) بصيغة الماضى. ونصب «يوم».\n٥ - الموضوع: وهو ما لا أصل له.\n٦ - المدرج: وهو ما زيد فى القراءات على وجه التفسير- كقراءة ابن عباس: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فقوله: «فى مواسم الحج» تفسير مدرج فى الآية (٤).\nالقرّاء المعتمدون فى أخذ القراءة عنهم هم:\n١ - أبو عمرو بن العلاء شيخ الرواة: وهو زيان بن العلاء بن عمار المازنى البصرى، وقيل اسمه يحيى، وقيل اسمه كنيته، وتوفى بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة (١٥٤ هـ).\nوراوياه: الدورى، والسوسى، فأما الدورى: فهو أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدورى النحوى، والدور: موضع ببغداد، توفى سنة ست وأربعين ومائتين وأما السوسى: فهو أبو شعيب صالح بن زياد بن عبد الله السوسى، توفى سنة إحدى وستين ومائتين (٢٦١ هـ).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (والآية من سورة الرحمن: ٧٦) بلفظ: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ.\n(٢) أخرجه الحاكم (والآية من سورة التوبة: ١٢٨).\n(٣) الفاتحة: ٤.\n(٤) أخرجه البخارى (والآية من سورة البقرة: ١٩٨) بدون عبارة: «فى مواسم الحج».","vol":"1","page":226},{"text":"٢ - ابن كثير: هو عبد الله بن كثير المكى، وهو من التابعين، وتوفى بمكة سنة عشرين ومائة (١٢٠ هـ)\nوراوياه: البزى، وقنبل، أما البزى: فهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبى بزة المؤذن المكى، ويكنى أبا الحسن، وتوفى بمكة سنة خمسين ومائتين (٢٥٠ هـ).\nوأما قنبل: فهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد المكى المخزومى، ويكنى أبا عمرو، ويلقب قنبلا، ويقال: هم أهل البيت بمكة، يعرفون بالقنابلة، وتوفى بمكة سنة إحدى وتسعين ومائتين (٢٩١ هـ).\n٣ - نافع المدنى: هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم اللّيثى، أصله من أصفهان، وتوفى بالمدينة سنة تسع وستين ومائة (١٦٩ هـ).\nوراوياه: قالون، وورش، أما قالون: فهو عيسى بن منيا «بالمد والقصر» المدنى معلم العربية، ويكنى أبا موسى، وقالون لقب له أيضا، يروى أن نافعا لقّبه به لجودة قراءته، لأن «قالون» بلسان الروم «جيد». وتوفى بالمدينة سنة عشرين ومائتين (٢٢٠ هـ).\nوأما ورش: فهو عثمان بن سعيد المصرى، ويكنى أبا سعيد، وورش لقب له، لقب به فيما يقال لشدة بياضه، وتوفى بمصر سنة سبع وتسعين ومائة (١٩٧ هـ).\n٤ - ابن عامر الشامى: هو عبد الله بن عامر اليحصبى قاضى دمشق فى خلافة الوليد بن عبد الملك، ويكنى أبا عمران، وهو من التابعين، وتوفى بدمشق سنة ثمان عشرة ومائة (١١٨ هـ).\nوراوياه: هشام، وابن ذكوان، فأما هشام: فهو هشام بن عمار بن نصير القاضى الدمشقى، ويكنى أبا الوليد، وتوفى بها سنة خمس وأربعين ومائتين (٢٤٥ هـ).\nوأما ابن ذكوان: فهو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القرشى الدمشقى، ويكنى أبا عمرو، ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة (١٧٣ هـ) وتوفى بدمشق سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٢٤٠ هـ).","vol":"1","page":227},{"text":"٥ - عاصم الكوفى: هو عاصم بن أبى النجود، ويقال له ابن بهدلة، أبو بكر، وهو من التابعين، وتوفى بالكوفة سنة ثمان وعشرين ومائة (١٢٨ هـ).\nوراوياه: شعبة، وحفص، فأما شعبة: فهو أبو بكر شعبة بن عباس بن سالم الكوفى. وتوفى بالكوفة سنة ثلاث وتسعين ومائة (١٩٣ هـ).\nوأما حفص: فهو حفص بن سليمان بن المغيرة البزاز الكوفى، ويكنى أبا عمرو، وكان ثقة، قال ابن معين: هو أقرأ من أبى بكر، وتوفى سنة ثمانين ومائة (١٨٠ هـ).\n٦ - حمزة الكوفى: هو حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الفرضى التيمى، ويكنى أبا عمارة وتوفى بحلوان فى خلافة أبى جعفر المنصور سنة ست وخمسين ومائة (١٥٦ هـ).\nوراوياه: خلف، وخلاد، فأما خلف: فهو خلف بن هشام البزاز، ويكنى أبا محمد توفى ببغداد سنة تسع وعشرين ومائتين (٢٢٩ هـ).\nوأما خلاد، فهو خلاد بن خالد، ويقال ابن خليد، الصيرفى الكوفى، ويكنى أبا عيسى، وتوفى بها سنة عشرين ومائتين (٢٢٠ هـ).\n٧ - الكسائى الكوفى: هو علىّ بن حمزة إمام النحاة الكوفيين، ويكنى أبا الحسن، وقيل له «الكسائى» من أجل أنه أحرم فى كساء- توفى ب «رنبويه» قرية من قرى الرى حين توجه إلى خراسان مع الرشيد سنة تسع وثمانين ومائة (١٨٩ هـ).\nوراوياه: أبو الحارث، وحفص الدورى: فأما أبو الحارث فهو اللّيث بن خالد البغدادى، توفى سنة أربعين ومائتين (٢٤٠ هـ).\nوأما حفص الدورى: فهو الراوى عن أبى عمرو، وقد سبق ذكره.\nأما الثلاثة تكملة العشرة فهم:","vol":"1","page":228},{"text":"٨ - أبو جعفر المدنى: هو يزيد بن القعقاع، وتوفى بالمدينة سنة ثمان وعشرين ومائة (١٢٨ هـ) - وقيل (١٣٢ هـ).\nوراوياه: ابن وردان، وابن جماز: فأما ابن وردان: فهو أبو الحارث عيسى ابن وردان المدنى، وتوفى بالمدينة فى حدود الستين ومائة (١٦٠ هـ).\nوأما ابن جماز: فهو أبو الربيع سليمان بن مسلم بن جماز المدنى، توفى بها بعد السبعين ومائة (١٧٠ هـ).\n٩ - يعقوب البصرى: هو أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمى، وتوفى بالبصرة سنة خمس ومائتين (٢٠٥ هـ) - وقيل (١٨٥ هـ).\nوراوياه: رويس. وروح، فأما رويس: فهو أبو عبد الله محمد بن المتوكل اللؤلؤى البصرى، ورويس لقب له، وتوفى بالبصرة سنة ثمان وثلاثين ومائتين (٢٣٨ هـ).\nوأما روح: فهو أبو الحسن روح بن عبد المؤمن البصرى النحوى، وتوفى سنة أربع أو خمس وثلاثين ومائتين (٢٣٤ هـ) - أو (٢٣٥ هـ).\n١٠ - خلف: هو أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب البزار البغدادى، وتوفى سنة تسع وعشرين ومائتين (٢٢٩ هـ) - وقيل: لم يوقف على تاريخ وفاته.\nوراوياه: إسحاق، وإدريس، أما إسحاق: فهو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عثمان الوراق المروزى ثم البغدادى، توفى سنة ست وثمانين ومائتين (٢٨٦ هـ).\nوأما إدريس: فهو أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم البغدادى الحداد، توفى يوم الأضحى سنة اثنتين وتسعين ومائتين (٢٩٢ هـ).\nويزيد بعضهم أربع قراءات على هاتيك العشر، وهن:","vol":"1","page":229},{"text":"١ - قراءة الحسن البصرى، مولى الأنصار، أحد كبار التابعين المشهورين بالزهد، توفى سنة (١١٠) هجرية.\n٢ - وقراءة محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن محيصن، توفى سنة ١٢٣ هجرية، وكان شيخا لأبى عمرو.\n٣ - وقراءة يحيى بن المبارك اليزيدى النحوى، من بغداد، أخذ عن أبى عمرو وحمزة، وكان شيخا للدورى والسوسى، توفى سنة ٢٠٢ هجرية.\n٤ - وقراءة أبى الفرج محمد بن أحمد الشنبوذى، توفى سنة ٣٨٨ هجرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>مطلب فى: حكم هذه القراءات وضوابطها:</span>\nيعرف إجمالا أن القراءات أربع عشر قراءة، سبع متواترة، وثلاث أحادية، وأربعة شاذة.\nوهذا التقسيم هو ما عليه جمهور علماء الأمة.\nوما عدا المتواتر لا تجوز القراءة به فى الصلاة، ولا فى غيرها لأنها- والحالة هذه- ليست قرآنا، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والقراءة الشاذة ليست متواترة، كما نص عليه الإمام النووى فى «شرح المهذب» ونقله غير واحد من العلماء عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>مبحث فى: أهم ضوابط القراءة الصحيحة</span>\nتتلخص أهم ضوابط القراءة الصحيحة فيما يأتى:\n١ - موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه: سواء أكان أفصح أم فصيحا، لأن القراءة سنّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها بالإسناد لا بالرأى.\n٢ - وأن توافق القراءة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا: لأن الصحابة فى كتابة المصاحف العثمانية اجتهدوا في الرسم على حسب ما عرفوا من لغات القراءة، فكتبوا (الصّراط) مثلا فى قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ","vol":"1","page":230},{"text":"الْمُسْتَقِيمَ. «بالصاد» المبدّلة بالسين- وعدلوا عن «السين» التى هى الأصل، لتكون قراءة (السين) «السراط» وإن خالفت الرسم من وجه، فقد أتت على الأصل اللّغوى المعروف، فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة لذلك.\nوالمراد بالموافقة الاحتمالية ما يكون من نحو هذا، كقراءة: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فإن لفظة «مالك» كتبت فى جميع المصاحف بحذف الألف فتقرأ «ملك» وهى توافق الرسم تحقيقا، وتقرأ «مالك» وهى توافقه احتمالا، وهكذا. فى غير ذلك من الأمثلة.\nومثال ما يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا: تَعْلَمُونَ بالتاء والياء ويَغْفِرْ لَكُمْ بالياء والنون، ونحو ذلك، مما يدل تجرده عن النقط والشكل فى حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة ﵃ فى علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب فى تحقيق كل علم.\nولا يشترط فى القراءة الصحيحة أن تكون موافقة لجميع المصاحف، ويكفى الموافقة لما ثبت فى بعضها، وذلك كقراءة ابن عامر: وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ (١) باثبات الباء فيهما، فإن ذلك ثابت فى المصحف الشامى.\n٣ - وأن تكون القراءة مع ذلك صحيحة الإسناد: لأن القراءة سنّة متّبعة يعتمد فيها على سلامة النقل وصحة الرواية، وكثيرا ما ينكر أهل العربية قراءة من القراءات لخروجها عن القياس، أو لضعفها فى اللّغة، ولا يحل أئمة القرّاء بإنكارهم شيئا.\nتلك هى ضوابط القراءة الصحيحة، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة:\n١ - موافقة العربية.\n٢ - ورسم المصحف\n_________\n(١) آل عمران: ١٨٤، بدون الباء في الكلمتين.","vol":"1","page":231},{"text":"٣ - وصحة السند. فهى القراءة الصحيحة، ومتى اختل ركن منها أو أكثر أطلق عليها أنها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>مطلب فى: أهم الكتب المؤلفة فى علم القراءات:</span>\n١ - كتاب الحجة لأبى على الفارس.\n٢ - كتاب الكشف عن وجوه القراءات وعللها لمكىّ.\n٣ - كتاب الهداية لأبى العباس أحمد بن عمار المهدوى (ت ٤٣٠ هـ).\n٤ - كتاب النشر فى القراءات العشر لابن الجزرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>فوائد:</span>\n(١) ينبغى على كل مسلم ومسلمة أن يكثر من قراءة القرآن فهو كلام الله رب العالمين، الخالق، العليم بالنفس، الرحيم بها عند الزلل والمحق، الآخذ بالنواحى إلى طريق الصواب، والمنجي لها من المهلكات.\nففي قراءته شفاء النفس، وطمأنينة الفؤاد، وشرح الصدر، والعصمة من المعاصى.\nوهو فرض الصلاة، ومستحبات الذكر.\n(٢) يحسن قراءة القرآن الكريم بالطريقة الصحيحة، والآداب السليمة التى أورثنا إياها رسول هذه الأمة ص، وعلمنا إياها الصّالحون الأوائل من مشاهير الحفاظ والقراء.\nوأهم هذه الآداب ما يلى:\n١ - أن يكون على طهارة، فى نفسه، وثوبه، ومكانه.\n٢ - أن يقرأ فى سكينة وخشوع، ويتهيأ لله تعالى فى قلبه وجوارحه لأنه يسمعه.\n٣ - أن يتعوذ فى ابتداء القراءة.\n٤ - أن يقرأ مرتلا، ويجوّد كل حرف بحسب مخارجه اللغوية.\n٥ - أن يتفهم ويتدبر ما يقرأ، ويتأثر بمعانى القرآن إن كان وعيدا فيظهر عليه الخوف والحزن، وإن كان وعدا فيظهر عليه الفرح والسرور.\nوإن مرّ بآية فيها سجدة سجد لها، وإن مرّ بقصة فهم العبرة منها.\n٦ - الأفضل أن يجهر بالقراءة، وأن يقرأ فى المصحف.\n(٣) لا بأس بتعليم وتحفيظ القرآن الكريم، وأخذ الأجرة عليه.\nوإن كان الأفضل تعليم القرآن وتحفيظه حسبة لله تعالى لمن أغناه الله تعالى عن الأجرة.","vol":"1","page":232},{"text":"الخاتمة والنتائج","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>الخاتمة والنتائج</span>\nجاء هذا المدخل لبيان جذور الحضارة الإسلامية المعتمدة على الوحى الإلهى سواء كان قرآنا أو سنة.\nوألقى ضوءا كافيا على أهمية هذه الجذور التى تحاول بعض الأقلام المجنّدة من قبل جهات كثيرة، لا تريد لهذه الحضارة أن تستمر فى أداء رسالتها الخالدة، لأنها فى نظر هذه الجهات خطر عليها، وعلى مسيرة حضارتها هى.\nوالمأجور، والمؤجّر كلاهما فى فهم خاطئ، فحضارة الإسلام لم تأت لتهدم حضارات الأمم الأخرى، بل لتعاونها، وتشد من أزرها إن حاولت أن تستفيد منها، أو تستقل بنفسها وبشئون أبنائها، إن وجدت صدا لمثل هذا النوع من التعاون.\nفهى على كل حال حضارة شامخة بعلومها، وفنونها، وآدابها، وتهذيبها يحتاج إليها، ولا تحتاج إلى غيرها.\nفجاء هذا المدخل ليقول فى تواضع إلى كل من لا يفهم- أو لا يحاول أن يفهم- أن جذور الحضارة الإسلامية راسخة وقويّة وعميقة، ولا يهدم شيئا منها صرخة ناعق لأنها وبكل بساطة تعاليم سماوية محفوظة بالذّكر وعلوم الذّكر وقد قيّض الله لها من يقوم على خدمتها، وتنميتها، والحفاظ عليها.\nوقد كنت أرغب فى أن أترك الكتابة فى نتائج هذا المدخل إلى فطنة القارئ لولا أن العمل العلمى يحتم علىّ التذكير به، حتى وإن كانت قائمة بين يديه يراها رأى العين.","vol":"1","page":235},{"text":"وأهم ما خرجت به دراسة هذا المدخل من النتائج ما يلى: (١) شدّ انتباه القارئ إلى حقيقة حاضرة فى الواقع، ولكنها غائبة عن الذهن وهى أن «الدين» غريزة فى النفس البشرية تحتاج إلى الاعتناء بها، وإشباعها بالطرق المشروعة من خلال تعاليم «كل أمة» لها «دين».\nوبغير هذا الطريق يكون الانحراف .. ثم التشدد .. ثم الصراع.\n(٢) أن الحضارة الإسلامية هى «الوحى الإلهى» قرآنا وسنة معا، والسنّة هى بيان القرآن وتفسيره، ومن علومهما وفنونهما قامت حضارة الأمة الإسلامية.\nفنحن نقيم العلائق الاجتماعية من زواج، ونسب، وميراث، وطلاق، وعلائق أسرية، وتراحم، وتواد طبقا لتعاليم هذا الوحى.\nونقيم العلاقات الاقتصادية من تعاملات فى البيوع، والشركات، والإجارات، والمزارعات طبقا لمفاهيم علوم هذه الحضارة.\nوقس على ذلك سائر العلاقات.\nوالبحث عن طرق أخرى غير طرق هذه الحضارات يوجب التنازع والتصادم، ويحدث المفاسد الكبرى فى الأمة.\nولا تستطيع أمة تدين بتعاليم دين معين، أن تطبق تعاليم دين آخر لا يدين به أفراد أمتها أيّا كان طبيعة هذا الدين الآخر، أو جبروته.\n(٣) علم تفسير القرآن الكريم: علم على غاية من الأهمية، وترجع أهميته إلى بيان المراد عن الله ﷿ سواء أكان ذلك فى الفكر العقائدى، أم فى الأحكام والتشريعات، أم فى الأخلاق العامة، والتراحم والترابط بين الأسرة","vol":"1","page":236},{"text":"الواحدة، وبين الأسر بعضها ببعض، وبين المجتمع ككل، وبين الأمة جميعها فى توادها وتعاطفها، وبينها وبين سائر الأمم الإنسانية فى تعاونها، وتعايشها، وعلاقاتها الأممية.\nولخطر هذا العلم قام على خدمته مجموعة من العلوم بلغ مجموعها زهاء ثمانين علما أو يزيد، قيض الله لها من يرعاها، ويكشف عن فوائدها لخدمة كتاب الله العزيز، والمخاطبين به. وصدق الله﷿- إذ يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١).\nد/ عبد الجواد خلف\n_________\n(١) الحجر: ٩.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>فهرس المصادر</span>\n* الإتقان فى علوم القرآن: للسيوطى، ط. مصطفى الحلبى ١٩٥١ م.\n* الأحاديث التساعية: لشيخ الإسلام بدر الدين بن جماعة المتوفى ٧٣٣ هـ، ط.\nدار البيان- القاهرة.\n* أسباب النزول: للواحدى أبو الحسن على بن أحمد النيسابورى- المتوفى ٤٦٨ هـ، ط. دار الكتب العلمية بيروت ١٣٩٨ هـ/ ١٩٧٨.\n* أسد الغابة فى معرفة الصحابة: لعز الدين بن الأثير أبى الحسن على بن محمد الجزرى، طبع مطبعة الشعب- القاهرة.\n* أنوار البيان فى علوم القرآن: لزكى محمد أبو سريع- الطبعة الأولى- ١٤١٢ هـ- ١٩٩٢ - طبع دار الطباعة المحمدية.\n* البرهان فى علوم القرآن: للزركشى محمد بن عبد الله المتوفى ٧٩٤ هـ.\n* تاج العروس: للسيد محمد مرتضى، ط. دار الجبل- الكويت ١٣٨٥ هـ- ١٩٦٥ م\n* تاريخ بغداد: للخطيب البغدادى، طبع دائرة المعارف العثمانية- حيدرآباد الدكن الهند ١٣٨٤ هـ.\n* تدريب الراوى فى شرح تقريب النواوى: لجلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى المتوفى ٩١١ هـ، طبع دار الكتب الحديثة- القاهرة.\n* التفسير والمفسرون: لمحمد حسين الذهبى، ط. دار الكتب الحديثة- القاهرة.\n* تهذيب التهذيب: لأحمد بن حجر العسقلانى، ط. أولى- الهند.\n* تهذيب اللغة: لأبى منصور محمد بن أحمد الأزهرى، طبع المؤسسة المصرية العامة للتأليف- القاهرة.","vol":"1","page":239},{"text":"* جامع البيان عن تأويل آى القرآن: لأبى جعفر محمد بن جرير الطبرى- الطبعة الثالثة- طبع مطبعة ومكتبة البابى الحلبى- القاهرة.\n* دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث: (امتياز أحمد) الطبعة الأولى- ط. دار الوفاء- المنصورة.\n* الديباج المذهب فى معرفة أعيان المذهب: لابن فرحون.\n* سنن الترمذى: لأبى عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذى، توفى ٢٥٥ هـ، ط. دار الكتب العلمية. بيروت.\n* السيرة النبوية: لأبى محمد عبد الملك بن هشام- ط. دار الهداية.\n* شرح السنة: للحسين بن مسعود البغوى- المكتب الإسلامى بيروت ١٩٨٣ م.\n* صحيح البخارى بشرح السندى: للإمام محمد بن إسماعيل البخارى- ط. عيسى الحلبى.\n* صحيح البخارى بشرح فتح البارى: للحافظ أبى الفضل شهاب الدين أحمد بن على بن محمد- ط. دار إحياء التراث العربى- بيروت.\n* صحيح مسلم: بشرح النووى للإمام مسلم بن الحجاج القشيرى- ط. دار الفكر.\n* طبقات الشافعية الكبرى للإمام السيوطى، ط. أولى. عيسى الحلبى.\n* طبقات المفسرين: لجلال الدين السيوطى. طبعة ليدن ١٨٣٩ م.\n* علوم الحديث: لابن الصلاح أبو عمر بن الصلاح- طبع الهند ١٣٥٧ هـ.\n* القاموس المحيط: لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادى- الطبعة الثانية (١٣٧١ هـ- ١٩٥٢ م) طبع- مطبعة الحلبى- القاهرة.\n* فتاوى ابن تيمية: لأحمد بن تيمية الحرانى- مكتبة كردستان العلمية ١٣٢٩ هـ.","vol":"1","page":240},{"text":"* لسان الميزان: لشهاب الدين أحمد بن على بن حجر العسقلانى- الطبعة الأولى- طبع. دائرة المعارف النظامية حيدرآباد الدكن الهند ١٣٢٩ هـ.\n* مباحث فى علوم القرآن: لمناع القطان.\n* مبادئ التفسير: لمحمد الخضرى الدمياطى- طبع مطبعة النيل ١٣٢١ هـ.\n* مجمع البيان فى تفسير القرآن: للشيخ أبو الفضل بن حسين الطبرسى.\nمنشورات دار مكتبة الحياة. بيروت.\n* المذاهب الإسلامية فى تفسير القرآن الكريم: لجولد زيهر. تعريب على حسن عبد القادر وآخرين.\n* المستدرك على الصحيحين: لأبى عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابورى- ط. دار الكتاب العربى بيروت.\n* مسند الإمام أحمد: طبع المطبعة الميمنية بمصر ١٣١٣ هـ.\n* مقدمة فى أصول التفسير: لابن تيمية- طبع مطبعة الترقى- بدمشق.\n* معرفة علوم الحديث: للحاكم النيسابورى- دار الكتب المصرية ١٩٣٧ هـ.\n* مناهل العرفان فى علوم القرآن: للشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى- طبع عيسى البابى الحلبى- القاهرة.\n* مورد الظمآن إلى علوم القرآن- طبع الهند.\n* هدى السارى مقدمة فتح البارى: لابن حجر العسقلانى- طبع إدارة الطباعة المنيرية ١٣٤٧ هـ.\n***","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>فهرس الموضوعات</span>\nالموضوع الصفحة\nالمقدمة ٥\nالقسم الأول: جذور الحضارة الإسلامية ٩\nالمبحث الأول: تمهيد ٩\nنتيجة هذا المبحث ٢٢\nالمبحث الثانى: الوحى الإلهى ٢٣\nمطلب فى: الله ... والفطرة ... والأنبياء ... والوحى ٢٣\nنتيجة هذا المبحث ٢٧\nمطلب فى: التعريف بالوحى ٢٧\nمطلب فى: صور الوحى ٢٩\nمطلب فى: أنواع الوحى وخصائصه ٣٤\nمطلب فى: كتابة الوحى، وتدوينه، وأشهر كتابه ٣٦\nنتيجة هذا المبحث ٣٩\nالمبحث الثالث: السنة النبوية المشرفة (الوحى الخفى) ٣٩\nنتيجة هذا المبحث ٤٥\nالمبحث الرابع: القرآن الكريم (الوحى الجلى) ٤٦\nمطلب فى: التعريف بالقرآن الكريم ٤٦\nمطلب فى: بعض أسماء القرآن، وأوصافه ٥٠\nالقسم الثانى: علوم القرآن الكريم ٥٥\nتمهيد ٥٥\nفائدة علوم القرآن، وأهميتها ٥٦\nتطور علوم القرآن ٥٧","vol":"1","page":243},{"text":"الموضوع الصفحة\nالباب الأول علم التفسير ٦٧\nتمهيد: منزلة علم التفسير، والحاجة إليه ٦٧\nمبحث فى: نشأة التفسير ومراحله ٧٠\nمطلب فى: أقسام التفسير وأنواعه ٧٢\nمطلب فى: شروط المفسر وآدابه ٧٣\nأولا: شروط المفسر ٧٣\nثانيا: آداب المفسر ٧٤\nمبحث فى: الأربعة المكثرون فى التفسير من الصحابة ٧٥\n(١) عبد الله بن عباس ٧٥\nالتعريف به- علم ابن عباس- تقريظ عمر له- منزلة ابن عباس فى التفسير- أسباب نبوغ ابن عباس- أدوات التفسير عند ابن عباس ومصادره- طرق الرواية عن ابن عباس- المطاعن.\n(٢) عبد الله بن مسعود ٨٦\nالتعريف به- منزلة ابن مسعود فى التفسير- مرويات ابن مسعود ومبلغها من الصحة.\n(٣) على بن أبى طالب ٩٢\nمكانته فى العلم بصفة عامة- مكانته فى التفسير بصفة خاصة- مرويات على كرم الله وجهه ومدى صحتها- أهم الطرق.\n(٤) أبىّ بن كعب ٩٤\nتعريفه- مكانته فى العلم بصفة عامة- مكانته فى التفسير خاصة- أشهر طرق الرواية عنه.","vol":"1","page":244},{"text":"الموضوع الصفحة\nمطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن الصحابة ٩٦\nمطلب فى: خصائص تفسير الصحابة ومميزاته ٩٩\nمبحث فى: التفسير فى عصر التابعين ومدارسه ١٠٠\nمطلب تمهيدى فى: مدارس التفسير فى عصر التابعين: ١٠١\n١ - المدرسة المكية فى التفسير وأشهر تلاميذها ١٠١\n٢ - المدرسة المدنية فى التفسير وأشهر تلاميذها ١٠٢\n٣ - المدرسة العراقية وأشهر تلاميذها ١٠٣\nمطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن التابعين ١٠٥\nمطلب فى: خصائص ومميزات التفسير فى عصر التابعين ١٠٧\nمبحث فى: التفسير بالمأثور ١١٠\nمراحل التفسير بالمأثور- المرحلة الأولى- المرحلة الثانية- دور التبعية لعلم الحديث- دور الاستقلال عن علم الحديث- دور اختصار الإسناد أو حذفه نهائيا.\nنموذج من: مناهج المفسرين بالمأثور (ابن جرير الطبرى وتفسيره «جامع البيان») ١١٧\nحياته- وتلقيه العلم- شيوخه- منزلة الطبرى فى العلم- درجته فى الرواية- أوصافه- تلاميذه.\nمطلب فى: منهج ابن جرير فى تفسيره ١٢١\nمبحث فى: التفسير فى بداية عصر التدوين ١٢٦\nمطلب فى: التدوين ١٢٧\nمبحث فى: التفسير بالرأى ١٣١\nالتفسير بالرأى الجائز- التفسير بالرأى الممنوع (المذموم) - أدلة المانعين للتفسير بالرأى- رد المجوزين للتفسير بالرأى.","vol":"1","page":245},{"text":"الموضوع الصفحة\nنموذج من: مناهج المفسرين بالرأى المحمود (فخر الدين الرازى وكتابه «مفاتيح الغيب») ١٣٩\nالتعريف به- تلقيه العلم- مؤلفاته- منهج الفخر الرازى فى تفسيره:\n«المناسبات- الاهتمام بالعلوم الرياضية والكلامية- اهتمامه بالرد على المعتزلة والفرق الكلامية- إبرازه ووقوفه عند آيات الأحكام- ترتيب المسائل- ذكر اللغة والقراءات وأسباب النزول».\nنموذج فى: التفسير بالرأى المذموم: (الزمخشرى وكتابه «الكشاف») ١٤٢\nتوطئة- الزمخشرى وكتابه- قيمة الكشاف العلمية.\nمبحث فى: التفسير الفقهى «الجامع لأحكام القرآن للقرطبى» ١٤٦\nتوطئة- لمحة تاريخية سريعة.\nالقرطبى وكتابه: الجامع لأحكام القرآن الكريم ١٤٨\nالتعريف به- مصنفاته- شيوخه- منهج القرطبى فى تفسيره.\nالباب الثانى علم نزول القرآن الكريم ١٥٣\nمبحث فى: وقت نزول القرآن الكريم، ومدته، وكيفيته، وحكمة تنجيمه ١٥٣\nمبحث فى: كيفية إنزال القرآن الكريم ١٥٥\nمبحث فى: حكمة تنجيم القرآن الكريم ١٥٦\nالباب الثالث علم أسباب النزول ١٦٣\nمبحث فى: التعريف بعلم أسباب النزول، وفوائد معرفته ١٦٣\nمبحث فى: طرق معرفة أسباب النزول، ومصادره، وصيغه ١٦٦\nمبحث فى: تعارض الروايات فى سبب النزول ١٦٦","vol":"1","page":246},{"text":"الموضوع الصفحة\nالباب الرابع علم معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل ١٧٥\nعرض الروايات الدالة على أول ما نزل ١٧٦\nمبحث فى: ما نزل من القرآن أولا ١٨٠\nمبحث فى: آخر ما نزل من القرآن الكريم ١٨٢\nالباب الخامس علم معرفة المكى والمدنى ١٩١\nمبحث فى: فائدة معرفة المكى والمدنى ١٩٢\nمبحث فى: طريقة معرفة المكى والمدنى ١٩٣\nأولا: الفرق بين المكى والمدنى ١٩٥\nثانيا: ضوابط ومميزات المكى والمدنى ١٩٦\nمبحث فى: حصر المكى والمدنى وكلها (مائة وأربع عشرة سورة) ١٩٨\nالباب السادس علم الناسخ والمنسوخ ٢٠٥\nتمهيد: تعريف النسخ ٢٠٥\nمبحث: فيما يقع فيه النسخ، وأهميته، وطرق معرفته ٢٠٧\nأهمية النسخ ٢٠٧\nطرق النسخ ٢٠٧\nمبحث فى: أقسام النسخ ٢٠٨\nمبحث فى: أوجه النسخ فى القرآن الكريم، والحكمة من وقوعه، والتعرف على بعض المصطلحات ٢٠٩\nمطلب فى: الحكمة من وقوع النسخ ٢١١","vol":"1","page":247},{"text":"الموضوع الصفحة\nمطلب فى: التفريق بين بعض المصطلحات ٢١٢\nمبحث فى: قضية النسخ بين الإغراق والغلو ٢١٦\nمبحث فى: النسخ إلى بدل وإلى غير بدل ٢٢١\nالباب السابع علم القراءات ٢٢٥\nمبحث فى: أنواع القراءات ٢٢٥\nمطلب فى: حكم هذه القراءات وضوابطها ٢٣٠\nمبحث فى: أهم ضوابط القراءة الصحيحة ٢٣٠\nمطلب فى: أهم الكتب المؤلفة فى علم القراءات ٢٣٢\nالخاتمة والنتائج ٢٣٥\nالمصادر والمراجع ٢٣٩\nفهرس الموضوعات ٢٤٣","vol":"1","page":248}]}