{"ً":{"ٌ":21506,"ٍ":"درء تعارض العقل والنقل","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"كتب ابن تيمية/درء تعارض العقل والنقل - ابن تيمية - ت سالم - ط جامعة الإمام  1-11","files":["dtan00.pdf|الغلاف","dtan01.pdf","dtan02.pdf","dtan03.pdf","dtan04.pdf","dtan05.pdf","dtan06.pdf","dtan07.pdf","dtan08.pdf","dtan09.pdf","dtan10.pdf","dtan11.pdf"]},"ّ":"الكتاب: درء تعارض العقل والنقل\nالمؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨هـ)\nتحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم\nالناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الثانية، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\nعدد الأجزاء: ١٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":54,"ٕ":1,"ٖ":1770153764,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10"],"ٚ":[{"title":"الجزء ١","level":1,"page":2},{"title":"القانون الكلي للتوفيق عند المبتدعة","level":2,"page":2},{"title":"طريقتا المبتدعة في نصوص الأنبياء. أولا - طريقة التبديل: أهل التبديل نوعان. أهل الوهم والتخييل","level":2,"page":7},{"title":"أهل التحريف والتأويل","level":2,"page":11},{"title":"لفظ التأويل","level":2,"page":13},{"title":"ثانيا - طريقة التجهيل","level":2,"page":14},{"title":"خلاصة ما سبق","level":2,"page":18},{"title":"فصل هدف الكتاب بيان فساد قانونهم الفاسد","level":2,"page":19},{"title":"استطراد في الرد على سؤال وجه إلى ابن تيمية وهو في مصر. نص السؤال","level":2,"page":24},{"title":"الرد على المسألة الأولى","level":2,"page":25},{"title":"أصول الدين: مسائل ودلائل هذه المسائل، المسائل","level":2,"page":26},{"title":"دلائل المسائل","level":2,"page":27},{"title":"الأدلة علي المعاد في كتاب لله","level":2,"page":31},{"title":"تنزيه القرآن لله تعالي عن الشركاء","level":2,"page":34},{"title":"أصول المتكلمين ليس هي أصول الدين","level":2,"page":37},{"title":"جواز مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم","level":2,"page":42},{"title":"الرد علي المسألة الثانية","level":2,"page":45},{"title":"المسائل التي نهي عنها الكتاب والسنة","level":2,"page":45},{"title":"الرد علي المسألة الثالثة","level":2,"page":50},{"title":"الرد على المسألة الرابعة","level":2,"page":51},{"title":"الرد علي المسألة الخامسة","level":2,"page":59},{"title":"تنازع النظار في الاستطاعة","level":2,"page":59},{"title":"تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون","level":2,"page":61},{"title":"الرد علي المسألة السادسة","level":2,"page":71},{"title":"عودة إلي مناقشة قانون التأويل","level":2,"page":77},{"title":"جواب إجمالي","level":2,"page":77},{"title":"الجواب التفصيلي من وجوه. الوجه الأول","level":2,"page":85},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":86},{"title":"الوجه الثالث. نفي قاعدة أن العقل أصل النقل","level":2,"page":86},{"title":"اعتراض: نحن نقدم علي السمع المعقولات التي علمنا بها صحة السمع. الرد عليهم من وجوه. الأول","level":2,"page":90},{"title":"الثاني","level":2,"page":90},{"title":"الثالث","level":2,"page":96},{"title":"الرابع","level":2,"page":97},{"title":"الخامس","level":2,"page":97},{"title":"السادس","level":2,"page":98},{"title":"الأنبياء لم يدعوا إلي طريقة الأعراض","level":2,"page":99},{"title":"للمنازعين في هذا الكلام مقامان. للمنازعين فيه مقامان: المقام الأول","level":2,"page":99},{"title":"المقام الثاني","level":2,"page":102},{"title":"الجواب علي المسلك الأول من وجوه. الأول","level":2,"page":103},{"title":"الثاني","level":2,"page":104},{"title":"الثالث","level":2,"page":108},{"title":"نقض الاستدلال بقصة إبراهيم ﵇","level":2,"page":108},{"title":"لفظ أحد وواحد","level":2,"page":112},{"title":"لفظ الصمد","level":2,"page":114},{"title":"لفظ الكفء","level":2,"page":116},{"title":"الرابع","level":2,"page":117},{"title":"مناقشة قولهم: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث","level":2,"page":120},{"title":"المعاني المختلفة لحدوث العالم عند النظار","level":2,"page":124},{"title":"المعني الأول","level":2,"page":124},{"title":"المعنى الثاني","level":2,"page":124},{"title":"المعنى الثالث","level":2,"page":125},{"title":"الخامس","level":2,"page":126},{"title":"الجواب لأهل المقام الثاني من وجوه. الأول","level":2,"page":129},{"title":"الثاني","level":2,"page":130},{"title":"الثالث","level":2,"page":131},{"title":"الرابع","level":2,"page":131},{"title":"الخامس","level":2,"page":132},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":133},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":136},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":137},{"title":"مهمة العقل","level":2,"page":137},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":143},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":147},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":155},{"title":"معارضة دليلهم بنظير ما قالوه. الوجه العاشر","level":2,"page":169},{"title":"تقديم النقل لا يستلزم فساد النقل في نفسه","level":2,"page":170},{"title":"اعتراض","level":2,"page":172},{"title":"الرد عليه. الجواب الأول","level":2,"page":172},{"title":"الجواب الثاني","level":2,"page":172},{"title":"اعتراض آخر","level":2,"page":173},{"title":"الرد عليه","level":2,"page":173},{"title":"المقصودون بالخطاب في هذا الكتاب","level":2,"page":175},{"title":"اعتراض: الشهادة بصحة السمع ما لم يعارض العقل","level":2,"page":176},{"title":"الرد عليه من وجوه: الأول","level":2,"page":176},{"title":"الثاني","level":2,"page":176},{"title":"الثالث","level":2,"page":176},{"title":"الرابع","level":2,"page":177},{"title":"الخامس","level":2,"page":184},{"title":"السادس","level":2,"page":186},{"title":"السابع","level":2,"page":186},{"title":"الوجه الحادي عشر. كثير مما يسمي دليلا ليس بدليل","level":2,"page":191},{"title":"الوجه الثاني عشر. كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده","level":2,"page":193},{"title":"الوجه الثالث عشر. الأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها معلومة من الدين بالضرورة","level":2,"page":194},{"title":"العلم بمقاصد الرسول علم ضروري يقيني. الوجه الرابع عشر","level":2,"page":194},{"title":"الدليل الشرعي لا يقابل بكونه عقليا وإنما بكونه بدعيا. الوجه الخامس عشر","level":2,"page":197},{"title":"المعارضون ينتهون إلي التأويل أو التفويض وهما باطلان. الوجه السادس عشر","level":2,"page":200},{"title":"العقليات المبتدعة بنيت علي أقوال مشتبهة مجملة تشتمل علي حق وباطل. الوجه السابع عشر","level":2,"page":207},{"title":"المبتدعة يستعملون ألفاظ الكتاب والسنة واللغة ولكن يقصدون بها معاني أخر","level":2,"page":221},{"title":"معني لفظ التوحيد في الكتاب والسنة مخالف لما يقصده المبتدعة","level":2,"page":222},{"title":"إما أن نمتنع عن التكلم بالألفاظ المبتدعة. وإما نقبل ما وافق معناه الكتاب والسنة","level":2,"page":228},{"title":"الألفاظ نوعان. النوع الأول","level":2,"page":239},{"title":"النوع الثاني","level":2,"page":240},{"title":"مثال: الكلام على الرؤية","level":2,"page":249},{"title":"مثال آخر: كلمة جبر","level":2,"page":253},{"title":"مثال ثالث: اللفظ بالقرآن","level":2,"page":255},{"title":"معنى الاستواء على العرش","level":2,"page":277},{"title":"ما يعارضون به الأدلة الشرعية من العقليات فاسد متناقض. الوجه الثامن عشر","level":2,"page":279},{"title":"معنى المركب","level":2,"page":279},{"title":"مذهب النفاة في الصفات والرد عليه","level":2,"page":281},{"title":"الرد على نفاة الصفات من وجوه. الأول","level":2,"page":284},{"title":"الثاني","level":2,"page":284},{"title":"الثالث","level":2,"page":285},{"title":"وجود الله هل هو ماهيته أو زائد على ماهيته؟","level":2,"page":291},{"title":"رأي ابن تيمية","level":2,"page":291},{"title":"كيف نعرف الضلال ونتجنبه","level":2,"page":295},{"title":"حجة الأعراض عند المتكلمين","level":2,"page":300},{"title":"بطلان استدلال المتكلمين بقصة الخليل على رأيهم","level":2,"page":309},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":310},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":312},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":312},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":313},{"title":"بطلان الاستدلال بحدوث الحركات والأعراض. الوجه التاسع عشر","level":2,"page":319},{"title":"آراء المتكلمين في إرادة الله تعالى","level":2,"page":326},{"title":"آراء الفلاسفة","level":2,"page":329},{"title":"اعتراض الأرموي على الرازي","level":2,"page":333},{"title":"رد ابن تيمة على الأرموي","level":2,"page":333},{"title":"المقصود مما تقدم","level":2,"page":349},{"title":"مثال في الإجابة على الفلاسفة. الرد على قولهم بقدم العالم. الكلام على امتناع التسلسل","level":2,"page":350},{"title":"ملخص الرد على حجة التأثير","level":2,"page":357},{"title":"عمدة الفلاسفة في قدم العالم على مقدمتين","level":2,"page":367},{"title":"جواز التسلسل","level":2,"page":367},{"title":"الترجيح بلا مرجح","level":2,"page":370},{"title":"كل ما يحتج به النفاة يدل على نقيض قولهم","level":2,"page":373},{"title":"إبطال الأبهري حجة الفلاسفة على قدم العالم","level":2,"page":376},{"title":"رد الأبهري على الرازي وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":384},{"title":"الجزء ٢","level":1,"page":406},{"title":"دلالة السمع على أفعال الله تعالى","level":2,"page":406},{"title":"أقوال السلف في الأفعال الاختيارية بالله تعالى","level":2,"page":421},{"title":"كلام الخلال في كتاب السنة","level":2,"page":427},{"title":"قول الأشعري في كتابه المقالات","level":2,"page":428},{"title":"أقوال أهل السنة: لـ أبي عثمان الصابوني في رسالته","level":2,"page":429},{"title":"قول البيهقي في كتابه الأسماء والصفات","level":2,"page":431},{"title":"قول الخلال في كتاب السنة","level":2,"page":432},{"title":"قول عبد العزيز الماجشون","level":2,"page":438},{"title":"قول آخر لالخلال في السنة","level":2,"page":440},{"title":"قول البخاري في كتاب خلق أفعال العباد","level":2,"page":444},{"title":"كلام المحاسبي في فهم القرآن","level":2,"page":448},{"title":"كلام محمد بن الهيصم في جمل الكلام","level":2,"page":450},{"title":"كلام الدارمي في النقض على بشر المريسي","level":2,"page":452},{"title":"كلام الدارمي في الرد على الجهمية","level":2,"page":463},{"title":"عود إلى كتاب النقض على المريسي","level":2,"page":469},{"title":"قول أبي بكر عبد العزيز في المقنع","level":2,"page":477},{"title":"قول القاضي أبي يعلي في إيضاح البيان","level":2,"page":477},{"title":"قول عبد الله بن حامد في أصول الدين","level":2,"page":478},{"title":"قول أبي إسماعيل الأنصاري في مناقب أحمد بن حنبل","level":2,"page":479},{"title":"قول الأنصاري في ذم الكلام","level":2,"page":485},{"title":"قول السجزي في رسالته إلى أهل زبيد","level":2,"page":486},{"title":"قول السجزي في الإبانة","level":2,"page":489},{"title":"كلام أبي القاسم الأصبهاني في الحجة على تارك المحجة","level":2,"page":497},{"title":"كلام أبي الحسن الكرجي في الفصول في الأصول","level":2,"page":498},{"title":"كلام أبي حامد الإسفرايني في التعليق في أصول الفقه","level":2,"page":509},{"title":"كلام أبو محمد الجويني في عقيدة أصحاب الشافعي","level":2,"page":512},{"title":"دلالة القرآن على مسألة أفعال الله تعالى","level":2,"page":518},{"title":"دلالة السنة على أفعال الله تعالى","level":2,"page":527},{"title":"الناس في مسألة أفعال الله تعالى ثلاثة أقسام","level":2,"page":550},{"title":"أصل خطأ المبتدعة في هذه المسألة","level":2,"page":552},{"title":"كلام الرازي والآمدي عن أدلة النفاة","level":2,"page":559},{"title":"كلام ابن ملكا","level":2,"page":567},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":575},{"title":"كلام آخر للرازي","level":2,"page":577},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":580},{"title":"أقوال الجويني في مسألة أفعال الله ورد ابن تيمية عليه","level":2,"page":591},{"title":"قول الرازي في الأربعين","level":2,"page":610},{"title":"الاستدلال على النفي والرد عليه","level":2,"page":629},{"title":"معارضة بعض المتكلمين للرازي","level":2,"page":640},{"title":"الرد عليهم من وجوه الوجه الأول","level":2,"page":641},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":641},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":642},{"title":"طريقة الأئمة في مسألة القرآن","level":2,"page":647},{"title":"قول عبد العزيز الكناني في مسألة القرآن وصفات الله والتعليق عليه","level":2,"page":648},{"title":"قول عبد العزيز الكناني في مسألة القرآن وصفات الله والتعليق عليه","level":2,"page":667},{"title":"جواب على الفلاسفة في مسألة التسلسل","level":2,"page":685},{"title":"مراجعة تعليق عبد العزيز الكناني","level":2,"page":691},{"title":"رأي أحمد بن حنبل في مسألة أفعال الله","level":2,"page":694},{"title":"أقوال مختلفة في كلام الله تعالى","level":2,"page":707},{"title":"عدم ذكر مصنفي أصول الدين","level":2,"page":712},{"title":"عدم ذكر الشهرستاني لقول السلف في نهاية الإقدام","level":2,"page":718},{"title":"موقف الرازي في مسألة القرآن وأفعال الله","level":2,"page":727},{"title":"فصل","level":2,"page":745},{"title":"حجج الرازي على حدوث العالم ومعارضة الأموري له","level":2,"page":747},{"title":"البرهان الأول","level":2,"page":747},{"title":"امتناع حوادث لا أول لها من وجوه","level":2,"page":748},{"title":"الثاني والتعليق عليه","level":2,"page":749},{"title":"الثالث والتعليق عليه","level":2,"page":752},{"title":"الرابع والتعليق عليه","level":2,"page":754},{"title":"الخامس والتعليق عليه","level":2,"page":768},{"title":"السادس والتعليق عليه","level":2,"page":772},{"title":"الجزء ٣","level":1,"page":803},{"title":"حدوث العالم والأجسام","level":2,"page":803},{"title":"معارضة الأرموي","level":2,"page":803},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":803},{"title":"البرهان الثالث للرازي","level":2,"page":804},{"title":"معارضة الأرموي له","level":2,"page":804},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":804},{"title":"البرهان الرابع","level":2,"page":808},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":809},{"title":"البرهان الخامس","level":2,"page":818},{"title":"معارضة الأرموي","level":2,"page":820},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":820},{"title":"طريقة الآمدي في الاستدلال على حدوث العالم","level":2,"page":830},{"title":"مسلك الآمدي على إثبات حدوث الأجسام","level":2,"page":831},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":834},{"title":"إيراد أحد المتكلمين الدليل على وجه آخر","level":2,"page":836},{"title":"حول إبطال القول بعدم النهاية","level":2,"page":844},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":845},{"title":"الثاني","level":2,"page":847},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":848},{"title":"الثالث","level":2,"page":849},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":850},{"title":"الرابع","level":2,"page":852},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":852},{"title":"كلام آخر للآمدي","level":2,"page":853},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":856},{"title":"قول آخر عن الآمدي","level":2,"page":859},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":860},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":862},{"title":"الأقوال في مقارنة المعلول لعلته الثانية","level":2,"page":862},{"title":"إثبات الرازي للصانع","level":2,"page":872},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":873},{"title":"الثاني","level":2,"page":874},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":874},{"title":"الثالث","level":2,"page":875},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":876},{"title":"الرابع","level":2,"page":882},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":883},{"title":"الخامس","level":2,"page":886},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":887},{"title":"بسم الله الرحمن الرحيم: فصل","level":2,"page":888},{"title":"كلام الآمدي في الأبكار في أثبات واجب الوجود","level":2,"page":888},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":893},{"title":"إبطال التسلسل","level":2,"page":899},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":900},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":901},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":901},{"title":"فصل","level":2,"page":904},{"title":"كلام الرازي في إثبات وجود الله","level":2,"page":906},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":908},{"title":"كلام الجويني في الإرشاد","level":2,"page":908},{"title":"كلام أبي القاسم الأنصاري","level":2,"page":909},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":909},{"title":"فصل","level":2,"page":914},{"title":"فصل","level":2,"page":918},{"title":"فصل","level":2,"page":923},{"title":"كلام الشهر ستأتي في نهاية الإقدام","level":2,"page":928},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":934},{"title":"موافقة الرازي لابن سينا وإنكار ابن رشد على ابن سينا","level":2,"page":940},{"title":"وجماع ذلك أن الدور نوعان، والتسلسل نوعان","level":2,"page":943},{"title":"سؤال للآمدي وأجوبة عنه","level":2,"page":947},{"title":"الثاني","level":2,"page":950},{"title":"الثالث","level":2,"page":952},{"title":"الرابع","level":2,"page":955},{"title":"الخامس","level":2,"page":957},{"title":"فصل","level":2,"page":958},{"title":"موقف الرازي من طريقة ابن سينا","level":2,"page":962},{"title":"كلام ابن سينا في إثبات وجود الله تعالى","level":2,"page":966},{"title":"تعليق على كلام ابن سينا","level":2,"page":969},{"title":"كلام الآمدي في دقائق الحقائق","level":2,"page":973},{"title":"تعليق ابن تيمية على كلام الآمدي","level":2,"page":975},{"title":"المجموع مغاير لكل واحد من الآحاد","level":2,"page":978},{"title":"كلام ابن سينا","level":2,"page":978},{"title":"كلام السهروردي","level":2,"page":979},{"title":"الرد على ذلك من وجوه","level":2,"page":979},{"title":"الرد على ذلك من وجوه","level":2,"page":980},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":981},{"title":"كلام الآمدي في خطبة أبكار الأفكار","level":2,"page":981},{"title":"الرد على الآمدي","level":2,"page":987},{"title":"وجوه الرد على الآمدي","level":2,"page":992},{"title":"الثاني","level":2,"page":993},{"title":"الثالث","level":2,"page":994},{"title":"الرباع","level":2,"page":995},{"title":"الخامس","level":2,"page":995},{"title":"فصل: اعتراض الأبهري على حجة قطع التسلسل في العلل","level":2,"page":1010},{"title":"الرد على الأبهري من وجوه","level":2,"page":1012},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1012},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1013},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":1013},{"title":"اعتراض الأبهري فاسد من وجوه","level":2,"page":1016},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1019},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1021},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1023},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":1023},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":1024},{"title":"يمكن إيراد الجواب على وجوه","level":2,"page":1024},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1027},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1027},{"title":"الرد على باقي الاعتراض","level":2,"page":1031},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":1031},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1034},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1038},{"title":"فصل غلط المبتدعة في الله سبحانه على طرفي نقيض","level":2,"page":1039},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1041},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1043},{"title":"الدليل الثالث على إبطال التسلسل","level":2,"page":1043},{"title":"اعتراض الأبهري عليه","level":2,"page":1043},{"title":"الجواب عن هذا الاعتراض من وجوه","level":2,"page":1044},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":1044},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1044},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1045},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1059},{"title":"جهل المبتدعته وحيرتهم","level":2,"page":1062},{"title":"الطرق المختلفة لإثبات الخالق تعالى","level":2,"page":1064},{"title":"الطريقة الصحيحة الموافقة للفطرة في إثبات وجود الله تعالى","level":2,"page":1065},{"title":"طريقة ابن سينا وأتباعه في إثبات وجود الله تعالى","level":2,"page":1067},{"title":"بطلان قول الفلاسفة حول كمال النفس","level":2,"page":1069},{"title":"بطلان هذا القول من وجوه والرد عليهم في ذلك","level":2,"page":1074},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1075},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1076},{"title":"تقرير الآمدي لطريقة المتأخرين في إثبات واجب الوجود","level":2,"page":1077},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1080},{"title":"فصل","level":2,"page":1086},{"title":"الرد على قولهم","level":2,"page":1099},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1102},{"title":"الطريقة النبوية إيمانية وبرهانية","level":2,"page":1108},{"title":"بيان ذلك من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":1109},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1113},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1116},{"title":"فصل","level":2,"page":1118},{"title":"كلام لابن تيمية في مبحث التصورات","level":2,"page":1119},{"title":"حقيقة الحدود","level":2,"page":1119},{"title":"فصل طرق معرفة الله كثيرة ومتنوعة","level":2,"page":1133},{"title":"طريقة ابن سينا","level":2,"page":1134},{"title":"عودة إلى كلام ابن سينا","level":2,"page":1136},{"title":"التعليق على كلام ابن سينا","level":2,"page":1136},{"title":"الاعتراض على ما سبق من وجوه","level":2,"page":1137},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":1137},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1139},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1140},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1141},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":1144},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":1146},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":1146},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":1147},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":1148},{"title":"الوجه العاشر","level":2,"page":1148},{"title":"الوجه الحادي عشر","level":2,"page":1148},{"title":"فصل تقرير الآمدي للمسلك الثاني","level":2,"page":1151},{"title":"تعليق ابن تيمية على كلام الآمدي","level":2,"page":1154},{"title":"شبهة للملاحدة","level":2,"page":1167},{"title":"الجواب عنها من وجوه","level":2,"page":1167},{"title":"والثاني","level":2,"page":1168},{"title":"الثالث","level":2,"page":1168},{"title":"الرابع","level":2,"page":1168},{"title":"الخامس","level":2,"page":1168},{"title":"كلام الشهر ستاني في نهاية الإقدام","level":2,"page":1172},{"title":"تعليق ابن تيمية على كلام الشهرستاني","level":2,"page":1178},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":1178},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1180},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1180},{"title":"كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة","level":2,"page":1190},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1192},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1193},{"title":"كلام الغزالي في مسألة صفات الله","level":2,"page":1196},{"title":"تعليق ابن رشد على الغزالي","level":2,"page":1197},{"title":"كلام آخر للغزالي في مسألة التركيب","level":2,"page":1199},{"title":"تعليق ابن رشد على كلام الغزالي","level":2,"page":1199},{"title":"تعليق ابن تيمية على كلام الغزالي وابن رشد","level":2,"page":1202},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1227},{"title":"كلام لابن رشد باطل من وجوه","level":2,"page":1234},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1234},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1235},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1235},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":1236},{"title":"كلام ابن تومرت","level":2,"page":1238},{"title":"ما ورد في كتاب الدليل والعلم","level":2,"page":1239},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1240},{"title":"كلام الآمدي في تقرير هذا المسلك","level":2,"page":1248},{"title":"ذكر الآمدي في حدوث الأجسام سبعة مسالك وزيف ستة منها","level":2,"page":1248},{"title":"المسلك السابع الذي اعتمده","level":2,"page":1249},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1251},{"title":"الجزء ٤","level":1,"page":1255},{"title":"فصل","level":2,"page":1255},{"title":"ضعف تضعيف الرازي وغيره لحجة الكمال والنقصان","level":2,"page":1255},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1258},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1258},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1258},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":1259},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":1262},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":1262},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":1263},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":1264},{"title":"الوجه العاشر","level":2,"page":1265},{"title":"فصل كلام الآمدي في أبكار الأفكار في بيان امتناع حلول الحوادث بذاته ﵎.","level":2,"page":1270},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1274},{"title":"تابع كلام الآمدي وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":1279},{"title":"الرد على الفلاسفة في مسألة امتناع حلول الحوادث بذاته تعالى من وجوه","level":2,"page":1297},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1298},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1299},{"title":"والوجه الرابع","level":2,"page":1300},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":1303},{"title":"الحجة الثالثة عند الآمدي على امتناع حلول الحوادث بذات الله تعالى","level":2,"page":1314},{"title":"الحجة الرابعة عند الآمدي","level":2,"page":1323},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1324},{"title":"طريقة الامدي في إثبات امتناع حلول الحوادث بذات الله تعالى","level":2,"page":1334},{"title":"الرد عليه من وجوه","level":2,"page":1336},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":1336},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1338},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1340},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1343},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":1345},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":1346},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":1346},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":1347},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":1347},{"title":"رد الآمدي على الكرامية من ثمانية أوجه","level":2,"page":1348},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1349},{"title":"الثاني","level":2,"page":1350},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1351},{"title":"الثالث","level":2,"page":1354},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1355},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1356},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1357},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":1358},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1359},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":1361},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1362},{"title":"استطرادات مقالة الآمدي في مسألة كلام الله تعالى","level":2,"page":1367},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1371},{"title":"لنظار ثلاثة أقوال في تركيب الجسم","level":2,"page":1386},{"title":"عود إلى مناقشة كلام الأمدي في مسألة كلام الله تعالى","level":2,"page":1388},{"title":"كلام الآمدي في نفي التجسيم وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":1389},{"title":"ذكر الآمدي أربعة حجج على نفي الجوهر مختصة بالجسم","level":2,"page":1401},{"title":"الرد عليه","level":2,"page":1402},{"title":"الحجة الثانية","level":2,"page":1403},{"title":"الحجة الثالثة","level":2,"page":1404},{"title":"الرد عليه من وجوه","level":2,"page":1404},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1405},{"title":"الحجة الثالثة","level":2,"page":1405},{"title":"الحجة الرابعة","level":2,"page":1406},{"title":"التحيز على الله محال لوجهين","level":2,"page":1406},{"title":"الثاني","level":2,"page":1406},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1407},{"title":"الحجة الخامسة","level":2,"page":1417},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1418},{"title":"ذكر الآمدي حجة من حجج القائلين بالقدم","level":2,"page":1418},{"title":"رده عليها","level":2,"page":1419},{"title":"فصل","level":2,"page":1428},{"title":"كلام الآمدي في أن الجواهر متجانسة غير متحدة","level":2,"page":1428},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1429},{"title":"تابع كلام الآمدي","level":2,"page":1430},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1431},{"title":"كلا الآمدي في الجسم","level":2,"page":1434},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1435},{"title":"تابع كلام الآمدي الوجه الثاني في نفي الجسمية عن الله تعالى","level":2,"page":1438},{"title":"الرد عليه من وجه","level":2,"page":1439},{"title":"الثاني","level":2,"page":1440},{"title":"الثالث","level":2,"page":1442},{"title":"الرابع","level":2,"page":1443},{"title":"الخامس","level":2,"page":1444},{"title":"السادس","level":2,"page":1445},{"title":"السابع","level":2,"page":1446},{"title":"تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى","level":2,"page":1446},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1447},{"title":"تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى","level":2,"page":1451},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1452},{"title":"بطلان حجته من وجوه","level":2,"page":1461},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":1461},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1463},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1467},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1471},{"title":"تابع كلام الأمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى","level":2,"page":1471},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1472},{"title":"الثاني","level":2,"page":1472},{"title":"الثالث","level":2,"page":1473},{"title":"الرابع","level":2,"page":1474},{"title":"الخامس","level":2,"page":1479},{"title":"السادس","level":2,"page":1480},{"title":"السابع","level":2,"page":1482},{"title":"كلام الأمدي في مسألة هل وجوده تعالى زائد على ذاته أم لا؟ والتعليق عليه","level":2,"page":1489},{"title":"كلام الأمدي عن إبطال التركيب","level":2,"page":1497},{"title":"رد ابن تيمية عليه من وجوه","level":2,"page":1498},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1500},{"title":"تابع كلام الآمدي","level":2,"page":1503},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1503},{"title":"عود إلى كلام الآمدي في الرد على الكرامية: السابع","level":2,"page":1518},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1518},{"title":"فصل","level":2,"page":1519},{"title":"تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى","level":2,"page":1519},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1528},{"title":"فصل","level":2,"page":1529},{"title":"كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم","level":2,"page":1536},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1541},{"title":"الجزء ٥","level":1,"page":1548},{"title":"الوجه العشرون","level":2,"page":1548},{"title":"متابعة الملاحدة للنفاة في إنكار النصوص وتأويلها","level":2,"page":1548},{"title":"كلام الأشعري في الإبانة عن متابعته للإمام أحمد","level":2,"page":1551},{"title":"كلام ابن سينا في الرسالة الأضحوية","level":2,"page":1555},{"title":"كلام أبي الحسين البصري في عيون الأدلة","level":2,"page":1581},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1583},{"title":"كلام أبي الحسن التميمي في جامع الأصول","level":2,"page":1592},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1594},{"title":"كلام ابن سينا في الرسالة الأضحوية في مسألة الصفات وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":1595},{"title":"فصل","level":2,"page":1604},{"title":"كلام ابن سينا عن الصفات الذاتية والعرضية تعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":1632},{"title":"تابع كلام ابن سينا وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":1646},{"title":"قول الآمدي في الحقائق","level":2,"page":1653},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1656},{"title":"قول الآمدي في الإحكام","level":2,"page":1666},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1668},{"title":"قول ابن سينا في الإشارات عن الكليات","level":2,"page":1673},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1675},{"title":"عدم فصل الرازي العلة من الشرط","level":2,"page":1697},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1699},{"title":"كلام الإمام أحمد عن تعلق الصفات بذت الله تعالى","level":2,"page":1702},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1708},{"title":"فصل","level":2,"page":1708},{"title":"تابع كلام الإمام أحمد","level":2,"page":1709},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1713},{"title":"تابع كلام الإمام أحمد","level":2,"page":1720},{"title":"كلام الجويني عن صفات الله تعالى","level":2,"page":1731},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1732},{"title":"تابع كلام الجويني","level":2,"page":1733},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1737},{"title":"الوجه الحادي والعشرون","level":2,"page":1749},{"title":"الوجه الثاني والعشرون","level":2,"page":1755},{"title":"الوجه الثالث والعشرون","level":2,"page":1756},{"title":"الوجه الرابع والعشرون","level":2,"page":1759},{"title":"الوجه الخامس والعشرون","level":2,"page":1761},{"title":"الوجه السادس والعشرون","level":2,"page":1768},{"title":"الوجه السابع والعشرون","level":2,"page":1779},{"title":"الوجه الثامن والعشرون","level":2,"page":1787},{"title":"الوجه التاسع والعشرون","level":2,"page":1813},{"title":"الوجه الثلاثون","level":2,"page":1831},{"title":"الوجه الواحد والثلاثون","level":2,"page":1834},{"title":"اعتراض: إن عارضت الدليل العقلي الذي يعرف صحة الشرع","level":2,"page":1840},{"title":"الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":1841},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":1841},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":1843},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":1843},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":1843},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":1844},{"title":"كلام الدارمي في كتاب الرد على الجهمية","level":2,"page":1847},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1852},{"title":"تابع كلام الدارمي","level":2,"page":1853},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1854},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":1857},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":1857},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":1857},{"title":"الوجه العاشر","level":2,"page":1864},{"title":"الوجه الثاني والثلاثون","level":2,"page":1865},{"title":"كلام الرازي في نهاية المعقول عن الأدلة السمعية","level":2,"page":1873},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1875},{"title":"الوجه الثالث والثلاثون","level":2,"page":1883},{"title":"الوجه الرابع والثلاثون","level":2,"page":1885},{"title":"الوجه الخامس والثلاثون","level":2,"page":1888},{"title":"الوجه السادس والثلاثون","level":2,"page":1890},{"title":"فصل: كلام الغزالي عن التأويل وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":1892},{"title":"الوجه السابع والثلاثون","level":2,"page":1902},{"title":"الوجه الثامن والثلاثون","level":2,"page":1904},{"title":"الوجه التاسع والثلاثون","level":2,"page":1908},{"title":"الوجه الأربعون","level":2,"page":1915},{"title":"الوجه الحادي والأربعون","level":2,"page":1919},{"title":"الوجه الثاني والأربعون","level":2,"page":1932},{"title":"الجزء ٦","level":1,"page":1938},{"title":"الوجه الثالث والأربعون","level":2,"page":1938},{"title":"كلام الرازي عن الجهة والمكان","level":2,"page":1943},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1946},{"title":"المقام الأول","level":2,"page":1947},{"title":"كلام ابن سينا في الإشارات عن الخيال والوهميات","level":2,"page":1954},{"title":"الرد المفصل على كلام ابن سينا","level":2,"page":1961},{"title":"كلام الرازي في شرح الإشارات","level":2,"page":1962},{"title":"تعليق ابن تيمية عود لمناقشة ابن سينا","level":2,"page":1963},{"title":"كلام آخر لابن سينا في الإشارات","level":2,"page":1975},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1977},{"title":"كلام ابن سينا في إثبات القوة الوهمية وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":1979},{"title":"كلام ابن سينا في الشفاء عن قوة الوهم","level":2,"page":1982},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1983},{"title":"عود إلى كلام ابن سينا في مقامات العارفين في الإشارات","level":2,"page":1994},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":1994},{"title":"فصل تابع كلام ابن سينا في الإشارات عن مقامات العارفين","level":2,"page":2005},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2007},{"title":"فصل: تابع كلام ابن سينا في مقامات العارفين وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":2013},{"title":"عود إلى مناقشة كلام ابن سينا عن الوهم","level":2,"page":2022},{"title":"الرد على قول الرازي: الوجه الأول","level":2,"page":2048},{"title":"كلام عبد العزيز الكناني في مسألة الاستواء والعلو","level":2,"page":2050},{"title":"كلام ابن كلاب في مسألة العلو","level":2,"page":2054},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2057},{"title":"قول القائل: أنا لا أصفه بالوصفين المتقابلين لأن القابل لذلك لا يكون إلا جسما","level":2,"page":2062},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2063},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2064},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2065},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2067},{"title":"كلام الإمام أحمد في الرد على الجهمية والزنادقة في إثبات علو الله واستوائه","level":2,"page":2072},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2078},{"title":"كلام آخر للإمام أحمد عن المعية","level":2,"page":2081},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2083},{"title":"كلام الرازي في الرد على الحلولية","level":2,"page":2084},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2086},{"title":"كلام ابن عربي في فصوص الحكم عن علاقة الواجب بالممكن","level":2,"page":2098},{"title":"كلام الأبهري وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":2121},{"title":"فصل","level":2,"page":2126},{"title":"كلام ابن كلاب في كتاب الصفات عن العلو وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":2128},{"title":"كلام الأشعري في الإنابة عن الاستواء وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":2132},{"title":"كلام الباقلاني في التمهيد إثبات العلو والاستواء","level":2,"page":2141},{"title":"كلام القاضي أبو يعلى في إبطال التأويل في إثبات العلو والاستواء","level":2,"page":2142},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2143},{"title":"كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن العلو والجهة","level":2,"page":2147},{"title":"كلام ابن رشد في مسألة رؤية الله تعالى","level":2,"page":2161},{"title":"تعليق ابن تيمية على كلام ابن رشد في مناهج الأدلة","level":2,"page":2172},{"title":"فصل مذهب السلف والأئمة في العلو والمباينة","level":2,"page":2185},{"title":"كلام أبي نصر السجزي في كتاب الإبانة","level":2,"page":2185},{"title":"كلام أبي عمر الطلمنكي في الوصول إلى معرفة الأصول","level":2,"page":2185},{"title":"كلام نصر المقدسي في الحجة على تارك المحجة","level":2,"page":2186},{"title":"كلام أبي نعيم الأصبهاني ي عقيدته","level":2,"page":2187},{"title":"كلام أبي أحمد الكرخي في عقيدته","level":2,"page":2187},{"title":"كلام ابن عبد البر في كتاب التمهيد","level":2,"page":2189},{"title":"كلام معمر بن أحمد الأصبهاني في وصيته","level":2,"page":2191},{"title":"كلام ابن أبي حاتم","level":2,"page":2192},{"title":"كلام أبي محمد المقدسي","level":2,"page":2193},{"title":"كلام أبي عبد الله القرطبي في شرح معنى الاستواء","level":2,"page":2193},{"title":"كلام أبي بكر النقاش","level":2,"page":2195},{"title":"كلام أبي بكر الخلال في كتاب السنة","level":2,"page":2195},{"title":"كلام عبد الله بن أحمد في كتاب السنة","level":2,"page":2196},{"title":"كلام أبي بكر البيهقي في الأسماء والصفات","level":2,"page":2197},{"title":"كلام أبي حنيفة في كتاب الفقه الأكبر","level":2,"page":2198},{"title":"كلام عبد الله بن المبارك الذي رواه عته البخاري","level":2,"page":2199},{"title":"كلام ابن خزيمة","level":2,"page":2199},{"title":"كلام ربيعة بن أبي عبد الرحمن","level":2,"page":2199},{"title":"كلام مالك بن أنس","level":2,"page":2199},{"title":"كلام آخر لبعض الأئمة","level":2,"page":2200},{"title":"الوجه الثاني من وجوه الرد على الوجه الأول من كلام الرازي الوجه الثاني","level":2,"page":2202},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2203},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2207},{"title":"فصل الوجه الثاني من كلام الرازي في الأربعين","level":2,"page":2207},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2208},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2208},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2209},{"title":"فصل الوجه الثالث من كلام الرازي في الأربعين","level":2,"page":2212},{"title":"كلام ابن سينا في الإشارات","level":2,"page":2212},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2212},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2213},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2215},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2216},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2216},{"title":"الرد على الوجه الرابع من كلام الرازي من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2217},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2217},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2217},{"title":"الرد على الوجه الخامس من كلام الرازي من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2218},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2219},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2219},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2220},{"title":"الرد على الوجه السادس من كلام الرازي من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2221},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2221},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2222},{"title":"فصل تابع كلام الرازي في الأربعين","level":2,"page":2222},{"title":"الرد عليه","level":2,"page":2223},{"title":"وجوه للرازي في الأربعين الوجه الأول","level":2,"page":2224},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2224},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2227},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2229},{"title":"جواب الرازي في نهاية المعقول على حجة التركيب في مسألة الصفات","level":2,"page":2230},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2231},{"title":"الوجه الثاني من وجوه الرازي في الأربعين","level":2,"page":2234},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2235},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2235},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2236},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2237},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2242},{"title":"الوجه الثالث من وجوه الرازي في لباب الأربعين","level":2,"page":2243},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2243},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2243},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2244},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2245},{"title":"الوجه الرابع من وجوه الرازي في لباب الأربعين","level":2,"page":2247},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2247},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2248},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2249},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2249},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2250},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":2251},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":2252},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":2252},{"title":"الوجه الخامس من وجوه الرازي في لباب الأربعين","level":2,"page":2254},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2254},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2255},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2255},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2256},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2257},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":2257},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":2258},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":2259},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":2259},{"title":"الوجه العاشر","level":2,"page":2260},{"title":"الوجه السادس من وجوه الرازي في لباب الأربعين","level":2,"page":2261},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2262},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2264},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2265},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2268},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2269},{"title":"بقية كلام الرازي في لباب الأربعين","level":2,"page":2275},{"title":"الرد على كلام الرازي","level":2,"page":2276},{"title":"كلام الرازي عن الجهة في لباب الأربعين","level":2,"page":2279},{"title":"الرد عليه","level":2,"page":2279},{"title":"بقية كلام الرازي في لباب الأربعين عن الجهة","level":2,"page":2287},{"title":"الجزء ٧","level":1,"page":2288},{"title":"الرد على الرازي وبيان تقرير العلو بالأدلة العقلية من طرق","level":2,"page":2288},{"title":"تابع لكلام الرازي في لباب الأربعين","level":2,"page":2295},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2295},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2296},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2297},{"title":"كلام آخر للرازي في لباب الأربعين","level":2,"page":2300},{"title":"الرد عليه من وجوه","level":2,"page":2300},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2302},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2302},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2302},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2303},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":2303},{"title":"تابع كلام الرازي في لباب الأربعين عن الجهة والعلو","level":2,"page":2306},{"title":"الرد عليه من وجوه: الوجه الأول","level":2,"page":2306},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2307},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2308},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2310},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2310},{"title":"تابع كلام الرازي في لباب الأربعين عن الجهة والعلو","level":2,"page":2310},{"title":"الرد عليه","level":2,"page":2311},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2322},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2322},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2324},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2326},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2342},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2359},{"title":"رسالة البيهقي في فضائل الأشعري","level":2,"page":2384},{"title":"كلام الأشعري في الإبانة","level":2,"page":2388},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2390},{"title":"اعتراض يذكر نفاة الصفات","level":2,"page":2392},{"title":"بطلان هذا الكلام من وجوه متعددة: الوجه الأول","level":2,"page":2392},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2393},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2394},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2395},{"title":"الرد على قولهم: أن القرآن لم يدل على العلو والصفات من وجوه","level":2,"page":2412},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":2412},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2413},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2413},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2414},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2414},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":2414},{"title":"الوجه السادس في الرد على كلام الرازي المتقدم","level":2,"page":2415},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":2416},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":2419},{"title":"الجواب التاسع","level":2,"page":2422},{"title":"الوجه الرابع والأربعون","level":2,"page":2426},{"title":"كلام الغزالي في الإحياء عن ذم علم الكلام","level":2,"page":2430},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2432},{"title":"كلام الجويني في البرهان","level":2,"page":2437},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2438},{"title":"كلام الغزالي في الإحياء عن علم من الكلام وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":2442},{"title":"تابع كلام الغزالي في الإحياء","level":2,"page":2470},{"title":"كلام الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر","level":2,"page":2471},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2504},{"title":"كلام الشهرستاني عن حدوث العالم في نهاية الإقدام","level":2,"page":2509},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2510},{"title":"بقية كلام الشهرستاني","level":2,"page":2512},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2513},{"title":"كلام الرازي في الاستدلال على وجود الله تعالى وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":2514},{"title":"كلام أبي نصر السجزي في الإبانة","level":2,"page":2521},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2522},{"title":"فصل","level":2,"page":2527},{"title":"كلام ابن عساكر في تبيين كذب المفتري عن ذم الأئمة لأهل الكلام","level":2,"page":2527},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2531},{"title":"كلام الأشعري في المقالات عن الضرارية","level":2,"page":2531},{"title":"عود لكلام ابن عساكر وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":2533},{"title":"كلام أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية عن القرآن","level":2,"page":2542},{"title":"كلام الأشعري في مقالات الإسلاميين عن النجارية","level":2,"page":2561},{"title":"كلام الخطابي في الغنية عن الكلام وأهله","level":2,"page":2563},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2568},{"title":"عود لكلام الخطابي في الغنية","level":2,"page":2571},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2572},{"title":"بقية كلام الخطابي في الغنية","level":2,"page":2577},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2579},{"title":"تابع كلام الخطابي في الغنية","level":2,"page":2580},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2587},{"title":"كلام القاضي عبد الجبار في تثبيت دلائل النبوة","level":2,"page":2588},{"title":"كلام الباقلاني شرح اللمع","level":2,"page":2589},{"title":"عود لكلام الخطابي في الغنية","level":2,"page":2595},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2596},{"title":"تابع كلام الخطابي في الغنية","level":2,"page":2598},{"title":"كلام الخطابي في كتاب شعار الدين","level":2,"page":2601},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2602},{"title":"كلام آخر للخطابي وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":2612},{"title":"كلام ابن رشد في مناهج الأدلة","level":2,"page":2630},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2632},{"title":"تنازع الناس في أصل المعرفة بالله وكيف تحصل","level":2,"page":2637},{"title":"القائلون بأنها لا تحصل بالنظر","level":2,"page":2637},{"title":"كلام الرازي في نهاية العقول عن المعرفة الفطرية","level":2,"page":2640},{"title":"كلام الآمدي في الأبكار","level":2,"page":2641},{"title":"كلام أبي الحسن الطبري الكيا","level":2,"page":2642},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2646},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2654},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2666},{"title":"ذكر الشهرستاني في نهاية الإقدام أن الفطرة تشهد بوجود الله تعالى","level":2,"page":2681},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2688},{"title":"كلام ابن حزم في الفصل","level":2,"page":2691},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2692},{"title":"كلام الأشعري","level":2,"page":2692},{"title":"رد ابن حزم","level":2,"page":2694},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2704},{"title":"تابع كلام ابن حزم","level":2,"page":2717},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2719},{"title":"تابع كلام ابن حزم","level":2,"page":2722},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2724},{"title":"كلام الجويني في نفي وجوب النظر","level":2,"page":2725},{"title":"كلام أبي إسحاق الإسفراييني","level":2,"page":2725},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2726},{"title":"كلام شارح الفقه الأكبر لأبي حنيفة","level":2,"page":2726},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2727},{"title":"كلام أبي يعلى في وجوب النظر","level":2,"page":2727},{"title":"كلام ابن الزاغوني عن وجوب النظر","level":2,"page":2728},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2735},{"title":"تابع كلام ابن الزاغوني","level":2,"page":2735},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2736},{"title":"الجزء ٨","level":1,"page":2750},{"title":"كلام أبي الفرج المقدسي","level":2,"page":2751},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2753},{"title":"كلام أبي الحسين البصري عن العلم","level":2,"page":2764},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2765},{"title":"كلام أبي الفرج صدقة بن الحسين","level":2,"page":2772},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2782},{"title":"كلام العلماء في ذم علم الكلام","level":2,"page":2794},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2798},{"title":"كلام ابن عقيل في ذم علم الكلام","level":2,"page":2806},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2815},{"title":"كلام الأشعري في اللمع عن إثبات وجود الله تعالى","level":2,"page":2817},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2820},{"title":"كلام الباقلاني شرحا لكلام الأشعري","level":2,"page":2820},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2830},{"title":"كلام أبي الحسن الطبري إلكيا","level":2,"page":2841},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2842},{"title":"كلام الباقلاني في بيان معنى الخلق","level":2,"page":2850},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2853},{"title":"كلام الرازي في نهاية العقول عن مسألة إثبات وجود الله تعالى","level":2,"page":2855},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2863},{"title":"كلام ابن سينا وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":2874},{"title":"كلام الغزالي عن عجز الفلاسفة عن الاستدلال على وجود الصانع للعالم","level":2,"page":2883},{"title":"رد ابن رشد على الغزالي في تهافت التهافت","level":2,"page":2884},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2885},{"title":"كلام أرسطو وأتباعه","level":2,"page":2886},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2886},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2887},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2888},{"title":"الوجه الحامس","level":2,"page":2889},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":2890},{"title":"بقية كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة","level":2,"page":2893},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":2902},{"title":"فساد مذهب الفلاسفة من وجوه","level":2,"page":2908},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2910},{"title":"كلام ابن رشد ردا على الغزالي وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":2910},{"title":"كلام ابن رشد ردا على الغزالي وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":2925},{"title":"كلام ابن رشد ردا على الغزالي وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":2942},{"title":"كلام أرسطو عن الحركة الشوقية والمحرك الأول","level":2,"page":2963},{"title":"نقد كلام ابن رشد عن الحركة الشوقية للسماوات","level":2,"page":2964},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":2965},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":2965},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":2965},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":2965},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":2966},{"title":"عود إلى لكلام ابن رشد في الرد على الغزالي وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":2972},{"title":"كلام ابن سينا في الإشارات","level":2,"page":2991},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3005},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3013},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3026},{"title":"فصل","level":2,"page":3038},{"title":"القول بحدوث حادث بلا محدث ممتنع لوجوه","level":2,"page":3040},{"title":"الثاني","level":2,"page":3040},{"title":"الثالث","level":2,"page":3040},{"title":"كلام أبي الحسن البصري في إثبات محدث العالم","level":2,"page":3042},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3043},{"title":"كلام الأشعري في اللمع عن إثبات وجود الله تعالى وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":3055},{"title":"فصل","level":2,"page":3057},{"title":"تابع كلام الأشعري في اللمع","level":2,"page":3061},{"title":"كلام الباقلاني في شرح اللمع","level":2,"page":3062},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3064},{"title":"عود لكلام الباقلاني في شرح اللمع","level":2,"page":3077},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3080},{"title":"تابع كلام الباقلاني وتعليق ابن تيمة عليه","level":2,"page":3081},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3089},{"title":"كلام أبي يعلى في المعتمد عن وجوب النظر","level":2,"page":3095},{"title":"بطلان استدلال الفلاسفة","level":2,"page":3102},{"title":"كلام القاضي أبي يعلى عن معنى الفطرة","level":2,"page":3106},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3108},{"title":"كلام ابن عبد البر في التمهيد عن معنى الفطرة","level":2,"page":3113},{"title":"كلام الطبري في تفسيره عن معنى الفطرة","level":2,"page":3120},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3124},{"title":"الحديث حجة على المعتزلة ونحوهم من المتكلمين","level":2,"page":3124},{"title":"عود إلى كلام ابن عبد البر وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3126},{"title":"كلام أبي بكر الخلال في كتابه الجامع","level":2,"page":3137},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3144},{"title":"تابع كلام ابن عبد البر في التمهيد","level":2,"page":3149},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3150},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3159},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3173},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3184},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3196},{"title":"الأدلة العقلية تدل على أن كل مولود يولد على الفطرة","level":2,"page":3203},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3207},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3208},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3210},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":3210},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":3211},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":3211},{"title":"فصل في قوله تعالى: \" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون \"","level":2,"page":3215},{"title":"كلام أبي محمد بن عبد البصري","level":2,"page":3241},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3248},{"title":"تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":3250},{"title":"تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":3262},{"title":"تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":3270},{"title":"الجزء ٩","level":1,"page":3283},{"title":"كلام ابن أبي موسى في شرح الإرشاد","level":2,"page":3283},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3288},{"title":"كلام عبد الوهاب بن أبي الفرج المقدسي","level":2,"page":3298},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3298},{"title":"تابع كلام عبد الوهاب بن أبي الفرج المقدسي وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3304},{"title":"كلام أبي يعلى عن عدم وجوب النظر","level":2,"page":3316},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3317},{"title":"كلام الفرج الشيرازي عن وجوب المعرفة بالشرع","level":2,"page":3318},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3318},{"title":"كلام ابن الزاغوني عن وجوب النظر","level":2,"page":3325},{"title":"فصل","level":2,"page":3329},{"title":"كلام الكلوذاني في تمهيده وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":3330},{"title":"فصل. كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3346},{"title":"فصل. كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3364},{"title":"فصل","level":2,"page":3387},{"title":"فصل","level":2,"page":3400},{"title":"كلام أبي الحسين البصري في غرر الأدلة وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":3413},{"title":"كلام أبي الحسين البصري في غرر الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3427},{"title":"تابع كلام أبي الحسين البصري","level":2,"page":3439},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3439},{"title":"كلام الجويني في \"الإرشاد\" عن امتناع حوادث لا أول لها","level":2,"page":3457},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3472},{"title":"كلام الرازي في \"المباحث المشرقية\" عن مسألة حدوث العالم وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":3476},{"title":"فصل. أهل الكلام أقرب إلى الإسلام من الفلاسفة","level":2,"page":3491},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":3491},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3492},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3494},{"title":"كلام السهرودي المقتول في \"التلويحات\"","level":2,"page":3501},{"title":"الرد عليه من وجوه. الوجه الأول","level":2,"page":3502},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3503},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3503},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3503},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":3505},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":3506},{"title":"كلام السهرودي المقتول في \"حكمة الإشراق\"","level":2,"page":3508},{"title":"الرد عليه من وجوه. الوجه الأول","level":2,"page":3510},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3512},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3512},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3512},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":3512},{"title":"كلام ابن سينا في الإشارات","level":2,"page":3513},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3515},{"title":"كلام الرازي في شرح الإشارات","level":2,"page":3516},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3518},{"title":"الجواب عن هذه الحجة بوجوه. الوجه الأول","level":2,"page":3518},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3523},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3524},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3526},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":3526},{"title":"كلام الآمدي في \"دقائق الحقائق\"","level":2,"page":3527},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3528},{"title":"كلام الآمدي في أبكار الأفكار","level":2,"page":3529},{"title":"الجواب عن حجتهم من وجوه. الوجه الأول","level":2,"page":3530},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3530},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3531},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3531},{"title":"فصل","level":2,"page":3532},{"title":"كلام ابن سينا في الإشارات وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3534},{"title":"كلام الرازي في شرح الإشارات","level":2,"page":3538},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3540},{"title":"كلام ابن سينا في الإشارات","level":2,"page":3543},{"title":"شرح الرازي لكلام ابن سينا","level":2,"page":3547},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3548},{"title":"كلام ثابت بن قرة في تلخيص ما بعد الطبيعة وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3552},{"title":"الرد عليه من وجوه. الوجه الأول","level":2,"page":3566},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3568},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3568},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3569},{"title":"الرد على كلام آخر لثابت بن قرة من وجوه","level":2,"page":3570},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":3570},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3570},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3571},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3572},{"title":"الرد على كلام آخر لثابت بن قرة","level":2,"page":3573},{"title":"فساد كلام آخر له من وجوه. الوجه الأول","level":2,"page":3576},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3577},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3578},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3580},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":3581},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":3581},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":3582},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":3582},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":3583},{"title":"الوجه العاشر","level":2,"page":3583},{"title":"الوجه الحادي عشر","level":2,"page":3584},{"title":"الوجه الثاني عشر","level":2,"page":3585},{"title":"الوجه الثالث عشر","level":2,"page":3586},{"title":"الوجه الرابع عشر","level":2,"page":3586},{"title":"الوجه الخامس عشر","level":2,"page":3587},{"title":"الوجه السادس عشر","level":2,"page":3588},{"title":"الوجه السابع عشر","level":2,"page":3588},{"title":"الوجه الثامن عشر","level":2,"page":3589},{"title":"الوجه التاسع عشر","level":2,"page":3589},{"title":"الوجه العشرون","level":2,"page":3590},{"title":"الوجه الواحد والعشرون","level":2,"page":3591},{"title":"الوجه الثاني العشرون","level":2,"page":3591},{"title":"الوجه الثالث العشرون","level":2,"page":3594},{"title":"الوجه الرابع العشرون","level":2,"page":3596},{"title":"بقية كلام ثابت بن قرة ورد ابن تيمية عليه","level":2,"page":3597},{"title":"فصل. عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3601},{"title":"فصل. عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3622},{"title":"فصل. عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3645},{"title":"كلام ابن رشد في ضميمة في مسألة العلم القديم ورد ابن تيمية عليه","level":2,"page":3663},{"title":"كلام ابن ملكا في المعتبر عن مسألة عدم الله وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3682},{"title":"ما ذكره ابن ملكا عن أرسطو من الحجج لنفي العلم باطل من وجوه","level":2,"page":3693},{"title":"بقية كلام ابن ملكا في المعتبر وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3696},{"title":"الرد على أرسطو من وجوه أخرى غير ما ذكره ابن ملكا. الوجه الأول","level":2,"page":3699},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3700},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3701},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3701},{"title":"عود لكلام ابن ملكا في المعتبر وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":3703},{"title":"الجزء ١٠","level":1,"page":3715},{"title":"فصل. باقي كلام ابن ملكا في المعتبر وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":3715},{"title":"نقل ابن ملكا لكلام ابن سينا في النجاة","level":2,"page":3715},{"title":"كلام ابن سينا باطل من وجوه. الوجه الأول","level":2,"page":3725},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3726},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3727},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3729},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":3730},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":3731},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":3733},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":3734},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":3735},{"title":"الوجه العاشر","level":2,"page":3737},{"title":"الوجه الحادي عشر","level":2,"page":3738},{"title":"الوجه الثاني عشر","level":2,"page":3739},{"title":"الوجه الثالث عشر","level":2,"page":3740},{"title":"الوجه الرابع عشر","level":2,"page":3742},{"title":"الوجه الخامس عشر","level":2,"page":3743},{"title":"الوجه السادس عشر","level":2,"page":3745},{"title":"كلام الرازي في \"شرح الإشارات\"","level":2,"page":3748},{"title":"كلام الآمدي","level":2,"page":3750},{"title":"كلام الطوسي في \"شرح الإشارات\"","level":2,"page":3751},{"title":"الرد على كلام الطوسي من وجوه","level":2,"page":3756},{"title":"الوجه الأول","level":2,"page":3758},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3759},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3762},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3764},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":3767},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":3768},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":3773},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":3774},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":3774},{"title":"الوجه العاشر","level":2,"page":3776},{"title":"الوجه الحادي عشر","level":2,"page":3777},{"title":"الوجه الثاني عشر","level":2,"page":3780},{"title":"الوجه الثالث عشر","level":2,"page":3781},{"title":"الوجه الرابع عشر","level":2,"page":3785},{"title":"الوجه الخامس عشر","level":2,"page":3786},{"title":"الوجه السادس عشر","level":2,"page":3787},{"title":"الوجه السابع عشر","level":2,"page":3788},{"title":"الوجه الثامن عشر","level":2,"page":3789},{"title":"الوجه التاسع عشر","level":2,"page":3793},{"title":"الوجه العشرون","level":2,"page":3794},{"title":"كلام السهرودي في حكمة الإشراق","level":2,"page":3796},{"title":"الرد عليه","level":2,"page":3800},{"title":"فصل. تابع كلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى","level":2,"page":3810},{"title":"معارضة ابن ملكا لابن سينا","level":2,"page":3812},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3816},{"title":"فصل. عود لكلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى","level":2,"page":3822},{"title":"كلام الطوسي في شرح كلام ابن سينا","level":2,"page":3823},{"title":"اعتراض الرازي على ابن سينا","level":2,"page":3829},{"title":"تعليق ابن تيمية","level":2,"page":3831},{"title":"كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3845},{"title":"كلام ابن رشد في تهافت التهافت وتعليق ابن تيمية عليه","level":2,"page":3853},{"title":"كلام ابن سينا في الإشارات ورد ابن تيمية عليه","level":2,"page":3871},{"title":"كلام الطوسي في شرح الإشارات ورد ابن تيمية عليه","level":2,"page":3876},{"title":"رد الغزالي على الفلاسفة في تهافت الفلاسفة وتعليق ابن تيمية","level":2,"page":3891},{"title":"كلام ابن سينا باطل من وجوه. الوجه الأول","level":2,"page":3899},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":3900},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":3900},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":3901},{"title":"كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن صفة الإرادة ورد ابن تيمية عليه","level":2,"page":3909},{"title":"تابع كلام ابن رشد عن صفة الكلام ورد ابن تيمية عليه","level":2,"page":3919},{"title":"كلام ابن رشد السابق خطأ من عدة وجوه","level":2,"page":3921},{"title":"تابع كلام ابن رشد عن صفة الكلام ورد ابن تيمية عليه","level":2,"page":3926},{"title":"كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن صفتي السمع والبصر ورد ابن تيمية","level":2,"page":3936},{"title":"رد ابن رشد على أقوال الأشاعرة والمعتزلة في مسألة الصفات ورد ابن تيمية","level":2,"page":3937},{"title":"كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن التنزيه ورد ابن تيمية عليه","level":2,"page":3955},{"title":"كلام ابن رشد في تهافت التهافت في نفي الصفات ورد ابن تيمية عليه","level":2,"page":3963},{"title":"عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية","level":2,"page":3971},{"title":"عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية","level":2,"page":3992},{"title":"عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية","level":2,"page":4010}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382,"1,384":383,"1,385":384,"1,386":385,"1,387":386,"1,388":387,"1,389":388,"1,390":389,"1,391":390,"1,392":391,"1,393":392,"1,394":393,"1,395":394,"1,396":395,"1,397":396,"1,398":397,"1,399":398,"1,400":399,"1,401":400,"1,402":401,"1,403":402,"1,404":403,"1,405":404,"1,406":405,"2,3":406,"2,4":407,"2,5":408,"2,6":409,"2,7":410,"2,8":411,"2,9":412,"2,10":413,"2,11":414,"2,12":415,"2,13":416,"2,14":417,"2,15":418,"2,16":419,"2,17":420,"2,18":421,"2,19":422,"2,20":423,"2,21":424,"2,22":425,"2,23":426,"2,24":427,"2,25":428,"2,26":429,"2,27":430,"2,28":431,"2,29":432,"2,30":433,"2,31":434,"2,32":435,"2,33":436,"2,34":437,"2,35":438,"2,36":439,"2,37":440,"2,38":441,"2,39":442,"2,40":443,"2,41":444,"2,42":445,"2,43":446,"2,44":447,"2,45":448,"2,46":449,"2,47":450,"2,48":451,"2,49":452,"2,50":453,"2,51":454,"2,52":455,"2,53":456,"2,54":457,"2,55":458,"2,56":459,"2,57":460,"2,58":461,"2,59":462,"2,60":463,"2,61":464,"2,62":465,"2,63":466,"2,64":467,"2,65":468,"2,66":469,"2,67":470,"2,68":471,"2,69":472,"2,70":473,"2,71":474,"2,72":475,"2,73":476,"2,74":477,"2,75":478,"2,76":479,"2,77":480,"2,78":481,"2,79":482,"2,80":483,"2,81":484,"2,82":485,"2,83":486,"2,84":487,"2,85":488,"2,86":489,"2,87":490,"2,88":491,"2,89":492,"2,90":493,"2,91":494,"2,92":495,"2,93":496,"2,94":497,"2,95":498,"2,96":499,"2,97":500,"2,98":501,"2,99":502,"2,100":503,"2,101":504,"2,102":505,"2,103":506,"2,104":507,"2,105":508,"2,106":509,"2,107":510,"2,108":511,"2,109":512,"2,110":513,"2,111":514,"2,112":515,"2,113":516,"2,114":517,"2,115":518,"2,116":519,"2,117":520,"2,118":521,"2,119":522,"2,120":523,"2,121":524,"2,122":525,"2,123":526,"2,124":527,"2,125":528,"2,126":529,"2,127":530,"2,128":531,"2,129":532,"2,130":533,"2,131":534,"2,132":535,"2,133":536,"2,134":537,"2,135":538,"2,136":539,"2,137":540,"2,138":541,"2,139":542,"2,140":543,"2,141":544,"2,142":545,"2,143":546,"2,144":547,"2,145":548,"2,146":549,"2,147":550,"2,148":551,"2,149":552,"2,150":553,"2,151":554,"2,152":555,"2,153":556,"2,154":557,"2,155":558,"2,156":559,"2,157":560,"2,158":561,"2,159":562,"2,160":563,"2,161":564,"2,162":565,"2,163":566,"2,164":567,"2,165":568,"2,166":569,"2,167":570,"2,168":571,"2,169":572,"2,170":573,"2,171":574,"2,172":575,"2,173":576,"2,174":577,"2,175":578,"2,176":579,"2,177":580,"2,178":581,"2,179":582,"2,180":583,"2,181":584,"2,182":585,"2,183":586,"2,184":587,"2,185":588,"2,186":589,"2,187":590,"2,188":591,"2,189":592,"2,190":593,"2,191":594,"2,192":595,"2,193":596,"2,194":597,"2,195":598,"2,196":599,"2,197":600,"2,198":601,"2,199":602,"2,200":603,"2,201":604,"2,202":605,"2,203":606,"2,204":607,"2,205":608,"2,206":609,"2,207":610,"2,208":611,"2,209":612,"2,210":613,"2,211":614,"2,212":615,"2,213":616,"2,214":617,"2,215":618,"2,216":619,"2,217":620,"2,218":621,"2,219":622,"2,220":623,"2,221":624,"2,222":625,"2,223":626,"2,224":627,"2,225":628,"2,226":629,"2,227":630,"2,228":631,"2,229":632,"2,230":633,"2,231":634,"2,232":635,"2,233":636,"2,234":637,"2,235":638,"2,236":639,"2,237":640,"2,238":641,"2,239":642,"2,240":643,"2,241":644,"2,242":645,"2,243":646,"2,244":647,"2,245":648,"2,246":649,"2,247":650,"2,248":651,"2,249":652,"2,250":653,"2,251":654,"2,252":655,"2,253":656,"2,254":657,"2,255":658,"2,256":659,"2,257":660,"2,258":661,"2,259":662,"2,260":663,"2,261":664,"2,262":665,"2,263":666,"2,264":667,"2,265":668,"2,266":669,"2,267":670,"2,268":671,"2,269":672,"2,270":673,"2,271":674,"2,272":675,"2,273":676,"2,274":677,"2,275":678,"2,276":679,"2,277":680,"2,278":681,"2,279":682,"2,280":683,"2,281":684,"2,282":685,"2,283":686,"2,284":687,"2,285":688,"2,286":689,"2,287":690,"2,288":691,"2,289":692,"2,290":693,"2,291":694,"2,292":695,"2,293":696,"2,294":697,"2,295":698,"2,296":699,"2,297":700,"2,298":701,"2,299":702,"2,300":703,"2,301":704,"2,302":705,"2,303":706,"2,304":707,"2,305":708,"2,306":709,"2,307":710,"2,308":711,"2,309":712,"2,310":713,"2,311":714,"2,312":715,"2,313":716,"2,314":717,"2,315":718,"2,316":719,"2,317":720,"2,318":721,"2,319":722,"2,320":723,"2,321":724,"2,322":725,"2,323":726,"2,324":727,"2,325":728,"2,326":729,"2,327":730,"2,328":731,"2,329":732,"2,330":733,"2,331":734,"2,332":735,"2,333":736,"2,334":737,"2,335":738,"2,336":739,"2,337":740,"2,338":741,"2,339":742,"2,340":743,"2,341":744,"2,342":745,"2,343":746,"2,344":747,"2,345":748,"2,346":749,"2,347":750,"2,348":751,"2,349":752,"2,350":753,"2,351":754,"2,352":755,"2,353":756,"2,354":757,"2,355":758,"2,356":759,"2,357":760,"2,358":761,"2,359":762,"2,360":763,"2,361":764,"2,362":765,"2,363":766,"2,364":767,"2,365":768,"2,366":769,"2,367":770,"2,368":771,"2,369":772,"2,370":773,"2,371":774,"2,372":775,"2,373":776,"2,374":777,"2,375":778,"2,376":779,"2,377":780,"2,378":781,"2,379":782,"2,380":783,"2,381":784,"2,382":785,"2,383":786,"2,384":787,"2,385":788,"2,386":789,"2,387":790,"2,388":791,"2,389":792,"2,390":793,"2,391":794,"2,392":795,"2,393":796,"2,394":797,"2,395":798,"2,396":799,"2,397":800,"2,398":801,"2,399":802,"3,3":803,"3,4":804,"3,5":805,"3,6":806,"3,7":807,"3,8":808,"3,9":809,"3,10":810,"3,11":811,"3,12":812,"3,13":813,"3,14":814,"3,15":815,"3,16":816,"3,17":817,"3,18":818,"3,19":819,"3,20":820,"3,21":821,"3,22":822,"3,23":823,"3,24":824,"3,25":825,"3,26":826,"3,27":827,"3,28":828,"3,29":829,"3,30":830,"3,31":831,"3,32":832,"3,33":833,"3,34":834,"3,35":835,"3,36":836,"3,37":837,"3,38":838,"3,39":839,"3,40":840,"3,41":841,"3,42":842,"3,43":843,"3,44":844,"3,45":845,"3,46":846,"3,47":847,"3,48":848,"3,49":849,"3,50":850,"3,51":851,"3,52":852,"3,53":853,"3,54":854,"3,55":855,"3,56":856,"3,57":857,"3,58":858,"3,59":859,"3,60":860,"3,61":861,"3,62":862,"3,63":863,"3,64":864,"3,65":865,"3,66":866,"3,67":867,"3,68":868,"3,69":869,"3,70":870,"3,71":871,"3,72":872,"3,73":873,"3,74":874,"3,75":875,"3,76":876,"3,77":877,"3,78":878,"3,79":879,"3,80":880,"3,81":881,"3,82":882,"3,83":883,"3,84":884,"3,85":885,"3,86":886,"3,87":887,"3,88":888,"3,89":889,"3,90":890,"3,91":891,"3,92":892,"3,93":893,"3,94":894,"3,95":895,"3,96":896,"3,97":897,"3,98":898,"3,99":899,"3,100":900,"3,101":901,"3,102":902,"3,103":903,"3,104":904,"3,105":905,"3,106":906,"3,107":907,"3,108":908,"3,109":909,"3,110":910,"3,111":911,"3,112":912,"3,113":913,"3,114":914,"3,115":915,"3,116":916,"3,117":917,"3,118":918,"3,119":919,"3,120":920,"3,121":921,"3,122":922,"3,123":923,"3,124":924,"3,125":925,"3,126":926,"3,127":927,"3,128":928,"3,129":929,"3,130":930,"3,131":931,"3,132":932,"3,133":933,"3,134":934,"3,135":935,"3,136":936,"3,137":937,"3,138":938,"3,139":939,"3,140":940,"3,141":941,"3,142":942,"3,143":943,"3,144":944,"3,145":945,"3,146":946,"3,147":947,"3,148":948,"3,149":949,"3,150":950,"3,151":951,"3,152":952,"3,153":953,"3,154":954,"3,155":955,"3,156":956,"3,157":957,"3,158":958,"3,159":959,"3,160":960,"3,161":961,"3,162":962,"3,163":963,"3,164":964,"3,165":965,"3,166":966,"3,167":967,"3,168":968,"3,169":969,"3,170":970,"3,171":971,"3,172":972,"3,173":973,"3,174":974,"3,175":975,"3,176":976,"3,177":977,"3,178":978,"3,179":979,"3,180":980,"3,181":981,"3,182":982,"3,183":983,"3,184":984,"3,185":985,"3,186":986,"3,187":987,"3,188":988,"3,189":989,"3,190":990,"3,191":991,"3,192":992,"3,193":993,"3,194":994,"3,195":995,"3,196":996,"3,197":997,"3,198":998,"3,199":999,"3,200":1000,"3,201":1001,"3,202":1002,"3,203":1003,"3,204":1004,"3,205":1005,"3,206":1006,"3,207":1007,"3,208":1008,"3,209":1009,"3,210":1010,"3,211":1011,"3,212":1012,"3,213":1013,"3,214":1014,"3,215":1015,"3,216":1016,"3,217":1017,"3,218":1018,"3,219":1019,"3,220":1020,"3,221":1021,"3,222":1022,"3,223":1023,"3,224":1024,"3,225":1025,"3,226":1026,"3,227":1027,"3,228":1028,"3,229":1029,"3,230":1030,"3,231":1031,"3,232":1032,"3,233":1033,"3,234":1034,"3,235":1035,"3,236":1036,"3,237":1037,"3,238":1038,"3,239":1039,"3,240":1040,"3,241":1041,"3,242":1042,"3,243":1043,"3,244":1044,"3,245":1045,"3,246":1046,"3,247":1047,"3,248":1048,"3,249":1049,"3,250":1050,"3,251":1051,"3,252":1052,"3,253":1053,"3,254":1054,"3,255":1055,"3,256":1056,"3,257":1057,"3,258":1058,"3,259":1059,"3,260":1060,"3,261":1061,"3,262":1062,"3,263":1063,"3,264":1064,"3,265":1065,"3,266":1066,"3,267":1067,"3,268":1068,"3,269":1069,"3,270":1070,"3,271":1071,"3,272":1072,"3,273":1073,"3,274":1074,"3,275":1075,"3,276":1076,"3,277":1077,"3,278":1078,"3,279":1079,"3,280":1080,"3,281":1081,"3,282":1082,"3,283":1083,"3,284":1084,"3,285":1085,"3,286":1086,"3,287":1087,"3,288":1088,"3,289":1089,"3,290":1090,"3,291":1091,"3,292":1092,"3,293":1093,"3,294":1094,"3,295":1095,"3,296":1096,"3,297":1097,"3,298":1098,"3,299":1099,"3,300":1100,"3,301":1101,"3,302":1102,"3,303":1103,"3,304":1104,"3,305":1105,"3,306":1106,"3,307":1107,"3,308":1108,"3,309":1109,"3,310":1110,"3,311":1111,"3,312":1112,"3,313":1113,"3,314":1114,"3,315":1115,"3,316":1116,"3,317":1117,"3,318":1118,"3,319":1119,"3,320":1120,"3,321":1121,"3,322":1122,"3,323":1123,"3,324":1124,"3,325":1125,"3,326":1126,"3,327":1127,"3,328":1128,"3,329":1129,"3,330":1130,"3,331":1131,"3,332":1132,"3,333":1133,"3,334":1134,"3,335":1135,"3,336":1136,"3,337":1137,"3,338":1138,"3,339":1139,"3,340":1140,"3,341":1141,"3,342":1142,"3,343":1143,"3,344":1144,"3,345":1145,"3,346":1146,"3,347":1147,"3,348":1148,"3,349":1149,"3,350":1150,"3,351":1151,"3,352":1152,"3,353":1153,"3,354":1154,"3,355":1155,"3,356":1156,"3,357":1157,"3,358":1158,"3,359":1159,"3,360":1160,"3,361":1161,"3,362":1162,"3,363":1163,"3,364":1164,"3,365":1165,"3,366":1166,"3,367":1167,"3,368":1168,"3,369":1169,"3,370":1170,"3,371":1171,"3,372":1172,"3,373":1173,"3,374":1174,"3,375":1175,"3,376":1176,"3,377":1177,"3,378":1178,"3,379":1179,"3,380":1180,"3,381":1181,"3,382":1182,"3,383":1183,"3,384":1184,"3,385":1185,"3,386":1186,"3,387":1187,"3,388":1188,"3,389":1189,"3,390":1190,"3,391":1191,"3,392":1192,"3,393":1193,"3,394":1194,"3,395":1195,"3,396":1196,"3,397":1197,"3,398":1198,"3,399":1199,"3,400":1200,"3,401":1201,"3,402":1202,"3,403":1203,"3,404":1204,"3,405":1205,"3,406":1206,"3,407":1207,"3,408":1208,"3,409":1209,"3,410":1210,"3,411":1211,"3,412":1212,"3,413":1213,"3,414":1214,"3,415":1215,"3,416":1216,"3,417":1217,"3,418":1218,"3,419":1219,"3,420":1220,"3,421":1221,"3,422":1222,"3,423":1223,"3,424":1224,"3,425":1225,"3,426":1226,"3,427":1227,"3,428":1228,"3,429":1229,"3,430":1230,"3,431":1231,"3,432":1232,"3,433":1233,"3,434":1234,"3,435":1235,"3,436":1236,"3,437":1237,"3,438":1238,"3,439":1239,"3,440":1240,"3,441":1241,"3,442":1242,"3,443":1243,"3,444":1244,"3,445":1245,"3,446":1246,"3,447":1247,"3,448":1248,"3,449":1249,"3,450":1250,"3,451":1251,"3,452":1252,"3,453":1253,"3,454":1254,"4,3":1255,"4,4":1256,"4,5":1257,"4,6":1258,"4,7":1259,"4,8":1260,"4,9":1261,"4,10":1262,"4,11":1263,"4,12":1264,"4,13":1265,"4,14":1266,"4,15":1267,"4,16":1268,"4,17":1269,"4,18":1270,"4,19":1271,"4,20":1272,"4,21":1273,"4,22":1274,"4,23":1275,"4,24":1276,"4,25":1277,"4,26":1278,"4,27":1279,"4,28":1280,"4,29":1281,"4,30":1282,"4,31":1283,"4,32":1284,"4,33":1285,"4,34":1286,"4,35":1287,"4,36":1288,"4,37":1289,"4,38":1290,"4,39":1291,"4,40":1292,"4,41":1293,"4,42":1294,"4,43":1295,"4,44":1296,"4,45":1297,"4,46":1298,"4,47":1299,"4,48":1300,"4,49":1301,"4,50":1302,"4,51":1303,"4,52":1304,"4,53":1305,"4,54":1306,"4,55":1307,"4,56":1308,"4,57":1309,"4,58":1310,"4,59":1311,"4,60":1312,"4,61":1313,"4,62":1314,"4,63":1315,"4,64":1316,"4,65":1317,"4,66":1318,"4,67":1319,"4,68":1320,"4,69":1321,"4,70":1322,"4,71":1323,"4,72":1324,"4,73":1325,"4,74":1326,"4,75":1327,"4,76":1328,"4,77":1329,"4,78":1330,"4,79":1331,"4,80":1332,"4,81":1333,"4,82":1334,"4,83":1335,"4,84":1336,"4,85":1337,"4,86":1338,"4,87":1339,"4,88":1340,"4,89":1341,"4,90":1342,"4,91":1343,"4,92":1344,"4,93":1345,"4,94":1346,"4,95":1347,"4,96":1348,"4,97":1349,"4,98":1350,"4,99":1351,"4,100":1352,"4,101":1353,"4,102":1354,"4,103":1355,"4,104":1356,"4,105":1357,"4,106":1358,"4,107":1359,"4,108":1360,"4,109":1361,"4,110":1362,"4,111":1363,"4,112":1364,"4,113":1365,"4,114":1366,"4,115":1367,"4,116":1368,"4,117":1369,"4,118":1370,"4,119":1371,"4,120":1372,"4,121":1373,"4,122":1374,"4,123":1375,"4,124":1376,"4,125":1377,"4,126":1378,"4,127":1379,"4,128":1380,"4,129":1381,"4,130":1382,"4,131":1383,"4,132":1384,"4,133":1385,"4,134":1386,"4,135":1387,"4,136":1388,"4,137":1389,"4,138":1390,"4,139":1391,"4,140":1392,"4,141":1393,"4,142":1394,"4,143":1395,"4,144":1396,"4,145":1397,"4,146":1398,"4,147":1399,"4,148":1400,"4,149":1401,"4,150":1402,"4,151":1403,"4,152":1404,"4,153":1405,"4,154":1406,"4,155":1407,"4,156":1408,"4,157":1409,"4,158":1410,"4,159":1411,"4,160":1412,"4,161":1413,"4,162":1414,"4,163":1415,"4,164":1416,"4,165":1417,"4,166":1418,"4,167":1419,"4,168":1420,"4,169":1421,"4,170":1422,"4,171":1423,"4,172":1424,"4,173":1425,"4,174":1426,"4,175":1427,"4,176":1428,"4,177":1429,"4,178":1430,"4,179":1431,"4,180":1432,"4,181":1433,"4,182":1434,"4,183":1435,"4,184":1436,"4,185":1437,"4,186":1438,"4,187":1439,"4,188":1440,"4,189":1441,"4,190":1442,"4,191":1443,"4,192":1444,"4,193":1445,"4,194":1446,"4,195":1447,"4,196":1448,"4,197":1449,"4,198":1450,"4,199":1451,"4,200":1452,"4,201":1453,"4,202":1454,"4,203":1455,"4,204":1456,"4,205":1457,"4,206":1458,"4,207":1459,"4,208":1460,"4,209":1461,"4,210":1462,"4,211":1463,"4,212":1464,"4,213":1465,"4,214":1466,"4,215":1467,"4,216":1468,"4,217":1469,"4,218":1470,"4,219":1471,"4,220":1472,"4,221":1473,"4,222":1474,"4,223":1475,"4,224":1476,"4,225":1477,"4,226":1478,"4,227":1479,"4,228":1480,"4,229":1481,"4,230":1482,"4,231":1483,"4,232":1484,"4,233":1485,"4,234":1486,"4,235":1487,"4,236":1488,"4,237":1489,"4,238":1490,"4,239":1491,"4,240":1492,"4,241":1493,"4,242":1494,"4,243":1495,"4,244":1496,"4,245":1497,"4,246":1498,"4,247":1499,"4,248":1500,"4,249":1501,"4,250":1502,"4,251":1503,"4,252":1504,"4,253":1505,"4,254":1506,"4,255":1507,"4,256":1508,"4,257":1509,"4,258":1510,"4,259":1511,"4,260":1512,"4,261":1513,"4,262":1514,"4,263":1515,"4,264":1516,"4,265":1517,"4,266":1518,"4,267":1519,"4,268":1520,"4,269":1521,"4,270":1522,"4,271":1523,"4,272":1524,"4,273":1525,"4,274":1526,"4,275":1527,"4,276":1528,"4,277":1529,"4,278":1530,"4,279":1531,"4,280":1532,"4,281":1533,"4,282":1534,"4,283":1535,"4,284":1536,"4,285":1537,"4,286":1538,"4,287":1539,"4,288":1540,"4,289":1541,"4,290":1542,"4,291":1543,"4,292":1544,"4,293":1545,"4,294":1546,"4,295":1547,"5,3":1548,"5,4":1549,"5,5":1550,"5,6":1551,"5,7":1552,"5,8":1553,"5,9":1554,"5,10":1555,"5,11":1556,"5,12":1557,"5,13":1558,"5,14":1559,"5,15":1560,"5,16":1561,"5,17":1562,"5,18":1563,"5,19":1564,"5,20":1565,"5,21":1566,"5,22":1567,"5,23":1568,"5,24":1569,"5,25":1570,"5,26":1571,"5,27":1572,"5,28":1573,"5,29":1574,"5,30":1575,"5,31":1576,"5,32":1577,"5,33":1578,"5,34":1579,"5,35":1580,"5,36":1581,"5,37":1582,"5,38":1583,"5,39":1584,"5,40":1585,"5,41":1586,"5,42":1587,"5,43":1588,"5,44":1589,"5,45":1590,"5,46":1591,"5,47":1592,"5,48":1593,"5,49":1594,"5,50":1595,"5,51":1596,"5,52":1597,"5,53":1598,"5,54":1599,"5,55":1600,"5,56":1601,"5,57":1602,"5,58":1603,"5,59":1604,"5,60":1605,"5,61":1606,"5,62":1607,"5,63":1608,"5,64":1609,"5,65":1610,"5,66":1611,"5,67":1612,"5,68":1613,"5,69":1614,"5,70":1615,"5,71":1616,"5,72":1617,"5,73":1618,"5,74":1619,"5,75":1620,"5,76":1621,"5,77":1622,"5,78":1623,"5,79":1624,"5,80":1625,"5,81":1626,"5,82":1627,"5,83":1628,"5,84":1629,"5,85":1630,"5,86":1631,"5,87":1632,"5,88":1633,"5,89":1634,"5,90":1635,"5,91":1636,"5,92":1637,"5,93":1638,"5,94":1639,"5,95":1640,"5,96":1641,"5,97":1642,"5,98":1643,"5,99":1644,"5,100":1645,"5,101":1646,"5,102":1647,"5,103":1648,"5,104":1649,"5,105":1650,"5,106":1651,"5,107":1652,"5,108":1653,"5,109":1654,"5,110":1655,"5,111":1656,"5,112":1657,"5,113":1658,"5,114":1659,"5,115":1660,"5,116":1661,"5,117":1662,"5,118":1663,"5,119":1664,"5,120":1665,"5,121":1666,"5,122":1667,"5,123":1668,"5,124":1669,"5,125":1670,"5,126":1671,"5,127":1672,"5,128":1673,"5,129":1674,"5,130":1675,"5,131":1676,"5,132":1677,"5,133":1678,"5,134":1679,"5,135":1680,"5,136":1681,"5,137":1682,"5,138":1683,"5,139":1684,"5,140":1685,"5,141":1686,"5,142":1687,"5,143":1688,"5,144":1689,"5,145":1690,"5,146":1691,"5,147":1692,"5,148":1693,"5,149":1694,"5,150":1695,"5,151":1696,"5,152":1697,"5,153":1698,"5,154":1699,"5,155":1700,"5,156":1701,"5,157":1702,"5,158":1703,"5,159":1704,"5,160":1705,"5,161":1706,"5,162":1707,"5,163":1708,"5,164":1709,"5,165":1710,"5,166":1711,"5,167":1712,"5,168":1713,"5,169":1714,"5,170":1715,"5,171":1716,"5,172":1717,"5,173":1718,"5,174":1719,"5,175":1720,"5,176":1721,"5,177":1722,"5,178":1723,"5,179":1724,"5,180":1725,"5,181":1726,"5,182":1727,"5,183":1728,"5,184":1729,"5,185":1730,"5,186":1731,"5,187":1732,"5,188":1733,"5,189":1734,"5,190":1735,"5,191":1736,"5,192":1737,"5,193":1738,"5,194":1739,"5,195":1740,"5,196":1741,"5,197":1742,"5,198":1743,"5,199":1744,"5,200":1745,"5,201":1746,"5,202":1747,"5,203":1748,"5,204":1749,"5,205":1750,"5,206":1751,"5,207":1752,"5,208":1753,"5,209":1754,"5,210":1755,"5,211":1756,"5,212":1757,"5,213":1758,"5,214":1759,"5,215":1760,"5,216":1761,"5,217":1762,"5,218":1763,"5,219":1764,"5,220":1765,"5,221":1766,"5,222":1767,"5,223":1768,"5,224":1769,"5,225":1770,"5,226":1771,"5,227":1772,"5,228":1773,"5,229":1774,"5,230":1775,"5,231":1776,"5,232":1777,"5,233":1778,"5,234":1779,"5,235":1780,"5,236":1781,"5,237":1782,"5,238":1783,"5,239":1784,"5,240":1785,"5,241":1786,"5,242":1787,"5,243":1788,"5,244":1789,"5,245":1790,"5,246":1791,"5,247":1792,"5,248":1793,"5,249":1794,"5,250":1795,"5,251":1796,"5,252":1797,"5,253":1798,"5,254":1799,"5,255":1800,"5,256":1801,"5,257":1802,"5,258":1803,"5,259":1804,"5,260":1805,"5,261":1806,"5,262":1807,"5,263":1808,"5,264":1809,"5,265":1810,"5,266":1811,"5,267":1812,"5,268":1813,"5,269":1814,"5,270":1815,"5,271":1816,"5,272":1817,"5,273":1818,"5,274":1819,"5,275":1820,"5,276":1821,"5,277":1822,"5,278":1823,"5,279":1824,"5,280":1825,"5,281":1826,"5,282":1827,"5,283":1828,"5,284":1829,"5,285":1830,"5,286":1831,"5,287":1832,"5,288":1833,"5,289":1834,"5,290":1835,"5,291":1836,"5,292":1837,"5,293":1838,"5,294":1839,"5,295":1840,"5,296":1841,"5,297":1842,"5,298":1843,"5,299":1844,"5,300":1845,"5,301":1846,"5,302":1847,"5,303":1848,"5,304":1849,"5,305":1850,"5,306":1851,"5,307":1852,"5,308":1853,"5,309":1854,"5,310":1855,"5,311":1856,"5,312":1857,"5,313":1858,"5,314":1859,"5,315":1860,"5,316":1861,"5,317":1862,"5,318":1863,"5,319":1864,"5,320":1865,"5,321":1866,"5,322":1867,"5,323":1868,"5,324":1869,"5,325":1870,"5,326":1871,"5,327":1872,"5,328":1873,"5,329":1874,"5,330":1875,"5,331":1876,"5,332":1877,"5,333":1878,"5,334":1879,"5,335":1880,"5,336":1881,"5,337":1882,"5,338":1883,"5,339":1884,"5,340":1885,"5,341":1886,"5,342":1887,"5,343":1888,"5,344":1889,"5,345":1890,"5,346":1891,"5,347":1892,"5,348":1893,"5,349":1894,"5,350":1895,"5,351":1896,"5,352":1897,"5,353":1898,"5,354":1899,"5,355":1900,"5,356":1901,"5,357":1902,"5,358":1903,"5,359":1904,"5,360":1905,"5,361":1906,"5,362":1907,"5,363":1908,"5,364":1909,"5,365":1910,"5,366":1911,"5,367":1912,"5,368":1913,"5,369":1914,"5,370":1915,"5,371":1916,"5,372":1917,"5,373":1918,"5,374":1919,"5,375":1920,"5,376":1921,"5,377":1922,"5,378":1923,"5,379":1924,"5,380":1925,"5,381":1926,"5,382":1927,"5,383":1928,"5,384":1929,"5,385":1930,"5,386":1931,"5,387":1932,"5,388":1933,"5,389":1934,"5,390":1935,"5,391":1936,"5,392":1937,"6,3":1938,"6,4":1939,"6,5":1940,"6,6":1941,"6,7":1942,"6,8":1943,"6,9":1944,"6,10":1945,"6,11":1946,"6,12":1947,"6,13":1948,"6,14":1949,"6,15":1950,"6,16":1951,"6,17":1952,"6,18":1953,"6,19":1954,"6,20":1955,"6,21":1956,"6,22":1957,"6,23":1958,"6,24":1959,"6,25":1960,"6,26":1961,"6,27":1962,"6,28":1963,"6,29":1964,"6,30":1965,"6,31":1966,"6,32":1967,"6,33":1968,"6,34":1969,"6,35":1970,"6,36":1971,"6,37":1972,"6,38":1973,"6,39":1974,"6,40":1975,"6,41":1976,"6,42":1977,"6,43":1978,"6,44":1979,"6,45":1980,"6,46":1981,"6,47":1982,"6,48":1983,"6,49":1984,"6,50":1985,"6,51":1986,"6,52":1987,"6,53":1988,"6,54":1989,"6,55":1990,"6,56":1991,"6,57":1992,"6,58":1993,"6,59":1994,"6,60":1995,"6,61":1996,"6,62":1997,"6,63":1998,"6,64":1999,"6,65":2000,"6,66":2001,"6,67":2002,"6,68":2003,"6,69":2004,"6,70":2005,"6,71":2006,"6,72":2007,"6,73":2008,"6,74":2009,"6,75":2010,"6,76":2011,"6,77":2012,"6,78":2013,"6,79":2014,"6,80":2015,"6,81":2016,"6,82":2017,"6,83":2018,"6,84":2019,"6,85":2020,"6,86":2021,"6,87":2022,"6,88":2023,"6,89":2024,"6,90":2025,"6,91":2026,"6,92":2027,"6,93":2028,"6,94":2029,"6,95":2030,"6,96":2031,"6,97":2032,"6,98":2033,"6,99":2034,"6,100":2035,"6,101":2036,"6,102":2037,"6,103":2038,"6,104":2039,"6,105":2040,"6,106":2041,"6,107":2042,"6,108":2043,"6,109":2044,"6,110":2045,"6,111":2046,"6,112":2047,"6,113":2048,"6,114":2049,"6,115":2050,"6,116":2051,"6,117":2052,"6,118":2053,"6,119":2054,"6,120":2055,"6,121":2056,"6,122":2057,"6,123":2058,"6,124":2059,"6,125":2060,"6,126":2061,"6,127":2062,"6,128":2063,"6,129":2064,"6,130":2065,"6,131":2066,"6,132":2067,"6,133":2068,"6,134":2069,"6,135":2070,"6,136":2071,"6,137":2072,"6,138":2073,"6,139":2074,"6,140":2075,"6,141":2076,"6,142":2077,"6,143":2078,"6,144":2079,"6,145":2080,"6,146":2081,"6,147":2082,"6,148":2083,"6,149":2084,"6,150":2085,"6,151":2086,"6,152":2087,"6,153":2088,"6,154":2089,"6,155":2090,"6,156":2091,"6,157":2092,"6,158":2093,"6,159":2094,"6,160":2095,"6,161":2096,"6,162":2097,"6,163":2098,"6,164":2099,"6,165":2100,"6,166":2101,"6,167":2102,"6,168":2103,"6,169":2104,"6,170":2105,"6,171":2106,"6,172":2107,"6,173":2108,"6,174":2109,"6,175":2110,"6,176":2111,"6,177":2112,"6,178":2113,"6,179":2114,"6,180":2115,"6,181":2116,"6,182":2117,"6,183":2118,"6,184":2119,"6,185":2120,"6,186":2121,"6,187":2122,"6,188":2123,"6,189":2124,"6,190":2125,"6,191":2126,"6,192":2127,"6,193":2128,"6,194":2129,"6,195":2130,"6,196":2131,"6,197":2132,"6,198":2133,"6,199":2134,"6,200":2135,"6,201":2136,"6,202":2137,"6,203":2138,"6,204":2139,"6,205":2140,"6,206":2141,"6,207":2142,"6,208":2143,"6,209":2144,"6,210":2145,"6,211":2146,"6,212":2147,"6,213":2148,"6,214":2149,"6,215":2150,"6,216":2151,"6,217":2152,"6,218":2153,"6,219":2154,"6,220":2155,"6,221":2156,"6,222":2157,"6,223":2158,"6,224":2159,"6,225":2160,"6,226":2161,"6,227":2162,"6,228":2163,"6,229":2164,"6,230":2165,"6,231":2166,"6,232":2167,"6,233":2168,"6,234":2169,"6,235":2170,"6,236":2171,"6,237":2172,"6,238":2173,"6,239":2174,"6,240":2175,"6,241":2176,"6,242":2177,"6,243":2178,"6,244":2179,"6,245":2180,"6,246":2181,"6,247":2182,"6,248":2183,"6,249":2184,"6,250":2185,"6,251":2186,"6,252":2187,"6,253":2188,"6,254":2189,"6,255":2190,"6,256":2191,"6,257":2192,"6,258":2193,"6,259":2194,"6,260":2195,"6,261":2196,"6,262":2197,"6,263":2198,"6,264":2199,"6,265":2200,"6,266":2201,"6,267":2202,"6,268":2203,"6,269":2204,"6,270":2205,"6,271":2206,"6,272":2207,"6,273":2208,"6,274":2209,"6,275":2210,"6,276":2211,"6,277":2212,"6,278":2213,"6,279":2214,"6,280":2215,"6,281":2216,"6,282":2217,"6,283":2218,"6,284":2219,"6,285":2220,"6,286":2221,"6,287":2222,"6,288":2223,"6,289":2224,"6,290":2225,"6,291":2226,"6,292":2227,"6,293":2228,"6,294":2229,"6,295":2230,"6,296":2231,"6,297":2232,"6,298":2233,"6,299":2234,"6,300":2235,"6,301":2236,"6,302":2237,"6,303":2238,"6,304":2239,"6,305":2240,"6,306":2241,"6,307":2242,"6,308":2243,"6,309":2244,"6,310":2245,"6,311":2246,"6,312":2247,"6,313":2248,"6,314":2249,"6,315":2250,"6,316":2251,"6,317":2252,"6,318":2253,"6,319":2254,"6,320":2255,"6,321":2256,"6,322":2257,"6,323":2258,"6,324":2259,"6,325":2260,"6,326":2261,"6,327":2262,"6,328":2263,"6,329":2264,"6,330":2265,"6,331":2266,"6,332":2267,"6,333":2268,"6,334":2269,"6,335":2270,"6,336":2271,"6,337":2272,"6,338":2273,"6,339":2274,"6,340":2275,"6,341":2276,"6,342":2277,"6,343":2278,"6,344":2279,"6,345":2280,"6,346":2281,"6,347":2282,"6,348":2283,"6,349":2284,"6,350":2285,"6,351":2286,"6,352":2287,"7,3":2288,"7,4":2289,"7,5":2290,"7,6":2291,"7,7":2292,"7,8":2293,"7,9":2294,"7,10":2295,"7,11":2296,"7,12":2297,"7,13":2298,"7,14":2299,"7,15":2300,"7,16":2301,"7,17":2302,"7,18":2303,"7,19":2304,"7,20":2305,"7,21":2306,"7,22":2307,"7,23":2308,"7,24":2309,"7,25":2310,"7,26":2311,"7,27":2312,"7,28":2313,"7,29":2314,"7,30":2315,"7,31":2316,"7,32":2317,"7,33":2318,"7,34":2319,"7,35":2320,"7,36":2321,"7,37":2322,"7,38":2323,"7,39":2324,"7,40":2325,"7,41":2326,"7,42":2327,"7,43":2328,"7,44":2329,"7,45":2330,"7,46":2331,"7,47":2332,"7,48":2333,"7,49":2334,"7,50":2335,"7,51":2336,"7,52":2337,"7,53":2338,"7,54":2339,"7,55":2340,"7,56":2341,"7,57":2342,"7,58":2343,"7,59":2344,"7,60":2345,"7,61":2346,"7,62":2347,"7,63":2348,"7,64":2349,"7,65":2350,"7,66":2351,"7,67":2352,"7,68":2353,"7,69":2354,"7,70":2355,"7,71":2356,"7,72":2357,"7,73":2358,"7,74":2359,"7,75":2360,"7,76":2361,"7,77":2362,"7,78":2363,"7,79":2364,"7,80":2365,"7,81":2366,"7,82":2367,"7,83":2368,"7,84":2369,"7,85":2370,"7,86":2371,"7,87":2372,"7,88":2373,"7,89":2374,"7,90":2375,"7,91":2376,"7,92":2377,"7,93":2378,"7,94":2379,"7,95":2380,"7,96":2381,"7,97":2382,"7,98":2383,"7,99":2384,"7,100":2385,"7,101":2386,"7,102":2387,"7,103":2388,"7,104":2389,"7,105":2390,"7,106":2391,"7,107":2392,"7,108":2393,"7,109":2394,"7,110":2395,"7,111":2396,"7,112":2397,"7,113":2398,"7,114":2399,"7,115":2400,"7,116":2401,"7,117":2402,"7,118":2403,"7,119":2404,"7,120":2405,"7,121":2406,"7,122":2407,"7,123":2408,"7,124":2409,"7,125":2410,"7,126":2411,"7,127":2412,"7,128":2413,"7,129":2414,"7,130":2415,"7,131":2416,"7,132":2417,"7,133":2418,"7,134":2419,"7,135":2420,"7,136":2421,"7,137":2422,"7,138":2423,"7,139":2424,"7,140":2425,"7,141":2426,"7,142":2427,"7,143":2428,"7,144":2429,"7,145":2430,"7,146":2431,"7,147":2432,"7,148":2433,"7,149":2434,"7,150":2435,"7,151":2436,"7,152":2437,"7,153":2438,"7,154":2439,"7,155":2440,"7,156":2441,"7,157":2442,"7,158":2443,"7,159":2444,"7,160":2445,"7,161":2446,"7,162":2447,"7,163":2448,"7,164":2449,"7,165":2450,"7,166":2451,"7,167":2452,"7,168":2453,"7,169":2454,"7,170":2455,"7,171":2456,"7,172":2457,"7,173":2458,"7,174":2459,"7,175":2460,"7,176":2461,"7,177":2462,"7,178":2463,"7,179":2464,"7,180":2465,"7,181":2466,"7,182":2467,"7,183":2468,"7,184":2469,"7,185":2470,"7,186":2471,"7,187":2472,"7,188":2473,"7,189":2474,"7,190":2475,"7,191":2476,"7,192":2477,"7,193":2478,"7,194":2479,"7,195":2480,"7,196":2481,"7,197":2482,"7,198":2483,"7,199":2484,"7,200":2485,"7,201":2486,"7,202":2487,"7,203":2488,"7,204":2489,"7,205":2490,"7,206":2491,"7,207":2492,"7,208":2493,"7,209":2494,"7,210":2495,"7,211":2496,"7,212":2497,"7,213":2498,"7,214":2499,"7,215":2500,"7,216":2501,"7,217":2502,"7,218":2503,"7,219":2504,"7,220":2505,"7,221":2506,"7,222":2507,"7,223":2508,"7,224":2509,"7,225":2510,"7,226":2511,"7,227":2512,"7,228":2513,"7,229":2514,"7,230":2515,"7,231":2516,"7,232":2517,"7,233":2518,"7,234":2519,"7,235":2520,"7,236":2521,"7,237":2522,"7,238":2523,"7,239":2524,"7,240":2525,"7,241":2526,"7,242":2527,"7,243":2528,"7,244":2529,"7,245":2530,"7,246":2531,"7,247":2532,"7,248":2533,"7,249":2534,"7,250":2535,"7,251":2536,"7,252":2537,"7,253":2538,"7,254":2539,"7,255":2540,"7,256":2541,"7,257":2542,"7,258":2543,"7,259":2544,"7,260":2545,"7,261":2546,"7,262":2547,"7,263":2548,"7,264":2549,"7,265":2550,"7,266":2551,"7,267":2552,"7,268":2553,"7,269":2554,"7,270":2555,"7,271":2556,"7,272":2557,"7,273":2558,"7,274":2559,"7,275":2560,"7,276":2561,"7,277":2562,"7,278":2563,"7,279":2564,"7,280":2565,"7,281":2566,"7,282":2567,"7,283":2568,"7,284":2569,"7,285":2570,"7,286":2571,"7,287":2572,"7,288":2573,"7,289":2574,"7,290":2575,"7,291":2576,"7,292":2577,"7,293":2578,"7,294":2579,"7,295":2580,"7,296":2581,"7,297":2582,"7,298":2583,"7,299":2584,"7,300":2585,"7,301":2586,"7,302":2587,"7,303":2588,"7,304":2589,"7,305":2590,"7,306":2591,"7,307":2592,"7,308":2593,"7,309":2594,"7,310":2595,"7,311":2596,"7,312":2597,"7,313":2598,"7,314":2599,"7,315":2600,"7,316":2601,"7,317":2602,"7,318":2603,"7,319":2604,"7,320":2605,"7,321":2606,"7,322":2607,"7,323":2608,"7,324":2609,"7,325":2610,"7,326":2611,"7,327":2612,"7,328":2613,"7,329":2614,"7,330":2615,"7,331":2616,"7,332":2617,"7,333":2618,"7,334":2619,"7,335":2620,"7,336":2621,"7,337":2622,"7,338":2623,"7,339":2624,"7,340":2625,"7,341":2626,"7,342":2627,"7,343":2628,"7,344":2629,"7,345":2630,"7,346":2631,"7,347":2632,"7,348":2633,"7,349":2634,"7,350":2635,"7,351":2636,"7,352":2637,"7,353":2638,"7,354":2639,"7,355":2640,"7,356":2641,"7,357":2642,"7,358":2643,"7,359":2644,"7,360":2645,"7,361":2646,"7,362":2647,"7,363":2648,"7,364":2649,"7,365":2650,"7,366":2651,"7,367":2652,"7,368":2653,"7,369":2654,"7,370":2655,"7,371":2656,"7,372":2657,"7,373":2658,"7,374":2659,"7,375":2660,"7,376":2661,"7,377":2662,"7,378":2663,"7,379":2664,"7,380":2665,"7,381":2666,"7,382":2667,"7,383":2668,"7,384":2669,"7,385":2670,"7,386":2671,"7,387":2672,"7,388":2673,"7,389":2674,"7,390":2675,"7,391":2676,"7,392":2677,"7,393":2678,"7,394":2679,"7,395":2680,"7,396":2681,"7,397":2682,"7,398":2683,"7,399":2684,"7,400":2685,"7,401":2686,"7,402":2687,"7,403":2688,"7,404":2689,"7,405":2690,"7,406":2691,"7,407":2692,"7,408":2693,"7,409":2694,"7,410":2695,"7,411":2696,"7,412":2697,"7,413":2698,"7,414":2699,"7,415":2700,"7,416":2701,"7,417":2702,"7,418":2703,"7,419":2704,"7,420":2705,"7,421":2706,"7,422":2707,"7,423":2708,"7,424":2709,"7,425":2710,"7,426":2711,"7,427":2712,"7,428":2713,"7,429":2714,"7,430":2715,"7,431":2716,"7,432":2717,"7,433":2718,"7,434":2719,"7,435":2720,"7,436":2721,"7,437":2722,"7,438":2723,"7,439":2724,"7,440":2725,"7,441":2726,"7,442":2727,"7,443":2728,"7,444":2729,"7,445":2730,"7,446":2731,"7,447":2732,"7,448":2733,"7,449":2734,"7,450":2735,"7,451":2736,"7,452":2737,"7,453":2738,"7,454":2739,"7,455":2740,"7,456":2741,"7,457":2742,"7,458":2743,"7,459":2744,"7,460":2745,"7,461":2746,"7,462":2747,"7,463":2748,"7,464":2749,"8,3":2750,"8,4":2751,"8,5":2752,"8,6":2753,"8,7":2754,"8,8":2755,"8,9":2756,"8,10":2757,"8,11":2758,"8,12":2759,"8,13":2760,"8,14":2761,"8,15":2762,"8,16":2763,"8,17":2764,"8,18":2765,"8,19":2766,"8,20":2767,"8,21":2768,"8,22":2769,"8,23":2770,"8,24":2771,"8,25":2772,"8,26":2773,"8,27":2774,"8,28":2775,"8,29":2776,"8,30":2777,"8,31":2778,"8,32":2779,"8,33":2780,"8,34":2781,"8,35":2782,"8,36":2783,"8,37":2784,"8,38":2785,"8,39":2786,"8,40":2787,"8,41":2788,"8,42":2789,"8,43":2790,"8,44":2791,"8,45":2792,"8,46":2793,"8,47":2794,"8,48":2795,"8,49":2796,"8,50":2797,"8,51":2798,"8,52":2799,"8,53":2800,"8,54":2801,"8,55":2802,"8,56":2803,"8,57":2804,"8,58":2805,"8,59":2806,"8,60":2807,"8,61":2808,"8,62":2809,"8,63":2810,"8,64":2811,"8,65":2812,"8,66":2813,"8,67":2814,"8,68":2815,"8,69":2816,"8,70":2817,"8,71":2818,"8,72":2819,"8,73":2820,"8,74":2821,"8,75":2822,"8,76":2823,"8,77":2824,"8,78":2825,"8,79":2826,"8,80":2827,"8,81":2828,"8,82":2829,"8,83":2830,"8,84":2831,"8,85":2832,"8,86":2833,"8,87":2834,"8,88":2835,"8,89":2836,"8,90":2837,"8,91":2838,"8,92":2839,"8,93":2840,"8,94":2841,"8,95":2842,"8,96":2843,"8,97":2844,"8,98":2845,"8,99":2846,"8,100":2847,"8,101":2848,"8,102":2849,"8,103":2850,"8,104":2851,"8,105":2852,"8,106":2853,"8,107":2854,"8,108":2855,"8,109":2856,"8,110":2857,"8,111":2858,"8,112":2859,"8,113":2860,"8,114":2861,"8,115":2862,"8,116":2863,"8,117":2864,"8,118":2865,"8,119":2866,"8,120":2867,"8,121":2868,"8,122":2869,"8,123":2870,"8,124":2871,"8,125":2872,"8,126":2873,"8,127":2874,"8,128":2875,"8,129":2876,"8,130":2877,"8,131":2878,"8,132":2879,"8,133":2880,"8,134":2881,"8,135":2882,"8,136":2883,"8,137":2884,"8,138":2885,"8,139":2886,"8,140":2887,"8,141":2888,"8,142":2889,"8,143":2890,"8,144":2891,"8,145":2892,"8,146":2893,"8,147":2894,"8,148":2895,"8,149":2896,"8,150":2897,"8,151":2898,"8,152":2899,"8,153":2900,"8,154":2901,"8,155":2902,"8,156":2903,"8,157":2904,"8,158":2905,"8,159":2906,"8,160":2907,"8,161":2908,"8,162":2909,"8,163":2910,"8,164":2911,"8,165":2912,"8,166":2913,"8,167":2914,"8,168":2915,"8,169":2916,"8,170":2917,"8,171":2918,"8,172":2919,"8,173":2920,"8,174":2921,"8,175":2922,"8,176":2923,"8,177":2924,"8,178":2925,"8,179":2926,"8,180":2927,"8,181":2928,"8,182":2929,"8,183":2930,"8,184":2931,"8,185":2932,"8,186":2933,"8,187":2934,"8,188":2935,"8,189":2936,"8,190":2937,"8,191":2938,"8,192":2939,"8,193":2940,"8,194":2941,"8,195":2942,"8,196":2943,"8,197":2944,"8,198":2945,"8,199":2946,"8,200":2947,"8,201":2948,"8,202":2949,"8,203":2950,"8,204":2951,"8,205":2952,"8,206":2953,"8,207":2954,"8,208":2955,"8,209":2956,"8,210":2957,"8,211":2958,"8,212":2959,"8,213":2960,"8,214":2961,"8,215":2962,"8,216":2963,"8,217":2964,"8,218":2965,"8,219":2966,"8,220":2967,"8,221":2968,"8,222":2969,"8,223":2970,"8,224":2971,"8,225":2972,"8,226":2973,"8,227":2974,"8,228":2975,"8,229":2976,"8,230":2977,"8,231":2978,"8,232":2979,"8,233":2980,"8,234":2981,"8,235":2982,"8,236":2983,"8,237":2984,"8,238":2985,"8,239":2986,"8,240":2987,"8,241":2988,"8,242":2989,"8,243":2990,"8,244":2991,"8,245":2992,"8,246":2993,"8,247":2994,"8,248":2995,"8,249":2996,"8,250":2997,"8,251":2998,"8,252":2999,"8,253":3000,"8,254":3001,"8,255":3002,"8,256":3003,"8,257":3004,"8,258":3005,"8,259":3006,"8,260":3007,"8,261":3008,"8,262":3009,"8,263":3010,"8,264":3011,"8,265":3012,"8,266":3013,"8,267":3014,"8,268":3015,"8,269":3016,"8,270":3017,"8,271":3018,"8,272":3019,"8,273":3020,"8,274":3021,"8,275":3022,"8,276":3023,"8,277":3024,"8,278":3025,"8,279":3026,"8,280":3027,"8,281":3028,"8,282":3029,"8,283":3030,"8,284":3031,"8,285":3032,"8,286":3033,"8,287":3034,"8,288":3035,"8,289":3036,"8,290":3037,"8,291":3038,"8,292":3039,"8,293":3040,"8,294":3041,"8,295":3042,"8,296":3043,"8,297":3044,"8,298":3045,"8,299":3046,"8,300":3047,"8,301":3048,"8,302":3049,"8,303":3050,"8,304":3051,"8,305":3052,"8,306":3053,"8,307":3054,"8,308":3055,"8,309":3056,"8,310":3057,"8,311":3058,"8,312":3059,"8,313":3060,"8,314":3061,"8,315":3062,"8,316":3063,"8,317":3064,"8,318":3065,"8,319":3066,"8,320":3067,"8,321":3068,"8,322":3069,"8,323":3070,"8,324":3071,"8,325":3072,"8,326":3073,"8,327":3074,"8,328":3075,"8,329":3076,"8,330":3077,"8,331":3078,"8,332":3079,"8,333":3080,"8,334":3081,"8,335":3082,"8,336":3083,"8,337":3084,"8,338":3085,"8,339":3086,"8,340":3087,"8,341":3088,"8,342":3089,"8,343":3090,"8,344":3091,"8,345":3092,"8,346":3093,"8,347":3094,"8,348":3095,"8,349":3096,"8,350":3097,"8,351":3098,"8,352":3099,"8,353":3100,"8,354":3101,"8,355":3102,"8,356":3103,"8,357":3104,"8,358":3105,"8,359":3106,"8,360":3107,"8,361":3108,"8,362":3109,"8,363":3110,"8,364":3111,"8,365":3112,"8,366":3113,"8,367":3114,"8,368":3115,"8,369":3116,"8,370":3117,"8,371":3118,"8,372":3119,"8,373":3120,"8,374":3121,"8,375":3122,"8,376":3123,"8,377":3124,"8,378":3125,"8,379":3126,"8,380":3127,"8,381":3128,"8,382":3129,"8,383":3130,"8,384":3131,"8,385":3132,"8,386":3133,"8,387":3134,"8,388":3135,"8,389":3136,"8,390":3137,"8,391":3138,"8,392":3139,"8,393":3140,"8,394":3141,"8,395":3142,"8,396":3143,"8,397":3144,"8,398":3145,"8,399":3146,"8,400":3147,"8,401":3148,"8,402":3149,"8,403":3150,"8,404":3151,"8,405":3152,"8,406":3153,"8,407":3154,"8,408":3155,"8,409":3156,"8,410":3157,"8,411":3158,"8,412":3159,"8,413":3160,"8,414":3161,"8,415":3162,"8,416":3163,"8,417":3164,"8,418":3165,"8,419":3166,"8,420":3167,"8,421":3168,"8,422":3169,"8,423":3170,"8,424":3171,"8,425":3172,"8,426":3173,"8,427":3174,"8,428":3175,"8,429":3176,"8,430":3177,"8,431":3178,"8,432":3179,"8,433":3180,"8,434":3181,"8,435":3182,"8,436":3183,"8,437":3184,"8,438":3185,"8,439":3186,"8,440":3187,"8,441":3188,"8,442":3189,"8,443":3190,"8,444":3191,"8,445":3192,"8,446":3193,"8,447":3194,"8,448":3195,"8,449":3196,"8,450":3197,"8,451":3198,"8,452":3199,"8,453":3200,"8,454":3201,"8,455":3202,"8,456":3203,"8,457":3204,"8,458":3205,"8,459":3206,"8,460":3207,"8,461":3208,"8,462":3209,"8,463":3210,"8,464":3211,"8,465":3212,"8,466":3213,"8,467":3214,"8,468":3215,"8,469":3216,"8,470":3217,"8,471":3218,"8,472":3219,"8,473":3220,"8,474":3221,"8,475":3222,"8,476":3223,"8,477":3224,"8,478":3225,"8,479":3226,"8,480":3227,"8,481":3228,"8,482":3229,"8,483":3230,"8,484":3231,"8,485":3232,"8,486":3233,"8,487":3234,"8,488":3235,"8,489":3236,"8,490":3237,"8,491":3238,"8,492":3239,"8,493":3240,"8,494":3241,"8,495":3242,"8,496":3243,"8,497":3244,"8,498":3245,"8,499":3246,"8,500":3247,"8,501":3248,"8,502":3249,"8,503":3250,"8,504":3251,"8,505":3252,"8,506":3253,"8,507":3254,"8,508":3255,"8,509":3256,"8,510":3257,"8,511":3258,"8,512":3259,"8,513":3260,"8,514":3261,"8,515":3262,"8,516":3263,"8,517":3264,"8,518":3265,"8,519":3266,"8,520":3267,"8,521":3268,"8,522":3269,"8,523":3270,"8,524":3271,"8,525":3272,"8,526":3273,"8,527":3274,"8,528":3275,"8,529":3276,"8,530":3277,"8,531":3278,"8,532":3279,"8,533":3280,"8,534":3281,"8,535":3282,"9,3":3283,"9,4":3284,"9,5":3285,"9,6":3286,"9,7":3287,"9,8":3288,"9,9":3289,"9,10":3290,"9,11":3291,"9,12":3292,"9,13":3293,"9,14":3294,"9,15":3295,"9,16":3296,"9,17":3297,"9,18":3298,"9,19":3299,"9,20":3300,"9,21":3301,"9,22":3302,"9,23":3303,"9,24":3304,"9,25":3305,"9,26":3306,"9,27":3307,"9,28":3308,"9,29":3309,"9,30":3310,"9,31":3311,"9,32":3312,"9,33":3313,"9,34":3314,"9,35":3315,"9,36":3316,"9,37":3317,"9,38":3318,"9,39":3319,"9,40":3320,"9,41":3321,"9,42":3322,"9,43":3323,"9,44":3324,"9,45":3325,"9,46":3326,"9,47":3327,"9,48":3328,"9,49":3329,"9,50":3330,"9,51":3331,"9,52":3332,"9,53":3333,"9,54":3334,"9,55":3335,"9,56":3336,"9,57":3337,"9,58":3338,"9,59":3339,"9,60":3340,"9,61":3341,"9,62":3342,"9,63":3343,"9,64":3344,"9,65":3345,"9,66":3346,"9,67":3347,"9,68":3348,"9,69":3349,"9,70":3350,"9,71":3351,"9,72":3352,"9,73":3353,"9,74":3354,"9,75":3355,"9,76":3356,"9,77":3357,"9,78":3358,"9,79":3359,"9,80":3360,"9,81":3361,"9,82":3362,"9,83":3363,"9,84":3364,"9,85":3365,"9,86":3366,"9,87":3367,"9,88":3368,"9,89":3369,"9,90":3370,"9,91":3371,"9,92":3372,"9,93":3373,"9,94":3374,"9,95":3375,"9,96":3376,"9,97":3377,"9,98":3378,"9,99":3379,"9,100":3380,"9,101":3381,"9,102":3382,"9,103":3383,"9,104":3384,"9,105":3385,"9,106":3386,"9,107":3387,"9,108":3388,"9,109":3389,"9,110":3390,"9,111":3391,"9,112":3392,"9,113":3393,"9,114":3394,"9,115":3395,"9,116":3396,"9,117":3397,"9,118":3398,"9,119":3399,"9,120":3400,"9,121":3401,"9,122":3402,"9,123":3403,"9,124":3404,"9,125":3405,"9,126":3406,"9,127":3407,"9,128":3408,"9,129":3409,"9,130":3410,"9,131":3411,"9,132":3412,"9,133":3413,"9,134":3414,"9,135":3415,"9,136":3416,"9,137":3417,"9,138":3418,"9,139":3419,"9,140":3420,"9,141":3421,"9,142":3422,"9,143":3423,"9,144":3424,"9,145":3425,"9,146":3426,"9,147":3427,"9,148":3428,"9,149":3429,"9,150":3430,"9,151":3431,"9,152":3432,"9,153":3433,"9,154":3434,"9,155":3435,"9,156":3436,"9,157":3437,"9,158":3438,"9,159":3439,"9,160":3440,"9,161":3441,"9,162":3442,"9,163":3443,"9,164":3444,"9,165":3445,"9,166":3446,"9,167":3447,"9,168":3448,"9,169":3449,"9,170":3450,"9,171":3451,"9,172":3452,"9,173":3453,"9,174":3454,"9,175":3455,"9,176":3456,"9,177":3457,"9,178":3458,"9,179":3459,"9,180":3460,"9,181":3461,"9,182":3462,"9,183":3463,"9,184":3464,"9,185":3465,"9,186":3466,"9,187":3467,"9,188":3468,"9,189":3469,"9,190":3470,"9,191":3471,"9,192":3472,"9,193":3473,"9,194":3474,"9,195":3475,"9,196":3476,"9,197":3477,"9,198":3478,"9,199":3479,"9,200":3480,"9,201":3481,"9,202":3482,"9,203":3483,"9,204":3484,"9,205":3485,"9,206":3486,"9,207":3487,"9,208":3488,"9,209":3489,"9,210":3490,"9,211":3491,"9,212":3492,"9,213":3493,"9,214":3494,"9,215":3495,"9,216":3496,"9,217":3497,"9,218":3498,"9,219":3499,"9,220":3500,"9,221":3501,"9,222":3502,"9,223":3503,"9,224":3504,"9,225":3505,"9,226":3506,"9,227":3507,"9,228":3508,"9,229":3509,"9,230":3510,"9,231":3511,"9,232":3512,"9,233":3513,"9,234":3514,"9,235":3515,"9,236":3516,"9,237":3517,"9,238":3518,"9,239":3519,"9,240":3520,"9,241":3521,"9,242":3522,"9,243":3523,"9,244":3524,"9,245":3525,"9,246":3526,"9,247":3527,"9,248":3528,"9,249":3529,"9,250":3530,"9,251":3531,"9,252":3532,"9,253":3533,"9,254":3534,"9,255":3535,"9,256":3536,"9,257":3537,"9,258":3538,"9,259":3539,"9,260":3540,"9,261":3541,"9,262":3542,"9,263":3543,"9,264":3544,"9,265":3545,"9,266":3546,"9,267":3547,"9,268":3548,"9,269":3549,"9,270":3550,"9,271":3551,"9,272":3552,"9,273":3553,"9,274":3554,"9,275":3555,"9,276":3556,"9,277":3557,"9,278":3558,"9,279":3559,"9,280":3560,"9,281":3561,"9,282":3562,"9,283":3563,"9,284":3564,"9,285":3565,"9,286":3566,"9,287":3567,"9,288":3568,"9,289":3569,"9,290":3570,"9,291":3571,"9,292":3572,"9,293":3573,"9,294":3574,"9,295":3575,"9,296":3576,"9,297":3577,"9,298":3578,"9,299":3579,"9,300":3580,"9,301":3581,"9,302":3582,"9,303":3583,"9,304":3584,"9,305":3585,"9,306":3586,"9,307":3587,"9,308":3588,"9,309":3589,"9,310":3590,"9,311":3591,"9,312":3592,"9,313":3593,"9,314":3594,"9,315":3595,"9,316":3596,"9,317":3597,"9,318":3598,"9,319":3599,"9,320":3600,"9,321":3601,"9,322":3602,"9,323":3603,"9,324":3604,"9,325":3605,"9,326":3606,"9,327":3607,"9,328":3608,"9,329":3609,"9,330":3610,"9,331":3611,"9,332":3612,"9,333":3613,"9,334":3614,"9,335":3615,"9,336":3616,"9,337":3617,"9,338":3618,"9,339":3619,"9,340":3620,"9,341":3621,"9,342":3622,"9,343":3623,"9,344":3624,"9,345":3625,"9,346":3626,"9,347":3627,"9,348":3628,"9,349":3629,"9,350":3630,"9,351":3631,"9,352":3632,"9,353":3633,"9,354":3634,"9,355":3635,"9,356":3636,"9,357":3637,"9,358":3638,"9,359":3639,"9,360":3640,"9,361":3641,"9,362":3642,"9,363":3643,"9,364":3644,"9,365":3645,"9,366":3646,"9,367":3647,"9,368":3648,"9,369":3649,"9,370":3650,"9,371":3651,"9,372":3652,"9,373":3653,"9,374":3654,"9,375":3655,"9,376":3656,"9,377":3657,"9,378":3658,"9,379":3659,"9,380":3660,"9,381":3661,"9,382":3662,"9,383":3663,"9,384":3664,"9,385":3665,"9,386":3666,"9,387":3667,"9,388":3668,"9,389":3669,"9,390":3670,"9,391":3671,"9,392":3672,"9,393":3673,"9,394":3674,"9,395":3675,"9,396":3676,"9,397":3677,"9,398":3678,"9,399":3679,"9,400":3680,"9,401":3681,"9,402":3682,"9,403":3683,"9,404":3684,"9,405":3685,"9,406":3686,"9,407":3687,"9,408":3688,"9,409":3689,"9,410":3690,"9,411":3691,"9,412":3692,"9,413":3693,"9,414":3694,"9,415":3695,"9,416":3696,"9,417":3697,"9,418":3698,"9,419":3699,"9,420":3700,"9,421":3701,"9,422":3702,"9,423":3703,"9,424":3704,"9,425":3705,"9,426":3706,"9,427":3707,"9,428":3708,"9,429":3709,"9,430":3710,"9,431":3711,"9,432":3712,"9,433":3713,"9,434":3714,"10,3":3715,"10,4":3716,"10,5":3717,"10,6":3718,"10,7":3719,"10,8":3720,"10,9":3721,"10,10":3722,"10,11":3723,"10,12":3724,"10,13":3725,"10,14":3726,"10,15":3727,"10,16":3728,"10,17":3729,"10,18":3730,"10,19":3731,"10,20":3732,"10,21":3733,"10,22":3734,"10,23":3735,"10,24":3736,"10,25":3737,"10,26":3738,"10,27":3739,"10,28":3740,"10,29":3741,"10,30":3742,"10,31":3743,"10,32":3744,"10,33":3745,"10,34":3746,"10,35":3747,"10,36":3748,"10,37":3749,"10,38":3750,"10,39":3751,"10,40":3752,"10,41":3753,"10,42":3754,"10,43":3755,"10,44":3756,"10,45":3757,"10,46":3758,"10,47":3759,"10,48":3760,"10,49":3761,"10,50":3762,"10,51":3763,"10,52":3764,"10,53":3765,"10,54":3766,"10,55":3767,"10,56":3768,"10,57":3769,"10,58":3770,"10,59":3771,"10,60":3772,"10,61":3773,"10,62":3774,"10,63":3775,"10,64":3776,"10,65":3777,"10,66":3778,"10,67":3779,"10,68":3780,"10,69":3781,"10,70":3782,"10,71":3783,"10,72":3784,"10,73":3785,"10,74":3786,"10,75":3787,"10,76":3788,"10,77":3789,"10,78":3790,"10,79":3791,"10,80":3792,"10,81":3793,"10,82":3794,"10,83":3795,"10,84":3796,"10,85":3797,"10,86":3798,"10,87":3799,"10,88":3800,"10,89":3801,"10,90":3802,"10,91":3803,"10,92":3804,"10,93":3805,"10,94":3806,"10,95":3807,"10,96":3808,"10,97":3809,"10,98":3810,"10,99":3811,"10,100":3812,"10,101":3813,"10,102":3814,"10,103":3815,"10,104":3816,"10,105":3817,"10,106":3818,"10,107":3819,"10,108":3820,"10,109":3821,"10,110":3822,"10,111":3823,"10,112":3824,"10,113":3825,"10,114":3826,"10,115":3827,"10,116":3828,"10,117":3829,"10,118":3830,"10,119":3831,"10,120":3832,"10,121":3833,"10,122":3834,"10,123":3835,"10,124":3836,"10,125":3837,"10,126":3838,"10,127":3839,"10,128":3840,"10,129":3841,"10,130":3842,"10,131":3843,"10,132":3844,"10,133":3845,"10,134":3846,"10,135":3847,"10,136":3848,"10,137":3849,"10,138":3850,"10,139":3851,"10,140":3852,"10,141":3853,"10,142":3854,"10,143":3855,"10,144":3856,"10,145":3857,"10,146":3858,"10,147":3859,"10,148":3860,"10,149":3861,"10,150":3862,"10,151":3863,"10,152":3864,"10,153":3865,"10,154":3866,"10,155":3867,"10,156":3868,"10,157":3869,"10,158":3870,"10,159":3871,"10,160":3872,"10,161":3873,"10,162":3874,"10,163":3875,"10,164":3876,"10,165":3877,"10,166":3878,"10,167":3879,"10,168":3880,"10,169":3881,"10,170":3882,"10,171":3883,"10,172":3884,"10,173":3885,"10,174":3886,"10,175":3887,"10,176":3888,"10,177":3889,"10,178":3890,"10,179":3891,"10,180":3892,"10,181":3893,"10,182":3894,"10,183":3895,"10,184":3896,"10,185":3897,"10,186":3898,"10,187":3899,"10,188":3900,"10,189":3901,"10,190":3902,"10,191":3903,"10,192":3904,"10,193":3905,"10,194":3906,"10,195":3907,"10,196":3908,"10,197":3909,"10,198":3910,"10,199":3911,"10,200":3912,"10,201":3913,"10,202":3914,"10,203":3915,"10,204":3916,"10,205":3917,"10,206":3918,"10,207":3919,"10,208":3920,"10,209":3921,"10,210":3922,"10,211":3923,"10,212":3924,"10,213":3925,"10,214":3926,"10,215":3927,"10,216":3928,"10,217":3929,"10,218":3930,"10,219":3931,"10,220":3932,"10,221":3933,"10,222":3934,"10,223":3935,"10,224":3936,"10,225":3937,"10,226":3938,"10,227":3939,"10,228":3940,"10,229":3941,"10,230":3942,"10,231":3943,"10,232":3944,"10,233":3945,"10,234":3946,"10,235":3947,"10,236":3948,"10,237":3949,"10,238":3950,"10,239":3951,"10,240":3952,"10,241":3953,"10,242":3954,"10,243":3955,"10,244":3956,"10,245":3957,"10,246":3958,"10,247":3959,"10,248":3960,"10,249":3961,"10,250":3962,"10,251":3963,"10,252":3964,"10,253":3965,"10,254":3966,"10,255":3967,"10,256":3968,"10,257":3969,"10,258":3970,"10,259":3971,"10,260":3972,"10,261":3973,"10,262":3974,"10,263":3975,"10,264":3976,"10,265":3977,"10,266":3978,"10,267":3979,"10,268":3980,"10,269":3981,"10,270":3982,"10,271":3983,"10,272":3984,"10,273":3985,"10,274":3986,"10,275":3987,"10,276":3988,"10,277":3989,"10,278":3990,"10,279":3991,"10,280":3992,"10,281":3993,"10,282":3994,"10,283":3995,"10,284":3996,"10,285":3997,"10,286":3998,"10,287":3999,"10,288":4000,"10,289":4001,"10,290":4002,"10,291":4003,"10,292":4004,"10,293":4005,"10,294":4006,"10,295":4007,"10,296":4008,"10,297":4009,"10,298":4010,"10,299":4011,"10,300":4012,"10,301":4013,"10,302":4014,"10,303":4015,"10,304":4016,"10,305":4017,"10,306":4018,"10,307":4019,"10,308":4020,"10,309":4021,"10,310":4022,"10,311":4023,"10,312":4024,"10,313":4025,"10,314":4026,"10,315":4027,"10,316":4028,"10,317":4029,"10,318":4030,"10,319":4031},"ٜ":{"1":[3,406],"2":[3,399],"3":[3,454],"4":[3,295],"5":[3,392],"6":[3,352],"7":[3,464],"8":[3,535],"9":[3,434],"10":[3,319]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319"],"ٞ":{"2":[1,2],"7":[3],"11":[4],"13":[5],"14":[6],"18":[7],"19":[8],"24":[9],"25":[10],"26":[11],"27":[12],"31":[13],"34":[14],"37":[15],"42":[16],"45":[17,18],"50":[19],"51":[20],"59":[21,22],"61":[23],"71":[24],"77":[25,26],"85":[27],"86":[28,29],"90":[30,31],"96":[32],"97":[33,34],"98":[35],"99":[36,37],"102":[38],"103":[39],"104":[40],"108":[41,42],"112":[43],"114":[44],"116":[45],"117":[46],"120":[47],"124":[48,49,50],"125":[51],"126":[52],"129":[53],"130":[54],"131":[55,56],"132":[57],"133":[58],"136":[59],"137":[60,61],"143":[62],"147":[63],"155":[64],"169":[65],"170":[66],"172":[67,68,69],"173":[70,71],"175":[72],"176":[73,74,75,76],"177":[77],"184":[78],"186":[79,80],"191":[81],"193":[82],"194":[83,84],"197":[85],"200":[86],"207":[87],"221":[88],"222":[89],"228":[90],"239":[91],"240":[92],"249":[93],"253":[94],"255":[95],"277":[96],"279":[97,98],"281":[99],"284":[100,101],"285":[102],"291":[103,104],"295":[105],"300":[106],"309":[107],"310":[108],"312":[109,110],"313":[111],"319":[112],"326":[113],"329":[114],"333":[115,116],"349":[117],"350":[118],"357":[119],"367":[120,121],"370":[122],"373":[123],"376":[124],"384":[125],"406":[126,127],"421":[128],"427":[129],"428":[130],"429":[131],"431":[132],"432":[133],"438":[134],"440":[135],"444":[136],"448":[137],"450":[138],"452":[139],"463":[140],"469":[141],"477":[142,143],"478":[144],"479":[145],"485":[146],"486":[147],"489":[148],"497":[149],"498":[150],"509":[151],"512":[152],"518":[153],"527":[154],"550":[155],"552":[156],"559":[157],"567":[158],"575":[159],"577":[160],"580":[161],"591":[162],"610":[163],"629":[164],"640":[165],"641":[166,167],"642":[168],"647":[169],"648":[170],"667":[171],"685":[172],"691":[173],"694":[174],"707":[175],"712":[176],"718":[177],"727":[178],"745":[179],"747":[180,181],"748":[182],"749":[183],"752":[184],"754":[185],"768":[186],"772":[187],"803":[188,189,190,191],"804":[192,193,194],"808":[195],"809":[196],"818":[197],"820":[198,199],"830":[200],"831":[201],"834":[202],"836":[203],"844":[204],"845":[205],"847":[206],"848":[207],"849":[208],"850":[209],"852":[210,211],"853":[212],"856":[213],"859":[214],"860":[215],"862":[216,217],"872":[218],"873":[219],"874":[220,221],"875":[222],"876":[223],"882":[224],"883":[225],"886":[226],"887":[227],"888":[228,229],"893":[230],"899":[231],"900":[232],"901":[233,234],"904":[235],"906":[236],"908":[237,238],"909":[239,240],"914":[241],"918":[242],"923":[243],"928":[244],"934":[245],"940":[246],"943":[247],"947":[248],"950":[249],"952":[250],"955":[251],"957":[252],"958":[253],"962":[254],"966":[255],"969":[256],"973":[257],"975":[258],"978":[259,260],"979":[261,262],"980":[263],"981":[264,265],"987":[266],"992":[267],"993":[268],"994":[269],"995":[270,271],"1010":[272],"1012":[273,274],"1013":[275,276],"1016":[277],"1019":[278],"1021":[279],"1023":[280,281],"1024":[282,283],"1027":[284,285],"1031":[286,287],"1034":[288],"1038":[289],"1039":[290],"1041":[291],"1043":[292,293,294],"1044":[295,296,297],"1045":[298],"1059":[299],"1062":[300],"1064":[301],"1065":[302],"1067":[303],"1069":[304],"1074":[305],"1075":[306],"1076":[307],"1077":[308],"1080":[309],"1086":[310],"1099":[311],"1102":[312],"1108":[313],"1109":[314],"1113":[315],"1116":[316],"1118":[317],"1119":[318,319],"1133":[320],"1134":[321],"1136":[322,323],"1137":[324,325],"1139":[326],"1140":[327],"1141":[328],"1144":[329],"1146":[330,331],"1147":[332],"1148":[333,334,335],"1151":[336],"1154":[337],"1167":[338,339],"1168":[340,341,342,343],"1172":[344],"1178":[345,346],"1180":[347,348],"1190":[349],"1192":[350],"1193":[351],"1196":[352],"1197":[353],"1199":[354,355],"1202":[356],"1227":[357],"1234":[358,359],"1235":[360,361],"1236":[362],"1238":[363],"1239":[364],"1240":[365],"1248":[366,367],"1249":[368],"1251":[369],"1255":[370,371,372],"1258":[373,374,375],"1259":[376],"1262":[377,378],"1263":[379],"1264":[380],"1265":[381],"1270":[382],"1274":[383],"1279":[384],"1297":[385],"1298":[386],"1299":[387],"1300":[388],"1303":[389],"1314":[390],"1323":[391],"1324":[392],"1334":[393],"1336":[394,395],"1338":[396],"1340":[397],"1343":[398],"1345":[399],"1346":[400,401],"1347":[402,403],"1348":[404],"1349":[405],"1350":[406],"1351":[407],"1354":[408],"1355":[409],"1356":[410],"1357":[411],"1358":[412],"1359":[413],"1361":[414],"1362":[415],"1367":[416],"1371":[417],"1386":[418],"1388":[419],"1389":[420],"1401":[421],"1402":[422],"1403":[423],"1404":[424,425],"1405":[426,427],"1406":[428,429,430],"1407":[431],"1417":[432],"1418":[433,434],"1419":[435],"1428":[436,437],"1429":[438],"1430":[439],"1431":[440],"1434":[441],"1435":[442],"1438":[443],"1439":[444],"1440":[445],"1442":[446],"1443":[447],"1444":[448],"1445":[449],"1446":[450,451],"1447":[452],"1451":[453],"1452":[454],"1461":[455,456],"1463":[457],"1467":[458],"1471":[459,460],"1472":[461,462],"1473":[463],"1474":[464],"1479":[465],"1480":[466],"1482":[467],"1489":[468],"1497":[469],"1498":[470],"1500":[471],"1503":[472,473],"1518":[474,475],"1519":[476,477],"1528":[478],"1529":[479],"1536":[480],"1541":[481],"1548":[482,483,484],"1551":[485],"1555":[486],"1581":[487],"1583":[488],"1592":[489],"1594":[490],"1595":[491],"1604":[492],"1632":[493],"1646":[494],"1653":[495],"1656":[496],"1666":[497],"1668":[498],"1673":[499],"1675":[500],"1697":[501],"1699":[502],"1702":[503],"1708":[504,505],"1709":[506],"1713":[507],"1720":[508],"1731":[509],"1732":[510],"1733":[511],"1737":[512],"1749":[513],"1755":[514],"1756":[515],"1759":[516],"1761":[517],"1768":[518],"1779":[519],"1787":[520],"1813":[521],"1831":[522],"1834":[523],"1840":[524],"1841":[525,526],"1843":[527,528,529],"1844":[530],"1847":[531],"1852":[532],"1853":[533],"1854":[534],"1857":[535,536,537],"1864":[538],"1865":[539],"1873":[540],"1875":[541],"1883":[542],"1885":[543],"1888":[544],"1890":[545],"1892":[546],"1902":[547],"1904":[548],"1908":[549],"1915":[550],"1919":[551],"1932":[552],"1938":[553,554],"1943":[555],"1946":[556],"1947":[557],"1954":[558],"1961":[559],"1962":[560],"1963":[561],"1975":[562],"1977":[563],"1979":[564],"1982":[565],"1983":[566],"1994":[567,568],"2005":[569],"2007":[570],"2013":[571],"2022":[572],"2048":[573],"2050":[574],"2054":[575],"2057":[576],"2062":[577],"2063":[578],"2064":[579],"2065":[580],"2067":[581],"2072":[582],"2078":[583],"2081":[584],"2083":[585],"2084":[586],"2086":[587],"2098":[588],"2121":[589],"2126":[590],"2128":[591],"2132":[592],"2141":[593],"2142":[594],"2143":[595],"2147":[596],"2161":[597],"2172":[598],"2185":[599,600,601],"2186":[602],"2187":[603,604],"2189":[605],"2191":[606],"2192":[607],"2193":[608,609],"2195":[610,611],"2196":[612],"2197":[613],"2198":[614],"2199":[615,616,617,618],"2200":[619],"2202":[620],"2203":[621],"2207":[622,623],"2208":[624,625],"2209":[626],"2212":[627,628,629],"2213":[630],"2215":[631],"2216":[632,633],"2217":[634,635,636],"2218":[637],"2219":[638,639],"2220":[640],"2221":[641,642],"2222":[643,644],"2223":[645],"2224":[646,647],"2227":[648],"2229":[649],"2230":[650],"2231":[651],"2234":[652],"2235":[653,654],"2236":[655],"2237":[656],"2242":[657],"2243":[658,659,660],"2244":[661],"2245":[662],"2247":[663,664],"2248":[665],"2249":[666,667],"2250":[668],"2251":[669],"2252":[670,671],"2254":[672,673],"2255":[674,675],"2256":[676],"2257":[677,678],"2258":[679],"2259":[680,681],"2260":[682],"2261":[683],"2262":[684],"2264":[685],"2265":[686],"2268":[687],"2269":[688],"2275":[689],"2276":[690],"2279":[691,692],"2287":[693],"2288":[694,695],"2295":[696,697],"2296":[698],"2297":[699],"2300":[700,701],"2302":[702,703,704],"2303":[705,706],"2306":[707,708],"2307":[709],"2308":[710],"2310":[711,712,713],"2311":[714],"2322":[715,716],"2324":[717],"2326":[718],"2342":[719],"2359":[720],"2384":[721],"2388":[722],"2390":[723],"2392":[724,725],"2393":[726],"2394":[727],"2395":[728],"2412":[729,730],"2413":[731,732],"2414":[733,734,735],"2415":[736],"2416":[737],"2419":[738],"2422":[739],"2426":[740],"2430":[741],"2432":[742],"2437":[743],"2438":[744],"2442":[745],"2470":[746],"2471":[747],"2504":[748],"2509":[749],"2510":[750],"2512":[751],"2513":[752],"2514":[753],"2521":[754],"2522":[755],"2527":[756,757],"2531":[758,759],"2533":[760],"2542":[761],"2561":[762],"2563":[763],"2568":[764],"2571":[765],"2572":[766],"2577":[767],"2579":[768],"2580":[769],"2587":[770],"2588":[771],"2589":[772],"2595":[773],"2596":[774],"2598":[775],"2601":[776],"2602":[777],"2612":[778],"2630":[779],"2632":[780],"2637":[781,782],"2640":[783],"2641":[784],"2642":[785],"2646":[786],"2654":[787],"2666":[788],"2681":[789],"2688":[790],"2691":[791],"2692":[792,793],"2694":[794],"2704":[795],"2717":[796],"2719":[797],"2722":[798],"2724":[799],"2725":[800,801],"2726":[802,803],"2727":[804,805],"2728":[806],"2735":[807,808],"2736":[809],"2750":[810],"2751":[811],"2753":[812],"2764":[813],"2765":[814],"2772":[815],"2782":[816],"2794":[817],"2798":[818],"2806":[819],"2815":[820],"2817":[821],"2820":[822,823],"2830":[824],"2841":[825],"2842":[826],"2850":[827],"2853":[828],"2855":[829],"2863":[830],"2874":[831],"2883":[832],"2884":[833],"2885":[834],"2886":[835,836],"2887":[837],"2888":[838],"2889":[839],"2890":[840],"2893":[841],"2902":[842],"2908":[843],"2910":[844,845],"2925":[846],"2942":[847],"2963":[848],"2964":[849],"2965":[850,851,852,853],"2966":[854],"2972":[855],"2991":[856],"3005":[857],"3013":[858],"3026":[859],"3038":[860],"3040":[861,862,863],"3042":[864],"3043":[865],"3055":[866],"3057":[867],"3061":[868],"3062":[869],"3064":[870],"3077":[871],"3080":[872],"3081":[873],"3089":[874],"3095":[875],"3102":[876],"3106":[877],"3108":[878],"3113":[879],"3120":[880],"3124":[881,882],"3126":[883],"3137":[884],"3144":[885],"3149":[886],"3150":[887],"3159":[888],"3173":[889],"3184":[890],"3196":[891],"3203":[892],"3207":[893],"3208":[894],"3210":[895,896],"3211":[897,898],"3215":[899],"3241":[900],"3248":[901],"3250":[902],"3262":[903],"3270":[904],"3283":[905,906],"3288":[907],"3298":[908,909],"3304":[910],"3316":[911],"3317":[912],"3318":[913,914],"3325":[915],"3329":[916],"3330":[917],"3346":[918],"3364":[919],"3387":[920],"3400":[921],"3413":[922],"3427":[923],"3439":[924,925],"3457":[926],"3472":[927],"3476":[928],"3491":[929,930],"3492":[931],"3494":[932],"3501":[933],"3502":[934],"3503":[935,936,937],"3505":[938],"3506":[939],"3508":[940],"3510":[941],"3512":[942,943,944,945],"3513":[946],"3515":[947],"3516":[948],"3518":[949,950],"3523":[951],"3524":[952],"3526":[953,954],"3527":[955],"3528":[956],"3529":[957],"3530":[958,959],"3531":[960,961],"3532":[962],"3534":[963],"3538":[964],"3540":[965],"3543":[966],"3547":[967],"3548":[968],"3552":[969],"3566":[970],"3568":[971,972],"3569":[973],"3570":[974,975,976],"3571":[977],"3572":[978],"3573":[979],"3576":[980],"3577":[981],"3578":[982],"3580":[983],"3581":[984,985],"3582":[986,987],"3583":[988,989],"3584":[990],"3585":[991],"3586":[992,993],"3587":[994],"3588":[995,996],"3589":[997,998],"3590":[999],"3591":[1000,1001],"3594":[1002],"3596":[1003],"3597":[1004],"3601":[1005],"3622":[1006],"3645":[1007],"3663":[1008],"3682":[1009],"3693":[1010],"3696":[1011],"3699":[1012],"3700":[1013],"3701":[1014,1015],"3703":[1016],"3715":[1017,1018,1019],"3725":[1020],"3726":[1021],"3727":[1022],"3729":[1023],"3730":[1024],"3731":[1025],"3733":[1026],"3734":[1027],"3735":[1028],"3737":[1029],"3738":[1030],"3739":[1031],"3740":[1032],"3742":[1033],"3743":[1034],"3745":[1035],"3748":[1036],"3750":[1037],"3751":[1038],"3756":[1039],"3758":[1040],"3759":[1041],"3762":[1042],"3764":[1043],"3767":[1044],"3768":[1045],"3773":[1046],"3774":[1047,1048],"3776":[1049],"3777":[1050],"3780":[1051],"3781":[1052],"3785":[1053],"3786":[1054],"3787":[1055],"3788":[1056],"3789":[1057],"3793":[1058],"3794":[1059],"3796":[1060],"3800":[1061],"3810":[1062],"3812":[1063],"3816":[1064],"3822":[1065],"3823":[1066],"3829":[1067],"3831":[1068],"3845":[1069],"3853":[1070],"3871":[1071],"3876":[1072],"3891":[1073],"3899":[1074],"3900":[1075,1076],"3901":[1077],"3909":[1078],"3919":[1079],"3921":[1080],"3926":[1081],"3936":[1082],"3937":[1083],"3955":[1084],"3963":[1085],"3971":[1086],"3992":[1087],"4010":[1088]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[درء تعارض العقل والنقل]ـ\nالمؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨هـ)\nتحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم\nالناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الثانية، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\nعدد الأجزاء: ١٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>القانون الكلي للتوفيق عند المبتدعة</span>\nالحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلي الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"1","page":3},{"text":"قول القائل: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك من العبارات، فإما أن يجمع بينهما، وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يردا جميعًا، وإما أن يقدم السمع، وهو محال، لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحًا في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحًا في النقل والعقل جميعًا، فوجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأول، وإما أن يفوض.\nوأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما، ولم يمتنع ارتفاعهما.\nوهذا الكلام قد جعله الرازي وأتباعه قانونًا كليًا فيما يستدل به من كتب","vol":"1","page":4},{"text":"الله تعالى وكلام أنبيائه ﵈، وما لا يستدل به، ولهذا ردوا الاستدلال بما جاءت به الأنبياء والمرسلون في صفات الله تعالى، وغير ذلك من الأمور التي أنبأوا بها، وظن هؤلاء أن العقل يعارضها، وقد يضم بعضهم إلى ذلك أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، وقد بسطنا الكلام على قولهم هذا في الأدلة السمعية في غير هذا الموضع.\nوأما هذا القانون الذي وضعوه فقد سبقهم إليه طائفة، منهم أبو حامد، وجعله قانونًا في جواب المسائل التي سئل عنها في نصوص أشكلت على السائل، كالمسائل التي سأله عنها القاضي أبو بكر بن العربي، وخالفه القاضي أبو بكر العربي في كثير من تلك الأجوبة، وكان يقول: شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر.\nوحكي هو عن أبي حامد نفيه أنه كان يقول: أنا مزجي البضاعة في الحديث.","vol":"1","page":5},{"text":"ووضع أبو بكر بن العربي هذا قانون آخر، مبنيًا على طريقة أبي المعالي ومن قبله، كالقاضي أبي بكر الباقلاني.\nومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء يضع كل فريق لأنفسهم قانونًا فيما جاءت به الأنبياء عن الله، فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن عقولهم عرفته، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعًا له، فما وافق قانونهم قبلوه، وما خالفه لم يتبعوه.\nوهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم، وردوا نصوص التوراة والإنجيل إليها، لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من نصوص الأنبياء أو ما بلغهم عنهم، وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل،","vol":"1","page":6},{"text":"كسائر الغالطين ممن يحتج بالسمعيات، فإن غلطه إما في الإسناد وإما في المتن، وأما هؤلاء فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم، وقد غلطوا في الرأي والعقل.\nفالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء، ولكن النصارى يشبههم من ابتدع بدعة بفهمه الفاسد من النصوص أو بتصديقه النقل الكاذب عن الرسول، كالخوارج والوعيدية والمرجئة والإمامية وغيرهم، بخلاف بدعة","vol":"1","page":7},{"text":"الجهمية والفلاسفة فإنها مبنية على ما يقرون هم بأنه مخالف للمعروف من كلام الأنبياء وأولئك يظنون أن ما ابتدعوه هو المعروف من كلام الأنبياء، وأنه صحيح عندهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>طريقتا المبتدعة في نصوص الأنبياء. أولًا - طريقة التبديل: أهل التبديل نوعان. أهل الوهم والتخييل</span>\nطريقتا المبتدعة في نصوص الأنبياء.\nأولًا - طريقة التبديل: أهل التبديل نوعان.\nأهل الوهم والتخييل\nولهؤلاء في نصوص الأنبياء طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل، أما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل.\nفأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنة والنار، بل وعن الملائكة، بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، ولكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله جسم عظيم، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيمًا محسوسًا، وعقابًا محسوسًا، وإن كان الأمر ليس كذلك في نفس الأمر، لأن من مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به","vol":"1","page":8},{"text":"ويتخيلون أن الأمر هكذا، وإن كان هذا كذبًا فهو كذب لمصلحة الجمهور، إذ كانت دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطريق.\nوقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم علي هذا الأصل، كالقانون الذي ذكره في رسالته الأضحوية.\nوهؤلاء يقولون: الأنبياء قصدوا بهذه الألفاظ ظواهرها، وقصدوا أن يفهم الجمهور منها هذه الظواهر، وإن كانت الظواهر في نفس الأمر كذبًا وباطلًا ومخالفة للحق، فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب والباطل للمصلحة.\nثم من هؤلاء من يقول: النبي كان يعلم الحق، ولكن أظهر خلافه للمصلحة.\nومنهم من يقول: ما كان يعلم الحق، كما يعلمه نظار الفلاسفة وأمثالهم.\nوهؤلاء يفضلون الفيلسوف الكامل علي النبي، ويفضلون الولي الكامل الذي له هذا المشهد علي النبي، كما يفضل ابن عربي الطائي خاتم الأولياء - في زعمه - علي الأنبياء،","vol":"1","page":9},{"text":"وكما يفضل الفارابي ومبشر بن فاتك وغيرهما الفيلسوف علي النبي.\nوأما الذين يقولون: إن النبي كان يعلم ذلك، فقد يقولون: إن النبي أفضل من الفيلسوف، لأنه علم ما علمه الفيلسوف وزيادة، وأمكنه أن يخاطب الجمهور بطريقة يعجز عن مثلها الفيلسوف، وابن سينا وأمثاله من هؤلاء.\nوهذا في الجملة قول المتفلسفة والباطنية، كالملاحدة الإسماعيلية، وأصحاب","vol":"1","page":10},{"text":"رسائل إخوان الصفاء والفارابي وابن سينا والسهروردي المقتول، وابن رشد الحفيد، وملاحدة الصوفية الخارجين عن طريقة المشايخ المتقدمين من أهل الكتاب والسنة، ابن عربي وابن سبعين وابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وخلق كثير غير هؤلاء.\nومن الناس من يوافق هؤلاء فيما أخبرت به الأنبياء عن الله: أنهم قصدوا به التخييل دون التحقيق، وبيان الأمر على ما هو عليه دون اليوم الآخر.\nومنهم من يقول: بل قصدوا هذا في بعض ما أخبروا به عن الله، كالصفات الخبرية من الاستواء والنزول وغير ذلك، ومثل هذه الأقوال يوجد في كلام كثير من النظار ممن ينفي هذه الصفات في نفس الأمر، كما يوجد في كلام طائفة.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أهل التحريف والتأويل</span>\nوأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا ما هو الحق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلي ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلي إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة، وإلي الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات.\nوهم في أكثر ما يتأولونه قد يعلم عقلاؤهم علمًا يقينًا أن الأنبياء لم يريدوا بقولهم ما حملوه عليه، وهؤلاء كثيرًا ما يجعلون التأويل من باب دفع المعارض، فيقصدون حمل اللفظ علي ما يمكن أن يريده متكلم بلفظه، لا يقصدون طلب مراد المتكلم وتفسير كلامه بما يعرف به مراده، وعلي الوجه الذي به يعرف مراده، فصاحبه كاذب علي من تأول كلامه، ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ.\nوأما كون النبي المعين يجوز أن يريد ذلك المعني بذلك اللفظ فغالبه يكون الأمر فيه بالعكس، ويعلم من سياق الكلام وحال المتكلم امتناع إرادته لذلك المعني بذلك الخطاب المعين.","vol":"1","page":12},{"text":"وفي الجملة، فهذه طريق خلق كثير من المتكلمين وغيرهم، وعليها بني سائر المتكلمين المخالفين لبعض النصوص مذاهبهم من المعتزلة والكلابية والسالمية والكرامية والشيعة وغيرها.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>لفظ التأويل</span>\nوقد ذكرنا في غير موضع أن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يؤول الأمر إليه، وإن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر، ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وإن كان موافقًا له، وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره، ويراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلي المرجوح لدليل يقترن بذلك.\nوتخصيص لفظ التأويل بهذا المعني إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعني، بل يريدون المعني الأول أو الثاني.\nولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالي ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ آل عمران: ٧، أريد به هذا المعني الاصطلاحي الخاص، واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ لزم من ذلك أن يعتقدوا أن لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها، وأن ذلك المعني المراد بها لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن، وهو جبريل ولا يعلمه محمدًا صلي الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء،","vol":"1","page":14},{"text":"ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأن محمدًا كان يقرأ قوله تعالي ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه: ٥ قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر: ١٠ وقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة: ٦٤ وغير ذلك من آيات الصفات، بل ويقول ينزل ربنا كل ليلة إلي السماء الدنيا ونحو ذلك، وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال، بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله، ويظنون أن هذه طريقة السلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>ثانيًا - طريقة التجهيل</span>\nوهؤلاء أهل التضليل والتجهيل الذين حقيقة قولهم: إن الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله نما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء.","vol":"1","page":15},{"text":"ثم هؤلاء منهم من يقول: المراد بها خلاف مدلولها الظاهر والمفهوم، ولا يعرف أحد من الأنبياء والملائكة والصحابة والعلماء ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.\nومنهم من يقول: بل تجري علي ظاهرها، وتحمل علي ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله، فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلًا يخالف ظاهرها، وقالوا - مع هذا - إنها تحمل علي ظاهرها، وهذا ما أنكره ابن عقيل على شيخة القاضي أبي يعلى في كتاب ذم التأويل.\nوهؤلاء الفرق مشتركون في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة، ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعل الفريق الآخر مشكلًا، فمنكر الصفات الخبرية الذي يقول: إنها لا تعلم بالعقل يقول: نصوصها مشكلة متشابهة، بخلاف الصفات المعلومة بالعقل عنده بعقله فإنها - عنده - محكمة بينة، وكذلك يقول من ينكر العلو والرؤية: نصوص هذه مشكلة.","vol":"1","page":16},{"text":"ومنكر الصفات مطلقًا يجعل ما يثبتها مشكلًا دون ما يثبت أسماءه الحسنى، ومنكر معاني الأسماء يجعل نصوصها\nمشكلة، ومنكر معاد الأبدان وما وصفت به الجنة والنار يجعل ذلك مشكلا أيضًا، ومنكر القدر يجعل ما يثبت أن الله خالق كل شيء نوما يجعل نصوص الوعيد، بل ونصوص الأمر والنهي مشكلة، فقد يستشكل كل فريق ما لا يستشكله غيره، ثم يقول فيما يستشكله إن معاني نصوصه لم يبينها الرسول.\nثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضًا، ومنهم من يقول: بل علمها ولم يبنيها، بل أحال في بيانها علي الأدلة\nالعقلية، وعلي من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص، فهم مشتركون في أن الرسول لم يعلم أو لم يعلم، بل\nجهل معناها، أو جهلها الأمة، من غير أن يقصد أن يعتقدوا الجهل الركب.\nوأما أولئك فيقولون: بل قصد أن يعلمهم الجهل المركب، والاعتقادات الفاسد، وهؤلاء مشهورون عند الأمة بالإلحاد والزندقة، بخلاف أولئك فإنهم يقولون: الرسول لم يقصد أن يجعل أحدًا جاهلًا معتقدًا للباطل، ولكن أقوالهم تتضمن أن الرسول لم يبين الحق فيما خاطب به الأمة من الآيات والأحاديث إما مع كونه لم يعلمه، أو مع كونه علمه ولم يبينه.","vol":"1","page":17},{"text":"ولهذا قال الإمام أحمد في خطبته فيما صنفه من الرد علي الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته علي غير تأويله، قال: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقابا من أهل العلم، يدعون من ضل إلي الهدى، ويصبرون منهم علي الأذي يحيون بكتاب الله الموتي، ويبصرون بنور الله أهل العمي، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم علي الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون علي مفارقة الكتاب يقولون علي الله، وفي الله، وقي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين،","vol":"1","page":18},{"text":"ويروي نحو هذه الخطبة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه، كما ذكر ذلك محمد بن وضاح في كتاب الحوادث والبدع.\nفقد وصفوا في هذا الكلام بأنهم ـمع اختلافهم في الكتاب - فهم كلهم مخالفون له، وهم مشتركون في مفارقته، يتكلمون بالكلام المتشابه، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم، حيث لبسوا الحق بالباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>خلاصة ما سبق</span>\nوجماع الأمر أن الأدلة نوعان: شرعية، وعقليه.\nفالمدعون لمعرفة الإلهيات بعقولهم، من المنتسبين إلى الحكمة والكلام والعقليات، يقول من يخالف نصوص الأنبياء منهم: إن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفناه، أو يقولون: عرفوه ولم يبينوه للخلق كما بيناه، بل تكلموا بما يخالفه من غير بيان منهم.\nوالمدعون للسنة والشريعة واتباع السلف من الجهال بمعاني نصوص الأنبياء يقولون: إن الأنبياء - والسلف الذين اتبعوا الأنبياء - لم يعرفوا معنى هذه النصوص التي قالوها والتي بلغوها عن الله، أو إن الأنبياء عرفوا معانيها ولم يبينوا مرادهم للناس، فهؤلاء الطوائف قد يقولون: نحن عرفنا الحق بعقولنا، ثم اجتهدنا في حمل كلام الأنبياء علي ما يوافق مدلول العقل، وفائدة إنزال هذه المتشابهات المشكلات اجتهاد","vol":"1","page":19},{"text":"الناس في أن يعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في تأويل كلام الأنبياء الذي لم يبينوا به مرادهم، أو أنا عرفنا الحق بعقولنا، وهذه النصوص لم تعرف الأنبياء معناها، كما لم يعرفوا وقت الساعة، ولكن أمرنا بتلاوتها من غير تدبر لها ولا فهم لمعانيها.\nأو يقولون: بل هذه الأمور لا تعرف بعقل ولا نقل، بل نحن منهيون عن معرفة العقليات، وعن فهم السمعيات، وإن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات، ولا يفهمون السمعيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>فصل هدف الكتاب بيان فساد قانونهم الفاسد</span>\nولما كان بيان مراد الرسول صلي الله عليه وسلم في هذه الأبواب لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي، وامتناع تقديم ذلك علي نصوص الأنبياء، بينا في هذا الكتاب فساد القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله، وعن فهم مراد الرسول وتصديقه فيما أخبر، إذ كان أي دليل أقيم علي بيان مراد الرسول لا ينفع إذا قدر أن المعارض العقلي القاطع ناقضه، بل يصير ذلك قدحًا في الرسول، وقدحًا فيمن استدل بكلامه، وصار هذا بمنزلة المريض الذي به أخلاط فاسدة تمنع انتفاعه بالغذاء، فإن الغذاء لا ينفعه مع وجود الأخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء، فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع علي نفي الصفات أو بعضها، أو نفي عموم خلقه لكل شيء، أو نفي أمره ونهيه، أو امتناع المعاد،","vol":"1","page":20},{"text":"أو غير ذلك، لا ينفعه الاستدلال عليه في ذلك بالكتاب والسنة إلا مع بيان فساد ذلك المعارض.\nوفساد ذلك المعارض قد يعلم جملة وتفصيلًا.\nأما الجملة، فإنه من آمن بالله ورسوله إيمانًا تامًا، وعلم مراد الرسول قطعًا تيقن ثبوت ما أخبر به، وعلم أن ما عارض ذلك من الحجج فهي حجج داحضة من جنس شبه السوفسطائية، كما قال تعالي ﴿والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد﴾ الشورى: ١٦.\nوأما التفصيل، فبعلم فساد تلك الحجة المعارضة، وهذا الأصل نقيض الأصل الذي ذكره طائفة من الملحدين، كما ذكره الرازي في أول كتابه نهاية العقول حيث ذكر أن الاستدلال بالسمعيات في المسائل الأصولية لا يمكن بحال لأن الاستدلال بها موقوف علي مقدمات ظنية، وعلي دفع المعارض العقلي، وإن العلم بانتقاء المعارض لا يمكن، إذ يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل عقلي يناقض ما دل عليه القرآن، ولم يخطر ببال المستمع.","vol":"1","page":21},{"text":"وقد بسطنا الكلام علي مازعمه هؤلاء من أن الاستدلال بالأدلة السمعية موقوف علي مقدمات ظنية، مثل نقل اللغة والنحو والتصريف ونفي المجاز والإضمار والتخصيص قديمًا من نحو ثلاثين سنة، وذكرنا طرفًا من بيان فساده في الكلام على المحصل وفي فذاك كلام في تقرير الأدلة السمعية، وبيان أنها قد تفيد اليقين والقطع، وفي هذا الكتاب كلام في بيان انتقاء المعارض العقلي، وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقًا.\nوقد بينا في موضع آخر أن الرسول بلغ البلاغ المبين، وبين مراده، وأن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه إنه يحتاج إلي التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صوف اللفظ عن ظاهره، فلا بد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر، لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل، ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن","vol":"1","page":22},{"text":"يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه، لإمكان معرفة ذلك بعقولهم، وأن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين الذي هدى الله به العباد وأخرجهم به من الظلمات إلي النور، وفرق الله به بين الحق والباطل، وبين الهدي والضلال، وبين الرشاد والغي، وبين أولياء الله وأعدائه، وبين ما يستحقه الرب من الأسماء والصفات وما ينزه عنه من ذلك، حتى أوضح الله به السبيل، وأنار به الدليل، وهدى به الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم.\nفمن زعم أنه تكلم بما لا يدل إلا علي الباطل لا علي الحق، ولم يبين مراده، وأنه أراد بذلك اللفظ المعنى الذي ليس بباطل، وأحال الناس في معرفة المراد علي ما يعلم من غير جهته بآبائهم، فقد قدح في الرسول، كما نبهنا علي ذلك في مواضع.\nكيف والرسول أعلم الخلق بالحق، وأقدر الناس علي بيان الحق، وأنصح الخلق للخلق؟ وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد.\nفإن ما يقوله القائل ويفعله الفاعل لا بد فيه من قدرة وعلم وإرادة، فالعاجز عن القول أو الفعل يمتنع صدور ذلك عنه، والجاهل بما يقوله ويفعله لا يأتي بالقول المحكم والفعل المحكم، وصاحب الإرادة الفاسدة لا يقصد الهدي والنصح والصلاح، فإذا كان المتكلم عالما بالحق قاصدًا لهدى الخلق قصدًا تامًا، قادرًا علي ذلك وجب وجود مقدوره، ومحمد صلي الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحق، وهو أفصح الخلق لسانًا، وأصحهم بيانًا، وهو أحرص الخلق علي هدي العباد، كما قال","vol":"1","page":23},{"text":"تعالي ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ التوبة ١٢٨، وقال ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل﴾ النحل: ٣٧، وقد أوجب الله عليه البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما نزل إليهم، فلا بد أن يكون بيانه وخطابه وكلامه أكمل وأتم من بيان غيره، فكيف يكون مع هذا لم يبين الحق، بل بينه من قامت الأدلة الكثيرة علي جهله ونقص علمه وعقله؟ ! وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.\nولما كان ما يقوله كثير من الناس في باب أصول الدين والكلام والعلوم العقلية والحكمة يعلم كل من تدبره أنه مخالف لما جاء به الرسول، أو أن الرسول لم يقل مثل هذا، واعتقد من اعتقد أن ذلك من أصول الدين، وأنه يشتمل علي العلوم الكلية والمعارف الإلهية، والحكمة الحقيقية أو الفلسفة الأولية - صار كثير منهم يقول: إن الرسول لم يكن يعرف أصول الدين، أو لم يبين أصول الدين، ومنهم من هاب النبي، ولكن يقول: الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ذلك، ومن عظم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقي حائرًا كيف لم يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم؟ ومن هو مؤمن بالرسول معظم له يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس إليها أحوج منهم إلي غيرها؟ .","vol":"1","page":24},{"text":"ولما كنت بالديار المصرية سألني من سألني من فضلائها عن هذه المسألة، فقالوا في سؤالهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>استطراد في الرد على سؤال وجه إلى ابن تيمية وهو في مصر. نص السؤال</span>\nاستطراد في الرد على سؤال وجه إلى ابن تيمية وهو في مصر.\nنص السؤال\nإن قال قائل: هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين، وإن لم ينقل عن النبي صلي الله عليه وسلم فيها كلام أم لا؟.\nفإن قيل بالجواز، فما وجهه؟ وقد فهمنا منه ﵊ النهي عن الكلام في بعض المسائل؟ وإذا قيل بالجواز فيل يجب ذلك؟ .\nوهل نقل عنه ﵊ ما يقتضي وجوبه؟ .\nوهل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن، أو لا بد من الوصول إلى القطع؟.\nوإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع، فهل يعذر في ذلك، أو يكون مكلفًا به؟ .\nوهل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا؟.","vol":"1","page":25},{"text":"وإذا قيل بالوجوب، فما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك، وقد كان ﵊ حريصًا على هدي أمته؟\n[الجواب]\nفأجبت: الحمد لله رب العالمين\nأما المسألة الأولى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>الرد على المسألة الأولى</span>\nفقول السائل: هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين، وإن لم ينقل عن النبي ﷺ فيها كلام أم لا؟ .\nسؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة، فإن المسائل التي هن من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين - أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله، وأنزل به كتابه - لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي ﷺ فيها كلام، بل هذا كلام متناقض في نفسه، إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين، وأنها مما يحتاج إليه الدين، ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين: إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها الدين فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة","vol":"1","page":26},{"text":"وكلا هذين باطل قطعًا، وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين، وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول، أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم، أو جاهل بهما جميعًا، فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه، وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات، وإنما هي جهليات، وجهله بالأمرين يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة، وإن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك، كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس، حذاقهم فضلًا عن عامتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>أصول الدين: مسائل ودلائل هذه المسائل، المسائل</span>\nوذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها، ويجب أن تذكر قولًا، أو تعمل عملًا، كمسائل التوحيد والصفات، والقدر، والنبوة، والمعاد، أو دلائل هذه أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلي معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله الحجة علي عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم التي نقلوها أيضًا عن الرسول، مشتملة من ذلك علي غاية المراد، وتمام","vol":"1","page":27},{"text":"الواجب والمستحب.\nوالحمد لله الذي بعث فينا رسولًا من أنفسنا، يتلو علينا آياته ويزكينا، ويعلمنا الكتاب تفصيلًا لكل شيء، وهدي ورحمة وبشري للمسلمين: ﴿ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ يوسف: ١١١.\nوإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة علي بيان من كان ناقصًا في عقله وسمعه، ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ الملك: ١٠، وإن كان ذلك كثيرًا في كثير من المتفلسفة والمتكلمة، وجهال أهل الحديث والمتفقهة والصوفية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>دلائل المسائل</span>\nوأم القسم الثاني - وهو دلائل هذه المسائل الأصولية - فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين أن المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق، فدلالته موقوفة علي العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما يبني عليه صدق المخبر معقولات محضة - فقد غلطوا في ذلك غلطًا عظيمًا، بل ضلوا ضلالًا مبينًا، في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد، بل الأمر ما عليه سلف الأمة، أهل العلم والإيمان، من أن الله سبحانه وتعالي بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته علي أحسن وجه.","vol":"1","page":28},{"text":"وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه التي قال فيها: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل﴾ الزمر: ٢٧، فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية، سواء كانت قياس شمول، أو قياس تمثيل، ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين، وهو القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية، وإن كان لفظ البرهان في اللغة أعم من ذلك كما سمي الله آيتي موسى برهانين: ﴿فذانك برهانان من ربك﴾ [القصص: ٣٢]، ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل تحت قضية كلية تستوي أفرادها.\nولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلي اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم - بعد التناهي - الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها، ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولي، سواء كان تمثيلًا أو شمولًا، كما قال تعالي: ﴿ولله المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠]، مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه - وهو ما كان كمالًا للموجود غير مستلزم للعدم - فالواجب القديم أولى به، وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت","vol":"1","page":29},{"text":"نوعه للمخلوق المر بوب المعلول المدبر فإنما استفادة من خالقه وربه ومدبره، فهو أحق به منه، وأن كل نقص وعيب في نفسه - وهو ما تضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن الرب تبارك وتعالي بطريق الأولي، وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود، وأما العدمية بالممكن المحدث بها أحق، ونحو ذلك.\nومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب كما استعمل نحوها الإمام أحمد، ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام، وبمثل ذلك جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد، ونحو ذلك.\nومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد - والعلم به تابع للعلم بإمكانه، فإن الممتنع لا يجوز أن يكون - بين سبحانه إمكانه أتم بيان، ولم يسلك في ذلك ما يسلكه طوائف من أهل الكلام، حيث يثبتون الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان الذهني، فيقولون: هذا ممكن، لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال، فإن الشأن في هذه المقدمة فمن أين يعلم أنه لا يلزم من تقدير وجوده محال؟ فإن هذه قضية كلية سالبة، فلا بد من العلم بعموم هذا النفي.","vol":"1","page":30},{"text":"وما يحتج به بعضهم علي أن هذا ممكن بأنا لا نعلم امتناعه، كما نعلم امتناع الأمور الظاهر امتناعها، مثل كون الجسم متحركًا ساكنًا، فهذا كاحتجاج بعضهم علي أنها ليست بديهية بأن غيرها من البديهيات أجلى منها، وهذه حجة ضعيفة، لأن البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به، والمتصوران قد يكونان خفيين، فالقضايا تتفاوت في الجلاء والخفاء لتفاوت تصورها كما تتفاوت لتفاوت الأذهان، وذلك لا يقدح في كونها ضرورية، ولا يوجب أن ما لم يظهر امتناعه يكون ممكنًا، بل قول هؤلاء أضعف، لأن الشيء قد يكون ممتنعًا لأمور خفية لازمة له، فما لم يعلم انتفاء تلك اللوازم، أو عدم لزومها، لا يمكن الجزم بإمكانه، والمحال هنا أعلم من المحال لذاته أو لغيره، والإمكان الذهني حقيقته عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجي، بل يبقى الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع ولا معلوم الإمكان الخارجي، وهذا هو الإمكان الذهني، فإن الله سبحانه وتعالي لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا، إذ يمكن أن يكون الشيء ممتنعًا ولو لغيره ن وإن لم يعلم الذهن امتناعه، بخلاف الإمكان الخارجي فإنه إذًا علم بطل أن يكون ممتنعًا.\nوالإنسان يعلم الإمكان الخارجي: تارة بعلمه بوجود الشيء، وتارة","vol":"1","page":31},{"text":"بعلمه بوجود نظيره، وتارة تعلمه بوجود ما الشيء أولي بالوجود منه، فإن وجود الشيء دليل علي أن ما هو دونه أولي بالإمكان منه، ثم إنه إذا تبين كون الشيء ممكنًا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه، وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه، إن لم يعلم قدرة الرب علي ذلك\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الأدلة علي المعاد في كتاب لله</span>\nفبين سبحانه هذا كله بمثل قوله ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا﴾ الإسراء: [٩٩]، وقوله: ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم﴾ يس: [٨١]، قوله ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير﴾ الأحقاف: [٣٣]، وقوله: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ غافر: [٥٧] فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك.\nوكذلك استدلاله على ذلك بالنشأة الأولي في مثل قوله ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ الروم: [٢٧]، ولهذا قال بعد ذلك","vol":"1","page":32},{"text":"﴿وله المثل الأعلى في السماوات والأرض﴾ الروم: [٢٧]، وقال ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم﴾ الحج: [٥] .\nوكذلك ما ذكر في قوله ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ الآيات يس: [٧٨ـ٨٢] فإن قول الله تعالي ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها، والأخرى سالبة كلية قرن معها دليلها، وهو المثل المضروب الذي ذكره بقوله ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ وهذا استفهام إنكار متضمن للنفي، إي لا أحد يحيي العظام وهي رميم، فإن كونها رميمًا يمنع عنده إحياءها لمصيرها إلي حال اليبس والبرودة المنافية للحياة التي مبناها علي الحرارة والرطوبة، ولتفرق أجزائها واختلاطها بغيرها، ولنحو ذلك من الشبهات.\nوالتقدير: هذه العظام رميم، ولا أحد يحيي العظام وهي رميم، فلا أحد يحييها.\nولكن هذه السالبة كاذبة، ومضمونها امتناع الإحياء، فبين سبحانه إمكانه من وجوه بيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه فقال ﴿يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ وقد أنشأها من التراب، ثم قال ﴿وهو بكل خلق عليم﴾ [يس: ٧٩] ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال، ثم قال ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا﴾ [يس: ٨٠] فبين أنه أخرج النار الحارة","vol":"1","page":33},{"text":"اليابسة من البارد الرطب، وذلك أبلغ في المنافاة، لأن اجتماع الحرارة والرطوبة أيسر من اجتماع الحرارة واليبوسة، إذ الرطوبة تقبل من ما لا تقبله اليبوسة، ولهذا كان تسخين الهواء والماء أيسر من تسخين التراب، وإن كانت النار نفسها حارة يابسة، فإنها جسم بسيط، واليبس ضد الرطوبة يعني بها البلة كرطوبة الماء، ويعني بها سرعة الانفعال، فيدخل في ذلك الهواء ن فكذلك يعني باليبس عدم البلة، فتكون النار يابسة، ويراد باليبس بطء الشكل والانفعال، فيكون التراب يابسًا دون النار، فالتراب فيه اليبس بالمعنيين، بخلاف النار، لكن الحيوان الذي فيه حرارة ورطوبة يكون من العناصر الثلاثة: التراب، والماء، والهواء.\nوأما الجزء الناري فللناس فيه قولان، قيل: فيه حرارة نارية وإن يكن فيه جزء من النار، وقيل: بل فيه جزء من النار.\nوعلي كل تقدير فتكون الحيوان من العناصر أولي بالإمكان من تكون النار من الشجر الأخضر، فالقادر علي أن يخلق من الشجر الأخضر نارًا أولي بالقدرة أن يخلق من التراب حيوانًا، فإن هذا معتاد، وإن كان ذلك بما يضم إليه من الأجزاء الهوائية والمائية، والمقصود الجمع في المولدات.\nثم قال ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ يس: [٨١] وهذه مقدمة معلومة بالبداهة ولهذا جاء فيها باستفهام التقرير الدال علي أن ذلك","vol":"1","page":34},{"text":"مستقر معلوم عن المخاطب، كما قال سبحانه ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ [الفرقان: ٣٣]، ثم بين قدرته العامة بقوله: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢] .\nوفي هذا الموضع وغيره من القرآن من الأسرار وبيان الأدلة القطعية علي المطالب الدينية ما ليس هذا موضعه، وإنما الغرض التنبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>تنزيه القرآن لله تعالي عن الشركاء</span>\nوكذلك ما استعمله سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة، سواء سموها حسية أو عقلية، كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة التي جعلوها جوهر الابن منه، كما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة التي هم مضطربون فيها: هل هي جواهر أو أعراض؟ وقد يجعلون العقول بمنزلة الذكور، والنفوس بمنزلة الإناث، ويجعلون ذلك آباءهم وأمهاتهم وآلهتهم وأربابهم القريبة، وعملهم بالنفوس أظهر لوجود الحركة الدورية الدالة علي الحركة الإرادية الدالة علي النفس المحركة، لكم أكثرهم يجعلون النفوس الفلكية عرضًا لا جوهرًا قائمًا بنفسه، وذلك شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم الذين جعلوا له بنين وبنات، قال تعالي ﴿وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وقال تعالى ﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٢] .","vol":"1","page":35},{"text":"وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله، كما يزعم هؤلاء أن العقول، أو العقول والنفوس هي الملائكة، وهي متولدة عن الله.\nقال تعالي ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون * وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون * للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ إلي قوله ﴿ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون﴾ [النحل: ٥٧ـ ٦٢] .\nوقال تعالي: ﴿أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين * وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم * أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين * وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون﴾ [الزخرف: ١٦ - ١٩]، وقال تعالى ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى﴾ [النجم: ١٩ـ ٢٢] أي جائرة، وغير ذلك في القرآن.\nفبين سبحانه: أن الرب الخالق أولي بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم، فكيف تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم، وتستحيون من إضافته إليكم، مع","vol":"1","page":36},{"text":"أن ذلك واقع لا محالة، ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه، وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم؟\nوكذلك قوله في التوحيد ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم﴾ [الروم: ٢٨] أي كخيفة بعضكم بعضًا، كما في قوله ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾ [البقرة: ٨٥] وفي قوله ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا﴾ [النور: ١٢] وفي قوله ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ [الحجرات: ١١] وفي قوله ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤] وفي قوله: ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ إلى قوله ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾ [البقرة: ٨٤ - ٨٥] فإن المراد في هذا كله من نوع واحد.\nفبين سبحانه أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه في ماله حتى يخاف مملوكه كما يخاف نظيره، بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيرًا فكيف ترضون أن تجعلوا ما هو مخلوقي ومملوكي شريكًا لي، يدعي كما أدعى وأعبد؟ كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.","vol":"1","page":37},{"text":"وهذا باب واسع عظيم جدًا ليس هذا موضعه.\nوإنما الغرض التنبيه علي أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>أصول المتكلمين ليس هي أصول الدين</span>\nوأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمي من الباطل فليس ذلك من أصول الدين، وإن أدخله فيه، مثل المسائل والدلائل الفاسدة، مثل: نفي الصفات، والقدر، ونحو ذلك من المسائل، ومثل الاستدلال علي حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها: إما الأكوان، وإما غيرها.\nوتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل: من إثبات الأعراض - التي هي الصفات - أولًا، أو إثبات بعضها كالأكوان - التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق - وإثبات حدوثها ثانيًا بإبطال ظهورها بعد الكمون، وإبطال انتقالها من محل إلي محل، ثم إثبات امتناع خلو الجسم ثالثًا: إما عن كل جنس من أجناس الأعراض بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وإما عن الأكوان، وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعًا.","vol":"1","page":38},{"text":"وهو مبني علي مقدمتين: إحداهما: أن الحسم لا يخلو عن الأعراض التي هي الصفات.\nوالثانية: أن ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض فهو محدث، لأن الصفات - التي هي الأعراض - لا تكون إلا محدثه، وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض، كالأكوان، ومالا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث، لامتناع حوادث لا تتناهى.\nفهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمدًا صلي الله عليه وسلم لم يدع الناس بها إلي الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه.\nولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام - كـ الأشعري وغيره - بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم، بل المحققون علي أنها طريقة باطلة، وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعي بها مطلقًا، ولهذا تجد من اعتمد عليها في أصول دينه فأحد الأمرين لازم له: إما أن يطلع علي ضعفها، ويقابل بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم، فتتكافأ عنده الأدلة، أو يرجح هذا تارة وهذا تارة كما هو حال طوائف منهم، وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل، كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار، والتزم لأجلها","vol":"1","page":39},{"text":"أبو الهذيل انقطاع حركات أهل الجنة، والتزم قوم لأجلها كـ الأشعري وغيره أن الماء والهواء والتراب والنار له طعم ولون وريح ونحو ذلك، والتزم قوم لأجلها ولأجل غيرها أن جميع الأعراض - كالطعم واللون وغيرها - لا يجوز بقاؤها بحال، لأنهم احتاجوا إلي جواب النقض الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله، مع الاستدلال علي حدوث الأجسام بصفاتها، فقالوا: صفات الأجسام أعراض، أي أنها تعرض فتزول، فلا تبقي بحال، بخلاف صفات الله فإنها باقية.\nوأما ما اعتمد عليه طائفة منهم من أن العرض لو بقي لم يمكن عدمه، لأن عدمه إما أن يكون بإحداث ضد، أو بفوات شرط، أو اختيار الفاعل، وكل ذلك ممتنع، فهذه العمدة لا يختارها آخرون منهم، منهم، بل يجوزون أن الفاعل المختار يعدم الموجود كما يحدث المعدوم، ولا يقولون: إن عدم الأجسام لا يكون إلا بقطع الأعراض عنها كما قاله أولئك، ولا بخلق ضد هو الفناء لا في محل، كما قاله من قاله من المعتزلة.","vol":"1","page":40},{"text":"وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا: هذه مخالفة للمعلوم بالحس.\nوالتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفي صفات الرب مطلقًا، أو نفي بعضها، لأن الدال عندهم علي حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها، والدليل يجب طرده، فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به، وهو أيضًا في غاية الفساد والضلال، ولهذه التزموا القول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله في الآخرة، وعلوه علي عرشه، إلي أمثال ذلك من اللوازم التي التزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم.\nفهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين، ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده.\nوأما الدين الذي قال الله فيه: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ الشوري: ٢١ فذاك له أصول وفروع بحسبه.\nوإذا عرف أن مسمي أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه أجمال وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات، تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن الرسول.\nوأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصول المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلي الله عليه وسلم، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل،","vol":"1","page":41},{"text":"كما أن لازم الحق حق، والدليل ملزوم لمدلوله، والباطل شيء، وإذا انتفي لازم الشيء علم أنه منتف، فيستدل علي بطلان الشيء ببطلان لازمه، ويستدل علي ثبوته بثبوت ملزومه، فإذا كان الازم باطلًا فالملزوم مثله باطل، فإن ملزوم الباطل هو اللازم، وإذا كان اللازم باطلًا كان الملزوم باطلًا، لأنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء، ولم يقل إن الباطل لازمه باطل.\nوهذا كالمخلوقات، فإنها مستلزمة لثبوت الخالق، ولا يلزم من عدمها عدم الخالق، والدليل أبدًا يستلزم المدلول عليه: يجب طرده، ولا يجب عكسه، بخلاف الحد، فإنه يجب طرده وعكسه.\nوأما العلة: فالعلة التامة يجب طردها، بخلاف المقتضية، وفي العكس تفصيل مبسوط في موضعه.\nوهذا التقسيم ينبه أيضًا علي مراد السلف والأئمة بذم الكلام وأهله، وإذ ذاك متناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة، أو استدل علي المقالات الباطلة.","vol":"1","page":42},{"text":"فأما من قال الحق الذي أذن الله فيه حكمًا ودليلًا فهو من أهل العلم والإيمان: ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ الأحزاب: ٤.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>جواز مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم</span>\nوأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه، إذا احتيج إلي ذلك وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه.\nولهذا «قال النبي صلي الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص - وكانت صغيرة فولدت بأرض الحبشة، لأن أباها كان من المهاجرين إليها - فقال لها يا أم خالد، هذا سنا» والسنا بلسان الحبشة الحسن، لأنها كانت من أهل هذه اللغة.\nولذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلي تفهمه إياه بالترجمة، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم، ويترجمها بالعربية،","vol":"1","page":43},{"text":"كما «أمر النبي صلي الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود، ليقرأ له، ويكتب له ذلك» حيث لم يأتمن اليهود عليه.\nفالسلف والأئمة لم يذموا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر، والعرض، والجسم وغير ذلك، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من باطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه، لاشتمال هذه الألفاظ علي معان مجملة في النفي والإثبات، كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع، فقال: هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون علي مفارقة الكتاب ...\nيتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم..\nفإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة - بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة - كان ذلك هو الحق، بخلاف ما سلكه أهل الأهواء","vol":"1","page":44},{"text":"من المتكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا في الوسائل والمسائل: من غير بيان التفصيل والتقسيم، الذي هو من الصراط المستقيم، وهذا من مثارات الشبه.\nفإنه لا يوجد في كلام النبي صلي الله عليه وسلم، ولا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من الأئمة المتبوعين: أنه علق بما سمي لفظ الجوهر والجسم والتحيز والعرض ونحو ذلك شيئًا من أصول الدين، لا الدلائل ولا المسائل.\nوالمتكلمون بهذه العبارات يختلف مرادهم بها، تارة لاختلاف الوضع، وتارة لاختلافهم في المعني الذي هو مدلول اللفظ، كمن يقول: الجسم هو المؤلف.\nثم يتنازعون: هل هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه، أو الجوهر فصاعدًا، أو الستة، أو الثمانية، أو غير ذلك؟ ومن يقول: هو الذي يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه، وإنه مركب من المادة والصورة.\nومن يقول: هو الموجود أو يقول: هو الموجود القائم بنفسه، أ، يقول: هو الذي يمكن الإشارة إليه، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا كذلك.\nوالسلف والأئمة الذي ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين، في دلائلة وفي مسائله، نفيًا وإثباتًا، فأما إذا عرفت المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وعبر عنها لم يفهم بهذه الألفاظ ليتبين","vol":"1","page":45},{"text":"الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالي ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ البقرة: ٢١٣، وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم، وذلك يحتاج إلي معرفة معاني الكتاب والسنة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم.\nثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف.\nوأما قول السائل: فإن قيل بالجواز فما وجهه، وقد فهمنا منه عليه الصلة والسلام النهي عن الكلام في بعض المسائل؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الرد علي المسألة الثانية</span>\nفيقال: قد تقدم الاستفسار والتفصيل في جواب السؤال، وأن ما هو في الحقيقة أصول الدين الذي بعث الله به رسوله، فلا يجوز أن ينهي عنه بحال بخلاف ما سمي أصول الدين وليس هو أصولًا في الحقيقة لا دلائل ولا مسائل، أو هو أصول لدين لم يشرعه الله بل شرعه من شرع من الدين ما لم يأذن به الله.\nوأما ما ذكره السائل من نهيه، فالذي جاء به الكتاب والسنة النهي عن أمور:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المسائل التي نهي عنها الكتاب والسنة</span>\nمنها: القول علي الله بلا علم، كقوله تعالي ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقوله ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦] .","vol":"1","page":46},{"text":"ومنها: أن يقال علي الله غير الحق، كقول ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق﴾ [الأعراف: ١٦٩] .\nوقوله ﴿لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ [النساء: ١٧١] .\nومنها: الجدل بغير علم كقوله تعالي ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ [آل عمران: ٦٦] .\nومنها: الجدل في الحق بعد ظهوره، كقوله تعالي ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾ [الأنفال: ٦] .\nومنها: الجدل بالباطل، كقوله: ﴿وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ [غافر: ٥] ومنها: الجدل في آياته، كقوله تعالي ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ [غافر: ٤]، وقوله ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا﴾ [غافر: ٣٥]، وقال تعالى ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ [غافر: ٥٦]، وقوله ﴿ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص﴾ [الشورى: ٣٥]، ونحو ذلك قوله ﴿والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم﴾ [الشورى: ١٦]،","vol":"1","page":47},{"text":"وقوله ﴿وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال﴾ [الرعد: ١٣]، وقوله ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ [الحج: ٨] .\nومن الأمور التي نهي الله عنها في كتابه التفرق والاختلاف، كقوله ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ - إلي قوله ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ [آل عمران: ١٠٣ـ ١٠٦] قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.\nوقال تعالي: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله﴾ - إلي قوله ﴿ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا﴾ [الروم: ٣٠-٣٢] .\nوقد ذم أهل التفرق والاختلاف في مثل قوله تعالي ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ [آل عمران: ١٩]، وفي مثل","vol":"1","page":48},{"text":"قوله تعالي: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ [هود: ١١٩]، وفي مثل قوله ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ [البقرة: ١٧٦] .\nوكذلك سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم توافق كتاب الله، كالحديث المشهور عنه الذي وري مسلم بعضه عن عبد الله بن عمرو، وسائره معروف في مسند أحمد وغيره، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله صلي الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتناظرون في القدر، ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، لا ليكذب بعضه بعضًا، انظروا ما أمرتم به فافعلوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه» .\nهذا","vol":"1","page":49},{"text":"الحديث أو نحوه، وكذلك قوله: «المراء في القرآن كفر» .\nوكذلك ما أخرجاه في الصحيحين «عن عائشة ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم قرأ قوله ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ فقال النبي صلي الله عليه وسلم: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم» .\nوأما أن يكون الكتاب والسنة نهيًا عن معرفة المسائل التي تدخل فيما يستحق أن يكون من أصول الدين فهذا لا يجوز، اللهم إلا أن ينهيا عن بعض ذلك في بعض الأحوال، مثل مخاطبة شخص بما يعجز عن فهمه فيضل، كقول عبد الله بن مسعود: ما من رجل يحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان","vol":"1","page":50},{"text":"فتنة لبعضهم.\nوكقول علي: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟، أو مثل قول حق يستلزم فسادًا أعظم من تركه، فيدخل في قوله صلي الله عليه وسلم «من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم.\nوأما قول السائل: إذا قيل بالجواز، فهل يجب؟ وهل نقل عنه ﵇ ما يقتضي وجوبه؟ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الرد علي المسألة الثالثة</span>\nفيقال: لا ريب أنه يجب علي كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملًا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول علي التفصيل فرض علي الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبير القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر والدعاء إلي الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلي سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله عليه المؤمنين، فهذا واجب علي الكفاية منهم.","vol":"1","page":51},{"text":"وأما ما وجب علي أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، فلا يجب علي العاجز عن سماع بعض النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب علي من لم يسمعها، ويجب علي المفتي والمحدث والمجادل ما لا يجب علي من ليس كذلك.\nوأما قوله: هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن، أو لا بد من الوصول إلي القطع؟ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الرد على المسألة الرابعة</span>\nفيقال: الصواب في ذلك التفصيل، فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية -التي قد يسمونها مسائل الأصول - يجب القطع فيها جميعها، ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين، وقد يوجبون القطع فيها كلها علي كل أحد، فهذا الذي قالوه علي إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه، فإنهم كثيرًا ما يحتجون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات، وتكون في الحقيقة مت الأغلوطات، فضلًا عن أن تكون من الظنيات، حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرًا ما يقطع بصحة حجة في موضع، ويقطع ببطلانها في موضع","vol":"1","page":52},{"text":"آخر، بل منهم من عامة كلامه كذلك، وحتى قد يدعي كل من المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر.\nوأما التفصيل: فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ذلك، كقوله: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٩٨]، وقوله ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ [محمد: ١٩]، وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به، وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد، كقوله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ بالتغابن: ١٦]، وقوله ﵇ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» أخرجاه في الصحيحين.\nفإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه المسائل الدقيقة قد يكون عند كثير من الناس مشتبهًا، لا يقدر فيه علي دليل يفيد اليقين لا شرعي ولا غيره: لم يجب علي مثل هذا في ذلك مالا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قول غالب علي ظنه لعجزه عن تمام اليقين، بل ذلك هو الذي يقدر عليه لا سيما إذا كان مطابقًا للحق، فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه، ويثاب عليه، ويسقط به الفرض، إذا لم يقدر علي أكثر منه.","vol":"1","page":53},{"text":"لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصول إلي معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالي ﴿يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [الأعراف: ٣٥] وقوله ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٤] قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقي في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية.\nوكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره «عن علي ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: إنها ستكون فتن، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله،","vol":"1","page":54},{"text":"فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء» وفي رواية «ولا تختلف به الآراء، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» .\nوقال تعالي ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالي ﴿المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن","vol":"1","page":55},{"text":"في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين * اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ [الأعراف: ١-٣] وقال ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون﴾ [الأنعام: ١٥٥-١٥٧]، فذكر سبحانه انه يجزي الصادف عن آياته مطلقًا - سواء كان مكذبًا أو لم يكن - سوء العذاب بما كانوا يصدفون، يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر، سوء العذاب بما كانوا يصدفون، يبين ذلك أن لك من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر، سواء اعتقد كذبه أو استكبر عن الأيمان به، أو أعرض عن اتباعًا لما يهواه، أو ارتاب فيما جاء به، فكل مكذب بما جاء به فهو كافر، وقد يكون كافرًا من لا يكذبه إذا لم يؤمن به.\nولهذا أخبر الله في غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك اتباع ما أنزله وإن كان له نظر وجدل واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك، وجعل ذلك من نعوت الكفار والمنافقين.\nوقال تعالي ﴿وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدةً فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ [الأحقاف: ٢٦]، وقال تعالي ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما","vol":"1","page":56},{"text":"عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾ [غافر: ٨٣-٨٥] وقال ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا﴾ [غافر: ٣٥]، وفي الآية الأخرى ﴿إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير﴾ [غافر: ٥٦] .\nوالسلطان: هو الحجة المنزلة من عند الله، كما قال تعالى ﴿أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون﴾ [الروم: ٣٥]، وقال تعالى ﴿أم لكم سلطان مبين * فاتوا بكتابكم إن كنتم صادقين﴾ [الصافات: ١٦٥-١٥٧]، وقال ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [النجم: ٢٣] .\nوقد طالب الله تعالي من اتخذ دينًا بقوله ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين﴾ [الأحقاف: ٤]، فالكتاب هو الكتاب، والإثارة كما قال من قال من السلف: هي الرواية والإسناد،","vol":"1","page":57},{"text":"وقالوا: هي الخط أيضًا، إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط، وذلك لأن الإثارة من الأثر، فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد، ويقيد ذلك بالخط، فيكون ذلك كله من آثاره.\nوقد قال تعالى في نعت المنافقين ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا * أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ [النساء: ٦٠-٦٣] .\nوفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة علي ضلال من تحاكم إلي غير الكتاب والسنة، وعلي نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب، وغير ذلك من أنواع الاعتبار،","vol":"1","page":58},{"text":"فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلًا، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبيل التي نهي عنها، أو لاتباع هواه بغير هدي من الله، فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا ن الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله، فهذا مغفور له خطؤه، كما قال تعالي ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا﴾ إلي قوله ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٥-٢٨٦] .\nوقد ثبت في صحيح مسلم «عن النبي صلي الله عليه وسلم أن الله قال: قد فعلت» .\nوكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس «أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطي ذلك» .\nفهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين، وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا.\nوأما قول السائل: هل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحال هذه؟ .","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الرد علي المسألة الخامسة</span>\nفيقال: هذه العبارة، وإن كثر تنازع الناس فيها نفيًا وإثباتًا، فينبغي أن يعرف أن الخلاف المحقق فيها نوعان: أحدهما: ما اتفق الناس علي جوازه ووقوعه، وإنما تنازعوا في إطلاق القول عليه بأنه لا يطاق.\nوالثاني: ما اتفقوا علي أنه لا يطاق، لكن تنازعوا في جواز الأمر به، ولم يتنازعوا في عدم وقوعه.\nفأما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والأيمان علي أنه لا يطاق، وتنازعوا في وقوع الأمر به، فليس كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>تنازع النظار في الاستطاعة</span>\nفالنوع الأول: كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته في استطاعة العبد، وهي قدرته وطاقته: هل يجب أن تكون مع الفعل لا قبله، أو يجب أن تكون متقدمة علي الفعل: أو يجب أن تكون معه، وإن كانت متقدمة عليه؟ .\nفمن قال بالأول، لزمه أن يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف مالا يطيقه إذا لم تكن عنه قدرة إلا مع الفعل، ولهذا كان الصواب الذي عليه محققو المتكلمين وأهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم مادل عليه القرآن، وهو أن الاستطاعة -التي هي مناط الأمر والنهي، وهي المصححة للفعل - لا يجب أن تقارن الفعل، وأما الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل فهي مقارنة له.","vol":"1","page":60},{"text":"فالأولي: كقوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] .\nوقول النبي صلي الله عليه وسلم لعمران بن حصين «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» .\nومعلوم أن الحج والصلاة يجبان علي المستطيع، سواء فعل أو لم يفعل، فعلم أن هذه الاستطاعة لا يجب أن تكون مع الفعل.\nوالثانية: كقوله تعالى ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون﴾ [هود: ٢٠] وقوله ﴿وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا * الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا﴾ [الكهف: ١٠١-١٠٢] علي قول من يفسر الاستطاعة بهذه.\nوأما علي تفسير السلف والجمهور، فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم، وصعوبته علي نفوسهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته، وإن كانوا قادرين علي فعله لو أرادوه، وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها، وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك.\nوهذه الاستطاعة هي المقارنة للفعل الموجبة له، وأما الأولي فلولا وجودها لم يثبت التكليف، كقوله","vol":"1","page":61},{"text":"﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [سورة التغابن: ١٦]، وقوله ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾ [الأعراف: ٤٢]، وأمثال ذلك، فهؤلاء المفرطون والمعتدون في أصول الدين إذا لم يستطيعوا سمع ما أنز إلي الرسول فهم من هذا القسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون</span>\nوكذلك أيضًا تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون، أو أخبر مع ذلك أنه لا يكون، فمن الناس من يقول: إن هذا غير مقدور عليه، كما أن غالية القدرية يمنعون أن يتقدم علم الله وخبره وكتابه بأنه لا يكون، وذلك لاتفاق الفريقين علي أن خلاف المعلوم لا يكون ممكنًا ولا مقدورًا عليه.\nوقد خالفهم في ذلك جمهور الناس، وقالوا: هذا منقوص عليهم بقدرة الله تعالي، فإنه أخبر بقدرته علي أشياء، مع أنه لا يفعلها، كقوله ﴿بلى قادرين على أن نسوي بنانه﴾ [القيامة: ٤]، وقوله ﴿وإنا على ذهاب به لقادرون﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقوله ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم﴾ [الأنعام: ٦٥]، وقد قال ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ [هود: ١٨]، ونحو ذلك مما يخبر أنه لو شاء لفعله، وإذا فعله فإنما يفعله إذا كان قادرًا عليه، فقد دل القرآن علي أنه قادر عليه يفعله إذا شاءه، مع أنه لا يشاؤه.\nوقالوا أيضًا: إن الله يعلمه علي ما هو عليه، فيعلمه ممكنًا مقدورًا للعبد، غير واقع ولا كائن لعدم إرادة العبد له، أو لبغضه إياه، ونحو ذلك، لا لعجزه عنه.","vol":"1","page":62},{"text":"وهذا النزاع يزول بتنوع القدرة عليه كما تقدم، فإنه غير مقدور القدرة المقارنة للفعل، وإن كان مقدورًا القدرة المصححة للفعل التي هي مناط الأمر والنهي.\nوأما النوع الثاني: فكاتفاقهم علي أن العاجز عن الفعل لا يطيقه، كما لا يطيق الأعمي والأقطع والزمن نقط المصحف وكتابته والطيران، فمثل هذا النوع قد اتفقوا علي أنه غير واقع في الشريعة، وإنما نازع في ذلك طائفة من الغلاة المائلين إلي الجبر من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وإنما تنازعوا في جواز الأمر به عقلًا، حتى نازع بعضهم في الممتنع لذاته، كالجمع بين الضدين والنقيضين: هل يجوز الأمر به من جهة العقل، مع أن ذلك لم يرد في الشريعة؟ ومن غلا فزعم وقوع هذا الضرب في الشريعة - كمن يزعم أن أبا لهب كلف بان يؤمن بأنه لا يؤمن - فهو مبطل في ذلك عند عامة أهل القبلة من جميع الطوائف، فإنه لم يقل أحد: إن أبا لهب أسمع هذا الخطاب المتضمن أنه لا يؤمن، وإنه أمر مع ذلك بالإيمان كما أن قوم نوح لما أخبر نوح ﵇: أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، لم يكن بعد هذا يأمرهم بالإيمان بهذا الخطاب، بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار","vol":"1","page":63},{"text":"المستلزم لموته علي الكفر وأنه سمع هذا الخطاب، ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه إيمانه حينئذ، كإيمان من يؤمن بعد معينة العذاب، قال تعالى ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر: ٨٥]، وقال تعالى ﴿آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ [يونس: ٩١] .\nوالمقصود هنا التنبيه علي أن النزاع في هذا الأصل يتنوع: تارة إلي الفعل المأمور به، وتارة إلي جواز الأمر.\nومن هنا شبهة من شبه من المتكلمين علي الناس حيث جعل القسمين قسمًا واحدًا، وادعي تكليف ما لا يطاق مطلقًا، لوقوع بعض الأقسام التي لا يجعلها عامة الناس من باب ما لا يطاق، والنزاع فيها لا يتعلق بمسائل الأمر والنهي، وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر، ثم إنه جعل جواز هذا القسم مستلزمًا لجواز القسم الذي اتفق المسلمون علي أنه غير مقدور عليه، وقال أحد النوعين بالآخر، وذلك من الأقيسة التي اتفق المسلمون بل وسائر أهل الملل، بل وسائر العقلاء علي بطلانها، فإن من قاس الصحيح المأمور بالأفعال كقوله: إن القدرة مع الفعل، أو أن الله علم أنه","vol":"1","page":64},{"text":"لا يفعل علي العاجز الذي لو أراد الفعل لم بقدر عليه - فقد جمع بين ما يعلم الفرق بينهما بالاضطرار عقلًا ودينًا، وذلك من مثارات الأهواء بين القدرية وإخوانهم الجبرية.\nوإذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام، كإطلاق القول بأن العباد مجبورون علي أفعالهم، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها علي إنكار ذلك ولا بأنه شاء الكائنات، وقالوا رد بدعة ببدعة، وقابل الفاسد، بالفاسد، واباطل بالبطال ولولا أن هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم في ذلك ما ببن ردهم لذلك.\nوأما إذا فصل مقصود القائل، وبين بالعبارة التي لا يشبه الحق فيها بالباطل ما هو الحق، وميز بين الحق والباطل - كان هذا من الفرقان، وخرج المبين حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفهم الأئمة بأنهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون علي ترك الكتاب، وأنهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام،","vol":"1","page":65},{"text":"ويحرفون الكلم عن مواضعة، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم، ولهذا كان يدخل المجبرة في مسمي القدرية المذمومين، لخوضهم في القدر بالباطل إذ هذا جماع المعني الذي ذمت به القدرية.\nولهذا ترجم الإمام أبو بكر الخلال في كتاب السنة فقال: الرد علي القدرية، وقولهم: إن الله أجبر العباد علي المعاصي، ثم روي عن عمر بن عثمان عن بقية بن الوليد قال: سالت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده علي ما أحب.\nوقال الأوزعي: ما أعرف للجبر أصلًا في القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإنما وضعت هذا مخالفة أن يرتاب رجل تابعي من أهل الجماعة والتصديق.","vol":"1","page":66},{"text":"فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة.\nأما الزبيدي - محمد بن الوليد صاحب الزهري - فأنه قال: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، فنفي الجبر.\nوذلك لأن الجبر المعروف في اللغة: هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه، كما يقول الفقهاء في باب النكاح: هل تجبر المرأة علي النكاح أو لا تجبر؟ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع؟ فيعنون بجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها، ويعنون بعضلها منعها مما ترضاه وتختاره، فقال: الله أعظم من أن يجبر أو يعضل، لأن الله سبحانه قادر علي أن يجعل العبد مختارًا راضيًا لما يفعله، ومبغضًا وكارهًا لما يتركه، كما هو الواقع، فلا يكون العبد مجبورًا علي ما يحبه ويرضاه ويريده، وهي أفعاله ولاختيارية، ولا يكون معضولًا عما يتركه، فيبغضه ويكرهه، أو لا يريده، وهي تروكه الاختيار.\nوأما الأوزاعي فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ، وإن عني به هذا المعني، حيث لم يكن له أصل في الكتاب والسنة، فيفضي إلي إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة الباطل، وذلك لا يسوغ، وإن قيل: إنه يراد به معني صحيح.","vol":"1","page":67},{"text":"قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكر سفيان الثوري جبر وقال: الله جبل العباد.\nقال المروزي: أظنه أراد قول النبي صلي الله عليه وسلم لأشج عبد القيس، يعني قوله الذي في صحيح مسلم: «إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة.\nفقال: أخلقين تخلقت بهما، أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: بل خلقين جبلت عليهما.\nفقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله» .\nولهذا احتج البخاري وغيره علي خلق أفعال العباد بقوله تعالى ﴿إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا﴾ [المعراج: ١٩-٢١] فأخبر تعالي أنه خلق الإنسان علي هذه الصفة.","vol":"1","page":68},{"text":"واحتج غيره بقول الخليل ﵇ ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وبقوله ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ [البقرة: ١٢٨] .\nوجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي، لأن الزبيدي نفي الجبر، والأوزاعي منع إطلاقه، إذ هذا اللفظ قد يحتمل معني صحيحًا، فنفيه قد يقتضي نفي الحق والباطل.\nكما ذكر الخلال ما ذكره عبد الله بن أحمد في كتابه السنة فقال: حدثنا محمد ابن بكار، حدثنا أبو معشر، حدثنا يعلى عن محمد بن كعب قال: إنما سمي الجبار لأنه يجبر الخلق علي ما أراد فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل المحتمل المشتبه زال المحذور وكان أحسن من نفيه، وإن كان ظاهرًا في المحتمل المعني الفاسد خشيه أن يظن أنه ينفي المعنيين جميعًا.\nوهكذا يقال في نفي الطاقة عن المأمور، فإن إثبات الجبر في المحظور نظير سلب الطاقة في المأمور: وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة.","vol":"1","page":69},{"text":"قال الخلال: أنبأنا المروزي: قلت لأبي عبد الله: رجل يقول: إن الله يجبر العباد، فقال: هكذا لا نقول، وأنكر هذا وقال: ﴿يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [النحل: ٩٣] .\nوقال: أنبأنا المروزي قال: كتب إلي عبد الوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري، وقال: إنه يتنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد علي المعاصي، فرد عليه أحمد بن رجاء، فقال: إن الله جبر العباد علي ما أراد أراد بذلك إثبات القدر.\nفوضع أحمد بن علي كتابًا يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله فأخبرته بالقصة، فقال: ويضع كتابًا وأنكر عليهما جميعًا: على ابن رجاء حين قال: جبر العباد، وعلي القدري حين قال: لم يجبر، وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب،","vol":"1","page":70},{"text":"وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر العباد.\nفقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ قال ﴿يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [النحل: ٩٣] .\nقال المروزي في هذه المسألة: إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر علي الذي قال: لم يجبر وعلي من رد عليه: جبر، فقال، أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسع الناس في جوابها.\nوقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، وأنكر علي من رد بشيء من جنس الكلام، وإذا لم يكن له فيه أمام تقدم.\nقال المروزي: فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه مشيخة وكتاب من أهل عكبرا فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبد الله، فقال: يا أبا عبد الله، هو ذا الكتاب ادفعه إلي أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم علي منبر عكبرا وأستغفر الله ﷿، فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن يقبلوا منه، فرجعوا له.\nوقد بسطنا الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع، وتكلمنا علي الأصل الفاسد الذي ظنه المتفرقون من أن إثبات المعني الحق الذي يسمونه جبرًا ينافي","vol":"1","page":71},{"text":"الأمر والنهي، حتى جعله القدرية منافيًا للأمر والنهي مطلقًا، وجعله طائفة من الجبرية منافيًا لحسن الفعل وقبحه، وجعلوا ذلك مما اعتمدوه في نفي حسن الفعل وقبحه القائم به، المعلوم بالعقل.\nومن المعلوم أنه لا ينافي ذلك إلا كما ينافيه بمعني كون الفعل ملائمًا للفاعل ونافعًا له، وكونه منافيًا للفاعل وضارًا له.\nومن المعلوم أن هذا المعني - الذي سموه جبرًا - لا ينافي أن يكون الفعل نافعًا وضارًا، ومصلحة ومفسدة، وجالبًا للذة وجالبًا للألم.\nفعلم أنه لا ينافي حسن الفعل وقبحه، كما لا ينافي ذلك، سواء كان ذلك الحسن معلومًا بالعقل، أو معلومًا بالشرع، أو كان الشرع مثبتًا له لا كاشفًا عنه.\nوأما قول السائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الرد علي المسألة السادسة</span>\nما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك، وقد كان حريصًا علي هدي أمته؟ .\nفنقول: هذا السؤال مبني علي الأصل الفاسد المتقدم المركب من الإعراض عن الكتاب والسنة، وطلب الهدي في مقالات المختلفين المتقابلين في النفي والإثبات للعبارات المجملات المشتبهات، الذين قال الله فيهم ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب","vol":"1","page":72},{"text":"لفي شقاق بعيد﴾ [البقرة: ١٩]، وقال تعالى ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى ﴿فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [المؤمنون: ٥٣] .\nوقد تقدم التنبيه علي منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله، وما في ذلك من العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات، سواء كان المحدث هو اللفظ ودلالته، أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعني، كلفظ أصول الدين حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم، وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، كما ذكرنا، وأنه إذا منع إطلاق هذه المجملات المحدثات في النفي والإثبات ووقع الاستفسار والتفصيل تبين سواء السبيل.\nوبذلك يتبين أن الشارع ﵊ نص علي كل ما يعصم من المهالك نصًا قاطعًا للعذر، وقال تعالى ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ [التوبة: ١١٥]، وقال تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ [النور: ٥٤]، وقال","vol":"1","page":73},{"text":"﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩]، وقال تعالى ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما﴾ [النساء: ٦٦-٦٨]، وقال تعالى ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾ [المائدة: ١٥-١٦] .\nو«قال أبو ذر لقد توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا» .\nوفي صحيح مسلم: «أن بعض المشركين قالوا لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل» .\nو«قال ﷺ تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» وقال","vol":"1","page":74},{"text":"«ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم عنه» وقال «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه خيرًا لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه شرًا لهم» .\nوهذه الجملة يعلم تفصيلها بالبحث والنظر والتتبع والاستقراء، والطلب لعلم هذه المسائل في الكتاب والسنة، فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص القاطعة للعذر في هذه المسائل ما فيه غاية الهدي والبيان والشفاء.\nوذلك يكون بشيئين: أحدهما: معرفة معاني الكتاب والسنة.\nوالثاني: معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون، حتى يحسن أن يطبق بين معاني التنزيل ومعاني أهل الخوض في أصول الدين، فحينئذ يتبين له أن الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالي ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقال تعالي ﴿وما اختلفتم","vol":"1","page":75},{"text":"فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠]، وقال ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا * ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا﴾ [النساء: ٥٩-٦١] .\nولهذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور، أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة علي حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين، بخلف النصوص الإلهية فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المحدثة المجملة المتشابهة ممنوعًا من إطلاقها: نفيًا إثباتًا، لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا تبين المعني أثبت حقه ونفي باطله، بخلاف كلام الله ورسوله، فإنه حق يجب قبوله، وإن لم يفهم معناه، وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه.","vol":"1","page":76},{"text":"وأما المختلفون في الكتاب المخالفون له المتفقون علي مفارقته، فتجعل كل طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه، وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات، التي لا يجوز اتباعها، بل يتعين حملها علي ما وافق أصلهم الذي ابتدعوه، أو الإعراض عنها وترك التدبر لها.\nوهذان الصفتان يشبهان ما ذكره الله في قوله ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون * ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون * فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ [البقرة: ٧٥-٧٩] .\nفإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة علي ما أصله هو من البدع الباطلة، وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن، ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابًا بيده مخالفًا لكتاب الله لينال به دينا، وقال: إنه من عند الله، مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين، وهذا معني الكتاب والسنة، وهذا","vol":"1","page":77},{"text":"قول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين الذي يجب اعتقاده علي الأعيان أو الكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله، وهذه الأمور كثيرة جدًا في أهل الأهواء جملة، كالرافضة والجهمية ونحوهم من أهل الأهواء والكلام، وفي أهل الأهواء تفصيلًا، مثل كثير من المنتسبين إلي الفقهاء مع شعبة من حال الأهواء.\nوهذه الأمور المذكورة في الجواب مبسوطة في موضع آخر.\nنهاية الإجابة علي السؤال والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>عودة إلي مناقشة قانون التأويل</span>\nوالمقصود هنا الكلام علي قول القائل: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية....الخ كم تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>جواب إجمالي</span>\nوالكلام علي هذه الجملة بني علي بيان ما في مقدمتها من التلبيس، فإنها مبنية علي مقدمات.\nأولها: ثبوت تعارضها.\nوالثانية: انحصار التقسيم فيما ذكره م الأقسام الأربعة.\nوالثالثة: بطلان الأقسام الثلاثة.\nوالمقدمات الثلاثة باطلة.","vol":"1","page":78},{"text":"وبيان ذلك بتقديم أصل، وهو أن يقال: إذا قيل: تعارض دليلان، سواء كانا سمعيين أو عقليين، أو أحدهما سمعيًا والآخر عقليًا، فالواجب أن يقال: لا يخلو إما أن يكونا قطعيين، أو يكونا ظنيين، وإما أن يكونا أحدهما قطعيًا ولآخر ظنيًا.\nفأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما: سواء كانا عقليين أو سمعيين، أو أحدهما عقليًا والآخر سمعيًا، وهذا متفق عليه بين العقلاء، لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله: ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة.\nوحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان، وأحدهما يناقض مدلول الآخر، للزم الجمع بين النقيضين، وهو محال، بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي، أو أن يكون مدلولاهما متناقضين، فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض الدليلين.\nوإن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعيًا دون الآخر فإنه يجب تقديمه باتفاق العقلاء، سواء كان هو السمعي أو العقلي، فإن الظن لا يرفع اليقين.\nوأما إن كانا جميعًا ظنيين: فإنه يصار إلي طلي ترجيح أحدهما، فأيهما ترجح كان هو المقدم، سواء كان سميعًا أو عقليًا.","vol":"1","page":79},{"text":"ولا جواب عن هذا، إلا أن يقال: الدليل السمعي لا يكون قطعًا وحينئذ فقال: هذا - مع كونه باطلًا - فإنه لا ينفع، فإنه علي هذا التقدير يجب تقديم القطعي لكونه قطعيًا، لا لكونه أصلًا للسمع، وهؤلاء جعلوا عمدتهم في التقديم كون العقل هو الأصل للسمع، وهذا باطل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.\nوإذا قدر أن يتعارض قطعي وظني، لم ينازع عاقل في تقديم القطعي، لكن كون السمعي لا يكون قطعيًا دونه خرط القتاد.\nوأيضًا، فإن الناس متفقون علي أن كثيرًا مما جاء به الرسول معلوم بالاضطرار من دينه، كإيجاب العبادات وتحريم الفواحش والظلم، وتوحيد الصانع وإثبات المعاد وغير ذلك.\nوحينئذ فلو قال قائل: إذا قام الدليل العقلي القطعي علي مناقضة هذا فلا بد من تقديم أحدهما: فلو قدم هذا السمعي قدح في أصله، وإن قدم العقلي لزم تكذيب الرسول فيما علم بالاضطرار أنه جاء به، وهذا هو الكفر الصريح، فلا بد لهم من جواب عن هذا والجواب عنه أنه يمتنع أن يقوم عقلي قطعي يناقض هذا.\nفتبين أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي.\nومثل هذا الغلط يقع فيه كثير من الناس، يقدرون تقديرًا يلزم منه لوازم،","vol":"1","page":80},{"text":"فيثبتون تلك اللوازم، ولا يهتدون لكون ذلك التقدير ممتنعًا، والتقدير الممتنع قد يلزمه لوازم ممتنعة كما في قوله تعالي ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .\nولهذا أمثلة:\nمنها: ما يذكره القدرية والجبرية في أن أفعال العباد: هل هي مقدورة للرب والعبد أم لا؟ فقال جمهور المعتزلة: إن الرب لا يقدر علي عين مقدور العبد.\nواختلفوا هل يقدر علي مثل مقدوره؟\nفأثبته البصريون، كأبي هاشم، ونفاه الكعبي وأتباعه البغداديون","vol":"1","page":81},{"text":"وقال جهم وأتباعه الجبرية: إن ذلك الفعل مقدور للرب لا للعبد.\nوكذلك قال الأشعري وأتباعه: إن المؤثر فيه قدرة الرب دون قدرة العبد.\nواحتج المعتزلة بأنه لو كان مقدورًا لهما للزوم إذا أراده أحدهما وكرهه الآخر، مثل أن يريد الرب تحريكه ويكرهه العبد: أن يكون موجودًا معدومًا، لأن المقدور من شأنه أن يوجد عند توفر دواعي القادر، وأن يبقي علي العدم عند توفر صارفه، فلو كان مقدور العبد وقدورًا لله لكان إذا أراد الله وقوعه وكره العبد وقوعه لزم أن يوجد لتحقق الدواعي، ولا يوجد لتحقق الصارف، وهو محال.\nوقد أجاب الجبرية عن هذا بما ذكره الرازي، وهو: أن البقاء علي العدم عند تحقق الصارف ممنوع مطلقًا، بل يجب إذا لم يقم مقامه سبب آخر مستقل،","vol":"1","page":82},{"text":"وهذا أول المسألة، وهو جواب ضعيف، فإن الكلام في فعل العبد القائم به إذا قام بقلبه الصارف عنه دون الداعي إليه، وهذا يمتنع وجوده من العبد في هذه الحال، وما قدر وجوده بدون إرادته لا يكون فعلًا اختياريًا، بل يكون بمنزلة حركة المرتعش، والكلام إنما هو في الاختياري، ولكن الجواب منع هذا التقدير، فإن ما لم يرده العبد من أفعاله يمتنع أن يكون الله مريدًا لوقوعه، إذ لو شاء وقوعه لجعل العبد مريدًا له، فإذا لم يجعله مريدًا له علم أنه لم يشأه، ولهذا اتفق علماء المسلمين علي أن الإنسان لو قال: والله لأفعلن كذا وكذا إن شاء الله ثم لم يفعله أنه لا يحنث، لأنه لم يفعله علم أن الله لم يشأه إذ لو شاءه لفعله العبد، فلما لم يفعله علم أن الله لم يشأه.","vol":"1","page":83},{"text":"واحتج الجبرية بما ذكره الرازي وغيره بقولهم: إذا أراد الله تحريك جسم وأراد العبد تسكينه: فإما أن يمتنعا معًا، وهو محال، لأن المانع من وقوع مراد كل واحد منهما هو وجود مراد الآخر، فلو امتنعا معًا لوجدا معًا، وهو محال، أو لوقعا معًا، وهو محال، أو يقع أحدهما وهو باطل، لأن القدرتين متساويتان في الاستقلال بالتأثير في ذلك المقدور الواحد، والشيء الواحد حقيقة لا تقبل التفاوت فإذن القدرتان بالنسبة إلي اقتضاء وجود ذلك المقدور علي السوية، وإنما التفاوت في أمور خارجية عن هذا المعني، وإذا كان كذلك امتنع الترجيح.\nفيقال: هذه الحجة باطلة علي المذهبين.\nوأما أهل السنة فعندهم يمتنع أن يريد الله تحريك جسم، ويجعل العبد مريدًا لأن يجعله ساكنًا مع قدرته علي ذلك، فإن الإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم وجود المقدور، فلو جعله الرب مريدًا مع قدرته لزم وجود مقدوره، فيكون العبد يشاء مالا يشاء الله وجوده، وهذا ممتنع، بل ما شاء الله وجوده يجعل القادر عليه مريدًا لوجوده، لا يجعله مريدًا لما يناقض مراد الرب.\nأما أهل السنة فعندهم يمتنع أن يريد الله تحريك جسم، ويجعل العبد مريدًا لأن يجعله ساكنا مع قدرته علي ذلك، فإن الإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم","vol":"1","page":84},{"text":"وجود المقدور، فلو جعله الرب مريدًا مع قدرته لزم وجود مقدوره، فيكون العبد يشاء مالا يشاء الله وجوده، وهذا ممتنع، بل ما شاء الله وجوده يجعل القادر عليه ميدا لوجوده، لا يجعله مريدًا لما يناقض مراد الرب.\nوأما علي قول المعتزلة عندهم تمتنع قدرة الرب علي عين مقدور العبد ن فيمتنع اختلاف الإرادتين في شيء واحد وكلتا الحجتين باطلة، فأنهما مبيتان علي تناقض الإرادتين، وهذا ممتنع، فإن العبد إذا شاء أن يكون شيء لم يشاء حتى يشاء الله مشيئته كما قال تعالي: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير: ٢٨-٢٩]، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإذا شاءه الله جعل العبد شائيًا له، وإذا جعل العبد كارها له غير مريد له، لم يكن هو في هذه الحال شائيًا له.\nفهم بنوا الدليل علي تقدير مشيئة الله له، وكراهة العبد له، وهذا تقدير ممتنع، وهذا نقلوه من تقدير ربين وإلهين، وهو قياس باطل، لأن العبد مخلوق لله هو وجميع مفعولاته، ليس هو مثلًا لله ولا ندًا، ولهذا إذا قيل ما قاله أبو إسحاق الإسفراييني: من أن فعل العبد مقدور بين قادرين، لم يرد به بين قادرين","vol":"1","page":85},{"text":"مستقلين، بل قدرة العبد مخلوقة لله، وإرادته مخلوقه لله، فالله قادر مستقل، والعبد قادر بجعل الله له قادرًا، وهو خالقه وخالق قدرته وإرادته وفعله، فلم يكن هذا نظير ذاك.\nوكذلك ما يقدره الرازي وغيره في مسألة إمكان دوام الفاعلية، وأن إمكان الحوادث لا بداية له، من أنا إذا قدرنا إمكان حادث معين، وقدرنا أنه لم يزل ممكنًا، كان هذا لم يزل ممكنًا مع أنه لا بداية لإمكانه، فإن هذا تقدير ممتنع، وهو تقدير ما له بداية مع أنه لا بداية له، وهو جمع بين النقيضين، ولهذا منع الرازي في محصله إمكان هذا.\nوهذا الذي ذكرناه بين واضح متفق عليه بين العقلاء من حيث الجملة ن وبه يتبين أن إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي، والجزم بتقديم العقلي، معلوم الفساد بالضرورة، وهو خلاف ما اتفق عليه العقلاء.\nوحينئذ فنقول: الجواب من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الجواب التفصيلي من وجوه. الوجه الأول</span>\nالجواب التفصيلي من وجوه.\nالوجه الأول\nأن قوله: إذا تعارض النقل والعقل إما أن يريد به القطعيين، فلا نسلم إمكان التعارض حينئذ.\nوإما أن يريد به الظنيين، فالمقدم هو الراجح مطلقًا.","vol":"1","page":86},{"text":"وأما أن يريد به ما أحدهما قطعي، فالقطعي هو المقدم مطلقًا، وإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لكونه قطعيًا، لا لكونه عقليًا.\nفعلم أن تقديم العقلي مطلقًا خطأ، كما أن جعل جهة الترجيح كونه عقليًا خطأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكرته من الأقسام الأربعة، إذ من الممكن أن يقال: يقدم العقلي تارة والسمعي أخري، فأيهما كان قطعيًا قدم، وإن كانا جميعًا قطعيين، فيمتنع التعارض، وإن كانا ظنيين فالراجح هو المقدم.\nفدعوى المدعي: أنه لا بد من تقديم العقلي مطلقًا أو السمعي مطلقًا، أو الجمع بين النقيضين، أو رفع النقيضين ـدعوى باطلة، بل هنا قسم ليس من هذه الأقسام، كما ذكرناه، بل هو الحق الذي لا ريب فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الوجه الثالث. نفي قاعدة أن العقل أصل النقل</span>\nالوجه الثالث.\nنفي قاعدة أن العقل أصل النقل\nقوله: إن قدمنا النقل كان ذلك طعنًا في أصله الذي هو العقل، فيكون طعنًا فيه غير مسلم.\nوذلك لأن قوله: إن العقل أصل للنقل إما أن يريد به: أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر.\nأو أصل في عملنا بصحته.\nوالأول لا يقوله عاقل، فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع أو بغيره هو ثابت، سواء علمنا بالعقل او بغير العقل ثبوته، أو لم نعلم ثبوته لا بعقل ولا بغيره، إذ عدم العلم ليس علمًا بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسنا،","vol":"1","page":87},{"text":"فما أخبر به الصادق المصدوق صلي الله عليه وسلم هو ثابت في نفس الأمر، سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه.\nومن أرسله الله تعالي إلي الناس فهو رسوله، سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا، وما أخبر به فهو حق، وإن لم يصدقه الناس، وما أمر به عن الله فالله أمر به وإن لم يطعه الناس، فثبوت الرسالة في نفسها وثبوت صدق الرسول، وثبوت ما اخبر به في نفس الأمر: ليس موقوفًا علي وجودنا، فضلًا عن أن يكون موقوفًا علي عقولنا، أو علي الأدلة التي نعلمها بعقولنا.\nوهذا كما أن وجود الرب تعالي وما يستحقه من الأسماء والصفات ثابت في نفس الأمر، سواء علمناه أو لم نعلمه.\nفتبين بذلك أن العقل ليس أصلًا لثبوت الشرع في نفسه، ولا معطيًا له صفة لم تكن له، ولا مفيدًا له صفة كمال، إذ العلم مطابق للمعلوم المستغني عن العلم، تابع له، ليس مؤثرًا فيه.\nفإن العلم نوعان: أحدهما العملي، وهو ما كان شرطًا في حصول المعلوم، كتصور أحدنا لما يريد أن يفعله، فالمعلوم هنا متوقف علي العلم به محتاج إليه.\nوالثاني: العلم الخبري النظري، وهو ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده إلي العلم به، كعلمنا بوحدانية الله تعالي وأسمائه وصفاته وصدق رسله وبملائكته وكتبه وغير ذلك، فإن هذه المعلومات ثابتة سواء علمناها أو لم نعلمها، فهي مستغنية عن علمنا بها، والشرع مع العقل هو من هذا الباب، فإن الشرع المنزل","vol":"1","page":88},{"text":"من عند الله ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، فهو مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا، ولكن نحن محتاجون إليه وإلي أن نعلمه بعقولنا، فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع في نفسه صار عالمًا به، وبما تضمنه من الأمور التي يحتاج إليها في دنياه وآخرته، وانتفع بعلمه به، وأعطاه ذلك صفة لم تكن له قبل ذلك، ولو لم يعلمه لكن جاهلًا ناقصًا.\nوأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل لنا علي صحته - وهذا هو الذي أراده - فيقال له: أتعني بالعقل هنا الغريزة التي فينا، أم العلوم التي استفدنا بتلك الغريزة؟\nوأما الأول فلم ترده، ويمتنع أن تريده، لأن تلك الغريزة ليست علمًا يتصور أن يعارض النقل، وهو شرط في كل علم عقلي أو سمعي كالحياة، وما كان شرطًا في الشيء امتنع أن يكون منافيًا له، فالحياة والغريزة شرط في كل العوم سمعيها وعقليها، فامتنع أن تكون منافية لها، وهى أيضًا شرط في الاعتقاد الحاصل بالاستدلال، وإن لم تكن علمًا، فيمتنع أن تكن منافية له ومعارضة له.\nوإن أردت بالعقل الذي هو دليل السمع وأصله المعرفة الحاصلة بالعقل، فيقال لك: من المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلًا للسمع ودليلًا علي صحته، فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر، والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف علي ما به يعلم صدق الرسول صلي الله عليه وسلم.\nوليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول صلي الله عليه وسلم، بل ذلك يعلم بما يعلم به أن الله تعالي أرسله، مثل إثبات الصانع وتصديقه للرسول بالآيات وأمثال ذلك.","vol":"1","page":89},{"text":"وإذا كان كذلك لم تكن جميع المعقولات أصلًا للنقل، لا بمعني توقف العلم بالسمع عليها، ولا بمعني الدلالة علي صحته، ولا بغير ذلك، لاسيما عند كثير من متكلمة الإثبات أو أكثرهم، كالأشعري في أحد قوليه، وكثير من أصحابه أو أكثرهم، كالأستاذأبي المعالي الجويني، ومن بعده من وافقهم - الذين يقولون: العلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات التي تجري مجري تصديق الرسول علم ضروري، فحينئذ ما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير، مع أن العلم بصدق الرسول له طرق كثيرة متنوعة، كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضوع.\nوحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه، لم يكن القدح فيه قدحًا في أصل السمع، وهذا بين واضح، وليس القدح في بعض العقليات قدحًا في جميعها، كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحًا في جميعها، ولا يلزم من صحة بعض العقليات صحة جميعها، كما لا يلزم من صحة بعض السمعيات صحة جميعها.\nوحينئذ فلا يلزم من صحة المعقولات التي تبني عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات، ولا من فساد هذه فساد تلك، فضلًا عن صحة العقليات المناقضة للسمع.\nفكيف يقال: إنه يلزم من صحة المعقولات التي هي ملازمة للسمع صحة المعقولات المناقضة للسمع؟ فإن ما به يعلم السمع، ولا يعلم السمع إلا به، لازم للعلم بالسمع، لا يوجد العلم بالسمع بدونه، وهو ملزوم له، والعلم به يستلزم","vol":"1","page":90},{"text":"العلم بالسمع، والمعارض للسمع مناقض له مناف له.\nفهل يقول عاقل: إنه يلزم من ثبوت ملازم الشيء ثبوت مناقضه ومعارضه!؟\nولكن صاحب هذا القول جعل العقليات كلها نوعًا واحدًا متماثلًا في الصحة أو الفساد، ومعلوم أن السمع إنما يستلزم صحة بعضها الملازم له، لا صحة البعض المنافي له، والناس متفقون علي أن ما يسمى عقليات منه حق، ومنه باطل، وما كان شرطًا في العلم بالسمع وموجبًا فهو لازم للعلم به، بخلاف المنافي المناقض له، فإنه يمتنع أن يكون هو بعينه شرطًا في صحته ملازمًا لثبوته، فإن الملازم لا يكون مناقضًا، فثبت أنه لا يلزم من تقديم السمع علي ما يقال إنه معقول في الجملة القدح في أصله.\nفقد تبين بهذه الوجوه الثلاثة فساد المقدمات الثلاث التي بنوا عليها تقديم آرائهم علي كلام الله ورسوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>اعتراض: نحن نقدم علي السمع المعقولات التي علمنا بها صحة السمع. الرد عليهم من وجوه. الأول</span>\nاعتراض: نحن نقدم علي السمع المعقولات التي علمنا بها صحة السمع.\nالرد عليهم من وجوه.\nالأول\nفإن قيل: نحن إنما تقدم علي السمع المعقولات التي علمنا بها صحة السمع.\nقيل: سنبين إن شاء الله أنه ليس فيما يعارض السمع شيء من المعقولات التي يتوقف السمع عليها، فإذن كل ما عارض السمع - مما يسمي معقولًا - ليس أصلًا للسمع، يتوقف العلم بصحة السمع عليه، فلا يكون القدح في شيء من المعقولات قدحًا في أصل السمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الثاني</span>\nالوجه الثاني: أن جمهور الخلق يعترفون بأن المعرفة بالصانع وصدق الرسول ليس متوقفًا علي ما يدعيه بعضهم من العقليات المخالفة للسمع، والواضعون لهذا القانون - كـ أبي حامد والرازي وغيرهما - معترفون بأن العلم بصدق الرسول","vol":"1","page":91},{"text":"لا يتوقف علي العقليات المعارضة له، فطوائف كثيرون - كـ أبي حامد والشهرستاني وأبي القاسم الراغب وغيرهم - يقولون: العلم بالصانع فطري ضروري.\nوالرازي والآمدي وغيرهما من النظار يسلمون أن العلم بالصانع قد يحصل بالاضطرار، وحينئذ فالعلم بكون الصانع قادرًا معلوم بالاضطرار، والعلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات التي تحدي الخلق بمعارضتها وعجزوا عن ذلك معلوم بالاضطرار.\nومعلوم أن السمعيات مملوءة من إثبات الصانع وقدرته وتصديق رسوله، ليس فيها ما يناقض هذه الأصول العقلية التي بها يعلم السمع، بل الذي في السمع","vol":"1","page":92},{"text":"يوافق هذه الأصول، بل السمع فيه من بيان الأدلة العقلية علي إثبات الصانع، ودلائل ربوبيته وقدرته، وبيان آيات الرسول ودلائل صدقه أضعاف ما يوجد في كلام النظار، فليس فيه - ولله الحمد - ما يناقض الأدلة العقلية التي بها يعلم صدق الرسول.\nومن جعل العلم بالصانع نظريًا يعترف أكثرهم بأن من الطرق النظرية التي بها يعلم صدق الرسول ما لا يناقض شيئًا من السمعيات.\nوالرازي ممن يعترف بهذا، فإنه قال في نهاية العقول في مسألة التفكير في: المسألة الثالثة: في أن مخالف الحق من أهل الصلاة هل يكفر أم لا؟ .\nقال الشيخ أبو الحسن الأشعري في أول كتاب مقالات الإسلاميين: اختلف المسلمون - بعد نبيهم - في أشياء ضلل فيها بعضهم بعضًا، وتبرأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقًا متباينين، إلا أن الإسلام يجمعهم فيعمهم، فهذا مذهبه، وعليه أكثر الأصحاب، ومن الأصحاب من كفر المخالفين.","vol":"1","page":93},{"text":"وأما الفقهاء فقد نقل عن الشافعي رضي الله تعالي عنه قال: لا أرد شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية فإنهم يعتقدون حل الكذب.\nوأما أبو حنيفة رضي الله تعالي عنه: فقد حكي الحاكم صاحب المختصر في كتاب المنتقى عن أبي حنيفة أنه لم يكفر أحدًا من أهل القبلة.\nوحكي أبو بكر الرازي عن الكرخي وغيره مثل ذلك.\nوأما المعتزلة: فالذين كانوا قبل أبي الحسين تحامقوا وكفروا أصحابنا في إثبات الصفات وخلق الأعمال.\nوأما المشبهة: فقد كفرهم مخالفوهم من أصحابنا ومن المعتزلة","vol":"1","page":94},{"text":"وكان الأستاذ أبو إسحاق يقول: أكفر من يكفرني، وكل مخالف يكفرنا فنحن نكفره، وإلا فلا.\nوالذي نختاره أن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة.\nوالدليل عليه أن نقول: المسائل التي اختلف أهل القبلة فيها، مثل أن الله تعالي هل هو عالم بالعلم أو بالذات؟ وأنه تعالي هل هو موجد لأفعال العباد أم لا؟ وأنه هل هو متحيز وهل هو في مكان وجهة؟ وهل هو مرئي أم لا؟ لا يخلو إما أن تتوقف صحة الدين معرفة الحق فيها أو لا تتوقف، والأول باطل، إذ لو كانت معرفة هذه الأصول من الدين لكان الواجب علي النبي صلي الله عليه وسلم أن يطالبهم بهذه المسائل، ويبحث عن كيفية اعتقادهم فيها، فلما لم يطالبهم بهذه المسائل، بل ما جري حديث في هذه المسائل في زمانه ﵇، ولا في زمان الصحابة والتابعين ﵃، علمنا أنه لا تتوقف صحة الإسلام علي معرفة","vol":"1","page":95},{"text":"هذه الأصول.\nوإذا كان كذلك لم يكن الخطأ في هذه المسائل قدحًا في حقيقة الإسلام، وذلك يقتضي الامتناع من تكفير أهل القبلة.\nثم قال بعد ذلك وأما دلالة الفعل المحكم علي العلم فقد عرفت أنها ضرورية.\nوأما دلالة المعجز علي الصدق فقد بينا أنها ضرورية، ومتي عرفت هذه الأصول أمكن العلم بصدق الرسول ﵇، فثبت أن العلم بالأصول التي يتوقف علي صحتها نبوة محمد علية السلام علم جلي ظاهر، وإنما طال الكلام في هذه الأصول لرفع هذه الشكوك التي يثبتها المبطلون، إما في مقدمات هذه الأدلة، أو في معارضاتها، والاشتغال برفع هذه الشكوك إنما يجب بعد عروضها، فثبت أن أصول الإسلام جلية ظاهرة ثم إن أدلتها علي الاستقصاء مذكورة في كتاب الله تعالي، خالية عما يتوهم معارضًا لها.\nثم ذكر بعد ذلك فقال: قلنا: إنا قد ذكرنا في إثبات العلم بالصانع طرقًا خمسة قاطعة في هذا الكتاب من غير حاجة إلي القياس الذي ذكروه، والله أعلم.","vol":"1","page":96},{"text":"وأيضًا فإنه ذكر في إثبات الصانع أربعة طرق:\nطريق حدوث الأجسام، وطريق إمكانها، وطريق إمكان صفاتها، وطريق حدوث صفاتها، وقال: إن هذه الطريق لا تنفي كونه جسمًا، بخلاف الطرق الثلاثة، وهم إنما ينفون ما ينفونه من الصفات لظنهم أنها تستلزم التجسيم الذي نفاه العقل الذي هو أصل السمع، فإذا اعترفوا بأنه يمكن العلم بالصانع وصدق رسوله قبل النظر في كونه جسمًا أو ليس بجسم، تبين أن صدق الرسول لا يتوقف علي العلم بأنه ليس بجسم، وحينئذ فلو قدر أن العقل ينفي ذلك لم يكن هذا من العقل الذي هو أصل السمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الثالث</span>\nوالوجه الثالث: أن يقال لمن ادعي من هؤلاء توقف العلم بالسمع علي مثل هذا النفي، كقول من يقول منهم: إنا لا نعلم صدق الرسول حتى نعلم وجود الصانع، وأنه قادر غني لا يفعل القبيح، ولا نعلم ذلك حتى نعلم أنه ليس بجسم، أو لا نعلم إثبات الصانع حتى نعلم حدوث العالم، ولا نعلم ذلك إلا بحدوث الأجسام، فلا يمكن أن يقبل من السمع ما يستلزم كونه جسمًا.\nفيقال لهم: قد علم بالاضطرار من دين الرسول والنقل المتواتر أنه دعا الخلق إلي الإيمان بالله ورسوله، ولم يدع الناس بهذه الطريق التي قلتم إنكم أثبتم بها حدوث العالم ونفي كونه جسمًا، وآمن بالرسول من آمن به من المهاجرين والأنصار، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ولم يدع أحدًا منهم بهذه الطريق، ولا ذكرها أحد منهم، ولا ذكرت في القرآن ولا حديث الرسول، ولا دعا بها أحد من الصحابة","vol":"1","page":97},{"text":"والتابعين لهم بإحسان الذين هم خير هذه الأمة وأفضلها علمًا وإيمانًا، وإنما ابتدعت هذه الطريق في الإسلام بعد المائة الأولي وانقراض عصر أكابر التابعين، بل وأوساطهم، فكيف يجوز أن يقال: إن تصديق الرسول موقوف عليها، وأعلم الذي صدقوه وأفضلهم لم يدعوا بها، ولا ذكروها، ولا ذكرت لهم، ولا نقلها أحد عنهم، ولا تكلم بها أحد في عصرهم؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الرابع</span>\nالوجه الرابع: أن يقال: هذا القرآن والسنة المنقولة عن النبي صلي الله عليه وسلم، متوا ترها وآحادها، ليس فيه ذكر ما يدل علي هذه الطريق، فضلًا عن أن تكو نفس الطريق فيها، فليس في شيء من ذلك: أن البارئ لم يزل معطلًا عن الفعل والكلام بمشيئته، ثم حدث ما حدث بلا سبب حادث، وليس فيه ذكر الجسم والتحيز والجهة، لا بنفي ولا إثبات، فكيف يكون الإيمان بالرسول مستلزما لذلك، والرسول لم يخبر به ولا جعل الإيمان به موقوفًا عليه؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الخامس</span>\nالوجه الخامس: أن هذه الطرق الثلاثة ـطريق حدوث الأجسام - مبنية علي امتناع دوام كون الرب فاعلًا، وامتناع كونه لم يزل متكلمًا بمشيئته، بل حقيقتها مبنية علي امتناع كونه لم يزل قادرًا علي هذا وهذا، ومعلوم أن أكثر العقلاء من المسلمين وغير المسلمين ينازعون في هذا، ويقولون: هذا قول باطل.\nوأما القول بإمكان الأجسام فهو مبني علي أن الموصوف ممكن، بناء علي أن المركب ممكن، وعلي نفي الصفات، وهي طريقة أحدثها ابن سينا وأمثاله،","vol":"1","page":98},{"text":"وركبها من مذهب سلفهم ومذهب الجهمية، وهي أضعف من التي قبلها من وجوه كثيرة.\nوطريقة إمكان صفات الأجسام مبنية علي تماثل الأجسام، وأكثر العقلاء يخالفون في ذلك، وفضلاؤهم معترفون بفساد ذلك كما قد ذكرنا قول الأشعري والرازي والآمدي وغيرهم، واعترافهم بفساد ذلك، وبينا فساد ذلك بصريح المعقول.\nفإذا كانت هذه الطرق فاسدة عند جمهور العقلاء، بل فاسدة في نفس الأمر، امتنع أن يكون العلم بالصانع موقوفًا علي طريق فاسدة، ولو قدر صحتها علم أن أكثر العقلاء عرفوا الله وصدقوا رسوله بغير هذه الطريق، فلم يبق العلم بالسمع موقوفًا علي صحتها، فلا يكون القدح فيها قدحًا في أصل السمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>السادس</span>\nالوجه السادس: أن يقال: إذا قدر أن السمع موقوف علي العلم بأنه ليس بجسم مثلًا لم يسلم أن مثبتي الصفات التي جاء بها القرآن والسنة خالفوا موجب العقل، فإن قولهم فيما يثبتونه من الصفات كقول سائر من ينفي الجسم ويثبت شيئًا من الصفات.\nفإذا كان أولئك يقولون: إنه حي عليم قدير وليس بجسم، ويقول آخرون: إنه حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، بل وسميع وبصير ومتكلم بسمع وبصر وكلام، وليس بجسم، أمكن هؤلاء أن يقولوا في سائر الصفات التي أخبر بها الرسول ما قال هؤلاء في هذه الصفات.","vol":"1","page":99},{"text":"وإذا أمكن المتفلسف أن يقول: هو موجود، وعاقل ومعقول وعقل، وعاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ ولذة، وهذا كله شيء واحد، وهذه الصفة الأخرى، والصفة هي الموصوف، وإثبات هذه الأمور لا يستلزم التجسيم، أمكن سائر مثبتة الصفات أن يقولوا هذا وما هو أقرب إلي المعقول، فلا يقول من نفي شيئًا مما أخبر به الشارع من الصفات قولًا ويقول: إنه يوافق المعقول، إلا ويقول من أثبت ذلك ما هو أقرب إلي المعقول منه.\nوهذه جملة سيأتي إن شاء الله تفصيلها، وبيان أن كل من أثبت ما أثبته الرسول ونفي ما نفاه كان أولي بالمعقول الصريح، كما كان أولي بالمنقول الصحيح، وأن من خالف صحيح المنقول فقد خالف أيضًا صريح المعقول، وكان أولي بمن قال الله فيه ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [تبارك: ١٠] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الأنبياء لم يدعوا إلي طريقة الأعراض</span>\nفإن قيل: قول القائلين: إن الأنبياء لم يدعوا الناس إلي إثبات الصانع بهذه الطريقة: طريقة الأعراض وحدوثها ولزومها الأجسام، وأن ما استلزم الحادث فهو حادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>للمنازعين في هذا الكلام مقامان. للمنازعين فيه مقامان: المقام الأول</span>\nللمنازعين في هذا الكلام مقامان.\nللمنازعين فيه مقامان: المقام الأول\nأحدهما: منع هذه المقدمة.\nفإنه من المعروف أن كثيرًا من النفاة يقول: إن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل، وإنه استدل علي حدوث الكواكب والشمس والقمر بالأفول، والأفول هو الحركة، والحركة هي التغير، فلزم من","vol":"1","page":100},{"text":"ذلك أن كل متغير محدث، لأنه لا يسبق الحوادث، لامتناع حوادث لا أول لها، وكل ما قامت به الحوادث فهو متغير، فيجب أن يكون محدثا، فهذه الطريق التي سلكناها هي طريقة إبراهيم الخليل.\nوهذا مما ذكره خلق من النفاة، مثل بشر المريسي وأمثاله، ومثل ابن عقيل وأبي حامد الرازي، وخلق غير هؤلاء.\nوأيضًا، فالقرآن قد دل علي انه ليس بجسم، لأنه أحد، والأحد: الذي لا ينقسم، وهو واحد، والواحد: الذي لا ينقسم، ولأنه صمد، والصمد: الذي لا جوف له، فلا يتخلله غيره، والجسم يتخلله غيره، ولأنه سبحانه قد قال","vol":"1","page":101},{"text":"﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]، والأجسام متماثلة، فلو كان جسمًا لكان له مثل، وإذا لم يكن جسمًا لزم نفي ملزومات الجسم.\nوبعضهم يقول: نفي لوازم الجسم.\nوليس بجيد، فإنه لا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم، ولكن يلزم من نقيه نفيه، بخلاف ملزومات الجسم، فإنه يجب من نفيها نفي الجسم ن فيجب نفي كل ما يستلزم كونه جسمًا.\nثم من نفي العلو والمباينة يقول: العلو يستلزم كونه جسمًا، ومن نفي الصفات الخبرية يقول: إثباتها يستلزم التجسيم، ومن الصفات مطلقًا قال: ثبوتها يستلزم التجسيم.\nوأيضًا، فالتجسيم نفي، لأنه يقتضي القسمة والتركيب، فيجب نفي كل تركيب، فيجب نفي كونه مركبًا من الوجود والماهية، ومن الجنس والفصل، ومن المادة والصورة، ومن الجوهر المفردة، ومن الذات والصفات.\nوهذه الخمسة هي التي يسميها نفاة الصفات من متأخري الفلاسفة تركيبًا.\nوالمقصود هنا أن السمع دل علي نفي هذه الأمور، والرسل نفت ذلك، وبينت الطريق العقلي المنافي لذلك، وهو نفي التشبيه تارة، وإثبات حدوث كل متغير تارة.\nثم إنه لما قال هؤلاء: إن الأفول هو الحدوث، والأفول هو التغير، فبنى","vol":"1","page":102},{"text":"ابن سينا وأتباعه من الدهرية علي هذا وقالوا: ما سوي الله ممكن، وكل ممكن فهو آفل فالآفل لا يكون واجب الوجود.\nوجعل الرازي في تفسير هذا الهذيان، وقد يقول هو وغيره: كل آفل متغير، وكل متغير ممكن، فيستدلون بالتغير علي الإمكان، كما استدل الأكثر ون من هؤلاء بالتغير علي الحدوث، وكل من هؤلاء يقول: هذه طريقة الخليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المقام الثاني</span>\nأن يقال: نخن نسلم أن الأنبياء لم يدعوا الناس بهذه الطريق ولا بينوا أنه ليس بجسم.\nوهذا قول محققي طوائف النفاة وأئمتهم، فإنهم يعلمون ويقولون: إن النفي لم يعتمد فيه علي طريقة مأخوذة عن الأنبياء وإن الأنبياء لم يدلوا علي ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا، ويقولون: إن كلام الأنبياء إنما يدل علي الإثبات إما نصًا وإما ظاهرًا.\nلكن قالوا: إذا كان العقل دل علي النفي لم يمكنا إبطال مدلول العقل.","vol":"1","page":103},{"text":"ثم يقول المتكلمون من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم الذين قالوا: إنما يمكن إثبات الصانع وصدق رسله بهذه الطريق، ويقولون: إنه لا يمكن العلم بحدوث العالم وإثبات الصانع، والعلم بأنه قادر حي عالم، وأنه يجوز أن يرسل الرسل ويصدق الأنبياء بالمعجزات إلا بهذه الطريق - كما يذكر ذلك أئمتهم وحذاقهم، حتى متأخروهم كأبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجويني، والقاضي أبي يعلي، وغيرهم - فإذا علمنا مع ذلك أن الأنبياء لم يدعوا الناس بها لزم ما قلناه من أن الرسول أحال الناس في معرفة الله علي العقل، وإذا علموا ذلك فحينئذ هم في نصوص الأنبياء إما أن يسلكوا مسلك التأويل، ويكون القصد بإنزال المتشابه تكليفهم استخراج طريق التأويلات، وإما أن يسلكوا مسلك التفويض، ويكون المقصود إنزال ألفاظ يتعبدون بتلاوتها وإن لم يفهم أحد معانيها.\nويقول ملاحدة الفلاسفة والباطنية ونحوهم: المقصود خطاب الجمهور بما يتخيلون به أن الرب جسم عظيم، وأن المعاد فيه لذات جسمانية، وإن كان هذا لا حقيقة له، ثم إما أن يقال إن الأنبياء لم يعلموا ذلك، وإما أن يقال: علموه ولم يبينوه بل أظهروا خلاف الحق للمصلحة.\nقيل في الجواب: أما من سلك المسلك الأول فجوابه من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>الجواب علي المسلك الأول من وجوه. الأول</span>\nالجواب علي المسلك الأول من وجوه.\nالأول\nأحدهما: أن يقال: فإذا كانت الأدلة السمعية المأخوذة عن الأنبياء دلت علي صحة هذه الطريق وصحة مدلولها، وعلي نفي ما تنفونه من الصفات، فحينئذ تكون الأدلة السمعية المثبتة لذلك عارضت هذه الأدلة، فيكون السمع قد عارضه سمع آخر، وإن كان أحدهما موافقًا لما تذكرونه من العقل.","vol":"1","page":104},{"text":"وحينئذ فلا تحتاجون أن تبنوا دفع السمعيات المخالفة لكم علي هذا القانون الذي ابتدعتموه، وجعلتم فيه آراء الرجال مقدمة علي ما أنزل الله وبعث به رسله، وفتحتم بابًا لكل طائفة، بل لكل شخص، أن يقدم ما رآه بمعقوله علي ما ثبت عن الله ورسوله، بل يعلمه المخبر، ولهذا كان هذا القانون لا يظهره أحد من الطوائف المشهورين ن وإنما كان بعضهم يبطنه سرًا، وإنما أظهر لما ظهر كلام الملاحدة أعداء الرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الثاني</span>\nأن يقال: كل من له أدني معرفة بما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم يعلم بالاضطرار أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يدع الناس بهذه الطريقة، طريق الأعراض، ولا نفي الصفات أصلًا ن لا نصًا ولا ظاهرًا، ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا، ولا ذكر أن الخالق ليس فوق العالم ولا مباينًا له، أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا، بل ولا نفي الجسم الاصطلاحي، ولا ما يرادف من الألفاظ، ولا ذكر أن الحوادث يمتنع دوامها في الماضي والمستقبل، أو في الماضي، لا نصًا ولا ظاهرًا، ولا أن الرب صار الفعل ممكنًا له بعد أن لم يكن ممكنًا، ولا أنه صار الكلام ممكنًا له بعد أن لم يكن ممكنا ًن ولا أن كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه ونحو ذلك أمور مخلوقة بائنة عنه، وأمثال ذلك مما يقوله هؤلاء لا نصًا ولا ظاهرًا.","vol":"1","page":105},{"text":"بل علم الناس خاصتهم وعامتهم بأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يذكر ذلك أظهر من علمهم بأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وأن القرآن لم يعارضه أحد، وأنه لم يفرض صلاة إلا الصلوات الخمس، وأنه لم يكن يؤخر صلاة النهار إلي الليل وصلاة الليل إلي النهار، وأنه لم يكن يؤذن له في العيدين والكسوف والاستسقاء، وأنه لم يرض بدين الكفار، لا المشركين ولا أهل الكتاب قط، وأنه لم يسقط الصلوات الخمس عن أحد من العقلاء، وأنه لم يقاتله أحد من المؤمنين به، لا أهل الصفة ولا غيرهم، وأنه لم يكن يؤذن بمكة، ولا كان بمكة أهل صفة، ولا كان بالمدينة أهل صفة قبل أن يهاجر إلي المدينة، وأنه لم يجمع أصحابه قط علي سماع كف ولا دف، وأنه لم يكن يقصر شعر كل من أسلم أو تاب من ذنب، وأنه لم يكن يقتل كل من سرق أو قذف أو شرب، وأنه لم يكن يصلي الخمس إذا كان صحيحًا إلا بالمسلمين، لم يكن يصلي الفرض وحده، ولا في الغيب، وأنه لم يحج في الهواء قط، وأنه لم يقل رأيت ربي في اليقظة، لا ليلة المعراج ولا غيرها، ولم يقل: إن الله ينزل عشية عرفة إلي","vol":"1","page":106},{"text":"الأرض، وإنما قال: إنه ينزل إلي السماء الدنيا عشية عرفة فيباهي اللائكة بالحجاج","vol":"1","page":107},{"text":"ولا قال: إن الله ينزل كل ليلة إلي الأرض، وإنما قال: ينزل إلي سماء الدنيا وأمثال ذلك مما يعلم العلماء بأحواله علمًا ضروريًا أنه لم يكن، ومن روي ذلك عنه أو أخذ يستدل علي ثبوت ذلك علموا بطلان قوله بالاضطرار، كما يعلمون بطلان قول السوفسطائية، وإن لم يشتغلوا بحل شبههم.\nوحينئذ فمن استدل بهذه الطريق، أو أخبر الأمة بمثل قول نفاة الصفات، كان كذبه معلومًا بالاضطرار أبلغ مما يعلم كذب من ادعي عليه هذه الأمور المنتفية عنه وأضعافها، وهذا مما يعلمه من له أدني خبرة بأحوال الرسل، فضلًا عن المتوسطين، فضلًا عن الوارثين له، العالمين بأقواله وأفعاله.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الثالث</span>\nالوجه الثالث: أن يقال: جميع ما ذكرتموه من أقوال الأنبياء أنها تدل علي مثل قولكم فلا دلالة في شيء منها، من وجوه متعددة، وذلك معلوم يقنًا، بل فيها ما يدل علي نقيض قولكم، وهو مذهب أهل الإثبات، وهكذا عامة ما يحتج به أهل الباطل من الحجج، لا سيما السمعية، فإنها إنما تدل علي نقيض قولهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>نقض الاستدلال بقصة إبراهيم ﵇</span>\nوأما قصة إبراهيم الخليل ﵇ فقد علم باتفاق أهل اللغة والمفسرين أن الأفول ليس هو الحركة، سواء كانت حركة مكانية، وهو الانتقال، أو حركة في الكم كالنمو، أو في الكيف كالتسود والتبيض، ولا هو التغير، فلا يسمى في اللغة كل متحرك أو متغير آفلًا، ولا أنه أفل، لا يقال للمصلي أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة، كالمرض واصفرار الشمس: إنه أفول، لا يقال للشمس إذا اصفرت: إنها أفلت، وإنما يقال أفلت إذا غابت واحتجبت، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب: أن آفلًا بمعني غائب، وقد أفلت الشمس تأفل وتأفل أفولًا: أي غابت.","vol":"1","page":109},{"text":"ومما يبين هذا أن الله ذكر عن الخليل أنه لما ﴿رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٦-٧٩] .\nومعلوم أنه لما بزغ القمر والشمس كان في بزوغه متحركًا، وهو الذي يسمونه تغيرًا، فلو كان قد استدل بالحركة المسماة تغيرًا لكان قد قال ذلك من حين رآه بازغًا، وليس مراد الخليل بقوله: هذا ربي رب العالمين، ولا أن هذا هو القديم الأزلي الواجب الوجود، الذي كل ما سواه محدث ممكن مخلوق له، ولا كان قومه يعتقدون هذا حتى يدلهم علي فساده، ولا اعتقد هذا أحد يعرف قوله، بل قومه كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأصنام، ويقرون بالصانع.\nولهذا قال الخليل ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [الشعراء: ٧٥-٧٧] وقال ﴿إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٨] فذكر لهم ما كانوا يفعلونه من اتخاذ الكواكب والشمس والقمر ربًا يعبدونه ويتقربون إليه، كما هو عادة عباد الكواكب ومن يطلب تسخير روحانية الكواكب، وهذا مذهب مشهور، مازال","vol":"1","page":110},{"text":"عليه طوائف من المشركين إلي اليوم، وهو الذي صنف فيه الرازي السر المكتوم وغيره من المصنفات.\nفإن قال المنازعون: بل الخليل إنما أراد أن هذا رب العلمين.\nقيل: فيكون إقرار الخليل حجة علي فساد قولكم، لأنه حينئذ يكون مقرًا بأن رب العالمين قد يكون متحيزًا متنقلًا من مكان إلي مكان، متغيرًا، وإنه لم يجعل هذه الحوادث تنافي وجوده، وإنما جعل المنافي لذلك أفوله، وهو مغيبه، فتبين أن قصة الخليل إلي أن تكون حجة عليهم أقرب من أن تكون حجة لهم، ولا حجة لهم فيها بوجه من الوجوه.\nوأفسد من ذلك قول من جعل الأفول بمعني الإمكان، وجعل كل ما سوي الله آفلًا، بمعني كونه قديمًا أزليًا، حتى جعل السماوات والأرض والجبال والشمس والقمر والكواكب لم تزل ولا تزال آفلة، وأن أفولها وصف لازم لها، إذ هو كونها ممكنة، والإمكان لازم لها، فهذا مع كونه افتراء علي اللغة والقرآن افتراء ظاهرًا يعرفه كل أحد، كما افتري غير ذلك من تسمية القديم الأزلي محدثًا، وتسميته مصنوعًا - فقصة الخليل حجة عليه، فإنه لما رأي القمر بازغًا قال هذا ربي ولما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي\nفلما أفلت قال: لا أحب الآفلين فتبين أنه أفل بعد أن لم يكن آفلًا، فكون الشمس والقمر والكواكب وكل ما سوي الله ممكنا هو وصف لازم له، لا يحدث له بعد أن لم يكن.","vol":"1","page":111},{"text":"وهم يقولون: إمكانه له من ذاته، ووجوده من غيره، بناء علي تفريقهم في الخارج بين وجود الشيء وذاته، فالإمكان عندهم أولي بذاته من الوجود، ولو قال: فلما وجدت أو خلقت أو أبدعت قال: لا أحب الموجوديين والمخلوفين، كان هذا قبيحًا متناقصًا، إذ لم يزل كذلك، فكيف إذا قال: فلما صارت ممكنة، وهى لم تزل ممكنة.\nوأيضًا فهي من حين بزغت وإلي أن أفلت ممكنة بذاتها تقبل الوجود والعدم، مع كونها عندهم قديمة أزلية يمنتع عدمها، وحينئذ يكون كونها متحركة ليس بدليل عند إبراهيم علي مونها ممكنة تقبل الوجود والعدم.\nوأما قول القائل: كل متحرك محدث، أن كل متحرك ممكن يقبل الوجود والعدم فهذه المقدمة ليست ضرورية فطرية بإتفاق العقلاء، بل من يدعي صحة ذلك يقول: إنها لا تعلم إلا بالنظر الخفي، ومن ينازع في ذلك يقول: إنها باطلة عقلا وسمعا، ويمثل من مثل بها في أوائل العلوم الكلية لقصوره وعجزه، وهو نفسه يقدح فيها في عامة كتبه.\nوأما قوله: كل متغير محدث أو ممكن فإن أراد بالتغير ما يعرف من ذلك في اللغة، مثل استحالة الصحيح إلي المرض، والعادل إلي الظلم، والصديق إلي العداوة، فإنه يحتاج في إثبات هذه الكلية إلي دليل.\nوإن أراد بالتغير معني الحركة، أو قيام الحوادث مطلقًا ن حتى تسمي الكواكب حين بزوغها متغيرة،","vol":"1","page":112},{"text":"ويسمي كل متكلم ومتحرك متغيرًا، فهذا مما عليه إقامة الدليل فيه علي دعواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>لفظ أحد وواحد</span>\nوأما استدلالهم بما في القرآن من تسمية الله أحدا وواحدا علي نفي الصفات، الذي بنوه علي نفي التجسيم.\nفيقال لهم: ليس في كلام العرب، بل ولا عامة أهل اللغات، أن الذات الموصوفة بالصفات لا تسمي واحدًا ولا تسمي أحدًا في النفي والإثبات، بل المنقول بالتواتر عن العرب تسمية الموصوف بالصفات واحدا وأحدا، حيث أطلقوا ذلك، ووحيدًا.\nقال تعالى ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾ [المدثر: ١١] وهوالوليد ابن المغيرة.\nوقال تعالى ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: ١١] فسماها واحدة، وهو امرأة واحدة متصفة بالصفات، بل جسم حامل للأعراض.\nوقال تعالى ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] .\nوقال تعالى ﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره﴾ [القصص: ٢٦] وقال تعالى ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال تعالى ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى﴾ [الحجرات: ٩] .","vol":"1","page":113},{"text":"وقال ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾ [الإخلاص: ٤] وقال ﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد﴾ بالجن: ٢٢] وقال تعالى ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠] وقال تعالى ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩] .\nفإن كان لفظ الأحد لا يقال علي ما قامت به الصفات، بل ولا علي شيء من الأجسام التي تقوم بها الأعراض لأنها منقسمة، لم يكن في الوجود غير الله من الملائكة والإنس والجن والبهائم من يدخل في لفظ أحد، بل لم يكن في الموجودين ما يقال عليه في النفي أنه أحد، فإذا قيل ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ لم يكن هذا نفيا لمكافأة الرب إلا عمن لا وجود له، ولم يكن في الموجودات ما أخبر عنه بهذا الخطاب أنه ليس كفؤًا لله.\nوكذلك قوله ﴿ولا أشرك بربي أحدا﴾ [الكهف: ٣٨]، ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ فإنه إذا لم يكن الأحد إلا ما لا ينقسم، وكل مخلوق وجسم منقسم، لم يكن في المخلوق ما يدخل في مسمي أحد، فيكون التقدير: ولا أشرك به ما لم يوجد، ولا يشرك بربه ما لا يوجد.\nوإذا كان المراد النفي العام، وأن كل موجود من الإنس والجن يدخل في مسمي أحد، يقال: إنه أحد الرجلين، ويقال للأنثى: إحدى المرأتين، ويقال للمرأة: واحدة، وللرجل: واحد، ووحيد - علم أن اللغة التي نزل بها القرآن لفظ الواحد والأحد فيها يتناول الموصوفات، بل يتناول الجسم الحامل","vol":"1","page":114},{"text":"للأعراض، ولم يعرف أنهم أرادوا بهذا اللفظ ما لم يوصف أصلًا، بل ولا عرف منهم أنهم لا يستعملونه إلا في غير الجسم، بل ليس في كلامهم ما يبين استعمالهم له في غير ما يسميه هؤلاء جسمًا، فكيف يقال: لا يدل إلا علي نقيض ذلك، ولم يعرف استعماله إلا في النقيض - الذي أخرجوه منه - الوجودي، دون النقيض الذي خصوه به وهو العدمي؟ وهل يكون في تبديل اللغة والقرآن أبلغ من هذا؟ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>لفظ الصمد</span>\nوكذلك اسمه الصمد ليس في قول الصحابة: إنه الذي لا جوف له ما يدل علي أنه ليس بموصوف بالصفات: بل هو علي إثبات الصفات أدل منه علي نفيها من وجوه مبسوطة غير هذا الموضع.\nوكذلك قوله ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشوري: ١١]، وقوله ﴿هل تعلم له سميًا﴾ [مريم: ٦٥]، ونحو ذلك، فإنه لا يدل علي نفي الصفات بوجه من الوجوه، بل ولا علي نفي ما يسميه أهل الاصطلاح جسمًا بوجه من الوجوه.\nوأما احتجاجهم بقولهم: الأجسام متماثلة فهذا - إن كان حقًا - فهو تماثل يعلم بالعقل، ليس فيه أن اللغة التي نزل بها القرآن تطلق لفظ المثل علي كل جسم، ولا أن اللغة التي نزل بها القرآن تقول: إن السماء مثل الأرض، والشمس والقمر والكواكب مثل الجبال، والجبال مثل البحار، والبحار مثل التراب، والتراب مثل الهواء، والهواء مثل الماء، والماء مثل النار، والنار مثل الشمس، والشمس","vol":"1","page":115},{"text":"مثل الإنسان، والإنسان مثل الفرس والحمار، والفرس والحمار مثل السفرجل والرمان، والرمان مثل الذهب والفضة، والذهب والفضة مثل الخبز واللحم، ولا في اللغة التي نزل بها القرآن أن كل شيئين اشتركا في المقدارية بحيث يكون كل منهما له قدر من الأقدار كالطول والعرض والعمق أنه مثل الآخر، ولا أنه إذا كان كل منهما بحيث يشار إليه الإشارة الحسية يكون مثل الآخر، بل ولا فيها أن كل شيئين كانا مركبين من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة كان أحدهما مثل الآخر.\nبل اللغة التي نزل بها القرآن تبين أن الإنسانين - مع اشتراكهما في أن كلا منهما جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق ضحاك، بادي البشرة - قد لا يكون أحدهما مثل الآخر، كما قال تعالي ﴿وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ [محمد: ٣٨]، فقد بين أنه يستبدل قومًا لا يكونون أمثال المخاطبين، فقد نفي عنهم المماثلة مع اشتراكهم فيما ذكرناه.\nفكيف يكون في لغتهم أن كل إنسان فإنه مماثل للإنسان، بل مماثل لكل حيوان، بل مماثل لكل جسم نام حساس، بل مماثل لكل جسم مولد عنصري، بل مماثل لكل جسم فلكي وغير فلكي؟\nوالله إنما أرسل الرسول بلسان قومه، وهم قريش خاصة، ثم العرب عامة، لم ينزل القرآن بلغة من قال: الأجسام متماثلة حتى يحمل القرآن علي لغة هؤلاء.","vol":"1","page":116},{"text":"هذا لو كان ما قالوه صحيحًا في العقل، فكيف وهو باطل في العقل؟ كما بسطناه في موضع آخر، إذ المقصود هنا بيان أنه ليس لهم في نصوص الأنبياء إلا ما يناقض قولهم، لا ما يعاضده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>لفظ الكفء</span>\nوكذلك الكفء، قال حسان بن ثابت:\nأتهجوه، ولست له بكفء؟ ... فشركما لخيركما الفداء\nفقد نفى أن يكون كفوًا لمحمد، مع أن كليهما جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق، ولكن النصوص الإلهية لما دلت على أن الرب ليس له كفء في شيء من الأشياء، ولا مثل له في أمر من الأمور، ولا ند له في أمر من الأمور، علم أنه لا يماثله شيء من الأشياء في صفة من الصفات، ولا فعل من الأفعال، ولا حق من الحقوق، وذلك لا ينفي كونه متصفًا بصفات الكمال.\nفإذا قيل هو حي، ولا يماثله شيء من الأحياء في أمر من الأمور، وعليم وقدير وسميع وبصير، ولا يماثله عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير في أمر من الأمور، كان ما دل عليه السمع مطابقًا لما دل عليه العقل من عدم مماثلة شيء من الأشياء له في أمر من الأمور.","vol":"1","page":117},{"text":"وأما كون ماله حقيقة أو صفة أو قدر يكون بمجرد ذلك مماثلًا لما له حقيقة أو صفة أو قدر فهذا باطل عقلًا وسمعًا، فليس في لغة العرب ولا غيرهم إطلاق لفظ المثل على مثل هذا، وإلا فليلزم أن يكون كل موصوف مماثلًا لكل موصوف، وكل ما له حقيقة مماثلًا لكل ما له حقيقة، وكل ما له قدر مماثلًا لكل ما له قدر، وذلك يستلزم أن يكون كل موجود مماثلًا لكل موجود.\nوهذا - مع أنه في غاية الفساد والتناقض - لا يقوله عاقل، فإنه يستلزم التماثل في جميع الأشياء، فلا يبقى شيئان مختلفان غير متماثلين قط، وحينئذ فيلزم أن يكون الرب مماثلًا لكل شيء، فلا يجوز نفي مماثلة شيء من الأشياء عنه، وذلك مناقض للسمع والعقل، فصار حقيقة قولهم في نفي التماثل عنه يستلزم ثبوت مماثلة كل شيء له، فهم متناقضون مخالفون للشرع والعقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الرابع</span>\nالجواب الرابع: أن يقال فهب أن بعض هذه النصوص قد يفهم منها مقدمة واحدة من مقدمات دليلكم، فتلك كافية بالضرورة عند العقلاء، بل لا بد من ضم مقدمة أو مقدمات أخر ليس في القرآن ما يدل عليها ألبته، فإذا قدر أن الأفول هو الحركة، فمن أين في القرآن ما يدل دلالة ظاهرة علي أن كل متحرك محدث أو ممكن؟ وأن الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن؟ وأن ما قامت به الحوادث لم يخل منها؟ وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؟ وأين في القرآن امتناع حوادث لا أول لها؟\nبل أين في القرآن أن الجسم الاصطلاحي مركب من الجواهر الفردة التي لا تقبل الانقسام، أو من المادة والصورة، وأن كل جسم فهو منقسم ليس بواحد؟","vol":"1","page":118},{"text":"بل أين في القرآن أو لغة العرب، أو أحد من الأمم أن كل ما يشار إليه أو كل ما له مقدار فهو جسم؟ وأن كل ما شاركه في ذلك فهو له في الحقيقة؟\nولفظ الجسم في القرآن مذكور في قوله تعالى ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وفي قوله ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾ [المنافقون: ٤] .\nوقد قال أهل اللغة: إن الجسم هو البدن.\nقال الجوهري في صحاحه: قال أبو زيد: الجسم الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان.\nقال: وقال الأصمعي: الجسم والجسمان: الجسد.\nومعلوم أن أهل الاصطلاح نقلوا لفظ الجسم من هذا المعني الخاص إلي ما هو أعم منه، فسموا الهواء ولهيب النار وغير ذلك جسمًا، وهذا لا تسميه العرب جسمًا، كما لا تسميه جسدًا ولا بدنًا.\nثم قد يراد بالجسم نفس الجسد القائم بنفسه، وقد يراد به غلظه، كما يقال: لهذا الثوب جسم.\nوكذلك أهل العرف الاصطلاحي يريدون بالجسم تارة هذا، وتارة هذا، ويفرقون بين الجسم التعليمي المجرد عن المحل الذي يسمي المادة والهيولى، وبين الجسم الطبيعي الموجود.\nوهذا مبسوط في موضع آخر.","vol":"1","page":119},{"text":"والمقصود هنا أنه لو قدر أن الدليل يفتقر إلي مقدمات، ولم يذكر القرآن إلا واحدة، لم يكن قد ذكر الدليل، إلا أن تكون البواقي واضحات لا تفتقر إلي مقدمات خفية، فإنه إنما يذكر للمخاطب من المقدمات ما يحتاج إليه، دون ما لا يحتاج إليه، ومعلوم أن كون الأجسام متماثلة، وأن الأجسام تستلزم الأعراض الحادثة، وأن الحوادث لا أول لها - من أخفي الأمور وأحوجها إلي مقدمات خفية، لو كان حقًا، وهذا ليس في القرآن.\nوالمقصود هنا أنه لو قدر أن الدليل يفتقر إلي مقدمات، ولم يذكر القرآن إلا واحدة، لم يكن قد ذكر الدليل، إلا أن تكون البواقي واضحات لا تفتقر إلي مقدمات خفية، فإنه إنما يذكر للمخاطب من المقدمات ما يحتاج إليه، دون ما لا يحتاج إليه، ومعلوم أن كون الأجسام متماثلة، وأن الأجسام تستلزم الأعراض الحادثة، وأن الحوادث لا أول لها - من أخفي الأمور وأحوجها إلي مقدمات خفية، لو كان حقًا، وهذا ليس في القرآن.\nفإن قيل: بل كون الأجسام تستلزم الحوادث ظاهر، فإنه لا بد للجسم من الحوادث، وكون الحوادث لا أول لها ظاهر، بل هذا معلوم بالضرورة، كما ادعى ذلك كثير من نظار المتكلمين، وقالوا: نحن نعلم بالاضطرار أن ما لا يسبق الحوادث، أو ما لا يخلو من الحوادث، فهو حادث، فإن ما لم يسبقها ولم يخل منها لا يكون قبلها، بل إما معها وإما بعدها، وما لم يكن قبل الحوادث بل معها أو بعدها لم يكن إلا حادثًا، فإنه لو لم يكن حادثًا لكان متقدمًا علي الحوادث، فكان خاليًا منها وسابقًا عليها.\nقيل: مثل هذه المقدمة وأمثالها منشأ غلط كثير من الناس، فإنها تكون لفظًا مجملًا يتناول حقًا وباطلًا، وأحد نوعيها معلوم صادق، والآخر ليس كذلك، فيلتبس المعلوم منها بغير المعلوم، كما في لفظ الحادث والممكن والمتحيز والجسم والجهة والحركة والتركيب وغير ذلك من الألفاظ المشهورة بين النظار التي كثر فيها نزاعهم، وعامتها ألفاظ مجملة تتناول أنواعًا مختلفة:","vol":"1","page":120},{"text":"إما بطريق الاشتراك لاختلاف الاصطلاحات، وإما بطريق التواطؤ مع اختلاف الأنواع، فإذا فسر المراد وفصل المتشابه تبين الحق من الباطل والمراد من غير المراد.\nفإذا قال القائل: نحن نعلم بالاضطرار أن ما لا يسبق الحوادث أو ما يخلو منها فهو حادث، فقد صدق فيما فهمه من هذا اللفظ، وليس ذلك من محل النزاع، كلفظ القديم إذا قال قائل: القرآن قديم وأراد به أنه نزل من أكثر من سبعمائة سنة، وهو القديم في اللغة، أو أراد أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزول القرآن، فإن هذا مما لا نزاع فيه.\nوكذلك إذا قال: غير مخلوق وأراد به أنه غير مكذوب، فإن هذا مما لم يتنازع فيه أحد من المسلمين وأهل الملل المؤمنين بالرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>مناقشة قولهم: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث</span>\nوذلك أن القائل إذ قال: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث فله معنيان: أحدهما أنه لا يسبق الحادث المعين، أو الحوادث المعينة أو المحصورة، أو الحوادث التي يعلم أن لها ابتداء، فإذا قدر أنه أريد بالحوادث كل ما له ابتداء، واحدًا كان أو عددًا، فمعلوم أنه ما لم يسبق هذا أو لم يخل من هذا لا يكون قبله، بل لا يكون إلا معه أو بعده، فيكون حادثًا.\nوهذا مما لا يتنازع فيه عاقلان يفهمان ما يقولان.\nوليس هذا مورد النزاع، ولكن مورد النزاع هو: ما لم يخل من الحوادث المتعاقبة التي لم تزل متعقابة، هل هو حادث؟ وهو مبني علي أن هذا هل يمكن وجوده أم لا؟ فهل يمكن وجود حوادث متعاقبة شيئًا بعد شيء دائمة لا ابتداء","vol":"1","page":121},{"text":"لها ولا انتهاء؟ وهل يمكن أن يكون الرب متكلمًا لم يزل متكلمًا إذا شاء؟ وتكون كلماته لا نهاية لها، لا ابتداء ولا انتهاء، كما أنه في ذاته لم يزل ولا يزال ابتداء لوجوده ولا انتهاء له؟ بل هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، فهو القديم الأزلي الدائم الباقي بلا زوال، فهل يمكن أن يكون لم يزل متكلمًا بمشيئته، فلا يكون قد صار متكلمًا بعد أن لم يكن ن ولا يكون كلامه مخلوقًا منفصلًا عنه، ولا يكون متكلمًا بغير قدرته ومشيئته، بل يكون متكلمًا بمشيئته وقدرته، ولم يزل كذلك، ولا يزال كذلك.\nهذا هو مورد النزاع بين السلف والأئمة الذين قالوا بذلك، وبين من نازعهم في ذلك.\nوالفلاسفة يقولون: إن الفلك نفسه قديم أزلي لم يزل متحركًا، لكن هذا القول باطل من وجوه كثيرة.\nومعلوم بالاضطرار أن هذا مخالف لقولهم، ومخالف لما أخبر به القرآن والتوراة وسائر الكتب، بخلاف كونه لم يزل متكلمًا أو لم يزل فاعلًا أو قادرًا علي الفعل، فإن هذا مما قد يشكل علي كثير من الناس سمعًا وعقلًا.\nوأما كون السماوات والأرض مخلوقتين محدثتين بعد العدم، فهذا إنما نازع فيه طائفة قليلة من الكفار كأرسطو وأتباعه.\nوأما جمهور الفلاسفة، مع عامة أصناف المشركين من الهند والعرب وغيرهم، ومع المجوس وغيرهم، ومع أهل الكتاب وغيرهم، فهم متفقون علي أن السماوات والأرض وما بينهما محدث مخلوق بعد أن لم يكن، ولكن تنازعوا في مادة ذلك،","vol":"1","page":122},{"text":"هل هي موجودة قبل هذا العالم؟ وهل كان قبله مدة ومادة، أم هو أبدع ابتداء من غير تقدم مدة ولا مادة؟\nفالذي جاء به القرآن والتوراة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل الكتاب: أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله، كما أخبر في القرآن أنه: ﴿استوى إلى السماء وهي دخان﴾ أي بخار ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها﴾ [فصلت: ١١]، وقد كان قبل ذلك مخلوق غيره كالعرش والماء، كما قال تعالى ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧] وخلق ذلك في مدة غير مقدار حركة الشمس والقمر، كما أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.\nوالشمس والقمر هما من السماوات والأرض، وحركتهما بعد خلقهما، والزمان المقدر بحركتهما - وهو الليل والنهار التابعان لحركتهما - إنما حدث بعد خلقهما، وقد أخبر الله أن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فتلك الأيام مدة وزمان مقدر بحركة أخري غير حركة الشمس والقمر.\nوهذا مذهب جماهير الفلاسفة الذين يقولون: إن هذا العالم مخلوق محدث، وله مادة متقدمة عليه، لكن حكي عن بعضهم أن تلك المادة المعنية قديمة أزلية، وهذا أيضًا باطل، كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن المقصود هنا إشارة مختصرة إلي قول من يقول: إن أقوال هؤلاء دل عليها السمع.","vol":"1","page":123},{"text":"فإن قيل: إبطال حوادث لا أول لها قد دل عليه قوله تعالي ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ [الرعد: ٨] وقوله ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] كما ذكر ذلك طائفة من النظار، فإن ما لا ابتداء له ليس له كل، وقد أخبر أنه أحصي كل شيء عددًا.\nقيل: هذا لو كان حقًا لكان دلالة خفية لا يصلح أن يحال عليها، كنفي ما دل علي الصفات، فإن تلك نصوص كثيرة جلية، وهذا ـلو قدر أنه دليل صحيح - فإنه يحتاج إلي مقدمات كثيرة خفية لو كانت حقًا، مثل أن يقال: هذا يستلزم بطلان حوادث لا أول لها، وذلك يستلزم حدوث الجسم، لأن الجسم لو كان قديمًا للزم حوادث لا بداية لها، لأن الجسم يستلزم الحوادث، فلا يخلو منها لاستلزامه الأكوان أو الحركات أو الأعراض، ثم يقال بعد هذا: وإثبات الصفات يستلزم كون الموصوف جسمًا.\nوهذه المقدمة تناقض فيها عامة من قالها كما سنبينه إن شاء الله تعالي، فكيف وقوله ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ لا يدل علي ذلك؟ فإنه سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقال ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس: ١٢] فقد أحصي وكتب ما يكون قبل أن يكون إلي أجل محدود، فقد أحصي المستقبل المعدوم، كما أحصي الماضي الذي وجد، ثم عدم.","vol":"1","page":124},{"text":"ولفظ الإحصاء لا يفرق بين هذا وبين هذا، فإن كان الإحصاء يتناول ما لا يتناهى جملة فلا حجة في الآية، وإن قيل: بل أحصي المستقبل، تقديره: جملة بعد جملة، لم يكن في الآية حجة، فإنه يمكن أن يقال في الماضي كذلك.\nومسألة تناول العلم لما لا يتناهى مسألة مشكلة علي القولين، ليس الغرض هنا إنهاء القول فيها، بل المقصود أن مثل هذه الآية لم يرد الله بها إبطال دوام كونه لم يزل متكلمًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المعاني المختلفة لحدوث العالم عند النظار</span>\nومما يشبه هذا إذا قيل: العالم حادث أم ليس بحادث؟ والمراد بالعالم في الاصطلاح هو كل ما سوى الله، فإن هذه العبارة لها معني في الظاهر المعروف عند عامة الناس أهل الملل وغيرهم، ولها معني في عرف المتكلمين، وقد أحدث الملاحدة لها معني ثالثًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المعني الأول</span>\nفالذي يفهمه الناس من هذا الكلام أن كل ما سوى الله مخلوق، حادث، كائن بعد أن لم يكن، وأن الله وحده هو القديم الأزلي، ليس معه شيء قديم تقدمه، بل كل ما سواه كائن بعد أن لم يكن، فهو المختص بالقدم، كما اختص بالخلق والإبداع والإلهية والربوبية، وكل ما سواه محدث مخلوق مربوب عبد له.\nوهذا العني هو المعروف عن الأنبياء وأتباع من المسلمين واليهود والنصارى، وهو مذهب أكثر الناس غير أهل الملل من الفلاسفة وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المعنى الثاني</span>\nوالمعني الثاني أن يقال: لم يزل الله لا يفعل شيئًا ولا يتكلم بمشيئته، ثم حدثت الحوادث من غير سبب يقتضي ذلك، مثل أن يقال: إن كونه لم يزل متكلمًا بمشيئته أو فاعلًا بمشيئته، بل لم يزل قادرًا، هو ممتنع، وإنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها، فهذا المعني هو الذي يعنيه أهل الكلام من الجهمية","vol":"1","page":125},{"text":"والمعتزلة ومن أتبعهم بحدوث العالم، وقد يحكونه عن أهل الملل، وهو بهذا المعني لا يوجد لا في القرآن ولا غيره من كتب الأنبياء، لا التوراة ولا غيرها، ولا في حديث ثابت عن النبي صلي الله عليه وسلم، ولا يعرف هذا عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المعنى الثالث</span>\nوالمعنى الثالث، الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله، قالوا: نقول العالم محدث، أي معلول لعلة قديمة أزلية أوجبته، فلم يزل معها، وسموا هذا الحدوث الذاتي، وغيره الحدوث الزماني.\nوالتعبير بلفظ الحدوث عن هذا المعني لا يعرف عن أحد من أهل اللغات، لا العرب ولا غيرهم، إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعني، والقول بأن العالم محدث بهذا المعني فقط ليس قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم، ولا أمة من الأمم العظيمة ولا طائفة من الطوائف المشهورة التي اشتهرت مقالاتها في عموم الناس، بحيث كان أهل مدينة علي هذا القول، إنما يقول هذا طوائف قليلة مغمورة في الناس.\nوهذا القول إنما هو معروف عن طائفة من المتفلسفة المليين، كابن سينا وأمثاله، وقد يحكون هذا القول عن أرسطو، وقوله الذي في كتبه: أن العالم قديم، وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه، ويقولون: إنه محدث، ولم يثبت في كتبه للعالم فاعلًا موجبًا له بذاته، وإنما أثبت له علة يتحرك للتشبه بها، ثم جاء الذين","vol":"1","page":126},{"text":"أرادوا إصلاح قوله فجعلوا العلة أو لي لغيرها، كما جعلها الفارابي وغيره، ثم جعلها بعض الناس آمرة للفلك بالحركة، لكن يتحرك للتشبه بها كما يتحرك العاشق للمعشوق وإن كان لا شعور له ولا قصد، وجعلوه مدبرًا بهذا الاعتبار - كما فعل ابن رشد وابن سينا - جعلوه موجبًا بالذات لما سواه، وجعلوا ما سواه ممكنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>الخامس</span>\nالوجه الخامس: أن يقال: غاية ما يدل عليه السمع - إن دل - علي أن الله ليس بجسم، وهذا النفي يسلمه كثير ممن يثبت الصفات أو أكثرهم، وينفيه بعضهم ويتوقف فيه بعضهم، ويفصل القول فيه بعضهم.\nونحن نتكلم علي تقدير تسليم النفي، فنقول: ليس في هذا النفي ما يدل علي صحة مذهب أحد من نفاة الصفات أو الأسماء، بل ولا يدل ذلك علي تنزيهه سبحانه عن شيء من النقائص، فإن من نفي شيئًا من الصفات لكون إثباته تجسيمًا وتشبيهًا يقول له المثبت: قولي فيما أثبته من الصفات والأسماء كقولك فيما أثبته من ذلك، فإن تنازعا في الصفات الخبرية، أو العلو أو الرؤية أو نحو ذلك، وقال له النافي: هذا يستلزم التجسيم والتشبيه، لأنه لا يعقل ما هو كذلك","vol":"1","page":127},{"text":"إلا الجسم، قال له المثبت: لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلا ما هو جسم فإذا جاز لك أن تثبت هذه الصفات، وتقول: الموصوف بها ليس بجسم، جاز لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات مع أن الموصوف بها ليس بجسم، فإذن جاز أن يثبت مسمي بهذه الأسماء ليس بجسم.\nفإن قال له: هذه معان وتلك أبعاض.\nقال له: الرضا والغضب والحب والبغض معان، واليد والوجه - وإن كان بعضًا - فالسمع والبصر والكلام أعراض لا تقوم إلا بجسم، فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست أعراضًا، ومحلها ليس بجسم، جاز لي إثبات هذه مع أنها ليست أبعاضًا.\nفإن قال نافي الصفات: أنا لا أثبت شيئًا منها.\nقال له: أنت أبهمت الأسماء، فأنت تقول: هو حي عليم قدير، ولا تعقل حيًا عليمًا قديرًا إلا جسمًا، وتقول: إنه هو ليس بجسم، فإذا جاز لك أن تثبت مسمي بهذه الأسماء ليس بجسم، مع أن هذا ليس معقولًا لك، جاز لي أن أثبت موصوفا بهذه الصفات، وإن كان هذا غير معقول لي.\nفإن قال الملحد: أنا أنفي الأسماء والصفات.\nقيل له: إما أن تقر بأن هذا العالم المشهود مفعول مصنوع، له صانع فاعله، أو تقول: إنه قديم أزلي واجب الوجود بنفسه غني عن الصانع.","vol":"1","page":128},{"text":"فإن قلت بالأول فصانعه، إن قلت: هو جسم فقد وقعت فيما نفيته، وإن قلت: ليس بجسم، فقد أثبت فاعلًا صانعًا للعالم ليس بجسم، وهذا لا يعقل في الشاهد.\nفإذا أثبت خالقًا فاعلًا ليس بجسم، وأنت لا تعرف فاعلا إلا جسمًا، كان لمنازعك أن يقول: هو حي عليم ليس بجسم، وإن كان يعرف حيًا عليمًا إلا جسمًا، بل لزمك أن تثبت له من الصفات والأسماء ما يناسبه.\nوإن قال الملحد: بل هذا العالم المشهود قديم واجب بنفسه غني عن الصانع، فقد أثبت واجبا بنفسه قديمًا أزليًا هو جسم، حامل للأعراض، متحيز في الجهات، تقوم به الأكوان، وتحله الحوادث والحركات، وله أبعاض وأجزاء، فكان ما فر منه من إثبات جسم قديم قد لزمه مثله وما هو أبعد منه، ولم يستفد بذلك الإنكار إلا جحد الخالق، وتكذيب رسله، ومخالفة صريح المعقول، والضلال المبين الذي الذي هو منتهى ضلال الضالين وكفر الكافرين.\nفقد تبين أن قول من نفي الصفات أو شيئًا منها لأن إثباتها تجسيم قول لا يمكن أحدًا أن يستدل به، بل ولا يستدل أحد علي تنزيه الرب عن شيء من النقائص بأن ذلك يستلزم التجسيم، لأنه لا بد أن يثبت شيئًا يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه غيره فيما نفاه، وإذا كان اللازم في الموضعين واحدًا، وما أجاب هو به، أمكن المنازع له أن يجيب بمثله، لم يمكنه أن يثبت شيئًا وينفي شيئًا علي هذا","vol":"1","page":129},{"text":"التقدير، وإذا انتهي إلي التعطيل المحض كان ما لزمه من تجسيم الواجب بنفسه القديم أعظم من كل تجسيم نفاه، فعلم أن مثل هذا الاستدلال علي النفي بما يستلزم التجسيم لا يسمن ولا يغني من جوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الجواب لأهل المقام الثاني من وجوه. الأول</span>\nالجواب لأهل المقام الثاني من وجوه.\nالأول\nوأما الجواب لأهل المقام الثاني - وهم محققو النفاة الذين يقولون: السمع لم يدل إلا علي الإثبات، ولكن العقل دل علي النفي - فجوابهم من وجوه:\nأحدها - أن يقال: نحن في هذا المقام مقصودنا أن العقل الذي به يعلم صحة السمع لا يستلزم النفي المناقض للسمع، وقد تبين أن الأنبياء لم يدعوا الناس بهذه الطريق المستلزمة للنفي طريقة الأعراض، وأن الذين آمنوا بهم وعلموا صدقهم لم يعلموه بهذه الطريق، وحينئذ فإذا قدر أن معقولكم خالف السمع لم يكن هذا المعقول أصلًا في السمع، ولم يكن السمع قد ناقض المعقول الذي عرفت به\nصحته، وهذا هو المطلوب.\nوإذا قلتم: نحن لم نعرف صحة السمع إلا بهذه الطريق، أو قلتم: لا نعرف السمع إلا بهذه الطريق.\nقيل لكم: أما شهادتكم علي أنفسكم بأنكم لم تعرفوا السمع إلا بهذه الطريق، فقد شهدتم علي أنفسكم بضلالكم وجهلكم بالطرق التي دعت بها الأنبياء أتباعهم،","vol":"1","page":130},{"text":"وإذا كنتم لا تعرفون تلك الطرق فأنتم جهال بطرق الأنبياء، وبما بينوا به إثبات الصانع وتصديق رسله، فلا يجوز لكم حينئذ أن تقولوا: إن صدقهم لا يعرف إلا بمعقول يناقض المنقول عنهم.\nوأما إذا قلتم: لا يمكن أن يعرف الله إلا بهذه الطريق، فهذه شهادة زور وتكذيب بما لم تحيطوا بعلمه، ونفي لا يمكنكم معرفته، فمن أين تعرفون أن جميع بني آدم من الأنبياء وأتباع الأنبياء لا يمكنهم أن يعرفوا الله إلا بإثبات الأعراض وحدوثها ولزومها للجسم، وامتناع حوادث لا أول لها، أو بنحو هذا الطريق؟ وهل الإقدام علي هذا النفي إلا من قول من هو أجهل الناس وأضلهم وأبعدهم عن معرفة طرق العلم وأدلته، والأسباب التي بها يعرف الناس ما لم يعرفوه، وهذا النفي قاله كثير من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم، وهذه حاله، وهذا النفي عمدة هؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الثاني</span>\nالوجه الثاني: أن يقال لهم: بل صدق الرسول يعلم بطرق متعددة لا تحتاج إلي هذا النفي، كما أقر بذلك جمهور النظار، حتى إن مسألة حدوث العالم اعترف بها أكابر النظار من المسلمين وغير المسلمين، حتى إن موسى ابن ميمون صاحب دلالة الحائرين وهو في اليهود كـ أبي حامد الغزالي في المسلمين، يمزج الأقوال","vol":"1","page":131},{"text":"النبوية بالأقوال الفلسفية ويتأولها عليها، حتى الرازي وغيره من أعيان النظار اعترفوا بأن العلم بحدوث العالم لا يتوقف علي الأدلة العقلية، بل يمكن معرفة صدق الرسول قبل العلم بهذه المسألة، ثم يعلم حدوث العالم بالسمع، فهؤلاء اعترفوا بإمكان كونها سمعية، فضلًا عن وجوب كونها عقلية، فضلًا عن كونها أصلًا للسمع، فضلًا عن كونها لا أصل للسمع سواها.\nوأيضًا فقد اعترف أئمة النظار بطرق متعددة لا يتوقف شيء منها علي نفي الجسم ولا نفي الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>الثالث</span>\nالوجه الثالث: أن يقال: إذا كانت الرسل والأنبياء قد اتبعهم أمم لا يحصي عددهم إلا الله من غير أن يعتمدوا علي هذه الطريق، وهم يخبرون أنهم علموا صدق الرسول يقينًا لا ريب فيه، وظهر منهم من أقوالهم وأفعالهم ما يدل علي أنهم عالمون بصدق الرسول، متيقنون لذلك، لا يرتابون فيه، وهم عدد كثير أضعاف أضعاف أضعاف أي تواتر قدر، فعلم أنهم لم يجتمعوا ويتواطئوا علي هذا الإخبار الذي يخبرون به عن أنفسهم - علم قطعًا أنه حصل لهم علم يقيني بصدق الرسول من غير هذه الطريقة المستلزمة لنفي شيء من الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>الرابع</span>\nالوجه الرابع: أن نبين فساد هذه الأقوال المخالفة لنصوص الأنبياء، وفساد طرقها التي جعلها أصحابها براهين عقلية، كما سيأتي إن شاء الله.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الخامس</span>\nالوجه الخامس: أن نبين أن الأدلة العقلية الصحيحة البينة التي لا ريب فيها، بل العلوم الفطرية الضرورية، توافق ما أخبرت به الرسل لا تخالفه، وأن الأدلة العقلية الصحيحة جميعها موافقة للسمع، لا تخالف شيئًا من السمع، وهذا - ولله الحمد - قد اعتبرته فيما ذكره عامة الطوائف، فوجدت كل طائفة من طوائف النظار أهل العقليات لا يذكر أحد منهم في مسألة ما دليلًا صحيحًا يخالف ما أخبرت به الرسل، بل يوافقه، حتى الفلاسفة القائلين بقدم العالم كأرسطو وأتباعه: ما يذكرونه من دليل صحيح عقلي، فإنه لا يخالف ما أخبرت به الرسل، بل يوافقه، وكذلك سائر طوائف النظار من أهل النفي والإثبات، لا يذكرن دليلًا عقليًا في مسألة إلا والصحيح منه موافق لا مخالف.\nوهذا يعلم به أن المعقول الصريح ليس مخالفًا لأخبار الأنبياء علي وجه التفصيل، كما نذكره إن شاء الله في موضعه، ونبين أن من خالف الأنبياء فليس لهم عقل ولا سمع، كما أخبر الله عنهم بقوله تعالي ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير * وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير﴾ [الملك: ٨-١١] .\nثم نذكر وجوها أخر لبيان فساد هذا الأصل الذي يتوسل به أهل الإلحاد إلي رد ما قاله الله ورسوله فنقول:","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: العقل إما أن يكون عالمًا بصدق الرسول، وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، وإما أن لا يكون عالمًا بذلك.\nفإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنده إذا كان المعقول معلومًا له، لأن المعلوم لا يعارضه المجهول، وإن لم يكن المعقول معلومًا له لم يتعارض مجهولان.\nوإن كان عالمًا بصدق الرسول امتنع - مع هذا - أن لا يعلم ثبوت ما أخبر به في نفس الأمر.\nغايته أن يقول: هذا لم يخبر به، والكلام ليس هو فيما لم يخبر به، بل إذا علم أن الرسول أخبر بكذا، فهل يمكنه - مع علمه بصدقه فيما أخبر وعلمه أنه أخبر بكذا - أن يدفع عن نفسه علمه بثبوت المخبر، أم يكون علمه بثبوت مخبره لازمًا له لزومًا ضروريًا، كما تلزم سائر العلوم لزومًا ضروريًا لمقدماتها؟\nوإذا كان كذلك فإذا قيل له في مثل هذا: لا تعتقد ثبوت ما عملت أنه أخبر به لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت به أنه صادق، كان حقيقة الكلام: لا تصدقه في هذا الخبر لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه، فيقول: وعدم تصديقي له فيه هو عين اللازم المحذور، فإذا قيل: لا تصدقه لئلا يلزم أن لا تصدقه، كان كما لو قيل: كذبه لئلا يلزم أن تكذبه.\nفيكون المنهي عنه هو المخوف المحذور من فعل المنهي عنه، والمأمور به هو المحذور من ترك المأمور به، فيكون واقعًا في المنهي عنه، سواء أطاع أو عصى، ويكون تاركا للمأمور به سواء أطاع","vol":"1","page":134},{"text":"أو عصي، ويكون وقوعه في المخوف المحذور علي تقدير الطاعة لهذا الآمر الذي أمره بتكذيب ما تيقن أن الرسول أخبر به أعجل وأسبق منه علي تقدير المعصية، والمنهي عنه علي هذا التقدير هو التصديق، والمأمور به هو التكذيب، وحينئذ فلا يجوز النهي عنه سواء كان محذورًا أو لم يكن، فإن لم يكن محذورًا لم يجز أن ينهى عنه، وإن كان محذورًا، فلا بد منه علي التقديرين، فلا فائدة في النهي عنه، بل إذا كان عدم التصديق هو المحذور كان طلبه ابتداء أقبح من طلب غيره لئلا يفضي إليه، فإن من أمر بالزنا كان أمره به أقبح من أن يأمر بالخلوة المفضية إلي الزنا.\nفهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علموا أنه أخبر به، بعد علمهم أنه رسول الله، لئلا يفضي تصديقهم له إلي عدم تصديقهم له، بل إذا قيل له: لا تصدقه في هذا، كان هذا أمرًا له بما يناقض ما علم به صدقه، فكان أمرًا له بما يوجب أن لا يثق بشيء من خبره، فإنه متى جوز كذبه أو غلطه في خبر جوز ذلك في غيره.\nولهذا آل الأمر بمن يسلك هذا الطريق إلي انهم لا يستفيدون من جهة الرسول شيئًا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله تعالي وأفعاله، بل وباليوم الآخر عند بعضهم، لاعتقادهم أن هذه فيها ما يرد بتكذيب أو تأويل وما لا يرد، وليس لهم قانون يرجعون إليه في هذا الأمر من جهة الرسالة، بل هذا يقول: ما أثبته عقلك فأثبته، وإلا فلا، وهذا يقول: ما أثبته كشفك فأثبته، وإلا فلا،","vol":"1","page":135},{"text":"فصار وجود الرسول صلي الله عليه وسلم عندهم كعدمه في المطالب الإلهية وعلم الربوبية، بل وجوده - علي قولهم - أضر من عدمه، لأنهم لم يستفيدوا من جهته شيئًا، واحتاجوا إلي أن يدفعوا ما جاء به: إما بتكذيب، وإما بتفويض، وإما بتأويل، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.\nفإن قالوا: لا يتصور أن يعلم أنه أخبر بما ينافي العقل، فإنه منزه عن ذلك، وهو ممتنع عليه.\nقيل لهم: فهذا إقرار منكم بامتناع معارضة الدليل العقلي للسمعي.\nفإن قالوا: إنما أردنا معارضة ما يظن أنه دليل وليس بدليل أصلًا، أو يكون دليلًا ظنيًا لتطرق الظن إلي بعض مقدماته: إما في الإسناد، وإما في المتن كإمكان كذب المخبر أو غلطه، وكإمكان احتمال اللفظ لمعنيين فصاعدًا.\nقيل: إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليل في نفس الأمر، بل اعتقاد دلالته جهل، أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل، أمكن أن يفسر الدليل العقلي المعارض للشرع بما ليس بدليل في نفس الأمر، بل اعتقاد دلالته جهل، أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل.\nوحينئذ فمثل هذا - وإن سماه أصحابه براهين عقلية أو قواطع عقلية، وهو ليس بدليل في نفس الأمر، أو دلالته ظنية - إذا عارض ما هو دليل","vol":"1","page":136},{"text":"سمعي يستحق أن يسمي دليلًا لصحة مقدماته، وكونها معلومة، وجب تقديم الدليل السمعي عليه بالضرورة واتفاق العقلاء.\nفقد تبين أنهم بأي شيء فسروا جنس الدليل الذي رجحوه أمكن تفسير الجنس الآخر بنظيره وترجيحه كما رجحوه، وهذا لأنهم وضعوا وضعًا فاسدًا، حيث قدهموا ما لا يستحق التقديم لا عقلًا ولا سمعًا، وتبين بذلك أن تقديم الجنس علي الجنس باطل، بل الواجب أن ينظر في عين الدليلين المتعارضين، فيقدهم ما هو القطعي منهما أو الراجح إن كانا ظنيين، سواء كان هو السمعي أو العقلي، ويبطل هذا الأصل الفاسد الذي هو ذريعة إلي الإلحاد..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>الوجه الخامس</span>\nأنه إذا علم صحة السمع، وأن ما أخبر به الرسول فهو حق، فإما أن يعلم أنه أخبر بمحل النزاع، أو يظن أنه أخبر به، أو لا يعلم ولا يظن.\nفإن علم أنه أخبر به امتنع أن يكون في العقل ما ينافي المعلوم بسمع أو غيره، فإن ما علم ثبوته أو انتفاؤه لا يجوز أن يقوم دليل يناقض ذلك.\nوإن كان مظنونًا أمكن أن يكون في العقل علم ينفيه، وحينئذ فيجب تقديم العلم علي الظن، لا لكونه معقولًا أو مسموعًا، بل لكونه علمًا، كما يجب تقديم ما علم بالسمع علي ما ظن بالعقل، وإن كان الذي عارضه من العقل ظنيًا، فإن تكافآ وقف الأمر، وإلا قدم الراجح.\nوإن لم يكن في السمع علم ولا ظن فلا معارضة حينئذ، فتبين أن الجزم بتقديم العقل مطلقًا خطأ وضلال.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الوجه السادس</span>\nأن يقال: إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع، لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف علي كل ما يخبر به العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>مهمة العقل</span>\nومعلوم أن هذا إذا قيل أوجه من قولهم: كما قال بعضهم: يكفيك من العقل أن يعلمك صدق الرسول ومعاني كلامه.\nوقال بعضهم: العقل متول، ولي الرسول ثم عزل نفسه، لأن العقل دل علي أن الرسول صلي الله عليه وسلم يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر.\nوالعقل يدل علي صدق الرسول دلالة عامة مطلقة.\nوهذا كما أن العامي إذا علم عين المفتي ودل غيره عليه وبين له أنه عالم مفت، ثم اختلف العامي الدال والمفتي وجب علي المستفتي أن يقدم قول المفتي، فإذا قال له العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله علي قولي عند التعارض قدحت في الأصل الذي به علمت بأنه مفت، قال له المستفتي: أنت لما شهدت بأنه مفت، ودللت علي ذلك، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك، كما شهد به دليلك، وموافقتي لك في هذا العلم المعين لا يستلزم أني أوافقك في العلم بأعيان المسائل، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو اعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، وأنت إذا علمت أنه مفت باجتهاد وإستدلال، ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئًا في الاجتهاد والاستدلال، الذي خالفت به من يجب عليك","vol":"1","page":138},{"text":"تقليده وإتباع قوله، وإن لم تكن مخطئًا في الاجتهاد والاستدلال الذي به علمت أنه عالم مفت يجب عليك تقليده.\nهذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول صلي الله عليه وسلم معصوم في خبره عن الله تعالي، لا يجوز عليه الخطأ، فتقديمه قول المعصوم علي ما يخالفه من أستدلاله العقلي أولي من تقديم العامي قول المفتي علي قوله الذي يخالفه.\nوكذلك أيضًا إذا علم الناس وشهدوا أن فلانًا خبير بالطب أو القيافة أو الخرص أو تقويم السلع ونحو ذلك، وثبت عند الحاكم أنه عالم بذلك دونهم، أو أنه أعلم منهم بذلك، ثم نازع الشهود الشاهدون لأهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم أهل العلم بذلك، وجب تقديم قول أهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم علي قول الشهود الذين شهدوا لهم، وإن قالوا: نحن زكينا هؤلاء، وبأقوالنا ثبتت أهليتهم، فالرجوع في محل النزاع إليهم دوننا يقدح في الأصل الذي ثبت به قولهم.\nكما قال بعض الناس: إن العقل مزكي الشرع ومعدله، فإذ قدم الشرع عليه كان قدحًا فيمن زكاه وعدله، فيكون قدحا فيه.","vol":"1","page":139},{"text":"قيل لهم: أنتم شهدتم بما علمتم من أنه أهل العلم بالطب أو التقويم أو الخرص أو القيافة ونحو ذلك، وأن قوله في ذلك مقبول دون قولكم، فلو قدمنا قولكم عليه في هذه المسائل لكان ذلك قدحًا في شهادتكم وعلمكم بأنه أعلم منكم بهذه الأمور، وإخباركم بذلك لا ينافي قبول قوله دون أقوالكم في ذلك، إذ يمكن إصابتكم في قلوكم: هو أعلم منا، وخطؤكم في قولكم: نحن أعلم ممن هو أعلم منا فيما ينازعنا فيه من المسائل التي هو أعلم بها منا، بل خطؤكم في هذا أظهر.\nوالإنسان قد يعلم أن هذا أعلم منه بالصناعات كالحراثة والنساجة والبناء والخياطة وغير ذلك من الصناعات، وإن لم يكن عالمًا بتفاصيل تلك الصناعة، فإذا تنازع هو وذلك الذي هو أعلم منه لم يكن تقديم قول الأعلم منه في موارد النزاع قدحًا فيما علم به أنه أعلم منه.\nومن المعلوم أن مباينة الرسول صلي الله عليه وسلم لذوي العقول أعظم من مباينة أهل العلم بالصناعات العلمية والعملية والعلوم العقلية الاجتهادية كالطب والقيافة والخرص والتقويم لسائر الناس، فإن من الناس من يمكنه أن يصير عالمًا بتلك الصناعات العلمية والعملية كعلم أربابها بها، ولا يمكن من لم يجعله الله رسولًا إلي الناس أن يصير بمنزلة من جعله الله تعالي رسولًا إلي الناس، فإن","vol":"1","page":140},{"text":"النبوة لا تنال بالاجتهاد، كما هو مذهب أهل الملل، وعلي قول من يجعلها مكتسبة من أهل الإلحاد من المتفسلفة وغيرهم فإنها عندهم أصعب الأمور، فالوصول إليها أصعب بكثير من الوصول إلي العلم بالصناعات والعلوم العقلية.\nوإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلي من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه علي قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم بالله تعالي وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة وأهل العلم بالطب.\nفإذا كان عقله يوجب أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره به من مقدرات من الأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات، واستعمالها علي وجه مخصوص، مع ما في ذلك من الكلفة والألم، لظنه أن هذا أعلم بهذا مني، وأني إذا صدقته كان ذلك أقرب إلي حصول الشفاء لي، مع علمه بان الطبيب يخطئ كثيرًا، وأن كثيرًا من الناس لا يشفي بما يصفه الطبيب، بل قد يكون استعماله لما يصفه سببًا في هلاكه، ومع هذا فهو يقبل قوله ويقلده، وإن كان ظنه واجتهاده يخالف وصفه، فكيف حال الخلق مع الرسل عليهم الصلاة والسلام؟!.","vol":"1","page":141},{"text":"والرسل صادقون مصدوقون لا يجوز أن يكون خبرهم علي خلاف ما أخبروا به قط، والذين يعارضون أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال، فكيف يجوز أن يعارض ما لم يخطئ قط بما لم يصب في معارضته له قط؟\nفإن قيل: فالشهود إذا عدلوا شخصًا ثم عاد ذلك المعدل فكذبهم كان تصديقه في جرحهم جرحًا في طريق تعديله.\nقيل: ليس هذا وزان مسألتنا، فإن المعدل إما أن يقول: هم فساق لا يجوز قبول شهادتهم، وإما أن يقول: هم في هذه الشهادة المعينة أخطأوا أو كذبوا، فإن جرحهم مطلقا كان نظير هذا أن يكون الشرع قد قدح في دلالة العقل مطلقا، وليس كذلك، فإن الأدلة الشرعية لا تقدح في جنس الأدلة العقلية.\nوأما إذا قدح في شهادة معينة من شهادات مزكيه، وقال: إنهم أخطأوا فيها، فهذا لا يعارض تزكيتهم له باتفاق العقلاء فإن المزكي لشاهد ليس من شرطه أن لا يغلط، ولا يلزم من خطئه في شهادة معينة خطؤه في تعديل من عدله، وفي غير ذلك من الشهادات.\nوإذا قال المعدل المزكي في بعض شهادات معدله ومزكيه: قد أخطأ فيها، لم يضره هذا باتفاق العقلاء، بل الشاهد العدل قد ترد شهادته لكونه خصمًا","vol":"1","page":142},{"text":"أو ظنينًا لعداوة أو غيرها، وإن لم يقدح ذلك في سائر شهاداته، فلو تعارضت شهادة المعدل والمعدل وردت شهادة المعدل لكونه خصمًا أو ظنينًا لم يقدح ذلك في شهادة الآخر وعدالته، فالشرع إذا خالف العقل في بعض موارد النزاع ونسبه في ذلك إلي الخطأ والغلط، لم يكن ذلك قدحا في كل ما يعلمه العقل، ولا في شهادته له بأنه صادق مصدوق.\nولو قال المعدل: إن الذي عدلني كذب في هذه الشهادة المعنية، فهذا أيضًا ليس نظيرًا لتعارض العقل والسمع، فإن الأدلة السمعية لا تدل علي أن أهل العقول الذين حصلت لهم شبه خالفوا بها الشرع تعمدوا الكذب في ذلك.\nوهب أن الشخص الواحد والطائفة المعينة قد تتعمد الكذب، لكن جنس الأدلة المعارضة لا توصف بتعمد الكذب.\nوأيضًا فالشاهد إذا صرح بتكذيب معدليه ل يكن تكذيب المعدل من عدله في قضية معينة مستلزمًا للقدح في تعديله، لأنه يقول: كان عدلًا حين زكاني، ثم طرأ عليه الفسق، فصار يكذب بعد ذلك، ولا ريب أن العدول إذا عدلوا شخصًا، ثم حدث ما أوجب فسقهم، لم يكن ذلك قادحا في تعديلهم الماضي، كما لا يكون قادحًا في غير ذلك من شهاداتهم.","vol":"1","page":143},{"text":"فتبين أن تمثيل معارضة الشرع للعقل بهذا ليس فيه حجة علي تقديم آراء العقلاء علي الشرع بوجه من الوجوه.\nوأيضًا فإذا سلم أن هذا نظير تعارض الشرع والعقل فيقال: من المعلوم أن الحاكم إذا سمع جرح المعدل وتكذيبه لمن عدله في بعض ما أخبر به لم يكن هذا مقتضيًا لتقدم قول الذين زكوه، بل يجوز أن يكونوا صادقين في تعديله، كاذبين فيما كذبهم فيه، ويجوز أن يكونوا كاذبين في تعديله، وفي هذا، ويجوز أن يكونوا كاذبين في تعديله، صادقين في هذا، سواء كانوا متعمدين للكذب أو مخطئين، وحينئذ فالحاكم يتوقف حتى يتبين له الأمر، لا يرد قول الذين عدلوه بمجرد معارضته لهم، فلو كان هذا وزان تعارض العقل والشرع لكان موجب ذلك تقديم العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>الوجه السابع</span>\nأن يقال: تقديم المعقول علي الأدلة الشرعية ممتنع متناقض، وأما تقديم الأدلة الشرعية فهو ممكن مؤتلف، فوجب الثاني دون الأول، وذلك لأن كون الشيء معلومًا بالعقل، أو غير معلوم بالعقل، ليس هو صفة لازمه لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكر بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجهله في وقت آخر.\nوالمسائل التي بقال إنه قد تعارض فيها العقل والشرع جميعها مما اضطرب فيه العقلاء، ولم يتفقوا فيها علي أن موجب العقل كذا، بل كل من العقلاء","vol":"1","page":144},{"text":"يقول: إن العقل أثبت، أو أوجب، أو سوغ ما يقول الآخر: إن العقل نفاه، أو أحاله، أو منع منه، بل قد آل الأمر بينهم إلي التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية، فيقول هذا: نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر: إنه غير معلوم بالضرورة العقلية.\nكما يقول أكثر العقلاء: نحن نعلم أن بالضرورة العقلية امتناع رؤية مرئي من غير معاينة ومقابلة، ويقول طائفة من العقلاء: إن ذلك ممكن.\nوقول أكثر العقلاء: إنا نعلم أن حدوث حادث بلا سبب حادث ممتنع، ويقول طائفة من العقلاء: إن ذلك ممكن.\nويقول أكثر العقلاء: إن كون الموصوف عالمًا بلا علم قادرًا بلا قدرة حيًا بلا حياة ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.\nويقول أكثر العقلاء: إن كون الشيء الواحد أمرًا نهيًا خبرًا ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.\nويقول أكثر العقلاء: إن كون العقل والعاقل والمعقول، والعشق والمعشوق، والوجود والموجود، والوجوب والعناية أمرًا واحدا، هو ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.\nويقول جمهور العقلاء: إن الوجود ينقسم إلي واجب وممكن وقديم ومحدث، وإن لفظ الوجود يعمهما ويتناولهما، وإن هذا معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من ينازع في ذلك.","vol":"1","page":145},{"text":"ويقول جمهور العقلاء: إن حدوث الأصوات المسموعة من العبد بالقرآن أمر معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من ينازع في ذلك.\nوجمهور العقلاء يقولون: إثبات موجودين ليس أحدهما مباينا للأخر ولا داخلًا فيه، أو إثبات موجود ليس بداخل العالم ولا خارجه معلوم الفساد بضرورة العقل، ومن الناس من نازع في ذلك.\nوجمهور العقلاء يعلمون أن كون نفس الإنسان هي العالمة بالأمور العامة الكلية، والأمور الخاصة الجزئية معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من نازع في ذلك، وهذا باب واسع.\nفلو قيل بتقديم العقل علي الشرع، وليست العقول شيئًا واحدًا بينًا بنفسه، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب، لوجب أن يحال الناس علي شيء لا سبيل إلي ثبوته ومعرفته، ولا اتفاق للناس عليه.\nوأما الشرع فهو في نفسه قول الصادق، وهذه صفة لازمة له، لا تختلف باختلاف أحوال الناس، والعلم بذلك ممكن، ورد الناس إليه ممكن، ولهذا جاء التنزيل برد الناس عند التنازع إلي الكتاب والسنة، كما قال تعالي ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩]، فأمر الله تعالي المؤمنين عندا لتنازع بالرد إلي الله والرسول، وهذا","vol":"1","page":146},{"text":"يوجب تقديم السمع، وهذا هو الواجب إذ لو ردوا إلي غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وباهينهم لم يزدهر هذا الرد إلا اختلافا واضطرابا، وشكا وارتيابا.\nولذلك قال تعالي ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣] .\nفأنزل الله الكتاب حاكمًا بين الناس فيما اختلفوا فيه، إذ لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النزاع والاختلاف علي الإطلاق إلا بكتاب منزل من السماء، ولا ريب أن بعض الناس قد يعلم بعقله ما لا يعلمه غيره، وإن لم يمكنه بيان ذلك لغيره، ولكن ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط.\nوقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموفق للشرع.\nوهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد وغير ذلك، ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ .\nونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمجالات العقول بل بمجاراة العقول ن فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته.","vol":"1","page":147},{"text":"والكلام علي هذا علي وجه التفصيل مذكور في موضعه، فإن أدلة نفاة الصفات والقدر ونحو ذلك، إذا تدبرها العاقل الفاضل وأعطاها حقها من النظر العقلي، علم بالعقل فسادها وثبوت نقيضها، كما قد بيناه في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الوجه الثامن</span>\nأن يقال: المسائل التي يقال: أنه قد تعارض فيها العقل والسمع ليست من المسائل البينة المعروفة بصريح العقل، كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات الظاهرة والإلهيات البينة ونحو ذلك، بل لم ينقل أحد بإسناد صحيح عن نبينا صلي الله عليه وسلم شيئًا من هذا الجنس، ولا في القرآن شيء من هذا الجنس، ولا يوجد ذلك إلا في حديث مكذوب موضوع يعلم أهل النقل أنه كذب، أو في دلالة ضعيفة غلط المستدل بها علي الشرع.\nفالأول: مثل حديث عرق الخيل الذي كذبه بعض الناس علي أصحاب حماد بن سلمة، وقالوا: إنه كذبه بعض أهل البدع، اتهموا بوضعه محمد بن شجاع الثلجي، وقالوا: إنه وضعه ورمي به بعض أهل الحديث، ليقال عنهم إنهم يروون مثل هذا، وهو الذي يقال في متنه: إنه خلق خيلًا فأجراها، فعرقت، فخلق","vol":"1","page":148},{"text":"نفسه من ذلك العرق تعالي الله عن فرية المفترين وإلحاد الملحدين، وكذلك حديث نزوله عشية عرفة إلي الموقف علي جمل أورق، ومصافحته للركبان، ومعانقته للمشاة، وأمثال ذلك: هي أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل العلم، فلا يجوز لأحد أن يدخل هذا وأمثاله في الأدلة الشرعية.\nوالثاني: مثل الحديث الذي في الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالي: عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده، عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول: ربي كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي.","vol":"1","page":149},{"text":"فإنه لا يجوز لعاقل أن يقول: إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولا سمع، إلا من يظن أنه قد دل علي جواز المرض والجوع علي الخالق سبحانه وتعالي، ومن قال هذا فقد كذب علي الحديث.\nومن قال إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه فقد كذب، فإن الحديث قد فسره المتكلم به، وبين مراده بيانًا زالت به كل شبهة، وبين فيه أن العبد هو الذي جاع وأكل ومرض وعاده العواد، وأن الله سبحانه لم يأكل ولم يعد.\nبل غير هذا الباب من الأحاديث، كالأحاديث المروية في فضائل الأعمال علي وجه المجازفة، كما يروي مرفوعًا: أنه من صلي ركعتين في يوم عاشوراء يقرأ فيهما بكذا وكذا كتب له ثواب سبعين نبيًا.\nونحو ذلك، هو عند أهل الحديث من الأحاديث الموضوعة، فلا يعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع، بل لا يعلم حديث صحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم في الأمر والنهي أجمع المسلمون علي تركه، إلا أن يكون له حديث صحيح يدل علي أنه منسوخ، ولا يعلم عن النبي صلي الله عليه وسلم","vol":"1","page":150},{"text":"حديث صحيح أجمع المسلمون علي نقيضه، فضلا عن أن يكون نقيضه معلومًا بالعقل الصريح البين لعامة العقلاء، فإن ما يعلم بالعقل الصريح البين أظهر مما لا يعلم إلا بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية.\nفإذا لم يوجد في الأحاديث الصحيحة ما يعلم نقيضه بالأدلة الخفية كالإجماع ونحوه، فأن لا يكون فيها ما يعلم نقيضه بالعقل الصريح الظاهر أولي وأحرى، ولكن عامة موارد التعارض هي من الأمور الخفية المشتبهة التي يحار فيها كثير من العقلاء، كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما بعد الموت من الثواب والعقاب والجنة والنار والعرش والكرسي، وعامة ذلك من أنباء الغيب التي تقصر عقول أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرد رأيهم، ولهذا كان عامة الخائضين فيها بمجرد رأيهم إما متنازعين مختلفين، وإما حيارى متهوكين، وغالبهم يرى أن إمامه أحذق في ذلك منه.\nولهذا تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون: إنه من العقليات المعلومة بصريح العقل، فتجد أتباع أرسطوطاليس يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات والإلهيات، مع أن كثيرًا منهم قد يري بعقله نقيض ما قاله أرسطو، وتجده لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته، أو ينسب النقص في الفهم إلي نفسه، مع أنه يعلم أهل العقل المتصفون بصريح العقل أن في المنطق من الخطأ البين ما لا ريب فيه، كما ذكر في غير هذا الموضع.","vol":"1","page":151},{"text":"وأما كلامه وكلام أتباعه: كالإسكندر الأفروديسي، وبرقلس، وثامسطيوس، والفاربي، وابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن رشد الحفيد، وأمثالهم في الإلهيات، فما فيه من الخطأ الكثير والتقصير العظيم ظاهر لجمهور عقلاء بني آدم، بل في كلامهم من التناقض ما لا يكاد يستقصي.","vol":"1","page":152},{"text":"وكذلك أتباع رؤوس المقالات التي ذهب إليها من ذهب من أهل القبلة، وإن كان فيها ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ففيها أيضًا من مخالفة العقل الصريح ما لا يعلمه إلا الله، كأتباع أبي الهذيل العلاف، وأبي إسحاق النظام، وأبي القاسم الكعبي، وأبي علي وأبي هاشم، وأبي الحسين البصري، وأمثالهم.\nوكذلك أتباع من هو أقرب إلي السنة من هؤلاء ن كإتباع حسين النجار،","vol":"1","page":153},{"text":"وضرار بن عمرو، مثل أبي عيسي محمد بن عيسي برغوث الذي ناظر أحمد بن حنبل، مثل حفص الفرد الذي كان يناظر الشافعي، وكذلك أتباع متكلمي أهل الإثبات كأتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد ين كلاب، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن كرام، وأبي الحسن علي ابن إسماعيل الأشعري وغيرهم.","vol":"1","page":154},{"text":"بل هذا موجود في اتباع أئمة الفقهاء وأئمة شيوخ العبادة، كأصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وغيرهم، تجد أحدهم دائمًا يجد في كلامهم ما يراه هو باطلًا، وهو يتوقف في رد ذلك، لاعتقاده أن إمامه أكمل منه عقلًا وعلما ودينًا، هذا مع علم كل من هؤلاء أن متبوعه ليس بمعصوم، وأن الخطأ جائز عليه، ولا تجد أحدًا من هؤلاء يقول: إذا تعارض قولي وقول متبوعي قدمت قولي مطلقًا، لكنه إذا تبين له أحيانًا الحق في نقيض قول متبوعه، أو أن نقيضه أرجح منه قدمه، لاعتقاده أن الخطأ جائز عليه.\nفكيف يجوز أن يقال: إن في كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة الثابتة عنه ما يعلم زيد وعمرو بعقله أنه باطل؟ وأن يكون كل من اشتبه عليه شيء مما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم قدم رأيه علي نص الرسول صلي الله عليه وسلم في أنباء الغيب التي ضل فيها عامة من دخل فيها بمجرد رأيه، بدون الاستهداء بهدي الله، والاستضاءة بنور الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، مع علم كل أحد بقصوره وتقصيره في هذا الباب، وبما وقع فيه من أصحابه وغير أصحابه من الاضطراب؟ .\nففي الجملة: النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بين قط، ولا يعارضها إلا ما فيه اشتباه واضطراب، وما علم أنه حق، لا يعارضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يعلم أنه حق.\nبل نقول قولًا عامًا كليًا: إن النصوص الثابتة عن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يعارضها قط صريح معقول، فضلا عن أن يكون مقدما عليها وإنما الذي","vol":"1","page":155},{"text":"يعارضها شبه وخيالات، مبناها علي معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتي وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية، لا براهين عقليه.\nومما يوضح هذا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>الوجه التاسع</span>\nوهو أن يقال: القول بتقديم الإنسان لمعقوله علي النصوص النبوية قول لا ينضبط، وذلك لأن أهل الكلام والفلسفة الخائضين المتنازعين فيما يسمونه عقليات، كل منهم يقول: إنه يعلم بضرورة العقل أو بنظره ما يدعي الآخر أن المعلوم بضروة العقل أو بنظره نقيضه.\nوهذا من حيث الجملة معلوم، فالمعتزلة ومن اتبعهم من الشيعة يقولون: إن أصلهم المتضمن نفي الصفات والتكذيب بالقدر - الذي يسمونه التوحيد والعدل - معلوم بالأدلة العقلية القطعية، ومخالفوهم من أهل الإثبات يقولون: إن نقيض ذلك معلوم بالأدلة القطعية العقلية.\nبل الطائفتان ومن ضاهاهما يقولون: إن علم الكلام المحض هو ما أمكن علمه بالعقل المجرد بدون السمع، كمسألة الرؤية والكلام وخلق الأفعال، وهذا هو الذي يجعلونه قطعيًا، ويؤثمون المخالف فيه.\nوكل من طائفتي النفي والإثبات فيهم من الذكاء والعقل والمعرفة ما هم متميزون به علي كثير من الناس، وهذا يقول: إن العقل الصريح دل علي النفي، والآخر يقول: العقل الصريح دل علي الإثبات.","vol":"1","page":156},{"text":"وهم متنازعون في المسائل التي دلت عليها النصوص، كمسائل الصفات والقدر، وأما المسائل المولدة كمسألة الجوهر الفرد وتماثل الأجسام وبقاء الأعراض وغير ذلك ففيها من النزاع بينهم ما يطول استقصاؤه، وكل منهم يدعي فيها القطع العقي.\nثم كل من كان عن السنة أبعد كان التنازع والاختلاف بينهم في معقولاتهم أعظم، فالمعتزلة أكثر اختلافًا من متكلمة أهل الإثبات، وبين البصريين والبغداديين منهم من النزاع ما يطول ذكره، والبصريون أقرب إلي السنة والإثبات من البغداديين، ولهذا كان البصريون يثبتون كون الباريء سميعًا بصيرًا مع كونه حيًا عليمًا قديرًا، ويثبتون له الإرادة، ولا يوجبون الأصلح في الدنيا، ويثبتون خبر الواحد والقياس، ولا يؤثمون المجتهدين، وغير ذلك.\nثم بين المشايخة والحسينية - أتباع أبي الحسن البصري - من التنازع ما هو معروف.\nوأما الشيعة فأعظم تفرقًا واختلافًا من المعتزلة، لكونهم أبعد عن السنة منهم، حتى قيل: إنهم يبلغون اثنتين وسبعين فرقة.\nوأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع، بل هم أعظم اختلافًا من جميع طوائف المسلمين واليهود والنصارى.\nوالفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين أتباع أر سطو صاحب التعاليم، وبينه وبين سلفه من النزاع والاختلاف ما يطول وصفة، ثم بين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه.\nوأما سائر طوائف الفلاسفة، فلو حكي اختلافهم في علم الهيئة وحده لكان أعظم من اختلاف كل طائفة من طوائف أهل القبلة، والهيئة علم رياضي حسابي هو","vol":"1","page":157},{"text":"من أصح علومهم، فإذا كان هذا اختلافهم فيه فكيف باختلافهم في الطبيعيات أو المنطق؟ فكيف بالإلهيات؟ .\nواعتبر هذا بما ذكره أرباب المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية، كما نقله الأشعر عنهم في كتابه في مقالات غير الإسلاميين وما ذكره القاضي أبو بكر عنهم في كتابه الدقائق فإن في ذلك من الخلاف عنهم أضعاف أضعاف ما ذكره الشهرستاني وأمثاله ممن يحكي مقالاتهم، فكلامهم في العلم الرياضي - الذي هو أصح علومهم العقلية - قد اختلفوا فيه اختلافًا لا يكاد يحصي، ونفس الكتاب الذي اتفق عليه جمهورهم - وهو كتاب المجسطي لبطليموس - فيه قضايا كثيرة لا يقوم عليها دليل صحيح، وفيه قضايا ينازعه غيره فيها، وفيه قضايا مبنية علي أرصاد منقولة عن غيره تقبل الغلط والكذب.\nوكذلك كلامهم في الطبيعيات في الجسم، وهل هو مركب من المادة والصورة، أو الأجزاء التي لا تنقسم، أو ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا؟\nوكثير من حذاق النظار حار في هذه المسائل، حتى أذكياء الطوائف كأبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجو يني، وأبي عبد الله بن الخطيب - حاروا في مسألة الجوهر الفرد، فتوقفوا فيها تارة، وإن كانوا قد يجزمون بها أخري، فإن الواحد من هؤلاء تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب","vol":"1","page":158},{"text":"واحد، وتارة يحار فيها، مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قطعي برهاني عقلي لا يحتمل النقيض.\nوهذا كثير في مسائل الهيئة ونحوها من الرياضيات، وفي أحكام الجسم وغيره من الطبيعيات، فما الظن بالعلم الإلهي؟ وأساطين الفلسفة يزعمون أنهم لا يصلون فيه إلي اليقين، وإنما يتكلمون فيه بالأولي والأحرى والأخلق.\nوأكثر الفضلاء العارفين بالكلام والفلسفة، بل وبالتصوف، الذين لم يحققوا ما جاء به الرسول تجدهم فيه حيارى، كما أنشد الشهرستاني في أول كتابه لما قال: قد أشار إلي من إشارته غنم، وطاعته حتم، أن أجمع له من مشكلات الأصول، ما أشكل علي ذوي العقول، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم، لعمري:\nلقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم\nفلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن، أو قارعًا سن نادم\nوأنشد أبو عبد الله الرازي في غير موضع من كتبه مثل كتاب أقسام اللذات لما ذكر أن هذا العلم أشرف العلوم، وأنه ثلاث مقامات العلم بالذات، والصفات، والأفعال، وعلي كل مقام عقدة، فعلم الذات عليه عقدة:","vol":"1","page":159},{"text":"هل الوجود هو الماهية أو زائد في الماهية؟ وعلم الصفات عليه عقدة: هل الصفات زائدة علي الذات أم لا؟ وعلم الأفعال عليه عقدة: هل الفعل مقارن للذات أو متأخر عنها؟ ثم قال ومن الذي وصل إلي هذا الباب، أو ذاق من هذا الشراب؟ ثم أنشد:\nنهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذي ووبال\nولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\nلقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠] واقرأ في النفي ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] ﴿ولا يحيطون به علما﴾ [طه: ١١٠]، ﴿هل تعلم له سميا﴾ [مريم: ٦٥]، ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي.","vol":"1","page":160},{"text":"وكان ابن أبي الحديد البغدادي من فضلاء الشيعة المعتزلة المتفلسفة، وله أشعار في هذا الباب، كقوله:\nفيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقضى عمري\nسافرت فيك العقول، فما ... ربحت إلا أذى السفر\nفلحى الله الأولى زعموا ... أنك المعروف بالنظر\nكذبوا، إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر\nهذا مع إنشاده:\nوحقك لو أدخلتني النار قلت ... للذين بها: قد كنت ممن يحبه\nوأفنيت عمري في علوم كثيرة ... وما بغيتي إلا رضاه وقربه\nأما قلتم: من كان فينا مجاهدًا ... سيكون مثواه ويعذب شربه\nأما رد شك ابن الخطيب وزيغه ... وتمويهه في الدين إذ جل خطبه\nوآية حب الصب أن يعذب الأسى ... إذا كان من يهوى عليه يصبه","vol":"1","page":161},{"text":"وابن رشد الحفيد يقول في كتابه الذي صنفه ردًا على أبي حامد في كتابه المسمى تهافت الفلاسفة فسماه تهافت التهافت ومن الذي قاله في الإلهيات ما يعتمد به، وأبو الحسن الأمدي في عامة كتبه هو واقف في المسائل الكبار يزيف حجج الطوائف ويبقي حائرًا واقفًا.\nوالخونجي المصنف في أسرار المنطق الذي سمى كتابه كشف الأسراء يقول لما حضره الموت: أموت ولم اعرف شيئًا إلا أن الممكن يفتقر إلي الممتنع، ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت ولم اعرف شيئًا - حكاه عنه التلمساني وذكر أنه سمعه منه وقت الموت.\nولهذا تجد أبا حامد - مع فرط ذكائه وتألهه، ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف - ينتهي في هذه المسائل إلي الوقف، ويحيل في آخر أمره علي طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلي طريقة أهل الحديث، ومات وهو يشتغل في صحيح البخاري.","vol":"1","page":162},{"text":"والحذاق يعلمون أن تلك الطريقة التي يحيل عليها لا توصل إلي المطلوب، ولهذا لما بني قول النفاة من سلك هذه الطريق، كابن عربي وأبن سبعين وأبن الفارض وصاحب خلع النعلين والتلمساني وأمثالهم - وصلوا إلي ما يعلم فساده بالعقل والدين، مع دعواهم أنهم أئمة المحققين.\nولهذا تجد أبا حامد في مناظرته للفلاسفة إنما يبطل طرقهم ولا يثبت طريقة معينة، بل هو كما قال: نناظرهم - يعني مع كلام الأشعري - تارة بكلام المعتزلة، وتارة بكلام الكرامية، وتارة بطريق الواقفة، وهذه الطريق هي الغالب عليه في منتهى كلامه.","vol":"1","page":163},{"text":"وأما الطريقة النبوية السنية السلفية المحمدية الشرعية فإنما يناظرهم بها من كان خبيرًا بها بأقواله التي تناقضها، فيعلم حينئذ فساد أقوالهم بالمعقول الصريح المطابق للمنقول الصحيح.\nوهكذا كل من أمعن في معرفة هذه الكلاميات والفلسفيات التي تعارض بها النصوص من غير معرفة تامة بالنصوص ولوازمها وكمال المعرفة بما فيها وبالأقوال التي تنافيها، فإنه لا يصل إلي يقين يطمئن إليه، وإنما تفيده الشك والحيرة.\nبل هؤلاء الفضلاء الحذاق الذي يدعون أن النصوص عارضها من معقولاتهم ما يجب تقديمه تجدهم حيارى في أصول مسائل الإلهيات، حتى مسألة وجود الرب تعالي وحقيقته حاروا فيها حيرة أوجبت أن يتناقض هذا، كتناقض الرازي، وأن يتوقف هذا، كتوقف الآمدي، ويذكرون عدة أقوال يزعمون أن الحق ينحصر فيها، وهي كلها باطلة.\nوقد حكي عن طائفة من رؤوس أهل الكلام أنهم كانوا يقولون بتكافؤ الأدلة، وأن الأدلة قد تكافأت من الجانبين، حتى لا يعرف الحق من الباطل، ومعلوم أن هذا إنما قالوه فيما سلكوه هم من الأدلة.","vol":"1","page":164},{"text":"وقد حكي لي أن بعض الأذكياء - وكان قد قرأ علي شخص هو إمام بلده ومن أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة، وهو ابن واصل الحموي - أنه قال: أضطجع علي فراشي، وأضع الملحفة علي وجهي، وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدله هؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي شيء، ولهذا انتهي أمره إلي كثرة النظر في الهيئة، لكونه تبين له فيه من العلم ما لم يتبين له في العلوم الإلهية.\nولهذا تجد كثيرًا من هؤلاء لما لم يتبين له الهدي في طريقة نكص علي عقبيه، فاشتغل باتباع شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته وماله ونحو ذلك، لعدم العلم واليقين الذي يطمئن إليه قلبه، وينشرح له صدره.\nوفي الحديث المأثور عن النبي صلي الله عليه وسلم «إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الفتن» وهؤلاء المعرضون عن","vol":"1","page":165},{"text":"الطريقة النبوية السلفية يجتمع فيهم هذا وهذا: اتباع شهوات الغي، ومضلات الفتن، فيكون فيهم من الضلال والغي بقدر ما خرجوا عن الطريق الذي بعث الله به رسوله.\nولهذا أمرنا الله أن نقول في كل صلاة ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ وقد صح «عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» .\nوكان السلف يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون فكيف إذا اجتمع في الرجل الضلال والفجور؟\nولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء، كفلان وفلان ن لكان شيئًا كثيرًا، وما لم يبلغني من حيرتهم وشكهم أكثر وأكثر.\nوذلك لأن الهدى هو فيما بعث الله به رسله ن فمن أعرض عنه لم يكن مهتديًا، فكيف بمن عارضه بما يناقضه وقدم مناقضه عليه؟\nقال الله تعالي لما أهبط آدم ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٦] .","vol":"1","page":166},{"text":"قال ابن عباس ﵄: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعلم بما فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقي في الآخرة ثم قرأ هذه الآية.\nوقوله تعالى ﴿ومن أعرض عن ذكري﴾ يتناول الذكر الذي أنزله، وهو الهدي الذي جاءت به الرسل، كما قال تعالي في آخر الكلام ﴿كذلك أتتك آياتنا فنسيتها﴾ أي تركت اتباعها والعمل بما فيها، فمن طلب الهدي بغير القرآن ضل، ومن اعتز بغير الله ذل، وقد قال تعالى ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ [الأعراف: ٣]، وقال تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣] .\nوفي حديث علي ﵁ الذي رواه الترمذي، ورواه أبو نعيم من عدة طرق، «عن علي، عن النبي صلي الله عليه وسلم لما قال إنها ستكون فتنة.\nقلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، من قال به","vol":"1","page":167},{"text":"صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلي صراط مستقيم»، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا التنبيه علي أنه لو سوغ للناظرين أن يعرضوا عن كتاب الله تعالي ويعارضوه بآرائهم ومعقولاتهم، لم يكن هناك أمر مضبوط يحصل لهم به علم ولا هدي ن فإن الذين سلكوا هذه السبيل كلهم يخبر عن نفسه بما يوجب حيرته وشكه، والمسلمون يشهدون عليه بذلك، فثبت بشهادته وإقراره علي نفسه وشهادة المسلمين، الذين هم شهداء الله في الأرض، أنه لم يظفر من أعرض عن الكتاب، وعارضه بما يناقضه، بيقين يطمئن إليه، ولا معرفة يسكن بها قلبه.\nوالذين ادعوا في بعض المسائل أن لهم معقولًا صريحًا يناقض الكتاب قابلهم آخرون من ذوي المعقولات، فقالوا: إن قول هؤلاء معلوم بطلانه بصريح المعقول، فصار ما يدعي معارضته للكتاب من المعقول ليس فيه ما يجزم بأنه معقول صحيح: إما بشهادة أصحابه عليه وشهادة الأمة، وإما بظهور تناقضهم ظهورًا لا ارتياب فيه، وإما بمعارضة آخرين من أهل هذه المعقولات لهم، بل من تدبر ما يعارضون به الشرع من العقليات وجد ذلك مما يعلم بالعقل الصريح بطلانه.\nوالناس إذا تنازعوا في المعقول لم يكن قول طائفة لها مذهب حجة علي أخرى، بل يرجع في ذلك إلي الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولا هوي، فامتنع حينئذ أن يعتمد علي ما يعارض الكتاب من الأقوال التي يسمونها معوقلات،","vol":"1","page":168},{"text":"وإن كان ذلك قد قالته طائفة كبيرة، لمخالفة طائفة كبيرة لها، ولم يبق إلا أن يقال: إن كل إنسان له عقل فيعتمد علي عقل نفسه، وما وجده معرضًا لأقوال الرسول صلي الله عليه وسلم من رأيه خالفه، وقدم رأيه علي نصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ومعلوم أن هذا أكثر ضلالًا واضطرابًا.\nفإذا كان فحول النظر واساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلي الغاية، وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات، ثم لم يصلوا فيها إلي معقول صريح يناقض الكتاب بل إما إلي حيرة وارتياب، وإما إلي اختلاف بين الأحزاب، فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه من العقليات؟\nفهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه، لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب فالأول ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾ [النور: ٣٩] والثاني ﴿كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ [النور: ٤٠] وأصحاب القرآن والإيمان في نور علي نور، قال تعالي ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾ [الشوري: ٥٢-٥٣] وقال تعالي ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره﴾ - إلي آخر الآية،","vol":"1","page":169},{"text":"[النور: ٣٥] وقال تعالى ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف: ١٥٧] .\nفأهل الجهل البسيط منهم أهل الشك والحيرة من هؤلاء المعارضين للكتاب المعرضين عنه، وأهل الجهل المركب أرباب الاعتقادات الباطلة التي يزعمون أنها عقليات.\nوآخرون ممن يعارضهم يقول: المناقض لتلك الأقوال هو العقليات.\nومعلوم أنه حينئذ يجب فساد أحد الاعتقادين أو كليهما، والغالب فساد كلا الاعتقادين، لما فيهما من الإجمال والاشتباه، وأن الحق يكون فيه تفصيل يبين أن مع هؤلاء حقًا وباطلًا، ومع هؤلاء حقًا، والحق الذي مع كل منهما هو الذي جاء به الكتاب الذي يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>معارضة دليلهم بنظير ما قالوه. الوجه العاشر</span>\nمعارضة دليلهم بنظير ما قالوه.\nالوجه العاشر\nأن يعارض دليلهم بنظير ما قالوه، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل، لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دل علي صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول صلي الله عليه وسلم، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضًا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجبا عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه.\nوهذا بين واضح، فإن العقل هو الذي دل علي صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون هذه الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون","vol":"1","page":170},{"text":"العقل دليلًا صحيحًا، وإذا لم يكن دليلًا صحيحًا لم يجز أن يتبع بحال، فضلا عن أن يقدم، فصار تقديم العقل علي النقل قدحًا في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله، وإذا كان تقديمه علي النقل يستلزم القدح فيه، والقدح فيه يمنع دلالته، والقدح في دلالته يقدح في معارضته، كان تقديمه عند المعارضة مبطلًا للمعارضة، فامتنع تقديمه علي النقل، وهو المطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>تقديم النقل لا يستلزم فساد النقل في نفسه</span>\nوأما تقديم النقل عليه فلا يستلزم فساد النقل في نفسه ومما يوضح هذا أن يقال:\nمعارضة العقل لما دل العقل علي أنه حق، دليل علي تناقص دلالته، وذلك يوجب فسادها، وأما السمع فلم يعلم فساد دلالته ولا تعارضها في نفسها، وإن لم يعلم صحتها.\nوإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم فساده أقرب إلي الصواب من تقديم ما يعلم فساده، كالشاهد الذي علم أنه يصدق ويكذب، والشاهد المجهول الذي لم يعلم كذبه، فإن تقديم قول الفاسق المعلوم كذبه علي قول المجهول الذي لم يعلم كذبه لا يجوز، فكيف إذا كان الشاهد هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته؟\nوالعقل إذا صدق السمع في كل ما يخبر به ثم قال: إنه أخبر بخلاف الحق، كان هو قد شهد للسمع بأنه يجب قبوله، وشهد له بأنه لا يجب قبوله، وشهد بأن الأدلة السمعية حق، وأن ما أخبر به السمع فهو حق، وشهد بأن ما أخبر به السمع فليس بحق، فكان مثله مثل من شهد لرجل بأنه صادق لا يكذب، وشهد له بأنه قد كذب، فكان هذا قدحًا في شهادته مطلقًا وتزكيته، فلا يجب قبول شهادته الأولي ولا الثانية، فلا يصلح أن يكون معارضًا للسمع بحال.","vol":"1","page":171},{"text":"ولهذا تجد هؤلاء الذين تتعارض عندهم دلالة العقل والسمع في حيرة وشك واضطراب، إذ ليس عندهم معقول صريح سالم عن معارض مقاوم، كما أنهم في نفس المعقول الذي يعارضون به السمع في اختلاف وريب واضطراب.\nوذلك كله مما يبين أنه ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدمًا علي ما جاءت به الرسل، وذلك لأن الآيات والبراهين دالة علي صدق الرسل، وأنهم لا يقولون علي الله إلا الحق، وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر والطلب، لا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ، كما اتفق علي ذلك جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.\nفوجب أن جميع ما يخبر به الرسول عن الله صدق وحق، لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي.\nفمتي علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزمًا قاطعًا أنه حق، وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به، وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي، ولا عقلي ولا سمعي، وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة، وشبه من جنس شبه السوفساطئية.\nوإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك، وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح، كان هذا العقل شاهدا بأن كل ما خالف خبر الرسول فهو باطل، فيكون هذا العقل والسمع جميعًا شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>اعتراض</span>\nفإن قيل: فهذا يوجب القدح في شهادة العقل، حيث شهد بصدق الرسول، وشهد بصدق العقل المناقض لخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>الرد عليه. الجواب الأول</span>\nالرد عليه.\nالجواب الأول\nقيل له عن هذا جوابان: أحدهما: إنا نحن يمتنع عندنا أن يتعارض العقل والسمع القطعيان، فلا تبطل دلالة العقل، وإنما ذكرنا هذا علي سبيل المعارضة، فمن قدم دلالة العقل علي السمع يلزمه أن يقدم دلالة العقل الشاهد بتصديق السمع، وأنه إذا قدم دلالة العقل لزم تناقضها وفسادها، وإذا قدم دلالة السمع لم يلزم تناقضها في نفسها، وإن لزمه أن لا يعلم صحتها، وما علم فساده أولي بالرد مما لم تعلم صحته ولا فساده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>الجواب الثاني</span>\nوالجواب الثاني: أن نقول: الأدلة العقلية التي تعارض السمع غير الأدلة العقلية التي يعلم بها أن الرسول صادق، وإن كان جنس المعقول يشملها.\nونحن إذا أبطلنا ما عارض السمع إنما أبطلنا نوعًا مما يسمي معقولًا، لم نبطل كل معقول، ولا أبطلنا المعقول الذي علم به صحة المنقول، وكان ما ذكرناه موجبًا لصحة السمع وما علم به صحته من العقل.\nولا مناقضة في ذلك، ولكن حقيقة أنه قد تعارض العقل الدال علي صدق الرسول والعقل المناقض لخبر الرسول، فقدمنا ذلك المعقول علي هذا المعقول، كما نقدم الأدلة الدالة علي صدق الرسول علي الحجج الفاسدة والقادحة في نبوات الأنبياء، وهي حجج عقلية.\nبل شبهات المبطلين القادحين في النبوات قد تكون أعظم من كثير من الحجج العقلية التي يعارض بها خبر الأنبياء عن أسماء الله وصفاته وأفعاله ومعاده، فإذا كان","vol":"1","page":173},{"text":"تقديم الأدلة العقلية الدالة علي أنهم صادقون في قولهم: إن الله أرسلهم مقدمة علي ما يناقض ذلك من العقليات، كذلك تقديم هذه الأدلة العقلية المستلزمة لصدقهم فيما أخبروا به علي ما يناقض ذلك من العقليات، وعاد الأمر إلي تقديم جنس من المعقولات علي جنس.\nوهذا متفق عليه بين العقلاء، فإن الأدلة العقلية إذا تعارضت فلا بد من تقديم بعضها علي بعض، ونحن نقول: لا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان: لا عقليان ولا سمعيان، ولا سمعي وعقلي، ولكن قد ظن من لم يفهم حقيقة القولين تعارضهما لعدم فهمه لفساد أحدهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>اعتراض آخر</span>\nفإن قيل: نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع علي أن دلالة السمع المخالفة له باطلة، إما لكذب الناقل عن الرسول، أو خطئه في النقل، وإما لعدم دلالة قوله علي ما يخالف العقل في محل النزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>الرد عليه</span>\nقيل: هذا معارض بأن يقال: نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع علي أن دلالة العقل المخالفة له باطلة بعض مقدماتها، فإن مقدمات الأدلة العقلية المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والاشتباه والاختلاف والاضطراب ما يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلي مقدمات الأدلة السمعية.\nومما يبين ذلك أن يقال: دلالة السمع علي مواقع الإجماع مثل دلالته علي موارد النزاع، فإن دلالة السمع علي علم الله تعالي وقدرته وإرادته وسمعه وبصره، كدلالته علي رضاه ومحبته وغضبه واستوائه علي عرشه ونحو ذلك، وكذلك دلالته علي عموم مشيئته وقدرته كدلالته علي عموم علمه.","vol":"1","page":174},{"text":"فالأدلة السمعية لم يردها من ردها لضعف فيها وفي مقدماتها، لكن لاعتقاده أنها تخالف العقل، بل كثير من الأدلة السمعية التي يريدونها تكون أقوي بكثير من الأدلة السمعية التي يقبلونها، وذلك لأن تلك لم يقبلوها لكون السمع جاء بها، لكن لاعتقادهم أن العقل دل عليها، والسمع جعلوه عاضدًا للعقل، وحجة علي من ينازعهم من المصدقين بالسمع، لم يكن هو عمدتهم ولا أصل علمهم، كما صرح بذلك أئمة هؤلاء المعارضين لكتاب الله وسنة رسوله بآرائهم.\nوإذا كان كذلك، تبين أن ردهم الأدلة السمعية المعلومة الصحة بمجرد مخالفة عقل الواحد، أو لطائفة منهم، أو مخالفة ما يسمونه عقلًا لا يجوز، إلا أن يبطلوا الأدلة السمعية بالكلية، ويقولون: إنها لا تدل علي شيء، وإن إخبار الرسول عما أخبر به لا يفيد التصديق بثبوت ما أخبر به، وحينئذ فما لم يكن دليلًا لا يصلح أن يجعل معارضًا.\nوالكلام هنا إنما هو لمن علم أن الرسول صادق، وأن ما أخبر به ثابت، وأن إخباره لنا بالشيء يفيد تصديقنا بثبوت ما أخبر به، فمن كان هذا معلومًا له امتنع أن يجعل العقل مقدمًا علي خبر الرسول صلي الله عليه وسلم، بل يضطره الأمر إلي أن يجعل الرسول يكذب أو يخطئ تارة في الخبريات، ويصيب أو يخطئ أخري في الطلبيات، وهذا تكذيب للرسول، وإبطال لدلالة السمع، وسد لطريق العلم بما أخبر به الأنبياء والمرسلون، وتكذيب بالكتاب وبما أرسل الله تعالي به رسله.","vol":"1","page":175},{"text":"وغايته إن أحسن المقال: أن يجعل الرسول مخبرًا بالأمور علي خلاف حقائقها لأجل نفع العامة.\nثم إذا قال ذلك امتنع أن يستدل بخبر الرسول علي شيء، فعاد الأمر جذعًا، لأنه إذا جوز علي خبر الرسول التلبيس كان كتجويزه عليه الكذب، وحينئذ فلا يكون مجرد إخبار الرسول موجبًا للعلم بثبوت ما أخبر به، وهذا: وإن كان زندقة وكفرًا وإلحادًا فهو باطل في نفسه، كما قد بين في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المقصودون بالخطاب في هذا الكتاب</span>\nفنحن في هذا المقام إنما نخاطب من يتكلم في تعارض الأدلة السمعية والعقلية ممن يدعي حقيقة الإسلام من أهل الكلام، الذين يلبسون علي أهل الإيمان بالله ورسوله، وأما من أفصح بحقيقة قوله: وقال: إن كلام الله ورسوله لا يستفاد منه علم بغيب، ولا تصديق بحقيقة ما أخبر به، ولا معرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته وجنته وناره وغير ذلك - فهذا لكلامه مقام آخر.\nفإن الناس في هذا الباب أنواع:\nمنهم من يقر بما جاء به السمع في المعاد دون الأفعال والصفات.\nومنهم من يقر بذلك في بعض أمور المعاد دون بعض.\nومنهم من يقر بذلك في بعض الصفات والمعاد مطلقًا دون الأفعال وبعض الصفات.\nومنهم من لا يقر بحقيقة شيء من ذلك لا في الصفات ولا في المعاد.\nومنهم من لا يقر بذلك أيضًا في الأمر والنهي، بل يسلك طريق التأويل في الخبر والأمر جميعا لمعارضة العقل عنده، كما فعلت القرامطة الباطنية.\nوهؤلاء أعظم الناس كفرًا وإلحادًا.","vol":"1","page":176},{"text":"والمقصود هنا أن من أقر بصحة السمع وأنه علم صحته بالعقل لا يمكنه أن يعرضه بالعقل البتة، لأن العقل عنده هو الشاهد بصحة السمع، فإذا شهد مرة أخري بفساده كانت دلالته متناقضة، فلا يصلح لا لإثبات السمع ولا لمعارضته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>اعتراض: الشهادة بصحة السمع ما لم يعارض العقل</span>\nفإن قال: أنا أشهد بصحته ما لم يعارض العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>الرد عليه من وجوه: الأول</span>\nقيل: هذا لا يصح لوجوه:\nأحدهما: أن الدليل العقلي دل علي صدق الرسول وثبوت ما أخبر به مطلقًا، فلا يجوز أن يكون صدقه مشروطًا بعدم المعارض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الثاني</span>\nالثاني: أنك إن جوزت عليه أن يعارضه العقل الدال علي فساده لم تثق بشيء منه، لجواز أن يكون في عقل غيرك ما يدل علي فساده، فلا تكون قد علمت بعقلك صحته البتة، وأنت علمت صحته بالعقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الثالث</span>\nالثالث: أن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له، سواء كان حقًا أو باطلًا، فإذا جوز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرسول لم يثق بشيء من أخبار الرسول، لجواز أن يكون في المعقولات التي لم تظهر له بعد ما يناقض ما أخبر به الرسول.\nومن قال: أنا أقر من الصفات بما لم ينفه العقل، أو أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل، لم يكن لقوله ضابط، فإن تصديقه بالسمع مشروط بعدم جنس لا ضابط له ولا منتهى، وما كان مشروطا بعدم ما لا ينضبط لم ينضبط، فلا يبقي مع هذا الأصل إيمان.","vol":"1","page":177},{"text":"ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان، بل يكون كما قال الأئمة: إن علماء الكلام زنادقة، وقالوا: قل أحد نظر في الكلام إلا كان في قلبه غل علي أهل الإسلام، ومرادهم بأهل الكلام من تكلم في الله بما يخالف الكتاب والسنة.\nففي الجملة: لا يكون الرجل مؤمنا حتى يؤمن بالرسول إيمانًا جازما، ليس مشروطًا بعدم معارض، فمتي قال: أؤمن بخبره إلا أن يظهر له معارض يدفع خبره لم يكن مؤمنًا به، فهذا أصل عظيم تجب معرفته، فإن هذا الكلام هو ذريعة الإلحاد والنفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>الرابع</span>\nالرابع: أنهم قد سلموا أنه يعلم بالسمع أمور.\nكما يذكرونه كلهم من أن العلوم ثلاثة أقسام: منها ما لا يعلم إلا بالعقل، ومنها ما لا يعلم إلا بالسمع، ومنها ما يعلم بالسمع والعقل.\nوهذا التقسيم حق في الجملة، فإن من الأمور الغائبة عن حس الإنسان ما لا يمكن معرفته بالعقل، بل لا يعرف إلا بالخبر.\nوطرق العلم ثلاثة: الحس، والعقل، والمركب منهما كالخبر.\nفمن الأمور ما لا يمكن علمه إلا بالخبر، كما يعلمه كل شخص بأخبار الصادقين كالخبر المتواتر، وما يعلم بخبر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.\nوهذا التقسيم يجب الإقرار به، وقد قامت الأدلة اليقينية علي نبوات الأنبياء، وأنهم قد يعلمون بالخبر ما لا يعلم إلا بالخبر، وكذلك يعلمون غيرهم بخبر هم.","vol":"1","page":178},{"text":"ونفس النبوة تتضمن الخبر، فإن النبوة مشتقة من الإنباء وهو الإخبار بالمغيب، فالنبي يخبر بالمغيب ويخبرنا بالغيب، ويمتنع أن يقوم دليل صحيح علي أن كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون الخبر، فلا يمكن أن يجزم بأن كل ما أخبرت به الأنبياء هو منتف.\nفإنه يمتنع أن يقوم دليل علي هذا النفي العام، ويمتنع أن يقول القائل: كل ما أخبر به الأنبياء يمكن غيرهم أن يعرفه بدون خبرهم، ولهذا كان أكمل الأمم علمًا المقرون بالطرق الحسية والعقلية والخبرية، فمن كذب بطريق منها فاته من العلوم بحسب ما كذب به من تلك الطرق.\nوالمتفلسفة الذين أثبتوا النبوات علي وجه يوافق أصولهم الفاسدة - كابن سينا وأمثاله - لم يقروا بأن الأنبياء يعلمون بخبر يأتيهم عن الله، لا بخبر ملك ولا غيره، بل زعموا أنهم يعلمونه بقوة عقلية، لكونهم أكمل من غيرهم في قوة الحدس، ويسمون ذلك القوة القدسية، فحصروا علوم الأنبياء في ذلك.\nوكان حقيقة قولهم: أن الأنبياء من جنس غيرهم، وأنهم لم يعلموا شيئًا بالخبر، ولهذا صار هؤلاء لا يستفيدون شيئًا بخبر الأنبياء، بل يقولون: إنهم خاطبوا الناس بطريق التخييل لمنفعة الجمهور، وحقيقة قولهم: أنهم كذبوا","vol":"1","page":179},{"text":"لمصلحة الجمهور، هؤلاء في الحقيقة يكذبون الرسل، فنتكلم معهم في تحقيق النبوة علي الوجه الحق، لا في معارضة العقل والشرع.\nوهذا الذي ذكرته مما صرح به فضلاؤهم، يقولون: الرسل إنما ينتفع بخبرهم الجمهور في التخييل، لا ينتفع بخبرهم أحد من العامة والخاصة في معرفة الغيب، بل الخاصة عندهم تعلم ذلك بالعقل المناقض لأخبار الأنبياء، والعامة لا تعلم ذلك لا بعقل ولا خبر، والبنوة إنما فائدتها تخييل ما يخبرون به للجمهور، كما يصرح بذلك الفارابي وابن سيناء وأتباعهما.\nثم لا يخلو الشخص إما أن يكون مقرًا بخبر نبوة الأنبياء، وإما أن يكون غير مقر، فإن كان غير مقر بذلك لم نتكلم منه في تعارض الدليل العقلي والشرعي، فإن تعارضهما إنما يكون بعد الإقرار بصحة كل منهما لو تجرد عن المعارض، فمن لم يقر بصحة دليل عقلي البتة لم يخاطب في معارضة الدليل العقلي والشرعي، وكذلك من لم يقر بدليل شرعي لم يخاطب في هذا التعارض.\nومن لم يقر بالأنبياء لم يستفد من خبرهم دليلًا شرعيًا، فهذا يتكلم معه في تثبيت النبوات، فإذا ثبتت فحينئذ يثبت الدليل الشرعي، وحينئذ فيجب الإقرار بأن خبر","vol":"1","page":180},{"text":"الأنبياء يوجب العلم بثبوت ما أخبروا به، ومن جوز أن يكون في نفس الأمر معارض ينفي ما دلت عليه أخبارهم أمتنع أن يعلم بخبرهم شيئًا، فإنه ما من خبر أخبروا به ولم يعلم هو ثبوته بعقله إلا وهو يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل يناقضه، فلا يعلم شيئًا مما أخبروا به بخبرهم، فلا يكون مقرًا بنبوتهم، ولا يكون عنده شيء يعلم بالسمع وحده، وهم قد أقروا بأن العلوم ثلاثة: منها ما يعلم بالسمع وحده، ومنها ما يعلم بالعقل وحده، ومنها ما يعلم بهما.\nوأيضًا، فقد قامت الأدلة العقلية اليقينية علي نبوة الأنبياء، وأنهم قد يعلمون ما يعلمونه بخبر الله وملائكته، تارة بكلام يسمعونه من الله كما سمع موسى بن عمران، وتارة بملائكة تخبرهم عن الله، وتارة بوحي يوحيه الله، كما قال تعالي ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١] .\nفتبين أن تجويزهم أن يكون في نفس الأمر دليل يناقض السمع يوجب أن لا يكون في نفس الأمر دليل سمعي يعلم به مخبره، وهذا مما تبين به تناقضهم - حيث أثبتوا الأدلة السمعية، ثم قالوا ما يوجب إبطالها، حيث أثبتوا الأدلة العقلية، ثم قالوا ما يوجب تناقضها، فإن العقل يعلم به صحة الأدلة السمعية، فمتي بطلت بطل العقل الدال علي صحة السمع، والدليل مستلزم للمدلول، ومتي","vol":"1","page":181},{"text":"انتفي اللازم الذي هو المدلول انتفي ملزومه الذي هو الدليل، فيبطل العقل - وتناقضهم حيث أقروا بنبوات الأنبياء ثم قالوا ما يوجب بطلانها.\nوأيضًا، فالأدلة العقلية توجب الإقرار بنبوة الأنبياء، فالقدح في نبوة الأنبياء قدح في الأدلة العقلية، ومع كون قولهم مستلزمًا لتناقضهم فهو مستلزم لبطلان الأدلة العقلية والسمعية، وبطلان النبوات، وهذا من أعظم أنواع السفسطة، فتبين بعض ما في قولهم من أنواع السفسطة الدالة علي فساده، ومن أنواع التناقض الدالة علي جهلهم وتناقض مذاهبهم.\nوإن قالوا: نحن لا نعلم شيئًا مما دل عليه الشرع من الخبريات، أو من الخبريات وغيرها، إلا أن نعلم بالاضطرار أن الرسول أخبر به.\nقيل: فيقال لكم علي هذا التقدير: فكل ما لا يعلم شخص بالاضطرار أن الرسول أخبر به يجب أن ينفيه إذا قام عنده ما يظنه دليلًا عقليًا!.\nفإن قالوا: نعم، لزم أنه يجوز لكل أحد أن يكذب بما لم يضطر إلي أن الرسول أخبر به، وإن كان غيره قد علم بالاضطرار أن الرسول أخبر به، وحينئذ فيلزم من ذلك تجويز تكذيب الرسول، ونفي الحقائق الثابتة في نفس الأمر، والقول بلا علم، والقطع بالباطل.\nوإن قالوا: نحن إنما نجوز ذلك إذا قام دليل عقلي قاطع.\nقيل: هذا باطل لوجهين:","vol":"1","page":182},{"text":"أحدهما: أنه إذا لم يعلم بالاضطرار أنه أخبر به كان علي قولكم غير معلوم الثبوت، وحينئذ فإذا قام عنده دلالة ظنية ترجح النفي أخبر بموجبهما، وإن جوز أن يكون غيره يعلم باضطرار نقيضها.\nالثاني: أن الأدلة العقلية القطعية ليست جنسًا متميزًا عن غيره، ولا شيئًا اتفق عليه العقلاء، بل كل طائفة من النظار تدعي أن عندها دليلًا قطعيًا علي ما تقوله، مع أن الطائفة الأخرى تقول: إن ذلك الدليل باطل، وإن بطلانه يعلم بالعقل، بل قد تقول: إنه قام عندها دليل قطعي علي نقيض قول تلك الطائفة، وإذا كانت العقليات ليست متميزة، ولا متفقًا عليها، وجوز أصحابها فيما لم يعلمه أحدهم بالاضطرار من أخبار الرسول أن يقدمها عليه - لزم من ذلك تكذيب كل من هؤلاء بما يعلم غيره بالاضطرار أن الرسول أخبر به.\nومعلوم أن العلوم الضرورية أصل للعلوم النظرية، فإذا جوز الإنسان أن يكون ما علمه غيره من العلوم الضرورية باطلًا جوز أن تكون العلوم الضرورية باطلة، وإذا بطلت بطلت النظرية، فصار قولهم مستلزمًا لبطلان العلوم كلها، وهذا مع أنه مستلزم لعدم علمهم بما يقولونه، فهو متضمن لتناقضهم، ولغاية السفسطة.\nوإن قالوا: ما علمنا بالاضطرار أن الرسول أراده أقررنا به ن ولم نجوز أن يكون في العقل ما يناقضه، وما علمه غيرنا لم نقر به، وجوزنا أن يكون في العقل","vol":"1","page":183},{"text":"ما يناقضه - أمكن تلك الطائفة أن تعارضهم بمثل ذلك، فيقولون: بل نحن نقر علمنا الضروري، ونقدح في علمكم الضروري بنظرياتنا.\nوأيضًا، فمن المعلوم أن من شافهه الرسول بالخطاب يعلم من مراده بالاضطرار ما لا يعلمه غيره، وأن من كان أعلم بالأدلة الدالة علي مراد المتكلم كان أعلم بمراده من غيره، وإن لم يكن نبيًا فكيف بالأنبياء؟.\nفإن النحاة أعمل بمراد الخليل وسبويه من الأطباء، والأطباء أعلم بمراد أبقراط وجالينوس من النحاة، والفقهاء أعلم بمراد الأئمة الأربعة وغيرهم من الأطباء","vol":"1","page":184},{"text":"والنحاة، وكل من هذه الطوائف يعلم بالاضطرار من مراد أئمة الفن ما لا يعلمه غيرهم، فضلًا عن أن يعلمه علمًا ضروريًا أو نظريًا.\nوإذا كان كذلك فمن له اختصاص بالرسول، ومزيد علم بأقواله وأفعاله ومقاصده، يعلم بالاضطرار من مراده ما لا يعلمه غيره، فإذا جوز لمن يحصل له هذا العلم الضروري أن يقوم عنده قاطع عقلي ينفي ما علمه هؤلاء بالاضطراب لزم ثبوت المعارضة بين العلوم النظرية والضرورية، وأنه يقدم فيها النظرية، ومعلوم أن هذا فاسد.\nفتبين أن قول هؤلاء يستلزم من تناقضهم وفساد مذاهبهم وتكذيب الرسل ما يستلزم من الكفر والجهل، وأنه يستلزم تقديم النظريات علي الضروريات، وذلك يستلزم السفسطة التي ترفع العلوم الضرورية والنظرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الخامس</span>\nالخامس: أن الدليل المشروط بعدم المعارض لا يكون قطعيًا، لأن القطعي لا يعارضه ما يدل علي نقيضه، فلا يكون العقل دالًا علي صحة شيء مما جاء به السمع، بل غاية الأمر: أن يظن الصدق فيما أخبر به الرسول.\nوحينئذ فقولك: إنه تعارض العقل والنقل قول باطل، لأن العقل عندك قطعي، والشرع ظني ن ومعلوم أنه لا تعارض بين القطعي والظني.","vol":"1","page":185},{"text":"فإن قيل: نحن جازمون بصدق الرسول فيما أخبربه، وأنه لا يخبر إلا بحق ن لكن إذا احتج علي خلاف ما اعتقدناه بشيء مما نقل عن الرسول يقبل هذه المعارضة للقدح: إما في الإسناد وإما في المتن:\nإما أن نقول: النقل لم يثبت، إن كان مما لم تعلم صحته، كما تنقل أخبار الآحاد وما ينقل عن الأنبياء المتقدمين.\nوإما في المتن بأن نقول: دلالة اللفظ علي مراد المتكلم غير معلومة، بل مظنونة، إما في محل النزاع، وإما فيما هو أعلم من ذلك، فنحن لا نشك في صدق الرسول، بل في صدق الناقل، أو دلالة المنقول علي مراده.\nقيل: هذا العذر باطل في هذا المقام لوجوه:\nأحدها: أن يقال لكم: فإذا علمتم أن الرسول أراد هذا المعني، إما أن تعملوا مراده بالاضطرار، كما يعلم أنه أتي بالتوحيد والصلوات الخمس والمعاد بالاضطرار، وإما بأدلة أخري نظرية، وقد قام عندكم القاطع العقلي علي خلاف ما علمتم أنه أراده، فكيف تصنعون؟\nفإن قلتم: نقدم العقل، لزمكم ما ذكر من فساد العقل المصدق للرسول، مع الكفر وتكذيب الرسول.\nوإن قلتم: نقدم قول الرسول، أفسدتم قولكم المذكور الذي قلتم فيه العقل أصل النقل، فلا يمكن تقديم الفرع علي أصله.\nوإن قلتم: يمتنع معارضة العقل الصريح بمثل هذا السمع، لأنا علمنا مراد الرسول قطعًا.","vol":"1","page":186},{"text":"قيل لكم: وهكذا يقول كل من علم مراد الرسول قطعًا: يمتنع أن يقوم دليل عقلي يناقضه، وحينئذ فيبقي الكلام: هل قام سمعي قطعي علي مورد النزاع أم لا؟ ويكون دفعكم للأدلة السمعية بهذا القانون باطلًا متناقضًا.\nالوجه الثاني: أنه إذا كنتم لا تردون من السمع إلا ما لم تعلموا أن الرسول أرداه، دون ما علمتم أن الرسول أراده، بقي احتجاجكم بكون العقل معارضًا للسمع احتجاجًا باطلًا لا تأثير له.\nالثالث: أنكم تدعون في مواضع كثيرة أن الرسول جاء بهذا، وأنا نعلم ذلك اضطرارًا، ومنازعوكم يدعون قيام القاطع العقلي علي مناقض ذلك كما في المعاد وغيره، فكذلك يقول منازعوكم في العلو والصفات: إنا نعلم اضطرار مجيء الرسول بهذا، بل هذا أقوي، كما بسط في موضع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>السادس</span>\nالسادس: أن هذا يعارض بأن يقال: دليل العقل مشروط بعدم معارضة الشرع، لأن العقل ضعيف عاجز، والشبهات تعرض له كثيرًا، وهذه المتائه والمحارات التي اضطرب فيها العقلاء لا أثق فيها بعقل يخالف الشرع.\nومعلوم أن هذا أولي بالقبول من الأول، بأن يقال ما يقال في:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>السابع</span>\nالسابع: وهو: أن العقل لا يكون دليلا مستقلًا في تفاصيل الأمور الإلهية واليوم الآخر، فلا أقبل منه ما يدل عليه إن لم يصدقه الشرع ويوافقه، فإن الشرع","vol":"1","page":187},{"text":"قول المعصوم الذي لا يخطئ ولا يكذب، وخبر الصادق الذي لا يقول إلا حقًا، وأما آراء الرجال فكثيرة التهافت والتناقض، فأنا لا أثق برأيي وعقلي في هذه المطالب العالية الإلهية، ولا بخبر هؤلاء المختلفين المتناقضين الذين كل منهم يقول بعقله ما يعلم العقلاء أنه باطل، فما من هؤلاء أحد إلا وقد علمت أنه يقول بعقله ما يعلم أنه باطل، بخلاف الرسل، فإنهم معصومون، فأنا لا أقبل قول هؤلاء إن لم يزك قولهم ذلك المعصوم: خبر الصادق المصدوق.\nومعلوم أن هذا الكلام أولي بالصواب، وأليق بأولي الألباب، من معارضة أخبار الرسول، الذي علموا صدقه وأنه لا يقول إلا حقًا، بما يعرض لهم من الآراء والمعقولات، التي هي في الغالب جهليات وضلالات.\nفإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم، كما نتنزل إلي اليهودي والنصراني في مناظرته، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعًا لقوله تعالي ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥]، وقوله ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ [العنكبوت: ٤٦] .\nوإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول، ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل - وإن جعلوه من المعقول بالبرهان - أعظم من أن يبسط في هذا المكان.\nوقد تبين بذلك أنه لا يمكن أن يكون تصديق الرسول فيما أخبر به معلقًا بشرط، ولا موقوفًا علي انتفاء مانع، بل لا بد من تصديقه في كل ما أخبر به","vol":"1","page":188},{"text":"تصديقًا جازمًا، كما في أصل الإيمان به، فلو قال الرجل: أنا أؤمن به إن أذن لي أبي أو شيخي، أو: إلا أن ينهاني أبي أو شيخي ـلم يكن مؤمنًا به بالاتفاق، وكذلك من قال: أؤمن به إن ظهر لي صدقه، لم يكن بعد قد آمن به، ولو قال: أؤمن به إلا أن يظهر لي كذبه، لم يكن مؤمنا.\nوحينئذ فلا بد من الجزم بأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل قطعي: لا سمعي ولا عقلي، وأن ما يظنه الناس مخالفًا له إما أن يكون باطلًا، وإما أن يكون مخالفًا، وأما تقدير قول مخالف لقوله وتقديمه عليه: فهذا فاسد في العقل، كما هو كفر في الشرع.\nولهذا كان من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه يجب علي الخلق الإيمان بالرسول إيمانًا مطلقًا جازمًا عامًا: بتصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أوجب وأمر، وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل، وأن من قال: يجب تصديق ما أدركته بعقلي، ورد ما جاء به الرسول لرأيي وعقلي، وتقديم عقلي علي ما أخبر به الرسول، مع تصديقي بأن الرسول صادق فيما أخبر به، فهو متناقض، فاسد العقل، ملحد في الشرع.\nوأما من قال: لا أصدق ما أخبر به حتى أعلمه بعقلي، فكفره ظاهر، وهو ممن قيل فيه ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله","vol":"1","page":189},{"text":"الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقوله تعالى ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر: ٨٢-٨٥] .\nومن عارض ما جاءت به الرسل برأيه فله نصيب من قوله تعالى ﴿كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب﴾ [غافر: ٣٤] وقوله تعالى ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ [غافر: ٣٥] وقوله تعالى ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ [غافر: ٥٦] والسلطان: هو الكتاب المنزل من السماء، فكل من عارض كتاب الله المنزل بغير كتاب الله الذي قد يكون ناسخًا له أو مفسرًا له، كان قد جادل في آيات الله بغير سلطان أتاه.\nومن هذا قوله تعالى ﴿وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب﴾ [غافر: ٥]، وقوله تعالى ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا﴾ [الكهف: ٥٦] وأمثال ذلك مما في كتاب الله تعالي مما يذم به الذين عارضوا رسل الله وكتبه بما عندهم من الرأي والكلام.","vol":"1","page":190},{"text":"والبدع مشتقة من الكفر، فمن عارض الكتاب والسنة بآراء الرجال كان قوله مشتقًا من أقوال هؤلاء الضلال، كما قال مالك: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلي محمد صلي الله عليه وسلم لجدل هذا؟\nفإن قيل: هذا الوجه غايته أنه لا تصح معارضة الشرع بالعقل، ولكن إذا طعن في العقل لم يبق لنا دليل علي صحة الشرع.\nقيل: المقصود في هذا المقام أنه يمتنع تقديم العقل علي الشرع، وهو المطلوب.\nوأما ثبوت الشرع في نفسه وعلمنا به، فليس هذا مقام إثباته، ونحن لم ندع أن أدلة العقل باطلة، ولا أن ما به يعلم صحة السمع باطل، ولكن ذكرنا أنه يمتنع معارضة الشرع بالعقل وتقدميه عليه، وأن من قال ذلك تناقض قوله، ولزمه أن لا يكون العقل دليلًا صحيحًا، إذ كان عنده العقل يستلزم صحة ما هو باطل في نفسه، فلا بد أن يضطره الأمر إلي أن يقول: ما عارضه الدليل العقلي فليس هو عندي دليلا في نفس الأمر، به هو باطل، فيقال له: وهكذا ما عارضه الدليل السمعي فليس هو دليلًا في نفس الأمر، بل هو باطل، وحينئذ فيرجع الأمر إلي أن ينظر في دلالة الدليل، سواء كان سمعيا أو عقليًا، فإن كان دليلًا قطعيًا لم يجز أن يعارضه شيء، وهذا هو الحق.\nوأيضًا، فقد ذكرنا أن مسمي الدليل العقلي - عند من يطلق هذا اللفظ - جنس تحته أنواع، فمنها ما هو حق ومنها ما هو باطل باتفاق العقلاء، فإن الناس متفقون علي أن كثيرًا من الناس يدخلون في مسمي هذا الاسم ما هو حق وباطل.","vol":"1","page":191},{"text":"وإذا كان كذلك فالأدلة العقلية الدالة علي صدق الرسول إذا عارضها ما يقال إنه دليل عقلي يناقض خبره المعين، ويناقض مادل علي صدقه مطلقًا، لزم أن يكون أحد نوعي ما يسمي دليلًا عقليًا باطلًا: وتمام هذا بأن يقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>الوجه الحادي عشر. كثير مما يسمي دليلًا ليس بدليل</span>\nالوجه الحادي عشر.\nكثير مما يسمي دليلًا ليس بدليل\nأن ما يسميه الناس دليلًا من العقليات والسمعيات ليس كثير منه دليلًا، وإنما يظنه الظان دليلًا.\nوهذ متفق عليه بين العقلاء، فإنهم متفقون علي أن ما يسمي دليلًا من العقليات والسمعيات قد لا يكون دليلًا في نفس الأمر.\nفنقول: أما المتبعون للكتاب والسنة - من الصحابة والتابعين وتابعيهم - فهم متفقون علي دلالة ما جاء به الشرع في باب الإيمان بالله تعالي وأسمائه وصفاته واليوم الآخر وما يتبع ذلك، لم يتنازعوا في دلالته علي ذلك، والمتنازعون في ذلك بعدهم لم يتنازعوا في أن السمع يدل علي ذلك، وإنما تنازعوا: هل عارضه من العقل ما يدفع موجبه؟ وإلا فكلهم متفقون علي أن الكتاب والسنة مثبتان للأسماء والصفات، مثبتان لما جاءا به من أحوال الرسالة والمعاد.\nوالمنازعون لأهل الإثبات من نفاة الأفعال والصفات لا ينازعون في أن النصوص السمعية تدل علي الإثبات، وأنه ليس في السمع دليل ظاهر علي النفي.","vol":"1","page":192},{"text":"فقد اتفق الناس علي دلالة السمع علي الإثبات، وإن تنازعوا في الدلالة: هل هي قطعية أو ظنية؟ .\nوأما المعارضون لذلك من أهل الكلام والفلسفة فلم يتفقوا علي دليل واحد من العقليات، بل كل طائفة تقول في أدلة خصومها: إن العقل يدل علي فسادها، لا علي صحتها، فالمثبتة للصفات يقولون: إنه يعلم بالعقل فساد قول النفاة، كما يقول النفاة: إنه يعلم بالعقل فساد قول المثبتة.\nومثبتة الرؤية يقولون: إنه يعلم بالعقل إمكان ذلك، كما تقول النفاة: إنه يعلم بالعقل امتناع ذلك.\nوالمتنازعون في الأفعال هل تقوم به؟ يقولون: إنه علم بالعقل قيام الأفعال به، وإن الخلق والإبداع والتأثير أمر وجودي قائم بالخالق المبدع الفاعل.\nثم كثير من هؤلاء يقولون: إن التسلسل إنما هو ممتنع في العلل، لا في الآثار والشروط، وخصومهم يقولون: ليس الخلق إلا المخلوق، وليس الفعل إلا المفعول، وليس الإبداع والخلق شيئًا غير نفس الفعل ونفس المفعول المنفصل عنه، وإن ذلك معلوم بالعقل، لئلا يلزم التسلسل.\nوكذلك القول في العقليات المحضة كمسألة الجوهر الفرد، وتماثل الأجسام، وبقاء الأعراض، ودوام الحوادث في الماضي أو المستقبل أو غير ذلك، كل هذه مسائل عقلية قد تنازع فيها العقلاء، وهذا باب واسع، فأهل العقليات من أهل النفي والإثبات كل منهم يدعي أن العقل دل علي قوله المناقض لقول الآخر، وأما السمع فدلالته متفق عليها بين العقلاء.","vol":"1","page":193},{"text":"وإذا كان كذلك قيل: السمع دلالته معلومة متفق عليها، وما يقال إنه معارض لها من العقل ليست دلالته معلومة متفقًا عليها، بل فيها نزاع كثير، فلا يجوز أن يعارض ما دلالته معلومة باتفاق العقلاء، بما دلالته المعارضة له متنازع فيها بين العقلاء.\nواعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية، ولا فيما علم العقل صحته، وإنما يطعنون فيما يدعي المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة.\nوليس في ذلك - ولله الحمد - دليل صحيح في نفس الأمر، ولا دليل مقبول عند عامة العقلاء، ولا دليل لم يقدح فيه بالعقل.\nوحينئذ فنقول في:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الوجه الثاني عشر. كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده</span>\nالوجه الثاني عشر.\nكل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده\nإن كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده، وإن لم يعارض العقل، وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعارض به لا عقل ولا شرع.\nوهذه الجملة تفصيلها هو الكلام علي حجج المخالفين للسنة من أهل البدع بأن نبين بالعقل فساد تلك الحجج وتناقضها، وهذا - ولله الحمد - مازال الناس يوضحونه، ومن تأمل ذلك وجد في المعقول مما يعلم به فساد المعقول المخالف للشرع ما لا يعلمه إلا الله.","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الوجه الثالث عشر. الأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها معلومة من الدين بالضرورة</span>\nالوجه الثالث عشر.\nالأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها معلومة من الدين بالضرورة\nأن يقال: الأمور السمعية التي يقال: إن العقل عارضها كإثبات الصفات والمعاد ونحو ذلك، هي مما علم بالاضطرار أن الرسول صلي الله عليه وسلم جاء بها، وما كان معلوما بالاضطرار من دين الإسلام امتنع أن يكون باطلًا، مع كون الرسول رسول الله حقًا، فمن قدح في ذلك وادعي أن الرسول لم يجيء به، كان قوله معلوم الفساد بالضرورة من دين المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>العلم بمقاصد الرسول علم ضروري يقيني. الوجه الرابع عشر</span>\nالعلم بمقاصد الرسول علم ضروري يقيني.\nالوجه الرابع عشر\nأن يقال: إن أهل العناية بعلم الرسول، العلمين بالقرآن، وتفسير الرسول صلي الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين لهم بإحسان، والعلمين بأخبار الرسول والصحابة والتابعين لهم بإحسان، عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ومراده ما لا يمكنهم دفعه عن قلوبهم، ولهذا كانوا كلهم متفقين علي ذلك من غير تواطؤ ولا تشاعر، كما اتفق أهل الإسلام علي نقل حروف القرآن، ونقل الصلوات الخمس والقبلة، وصيام شهر رمضان، وإذا كانوا قد نقلوا مقاصده ومراده عنه بالتواتر، كان ذلك كنقلهم حروفه وألفاظه بالتواتر.\nومعلوم أن النقل المتواتر يفيد العلم اليقيني، سواء كان التواتر لفظيًا أو معنويًا، كتواتر شجاعة خالد وشعر حسان وتحديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم، وفقه الأئمة الأربعة، وعدل العمرين، ومغازي النبي صلي الله عليه وسلم مع","vol":"1","page":195},{"text":"المشركين وقتاله أهل الكتاب، وعدل كسري، وطب جالينوس، ونحو سيبويه، يبين هذا أن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه أعظم مما يعلمه الأطباء من كلام جالينوس، والنحاة من كلام سيبويه، فإذا كان من ادعي في كلام سيبونه وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل العلم بالطب والنحو والحساب من كلامهم كان قوله معلوم البطلان، فمن ادعي في كلام الله ورسوله خلاف ما عليه أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلانًا وفسادًا، لأن هذا معصوم محفوظ.\nوجماع هذا: أن يعلم أن المنقول عن الرسول صلي الله عليه وسلم شيئان: ألفاظه وأفعاله، ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله، وكلاهما منه ما هو متواتر عند العامة والخاصة، ومنه ما هو متواتر عند الخاصة، ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس، وإن كان عند غيره مجهولًا أو مظنونًا مكذوبًا، وأهل العلم بأقواله كأهل العلم بالحديث والتفسير المنقول والمغازي والفقه يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم ممن لم يشركهم في علمهم، وكذلك أهل العلم بمعاني القرآن والحديث والفقه في ذلك يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم من معاني الأقوال والأفعال المأخوذة عن الرسول، كما يتواتر عند النحاة من أقوال الخليل","vol":"1","page":196},{"text":"وسيبويه والكسائي والفراء وغيرهم ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند الأطباء من معاني أقوال أبقراط وجالينوس وغيرهما ما لا يتواتر عن غيرهم، ويتواتر عند كل أحد من أصحاب مالك والشافعي والثوري والأوزعي وأحمد وأبي داود وأبي ثور وغيرهم من مذاهب هؤلاء الأئمة ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند أتباع رؤوس أهل الكلام والفلسفة من أقوالهم ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند أهل العلم بنقله الحديث من أقوال شعبة ويحيى بن سعيد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري وأمثالهم في الجرح والتعديل ما لا يعلمه غيرهم، بحيث يعلمون بالاضطرار اتفاقهم علي تعديل مالك والثوري وشعبة","vol":"1","page":197},{"text":"وحماد بن زيد والليث بن سعد وغير هؤلاء، وعلى تكذيب محمد بن سعيد المصلوب وأبي البختري وهب بن وهب القاضي وأحمد بن عبد الله الجويباري وأمثالهم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>الدليل الشرعي لا يقابل بكونه عقليًا وإنما بكونه بدعيًا. الوجه الخامس عشر</span>\nالدليل الشرعي لا يقابل بكونه عقليًا وإنما بكونه بدعيًا.\nالوجه الخامس عشر\nأن يقال: كون الدليل عقليًا أو سمعيًا ليس هو صفة تقتضي مدحًا ولا ذمًا ولا صحة ولا فسادًا، بل ذلك يبين الطريق الذي به علم، وهو السمع أو العقل، وإن كان السمع لا بد معه من العقل، وكذلك كونه عقليًا أو نقليًا، وأما كونه شرعيًا فلا يقابل بكونه عقليًا، وإنما يقابل بكونه بدعيًا، إذ البدعة تقابل الشرعة، وكونه شرعيًا صفة مدح، وكونه بدعيًا صفة ذم، وما خالف الشريعة فهو باطل.\nثم الشرعي قد يكون سمعيًا وقد يكون عقليًا، فإن كون الدليل شرعيًا يراد به كون الشرع أثبته ودل عليه، ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه، فإذا أريد بالشرعي ما أثبته الشرع، فإما أن يكون معلومًا بالعقل أيضًا، ولكن الشرع نبه عليه ودل عليه، فيكون شرعيًا عقليًا.","vol":"1","page":198},{"text":"وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالي عليها في كتابه العزيز، من الأمثال المضروبة وغيرها الدالة علي توحيده وصدق رسله، وإثبات صفاته وعلي المعاد، فتلك كلها أدلة عقلية يعلم صحتها بالعقل، وهي براهين ومقاييس عقلية، وهي مع ذلك شرعية.\nوإما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعيًا سمعيًا.\nوكثير من أهل الكلام يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه، ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين: العقليات، والسمعيات، ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة.\nوهذا غلط منهم، بل القرآن دل علي الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه، كما قال تعالى ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت: ٥٣] .\nوأما إذا أريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه، فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق، وما دل عليه ونبه عليه القرآن، وما دلت عليه وشهدت به الموجودات.\nوالشارع يحرم الدليل لكونه كذبًا في نفسه، مثل أن تكون إحدي مقدماته باطلة، فإنه كذب، والله يحرم الكذب، لاسيما عليه، كقوله تعالى ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه﴾ [الأعراف: ١٦٩] .","vol":"1","page":199},{"text":"ويحرمه لكون المتكلم به بلا علم، كما قال تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالي ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقوله ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ آل عمران: ٦٦] .\nويحرمه لكونه جدالًا في الحق بعد ما تبين، كقوله تعالى ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾ الأنفال: ٦]، وقوله تعالى ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ [الكهف: ٥٦] .\nوحينئذ فالدليل الشرعي لا يجوز أن يعارضه دليل غير شرعي، ويكون مقدمًا عليه، بل هذا بمنزلة من يقول: إن البدعة التي لم يشرعها الله تعالي تكون مقدمة علي الشرعة التي أمر الله بها، أو يقول: الكذب مقدم علي الصدق، أو يقول، خبر غير النبي صلي الله عليه وسلم يكون مقدما علي خبر النبي، أو يقول: ما نهي الله عنه يكون خيرًا مما أمر الله به، ونحو ذلك، وهذا كله ممتنع.\nوأما الدليل الذي يكون عقليًا أو سمعيا من غير أن يكون شرعيا، فقد يكون راجحا تارة ومرجوحا أخري، كما أنه قد يكون دليلا صحيحا تارة، ويكون شبهة فاسدة أخري، فما جاءت به الرسل عن الله تعالي إخبارًا أو أمرًا لا يجوز أن يعارض بشيء من الأشياء، وأما ما يقوله الناس فقد يعارض بنظيره، إذ قد يكون حقا تارة وباطلًا أخري، وهذا مما لا ريب فيه لكن من الناس من يدخل في الأدلة الشريعة ما ليس منها، كما أن منهم من يخرج منها ما هو داخل فيها، والكلام هنا علي جنس الأدلة، لا علي أعيانها.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المعارضون ينتهون إلي التأويل أو التفويض وهما باطلان. الوجه السادس عشر</span>\nالمعارضون ينتهون إلي التأويل أو التفويض وهما باطلان.\nالوجه السادس عشر\nأن يقال: غاية ما ينتهي إليه هؤلاء المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم، من المشهورين بالإسلام، هو التأويل أو التفويض، فأما الذي ينتهون إلي أن يقولوا الأنبياء أوهموا وخيلوا ما لا حقيقة له في نفس الأمر، فهؤلاء معروفون عند المسلمين بالإلحاد والزندقة.\nوالتأويل المقبول: هو ما دل علي مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، كما يعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من غير أن يحتاج ذلك إلي دليل خاص.\nوحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب، هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد.\nوأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالي أمرنا أن نتدبر القرآن، وحضنا علي عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟","vol":"1","page":201},{"text":"وأيضًا، فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا، وإخراجنا من الظلمات إلي النور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلي التقديرين لم نخاطب بما بين فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر.\nوحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا: أنه لم يبين الحق، ولا أوضحه، مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه، بل دل ظاهره علي الكفر والباطل، وأراد منا أن نفهم منه شيئًا، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه.\nوهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد.\nوبهذا احتج الملاحدة، كابن سينا وغيره، علي مثبتي المعاد، وقالوا: القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم، وزعموا أن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يبين ما الأمر عليه في نفسه، لا في العلم بالله تعالي ولا باليوم الآخر، فكان الذي استطالوا به علي هؤلاء هو موافقتهم لهم علي نفي الصفات، وإلا فلو آمنوا بالكتاب كله حق الإيمان لبطلت معارضتهم ودحضت حجتهم.","vol":"1","page":202},{"text":"ولهذا كان أبن النفيس المتطبب الفاضل يقول: ليس إلا مذهبان: مذهب أهل الحديث، أو مذهب الفلاسفة، فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف، يعين أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسل، وأولئك جعلوا الجميع تخيلا وتوهيمًا.\nومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة، فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة.\nثم إن ابن سينا وأمثاله من الباطنية المتفلسفة والقرامطة يقولون: إنه أراد من المخاطبين أن يفهموا الأمر علي خلاف ما هو عليه، وأن يعتقدوا ما لا حقيقة له في الخارج، لما في هذا التخييل والاعتقاد الفاسد لهم من المصلحة.\nوالجهمية والمعتزلة وأمثالهم يقولون: إنه أراد أن يعتقدوا الحق علي ما هو عليه، مع علمهم بأنه لم يبين في الكتاب والسنة، بل النصوص تدل علي نقيض ذلك، فأولئك يقولون: أراد منهم اعتقاد الباطل وأمرهم به، وهؤلاء يقولون: أراد اعتقاد ما لم يدلهم إلا علي نقيضه.\nوالمؤمن يعلم بالاضطرار أن كلا القولين باطل، ولا بد للنفاة أهل التأويل من هذا أو هذا: وإذا كان كلاهما باطلًا كان تأويل النفاة للنصوص باطلًا:","vol":"1","page":203},{"text":"فيكون نقيضه حقًا، وهو إقرار الأدلة الشرعية علي مدلولاتها، ومن خرج عن ذلك لزمه من الفساد ما لا يقوله إلا أهل الإلحاد.\nوما ذكرناه من لوازم قول التفويض: هو لازم لقولهم الظاهر المعروف بينهم، إذ قالوا: إن الرسول كان يعلم معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة، ولكن لم يبين للناس مراده بها، ولا أوضحه إيضاحًا يقطع به النزاع.\nوأما علي قول أكابرهم: إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه إلا الله، وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها ـفعلي قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه، لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه، وكذلك نصوص المثبتين للقدر عند طائفة، والنصوص المثبتة للأمر والنهي والوعد والوعيد عند طائفة، والنصوص المثبتة للمعاد عند طائفة.\nومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدي وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه ـوهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقًا لكل شيء، وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهي، ووعد وتوعد، أو عما أخبر به عن اليوم الآخر - لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين.","vol":"1","page":204},{"text":"وعلي هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة لا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به.\nفيبقي هذا الكلام سدًا لباب الهدي والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدي والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء، لأنا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون: فضلًا عن أن يبينوا مرادهم.\nفتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد.\nفإن قيل: أنتم تعلمون أن كثيرًا من السلف رأوا أن الوقف عند قوله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٦]، بل كثير من الناس يقول: هذا هو قول السلف، ونقلوا هذا القول عن أبي بن كعب وابن مسعود وعائشة وابن عباس وعروة بن الزبير وغير واحد من السلف والخلف، وإن كان القول الآخر ـوهو أن السلف يعلمون تأويله - منقولًا عن ابن عباس أيضًا، وهو قول مجاهد ومحمد بن جعفر وابن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم، وما ذكرتموه قدح في أولئك السلف وأتباعهم.","vol":"1","page":205},{"text":"قيل: ليس الأمر كذلك، فإن أولئك السلف الذين قالوا: لا يعلم تأويله إلا الله كانوا يتكلمون بلغتهم المعروفة بينهم، ولم يكن لفظ التأويل عندهم يراد به معني التأويل الاصطلاحي الخاص، وهو صرف اللفظ عن المعني المدلول عليه المفهوم منه إلي معني يخالف ذلك، فإن تسمية هذا المعني وحده تأويلا إنما هو اصطلاح طائفة من المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم، ليس هو عرف السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، لاسيما ومن يقول إن لفظ التأويل هذا معناه يقول: إنه يحمل اللفظ علي المعني المرجوح لدليل يقترن به، وهؤلاء يقولون: هذا المعني المرجوح لا يعلمه أحد من الخلق، والمعني الراجح لم يرده الله.\nوإنما كان لفظ التأويل في عرف السلف يراد به ما أراده الله بلفظ التأويل في مثل قوله تعالي ﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقال تعالي ﴿ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال يوسف ﴿يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقال يعقوب له ﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ [يوسف: ٦]، ﴿وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله﴾ [يوسف: ٤٥]، وقال يوسف ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما﴾ [يوسف: ٣٧] .\nفتأويل الكلام الطلبي: الأمر والنهي، وهو نفس فعل المأمور به وترك المنهي عنه، كما قال سفيان بن عيينة: السنة تأويل الأمر والنهي، و«قالت","vol":"1","page":206},{"text":"عائشة: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم في يقول ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن»، وقيل لعروة بن الزبير: فما بال عائشة كانت تصلي في السفر أربعًا؟ قال: تأولت كما تأول عثمان ونظائره متعددة.\nوأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وذلك في حق الله: هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، ولهذا قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.\nوكذلك قال ابن الماجوشون وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف يقولون: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وإن علمنا تفسيره ومعناه.\nولهذا رد أحمد بن حنبل علي الجهمية والزنادقة فيما طعنوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه علي غير تأويله، فرد علي من حمله علي غير ما أريد به، وفسر هو جميع الآيات المتشابهة، وبين المراد بها.\nوكذلك الصحابة والتابعون فسروا جميع القرآن، وكانوا يقولون: إن العلماء يعلمون تفسيره وما أريد به، وإن لم يعلموا كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وكذلك","vol":"1","page":207},{"text":"لا يعلمون كيفية الغيب، فإن ما أعده الله لأوليائه من النعيم لا عين رأته، ولا أذن سمعته، ولا خطر علي قلب بشر، فذاك الذي أخبر به لا يعلمه إلا الله، فمن قال من السلف إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعني، فهذا حق.\nوأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد به لا يعلمه إلا الله، فهذا ينازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله، وقالوا: إنهم يعلمون معناه.\nكما قال مجاهد: عرضت المصحف علي ابن عباس من فاتحته إلي خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها.\nوقال ابن مسعود: ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيم أنزلت.\nوقال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها.\nولهذا كانوا يجعلون القرآن يحيط بكل ما يطلب من علم الدين، كما قال مسروق: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه وقال الشعبي: ما ابتدع قوم بدعة إلا في كتاب الله بيانها.\nوأمثال ذلك من الآثار الكثيرة المذكورة بالأسانيد الثابتة، مما ليس هذا موضع بسطه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>العقليات المبتدعة بنيت علي أقوال مشتبهة مجملة تشتمل علي حق وباطل. الوجه السابع عشر</span>\nالعقليات المبتدعة بنيت علي أقوال مشتبهة مجملة تشتمل علي حق وباطل.\nالوجه السابع عشر\nأن يقال: الذين يعارضون الكتاب والسنة بما يسمونه عقليات: من الكلاميات والفلسفيات ونحو ذلك، إنما يبنون أمرهم في ذلك علي أقوال مشتبهة مجملة، تحتمل","vol":"1","page":208},{"text":"معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه لفظًا ومعني يوجب تناولها لحق وباطل، فبما فيها من الحق يقبل ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يعارضون بما فيها من الباطل ونصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.\nوهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا، وهو منشأ البدع، فإن البدعة لو كانت باطلا محضًا لظهرت وبانت، وما قبلت، ولو كانت حقا محضا، لا شوب فيه، لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقًا محضًا لا باطل فيه، ولكن البدعة تشتمل علي حق وباطل وقد بسطنا الكلام علي هذا في غير هذا الموضع.\nولهذا قال تعالي فيما يخاطب به أهل الكتاب علي لسان محمد صلي الله عليه وسلم ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون * وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون * ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٤٠-٤٢]، فنهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمانه.\nولبسه به: خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر، كما قال تعالى ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ [الأنعام: ٩] .\nومنه التلبيس، وهو التدليس، وهو الغش، لأن المغشوش من النحاس تلبسه فضة تخالطه وتغطيه، كذلك إذا لبس الحق بالباطل يكون قد أظهر الباطل","vol":"1","page":209},{"text":"في صورة الحق، فالظاهر حق، والباطن باطل، ثم قال تعالى ﴿وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٤٢] .\nوهنا قولان.\nقيل: إنه نهاهم عن مجموع الفعلين، وإن الواو واو الجمع التي يسميها نحاة الكوفة واو الصرف، كما في قولهم لاتأكل السمك وتشرب اللبن كما قال تعالى: ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٢] علي قراءة النصب، وكما في قوله تعالى ﴿أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير * ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص﴾ [الشورى: ٣٤-٣٥] علي قراءة النصب، وعلي هذا فيكون الفعل الثاني في قوله ﴿وتكتموا الحق﴾ منصوبًا، والأول مجزومًا.\nوقيل: بل الواو هي الواو العاطفة المشركة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون قد نهي عن الفعلين من غير اشتراط اجتماعهما، كما إذا قيل: لا تكفر وتسرق وتزن.\nوهذا هو الصواب، كما في قوله تعالي ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾ [آل عمران: ٧١] ولو ذمهم علي الاجتماع لقال: وتكتموا الحق بلا نون وتلك الآية نظير هذه.\nومثل هذا الكلام إذا أريد به النهي عن كل من الفعلين فإنه قد يعاد فيه حرف النفي، كما تقول: لا تكفر، ولا تسرق، ولا تزن.\nومنه قوله تعالي ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩] .","vol":"1","page":210},{"text":"وأما إذا لم يعد حرف النفي فيكون لارتباط أحد الفعلين بالآخر، مثل أن يكون أحدهما مستلزمًا للآخر، كما قيل: لا تكفر بالله وتكذب أنبياءه، ونحو ذلك.\nوما يكون اقترانهما ممكنًا لا محذور فيه، لكن النهي عن الجميع فهو قليل في الكلام.\nولذلك قل ما يكون فيه الفعل الثاني منصوبًا، والغالب علي الكلام جزم الفعلين.\nوهذا مما يبين أن الراجح في قوله: (وتلبسوا) أن تكون الواو واو العطف، والفعل مجزومًا، ولم يعد حرف النفي لأن أحد الفعلين مرتبط بالآخر مستلزم له، فالنهي عن الملزوم - وإن كان يتضمن النهي عن اللازم ـفقد يظن أنه ليس مقصودًا للنهي، وإنما هو واقع بطريق اللزوم العقلي.\nولهذا تنازع الناس في الأمر بالشيء: هل يكون أمرًا بلوازمه؟ وهل يكون نهيًا عن ضده؟ مع اتفاقهم علي أن فعل المأمور لا يكون إلا مع فعل لوازمه وترك ضده.\nومنشأ النزاع: أن الآمر بالفعل قد لا يكون مقصوده اللوازم ولا ترك الضد، ولهذا إذا عاقب المكلف لا يعاقبه إلا علي ترك المأمور فقط، لا يعاقبه علي ترك لوازمه وفعل ضده.\nوهذه المسألة هي الملقبة بأن: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوقد غلط فيها بعض الناس، فقسموا ذلك إلي ما لا يقدر المكلف عليه كالصحة في الأعضاء والعدد في الجمعة، ونحو ذلك مما لا يكون قادرًا علي تحصيله، وإلي ما يقدر عليه كقطع المسافة إلي الحج، وغسل جزء من الرأس في الوضوء، وإمساك","vol":"1","page":211},{"text":"جزء من الليل في الصيام، ونحو ذلك، فقالوا: ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورًا للمكلف فهو واجب.\nوهذا التقسيم خطأ، فإن هذه الأمور التي ذكروها هي شرط في الوجوب، فلا يتم الوجوب إلا بها، وما لا يتم الوجوب إلا به لا يجب علي العبد فعله باتفاق المسلمين، سواء كان مقدورًا عليه أو لا، كالاستطاعة في الحج واكتساب نصاب الزكاة، فإن العبد إذا كان مستطيعًا للحج وجب عليه الحج، وإذا كان مالكًا لنصاب الزكاة وجبت عليه الزكاة، فالوجوب لا يتم إلا بذلك، فلا يجب عليه تحصيل استطاعة الحج، ولا ملك النصاب.\nولهذا من يقول: إن الاستطاعة في الحج ملك المال، كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، فلا يوجبون عليه اكتساب المال، ولم يتنازعوا إلا فيما إذا بذلت له الاستطاعة: إما بذل الحج، وإما بذل المال له من ولده، وفيه نزاع معروف في مذهب الشافعي وأحمد، ولكن المشهور من مذهب أحمد عدم الوجوب، وإنما أوجبه طائفة من أصحابه، لكون الأب له علي أصله أن يتملك مال ولده، فيكون قبوله كتملك المباحات، والمخالفون لهؤلاء من أصحابه لا يوجبون عليه اكتساب المباحات، والمشهور من مذهب الشافعي الوجوب ببذل الابن الفعل.","vol":"1","page":212},{"text":"والمقصود هنا الفرق بين ما لا يتم الوجوب إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به، وأن الكلام في القسم الثاني، فما لا يتم الواجب إلا به كقطع المسافة في الجمعة والحج ونحو ذلك، فعلي المكلف فعله باتفاق المسلمين.\nلكن من ترك الحج وهو بعيد الدار عن مكة، أو ترك الجمعة وهو بعيد الدار عن الجامع فقد ترك أكثر مما ترك قريب الدار، ومع هذا فلا يقال: إن عقوبة هذا أعظم من عقوبة قريب الدار، والواجب ما يكون تركه سببًا للذم والعقاب، فلو كان هذا الذي لزم فعله بطريق التبع مقصودًا بالوجوب لكان الذم والعقاب لتاركه أعظم، فيكون من ترك الحج من أهل الهند والأندلس أعظم عقابًا ممن تركه من أهل مكة والطائف، ومن ترك الجمعة من أقصي المدينة أعظم عقابًا ممن تركها من جيران المسجد الجامع.\nفلما كان من المعلوم أن ثواب البعيد أعظم، وعقابه إذا ترك ليس أعظم من عقاب القريب، نشأت من ههنا الشبهة: هل هو واجب أو ليس بواجب؟ والتحقيق: أن وجوبه بطريق اللزوم العقلي، لا بطريق قصد الآمر، بل بالفعل قد لا يقصد طلب لوازمه وإن كان عالمًا بأنه لا بد من وجودها، وإن كان ممن يجوز عليه الغفلة فقد لا تخطر بقلبه اللوازم.\nومن فهم هذا انحلت عنه شبهة الكعبي: هل في الشريعة مباح أم لا؟ فإن الكعبي زعم أنه لا مباح في الشريعة، لأنه ما من فعل يفعله العبد من المباحات","vol":"1","page":213},{"text":"إلا وهو مشتغل به عن محرم، والنهي عن المحرم أمر بأحد أضداده، فيكون من فعله من الباحات هو من أضداد المحرم المأمور بها.\nوجوابه أن يقال: النهي عن الفعل ليس أمرًا بضد معين، لا بطريق القصد ولا بطريق اللزوم، بل هو نهي عن الفعل المقصود تركه بطريق القصد، وذلك يستلزم الأمر بالقدر المشترك بين الأضداد، فهو أمر بمعني مطلق كلي، والأمر بالمعني المطلق الكلي ليس أمرًا بمعين بخصوصه، ولا نهيًا ننه، بل لا يمكن فعل المطلق إلا بمعين، أي معين كان، فهو أمر بالقدر المشترك بين المعينات، فما امتاز به معين عن معين فالخيرة فيه إلي المأمور، لم يؤمر به ولم ينه عنه، وما أشتركت فيه المعنيات - وهو القدر المشترك - فهو الذي أمر به الآمر.\nوهذا يحل الشبهة في مسألة المأمور المخير، والأمر بالماهية الكلية: هل يكون أمرًا بشيء من جزئياتها أم لا؟ فالمخير هو الذي يكون أمر بخصلة من خصال معينة، كما في فدية الأذى وكفارة اليمين، كقوله تعالى ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله تعالى ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ [المائدة: ٨٩] فهنا اتفق المسلمون علي أنه إذا فعل واحد منها برئت ذمته، وأنه إذا ترك الجميع لم يعاقب علي ترك الثلاثة، كما يعاقب إذا وجب عليه أن يفعل الثلاثة كلها.","vol":"1","page":214},{"text":"وكذلك اتفق العقلاء المعتبرون علي أن الواجب ليس معينًا في نفس الأمر، وأن الله لم يوجب عليه ما علم أنه سيفعله، وإنما يقول هذا بعض الغالطين، ويحكيه طائفة عن طائفة غلطًا عليهم، بل أوجب عليه أن يفعل هذا أو هذا، وهو كما قال أبن عباس: كل شيء في القرآن أو.......\nأو فهو علي التخيير، وكل شيء في القرآن فمن لم يجد فهو علي الترتيب، والله يعلم أن العبد يفعل واحدا بعينه مع علمه أنه لم يوجبه عليه بخصوصه.\nثم اضطراب الناس هنا: هل الواجب الثلاثة، فلا يكون هناك فرق بين المعين وبين المخير، أو الواجب واحد لا بعينه، فيكون المأمور به مبهمًا غير معلوم للمأمور؟ ولا بد في الأمر من تمكن المأمور من العلم بالمأمور به والعمل به، والقول بأيجاب الثلاثة يحكي عن المعنزلة، والقول بإيجاب واحد لا بعينه هو قول الفقهاء.\nوحقيقة الأمر: أن الواجب هو القدر المشترك بين الثلاثة، وهو مسمي أحدها.\nفالواجب أحد الثلاثة، وهذا معلوم متميز معروف للمأمور، وهذا المسمي يوجد في هذا المعين وهذا المعين وهذا المعين، فلم يجب واحد بعينه غير معين، بل وجب أحد المعينات، والامتثال يحصل بواحد منها وإن لم يعينه الآمر.\nوالمتناقض هو أن يوجب معينا ولا يعينه، أما إذا كان الواجب غير معين بل هو القدر المشترك، فلا منافاة بين الإيجاب وترك التعيين.","vol":"1","page":215},{"text":"وهذا يظهر بالواجب المطلق، وهو الأمر بالماهية الكلية، كالأمر بإعتاق رقبة، فإن الواجب رقبة مطلقة، والمطلق لا يوجد إلا معينًا، لكن لا يكون معينًا في العلم والقصد، فالآمر لم يقصد واحدًا بعينه، مع علمه بأنه لا يوجد إلا معينًا، وأن المطلق الكلي عند الناس وجوده في الأذهان لا في الأعيان، فما هو مطلق كلي في أذهان الناس لا يوجد إلا معينًا مشخصًا متميزًا في الأعيان، وإنما سمي كليا لكونه في الذهن كليًا، وأما في الخارج فلا يكون في الخارج ما هو كلي أصلًا.\nوهذا الأصل ينفع في عامة العلوم، فلهذا يتعدد ذكره في كلامنا بحسب الحاجة إليه، فيحتاج أن يفهم في كل موضع يحتاج إليه فيه، كما تقدم، وبسبب الغلط فيه ضل طوائف من الناس، حتى في وجود الرب تعالي، وجعلوه وجودًا مطلقًا، إما بشرط الإطلاق، وإما بغير شرط الإطلاق، وكلاهما يمتنع وجوده في الخارج.\nوالمتفلسفة منهم من يقول: يوجد المطلق بشرط الإطلاق في الخارج، كما يذكر عن شيعة أفلاطون القائلين بالمثل الأفلاطونية، ومنهم من يزعم وجود المطلقات في الخارج مقارنة للمعينات، وأن الكلي المطلق جزء من المعين الجزئي، كما يذكر عمن يذكر عنه من أتباع أرسطو صاحب المنطق.\nوكلا القولين خطأ صريح، فإنا نعلم بالحس وضرورة العقل أن الخارج ليس فيه شيء معين مختص لا شركة فيه أصلًا، ولكن المعاني الكلية العامة المطلقة في الذهن، كالألفاظ المطلقة والعامة في اللسان، وكالخط الدال علي تلك الألفاظ،","vol":"1","page":216},{"text":"فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق المعني، فكل من الثلاثة يتناول الأعيان الموجودة في الخارج ويشملها ويعمها، لا أن في الخارج شيئًا هو نفسه يعم هذا وهذا، أو يوجد في هذا وهذا، أو يشترك فيه هذا وهذا، فإن هذا لا يقوله من يتصور ما يقول: وإنما يقوله من اشتبهت عليه الأمور الذهنية بالأمور الخارجية، أو من قلد بعض من قال ذلك من الغالطين فيه.\nومن علم هذا علم كثيرًا مما دخل في المنطق من الخطأ في كلامهم في الكليات والجزئيات، مثل الكليات الخمس: الجنس، والفصل، والنوع، والخاصة، والعرض العام.\nوما ذكروه من الفرق بين الذاتيات واللوازم للماهية، وما ادعوه من تركيب الأنواع من الذاتيات المشتركة المميزة التي يسمونها الجنس والفصل، وتسمية هذه الصفات أجزاء الماهية، ودعواهم أن هذه الصفات التي يسمونها أجزاء تسبق الموصوف في الوجود الذهني والخارجي جميعًا، وإثباتهم في الأعيان الموجودة في الخارج حقيقة عقلية مغايرة للشيء المعين الموجود، وأمثال ذلك من أغاليطهم التي تقود من اتبعها إلي الخطأ في الإلهيات، حتى يعتقد في الموجود الواجب: أنه وجود مطلق بشرط الإطلاق كما قاله طائفة من الملاحدة، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية كلها كما قاله ابن سينا وأمثاله، مع العلم بصريح العقل أن المطلق بشرط الإطلاق أو بشرط سلب الأمور الثبوتية يمتنع وجوده في الخارج، فيكون الواجب الوجود ممتنع الوجود.","vol":"1","page":217},{"text":"وهذا الكفر المتناقض وأمثاله هو سبب ما اشتهر بين المسلمين أن المنطق يجر إلي الزندقة، وقد يطعن في هذا من لم بفهم حقيق المنطق وحقيقة لوازمه، ويظن انه في نفسه لا يستلزم صحة الإسلام ولا فساده، ولا ثبوت حق ولا انتقاءه، وإنما هو آلة تعصم مراعاتها عن الخطأ في النظر، وليس الأمر كذلك، بل كثير مما ذكروه في المنطق يستلزم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات، ويكون من قال بلوازمه ممن قال الله تعالى فيه: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠] .\nوالكلام في هذا مبسوط في غير هذا الموضوع، وإنما يلتبس علي كثير من الناس بسبب ما في ألفاظه من الإجمال والاشتراك والإبهام، فإذا فسر المراد بتلك الألفاظ انكشفت حقيقة المعاني المعقولة، كما سننبه علي ذلك إن شاء الله تعالي.\nوالغرض هنا: أن الأمر بالشيء الذي له لوازم لا توج\nإلا بوجوده، سواء كانت سابقة علي وجوده أو كانت لاحقة لوجوده، قد يكون الآمر قاصدًا للأمر بتلك اللوازم، بحيث يكون آمرًا بهذا وبهذا اللازم، وأنه إذا تركهما عوقب علي كل منهما، وقد يكون المقصود أحدهما دون الآخر، وكذلك النهي عن الشيء الذي له ملزوم، قد يكون قصده أيضًا ترك الملزوم لما فيه من المفسدة، وقد يكون تركه غير مقصود له، وإنما لزم لزومًا.\nومن هنا ينكشف لك سر مسألة اشتباه الأخت بالأجنبية، والمذكي بالميت، ونحو ذلك مما ينهي العبد فيه عن فعل الاثنين لأجل الاشتباه، فقالت طائفة: كلتاهما محرمة، وقالت طائفة: بل المحرم في نفس الأمر الأخت والميتة، والأخرى","vol":"1","page":218},{"text":"إنما نهي عنها لعلة الاشتباه، وهذا القول أغلب علي فطرة الفقهاء، والأول أغلب علي طريقة من لا يجعل في الأعيان معاني تقتضي التحليل والتحريم، فيقول: كلاهما نهي عنه، وإنما سبب النهي اختلف.\nوالتحقيق في ذلك أن المقصود للناهي اجتناب الأجنبية والميتة فقط، والمفسدة التي من أجلها نهي عن العين موجودة فيها فقط، وأما ترك الأخرى فهي من باب اللوازم فهنا لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه، وهنا لا يتم فعل الواجب إلا بفعله.\nوهذا نظير من ينهاه الطبيب عن تناول شراب مسموم، واشتبه ذلك القدح بغيره، فعلي المريض اجتناب القدحين، والمفسدة في أحدهما، ولهذا لو أكل الميتة والمذكي لعوقب علي أكل الميتة، كما لو أكلها وحدها، ولا يزداد عقابه بأكل المذكي، بخلاف ما إذا أكل ميتتين فإنه يعاقب علي أكلهما أكثر من عقاب من أكل إحداهما.\nإذا عرف هذا فقوله تعالى ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾ [البقرة: ٤٢]، نهي عنهما، والثاني لازم للأول مقصود بالنهي، فمن لبس الحق بالباطل كتم الحق وهو معاقب علي لبسه الحق بالباطل، وعلي كتمانه الحق، فلا يقال: النهي عن جمعهما فقط، لأنه لو كان هذا صحيحًا لم يكن مجرد كتمان الحق موجبًا للذم، ولا مجرد لبس الحق بالباطل موجبًا للذم، وليس الأمر كذلك، فإن كتمان أهل الكتاب ما أنزل الله من البينات والهدي من بعد ما بينه للناس يستحقون به العقاب باتفاق المسلمين، وكذلك لبسهم الحق الذي أنزله الله بالباطل","vol":"1","page":219},{"text":"الذي ابتدعوه، وجمع بينهما بدون إعادة حرف النفي لأن اللبس مستلزم للكتمان، ولم يقتصر علي الملزوم لأن اللازم مقصود بالنهي.\nفهذا يبين لك بعض ما في القرآن من الحكم والأسرار، وإنما كان اللبس مستلزمًا للكتمان لأن من لبس الحق بالباطل، كما فعله أهل الكتاب - حيث ابتدعوا دينًا لم يشرعه الله، فأمروا بما لم يأمر به، ونهوا عما لم ينه عنه، وأخبروا بخلاف ما أخبر به - فلابد له أن يكتم من الحق المنزل ما يناقض بدعته، إذ الحق المنزل الذي فيه خبر بخلاف ما أخبر به إن لم يكتمه لم يتم مقصوده، وكذلك الذي فيه إباحة لما نهي عنه أو إسقاط لما أمر به.\nوالحق المنزل إما أمر ونهي وإباحة، وإما خبر، فالبدع الخبرية كالبدع المتعلقة بأسماء الله تعالي وصفاته والنبيين واليوم الآخر لا بد أن يخبروا فيها بخلاف ما أخبر الله به، والبدع الأمرية، كمعصية الرسول المبعوث إليهم ونحو ذلك، لا بد أن يأمروا فيها بخلاف ما أمر الله به، والكتب المتقدمة تخبر عن الرسول النبي الأمي وتأمر باتباعه.\nوالمقصود هنا الاعتبار، فإن بني إسرائيل قد ذهبوا أو كفروا، وإنما ذكرت قصصهم عبرة لنا، وكان بعض السلف يقول: إن بني إسرائيل ذهبوا، وإنما يعني أنتم، ومن الأمثال السائرة: إياك أعني واسمعي يا جارة فكان فيما خاطب الله بني إسرائيل عبرة لنا: أن لا نلبس الحق بالباطل، ونكتم الحق.","vol":"1","page":220},{"text":"والبدع التي يعارض بها الكتاب والسنة التي يسميها أهلها كلاميات وعقليات وفلسفيات، أو ذوقيات ووجديات وحقائق وغير ذلك، لا بد أن تشمل علي لبس حق بباطل وكتمان حق، وهذا أمر موجود يعرفه من تأمله، فلا تجد قط مبتدعًا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه، ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه.\nثم إن قوله الذي يعارض به النصوص لا بد له أن يلبس فيه حقًا بباطل، بسبب ما يقوله من الألفاظ المجملة المتشابهة.\nولهذا قال الإمام أحمد في أول ما كتبه في الرد علي الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن، وتأولته علي غير تأويله مما كتبه في حبسه - وقد ذكره الخلال في كتاب السنة والقاضي أبو يعلي، وأبو الفضل التميمي، وأبو الوفاء بن عقيل، وغير واحد من أصحاب أحمد، ولم ينفه أحد منهم عنه - قال في أوله: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلي الهدى، ويبصرون منهم علي الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمي، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم علي الناس وأقبح أثر الناس عليهم ! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون علي","vol":"1","page":221},{"text":"مخالفة الكتاب يقولون علي الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما بشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>المبتدعة يستعملون ألفاظ الكتاب والسنة واللغة ولكن يقصدون بها معاني أخر</span>\nوالمقصود هنا قوله: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس، هو الذي يتضمن الألفاظ المتشايهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعان أخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال، كلفظ العقل والعاقل والمعقول، فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدل علي عرض، إما مسمي مصدر عقل يعقل عقلا، وإما قوة يكون بها العقل، وهي العزيزة، وهم يريدون بذلك جوهرًا مجردًا قائمًا بنفسه.\nوكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر والعرض، والجسم، والتحيز، والجهة، والتركيب، والجزء، والافتقار، والعلة، والمعلول، والعاشق، والعشق، والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث، والقدم بل ولفظ الواجب، والممكن، بل ولفظ الوجود، والذات وغير ذلك من الألفاظ.\nوما من أهل فن إلا وهم معترفون بأنهم يصطلحون علي ألفاظ يتفاهمون بها مرادهم، كما لأهل الصناعات العلمية ألفاظ يعبرون بها عن صناعتهم، وهذه","vol":"1","page":222},{"text":"الألفاظ هي عرفية عرفًا خاصًا، ومرادهم بها غير المفهوم منها في أصل اللغة، سواء كان ذلك المعني حقًا أو باطلًا.\nوإذا كان كذلك فهذا مقام يحتاج إلي بيان:\nوذلك أن هؤلاء المعارضين إذا لم يخاطبوا بلغتهم واصطلاحهم فقد يقولون: إنا لا نفهم ما قيل لنا، أو أن المخاطب لنا والراد علينا لم يفهم قولنا، ويلبسون علي الناس بأن الذي عنيناه بكلامنا حق معلوم بالعقل أو بالذوق، ويقولون أيضًا: إنه موافق للشرع، إذا لم يظهروا مخالفة الشرع، كما يفعله الملاحدة من القرامطة والفلاسفة ومن ضاهأهم.\nوإذا خوطبوا بلغتهم واصطلاحهم - مع كونه ليس هو اللغة المعروفة التي نزل بها القرآن - فقد يفضي إلي مخالفة ألفاظ القرآن في الظاهر.\nفإن هؤلاء عبروا عن المعاني التي أثبتها القرآن بعبارات أخري ليست في القرآن، وربما جاءت في القرآن بمعني آخر، فليست تلك العبارات مما أثبته القرآن، بل قد يكون معناها المعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن منتفيًا باطلًا، نفاه الشرع والعقل، وهم اصطلحوا بتلك العبارات علي معان غير معانيها في لغة العرب، فتبقي إذا أطلقوا نفيها لم تدل في لغة العرب علي باطل، ولكن تدل في اصطلاحهم الخاص علي باطل، فمن خاطبهم بلغة العرب قالوا: إنه لم يفهم مرادنا، ومن خاطبهم باصطلاحهم أخذوا يظهرون عنه أنه قال ما يخالف القرآن، وكان هذا من جهة كون تلك الألفاظ مجملة مشتبهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>معني لفظ التوحيد في الكتاب والسنة مخالف لما يقصده المبتدعة</span>\nوهذا كالألفاظ المتقدمة مثل لفظ: القدم، والحدوث، والجوهر، والجسم، والعرض، والمركب، والمؤلف، والمتحيز، والبعض، والتوحيد،","vol":"1","page":223},{"text":"والواحد، فهم يريدون بلفظ التوحيد والواحد في اصطلاحهم: ما لا صفة له ولا يعلم منه شيء دون شيء ولا يرى، والتوحيد الذي جاء به الرسول لم يتضمن شيئا من هذا النفي، وإنما تضمن إثبات الإلهية لله وحده، بأن يشهد أن لا إله إلا هو، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات.\nقال جابر بن عبد الله في حديثه الصحيح في سياق حجة الوداع «فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» وكانوا في الجاهلية يقولولن: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك فأهل النبي صلي الله عليه وسلم بالتوحيد كما تقدم.\nقالت تعالي ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ [البقرة: ١٦٣] .\nوقال تعالى ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون﴾ [النحل: ٥١] وقال تعالى ﴿ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه﴾ [المؤمنون: ١١٧] وقال تعالى ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾","vol":"1","page":224},{"text":"[الزخرف: ٤٥]، وقال تعالى ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾ [النحل: ٣٦] .\nوأخبر عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلي عبادة الله وحده لا شريك له.\nوقال تعالي ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال تعالى عن المشركين: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾ [ص: ٥]، وقال تعالى ﴿وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا﴾ [الإسراء: ٤٦]، وقال تعالى ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: ٤٥]، وقال تعالى ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون﴾ [الصافات: ٣٥-٣٦] وهذا في القرآن كثير.\nوليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد.\nويظن هؤلاء أنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد.\nوكثير من أهل الكلام يقول: التوحيد له ثلاث معان، وهو: واحد في ذاته لا قسيم له، أو لا جزء له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله","vol":"1","page":225},{"text":"لا شريك له.\nوهذا المعني الذي تتناوله هذه العبارة فيها ما يوافق ما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم، وفيها ما يخالف ما جاء به الرسول، وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول، بل التوحيد الذي أمر به أمر يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخري، فهذا من الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل وكتم الحق.\nوذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالي من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء - لم يكن موحدًا، بل ولا مؤمنًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له.\nوالإله هو بمعني المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعني القادر علي الخلق، فإذا فسر المفسر الإله بمعني القادر علي الاختراع، واعتقد أن هذا أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من المتكلمة الصفاتية، وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن وأتباعه، لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين.\nوقال تعالى ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: ١٠٦]، قال طائفة من السلف: تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله، وهم مع هذا يعبدون غيره، وقال تعالي ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩]، وقال تعالى ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله﴾ [العنكبوت: ٦١] .","vol":"1","page":226},{"text":"فليس كل من أقر أن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابدًا له دون ما سواه، داعيًا له دون سواه، راجيا له خائفا منه دون ما سواه، يوالي فيه، ويعادي فيه، ويطيع رسله، ويأمر بما أمر به، وينهى عما نهي عنه.\nوقد قال تعالى ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩]، وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به وجعلوا له أندادًا، قال تعالى ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا﴾ [الزمر: ٤٣-٤٤] .\nوقال تعالى ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ [يونس: ١٨]، وقال تعالى ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقال تعالى ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥] .\nولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويدعوها كما يدعو الله تعالي، ويصوم لها، وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك: وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببًا وواسطة لم أكن مشركًا.","vol":"1","page":227},{"text":"ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك، فهذا ونحوه من التوحيد الذي بعث الله به رسله، وهم لا يدخلونه في مسمي التوحيد الذي اصطلحوا عليه، وأدخلوا في ذلك نفي صفاته، فإنهم إذا قالوا: لا قسيم له، ولا جزء له، ولا شبيه له، فهذا اللفظ - وإن كان يراد به معني صحيح - فإن الله ليس كمثله شيء، هو سبحانه لا يجوز عليه أن يتفرق، ولا يفسد، ولا يستحيل، بل هو أحد صمد، والصمد: الذي لا جوف له، وهو السيد الذي كمل سؤدده، فإنهم يدرجون في هذا نفي علوه علي خلقه ومباينته لمصنوعاته، ونفي ما ينفونه من صفاته، ويقولون: إن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركبًا منقسمًا، وأن يكون له شبيه.\nوأهل العلم يعلمون أن مثل هذا لا يسمي في لغة العرب التي نزل بها القرآن تركيبًا وانقسامًا، ولا تمثيلًا، وهكذا الكلام في مسمى الجسم والعرض والجوهر والمتحيز وحلول الحوادث وأمثال ذلك، فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورًا مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون: إن القرآن مخلوق، لم يتكلم الله به، وينفون بها رؤيته، لأن رؤيته، لأن رؤيته علي اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك: فلا تجوز رؤيته.\nوكذلك يقولون: إن المتكلم لا يكون إلا جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلمًا، ويقولون: لو كان فوق العرش لكن جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلمًا فوق العرش، وأمثال ذلك.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>إما أن نمتنع عن التكلم بالألفاظ المبتدعة. وإما نقبل ما وافق معناه الكتاب والسنة</span>\nإما أن نمتنع عن التكلم بالألفاظ المبتدعة.\nوإما نقبل ما وافق معناه الكتاب والسنة\nوإذا كانت هذه الألفاظ مجملة - كما ذكر - فالمخاطب لهم إما أن يفصل ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعني الذي يوافق القرآن قبلت، وإن فسروها بخلاف ذلك ردت.\nوإما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا، فإن امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسونه إلي العجز والانقطاع، وإن تكلم بها معهم نسبوه إلي أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقًا وباطلًا، وأوهموا الجهال باصطلاحهم: أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها، فحينئذ تختلف المصلحة، فإن كانوا في مقام دعوة الناس إلي قولهم وإلزامهم به أمكن أن يقال لهم: لا يجب علي أحد أن يجيب داعيًا إلا إلي ما دعا إليه رسول الله صلي الله عليه وسلم، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن علي الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلي ذلك، ولو قدر أن ذلك المعني حق.\nوهذه الطريق تكون أصلح إذا لبس ملبس منهم علي ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن إلي مناظرتهم أن يقال: ائتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلي ذلك، وإلا فلسنا نجيبكم إلي ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.\nوهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلي عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم: أن العقل أداه إلي علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة.","vol":"1","page":229},{"text":"وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلي المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة علي قولهم، فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى ﴿خالق كل شيء﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقوله ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ [الأنبياء: ٢] وقوله النبي ﷺ «تجيء البقرة وآل عمران» وأمثال ذلك من الأحاديث، مع ما ذكروه من قوله صلي الله عليه وسلم «إن الله خلق الذكر» أجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل علي مطلوبهم.\nولما قالوا: ما تقول في القرآن: أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم: أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث، وكان من أحذقهم بالكلام: ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا.\nفأجابه الإمام أحمد بأن هذا اللفظ لا يدري مقصود المتكلم به، وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به، ولا بمدلوله، وأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فبين أني لا أقول: هو جسم وليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب علي الناس إجابة من دعا إلي موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه، وإجابة من","vol":"1","page":230},{"text":"دعاهم إلي ما دعاهم إليه الرسول صلي الله عليه وسلم، لا إجابة من دعاهم إلي قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها.\nفهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيًا.\nوأما إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلي الشريعة، مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلي ما يزعمه من العقليات، أو ممن يدعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل علي باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك، أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء - فهؤلاء لا بد في مخاطبتهم من الكلام علي المعاني التي يدعونها: إما بألفاظهم، وإما بألفاظ يوافقون علي أنها تقوم مقام ألفاظهم.\nوحينئذ فيقال لهم: الكلام إما أن يكون في الألفاظ، وإما أن يكون في المعاني، وإما أن يكون فيهما، فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ، كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع، بل يسميه علة وعاشقًا ومعشوقًا ونحو ذلك، فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلي العبارة الشرعية كان حسنًا، وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولي من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ، كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفًا من التشبه بهم في الثياب.","vol":"1","page":231},{"text":"وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة، فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منهما تلبيس وإيهام، فلا بد من الاستفسار والاستفصال، أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.\nوقد ظن طائفة من الناس ان ذم السلف والأئمة للكلام وأهل الكلام كقول أبي يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق، وقول الشافعي: حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل علي الكلام، وقوله: لقد اطلعت من أهل الكلام علي شيء ما كنت أظنه، ولأن يبتلي العبد بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله، خير له نظر في الكلام إلا كان في قلبه غل علي أهل الإسلام، وأمثال هذه الأقوال المعروفة عن الأئمة - ظن بعض الناس أنهم إنما ذموا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة، كلفظ الجوهر والسجم والعرض، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحبالإحياء وغيره.\nوليس الأمر كذلك، بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث ألفاظه، فذموه لاشتماله علي معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة ومخالفته للعقل","vol":"1","page":232},{"text":"الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسن فهو باطل قطعًا.\nثم من الناس من قد يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.\nوأيضًا فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخظئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله، فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة، ولو كان الناس محتاجين في أصول دينهم إلي ما لم يبينه الله ورسوله لم يكن الله قد أكمل للأمة دينهم، ولا أتم عليهم نعمته، فنحن نعلم أن كل حق يحتاج الناس إليه في أصول دينهم لا بد أن يكون مما بينه الرسول، إذ كانت فروع الدين لا تقوم إلا بأصوله، فكيف يجوز أن يترك الرسول أصول الدين التي لا يتم الإيمان إلا بها لا يبينها للناس؟\nومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقًا أو اعتقادًا زعم أن الإيمان إلا العلم بأن الرسول لم يذكره.\nوهذا مما احتج به علماء السنة علي من دعاهم إلي قول الجهمية القائلين بخلق القرآن، وقالوا: إن هذا لو كان من الدين الذي يجب الدعاء إليه لعرفه الرسول،","vol":"1","page":233},{"text":"ودعا أمته إليه، كما ذكره أبو عبد الرحمن الأذرمي الأزدي في مناظرته للقاضي أحمد بن أبي دؤاد قدام الواثق.\nوهذا مما رد به علماء السنة على من زعم أن طريقة الاستدلال على إثبات الصانع سبحانه بإثبات الأعراض وحدوثها من الواجبات التي لا يحصل الإيمان إلا بها، وأمثال ذلك.\nوبالجملةـ فالخطاب له مقامات: فإن كان الإنسان في مقام دفع من يلزمه ويأمره ببدعة ويدعوه إليها أمكنه الاعتصام بالكتاب والسنة، وأن يقول: لا أجيبك إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله، بل هذا هو الواجب مطلقًا.\nوكل من دعا إلى شيء من الدين بلا أصل من كتاب الله وسنة رسوله فقد دعا إلى بدعة وضلالة، والإنسان في نظره مع نفسه ومناظرته لغيره إذا اعتصم بالكتاب والسنة هداه الله إلى صراطه المستقيم، فإن الشريعة مثل سفينة نوح ﵇، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وقد قال تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ [الأعراف: ٣] .\nو«كان النبي ﷺ يقول في خطبته إن أصدق الكلام كلام","vol":"1","page":234},{"text":"الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» .\nوقال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في سياق حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله تعالى» .\nوفي الصحيح: «أنه قيل لعبد الله بن أبي أوفى: هل وصى رسول الله ﷺ بشيء؟ قال: لا، قيل: فلم، وقد كتب الوصية على الناس؟ قال: وصى بكتاب الله» .\nوقد قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣] وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]، ومثل هذا كثير.\nوأما إذا كان الإنسان في مقام الدعوة لغيره والبيان له، وفي مقام النظر أيضًا، فعليه أن يعتصم أيضًا بالكتاب والسنة، ويدعوا إلى ذلك، وله أن يتكلم مع","vol":"1","page":235},{"text":"ذلك، ويبين الحق الذي جاء به الرسول بالأقيسة العقلية والأمثال المضروبة، فهذه طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة، فإن الله ﷾ ضرب الأمثال في كتابه، وبين بالبراهين العقلية توحيده وصدق رسله وأمر المعاد وغير ذلك من أصول الدين، وأجاب عن معارضة المشركين، كما قال تعالى: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ [الفرقان: ٣٣] .\nوكذلك كان رسول الله ﷺ في مخاطباته، ولما قال: «ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر.\nفقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن كثير؟ فقال: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخليًا به، فالله أعظم» ولما سأله أيضًا عن إحياء الموتى ضرب له المثل بإحياء النبات.","vol":"1","page":236},{"text":"وكذلك السلف، فروى عن ابن عباس أنه لما أخبر بالرؤية عارضه السائل بقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال له: ألست ترى السماء.\nفقال: بلي، قال: أتراها كلها؟ قال: لا فبين له أن نفي الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية.\nوكذلك الأئمة كالإمام أحمد في رده على الجهمية، لما بين دلالة القرآن على علوه تعالي واستوائه على عرشه، وأنه مع ذلك عالم بكل شيء، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ [الحديد: ٤]، فبين أن المراد بذكر المعية أنه عالم بهم، كما افتتح الآية بالعلم وختماها العلم، وبين سبحانه أنه مع علوه على العرش يعلم ما الخلق عاملون، كما في حديث العباس بن عبد المطلب الذي رواه داود وغيره عن النبي صلي الله عليه وسلم قال فيه «والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه» فبين الإمام أحمد إمكان ذلك بالاعتابر العقلي، وضرب مثلين، ولله المثل الأعلى، فقال: لو أن رجلًا في يده قوارير فيها ماء صاف، لكان بصره","vol":"1","page":237},{"text":"قد أحاط بما فيها مع مباينته، فالله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بصره بخلقه، وهو مستو على عرشه، وكذلك لو أن رجلًا بنى دارًا لكان مع خروجه عنها يعلم ما فيها، فالله الذي خلق العالم يعلمه مع علوه عليه، كما قال تعالي ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] .\nوإذا كان المتكلم في مقام الإجابة لمن عارضة بالعقل، وادعى أن العقل يعارض النصوص، فإنه قد يحتاج إلي حل شبهته وبيان بطلانها.\nفإذا أخذ النافي يذكر ألفاظا مجملة مثل أن يقول: لو كان فوق العرش لكان جسمًا، أو لكان مركبا وهو منزه عن ذلك، ولو كان له علم وقدرة لكان جسمًا، وكان مركبًا، وهو منزه عن ذلك، ولو خلق واستوى وأتى لكان تحله الحوادث، وهو منزه عن ذلك ولو قامت به الصفات لحلته الأعراض، وهو منزه عن ذلك.\nفهنا يستفصل السائل ويقول له: ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة؟\nفإن أراد بها حقًا وباطلًا قبل الحق ورد الباطل، مثل أن يقول: أنا أريد بنفي الجسم نفي قيامه بنفسه وقيام الصفات به، ونفي كونه مركبًا ن فنقول: هو قائم بنفسه، وله صفات قائمة به، وأنت سميت هذا تجسيما لم يجز أن أدع الحق الذي دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول لأجل تسميتك أنت له بهذا.","vol":"1","page":238},{"text":"وأما قولك: ليس مركبًا فإن أردت به أنه سبحانه ركبه مركب، أو كان متفرقًا فتركب، وأنه يمكن تفرقه وانفصاله، فالله تعالى منزه عن ذلك، وإن أردت أنه موصوف بالصفات، مباين للمخلوقات، فهذا المعني حق، ولا يجوز رده لأجل تسميتك له مركبا، فهذا ونحوه مما يجاب به.\nوإذا قدر أن المعارض أصر على تسمية المعاني الصحيحة التي ينفيها بألفاظه الاصطلاحية المحدثة، مثل أن يدعي أن ثبوت الصفات المخلوقات يستحق أن يسمى في اللغة تجسيمًا وتركيبًا ونحو ذلك، قيل له: هب أنه سمي بهذا الاسم، فنفيك له أما أن يكون بالشرع، وإما أن يكون بالعقل.\nوأما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله، لا بنفي ولا إثبات، ولم ينطق أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى بذلك، لا نفيًا ولا إثباتًا، بل قول القائل: إن الله جسم أو ليس بجسم، أو جوهر أو ليس بجوهر، أو متحيز أو ليس بمتحيز، أو في جهة أو ليس في جهة، أو تقوم به الأعراض والحوادث أو لا تقوم به، ونحو ذلك - كل هذه الأقوال محدثة بين أهل الكلام المحدث، لم يتكلم السلف والأئمة فيها، لا بإطلاق النفي ولا بإطلاق الإثبات، بل كانوا ينكرون على أهل الكلام الذين يتكلمون بمثل هذا النوع في حق الله تعالي نفيًا وإثباتًا.\nوإن أردت أن نفي ذلك معلوم بالعقل، وهو الذي تدعيه النفاة، ويدعون أن نفيهم المعلوم بالعقل عارض نصوص الكتاب والسنة.","vol":"1","page":239},{"text":"قيل له: فالأمور العقلية المحضة لا عبرة فيها بالألفاظ، فالمعني إذا كان معلومًا إثباته بالعقل لم يجز نفيه لتعبير المعبر عنه بأي عبارة بها، وكذلك إذا كان معلومًا انتفاؤه بالعقل لم يجز إثباته بأي عبارة عبر بها المعبر، وبين له بالعقل ثبوت المعنى الذي نفاه وسماه بألفاظه الاصطلاحية.\nوقد يقع في محاورته إطلاق هذه الألفاظ لأجل اصطلاح ذلك النافي ولغته، وإن كان المطلق لها لا يستجيز إطلاقها في غير هذا المقام، كما إذا قال الرافضي: أنتم ناصبة تنصبون العداوة لآل محمد، فقيل له: نحن نتولى الصحابة والقرابة، فقال: لا ولاء إلا ببراء، فمن لم يتبرأ من الصحابة لم يتول القرابة، فيكون قد نصب لهم العداوة.\nفيقال له: هب أن هذا يسمي نصبًا.\nفلم قلت: إن هذا محرم؟ فلا دلالة لك علي ذم النصب بهذا التفسير، كما لا دلالة علي ذم الرفض بمعنى موالاة أهل البيت، إذ كان الرجل مواليًا لأهل البيت كما يحب الله ورسوله، ومنه قول القائل:\nإن كان رفضًا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي\nوقول القائل أيضًا:\nإذا كان نصبا ولاء الصحاب ... فإني كما زعموا ناصبي\nوإن كان رفضًا ولاء الجميع ... فلا برح الرفض من جانبي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>الألفاظ نوعان. النوع الأول</span>\nالألفاظ نوعان.\nالنوع الأول\nوالأصل في هذا الباب أن الألفاظ نوعان","vol":"1","page":240},{"text":"نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع، فهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحًا استحق صاحبه المدح، وإن كان ذمًا استحق الذم، وإن أثبت شيئًا وجب إثباته، وإن نفي شيئًا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق.\nوهذا كقوله تعالى ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ١-٤]، وقوله تعالى ﴿هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن﴾ [الحشر: ٢٢-٢٣] ونحو ذلك من أسماء الله وصفاته.\nوكذلك قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]، وقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، وأمثال ذلك مما ذكره الله تعالى ورسوله ﷺ فهذا كله حق.\nومن دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذمومًا، كاسم الكافر والمنافق والملحد ونحو ذلك، ومن دخل في اسم محمود في الشرع كان محمودًا، كاسم المؤمن والتقي والصدق، ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>النوع الثاني</span>\nوأما الألفاظ التي ليس له أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض","vol":"1","page":241},{"text":"بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ الجسم والحيز والجهةوالجوهروالعرض، فمن كانت معارضته بمثل هذه الألفاظ لم يجز له أن يكفر مخالفه، إن لم يكن قوله مما يبين الشرع أنه كفر، لأن الكفر حكم شرعي متلقي عن صاحب الشريعة، والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرأ في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابًا في العقل تجب في الشرع معرفته.\nومن العجب قول من يقول من أهل الكلام: إن أصول الدين التي يكفر مخالفها هي علم الكلام الذي يعرف بمجرد العقل.\nوأما ما لا يعرف بمجرد العقل فهي الشرعيات عندهم، وهذه طريقة المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم كأتباع صاحب الإرشاد وأمثالهم.\nفيقال لهم: هذا الكلام تضمن شيئين: أحدهما: أن أصول الدين هي التي تعرف بالعقل المحض دون الشرع، والثاني: أن المخالف لها كافر، وكل من المقدمتين وإن كانت باطلة فالجمع بينهما متناقض، وذلك أن ما لا يعرف إلا بالعقل لا يعلم أن مخالفه كافر الكفر الشرعي، فإنه ليس في الشرع أن من خالف ما لا يعلم إلا بالعقل يكفر، وإنما الكفر يكون بتكذيب الرسول صلى الله عليهم وسلم فيما أخبر به أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم.\nوفي الجملة فالكفر متعلق بما جاء به الرسول، وهذا ظاهر على قول من لا يوجب شيئًا ولا يحرمه إلا بالشرع، فإنه لو قدر عدم الرسالة لم يكن كفر محرم، ولا إيمان واجب عندهم ومن أثبت ذلك بالعقل فإنه لا ينازع أنه بعد مجيء","vol":"1","page":242},{"text":"الرسول تعلق الكفر والإيمان بما جاء به، لا بمجرد ما يعلم بالعقل، فكيف يجوز أن يكون الكفر معلقًا بأمور لا تعلم إلا بالعقل؟ إلا أن يدل الشرع على أن تلك الأمور التي لا تعلم إلا بالعقل كفر، فيكون حكم الشرع مقبولًا.\nلكن معلوم أن هذا لا يوجد في الشرع، بل الموجود في الشرع تعليق الكفر بما يتعلق به الإيمان، وكلاهما متعلق بالكتاب والرسالة، فلا إيمان مع تكذيب الرسول ومعاداته، ولا كفر مع تصديقه وطاعته.\nومن تدبر هذا رأى أهل البدع من النفاة يعتمدون على مثل هذا، فيبتدعون بدعًا بآرائهم ليس فيها كتاب ولا سنة، ثم يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه، وهذا حال من كفر الناس بما أثبتوه من الأسماء والصفات التي يسميهما هو تركيبًا وتجسيمًا وإثبات لحلول الصفات والأعراض به، ونحو ذلك من الأقوال التي ابتدعتها الجهمية والمعتزلة، ثم كفروا من خالفهم فيها.\nوالخوارج الذين تأولوا آيات من القرآن وكفروا من خالفهم فيها أحسن حالًا من هؤلاء، فإن أولئك علقوا الكفر بالكتاب والسنة، لكن غلطوا في فهم النصوص، وهؤلاء علقوا الكفر بكلام ماأنزل الله به من سلطان.\nولهذا كان ذم السلف للجهمية من أعظم الذم، حتى قال عبد الله بن المبارك: إنا لنكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.","vol":"1","page":243},{"text":"بل الحق أنه لو قدر أن بعض الناس غلط في معان دقيقة لا تعلم إلا بنظر العقل، وليس فيها بيان في النصوص والإجماع، لم يجز لأحد أن يكفر مثل هذا، ولا يفسقه، بخلاف من نفى ما أثبتته النصوص الظاهرة المتواترة، فهذا أحق بالتكفير، إن كان المخطئ في هذا الباب كافرًا.\nوليس المقصود هنا بيان مسائل التكفير، فإن هذا مبسوط في موضع آخر، ولكن المقصود أن عمدة المعارضين للنصوص النبوية أقوال فيها اشتباه وإجمال، فإذا وقع الاستفسار والاستفصال تبين الهدى من الضلال.\nفإن الأدلة السمعية معلقة بالألفاظ الدالة على المعاني، وأما دلالة مجرد العقل فلا اعتبار فيها بالألفاظ.\nوكل فول لم يرد لفظه ولا معناه في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة فإنه لا يدخل في الأدلة السمعية، ولا تعلق للسنة والبدعة بموافقته ومخالفته، فضلًا عن أن يعلق بذلك كفر وإيمان، وإنما السنة موافقة للأدلة الشرعية، والبدعة مخالفتها.\nوقد يقال عما لم يعلم أنه موافق لها أو مخالف: إنه بدعة، إذ الأصل أنه ما لم يعلم أنه من الشرع فلا يتخذ شريعة ودينًا، فمن عمل عملًا لم يعلم أنه مشروع فقد تذرع إلي البدعة، وإن كان ذلك العمل تبين له فيما بعد أنه مشروع، وكذلك من قال في الدين قولًا بلا دليل شرعي، فإنه تذرع إلى البدعة، وإن تبين له فيما بعد موافقته للسنة.\nوالمقصود هنا أن الأقوال التي ليس لها أصل في الكتاب والسنة والإجماع - كأقوال النفاة التي تقولها الجهمية والمعتزلة وغيرهم، وقد يدخل فيها ما هو حق","vol":"1","page":244},{"text":"وباطل - هم يصفون بها أهل الإثبات للصفات الثابتة بالنص، فإنهم يقولون: كل من قال: إن القرآن عير مخلوق أو إن الله يرى في الآخرة أو إنه فوق العالم فهو مجسم مشبه حشوى.\nوهذه الثلاثة مما اتفق عليها سلف الأمة وأئمتها، وحكى إجماع أهل السنة عليها غير واحد من الأئمة والعالمين بأقوال السلف، مثل أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، وإسحاق بن إبراهيم، وداود بن علي، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأمثال هؤلاء.\nومثل عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس","vol":"1","page":245},{"text":"القلانسي وأبي الحسن الأشعري وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري، ومثل أبي بكر الإسماعيلي، وأبي نعيم الأصبهاني، وأبي عمر بن عبد البر، وأبي عمر","vol":"1","page":246},{"text":"الطلمنكي ويحيى بن عمار السجستاني، وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي القاسم التميمي، ومن لا يحصي عدده إلا الله من أنواع أهل العلم.\nفإذا قال النفاة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم: لو كان الله يرى في الآخرة لكان في جهة، وما كان في جهة فهو جسم، وذلك على الله محال، أو قالوا: لو كان الله تكلم بالقرآن، بحيث يكون الكلام قائمًا به، لقامت به الصفات والأفعال، وذلك يستلزم أن يكون محلًا للأعراض والحوادث، وما كان محلًا للأعراض والحوادث، فهو جسم، والله منزه عن ذلك، لأن الدليل على إثبات الصانع إنما هو حدوث العالم، وحدوث العالم إنما علم بحدوث الأجسام، فلو كان جسم ليس بمحدث لبطلت دلالة إثبات الصانع.\nفهذا الكلام ونحوه هو عمدة النفاة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، ومن وافقهم في بعض بدعتهم، وهذا ونحوه في العقليات التي يزعمون أنها عارضت نصوص الكتاب والسنة.","vol":"1","page":247},{"text":"فيقال لهؤلاء: أنتم لم تنفوا ما نفيتموه بكتاب ولا سنة ولا إجماع، فإن هذه الألفاظ ليس لها وجود في النصوص، بل قولكم: لو رؤي لكان في جهة، وما كان في جهة فهو جسم، وما كان جسم فهو محدث كلام تدعون أنكم علمتم صحته بالعقل، حينيئذ فتطالبون بالدلالة العقلية على هذا النفي، وينظر فيه بنفس العقل.\nومن عارضكم من المثبتة أهل الكلام من المرجئة وغيرهم كالكرامية والهشامية وقال لكم فليكن هذا لازما للرؤية، وليكن هو جسمًا أو قال لكم: أنا أقول إنه جسم وناظركم على ذلك بالمعقول، وأثبته بالمعقول كما نفيتموه بالمعقول، لم يكن لكم أن تقولوا له: أنت مبتدع في إثبات الجسم فإنه يقول لكم: وأنتم مبتدعون في نفيه، فالبدعة في نفيه كالبدعة في إثباته، وإن لم تكن أعظم، بل النافي أحق بالبدعة من المثبت، لأن المثبت أثبت ما أثبتته النصوص، وذكر هذا معاضدةً للنصوص، وتأييدًا لها، وموافقة لها، وردًا على من خالف موجبها.\nفإن قدر أنه أنه ابتدع في ذلك كانت بدعته أخف من بدعة من نفى ذلك نفيًا عارض به النصوص ن ودفع موجبها، ومقتضاها، فإن ما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين، وما لم يعلم أنه خالفها فقد يسمى بدعة.","vol":"1","page":248},{"text":"قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ، فهذه بدعة ضلالة، وبدعة لم تخالف شيئًا من ذلك، فهذه قد تكون حسنة، لقول عمر: نعمت البدعة هذه.\nهذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل.\nومن المعلوم أن قو ل نفاة الرؤية والصفات والعلو على العرش والقائلين بأن الله لم يتلكم، بل خلق كلامًا في غيره، ونفيهم ذلك لأن إثبات ذلك تجسيم، هو إلي مخالفة الكتاب والسنة والإجماع السلفي والآثار أقرب من قول من أثبت ذلك، وقال - مع ذلك - ألفاظًا يقول: إنها توافق معنى الكتاب والسنة، لا سيما والنفاة متفقون على أن ظواهر النصوص تجسيم عندهم، وليس عندهم بالنفي نص، فهم معترفون بأن قولهم هو البدعة، وقول منازعهم أقرب إلى السنة.\nومما يوضح هذا أن السلف والأئمة كثر كلامهم في ذم الجهمية النفاة للصفات، وذموا المشبهة أيضًا، وذلك في كلامهم أقل بكثير من ذم الجهمية، لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه، وأما ذكر التجسيم وذم المجسمة فهو لا يعرف في كلام أحد من السلف والأئمة، كما لا يعرف في كلامهم أيضًا القول بأن الله جسم، أو ليس بجسم، بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم، كما ذكره أحمد في كتاب الرد على الجهمية: ولما ناظر برغوث وألزمه بأنه جسم، امتنع أحمد من موافقته على النفي والإثبات، وقال: هو أحد صمد، لم يلد ولم يولد، لم يكن له كفوًا أحد.","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>مثال: الكلام على الرؤية</span>\nوالمقصود هنا أن نفاة الرؤية - من الجهمية والمعتزلة وغيرهم - إذا قالوا: إثباتها يستلزم أن يكون الله جسمًا، وذلك منتف، وادعوا أن العقل دل على المقدمتين، احتيج حينئذ إلى بيان بطلان المقدمتين، أو إحداهما، فإما أن يبطل نفس التلازم أونفي اللازم، أو المقدمتان جميعًا.\nوهنا افترقت طرق مثبتة الرؤية: فطائفة نازعت في الأولى، كالأشعري وأمثاله - وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل الحديث وأصحاب السنة، وقالوا: لا نسلم أن كل مرئي يجب أن يكون جسمًا.\nفقالت النفاة: لأن كل مرئي في جهة، وما كان في جهة فهو جسم، فافترقت نفاة الجسم على قولين: طائفة قالت: لا نسلم أن كل مرئي يكون في جهة، وطائفة قالت: لا نسلم أن كل ما كان في جهة فهو جسم.\nفادعت نفاة الرؤية أن العلم الضروري حاصل بالمقدمتين، وأن المنازع فيهما مكابر.\nوهذا هو البحث المشهور بين المعتزلة والأشعرية، فلهذا صار الحذاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: المزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي.\nوطائفة نازعت في المقدمة الثانية - وهي أنتفاء اللازم - وهي كالهشامية والكرامية وغيرهم، فأخذت المعتزلة وموافقوهم يشنعون على هؤلاء، وهؤلاء وإن كان في قولهم بدعة وخطأ، ففي قول المعتزلة من البدعة والخطأ أكثر مما في قولهم.","vol":"1","page":250},{"text":"ومن أراد أن يماظر مناظرة شرعية بالعقل الصريح فلا يلتزم لفظًا بدعيًا، ولا يخالف دليلًا عقليا ولا شرعيًا، فإنه يسلك طريق أهل السنة والحديث والأئمة الذين لا يوافقون على إطلاق الإثبات ولا النفي بل يقولون: ما تعنون بقولكم: إن كل مرئي جسم؟.\nفإن فسروا ذلك بان كل مرئي يجب أن يكون قد ركبه مركب، أو أن يكون كان متفرقًا فاجتمع، أو أنه يمكن تفريقه، ونحو ذلك، منعوا هم المقدمة الأولى، وقالوا: هذه السماوات مرئية مشهودة، ونحن لا نعلم أنها كانت متفرقة مجتمعة، وإذا جاز أن يرى ما يقبل التفريق فما لا يقبله أولى بإمكان رؤيته، فالله تعالى أحق بأن تمكن رؤيته من السماوات ومن كل قائم بنفسه، فإن المقتضى للرؤية لا يجوز أن يكون أمرًا عدميًا، بل لا يكون إلا وجوديًا، وكلما كان الوجود أكمل كانت الرؤية أجوز، كما قد بسط في غير هذا الموضع.\nوإن قالوا: مرادنا بالجسم المركب أنه مركب من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة نازعوهم في هذا، وقالوا: دعوى كون السماوات مركبة من جواهر منفردة، أو من مادة وصورة دعوى ممنوعة أو باطلة، وبينوا فساد قول من يدعي هذا، وقول من يثبت الجوهر الفرد أو يثبت المادة والصورة، وقالوا: إن الله خلق هذا الجسم المشهود هكذا، وإن ركبه ركبه من أجسام أخري وهو سبحانه يخلق الجسم من الجسم، كما يخلق الإنسان من الماء المهين، وقد ركبت العظام في مواضعها من بدن ابن آدم، وركب الكواكب في السماء، فهذا","vol":"1","page":251},{"text":"معروف.\nوأما أن يقال إنه خلق أجزاء لطيفة لا تقبل الانقسام ثم ركب منها العالم فهذا لا يعلم بعقل ولا سمع، بل هو باطل، لأن كل جزء لا بد أن يتميز منه جانب عن جانب، والأجزاء المتصاغرة كأجزاء الماء تستحيل عند تصغرها، كما يستحيل الماء إلى الهواء، مع أن المستحيل يتميز بعضه عن بعض.\nوهذه المسائل قد بسطت في غير هذا الموضع، وبين أن الأدلة العقلية بينت جواز الرؤية وإمكانها، وليست العمدة على دليل الأشعري ومن وافقه في الاستدلال لأن المصحح للرؤية مطلق الوجود، بل ذكرت أدلة عقلية دائرة بين النفي والإثبات لا حيلة لنفاة الرؤية فيها.\nوالمقصود هنا بيان كلام كلي في جنس ما تعارض به نصوص الإثبات من كلام النفاة الذي يسمونه عقليات.\nوإن قالوا: مرادنا أن المرئي لا بد أن كون معاينًا تجاه الرائي، وما كان كذلك فهو جسمونحو هذا الكلام، قالوا لهم: الصادق المصدوق ﷺ قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر»، وقال: «هل تضامون في رؤية الشمس صحوًا ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فهل تضامون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر» .\nوهذا تشبيه للرؤية، لا للمرئي بالمرئي، وفي لفظ في الصحيح: «إنكم ترون ربكم عيانًا» فإذن قد أخبرنا أنا نراه عيانًا.","vol":"1","page":252},{"text":"وقد أخبرنا أيضًا أنه قد: استوى على العرش فهذه النصوص يصدق بعضها بعضًا، والعقل أيضًا يوافقها، ويدل على أنه سبحانه مباين لمخلوقاته فوق سماواته، وأن وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانس له محال في بديهة العقل، فإذا كانت الرؤية مستلزمة لهذه المعاني فهذا حق، وإذا سميتم انتم هذا قولًا بالجهة وقولًا بالتجسيم لم يكن هذا القول نافيًا لما علم بالشرع والعقل، إذ كان معنى هذا القول - والحال هذه - ليس منتفيًا لا بشرع ولا عقل.\nويقال لهم: ما تعنون بأن هذا إثبات للجهة والجهة ممتنعة؟ أتعنون بالجهة أمرًا وجوديًا أو أمرًا عدميًا؟\nفإن أردتم أمرا وجوديًا - وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والله فوق سماواته بائن من مخلوقاته، لم يكن - والحالة هذه - في جهة موجودة، فقولكم: إن المرئي لا بد أن يكون في جهة موجودة قول باطل، فإن سطح العالم مرئي، وليس هو في عالم آخر.\nوإن فسرتم الجهة بأمر عدمي كما تقولون: إن الجسم في حيز، ولاحيز تقدير مكان، وتجعلون ما وراء العالم حيزًا.\nفيقال لكم: الجهة - والحيز - إذا كان أمرًا عدميًا فهو لا شيء، وما كان في جهة عدمية أو حيز عدمي، فليس هو في شيء، ولا فرق بين قول القائل: هذا ليس في شيء وبين قوله: هو في العدم أو أمر عدمي فإذا كان","vol":"1","page":253},{"text":"الخالق تعالى مباينًا للمخلوقات عاليًا عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلًا عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به.\nفطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة أيضًا، وقالوا: إنما قابل بدعة ببدعة، وردًا باطلًا بباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>مثال آخر: كلمة جبر</span>\nونظير هذا القصص المعروفة التي ذكرها الخلال في كتاب السنة هو وغيره في مسألة اللفظ ومسألة الجبر ونحوهما من المسائل، فإنه لما ظهرت القدرية النفاة للقدر وأنكروا أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن يكون خالقًا لكل شيء وأن تكون أفعال العباد من مخلوقاته، أنكر الناس هذه البدعة، فصار بعضهم يقول في مناظرته: هذا يلزم منه أن يكون الله مجبرًا للعباد على أفعالهم، وأن يكون قد كلفهم ما لا يطيقونه، فالتزم بعض من ناظرهم من المثبتة إطلاق ذلك، وقال: نعم يلزم الجبر، والجبر حق، فأنكر الأئمة - كـ الأوزاعي وأحمد بن حنبل ونحوهما - ذلك على الطائفتين، ويروى إنكار","vol":"1","page":254},{"text":"إطلاق الجبر عن الزبيدي وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم.\nوقال الأوزاعي وأحمد ونحوهما: من قال إنه جبر فقد أخطأ، ومن قال لم يجبر فقد أخطأ، بل يقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ونحو ذلك.\nوقالوا: ليس للجبر أصل في الكتاب والسنة، وإنما الذي في السنة لفظ الجبل لا لفظ الجبر فإنه قد صح «عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال لأشج عبد القيس إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة.\nفقال: أخلقين تخلقت بهما، أم خلقين جبلت عليه؟ فقال: بل خلقين جبلت عليهما.\nفقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله» .\nوقالوا: إن لفظ الجبر لفظ مجمل فإن الجبر إذا أطلق في الكلام فهم منه إجبار الشخص على خلاف مراده، كما تقول الفقهاء: إن الأب يجبر ابنته على النكاح أو لا يجبرها، وإن الثيب البالغ العاقل لا يجبرها أحد على النكاح بالاتفاق، وفي البكر البالغ نزاع مشهور، ويقولون: إن ولي الأمر يجبر المدين على وفاء دينه، ونحو ذلك، فهذه العبارات معناها إجبار الشخص على خلاف مراده، وهو كلفظ الإكراه: إما أن يحمله على الفعل الذي يكرهه ويبغضه فيفعل خوفًا من وعيده، وإما أن يفعل به الشيء بغير فعل منه.\nومعلوم أن الله سبحانه تعالي إذا جعل في قلب العبد إرادة للفعل ومحبة له حتى يفعله - كما قال تعالي ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧]ـ لم يكن هذا جبرًا","vol":"1","page":255},{"text":"بهذا التفسير، ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى، فإنه هو الذي جعنل الراضي راضيا، والمحب محبا، والكاره كارها.\nوقد يراد بالجبر نفس جعل العبد فاعلا، ونفس خلقه متصفًا بهذه الصفات، كما في قوله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعًا * إذا مسه الشر جزوعًا * وإذا مسه الخير منوعًا﴾ [المعارج: ١٩-٢٠] .\nفالجبر بهذا التفسير حق، ومنه قول محمد بن كعب القرظي في تفسير اسمه الجبار قال: هو الذي جبر العباد على ما أراد.\nومنه قول علي ﵁ في الأثر المشهور عنه في الصلاة على النبي ﷺ: اللهم داحي المدحوات، فاطر المسموكات، جبار القولب على فطراتها: شقيها وسعيدها فالأئمة منعت من إطلاق القول بإثبات لفظ الجبر أو نفيه بدعة يتناول حقًا باطلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>مثال ثالث: اللفظ بالقرآن</span>\nوكذلك مسألة اللفظ، فإنه لما كان السلف والأئمة متفقين على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد علم المسلمون أن القرآن بلغه جبريل عن الله إلي محمد ﷺ وبلغه محمد إلي الخلق، وأن الكلام إذا بلغه المبلغ عن قائله لم يخرج عن كونه كلام المبلغ عنه، بل هو كلام لمن قاله مبتدئًا، لا كلام من بلغه عنه مؤديًا.","vol":"1","page":256},{"text":"فالنبي ﷺ إذا قال «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وبلغ هذا الحديث عنه واحد بعد واحد حتى وصل إلينا كان من المعلوم أنا إذا سمعناه من المحدث به إنما سمعنا كلام رسول الله ﷺ الذي تلكم به بلفظه ومعناه، وإنما سمعناه من المبلغ عنه بفعله وصوته، ونفس الصوت الذي تلكم به النبي ﷺ لم نسمعه، وإنما سمعنا صوت المحدث عنه، والكلام كلام رسول الله ﷺ، لا كلام المحدث.\nفمن قال: إن هذا الكلام ليس كلام رسول الله ﷺ، كان مفتريًا، وكذلك من قال: إن هذا لم يتكلم به رسول الله ﷺ، وإنما أحدثه في غيره، أو إن النبي ﷺ لم يتكلم بلفظه وحروفه، بل كان ساكتًا أو عاجزًا عن التكلم بذلك، فعلم غيره ما في نفسه، فنظم هذه الألفاظ ليعبر بها عما في نفس النبي ﷺ، او نحو هذا الكلام - فمن قال هذا كان مفتريًا، ومن قال: إن هذا الصوت المسموع صوت النبي ﷺ، كان مفتريًا.\nفإذا كان هذا معقولًا في كلام المخلوق، فكلام الخالق أولى بإثبات ما يستحقه من صفات الكمال، وتنزيه الله أن تكون صفاته وأفعاله هي صفات العباد وأفعالهم، أو مثل صفات العباد وأفعالهم.","vol":"1","page":257},{"text":"فالسلف والأئمة كانوا يعلمون أن هذا القرآن المنزل المسموع من القارئين كلام الله، كما قال تعالى ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦]، ليس هو كلامًا لغيره، لا لفظه ولا معناه، ولكن بلغه عن الله حبريل، وبلغه محمد رسو ل الله عن جبريل، ولهذا أضافه الله إلى كل من الرسولين، لأنه بلغه وأداه، لا لأنه أحدث لا لفظه ولا معناه، إذ لو كان أحدهما هو الذي أحدث ذلك لم يصح إضافة الإحداث إلى الآخر، فقال تعالى ﴿إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين﴾ [الحاقة: ٤٠-٤٣] فهذا محمد ﷺ.\nوقال تعالى ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين﴾ [المطففين: ١٩-٢١] فهذا تجبريل ﵇.\nوقد توعد الله تعالى من قال ﴿إن هذا إلا قول البشر﴾ [المدثر: ٢٥]، فمن قال: إن هذا القرآن قول البشر فقد كفر: وقال بقول الوحيد الذي أوعده الله سقر، ومن قال: إن شيئًا منه قول البشرفقد قال ببعض قوله، ومن قال: إنه ليس بقول رسول كريم، وإنما هو قول شاعر أو مجنون أو مفتر، أو قال: هو قول شيطان نزل به عليه ونحو ذلك، فهو أيضًا كافر ملعون.","vol":"1","page":258},{"text":"وقد علم المسلمون الفرق بين أن يسمع كلام المتكلم منه أو من المبلغ عنه، وأن موسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة، وأنا نحن نسمع كلام الله من المبلغين عنه، وإذا كان الفرق ثابتًا بين من سمع كلام النبي ﷺ منه وبين من سمعه من الصاحب المبلغ عنه، فالفرق هنا أولى، لأن أفعال المخلوق وصفاته أشبه بأفعال المخلوق وصفاته من أفعاله وصفاته بأفعال الله وصفاته.\nولما كانت الجهمية يوقلون: إن الله لم يتكلم في الحقيقة بل خلق كلامًا في غيره ومن أطلق منهم أن الله تكلم حقيقة، فهذا مراده، فالنزاع بينهم لفظي - كان من المعلوم أن القائل إذا قال: هذا القرآن مخلوق كان مفهوم كلامه أن الله لم يتكلم بهذا القرآن، وأنه ليس هو كلامه، بل خلقه في غيره.\nوإذا فسر مراده بأني أردت أن حركات العبد وصوته والمداد مخلوق، كان هذا المعني - وإن كان صحيحًا - ليس هو مفهوم كلامه، ولا معنى قوله، فإن المسلمين إذا قالوا: هذا القرآن كلام الله لم يريدوا بذلك أن أصوات القارئين وحركاتهم قائمة بذات الله، كما أنهم إذا قالوا: هذا الحديث حديث رسول الله ﷺ لم يريدوا بذلك: أن حركات المحدث وصوته قامت بذات رسول الله ﷺ.\nبل وكذلك، إذا قالوا في إنشاد لبيد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل","vol":"1","page":259},{"text":"هذا شعر لبيد وكلام لبيد، لم يريدوا بذلك أن صوت المنشد هو صوت لبيد، بل أرادوا أن هذا القول المؤلف، لفظه ومعناه، وهو لبيد، وهذا منشد له، فمن قال: إن هذا القرآن مخلوق أو: إن القرآن المنزل مخلوق أو نحو هذه العبارات، كان بمنزلة من قال: إن هذا الكلام ليس هو كلام الله ن وبمنزلة من قال عن الحديث المسموع من المحدث: إن هذا ليس كلام رسول الله ﷺ، وإن النبي ﷺ لم يتكلم بهذا الحديث، وبمنزلة من قال: إن هذا الشعر ليس هو شعر لبيد، ولم يتكلم به لبيد، ومعلوم أن هذا كله باطل.\nثم إن هؤلاء صاروا يقولون: هذا القرآن المنزل المسموع هو تلاوة القرآن وقراءته، وتلاوة القرآن مخلوقة، وقراءة القرآن مخلوقة.\nويقولون: تلاوتنا للقرآن مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، ويدخلون في ذلك نفس الكلام المسموع، ويقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق، يدخلون في ذلك القرآن الملفوظ المتلو المسموع.\nفأنكر الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة هذا، وقالوا: اللفظية جهمية، وقالوا: افترقت التجهمية ثلاث فرق: فرقة قالت: القرآن مخلوق، وفرقة قالت: نقف فلا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وفرقة قالت: تلاوة القرآن واللفظ بالقرآن مخلوق.","vol":"1","page":260},{"text":"فلما انتشر ذلك عن أهل السنة غلطت طائفة فقالت: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، وتلاوتنا له غير مخلوقة، فبدع الإمام أحمد هؤلاء، وأمر بهجرهم.\nولهذا ذكر الأشعري في مقالاته هذا عن أهل السنة وأصحاب الحديث، فقال: والقول باللفظ والوقف عندهم بدعة، من قال اللفظ بالقرآن مخلوق فهو مبتدع عندهم، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع.\nوكذلك ذكر محمد بن جرير الطبري في صريح السنة أنه سمع غير واحد من أصحابه يذكر عن الإمام أحمد أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع.\nوصنف أبو أحمد بن قتيبة في ذلك كتابًا، وقد ذكر أبو بكر الخلال هذا في كتاب السنة وبسط القول في ذلك، وذكر ما صنفه أبو بكر المروزي في ذلك، وذكر قصة أبي طالب المشهورة التي نقلها عنه أكابر أصحابه، كعبد الله وصالح ابنيه والمروزي وأبي محمد فوران ومحمد بن إسحاق الصاغني وغير هؤلاء.","vol":"1","page":261},{"text":"وكان أهل الحديث قد أفتوقوا في ذلك، فصار طائفة منهم يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق ومرادهم أن القرآن المسموع غير مخلوق، وليس مراده صوت العبد، كما يذكر ذلك عن أبي حاتم الرازي، ومحمد بن داود المصيصي، وطوائف غير هؤلاء.\nوفي أتباع هؤلاء من قد يدخل صوت العبد أو فعله في ذلك أو يقف فيه، ففهم ذلك بعض الأئمة، فصار يقول: أفعال العباد أصواتهم مخلوقة، ردًا لهؤلاء، كما فعل البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من أهل العلم والسنة.\nوصار يحصل بسبب كثرة الخوض في ذلك ألفاظ مشتركة، وأهواء للنفوس، حصل بسبب ذلك نوع من الفرقة والفتنة، وحصل بين البخاري وبين محمد بن يحيى الذهلي في ذلك ما هو معروف، وصار قوم مع البخاري كمسلم بن الحجاج نحوه، وقوم عليه كأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين وغيرهما.","vol":"1","page":262},{"text":"وكل هؤلاء من أهل العلم والسنة والحديث، وهم من أصحاب أحمد بن حنبل، ولهذا قال ابن قتيبة: إن أهل السنة لم يختلوفوا في شيء من أقوالهم إلا في مسألة اللفظ.\nوصار قوم يطلقون القول بأن التلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، وليس مرادهم بالتلاوة المصدر، ولكن الإنسان إذا تكلم بالكلام فلا بد له من حركة، ومما يكون عن الحركة من أقواله التي هي حروف منظومة ومعان مفهومة، والقول والكلام يراد به تارة المجموع فتدخل الحركة في ذلك، ويكون الكلام نوعًا من العمل وقسمًا منه، ويراد به تارةً ما يقترن بالحركة ويكون عنها، لا نفس الحركة، فيكون الكلام قسيمًا للعمل، ونوعًا آخر ليس هو منه ولهذا تنازع العلماء في لفظ العلم المطلق: هل يدخل فيه الكلام؟، على قولين معروفين لأصحاب أحمد وغيرهم، وبنوا على ذلك ما إذا حلف لا يعمل اليوم علملًا، فتكلم، هل يحنث أم لا؟ على قولين، وذلك لأن لفظ الكلام قد يدخل في العمل وقد لا يدخل.\nفالأول كما في قول النبي ﷺ «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل والنهار، فقال رجل: لو لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان» أخرجاه في الصحيحين، فقد جعل فعل هذا الذي يتلوه آناء الليل والنهار عملًا، كما قال: لعملت فيه مثل ما يعلم فلان.","vol":"1","page":263},{"text":"والثاني كما في قوله تعالى ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله تعالى ﴿وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه﴾ [يونس: ٦١] فالذين قالوا التلاوة هي المتلو من أهل العلم والسنة قصدوا أن التلاوة هي القول والكلام المقترن بالحركة، وهي الكلام المتلو.\nوآخرون قالوا: بل التلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، والذين قالوا ذلك من أهل السنة والحديث أرادوا بذلك أن أفعال العباد ليس هي كلام الله، ولا أصوات العباد هي صوت الله، وهذا الذي قصده البخاري، وهو مقصود صحيح.\nوسبب ذلك أن لفظ: التلاوة، والقراءة، واللفظ مجمل مشترك: يراد به المصدر، ويراد به المفعول.\nفمن قال: اللفظ ليس هو الملفوظ، والقول ليس هو المقول وأراد باللفظ والقول المصدر، كان معني كلامه أن الحركة ليست هي الكلام المسموع، وهذا صحيح.\nومن قال اللفظ هو الملفوظ، والقول هو نفسه المقول وأراد باللفظ والقول مسمى المصدر، صار حقيقة مراده أن اللفظ والقول المراد به الكلام المقول الملفوظ هو الكلام المقول الملفوظ، وهذا صحيح.\nفمن قال: اللفظ بالقرآن، أو القراءة، أو التلاوة، مخلوقة أو لفظي بالقرآن، أو تلاوتي دخل في كلامه نفس الكلام المقروء المتلو، وذلك هو كلام الله تعالى.\nوإن أراد بذلك مجرد فعله وصوته كان المعني صحيحًا، لكن إطلاق اللفظ يتناول هذا وغيره.","vol":"1","page":264},{"text":"ولهذا قال أحمد في بعض كلامه: من قال لفظي بالقرآن كخلوق يريد به القرآن فهو جهمي أحترازًا عما إذا أراد به فعله وصوته.\nوذكر اللالكائي، أن بعض من كان يقول ذلك رأى في منامه كأن عليه فروة رجل يضربه، فقال له: لا تضربني، فقال: إني لا أضربك، وإنما أضرب الفروة، فقال: إن الضرب إنما يقع ألمه علي، فقال هكذا إذا قلت: لفظي بالقرآن مخلوق وقع الخلق على القرآن.\nومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، أو تلاوتي دخل في ذلك المصدر الذي هو علمه، وأفعال العباد مخلوقة، ولو قال: أردت به أن القرآن المتلو غير مخلوق، لا نفس حركاتي قيل له: لفظك هذا بدعة، وفيه إجمال وإيهام، وإن كان مقصودك صحيحًا كما يقال للأول إذا قال: أردت أن فعلي مخلوق: لفظك أيضًا بدعة، وفيه إجمال وإيهام وإن كان مقصودك صحيحًا.\nفلهذا منع أئمة السنة الكبار إطلاق هذا وهذا، وكان هذا وسطًا بين الطرفين، وكان أحمد وغيره من الأئمة يقولون: القرآن تحيث تصرف كلام الله غير مخلوق،","vol":"1","page":265},{"text":"فيجعلون القرآن نفسه حيث تصرف غير مخلوق، من غير أن يقترن بذلك ما يشعر أن أفعال العباد وصفاتهم غير مخلوق.\nوصارت كل طائفة من النفاة والمثبتة في مسألة التلاوة تحكي قولها عن أحمد، وهم - كما ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال: إن كل واحدة من هاتين الطائفتين تذكر قولها عن أحمد وهم يفقهون قوله لدقة معناه.\nثم صار ذلك التفرق موروثًا في أتباع الطائفتين، فصارت طائفة تقول: إن اللفظ بالقرآن غير مخلوق، موافقة لـ أبي حاتم الرازي ومحمد بن داود المصيصي وأمثالهما كأبي عبد الله بن منده وأهل بيته، وأبي عبد الله بن حامد، وأبي نصر السجزي، وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي يعقوب الفرات الهروي وغيرهم.\nوقوم يقولون نقيض هذا القول من غير دخول في مذهب ابن كلاب.","vol":"1","page":266},{"text":"مع اتفاق الطائفتين على أن القرآن كله كلام الله، لم يحدث غيره شيئًا منه، ولا خلق منه شيئًا في غيره: لا حروفه، ولا معانيه - مثل حسين الكرابيسي وداود بن علي الأصبهاني وأمثالهما.\nوحدث مع هذا من يقول بقول ابن كلاب: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفس المتكلم، هو الأمر بكل ما أمر به، والنهي عن كل ما نهى عنه، والإخبار بكل ما أخبر به، وإنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرية كان هو التوراة.\nوجمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك، وقالوا: إن فساد هذا معلوم بصريح العقل فإن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن، ولا معنى ﴿قل هو الله أحد﴾ هو معنى ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ .\nوكان يوافقهم على إطلاق القول بأن التلاوة غير المتلو وأنها مخلوقة، من لا يوافقهم على هذا المعنى، بل قصده أن التلاوة هي أفعال العباد وأصواتهم.","vol":"1","page":267},{"text":"وصار أقوام يطلقون القول بأن التلاوة غير المتلو، وأن اللفظ بالقرآن مخلوق، فمنهم من يعرف أنه موافق لابن كلاب، ومنهم من يعرف مخالفته له، ومنهم من لا يعرف منه لا هذا ولا هذا، وصار أبو الحسن الأشعري ونحوه - ممن يوافق ابن كلاب على قوله - موافقًا للإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في المنع من إطلاق هذا وهذا، فيمنعون أن يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، وهؤلاء منعوه من جهة كونه يقال في القرآن: إنه يلفظ أو لا يلفظ وقالوا اللفظ: الطرح والرمي، ومثل هذا لا يقال في القرآن.\nووافق هؤلاء على التعليل بهذا طائفة ممن لا يقول بقول ابن كلاب في الكلام كالقاضي أبي يعلى وأمثاله، ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبد الله بن منده في ذلك ما هو معروف، وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظية والحلولية، ومال فيه إلى كجانب النفاة الفائلين بأن الىلاوة مخلوقة، كنا مال ابن منده إلى جانب من يقول إنها غير مخلوقه، وحكى كل منهما من الحق وجد فيه من المنقول الثبت عن الأئمة ما يوافقه.\nوكذلك وقع بين أبي ذر الهروي وأبي نصر السجزي في ذلك، حتى صنف أبو نصر السجزي كتابه الكبير في ذلك المعروف بالإبانة، وذكر فيه من الفوائد والآثار والانتصار للسنة وأهلها أمورًا عظيمة المنفعة، لكنه نصر فيه قول من يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأنكر على ابن قتيبة وغيره ما ذكروه من","vol":"1","page":268},{"text":"التفصيل، ورجح طريقة من هجر البخاري، وزعم أن أحمد بن حنبل كان يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأنه رجع إلى ذلك.\nوأنكر ما نقله الناس عن أحمد من إنكار على الطائفتين، وهي مسألة أبي طالب المشهورة.\nوليس الأمر كما ذكره، فإن الإنكار على الطائفتين مستفيض عن أحمد عند أخص الناس به من أهل بيته وأصحابه الذين اعتنوا بجمع كلام الإمام أحمد، كـ المروزي والخلال وأبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهم، وقد ذكروا من ذلك ما يعلم لك عارف له أنه أثبت الأمور عن أحمد.\nوهؤلاء العراقيون أعلم بأقوال أحمد من المتنسبين إلى السنة والحديث من أهل خرسان، الذين كان ابن منده وأبو نصر وأبو إسماعيل الهروي وأمثالهم يسلكون حذرهم، ولهذا صنف عبد الله بن عطاء الإبراهيمي كتابًا فيمن أخذ عن أحمد","vol":"1","page":269},{"text":"العلم، فذكر طائفة ذكر منهم أبو بكر الخلال، وظن أنه أبو محمد الخلال شيخ القاضي أبي يعلي وأبي بكر الخطيب، فاشتبه عليه هذا بهذا.\nوهذا كما أن العرقيين المنتسبين إلى أهل الإثبات من أبتاع ابن كلاب كأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري، وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري، والقاضي أبي بكر ابن الباقلاني، وأمثالهم، أقرب إلى السنة وأتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله من أهل خراسان المائلين إلى طريقة ابن كلاب، ولهذا كان القاضي أبو بكر بن الطيب يكتب في أجوبته أحيانًا: محمد بن الطيب الحنبلي، كما كان يقول الأشعري، إذ كان الأشعري وأصحابه منتسبين إلي أحمد بن حنبل وأمثاله من أئمة السنة، وكان الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة، كابن عقيل، وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي، وأمثالهم.","vol":"1","page":270},{"text":"وكان أبو ذر الهروي قد أخذ طريقة ابن الباقلاني وأدخلها إلى الحرم، ويقال إنه أول من أدخلها إلى الحرم، وعنه أخذ ذلك من أخذه من أهل المغرب فإنهم كانوا يسمعون عليه البخاري ويأخذون ذلك عنه، كما أخذه أبو الوليد الباجي، ثم رحل الباجي إلى العرق، فأخذ طريقة الباقلاني عن أبي جعفر السمناني قاضي الموصل صاحب ابن الباقلاني، ونحن قد بسطنا الكلام في هذه المسائل وبينا ما حصل فيها من النزاع والاضطراب في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانو يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة، لما فيه من لبس الحق بالباطل ن ممع ما توقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت له الألفة، وما كان معروفا حصلت به المعرفة، كما يرى عن مالك ﵀ أنه قال: إذا قل العلم ظهر الجفاء، وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء.\nفإذا لم يكن اللفظ منقولًا ولا معناه معقولًا ظهر الجفاء والأهواء، ولهذا تجد قومًا كثيرين يحبون قومًا ويبغضون قومًا لأجل أهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها، بل يوالون على إطلاقها أو يعادون، من غير أن تكون منقولة نقلا صحيحًا عن النبي صلى","vol":"1","page":271},{"text":"الله عليه وسلم وسلف الأمة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها، ولا يعرفون لازمها ومقتضاها.\nوسبب هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة، وجعلها مذاهب يدعى إليها، ويوالي ويعادى عليها.\nوقد ثبت في الصحيح «أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي عليها ويعادي غير النبي ﷺ وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة، يوالون علي ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون.\nولهذا كان أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان - وإن تنازعوا فيما تنازعوا فيه من الأحكام - فالعصمة بينهم ثابتة، وهم يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فبعضهم يصيب الحق فيعظم الله أجره ويرفع درجته، وبعظهم يخطئ بعد إجتهاده في طلب الحق، فيغفر الله له خطأه، تحقيقًا لقوله تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] سواء كان خطؤهم في حكم علمي أو حكم خبري نظري، كتنازعهم في الميت هل يعذب ببكاء أهله عليه؟ وهل يسمع الميت قرع نعالهم؟ وهل رأي محمد ربه؟","vol":"1","page":272},{"text":"وأبلغ من ذلك أن شريحًا أنكر قراءة من قرأ ﴿بل عجبت ويسخرون﴾ [الصافات: ١٢] وقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي، فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله أعلم منه أو قال: أفقه منه - وكان يقرأ) بل عجبت) فأنكر على شريح إنكاره، مع أن شريحًا من أعظم الناس قدرًا عند المسلمين، ونظائر هذا متعددة.\nوالأقوال إذا حكيت عن قائلها أو نسبت الطوائف إلى متبوعها فإنما ذاك على سبيل التعريف والبيان، وأما المدح والذم والموالاة والمعاداة فعلى الأسماء المذكورة في القرآن العزيز، كاسم المسلم والكافر، والمؤمن والمنافق، والبر والفاجر، والصادق والكاذب، والمصلح والمفسد، وأمثال ذلك، وكون القول صوابًا أو خطأ يعرف بالأدلة الدالة على ذلك المعلومة بالعقل والسمع، والأدلة الدالة على العلم لا تتناقض كما تقدم.\nوالتناقض هو أن يكون أحد الدليلين يناقض مدلول الآخر: إما بأن ينفي أحدهما عين ما يثبته الآخر، وهذا هو التناقض الخاص الذي بذكره أهل الكلام والمنطق، وهو اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق","vol":"1","page":273},{"text":"إحداهما كذب الأخرى.\nوأما التناقض لمطلق فهو أن يكون موجب أحد الدليلين ينافي موجب الآخر: إما بنفسه، وإما بلازمه، مثل أن ينفي أحدهما لازم الآخر أو يثبت ملزومه، فإن انتقاء لازم الشيء، يقتضي انتفاءه، وثبوت ملزومه يقتضي ثبوته.\nومن هذا الباب الحكم على الشيئين المتماثلين من كل وجه مؤثر في الحكم بحكمين مختلفين، فإن هذا تناقض أيضًا، إذ حكم الشيء حكم مثله، فإذا حكم على مثله بنقيض حكمه كان كما لو حكم عليه بنقيض حكمه.\nوهذا التناقض العام هو الاختلاف الذي نفا الله تعالى عن كتابه بقوله ﷿: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢]، وهو الاختلاف الذي وصف الله به قول الكفار في قوله تعالى ﴿إنكم لفي قول مختلف * يؤفك عنه من أفك﴾ [الذاريات: ٨-٩] .\nوضد هذا هو التشابه العام الذي وصف الله به القرآن في قوله ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني﴾ [الزمر: ٢٣]، وهذا ليس هو التشابه الخاص الذي وصف الله تعالى به القرآن في قوله ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [آل عمران: ٧]، فإن ذلك التشابه العام يراد به التناسب والتصادق والائتلاف.\nوضده: الاختلاف الذي هو التناقض والتعارض، فالأدلة الدالة على العلم لا يجوز أن تكون متناقضة متعارضة، وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء،","vol":"1","page":274},{"text":"ومن صار من أخل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة والحيرة فإنما ذلك لفساد استدلاله إما لتقصيره، وإما لفساد دليله، ومن أعظم أسباب ذلك الألفاظ المجملة التي تشتبه معانيها.\nوهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على اصل فاسد، وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول دينهم، وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى، فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه، كما يجعل الجهمية من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم ما أحدثوه من الأقوال التي نفوا به صفات الله، ونفوا بها رؤيته في الآخرة وعلوه على خلقه، وكون القرآن كلامه ونحو ذلك، جعلوا تلك الأقوال محكمة، وجعلوا قول الله ورسوله مؤولًا عليها، أو مردودًا، أو غير ملتفت إليه ولا متلقى للهدى منه فتجد أحدهم يقول: ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا له كم، ولا كيف، ولا تحله الأعراض والحوادث ونحو ذلك، وليس بمباين للعالم ولا خارج عنه.\nفإذا قيل: إن الله أخبر أن له علمًا وقدرة، قالوا لو كان له علم وقدرة للزم أن تحله الأعراض، وأن يكون جسمًا، وأن يكون له كيفية وكمية، وذلك منتف عن الله، لما تقدم.\nثم قد تقول: إن الرسول قصد بما ذكره من أسماء الله وصفاته أمورًا لا نعرفها، وقد تقول: إنه قصد خطاب الجمهور فإفهامهم الأمر على غير حقيقته، لأن مصلحتهم في ذلك قد يفسر صفة بصفة، كما يفسر الحب والرضا والغضب","vol":"1","page":275},{"text":"بالإرادة، أو السمع والبصر بالعلم، والكلام والإرادة والقدرة بالعلم، ويكون القول في الثانية كالقول في الأولى، يلزمها من اللوازم في النفي والإثبات ما يلزم التي نفاها، فيكون مع جمعه في كلامه أنواعًا من السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات قد فرق بين المتماثلين: بأن جعل حكم أحدهما مخالفًا لحكم الآخر، ويكون قد عطل النصوص عن مقتضاها، ونفى بعض ما يستحق الله من صفات الكمال، ويكون النافي لما أثبته هو قد تسلط عليه، وأورد عليه فيما أثبته هو نظير ما أورده هو على من أثبت ما نفاه، وإن كان النافي لما أثبته أكثر تناقضًا منه.\nثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة دينًا، يوالون عليه ويعادون، بل يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه، ويقول: مسائل أصول الدين: المخطئ فيها يكفر وتكون تلك المسائل مما ابتدعوه.\nمعلوم أن الخوارج هم مبتدعة مارقون، كما ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ وإجماع الصحابة ذمهم والطعن عليهم، وهم إنما تأولوا آيات من القرآن على ما اعتقدوه، وجعلوا من خالف ذلك كافرا، لاعتقادهم أنه خالف القرآن، فمن ابتدع أقوالًا ليس له أصل في القرآن، وجعل من خالفها كافرًا كان قوله شرًا من قول الخوارج، ولهذا اتفق السلف والأئمة على أن قول الجهمية شر من قول الخوارج.\nوأصل قول الجهمية هو نفي الصفات بما يزعمون من دعوى العقليات التي عارضوا بها النصوص، إذ كان العقل الصريح الذي يستحق أن تسمى قضاياه","vol":"1","page":276},{"text":"عقليات موافقًا للنصوص لا مخالفًا لها، ولما كان قد شاع في عرف الناس أن قول الجهمية مبناه على النفي صار الشعراء ينظمون هذا المعنى، كقول أبي تمام:\nجهمية الأوصاف إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء\nفهؤلاء ارتكبوا أربع عظائم: أحدها: ردهم لنصوص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والثاني: ردهم ما يوافق ذلك من معقول العقلاء، والثالث: جعل ما خالف ذلك من أقوالهم المجملة أو الباطلة هي أصول الدين، والرابع: تكفيرهم، أو تفسيقهم، أو تخطئتهم لمن خالف هذه الأقوال المبتدعة المخالفة لصحيح المنقول وصريح المعقول.\nوأما أهل العلم والإيمان: فهم على نقيض هذه الحال، يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقًا، وما خالفه كان باطلًا، ومن كان قصده متابعته من المؤمنين، وأخطأ بعد اجتهاده الذي أستفرغ به وسعه غفر الله له خطأه، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية الحبرية، او المسائل العلمية، فإنه ليس كل ما كان معلومًا متيقنًا لبعض الناس يجب أن يكون معلومًا متيقنًا لغيره.\nوليس كل ما قال رسول الله ﷺ يعلمه كل الناس ويفهمونه، بل كثير منهم لم يسمع كثيرًا منه، وكثير منهم قد يشتبه عليه ما أراده، وإن كان كلامه في نفسه محكمًا مقرونًا بما يبين مراده، لكن أهل العلم يعلمون","vol":"1","page":277},{"text":"ما قاله، ويميزون بين النقل الذي يصدق به والنقل الذي يكذب به، ويعرفون ما يعلم به معاني كلامه ﷺ، فإن الله تعالي أمر الرسول بالبلاغ المبين، وهو أطوع الناس لربه، فلا بد أن يكون قد بلغ البلاغ المبين، ومع البلاغ المبين لا يكون بيانه ملتبسًا مدلسًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>معنى الاستواء على العرش</span>\nوالآيات التي ذكر الله فيها أنها متشابهات لا يعلم تأوليها إلا الله، إنما نفى عن غيره علم تأويلها، لا علم تفسيرها ومعناها، كما أنه لما سئل مالك رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة - وكذلك ربيعة قبله - فبين مالك أن معنى الاستواء معلوم، وأن كيفيته مجهولة، فالكيف المجهول هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وأما ما يعلم من الاستواء وغيره فهو من التفسير الذي بينه الله ورسوله.\nوالله تعالى قد أمرنا أن نتدبر القرآن، وأخبر أنه أنزله لتعقله، ولا يكون التدبر والعقل إلا لكلام بين المتكلم مراده به، فأما من تكلم بلفظ يحتمل معاني","vol":"1","page":278},{"text":"كثيرة ولم يبين مراده منها فهذا لا يمكن أن يتدبر كلامه، ولا يعقل، ولهذا تجد عامة الذين يزعمون أن كلام الله يحتمل وجوهًا كثيرة، وأنه لم يبين مراده من ذلك قد اشتمل كلامهم من الباطل على ما لا يعلمه إلا الله، بل في كلامهم من الكذب في السمعيات نظير ما فيه من الكذب في العقليات، وإن كانوا لم يتعمدوا الكذب، كالمحدث الذي يغلط في حديثه خطأ، بل منتهى أمرهم: القرمطة في السمعيات، والسفسطة في العقليات، وهذان النوعان مجمع الكذب والبهتان.\nفإذ قال القائل: استوى يحتمل خمسة عشر وجهًا أو أكثر أو أقل، كان غالطًا، فإن قول القائل: استوى على كذا له معنى، وقوله: استوى إلى كذا له معنى، وقوله: استوى وكذا له معنى، وقوله: استوى بلا حرف يتصل به له معنى، فمعانيه تنوعت بتنوع ما يتصل به من الصلات، كحرف الاستعلاء والغاية وواو الجمع، أو ترك تلك الصلات.\nوقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين أن كلام الله مبين غاية البيان، موفى حق التوفية في الكشف والإيضاح، وقد بسط الكلام على هذا النص وغيره، وبين نحو من عشرين دليلًا على أن هذه الآية نص في معنى واحد لا يحتمل معنى آخر، وكذلك ذكر هذا في غير هذا النص.\nفإن الكلام هنا أربعة أنواع: أحدهما: أن نبين أن ما جاء به الكتاب والسنة فيه الهدى والبيان.\nوالثاني: أن نبين أن ما يقدر من الاحتمالات فهي باطلة، قد دل الدليل الذي به يعرف مراد المتكلم على أنه لم يردها.\nالثالث: أن نبين أن ما يدعى أنه معارض لها من العقل فهو باطل.\nالرابع: أن نبين أن العقل موافق لها معاضد، لا مناقض لها معارض.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>ما يعارضون به الأدلة الشرعية من العقليات فاسد متناقض. الوجه الثامن عشر</span>\nما يعارضون به الأدلة الشرعية من العقليات فاسد متناقض.\nالوجه الثامن عشر\nأن يقال: ما يعارضون به الأدلة الشرعية من العقليات في أمر التوحيد والنبوة والمعاد قد بينا فساده في غير هذا الموضع وتناقضه، وأن معتقد صحته من أجهل الناس وأضلهم في العقل، كما بينا انتهاءهم في نفي الصفات والأفعال إلى حجة التركيب والتشبيه والاختصاص، وانتهاءهم في جحد القدر إلى تعارض الأمر والمشيئة، وانتهاءهم في مسألة حدوث العالم والمعاد إلى إنكار الأفعال.\nوبينا أن ما يذكرونه على النفي ألفاظ مجملة مشتبهة تتناول حقًا وباطلًا، كقولهم: إن الرب تعالى لو كان موصوفًا بالصفات من العلم والقدرة وغيرها مباينا للمخلوقات لكان مركبًا من ذات وصفات، ولكان مشاركًا لغيره في الوجود وغيره، ومفارقًا له في الوجوب وغيره، فيكون مركبا مما به الاشتراك والامتياز، ولكان له حقيقة غير مطلق الوجود، فيكون مركبًا من وجود وماهية، ولكان جيمًا مركبًا من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة، والمركب مفتقر إلى جزئه، والمفتقر إلى جزئه لا يكون واجبًا بنفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>معنى المركب</span>\nوقد بينا فساد هذا الكلام بوجوه كثيرة يضيق عنها هذا الموضع، فإن مدار هذه الحجة على ألفاظ مجملة، فإن المركب يراد به ما ركبه غيره، وما كان مفترقًا فاجتمع، كأجزاء الثوب والطعام والأدوية من السكنجبين وغيره، وهذا هو المركب في لغة العرب وسائر الأمم.\nوقد يراد بالمركب ما يمكن تفريق بعضه عن بعض، ومعلوم أن الله تعالى منزه عن جميع هذه التركيبات.","vol":"1","page":280},{"text":"ويراد بالمركب في عرفهم الخاص ما تميز منه شيء، كتميز العلم عن القدرة، وتميز ما يرى ونحو ذلك، وتسمية هذا المعنى تركيبًا وضع وضعوه ليس وافقا للغة العرب، ولا لغة أحد من الأمم، وإن كان هذا مركبا فكل ما في الوجود مركب، فإنه ما من موجود إلا ولا بد أن يعلم منه شيء دون شيء، والمعلوم ليس الذي هو غير معلوم.\nوقولهم: إنه مفتقر إلى جزئه تلبيس، فإن الموصوف بالصفات اللازمة له يمتنع أن تفارقه أو يفاقها، وليست له حقيقة غير الذات الموصوفة حتى يقال: إن تلك الحقيقة مفتقرة إلى غيرها، والصفة اللازمة يسميها بعض الناس غير الموصوف، وبعض الناس يقول: ليست غير الموصوف.\nومن الناس من لا يطلق عليها لفظ المغايرة بنفي ولا إثبات حتى يفصل ويقول إن أريد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر فهي غير، وإن أريد بهما ما جاز مفارقة أحدهما للآخر بزمان أو مكان أو فليست بغير، فإن لم يقل: هي غير الموصوف لم يكن هناك غير لازم للذات، فضلا عن أن تكون مفتقرة إله، وإن قيل: هي غيره فهي والذات متلازمان لا توجد إحداهما إلا مع الأخرى، ومثل هذا التلازم بين الشيئين يقتضي كون وجود أحدهما مشروطا بالآخر، وهذا ليس بممتنع، وإنما الممتنع أن يكون يقتضي كون وجود أحدهما إلا مع الأخر، وهذا ليس بممتنع، وإنما الممتنع أن يكون كل من الشيئين موجبا للآخر، فالدور في العلل ممتنع، والدور في \"الشروط جائز.","vol":"1","page":281},{"text":"ولفظ الافتقار هنا: إن أريد به افتقار المعلول إلى علته كان باطلا، وإن أريد به أفتقار المشروط إلى شرطه - فهذا هو تلازم من الجانبين، وليس ذلك ممتنعا، والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرًا إلى ما هو خارج عن نفسه، فأما ما كان صفة لازمة لذاته وهو داخل في مسمى أسمه، فقول القائل: إنه مفتقر إليها كقوله: إنه مفتقر إلى نفسه.\nفإن القائل إذا قال: دعوت الله أو عبدت الله كان اسم الله متناولا للذات المتصفة بصفاتها، ليس أسم الله أسما للذات مجردة عن صفاتها اللازمة لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>مذهب النفاة في الصفات والرد عليه</span>\nوحقيقة ذلك أنه لا تكون نفسه إلا بنفسه، ولا تكون ذاته إلا بصفاته، ولا تكون نفسه إلا بما هو داخل في مسمى أسمها، وهذا نحق، ولكن قول القائل إن هذا افتقار إلى غيره تلبيس، فإن ذلك يشعر أنه مفتقر إلى ما هو منفصل عنه، وهذا باطل، لأنه قد تقدم أن لفظ الغير يراد به ما كان مفارقًا له بوجود أو زمان أو مكان ويراد يه ما أمكن العلم به دونه والصفة لا تسمى غيرا له بهذا المعنى، وأما بالمعنى الثاني فلا يمتنع أن يكون وجوده مشروطا بصفات، وأن يكون مستلزما لصفات، وإن سميت تلك الصفات غيرًا فليس في إطلاق اللفظ ما يمنع صحة المعاني العقلية، سواء جاز إطلاق اللفظ أو لم يجز.","vol":"1","page":282},{"text":"وهؤلاء عمدوا إلى المعاني كالصحيحة العقلية وأطلقوا عليها ألفاظًا مجملة تتناول الباطل الممتنع، كالرافض الذي يسمى أهل السنة ناصبة، فيوهم أنهم نصبوا العداوة لأهل البيت ﵃.\nوقد بينا في غير هذا الموضع أن إثبات المعاني القائمة التي توصف بها الذات لا بد منه لكل عاقل، وأنه لا خروج عن ذلك: إلا بجحد وجود الإرادة، فقود هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق تعالى، وهذا منتهي الإلحاد، وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية الفساد، ولا مخلص من هذا إلا بإثبات الصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، وهو دين الذين آمنوا وعملوا الصالحات.\nوذلك أن نفاة الصفات من المتفلسفة ونحوهم يقولون: إن العاقل والمعقول والعقل، والعاشق والمعشوق والعشق، واللذة واللذيذ والملتذ: هو شيء واحد، وإنه موجود واجب له عناية، ويفسرون عنايته بعلمه أو عقله، ثم يقولون: وعلمه أو عقله هو ذاته، وقد يقولون: إنه حي عليم قدير مريد متكلم سميع بصير، ويقولون: إن ذلك كله شيء واحد، فإرادته عين قدرته، وقدرته عين علمه، وعلمه عين ذاته.","vol":"1","page":283},{"text":"وذلك أن من أصلهم: أنه ليس له صفة ثبوتية، بل صفاته: إما سلب، كقولهم: ليس بجسم ولا متحيز، وإما إضافة كقولهم: مبدأ وعلة، وإما مؤلف منهما كقولهم: عاقل ومعقول وعقل، ويعبرون عن هذه المعاني بعبارات هائلة، كقولهم: إنه ليس فيه كثرة كم، ولا كثرة كيف، أو إنه ليس له أجزاء حد، ولا أجزاء كم، أو أنه لا بد من إثباته موحدًا توحيدا، منزهًا مقدسًا عن المقولات العشر: عن الكم، والكيف، والأين، والوضع، والإضافة، ونحو ذلك.\nومضمون هذه العبارات وأمثالها نفي صفاته، وهم يسمون نفي الصفات توحيدًا وكذلك المعتزلة ومن ضاهاهم من الجهمية يسمون ذلك توحيدًا.\nوهم ابتدعوا هذا التعطيل الذي يسمونه توحيدًا، وجعلوا اسم التوحيد واقعًا على غير ما هو واقع عليه في دين المسلمين، فإن التوحيد الذي بعث الله له رسله، وأنزل به كتبه، هو أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ولا يجعل له ندًا، كما قال تعالى ﴿قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين﴾ [الكافرون: ١-٦] .\nومن تمام التوحيد أن يوصف الله تعالى يما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله، ويصان ذلك عن التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل، كما قال تعالى ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ١-٤] .","vol":"1","page":284},{"text":"ومن هنا ابتدع من ابتدع لمن اتبعه على نفي الصفات اسم الموحدين وهؤلاء منتهاهم أن يقولوا: هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، كما قاله طائفة منهم، أو بشرط نفي الأمور الثبوتية، كما قاله ابن سينا وأتباعه، أو يقولون: هو الوجود المطلق لا بشرط، كما يقوله القونوي وأمثاله.\nومعلوم بصريح العقل الذي لم يكذب قط أن هذه الأقوال باطلة متناقضة من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الرد على نفاة الصفات من وجوه. الأول</span>\nالرد على نفاة الصفات من وجوه.\nالأول\nأحدهما: أن جعل عين العلم عين القدرة، ونفس القدرة هي نفس الإدارة والعناية، ونفس الحياة هي نفس العلم والقدرة، ونفس العلم نفس الفعل والإبداع ونحو ذلك معلوم الفساد بالضرورة، فإن هذه حقائق متنوعة ن فإن جعلت هذه الحقيقة هي تلك كان بمنزلة من يقول: إن حقيقة السواد هي حقيقة الطعم هي حقيقة اللون، وأمثال ذلك مما يجعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الثاني</span>\nالوجه الثاني: أنه من المعلوم أن القائم بنفسه ليس هو القائم بغيره، والجسم ليس هو العرض، والموصوف ليس هو الصفة، والذات ليست هي النعوت، فمن قال: إن العالم هو العلم، والعلم هو العالم فضلاله بين.\nوكذلك معلوم أن العلم ليس هو المعلوم، فمن قال: إن العلم هو المعلوم، والمعلوم هو العلم فضلاله بين أيضًا.\nولفظ العقل إذا أريد به المصدر فليس المصدر هو العاقل الذي هو اسم الفاعل، ولا المعقول الذي هو اسم مفعول، وإذا أريد بالعقل جوهر","vol":"1","page":285},{"text":"قائم بنفسه فهو العاقل، فإذا كان يعقل نفسه أو غيره فليس عين عقله لنفسه أو غيره هو عين ذاته، وكذلك إذا سمى عاشقًا ومعشوقًا بلغتهم، أو قيل: محبوب ومحب بلغة المسلمين، فليس الحب والعشق هو نفس العاشق ولا المحب، ولا العشق ولا الحب هو المعشوق ولا المحبوب، بل التمييز بين مسمى المصدر ومسمى اسم الفاعل واسم المفعول، والتفريق بين الصفة والموصوف مستقر في فطر العقول ولغات الأمم، فمن جعل أحدهما هو الآخر كان قد أتى من السفسطة بما لا يخفى على من يتصور ما يقول: ولهذا كان منتهى هؤلاء السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>الثالث</span>\nالوجه الثالث: أن يقال: الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية، أو لا بشرط، مما يعلم بصريح العقل انتفاؤه في الخارج، وإنما يوجد في الذهن، وهذا مما قرروه في منطقهم اليوناني، وبينوا أن المطلق بشرط الإطلاق كإنسان مطلق بشرط الإطلاق، وحيوان مطلق بشرط الإطلاق جسم مطلق بشر الإطلاق، ووجود مطلق بشرط الإطلاق: لا يكون إلا في الأذهان دون الأعيان.\nولما اثبت قدماؤهم الكليات المجردة ع الأعيان التي يسمونها المثل الأفاطونية أنكر ذلك حذاقهم، وقالوا: هذه لا تكون إلا في الذهن، ثم الذين ادعوا ثبوت هذه الكليات في الخارج مجردة قالوا: إنها مجردة عن الأعيان المحسوسة ن ويمتنع عندهم أن تكون هذه هي المبدعة للأعيان، بل يمتنع أن تكون شرطًا في وجود الأعيان، فإنها إما أن تكون صفة للأعيان، أو جزءًا منها.","vol":"1","page":286},{"text":"وصفة الشيء لا تكون خالقة للموصوف، وجزء الشيء لا يكون خالقًا للجملة، فلو قدر أن في الخارج وجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق امتنع أن يكون مبدعًا لغيره من الموجودات، بل امتنع أن يكون شرطًا في وجود غيره، فإذن تكون المحدثات والممكنات المعلوم حدوثها وافتقارها إلى الخالق المبدع مستغنية عن هذا الوجود المطلق بشرط الإطلاق، إن قيل: إن له وجودًا في الخارج، فكيف إذا كان الذي قال هذا القول هو من أشد الناس إنكارًا على من جعل وجود هذه الكليات المطلقة المجردة عن الأعيان خارجًا عن الذهن.\nوهم قد قرروا ا، العلم الأعلى والفلسفة الأولى هو العلم الناظر في الوجود ولواحقه، فجعلوا الوجود المطلق موضوع هذا العلم، لكن هذا هو المطلق الذي ينقسم إلى واجب وممكن، وعلة ومعلول، وقديم ومحدث.\nومورج التقسيم مشترك بين الأقسام.\nفلم يمكن هؤلاء أن يجعلوا هذا الوجود المنقسم إلى واجب وممكن هو الوجود الواجب، فجعلوا الوجود الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق الذي ليس له حقيقة سوى الوجود المطلق، أو بشرط سلب الأمور الثبةتية، ويعبرون عن هذا بأن وجوده ليس عارضًا لشيء من الماهيات والحقائق.\nوهذا التعبير مبني على أصلهم تالفاسد، وهو ا، الوجود يعرض للحقائق الثابتة في الخارج، بناء على أنه في الخارج وجود الشيء غير حقيقته، فيكون في الخارج حقيقة يعرض لها الوجود تارة، ويفارقها أخرى.","vol":"1","page":287},{"text":"ومن هنا فرقوا في منطقهم بين الماهية والوجود، وهم لو فسروا الماهية بما يكون في الأذهان، والوجود بما يكون في الأعيان، لكان هذا صحيحًا لا ينازع فيه عاقلن وهذا هو الذي تخيلوه في الأصل، لكن توهموا أن تلك الماهية التي في الذهن هي بعينها الموجود الذي في الخارج، فظنوا أن في هذا الإنسان المعين جواهر عقلية قائمة بأنفسها مغيرة لهذا المعين، مثل كونه حيوانًا ناطقًا وحساسًا ومتحركًا بالإرادة ونحو ذلك.\nوالصواب أن هذه كلها أسماء لهذا المعين، كل اسم يتضمن صفة ليست هي الصفة التي يتضمنها الاسم الآخر، فالعين في الخارج هو هو، ليس هناك جوهران اثنان، حتى يكون أحدهم عارضًا للآخر أو معروضًا، بل هناك ذات وصفات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أنه لم يمكن ابن سينا وأمثاله أن يجعلوه الوجود المنقسم إلى واجب وممكن، فجعلوه الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية، كما بين ذلك في شفائه وغيره من كتبه.\nوهذا مما قد بين هو - ومما يعلم كل عاقل - أنه يمتنع وجوده في الخارج، ثم إذا جعل مطلقًا بشرط الإطلاق لم يجز أن ينعت بنعت يوجب امتيازه، فلا يقال:","vol":"1","page":288},{"text":"هو واجب بنفسه، ولا ليس بواجب بنفسه، فلا يوصف بنفي ولا إثبات، لن هذا نوع من التمييز والتقييد.\nوهذا حقيقة قول القرامطة الباطنية الذين يمتنعون عن وصفه بالنفي والإثبات، ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع، كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع.\nوأما إذا قيد بسلب الأمور الثبوتية دون العدمية، فهو أسوأ جالًا من المقيد بسلب الأمور الثبوتية والعدمية، فإنه يشارك غيره في مسمى الوجود ويمتاز عنه بأمور وجودية، وهو يمتاز عنها بأمور عدمية، فيكون كل من الموجودات أكمل منه.\nوأما إذا قيد بسلب الأمور الثبوتية والعدمية معا، كان أقرب إلى الوجود من أن يمتاز بسلب الوجود دون العدم، وإن كان هذا ممتنعًا فذاك ممتنع أيضًا، وهو أقرب إلى العدم، فلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العد هو الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج، وإنما يقدره الذهن تقديرًا، كما يقدر كون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، فلزم الجمع بين النقيضين، والخلو عن النقيضين.\nوهذا من أعظم الممتنعات بإتفاق العقلاء ن بل قد يقال: إن جميع الممتنعات ترجع إلى الجمع بين النقيضين، فلهذا كان ابن سينا وأمثاله من أهل دعوة القرامطة الباطنية من أتباع الحاكم الذي كان بمصر، وهؤلاء وأمثالهم من رؤوس الملاحدة الباطنيةن وقد ذكر ذلك عن نفسه، وأنه كان هو وأهل بيته من أهل دعوة هؤلاء","vol":"1","page":289},{"text":"المصريين الذين يسميهم المسلمون الملاحدة، لإلحادهم في أسماء الله وآياته إلحادًا أعظم من إلحاد اليهود والنصاري.\nوأما ملاحدة المتصوفة: كابن عربي الكائي، وصاحبه الصدر القونوي، وابن سبعين، وابن الفارض وأمثالهم، فقد يقولون: هو الوجود المطلق، كما قاله القونوي، وجعله هو الوجود من حيث هو هو، مع قطع النظر عن كونه واجبًا وممكنًا وواحدًا وكثيرًا، وهذا معنى قول ابن سبعين وأمثاله القائلين بالإحاطة.\nومعلوم أن المطلق لا بشرط - كالإنسان المطلق لا بشرط - يصدق على هذا الإنسان وهذا الإنسان، وعلى الذهني والخارجي، فالوجود المطلق لا بشرط يصدق على الواجب والممكن، والواحد والكثير، والذهني، والخارجي، وحينئذ فهذا الوجود المطلق ليس موجودا في الخارج مطلقًا بلا ريب.\nومن قال: إن الكلي الطبيعي موجود في الخارج فقد يريد به حقا ًوباطلًا، فإن أراد بذلك أن ما هو كلي في الذهن موجود في الخارج معينًا: أي تلك الصورة الذهنية مطابقة للأعيان الموجودة في الخارج، كما يطابق الاسم لمسماه، والمعني الذهني الموجود الخارجي، فهذا صحيح.\nوإن أراد بذلك أن نفس الموجود","vol":"1","page":290},{"text":"في الخارج كلي حين وجوده في الخارج، فهذا باطل، مخالف للحس والعقل، فإن الكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.\nوكل موجود في الخارج معين متميز بنفسه عن غيره يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، أعني هذه الشركة التي يذكرونها في هذا الموضع، وهي اشتراك الأعيان في النوع، واشتراك الأنواع في الجنس، وهي اشتراك الكليات في الجزئيات.\nوالقسمة المقابلة لهذه الشركة، هي قسمة الكلي إلى جزئياته، كقسمة الجنس إلى أنواع، والنوع إلى أعيانه.\nوأما الشركة التي يذكرها الفقهاء في كتاب الشركة، والقسمة المقابلة لها التي يذكرها الفقهاء في باب القسمة، وهي المذكورة في قوله تعالى ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾ [القمر: ٢٨]، وقوله ﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ [الحجرات: ٤٤] .\nفتلك شركة في الأعيان الموجودة في الخارج، وقسمتها قسمة للكل إلى أجزاءه، كقسمة الكلام إلى الاسم والفعل والحرف، والأول كقسمة الكلمة الاصطلاحية إلى اسم وفعل وحرف.\nوإذا عرف أن المقصود الشركة في الكليات، لا في الكل، فمعلوم أنه لا شركة في المعينات، فهذا الإنسان المعين ليس فيه شيء من هذا المعين، ولا في هذا شيء من هذا.\nومعلوم أن الكلي الذي يصلح لاشتراك الجزئيات فيه لا يكون هو جزءًا من الجزئي الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.\nفمن قال: إن الإنسان الكلي جزء من هذا الإنسان المعين أو إن الإنسان المطلق جزء من هذا المعين بمعني أن هذا المعين فيه شيء مطلق، أو شيء كلي، فكلامه ظاهر الفساد.","vol":"1","page":291},{"text":"وبهذا تنحل شبه كثيرة توجد في كلام الرازي، وأمثاله من أهل المنطق، ونحوهم ممن التبس عليهم هذا المقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>وجود الله هل هو ماهيته أو زائد على ماهيته</span>؟\nوبسبب التباس هذا عليهم حاروا في وجود الله تعالى: هل هو ماهيته، أم هو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ الوجود ن مقول بالتواطؤ والتشكيك، أو مقول بالاشتراك اللفظي؟\nفقالوا: إن قلنا: إن لفظ الوجود مشترك اشتراكًا لفظيًا لزم ألا يكون الوجود منقسمًا إلى واجب وممكن، وهذا خاف ما اتفق عليه العقلاء، وما يعلم بصريح العقل.\nوإن قلنا: إنه متواطئ أو مشكك، لزم أن تكون الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، فيكون الوجود مشتركًا بين الواجب والممكن، فيحتاج الوجود المشترك إلى ما يميز وجود هذا عن وجود هذا، والامتياز يكون بالحقائق المختصة، فيكون وجود هذا زائدًا على ماهيته، فيكون الوجود الواجب مفتقرًا إلى غيره.\nويذكرون ما يذكره الرازي وأتباعه: أن للناس في وجود الرب تعالى ثلاثة أقوال فقط: أحدها أن لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي فقط.\nوالثاني: أن وجود الواجب زائد على ماهيته.\nوالثالث: أنه وجود مطلق، ليس له حقيقة غير الوجود المشروط بسلب كل ماهية ثبوتية عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>رأي ابن تيمية</span>\nفيقال لهم: الأقوال الثلاثة باطلة، والقول الحق ليس واحدًا من الثلاثة.\nوإنما أصل الغلط هو توهمهم أنا إذا قلنا: إن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن لزم أن يكون في الخارج وجود هو نفسه الواجب، وهو نفسه","vol":"1","page":292},{"text":"في الممكن، وهذا غلط، فليس في الخارج بين الموجودين شيء هو نفسه فيهما، ولكن لفظالوجود ومعناه الذي في الذهن، والخط الذي يدل على اللفظ يتناول الموجودين ويعمهما، وهما يشتركان فيه، فشمول معنى الوجود الذي في الذهن لهما كشمول لفظ الوجود والخط الذي يكتب به هذا اللفظ لهما، فهما مشتركان في هذا، وأما نفس ما يوجد في الخارج فإنما يشتبهان فيه من بعض الوجوه، فأما أن تكون نفس ذات هذا وصفته فيها شيء من ذات هذا وصفته، فهذا مما يعلم فساده كل من تصوره، ومن توقف فيه فلعدم تصوره له.\nوحينئذ فالقول في اسم الوجود كالقول في اسم الذات والعين والنفس والماهيةوالحقيقة وكما أن الحقيقة تنقسم إلى: حقيقة واجبة وحقيقة ممكنة، وكذلك لفظ الماهية ولفظ الذات ونحو ذلك، فكذلك لفظ الوجود فإذا قلنا: إن الحقيقة أو الماهية تنقسم إلى واجبة وممكنة لم يلزم أن تكون ماهية الواجب فيها شيء من ماهية الممكن، فذلك إذا قيل: الوجود ينقسم إلى واجب وممكن لم يلزم أن يكون الوجود الواجب فيه شيء من وجود غيره، بل ليس فيه وجود مطلق ولا ماهية مطلقة، بل ماهيته هي حقيقية، وهي وجوده.\nوإذا كان المخلوق المعين وجوده الذي في الخارج هو نفس ذاته وحقيقته وماهيته التي في الخارج، ليس في الخارج شيئان، فالخالق تعالى أولى أن تكون حقيقته هي وجوده الثابت الذي لا يشركه فيه أحد، وهو نفس ماهيته التي هي حقيقته الثابتة في نفس الأمر.","vol":"1","page":293},{"text":"ولو قدر أن الوجود المشترك بين الواجب والممكن موجود فيهما في الخارج، وأن الحيوانية المشتركة هي بعينها في الناطق والأعجم: كان تميز أحدهما عن الآخر بوجود خاص، كما يتميز الإنسان بحيوانية تخصه، وكما أن السواد والبياض إذا اشتركا في مسمى اللون تميز أحدهما بلونه الخاص عن الآخر.\nوهؤلاء الضالون يجعلون الواحد اثنين، والأثنين واحد، فيجعلون هذه الصفة هي هذه الصفة، ويجعلون الصفة هي الموصوف، فيجعلون الاثنين واحدًا كما قالوا: إن العلم هو القدرة وهو الإرادة، والعلم هو العالم، ويجعلون الواحد اثنين، كما يجعلون الشيء المعين الذي هو هذا الإنسان هو عدتة جواهر: إنسان، وحيوان، وناطق، وناطق، وحساس، ومتحرك بالإرادة، ويجعلون كلًا من هذه الجواهر غير الآخر، ومعلوم أنه جوهر واحد له صفات متعددة، وكما يفرقون بين المادة والصورة ويجعلونهما جوهرين عقليين قائمين بأنفسهما، وإنما المعقول هو قيام الصفات بالموصوفات، والاعراض بالجواهر، كالصورة الصناعية: مثل صورة الخاتم والدرهم والسرير والثوب، فإنه عرض قائم بجوهر هو الفضة والخشب والغزل، وكذلك الاتصال والانفصال قائمان بمحل هو الجسم.\nوهكذا يجعلون الصورة، الذهنية ثابتة في الخارج كقولهم في المجردات المفارقات للمادة وليس معهم ما يثبت أنه مفارق إلا النفس الناطقة إذا فارقت البدن بالموت، والمجردات هي الكليات التي تجردها النفس من الأعيان المشخصة، فيرجع الأمر إلى النفس وما يقوم بها، ويجعلون الموجد في الخارج هو الموجود في الذهن، كما يجعلون الوجود الواجب هو الوجود المطلق.","vol":"1","page":294},{"text":"فهذه الأمور من أصول ضلالهم: حيث جعلوا الواحد متعددًا، والمتعدد وحدا، وجعلوا من في الذهن في الخارج، وجعلوا ما في الذهن، ولزم من ذلك أن يجعلوا الثبت منتفيًا، والمنتفي ثابتًا، فهذه الأمور من أجناس ضلالهم، وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أنا ننبه على بعض ما نبين به تناقضهم وضلالهم في عقلياتهم التي نفوا بها صفات الله ﷿، وعارضوا بها نصوص الرسول الثابتة بصحيح المنقول الموافقة لصريح المعقول، وكلما أمعن الفاضل الذكي في معرفة أقوال هؤلاء الملاحدة ومن وافقهم في بعض أقوالهم من أهل البدع، كنفاة بعض الصفات الذين يزعمون أن المعقول عارض كلام الرسول، وأنه يجب تقديمه عليه، فإنه يتبين له انه يعلم بالعقل الصريح ما يصدق ما أخبر به الرسول، وما به يتبين فساد ما يعارض ذلك.\nولكن هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني متعددة وصاروا يدخلون فيها من المعاني ماليس هو المفهوم منها في لغات الأمم، ثم ركبوها وألفوها تأليفًا طويلًا بنوا بعضه على بعض، وعظموا قولهم، وهولوه في نفوس من لم يفهمه، ولا ريب أن فيه دقة وغموضًا لما فيه من الألفاظ المشتركة والمعاني المشتبهة، فإذا دخل معهم الطالب وخاطبوه بما تنفر عنه فطرته فأخذ يعترض علهم قالوا له: أنت لا تفهم هذا، وهذا لا يصلح لك، فيبقى ما في النفوس من الأنفة والحمية يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها عنده، وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل، ونقلوا الناس","vol":"1","page":295},{"text":"في مخاطبتهم درجات، كما ينقل إخوانهم القرامطة المستجيبين لهم درجة حتى يوصلوهم إلى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، الذي مضمونه جحد الصانع، وتكذيب رسله، وجحد شرائعه، وفساد العقل والدين، والدخول في غاية الإلحاد ن المشتمل على غاية الفساد في المبدأ والمعاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>كيف نعرف الضلال ونتجنبه</span>\nوهذا القدر الذي وقع فيه ضلال المتفلسفة لم يقصده عقلاؤهم في الأصل، بل كان غرضهم تحقيق الأمور والمعارف، لكن وقعت لهم شبهات ضلوا بها، كما ضل من ضل ابتداء من المشركين منهم ومن غيرهم من الكفار ممن ضل ببعض الشبهات، ولهذا يجب على من يريد كشف ضلال هؤلاء وأمثالهم: أن يوافقهم على لفظ مجمل حتى يتبين معناه، ويعرف مقصوده، ويكون الكلام في المعاني العقلية المبينة، لا في معان مشتبهة بألفاظ مجملة.\nواعلم أن هذا نافع في الشرع والعقل:\nأما الشرع: فإن علينا أن نؤمن بما قاله الله ورسوله، فكل ما ثبت أن الرسول ﷺ قاله، فعلينا أن نصدق به، وإن لم نفهم معناه، لأنا قد علمنا أنه الصادق المصدوق الذي لا يقول على الله إلا الحق، وما تنازع فيه الأمة من الألفاظ المجملة كلفظ المتحيز والجهة، والجسم، والجوهر، والعرض وأمثال ذلك، فليس على أحد أن يقبل مسمى اسم من هذه الأسماء، لا في النفي ولا في الإثبات، حتى يتبين له معناه، فإن كان المتكلم بذلك أراد معنى صحيحًا، وافقًا لقول المعصوم كان ما أراده حقًا، وإن كان أراد به معنى مخالفًا لقول المعصوم كان ما أراده باطلًا.","vol":"1","page":296},{"text":"ثم يبقى النظر في إطلاق ذلك اللفظ ونفيه، وهي مسألة فقهية، فقد يكون المعنى صحيحًا ويمتنع من إطلاق اللفظ لما فيه من مفسدة، وقد يكون اللفظ مشروعًا ولكن المعنى الذي أراده المتكلم باطل، كما قال علي ﵁ لمن قال من الخوارج المارقين لا حكم إلا لله ـ: كلمة حق أريد بها باطل.\nوقد يفرق بين اللفظ الذي يدعى به الرب، فإنه لا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وبين ما يخبر به عنه لإثبات حق أو نفي باطل.\nوإذا كان في باب العبارة عن النبي ﷺ علينا أن نفرق بين مخاطبته وبين الإخبار عنه، فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله تعالى، حيث قال ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ [النور: ٦٣] فلا نقول: يا محمد، يا أحمد، كما يدعو بعضنا بعضًا بل نقول: يا رسول الله، يا نبي الله.\nوالله ﷾ خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ [هود: ٤٨]، ﴿يا موسى * إني أنا ربك﴾ [طه: ١١-١٢]، ﴿يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي﴾ [آل عمران: ٥٥]، ولما خاطبه ﷺ قال ﴿يا أيها النبي﴾ [التحريم: ١]، ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾","vol":"1","page":297},{"text":"[المائدة: ٤١]، ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿يا أيها المزمل﴾ [المزمل: ١]، ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١]، فنحن أحق أن نتأدب في دعائه وخطابه.\nوأما إذا كان في مقام الإخبار عنه قلنا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وقلنا: محمد رسول الله وخاتم النبيين، فنخبر عنه باسمه كما أخبر الله سبحانه لما أخبر عنه ﷺ ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الحزاب: ٤٠]، وقال ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقال ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد﴾ [محمد: ٢] .\nفالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل، وبه يظهر الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى، وبين ما يخبر به عنه وجل مما هو حق ثابت، لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال، ونفي ما تنزه عنه ﷿ من العيوب والنقائص، فإنه الملك القدوس السلام، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nوقال تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠] مع قوله ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ [الأنعام: ١٩]، ولا يقال في الدعاء: يا شيء.","vol":"1","page":298},{"text":"وأما نفع هذا الاستفسار في العقل: فمن تكلم بلفظ يحتمل معاني لم يقبل قوله ولم يرد حنى نستفسره ونستفصله حتى يتبين المعنى المراد، ويبقى الكلام في المعاني العقلية، لا في المنازعات اللفظية، فقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، ومن كان متكلمًا بالمعقول الصرف لم يتقيد بلفظ، بل يجرد بأي عبارة دلت عليه.\nأرباب المقالات تلقوا عن أسلافهم مقالات بألفاظ لهم: منها ما كان أعجميًا، فعربت، كما عربت ألفاظ اليونان والهند والفرس وغيرهم، وقد يكون المترجم عنهم صحيح الترجمة، وقد لا يكون صحيح الترجمة.\nومنها ما هو عربي.\nونحن إنما نخاطب المم بلغتنا العربية، فإذا نقلوا عن أسلافهم لفظ الهيولى، والصورة، والمادة، والعقل، والنفس، والصفات الذاتية، والعرضية، والمجرد، والتركيب والتأليف، والجسم، والجوهر، والعرض، والماهية، والجزءونحو ذلك، بين ما تحتمل هذه الألفاظ من المعاني، كما إذا قال قائلهم: النوع مركب من الجنس والفصل، كتركيب الإنسان من الحيوان والناطق، أو من الحيوانية والناطقية، وإن هذه أجزاء الإنسان وأجزاء الحد، والواجب سبحانه إذا كان له صفات لزم أن يكون مركبًا، ولمركب مفتقر إلى أجزائه، والمفتقر إلى أجزائه لا يكون واجبًا - استفسروا عن لفظ التركيب، والجزء، والافتقار، والغير فإن جميع هذه الألفاظ فيها اشتراك والتباس وإجمال.\nفإذا قال القائل: الإنسان مركب من الحيوان والناطق، أو من الحيوانية والناطقية.","vol":"1","page":299},{"text":"قيل له: أتعني بذلك الإنسان الموجود في الخارج، وهو هذا الشخص وهذا الشخص، أو تعني الإنسان المطلق من حيث هو هو؟\nفإن أراد الأول.\nقيل له: هذا الإنسان، وهذا الإنسان، وغيرهما، إذا قلت ك هو مركب من هذين الجزأين.\nفيقال لك: الحيوان والناطق جوهران قائمان بأنفسهما.\nفإذا قلت: هما جزءان للإنسان الموجود في الخارج لزم أن يكون الإنسان الموجود في الخارج فيه جوهران: أحدهما حيوان، والآخر ناطق، غير الإنسان المعين.\nوهذا مكابرة للحس والعقل.\nوإن قال: أنا أريد بذلك أن الإنسان يوصف بأنه حيوان وأنه ناطق.\nقيل له: هذا معنى صحيح، لكن تسمية الصفات أجزاء، ودعوى أن الموصوف مركب منها وأنها متقدمة عليه، ومقومة له في الوجودين الذهني والخارجي، كتقدم الجزء على الكل، والبسيط على المركب، ونحو ذلك مما يقولونه في هذا الباب: هو مما يعلم فساده بصريح العقل.\nوإن قال: هو مركب من الحيوانية والناطقية.\nقيل له: إن أردت بالحيوانية والناطقية: الحيوان والناطقن كان الكلام واحدًا.\nوإن أردت العرضين القائمين بالحي الناطق، وهما: صفتاه، كان مضمونه أن الموصوف مركب من صفاته، وأنها أجزاء له، ومقومة له، وسابقة عليه، ومعلوم أن الجوهر لا يتركب من الأعراض، وأن صفات الموصوف لا تكون سابقة له في الوجود الخارجي.","vol":"1","page":300},{"text":"وإن قال: أنا أريد بذلك أن الإنسان من حيث هو هو مركب من ذلك.\nقيل له: إن الإنسان من حيث هو هو لا وجود له في الخارج، بل هذا هو الإنسان المطلق، والمطلقات لا تكون مطلقة إلا في الأذهان، فقد جعلت المركب هو ما يتصوره الذهن، وما يتصوره الذهن هو مركب من الأمور التي يقدرها الذهن.\nفإذا قدرت في النفس جسمًا حساسًا متحركًا بالإرادة ناطقًا كان هذا المتصور في الذهن مركبًا من هذه الأمور، وإن قدرت في النفس حيوانًا ناطقًا كان مركبًا من هذا وهذا، وإن قدرت حيوانًا صاهلًا كان مركبًا من هذا وهذا.\nوإن قلت: إن الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من هذه الصور الذهنية كان هذا معلوم الفساد بالضرورة.\nوإن قلت: إن هذه مطابقة لها وصادقة عليها فهذا يكون صحيحًا إذا كان ما في النفس علمًا لا جهلًا.\nوقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن سوغ جعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة بالعين كان كلامه مستلزمًا أن يجعل وجود الحقائق المتنوعة وجودًا واحدًا بالعين، بل هذا أولى، لأن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، فمن اشتبه عليه أن العلم هو القدرة وأنهما نفس الذات العالمة القادرة: كان أن يشتبه عليه أن الوجود واحد أولى وأحرى.\nوهذه الحجة المبينة على التركيب هي أصل قول الجهمية نفاة الصفات والأفعال، وهم الجهمية من المتفلسفة ونحوهم، ويسمون ذلك التوحيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>حجة الأعراض عند المتكلمين</span>\nوأما المعتزلة وأتباعهم فقد يحتجون بذلك، لكن عمدتهم الكبرى حجتهم التي زعموا أنهم أثبتوا بها حدوث العالم، وهي حجة الأعراض، فإنهم استدلوا على حدوث","vol":"1","page":301},{"text":"العالم بحدوث الأجسام، واستدلوا على حدوث الأجسام بأنها مستلزمة للأعراض، كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق، ثم قالوا: إن الأعراض أو بعض الأعراض حادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فاحتاجوا في هذه الطريق إلى إثبات الأعراض أولا، ثم إثبات لزومها للجسم.\nفادعى قوم أن الجسم يستلزم جميع أنواع الأعراض، وأن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده، وادعوا أن كل جسم له طعم ولون وريح، وأن العرض لا يبقى زمانين، كما زعم ذلك من سلكه من أهل الكلام الصفاتية، نفاه الفعل الاختياري القائم بذاته، كالقاضي أبو بكر وأبي المعالي ونحوهما، ومن يوافقهم أحيانا كالقاضي أبي يعلى وغيره، ولما ادعوا أن الأعراض جميعها لا تبقى زمانين لزم أن تكون حادثة شيئا بعد شيء، والجسم لا يخلو منها، فيكون حادثا بناء على امتناع حوادث لا أول لها.\nوعلى هذه الطريق اعتمد كثير منهم في حدوث العالم، ومن متأخريهم أبو الحسن الآمدي وغيره.\nوأما جمهور العقلاء فأنكروا ذلك، وقالوا: من المعلوم أن الجسم يكون متحركا تارة، وساكنا أخرى.\nوهل السكون أمر وجودي أو عدمي؟ على قولين.\nوأما الاجتماع والافتراق فمبني على إثبات الجوهر الفرد.","vol":"1","page":302},{"text":"فمن قال بإثباته قال: إن الجسم لا يخلو عن الأكوان الأربعة، وهي: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، ومن لم يقل بإثباته لم يجعل الاجتماع من الأعراض الزائدة على ذات الجسم.\nونفاة الجوهر الفرد كثير من طوائف أهل الكلام وأهل الفلسفة، كالهشامية والنجارية، والضرارية، والكلابية، وكثير من الكرامية.\nوأما من قال: إن نفيه هو قول أهل الإلحاد، وإن القول بعدم تماثل الأجسام ونحو ذلك هو من أقوال أهل الإلحاد: فهذا من أقوال المتكلمين، كصاحب الإرشاد ونحوه ممن يظن أن هذا الدليل الذي سلكوه في إثبات العالم هو أصل الدين، فما يفضي إلى إبطال هذا الدليل لا يكون إلا من أقوال الملحدين.\nومن لم يقل بأن الجسم يستلزم جميع أنواع الأعراض قال: إنه يستلزم بعضها كالأكوان، أو الحركة والسكون، وإن ذلك حادث.\nوهذه الطريقة هي التي يسلكها أكثر المعتزلة وغيرهم ممن قد يوافقهم أحيانا في بعض الأمور كـ أبي الوفاء بن عقيل وغيره.\nثم هؤلاء بعد أن أثبتوا لزوم الأعراض أو بعضها للجسم، وأثبتوا حدوث ما يلزم الجسم أو حدوث بعضه، احتاجوا إلى أن يقولوا: ما لم يسبق الحوادث فهو حادث، فمنهم من اكتفى بذلك ظنا منهم أن ذلك ظاهر، ومنهم من تفطن لكون ذلك مفتقرا إلى إبطال حوادث لا أول لها، إذ يمكن أن يقال: إن الحادث بعد أن لم يكن هو كل شخص شخص من أعيان الحوادث، وأما النوع فلم يزل، فتكلموا هنا في إبطال وجود ما لا نهاية له بطريق التطبيق والموازاة والمسامتة.","vol":"1","page":303},{"text":"وملخص ذلك أن ما لا يتناهى إذا فرض فيه حد كزمن الطوفان، وفرض حد بعد ذلك كزمن الهجرة، وقدر امتداد هذين إلى ما لا نهاية له، فإن لزم كون الزائد مثل الناقص، وإن تفاضلا لزم وقوع التفاضل فيما لا يتناهى.\nوهذه نكتة الدليل، فإن منازعيهم جوزوا مثل هذا التفاضل إذا كان ما لا يتناهى ليس هو موجودا له أول وآخر، وألزموهم بالأبد، وذلك إذا أخذ ما لا يتناهى في أحد الطرفين قدر متناهيا من الطرف الآخر، كما إذا قدرت الحوادث المتناهية إلى زمن الطوفان، وقدرت إلى زمن الهجرة، فإنها كانت لا تتناهى من الطرف المتقدم، فإنها متناهية من الطرف الذي يلينا.\nفإذا قال القائل: إذا طبقنا بين هذه وهذه، فإن تساويا لزم أن يكون الزائد كالناقص، أو أن يكون وجود الزيادة كعدمها، وإن تفاضلا لزم وجود التفاضل فيما لا يتناهى.\nكان لهم عنه جوابان:\nأحدهما: أنا لا نسلم إمكان التطبيق مع التفاضل، وإنما يمكن التطبيق بين المتماثلين لا بين المتفاضلين.\nوالجواب الثاني: أن هذا يستلزم التفاضل بين الجانب التناهي، لا بين الجانب الذي لا يتناهى، وهذا لا محذور فيه.\nولبعض الناس جواب ثالث، وهو أن التطبيق إنما يمكن في الموجود لا في المعدوم.\nوقد وافق هؤلاء على إمكان وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل طوائف كثيرة ممن يقول بحدوث الأفلاك من المعتزلة والأشعرية والفلاسفة وأهل الحديث وغيرهم، فإن هؤلاء جوزوا حوادث لا أول لها، مع قولهم بأن الله أحدث السماوات","vol":"1","page":304},{"text":"والأرض بعد أن لم يكونا، وألزموهم بالأبد، ونشأ عن هذا البحث كلامهم في الحوادث المستقبلة، فطرد إماما هذا الطريق الجهم بن صفوان، إمام الجهمية الجبرية، وأبو الهذيل العلاف، إمام المعتزلة القدرية، فنفيا ثبوت ما لا يتناهى في المستقبل، فقال الجهم بفناء الجنة والنار، وأبو الهذيل اقتصر على القول بفناء حركات أهل الجنة والنار.\nوعن ذلك قال أبو المعالي بمسألة الاسترسال: وهو أن علم الرب تعالى يتناول الأجسام بأعيانها، ويتناول أنواع الأعراض بأعيانها، وأما آحاد الأعراض فيسترسل العلم عليها، لامتناع ما لا يتناهى علما وعينا.\nوأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا فيه أقوالا غليظة، حتى يقال: إن أبا القاسم القشيري هجره لأجل ذلك.\nوصار طوائف المسلمين في جواز حوادث لا تتناهى على ثلاثة أقوال:\nقيل: لا يجوز في الماضي ولا في المستقبل.\nوقيل: يجوز فيهما.\nوقيل: يجوز في المستقبل دون الماضي.\nثم إن المعتزلة والجهمية نفت أن يقوم بالله تعالى صفات وأفعال، بناء على هذه الحجة.\nقولوا: لأن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، وبذلك استدلوا على حدوث الجسم.","vol":"1","page":305},{"text":"فجاء ابن كلاب ومن اتبعه فوافقوهم على إنتفاء قيام الأفعال به، وخالفوهم في قيام الصفات، فأثبتوا قيام الصفات به، وقالوا: لا نسميها أعراضا لأنها باقية، والأعراض لا تبقى.\nوأما ابن كرام وأتباعه: فلم يمتنعوا من تسمية صفات الله أعراضا، كما لم يمتنعوا من تسميته جسما.\nوعن هذا الحجة ونحوها نشأ القول بأن القرآن مخلوق، وأن الله تعالى لا يرى في الآخرة، وأنه ليس فوق العرش، ونحو ذلك من مقالات الجهمية النفاة، لأن القرآن كلام، وهو صفة من الصفات، والصفات عندهم لا تقوم به.\nوأيضا فالكلام يستلزم فعل المتكلم، وعندهم لا يجوز قيام فعل به، ولأن الرؤية تقتضي مقابلة ومعاينة، والعلو يقتضي مباينة ومسامته، وذلك من صفات الأجسام.\nوبالجملة فقد صاروا ينفون ما ينفونه من صفات الله تعالى، لأن إثبات ذلك يقتضي أن يكون الموصوف جسما، وذلك ممتنع، لأن الدليل على إثبات الصانع إنما هو حدوث الأجسام، فلو كان جسما لبطل دليل إثبات الصانع.\nومن هنا قال هؤلاء: إن القول بما دل عليه السمع من إثبات الصفات والأفعال يقدح في أصل الدليل الذي به علمنا صدق الرسول.\nوقالوا إنه لا يمكن تصديق الرسول لو قدر أنه يخبر بذلك، لأن صدقه لا يعلم بعد أن يثبت العلم بالصانع، ولا طريق إلى إثبات العلم بالصانع إلا القول بحودث الأجسام.\nقالوا: وإثبات الصفات له يقتضي أنه جسم قديم، فلا يكون كل جسم حادثا، فيبطل دليل إثبات العلم به.","vol":"1","page":306},{"text":"وقالت المعتزلة، كـ أبي الحسين وغيره: إن صدق الرسول معلوم بالمعجزة، والمعجزة معلومة بكون الله تعالى لا يظهرها على يد كاذب، وذلك معلوم بكون إظهارها على يد الكذاب قبيحا، والله منزه عن فعل القبيح، وتنزيهه عن فعل القبيح معلوم بأنه غني عنه عالم بقبحه، والغني عن الشيء العالم بقبحه لا يفعله، وغناه معلوم بكونه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم معلوم بنفي الصفات، فلو قامت به الصفات لكان جسما، ولو كان جسما لم يكن غنيا، وإذا لم يكن غنيا لم يمتنع عليه فعل القبيح، فلا يؤمن أن يظهر المعجزة على يد كذاب، فلا يبقى لنا طريق إلى العلم بصدق الرسول.\nفهذا الكلام ونحوه أصل دين المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة.\nوكذلك أبو عبد الله بن الخطيب وأمثاله: أثبتوا وجود الصانع بأربع طرق، منها ثلاثة مبنية على أصلين، وربما قالوا بست طرق، منها خمسة مبنية على الأصلين المتقدمين في توحيد الفلاسفة وتوحيد المعتزلة.\nفإنه قال: الاستدلال على الصانع إما أن يكون: بالإمكان، أو الحدوث.\nوكلاهما: إما في الذات، وإما في الصفات، وربما قالوا: وإما فيهما.\nفالأول: إثبات إمكان الجسم بناء على حجة التركيب التي هي أصل الفلاسفة.\nوالثاني: بيان حدوثه بناء على حجة حدوث الحركات والأعراض التي هي أصل المعتزلة.\nوالثالث: إمكان الصفات بناء على تماثل الأجسام.\nوالرابع: إمكانهما جميعا.\nوالخامس: حدوث الصفات، وهذا هو الطريق المذكور في القرآن.\nوالسادس: حدوث الأجسام وصفاتها، وهو مبني على ما تقدم.\nوهذه الطرق الست كلها مبنية على الجسم، إلا الطريق الذي سماه حدوث الصفات يعني بذلك ما يحدثه الله في العالم من الحيوان والنبات والمعدن والسحاب","vol":"1","page":307},{"text":"والمطر وغير ذلك، وهو إنما سمى ذلك حدوث الصفات متابعة لغيره ممن يثبت الجوهر الفرد، ويقول بتماثل الأجسام، وإن ما يحدثه الله تعالى من الحوادث إنما هو تحويل الجواهر التي هي أجسام من صفة إلى صفة مع بقاء أعيانها، وهؤلاء ينكرون الاستحالة.\nوجمهور العقلاء وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم متفقون على بطلان قولهم، وأن الله تعالى يحدث الأعيان ويبدعها، وإن كان يحيل الجسم الأول إلى جسم آخر، فلا يقولون: إن جرم النطفة باق في بدن الإنسان، ولا جرم النواة باق في النخلة.\nوالكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع، فإن هذه الجمل هي من جوامع الكلام المحدث الذي كان السلف والأئمة يذمونه، وينكرون على أهله.\nوالمقصود هنا أن هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.\nفيقال لهم: أنتم وكل مسلم عالم تعلمون بالاضطرار أن إيمان السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكن مبنيا على هذه الحجج المبنية على الجسم، ولا أمر النبي ﷺ أحدا أن يستدل بذلك على إثبات الصانع، ولا ذكر الله تعالى في كتابه وفي آياته الدالة عليه وعلى وحدانيته شيئا من هذه الحجج المبنية على الجسم والعرض، وتركيب الجسم وحدوثه وما يتبع ذلك.\nفمن قال: إن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بهذه الطريق كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام.\nومن قال: إن سلوك هذه الطريق واجب","vol":"1","page":308},{"text":"في معرفة الصانع تعالى كان قوله من البدع الباطلة المخالفة لما علم بالاضطرار من دين الإسلام.\nولهذا كان عامة أهل العلم يعترفون بهذا: وبأن سلوك هذه الطريق ليس بواجب، بل قد ذكر أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر أن سلوك هذه الطريق بدعة محرمة في دين الرسل، لم يدع إليها أحد من الأنبياء ولا من أتباعهم.\nثم القائلون بان هذه الطريق ليست واجبة قد يقولون: إنها في نفسها صحيحة، بل ينهى عن سلوكها لما فيها من الأخطار، كما يذكر ذلك طائفة: منهم الأشعري والخطابي وغيرهما.\nوأما السلف والأئمة فينكرون صحتها في نفسها، ويعيبونها لاشتمالها على كلام باطل، ولهذا تكلموا في ذم هذا الكلام لأنه باطل في نفسه، لا يوصل إلى الحق، بل إلى باطل، كقول من قال: الكلام الباطل لا يدل إلا على باطل، وقول من قال: لو أوصى بكتب العلم لم يدخل فيها كتب علم الكلام، وقول من قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ونحو ذلك.\nونحن الآن في هذا المقام نذكر ما لا يمكن مسلما أن ينازع فيه، وهو أنا نعلم بالضرورة أن هذه الطريق لم يذكرها الله تعالى في كتابه، ولا أمر بها رسوله ﷺ، ولا جعل إيمان المتبعين له موقوفا عليها، فلو كان الإيمان بالله لا يحصل إلا بها لكان بيان ذلك من أهم مهمات الدين، بل كان ذلك أصل أصول الدين، لا سيما وكان يكون فيها أصلان عظيمان: إثبات الصانع، وتنزيهه","vol":"1","page":309},{"text":"عن صفات الأجسام، كما يجعلون هم ذلك أصل دينهم، فلما لم يكن الأمر كذلك علم أن الإيمان يحصل بدونها، بل إيمان أفضل هذه الأمة وأعلمهم بالله كان حاصلا بدونها.\nفمن قال بعد هذا: إن العلم بصحة الشرع لا يحصل إلا بهذا الطريق ونحوها من الطرق المحدثة كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، وعلم أن القدح في مدلول هذه الطرق ومقتضاها، وأن تقديم الشرع المعارض لها، لا يكون قدحا في العقليات، التي هي أصل الشرع، بل يكون قدحا في أمور لا يفتقر الشرع إليها، ولا يتوقف عليها، وهو المطلوب.\nفتبين أن الشرع المعارض لمثل هذه الطرق التي إنها عقليات إذا قدم عليها لم يكن في ذلك محذور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>بطلان استدلال المتكلمين بقصة الخليل على رأيهم</span>\nومن عجائب الأمور: أن كثيرًا من الجهمية نفاة الصفات والأفعال ن ومن اتبعهم على نفي الأفعال: يستدلون على ذلك بقصة الخليل ﷺ، كما ذكر ذلك بشر المريسي، وكثير من المعتزلة، ومن أخذ ذلك عنهم، أوعمن أخذ ذلك عنهم، كأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد والرازي وغيرهم، وذكروا في كاتبهم أن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل عليه صلوات الله وسلامه، وهو قوله ﴿لا أحب الأفلين﴾ [الأنعام: ٧٦] .\nقالوا: فاستدل بالأفول الذي هو الحركة والانتقال على حدوث ما قام به ذلك، كالكوكب والقمر والشمس.","vol":"1","page":310},{"text":"وظن هؤلاء أن قول إبراهيم ﵇ ﴿هذا ربي﴾ [الأنعام: ٧٧] أراد به: هذا خالق السماوات والأرض، القديم الأزلي، وأنه استدل على حدوثه بالحركة.\nوهذا خطأ من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الوجه الأول</span>\nأحدهما: أن قول الخليل ﴿هذا ربي﴾ - سواء قاله على سبيل التقدير لتقريع قومه، أو على سبيل الاستدلال والترقي: أو غير ذلك - ليس المراد به: هذا رب العالمين القديم الأزلي الواجب الوجود بنفسه، ولا كان قومه يقولون: إن الكواكب أو القمر أو الشمس رب العالمين الأزلي الواجب الوجود بنفسه، ولا قال هذا أحد من اهل المقالات المعروفة التي ذكره الناس: لا من مقالات أهل التعطيل والشرك الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب، ولا من مقالات غيرهم، بل قوم إبراهيم ﷺ، كانوا يتخذونها أربابًا يدعونها ويتقربون إليها بالبناء عليها والدعوة لها والسجود والقرابين وغير ذلك، وهو دين المشركين الذين صنف الرازي كتابه على طريقتهم وسماه السر المكتوم في دعوة الكواكب والنجوم والسحر والطلاسم والعزائم.","vol":"1","page":311},{"text":"وهذا دين المشركين من الصبئين كالكشدانيين والكنعانيين واليونانيين وأرسطوًا وأمثاله من أهل هذا الدين، وكلامه معروف في السحر الطبيعي والسحر الروحاني، والكتب المعروفة بذخيرة الإسكندر بن فليبس الذي يؤرخون به، وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة.\nوكانت اليونان مشركين يعبدون الأوثان، كما كان قوم إبراهيم مشركين يعبدون الأوثان، ولهذا قال الخليل ﴿إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٧]، وقال ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [الشعراء: ٧٥-٧٧]، وأمثال ذلك مما يبين تبرؤه مما يعبدونه غير الله.\nوهؤلاء القوم عامتهم من نفاة صفات الله وأفعاله القائمة به، كما هو مذهب الفلاسفة المشائين، فإنهم يقولون: إن ليس له صفة ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية، وهو مذهب القرامطة الباطنية القائلين بدعوة الكواكب والشمس والقمر والسجود لها، كما كان على ذلك من كان عليه من بني عبيد ملوك القاهرة وأمثالهم.\nفالشرك الذي نهي عنه الخليل وعادى أهله عليه كان أصحابه هم أئمة هؤلاء النفاة للصفات والأفعال، وأول من أظهر هذا النفي في الإسلام: الجعد بن درهم، معلم مروان بن محمد.","vol":"1","page":312},{"text":"قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه من أهل حران، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات، وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة، بقايا أهل هذا الدين أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال، ولهم مصنفات في دعوة الكواكب، كما صنفه ثابت بن قرة وأمثاله من الصابئة الفلاسفة أهل حران، وكما صنفه أبو معشر البلخي وأمثاله، وكان لهم بها هيكل العلة الأولى ن وهيكل العقل الفعال، وهيكل النفس الكلية، وهيكل زحل، وهيكل المشتري وهيكل المريخ، وهيكل الشمس، وهيكل الزهرة، وهيكل عطارد، وهيكل القمر، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>الوجه الثاني</span>\nأنه لو كان المراد بقوله: ﴿هذا ربي﴾ أنه رب العالمين، لكانت قصة الخليل حجة على نقيض مطلوبهم، لأن الكوكب والقمر والشمس ما زال متحركًا من حين بزوغه إلى عند أفوله وغروبه، وهو جسم متحرك متحيز صغير، فلو كان مراده هذا للزم أن يقال: إن: إبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من كون المتحرك المنتقل رب العالمين، بل ولا كونه صغيرًا بقدر الكوكب والشمس والقمر.\nوهذا - مع كونه لا يظنه عاقل ممن هو دون إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه - فإن جوزوه عليه كان حجة عليهم، لا لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>الوجه الثالث</span>\nأن الأفول هو المغيب والاحتجاب، ليس هو مجرد الحركة والانتقال، ولا يقول أحد - لا من أهل اللغة ولا من أهل التفسير - إن الشمس والقمر في حال مسيرهما في السماء: إنهما آفلان، ولا يقول للكواكب","vol":"1","page":313},{"text":"المرئية في السماء، في حال ظهورها وجريانها: إنها آفلة، ولا يقول عاقل لكل من مشى وسافر وسار وطار: إنه آفل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الوجه الرابع</span>\nأن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف أهل التفسير، ولا من أهل اللغة، بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام، كما ذكر ذلك عثمان بن سعيد الدارمي وغيره من علماء السنة، وبينوا أن هذا من التفسير المبتدع.\nوبسبب هذا الابتداع أخذ ابن سينا وأمثاله لفظ الأفول بمعني الإمكان، كما قال في إشاراته:\nقال قوم إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه، لكن إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبًا، وتلوت قوله تعالى ﴿لا أحب الأفلين﴾ [الأنعام: ٧٦] فإن الهوي في حظيرة الإمكان أفول ما فهذا قوله.","vol":"1","page":314},{"text":"ومن المعلوم بالضرورة من لغة العرب: أنهم لا يسمون كل مخلوق موجود آفلا، ولا كل موجود بغيره آفلًا، ولو كان الخليل أراد بقوله ﴿لا أحب الأفلين﴾ [الأنعام: ٧٦] هذا المعنى، لم ينتظر مغيب الكوكب والشمس والقمر، ففساد قول هؤلاء المتفلسفة في الاستدلال بالآية أظهر من فساد قول أولئك.\nوأعجب من هذا قول من قال في تفسيره: إن هذا قول المحققين.\nواستعارته لفظ: الهوي، والحظيرة لا يوجب تبديل اللغة المعروفة في معنى الأفول، فإن وضع هو لنفسه وضعًا آخر، فليس له أن يتلو عليه كتاب الله تعالى فيبدله أو يحرفه.\nوقد ابتدعت القرامطة الباطنية تفسيرًا آخر، كما ذكره أبو حامد في بعض مصنفاته، كمشكاة الأنوار وغيرها: أن الكواكب والشمس والقمر: هي النفس، والعقل الفعال، والعقل الأول، ونحو ذلك.\nوشبهتهم في ذلك: أن إبراهيم ﷺ أجل من أن يقول لمثل هذه الكواكب: إنه رب العالمين، بخلاف ما ادعوه من النفس، ومن العقل والفعال الذي يزعمون أنه رب كل ما تحت فلك القمر، والعقل الأول الذي يزعمون أنه مبدع العالم كله.","vol":"1","page":315},{"text":"وقول هؤلاء - إن كان معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام - فابتداع أولئك طرق مثل هؤلاء على هذا الإلحاد.\nومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب: أن هذه المعاني ليست هي المفهوم من لفظ الكوكب والقمر والشمس.\nوأيضًا فلو قدر أن ذلك كوكبًا وقمرًا وشمسًا بنوع من التجوز: فهذا غايته أن يسوغ للإنسان أن يستعمل اللفظ في ذلك، لكنه لا يمكنه أن يدعي أن أهل اللغة التي نزل بها القرآن كانوا يريدون هذا بهذا، القرآن نزل بلغة الذين خاطبهم الرسول ﷺ، فليس لأحد أن يستعمل ألفاظه في معان بنوع من التشبه والاستعارة، ثم يحمل كلام من تقدمه على هذا الوضع الذي أحدثه هو.\nوأيضًا فإنه قال تعالى ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكبا﴾ [الأنعام: ٧٦] فذكره منكرًا: لأن الكواكب كثيرة، ثم قال: ﴿فلما رأى القمر﴾ [الأنعام: ٧٧]، ﴿فلما رأى الشمس﴾ [الأنعام: ٧٨]] بصيغة التعريف لكي يبين أن المراد القمر والمعروف والشمس المعروفة، وهذا صريح بأن الكواكب متعددة، وأن المراد واحد منها، وأن الشمس والقمر هما هذان المعروفان.\nوأيضا فإنه قال ﴿لا أحب الأفلين﴾ والأفول هو المغيب والاحتجاب، فإن أريد بذلك المغيب عن الأبصار الظاهرة فما يدعونه من العقل والنفس لا يزال محتجًا عن الأبصار لا يرى بحال، بل وكذلك واجب الوجود،","vol":"1","page":316},{"text":"فالأفول أمر يعود إلى حال العارف بها، لا يكسبها صفة نقص ولا كمال، ولا فرق في ذلك بينها وبين غيرها.\nوأيضًا فالعقول عندهم عشرة والنفوس تسعة بعدد الأفلاك.\nفلو ذك القمر والشمس فقط لكانت شبهتهم أقوى، حيث يقولون: نور القمر مستفاد من نور الشمس، كما أن النفس متولدة عن العقل، مع ما في ذلك - لو ذكروه - من الفساد، أما مع ذكر كوكب من الكواكب فقولهم هذا من أظهر الأقوال للقرامطة الباطنية فسادًا، لما في ذلك من عدم الشبه والمناسبة التي تسوغ في اللغة إرادة مثل هذا.\nوالكم على فساد هذا طويل ليس هذا موضعه.\nولولا أن هذا وأمثاله هو من أسباب ضلال كير من الداخلين في العلم والعبادو، إذ صاحب كتاب مشكاة الأنوار إنما بنى كلامه على أصول هؤلاء الملاحدة، وجعل ما يفيض على النفوس من المعارف من جنس كلامه على أصول هؤلاء الملاحدة، وجعل ما يفيض على النفوس من المعارف من جنس خطاب الله ﷿ لموسى ين عمران النبي صلي الله عليه وسلم، كما تقوله القرامطة الباطنية ونحوهم من المتفلسفة، وجعل خلع النعلين الذي خوطب به موسى صلوات الله عليه وسلامه إشارة إلى ترك الدنيا","vol":"1","page":317},{"text":"والآخرة، وإن كان قد يقرر خلع النعلين حقيقة، لكن جعل هذا إشارة إلى أن من خلع الدنيا والآخرة فقد حصل له ذلك الخطاب الإلهي.\nوهو من جنس قول من يقول: إن النبوة مكتسبة، ولهذا كان أكابر هؤلاء يطمعون في النبوة، فكن السهروردي المقتول يقول: لا أموت حتى يقال في: قم فأنذر، وكان ابن سبعين يقول: لقد زرب ابن آمنة حيث قال: لا نبي بعدي ولما جعل خلع النعلين إشارة إلى ذلك، أخذ ذلك ابن قسي ونحوه ووضع كتابه ففي خلع النعلين، واقتباس النور من موضع القدمين من مثل هذا الكلام.\nومن هنا دخل أهل الإلحاد من أهل الحلول والوحدة والاتحاد، حنى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق ﷾، كما فعل صاحب الفصوصابن عربي وابن سبعين وأمثالهما من الملاحدة المنتسبين إلى التصرف والتحقيق.\nوهم من جنس الملاحدة المنتسبين إلى التشيع، لكن تظاهر هؤلاء من أقوال شيوخ الصوفية وأهل المعرفة بما التبس به حالهم على كثير من أهل العلم المنتسبين إلى العلم والدين، بخلاف أولئك الذين تظاهروا بمذهب التشيع، فإن نفور الجمهور","vol":"1","page":318},{"text":"عن مذهب الرافضبة مما الجمهور عن مثل هؤلاء، بخلاف جنس أهل الفقر والزهد ومن يدخل في ذلك من متكلم ومتصرف وفقير وناسك وغير هؤلاء، فإنهم لمشاركتهم الجمهور في الانتساب إلى السنة والجماعة، يخفى من إلحاد الملحد الداخل فيهم ما لا يخفي من إلحاد ملاحدة الشيعة، وإن كان إلحاد الملحد منهم أحيانا قد يكون أعظم، كما حدثني نقيب الأشراف أنه قال لعفيف التلمساني: أنت نصيري، فقال: نصير جزء مني.\nوالكلام على بسط هذا له موضع آخر غير هذا.\nفإن قيل: فهب أن تقديم الشرع عليها لا يكون قدحًا في أصله، لكنه تقديمًا له على أدلة عقلية، فلا بد من بيان الموجب لتقديم الشرع.\nقيل: الجواب من وجوه:\nأحدهما: أن المقصود هنا بيان أن تقديم الشرع على ما عارضه من مثل هذه العقليات المحدثة في الإسلام، ليس تقديمًا له على أصله الذي يتوقف العلم بصحة الشرع عليه، وقد حصل، فإنا إنما ذكرنا في هذا المقام بيان بطلان من يزعم أنه يقدم العقل على الشرع المعارض له، وذكرنا أن الواجب تقديم ما قام الدليل على صحته مطلقًا.\nالجواب الثاني: أن نقول: الشرع قول المعصوم الذي قام الدليل على صحته وهذه الطرق لم يقم دليل على صحتها، فلا يعارض ما علمت صحته بما لم تعلم صحته.\nالجواب الثالث: أن نقول: بل هذه الطرق المعارضة للشرع كلها باطلة في العقل، وصحة الشرع مبنية على إبطالها لا على صحتها، فهي باطلة بالعقل، وبالشرع،","vol":"1","page":319},{"text":"والقائل بها مخالف للعقل والشرع من جنس أهل النار الذين قالوا ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠]، وهكذا شأن جميع البدع المخالفة لنصوص الأنبياء، فإنها مخالفة للسمع والعقل، فكيف ببدع الجهمية المعطلة التي هي الأصل من كلام المكذبين للرسل.\nوالكلام على إبطال هذه الوجوه على التفصيل، وأن الشرع لا يتم إلا بإبطالها، مبسوط في غير هذا الموضع، لكن نحن نشير إلى ذلك في تمام هذا الكلام، فنقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>بطلان الاستدلال بحدوث الحركات والأعراض. الوجه التاسع عشر</span>\nبطلان الاستدلال بحدوث الحركات والأعراض.\nالوجه التاسع عشر\nأن هذه المعارضات مبنية على التركيب، وقد تقدمت الإشارة إلى بطلانه، وأما الاستدلال بحدوث الحركات والأعراض فنقول: قد أورد عليهم الفلاسفة سؤالهم المشهور، وجوابهم عنه على أصلهم مما يقول جمهور العقلاء إنه معلوم الفساد بالضرورة.\nوذلك إما أن يكون صدر عنه بسبب حادث يقتضي الحدوث، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن صدر عنه سبب حادث يقتضي الحدوث لزم ترجيح الممكن بلا مرجح، وهو ممتنع في البديهة، وإن حدث عنه سبب فالقول في حدوث ذلك السبب كالقول في حدوث غيره، ويلزم التسلسل الممتنع فإتفاق العقلاء بخلاف التسلسل المتنازع فيه،","vol":"1","page":320},{"text":"مع أن كلا النوعين باطل عند هؤلاء المتكلمين، فهم مضطرون في هذا الدليل إلى الترجيح بلا مرجح تام، أو إلى القول بالتسلسل والدور، وكلاهما ممتنع عندهم.\nومما ينبغي أن يعرف أن التسلسل الممتنع في هذا المكان ليس هو التسلسل المتنازع في جوازه، بل هو مما اتفق العقلاء على امتناعه، فإنه إذا قيل: إنه قدر أنه لم يكن يحدث شيئًا قط ثم حدث حادث، فإما أن يحدث بسبب حادث أو بلا سبب حادث لزم الترجيح بلا مرجح، فالناس كلهم متفقون على أنه إذا قدر أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن، لم يحدث إلا بسبب حادث، وأن القول في كل ما يحدث قول واحد.\nوإذا قال القائل: فلم يحدث الحادث إلا بسبب حادث، ثم زعم أن الحادث الأول يحدث بغير سبب حادث فقد تناقض، فإن قوله: لا يحدث حادثقول عام، فإذا جوز أن يحدث حادث بلا بسبب فقد تناقض، ويسمى تسلسلًا.\nولفظ التسلسل يراد به التسلسل في العلل والفاعلين والمؤثرات: بأن يكون للفاعل فاعل، وللفاعل فاعل إلى ما لا نهاية له، وهذا متفق على امتناعه بين العقلاء.\nوالثاني: التسلسل في الآثار: بأن يكون الحدث الثاني موقوفا على حادث قبله، وذلك الحادث موقوف على حادث قبل ذلك، وهلم جرًا، فهذا في جوازه قولان مشهوران للعقلاء، وأئمة السنة والحديث - مع كثير من النظار أهل الكلام والفلاسفة - يجوزون ذلك، وكثير من النظار وغيرهم يحيلون ذلك.","vol":"1","page":321},{"text":"وأما إذا قيل: لا يحدث حادث قط حتى يحدث حادث فهذا ممتنع باتفاق العقلاء وصريح العقل، وقد يسمى هذا دورًا، فإنه إذا قيل: لا يحدث شيء حتى يحدث شيء كان هذا دورًا، فإن وجود جنس الحادث موقوف على وجود جنس الحادث، وكونه سبحانه لم يزل مؤثرًا يراد به مؤثرًا في كل شيء، وهذا لا يقوله عاقل، لكنه لازم حجة الفلاسفة، ويراد به لم يزل مؤثرًا في شيء بعد شيء، وهو موجب الأدلة العقلية التي توافق الأدلة السمعية.\nولما أجاب بعضهم بأن المرجح هو القدرة أو الإرادة القديمة أو العلم القديم أو إمكان الحدوث ونحو ذلك، قالوا لهم في الجواب: هذه الأمور إن لم يحدث بسببها سبب حادث لزم الترجيح بلا مرجح، وإن حدث سبب حادث، فالكلام في حدوثه كالكلام في حدوث ما حدث به.\nوعدل آخرون إلى الإلزام فقالوا: هذا يقتضي أن لا يحدث في العالم حادث والحس يكذبه، فقالوا لهم: إنما يلزم هذا إذا كان التسلسل باطلًا، وأنتم تقولون بإبطاله وأما نحن فلا نقول بإبطاله، وإذا كان الحدوث موقوفًا على حوادث متجددة زال هذا المحذور.\nوالتسلسل نوعان: تسلسل في العلل، وقد اتفق العلماء على إبطاله، وأما التسلسل في الشروط ففيه قولان مشهوران للعقلاء.","vol":"1","page":322},{"text":"وتنازع هؤلاء: هل الإلزام لهم صحيح أم لا؟ وبتقدير كون الإلزام صحيحًا ليس فيه حل للشبهة، وإذا لم تنحل كانت حجةً على الفريقين، وكان القول بموجبها لازمًا، واعتبر ذلك بما ذكره أبو عبد الله الرازي في أشهر كتبه، وهو كتاب الأربعين وما اعترض عليه به صاحب لباب الأربعين أبو الثناء محمود الأرموي، وجوابه هو عنها، فإنه الرازي ذكرها، وذكر أجوبة الناس عنها وبين فسادها، ثم أجاب هو بالإلزام مع أنه في مواضع أخر بجيب عنها بالأجوبة التي بين فسادها الموضع.\nقال حجتهم: جميع الممكنات مستندة إلى واجب الوجود، فكل ما لا بد منه في مؤثريته، إن لم يكن حاصلًا في الأزل، فحدوثه إن لم يتوقف على مؤثر وجد الممكن لا عن مؤثر، وإن توقف عاد الكلام فيه وتسلسل، وإن كان حاصلًا: فإن وجب حصول الأثر معه لزم دوامه لدوامه، وإن لم يجب أمكن حصول الأثر معه تارة وعدمه أخرى، فيرجح أحدهما على الآخر، وأن لم يتوقف على أمر وقع الممكن بلا مرجح، وإن توقف لزم خلاف الفرض.","vol":"1","page":323},{"text":"ثم قال أجاب المتكلمون بوجه: الأول: أنه إنما أحدث العالم في ذلك الوقت لأن الإرادة لذاتها اقتضت التعلق بإيجاده في ذلك الوقت.\nقلت: هذا جواب جمهور الصفاتية الكلامية كابن كلاب والأشعري وأصحابهما، ونه يجيب القاضي أبو بكر، وأبو المعالي، والتميميون من أصحاب أحمد، والقاضي أبو يعلي، وابن عقيل، وابن الزاغوني وأمثالهم، وبه أجاب الغزالي في تهافت الفلاسفة، وزريفه عليه ابن رشد الحفيد، وبه أجاب الأمدي، وبه أجاب الرازي في بعض الموضع.\nقال: الجواب الثاني للمتكلمين: أنها اقتضت التعلق به في ذلك الوقت لتعلق العلم به.\nقلت: هذا الجواب ذكره طائفة من الأشعرية، ومن الناس من يجعل المرجح مجموع العلم والإرادة والقدرة، كما ذكره الشهرستاني، ويمكن أن يجعل هذا جوابًا آخر.\nقال: الجواب الثالث: لعل هناك حكمة خفية لأجلها أحدث في ذلك الوقت.","vol":"1","page":324},{"text":"قلت: هذا الجواب يجيب به من قد يعلل الأفعال، كما هو مذهب المعتزلة والكرامية وغيرهم، وقد يوافق المعتزلة ابن عقيل ونحوه، كما قد يوافق الكرامية في تعليلهم القاضي أبو حازم ابن القاضي أبي بعلي وغيره.\nقال: الجواب الرابع: أن الأزلية مانعة من الإحداث لم سبق.\nالجواب الخامس: أنه لم يكن ممكنًا قبله، ثم صار ممكنًا فيه.\nقلت: هذان الجوابان أو تاحدهما ذكرهما غير واحد من أهل الكلام المعتزلة والأشعرية وغيرهم، كالشهرستاني وغيره، وهذا جواب الرازي في بعض المواضع.\nقال: الجواب السادس: أن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح كالهارب من السبع إذا عرض له طريقتان متساويان، والعطشان إذا وجد قدحين متساويين.\nقلت: هذا جواب أكثر الجهمية المعتزلة، وبه أجاب الرازي في نهاية العقول فإنه قال في كتابه المعروف بنهاية العقول ـوهو عنده أجل ما صنفه الكلام - قال: قوله في المعارضة الأولى جميع جهات مؤثرية الباري ﷿ لا بد وأن يكون حاصلًا في الأزل، ويلزم من ذلك امتناع تخلف العالم عن الباري ﷿.","vol":"1","page":325},{"text":"قلنا: هذا إنما يلزم إذا كان موجبًا بالذات، أما إذا كان قادرًا فلا.\nقوله: القادر لما أمكنه أن يفعل في وقت، وأن يفعل قبله وبعده، توقفت فاعليته على مرجح.\nقلنا: المعتمد في دفع ذلك ليس إلا أن يقال: القادر لا يتوقف في فعله لأحد مقدوريه دون الآخر على مرجح.\nقوله: إذا جاز استغناء الممكن هنا عن المرجح فليجز في سائر المواضع ويلزم منه نفي الصانع.\nقلنا: قد ذكرنا أن بديهة العقل فرقت في ذلك بين القادر وبين غيره، وما اقتضت البديهة الفرق بينهما لا يمكن دفعه.\nقلت، وهذا الجواب هو جواب معروف عن المعتزلة، وهو وأمثاله دائمًا في كتبهم يضعون هذا الجواب ويحتجون على المعتزلة في مسألة خلق الأفعال وغيرها بهذه الحجة، هو أنه لا يتصور ترجيح الممكن لا من قادر ولا من غيره، إلا بمرجح يجب عنده وجود الأثر.\nفهؤلاء إذا ناطروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم لم يجيبوهم إلا بجواب المعتزلة، هم دائمًا إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر عليهم بهذه الحجة التي احتجت بها الفلاسفة، فإن كانت هذه الحجة صحيحة بطل احتجاجهم على المعتزلة، وإن كانت باطلة بطل جوابهم للفلاسفة.\nوهذا غلب على المتفلسفة والمتكلمين المخالفين للكتاب والسنة تجدهم دائمًا بتناقضون، فيحتجون بالمحجة التي يزعمون أنها برهان باهر، ثم في موضع آخر يقولون: إن بديهة العقل يعلم به فساد هذه الحجة.","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>آراء المتكلمين في إرادة الله تعالى</span>\nوهو لما احتج في المحصول على إثبات الجبر، وأن إثباته يمنع القول بالتحسين والتقبيح العقلي ذكر هذه الحجة، وقال: فثبت بهذا البرهان الباهر أن هذه الحوادث إما أن تحدث - يعني من العبد القادر - على سبيل الاضطرار أو على سبيل الاتفاق.\nوقال أيضًا في تقريرها ههنا: العمدة في إثبات الصانع احتياج الممكن إلى المؤثر، فلو جوزنا ممكنًا يترجح أحد طرفيه على الآخر بلا مرجح، لم يمكنا أن نحكم لشيء من الممكنات باحتياجه إلى المؤثر وذلك يسد باب إثبات الصانع.\nقال: وأما الهارب من السبع إذا عن له طريقان، فإنا نمنع تساويهما من كل الوجوه وإن ساعدنا عليه، ولكن الهارب من السبع يعتقد ترجح أحدهما على الآخر من بعض الوجوه، أو يصير غافلًا عن أحدهما، فأما لو اعتقد الهارب تسويهما من كل الوجوه، فإنه يستحيل منه والحال هذه أن يسلك أحدهما.\nوالدليل على أن الأمر كذلك أن الإنسان إذا تعرضت دواعيه إلى الحركات المتضادة فإنه يتوقف في كل موضع، لا يمكنه أن يترك إلا عند حصول المرجح.","vol":"1","page":327},{"text":"وكما قال من جعل المرجح هو الإرادة: إن الإرادة اقتضت ترجيح ذلك المقدور على غيره، ولا يمكن أن يقال: الإرادة لماذا رجحت ذلك الشيء على غيره؟ لأنه لو رجحت غيره عليه كان هذا السؤال عائدًا، وعلى هذا التقدير يلزم أن كون الإرادة مرجحة معلل بعلة أخرى، وذلك محال، لأن كون الإرادة مرجحة صفة نفسية لها، كما أن كون العلم بحيث يعلم به المعلوم صفة نفسية له، وذلك أمر ذاتي له، ولما استحال تعليل الصفات الذاتية استحال تعليل كون الإرادة مرجحة.\nقال: وهذا الجواب باطل أيضًا، لأنا لا نعلل أصل كون الإرادة مرجحة، وإنما نعلل كونها مرجحة لهذا الشيء على ضده، ولا يلزم من تعليل خصوص المرجحية، تعليل أصل المرجحية، ألا ترى أن الممكن لما دار بين الوجود والعدم فإنا نحكم أنه لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، ولا يكون تعليل ذلك تعليلًا لأصل كونه ممكنًا، فكذلك ههنا.\nقلت: نظير هذا قول من يقول من القدرية المعتزلة الشيعة ونحوهم: إن الله تعالى جعل العبد مختارًا، وخلقه مختارًا، إن شاء اختار هذا الفعل، وإن شاء اختار هذا الفعل، فهو يختار أحدهما باختياره.\nفيقال لهم: هو جعله أهلًا للاختيار، وقابلًا للاختيار، وجائزًا منه الاختيار، وممكنًا منه الاختيار، ونحو ذلك، أو جعله مختارًا لهذا الفعل على هذا؟.","vol":"1","page":328},{"text":"فإن قالوا بالأول قيل لهم: فوجود اختيار هذا الفعل دون هذا لا بد له من سبب، وإذا كان العبد قابلا لهذا ولهذا، فوجود أحد الاختيارين دون الآخر لا بد له من سبب أوجبه.\nوإن قالوا بالثاني أعترفوا بالحق، وأن ما فيه من أختيار الفعل المعين هو من الله تعالى، كما قال سبحانه ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير: ٢٨-٢٩] .\nولهذا إذا حقق القول عليهم وقيل لهم: فهذا الاختيار الحادث الذي كان به هذا الفعل، وهو إرادة العبد الحادثة، من المحدث لها؟\nقالوا: الإرادة لا تعلل.\nفقلت لمن قال لي ذلك منهم: تعني بقولك: لا تعلل بالعله الغائية، أي لا تعلم غايتها، أو لا تعلل بالعلة الفاعلية، فلا يكون لها محدث أحدثها؟.\nأما الأول فليس الكلام فيه هنا، مع أنه هو يقول بتعليلها بذلك، وأما الثاني فإنه معلوم الفساد بالضرورة، فإنه من جوز في بعض الحوادث ان تحدث بلا فاعل أحدثها لزمه ذلك في غيره من الحوادث، وهذا المقام حار فيه هؤلاء المتكلمون.\nفالمعتزلة القدرية: إما أن ينفوا إرادة الرب تعالى: وإما أن يقولوا بإرادة أحدثها في غير محل بلا إرادة كما يقوله البصريون منهم، وهم أقرب إلى الحق من البغداديين منهم، وهم في هذا كما قيل فيهم: طافوا على أبواب المذاهب، وفازوا بأخس المطالب - فإنهم التزموا عرضًا يحدث لا في محل، وحادثًا يتحدث بلا إرادة، كما","vol":"1","page":329},{"text":"التزموا في إرادة العبد أنها تحدث بلا فاعل، فنفوا السبب الفاعل للإرادة، مع أنهم يثبتون لها العلة الغائية، ويقولون: إنما أراد الإحسان إلى الخلق ونحو ذلك.\nوالذين قابلوهم من الأشعرية ونحوهم، أثبتوا السبب الفاعل لإرادة العبد، وأثبتوا لله إرادة قديمة تتناول جميع الحوادث، لكن لم يثبتوا لها الحكمة المطلوبة والعاقبة المحمودة، فكان هؤلاء بمنزلة من أثبت العلة الفاعلية دون الغائية، وأولئك بمنزلة من أثبت العلة الغائية دون الفاعلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>آراء الفلاسفة</span>\nوالمتفلسفة المشاؤون يدعون إثبات العلة الفاعلية والغائية، ويعللون ما في العالم من الحوادث بأسباب وحكم.\nوهم عند التحقيق أعظم تناقضًا من أولئك المتكلمين، لا يثبتون لا علة فاعلية ولا غائية، بل حقيقة قولهم: أن الحوادث التي تحدث لا محدث لها، لن العلة التامة القديمة مستلزمة لمعلومها، لا يمكن أن يحدث عنها شيء.\nوحقيقة قولهم: أن أفعال الرب تعالى ليس فيها حكمة، ولا عاقبة محمودة، لأنهم ينفون الإرادة، ويقولون: ليس فاعلًا مختارًا، ومن نفى الإرادة كان نفيه للمراد المطلوب بها الذي هو الحكمة الغائية أولى وأخرى، ولهذا كان لهم من الاضطراب والتناقض في هذا الباب أعظم مما لطوائف أهل الملل، كما قد بسط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا التنبيه على مجامع أقوال الطوائف الكبار، وما فيها من التناقض، وأن من عارض النصوص الإلهية بما يسميه عقليات، إنما يعارضها بمثل هذا الكلام الذي هو نهاية إقدامهم وغاية مرامهم، وهو نهاية عقولهم","vol":"1","page":330},{"text":"في دراية أصولهم.\nقال الرازي: قالت الفلاسفة: حاصل الكل اختيار أن كل ما لا بد منه في إيجاد العالم لم يكن حاصلًا في الأزل لأنه جعل شرط الإيجاد أولًا: الوقت الذي تعلقت الإرادة بإيجاده فيه، وثانيًا: الوقت الذي تعلق العلم به فيه، وثالثا: الوقت المشتمل على الحكمة الخفية، ورابعًا: انقضاء الأزل، وخامسًا: الوقت الذي يمكن فيه، وسادسًا: ترجيح القادر، وشيء منها لم يوجد في الأزل، وقد أبطلنا هذا القسم.\nثم قال عن الفلاسفة: والجواب المفصل عن الأول من وجهين:\nأحدهما: أن إرادته لم تكن صالحة لتعلق إيجاده في سائر الاوقات كان موجبًا بالذات، ولزم قدم العالم، وإن كانت صالحة فترجيح بعض الأوقات بالتعلق إن لم يتوقف على مرجح وقع الممكن لا لمرجح، وإن توقف عاد الكلام فيه، وتسلسل.\nوالثاني: أن تعلق إرادته بإيجاده أن لم يكن مشروطًا بوقت ما ملزم قدم المراد، وإن كان مشروطًا به كان ذلك الوقت حاضرًا في الأزل، وإلا عاد الكلام في كيفية إحداثه، وتسلسل.\nوعن الثاني من وجهين:\nالأول: أن العلم تابع للمعلوم التابع للإراداة فامتنع كون الإرادة تابعة للعلم.","vol":"1","page":331},{"text":"الثاني: أن تعين المعلوم محال، فيمتنع عقلًا إحداثه في وقت علم عدم حدوثه فيه، وعدم إحداثه في وقت علم حدوثه فيه، وذلك يوجب كونه موجبًا بالذات.\nوعن الثالث من وجهين:\nأحدهما: أن حدوث وقت تلك المصلحة إن كان لا لمحدث لزم نفي الصانع، وأن كان لمحدث عاد الكلام فيه.\nوأيضا فتلك المصلحة إن كانت حاصلة قبل الوقت لزم حدوثها قبله، وإلا فإن وجب حدوثها في ذلك الوقت جاز في غير ذلك، ولزم نفي الصانع.\nوإن لم يجب عاد الكلام في اختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة، وتسلسل.\nالثاني: أنه مع العلم باشتمال ذلك الوقت على تلك المصلحة إن لم يمكنه الترك كان موجبًا بالذات، وإن أمكنه وتوقف الفعل على مرجح تسلسل، وإلا وقع الممكن لا لمرجح.\nوعن الرابع من وجهين:\nأحدهما: أن مسمى الأزل إن كان واجبًا لذاته امتنع زواله، وإلا استند إلى واجب لذاته، ولزم المحذور.\nوالثاني: أن الأزل نفي محض، فامتنع كونه مانعًا م الإيجاد.\nوعن الخامس: أن انقلاب الممتنع لذاته ممكنًا لذاته محال.","vol":"1","page":332},{"text":"الثاني: أن الماهية لا يختلف قبولها للوجود أو لا قبولها، لكونه شاملًا للأوقات.\nوعن السادس من وجهين: الأول: أنه لما استويا بالنسبة إليه كان وقوع أحدهما من غير مرجح اتفاقيًا، وحينئذ يجوز في سائر الحوادث ذلك، ولزم نفي الصانع.\nالثاني: أنه لما استويا بالنسبة إليه فترجح أحدهما إن لم يتوقف على نوع ترجيح منه كان وقوعه لا بإيقاعه، بل من غير سبب، ولزم نفي الصانع، وإن توقف عاد التقسيم فيه: أنه هل كان حاصلًا في الأزل أم لا؟.\nوأما فصل الهارب والعطشان فإنا نعلم أنه ما لم يحصل لهما ميل إلى أحدهما لم يرجح.\nقلت: هذه الوجوه بعضها حق لا حيلة فيه، وبعضها فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع، إذ المقصود هنا ذكر جواب الناس عن تلك الشبهة.\nثم قال الرازي: والجواب أن هذا يقتضي دوام المعلول الأول لوجوب دوام واجب الوجود، ودوام الثاني لدوام الأول، وهلم جرًا، وإن ينفي الحدوث أصلًا.\nقال: فإن قلت: واجب الوجود علم الفيض، يتوقف حدوث الأثر عنه على حدوث استعدادت القوابل بسبب الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية، فكل حادث مسبوق بآخر لا إلى أول.","vol":"1","page":333},{"text":"قلت: حدوث العرض المعين لا بد له من سبب، فذلك السبب: إن كان حادثًا عاد الكلام في سبب حدوثه، ولزم وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة، وهو محال.\nوإن كان قديما لم يلزم من قدم المؤثر قدم الأثر، فكذلك في كلية العالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>اعتراض الأرموي على الرازي</span>\nوقد اعترض الأرموي على هذا الجواب فقال:\nوالقائل أن يقول: إن عنيت بالسبب السبب التام فحدوثه لا يدل على حدوث المسبب الفاعل، بل يدل إما على حدوثه أو حدوث بعض شرائطه، وإن عنيت به السبب الفاعل لم يلزم من حدوث العرض المعين حدوثه، بل إما حدوثه أو حدوث بعض الشرائط، وحدوث الشرائط والمعدات الغير متناهية على التعاقب جائز عندكم.\nقال: بل الجواب الباهر عنه: أنه لا يلزم من ذلك قدم العالم الجسماني، لجواز أن يوجد في الأزل عقل أو نفس يصدر عنهما تصورات متعاقبة، كل واحد منها بعد ما يليه، حتى ينتهي إلى تصور خاص يكون شرطًا لفيضان العالم الجسماني عن المبدأ القديم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>رد ابن تيمة على الأرموي</span>\nقلت: الإلزام الذي ألزمهم إياه الرازي صحيح متوجه، وهو الجواب الثاني الذي أجابهم به الغزالي في كتاب التهافت.\nوأما اعتراض الأرموي فجوبه: أنه كان التقدير أن العلة التامة مستلزمة لمعلولها، ومعلولها لازم لعلته: امتنع أن يحدث عنها شيء، فما حدث لا بد له من","vol":"1","page":334},{"text":"سبب تام، وحدوث السبب التام يستلزم حدوث سبب تام له، فيلزم جود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة، وهو محال.\nوأما قوله: إن عنيت بالسبب السبب التام فحدوثه لا يدل على حدوث السبب الفاعل، بل إما على حدوثه أو حدوث بعض شرائطه.\nفيقال له: هذا التقسيم صحيح إذا نظر إلى الحادث من حيث الجملة، وأما إذا نظر إلى حادث يمتنع حدوثه عن العل التامة، فلا بد له من حدوث سبب تام.\nوإذا قال القائل: الفاعل القديم أحدثه لما حدث شرط حدوثه.\nقيل: الكلام في حدوث ذلك الشرط كالكلام في حدوث المشروط، فلا بد من حدوث أمر لا يكون حادثًا عن العلة التامة، لأن العلة التامة القديمة يمتنع أن يحدث عنها شيء، فإنه يجب مقارنة معلولها لها في الأزل، والحادث ليس بمقارن لها في الأزل.\nوإذا قيل: حدث عنها بحدوث الاستعداد والشرائط.\nقيل: الكلام في كل ما يقدر حدوثه عن علة تامة مستلزمة لمعلولها، فإن حدوث حادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها محال.\nوهذا الإلزام صحيح لا محيد للفلاسفة عنه.\nوإذا قالوا: حدث عنها أمور متسلسلة واحد بعد واحد.\nقيل لهم: الأمور المتسلسلة يمتنع أن تكون صادرة عن علة تامة، لأن العلة التامة القديم تستلزم معلولها فتكون معها في الأزل، والحوادث المتسلسلة ليس معها في الأزل.","vol":"1","page":335},{"text":"وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبينا أن قولهم بحدوث الحوادث عن موجب تام أزلي لازم لهم في صريح العقل، سواء حدثت عنه بواسائط لازمة له أو بغير وسائط، وسواء سميت تلك الوسائط عقولا ونفوسًا أو غير ذلك، وسواء قيل: إن الصادر الأول عنه: العنصر، كما يقول بعضهم، أو قيل: بل هو العقل، كما هو قول آخرين، فإن الوسائط اللازمة ل قديمة معه، لا يحدث فيها شيء، إذ القول في حدوث ما يحدث فيها كالقول في غيره من الحوادث.\nوقولهم: إن حركات الفلك بسبب حدوث تصورات النفس وإرادتها المتعاقبة، مع حدوث تلك عن الواجب بنفسه بواسطة العقل اللازم له، أو بغير واسطة العقل، أو القول بحدوثها عن العقل، أو ما قالوا من هذا الجنس الذي يسندون فيه حدوث الحوادث إلى مؤثر قديم تام لم يحدث فيه شيء - هو قول يتضمن أن الحوادث حدثت عن علة تامة لا يحدث فيها شيء.\nفإذا كان المؤثر التام الأزلي، سواء جعل ذلك شرطًا في حدوث غيره أو لم يجعل، ومتي امتنع حدوث حادث عنه كان حدوث ما يدعونه من الاستعدادات والشرائط مفتقرًا إلى سبب تام.\nفيلزم وجود علل ومعلومات لا تتناهى دفعة، كما ذكره الرازي، وهذا من جيد كلامه.\nوأما الجواب الذي أجاب به الأرموي وذكر أنه باهر: فهو منقول من كلام الرازي في المطالب العالية وغيرها، وهو منقوض بهذه المعارضة، مع أنه جواب","vol":"1","page":336},{"text":"غاب بعضه موافق لقول أهل الملل، وبعضه موافق لقول الفلاسفة الدهرية، فإنه مبني على إثبات العقول والنفوس، وأنها ليست أجسامًا، وكونها قديمة أزلية لازمة لذات الله تعالى.\nوهذه الأقوال ليست من أقوال أهل الملل، بل هي أقوال باطلة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين أن ما يدعونه من المجردات إنما ثبوتها في الأذهان في الأعيان.\nوإنما أجاب الأرموي بهذا الجواب لأن هؤلاء المتأخرين - الكشهرستاني الرازي واللآمدي - زعموا أن ما ادعاه هؤلاء المتفلسفة من إثبات عقول ونفوس مجردة لا دليل للمتكلمين على نفيه، وأن دليلهم على حدوث الأجسام لا يتضمن الدلالة على حدوث هذه المجردات.\nوهذا قول باطل، بل أئمة الكلام صرحوا بأن انتفاء هذه المجردات، وبطلان دعوى وجود ممكن ليس جسمًا ولا قائمًا بجسم: مما يعلم انتفاؤه بضرورة العقل، كما ذكر ذلك الأستاذ أبو المعالي وغيره بل قال طوائف من أهل النظر: إن الموجود منحصر في هذين النوعين، وإن ذلك معلوم بضرورة العقل، وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا: أن هذا الجواب الذي ذكره الأرموي مبني على هذا الأصل.\nومضمونه: أن الرب تعالى موجب بالذات للعقول والنفوس الأزلية اللازمة لذاته لا فاعل لها بمشيئته وقدرته، وهم يفسرون العقول بالملائكة، فتكون الملائكة قديمة","vol":"1","page":337},{"text":"دخل فيه الخلق والإبداع، هل هو أمر وجودي، أو أمر عدمي؟ وهل الخلق هو المخلوق، أو غير المخلوق؟\nوفيها قولان مشهوران للناس، والجمهور على أن الخلق ليس هو المخلوق، هو قول أكثر العلماء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وهو قول أكثر أهل الكلام، مثل طوائف من المعتزلة والرمجئة والشيعة، وهو قول الكرامية وغيرهم، وهو مذهب الصوفية، ذكره صاحب التعرف في مذاهب التصوف المعروف بـ الكلاباذي هو قول أكثر قمدماء الفلاسفة وطائفة من مأخريهم.","vol":"1","page":338},{"text":"وطائفة قالت: الخلق هو المخلوق، وهو قول كثير من المعتزلة، وقول الكلابية كالأشعري وأصحابه، ومن وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد ومالك وغيرهم.\nوالمقصود هنا أنهم لما احتجوا على قدم العالم بأن كون الواجب مؤثرا في العالم غير ذاتيتهما، لإمكان تعقلهما مع الذهول عنه، ولأن كونه مؤثرًا معلوم دون حقيقته، ولأن المؤثرية نسبة بينهما، فهي متأخرة ومغايرة.\nقال: وليس التأثير أمرًا سلبيًا، لأنه نقيض قولنا: ليس بمؤثر، فذلك الوجودي إن كان حادثًا فتقر إلى مؤثر، وكانت مؤثريته زائدة، ولزم التسلسل، وإن كان قديمًا - وهو صفة إضافية لا يعقل تحققها مع المضافين - فلزم قدمها.\nأجاب الرازي: بأن المؤثرية ليست صفة ثبوتية زائدة على الذات، وإلا كانت مفتقرة إلى المؤثر، فتكون مؤثريته زائدة، ويتسلسل.\nقلت: وهذا الجواب هو على قول من يقول: إن الخلق هو المخلوق، وإنه ليس الفعل والإبداع والخلق إلا مجرد وقوع المفعول المنفصل عنه من غير زيادة أمر وجودي أصلًا.\nفقال الأرموي: ولقائل أن يقول: التسلسل هاهنا واقع في الآثار، لأن المؤثرية صفة إضافية يتوقف تعقلها على المؤثر والأثر، فتكون متأخرة على الأثر فاقتضت مؤثرية أخرى بعد الأثر، حتى يكون بعد كل مؤثرية مؤثرية.\nقال: والمنكر هو التسلسل في المؤثرات.","vol":"1","page":339},{"text":"قال: بل الجواب عنه: أن الصفة الإضافية العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها، فإن التقدم صفة إضافية عارضة للشيء بالنسبة إلى المتأخر عنه ولو بأزمنه كثيرة، مع امتناع حصول المتقدم مع المتأخر.\nقلت: وقول الأرموي: لقائل، أن يقول: التسلسل هاهنا واقع في الآثار، لأن المؤثرية صفة إضافية يتوقف تعلقها على المؤثر والأثر، فتكون متأخرة عن الأثر، فاقتضت مؤثرية أخري بعد الأثر، حتى يكون بعد كل مؤثرية مؤثرية:\nيعترض عليه: بأن هذا يناقض قوله بعد هذا: بل الجواب عنه: أن الصفة الإضافية العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها، فإنه إن كان هذا القول صحيحًا لم يلزم عن المؤثر، وإن كانت الصفة العارضة للشيء لا تتوقف، بل يكفي فيها تحقق المؤثرية فقط.\nولكنه يجيب عن هذا بأن مقصودي أن ألزم غيري إذا قال: تتوقف المؤثرية على المؤثر والأثر بأن هذا تسلسل في الآثار، لا في المؤثرات، وهذا إلزام صحيح.\nلكن يقال له ك كان من تمام هذا الإلزام أن تقول: المؤثرية إذا كانت عندكم صفة إضافية يتوقف تعقلها على المؤثر والأثر كانت مستلزم لوجود الأثر،","vol":"1","page":340},{"text":"فإن كونه مؤثرًا بدون الأثر ممتنع، وحينئذ فمعلوم أن الأثر يكون عقب التأثير الذي هو المؤثرية، فإنه إذا خلق وجد المخلوق، وإذا أثر في غيره حصل الأثر، فالأثر يكون عقب التأثير، وهو جعل المؤثرية متأخرة عن الأثر.\nوليس الأمر كذلك، بل هي متقدمة على الأثر، أو مقارنة له عند بعضهم، ولم يقل أحد من العقلاء: إن المؤثرية متأخرة عن الأثر، بل قال بعضهم: إن الأثر متأخر منفصل عنها، وقال بعضهم: هو مقارن لها، وقال بعضهم: هو متصل بها، لا منفصل عنها، ولا مقارن لها وهذا أصح الأقوال.\nولكن على التقديرين: تكون المؤثرية حادثة بحدوث تمامها، فيلزم أن يكون لها مؤثرية، وتكون المؤثرية الثانية عقب الؤثرية الأولى.\nوهذا مستقيم لا محذور فيه، فتكون المؤثرية الأولى أوجبت كونه مؤثرًا في الأثر المنفصل عنه، وكونه مؤثرًا في ذلك الأثر أوجب ذلك الأثر.\nوهذا على قول الجمهور الذين يقولون: الموجب يحصل عقب الموجب التام، والأثر يحصل عقب المؤثر التام، والمفعول يحصل عقب كمال الفاعلية، والمعلول يحصل عقب كمال العلية.\nوأما من جعل الأثر مقارنًا للمؤثر في الزمان ـكما تقوله طائفة من المتفلسفة ومن وافقهم - فهؤلاء يلزم قولهم لوازم تبطله، فإنه يلزم عند وجود المؤثرية التامة أن يكون لها مؤثرية تامة، ومع المؤثرية التامة أن يكون لها مؤثرية تامة، وهلم جرًا، وهذا تسلسل في تمام المؤثرية، وهو من جنس التسلسل في المؤثرات لا في الآثار، فإن التسلسل في تمام المؤثرية، وهو من جنس التسلسل","vol":"1","page":341},{"text":"في المؤثرات أن يكون للمؤثر مؤثر معه لا يكون حال عدم المؤثر، فإن الشيء لا يفعل في حال عدمه، وإنما يفعل في حال وجوده، فعند وجود التأثير لا بد من وجود المؤثر، فإن المؤثر التام لا يكون حال عدم التأثير، بل لا يكون إلا مع وجوده، لكن نفس تأثيره يستعقب الأثر، فإن جعل تمام المؤثرية مقارنًا للأثر كان من جنس التسلسل في المؤثرات، لا في الآثار.\nوقد يقول القائل: هذا الذي أراده الرازي بقوله: إن المؤثرية ليست صفة ثبوتية زائدة على الذات، وإلا كانت مفتقرة إلى المؤثر، فتكون مؤثريته زائدة، ويتسلسل فإنه قد يريد التسلسل المقارن لا المتعاقب، فإنها إذا كانت زائدة افتقرت إلى مؤثر يقارنها، كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والمتكلمين.\nوالرازي قد يقول بهذا، وحينئذ فهذا التسلسل باطل باتفاق العقلاء.\nفيقول القائل: هذا هو الإلزام الذي ألزم به الرازي الفلاسفة، حيث قال: والجواب أن هذا يقتضي دوام المعلول الأول، لوجوب دوام واجب الوجود، ودوام الثاني لدوام الأول، وهلم جرا، وإنه ينفي الحوادث أصلًا.\nقال: فإن قلت: واجب الوجود عام الفيض، يتوقف حدوث الأثر عنه على استعدادات القوابل، فكل حادث مسبوق بآخر لا إلى أول.\nقلت: حدوث العرض المعين لا بد له من سبب، فذلك السبب إن كان حادثًا عاد الكلام في سبب حدوثة، ويلزم وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعةً، وهو محال، وإن كان قديمًا لم يلزم من قدم المؤثر قدم الأثر، فكذلك في كلية","vol":"1","page":342},{"text":"العالم.\nفيقال: هذا الكلام الذي ذكره الرازي جيد مستقيم، وهو إلزامهم الحوادث المشهودة التي قد يعبر عنها بالحوادث اليومية، فإنه لا بد لها من مؤثر تام، فإن كان قديمًا أمكن وجود الحادث عن القديم، وبطل قولهم، وإن كان حادثًا فلا بد على قولهم أن يكون حادثًا مع حدوث الأثر، لا قبله، لأنهم قد قرروا أن المؤثر التام يجب أن يكون أثره معه في الزمان لا يتأخر عنه، فعلى قولهم هذا: يجب أن يكون المؤثر التام معه أثره، والأثر معه مؤثره، لا يتقدم زمان أحدهما على زمان الآخر، وحينئذ فالحادث المعين يجب أن يكون مؤثره معه حادثًا، ويكون مؤثر ذلك المؤثر معه حادثًا، فيلزم وجود أسباب ومسببات هي علل ومعلومات لا نهاية لها في زمن واحد معلوم الفساد بضرورة العقل، وقد اتفق العقلاء على امتناعه.\nواعتراض الأرموي عليه ساقط حينئذ.\nفإن ملخص قوله: إن اللازم حدوث المؤثر، أو حدوث بعض شرائطه، وهم يجوزون حدوث الشرائط والمعدات على سبيل التعاقب.\nفيقال لهم: هم يجوزون أن يكون بعد كل حادث حادث فيقولون: حدوث الحادث الأول شرط في حدوث الحادث الثاني، والشرط موجود قبل المشروط.\nولكن هذا يناقض قولهم: إن العلة التامة تستلزم أن يكون معلومها معها في الزمان، وأن المعلوم يجب أن يكون موجودًا مع تمام العلة، لا يتأخر عن ذلك، فإن موجب هذا أنه إذا حصل شرط تمام العلة حصل معه المعلول لا يتأخر عنه، وكلما","vol":"1","page":343},{"text":"حدث حادث كان الشرط الحادث الذي به تمت عليه العلة حادثًا معه لا قبله، ثم ذلك الحادث أيضًا يحدث الشرط الذي هو تمام علته معه لا قبله، وهلم جرًا، فيلزم تسلسل تمام العلل في آن واحد وهو أن تمام علة هذا الحادث حدث في هذا الوقت، وتمام علة هذا التمام حدث في هذا الوقت، وهلم جرًا.\nوالتسلسل ممتنع في العلة، وفي تمام العلة، فكما لا يجوز أن يكون للعلة علة، وللعلة علة إلى غير غاية، فلا يجوز أن يكون لتمام العلة تمام، ولتمام العلة تمام إلى غير غاية.\nوالتسلسل في العلل وفي تمامها متفق على امتناعه بين العقلاء، معلوم فساده بضرورة العقل، سواء قيل: إن المعلول يقارن العلة في الزمان، أو قيل إنه يتعقب العلة.\nولكن هؤلاء لا يتم قولهم بقدم شيء من العالم إلا إذا كان المعلول مقارنًا للعلة التامة لا يتأخر عنها، وحينئذ فيلزم أن يكون كل حادث تمام علته حادث معه، وتمام علة ذلك التمام حادث معه، وهلم جرا، فيلزم وجود حوادث لا نهاية لها في آن واحد ليست متعاقبة، وهذا مما يسلمون أنه ممتنع، ويعلم بضرورة العقل أنه ممتنع، وهو يشبه قول أهل المعاني أصحاب معمر.","vol":"1","page":344},{"text":"وإذ كان هذا لازمًا لقولهم لا محيد لهم عنه: لزم أن أحد أمرين: إما بطلان حجتهم وإما القول بأنه لا يحدث في العالم شيء، والثاني باطل بالمشاهدة، فتعين بطلان حجتهم.\nفتبين أن الذي ألزمهم إياه أبو عبد الله الرازي لا محيد عنه، وأن الأرموي لم يفهم حقيقة الإلزام، فأعترض عليه بما لا يقدح فيه.\nولكن مثاب الغلط والاشتباه هنا: أن لفظ التسلسل إذا لم يرد به التسلسل في نفس الفعل فإنه يراد به التسلسل في الأثر، بمعني أنه يحدث شيء، ويراد به التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلًا، وهذا عند من يقول: إن المؤثر التام وأثره مقترنان في الزمان كما يقوله هؤلاء الدهرية، فيقضي أن يكون ما يحدث من تمام المؤثر مقارنًا للأثر لا يتقدم عليه، فتبين به فساد حجتهم.\nوأما من قال: إن الأثر إنما يحصل عقب تمام المؤثر فيمكنه أن يقول بما ذكره الأرموي، وهو أن كونه مؤثرا في الأثر المعين يكون مشروطًا بحادث يحدث يكون الأثر عقبه، ولا يكون الأثر مقارنًا له.\nولكن هذا يبطل قولهم بقدم شيء من العالم، ويوافق أصل السنة وأهل الحديث الذين يقولون: لم يزل متكلمًا إذا شاء.\nفإنه على قول هؤلاء يقال: فعله لما يحدث من الحوادث مشروط بحدوث حادث به تتم مؤثرية المؤثر، ولكن عقب حدوث ذلك التمام يحدث ذلك الحادث، وعلى هذا فيمتنع أن يكون في العالم شيء أزلي، إذ الأزلي لا يكون إلا مع تمام مؤثره، ومقارنة الأثر للمؤثر زمانا ممتنعة.","vol":"1","page":345},{"text":"وحينئذ فإذا قيل: هو نفسه كاف في إبداع ما ابتدعه، لا يتوقف فعله على شرط.\nقيل: نعم كل ما يفعله لا يتوقف على غيره، بل فعله لكل مفعول حادث يتوقف على فعل يقوم بذاته يكون المفعول عقبه، وذلك الفعل أيضًا مشروط بأثر حادث قبله.\nفقد تبين أن هذه المعقولات التي اضطرب فيها أكابر النظار، وهي عندهم أصول العلم الإلهي، إذا حققت غاية التحقيق: تبين أنها موافقة لما قاله أئمة السنة والحديث العارفون بما جاءت به الرسل، وتبين أن خاصة المعقول خادمة ومعينة وشاهدة لما جاء به الرسول ﷺ.\nقلت: المقصود هنا أن الأرموي ضعف الجواب بأن التسلسل المنكر هو تسلسل المؤثرات التي هي العلل، وأما تسلسل الآثار فليس بمنكر، وإذا كانت المؤثرية مسبوقة بمؤثرية، لم يلزم إلا التسلسل في الآثار.\nوقوله: إن هذا يقتضي التسلسل في الآثار لا في المؤثرات كلام صحيح على قول من يقول: إن الأثر لا يجب أن يقارن المؤثر في زمان بل يتعقبه لأن المؤثرية المسبوقة بمؤثرية إنما حدث بالأولى كونها مؤثرة، لا نفس المؤثر.\nوالفرق بين نفس المؤثر ونفس تأثيره هو الفرق بين الفاعل وفعله، والمبدع وإبداعه، والمقتضي واقتضائه، والموجب وإيجابه، وهو كالفرق بين الضارب وضربه، والعادل وعدله، والمحسن وإحسانه، وهو فرق ظاهر.\nلكن احتجاجه بأن المؤثرية إذا كانت صفة إضافية يتوقف تحققها على المؤثر والأثر جاز أن تكون متقدمة على الأثر، كما لزم أن تكون متأخرة عن الأثر:","vol":"1","page":346},{"text":"ليس بمستقيم.\nفإن كون الشيء مؤثرًا في غيره لا يكون متأخرًا عن أثره، بل إما أن يكون مقارنًا له، أو سابقًا عليه، وإلا فوجود الأثر قبل التأثير ممتنع، ولا يحتاج إلى هذا التقدير، فإن كون التسلسل ها هنا واقعًا في الآثار: أبين من أن يدل عليه بدليل صحيح من هذا الجنس، فضلًا عن أن يدل عليه بهذا الدليل.\nوالجواب الذي ذكره - من أن الصفة العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها - هو جواب من يقول بأن التأثير قديم، والأثر حادث.\nوهذا قول من يقبت لله تعالى صفة التخليق والتكوين في الأزل، وإن كان المخلوق حادثًا.\nوهو قول طوائف من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الكلام والصوفية، وهو مبني على أن الخلق غير المخلوق، وهذا قول أكثر الطوائف، لكن منهم من صرح بأن الخلق قديم والمخلوق حادث، ومنهم من صرح بتجدد الأفعال، ومنهم من لا يعرف مذهبه في ذلك.\nفالذي ذكره البغي عن أهل السنة: إثبات صفة الخلق لله تعالى، وأنه لم يزل خالقًا، وكذلك ذكر أبو بكر الكلاباذي في كتاب التعرف لمذهب التصوف أنه مذهب الصوفية، وكذلك ذكره الطحاوي وسائر أصحاب أبي حنيفة، وهو","vol":"1","page":347},{"text":"قول جمهور أصحاب أحمد، كأبي إسحاق بن شاقلًا، وأبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبي يعلى وغيرهم، وكذلك ذكره غير واحد من المالكية، وذكر أنه قول أهل السنة والجماعة، ومن هؤلاء من صرح بمعني الحركة لا بلفظها.\nوهؤلاء الذين يقولون بإثبات تأثير قديم هو الخلق والإبداع مع حدوث الأثر، يجعلون ذلك بمنزلة وجود الإرادة القديمة مع حدوث المراد، كما يقول بذلك الكلام وغيرهم من الصفاتية.\nفجواب أبي الثناء الأرموي موافق لقول هؤلاء الطوائف، وهو قوله: الصفة المعارضة للشيء لا تتوقف إلا على وجود معروضها، كما أن الإرادة القديمة لا تتوقف إلا على وجود المريد دون المراد عند من يقول بذلك، وكذلك القدرة المتعلقة بالمستقبلات تتوقف على وجود القادر، دون المقدور، فكذلك قولهم في الخلق الذي هو الفعل وهو التأثير.\nولكن هذا الجواب ضعيف، فإن قوله: الصفة الإضافية العراضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها، فإن التقدم صفة إضافية عارضة للشيء بالنسبة إلى التأخر عنه ولو بأزمنة كثيرة، مع امتناع حصول المتقدم مع المتأخر يعترض عليه بأنك ادعيت دعوى كلية وأثبتها بمثال جزئي، فادعيت أن كل صفة عارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها","vol":"1","page":348},{"text":"وهذه دعوى كلية، ثم احتججت على ذلك بالتقدم العارض للمتقدم، وهذا المثال لا يثبت القضية الكلية.\nونظير هذا قولهم: ليس لمتعلق القول من القول صفة وجودية، فإنه ليس لكون الشيء مذكورًا أو مخبرًا عنه صفة ثبوتية بذلك، فإن المعدوم يقال: إنه مذكور ومخبر عنه، فإن هذه دعوى، والمثال جزئي.\nوالتحقيق أن متعلق القول قد يكون له منه صفة وجودية، كمتعلق التكوين والتحريم والإيجاب، وقد يكون، كمتعلق الإخبار.\nثم يقال: الصفة العرضة للشيء بالنسبة إلى غيره: سواء كانت من الصفات الحقيقية المستلزمة للنسبة والإضافة كالإرادة والقدرة والعلم، أو كانت من الصفات الإضافية عند من يجوز جواز إضافة محضة، لا يستلزم صفة حقيقية قد تكون مستلزمة لوجود الاثنين المتضايفين المتباينين كالأبوة والنبوة، فأن وجود أحدهما مستلزم لوجود الآخر، وكذلك الفوقية والتحتية والتيامن والتياسر، وكذلك العلة التامة مع معلومها، فإنه ليس بينهما برزخ زمان، وإن كان المعلوم لا يكون إلا متعقبًا للعلة في الزمان، لا يكون زمنه زمنها عند جمهور العقلاء، كما قد بسط في موضع آخر.\nوأنتم احتججتم في غير موضع بأن القبول نسبة بين القابل والمقبول، فلا يتحقق إلا مع تحققهما، وجعلتم هذا مما احتججتم به على الكرامية في مسألة حلول الحوادث، وقلتم: كونه قابلًا للحدوث يجب أن يكون من لوازم ذاته، وذلك إنما يمكن مع تحقق الحوادث في الأزل مع امتناع تحقق الحادث في الأزل:","vol":"1","page":349},{"text":"فهذا التناقض من جنس قولكم إنه قادر في الأزل مع امتناع المقدور في الأزل، وقلتم: إذا كان قابلًا للحوادث في الأزل لزم إمكان وجود الحوادث في الأزل، فأي فرق بين إمكان القبول، وإمكان المقدور، وإمكان المفعول؟ وما تقدم الشيء على غيره وكونه مثل هذا قبل زمن هذا، ولكن لا يلزم إذا لم يكن المتأخر مع المتقدم ألا يكون المقبول المقدور والأثر ممكنًا مع وجود التأثير والقدرة والقبول، حتى يقال: إنه خالق مع امتناع المخلوق، وقادر مع امتناع المقدور، وقابل مع امتناع المقبول.\nوأيضًا فإن هذا الجواب بمنزلة جواب من يقول: إن الحوادث توجد بإرادة قديمة، والمنازعون لهم ألزموهم بأن هذا ترجيح بلا مرجح، كما تقدم.\nفهؤلاء يعترضون على جواب الأرموي، وهؤلاء يعترضون عليه بأنه عند وجود الأثر الحادث: إما أن يتجدد تمام التأثير، وإما أن لا يتجدد شيء لزم التسلسل كما تقدم، وإن لم يتجدد لزم حدوث الحادث بدون سبب حادث، وقد تقدم إبطاله بأن المؤثر التام لا يتخلف عنه أثره.\nوكان الأرموي يمكنه أن يجيب - على أصله - بأن حدوث الأجسام موقوف على حدوث التصورات المتعاقبة في العقل أو النفس، كما أجاب به عن الحجة الأولي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المقصود مما تقدم</span>\nقلت: المقصود هنا أن يعرف نهاية ما ذكره هؤلاء في جواب الدهرية عن المعضلة الزباء والداهية الدهاء، وما يخفي على العاقل الفاضل ما في هذه الأجوبة.","vol":"1","page":350},{"text":"ونحن ولله الحمد قد بينا الجواب عن جميع حجج الفلاسفة في غير هذا الموضع وبسطنا الكلام في ذلك، وبينا كيف يمكن فساد استدلالهم من وجوه كثيرة، وكيف تتمكن كل طائفة من المسلمين من قطعهم بجواب مركب من قولهم وقول طائفة أخرى من المسلمين، حتى إذا احتاجوا إلى موافقة الدهرية على قدم الأفلاك، وأن الله لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام، ونحو ذلك مما فيه تكذيب للرسول ﷺ، أو إلى موافقة طائفة أخري من طوائف المسلمين على بعض أقوالهم التي ليس فيها تبليغ للرسول، بل ولا مخالفة لصريح العقل كان موافقتهم لطائفة من طوائف المسلمين على ما لا يكذبون به الرسول ولا يخالفون به المعقول، أولى بهم من موافقة الدهرية على ما فيه تكذيب للرسل ومخالفة لصريح العقل، وهذا مما تبين به أنه ليس في العقل الصريح ما يخالف النصوص الثابتة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهو المقصود في هذا المقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>مثال في الإجابة على الفلاسفة. الرد على قولهم بقدم العالم. الكلام على امتناع التسلسل</span>\nمثال في الإجابة على الفلاسفة.\nالرد على قولهم بقدم العالم.\nالكلام على امتناع التسلسل\nمثال الأجوبة التي يجاب بها هؤلاء الفلاسفة، أن يقال: حجتكم الأولى على قدم العالم مبنية على مقدمتين: إحداهما: أن الممكن لا بد له من مرجح تام، وامتناع التسلسل، ولفظ التسلسل فيه إجمال قد تقدم الكلام عليه، فإن التسلسل هنا: هو توقف جنس الحادث على الحادث، وهذا متفق على امتناعه، والتسلسل في غير هذا الموضع يراد به التسلسل في الفاعلين وفي الآثار، والتسلسل في تمام الفاعلين هو من التسلسل في الفاعلين.","vol":"1","page":351},{"text":"فيقال لكم: التسلسل الممتنع هو التسلسل في العلل، وفي تمامها.\nأما تسلسل في الشروط أو الآثار: ففيه قولان للمسلمين.\nوأنتم قائلون بجوازاه.\nفنقول: إما أن يكون هذا التسلسل جائزًا أو ممتنعًا، فإن كان ممتنعًا امتنع تسلسل الحوادث، ولزم أن يكون لها أول، وبطل قولكم بحوادث لا أول لها، وأمتنع كون حركات الأفلاك أزلية، وهذا يبطل قولكم.\nثم نقول: العالم لو كان أزليًا، فإما أن يكون لا يزال مشتملًا على حوادث: سواء قيل، إنها حادثة في جسم أو عقل، أو يقال: بل كان في الأزل ليس فيه حادث، كما يقال: إنه كان جسما ساكنًا، فإن كان الأول لزم تسلسل الحوادث، ونحن نتكلم على تقدير امتناع تسلسلها، فبطل هذا التقدير، وإن كانت الحوادث حدثت فيه بعد أن لم تكن، لزم جواز صدور الحوادث عن قديم لم يتغير، وهذا يبطل حجتكم، ويجوب جواز حدوث الحوادث بلا حدوث سبب.\nوإن قلتم: إن التسلسل في الآثار جائز - وهو قولكم - بطل استدلالكم بهذه الحجة على قدم شيء من العالم، فإنها لا تدل على قدم شيء بعينه من العالم، وإنما تدل على وجود دوام كون الرب فاعلًا.\nفيقال لكم حينئذ: لم لا يجوز أن تكون الأفلاك، أو كل ما يقدر موجودًا في العالم، أو كل ما يحدثه الله: موقوفًا على حادث بعد حادث، ويكون مجموع العالم الموجود الآن كالشخص الواحد من الأشخاص الحادثة؟\nفتبين أن احتجاجكم على مطلوبكم باطل، سواء كان تسلسل الحوادث جائزًا أو لم يكن، بل إذا لم يكن جائزًا بطلت الحجة، وبطل المذهب المعروف عندكم،","vol":"1","page":352},{"text":"وهو أن حركات الأفلاك أزلية، فإن هذا إنما يصح إذا كان تسلسل الحوادث جائزًا، فإذا كان تسلسلها ممتنعًا لزم أن يكون لحركة الفلك أول، وإن كان تسلسل الحوادث جائزًا، لم يكن في ذلك دلالة على قدم شيء من العالم، لجواز أن يكون حدوث الأفلاك موقوفًا على حوادث قبله، وهلم جرًا.\nفإن قلتم: هذا يستلزم قيام الحوادث المتسلسلة بالقديم.\nكان الجواب من وجوه: أحدها: أن هذا هو قولكم، ليس هذا ممتنعًا عندكم، فإن الفلك قديم أزلي عندكم، مع أنه جسم تقوم به الحوادث.\nالثاني: أنه يجوز أن تكون تلك الحوادث - إذا امتنع قيامها بواجب الوجود - قائمة بمحدث بعد محدث، فإن كان صدور هذه الحوادث المتسلسلة عن الواجب القديم ممكنًا بطلت حجتكم، وإن كان ممتنعًا بطل مذهبكم وحجتكم أيضًا، فإن قولكم: إن الحوادث الفلكية المتسلسلة صادرة عن قديم أزلي.\nالثالث: أنا نتكلم على تقدير إمكان تسلسل الحوادث.\nوعلى هذا التقدير فلا بد من التزام أحد أمرين: إما قيام الحوادث بالواجب وإما تسلسل الحوادث عنه بدون قيام حادث به.\nالرابع أن يقال: قيام الحوادث بالقديم: إما أن يكون ممتنعًا، وإما أن يكون ممكنًا، فإن كان ممتنعًا لزم حدوث الأفلاك، وهو المطلوب، وإن كان جائزًا بطلت هذه الحجة.","vol":"1","page":353},{"text":"الخامس: أن من قال أهل الكلام بأن: القديم لا تحله الحوادث إنما قاله لأن تسلسل الحوادث في المحل يستلزم حدوثه عندهم، فإن كان قولهم هذا صحيحًا لزم حدوث الأفلاك والنفوس وكل ما يقوم به حوادث متسلسلة، وهو يستلزم بطلان حجتكم، لأنه حينئذ يمكن صدور العالم م تكن، أو ما زال يحدث شيء بعد شيء، والأول يستلزم حدوث الحادث بلا سبب حادث، وهذا باطل، كما ذكرتموه في الحجة، لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح.\nوالثاني: يمتنع أن يكون في الممكنات شيء قديم، وهو نقيض مذهبكم.\nفإذا قالوا: نحن ما أحلنا قيام الحوادث بالواجب، لكون القديم لا تحله الحوادث - فإن ذلك جائز عندنا - بل لأنه لا تقوم به الصفات.\nقيل لهم: فحينئذ سهلت القضية، فإن جماهير أهل الملل من المسلمين وغيرهم بل - وجمهور الفلاسفة - يخالفونكم في هذا الأصل، وقولكم في نفي الصفات أضعف بكثير من قول من قال: القديم لا تحله الحوادث.","vol":"1","page":354},{"text":"ولهذا كان كثير من المسلمين - كالكلابية ومن وافقهم - يقولون بإثبات الصفات للواجب، دون قيام الحوادث به، فإذا لم يكن لكم حجة على نفي قيام الحوادث به إلا ما هو حجة لكم على نفي الصفات، كانت الأدلة على بطلان قولكم كثيرة جدًا.\nوتبين حينئذ فساد قولكم بنفي الصفات وجعل المعاني المتعددة شيئًا واحدًا، وأن قولكم: إن العاشق والمعشوق والعشق، والعاقل والمعقول والعقل: شيء واحد، وإن العالم هو العلم، والقدرة هي الإرادة من أفسد الأقوال، كما قد بين فيما تقدم لما نبهنا على تلبيسكم على المسلمين، وتكلمنا على ما تسمونه تركيبًا، وأنه - بتقدير موافقتكم على أصطلاحكم الفاسد - لا حجة لكم على نفيه، وهكذا تجابون على حجة التأثير.\nوقولهم: إن كان التأثير قديمًا لزم قدم الأثر، وأن كان محدثًا، فإن كان المحدث جنس التأثير - وقيل بجواز ذلك - كان للحوادث ابتداء، وبطل مذهبكم، وإن قيل بامتناعه - وهو أنه لا يحدث شيء ما حتى يحدث شيء - فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، وقد يسمى تسلسلًا ودوارًا، وإن كان المحدث التأثير في شيء معين بعد حدوث معين قبله، لزم التسلسل وقيام الحوادث بالقديم.\nفإنه يقال لهم: إما أن يكون التأثير أمرًا وجوديًا، وإما أن لا يكون وجوديًا، فإن لم يكن وجوديًا بطلت الحجة وهو جواب الرازي، وهو جواب من يقول: الخلق نفس المخلوق.\nوإن كان وجوديًا، فإما أن يكون قائمًا بذات المؤثر أو بغيره، فإن كان","vol":"1","page":355},{"text":"قائمًا بذاته، لزم جواز قيام الأمور الوجودية بواجب الوجود، وهذا قول مثبتة الصفات.\nوعلى هذا التقدير فالتسلسل في الآثار والشروط، إن كان ممكنًا بطلت هذه الحجة، وأمكن تسلسل التأثيرات القائمة بالقديم، وإن كان ممتنعًا لزم جواز حدوث الحوادث عن تأثر قديم ن فتبطل حجتكم.\nوإن كان التأثير - أو تمامه - قائمًا بغيره لزم جواز التسلسل في الشروط، وأن يكون ممكنا، وإذا كان ممكنًا أمكن تسلسل التأثير، فبطلت الحجة.\nوذلك لأن التقدير أن تمام التأثير قائم بغير المؤثر، وعلى هذا التقدير فإن لم يكن التسلسل ممكنًا كان هناك تأثير قديم بغير ذات الله تعالى، وهذا باطل لم يقل له أحد، وإن قدر إمكانه أمكن حدوث الأفلاك عنه، وهو المطلوب.\nومما يجابون به عن حجة التأثير، أن يقال أيضًا: التسلسل في الآثار إن كان ممكنًا بطلت الحجة، لإمكان حدوث الأفلاك عن تأثير مسبوق بتأثير آخر، وإن كان ممتنعًا لزم إما حدوث الحوادث عن تأثير قديم، أو كون التأثير عدميًا، وعلى التقديرين يبطل قولكم.\nوذلك لأن الحوادث مشهودة لا بد لها من إحداث محدث، وذلك الإحداث هو التأثير، فإن كان عديمًا بطلت الحجة، وإن كان موجودًا، فإن كان قديمًا لزم حدوث الحوادث عن تأثير قديم، فتبطل الحجة، وإن كان التأثير محدثًا - والتقدير أن التسلسل ممتنع - فيلزم أن يكون حدث بتأثير محدث، فتبطل الحجة أيضًا.\nوهو جواب لا مخلص لهم عنه، به ينقطع شغبهم.","vol":"1","page":356},{"text":"وأما أن يجابوا بقول يخالف فيه أكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم ويجعل خلق الله ﷿ للسماوات والأرض مبنيًا على مثل هذا القول الذي هو جواب المعارضة: فهذا لا يرضى به عقل ولا ذو دين.\nبل يحب أن يعلم أن الأمور المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب عما يعارضها جوابًا قاطعًا لا شبهة فيه، بخلاف ما يسلكه من يسلكه من أهل الكلام الذين يزعمون أنهم يبينون العلم واليقين بالأدلة والبراهين وإنما يستفيد الناظر في كلامهم كثرة الشكوك والشبهات، وهم في أنفسهم عندهم شك وشبهة فيما يقولون: إنه برهان قاطع، ولهذا يقول أحدهم في هذا الموضع: إنه برهان قاطع، وفي موضع آخر يفسد ذلك البرهان.\nوالذين يعارضون الثابت في الكتاب والسنة بما يزعمون أنه من العقليات القاطعة إنما يعارضونه يمثل هذه الحجج الداحضة.\nفكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفي بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين.\nولولا أنا قد بسطنا الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع - وهذا موضع تنبيه وإشارة، لا موضع بسط - لكنا نبسط الكلام في ذلك، ولكن نبهنا على ذلك.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>ملخص الرد على حجة التأثير</span>\nوملخص ذلك في حجة التأثير، الذي يسمى الخلق والإبداع، والتكوين والإيجاب، والاقتضاء والعلية، والمؤثرية، ونحو ذلك - أن يقال: التأثير في الحوادث: إما أن يكون وجوديًا أو عدميًا، وإذا كان وجوديًا: فإما إن يكون قديمًا أو حادثًا، وعلى كل تقدير فحجة الفلاسفة باطلة.\nأما إن كان عدميًا فظاهر، لأنه لا يستلزم حينئذ قدم الأثر، إذ العدم لا يستلزم شيئًا موجودًا، ولأنه إذ جاز أن يفعل الفاعل للمحدثات بعد أن لم يفعلها من غير تأثير وجودي أمكن حدوث العالم بلا تأثير وجودي، كما هو قول الأشعرية ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وكثير من المعتزلة.\nوإن كان وجوديًا فإما أن يكون قديمًا أو محدثًا، فإن كان التأثير قديمًا فإما أن يقال بوجوب كون الأثر متصلًا بالتأثير، والمكون متصلًا بالتكوين، وإما أن لا يقال بوجوب ذلك، وإما أن يقال بوجوب المقارنة، وإما أن يقال بإمكان انفصال الأثر عن التأثير.\nفإن قيل بوجوب ذلك فمعلوم حينئذ بالضرورة أن في العالم حوادث، فيمتنع أن يكون التأثير في كل منها قديمًا، بل لا بد من تأثيرات حادثة، ويمتنع حينئذ أن يكون في العالم قديم، لأن الأثر إنما يكون عقب التأثير، والقديم لا يكون مسبوقًا بغيره.\nوإن قيل: إن الأثر يقارن المؤثر فيكون زمانهما واحدًا لزم أن لا يكون في العالم شيء حادث، وهو خلاف المشاهدة.","vol":"1","page":358},{"text":"فإذا قيل بأن: التأثير لم يزل في شيء بعد شيء كان كل من الآثار حادثًا، ولزم حدوث كل ما سوى الله، وإن كان كل حادث مسبوقًا بحادث.\nوإن قيل: بل يتأخر الأثر عن التأثير القديم لزم إمكان حدوث الحوادث عن تأثير قديم، كما هو قول كثير من أهل النظر.\nوهو قول من يقول بإثبات الصفات الفعلية لله تعالى، وهي صفة التخليق، ويقول: إنها قديمة، وهو قول طوائف من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، والصوفية، وأهل الكلام، وغيرهم.\nوإن كان التأثير محدثًا فلا بد له من محدث، فإن قيل بجواز حدوث الحوادث بإرادة قديمة، أو إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح: جاز أن يحدث التأثير قائمًا بالمؤثر بقدرته، أو بقدرته ومشيئته القديمة، كما يجوز من يجوز وجود المخلوقات البائنة عنه بمجرد قدرته، أو لمجرد قدرته ومشيئته القديمة.\nوإن قيل: لا يمكن حدوث الحوادث إلا بسبب حادث كان التأثير القائم بالمؤثر محدثًا، وإن كان التأثير محدثًا فلا بد له من محدث، وإحداث هذا التأثير تأثير، وحينئذ فيكون تسلسل التأثيرات ممكنًا، وإذا كان ممكنًا بطلت الحجة، فظهر بطلانها على كل تقدير.\nوصاحب الأربعين وأمثاله من أهل الكلام إنما لم يجيبوا عنها بجواب قاطع، لأن من جملة مقدماتها أن التسلسل ممتنع، وهم يقولون بذلك، والمحتج بها لا يقول بامتناع التسلسل، فإن الدهرية يقولون بتسلسل الحوادث، فإذا أجيبوا","vol":"1","page":359},{"text":"عنها بجواب مستقيم على كل قول، كأن خيرًا من أن يجابوا عنها بجواب لا يقول به إلا بعض طوائف أهل النظر، وجمهور العقلاء يقولون: إنه معلوم الفساد بالضرورة.\nوقد ذكر الرازي هذه الحجة في غير هذا الموضع، وذكر فيها أن القول بكون التأثر أمرًا وجوديًا أمر معلوم بالضرورية، ثم أخذ يجيب عن ذلك بمنع كونها وجودية، لئلا يلزم التسلسل.\nومن المعلوم أن المقدمات التي يقول المنازع إنها ضرورية لا يجاب عنها بأمر نظري، بل إن كان المدعي لكونها ضرورية أهل مذهب معين يمكن أنهم تواطأوا على ذلك القول، وتلقاه بعضهم عن بعض، أمكن فساد دعواهم، وتبين أنها ليست ضرورية، وإن كن مما تقر به الفطر والعقول من غير تواطؤ ولا موافقة من بعضهم لبعض، كالموافقة التي تحصل في المقالات الموروثة، التي تقولها الطائفة تبعًا لكبيرها، لم يمكن دفع مثل هذه، فإنه لو دفعت الضروريات التي يقر بها أهل الفطر والعقول من غير تواطؤ ولا تشاعر، لم يمكن إقامة الحجة على مبطل.\nوهذا هو السفسطة التي لا يناظر أهلها إلا بالفعل، فكل من جحد القاضايا الضرورية المستقرة في عقول بني آدم، التي لم ينقلها بعضهم عن بعض، كان سوفسطائيًا.\nفإن ادعى المدعي أن التأثير أمر وجودي، وذلك معلوم بالضرورة، لم يقل له: بل هو عدمي، لئلا يلزم التسلسل، فإن التسلسل في الآثار فيه قولان مشهوران لمنظار المسلمين وغيرهم.","vol":"1","page":360},{"text":"والقول بجوازه هو قول طوائف: كطائفة من المعتزلة يسمون أصحاب المعاني من أصحاب معمر بن عباد الذين يقولون: للخلق إلى ما لا نهاية له، لكن هؤلاء يثبتون تسلسلًا في آن واحد، وهو تسلسل في تمام التأثير، وهو باطل، وقول طوائف من أهل السنة والحديث، كالذين يقولون: إن الحركة من لوازم الحياة، وكل حي متحرك، والذين يقولون: إنه لم يزل متكلما إذا شاء، وغير هؤلاء.\nفإذا كان فيه قولان، فإما أن يكون جائزًا، أو يكون العلم بامتناعه نظيرًا خفيًا.\nبل الجواب القاطع يكون بوجوه قد بسطناها في غير الموضع.\nمنها ما ذكرناه، وهو أن يقال: التأثير سواء كان وجوديًا أو عديمًا، وسواء كان التسلسل ممكنا ًأو ممتنعًا، فاحتجاجهم به على قدم العالم احتجاج باطل.\nأو يقال: إن كان التسلسل في الآثار ممكنًا بطلت الحجة، لإمكان حدوثه بتأثير حادث، وإن لزم التسلسل.\nوإن كان ممتنعًا لزم حدوث الحوادث بدون تسلسل التأثير، وهو يبطل الحجة، فالحجة باطلة على التقديرين، وهذا جواب مختصر جامع.\nفإن الحجة مبناها على أنه لا بد للحوادث من تأثير وجودي، فإن كان محدثًا لزم التسلسل، وهو ممتنع، وإن كان قديمًا لزم قدم الأثر.\nفيقال له: إن كان التسلسل في الآثار ممكنا بطلت الحجة، لإمكان حدوثه عن تأثير حادث، وذلك عن تأثير حادث، وهلم جرًا، وامتناع التسلسل مقدمة من مقدمات الدليل، فإذا بطلت مقدماته بطل، إن كان التسلسل ممتنعًا، لزم أن تكون الحوادث حدثت عن تأثير وجودي قديم، وحينئذ فيمكن حدوث العالم بدون تسلسل الحوادث عن تأثير قديم، وهو المطلوب.","vol":"1","page":361},{"text":"وإن شئت أدخلت المقدمة الأولى في التقدير أيضًا، كما تقدم التنبيه عليه ن، حتى يظهر الجواب على كل تقدير، وعلى قول كل طائفة من نظار المسلمين، إذ كان منهم من يقول: التأثير في المحدثات وجودي قديم، ومنهم من يقول، هو أمر عدمي، ومنهم من يقول بتسلسل الآثار الحادثة.\nوالدهري بنى حجته عل أنه لا بد من تأثير وجودي قديم، وأنه حينئذ يلزم قدم الأثر.\nفيجاب على كل تقدير، فيقال: التأثير إن كان عدميًا بطلت المقدمة الأولى، وجاز حدوث الحوادث بدون تأثير وجودي، وإن كان وجوديًا - وتسلسل الحوادث ممكن - أمكن حدوثه بآثار متسلسلة، وبطل قولك بامتناع تسلسل الآثار، وإن كان تسلسل الآثار ممتنعًا لزم: إما التأثير القديم، وإما التأثير الحادث بالقدرة، أو بالقدرة والمشيئة القديمة، وحينئذ فالحوادث مشهودة، فتكون صادرة عن تأثير قديم أو حادث، وإذا جاز صدور الحوادث عن تأثير قديم أو حادث بطلت الحجة.\nوأصل هذا الكلام: أنا نشهد حدوث الحوادث، فلا بد لها من محدث، هو المؤثر، وإحداثه هو التأثير، فالقول في إحداث هذه الحوادث والتأثير فيها، كالقول في إحداث العالم والتأثر فيه.\nوهؤلاء الدهرية بنوا هذه الحجة على أنه لا بد من تأثير حادث، فيفتقر إلى تأثير حادث، كما بنوا الأولى على أنه لا بد من سبب حادث، فمأخذ الحجتين من مشكاة التسلسل في الآثار: القائلون بقدم العالم، والقائلون بحدوثه، كما يجوزه طوائف من أهل الملل، أو أكثر أهل الملل.","vol":"1","page":362},{"text":"فإذا أجيبوا على التقديرين، وقيل لهم: إن كان التسلسل جائزًا بطلت هذه الحجة وتلك، وإن لم يكن جائزًا بطلت أيضًا هذه وتلك، كان هذا جوابًا قاطعًا.\nولكن لفظ التسلسل فيه إجمال واشتباه، كما في لفظ الدور، فإن الدور يراد به: الدور القبلي، وهو ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء، ويراد به الدور المعي الاقتراني، وهو جائز بصريح العقل واتفاق العقلاء، ومن أطلق امتناع الدور فمراده الأول، أو هو غالط في الإطلاق.\nولفظ التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات، وهو أن يكون للحادث فاعل وللفاعل فاعل، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء، وهذا هو التسلسل الذي أمر التبي ﷺ بأن يستعاذ بالله منه، وأمر بالانتهاء عنه، وأن يقول القائل: آمنت بالله ورسله.\nكما في الصحيحين «عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته» .\nوفي رواية: «لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق من خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل:","vol":"1","page":363},{"text":"آمنت بالله» ورواية: «ورسوله» وفي رواية: «لا يزالون بك يا أبا هريرة حتى يقولوا: هذا الله، فمن خلق الله؟ قال: فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب، فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصى بكفه فرماهم به، ثم قال: قوموا، قوموا، صدق خليلي» .\nوفي الصحيح أيضًا «عن أنس بن مالك عن رسول ﷺ قال قال الله: إن أمتك لا يزالون يسألون: ما كذا؟ وما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟» .\nوهذا التسلسل في المؤثرات والفاعلين يقترن به تسلسل آخر، وهو التسلسل في تمام الفعل والتأثير، وهو نوعان: تسلسل في جنس الفعل، وتسلسل في الفعل المعين.\nفالأول - مثل أن يقال: لا يفعل الفاعل شيئًا أصلا حتى يفعل شيئًا معينًا، أو لا يحدث شيئًا حتى يحدث شيئًا، أو لا يصدر عنه شيء حتى يصدر عنه شيء، فهذا أيضًا بالطل بصريح العقل واتفاق العقلاء.","vol":"1","page":364},{"text":"وهذا هو الذي يصح أن يجعل مقدمة في دوام الفاعلية، بأن يقال: كل الأمور المعتبرة في كونه فاعلًا: إن كانت قديمة لزم قدم الفعل، وإن حدث فيها شيء، فالقول في حدوث ذلك الحادث كالقول في حدوث غيره، فالأمور المعتبرة في حدوث ذلك الحادث: إن كانت قديمة لزم قدم الفعل، وإن كانت محدثة لزم أن لا يحدث شيء من الأشياء حتى يحدث شيء.\nوهذا جمع بين النقيضين، وقد يسمى هذا دورًا، ويسمى تسلسلًا، وهذا هو الذي أجاب عنه من أجاب بالمعارضة بالحوادث المشهودة.\nوجوابه أن يقال: أتعني بالأمور المعتبرة الأمور المعتبرة في جنس كونه فاعلًا، أم الأمور المعتبرة في فعل شيء معين؟ أما الأول فلا يلزم من دوامها دوام فعل شيء من العالم، وأما الثاني: فيجوز أن يكون كل ما يعتبر في حدوث المعين كالفلك وغيره حادثًا، ولا يلزم من حدوث شرط الحادث المعين هذا التسلسل، بل يلزم منه التسلسل المتعاقب في الآثار، وهو أن يكون قبل ذلك الحادث حادث، وقبل ذلك الحادث حادث، وهذا جائز عندهم وعند أئمة المسلمين، وعلى هذا فيجوز أن يكون كل ما في العالم حادثًا، مع التزام هذا التسلسل الذي يجوزونه.\nوقد يراد بالتسلسل في حدوث الحادث العين، أو في جنس الحوادث: أن يكون قد حدث مع الحادث تمام مؤثره، وحدث مع حدوث تمام المؤثر.\nوهلم جرًا.\nوهذا أيضًا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء، وهو من جنس التسلسل في تمام التأثير.","vol":"1","page":365},{"text":"فقد تبين أن التسلسل إذا أريد به أن يحدث مع كل حادث حادث يقارنه، يكون تما تأثيره مع الآخر حادث، وهلم جرًا، فهذا ممتنع من جنس قول معمر في المعاني التسلسلة، وإن أريد به أن يحدث قبل كل حادث حادث وهلم جرًا، فهذا فيه قولان، وأئمة المسلمين وأئمة الفلاسفة يجوزونه.\nوكما أن التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات وفي تمام التأثير، يراد به التسلسل المتعاقب شيئًا بعد شيء، ويراد به التسلسل المقارن شيئًا مع شيء، فقولنها أيضًا: إن المؤثر يستلزم أثره يراد به أن يكون عقبه، فهذا هو الاستلزام المعروف عند جمهور العقلاء، وعلى هذا فيمتنع أن يكون في العالم شيء قديم.\nوالناس لهم في أستلزام المؤثر أثره قولان:\nفمن قال: إن الحادث يحدث في الفاعل بدون سبب حادث فإنه يقول: المؤثر التام لا يجب أن يكون أثره معه، بل يجوز تراخيه، ويقول: أن القادر المختار يرجع أحد مقدوريه بمجرد قدرته التي لم تزل، أو بمجرد مشيئته التي لم تزل، وإن لم يحدث عند وجود الحادث سبب.\nوالقول الثاني: أن المؤثر التام يستلزم أثره.\nلكن في معنى هذا الاستلزام قولين:","vol":"1","page":366},{"text":"أحدهما: أن يكون معه، بحيث يكون زمان الأثر زمان المؤثر، فهذا هو الذي تقوله المتفلسفة، وهو معلوم الفساد بصريح العقل عند جمهور العقلاء.\nوالثاني: أن يكون الأثر عقب تمام المؤثر، وهذا يقر به جمهور العقلاء وهو يستلزم أن لا يكون في العالم شيء قديم، بل كل ما فعله القديم الواجب بنفسه، فهو محدث.\nوإن قيل: إنه لم يزل فعالًا، وإن قيل بدوام فاعليته، فذلك لا يناقض حدوث كل ما سواه، بل هو مستلزم لحدوث كل ما سواه، فإن كل مفعول فهو محدث، فكل ما سواه مفعول، فهو محدث مسبوق بالعدم، فإن المسبوق بغيره سبقًا زمانيًا لا يكون قديمًا، والأثر المتعقب لمؤثره، الذي زمانه عقب زمان تمام مؤثره، ليس مقارنًا له في الزمان، بل زمنه متعقب لزمان تمام التأثير، كتقدم بعض أجزاء الزمان على بحض وليس في أجزاء الزمان شيء قديم، وإن كان جنسه قديمًا، بل كل جزء من الزمان مسبوق بآخر، فليس من التأثيرات المعينة تأثير قديم، كما ليس من أجزاء الزمان جزء قديم.\nفمن تدبر هذه الحقائق، وتبين له ما فيها من الاشتباه والالتباس: تبين له محارات أكابر النظار في هذه المهامه التي تحار فيها الأبصار.\nوالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>عمدة الفلاسفة في قدم العالم على مقدمتين</span>\nوحقيقة الأمر: أن هؤلاء الفلاسفة بنوا عمدتهم في قدم العالم على مقدمتين: إحداهما: أن الترجيح لا بد له من مرجح تام يجب به.\nوالثانية أنه لو حدث الترجيح للزم التسلسل، وهو باطل.\nوهم متناقضون قائلون بنقيض هاتين المقدمتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>جواز التسلسل</span>\nأما جواز التسلسل، فإن أرادوا به التسلسل المتعاقب في الآثار شيئًا بعد شيء، فهم يقولون بجواز ذلك، وحينئذ فلا يمتنع أن يكون كل ما سوى الله محدثًا، كائنًا بعد أن لم يكن، كالفلك وغيره، وإن كان حدوثه مؤقوفًا على سبب حادث قبله، وحدوث ذلك السبب موقوف على سبب حادث قبله.\nوإن أرادوا التسلسل المقترن - وهو أنه لو حدث حادث، للزم أن يحدث معه تأثيره، ومع حدوث تمام تأثيره يحدث تأثير المؤثرـ فهذا باطل بصريح العقل، وهم يوافقون على امتناعه.\nوإن عنوا بالتسلسل: أنه لو حدث ترجيح جنس الفعل للزم هذا التسلسل فهو صادق، ولكن هذا يفيد أنه لا يحدث مرجح يوجب ترجيح الفعل، بل لا يزال جنس الفعل موجودًا، فهذا يسلمه لهم أئمة المسلمين.","vol":"1","page":368},{"text":"لكن ليس في هذا ما يقتضي صحة قولهم بقدم شيء من العالم، بل هذا يقتضي حدوث كل ما سوى الله، فإنه إذا كان جنس الفعل لم يزل، لزم أنه لا تزال المفعولات تحدث شيئًا بعد شيء، وكل مفعول محدث مسبوق بعدم نفسه، ولكن هؤلاء ظنوا أن المفعول يجب أن يقارن الفاعل في الزمان، ويكون معه من غير أن يتقدم الفاعل على مفعوله بزمان.\nوهذا غلط بين لمن تصوره، وهو معلوم الفساد بالعقل عند عامة العقلاء، ولهذا لم يكن في العقلاء من قال: إن السماوات والأرض قديمة أزلية إلا طائفة قليلة، ولم يكن في العالم من قال: إنها مفعولة وهي قديمة إلا شرذمة من هذه الطائفة الذين خالفوا المعقول وصحيح المنقول.\nوقولهم بأن المؤثر التام الأزلي يستلزم أثره بهذا الاعتبار الذي زعموه، أي: يكون معه لا يتقدم المؤثر على أثره بالزمان، يوجب أن لا يحدث في العالم شيء، وهو خلاف المشاهدة، فقد قالوا بما يخالف الحس والعقل وأخبار الأنبياء.\nوهذه هي طرق العلم.\nوإذن، كان الممتنع إنما هو جواز التسلسل في أصل التأثير، والتسلسل المقارن مطلقًا.\nوأما التسلسل في الآثار شيئًا بعد شيء فهم مصرحون به: معترفون بجوازه.","vol":"1","page":369},{"text":"وقدم العالم ليس لازمًا مستلزمًا لجواز التسلسل.\nوإنما خصوا به المعتزلة ومن اتبعهم من الكلابية وغيرهم، الذين وافقوهم على نفي الأفعال القائمة به، أو نفي الصفات والأفعال، فقالوا لهم: أنتم قدرتم في الأزل ذاتًا معطلة عن الفعل، فيمتنع أن يحدث عنها شيء لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح.\nفالطريق الذي به ينقطع هؤلاء الفلاسفة أن يقال: إن كان التسلسل في الآثار شيئًا بعد شيء ممتنعًا بطلت الحجة، وإن كان جائزًا أمكن أن يكون حدوث كل شيء من العالم مبينًا على حوادث قبله، إما معان حادثة شيئًا بعد شيء في غير ذات الله تعالى، وإما أمور قائمة بذات الله تعالى، كما يقوله أهل الحديث وأهل الإثبات، الذين يقولون: لم يزل متكلمًا إذا شاء، فعالًا لما يشاء، وإما غير ذلك، كما قاله الأرموي وغيره.\nوبالجملة: فالتقديرات في تسلسل الحوادث معددة، ومهما قدر منها كان أسهل من القول بأن السماوات والأرض أزلية، وأن الله لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهؤلاء الفلاسفة إنما يبحثون بمجرد عقولهم، فليس في العقل ما يوجب ترجيح قدم الأفلاك على سائر التقديرات، ومن يقر بالسمع - كمن يقر بالشرائع منهم - فأي تقدير قدره كان أقرب إلى الشرع من قولهم بقدم الأفلاك.","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الترجيح بلا مرجح</span>\nوأما المقدمة الثانية - وهي الترجيح بلا مرجح - فإنهم ألزموا بها القائلين بالحدوث بدون سبب حادث، وهي لهم ألزم، فإن الحوادث المتجددة تقتضي تجدد أسباب حادثة، فالحدوث أمر ضروري على كل تقدير، والذات القديمة المستلزمة لموجبها: إن لم يتوقف حدوث الحوادث عنها على غيرها لزم مقارنة الحوادث لها في الأزل، وهذا باطل بالضرورة والحس، وإن توقف على غيرها فذلك الغير إن كان قديمًا أزليًا كان معها، فيلزم مقارنة الحوادث لها، وإن كان حادثًا، فالقول في سبب حدوثه كالقول في غيره من الحوادث.\nفهؤلاء الفلاسفة أنكروا على المتكلمين - نفاة الأفعال القائمة به - أنهم أثبتوا حدوث الحوادث بدون سبب حادث، مع كون الفاعل موصوفًا بصفات الكمال، وهم أثبتوا حدوث الحوادث كلها بدون سبب حادث، ولا ذات موصوفة بصفات الكمال، بل حقيقة قولهم أن الحوادث تحدث بدون محدث فاعل، إذ كانوا مصرحين بأن العلة التامة الأزلية يجب أن يقارنها معلولها، فلا يبقى للحوادث فاعل أصلًا، لا هي ولا غيرها.\nفعلم أن قولهم أعظم تناقضًا من قول المعتزلة ونحوهم، وأن ما ذكروه من الحجة في قدم العالم، هو على حدوثه أدل منه على قدمه، باعتبار كل واحدة من مقدمتي حجتهم.","vol":"1","page":371},{"text":"ومن تدبر هذا وفهمه تبين له أن الذين كذبوا بآيات الله صم وبكم في الظلمات، وأن هؤلاء وأمثالهم من أهل النار، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ (الملك: ١٠)، وهذا مبسوط في موضع آخر.\nوالمقصود هنا أن نبين أن أجوبة نفاة الأفعال الاختيارية القائمة بذات الله تعالى لهؤلاء الدهرية أجوبة ضعيفة،.\nكما بين ذلك، وبهذا استطالت الفلاسفة والملاحدة وغيرهم عليهم.\nفالذين سلكوا هذه المناظرة لا أعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه، ولا أعطوا الجهاد لأعداء الله تعالى حقه، فلا كملوا الإيمان ولا الجهاد.\nوقد قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ (الحجرات: ١٥)، وقال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (آل عمران: ٨١) .\n«قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن","vol":"1","page":372},{"text":"بعث الله محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه» .\nفقد أوجب الله تعالى على المؤمنين الإيمان بالرسول والجهاد معه، ومن الإيمان به: تصديقه في كل ما أخبر به، ومن الجهاد معه دفع كل من عارض ما جاء به، وألحد في أسماء الله وآياته.\nوهؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة، الذين ذمهم السلف والأئمة، لا قاموا بكمال الإيمان ولا بكمال الجهاد، بل أخذوا يناظرون أقواما من الكفار وأهل البدع، الذين هم أبعد عن السنة منهم، بطريق لا يتم إلا برد بعض ما جاء به الرسول، وهي لا تقطع أولئك الكفار بالمعقول، فلا آمنوا بما جاء به الرسول حق الإيمان ولا جاهدوا الكفار حق الجهاد، وأخذوا يقولون أنه لا يمكن الإيمان بالرسول ولا جهاد الكفار، والرد على أهل الإلحاد والبدع إلا بما سلكناه من المعقولات، وإن ما عارض هذه المعقولات من السمعيات يجب رده - تكذيبًا أو تأويلًا أو تفويضًا - لأنها أصل السمعيات.\nوإذا حقق الأمر عليهم وجد الأمر بالعكس، وأنه لا يتم الإيمان بالرسول والجهاد لأعدائه، إلا بالمعقول الصريح المناقض لما ادعوه من العقليات، وتبين","vol":"1","page":373},{"text":"أن المعقول الصريح مطابق لما جاء به الرسول، لا يناقضه ولا يعارضه، وأنه بذلك تبطل حجج الملاحدة، وينقطع الكفار، فتحصل مطابقة العقل للسمع، وانتصار أهل العلم والإيمان على أهل الضلال والإلحاد، ويحصل بذلك الإيمان بكل ما جاء به الرسول، واتباع صريح المعقول، والتمييز بين البينات والشبهات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>كل ما يحتج به النفاة يدل على نقيض قولهم</span>\nوقد كنت قديمًا ذكرت في بعض كلامي أني تدبرت عامة ما يحتج به النفاة من النصوص، فوجدتها على نقيض قولهم أدل منها على قولهم، كأحتجاجهم على نفي الرؤية بقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] فبينت أن الإدراك هو الإحاطة لا الرؤية، وأن هذه الآية تدل على إثبات الرؤية أعظم من دلالتها على نفيها.\nوكذلك إحتجاجهم على أن القرآن أو عبارة القرآن مخلوقة بقوله تعالى ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه﴾ [الأنبياء: ٢] بينت أن دلالة هذه الآية على نقيض قولهم أقوى، فإنها تدل على أن بعض الذكر محدث وبعضه ليس بمحدث، وهو ضد قولهم.\nوالحدوث في لغة العرب العامة ليس هو الحدوث في اصطلاح أهل ال كلام، فإن العرب يسمون ما تجدد حادثًا، وما تقدم على غيره قديمًا، وإن كان بعد أن لم يكن، كقوله تعالى ﴿كالعرجون القديم﴾ [يس: ٣٩]، وقوله تعالى عن إخوة يوسف ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ [يوسف: ٩٥]، وقوله تعالى ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم﴾ [الأحقاف: ١١]","vol":"1","page":374},{"text":"وقوله تعالى عن إبراهيم ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون﴾ [الشعراء: ٧٥-٧٦] .\nوكذلك استدلالهم بقوله: الأحد الصمد على نفي علوه على الخلق وأمثال ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع.\nثم تبين لي بعد ذلك مع هذا أن المعقولات في هذا كالسمعيات، وأن عامة ما يحتج به النفاة من المعقولات هي أيضًا على نقيض قولهم أدل منها على قولهم، كما يستدلون به على نفي الصفات ونفي الأفعال، وكما يستدل به الفلاسفة على قدم العالم، ونحو ذلك والمقصود هنا التنبيه، وإلا فالبسط له موضع آخر.\nوعمدة من نفى الأفعال والصفات من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة، ومن اتبعهم على هذه الحجة التي زعموا أنهم يقررون بها حدوث العالم وإثبات الصانع، فجعلوا ما قامت به الصفات أو الأفعال محدثًا، حتى يستدلوا بذلك على أن العالم محدث، ويلزم من ذلك أن لا يقوم بالصانع لا الصفات ولا الأفعال.\nوإذا تدبر العاقل الفاضل تبين له أن إثبات الصانع وإحداثه للمحدثات لا يمكن إلا بإثبات صفاته وأفعاله، ولا تنقطع الدهرية من الفلاسفة وغيرهم قطعًا تامًا عقليًا لا حيلة لهم فيه، إلا على طريقة السلف أهل الإثبات للأسماء والأفعال والصفات، وأما من نفى الأفعال أو نفى الصفات فإن الفلاسفة الدهرية تأخذ بخناقه، ويبقى حائرًا شاكًا مرتابًا مذبذبًا، بين أهل الملل المؤمنين بالله ورسوله وبين هؤلاء الملاحدة، كما قال تعالى في المنافقين ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ [النساء: ١٤٣] .","vol":"1","page":375},{"text":"وهذا موجود في كلام عامة هؤلاء الذين في كلامهم سنة وبدعة، ولا ريب أنهم يردون على الفلاسفة وغيرهم أمورًا، ولكن الفلاسفة ترد عليهم أمورًا، وهم ينتصرون في غالب الأمر بالحجة العقلية على الفلاسفة، أكثر مما تنتصر الفلاسفة بالحجة العقلية عليهم، ولكن قد تقول الفلاسفة أمورًا باطلة من جنس العقليات فيوافقونهم عليها فيستطيلون بها عليهم وقد تقول الفلاسفة أمورًا صحيحة موافقة للشريعة فيردونها عليهم، وهم لا يصيبون الصدق والعدل إلا إذا وافقوا الشريعة، فإذا خالفوها كان غايتهم أن يقابلوا الفاسد بالفاسد، الباطل بالباطل، فتبقي الفلاسفة العقلاء في شك، ويبقى العقلاء منهم في شك، لا حصل لهؤلاء نور الهدى ولا لهؤلاء.\nوإنما يحصل النور والهدى بأن يقابل الفاسد بالصالح، والباطل بالحق، والبدعة بالسنة والضلال بالهدى، والكذب بالصدق.\nوبذلك يتبين أن الأدلة الصحيحة لا تعارض بحال، وأن المعقول الصريح مطابق للمنقول الصحيح.\nوقد رأيت من هذا عجائب، فقل أن رأيت حجة عقلية هائل لمن عارض الشريعة، قد انقدح لي وجه فسادها وطريق حلها، إلا رأيت بعد ذلك من أئمة بلك الطائفة من قد تفطن لفسادها وبينه.","vol":"1","page":376},{"text":"وذلك لأن الله خلق عباده على الفطرة، والعقول السليمة مفطورة على معرفة الحق، لولا المعارضات، ولهذا أذكر من كلام رؤوس الطوائف من العقليات ما يبين ذلك، لا لأنا محتاجون في معرفتنا إلى ذلك، لكن ليعلم أن أئمة الطوائف معترفون بفساد هذه القضايا، التي يدعي إخوانهم أنها قطعية، مع مخالفتها للشريعة، ولأن النفوس إذا علمت أن ذلك القول قاله من هو من أئمة المخالفين، استأنست بذلك واطمأنت به، ولأن ذلك يبين أن تلك المسألة فيها نزاع بين تلك الطائفة، فتنحل عقد الإصرار والتصميم على التقليد.\nفإن عامة الطوائف - وإن ادعوا العقليات - فجمهورهم مقلدون لرؤوسهم، فإذا رأوا الرؤوس قد تنازعوا واعترفوا بالحق، انحلت عقدة الإصرار على التقليد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>إبطال الأبهري حجة الفلاسفة على قدم العالم</span>\nوقد رأيت الأثير الأبهري - وهو ممن يصفه هؤلاء المتأخرون بالحذق في الفلسفة والنظر، ويقدمونه على الأرموي، ويقولون: الأصبهاني صاحب القواعد هو وغيره","vol":"1","page":377},{"text":"تلامذته - رأيته قد أبطل حجة هؤلاء المتفلسفة على قدم العالم بما يقرر ما ذكرته من إبطالها، وكان ما أجاب به عن حجتهم أولى بدين المسلمين، كما ذكره الأرموي، مع أنه ينتصر للفلاسفة أكثر من غيره.\nفقال في فصل ذكر فيه ما يصح من مذاهب الحكماء وما لا يصح:\nقال: (ثم قالوا: إن الواجب لذاته يجب أن يكون واجبًا من جميع جهاته، أي يجب أن تكون جميع صفاته لازمة لذاته، إما أن تكون كافية فيما له من الصفات، وجودية كانت أو عدمية، أو لا تكون.\nوالثاني باطل، وإلا لتوقف شيء من صفاته على غيره، وذاته متوقفة على وجود تلك الصفة، أو عدمها، فذاته تتوقف على غيره، وهو محال.\nقال: (وهذا ضعيف، لأنا نقول: لا نسلم أن ذاته تتوقف على وجود تلك الصفة أو عدمها، بل ذاته تستلزم تلك الصفة أو عدمها، ولا يلزم من ذلك ذاته إما على وجودها أو عدمها) .\nقال: (ثم قالوا: إن الباري تعالى يستلزم جملة ما يتوقف عليه وجود العالم، فيلزم من دوامه أزلية العالم، وهو ممتنع، لا محال أن يكون له إرادات حادثة، كل واحدة منها تستند إلى الأخرى، ثم تنتهي في في جانب النزول إلى أرادة تقتضي حدوث العالم، فلزم حدوثه) .","vol":"1","page":378},{"text":"قلت: فهذا الجواب خير من الذي ذكره الأرموي، وذكر أنه باهر، والأرموي نقله من المطالب العالية للرازي، فإنه ذكره، وقال: (إنه هو الجواب الباهر)، ووافقه عليه القشيري المصري: فهذا أصح في الشرع والعقل.\nأما الشرع: فإن هذا فيه قول بحدوث كل ما سوى الله، وذلك القول فيه إثبات عقول ونفوس أزليبة مع الله تعالى، والفرق بين القولين معلوم عند أهل الملل والشرائع.\nوأما العقل: فإن قول الأرموي فيه إثبات أمور ممكنة، يحدث فيها حوادث متعاقبة من غير أمر يتجدد من الواجب، وهذا يقتض حدوث الحوادث بلا محدث، فإن الواجب بنفسه إذا كان علة مستلزمة لمعلولها، لم يجز تأخر شيء من معلوله عنه، بخلاف ما ذكره الأبهري، فإنه ليس فيه إلا أن الواجب مستلزم لآثاره شيئًا بعد شيء، وهذا متفق عليه بينهم، فإنه ليس فيه إلا تسلسل الآثار، والأبهري","vol":"1","page":379},{"text":"والأرموي وغيرهما يقولون بتسلسل الآثار، بل قول أولئك يقتضي أن يكون الفلك هو رب ما دونه، وهو المحدث للحوادث بأفعاله القائمة به المتعاقبة، وقول الأبهري يقتضي أن يكون الله هو رب العالمين، وهو محدث لكل شيء مما يقوم به من الأفعال المتعاقبة.\nولا ريب أن قول أولئك فاسد في العقل، كما هو فاسد في الشرع، فإن الفلك إذا كان ممكنًا فجميع صفاته وحركاته ممكنة، ولا يترجح شيء من ذلك إلا بوجود المرجح التام، فالمرجح التام إن كان موجودًا في الأزل لزم وجود مقتضاه في الأزل.\nثم ذلك المرجح إن كان في نفسه علة تامة لمعلوله، بحيث لا يتجدد به ولا منه شيء، امتنع أن يصدر عنه شيء، بعد أن لم يكن صادرًا لا في الفلك ولا في غير الفلك، لا دائم ولا منقطع، وامتنع أن تكون حركة الفلك الدائمة صادرة عن هذا، لا سيما مع اختلاف الحركات والمتحركات، وأنه بسيط عندهم من كل وجه، وهو في الأزل علة تامة، فيمتنع أن تصدر عنه المختلفات والمتجددات، كما أن جميع المتحركات الممكنات لا تدوم حركتها إلا بدوام السبب المحرك المنفصل عنها، وهذا لأن حال الفاعل إذا كانت حين أحدث هذا المتأخر كحاله حين أحدث ذلك المتقدم، امتنع تخصيص هذا الحال بالفصل دون هذه، كما يقولون هم ذلك.\nوإن قالوا: (إنما كان هذا لأن حركة الفلك لم يمكن وجودها كلها، أو لم يمكن وجود الحوادث كلها في الأزل، فتأخر فيضه لتأخر استعداد القوابل) .","vol":"1","page":380},{"text":"قيل: هذا إنما يمكن أن يقال إذا كان القابل ليس هو صادرًا عن الفاعل، مثل القوابل لأثر الشمس، فإن أثر الشمس فيها مختلف باختلاف تلك القوابل، فتسود وجه القصار وتبيض الثوب، وترطب الفاكهة تارة، وتجففها أخرى، ولهذا إنما قال سلفهم هذا في العقل الفعال، فقالوا إنه يتأخر فيضه على القوابل، لتأخر استعداد القوابل بسب الحركات الفلكية، فالموجب لاستعداد القوابل ليس هو الموجب للفيض عندهم.\nوهذا قالوه لاعتقادهم وجود هذا العقل، وهذا لا يستقيم في المبدع لكل شيء، الذي منه الإعداد ومنه الإمداد، لا يتوقف فعله على غيره.\nفأما إذا كان الفاعل هو الفاعل للقابل والمقبول، عاد السؤال جذعًا، وقيل: فلم جعل القوابيل تقبل على ذلك الوجه، دون غيره؟ ولم جعل الحركة الفلكية علي هذا الوجه دون غيره، مع أن الممكن ليس له من نفسه شيء أصلًا، لا طبيعة ولا غيرها؟ بل الموجب هو الفاعل لطبيعته وحقيقته، وليس له حقيقة في الخارج مباينة للموجود في الخارج، بل البارىء هو المبدع للحقائق كلها.\nومن قال: (إن للممكن ماهية مغايرةً في الخارج للأعيان الموجودة في الخارج) .\nأو قال: (إنه شيء ثابت في القدم)، فلا يمكنه أن يقول: إن تلك المعدومات أوجبت قدرة الفاعل على بعضها دون بعض، مع أنها كلها ممكنة: إلا لأمر آخر، مثل أن يقال: ما يمكن غير هذا، وهذا هو الأصلح، أو الأكمل والأفضل.","vol":"1","page":381},{"text":"وبهذا تظهر حجة الله تعالى في قوله: ﴿يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ (الرعد: ٤)، فإنه دل بهذا على تفضيله بعض المخلوقات على بعض، مع استوائها فيما تساوت فيه من الأسباب.\nكما قال في الآية الأخرى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ .\n(فاطر: ٢٧- ٢٨) .\nفإذا قال القائل: إنما تفاضلت واختلفت لاختلاف القوابل، وأسباب أخرى من الهواء والتراب والحب والنوى.\nقيل له: وتلك القوابل والأسباب هي أيضًا من فعله، ليست من فعل غيره، فهو الذي أعد القوابل، وهو الذي أمد كل شيء بحسب ما أعده له، وحينئذ فقد تبين أنه خلق الأمور المختلفة، ومن كل شيء زوجين، فبطل أن يكون واحدًا بسيطًا لا يصدر عنه إلا واحد لازم له، لا يصدر عنه غيره، ولا يمكنه فعل شيء سواه، فإن فعل المختلفات الحادثات يدل على أنه فاعل بقدرته ومشيئته، ولهذا قال: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: ٢٨) .\nقال طائفة من السلف: العلماء به فإن من جعله غير قادر على إحداث فعل، ولا تغيير شيء من العالم، بل لزمه ما لا يمكنه مفارقته: لم يخشه، إنما يخشى الكواكب والأفلاك التي تفعل الآثار الأرضية عنده، أو ما كان نحو ذلك، ولهذا عبدها هؤلاء من دون الله، ولهذا كان دعاؤهم لها وخشيتهم منها.","vol":"1","page":382},{"text":"ولهذا تبرأ الخليل من مخافتها لما ناظرهم في عبادة الكواكب والأصنام، وقال: ﴿لا أحب الأفلين﴾ (الأنعام: ٧٦) .\nقال تعالى: ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ (الأنعام: ٨٠- ٨١) .\nوقال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ (الأنعام: ٨٢)، فإن المشركين يخافون بالمخلوقات من الكواكب وغيرها، وهم قد أشركوا بالله، ولا يخافون الله إذ أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وإنما يخشاه من عباده العلماء، الذين لا يعلمون أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، فهؤلاء الدهرية الفلاسفة وأمثالهم لا يخافون الله تعالى.\nفإن قال قائل: فهم يقرون بالعبادات، ويقولون: (ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات تحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات) لا سيما الإسلاميون منهم، فإنهم يعظمون الأدعية والعبادات.\nقيل: هم لا يقرون بأن الله نفسه يحدث شيئًا بسبب الدعاء أو غيره، وإنما الحوادث كلها عندهم بسبب حركة الفلك، لا بشيء آخر أصلًا، وهم إذا قالوا: (إن النفوس تقوى بالدعاء والعبادة والتجرد والتصفية، فتؤثر في هيولى العالم) كان هذا عندهم بمنزلة تأثير الأكل والشرب في الري والشبع، لا يستلزم ذلك عندهم","vol":"1","page":383},{"text":"أمرًا يحدث من عند الله تعالى، فإنه لو حدث منه أمر لزم تغيره عندهم، وبطل أصل قولهم.\nوهم قد يخافون ما يحدث من الحوادث بسبب أعمالهم، لاقتضاء طبيعة الوجود ذلك، كما يقولون: إن أكل المضرات يورث المرض أو الموت، والسبب لكل الحوادث حركة الفلك، وإن كانت الحوادث لا تحدث بمجرد الحركة، بل بالحركة وغيرها: أما لكون الحركة توجب امتزاجًا تستعد به الممتزجات لما يفيض عليها من العقل الفعال، أو لغير ذلك، فهم مطالبون بالموجب لحركة الفلك وحدوث جميع الحوادث: إن كان الموجب لها علة تامة في الأزل لا يتأخر عنها شيء من معلولها، امتنع أن تكون حركات الممكنات وما فيها من الحوادث صادرة عن هذه العلة، لأن ذلك يقتضي تأخر كثير من معلولاتها، مع ما فيها من الاختلاف العظيم المنافي لبساطتها التي يسمونها الوحدة.\nوقد بين في غير هذا الموضع أن الواحد البسيط الذي يقدرونه لا حقيقة له في الخارج أصلًا.\nوإذا قيل: (القوابل المفعولة الممكنة المبدعة اختلفت وتأخر استعدادها، مع كون الفاعل لها لم يزل ولا يزال على حال واحدة) كان امتناع هذا ظاهرًا.\nبخلاف ما إذا قيل: (أن نفس الفاعل موصوف بصفات متنوعة وأفعال متنوعة، وله تعالى شؤون وأحوال، كل يوم هو في شأن، فإنه يكون تنوع المفعولات وحدوث الحادثات لتنوع أحوال الفاعل، وأنه يحدث من أمره ما شاء) .","vol":"1","page":384},{"text":"وإذا طلب الفرق بينهما قيل: أحواله من مقتضيات ذاته الواجبة الوجود بنفسه، التي لا يتوقف شيء من أحوالها على أمر مستغن عنها، ولا يحتاج إليه، وإذا كان واجبًا بنفسه، فما كان من لوازمه كان أيضًا واجبًا لا يمكن عدمه، بخلاف الممكن الذي ليس له من نفسه وجود.\nفإنه إذا قيل: اختلف فعل الفاعل، وتأخر لاختلاف القابل وحدوثه.\nقيل: فهو أيضًا الفاعل للقابل المختلف الحادث.\nفكيف تصدر المختلفات الحادثات عن فاعل لا اختلاف في فعله، ولا حدوث لشيء من أفعاله؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>رد الأبهري على الرازي وتعليق ابن تيمية</span>\nوالأبهري قد أبطل حجة المعتزلة والأشعرية ونحوهم على حدوث الأجسام، وأراد أن يعتذر عن الفلاسفة، فقال:\n(فصل - في ذكر الطرائق التي سلكها الإمام - يعني أبا عبد الله الرازي - في كتبه لتقرير مذاهب المتكلمين، وكيفية الاعتراض عليها.\nأما الطريقة التي سلكها لحدوث العالم فمن وجهين:\nأحدهما: أن العالم ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو حادث، لأن تأثير المؤثر فيه: إما أن يكون حال الوجود، أوحال العدم، أو لا حال الوجود ولا حال العدم.\nوالأول باطل، لأن التأثير حال الوجود يكون إيجادًا للموجود وتحصيلًا للحاصل، وهو محال.\nوالثاني محال، لأن التأثير حال العدم يكون جمعًا بين الوجود والعدم، وهو محال.\nفيلزم أن يكون: لا حال الوجود ولا حال العدم، فيكون حال الحدوث، فكل ما له مؤثر فهو حادث.\nالثاني: أن الأجسام لو كانت أزلية، فإما أن تكون متحركة في الأزل، أو ساكنة والقسمان باطلان.\nأما الأول فلوجوه:","vol":"1","page":385},{"text":"أحدها: أنها لو كانت متحركة في الأزل للزم المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية في شيء واحد.\nلأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، والأزل يتقضي عدم المسبوقية بالغير، فيلزم الجمع ضرورة.\nالثاني: أنه لو كانت متحركة في الأزل لكانت بحال لا تخلو عن الحوادث، وما يخلو عن الحوادث فهو حادث، وإلا لكان الحادث أزليا، هذا خلف.\nالثالث: أنها لو كانت متحركة في الأزل لكانت الحركة اليومية موقوفة على انقضاء ما لا نهاية له، وهو محال، والموقوف على المحال محال.\nالرابع: أنها لو كانت متحركة في الأزل لحصلت جملتان: إحداهما من الحركة اليومية إلى غير النهاية، والثانية من الحركة التي وقعت من الأمس إلى غير النهاية.\nفالجملة الثانية، إن صدق عليها أنها لو أطبقت على الأولى انطبقت عليها، كان الزائد مثل الناقص، وإن لم تصدق كانت متناهية، فالجملة الاولى أيضا متناهية، وقد فرضت غير متناهية، هذا خلف.\nوأما الثاني: فلأنها لو كانت ساكنة في الأزل امتنع عليها الحركة، لأن المؤثر في السكون إما أن يكون أزليًا أو حادثًا، لا جائز أن يكون حادثًا، وإلا لكان السكون حادثًا، وقد فرض أزليًا، هذه خلف، فتعين أن يكون أزليًا، فيلزم من دوامه دوام السكون، فتمتنع الحركة على الأجسام وأنها ممكنة عليها، لأن","vol":"1","page":386},{"text":"الأجسام إما أن تكون بسيطة أو مركبة، فإن كانت بسيطة فيصح على أحد جوانبها ما يصح على الآخر، فيصح أن يصير يمينها يسارًا ويسارها يمينًا، فيصح عليها الحركة، وإن كانت مركبة كانت مجتمعة من البسائط، فكانت بسائطها قابلة للاجتماع والافتراق، وكانت قابلة للحركة، هذا خلف) .\nقال الأبهري (الاعتراض: قوله: بأن التأثير في الممكن إما أن يكون حالة الوجود، أو حالة العدم، أو لا حالة الوجود ولا حاله العدم.\nقلنا: لم لا يجوز أن يكون حال الوجود؟.\nوقوله: التأثير حال الوجود إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل.\nقلنا: لا نسلم، وإنما يكون كذلك أن لو أعطى الفاعل وجودًا ثانيًا، وليس كذلك، فإن التأثير عبارة عن كون الأثر موجودًا بوجود المؤثر.\nوجاز أن يكون الأثر موجودًا دائمًا لوجود المؤثر، والذي يدل على حصول التأثير حالة الوجود، أنه لو لم يكن كذلك لكان التأثير حالة العدم، لاستحالة الواسطة بين الوجود والعدم، والثاني كاذب، لأن التأثير حاله العدم يقتضي الجمع بين الوجود والعدم، وهو محال) .\nقال: (أما قوله: الأجسام لو كانت أزلية: فإما أن تكون متحركة أو ساكنة في الأزل.\nقلنا: لم لا يجوز أن تكون متحركة؟.\nقوله: يلزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير في شيء واحد.\nقلنا: لا نسلم، وهذا لأن المسبوق بالغير هو الحركة، وغير المسبوق بالغير هو الجسم.","vol":"1","page":387},{"text":"فإن قال: (إذا كانت الحركة أزلية كانت الحركة من حيث هي هي غير مسبوقة بالغير، لكن الحركة من حيث هي هي مسبوقة بغير، لأنها تغير وانتقال فتقتضي المسبوقية بالغير، فيلزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير في الحركة.\nقلنا: إذا ادعيتم ذلك فنقول: لا نسلم أن الجسم لو كان أزليًا لكانت الحركة من حيث هي هي حركة أزلية.\nولم لا يجوز أن يكون الجسم أزليًا، ويصدق عليه أنه متحرك دائمًا بأن تتعاقب عليه الحركات المعنية، ولا يصدق على الحركات الموجودة في الأعيان أنها أزلية، ضرورة اتصاف كل واحد منها بكونها مسبوقة بالغير؟) .\nقلت: هذا مضمونه ما نبه عليه في غير هذا الموضع: أن حدوث كل من الأعيان لا يستلزم حدوث النوع الذي لم يزل ولا يزال.\n(وأما قوله: لو كانت الأجسام متحركة لكانت لا تخلو عن الحوادث.\nقلنا: نعم: ولكن لم قلتم بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؟.\nقوله: لو لم يكن كذلك لكان الحادث أزليًا.\nقلنا: لا نسلم، وإنما يلزم ذلك لو كان شيء من الحركات بعينها لازمًا للجسم، وليس كذلك، بل هو قبل كل حركة حركة، لا إلى أول إلى ما لا نهاية) .\nقلت: هذه من نمط الذي قبله، فإن الأزلي هو نوع الحادث، لا عين الحادث.","vol":"1","page":388},{"text":"قوله: لو كانت حادثة في الأزل لكان الحادث اليومي موقوفًا على انقضاء ما لا نهاية له.\nقلنا: لا نسلم، بل يكون الحادث اليومي مسبوقًا بحوادث لا أول لها، ولم قلتم: إن ذلك غير جائز؟ .\nقلت: مضمونة أنه يكون موقوفا على انقضاء ما لا ابتداء له، ولا أول له، وهو لا نهاية له من الطرف الأول، لكن له نهاية من الطرف الآخر.\nقوله: لو كانت متحركة في الأزل لحصلت جملتان، أحدهما: من الحركة اليومية، والثانية: من الحركة التي وقعت في الأمس.\nقلنا: لا نسلم، وإنما يلزم ذلك لو كانت الحركات مجتمعة في الوجود.\nقلت: هذا مضمونه أن التطبيق لا يكون إلا بين موجودين، ولكن يقال التطبيق في الخارج لا يكون إلا بين موجودين، ولكن يمكن تقدير التطبيق بين معدومين، لا سيما إذا كانا قد دخلا جميعًا في الوجود، فالمطبق بينهما إما أن يكونا مقدرين في الأذهان، لا يوجدان في الأعيان بحال، كالأعداد المجردة عن المعدودات، أو معدومين منتظرين كالمستقبلات، أو معدومين ماضيين كالحوادث المتقدمة، أو موجودين كالمقادير الموجودة والمعدودات الموجودة.\nويجاب عن هذا بجواب ثان: وهو: أن الجملتين اللتين طبقت إحداهما على الأخرى، مع التفاوت في أحد الطرفين وعدم التناهي في الآخر، هما متفاضلتان","vol":"1","page":389},{"text":"في الطرف الواحد، وتنطبق إحداهما على الآخرى في الطرف الآخر، فلا يصدق ثبوت مطابقة إحداهما للأخرى مطلقًا، ولا نفي المطابقة مطلقًا، بل يصدق ثبوت الانطباق من أحد الطرفين وانتفاؤه من الآخر، وحينئذ فلا يكون الزائد مثل الناقص: ولا يكونان متناهيين.\nوإذا قال القائل: نحن نطبق بينهما من الطرف الذي يلينا، فإن استويا لزم أن يكون الزائد مثل الناقص، وأن يكون وجود الزيادة كعدمها، والشيء مع عدم غيره كهو مع وجوده، وإن تفاضلا لزم أن يكون ما لا يتناهى بعضه متفاضلًا.\nقيل: التطبيق بينهما من الجهة المتناهية مع تفاضلهما فيها ممتنع، وفرض الممتنع قد يلزمه حكم ممتنع، فإن الحوادث الماضية من أمس إذا قدرت منطبقة على الحوادث الماضية في اليوم كان هذا التطبيق ممتنعًا، فإنه يمتنع أن يطابق هذا هذا، فإن الجملتين متفاضلتان: ومع التفاضل يمتنع التطبيق المستلزم للمعادلة والاستواء.\nوإذا قال القائل: أنا أقدر المطابقة في الذهن وإن كانت ممتنعة في الخارج.\nقيل له: فقد قدرت في الذهن شيئين مع جعلك أحدهما أزيد من الآخر من الطرف الواحد، ومساويًا له من الطرف الآخر.\nومعلوم أنك إذا قدرت لم يكن تفاضلهما ممتنعًا، بل كان الواجب هو التفاضل.\nودليلك مبني على تقدير التطبيق، فيلزم التفاضل فيما لا يتناهى، وكل من المقدمتين باطل، فإن قدرت تطبيقها صحيحًا عدليًا فهو باطل، وإن قدرته وإن كان ممتنعًا لم يكن التفاضل","vol":"1","page":390},{"text":"في ذاك ممتنعًا، فدعواك أن التفاضل ممتنع فيما قدرته متفاضلًا ممنوع، بل مع تقدير التفاضل يجب التفاضل، لكن يجب التفاضل من جهة التفاضل، ولا يلزم التفاضل من الجهة الأخرى.\nقال الأبهري: (وإن سلمنا أنه لا يجوز أن تكون متحركة في الأزل، ولكن لم لا يجوز أن تكون ساكنة؟\nقوله: بأن المؤثر في السكون إما أن يكون حادثًا أو أزليًا.\nقلنا: فلم قلتم بأنه لو كان أزليًا للزم دوام السكون؟ ولم لا يجوز أن يكون تأثيره فيه موقوفًا على شرط عجمي أزلي؟ والعدمي الأزلي جائز الزوال، فإذا زال الشرط زال السكون) .\nقلت: لقائل أن يقول: العرض الأزلي إنما يزول بسبب حادث، والقول فيه كالقول في غيره، بل لا يزول إلا بسبب حادث، فيحتاج إلى حدوث سبب يحدث ليزول السكون، وهو يقول: المقتضي لزوال السكون كالمقتضي لحدوث العالم، وهو الإرادة المسبوقة بإرادة لا إلا أول، لكن هذا التقدير يصحح القول بحدوث العالم.\nفيقال: إن كان الجسم أزليًا وأمكن حدوث الحركة فيه، كان المقتضي لحركته مجوزًا لحدوث العالم، لكن هذا يبطل حجة الفلاسفة، ولا يصحح حجية أن الجسم الأزلي يمتنع تحريكه فيما بعد.","vol":"1","page":391},{"text":"وأيضًا فإنه ههنا بحثًا آخر، وهو أن السكون هل هو أمر ثبوتي مضاد للحركة، أو هو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك؟ وفيه قولان معروفان، فإذا كان عدميًا لم يفتقر إلى سبب.\n(قال: وأما الطريقة التي يسلكها في كون الباري فاعلًا بالاختيار فمن وجهين:\nأحدهما: أنه لو كان موجبًا بالذات وجب أن لا ينفك عنه العالم، فيلزم إما قدم العالم، وإما حدوث الباري تعالى.\nالثاني: أنه لو كان موجبًا بالذات لما حصل تغير في العالم، لأنه يلزم من دوامه دوام معلوله، وإلا كان ترجيحًا بلا مرجح، ويلزم من دوام معلوله دوام معلول معلوله، وهكذا إلى أن يلزم دوام جميع المعلولات) .\nقال الأبهري: (الاعتراض: أما الوجه الأول فلا نسلم أن القدم منتف، وأما الحجة التي ذكرها فقد مر ضعفها.\nوأما الثاني فلا نسلم أنه لو كان موجبًا بالذات للزم دوام معلولاته، وإنما يلزم ذلك أن لو كان جميع معلولاته قابلة للدوام، وهذا لأن من جملة معلولاته الحركة، وهي غير قابلة للبقاء) .\nولقائل أن يقول: اعتراض الأبهري هنا ضعيف.\nأما الأول فيقال: هب أن ما ذكره على انتفاء القدم ضعيف، لكن لا يلزم من ضعف الدليل المعين انتفاء المدلول، وأنت قد بينت ضعف دليل الفلاسفة على القدم، وإذا كان القول بالموجب بالذات يستلزم قدم العالم، ولا دليل لهم عليه، كان قولهم أيضًا لا دليل عليه.","vol":"1","page":392},{"text":"والأبهري قد ذكر في غير هذه الموضع ما احتج به على حدوث العالم ببيان انتفاء لازم القدم، ولكن إن كان قصده بيان فساد ما ذكره الرازي فـ الرازي ذكر وجهين.\nوهب أن الأول ضعيف، لكن الثاني قوي، وهو قوله: (لو كان موجبًا بالذات ما حصل تغير في العالم) .\nوتحرير ذلك أن يقال: الموجب بالذات يراد به العلة التامة التي تستلزم معلولها، ولو كانت شاعرة به، ويراد ما يفعل بغير إرادة ولا شعور، وإن كان فعله متراخيًا.\nومن المعلوم أنه لم يقصد إفساد القسم الثاني، وإنما قصد إفساد القسم الأول.\nفيقال: إذا كان الموجب علة تامة تستلزم معلولها كان معلولها لازمًا لها، ومعلول معلولها لازمًا، فيمتنع تأخر شيء من لوزمها ولوازم لوازمها، فلا يكون هناك شيء محدث، فلا يحصل في العالم تغير.\nوأما قول المعترض: (إنما يلزم أن لو كان جميع معلولاته قابلة للقدم، والحركة لا تقبله) .\nفيقال: هذا الاعتراض باطل لوجوه: أحدها: أنه إذا جاز أن تكون العلة التامة التي تستلزم معلولها لها معلول لا يقبل البقاء، وهو الحركة، والحوادث تحدث بسببه، جاز أن يكون ذلك المعلول حوادث يقوم بها، وتكون كل الأمور المباينة موقوفة على تعاقب تلك الحوادث، كما قد ذكره الأبهري نفسه في الإرادات المتعاقبة، وقال: (يجوز أن يكون للباري إرادات حادثة، وكل واحدة منها تستند إلى الأخرى، ثم تنتهي في جانب النزول إلى إرادة تقتضي حدوث العالم، فيلزم حدوثه، وإذا كان هذا جائزًا امتنع أن يكون موجبًا بذاته، بمعنى أنه يسلتزم أن يكون موجبًا بذاته، بمعنى أنه يستلزم","vol":"1","page":393},{"text":"موجباته، بل يجوز مع هذا أن تتأخر عنه موجباته، وعلى هذا فلا يكون العالم قديمًا، وليس هذا هو الموجب بذاته في هذا الاصطلاح الذي تكلم به الرازي، وأراد به إفساد قول الفلاسفة الدهرية، فإن الموجب بذاته في هذا الاصطلاح الذي بينه وبينهم هو العلة التامة التي تستلزم معلولها.\nالوجه الثاني: أن يقال: إن أردتم بالموجب بالذات ما يستلزم معلوله، فالتغيرات التي في العالم تبطل كونه موجبًا بهذا الاعتبار، وإن أردتم بالموجب بالذات ما قد تكون مفعولاته أمرًا لا يلزمه، بل يحدث شيئًا بعد شيء، فحينئذ إذا وافقكم المنازعون على تسميته موجبًا بالذات لم يكن في ذلك ما ينافي أن تكون مفعولاته تحدث شيئًا بعد شيء، ولا يمتنع أن تكون هذه الأفلاك من جملة الحوادث المتأخرة، فبطل قولكم.\nالوجه الثالث: ذلك المعلول الذي لا يقبل الدوام كحركة الفلك: هل للباري موجب له بذاته بوسط أو بغير وسط، أو أيجابه له موقوف على حادث آخر؟\nفإن قيل بالأول، لزم الحركات المتعاقبة، وأن تكون قابلة للدوام، وهو ممتنع.\nوإن قيل بالثاني، قيل: فإيجابه لما تأخر من هذه الحركة: إما يكون موقوفا على شرط أو لا يكون، فإن يكن موقوفا على شرط، لزم تقدمه لتقدم الموجب الذي لا يقف تأثيره على شرط، وهو ممتنع.","vol":"1","page":394},{"text":"وإن قيل: بل إيجابه للجزء الثاني مشروط بحدوث الجزء الأول، وهلم جرا: كان معناه أن إيجابه لكل جزء مشروط بوجود جزء آخر، وهو قبله: وهو علة تامة لشيء من تلك الأجزاء، فيجب أن لا يحصل شيء منها، لأن تلك الأجزاء متعاقبة أزلًا وأبدًا، وما من وقت يفرض إلا وهو مشابه من الأوقات، فليس هو في شيء من الأوقات علة تامة لشيء من الحوادث، فيكون إحداثه لكل حادث مشروطًا بحادث لم يحدثه، والقول في ذلك الحادث الذي هو شرط كالقول في الحادث الذي هو مشروط، فإذا لم يكن محدثًا للأول فلا يكون محدثًا للثاني، فلا يكون محدثًا لشيء من الحوادث على قولهم (هو علة تامة) وهو المطلوب.\nفإنه لو قال: (لو كان موجبًا بذاته لما حصل في العالم شيء من التغير) وهذا يهدم قولهم، فإنهم بين أمرين: إما أن يقولوا ليس بعلة تامة لمعولاته، أو يقولوا: معلولاته مقارنة له، فأما جمعهم بين كونه علة تامة في الأزل، وبين كون المعلول يوجد شيئًا فشيئا، فجمع بين الضدين.\nفإن العلة التامة: هي التي تستلزم معولولها، لا يتأخر عنها معلولها، ولا يقف اقتضاؤها على غيرها.\nوهم يقولون: إنه في كل وقت ليس علة تامة لما يحدثه فيه، بل فعله مشروط بأمر متقدم، وليس هو علة تامة لذلك الشرط المتقدم، فلا يكون علة تامة، لا للمتقدم من الحوادث ولا للمتأخر، فلا بد للحوادث من مقتض آخر.\nوهذا لا يرد على من يقول: (أحدث الحوادث بإرادات متعاقبة أو أفعال متعاقبة) فإنه لا يقول: هو موجب بنفسه للممكنات، ولا يقول: هو في الأزل علة تامة لها، بل بقوله: ليس بعلة أصلًا لشيء من مخلوقاته، بل فعلها بمشيئته","vol":"1","page":395},{"text":"وقدرته، إذ الفعل الثاني منه مشروط بالأول، لأن الأفعال الحادثة لا تكون إلا متعاقبة، وليس هو موجبًا بذاته لشيء من تلك الأفعال، ولا للمفعولات بها، ولا يلزم من ذلك لا قدم شيء من الأفعال بعينه، ولا قدم شيء من المفعولات بعينه: لا فلك ولا غيره، والحوادث جميعها التي في العالم والتغيرات يحدثها شيئًا بعد شيء، بأفعاله الحادثة شيئًا بعد شيء، فكل يوم هو في شأن.\nبخلاف ما إذا قالوا: هو علة تامة مستلزمة لمعلولها، وجعلوا من المعلولات ما لا يكون إلا شيئًا فشيئًا، فإن هذا جميع بين المتنافيين، يمنزلة من قال: معلوله مقارن له، معلوله ليس مقارنًا له.\nوإذا قالوا: هو موجب بنفسه للفلك وأجزاء العالم الأصلية، وليس موجبًا بنفسه للحوادث المتجددة، بل أيجابه لها مشروط بما يكون قبلها من الحوادث.\nقيل: هذه حقيقة قولكم وحينئذ فلا يكون نفسه موجبًا لشيء من الحوادث، لا الأول ولا الثاني، لا بوسط ولا بغير وسط، وهو المطلوب، فالقول بالموجب بالذات وحدوث المحدثات عنه بوسط وبغير وسط جمع بين النقيضين.\nثم هذا القول يبطل قولكم بكونه موجبًا للعالم بذاته، لأنهم يقولون: إن العالم لا قيام له بدون الحركة، وإنها صورته التي لولا هي لبطل، فإذا كان إيجابه للعالم بدون الحركة ممتنعًا وإيجابه للحركة في الأزل ممتنعًا: لم يكن موجبًا لا للعالم ولا للحركة، فإن المبدع المشروط بشرط يمتنع إبداعه بدون إبداع شرطه، وإبداع شرطه ممتنع على أصلهم، فإذن إبداعه ممتنع، وهذا لأنهم جعلوا الباري ليس له فعل","vol":"1","page":396},{"text":"يقوم بذاته أصلًا، ولا يتجدد منه شيء، ولا فيه شيء أصلًا، وعندهم أن ما كان كذلك لا يحدث عنه شيء أصلًا.\nثم قالوا: الحوادث كلها صادرة عنه، لأن الحركة لم تزل ولا تزال صادرة عنه، وكيف تصدر حركات لم تزل ولا تزال في أمور ممكنة، عن شيء لا يحدث عنه ولا فيه شيء على أصلهم؟.\nومما يوضح هذا أن قدماء هؤلاء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه كانوا يقولون: إن الأول محرك للعالم حركة الشوق، كتحريك المحبوب لمحبه، والإمام المقتدى به للمؤتم المقتدي به.\nوبهذا أثبتوه، وجعلوه علة للعالم، حيث قالوا: إن الفلك لا يقوم إلا بالحركة الإرادية، والحركة الإرادية لا تتم إلا بالمراد المحبوب الذي يحرك المريد حركة اشتياق، فالباري عندهم علة بهذا الاعتبار، وهو بهذا الاعتبار لم يبدع الأفلاك ولا حركاتها، لكن هو شرط في حصول حركتها.\nوعلى هذا القول فقد يقال: العالم قديم واجب بنفسه، بل هم يصرحون بذلك، والأول الذي هو المحبوب واجب قديم بنفسه، كما يقول آخرون منهم: بل العالم واجب قديم بنفسه، وليس هناك علة محبوبة محركة له بالشوق خارجة عن العالم.\nوإذا كان كذلك كانت الحركات حادثة في واجب بنفسه، وإذ لزمهم كون الواجب بنفسه محلًا للحوادث والحركات، لم يكن معهم ما يبطلون به كون الأول كذلك، وحينئذ فلا يكون لهم حجة على كونه موجبًا بالذات، وهم يعترفون بذلك،","vol":"1","page":397},{"text":"وإنما نفوا عن الأول ذلك لكونه ليس جسمًا عند أرسطو وأتباعه، ولا دليل لهم على ذلك إلا كون الجسم لا يمكن أن يكون فيه حركة غير متناهية، بناء على أن الجسم متناه، فيمتنع أن يتحرك حركة غير متناهية.\nهذه الحجة عمدتهم، وهي مغلطية من أفسد الحجج، فإنه فرق بين ما لا يتناهى في الزمان، بل يحدث شيئًا بعد شيء، وبين ما لا يتناهى في المقدار، والنزاع إنما هو في حركة الجسم دائمًا حركة لا تتناهى، ليس هو كونه في نفسه ذا قدر لا تتناهى، فأين هذا من هذا؟ وهذا مبسوط في موضع آخر.\nويقال لهم: حدوث الحوادث عن فاعل لا يحدث فيه شيء: إما أن يكون ممكنًا، وإما أن يكون ممتنعًا، فإن كان ممكنًا أمكن حدوث الحوادث جميعها عن الأول بدون حدوث شيء، كما يقوله من يقوله من أهل الكلام وغيرهم من المعتزلة والكلابية وغيرهم، وإن كان ممتنعًا بطل قولهم بحدوث الحوادث الدائمة عنه مع أنه لم يحدث فيه شيء، وهذا أفسد.\nوإذا قالوا: أولئك خصصوا بعض الأوقات بالحدوث بدون سبب حادث من الفاعل.\nقيل: وأنتم جعلتم جميع الحوادث تحصل بدون سبب حادث من الفاعل.\nوإذا قلتم لهم: كيف يحدث بعد أن لم يكن محدثًا بدون حدوث قصد ولا علم ولا قدرة؟\nقالوا لكم: فكيف تحدث الحوادث دائمًا بدون حدوث قصد ولا علم ولا قدرة؟ بل بدون وجود ذلك؟ وأنتم تقولون: يحدث للفلك تصورات وإرادات،","vol":"1","page":398},{"text":"وهي سبب الحركات المتعاقبة، فما السبب الموجب لحدوث تلك الحوادث، ولم يحدث شيء أصلًا يوجب حدوثها؟.\nولو قال قائل: الإنسان دائمًا يتجدد له تصورات وإرادات وحركات بدون سبب حادث، ولا يحدثها محدث أصلًا، ألم يكن ذلك ممتنعًا؟.\nفإن قيل: بإحداثه للأول استعان على إحداث الثاني.\nقيل: فما الموجب لإحداثه الأول، وهو لم يزل في إحداث إذا قدر أزليًا لم يكن هناك أول، بل لم يزل في إحداث.\nفإن قيل تلك الحوادث التي للإنسان صدرت عن العقل الفعال بدون سبب حادث.\nقيل: فالعقل الفعال دائم الفيض عندهم، فلم خص هذه التصورات والإرادت والحركات بوقت دون وقت؟.\nقالوا: لعدم استعداد القوابل، فإذا استعد الإنسان للفيض أفاض عليه واهب الصور.\nفإذا قيل لهم: فما الموجب لحدوث الاستعداد؟\nقالوا: ما يحدث من الحركات الفلكية والامتزاجات العنصرية، فلا يجعلون العقل الفعال هو الموجب لما يحدث من الاستعداد، بل يحيلون ذلك على تحركيات خارجة عنه وعن إفاضته.\nفإن قالوا مثل هذا في الأول، لزم أن يكون المحدث لشروط الفيض غيره، وشبهوه بالفعال في كونه لا يفيض عنه إلا بعض الأشياء دون بعض، لكن الفعال","vol":"1","page":399},{"text":"تحدث عنه الأشياء شيئا بعد شيء عندهم، أما الأول فلا يحدث عنه شيء، بل معلوله لازم له، فهو أنقص رتبة في الإحداث عندهم من الفعال.\nوإن قالوا: بل هو المحدث للشروط شيئًا فشيئًا.\nقيل: أنتم قلتم في الفعال: (إنه دائم الفيض، لا يخص من تلقاء نفسه وقتًا دون وقت بفيض) فالأول إذا خص وقتًا دون وقت من تلقاء نفسه بشيء لم يكن فياضًا بل كان الفياض أجود منه، وإن كان التخصيص من غير تلقاء نفسه كان ذلك لمشارك له في الفعل، كما في الفياض.\nفهم بين أمرين: إما أن يجعلوه عاجزًا عن الانفراد بالإحداث كالفعال، بل أدنى منه، وإما أن يجعلوه بخيلًا لا فياضًا، فيكون الفعال أجود منه.\nوأيضًا فإذا قالوا: إنه علة تامة وموجب تام لمعلوله وموجبه، وفاعل تام في الأزل لمفعوله، فجعلوا ما سواه معلوله ومفعوله وموجبه، وإن كان ذلك بوسط، كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول، فإن الموجب التام والعلة التامة والتكوين التام إما أن يقول القائل: يجوز تراخي المكون عنه، كما يقوله من يقوله من أهل الكلام، وإما أن يقول: هو مستلزم به.\nفإن قيل بالأول أمكن تراخي المفعولات كلها، وبطل قولهم بوجوب قدم شيء من العالم، بل يمتنع قدم شيء من العالم لامتناع مقارنة الكون للمكون.\nوإن قيل بالثاني فلا يخلو: إما أن يقال: يجب اقتران مفعوله به في الزمان، بحيث يكون معه، لا يكون عقب تكوينه.\nوإما أن يقال: بل كون الكائن إنما يكون عقب تكوين المكون.","vol":"1","page":400},{"text":"فإن قالوا بالأول كما يدعونه لزمهم أن لا يحدث في العالم شيء، وهو خلاف الحس والمشاهدة.\nوإن قالوا بالثاني، لزم أن يكون كل معلول له مسبوقًا بغيره زمانيًا، فلا يكون شيء من العالم قديمًا أزليًا معه، وهو المطلوب.\nوإذ كان أقتران المفعول بفاعله في الزمان ممتنعًا على تقدير دعوى استلزامه له، فاقترانه به على تقدير عدم وجوب الاستلزام أولى.\nفتبين أن يمتنع قدم شيء من العالم على كل تقدير.\nوهذا بين لم تصوره تصورًا تامًا.\nولكن وقع اللبس والضلال في هذا الباب من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم من أهل الكلام، لما ادعوا ما يمتنع في صريح العقل عند هؤلاء - من كون المؤثر التام يتأخر عنه أثره، والحوادث تحدث بسبب حادث - فر هؤلاء إلى أن جعلوا المؤثر يقترن به أثره، ولا يحدث حادث إلا بسبب حادث، ولم يحققوا واحدًا من الأمرين، بل كان قولهم اشد فسادًا وتناقضًا من قول أولئك المتكلمين.\nفإن كون المؤثر يستلزم أثره يراد به شيئان:\nأحدهما: أن يكون الأثر المكون المفعول المصنوع مقرنًا للمؤثر ولتأثيره في الزمن، بحيث لا يتأخر عنه تأخرًا زمانيًا بوجه من الوجوه، وهذا مما يعرف جمهور العقلاء بصريح العقل أنه باطل في كل شيء، فليس معهم في العالم مؤثر تام يكون زمنه زمن أثره، ويكون زمن حصول الأثر المفعول زمن حصول التأثير، بل إنما يعقل التأثير أن يكون الأثر عقب المؤثر، وإن كان متصلًا به، كأجزاء الزمان والحركة الحادثة شيئًا بعد شيء، وإن كان ذلك متصلًا.","vol":"1","page":401},{"text":"أما كون الجزء الثاني من الزمان والحركة مقارنًا للجزء الأول في الزمن، فهذا مما يعلم فساده بصريح العقل.\nوهذا معلوم في جميع المؤثرات الطبيعية والإرادية، وما صار مؤثرًا بالشرع وغير الشرع.\nفإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، ولعبده، أنت حر، فالطلاق والعتاق لا يقع مع التكلم بالتطليق والإعتاق، وإنما يقع عقب ذلك.\nوإذا قال: إذا طلقت فلانة ففلانة طالق، لم تطلق الثانية إلا عقب طلاق الأولى، لا مع تطليق الأولى في الزمان، وهذا الذي عليه عامة العلماء قديمًا وحديثًا، ولكن شرذمة من المتأخرين، الذين استزل هؤلاء عقولهم، ظنوا أن الطلاق يكون مع التكلم في الزمان، وهذا غلط عند عامة العلماء.\nوكذلك إذا قال: إذا مت فأنت حر، فالمدبر يعتق عقب موت سيده، لا مع موت سيده.\nوهكذا في الأمور الحسية، إذا قال: (كسرت الإناء فانكسر)، و(قطعت الحبل فانقطع)، فانكسار المنفعل وانقطاعه يحصل عقب كسر الكاسر وقطع القاطع، ولهذا إذا لم يكن المحل قابلا قيل: (قطعته فلم ينقطع، وكسرته فلم نكسر) كما يقال: علمته فلم يتعلم.\nولفظ (التعليم، والقطع، والكسر) ونحو ذلك يراد به الفعل التام الذي يستلزم أثره، فهذا كالعلة التامة التي تستلزم معلولها لا تقبل التخصيص، ويراد به المقتضي الموجب المتوقف اقتضاؤه على شروط، فهذا قد يتخلف عنه موجبه.","vol":"1","page":402},{"text":"ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢]، وقوله: ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ [النازعات: ٤٥]، وقوله: ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر﴾ [يس: ١١]، فالمراد به الهدى التام المستلزم لحصول الاهتداء، وهو المطلوب في قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ .\nوكذلك الإنذار التام المستلزم خشية المنذر وحذره مما أنذر به من العذاب، وهذا بخلاف قوله: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ (فصلت: ١٧)، فالمراد به البيان والإرشاد المقتضى للاهتداء، وإن كان موقوفًا على شروط وله موانع.\nوهكذا إذا قيل: هو موجب بذاته، أو علة بذاتة، ونحو ذلك،: إن أريد بذلك أنه موجب ما يوجبه من مفعولاته بمشيئته وقدرته، في الوقت الذي شاء كونه فيه، فهذا حق، لا منافاة بين كونه موجبًا وفاعلًا بالاختيار على هذا التفسير.\nوإن أريد به أنه موجب بذات عرية عن الصفات، أو موجب تام لمعلول مقارن له - وهذا قول هؤلاء - وكل من الأمرين باطل.\nفقد قامت الدلائل القينية على اتصافه بصفات الإثبات، وقامت الدلائل اليقينية على امتناع كون الأثر مقارنًا للمؤثر وتأثيره في الزمان، ولو كان فاعلًا بدون مشيئته وقدرته كالمؤثرات الطبيعية، فكيف في الفاعل بمشيئته وقدرته؟ فإن هذا مما يظهر للعقلاء امتناع أن يكون شيء من مقدوراته قديمًا أزليًا لم يزل ولا يزال.\nفمن تصور هذه الأمور تصورًا تامًا، علم بالاضطرار أنه يمتنع أن يكون في العالم شيئ قديم، وهو المطلوب.","vol":"1","page":403},{"text":"فإن قال قائل: المنازعون لنا الذين يقولون: لم يزل متكلمًا إذا شاء، أو لم يزل فاعلًا إذا شاء، أو لم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئًا بعد شيء، ونحو ذلك، وهم يقولون بحدوث الحوادث في ذاته شيئًا بعد شيء، فنحن نقول بحدوث الحوادث المنفصلة عنه شيئًا بعد شيء: إما حدوث تصورات وإرادات في النفس الفلكية، وإما حصول حركات الفلك المتعاقبة، فلم كان قولنا ممتنعًا وقولهم ممكنًا؟.\nقيل لهم: أنتم قلتم: إنه مؤثر تام، أو علة تامة في الأزل، فلزمكم أن لا يتأخروا عنه شيء من آثاره، سواء كانت صادرة بوسط أو بغير وسط.\nفإذا قلتم: صدر عنه عقل - مثلا - والعقل أوجب نفسًا فلكية وفلكًا، أو ما قلتم.\nقيل لكم: المعلول الأول إن كان تامًا من كل وجه لا يمكن أن يحدث فيه شيء - فهو أزلي - كان معلوله العقل معه أزليًا، فإن العقل حينئذ يكون علة تامة في الأزل، فيلزم أن يكون معلوله معه أزليًا، وهكذا معلول المعلول، هلم جرًا.\nوإذا قلتم: الحركة لا تقبل البقاء.\nقيل لكم: فيمتنع أن يكون لها موجب تام في الأزل، بل يكون الموجب لها غير تام في الأزل، بل صار موجبًا، وحدوثه كونه موجبًا يمتنع أن يتوقف على أثر غيره، إذ ليس هناك موجب غيره.\nويمتنع أن يحدث تمام","vol":"1","page":404},{"text":"إيجابه منه، لأنه علة تامة يجب اقتران معلولها بها في الأزل، فذلك التمام: إن كان قديمًا لزم كون معلول المعلول قديمًا، وهلم جرًا، وإن كان حادثًا حدث عن العلة التامة الأزلية حادث بدون سبب حادث، وهذا ينقض قولهم بامتناع حادث بلا سبب.\nفأنتم بين أمرين، أيهما قلتموه بطل قولكم: إن قلتم (أنه علة تامة في الأزل)، لزم أن لا يتأخر عنه معلوله.\nوإن قلتم (ليس بعلة تامة) لزم أن يحدث تمام كونه علة بدون سبب حادث، فيلزمكم جواز حدوث الحوادث بلا سبب.\nوأيهما كان بطل قولكم، فإنه إذا بطل كونه علة تامة في الأزل امتنع قدم شيء من العالم، وإن جاز حدوث الحوادث بلا سبب حادث بطلت حجتكم، وجاز حدوث كل ما سواه.\nوإذا قلتم: هو علة تامة للفلك دون حركاته.\nقيل لكم: هو علة للفلك ولحركاته المتعاقبة شيئًا بعد شيء، فهل كان علة تامة لهذه الحركات في الأزل، أم حدث تمام كونه علة لها شيئًا بعد شيء؟.\nفإن قلتم: هو علة تامة في الأزل، لزمكم إما مقارنتها كلها له في الأزل، وإما تخلف المعلول عن علته التامة، وكلاهما يبطل قولكم.\nوإن قلتم: حدث تمام كونه علة لحركة حركةً منها.\nقيل لكم: فحدوث التمام قد حدث عندكم بدون سبب حادث، وذلك يستلزم حدوث الحوادث بلا سبب، وهذا أمر بين لمن تصوره تصورًا تامًا، ليس لهم حيلة في دفعه.","vol":"1","page":405},{"text":"وأما الذين يقولون: (إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، أو فاعلًا بمشيئته، وإنه يقوم به إرادة أو كلمات متعاقبة شيئًا بعد شيء) فهؤلاء لا يجعلونه في الأزل قط علة تامة، ولا موجبًا تامًا، ولا يقولون: إن فاعلية شيء من المفعولات يتم في الأزل.\nبل عندهم كون الشيء مفعولًا ومصنوعًا مع كونه أزليًا جمع بين النقيضين، وإذا امتنع كون المفعول الذي هو أثر المكون أزليًا، امتنع كون تأثيره وتكوينه المستلزم له قديمًا أزليًا، فأمتنع أن يكون علة تامة في الأزل لشيء من الأشياء.\nولكن ذاته تستلزم بما يقوم بها من الأفعال شيئًا بعد شيء، وكلما تم فاعلية مفعول وجد ذلك المفعول وجد ذلك المفعول، كما قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢)، فكلما كون الشيء كونه فحصل المكون عقب تكوينه، وهكذا الأمر دائمًا، فكل ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وتمام تكوينه وتخليقه لم يكن موجودًا في الأزل، بل إنما تم تخليقه وتكوينه بعدئذ، وعند تمام التكوين والتخليق حصل المكون المخلوق عقب التكوين والتخليق، لا مع ذلك في الزمان، فأين هذا القول من قولكم؟ !.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>دلالة السمع على أفعال الله تعالى</span>\nونحن ننبه عى دلالة السمع على أفعال اله تعالى الذي به تنقطع الفلاسفة الدهرية، ويتبين به مطابقة العقل للشرع.\nولا ريب أن دلالة ظاهر السمع ليس فيها نزاع، لكن الذين يخالفون دلالته يدعون أنها دلالة ظاهرة لا قاطعة، والدلالة العقلية القاطعة خالفتها، فأصل الدلالة متفق عليه، فنقول:\nمعلوم بالسمع اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية القائمة به، كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطي، والإتيان، والمجيء، والنزول، ونحو ذلك.\nبل والخلق، والإحياء، والإماتة، فإن الله تعالى وصف نفسه بالإفعال اللازمة كالاستواء، وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، فإن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان متعديًا إلى مفعول أو لم يكن.\nوالفاعل لا بد له من فعل، سواء كان فعله مقتصرًا عليه أم متعديًا إلى","vol":"2","page":3},{"text":"غيره.\nوالفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله، إذ كان لا بد له من الفاعل.\nوهذا معلوم سمعًا وعقلًا.\nأما السمع فإن أهل اللغة العربية التي نزل بها القرآن، بل وغيرها من اللغات، متفقون على أن الإنسان إذا قال: (قام فلان وقعد) وقال: (أكل فلان الطعام وشرب الشراب) فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة، إذ كلتا الجملتين فعلية، وكلاهما فيه فعل وفاعل، والثانية امتازت بزيادة المفعول، فكما أنه في الفعل اللازم معنا فعل وفاعل ففي الجملة المتعدية معنا أيضًا فعل وفاعل وزيادة مفعول به.\nولو قال قائل: الجملة الثانية ليس فيها فعل قائم بالفاعل، كما في الجملة الأولى، بل الفعل الذي هو (أكل) و(شرب) نصب المفعول - من غير تعلق بالفاعل أولًا - لكان كلامه معلوم الفساد، بل يقال: هذا الفعل تعلق بالفاعل أولًا، كتعلق (قام وقعد)، ثم تعدى إلى المفعول، ففيه ما في الفعل اللازم وزيادة التعدي، وهذا واضح لا يتنازع فيه اثنان من أهل اللسان.","vol":"2","page":4},{"text":"فقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ (الحديد: ٤) تضمن فعلين: أولهما متعد إلى المفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى، فإذا كان الثاني - وهو قوله تعالى: ﴿ثم استوى﴾ - فعلًا متعلقًا بالفاعل، فقوله (خلق) كذلك بلا نزاع بين أهل العربية.\nولو قال قائل: (خلق) لم يتعلق بالفاعل، بل نصب المفعول به ابتداء، لكان جاهلًا، بل في (خلق) ضمير يعود إلى الفاعل كما في (استوى) .\nوأما من جهة العقل: فمن جوز ان يقوم بذات الله تعالى فعل لازم به، كالمجيء والاستواء، ونحو ذلك، لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق والبعث والإماتة والإحياء.\nكما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة لم يمكنه أن يمنع قيام الصفات المتعلقة بالغير، كالعلم والقدرة والسمع والبصر، ولهذا لم يقل أحد من العقلاء بإثبات أحد الضربين دون الآخر، بل قد يثبت الأفعال المتعدية القائمة به كالتخليق من ينازع في الأفعال اللازمة.\nكالمجيء والإتيان.\nوأما العكس فما علمت به قائلًا.\nوإذا كان كذلك كان حدوث ما يحدثه الله تعالى من المخلوقات تابعًا لما يفعله من أفعاله الاختيارية القائمة بنفسه، وهذه سبب الحدوث، والله تعالى حي قيوم لم يزل موصوفًا بأنه يتكلم بما يشاء.\nفعال لما يشاء.\nوهذا قد قاله العلماء الأكابر من أهل السنة والحديث.\nونقلوه عن السلف والأئمة، وهو قول طوائف كثيرة من أهل الكلام والفلسفة المتقدمين والمتأخرين، بل هو قول جمهور المتقدمين من الفلاسفة.","vol":"2","page":5},{"text":"وعلى هذا فيزول الإشكال ويكون إثبات خلق السماوات والأرض إنما يتم بما جاء به الشرع، ولا يمكن القول بحدوث العالم على أصل نفاة الأفعال الذين يزعمون أن العقل قد دل على نفيها، ويقدمون هذا الذي هو عندهم دليل عقلي على ما جاء به الكتاب والسنة، والعقل عند التحقيق يبطل هذا القول ويوافق الشرع، فإنه إذا تبين أن القول بنفيها يمتنع معه القول بحدوث شيء من الحوادث: لا العالم ولا غيره، والحوادث مشهودة، كان العقل قد دل على صحة ما جاء به الشرع في ذلك، والله سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن النقائص، وكل كمال وصف به المخلوق من غير استلزامه لنقص فالخالق أحق به، وكل نقص نزه عنه المخلوق فالخالق أحق بأن ينزه عنه، والفعل صفة كمال لا صفة نقص، كالكلام والقدرة، وعدم الفعل صفة نقص، كعدم الكلام وعدم القدرة، فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع، وهو المطلوب.\nوكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين، فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا، فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها.\nووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشهري وغيرهما، وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله.","vol":"2","page":6},{"text":"وقد ذكر الحارث في كتاب فهم القرآن عن أهل السنة في هذه المسألة قولين، ورجح قول ابن كلاب، وذكر ذلك في قول الله تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ [التوبة: ١٠٥] وأمثال ذلك، وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين، وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم، كـ حرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة، وأن ذلك هو مذهب أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين، وذكر حرب الكرماني أنه قول من لقيه من أئمة السنة كـ أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد ين منصور.\nوقال عثمان بن سعيد وغيره: إن الحركة من لوازم الحياة، فكل حي متحرك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات، الذين اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم.","vol":"2","page":7},{"text":"وطائفة أخرى من السلفية كـ نعيم بن حماد الخزاعي والبخاري صاحب الصحيح وأبي بكر بن خزيمة، وغيرهم كـ أبي عمر بن عبد البر وأمثاله: يثبتون المعنى الذي يثبته هؤلاء، ويسمون ذلك فعلًا ونحوه، ومن هؤلاء من يمتنع عن إطلاق لفظ الحركة لكونه غير مأثور.\nوأصحاب أحمد منهم من يوافق هؤلاء، كـ أبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهما، ومنهم من يوافق الأولين، كـ أبي عبد الله بن حامد وأمثاله، ومنهم طائفة ثالثة - كالتميميين وابن الزاغوني غيرهم - يوافقون النفاة من أصحاب ابن كلاب وأمثالهم.\nولما كان الإثبات هو المعروف عند أهل السنة والحديث كـ البخاري","vol":"2","page":8},{"text":"وأبي زرعة وأبي حاتم ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم من العلماء الذين أدركهم الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، كان المستقر عنده ما تلقاه عن أئمته: من أن الله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، وأنه يتكلم بالكلام الواحد مرة بعد مرة.\nوكان له أصحاب كـ أبي علي الثقفي وغيره تلقوا طريقة ابن كلاب، فقام بعض المعتزلة وألقى إلى ابن خزيمة سر قول هؤلاء، وهو أن الله لا يوصف بأنه يقدر على الكلام إذا شاء، ولا يتعلق ذلك بمشيئته، فوقع بين ابن خزيمة وغيره وبينهم في ذلك نزاع، حتى أظهروا موافقتهم له فيما لا نزاع فيه، وأمر ولاة الأمر بتأديبهم لمخالفتهم له، وصار الناس حزبين، فالجمهور من أهل السنة وأهل الحديث معه، ومن وافق طريقة ابن كلاب معه، حتى صار بعده علماء نيسابور وغيرهم حزبين، فـ الحاكم أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن","vol":"2","page":9},{"text":"السلمي وأبو عثمان النيسابوري وغيرهم معه وكذلك يحيى بن عمار السجستاني وأبو عبد الله بن منده وأبو نصر السجزي وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري وأبو القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهم معه، وأما أبو ذر الهروي وأبو بكر البيهقي وطائفة أخرى فهم مع ابن كلاب.\nوكذلك النزاع كان بين طوائف الفقهاء والصوفية والمفسرين وأهل الكلام والفلسفة وهذه المسألة كانت المعتزلة تلقبها بمسألة (حلول الحوادث) وكانت المعتزلة تقول: إن الله منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والحدود، ومقصودهم نفي الصفات ونفي الأفعال، ونفي","vol":"2","page":10},{"text":"مباينته للخلق وعلوه على العرش، وكانوا يعبرون عن مذاهب أهل الإثبات أهل السنة بالعبادات المجملة التي تشعر الناس بفساد المذهب، فإنهم إذا قالوا (إن الله منزه عن الأعراض) لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر، لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منزه عن الاستحالة والفساد كالأعراض التي تعرض لبني آدم من الأمراض والأسقام، ولا ريب أن الله منزه عن ذلك، ولكن مقصودهم أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام قائم به، ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها هم أعراضًا.\nوكذلك إذا قالوا: (إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات) أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات، ولا تحوزه المصنوعات، وهذا المعنىصحيح، ومقصودهم: أنه ليس مباينًا للخلق ولا منفصلًا عنه، وأنه ليس فوق السماوات رب، ولا على العرش إله، وأن محمدًا لم يعرج به إليه، ولم ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيء، ولا يتقرب إلى شيء، ولا ترفع إليه الأيدي في الدعاء ولا غيره، ونحو ذلك من معاني الجهمية.\nوإذا قالوا: (إنه ليس بجسم) أوهموا الناس أنه ليس من جنس المخلوقات، ولا مثل أبدان الخلق، وهذا المعنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه لا يرى ولا يتكلم بنفسه، ولا يقوم به صفة، ولا هو مباين للخلق، وأمثال ذلك.","vol":"2","page":11},{"text":"وإذا قالوا: (لا تحله الحوادث) أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلًا للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم، وهذا معنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه، ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان أو مجيء، وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلًا، بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل ومفعول، وخلق ومخلوق، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل، ونحو ذلك.\nوابن كلاب ومن اتبعه وافقوهم على هذا وخالفوهم في إثبات الصفات، وكان ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي وغيرهم يثبتون مباينة الخالق للمخلوق وعلوه بنفسه فوق المخلوقات، وكان ابن كلاب وأتباعه يقولون: إن العلو على المخلوقات صفة عقلية تعلم بالعقل، وأما استواؤه على العرش فهو من الصفات السمعية الخبرية التي لا تعلم إلا بالخبر، وكذلك الأشعري يثبت الصفات بالشرع تارة وبالعقل أخرى، ولهذا يثبت العلو ونحوه مما تنفيه المعتزلة، وثبت الاستواء على العرش، ويرد على من تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش، بخلاف أتباع صاحب الإرشاد فإنهم سلكوا طريقة المعتزلة فلم يثبتوا الصفات إلا بالعقل، وكان الأشعري وأئمة أصحابه","vol":"2","page":12},{"text":"يقولون: إنهم يحتجون بالعقل لما عرف ثبوته بالسمع، فالشرع هو الذي يعتمد عليه في أصول الدين والعقل عاضد له معاون.\nفصار هؤلاء يسلكون ما يسلكه من سلكه من أهل الكلام المعتزلة ونحوهم فيقولون: إن الشرع لا يعتمد عليه فيما وصف الله به وما لا يوصف، وإنما يعتمد في ذلك عندهم على عقلهم، ثم ما لم يثبته إما أن ينفوه وإما أن يقفوا فيه.\nومن هنا طمع فيهم المعتزلة، وطمعت الفلاسفة في الطائفتين، بإعراض قلوبهم عما جاء به الرسول وعن طلب الهدى من جهته، وجعل هؤلاء يعارضون بين العقل والشرع كفعل المعتزلة والفلاسفة، ولم يكن الأشعري وأئمة أصحابه على هذا، بل كانوا موافقين لسائر أهل السنة في وجوب تصديق ماء جاء به الشرع مطلقًا، والقدح فيما يعارضه، ولم يكونوا يقولون: (إنه لا يرجح إلى السمع في الصفات) ولا يقولون: (الأدلة السمعية لا تفيد اليقين) بل كل هذا مما أحدثه المتأخرون الذين مالوا إلى الاعتزال والفلسفة من أتباعهم، وذلك لأن الأشعري صرح بأن تصديق الرسول ﷺ ليس موقوفًا على دليل الأعراض، وأن الاستدلال به على حدوث العالم من البدع المحرمة في دين الرسل، وكذلك غيره ممن يوافقه على نفي الأفعال القائمة به قد يقول: إن هذا","vol":"2","page":13},{"text":"الدليل دليل الأعراض صحيح، لكن الاستدلال به بدعة، ولا حاجة إليه، فهؤلاء لا يقولون: إن دلالة السمع موقوفة عليه، لكن المعتزلة القائلون بأن دلالة السمع موقوفة على صحته صرحوا بأنه لا يستدل بأقوال الرسول على ما يجب ويمتنع من الصفات، بل ولا الأفعال، وصرحوا بأنه لا يجوز الاحتجاج على ذلك بالكتاب والسنة، وإن وافق العقل، فكيف إذا خالفه؟\nوهذه الطريقة هي التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك كصاحب الإرشاد وأتباعه، وهؤلاء يردون دلالة الكتاب والسنة، تارة يصرحون بأنا وإن علمنا مراد الرسول فليس قوله مما يجوز أن يحتج به في مسائل الصفات، لأن قوله إنما يدل بعد ثبوت صدقه الموقوف على مسائل الصفات، وتارة يقولون: إنما لم يدل لأنا لا نعلم مراده لتطرق الاحتمالات إلى الأدلة السمعية، وتارة يطعنون في الأخبار.\nفهذه الطرق الثلاث التي وافقوا فيها الجهمية ونحوهم من المبتدعة: أسقطوا بها حرمة الكتاب والرسول عندهم، وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حتى يقولون: إنهم لم يحققوا أصول الدين كما حققناها، وربما اعتذروا عنهم بأنهم كانوا مشتغلين بالجهاد، ولهم من جنس هذا","vol":"2","page":14},{"text":"الكلام الذي يوافقون به الرافضة ونحوهم من أهل البدع، ويخالفون به الكتاب والسنة والإجماع، مما ليس هذا موضع بسطه، وإنما نبهنا على أصول دينهم وحقائق أقوالهم، وغايتهم أنهم يدعون في أصول الدين المخالفة للكتاب والسنة: المعقول والكلام، وكلامهم فيه من التناقض والفساد ما ضارعوا به أهل الإلحاد، فهم من جنس الرافضة: لا عقل صريح ولا نقل صحيح، بل منتهاهم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات، وهذا منتهى كل مبتدع خالف شيئًا من الكتاب والسنة، حتى في المسائل العملية والقضايا الفقهية.","vol":"2","page":15},{"text":"ومع ذلك فهم لا يحتاجون من العقليات في أصول الدين إلى ما يحتاج إليه المعتزلة، فإن المعتزلة يزعمون أن النبوة لا تتم إلا بقولهم في التوحيد والعدل، فيجعلون التكذيب بالقدر من أصولهم العقلية، وكذلك نفي الصفات.\nوأما هؤلاء فالمشهور عندهم أنه إذا رؤيت المعجزة المعتبرة علم بالضرورة أنه تصديق للرسول، وإثبات الصانع أيضًا معلوم بالضرورة أو بمقدمات ضرورية، فالعقليات التي يعلم بها صحة السمع مقدمات قليلة ضرورية، بخلاف المعتزلة فإنهم طولوا المقدمات وجعلوها نظرية، فهم خير من المعتزلة في أصول الدين من وجوه كثيرة، وإن كان المعتزلة خيرًا منهم من بعض الوجوه.\nوأبو الحسن الأشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، ومال إلى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها، كـ الإبانة والموجز والمقالات وغيرها، وكان مختلطًا بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم بهم، بمنزلة ابن عقيل عند متأخريهم، لكن الأشعري وأئمة أصحابه أتبع لأصول الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة من مثل ابن عقيل في كثير من أحواله، وممن اتبع ابن عقيل كـ أبي الفرج ابن الجوزي في كثير من كتبه، وكان القدماء من أصحاب أحمد كـ أبي بكر عبد العزيز وأبي الحسن التميمي وأمثالهما يذكرونه في كتبهم على طريق ذكر الموافق للسنة في الجملة، ويذكرون ماذكره من تناقض المعتزلة، وكان بين التميميين","vol":"2","page":16},{"text":"وبين القاضي أبي بكر وأمثاله من الأئتلاف والتواصل ما هو معروف، وكان القاضي أبو بكر يكتب أحيانًا في أجوبته في المسائل محمد بن الطيب الحنبلي ويكتب أيضًا الأشعري، ولهذا توجد أقوال التميميين مقاربة لأقواله وأقوال أمثاله المتبعين لطريقة ابن كلاب، وعلى العقيدة التي صفنها أبو الفضل التميمي اعتمد أبو بكر البيهقي في الكتاب الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد لما أراد أن يذكر عقيدته، وهذا بخلاف أبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأبي عبد الله بن حامد وأمثالهم، فإنهم مخالفون لأصل قول الكلابية.\nوالأشعري وأئمة أصحابه، كـ أبي الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد الباهلي والقاضي أبي بكر.\nمتفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليد، وإبطال تأويلها، وليس له في ذلك قولان أصلًا، ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين أصلًا، بل جميع من يحكي المقالات من أتباعه وغيرهم يذكر أن ذلك قوله، ولكن لأتباعه في ذلك قولان.","vol":"2","page":17},{"text":"وأول من اشتهر عنه نفيها أبو المعالي الجويني، فإنه نفى الصفات الخبرية، وله في تأويلها، ففي الإرشاد أولها، ثم إنه في (الرسالة النظامية) رجع عن ذلك، وحرم التأويل.\nوبين إجماع السلف على تحريم التأويل.\nواستدل بإجماعهم على أن التأويل محرم، ليس بواجب ولا جائز، فصار من سلك طريقته ينفي الصفات الخبرية، ولهم في التأويل قولان، وأما الأشعري وأئمة أصحابه فإنهم مثبتون لها، يردون على من ينفيها أو يقف فيها، فضلًا عمن يتأولها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>أقوال السلف في الأفعال الاختيارية بالله تعالى</span>\nوأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به: فإن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم إلى البدعة وبقايا بعض الاعتزال فيهم، وشاع النزاع في ذلك بين عامة المنتسبين إلى السنة من أصحاب أحمد وغيرهم.\nوقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافعي عن أصحاب أحمد في معنى أن القرآن غير مخلوق قولين مبنيين على هذا الأصل:\nأحدهما: أنه قديم لا يتعلق بمشيئته وقدرته\nوالثاني: أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء.\nوكذلك ذكر أبو عبد الله بن حامد قولين، وممن كان يوافق على نفي ما يقوم به من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته - كقول ابن كلاب -","vol":"2","page":18},{"text":"أبو الحسن التميمي وأتباعه والقاضي أبو يعلى وأتباعه كـ ابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهم، وإن كان في كلام القاضي ما يوافق هذه تارة وهذا تارة.\nوممن كان يخالفهم في ذلك أبو عبد الله بن حامد، وأبو بكر عبد العزيز وأبو عبد الله بن بطة وأبو عبد الله بن منده، وأبو نصر السجزي ويحيى بن عمار السجستاني وأبو إسماعيل الأنصاري وأمثالهم.\nوالنزاع في هذا الأصل بين أصحاب مالك وبين أصحاب الشافعي وبين أصحاب أبي حنيفة، وبين أهل الظاهر أيضًا، فداود بن علي صاحب المذهب وأئمتهم على إثبات ذلك، وأبو محمد بن حزم على المبالغة في إنكار ذلك، وكذلك أهل الكلام، فالهشامية والكرامية على إثبات ذلك، والمعتزلة على نفي ذلك، وقد ذكر الأشعري في المقالات عن أبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهما إثبات","vol":"2","page":19},{"text":"ذلك، وكذلك المتفلسفة، فحكوا عن أساطينهم - الذين كانوا قبل أرسطو أنهم كانوا يثبتون ذلك، وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر وغيره من متأخريهم، وأما أرسطو وأتباعه - كالفارابي وابن سينا - فينفون ذلك، وقد ذكر أبو عبد الله الرازي عن بعضهم أن إثبات ذلك يلزم جميع الطوائف وإن أنكروه، وقرر ذلك.\nوكلام السلف والأئمة ومن نقل مذهبهم في هذا الأصل كثير يوجد في كتب التفسير والأصول.\nقال إسحاق بن راهويه: حدثنا بشر بن عمر: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرحمن على العرش استوى: أي ارتفع.\nوقال البخاري في صحيحه: (قال أبو العالية استوى إلى السماء: ارتفع)، قال: (وقال مجاهد: استوى: علا على العرش) .","vol":"2","page":20},{"text":"وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره المشهور: (وقال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: (استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء) وكذلك قال الخليل بن أحمد.\nوروى البيهقي في كتاب الصفات قال: (قال الفراء: ثم استوى أي صعد، قاله ابن عباس، وهو كقولك للرجل: كان قاعدًا فاستوى قائمًا) .\nوروى الشافعي في مسنده عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ قال عن يوم الجمعة: وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش» .\nوالتفاسير المأثورة عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين مثل تفسير محمد بن جرير الطبري، وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم، وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم، وتفسير أبي بكر","vol":"2","page":21},{"text":"بن المنذر، وتفسير أبي بكر عبد العزيز، وتفسير أبي الشيخ الأصبهاني، وتفسير أبي بكر بن مردويه، وما قبل هؤلاء التفاسير مثل تفسير أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وبقي بن مخلد وغيرهم، ومن قبلهم مثل تفسير عبد بن حميد وتفسير سنيد وتفسير عبد الرازق، ووكيع بن الجراح فيها من هذا الباب الموافق لقول المثبتين مالا يكاد يحصى، وكذلك الكتب المصنفة في السنة التي فيها آثار النبي ﷺ والصحابة التابعين.\nوقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن أحمد وإسحاق وغيرهما، وذكر معها من الآثار عن النبي صلى الله عيه وسلم والصحابة وغيرهم ما ذكر، وهو كتاب كبير صنفه على طريقة الموطأ ونحوه من المصنفات، قال في آخره في الجامع: (باب القول في المذهب: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن","vol":"2","page":22},{"text":"جالسنا وأخذنا عنهم العلم) وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك - إلى أن قال: (وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك ويسمع ويبصر وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويسخط ويغضب، ويرحم ويغفو ويغفر ويعطي ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، كيف شاء، وكما شاء، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير) - إلى أن قال: (ولم يزل الله متكلمًا عالمًا، فتبارك الله أحسن الخالقين) .\nوقال الفقيه الحافظ أبو بكر الأثرم في كتاب السنة، وقد نقله عنه الخلال في السنة: (حدثنا إبراهيم بن الحارث - يعني العبادي - حدثني الليث بن يحيى، سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر - هو صاحب الفضيل - سمعت الفضيل بن عياض: يقول: (ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف، لأن الله وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا","vol":"2","page":23},{"text":"أحد﴾ (الإخلاص) فلا صفة أبلغ مما وصف الله ﷿ به نفسه، وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع، كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يباهي، وكما شاء أن يطلع، وكما شاء أن يضحك، فليس لنا أن نتوهم أن كيف وكيف وإذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء) .\nوقد ذكر هذا الكلام الأخير عن الفضيل بن عياض البخاري في كتاب خلق الأفعال، هو وغيره من أئمة السنة، وتلقوه بالقبول.\nوقال البخاري: (وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي (أنا كافر برب يزول عن مكانه) فقل: (أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء) .\nقال البخاري: (وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: (من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>كلام الخلال في كتاب السنة</span>\nوقال الخلال في كتاب السنة: (أخبرني جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا أحمد ابن محمد المقدمي، حدثنا سلميان بن حرب،","vol":"2","page":24},{"text":"قال: سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء «ينزل الله إلى السماء الدنيا» يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف يشاء) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>قول الأشعري في كتابه المقالات</span>\nوقال أبو الحسن الأشعري في كتابه المقالات، لما ذكر مقالة أهل السنة وأهل الحديث فقال: (ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر؟» كما جاء الحديث عن النبي ﷺ، ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ (النساء: ٥٩)، ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، وأن لا يحدثوا في دينهم ما لم يأذن الله، ويقرون بأن الله يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ (الفجر: ٢٢) وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ (ق: ١٦) .","vol":"2","page":25},{"text":"قال الأشعري: (وبكل ما ذكرنا من أقوالهم نقول، وإليه نذهب) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>أقوال أهل السنة: لـ أبي عثمان الصابوني في رسالته</span>\nوقال أبو عثمان إسماعيل الصابوني الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة عنه في السنة، وقد ذكر أبو القاسم التميمي في كتاب الحجة في بيان المحجة له، قال: (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف؟، بل يثبتون له ما أثبته رسول الله ﷺ، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله تعالى، وكذلك يثبتون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة، وقوله ﷿: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ (الفجر: ٢٢) .\nوقال: (سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت أحمد بن إبراهيم أبا عبد الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم","vol":"2","page":26},{"text":"وحضره إسحاق بن إبراهيم - يعني ابن راهويه - فسئل عن حديث النزول، صحيح هو؟ قال: نعم، قال، فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب، أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال نعم، قال: كيف ينزل؟ فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبته فوق، فقال إسحاق: قال الله ﷿: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢] فقال له الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ .\nوروى بإسناد عن إسحاق بن إبراهيم قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا» كيف ينزل؟ قال: قلت: إعز الله الأمير؟ لا يقال لأمر الرب كيف؟ إنما ينزل بلا كيف.\nوبإسناد عن عبد الله بن المبارك: أنه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبد الله: يا ضعيف، ليلة النصف؟ ينزل في كل ليلة، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن، كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان؟ فقال عبد الله بن المبارك: ينزل كيف شاء) .\nوقال أبو عثمان الصابوني: (فلما صح خبر النزول عن رسول الله ﷺ أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ماقاله رسول الله ﷺ، ولم يعتقدوا تشبهًا له بنزول خلقه، وعلموا وعرفوا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الرب ﵎","vol":"2","page":27},{"text":"لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوًا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>قول البيهقي في كتابه الأسماء والصفات</span>\nوروى الحافظ ابو بكر البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (حدثنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا زكريا العنبري، سمعت أبا العباس - يعني السراج - سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: دخلت يومًا على طاهر بن عبد الله بن طاهر، وعنده منصور بن طلحة، فقال لي: يا أبا يعقوب، إن الله ينزل كل ليلة؟ فقلت له: نؤمن به، فقال له طاهر: ألم أنهك عن هذا الشيخ؟ ما دعاك إلى أن تسأله عن مثل هذا؟ قال إسحاق: فقلت له: إذا أنت لم تؤمن أن لك ربًا يفعل ما يشاء تحتاج أن تسألني) .\nقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانىء، سمعت أحمد بن سلمة يقول، سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: جمعني وهذا المبتدع - يعني إبراهيم","vol":"2","page":28},{"text":"بن أبي صالح - مجلس الأمير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول، فسردتها فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، فرضي عبد الله كلامي، وأنكر على إبراهيم) .\nقال: (هذا معنى الحكاية) .\nوروى أبو إسماعيل الأنصاري بإسناده عن حرب الكرماني، قال: (قال إسحاق بن إبراهيم: لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى، كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (الأنبياء: ٢٣) ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله تعالى بصفاته وأفعاله - يعني كما نتوهم فيهم - وإنما يجوز النظر والتفكر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفًا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء، ولا يسأل: كيف نزوله؟ لأن الخالق يصنع ما يشاء كما يشاء.\nوعن حرب قال: قال إسحاق بن إبراهيم: ليس في النزول وصف) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>قول الخلال في كتاب السنة</span>\nوقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة (أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - قيل له: أهل الجنة ينظرون إلى ربهم ﷿ ويكلمونه ويكلمهم؟ قال: نعم، ينظر وينظرون إليه، ويكلمهم ويكلمونه، كيف شاء وإذا شاء) .\nقال: (وأخبرني عبد الله بن حنبل، قال: أخبرني أبي حنبل بن","vol":"2","page":29},{"text":"إسحاق، قال: قال عمي: نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد، فصفات الله له ومنه، وهو كما وصف نفسه ﴿لا تدركه الأبصار﴾ بحد ولا غاية ﴿وهو يدرك الأبصار﴾ (الأنعام: ١٠٣) هو عالم الغيب والشهادة، وعلام الغيوب، ولا يدركه وصف واصف وهو كما وصف نفسه، وليس من الله من شيء محدود، ولا يبلغ علم قدرته أحد، غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١) وكان الله قبل أن يكون شيء، والله هو الأول وهو الآخر، ولا يبلغ أحد حد صفاته.\nقال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى «إن الله ﵎ ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا»، و«إن الله يرى» و«إن الله يضع قدمه» وما أشبه","vol":"2","page":30},{"text":"هذه الأحاديث، فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى - أي لا نكيفها ولا نحرفها بالتأويل، فنقول: معناها كذا - ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، إذا كان بأسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء.\nوقال حنبل في موضع آخر.\nعن أحمد.\nقال: (ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه، قد أجمل ﵎ بالصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء.\nفنعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه) .\nقال: (فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته.\nوصفاته منه وله، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك.\nولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول، وخلوه بعبده يوم القيامة، ووضعه كتفه عليه - هذا كله يدل على أن الله ﵎ يرى في الآخرة، والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه: سميع، بصير، لم يزل متكلمًا عالمًا غفورًا، عالم الغيب والشهادة، علام","vol":"2","page":31},{"text":"الغيوب.\nفهذه صفات وصف الله بها نفسه، لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد، كما قال تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ (الأعراف: ٤٥) كيف شاء، المشيئة إليه ﷿، والاستطالة له، ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء، وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير، قول إبراهيم لأبيه، ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر﴾ (مريم: ٤٢) فنثبت أن الله سميع بصير، صفاته منه، لا نتعدى القرآن والحديث، والخبر بضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ، وبتثبيت القرآن، لا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد، تعالى الله عما تقوله الجهمية والمشبهة.\nقلت له: والمشبهة ما يقولون؟ قال: من قال بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه، وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محمدود، والكلام في هذا لا أحبه.\nوقال محمد بن مخلد: قال أحمد: نحن نصف الله بما وصف نفسه، وبما وصفه به رسوله.","vol":"2","page":32},{"text":"وقال يوسف بن موسى: إن أبا عبد الله قيل له: ولا يشبه ربنا شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه؟ قال: نعم، ليس كمثله شيء) .\nفقول أحمد: (إنه ينظر إليهم ويكلمهم كيف شاء وإذا شاء) وقوله: (هو على العرش كيف شاء وكما شاء) وقوله: (هو على العرش بلا حد كما قال: ﴿ثم استوى على العرش﴾ كيف شاء، المشيئة إليه، والاستطاعة له، ليس كمثله شيء) .\nقلت: وهو خالق كل شيء، وهو كما وصف نفسه سميع بصير شيء يبين أن نظره وتكليمه وعلوه على العرش واستواءه على العرش مما يتعلق بمشيئته واستطاعته.\nوقوله: (بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد) نفى به إحاطة علم الخلق به، وأن يحدوه أو يصفون على ما هو عليه، إلا بما أخبر عن نفسه، ليبين أن عقول الخلق لا تحيط بصفاته، كما قال الشافعي في خطبة الرسالة: (الحمد الله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه) ولهذا قال أحمد: (لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية) فنفى أن يدرك له حد أو غاية، وهذا أصح","vol":"2","page":33},{"text":"القولين في تفسير الإدراك، وقد بسط الكلام على شرح هذا الكلام في غير هذا الموضع.\nوما في الكلام من نفي تحديد الخلق وتقديرهم لربهم وبلوغهم صفته لا ينافي ما نص عليه أحمد وغيره من الأئمة، كما ذكره الخلال أيضًا، قال: (حدثنا أبو بكر المروزي، قال: سمعت أبا عبد الله - لما قيل له: روى علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك، أنه قيل له: كيف نعرف الله ﷿؟ قال: على العرش بحد - قال: قد بلغني ذلك عنه، وأعجبه، ثم قال أبو عبد الله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ (البقرة: ٢١٠) ثم قال: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ (الفجر: ٢٢) .\nقال الخلال: وأنبأنا محمد بن علي الوراق، حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثني محمد بن إبراهيم القيسي، قال: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك - وقيل له: كيف تعرف ربنا؟ - قال: في السماء السابعة على عرشه بحد، فقال أحمد: هكذا هو عندنا.\nوأخبرني حرب بن إسماعيل قال: قلت لإسحاق - يعني ابن راهويه -: هو على العرش بحد؟ قال: نعم بحد.\nوذكر عن ابن المبارك قال: هو على عرشه بائن من خلقه بحد.\nقال: وأخبرنا المروزي قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: قال الله ﵎: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (طه: ٥)","vol":"2","page":34},{"text":"إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة، وفي قعور البحار ورؤوس الآكام وبطون الأودية، وفي كل موضع، كما يعلم علم ما في السماوات السبع وما فوق العرش، أحاط بكل شيء علمًا، فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات البر والبحر ولا رطب ولا يابس إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه، فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره) .\nفهذا مثاله مما نقل عن الأئمة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره، كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، فبين أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزير بن عبد الله بن الماجشون وغير واحد من السلف، والأئمة ينفون علم الخلق بقدره وكيفيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>قول عبد العزيز الماجشون</span>\nوبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون في كلامه المعروف، وقد ذكره ابن بطة في الإبانة، وأبو عمر الطلمنكي في كتابه في الأصول، ورواه أبو بكر الأثرم، قال:","vol":"2","page":35},{"text":"(حدثنا عبد الله بن صالح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: (أما بعد، فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت فيه الجهمية ومن خالفها في صفة الرب العظم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير، وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول عن معرفة قدره) - إلى أن قال: (بأنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعلم من يموت ويبلى قدر من لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حدًا أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف؟ الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته: عجزها عن تحقيق صفة ما لم يسصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف منها قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته؟ أو تنزجر به عن شيء من معصيته؟ - وذكر كلاما طويلا، إلى أن قال ـ: فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل - بزعمه - على جحد ما وصف","vol":"2","page":36},{"text":"الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمى عن البين بالخفي، يجحد ما سمى الرب من نفسه، بصمت الرب عما لم يسم، فلم يزل يملي له الشيطان، حتى جحد قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ (القيامة: ٢٢ -٢٣) فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد - والله - أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر في وجهه في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينضرون) وذكر كلامًا طويلًا كتب في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>قول آخر لالخلال في السنة</span>\nقول آخر لالخلال في السنة\nوقال الخلال في السنة: (أخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (من زعم أن الله لم يكلم موسى فقد كفر بالله، وكذب القرآن، ورد على رسول الله ﷺ أمره، يستتاب من هذه المقالة، فإن تاب وإلا ضربت عنقه) .\nقال: (وسمعت أبا عبد الله قال: ﴿وكلم الله موسى﴾ (النساء: ١٦٤) فأثبت الكلام لموسى كرامة منه لموسى، ثم قال تعالى يؤكد كلامه: ﴿تكليما﴾ (النساء: ١٦٤) .\nقلت لأبي عبد الله: (الله ﷿ يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم، فمن يقضي بين الخلائق إلا الله ﷿؟ يكلم عبده ويسأله، الله","vol":"2","page":37},{"text":"متكلم، لم يزل الله يأمر بما يشاء ويحكم، وليس به عدل ولا مثل، كيف شاء، وأنى شاء) .\nقال الخلال: (أخبرنا محمد بن علي بن بحر أن يعقوب بن بختان حدثهم، أن أبا عبد الله سئل عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت؟ فقال: بلى، تكلم بصوب، وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها، لكل حديث وجه، يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر.\nحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدًا، حتى إذا فزغ عن قلوبهم - قال: سكن عن قلوبهم - نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا) .\nقال الخلال: (وأنبأنا أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله","vol":"2","page":38},{"text":"- وقيل له: إن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام - فتبسم أبو عبد الله وقال (ما أحسن ما قال! عافاه الله!) .\nوقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم موسى لم يتكلم بصوت، فقال أبي: بلى، تكلم ﵎ بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت، وحديث ابن مسعود: (إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان) قال أبي: والجهمية تنكره، قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر، إنما نروي هذه الأحاديث كما جاءت) .","vol":"2","page":39},{"text":"قلت: وهذا الصوت الذي تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من العبد، بل ذلك صوته كما هو معلوم لعامة الناس، وقد نص على ذلك الأئمة: أحمد وغيره، فالكلام المسموع منه هو كلام الله، لا كلام غيره، كما قال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ (التوبة: ٦) وقال النبي ﷺ: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي» رواه أبو داود وغيره.\nوقال ﷺ: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وقال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» .\nذكر الخلال عن إسحاق بن إبراهيم قال لي أبو عبد الله يومًا - وكنت","vol":"2","page":40},{"text":"سألته عنه: تدري ما معنى (من لم يتغن بالقرآن)؟ قلت: لا - قال: هو الرجل يرفع صوته، فهذا معناه، إذا رفع صوته لقد تغنى به.\nوعن صالح بن أحمد أنه قال لأبيه: (زينوا القرأن بأصوتكم) فقال: التزيين أن يحسنه.\nوعن الفضل بن زياد قال: سألت أبا عبد الله عن القراءة؟ فقال: يحسنه بصوته من غير تكلف.\nوقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان، فقال: كل شيء محدث فإنه لا يعجبني، إلا أن يكون صوت الرجل لا يتكلفه.\nوقال القاضي أبو يعلى: هذا يدل من كلامه على أن صوت القارىء ليس هو الصوت الذي تكلم الله به، لأنه أضافه إلى القارىء الذي هو طبعه من غير أن يتعلم الألحان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>قول البخاري في كتاب خلق أفعال العباد</span>\nوقال أبو عبد الله البخاري - صاحب الصحيح - في كتاب خلق الأفعال: يذكر عن النبي ﷺ: «أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وليس هذا لغير الله ﷿» .","vol":"2","page":41},{"text":"قال أبو عبد الله البخاري: (وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، قال: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ (البقرة: ٢٢) فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين) .\nثم روى بإسناده حديث عبد الله بن أنيس - الذي استشهد به في غير موضع من الصحيح، تارة يجزم به، وتارة يقول: (ويذكر عن عبد الله بن أنيس) - قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة»، وذكر الحديث - الذي رواه في صحيحه - عن أبي سعيد، قال: «قال رسول الله ﷺ:","vol":"2","page":42},{"text":"يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب، ما بعث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال: تسعمائة وتسعة وتسعين - فحينئذ تضع الحامل حملها» ﴿وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ (الحج: ٢) وذكر حديث ابن مسعود - الذي استشهد به أحمد - وذكر الحديث الذي رواه في صحيحه عن عكرمة: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله: كأنه سلسلة على صفوان»، فإذا ﴿فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ (سبأ: ٢٣) وذكر حديث ابن عباس المعروف من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن نفر من الأنصار - وقد رواه احمد ومسلم","vol":"2","page":43},{"text":"في صحيحه وغيرهما، وساقه البخاري من طريق ابن إسحاق عنه - «أن رسول الله ﷺ قال لهم: ما تقولون في هذا النجم الذي يرمى به؟ قالوا: كنا يا رسول الله نقول حين رأيناه يرمى بها: مات ملك، ولد مولود، مات مولود، فقال رسول الله ﷺ: ليس ذلك كذلك، ولكن الله إذا قضى في خلقه أمرًا يسمعه أهل العرش فيسبحون، فيسبح من تحتهم بتسبيحهم، فيسبح من تحت ذلك، فلم يزل\nالتسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، حتى يقول بعضهم لبعض: لم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم، فيقولون: أفلا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيسألونهم، فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا، الأمر الذي كان، فيهبط الخبر من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدثون به، فتسترقه الشياطين بالسمع، على توهم منهم واختلاف،","vol":"2","page":44},{"text":"ثم يأتون به إلى الكهان من أهل الأرض، فيحدثونهم، فيخطئون ويصيبون، فتحدث به الكهان، ثم إن الله حجب الشياطين عن السماء بهذا النجوم، فانقطعت الكهانة اليوم، فلا كهانة» .\nوقال البخاري أيضًا: (ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة، فضيق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به) .\nقال: (وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيمًا ومن نحا نحوه ليس بمارق، ولا مبتدع، بل البدع والترؤس بالجهل بغيرهم أولى، إذ يفتون بالآراء المختلفة مما لم يأذن به الله) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>كلام المحاسبي في فهم القرآن</span>\nوقال الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب فهم القرآن لما تكلم على ما يدخل في النسخ وما لا يدخل فيه النسخ، وما يظن أنه متعارض من الآيات، وذكر عن أهل السنة في الإرادة والسمع والبصر قولين في مثل قوله: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ (الفتح: ٢٧) وقوله: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية﴾ (الإسراء: ١٦)","vol":"2","page":45},{"text":"وقوله: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢) وكذلك قوله: ﴿إنا معكم مستمعون﴾ (الشعراء: ١٥) وقوله: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ (التوبة: ١٠٥) ونحو ذلك، فقال: (قد ذهب قوم من أهل السنة إلى أن الله استماعًا حادثًا في ذاته، وذكر أن هؤلاء وبعض أهل البدع تأولوا ذلك في الإرادة على الحوادث.\nقال: (فأما من ادعى السنة، فأراد إثبات القدر، فقال: إرادة الله تحدث إن حدثت من تقدير سابق الإرادة، وأما بعض أهل البدع فزعموا أن الإرادة إنما هي خلق حادث، وليست مخلوقة، ولكن بها كون الله المخلوقين) .\nقال: (وزعموا أن الخلق غير المخلوق، وأن الخلق هو الإرادة، وأنه ليست بصفة لله من نفسه) .","vol":"2","page":46},{"text":"قال: (ولذلك قال بعضهم: إن رؤيته تحدث) .\nواختار الحارث المحاسبي القول الآخر، وتأول المنصوص على أن الحادث هو وقت المراد لا نفس الإرادة، قال: وكذلك قوله: ﴿إنا معكم مستمعون﴾ وقوله: ﴿فسيرى الله عملكم﴾ تأوله على أن المراد حدوث المسموع والمبصر، كما تأول قوله تعالى: ﴿حتى نعلم﴾ (محمد: ٣١) حتى يكون المعلوم بغير حادث علم في الله، ولا بصر، ولا سمع، ولا معنى حدث في ذات الله، تعالى عن الحوادث في نفسه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>كلام محمد بن الهيصم في جمل الكلام</span>\nوقال محمد بن الهيصم في كتاب جمل الكلام له: لما ذكر جمل","vol":"2","page":47},{"text":"الكلام في القرآن، وأنه مبني على خمسة فصول:\nأحدها: أن القرآن كلام الله، فقد حكى عن جهم بن صفوان أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة، إنما هو كلام خلقه الله، فنسب إليه، كما قيل: سماء الله، وأرض الله، وكما قيل: بيت الله، وشهر الله، وأما المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة، ثم وافقوا جهمًا في المعنى، حيث قالوا: كلام الله خلقه بائنًا منه، وقال عامة المسلمين: إن القرآن كلام الله على الحقيقة، وإنه تكلم به.\nوالفصل الثاني في أن القرآن غير قديم، فإن الكلابية وأصحاب الأشعري زعموا أن الله لم يزل يتكلم بالقرآن، وقال أهل الجماعة: بل إنما تكلم بالقرآن حيث خاطب به جبريل، وكذلك سائر الكتب.\nوالفصل الثالث: أن القرآن غير مخلوق، فإن الجهمية والنجارية والمعتزلة زعموا أنه مخلوق، وقال أهل الجماعة: إنه غير مخلوق.\nوالفصل الرابع: أنه غير بائن من الله، فإن الجهمية وأشياعهم","vol":"2","page":48},{"text":"من المعتزلة قالوا إن القرآن بائن من الله، وكذلك سائر كلامه، وزعموا أن الله خلق كلامًا في الشجرة فسمعه موسى، وخلق كلامًا في الهواء فسمعه جبريل، ولا يصح عندهم أن يوجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة، وقال أهل الجماعة: بل القرآن غير بائن من الله، وإنما هو موجود منه، وقائم به) .\nوذكر محمد بن الهيصم في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ما ذكره هنا من إثبات الصفات الفعلية القائمة بالله التي ليست قديمة ولا مخلوقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>كلام الدارمي في النقض على بشر المريسي</span>\nوقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف بنقض عثمان بن سعيد، على بشر المريسي الجهمي العنيد فما افترى على الله في التوحيد قال: (وادعى المعارض أيضًا: أن قول النبي ﷺ: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟» قال: (فادعى أن الله لا ينزل بنفسه، إنما ينزل أمره ورحمته، وهو على العرش،","vol":"2","page":49},{"text":"وبكل مكان من غير زوال، لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول) .\nقال: (فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضًا من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان، لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبي ﷺ يحد لنزوله الليل دون النهار، ويؤقت من الليل شطره أو الأسحار؟ أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار، أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا: هل من داع فأجيب؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطي؟ فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله، وهذا محال عند السفهاء، فكيف عند الفقهاء؟ قد علمتم ذلك، ولكن تكابرون، وما بال رحمته وأمره ينزلان من عنده شطر الليل، ثم لا يمكثان إلا إلى طلوع الفجر، ثم يرفعان؟ لأن رفاعة يرويه يقول في حديثه «حتى ينفجر الفجر» .\nقد علمتم، إن شاء الله، أن هذا التأويل","vol":"2","page":50},{"text":"أبطل باطل، لا يقبله إلا كل جاهل.\nوما دعواه أن تفسير (القيوم) الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك، فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله ﷺ أو عن بعض أصحابه أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء، ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة، ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة إذ فسر نزوله مشروحًا منصوصًا، ووقت لنزوله مخصوصًا، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسًا ولا عويصًا) .\nقال: (ثم أجمل المعارض جميع ما ينكر الجهمية من صفات الله تعالى وذاته المسماة في كتابه، وفي آثار رسول الله ﷺ، فعد منها بضعًا وثلاثين صفة نسقًا واحدًا، يحكم عليها ويفسرها بما حكم المريسي وفسرها وتأولها حرفًا حرفًا، خلاف ما عنى الله وخلاف","vol":"2","page":51},{"text":"ما تأولها الفقهاء الصالحون، لا يعتمد في أكثرها إلا على المريسي، فبدأ منها بالوجه، ثم بالسمع، والبصر، والغضب، والرضا، والحب، والبغض، والفرح، والكره، والضحك، والعجب، والسخط، والإرادة، والمشيئة، والأصابع، والكف، والقدمين.\nوقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (القصص: ٨٨) ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (البقرة: ١١٥) ﴿وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١) و﴿خلقت بيدي﴾ (ص: ٧٥) ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ (المائدة: ٦٤) و﴿يد الله فوق أيديهم﴾ (الفتح: ١٠) ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ (الزمر: ٦٧) وقوله: ﴿فإنك بأعيننا﴾ (الطور: ٢١) و﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ (البقرة: ٢١٠) ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ (الفجر: ٢٢) ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ (الحاقة: ١٧) و﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (طه: ٥) و﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ (غافر: ٧) .\nوقوله ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ (آل عمران: ٣٠: ٢٨) و﴿ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم﴾ (آل عمران: ٧٧) و﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ (الأنعام: ٥٤) و﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ (المائدة: ١١٦) و﴿الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (البقرة: ٢٢) .","vol":"2","page":52},{"text":"قال: (عمد المعارض إلى هذه الصفات والآيات فنسقها ونظم بعضها بعض، كما نظمها شيئًا بعد شيء، ثم فرقها أبوابًا في كتابه، وتلطف بردها بالتأويل كتلطف الجهمية، معتمدًا فيها على تفسير الزائغ الجهمي بشر بن غياث المريسي دون من سواه، مستترًا عند الجهال بالتشنع بها على قوم يؤمنون بها، ويصدقون الله ورسوله فيها، بغير تكييف ولا تمثال، فزعم أن هؤلاء المؤمنين بها يكيفونها ويشبهونها بذوات أنفسهم، وأن العلماء بزعمه قالوا: ليس في شيء منها اجتهاد رأي، ليدرك كيفية ذلك، أو يشبه شيء منها بشيء مما هو في الخلق موجود) .\nقال: (وهذا خطأ، لما أن الله ليس كمثله شيء، فكذلك ليس ككيفيته شيء.\nقال: أبو سعيد: فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع: أما قولك: إن كيفية هذه الصفات وتشبيهها بما هو في الخلق خطأ، فإنا لا نقول: إنه خطأ، كما قلت، بل هو عندنا كفر، ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما","vol":"2","page":53},{"text":"هو في الخلق موجود أشد أنفًا منكم، غير أنا - كما لا نشبهها ولا نكيفها - لا نكفر بها ولا نكذبها، ولا نبطلها بتأويل الضلال، كما ابطلها إمامك المريسي في أماكن من كتابك سنبينها لمن غفل عنها ممن حواليك من الأغمار.\nوأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله فإنا لا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا، وتسمع في آذاننا، فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون، وقصرت عنها الظنون؟ غير أنا لا نقول فيها كما قال إمامك المريسي: إن هذه الصفات كلها كشيء واحد، وليس السمع منه غير البصر، ولا الوجه منه غير اليد، ولا اليد منه غير النفس، وأن الرحمن ليس يعرف - بزعمكم - لنفسه سمعًا من بصر، ولا بصرًا من سمع، ولا وجهًا من يدين، ولا يدين من وجه، هو كله بزعمكم سمع وبصر ووجه، وأعلى وأسفل.\nويد ونفس، وعلم ومشيئة وإرادة، مثل","vol":"2","page":54},{"text":"خلق الأرضين والسماء والجبال والتلال والهواء، التي لا يعرف لشيء منها شيء من هذه الصفات والذوات ولا يوقف لها منها على شيء، فالله المتعالي عندنا أن يكون كذلك، فقد ميز الله في كتابه السمع من البصر فقال: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ (طه: ٤٦) و﴿إنا معكم مستمعون﴾ (الشعراء: ١٥) وقال: ﴿ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم﴾ (آل عمران: ٧٧) ففرق بين الكلام والنظر دون السمع، فقال عند السماع والصوت: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ (المجادلة: ١) .\nو﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ (آل عمران: ١٨١) ولم يقل: قد رأى الله قول التي تجادلك في زوجها.\nوقال موضع الرؤية إنه: ﴿الذي يراك حين تقوم﴾ ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ (الشعراء: ٢١٩: ٢١٨) وقال تعالى: ﴿وقل اعملوا","vol":"2","page":55},{"text":"فسيرى الله عملكم ورسوله﴾ (التوبة: ١٠٥) ولم يقل: يسمع الله تقلبك ويسمع الله عملكم، فلم يذكر الرؤية فيما يسمع، ولا السماع فيما يرى، لما أنهما عنده خلاف ما عندكم.\nوكذلك قال الله تعالى: ﴿ودسر﴾ ﴿تجري بأعيننا﴾ (القمر: ١٤: ١٣) ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (الطور: ٤٨) ﴿ولتصنع على عيني﴾ (طه: ٣٩) ولم يقل لشيء من ذلك: على سمعي.\nفكما نحن لا نكيف هذه الصفات لا نكذب بها كتكذيبكم، ولا نفسرها كباطل تفسيركم) .\nثم قال: (باب الحد والعرش.\nقال أبو سعيد: وادعى المعارض أيضًا أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية) .\nقال: (وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منها جميع أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحد من العالمين، فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك أيها الأعجمي، تعني أن الله لا شيء، لأن الخلق كلهم قد","vol":"2","page":56},{"text":"علموا أنه ليس له شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة، وأن (لا شيء) ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدا موصوف لا محالة، ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية، وقولك: لا حد له يعني أنه لا شيء.\nقال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن نؤمن بالحد، ونكل علم ذلك إلى الله، ولمكانه أيضا حد، وهو على عرشه فوق سمواته، فهذان حدان اثنان.\nوسئل عبد الله بن المبارك، بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على عرشه بائن من خلقه.\nقيل: بحد؟ قال: بحد.\nحدثناه الحسن بن الصباح البزار عن علي بن الحسين بن شقيق عن ابن المبارك.\nفمن ادعى أنه ليس لله حد فقد رد القرآن، وادعى أنه لا شيء، لأن الله وصفة حد مكانه في مواضع كثيرة، من كتابه فقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (طه: ٥) ﴿أأمنتم من في السماء﴾ (الملك: ١٦) ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾ (آل عمران: ٥٥) ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ (النحل: ٥٠) ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (فاطر: ١٠)","vol":"2","page":57},{"text":"فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله، وجحد آيات الله.\nو«قال رسول الله ﷺ: إن الله فوق عرشه فوق سماواته» و«قال للأمة السواداء: أين الله؟ قالت: في السماء، قال أعتقها فإنها مؤمنة» .\nفقول رسول الله ﷺ: «أنها مؤمنة» دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله في السماء، كما قال الله ورسوله، لم تكن مؤمنة وأنه لا يجوز في الرقبة المؤمنة إلا من يحد الله أنه في السماء، كما قال الله ورسوله.","vol":"2","page":58},{"text":"حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن «عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لأبيه: يا حصين، كم تعبد اليوم إلهًا؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء»، فلم ينكر النبي ﷺ، على الكافر، إذ عرف أن إله العالمين في السماء، كما قاله النبي ﷺ، فحصين الخزاعي في كفره يومئذ كان أعلم بالله الجليل الأجل من المريسي وأصحابه، مع ما ينتحلون من الإسلام، إذ ميز بين الإلة الخالق الذي في السماء، وبين الآلهة والأصنام المخلوقة التي في الأرض.\nوقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين: أن الله في السماء، وحدوه بذلك، إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يده إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها، وكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية.","vol":"2","page":59},{"text":"ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها وعددها في كتابه من الوجه والسمع والبصر وغير ذلك يتأولها، ويحكم على الله وعلى رسوله فيها حرفًا بعد حرف وشيئًا بعد شيء، بحكم بشر بن غياث المريسي، لا يعتمد فيها على إمام أقدم منه، ولا أرشد منه عنده، فاغتنمنا ذلك كله منه، إذ صرح باسمه، وسلم فيها لحكمه، لما أن الكلمة قد اجتمعت من عامة الفقهاء في كفره، وهتك ستره، وافتضاحه في مصره، وفي سائر الأمصار الذي سمعوا بذكره) .\nثم ذكر الكلام على إبطال تأويلات الجهمية للصفات الواردة في الكتاب والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>كلام الدارمي في الرد على الجهمية</span>\nوقال عثمان بن سعيد في كتاب الرد على الجهمية له: (باب الإيمان بكلام الله تعالى)، قال أبو سعيد: فالله المتكلم أولًا وآخرًا، لم يزل له الكلام، إذ لا متكلم غيره، ولا يزال له الكلام، إذ لا يبقى متكلم غيره، فيقول: ﴿لمن الملك اليوم﴾ (غافر: ١٦) أنا","vol":"2","page":60},{"text":"الملك، أنا الديان، أين ملوك الأرض؟ فلا ينكر كلام الله إلا من يريد إبطال ما أنزل الله ﷿، وكيف يعجز عن الكلام من علم العباد الكلام وأنطق الأنام؟ قال الله تعالى في كتابه ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (النساء: ١٦٤) فهذا لا يحتمل تأويلًا غير نفس الكلام، وقال لموسى: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ (الأعراف: ١٤٤) وقال الله تعالى: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ (البقرة: ٧٥) وقال ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ (الفتح: ١٥) وقال ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ (يونس: ٦٤) وقال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته﴾ (الأنعام: ١١٥) .\nوذكر آيات أخر، إلى أن قال: (وقال تعالى لقوم موسى حين اتخذوا العجل فقال ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا﴾ (طه: ٨٩) وقال: ﴿عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين﴾ (الأعراف: ١٤٨) .","vol":"2","page":61},{"text":"قال أبو سعيد: ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصًا بلا تأويل، ففيما عاب الله تعالى به العجل في عجزه عن القول والكلام بيان أن الله غير عاجز عنه، وأنه متكلم، وقائل، لأنه لم يكن ليعيب العجل بشيء هو موجود فيه.\nوقال إبراهيم: ﴿بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ (الأنبياء: ٦٣) إلى قوله ﴿أفلا تعقلون﴾ (الأنبياء: ٦٧)، فلم يعب إبراهيم أصنامهم وآلهتهم التي يعبدون بالعجز عن الكلام إلا وأن إلهه متكلم قائل) .\nوبسط الكلام في ذلك، إلى أن قال: (أرأيتم قولكم: إنه مخلوق، فما بدء خلقه؟ أقال الله له (كن) فكان كلامًا قائمًا بنفسه بلا متكلم به؟ فقد علم الناس - إلا ما شاء الله منهم - أن الله لم يخلق كلامًا يرى ويسمع بلا متكلم به، فلا بد من أن تقولوا في دعواكم:","vol":"2","page":62},{"text":"الله المتكلم بالقرآن، فأضفتموه إلى الله، فهذا أجور الجور وأكذب الكذب: أن تضيفوا كلام المخلوق إلى الخالق، ولو لم يكن كفرًا كان كذبًا بلا شك فيه، فكيف وهو كفر لا شك فيه؟ لا يجوز لمخلوق يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعي الربوبية ويدعوا الخلق إلى عبادته فيقول: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ (طه: ١٤) و﴿إني أنا ربك﴾ (طه: ١٢) .\n﴿وأنا اخترتك﴾ (طه: ١٣)، ﴿واصطنعتك لنفسي * اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري﴾ (طه: ٤١ - ٤٢) ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ (طه: ٤٦)، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات: ٥٦) .\n﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ (يس: ٦٠ - ٦١) قد علم الخلق - إلا من أضله الله - أنه لا يجوز لأحد أن يقول هذا وما أشبهه ويدعيه غير الخالق، بل القائل به والداعي إلى عبادة غير الله كافر كفرعون الذي قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (النازعات: ٢٤)، والمجيب له والمؤمن بدعواه أكفر وأكذب.\nوإن قلتم: تكلم به مخلوق فأضفناه إلى الله، لأن الخلق كلهم","vol":"2","page":63},{"text":"بصفاتهم وكلامهم لله، فهذا المحال الذي ليس وراءه محال، فضلًا عن أن يكون كفرًا، لأن الله ﷿ لم ينسب شيئًا من الكلام كله إلى نفسه أنه كلامه غير القرآن وما أنزل على رسله، فإن قد تم كلامكم ولزمتموه لزمكم أن تسموا الشعر وجميع الغناء والنوح وكلام السباع والبهائم والطير كلام الله، فهذا مما لا يختلف المصلون في بطوله واستحالته.\nفما فضل القرآن إذًا عندكم على الغناء والنوح والشعر إذ كان كله في دعواكم كلام الله؟ فكيف خص القرآن بأنه كلام الله ونسب كل كلام إلى قائله؟ فكفى بقوم ضلالًا أن يدعوا قولًا لا يشك الموحدون في بطوله واستحالته.\nومما يزيد دعواكم تكذيبًا واستحالة ويزيد المؤمنين بكلام الله إيمانًا وتصديقًا أن الله قد ميز بين من كلم من رسله في الدنيا وبين من لم يكلم، ومن يكلم من خلقه في الآخرة ومن لا يكلم، فقال: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ (البقرة: ٢٥٣) فميز بين من اختصه الله بكلامه وبين من لم يكلمه، ثم سمى ممن كلم الله موسى فقال: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (النساء: ١٦٤) فلو لم يكلمه بنفسه إلا على تأويل ما","vol":"2","page":64},{"text":"ادعيتم، فما فضل من ذكر الله في تكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه؟ إذ كل الرسل في تكليم الله إياهم مثل موسى، وكل عندكم لم يسمع كلام الله، وقد قال تعالى: ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله﴾ (آل عمران: ٧٧)، ففي بيان أنه لا يعاقب قومًا يوم القيامة بصرف كلامه عنهم إلا وأنه يثيب بتكلميه قومًا آخرين.\nوقال أيضًا في بيان كفر الجهمية: (أخبر الله أن القرآن كلامه، وادعت الجهمية أنه خلقه، وأخبر الله ﵎ أنه كلم موسى تكليمًا، وقال هؤلاء: لم يكلمه الله بنفسه، ولم يسمع موسى نفس كلام الله، إنما سمع كلامًا خرج إليه من مخلوق، ففي دعواهم دعا مخلوق موسى","vol":"2","page":65},{"text":"إلى ربوبيته فقال: ﴿إني أنا ربك فاخلع نعليك﴾ (طه: ١٢) فقال له موسى في دعواهم: صدقت، ثم أتى فرعون يدعوه إلى ربوبيته مخلوق كما أجاب موسى في دعواهم، فما فرق بين موسى وفرعون في الكفر إذًا؟ فأي كفر أوضح من هذا؟ وقال الله ﵎: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) .\nوقال هؤلاء: ما قال لشيء قط - قولًا وكلامًا - كن فكان، ولا يقوله أبدًا، ولم يخرج منه كلام قط، ولا يخرج، ولا هو يقدر على الكلام في دعواهم، فالصنم في دعواهم والرحمن بمنزلة واحدة في الكلام) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>عود إلى كتاب النقض على المريسي</span>\nوقال أيضًا في كتاب النقض على المريسي: (وادعيت أيها المريسي في قول الله ﷿: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ (الأنعام: ٢١٠) وفي قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك﴾ (الأنعام: ١٥٨) فادعيت أن هذا ليس منه بإتيان، لما أنه غير متحرك عندك،","vol":"2","page":66},{"text":"ولكن يأتي بالقيامة بزعمك، وقوله: ﴿يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾: يأتي الله بأمره في ظلل من الغمام، ولا يأتي هو بنفسه.\nثم زعمت أن معناه كمعنى قوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ (سورة النحل: ٢٦) ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾ (الحشر: ٢) .\nفيقال لهذا المريسي: قاتلك الله! ما أجراك على الله وعلى كتابه بلا علم ولا بصر! أنبأك الله أنه إتيان، وتقول: ليس بإتيان، إنما هو كقوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ (النحل: ٢٦) .\nلقد ميزت بين ما جمع الله، وجمعت بين ما ميز الله، ولا يجمع بين هذين التأويلين إلا كل جاهل بالكتاب والسنة، لأن تأويل كل واحد منهما مقرون به في سياق القراءة، لا يجهلة إلا مثلك.\nوقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه، فوق سماواته، وأنه لا ينزل قبل يوم القيامة لعقوبة أحد من خلقه، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم، وتشقق السماوات يومئذ لنزوله، وتنزل الملائكة تنزيلًا، ويحمل عرش ربك","vol":"2","page":67},{"text":"فوقهم يومئذ ثمانية، كما قال الله ورسوله.\nفلما لم يشك المسلمون أنا الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا، علموا يقينًا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو من أمره وعذابه.\nفقوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ يعني مكره من قبل قواعد بنيانهم ﴿فخر عليهم السقف من فوقهم﴾ (النحل: ٢٦) فتفسير هذا الإتيان خرور السقف عليهم من فوقهم، وقوله: ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾ مكر بهم ﴿وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ (الحشر: ٢)، وهم بنو النضير، فتفسير الإتيانين مقرون بهما، فخرور السقف والرعب، وتفسير إتيان الله يوم القيامة منصوص في الكتاب مفسر.\nقال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة * وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت الواقعة * وانشقت السماء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية * يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾ (الحاقة: ١٣ - ١٨) إلى قوله تعالى: ﴿هلك عني سلطانيه﴾ (الحاقة: ٢٩)، فقد فسر الله المعنيين تفسيرًا لا لبس فيه","vol":"2","page":68},{"text":"ولا يشتبه على ذي عقل، فقال فيما يصيب به من العقوبات في الدنيا: ﴿أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ (يونس: ٢٤) فحين قال: ﴿أتاها أمرنا﴾ علم أهل العلم أن أمره ينزل من عنده من السماء وهو على عرشه، فلما قال: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة﴾ (الحاقة: ١٣) الآيات التي ذكرناها، وقال أيضًا: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا﴾ (الفرقان: ٢٥) و﴿يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور﴾ (البقرة: ٢١٠) و﴿دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ (الفجر: ٢١- ٢٢) علم بما نص عليه الله من الدليل وبما حد لنزول الملائكة يومئذ: (أن هذا إتيان الله بنفسه يوم القيامة، ليلي محاسبة خلقه بنفسه، لا يلي ذلك أحد غيره، وأن معناه مخالف لمعنى إتيان القواعد، لا ختلاف القضيتين) .\nإلى أن قال: (وقد كفانا رسول الله صلى عليه وسلم","vol":"2","page":69},{"text":"وأصحابه تفسير هذا الإتيان، حتى لا نحتاج منك له إلى تفسير) وذكر حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين في تجليه يوم القيامة عن النبي ﷺ، وفيه قال: «فيقول المؤمنون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه» وذكر حديث ابن عباس من وجهين موقوفًا ومرفوعًا إلى النبي ﷺ، وفيه «ثم يأتي الرب تعالى في الكروبيين، وهم أكثر من أهل السماوات والأرض» رواه الحاكم في صحيحه، وذكر (عن أنس بن مالك أنه قال: وتلا هذه الآية: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ قال: يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم تعمل عليها الخطايا، ينزل عليها الجبار) .\nثم قال: (ومن يلتفت أيها المريسي إلى تفسيرك المحال في إتيان","vol":"2","page":70},{"text":"الله يوم القيامة ويدع تفسير رسول الله صلى الله عيه وسلم وأصحابه إلا كل جاهل مجنون خاسر مغبون؟ لما أنك مفتون في الدين مأفون، وعلى تفسير كتاب الله غير مأمون، ويلك! أيأتي الله بالقيامة ويتغيب هو بنفسه؟ فمن يحاسب الناس يومئذ؟ لقد خشيت على من ذهب مذهبك هذا لأنه لا يؤمن بيوم الحساب.\nوادعيت أيها المريسي في قول الله: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ (البقرة: ٢٥٥)، وادعيت أن تفسير القيوم عندك لا يزول، يعني الذي لا ينزل ولا يتحرك ولا يقبض ولا يبسط، وأسندت ذلك عن بعض أصحابك غير مسمى عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: القيوم الذي لا يزول، ومع روايتك هذه عن ابن عباس دلائل وشواهد أنها باطلة:\nإحداها: أنك رويتها وأنت المتهم في توحيد الله.\nوالثانية: أنك رويته عن بعض أصحابك غير مسمى، وأصحابك مثلك في الظنة والتهمة.","vol":"2","page":71},{"text":"والثالثة: أنه عن الكلبي، وقد أجمع أهل العلم بالأثر على أن لا يحتجوا بالكلبي في أدنى حلال ولا حرام، فكيف في تفسير توحيد الله وتفسير كتابه؟ وكذلك أبو صالح.\nولو قد صحت روايتك عن ابن عباس أنه قال: (القيوم: الذي لا يزول) لم نستنكره، وكان معناه مفهومًا واضحًا عند العلماء وعند أهل البصر بالعربية أن معنى لا يزول لا يفنى ولا يبيد، لا أنه لا يتحرك ولا يزول من مكان إلى مكان إذا شاء، كما كان يقال للشيء الفاني: هو زائل، كما قال لبيد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل\nيعني فان، لا أنه متحرك، فإن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، وما لا يتحرك فهو ميت لا يوصف بحياة كما لا توصف الأصنام الميتة، قال الله تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون﴾ ﴿أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ (النحل: ٢٠ - ٢١) فالله الحي القيوم القابض الباسط يتحرك إذا شاء،","vol":"2","page":72},{"text":"وينزل إذا شاء، ويفعل ما يشاء، بخلاف الأصنام الميتة التي لا تزول حتى تزال.\nواحتججت أيها المريسي في نفي التحرك عن الله والزوال بحجج الصبيان، فزعمت أن إبراهيم ﷺ حين رأى كوكبًا وشمسًا وقمرًا قال: ﴿هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين﴾ (الأنعام: ٧٦)، ثم قلت: فنفى إبراهيم المحبة عن كل إله زائل، يعني أن الله إذا نزل من سماء إلى سماء، أو نزل يوم القيامة لمحاسبة العباد، فقد أفل وزال، كما أفل الشمس والقمر، فتنصل من ربوبيتهما إبراهيم، فلو قاس هذا القياس تركي طمطماني أو رومي عجمي ما زاد على ما قست قبحًا وسماجة، ويلك! من خلق الله: إن الله إذا نزل أو تحرك - أو نزل ليوم الحساب - أفل في شيء كما تأفل الشمس في عين حمئة؟ إن الله لا يأفل في شيء سواه إذا نزل أو ارتفع كما تأفل الشمس والقمر والكواكب، بل هوالعالي على كل شيء، المحيط بكل شيء في جميع أحواله من نزوله وارتفاعه، وهو الفعال لما يريد، لا يأفل في شيء، بل الأشياء كلها تخشع له وتتواضع، والشمس والقمر والكواكب خلائق مخلوقة، إذا قلت أفلت أفلت في مخلوق في عين حمئة كما قال الله تعالى، والله أعلى وأجل، لا يحيط به شيء، ولا يحتوي عليه شيء.","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>قول أبي بكر عبد العزيز في المقنع</span>\nوقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر صاحب الخلال، في أول كتابه الكبير المسمى بالمقنع، وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب إيضاح البيان، في مسألة القرآن قال أبو بكر لما سألوه: (إنكم إذا قلتم: لم يزل متكلمًا كان ذلك عبثًا، فقال: لأصحابنا قولان: أحدهما أنه لم يزل متكلمًا كالعلم، لأن ضد الكلام الخرس، كما أن ضد العلم الجهل، قال: ومن أصحابنا من قال: قد أثبت سبحانه لنفسه أنه خالق، ولم يجز ان يكون خالقًا في كل حال، بل قلنا: إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق، وإن لم يكن خالقًا في كل حال، ولم يبطل أن يكون خالقًا، كذلك وإن لم يكن متكلمًا في كل حال يبطل أن يكون متكلمًا، بل هو متكلم خالق، وإن لم يكن خالقًا في كل حال ولا متكلمًا في كل حال) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>قول القاضي أبي يعلي في إيضاح البيان</span>\nوذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسمى بإيضاح البيان هذا السؤال، فقال: (نقول: إنه لم يزل متكلمًا، وليس بمكلم ولا مخاطب ولا آمر ولا ناه، نص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: لم يزل الله متكلمًا عالمًا غفورًا.\nقال: وقال في رواية عبد الله: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء.","vol":"2","page":74},{"text":"وقال حنبل في موضع آخر: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلمًا، والقرآن كلام الله غير مخلوق) .\nقال القاضي أبو يعلى: (وقال أحمد في الجزء الذي فيه الرد على الجهمية والزنادقة: وكذلك الله يتكلم كيف شاء، من غير أن نقول جوف ولا فم ولا شفتان) .\nوقال بعد ذلك: (بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>قول عبد الله بن حامد في أصول الدين</span>\nوقال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين: (ومما يجب الإيمان به والتصديق أن الله متكلم، وأن كلامه قديم وأنه لم يزل متكلمًا في كل أوقاته موصوفًا بذلك، وكلامه قديم غير محدث، كالعلم والقدرة) .\nقال: وقد يجيء على المذهب أن يكون الكلام صفة المتكلم، لم يزل موصوفًا بذلك ومتكلمًا كما شاء وإذا شاء، ولا نقول: إنه","vol":"2","page":75},{"text":"ساكت في حال أو متكلم في حال، من حيث حدوث الكلام) .\nقال: (ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلمًا قبل أن يخلق الخلق وقبل كل الكائنات، وأن الله كان فيما لم يزل متكلمًا كيف شاء وكما شاء، وإذا شاء أنزل كلامه، وإذا شاء لم ينزله) .\nقلت: قول ابن حامد: (ولا نقول إنه ساكت في حال أو متكلم في حال من حيث حدوث الكلام) يريد به أنا لا نقول: إن جنس كلامه حادث في ذاته، كما تقوله الكرامية من أنه كان ولا يتكلم ثم صار يتكلم بعد أن لم يكن متكلمًا في الأزل، ولا كان تكلمه ممكنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>قول أبي إسماعيل الأنصاري في مناقب أحمد بن حنبل</span>\nوقال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام، في اعتقاد أهل السنة وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة: (اعلم أن الله متكلم قائل مادح نفسه، وهو متكلم كلما شاء، ويتكلم بكلام لا مانع له ولا مكره، والقرآن كلامه هو تكلم به) .\nقال أيضًا في كتاب مناقب أحمد بن حنبل في باب الإشارة إلى طريقته في الأصول، لما ذكر كلامه في مسأئل القرآن وترتيب البدع التي ظهرت فيه وأنهم قالوا أولًا: هو مخلوق، وجرت المحنة المشهورة، ثم مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسي، إلى أن قال: وجاءت","vol":"2","page":76},{"text":"طائفة فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم، فيكون كلامه حادثًا، قال: وهذه سحارة أخرى تقذي في الدين غير عين واحدة، فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة، وكانت حينئذ بنيسابور دار الآثار تمد إليها الدانات، وتشد إليها الركائب، ويجلب منها العلم، وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفي والصبغي مع ما جمعا من الحديث والفقه والصدق والورع واللسان، والبيت والقدر لا يستر لوث بالكلام واستمام لأهله، فـ ابن خزيمة في بيت، ومحمد بن إسحاق في بيت، وأبو حامد العرشرقي في بيت، قال: فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها كأنه منذر جيش، حتى","vol":"2","page":77},{"text":"دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر، ولقن في الكتاتيب، ونقش في المحاريب، أن الله متكلم: إن شاء تكلم، وإن شاء سكت، فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خبيرًا) .\nقلت: هذه القصة التي أشار إليها عن ابن خزيمة مشهورة ذكرها غير واحد من المصنفين كـ الحاكم أبي عبد الله في تاريخ نيسابور وغيره، ذكر أنه رفع إلى الإمام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري، وأنهم على مذهب الكلابية، وأبو بكر الإمام شديد على الكلابية.\nقال: (فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم قال: اجتمعنا ليلة عند بعض أهل العلم، وجرى ذكر كلام الله: أقديم لم يزل، أو يثبت عند اختياره تعالى أن يتكلم به؟ فوقع بيننا في ذلك خوض.\nقال جماعة منا: إن كلام الباري قديم لم يزل، وقال جماعة: إن كلامه قديم، غير أنه لا يثبت إلا باختياره لكلامه.\nفبكرت أنا إلى أبي علي الثقفي، وأخبرته بما جرى، فقال: من أنكر أنه لم يزل فقد اعتقد أنه محدث، وانتشرت هذه المسألة في البلد، وذهب منصور الطوسي في جماعة معه إلى أبي بكر محمد بن إسحاق وأخبروه بذلك، حتى قال منصور: ألم أقل للشيخ إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية، وهذا مذهبهم،","vol":"2","page":78},{"text":"فجمع أبو بكر أصحابه، وقال: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام، ولم يزدهم على هذا في ذلك اليوم، وذكر أنه بعد ذلك خرج على أصحابه، وأنه صنف في الرد عليهم، وأنهم ناقضوه، ونسبوه إلى القول بقول جهم في أن القرآن محدث، وجعلهم هو كلابية.\nقال الحاكم: (سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: الذي أقول به أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، غير مخلوق، ومن قال: إن القرآن أو شيئًا منه ومن وحيه وتنزيله مخلوق، أو يقول: إن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل، أو يقول: إن أفعال الله مخلوقة، أو يقول: إن القرآن محدث، أو يقول: إن شيئًا من صفات الله - صفات الذات - أو اسمًا من أسماء الله مخلوق، فهو عندي جهمي يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، هذا مذهبي ومذهب من رأيت من أهل الأثر في الشرق والغرب من أهل العلم، ومن حكى عني خلاف هذا فهو كاذب باهت، ومن نظر في كتبي المصنفة ظهر له وبان أن الكلابية كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي) .\nوذكر عن ابن خزيمة أنه قال: زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله لا يكرر الكلام، فهم لا يفهمون كتاب الله، فإن","vol":"2","page":79},{"text":"الله قد أخبر في نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم، وأنه أمر الملائكة بالسجود له، فكرر هذا الذكر في غير موضع، وكرر ذكر كلامه مع موسى مرة بعد أخرى، وكرر ذكر عيسى بن مريم في مواضع، وحمد نفسه في مواضع فقال: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ (الكهف: ١)، و﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض﴾ (الأنعام: ١)، ﴿الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ (سبأ: ١)، وكرر زيادة على ثلاثين مرة ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ (الرحمن: ١٦) ولم أتوهم أن مسلمًا يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين.\nقال الحاكم: (سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق - يعني الصبغي - يقول: لما وقع من أمرنا ما وقع ووجد بعض المخالفين - يعني المعتزلة - الفرصة في تقرير مذهبهم بحضرتنا، قال أبو علي الثقفي للإمام: ما الذي أنكرت من مذاهبنا أيها الإمام حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان","vol":"2","page":80},{"text":"أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد وعلى أصحابه مثل الحارث المحاسبي وغيره، حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب، فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق فأخرجت إليه الطبق فقلت: تأمل ما جمعته بخطي، وبينته في هذه المسائل، فإن كان فيها شيء تكرهه فبين لنا وجهه، فذكر أنه تأمله ولم ينكر منه شيئًا، وذكر لشيخه الخط وفيه: إن الله بجميع صفات ذاته واحد، لم يزل، ولا يزال، وما أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق، وكل شيء أضيف إلى الله بائن عنه دونه مخلوق) .\nوذكر أن أبا العباس القلانسي وغيره وافقوا من خالف أبا بكر، وأنه كتب إلى جماعة من العلماء تلك السمائل، وأنهم كانوا يرفعون من خالف أبا بكر إلى السلطان، وأن أمير نيسابور أمر أن يمتثل أمر أبي بكر فيهم من النفي والضرب والحبس، وأن عبد الله بن حماد قال: طوبى لهم إن كان ما يقال عنهم مكذوبًا عليهم، وأن عبد الله بن حماد","vol":"2","page":81},{"text":"من غد ذلك اليوم قال: رأيت البارحة في المنام كأن أحمد بن السري الزاهد المروزي لكمني برجله ثم قال: كأنك في شك من أمور هؤلاء الكلابية، قال: ثم نظر إلى محمد بن إسحاق فقال: ﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب﴾ (إبراهيم: ٥٢) وهذه القصة مبسوطة في موضع آخر، وأكثر أهل العلم والدين كانوا مع ابن خزيمة على الكلابية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>قول الأنصاري في ذم الكلام</span>\nذكر أبو إسماعيل الأنصاري العروف بشيخ الإسلام في كتاب ذم الكلام: (سمعت أبا نصر بن أبي سعيد الرداد، سمعت إبراهيم بن إسماعيل الخلال يقول: إني ذهبت بكتاب ابن خزيمة في الصبغي والثقفي إلى أمير المؤمنين، فكتب بصلبها، فقال ابن خزيمة: لا، قد علم رسول الله ﷺ النفاق من أقوام فلم يصلبهم) .\nقال أبو إسماعيل: (سمعت إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني يقول: استتيب الصبغي والثقفي على قبر ابن خزيمة.\nوقال: (سمعت أحمد بن أبي نصر يقول: رأينا محمد بن الحسين السلمي يعني أبا عبد الرحمن السلمي صاحب التصانيف المعروفة في طريقة الصوفية - يلعن الكلابية) .","vol":"2","page":82},{"text":"قال: (وسمعت محمد بن العباس بن محمد يقول: كان أبو علي الرفا يقول: لعن الله الكلابية) .\nومن الموافقين لابن خزيمة أبو حامد الشاركي، وأبو سعيد الزاهد، ويحيى بن عمار وأبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الإسلام.\nقال: (وسمعت عبد الواحد بن ياسين يقول: رأيت بابين قلعا من مدرسة أبي الطيب - يعني الصعلوكي - بأمره من بيتي شابين حضرا أبا بكر بن فورك، وسمعت الطيب ابن محمد، سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: وجدت أبا حامد الإسفرايني وأبا الطيب الصعلوكي وأبا بكر القفال المروزي وأبا منصور الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>قول السجزي في رسالته إلى أهل زبيد</span>\nوقال الحافظ أبو نصر السحزي في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد في الواجب من القول في القرآن: (اعلموا - أرشدنا اله وإياكم - أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والأشعري وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم، بل أخس حالًا منهم في","vol":"2","page":83},{"text":"الباطن، من أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت به اللغات، وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذي تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام جروف متسقة وأصوات مقطعة، وقالت - يعني علماء العربية -: الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل زيد وعمرو، والفعل مثل جاء وذهب، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد، وما شاكل ذلك، فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفًا وصوتًا، فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعمًا منهم أنها أخبار آحاد وهي لا توجب علمًا، وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف، وذكل لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله تعالى، لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون، وحكم الصفة الذاتية حكم الذات.\nقالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له","vol":"2","page":84},{"text":"أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما نقول: (خلق الله، وعبد الله، وفعل الله) .\n(قال: فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام، لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها، وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل) .\nفالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما سمي ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام معنى قائم بذات المتكلم، فمنهم من اقتصر على هذا القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد، فزاد فيه (تنافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه من الكلام) ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم، وإثبات اللغة فيه تشبيه، وتعلقوا بشبه، منها قول الأخطل:\nإن البيان من الفؤاد، وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا","vol":"2","page":85},{"text":"فغيروه، وقالوا: (إن الكلام من الفؤاد) وزعموا أنه لهم حجة على مقالتهم في قول الله تعالى: ﴿ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول﴾ (المجادلة: ٨)، وفي قول الله ﷿: ﴿فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم﴾ (يوسف: ٧٧) واحتجوا بقول العرب: (أرى في نفسك كلامًا، وفي وجهك كلامًا) فألجأهم الضيق مما دخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام.\nوهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه، ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر، بل يجانب ويقمع) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>قول السجزي في الإبانة</span>\nوقال أبو نصر السجزي أيضًا في كتابه المسمى بالإبانة في مسألة القرآن: لما قيل له (إن القراءة عمل، والعمل لا يكون صفة لله، والدليل على أنها عمل أنك تقول: قرأ فلان يقرأ، وما حسن فيه ذكر المستقبل فهو عند العرب عمل) .","vol":"2","page":86},{"text":"فقال: (هذا لا يلزم، لأنك تقول: (قال الله ﷿) و(يقول الله ﷿) والله تعالى قال: ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ (البقرة: ٣٥) وقال تعالى: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾ (ق: ٣٠) فقد حسن في القول ذكر المستقبل.\nفإن ارتكبوا العظمى، وقالوا: كلام الله شيء واحد على أصلنا لا يتجزأ، وليس بلغة، والله سبحانه من الأزل إلا الأبد متكلم بكلام واحد لا أول له ولا آخر، فقال: ويقول إنما يرجع إلى العبارة لا إلا المعبر عنه.\nقيل لهم: قد بينا مرارًا كثيرة أن قولكم في هذا الباب فاسد، وأنه مخالف للعقليين والشرعيين جميعًا، وأن نص الكتاب والثابت من الأثر قد نطقا بفساده، قال الله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠)، فبين الله سبحانه أنه يقول للشيء كن إذا أراد كونه، فعلم بذلك أنه لم يقل للقيامة بعد كوني) .\nوقال أيضًا في موضع آخر: («النبي ﷺ قال: نبدأ بما بدأ الله به») ثم قرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾","vol":"2","page":87},{"text":"(البقرة: ١٥٨) والله تعالى قال: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (آل عمران: ٥٩)، وقال: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢)، فبين ﷻ أنه قال لآدم بعد أن خلقه من تراب: كن، وأنه إذا أراد شيئًا يقول له كن فيكون، ولم يقتض ذلك حدوثًا ولا خلقًا بعد حدوث نوع الكلام، لما قام من الدليل على انتفاء الخلق عن كلام الله تعالى) .\nوقال أبو نصر السجزي أيضًا: (فأما الله تعالى فإنه متكلم فيما لم يزل، ولا يزال متكلمًا بما شاء من الكلام، يسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلامه إذا شاء ذلك، ويكلم من شاء تكليمه بما يعرفه ولا يجهله، وهو سبحانه حي عليم متكلم لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ليس بجسم، ولا في معنى جسم، ولا يوصف بأداة ولا جارحة وآلة، وكلامه","vol":"2","page":88},{"text":"أحسن الكلام، وفيه سور وآي وكلمات، وكل ذلك حروف، وهو مسموع منه على الحقيقة سماعًا يعقله الخلق، ولا كيفية لتكلمه وتكليمه، وجائز وجود أعداد من المكلمين يكلمهم سبحانه في حال واحدة بما يريده من كل واحد منهم، من غير أن يشغله تكليم هذا عن تكليم هذا) .\nقال: (ومنع كثير من أهل العلم إطلاق السكوت عليه، ومن أهل الأثر من جوز إطلاق السكوت عليه لوروده في الحديث، وقال: معناه تركه التوبيخ والتقرير والمحاسبة اليوم، وسيأتي يوم يقرر فيه ويحاسب ويوبخ، فذلك الترك بمعنى السكوت) .\nقال: (والأصل الذي يجب أن يعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتفاق المسمين بها، فنحن إذا قلنا إن الله موجود رؤوف واحد حي عليم بصير متكلم، وقلنا إن النبي ﷺ كان موجودًا حيًا عالمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا لم يكن ذلك تشبيهًا، ولا خالفنا به أحدًا من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل، واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات، والموجود منا إنما وجد عن عدم، وحيي بمعنى","vol":"2","page":89},{"text":"حله، ثم يصير ميتًا بزوال ذلك المعنى، وعلم بعد أن لم يعلم، وقد ينسى ما علم، وسمع وأبصر وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات، فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق ﷾، وإن اتفقت مسميات هذه الصفات) .\nوقال أبو نصر أيضًا: (خاطبني بعض الأشعرية يومًا في هذا الفصل، وقال: التجزؤ على القديم غير جائز، فقلت له: أتقر بأن الله أسمع موسى كلامه على الحقيقة بلا ترجمان؟ فقال: نعم - وهم يطلقون ذلك، ويموهون على من لم يخبر مذهبهم- وحقيقة سماع كلام الله من ذاته، على أصل الأشعري، محال، لأن سماع الخلق - على ما جبلوا عليه من البنية، وأجروا عليه من العادة - لا يكون البتة إلا لما هو صوت أو في معنى الصوت، وإذا لم يكن كذلك كان الواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم، وهما يقومان في وقت مقام السماع، لحصول العلم بهما كما يحصل بالسماع، وربما سمي ذلك سماعًا على التجوز لقربه من معناه، فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري) .\nقال: (فقلت لمخاطبي الأشعري: قد علمنا جميعًا أن حقيقة السماع لكلام الله منه على أصلكم محال، وليس ههنا من تتقيه وتخشى","vol":"2","page":90},{"text":"تشنيعه، وإنما مذهبك أن الله يفهم من شاء كلامه بلطيفة منه، حتى يصير عالمًا متيقنًا بأن الذي فهمه كلام الله، والذي أريد أن ألزمك وارد على الفهم وروده على السماع، فدع التمويه، ودع المصانعة.\nما تقول في موسى ﵇ حيث كلمه الله؟ أفهم كلام الله مطلقًا أم مقيدًا؟ فتلكأ قليلًا، ثم قال: ما تريد بهذا؟ فقلت: دع إرادتي وأجب بما عندك، فأبى وقال: ما تريد بهذا؟ فقلت: أريد أنك إن قلت: إنه ﵇ فهم كلام الله مطلقًا اقتضى أن لا يكون لله كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه موسى، وهذا يؤول إلى الكفر، فإن الله تعالى يقول: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ (البقرة: ٢٥٥) ولو جاز ذلك لصار مم فهم كلام الله عالمًا بالغيب وبما في نفس الله تعالى، وقد نفى الله تعالى ذلك بما أخبر به عن عيسى ﵇ أنه يقول: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب﴾ (المائدة: ١١٦)، وإذا لم يجز إطلاقه، وألجئت إلى أن تقول (أفهمه الله ما شاء من كلامه) دخلت في التبعيض الذي هربت منه، وكفرت من قال به، ويكون مخالفك أسعد منك، لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل الله ﷿ ومن قبل رسول اله ﷺ، وأنت أبيت أن تقبل","vol":"2","page":91},{"text":"ذلك، وادعيت أن الواجب المصير إلى حكم العقل في هذا الباب، وقد ردك العقل إلى موافقة النص خاسئًا.\nفقال: هذا يحتاج إلى تأمل، وقطع الكلام) .\nوقال أبو نصر: (لم يزل الله متكلمًا، لأن الكلام من صفات المدح للحي الفاعل، وضده من النقائص، والله منزه عنها) .\nوذكر كلامًا كثيرًا إلى أن قال: (وقد ثبت بما ذكرناه كون القرآن مفرقًا مفصلًا، ذا أجزاء وأبعاض وآي وكلمات وحروف، وأن ما كان بخلاف ذلك لم يكن القرآن المنزل الذي آمن به المسلمون وجحده الكفار، وأن المقروء سور وآي وكلمات وحروف، وكذلك المحفوظ والمكتوب والمتلو، وأنه عريبي مبين، نازل بلسان العرب، ولسان قريش، والمراد باللسان في هذا الباب اللغة، لا اللسان الذي هو لحم ودم وعروق، تعالى الله عن ذلك، وجل عن أن يوصف إلا بما وصف به نفسه، وتنزه عن الأشباه) .\nقال: (ونحن نذكر عقب هذا الفصل فصلًا في ذكر حروف القرآن، وفصلًا بعد ذلك في الصوت وما ورد فيه من القرآن والحديث، وكل ذي لب صحيح يعرف بالحس والمشاهدة قبل الاستدلال أن القرآن العربي حروف، ولا فرق بين منكر ذلك ومنكر الحواس وأنها من مبادىء العلم وأسباب المدارك) .","vol":"2","page":92},{"text":"قال: (وقد بين الله في كتابه ما لا إشكال بعده في هذا الفصل لما قال: ﴿وإذ نادى ربك موسى﴾ (الشعراء: ١٠)، والعرب لا تعرف نداء إلا صوتًا، وقد جاء عن موسى تحقيق ذلك، فإن أنكروا الظاهر كفروا، وإن قالوا: (إن النداء غير صوت) خالفوا لغات العرب، وإن قالوا: نادى الأمير - إذا أمر غيره بالنداء - دفعوا فضيلة موسى ﵇ المختصة به من تكليم الله إياه من غير واسطة ولا ترجمان، وليس في وجود الصوت من الله تعالى تشبيه بمن يوجد الصوت منه من الخلق، كما لم يكن في إثبات الكلام له تشبيه بمن له كلام من خلقه، وكيف وكلامه وكلام خلقه معًا عن الأشعري معنى قائم بذات المتكلم لا يختلف، فهو المشبه لا محالة) .\nقال: (وأما نحن فنقول: كلام الله حرف وصوت بحكم النص)، قال: (وليس ذلك عن جارحة ولا آلة، وكلامنا حروف وأصوات، لا يوجد ذلك منا إلا بآلة، والله ﷾ يتكلم بما شاء، لا يشغله شيء عن شيء، والمتكلم منا لا يتأتى منه أداء حرفين إلا بأن يفرغ من أحدهما ويبتدىء في الآخر، والقرآن لما كان كلامًا لله كان معجزًا، وكلام الخلق غير معجز، وفي كلام الله بيان ما كان وما سيكون","vol":"2","page":93},{"text":"وما لا يكون أبدًا لو كان كيف كان يكون، والخلق لا يصلون إلى هذه الأشياء إلا بتعريف) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>كلام أبي القاسم الأصبهاني في الحجة على تارك المحجة</span>\nوقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه المعروف بالحجة على تارك المحجة: (أجمع المسلمون على أن القرآن كلام الله، وإذا صح أنه كلام الله صح أنه صفة الله تعالى، وأنه موصوف به، وهذه الصفة لازمة لذاته.\nتقول العرب: (زيد متكلم) فالكلام صفة له لا نعرف إلا أن حقيقة هذه الصفة الكلام، وإذا كان كذلك كان القرآن كلام الله، وكانت هذه الصفة لا زمة له، أزلية.\nوالدليل على أن الكلام لا يفارق المتكلم أنه لو كان مفارقه لم يكن للمتكلم إلى كلمة واحدة، فإذا تكلم بها لم يبق له كلام، فلما كان المتكلم قادرًا على كلمات كثيرة، كلمة بعد كلمة، دل على أن تلك الكلمات فروع لكلامه الذي هو صفة له ملازمة) .\nقال: (والدليل على أن القرآن غير مخلوق: أنه كلام الله، وكلام الله سبب إلى خلق الأشياء، قال الله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠)، أي أردنا خلقه وإيجاده وإظهاره، فقوله (كن) كلام الله وصفته، والصفة التي منها يتفرع","vol":"2","page":94},{"text":"الخلق والفعل، وبها يتكون المخلوق، لا تكون مخلوقة، ولا يكون مثلها للمخلوق.\nوالدليل على أنه كلام لا يشبه كلام المخلوقين أنه كلام معجز، وكلام المخلوقين غير معجز، لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل سورة من سوره، أو آية من آياته، عجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>كلام أبي الحسن الكرجي في الفصول في الأصول</span>\nوقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول، عن الأئمة الفحول) وذكر اثني عشر إمامًا: الشافعي ومالك والثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم.\nثم قال فيه: (سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت أبا حامد الإسفرايني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعًا من الله تعالى، والنبي ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا، مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومنقوشًا، وكل حرف منه - كالباء والتاء - كله كلام","vol":"2","page":95},{"text":"الله غير مخلوق، ومن قال (مخلوق) فهو كافر، عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين) .\nقال الشيخ أبو الحسن: (وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام) .\nقال: (ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه، على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة - منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي - يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات، قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد ابن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة، الذي طبق الأرض علمًا وأصحابًا إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور، يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر، ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله الإمام ابن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني، وتكرر لك منه جمعات، فقيل له في ذلك،","vol":"2","page":96},{"text":"فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلح، ويشيع الخبر في أهل البلاد: أني بريء مما هم عليه - يعني الأشعرية - وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه: فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة، فيظن ظان أنهم مني تعلموه قبل، وأنا ما قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته) .\nقال الشيخ أبو الحسن الكرجي: (وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه الأصبهاني يقول: سمعت شيخنا الإمام أبا بكر الزاذقاني يقول: كنت في درس الشيخ أبي حامد الإسفرايني، وكان ينهي أصحابه عن الكلام، وعن الدخول على الباقلاني، فبلغه أن نفرًا من أصحابه يدخلون عليه خفية لقراءة الكلام، فظن أني معهم ومنهم، وذكر قصة قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لي: يا بني، قد بلغني أنك تدخل على هذا الرجل - يعني الباقلاني - فإياك وإياه، فإنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلالة، وإلا فلا تحضر مجلسي، فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل، وتائب إليه، وأشهدوا على أني لا أدخل إليه) .","vol":"2","page":97},{"text":"قال الشيخ أبو الحسن: (وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد - أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم - قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام متبرقعًا، خوفًا من الشيخ أبي حامد الإسفرايني) .\nقال أبوالحسن: (ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام، حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذقاني.\nوهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة حتى لو وافق قول الأشعري وجها لأصحابنا ميزة وقال: هو قول بعض أصحابنا، وبه قالت الأشعرية، ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه، فضلًا عن أصول الدين) .\nقلت: هذا المنقول عن الشيخ أبي حامد وأمثاله من أئمة أصحاب الشافعي، أصحاب الوجوه، معروف في كتبهم المصنفة في أصول الفقه وغيرها.\nوقد ذكر ذلك الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وأبو إسحاق الشيرازي وغير واحد، بينوا مخالفة الشافعي وغيره من الأئمة لقول ابن كلاب والأشعري في مسألة الكلام التي امتاز بها عن ابن كلاب والأشعري عن غيرهما، وإلا فسائر المسائل ليس لابن كلاب والأشعري بها","vol":"2","page":98},{"text":"اختصاص، بل ما قاله قاله غيرهما، إما من أهل السنة والحديث وإما من غيرهم، بخلاف ما قاله ابن كلاب في مسألة الكلام، وأتبعه عليه الأشعري، فإنه لم يسبق ابن كلاب إلى ذلك حد، ولا وافقه عليه من رؤوس الطوائف، وأصله في ذلك مسألة الصفات الاختيارية، ونحوها من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته تعالى: هل تقوم بذاته أم لا؟ فكان السلف والأئمة يثبتون ما يقوم بذاته من الصفات والأفعال مطلقًا، والجهمية من المعتزلة وغيرهم ينكرون ذلك مطلقًا، فوافق ابن كلاب السلف والأئمة في إثبات الصفات، ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال به تعالى وما يتعلق بمشيئته وقدرته.\nولهذا وغيره تكلم الناس فيمن اتبعه كـ القلانسي والأشعري ونحوهما، بأن في أقوالهم بقايا من الاعتزال، وهذه البقايا أصلها هو الاستدلال على حدوث العالم بطريقة الحركات، فإن هذا الأصل هو الذي أوقع المعتزلة في نفي الصفات والأفعال.\nوقد ذكر الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب أنه طريق مبتدع في دين الرسل، محرم عندهم، وكذلك غير الأشعري، كـ الخطابي وأمثاله، يذكرون ذلك، لكن مع هذا من وافق ابن كلاب لا يرى بطلان هذه الطريقة عقلًا، وإن لم يقل: إن الدين محتاج إليها، فلما رأى من رأى صحتها لزمه: إما قول ابن كلاب، أو ما يضاهيه.\nوهذا الذي نقلوه - من إنكار أبي حامد وغيره على القاضي أبي بكر","vol":"2","page":99},{"text":"الباقلاني - هو بسبب هذا الأصل، وجرى له بسبب ذلك أمور أخرى، وقام عليه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو عبد الله بن حامد وغيرهما من العلماء من أهل العراق وخراسان والشام، وأهل الحجاز ومصر، مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة والمحاسن الكثيرة والرد على الزنادقة والملحدين وأهل البدع، حتى إنه لم يكن في المنتسبين إلى ابن كلاب والأشعري أجل منه ولا أحسن كتبًا وتصنيفًا، وبسببه انتشر هذا القول، وكان منتسبًا إلى الإمام أحمد وأهل السنة وأهل الحديث والسلف، مع انتسابه إلى مالك والشافعي وغيرهما من الأئمة حتى كان يكتب في بعض أجوبته: محمد بن الطيب الحنبلي وكان بينه وبين أبي الحسن التميمي وأهل بيته وغيرهم من التميميين من الموالاة والمصافاة ما هو معروف، كما تقدم ذكر ذلك، ولهذا غلب على التميميين موافقته في أصوله، ولما صنف أبو بكر البيهقي كتابه في مناقب الإمام أحمد - وأبو بكر البيهقي موافق لابن البقلاني في أصوله - ذكر أبو بكر اعتقاد أحمد الذي صفنه أبو الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي، وهو مشابه لأصول القاضي أبي بكر، وقد حكى عنه: أنه كان إذا درس مسألة الكلام على أصول ابن كلاب والأشعري يقول: (هذا الذي ذكره أبو الحسن أشرحه لكم وأنا لم تتبين لي هذه المسألة) فكان يحكى عنه الوقف فيها، إذ له في عدة من المسائل","vol":"2","page":100},{"text":"قولان وأكثركما تنطق بذلك كتبه، ومع هذا تكلم فيه أهل العلم، وفي طريقته التي أصلها هذه المسألة مما يطول وصفه، كما تكلم من قبل هؤلاء في ابن كلاب ومن وافقه، حتى ذكر أبو إسماعيل الأنصاري قال: سمعت أحمد بن أبي رافع وخلقًا يذكرون شدة أبي حامد - يعني الإسفرايني - على ابن الباقلاني، قال: وأنا بلغت رسالة أبي سعد إلى ابنه سالم ببغداد: إن كنت تريد أن\nترجع إلى هراة فلا تقرب الباقلاني، قال: وسمعت الحسين بن أبي أمامة المالكي يقول: سمعت أبي يقول: لعن الله أبا ذر الهروي، فإنه أول من حمل الكلام إلا الحرم، وأول من بثه في المغاربة.\nقلت: أبو ذر فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف به، وكان قد قدم إلى بغداد من هراة، فأخذ طريقة ابن الباقلاني وحملها إلى الحرم، فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم، كـ أبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين لما ليس هذا موضعه، وهو ممن يرجح طريقة الصبغي والثقفي على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث، وأهل المغرب كانوا يحجون، فيجتمعون به ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة ويدلهم على أصلها، فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق، كما رحل أبو الوليد","vol":"2","page":101},{"text":"الباجي فأخذ طريقة أبو جعفر السمناني الحنفي صاحب القاضي أبي بكر، ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد.\nثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا لأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم، لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم، لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها.\nوهذا لي مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا","vol":"2","page":102},{"text":"بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ (الحشر: ١٠) .\nولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه، تحقيقًا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (البقرة: ٢٨٦) .\nومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صوابًا بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة، فإنه يلزمه نظير ذلك أو وأعظم أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه، فقل من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين، لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب، ولهذا تجد كثيرًا من المتأخرين من علماء الطوائف يتناقضون في مثل هذه الأصول ولوازمها، فيقولون القول الموافق للسنة، وينفون ما هو من لوازمه، غير ظانين أنه من لوازمه، ويقولون ما ينافيه، غير ظانين أنه ينافيه، ويقولون بملزومات القول المنافي ما أثبتوه من السنة، وربما كفروا من خالفهم في القول المنافي وملزوماته، فيكون مضمون قولهم: أن","vol":"2","page":103},{"text":"يقولوا قولًا ويكفروا من يقوله، وهذا يوجد لكثير منهم في الحال الواحد، لعدم تفطنه لتناقض القولين، ويوجد في الحالين، لاختلاف نظره واجتهاده.\nوسبب ذلك ما أوقعه أهل الإلحاد والضلال من الألفاظ المجملة التي يظن الظان أنه لا يدخل فيها إلا الحق، وقد دخل فيها الحق والباطل، فمن لم ينقب عنها أو يستفصل المتكلم بها - كما كان السلف والأئمة يفعلون - صار متناقضًا أمبتدعًا ضالًا من حيث لا يشعر.\nوكثير ممن تكلم بالألفاظ المجملة المبتدعة كلفظ الجسم والجوهر والعرض وحلول الحوادث ونحو ذلك، كانوا يظنون أنهم ينصرون الإسلام بهذه الطريقة وأنهم بذلك يثبتون معرفة الله وتصديق رسوله، فوقع منهم من الخطأ والضلال ما أوجب ذلك، وهذه حال أهل البدع كالخوارج وأمثالهم، فإن البدعة لا تكون حقًا محضًا موافقًا للسنة، إذا لو كانت كذلك لم تكن باطلًا، ولا تكون باطلًا محضًا لا حق فيها، إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس، ولا كن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل: إما مخطئًا غالطًا، وإما متعمدًا لنفاق فيه وإلحاد.","vol":"2","page":104},{"text":"كما قال تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم﴾ (التوبة: ٤٧ (فأخبر أن المنافقين لو خرجوا في جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالًا، ولكانوا يسعون بينهم مسرعين، يطلبون لهم الفتنة، وفي المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم: إما لظن مخطىء، أو لنوع من الهوى، أو لمجموعهما، فإن المؤمن إنمايدخل عليه الشيطان بنوع من الظن واتباع هواه، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» .\nوقد أمر المؤمنين أن يقولوا في صلاتهم: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (الفاتحة: ٦ - ٧)، فالمغضوب عليهم عرفوا الحق ولم يعملوا به، والضالون عبدوا الله بلا علم.\nولهذا نزه الله نبيه عن الأمرين بقوله ﴿والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ (النجم: ١ -٢) وقال تعالى: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار﴾ (ص: ٤٥) .\nوهذا الذي تقدم ذكره - من إنكار أئمة العراقيين من أصحاب الشافعي قول ابن كلاب ومتبعيه في القرآن - هو معروف في كتبهم،","vol":"2","page":105},{"text":"ومعلوم أنه ليس بعد الشافعي وابن سريج مثل الشيخ أبي حامد الإسفرايني، حتى ذكر أبو إسحاق في طبقات الفقهاء عن أبي الحسين القدوري: أنه كان يقول في الشيخ أبي حامد: إنه أنظر من الشافعي، وهذا الكلام - وإن لم يكن مطابقًا لمعناه، لجلالة قدر الشافعي وعلو مرتبته - فلولا براعة أبي حامد، ما قال فيه الشيخ أبو الحسين القدوري مثل هذا القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>كلام أبي حامد الإسفرايني في التعليق في أصول الفقه</span>\nوقد قال أبو حامد في كتاب التعليق في أصول الفقه: (مسألة في أن الأمر أمر لصيغته أو لقرينة تقترن به: اختلف الناس في الأمر: هل له صيغة تدل على كونه أمرًا، أم ليس له ذلك؟ على ثلاثة مذاهب، فذهب أئمة الفقهاء إلى أن الأمر له صيغة تدل بمجردها على كونه أمرًا إذا عريت عن القرائن، وذلك مثل قول القائل: افعل كذا وكذا، وإذا وجد ذلك عاريًا عن القرائن كان أمرًا، ولا يحتاج في كونه أمرًا إلى قرينه.\nهذا مذهب الشافعي ﵀ ومالك وأبي حنيفه والأوزاعي، وجماعة أهل العلم، وهو قول البلخي من المعتزلة.\nوذهبت المعتزلة بأسرها - غير البلخي - إلى أن الأمر لا سيغة له، ولا يدل اللفظ بمجرده على كونه أمرًا، وإنما يكون أمرًا بقرينة تقترن","vol":"2","page":106},{"text":"به، وهي الإرادة، ثم اختلفوا في تلك الإرادة: فمنهم من قال: هي إرادة المأمور به، فإذا قال: افعل، وأراد بذلك إيجاد المأمور به صار أمرًا، وإذا عري عن ذلك لم يكن أمرًا، ومنهم من قال: يحتاج إلى إرادة شيئنين: إرادة المأمور به، وإرادة كون اللفظ أمرًا، ومنهم من اعتبر إرادة ثلاثة أشياء، ولسنا نتكلم معهم في هذا الفصل، فإنه شيء يتفرع على مذاهبهم، وإنما الخلاف بيننا وبينهم في الأصل، وهو أن اللفظ هل يكون أمرًا بصيغته، أو بقرينة تقترن به؟\nوذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنىً قائم بنفس الآمر، لا يفارق الذات ولا يزايلها، وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك، كل هذه المعاني قائمة بالذات لا تزايلها، كالقدرة والعلم وغير ذلك، وسواء في هذا أمر الله تعالى وأمر الآدميين، إلا أن أمر الله تعالى يختص بكونه قديمًا، وأمر الآدمي محدث، وهذه الألفاظ والأصوات ليست عندهم أمرًا ولا نهيًا، وإنما هي عبارة عنه) .\nقال: (وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول: هي حكاية عن الأمر، وخالفه أبو الحسن الأشعري في ذلك، فقال: لا يجوز أن يقال: (إنها حكاية)، لأن الحكاية تحتاج إلى أن تكون مثل المحكي، ولكن هو عبارة عن الأمر القائم بالنفس، وتقرر مذهبهم على هذا.\nفإذا كان هذا حقيقة مذهبهم، فليس يتصور بيننا وبينهم خلاف","vol":"2","page":107},{"text":"في أن الأمر هل له صيغة أم لا، فإنه إذا كان الأمر عندهم هو المعنى القائم بالنفس، فذلك المعنى لا يقال: إن له صيغة، أو ليست له صيغة، وإنما يقال ذلك في الألفاظ، ولكن يقع الخلاف في اللفظ الذي هو عندهم عبارة عن الأمر، وعندنا أن هذا هو أمر، وتدل صيغته على ذلك من غير قرينة، وعندهم أنه لا يكون عبارة عن الأمر، ولا دالًا على ذلك بمجرد صيغته، ولكنه يكون موقوفًا على ما بينه الدليل، فإن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن الأمر حمل عليه، وأن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن غيره من التهديد والتعجيز والتحذير وغير ذلك حمل عليه، إلا أننا نتكلم معهم في الجملة: أن هذا اللفظ، هل يدل على الأمر من غير قرينة أم لا)؟ وبسط كلامه في هذه المسألة إلى آخرها.\nوهذا أيضًا معروف عن أئمة الطريقة الخراسانية، ومن متأخريهم أبو محمد الجويني والد أبي المعالي.\nوقد ذكر القاضي أبو القاسم بن عساكر في مناقبه ما ذكره عبد الغافر الفارسي في ترجمة أبي محمد الجويني (قال: سمعت خالي أبا","vol":"2","page":108},{"text":"سعيد - يعني عبد الواحد بن أبي القاسم القشيري - يقول: كان أئمتنا في عصره، والمحقوقون من أصحابنا، يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحيمدة أنه لو جاز أن يبعث الله نبيًا في عصره لما كان إلا هو، من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته في كمال فضله) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>كلام أبو محمد الجويني في عقيدة أصحاب الشافعي</span>\nقال أبو محمد في آخر كتاب صنفه سماه: (عقيدة أصحاب الإمام المطلبي الشافعي وكافة أهل السنة والجماعة) وقد نقل هذا عنه أبو القاسم بن عساكر فيكتابه الذي سماه تبيين كذب المفتري.\n(قال أبو محمد: ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد، ويجب التعيين في الأصول، فأما في الفروع فربما يتأتى التعيين وربما لا يتأتى، ومذهب الشيخ أبي الحسن تصويب المجتهدين في الفروع، وليس ذلك مذهب الشافعي، وأبو الحسن أحد أصحاب الشافعي، فإذا خالفه في شيء أعرضنا عنه فيه، ومن هذا القبيل قوله: إنه لا صيغة للألفاظ، أي الكلام، وتقل وتعز","vol":"2","page":109},{"text":"مخالفته أصول الشافعي ونصوصه، وربما نسب المبتدعون إليه ما هو بريء منه، كما نسبوا إليه أنه يقول: ليس في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وكذلك الاستثناء في الإيمان ونفي القدرة على الخلق في الأزل، وتكفير العوام، وإيجاب علم الدليل عليهم) قال: (وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه، فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه) .\nقلت: هذه المسأئل فيها كلام ليس هذا موضعه، ولكن المقصود هنا: أنه جعل من القبيل الذي خالف فيه الشافعي وأعرض عنه فيه أصحابه: مسأل صيغ الألفاظ، وهذه هي مسألة الكلام، وقوله فيها هو قول ابن كلاب (إن كلام الله معنى واحد قائم بنفس الله تعالى: إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وإن القرآن العربي لم يتكلم الله به، بل وليس هو كلام الله، وإنما خلقه في بعض الأجسام) .\nوجمهور الناس من أهل السنة وأهل البدعة يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالاضطرار، وإن معاني القرآن ليست هي معاني التوراة، وليست معاني التوراة المعربة هي القرآن، ولا القرآن إذا ترجم بالعبرية هو التوراة، ولا حقيقة الأمر هي حقيقة الخبر.","vol":"2","page":110},{"text":"وإنما اضطر ابن كلاب والأشعري ونحوهما إلى هذا الأصل: أنهم لما اعتقدوا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته، لا فعل ولا تكلم ولا غير ذلك، وقد تبين لهم فساد قول من يقول: (القرآن مخلوق) ولا يجعل لله تعالى كلامًا قائمًا بنفسه، بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره، وعرفوا أن الكلام لا يكون مفعولًا منفصلًا عن المتكلم، ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه، بل إذا خلق الله شيئًا من الصفات والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل، لا لله، فإذا خلق في محل الحركة كان ذلك المحل هو المتحرك بها، وكذلك إذا خلق فيه حياة كان ذلك المحل هي الحي بها، وكذلك إذا خلق علمًا أو قدرة كان ذلك المحل هو العالم القادر بها، فإذا خلق كلامًا في غيره كان ذلك المحل هو المتكلم به.\nوهذا التقرير مما اتفق عليه القائلون بأن القرآن غير مخلوق من جميع الطوائف مثل أهل الحديث والسنة، ومثل الكرامية والكلابية وغيرهم.\nولازم هذا أن من قال: (إن القرآن العربي مخلوق) أن لا يكون القرآن العربي كلام الله، بل يكون كلامًا للمحل الذي خلق فيه، ومن","vol":"2","page":111},{"text":"قال (إن لفظ الكلام يقع بالاشتراك على هذا وهذا) تبطل حجته على المعتزلة، فإن أصل الحجة أنه إا خلق كلامًا في محل كان الكلام صفة لذلك المحل، فإذا كان القرآن العربي كلامًا مخلوقًا في محل، كان ذلك المحل هو المتكلم به، ولم يكون كلام الله، ولهذا قال من قال: (لا يسمى كلامًا إلا مجازًا) فرارًا من أن يثبتوا كلامًا حقيقيًا قائمًا بغير المتكلم به، فلما عظم شناعة الناس على هذا القول، وكان تسمية هذا كلامًا حقيقة معلومًا بالاضطرار من اللغة، أراد من ينصرهم أن يجعل لفظ الكلام مشتركًا، فأفسد الأصل الذي بنوا عليه قولهم.\nوبإنكار هذا الأصل استطال عليهم من يقول بخلق القرآن من المعتزلة والشيعة والخوارج ونحوهم، فإن هؤلاء لما ناظرهم من سلك طريقة ابن كلاب - ومضمونها: أن الله لا يقدر على الكلام ولا يتكلم بما شاء ولا هو متكلم باختياره ومشيئته - طمع فيهم أولئك، لأن جمهور الخلق يعلمون أن المتكلم يتكلم بمشيئته واختياره، وهو قادر على الكلام، وهو يتكلم بما يشاء.\nولكن منشأ اضطراب الفريقين اشتراكهما في أنه لا يقوم به ما يكون","vol":"2","page":112},{"text":"بإرادته وقدرته، فلزم هؤلاء - إذا جعلوا يتكلم بإرادته وقدرته واختياره - أن يكون كلامه مخلوقًا منفصلًا عنه، ولزم هؤلاء - إذا جعلوه غير مخلوق - أن لا يكون قادرًا على الكلام، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يتكلم بما يشاء.\nوالمقصود هنا أن عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه وافقوا سلف الأمة وسائر العقلاء على أن كلام المتكلم لا بد أن يقوم به، فما لا يكون إلا بائنًا عنه لا يكون كلامه، كما قال الأئمة: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وقالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، فقالوا: (منه بدأ) ردًا على الجهمية الذين يقولون: بدأ من غيره، ومقصودهم أنه هو المتكلم به، كما قال تعالى: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾ (الزمر: ١) وقال تعالى: ﴿ولكن حق القول مني﴾ (السجدة: ١٣) وأمثال ذلك.\nثم إنهم - مع موافقتهم للسلف والأئمة والجمهور على هذا - اعتقدوا هذا الأصل، وهو أنه لا يقوم به ما يكون مقدورًا له متعلقًا بمشيئته، بناء على هذا الأصل الذي وافقوا فيه المعتزلة، فاحتاجوا حينئذ أن يثبتوا ما لا يكون مقدورًا مرادًا، قالوا: والحروف المنظومة والأصوات لا تكون إلا مقدورة مرادة، فأثبتوا معنى واحدًا، لم يمكنهم إثبات معان متعددة، خوفًا من إثبات ما لا نهاية له، فاحتاجوا","vol":"2","page":113},{"text":"أن يقولوا (معنى واحدًا) فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين، بل جمهور العقلاء عليهم.\nوأنكر الناس عليهم أمورًا: إثبات معنى واحد، هو الأمر والخبر، وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به، وأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله، وأن التوراة والإنجيل والقرآن إنما تختلف عباراتها، فإذا عبر عن التوراة بالعربية كان هو القرآن، وأن الله لا يقدر أن يتكلم، ولا يتكلم بمشيئته واختياره، وتكليمه لمن كلمه من خلقه، كموسى وآدم، ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم، فالتكليم هو خلق الإدراك فقط.\nثم منهم من يقول: السمع يتعلق بذلك المعنى وبكل موجود، فكل موجود يمكن أن يرى ويسمع، كما يقوله أبو الحسن ونحوه.\nومنهم من يقول: إنه يسمع ذلك المعنى من القارىء مع صوته المسموع منه كما يقول ذلك طائفة أخرى.\nوجمهور العقلاء يقولون: إن هذه الأقوال معلومة الفساد","vol":"2","page":114},{"text":"بالضرورة، وإنما ألجأ إليها القائلين بها ما تقدم من الأصول التي استلزمت هذه المحاذير، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.\nوكذلك من قال: (لا يتكلم إلا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة، وهو لا يقدر على التكلم بها، ولا له في ذلك مشيئة ولا فعل) من أهل الحديث والفقهاء والكلام المنتسبين إلى السنة، فجمهور العقلاء يقولون: إن قول هؤلاء أيضًا معلوم الفساد بالضرورة، وإنما ألجأهم إلى ذلك اعتقادهم أن الكلام لا يتعلق بمشيئة المتكلم وقدرته، مع علمهم بأن الكلام يتضمن حروفًا منظومة وصوتًا مسموعًا من المتكلم.\nوأما من قال: (إن الصوت المسموع من القارىء قديم) أو: (يسمع منه صوت قديم ومحدث) فهذا أظهر فسادًا من أن يحتاج إلى الكلام عليه.\nوكلام السلف والأئمة والعلماء في هذا الأصل كثير منتشر، ليس هذا موضع استقصائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>دلالة القرآن على مسألة أفعال الله تعالى</span>\nوأما دلالة الكتاب والسنة على هذا الأصل فأكثر من أن تحصر، وقد ذكر منها الإمام أحمد وغيره من العلماء في الرد على الجهمية ما جمعوه، كما ذكر الخلال في كتاب السنة، قال: (أخبرنا المروزي قال: هذا ما جمعه واحتج به أبو عبد الله على الجهمية من القرآن، وكتبه بخطه، وكتبته من كتابه، فذكر المروزي آيات كثيرة، دون ما ذكر الخضر بن أحمد بن عبد الله بن أحمد، وقال فيه: سمعت","vol":"2","page":115},{"text":"أبا عبد الله يقول: في القرآن عليهم من الحجج في غير موضع - يعني الجهمية -.\nقال الخلال: وأنبأنا الخضر بن أحمد المثنى الكندي سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: وجدت هذا الكتاب بخط أبي، فيما احتج به على الجهمية، وقد ألف الآيات إلى الآيات في السور، فذكر آيات كثيرةً تدل على هذا الأصل، مثل قوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ (البقرة: ١٨٦) وقوله تعالى: ﴿بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ (البقرة: ١١٧) وقوله ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ (البقرة: ١٧٤) وقوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ (المجادلة: ١) وقوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ (آل عمران: ١٨١) وقوله تعالى: ﴿إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم﴾ إلى قوله تعالى - ﴿كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ (آل عمران ٤٥ - ٤٧) وقوله تعالى ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن","vol":"2","page":116},{"text":"فيكون﴾ (آل عمران: ٥٩) وقول تعالى ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة﴾ (آل عمران: ٧٧) وقوله تعالى ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك﴾ (الأنعام: ٧٣) .\n﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (النساء: ١٦٤) وقوله: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ (الأعراف: ١٤٣) .\n﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون﴾ (يونس: ١٩) .\n﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب﴾ (هود: ١١٠) .\n﴿ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم﴾ (الشورى: ٢١)، ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ (هود: ١١٩)، ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ (يوسف: ٣)، وقوله: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ (الكهف: ١٠٩) .\nوقال تعالى: ﴿فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ (طه: ١١ - ١٤) إلى","vol":"2","page":117},{"text":"قوله: - ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ (طه: ٤٦)، ﴿وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني﴾ (طه: ٣٩) .\n﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى﴾ (طه: ١٢٩) .\n﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم﴾ (الأنبياء: ٨٣ - ٨٤) .\nوقوله: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾ (الأنبياء: ٨٧ - ٨٨) .\nقوله ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه﴾ (الأنبياء: ٨٨ - ٨٩) وقوله ﴿الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا﴾ (الفرقان: ٥٩)، وقوله: ﴿فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها﴾ (النمل: ٨٠) .\nوقوله: ﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين﴾ (القصص: ٣٠) .\nوقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٨) وقوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون﴾","vol":"2","page":118},{"text":"(الصافات: ١٧١ - ١٧٣) .\nوقوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ (الزمر: ٦٧) .\nوقول تعالى: ﴿هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ (غافر: ٦٨) .\n﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ (غافر: ٦٠) ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب﴾ (الشورى: ١٤) .\n﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ (الشورى: ٥١)، وقوله تعالى: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾ (الزخرف: ٥٥) .\nوقوله: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما﴾ (المجادلة: ١) .\nقلت: وفي القرآن مواضع كثيرة تدل على هذا الأصل، كقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم﴾ (البقرة: ٢٩)، وقوله: ﴿قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين﴾ إلى قوله: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ (فصلت: ٩ - ١١)، وقوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ (البقرة: ٢١٠) وقوله: ﴿هل","vol":"2","page":119},{"text":"ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ (الأنعام: ١٥٨)، وقوله: ﴿وجاء ربك والملك صفا﴾ (الفجر: ٢٢)، وقوله تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ (التوبة: ١٠٥)، وقوله: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ (يونس: ١٤)، وقوله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ (الأعراف: ٥٤) في غير موضع في القرآن، وقوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) .\nوقوله تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ (الإسراء: ١٦)، وقوله تعالى: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ (الرعد: ١١) .\nوقوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ (الرحمن: ٢٩)، وقوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾ (القصص: ٦٥)، وقوه تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ (القصص: ٦٢)، ﴿وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين﴾ (الشعراء: ١٠)، ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة﴾ (الأعراف: ٢٢)، وقوله","vol":"2","page":120},{"text":"تعالى: ﴿قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون﴾ (الشعراء: ١٥)، وقوله: ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ (يس: ٥٨) وقوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث﴾ (الزمر: ٢٣)، وقوله: ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ (الجاثية: ٦)، وقوله: ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ (المرسلات: ٥٠)، وقوله: ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾ (النساء: ٨٧) .\nوأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى، بل يدخل في ذلك عامة ما أخبر الله به من أفعاله، لا سيما المرتبة، كقوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (الضحى: ٥)، وقوله: ﴿فسنيسره لليسرى﴾ (الليل: ١٠)، وقوله: ﴿إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم﴾ (الغاشية: ٢٥ - ٢٦)، وقوله: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه﴾ (القيامة: ١٧ - ١٩)، وقوله: ﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ (الانشقاق: ٨)، وقوله: ﴿أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا﴾ (عبس: ٢٥ - ٢٦) .\nوقوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ (الروم: ٢٧)، وقوله ﴿ألم نهلك الأولين * ثم نتبعهم الآخرين﴾ (المرسلات: ١٦ - ١٧) ونحو ذلك.","vol":"2","page":121},{"text":"لكن الاستدلال بمثل هذا مبني على أن الفعل ليس هو المفعول، والخلق ليس هو المخلوق، وهو قول جمهور الناس على اختلاف أصنافهم، وقد قرر هذا في غير هذا الموضع.\nثم هؤلاء على قولين: منهم من يقول: إن الفعل قديم لازم للذات لا يتعلق بمشيئته وقدرته، ومنهم من يقول: يتعلق بمشيئته وقدرته، وإن قيل إن نوعه قديم، فهؤلاء يحتجون بما هو الظاهر المفهوم من النصوص.\nوإذا تأول من ينازعهم أن المتجدد إنما هو المفعول المخلوق فقط من غير تجدد فعل، كان هذا بمنزلة من يتأول نصوص الإرادة والحب والبغض والرضا والسخط، على أن المتجدد ليس أيضًا إلا المخلوقات التي تراد وتحب وترضى وتسخط، وكذلك نصوص القول والكلام والحديث، ونحو ذلك: على أن المتجدد ليس إلا إدراك الخلق لذلك، وتأويل الإتيان والمجيء على أن المتجدد ليس إلا مخلوقًا من المخلوقات.\nفهذه التأويلات كلها من نمط واحد، ولا نزاع بين الناس أنها خلاف المفهوم الظاهر الذي دل عليه القرآن والحديث.","vol":"2","page":122},{"text":"ثم ملاحدة الباطنية يقولون: إن الرسل أرادو إفهام الناس ما يتخيلونه، وإن لم يكن مطابقًا للخارج، ويجعلون ذلك بمنزلة ما يراه النائم، فتفسير القرآن عندهم يشبه تعبير الرؤيا التي لا يفهم تعبيرها من ظاهرها، كرؤيا يوسف والملك، بخلاف الرؤيا التي يكون ظاهرها مطابقًا لباطنها.\nوأما المسلمون من أهل الكلام النفاة فهم وإن كانوا يكفرون من يقول بهذا، فإما أن يتأولوا تأويلات يعلم بالضرورة أن الرسول لم يردها، وإما أن يقولوا: ما ندري ما أراد، فهم إما في جهل بسيط أو مركب، ومدار هؤلاء كلهم على أن العقل عارض ما دلت عليه النصوص.\nوقد بين أهل الإثبات أن العقل مطابق موافق لما أخبرت به النصوص، ودلت عليه، لا معارض له، لكن المقصود هنا أن نبين أن القرآن والسنة فيهما من الدلالة على هذا الأصل ما لا يكاد يحصر، فمن له فهم في كتاب الله يستدل بما ذكر من النصوص على ما ترك، ومن عرف حقيقة قول النفاة علم أن القرآن مناقض لذلك مناقضةً لا حيلة لهم فيها، وأن القرآن يثبت ما يقدر الله عليه ويشاؤه من أفعاله التي ليست هي نفس المخلوقات وغير أفعاله.\nولولا ما وقع في كلام الناس من الالتباس والإجمال لما كان يحتاج أن يقال: الأفعال مفعول ليس هو","vol":"2","page":123},{"text":"نفس المفعول، ولكن النفاة عندهم أن المخلوقات هي نفس فعل الله، ليس له فعل عندهم إلا نفس المخلوقات فلهذا احتيج إلى البيان.\nومما يدل على هذا الأصل ما علق بشرط، كقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ (الطلاق: ٢ - ٣) وقوله: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (آل عمران: ٣١) وقوله: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾ (الأنفال: ٢٩) وقوله: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ (الطلاق: ١) وقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله﴾ (الكهف: ٢٣ - ٢٤) وقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله﴾ (محمد: ٢٨) .\nوفي الجملة هذا في كتاب الله أكثر من أن يحصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>دلالة السنة على أفعال الله تعالى</span>\nوكذلك في الأحاديث المستفيضة الصحيحة المتلقاة بالقبول، كقوله ﷺ فيما يروى عن ربه «ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه» وقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم","vol":"2","page":124},{"text":"الليلة؟» .\nوقوله في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله» .\nوقوله: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات كجر السلسة على الصفا» وقوله: «إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة» .\nوقوله في حديث التجلي: «فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» .\nوقوله: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فنام تحت","vol":"2","page":125},{"text":"شجرة ينتظر الموت، فلما استيقظ إذا هو بدابته عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته» وهذا الحديث مستفيض عن النبي ﷺ في الصحيحين من غير وجه، من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأنس وغيرهم.\nوقوله: «يضحك الله إلى رجلين أحدهما صاحبه، كلاهما يدخل الجنة» وفي حديث آخر من يدخل الجنة «قال: فيضحك الله منه» وقوله «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان» .\nوفي حديث «قسمت الصلاة بيني وبين","vol":"2","page":126},{"text":"عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال: أثنى علي عبدي.\nفإذا قال: مالك يوم الدين، قال مجدني عبدي»، وقوله ﷺ «يقول الله تعالى: من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا» وقوله ﷺ «ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا شطر الليل، أو ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» .\nوقوله ﷺ في حديث الأنصاري الذي أضاف رجلًا وآثره على نفسه وأهله، فلما أصبح الرجل غدا على رسول الله ﷺ فقال «لقد ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما»","vol":"2","page":127},{"text":"وأنزل الله ﵎ ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ (الحشر: ٩) وهذه الأحاديث كلها في الصحيحين.\nوفي السنن من حديث علي عن النبي ﷺ حديث الركوب على الدابة، قال: فقلت «يا رسول الله من أي شيء تضحك؟ قال: ربك يضحك إلى عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» وفي لفظ: «إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري» وفي حديث أبي رزين عنه ﷺ قال: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب، فقال له أبو رزين: أو يضحك الرب؟ قال نعم، فقال لن نعدم من رب يضحك خيرًا» .\nوفي الصحيحين وغيرهما - في حديث التجلي الطويل المشهور الذي","vol":"2","page":128},{"text":"روي عن النبي ﷺ من وجوه متعددة - فهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، وفي مسلم من حديث جابر، ورواه أحمد من حديث ابن مسعود وغيره، قال في حديث أبي هريرة «قال: أو لست قد أعطيت العهود والمواثيق: أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك! فيضحك الله ﵎ منه، ثم يأذن له في دخول الجنة» .\nوفي صحيح مسلم «عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: يا ابن آدم، أترضى أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أي رب أتستهزىء بي، وأنت رب العالمين؟ وضحك رسول الله ﷺ، فقال: ألا تسألوني: مم ضحكت؟ فقالوا: مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال: من ضحك رب العالمين،","vol":"2","page":129},{"text":"حين قال: أتستهزىء بي وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزىء بك، ولكني على ما أشاء قادر» .\nوفي لصحيحين عن النبي ﷺ قال «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد» .\nوفي الصحيح أيضًا عنه ﷺ قال «عجب الله من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل» .\nوفي حديث معروف: «لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله به كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته» .\nوفي الصحيح عنه ﷺ أيضًا أنه قال: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون» - وفي لفظ:","vol":"2","page":130},{"text":"«مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء» .\nوفي الصحيح أيضًا عنه ﷺ أنه قال «إن الله لا ينظر صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .\nوفي الصحيحين عن أبي واقد الليثي «أن رسول الله ﷺ كان قاعدًا في أصحابه إذ جاء ثلاثة نفر، فأما رجل فوجد فرجة في الحلقة فجلس، وأما رجل فجلس، يعني خلفهم، وأما رجل فانطلق، فقال النبي ﷺ: ألا أخبركم عن هؤلاء النفر؟ أما الرجل الذي جلس في الحلقة فرجل أوى إلى الله فآواه الله، وأما الرجل الذي جلس خلف الحلقة فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الرجل الذي انطلق فأعرض فأعرض الله عنه» .\nوعن سلمان الفارسي موقوفًا ومرفوعًا قال: «إن الله يستحي أن","vol":"2","page":131},{"text":"يبسط العبد يديه إليه يسأله فيهما خيرًا فيردهما صفرًا خائبتين» .\nوفي الصحيح عنه، فيما يروي عن ربه ﵎ «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» .\nوفي الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة: إنا لنكره الموت؟ قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت يبشر برضوان الله وكرامته، وإذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره","vol":"2","page":132},{"text":"الموت بشر بعذاب الله وسخطه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاء» .\nوفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» .\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد «عن النبي ﷺ قال: إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول ﷿: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال:","vol":"2","page":133},{"text":"أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» .\nوفي الصحيحين عن أنس قال: أنزل علينا - ثم كان من النسوخ -: أبلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا.\nوفي حديث «عمرو بن مالك الرواسي قال: أتيت النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله، ارض عني، قال: فأعرض عني، ثلاثًا، قال: قلت: يا رسول الله، إن الرب ليرضى فيرضى، فارض عني، فرضي عني» .\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرىء مسلم، وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان» .","vol":"2","page":134},{"text":"وفي الصحيحين «عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله وهو حينئذ يشير إلى رباعيته» .\nوقال: «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله» .\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ قال «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، فيقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم","vol":"2","page":135},{"text":"يخرج الملك الصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص» .\nوفي الصحيح «عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .\nوفي حديث آخر: «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده» .\nوفي الصحيحين عن أنس في حديث الشفاعة «عن النبي ﷺ قال فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول لي: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع» وذكر مثل هذا ثلاث مرات.","vol":"2","page":136},{"text":"وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ قالوا: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» .\nوفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة «عن النبي ﷺ قال إن لله ملائكة سيارة فضلًا عن كتاب الناس، سياحين في الأرض، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيجيئون حتى يحفون بهم إلى السماء الدنيا، قال: فيقول الله ﷿: أي شيء تركتم عبادي","vol":"2","page":137},{"text":"يصنعون؟ قال: فيقولون: تركناهم يحمدونك ويسبحونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، قال: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد تمجيدًا وأشد ذكرًا، قال: فيقول: فأي شيء يطلبون؟ قالوا يطلبون الجنة، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا أشد عليها حرصًا وأشد لها طلبًا، قال: فيقول: من أي شيء يتعوذون؟ قال: فيقولون: يتعوذون من النار، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها تعوذًا وأشد منها هربًا، قال: فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال فيقولون: إن فيهم فلانا الخطاء، لم يردهم، إنما جاء في حاجة، قال: فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» .\nوفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «إن الله","vol":"2","page":138},{"text":"إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» وقال في البغض مثل ذلك.\nوفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عيه وسلم قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرًا اقتربت له ذراعًا، وإن اقترب إلي ذراعًا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» .\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد: أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: «ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفت","vol":"2","page":139},{"text":"بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» .\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أن رجلًا أصاب ذنبًا، فقال: رب، إني قد أصبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا آخر، فقال: أي رب، إني قد أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليعمل ما يشاء» .\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يقبض الله الأرض ويطوى السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» .","vol":"2","page":140},{"text":"وفي الصحيحين عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئًا قدمه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئًا قدمه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة» .\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في حديث الرؤية قال فيه: «فيلقى العبد فيقول: أي فل، ألم أكرمك، وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب، قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل - فذكر مثل ما قال الأول - ويلقى الثالث فيقول: آمنت بك وبكتابك وبرسولك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، قال: فيقول: فههنا إذن، قال: ثم يقال: ألا نبعث شاهدنا عليك؟ فيفكر في نفسه من الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ما كان ذلك، ليعذر من نفسه، وذلك المنافق» وذكر الحديث.","vol":"2","page":141},{"text":"وفي صحيح مسلم «عن أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فضحك، قال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: فكفى بنفسك عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي بأعماله، فتنطق بأعماله قال: ثم يخلي بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل» .\nوفي الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ قال: «يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول له: قد أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، فأبيت إلا أن تشرك» .","vol":"2","page":142},{"text":"وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «يدنو أحدكم من ربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم يارب، فيقرره، ثم يقول: قد سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: ثم يعطى كتاب حسناته، وهو قوله: ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾ وأما الكفار والمنافقون فينادون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين» .\nوفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب كيف أعدك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، ويقول: يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، فيقول: أي رب، وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول ﵎: أما علمت أن عبدي فلانًا استسقاك فلم تسقه؟ أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟ قال: ويقول: يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: أي رب وكيف أطعمك، وأنت","vol":"2","page":143},{"text":"رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا استطعمك فلم تطعمه؟ أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي» .\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك.\nفيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قال: فيقولون: يارب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» وهذا فيه ذكر المخاطبة وذكر الرضوان جميعًا.\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «آخر أهل الجنة دخولًا الجنة وآخر أهل النار خروجًا من النار: رجل يخرج حبوًا، فيقول له ربه: ادخل الجنة، فيقول: إن الجنة ملأى، فيقول له ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يعيد: الجنة ملأى، فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرات» .","vol":"2","page":144},{"text":"وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف على يمين على مال امرئ.\nمسلم فاقتطعه، ورجل حلف على يمين بعد العصر: أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي، وهو كاذب، ورجل منع فضل ماء، يقول الله اليوم أمنعك من فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» .\nوفي صحيح مسلم «عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يارسول الله؟ قال: المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» .","vol":"2","page":145},{"text":"وهذا الحديثان فيهما نفي التكليم والنظر عن بعض الناس.\nكما نفى القرآن مثل ذلك، وأما نفي التكليم وحده ففي غير حديث.\nوهذا الباب في الأحاديث كثير جدًا يتعذر استقصاؤه.\nولكن نبهنا ببعضه على نوعه، والأحاديث جاءت في هذا الباب كما جاءت الآيات مع زيادة تفسير في الحديث، كما أن أحاديث الأحكام تجيء موافقة لكتاب الله، مع تفسيرها لمجمله، ومع ما فيها من الزيادات التي لا تعارض القرآن، فإن الله ﷾ أنزل على نبيه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهم من آيات الله والحكمة، وامتن على المؤمنين بأن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته وزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، و«قال النبي صلى الله عيه وسلم: ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه» .\nوفي رواية: «ألا إنه مثل القرآن أو أكثر» .\nفالحكمة التي أنزلها الله عليه مع القرآن، وعلمها لأمته، تتناول ما تكلم به في الدين من غير القرآن من أنواع الخبر والأمر، فخبره موافق","vol":"2","page":146},{"text":"لخبر الله، وأمره موافق لأمر الله، فكما أنه يأمر بما في الكتاب أو بما هو تفسير ما في الكتاب، وبما لم يذكر بعينه في الكتاب، فهو أيضًا يخبر بما في الكتاب وبما هو تفسير ما في الكتاب، وبما لم يذكر بعينه في الكتاب، فجاءت أخباره في هذا الباب يذكر فيها أفعال الرب: كخلقه ورزقه وعدله وإحسانه وإثابته ومعاقبته، ويذكر فيها أنواع كلامه وتكليمه لملائكته وأنبيائه وغيرهم من عباده، ويذكر فيها ما يذكره من رضاه وسخطه، وحبه وبغضه، وفرحه وضحكه، وغير ذلك من الأمور التي تدخل في هذا الباب.\nوالناس في هذا الباب ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>الناس في مسألة أفعال الله تعالى ثلاثة أقسام</span>\nالجهمية المحضة من المعتزلة ومن وافقهم، يجعلون هذا كله مخلوقًا منفصلًا عن الله تعالى.\nوالكلابية ومن وافقهم، يثبتون ما يثبتون من ذلك: إما قديمًا بعينه لازمًا لذات الله، وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.\nوجمهور أهل الحديث وطوائف من أهل الكلام، يقولون: بل هنا قسم ثالث قائم بذات الله متعلق بمشيئته وقدرته، كما دلت عليه النصوص الكثيرة.","vol":"2","page":147},{"text":"ثم بعض هؤلاء قد يجعلون نوع ذلك حادثًا، كما تقوله الكرامية، وأما أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثًا، بل قديمًا، ويفرقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه، فإن نعيم أهل الجنة يدوم نوعه ولا يدوم كل واحد واحد من الأعيان الفانية، ومن الأعيان الحادثة ما لا يفنى بعد حدوثه، كأرواح الآدميين، فإنها مبدعة، كانت بعد أن لم تكن، ومع هذا فهي باقية دائمة.\nوالفلاسفة تجوز مثل ذلك في دوام النوع دون أشخاصه، لكن الدهرية منهم ظنوا أن حركات الأفلاك من هذا الباب، وأنها قديمة النوع، فاعتقدوا قدمها، وليس لهم على ذلك دليل أصلًا، وعامة ما يحتجون به إبطال قول من لا يفرق بين حدوث النوع وحدوث الشخص، ويقولون: إنه يلزم من حدوث الأعيان حدوث نوعها، ويقولون: إن ذلك كله حدث من غير تجدد أمر حادث.\nوهذا القول إذا بطل كان بطلانه أقوى في الحجة على الدهرية في إفساد قولهم، وفي صحة ما جاء به الكتاب والسنة، كما تقدم بيانه، وإن لم يبطل بطل قولهم.","vol":"2","page":148},{"text":"فالمعقول الصريح موافق للشرع متابع له كيف ما أدير الأمر، وليس في صريح المعقول ما يناقض صحيح المنقول، وهو المطلوب.\nومن المعلوم: أن أصل الإيمان تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أنه لا يجوز أن يكون ثم دليل لا عقلي ولا غير عقلي يناقض ذلك، وهذا هو المطلوب هنا.\nولكن أقوامًا ادعوا معارضة طائفة من أخباره للمعقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>أصل خطأ المبتدعة في هذه المسألة</span>\nوأصل وقوع ذلك في المنتسبين للإسلام والإيمان: أن أقوامًا من أهل النظر والكلام أرادوا نصرة ما اعتقدوا أنه قوله بما اعتقدوه أنه حجة، ورأوا أن تلك الحجة لها لوازم يجب التزامها، وتلك اللوازم تنافض كثيرًا من أخباره.\nوهؤلاء غلطوا في المنقول والمعقول جميعًا، كما اعتقدت المعتزلة وغيرهم من الجهمية نفاة الصفات والأفعال أنه أخبر أن كل ما سوى الذات القديمة المجردة عن الصفات محدث الشخص والنوع جميعًا، وظنوا أن، هذا من التوحيد الذي جاء به، واحتجوا على ذلك بما يستلزم حدوث كل ما قامت به صفة وفعل، وجعلوا هذا هو الطريق إلا إثبات وجوده ووحدانيته وتصديق رسله، فقالوا: إن كلامه مخلوق، خلقه في غيره، لم يقم به كلام، وإنه لا يرى في الآخرة، ولا يكون مباينًا للخلق، ولا بقوم به علم ولا قدرة ولا غيرهما من الصفات، ولا","vol":"2","page":149},{"text":"فعل من الأفعال، لا خلق للعالم ولا استواء ولا غير ذلك، فإنه لو قام به فعل أو صفة لكان موصوفًا محلًا للأعراض، ولو قام به فعل يتعلق بمشيئته للزم تعاقب الأفعال ودوام الحوادث، وإذا جوزوا دوام النوع الحادث أو قدمه بطل ما احتجوا على ما ظنوا أن الرسول ﷺ أخبر به.\nوهم مخطئون في المنقول والمعقول.\nأما المنقول: فإن الرسول لم يخبر قط بقدم ذات مجردة عن الصفات والأفعال، بل النصوص الإلهية متظاهرة باتصاف الرب بالصفات والأفعال.\nوهذا معلوم بالضرورة لمن سمع الكتاب والسنة، وهم يسلمون أن هذا هو الذي يظهر من النصوص، ولكن أخبر عن الله بأسمائه الحسنى وآياته المثبتة لصفاته وأفعال، وأنه: ﴿خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ (الفرقان: ٥٩) .\nفمن قال: إن الأفلاك قديمة أزلية فقوله مناقض لقول الرسول ﷺ بلا ريب، كما أن من قال (إن الرب تعالى لا علم له ولا قدرة ولا كلام ولا فعل) فقوله مناقض لقول الرسول، وليس مع واحد منهما عقل صريح يدل على قوله، بل العقل الصريح مناقض لقوله، كما قد بين في موضعه من وجوه كثيرة، مثل ما يقال: إن العقل الصريح يعلم أن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة ممتنع، كإثبات","vol":"2","page":150},{"text":"علم بلا عالم وقدرة بلا قادر.\nوأعظم امتناعًا من ذلك أن يكون العلم هو العالم، والعلم هو القدرة، فهذا قول نفاة الصفات.\nوأما القائلون بقدم العالم فقولهم يستلزم امتناع حدوث حادث، فإن القديم إما واجب بنفسه أو لازم للواجب بنفسه، ولوازم الواجب لا تكون محدثة ولا مستلزمة لمحدث، فالحوادث ليست من لوازمه، وما لا يكون من لوازمه يتوقف وجوده على حدوث سبب حادث، فإذا كان القديم الواجب نفسه، أو اللازم للواجب، لا يصدر عنه حادث - امتنع حدوث الحوادث، وهذا حقيقة قولهم، فإنهم يزعمون أن العالم له علة قديمة موجبة له، وهو لازم لعلته، وعلته عندهم مستلزمة لمعلولها ومعلول معلولها، فيمتنع أن يحدث شيء في الوجود، إذ الحادث المعين يكون لازمًا للقديم بالضرورة واتفاق العقلاء.\nوإذا قالوا: (يجوز أن يحدث عن الواجب بنفسه حادث بواسطة) قيل: الكلام في تلك الواسطة كالكلام في الأول، فإنها إن كانت قديمة لازمة له لزم قدم المعلولات كلها، وإن كانت حادثة فلا بد لها من سبب حادث.\nوإذا قالوا: (كل حادث مشروط بحادث قبله لا إلى أول) .\nقيل لهم: فليست أعيان الحوادث من لوازم الواجب بنفسه، وإذا كان النوع من لوازم الواجب امتنع وجود الواجب بنفسه بدون النوع، ونوع الحوادث ممكن بنفسه ليس فيه واجب بنفسه، فيكون نوع الحوادث صادرًا عن الواجب بنفسه، فلا يجب قدم شيء معين من أجزاء العالم، لا الفلك ولا غيره، وهو نقيض قولهم.","vol":"2","page":151},{"text":"وإذا قالوا: (نوع الحوادث لازم لجرم الفلك والنفس، وهذان لازمان للعقل، وهو لازم للواجب بنفسه) .\nقيل لهم: فذاته مستلزمة لنوع الحوادث، سواء كان بوسط أو بغير وسط، والذات القديمة المستلزمة لمعلولها لا يحدث عنها شيء، لا بوسط ولا بغير وسط، سواء كان الحادث نوعًا أو شخصًا، لأن النوع الحادث يمتنع مقارنته لها، كما تمتنع مقارنة الشخص الحادث لها، لأن النوع الحادث إنما يوجد شيئًا فشيئًا، والمقارن لها قديم معها لا يوجد شيئًا فشيئًا، فبطل أن تكون الحوادث صادرة عن علة تامة مستلزمة لنوعها المقترن بعضه ببعض أو شخص منها، فبطل أن يكون العالم صادرًا عن علة موجبة له، كما بطل وجوبه بنفسه، وهو المطلوب.\nومما يبين ذلك: أن القديم يستلزم قدم موجبه، أو وجوبه بنفسه، فإن القديم إما واجب بنفسه وإما واجب بغيره، إذ الممكن الذي لا موجب له لا يكون موجودًا، فضلًا عن أن يكون قديمًا، بالضرورة واتفاق العقلاء، وإذا كان واجبًا بغيره فلا بد أن يكون الموجب له قديمًا، بالضرورة واتفاق العقلاء، وإذا كان واجبًا بغيره فلا بد أن يكون الموجب له قديمًا، ولا يكون موجبًا له حتى تكون شروط الإيجاب قديمة أيضًا، فيمتنع أن يكوم موجب القديم أو شرط من شروط الإيجاب حادثًا، لأن الموجب المقتضي للفاعل المؤثر يمتنع أن يتأخر عن موجبه","vol":"2","page":152},{"text":"الذي هو مقتضاه وأثره، وهذا معلوم بالضرورة، ومتفق عليه بين العقلاء.\nوإذا كان كذلك فيمتنع أن يكون جميع العالم واجبًا بنفسه، إذ لو كان كذلك لم يكن في الموجودات ما هو حادث، لأن الحادث كان معدومًا، وهو مفتقر إلى محدث يحدث، فضلًا عن أن يكون واجبًا بنفسه.\nفثبت أن في العالم ما ليس بواجب، والواجب بغيره لا بد له من موجب تام مستلزم لموجبه، والموجب التام لا يتأخر عنه شيء من موجبه ومقتضاه، فيمتنع صدور الحوادث عن موجب تام، كما يمتنع أن تكون هي واجبة بنفسها، وإذا لم تكن واجبة ولا صادرة عن علة موجبة فلا بد لها من فاعل ليس موجبًا بذاته، وإذا كان غاية ما يقولون: إن العالم صادر عن علة موجبة بنفسها بغير واسطة أو بوسائط لازمة لتلك العلة، فعلى هذا التقدير: يمتنع حدوث الحوادث عنه، فإن لم يكن للحوادث فاعل غيره، وإلا لزم حدوثها بلا محدث، وهذا معلوم الفساد بالضرورة.\nفتبين أن للحوادث محدثًا ليس هو مستلزمًا لموجبه ومقتضاه، فامتنع أن يكون محدث الحوادث علة مستلزمة لمعلولها، أو أن يكون شيئًا من","vol":"2","page":153},{"text":"معلولاتها، وهم يقولون: إن العالم صادر عن علة مستلزمة لمعلولها، وكل ما سواها معلول لها، وهذا مما تبين بطلانه بالضرورة.\nومن قال: (إن مجموع أجزاء العالم واجبة أو قديمة) فقوله معلوم الفساد بالضرورة.\nومن قال: (إن الحوادث صادرة عن جزء منه واجب) فقوله أيضًا معلوم الفساد، سواء جعل ذلك الجزء الأفلاك أو بعضها، لوجهين:\nأحدهما: أن ذلك الجزء الذي هو واجب بغيره إذا كان علة تامة لغيره لزم أيضًا قدم معلوله معه، فيلزم أن لا يحدث شيء، وإن كان ذلك الجزء الواجب ليس هو علة تامة، امتنع صدور شيء عن غير علة تامة، ولو قدر إمكان الحدوث عن غير علة تامة أمكن حدوث كل ماسوى الله، فعلى كل تقدير قولهم باطل.\nالوجه الثاني: أنه من المعلول أنه ليس شيء من أجزاء العالم مستقلًا بالأبداع لغيره من أجزائه، وإن قيل: (إن بعض أجزائه سبب لبعض) فتأثيره متوقف على سبب آخر، وعلى إنتفاء موانع، فلا يمكن أن يجعل شيء من أجزاء العالم ربًا واجبًا بنفسه، قديمًا مبدعًا لغيره، والحوادث لا بد لها من رب واجب بنفسه قديم مبدع لغيره، وليس شيء من أجزاء العالم مما يمكن ذلك فيه، فعلم أن الرب تعالى خارج عن العالم وأجزائه وصفاته، وهذا كله مبسوط في موضع آخر.","vol":"2","page":154},{"text":"والمقصود هنا بيان أنه ليس في المعقول ما يناقض ما جاء به الرسول ﷺ.\nوقد علم أن المدعين لمعقول يناقضه صنفان:\nصنف يجوزون عليه وعلى غيره من الرسل فيما أخبروا به عن الله تعالى وبلغوه إلى الأمم عن الله تعالى الكذب عمدًا أو خطأ، أو أن يظهر نقيض ما يبطن، كما يقول ذلك من يقوله من الكفار بالرسل، ومن المظهرين لتصديقهم، كالمنافقين من المتفلسفة والقرامطة والباطنية ونحوهم ممن يقول بشيء من ذلك.\nوصنف لا يجوزون عليهم ذلك، وهذا هو الذي يقوله المتكلمون المنتسبون إلى الإسلام على اختلاف أصنافهم.\nوالمبتدعة من هؤلاء مخطئون في السمع وفي العقل، ففي السمع حيث يقولون على الرسول ﷺ ما لم يقل عمدًا أو خطأ، وفي العقل حيث يقررون ذلك بما يظنونه براهين، وإذا كانت الدعوى خطأ لم تكن حجتها إلا باطلة، فإن الدليل لازم لمدلوله، ولازم الحق لا يكون إلا حقًا، وأما الباطل فقد يلزمه الحق، فلهذا يحتج على الحق بالحق تارة وبالباطل تارة، وأما الباطل فلا يحتج عليه إلا بباطل، فإن حجته لو كانت حقًا لكان الباطل لازمًا للحق، وهذا لا يجوز،","vol":"2","page":155},{"text":"لأنه يلزم من ثبوت الملزوم ثبوت اللازم، فلو كان الباطل مسلتزلمًا للحق لكان الباطل حقًا، فإن الحجة الصحيحة لا تستلزم إلا حقًا، وأما الدعوى الصحيحة: فقد تكون حجتها صحيحية، وقد تكون باطلة.\nومن أعظم ما بنى عليه المتكلمة النافية للأفعال وبعض الصفات أو جميعها أصولهم التي عارضوا بها الكتاب والسنة: هي هذه المسألة، وهي نفي قيام ما يشاؤه ويقدر عليه بذاته من أفعاله وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>كلام الرازي والآمدي عن أدلة النفاة</span>\nوقد ذكر أبو عبد الله الرازي - هو وأبو الحسن الآمدي ومن اتبعهما - أدلة نفاة ذلك، وأبطلوها كلها، ولم يستدلوا على نفي ذلك إلا بأن ما يقوم به إن كان صفة كمال كان عدمه قبل حدوثها نقصًا، وإن كان نقصًا اتصافه بالنقص، والله تعالى منزه عن ذلك.\nوهذه الحجة ضعيفة، ولعلها أضعف مما ضعفوه، ونحن نذكر ما","vol":"2","page":156},{"text":"ذكره أبو عبد الله ابن الخطيب في ذلك في أجل كتبه الكلامية الذي سماه نهاية العقول في دراية الأصول وذكر أنه أورد فيه من الحقائق والدقائق ما لا يكاد يوجد في شيء من كتب الأولين والآخرين، والسابقين واللاحقين، من الموافقين والمخالفين، ووصفه بصفات تطول.\nقال: (وهذا كله لا يعلمه إلا من تقدم تحصيله لأكثر كلام العلماء، وتحقق وقوفه على مجامع بحث العقلاء، من المحقين والمبطلين، والموافقين والمخالفين) .\nقال: (فإنني قلما","vol":"2","page":157},{"text":"تكلمت فيه في المبادىء والمقدمات، بل أكثر العناية كان مصروفًا إلى تلخيص النهايات والغايات) .\nوقال في هذا الكتاب: (الأصل الثاني عشر، وهو ما يستحيل على الله) قال: (المسألة الرابعة في أنه يستحيل عليه أن يكوم محلًا للحوادث، واتفقت الكرامية على تجويز ذلك، وأما تجدد الأحوال: فالمعتزلة اختلفوا في تجويزه، مثل المدركية والسامعية والمبصرية والمريدية والكارهية، وأما أبو الحسين البصري فإنه أثبت تجدد العالميات في ذاته) .\nقال: (وأما الفلاسفة فمع أنهم في المشهور أبعد الناس عن هذا المذهب، ولكنهم يقولون بذلك من حيث لا يعرفونه، فإنه يجوزون","vol":"2","page":158},{"text":"تجدد الإضافات على ذاته، مع أن الإضافة عندهم عرض وجودي، وذلك يقتضي كون ذاته موصوفة بالحوادث، وأما أبو البركات البغدادي فقد صرح باتصاف ذاته بالصفات المحدثة) .\nقلت: أبو عبد الله الرازي غالب مادته في كلام المعتزلة: ما يجده في كتب أبي الحسين البصري، وصاحبه محمود الخوارزمي، وشيخه عبد الجبار الهمداني ونحوهم، وفي كلام الفلاسفة: ما يجده في كتب ابن سينا وأبي البركات ونحوهما، وفي مذهب الأشعري: يعتمد على كتب أبي المعالي كالشامل ونحوه كتب القاضي أبي بكر وأمثاله، وهو ينقل أيضًا من كلام الشهرستاني وأمثاله.\nوأما كتب القدماء كـ أبي الحسن الأشعري وأبي محمد بن كلاب وأمثالهما، وكتب قدماء المعتزلة والنجارية والضرارية ونحوهم، فكتبه تدل على أنه لم يكن يعرف ما فيها، وكذلك مذهب طوائف الفلاسفة المتقدمين، وإلا فهذا القول الذي حكاه عن أبي البركات هو قول أكثر قدماء الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو، وقول كثير منهم، كما نقل ذلك أرباب المقالات عنهم، فنقل أرباب المقالات الناقلون لاختلاف الفلاسفة في الباري ما هو؟ قالوا: قال سقراط وأفلاطون وأرسطو: إن الباري لا يعبر","vol":"2","page":159},{"text":"عنه إلا بهو فقط، وهو الهوية المحضة غير المتكثرة، وهي الحكمة المحضة والحق المحض، وليست لله صورة مثل الصورة التي تكترث في العنصر، وهو الأيس الذي لا يحيط به الذهن ولا العقل، ولا يجوز عليه التغير ولا الصفة ولا العدد ولا الإضافة ولا الوقت ولا المكان ولا الحدود، ولا يدرك بالحواس ولا بالعقول من جهة غاية الكنه، ولكن بأنه واحد أزلي ليس باثنين، لأنا إن أوقعنا عليه العدد لزمته التثنية، وإن أوقعنا عليه الإضافة لزمه الزمان والمكان والقبل والبعد، وإن أوقعنا عليه المكان لزمه الحدود، وجعلناه متنايهًا إلى غيره، وقال تاليس","vol":"2","page":160},{"text":"وبلاطرخس ولوقيوس وكسيفايس وأنبذقليس جميعًا: إن الباري واحد ساكن، غير أن أنبذقليس قال: إنه متحرك بنوع سكون، كالعقل المتحرك بنوع سكون، فذلك جائز، لأن العقل إذا كان مبدعًا فهو متحرك بنوع سكون، فلا محالة أن المبدع متحرك","vol":"2","page":161},{"text":"بسكون، لأنه علة، قالوا: وشايعه على هذا القول فيثاغورس ومن بعده إلى زمن أفلاطون.\nوقال زينون وديمقراط وساغوريون: إن الباري","vol":"2","page":162},{"text":"متحرك في الحقيقة، وإن حركته فوق الذهن، فليس زوالًا.\nقالوا: وقال تاليس - وهو أحد أساطين الحكمة -: إن صفة الباري لا تدركها العقول إلا من جهة آثاره، فأما من جهة هويته: فغير مدرك له صفة من نحو ذاته، بل من نحو ذواتنا، وكان يقول: أبدع الله العالم لا لحاجة إليه، بل لفضله، ولولا ظهور أفاعيل الفضيلة لم يكن ههنا وجود، وكان يقول: إن فوق السماء عوالم مبدعة أبدعها من لا تدرك العقول كنهه.\nوقال فيثاغورس نحو قال تاليس: لا يدرك من جهة النفس، هو فوق الصفات العلوية الروحانية، غير مدرك بجوهريته، بل من قبل آثاره في كل عالم، فيوصف وينعت بقدر ظهور تلك الآثار في ذلك العالم، وهو الواحد الذي رامت العقول إدراك معرفته عرفت أن ذواته مبدعة مسبوقة مخلوقة.","vol":"2","page":163},{"text":"قالوا: وقال انكسيمانس نحو مقالة هذين، غير أنه يجوز لقائل أن يقول: إن الباري يتحرك بحركة فوق هذه الحركات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>كلام ابن ملكا</span>\nقلت: وكذلك أبو البركات في المعتبر حكى المقالتين عن غيره، بل عن القائلين بقدم العالم، فقال: (قال القائلون بالحدوث للقدميين: فإذا كان الله لم يزل جوادًا خالقًا قديمًا في الأزل، فالحوادث في العالم كيف وجدت؟ أعن القديم أم عن غيره؟ فإن قلتم: هو خالقها، وعنه صدر وجودها، فقد قلتم بأن القديم خلق المحدث، وأراد خلقه بعد أن لم يرد، وإن قلتم: إن غيره فعل الحوادث، فقد أشركتم بعد ما بالغتم في التوحيد لواجب الوجود بذاته) .\nقال: (فقال القدميون: بل الخالق الأول الواحد القديم هو خالق المخلوقات بأسرها من قديم وحديث، وحده لا شريك له في","vol":"2","page":164},{"text":"وجوده وخلقه وملكه وأمره، وتشعب رأيهم في ذلك إلى مذهبين: فمنهم من قال: إنه خلق الأشياء القديمة دائمة الوجود بدوام وجوده والحوادث شيئًا بعد شيء، أراد فخلق، وخلق فأراد، أوجب خلقه إرادته، وأوجب إرادته خلقه.\nمثال ذلك: أنه أراد خلق آدم الذي هو الأب فخلقه وأوجده، وأراد بوجود الأب وجود الابن، أراد فجاد، وجاد فأراد، إرادة بعد إرادة لموجود بعد موجود، فإذا قلتم: لم أوجد؟ قيل: لأنه أراد فجاد، ولم أراد؟ قيل: لأنه أوجد، فوجود الحوادث يقتضي بعضها بعضًا من وجوده السابق واللاحق.\nفإن قالوا: كيف تحدث له الإرادة؟ وكيف يكون له حال منتظرة تكون بعد أن لم تكن؟ وكيف يكون محل الحوادث؟ قيل: وكيف يكوم محلًا لغير الحوادث؟ أعني الإرادة القديمة.","vol":"2","page":165},{"text":"فإن قيل: لإنها له منه.\nقيل: والإرادات له منه.\nفإن قيل: الإرادة القديمة له في قدمه.\nقيل: والحديثة له في قدمه، لأن السابق من وجوده بالإرادة السابقة أوجب عنده إرادة لاحقة، فأحدث خلقًا بعد خلق بإرادة بعد إرادة وجبت في حكمته من خلقه بعد خلقه، فاللاحق من إرادته وجب عن سابق إرادته بتوسط مراداته، وهكذا هلم جرًا) .\nقال: (والتنزيه عن الإرادة الحادثة كالتنزيه عن الأرادة القديمة، في كونه محلًا لها، لكنه لا وجه لهذا التنزيه، كما سنتكلم عليه في فصل العلم، إذا قلنا في علمه: لم يعلم؟ وكيف يعلم؟.\nقال: (فهذا أحد المذهبين) قال:، (وأما المذهب","vol":"2","page":166},{"text":"الآخر: فإن أهله يقولون إن كل حادث يتجدد بعد عدمه، فله سبب يوجب حدوثه، وذلك السبب حادث أيضًا، حتى ترتقي أسباب الحوادث إلى الحركة الدائمة في المتحركات الدائمة) وساق تمام قول هؤلاء، وهو قول أرسطو وأتباعه.\nوقد نقل غير واحد أن أول من قال بقدم العالم من الفلاسفة هو أرسطو، وأما أساطين الفلاسفة قبله فلم يكونوا يقولون بقدم صورة الفلك، وإن كان لهم في المادة أقوال أخر، وقد بسط الكلام على هذا الأصل في مسألة العلم وغيره لما رد على من زعم أنه لا يعلم الجزئيات، حذرًا من التغير والتكثر في ذاته، وذكر حجة أرسطو وابن سينا ونقضها.\nوقال: (فأما القول بإيجاب الغيرية فيه بإدراك الإغيار والكثرة بكثرة المدركات، فجوابه المحقق: أنه لا يتكثر بذلك تكثرًا في ذاته، بل في إضافاته ومناسباته، وتلك مما لا يعيد الكثرة على هويته","vol":"2","page":167},{"text":"وذاته، ولا الوحدة التي أوجبت وجوب وجوده بذاته ومبدئيته الأولى التي بها عرفناه، وبحسبها أوجبنا له ما أوجبنا، وسلبنا عنه ما سلبنا، هي وحدة مدركاته ونسبه وإضافاته، بل إنما هي وحدة حقيقته وذاته وهويته) .\nقال: (ولا تعتقدن أن الوحدة المقولة في صفات واجب الوجود بذاته قيلت على طريق التنزيه، بل لزمت بالبرهان عن مبدئيته الأولى ووجوب وجوده بذاته والذي لزم عن ذلك لم يلزم إلا في حقيقته وذاته، لا مدركاته وإضافاته، فأما أن يتغير بإدراك المتغيرات فذلك أمر إضافي (لا معنى في نفس الذات، وذلك مما لم تطبله الحجة، ولم يمنعه البرهان، ونفيه من طريق التنزيه والإجلال لا وجه له، بل التنزيه من هذا التنزيه والإجلال من هذا الإجلال أولى) .\nوتكلم على قول أرسطو، إذ قال: من المحال أن يكون كماله بعقل غيره، إذ كان جوهرًا في الغاية من الإلهية والكرامة والعقل","vol":"2","page":168},{"text":"فلا يتغير، والتغير فيه انتقال إلى الأنقص، وهذا هو حركة ما، فيكون هذا العقل ليس عقلًا بالفعل، لكن بالقوة، فقال أبو البركات: (ما قيل في منع التغير مطلقًا حتى يمنع التغير في المعارف والعلوم: فهو غير لازم في التغير مطلقًا، بل هو غير لازم البتة، وإن لزم كان لزومه في بعض تغيرات الأجسام، مثل الحرارة والبرودة، وفي بعض الأوقات، لا في كل حال ووقت، ولا يلزم مثل ذلك في النفوس التي تخصها المعرفة والعلم دون الأجسام، فإنه يقول: إن كل تغير وانفعال فإنه يلزم أن يتحرك قبل ذلك التغير حركة مكانية) .\nقال: (وهذا محال، فإن النفوس تتجدد لها المعارف والعلوم من غير أن تتحرك على المكان، على رأيه، فإنه لا يعتقد فيها أنها مما يكون في مكان البتة، فكيف أن تتحرك فيه؟ وإنما ذلك للأجسام في بعض التغيرات والأحوال، كالتسخن والتبرد، ولا يلزم فيهما أبدًا،","vol":"2","page":169},{"text":"وإنما ذلك فيما يصعد بالبخار من الماء ويتدخن من الأرض من الأجزاء التي هي كالهباء دون غيرها من الأحجار الكبار الصلبة التي تحمى حتى تصير بحيث تحرق وهي في مكانها لا تتحرك، والماء يسخن سخونة كثيرة وهو في مكانه لا يتبخر وإنما يتبخر منه بعض الأجزاء، ثم تكون الحركة المكانية بعد الاستحالة، لا قبلها: كما قال: إن جميع هذه هي حركات توجد بأخرة بعد الحركات المكانية، وفيما عدا ذلك فقد يسود الجسم ويبيض هو في مكانه لم يتحرك قبل الاستحالة ولا بعدها، فما لزم هذا في كل جسم، بل في بعض الأجسام، ولا في كل حال ووقت، بل في بعض الأحوال والأوقات، ولا كان ذلك على طريق التقدم كما قال، بل على طريق التبع، ولو لزم في التغيرات الجسمانية لما لزم في التغيرات النفسانية، ولو لزم التغيرات النفسانية ايضًا لما لزم انتقال الحكم فيه إلى التغيرات في المعارف والعلوم والعزائم والإرادات، فالحكم الجزئي لا يلزم كليًا، ولا يتعدى من البعض إلى البعض، وإلا لكانت الأشياء على حالة واحدة) .\nوبسط الكلام في مسألة العلم، وقال - لما ذكر القولين","vol":"2","page":170},{"text":"المتقدمين -: (والقائلون بالحدوث قالوا: إنه لا يحتاج إلى هذا التمحل، وسموه على طريق المجادلة باسم التمحل للتشنيع والتسفيه، بل نقول: بأن المبدىء المعيد خلق العالم وأحدثها بإرادة قديمة أزلية أراد بها في القدم إحداث العالم حتى أحدثه) .\nوقال: (وقيل في جوابهم: إن ذلك المبدأ لا يتغير ويتخصص في القدم إلا معقول يجعله مقصودًا في العلم القديم عند الإرادة القديمة، حيث أراده في مدة العدم السابق لحدوث العالم التي هي مدة غير متناهية البداية، وما لا يعقل ولا يتصور لا يعلم، وما لا يمكن أن يعلم لا يعلمه عالم، لا لأن الله لا يقدر على علمه، لكن لأنه في نفسه غير مقدرور عليه، ثم ما الذي يقولونه في حدوث العالم: من مشيئة الله وإرادته التي بها يقبل الدعاء من الداعي، ويحسن إلى المحسن، ويسيء إلى المسيء، ويقبل توبة التائب، ويغفر للمستغفر، هل يكون ذلك عنه أو لا يكون؟ فإن قالوا بأنه لا يكون أبطلوا بذلك","vol":"2","page":171},{"text":"الشرع الذي قصدهم نصرته، وأبطلوا حكم أوامره ونواهيه، وكل ما جاء لأجله من الحث على الطاعة، والنهي عن المعصية، وإن قالوا: يكون ذلك بأسره عنه فهل هو بإرادة أم بغير إرادة؟ وكونه بغير إرادة أشنع، وإن كان بإرادة فهل هي إرادة قديمة أم محدثة؟ فإن كانت قديمة فالإرادات القديمة غير واحدة، وما أظنهم يقولون: إن المرادات الكثيرة صدرت عن إرادة واحدة.\nقال: (وإن قالوا: إن ذلك يصدر عنه بإرادات حادثة، فقد قالوا بما هربوا منه أولًا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فأبو البركات لاستبعاد عقله أن تصدر المرادات الكثيرة عن إرادة واحدة ظن أن هؤلاء لا يقولون به، وهم يقولون به، فإن هذا قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف، يقولون: إنه يعلم المعلومات كلها بعلم واحد بالعين، ويريد المرادات كلها بإرادة واحدة بالعين، وإن كلامه الذي تكلم به من الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر عنه هو أيضًا واحد بالعين، ثم تنازع القائلون بهذا الأصل: هل كلامه معنى فقط والقرآن","vol":"2","page":172},{"text":"العربي ليس هو كلامه، أو كلامه الحروف أو الحروف والأصوات التي نزل بها القرآن وغيره، وهي قديمة العين؟ على قولين.\nومن القائلين بقدم أعيان الحروف والأصوات من لا يقول هي واحدة، بل يقول: هي متعددة، وإن كانت لا نهاية لها، ويقول بثبوت حروف، أو حروف ومعان لا نهاية لها في آن واحد، وأنها لم تزل ولا تزال، وهذا مما أوجب قول القائلين بأن كلام الله مخلوق، وأنه ليس له كلام قائم بذاته، لما رأوا أن ما ليس بمخلوق فهو قديم العين، والثاني ممتنع عندهم، فتعين الأول.\nوأولئك الصنفان قالوا: والأول ممتنع، فتعين الثاني، وهؤلاء إنما قالوا هذه الأقوال لظنهم أنه يمتنع أن تقوم به الأمور الاختيارية: لا كلام باختياره، ولا غير كلام، كما قد بين في موضعه.\nوهذا الأصل هو القول بقيام الحوادث به هو قول هشام بن الحكم وهشام الجواليقي وابن مالك الحضرمي وعلي بن الهيثم","vol":"2","page":173},{"text":"وأتباعهم، وطوائف من متقدمي أهل الكلام والفقه، كأبي معاذ التومني وزهير الأثري، وداود الأصبهاني وغيرهم كما ذكره الأشعري عنهم في المقالات، وقال (وكل القائلين بأن القرآن ليس بمخلوق - كنحو عبد الله بن سعيد بن كلاب، ومن قال: إنه محدث، كنحو زهير الأثري - يعني وداود الأصبهاني - ومن قال: إنه حدث، كنحو أبي معاذ التومني - يقولون: إن القرآن ليس بجسم ولا عرض) .\nوأما أقوال أئمة الفقه والحديث والتصوف والتفسير وغيرهم من علماء المسلمين وكذلك كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان فكلام الرازي يدل على أنه لم يكن مطلعًا على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>كلام آخر للرازي</span>\nوالمقصود هنا أن نبين غاية حجة النفاة، فإنه بعد أن ذكر الخلاف قال: (والمعتمد أن نقول: كل ما صح قيامه بالباري تعالى: فإما أن يكون صفة كمال، أو لا يكون، فإن كان صفة كمال استحال أن يكون","vol":"2","page":174},{"text":"حادثًا، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية عن صفة الكمال، والخالي عن الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة، وإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها، لأن إجماع الأمة على أن صفات الله بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وإنه غير جائز) .\nقال: (وهذا ما نعول عليه، وإنه مركب من السمع والعقل) .\nقال: (والذي عول عليه أصحابنا أنه لو صح اتصافه بالحوادث لوجب اتصافه بالحوادث أو بأضادها في الأزل، وذلك يوجب اتصافه بالحوادث في الأزل، وإنه محال) .\nوقال: (وهذا الدلالة مبنية على أن القابل للضدين يستحيل خلوه عنهما، وقد عرفت فساده) .\nقال: (ومن أصحابنا من أورد هذه الدلالة على وجه لا يحتاج في تقريرها إلى البناء على ذلك الأصل، وهو أنه لو كان قابلًا للحوادث لكان قابلًا لها في الأزل، وكون الشيء قابلًا للشيء فرع عن إمكان وجود المقبول، فيلزم صحة حدوث الحوادث في الأزل، وهو محال) .\nقال: (إلا أن ذلك معارض بأن الله قادر في الأزل، ولا يلزم من أزلية قادريته صحة أزلية المقدور، فكذلك ههنا) .","vol":"2","page":175},{"text":"قال: (ومنهم من قال: لو كانت الحوادث قائمة به لتغير، وهو محال) .\nقال: (وهذا ضعيف، لأنه إن فسر التغير بقيام الحوادث به اتحد اللازم والملزوم، وإن فسر بغيره امتنع إثبات الشرطية) .\nقال: (وأما المعتزلة فجلهم تمسكوا بأن المفهوم من قيام الصفة بالموصوف حصولها في الحيز تبعًا لحصول ذلك الموصوف فيه، والباري تعالى ليس في الجهة، فامتنع قيام الصفة به) .\nقال: (وقد عرفت ضعف هذه الطريقة) .\nقال: (ومشايخهم استدلوا بأن الجوهر إنما يصح قيام المعاني الحادثة به لكونه متحيزًا، بدليل أن العرض لما لم يكن متحيزًا لم يصح قيام هذه المعاني به) .\nقال: (وإنه باطل، لاحتمال أن يقال: إن الجوهر إنما صح قيام الحوادث به لا لكونه متحيزًا، بل لأمر آخر مشترك بينه وبين الباري تعالى، وغير مشترك بينه وبين العرض.\nسلمنا ذلك، إلا أنه من المحتمل أن يكون الجوهر يقبل الحوادث لكونه متحيزًا، والله تعالى يقبلها لوصف آخر، لصحة تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة) .\nقال: (واستدلوا أيضًا بأنه لو صح قيام حادث به لصح قيام كل حادث به) .\nقال: (وهذه دعوى لا يمكن إقامة البرهان عليها) .","vol":"2","page":176},{"text":"قال: (فهذه عيون ما تمسكت به الناس في هذه المسألة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس منازعة للكرامية، حتى يذكر بينه وبينهم أنواع من ذلك، وميله إلى المعتزلة والمتفلسفة أكثر من ميله إليهم، واختلف كلامه في تكفيرهم، وإن كان هو قد استقر أمره على أنه لا يكفر أحدًا من أهل القبلة، لا لهم ولا للمعتزلة ولا لأمثالهم.\nوهذه المسألة من أشهر المسائل التي ينازعهم فيها، ومع هذا قد ذكر أن قولهم يلزم أكثر الطوائف، وذكر أنه ليس لمخالفيهم عليهم حجة صحيحة، إلا الحجة التي احتج هو بها، وهي من أضعف الحجج، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.\nوأما الحجج التي يحتج بها الكلابية والمعتزلة فقد بين هو فسادها، مع أنه قد استوعب حجج النفاة، والذي ذكره هو مجموع ما يوجد في كتب الناس مفرقًا.\nونحن نوضح ذلك:\nفأما الحجة الأولى - وهي: (أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، فلو جاز اتصافه بها لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث، فهو حادث) فهذه الحجة مبنية على مقدمتين، وفي كل من المقدمتين نزاع معروف بين طوائف من المسلمين:","vol":"2","page":177},{"text":"أما الأولى - وهي أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده - فأكثر العقلاء على خلافها، والنزاع فيها بين طوائف الفقهاء والنظار، ومن الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة، كأصحاب احمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، ومن قال ذلك التزم أن يكون لكل جسم طعم ولون وريح وغير ذلك من أنواع الأعراض، ولا دليل لأصحابها عليها.\nوأبو المعالي في كتابه المشهور الذي سماه الأرشاد إلى قواطع الأدلة لم يذكر على ذلك حجة، بل هذه المقدمة احتاج إليها في مسألة حدوث العالم لما أرد أن يبين أن الجسم لا يخل من كل جنس من أجناس الأعراض عن عرض منه، فأحال على كلامه مع الكرامية، ولما تكلم مع الكرامية في هذه المسألة أحال على كلامه في مسألة حدوث العالم مع الفلاسفة، ولم يذكر دليلًا عقليًا، لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء وإنما احتج على الكرامية بتناقضهم.\nومضمون ما اعتمد عليه من قال: (إن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده) أن الجسم لا يخلو عن الأكوان الأربعة: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، فتقاس بقية الأعراض عليها، واحتجوا بأن القابل لها لا يخلو عنها وعن ضدها بعد الاتصاف، كما سلمته الكرامية، فكذلك قبل الاتصاف.","vol":"2","page":178},{"text":"فأجابهم من خالفهم - كالرازي وغيره - بأن الأولى قياس محض بغير جامع، فإذا قدر أن الجسم يستلزم نوعًا من أنواع الأعراض، فمن أين يجب أن يستلزم بقية الأنواع؟ وأيضًا فإن الذي يسلمونه لهم الحركة والسكون، والسكون: هل وجود أو عدم؟ فيه قولان معروفان، وأما الاجتماع والافتراق فهو مبني على مسألة الجوهر الفرد، ومن قال: (إن الأجسام ليست مركبة من الجواهر الفردة) - وهم أكثر الطوائف - لم يقل بأن الجسم لا يخل من الاجتماع والافتراق، بل الجسم البسيط عنده واحد، سواء قبل الافتراق أو لم يقبله، وكذلك إذا قدر أن فيه حقائق مختلفة متلازمة لم يلزم من ذلك أن يقبل الاجتماع والافتراق.\nوأما كونه لا يخلو عنهما بعد الاتصاف فأجابوا عنه بمنع ذلك في الأعراض التي لا تقبل البقاء كالحركات والأصوات، وأما ما يقبل البقاء فهو مبني على أن الباقي هل يفتقر زواله إلى ضد أم لا؟ فمن قال: (إن الباقي لا يفتقر زواله إلى ضد) أمكنه أن يقول بجواز الخلو عن الاتصاف بالحادث بعد قيامه بدون ضد يزيله، ومن قال: (لا يزول إلا بضد) قال: إن الحادث لا يزول إلا بضد حادث، فإن الحادث بعد الحدوث لا يخلو المحل منه ومن ضده، بناءً على هذا","vol":"2","page":179},{"text":"الأصل، فإن كان هذا الأصل صحيحيًا ثبت الفرق، وإن كان باطلًا منع الفرق، وتناقضهم يدل على فساد أحد قوليهم.\nثم القائلون بموجب هذا الأصل طوائف كثيرون، بل أكثر الناس على هذا، فلا يلزم من تناقض الكرامية تناقض غيرهم.\nوأما المقدمة الثانية - (وهي أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث) - فهذه قد نازع فيها طوائف من أهل الكلام والفلسفة والفقه والحديث والتصوف وغيرهم، وقالوا: التسلسل الممتنع هو التسلسل في العلل، فأما التسلسل في الآثار المتعاقبة والشروط المتعاقبة فلا دليل على بطلان، بل لا يمكن حدوث شيء من الحوادث، لا العالم ولا شيء من أجزاء العالم، إلا بناء على هذا الأصل، فمن لم يجوز ذلك لزمه حدوث الحوادث بلا سبب حادث، وذلك يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، كما قد بسط هذا في مسألة حدوث العالم، وبين أنه لا بد من تسلسل الحوادث أو الترجيح بلا مرجح، وأن القائلين بالحدوث بلا سبب حادث يلزمهم الترجيح بلا مرجح، وأن القائلين بقدم العالم يلزمهم الترجيح بلا مرجح ويلزمهم حدوث الحوادث بلا محدث أصلًا، وهذا أفسد من حدوثها بلا سبب حادث.","vol":"2","page":180},{"text":"والطوائف أيضًا متنازعة في هذا الأصل، وجمهور الفلاسفة وجمهور أهل الحديث لا يمنعون ذلك.\nوأما أهل الكلام: فللمعتزلة فيه قولان، وللأشعرية فيه قولان.\nوأما الحجة الثانية - وهي أنه (لو كان قابلًا لها لكان قابلًا لها في الأزل، وذلك فرع إمكان وجودها ووجودها في الأزل محال - فقد أجاب عنها بالمعارضة بأنه قادر على الحوادث، ولا يلزم من كون القدرية أزلية أن يكون إمكان المقدور أزليًا.\nقلت: ويمكن أن يجاب عنها بوجوه أخرى:\nأحدها: أنه لا يسلم أنه إذا كان قابلًا لحدوث الحادث أن يكون قابلًا له في الأزل إلا إذا أمكن وجود ذلك في الأزل، فإنه إذا قيل: (هو قابل لما يمتنع أن يكون أزليًا) كان بمنزلة أن يقال: هو قادر على ما يمتنع أن يكون أزليًا، فمن اعتقد امتناع حدوث حادث في الأزل، وقال مع ذلك بأنه قادر على الحوادث وقابل لها، لم يلزمه القول بإمكان وجود المقدور المقبول في الأزل، لكن هذا المقام هو مقام الذين يقولون (يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث) والكلام في هذا مشترك بين كونه قادرًا وقابلًا، فمن جوز حدوث الحوادث بلا سبب حادث - كالكلابية وأمثالهم من المعتزلة والكرامية - كان كلامه في هذا","vol":"2","page":181},{"text":"بمنزلة كلامه في هذا، ومن قال: (إن حدوث الحوادث لا بد له من سبب حادث) - كما يقوله من يقوله من أهل الكلام والفلسفة وأهل الحديث وغيرهم الذين يقولون: إ: نه تقوم به الأمور المتعلقة بقدرته ومشيئته، ولم يزل كذلك، أو يقولون بتعاقب ذلك في غيره، كما يشترك في هذه الأصل من يقوله من الهشامية والمعتزلة والمرجئة وأهل الحديث والسلفية والفلاسفة ومن وافق هؤلاء من أتباع الأشعري وغيرهم - فقولهم في هذا كقولهم في هذا.\nالوجه الثاني: أن يلتزم قائل ذلك إمكان وجود المقبول في الأزل، كما يلتزم من يلتزم إمكان وجود المقدور في الأزل، وقد عرف أن لطوائف المسلمين في هذا الأصل قولين معروفين، فإن ما لا يتناهى من الحوادث: هل يمكن وجوده في الماضي والمستقبل أو في الماضي فقط أو فيهما جميعًا؟ على ثلاثة أقوال معروفة، قال بكل قول طوائف من نظار المسلمين وغيرهم.\nالوجه الثالث: أن يجاب بجواب مركب، فيقال: هو قابل لما هو قادر عليه، فإن كان ثبوت جنسها في الأزل ممكنًا كان قابلًا لذلك في الأزل وقادرًا عليه في الأزل، وإن لم يكن ثبوت هذا الجنس ممكنًا في الأزل كان قابلًا للممكن من ذلك، كما هو قادر على الممكن من ذلك.\nالوجه الرابع: أن يقال: كونه قابلًا أو ليس بقابل: هو نظر في","vol":"2","page":182},{"text":"محل هذه الأمور، وليس نظرًا في إمكان تسلسلها أو امتناع ذلك، كما أن النظر في كونه يقبل الاتصاف بالصفات - كالعلم والقدرة - هو نظر في إمكان اتصافه بذلك.\nفأما وجوب تناهي ما مضى من الحوادث أن ما بقي، وإمكان وجود جنس الحوادث في الأزل: فذلك لا اختصاص له بمحل دون محل، فإن قدر امتناع قيام ذلك به فلا فرق بين المتسلسل والمتناهي، وإن قدر إمكان ذلك كان بمنزلة إمكان حدوث الحوادث المنفصلة، والكلام في إمكان تسلسلها وعدم إمكان ذلك مسألة أخرى.\nالجواب الخامس: أن يقال: هذه الأمور المقبولة هي من الحوادث المقدورة، بخلاف الصفات اللازمة له، فإنها ليست مقدورة، فالمقبولات تنقسم إلى مقدور وغير مقدور، كما أن المقدورات تنقسم إلى مقبول وغير مقبول، وما يقوم بالذات من الحوادث هو مقبول مقدور، وحينئذ فإذا كان وجود المقدور في الأزل محالًا كان وجود هذا المقبول في الأزل محالًا، لأن هذا المقبول مقدور من المقدورات، وإذا كان وجود هذه الحوادث المقدورة المقبولة محالًا في الأزل لم يلزم من ذلك امتناع وجودها فيما لا يزال، كسائر الحوادث، ولم يزل من كون الذات قابلة لها إمكان وجودها في الأزل.\nالجواب السادس: أن يقال: أنتم تقولون: (إنه قادر في الأزل) مع امتناع وجود المقدور في الأزل، وتقولون: (إنه قادر في الأزل على ما لا يزال) فإن كان هذا الكلام صحيحًا أمكن أن يقال في","vol":"2","page":183},{"text":"المقبول كذلك، ويقال: هو قابل في الأزل مع امتناع وجود المقبول في الأزل، وهو قابل في الأزل لما لا يزال، وإن كان هذا الكلام باطلًا لزم إمكان وجود المقدور في الأزل، وإما امتناع كونه قادرًا في الأزل، وعلى التقديرين: يبطل ما ذكرتموه من الفرق بين القادر وبين القابل بقولكم: (تقدم القدرة على المقدور واجب دون تقدم القابل على المقبول) .\nالجواب السابع: أن يقال: أنتم اعتمدتم في هذا على أن تلك القابلية يجب أن تكون من لوازم الذات، ويلزم من ذلك إمكان وجود المقبول في الأزل، لأن قابلية الشيء لغيره نسبة بين القابل والمقبول، والنسبة بين الشيئين موقوفة عليهما، فيقال لكم: إن كانت النسبة بين الشيئين موقوفة عليهما - أي على تحققهما معًا في زمن واحد، كما أقتضاه كلامكم - بطل فرقكم، وهو قولكم (بأن تقدم القدرة على المقدور واجب) فإن القدرة نسبة بين القادر والمقدور، مع وجوب تقدم القدرة على المقدور، وهكذا تقولون (الإرادة قديمة، مع امتناع وجود المراد في الأزل) وتقولون: (الخطاب قديم، مع امتناع وجود المخاطب في الأزل) فإذا كنتم تقولون بأن هذه الأمور التي تتضمن النسبة بين شيئنين تتحقق في الأزل مع وجود أحد المنتسبين دون الآخر، أمكن","vol":"2","page":184},{"text":"أن يقال: إن القابلية متحققة في الأزل، مع امتناع تحقق المقبول في الأزل، كما قال كثير من الناس: إن التكوين ثابت في الأزل، مع امتناع وجود المكون في الأزل.\nوأما الحجة الثالثة - وهو أن قيام الحوادث به تغير، والله منزه عن التغير - فهذه هي التي اعتمد عليها الشهرستاني في نهاية الإقدام ولم يحتج بغيرها.\nوقد أجاب الرازي وغيره عن ذلك بأن لفظ (التغير) مجمل، فإن الشمس والقمر والكواكب إذا تحركت أو تحركت الرياح أو تحركت الأشجار والدواب من الأناسي وغيرهم فهل يسمى هذا تغيرًا، أولا يسمى تغيرًا؟ فإن سمي تغيرًا كان المعنى أنه إذا تحرك المتحرك فقد تحرك، وإذا تغير بهذا التفسير فقد تغير، وإذا قامت به الحوادث - كالحركة ونحوها - فقد قامت به الحوادث، فهذا معنى قوله: (إن فسر بذلك فقد اتحد اللازم والملزوم) .\nفيقال: وما الدليل على امتناع هذا المعنى؟ وإن سماه المسمى تغيرًا، وإن كان هذا لا يسمى تغيرًا بل المراد بالتغير غير مجرد قيام الحوادث، مثل أن يعني بالتغير الاستحالة في الصفات، كما يقال: تغير المريض، وتغيرت البلاد، وتغير الناس، ونحو ذلك، فلا دليل على أنه يلزم من","vol":"2","page":185},{"text":"الحركة ونحوها من الحوادث مثل هذا التغير، ولا ريب أن التغير المعروف في اللغة هو المعنى الثاني، فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب - إذا كانت جارية في السماء -: إن هذا تغير، وإنها تغيرت، ولا يقولون للإنسان إذا كانت عادته أن يقرأن القرآن ويصلي الخمس: إنه كلما قرأ وصلى قد تغير، وإنما يقولون ذلك لمن لم تكن عادته هذه الأفعال، فإذا تغيرت صفته وعاداته قيل: إنه قد تغير.\nوحينئذ فمن قال: (إنه سبحانه لم يزل متكلمًا إذا شاء، فعالًا لما يشاء) لم يسم أفعاله تغيرًا، ومن قال: (إنه تكلم بعد أن لم يكن متكلمًا، وفعل بعد أن لم يكن فاعلًا) فإنه يلزم من قال: (إن الكلام والفعل يقوم به) ما يلزم من قال: (إن الكلام والفعل يقوم بغيره) والقول في أحد النوعين كالقول في الآخر.\nوإذا قدر أن النزاع لفظي فلا بد من دليل سمعي أو عقلي يجوز أحدهما ويمنع الآخر.\nوإلا فلا يجوز التفريق بين المتماثلين بمجرد الدعوى، أو بمجرد إطلاق لفظي من غير أن يكون ذلك اللفظ مما يدل على ذلك المعنى في كلام المعصوم، فأما إذا كان اللفظ في كلام المعصوم - وهو كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل الإجماع - وعلم مراده بذلك اللفظ، فإنه يجب مراعاة مدلول ذلك اللفظ، ولا يجوز مخالفة قول المعصوم.\nوإطلاق التغير على الأفعال، كإطلاق لفظ (الغير) على الصفات، وإطلاق لفظ (الجسم)","vol":"2","page":186},{"text":"على الذات، وكل هذه الألفاظ فيها إجمال واشتباه وإبهام.\nومذهب السلف والأئمة: أنهم لا يطلقون لفظ (الغير) على الصفات، لا نفيًا ولا إثباتًا، فلا يطلقون القول بأنها غيره ولا بأنها ليست غيره، إذ اللفظ مجمل، فإن أراد المطلق بالغير المباين فليست غيرًا، وإن أراد بالغير ما قد يعلم أحدهما دون الآخر، فهي غير، وهكذا ما كان من هذا الباب.\nوإذا كان هذا كلامهم في لفظ (الغير) فلفظ (التغير) مشتق منه.\nومن تأمل كلام فحول النظر في هذه المسألة علم أن الرازي قد استوعب ما ذكروه، وأن النفاة ليست معهم حجة عقلية تثبت على السبر، وإنما غايتهم إلزام التناقض لمن يخالفهم من المعتزلة والكرامية والفلاسفة.\nومن المعلوم أن تناقض المنازع يستلزم فساد أحد قوليه، لا يستلزم فساد قوله بعينه الذي هو مورد النزاع، ولهذا كان من ذم أهل الكلام المحدث من أهل العلم لأنهم يصفونهم بهذا، ويقولون: يقابلون فاسدًا بفاسد، وأكثر كلامهم في إبداء مناقضات الخصوم.\nوأيضًا فغير ذلك الخصم لا يلتزم مقالته التي ناقض به المورد النزاع، كما في هذه المسألة، فإنه وإن كانت الكرامية قد تناقضوا فيها فلم يتناقض فيها غيرهم من الأئمة والسلف وأهل الحديث وغيرهم من طوائف أهل النظر والكلام.","vol":"2","page":187},{"text":"وقد قال أبو القاسم الأنصاري - شيخ الشهرستاني وتلميذ أبي المعالي - في شرح الإرشاد: (أجود ما يتمسك به في هذه المسألة تناقض الخصوم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>أقوال الجويني في مسألة أفعال الله ورد ابن تيمية عليه</span>\nوهو كما قال: فإنه لم يجد لمن تقدمه في ذلك مسلكًا سديدًا، لا عقليًا ولا سمعيًا.\nواعتبر ذلك بما ذكره أبو المعالي في كتابه الذي سماه: الإرشاد إلى قواطع الأدلة وقد ضمنه عيون الأدلة الكلامية التي يسلكها موافقوه، وقد تكلم على هذا الأصل في موضعين من كتابه:\nأحدهما: في مسألة حدوث العالم، فإنه استدل بدليل الأعراض المشهور، وهو أن الجسم لا يخلو من الأعراض، وما لا يخلو عنها فهو حادث، وهو الدليل الذي اعتمدت عليه المعتزلة قبله، وهو الذي ذمه الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، وبين أنه ليس من طرق الأنبياء وأتباعهم، والدليل هو مبني على إثبات أربع مقدمات: الأعراض، وإثبات حدوثها، وأن الجسم لا يخلو منها، وإبطال حوادث لا أول لها، فلما صار إلى المقدمة الثالثة قال: (وأما الأصل الثالث -","vol":"2","page":188},{"text":"وهو تبيين استحالة تعري الجواهر عن الأعراض - فالذي صار إليه أهل الحق: أن الجوهر لا يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن جميع أضداده، لا كان له أضداد.\nوإن كان له ضد واحد لم يخل الجوهر عن أحد الضدين، وإن قدر عرض لا ضد له لم يخل الجوهر عن قبول واحد من جنسه) .\nقال: (وجوزت الملحدة خلو الجوهر عن جميع الاعراض، والجواهر في اصطلاحهم تسمى الهيولى والمادة، والأعراض تسمى الصورة) .\nقال: (وجوز الصالحي العرو عن جملة الأعراض ابتداء، ومنع البصريون من المعتزلة من العرو عن جميع الأكوان، وجوزوا","vol":"2","page":189},{"text":"الخلو عما عداها، وقال الكعبي ومتبعوه: يجوز الخلو عن الأكوان، ويمتنع العرو عن الألوان) .\nقال: (وكل مخالف لنا يوافقنا على امتناع العرو عن الأعراض بعد قبول الجواهر لها، فيفرض الكلام على الملحدة في الأكوان، فإن القول فيها يستند إلى الضرورة، فإننا ببديهة العقل نعلم أن الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق لا تعقل غير متماسة ولا متباينة.\nومما يوضح ذلك: أنها إذا اجتمعت فيما لا يزال فلا يتقرر اجتماعها إلا عن افتراق سابق، إذا قدر لها الوجود قبل الاجتماع، وكذلك إذا طرأ الافتراق عليها اضطررنا إلا العلم بأن الافتراق مسبوق باجتماع، وغرضنا في ورم إثبات حدث العالم، يتضح بالأكوان)،.","vol":"2","page":190},{"text":"قلت: أثبات الأكوان بقبول الحركة والسكون هو الذي لا يمكن دفعه، فإن الجسم الباقي لا بد له من الحركة أو السكون، وأما الأجتماع والافتراق فهو مبني على إثبات الجوهر الفرد، والنزاع فيه كثير مشهور، فإن من ينفيه لا يقول: إن الجسم مركب منه، ولا إن الجوهر كانت متفرقة فاجتمعت، والذين يثبتونه أيضًا لا يمكنهم إثبات أن الجواهر كانت متفرقة فاجتمعت، فإنه لا دليل على أن السماوات كانت جواهر متفرقة فجمع بينها، ولهذا قال في الدليل: (فإنا ببديهة العقل نعلم أن الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق لا تعقل غير متماسة ولا متباينة) .\nوهذا كلام صحيح، لكن الشأن في أثبات الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق، فما ذكره من الدليل مبني على تقدير أنها كانت متفرقة فاجتمعت، وهذا التقدير غير معلوم، بل هو تقدير منتف في نفس الأمر عند جمهور العقلاء من المسملين وغيرهم.\nثم قال أبو المعالي: (وإن حاولنا ردًا على المعتزلة فيما خالفونا فيه تمسكنا بنكتتين: إحداهما: الاستشهاد بالإجماع على امتناع العرو عن الأعراض بعد الاتصاف بها.\nفنقول: كل عرض باق فإنه ينتفي عن محله بطريان ضده، ثم الضد إنما يطرأ في حال عدم المنتفى به","vol":"2","page":191},{"text":"على زعمهم، فإذا انتفى البياض فهلا جاز أن لا يحدث بعد انتفائه لون، إن كان يجوز الخلو من الألوان، وتطرد هذه الطريقة في أجناس الأعراض) .\nقلت: مضمون هذا أنه قاس ما بعد الاتصاف على ما قبله، وقد أجابه المنازعون عن هذا بأن الفرق بيهما: أن الضد لا يزول إلا بطريان ضده، فلهذا لم يخل منهما: فإن كان هذا الفرق صحيحًا بطل القياس، وإلا منع الحكم في الأصل، وقيل: بل يجوز خلوه بعد الإتصاف إذا أمكن زوال الضد بدون طريان آخر، وما ذكره في السواد والبياض قضية جزيئية، فلا تثبت بها دعوى كلية، ومن أين يعلم أن كل طعم في الأجسام إذا زال فلا بد أن يخلفه طعم آخر؟ وكل ريح إذا زالت فلا بد أن يخلفها ريح آخر؟ وكذلك في الإرادة والكراهة ونحو ذلك، فمن أين يعلم أن المريد للشيء المحب له إذا زالت إرادته ومحبته فلا بد أن، يخلفه كراهية وبغضه؟ ولم لا يجوز خلو الحي عن حب المعين وبغضه وإردته وكراهته؟\nقال: (ونقول أيضًا: الدال على استحالة قيام الحوادث بذات","vol":"2","page":192},{"text":"الرب ﷾: أنها لو قامت به لم يخل عنها، وذلك يقضي بحدثه، فإذا جوز الخصم عرو الجوهر عن حوادث مع قبوله لها صحةً وجوزًا فلا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول البارىء للحوادث) .\nقلت: فلقائل أن يقول: هذا غايته إلزام لهؤلاء المعتزلة: إنكم إذا جوزتم ذلك يكن لكم حجة على استحالة قبول الباري للحوادث.\nفيقال: إما أن يكون هذا لازمًا، وإما أن لا يكون لازمًا: فإذا كان لازمًا دل ذلك على أنه لا دليل للمعتزلة على ذلك، ولا دليل له أيضًا، فإن مجرد موافقة المعتزلة له لا يكون دليلًا لواحد منهما في شيء من المسائل التي لم نعلم فيها نزاعًا، فكيف مع ظهور النزاع؟ وإن لم يكن لازمًا لهم لم يكن حجة عليهم.\nفقد تبين أنه لم يذكر حجة على أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده.\nالموضع الثاني - قال في أثناء الكتاب:","vol":"2","page":193},{"text":"(فصل) مما يخالف فيه الجوهر حكم الإله: قبول الأعراض، وصحة الاتصاف بالحوادث، والرب يتقدس عن قبول الحوادث) .\nقال: (وذهبت الكرامية إلى أن الحوادث تقوم بذات الرب، ثم زعموا أنه لا يتصف بما يقوم به من الحوادث، وصاروا إلى جهالة لم يسبقوا إليها، فقالوا: القول الحادث يقوم بذات الرب، وهو غير قائل به، وإنما يقول بالقائلية، والقائلية عندهم القدرة على التكلم، وحقيقة أصلهم: أن أسماء الرب لا يجوز أن تتجدد، ولذلك وصفوه بكونه خالقًا في","vol":"2","page":194},{"text":"الأزل، ولم يتحاشوا من قيام الحوادث به، وتنكبوا إثبات وصف جديد له ذكرًا وقولًا) .\nقال: (والدليل على بطلان ما قالوه: أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها، لما سبق تقريره في الجواهر، حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض، ولو لم تخل عن الحوادث لم تسبقها، وينساق ذلك إلى الحكم بحدث الصانع) .\nقال: (ولا يستقيم هذا الدليل على أصل المعتزلة،، مع مصيرهم إلى تجويز خلو الجوهر عن الأعراض، على تفصيل لهم أشرنا إليه، وإثباته أحكامًا متجددة لذات الرب تعالى من الإرادة المحدثة القائمة لا بمحل على زعمهم، ويصدهم أيضًا عن طرد دليل في هذه المسألة: إنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات من غير أن تدل على الحدث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار نفس الأعراض على الذات) .","vol":"2","page":195},{"text":"هذا كلامه، ولقائل أن يقول: قوله: (الدليل على بطلان ما قالوه: أنه لو قبلها لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر) هو لم يذكر دليلًا هناك إلا قياس ما قبل الاتصاف على ما بعده، وهو ليس حجة علمية عقلية، بل غايته: احتجاج بموافقة منازعة في مسألة عظيمة عقلية ترد لأجلها نصوص الكتاب والنسة، وينبني عليها من مسائل الصفات والأفعال أمور عظيمة اضطرب فيها الناس، فمن الذي يجعل أصول الدين مجرد قول قالته طائفة من أهل الكلام وافق بعضهم بعضًا عليه من غير حجة عقلية ولا سمعية؟.\nوقد أجابه المنازعون بجواب مركب، وهو إما الفرق - إن صح - وألا منع حكم الاصل.\nوأيضا فأنه قد قرر هناك وهنا أن المعتزلة أئمة الكلام الذين أظهروا في الإسلام نفي الصفات والأفعال، وسموا ذلك تقديسًا له عن الاعراض والحوادث، وقد ذكر أبوالمعالي أنه لا حجة لهم على استحالة اتصافه بالحوادث، وانه يلزمهم نقيض ذلك، أما الأول: فإن القابل للشيء عندهم يجوز أن يخلو عنه وعن ضده، وأما لزوم هذا القول لهم: فلإ ثباتهم أحكاما متجددة للرب، وأنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات","vol":"2","page":196},{"text":"من غير أن يدل على الحدوث: لم يبعد مثل ذلك في اعتوار أنفس الأعراض، وكان ما ذكره الأستاذ أبو المعالي يقتضي أن القول بحلول الحوادث يلزم المعتزلة، وأنه لادليل لهم على نفي ذلك، وهو أيضًا لم يذكر دليلًا لموافقيه على نفي ذلك.\nفأفاد ما ذكره أن أئمة النفاة لحلول الحوادث به القائلين بأنه لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا دليل لهم على ذلك، بل قولهم يستلزم قول أهل الإثبات لذلك.\nقال: (ونقول للكرامية: مصيركم إلى إثبات قول حادث مع نفيكم اتصاف الباري به تناقض، إذ لو جاز قيام معنى بمحل من غير أن يتصف المحل بحكمه لجاز شاهدًا قيام أقوال وعلوم وإرادات بمحال من غير أن تتصف المحال بأحكام موجبة عن المعاني، وذلك يخلط الحقائق ويجر إلى جهالات) .\nقال: (ثم نقول لهم: إذا جوزتم قيام ضروب من الحوادث بذاته، فما المانع من تجويز قيام أكوان حادثة بذاته على التعاقب؟","vol":"2","page":197},{"text":"وكذلك سبيل الإلزام فيما يوافقوننا على استحالة قيامه به من الحوادث.\nومما يلزمهم: تجويز قيام قدرة حادثة وعلم حادث بذاته، على حسب أصلهم في القول والإرادة الحادثين ولا يجدون بين ما جوزوه وامتنعوا عنه فصلًا) .\nقال: (ونقول لهم: قد وصفتم الرب تعالى بكونه متحيزًا، وكل متحيز جسم وجرم، ولا يتقرر في المعقول خلو الأجرام من الأكوان، فما المانع من تجويز قيام الأكوان بذات الرب؟ ولا محيص لهم عن شيء مما ألزموه) .\nقلت: ولقائل أن يقول: هذه الوجوه الأربعة التي ذكرها ليس فيها حجة تصلح لإثبات الظن في الفروع، فضلًا عن إثبات يقيني في أصول الدين يعارض به نصوص الكتاب والسنة، فإن غاية هذا الكلام - إن صح - أن الكرامية تناقضوا، وقالوا قولًا ولم يلتزموا بلوازمه.","vol":"2","page":198},{"text":"فيقال: إن كان ما ذكره لازمًا لزمهم الخطأ: إما في إثبات الملزوم، وإما في نفي اللزم، ولم يتعين الخطأ في أحدهما، فلم لا يجوز أن يكون خطؤهم في نفي اللوازم؟ فإن أقام على ذلك دليلًا عقليًا كان هو حجة كافية في المسألة وإلا استفدنا خطأ الكرامية في أحد قوليهم، وإن لم يكن ما ذكره لازمًا لهم لم يفد لا إثبات تناقضهم ولا دليلًا في مورد النزاع.\nثم يقال: أما الوجه الأول فحاصله نزاع لفظي: هل يتصف بالحوادث أو لا يتصف؟ كالنزاع في أمثال ذلك، وإذا كان من أصلهم الفرق بين اللازم وغير اللازم، بحيث يسمون اللازم صفة دون العارض، كاصطلاح من يفرق بين الصفات والأفعال فلا يسمى الأفعال صفات وإن قامت بمحل كاصطلاح من يفرق بين الأقوال والأفعال، فلا يسمى ما يتكلم به الإنسان عملًا، وإن كان له فيه حركة ونحو ذلك - كانت هذه أمورًا اصطلاحية لفظية لغوية، لا معاني عقلية، والمرجح في إطلاق الألفاظ - نفيًا وإثباتًا - إلى ما جاءت به الشريعة، فقد يكون في إطلاق اللفظ مفسدة وإن كان المعنى صحيحًا.\nوما ألزمهم إياه في الشاهد: فأكثر الناس يلتزمونه في الأفعال، فإن الناس تفرق في الإطلاقات بين صفات الإنسان وبين أفعاله، كالقيام","vol":"2","page":199},{"text":"والقعود والذهاب والمجيء، فلا يسمون ذلك صفات، وإن قامت بالمحل.\nوكذلك العلم الذي يعرض للعالم ويزول، والإرادة التي تعرض له وتزول، قد لا يسمون ذلك صفة له، وإنما يصفونه بما كان ثابتًا له كالخلق الثابت.\nوبالجملة فهذه بحوث لفظية سمعية، لا عقلية، وليس هذا موضعها.\nوأما قيام الأكوان به على التعاقب، وقيام ما أحالوا قيامه به، فهم يفرقون بين ما جوزوه ومنعوه بما يفرق به مثبتة الصفات بين ما توصفوه به وبين ما منعوه، فكما أنهم يصفونه بصفات الكمال فلا يلزمهم أن يصفوه بغيرها، فكذلك هؤلاء يقولون، فإن صح الفرق وإلا كانوا متناقضين.\nومن المعلوم أن الله تعالى لما وصف بالسمع والبصر - كما دلت عليه النصوص - ألزمت النفاة لأهل الإثبات إدراك الشم والذوق واللمس، فمن الناس من طرد القياس، ومنهم من فرق بين الثلاثة والاثنين، ومنهم من فرق بين إدراك اللمس، وإدراك الشم والذوق، لكون النصوص أثبتت الثلاثة دون الاثنين.\nفإذا قال المعتزلة البصريون والقاضي أبو بكر وأبو المعالي وغيرهما ممن يصفه بالإدراكات الخمسة، لمن لم يصفه إلا باثنين أو ثلاثة: يلزمكم","vol":"2","page":200},{"text":"طرد القياس، لزمهم إما الفرق وإلا كانوا متناقضين، ولم يكن هذا دليلًا على إبطال اتصافه بالسمع والبصر، كذلك إذا قال من جعل الإدراكات الخمسة تتعلق به، كما فعله هؤلاء ومن وافقهم، كـ القاضي أبي يعلى ونحوه لمن أثبت الرؤية: يلزمكم أن تصفوه بتعلق السمع والشم والذوق واللمس به، كما قلتم في الرؤية، كانوا أيضًا على طريقين: منهم من يذكر الفرق، ومنهم من يفرق بين اللمس وغيره، لمجيء النصوص بذلك دون غيره.\nقال أبو المعالي في إرشاده: (فإن قيل: قد وصفتم الرب تعالى بكونه سميعًا بصيرًا، والسمع والبصر إدراكان، ثم ثبت شاهدًا إدراكات سواهما: إدراك يتعلق بقبيل الطعوم، وإدراك يتعلق بقبيل الروائح، وإدراك يتعلق بالحرارة والبرودة واللين والخشونة، فهل تصفون الرب تعالى بأحكام هذه الإدراكات أم تقتصرون على وصفة بكونه سميعًا بصيرًا\nقلنا: الصحيح المقطوع به عندنا: وجوب وصفه بأحكام الإدراك، إذ كل إدراك ينفيه ضد فهو آفة فما دل على وجوب","vol":"2","page":201},{"text":"وصفه بحكم السمع والبصر، فهو دال على وجوب وصفه بأحكام الإدراك، ثم يتقدس الرب تعالى عن كونه شامًا ذائقًا لامسًا: فإن هذه الصفات منبئة عن ضروب من الاتصالات، والرب يتعالى عنها، وهي لا تنبىء عن حقائق الإدراكات، فإن الإنسان يقول: شممت تفاحة فلم أدرك ريحها، ولو كان الشم دالًا على الإدراك لكان ذلك بمثابة قول القائل: أدركت ريحها، ولم أدركه، وكذلك القول في الذوق واللمس) .\nقلت: ولا يلزم من تناقض هؤلاء - إن كانوا متناقضين - نفي الرؤية التي تواترت بها النصوص عن النبي ﷺ.\nوقلت: وأما تعاقب الحوادث: فهم نفوه، بناء على امتناع حوادث لا أول لها، فإن صح هذا الفرق وإلا لزمهم طرد الجواز، كما طرده غيرهم ممن لا يمنع ذلك.","vol":"2","page":202},{"text":"وأما حدوث القدرة والعلم فنفوهما، لأن عدم ذلك يستلزم النقص، لعموم تعلق العلم والقدرة، بخلاف الإرادة والكلام، فإنه لا عموم لهما، فإنه سبحانه لا يتكلم إلا بالصدق، لا يتكلم بكل شيء، ولا يريد إلا مايسبق علمه به، لا يريد كل شيء، بخلاف العلم والقدرة، فإنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير.\nوهذا كما فرقت المعتزلة بين هذا وهذا، فقالوا: إن له إرادة حادثة وكلامًا حادثًا، ولم يقولوا: له عالمية حادثة وقادرية حادثة، فالسؤال على الفريقين جميعًا.\nفإن صح الفرق، وإلا كانوا متناقضين.\nوقد أثبت غيرهم قيام علم بالموجود بعد وجوده، ولم يجعل ذلك عين العلم المتعلق به قبل وجوده، كما دل على ذلك ظاهر النصوص.\nوقد أثبت ذلك من أهل الكلام والفلسفة طوائف، كـ أبي الحسين البصري وأبي البركات وغيرهم، وغير المتقدمين مثل هشام بن الحكم وأمثاله، ومثل جهم.\nوالمفرق - إن صح فرقه - وإلا لزم تناقضه.\nوقيام الأكوان به نفوه، لأنها هي دليلهم على حدوث العالم كما استدلت بذلك المعتزلة، وهم يقولون: المتصف بالأكوان لا يخلو منها.\nوهذا معلوم بالبديهة كما بينه الأستاذ أبو المعالي في أول كلامه، وقال: (نفرض الكلام في الأكوان، فإن القول فيها يستند","vol":"2","page":203},{"text":"إلى الضرورة، فإذا كان من المعلوم بالضرورة: أن القابل للأكوان لا يخلو عنها، فلو وصفوه بالأكوان للزم أن لا يخلو عنها، وهم يقولون بامتناع تسلسل الحوادث، ويقولون: ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، كما يوافقهم على ذلك أبو المعالي وأمثاله، فإن كان هذا الفرق صحيحًا بطل الإلزام وصح فرقهم، وإن لم يكن هذا الفرق صحيحًا لم يكن في ذلك حجة للمنازع لهم، بل يقول القائل: كلاكما مخطىء، حيث قلتم بامتناع دوام الحوادث وتسلسلها.\nومعلوم أن هذا كلام متين لا جواب عنه، فإن فرقهم بين الأكوان وغيرها هو العلم الضروري من الجميع بأن القابل للأكوان لا يخلو منها، فما قبل الحركة والسكون لم يخل من أحدهما، فهذا هو محيصهم عما ألزمهم به، فإن كانت الأكوان كغيرها في أن القابل للشيء لا يخلو عنه ضده فقد ثبت تناقضهم إذا كان قابلًا لها، وإن لم تكن مثل غيرها - كما تقوله المعتزلة - صح فرقهم.\nوهم يدعون أنه ليس قابلًا لها، كما قد وافقهم على ذلك المعتزلة والأشعرية.\nفإذا قال المعترض عليهم: يجب على أصلهم أن يكون قابلًا لها، لأنهم يصفونه بكونه متحيزًا، وكل متحيز جسم وجرم، قيل: هذا كما تقوله المعتزلة للأشعرية: يلزمكم إذا قلتم إن له حياة وعلمًا وقدرة: أن يكون متحيزًا، لأنه لا يعقل قيام هذه الصفات إلا بمتحيز، ويقولون:","vol":"2","page":204},{"text":"إنه لا يعقل موصوف بالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة إلا ما هو جسم، فإذا وصفتموه بهذه الصفات لزمكم أن يكون جسمًا.\nفإذا قال هؤلاء للمعتزلة: قد اتفقنا نحن وأنتم على أنه حي عليم قدير، وليس بمحيز ولا جسم، فإذا عقلنا موجودًا حيًا عليمًا قديرًا ليس بجسم عقلنا حياة وعلمًا وقدرة لا تقوم بجسم، قالوا: وأنتم وافقتمونا على أنه حي عليم قدير، وإثبات حي عليم قدير بلا حياة ولا علم ولا قدرة مكابرة للعقل واللغة والشرع.\nقالت الكرامية لهؤلاء: قد اتفقنا نحن وأنتم على أنه موصوف بالحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك من الصفات، مع اتفاقنا نحن وأنتم على أنه لا يتصف بالأكوان، فهكذا إذا جوزنا عليه أن يسمع أصوات عباده حين يدعونه، ويراهم بعد أن يخلقهم، ويغضب عليهم إذا عصوه، ويحب العبد إذا تقرب إليه بالنوافل، ويكلم موسى حين أتى الوادي، ويحاسب خلقه يوم القيامة، ونحو ذلك مما دلت عليه النصوص، لم يلزمنا مع ذلك أن تجوز عليه حدوث الأكوان.\nومن تدبر كلام هؤلاء الطوائف - بعضهم مع بعض - تبين له أنهم لا يعتصمون فيما يخالفون به الكتاب والسنة إلا بحجة جدلية يسلمها بعضهم لبعض، وآخر منتهاهم: حجة يحتجون بها في إثبات حدوث العالم لقيام لاأكوان به أو الأعراض، ونحو ذلك من الحجج التي هي","vol":"2","page":205},{"text":"أصل الكلام المحدث، الذي ذمه السلف والأئمة وقالوا: إنه جهل، وإن حكم أهله (أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام) ولكن من عرف حقائق ما انتهى إليه هؤلاء الفضلاء الأذكياء ازداد بصيرة وعلمًا ويقينًا بما جاء به الرسول ﷺ، وبأن ما يعارضون به الكتاب والسنة من كلامهم الذي يسمونه عقليات: هي من هذا الجنس الذي لا ينفق إلا بما فيه من الألفاظ المجملة المشتبهة، مع من قلت معرفته بما جاء به الرسول وبطرق إثبات ذلك، ويتوهم أن يمثل هذا الكلام يثبت معرفة الله وصدق رسله، وأن الطع في ذلك طعن فيما به يصير العبد مؤمنًا، فيتعجل رد كثير مما جاء به الرسول ﷺ لظنه أنه بهذا الرد يصير مصدقًا للرسول في الباقي.\nوإذا أنعم النظر تبين له أنه كلما ازداد تصديقًا لمثل هذا الكلام ازداد نفاقًا وردًا لما جاء به الرسول، وكلما ازداد معرفة بحقيقة هذا الكلام وفساده ازداد إيمانًا وعلمًا بحقيقة ما جاء به الرسول، ولهذا قال من قال من الأئمة: (قل أحد نظر في الكلام إلا تزندق وكان في قلبه غل على أهل الإسلام) بل قالوا: (علماء الكلام زنادقة) .\nولهذا قيل: إن حقيقة ما صنفه هؤلاء في كتبهم من الكلام","vol":"2","page":206},{"text":"الباطل المحدث المخالف للشرع والعقل هو: ترتيب الأصول في تكذيب الرسول، ومخالفة صريح المعقول وصحيح المنقول، ولولا أن هؤلاء القوم جعلوا هذا علمًا مقولًا ودينًا مقبولًا، يردون به نصوص الكتاب والسنة، ويقولون: إن هذا هو الحق الذي يجب قبوله، دون ما عارضه من النصوص الإلهية والأخبار النبوية، ويتبعهم على ذلك من طوائف أهل العلم والدين ما لا يحصيه إلا الله: لاعتقادهم أن هؤلاء أحذق منهم وأعظم تحقيقًا، لميكمن بنا حاجة إلى كشف هذه المقالات، مع أن الكلام هنا لا يحتمل إلا الاختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>قول الرازي في الأربعين</span>\nومقصودنا بحكاية هذا الكلام: أن يعلم أن ما ذكره الرازي في هذه المسألة قد استوعب فيه جميع حجج النفاة، وبين فسادها.\nوأما الحجة التي احتج بها فهي أضعف من غيرها كما سيأتي بيانه.\nوقد ذكر أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف.\nوذكر في كتاب الأربعين أنها تلزم أصحابه أيضًا، فقال في الأربعين: (المشهور أن الكرامية يجوزون ذلك، وينكرون سائر الطوائف، وقيل: أكثر العقلاء يقولون به، وإن أنكروه باللسان، فإن أبا علي وأبا هاشم من المعتزلة وأتباعهما قالوا: إنه يريد بإرادة حادثة،","vol":"2","page":207},{"text":"لا في محل، ويكره بكراهة حادثة لا في محل، إلا أن صفة المريدية والكارهية محدثة في ذاته تعالى.\nوإذا حضر المرئي والمسموع حدث في ذاته تعالى صفة السامعية والمبصرية، لكنهم إنما يطلقون لفظ التجدد دون الحدوث.\nوأبو الحسين البصري يثبت في ذاته علومًا متجددة بحسب تجدد المعلومات.\nوالأشعرية يثبتون نسخ الحكم، مفسرين ذلك برفعه أو انتهائه، والارتفاع والانتهاء عدم بعد الوجود، ويقولون: إنه عالم بعلم واحد يتعلق قبل وقوع المعلوم بأنه يسقع، وبعده يزول ذلك التعلق ويتعلق بأنه وقع، ويقولون: بأن قدرته تتعلق بإجاد المعين، وإذا وجد انقطع ذلك التعلق، لامتناع إيجاد الموجود، وكذا تعلق الإرادة بترجيح المعين، وأيضًا","vol":"2","page":208},{"text":"المعدوم لا يكوم مرئيًا ولا مسموعًا، وعند الوجود يكون مرئيًا ومسموعًا، فهذه التعلقات حادثة.\nفإن التزام جاهل كون المعدوم مرئيًا ومسموعًا، قلنا: الله تعالى يرى المعدوم معدومًا، لا موجودًا، وعند وجوده يراه موجودًا لا معدومًا، لأن رؤية الموجود معدومًا أو بالعكس غلط، وأنه يوجب ما ذكرنا، والفلاسفة - مع بعدهم عن هذا - يقولون بأن الإضافات - وهي القبلية والبعدية والمعية - موجودة في الأعين، فيكون الله مع كل حادث، وذلك الوصف الإضافي حدث في ذاته وأبو البركات من المتأخرين منهم صرح في المعتبر بإرادات محدثة، وعلوم محدثة في ذاته تعالى، زاعمًا بأنه لا يمكن الاعتراف بكونه إلهًا لهذا العالم إلا مع هذا القول، ثم قال: (الإجلال من هذا الإجلال والتنزيه من هذا التنزيه واجب) .","vol":"2","page":209},{"text":"قال الرازي: (واعلم أن الصفة إما حقيقية عارية عن الإضافة كالسواد والبياض، أو حقيقة تلزمها إضافة كالعلم والقدرة، فإنه يلزمها تعلق بالمعلوم والمقدور، وهو إضافة مخصوصة بينهما، وإما إضافة محضة ككون الشيء قبل غيره وبعده ويمينه ويساره، فإن تغير هذه الأشياء لا يوجب تغيرًا في الذات، ولا في صفة حقيقية منها.\nفنقول: تغير الإضافات لا محيص عنه، وأما تغير الصفات الحقيقية: فالكرامية يثبتونه، وغيرهم ينكرونه، فظهر الفرق بين مذهب الكرامية وغيرهم.\nلا نسمي ذلك صفة، ولا نقول: إن ذلك تغير في الصفات الحقيقية، كما تقدم) .\nثم استدل الرازي بثلاثة أوجه:\n(أحدها: أن صفاته صفات كمال، فحدوثها يوجب","vol":"2","page":210},{"text":"نقصانه، يعني قبل حدوثها، والإضافات لا وجود لها في الأعيان، دفعًا للتسلسل، فلا يرد نقصًا) .\nولقائل أن يقل: هذا الدليل قد تقدم الكلام عليه، والمنازع لا يسمي ذلك صفة، وإن وصف الموصوف بنوع ذلك، فليس لك فرد من الأفراد صفة كمال مستحقة القدم، يحيث يكون عدمها في الأزل نقصًا، وما اقتضت الحكمة حدوثه في وقت لم يكن عدمه قبل ذلك نقصًا، بل الكمال عدمه حيث لا تقتضي الحكمة وجود حدوثه، ووجوده حيث اقتضت الحكمة وجوده، كالحوداث المنفصلة، فليس عدم كل شيء نقصًا عما عدم منه.\nوأيضًا فالحوادث لا يمكن وجودها إلا متعاقبة، وقدمها ممتنع وكان ممتنع الوجود لم يكن عدمه نقصًا، والتسلسل المذكور هو التسلسل في الآثار والشروط ونحوها، وهذا فيه قولان مشهوران، فالمنازع قد يختار جوازه، لا سيما من يقول: إن الرب لم يزل فاعلًا متكلمًا إذا شاء.\n(الثاني: لو كانت ذاته قابلة للحوادث لكانت تلك القابلية من","vol":"2","page":211},{"text":"لوازمها، وأزلية القابلية توجب صحة وجود المقبول أزلًا، لأن قابلية الشيء للغير نسبة بينهما، والنسبة بين الشيئين موقوفة عليهما، لكن وجود الحوادث في الأزل محال، ولا يلزم علينا القدرة الأزلية، لأن تقدم القدرة على المقدور واجب، دون تقدم القابل على المقبول) .\nقال الأرموي: (ولقائل أن يقول: ما ذكرتم بتقدير التسليم يقتضي أزلية صحة وجود الحوادث، لا صحة أزلية وجود الحوادث، وقد عرفت الفرق بينهما في مسألة الحدوث، والفرق المذكور - إن صح - أغنى عن الدليل السابق، وإلا نفى النقص، وأيضًا إذا صح الفرق، مع أن الدليل المذكور ينفيه، لزم بطلان الدليل) .\nقلت: فقد ذكر الأرموي في بطلان هذا الدليل ثلاثة أوجه:\nأحدها: الفرق بين صحة أزلية الحدوث وأزلية صحة الحدوث، وسيأتي إن شاء الله الكلام فيه، وبيان أنه فرق فاسد.\nلكن يقال: إن صح هذا الفرق بطل الدليل، وإن لم يصح لزم إمكان الحوادث في الأزل، ولزم إمكان وجود المقدور والمقبول في الأزل، وكلاهما يبطل","vol":"2","page":212},{"text":"الدليل، أو يقال: ما كان جوابًا لكم عن المقدور كان جوابًا لنا عن المقبول، أو يقال: إن صح هذا الفرق بطل الدليل، وإن لم يصح هذا الفرق فاللازم أحد أمرين: إما إمكان دوام الحوادث وإما امتناع دوامها، فإن كان اللازم هو الأول لزم إمكان وجود جنس الحوادث المقبولة في الأزل وبطل الدليل، وإن كان اللازم هو الثاني كان وجودها في الأزل ممتنعًا.\nوحينئذ فإذا جاز أن يقال: هو قادر عليها مع امتناع وجود المقدور أمكن أن يقال: هو قابل لها مع امتناع وجود المقبول.\nوقول الأرموي: والفرق المذكور إن صح أغنى عن الدليل السابق وإلا بقي النقص.\nقد يقال: أراد به الفرق بين أزلية الصحة وصحة الأزلية.\nوقد يقال: عنى به الفرق بين القادر والقابل، فإن أراد الأول كان معنى كلامه: إن صح الفرق أمكن أن يكون قابلًا لها في الأزل وتكون صحتها أزلية، أي لم تزل ممكنة صحيحة، مع امتناع صحة أزلية الحوادث كما يقولون، إذ لم تزل الحوادث ممكنة صحيحة جائزة مع امتناع كون الحادث أزليًا، ويقولون: صحة الجواز وإمكانها أزلي لا متناع انقلابها من الامتناع إلى الإمكان من غير سبب حادث مع امتناع وجودها في الأزل وامتناع أزليتها.\nوهذا الفرق ذكره الغزالي في تهافت الفلاسفة والرازي وغيرهما في جواب من قال بأن إمكان وجود المقدورات لا أصل له، فقالوا: نحن نقول: إمكان الحوادث لا بداية لها، ونقول الشيء المعين بشرط كونه","vol":"2","page":213},{"text":"حادثًا لا بداية لأزليته، ولا يلزم من ذلك إمكان وجود شيء من الحوادث في الأزل، لأن كونه حادثًا مع كونه أزليًا ممتنع.\nوهذا الفرق عند التحقيق باطل، فإنه مسلتلزم للجمع بين النقيضين، فإن الحادث يجب أن يكون مسبوقًا بالعدم.\nفإذا قيل بأن الحادث لم يزل ممكنًا، وأن صحته وإمكانه أزليته، كان معناه أن ما كان مسبوقًا بالعدم يمكن أن يكون أزليًا، والأزلي لا يكون مسبوقًا بالعدم، فكان معناه أن ما يجب أن يكون حادثًا يمكن أن يكون قديمًا، وما يجب كونه مسبوقًا بالعدم يجوز أن يكون أزليًا غير مسبوق بالعدم، وهذا جمع بين النقيضين.\nفإذا قيل: الحادث المعين إمكانه هل هو أزلي أو حادث؟\nقيل: بل هو حادث، فإن كون الحادث المعين في الأزل ممتنع لذاته، وهذا الممتنع لا يكون قط، ولكن حدثت أسباب أوجبت إمكان حدوثه، فكان إمكان حدوثه ممكنًا، كوجود الولد المشروط بوجود والده، فإن كونه ابن فلان يستلزم وجود فلان، ويمتنع أن يكون وجود ابن فلان موجودًا قبل وجود فلان، والممتنع لذاته لا يكون مقدورًا، وتجدد القادرية بتجدد إمكان المقدور ليس ممتنعًا، فإن الجميع حاصل بمسيئة الرب وقدرته، وهو سبحانه بما يحدث بمشيئته وقدرته يجعل المعدوم موجودًا، فيجعل ما لم يكن ممكنًا مقدورًا يصير ممكنًا مقدورًا، وهذا مبسوط في موضع آخر.\nوالمقصود شرح مراد الأرموي، فإذا أراد بالفرق الفرق بين صحة","vol":"2","page":214},{"text":"الأزلية وأزلية الصحة، كان معنى كلامه: إن صح هذا الفرق بطل الدليل، فإنه يقول في الحوادث المقبولة ما يقال في الحوادث المنفصلة من الفرق بين صحة أزليتها وأزلية صحتها، لكن لو أراد بالفرق هذا لم يستقم قوله: (إن هذا الفرق إن صح إنى عن الدليل السابق) بل هذا الفرق إن صح بطل الدليل المذكور، فهذا يرجح أنه أراد بالفرق بين القادر والقابل، فيكون قد ذكر ثلاثة أجوبة، نقول إن صح الفرق بينهما بأن القابل يستلزم وجود المقبول في الأزل دون القادر، فهذا الفرق يغني عن الدليل، وإن لم يصح هذا الفرق انتقض الدليل بالقادر.\nالوجه الثاني: أنه إن صح الفرق بين المقدور والمقبول بأن المقدور يجب تأخره عن القدرة، والمقبول لا يجب ذلك فيه، كان هذا وحده دليلًا على وجوب حصول الحادث في الأزل إذا كان قابلًا له، وحينئذ فلا حاجة إلى أن يستدل على ذلك بما ذكره من النسبة إن كان الفرق صحيحًا، وإن لم يكن صحيحًا صح النقض به.\nالثالث: أن الدليل المذكور يوجب وجود المقدور في الأزل، لأن القادرية على الشيئين نسبة بينهما، والنسبة بين الشيئين متوقفة عليهما، فإن صح الفرق بين المقدور والمقبول - مع أن الدليل يتناولهما جميعًا وينفي","vol":"2","page":215},{"text":"الفرق - لزم بطلان الدليل، فيلزم بطلان مقدمة الدليل أو انتفاضه، وكلاهما مبطل له، وهذا بين.\nقال الرازي: (الثالث قول الخليل: ﴿لا أحب الأفلين﴾ (الأنعام: ٦٧) يدل على أن المتغير لا يكون إلهًا) .\nولقائل أن يقول: إن كان الخليل ﷺ احتج بالأفول على نفي كونه رب العالمين، لزم أنه لم يكن ينفي عنه حلول الحوادث، لأن الأفول هو المغيب والاحتجاب باتفاق أهل التفسير واللغة، وهو مما يعلم من اللغة اضطرارًا، وهو حين بزغ قال: (هذا ربي) فإذا كان من حين يزوغه إلى حال أفوله لم ينف عنه الربوبية دل على أنه لم يجعل حركته منافية لذلك، وإنما جعل المنافي الأفول، وإن كان الخليل ﷺ إنما احتج بالأفول على أنه لا يصلح أن يتخذ ربًا يشرك به، ويدعى من دون الله، فليس فيه تعرض لأفعال الله تعالى، فقصة الخليل إما أن تكون حجة عليهم، أو لا لهم ولا عليهم.\nقال الرازي: (واحتجوا بأن الدليل على أن الكلام والسمع","vol":"2","page":216},{"text":"والبصر صفات حادثة، ولا بد لها من محل، وهو ذاته تعالى، ولأنه يصح قيام الصفات القديمة بذاته تعالى باتفاق منا ومن الأشعرية، والقدم لا يعتبر في المقتضى، فإنه عبارة عن نفس الأزلية وهو عدمي، فالمقتضى هو كونها صفات، والحوادث كذلك فليلزم قيامها به) .\nقال: (والجواب عن الأول بالجواب عن أدلة حدوث تلك الصفات، وعن الثاني بأن تلك الصفات قد تكون مخالفة لهذه بالنوع، سلمنا أنه لا فارق سوى القدم فلم قلتم: إنه عدمي، فإنه عبارة عن نفي العدم السابق، ونفي النفي ثبوت؟)\nقلت: ليس المقصود هنا ذكر أدلة المثبتة، فإن النصوص تدل على ذلك في مواضع لا تكاد تحصى إلا بكلفة، وإنما الغرض بيان: هل في العقل ما يعارض النصوص؟ ومن أراد تقرير ما احتجوا به من الدليل العقلي على الإثبات قدح فما يذكره النفاة من امتناع حدوث تلك الأمور.","vol":"2","page":217},{"text":"وعمدة المانعين هو امتناع حلول الحوادث، وامتناع تسلسلها، فإذا كانوا لا ينفون حدوثها في ذاته إلا لامتناع حلول الحوادث: لم يجز أن يجيبوا عن أدلة الحدوث بمجرد دليل امتناع حلول الحوادث إن لم يجيبوا عن المعارض، لأن ذلك دور، فإذا قال القائل: الدليل على بطلان دليل المثبتة هو تدليل النفاة، قيل له: دليل النفاة لا يتم إلا ببطلان دليل المثبتة، فإذا لم تمكن المطالبة إلا بدليل المثبتة كان صحة دليل النفاة متوقفًا على صحته، وذلك دور، فإنه لا يتم نفي ذلك إلا بالجواب عن حجة المثبتين، فيكون قولهم بانتفاء حلول الحوادث مبينًا على انتفاء حلول الحوادث، فلا يكون لهم حجة على ذلك.\nفالمثبتون معهم السمعيات الكثيرة المتواترة بخلاف النفاة، فإنه ليس معهم شيء من السمع، وإنما يدعون قيام الدليل العقلي على امتناع قيام الحوادث به، فإذا أراد بعض المثبتين أن يقيم دليلًا عقليًا على قيامها به أو إمكان قيامها به، احتاج إلى أن يجيب عن أدلة النفاة، والنفاة لا يتم دليلهم على النفي حتى يجيبوا على أدلة المثبتين، وإلا فلو قدر تعارض الأدلة العقلية من الجانبين فتكافأتا، وبقيت الأدلة السمعية خالية عن معارض يجب تقدمه عليها، فإذا احتج المثبتون بالآيات والأحاديث لم يمكن للنفاة أن يقولوا هذا يثبت قيام الحوادث به وذلك ممتنع، إلا إذا أقاموا الدليل العقلي على الامتناع، أجابوا عما يحتج به المثبتة من الدليل العقلي، فلا بد للنفاة من هذا وهذا، بخلاف المثبتة فإنه يمكنهم","vol":"2","page":218},{"text":"أن يقولا السمع دل على ذلك، ولم يقيموا دليلًا عقليًا خاليًا عن المعارض المقاوم ينفي ذلك، فلا يحتاج المثبتون إلى دليل عقلي يوافق السمع، يل يكفيهم إبطال ما يعارضه، وإذا أقاموا دليلًا عقليًا فعورضوا بأدلة النفاة لم يحتاجوا إلى إبطالها، بل تكفيهم المعارضة، فإذا أبطلوا كانوا قد سدوا على النفاة الأبواب.\nفلهذا كان ما يحتاج إليه النفاة من إقامة دليل عقلي، وإبطال ما يعارضه، مما احتاج إليه المثبتة، بل يكفيهم منع مقدمات المعارض، فإن أبطلوها فقد زادوا، وتكفيهم الممعارضة بالعقليات، فإن بينوا رجحان عقلياتهم فقد زادوا، وإذا بينوا صحة عقلياتهم وبطلان عقليات النفاة ومعهم السمعيات، كانوا قد أثبتوا أن معهم السمع والعقل، وأن المنازغ ليس معه لا سمع ولا عقل.\nوأما أدلة المثبتين فهو ما يذكرونه من الشرعيات والعقليات، وهم قد قدحوا في أدلة النفاة، فيتم كلامهم.\nوأما التسلسل فالكرامية ومن وافقهم لا يجيزونه، كما لا يجيزه كثير من المعتزلة ومن وافقهم، وأما من يجوز التسلسل في الآثار من أهل الحديث والكلام والفلسلفة وغيرهم، فهؤلاء قد عرف طعنهم في أدلة النفاة، وطعن النفاة في أدلة بعض، حتى متكلمة أهل الإثبات","vol":"2","page":219},{"text":"من الأشعرية وغيرهم متنازوعون في ذلك قد عرف.\nوأيضًا فإن المثبتين يقلون: كونه قادرًا على الفعل بنفسه صفه كمال، كما أن قدرته على المفعول المنفصل صفة كمال، فإنا إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الفعل القائم به والمنفصل عنه ومن لا يقدر على أحدهما علم أنا لأول أكمل، كما إذا عرضنا عليه من يعلم نفسه وغيره ومن لا يعلم إلا أحدهما، وأمثال ذلك، ويقول من يجوز دوام الحوادث وتسلسلها: إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الأفعال المتعاقبة الدائمة ويفعلها دائمة متعاقبة، ومن لا يقدر على الدائمة المتعاقبة كان الأول أكمل.\nوكذلك إذا عرضنا على العقل من فعل الأفعال المتعاقبة مع حدوثها، ومن لا يفعل حادثًا أصلًا لئلا يكون عدمه قبل وجوده عدم كمال، شهد صريح العقل بأن الأول أكمل، فإن الثاني ينفي قدرتهوفعله للجميع، لئلا يعدم البعض في الأزل، والأول يثبت قدرته وفعله للجميع مع عدم البعض في الأزل، فذاك ينفي الجميع حذرًا من فوت البعض، والثاني يثبت ما يثبته من الكمال مع فوت البعض، ففوت البعض لازم على التقديرين، وامتاز الأول بإثبات كمال في قدرته وفعله لم يثبته الثاني.\nوأيضًا فهم يقولون: كون الكلام لا يقوم بذاته يمنع أن يكون","vol":"2","page":220},{"text":"كلامه، فإن ما قام به شيء من الصفات والأفعال عاد حكمه إليه، لا إلى غيره، فإذا خلق في محل علمًا أو قدرة أو كلامًا كان ذلك صفة للمحل الذي خلق فيه، فذلك المحل هو العالم القادر المتكلم به، فإذا خلق كلامًا في محل كان ذلك الكلام المخلوق كلام ذلك المحل، لا كلامه، فإذا خلق في الشجرة: ﴿إني أنا الله رب العالمين﴾ (القصص: ٣٠) ولم يقم هو به كلام كان ذلك كلامًا للشجرة، فتكون هي القائلة: (إني أنا الله رب العالمين) وهذا باطل، فيتعين أن يقوم به الكلام، وكونه لا يقدر أن يتكلم ولا يتكلم بما شاء، بل يلزمه الكلام كما تلزمه الحياة، مع كون تكليمه هو خلق مجرد الإدراك، يقتضي أن يكون القادر على الكلام الذي يتكلم باختياره أكمل منه، فإنا إذا عرضنا على العقل من يتكلم باختياره وقدرته ومن كلامه بغير اختياره وقدرته كان الأول أكمل، فتعين أن يكون متكلمًا بقدرته ومشيئته كلامًا يقوم بذاته، وكذلك في مجيئة وإتيانه واستوائه وأمثال ذلك، إن قدرنا هذه أمورًا منفصلة عنه: لزم أن لا يوصف بها، وإن قدرناها لازمة لذاته لا تكون بمشيئته وقدرته: لزم عجزه وتفضيل غيره عليه، فيجب أن يوصف بالقدرة على هذه الأفعال القائمة به، التي يفعلها بمشيئته وقدرته، وهذا هو الذي تعنيه النفاة بقولهم: لا تحله الحوادث، كما يعنون نفي العلم والقدرة ونحوهما بقولهم: لا تحله الأعراض.\nوأيضًا فإن ما به تثبت الصفات القائمة به، تثبت الأفعال القائمة به","vol":"2","page":221},{"text":"التي تحصل بقدرته واختياره، ونحو ذلك، وذلك أنه يقال: العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ونحو ذلك صفات كمال، فلو لم يتصف الرب بها اتصف بنقائضها كالجهل والعجز والصمم والبكم والخرس، وهذه صفات نقص، والله منزه عن ذلك، فيجب اتصافه بصفات الكمال، ويقال: كل كمال يثبت لمخلوق من غير أن يكون فيه نقص بوجه من الوجوه فالخالق تعالى أولى به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق سبحانه أولى بتنزيهه عنه، بل كل كمال يكون للموجود لا يستلزم نقصًا فالواجب الوجود أولى به من كل موجود، وأمثال هذه الأدلة المبسوطة في غير هذا الموضع.\nفإذا قال النفاة من الجهمية والمتفلسفة والباطنية: هذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة، فلا يلزم من رفع أحدهما ثبوت الثاني، إلا أن يكون المحل قابلًا لهما، فأما ما لا يقبلهما كالجماد فلا يقال فيه حي ولا ميت، ولا أعمى ولا بصير.\nأجيبوا عن ذلك بعدة أجوبة:\nمثل أن يقال: هذا اصطلاح لكم، وإلا فاللغة العربية لا فرق فيها، والمعاني العقلية لا يعتبر فيها مجرد الاصطلاحات.\nومثل أن يقال: فما لا يقبل هذه الصفات كالجماد أنقص مما يقبلها","vol":"2","page":222},{"text":"ويتصف بالناقص منها، فالحي الأعمى أكمل من الجماد الذي لا يوصف ببصر ولا عمى، وهذا بعينه يقال فيما يقوم به من الأفعال ونحوها التي يقدر عليها ويشاؤها، فإنه لو لم يتصف بالقدرة على هذه الأفعال لزم اتصافه بالعجز عنها، وذلك نقص ممتنع كما تقدم، والقادر على الفعل والكلام أكمل من العاجز عن ذلك.\nفإذا قال النافي: (إنما يلزم اتصفاه بنقيض ذلك لو كان قيام الأفعال به ممكنًا، فأما ما لا يقبل لك كالجدار فلا يقال: هو قادر على الحركة ولا عاجز عنها) .\nفيقال: هذا نزاع لفظي كما تقدم، ويقال أيضًا: فما لا يقبل قيام الأفعال الاختيارية به والقدرة عليها كالجماد أنقص مما يقبل ذلك كالحيوان، فالحيوان الذي يقبل أن يتحرك بقدرته وإرادته إذا قدر عجزه هو أكمل مما لا يقبل الاتصاف بذلك كالجماد، فإذا وصفتموه بعدم قبول ذلك كان ذلك أنقص من أن تصفوه بالعجز عن ذلك، وإذا كان وصفه بالعجز عن ذلك صفة نقص، مع إمكان اتصافه بالقدرة على ذلك، فوصفه بعدم قبول الأفعال والقدرة عليها أعظم نقصًا.\nفإن قال النافي: لو جاز ان يفعل أفعالًا تقوم به بإرادته وقدرته للزم أن يكون محلًا للحوادث، وما قبل الشيء لا يخل عنه وعن ضده، فيلزم تعاقبها، وما تعاقبت عليه الحوادث فهو حادث، لامتناع حوادث لا أول لها.","vol":"2","page":223},{"text":"قيل لهم: هذا مبني على مقدمتين: على أن ما يقبل الشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وعلى امتناع دوام الحوادث، وكل من المقدمتين قد بين فسادها كما تقدم.\nثم قبل العلم بفساده يعلم بصريح العقل أن ما ذكر في إثبات هذه الأفعال من الأدلة العقلية الموافقة للأدلة الشرعية أبين وأظهر وأصرح في العقل من امتناع دوام الحوادث وتعاقبها، فإن هذه المقدمة في غاية الخفاء والاشتباه، وأكثر العقلاء من جميع الأمم ينازعون فيها ويدفعونها، وهي أصل علم الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، وبهذه المقدمة استطالت الدهرية على من احتج بها من متكلمة أهل الملل، وعجزوهم عن إثبات كون الله تعالى يحدث شيئًا لا العالم ولا غيره، والذين اعتقدوا صحة هذه المقدمة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ظنوا أن حدوث العالم وإثبات الصانع لا يتم إلا بها، وفي حقيقة الأمر هي تنافي حدوث العالم وإثبات الصانع، بل لا يمكن القول بإحداث الله تعالى لشيء من الحوادث إلا بنقيضها، ولا يمكن إثبات خلق الله لما خلقه تصديق رسله فيما أخبروا به عنه إلا بنقيضها، فما جعلوه أصلًا ودليلًا على صحة المعقول والمنقول، هو مناف مناقض للمنقول والمعقول، كما قد بسط في غير هذا الموضع.","vol":"2","page":224},{"text":"وأيضًا فإن هؤلاء النفاة يقولون: لم يكن الرب تعالى قادرًا على الفعل فصار قادرًا، وكان الفعل ممتنعًا فصار ممكنًا، من غير تجدد شيء أصلًا يوجب القدرة والإمكان، وهذا معنى قول القائل: إنه يلزم أن ينقلب الشيء من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، وهذا مما تجزم العقول ببطلانه، مع ما فيه من وصف الله بالعجز وتجدد القدرة له من غير سبب.\nومن اعتذر منهم عن ذلك - مثل كثير منهم - قالوا: إن الممتنع هو القدرة على الفعل في الأزل، فنفس انتفاء الأزل يوجب إمكان الفعل والقدرة عليه.\nقيل لهم: الأزل ليس هو شيئًا كان موجودًا فعدم، ولا معدومًا فوجد، حتى يقال: إنه تجدد أمر أوجب ذلك، بل الأزل كالأبد، فكما أن الأبد هو الدوام في المستقبل، فالأزل هو الدوام في الماضي، فكما أن الأبد لا يختص بوقت دون وقت، فالأزل لا يختص بوقت دون وقت، فالأزلي هو: الذي لم يزل كائنًا، والأبدي هو: الذي لا يزال كائنًا، وكونه لم يزل ولا يزال معناه دوامه وبقاؤه، الذي ليس له مبتدأ ولا منتهى، فقول القائل: (شرط قدرته انتفاء الأزل) كقول نظيره: (شرط قدرته انتفاء الأبد) .\nفإذا كان سلف الأمة وأئمتها وجماهير الطوائف أنكروا قول الجهم في","vol":"2","page":225},{"text":"كونه تعالى لا يقدر في الأبد على الأفعال، فكذلك قول من قال: لا يقدر في الأزل على الأفعال، وقول أبي الهذيل: (إنه تعالى لا يقدر على أفعال حادثة في الأبد) يشبه قول من قال: (لا يقدر على أفعاله حادثة في الأزل)، وقد بسط الكلام على هذا، وقول من يفرق بين النوعين في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>الاستدلال على النفي والرد عليه</span>\nوقد استدل بعضهم عل النفي بدليل آخر، فقال: إن كل صفة تفرض لواجب الوجود فإن حقيقته كافية في حصولها أولا حصولها وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وهذا يقتضي إمكانه، فيكون الواجب ممكنًا، هذا خلف، وحينئذ يلزم من دوام حقيقته دوام تلك الصفة.\nوالمثبتون يجيبون عن هذا بوجوه:\nأحدها: أن هذا إنما يقال فيما كان لازمًا لذاته في النفي أو الإثبات، أما ما كان موقوفًا على مشيئته وقدرته كأفعاله فإنه يكون إذا شاءه الله تعالى، ولا يكون إذا لم يشأه، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فإن بين المستدل أنه لا يجوز ان يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته كان هذا وحده كافيًا في المسألة، وإن لم يبين ذلك لم يكن فيما ذكره حجة.\nالثاني: أن يقال: إن هذا منقوض بأفعاله، فإن حقيقته","vol":"2","page":226},{"text":"كافية في حصولها، ولا لزام افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقتضي إمكانه، فيكون الواجب ممكنًا، فما كان جوابًا عن الأفعال كان جوابًا للمثبتين القائلين: إنه يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته، ومن جوز أنه يفعل بعد أن لم يكن فاعلًا بمحض القدرة والمشيئة القديمة قال هنا كذلك كما يقول الكرامية، ومن قال: (إنه لم يزل يفعل ويتكلم إذا شاء) قال هنا كذلك، كما يقولوه من يقوله من أئمة السنة والحديث.\nالثالث: أن يقال: أتعني بقولك (ذاته كافية) أنها مستلزمة لوجود اللازم في الأزل؟ أم هي كافية فيه وإن تأخر وجوده؟ فإن عنيت الأول انتقض عليك بالمفعولات الحادثة، فإنه يلزمك إما عدمها وإما افتقاره إلى سبب منفصل، إذ كان مالا تكفي فيه الذات يفتقر إلى سبب منفصل، وإن عنيت الثاني كان حجة عليك، إذ كان مما تكفي الذات يمكن تأخره.\nالرابع: ان يقال: قولك (يفتقر إلى سبب منفصل) تعني به شيئًا يكون من فعل الله تعالى، أو شيئًا لا يكون من فعله؟ أما الأول فلا يلزم افتقاره إلى غيره، فإنه إذا كان هو فاعل الأسباب فهو فاعلها وفاعل ما يحدث بها، فلا يكون مفتقرًا إلى غيره، وأما إن عنيت بالسبب","vol":"2","page":227},{"text":"ما لا يكون من فعله لزمك أن كل مالا يكفي فيه الذات فلا يستلزم وجوده في الأزل ألا يوجد إلا بشريك مع الله ليس من مخلوقاته، ومعلوم أن هذا خلاف إجماع أهل الإيمان، بل خلاف إجماعه جماهير العقلاء، وهو خلاف المعقول الصريح أيضًا، فإن ذلك الشريك المقدر إن كان واجب الوجود بنفسه إلهًا آخر لزم إثبات خالق قديم مع الله مشارك له في فعله لا يفعل إلا به، وهذا مع أنه لم يقل به أحد من بني آدم، فهو باطل في نفسه، لأنه يستلزم افتقار كل من الفاعلين إلى الآخر، فإن التقدير في هذا المشترك هو أن أحدهما لا يستقل به، بل يحتاج إلى معاونة الآخر، وما احتاج إلى معاونة الآخر كان فقيرًا إلى غيره ليس بغني، وكان عاجزًا ليس بقادر، فإن كان هذا دليلًا على انتفاء الوجوب بطل دليلك، وإن لم يكن دليلًا بطل دليلك أيضًا، فإنه مبني عليه، وإن كان ذلك الشريك المقدر ليس واجب الوجود بنفسه فهو ممكن لا يوجد إلا بالواجب نفسه، فلزم أن يكو من مفعولاته.\nالجواب الخامس: أن يقال قول المحتج: (كل ما يفرض له فإما أن تكون ذاته كافية في ثبوت حصوله أو لا تكفي في","vol":"2","page":228},{"text":"حصوله، وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل) كلام باطل، وذلك أنه يقال: لا نسلم أن مالا يكون مجرد الذات كافية في ثبوته أو انتفائه يفتقر فيه إلى سبب منفصل، وإنما يلزم ذلك أن لو لم تكن الذات قادرة على ما يتصل بها من الأفعال، فإذا كانت قادرة على ذلك أمكن أن يكون ما يتجدد له من الثبوت موقوفًا على ما يقوم بها من مقدوراتها، فليس مجرد الذات مقتضية لذلك، ولا افتقرات إلى سبب منفصل، وذلك أن لفظ (الذات) فيه إجمال واشتباه، وبسبب الإجمال في ذلك وقعت شبهة في مسائل الصفات والأفعال؟، فإنه يقال له: ما تريد بذاته؟ أتريد به الذات المجردة عما يقوم بها من مقدوراتها ومرادتها؟ أم تعني به الذات القادرة على ما تريده مما يقوم لها ومما لا يقوم بها؟\nفإن أرادت به الأول كان التلازم صحيحًا، فإنه إذا قدر ذات لا يقوم بها شيء من ذلك، كان ما يثبت لها وما ينفي عنها إن لم تكن هي كافية فيه، وإلا افتقرت إلى سبب منفصل، لأنه لا يقوم بها ما تقدر عليه وتريده، لكن يقال: ثبوت التلازم ليس بحجة إن لم تكن الذات في نفس الأمر كذلك، وكون الذات في نفس الأمر كذلك هو رأس المسألة، ومحل النزاع، فلا يكون الدليل صحيحًا حتى يثبت المطلوب ولو ثبت المطلوب لم يحتج إلى الدليل، فتكون قد صادرت على","vol":"2","page":229},{"text":"المطلوب حيث جعلته مقدمة إثبات نفسه، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق أهل العارفين بذلك.\nوإن أردت بذات النوع الثاني لم يصح التلازم، فإنه إذا قدر ذات تقدر على أن تفعل الأفعال التي تختارها وتقوم بها، لم يلزم أن يكون ما يتجدد من تلك الأفعال موقوفًا على سبب منفصل، ولا يكون مجرد الذات بدون ما يتجدد من مقدورها ومرادها كافيًا في كل فرد من ذلك، بل قد يكون الفعل الثاني لا يوجد إلا بالأول، والأول بما قبله وهلم جرًا، فليس مجرد الذات بدون ما تجدده كافيًا في حصول المتأخرات، ولا هي مفتقرة في ذلك إلى أمور منفصلة عنها، فلفظ (الذات) قد يراد به الذات بما يقوم بها، وقد يراد به الذات المجردة عما يقوم بها.\nفإذا قيل (هل الذات كافية) إن أريد به الذات المجردة فتلك لا حقيقة لها في الخارج عند أهل الإثبات، وإذا قدرت تقديرًا فهي لا تكفي في إثبات ما يثبت لها، وإن أريد به الذات المنعوتة فإنه يقوم بها الأفعال الاختيارية، فمعلوم أن هذه الذات لا يجب أن يتوقف ما يتجدد لها من فعل ومفعول على سبب منفصل عنها، ونظير هذا قول نفاة الصفات: إن الصفات هل هي زائدة على الذات أو ليست زائدة؟","vol":"2","page":230},{"text":"فإنا قد بينا في غير هذا الموضع أن الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها، بل الصفات زائدة على ما يثبته النفاة من الذات، وأما الذات الموصوفة بصفاته القادرة على أفعالها فتلك مستلزمة لما يلزمها من الصفات، قادرة على ما تشاؤه من الأفعال، فهي لا تكون إلا موصوفة، لا يمكن أن تتجرد عن الصفات اللازمة لها، حتى يقال: هل هي زائدة عليها أو ليست زائدة عليها؟ بل هي داخلة في مسمى اسمها، والأفعال القائمة بها بقدرتها وإرادتها كذلك.\nفكما أنه مسمى بأسمائه الحسنى، منعوت بصفاته العلى، قبل خلق السماوات والأرض، وبعد إقامة القيامة، وفيما بين ذلك، لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الإكرام والجلال، فكذلك هو مسمى بأسمائه الحسنى منعوت بصفاته العلى، قبل هذه الأفعال وبعدها.\nوكان أن ذلك ثابت قبل حدوث المفعولات وبعدها، فهو ايضًا ثابت قبل حدوث الأفعال وبعدها، ومن آياته الشمس والقمر والكواكب، وما تستحقه هذه الأعيان من الأسماء والصفات هو ثابت لها قبل الحركات المعينة وبعدها، ولا يحتاج أن يقدر لها ذات مجردة عن النور وعن دوام الحركة، ثم زيد عليها النور ودوام الحركة، فالخالق سبحانه أولى بثبوت الكمال له وانتفاء النقص عنه، والمخلوقات","vol":"2","page":231},{"text":"إنما احتاجت فيما يحدث عنها إلى سبب منفصل لأنها هي في نفسها محتاجة إلى الفاعل المنفصل، فلا يوجد شيء من ذاته وصفاتها وأفعالها إلا بأمر منفصل عنها، وأما الخالق ﷾ فهو الغني عما سواه، فلا يفتقر في شيء من ذاته وصفاته وأفعاله إلى أمر منفصل الذي هو مفتقر إليه، فلا يحتاج فيما يجدده من أفعاله القائمة بنفسه التي يريدها ويقدر عليها إلى أمر مستغن عنه، كما لا يحتاج في مفعولاته المنفصلة عنه إلى ذلك وأولى، وإذا كان قد خلق من الأمور المنفصلة عنه ما جعله سببًا لأفعال تقوم بنفسه، كما يخلق الطاعات التي ترضيه، والتوبة التي يفرح بها، والدعاء الذي يجيب سائله، وأمثال ذلك من الأمور، فليس هو في شيء من ذلك مفتقرًا إلى ما سواه، بل هو سبحانه الخالق للجميع، وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، وهذا كما أن ما يفعله من المخلوقات بعضها ببعض، كإنزال المطر بالسحاب وإنبات النبات بالماء، لا يوجب افتقاره إلى الأسباب المنفصلة، إذ هو خالق هذا وهذا، وجاعل هذا سببًا لهذا، وقد بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع بما لا يليق بهذا المكان.\nالجواب السادس: أن يقال: قولهم إن لم يكن ذاته كافية في","vol":"2","page":232},{"text":"حصولها لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقضي إمكانه، فيكون الواجب ممكنًا تمنع فيه المقدمة الأولى التلازمية التي هي شرطية متصلة، وذلك أن الذات إن لم تكن كافية في حصولها، إنما يلزم افتقار ذلك الحادث إلى سبب منفصل، لا يلزم افتقار نفس الذات إلى سبب منفصل، فإن المحتج يقول: كل صفة تفرض فذاته كافيه في حصولها أو لا حصولها، لأنه لو لم يكن كذلك لزم افتقاره إلى سبب منفصل.\nفيقال له: بتقدير أن لا تكون الذات كافية في نفي تلك الصفة أو ثبوتها، يلزم أن يكون نفيها أن إثباته موقوفًا عل أمر غير الذات، وأما كون الذات تكون موقوفة على ذلك الغير، فهذا ليس بلازم من هذا التقدير، إلا أن يتبين أنه إذا كان شيء من الأمور التي توصف بها من السلب والإيجاب موقوفًا على الغير، وجب أن يكون هو نفسه موقوفًا على الغير، وهو لم يبين ذلك.\nومن المعلوم أن القائلين بهذا يقولون: إن ما يتجدد من الأمور القائمة به، فهو موقوف على مشيئته وقدرته، وذاته ليست موقوفة على مشيئته وقدرته، ويقولون: إنه يجوز أن يقف ذلك على ما يحدثه هو من الحوادث بمشيئته وقدرته، وهو في نفسه ليس موقوفًا على ما يحدثه من الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته، وليس في الوجود موجود سواه وسوى مخلوقاته حتى يقال إن تلك الأمور موقوفة عليه، بل غاية ما يمكن أن يقال إنها موقوفة على مشيئته وقدرته أو توابع مشيئته وقدرته.\nوأصحاب هذا القول يقولون ذلك، وتكون تلك الأمور موقوفة على ذلك، لا يقتضي أن يكون هو نفسه موقوفًا على ذلك، ولكن هذا المحتج إن لم","vol":"2","page":233},{"text":"يقرر مقدمات حجته لم تكم حجته صحيحة، وحجته مبنية على أنه لو لم تكف ذاته في حصول ما ينفي ويثبت للزم افتقاره إلى غيره، وإنما يلزم افتقار تلك المنفيات والمثبتات إلى ذلك الغير، فإن هذا بين، فإن لم يبن أن افتقار تلك الأمور إلى الغير مستلزم لافتقاره، وإلا لم تكن حجة صحيحة، لا سيما وتلك الأمور على هذا التقدير ليست من لوازم ذاته، فإنها لو كانت من لوازم ذاته كانت ذاته كافية فيها، ولوازم الذات متى افتقرت إلى الغير لزم افتقار الذات إلى الغير، فإن الملزوم لا يوجد إلا باللازم، واللازم لا يوجد إلا بذلك الغير، فالملزوم لا يوجد إلا بذلك الغير، ولكن ذلك الغير لا يجب أن يكون فاعلًا أو علة فاعلة، بل يجوز أن يكو شرطًا ملازمًا.\nوقد بين في غير هذا الموضع أن نفس ذات الواجب إذا قيل: هي ملازمة لصفاته الواجبة له، أو صفاته الواجبة له ملازمة لذاته، أو كل من الصفات الواجبة ملازم للأخرى، كان هذا حقًا وهو متضمن أن تحقيق كل من ذلك مشروط بتحقق الآخر.\nوأما كون الرب تعالى مفتقر إلى شيء مباين له غنى عنه، فهذا ممتنع، فإنه سبحانه الغني عن كل شيء، فإذا قدر أن بعض لوازمه توقف على ما هو مباين له لم يكن وجوده ثابتًا إلا بوجود ذلك المباين، وكان الله مفتقرًا إليه، والله غني عن كل شيء.\nوأما إذا لم يكن الأمر من لوازم ذاته، بل كان من الأمور العارضة، فلا ريب أن أهل الإيمان والسنة يقولون إن الله لا يفتقر في شيء من الأشياء إلى غيره،","vol":"2","page":234},{"text":"لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله، سواء قام بذاته أو لم يقم بذاته، ولكن هو بنفسه غني عن كل ماسواه، ولا يقال إنه نفسه غني عن نفسه، وليس في كونه مستلزمًا لصفاته وفاعلًا لأفعاله ما يقتضي افتقاره إلى غير نفسه، فإنه إذا كان وحده مستلزمًا لصفاته وفاعلًا لأفعاله ما يقتضي افتقاره إلى غير نفسه، فإنه إذا كان وحده مستلزمًا لصفاته، فاعلًا لجميع أفعاله، لم يكن شيء مما وجد بغيره، بل جميع ما وجد فلا يخرج من ذاته وصفاته وأفعاله، فلا يتصور أن يكون مفتقرًا إلى غير نفسه المقدسة ﷾.\nولكن المقصود أن هذا المحتج إذا قال له المعترض: ما المانع أن تكون هذه الأمور العارضة موقوفة على غير مع كون الحق واجب بذاته؟ لم يكن فيما ذكر حجة، بل ذكر أن تلك الأمور إذا لم تكن من لوازم ذاته بحيث تكون مجرد الذات كافيه فيها، وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل، واللازم إنما هو افتقار تلك الأمور إلى سبب منفصل، فإن بين أن ما يقوم بالواجب يمتنع أن يكون موقوفًا على سبب منفصل تمت حجته، وإلا فلا، ولا يمكن أن يقيم حجه إلا على أنه لا يقف على ما هو مستغن عن الواجب بنفسه، وهذا حق.\nوأما كونه لا يقف على ما هو مفتقر إلى الواجب فهذا لا يمكن إقامة الدلالة عليه.\nالوجه السابع: أن يقال: قولك بأن عواض ذاته لا يتوقف على الغير يستلزم أن عواض ذاته يتوقف على الغير، وإذا كان تقدير ثبوته مستلزمًا لانتفائه دل على أن تقدير ثبوته مستلزم لجمع بين النقيضين، فلا يكون ثابتًا، وإن شئت قلت: قولك لا تقوم به الحوادث مستلزم لقيام","vol":"2","page":235},{"text":"الحوادث به، فيلزم الجمع بين النقيضين، وإن شئت قلت: قولك لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته يستلزم نقيض ذلك فيكون باطلًا، وهذا يصلح أن يكون دليلًا مستقلًا في أول المسألة، وذلك لأن هذا العالم المشهود إما أن يكون واجبًا بذاته أو ممكنًا، فإن كان واجبًا بذاته فمن المعلوم قيام الحوادث به، فيلزم قيامها بالواجب بذاته.\nوأيضًا فمن المعلوم أن ما يقوم ببعض الأفلاك من الحوادث ليست ذاته كافيه له، بل هو موقوف على غيره، فيكون ما يقوم بالواجب بنفسه موقوفًا على غيره، وإن كان هذا العالم ممكنًا وهو الحق، فلا بد له من واجب، فذلك الواجب إما أن يكون علة تامة مستلزمة في الأزل لجميع معلولاته أو لا، والأول باطل لأنه لو كان كذلك لم يتأخر شيء من معلولاته.\nوالثاني يقتضي أنه فعل بعد أن لم يكن فعل، وذلك يقتضي تجدد فاعلية فأما أن يكون تجدد ذلك مستلزمًا لكون متجدداته توجب افتقار ذاته إلى غيره أو لا، فإن لم تكن بطلت الحجة، وإن استلزم ذلك ثبت افتقار ما يتجدد بذاته إلى غيره.\nفلو قيل: إن الواجب لا تقوم بذاته هذه الأمور للزم أن تقوم بذاته هذه الأمور، فيلزم الجمع بين النقيضين.\nوإن قيل: تجدد الفاعلية لا يستلزم قيام شيء به، بل تجددت من غير حدوث شيء أصلًا.\nقيل: فكذلك ما يتجدد من الأمور القائمة بذاته ممكن حينئذ تجدده من غير حدوث شيء اصلًا بطريق الأولى.\nوإن شئت أن تكون هذه معارضة ودليلًا في رأس المسألة، ونقول: ما يتجدد من مفعولاته هل يتقضي أفتقار ذاته","vol":"2","page":236},{"text":"إلى غيره أما لا؟ فإن قيل لا يقتضي، فكذلك ما يتجدد من أفعاله القائمة به وإلا فلا.\nوهذا لأن نفاة الأمور القائمة به منهم من يقول حدثت الحوادث المباينة له من غير تجدد شيء أصلًا، كما يقول ذلك من يقول من المعتزلة والكلابية وغيرهم، ومنهم من يقول: بل ما زالت الحوادث تحدث مع كونه مستلزمًا لجميع مفعولاته، كما تقول ذلك الدهرية الفلاسفة، والدهرية منهم من يقول: إن العالم واجب الوجود بنفسه، ومنهم من يقول: إن الأول علة غائية له، وكل من هذه الأقوال يلزمه من التناقض ما يبين به أنه لا يمكنه إبطال القول بقيام مراداته ومحبوابته بذاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>معارضة بعض المتكلمين للرازي</span>\nوقد عارض بعضهم الرازي فيما ذكره من أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف، فقال: المراد بالحادث: الموجود الذي وجد بعد العدم، ذاتًا كان أو صفة، أما ما لا يوصف بالوجود - كالأعدام المتجددة، والأحوال عند من يقول بها، والإضافات عند من لا يقول: إنها وجودية - فلا يصدق عليها اسم الحادث، وإن صدق عليها اسم المتجدد، فلا يلزم من تجدد الإضافات والأحوال في ذات الباري أن تكون محلًا للحوادث.","vol":"2","page":237},{"text":"قال: وما قاله الإمام - يعني الرازي - في هذا المقام إن أكثر العقلاء قالوا به وإن أنكروه باللسان، وبينه بصور، فليس كذلك، لأن أكثر ما ذكر من تلك الأمور فإنما هي متجددة لا محدثة، والمتجدد أعم من الحادث، فلا يلزم من وجود العام وجود الخاص\nقلت: ولقائل أن يقول: هذا ضعيف من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>الرد عليهم من وجوه الوجه الأول</span>\nأن الدليل الذي استدلوا به على نفي الحوادث ينفي المتجددات أيضًا كقولهم: إما أن يكون كمالًا أو نقصًا، وقولهم: لو حصل ذلك لزم التغير، وقولهم: إما أن تكون ذاته كافية فيه أو لا تكون، وقولهم: كونه قابلًا له في الأزل يستلزم إمكان ثبوته في الأزل، فإنه لا يمكن أن يحصل في الأزل لا متجدد ولا حادث، ولا يوصف الله بصفة نقص، سواء كان متجددًا أو حادثًا، وكذلك التغير لا فرق بين أن يكون بحادث أو متجدد، فإن قالوا: تجدد المتجددات ليس تغيرًا، قال أولئك: وحدوث الحركات الحادثة ليس تغيرًا، فإن قالوا: (بل هذا يسمى تغيرًا) منعوهم الفرق، وإن سلموه كان النزاع لفظيًا، وإذا كان استدلالهم ينفي القسمين لزم إما فساده وإما النقض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: تسمية هذا متجددًا وهذا حادثًا فرق","vol":"2","page":238},{"text":"لفظي، لا معنوي، ولا ريب أن أهل السنة والحديث لا يطلقون عليه ﷾ أنه محل للحوادث، ولا محل للأعراض، ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة التي يفهم منها معنى باطل، فإن الناس يفهمون من هذا أن يحدث في ذاته ما سمونه هم حادثًا كالعيوب والآفات، والله منزه عن ذلك ﷾، وإذا قيل: فلان ولي على الأحداث، أو تنازع أهل القبلة في أهل الأحداث، فالمراد بذلك: الأفعال المحرمة كالزنا والسرقة وشرب الخمر وقطع الطريق، والله أجل وأعظم من أن يخطر بقلوب المؤمنين قيام القبائح به، والمقصود أن تفرقة المفرق بين المتجدد والحادث أمر لفظي، لا معنى عقلي، ولو عكسه عاكس فسمى هذا متجددًا وهذا حادثًا لكان كلامه من جنس كلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الوجه الثالث</span>\nأن دعوى المدعي أن الجمهور إنما يلزمهم تجدد الإضافات والأحوال والأعدام، لا تجدد الحادث الذي وجد بعد العدم، ذاتًا كان أو صفة، دعوى ممنوعة لم يقم عليها دليلًا، بل الدليل يدل على أن أولئك الطوائف يلزمهم قيام أمور وجودية حادث بذاته، مثال ذلك ﷾ يسمع ويرى ما يخلقه من الأصوات والمرئيات.\nوقد أخبر القرآن بحدوث ذلك في مثل قوله: ﴿وقل اعملوا فسيرى","vol":"2","page":239},{"text":"الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ (التوبة: ١٠٥) وقوله تعالى: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ (يونس: ١٤) .\nوقد أخبر بسمعه ورؤيته في مواضع كثيرة، كقوله لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ (طه: ٤٦) وقوله: ﴿الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين﴾ (الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩) وقوله: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ (آل عمران: ١٨١) .\n﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله﴾ (المجادلة: ١) .\nوفي الصحيح «عن عائشة ﵂ قالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كانت المجادلة تشتكي إلى رسول الله ﷺ في جانب البيت، وإنه ليخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله﴾»، ومثل هذا كثير.\nفيقال لهؤلاء: أنتم معترفون وسائر العقلاء بما هو معلوم بصريح العقل أن المعدوم لا يرى موجودًا قبل وجوده، فإذا وجد فرآه موجودًا وسمع كلامه فهل حصل أمر وجودي لم يكن قبل، أو لم يحصل شيء؟","vol":"2","page":240},{"text":"فإن قيل: لم يحصل أمر وجودي، وكان قبل أن يخلق لا يراه، فيكون بعد خلقه لا يراه أيضًا، وإن قيل: حصل أمر وجودي، فذلك الوجودي إما أن يقوم بذات الرب، وإما أن يقوم بغيره، فإن قام بغيره لزم أن يكون غير الله هو الذي رآه، وإن قام بذاته علم أنه قام به رؤية ذلك الموجود الذي وجد، كما قال تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ (التوبة: ١٠٥)، وما سموه إضافات وأحوالًا وتعلقات وغير ذلك.\nيقال لهم: هذه أمور موجوده أو ليست موجودة؟ فإن لم تكن موجودة فلا فرق بين حاله قبل أن يرى ويسمع وبعد أن يرى ويسمع، فإن العدم المستمر لا يوجب كونه صار رائيًا سامعًا، وإن قلتم: بل هي أمور وجودية، فقد أقررتم بأن رؤية الشيء المعين لم تكن حاصلة، ثم صارت حاصلة بذاته، وهي أمر وجودي.\nوالمتفلسفة لا يقتصر في إلزامهم على تجدد الإضافات، بل يلزمون بكونه محدثًا للحوادث المتجددة شيئًا فشيئًا، والإحداث هو من مقولة أن يفعل، وأن يفعل: أحد المقولات العشر، وهي أمور وجودية.\nفيقال: كونه فاعلًا لهذه الحوادث المعينة بعد أن لم يكن فاعلًا لها، إما أن يكون أمرًا حادثًا وإما أن لا يكون حدث كونه فاعلًا، فإن لم يحدث كونه فاعلًا فحاله قبل أن يحدثها وبعد أن يحدثها واحد، وقد كان قبل أن يحدثها غير فاعل لها، فيلزم أن لا يحدث شيء، أو يحدث بلا","vol":"2","page":241},{"text":"محدث، وأنتم أنكرتم على المتكلمة الجهمية والمعتزلة أن قالوا: الذات تفعل بعد أن لم تكن فاعلة، بلا أمر تجدد، فكيف تقولون: هي دائمًا تفعل الحوادث شيئًا بعد شيء، من غير أن يحدث لها أمر؟\nوأيضًا فالفاعلية التامة لكل واحد من الحوادث إن كانت موجودة في الأزل قبل حدوثه لزم تأخر الفعل عن الفاعلية التامة، وهذا باطل، وذلك يبطل قولهم.\nوإن قالوا: بل الفاعلية التامة لكل حادث تحدث بعد أن لم تكن حادثة، فقد صارت الذات فاعلة لذلك الحادث بعد أن لم تكن فاعلة، وكونها فاعلة هي من مقولة أن يفعل، هي إحدى المقولات العشر التي هي الأجناس العالية، المسماة عندهم بقاطيغورياس، وهي كلها وجودية، فيلزم اتصاف الرب بقيام الأمور الوجودية به شيئًا بعد شيء، كما أختاره كثير من سلفهم وخلفهم.\nوهكذا يمكن تقرير كل ما ذكر الرازي من إلزام الطوائف شيئًا بعد شيء لمن تصور ذلك تصورًا تامًا، وكل من قال: (لم يحدث شيء موجود) فإنه يلزمه التناقض البين الذي لا ينازع فيه المنصف الذي يتصور ما يقول تصورًا تامًا.","vol":"2","page":242},{"text":"وقد اعتذر من اعتذر من الفلاسفة عما ألزمهم إياه من الإضافات بأن قالوا: الإضافات لا توجد إلا كذلك، فلا يتصور فيه الكمال قبلها، ولأنها تابعة لغيرها، فلا يثبت فيها الكمال، بل في متبوعها.\nقلت: ولقائل أن يقول: هذا بعينه يقوله المثبتون، فإن الكلام إنما هو في الحوادث المتعلقة بمشئيته وقدرته.\nومن المعلوم امتناع ثبوت الحوادث جميعها في الأزل: فإذا قال القائل: (الإضافات لا توجد إلا حادثة) قيل له: والحوادث المعلقة بمشيئته وقدرته لا توجد لا حادثة.\nوأما قوله: (الإضافة تابعة لغيرها، فلا يثبت فيها الكمال) فعنه جوابان: أحدهما: أن الدليل لا يفرق بين التابع والمتبوع، فإن صح الفرق ظل الدليل، وإن لم يصح انتقض الدليل، فيبطل على التقديرين.\nالثاني: أن يقال: وهكذا ما يتعلق بمشيئته وتقدرته، هو تابع أيضًا، فلا يثبت فيه الكمال.\nيوضح ذلك: أنه سبحانه مستحق في أزله لصفات الكمال، لا وزر أن يكون شيء من الكمال الأزلي إلا وهو متصف به في أزله،","vol":"2","page":243},{"text":"كالحياة والعلم والقدرة وغير ذلك، وإنما الشأن فيما لا يمكن وجوده في الأزل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>طريقة الأئمة في مسألة القرآن</span>\nومما يبين لك أن الرازي وأمثاله كانوا يعتقدون ضعف هذه المسألة - مع فرط رغبتهم في إبطال قول الكرمية إذا أمكنهم - أنه لم يعتمد على ذلك في مسألة كلام الله تعالى في أجل كتبه نهاية العقول، ومسأل الكلام هي من أجل ما يبنى على هذا الأصل.\nوذلك أن الطريقة المعروفة التي سلكها الأشعري وأصحابه في مسألة القرآن، هم ومن وافقهم على هذا الأصل من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي الحسن التميمي والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم من أصحاب أحمد، وكأبي المعالي الجويني وأمثاله وأبي القاسم الرواسي وأبي سعيد المتولي وغيرهم من أصحاب الشافعي، والقاضي أبي الوليد الباجي وأبي بكر الطرطوشي والقاضي","vol":"2","page":244},{"text":"أبي بكر بن العربي وغيرهم من أصحاب مالك.\nوكأبي منصور الماتريدي وميمون النسفي وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة، أنهم قالوا: لو كان القرآن مخلوقًا للزم أن يخلقه: إما في ذاته، أو في محل غيره، أو أن يكون قائمًا بنفسه لا في ذاته ولا في محل آخر.\nوالأول: يستلزم أن يكون الله محلًا لحوادث، والثاني: يقتضي أن يكون الكلام كلام المحل الذي خلق فيه، فلا يكون ذلك الكلام كلام الله، كسائر الصفات إذا خلقها في محل، كالعلم والحياة والحركة واللون وغير ذلك، والثالث: يقتضي أن تقوم الصفة بنفسها، وهذا ممتنع.\nفهذه الطريقة هي عمدة هؤلاء في مسألة القرآن.\nوقد سبقهم عبد العزيز المكي صاحب الحيدة المشهورة إلى هذا التقسيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>قول عبد العزيز الكناني في مسألة القرآن وصفات الله والتعليق عليه</span>\nوقد يظن الظان أن كلامهم هو كلامه بعينه، وأنه كان يقول بقولهم، وأن الله لا يقوم بذاته ما يتعلق بقدرته ومشيئته، وأن قوله من جنس قول ابن كلاب.\nوليس الأمر كذلك، فإن عبد العزيز - هذا - له في الرد على الجهمية وغيرهم من الكلام ما لا يعرف فيه خروج عن مذهب السلف وأهل الحديث.","vol":"2","page":245},{"text":"وذلك أنه قال بعد أن ذكر جوابه لبشر فيما احتج به بشر من النصوص مثل قوله تعالى ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ [الزخرف: ٣]، قال: (فقال بشر: يا أمير المؤمنين عندي أشياء كثيرة، إلا أنه يقول بنص التنزيل، وأنا أقول بالنظر والقياس، فليدع ما مطالبتي بنص التنزيل، ويناظرني بغيره؟، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقول بقولي ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال) .\nوذكر عبد العزيز أنه طلب من بشر أن يناظره على وجه النظر والقياس ويدع مطالبته بنص التنزيل - إلى أن قال: (فقال عبد العزيز: يا بشر، تسألني أم أسألك؟ فقال بشر:","vol":"2","page":246},{"text":"سل أنت، وطمع في، وجميع أصحابه! وتوهموا أني إذا خرجت عن نص التنزيل لم أحسن أن أتكلم بشيء غيره) .\nقال عبد العزيز: (فقلت: يا بشر، تقول: إن كلام الله مخلوق؟ قال: أقول: إن كلام الله مخلوق) قال: (فقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها: أن تقول: إن الله خلق القرآن - وهو عندي أناكلامه - في نفسه، أو خلقه قائمًا بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره، فقل ما عندك، قال بشر: أقول: إنه مخلوق، وإنه خلقه كما خلق الأشياء كلها.\nقال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، تركنا القرآن ونص التنزيل والسنن والأخبار عند هربه منها وذكر أنه يقيم الحجة، وأنا أقول معه بخلق القرأن، فقد رجع بشر إلى الحيدة عن الجواب، وانقطع عن الكلام، فإن كان يريد أن يناظرني على أنه يجيبني عما أسأله عنه، وإلا فأمير المؤمنين أعلى عينًا في صرفي، فإنما يريد بشر أن يقع","vol":"2","page":247},{"text":"معه من لا يفهم، فيخدعه عن دينه، ويحتج عليه بما لا يعقله، فتظهر حجته عليه، فيبيح دمه.\nقال: فأقبل عليه المأمون فقال: أجب عبد العزيز عما سألك عنه، فقد ترك قوله ومذهبه وناظرك على مذهبك وما ادعيت أنك تحسنه وتقيم الحجة به عليه، فقال بشر: قد أجبته، ولكنه يتعنت، فقال المأمون: يأبى عليك عبد العزيز إلا أن تقول واحدة من ثلاث، فقال: هذا أشد طلبًا من مطالبته بنص التنزيل، ما عندي غير ما أجبته به.\nقال: فأقبل على المأمون فقال: يا عبد العزيز، تكلم أنت في شرح هذه المسألة وبيانها ودع بشرًا فقد انقطع عن الجواب من كل جهة.\nفقلت: نعم، سألته عن كلام الله تعالى: أمخلوق هو؟ قال: نعم، فقلت له ما يلزمه في هذا القول، وهو واحدة من ثلاث لا بد منها: أن يقول إن الله خلق كلامه في نفسه، أو خلقه في غيره، أو خلقه قائمًا بذاته ونفسه، فإن قال (إن الله خلق كلامه في نفسه) فهذا محال لا يجد سبيلًا إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول، لأن الله لا يكون مكانًا للحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصًا فيزيد فيه شيء إذا خلقه، تعالى الله عن ذلك ﷿ وتعظم!","vol":"2","page":248},{"text":"وإن قال: (خلقه الله في غيره) فيلزمه في النظر والقياس أن كل كلام خلقه في غيره هو كلام الله ﷿، لا يقدر أن يفرق بينهما، فيجعل كلامه كلامًا لله، ويجعل قول الكفر والفحش وكل قول ذمه الله وذمه قائله: كلامًا لله ﷿، وهذا محال لا يجد السبيل إليه ولا إلى القول به، لظهور الشناعة والفضيحة والكفر على قائله، تعالى الله عن ذلك!\nوإن قال:\n(خلقه قائمًا بنفسه وذاته) فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد إلى القول به سبيلًا في قياس ولا نظر ولا معقول، لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا القدرة إلا من قدير، ولا يرى ولا رئي كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته.\nوهذا مما لا يعقل ولا يعرف، ولا يثبت في نظر ولا قياس ولا غير ذلك، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقًا علم أنه صفة لله، وصفات الله كلها غير مخلوقة، فبطل قول بشر.\nفقال المأمون: أحسنت يا عبد العزيز، فقال بشر: سل عن غير هذه المسألة فلعله يخرج من بيننا شيء.\nفقلت: أنا أدع هذه المسألة وأسأل عن غيرها، قال: سل،","vol":"2","page":249},{"text":"قال عبد العزيز: فقلت لبشر: ألست تقول: إن الله كان ولا شيء، وكان ولما يفعل شيئًا ولما يخلق شيئًا؟ قال: بلى.\nفقلت: فبأي شيء حدثت الأشياء بعد أن لم تكن شيئًا؟ أهي أحدثت نفسها أم الله أحدثها؟ فقال: الله أحدثها، فقلت له: فبأي شيء حدثت الأشياء إذ أحدثها الله؟ قال: أحدثها بقدرته التي لم تزل.\nقلت له: إنه أحدثها بقدرته كما ذكرت، أفليس تقول: إنه لم يزل قادرًا؟ قال: بلى.\nقلت له: فتقول: إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا أقول هذا.\nقلت له: فلا بد أن يلزمك أن تقول: أنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة، لأن القدرة صفة لله.\nولا يقال لصفة الله هي الله ولا هي غير الله، فقال بشر: ويلزمك أنت أيضًا أن تقول: إن الله لم يزل يفعل ويخلق، وإذا قلت ذلك فقد ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله.\nقال عبد العزيز: فقلت لبشر: ليس لك أن تحكم علي وتلزمني مالا يلزمني وتحكي عني ما لم أقل، إني لم أقل:","vol":"2","page":250},{"text":"(إنه لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل) ليلزمني ما قلت.\nوفي نسخة أخرى: (وإنما قلت إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق، لأن الفعل صفة الله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) قال بشر: أنا أقول إنه أحدث أشياء بقدرته، فقل ما شئت، فقال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء، وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئًا بقدرته، وقلت أنا: إنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته، فلم يخل يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله خلق بقول قاله، أو بإرادة أرادها، أو بقدرة قدرها، فبأي ذلك كان فقد ثبت أن ههنا إرادة ومريدًا ومرادًا، وقولًا وقائلًا ومقولًا له، وقدرة وقادرًا ومقدورًا عليه، وذلك كله متقدم قبل الخلق، وما كان قبل اللخق متقدمًا فليس هو من الخلق في شيء.\nفقد كسرت قول بشر بالكتاب والسنة واللغة العربية والنظر والمعقول) ثم ذكر حجة أخرى.\nوالمقصود هنا: أن عبد العزيز احتج بتقسيم حاصر معقول، فإن الله","vol":"2","page":251},{"text":"تعالى إذا خلق شيئًا فإما أن يخلقه في نفسه، أو في غيره، أو يخلقه قائمًا بنفسه، وقد أبطل الأقسام الثلاثة.\nولا ريب أن المعتزلة يقولون: إنه خلقه في غيره، فأبطل ذلك عبد العزيز بالحجة العقلية التي يتداولها أهل السنة، وهو أنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن القرآن كلام الله، فإن كان مخلوقًا في محل آخر غيره لزم أن يكون كل كلام مخلوق في محل كلام الله، لتماثلهما بالنسبة إلى الله، ويلزم أن يكون ما يخلقه تعالى من كلام الجلود والأيدي والأرجل كلام الله، فإذا قالوا: ﴿أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم﴾ (فصلت: ٢١)، كان الناطق هو المنطق، وبشر لم يكن من القدرية، بل كان ممن يقر بأن الله تعالى خالق أفعال العباد، فألزمه عبد العزيز أن يكون كلام كل مخلوق كلام الله، حتى قول الكفر والفحش، وهذا الإلزام صرح به حلولية الجهمية من الاتحادية ونحوهم كصاحب الفصوص والفتوحات المكية ونحوه، وقالوا:\nوكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه","vol":"2","page":252},{"text":"ولهذا قال من قال من السلف: من قال: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا﴾ (طه: ١٤) مخلوق، فقد جعل كلام الله بمنزلة قول فرعون، الذي قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (النازعات: ٢٤) لأن عنده هذا الكلام خلقه الله في الشجرة، وذلك خلقه في فرعون، فإذا كان هذا كلام الله كان هذا كلام الله.\nكما قال سليمان بن داود الهاشمي - أحد أئمة الإسلام نظير الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي بكر بن أبي شيبة وأمثالهم - قال: (من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقًا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ من هذا؟ وكلاهما عنده مخلوق، فأخبر بذلك أبو عبيد، فاستحسنه وأعجبه، ذكر ذلك البخاري في كتاب خلق أفعال العباد.\nوكذلك ذكر نظير هذا عبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس ويحيى بن سعيد القطان، وهذا مبني على أن الله خالق أفعال العباد، فإذا كان قد خلق في محل: (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني) وخلق في محل: (أنا ربكم الأعلى) كان ذلك المحل الذي خلق فيه ذلك الكلام أولى بالعقاب من فرعون، وإذا كان ذلك كلام الله كان كلام فرعون كلام الله.","vol":"2","page":253},{"text":"وأما كونه خلقه قائمًا بنفسه فهو ظاهر البطلان أيضًا، لأن الصفات لا تقوم بنفسها، ولكن الجهمية تقول: خلق علمًا لا في محل، والبصريون من المعتزلة يقولون: خلق إرادة وقدرة لا في محل، وطائفة منهم يقولون: خلق بخلق بعد خلق لا في محل، وهذه المقالات ونحوها مما يعلم فساده بصريح العقل.\nوأما القسم الأول - وهو كونه سبحانه خلقه في نفسه - فأبطله عبد العزيز أيضًا لكن ما في نفس الله تعالى يحتمل نوعين:\nأحدهما: أن يقال: أحدث في نفسه بقدرته كلامًا بعد أن لم يكن متكلمًا.\nوهذا قول الكرامية وغيرهم ممن يقولون: كلام الله حادث ومحدث في ذات الله تعالى، وأن الله تكلم بعد أن لم يكن يتكلم أصلًا، وأن الله يمتنع ان يقال في حقه: ما زال متكلمًا، وهذا مما أنكره الإمام أحمد وغيره.\nوالثاني: أن يقال: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء كما قاله الأئمة، وكل من هاتين الطائفتين لا تقول: (إن ما في نفس الله مخلوق) بل المخلوق عندهم لا يكون إلا منفصلًا عن نفس الله تعالى، وما قام به من أفعاله وصفاته فليس بمخلوق.\nولا ريب أن بشرًا وغيره من القائلين بخلق القرآن كانوا يقولون: إنه خلق منفصلًا عنه كما خلق غيره من المخلوقات، فأما نفس خلق الرب","vol":"2","page":254},{"text":"عند من يقول الخلق غير المخلوق - وهم الأكثرون - فلا يقولون: إن الخلق مخلوق.\nومن قال بتجدد ما يقوم به من الأفعال أو الإرادات أو الإدراكات لم يقل: إن ذلك مخلوق، فإنه إذا كان ثم خلق وخالق ومخلوق لم يكن الخلق داخلا في المخلوق.\nولهذا كان من يقول: (إن كلام الله قائم بذاته) متفقين على أن كلام الله غير مخلوق، ثم هم بعد هذا متنازعون على عدة أقوال: هل يقال: إنه معنى واحد أو خمسة معان لم تزل قديمة، كما يقوله ابن كلاب والأشعري؟\nأو أنه حروف وأصوات قديمة أزلية لم تزل قديمة، كما يذكره عن ابن سالم وطائفة.\nأو يقال: بل هو حروف وأصوات حادثة في ذاته بعد أن لم يكن متكلمًا، كما يقوله ابن كرام وطائفة.\nأو يقال: إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، وإنه إذا شاء تكلم بصوت يسمع وتكلم بالحروف، كما يذكر ذلك عن أهل الحديث والأئمة؟\nوالمقصود هنا أن ما قام بذاته لا يسميه أحد منهم مخلوقًا، سواء كان حادثًا أو قديمًا.\nوبهذا يظهر احتجاج عبد العزيز على بشر، فإن بشرًا من أئمة الجهمية نفاة الصفات، وعنده لم يقم بذات الله تعالى صفة لا فعل","vol":"2","page":255},{"text":"ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة بل ما ثم عنده إلا الذات المجردة عن الصفات والمخلوقات المنفصلة عنها، كما تقول ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم، فاحتج عليه عبد العزيز بحجتين عقليتين:\nإحداهما: أنه إذا كان كلام الله مخلوقًا ولم يخلقه في غيره ولا خلقه قائمًا بنفسه: لزم أن يكون مخلوقًا في نفس الله، وهذا باطل.\nالثانية: إن المخلوقات المنفصلة عن الله خلقها الله بما ليس من المخلوقات: إما القدرة - كما أقر به بشر - وإما فعله وأمره وإرادته - كما قاله عبد العزيز - وعلى التقديرين: ثبت أنه كان قبل المخلوقات من الصفات ما ليس بمخلوق، فبطل أصل قول بشر والجهمية: إنه ليس لله صفة، وإن كل ماسوى الذات المجردة فهو مخلوق.\nوتبين أن الذات يقوم بها معان ليست مخلوقة.\nوهذا حجة مثبتة الصفات القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق على من نفى الصفات وقال بخلق القرآن، فإن كل من نفى الصفات لزمه القول بخلق القرآن.\nيبقى كلام أهل الإثبات فيما يقوم بذاته: هل يجوز أن يتعلق شيء منه بمشيئته وقدرته أم لا؟ وهل عبد العزيز ممن يجوز ان يقوم بذاته ما يتعلق بمشئيته وقدرته، أو ممن يقول: لا يكون المراد المقدور إلا منفصلًا عنه مخلوقًا؟ ويجعل المقدور هو المخلوق، وهما في الأصل قولان معروفان ذكرهما الحارث المحاسبي وغيره عن أهل السنة حسبما تقدم إيراده.\nوهذا القول الثاني هو قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما من","vol":"2","page":256},{"text":"أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم.\nوالقول الأول: هو قول أئمة أهل الحديث والهشامية والكرامية وطوائف من أهل الكلام من المرجئة.\nكأبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهم ومن وافق هؤلاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم.\nفقد يقول القائل: إن عبد العزيز موافق لابن كلاب، لأنه قال: إن الله لا يكون مكانًا للحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصًا فيزيد فيه شيء إذا خلقه، لكن إذا تدبر المتدبر سائر كلام عبد العزيز وجده من أهل القول الأول: قول أهل الحديث، لأنه قال بعد هذا لبشر: بأي شيء حدثت الأشياء؟ قال: أحدثها الله بقدرته التي لم تزل، قال عبد العزيز: فقلت له: إنه قد أحدثها بقدرته كما ذكرت، أفلست تقول: إنه لم يزل قادرًا؟ قال: بلى، فقلت له: فتقول إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا أقول هذا، قلت: فلا بد أن يلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان بلا قدرة، لأن القدرة صفة.\nوقال","vol":"2","page":257},{"text":"عبد العزيز بعد هذا: لم أقل لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل، وإنما الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع.\nوقد أثبت عبد العزيز فعلًا مقدورًا لله هوصفة له ليس من المخلوقات، وأنه به خلق المخلوقات، وهذا صريح في أنه يجعل الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، وأن الفعل صفة لله، مقدور لله، إذا شاء، ولا يمنعه منه مانع، وهذا خلاف قول الأشعري ومن وافقه.\nيبقى أن يقال: هذا الخلق - الذي يسمى التكوين - من الناس من يجعله قديمًا، ومنهم من يجعله مقدورًا مرادًا، وعبد العزيز صرح بأن الفعل الذي به يخلق الخلق مقدور له، وهذا تصرح بأنه يقوم بذات الله عنده ما يتعلق بقدرته، وما كان موجودًا مقدورًا لله فهو مراد له بالضرورة واتفاق الناس.\nوأيضًا فإنه قال: قد أقر بشر أن الله أحدث الأشياء بقدرته، وقلت أنا: إنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته، فقد صرح بأن القول يكون عن قدرته، فجعل قول الله مقدرورًا له مع أنه صفة له عنده.\nوهذا قول من يقول: إنه يقدر على التكلم، وإنه بمشيئته وقدرته، وليس هو قول من يقول: إن القول لازم له، لا يتعلق بقدرته ومشيئته.","vol":"2","page":258},{"text":"فتبين أن عبد العزيز الكناني يثبت أنه يقوم بذات الله تعالى ما يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يجعل كل واحد من ذلك قديمًا، وإن كان النوع قد يكون قديمًا، لأن بشرًا لما قال له: أحدثها بقدرته التي لم تزل، قال له: أفليس تقول: لم يزل قادرًا؟ قال: بلى، قال: فتقول إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا، قال: فلا بد أن يلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة.\nوهذا لأنه إذا كان لم يزل قادرًا ولا مخلوقًا ثم وجد مخلوق، لم يكن قد وجد بقدرة بلا فعل، فإنه لو كان مجرد القدرة كافيًا في وجوده بلا فعل للزم مقارنة المخلوق للقدرة القديمة.\nوهذا المقام هو المقام المعروف، وهو أنه: هل يمكن وجود الحوادث بلا سبب حادث أم لا؟ فإن جمهور العقلاء يقولون: إن انتفاء هذا معلوم بالضرورة، وإن ذلك يقتضي الترجيح بلا مرجح، وهذا هو الذي ذكره عبد العزيز، بخلاف قول من يقول: إن نفس القادر يرجح أحد طرفي مقدروه بلا مرجح، كما يقوله أكثر المعتزلة والجهمية، أو بمجرد إرادة قديمة كما تقوله الكلابية والكرامية فإن هذا هو الذي ذكره بشر.","vol":"2","page":259},{"text":"يبقى هنا السؤال على عبد العزيز، هو الذي ألزمه إياه بشر، حيث قال له: وأنت أيضًا يلزمك أن تقول: لم يزل يفعل ويخلق، وإذا كان كذلك ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله، لأن الحادث إن لم يفتقر إلى سبب حادث كفت القدرة القديمة، وإن افتقر إلى سبب حادث فالقول في حدوث ذلك السبب كالقول في الذي حدث به، فيلزم تسلسل الحوادث، فيلزمك أنه لم يزل يفعل ويخلق، فيكون المخلوق معه، فأجابه عبد العزيز بأني لم أقل (لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل، ليلزمني ما قلت، وإنما الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) وفي النسخة الأخرى: (وإنما قلت: لم يزل الخالق سيخلق، والفاعل سيفعل، لأن الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) .\nومضمون كلامه: أنني لم أقل إن الله لم يزل يخلق الأشياء المنفصلة ويفعلها، ولا يلزمني هذا كما لزمك، لأنك جعلت المخلوقات تحصل بالقدرة القديمة من غير فعل من القادر يقوم به، فإذا لم تتوقف المخلوقات على غير القدرة، والقدرة قديمة، لزم وجود المخلوقات معها، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، والحدوث بلا سبب، لأن القدرة دائمة أزلًا","vol":"2","page":260},{"text":"وأبدًا، ووجود المخلوقات ممكن، والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح، وعند وجود المرجح التام يجب وجوده، لأنه لو لم يجب لكان قابلا للوجود والعدم، فيبقى ممكنًا كما كان، فلا يترجح إلا بمرجح تام.\nفتبين أن وجود القدرة التي يمكن معها وجود المخلوقات لا يوجد المخلوق مع مجردها، بل لا بد من أمر آخر يفعله الرب.\nقال عبد العزيز: وهذا الفعل صفة لله، ليس من المخلوقات المنفصلة عنه، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، فأما قول القائل: (إن ذلك الفعل الذي لم يكن ثم كان بالقدرة وهو صفة) فإنه يسأل عن سبب حدوثه، كما يسأل عن سبب حدوث المخلوق به.\nفيجيب عنه عبد العزيز بأجوبة.\nأحدها: الجواب المركب وهو أن يقول: تسلسل الآثار الحادثة إما أن يكون ممكنًا وإما أن يكون ممتنعًا، فإن كان ممكنًا فلا محذور في التزامه، وإن كان ممتنعًا لم يلزمني ذلك، ولا يلزم من بطلان التسلسل بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق إلا به، فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل، والمخلوق لا يكون إلا بخلق، قبل العلم بجواز التسلسل أو بطلانه، ولهذا كان كثير من الطوائف يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، فيثبتون لك مع إبطال التسلسل، مثل كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ومن الصوفية","vol":"2","page":261},{"text":"وأهل الحديث والكلام من الكرامية والمرجئة والشيعة وغيرهم، وهؤلاء منهم من يقول: الفعل الذي هو التكوين قديم، والمكون المنفصل حادث، كما يقولون مثل ذلك في الإرادة، ومنهم من يقول: بل ذلك حادث الجنس بعد أن لم يكن، وكلا الفرقين لا يقولون: إن ذلك مخلوق، بل يقولون: إن المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة.\nالجواب الثاني: أن يقول: ما ذكرته من التسلسل لازم لكل من قال: إن جنس الحوادث يكون بعد أن لم يكن، فهو لازم لك ولي إذا قلت بهذا، فلا أختص بجوابه، وأما وجود المفعول بدون فعل: فهذا لازم لك وحدك، وهو الذي احتججت به عليك، فحجتي عليك ثابتة تبطل قولك دون قولي.\nوالإلزام الذي ذكرته أنت مشترك بيني وبينك، فلا يخصني جوابه.\nالجواب الثالث: أن يقول: أنا قلت: الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه، وإنما يجب أن يكون المخلوق معه في الأزل إذا ثبت أن الفعل يستلزم فعلًا قبله، وأن الفعل اللازم يستلزم ثبوت الفعل المتعدي إلى المخلوق، فإن ذك يستلزم ثبوت غير المخلوق.\nوكل هذه المقدمات فيها ممانعات ومعارضات، وتحتاج إلى حجج لم","vol":"2","page":262},{"text":"يذكر المريسي منها شيئًا، وعبد العزيز لم يلتزم شيئًا من ذلك، وإنما التزم أن الفعل صفة لله تعالى، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، وحجته يحصل بها المقصود.\nوقوله في النسخة الأخرى - إن صح عنه: (إنما قلت لم يزل الفاعل سيفعل، والخالق سيخلق) قد نفى فيه ان يكون نفس الفعل قديمًا، فضلًا عن أن يكون المفعول قديمًا.\nوقوله: (إن الفعل صفة لله، والله يقدر عليه، لا يمنعه منه مانع) يمنع قدم عين الفعل، لا يمنع قدم نوعه، إلا أن يثبت امتناع تسلسل الآثار، وليس في كلامه تعرض لنفي ذلك ولا إثباته.\nوقوله: (لم يزل سيفعل) إن صح عنه يحتمل معنيين: أحدهما: أنه لم يزل موصوفًا بأنه سيفعل ما يفعله من جميع المفعولات أعيانها وأنواعها، كما يقوله من يقول بحدوث نوع الفعل القائم به كما يقوله من يقول بحدوث أنواع المنفصلات عنه.\nوالثاني: أنه لم يزل الفاعل سيفعل شيئًا بعد شيء، فهو متقدم على كل واحد واحد من أعيان المفعولات.\nفعلى الأول يمتنع أن يكون شيء من أنواعها أو أعيانها قديمًا، وعلى","vol":"2","page":263},{"text":"الثاني لا يمتنع تقدم النأواع، بل قد يمتنع تقدم أعيان المخلوقات، فلا يكون شيء من المخلوقات مع الله في الأزل على التقديرين.\nوجماع ذلك: أن الذي ألزمه عبد العزيز للمريسي لازم له، مبطل لقوله بلا ريب، وعليه جمهور الناس، فإن جماهير الناس يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، وهذا قو ل جماهير الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجماهير الصوفية وجماهير أهل الحديث، بل كلهم، وكثير من أهل الكلام والفلسفة أو جماهيرهم، فهو قول أكثر المرجئة من الكرامية وغيرهم، وأكثر الشيعة، وكثير من المعتزلة والكلابية، وكثير من الفلاسفة، ولأصحاب مالك والشافعي واحمد في ذلك قولان، فالذي عليه أئمتهم: أن الخلق غير المخلوق، وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وقول جمهور أصحاب أحمد، وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة، وهو قول كثير من الكلابية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>قول عبد العزيز الكناني في مسألة القرآن وصفات الله والتعليق عليه</span>\nوأما قوله: (إنه قادر على الفعل لا يمنعه منه مانع) فكلامه يقتضي أنه لم يزل قادرًا على الفعل لا يمنعه منه مانع، وهذا الذي قاله هو الذي عليه جماهير الناس، ولهذا أنكروا على من قال: لم يكن قادرا على الفعل في الأزل.\nوكان من يبغض الأشعري ينسب إليه هذا، لتنفر عنه قلوب الناس، وأراد أبو محمد الجويني وغيره تبرئته من هذا القول، كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع.","vol":"2","page":264},{"text":"وإذا كان لم يزل قادرًا على الفعل كان هذا صفة كمال، فلهذا قال عبد العزيز: (لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع) وقد خلق المخلوقات بفعله فوجدت بالفعل الذي هو الخلق، والفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى، والقدرة على خلق المخلوق هي القدرة عليه.\nكما قال تعالى: ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى﴾ (يس: ٨١)، وقوله تعالى: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ (القيامة: ٤٠)، وقوله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ (الأنعام: ٦٥) الآية، ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الأفعال المتناولة للمفعولات، وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق، ولا أن نفس خلقه للسماوات والأرض هو السماوات والأرض، والقدرة التي تزل ثم وجدت المخلوقات بدون فعل اصلًا.\nفيقول له المريسي: فذلك الفعل الذي هو صفته وهو يقدر عليه لا يمنعه منه مانع، إن كان قديمًا كان كالقدرة، وكان السؤال علي كالسؤال عليك، وإن كان حادثًا من غير تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب حدوث تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب حدوث المخلوق بالقدرة التي لم تزل، وإن كان ذلك الفعل كان بفعل آخر وتسلسل","vol":"2","page":265},{"text":"الأمر: لزم تسلسل الأفعال، ولزم أن يكون الفاعل لم يزل يفعل، والخالق لم يزل يخلق.\nفيقول له عبد العزيز: لم أقل إنه قديم، بل قلت: إنه صفة، والله قادر عليه، لا يمنعه منه مانع، وماكان مقدورًا له لا يمنعه منه مانع لم يجب أن يكون قديمًا معه، بل إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله.\nوأماسؤالك عن سبب حدوثه فهنا لأهل الإثبات جوابان:\nأحدهما: - وهو جواب الكرامية ومن وافقهم - أن إثبات الفعل للمفعول والخلق للمخلوق لا بد منه، فإنا نعقل أن القادر على الفعل قبل أن يفعله ليس له فعل، فإذا فعله كان هناك فعل به فعل المفعول، وخلق به خلق المخلوق، ونحن مقصودنا إثبات فعل وصفة لله تقوم به مغاير مخلوقاته، وكلامه من هذا الباب، ونحن لم نورد عليكم التسلسل، فإن ذلك باطل على قولنا وقولكم جميعًا.\nالجواب الثاني: أن يقول من يجيب به: لا يمتنع أن يكون قبل الفعل المعين ما هو أيضًا فعل فعله الله بقدرته، ولا يضرني التسلسل، فإن ذلك جائز ممكن، فإن هذا تسلسل في الأفعال والآثار والشروط، وهذا ليس بممتنع.\nفعلى الجواب الأول: يظهر قوله: (إنما قلت لم يزل الخالق سيخلق وسيفعل، ولم أقل لم يزل يخلق ويفعل) .","vol":"2","page":266},{"text":"وأما على الجواب الثاني: (فإذا قال: لم يزل يخلق ويفعل، بل أقول: إنه لم يزل سيخلق وسيفعل، فنقرره بوجهين:\nأحدهما: أن الفعل لا يستلزم وجود مخلوق، بل يكون الفعل قائمًا بنفسه بعد فعل قائم بنفسه، وهلم جرًا من غير وجود مخلوق منفصل عنه.\nالثاني: أنه لو قدر تسلسل المفعولات كتسلسل الأفعال فما من مفعول ولا فعل إلا وهو حادث كائن بعد أن لم يكن، فليس مع الله في الأزل شيء من المفعولات ولا الأفعال، إذ كان كل منهما حادثًا بعد أن لم يكن، والحادث بعد أن لم يكن لا يكون مقارنًا للقديم الذي لم يزل، وإذا قيل: (إن نوع الأفعال أو المفعولات لم يزل) فنوع الحوادث لا يوجد مجتمعًا، لا يوجد إلا متعاقبًا، فإذا قيل: (لم يزل الفاعل يفعل، والخالق يخلق) - والفعل لا يكون إلا معينًا، والخلق والمخلوق لا يكون إلا معينًا - فقد يفهم أن الخالق للسماوات والإنسان لم يزل يخلق السماوات والإنسان، والفاعل لذلك لم يزل يفعله، وليس كذلك، بل لم يزل الخالق لذلك سيخلقه، ولم يزل الفاعل لذلك سيفعله، فما من مخلوق من المخلوقات ولا فعل من الأفعال إلا والرب تعالى موصوف بأنه لم يزل سيفعله، ليس موصوفًا بأنه لم يزل فاعلًا له خالقًا له، بمعنى أنه موجود معه في الأزل، وإن قدر أنه كان قبل هذا الفعل فاعلًا لفعل آخر، وقبل هذا المخلوق خالقًا لمخلوق آخر، فهو لم يزل بالنسبة إلى كل","vol":"2","page":267},{"text":"فعل ومخلوق سيفعله وسيخلقه، لا يقال: لم يزل فاعلًا له خالقًا بمعنى مقارنته له.\nوإذا أريد أنه لم يزل فاعلًا للنوع، كان هذا بمعنى قولنا: (إنه لم يزل سيفعل ما يفعله) لكن هذه العبارة تفهم من الباطل ما لا تفهمه تلك العبارة.\nوهذا الموضع للناس فيه أقوال، فإن جمهور أهل السنة يقولون: لم يزل الله خالقًا فاعلًا، كما قال الإمام أحمد: لم يزل الله عالمًا متكلمًا غفورًا، بل يقولون: لم يزل يفعل، إما بناء على أن الفعل قديم وإن كان المفعول محدثًا، أوبناء على قيام الأفعال المتعاقبة بالفاعل.\nومذهب بشر وإخوانه الجهمية: أن المخلوقات كلها كائنة بدون فعل ولا خلق وكلام الله من جملتها، فألزمه عبد العزيز على أصله، فقال له: إذا قلت: كان الله ولما يفعل ولما يخلق شيئًا، وهو لم يزل قادرًا، ثم خلق المخلوقات، فأنت تقول: لم يزل قادرًا ولا تقول: لم يزل يفعل المخلوقات، فلا بد له من أن يكون هناك فعل حصل بالقدرة، وليس هو القدرة التي لم تزل ولا هو المخلوق المنفصل، إذ لو كان كذلك لكان المخلوق قد وجد من غير خلق، والمفعول قد وجد من غير فعل، وهذا أعظم امتناعًا في العقل من كونه وجد بغير قدرة، فإنه","vol":"2","page":268},{"text":"إذا عرض على العقل مفعول مخلوق حدث بعد أن لم يكن بلا فعل ولا خلق كان إنكار العقل لذلك أعظم من إنكاره لحدوثه من غير قدرة الفاعل، وإنكاره لحدوثه من غير فاعل أعظم امتناعًا في العقل من هذا وهذا، فإذا قيل: فعله الفاعل بلا قدرة، أنكره العقل، وإذا قيل: فعله بالقدرة التي لم تزل بدون فعل، كان إنكاره أعظم، وإذا قيل: حدث بلا فاعل، كان أعظم وأعظم، فإن الفاعل بلا فعل كالعالم بلا علم، والحي بلا حياة، والقادر بلا قدرة نحو ذلك وذلك نفي لجزء مدلول اللفظ الذي دل عليه بالتضمن، وأما نفي القدرة عن الفاعل فهو نفي لما دل عليه باللزوم العقلي.\nوإذا قال القائل: (بل يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا فعل ولا خلق غيره، لأنه لو كان بفعل للزم أن يكون للفعل فعل، ولزم التسلسل وأن يكون محلًا للحوادث) .\nقيل: فعلى هذا يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا قدرة من الفاعل، لأن ثبوت القدرة يستلزم ثبوت الصفات وقيام الأعراض به.\nفإذا قال: (الفعل بدون القدرة ممتنع، وليس في العقل ما يحيل لوازم القدرة، بل علمنا بامتناع الفعل بلا قدرة أعظم من علمنا بامتناع قيام الصفات به، وإن سماها المسمي أعراضًا) .","vol":"2","page":269},{"text":"قيل له: والمخلوق المفعول بلا فعل ولا خلق أعظم امتناعًا في العقل.\nوليس في العقل ما يحيل لوازم الفعل الذي كان بالقدرة، بل علمنا بامتناع ذلك أعظم من علمنا بامتناع قيام الأفعال به، وإن سماها المسمي حوادث.\nيبين ذلك: أن افتقار المخلوق إلى خلق والمفعول المنفصل إلى فعل يعلم باللزوم العقلي وبالقول السمعي، فإن (فاعل وخالق) مثل متكلم وقائل ومريد ومتحرك وغير ذلك من الأسماء التي تستلزم قيام معان بالمسميات.\nفلما ظهرت حجة عبد العزيز على المريسي في أنه لا بد من فعل للرب تعالى بقدرته، كما قال له: (يلزمك أن تقول إنه خلق بلا فعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة، لأن القدرة صفة لله، ولا يقال لصفة الله: هي الله، ولا يقال: إنه غير الله) ولم يقل عبد العزيز أنها ليست هي الله ولا غيره، بل قال: لا يقال إنها هي الله، ولا يقال إنها غيره.\nوقل عبد العزيز هذا هو قول أئمة السنة، كالإمام أحمد وغيره، وهو قول ابن كلاب وغيره من الأعيان.\nولكن طائفة من أصحاب","vol":"2","page":270},{"text":"أحمد مع طائفة من متكلمي الصفاتية أصحاب الأشعري يقولون: لا هي الله ولا غيره.\nوتلك العبارة هي الصواب، كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن لفظ (الغير) فيه إجمال، فلا يصح إطلاقه لا نفيًا ولا إثباتًا على الصفة، ولكن يصح نفي إطلاقه نفيًا أو إثباتًا، كما قال السلف مثل ذلك في لفظ (الجبر) ونحوه من الألفاظ المجملة: إنه لا يطلق لا نفيها ولا إثباتها، وإذا قيل: (لا يطلق لا هذا ولا هذا) لم يلزم إثبات قسم ثالث، لا هو الموصوف ولا غير الموصوف، بل يلزم إثبات مالا يطلق عليه لفظ الغير، لا ما ينفي عنه المغايرة.\nومقصود عبد العزيز: أن القدرة صفة لله، ليست هي الفعل الذي كان عن القدرة، فإنه يقول: لم يزل الله قادرًا، ولا يقول: لم يزل فاعلًا.\nفعارضه المريسي بأن هذا يلزمك أيضًا، فيلزمك أن تقول: لم يزل يفعل ويخلق.\nوإذا قلت ذلك فقد ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله.\nفقال له عبد العزيز: ليس لك أن تحكم علي وتلومني ما لا يلزمني، وتحكي عني ما لم أقل، وذلك لأن عبد العزيز لم يقل في هذا قولًا يحكى","vol":"2","page":271},{"text":"عنه، ولكن قال له: إما أن تلتزم أنت ما ألزمتني، وإلا التزمت أن تقول: إن المخلوق لم يزل مع الله.\nوهذا الذي قاله المريسي إنما يلزم عبد العزيز إذا أبطل كل قسم مما يمكن أن يقال في هذا المقام، وهو لم يفعل ذلك، ولا سبيل له إليه، بخلاف ما ألزمه إياه عبد العزيز، فإنه لازم له لامحالة، إذ كان قوله: (إن المخلوقات كلها - وكلام الله عنده من جملتها - حدثت بعد أن لم تكن من غير فعل فعله الله، بل بقدرته التي لم تزل) مع أن عبد العزيز قد بين فيما بعد أن ما أقر به المريسي يكفيه في الاحتجاج في مسألة القرآن، فإن المريسي أقر بأن الله خلقها بقدرته، فأثبت هنا معنى هو صفة لله تعالى ليس بمخلوق، فبطل أصل قوله الذي نفى به الصفات، وقال: إنا القرآن مخلوق، لكن عبد العزيز بين له ما يلزمه، وما أقر به، وأن الحجة تحصل بهذا وبهذا، وأما المريسي فعارضه بأن قال: يلزمك ما ألزمتني.\nوذلك مبني على مقدمات لم يذكر منها واحدة.\nأحدها: أن يقول: إذا كان أحدث الأشياء بفعله الكائن عن قدرته حصل المقصود من غير إثبات قديم مع الله تعالى، ولهذا قال له عبد العزيز: (إنما قلت: الفعل صف لله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) وفي نسخة أخرى زيادة على ذلك: (إنما قلت: إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق، لأن الفعل صفة لله) .","vol":"2","page":272},{"text":"وهذه الزيادة لم تتقدم في كلام عبد العزيز، فإما أن تكون ملحقة من بعض الناس في بعض النسخ، أو يكون معنى الكلام: إنما قولي هذا، وإنما قلت إني إنما اعتقدت والتزمت هذا، أو يكون المعنى: إنما أقول وأعتقد هذا.\nوالأشبه أن هذه الزيادة ليست من كلام عبد العزيز، فإنها لا تناسب ما ذكره من مناظرته المستقيمة، ولم يتقدم من عبد العزيز ذكر هذا الكلام ولا ما يدل عليه.\nبخلاف قوله: (إنما الفعل صفة لله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) فإن هذا كلام حسن صحيح، وهو لم يكن قد قاله، ولهذا لم يقل: إني قلت ذلك، ولكن قال: هذا هو الذي يجب أن يقال، وهو الذي يلزمني أن أقوله، لأني بينت أن المخلوق لا يكون إلا بفعل عن قدرة الله، والفعل قائم بالله، ليس هو مخلوقًا منفصلًا، وهذا مراده بقوله: (إنه صفة) لم يرد بذلك أن الفعل المعين لازم لذات الله تعالى، لأنه قد قال: (والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) .\nفحصل بذلك مقصود عبد العزيز من أنها فعلًا أحدث الله به المخلوقات عن قدرته، فأقام الحجة على أنه يقوم بالله تعالى أمر غير المخلوقات عن القدرة، واعترف له المريسي بالقدرة.","vol":"2","page":273},{"text":"فقد ثبت على كل تقدير أن قبل المخلوق شيئًا خارجًا عن المخلوق، سواء كان هو القدرة وحدها أو كان مع ذلك الفعل والقول والإرادة، وما كان متقدمًا قبل المخلوق فليس هو من المخلوق، فبطل قول المريسي: إن ما لا يسمى بالله فهو مخلوق، فإن هذه الأمور يقال: (إنها غير الله) وإذا قلنا: (الله الخالق وما سواه مخلوق) فقد دخل في مسمى اسمه صفاته، فإنها داخلة في مسمى اسمه.\nولما قال النبي صلى الله عيه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك» لم يكن الحلف بعزةالله ونحوه حلفًا بغير الله.\nولما حدثت الجهمية واعتقدوا أن القرآن خارج عن مسمى اسم الله تعالى، قال من قال من السلف: (الله الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق)، فاستثنوا القرآن مما سواه، لما أدخله من أدخله فيما سواه، ولفظ (ما سواه) هو كلفظ (الغير) وقد قلنا:","vol":"2","page":274},{"text":"إن القرآن وسائر الصفات لا يطلق عليه أنه هو، ولا يطلق عليه أنه غيره، فكذلك لا يطلق عليه أنه مما سواه، ولا أنه ليس مما سواه، لكن مع القرينة قد يدخل في هذا تارة وفي هذا تارة.\nفما كان بعض الناس قد يفهم أن القرآن هو مما سواه قال من قال من السلف (ماسواه مخلوق)، إلا القرآن، فإنه كلام الله غير مخلوق: منه بدأ، وإليه يعود) ومن لم يفهم دخول الكلام في لفظ (سواه) لم يحتج إلى هذا الاستثناء، بل قال: (الله الخالق وما سواه مخلوق.\nوالقرآن كلام الله غير مخلوق) لا يقول: (إلا القرآن) أي القرآن هو كلامه، وكلامه وفعله وعمله وسائر ما يقوم بذاته لا يكون مخلوقًا، وإنما المخلوق ما كان مبيانًا له، ولهذا قال السلف والأئمة، كأحمد وغيره: (القرآن كلام الله ليس ببائن منه) وقالوا: (كلام الله من الله) .\nوقال أحمد بن حنبل لرجل سألة فقال له: (ألست مخلوقًا؟ فقال: بلى، فقال: أو ليس كلامك منك؟ قال: بلى، قال: والله ليس بمخلوق، وكلامه منه) ومراده أن المخلوق: إذا كان كلامه صفةً","vol":"2","page":275},{"text":"له هو داخل في مسمى اسمه، وهو قائم به، فالخالق أولى أن يكون كلامه صفة له داخلة في مسمى اسمه، وهو قائم به، لأن الكلام صفة كمال، وعدمه صفة نقص، فالمتكلم أكمل ممن لا يتكلم.\nوالخالق أحق بكل كمال من غيره.\nوالسلف كثيرًا ما يقولون: الصفة من الموصوف، والصفة بالموصوف، فيقولون: علم الله من الله، وكلام الله من الله، ونحو ذلك، لأن ذلك داخل في مسمى اسمه.\nفليس خارجًا عن مسماه، بل هو داخل في مسماه، وهو من مسماه.\nفعبد العزيز قرر حجته بأن الفعل صفة لله عن قدرته، لا يمنعه منه مانع، وهذا كاف، وما ألزمه إياه بشر لا يلزمه إلا بمقدمات لم يقرر بشر منها شيئًا.\nوأي تقدير من تلك التقديرات قال به القائل كان خيرًا من قول المريسي.\nالتقدير الأول: قول من يقول: إن الفعل حادث قائم بذات الله بقدرته، كما يقول ذلك من يقوله من الكرامية.\nوهذا خير من قول المريسي وأمثاله من الجهمية، فإن ما يلزم أصحاب هذا القول من","vol":"2","page":276},{"text":"تسلسل الحوادث يلزمهم مثله، والذي يلزمهم من نفي الخلق الفعل لا يلزم أصحاب هذا القول.\nوأما قولهم: (إنه محل للحوادث) فمثل قولهم: إنه محل للأعراض) .\nالتقدير الثاني: قول من يقول: إن الفعل قديم أزلي، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية، ومن الفقهاء: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والصوفية.\nوهذا أيضًا على هذا التقدير يكون من جنس قول الصفاتية، وهؤلاء لا يقولون بقيام الحوادث به ولا تسلسلها، وإذا ألزمهم المريسي وإخوانه أن يقال: فإذا كان الفعل لم يزل والإرادة لم تزل: لزم أن يكون المفعول المراد لم يزل.\nوقيل لهم: فحدوث الحوادث لا بد له من سبب قالوا: هذا السؤال مشترك بيننا وبينكم، لكن عبد العزيز لم يجب بهذا الجواب، فإنه لو أجاب به لانتفضت حجته التي احتج بها على المريسي، فإنه احتج بأنه لم يزل قادرًا، فلو قال (الفعل قديم) قال المريسي: إنه لم يزل فاعل عندك.\nوأيضًا فعبد العزيز ذكر أنه يقدر على الفعل لا يمنعه منه مانع، وذكر غير ذلك.\nالتقدير الثالث: ان الفعل الذي كان عن قدرته كان قبله فعل","vol":"2","page":277},{"text":"آخر كان عن قدرته أيضًا، وهلم جرًا، ولم يكن شيء من المفعولات والمخلوقات موجودًا معه في الأزل، فإن الفعل ينقسم إلى متعد ولازم، فإذا قدر دوام الأفعال اللازمة لم يجب دوام الأفعال المتعدية، وعلى هذا التقدير فإذا قال: (كان الله ولما يخلق شيئًا ولما يفعل شيئًا) لم يزل أن لا يكون هناك فعل قائم بنفسه بدون مخلوق مفعول، ولا يجب أن يكون المخلوق لم يزل مع الله تعالى.\nوهذا التقدير إن لم ينفه المريسي بالحجة لم يكن ما ألزمه لعبد العزيز لازمًا.\nوإذا قال السلف والأئمة: (إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء) فقد أثبتوا أنه لم يتجدد له كونه متكلمًا، بل نفس تكلمه بمشيئته قديم، وإن كان يتكلم شيئًا بعد شيء، فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه إلا إذا وجب تناهي المقدورات المرادات، وهو المسمى بتناهى الحوادث.\nوالذي عليه السلف وجمهور الخلف: أن المقدورات المرادات لا تتناهى، وهم بهذا نزهوه عن كونه كان عاجزًا عن الكلام، كالأخرس الذي لا يمكنه الكلام، وعن أنه كان ناقصًا فصار كاملًا، وأثبتوا مع ذلك أنه قادر على الكلام باختياره.\nوحجة عبد العزيز على المريسي تتم على هذا التقدير، ولا يكون مع الله في الأزل مخلوق.\nالتقدير الرابع: أنه لو قيل: (بأن كل ماسوى الله مخلوق، محدث","vol":"2","page":278},{"text":"كائن بعد أن لم يكن، فليس مع الله في أزله شيء من المخلقوات، لكنه لم يزل يفعل) ولم يوجب ذلك أن يكوم معه شيء من المفعولات المخلوقات، وإنما يوجب ذلك كون نوع المفعول لم يزل، مع أن كل واحد من آحاده حادث لم يكن ثم كان معه، فليس من ذلك شيء مع الله في الأزل.\nوعبد العزيز لم يقل هذا ولم يلتزمه، بل ولا التزم شيئًا من هذه التقديرات، ولا يلزمه واحد منها بعينه إلا بتقدير امتناع ما سواه، ولكن المقصود أن إلزام المريسي له بأن يكون المخلوق لم يزل مع الله لا يلزمه التزامه، فإنه على التقديرات الثلاث لا يلزم وجود شيء من المفعولات ولا نوعها في الأزل.\nوأما على التقدير الرابع: فإنما يلزم أنه لم يزل نوع المفعول لا شيء من المفعولات بعينه.\nوهذا التقدير إذا كان باطلًا: فالمريسي لم يذكر إبطاله، ولا إبطال شيء من التقديرات، وهو لو أراد أن يبطل هذا لم يبطله إلا بإبطال التسلسل في الآثار، كما هو طريقة من أبطل ذلك من أهل الكلام، ولكن المريسي وموافقوه الذين يقولون: (بأن الله يخلق المخلوقات بغير فعل قائم به)، ويقولون: (الخلق هو المخلوق)، ويقولون: (إن المخلوقات كلها وجدت بعد أن لم تكن موجودة، من غير أن يتجدد من الله فعل ولا قصد ولا أمر من الأمور، بل ولا من غيره) - فيقولون: إن","vol":"2","page":279},{"text":"الأمر ما زال على وجه واحد، ثم حدثت جميع المحدثات، وكانت جميع المخلوقات، وليس هناك من الفاعل شيء غير وجودها، بل حاله قبل وجودها ومع وجودها وبعد وجودها واحد، لم يتجدد منه أمر يضاف الحدوث إليه.\nفأصحاب القول الأول يلتزمون التسلسل مع قولهم: (بأن كل ما سوى الله محدث، كائن بعد أن لم يكن مسبوق بعدم نفسه، لكن تحدث الحوادث شيئًا بعد شيء، وهو محدثها بأفعاله سبحانه التي يفعلها أيضًا شيئًا بعد شيء) وأصحاب الثاني يقولون: (بل حدثت من غير سبب حادث) كما ترى.\nومن المعلوم: أنه إذا عرض على العقل القولان كان بطلان هذا القول أظهر من بطلان ذلك القول، فإن ترجيح أحد طرفي الممكن بغير مرجح، وتخصيص الشيء عن أمثاله التي تماثله من كل وجه بلا مخصص، وحدوث الحوادث جميعها بدون سبب حادث - بل مع كون الأمر قبل حدوثها ومع حدوثها على حال واحد - هو أبعد في المعقول، وأنكر في القلوب من كون المحدثات لم تزل تحدث شيئًا بعد شيء، ومن كون الله سبحانه لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء، كما أنه لا يزال في الأبد يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء.","vol":"2","page":280},{"text":"فلو قدر أن عبد العزيز والمريسي انتهيا إلى هاتين المقدمتين لم يكن للمريسي أن يلزم عبد العزيز بشيء إلا ألزمه عبد العزيز بما هو أشنع منه، فكيف وعبد العزيز لم يحتج إلى شيء من ذلك؟ بل بين أنه لا بد أن يكون قبل المخلوق ما به يخلق المخلوق من صفات الله وأفعاله، فيبطل ما يدعيه المريسي ونحوه من أن الله لا صفة له ولا كلام ولا فعل، بل خلق المخلوقات وخلق الكلام الذي سماه كلامه بلا صفة ولا فعل ولا كلام.\nوهذان الجوابان اللذان يمكن عبد العزيز أن يجيب بهما عن إلزامه التسلسل يمكن معهما جواب ثالث مركب منهما، كما تقدم التنبيه على ذلك، وهو أن يقول:\nإن كان التسلسل ممتنعًا بطل هذا الإلزام، وإن كان ممكنًا أمكن التزامه كما قد ذكرنا في غير هذا الموضع: أن المسلمين وغيرهم من أهل الملل القائلين بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، يمكنهم أن يجيبوا بمثل هذا الجواب للقائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم، المحتجين على ذلك بحجتهم العظمى التي اعتمد عليها ابن سينا وابن الهيثم وغيرهما حيث احتجوا على المعتزلة ونحوهم من","vol":"2","page":281},{"text":"أهل الكلام، فقالوا: الموجب التام للعالم إن كان ثابتًا في الأزل لزم قدمه، وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، وإن لم يكن ثابتًا في الأزل احتاج في حدوث تمامه إلى مرجح، والقول فيه كالقول في الأول، ويلزم التسلسل.\nوعظم شأن هذه الحجة على هؤلاء المتكلمين، لأنهم يقولون ببطلان التسلسل، وبحدوث الحوادث من غير سبب حادث، ويقولون بأن المرجح التام لايستلزم أثره، بل القادر أو المريد يرجح أحد مقدوريه أو أحد مراديه على الآخر بلا مرجح، فصاروا بين أمرين: إما إثبات الترجيح بلا مرجح، وإما التزام التسلسل، وكلامهما مناقض لأصولهم، ولهذا عدل من عدل في جوابها إلى الإلزام والمعارضة بالحوادث اليومية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>جواب على الفلاسفة في مسألة التسلسل</span>\nونحن قد بينا جوابها من وجوه:\nمنها أن يقال: التسلسل يراد به أمور، أحدها: التسلسل في المؤثرات والفاعلين والعلل، وهذا باطل بصريح العقل، واتفاق العقلاء، ومنها: التسلسل في تمام كون المؤثر مؤثرًا، وهذا كالذي قبله باطل بصريح العقل، وقول جمهور العقلاء.","vol":"2","page":282},{"text":"ومنها: التسلسل الذي في معنى الدور، مثل أن يقال: لا يحدث حادث أصلًا حتى يحدث حادث، وهذا أيضًا باطل بضرورة العقل واتفاق العقلاء.\nومنها: التسلسل في الآثار المتعاقبة، وتمام التأثير في الشيء المعين، مثل أن يقال: لا يحدث هذا حتى يحدث قبله، ولا يحدث هذا إلا ويحدث بعده، وهلم جرًا، وهذا فيه نزاع مشهور بين المسلمين وبين غيرهم من الطوائف، فمن المسلمين وغيرهم من جوزه في المستقبل دون الماضي.\nوإذا عرفت هذه الأنواع قالوا: إذا لم يكن المؤثر تامًا في الأزل لم يحدث عنه شيء حتى يحدث حادث به يتم كونه مؤثرًا، إذ القول في ذلك الحادث كالقول في غيره، فيكون حقيقة الكلام: أنه لا يحدث شيء ما حتى يحدث شيء، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء.\nلكن هذا الدليل إن طلبوا به أنه لم يزل مؤثرًا في شيء بعد شيء فهذا يناقض قولهم، وهو حجة عليهم، وإن أرادوا أنه كان في الأزل مؤثرًا تامًا في الأزل لم تتجدد مؤثريته، لزم من ذلك أنه لا يحدث عنه شيء بعد أن لم يكن حادثا، فيلزم أن لا يحدث في العالم","vol":"2","page":283},{"text":"شيء.\nولهذا عارضهم الناس بالحوادث اليومية.\nوهذا لازم لا محيد لهم عنه، وهو يستلزم فساد حجتهم.\nوإن أرادوا أنه مؤثر في شيء فالحجة لا تدل على ذلك، وهو أيضًا باطل من وجوه، كما قد بسط في موضع آخر.\nفالمؤثر التام يراد به المؤثر في كل شيء، والمؤثر في شيء معين، والمؤثر تأثيرًا مطلقًا في شيء بعد شيء: فالأول هو الذي يجعلونه موجب حجتهم، وهو يستلزم أن لا يحدث شيء، فعلم بطلان دلالة الحجة على ذلك.\nويراد به التأثير في شيء بعد شيء، فهذا هو موجب الحجة، وهو يستلزم فساد قولهم، وأنه ليس في العالم شيء قديم، بل لا قديم إلا الرب رب العالمين.\nويراد به التأثير في شيء معين، فالحجة لا تدل على هذا، فلم يحصل مطلوبهم بذلك، بل هذا باطل من وجوه أخرى.\nفبهذا التقسيم ينكشف ما في هذا الباب من الإجمال والاشتباه.\nفكل حادث معين فيقال: هذا الحادث المعين إن كان مؤثره التام موجودًا في الأزل لزم جواز تأخير الأثر عن مؤثره التام، فبطل قولهم.\nوإن قيل: بل لا بد أن يحدث تمام مؤثره عند حدوثه، فالقول في حدوث ذلك التمام كالقول في حدوث تمام الأول.\nوذلك يستلزم التسلسل في حدوث تمام التأثير.\nوهو باطل بصريح العقل، فيلزم على قولهم حدوث الحوادث بغير سبب حادث.\nوهذا أعظم مما أنكروه على المتكلمين من التسلسل.","vol":"2","page":284},{"text":"فإن قيل: فما الفرق بين هذا التسلسل وبين التسلسل في تمام تأثير معين بعد معين.\nقيل: الفرقف بينهما من وجوه:\nأحدها: أن هؤلاء قد قالوا إنه مؤثر تام في الأزل، والمؤثر التام مستلزم أثره معه، فيلزمكم أن لا يحدث عنه شيء، بل تكون جميع الممكنات قديمة أزلية، وهذا باطل بالحس والمشاهدة.\nفادعوا أمرين باطلين: أحدها: أنه كان مؤثرًا تامًا في الأزل، وأن المؤثر التام يكون أثره معه في الزمان حتى يكون الأثر مقارنًا للمؤثر في الزمان.\nفإن قيل: إنه يتقدم عليه بالعلية، وهذا بخلاف قول من قال: لم يزل مؤثرًا في شيء بعد شيء، فهذا لم يقل إنه كان مؤثرًا في الأزل في شيء قط، ولم يكن مؤثرًا تامًا في الأزل قط.\nالثاني: أنهم إن قالوا: إن الأثر يجب أن يقارنه أثره في الزمان لزم أن لا يحدث شيء.\nوإن قالوا: بل الأثر عقب المؤثر في الزمان لزم أن لا يكون معه قديم، وحينئذ فمن قال بهذا قال: إنه لم يزل مؤثرًا في شيء بعد شيء، وكل ما سواه حادث مسبوق بالعدم.\nالثالث: أن هؤلاء يقولون: كل حادث معين لا بد أن يحدث تمام تأثيره فيكون هو حادثا عقب تمام التأثير، فأي شيء كونه الله كان عقب","vol":"2","page":285},{"text":"تكوين الرب له، كأجزاء الزمان والحركة التي توجد شيئًا فشيئًا، فقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢)، فيكون الحادث عقب تكوين الرب له، كما يكون الانكسار عقب التكسر، والطلاق عقب التطليق، فيلزم على هذا حوادث متعاقبة شيئًا بعد شيء.\nوهذا غير ممتنع عند من يقول بهذا من أئمة أهل الملل، ومن الفلاسفة، بخلف قول المتفلسفة ومن وافقهم على أن الأثر يكون مع المؤثر في الزمان، كما قالوا: الفلك قديم بقدم علته، وهو معه في الزمان.\nفهؤلاء إن قالوا بحدوث الحوادث بدون سبب حادث لزمهم المحذور الذي فروا منه.\nوإن قالوا: بل عند كل حادث يحدث مع زمن حدوثه وحدوث تمام مؤثره لزم حدوث حوادث لا تتناهى في آن واحد من غير تجدد شيء عن المؤثر الأزلي.\nفلزمهم التسلسل في تمام أصل التأثير، لا في تأثير معين، وهو ممتنع مع قولهم بحوادث لا تتناهى في آن واحد.\nوهم وسائر العقلاء يسلمون بطلان هذا، وإنما نازع فيه معمر صاحب المعاني، وقد ظهر بطلان ذلك، فإنه تسلسل في أصل التأثير، لا في تأثير المعينات، فلزمهم المحال الذي لزم أصحاب معمر، ويلزمهم المحال والتناقض الذي اختصوا به؟، وهو قولهم بأن المؤثر مع","vol":"2","page":286},{"text":"مؤثره في الزمان، مع كون الرب مؤثرًا تامًا في الأزل، فيلزمهم أن لا يحدث في العالم شيء.\nومنها أن يقال: التسلسل جائز في أصلكم، فلا تكون الحجة برهانية، بل تكون جدلية، وهي تلزمنا بتقدير صحتها أحد أمرين: إما القول بالترجيح بلا مرجح، وإما القول بالتسلسل، وإلا كنا قد تناقضنا في نفي هذا وهذا، ولكن جواز التناقض علينا يقتضي بطلان أحد قولينا، فلم قلتم: إن قولنا الباطل هو نفي الترجيح بلا مرجح، مع اتفاقنا على بطلانه؟ فقد يكون قولنا الباطل: هو نفي التسلسل في الآثار الذي نازعنا فيه من نازعنا من إخواننا المسلمين مع منازعتكم لنا في ذلك، وإذا كان كذلك فالتزامنا لقول نوافق فيه إخواننا المسلمين وتوافقوننا أنتم عليه وتبطل به حجتكم على قدم العالم، أولى أن نلتزمه من قول يخالفنا فيه هؤلاء وهؤلاء، وتقوم به حجتكم على قدم العالم.\nالجواب الثالث: الجواب المركب، وهو أن يقال: إن كان التسلسل في تمام التأثير ممكنًا بطلت الحجة، فإنه يمكن حينئذ أن يحدث","vol":"2","page":287},{"text":"كل ما سوى الله بأن يحدث تمام تأثيره.\nوإن كان ممتنعًا لزم إما أن لا يحدث شيء، وهو خلاف المشاهد، وإما أن تحدث الحوادث بدون سبب حادث، وهو يبطل الحجة، فبطلت الحجة على كل تقدير.\nوإن شئت قلت: إن التسلسل في الآثار إن كان ممكنًا بحيث يحدث شيئًا بعد شيء ولا يكون علة تامة في الازل، لزم حدوث كل ما سوى الله، وبطلت الحجة، وإن كان ممتنعًا لزم أيضًا أن تحدث الحوادث عن المؤثر التام الأزلي، فيلزم حدوث جميع الحوادث عنه، ولزم حينئذ حدوث العالم، فتبطل حجة قدمه، فالحجة باطلة على التقديرين.\nوقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>مراجعة تعليق عبد العزيز الكناني</span>\nوأما قول عبد العزيز: (فقد ثبت أن ههنا إرادة ومريدًا، ومرادًا.\nوقولًا وقائلًا، ومقولًا له.\nوقدرة، وقادرًا، ومقدورًا عليه.\nوذلك كله متقدم قبل الخلق) فيحتمل أمرين:\nأحدهما: أنه أراد بالمراد: المراد المتصور في علم الله، وبالمقدور عليه: الثابت في علم الله، وبالمقول له، المخاطب الثابت في علم الله المخاطب خطاب التكوين، كما قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد","vol":"2","page":288},{"text":"شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢) وهذه معان ثابتة لله تعالى قبل وجود المخلوق، لهذا اضطربت نفاة الصفات من المعتزلة وغيرهم في هذه الأمور، فتارةً يثبتونها في الخارج، وتارة ينفونها مطلقًا.\nومن هنا غلط من قال: (المعدوم شيء) فإنهم ظنوا أنه لما كان لا بد من تمييز ما يريده الله مما لا يريده ونحو ذلك، توهموا أن هذا يقتضي كون المعدوم ثابتًا في الخارج.\nوليس الأمر كذلك، بل هي معلومة لله تعالى ثابتة في علم الله تعالى.\nوضل آخرون في مقابلة هؤلاء كهشام الفوطي فإنه ذكر عنه الأشعري في المقالات أنه كان يقول: (لم يزل الله عالمًا أنه واحد لا ثاني له، ولا يقول: إنه لم يزل عالمًا بالأشياء) وقال: (إذا قلت: لم يزل عالمًا بالأشياء، أثبتها لم تزل مع الله) وإذا قيل له: (أفتقول بأن الله لم يزل عالمًا بأن ستكون الأشياء؟ قال: إذا قلت بأن ستكون فهذه إشارة إليها ولا يجوز أن يشار إلا إلى موجود) وكان لا يسمى ما لم يخلقه ولم يكن شيئًا.","vol":"2","page":289},{"text":"والثاني: أن يريد بذلك نفس الفعل المقدور المراد الذي يكون به المخلوق.\nوأما القول: فهو المصدر كما تقدم، والمقول هو الكلام، فإن في إحدى النسختين: (مقولًا له) وفي الأخرى: (ومقولًا) .\nوعلى هذا فقول عبد العزيز: (إن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لا يجد سبيلًا إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول، لأن الله لا يكون مكانًا لحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصًا فيزيد فيه شيء إذا خلقه، تعالى الله عن ذلك!) مراده: أنه لا يكون مكانًا لما حدث مطلقًا.\nوهو ما حدث جنسه، كالكلام عند من يقول: إنه حادث الجنس فإنه يقول: إن الله صار متكلمًا بعد أن لم يكن متكلمًا، فيكون جنس الكلام محدثًا، وكذلك إذ قيل: أراد بعد أن لم يكن مريدًا، فحدث جنس الإرادة، وكذلك إذا قيل: علم بعد أن لم كن عالمًا، فيكون جنس العلم حادثًا، وأمثال هذا، فإن الله لا يكون مكانا لأجناس الحوادث.\nوعلى هذا فيكون عبد العزيز قد ذكر على بطلان قول المريسي عدة حجج: أنه لا يكون مكانًا للمخلوقات، ولا يكون مكانًا لما جنسه حادث، ولا يكون ناقصًا فيزيد فيه شيء، فهذه ثلاث حجج","vol":"2","page":290},{"text":"وهذا لا ينافي ما ذكره من أنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة، وأن الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، وأنه أحدث الأشياء بأمره وقوله عن قدرته، ونحو ذلك، فإن هذا الفعل والقول المقدور الذي ليس هو مخلوقًا منفصلًا عنه ليس جنسه محدثًا عنده، وإن كان الواحد من آحاده يكون بعد أن لم يمكن.\nفالجنس لا يقال له حادث ولا محدث، بل لم يزل الله موصوفًا بذلك عنده.\nولهذا قال: (ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصًا فيزيد فيه شيء إذا خلقه) فإن ما كان جنسه محدثًا كان قد زادت به الذات، وقد عرف أن المخلوق عنده: ما كان مسبوقًا بفعله الذي خلق به وقوله وقدرته، وأن المخلوق لا يكون إلا منفصلًا عنه.\nفهذا الذي قاله عبد العزيز فيه رد على الكرامية ومن وافقهم في أنهم جوزوا عليه أن يحدث له جنس الكلام ونحوه مما لم يكن موجودًا فيه قبل ذلك، وجوزوا أن يحدث له جنس صفات الكمال، ومتى قيل: (إنه لم يكن موصوفًا بجنس من أجناس صفات الكمال حتى حدث له) لزم أن يكون قبل ذلك ناقصًا عن صفة من صفات الكمال، فلا يكون متكلمًا، بل يكون موصوفًا قبل ذلك بعدم الكلام، وهذا الذي قاله عبد العزيز هو نظير قول الإمام أحمد وغيره من الأئمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>رأي أحمد بن حنبل في مسألة أفعال الله</span>\nقال أحمد في (رده على الجهمية): باب ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى: - (فقلنا: لم أنكرتم ذلك؟ قالوا: إن الله","vol":"2","page":291},{"text":"لم يتكلم، ولا يتكلم، وإنما كون شيئًا فعبر عن الله، وخلق صوتًا فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين.\nفقلنا: هل يجوز لمكون أوغير الله أن يقول: ﴿يا موسى * إني أنا ربك﴾ (طه: ١٢) أويقول: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ (طه: ١٤)؟ فمن قال ذلك زعم أن غير الله ادعى الربوبية، ولو كان كما زعم الجهمي: أن الله كون شيئًا كان يقول ذلك المكون: ﴿يا موسى إني أنا الله رب العالمين﴾ (القصص: ٣٠) وقد قال جل ثناؤه ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (النساء: ١٦٤)، وقال تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ (الأعراف: ١٤٣)، وقال تعالى: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ (الأعراف: ١٤٤) هذا منصوص القرآن.\nفأما ما قالوا: (إن الله لا يتكلم) فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خثيمة عن عدي بن حاتم الطائي قال: «قال رسول الله","vol":"2","page":292},{"text":"ﷺ ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان» .\nوأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان وأدوات، فقد قال تعالى: ﴿وسخرنا مع داود الجبال يسبحن﴾ (الأنبياء: ٧٩) أتراها أنها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين، والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ فصلت: ٢١) أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء، وكذلك الله يتكلم كيف شاء، من غير أن نقول: بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان.\nفلما خنقته الحجج قال: إ: ن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره، فقلنا: وغيره مخلوق؟ قالوا: نعم، قلنا: مثل قولكم الأول، إلا أنكم","vol":"2","page":293},{"text":"تدفعون عن أنفسكم الشنعة، وحديث الزهري قال: «لما سمع موسى كلام الله قال: يا رب، هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك، فقال سبحان الله! وهل أستطيع أن أصفه لكم؟ قالوا: فشبهه، قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله» .\nفقد ذكر أحمد في هذا الكلام: أن الله تعالى يتكلم كيف شاء، وذكر فيما استشهد به من الأثر (أن الله كلم موسى ﵇ بقوة عشرة آلاف لسان) وأن له قوة الألسن كلها، وهو أقوى من ذلك، وأنه إنما كلم موسى على قدر ما يطيق، ولو كلمه بأكثر من ذلك لمات.\nوهذا بيان منه لكون تكلم الله متعلقًا بمشيئته وقدرته كما ذكر عبد العزيز.\nوهو خلاف قول من يجعله كالحياة القديمة اللازمة للذات، التي","vol":"2","page":294},{"text":"لا تتعلق بمشيئة ولا قدرة.\nوبين أيضًا في كلامه أنه سبحانه تكلم وسيتكلم ردًا على الجهمية وأستدل على أنه تكلم بالحديث الذي في الصحيحين عن عدي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه» وجعل قوله: «سيكلمه ربه» دليلًا على أنه سيتكلم، فبين أن التكلم عنده مستلزم للتكليم متضمن للتكلم، ليس هو مجرد خلق إدراك في المستدل.\nوقال الإمام أحمد: (وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة: ﴿يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ (المائدة: ١١٦) أليس الله هو القائل؟ قالوا: يكون الله شيئًا فيعبر عن الله، كما كون شيئًا فعبر لموسى، قلنا: فمن القائل ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * فلنقصن عليهم بعلم﴾ (الأعراف: ٦ - ٧) أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنما يكون شيء فيعبر عن الله، فقلنا: قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أنه لا يتكلم، فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك، ولا تزول من مكان إلى مكان.\nفلما","vol":"2","page":295},{"text":"ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد يتكلم، ولكن كلامه مخلوق.\nقلنا: وكذلك بنوا آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم: قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلامًا، فقد جمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة! بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إن كان ولا يتكلم حتى خلق كلامًا، ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم، ولا نقول: إنه كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة، ولا نقول: إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه","vol":"2","page":296},{"text":"نورًا، ولا نقول: إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة) .\nفقد بين أحمد في هذا الكلام الإنكار على النفاة الذي شبهوه بالجمادات التي لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، والإنكار على من زعم أنه كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام.\nفشبهه بالآدمي الذي كان","vol":"2","page":297},{"text":"لا يتكلم حتى خلق الله له كلامًا.\nفأنكر تشبيهه الجماد الذي لا يتكلم، وبالإنسان الذي كان قادر على الكلام حتى خلق الله له الكلام، فكان قادرًا على الكلام في وقت دون وقت.\nوبين أن من وصف الله ذلك فقد جمع بين الكفر - حيث سلب ربه صفة الكلام وهي من أعظم صفات الكمال، وجحد ما أخبرت به النصوص - وبين التشبيه.\nثم قال أحمد: (بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق..) فبين أن الكلام يتعلق بمشيئته وأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء فرد قول من لا يجعل الكلام متعلقًا بالمشيئة، كقول الكلابية ومن وافقهم، ومن يقول: (كان ولا يتكلم حتى حدث له الكلام) كقول الكرامية ونحوهم، وقال: (لا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما، لا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم، ولا نقول: إنه كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسة قدرة، ولا نقول: إنه قد كان له ولا نور له حتى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول: إنه كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة) فنزهه سبحانه عن سلب صفات الكمال في وقت من الأوقات، وإنا لا نقول: تجددت له صفات الكمال، بل لم يزل موصوفًا بصفات الكمال، ومن صفات الكمال: إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، لا أن يكون الكلام خارجا عن قدرته ومشيئته، ولهذا لم يقل: لم يزل عالمًا إذا شاء، ولا قال: يعلم كيف شاء، وقد قال في موضع آخر فيما رواه عنه حنبل: (لم يزل الله عالمًا متكلمًا غفورًا) .\nوكلام أحمد وغيره من الأئمة في هذا الأصل كثير ليس هذا موضع بسطه، مثل ما ذكره البخاري في آخر صحيحه في كتاب التوحيد والرد على الجهمية قال: باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرهما من الخلائق، وهو فعل الرب وأمره، فالرب تعالى بصفاته وفعله وأمره - وفي نسخه (وكلامه) - هو الخالق المكون، غير","vol":"2","page":298},{"text":"مخلوق، وما كان يفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مكون مخلوق) .\nوقال بعد ذلك: باب قول الله تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ إلى قوله ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ (سبأ: ٢٣) ولم يقولوا ماذا خلق ربكم.\nقال ﷿: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (البقرة: ٢٥٥)، وقال مسروق عن أبن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئًا، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا: ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ (سبأ: ٢٣) ويذكر عن جابر بن عبد الله بن أنيس سمعت النبي ﷺ يقول: «يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان» .\nوذكر حديث أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟","vol":"2","page":299},{"text":"قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير» وذكر حديث أبي سعيد الخدري قال: «قال النبي ﷺ يقول الله: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك! فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار» والحديث فيه طول، استوفاه في موضع آخر.\nوقال بعد ذلك: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ (الرحمن: ٢٩) وقال: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ (الأنبياء: ٢) وقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ (الطلاق: ١)، وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين، لقوله تعال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١) وذكر قول النبي ﷺ: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة» وقول ابن","vol":"2","page":300},{"text":"عباس: كتابكم أحدث الأخبار بالرحمن عهدًا، محضًا لم يشب.\nومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب وقد قال تعالى: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ (البقرة: ١٧٦) .\nولهذا قال الإمام أحمد في أول خطبته فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية (الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصيرون منهم على","vol":"2","page":301},{"text":"الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه؟ وكم من ذال تائه قد هدوه؟ فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم!.\nينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، مجموعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين) .\nومن أعظم أصول التفريق بينهم في هذه المسألة - مسألة أفعال الله تعالى وكلام الله ونحوه ذلك مما يقوم بنفسه ويتعلق بمشيئته وقدرته - فإن هذا الأصل لما أنكره من أنكره من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وظنوا أنه لا يمكن إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع إلا إثبات حدوث الجسم، ولا يمكن إثبات حدوثه إلا بإثبات حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة، ألجأهم ذلك إلى أن ينفوا عن الله صفاته وأفعاله القائمة به المتعلقة بمشيئته وقدرته، أو ينفوا بعض ذلك، وظنوا أن الإسلام لا يقوم إلا بهذا النفي، وأن الدهرية من","vol":"2","page":302},{"text":"الفلاسفة وغيرهم لا يبطل قولهم إلا بهذا الطريق، وأخطأوا في هذا وهذا.\nأما الفلاسفة الدهرية فإن هذه الطريقة زادتهم إغراء، وأوجبت لهم حجة عجز هؤلاء عن دفعها إلا بالمكابرة التي لا تزيد الخصم إلا قوة وإغراء، فقالو لهم: كيف يحدث الحادث بلا سبب حادث؟ وكيف تكون الذات حالها وفعلها وجميع ماينسب إليها واحدًا من الأزل إلى الأبد؟ والعالم يصدر عنها في وقت دون وقت من غير فعل يقوم به ولا سبب حدث؟.\nفكان ما جعلوه أصل للدين وشرطًا في معرفة الله تعالى منافيًا للدين ومانعًا من كمال معرفة الله، وكان ما أحتجوا به من الحجج العقلية هي في الحقيقة على نقيض مطلوبهم أدل، فالحوادث لا تحدث إلا بشرط جعلوه مانعا من الحدوث.\nوأما أمور الإسلام: فإن هذا الأصل اضطرهم إلى نفي صفات الله تعالى لئلا تنتقض الحجة، ومن لم ينف الصفات نفى الأفعال القائمة به وغيرها مما يتعلق بمشيئته وقدرته.\nفلزمهم من عدم الإيمان ببعض ما جاء به الرسول ومن جحد بعض ما يستحقه الله تعالى من أسمائه وصفاته، ما أوجب له من من التناقض والإرتياب ما تبين لأولى الألباب.\nفلم يعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه،","vol":"2","page":303},{"text":"ولا الجهاد لعدو الله ورسوله حقه، وقد قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا﴾ (الآية (الحجرات: ١٥) .\nهذا مع دعواهم أنهم أعظم علمًا وإيمانًا وتحقيقًا لأصول الدين وجهادًا لأعدائه بالحجج من الصحابة، وإن هم في ذلك إلا كبعض الملوك الذين لم يجاهدوا العدو، بل أخذوا منهم بعض البلاد، ولا عدلوا في المسلمين العدل الذي شرعه الله للعباد إذا ادعى أنه أمكن وأعدل من عمر بن الخطاب وأصحابه رضوان الله عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>أقوال مختلفة في كلام الله تعالى</span>\nثم إنهم بسبب ذلك تفرقوا في أصول دينهم كتفرقهم في كلام الله من القرآن وغيره، فإنهم تفرقوا فيه شيعًا: شيعة قالت: هومخلوق، وحقيقة قولهم: لم يتكلم الله هبه، كما كان قدماؤهم يقولون: لكن المعتزلة صاروا يطلقون اللفظ بأن الله متكلم حقيقة، وكان مرادهم مراد من قال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، كما ذكره أحمد: إنهم تارة ينفون الكلام، وتارة يقولون: يتكلم بكلام مخلوق، وهو معنى الأول.\nوهذا في الحقيقة تكذيب للرسل الذي إنما أخبروا الأمم بكلام الله الذي أنزله إليهم.\nوجاءت الفلاسفة القائلون بقدم العالم فقالوا أيضًا: متكلم، وكلامه ما يفيض من العقل الفعال على نفوس الأنبياء.","vol":"2","page":304},{"text":"وهذا قول من وافقهم من القرامطة الباطنية ونحوهم ممن يتظاهر بالإسلام ويبطن مذهب الصابئة والمجوس ونحو ذلك.\nوهو قول طوائف من ملاحدة الصوفية كأصحاب وحدة الوجود ونحوهم الذين أخذوا دين الصابئة والفراعنة والدهرية فأخرجوه في قالب المكاشفات والولاية والتحقيق.\nوالذين قالوا ليس هو مخلوقًا ظن فريق منهم أنه لا يقابل المخلوق إلا القديم اللازم للذات الذي يثبتونه بدون مشيئة الرب وقدرته كثبوت الذات فقالوا ذلك.\nثم طائفة رأت أن الحروف والأصوات يمتنع أن تكون كذلك، فقالت: كلامه هو مجرد معنى واحد، هو الأمر والنهي والخبر، وأنه إن عبر عن ذلك المعنى بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وإن عبر عنه بالعربية، كان قرآنًا، فلزمهم أن تكون معاني القرآن هي معاني التوراة والإنجيل، وأن يكون الأمر هو النهي وهو الخبر، وأن تكون هذه صفات له لا أنواعًا له، ونحو ذلك مما يعلم فساده بصريح العقل.\nوطائفة قالت بل هو حروف وأصوات أزلية لا تتعلق بمشئيته وقدرته كما قال الذين من قبلهم.\nواتفق الفريقان على أن تكليم الله لملائكته وتكليمه موسى وتكليمه لعباده يوم القيامة ومناداته لمن ناداه ونحو ذلك: إنما هو خلق إدراك في","vol":"2","page":305},{"text":"المستمع أدرك به ما لم يزل موجودًا، كما أن تجليه - عند من ينكر مباينته لعباده وأن يكشف لهم حجابًا منفصلًا عنهم - ليس هو إلا خلق إدراك في أعينهم من غير أن يكون هناك حجاب منفصل عنهم يكشفه لهم.\nوطائفة ثالثة لما رأت شناعة كل من القولين قالت: بل يتكلم بعد أن لم يكن يتكلم بصوت وحروف، وكلامه حادث قائم بذاته متعلق بمشيئته وقدرته، وأنكروا أن يقال: لم يزل متكلمًا إذا شاء، إذ ذلك يقتضي تسلسل الحوادث وتعاقبها، وهذا هو الدليل الذي استدلوا به على حدوث أجسام العالم.\nفليتدبر المؤمن العالم كيف فرق هذا الكلام المحدث المبتدع بين الأمة، وألقى بينها العداوة والبغضاء، مع أن كل طائفة تحتاج أن تضاهي من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، إذ مع كل طائفة من الحق ما تنكره الأخرى، فالذين قالوا بخلق القرآن إنما ألقاهم في ذلك أنهم رأوا أنه لا يمكن أن يكون الكلام لازمًا للذات لزوم العلم، بل الكلام يتعلق بمشيئتة المتكلم وقدرته، فقالوا: يكون من صفات الفعل، والمتكلم: من فعل الكلام، ثم لم يثبتوا فعلًا إلا منفصلًا","vol":"2","page":306},{"text":"عنه، لنفيهم أن يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته.\nوصار من قابلهم يريد أن يثبت كلاما لازما للمتكلم لا يتعلق بمشيئته وقدرته: إما معنى، وإما حروفًا، ويثبت أن المتكلم لا يقدر على التكلم، ولا يمكنه أن يقول غير ما قال، ويسلب المتكلم قدرته على القول والكلام وتكلمه باختياره ومشيئته، فإذا قال له الأول: (المتكلم من فعل الكلام)، قال هو: (المتكلم من قام به الكلام) ولكن ذاك يقول: لا يقوم الكلام بفاعله، وهذا يقول: لا يختار المتكلم أن يتكلم.\nفأخذ هذا بعض صفة الكلام وهذا بعضها، والمتكلم المعروف: من قام به الكلام ومن يتكلم بمشيئته وقدرته، ولهذا يوجد كثير من المتأخرين المصنفين في المقالات والكلام يذكرون في أصل عظيم من أصول الإسلام الأقوال التي يعرفونها.\nوأما القول المأثور عن السلف والأئمة الذي يجمع الصحيح من كل قول فلا يعرفونه ولا يعرفون قائله، فالشهرستاني صنف المل والنحل وذكر فيها من مقالات الأمم ما شاء الله، والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه ولم يذكره، والقاضي أبو بكر وأبو المعالي والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني وأبو الحسين البصري ومحمد بن الهيثم ونحو هؤلاء من أعيان الفضلاء المصنفين، تجد أحدهم يذكر في مسألة القرآن أو نحوها عدة أقوال للأمة، ويختار واحدًا منها، والقول الثابت عن السلف والأئمة كالإمام أحمد ونحوه من الأئمة لا يذكره الواحد منهم، مع أن","vol":"2","page":307},{"text":"عامة المنتسبين إلى السنة من جميع الطوائف يقولون: إنهممتبعون للأئمة كمالك والشافعي وأحمد وابن المبارك وحماد بن زيد وغيرهم، لا سيما الإمام أحمد، فإنه بسبب المحنة المشهورة من الجهمية له ولغيره أظهر من السنة ورد من البدعة ما صار به إمامًا لمن بعده، وقوله هو قول سائر الأئمة، فعامة المنتسبين إلى السنة يدعون متابعته والاقتداء به سواء كانوا موافقين له في الفروع أو لا فإن أقوال الأئمة في أوصول الدين متفقة، ولهذا كلما اشتهر الرجل بالانتساب إلى السنة كانت موافقته لأحمد أشد، ولما كان الأشعري ونحوه أقرب إلى السنة من طوائف من أهل الكلام كان انتسابه إلى أحمد أكثر من غيره، كما هو معروف في كتبه.\nوقد رأيت من أتباع الأئمة أبي حنيفة ومالك والشأفعي وأحمد وغيرهم من يقول أقوالًا ويكفر من خالفها، وتكون الأقوال المخالفة هي أقوال أئمتهم بعينها، كما أنهم كثيرًا ما ينكرون أقوالًا ويكفرون من يقولها، وتكون منصوصة عن النبي ﷺ، لكثرة ما وقع من الاشتباه والاضطراب في هذا الباب، ولأن شبه الجهمية النفاة أثرت في قلوب كثير من الناس، حتى صار الحق الذي جاء به","vol":"2","page":308},{"text":"الرسول - وهو المطابق للمعقول - لا يخطر ببالهم ولا يتصورونه، وصار في لوازم ذلك من العلم الدقيق ما لا يفهمه كثير من الناس، والمعنى المفهوم يعبر عنه بعبارات فيها إجمال وإبهام يقع بسببها نزاع وخصام.\nوالله تعالى يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ (الحشر: ١٠) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>عدم ذكر مصنفي أصول الدين</span>\nوكان هذا من تلك البدع الكلامية كبدع الذين جعلوا أصل الدين مبنيًا على كلامهم في الأجسام والأعراض، ولهذا كثر ذم السلف والأئمة لهؤلاء، وإذا رأيت الرجل قد صنف كتابًا في أصول الدين ورد فيه من أقوال أهل الباطل ما شاء الله، ونصر فيه من أقوال أهل الحق ما شاء الله، ومن عادته أنه يستوعب الأقوال في المسأل فيبطلها إلا واحدًا، ورأيته في مسألة كلام الرب تعالى وأفعاله أو نحو ذلك ترك من الأقوال ما هو معروف عن السلف والأئمة - تبين أن هذا القول لم يعرفه ليقبله أو يرده، إما لأنه لم يخطر بباله، أو لم يعرف قائلًا له، أو لأنه خطر له فدفعه بشبهة من الشبهات، وكثيرًا ما يكون الحق مقسومًا بين المتنازعين في هذا الباب، فيكون في قول هذا حق وباطل، وفي قول هذا حق وباطل، والحق بعضه مع هذا وبعضه مع هذا وهو مع ثالث غيرها، والعصمة إنما هي ثابتة لمجموع الأمة، ليست ثابتة لطائفة بعينها.","vol":"2","page":309},{"text":"فإذا رأيت من صنف في الكلام - كصاحب الإرشاد والمعتمد ومن أتبعهما ممن لم يذكروا في ذلك إلا أربعة أقوال وما يتعلق بها - علم أنه لم يبلغهم القول الخامس ولا السادس، فضلًا عن السابع، فالذين يسلكون طريقة ابن كلاب كصاحب الإرشاد ونحوه يذكرون قول المعتزلة وقول الكرامية ويبطلونهما، ثم لا يذكرون مع ذلك إلا ما يقولون فيه.\n(وذهبت الحشوية المنتمون إلى الظاهر إلى أن كلام الله تعالى قديم أزلي، ثم زعموا أنه حروف وأصوات، وقطعوا بأن المسموع صوت القراء ونغماتهم عين كلام الله تعالى، وأطلق الرعاع منهم القول بأن المسموع صوت الله، تعالى الله عن قولهم! وهذا قياس جهالاتهم.\nثم قالوا: إذا كتب كلام الله بجسم من الأجسام رقومًا ورسومًا وأسطرًا وكلما فهي بأعينها كلام الله القديم، فقد كان إذ كان جسمًا حادثًا ثم أنقلب قديمًا، ثم قضوا بأن المرئي من الأسطر هو الكلام القديم الذي هو","vol":"2","page":310},{"text":"حرف وأصوات، وأصلهم أن الأصوات على تقطيعها وتواليها كانت ثابتة في الأزل قائمة بذات الباري تعالى وقواعد مذهبهم مبينة على دفع الضرورات) .\nفلم يذكر أبوالمعالي إلا هذا القول من قول المعتزلة والكلابية والكرامية.\nومعلوم أن هذا القول لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، ولا نعرف هذا القول عن معروف بالعلم من المسلمين، ولا رأينا هذا في شيء من كتب المسلمين، ولا سمعناه من أحمد منهم.\nفما سمعنا من أحد، ولا رأينا في كتاب احد أن المداد الحادث انقلب قديمًا، ولا أن المداد الذي يكتب به القرآن قديم، بل رأينا عامة المصنفين من أصحاب أحمد وغيرهم ينكرون هذا القول، وينسبون ناقله عن بعضهم إلى الكذب.\nوأبو المعالي وأمثاله أجل من أن يتعمد الكذب، لكن القول المحكي قد يسمع من قائل لم يضبطه، وقد يكون القائل نفسه لم يحرر قولهم، بل يذكر كلامًا مجملًا يتناول النقيضين، ولايميز فيه بين لوازم أحدهما ولوازم الآخر، فيحكيه الحاكي مفصلًا ولا يجمله إجمال القائل، ثم إذا فصله يذكر لوازم أحدهما دون ما يعارضها ويناقضها، مع اشتمال الكلام على النوعين المتناقضين أو احتماله لهما أيضًا، وقد يحكيه الحاكي باللوازم التي لم يلتزمها القائل نفسه.\nوما كل من قال قولًا التزمه لوازمه، بل عامة الخلق لا يلتزمون لوازم أقوالهم، فالحاكي يجعل ما","vol":"2","page":311},{"text":"يظنه من لوازم قوله هو أيضًا من قوله، لا سيما إذا لم ينف القائل ما يظنه الحاكي لازمًا، فإنه يجعله قولًا بطريق الأولى.\nولا ريب أن من الناس من يقول: هذا القرآن كلام الله، وما بين اللوحين كلام الله، ويقول: إن كلام الله محفوظ في القلوب متلو بالألسن، مسموع بالآذان مكتوب في المصاحف.\nوهذا الإطلاق حق متفق عليه بين المسملين، ثم من هؤلاء من إذا سئل عن المداد وصوت العبد: أقديم هو؟ أنكر ذلك، وربما سكت عن ذلك، وكره الكلام فيه بنفي أو إثبات، خشية أن يجره ذلك إلى بدعة، مع أنه لو سمع من يقول: (إن المداد قديم) ألزمه العقوبة به والعذاب الأليم.\nوأما صوت العبد فقد تكلم فيه طائفة من المنتسبين إلى الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما، فمنهم من قال: إن الصوت المسموع قديم، ومنهم من يقول: يسمع شيئين الصوت القديم والمحدث، وهذا خطأ في العقل الصريح، وهو بدعة، وقول قبيح.\nوالإمام أحمد وجماهير أصحابه منكرون لما هو أخف من ذلك، فإن أحمد وأئمة أصحابه قد أنكروا على من قال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، فكيف بمن قال: اللفظ به قديم، فكيف بمن قال:","vol":"2","page":312},{"text":"الصوت غير مخلوق؟ فكيف بمن قال: الصوت قديم؟ وقد بدعوا هؤلاء، وأمروا بهجرهم، وقد صنف المروذي في ذلك مصنفًا كبيرًا ذكره الخلال في كتاب السنة كما جهموا وبدعوا من قال: اللفظ به مخلوق أيضًا، كما بين في موضعه.\nإذا المقصود هنا أن من أكابر الفضلاء من لا يعرف أقوال الأئمة في أكابر المسائل، لا أقوال أهل الحق ولا أهل الباطل، بل لم يعرف إلا بعض الأقوال المبتدعة في الإسلام، ومن المعلوم أن السلف والأئمة كان لهم ليس هو قول المعتزلة ولا الكلابية ولا الكرامية، ولا هو قول المسلمين بالحشوية، فأين ذلك القول؟ أكان أفضل الأمة وأعلمها وخير قرونها لا يعلمون في هذا حقًا ولا باطلًا؟\nومعلوم أن كل قول من هذه الأقوال فاسد من وجوه، وقد يكون بعضها أفسد من بعض، فقول المعتزلة الذي قالوا: (إن كلام الله مخلوق) وإن كان فاسدًا من وجوه، فقول الكلابية فاسد من وجوه، وقول الكرامية فاسد من وجوه.\nوالإمام أحمد وغيره من الأئمة أنكروا هذه الأقوال كلها: أنكروا قول الكلابية والكرامية بالنصوص الثابتة عنهم، وإنكارهم لقول المعتزلة متواتر مستفيض عنهم، وأنكروا على من جعل ألفاظ العباد بالقرآن غير","vol":"2","page":313},{"text":"مخلوقة، فكيف بالقول المنسوب إلى هؤلاء الحشوية؟.\nولهذا لما كان أبو حامد مستمدًا من كلام أبي المعالي وأمثاله، وأراد الرد على الفلاسفة في التهافت، ذكر أنه يقابلهم بكلام المعتزلة تارة، وبكلام الكرامية تارة، وبكلام الواقفة تارة، كما يكلمهم بكلام الأشعرية، وصار في البحث معهم إلى مواقف غايته فيها بيان تناقضهم، وإذا ألزموه فر إلى الوقف.\nومن المعلوم أنه لا بد في كل مسألة دائرة بين النفي والإثبات من حق ثابت في نفس الأمر أو تفصيل.\nومن المعلوم أن كلام الفلاسفة المخالف لدين الإسلام لا بد أن يناقضه حق معلوم من دين الإسلام موافق لصريح العقل، فإن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بمحالات العقل، وإنما يخبرون بمجازات العقول، وما يعلم بصريح العقل أنتفاؤه لا يجوز أن يخبر به الرسل، بل تخبر بما لا يعلمه العقل وبما يعجز العقل عن معرفته.\nومن المعلوم أن السلف والأئمة له قول خارج عن قول المعتزلة والكرامية والأشعرية والواقفة، ومن علم ذلك القول فلا بد أن يحكيه ويناظرهم به، كما يناظرهم بقول المعتزلة وغيرهم، لكن من لم يكن عارفًا بآثار السلف وحقائق أقوالهم وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة،","vol":"2","page":314},{"text":"وحقيقة المعقول الصريح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك لم يمكنه أن يقول إلا بمبلغ علمه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإنكان ذلك في المسائل العملية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم، بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه، إذا كان مقصوده متابة الرسول بحسب إمكانه: هو أحق بان يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأه، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (البقرة: ٢٨٦) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>عدم ذكر الشهرستاني لقول السلف في نهاية الإقدام</span>\nوالشهرستاني - لما كان أعلم بالمقالات من إخوانه - ذكر في مسألة الكلام قولًا سادسًا، وظن أنه قول السلف، فقال في نهاية الإقدام - بعد أن ذكر قول الفلاسفة، والمعتزلة والأشعرية، والكرامية، وأن المعتزلة لما قالت: (أجمع المسلمون قبل ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام الله، واتفقوا على أنه سور وآيات وحروف منظمومة وكلمات مجموعة، وهي مقروءة مسموعة على التحقيق، لها","vol":"2","page":315},{"text":"مفتتح ومختتم، وأنه معجزه للرسول ﷺ دالة على صدقه، وأن الأشعرية تفرق بين اللفظ والمعنى، وتثبت معنى هو مدلول اللفظ) - ثم قال: (قال السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله، وأن ما نقرؤه ونكتبه ونسمعه عين كلام الله، فيجب أن تكون تلك الكلمات والحروف هي بعينها كلام الله، ولما تقرر الاتفاق على أن كلام غير مخلوق فيجب أن تكون تلك الكلمات أزلية غير مخلوقة.\nولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين: أحدهما القدم، والثاني الحدوث، والقولان مقصوران على الكلمات المتوبة والآيات المقروءة بالألسن، فصار الآن قول ثالث، وهو حدوث الحروف والكلمات وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه العبارات، وقد حتم قدحًا ليس منها وهو خلاف القولين.\nفكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه","vol":"2","page":316},{"text":"الكلمات، دون التعرض لمعنى وراءها، فأبدع الأشعري قولًا، وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع، وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازًا لا حقيقة، وهو عين الابتداع، فهلا قال: ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله، دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته؟ كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه واليدين، إلى غير ذلك من الصفات الخبرية) .\nقال: قال السلف: ولا يظن بنا أن نثبت القدم للحروف والأصوات التي قامت بألسنتنا، وصارت صفات لنا، فأنا على قطع نعلم افتتاحها واختتامها وتعلقها بأكسابنا وأفعالنا، وقد بذل السلف أرواحهم، وصبروا على أنواع البلايا والمحن من معتزلة الزمان، دون أن يقولوا: القرآن مخلوق: ولم يكن ذلك على حروف وأصوات هي أفعالنا وأكسابنا، بل هم عرفوا يقينًا أن لله تعالى قولًا","vol":"2","page":317},{"text":"وكلامًا وأمرًا، وأن أمره غير خلقه، بل هو أزلي قديم بقدمه.\nكما ورد القرآن بذلك في قوله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ (الأعراف: ٥٤) وقوله تعالى: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ (الروم: ٤) وقوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) فالكائنات كلها إنما تتكون بقوله وأمره، وقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢)، وقوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك﴾ (البقرة: ٣٠)، ﴿وإذ قلنا للملائكة﴾ (البقرة: ٣٤)، ﴿قال الله﴾ (المائدة: ١١٥)، فالقول قد ور في السمع مضافًا إلى الله أخص من إضافة الخلق، فإن المخلوق لا ينسب إلى الله تعالى إلا من جهة واحدة وهي الخلق والإبداع، والأمر ينسب إليه لا على تلك النسبة، وإلا فيرتفع الفرق بين الخلق والأمر، والخلقيات والأمريات.\nقالوا: ومن جهة العقل: العاقل يجد فرقًا ضروريًا بين (قال) و(فعل) وبين (أمر) و(خلق) .\nولو كان القول فعلا كسائر الأفعال بطل الفرق الضروري، فثبت أن القول غير الفعل، وهو قبل","vol":"2","page":318},{"text":"الفعل، وقبليته قبلية أزلية، إذ لو كان له أول لكان فعلًا سبقه قول آخر، ويتسلسل) .\nقال: (وحققوا زيادة تحقيق فقالوا: قد ورد في التنزيل أظهر مما ذكرناه من الأمر، وهو التعرض لإثبات كلمات الله، حيث قال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته﴾ (الأنعام: ١١٥) وقال: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ (يونس: ١٩)، وقال تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ (الكهف: ١٠٩)، وقال تعالى ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ (لقمان: ١٧)، وقال تعالى: ﴿ولكن حق القول مني﴾ (السجدة: ١٣)، وقال: ﴿ولكن حقت كلمة العذاب﴾ (الزمر: ٧١) فتارة يجيء الكلام بلفظ الأمر، وتثبت له الوحدة الخالقية التي لا كثرة فيها: ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ (القمر: ٥٠)، وتارة يجيء بلفظ الكلمات وتثبت لها الكثرة البالغة التي لا وحدة فيها ولا نهاية لها ﴿ما نفدت كلمات الله﴾ فله تعالى إذًا أمر وكلمات كثيرة، وذلك لا يتصور إلا بحروف.","vol":"2","page":319},{"text":"فعن هذا قلنا: أمره قديم، وكلماته أزلية، والكلمات مظاهر الأمر، والروحانيات مظاهر الكلمات، والأجسام مظاهر الروحانيات، والإبداع والخلق إنما يبتدي من الأرواح والأجسام وأما الكلمات والحروف والأمر فأزلية قديمة، وكما أن أمره لا يشبه أمرنا، فكلماته وحروف كلماته لا تشبه كلامنا، وهي حروف قدسية علوية، وكما أن الحروف بسائط الكلمات، والكلمات أسباب الروحانيات، والروحانيات مدبرات الجسمانيات، وكل الكون قائم بكلمات الله محفوظ بأمر الله) .\nقال: (ولا يغفلن عاقل عن مذهب السلف وظهور القول في حدوث الحروف فإن له شأنًا، وهم يسلمون الفرق بين القراءة والمقروء والكتابة والممكتوب، ويحكمون بأن القراءة التي هي","vol":"2","page":320},{"text":"صفتنا وفعلنا، غير المقروء الذي ليس هو صفة لنا ولا فعلنا غير أن المقروء بالقراءة قصص وأخبار وأحكام وأمر، وليس المقروء الذي ليس هو صفة لنا ولا فعلنا غير بأن المقروء بالقراءة قص وأخبار وأحكام وأمر، وليس المقروء من قصة آدم وإبليس هو بعينه المقروء من قصة موسى وفرعون، وليست أحكام الشرائع الماضية هي بعينها أحكام الشرائع الخاتمة، فلا بد إذًا من كلمات تصدر عن كلمة وترد على كلمة.\nولا بد من حروف تتركب منها الكلمات، وتلك الحروف لا تشبه حروفنا، وتلك الكمات لا تشبه كلامنا) .\nقلت: فهذا القول الذي ذكره الشهرستاني وحكاه عن السلف والحنابلة ليس هو من الأقوال التي ذكرها صاحب الإرشاد وأتباعه، فإن أولئك لم يحكوا إلا قول من يجعل القديم عين صوت العبد والمداد، وهذا القول لا يعرف به قائل له قول أو مصنف في الإسلام.\nوأما القول الذي ذكره الشهرستاني: فقال به طائفة كبيرة، وهو أحد القولين لمتأخري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم من الطوائف، وهو المذكور عن أبي الحسن بن سالم وأصحابه السالمية، وقد قاله طائفة","vol":"2","page":321},{"text":"غير هؤلاء، كما ذكر ذلك الأشعري في كتاب المقالات لما ذكر كلام ابن كلاب فقال: (قال ابن كلاب: إن الله لم يزل متكلمًا، وإن كلامه صفة له قائمة به، وإنه قدمي بكلامه، وإن كلامه قائم به، كما أن العلم قائم به، والقدرة قائمة به، وإن الكلام ليس بحروف ولا صوت، ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض، وإنه معنى واحد قائم بالله) .\nقال: (وقال بعض من أنكر خلق القرآن: إن القرآن يسمع ويكتب، وإنه متغاير غير مخلوق، وكذلك العلم غير القدرة، والقدرة غير العلم، وإن الله لا يجوز أن يكون غير صفاته، وصفاته متغايرة، وهو غير متغاير) .\nقال: (وزعم هؤلاء أن الكلام غير محدث، وأن الله لم","vol":"2","page":322},{"text":"يزل متكلمًا، وأنه مع ذلك حروف وأصوات، وأن هذه الحروف الكثيرة لم يزل الله متكلمًا بها) .\nقلت: فبعض هذا القول الذي ذكره الشهرستاني عن السلف منقول بعينه عن السلف، مثل إنكارهم على من زعم أن الله خلق الحروف، وعلى من زعم أن الله لا يتكلم بصوت، ومثل تفريقهم بين صوت القارىء وبين الصوت الذي يسمع من الله، ونحو ذلك.\nفهذا كله موجود عن السلف والأئمة.\nوبعض ما ذكره من هذا القول ليس هو معروفًا عن السلف والأئمة، مثل إثبات القدم والأزلية لعين اللفظ المؤلف المعين، ولكن القول الذي أطبقوا عليه: هو أن كلام الله غير مخلوق، ولكن الناس تنازعوا في مرادهم بذلك، والنزاع في ذلك موجود في عامة الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالنزاع في ذلك مبني على هذا الأصل، هو كون قوله - مع أنه غير مخلوق ومع أنه قائم به، ومع أنه لم يزل متكلمًا -: هل يتعلق بقدرته ومشيئته أم لا؟ فهذا القول السابع لم يذكره الشهرستاني ونحوه، إذ الأقوال المعروفة للناس في مسألة الكلام سبعة أقوال.","vol":"2","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>موقف الرازي في مسألة القرآن وأفعال الله</span>\nوالمقصود هنا: أن أبا عبد الله الرازي في أكثر كتبه، لم يبن مسألة القرآن على الطريقة المعروفة لـ الأشعري، وهو أنه يمتنع أن يحدث في نفسه كلام، لكونه ليس محلًا للحوادث، وذلك لأنه قد ضعف هذا الأصل، فلم يمكنه أن يبني عليه، بل أثبت ذلك بإجماع مركب، فقرر بأن الكلام له معنى غير العلم والإرادة، خلافًا للمعتزلة ونحوهم.\nوإذا كان كذلك فكل من قال بذلك قال: إنه معنى واحد قديم قائم بذات الله تعالى، فلو لم يقل بذلك لكان خلاف الإجماع.\nفهذا هو العمدة التي اعتمد عليها في نهاية العقول وهو ضعيف، فإن الإقوال في المسألة متعددة قول غير المعتزلة والكلابية.\nوكان من الممكن أن يقال له: إن ثبت أنه لا يقوم بالله ما يتعلق بمشيئته وقدرته أمكن أن يجعل كلام الله قديمًا بالطريقة المعروفة، فإنه يمتنع أن يحدثه قائمًا في نفسه أو في محل آخر، فإذا أمتنع حدوثها في نفسه تعين قدمه.\nوإن لم يثبت ذلك، بل أمكن أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته أمكن هنا قول الكرامية وقول أهل الحديث الذين يقولون: إنه قول السلف والأئمة، فلم يتعين قول الكلابية، فذكر في نهاية العقول ما جرت عادته وعادة غيره بذكره، وهو أن معنى الكلام: إما أن يكون هو الإرادة والعلم، وإما أن يكون الطلب مغايرًا للإرادة، والحكم الذهني مغايرًا للعلم.\nوالأول باطل، لأن","vol":"2","page":324},{"text":"الإنسان في الشاهد قد يخبر بما يعلمه ولا يعتقده، وقد يأمر بأمر لا يريده، كالسيد إذا كان قصده امتحان العبد.\nقال: (وإذا ثبت ذلك في الشاهد ثبت في الغائب، لانعقاد الإجماع على أن ماهية الخبر لا تختلف في الشاهد والغائب) .\nقال: (فثبت أن أمر الله ونهيه وخبره صفات حقيقية، قائمة بذاته، مغايره لذاته وعلمه، وأن الألفاظ الواردة في الكتب الإلهية دالة عليها.\nوإذا ثبت ذلك وجب القطع بقدمها، لأن الأمة علىقولين في هذه المسألة: منهم من نفى كون الله موصوفًا بالأمر والنهي والخبر بهذا المعنى، ومنهم من أثبت ذلك.\nوكل من أثبته موصوفًا بهذه الصفات زعم أن هذه الصفات قديمة.\nفلو أثبتنا كونه تعالى موصوفًا بهذه الصفات، ثم حكمنا بحدوث هذه الصفات، كان ذلك قولًا ثالثًا خارقًا للإجماع، وهو باطل) .","vol":"2","page":325},{"text":"وأورد على نفسه أسئلة: فمنها قول القائل: (لم قلتم إن تلك المعاني قديمة.\nقولكم: كل من أثبت تلك المعاني أثبتها قديمة؟ قلنا: القول في إثباتها مسألة، والقول في قدمها مسألة أخرى، فلو لزم من ثبوت إحدى المسألتين ثبوت الأخرى، لزم من أثبات كونه تعالى عالمًا بعلم قديم، إثبات كونه تعالى متكلمًا بكلام قديم، وإن سلمنا أن هذا النوع من الإجماع يقتضي قدم كلام الله، لكنه معارض بنوع آخر من الإجماع، وهو أن أحدًا من الأمة لم يثبت قدم كلام الله بالطريق الذي ذكرتموه، فيكون التمسك بما ذكرتموه خرقًا لإجماع) .\nوذكر في جواب ذلك (قوله: لو لزم من إثبات هذه الصفة إثبات قدمها - لأن كل من قال بالأول قال بالثاني - لزم من القول بإثبات العلم القديم إثبات الكلام القديم، لأن كل من قال بالأول قال بالثاني - قلنا: الفرق بين الموضعين مذكور في المحصول","vol":"2","page":326},{"text":"فإن المعتزلة يساعدوننا على الفرق بين الموضعين، فلا نطول قوله: إثبات قدم كلام الله بهذه الطريق على خلاف الإجماع.\nقلنا: قد بينا في كتاب المحصول أن إحداث دليل لم يذكره أهل الإجماع لا يكون خرقًا للإجماع) .\nقلت: المقصود أن يعرف أنه عدل عن الطريقة المشهورة، وهو أنه لو أحدثه في نفسه لكان محلًا للحوادث - مع أنه عمدة ابن كلاب والأشعري ومن اتبعهما - لضعف هذا الأصل عنده، ولو أعتقد صحته لكان ذلك كافيًا مغنيًا له عن هذه الطريقة التي أحدثها.\nوليس المقصود هنا الكلام في مسألة القرآن، فإن هذا مبسوط في مواضعه، وإنما الغرض التنبيه على اعتراف الفضلاء بأن هذا الأصل ضعيف.\nوأما ضعف ما اعتمده في مسألة القرآن: فمبين في موضع آخر، فإن إثبات المقدمة الأولى فيها كلام ليس هذا موضعه، إذ كانت العمدة فيه على أمر الممتحن وخبر الكاذب.\nوالمنازع يقول: هذا إظهار للأمر والخبر، وإلا فهو في نفس الأمر لم يدل الخبر هنا على معنى في النفس.\nولهذا يقول الله تعالى عن الكاذبين إنهم: ﴿يقولون","vol":"2","page":327},{"text":"بألسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ (الفتح: ١١) فهم ينازعون في أن الكاذب قام بنفسه حكم أو دل لفظه على معنى في نفسه، بل أظهر الدلالة على معنى في نفسه كذبًا.\nوأما المقدمة الثانية فضعيفة.\nوذلك أنه يقال: هب أن هذا ثبت، لكن لم لا يجوز أن يتكلم بحروف ومعان قائمة في ذاته حادثة؟ وهذا القول قول طوائف من المسلمين، فليس هو خلاف الإجماع، فإن أبطل هذا بقوله: (ليس هو محلًا للحوادث) .\nقيل: فهذا - إن صح - فهو دليل كاف، كما سلكه من سلكه من الناس، وإن لم يصح بطلت الدلالة، فتبين أنه لا بد في إثبات قدمه من هذه المقدمة.\nوأما قوله: (كل من أثبت اتصاف الله بهذه المعاني فإنه يقول بقدمها) فليس الأمر كذلك.\nبل كثير من أهل الحديث وأهل الكلام يثبتونها ولا يقولون بقدمها.\nوأما الفرق الذي ذكره في المحصول فهو أن الأمة إذا اختلفت في مسألتين على قولين: فإن كان مأخذهما واحدًا - كتنازعهم في الرد وذوي الأرحام - لم يكن لمن بعدهم إحداث موافقة هؤلاء في مسألة وهؤلاء في مسألة.\nوإن كان المأخذ مختلفًا - كتنازعهم في الشفعة وميراث ذوي الأرحام - جاز موافقة هؤلاء في مسألة وهؤلاء في مسألة، فظن أن قدم","vol":"2","page":328},{"text":"الكلام مع إثبات هذه المعاني من هذا الباب، وليس الأمر كذلك، فإن مأخذ إثبات هذه المعاني ليس هو مأخذ القدم، فإن القدم مبني على مسألة الصفات، وعلى أنه: هل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته؟ وأما إثبات هذه المعاني فمسألة أخرى.\nوالناس لهم في مسمى (الكلام) أربعة أقوال: أحدهما: أنه اللفظ الدال على المعنى، والثاني أنه المعنى المدلول عليه باللفظ، والثالث: أنه مقول بالاشتراك على كل منهما، والرابع: أنه اسم لمجموعهما، وإن كان مع القرينة يراد به أحدهما، وهذا قول الأئمة وجمهور الناس، وحينئذ فمن أثبت هذه المعاني وقال: إن اسم (الكلام) يتناولهما بالعموم أو الأشتراك يمكنه إثبات قيام اللفظ والمعنى جميعًا بالذات.\nثم من جوز تعلق ذلك بمشيئته وقدرته يمكنه أن لا يقول بالقدم، أو لا يقول بالقدم في الكلام المعين وإن قال بالقدم في نوع الكلام، ومن لم يجوز ذلك فمنهم طائفة يقولون بقدم الحروف، وطائف تقول بقدم المعاني دون الحروف، وما به يستدل أولئك على حدوث الحروف كالتعاقب والمحل يعارضونهم بمثله في المعاني، فإنه بالنسبة إلينا متعاقبة، ولها محل لا يليق بالله تعالى.\nفإن","vol":"2","page":329},{"text":"جاز أن تجعل فينا متعددة مع اتحادها في حق الله تعالى، وأن محلها منه ليس كمحلها منا: أمكن أن يقال في الحروف كذلك: إنها وإن تعددت فينا فهي متحدة هناك، وليس المحل كالمحل.\nوإذا قيل: (هي مرتبة فينا) قيل: فكذلك المعاني مرتبة فينا.\nفترتيب أحدهما كترتيب الآخر.\nوإذا قيل: (دعوى أتحادهما مخالف لصريح العقل) .\nقيل: وكذلك دعوى اتحاد المعاني، فكلام هؤلاء من جنس كلام هؤلاء.\nوالمقصود هنا: الكلام على هذا الأصل، وهي مسألة الصفات الاختيارية كالأفعال ونحوها مما يقوم به، ويتعلق بمشيئته وقدرته.\nوأما قول القائل: (الجمهور على خلاف ذلك، وإنما الخلاف فيه مع الكرامية) فهذا قول من ظن أن طوائف المسلمين منحصرة في المعتزلة والكلابية والكرامية، بل أكثر طوائف المسلمين يجوزون ذلك: من أهل الكلام وأهل الحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم.\nوأما أئمة أهل الحديث والسنة فكالمجمعين على ذلك، فكلام من يعرف كلامه في","vol":"2","page":330},{"text":"ذلك صريح فيه، والباقون معظمون لمن قال ذلك، شاهدون له بأنه إمام في السنة والحديث، لا ينسبونه إلى بدعة.\nوأما متأخرو أهل الحديث فلهم فيها قولان، ولأصحاب أحمد قولان، ولأصحاب الشافعي قولان، ولأصحاب مالك قولان، ولأصحاب أبي حنيفة قولان، وللصوفية قولان، وجمهور أهل التفسير على الإثبات.\nوأما أهل الكلام فقد ذكر الأشعري هذا في كتاب المقالات عن غير واحد من أئمة الكلام غير الكرامية، ولم يذكر للكرامية شيئًا انفردوا به إلا قولهم في الإيمان، بل ذكر عن هشام بن الحكم وغيره من الشيعة أنهم يصفونه بالحركة والسكون ونحو ذلك، وأن عامة القدماء من الشيعة كانوا يقولون بالتجسيم أعظم من قول الكرامية، وأن المتأخرين منهم هم الذين قالوا في التوحيد بقول المعتزلة، بل ذكر عنهم تجدد الصفات من العلم والسمع والبصر، والناس قد حكوا عن هشام والجهم أنهما يقولان بحدوث العلم، وهذا رأس المعطلة وهذا رأس الشيعة، لكن جهم كان يقول بحدوث العلم في غير ذاته، وهشام يقول بحدوثها في ذاته، وحكى الأشعري تجدد العلم له عن جمهور","vol":"2","page":331},{"text":"الإمامية.\nوحكى عنهم إثبات الحركة به، وأن كلهم يقولون بذلك إلا شرذمة منهم، وذكر عن هشام بن الحكم وهشام بن الجواليقي وأبي مالك الحضرمي وعلي بن ميثم وغيرهم أنهم يقولون إرادته حركة، وهل يقال: إنها غيره أم لا؟ على قولين لهم، وذكر عن طائفة أنهم يقولون: يعلم الأشياء قبل كونها، إلا أعمال العباد، فإنه لا يعلمها إلا في حال كونها، وهذا قول غلاة القدرية، كمعبد الجهني وأمثاله، وهو أحد قولي عمروبن عبيد.\nوذكر عن زهير الأثري أنه كان يقول: إن الله ليس بجسم ولا محدود، ولا يجوز عليه الحلول والمماسة، ويزعم أن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال","vol":"2","page":332},{"text":"تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ (الفجر: ٢٢)، ويزعم أن القرآن كلام الله محدث غير مخلوق) .\nقال: (وكان أبو معاذ التومني يوافق زهيرًا في أكثر قوله، ويخالفه في القرآن، ويزعم أن كلام الله: حدث غير محدث ولا مخلوق، وهو قائم بالله لا في مكان، وكذلك قوله في محبته وإرادته أيضًا) .\nقال زهير: كلام الله حدث وليس بمحدث، وفعل وليس بمفعول، وامتنع أن يزعم أنه خلق، ويقول: ليس بخلق ولا مخلوق، وإنه قائم بالله، ومحال أن يتكلم بالله بكلام قائم بغيره، كما يستحيل أن يتحرك بحركة قائمة بغيره، وكذلك يقول في إرادة الله ومحبته وبغضه: إن ذلك أجمع قائم بالله.\nقال الأشعري: (وبلغني عن بعض المتفقهة أنه كان يقول: إن الله لم يزل متكلمًا، بمعنى أنه يزل قادرًا على الكلام، ويقول: إن كلام الله محدث غير مخلوق) .\nقال: (وهذا قول داود الأصبهاني) .\nقال: (وكل القائلين بأن القرآن غير مخلوق، كنحو عبد الله بن كلاب،","vol":"2","page":333},{"text":"ومن قال إنه محدث كنحو زهير، ومن قال: إنه حدث كنحو أبي معاذ التومني - يقولون: إن القرآن ليس بجسم ولا عرض) .\nوأما الحجة التي احتج بها الرازي للنفاة فهي أيضًا ضعيفة من وجوه.\nأحدها: أن المقدمة التي اعتمد عليها فيه قوله: (إن الخالي عن الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص) .\nفيقال: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، فإن ما كان وجوده مشروطًا بحادث سابق له امتنع إمكان وجوده قبل وجود شرطه، وعلى هذا: فالخلو عن هذه في الأزل لا يكون خلوًا عما يمكن الاتصاف به، والخالي عما لا يمكن اتصافه به ليس بناقص.\nالوجه الثاني: أن يقال: هو لم يثبت امتناع ما ذكره من النقص بدليل عقلي، ولا ينص كتاب ولا سنة، بل إنما أثبته بما ادعاه من الإجماع.\nوهذه طريقته وطريقة أبي المعالي قبله ومن وافقهم، يقولون: إن امتناع النقص على الله تعالى إنما علم بالإجماع، لا بالنص ولا بالعقل، وإذا كان كذلك فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع، فكيف يحتج بالإجماع في مسائل النزاع؟","vol":"2","page":334},{"text":"فإن قال: هؤلاء وافقونا على امتناع النقص عليه، وإنما نازعونا في كون ذلك نقصًا.\nقيل له: إما أن يكونوا وافقوا على إطلاق اللفظ، وإما أن يكونوا وافقوا على معانية.\nفإن وافقوا على إطلاق القول بأنه سبحانه منزه عن النقص، وقالوا: ليس هذا من النقص، لم يكن مورد النزاع داخلًا فيما عنوه بلفظ النقص، ومعلوم إن الإجماع حينئذ لا يكون حاصلًا على المعنى المتنازع فيه، ولكن على لفظ لم يدخل فيه هذا المعنى عند بعض أهل الإجماع، ومثل هذا لا يكون حجة في المعنى، ولكن غايته - إذا قام الدليل على أن هذا يسمى في اللغة نقصًا -: أن يكونوا لم يعبروا باللفظ اللغوي، وهذا بتقدير أن لا يكون له مساغ في اللغة: إنما فيه خطأ لغوي، فكيف إذا كانت هذه المقدمات غير مسلمة لهم في اللغة أيضًا؟ ومثل هذا ليس بحجة على المعاني المتنازع فيه، وإنما يكون حجة لفظية، لو صحت مقدماته، فلا يحصل بها المقصود.\nوإن كانوا وافقوا على نفي المعاني التي يعبر عنها بلفظ النقص: فمعلوم أن المعنى المتنازع فيه لم يوافقهم عليه، فتبين أن مورد النزاع لا إجماع على نفيه قطعًا، فلا يجوز الإحتجاج على نفيه بالإجماع.","vol":"2","page":335},{"text":"الوجه الثالث: أن يقال: إن قول القائل: (إن الأمة اجتمعت على تنزه الله تعالى عن النقص، وقوله: أجتمعت على تنزيه الله تعالى عن العيب والآفة ونحو ذلك) .\nوهذا القدر ليس بمنقول اللفظ عن كل واحد من الأمة، لكن نحن نعلم أن كل مسلم فهو ينزه الله تعالى عن النقص والعيب، بل العقلاء كلهم متفقون على ذلك، فإنه ما من احد ممن يعظم الصانع ﷾ وصف الله بصفة وهو يعتقد أنها آفة وعيب ونقص في حقه، وإن كان بعض الملحدين يصفه بما يعتقده هو نقصًا وعيبًا، فهذا من جنس نفاة الصانع تعالى، ولهذا كان نفاة الصفات إنما نفوها وهم يعتقدون أن إثباته يقتضي النقص كالحدوث والإمكان ومشابهة الأحياء، مثبتوها إنما اثبتوها لاعتقادهم أن إثباتها يوجب الكمال.\nوعدمها يستلزم النقص والعدم ومشابهة الجمادات، وكذلك مثبتة القدر ونفاته، بل بعض نفاة النبوة زعموا أنهم نفوها تعظميًا لله أن يكون رسوله من البشر، وأهل الشرك أشركوا تعظيمًا لله أن يعبد بلا وساطة تكون بينه وبين خلقه.\nفإذا كان كذلك فمن المعلوم:","vol":"2","page":336},{"text":"أن الإنسان لو احتج بإجماع المسملين على نفي النقص والعيب عن الله تعالى على من يثبت الصفات، مدعيًا أن إثباتها نقص وعيب أو بالعكس، لقال له المثبتة: نحن لم نوافقك على نفي هذا المعنى الذي سميته أنت نقصًا وعيبًا، فلا تحتج علينا بالموافقة على لفظ لم نوافقك على معناه، وأمكنهم حينئذ أن يقولون: نحن ننازعك في هذا المعنى وإن سميته أنت نقصًا وعيبًا، فلا يكون حجة ثابتة، إلا أن يقوم دليل على انتفاء ذلك غير الإجماع المشروط بموافقتهم.\nالوجه الرابع: أن يقال له: قولك: (إجماع الأمة على أن صفاته كلها صفات كمال) إن عنيت بذلك صفاته كلها اللازمة له لم يكن في هذا حجة لك، وإن عنيت ما يحدث بقدرته ومشيئته لم يكن هذا إجماعًا، فإنك أنت وغيرك من أهل الكلام تقولون: إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص، والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفًا، فكونه خالقًا ومبدعًا وعادلًا ومحسنًا ونحو ذلك عندك أمور حادثة متجددة، وليست صفة مدح ولا كمال، وإن قلت (المفعولات ليست قائمة به، بخلاف ما يقوم به) .\nقيل لك: هب أن الأمر كذلك، لكن ما يحدث بقدرته ومشيئته إما أن يقال: هو متصف به أولا يقال: هو متصف به، فإن قيل (ليس","vol":"2","page":337},{"text":"متصفًا لا بهذا ولا بهذا، وإن قيل (هو متصف به) كان متصفًا بهذا وهذا.\nومعلوم أن المشهور عند أهل الكلام من عامة الطوائف أنهم يقسمون الصفات إلى صفات فعلية وغير فعلية، مع قول من يقول منهم: إن الأفعال لا تقوم به، فيجعلونه موصوفًا بالأفعال، كما يقولون: إنه موصوف بأنه خالق ورازق، وعندهم هذه أمور كائنة بعد أن لم تكن، ولما قال لهم من يقول بتسلسل الحوادث من الفلاسفة وغيرهم: (الفعل إن كان صفة كمال لزم اتصافه به في الأزل، وإن كان صفة نقص امتنع اتصافه به في الأبد) أجابوا عن ذلك بأن الفعل ليس صفة كمال ولا نقص.\nالوجه الخامس: احتجاجه بقوله: (إن الأمة مجمعة على أن","vol":"2","page":338},{"text":"صفاته لا تكون إلا صفة كمال) أضعف من احتجاجه بإجماعهم على تنزيه عن صفة النقص، فإن كونه منزهًا عن صفات النقص مشهور في كلام الناس، وأما كون صفاته لا تكون إلا صفات كمال، فليس هذا اللفظ مشهورًا معروفًا عن الأئمة، ومن اطلق ذلك منهم فإنما يطلقه على سبيل الإجمال، لما استقر بالقلوب من ان الله موصوف بالكمال دون النقص.\nوهذه الإطلاقات لا تدل على دق المسائل، ولوقيل لمطلق هذا: (كونه يفعل أفعالًا بنفسه يقدر عليها ويشاؤها هو صفة نقص أو كمال)؟ لكان إلى أن يدخل ذلك في صفات الكمال أو يقف عن الجواب أقرب منه إلى أن يجعل ذلك من صفات النقص.\nالوجه السادس: أن هذا الإجماع حجة عليهم، فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلامًا وفعلًا يقوم به والآخر لا يمكنه ذلك بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور له ولا مراد، أو يكون بائنًا عنه - لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل موجودين وكذلك إذا عرضنا على العقول","vol":"2","page":339},{"text":"موجودين من المخلوقين، أو موجودين مطلقًا، أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه، والآخر لا يمكنه ذلك - لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني، كما أنا إذا عرضنا على العقل موجودين من المخلوقين أو موجودين مطلقًا، أحدهما حي عليم قدير، والآخر لا حياة له ولا علم ولا قدرة، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.\nفنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والعلم والقدرة صفة كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به.\nالتي بها يفعل المفعولات المباينة، صفة كمال.\nوالعقلاء متفقون على أن الأعيان المتحركة، أو التي تقبل الحركة.\nأكمل من الأعيان التي لا تقبل الحركة، كما أنهم متفقون على أن الأعيان الموصوفة بالعلم والقدرة والسمع والبصر، أو التي تقبل الاتصاف بذلك أكمل من الأعيان التي لا تتصف بذلك ولا تقبل الاتصاف به.\nوهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهًا لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، فقد عبد ربًا ناقصًا معيبًا مؤوفًا، ويثبتون أن هذه صفات كمال، فالخالي عنه ناقص.","vol":"2","page":340},{"text":"ومن المعلوم أن كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه يثبت للمخلوق، فالخالق أحق له، وكل نقص تنزه عنه مخلوق، فالخالق سبحانه أحق بتنزيه عنه.\nولما أورد من أورد من الملاحدة نفاة الصفات بأن عدم هذه الصفات إنما يكون نقصًا إذا كان المحل قابلًا لها، وإنما يكون عدم البصر عمى، وعدم الكلام خرسًا، وعدم السمع صممًا: إذا كان المحل قابلًا لذلك كالحيوان، فأما ما لا يقبل ذلك كالجماد، فإنه لا يوصف بهذا ولا بهذا - أجيبوا عن هذا بأن ما لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا أعظم نقصًا مما يقبلهما ويتصف بأحدهما، وإن اتصف بالنقص، فالجماد الذي لا يقبل الحياة والسمع والبصر الكلام أعظم نقصًا من الحيوان الذي يقبل ذلك، وإن كان أعمى أصم أبكم.\nفمن نفى الصفات جعله كالأعمى الأصم الأبكم، ومن قال: إنه لا يقبل لا هذا ولا هذا جعله كالجماد الذي هو دون الحيوان الأعمى الأصم الأبكم، وهذا بعينه موجود في الأفعال، فإن الحركة بالذات مستلزمة للحياة وملزومة لها، بخلاف الحركة بالعرض كالحركة القسرية التابعة للقاسر، والحركة الطبيعية التي تطلب بها العين العود إلى مركزها لخروجها عن المركز، فإن تلك حركة بالعرض.\nوالعقلاء متفقون على ما كان من","vol":"2","page":341},{"text":"الأعيان قابلًا للحركة فهو أشرف مما لا يقبلها، وما كان قابلًا للحركة بالذات فهو أعلى مما لا يقبلها بالعرض، وما كان متحركًا بنفسه كان أكمل من الموات الذي تحركه بغيره.\nوقد بسط في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>فصل</span>\nونحن نتكلم على هذه الحجة - حجة الكمال والنقصان - كلامًا مطلقًا لا يختص بنظم الرازي، إذ يقول القائل: أنا أصوغها على غير الوجه الذي صاغها عليه الرازي فنقول:\nأعلم أن الطوائف المسلمين لهم في هذا الأصل الذي تنبني عليه مسألة الأفعال الاختيارية القائمة بذات الله تعالى أربعة أقوال تتفرع إلى ستة.\nوذلك أنهم متنازعون: هل يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغير الأفعال؟ على قولين مشهورين، ومتنازعون في أن الأمور المتجددة الحادثة: هل يمكن تسلسلها ودوامها في الماضي والمستقبل، أو في المستقبل دون الماضي، أو يجب تناهيها وانقطاعها في الماضي والمستقبل؟ على ثلاثة أقوال معروفة.\nفصارت الأقوال أربعة:\nطائفة تقول: يقوم به ما يتعلق بمشئيته وقدرته، ثم هل يقال","vol":"2","page":342},{"text":"ما زال كذلك، أو يقال: حدث هذا الجنس بعد أن لم يكن؟ على قولين.\nوطائفة تقول: لا يقوم به شيء من ذلك، ثم هل يمكن دوام ذلك وتسلسله خارجًا عنه؟ على قولين.\nوكل من الطائفتين تنازعوا: هل يمكن وجود هذه المعاني بدون محل تقوم به؟ على قولين.\nفالقائلون من أهل القبلة بجواز تسلسل الحوادث: منهم من قال: تقوم به، ومنهم من قال: تحدث لا في محل، ومنهم من قال: تحدث في محل غيره.\nوالمانعون لذلك من أهل القبلة: منهم من قال: تقوم له ولها ابتداء، ومنهم من قال: بل تحدث قائمة في غيره ولها ابتداء، ومنم من قال: بل تحدث لا في محل ولا ابتداء.\nوقد ذكرنا حجة المانعين من قيام المقدرورات والمرادات به، وكلام من ناقضها.\nونحن نذكر حجة المانعين من التسلسل في الآثار، وكلام بعض من عارضهم من أهل القبلة.\nوهذا موجود في عامة الطوائف، حتى في الطائفة الواحدة، فإن أبا الثناء الأرموي قد ذكر في لباب الأربعين لأبي عبد الله الرازي من الاعتراضات على ذلك ما يناسب","vol":"2","page":343},{"text":"هذا الوضع، وتابع في ذلك طوائف من النظار، كأبي الحسن الآمدي وغيره، بل نفس الرازي قد ذكر في مواضع من كتبه نقض ما ذكره في الأربعين ولم يجب عن ذلك، كما قد حكينا كلامه في موضع آخر، وسيأتي إن شاء الله كلام الرازي في إفساد هذه الحجج التي ذكرها في تناهي الحوادث بأمور لم يذكر عنها جوابًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>حجج الرازي على حدوث العالم ومعارضة الأموري له</span>\nوذلك أن أبا عبد الله الرازي ذكر في الأربعين في مسألة حدوث العالم من الحجج على حدوث الأجسام أو العالم ما لم يذكره في عامة كتبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>البرهان الأول</span>\nفذكر خمس حجج: الأولى: أنه لو كانت الأجسام قديمة لكانت إما متحركة أو ساكنة، والأول يستلزم حوادث لا أول لها.","vol":"2","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>امتناع حوادث لا أول لها من وجوه</span>\nواحتج على انتفاء ذلك بستة أوجه:\n(الأول والتعليق عليه)\nأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، وماهية الأزل تنفيها، فامتنعت أزلية الحركة.\nفعارضه أبو الثناء الأرموي بأنه: لقائل أن يقول: كون ماهية الحركة مركبة من جزء سابق وجزء لاحق لا ينافي دوامها في ضمن أفرادها المتعاقبة لا إلى أول، وهو المعني بكونها أزلية.\nقلت: ونكتة هذا الاعتراض أن يقال: إن المستدل قال: ماهية الحركة تقتضي أن تكون مسبوقة بالغير، فهل المراد بالغير: أن تكون الحركة مسبوقة بما ليس بحركة، أو أن يكون بعض أجزائها سابقًا لبعض؟ أما الأول فباطل، وهو الذي يشعر به قوله: (ماهية الحركة","vol":"2","page":345},{"text":"تقتضي المسبوقية بالغير)، فإن ذلك قد يفهم منه أم ماهيتها تقضي أن تكوم مسبوقة بغير الحركة، ولو كان الأمر كذلك لا متنع كون المسبوق بغيره أزليًا، لكن لا يصلح أن يريد إلا الثاني، وهو أن ماهيتها تقتضي تقديم بعض أجزاها على بعض، وحينئذ فقد منعوه المقدمة الثانية وهي قولهم: (إن ماهية الأزل تنفي ذلك)، وقالوا: لا نسلم أن ما كان كذلك لا يكون أزليًا، بل هذا رأس المسألة، ولا سيما وهو - وجماهير المسلمين وغيرهم من أهل الملل - يسلمون أن ما كان كذلك فإنه يصلح أن يكون أبديًا.\nومعلوم أن ماهية الحركة تقتضي أن يكون بعضها متأخرًا عن بعض، ولا يمتنع مع ذلك وجود ما لا انقضاء له من الحركات.\nقالوا: فكذلك لا يمتنع وجود ما لا ابتداء له منها، كما لم يمنتع وجود ما لا أول لوجوده وهو القديم الواجب الوجود، مع إمكان تقدير حركات وأزمنة لا ابتداء لها مقارنة لوجوده، والكلام في انتهاء المحقق كالكلام في انتهاء المقدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>الثاني والتعليق عليه</span>\nقال الرازي: الوجه الثاني: (لو كانت أدوار الفلك متعاقبة لا إلى أول كان قبل كل حركة عدم لا إلى أول، وتكل العدمات","vol":"2","page":346},{"text":"مجتمعة في الأزل، وليس معها شيء من الوجودات، وإلا لكان السابق مقارنا للمسبوق، فلمجموع الوجودات أول) .\nقال الأرموي: (ولقائل أن يقول: إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا ما فهو ممنوع، لأنه ما من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها فيه لوجود الحركة التي هي عدمها، ضرورة تعاقب تلك الحركات لا إلى أول، وإن عنيت به أنه لا ترتيب في بدايات تلك العدمات كما في بدايات الوجودات، فلا يلزم من اجتماع بعض الوجودات معها المحذور) .\nقلت: مضمون هذا: أن عدم كل حركة ينتهي بوجودها، فليست الأعدام متساوية في النهايات، فلا تكون مجتمعة في شيء من الأوقات، لأنه في كل وقت يثبت بعضها دون بعض لوجود حادث يزول به عدمه، ولكن لا بداية لكل عدم منها، فإن ما حدث لم يزل معدوما قبل حدوثه، بخلاف الحركات، فإن لكل بداية، وحينئذ فلا يمتنع أن يقارن الوجود بعضها دون بعض، كما يقارن الوجود الباقي الأزلي عدم كل ما سواه، فالمستدل يقول: عدم كل حادث ثابت في الأزل.","vol":"2","page":347},{"text":"وليس الجنس حادثا، حتى يكون مسبوقا بعدم الجنس، وإنما الحادث أفراده، كما في دوامه في الأبد.\nفليس لعدم المجموع تحقق في الأزل، والعدم السابق لأفراد الحركات بمنزلة العدم اللاحق لها.\nولا يقال: إن تلك الإعدام مجتمعة في الأبد.\nوالفرق بين عدم المجموع وعدم كل فرد فرد: فرق ظاهر، والمستدل يقول: عدم كل واحد أزلي، فمجموع الأعدام أزلي.\nوهذا بمنزلة أن يقول: كل واحد من الأفراد حادث، فالمجموع حادث، أو كل حادث فله بداية فالمجموع له بداية، وبمنزلة أن يقول: كل حادث فله انقضاء، فمجموع الحوادث له انقضاء، أو كل واحد مسبوق بغيره، فالمجموع مسبوق بغيره.\nفإذا قال المتكلم عن المستدل: قول المعترض: (إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا ما فهو ممنوع، لأنه ما من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها فيه) ليس بمستقيم، فإنها مجتمعة في الأزل.\nقال المتكلم عن المعترض: ليس الأزل ظرفا معينا يقدر فيه وجود أو عدم، كما أن الأبد ظرفا معينا يقدر فيه وجود أو عدم، ولكن معنى كون الشيء أزليا: أنه ما زال موجودا، أو ليس لوجوده ابتداء، ومعنى","vol":"2","page":348},{"text":"كونه أبديا، أنه لا يزال موجودا، أو ليس لوجوده انتهاء.\nومعنى كون عدم الشيء أزليا: أنه ما زال معدوما حتى وجد، وإن كان عدمه مقارنا لوجود غيره.\nوقائل ذلك يقول: لا يتصور اجتماع هذه العدمات في وقت من الأوقات أصلا، بل ما من حال إلا فيه عدم بعضها ووجود غيره، فقول القائل: (إن العدمات مجتمعة في الأزل) فرع إمكان اجتماع هذه الأعدام، واجتماع هذه الأعدام ممتنع.\nوسيأتي تمام الكلام على ذلك بعد هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>الثالث والتعليق عليه</span>\nقال الرازي: (الثالث): إنه إن لم يحصل شيء من الحركات في الأزل، أو حصل ولم يكن مسبوقًا بغيرها - فلكلها أول، وإن كان مسبوقًا بغيرها كان الأزل مسبوقًا بالغير) .\nقال الأرموي: (ولقائل أن يقول: ليس شيء من الحركات","vol":"2","page":349},{"text":"الجزئية أزليًا، بل كل واحدة منها حادثة.\nوإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد الجزئية، وهي ليست مسبوقة بغيرها، فلم يلزم أن يكون لكل الحركات الجزئية أول) .\nقلت: قول المستدل: (إن حصل شيء من الحركات في الأزل ولم يكن مسبوقًا بغيرها فلها أول) يريد به: ليس مسبوقًا بحركة أخرى، فإن الحركة المعينة التي لم تسبقها حركة أخرى تكون لها إبتداء، فلا تكون أزلية، إذ الأزلي لا يكون إلا الجنس.\nأما الحركة المعينة إذا قدرت غير مسبوقة بحركة كانت حادثة، كما أنها إذا كانت مسبوقة كانت حادثة، ولم يرد بقوله: (إن حصل شيء من الحركات في الأزل ولم يكن مسبوقًا بغيره فلها أول) أي لم يكن مسبوقًا بغير الحركات، فإن ما كان في الأزل ولم يكن مسبوقًا بغيره لا يكون له أول، فلو أراد بالغير غير الحركات لكان الكلام متهافتًا، فإن ما كان أزليًا لا يكون مسبوقًا بغيره، فالجنس عند المنازع أزلي، وليس مسبوقًا بغيره، والواحد من الجنس ليس بأزلي، وهو مسبوق بغيره.\nوما قدر أزليًا لم يكن مسبوقًا بغيره.\nسواء كان جنسًا أو شخصًا، لكن إذا قدر أزليًا - وليس مسبوقًا بغيره - فكيف يكون له أول؟ ولكن إذا قدر مسبوقًا بالغير كان له أول، فالمسبوق بغير هو الذي له أول، وأما ما ليس مسبوقًا بغيره فكيف يكون له أول؟","vol":"2","page":350},{"text":"ومع هذا فيقال له: تقدير كون الحركة المعينة في الأزل ومسبوقة بأخرى جمع بين النقيضين، فهو ممتنع لذاته، والممتنع لذاته يلزمه حكم ممتنع، فلا يضر ما لزم على هذا التقدير.\nوأما على التقدير الآخر - وهو حصول شيء منها في الأزل مع كونه مسبوقًا - فقد أجابوا الأرموي: بأن وجود الحركة المعينة في الأزل محال أيضًا، وإذا كان ذلك ممتنعًا جاز أن يلزمه حكم ممتنع، وهو كون الأزلي مسبوقًا بالغير، وإنما الأزلي هو الجنس، وليس مسبوقًا بالغير.\nوقد اعترض بعضهم على هذا الاعتراض بأن قال: فحيئنذ ليس شيء من الحركات حاصلًا في الأزل، إذ لو حصل في الأزل لا متنع زواله، وما هذا شأنه يمتنع كونًا أزليًا.\nوجواب هذا الاعتراض أن يقال: ليس شيء من الحركات المعينة في الأزل، إذ ليس شيء منها لا أول له، بل كل واحد منها له أول، لكن جنسها: هل له أول؟ وهذا غير ذلك، والمنازع يسلم أن ليس شيء من الحركات المعينة أزليًا، وإنما نزاعه في غير ذلك، كما أنه يسلم أنه ليس شيء من الحركات المعينة أبديًا، مع أنه يقول: جنسها أبدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>الرابع والتعليق عليه</span>\nقال الرازي: الوجه الرابع: (كلما تحرك زحل دورة","vol":"2","page":351},{"text":"تحركت الشمس ثلاثين فعدد دورات زحل أقل من عدد دورات الشمس، والاقل من غير متناه، والزائد على المتناهي بالمتناهي متناه، فعددهما متناه) .\nقال الأرموي: (ولقائل أن يقول: تضعيف الواحد إلى غير النهاية أقل من تضعيف الاثنين كذلك مع كونهما غير متناهيين)\nقلت: هذا الذي ذكره الأرموي معارضة ليس فيه منع شيء من مقدمات الدليل، ولا حل له، ثم قد يقول المستدل: الفرق بين مراتب الأعداد وأعداد الدورات من وجهين.\nأحدهما: أن مراتب الأعداد المجردة لا وجود لها في الخارج، وإنما يقدرها الذهن تقديرًا، كما يقدر الأشكال المجردة يقدر شكلًا مستديرًا وشكلًا أكبر منه وشكلًا أكبر من الآخر وهلم جرًا، وتلك الأشكال التي يقدرها الذهن لا وجود لها في الخارج، وكذلك الأعداد المجردة لا وجود لها في الخارج، فالكم المتصل أو المنفصل إذا أخذ مجردًا عن الموصوف به لم يكن إلا في الذهن، وكذلك الجسم التعليمي - وهو أن يقدر طول وعرض وعمق مجرد عن الموصوف به - وإذا كان كذلك لم يلزم من إمكان تقدير ذلك في الذهن إمكان وجوده في الخارج، فإن الذهن تقر فيه الممتنعات، كاجتماع النقيضين والضدين، فيقدر فيه كون الشيء موجودًا معدومًا، وكون الشيء متحركًا ساكنًا، ويقدر فيه","vol":"2","page":352},{"text":"أن كون الشيء لا موجودًا ولا معدومًا، ولا واجبًا ولا ممكنًا ولا ممتنعًا، إلا غير ذلك من التقديرات الذهنية التي لا تسلتزم إمكان ذلك في الخارج، ولهذا يمكن تقدير خط لا يتناهى وسطح لا يتناهى، وتقدير أشكال بعضها أكبر من بعض بلا نهاية وأبعاد لا نهاية لها، ولا يلزم من إمكان تقدير ما لا نهاية له في الذهن إمكان ذلك في الخارج، والمنازعون يسلمون امتناع أجسام لا يتناهى قدرها وأبعاد لا تتناهى وعلل ومعلولات لا تتناهى، مع إمكان تقدير ذلك في الذهن.\nفإذا قيل لهم: كذلك تقدير أعداد لا تتناهى، أو تقدير مراتب أعداد لا تتناهى بعضها أفضل من بعض، إذا قدر في الذهن لم يدل ذلك على إمكان وجوده في الخارج - بطلت معارضتهم، وكان من عارض تقدير الأعداد التي لا تتناهى بتقدير الأشكال التي لا تتناهى وتقدير التفاضل في هذا كالتفاضل في هذا: أولى ممن عارض تفاضل الدورات بتفاضل مراتب الأعداد، فإنه إذا قيل: تضعيف الواحد إلى غير نهاية أقل من تضعيف الاثنين.\nقيل: وإذا فرض خط عرضه بقدر الكف لا يتناهى طولًا وخط عرضه بقدر الذراع لا يتناهى، فالذي بقدر الكف أقل، وإذا فرض أجسام مستديرة كل منها بقدر رأس الإنسان لا تتناهى، وأخرى كل منها بقدر الفلك لا","vol":"2","page":353},{"text":"تتناهى، كانت مقادير تلك أصغر، مع أن الجميع لا يتناهى، كان معلومًا أن هذه المعارضة أعدل وأولى بالقبول من تلك المعارضة.\nالوجه الثاني: إن كان تضعيف الأعداد ومراتبها وسائر المقادير إلى غير نهاية كان هذا التضعيف إنما هو في الذهن، فكل ما يتصوره الذهن من ذلك ويقدره فهو يتناهى، والذهن لا يزال يضعف حتى يعجز، وهكذا أذا نطق بأسماء الأعداد أو بألفاظ فلا يزال ينطق حتى يعجز، وإن قدر أنه لا يعجز بل لا يزال الذهن يقدر اللسان ينطق فإن جميع ذلك داخل في الوجود الذهني واللفظي والجناني واللساني، وكل ما يدخل من ذلك في الوجود فهو متناه وله مبدأ محدود، فله أول ابتدء منه، وهو من ذهن الإنسان ولفظه، وكل ما يوجد منه متعاقبًا فإنه منتهاه، لكن هذا يدل على جواز ما لا نهاية له في المستقبل، وأن الشيء قد يكون له بداية ولا يكون له نهاية، فإن ما يخطر بالأذهان وينطق به اللسان له بداية، ويمكن وجود ما لا يتناهى منه، ومن هذا الباب أنفاس أهل الجنة وألفاظهم وحركاتهم، فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ومن هذا الباب تسبيح الملائكة دائمًا.\nفهذا المذكور من تضعيف الأعداد ذهنًا ولفظا يدل على وجود ما لا يتناهى في المستقبل إذا كان له بداية محدودة، وأما التفاضل فيه - سواء أريد به تضعيف الذهن، أو اللسان، أو جميعهما - فمعلوم أنه إذا قيل: ضعف الواحد وضعف ضعفه وضعف ضعف ضعفه وهلم جرًا،","vol":"2","page":354},{"text":"وقيل: ضعف الاثنين وضعف ضعفهما وضعف ضعف الضعف وهلم جرا، فإن أريد بكون تضعيف الواحد أقل من تضعيف الاثنين، أن ما وجد من نطق اللسان بالتضعيف أو ما يخطر بالقلب من التضعيف أقل، فهذا ممنوع إذا قدر التساوي في المبدأ والحركة، وإن قدر التفاضل فأكثرهما أسبقهما مبدأ وأقواهما حركة، وحينئذ فقد يكون تضعيف الواحد هو الأكثر.\nوإن أريد بذلك أن مسمى أحد اللفظين أكثر مما في كل مرتبة من مراتب التضعيف، فإذا ضعف الواحد خمس مرات كان اثنين وثلاثين، وإذا ضعف الاثنان خمس مرات كان أربعًا وستين مرة، فهذه الأربع والستون ليست معدودًا موجودًا في الخارج ولا في الذهن حتى يقال: وجد التفاضل فيما لا يتناهى، وإنما نطق بلفظ أعداد متناهية، والمعدودات ليست موجودة لا في الذهن ولا في الخارج، فلو قدر وجود ألفاظ الأعداد من هذه المرتبة ومن هذه المرتبة في الذهن واللسان لم يلزم إذا قدر أنهما غير متناهيين أن يكونا متفاضلين مع استوائهما في المبدأ والحركة.\nوإن أراد أن مسمى هذا لو وجد لكان أكبر من مسمى هذا.","vol":"2","page":355},{"text":"فيقال: نعم، ولكن لم قلت: إن وجود ذلك المسمى ممكن؟ وهذا كما لو قال القائل: (ما لا يتناهى أقدره في ذهني وأتكلم بلفظه) لم يكن في ذلك ما يقتضي أنه يمكن وجوده في الخارج، كما يقدر ذهنًا ولسانًا ما لا يتناهى من الأجسام والأبعاد والأشكال، فهذا هذا، فهذا مما يجيب به المستدل عن المعارضة بمراتب الأعداد.\nوهذا الفرق - وإن كما قد أوردناه - فقد ذكره غير واحد من النظار المفرقين بين العدد والحركات من متكلمي المسلمين وغيرهم، وذكر هؤلاء هذا الفرق المعروف عند من يوافق المستدل على هذا النقض هو أن تضعيف العدد ليس أمرًا موجودًا، بل مقدرًا، بخلاف ما وجد من الحركات.\nوهكذا فرق من فرق بين الماضي والمستقبل، بأن الماضي قد وجد، بخلاف المستقبل، والممتنع وجود ما لا يتناهى، لا تقدير ما لا يتناهى.\nومن يوافق المعترض يقول: الماضي أيضًا قد عدم، فليست أفراده موجودة معًا والمحذور وجود ما لا يتناهى فيما كان مجتمعًا، بل مجتمعًا منتظما بعضه ببعض، بحيث يكون له ترتيب طبيعي أو وضعي.\nوهذا فرق ابن سينا وأتباعه من المتفلسفة، ولكن ابن رشد","vol":"2","page":356},{"text":"يقول: إن مذهب الفلاسفة الفرق بين المجتمع وغير المجتمع، سواء كان المجتمع له ترتيب أو ليس له ترتيب، وإنما النزاع بينهم في النفوس البشرية المفارقة: هل هي موجودات متميزة غير متناهية أم لا؟\nويقول هؤلاء: لا نسلم أن ما كان وعدم، أو ما سيكون، إذا قدر أن بعضه أقل من بعض يجب أن يكون متناهيًا، والمؤمنون بأن نعيم الجنة دائم لا ينقضي من المسلمين وأهل الكتاب يسلمون ذلك، ولم ينازع فيه من أهل الكلام إلا الجهم ومن وافقه على فناء النعيم، وأبو الهذيل القائل بفناء الحركات، وهما قولان شاذان قد اتفق السلف والأئمة وجماهير المسلمين على تضليل القائلين بهما، ومن أعظم ما أنكروه السلف والأئمة على الجهمية: قولهم بفناء الجنة.\nوقال الأشعري في كتاب المقالات: وأختلفوا أيضًا في معلومات الله ﷿ ومقدوراته: هل لها كل، أو لا كل لها؟ على مقالتين، فقال أبو الهذيل: إن لمعلومات الله كلًا وجميعًا، ولما يقدر الله عليه: كل وجميع، وإن أهل الجنة تنقطع حركاتهم","vol":"2","page":357},{"text":"يسكنون سكونًا دائمًا.\nوقال أكثر أهل الإسلام: ليس لمعلومات الله، ولا لما يقدر عليه كل ولا غاية.\nواختلفوا أيضًا: هل لأفعال الله سبحانه آخر، أم لا آخر لها؟ على مقالتين، فقال الجهم بن صفوان: إن لمعلومات الله ومقدوراته غاية ونهاية، ولأفعاله آخر، وإن الجنة والنار تفنيان ويفنى أهلهما، حتى يكون الله آخر، وإنهما لا تزالان باقيتين، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يعذبون، ليس لذلك آخر، ولا لمعلومات الله ومقدوراته غاية ولا نهاية.\nوقد ذكر بعض الناس بين الماضي والمستقبل فرقًا بمثال ذكره، كما ذكره صاحب الإرشاد وغيره، وهو أن المستقبل بمنزلة ما إذا قال قائل: لا أعطيك درهمًا إلا أعطيتك بعده درهمًا، وهذا كلام صحيح، والماضي بمنزلة لا أعطيك درهمًا إلا أعطيتك قبله درهمًا، وهذا كلام متناقض.","vol":"2","page":358},{"text":"لكن هذا المثال ليس بمطابق، لأن قوله: (لا أعطيك) نفي للحاضر والمستقبل، ليس نفيًا للماضي، فإذا قال (لا أعطيك هذه الساعة أو بعدها شيئًا إلا أعطيتك قبله شيئًا) اقتضى أن لا يحدث فعلًا الآن حتى يحدث فعلًا في الزمن الماضي، وهذا ممتنع.\nأو بمنزلة أن يقول: (لا أفعل حتى أفعل) وهذا جمع بين النقيضين.\nوإنما مثاله أن يقول: ما أعطيتك درهمًا إلا أعطيتك قبله درهمًا، فكلاهما ماض.\nفإذا قال القائل: (ما يحدث شيء إلا ويحدث بعده شيء) كان مثاله أن يقول: ما حدث شيء إلا حدث قبله شيء، لا يقول لا يحدث بعده شيء) كان مثاله أن يقول: ما حدث شيء إلا حدث قبله شيء، لا يقول (لا يحدث في المستقبل شيء إلا حدث قبله شيء) وكل ما له ابتداد وانتهاء كعمر العبد، يمتنع أن يكون فيه عطاء لا انتهاء له، أو عطاء لا ابتداء له، وإنما الكلام فيما لم يزل ولا يزال.\nوالناس لهم في إمكان وجود ما لا يتناهى أقوال:\nأحدها: امتناع ذلك مطلقًا، في الماضي والمستقبل والحاضر، في كل شيء، وهذا قول الجهم وأبي الهذيل.\nوالثاني: جواز ذلك، حتى في الأبعاد التي لا تتناهى، وهو قول طائفة من فلاسفة الهند وطائفة من نظار أهل الملة وغيرهم، يقولون: إن الرب له قدر لا يتناهى.\nثم من هؤلاء من يقول: لا يتناهى من","vol":"2","page":359},{"text":"جميع الجهات، ومنهم من يقول: يتناهى من جهة العرش فقط، وأما من سائر الجهات فإنه لا يتناهى.\nوقد ذكر الأشعري في المقالات هذه الأقوال وغيرها عن طوائف، وممن ذكر ذلك: الكرامية، وطائفة من أتباع الأئمة، كـ القاضي أبي يعلى وغيره، وهؤلاء منهم من يقول بتناهي الحوادث في الماضي، مع قوله بوجود ما لا يتناهى من المقدار في الحاضر.\nوكذلك معمر وأتباعه من أصحاب المعاني، يقولون بوجود معان لا تتناهى في آن واحد، مع قولهم بامتناع حوادث لا أول لها، فصار بعض الناس يقول بجواز التناهي في الحوادث الماضية والأبعاد، ومنهم من يقول بجواز ذلك في الأبعاد دون الحوادث، فهذه ثلاثة أقوال.\nالرابع: قول من يقول: لا يجوز ذلك فيما دخل في الوجود، لا في الماضي ولا في الحاضر، ويجوز فيما لم يوجد بعد، وهو المستقبلات، وهذا قول كثير من النظار.\nالخامس: قول من يقول: يجوز ذلك في الماضي ولامستقبل، ولا يجوز فيما يوجد في آن واحد، لا في الأبعاد ولا الأنفس ولا المعاني، وهو قول ابن رشد، وحكاه عن الفلاسفة.\nوزعم أن النفوس البشرية واحدة بعد المفارقة، كما زعم أنها كانت كذلك قبل المفارقة.","vol":"2","page":360},{"text":"السادس: قول من يقول: ما كان مجتمعًا مترتبًا فإنه يجب تناهيه كالعلل والأجسام، فتلك لها ترتيب طبيعي، وهذه لها ترتيب وضعي، وكلها موجودة في آن واحد.\nوأما ما لم يكن له ترتيب - كالأنفس - أو كان له ترتيب ولكن يوجد متعاقبًا - كالحركات - فلا يمتنع فيه وجود ما لا يتناهى، وهذا قول ابن سينا، وهو المحكي عندهم عن أرسطو وأتباعه، لكن ابن رشد ذكر أن هذا القول لم يقله أحد من الفلاسفة إلا ابن سينا.\nوأما وجود علل ومعلولات لا تتناهى: فهذا مما لم يجوزه أحد من العقلاء.\nإذا عرف هذا تكلمنا على الاحتجاج بتفاضل الدورات التي لا تتناهى، فإن الشمس تقطع الفلك في السنة مرة، والقمر اثنتي عشرة مرة، وهذا مشهود، والمشتري في كل اثنتي عشرة سنة مرة، وزحل في كل ثلاثين سنة مرة، فتكون دورات القمر بقدر دورات زحل ثلاثمائة وستين مرة، ودورات الشمس بقدر دورات زحل ثلاثين مرة، فتكون دورات هذا أضعاف دورات هذا، وكلاهما لا يتناهى عند القائلين بذلك، والأقل من غير المتناهي متنهاه، والزائد على المتناهي متناه، وقد عرف أن المعارضة بالعدد باطلة.","vol":"2","page":361},{"text":"وقد يقال: هذا من جنس تطبيق الحوادث الماضية إلى اليوم بالحوادث الماضية إلى أمس، فإن كلاهما لا يتناهى مع التفاضل.\nوهو الوجه الخامس الذي سيأتي.\nلكن بينهما فروق مؤثرة:\nمنها: أنه هناك هذه الحوادث هي تلك بعينها، لكن زادت حوادث اليوم، فغاية تلك: أن يكون ما لا إبتداء له من الحوادث لا يزال في زيادة شيئًا بعد شيء، وأما هنا: فهذه الدورات ليست تلك.\nومنها: أنه هناك فرض انطباق اليوم على الأمس، مع اشتراكهما في عدم البداية، وهذا التطبيق ممتنع.\nفإن حقيقته: أنا نقدر تماثلهما وتفاضلهما، فإنه إذا طبق أحدهما على الآخر لزم التماثل مع التفاضل، لأنهما استويا في عدم البداية وفي حد النهاية، وهما متفاضلان، وهذا تقدير ممتنع، بخلاف الدورتين، فإنهما هنا مشتركان في عدم البداية، وفي حد النهاية، فالتفاضل هنا حاصل مع الاشتراك في عدم النهاية عند هؤلاء، فهذا لا يحتاج إلى فرض وتقدير، حتى يقال: هو تقدير ممتنع، بخلاف ذلك.\nولكن التقابل يوافق ذلك التقابل في أن كليهما قد عدمت فيه الحوادث الماضية، ويوافقه في أن كليهما قد قدر فيه انتهاء الحوادث من أحد الجانبين، فهما متفقان من هذين الوجهين، مفترقان من ذينك الوجهين.","vol":"2","page":362},{"text":"وحينئذ فيقال: الدهرية يزعمون أن حركات الفلك لا بداية لها ولا نهاية، لا يجعلون لها آخرًا تنتهي إليه فلا يصح اعتمادهم على أن هذه الحوادث متناهية من أحد الجانبين، بل يلزمهم قطعًا أن تكون الحركة الفلكية التي زعموا أنها لم تزل ولا تزال متفاضلةً، فدورات زحل عنهم لم تزل ولا تزال، وكذلك دورات الشمس والقمر، مع أن دورات القمر دورات بقدر دورات الشمس اثنتي عشرة مرة، ودورات الشمس بقدر دورات زحل ثلاثين مرة، فكل من هذين لا يتناهى في الماضي والمستقبل، وهذا أقل من هذا بقدر متناه، وهذا أزيد من هذا بقدر متناه، فإذا كان الأقول من غيره متناهيًا لزم أن يكون كل من الدورات متناهيًا.\nوهذا الوجه لا يرد على من قال من أئمة الإسلام وأهل الملل بجواز حوادث لا تتناهى، فإن أولئك يقولون بأن حركة الفلك لها ابتداء ولها انتهاء، وأنه محدث مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، وأنه ينشق وينفطر، فتبطل حركة الشمس والقمر، وكل واحد من دورات الفلك وكواكبه وشمسه وقمره له عندهم بداية ونهاية.\nوهذا الدليل إنما يدل على أن حركته يمتنع أن تكون غير متناهية، ولا يلزم إذا وجب تناهي حركة جسم معين أن يجب تناهي جنس الحوادث، إلا إذا كان الدليل الذي دل على تناهي حرك المعين يدل","vol":"2","page":363},{"text":"على تناهي الجنس، وليس الأمر، فإن هذا الدليل لا يتناول إلا الفلك، وهو دليل على حدوثه، وامتناع أن تكون حركته بلا بداية ولا نهاية، فهو يدل على فساد مذهب أرسطو وابن سينا، وأمثالهما ممن يقول بأن الفلك قديم أزلي.\nفهذا حق متفق عليه بين أهل الملل وعامة العقلاء.\nوهو قول جمهور الفلاسفة، ولم يخالف في ذلك إلا شرمذة قليلة، ولهذا كان الدليل على حدوثه قويًا، والاعتراض الذي اعترض به الأرموي ضعيفًا، بخلاف الوجوه الدالة على امتناع جنس دوام الحوادث، فإن أدلتها ضعيفة، واعتراضات غيره عليها قوية.\nوهذا مما يبين أن ما جاءت به الرسل هو الحق، وأن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه، كالذين جعلوا من السمع: أن الرب لم يزل معطلًا عن الكلام والفعل، لا يتكلم بمشيئته، ولا يفعل بمشيئته، بل ولا يمكنه عندهم أنه لا يزال يتكلم بمشيئته ويفعل بمشيئته.\nفجعل هؤلاء هذا قول الرسل، وليس هو قولهم، وجعل هؤلاء من المعقول: أنه يمتنع دوام كونه قادرًا على الكلام والفعل بمشيئته.\nوعارضهم آخرون: فادعوا أن الواحد من مخلوقاته كالفلك أزلي معه، وأنه لم يزل ولا تزال حوادثه غير متناهية، فهذه الدورات لا تتناهى، وهذه لا تتناهى، مع أن هذه بقدر هذه مرات متناهية، وكون الشيئين لا يتناهيان أزلًا وأبدًا، مع كون أحدهما بقدر الآخر مرات، مع","vol":"2","page":364},{"text":"كونه مفعولًا معلومًا مساويًا لفاعله في الزمن - هو الذين أنفردوا به.\nوأما الفاعلية فيما لا يتناهى ابتداء وانتهاء، فهو الذي ذكر في هذا الوجه.\nوقد يقال: يلزم مثل هذا في كلمات الله وإرادته التي كل منها غير متناه أزلا وأبدًا، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر.\nوقد يذكر هنا أن مقدرار القمر أصغر من مقدار الشمس فحركته وإن زادت في الدورات فقد نقصت في المقدار، لكن هذا لا ينفع إلا إذا عرف تساوي مقدار جميع حركات الكواكب التي كل منها غير متناه، وإلا لزم التفاضل فيما لا يتناهى، فإذا كان تساويها باطلًا كان هذا السؤال باطلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>الخامس والتعليق عليه</span>\nقال الرازي: الوجه الخامس: (نقدر أن الأدوار الماضية من اليوم لا إلى أول جملة، ومن الأمس كذلك، ثم نطبق الطرف المتناهي من إحدى الجملتين في الوهم على الطرف المتناهي من","vol":"2","page":365},{"text":"الأخرى، ونقابل كل فرد إحداهما بنظيره من الأخرى، فإن لم تقصر إحداهما عن الأخرى في الطرف الآخر كان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، وإن قصرت كانت متناهية، والأخرى زائدة بقدر متناه فهي متناهية أيضًا) .\nقال الأرموي: (ولقائل أن يقول: الجملة الناقصة لا تنقطع من طرف المبدأ، وإنما يكون الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، إذا كان أفراد الزائد مثل أفراد الناقص كما في مراتب الأعداد من الواحد إلى ما لا يتناهى ومن العشرة إلى ما لا يتناهى، إذا طبقنا إحدى الجملتين على الأخرى) .\nقلت: المعترض لم يبين فساد الحجة، بل عارضها معارضة، وغيره قد يمنع كلتا المقدمتين أو إحداهما، فالمعترض يقول: (وإن قصرت كانت متناهية) فنقول: إنما تكون متناهية لو كانت منقطعة","vol":"2","page":366},{"text":"من طرف المبدأ، فأما مع عدم انقطاعها فلا نسلم تناهيها، كما أن المستقبل وتضعيف العدد لما لم يكن منقطعًا من جهة المنتهى لم يكن متناهيًا، وإن أمكن فيه مثل هذه المقابلة.\nوأما غيره فيجيب بثلاثة أجوبة:\nأحدها: قوله: (فإن لم تقصر إحداهما عن الأخرى في الطرف الآخر كان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره) فنقول: هذا إنما يلزم إذا طبقنا إحدى الجملتين على الأخرى) والتطبيق في المعدوم ممتنع، كما في تطبيق مراتب الأعداد من الواحد إلى ما لا يتناهى، ومن العشرة إلى ما لا يتناهى، ومن المائة إلى ما لا يتناهى فإنا نعلم أن عدد تضعيف الواحد أقل من عدد تضعيف العشرة، وعدد تضعيف العشرة أقل من عدد تضعيف المائة، وعدد تضعيف المائة أقل من تضعيف الألف، والجميع لا يتناهى، وهذه الحجة من جنس حجة مقابلة دورات أحد الكوكبين بدورات الآخر، لكن هناك الدورات وجدت وعدمت، وهنا قدرت الأزمنة والحركات الماضية ناقصه وزائدة.\nومما يجاب به عن هذه الحجة - وهي أشهر حججهم - أن يقال: لا نسلم إمكان التطبيق، فإنه إذا كان كلاهما لا بداية له، وأحدهما","vol":"2","page":367},{"text":"انتهى أمس، والآخر انتهى اليوم: كان تطبيق الحوادث إلى اليوم على الحوادث إلى الأمس ممتنعًا لذاته، فإن الحوادث إلى اليوم أكثر، فكيف تكون إحداهما مطابقة للأخرى؟ فلما كان التطبيق ممتنعًا جاز أن يلزمه حكم ممتنع.\nأيضًا فيقال: نحن نسلم أنها متناهية من الجانب المتناهي، لكن لم قلت: إذا كانا متناهيين من أحد الجانبيين كانا متناهيين من الجانب","vol":"2","page":368},{"text":"الآخر؟ وهذا أول المسألة، والتفاضل وقع من الجانب المتناهي، لا من الجانب الذي ليس بمتناه، فلم يقع فيما لا يتناهى تفاضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>السادس والتعليق عليه</span>\nقال الرازي: السادس: (لو كانت الأدوار الماضية غير المتناهية كان وجود اليوم موقوفًا على إنقضاء ما لا نهاية له، والموقوف على المحال محال) .\nقال الأرموي: ولقائل أن يقول: انقضاء ما لا نهاية له محال، وأما انقضاء ما لا بداية له ففيه نزاع.\nقلت: هنا نزاع لفظي ونزاع معنوي، أما اللفظي، فهو أنه إذا قدر تسلسل الحوادث في الماضي وعدم إنقطاعها وأنها لا أول لها، فهل يعبر عن هذا بأن يقال: لا نهاية لها، أو يقال: لا بداية لها، ولا يقال لا نهاية لها؟ فالمستدل عبر بأنه لا نهاية لها، والمعترض أنكر ذلك، وهذا نزاع لفظي.\nوذلك أنه يقال: هذا غير متناه، بمعنى أنه ليس له حد محدود، وقد يقال: (غير متناه) بمعنى أنه لا آخر له، ويقال (هذا له نهاية) أي: له آخر، و(هذا لا نهاية له) أي: لا آخر له، والحوادث الماضية إذا قدر أنها لم تزل، فإنه يقال: (لا نهاية لها) بالمعنى الأول، وأما بالمعنى الثاني: فقد انقضت وانصرمت ولها آخر.","vol":"2","page":369},{"text":"وهذه الحجة اعتمد عليها أكثر المتكلمين كـ أبي المعالي ومن قبله وبعده من المعتزلة والأشعرية، وذكروا أنه اعتمد عليها يحيى النحوي وغيره من المتقدمين، وظنوا أن ما لا يتناهى يمتنع أن يكون منقضيًا منصرمًا، فإن ما أنقضى وانصرم فقد تناهى، فكيف يقال: إنه لا نهاية له؟ واشتبه عليهم لفظ (النهاية) لما فيه من الإجمال والاشتباه) فإن الماضي له آخر انتهى إليه، فهو متناه بهذا الاعتبار، بلا نزاع وبهذا المعنى يقال: إنه انصرم وانقضى، وفرغ ونفد، وأما بالمعنى المتنازع فيه فهو أنه لا بداية له: أي لم تزل آحاده متعاقبة.\nوأما النزاع المعنوي فهو أنه: هل يعقل انقضاء ما يقدر أنه لا بداية له ولا ينتهي مم جهة مبدئه أو لا؟ ولا ريب أن المستدل لم يذكر دليلًا على امتناع انقضاء ذلك، لكن أخذ لفظ (ما لا يتناهى) ولفظ (ما لا يتناهى) فيه إجمال، فقد يعني به ما لا يتناهى في المستقبل من جهة آخره، فإذا قيل: (إن هذا ينقضي) كان","vol":"2","page":370},{"text":"ذلك جمعًا بين النقيضين، وقد يعني به ما لا بداية له، وهو ينازع في إمكان ذلك، لأنه حينئذ يكون له نهاية بلا بداية، وكأنه يقول: ما له نهاية فلا بد له من بداية، ومنازعوه يقولون: هذا مسلم في الأشخاص، فكل شخص ينتهي فلا بد له من مبدأ، إذ لو لم يكن له مبدأ لكان قديمًا، وما وجب قدمه امتنع عدمه كما سيأتي، وينازعونه في النوع، ويقولون: يمكن أن يقال: إن الله لم يزل يفعل شيئًا بعد شيء.\nوسيأتي إن شاء الله كلام الرازي على إفساد هذه الحجة التي ذكرها ههنا على تناهي الحوادث بكلام لم يذكر عنه جوابًا.\nقال الرازي: وإن كان الجسم في الأزل ساكنًا كان ذلك ممتنعًا، (لأن) السكون وجودي، وكل وجودي أزلي فإنه يمتنع زواله.\nوالمنازع نازعه في كون السكون وجوديًا، ولم ينازعه في أن الوجود الأزلي يمتنع زواله، وقد قرر ذلك الرازي بأن القديم إما واجب بذاته أو ممكن يكون مؤثرة بذاته، سواء كان تأثيره بنفسه أو بشرط لازم","vol":"2","page":371},{"text":"له، ولا يحتاج إلى هذا، بل يقال: القديم إن كان واجبًا بنفسه امتنع عدمه، وإن لم يكن كذلك فالمقتضى له - سواء سمى موجبًا أو مختارًا - إما أن يتوقف اقتضاؤه له على شرط محدث أو لا، والثاني ممتنع، فإن القديم لا يتوقف على شرط محدث، إذ لو توقف عليه لكان القديم مع المحدث أو بعده، وإذا لم يتوقف على شرط محدث لزم ان يكون قد وجد المقتضى التام المستلزم له في الأزل، وحينئذ فيجب دوامه بدوام المقتضى التام، ثم كون القديم لا يكون مقتضية له اختيار: فيه كلام ونزاع ليس هذا موضعه، والمقصود هنا: أن منازعه نازعه في كون السكون وجوديًا.\nوقد احتج عليه الرازي بأن (تبدل حركة الجسم الواحد بالسكون وبالعكس، يقتضي كون أحدهما وجوديًا، لأن رفع العدم ثبوت، فيكون الآخر وجوديًا، لأن الحركة هي: الحصول في حيز مسبوقًا بالحصول في الآخر، والسكون هو: الحصول في حيز مسبوقًا بالحصول فيه، فاختلافهما إنما هو بالمسبوقية بالغير، وإنها وصف عرضي لا يمنع اتحاد الماهية، فيلزم كونهما وجوديين) .","vol":"2","page":372},{"text":"قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: الحركة والسكون متقابلان تقابل الضدين، أو تقابل العدم والملكة.\nوالبديهة حاكمة باختلاف الضدين في تمام الماهية، وكذا العدم والملكة، وايضًا المسبوقية وصف عرضي لما به الاشتراك، والوصف العرضي لما به الاشتراك يكون ذاتيًا للماهية المركبة منهما) .\nقلت: مضمون ذلك أن الرازي احتج بأن السكون من جنس الحركة، وإنما يختلفان في كون أحدهما مسبوقًا بالغير، وهذا اختلاف في وصف عرضي لا يمنع التماثل في الحقيقة، فمنعه الأرموي بمقدمتين، بل أبطل الأولى بأن المتقابلين تقابل الضدين - كالسواد والبياض، والحلاوة والمرارة، ونحو ذلك - هما مختلفان في الحقيقة، وكذا المتقابلان تقابل العدم والملكة - كالعمى والبصر، والحياة والموت، والعلم والجهل، ونحو ذلك - والحركة مع السكون: إما من هذا وإما من هذا، فكيف تجعل حقيقة أحدهما مماثلة لحقيقة الآخر، وأنهما لا يختلفان إلا بوصف عرضي؟","vol":"2","page":373},{"text":"وإيضاح هذا: أن الحركة ليست من جنس الحصول المشترك بينها وبين السكون، فإن كون الشي في هذا الحيز وفي هذا الحيز معقول، مع قطع النظر عن كونه متحركًا، فإنه إذا قدر أنه سكن في الحيز الثاني كان هذا الحصول من جنس ذلك الحصول، وأما نفس حركته: فأمر زائد على مطلق الحصول المشترك، ومنع الثانية، وجعل سند منعه: أن قول القائل: (المسبوقية وصف عرضي) إن عنى أنها ليست ذاتية: فلا دليل على ذلك، وإن عنى أنه عرضية لما اشتركا فيه: فالعرض لما به الاشتراك قد يكون ذاتيًا للحقيقة المركبة من المشترك والمميز، كالناطقية فإنها تعرض للحيوانية ليست ذاتية لها، ثم أنها ذاتية للإنسانية المركبة من الحيوانية والناطقية.\nوالرازي قد يمكنه أن يجيب عن هذا بأن كون هذا مسبوقًا بهذا إنما هو أمر إضافي، أي هو متأخر عنه، مثل هذا لا يكون من الصفات الذاتية، كالحركتين المتماثلتين الثانية مع الأولى، فإنهما إذا كانت متماثلتين لم يجز أن يجعل كون إحداهما مسبوقة بالغير دون الاخرى من الصفات الذاتية المفرقة بينهما.\nولقائل أن يقول: الحجة والاعتراض مبني على أن الصفات اللازمة للحقيقة تنقسم إلى ذاتي وعرضي، كما يقوله من يقوله من أهل المنطق، فإن تقسيم الصفات اللازمة للحقيقة إلى ما هو ذاتي داخل في الحقيقة، وما هو عرضي خارج عنها: قول لا يقوم عليه دليل، بل","vol":"2","page":374},{"text":"الدليل يقوم على نقيضه، ولهذا لما لم يكن في نفس الأمر بينهما فرق لم يحدد المفرقون بينهما حدًا بفصل بينهما، بل ما ذكروه من الضوابط منتقض، كما هو مبسوط في موضعه، وإذا كانت الصفتان متلازمتين في الوجود والعدم والثبوت والانتفاء، لا توجد هذه إلا مع هذه، وإذا انتفت هذه انتفت هذه: كان التفريق بجعل إحداهما مقومة والأخرى عرضية تحكمًا.\nثم إذا قيل: الذات هي المركبة من الصفات الذاتية، والصفات الذاتية ما لا تتصور الذات إلا بها، لم تعرفه الذات إلا بالصفات الذاتية، ولا الصفات الذاتية إلا بالذات.\nوأيضًا، فإن هذا مبني على أن وجود الشيء في الخارج زائد على حقيقته الموجودة في الخارج، وهو أيضًا قول باطل ضعيف.\nوأيضًا، فالذات الموجودة في الخارج القائمة بنفسها كهذا والإنسان: إن قيل: (إنه مركب من عرضين) .\nلزم كون الجوهر مركبًا من عرضين، وإن يكونا سابقين له، وهذا ممتنع في البديهة، وإن قيل: (إنه ركب من جوهرين كل منهما يحمل عليه، كما يقال: هو حيوان ناطق) لزم أن يكون فيه جوهران، أحدهما: حيوان، والآخر: ناطق، وهذا مكابرة للحس والعقل، إذ هو حيوان واحد موصوف بأنه ناطق.","vol":"2","page":375},{"text":"وإذا كان كذلك فكون الحصول الذي هو مسبوق بحصول آخر إذا كان ذلك لازمًا له كان من الصفات اللازمة، وإذا افترق الشيئان في الصفات اللازمة لم يجب أن تكون حقيقة أحدهما مثل حقيقة الآخر.\nفإن المتماثلين هما المشتركان فيما يجب ويجوز ويمتنع، فإذا وجب لأحدهما ما لا يجب للآخر لم يكن مثله.\nوللأرموي أن يقول: قد تبين بطلان المقدمتين، سواء كان بطريقة المنطقيين، أو بطريقة سائر أهل النظر الذين أنكروا على المنطقيين ما ذكروه، كما أنكر سائر طوائف أهل النظر من المسلمين وغيرهم عليهم كثيرًا مما ذكروه في الحدود وغيرها، كما هو معروف في كتب أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكرامية وطوائف الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وليس المقصود هنا بسط ما يتعلق بهذا.\nقال الرازي: (وإنما قلنا السكون لا يمتنع زواله، لأن الخصم يسلم جواز حركة كل جسم، ولأن المتحيز يجوز خروجه من حيزه، لأنه إن كان بسيطًا كانت طبائع جوانبه متساوية، فيجوز على كل منها ما يجوز على الآخر، وإن كان مركبًا كان هذا لازمًا لبسائطه، وخروجه","vol":"2","page":376},{"text":"عن حيزه هو الحركة.\nولقائل أن يقول: هذا يقتضي إمكان كون نوع الجسم يقبل الحركة، فإذا قدر أن السكون وجودي وله موجب مستلزم له، كان امتناع الحركة لمعنى آخر يختص به الجسم المعين لم يوجد لغيره من الأجسام، فلا يلزم إذا قدر أنه موجود أزلي أنه يمكن زاواله، بل هذا جمع بين المتناقضين، فما قدر موجودًا أزليًا لا يمكن زواله بحال، ولا يمكن أن يجمع بين تقديرين متناقضين، وقبول كل جسم للحركة لا يحتاج إلى هذا.\nفإذا قيل: (إن السكون عدم الحركة) أمكن مع كون السكون أزليًا من إثبات الحركة ما لا يمكن مع تقدير كونه وجوديًا، وذلك أنه حينئذ لا تتوقف الحركة إلا على وجود مقتضيها وانتفاء مانعها، وليس هناك معنى وجودي أزلي يحتاج إلى زواله.\nوقد أورد بعضهم على استدلاله على أن السكون أمر وجودي اعتراضًا بالغًا، فقال: هذا فيه نظر من جهة أن مقدمة الدليل مناقضة للمطلوب، لأن المطلوب كونهما وجوديين، ومقدمة الدليل أن أحدهما وجودي، ولا يمكن تقريره إلا بما سبق، وهو يقتضي أن يكون أحدهما عدميًا، فادعاء كونهما وجوديين بعد ذلك مناقض له.","vol":"2","page":377},{"text":"قلت: وهذا كلام جيد، فإن الأمرين اللذين تبدل أحدهما بالأخر ورفعه: إن لزم أن يكون أحدهما وجوديًا والآخر عدميًا لزم أن تكون الحركة والسكون أحدهما وجوديًا والآخر عدميًا، وهو نقيض المطلوب، وإن جاز أن يكونا جميعًا وجوديين أو عدميين بطل الدليل - وهو قوله: لأن تبدل أحدهما بالآخر يقتضي أن يكون أحدهما وجوديًا، لان المرفوع إن كان وجوديًا وإلا فالرافع وجودي، لأن رفع العدم ثبوت - فإنه على هذا التقدير يمكن رفع العدم بالعدم، والوجود بالوجود.\nوإن قيل: بل يجب أن يكونا وجوديين، أو يكون أحدهما وجوديًا، ولا يجوز أن يكونا عدميين، لأن العدم لا يرتفع بالعدم كما يرتفع الوجود بالوجود والعدم بالوجود، أو بالعكس.\nقيل: بل العدمان قد يتضادان كما قد يتلازمان، فكما أن عدم الشرط مستلزم لعدم المشروط، فعدم الأمور الواجب واحد منها ينافي عدمها كلها، فإذا كان الجنس لا يوجد إلا بوجود نوع له فصل امتنع مع وجود الجنس عدم جميع الأنواع والفصول، فكان عدم بعضها ينافي عدمها كلها.\nوهذا كما يقال في التقسيم، وهو الشرطي المنفصل: قد يكون مانعًا من الجمع والخلو، كقول القائل: العدد إما شفع وإما وتر، وقد يكون مانعًا من الجمع فقط، كقول القائل: الجسم إما أسود وإما أبيض، وقد يكون مانعًا من الخلو فقط، فما كان مانعًا من الخلو فقط","vol":"2","page":378},{"text":"أو من الجمع: امتنع اجتماع العدمين فيه، فكما أن الشفعية تنافي الوترية في العدد فعدم الشفعية ينافي عدم الوترية، لا ثبوتها، فلا يحصل العدمان معًا، بل إذا ثبت أحد العدمين لم يثبت العدم الآخر، فيكون الدعم رافعًا للعدم.\nوأيضًا فمطلوب المستدل: أن تكون الحركة والسكون وجوديين، فإذا قال: (تبدل الحركة بالسكون يقتضي كون أحدهما وجوديًا، لأن رفع العدم ثبوت) كان إثبات كونهما وجوديين موقوفًا على تقدير كون أحدهما عدميًا، لأنه قال (لأن رفع العدم ثبوت) فإن لم يكن أحدهما عدميًا لم يصح هذا، وإذا كان المرفوع عدميًا امتنع أن يكونا وجوديين، والمطلوب كونهما وجوديين، فصار المطلوب مناقضًا لمقدمة الدليل، كما ذكره المعترض.\nلكنه قال: فالأولى أن يقال في تقريره: إن الحركة وجودية إجماعًا، ولأنه مبصر، فوجب أن يكون السكون أيضًا وجوديًا بالتقرير الذي سبق.\nثم ذكر اعتراض الأرموي فقال: وأورد بينهما إما تقابل التضاد أو العدم والملكة، والبديهة حاكمة باختلاف ماهية المتضادين والمتقابلين.\nقال: وأجيب بان التضاد بين الشيئين إذا كان عارضًا لهما كما بين الأسود والأبيض لم يلزم ذلك، وما نحن فيه كذلك، فإن التضاد عارض لهما بسبب المسبوقية بالغير، وهي عدمية، فلم يجز أن تكون","vol":"2","page":379},{"text":"جزءًا ولأنه ليس جعل السكون عبارة عن دعم الحركة أولى من العكس، فإما أن يكونا عدميين وهو باطل وفاقًا، وفتعين أن يكونا وجوديين.\nولقائل أن يقول: التضاد بين الحركة والسكون من جنس التضاد بين الحياة والموت، والعلم والجهل، والقدرة والعجز، والسواد والبياض، والعمى والبصر، والحلاوة والحموضة، ونحو ذلك من الصفات الثبوتية، أو التي بعضها ثبوتي وبعضها عدمي، ليس هو من جنس تضاد القائمين بأنفسهما، كالأسود والأبيض، فإن التضاد إنما يكون في المعتقبين اللذين يعتقبان على محل واحد، كما قال متكلمة أهل الإثبات: الضدان كل معنيين يستحيل اجتماعهما في محل واحد لذاتيهما من جهة واحدة، فما لم يكن المعنيان قائمين بمحل واحد فلا تضاد، والحركة والسكون يعتقبان على المحل الواحد إما تعاقب اللونين والطعمين وإما تعاقب العلم والبصر والسمع وعدم ذلك، فكيف يكون أحدها مثل الآخر لا يفارقه إلا بصفة عرضية؟ وفي الجملة: فالحركة والسكون هما إن كانا وجوديين فهما عرضان، وإن كان أحدهما وجوديًا فأحدهما عرض والآخر عدم العرض، وعلى التقديرين: فليسا قائمين بأنفسهما، فلا يجوز تشبيهما بالأجسام، كالأسود والأبيض، والطويل والقصير، والعالم والجاهل، بل يجب تشبيههما بالاعراض وعدم كالسواد والبياض والعلم وعدم العلم ونحو ذلك.","vol":"2","page":380},{"text":"فقول الأرموي: (إن الحركة والسكون متقابلان تقابل الضدين، أو تقابل العدم والملكة.\nوعلى التقديرين: يجب اختلاف ماهيتها لا تماثلهما) كلام صحيح، وقول المعارض له: إن الاختلاف إذا كان لعارض كما بين الأسود والأبيض: لم يجب اختلاف الماهيتين، فإن ماهية الأسود من جنس ماهية الأبيض: كلام باطل، لأن الأسود والأبيض من باب الأجسام القائمة بأنفسهما، لا من باب الصفات والأعراض.\nوأيضًا، فالأسود والأبيض لا يتقابلان تقابل الضدين، ولا تقابل العدم والملكة فليس من هذا الباب، اللهم إلا إذا مريد بذلك: أن الحيز الذي فيه الأسود لا يكون فيه الأبيض، وحينئذ فيكون تضاد الأبيض والأسود كتضاد الأسودين والأبيضين.\nوأيضًا، فيقال: اختلاف الأسود والأبيض يراد به اختلاف عينهما، مع قطع النظر عن السواد والبياض، أوبشرط السواد والبياض، فإن أريد الأول فلا اختلاف بين ذاتيهما مع قطع النظر عن اللونين، فإن الجسم الذي هو الأسود قد يكون نفس الجسم الذي هو الأبيض وإن أريد بالاختلاف اختلافهما بشرط اللون المختلف، فحينئذ يكون اختلافهما كاختلاف السواد والبياض، فإن الشيء المشروط بالسواد مخالف للشيء المشروط بالبياض.\nولا يجوز أن يقال: إن الذاتين متماثلين إلا مع التجريد","vol":"2","page":381},{"text":"عن الاختلاف، وإلا فإذا أخذت الذاتين مشروطتين بالاختلاف لم يكونا متماثلتين التماثل الذي لا يشترط فيه الاختلاف، كيف والتماثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر؟ والشيء في حال سواده لا يجوز أن يكون أبيض، وهو في حال بياضه لا يكون أسود؟ فلا يكون الأسود حال كونه مشروطًا بالسواد يجوز عليه ما يجوز على الأبيض حال كونه مشروطًا بالبياض.\nوقول القائل: (إن الإختلاف بين الحركة والسكون عارض بسبب المسبوقية بالغير) ليس بمسلم له، فإنه يعقل التضاد بينهما مع عدم خطور المسبوقية بالبال، كما يعقل التضاد بين العلم والجهل، والقدرة والعجز، والسواد والبياض.\nوقول القائل: (ليس جعل السكون عبارة عن عدم الحركة بأولى من العكس) دعوى مجردة، فلا نسلم انتفاء هذه الأولوية، بل هذه الدعوى بمنزلة قول القائل: ليس جعل العمى عدم البصر بأولى من العكس، وليس جعل الصمم عدم السمع بأولى من العكس، وليس جعل الجهل البسيط عدم العلم بأولى من العكس، وليس جعل المتقابلين عدمًا والآخر وجودًا بأولى من العكس.\nومعلوم أن كل هذه دعاى مجردة بل باطلة، فإنا نعلم بالحس أن الحركة أمر وجودي، كما نعلم أن الحياة والعلم والقدرة، والسمع والبصر أمر وجودي، وأما كون ما يقابل ذلك هو ضد ما ينافيها أو","vol":"2","page":382},{"text":"عدمها من محلها فهذا فيه نظر، ولهذا تنازع العقلاء في هذا دون الأول، وكثير من النزاع في ذلك يكون لفظيًا، فإنه قد يكون عدم الشيء مستلزمًا لأمر وجودي، مثل الحياة مثلًا، فإن عدم حياة البدن مثلًا مستلزمًا لأعراض وجودية.\nوالناس تنازعوا في الموت: هل هو عدمي أو وجودي؟ ومن قال: (إنه وجودي) احتج بقوله تعالى: ﴿خلق الموت والحياة﴾ (الملك: ٢) فأخبر أنه خلق الموت كما خلق الحياة، ومنازعه يقول: العدم الطارىء يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول: الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة، وحينئذ فالنزاع لفظي.\nوكذلك تنازعوا في الظلمة: هل هي وجودية أو عدمية.\nوهي عدم النور عما من شأنه قبوله، ومن قال: (إنها وجودية) يحتج بقوله تعالى: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (الأنعام: ١) والآخر يقول: كل ما يتجدد ويحدث من الأمور الوجودية والعدمية، فالله سبحانه جاعله، أو يقول: عدم النور مستلزم لأمور وجودية، هي الظلمة المجعولة، وكون السكون وجوديًا أبعد من كون الموت والظلمة ونحو ذلك وجوديًا، والسكون قد يراد به قوة في الجسم تمنع حركته، كالطبيعة التي في الحجر التي توجب استقراره في الأرض، وهذا أمر وجودي، لكن من قال (إن السكون عدمي) لم يجعل تلك الطبيعة هي السكون، بل قد يسمون ذلك اعتمادًا، ويفرقون بين السكون والاعتماد، لكن قد","vol":"2","page":383},{"text":"يقال له: فالجسم إذا كان ساكنًا، فإما أن يكون السكون وجوديًا أو مستلزمًا لأمر وجودي، وحينئذ فالمقتضى لذلك الأمر الوجودي: إما موجب بنفسه، ويساق الدليل إلى آخره، لكن من قال: (إن الجسم الأول كان ساكنًا في الأزل ثم تحرك) يقول في هذا ما يقوله القائلون بحدوث الأجسام، فإنهم إذا قالوا: (حدثت هي وحركتها من غير سبب يقتضي حدوثها) قال لهم هذا المنازع: بل كان ما قدر قديمًا من الأجسام ساكنًا، ثم حدثت حركته من غير سبب يقتضي حركتها، وهذا يقوله من يقول: إن الأول جسم، وإنه يتجدد له الفعل بعد أن لم يكن له فاعلًا، ويقول: الكلام في حدوث الفعل القائم به كالكلام في حدوث المفعول المنفصل عنه.\nوذلك أن أهل الكلام والنظر من أهل القبلة وغيرهم تنازعوا في ثبوت جسم قديم:\nفطائفة قالت: بامتناع جسم قديم، وحدوث كل جسم، وتنازعوا في المحدث للجسم، هل أحدث بعد أن لم يكن محدثًا بدون سبب حادث أصلًا، أم لا بد من سبب حادث؟ وهل تقوم به أمور حادثة كإرادة حادثة، وتصور حادث، بل وفعل حادث؟ على قولين لهم.","vol":"2","page":384},{"text":"وطائفة قالت بثبوت جسم قديم: ثم هؤلاء منهم من قال: لم يزل فاعلًا متحركًا، ومنهم من قال: بل تجدد له الفعل والحركة، فإذا احتج الأولون على هؤلاء بأن الجسم لو كان أزليًا لم يخل من الحركة والسكون، والحركة لا تكون أزلية، لامتناع دوام الحوادث وتسلسلها، والسكون لايكون أزليًا لأنه وجودي، فلو كان أزليًا لامتنع زواله، لأن الوجودي الأزلي يمتنع زواله، لأن المقتضي له إما موجب بنفسه أو لازم للموجب بنفسه، ثم نقول: والسكون يجوز زواله فلا يكون أزليًا.\nأجابوهم عن جواز الحوادث بأجبوتهم المعروفة كما تقدم التنبيه على ذلك، وأجابوهم على السكون الأزلي بأن قالوا: ما ذكرتموه يناقض ما ذكرتموه في حدوث الأجسام.\nوذلك أنكم إذا قلتم بحدوثها فلا يخلو: إما أن تقولون بجواز تسلسل الحوادث، وإما أن لا تقولوا بجواز ذلك.\nفإن قلتم بجواز تسلسل الحوادث وأن الأجسام حدثت بشرط حوادث متعاقبة، كما قال ذلك من قاله من القائلين بحدوث الأجسام، كالأرموي والأبهري وغيرهما.\nقالوا لهم: فإذا جوزتم تسلسل الحوادث بطل دليلكم على امتناع التسلسل في الآثار، وأمكن حينئذ أن يكون الجسم القديم لم يزل متحركًا، فبطل دليلكم على حدوث الجسم.\nوإن قلتم لا يجوز تسلسل الحوادث والآثار، وقلتم بحدوث","vol":"2","page":385},{"text":"الأجسام من غير سبب حادث - لزم أن لا يكون حدوث الحادثات متوقفًا على سبب حادث، بل كان الفاعل المختار يحدث ما يحدث من غير سبب حادث أصلًا، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ومن وافقهم.\nوحيئنذ فيقول لهم منازعوهم من الهشامية والكرامية وغيرهم: فيجوز حينئذ أن يكون الجسم القديم الازلي تحرك بعد أن كان ساكنًا من غير سبب أوجب ذلك، بل بمحض المشيئة والقدرة، لأن القادر المختار يمكنه ترجيح احد طرفي الممكن بلا مرجح: يرجح السكون تارة والحركة أخرى.\nفإن قالوا هم: نحن نقول: (يفعل بعد أن لم يكن فاعلًا، فإذا قلتم السكون أمر وجودي جعلتموه فاعلًا في الأزل لأمر وجودي.\nوالفعل في الأزل محال) .\nقالوا لهم: نحن ليس لنا غرض في أن نجعل السكون أمرًا وجوديًا، ولا أن نجعله فاعلًا في الأزل لأمر وجودي، بل اتفقنا نحن وأنتم على أنه يفعل ما لم يكن فاعلًا له من غير سبب حادث، لكن نزاعنا في الفعل: هل يقوم به؟ وفي الفاعل: هل هو جسم؟ فإذا طالبتمونا بسبب فعله للحركة بعد السكون، قلنا لكم: هذا بمنزلة فعله لكل محدث بعد أن لم يكن فاعلًا، والفرق إنما يعود إلى محل الفعل لا إلا سببه","vol":"2","page":386},{"text":"ومقتضيه.\nوتلك مسألة أخرى قد تكلم عليها في غير هذا الموضع وإلا فمن جهة المطالبة بسبب الفعل الحادث لا فرق بيننا وبينكم، بل قولنا أقرب إلى المعقول من قولكم، فإن أحداث الأمور المنفصلة بدون حدوث فعل يقوم بالفاعل أمر غير معقول، بخلاف العكس.\nفإذا قالوا لهم: السكون أمر وجودي، فإذا كان أزليًا كان له موجب قديم، فيمتنع زواله.\nقالوا لهم: حدوث ما يحدث إما أن يقف على سبب حادث، وإما أن لا يقف، فإن وقف على أمر حادث بطل قولكم بحدوث الأجسام، وإن لم يقف فقد يقال: فرق بين حدوث حادث يزيل أمرًا وجوديًا وحدوث حادث يزيل أمرًا عدميًا، فإن لم يقف بطل قولكم بحدوث الاجسام، وإن وقف فلا فرق بين حدوث حادث يزيل أمرًا وجوديًا، أو حدوث حادث لايزيل أمرًا وجوديًا.\nوذلك أنه إن جوز على الفاعل أن يحدث ما يحدث من غير تجدد أمر فقد تغير الأمر الذي لم يزل بلا سبب اقتضى التغير إلا محض مشيئة الفاعل وقدرته، وحيئنذ فيجوز أن يتغير السكون الذي لم يزل بدون سبب يقتضي التغير إلا محض مشيئة الفاعل وقدرته.\nوإذا كان الفاعل القادر المختار قادر على أن يحدث ما يحدث ويجعل المعدوم موجودًا بدون سبب حادث أصلًا لأنه يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، كان قادرًا على أن يجعل","vol":"2","page":387},{"text":"الساكن متحركًا بدون سبب حادث أصلًا، لأنه يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا إحداث الاجسام التي تكون ساكنة ومتحركة أعظم من إحداث نفس حركاتها، فإذا أمكنه إحداثها بدون سبب حادث فإحداث حركاتها أمكن وأمكن.\nويقال لهم: لو خلق الباري تعالى جسمًا ساكنًا ثم أراد تحريكه بدون سبب حادث: أكان ذلك ممكنًا أو ممتنعًا؟\nفإن قلتم: (يمتنع ذلك) بطل مذهبكم ودليلكم.\nوإن قلتم: (يمكن ذلك) قيل لكم: فالقول في زوال ذلك السكون كالقول في زوال غيره.\nفإنه يقال: السكون أمر وجودي، وذلك السكون الوجودي لا بد له من سبب.\nوحيئنذ فتجيء مسألة زوال الضد: هل هو بإحداث ضد آخر، أو بإحداث عدمه، أو بخلق فناء، أو نفس الاعراض لا تبقى؟ فيقال في هذا ما يقال في ذلك.\nومن قال: (السكون الوجودي لا يبقى زمانين بل ينقضي شيئًا فشيئًا) .\nقيل له: فكذلك إذا قدر السكون قديمًا فإنه لا يبقى زمانين، بل يحدث شيئًا فشيئًا، وحينئذ فكل جزء من أجزاء السكون ليس هو قديمًا بنفسه، كما قلتم في كل جزء من أجزاء الحركة: ليس هو قديمًا بنفسه.\nفإذا كان القائلون بأن السكون أمر وجودي يقولون: إنه يتجدد شيئًا فشيئًا كما يقولون مثل ذلك في الحركة.","vol":"2","page":388},{"text":"قيل لهم: فيكون دليلكم على امتناع كون الازلي ساكنًا من جنس دليلكم على امتناع كونه متحركًا، وهو تناهي الحوادث، وقد تقدم الكلام فيه.\nفإذا قالوا: (السكون أمر وجودي فإذا كان قديمًا امتنع زواله، لأن ما وجب قدمه امتنع عدمه، لأن القديم إما أن يكون واجبًا بنفسه أو من لوازم الواجب بنفسه) .\nقيل لهم: هذا مثل أن يقال: عدم الفعل هو تركه، وترك الفعل أمر وجودي، فإذا كان قديمًا امتنع عدمه، لأن ما وجب قدمه امتنع عدمه.\nفإذا قالوا: (عدم الفعل ليس هو تركًا وجوديًا) أمكن أن يقال: عدم الحركة ليس هو سكونًا وجوديًا.\nوقد ضعف الآمدي وغيره هذه الحجة: حجة الحركة والسكون، وهي فاسدة على أصول من يقول بان الأعراض لا تبقى زمانين من هذه الجهة، وهي في الأصل من حجج المعتزلة الذين يقولون بجواز بقاء الأعراض، لكن من ينازعهم من الهشامية والكرامية وغيرهم: ممن يقول بإثبات جسم قديم، وأنه قام به من الفعل ما لم يكن قائمًا - سواء سموا ذلك حركة، كما يقر بعضهم بذلك، أو لم يسموه حركة كما يمتنع بعضهم من ذلك - فإن المقصود المعاني العقلية لا الإطلاقات اللفظية.","vol":"2","page":389},{"text":"فإذا قال من قال من معتزلة البصرة: (إن إفناء الاجسام بإحداث فناء لا في محل، كما إن إحداثها بحدوث إرادة لا في محل) والتزموا حدوث عرض لا محل له، وحدوث الحوادث بلا سبب حادث، وأن من الحوادث ما يحدث بدون إرادة، وقالوا: لا يزوال الضد إلا بحدوث ضده.\nقال لهم هؤلاء: فكذلك إذا قدرنا جسمًا قديمًا متحرك بعد أن كان ساكنًا، كان زوال ذلك السكون بحدوث ضده من الحركة وحدوث ذلك بما به يحدث المنفصل، ومن قال: (العرض يعدم بإحداث إعدام) كما هو أحد القولين لمتكلمة أهل الإثبات من الأشعرية والكرامية وغيرهم، قالوا: ذلك السكون يعدم بإحداث إعدام والقول في سبب حدوث الإعدام كالقول في حدوث سبب الإحداث.\nوإن قالوا: (إن السكون ينقضي شيئًا فشيئًا كما تنقضي الحركة شيئًا فشيئًا) كما قالوا مثل ذلك في سائر الأعراض - كما هو أحد قولي أهل الإثبات من الأشعرية وغيرهم - قالوا لهم: فالسكون إذن كالحركة، فكما أن الحركة متعاقبة الأجزاء فكذلك السكون.\nولا ريب أن هذه الأمور تلزم المستدلين بدليل الحركة والسكون لزومًا لا محيد عنه، وإنما التبس مثل هذا لأن الواحد من هؤلاء يبنى على المقدمة الصحيحة في موضع، ويلتزم ما يناقضها في موضع آخر، فيظهر","vol":"2","page":390},{"text":"من تناقض أقوالهم ما يبين فسادها، لكن قد يكون ما أثبتوه في أحد الموضعين صحيحًا متفقًا عليه، فلا ينازعوهم الناس فيه ولا في مقدماته، وقد تكون المقدمات فيها ضعف، لكن لكون النتيجة صحيحة يتساهل الناس في تسليم مقدماتها.\nوإنما يقع تحرير المقدمات والنزاع فيها إذا كانت النتيجة مورد نزاع.\nوالمسلمون متفقون على أن الله ﷾ وصفاته اللازمة لذاته لايجوز عليها العدم، وقد اشتهر في اصطلاح المتكلمين تسميته بالقديم، بل غالب المعتزلة ومن سلك سبيلهم غالب ما يسمونه بالقديم، وإن كان من المعتزة وغيرهم من لايسميه بالقديم، وإن سماه بالأزلي، وأكثرهم يجعلون القدم أخص وصفه، كما أن الفلاسفة المتأخرين الإلهيين غالب ما يسمونه به (واجب الوجود)، والمتقدمون منهم غالب ما يسمونه به (العلة الأولى) و(المبدأ الأول) .\nفإذا قرر المقرر أن ما وجب قدمه امتنع عدمه كان من المعلوم أن الرب القديم الواجب الوجود يمتنع عدمه تعالى، وليس عند المسلمين قديم قائم بنفسه غيره، حتى يقال: إنه يمتنع عدمه، والمتفلسفة القائلون بقدم الأفلاك يقولون: إنه يمتنع عدمها، فهذه المقدمة وإن كانت صحيحة في نفسها فلا يصلح أن يستدل بها من قال بما يناقضها أو بما يستلزم ما يناقضها، فإن نفس ما يستدل به عليها إذا ناقض قوله أمكن","vol":"2","page":391},{"text":"معارضه أن يبطل حجته بالاعتراض المركب، لاسيما إذا اقتضى فساد قوله على التقديرين.\nفمن كان من أصل قوله إن الفاعل المختار له أن يرجح أحد المقدورين على الآخر بلا مرجح أصلًا، بمجرد كونه قادرًا، أو بمجرد إرادته القديمة، وقدر مع ذلك جسم قديم قادر مختار يقبل الحركة والسكون، كان تحركه بعد سكونه الدائم بمنزلة تحريكه لغيره، فإن أمكن تحركيه لغيره بمجرد كونه قادرًا أو بمجرد إرادته أمكن ذلك في هذا الموضع، ولا يمتنع من ذلك إلا أن يقوم دليل على أن الجسم يمتنع قدمه، أو أن القديم يمتنع كونه يتحرك، لكن هؤلاء إذا لم يثبتوا حدوث الجسم أو امتناع تحريك القديم إلا بهذا الدليل لم يمكنهم أن يجعلوا من مقدمات الدليل حدوث الجسم أو امتناع حركة القديم، بل إذا كان حدوث الجسم أو امتناع حركة القديم موقوفًا على هذا الدليل كانوا قد صادروا على المطلوب، وجعلوا المطلوب حجة في إثبات نفسه، لكن غيروا العبارات، وداروا الدورات، وهم من موضعهم لم يتغيروا، فلهذا كان من وافقهم وفهم كلامهم حائرًا لم يفده علمًا، ومن لم يفهمه ووافقهم كان جاهلًا مقلدًا لأقوام جهال ضلال يظهرون أنهم من أعلم الناس بأصول الدين والكلام والعقليات.\nثم إن الرازي ذكر من جهة المنازعين بأن هذه الوجوه الستة في امتناع كون الجسم أزليًا متحركًا - التي تقدمت، وتقدم اعتراض","vol":"2","page":392},{"text":"الأرموي عليها - معارضة: (بأن امتناع الحركة في الأزل إن كان لذاتها وجب أن لا توجد أصلًا، وإن كان لغيرها فذلك المانع إن كان واجبًا لذاته فكذلك، وإن كان واجبًا لغيره عاد الكلام فيه وتسلسل، أو ينتهي إلى واجب الوجود لذاته، ولزم امتناع زوال المانع.\nفإن قلت: المانع هو مسمى الأزل، لأنه ينافي المسبوقية بالغير التي تقتضيها الحركة، وإنه زائل فيما لايزال.\nقلت: الترديد المذكور عائد في مسمى الأزل أنه: هل هو واجب لذاته أو لغيره؟) .\nوأجاب الرازي عن هذه المعارضة فقال: (قوله: صحة الحركة أزلية، قلنا: إنه لايلزم من أزلية الصحة صحة الأزلية) .\nقلت: ولقائل أن يقول: ما تعني بقولك: صحة الحركة أزلية، أتعني به: أنه يصح وجود الحركة في الأزل؟ أم تعني به أنه في الأزل يصح الحكم عليها بالصحة فيما لا يزال؟ أما الأول:","vol":"2","page":393},{"text":"فهو تسليم للمطلوب، وأما الثاني: فهو حكم علمي لا كلام فيه.\nكالأحكام العقلية الذهنية فينا، فإنه يصح في الأزل الحكم بالامتناع على الممتنعات كما يصح الحكم بالجواز على الجائزات، ثم يقال: الحركة في الأزل إما ممتنعة الإمكان العام الذي يدخل فيه الواجب وإما ممكنة، فإن كانت ممتنعة فهو باطل كما تقدم، وإن كانت ممكنة كان الدليل على امتناعها باطلًا، فبطلت الوجوه الدالة على امتناع الحركة في الأزل.\nولم يرض أبو الحسن الآمدي هذا الجواب الذي ذكره الرازي، بل ذكر جوابًا آخر، فقال: (وجوابه أن يقال: لا يلزم من امتناع الوجود الأزلي على الحركة لذاتها امتناع الوجود الذي ليس بأزلي، فإذًا ما هو ممتنع غير زائل، وهو الوجود الأزلي، وما هو الجائز لم يكن ممتنعًا) .\nقلت: ولقائل أن يقول: هذا يستلزم انقلاب الشيء من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي من غير تجدد سبب يوجب هذا الانقلاب بما لا ينضبط لا في الوجود ولا في العقل، فإن الإمكان الذاتي ثابت بالضرورة والاتفاق، وما من وقت يقدر فيه الإمكان إلا والإمكان ثابت قبله، لا إلى غاية، فليس للإمكان ابتداء محدود.\nيبين ذلك: أنه قد يقال: صحة الحركة إو إمكان الحركة أو جواز","vol":"2","page":394},{"text":"الحركة، وصحة الفعل أو جواز أو إمكان الفعل إما أن يكون به ابتداء وإما أن لا يكون، فإن لم يكن له ابتداء لزم أنها لم تزل جائزة ممكنة، فلا تكون ممتنعة، فتكون جائزة في الأزل.\nوإن كان لجوازها ابتداء فمعلوم أنه ما من وقت يقدره الذهن إلا والجواز ثابت قبله، فكل ما يقدر فيه الجواز فالجواز ثابت قبله لا إلى غاية، فعلم أنه ليس للجواز بداية، فيكون جواز ثبوت الحركات دائمًا لا ابتداء له، ويلزم من ثبوت الجواز عدم الامتناع.\nوإذا قال القائل: إن مسمى الحركة ممتنع في الأزل، قيل: معنى هذا الكلام أن مسمى الحركة يمتنع أن يكون قبله حركة أخرى لا إلى أول، وزوال الأزل ليس موقوفًا على تجدد أمر من الأمور، فإن المتجدد هو من الحوادث، فتكون الحركة ممتنعة، ثم صارت ممكنة من غير تجدد أمر من الأمور.\nفإن قيل: المتجدد هو عدم الأزل أو انقضاء الأزل أو نحو ذلك.\nقيل: عدم الأزل ليس شيئًا كان موجودًا فعدم ولا معدومًا فوجد، إذ معنى الأزل في الماضي كمعنى الأبد في المستقبل، فما ليس بأزلي فهو متجدد حادث، فإذا قيل (يشترط في جواز المتجدد الحادث تجدد المتجدد الحادث) كان المعنى أنه يشترط في إمكان الشيء ثبوته، ومن المعلوم أن ثبوته كاف في إمكانه.","vol":"2","page":395},{"text":"يوضح هذا: أن القائل إذا قال: كل ما يسمى متجددًا حادثًا إما أن يكون ممكنًا في الأزل وإما أن لا يكون، فإن كان ممكنًا بطل القول بامتناعه في الأزل، وإن كان ممتنعًا ثم صار ممكنًا لزم انقلاب الشيء من كونه ممكنًا إلى كونه ممتنعًا من غير تجدد شيء أصلًا، وإذا كان القول بحدوث الحوادث بلا سبب ممتنعًا لاستلزامه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، فالقول بتجدد الإمكان والجواز أو حدوث الإمكان والجواز بلا سبب حادث أولى بالامتناع، إذا كانت الحقيقة المحكوم عليها بالجواز والإمتناع هي هي بالنسبة إلى كل ما يقدر في كل وقت وقت، وإذا كانت نسبة الحقيقة إلى كل ما يقدر من الأوقات كنسبتها إلى الوقت الآخر امتنع اختصاص أحد الوقتين بجواز الحقيقة فيه دون الوقت الآخر، وإذا امتنع الاختصاص إلا بمخصص، ولا مخصص، لزم: إما الامتناع في جميع الأوقات، وهو باطل بالحس والإجماع، فلزم الإمكان والجواز في جميع الأوقات وهو المطلوب.\nوعلى هذا التقدير: فيمكن أن ينظم ما ذكروه من المعارضة بعبارة لا يرد عليها ما ذكر بأن يقال: إن قيل إن الحركة لم تزل ممكنة","vol":"2","page":396},{"text":"ثبت المطلوب، وإن قيل إنها كانت ممتنعة ثم صارت ممكنة فالامتناع إما لذاتها وإما لموجب واجب بذاته، وعلى التقديرين فيلزم دوام الامتناع، وإن كان لا لذاتها ولا لموجب بذاته فلا بد أن يكون الامتناع لأمر واجب بغيره، وحيئنذ فالكلام في ذلك المانع في غيره، ويلزم التسلسل، ثم يقال: تسلسل الموانع إن كان ممكنًا ثبت جواز التسلسل، وأمكن القول بتسلسل الحوادث، وإن كان تسلسل الموانع ممتنعًا بطل كون الامتناع متسلسلًا، وقد بطل كونه واجبًا بنفسه أو بغيره، فلا يكون الامتناع ثابتًا في الأزل، فيثبت نقيضه، وهو الإمكان.\nوإيضاح ذلك بعبارة أخرى أن يقال: مسمى الحركة إما أن يكون ممتنعًا في الأزل، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن ممتنعًا في الأزل ثبت إمكانه، فيكون مسمى الحركة ممكنًا في الأزل، وإن كان ممتنعًا في الأزل فامتناع إما لنفسه، وإما لموجب واجب بنفسه، أو لازم للواجب، وحينئذ فلا يزول الامتناع، وإن كان لمعنى متسلسل لزم جواز التسلسل، وهو يستلزم بطلان الأصل الذي بنى عليه امتناع تسلسل الحوادث.\nوسر هذا الدليل: أن الأزل ليس هو شيئًا معينًا محدودًا، ولكن ما من وقت يقدر إلا وقبله شيء آخر، وهلم جرًا.\nوهذا هو التسلسل، فيلزم من تحقق الأزل التسلسل.","vol":"2","page":397},{"text":"لكن قد يقال: تسلسل العدميات ليس كتسلسل الوجوديات، بل تسلسل العدميات ممكن، بخلاف تسلسل الوجوديات، ويكون حدوث حدوث الحوادث موقوفًا علىتسلسل العدميات، فيقال: إن لم يكن تسلسل العدميات أمرًا محققًا فلا حقيقة له، فيكون إمكان حدوث الحوادث موقوفًا على ما لا حقيقة له.\nوهذا باطل، وإن كان تسلسلها أمرًا محققًا فقد ثبت أن تسلسل الأمور المحققة جائز، وأنه أزلي، مع أن كل واحد من تلك التسلسلات ليس بأزلي، وهذا ينقض ما ذكروه في امتناع تسلسل الحوادث، فهم بين أمرين: إما أن يقولون بالترجيح بلا مرجح، وإما أن يقولون بجواز التسلسل، وهذا بعينها هو الذي يلزمهم في قولهم: إنه لا بد للحوادث من ابتداء، فكما أنهم في هذا يلزمهم إما الترجيح بلا مرجح وإما التسلسل، فكذلك في قولهم (إنه لا بد لإمكانها من ابتداء) يلزمهم إما هذا وإما هذا، والقول بالترجيح بلا مرجح تام ممتنع، وهم متفقون على أن الترجيح بلا فاعل مرجح ممتنع، لكن لا يشترطون تمام ما به يكون مرجحًا، بل يقولون: يحصل الترجيح التام من غير حصول الرجحان، ويحصل الرجحان بدون المرجح التام، بناء على أن القادر يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح، إذ أن الإرادة القديمة ترجح أحد المثلين بلا مرجح والقول بجواز التسلسل","vol":"2","page":398},{"text":"يبطل القول بامتناع التسلسل.\nفثبت بطلان قولهم على التقديرين.","vol":"2","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>حدوث العالم والأجسام</span>\nقال الرازي: (البرهان الثاني: كل جسم متناهي القدر، وكل متناهي القدر محدث) وقرر الثانية بأن (متناهي القدر يجوز كونه أزيد وأنقص فاختصاصه له دونهما لمرجح مختار، وإلا فقد ترجح الممكن لا عن المرجح.\nوفعل المختار محدث) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>معارضة الأرموي</span>\nقال الأرموي: (ولقائل أن يمنع لزوم الترجيح لا لمرجح) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: مضمونه أنه يقول: لانسلم أنه لم يكن المرجح للقدر مختارًا لزم الترجيح بلا مرجح، بل قد يكون أمرًا مستلزمًا للقدر،","vol":"3","page":3},{"text":"فإن المرحج أعم من أن يكون مختارًا أو غير مختار.\nفإذا قدر المرجح أمرًا مستلزمًا لذلك القدر إما أمر قائم به أو أمر منفصل عنه حصل المرجح للقدر.\nوسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام على هذا إذا ذكرنا اعتراضات الآمدي على هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>البرهان الثالث للرازي</span>\nقال الرازي: (البرهان الثالث: لو كان الجسم أزليًا لكان في الأزل مختصًا بحيز معين، لأن كل موجود مشار إليه حسًا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك، والأزلي يمتنع زواله لما تقدم، فامتنعت الحركة عليه، وقد ثبت جوازها) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>معارضة الأرموي له</span>\nقال الأرموي: (ولقائل أن يقول: معنى الأزلي الدائم لا إلى أول، فيكون معنى قولنا: لو كان الجسم أزليًا لكان في الأزل مختصًا بحيز معين، أنه لو كان الجسم دائمًا لا إلى أول لكان حصوله في حيز واحد معين دائمًا، وهو معنى السكون.\nوهذا ممنوع، بل دائمًا يكون حصوله في موضع معين إما عينًا وإما على البدل: أي يكون في كل وقت في حيز معين غير الذي كان حاصلًا فيه قبله) .\nانتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: مضمون هذا الاعتراض: أن المشار إليه بأنه هنا أو هناك لا يستلزم حيزًا معينًا يمتنع انتقاله عنه.\nغاية ما يقال: إنه لا بد من حيز، أما كونه واحدًا بعينه في جميع الأوقات فلا.\nوإذا استلزم نوع الحيز لا عينه أمكن كونه تارة في هذا وتارة في هذا.","vol":"3","page":4},{"text":"يوضح هذا: أن هذا الحكم لازم للجسم، سواء قدر أزليًا أو محدثًا، فإن الجسم المحدث لا بد له من حيز أيضًا، مع إمكان انتقاله عنه.\nفإن قال: لا بد للجسم من حيز معين يكون فيه، إذ المطلق لا وجود به في الخارج.\nفإذا كان أزليًا امتنع زواله، بخلاف المحدث.\nقيل: ليس الحيز أمرًا وجوديًا، بل هو تقدير المكان.\nولو قدر وجودي فكونه فيه نسبة وإضافة ليس أمرًا وجوديًا أزليًا.\nوأيضًا فيقال: مضمون هذا الكلام: لو كان أزليًا لزم أن يكون ساكنًا لا يتحرك عن حيزه، لأن الموجود الأزلي لا يزول.\nفيقال: إن لم يكن السكون وجوديًا بطل الدليل.\nوإن كان وجوديًا فأنت لم تقم دليلًا على إمكان زوال السكون الوجودي الأزلي.\nوإنما أقمت الحجة على أن جنس الجسم يقبل الحركة.\nومعلوم أنه إذا كان كل جسم يقبل الحركة وغيرها من الصفات كالطعم واللون والقدرة والعلم وغير ذلك، ثم قدر أن في هذه الصفات الوجودية ما هو أزلي قديم لوجوب قدم ما يوجبه لم يلزم إمكان زوال هذه الصفة التي وجب قدم ما يوجبها.\nفإن ما وجب قدم موجبه وجب قدمه.\nوامتنع حدوثه ضرورة.\nفإن قيل: نحن نشاهد حركة الفلك فامتنع أن يقال: لم يزل ساكنًا.","vol":"3","page":5},{"text":"قيل: أولًا: ليس الكلام في حدوث الفلك بعينه، بل في حدوث كل جسم، فإذا قدر جسم أزلي ساكن غير الفلك لم يكن فيما ذكره ولا في حركة الفلك دليل على حدوثه، لا سيما عند من يقول القديم الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنًا، كما يقوله كثير من النظار من الهشامية والكرامة وغيرهم.\nوقيل: ثانيًا: الفلك - وإن كان متحركًا - فحيزه واحد لم يخرج عن ذلك الحيز، وحركته وضعية ليست حركة مكانية تتضمن نقله من حيز إلى حيز.\nوحينئذ فقوله (وقد ثبت جواز الحركة) إن أراد به الحركة المكانية كان ممنوعًا، وإن أراد غيرها كالحركة الوضعية لم يلزم من ذلك جواز انتقاله من هذا الحيز إلى غيره.\nوقد سبق الآمدي إلى هذا الاعتراض، فإنه قال في الأعتراض على المقدمة الأولى: (الأزل ليس هو عبارة عن زمان مخصوص ووقت مقدر حتى يقال بحصول الجسم في الحيز فيه، بل الأزل لا معنى له غير كون الشيء لا أول له، والأزل على هذا يكون صادقًا على ذلك الشيء في كل وقت يفرض كون ذلك الشيء فيه.\nفقول القائل: (الجسم في الأزل موصوف بكذا) أي في حالة كونه متصفًا بالأزلية.\nوما من وقت يفرض ذلك الجسم فيه إلا وهو موصوف بالأزلية.\nوأي وقت قدر حصول ذلك الجسم فيه وهو في حيز معين لم","vol":"3","page":6},{"text":"يلزم أن يكون حصوله في ذلك الحيز المعين أزليًا، لأن نسبة حصوله في ذلك الحيز المعين كنسبة حصولة في ذلك الوقت المعين.\nوما لزم من كون الجسم الازلي لا يخلو عن وقت معين أن يكون كونه في الوقت المعين أزليًا، فكذلك الحصول في الحيز المعين) .\nقال: (وفيه دقة مع ظهوره) .\nقلت: ويوضح فساد هذه الحجة أن قوله: (كل جسم يجب اختصاصه بحيز معين، لأن كل موجود مشار إليه حسًا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك) يجاب عنه بأن يقال: أتريد به أنه يجب اختصاصه بحيز معين مطلقًا، أو يجب اختصاصه بحيز معين حين الإشارة إليه؟ أما الأول فباطل، فليس كل مشار إليه إشارة حسية يجب اختصاصه دائمًا بحيز معين، فإنه ما من جسم إلا وهو يقبل الإشارة الحسية، مع العلم بأنا نشاهد كثيرًا من الأجسام تتحول عن أحيازها وأمكنتها.\nفإن قال: (بل يجب أن يكون حين الإشارة إليه له حيز معين) فهذا حق، لكن الإشارة إليه ممكنة في كل وقت، فالاختصاص بمعين يجب أن يكون في كل وقت.\nأما كونه في كل الأوقات لا يكون إلا في ذلك المعين لا في غيره فلا، والأزلي: هو الذي لم يزل، فليس بعض الأوقات أخص به من بعض حتى يقال: يكون في ذلك الوقت","vol":"3","page":7},{"text":"المعين في حيز معين، بل يجوز أن يكون في وقت في هذا الحيز وفي وقت آخر في حيز آخر.\nوتمام ذلك ما تقدم ذكره من أن الأزل ليس شيئًا معينًا حتى يطلب له حيز معين، بل هو عبارة عن عدم الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>البرهان الرابع</span>\nثم ذكر الرازي البرهان الرابع والخامس.\nوليس متعلقين بهذا المكان.\nومضمون الرابع: أن (كل ماسوى الواحد ممكن بذاته، وكل ممكن بذاته فهو مفتقر إلى المؤثر.\nوالمؤثر لا يؤثر إلا في الحادث لا في الباقي، سواء كان تأثيره فيه في حال حدوثها أو حال عدمه، لأن التأثير في الباقي من باب تحصيل الحاصل) .","vol":"3","page":8},{"text":"(والمقدمة الأولى من هذه الحجة مبنية على وتوحيد الفلاسفة، وهو نفي التركيب، وأن كل مركب فهو مفتقر إلى أجزائه، وأجزاؤه غيره، وهو في غاية الضعف، كما بسط في غير موضع.\nوالثانية مبنية على أن علة الافتقار هي الحدوث لا الإمكان) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: إنه إن أريد بذلك الحدوث مثلًا دليل على أن المحدث يحتاج إلى محدث، أو أن الحدوث شرط في افتقار المفعول إلى الفاعل،","vol":"3","page":9},{"text":"فهذا صحيح.\nوإن أريد بذلك أن الحدوث هو الذي جعل المحدث مفتقرًا إلى الفاعل فهذا باطل.\nوكذلك الإمكان إذا أريد به أنه دليل على الافتقار إلى المؤثر، أو أنه شرط في الافتقار إلى المؤثر فهذا صحيح.\nوإن أريد به أنه جعل نفس الممكن مفتقرًا فهذا باطل.\nوعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون كل من الإمكان والحدوث دليلًا على الافتقار إلى المؤثر، وشرطًا في الافتقار إلى المؤثر.\nوإنما النزاع في مسألتين: أحدهما: أن الواجب بغيره هل يصح كونه مفعولًا لمن يقول: الفلك قديم معلول ممكن، فهذا مما ينكره جماهير العقلاء، ويقولون: لا يمكن مقارنته لفاعله أزلًا وأبدًا ويقولون: الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا معدومًا تارة وموجودًا أخرى، فنفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق بذاتها، واحتياجها إلى المؤثر أمر ذاتي، لا يحتاج إلى علة، فليس كل حكم ثبت للذوات يحتاج إلى علة، إذ ذلك يفضي إلى تسلسل العلل، وهو باطل باتفاق العلماء، بل من الأحكام ما هو لازم للذوات لايمكن أن يكون مفارقًا للذوات ولا يفتقر إلى علة، وكون كل ما سوى الله فقيرًا إليه محتاجًا إليه دائمًا هو من هذا الباب.\nفالفقر والاحتياج أمر لازم ذاتي لكل ما سوى الله، كما أن الغنى والصمدية أمر لازم لذات الله.\nوهنا ينشأ النزاع في المسألة الثانية، وهو أن المحدث المخلوق هل افتقاره إلى الخالق المحدث وقت الإحداث فقط، أو هو دائمًا مفتقر إليه؟ على قولين للنظار.\nوكثير من أهل الكلام المتلقى عن جهم وأبي الهذيل يقولون: إنه","vol":"3","page":10},{"text":"لا يفتقر إليه إلا في حال الإحداث، لا في حال البقاء، وهذا في مقابلة قول الفلاسفة الدهرية القائلين بأن افتقار الممكن إلى الواجب لا يستلزم حدوثها، بل افتقاره إليه في حال بقائه أزلًا وأبدًا، وكلا القولين باطل.\nوهو في أكثر كتبه ينصر خلاف ذلك، ولكن نحن نقرر أن كل ما سوى الواجب فهو محدث، وأن التأثير لا يكون إلا في حادث، وأن الحدوث والإمكان متلازمان، وهو قول جمهور العقلاء من أهل الملل والفلاسفة، وإنما أثبت ممكنًا ليس بحادث طائفة من متأخري الفلاسفة كابن سينا والرازي فلزمهم إشكالات لا محيص عنها - مع أنهم في كتبهم المنطقية يوافقون أرسطو وسلفهم - وهو أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثًا.\nوقد أنكر ابن رشد قولهم بأن الشيء الممكن الذي يقبل الوجود والعدم يكون قديمًا أزليًا، وقال: (لم يقل بهذا أحد من الفلاسفة قبل ابن سينا.\nقلت: وابن سينا ذكر في الشفاء في مواضع أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثًا، فتناقضى في ذلك تناقضًا في غير هذا الموضع.","vol":"3","page":11},{"text":"وقد أورد هو على هذه الحجة معارضة مركبة، تستلزم فساد إحدى المقدمتين، وهي المعارضة بكونه تعالى عالمًا بالعلم قادرًا بالقدرة، فإن علمه إن كان واجبًا لذاته وذاته واجبة أيضًا فقد وجد واجبان، وبطلت المقدمة الأولى، وإن كان ممكنًا كان واجبًا بغيره لوجوب ذاته، ولزم كون الأثر والمؤثر دائمين وبطلت المقدمة الثانية، ولم يجب عن هذه المعارضة، بل قال: (وأما الجواب عن كونه عالمًا بالعلم قادرًا بالقدرة فصعب) .\nوقد اعترض الأرموي على ما ذكره في المقدمتين، أما الأولى فإن الرازي قال: (لو وجد واجبان وجوبًا ذاتيًا لتشاركا في الوجوب الذاتي وتباينا بالتعيين، فيلزم تركبهما مما به المشاركة والمباينة، وكل مركب مفتقر إلى غيره لافتقاره إلى جزئه، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته) .\nقال الأرموي: (ولقائل أن يقول: قد يكون الوجوب والتعيين وصفين عرضيين للماهية البسيطة) .","vol":"3","page":12},{"text":"قلت: تقدم الكلام على هذا في التركيب، وذكر ما استدلوا به على امتناع كونه عرضيًا، فإن الوصف العرضي يحتاج إلى سبب منفصل عن الذات، فيكون وجوب الواجب مفتقرًا إلى شيء غير الواجب، وأيضًا فيكون وجوب الواجب وصفًا عرضيًا.\nوهو ظاهر الفساد، وأيضًا التفريق في الصفات اللازمة للحقيقة بين الذاتي والعرضي تحكم محض.\nولكن لقائل أن يقول: قول القائل: تشاركًا في الوجوب الذاتي، أتعني به تشاركهما في مطلق الوجوب، أو أن أحدهما شارك الآخر في الوجوب الذي يخصه؟.\nفإن أراد الأول، قيل له: وكذلك قد اشتركا في مطلق التعين، فإن هذا واجب، وهذا واجب، وهذا معين وهذا معين، والمعينات مشتركة في مسمى التعين، كما أن الواجبات مشتركة في مسمى الوجوب، والموجودات مشتركة في مسمى الوجود، والماهيات مشتركة في مسمى الماهية، والحقائق مشتركة في مسمى الحقيقة وكذلك سائر الأسماء العامة المطلقة الكلية.\nوحينئذ فلم يتباينا في مطلق التعيين، كما لم يتباينا في مطلق الوجوب.\nوإن قال: اشتركا في عين الوجوب.","vol":"3","page":13},{"text":"قيل: هذا ممتنع، كما أن اشتراكهما في عين التعين ممتنع.\nوإن جاء لقائل أن يقول: هذا شارك هذا في نفس وجوبه الذي يخصه، لجاز لآخر أن يقول: إن هذا شارك هذا في نفس تعينه الذي يخصه، وإنما المستدل أخذ الوجوب مطلقًا، وأخذ التعين مقيدًا وكان الواجب أن يسوي بينهما في الإطلاق والتعيين، إذ هما متلازمان فإن وجوب هذا ملازم لعينه ووجوب هذا ملازم لعينه، فيمتنع انفكاك أحدهما عن الآخر.\nولو عكس عاكس قوله لكان قوله مثل قوله، بأن يقول: اشتركا في التعين الذاتي، فإن لكل منهما تعينًا ذاتيًا وتباينًا في الوجوب فإن لكل منهما وجوبًا يخصه.\nومعلوم أن هذا فاسد، فكذلك نظيره.\nوفي الجملة فالصفات المتلازمة لا يكون بعضها أخص من بعض، فإذا قدر إنسانان فكل منهما له إنسانًا تخصه، وحيوانية تخصه، وناطقية تخصه، وهي متلازمة، لا توجد إنسانيته دون ناطقيته، ولا ناطقيته دون إنسانيته، ولا توجد واحدة منهما دون عينه المعينة، وإن وجد","vol":"3","page":14},{"text":"إنسانية أخرى وناطقية أخرى، فتلك نظير إنسانيته وناطقيته ليست هي هي بعينها، كما أن هذا الإنسان نظير هذا الإنسان ليس هو إياه بعينه، إلا أن يراد بلفظ العين النوع، كما يقال لمن عمل مثل ما يعمل غيره: هذا عمل فلان بعينه، فالمقصود أنه ذلك النوع بعينه، ليس المقصود أنه ذلك العمل المشخص الذي قام بذات ذلك الفاعل فإنه مخالف للحس، فقد تبين أن الموجودين والواجبين ونحو ذلك لم تركب أحدهما من مشارك ومميز، بل ليس فيه إلا وصف مختص به تميز به عن غيره، وإن كانت صفاته بعضها يشابه فيها غيره وبعضها يخالف فيها غيره.\nفإذا قيل: لو قدر واجبان أو موجودان إن إنسانان لكان أحدهما يشابه الآخر في الوجوب أو الوجود أو الإنسانية لكان صحيحًا، ولكان يمكن ذلك أنه يشابهه في الحقيقة كما يمكن أن يخالفه.\nثم هب أن كلًا منهم فيه ما يشارك به غيره وما يتميز به عنه، فقوله: (إنه مركب مما به الاشتراك والامتياز) إن عنى بذلك أنه موصوف بالأمرين فصحيح، وإن عنى أن هناك أجزاء تركبت ذاته منها فهذا باطل، كقول من يقول: إن الإنسان مركب من الحيوانية والناطقية، فإنه لا ريب أنه موصوف بهما.\nوأما كون الإنسان المعين له أجزاء تركب منها فهذا باطل كما تقدم.","vol":"3","page":15},{"text":"ولو سلم أن مثل هذا يسمى تركيبًا فقوله: (كل مركب مفتقر إلى غيره) يدخل فيه ما ركبه المركب كالأجسام المركبة من مفرداتها من الأغذية والأدوية والأشربة ونحو ذلك، ويدخل فيه ما يقبل تفريق أجزائه كالإنسان والحيوان النبات، ويدخل فيه ما يتميز بعض جوانبه عن بعض، ويدخل فيه الموصوف بصفات لازمة له، وهذا هو الذي أراده هنا.\nفيقال له: حينئذ يكون المراد أن كل ما كان له صفة لازمة له فلابد في ثبوته من الصفة اللازمة له.\nوهذا حق.\nوهب أنك سميت هذا تركيبًا فليس ذلك ممتنعًا في واجب الوجود، بل هو الحق الذي لا يمكنه نقيضه.\nقولك: (المركب مفتقر إلى غيره) معناه أن الموصوف بصفة لازمة له لا يكون موجودًا بدون صفته اللازمة له، لكن سميته مركبًا،","vol":"3","page":16},{"text":"وسميت صفته اللازمة له جزءًا وغيرًا، وسميت استلزامه إياها افتقارًا، فقولك بعد هذا (كل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته) معناه: أن كل مستلزم لصفة لازمة له لا يكون موجودًا بنفسه، بل بشيء مباين له، ومعلوم أن هذا باطل.\nوذلك لأن المعلوم أن ما كانت ذاته تقبل الوجود والعدم فلا يكون موجودًا بنفسه، بلا لا بد له من واجب بنفسه يبدعه، وهذا حق فهو مفتقر إلى شيء مباين له لم يكن موجودًا له يبدعه، وهذا هو الغير الذي يفتقر إليه الممكن، وكل ما افتقر إلى شيء مباين له لم يكن موجودًا بنفسه قطعًا.\nأما إذا أريد بالغير الصفة اللازمة، وأريد بالافتقار التلازم، فمن أين يقال: إن كل ما استلزم صفة لازمة له لا يكون موجودًا بنفسه، بل يفتقر إلى مبدع مباين له؟.\nوقد ذكرنا مثل هذا في غير موضع، وبينا أن لفظ (الجزء) و(الغير) و(الافتقار) و(التركيب) ألفاظ مجملة موهًا بها على الناس، فإذا فسر مرادهم بها ظهر فساده وليس هذا المقام مقام بسط هذا.\nونحن هذا البرهان عندنا صحيح وهو أن كل ماسوى الله ممكن، وكل ممكن فهو مفتقر إلى المؤثر، لأن المؤثر لا يؤثر إلا في حال حدوثه، لكن يقرر ذلك بمقدمات لم يذكرها الرازي هنا، كما بسط في موصع آخر.\nوأما الجواب عن المعارضة بكون الرب عالمًا قادرًا، فجوابه: أن","vol":"3","page":17},{"text":"الواجب بذاته يراد به الذات الواجبة بفسها، المبدعة لكل ما سواها، وهذا واحد.\nويراد به: الموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم.\nوعلى هذا: فالذات واجبة، والصفات واجبة، ولا محذور في تعداد الواجب بهذا التفسير، كما لا محذور في تعدد القديم إذا أريد به ما لا أول لوجوده.\nوسواء كان ذاتًا أوصفه لذات القديم، بخلاف ما إذا أريد بالقديم الخالقة لكل شيء، فهذا واحد لا إله إلا هو، وقد يراد بالواجب الموجود بنفسه القائم بنفسه، وعلى هذا: فالذات واجبة دون الصفات.\nوعلى هذا: فإذا قال القائل: الذات مؤثرة في الصفات، والمؤثر والأثر ذاتان.\nقيل له: لفظ التأثير مجمل، أتعني بالتأثير هنا: كونه أبدع الصفات وفعلها، أم تعني به كون ذاته مستلزمًا لها؟ فالأول ممنوع في الصفات، والثاني مسلم.\nوالتأثير في المبدعات هو بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني.\nبل قد بينا في غير هذا الموضع: أنه يمنع أن يكون مع الله شيء من المبدعات قديم بقدمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>البرهان الخامس</span>\nقال الرازي في البرهان الخامس: (لو كان الجسم قديمًا لكان قدمه: إما أن يكون عين كونه جسمًا، وإما مغايرًا لكونه جسمًا والقسمان باطلان، فبطل القول بكون الجسم قديمًا.","vol":"3","page":18},{"text":"إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون قدم الجسم عين كونه جسمًا، لأنه لو كان كذلك لكان العلم بكونه جسمًا علمًا بكونه قديمًا، فكما أن العلم بكونه جسمًا ضروري، لزم أن يكون العلم بكونه قديمًا ضروريًا، ولما بطل ذلك فسد هذا القسم.\nوإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون قدم الجسم زائدًا على كونه جسمًا لأن ذلك الزائد: إن كان قديمًا لزم أن يكون قدمه زائدًا عليه، ولزم التسلسل.\nوإن كان حادثًا فكل حادث فله أول، وكل قديم فلا أول له، فلو كان قدم القديم عبارة عن ذلك الحادث للزم أن يكون ذلك الشيء له أول، وأن لا يكون له أول، وهو محال) .\nثم قال: (فإن عارضوا بكونه حادثًا، قلنا: الحادث عبارة عن مجموع الوجود الحاصل في الحال والعدم السابق.\nولا يبعد حصول العلم بالوجود الحاصل مع الجهل بالعدم السابق، بخلاف القديم، فإنه لا معنى له إلا نفس وجوده، فظهر الفرق) .\nثم قال: وهذا وجه جدلي فيه مباحثات دقيقة) .","vol":"3","page":19},{"text":"قال: (وليكن هذا آخر كلامنا في شرح دلائل حدوث الأجسام) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>معارضة الأرموي</span>\nقلت: قال الأرموي: (لقائل أن يقول: ضعف الأصل والجواب لايخفى) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: قد بين في غير هذا الموضع فساد مثل هذه الحجة من وجوه، وهي مبنية على أن القديم: هل هو قديم بقدم، أم لا؟ فمذهب ابن كلاب والأشعري - في أحد قوليه - وطائفة من الصفاتية: أنه قديم بقدم، ومذهب الأشعري - في القول الآخر - والقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي علي بن أبي موسى وأبي المعالي الجويني وغيرهم: ليس كذلك، وهم متنازعون في البقاء، فقول الأشعري وطائفة معه: أنه باق ببقاء، وهو قول الشريف وأبي علي بن أبي موسى وطائفة، وقول القاضي أبي بكر وطائفة كالقاضي أبي يعلى نفى ذلك.\nوحقيقة الأمر: أن النزاع في هذه المسألة اعتباري لفظي، كما قد بسط في غير هذا الموضع وهو متعلق بمسائل الصفات: هل هي زائدة على الذات، أم لا؟ وحقيقة الأمر: أن الذات أن أريد بها الذات الموجودة بالخارج فتلك مستلزمة لصفاتها، يمتنع وجودها بدون تلك الصفات، وإذا قدر عدم اللازم لزم عدم الملزوم، فلا يمكن فرض","vol":"3","page":20},{"text":"الذات الموجودة في الخارج منفكة عن لوازمها، حتى يقال: هي زائدة أو ليست زائدة، لكن يقدر ذلك تقديرًا في الذهن، وهو القسم الثاني، فإذا أريد بالذات ما يقدر في النفس مجردًا عن الصفات، فلا ريب أن الصفات زائدة على هذه الذات المقدرة في النفس، ومن قال من متكلمة أهل السنة: (إن الصفات زائدة على الذات) فتحقيق قوله أنها زائدة على ما أثبته المنازعون من الذات، فإنهم أثبتوا ذاتًا مجردة عن الصفات، ونحن نثبت صفاتها.\nزائدة على أثبتوه هم، لا أنا نجعل في الخارج ذاتًا قائمة بنفسها ونجعل الصفات زائدة عليها، فإن الحي الذي يمتنع أن لا يكون إلا حيًا، كيف تكون له ذات مجردة عن الحياة؟ وكذلك ما لا يكون إلا عليمًا قديرًا، كيف تكون ذاته مجردة عن العلم والقدرة؟.\nوالذين فرقوا بين الصفات النفسية والمعنوية قالوا: القيام بالنفس والقدم - ونحو ذلك من الصفات النفسية - بخلاف العلم والقدرة، فإنهم نظروا إلى ما لا يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديره، فجعلوه من النفسية، وما يمكن تقديرها بدونه، فجعلوه معنويًا، ولا ريب أنه لا يعقل موجود قائم بنفسه ليس قائمًا بنفسه، بخلاف ما يقدر أنه عالم، فإنه يمكن ذاته بدون العلم.\nوهذا التقدير عاد إلى ماقدروه في أنفسهم، وإلا ففي نفس الأمر جميع صفات الرب اللازمة له هي صفات نفسية ذاتية، فهو عالم بنفسه وذاته، وهو عالم بالعلم، وهو قادر بنفسه وذاته، وهو قادر بالقدرة،","vol":"3","page":21},{"text":"فله علم لازم لنفسه، وقدرة لازمة لنفسه، وليس ذلك خارجًا عن مسمى اسم نفسه.\nوعلى كل تقدير فالاستدلال على حدوث الأجسام بهذه الحجة في غاية الضعف، كما اعترفوا هم به، فإن ما ذكروه يوجب أن لا يكون في الوجود شيء قديم، سواء قدر أنه جسم أو غير جسم، فإنه يقال: لو كان الرب - رب العالمين - قديمًا لكان قدمه إما أن يكون عين كونه ربًا، وإما زائدًا على ذلك، والأمران باطلان، فبطل كونه قديمًا.\nأما الأول: فلأنه لو كان كذلك لكان العلم بكونه ربًا أو واجب الوجود أو نحو ذلك علمًا بكونه قديمًا، وهذا باطل.\nوأما الثاني: فلأن ذلك الزائد إن كان قديمًا يلزم أن يكون قدمه زائدًا عليه، ولزم التسلسل، وإن كان حادثًا كان للقديم أول، فما كان جوابًا عن مواضع الإجماع كان جوابًا في مورد النزاع، وإن كان العلم بكونه رب العالمين يستلزم العلم بقدمه، لكن ليس العلم بنفس الربوبية هو العلم بنفس القدم، بل قد يقوم العلم الأول بالنفس مع ذهولها عن الثاني، وقد يشك الشاك في قدمه، مع العلم بأنه ربه، ويخطر له أن للرب ربًا حتى يتبين له فساد ذلك.\nوقد ذكر النبي ﷺ ذلك في الحديث الصحيح في قوله: «إن الشيطان يأتي أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته» وقد بسطت هذا في موضع آخر كما سيأتي إن شاء الله.","vol":"3","page":22},{"text":"والمقصود هنا: أن هذه البراهين الخمسة التي احتج بها على حدوث الأجسام قد بين أصحاب المعظمون له ضعفها، بل هو نفسه أيضًا بين ضعفها في كتب أخرى، مثل المطالب العالية وهي آخر ما صنفه وجمع فيها غاية علومه، والمباحث المشرقية وجعل منتهى نظره وبحثه تضعيفها.\nوقد بسط الكلام على هذا في مواضع، وبين كلام السلف والأئمة في هذا الموضع، كالإمام أحمد وغيره، وكلام النظار الصفاتية كأبي محمد بن كلاب وغيره، وأن القائل إذا قال: عبدت الله، ودعوت الله، وقال: الله خالق كل شيء، ونحو ذلك، فاسمه تعالى يتناول الذات والصفات، ليست الصفات خارجة عن مسمى اسمه، ولا زائدة على ذلك، بل هي داخلة في مسمى اسمه، ولهذا قال أحمد فيما صفنه في الرد على الجهمية نفاة الصفات: (قالوا: إذا قلتم الله وعلمه، والله وقدرته، والله ونوره، قلتم بقول النصارى.\nفقال لا نقول: الله وعلمه، والله وقدرته، والله ونوره، ولكن الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد) فبين أحمد أنا لا نعطف صفاته على مسمى اسمه العطف المشعر بالمغايرة، بل ننطق بما يبين أن صفاته داخلة في مسمى اسمه.","vol":"3","page":23},{"text":"ولما ناظره الجهمية في محنته المشهورة، فقال له عبد الرحمن بن إسحاق القاضي: ما تقول في القرآن: أهو الله، أم غير الله؟ يعني إن قلت (هو الله) فهذا باطل، وإن قلت: (غير الله) فما كان غير الله فهو مخلوق.\nفأجابه أحمد بالمعارضة بالعلم، فقال: ما تقول في علم الله: أهو الله، أم غير الله؟ فقال: أقول في كلامه ما أقوله في علمه وسائر صفاته، وبين ذلك في رده على الجهمية: بأنا لا نطلق لفظ الغير نفيًا ولا إثباتًا، إذ كان لفظًا مجملًا، يراد بغير الشيء ما بيانه، وصارت مفارقته له، ويراد بغيره، ما أمكن تصوره بدون تصوره، ويراد به غير ذلك.\nوعلم الله وكلامه ليس غير الذات بالمعنى الأول، وهو غيرها بالمعنى الثاني، ولكن كونه ليس غير الله بالمعنى الأول فعلى إطلاقه وأما كونه غير الله بالمعنى الثاني ففيه تفصيل، فإن أريد بتصوره معرفته المعرفة الواجبة الممكنة في حق العبد فلا يعرفه هذه","vol":"3","page":24},{"text":"المعرفة من لم يعرف أنه حي عليم قادر متكلم، فلا يمكن تصوره ومعرفته بدون صفاته، فلا تكون مغايرة لمسمى اسمه، وإن أريد أصل التصور، وهو الشعور به من بعض الوجوه، فقد يشعر به من لا يخطر له حينئذ أنه حي ولا عليم ولا متكلم، فتكون صفاته مغايرة له بالاعتبار الثاني.\nوأجاب أحمد أيضًا بأن الله لم يسم كلامه غيرًا، ولا قال: إنه ليس بغير، يعني والقائل إذا قال: ماكان غير الله أو سوى الله فهو مخلوق فإن احتج على ذلك بالسمع فلا بد أن يكون مندرجًا هذا اللفظ في كلام الشارع، وليس كذلك، وإن احتج بالعقل فالعقل إنما يدل على خلق الأمور المباينة له، وأما صفاته القائمة بذاته فليست مخلوقة، والذي يجعلون كلامه مخلوقًا يقولون: هو بائن عنه، والعقل يعلم أن كلام المتكلم ليس ببائن عنه.\nوبهذا التفصيل يظهر أيضًا الخلل فيما ذكروه من الفرق بين الصفات الذاتية والمعنوية، بأن الذاتية لا يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديرها، بخلاف المعنوية، فإنه يقال لهم: أم تعنون بتقدير الذات في الذهن، أو تصور الذات، أو نحو ذلك من الألفاظ؟ أتعنون به اصل الشعور والتصور والمعرفة ولو من بعض الوجوه، أم تريدون به التصور والمعرفة والشعور الواجب أو الممكن أو التام؟ فإن عنيتم الأول فما من","vol":"3","page":25},{"text":"صفة تذكر إلا يمكن أن يشعر الإنسان بالذات مع عدم شعوره بها.\nوقد يذكر العبد ربه ولا يخطر له حينئذ كونه قديمًا أزليًا، ولا باقيًا أبديًا، ولا واجب الوجود بنفسه، ولا قائمًا بنفسه، ولا غير ذلك.\nوكذلك قد يخطر له ما يشاهده من الأجسام ولا يخطر له كونه متحيزًا أو غير متحيز.\nوإن عنيتم الثاني فمعلوم أن الإنسان لا يكون عارفًا بالله المعرفة الواجبة في الشرع، ولا المعرفة التي تمكن بني آدم، ولا المعرفة التامة، حتى يعلم أنه حي عليم قدير، وممتنع، لمن يكون عارفًا بأن الله متصف بذلك إذا خطر بباله ذاته وهذه الصفات: أن يمكن تقدير ذاته موجودة في الخارج بدون هذه الصفات، كما يمتنع أن يقدر ذاته موجودة في الخارج بدون أن تكون قديمة واجبة الوجود قائمة بنفسها، فجميع صفاته تعالى اللازمة لذاته يمتنع مع تصور الصفة والموصوف والمعرفة بلزوم الصفة للموصوف، يمتنع أن يقدر إمكان وجود الذات بدون الصفات اللازمة لها مع العلم باللزوم، وإن قدر عدم العلم باللزوم، أو عدم خطور الصفات اللازمة بالبال، فيمكن خطور الذات بالبال بدون شيء من هذه الصفات وإذا علم لزوم بعض الصفات دون بعض، فما علم لزومه لايمكن تقدير وجود الذات دونه، وما لا يعلم لزومه أمكن الذهن أن يقدر وجوده دون وجود تلك الصفة التي لم يعلم لزومها، لكن هذا الإمكان معناه عدم العلم بالامتناع، لا العلم بالإمكان في الخارج، إذ كل ما لم يعلم الإنسان عدمه فهو ممكن عنده","vol":"3","page":26},{"text":"إمكانًا ذهنيًا بمعنى عدم علمه بامتناعه، لا إمكانًا خارجيًا، بمعنى أنه يعلم إمكانه في الخارج.\nوفرق بين العلم بالإمكان، وعدم العلم بالامتناع، وكثير من الناس يشتبه عليه هذا بهذا، فإذا تصور ما لا يعلم امتناعه، أو سئل عنه، قال: هذا ممكن، وهذا غير ممتنع، وهذا لو فرض وجوده لم يكن من فرضه محال.\nوإذا قيل له: قولك (إنه لو فرض وجوده لم يلزم منه محال) قضية كلية وسلب عام، فمن أين علمت أنه لا يلزم من فرض وجوده محال، والنافي عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل؟ وهل علمت ذلك بالضرورة المشتركة بين العقلاء، أم بنظر مشترك، أم بضرورة اختصصت بها، أم بنظر اختصصت به؟ فإن كان بالضرورة المشتركة وجب أن يشركك نظراؤك من العقلاء في ذلك، وليس الأمر كذلك عندهم.\nوإن كان بنظر مشترك، فإين الدليل الذي تشترك فيه أنت وهم؟ وإن كان بضرورة مختصة أو نظر مختص، فهذا أيضًا باطل، لوجهين، أحدهما: أنك تدعي أن هذا مما يشترك فيه العقلاء، ويلزمهم موافقتك فيه، وتدعي أنهم إذا ناظروك كانوا منقطعين معك بهذه الحجة، وذلك يمنع دعواك الإختصاص بعلم ذلك، والثاني: أن اختصاصك بعلم ذلك ضرورة أو نظرًا إنما يكون لاختصاصك بما يوجب تخصيصك بذلك، كمن خص بنبوة أو تجربة أو نحو ذلك مما ينفرد به، وأنت لست كذلك فيما تدعي إمكانه.\nولا تدعي اختصاصك بالعلم بإمكانه، وإن ادعيت ذلك لم يلزم غيرك موافقتك في ذلك، إن لم تقم","vol":"3","page":27},{"text":"عليه دليلًا يوجب موافقتك، سواء كان سمعيًا أو عقليًا، وأنت تدعي أن هذا من العلوم المشتركة العقلية، وهذه الأمور لبسطها موضع آخر.\nوالمقصود هنا التنبيه على هذا الأصل الذي نشأ منه التنازع أو الاشتباه في مسأئل الصفات من هذا الوجه.\nوتفريق هؤلاء المتلكمين في الصفات اللازمة للموصوف بين ما سموها نفسية وذاتية، وما سموها معنوية، يشبه تفريق المنطقيين في الصفات اللازمة بين ما سموه ذاتيًا مقومًا داخلًا في الحقيقة، وما سموه عرضيًا خارجًا عن الذات، مع كونه لازمًا لها.\nوتفريقهم في ذلك بين لازم الماهية ولازم وجود الماهية.\nكما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.\nوبين أن هذه الفروق إنما تعود عند الحقيقة إلى الفرق بين ما يتصور في الأذهان، وهو الذي قد يسمى ماهية، وبين ما يوجد في الأعيان، وهو الذي قد يسمى وجودها، وأن ما يتصور في النفس من المعاني ويعبر عنه بالألفاظ: له لفظ دل عليه بالمطابقة هو الدال على تلك الماهية، وله جزء من المعنى هو جزء تلك الماهية، واللفظ المذكور دال عليه بالتضمن، وله معنى يلزمه خارج عنه، فهو اللازم لتلك الماهية الخارج عنها.\nواللفظ يدل عليه باللالتزام، وتلك الماهية التي في الذهن، هي بحسب ما يتصوره الذهن من الصفات الموصوف.\nتكثر تارة وتقل تارة، وتكون تارة مجملة وتارة مفصلة، وأما الصفات اللازمة للموصوف في الخارج فكلها لازمة له، لا تقوم ذاته مع عدم شيء منها، وليس منها شيء يسبق الوصوف في الوجود العيني، كما قد","vol":"3","page":28},{"text":"يزعمونه من أن الذاتي يسبق الموصوف في الذهن والخارج، وتلك الصفات هي أجزاء الماهية المتصورة في الذهن، كما أن لفظ كل صفة جزء من تلك الألفاظ، إذا قلت: جسم حساس نام مغتذ متحرك بالإرادة ناطق، وأما الموصوف الموجود في الخارج كالإنسان، فصفاته قائمة به حالة فيه، ليست أجزاء الحقيقة الموجودة في الخارج سابقة عليها سبق الجزء على الكل، كما يتوهمه من يتوهمه من هؤلاء الغالطين كما قد بسط في موضعه.\nوقول هؤلاء المتكلمين في الصفات اللازمة (إنها زائدة على حقيقة الموصوف (يشبه قول أولئك (إن الصفات اللازمة العرضية خارجة عن حقيقة الموصوف) وكلا الأمرين منه تلبيس واشتباه، حاد بسببه كثير من النظار الأذكياء، وكثر بينهم النزاع والجدال، والقيل والقال، وبسط هذا له موضع آخر.\nوإنما المقصود هنا التنبيه على ذلك والله أعلم وأحكم، وإن كان","vol":"3","page":29},{"text":"قد بسط الكلام على ضعفها في غير هذا الموضع، مع أن هذا الذي ذكره مستوعب لما ذكره غيره من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>طريقة الآمدي في الاستدلال على حدوث العالم</span>\nوكان المقصود ما ذكروه في تناهي الحوادث، ولهذا لم يعتمد الآمدي في مسألة حدوث العالم على شيء من هذه الطرق، بل بين ضعفها، واحتج بما هو مثلها أو دونها في الضعف، وهو أن الأجسام لا تنفك عن الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين، فنكون حادثة، وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث، وهذا الدليل مبني على مقدمتين: على أن كل عرض في زمان، فهو لايبقى زمانين، وجمهور العقلاء يقولون: إن هذا مخالف للحس والضرورة، وعلى امتناع حوادث لا أول لها، وقد عرف الكلام في ذلك، والوجوه التي ضعف بها الآمدي ما احتج به من قبله على حدوث الأجسام يوافق كثير منها ما ذكره الأرموي، وهو متقدم على الأرموي.\nفإما أن يكون الأرموي رأى كلامه وأنه صحيح فوافقه، وإما أن يكون وافق الخاطر الخاطر، كما يوافق الحافر الحافر، أو أن يكون الآرموي والآمدي أخذا ذلك أو بعضه من كلام الرازي أو غيره.\nوهذا الاحتمال أرجح، فإن هذين وأمثالهما وقفوا على كتبه التي فيها هذه","vol":"3","page":30},{"text":"الحجج، مع أن تضعيفها مما سبق هؤلاء إليه كثير من النظار.\nومن تكلم من النظار ينظر ما تكلم به من قبله، فإما أن يكون أخذه عنه، أو تشابهت قلوبهم.\nوبكل حال فهما - مع الرازي ونحوه - من أفضل بني جنسهم من المتأخرين، فاتفاقهما دليل على قوة هذه المعارضات، لا سيما إذا كان الناظر فيها ممن له بصيرة من نفسه يعرف بها الحق من الباطل في ذلك، بل يكون تعظيمه لهذه البراهين لأن كثيرًا من المتكلمين من هؤلاء وغيرهم اعتمد عليها في حدوث الأجسام، فإذا رأى هؤلاء وغيرهم من النظار قدح فيها وبين فسادها علم أن نفس النظار مختلفون في هذه المسالك، وأن هؤلاء الذين يحتجون بها هم بعينهم يقدحون فيها، وعلى القدح فيها استقر أمرهم، وكذلك غيرهم قدح فيها، كأبي حامد الغزالي وغيره.\nوليس هذا موضع استقصاء ذكر من قدح في ذلك.\nوإنما المقصود القدح في هذه المسالك التي يسمونها براهين عقلية ويعارض بها نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف.\nثم إن نفس حذاقهم قدحوا فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>مسلك الآمدي على إثبات حدوث الأجسام</span>\nفأما المسلك الأول الذي ذكره الرازي فقال الآمدي: (المسلك السادس لبعض المتأخرين من أصحابنا في الدلالة على إثبات حدوث الأجسام، وهو أنه لو كانت الأجسام أزلية، لكانت في الأزل: إما أن","vol":"3","page":31},{"text":"تكون متحركة أو ساكنة) وساق المسلك إلى آخره.\nثم قال: (وفيه وفي تقريره نظر، وذلك أن القائل يقول: إما أن تكون الحركة عبارة عن الحصول في الحيز بعد الحصول في حيز آخر، والسكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد أن كان في ذلك الحيز، أو لا تكون كذلك.\nفإن كان الأول فقد بطل الحصر بالجسم في أول زمان حدوثه فإنه ليس متحركًا لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان في حيز آخر وليس ساكنًا لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان فيه، وإن كان الثاني فقد بطل ما ذكره في تقرير كون السكون أمرًا وجوديًا، ولا محيص عنه.\nفإن قيل: الكلام إنما هو في الجسم في الزمن الثاني، والجسم في الزمن الثاني ليس يخلو عن الحركة والسكون بالتقسير المذكور، فهو ظاهر الإحالة، فإنه إذا كان الكلام في الجسم إنما هو في الزمن","vol":"3","page":32},{"text":"الثاني من وجود الجسم، فالزمن الثاني ليس هو حالة الأزلية، وعند ذلك لا يلزم أن يكون الجسم أزلًا لا يخلو عن الحركة والسكون) .\nقال: (وإن سلمنا الحصر فلم قلتم بامتناع كون الحركة أزلية؟ وما ذكروه من الوجه الأول في الدلالة فإنما يلزم أن لو قيل بأن الحركة الواحدة بالشخص أزلية، وليس كذلك، بل المعنى يكون الحركة أزلية أن أعداد أشخاصها المتعاقبة لا أول لها، وعند ذلك فلا منافاة بين كون كل واحدة من آحاد الحركات المشخصة حادثة ومسبوقة بالغير، وبين كون جملة آحادها أزلية بمعنى أنها متعاقبة إلى غير النهاية) .\nقال: (وما ذكروه في الوجه الثاني باطل أيضًا، فإن كل واحدة من الحركات الدورية وإن كانت مسبوقة بعدم لا بداية له، فمعنى اجتماع الأعدام السابقة على كل واحدة من الحركات في الأزل: أنه لا أول لتلك الأعدام ولا بداية، ومع ذلك فالعدم السابق على كل","vol":"3","page":33},{"text":"حركة وإن كان لا بداية له، فيقارنه وجود حركات قبل الحركة المفروضة لا نهاية لها على جهة التعاقب) أي: يعاقبه وجود حركات لا نهاية لها قبل الحركة المفروضة (وليس فيه مقارنة السابق للمسبوق وعلى هذا فيكون الكلام في العدم السابق على حركة حركة، وعلى هذا فحصول شيء من الموجودات الأزلية مع هذه الأعدام أزلًا على هذا النوع لا يكون ممتنعًا، إذ ليس في مقارنة للمسبوق على ما عرف) .\nقال: (وفيه دقة فليتأمل) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا هو الاعتراض الذي ذكره الأرموي، وقد ذكره غيرهما، والظاهر أن الأرموي تلقى هذا عن الآمدي، وهم يقولون: اجتماع الأعدام لا معنى له سوى أنها مشتركة في عدم البداية والأولية، وحينئذ فعدم كل حركة يمكن أن يقارنه وجود أخرى، وليس فيه مقارنة السابق للمسبوق.\nوهذا الذي قالوه صحيح.\nلكن قد يقال: هذا الاعتراض إنما يصح لو كان احتج بأن في ذلك مقارنة السابق للمسبوق فقط، وهو لم يحتج إلا بأن العدمات تجتمع في الأزل، وليس معها","vol":"3","page":34},{"text":"شيء من الموجودات، إذ كان معها موجود لكان هذا الموجود مقارنًا لتلك العدمات المجتمعة، منها عدمه، فاقترن السابق والمسبوق، فعمدته اجتماعها في الأزل.\nوقد قالوا له: إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معًا حينًا، فهو ممنوع، لأنه من من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها.\nوهو يقول: أنا لم أعن باجتماعهما في حين حادث، ليلزمني انتهاء واحد منها، وإنما قلت: هي مجتمعة في الأزل.\nوفصل الخطاب أن يقال: العدم ليس بشيء، وليس لعدم هذه الحركة حقيقة ثابتة مغايرة لعدم الأخرى، حتى يقال: إن أعدامها اجتمعت في الأزل، أو لم تجتمع، بل معنى حدوث كل منها أنهاكانت بعد أن لم تكن، وكون الحوادث كلها مشتركة في أنها لم تكن لا يوجب أن يكون عدم كونها حقائق متغايرة ثابتة في الأزل.\nيوضح ذلك أن يقال: أتعني بكونها مسبوقية بالعدم أن جنسها مسبوق بالعدم، أو كل واحد منها مسبوق بالعدم؟ أما الأول فهو محل النزاع، وأما الثاني فإذا قدر أن كل واحد كان بعد أن لم يكن - والجنس لم يزل كائنًا - لم يجز أن يقال: الجنس كائن بعد أن لم يكن، ولا يلزم من كون كل من أفراده مسبوقًا بعدم أن يكون الجنس مسبوقًا بالعدم، إلا إذا ثبت حدوث الجنس، وهو محل النزاع.\nوعدم الحوادث هو نوع واحد ينقضي بحسب الحدوث، فكلما حدث حادث انقضى من ذلك العدم ذلك الحادث، ولم ينقض عدم غيره، فالأزلي حينئذ عدم أعيان الحوادث، كما أن الأزلي عند من يقول بأنه لا","vol":"3","page":35},{"text":"أول لها هو جنس الحوادث، فجنس وجودها أزلي، وعدم كل من أعيانها أزلي، ولا منافاة بين هذا وهذا إلا أن يثبت وجوب البداية، وهو محل النزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>إيراد أحد المتكلمين الدليل على وجه آخر</span>\nوبهذا يظهر الجواب عما ذكره بعضهم في تقرير هذا الوجه، فإن بعضهم لما رأى ما أوردوه على ما ذكره الرازي حرر الدليل على وجه آخر فقال: القول بكون كل من الحركات الجزئية مسبوقًا بأخرى لا إلى أول يستلزم المحال فيكون محالًا.\nبيان الأول: أن كل واحد منه من حيث إنه حادث يقتضي أن يكون مسبوقًا بعدم أزلي، لأن كل حادث مسبوق بعدم أزلي، فهذا يقتضي أن تكون تلك العدمات مجتمعة في الأزل، ومن حيث إنه ما من جنس يفرض إلا وجب أن يكون فرد منها موجودًا يقتضي ألا تكون تلك العدمات مجتمعة في الأزل، وإلا لزم أن يكون السابق مقارنًا للمسبوق، ولا شك أن اجتماعهما في الأزل وعدم اجتماعهما فيه متناقضان، فالمستلزم له محال.\nفيقال لمن احتج بهذا الوجه: العدم الأزلي السابق على كل من الحوادث إن جعلته شيئًا ثابتًا في الأزل متميزًا عن عدم الحادث الآخر فهذا ممنوع، فإن العدم الأزلي لا امتياز فيه أصلًا ولا يعقل حتى يقال: إن هناك أعدامًا، ولكن إذا حدث حادث علم أنه انقضى عدمه الداخل في ذلك النوع الشامل لها، وليس شمول جنس الموجودات لها","vol":"3","page":36},{"text":"كشمول جنس العدم للمعدومات، فإن الموجودات لها امتياز في الخارج، فشخص هذا الموجود متميز في الخارج عن شخص الآخر وأما العدم فليس بشيء أصلًا في الخارج، ولا امتياز فيه بوجه من الوجوه.\nولكن هذا الدليل قد بني على قول من يقول: المعدوم شيء ولا يبعد أن يكون الرازي أخذ هذا الوجه من المعتزلة القائلين بهذا فإنهم يثبتون المعدوم شيئًا، فيكون هذا الحادث في حال عدمه شيئًا وهذا الحادث في حال عدمه شيئًا، وحينئذ فللحوادث أعدام متميزة ثابتة في الأزل.\nوهؤلاء القائلون بهذا يقولون ذلك في كل معدوم ممكن، سواء حدث أو لم يحدث، فإذا قال القائل: (للحوادث أعدام أزلية ثابتة في الأزل متميزة) لم يتوجه إلا على قول هؤلاء، وهذا القول قد عرف فساده.\nوبتقدير تسليمه فيجاب عنه بما ذكره هؤلاء، وهو أن اجتماعه في الأزل بمعنى غير انتفاء البداية ممتنع، وعدم البداية ليس أمرًا موجودًا حتى يعقل فيه اجتماع.\nوعلى هذا فيقال: لا نسلم أن الأزل شيء مستقر أو شيء موجود، وليس للأزل حد محدود حتى يعقل فيه اجتماع، بل الأزل عبارة عن عدم الابتداء، وما لا ابتداء له فهو أزلي، وما لا انتهاء له فهو أبدي","vol":"3","page":37},{"text":"وما من حين يقدر موجودًا إلا وليس هو الأزل، ففي كل حين بعضهما موجود وبعضها معدوم، فوجود البعض مقارن لقدم البعض دائمًا وحينئذ فاجتماعها في الأزل معناه اشتراكهما في أن كل واحد ليس له أول، وعدم اجتماعها فيه معناه أنه لم يزل في كل حين واحد منها موجودًا، وعدمه زائلًا، ولا تناقض بين اشتراكها في عدم الابتداء، ووجود أشخاصها دائم، إلا إذا قيل: يمتنع جنس الحوادث الدائمة.\nوقد اعترض المستدل بهذا على ما ذكره الآمدي والأرموي في الوجه الأول.\nقال: فإن قلت: الأزلي الحركة الكلية، بمعنى أن كل فرد منها مسبوق بالآخر، لا إلى أول، لا أفرادها الموجودة التي تقتضي المسبوقية بالغير.\nثم قال: قلت: فحينئذ ما هو المحكوم عليه بالأزلي غير موجود في الخارح، لامتناع وجود الحركة الكلية في الخارج، وما هو موجود منها في الخارج فهو ليس بأزلي.\nولقائل أن يقول: هذا غلط نشأ من الإجمال الذي لفظ الكلي.\nوذلك أنه إنما يمتنع وجود الكلي في الخارج مطلقًا، إذا كان مجردًا عن أفراده، كوجود إنسان مطلق، وحيوان مطلق، وحركة مطلقة، لا تختص بمتحرك.\nولا بجهة ولون مطلق، لا يكون أبيض ولا أسود، ولا غير ذلك من الألوان المعينة.\nفإذا قدر حركة مطلقة لا تختص بمتحرك معين كا ن وجودها في الخارج ممتنعًا.\nوأما الحركات المتعاقبة، فوجود الكلي فيها هو وجود تلك الأفراد، كما إذا وجد عدة أناسى فوجود","vol":"3","page":38},{"text":"الإنسان الكلي هو وجود أشخاصه، ولا يحتاج أن يثبت للكلي في الخارج وجودًا غير وجود أشخاصه، بل نفس وجود أشخاصه هو وجوده.\nومعلوم إنه إذا أريد بوجود الكلي في الخارج وجود أشخاصه لا ينازع فيه أحد من العقلاء، وإن كانوا قد يتنازعون في أن الكلي المطلق لا بشرط، وهو الطبيعي: هل هو موجود في الخارج، أم لا؟ وحيئنذ فمرادهم بوجود الحركة الكلية في الخارج هو وجود أفرادها المتعاقبة شيئًا بعد شيء، فكل فرد مسبوق بالغير، وليس هذا الجنس المتعاقب الذي يوجد بعضهم شيئًا فشيئًا بمسبوق بالغير.\nوإن شئت قلت: لا نسلم أن الكلي لا يوجد في الخارج، ولكن نسلم أنه لا يوجد في الخارج كليًا، وهذا هو الكلي الطبيعي، وهو المطلق لا بشرط، كمسمى الإنسان لا بشرط، فإنه يوجد في الخارج، لكن معينًا مشخصًا، وتوجد أفراده إما مجتمعة وإما متعاقبة، كتعاقب الحوادث المستقبلة، فوجود الحركات المعينة كوجود سائر الأشياء المعينة، ووجود مسمى الحركة كوجود سائر المسميات الكلية، والمحكوم عليه بالأزلية هو النوع الذي لا يوجد إلا شيئًا فشيئًا، لا يوجد مجتمعًا.\nفإن قال القائل (مسمى الحركة ليس بموجود في الخارج على وجه الاجتماع، كما يوجد من أفراد الإنسان) فقد صدق، وإن قال (إنه لا يوجد شيئًا فشيئًا) فهذا ممنوع.\nوم قال ذلك لزمه أن لا يوجد في الخارج حركة أصلًا، لا متناهية ولا غير متناهية، وهذا مخالف للحس والعقل.\nوقد تفطن ابن سينا لهذا الموضع، وتكلم في وجود الحركة","vol":"3","page":39},{"text":"بكلام له، وقد نقله عنه الرازي وغيره، وقد تكلمنا عليه وبينا فساده فيما سيأتي إن شاء الله.\nقال الآمدي: (وباقي الوجوه في الدلالة ما ذكرناه في امتناع حوادث غير متناهية في إثبات واجب الوجود، وقد ذكرت فلا حاجة إلى إعادتها) .\nوهو قد ذكر قبل ذلك في امتناع ما لا يتناهى أربعة طرق، فزيفها واختار طريقًا خامسًا، الأول: التطبيق، وهو أن يقدر جملة (فلو كا ما قبلها لا نهاية له، فلو فرضنا زيادة متناهية على الجملة المفروضة، ولتكن الزيادة عشرة مثلا، فالجملة الأولى: إما أن تكون مساوية لنفسها مع فرض الزيادة عليها، أو أزيد، أو أنقص.\nوالقول المساواة والزيادة محال، فإن الشيء لا يكون مع غيره كهو لا مع غيره، ولا أزيد.\nوإن كانت الجملة الأولى ناقصة بالنظر إلى الجملة الثانية، فمن المعلوم أن التفاوت بينهما إنما هو بأمر متناه، وعند ذلك","vol":"3","page":40},{"text":"فالزيادة لا بد أن يكون لها نسبة إلى الباقي بجهة من جهات النسب على نحو زيادة المتناهي على المتناهي.\nومحال أن يحصل بين ما ليس بمتناهيين النسبة الواقعة بين المتناهيين.\nوأيضًا فإنه إذا كانت إحدى الجملتين أزيد من الأخرى بأمر متناه، فليطبق بين الطرفين الآخرين، بأن تأخذ من الطرف الأخير من إحدى الجملتين عدوًا مفروضًا، ومن الأخرى مثله، وهلم جرًا، فإما أن يتسلسل الأمر إلى غير النهاية، فيلزم منه مساواة الانقص للأزيد في كلا طرفيه: وهو محال.\nوإن قصرت الجملة الناقصة في الطرف الذي لانهاية له فقد تناهت، والزائدة إنما زادت على الناقصة بأمر متناه، وكل ما زاد على المتناهي بأمر متناه فهو متناه) .\nقال: (وهذا لا يستقيم لا على قواعد الفلاسفة، وعلى قواعد المتكلمين) .","vol":"3","page":41},{"text":"أما الفلاسفة فإنهم قضوا بأن كل ما له ترتيب وضعي كالأبعاد والامتدادات، أو الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معًا كالعلل والمعلولات، فالقول بعدم النهاية فيه مستحيل، وما سوى وذلك فالقول بعدم النهاية فيه غير مستحيل، وسواء كانت آحاده موجودة معًا كالنفوس بعد مفارقة الأبدان أو هي على التعاقب والتجدد كالأزمنة والحركات الدورية، فإن ما ذكروه - وإن استمر لهم فيما قضوا فيه بالنهاية - فهو لازم لهم فيما قضوا فيه بعدم النهاية.\nوعند ذلك فلا بد من بطلان أحد الأمرين: إما الدليل إن كان اعتقادهم عدم النهاية حقًا، وإما اعتقاد عدم النهاية إن كان الدليل حقًا، لاستحالة الجمع) .\nقال: (وليس لما يذكره الفيلسوف من جهة الفرق بين العلل والمعلولات والأزمنة والحركات قدح في الجمع، وهو قوله: إن ما لا ترتيب له وضعًا، ولا آحاده موجودة معًا - وإن كان ترتيبه","vol":"3","page":42},{"text":"طبيعيًا - فلا يمكن فرض جواز قبوله الانطباق، وفرض الزيادة والنقصان فيه، بخلاف مقابله، لأن المحصل يعلم أن الاعتماد على هذا الخيال في تناهي ذوات الأضلاع، وفيما له الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معًا، ليس إلا من جهة إفضائه إلى وقوع الزيادة والنقصان بين ما ليس بمتناهيين، وذلك إنما يمكن بفرض زيادة على ما فرض الوقوف عنده من نقطة ما من البعد المفروض أو وحدة ما من العدد المفروض، وعند ذلك فلا يخفى إمكان فرض الوقوف على جملة من أعداد الحركات والنفوس الإنسانية المفارقة لأبدانها، وجواز فرض الزيادة عليها بالتوهم مما هو من نوعها، وإذ ذاك فالحدود المستعملة في القياس المذكور في محل الاستدلال بعينها مستعملة في صورة الإلزام، مع اتحاد صورة القياسية من غير فرق.\nوأيضًا، فليس كل جملتين تفاوتتا بأمر متناه تكونان متناهيتين فإن عقود الحساب مثلًا لا نهاية لأعدادها، وإن كانت الأوائل أكثر من الثواني بأمر متناه وهذه الأمور - وإن كانت تقديرية ذهنية - فلا خفاء أن وضع القياس المذكور فيها على نحو وضعه في","vol":"3","page":43},{"text":"الأمور الموجودة بالفعل، فلا تتوهمن الفرق واقعًا من مجرد هذا الاختلاف.\nوالقول بأن ما زادت به إحدى الجملتين على الأخرى لابد وأن تكون له نسبة إلى الثاني غير مسلم، ولا يلزم من قبول المتناهي لنسبة المتناهي إليه قبول غير المتناهى لنسبة المتناهى إليه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>حول إبطال القول بعدم النهاية</span>\nقال: (وأما المتكلم فله في إبطال القول بعدم النهاية طرق، الأول: ما أسلفناه من الطريقة المذكورة، ويلزم عليه ما ذكرناه، ما عدا التناقض اللازم للفيلسوف من ضرورة اعتقاد عدم النهاية، فيما ذكرناه من الصور وعدم اعتقاد المتكلم لذلك، غير أن المناقضة لازمة للمتكلم من جهة اعتقاده عدم النهاية في معلومات الله تعالى ومقدوراته، مع وجود ما ذكرناه من الدليل الدال على وجوب النهاية فيها) .\nقال: (وما يقال: من أن المعني بكون المعلومات","vol":"3","page":44},{"text":"والمقدورات غير متناهية صلاحية العلم لتعلقه بما يصح أن يعلم، وصلاحية القدرة لتعلقها بكل ما يصح أن يوجد، وما يصح أن يعلم ويوجد غير متناه، لكنه من قبيل التقديرات الوهمية، والتجويزات الإمكانية، وذلك مما لا يمتنع كونه غير متناه، بخلاف الأمور الوجودية، والحقائق العينية.\nفلا أثر له في القدح أيضًا، فإن هذه الأمور - وإن لم تكن من موجودات الأعيان، غير أنها متحققة في الأذهان، ولا يخفى أن نسبة ما فرض استعماله فيما له وجود ذهني على نحو استعماله فيما له وجود عيني) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: التفريق بين الشيئين يحتاج إلى ثبوت الوصف الفارق وثبوت تأثيره، والآمدي سلم لهم الوصف ونازعهم في كونه مؤثرًا.","vol":"3","page":45},{"text":"والتحقيق أن ما ذكروه من الوصف متوحه في القدرة، فإن تعلقها بالمعدوم من باب التجويز، بخلاف العلم فإن فساد تعلقه بالمعدوم ليس من باب التجويز، فإن المعدوم هنا معلوم للعالم، ليس المراد بذلك أن ثم صفة تصلح أن يعلم بها المعدوم إذا وجد، بل هو معلوم قبل وجوده، بخلاف القدرة فإن تعلقها بالمعدوم معناه أنها صفة صلاحة لتعلق المعدوم إذا وجد.\nقلت: وأيضًا فإن قول القائل: المعني بكون المعلومات والمقدروات غير متناهية هو صلاحية العلم والقدرة للتعلق، وهو وإن سلم في القدرة، فلا يسلم في العلم، فإن الكلام ليس هو في إمكان العلم بها، بل في العلم الذي يقال إنه علم موجود أزلي متعلق بما لا نهاية له، وهذا أمر موجود.\nوعن هذه الشبهة صار طائفة من النظار إلى استرسال العلم على آحاد نوع العرض، كما قاله أبو المعالي، وحكي ذلك عن أبي الحسين البصري وداود الجواربي.","vol":"3","page":46},{"text":"قال أبو المعالي: (الأجسام جنس واحد، والأعراض أجناسها محصورة، وأفراد الجنس غير محصورة) قال: (فلا يجوز وجود أجناس لا تتناهى، لأنه يجب حينئذ وجود ما لا يتناهى في العلم، والدليل دال على نفي النهاية في هذا وهذا) .\nقال: (وأما آحاد الأعراض فإن العلم يسترسل عليها استرسالًا، وأما الجواب بصلاحية التعلق فهو جواب الشهرستاني ونحوه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>الثاني</span>\nقال: (الطريق الثاني - يعني في بيان امتناع ما لا نهاية له - قوله: لو وجد أعداد لا نهاية لها لم تخل: إما أن تكون شفعًا أو وترًا، أو شفعًا ووترًا معًا.\nأو لا شفعًا ولا وترًا، فإن كانت شفعًا فهي تصير وترًا بزيادة واحد، وإن كانت وترًا فهي تصير شفعًا بزيادة واحد، وإعواز الواحد لما لا يتناهى محال، وإن","vol":"3","page":47},{"text":"كانت شفعًا ووترًا فهو محال، لأن الشفع ما يقبل الانقسام بمتساويين، والوتر غير قابل لذلك، والعدد الواحد لا يكون قابلًا وغير قابل له معًا، وإن لم يكن شفعًا ولاوترًا، فيلزم منه وجود واسطة بين النفي والإثبات، وهو محال، وهذه المحالات إنما لزمت من القول بعدد لا نهاية له، فالقول به محال) .\nقال: (وهو محال من النمط الأول في الفساد، لوجهين: الأول: قد نسلم استحالة الشفعية أو الوترية فيما لا نهاية له، والقول بأن ما لا يتناهى لا يعوزه الواحد الذي به يصير شفعًا إن كان وترًا أو وترًا إن كان شفعًا، فدعوى مجردة، ومحض استبعاد لا دليل عليه.\nالوجه الثاني: أنه يلزم عليه عقود الحساب، ومعلومات الله تعالى ومقدوراته، فإنها غير متناهية إمكانًا، مع إمكان إجراء الدليل المذكور فيها) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: أما الوجه الأول فضعيف، فإن كون ما لا","vol":"3","page":48},{"text":"يتناهى معوزًا للواحد كالمعلوم فساده بالضرورة، بل يمكن أن يقال: ما لا يتناهى لا يمكن أن يكون لا شفعًا ولاوترًا، لأن الشفع والوتر نوعا جنس العدد المحصور الذي له طرفان: مبدأ، ومنتهى.\nفأما إذا قدر ما لا مبدأ ولا منتهى له فليس عددًا محصورًا، فلا يكون شفعًا ولا وترًا، كما يقولوه المسلمون وغيرهم من أهل الملل فيما يحدثه الله تعالى في المستقبل من نعيم الجنة: إنه لا شفع ولا وتر.\nوهذا أيضًا قول الفلاسفة الطبيعية والإلهية: إن ما لا نهاية له لا يكون شفعًا ولا وترًا، وذلك أن ما لا نهاية له ليس طرفان.\nوالشفع: ما يقبل الانقسام بقسمين متساويين، وهذا إنما يعقل فيما له طرفان منتهيان، وإذا لم يمكن أن يكون شفعًا لم يمكن أن يكون وترًا.\nوأما عقود الحساب فالمقدر منها في الذهن محصور متناه، وما لا يتناهى لا تقدره الأذهان، بل كل مايضعفه الذهن من عقود الحساب فهو متناه، والمراتب في نفسها متناهية، ولكن إحدى المرتبتين لو وجدت أفرادها في الخارج لكانت أكثر من الأولى، وليس ذلك تفاوتًا في أمور موجودة، ولا في الأذهان ولا في الأعيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>الثالث</span>\nقال أبو الحسن الآمدي: (الطريق الثالث: أنه لو وجد أعداد لا نهاية لها.\nفكل واحد منها محصور بالوجود، فالجملة محصورة بالوجود، وما لا يتناهى لا ينحصر بحاصر) .","vol":"3","page":49},{"text":"قال: (وهو أيضًا فاسد لثلاثة أوجه:\nالأول: لا نسلم أن الوجود زائد على الموجود، حتى يقال: يكون الوجود حاصرًا له، بل الوجود هو ذات الموجود وعينه على ما يأتي.\nالثاني: وإن كان زائدًا على كل واحد من آحاد الجملة، فلا نسلم كونه حاصرًا بل عارض مقارن لكل واحد من الآحاد والمعارض المقارن للشيء لايكون حاصرًا له.\nالثالث: سلمنا أن الوجود حاصر لكل واحد من آحاد الجملة، ولكن لا نسلم أن الحكم على الآحاد يكون حكمًا على الجملة، ولهذا يصدق أن يقال لكل واحد من آحاد الجملة: إنه جزء الجملة، ولا يصدق على الجملة أنها جزء الجملة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>تعليق ابن تيمية</span>\nولقائل أن يقول: في إفساد هذا الوجه أيضًا: قول القائل (إنه محصور في الوجود) أيريد به أن هناك سورًا موجودًا حصر ما يتناهى أو ما لا يتناهى بين طرفيه، أم يريد به أنه موصوف بكونه موجودًا؟ فإن","vol":"3","page":50},{"text":"أراد الأول فهو باطل، فإنه ليس للموجودات شيء خارج عن الموجودات يحصرها.\nسواء قيل: إنها متناهية أو غير متناهية، وإن قيل: إن كل واحد مما لا يتناهى من الموجودات فهو موجود، فهذا حق.\nفإذا سمى المسمى هذا حصرًا كان هذا إطلاقًا لفظيًا، وكان قوله حينئذ (ما لا يتناهى لا يكون محصورًا) بمنزلة قوله (لا يكون موجودًا) وهذا محل النزاع، فقد غير العبارة، وصادر على المطلوب.\nثم ما لا يتناهى في المستقبل موجود باتفاق أهل الملل وعامة الفلاسفة، ولم ينازع في ذلك إلا من شذ كالجهم وأبي الهذيل ونحوهما ممن هو مسبوق بإجماع المسلمين، محجوج بالكتاب والسنة، مخصوم بالأدلة العقلية مع مخالفة جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، وهو مع هذا محصور بالوجود، كما أن ما لا يتناهى في الماضي محصور بالوجود، لكنهم يفرقون بأن الماضي دخل في الوجود، بخلاف المستقبل، ومنازعوهم يقولون: الماضي دخل، ثم خرج، فصارا جميعًا معدومين، والمستقبل لم يدخل في الوجود، وهة تفريق صوري، حقيقته أن الماضي كان وحصل، والمستقبل لم يحصل بعد.\nفيقال لهم: ولم قلتم: إن كل ما حصل وكان يمتنع أن يكون دائمًا لم يزل؟ وهو وإن كان متناهيًا من الجانب الذي يلينا فالمستقبل أيضًا متناه في هذا الواجب، وإنما الكلام في الطرفين الآخرين.\nوأيضًا فالحوادث الماضية عدمت بعد وجودها، فهي الآن معدومة، كما أن الحوادث المستقبلة الآن معدومة، فلا هذا موجود.","vol":"3","page":51},{"text":"ولا هذا موجود الآن، وكلاهما له وجود في غير هذا الوقت، ذاك في الماضي، وهذا في المستقبل، وكون الشيء ماضيًا ومستقبلًا أمر إضافي بالنسبة إلى ما يقدر متأخرًا عن الماضي ومتقدمًا على المستقبل، وإلا فكل ماض قد كان مستقبلًا، وكل مستقبل سيكون ماضيًا، كما أن كل حاضر قد كان مستقبلًا، وسيصير ماضيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>الرابع</span>\nقال الآمدي: (الطريق الرابع: أنه لو وجد ما لا يتناهى، فما من وقت يقدر إلا وهو متناه في ذلك الوقت، وانتهاء ما لا يتناهى محال) .\nقال: (وهو أيضًا غير سديد، فإن الانتهاء من أحد الطرفين - وهو الأخير - وإن سلمه الخصم، فلا يوجب النهاية في الطرف الآخر.\nثم يلزم عليه عقود الحساب، ونعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، فإنه وإن كان متناهيًا من طرف الابتداء فغير متناه إمكانًا في طرف الاستقبال) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا الوجه من جنس الوجه السادس الذي ذكره الرازي، وهو أنه: (لو كانت الحوادث الماضية غير متناهية كان","vol":"3","page":52},{"text":"وجود اليوم موقوفًا على انقضاء ما لا نهاية له، وانقضاء ما لا نهاية له محال، والموقوف على المحال محال) .\nوقد اعترض عليه الأرموي بما اعترض به هو وغيره، بأن انقضاء ما لا نهاية له محال.\nوأما انقضاء ما لا بداية له ففيه النزاع، وهو من جنس جواب الآمدي، فإن الانتهاء الذي يسلمه الخصم هو من أحد الطرفين دون الآخر، والآخر هو الابتداء.\nوقد تقدم ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>كلام آخر للآمدي</span>\nثم قال الآمدي: (والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية، وكل واحد منها ممكنًا على ما وقع به الفرض.\nفهي: إما متعاقبة، وإما معًا، فإن كانت متعاقبة فقد قيل: إن ذلك محال، لوجوه ثلاثة.\nالأول: أن كل واحد منها يكون مسبوقًا بالعدم، والجملة مجموع الآحاد، فالجملة مسبوقة بالعدم، وكل جملة مسبوقة","vol":"3","page":53},{"text":"بالعدم، فلوجودها أول تنتهي إليه، وكل ما لوجوده أول ينتهي إليه فالقول غير متناه محال.\nالثاني: أن كل واحد منها يكون مشروطًا في وجوده علته قبله، ولا يوجد حتى توجد علته، وكذلك الكلام في علته بالنسبة إلى علتها، وهلم جرًا.\nفإذا قيل بعدم النهاية فقد تعذر الوقوف على شرط الوجود، فلا وجود لواحد منها.\nوهذا كما إذا قيل: لا أعطيك درهمًا إلا وقبله درهم، فإنه لما كان إعطاء الدرهم مشروطًا بإعطاء درهم قبله، وكذلك في إعطاء كل درهم يفرض إلى غير النهاية، كان الإعطاء محالًا.\nالثالث: هو أن القول بتعاقب العلل والمعلولات يجر إلى تأثير العلة بعد عدمها في معلولها، وتأثير المعدوم في الموجود محال) .\nقال: (وهذه الحجج مما لا مثبت لها.\nأما الأولى فلأنه لا يلزم من سبق على كل واحد من الآحاد","vol":"3","page":54},{"text":"سبقه على الجملة فإن الحكم على الآحاد لا يلزم أن يكون حكمًا على الجملة كما سبق تحقيقه.\nوأما الثاني فإنما يلزم أن لو كان ما توقف عليه الموجود وهو شرط في الوجود غير موجود، كما في المثال المذكور.\nوأما إن كان موجودًا فلا يلزم امتناع وجود المشروط.\nوالقول بأن الشرط غير موجود محل النزاع، فلا تقبل الدعوى به من غير دليل.\nوأما الثالثة فإنما تلزم أيضًا أن لو كان معنى التعاقب وجود المعلول بعد عدم علته، وليس كذلك، بل معناه: وجود المعلول متراخيًا عن وجود علته مع بقاء علته موجودة إلى حال وجوده، وبقائه موجودًا بعد عدم علته، وكذلك في كل علة مع معلولها، وذلك لا يلزم منه تأثير المعدوم في الموجود، ولا أن تكون العلل والمعلولات موجودة معًا، وذلك متصور في العلل الفاعلة بالاختيار) .\nقال: (والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات","vol":"3","page":55},{"text":"متعاقبة، فكل واحد منها حادث لا محالة.\nوعند ذلك فلا يخلو: إما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل، أو لا وجود لشيء منها في الأزل، فإن كان الأول ممتنع، لأن الأزلي لا يكون مسبوقًا بالعدم.\nوالحادث مسبوق بالعدم، فلو كان شيء منها في الأزل لكن مسبوقًا بالعدم ضرروة كونه حادثًا، وغير حادث ضرورة كونه أزليًا، وإن كان الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ضرورة أن لا شيء منها في الأزل، ويلزم من ذلك أن يكون لها ابتداء ونهاية غير متوقف على سبق غيره عليه، وهو المطلوب) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا الوجه هو الوجه الثالث الذي ذكره الرازي، حيث قال: (إما أن يقال: حصل في الأزل شيء من هذه الحركات، أو لم يحصل، فإن لم يحصل في الأزل شيء من هذه الحركات وجب أن يكون لمجموع هذه الحركات والحوادث بداية وأول، وهو المطلوب.\nوإن حصل في الأزل شيء من هذه الحركات، فتلك الحركة الحاصلة في الأزل إن لم تكن مسبوقة بغيرها كانت تلك الحركة أول الحركات، وهو المطلوب، وإن كانت مسبوقة بغيرها لزم أن يكون الأول مسبوقًا بغيره، وهو محال) .","vol":"3","page":56},{"text":"وقد اعترض أبو الثناء الأرموي على هذا بأنه (ليس من الحركات الجزئية أزليًا، بل كل واحدة منها حادثة، وإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد الجزئية، وهي ليست مسبوقة بغيرها، فلا يلزم أن يكون لكل الحركات الجزئية أول) .\nوبيان هذا الاعتراض - فيما ذكره الآمدي - أن يقال: قوله: (إما ان يقال بوجود شيء منها في","vol":"3","page":57},{"text":"الأزل، أو لا وجود لشيء منها في الأزل) جوابه: أنه ليس شيء بعينه موجودًا في الأزل، ولكن الجنس لم يزل متعاقبًا، وحيئنذ يندفع ما ذكره على التقديرين: أما الأول فإنه قال: لو كان شيء منها موجودًا في الأزل لكان مسبوقًا بالعدم غير مسبوق بالعدم، وهذا إنما يلزم إذا قيل في واحد من الحوادث المتعاقبة: إنه قديم أزلي، وهذا لا يقوله عاقل.\nوأما التقدير الثاني: فقوله: (وإن كان الثاني، فقول القائل: العلل والمعلولات المتعاقبة أو غيرها من الحوادث المتعاقبة تكون مسبوقة بالعدم) إنما يلزم إذا قيل: إن جنسها ليس بقديم ولا أزلي، وهذا محل النزاع.\nوحقيقة الأمر أن قول القائل: (إما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل، أولا وجود لشيء منها في الأزل) معناه: إما أن شيئًا منها قديم أزلي، أو ليس شيء منها قديمًا أزليًا.\nوهذا اللفظ محتمل، فإن أراد به أن واحدًا من الحوادث المتعاقبة يكون قديمًا أزليًا، فهذا لا يقولونه وإن أراد أن جنسها لم يزل يحدث شيئًا بعد شيء، وأنه لا أول للجنس، بل الجنس قديم أزلي، فهذا هو الذي يقولون.\nوحينئذ فلا يلزم من نفي الأزلية عن واحد نفيها عن الجنس.\nوذلك أن معنى الأزل ليس هو شيئًا له ابتداء محدود حتى يقال: هل حصل شيء منها في ذلك المبدأ المحدود؟ بل معنى الأزل هو معنى القدم، ومعناه: ما لا ابتداء لوجوده، ولا يقدر الذهن غايةً إلا كان قبل تلك الغاية، فإذا قال القائل: (هل وجد شيء من هذه الحوادث في الأزل) كان معناه: هل منها قديم لا أول لوجوده لم يزل موجودًا؟\nوالمثبت لذلك إنما يقول: لم يزل الجنس موجودًا شيئًا بعد شيء، كما يقوله المسلمون وجمهور الناس غيرهم في الأبد، فيقولون: إنه لا يزال جنس الحوادث يحدث شيئًا بعد شيء، فلو قال القائل: (الحوادث المنقضية لا تكون أبدية ولاتكون فيما لا يزال، لأنه إما أن يوجد شيء منها في الأبد، أو لا وجود لشيء منها في الأبد، فإن كان الأول فهو ممتنع، لأن الأبدي لا يكون منقضيًا، بل لا يزال موجودًا وإن كان الثاني فجملة المنقضيات ملحوقة بالعدم، وما كان ملحوقًا بالعدم لم يكن أبديًا، لأن الأبدي هو ما لا يلحقه العدم، كما أن الأزلي ما لا يسبقه العدم) كان الجواب عن قول هذا القائل بأن يقال: الأبدي","vol":"3","page":58},{"text":"هو جنس الحوادث المنقضية، لا واحد واحد منها.\nوالجنس لا يلحقه العدم وإن لحق آحاده، كما قال تعالى ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ (ص: ٥٤) وقال تعالى: ﴿أكلها دائم﴾ (الرعد: ٣٥) فالدائم: هو الجنس، وكذلك الذي لا نفاد له هو الجنس.\nلا كل واحد من أعيان الرزق والمأكولات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>قول آخر عن الآمدي</span>\nوقد أورد الآمدي على نفسه سؤالًا وأجاب عنه، فقال: (قولكم: إن لم يوجد شيء منها في الأزل فلها أول وبداية، فنقول: لا يلزم من كون كل واحد من العلل والمعلولات غير موجود في الأزل أن تكون الجملة غير أزلية، فإنه لا يلزم من الحكم على الآحاد أن يكون حكمًا على الجملة، بل جاز أن يكون كل واحد من أحاد الجملة غير أزلي، والجملة أزلية، بمعنى تعاقب آحادها إلى غير النهاية) .\nوقال في الجواب عن هذا: (قلنا إذا كان كل واحد من الآحاد لا وجود له في الأزل، وهو بعض الجملة، فليس بعض من أبعاض الجملة يكون موجودًا في الأزل، وإذا لم يكن شيء من الأبعاض موجودًا في الأزل، فالجملة غير موجودة في الأزل فإنه لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها) .","vol":"3","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: قوله: (لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها) أيعني به وجود أبعاضها معها؟ أو وجود أبعاضها ولو كانت متعاقبة؟\nأما الأول فلا يصح، لأن ما فرض متعاقبًا لايمكن أن تكون أبعاضه موجودة معه، وليس له وجود مجتمع في زمن واحد، حتى يمكن اجتماع أبعاضه معه، بل وجود أبعاضه - وهو متعاقب مع جملته - جمع بين النقيضين.\nوإن عنى به وجود ابعضاها كيفما كان، فيقال له: هذا صحيح، والمنتفي إنما هو وجود شيء من أبعاضها في الأزل، ولا يلزم من انتفاء كون الواحد من أبعاضها قديمًا أزليًا أن لا يكون موجودًا، فإذا كان وجود الجملة موقوفًا على وجود أبعاضها فوجود أبعاض المتعاقب ممكن، وإن قال: (إن وجود الجنس المتعاقب الذي هو قديم أزلي أبدي موقوف على كون الواحد من آحاده قديمًا أزليًا أو أبديًا) فهذا محل النزاع.\nفتبين أن الجواب فيه مغلطة، وحقيقة الجواب أنه يجب الحكم على الجملة بما يحكم به على أفرادها، وقد بين هو وغيره فساد هذا","vol":"3","page":60},{"text":"الجواب، فإنه إذا لم يكن بعض الجملة أزليًا كان ذلك سلبًا للأزلية عن أفراد الجنس، ونفي الأزلية هو لحدوث، فيصير معنى الكلام: إذا كان كل واحد من الأفراد أو الأبعاض المتعاقبة حادثًا وجب أن يكون الجنس المتعاقب حادثًا، وقد عرف فساد هذا الكلام.\nوأبو الحسن الآمدي وغيره أدخلوا هذه المقدمة - أعني منع العلل المتعاقبة - في إثبات واجب الوجود، ولا حاجة بهم إليها، وهي مبنية على مقدمتين، إحداهما: أن العلة قد تتقدم المعلول، وقد ذكر هو في كتابه المسمى بـ (دقائق الحقائق) نقيض ما ذكره هنا في كتابه المسمى (أبكار الأفكار) وذكر في إثبات واجب الوجود هذه الطريقة التي تقدمت حكايتها عنه، وقال فيها: إن كانت العلل والمعلولات غير متناهية، فإما أن تكون متعاقبة أو معًا، لا جائز أن يقال بالأول إذ قد بينا امتناع الافتراق بين العلة والمعلول فيما تقدم) .\nوالذي قاله فيما تقدم هو أن العلة أو الفاعل لا يفتقر في كونه علة لمعلوله، ولا كون المعلول معلولًا، إلى سبق العدم، فإن ما كان من","vol":"3","page":61},{"text":"المعلولات الوجودية مسبوقًا بالعدم: إما أن يكون وجوده بإيجاد العلة له في حال وجوده، أو في حال عدمه، لا جائز أن يكون ذلك له في حال عدمه، لامتناع اجتماع الوجود والعدم، فلم يبق إلا أن يكون موجودًا له في حال وجوده، لا بمعنى أنه أوجد بعد وجوده، بل بمعنى أن ما قدر له من الوجود غير مستغن عن العلة، بل يستند إليها، ولولاها لما كان، وإذا ذاك الفرق بين أن يكون المعلول وجوده مسبوقًا بالعدم، أو غير مسبوق بالعدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذه الحجة هي حجة ابن سينا وأمثاله، على أن المعلول يكون مع العلة في الزمان، وهي حجة فسادة، وبتقدير صحتها لا تنفع الآمدي في هذا المقام، فإن الناس لهم في مقارنة المعولل لعلته والمفعول لفاعله ثلاثة أقوال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>الأقوال في مقارنة المعلول لعلته الثانية</span>\nقيل: يجب أن يقارن الأثر ولتأثيره، بحيث لا يتأخر الأثر عن التأثير في الزمان، فلا يتعقبه ولا يتراخى عنه، وهذا قول هؤلاء الدهرية، القائلين بأن العالم قديم عن موجب قديم، وقولهم أفسد الأقوال الثلاثة، وأعظمها تناقضًا، فإنه إذا كان الأثر كذلك لزم أن لا يحدث في العالم شيء، فإن العلة التامة إذا كانت تسلتزم مقارنة معلولها لها في الزمان، وكان الرب علة تامة في الأزل - لزم أن يقارنه","vol":"3","page":62},{"text":"كل معلول، وكل ما سواه معلول له: إما بواسطة، وإما بغير واسطة فيلزم أن لا يحدث في العالم شيء.\nوأيضًا، فما يحدث من الحوادث بعد ذلك يفتقر إلى علة تامة مقارنة له، فيلزم تسلسل علل.\nأو تمام علل ومعلولات في آن واحد.\nوهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء.\nوإن قدر أن الرب لم يكن علة تامة في الأزل بطل قولهم.\nوقيل: بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر التام، كما يقوله أكثر أهل الكلام، ويلزم من ذلك أن يصير المؤثر مؤثرًا تامًا، بعد أن لم يكن مؤثرًا تامًا، بدون سبب حادث، أو أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام، وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه بدون المرجح التام.\nوهذا قول كثير من أهل الكلام، منهم من يقول: القادر يرجح أحد المقدورين بلا مرجح.\nومنهم من يقول: بل يرجح بالإرادة القديمة الأزلية.\nومن هؤلاء وهؤلاء من يقول: بل يرجح مع كون الرجحان أولى لا مع وجوبه، وهو قول محمود الخوارزمي من الأولين، وهو قول محمد بن الهيثم الكرامي وغيره من الآخرين، فإن الكرامية مع الأشعرية والكلابية يقولون: المرجح هو الإرادة القديمة الأزلية، ويقولون: إن الإرادة لا توجب المراد.\nلكن منهم من يقول: من شأن الإرادة أن ترجح بلا مزية للترجيح، بل مع تساوي الأمرين، كما","vol":"3","page":63},{"text":"تقوله الأشعرية: ومنهم من يقول: ترجيح أولوية الترجيح، وهذا قول الكرامية.\nوالقول الثالث: أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره عقبه، لا معه في الزمان، ولا متراخيًا عنه، كما قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب، لأنه مسبوق بوجود التأثير، ليس زمنه زمن التأثير، والقادر المريد يستلزم مع وجود القدرة والإرادة وجود المقدور المراد، والقدرة والإرادة حاصلان قبل المقدور المراد، ومع وجود المقدور المراد هما مستلزمان له، وهذا قول أكثر أهل الإثبات.\nوعلى هذا فيجب الفرق بين وجود العلة والفاعل والمؤثر عند وجود الأثر في الزمان، فإن هذا لا بد منه، وبين وجود العلة التي هي الفعل والتأثير في الزمان، فإن هذا هو الذي يتعقبه المفعول المعلول، الذي هو الأثر.\nومن الناس من فرق بين التأثير القادر المختار، وتأثير العلة الموجبة فزعم أن الأول لا يكون إلا مع تراخي الأثر، والثاني لا يكون إلا مع مقارنة الأثر للمؤثر.","vol":"3","page":64},{"text":"وهذا أيضًا غلط، فإن الأدلة الدالة توجب التسوية لو قدر أنه يمكن أن يكون المؤثر غير قادر مختار، فكيف إذا كان ذلك ممتنعًا؟.\nوكون المعلول والمفعول لا يكون مفعولًا معلولًا إلا بعد عدمه هو من القضايا الضرورية التي اتفق عليها عامة العقلاء من الأولين والآخرين، وكل هؤلاء يقولون: ما كان معلولًا يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثًا مسبوقًا بالعدم.\nوممن قال ذلك أرسطو وأتباعه، حتى ابن سينا وأمثاله صرحوا بذلك.\nلكن ابن سينا تناقض مع ذلك، فزعم أن الفلك هو قديم أزلي، مع كونه ممكنًا يقبل الوجود والعدم.\nوهذا مخالف لما صرح به هو، وصرح به أئمته وسائر العقلاء، وهو مما أنكره عليه ابن رشد الحفيد، وبين أن هذا مخالف لما صرح به أرسطو وسائر الفلاسفة وأن هذا لم يقله أحد قبله.\nوأرسطو لم يكن يقسم الوجود إلى واجب وممكن، ولا يقول: إن الأول موجب بذاته للعالم، بل هذا قول ابن سينا وأمثاله، وهو - وإن كان أقرب إلى الحق مع فساده وتناقضه - فليس هو قول سلفه، بل قول أرسطو وأتباعه: إن الأول إنما افتقر إليه الفلك لكونه يتحرك للتشبه به، لا لكون الأول علة فاعلة له.\nوحقيقة قول أرسطو وأتباعه: أن ما كان واجب الوجود فإنه","vol":"3","page":65},{"text":"يكون مفتقرًا إلى غيره، فيكون جسمًا مركبًا حاملًا للأعراض، فإن الفلك عندهم واجب بذاته، وهو كذلك، كما قد بسط كلامهم والرد عليهم في غير هذا الموضع، وبين ما وقع من الغلط في نقل مذاهبهم، وأن أتباعهم صاروا يحسنون مذاهبهم، فمنهم من يجعل الأول محدثًا للحركة بالأمر، وليس هذا قولهم، فإن الأول عندهم لا شعور له بحركة ولا إرادة، وإنما الفلك يتحرك عندهم للتشبه به، فهو يحركه كتحريك الإمام للمؤتم به، أو المعشوق لعاشقه، لا تحريك الآمر لمأموره، كما يزعمه ابن رشد وغيره.\nومنهم من يقول: بل هو علة مبدعة فاعلة للأفلاك، كما يقوله ابن سينا وأتباعه، وليس هذا أيضًا قولهم.\nولكن كثير من هؤلاء المتأخرين لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة إلا ما ذكره ابن سينا وأتباعه، وليس هذا أيضًا قولهم.\nولكن كثير من هؤلاء المتأخرين لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة إلا ما ذكره ابن سينا كأبي حامد الغزالي والرازي والآمدي وغيرهم، ويذكرون ما ذكره ابن سينا من حججه، كما ذكره الآمدي في هذا الموضع، حيث قال: (إن العلة أو الفاعل لا يفتقر في كونه علة إلى سبق العدم، لأن تأثير العلة في المعلول إنما هو في حال وجود المعلول) .","vol":"3","page":66},{"text":"فيقال لهم: ليس في هذا ما يدل على أن المعلول يجوز أن يكون قديمًا أزليًا غير مسبوق بالعدم، بل قولكم: (وإذ ذاك فلا فرق بين أن يكون المعلول وجوده مسبوقًا بالعدم، أو غير مسبوق) دعوى مجردة.\nفتبين أن ما ذكره الآمدي وغيره من امتناع الافتراق بين العلة والمعلول في الزمن، ووجوب مقارنتهما في الزمن، من أضعف الحجج، بل ما ذكره لا يدل على جواز الإقتران، فضلًا عن أن يدل على وجوب الاقتران، بل غاية ما ذكره أن سبق العدم ليس بشرط في إيجاد العلة، ولا يلزم من كونه ليس بشرط وجوب الاقتران، بل قد يقال بجواز الاقتران، وجواز التأخير.\nوحينئذ فلقائل أن يقول: هذا الذي ذكرته، وإن كان باطلًا، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين فيه أن للناس في هذا المقام ثلاثة أقوال:\nقيل: يجوز أن يقارن المعلول العلة في الزمان، فيقترن الأثر","vol":"3","page":67},{"text":"بالمؤثر في الزمان، كما يقوله ابن سينا ومتابعوه.\nوقيل: بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر وتأثيره، كما يقوله أكثر المتكلمين.\nوقيل: بل الأثر يتعقب التأثير، ولا يكون معه في الزمان، ولا يكون متراخيًا عنه، وهذا هو الصواب، كما قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) لهذا يقال: طلقت المرأة فطلقت، وأعتقت العبد فعتق، فالعتق والطلاق عقب التطليق والإعتاق، لا يقترن به ولا يتأخر عنه.\nوبين أن من قال باقتران الأثر بالمؤثر كما يقوله هؤلاء المتفلسفة، فإن ذلك يستلزم أن لا يكون لشيء من الحوادث فاعل، ويستلزم أن لا يحدث شيء في العالم، ومن قال بالتراخي فقوله يستلزم أن المؤثر التام لا يستلزم الأثر، بل يحدث الحادث بلا سبب حادث، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن هذا الجواب الذي ذكره هو مأخوذ من كلام ابن سينا، وهو مع فساده غايته أن المعلول يجوز أن يقارن وجوده وجود","vol":"3","page":68},{"text":"العلة، لا يجب أن يكون مسبوقًا بالعدم مع وجود العلة، وليس في هذا بيان أنه يمتنع تأخر وجوده عن وجود العلة.\nوالأقسام الممكنة ثلاثة: إما أن يقال بوجوب المقارنة، أو بوجوب التأخر، أو بجواز الأمرين، وما ذكرته لا يدل على شيء من ذلك، ولو دل فإنما يدل على جواز الاقتران، لا على وجوبه، وأنت فيما ذكرته هناك جوزت تأخر المعلول، فلا منافاة بين الأمرين.\nوذلك أن غاية ما ذكرته أن المؤثر - أي: المعلول الذي هو المصنوع المفعول - إما أن تكون تأثيراته قديمة كواجب الوجود، وذلك لا ينفي أن يكون التأثير به هو الأحداث، فإن فاعل هذه الحادثات تأثيره فيها في حال الوجود مع كونها محدثة، فليس كون التأثير فيها في حال وجودها مما ينفي أنه لا بد أن تكون محدثة.\nوقولك: (إذا كان التأثير فيها في حال وجودها فلا فرق بينه أن يكون وجودها مسبوقًا بالعدم، أو غير مسبوق) دعوى مجردة، لاستواء الحالين.\nوالعقلاء يعلمون - بضرورة عقلهم - أن المبدع الفاعل لا يعقل أن يبدع القديم الأزلي الذي لم يزل موجودًا، وإنما يعقل إبداع ما لم","vol":"3","page":69},{"text":"يكن ثم كان، بل العقلاء متفقون على أن الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثًا بعد عدمه، ولا يكون قديمًا أزليًا.\nوهذا مما اتفق عليه الفلاسفة مع سائر العقلاء، وقد صرح به أرسطو وجميع أتباعه، حتى ابن سينا وأتباعه، ولكن ابن سينا وأتباعه تناقضوا، فادعوا في موضع آخر أن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه قد يكون قديمًا أزليًا، ومن قبله من الفلاسفة - حتى الفارابي - لم يدعو ذلك، ولا تناقضوا.\nوقد حكينا أقوالهم في غير هذا الموضع.\nوأما المقدمة الثانية التي بنوا عليها امتناع العلل المتعاقبة، فهي مبينة على امتناع حوادث لا أول لها، والمتفلسف لا يقول بذلك، فلم يمكنهم أن يجعلوها مقدمة في إثبات واجب الوجود.\nوالتحقيق أنه لا يحتاج إليها، بل ولا يحتاج في إثبات واجب الوجود إلى هذه الطريقة، كما قد بينا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.\nوهؤلاء تجدهم - مع كثرة كلامهم في النظريات والعقليات، وتعظيمهم للعلم الإلهي الذي هو سيد العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسناها - لا يحققون ما هو المقصود منه، بل لا يحققون ما هو المعلوم لجماهير الخلائق، وإن أثبتوه طولوا فيه الطريق مع إمكان تقصيرها، بل قد يورثون الناس شكًا فيما هو معلوم لهم بالفطرة الضرورية.","vol":"3","page":70},{"text":"والرسل صلوات الله عليهم وسلامه بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بإفسادها وتغييرها.\nقال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (الروم: ٣٠ - ٣٢) .\nوفي الصحيحين «عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ قالوا: يا رسول الله، أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .","vol":"3","page":71},{"text":"وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» .\nفالإقرار بالخالق ﷾، والاعتراف بوجود موجود واجب الوجود قديم أزلي، كما أنه مركوز في الفطرة مستقر في القلوب، فبراهينه وأدلته متعددة جدًا، ليس هذا موضعها، وهؤلاء عامة ما يذكرونه من الطرق: إما أن يكون فيه خلل، وإما أن يكون طويلًا كثير التعب، والغالب عليهم الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>إثبات الرازي للصانع</span>\nفالرازي أثبت الصانع بخمسة مسالك، وهي كلها مبنية علىمقدمة واحدة.\n(الأول)\nالاستدلال بحدوث الذوات كالاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض كالحركة والسكون، وامتناع ما لا","vol":"3","page":72},{"text":"نهاية له وهذا طريق المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية كأبي المعالي - بناء على أن أجسام العالم محدثه، وكل محدث فله محدث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>تعليق ابن تيمية</span>\nأما المقدمة الأولي فقد تبين كلامهم فيها، ومناقضة بعضهم بعضًا، وأنهم التزموا لأجلها: إما جحد صفات الله وأفعاله القائمة به، وإما جحد بعض ذلك، وأنهم اشترطوا في خلق الله تعالى للعالم ما ينافي خلق العالم، فسلطوا عليهم أهل الملل والفلاسفة جميعًا.\nوأما الثاني فهي أظهر وأعرف وأبده في العقول من أن تحتاج إلي بيان، فبنوها على أن كل محدث فهو ممكن الوجود، وأن الممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثر موجود، وكل من هاتين المقدمتين صحيحة في نفسها، مع أن القول بافتقار المحدث إلى المحدث أبين وأظهر في العقل من القول بافتقار الممكن إلى المؤثر الموجود، فبتقدير بيانهم للمقدمتين يكونون قد طولوا وداروا بالعقول دورة تبعد على العقول معرفة الله تعالى والإقرار بثبوته، وقد يحصل لها في تلك الدورة من الآفات ما يقطعها عن المقصود، فكانوا كما قيل لبعض الناس: أين أذنك؟ فرفع يده وأدارها على رأسه، ومدها وتمطى، وقال: هذه أذني، وكان يمكنه أن يشير إليها بالطريق المستقيم القريب، ويقول: هذه أذني.\nوهو كما قيل:\nأقام يعمل أيامًا رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء","vol":"3","page":73},{"text":"وهو نظير ما يذكر عن يعقوب بن إسحاق الكندي فيما حكاه عنه السيرافي من قوله: هذا من باب فقد عدم الوجود، وفقد عدم الوجود هو الوجود، فكيف وقد ذكروا في افتقار الممكن إلى الواجب بنفسه مع ظهوره وبيانه، كما قد بيناه في غير هذا الموضع: ما هو نقيض المقصود: من التعليم، والبيان: وتحرير الأدلة والبراهين.\nوقد تكلمنا على تقرير ما يتعلق بهذا المقام في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>الثاني</span>\nقال الرازي: (المسلك الثاني: الاستدلال بإمكان الأجسام على وجود الصانع ﷾، وهو عمدة الفلاسفة.\nقالوا: الأجسام ممكنة، وكل ممكن فل بد له من مؤثر.\nأما بيان كونها ممكنة، فبالطريق المذكورة في مسألة الحدوث، وأما بيان أن الممكن لا بد له من مؤثر فبالطريق المذكورة هنا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: وهذه الطريقة هي طريقةابن سينا وأمثاله من المتفلسفة.","vol":"3","page":74},{"text":"وليست طريقة أرسطو والقدماء من الفلاسفة.\nوابن سينا كان يعجب بهذه الطريقة ويقول: إنه أثبت واجب الوجود من نفس الوجود، من غير احتياج إلى الاستدلال بالحركة، كما فعل أسلافه الفلاسفة.\nولا ريب أن طريقته تثبت وجودًا واجبًا، لكن لم تثبت أنه مغاير للأفلاك إلا ببيان إمكان الأجسام، كما ذكره الرازي عنهم.\nوإمكان الأجسام هو مبني على توحيدهم المبني على نفي صفات الله تعالى، كما تقدم التنبيه عليه.\nوهو من أفسد الكلام، كما قد بين ذلك في غير موضع.\nومن طريقهم دخل القائلون بوحدة الوجود وغيرهم من أهل الإلحاد القائلين بالحلول والإتحاد، كصاحب الفصوص وأمثاله الذين حقيقة قولهم: تعطيل الصانع بالكلية، والقول بقول الدهرية الطبيعية دون الإلهية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>الثالث</span>\nقال: (المسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع، سواء كانت الأجسام واجبة وقديمة، أو ممكنة وحادثة) .\nقال: (وتقريره أن يقال: اختصاص كل جسم بما له من","vol":"3","page":75},{"text":"الصفات: إما أن يكون لجسميته، أو لما يكون حالًا في الجسمية، أو لما يكون محلًا لها، أو لما لا يكون حالًا فيها ولا محلًا لها.\nوهذا القسم الأخير: إما أن يكون جسمًا أو جسمانيًا، أولا جسمًا ولا جسمانيًا وتبطل كل هذه الأقسام سوى القسم الأخير بما مر تقريره في إثبات المسلك الأول في مسألة حدوث العالم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: وهذا هو القول بتماثل الأجسام وأن تخصيص بعضها بالصفات دون بعض يفتقر إلى مخصص، والقول بتماثل الأجسام في غاية الفساد، والرازي نفسه قد بين بطلان ذلك في غير موضع.\nوهذا الذي أحال عليه ليس فيه إلا أن الجسم لا يكون اختصاصه بالحيز واجبًا، بل جائزًا وبتقدير ثبوت هذا في التحيز لا يلزم مثله في سائر الصفات.\nوما ذكره من الدليل لا يصح، وذلك أنه قال: (اختصاصه بذلك إن كان واجبًا): فإما أن يكون الوجوب لنفس","vol":"3","page":76},{"text":"الجسمية، أولأمر للجسمية، أو لأمر الجسمية عرضت له، أو لأمر غير عارض لها، ولا معروض لها.\nوالأول يوجب اشتراك الأجسام في تلك الصفة، وإن كان لعارض: فإما أن يكون ممتنع الزوال، وهو اللازم، أو ممكن الزوال، وهو العارض، فإن العرض في اصطلاحهم أعم من العرض، فإن كان ممتنع الزوال: فإن كان الامتناع لنفس الجسمية عاد الإشكال الأول، وإن كان لغيرها أفضى للتسلسل، وإن كان لمعروض الجسمية لم يصح، لأن المعقول من الجسمية الذهاب في الجهات، فلو كان في محل لكن ذلك المحل يجب أن يكون ذاهبًا في الجهات، فيكون محل الجسمية جسمًا، لأنه إن لم يكن ذاهبًا في الجهات لم","vol":"3","page":77},{"text":"يكن له اختصاص بالحيز، فلا يعقل حصول الجسم المختص بالحيز في محل غير مختص بالحيز، وإذا كان محله ذاهبًا في الجهات كان جسمًا، وحينئذ فالقول في اختصاصه بذلك الحال فيه كالقول في الحيز لا يجوز أن يكون للجسمية أو لوازمها، بل لأمر عارض ممكن الزوال، فيكون ذلك الحيز ممكن الزوال، وهو المقصود) .\nقلت: ولقائل أن يقول: هذا الدليل مبني على تماثل الأجسام، وأكثر العقلاء على خلافه، وقد قرر الرازي في موضع آخر أنها مختلفة لا متماثلة.\nوهو مبني أيضًا على الكلام في الصورة والمادة، ونحو ذلك مما ليس هذا موضع بسط الكلام فيه، لكن يبين فساده ببيان موضع المنع في مقدماته.\nقوله: (إن كان الامتناع لغير الجسمية أفضى إلى التسلسل) ممنوع، فإن الأجسام إذا كانت مشتركة في مسمى الجسمية، وقد اختص بعضها بصفات أخرى، لم يجب في ذلك التسلسل، كما في سائر الأمور التي تشترك في شيء وتفترق في شيء، فالمقادير والحيوانات إذا اشتركت في مسمى القدر والحيوانية، واختص بعضها عن بعض بشيء آخر لازم له، لم يلزم التسلسل، سواء قيل بتماثل الأجسام أو اختلافها، فإنه إن قيل باختلافها كانت ذات كل واحد موصوفة بصفات لازمة لها لا توجد في الآخر، كسائر الحقائق المختلفة، وإن قيل بتماثلها كتماثل أفراد النوع، فالموجب لوجود كل فرد من تلك","vol":"3","page":78},{"text":"الأفراد هو الموجب لصفاته اللازمة له، لا تفتقر صفاته اللازمة له إلى موجب غير الموجب لذاته، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين فيه فساد ما يقوله المنطقيون: من أن اختلاف أفراد النوع إنما هو بسبب المادة القابلة، ونحو ذلك، فإنهم بنوه على أن للحقيقة الموجودة في الخارج سببًا غير سبب وجودها، وهذا غلط لا يستريب فيه من فهمه، مع أنه لاحاجة بنا هنا إلى هذا، بل نقول: مجرد اشتراك الاثنين في كون كل منهما جسمًا أو متحيزًا أو موصوفًا أو مقدرًا أو غير ذلك، لا يمنع اختصاص أحدهما بصفات لازمة له، وليس إذا احتاج اختصاصه بالحيز إلى سبب غير الجسمية المشتركة يلزم أن يكون ذلك المخصص له مخصص آخر، بل المشاهد خلاف ذلك، فإن اختصاص الأجسام المشهودة بأحيازها ليس للجسمية المشتركة، بل لأمر يخصها، هو من لوازمها، بمعنى أن المقتضي لذاتها هو المقتضى لذلك اللازم.\nوأيضًا، فقوله: (إن كان الامتناع لمعروض الجسمية فهو محال) ممنوع.\nوقوله: (لأن المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات فمحله لا بد أن يكون له ذهاب في الجهات) .\nيقال له: محل الامتداد في الجهات هو الممتد في الجهات، كما أن محل التحيز هو المتحيز، ومحل الطول والعرض والعمق هو الطويل","vol":"3","page":79},{"text":"العريض العميق، ومحل المقدار هو المقدر، وكذلك محل السواد والبياض هو الأسود والأبيض.\nوهذا في كل ما يوصف بصفة، فمحل الصفة هو الموصوف، وهكذا جميع مسميات المصادر وغيرها من الأعراض محلها الأعيان القائمة بنفسها، فإذا كانت الجسمية هي الامتداد في الجهات التي هي الطول والعرض والعمق مثلًا، كان محلها هو الشيء الممتد في الجهات الذي هو الطويل العريض العميق وحينئذ فمحلها له اختصاص بالحيز، ويكون ذلك المعروض للجسمية الذي هو محل لها الممتد في الجهات هو المقتضي لاختصاصه بما اختص به من الصفات اللازمة، وهو مستلزم لذلك، كما هو مستلزم للامتداد في الجهات، فجنس الجسم مستلزم لجنس الامتداد، وجنس الأعراض والصفات، فالجسم المعين هو مستلزم للامتداد المعين في الجهات المعينة، ومستلزم للصفات المعينة التي يقال: إنها لازمة له، حتى إنه متى قدر عدم تلك اللوازم فقد تبطل حقيقته، فالموجب لها هو الموجب لحقيقته، وهذا مطرد في كل ما يقدر من المواصفات المستلزمة لصفاتها، كالحيوانية والناطقية للإنسان، وكذلك الإغتذاء والنمو للحيوان والنبات مثلًا، فإن كون النبات ناميًا متغذيًا هو صفة لازمة له، لعموم كونه جسمًا، ولا لسبب غير حقيقته التي يختص بها، بل حقيقته مستلزمة","vol":"3","page":80},{"text":"لنموه وأغتذائه، وهذه الصفات أقرب إلى أن تكون داخلة في حقيقته من كونه ممتدًا في الجهات، وإن كان ذلك أيضًا لازمًا له، فإنا نعلم أن النار والثلج والتراب والخبز والإنسان والشمس والفلك وغير ذلك كلها مشتركة في أنها متحيزة ممتدة في الجهات، كما أنها مشتركة في أنها موصوفة بصفات قائمة بها، وفي أنها حاملة لتلك الصفات، وما به افترقت وامتاز بعضها عن بعض أعظم مما فيه اشتركت، فالصفات الفارقة بينها الموجبة لاختلافها ومباينة بعضها لبعض أعظم مما يوجب تشابهها ومناسبة بعضها لبعض، فمن يقول بتماثل الجواهر والأجسام يقول: إن الحقيقة هي ما اشتركت فيه من التحيزية\nوالمقدارية وتوابعها، وسائر الصفات عارضة لها، تفتقر إلى سبب غير الذات.\nومن يقول باختلافها يقول: بل المقدارية للجسم والتحيزية للمتحيز، كالموصوفية للموصوف، واللونية للملون، والعرضية للعرض، والقيام بالنفس للقائمات بأنفسها، ونحو ذلك، ومعلوم أن الموجودين إذا اشتركا في أن هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه: لم يكن أحدهما مثلًا للآخر، وإذا اشتركا في أن هذا لون وهذا لون، وهذا طعم وهذا طعم، وهذا عرض وهذا عرض: لم يكن أحدهما مثلًا للآخر، وإذا اشتركا في أن لهذا مقدارًا ولهذا مقدارًا،","vol":"3","page":81},{"text":"ولهذا حيزًا ومكانًا ولهذا حيزًا ومكانًا: كان أولى أن لا يوجب هذا تماثلهما، لأن الصفة للموصوف أدخل في حقيقته من القدر للمقدر، والمكان للمتمكن، والحيز للمتحيز، فإذا كان اشتراكهما فيما هو أدخل في الحقيقة لا يوجب التماثل، فاشتراكهما فيما هو دونه في ذلك أولى بعدم التماثل.\nوالكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا: التنبيه على مجامع ما أثبتوا به الصانع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>الرابع</span>\nقال الرازي: (المسلك الرابع الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود الصانع تعالى، مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء إنسانًا، فإذا كانت تلك التركيبات أعراضًا حادثة، والعبد غير قادر عليه، فلا بد من فاعل آخر، ثم من ادعى العلم بأن حاجة المحدث إلى الفاعل ضروري ادعى الضرورة هنا، ومن استدل على ذلك بالإمكان أو القياس على حدوث الذوات، فكذلك يقول أيضًا في حدوث الصفات) .\nقال: (والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات، وبين","vol":"3","page":82},{"text":"الاستدلال لحدوثها أن الأول يقتضي أن لا يكون الفاعل جسمًا والثاني لا يقتضي ذلك) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة في القرآن وهي التي جاءت بها الرسل، وكان عليها سلف الأمة وأئمتها وجماهير العقلاء من الآدميين، فإن الله سبحانه يذكر في آياته ما يحدثه في العالم من السحاب والمطر والنبات والحيوان، وغير ذلك من الحوادث ويذكر في آياته خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك، لكن القائلون بإثبات الجوهر الفرد من المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم يسمون هذا استدلالًا بحدوث الصفات، بناءً على أن هذه الحوادث المشهود حدوثها لم تحدث ذواتها، بل الجواهر والأجسام التي كانت موجودة قبل ذلك لم تزل من حين حدوثها بتقدير حوادثها، ولا تزال موجودة، وإنما تغيرت صفاتها بتقدير حدوثها كان تتغير صفات الجسم إذا تحرك بعد السكون، وكما تتغير ألوانه، وكما تتغير أشكاله.\nوهذا مما ينكره عليهم جماهير العقلاء من المسلمين وغيرهم.","vol":"3","page":83},{"text":"وحقيقة قول هؤلاء الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم: أن الرب لم يزل معطلًا لا يفعل شيئًا، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ثم إنه أبدع جواهر من غير فعل يقوم به، وبعد ذلك ما بقي يخلق شيئًا، بل إنما تحدث صفات تقوم بها، ويدعون أن هذا قول أهل الملل: الأنبياء وأتباعهم، وبينهم وبين الفلاسفة في مثل هذا نزاع أخطأ فيه كل من الفرقين، فإن الفلاسفة يقولون بإثبات المادة والصورة، ويجعلون المادة والصورة جوهرين، وهؤلاء يقولون: ليست الصورة إلا عرضًا قائمًا بجسم.\nوالتحقيق: أن المادة والصورة لفظ يقع على معان.\nكالمادة والصورة الصناعية والطبيعية، والكلية والأولية.\nفالأول: مثل الفضة إذا جعلت درهمًا وخاتمًا وسبيكة، والخشب إذا جعل كرسيًا، واللبن والحجر إذا جعل بيتًا، والغزل إذا نسج ثوبًا، ونحو ذلك.\nفلا ريب أن المادة هنا التي يسمونها الهيولى: هي أجسام قائمة بنفسها، وأن الصورة أعراض قائمة بها، فتحول الفضة من صورة إلى صورة هو تحولها من شكل إلى شكل، مع أن حقيقتها لم تتغير أصلًا.\nوبهذا يظهر لك خطأ قول القائل: إن من أثبت افتقار المحدث إلى الفاعل بالقياس على حدوث الذوات قال هنا كذلك.\nوهذه الطريقة","vol":"3","page":84},{"text":"طريقة أبي علي وأبي هاشم ومن وافقهما.\nفيقال: هؤلاء إنما قاسوا على افتقار الكتابة إلى كاتب، والبناء إلى بان، ونحو ذلك.\nومعلوم أن البناء والكاتب لم يبدع جسمًا، وإنما أحدث في الأجسام تأليفًا خاصًا، وهو عرض من الأعراض.\nفكيف يجعل مثل هذا محدثًا للذوات، ويجعل الذي خلق الإنسان من نطفة، والشجرة من نواة، إنما أحدث الصفات؟ لكن المعتزلة لا يقولون: إن الجسم يحدث جسمًا، وإنما يحدث عرضًا.\nوالثاني: من معاني المادة والصورة: هي الطبيعية، وهي صورة الحيوانات والنباتات والمعادن ونحو ذلك، فهذه إن أريد بالصورة فيها نفس الشكل الذي لها فهو عرض قائم بجسم، وليس هذا مراد الفلاسفة.\nوإن أريد بالصورة نفس هذا الجسم المتصور، فلا ريب أنه جوهر محسوس قائم بنفسه.\nومن قال: (إن هذا عرض قائم بجوهر) من أهل الكلام فقد غلط، وحينئذ فيقول المتفلسف: إن هذه الصورة قائمة بالمادة والهيولى، إن أراد بذلك ما خلق منه الإنسان كالمني - وهو لم يرد ذلك - فلا ريب أن ذاك جسم آخر فسد واستحال، وليس هو الآن","vol":"3","page":85},{"text":"موجودًا، بل ذاك صورة، وهذا صورة، والله تعالى خلق إحداهما من الأخرى وإن أراد أن هنا جوهرًا بنفسه غير هذا الجسم المشهود الذي هو صورة، وأن هذا الجسم المشهود - الذي هو صورة - قائم بذلك الجوهر العقلي، فهذا من خيالاتهم الفاسدة.\nومن هنا تعرف قولهم في الهيولى الكلية، حيث ادعوا أن بين أجسام العالم جوهرًا قائمًا بنفسه، تشترك في الأجسام.\nومن تصور الأمور وعرف ما يقول علم أنه ليس بين هذا الجسم المعين وهذا الجسم المعين قدر مشترك موجود في الخارج أصلًا، بل كل منهما متميز عن الآخر بنفسه المتناولة لذاته وصفاته، ولكن يشتركان في المقدارية وغيرها، من الأحكام اللازمة للأجسام، وعلم أن اتصال الجسم بعد انفصاله هو نوع من التفرق، والتفرق والاجتماع هما من الأعراض التي يوصف بها الجسم، فالإتصال والإنفصال عرضان، والقابل لهما نفس الجسم الذي يكون متصلًا تارة، ومنفصلًا تارة أخرى، كما يكون مجتمعًا تارة ومفترقًا أخرى ومتحركًا تارة وساكنًا أخرى.\nوهذا مبسوط في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>الخامس</span>\nقال الرازي: (والطريقة الخامسة - وهي عند التحقيق","vol":"3","page":86},{"text":"عائدة إلى الطرق الأربع - وهي الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان على علم الفاعل، والذي يدل على علم الفاعل هو بالدلالة على ذاته أولى) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: والمقصود هنا التنبيه على أن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الموافق لصريح المعقول، وأن ما بينه من الآيات والدلائل والبراهين العقلية في إثبات الصانع سبحانه ومعرفة صفاته وأفعاله هو فوق نهاية العقول، وأن خيار ما عند حذاق الأولين والآخرين من الفلاسفة والمتكلمين هو بعض ما فيه، لكنهم يلبسون الحق بالباطل، فلا يأتون به على وجهه، كما أن طريقة الاستدلال بحدوث المحدثات على إثبات الصانع الخالق هي طريقة فطرية ضرورية، وهي خيار ما عندهم، بل ليس عندهم طريقة صحيحة غيرها، لكنهم أدخلوا فيها من الاختلال والفساد ما يعرفه أهل التحقيق والانتقاد، الذي آتاهم الله الهدى والسداد.\nوقد بسط الكلام على هذه المطالب في غير الموضع.","vol":"3","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>بسم الله الرحمن الرحيم: فصل</span>\nوأما ما تكلموا به في وجود واجب الوجود وتحيرهم فيه هل وجوده حقيقة أو زائد على حقيقته؟ وفي صفاته وأفعاله؟ فهذا بحر واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع.\nوقد اعترف الرازي بحيرته في مسائل الذات والصفات والأفعال وهو تارة يقول بقول هؤلاء وتارة يقول بقول هؤلاء والآمدي متوقف في مسائل الوجود والذات ونحو ذلك مع أنه لم يذكر دليلًا على إثبات واجب الوجود البتة فإنه ظن أن الطرق المذكورة ترجع إلى الاستدلال بالإمكان على المرجع الموجب فلم يسلك في إثبات واجب الوجود إلا هذه الطريقة التي هي طريقة ابن سينا لكن ابن سينا وأتباعه قرروها أحسن من تقرير الآمدي فإن أولئك أثبتوا أثبتوا واجب الوجود بالبرهان العقلي الذي لا ريب فيه لكن احتجوا على مغايرته للموجودات المحسوسة بطريقتهم المبنية على نفي الصفات وهي باطلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>كلام الآمدي في الأبكار في أثبات واجب الوجود</span>\nوأما الآمدي فلم يقرر إثبات واجب الوجود بحال، بل قال في كتاب أبكار الأفكار في أعظم مسائل الكتاب وهي مسألة إثبات واجب الوجود: مذهب أهل الحق من المتشرعين وطوائف الإلهيين القول بوجوب","vol":"3","page":88},{"text":"وجود وجوده لذاته لا لغيره، وكل ما سواه فمتوقف في وجوده عليه خلافًا لطائفة شاذة من الباطنية ومنشأ الاحتجاج على ذلك ما نشاهده من الموجودات العينية ونتحققه من الأمور الحسية فإنه إما أن يكون واجبًا لذاته أو لا يكون واجبًا لذاته فإن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فك موجود لا يكون واجبًا لذاته فهو ممكن لذاته لأنه لو كان ممتنعًا لذاته لما كان موجودًا وإذا كان ممكنًا فالوجود والعدم عليه جائزان عند ذلك فإما أن يكون في وجوده مفتقرًا إلى مرجح أو غير مفتقر إليه فإن لم يكن مفتقرًا إلى المرجح فقد ترجح أحد الجائزين من غير مرجح وهو ممتنع وإن افتقر إلى المرجح فذلك المرجح إما واجب لذاته أو لغيره، فإن كان الأول فهو مطلوب وإن كان الثاني فذلك الغير إما أن يكون معلولًا لمعلوله أو لغيره، فإن كان الأول فيلزم أن يكون كل واحد منهما مقومًا للآخر، ويلزم من ذلك أن يكون كل واحد منهما مقومًا لمقوم نفسه فيكون كل فليحج منهما مقومًا لنفسه لأن مقوم المقوم مقوم، وذلك يوجب جعل كل واحد من الممكنين متقومًا بنفسه والمقوم بنفسه لا يكون ممكنًا وهو خلاف الفرض.\nولأن التقويم إضافة بين المقوم","vol":"3","page":89},{"text":"والمقوم فيستدعى المغايرة بينهما، ولا مغايرة بين الشيء ونفسه، وإن كان الثاني: وهو أن يكون ذلك الغير معلولًا للغير، فالكلام في ذلك الغير كالكلام في الأول، وعند ذلك فإما أن يقف الأمر على موجود هو مبدأ الموجودات غير مفتقر في وجوده إلى غيره، أو يتسلسل الأمر إلى غير النهاية، فإن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فهو ممتنع.\nثم ذكر الأدلة المتقدمة على إبطال التسلسل وبين فسادها كلها كما تقدم حكاية قوله، واختار الحجة المذكورة عنه التي حكيناها، فقال وإن كانت العلل والمعلولات المفروضة موجودة معًا فلا يخفى أن النظر إلى الجملة غير النظر إلى كل واحد واحد من آحادها فإن حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من الآحاد، وعند ذلك فالجملة موجودة، وهي إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة، لا جائز أن تكون واجبة، وإلا لما كانت آحادها ممكنة، وقد قيل: إنها ممكنة","vol":"3","page":90},{"text":"كما سبق، وإن كانت واجبة فهو مع الاستحالة عين المطلوب، وإن كانت ممكنة فلا بد لها من مرجح، والمرجح إما أن يكون داخلًا فيها أو خارجًا عنها، لا جائز أن يقال بالأول، فإن المرجح للجملة للجملة مرجح لآحادها، يلزم أن يكون مرجحًا لنفسه ضرورة كونه من الآحاد، ويخرج بذلك عن أن يكون ممكنًا وهو خلاف الفرض، وأن يكون مرجحًا لعلته لكونه من الآحاد، وفيه جعل العلة معلولًا والمعلول علة، وهو دور ممتنع.\nوأن كان المرجح خارجًا عنها فهو إما ممكن أو واجب، فإن كان ممكنًا فهو من الجملة، وهو خلاف الفرض فلم يبق إلا أن يكون واجبًا لذاته، وهو المطلوب.\nقلت: فهذه الطريقة التي ذكرها لم يذكر غيرها في إثبات الصانع.\nثم أورد على نفسه أسئلة كثيرة، منها قول المعترض: لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهي ليصح ما ذكرتموه، ولا يلزم من صحة ذلك في المتناهي، مع إشعاره بالحصر، صحته في غير المتناهي، سلمنا أن مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى وأنه ممكن.","vol":"3","page":91},{"text":"ولكن لا نسلم أنه زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية وعند ذلك فلا يلزم أن يكون معللًا بغير علة الآحاد.\nسلمنا أنه زائد على الآحاد، ولكن ما لمانع أن يكون مترجحًا بآحاد الداخلة فيه، لا بمعنى أنه مترجح بواحد منها ليلزم ما ذكرتموه بل طريق ترجحه بالآحاد الداخلة فيه ترجح كل واحد من الآحاد بالآخر إلى غير النهاية، وعلى هذا فلا يلزم افتقاره إلى مرجح خارج عن الجملة، ولا أن يكون المرجح للجملة مرجح لنفسه ولا لعلته.\nثم قال في الجواب: قولهم: لا نسلم أن مفهوم الجملة زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية.\nقلنا: إن أردتم أن مفهوم الجملة هو نفس المفهوم من كل واحد من الآحاد فهو ظاهر الإحالة.\nوإن أردتم به الهيئة الاجتماعية من آحاد الأعداد، فلا خفاء بكونه زائدًا على كل واحد من الآحاد، وهو المطلوب.\nقولهم: ما لمانع من أن يكون الجملة مترجحة بآحادها الداخلة فيها كما قرروه؟ قلنا: إما ان يقال: تترجح الجملة بمجموع الآحاد الداخلة فيها","vol":"3","page":92},{"text":"أو بواحد منها فإن كان بواحد منها فالحال الذي ألزمناه حاصل وإن كان بمجموع الآحاد فهو نفس الجملة المرفوضة، وفيه ترجح الشيء بنفسه وهو محال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>تعليق ابن تيمية</span>\nفهذا ما ذكره في كتابه المشهور بأبكار الأفكار المصنف في الكلام وليس في هذا تعرض لإبطال علل ومعلولات ممكنة مجتمعة لا نهاية لها ولكن فيه إثبات واجب الوجود خارجًا عنها، وقد ذهب طائفة من أهل الكلام كأصحاب معمر إلى إثبات معان لانهاية لها مجتمعة وهي الخلق، وهي شرط في الحدوث.\nثم إنه في كتابه المسمى بدقائق الحقائق في الفلسفة ذكر هذه الحجة وزاد فيها إبطال إثبات علل ومعلولات لا نهاية لها، ولكنه اعتراض عليها باعتراض وذكر أنه لا جواب له عنه، فبقيت حجته على إثبات واجب الوجود موقوفة على هذا الجواب.\nفقال بعد أن ذكر ما ذكره هنا الجملة إما أن تكون باعتبار ذاتها واجبة، أو ممكنة، إذا كانت الآحاد ممكنة ومعناه افتقار كل واحد إلى علته وكانت الجملة هي مجموع الآحاد فلا مانع من إطلاق الوجوب وعدم الإمكان عليها، بمعنى أنها غير","vol":"3","page":93},{"text":"مفتقرة إلى أمر خارج عن ذاتها وإن كانت أبعاضها مما يفتقر بعضها إلى بعض فتوهم ساقط، فإنه إذا قيل إن الجملة غير ممكنة فقد بينا في المنطقيات أن كل ما ليس بممكن بالمعنى الخاص، فإما واجب بذاته وإما ممتنع، لا جائز أن يقال بالامتناع، وإلا لما كانت موجودة، بقي أن تكون واجبة بذاتها، وإذا كانت الجملة هي مجموع آحادها وكل واحد من الآحاد ممكن، فالجملة أيضًا ممكنة بذاتها، والواجب باعتبار ذاته يستحيل أن يكون ممكنًا باعتبار ذاته وإن كانت ممكنة فلا بد لها من مرجح لضرورة كونها موجودة، والمرجح فإما أن يكون ممكنًا أو واجبًا لا جائز أن يكون ممكنًا إذ هو من الجملة، ثم يلزم أن يكون مرجحًا لنفسه لكونه مرجحًا للجملة، والمرجح للجملة مرجح لآحادها وهو من آحادها، وذلك محال، ثم يلزم أن يكون علة علته وهو دور ممتنع، وإن كان واجبًا لذاته غير مفتقر إلى علة في وجوده فإما أن يكون علة للجملة أو لبعضها، فإن كان علة للجملة لزم أن يكون علة لكل واحد من آحادها، إذ الجملة هي مجموع الآحاد، وهو محال من جهة إفضائه إلى كون كل واحد من آحاد الجملة المفروضة معللًا بعلتين وهي العلة الواجبة الوجود، وما قيل إنه علة له من آحاد الجملة، وإن كان علة لبعض منها لا يكون معلولًا لغيره فهو خلاف الفرض.\nوهذه المحالات إنما لزمت من القول بعدم النهاية فهو محال كيف وكل علل ومعلولات قيل باستنادها إلى علة لا علة لها فالقول","vol":"3","page":94},{"text":"بكونها غير متناهية محال، وجمع بين متناقضين، وهو القول بأن ما من علة إلا ولها علة، والقول بانتهاء العلل والمعلولات إلى علة لا علة لها.\nفإذا قد اتضح بما مهدنا امتناع كون العلل والمعلولات غير متناهية وإن القول بان لا نهاية لها محال.\nثم قال: ولقائل أن يقول: إثبات الجملة لما لا يتناهى وإن كان غير مسلم لكن ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود، ويكون ترجحها بترجح آحادها، وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير النهاية على ما قيل.\nقال: وهذا إشكال مشكل، وربما يكون عند غيري حله.\nقلت: فهذا استدلاله على واجب الوجود لم يذكر في كتبه غيره، وأما حدوث العالم فأبطل طرق الناس، وبناه على أن الجسم لا يخلو من الأعراض الحادثة، إذ العرض لا يبقى زمانين، واستدل على امتناع حوادث لا أول لها بعد ان أبطل وجوه غيره بالوجه الذي تقدم، وتقدم ما فيه من الضعف الذي بينه الأرموي وغيره، ثم إذا ثبت حدوث العالم فإنه لم يستدل بالحدوث على المحدث إلا بطريقة الذين","vol":"3","page":95},{"text":"بنوا ذلك على الإمكان، وهو ان ذلك يتضمن التخصيص المفتقر إلى مخصص، لأنه ترجيح لأحد طرفي الممكن، فهو لا يستدل بالحدوث على المحدث، إلا بناء على أن ذلك ممكن يفتقر إلى واجب، ولا يجعل الممكن دالًا على الواجب، إلا بناء على نفي التسلسل، والتسلسل قد أورد عليه السؤال الذي قال إنه لا جواب له عنه.\nوكل هذه المقدمات التي ذكرها لا يفتقر إثبات الصانع إليها، وبتقدير افتقاره إليها فأبطال التسلسل ممكن، فتتم تلك المقدمات وذلك أن إثبات الصانع لا يفتقر إلى حدوث الأجسام كما تقدم، بل نفس ما يشهد حدوثه من الحوادث يغنى عن ذلك، والعلم بأن الحادث يفتقر إلى المحدث هو من أبين العلوم الضرورية وهو أبين من افتقار الممكن إلى المرجح، فلا يحتاج أن يقرر ذلك بان الحدوث ممكن، أو أنه كان يمكن حدوثه على غير ذلك الوجه، فتخصيصه بوجه دون وجه ممكن جائز الطرفين، فيحتاج إلى مرجح مخصص بأحدهما.\nوهذه الطريقة يسلكها من متأخري أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم على ذلك.\nمن أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم.\nوقد نبهنا على أنها وإن كانت صحيحة فإنها تطويل بلا فائدة فيه، واستدلال على الأظهر بالأخفى، وعلى الأقوى","vol":"3","page":96},{"text":"بالأضعف، كما لا يحد الشيء بما هو أخفى منه، وإن كان الحد مطابقًا للمحدود مطردًا منعكسًا يحصل به التمييز، مع أن الحد والاستدلال بالأخفى قد يكون فيه منفعة من وجوه أخرى، مثل من حصلت له شبهة أو معاندة في الأمر الجلي فيبين له بغيره، لكون ذلك أظهر عنده فإن الظهور والخفاء أمر نسبي إضافي، مثل من يكون من شانه الاستخفاف بالأمور الواضحة البينة، فإذا كان الكلام طويلًا مستغلقاها به وعظمة، كما يوجد في جنس هؤلاء إلى غير ذلك من الفوائد، لكن ليس هذا مما يتوقف العلم والبيان عليه مطلقًا، وهذا هو المقصود هنا وهؤلاء كثيرًا ما يغلطون، فيظنون أن المطلوب لا يمكن معرفته إلا بما ذكروه من الحد والدليل، وبسبب هذا الغلط يضل من يضل، حتى يتوهم أن ذلك الطريق المعين إذا بطل انسد باب المعرفة.\nولهذا لما بني الآمدي وغيره على هذه الطريقة التي تعود إلى طريقة الإمكان، وبنوا طريقة الإمكان على نفي التسلسل، حصل ما حصل، فكان مثل هؤلاء مثل من عمد إلى أمراء المسلمين وجندهم الشجعان الذين يدفعون العدو ويقاتلونهم، فقطعهم، ومنعهم الرزق الذي به","vol":"3","page":97},{"text":"يجاهدون، وتركوا واحدًا، ظنًا أنه يكفي في قتال العدو وهو أضعف الجماعة وأعجزهم، ثم أنهم مع هذا قطعوا رزقه الذي به يستعين فلم يبق بإزاء العدو أحد.\nومثل نهر كبير كدجلة والفرات كان عليه عدة جسور فقطعها كلها ولم يترك إلا واحد طويلًا بعيدًا ضعيفًا، ثم إنه خرقه في أثنائه حتى انقطع الطريق، ولم يبق لأحد طريق إلى العبور، وهو مع هذا يستعمل الناس في الآلات التي يصنع بها الجسور، ويشعر الناس أنه لا يمكن أحدًا أن يعبر إلا بما يصنعه.\nأو مثل رجل كان لمدينته أسوار متداخلة سور خلف سور، كل سور منه يحفظ المدينة، فعمد المتولي فهدم تلك الأسوار كلها وترك سورًا هو أضعفها وأطولها وأصعبها حفظًا، ثم إنه مع ذلك خرق منه ناحية يدخل منها العدو، فلم يبق للمدينة سور يحفظها.\nفيقال إن إثبات الصانع ممكن بطرق كثيرة منها الاستدلال بالحدوث على المحدث، وهذا يكفى فيه حدوث الإنسان نفسه أو حدوث ما يشاهد من المحدثات كالنبات والحيوان وغير ذلك، ثم إنه يعلم بالضرورة أن المحدث لا بد من محدث، وإذا قدر أنه أثبت الصانع بحدوث","vol":"3","page":98},{"text":"العالم لزم أن المحدث لا بد من محدث، ثم إذا قدر أنه استدل بطريقة الإمكان إما ابتداء وإما مع طريقة الحدوث، فالعلم بأن الممكن يفتقر إلى الواجب علم ضروري لا يفتقر إلى نفي التسلسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>إبطال التسلسل</span>\nوأيضًا فإبطال التسلسل له طرق كثيرة، وذلك أنه يمكن أن يقال فيه وجوه:\nالوجه الأول\nأحدها: أن الموجودات بأسرها إما أن تكون واجبة الوجود، أو ممكنة الوجود، أو ممتنعة الوجود، والأقسام الثلاثة باطلة، فلزم أن يكون بعضها واجبًا، وبعضها ممكنًا.\nأما الثالث فهو باطل لأن ما وجد لا يكون ممتنع الوجود.\nوالثاني: باطل أيضا لأن ممكن الوجود هو الذي وجوده وعدمه، وما كان كذلك لم يوجد إلا بغيره.\nفلو كان مجموع الموجودات ممكنة، لافتقرت الموجودات كلها إلى غيرها، وما ليس بموجود فهو معدوم، والمعدوم لا يفعل الموجود بالضرورة.\nوالأول باطل أيضًا لأنا نشاهد ما يحدث بعد أن لم يكن، كالحيوان والنبات والمعدن والسحاب والأمطار.","vol":"3","page":99},{"text":"والحادث عدم ووجد أخرى، فلا يكون ممتنعًا لأن الممتنع لا يوجد ولا واجبًا بنفسه لأن الواجب بنفسه لا يعدم، فثبت أنه ممكن، وثبت أن في الموجودات ما هو ممكن بنفسه وأنه ليس كلها ممكنًا، فثبت أن فيها موجودًا ليس بممكن، والموجود الذي ليس بممكن هو الواجب بنفسه، فإن الموجود إما أن يكون وجوده بنفسه وهو الواجب أو بغيره وهو الممكن، ولا يجوز أن يكون ممتنع لأن الممتنع هو الذي لا يجوز أن يوجد فيمتنع أن يكون في الوجود ممتنع.\nفتبين أن في الموجودات واجبًا وممكنًا، وليس فيها ممتنع.\nوإن شئت قلت: إما أن يقبل من جهة نفسه العدم وهو الممكن، أو لا يقبل العدم وهو الواجب بنفسه، وإن شئت قلت إما أن يفتقر إلى غيره وهو الممكن أو لا يفتقر وهو الواجب.\nوإذا كانت الموجودات إما واجبة وإما ممكنة، وليس كلها ممكنًا ولا كلها واجبًا تعين أن فيها واجبًا وفيها ممكنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>الوجه الثاني</span>\nأن يقال كل ممكن بنفسه لا يوجد إلا بموجب يجب به وجوده، لأنه إذا لم يحصل ما به يجب وجوده ممكنًا قابلًا للوجود والعدم، فلا يوجد.\nوما به يجب وجوده لا يكون ممكنًا، لأن الممكن لا يجب به شيء لافتقاره إلى غيره، فالمفتقر إلى الممكن مفتقر إليه وإلى ما به وجب الممكن، وإذا كان الممكن وحده لا يجب به شيء، علم افتقار الممكن إلى واجب بنفسه.","vol":"3","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: طبيعة الإمكان سواء فرضت الممكنات متناهية أو غير متناهية لا يوجب الوجود بنفسها، فإن ما كان كذلك لم يكن ممكنًا.\nفلا بد للمكن من حيث هو ممكن من موجود ليس بممكن، والمراد بالممكن في هذه المواضع الممكن الإمكان الخاص، وهو الذي يقبل الوجود والعدم فيكون الواجب والممتنع قسيميه.\nفأما إذا أريد به الممكن الإمكان العام، وهو قسيم الممتنع، فكل موجود فهو ممكن بالإمكان العام.\nثم الموجود إما موجود بنفسه وإما بغيره، وليس كل موجود وجد بنفسه، لأن منها المحدثات التي يعلم بضرورة العقل أن وجودها ليس بأنفسها.\nفثبت أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه، وما هو موجود بغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>الوجه الرابع</span>\nأن يقال الموجودات ليست كلها موجودة بغيرها، لأن الغير إن كان معدومًا امتنع أن يكون الموجود موجودًا بما ليس بموجود.\nوإن كان الغير موجودًا كان الموجود خارجًا عن جملة الموجودات.\nوإذا لم تكن الموجودات كلها موجودة بغيرها: فإما أن تكون كلها أو كل منها موجودًا بنفسه، وإما أن لا يكون والأول ممتنع لأن المحدثات التي يشهد حدوثها يعلم بالضرورة أنها ليست موجودة بنفسها، وإذا لم تكن كلها موجودة بغيرها ولا كلها موجودة بنفسها، تعين أن منها","vol":"3","page":101},{"text":"ما هو موجود بنفسه ومنها ما هو موجود بغيره، وهذا لك أن تعتبره في كل فرد فرد من الموجودات، وفي المجموع فتقول: يمتنع في كل فرد من الموجودات أن يكون موجودًا بغير موجود، لأنه إذا كان كل واحد من الموجودات موجودًا بغير موجود لزم أن يكون كل من الموجودات موجودًا بمعدوم وهذا ممتنع وإذا امتنع فإما أن يكون كل موجود موجودًا بنفسه، وإما أن يكون موجودًا بمعدوم، وهذا ممتنع، وإذا امتنع فإما أن يكون كل موجود موجودًا بنفسه، وإما أن يكون موجودًا بوجود غيره، وإما أن يكون منها ما هو موجود بنفسه ومنها ما هو موجود بوجود غيره.\nوالأول ممتنع لوجود الحوادث التي لا توجد بأنفسها.\nوالثاني ممتنع لأن كل واحد واحد من الموجودات إذا كان موجودًا بوجود غيره، والغير من الموجودات التي لا توجد إلا بموجود غيرها لم يكن فيها إلا ما هو مفتقر محتاج إلى الغير، وما كان بنفسه مفتقرًا محتاجًا إلى الغير ولم يوجد إلا بوجود ذلك الغير، وما كان في نفسه لا يوجد إلا بغيره، فأولى أن لا يكون بنفسه مبدعًا لغيره، فيلزم أن لا يكون في الموجودات ما هو موجود بنفسه، ولا ما هو فاعل لغيره، فيلزم حينئذ أن لا يوجد شيء من الموجودات، لأن الموجود إما موجود بنفسه، وإما بوجود غيره، وهذا إنما لزم لما قدر أن كل موجود موجود بغيره","vol":"3","page":102},{"text":"فتعين أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وهو المطلوب.\nوأما إذا اعتبرت ذلك في المجموع، فمجموع الموجود لا يكون واجبًا بنفسه، لأن من أجزائه ما هو ممكن محدث كائن بعد أن لم يكن، والمجموع يتوقف عليه، والمتوقف على الممكن لا يكون واجبًا بنفسه، ولا يكون المجموع مفتقرًا إلى غيره المباين له فإن ذلك لا يكون إلا معدومًا، والموجود لا يكون مفتقرًا إلى فاعل معدوم ليس بموجود فضلًا عن مجموع الموجود.\nفتعين أن يكون المجموع مفتقرًا إلى ما هو داخل في المجموع، وذلك البعض لا يكون إلا واجبًا بنفسه، إذ لم يكن واجبًا بنفسه لكان ممكنًا مفتقرًا إلى غيره، فيكون مجموع كل واحد من الموجودات مفتقرًا إلى غيره، وذلك الغير مجموع الممكنات ليس مفتقرًا إلى ما هو بعض الممكنات، فإن مجموعهما أعظم من بعضها، وذلك البعض يشرك لمجموع في الفقر والإحتياج إلى الغير، ففيه ما فيها من الإحتياج والفقر إلى الغير، مع أن المجموع أعظم منه، فإذا كانت الأجزاء كلها فقيرة محتاجة، والمجموع محتاجًا فقيرًا، أمتنع أن يكون شيء من الأجزاء بالمجموع وحده، فضلًا عن أن يكون بجزء آخر فضلًا عن أن يكون المجموع الذي كل أجزائه فقراء بواحد من تلك","vol":"3","page":103},{"text":"الأجزاء الفقراء.\nوهذا كله بين ضروري لا يستريب فيه من تصوره.\nويمكن تصوير هذه المواد على وجوه أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>فصل</span>\nوكذلك يمكن تصوير هذه الأدلة في مادة الحدوث بأن يقال: الموجودات إما أن تكون كلها حادثة، وهو ممتنع، لأن الحوادث لا بد من فاعل، وذلك معلوم بالضرورة، ومحدث الموجودات كلها لا يكون معدومًا، وذلك أيضًا معلوم بالضرورة، وما خرج عن الموجودات لا يكون إلا معدومًا، فلو كانت الموجودات كلها محدثة للزم: إما حدوثها بلا محدث، وإما حدوثها معدوم.\nوكلاهما معلوم الفساد بالضرورة، فثبت أنه لا بد في الوجود من موجود قديم، وليس كل موجود قديمًا بالضرورة الحسية، فثبت أن الموجودات تنقسم إلى قديم ومحدث.\nوهاتان المقدمتان وهو أن كل حادث فلا بد من محدث، وأن المحدث للموجود لا يكون إلا موجودًا، مع انهما معلومتان بالضرورة، فإن كثيرًا من أهل الكلام أخذوا يقررون ذلك بأدلة نظرية، ويحتجون على ذلك بأدلة، وهي وإن كانت صحيحة، لكن","vol":"3","page":104},{"text":"النتيجة أبين عند العقل من المقدمات، فيصير كمن يحج الأجلى بالأخفى، وهذا وإن كان قد يذمه كثير من الناس مطلقًا، فقد ينتفع به في مواضع، مثل عناد المناظر ومنازعته في المقدمة الجلية، دون ما هو أخفى منها، ومثل حصول العلم بذلك من الطرق الدقيقة الخفية الطويلة، لمن يرى أن حصول العلم له بمثل هذه الطرق أعظم عنده وأحب إليه، وأنه إذا خوطب بالأدلة الواضحة المعروفة للعامة، لم يكن مزية على العامة، ولمن يقصد بمخاطبته بمثل ذلك، أن مثل هذه الطرق معروف معلوم عندنا، لم ندعه عجزًا وجهلًا، وإنما أعرضنا عنه استغناء عنه بما هو خير منه، واشتغالًا بما هو أنفع من تطويل لا يحتاج إليه، إلى أمثال ذلك من المقاصد.\nفأما كون الحادث لا بد له من محدث، فهي ضرورية عند جماهير العلماء، وكثير من متكلمة المعتزلة ومن اتبعهم جعلوه نظريًا، كما سيأتي ذكره بعد هذا.\nوأما كون المعدوم لا يكون فاعلًا للموجودات فهو أظهر من ذلك، ولذلك اعترف بكونه ضروريًا من استدل على أن المحدث لا بد له من محدث موجود، والممكن لا بد له من مؤثر موجود، كالرازي وغيره.","vol":"3","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>كلام الرازي في إثبات وجود الله</span>\nقال الرازي: أما كون المؤثر موجودًا فإنه لا فرق بين نفي المؤثر وبين مؤثر منفي والحكم بالاكتفاء المؤثر المنفي حكم بعدم الإحتياج إلى المؤثر.\nقال: والعلم بذلك ضروري، ولا يتصور في هذا المقام الاستدلال بالكلام المشهور من أن المعدوم لا تميز فيه فلا يمكن استناد الأثر إليه، لأنه يتوجه عليه شكوك معروفة.\nقال: والجواب عنها وإن كان ممكنًا، إلا أن العلم بفساد استناد الأثر الموجود إلى المؤثر المعدوم أظهر كثيرًا من العلم بذلك، والدليل","vol":"3","page":106},{"text":"والأجوبة عن الأسولة التي تورد عليه وإيضاح الواضح لا يزيده إلا خفاء.\nقال: وقول القائل: هب أن المؤثر ليس بمعدوم فلم يجب أن يكون موجودًا؟ قلنا: لا واسطة بين الوجود والعدم، وقول القائل: الماهية تقتضي الإمكان لا بشرط الوجود ولا العدم فهو متوسط بين الوجود والعدم قلنا: نحن لا ندعي أن كل حقيقة فهي إما الوجود وإما العدم، حتى يلزم من كون الماهية مغايرة لهما فساد ذلك الحصر بل ندعي أن العقل يحكم على كل حقيقة من الحقائق التي لا نهاية لها أنها لا تخلو عن وصفي الوجود والعدم، وإذا كان كذلك فكون الماهية مغايرة للوجود والعدم لا يقدح في قولنا: إنه لا واسطة بين الوجود والعدم.","vol":"3","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا السؤال والجواب عنه لا يحتاج إليه مع علمنا الضروري بأن المؤثر في الموجود لا يكون إلا موجودًا وهذا قد سبقه إليه غير واحد من النظار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>كلام الجويني في الإرشاد</span>\nكأبي المعالي الجويني فإنه قال في الإرشاد: فإن قال قائل: قد دللتم فيما قدمتم على العلم بالصانع، فيم تنكروه على من يقدر الصانع عدما قلنا: العدم عندنا نفي محض، وليس المعدوم على صفة من صفات الإثبات، ولا فرق بين نفي الصانع، وبين تقدير الصانع منفيًا من كل وجه، بل نفي الصانع وإن كان باطلًا بالدليل القاطع فالقول به غير متناقض في نفسه، والمصير إلى إثبات صانع منفي متناقض، وإنما يلزم القول بالصانع المعدوم المعتزلة، حيث أثبتوا للمعدوم صفات الإثبات وقضوا بأن المعدوم على خصائص الأجناس.\nقال: والوجه أن لا نعد الوجود من الصفات فإن الوجود نفس الذات، وليس بمثابة التحيز للجوهر، فإن التحيز صفة زائدة على ذات الجوهر، وجود الجوهر عندنا نفسه من غير تقدير مزيد.\nقال: والأئمة يتوسعون في عد الوجود من الصفات، والعلم به علم بالذات.\nقال الكيا الهراسي الطبري: إذا قلنا الباري موجود فوجوده ذاته هذا بالاتفاق من أصحابنا القائلين بالأحوال والنافين لها إلا على رأي المعتزلة الذين قالوا: المعدوم شيء.","vol":"3","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>كلام أبي القاسم الأنصاري</span>\nوقال أبو القاسم الأنصاري شارح الإرشاد والقاضي أبو بكر: وإن أثبت الأحوال فلم يجعل الوجود حالًا فإن العلم به علم بالذات، وعند أبي هاشم ومتبعيه الوجود من الأحوال، وهو من أثر كون الفاعل قادرًا.\nقال وما قاله إمام الحرمين: من أن الأئمة يتوسعون في عد الوجود من الصفات فإنما قالوا ذلك لما بيناه من ان صفة النفس عندهم تفيد ما تفيده النفس فلا فرق بين وجود الجوهر وتحيزه.\nوهكذا قال الكيا: الوجود بمنزلة التحيز للجوهر، فإن التحيز للجوهر نفس الجوهر خالف أبا المعالي.\nقال ومن الدليل على وجود الصانع أنه موصوف بالصفات القائمة به كالحياة والقدرة والعلم ونحوها وهذه الصفات مشروطة بوجود محلها وقد يكون الشيء موجودًا ولا يكون مختصًا بهذه الصفات ويستحيل الاختصاص بهذه الصفات من غير تحقق وجود.\nقال ومما يحقق ما قلناه قيام الدليل القاطع على أنه فاعل ومن شرط الفاعل أن يكون موجودًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا الثاني هو ما ذكره أبو المعالي فإن إثبات الصانع إثبات لوجوده، وإلا فصانع منتف كنفي الصانع، وأما الأول فهو وإن كان صحيحًا لكن النتيجة أبين من المقدمات فإن العلم بأن الصانع لا يكون إلا موجودًا أبين من كون ما تقوم به الصفة لا يكون إلا","vol":"3","page":109},{"text":"موجودًا، وكلاهما معلوم بالضرورة، لكن الفاعل الذي يبدع غيره أحق بالوجود، وكما أن الوجود من محل الصفة فإن محل الصفة قد يكون جمادًا وقد يكون حيوانًا وقد يكون قادرًا، وقد يكون عاجزًا، والصفة وإن كانت مفتقرة إلى محل وجودي فهو من باب الأفتقار إلى المحل القابل وأما المفعول المفتقر إلى الفاعل فهو من باب الافتقار إلى الفاعل.\nومعلوم أن الحاجة إلى الفاعل فيما له فاعل أقوى من الحاجة إلى القابل فيما له قابل.\nوأيضًا فإن القابل شرط في المقبول لا يجب تقدمه عليه بل يجوز اقترانهما بخلاف الفاعل فإنه لا يجوز أن يقارن المفعول، بل لا بد من تقدمه عليه.\nولهذا اتفق العقلاء على أنه لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلًا للآخر لا بمعنى كونه علة فاعلة ولا بغير ذلك من المعاني، وأما كون كل من الشيئين شرطًا للآخر فإنه يجوز، وهذا هو الدور المعي، وذاك هو الدور القبلي، وقد بسط هذا في غير","vol":"3","page":110},{"text":"الموضع، وبين ما دخل على الفلاسفة من الغلط في مسائل الصفات من هذا الوجه حيث لم يميزوا بين الشرط والعلة الفاعلة بل قد يجعلون ذلك كله علة، إذ العلة عندهم يدخل فيها الفاعل والغاية، وهما العلتان المفصلتان اللتان بهما يكون وجود المعلول والقابل، الذي قد يسمى مادة وهيولى مع الصورة، وهما علتا حقيقة الشيء في نفسه، سواء قيل إن حقيقته غير العين الموجودة في الخارج كما يدعون ذلك أو قيل هي هي كما هو المعروف عن متكلمي أهل السنة.\nوالمقصود هنا أن الدليل لما دل على أنه لا بد من موجود واجب بنفسه أي لا يكون له فاعل يوجده: لا علة فاعلة، ولاما يسمى فاعلًا غير ذلك، صاروا يطلقون عليه الواجب بنفسه، ثم أخذوا ما يحتمله هذا اللفظ من المعاني، فأرادوا إثباته كلها، فصاروا ينفون الصفات وينفون أن يكون له حقيقة موصوفة بالوجود لئلا تكون الذات متعلقة بصفة، فلا تكون واجبة بنفسها.\nومعلوم أن كون الذات مستلزمة لصفة كمال يمتنع","vol":"3","page":111},{"text":"تحققها بدونها لا يوجب افتقارها إلى فاعل أو علة فاعلة، ولكن غاية ما فيه أن تكون الذات مشروطة بالصفة والصفة مشروطة بالذات، وأن تكون الصفة إذا قيل بأنها واجبة لا تقوم إلا بموصوف فإذا قيل: هذا فيه افتقار الواجب إلى غيره لم يلزم أن يكون ذلك الغير فاعلًا ولا علة فاعلة بل إذا قدر أنه يطلق عليه غير فإنما هو شرط من المشروط وكون الذات مشروطة بالصفة اللازمة لها والصفة مشروطة بالذات لا يمنع أن يكون الجميع واجبًا بنفسه لا يفتقر إلى فاعل ولا إلى علة فاعلة وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.\nوالمقصود أنه إذا كان قد علم أن الصفة المشروطة بمحلها تقتضي أن يكون محلها موجودًا فالمفعول المفتقر إلى فاعل موجب يقتضي أن يكون فاعله موجودًا بطريق الأولى.\nوأيضًا فيقال: الحوادث المشهودة لا بد لها من محدث إذ المحدث من حيث هو محدث وكل ما يقدر محدثًا سواء قدر متناهيًا أو غير متناه لا يوجد بنفسه بل لا بد له من فاعل ليس بمحدث والعلم بذلك ضروري إذ طبيعة الحدث تقتقي الإفتقار إلى فاعل فلا بد لكل ما يقدر محدثًا من فاعل فيمتنع أن يكون فاعل كل المحدثات محدثًا فوجب أن يكون قديمًا.","vol":"3","page":112},{"text":"وأيضًا فالمحدث مفتقر إلى محدث كامل، مستقل بالفعل، إذ ما ليس مستقلًا بالفعل مفتقر إلى غيره فلا يكون هو وحده الفاعل، بل الفاعل هو وذلك الغير فلا يكون وحده فاعلًا للمحدث ثم ذلك الغير إن كان محدثًا فلا بد له من فاعل أيضًا فلا بد للمحدثات من فاعل مستقل بالفعل مستغن عن جميع محدثاته، والعقل يعلم ضرورة افتقار المحدث إلى المحدث الفاعل ويقطع به ويعلمه ضرورة أبلغ من علمه بافتقار الممكن إلى الواجب الموجب له، فلا يحتاج أن يقال في ذلك أن المحدث يتخصص بزمان دون زمان أو بقدر دون قدر ولا بد للتخصيص مكن مخصص فإن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث أبين في العقل وأبده له.\nولهذا قال تعالى ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ الطور ٣٥\nقال جبير بن مطعم: لما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها أحسست بفؤادي قد انصدع.\nوقال ﴿أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ الواقعة ٥٨ - ٥٩ إذ كان كل من القسمين: وهو كونهم خلقوا من غير خالق، وكونهم خلقوا أنفسهم معلوم الانتفاء بالضرورة فإن الإنسان يعلم بالضرورة أنه لم يحدث من غير محدث وأنه لم يحدث نفسه.\nفلما كان العلم بأنه لا بد له من محدث، وأن محدثه ليس هو إياه علمًا ضروريًا ثبت بالضرورة أن له محدثًا خالقًا غيره، وكل ما يقدر فيه انه مخلوق فهو كذلك.","vol":"3","page":113},{"text":"والخلق يتضمن الحدوث والتقدير ففيه معنى الإبداع والتقدير وإذا علمت أن الممكن لا بد له من مرجح يجب به وإلا لم يكن موجودًا بل يبقى معدومًا على أصح القولين، أو مترددًا بين الوجود والعدم على الآخر فالمحدث لا بد له من فاعل يستغن به المفعول فيكون به وإلا بقي مفتقرًا إلى غيره وإذا قدر محدثه أيضًا فهو أيضًا محدث لم يستغن به لأن ذلك المحدث مفتقر إلى غيره فالمفتقر إليه مفتقر إلى ذلك الغير، الذي هو الأول مفتقر إليه بطريق الأولى، فلا توجد الحوادث إلا بفاعل غني عن غيره وكل محدث مفتقر إلى غيره فلا توجد الحوادث إلا بفاعل قديم غير محدث فهذه طرق متعددة يثبت بها الموجود الواجب بنفسه القديم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>فصل</span>\nويمكن تصوير هذه المادة في الغنى والفقر، وفي الخلق وعدم الخلق، والقدرة وعدم القدرة، والكمال والنقصان، والحياة والموت، والعلم والجهل، وغير ذلك بأن يقال: كل موجود فإما أن يكون غنيًا بنفسه عما سواه، وإما أن يكون مفتقرًا إلى ما سواه، والمفتقر إلى ما سواه لا يوجد إلا بغنى عما سواه، فيلزم وجوده الغني عما سواه على التقديرين.","vol":"3","page":114},{"text":"والحوادث مفتقرة إلى غيرها، فثبت أن من الموجودات ما هو غني بنفسه ومنها ما هو مفتقر إلى ما سواه ومثل أن يقال: كل موجود فإما أن يكون مخلوقًا وإما ألا يكون مخلوقًا، والمخلوق لا يكون مخلوقًا إلا بخالق ليس بمخلوق.\nوقد علم أن الحوادث لا تكون إلا مخلوقة، فثبت أن في الموجودات ما هو حادث مخلوق، ومنها ما هو خالق لتلك الحوادث ليس بمخلوق، وهو المطلوب.\nومثل أن يقال: الموجودإما أن يكون قادرًا بنفسه، وإما ألا يكون قادرًا بنفسه، وما ليس بقادر بنفسه لا يكون قادرًا إلا بإقدار القادر بنفسه، والحوادث المشهودة كانت معدومة، والمعدوم لا يكون موجودًا بنفسه فضلًا عن أن يكون قادرًا بنفسه، فثبت أن في الموجودات ما هو محدث ومنها ما هو موجود قادر بنفسه، والقادر بنفسه لا يكون إلا قديمًا أزليًا واجبًا بنفسه، فثبت انقسام الموجودات إلى هذا وهذا، وهو المطلوب.\nومثل أن يقال: الموجودإما أن يكون كاملًا ليس فيه نقص يحتاج إلى غيره.\nوإما أن يكون ناقصًا يحتاج في كماله إلى غيره، ومعلوم أن الحوادث المشهودة ليس لها من نفسها وجود، فضلًا عن أن تكون كاملة بنفسها، وأنها بعد وجودها مفتقرة إلى من يكمل نقصها، فثبت أن الموجودات فيها كامل ليس فيه نقص يحتاج فيه إلى غيره، وما ليس فيه","vol":"3","page":115},{"text":"نقص، لا يكون إلا كاملًا قديمًا أزليًا واجبًا بنفسه، فثبت انقسام الموجودات إلى هذا وهذا، وهو المطلوب.\nومثل أن يقال: الموجودإما عالم بنفسه، وإما محتاج في العلم إلى من يعلمه، وإما أن لا يقبل العلم، ومعلوم أن الإنسان مفتقر في حصول علمه إلى من يعلمه، ليس علمه من لوازم ذاته، فإنه خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا ثم حدث له العلم بعد ذلك، فثبت أن في الموجود ما ليس عالمًا بنفسه، بل هو مفتقر في حصول العلم له إلى من يعلمه، ومعلوم أن كل ما ليس بعالم بنفسه فلا بد له من عالم يعلمه، وذاك العلم إن كان عالمًا بنفسه وإلا افتقر إلى عالم بنفسه، فلا بد له من عالم يعلمه، وذاك العالم إن كان عالمًا بنفسه وإلا افتقر إلى عالم بنفسه فلا بد أن ينتهي الأمر إلى عالم بنفسه قطعًا للتسلسل الممتنع، فثبت أن في الوجود ما هو عالم بنفسه، وما ليس عالمًا بنفسه بل بمن يعلمه كما قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ إلى قوله: ﴿اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ العلق ١ - ٥ وقال: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ البقرة ٢٥٥.\nوما كان عالمًا بنفسه فإن يكون موجودًا بنفسه أولى وأحرى، فإن العلم صفة له، وإذا كانت تلك الصفة قديمة واجبة لا تفتقر إلى فاعل يفعلها في العالم بنفسه، فلا يكون الموصوف بها قديمًا واجبًا بطريق الأولى والأحرى.","vol":"3","page":116},{"text":"ومثل أن يقال الموجود: إما حي بنفسه وإما حي بغيره، وإما ليس بحي.\nومعلوم أن الحي بغيره موجود، فإن الإنسان يكون في بطن أمه قبل نفخ الروح فيه ليس بحي ثم يصير حيًا بعد ذلك.\nفثبت وجود الحي بغيره الذي جعله حيًا.\nوذلك الذي جعله حيًا إما أن يكون حيًا بنفسه، وإما بغيره.\nوالحي بغيره يحتاج إلى حي، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى حي بنفسه قطعًا للتسلسل الممتنع، فثبت أن في الوجود ما هو حي بنفسه، والحي بنفسه لا يكون إلا واجبًا قديمًا بنفسه، فإن ذاته إذا كانت مستلزمة لحياته، بحيث لا تكون حياته حاصلة له من غيره، فغن تكون ذاته واجبة بنفسها، لا تكون حاصلة بغيرها أولى وأحرى فغن الحياة قائمة في الموصوف الحي بها، فإذا كانت الحياة قديمة أزلية واجبة بنفسها يمتنع عدمها، فالحي الموصوف بها أن يكون حيًا قديمًا أزليًا واجبًا بنفسه أولى وأحرى.\nوالتسلسل الذي يسمى التسلسل في العلل والمعلولات، والمؤثر والأثر والفاعل والمفعول، والخالق ولمخلوق هو ممتنع باتفاق العقلاء.\nوبصريح المعقول، بل هو ممتنع في بديهة العقل بعد التصور، وهو الذي أمر النبي ﷺ بالاستعاذة منه في قوله ﷺ «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ فيقول: الله فيقول: من خلق الله فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته» فأمره بالاستعاذة منه ليقطع عنه الله الوساوس الفاسدة","vol":"3","page":117},{"text":"التي يلقيها الشيطان بغير اختياره ويؤذيه بها، حتى قد يتمنى الموت، أو حتى يختار أن يحترق ولا يجدها، وهي الوسوسة التي سأله عنه الصحابة فقالوا: يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حمة أو يخر من السماء إلى الأرض خيرًا له من أن يتكلم به فقال: ذلك صريح الإيمان، وفي رواية: ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به.\nفقال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة.\nوأراد بذلك أن كراهته هذه الوسوسة ونفيها هو محض الإيمان وصريحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>فصل</span>\nواعلم أن علم الإنسان بأن كل محدث لا بد له من محدث أو كل ممكن لا بد له من واجب أو كل فقير فلا بد له من غني، أو كل مخلوق فلا بد له من خالق، أو كل معلوم فلا بد له من يعلم، أو كل أثر فلا بد له من مؤثر، ونحو ذلك من القضايا الكلية والأخبار العامة هو علم كلي بقضية كلية، وهو حق في نفسه، لكن علمه بأن هذا المحدث المعين لا بد له من محدث، وهذا الممكن المعين لا بد له من واجب، هو أيضًا معلوم له مع كون القضية معينة مخصوصة جزئية، وليس علمه بهذه القضايا المعينة المخصوصة","vol":"3","page":118},{"text":"موقوفًا على العلم بتلك القضية العامة الكلية، بل هذه القضايا المعينة المخصوصة موقوفًا على العلم بتلك القضية العامة الكلية، بل هذه القضايا المعينة قد تسبق إلى فطرته، قبل أن يستشعر تلك القضايا الكلية وهذا كعلمه بأن الكتابة لا بد من كاتب، والبناء لا بد له من بأن فإنه إذا رأى كتابه معينة علم انه لا بد لها من كاتب.\nوإذا رأى بنيانًا علم أنه لا بد له من بأن وإن لم يستشعر في ذلك الحال كل كتابه كانت أو تكون، أو يمكن أن تكون، ولهذا تجد الصبي ونحوه يعلم هذه القضايا المعينة الجزئية، وإن كان عقله لا يستحضر القضية الكلية العامة، وهذا كما أن الإنسان يعلم أن هذا المعين لا يكون أسود أبيض، ولا يكون في مكانين، وإن لم يستحضر أن كل سواد وكل بياض فأنهما لا يجتمعان، وأن كل جسمين فإنهما لا يكونان في مكان واحد، وهكذا إذا رأى درهمًا ونصف درهم، علم أن هذا الكل أعظم من هذا الجزء، وإن لم يستحضر أن كل كل فإنه يجب أن يكون أعظم من جزئه.\nوكذلك إذا قيل: هذا العدد الأول مساو لهذا العدد الثاني، وهذا العدد الثاني مساو لهذا العدد الثالث، فإنه يعلم أن الأول مساو لمساوي الثاني وهو مساو للثالث، وإن لم يستحضر أن كل مساو لمساو فهو مساو.","vol":"3","page":119},{"text":"وكذلك إذا علم أن الشخص موجود علم أنه ليس بمعدوم، وإذا علم انه ليس بمعدوم علم أنه موجود، ويعلم انه لا يجتمع وجوده وعدمه بل يتناقضان، وأن لم يستحضر قضية كلية عامة أنه لا يجتمع نفي كل شيء وإثباته ووجوده وعدمه، وهكذا عامة القضايا الكلية.\nفإنه قد يكون علم الإنسان بالحكم في أعيانها المشخصة الجزئية أبده للعقل من الحكم الكلي، ولا تكون معرفته بحكم المعينات موقوفه على تلك القضايا الكليات، ولهذا كان علم الإنسان أنه هو لم يحدث نفسه، لا يتوقف على علمه بان كل إنسان لم يحدث نفسه، ولا على أن كل حادث لم يحدث نفسه، بل هذه القضايا العامة الكلية صادقة، وتلك القضية المعينة صادقة، والعلم بها فطري ضروري لا يحتاج أن يستدل عليه، وإن كان قد يمكن الاستدلال على بعض المعينات بالقضية الكلية، ويستفاد العلم بالقضية الكلية بواسطة العلم بالمعينات، لكن المقصود أن هذا الاستدلال ليس شرطًا في العلم، بل العلم بالمعينات قد يعلم كما تعلم الكليات وأعظم، بل قد يجزم بالمعينات من لا يجزم بالكليات، ولهذا لا تجد أحدًا يشك في أن هذه الكتابة لا بد لها من كاتب، وهذا البناء لا بد له من باب، بل يعلم هذا ضرورة.\nوإن كان العلم بان كل حادث لا بد له من محدث فاعل","vol":"3","page":120},{"text":"قد اعتقده طوائف من النظار نظريًا حتى أقاموا عليه دليلًا: إما بقياس الشمول، وإما بقياس التمثيل.\nفالأول قول من يقول: كل محدث لا بد له من محدث والثاني قول من يقول هذا محدث فيفتقر إلى محدث قياسًا على البناء والكتابة.\nثم القائلون بأن كل محدث لا بد له من محدث، منهم من يثبت هذا بالاستدلال على أن الحادث مختص والتخصيص لا بد له من مخصص ثم من الناس من يثبت هذا بأن المخصوص ممكن، والممكن لا بد له من مرجح لوجوده، ثم من الناس من يثبت هذا بأن نسبة الممكن إلى الوجود والعدم سواء، فلا بد من ترجيح أحد الجانبين.\nوكثير من الناس يجعل المقدمة الأولى في هذه القضايا ضرورية، بل يجعلها أبين من الثانية، التي استدل بها عليها، وهذا الاضطراب غنما يقع في القضايا الكلية العامة.\nوأما كون هذا البناء لا بد له من بان، وهذه الكتابة لا بد لها من كاتب، وهذا الثوب المخيط لا بد له من خياط وهذه الآثار التي في الأرض من آثار الأقدام لا بد لها من مؤثر وهذه الضربة لا بد لها من ضارب، وهذه الصياغة لا بد لها من صائغ، وهذا","vol":"3","page":121},{"text":"الكلام المنظوم المسموع لا بد له من متكلم وهذا الضرب والرمي والطعن لا بد له من ضارب ورام وطاعن.\nفهذه القضايا المعينة الجزئية لا يشك فيها أحد من العقلاء، ولا يفتقر في العلم بها إلى دليل، وإن كان ذكر نظائرها حجة لها، وذكر القضية التي تتناولها وغيرها حجة ثانية فيستدل عليها بقياس التمثيل وبقياس الشمول لكن هي في نفسها معلومة للعقلاء بالضرورة، مع قطع نظرهم عن قضية كلية، كما يعلم الإنسان أحوال نفسه المعينة، فإنه يعلم أنه لم يحدث نفسه، وإن لم يستحضر أن كل حادث لا يحدث بنفسه.\nولهذا كانت فطرة الخلق مجبولة على أنهم شاهدوا شيئًا من الحوادث المتجددة، كالرعد والبرق والزلازل ذكروا الله وسبحوه لأنهم يعلمون أن ذلك المتجدد لم يتجدد بنفسه بل له محدث أحدثه وإن كانوا يعلمون هذا في سائر المحدثات لكن ما اعتادوا حدوثه صار مألوفا لهم بخلاف المتجدد الغريب، وإلا فعامة ما يذكرون الله ويسبحونه عنده من الغريب المتجددة قد شهدوا من آيات الله المعتادة ما هو أعظم منه ولو لم يكن إلا خلق الإنسان فإنه من أعظم الآيات، فكل أحد يعلم أنه هو لم","vol":"3","page":122},{"text":"يحدث نفسه ولا أبواه أحداثاه ولا أحد من البشر أحدثه، ويعلم أنه لا بد له من محدث، فكل أحد يعلم أن له خالقًا خلقه، ويعلم انه موجود، حي عليم قدير، سميع بصير، ومن جعل غيره حيًا كان أولى أن يكون حيًا، ومن جعل غيره عليمًا كان أولى أن يكون عليمًا، ومن جعل غيره قادرًا كان أولى أن يكون قادرًا، ويعلم أيضًا أن فيه من الإحكام ما دل على علم الفاعل، ومن الإختصاص ما دل على إرادة الفاعل، وأن نفس الإحداث لا يكون إلا بقدرة المحدث، فعلمه بنفسه المعينة المشخصة الجزئية يفيده العلم بهذه المطالب الإلهية وغيرها ن كما قال تعالى ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ الذاريات ٢١.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>فصل</span>\nإذا تبين ذلك فالآية والعلامة والدلالة على الشيء يجب أن يكون ثبوتها مستلزمًا لثبوت المدلول الذي هي آية له وعلامة عليه، ولا تفتقر في كونها آية وعلامة ودلالة إلى أن تندرج تحت قضية كلية، سواء كان المدلول عليه قد عرفت عينه، أو لم تعرف عينه، بل عرف على وجه مطلق مجمل.","vol":"3","page":123},{"text":"فالأول مثل أن يقال: علامة دار فلان أن على بابها كذا، أو على عتبها كذا، أو علامة فلان أنه كذا وكذا، فإذا رؤيت تلك العلامة عرف ذلك المعين.\nوالثاني أن يقال: علامة من يكون أميرًا أو قاضيًا أن تكون هيئته كذا وكذا، فإن رؤيت تلك الهيئة علم أن هناك أميرًا أو قاضيًا وإن لم تعلم عينه.\nوإذا كان كذلك فجميع المخلوقات مستلزمة للخالق ﷾ بعينه، وكل منها يدل بنفسه على أن له محدثًا بنفسه، ولا يحتاج أن يقرن بذلك أن كل محدث فله محدث، كما قدمناه أن العلم بأفراد هذه القضية لا يجب أن يتوقف على كلياتها، بل قد تكون دلالته على المحدث المعين أظهر وأسبق.\nولهذا كان ما يشهده الناس من الحوادث آيات دالة على الفاعل المحدث بنفسها، من غير أن يجب أن يقترن بها قضية كلية: أن كل محدث فله محدث، وهي أيضًا دالة على الخالق سبحانه، من حيث يعلم أنه لا يحدثها إلا هو، فإنه كما يستدل على أن المحدثات لا بد لها من محدث قادر، عليم، مريد، حكيم، فالفعل يستلزم القدرة، والإحكام","vol":"3","page":124},{"text":"يستلزم العلم، والتخصيص يستلزم الإرادة وحسن العافية يستلزم الحكمة.\nوكل حادث يدل على ذلك كما يدل عليه الآخر، وكل حادث كما دل على عين الخالق، فكذلك الآخر يدل عليه، فلهذا كانت المخلوقات آيات عليه، وسماها الله آيات، والآيات لا تفتقر في كونها آيات إلى قياس كلي: لا قياس تمثيلي، ولا قياس شمولي، وإن كان القياس شاهدًا لها مؤيدًا لمقتضاها، لكن علم القلوب بمقتضى الآيات والعلامات لا يجب أن يقف على هذا القياس، بل يعلم موجبها مقتضاها، وإن لم يخطر لها أن كل ممكن فإنه لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، أو لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح.\nومن هنا يتبين لك أن ما تنازع فيه طائفة من النظار وهو أن علة الإفتقار إلى الصانع، هل هو الحدوث أو الإمكان، أو مجموعيهما، لا يحتاج إليه، وذلك أن كل مخلوق فنفسه وذاته مفتقرة إلى الخالق، وهذا الافتقار وصف له لازم.\nومعنى هذا أن حقيقته لا تكون موجودة إلا بخالق يخلقه، فإن شهدت حقيقته موجودة في الخارج علم أنه لا بد لها من فاعل، وإن تصورت في العقل علم أنها لا توجد في الخارج إلا بفاعل، ولو قدر أنها تتصور تصورًا مطلقًا علم أنها لا توجد إلا بفاعل فهي في نفسها لا توجد إلا بفاعل وهذا يعلم بنفس تصورها وإن لم يشعر القلب","vol":"3","page":125},{"text":"بكونها حادثة أو ممكنة، وإن كان كل من الإمكان والحدوث دليلًا أيضًا على هذا الافتقار، لكن الحدوث يستلزم وجودها بعد العدم، وقد علم أنها لا توجد إلا بفاعل، والإمكان يستلزم أنها لا تكون إلا بموجد، وذلك يستلزم إذا وجدت أن تكون بموجد وهي من حيث هي هي، وإن لم تدرج تحت وصف كلي يستلزم الافتقار إلى الفاعل أي لا تكون موجودة إلا بفاعل، ولا تدوم وتبقى إلا بالفاعل المبقي المديم لها، فهي مفتقرة إليه في حدوثها، سواء قيل إن بقاءها وصف زائد عليها أو لم يقل.\nولهذا يعلم العقل بالضرورة أن هذا الحادث لا يبقى إلا بسبب يبقيه، كما يعلم أنه لم يحدث إلا بسبب يحدثه، ولو بنى الإنسان سقفًا ولم يدع شيئًا يمسكه لقال له الناس: هذا لا يدوم ولا يبقى، وكذلك إذا خاط الثوب بخيوط ضعيفة وخاطه خياطة فاسدة قالوا له هذا لا يبقى البقاء المطلوب فهم يعلمون بفطرتهم افتقار الأمور المفتقرة إلى ما يبقيها كما يعلمون افتقارها إلى ما يحدثها وينشئها.\nوما يذكر من الأمثال المضروبة والشواهد المبينة لكون الصنعة تفتقر إلى الصانع في حدوثها وبقائها، إنما هو للتنبيه على ما في الفطرة كما يمثل بالسفينة في الحكاية المشهورة عن بعض أهل العلم، أنه قال له طائفة","vol":"3","page":126},{"text":"من الملاحدة: ما الدلالة على وجود الصانع؟ فقال لهم: دعوني فخاطري مشغول بأمر غريب.\nقالوا قالوا: ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها ولا يقوم عليها.\nفقالوا له: أمجنون أنت؟ قال: وما ذاك قالوا أهذا يصدقه عاقل؟ فقال: فكيف صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف والحوادث العجيبة وهذا الفلك الدوار السيار يجري وتحدث هذه الحوادث بغير محدث، وتتحرك هذه المتحركات بغير محرك؟ فرجعوا على أنفسهم بالملام وهكذا إذ قيل: فهذه السفينة أثبتت نفسها في الساحل بغير موثق اوثقها ولا رابط ربطها، كذبت العقول بذلك.\nفهكذا إذ قيل: إن الحوادث تبقى وتدوم بغير مبق يبقيها، ولا ممسك يمسكها.\nولهذا نبه سبحانه على هذا وهذا فالأول: كثير وأما الثاني: ففي مثل قوله ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا﴾ فاطر ٤١ وقوله ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ الروم ٢٥ وقوله ﴿رفع السماوات بغير عمد ترونها﴾ الرعد ٢ وهذا الإبقاء يكون بالرزق الذي يمد الله به المخلوقات كما قال الله","vol":"3","page":127},{"text":"تعالى ﴿الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الروم ٤٠.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>كلام الشهر ستأتي في نهاية الإقدام</span>\nوهذا الذي ذكرناه، من أن نفس الأعيان المحدثة كالإنسان تستلزم وجود الصانع الخالق.\nوأن علم الإنسان بأنه مصنوع يستلزم العلم بصانعه بذاته من غير احتياج إلى قضية كلية، تقترن بهذا وهو معنى ما يذكره كثير من الناس، مثل قول الشهر ستأتي: أما تعطيل العالم عن الصانع العليم القادر الحكيم، فليست أراها مقالة ولا عرفت عليها صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية أنهم قالوا: كان العالم في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة فاصطكت اتفاقًا فحصل العالم بشكله الذي تراه عليه","vol":"3","page":128},{"text":"قال: ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع، بل هو يعترف بالصانع لكنه يحيل سبب وجود العالم على البخت والاتفاق احترازًا عن التعليل، فما عدت هذه المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان، فإن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها، بصانع عليم قادر حكيم ﴿أفي الله شك﴾ إبراهيم ١٠ ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ الزخرف ٨٧ ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ الزخرف ٩ وإن هو غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء ﴿دعوا الله مخلصين له الدين﴾ يونس ٢٢ ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ الإسراء ٦٧.\nقال ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشرك: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله","vol":"3","page":129},{"text":"إلا الله فأعلم انه لا إله إلا الله ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد ﴿ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا﴾ غافر ١٢ ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ الزمر ٤٥ ﴿وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا﴾ الإسراء ٤٦.\nقال وقد سلك المتكلمون طريقًا في إثبات الصانع، وهو الاستدلال بالحوادث على محدث صانع وسلك الأوائل طريقًا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح لأحد طرفي الإمكان.\nقلت: وهذا الطريق الثاني لم يسلكه الأوائل، وإنما سلكه ابن سينا ومن وافقه ولكن الشهرستاني وأمثاله لا يعرفون مذهب أرسطو والأوائل إذ كان عمدتهم فيما ينقلونه من الفلسفة على كتب ابن سينا.","vol":"3","page":130},{"text":"قال ويدعي كل واحد في جهة الاستدلال ضرورة وبديهة.\nقال وأنا أقول: ما شهد به الحدوث، أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياجه في ذاته إلى مدبر هو منتهى مطلب الحاجات، يرغب إليه، ولا يرغب عنه، ويستغنى به ولا يستغنى عنه ويتوجه إليه ولا يعرض عنه ويفزع إليه في الشدائد والمهمات فإن احتياج نفسه أوضح من احتياج الممكن الخارج إلى الواجب والحادث إلى المحدث.\nوعن هذا المعنى كانت تعريفات الحق سبحانه في التنزيل على هذا المنهاج ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ النمل ٦٢ ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ الأنعام ٦٣ ﴿قل من","vol":"3","page":131},{"text":"يرزقكم من السماوات والأرض﴾ يونس ﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ النمل ٦٤.\nوعن هذا المعنى قال النبي ﷺ «خلق الله العباد على معرفته فاجتالتهم الشياطين عنها» .\nقلت: لفظ الحديث في الصحيح: «يقول الله خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا»\nقال: فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج، وذلك الاجتيال من الشيطان هو تسويلة الاستغناء ونفي الحاجة والرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة وتطهيرها عن تسويلات الشياطين فإنهم الباقون على أصل الفطرة وما كان له عليهم من سلطان ﴿فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى﴾ الأعلى ١٠ - ١١","vol":"3","page":132},{"text":"﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ طه ٤٤.\nقلت: الذي في الحديث: إن الشياطين امرتهم أن يشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا وهذا المرض العام في أكثر بني آدام وهو الشرك كما قال تعالى ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ يوسف ١٠٦ وأما التعطيل فهو مرض خاص لا يكاد يقع إلا عن عناد كما وقع لفرعون.\nوليس في الحديث أن الشياطين سولت لهم الاستغناء عن الصانع فإن هذا لا يقع إلا خاصًا لبعض الناس أو لكثير منهم في بعض الأحوال وهو جنس السفسطة بل هو شر السفسطة والسفسطة لا تكون عامة لعدد كثير دائمًا بل تعرض لبعض الناس أو لكثير منهم في بعض الأشياء\nقال: ومن رحل إلى الله قربت مسافته حيث رجع إلى نفسه أدنى رجوع فعرف احتياجه إليه في تكوينه وبقائه وتقلبه في أحواله وأنحائه ثم استبصر من آيات الآفاق إلى آيات الأنفس ثم استشهد به على الملكوت لا بالملكوت عليه ...\nالخ","vol":"3","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت هو وطائفة معه يضنون أن الضمير في قوله ﴿حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ فصلت ٥٣ عائد إلى الله تعالى ويقولون هذه جمعت طريق من استدل بالخلق على الخالق، ومن استدل بالخالق على المخلوق.\nوالصواب الذي عليه المفسرون وعليه تدل الآية أن الضمير عائد إلى القرآن وأن الله يري عباده من الآيات الفقيه والنفسية ما يبين لهم أن القرآن حق وذلك يتضمن ثبوت الرسالة وأن يسلم ما أخبر به الرسول كما قال تعالى ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد * سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ فصلت ٥٢ ٥٣.\nوالمقصود هنا التنبيه على أن حاجة المعين إلى العلم لا تتوقف على العلم بحاجة كل من هو مثله والاستدلال على ذلك بالقياس الشمولي والتمثيلي.\nوأيضا فالحاجة التي يقترن مع العلم بها ذوق الحاجة هي اعضم وقعا في النفس من العلم الذي لا يقترن به ذوق.\nولهذا كانت معرفة النفوس بما تحبه وتكرهه، وينفعها ويضرها، هو أرسخ فيها فيها من معرفتها بما لا تحتاج إليه، ولا تكرهه ولا تحبه، ولهذا كان ما يعرف من أحوال الرسل مع أممهم","vol":"3","page":134},{"text":"بالأخبار المتواترة ورؤية الآثار من حسن عاقبة أتباع الرسل، وسوء عاقبة المكذبين، أنفع من معرفة صدق الرسول وأتباعه مما يفيد العلم فقط، فإن هذا يفيد العلم مع الترغيب والترهيب، فيفيد كمال القوتين: العلمية والعملية بنفسه، بخلاف ما يفيد العم، ثم العلم يفيد العمل.\nولهذا كان أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري، وذلك أن اضطرار النفوس إلى ذلك أعظم من اضطرارها إلى مالا تتعلق به حاجتها.\nألا ترى أن الناس يعرفون من أحوال من تتعلق به منافعهم ومضارهم، كولاة أمورهم وممالكيهم، وأصدقائهم وأعدائهم، مالا يعلمونه من أحوال من لا يرجونه ولا يخافونه، ولا شيء أحوج إلى شيء من المخلوق إلى خالقه فهم يحتاجون إليه من جهة ربوبيته، إذ كان هو الذي خلقهم، وهو الذي يأتيهم بالمنافع، ويدفع عنهم المضار: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون﴾ النحل ٥٣.\nوكل ما يحصل من أحد فإنما هو بخلقه وتقديره وتسبيبه وتيسيره، وهذه الحاجة التي توجب رجوعهم إليه حال اضطرارهم، كما يخاطبهم بذلك","vol":"3","page":135},{"text":"في كتابه، وهم محتاجون إليه من جهة ألوهيته، فإنه لا صلاح لهم إلا بأن يكون هو معبودهم الذي يحبونه ويعظمونه، ولا يجعلون له أندادًا يحبونهم كحب الله، بل يكون ما يحبونه سواه، كأنبيائه وصالحي عباده، إنما يحبونهم لأجله، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار»\nومعلوم أن السؤال، والحب، والذل، والخوف، والرجاء، والتعظيم، والإعتراف بالحاجة، والافتقار، ونحو ذلك، مشروط بالشعور بالمسؤل المحبوب المرجو، المخوف، المعبود، المعظم، الذي تعترف النفوس بالحاجة إليه والإفتقار، الذي تواضع كل شيء لعظمته، واستسلم كل شيء لقدرته، وذل كل شيء لعزته.\nفإذا كانت هذه الأمور مما تحتاج النفوس إليها ولا بد لها منها، بل هي ضرورية فيها كان شرطها ولازمها، وهو الاعتراف بالصانع به، أولى أن يكون في النفوس.\nوقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة» يروي عن ربه: «خلقت عبادي حنفاء»","vol":"3","page":136},{"text":"ونحو ذلك، لا يتضمن مجرد الإقرار بالصانع فقط، بل إقرارًا يتبعه عبودية لله بالحب والتعظيم وإخلاص الدين له ن وهذا هو الحنيفية.\nوأصل الإيمان قول القلب وعمله، أي علمه بالخالق وعبوديته للخالق، والقلب مفطور على هذا وهذا.\nوإذا كان بعض الناس قد خرج عن الفطرة بما عرض له من المرض، إما بجهله، وإما بظلمه، فجحد بآيات الله واستيقنتها نفسه ظلمًا وعلوًا، لم يمتنع أن يكون الخلق ولدوا على الفطرة.\nوقد ذكرنا في غير هذا الموضع طائفة من قول من ذكر أن المعرفة ضرورية، والعلم الذي يقترن به حب المعلوم قد يسمى معرفة، كما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمعروف ما تحبه القلوب مع العلم، والمنكر ما تكرهه وتنفر عنه عند العلم به.\nفلهذا قد يسمى من كان فيه مع علمه بالله حب لله وإنابة إليه عارفًا، بخلاف العالم الخالي عن حب القلب وتألهه، فإنهم لا يسمونه عارف.\nومن المعلوم أن وجود حب الله وخشيته والرغبة إليه وتألهه في القلب، فرع وجود الإقرار به، وهذا الثاني مستلزم للأول.\nفإذا كان هذا يكون ضروريًا في القلب، فوجود الإقرار السابق عليه اللازم له، أولى أن يكون ضروريًا، فإن ثبوت الملزوم لا يكون إلا مع ثبوت اللازم.","vol":"3","page":137},{"text":"وقد يراد بلفظ المعرفة العلم الذي يكون معلومة معينًا خاصًا، وبالعلم الذي هو قسيم المعرفة ما يكون المعلوم به كليًا عاما، وقد يراد بلفظ المعرفة ما يكون معلومة الشيء بعينه، وإن كان لفظ العلم يتناول النوعين في الأصل، كما بسط في موضع آخر، وسيأتي كلام الناس في الإقرار بالصانع، هل يحصل بهذا وبهذا.\nوقد بينا في غير هذا الموضع الكلام على قولهم: علة الحاجة إلى المؤثر: هل هي الحدوث، أو الإمكان، أو مجموعها؟ وبينا أنه إن أريد بذلك أن الحدوث مثلا دليل على أن هذا المحدث يحتاج إلى محدث، أو أن الحدوث شرط في إفتقار المفعول إلى فاعل، فهذا صحيح، وإن أريد بذلك أن الحدوث هو الذي جعل المحدث مفتقرًا إلى الفاعل فهذا باطل، وكذلك الإمكان إذا أريد به أنه دليل على إلى المؤثر، أو أنه شرط في الافتقار إلى المؤثر فهذا صحيح، وإن أريد به أنه جعل نفس الممكن مفتقرًا، فهذا باطل.\nوعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون كل من الإمكان والحدوث دليلًا على الافتقار إلى المؤثر، وشرطًا في الافتقار إلى المؤثر، وإنما النزاع في مسألتين:\nإحداهما: أن الواجب بغيره إزلًا وأبدًا: هل يصح أن يكون مفعولًا","vol":"3","page":138},{"text":"لغيره؟ كما يقوله من يقول من المتفلسفة: إن الفلك قديم معلول ممكن لواجب الوجود ازلًا وأبدًا، فهذا هو القول الذي ينكره جماهير العقلاء من بني آدم.\nويقولون ك إن كون الشيء مفعولًا مصنوعًا، مع كونه مقارنًا لفاعله أزلًا وأبدًا ممتنع ويقولون أيضًا: إن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا موجودًا تارة ومعدومًا أخرى، فأما ما كان دائم الوجود فهذا عند عامة العقلاء ضروري الوجود، وليس من الممكن الذي يقبل الوجود والعدم.\nوهذا مما وافق عليه الفلاسفة قاطبة حتى ابن سينا وأتباعه.\nولكن ابن سينا تناقض فادعى في باب إثبات واجب الوجود أن الممكن قد يكون قديمًا أزليًا مع كونه ممكنًا، ووافقه على ذلك طائفة من المتأخرين، كالرازي وغيره، ولزمهم على ذلك من الاشكالات ما لم يقدروا على جوابه، كما قد بسط في موضعه وعلى هذا فالإمكان والحدوث متلازمان، فكل ممكن محدث وكل محدث ممكن.\nوأما تقدير ممكن مفعول واجب لغيره، مع أنه غير","vol":"3","page":139},{"text":"محدث، فهذا ممتنع عند جماهير العقلاء.\nوأكثر الفلاسفة من أتباع ارسطو وغيره مع الجمهور يقولون: إن الإمكان لا يعقل إلا في المحدثات وأما الذي أدعى ثبوت ممكن قديم فهو ابن سينا ومن وافقه ولهذا ورد عليهم في إثبات هذا الإمكان سؤالات لا جواب لهم عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>موافقة الرازي لابن سينا وإنكار ابن رشد على ابن سينا</span>\nوالرازي لما كان مثبتًا لهذا الإمكان، لابن سينا، كان في كلامه من الاضطراب ما هو معروف في كتبه الكبار والصغار، مع أن هؤلاء كلهم يثبتون في كتبهم المنطقية ما يوافقون فيه سلفهم أرسطو وغيره: أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثًا كائنًا بعد أن لم يكن، وقد ذكر أبو الوليد بن رشد الحفيد هذا وقال: ما ذكره ابن سينا ونحوه، من أن الشيء يكون ممكنًا يقبل الوجود والعدم، مع كونه قديمًا أزليًا قول لم يقله أحد من الفلاسفة قبل ابن سينا\nقلت: وابن سينا قد ذكر أيضًا في غير موضع أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم، لا يكون إلا حادثًا، مسبوقًا بالعدم، كما قاله سلفه وسائر العقلاء، وقد ذكرت ألفاظه من كتاب الشفاء وغيره في غير هذا","vol":"3","page":140},{"text":"الموضع، وهو مما يتبين به اتفاق العقلاء على أن كل ممكن يقبل الوجود والعدم فلا يكون إلا حادثًا كائنًا بعد أن لم يكن، وهذا مما يبين أن كل ما سوى الواجب بنفسه فهو محدث، كائن بعد أن لم يكن، وهذا لا يناقض دوام فاعليته.\nوالمقصود هنا أن نفس الحدوث والإمكان دليل على الافتقار إلى الموثر، وأما كون أحدهما جعل نفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق فهذا خطأ، بل نفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق بذاتها، واحتياجها إلى المؤثر أمر ذاتي لها، لا يحتاج إلى علة، فإنه ليس كل حكم ثبت للذوات يحتاج إلى علة، إذ ذلك يفضي إلى تسلسل العلل.\nوهو باطل باتفاق العلماء، بل من الأحكام ما هو لازم للذوات، لا يمكن أن يكون مفارقًا للذوات، ولا يفتقر إلى علة، وكون كل ما سوى الله فقيرًا إليه محتاجًا إليه دائمًا هو من هذا الباب.\nفالفقر والاحتياج أمر لازم ذاتي لكل ما سوى الله، كما أن الغني والصمدية أمر لازم لذات الله، فيمتنع أن يكون سبحانه فقيرًا، ويمتنع أن يكون إلا غنيًا عن كل ما سواه، ويمتنع فيما سواه أن يكون غنيًا عنه","vol":"3","page":141},{"text":"بوجه من الوجوه، ويجب في كل ما سواه أن يكون فقيرًا محتاجًا إليه دائمًا في كل وقت.\nوهنا ينشأ النزاع في المسألة الثانية، وهو أن المحدث المخلوق هل افتقار إلى الخالق المحدث وقت الإحداث فقط، أو هو دائمًا مفتقر إليه، على قولين للنظار.\nوكثير من أهل الكلام المحدث المتلقى عن جهم وأبي الهذيل ومن تبعهما من المعتزلة وغيرهم، يقولون إنه لا يفتقر إليه إلا في حال الإحداث لا في حال البقاء وهذا القول في مقابلة قول الفلاسفة الدهرية، الذين يقولون: افتقار الممكن إلى الواجب لا يستلزم حدوثه بل افتقاره إليه في حال بقائه دائمًا ازلًا وأبدًا.\nفهؤلاء زعموا وجود الفعل بلا حدوث شيء وأولئك زعموا أن المخلوق لا يفتقر إلى الخالق لا يحتاج دائمًا وكلا القولين باطل كما قد بسط في موضعه.\nوالمقصود هنا أن كثيرًا مما يجعلونه مقدمات في أدله إثبات الصانع، وإن كان حقًا فإنه لا يحتاج إليه عامة الفطر السليمة، وإن كان من عرضت له شبهة قد ينتفع به.","vol":"3","page":142},{"text":"والكلام على إبطال الدور والتسلسل هو من هذا الباب، وما سلكوه من الطرق بقطع التسلسل والدور فهو طريق صحيح أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>وجماع ذلك أن الدور نوعان، والتسلسل نوعان</span>\nأما الدور: فقد يراد به أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا، ولا هذا إلا مع هذا، ويسمى هذا الدور المعي الاقتراني.\nويراد به أنه لا يوجد هذا إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد هذا ونحو ذلك، وهو الدور البعدي.\nفالأول ممكن، كالأمور المتضايفة، مثل البنوة والأبوة، وكالمعلولين لعلة واحدة، وسائر الأمور المتلازمة التي لا يوجد منها إلا مع الآخر، كصفات الخالق سبحانه المتلازمة وكصفاته مع ذاته وكسائر الشروط كغير الشروط كغير ذلك مما هو من باب الشرط والمشروط.\nوأما الثاني فممتنع، فإنه إذا كان هذا لا يوجد إلا بعد ذاك، وذاك لا يوجد إلا بعد هذا، لزم أن يكون ذاك موجودًا قبل هذا، وهذا قبل ذاك، فيكون كل من هذا وذاك موجودًا قبل أن يكون موجودًا، فيلزم","vol":"3","page":143},{"text":"اجتماع الوجود والعدم غير مرة، وذلك كله ممتنع.\nومن هذا الباب أن يكون هذا فاعلًا لهذا، او علة فاعلة أو علة غائية، ونحو ذلك لأن الفاعل والعلة ونحو ذلك يمتنع أن يكون فعلًا لنفسه، فكيف يكون فاعلًا لفاعل نفسه؟ وكذلك العلة الفاعلة لا تكون علة فاعلة لنفسها فكيف لعلة نفسها؟ وكذلك العلة الغائية التي يوجدها الفاعل هي مفعولة للفاعل ومعلولة في وجودها له لا لنفسها، فإذا لم تكن معلولة لنفسها فكيف تكون معلولة لمعلول نفسها؟\nفهذا ونحوه من الدور المستلزم تقدم الشيء على نفسه أو على المتقدم على نفسه، وكونه فاعلًا لنفسه المفعولة أو لمفعول نفسه، أو علة لنفسه المعلولة أو لمعلول معلول نفسه أو معلولًا مفعولًا لنفسه، أو لمعلول نفسه ومفعول نفسه كل ذلك ممتنع ظاهر الامتناع ولهذا اتفق لعقلاء على امتناع ذلك.\nوأما التسلسل في الآثار والشروط ونحو ذلك، ففيه قولان معروفان لأصناف الناس وأما التسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة ونحو ذلك فهذا ممتنع بلا ريب.","vol":"3","page":144},{"text":"فإذا تبين هذا فنقول: لو كان جميع الموجودات ممكنًا مفتقرًا إلى فاعل غيره فذلك الغير إن كان هو الغير الفاعل له، لزم كون كل منهما فاعلًا للآخر وهذا من الدور القبلي الممتنع باتفاق العقلاء وإن كان ذلك الغير غيرًا آخر، لزم وجود فاعلين ومفعولين إلى غير غاية، وإن شئت قلت: لزم مؤثرون كل منهم مؤثر في الآخر إلى غير غاية وإن شئت قلت لزم علل كل منها معلول للآخر إلى غير غاية.\nوكل من هؤلاء ممكن الوجود، مفتقر إلى غيره لا يوجد بنفسه.\nفهنا سؤالان:\nأحدهما: قول القائل: لم لا يجوز أن يكون المجموع واجبًا بنفسه وإن كان كل فرد من أفراد ممكنًا بنفسه؟ وقد أجيب عن هذا بأنه يستلزم ثبوت واجب الوجود بنفسه مع أنه باطل أيضًا لأن المجموع هو الأجزاء المجتمعة مع الهيئة الاجتماعية وكل من الأجزاء ممكن بنفسه والهيئة الاجتماعية عرض من الأعراض الذي لا يقوم بنفسه فهو","vol":"3","page":145},{"text":"أيضًا ممكن لنفسه بطريق الأولى فكل من الأجزاء ومن الهيئة الاجتماعية ممكن لنفسه فامتنع أن يكون هناك ما يقدر واجبًا بنفسه.\nوأيضًا فإن ما توصف به الأفراد قد يوصف به المجموع وقد لا يوصف فإن كان اتصاف الأفراد به لطبيعة مشتركة بينها وبين المجموع وجب اتصاف المجموع بخلاف ما إذا حدث للمجموع بالتركيب وصف منتف في الأفراد.\nومعلوم أن كل واحد واحد إذا لم يكن موجودًا إلا بغيرة، وهو فقير محتاج فكثرة المفتقرات المحتاجات واجتماعها لا يوجب استغناءها إلا أن يكون في بعضها معاونة للآخر، كالضعيفين إذا اجتمعا حصل باجتماعهما قوة، لأن كلا منهما مستغن عن غيره من وجه محتاج إليه من وجه وأما إذا قدر أن كلا منهما مفتقر إلى غيره من كل وجه امتنع أن يحصل لهما بالاجتماع قوة أو معونة من أحدهما للأخر إذ التقدير أن كل كل منهما ليس له شيء إلا من الآخر وهذا هو الدور القبلي، دور الفاعلين والعلل الفاعلية والغائية فلا يحصل لأحدهما من الآخر شيء","vol":"3","page":146},{"text":"والتقدير أنه ليس له من نفسه شيء فلا يحصل بالاجتماع وجود أصلًا.\nيبين هذا أن كل جزء فهو مفتقر من كل وجه إلى غيره والمجموع أيضًا مفتقر من كل وجه إلى الأفراد فإنه أي فرد من الأفراد قدر عدمه لزم عدم المجموع فليس في المجموع وجود يعطيه للأفراد ولا لشيء من الأفراد وجود يعطيه للمجموع او لغيره من الأفراد وهذا بخلاف ما إذا اجتمعت آحاد العشرة فإن كونها عشرة لا يحصل لأفرادها كما أن كل فرد ليس وجوده مستفادًا من اجتماع العشرة فلما لم يكن كل من الأفراد وجوده من العشرة ولا من غيره من الأفراد أمكن وجوده بنفسه، وأمكن أن يكون شرطًا في وجود الفرد الآخر، وأن يكون الحكم الحاصل باجتماع العشرة لا يحصل لفرد فرد، فتبين أن مجموع الممكنات لا يكون ممكنًا وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>سؤال للآمدي وأجوبة عنه</span>\nوالسؤال الثاني: سؤال الامدي وهو قوله: ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود ويكون ترجحها بترجح آحادها وترجح كل واحد بالآخر إلى غير نهاية.","vol":"3","page":147},{"text":"فيقال عن هذا أجوبة:\nالأول\nأنه إذا كان كل من الجملة ممكنًا بنفسه لا يوجد إلا بغيره فكل من الآحاد، ليس وجوده بنفسه، والجملة ليس وجودها بنفسها، فليس هناك شيء وجوده بنفسه فلا يكون وجوده إلا بغيره.\nفتعين أن يكون هناك غير ليس هو جملة مجموع الممكنات، ولا شيئًا من الممكنات وما ليس كذلك فهو موجود بنفسه، وهو الواجب بنفسه ضرورة.\nوأما قوله: يكون ترجح كل واحد بالآخر أي يكون كل من الممكنات موجودًا بممكن آخر على سبيل التسلسل.\nفيقال له: نفس طبيعة الإمكان شاملة لجميع الآحاد وهي مشتركة فيها، فلا يتصور أن يكون شيء من أفراد الممكنات خارجًا عن هذه الطبيعة العامة الشاملة، ونفس طبيعة الإمكان توجب الافتقار إلى الغير، فلو قدر وجود ممكنات بدون واجب بنفسه، للزم استغناء طبيعة الإمكان عن الغير، فيكون ما هو ممكن مفتقرًا إلى غيره ليس ممكنًا مفتقرًا إلى غيره، وذلك جمع بين النقيضين.\nيبين ذلك أنه مهمًا قدر من الممكنات التي ليست متناهية، فإنه","vol":"3","page":148},{"text":"ليس واحد منها موجودًا بنفسه، بل هو مفتقر إلى ما يبدعه ويفعله.\nفالثاني منها مشارك للأول في هذه الصفة من كل وجه، فليس لشيء منها وجود من نفسه ولا للجملة، فلا يكون هناك موجود أصلًا.\nبل إذا قال القائل: هذا موجودًا بآخر، والآخر إلى غير نهاية، أو هذا أبدعه آخر، والآخر أبداه آخر إلى نهاية كان حقيقة الكلام أنه يقدر معدومات لا نهاية لها.\nفإن قدر فاعلًا إذا لم يكن موجودًا بنفسه، لم يكن له من نفسه إلا العدم، وقد قدر فاعله ليس له من نفسه إلا العدم.\nفكل من هذه الأمور المتسلسلة ليس لشيء منها من نفسه إلا العدم، ولا للمجموع من نفسه إلا العدم، وليس هناك إلا الأفراد والمجموع، وكل من ذلك ليس منه إلا العدم فيكون قد قدر مجموع ليس منه إلا العدم، وما كان كذلك امتنع أن يكون منه وجود، فإن مالا يكون منه إلا العدم، ولا من مجموعه، ولا من أفراد، يمتنع أن يكون منه وجود.\nفإذا قدر ممكنات متسلسلة كل منها لا وجود له من نفسه لم يكن هناك إلا العدم والوجود موجود محسوس، فعلم أن فيه ما هو موجود بنفسه، ليس وجوده من غيره وهو المطلوب.","vol":"3","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>الثاني</span>\nأن يقال: الموجود الذي ليس من نفسه، يمتنع أن يكون وجود غيره منه فإن وجود نفسه بنفسه، واستغناء نفسه بنفسه وقيام نفسه بنفسه، أولى من وجود غيره بوجوده، واستغناء غيره به، وقيام غيره به، فإذا قدر ممكنات ليس فيها ما وجوده بنفسه امتنع أن يكون فيها ما وجود غيره به بطريقة الأولى فلا يجوز أن يكون كل ممكن لا يوجد بنفسه وهو مع هذا فاعل لغيره إلى غير نهاية.\nوهذا مما لا يقبل النزاع بين العقلاء الذين يفهمونه وسواء قيل: إن المؤثر في مجموع الممكنات هو قدرة الله تعالى بدون أسباب، أو قيل: أنها مؤثرة فيها بالأسباب التي خلقها أو قيل: إن بعضها مؤثر في بعض بالإيجاب أو الإبداع أو التوليد أو الفعل أو غير ذلك مما قيل فإن كل من قال قولًا من هذه الأقوال لا بد أن يجعل للمؤثر وجودًا من موجود بنفسه، لا يمكن أحد ان يقول: كل منها مؤثر وليس له من نفسه إلا العدم، وليس هناك مؤثر له من نفسه وجود، فإنه يعلم بصريح العقل أنه إذا قدر أن كل تلك الأمور ليس لشيء منها وجود من نفسه وجود ولا بنفسه لم يكن له تأثير من نفسه ولا بنفسه، فإن مالا يكون موجوداص بنفسه ومن نفسه فأولى به إن لا يكون مؤثرًا في وجود غيره بنفسه ومن نفسه فإذا لم يكن هناك ما هو موجود بنفسه ولا مؤثر بنفسه بل كل","vol":"3","page":150},{"text":"منها غير موجود بنفسه ولا مؤثر بنفسه، كان كل معدومًا بنفسه، معدوم التأثير بنفسه، فنكون قد قدرنًا أمورًا متسلسلة كل منها لا وجود له بنفسه ولا تأثير له بنفسه وليس هناك مغاير لها يكون موجودًا مؤثرًا فيها، فليس هناك لا وجود ولا تأثير قطعًا.\nوإذا قال القائل: كل من هذه الأمور التي لا توجد بنفسها يبدع الآخر الذي لا يوجد بنفسه كان صريح العقل يقول له: فما لا يكون موجودًا بنفسه لا يكون مؤثرًا بنفسه فكيف تجعله مؤثرًا في غيره ولا حقيقة له\nفإن قال: بل حقيقته توجد بذلك الغير.\nقيل له: ليس هناك غير يتحقق به فإن الغير الذي قدرته هو أيضًا لا وجود له ولا تأثير أصلًا إلا بما تقدره من غير آخر ليس له وجود ولا تأثير.\nونكتة هذا الجواب أن تقدير العقل لما لا يوجد بنفسه بعد، ولا يحقق له وجود بغيره كونه مؤثرًا مبدعًا لغيره من أعظم الأمور بطلانًا وفسادًا فإن إبداعه للغير لا يكون إلا بعد وجوده وهو مع","vol":"3","page":151},{"text":"كونه ممكنًا يقبل الوجود والعدم ليس موجود فكل ما قدر إنما هي معدومات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>الثالث</span>\nيوضح هذا الجواب الثالث: وهو أن نقول: قول القائل: الممكن الذي لم يوجد هو معدوم ليس بموجود أصلًا والمعدوم الذي لم يحصل له ما يقتضي وجوده هو باق مستمر على العدم.\nوإذا قال القائل: الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح فهذا بين ظاهر في جاب الإثبات فإنه لا يكون موجودًا إلا بمقتضي لوجوده إذا كان ليس له من نفسه وجود.\nوأما في النفي فمن الناس من يقول: علة عدمه عدم علة وجوده ويجعل لعدمه علة كما لوجوده علة وهذا قول ابن سينا وأتباعه\nوالتحقيق الذي عليه جمهور النظار من المتكلمين والمتفلسفين.","vol":"3","page":152},{"text":"وهو الآخر من قولي الرازي أن عدمه لا يفتقر إلى علة تجعله معدومًا فالعدم المحض لا يعلل ولا يعلل به إذ العدم المحض المستمر لا يفتقر إلى فاعل ولا علة ولكن عدم علته مستلزم لعدمه ودليل على عدمه فإذا أريد بعلة عدمه ما يستلزم عدمه ويدل على عدمه فهو صحيح وإن أريد بعلة عدمه تحقق العدم الذي يفتقر في تحقق إلى علة موجبة له فليس كذلك فإن العدم المستمر لا يفتقر إلى علة موجبة.\nفقول القائل: الممكن لا يوجد إلا بمرجح بمنزل قوله: لا يوجد بنفسه لا يوجد إلا بغيره ولا يحتاج أن يقول مالا يوجد بنفسه لا يعدم إلا بغيره فإن مالا يوجد بنفسه فليس له من نفسه وجود.\nوإذا قلت: له من نفسه العدم فهذا له معينان: إن أردت أن حقيقة مستلزمة للعدم لا تقبل الوجود فليس كذلك بل هي قابلة للوجود وإن أردت أن حقيقته لا تقتضي الوجود، بل ليس لها من نفسها غير العدم، وأن وجودها لا يكون إلا من غيرها لا من نفسها، فهذا صحيح فالفرق بين كونه ليس له من نفسه إلا العدم، وبين كون نفسه مستلزمة للعدم، فرق بين مع أن قولنا: له","vol":"3","page":153},{"text":"من نفسه وليس له من نفسه، لا نريد به أنه في الخارج نفس ثابتة ليس لها إلا العدم، أو هي مستلزمة للعدم فإن هذا يتخيله من يقول: المعدوم شيء ثابت في الخارج، أو يقول الماهيات في الخارج أمور مغايرة للوجود المحقق في الخارج وهذا كله خيال باطل كما قد بسط في موضعه.\nولكن الماهية والشيء قد يقدر في الذهن قبل وجوده في الخارج، وبعد ذلك فما في الإذهان مغايرة لما في الأعيان.\nوإذا قلنا: هذا الممكن يقبل الوجود والعدم، أو نفسه أو حقيقته لا تقتضي الوجود ولا تستلزم العدم، فنعني به أن ما تصوره العقل من هذه الحقائق لا يكون موجودًا في الخارج بنفسه، وليس له في الخارج وجود من نفسه ولا يجب عدمه في الخارج بل يقبل أن تتحقق حقيقته في الخارج فيصير موجودًا، ويمكن أن لا تتحقق حقيقته في الخارج فلا يكون موجودًا، وليس في الخارج حقيقة ثابتة أو موجودة تقبل الإثبات والنفي بل المراد أن ما تصورناه في الأذهان: هل يتحقق في الأعيان أولا يتحقق؟ وما تحقق في الأعيان هل تحققه بنفسه أو بغيره؟\nفإذا قدر أن المتصورات في الإذهان ليس فيها ما يتحقق بنفسه في الخارج، فليس فيها ما هو مبدع بنفسه لغيره في الخارج بطريق الأولى،","vol":"3","page":154},{"text":"وليس فيها إلا ما هو معدوم في الخارج، بل ليس فيها إلا ما هو ممتنع في الخارج، فإن الممكن إذا قدر عدم موجود بنفسه يبدعه كان ممتنعًا لغيره، فإذا قدر انه ليس في الخارج إلا ما ليس له وجود بنفسه، لم يكن في الخارج إلا ما هو ممتنع الوجود، وإما لنفسه إما لغيره، ولا يكون عدم شيء من ذلك مفتقرًا إلى علة توجب عدمه، بل هو معدوم بنفسه سواء أمكن وجوده أو امتنع، وحينئذ فلا يكون في الخارج إلا العدم المستمر.\nوإذا قيل، بعد هذا: الذي لا وجود له من نفسه موجود، بهذا الذي لا وجود له من نفسه وهلم جرا، كان بمنزلة أن يقال: هذا المعدوم موجود بهذا المعدوم وهلم جرا بل المعدوم أن يقال: هذا الممتنع موجود بهذا الممتنع فيكون هذا تناقضًا حيث جعلت المعدوم موجودًا بمعدوم، وسلسلت ذلك فجمعت بين تسلسل المعدومات وبين جعل كل واحد منها هو الذي أوجد المعدوم الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>الرابع</span>\nأن يقال: الممكن لا يتحقق وجوده بمجرد ممكن آخر، فإن ذلك الممكن الآخر لا يترجح وجوده على عدمه إلا بغيره وإذا كان الممكن الذي قدر انه الفاعل المؤثر المرجح لم يترجح وجوده على عدمه، بل يقبل الوجود والعدم، فالممكن الذي قدر أنه الأثر المفعول المصنوع المرجح أولى أن لا يترجح وجوده على عدمه، بل هو قابل للوجود.","vol":"3","page":155},{"text":"والعدم، بل الممكن لا يكون موجودًا إلا عند ما يجب به وجوده، فإنه ما دام مترددًا بين إمكان الوجود والعدم لا يوجد فإذا حصل ما به يجب وجوده وجد، وإذا كان كذلك فنفس الممكن لا يجب به ممكن، بل لا يجب الممكن إلا بواجب، والواجب غما بنفسه، وإما بغيره، والواجب بغيره هو الممكن من نفسه الذي لا يوجد إلا بما يجب وجوده وحينئذ فيمتنع تسلسل الممكنات، بحيث يكون هذا الممكن هو الذي وجب به الآخر، بل إنما يجب الآخر بما هو واجب، وما كان ممكنًا باقيًا على الإمكان لم يكن واجبًا: لا بنفسه ولا بغيره، فإذا قدر تسلسل الممكنات القابلة للوجود والعدم من غير أن يكون فيها موجود بنفسه كانت باقية على طبيعة الإمكان، ليس فيها واجب، فلا يكون فيها ما يجب به شيء من الممكنات بطريق الأولى، فلا يوجد شيء من الممكنات وقد وجدت الممكنات هذا خلف.\nوإنما لزم هذا لما قدرنا ممكنات توجد بممكنات، ليس لها من نفسها وجود من غير أن يكون هناك واجب بنفسه.\nواعلم أن الناس قد تنازعوا في الممكنات: هل يفتقر وجودها إلى ما به يجب وجودها، بحيث تكون إما واجبة الوجود معه، وإما ممتنعة العدم.\nأو قد يحصل ما تكون معه بالوجود أولى مع إمكان العدم، وتكون موجودة لمرجح الوجود مع إمكان العدم.\nفالأزل قول الجمهور والثاني قول من يقول ذلك من المعتزلة ونحوهم.","vol":"3","page":156},{"text":"وكثير من الناس يتناقض في هذا الأصل، فإذا ابنينا على القول الصحيح فلا كلام وإن أردنا أن نذكر ما يعم القولين قلنا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>الخامس</span>\nأن الممكن لا يتحقق وجوده بمجرد ممكن آخر لم يتحقق وجوده، بل لا يتحقق وجوده إلا بما يحقق وجوده.\nوحينئذ فإذا قدرنا الجميع ممكنات ليس فيها ما تحقق وجوده، لم يحصل شرط وجود شيء من الممكنات فلا يوجد شيء منها لأن كل ممكن إذا أخذته مفتقرًا إلى فاعل يوجده، فهو في هذه الحال لم يتحقق وجوده بعده فإنه ما دام مفتقرًا إلى أن يصير موجودًا فليس بموجود فإنه موجودًا ينافي كونه مفتقرًا إلى أن يصير موجودًا، فلا يكون فيها موجود، فلا يكون فيها ما يحصل به شرط وجود الممكن، فضلًا عن أن يكون فيها ما يكون مبدعًا لممكن أو فاعلًا له فلا يوجد ممكن وقد وجدت الممكنات، فتسلسل الممكنات بكون كل منها مؤثرًا في الآخر ممتنع وهو المطلوب.\nواعلم أن تسلسل المؤثرات لما كان ممتنعًا ظاهر الامتناع في فطر جميع العقلاء لم يكن متقدمو النظار يطيلون في تقريره لكن المتأخرون أخذو يقرورنه وكان أسباب ذلك اشباه التسلسل في الآثار التي هي الفعال بالتسلسل في المؤثرين الذين هم الفاعلون، فإن جهم بن صفوان وأبا الهذيل العلاف ومن اتبعهما من اهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والأئمة وسلكه من سلكه من المعتزلة والكلابية والكرامية وغيرهم، اعتقدوا بطلان هذا كله.\nوعن هذا امتنعوا أن يقولوا: إن الرب لم يزل متكلمًا إذا شاء ثم اختلفوا: هل كلامه مخلوق أو حادث النوع","vol":"3","page":157},{"text":"أو قديم العين وهو معنى أو قديم العين وهو حروف او حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلًا وأبدًا؟ على الأقوال المعروفة في هذا الموضوع.\nثم إن جهما وأبا الهذيل العلاف منعا ذلك في الماضي والمستقبل ثم إن جهما كان أشد تعطيلًا، فقال بفناء الجنة والنار، وأما أبو الهذيل فقال بفناء حركات الجنة وجعلوا الرب تعالى فيما لا يزال لا يمكن أن يتكلم ولا يفعل، كما قالوا: لم يزل وهو لا يمكن أن يتكلم وأن يفعل، ثم صار الكلام والفعل ممكنًا بغير حدوث شيء يقتضي إمكانه وأما أكثر أتباعهما ففرقوا بين الماضي والمستقبل، كما ذكر في غير هذا الموضع والمقصود هنا انه لما جعل من جعل التسلسل نوعًا واحدًا، كما جعل من جعل الدور نوعًا واحدًا حصلت شبهة فصار بعض المتأخرين كالآمدي والآبهري يوردون أسولة على تسلسل المؤثرات ويقولون إنه لا جواب عنها فلذلك احتيج إلى بسط الكلام في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>فصل</span>\nوما سلكه هؤلاء المتاخرون في إبطال الدور والتسلسل في العلل والمعلولات دون الآثار فهو طريق صحيح أيضًا، وإن كان منهم من","vol":"3","page":158},{"text":"يورد على ذلك شكوكًا يعجز بعضهم عن حلها، كما قد بسط في غير هذا الموضع.\nلكنه طريق طويل مشق لا حاجة إليه، ولهذا لم يسلكه أحد من النظار المتقدمين من أهل الكلام المحدث، فضلًا عن السلف والأئمة فشيوخ المعتزلة، والأشعرية، والكرامية، وغيرهم من أصناف أهل الكلام، أثبتوا الصانع الحدوث والإمكان وما يتعلق بذلك من غير احتياج إلى بناء ذلك على إبطال الدور والتسلسل، كما هو الموجود في كتبهم فلا يوجد بناء إثبات الصانع على قطع الدور والتسلسل في العلل والمعلولات دون الآثار في كلام مثل أبي علي الجبائي، وأبي هاشم، وعبد الجبار بن أحمد، وأبي الحسين البصري، وغيرهم ولا في كلام مثل أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي بكر بن فورك وأبي إسحق الإسفراييني، وأبي المعالي الجوني وأمثالهم ولا في كلام محمد كرام ومحمد بن الهيصم وأمثالهم ولا في كتب من يوافق المتلكمين في كثير من طرقهم، مثل كلام أبي الحسن التميمي والقاضي أبي يعلي وأبي الوفاء بن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهم وكذلك غير هؤلاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد","vol":"3","page":159},{"text":"ولا في كلام متكلمي الشيعة كالموسوي والطوسي وأمثالهما، لا أعلم أحدًا من متكلمي طوائف المسلمين جعل إثبات الصانع موقوفًا على إبطال الدور والتسلسل في العلل والمعلولات دون الآثار وإن كان هؤلاء يبطلون ما يبطلونه من الدور والتسلسل.\nفالمقصود أنهم لم يجعلوا إثبات الصانع متوقفًا عليه، بل من يذكر منهم إبطال التسلسل يذكره في مسائل الصفات والأفعال، فإن هذا فيه نزاع مشهور فيذكرون إبطال التسلسل مطلقًا في العلل والآثار لإبطال حوداث لا أول لها بدليل التطبيق ونحوه، وأما التسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة، والعلل الغائية دون الاثار فإنهم مع اتفاقهم على بطلانه لا يحتاجون إليه في إثبات الصانع.\nوأما التسلسل في الآثار والشروط فهذا احتاج إليه من احتاج من نفاة ما يقوم به المقدورات والمرادات كالكلابية، وأكثر المعتزلة والكرامية ومن وافق هؤلاء.","vol":"3","page":160},{"text":"ومن أقدم من رأيته ذكر نفي التسلسل في أثبات واجب الوجود في المؤثراتخاصة دون الآثار ابن سينا وهوبناه على نفي التسلسل في العلل فقط، ثم اتبعه من سلك طريقة كالسهوردي المقتول وأمثاله وكذلك الرازي والآمدي والطوسي وغيرهم.\nلكن هؤلاء زادوا عليه احتياج الطريقة إلى تفي الدور أيضًا.\nوالدور القبلي مما اتفق العقلاء على نفيه، ولوضوح انتفائه لم يحتج المقدمون والجمهور إلى ذكر ذلك، لأن المستدل بدليل ليس عليه أن يذكر كل ما قد يخطر بقلوب الجهال من الاحتمالات وينفيه، فإن هذا لا نهاية له، وإنما عليه أن ينفي من الاحتمالات ما ينقدح ولا ريب أن اتقداح الاحتمالات يختلف باختلاف الأحوال.\nولعل هذا هو السبب في أن بعض الناس يذكر في الأدلة من","vol":"3","page":161},{"text":"الاحتمالات التي ينفيها مالا يحتاج غيره إلى ذلك، ولكن هذا لا ضابط له، كما أن الأسولة والمعارضات الفاسدة التي يمكن أن يوردها بعض الناس على الأدلة لا نهاية لها فإن هذا من باب الخواطر الفاسدة، وهذا لا يحصيه أحد إلا الله تعالى، لكن إذا وقع مثل ذلك لناظر أو مناظر فإن الله ييسر من الهدى ما يبن له فساد ذلك، فإن هدايته لخلقه وإرشاده لهم هو بحسب حاجتهم إلى ذلك وبحسب قبولهم الهدى وطلبهم له قصدًا وعملًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>موقف الرازي من طريقة ابن سينا</span>\nولهذا لما شرح الرازي طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود وقال إنه لم يذكر فيها إبطال الدور، وذكر ما ذكره في إبطال الدور ثم قال والإنصاف أن الدور معلوم البطلان بالضرورة، ولعل ابن سينا إنما تركه لذلك والطريقة التي سلكها ابن سينا في إثبات واجب الوجود ليس هي الطريقة أئمة الفلاسفة القدماء كأرسطو وأمثاله وهي عند التحقيق لا تفيد إلا إثبات مجرد واجب.\nوأما كونه مغايرًا للأفلاك فهو مبني على نفي الصفات، وهو توحيدهم الفاسد الذي","vol":"3","page":162},{"text":"قد بينا فساده في غير هذا الموضع ولهذا كان من سلك هذه الطريقة قد يفضى به الأمر إلى إنكار وجود واجب مغاير لوجود الممكنات كما يقوله أهل الوحوة القائلون بوحدة الوجود من متأخري متصوفة هؤلاء الفلاسفة كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما، والقول بوجود قول حكاه ارسطو واتباعه عن طائفة من الفلاسفة وأبطلوه.\nوالقائلون بوحدة الوجود حقيقة قولهم هو قول ملاحدة الدهرية الطبيعية الذين يقولون: ما ثم موجود إلا هذا العالم المشهود، وهو واجب بنفسه، وهو القول الذي أظهره فرعون لكن هؤلاء ينازعون أولئك في الإسم، فأولئك يسمون هذا الموجود بأسماء الله وهؤلاء لا يسمونه بأسماء الله وأولئك يحسبون ان الإله الذي أخبرت عنه الرسل هو هذا الموجود، وأولئك لا يقولون هذا، وأولئك لهم توجه إلى الوجود المطلق، وأولئك ليس لهم توجه إليه.\nوفساد قول هؤلاء يعرف بوجوه: منها العلم بما يشاهد حدوثه كالمطر","vol":"3","page":163},{"text":"والسحاب، والحيوان، والنبات، والمعدن، وغير ذلك من الصور والأعراض، فإن هذه يمتنع أن يكون وجودها واجبًا لكونها كانت معدومة ويمتنع أن تكون ممتنعة لكونها وجدت فهذه مما يعلم بالضرورة أنها ممكنة ليست واجبة ولا ممتنعة.\nثم إن الرازي جعل هذه الطريقة التي سلكها ابن سينا هي العمدة الكبرى في إثبات الصانع، كما ذكر ذلك في رسالة إثبات واجب الوجود ونهاية العقول والمطالب العالية وغير ذلك من كتبه وهذا مما لم يسلكه أحد من أئمة النظار المعروفين من أهل الإسلام بل لم يكن في هؤلاء من سلك هذه الطريقة إثبات الصانع فضلًا عن أن يجعلها هي العمدة ويجعل مبناها على ما سنذكره من المقدمات.\nوقد رأيت من أهل عصرنا من يصنف في أصول الدين ويجعلون عمدة جميع الدين على هذا الأصل تبعًا لهؤلاء لكن منهم من لا يذكر دليلًا بل يجعل عمدته في نفي النهاية امتناع وجود مالا","vol":"3","page":164},{"text":"يتناهي من غير حجة أصلًا ولا يفرق بين النوعين ويرتب على ذلك جميع أصول الدين.\nثم من هؤلاء المصنفين من يدخل مع أهل وحدة الوجود المدعين للتحقيق والعرفان، ويعتقد صحة قصيدة ابن الفارض لكونه قراها على القونوي وأعان على شرحها لمن شرحها من إخوانه وهم مع هذا يدعون أنهم أعظم العالم توحيدًا وتحقيقًا ومعرفة.\nفلينظر العاقل ما هو الرب الذي أثبته هؤلاء، وما هو الطريق لهم إلى إثباته وتناقضهم فيه فإن القائلين بوحدة الوجود يقولون بقدم العالم تصريحًا أو لزومًا، وذلك مستلزم للتسلسل، ودليله الذي أثبت به واجب الوجود وعمدته فيه نفي كل ما يسمى تسلسلًا.\nوأيضًا ففيما صنفه من أصول الدين، يذكر حدوث العالم موافقة للمتكلمين المبطلين للتسلسل مطلقًا في المؤثرات والآثار ومع هؤلاء يقول بوحدة الوجود المستلزمة لقدمه وللتسلسل، موافقة لمتصرفة الفلاسفة الملاحدة كابن العربي وابن سبعين وابن الفارض وأمثالهم.","vol":"3","page":165},{"text":"وإذا كان ما ذكره ابن سينا وأتباعه في إثبات واجب الوجود صحيحًا في نفسه، وإن كان لا حاجة إليه ولا يحصل المقصود من إثبات الصانع به، وكان الرازي ونحوه يزعمون أن هذه الطريقة هي الطريقة الكبرى في إثبات واجب الوجود، وهي الطريقة التي سلكها الآمدي مع أنه اعترض عليها باعتراض ذكر أنه لا جواب له عنه فنحن نذكرها على وجهها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>كلام ابن سينا في إثبات وجود الله تعالى</span>\nقال ابن سينا إشارة كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره فإما أن يكون بحيث يجب له الوجودفي نفسه، فإن وجب فهو الحق بذاته، الواجب وجوده من ذاته، وهو القيوم، وإن لم يجب، لم يجز أن يقال: هو ممتنع، بذاته بعد ما فرض موجودا، بل إن قرن باعتبار ذاته شرط مثل عدم علته صار ممتنعا، أو مثل شرط وجود","vol":"3","page":166},{"text":"علته صار واجبا. وإن لم يقرن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها بقي له من ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان فيكون باعتبار ذاته الشىء الذي لا يجب ولا يمتنع فكل موجود إما واجب بذاته، وغما ممكن الوجود بحسب ذاته\nإشارة ماحقة في نفسه الإمكان فليس يصير موجودًا من ذاته فإنه ليس وجوده من ذاته أولى من عدمه، ومن حيث هو ممكن، فإن صار أحدهما أولى، فلحضور شىء أو غيبته، فوجود كل ممكن الوجود هو من غيره\nثم قال تنبيه: إما أن يتسلسل ذلك إلى غير النهاية، فيكون كل واحد من أحاد السلسلة ممكنًا في ذاته، والجملة معلقة بها فتكون غير واجبة أيضا، وتجب بغيرها. ولنرد هذا بيانًا","vol":"3","page":167},{"text":"شرح: كل جملة كل واحد منها معلول، فإنها تقتضي علة خارجة عن آحادها وذلك لأنها إما أن تقتضي علة أصلًا، فتكون واجبة غير معلولة، وكيف يتأتى هذا: وإنما تجب بآحادها؟ وإما أن تقتضي علة، هي الآحاد باسرها، فتكون معلولة لذاتها، فإن تلك الجملة والكل شىء واحد ٠ وأما الكل، بمعنى كل واحد، فليس تجب به الجملة ٠ وإما أن تقتضي علة هي بعض الاحاد أولى بذلك من بعض إن كان كل واحد منها معلولًا ولأن علته أولى بذلك، وإما أن تقتضي علة خارجة عن الآحاد كلها وهو الثاني\nإشارة: كل علة جملة هي غير شىء من آحادها، فهي علة:\nأولًا: للآحاد، ثم للجملة، وإلا فلتكن الآحاد غير محتاجة إليها. فالجملة إذا تمت بآحادها لم تحتج إليها، بل ربما كان شىء علة لبعض","vol":"3","page":168},{"text":"الآحاد دون بعض، ولم يكن علة للجملة على الإطلاق\nإشارة كل جملة مترتبة من علل ومعلولات على الولاء، وفيها علة غير معلولة، فهي طرف، لأنها كانت وسطًا فهي معلولة\nإشارة كل سلسلة مترتبة من علل ومعلولات كانت متناهية أو غير متناهية فقد ظهر أنها لم يكن فيها إلا معلول، احتاجت إلى علة خارجة عنها لكنها يتصل بها لا محالة طرف، فظهر أنه إن كان فيها ما ليس بمعلول، فهو طرف ونهاية، فكل سلسلة تنتهي إلى واجب الوجود بذاته\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>تعليق على كلام ابن سينا</span>\nقلت: مضمون هذا الكلام ان الموجود إما واجب بنفسه، وإما ممكن لا يوجد إلا بغيره، كما قرر ذلك، في الإشارتين، لكن قد قيل إن في الكلام تكريرًا لا يحتاج إليه، وإذا كان الممكن لا يوجد إلا بغيره فهو مفعول معلول، ويمتنع تسلسل المعلولات، لأن كل واحد من تلك الآحاد ممكن، والجملة متعلقة بتلك الممكنات، فتكون ممكنة غير","vol":"3","page":169},{"text":"واجبة أيضًا، فتجب بغيرها، وما كان غير جملة الممكنات وآحادها فهو واجب فهذا معنى قوله: إما أن يتسلسل ذلك إلى غير النهاية، فيكون كل واحد من آحاد السلسلة ممكنًا في ذاته والجملة معلقة بها، فتكون غير واجبة أيضًا وتجب بغيرها لكن قوله إما أن يتسلسل يحتاج أن يقال: وإما ان لا يتسلسل، فقيل إنه حذف ذلك اختصارًا إذ كان هو مقصوده والمعنى: وإن لم تتسلسل الممكنات انتهت إلى واجب الوجود، وهو المطلوب\nولو قيل بدل هذا اللفظ: إن تسلسل ذلك كان هو العبارة المناسبة لمطلوبه\nثم ذكر شرح هذا الدليل على وجه تفصيلي، بعد ان ذكره محملًا، فقال: إذا تسلسلت الممكنات، وكل منها معلول، فغنها تقتضي علة خارجة عن آحادها لأنه إما يكون لها علة، وإما أن لا","vol":"3","page":170},{"text":"يكون، وإذا كان لها علة، فالعلة إما المجموع، وإما بعضه، وإنما خارج عنه، والأقسام ممتنعة، إلا الأخير\nأما الأول وهو أن لا تقتضي علة أصلًا فتكون الجملة واجبة غير معلولة، فهذا لا يتاتى، لأنها إنما تجب بآحادها، وما وجب كان معلولًا واجبًا بغيره\nوهذا يقرره بعضهم كالرازي بوجهين: أحدهما: أن الجملة مركبة من الآحاد وىحادها غيرها، وما افتقر إلى غيره لم يكن واجبًا بنفسه، وهو تقرير ضعيف، لأنه لو قدر أن كل واحد من الأجزاء واجب بنفسه، لم يمتنع أن تكون الجملة واجبة بنفسها، فإن مجموع الأمور الواجبة بنفسها لا يمتنع أن تكون غير محتاجة إلى أمور خارجة عنها، وهذا هو المراد بكونه واجبًا بنفسه ٠ ولكن هذا من جنس حجتهم على نفي الصفات بنفي التركيب وهي حجة داحضة\nالوجه الثاني: أن كل واحد من الآحاد ممكن غير واجب، والجملة لا تحصل إلا بها فما لا يحصل إلا بالممكن اولى ان يكون ممكنًا، وهذا","vol":"3","page":171},{"text":"التقرير خير من ذاك، وهذا التقرير الثاني هو الذي ذكره السهروردي في تلويحاته وهو أحد الوجهين الذين ذكرهما الرازي وهو أحد الآمدي أيضًا\nقال السهروردي: لما كان كل واحد من الممكنات يحتاج إلى العلة، فجميعها محتاج لأنه معلول الآحاد الممكنة، فيفتقر إلى علة خارجة عنه، وهي ممكنة، لأنها لو كانت ممكنة كانت من الجملة فتكون إذًا واجبة الوجود\nوقد قررها الآمدي بوجه ثالث، وهو أنها إن كانت الجملة واجبة بذاتها فهو عين المطلوب، فقال الجملة إما ان تكون واجبة لذاتها، وإما أن تكون ممكنة، لا جائز أن تكون واجبة، وإلا لما","vol":"3","page":172},{"text":"كانت احادها ممكنة، وقد ثيل: إنها ممكنة قال: ثم وإن كانت واجبة فهو مع الاستحالة عين المطلوب\nوهذا الوجه الثاني الذي ذكره هو وجه ثالث، وليس هذا بمحصل للمقصود، لأنه حينئذ لا يلزم ثبوت واجب بنفسه خارج عن جملة الممكنات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>كلام الآمدي في دقائق الحقائق</span>\nوقد أورد بعضهم على هذا سؤلًا، فقال: إذا كانت الآحاد ممكنة، ومعناه افتقار كل واحد إلى علته، وكانت الجملة هي مجموع الآحاد، فلا مانع من إطلاق الوجوب وعدم الإمكان عليها، بمعنى أنها غير مفتقرة إلى امر خارج عنها، وإن كانت أبعاضها مما يفتقر بعضها إلى بعض\nقال الآمدي: وهذا ساقط، لأنه إذا كانت الجملة غير","vol":"3","page":173},{"text":"ممكنة، كانت واجبة بذاتها، وهي مجموع الاحاد. وكل واحد من الاحاد ممكن، فالجملة أيضًا ممكنة بذاتها، والواجب بذاته لا يكون ممكنًا بذاته\nقلت: وهذا السؤال يحتمل ثلاثة اوجه:\nاحدهما أن يقال: إنها واجبة بالآحاد والأجتماع جميعًا، ومعلوم ان الجملة هي الآحاد واجتماعها، فإذا كان ذلك كان ممكنًا، كانت الذات ممكنة، فيكون السؤال ساقطًا كما قال الآمدي:\nالثاني: أن يقال: المجموع واجب بآحاده الممكنة، ولا يجعل المجموع نفسه ممكنًا، بل يقال: المجموع واجب بالآحاد الممكنة وهذا هو السؤال الذي يقصده من يفهم ما يقول، وحينئذ فسيأتي جوابه بان الاجتماع الذي للممكنات أولى أن يكون ممكنًا لكونه عرضًا لها، والعرض محتاج إلى موارده، فإذا كانت ممكنة كان هو اولى بالإمكان، وغير ذلك\nالاحتمال الثالث: أن يقال: كل واحد من الآحاد يترجح بالآخر، والمجموع ممكن أيضا، لكنه يترجح بترجح الآحاد المتعاقبة\nوهذا السؤال ذكره الآمدي موردًا له على هذه الحجة في كتابه المسمى بدقائق الحقائق","vol":"3","page":174},{"text":"قال: ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود، وبكون ترجحها بترجح آحادها، وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير النهاية\nقال: وهذا شكال مشكل، وربما يكون عنده غيري حله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>تعليق ابن تيمية على كلام الآمدي</span>\nولقائل أن يقول: إن أريد بكون الجملة ممكنة، انها ممكنة غير واجبة، بل مفتقرة إلى أمر خارج عنها، فلذلك يوجب افتقارها إلى غيرها، وهو المطلوب\nوإن أريد أنها ممكنة بنفسها، واجبة بالآحاد المتسلسلة فهذا السؤال هو في معنى السؤال الذي قبله، وإنما الاختلاف بينهما في أن الأول قال: لم لا تكون واجبة بنفسها، بمعنى أنها غير مفتقرة إلى أمر خارج عن آحادها بل المجموع واجب بآحادها الممكنة\nوالثاني قال: لم لا تكون ممكنة بنفسها واجبة بآحادها على وجه التسلسل\nلكن قد يقال: إنه في احد التقديرين ادعى وجوب الهيئة الاجتماعية بنفسها مع إمكان الآحاد، وفي الثاني ادعى ان الهيئة الاجتماعية ممكنة","vol":"3","page":175},{"text":"بنفسها، لكنها واجبة بالآحاد المتسلسلة، ومعلوم أن كليهما باطل، والأول أظهر بطلانًا من الثاني، فإنها إذا كانت الآحاد كلها ممكنة، والاجتماع نسبة وإضافة بينها، غايته أن يكون عرضًا قائمًا بها، امتنع ان يكون واجبًا بنفسه، فإن الموصوف الممكن يمتنع أن تكون صفته واجبة الوجود بنفسها\nوأما الثاني فلأن الهيئة الاجتماعية إذا كانت معلول الآحاد الممكنة كانت أولى بالإمكان، فإن معلول الممكن أولى أن يكون ممكنًا، وإن شئت قلت: المفتقر إلى الممكن أولى أن يكون ممكنًا والآحاد ليس فيها إلا ما هو ممكن، فلا يكون في الاجتماع وأحاده إلا ما هو ممكن لا يوجد بنفسه، وما لا يوجد بنفسه يمتنع أن يوجد به غيره، إذا لم يحصل له ما يوجد به فإن وجوده في نفسه قبل وجود غيره به، فإذا لم يكن وجوده إلا بموجد يوجده، فلان لا يكون وجود غيره به بدون الموجد الذي يوجده أولى واحرى، وكل من الممكنات واجتماعها ليس موجودًا بنفسه، فيمتنع ان يكون شيء منها موجدًا لغيره، فامتنع ترجح بعضها ببعض، وترجح المجموع بالآحاد\nوفي الجملة، فكلا السؤالين يتضمن افتقار الاجتماع إلى","vol":"3","page":176},{"text":"الآحاد فكلاهما لم يدع فيه إلا وجوبها بالآحاد، لم يدع وجوبًا بالذات غير الوجوب بالآحاد لكن الآمدي وهي هذا السؤال لما أضافة إلى غيره بعبارة أخرى واعتبار، ثم إنه اعترف بعدم قدرته على حله لما أورده من جهة نفسه بعبارة أخرى واعتبار آخر\nومن أجاب عن الآمدي في الفرق بينهما يقول: السؤال الأول قيل فيه: إن المجموع واجب بنفسه، بعبارة ممتنع وهذا قيل فيه: إنه ممكن وجب بالآحاد\nوهذا الجواب بالفرق ضعيف، وذلك لأنه إذا قيل: هو ممكن واجب بالآحاد، فقد قيل: إنه واجب بتلك الآحاد، وتلك الآحاد كلها ممكنة، ومعلول الممكن أولى أن يكون ممكنًا، فيمتنع أن يكون معلول الممكن قبل وجوب الممكن، والممكن لا يجب إلا بالواجب بنفسه بل ما كان واحد من الممكنات جزء علة لوجوده فهو ممكن فكيف إذا كان كل من الممكنات التي لا نهاية لها جزء علة","vol":"3","page":177},{"text":"وجوده؟ فإن الاجتماع الذي يحصل للممكنات المتسلسلة، التي هي علل ومعلولات، يتوقف على كل واحد من تلك الأمور، التي كل منها علة معلول، فالاجتماع أولى بالإمكان وأبعد عن الوجوب، إن قدر أن له حقيقة غير الآحاد\nفثبت انه إذا قدر سلسلة العلل والمعلولات، كل منها ممكن فلا بد لها من أمر خارج عنها، وهذا أمر متفق عليه بين العقلاء وهو من أقوى العلوم اليقينية والمعارف القطعية\nولولا أن طوائف من متأخري النظار طولوا في ذلك وشكك فيه بعضهم، كالآمدي، والأبهري لما بسطنا فيه الكلام\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>المجموع مغاير لكل واحد من الآحاد</span>\nوأصل هذا السؤال مبناه على أن المجموع ليس هو كل واحد واحد من الآحاد، إذا المجموع مغاير لكل واحد من الآحاد فقد يقال: هو واجب بكل واحد واحد من الآحاد، وحينئذ فالمجموع ممكن من جهة كونه مجموعًا واجبًا بالآحاد الممكنة، لا سيما وهؤلاء الفلاسفة الذين احتجوا بهذا ٠ هم واكثر الناس، يقولون: لا يجب في كل جملة ان توصف بما يوصف به آحادها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>كلام ابن سينا</span>\nقال ابن سينا: ليس إذا صح على كل واحد حكمه صح","vol":"3","page":178},{"text":"على كل محصل، وإلا لكان يصح أن يقال الكل من غير المتناهي يمكن أن يدخل في الوجود، لأن كل واحد يمكن أن يدخل في الوجود، فيحمل الإمكان على الكل، كما حمل على كل واحد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>كلام السهروردي</span>\nوكذلك قال السهروردي الحكم على الكل بما على كل واحد لا يجوز، فإن كل ممكن غير الحركة جائز وقوعه دفعة واحدة، وليس كذلك الجميع، وكل واحد من الضدين ممكن في محل، والكل معًا غير ممكن\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>الرد على ذلك من وجوه</span>\nالوجه الأول\nأن يقال: نفس الاجتماع يمتنع أن يكون واجبًا بنفسه بدون الأجزاء، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة، ولم يقله أحد، كيف والاجتماع عرض يفتقر إلى محله، فإذا كان محل العرض غير واجب بنفسه، كان العرض المفتقر إلى الممكن بنفسه أولى أن يكون ممكنًا غير واجب بنفسه وإنما يتوهم وجوبه بالأجزاء الممكنة، وحينئذ فيكون ذلك الاجتماع ممكنًا بنفسه، واجبًا بالأجزاء وإذا كان ممكنًا بنفسه، فنفس","vol":"3","page":179},{"text":"اجتماع الآحاد من جمله أجزاء المجموع فيقال: المجموع هو الآحاد مع الهيئة الاجتماعية، وكل واحد من ذلك ممكن، ليس واجبًا بنفسه، وحينئذ فلا يكون هنا مجموع منفصل عن الأجزاء، فلو قيل: وجب المجموع الآحاد، لكان قولًا بوجوب أحد الجزأين الممكنين بالآخر، وهو وجوب الجزء الممكن بنفسه، الذي هو الصورة الاجتماعية، بسائر الأجزاء التي كل منها ممكن بنفسه\nوإذا كان كذلك كان هذا مضمونه حصول أحد الممكنين بالآخر من غير شيء واجب نفسه\nومن المعلوم أن المعلق بالممكن بنفسه أولى أن يكون ممكنًا بنفسه، والممكن بنفسه لا يوجد إلا بغيره، فيلزم أن لا يوجد واحد منهما على هذا التقدير، والتقدير أن الممكنات قد وجدت، فهناك شيء خارج هن الممكنات وجدت به\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>الرد على ذلك من وجوه</span>\nالوجه الثاني\nبأن يقال: المجموع الذي هو هيئة اجتماعية نسبة وإضافة بين آحاد الممكنات، ليس هو جوهرًا قائمًا بنفسه، فيمتنع أن تكون واجبة بنفسها، فإن العرض مفتقر إلى غيره والنسبة من أضعف","vol":"3","page":180},{"text":"الأعراض، وما كان مفتقرًا إلى ممكن من الممكنات امتنع وجوبه بنفسه، فالمفتقر إلى كل واحد واحد من الممكنات ممكن بنفسه، ولا يوجد شيء مما هو ممكن بنفسه إلا بغيره، لم يوجد شيء من ذلك إلا بغيره، ويمتنع وجود الممكن بمجرد ممكن، فإن الممكن لا يوجد بنفسه، فلا يوجد به غيره بطريق الأولى وهو معنى قولهم: المعلق بالممكن أولى أن يكون ممكنًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: المجموع إما أن يكون مغايرًا لكل واحد واحد، وإما أن لا يكون.\nفإن لم يكن مغايرًا بطل هذا السؤال، ولم يكن هناك مجموع غير الآحاد الممكنة، وإن كان مغايرًا لها فهو معلول لها، ومعلول الممكن أولى أن يكون ممكنًا.\nوهذا معنى قول ابن سينا إن الجملة إذا لم تقتض علة أصلًا، أي لم يستلزم علة تكون موجبة للجملة، كانت واجبة غير معلومة وكيف يتأتى هذا وإنما تجب بآحادها.\nيقول: هي لم تجب بنفسها، وإنما وجبت بآحادها، وما وجب بغيره لم يكن واجبًا بنفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>كلام الآمدي في خطبة أبكار الأفكار</span>\nوإيضاح هذا بالكلام على عبارة الآمدي حيث قال هذا إشكال مشكل وربما يكون عند غيري حله مع أنه يعظم ما يتكلم فيه","vol":"3","page":181},{"text":"من الكلام والفلسفة ويقول في خطبة كتابه أبكار الأفكار ما تقوله الفلاسفة من أنه لما كان كمال كل شيء وتمامه بحصول كمالاته الممكنة له، كان كمال النفس الإنسانية بحصول ما لها من الكمالات، وهي الإحاطة بالمعقولات، والعلم بالمجهولات، ولما كانت العلوم متكثرة، والمعارف متعددة، وكان الزمان لا يتسع لتحصيل جملتها، مع تقاصر الهمم وكثرة القواطع، كان الواجب السعي في تحصيل أكملها، والإحاطة بأفضلها، تقديمًا لما هو الأهم فالأهم، وما الفائدة في معرفته أتم، ولا يخفى أن أولى ما تترامى إليه بالبصر أبصار البصائر","vol":"3","page":182},{"text":"وتمتد نحوه أعناق الهمم والخواطر، ما كان موضوعه أجل الموضوعات وغايته أشرف الغايات، وإليه مرجع العلوم الدينية، ومستند النواميس الشرعية وبه صلاح العالم ونظامه، وحله وإبرامه والطرق الموصلة إليه يقينيات، والمسالك المرشدة نحوه قطعيات.\nوذلك هو العلم الملقب بعلم الكلام، الباحث في ذات واجب الوجود، وصفاته وأفعاله، ومتعلقاته، ولما كنا مع ذلك قد حققنا أصوله، ونقحنا فصوله، وأحطنا بمعانيه، وأوضحنا مبانيه، وأظهرنا أغواره، وكشفنا أسراره، وفزنا فيه بقصب سبق الأولين، وحزنا غايات أفكار المتقدمين والمتأخرين، واستنزعنا منه خلاصة الألباب وفصلنا القشر عن اللباب، سألني بعض الأصحاب","vol":"3","page":183},{"text":"والفضلاء من الطلاب جمع كتاب حاو لمسائل الأصول جامع لأبكار أفكار العقول.\nوذكر تمام الكلام، فهو مع هذا الكلام، ومع ما في كلامه من ذكر مباحث أهل الفلسفة والكلام، يذكر مثل هذا السؤال المشكل الوارد على طريقة معرفة واجب الوجود، الذي لم يذكر طريقًا سواه، ويذكر أنه مشكل وليس عنده حله، ولكن من عدل عن الطرق الصحيحة الجلية، القطعية القريبة البينة، إلى طرق طويلة بعيدة، لم يؤمن عليه مثل هذا الانقطاع، كما قد نبه العلماء على ذلك غير مرة، وذكروا أن الطرق المبتدعة إما أن تكون مخطرة لطولها ودقتها وإما أن تكون فاسدة ولكن من سلك الطريق المخوقة، وكانت طريقًا صحيحة فإنه يرجى له الوصول إلى المطلوب.\nولكن لما فعل هؤلاء ما فعلوا، وصاروا يعارضون بمضمون طرقهم","vol":"3","page":184},{"text":"صحيح المنقول وصريح المعقول، ويدعون أن لا معرفة إلا من طريقهم، أولا يكون عالمًا كاملًا إلا من عرف طريقهم احتيج إلى تبين ما فيها دفعًا لمن يحارب الله ورسوله، ويسعى في الأرض فسادًا، وبيانًا للطرق النافعة غير طريقهم، وبيانًا لأن أهل العلم والإيمان عالمون بحقائق ما عندهم، ليسوا عاجزين عن ذلك، ولكن من كان قادرًا على قطع الطريق، فترك ذلك إيمانًا واحتسابًا، وطلبًا للعدل والحق، وجعل قوته في الجهاد في أعداء الله ورسوله، كان خيرًا ممن جعل ما أوتيه من القوة فيما يشبه قطع الطريق ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون * وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون * أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين * مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون * أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد","vol":"3","page":185},{"text":"وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين﴾ .\nالبقرة ١١- ١٩\nفإن الهدى الذي بعث الله به رسوله، لما كان فيه معنى الماء الذي يحصل به الحياة، ومعنى النور الذي يحصل به الإشراق، ذكر هذين المثلين، كما قال تعالى ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ الأنعام ١٢٢ وكما ضرب المثل بهذا وهذا في قوله تعالى ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ الرعد ١٧.\nوقال تعالى ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا * أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ النساء ٦٠ - ٦٣.\nومن أعظم المصائب أن يصاب الإنسان فيما لا سعادة له ولا نجاة له","vol":"3","page":186},{"text":"إلا به، ويصاب في الطريق الذي يقول إنه به يعرف ربه، ويرد عليه فيه إشكال لا ينحل له، مع أنه من أكبر رؤوس طوائف أهل الكلام والفلسفة، بل قد يقال: إنه لم يكن فيهم في وقته مثله.\nوالمقصود هنا ذكر عبارته في الإشكال الذي أورده وهو قوله: ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود ويكون ترجحها بترجح آحادها، وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير نهاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>الرد على الآمدي</span>\nفيقال له: والأمور التي شملها وجوب أو إمكان أو امتناع أو غير ذلك، إن لم يكن هناك إلا مجرد شمول ذلك الوصف لها من غير أمر وجودي زائد على الآحاد، فليس اجتماعها زائدًا على أفرادها، وإن كان هناك اجتماع خاص كالتأليف الخاص، فهذا التأليف والاجتماع الخاص زائد على الأفراد، وإذا كان كذلك فليس في مجرد تقدير ممكنات شملها الإمكان ما يقتضى أن يكون اشتراكها في ذلك قدرًا زائدًا على الآحاد، كما أن العشرة المطلقة ليست قدرًا زائدًا على آحاد العشرة.\nلكن نحن نذكر التقسيمات الممكنة التي تخطر بالبال، ليكون الدليل جامعًا، فنقول: إذا قال القائل في مثل المعلولات الممكنة:","vol":"3","page":187},{"text":"الجملة معلولة بالآحاد.\nفيقال له: إما أن لا يكون هنا جملة غيرالآحاد، كما ليس للعشرة جملة غير آحاد العشرة، وإما أن تكون الجملة غير الآحاد، كالشكل المثلث، فإن اجتماع الإضلاع الثلاثة غير وجودها مفترقة، وكالعشرة المصفوفة فإن اصطفافها غير العشرة المطلقة فإن كان الأول فالجملة هي الآحاد المتعاقبة وكلها ممكن فالجملة كلها ممكنة.\nوإن كان الثاني فالجملة إما ان يراد بها الهيئة الاجتماعية دون أفرادها، وإما أن يراد بها الأفراد دون الاجتماع، وإما ان يراد بها الأمران، والأول هو الذي أراده بالسؤال.\nلكن ذكرنا كل ما يمكن أن يقال فإذا قال: الاجتماع ممكن، وترجحه بالآحاد المتعاقبة.\nقيل له: فيكون الاجتماع معلول الآحاد وموجبها ومقتضاها والآحاد ممكنة ومعلول الممكن أولى أن يكون ممكنًا، فيكون حينئذ كل من الآحاد ممكنًا ونفس الجملة ممكنة، لكن هذا الممكن معلول تلك الممكنات، وقد علم أن الممكن لا يوجد بنفسه، فلا يكون شيء من تلك الآحاد موجودًا بنفسه، ولا الجملة موجودة بنفسها، فلا يكون","vol":"3","page":188},{"text":"في جميع ما ذكر ما يوجد بنفسه، وما لا يوجد بنفسه إذا وجد ن فلا بد له من موجد.\nومما يبين ذلك أن الجملة إذا قيل: هي ممكنة معلولة الآحاد المتعاقبة، كان هاك ممكن زيد على تلك الممكنات، فكان الممكنات التي هي معلولات متعاقبة زيدت معلولا آخر، ومعلوم أنها بزيادة معلول آخر تكون أحوج إلى الواجب منها لو لم تزد ذلك المعلول.\nولو قيل: إنها زيدت علة ممكنة لم يغن عنها شيئًا فكيف إذا زيدت معلولا ممكنًا.\nومما يبين هذا أن الجملة قد تكون مقترنة وقد تكون متعاقبة فالمقترنة مثل اجتماع أعضاء الإنسان واجتماع أبعاض الجسم المركب سواء كان لها ترتيب وضعي كالجسم أو لم يكن كاجتماع الملائكة والناس والجن والبهائم وغير ذلك.\nوأما المتعاقبة فمثل تعاقب الحوادث كاليوم والأمس، والولد مع الولد ونحو ذلك.\nوالجملة المقترنة أحق بالاجتماع مما تعاقبت أفرادها، فإن ما","vol":"3","page":189},{"text":"تعاقبت أفراده قد يقال: إنه ليس بموجود، لأن الماضي معدوم والمستقبل معدوم، ولهذا جوز من جوز عدم التناهي في هذا دون ذاك، وفرق بين الماضي والمستقبل لأن الماضي دخل في الوجود بخلاف المستقبل، وفرق قائل ثالث بين ماله اجتماع وترتيب كالجسم، وبين ما فقد أحدهما كالنفوس والحركات.\nوإذا كان كذلك فإذا قال اقائل: الجملة ممكنة وهي معلولة الآحاد، فلو كانت الجملة هنا مقترنة مجتمعة في زمان احد، لكان الأمر فيها أظهر من المتعاقبة التي لا اقتران لآحادها، ولا أجتماع لها في زمن واحد، والعل والمعلولات لا تكون إلا مجتمعة، لا تكون متعاقبة.\nلكن المقصود أن ما يذكره يشمل القسمين فلو قدر أنها متعاقبة لكان ذلك يشملها.\nوالآمدي جعل العمدة في نفي تناهي العلل والمعلولات على أنه قال: والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية، وكل واحد منها ممكن على ما وقع به الغرض فهي غما متعاقبة","vol":"3","page":190},{"text":"وإما معًا، فإن قيل بالأول فقد أبطل بثلاثة اوجه ثم زيفها وقال والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة فكل واحد منها حادث لا محالة، وعند ذلك فلا يخلو ما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل، أولا وجود لشيء منها في الأزل فإن كان الأول فهو ممتنع، لأن الأزلي لا يكون مسبوقًا بالعدم والحادث مسبوق بالعدم وإن كان الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ضرورة أن لا شيء منها في الأزل ويلزم من ذلك أن يكون لها ابتداء ونهاية وماله ابتداء ونهاية فهو متوقف على سبق غيره عليه، وأما أن كانت العلل والمعلولات المفروضة موجودة معًا.\nثم ساق الدليل كما حكيناه عنه، وهذه التقاسيم والتطويل لا يحتاج إليها، وهي باطلة في نفسها ن فزاد في الدليل مايستغنى عنه ويكون توقف الدليل عليه مبطلًا له، إذا لم يبطل إلا بما ذكره.\nوهذا كثيرًا ما يقع في كلام أهل الكلام المذموم، يطولون في الحدود","vol":"3","page":191},{"text":"والأدلة بما لا يحتاج التعريف والبيان إليه ثم يكون ما طولوا به مانعًا من التعريف والبيان، فيكونون مثل من يريد الحج من الشام فيذهب إلى الهند ليحج من هناك فينقطع عليه الطريق فلم يصل إلى مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>وجوه الرد على الآمدي</span>\nالأول\nأن يقال: ما ذكره من الدليل على امتناع علل ومعلولات مجتمعة، يتناول العلل والمعلولات مطلقًا سواء كانت متعاقبة، أو لم تكن.\nوإذا كان دليل الامتناع يعم القسمين، فلا حاجة إلى التقسيم ولكن زيادة هذا القسم كزيادة القسم فيما ذكره بعد ذلك، حيث قال وإن كانت العلل والمعلولات معًا، فالنظر إلى الجملة غير النظر إلى كل من الآحاد وحينئذ فالجملة إما أن تكون واجبة، وأما أن تكون ممكنة وهذا لا يحتاج إليه أيضًا.\nفإن قد ذكر أن الآحاد ممكنة مفتقرة إلى الواجب فبتقدير أن لا تكون الجملة زائدة على الآحاد يكون الأمر أقرب.","vol":"3","page":192},{"text":"وهو بعد هذا قد أورد انه لا يلزم من كون الأفراد ممكنة كون الجملة ممكنة، وأجاب عن ذلك بأن هذا ساقط.\nوهذا السؤال والجواب كاف عن ذلك التطويل، بزيادة قسم لا يحتاج إليه لكن هذا القسم وإن لم يحتج إليه فإنه لم يضره بخلاف ما ذكره من زيادة تعاقب العلل، فغنه زيادة أفسد بها دليله، مع استغناء الدليل عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>الثاني</span>\nوذلك يظهر بالوجه الثاني: وهو انه قال لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة فكل واحد منها حادث لا محالة فيلزم أن تكون الأولى حادثة، او تكون كلها حادثة مسبوقة بالعدم، وهذا قد استدل به طائفة من أهل الكلام على امتناع حوادث لا تتناهى.\nوقد تقدم الاعتراض عليه، وبين الفرق بين ما هو حادث بالنوع وحادث بالشخص وأن ما كان لم تزل آحاد متعاقبة.\nكان كل منها بمنزلة الآخر، وكل منها مسبوق بالعدم، وليس النوع مسبوقًا بالعدم.\nوقول القائل الأزلي لا يكون مسبوقًا بالعدم.\nلفظ مجمل فإن أراد به أن الواحد الذي هو بعينه أزلي لا يكون مسبوقًا","vol":"3","page":193},{"text":"بالعدم، فهذا صحيخح وليس الكلام فيه.\nوإن أراد أن النوع الأزلي الذي لم يزل ولا يزال، ولا يكون مسبوقًا بالعدم فهذا محل النزاع.\nفقد صادر على المطلوب بتغيير العبارة وكأنه قال لا يمكن دوام الحوادث كما لو قال الأبدي لا يكون منقطعًا وكل من أفراد المستقبلات منقطع فلا تكون المستقبلات أبدية.\nفيقال النوع هو الأبدي ليس كل واحد أبديًا كذلك يقال في الماضي وهذا الكلام قد بسط في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>الثالث</span>\nأن يقال: هذه المقدمة فيها نزاع مشهور بين العقلاء ولعل أكثر الأمم من أهل الملل والفلاسفة ينازع فيها وأما وجود علل ومعلولات لا نهاية لها فلم يتنازع فيها أحد من العقلاء المعروفين.\nفلو قدر أن تلك المقدمة المتنازع فيها صحيحة لكان تقدير المقدمة المجمع عليها بمقدمة متنازع فيها خلاف ما ينبغي في التعليم والبيان والاستدلال، لا سيما وليست أوضح منها، ولا لها دليل يخصها فإنه ربما ذكرت المقدمة المتنازع فيها لاختصاصها بدليل أو وضوح ونحو ذلك وأما بدون ذلك فهو خلاف الصواب في الاستدلال.","vol":"3","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>الرباع</span>\nأن الغزالي سلك مسلكًا في تعجيز الفلاسفة عن إثبات الصانع، بان قال دليلكم مبني على نفي التناهي عن العلل والمعلولات قال وأنتم لا يمكنكم ذلك، مع إثباتكم حوادث لا تتناهى، فإن ما تذكرونه من دليل نفي النهاية في العلل يلزم مثله في الحوادث وما تذكرونه مما يسوغ وجود حوادث لا تتناهى يلزمكم نظيره في العلل.\nوهذا الذي قاله وإن كان قد استدركه من استدركه عليه، لكن هو أجود مما فعله الآمدي فإن مقصوده إلزامهم أحد امرين إما عدم إثبات الواجب وإما الإقرار بحدوث العالم وبين أن إثبات الصانع معلوم بإثبات الحوادث، وأن افتقار المحدث إلى المحدث أمر ضروري فهذا خير من أن يجعل إثبات الصانع موقوفًا على تقسيمها إلى التعاقب والاقتران وإن العلل المتعاقبة لا يمكن إبطالها إلا بالتسوية بين امتناع كون الحادث المعين دائمًا لم يزل، وكون نوع الحوادث دائمًا لم يزل، فإن هذا فيه من التطويل ووقف العلم بالصانع على مثل هذه المقدمة ما لا يخفى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>الخامس</span>\nأن الدليل الذي ذكره غايته أن يثبت ان الحوادث","vol":"3","page":195},{"text":"لها ابتداء، إذ لو كانت العلل متعاقبة محدثة، وللحوادث أول، لزم أن يكون للحادث أول.\nوهذا غايته أن يكون بمنزلة إثبات حدوث العالم.\nوهو وأمثاله مع كونهم يحتجون على حدوث العالم، فلم يقولوا: إن المحدث لا بد له من محدث، كما هو قول الجمهور، ولا أثبتوا ذلك بان الحدوث مخصص بوقت دون وقت فيفتقر إلى مخصص كما فعله كثير من أهل الكلام، بل ولا بان الممكن يفتقر إلى المرجح لوجوده بل قالوا المحدث ممكن والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح ثم أوردوا جواز التسلسل في العل لن وأجابوا عن ذلك.\nفإذا كان الجواب عن ذلك لا يتم إلا بإثبات حدوث العلل، كما، كان غايتهم أن يثبتوا افتقار الممكن إلى علة حادثة، فهم بعد ذلك إن قالوا: والمحدث لا بد له من محدث، كانوا قد قالوا حقًا، لكن طولوا بذكر تقسيمات لا فائدة فيها بل تضعف الدليل، وكانوا مستغنين عنها في الأول.\nوإن لم يقولوا: والمحدث لا بد له من محدث، لم يكن ما ذكروه نافعًا.\nفإن مجرد حدوث العلة، إن لم يستلزم وجود المحدث لم يثبت واجب الوجود.","vol":"3","page":196},{"text":"فتبين أن ما سلكوه إما أن لا يفيد، أو يكون فيه من التطويل والتعقيد، قد يكون فيه منفعة لمن يسفسط ويعاند ولمن لاتنقاد نفسه إلا بمثل ذلك، كما قد نبهنا عليه في غير هذا الموضع.\nومضمون ما ذكروه دور في الاستدلال فلا يكون استدلالًا صحيحًا، فإنه إذا قدر علل ومعلولات متعاقبة وأثبت امنتناع ذلك، لأن الحادث لا يكون أزليًا، لزم أن هذه العلل محدثة.\nفيقال له: فلم لا يجوز ان يكون استناد الممكنات إلى العلل محدثة، فلا بد أن يقول على طريقته: إن المحدث ممكن، والممكن يفتقر إلى علة، وعلته لا تكون محدثة فيكون حقيقة كلامه: المحدث يفتقر إلى محدث، لأن المحدث يفتقر إلى محدث، إذا كان حقيقة ما يقوله: إن المحدث لا بد له من علة لأنه ممكن فيفتقر إلى مرجح، ومرجحة لا يكون محدثًا لأن المحدث ممكن لا بد له من علة.\nوإن غير العبارة فقال: هذا الممكن لا بد له من علة والعلة لا تكون ممكنة، لأن الممكن لا بد له من علة كان قد قال: الممكن له علة لأن الممكن له علة وكل ذلك إثبات الشيء بنفسه.","vol":"3","page":197},{"text":"والمقصود هنا أن ما ذكر من امتناع التسلسل في العل يشمل ما إذا قدرت متعاقبة كما إذا قدرت مقترنة، وأنه حينئذ يكون الاجتماع معلولًا لها، كان أولى أن يكون ممكنًا لا يوجد بنفسه ولا يوجد ممكن بممكن لا موجد له، فإن مالم يوجد نفسه أولى أن لا يوجد غيره فإذا لم يكن في الآحاد ما يوجد نفسه كان أولى أن لا يوجد غيره لا الجملة ولا غيرها من الآحاد.\nيبين هذا ان الممكن لا يوجد بنفسه بل لا يوجد إلا بغيره فإذا قدر أن ثم ممكنات موجودة، سواء كانت عللًا أو لم تكن، وسواء كانت متناهية أو غير متناهية، لم يكن فيها شيء وجد بنفسه، فإذا كان المجموع لا يوجد إلا بها وليس فيها شيء موجود بنفسه، لم يكن في جميع ما ذكر ما يوجد بنفسه لا جملة ولا تفصيلا وإذا وجد مالا يوجد بنفسه لم يوجد إلا بغيره.\nألا ترى أنه لو قال: الحوادث لا توجد بنفسها، لم يكن فرق بين الحوادث التي لها نهاية والتي لا نهاية لها بل كل من الحوادث التي لا تتناهى لا يوجد بنفسه بل لا بد له من محدث.\nوالذهن إذا قدر ممكنات محصورة ومحدثات محصورة ليس لها","vol":"3","page":198},{"text":"محدث ولا مبدع علم امتناع ذلك فإذا قدرها لاتتناهى، لم تكن هذه الحال توجب استغناءها عن المحدث المبدع، وتجعلها غنية عن مبدع خارج عنها بل كلما كثر ذلك كان أولى بالحاجة إلى المبدع، فما لا يوجد بنفسه إذا ضم إليه مالا يوجد بنفسه مرات متناهية أو غير متناهية، كان ذلك مثل ضم المعدومات بعضها إلى بعض، وذلك لا يغنى عنها شيئًا، بل المعدومات لا تفتقر حال عدمها إلى فاعل، وأما هذه التي لا بد لها من فاعل، إذا كثرت، كان احتياجها إلى الفاعل أوكد وأقوى، وتسلسل الممكنات لا يخرجها عن طبيعة الإمكان الموجب لفقرها إلى المبدع، كما أن طبيعة الحدوث لا تخرج المحدثات عن طبيعة الحدوث الموجبة لفقرها إلى الفاعل.\nومن جوز تسلسل الحوادث، وقال: كل منها حادث والنوع ليس بحادث، لا يمكنه أن يقول: كل من الممكنات ممكن، والجملة ليست ممكنة، كما لا يمكنه أن يقول: كل من الموجودات موجود، والجملة ليست موجودة، ولا يقول: كل من الممتنعات ممتنع والجملة ليست ممتنعة، بل الامتناع لجملة الممتنعات إولى منه لآحادها، وكذلك الإمكان لجملة الممكنات أولى منه لآحادها، والفقر إلى الصانع الذي يستلزمه الإمكان لجملة الممكنات أولى منه لآحادها، وأما الوجود لجملة الموجودات فليس هو اولى منه لآحادها.","vol":"3","page":199},{"text":"وإن قيل: هو واجب للجملة، وذلك أن جملة الموجودات موقوفة على وجود كل منها، بخلاف وجود الواحد منها، فإنها لا تتوقف على وجود الجملة.\nوأما الممتنعات فامتناع جملتها ليس موقوفًا على امتناع كل منها، بل كل منها ممتنع لذاته، فامتناع الجملة لذاتها أولى وأحرى، اللهم إلا ان يكون الامتناع مشروطًا بأفرادها، كالمتلازمين اللذين يمتنع وجود أحدهما دون الآخر، ولا يمتنع اجتماعهما.\nوكذلك الممكنات إذا كان كل منها ممكنًا لذاته بحيث يفتقر إلى الفاعل ولا يوجد بنفسه فليس إمكان كل منها مشروطًا بالآخر ولا معلقًا به، ولا لإمكان هذا تأثير في إمكان هذا، كما في الامتناع، بخلاف الموجودات، فإنه قد يكون وجود أحد الأمرين إما مشروطًا وإما علة للآخر.\nبخلاف ما إذا قدر موجودات واجبة بأنفسها، فإنه حينئذ لا يكون وجود بعضها موقوفًا على وجود البعض، وأما ما هو ممكن بنفسه أو ممتنع بنفسه، فليس إمكانه وامتناعه مشروطًا بغيره، بل نفس تصور حقيقتة يوجب العلم بامتناعه وإمكانه.\nوحينئذ فكلما كثر أفراد هذه الحقيقة كان العلم بامتناعها أو إمكانها","vol":"3","page":200},{"text":"أكثر، والعلم بامتناع الجملة أو إمكانها أولى وأحرى ولو قدرنا واجبات بأنفسها غنية عن الغير، بحيث لا يكون بعضها شرطًا في البعض، لكانت الجملة واجبة، ولم يكن وجوبها بدون وجوب الآحاد، وامتنع أن يقال: الجملة ممتنعة أو ممكنة مع وجوب كل من الآحاد بنفسه وجوبًا لا يقف فيه على غيره.\nفتبين أنه إذا كان من الأمور ما هو ممكن في نفسه، لا يقف إمكانه على غيره، ومعنى إمكانه أنه لا يستحق بنفسه وجودًا ويمتنع وجوده بنفسه، وهو بالنظر إلى نفسه فقير محض، أي الفقر الذاتي الذي يمتنع معه غناه بنفسه، وسواء قلنا: إن عدمه لا يفتقر إلى مرجح أو قلنا إن عدمه لعدم المرجح، وقدرنا عدم المرجح، فهو في الموضعين لا يستحق إلا العدم، لا يستحق وجودًا أصلًا.\nفكثرة مثل هذا، وتقدير مالا يتناهى من هذا الضرب، لا يقتضي حصول وجود له، أو غني في وجوده عن غيره، ولا وجود بعض هذه الأمور ببعض، فإن كثرة هذه الأمور التي لا تستحق إلا العدم توجب كثرة استحقاقها للعدم، وكثرة افتقارها إلى موجد يكون موجودًا بنفسه.\nفإذا قدر أمور لا نهاية لها، ليس فيها شيء يستحق الوجود، كان قول القائل: إن بعضها يوجد بعضًا، في غاية الجهل.\nفإن مالا يستحق في نفسه أن يكون موجودًا، كيف يستحق أن يكون موجودًا","vol":"3","page":201},{"text":"لغيره وكيف وكيف يكون وجوده ما هو مساو له في أنه لا يستحق الوجود.\nيبين هذا أنه إذا كان هذا لا يستحق الوجود، وهذا لا يستحق الوجود، لم يكن جعل هذا علة والآخر معلولًا باولى من العكس، فإن شرط الفاعل أن يكون موجودًا، فإذا لم يكن موجودًا امتنع أن يكون فاعلًا وكل منهما لا يستحق أن يكون موجودًا فلا يكون فاعلًا.\nوإذا قال: إن أحد هذين وجد بالاخر فهذا إنما يعقل إذا كان الآخر موجودًا، وذاك الآخر لا يكون موجودًا بنفسه، لا يكون موجودًا إلا بغيره، وذلك الغير الذي يفتقر إليه الممكن، ليس هو أي غير كان، بل لا بد من غير يحصل به وجوده، ووجوده بحيث يستغنى به عما سواه، فلذلك الغير الذي يفتقر إليه الممكن، من شرطه أن يكون مستقلا بإبداع الممكن لا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه فمتى قدر أنه محتاج إلى غيره، كان الممكن محتاجًا إلى هذا الغير وإلى هذا الغير، فلا يحصل وجوده بأحد الغيرين، بل لا بد منهما وكذلك لو قدر من الأغيار ما يقدر، فلا بد أن يكون ما يفتقر إليه الممكن غير محتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، وليس الممكنات ما هو بهذا الشرط، بل كل منها يحتاج إلى غيره، فلو قدر أن الممكن يوجد بممكن إلى نهاية او غير نهاية، والجملة","vol":"3","page":202},{"text":"الممكنة توجد بالأفراد، لكان الغير الذي يفتقر إليه الممكن محتاجًا إلى غيره، مع أن كلا من المحتاجين لا يغني عن نفسه شيئًا أصلًا ألبتة.\nيزيد هذا إيضاحًا أن الممكن مع عدم المقتضى التام يكون ممتنعًا لا ممكنًا وأعني بالمقتضى التام الذي يلزم من وجوده وجود المقتضى، لكن يكون ممتنعًا لغيره، فإذا كان كل من الممكنات له علة ممكنة، والعلة الممكنة ليست مقتضيًا تامًا، فإنها لا توجد إلا بغيرها، إذ الممكن مفتقر إلى غيره، فوجوده مجردًا عن مقتضية تام، كان كل منها ممتنعًا، وتقدير ممتنعات لا نهاية لها يوجب قوة امتناعها، ويمتنع مع ذلك ان تكون جملتها ممكنة، فضلًا عن أن تكون واجبة.\nفتبين بذلك أن جملة العلل الممكنات التي لا تتناهى جملة ممتنعة، فامتنع أن يقال: هي موجودة معلولة للأفراد، لأن الممتنع لا يكون موجودًا لا معلولًا ولا غير معلول.\nيبين ذلك ان تقدير معلول لا علة له ممتنع، والممكن الموجود معلول لغيره، فإذا قدر علل ممكنة لا تتناهى كان كل منها معلولًا فقد قدر معلولات لا تتناهي.\nومن المعلوم بالضرورة أن وجود معلولات لا تتناهى لا يقتضي استغناءها عن العلة.\nوإذا قيل: إن الجملة معلولة للآحاد فقد ضم معلول إلى معلولات لا تتناهى، وذلك لا يقتضي استغناءها عن العلة.","vol":"3","page":203},{"text":"فتبين أن من توهم كون العلل الممكنة التي لا تتناهى، التي هي معلولات لا تتناهى، يمكن أن يكون لها معلول لا يتانهى، فإنما قدر ثبوت معلولات لا تتناهى ليس فيها علة.\nوإذا كانت المعلولات المتناهية لا بد لها من علة، فالمعلولات التي لا تتناهى أولى بذلك، فإن طبيعة المعلول تستلزم الافتقار إلى العلة.\nوهذا يظهر باعتبار المعاني التي يوصف بها الممكن، فإنه قدر واحد من هذا النوع كان ذلك مستلزمًا لعلته وموجبه وصانعه وفاعله ومبدعه، وإذاقدر اثنان كان الاستلزام أعظم وإذا قدر مالا يتناهى كان الاستلزام أعظم فإنه إذا كان الواحد منها بدون الواجب ممتنعًا فالاثنان ممتنع وممتنع وتقدير مالا يتناهى من هذا تقدير ممتنعات لا تتناهى.\nوإن قيل: إن وجود الواحد منها يستلزم وجود الواجب فتقدير","vol":"3","page":204},{"text":"اثنين أولى أن يستلزم وجود الصانع، ولو أمكن وجود مالا يتناهى من العلل الممكنة كان ذلك أعظم في امتناعها، فكيف بما يتناهى، كما يقدر من يقدر أن العقل أولى أبدع الثاني والثاني أبدع الثالث، وفلكه إلى العاشر المبدع لما تحت الفلك، وإذا قدر مالا يتناهى كان الاستلزام أعظم.\nفتبين أنه كلما كثرت الممكنات وتسلسلت كان ذلك أعظم في دلالتها على ثبوب الواجب واستلزامها له، والإنسان قد يتوهم إذا فرض علل هي معلولات لا تتنتهى، وتوهم أن العلة تكون وحدها مؤثرة في المعلول أو مقتضية له او موجبة فهذا ممتنع، فإن العلة إذا كانت معلولة لزم أنها لا تقوم بنفسها بل تفتقر إلى غيرها، فالنعلول المفتقر إليها مفتقر إلى علة علتها التي هي مفتقرة إليه، فيكون معلولها كما أنه مفتقر إليها مفتقر إلى كل ما هي مفتقرة إليه فإذا قدر من ذلك مالا يتناهى قدر انه محتاج إلى أمور لا تتناهى وليس فيها ما هو موجود بنفسه ولا غنى عن غيره.","vol":"3","page":205},{"text":"ومن المعلوم أنه كلما كثرت الأمور المشروطة في وجود الموجود كان وجوده موقوفًا عليها كلها، وكان أبعد عن الوجود من الموجود الذي لا يتوقف وجوده إلا على بعض تلك الأمور، فإذا كان الممكن لا يوجد بعلة واحدة ممكنة، بل يمتنع وجوده بها، فإذا كثرت العلل الممكنة التي يتوقف وجوده عليها، كان وجوده أعظم في الامتناع، وأبعد عن الجواز، وإذا كانت الممكنات قد وجدت فقد وجد قطعًا مقتض لها مستغن عن غيره وكلما تدبر المتدبر هذه المعاني أزداد لها تبينًا وعلم ان كل ما يقدر وجوده من الممكنات فإنه دال على الواجب الغني بنفسه عن كل ممكن مباين له.\nومن العجب أن هؤلاء يذكرون في إثبات واجب الوجود من الشبهات ما يذكرون، وإن كانوا يجيبون عنها.\nثم إذا أخذوا وجوده إما مبرهنًا وإما مسلمًا، وصفوة من الصفات السلبية بأمور لم يدل عليها ما دل على وجوده، بل يصفونه بما يمتنع معه وجوده، حتى يعلم أن ما وصفوا به واجب الوجود لا يكون إلا ممتنع الوجود، كما قد بسط في غير هذا الموضع ولا يذكرون من القوادح المعارضة لتلك الأسلوب بعض ما يذكرونه في إثبات وجوده وإن توهموا بطلانها، مع أن تلك المعارضات","vol":"3","page":206},{"text":"هي صحيحة قادحة فيما ينفى صفاته، بل الشيطان يلقى إليهم من الشبهات القادحة في الحق ما لو حصل لهم نظير من الأمور القادحة في الباطل لما اعتقدوه.\nفهذا كله إذا أريد بالجملة الاجتماع المغايرة لكل واحد واحد، وغن أريد بها كل واحد واحد كان الأمر أظهر وأبين فإن كل واحد واحد ممكن مفتقر إلى الفاعل، فإذا لم يكن هناك جملة غير الآحاد امتنع أن يكون هناك غير الآحاد الممكنة مما يوصف بوجوب أو إمكان\nوإن أريد بالجملة مجموع الأمرين الآحاد والاجتماع، كان الاجتماع جزءًا من أجزاء المجموع، فيكون هناك اجزاء متعاقبة، وجزء هو الاجتماع، وهذا الجزء يمتنع أن يكون واجبًا بنفسه لأنه مفتقر إلى الممكنات، ولأنه عرض قائم بغيره، واحسن احواله ان يكون كالتأليف مع المؤلف، فإذا كان المؤلف ممكنًا بنفسه فتأليفه أولى، بل قد يقال: ليس للجملة هنا أمر وجودي مغاير للأفراد المتعاقبة، وإنما لها أمر نسبي اعتباري، كالنسبة التي بين أفراد العشرة، وهذا وغيره مما يبين امتناع وجوبها بنفسها، فيبقى هذا الجزء ممكنًا بنفسه فقيرًا إلى غيره كسائر الأجزاء، فيكون حينئذ هناك كل منها محتاج إلى الموجد، فيحتاج كل منها إلى الموجد، والجملة هنا داخل في قولنا: كل منها، فإنه جزء من هذا الكل","vol":"3","page":207},{"text":"فتبين انه كيفما ادبر المر ليس في الممكنات المتعاقبة لا واجب بنفسه ولا بغيره، إلا أن يكون هناك واجب بنفسه خارج عن الممكنات إذا كان كل فرد فرد ممكنًا والاجتماع أيضًا ممكن بطريق الولى والمران ممكنان بطريق الأولى والحرى وكل من الأفراد مستغن عن الهيئة الاجتماعية فإنه موجود بدونها، وما احتاج إلى الممكن المستغن عنه كان أحق بالإمكان\nوايضاح ذلك أنه إذا قدر كل موجود معلول مفعول مفتقر، وليس في الوجود إلا ما هو كذلك، كما إذا قدر ان الممكنات ليس لها مقتض واجب بنفسه، فإنه يكون المر كذلك وإن لم يجعل بعضها معلولًا لبعض، فهذا التقدير يقتضي أن لا يوجد شيء منها، لأنها لا توجد بانفسها، إذ التقدير كذلك، وما لم يكن موجودًا بنفسه فهو اولى ان لا يوجد غيره، فلا يكون شيء منها موجودًا بنفسه ولا موجودًا بغيره ومعلوم أن الموجود إما موجود بنفسه، وإما موجود بغيره، فإذا قدر انها موجودة، وقدر مع ذلك انها لا موجودة بأنفسها، ولا بموجد أوجدها لزم الجمع بين النقيضين، ولو قدر مع ذلك موجدًا لغيره، والمعدوم لا يوجد غيره، فإذا لم يكن فيها ما هو موجود بنفسه لم يكن فيها ما هو","vol":"3","page":208},{"text":"موجد لغيره، وهذا أعظم امتناعًا من تقدير أفعال لا فاعل لها، وجوادث لا محدث لها فإن تلك يكون التقدير فيها انها وجدت بلأنفسها، والتقدير هنا لم توجد بأنفسها ولا هناك ما هو موجود بنفسه يوجدها، ولا هناك غير موجود يوجدها وإنما التقدير معلولات مفتقرات، والمعلول من حيث هو معلول، والمفتقر من حيث هو مفتقر ليس فيه ما يقتضي وجوده، وإذا لم يكن لها وجود، ولا لمقتضيها وجود، لزم انتفاء الوجود عنها كلها، وهذا مع كونها موجودة جمع بين النقيضين\nوهذا كلام محقق وتنبيه للإنسان بان يعلم أن مجرد تقدير معلولات ممكنة لا هي موجودة بنفسها ولا فيها علة موجودة بنفسه لا يقتضى وجود ذلك في الخارج فليس كل ما قدرته الذهان امكن وجوده في الأعيان لا سيما مع سلب الوجود عنها من نفسها ومن موجد يوجدها وإذا قدر ان المعلول الممكن له علة ممكنة فهي ايضًا معدومة من تلقاء نفسها، كما هي معدوم من تلقاء نفسه فليس فيما قدر قط شيء موجود فمن أين يحصل لها الوجود؟","vol":"3","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>فصل: اعتراض الأبهري على حجة قطع التسلسل في العلل</span>\nوقد أورد الأبهري ومن اتبعه على هذه الحجة المذكورة لقطع التسلسل في العلل اعتراضًا زعم انه يبين ضعفها، فقال في كلامه على ملخص الرازي وغيره قول القائل: مجموع تلك العلل الممكنة يحتاج إلى كل واحد منها الخ ٠ قلنا: لم لا يجوز أن يكون المؤثر في ذلك المجموع واحدًا منها أما قوله بأن ذلك لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله فلا يكون علة للمجموع قلنا لا نسلم وإنما يلزم أن لو كان علة المجموع علة لكل واحد من أجزائه فلم قلتم إنه كذلك وهذا لن الشيء جاز ان يكون علة للمجموع من حيث هو مجموع فلا يكون علة لكل واحد من أجزائه، فإن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات وليس علة لكل واحد من أجزائه لاستحالة كونه علة لنفسه لا يقال بأن مجموع تلك العلل المتسلسلة ممكن وكل ممكن فهو مفتقر إلى علة خارجية فذلك المجموع افتقر إلى علة خارجية عنه لنا نقول لا نسلم ان كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجية عنه فإن المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن لافتقاره إلى الممكن، وليس مفتقرًا إلى علة خارجية عنه لا يقال بأن المجموع المركب من آحاد كل واحد منها محتاج إلى علة خارجية لأنا","vol":"3","page":210},{"text":"نقول لا نسلم وإنما يكون كذلك أن لو لم يكن كل واحد منها معولًا لآخر إلى غير النهاية لا يقال إن جملة ما يفتقر إليه المجموع إما ان يكون نفس المجموع أو داخلًا فيه أو خارجًا عنه والأول محال وإلا لكان الشيء علة نفسه والثاني محال، وإلا لكان بعض الأجزاء كافيًا في المجموع والثالث حق قلنا إن أردتم بجملة ما يفتقر إليه المجموع جملة الأمور التي يصدق على كل واحد منها انه مفتقر إليه، فلم قلتم بانه لا يجوز أن يكون هو نفس المجموع، والذي يدل عليه أن جملة المور التي يفتقر إليها الواجب والممكن ليس داخلًا في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا خارجًا عنه فهو نفس المجموع وإن أردتم\nالعلة الفاعلية فلم قلتم إنه يلزم أن يكون بعض الأجزاء كافيًا في المجموع وإذا كان المجموع ممكنًا في نفسه فهو مفتقر إلى غيره فما يفتقر إليه المجموع إما ان يكون هو المجموع أو داخلًا فيه أو خارجًا منه والأول محال وإلا لكان الشيء علة لنفسه والثاني محال وإلا لكان بعض الأجزاء كافيًا في المجموع، لأن المجموع إذا كان ممكنًا وإنما يفتقر إلى البعض، لزم أن يكون البعض هو المقتضي للمجموع، فيلزم أن يكون مقتضيًا لنفسه ولعلته، وإن كان ما","vol":"3","page":211},{"text":"يفتقر إليه المجموع خارجًا عن المجموع فهو المطلوب وهذا التحرير يوجب أن يكون البعض علة فاعلة للمجموع، والعلة الفاعلة كافية للمجموع\nوقوله إن أردتم بجملة ما يفتقر إليه المجموع جملة المور التي يصدق على كل واحد منها انه مفتقر إليه فلم قلتم بانه لا يجوز أن يكون هو نفس المجموع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>الرد على الأبهري من وجوه</span>\nفيقال له: لأن المجموع إن لم يكن زائدًا على تلك الأمور التي كل منها معلول فليس هنا مجموع غير المعلولات، والمعلولات التي لا يوجد شيء منها بنفسه، بل لا بد له من موجد موجود إذا لم يكن فيها موجد موجود، وامتنع ان يكون مجموعها حتصلًا بمجموعها، وإن كان المجموع معلولًا لها فهو اولى بالافتقار، وهذا امر معلوم بالضرورة وما قدح فيه كان قدحًا في الضروريات فلا يسمع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>الوجه الثالث</span>\nالجواب عن معارضته وهو قوله إن جملة الأمور التي يتوقف عليها الواجب والممكن ليس داخلًا في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا خارجًا عنه فهو نفس المجموع وملخص هذا الكلام أن مجموع الموجودات ليس متوقفًا على بعض الأجزاء لتوقفه على الجميع، ولا متوقفًا على ما خرج عن المجموع، فالمجموع متوقف على المجموع","vol":"3","page":212},{"text":"فيقال له هذا يناقض ما ذكرته أولًا من ان المؤثر في مجموع الموجودات واحد منها، وزعمت أن هذا معارضة لقولهم مجموع الممكنات لا يجوز أن يكون المؤثر فيها واحدًا وإذا كان هذا يناقض ذاك فإما ان تقول المؤثر في المجموع جزؤه او المؤثر فيه هو المجموع فإن قلت إنه جزؤه بطل هذا الاعتراض وسلم هذا الدليل الدال على امتناع معلولات ممكنة ليس لها علة واجبة، وبذلك يحصل المقصود من إثبات واجب الوجود ٠ وغن قلت إن المؤثر هو المجموع بطل اعتراضك على ذلك الدليل وسلم ذلك الدليل عن المعارضة، فحصل به المقصود\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>الوجه الرابع</span>\nأن يقال قولك جملة الأمور او مجموع المور الذي يفتقر إليه الواجب والممكن ليس داخلًا في المجموع يتضمن أن مجموع الموجودات يفتقر إلى أمر من المور وانت لم تذكر على ذلك دليلًا فلم قلت إن مجموع الموجودات يفتقر إلى أمر وأولئك إنما ادعوا ان مجموع الممكنات يفتقر إلى امر من المور وهذا معلوم بادلة متعددة، بل بلضرورة، وما ذكرته ليس بمعلوم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>الوجه الخامس</span>\nأن يقال مجموع الموجود المتضمن للواجب","vol":"3","page":213},{"text":"لا يقبل العدم وما لا يقبل العدم فليس بممكن، وما ليس بممكن فهو واجب، فالمجموع حينئذ واجب وما كان واجبًا لم يفتقر إلى أمر من الأمور وقولك إن المجموع مفتقر إلى المجموع هو معنى قول القائل إنه واجب بنفسه، فإن الواجب بنفسه لا يستغني عن نفسه، بل لا بد له من نفسه وإذا كنت قد أقررت انه واجب بنفسه بطل قولك إنه يفتقر إلى أمر وهذا بخلاف مجموع العلل الممكنة فإنه لا يمكن أن يكون واجبًا بنفسه لأنه ليس فيها ما هو موجود بنفسه، وإذا لم يكن في المجموع ما هو موجود بنفسه كان امتناع المجموع أن يكون واجبًا بنفسه أولى وأحرى\nوهذا السؤال الذي أورده هذا من جنس السؤال الذي أورده الآمدي بل هو هو ولعل احدهما اخذه من الآخر وهو أن تكون الجملة مترجحة بالآحاد وكل منها مترجح بالآخر إلى غير نهاية واجاب عنه الآمدي في أحد كتابيه وقال في الآخر إنه لا يعرف عنه جوابًا وذكر عن قوم أنهم قالوا المجموع واجب بنفسه بهذا الاعتبار واستفسط هذا الاعتراض\nومقصود الجميع أن مجموع المعلولات التي لا تتناهي لا تفتقر إلى شيء غير آحادها المتعاقبة وفساد هذا معلوم بالاضطرار بعد جودة التصور وإنما أشكل على من أشكل لعدم التصور التام فإنه إذا قال القائل علل","vol":"3","page":214},{"text":"لا تتناهى أو ممكنات لا تتناهى كل منها مترجح أو معلول بالآخر توهم الذهن أن هذا يتضمن تقدير موجودات في الخارج كل منها معلول الموجود الآخر وان الأمر هكذا إلى غير نهاية\nولهذا أراد طائفة أن يبطلوا هذا التسلسل بجنس ما يبطلون به الآثار التي لا تنتهي كالحركات التي لا تتناهى، وهذا غلط، فإن المقدر هو أمور ليس فيها ما يوجد بنفسه بل لا يوجد إلا بعلة مباينة له موجودة وكلها بهذه المثابة إلى غير نهاية\nوهذا في الحقيقة تقدير معدومات بعضها علة لبعض في وجوده إلى غير نهاية من غير أن يوجد شيء منها وكما أن المعدوم إذا كان باطلًا وإن قدر وجوده مع ذلك كان جمعًا بين النقيضين وإذا كان تقدير معلول معدوم بعلة معدومة تقتضي وجوده ولم يوجد ممتنع في بديهة العقل من جهة انه لم يوجد ومن جهة أن علته ليست موجودة، فكثرة هذه العلل اولى بالامتناع، وتسلسلها إلى غير نهاية اعظم في الامتناع، فكذلك إذا قدر ما هو معلول ممكن لا يوجد إلا بموجد يوجده، وقدر انه ليس هناك موجود يوجده، فإن وجوده يكون ممتنعًا، فإن قدر موجودًا كان","vol":"3","page":215},{"text":"جمعًا بين النقيضين. وتسلسل هذه المعلولات من غير أن تنتهي إلى موجودًا بنفسه أعظم في الامتناع، لكن من توهم أنها موجودات متسلسلة التبس عليه المر، وتقدير كونها موجودات متسلسلة ممتنع في نفسه، بل هو جمع بين النقيضين، لأن التقدير انه ليس فيها ما يوجد بنفسه ولا يوجد إلا بموجد موجود، وإذا لم يكن فيها موجود بنفسه ولا موجد موجود امتنع أن يكون فيها إلا معدوم، فتقدير وجودها جمع بين النقيضين\nوبيان ذلك أن كلا منها هو مفتقر إلى موجد يوجده، فلا يوجد بنفسه، وعلته لم توجد بنفسها، فليس فيها موجود بنفسه، وليس هنا علة موجودة بنفسها ٠ فإذا قدر في كل منها أنه موجود بغيره، فذلك الغير هو بمنزلته أيضًا لا وجود له من نفسه، فليس هناك موجود يوجدها إلا ما يقدر منها، وكل منها إذا لم يكن له من نفسه وجود فأن لا يكون موجدًا لغيره بطريق الأولى والأحرى، فلا له من نفسه وجود ولا إيجاد، وغيره من جنسه ليس له من نفسه وجود ولا إيجاد، فمن أين يكون لشيء منها وجود بلا وجود لنفسه ولا إيجاد؟ إذ الإيجاد فرع الوجود\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>اعتراض الأبهري فاسد من وجوه</span>\nقلت وهذا الاعتراض فاسد جدًا وبيان فساده من وجوه:","vol":"3","page":216},{"text":"الوجه الأول: أن يقال: هو اعتراض على قولهم مجموع العلل الممكنة ممكن لافتقار المجموع إلى الآحاد الممكنة ولا يجوز أن يكون المؤثر في المجموع واحدًا من العل الممكنة، لن ذلك لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله من العلل، فامتنع أن يكون مؤثرًا في المجموع، فقال المعترض: إنما يلزم هذا أن لو كان علة المجموع علة لكل واحد من أجزائه فلم قلتم إنه كذلك؟\nفيقال له أولًا: نحن لا نعني بالمجموع مجرد الهيئة الاجتماعية، بل نعني به كل واحد من الأفراد والهيئة الاجتماعية، وحينئذ فتكون علة المجموع علة كل واحد من أجزائه، وهذا معلوم بالضرورة، فإن المؤثر إذا كان مؤثرًا في مجموع الآحاد مع الهيئة الاجتماعية فقد أثر في كل جزء من أجزائه، فإنه لو لم يؤثر في كل جزء من الجزاء لجاز انتفاء ذلك الجزء، وإذا انتفى المجموع، والتقدير أنه في المجموع بحيث جعل المجموع موجودًا، والمجموع هو الأفراد والهيئة الاجتماعية، فلو قدر انه غير موجود لزم الجمع بين النقيضين، وهو الممتنع وهذا الممتنع لزم من تقدير كونه مؤثرًا في المجموع، بحيث جعل المجموع موجودًا مع تقدير عدم بعض أجزاء المجموع، فعلم أنه يستلزم من كونه أثر في المجموع وجود","vol":"3","page":217},{"text":"المجموع، ويلزم من وجود المجموع انه لا ينتفى شيء من أجزائه، فعلم أن ما استلزم ثبوت المجوع استلزم ثبوت كل من أجزائه، وإن لم يكن المستلزم علة فاعلة، فكيف إذا كان المستلزم على فاعلة؟ فتبين أن ثبوت العلة الفاعلة للمجوع يتضمن أن يكون علة لكل من أجزائه، ولو تخيل متخيل أن الواحد من الجملة علة لسائر الأجزاء، والأجزاء علة للمجموع، أو أنه علة للمجموع، والمجموع علة للآحاد، فيكون ذلك الواحد علة العلة.\nقلنا هذا لا يضر لأن العلة علة، وكما يمتنع في الواحد أن يكون علة علة نفسه، فيمتنع أن يكون علة نفسه بطريق الأولى، فلو كان بعض الأجزاء علة للمجموع، والمجموع علة لكل من الأجزاء أو بالعكس، لزم أن يكون ذلك الجزء علة علة نفسه، وعلة علل نفسه، وهو ما قبل ذلك الجزء من العلل التي قدر أنه لا نهاية لها وهذا بين لا يتصوره أحد إلا يعلم امتناعه بالبديهة، ومن نازع فيه كان إما لعدم تصوره له، وإما لعنادة وحينئذ فيكفي أن يقال: هذا معلوم بالبديهة، فالشبهة الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية فلا يستحق جوابًا.","vol":"3","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>الوجه الثاني</span>\nأن يحل ما ذكره من المعارضة، وهي قوله: وهذا لأن الشيء جاز أن يكون علة للمجموع من حيث هو علة للمجموع من حيث هو مجموع، ولا يكون علة لكل واحد من أجزائه، فغن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات، وليس علة لكل واحد من أجزائه، لاستحالة كونه علة لنفسه.\nقلنا: لا نسلم أن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات، وإنما هو علة لبعض الموجودات وهي الممكنات، وأما الموجود الواجب بنفسه فلا علة له وهو من الموجودات، وإذا كانت الموجودات، وإذا كانت الموجودات منقسمة إلى واجب وممكن، والواجب علة للمكن، لم يكن الواجب علة لمجموع الموجودات، بل علة لبعضها، وبعضها لا علة له.\nفإن قيل: إنما قلنا الواجب للمجموع من حيث هو مجموع لا لكل واحد، فهو علة للهيئة الاجتماعية.\nقيل: أولا: لا نسلم أن المجموع له وجود يزيد على الآحاد ويقال: ثانيًا إذا قدر أن المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية أمر مغاير للأفراد فالواحد من تلك الأفراد إذا كان علة للهيئة الاجتماعية فالعلة مغايرة للمعلول، ليست العلة بعض المعلول.","vol":"3","page":219},{"text":"وهذا بين إذا تصوره المتصور معلوم بالبديهة.\nولكن لفظ المجموع فيه إجمال قد يعنى به الأفراد المجتمعة، وقد يعنى به اجتماعها، وقد يعنى به الأمران ومعلوم انه يمتنع أن يكون بعض الأفراد المجتمعة علة لكل من الأفراد المجتمعة وهذا هو المطلوب.\nوأما الاجتماع إذا قدر انه مغاير للأفراد فالواحد منها يكون علة لذلك الاجتماع المغاير لذلك المفرد وغيره، وإن أريد الأفراد والاجتماع كان الاجتماع جزءًا من أجزاء المجموع، فيكون الواحد من ذلك المجموع علة لسائر الأجزاء، وهذا ممكن فالواجب ﷾ هو المبدع لسائر الموجودات، ومبدع للاجتماع الحاصل منها ومنه إذا قدر ذلك الاجتماع مغايرًا للأفراد لكن ذلك الاجتماع هو من جملة سائر الموجودات.\nفإذا قيل: إنه مبدع لسائر الموجودات، دخل في ذلك كل ما سواه من الموجودات أعيانها وأعراضها، ودخل في ذلك الاجتماع الحاصل منه ومنها، وهو الهيئة الاجتماعية، إذا قدر أنها موجودة، فإن ذلك الاجتماع أمر مغاير للواجب بنفسه، فهو داخل في سائر الموجودات سواه، فهو من جملة مصنوعاته.\nومما يوضح ذلك أن الاجتماع إذا قدر أمرًا مغايرًا للأفراد: أمرًا يحدث بحدوث ما يحدث من الممكنات فكلما حدث ممكن كان له مع سائر الممكنات اجتماع وذلك الاجتماع حادث بحدوثه، فإذا قدر أن ما سوى الله حادث، فاجتماع وجود الحوادث مع وجود الله وهو أيضًا حادث وهو كمعية المخلوقات مع خالقها، وهذه المعية ونحوها هو مما يجوز حدوثه باتفاق العقلاء، بل هو متفقون على جواز حدوث النسب","vol":"3","page":220},{"text":"والإضافات بين الخالق والمخلوق، سواء قيل: إنها وجودية أو عدمية، ولو قدر أن من الممكنات ما هو قديم أزلي، كما يقوله من يقول بقدم شيء من العالم، فاجتماع ذلك الممكن مع ذلك الواجب معلول للواجب، والواجب ليس هو بعض ذلك الاجتماع بل هو بعض الأمور المجتمعة، وبعض الأمور المجتمعة إذا كان علة لسائر الأبعاض كان هذا ممكنًا وذلك الاجتماع هو بعض آخر، فالواجب الذي هو بعض الأمور المجتمعة التي منها الاجتماع علة لسائر الأبعاض والاجتماع واحد منها، فليس في ذلك امتناع كون بعض الجملة علة لجميع أبعاض الجملة، وهذا هو المطلوب انتقاؤه، فتبين أن امتناع كون بعض الممكنات، فإن الأول يقتضى كونه علة لنفسه، وكون الممكن المفعول المصنوع مبدع نفسه ويخلقها أظهر امتناعًا من كونه يخلق غيره بعد وجوده.\nولهذا قال تعالى ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ الطور ٣٥ فإنه من المعلوم في بدائه الفطر امتناع كونهم حدثوا من غير محدث وامتناع كونهم أحدثوا أنفسهم فعلم أن لهم محدثًا أحدثهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>الوجه الثالث</span>\nلا نسلم أن المجموع المركب من الواجب والممكن يكون الواجب وحجه علة له، بل علته الأجزاء جميعها، وذلك لأن","vol":"3","page":221},{"text":"المجموع متوقف على كل من الأجزاء: الواجب والممكنات، فالمجموع من حيث هو مجموع توقفه على كل جزء كتوقفه على الجزء الآخر، إذ كان لا يوجد إلا بوجود كل من الأجزاء ثم إذا كان بعض الأجزاء علة لبعض، كان المجموع مفتقرًا إلى الجزء الواجب، وإلى الجزء المفتقر إلى الجزء الواجب، ولا يلزم من ذلك أن يكون مجرد الواجب مقتضيًا للمجموع بلا واسطة، بل لولا الجزء الآخر الممكن لما حصل المجموع ن فتبين أن الواجب لا يكون وحده علة للمجموع من حيث هو مجموع، وإنما يكون علة لسائر الأجزاء، وهو وسائر الأجزاء علة للمجموع.\nنعم يلزم أن يكون علة بنفسه للممكنات، وهو بتوسط الممكنات أو مع الممكنات علة للمجموع من حيث هو مجموع، ومثل هذا منتف في الأجزاء الممكنة فإنه لا يمكن أن يكون للمجموع لا بنفسه ولا بتوسط غيره.\nأما الأول فلأن الجزء الواجب إذا لم يكن وحده علة للمجموع، فالجزء الممكن أولى، ولأن المجموع متوقف على جميع الأجزاء فلا يستقل به واحد منها.\nوأما الثاني فلأن الممكن لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله من العلل، ولأن المجموع متوقف على جميع الأجزاء بالضرورة، فإن المعلول لا يكون علة علته وإذا امتنع كونه علة لنفسه ولسائر الأجزاء المتقدمة","vol":"3","page":222},{"text":"عليه لم يحصل به وحده هذه الأجزاء، والمجموع متوقف على هذه الأجزاء فلا يكون شيء من الأجزاء الممكنة علة للمجموع لا بنفسه ولا بتوسط معلولاته بخلاف الجزء الواجب فإنه إذا قيل عنه إنه علة لمجموع بنفسه وبتوسط معلولاته كان هذا المعنى ممتنعًا في الممكن فالمعنى الذي يمكن أن يجعل فيه الواجب علة للمجموع الذي هو واحد منه يمتنع مثله في الممكنات فلا يتصور أن يكون علة للمجموع الذي هو واحد منه وهذا يكشف ما في الاعتراض من التلبيس والغلط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: لا نسلم أن الواجب علة للمجموع من حيث هو مجموع، بل الواجب علة للمكنات من الأجزاء والآحاد علة للمجموع، ومثل هذا لا يمكن أن يقال في مجموع العلل الممكنة ولا في مجموع الممكنات فإنه لا يمكن أن يكون شيء منها علة لسائر الأجزاء، إذ كل منها معلول لا يكون علة لنفسه ولا لعلله، وإذا كان كل من الأجزاء معلولًا والمجموع معلول الآحاد كان المجموع أولى بأن يكون معلولًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>الوجه الخامس</span>\nأن يقال في إبطال هذا الاعتراض: نحن ذكرنا الحجة لإثبات أن يكون في الوجود واجب بنفسه، فإما أن يكون في الموجودات واجب بنفسه وإما أن لا يكون فإن كان فيها واجب بنفسه حصل المقصود وإن لم يكن فيها واجب بنفسه بطل الاعتراض.","vol":"3","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>الوجه السادس</span>\nأن يقال: الاعتراض مبناه على أن مجموع الموجودات له علة هو بعضهوهو الواجب فإن لم يكن في المجموع بعض واجب بطل الاعتراض وهذا الاعتراض مذكور على سبيل المعارضة لأنا قد ذكرنا انا نعلم بالضرورة أن مجموع العلل الممكنة إذا كان له علة كان علة لكل منها وأن العلم بذلك ضروري، وبيناه بيانًا لا ريب فيه، وإذا تبين أن صحة الاعتراض مستلزمة لثبوت واجب الوجود، كان واجب الوجود ثابتًا على تقدير صحة الاعتراض وعلى تقدير فساده وإذا كان ثابتًا على التقديرين تقدير النفي وتقدير الإثبات، ثبت أنه ثابت فينفس الأمر وهو المطلوب وهذا بين لمن تأمله ولله الحمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>يمكن إيراد الجواب على وجوه</span>\nالوجه الأول: أن يقال: أما أن يقدر ثبوت الواجب في نفسه، وإما أن يقدر انتفاؤه، فغن قدر ثبوته في نفس الأمر حصل المقصود وامتنع أن يكون في نفس الأمر ما ينفي وجوده وإن قدر انتقاؤه لزم بطلان الاعتراض المذكور على دليل ثبوته وإذا بطل الاعتراض كان الدليل المذكور على ثبوتهه سليمًا عما يعارضه فيجب ثبوته مدلوله وهو الواجب الوجود فلزم ثبوت وجود سواء قدر المعترض ثبوته أو قدر انتفاءه وما","vol":"3","page":224},{"text":"لزم ثبوته على تقدير ثبوته وتقدير انتفائه كان ثابتًا في نفس الأمر قطعًا وهو المطلوب.\nفإن قيل: كيف يمكن تقدير ثبوته مع تقدير انتفائه وفي ذلك جمع بين النقيضين\nقيل: نعم هذا لأن تقدير انتفائه لما كان ممتنعًا في نفس الأمر جاز أن يلزمه ما هو ممتنع في نفس الأمر وهذا مما يقرر ثبوته.\nوأيضًا فإذا كان تقدير انتفائه يستلزم الجمع بين النقيضين كان تقديرًا ممتنعًا في نفس الأمر، ويكون تقدير انتفائه ممتنعًا في نفس الأمر وإذا كان انتفاؤه ممتنعًا كان ثبوته واجبًا وهو المطلوب.\nفإن قيل: إذا كان انتفاؤه ف ينفس الأمر ممتنعًا قطعًا وكان بطلان الاعرتاض معلقًا بانتفائه لم يلزمه بطلان الاعتراض وإذا صح الاعتراض بطل الدليل المذكور\nقلنا تقدير انتفائه هو جزء الدليل على بطلان الاعتراض ليس هو بطلان الاعتراض ومن المعلوم أن انتفاء الدليل لا يوجب انتفاء يدل عليه في نفس الأمر فغن الدليل لا يجب عكسه فلو كان انتفاؤه بس الأمر وحده دليلً على بطلان الاعتراض لم يلزم صحة الاعتراض بتقدير نقيض هذا الدليل فكيف إذا كان جزء دليل.","vol":"3","page":225},{"text":"فإن قيل بطلان جزء الدليل يوجب بطلان الدليل فيبطل ما ذكر من الدليل على فساد الاعتراض.\nقيل لفظ جزء الدليل مجمل، فإن أريد بالجزء قسم من القسام المقدرة كان هذا باطلًا فإنه لا يلزم من بطلان قسم في الأقسام المقدرة بطلان الدليل إذا كان غيره من الأقسام صحيحًا وإن أريد بجزء الدليل مقدمة من مدماته فهذا صحيح فإنه إذا بطلت مقدمة الدليل بطل لكن مقدمة الدليل هنا صحيحة فإنها تقسيم دائر بين النفي والإثبات ومن المعلوم أن التقسيم الدائر بين النقيضين يستلزم بطلان أحد القسمين في نفس الأمر ومقدمة الدليل ليست اجتماع النقيضين فإن هذا ممتنع وإنما هي صحة التقسيم إلى النفي والإثبات.\nوالمقدمة الثانية حصول المطلوب على كل من التقديرين فإذا كان التقسيم دائرًا بين النفي والإثبات والمطلوب حاصل على كل منهما ثبت حصوله في نفس الأمر وغن كان احد القسمين منتفيًا في نفس الأمر فغن المطلوب حاصل على التقدير الآخر فلا يضر انتفاء هذا التقدير، وإنما ذكرت هذه التقديرات ليتبين أن ما ذكره المعترض لا يقدح في صحة الدليل المذكور على واجب الوجود بل الدليل صحيح على تقدير النقيضين وهذا من أحسن الدورات في النظر والمناظر لإبطال الاعتراضات الفاسدة بمنزلة عدو قدم يريد محاربة","vol":"3","page":226},{"text":"الحجيج وهناك عدة طرق يمكن أن ياتي من كل منها فإذا وكل بكل طريق طائفة ياخذونه كان من المعلوم أن الذي يصادفه طائفة ولكن إرسال تلك الطوائف ليعلم انه منع المحذور على كل تقدير إذ كان من الناس من هو خائف ان ياتي من طريقة فيرسل من يزيل خوفه ويوجب أمنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>الوجه الثاني</span>\nويمكن إيراد الجواب على وجه آخر.\nوهو ان يقال: إما أن يقدر فساد هذا الاعتراض في نفس الأمر، وإما أن يقدر صحته فإنه لا يخلو من أحدهما.\nوذلك أنه إما أن يكون مفسدًا للدليل المذكور على بطلان تسلسل المؤثرات وإما أن لا يكون مبطلًا مفسدًا فغن لم يكن مفسدًا للدليل لفساده في نفسه ثبت صحة الدليل، وهو المطلوب وإن كان مفسدًا للدليل فلا يفسده إلا إذا كان متوجهًا صحيحًا وإلا فالاعتراض الفاسد لا يفسد الدليل، وإذا كان متوجهًا صحيحًا لزم ثبوت واجب الوجود فإنه لا يصح إن لم يكن مجموع الموجودات فيها واجب وإذا صح أن فيها واجبًا حصل المقصود، فيلزم ثبوت الموجود الواجب على تقدير صحته وفساده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>الوجه الثالث</span>\nويمكن إيراد الجواب على صورة ثالثة، وهو أن يقال: إما أن يقدر أن في الموجودات ما هو واجب بنفسه وإما أن لا يكون فإن كان فيها","vol":"3","page":227},{"text":"واجب بنفسه حصل المقصود وإن لم يقدر أن فيها ما هو واجب لم يكن لها مجموع يكون جزء علة له، فبطل الاعتراض.\nوإذا بطل الاعتراض كان الدليل المذكور على واجب الوجود مستلزمًا لمدلوله، وهو الموجود الواجب فيلزم ثبوت واجب الوجود.\nوأصل الغلط في هذا الاعتراض الذي يظهر به الفرق أن التقدير المستدل به قدر فيه أمور ليس فيها موجود بنفسه، بل كل منها مفتقر إلى غيره واجتماعها أيضًا مفتقر فليس هناك إلا فقير محتاج والتقدير المعترض به قدر أن موجودًا واجبًا بنفسه معه ممكنات موجودة به ولكن المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية يفتقر إلى بعض الجملة وذلك البعض هو واجب بنفسه فهنا في الجملة واحد واجب بنفسه هو علة لسائر الأجزاء وللمجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية وتلك ليس فيها واجب بنفسه بل كل من الأجزاء والمجموع ممكن بنفسه فكيف يجعل افتقار هذا إلى خارج عنه كافتقار ذاك إلى خارج عنه والهندي لم يجب عنه.","vol":"3","page":228},{"text":"فإن قيل: فقد قدرتم عدم وجوب الوجود، فكيف يكون موجودًا بتقدير عدمه لما ذكرتم من الدليل؟\nقلنا: لأن التقدير الممتنع قد يستلزم أمرًا موجودًا واجبًا وجائزا كما قد يستلزم أمرًا ممتنعًا لأن التقدير هو شرط مستلزم للجزاء، والملزوم يلزم من تحققه تحقق اللازم ولا يلزم من انتقائه انتفاء اللازم.\nوهذا كما لو قيل: لو جاز أن يحث اجتماع الضدين لافتقر إلى محدث بل قد يكون اللازم ثابتا على تقدير النقيضين كوجود الخالق مع كل واحد من الملخوقات، فإنه موجود سواء كان موجودًا أو لم يكن.\nوحينئذ فيجوز أن يكون التقدير الممتنع، وهو تقدير عدم الواجب يستلزم وجوده، كما يكون التقدير الممكن، فإذا قدر عدمه لزم بطلان الاعتراض المذكور، وذلك يستلزم سلامة الدليل عن المعارض والدليل يستلزم وجوده.\nوأيضًا فإن تقدير عدمه تقدير ممتنع في نفس الأمر والتقدير الممتنع قد يستلزم أمرًا ممتنعًا فاستلزم تقدير عدمه الجمع بين النقيضين وهو ثبوت وجوده مع ثبوت عدمه ن وهذا ممتنع فعلم أن تقدير عدمه ممتنع، وه المطلوب وعلم أنه لا بد من وجوده، وإن قدر في الأذهان عدم وجوده فتقدير عدمه في الأذهان لا يناقض وجوده في الخارج وقد ثبت وجوده فلا بد من وجوده على كل تقدير، وبهذا وغيره يظهر","vol":"3","page":229},{"text":"الجواب عن اعتراضه على سائر ما ذكروه من التقديرات في احتياج مجموع الممكنات إلى واجب خارج عنها.\nونحن نبين ذلك:\nقوله: لا يقال بان مجموع تلك السلسة ممكن ن وكل ممكن فهو مفتقر إلى علة خارجة عنه وذلك المجموع مفتقر إلى علة خارجة عنه لأنا نقول: لا تسلم أن كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة عنه فإن المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن لافتقاره إلى الممكن وليس محتاجًا إلى علة خارجة عنه.\nوالجواب عن هذا أن يقال: هو القائل: كل ممكن فهو مفتقر إلى علة خارجة عنه قضية بديهية ضرورية بعد تصورها فإن المعنى بالممكن مالا يوجد بنفسه بل لا بد له من موجد مقتض سواء سمي فاعلًا أو علة فاعلة أو مؤثرًا.\nوإذا كان كذلك فإذا كان المجموع ممكنًا لا يوجد بنفسه لم يكن له بد من موجد يوجده وقد علم أن المجموع لا يوجد بنفسه بنفسه إذ لو كان كذلك لكان واجبًا بنفسه.\nومن المعلوم بالضرورة أن المجموع الذي هو الأفراد واجتماعها إذا لم يكن موجدًا مقتضيًا فبعض المجموع أولى أن لا يكون مقتضيًا موجدًا","vol":"3","page":230},{"text":"فإنه من المعلوم ببدائه العقول أن المجموع إذا لم يجز أن يكون موجدًا ولا مقتضيا ولا فاعلًا ولا علة فاعلة فبعضه إولى أن لا يكون كذلك فإن المجموع يدخل فيه بعضه، فإذا كان بجميع أبعاضه لا يكفي في الاقتضاء والفعل والإيجاد فكيف يكفي بعضه في ذلك؟\nوهذا دليل مستقل في هذا المقام وهو أن المجموع إذا لم يكن علة فاعلة بل هو معلول مفتقر فيعضه إولى أن لا يكون علة فاعلة، بل معلول مفتقر فعلم أن مجموع الممكنات إذا كان مفتقرًا إلى المؤثر فكل من أبعاض المجموع إولى بالافتقار إلى المؤثر فتبين أن كل ممكن ومجموع الممكنات مفتقر إلى المؤثر، وهو المطلوب ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>الرد على باقي الاعتراض</span>\nوأما قول المعترض: لانسلم أن كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة عنه إن المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن لافتقاره إلى الممكن وليس محتاجًا إلى علة خارجة عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>الوجه الأول</span>\nفيقال له: اولًا: منشأ هذه الشبهة أنلفظ المجموع فيه إجمال يراد به نفس الهيئة الاجتماعية ن ويراد به جميع الأفراد ويراد به المجموع، والمجموع المركب الذي هو كل واحد واحد من الأفراد لا يفتقر","vol":"3","page":231},{"text":"إلى الممكن فإن منها الواجب وهو لا يفتقر إلى الممكن ولكن الهيئة الاجتماعية إذا قدر أن لها تحققًا في الخارج فهي التي يقال: أنها متوقفة على الممكن.\nوحينئذ فيظهر الفرق بين مجموع الممكنات ومجموع الموجودات، فإن مجموع الممكنات هو نفس الهيئة الممكنة، وكل من الأفراد ممكن والمجموع المتوقف على الممكن أولى بالإمكان وأما مجموع الموجودات فليس كل منها ممكنًا، بل منه الواجب، فليس المجموع ممكنًا، بمعنى ان كل واحد منها ممكن، فظهر الفرق.\nوحينئذ فيقال له: هذا باطل من وجوه:\nأحدها: أن يقال: أنت قد قلت في الاعتراض على الدليل الأول: إن الواجب بذاته علة لمجموع الموجودات.\nوقلت هنا إن المجموع مفتقر إلى الممكن فإن كان معلول الواجب يجب استغناؤه عن الممكنات بطل اعتراضك الأول وصح الدليل الأول لأنه حينئذ لا يكون المجموع مستغنيًا بالواجب، بل هو محتاج إلى الممكنات، فلا يكون الواجب علة للمجموع إلا مع اقتضائه لجميع الممكنات، ثم هو مع الممكنات إما المجموع وإما علة المجموع، ومثل هذا منتف في مجموع الممكنات فإن الواحد منها لا يجوز أن يكون علة لسائرها، إذ ليس علة لنفسه ولا لعلته وعلة علته، وإذا لم يكن في الممكنات إلا ما هو","vol":"3","page":232},{"text":"معلول لم يكن فيها ما يوجب سائرها، فلم يكن فيها ما يصلح أن يكون علة للمجموع بوجه من الوجوه.\nوإن قلت: إن معلول الواجب يجب استغناؤه عن الممكنات، سواء اقتضاه بوسط أو بغير وسط، وإنه لما كان الواجب مقتضيًا للوسط كانت الحاجة في الحقيقة إلى الواجب والغنى به، إذ كان هو مبدع الممكنات التي هي لغيرها شروط أو وسائط أو علل أو ما قيل من الأمور.\nفيقال لك: على هذا التقدير فمجموع الموجودات التي فيها الواجب بنفسه ليس مفتقرًا إلى شيء من الممكنات بل افتقاره إلى الواجب وحده، فبطل اعتراضك على هذا الدليل الثاني، وأي الدليلين صح حصل المقصود.\nوتلخيص هذا الجواب: أن مجموع الموجودات من حيث هو مجموع، إن قال هو معلول الواجب وحده او بوسط بحيث لا يقال مفتقر إلى غيره بطل هذا الاعتراض وهو كونه مفتقرًا إلى الممكن.\nوإن قال: هو معلول الواجب، لكون الممكن من معلول الواجب وهو معلول الممكن والواجب كان هذا مفسدًا لاعتراضه على الدليل الأول، لكون مجموع الممكنات لا يكون معلولًا لواحد منها بوجه من الوجوه.","vol":"3","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>الوجه الثاني</span>\nالوجه الثاني: أن يقال: قولك: لا نسلم أن كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة لأن المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن وليس محتاجًا إلى علة خارجة غلط.\nوذلك أن لفظ الممكن فيه إجمال\nقد يراد بالممكن ما ليس بممتنع فيكون الواجب بنفسه ممكنًا.\nويراد بالممكن ما ليس بموجود مع إمكان وجوده، فيكون ما وجد ليس بممكن بل واجب بغيره.\nثم ما يقبل الوجود والعدم هو المحدث عند جمهور العقلاء، بل جميعهم، وبعضهم تناقض فجعله يعم المحدث والقديم الذي زعم أنه واجب بغيره.\nويراد بالممكن ما ليس له من نفسه وجود، بل يكون قابلًا للعدم هو وكل جزء من أجزائه.\nوأنت قد سميت مجموع الموجود ممكنًا ومرادك أن المجموع يقبل العدم ولا يقبله كل جزء من أجزائه.\nوهؤلاء الذين قالوا: إن مجموع الممكنات أو مجموع العلل الممكنة ممكن مرادهم أن كل ما كان لا يقبل الوجود بنفسه، بل يكون قابلًا للعدم بنفسه، وكل جزء من أجزائه قابل للعدم، يفتقر","vol":"3","page":234},{"text":"إلى علة خارجة عنه، وهذا هو المفهوم عند إطلاقهم من الممكن بنفسه المفتقر إلى علة خارجة، فإن الممكن بنفسه مالا يوجد بنفسه أي نفسه قابلة للعدم.\nوهذا لا يكون عند وجوب بعضها، فإن القابل للعدم حينئذ إنما هو بعض نفسه جملة نفسه، فغلطك أو تغليطك حصل مما في لفظ الممكن بنفسه من الإجمال.\nوالأدلة العقلية إنما يعترض على معانيها، فإن كنت أوردت هذا سؤالًا لفظيًا كان قليل الفائدة، وإن كان سؤالًا معنويًا كان باطلًا في نفسه.\nوالقوم لما قالوا: الموجود إما أن يكون واجبًا بنفسه، وإما أن يكون ممكنًا بنفسه.\nجعلوا الوجود منحصرًا في هذين القسمين، أي جعلوا كل واحد واحد من الموجودات منحصرًا في هذين القسمين.\nوأما الجملة الجامعة لهذا وهذا، فهي جامعة للقسمين، ومرادهم بالممكن في أحد القسمين: ما يكون كل شيء منه لا يوجد إلا بشيء منفصل عنه ومرادهم بالواجب بنفسه مالا يفتقر إلى مباين له بوجه من الوجوه.\nومن المعلوم أن الأول مفتقر إلى مقتض خارج عنه، وأن مجموع تلك الممكنات ممكن مفتقر إلى ما هو مفتقر إلى مقتض مباين له.\nوالمفتقر إلى المفتقر المباين له اولى أن يكون مفتقرًا إلى البماين، وأما","vol":"3","page":235},{"text":"الثاني فلا يجوز أن يكون مفتقرًا إلى مباين له وأما افتقاره إلى نفسه أو جزئه، فهذا لا ينافي كونه غنيًا عمًا يباينه.\nوحينئذ فمجموع الموجودات التي بعضها واجب وبعضها ممكن ليس هو من الممكن بهذا التفسير، بل هو من الواجب لعدم افتقاره إلى مباين له.\nوإذا قيل: إن المجموع واجب بنفسه، لكونه واجبًا بما هو واجب بنفسه، أو قيل: هو واجب بنفسه، وأريد بذلك أن فيه ما هو واجب بنفسه، وسائره مستغن بذلك الواجب بنفسه، فالمجموع واجب ببعضه، والواجب ببعضه يدخل بهذا الاعتبار في الواجب بنفسه تبين مغلطة المعترض.\nوقيل له: قولك: المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن.\nأتعني به انه مفتقر إلى أمر مباين، أم تعني به أنه مفتقر إلى بعضه.\nأما الأول فباطل.\nوأما الثاني فحق، ولكن إذا قيل: إن مجموع الممكنات التي كل منها مفتقر إلى مباين للمجموع هو أيضًا ممكن","vol":"3","page":236},{"text":"مفتقر إلى مباين لهذا المجموع، لم يعارض هذا المجموع الموجودات، فإن مجموع الموجودات لا يصح أن يكون ممكنًا بمعنى أنه مفتقر إلى مباين له إذ ليس في أجزائه ما هو مفتقر إلى مباين للمجموع، فإذا كان هو متوقفًا على آحاده، وليس في آحاده ما هو متوقف على أمر مباين له، لم يجب أن يكون هو متوقفًا على أمر مباين له\nوأيضًا فمن المعلوم بالضرورة أن مجموع الموجودات لا يتوقف على أمر مباين له، إذ المباين لمجموع الموجودات ليس بموجود، ومجموع الموجودات لا يكون معلولا لأمر غير موجود، بخلاف مجموع الممكنات، فإنه يكون معلولًا لأمر غير ممكن، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟ أم كيف يعارض هذا بهذا؟ إذا كان مجموع الموجودات لا يفتقر إلى أمر خارج عنها ليس بموجود، فكذلك يجوز أن يكون مجموع الممكنات لا يفتقر إلى أمر خارج عنها ليس بممكن؟\nوهل هذا الإ بمنزلة من قال: إذا كان الموجودات لا تفتقر في وجودها إلى ما ليس بموجود، فمجموع المعدومات لا تفتقر في وجودها إلى ما ليس بمعدوم وهل هذا إلا مجرد مقايسة لفظية مع فرط التباين في المعنى؟\nوهل يقول عاقل: إن الموجود الواجب بنفسه والموجود الذي","vol":"3","page":237},{"text":"وجب بغيره إذا لم يحتج إلى معدوم، فالمعدوم الذي لم يجب بنفسه ولا بغيره يكون موجودًا بأمر معدوم، والممكن ليس به من نفسه وجود، بل لا وجود له إلا من غيره سواء قيل: إن عدمه لا يفتقر إلى علة أو قيل: إن عدمه لعدم مقتضيه، فمجموع الممكنات التي ليس فيها ما وجوده بنفسه لا تكون إلا معدومة وكل منها لا يكون موجودًا إلا إذا كان وجوده بغيره سواء سمي هو معلولًا لغيره أو مفعولًا لغيره كيف تكون موجودة بغيرها؟\nونكتة هذا الجواب أن لفظ الممكن يراد به الممكن بالإمكان الذي توصف به الممكنات المفتقرة إلى مقتض مباين، فيلزم أن لا يكون لها ولا لشيء منها وجود بوجه من الوجوه إلا من المباين.\nوأما الإمكان الذي وصف به مجموع الموجودات، فمعناه أن ذلك المجموع لم يجب إلا بوجوب ما هو داخل فيه، فبعض ذلك المجموع واجب بنفسه، فلا يكون ذلك المجموع مفتقرًا إلى مباين له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>الوجه الثالث</span>\nويتضح هذا بالوجه الثالث: وهو أنا نقول ابتداء: كل موجود فإما أن يكون وجوده بامر مباين له، وإما أن لا يكون وجوده بأمر مباين له، وكل ما كان وجوده بامر مباين له لا يكون موجودًا إلا بوجود ما","vol":"3","page":238},{"text":"يباينه، ومجموع الممكنات لا توجد إلا بمباين لها فلا يوجد شيء منها إلا بمباين لها، وبعضها ليس بمباين لها فلا يوجد ببعضها بخلاف مجموع الموجودات فإنها لا تفتقر إلى مباين لها وإنما تفتقر إلى بعضها.\nوحينئذ فإذا صيغت الحجة هذه على هذا الوجه، تبين أنه لا بد من موجود مباين للممكنات خارج عنها، وهو المطلوب، وأن مجموع الموجودات لا بد لها من موجود هو بعهضا فوجد به مجموعها.\nوحينئذ فيلزم ثبوت واجب الوجود على التقديرين، فكان ما ذكروه من الاعتراض دليلًا على إثبات واجب الوجود لا على نفيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>فصل غلط المبتدعة في الله سبحانه على طرفي نقيض</span>\nواعلم أن هؤلاء غلطوا في مسمى واجب الوجود وفيما يقتضيه الدليل من ذلك حتى صاروا في طرفي نقيض فتارة يثبتونه ويجزدونه عن الصفات حتى يجعلوه وجودًا مطلقًا ثم يقولون: هو الوجود الذي في الموجودات، فيجعلون وجود كل ممكن وحادث هو الوجود الواجب","vol":"3","page":239},{"text":"بنفسه، كما يفعل ذلك محققة صوفيتهم كابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني وأمثالهم.\nوتارة يشككون في نفس الوجود الواجب، ويقدرون أن يكون كل موجود ممكنًا بنفسه لا فاعل له، وأن مجموع الوجود ليس فيه واجب بنفسه، بل هذا معلول مفعول وهذا معلول مفعلول، وليس في الوجود إلا ما هو معلول مفعول، فلا يكون في الوجود ما هو فاعل مستغن عن غيره فتارة يجعلون كل موجود واجبًا بنفسه، وتارة يجعلون كل موجوزد ممكنًا بنفسه.\nومعلوم بضرورة العقل بطلان كل من القسمين، وأن من الموجودات ما هو حادث.\nكان تارة موجودًا وتارة معدومًا، وهذا لا يكون واجبًا بنفسه، وهذا لا بد له من موجود واجب بنفسه.\nومن غلطهم في مسمى واجب الوجود أنهم لم يعرفوا ما هو الذي قام عليه الدليل، وجوده مستفادًا من أمر مباين له، بل وجوده بنفسه، وكون وجوده بنفسه لا ينفي أن يكون موجودًا بنفسه، وأن يكون ما دخل في مسمى نفسه من صفاته لازمًا له، فالدليل دل على أنه لا بد للممكنات من أمر خارج عنها يكون","vol":"3","page":240},{"text":"موجودًا بنفسه.\nفلا يكون وجوده بامر خارج عنه وحينئذ فاتصافه بصفاته، سواء سمي ذلك تركيبًا او لم يسم، لا يمنعه ان يكون واجبًا بنفسه ر يفتقر إلى أمر خارج عنه.\nولهذا كانت صفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار، وإن لزم من ذلك تعدد مسمى واجب الوجود بهذا المعنى.\nبخلاف ما إذا عنى به أنه الموجود الفاعل للممكنات فإن هذا واحد سبحانه لا شريك له.\nوأما إذا عني به الموجود بنفسه القائم بنفسه.\nفالصفات اللازمة تكون ممكنة، لكن هذا يقتضي أن يكون في الممكنات ما هو قديم أزلي وهذا باطل كما قد بسطناه في موضع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: قولك: المجموع المركب من لاواجب والممكن ممكن ممنوع بان يقال ليس المجموع إلا الأفراد الموجودة في الخارج والمجموع هو جميع تلك الأفراد وتلك الأفراد بعضها واجب وبعضها ممكن، والجميع ليس هوصفة ثبوته قائمة بالأفراد، وإنما هو امر نسبي إضافي كالعدد والموجود في الخارج، فليست جملته غير آحاد المعنية ومعلوم أن الجملة ليست هي كل واحد من الآحاد بعينه لكن هي الآحاد جميعها فالآحاد.","vol":"3","page":241},{"text":"جميعها هي الجملة والمجموع وهذا لا حقيقة له غير الآحاد والآحاد بعهضا واجب وبعضها ممكن.\nيبين ذلك أنه قد قال بعد هذا: إن جملة الأمور التي يتوقف عليها الواجب والممكن ليس داخلًا في المجموع لتوقفه على كل جزء منها ولا خارجًا عنه فهي نفس المجموع.\nفإن قال: بل المجموع هو الهيئة الاجتماعية الحاصلة باجتماع الواجب والممكن وتلك ممكنة لتوقفها على غيرها.\nقيل: تلك النسبة ليست أعيانًا قائمة بانفسها، ولا صفات ثبوتية بالأعيان، بل أمر نسبي إضافي، سواء كانت نسبة عدمية أو ثبوتيه إذا قيل: هي ممكنة لم يضر، فإن الواجب الذي هو واحد من المجموع موجب لسائر الممكنات، وتلك النسبة من الممكنات، ولا يكون جزء المجموع موجبًا للمجموع، بمعنى انه موجب لكل واحد من الأفراد، فإن هذا يقتضي أن يكون موجبًا لنفسه، وهو ممتنع، بل بمعنى انه موجب لما سواه وللهيئة الاجتماعية وهذا صحيح","vol":"3","page":242},{"text":"أو يقال: هو موجب لماسواه والهيئة الاجتماعية إن كانت ثبوتية فهي ممكنة من جملة الممكنات التي هي سواه وإن كانت عدمية فالأمر ظاهر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: مجموع الموجودات إما أن يكون فيها واجب بنفسه وإما أن لا يكون أي إما أن يقدر ذلك وإما أن لا يقدر.\nفإن قدر فيها واجب بنفسه وجوب الواجب بنفسه وهو المطلوب، وإن لم يقدر ذلك هذه الحجة، وقد تقدم تقرير هذا الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>الدليل الثالث على إبطال التسلسل</span>\nوأما الدليل الثالث على إبطال التسلسل وهو قولهم: إن جملة ما يفتقر إليه المجموع: إما أن يكون نفس المجموع، أو داخلًا فيه أو خارجًا عنه.\nوالأول محال، وإلا لكان الشيء علة نفسه.\nوالثاني محال وإلا لكان بعض أجزائه كافيًا في المجموع والثالث حق\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>اعتراض الأبهري عليه</span>\nفقد اعترض عليه بقوله: قلنا إن أردتم بجملة ما يفتقر إليه المجموع جملة الأمور التي يصدق على كل واحد منها انه مفتقر إليه، فلم قلتم بانه لا يجوز أن يكون هو نفس المجموع، والذي يدل عليه أن جملة الأمور التي يفتقر إليه الواجب والممكن ليس داخلًا في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا خارجًا عنه، فهو نفس المجموع.","vol":"3","page":243},{"text":"وإن أردتم العلة الفاعلية فلم قلتم أنه يلزم أن يكون بعض الأجزاء كافيًا في المجموع؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>الجواب عن هذا الاعتراض من وجوه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>الوجه الأول</span>\nأن نقول: العلم بكون مجموع المعلولات الممكنة معلولًا ممكنًا أمر معلوم بالأضطرار، فإن المجموع مفتقر إلى المعلولات الممكنة، والمفتقر إلى المعلول أولى أن يكون معلولًا، وحينئذ فما أورده من القدح في تلك الحجة لا يضر إذ كان قدحًا في الضروريات فهو من جنس شبه السوفسطائية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>الوجه الثاني</span>\nأن مجموع المعلولات الممكنة إما أن يكون واجبًا بنفسه وإما أن يكون ممكنًا وإذا كان ممكنًا فالمقتضى له غما نفسه أو جزؤه أو أمر خارج عنه.\nأما كون مجموع المعلولات الممكنات واجبًا بنفسه فهو معلوم الفساد بالضرورة، لأن المجموع غما كل واحد واحد من الأفراد، وغما الهيئة الاجتماعية، وإما مجموعهما، وكل من ذلك ممكن.\nفإذًا ليس الأفراد ممكنة وكل منها معلول ولو قدر مالا غاية له","vol":"3","page":244},{"text":"والمعلول من حيث هو معلول لا بد له من علة، فكل منها لا بد له من علة، وتعاقب معلولات لا تتناهى لا يمنع ان يكون كل منها محتاجًا إلى العلة، فإذا لم يكن ثم مجموع إلا هذه الآحاد التي كل منها معلول محتاج، لزم أن لا يكون في الوجود إلا ما هو معلول محتاج، ومن المعلول بالضرورة أن المعلول المحتاج لا يوجد بنفسه.\nفعلى هذا التقدير لا يكون في الوجود ما يوجد بنفسه، وما لا يوجد بنفسه لا يوجد إلا بموحد، والموجد إذا لم يكن موجودًا بنفسه كان مما لا يوجد بنفسه فلا يوجد فيلزم أن لا يوجد شيء، وقد وجدت الموجودات، فيلزم الجمع بين النقيضين: وهو أن لا يكون شيء من الموجودات موجودًا، إذا قدر انه ليس فيها شيء موجود بنفسه، وهي كلها موجودة، فلا بد من غير موجود بنفسه.\nفيكون الموجود موجودًا بنفسه، غير موجود بنفسه، وهو جمع بين النقيضين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: أردنا بجملة ما يفتقر إليه المجموع العلة الفاعلة، فغن الكلام إنما هو في إثبات الفاعل لمجموع الممكنات، ليس هو فيما هو أعم من ذلك قوله: إن أردتم العلة الفاعلة التامة، فلم قلتم: إنه يستلزم أن يكون بعض الأجزاء كافيًا في المجموع؟\nفيقال: قلنا ذلك لأنه إذا وجدت العلة الفاعلة التامة لزم وجود المعلول، فإنه إنما نعني بالعلة مجموع ما يلزم من وجوده وجود المعلول، فغن الممكن لا يوجد حتى يحصل المرجح التام المستلزم لوجوده، فإذا","vol":"3","page":245},{"text":"كان الفاعل فاعلًا باختياره، فلا بد من القدرة التامة والإرادة الجازمة، فلا يحصل الممكن بدون ذلك، ومتى وجد ذلك وجب حصول المفعول الممكن، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ الله امتنع وجوده، فإن حصل للمكن المؤثر التام وجب وجوده بغيره، وإن لم يحصل امتنع وجوده لانتفاء المؤثر التام، فوجوده لا يحصل إلا بغيره.\nوأما عدمه فقد قيل: إنه أيضًا لا بد له من علة، وهو قول ابن سينا وأتباعه المتأخرين الذين يقولون: إن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح.\nوقيل: لا يحتاج عدمه إلى علة، وهو قول نظار السنة المشهورين كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وهو آخر قول الرازي فإنه يقول بقول هؤلاء تارة، وهؤلاء تارة، لكن هذا آخر قوليه.\nفإن العدم عندهم لا يفتقر إلى علة، وإذا قيل: عدم لعدم علته، فمعناه أن عدم علته مستلزم لعدمه، لا أنه هو الذي أوجب عدمه، بل إذا عدمت علته علمنا أنه معدوم فكان ذلك دليلًا على عدمه، لا أن أحد العدمين","vol":"3","page":246},{"text":"أوجب الآخر، فإن العدم لا تأثير له في شيء أصلًا، بل عدمه يستلزم عدمه علته، وعدم علته يستلزم عدمه من غير أن يكون أحد العدمين مؤثرًا في الآخر.\nوأما وجوده فلا بد له من المؤثر التام، وإذا حصل المؤثر التام وجب وجوده، وإلا امتنع وجوده.\nولهذا تنازع الناس في الممكن: هل من شرطه أن يكون معدومًا؟ فالذي عليه قدماء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه من المتقدمين والمتأخرين كأبن رشد وغيره حتى الفارابي معلمهم الثاني، فإن أرسطو معلمهم الأول.\nوحتى ابن سينا وأتباعه وافقوا هؤلاء أيضًا لكن تناقضوا وعليه جمهور نظار أهل الملل من المسلمين وغيرهم: أن من شرطه أن يكون معدومًا وأنه لا يعقل إلامكان فيما لم يكن معدومًا.\nوذهب ابن سينا وأتباعه إلى أن القديم الموجود بغيره يوصف بالإمكان وإن كان قديمًا أزليًا لم يزل واجبًا بغيره، لكنه قد صرح هو وأصحابه في غير موضع بنقيض ذلك كما قاله الجمهور، وقد ذكرت بعض ألفاظه في كتابه المسمى بالشفاء في غير هذا الموضع وأصحابه الفلاسفة المتبعين لأرسطو وأصحابه مع الجمهور أنكروا ذلك عليه وقالوا إنه خالف به سلفهم، كما خالف به جمهور النظار وخالف به ما ذكره هو مصرحًا به في غير موضع.","vol":"3","page":247},{"text":"وذلك لأن الممكن بنفسه هو الذي يمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد، وذلك أنما يعقل فيما يكون معدومًا، ويمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد، بل يستمر عدمه.\nفأما ما لم يزل موجودًا بغيره فكيف يقال فيه إنه يمكن وجوده وعدمه؟ أو يقال فيه إنه يقبل الوجود والعدم؟\nومما يوضح ذلك أن القابل للموجود والعدم غما أن يكون هو الموجود في الخارج أو الماهية الموجودة في الخارج عند من يقول: الوجود زائد على الماهية أو ما ليس موجودًا في الخارج.\nفإن قيل بالأول فهو ممتنع، لأن ما كان موجودًا في الخارج أزلًا وأبدًا: واجبًا بغيره فإنه لا يقبل العدم أصلًا.\nفكيف يقال: إنه يقبل الوجود والعدم؟\nوإن قيل أمر آخر، فذلك لا حقيقة له حتى يقبل وجودًا أو عدمًا، لأن وجود كل شيء عين ماهيته في الخارج، ولكن الذهن قد يتصور ماهية غير الوجود الخارجي، فإذا اعتبرت الماهية في الذهن والوجود في الخارج أو","vol":"3","page":248},{"text":"بالعكس فاحدهما غير الآخر، وأما إذا اعتبر ما في الخارج فقط أو ما في الذهن فقط فليس هناك وجود وماهية زائدة ومن تصور هذا تصورًا تامًا لم ينازع فيه، وإنما ينازع من لم يميز بين الذهني والخارجي، واشتبه عليه أحدهما بالآخر، وأيضًا فلو قدر أن في الخارج ماهية ووجودًا لواجب قديم أزلي، فهذه كما يقوله كثير من المتكلمين: إن لواجب الوجود ماهية غير زائدة على وجوده، وحينئذ فمثل وجود هذه الماهية لا يقبل العدم كما أن وجود الماهية الواجبة بنفسها لا تقبل العدم.\nوإن قيل: نحن نريد بذلك أن ماهية الممكن الزائدة على وجوده القديم الأزلي كماهية الفلك هي من حيث هي هي مع قطع النظر عن وجودها وعدمها تقبل الوجود والعدم.\nقيل: إثبات هذه الماهية زائدة على الوجود باطل.\nكما قد بين في موضع آخر.","vol":"3","page":249},{"text":"وبتقدير التسليم فهذا كما يقدر أن وجود واجب الوجود زائد على ماهيته.\nومعلوم أنه لا يستلزم ذلك كون ماهيته قابلة للعدم.\nثم يقال: قول القائل: الماهية من حيث هي هي تقدير للماهية مجردة عن الوجو د والعدم، وهذا تقدير ممتنع في نفسه، فإن الماهية لو قدر تحققها فإما أن تكون موجودة أو معدومة، فلا يمكن تقديرها مجردة في الخارج حتى يقال: إن تلك الماهية تقبل الوجود معدومة، فلا يمكن تقديرها مجردة في الخارج حتى يقال: إن تلك الماهية تقبل الوجود والعدم.\nوأيضًا، فلو قيل: إنه يمكن تقديرها مجردة، فهذا إنما يمكن في الماهية إذا كانت يمكن أن تكون موجودة ويمكن أن تكون معدومة.\nوأما ما كان الوجود لازمًا لها قديمًا ازليًا يمتنع عدمه، فكيف يتصور ان يقال: إن هذه الماهية تقبل العدم وهي لم تزل واجبة الوجود، فليس لها وقت من الأوقات تقبل فيه العدم، وإذا قدرت مجردة في الذهن فليست هذه المقدرة في الذهن هي الموجودة في الخارج المستلزمة للوجود القديم الأزلي.\nفإن قيل: هذا كما نقول في ماهية المحدث أنه يقبل الوجود والعدم.\nقيل: إن سلم لكم أن ماهية المحدث زائدة على وجودهما موافقتكم لسائر العقلاء على أنه يمتنع تحققها في الخارج إلا إذا كانت موجودة،","vol":"3","page":250},{"text":"وحين وجودها لا تكون معدومة، بمعنى كونها تقبل الوجود والعدم قيل أحد إمرين: إما ان يقال: الماهية المقدرة في الذهن يمكن أن تكون موجودة في الخارج، ويمكن أن تكون معدومة، وإما أن يقال: هذه الحقيقة يمكن أن تكون في الخارج معدومة، فإذا اخترنا من ذلك حال عدمها قيل: يمكن وجودها بعد العدم، وإن كان حين وجودها: قيل: يمكن عدمها بعد الوجود، ومثل هذا ممتنع في الماهية القديمة الازلية التي يجب وجودها ويمتنع عدمها، سواء قدر ان وجوبها بنفسها أو بغيرها كما أن صفات الرب عند من قال: ممكنة مع كونها قديمة أزلية واجبة بالذات، فإنها عندهم لا يمكن عدمها ولا تقبله، فإن ما وجب قدمه من الأمور الوجودية امتنع عدمه باتفاق العقلاء.\nفإن ما يجب قدمه لا يكون إلا واجبًا بنفسه ولا بغيره ليس قديما باتفاق العقلاء.","vol":"3","page":251},{"text":"فإنه إذا قدر أنه ليس واجبًا بنفسه فلا بد أن يكون من لوازم الواجب بنفسه، فإنه إذا لم يكن من لوازمه، بل جاز وجوده تارة وعدمه أخرى.\nلم يكن هناك موجب لذاته ولا ذاته واجبة بنفسها فامتنع قدمه.\nوإذا كان من لوازم الواجب بنفسه امتنع عدمه إلا إذا عدم الملزوم، فإن اللازم لا ينتفي إلا إذا انتفى الملزوم والملزوم الواجب بنفسه يمتنع عدمه فيمتنع عدم لازمه، وما امتنع عدمه لا يكون ممكن العدم.\nفإن قيل: فالممكنات التي هي محدثة هي واجبة بغيرها، إذا وجدت تجب بوجوب سببها.\nفما شاء الله كان وجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده.\nوهي ممتنعة حال عدمها.\nومع هذا فهي تقبل الوجود والعدم، ولا يلزم من عدمها عدم الواجب.\nقيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما أن تلك كانت معدومة تارة وموجودة أخرى فثبت قبولها للوجود والعدم، فلا يمكن أن يقال: إنها لا تقبل","vol":"3","page":252},{"text":"العدم بخلاف ما هو لم يعدم قط ولم يكن عدمه في وقت من الأوقات.\nالثاني: أن هذه لا يوجبها نفس الواجب إذا لو كان كذلك لكانت لازمة لذاته قديمة أزلية، بل إنما توجبها الذات مع ما يحدث من الشروط التي بها تم حصول المقتضى التام، فحينئذ ليست من لوازم الواجب بنفسه بل من لوازم مؤثرها التام، ومن جملة ذلك الأمور الحادثة التي هي شرط في حدوثها، وإذا عدمت فأنها تعدم لانتفاء بعض هذه الشروط الشروط الحادثة، أو لحدوث مانع ضاد وجودها، ومنع تمام علتها التامة فعدمت لعدم بعض الحوادث أو وجود بعض الحوادث، كما وجدت لحدوث بعض الحوادث.","vol":"3","page":253},{"text":"وقدم بعضها أيضا.\nفلهذا لم تكن من لوازم ذاته المجدة في الأزل.\nبخلاف ما كان من لوازم ذاته في الأزلية الواجبة الوجود، وعدمها ممتنع تحقق ذاته في الأزل بدونها فمتى قدر عدمه لزم عدم الذات الأزلية الواجبة الوجود ن وعدمها ممتنع، فعدم لازمها الأزلي ممتنع، فلا يكون لازمه الأزلي ممكنا ً البتة، بل لا يكون إلا واجبًا قديمًا أزليًا لا تقبل ذاته العدم.\nوهذا هو المطلوب.\nفقد تبين أن ما كان أزليًا فإنه واجب الوجود يمتنع عدمه لا يكون ممكنًا البتة، وهذا مما اتفق عليه العقلاء أولوهم وأخرون.\nحتى أرسطو وجميع أتباعه الفلاسفة إلى الفارابي وغيره، وكذلك ابن سينا وأتباعه.\nلكن هؤلاء تناقضوا فوافقوا سلفهم والجمهور في موضع، وخالفوا العقلاء قاطبة مع مخالفتهم لأنفسهم في هذا الموضع.\nحيث قضوا بوجود موجود ممكن يقبل الوجود والعدم مع كونه قديمًا أزليًا وأجبًا، وإن قيل: هو واجب بغيره.","vol":"3","page":254},{"text":"ولهذا لا يوجد هذا القول عن أحد من عقلاء قبل هؤلاء، ولا نقله أهل المقالات عن احد من الطوائف.\nوإنما يوجد في كلام هؤلاء وأتباعهم وإذا عرف هذا فإن قال هؤلاء: نحن نريد به العدم الاستقبالي أي يقبل ان يعدم في المستقبل قيل فهذا يبطل قولكم.\nلأن ما كان واجبًا بغيره أزليًا لم يقبل العدم لا في الماضي ولا في المستقبل.\nوكذلك هو عندكم أزليًا كان أبديا يمتنع عندكم عدمه.\nوإن قيل: نريد به أن ما تصور في الذهن يمكن وجوده في الخارج ويمكن أن لا يوجد.\nقيل: إذا كان أزليًا واجبًا بغيره لم يمكن أن يقبل العدم بحال فلا يكون ممكنًا، فالممكن لا يكون ممكنا إن لم يكن معدومًا في الماضي أو المستقبل.\nوإذا قيل: إن من الممكن يقبل الوجود والعدم لم نرد به انه يقبلهما على سبيل الجمع، فإن هذا جمع بين النقيضين بل المراد به أنه يقبل الوجود بدلًا عن العدم، والعدم بدلًا عن الوجود، فإذا كان معدومًا كان قابلًا لدوام العدم وقابلًا لحدوث الوجود، وإذا كان موجودًا قبل دوام الوجود، فإذا كان معدوما كان قابلًا لدوام العدم وقابلًا لحدوث الوجود، وإذا كان موجودًا قبل دوام الوجود وقبل حدوث العدم هذا إذا اعتبر حاله في الخارج وإن اعتبر حاله في الذهن فالمراد","vol":"3","page":255},{"text":"أن ما يتصوره في الذهن يمكن أن يوجد في الخارج، ويمكن ان لا يوجد فبكل حال إذا اعتبر الممكن ذهنيًا أو خارجيًا لا يتحقق فيه الإمكان إلا مع إمكان العدم تارةً ووجود أخرى، فما كان ضروري العدم كالجمع بين النقيضين لا يكون ممكنا ً ن وما كان ضروري الوجود وهو القديم الأزلي لا يكون ممكنًا وقد وافق على هذا جميع الفلاسفة: ارسطو وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين والعقلاء أما مع وجوب وجوده بنفسه أو بغيره دايمًا، فليس هناك ممكن يحكم عليه بقبول الوجود والعدم.\nولما سلك الرازي ونحوه مسلك ابن سينا في إثبات إمكان مثل هذا اضطربوا في الممكن وورد عليهم فيه إشكالات كثيرة، كما هو موجود في كتبهم كما أوردوه الرازي في محصله من الحجج الدالة على نفي هذا الممكن ولم يكن عنها جواب إلا دعواه أن ما كان متغيرًا فإنه يعلم إمكانة بالضرورة.\nوهذه الدعوى يخالفه فيها جمهور العقلاء، حتى ارسطو واصحابه ن وهذا الذي نبهنا عليه هو أحد ما يستدل به على أن كل ممكن فهو مسبوق بالعدم ن وكل ما سوى الله ممكن، فكل ما سوى الله حادث عن عدم ن كما قد بسط في موضعه.","vol":"3","page":256},{"text":"والمقصود هنا ان الدين بهذه الأدلة على افتقار الممكنات إلى واجب خارج عنها.\nفإن مرادهم بقولهم: جملة ما يفتقر إليه مجموع الممكنات هو المؤثر التام، وهو المرجح التام الذي يلزم من وجوده بتأثيره التام وجودها، كما ذكرناه من أن الفاعل باختياره إذا وجدت قدرته التامة وإرادته التامة وجب وجود المقدور.\nوهي الممكنات.\nوأما قوله: فلم قلتم: إنه يلزم أن يكون بعض الجزاء كافيًا في المجموع فلما ذكرناه من أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره، فإذا قدر أن المؤثر التام في المجموع هو بعض المجموع، لزم أن يكون بعض أجزاء المجموع هو المؤثر في المجموع فيكون مؤثرًا في نفسه وفي غيره\nوهذا ظاهر فإنه إذا قدر مجموع الممكنات وقدرنا أن واحدًا منها مؤثر في نفسه وفي غيره فيكون بعض أجزاء المجموع موجبًا لحصول المجموع المذكور ومن المجموع نفسه وهذا ممتنع وأما المجموع المركب من الواجب والممكن، فهناك ليس بعضه مؤثرًا في كل واحد واحد وفي الهيئة الإجتماعية ٠ فإن من المجموع الواجب بنفسه لم يؤثر فيه شيء فظهر الفرق\nوأيضًا فالواجب مؤثر في الممكن وفي الهيئة الاجتماعية، ليس مؤثرًا في نفسه، بخلاف مجموع الممكنات، فإن كل واحد منها لا بد من مؤثر، والاجتماع لا بد له من مؤثر، فالمجموع مفتقر إلى المؤثر بأي تفسير","vol":"3","page":257},{"text":"فسر، فإن فسر بالهيئة الاجتماعية فهي متوقفة على الأفراد الممكنة، والمتوقف على الممكن أولى أن يكون ممكنًا، مع أن الهيئة الاجتماعية نسبة وإضافة متوقفة على غيرها، فهي ادخل في الإمكان والافتقار من غيرها وهي من أضعف الأعراض المفتقرة إلى الأعيان إن قدر لها ثبوتًا وجوديًا وإلا فلا وجود لها وإن فسر المجموع بكل واحد واحد، أو فسر بالأمرين بكل واحد بالاجتماع، أو بغير ذلك بأي شيء فسر، لم يكن إلا ممكنًا مفتقرًا إلى غيره، وكلما كثرت الإمكانات كثر الافتقار والحاجة\nفإذا قيل: المؤثر في ذلك واحد منها وهو ممكن لزم أن يكون الممكن الذي لم يوجد بعد فاعلًا لجميع الممكنات، ونفسه من الممكنات، فإن نفسه لا بد له من فاعل أيضًا\nوهذا المعترض اخذ المجموع المركب من الواجب والممكن فعارض به المجموع من الممكنات. ولفظ المجموع فيه إجمال يراد به الاجتماع، ويراد به جميع الأفراد، ويراد به الأمران، فكانت معارضته في غاية الفساد ٠ فإن ذلك المجموع فيه واجب بنفسه لا يحتاج إلى غيره، وما سواه من الأفراد والهيئة الإجتماعية مفعول له، فهذا معقول","vol":"3","page":258},{"text":"فالله تعالى هو الموجود الواجب بنفسه، خالق لكل ما سواه وأما الهيئة الاجتماعية إن قدر لها وجود في الخارج فهي حاصلة به أيضًا ﷾. وأما المجموع الذي كل منه مفتقر إلى من يبدعه، وليس فيه موجود بنفسه، فيمتنع أن يكون فاعلهم واحدًا منهم لأنه لا بد له من فاعل، فلو كان فاعلهم ما كان فاعل نفسه وغيره من الممكنات، ولزم أن يكون بعض أجزاء الممكنات كافيًا في مجموع الممكنات، وإذا كان مجموع الممكنات يمتنع أن يكون فاعلها، فلأن يمتنع أن يكون بعضها فاعلًا لها بطريق الأولى، فإن ما يتعذر على المجموع يتعذر على بعضه بطريق الأولى، وما يفتقر إليه المجموع يفتقر إليه بعضه بطريق الأولى. وهذا المعترض أخذ ما يفتقر إليه المجموع لفظًا مجملًا، فالافتقار قد يكون افتقار المشروط إلى شرطه، وقد يكون افتقار المفعول إلى فاعله٠ ثم أخذ يورد على هذا وعلى هذا، ونحن نجيب على كل تقدير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>الوجه الرابع</span>\nأن يقال أتعني بجملة ما يفتقر إليه المجموع ما إذا وجد وجد المجموع، وما لا يوجد المجموع إلا بوجوده كله مع قطع النظر عن كونه شرطًا أو فاعلًا، فإن جملة ما يفتقر إليه الشيء هو الجملة التي تشتمل على كل ما يفتقر إليه الشيء.\nفكل ما كان الشيء مفتقرًا إليه فهو","vol":"3","page":259},{"text":"داخل في هذه الجملة، وإذا حصل كل ما يحتاج إليه الشيء لم يبق الشيء محتجًا إلى شيء أصلًا، فيلزم وجوده حينئذ، فإنه ما دام مفتقرًا إلى شيء لم يوجد، وإذا حصل كل ما يتوقف وجوده عليه ولم يبق وجوده موقوفًا على شيء أصلًا لزم وجوده، فينبغي بجملة ما يتوقف وجود الشيء عليه الأمور التي إذا وجدت وجد المجموع، وإن لم توجد جميعها لم يوجد المجموع.\nومعلوم أنه إذا عنى به ذلك لم يمكن أن يكون ذلك بعضها، لأنه يلزم حينئذ أن يكون بعض الأجزاء كافيًا في المجموع، فإنه قد فسر الجملة بما إذا حصل وجب حصول المجموع، وإن لم يحصل لم يجز حصوله، فلو كان بعض الأجزاء هو تلك الجملة لوجب أن يكون ذلك البعض كافيًا في حصول المجموع، سواء قدر فاعلًا لنفسه ولباقي الجملة، أو قدر أن حصوله هو حصول المجموع، أو قدر غير ذلك من التقديرات الممتنعة، فأي تقدير قدر كان ممتنعًا، فإن جملة ما يفتقر إليه المجموع لا يكون بعض المجموع بأي تفسير فسر، وهو المطلوب.\nولكن لفظ المجموع فيه إجمال، فإنه قد يعني به مجرد الهيئة الاجتماعية، وقد يعنى به كل من الأفراد، أو كل من الأفراد مع الهيئة الاجتماعية، فإن عني به الأول فلا ريب أن هذا قد يكون بعض الأفراد موجبًا له، كما في المجموع المركب من الواجب والممكن، فإن","vol":"3","page":260},{"text":"الواجب هو الموجب للممكنات، وهو الموجب أيضًا للهيئة الاجتماعية، والهيئة الاجتماعية أمر ممكن خارج عن الواجب، ليس هو بعض الهيئة الاجتماعية، لكنه بعض الأفراد، والهيئة نسبة وإضافة، وليس هو بعض النسبة والإضافة ولكن هو بعض الأفراد المنسوب بعضها إلى بعض، والنسبة وسائر الأفراد غير له، وهو الموجب لكل ما هو غير له.\nوأما المجموع الذي هو الأفراد فلا يكون بعضه هو الموجب لكل من الأفراد، فإن هذا يقتضي أن يكون ذلك البعض موجبًا لنفسه فاعلًا لذاته، وهذا ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء بل هو من أبلغ الأمور امتناعًا، والعلم بذلك من أوضح المعارف وأجلاها، ولهذا لم يقل هذا أحد من العقلاء.\nوإذا المجموع كلا من الأفراد مع الهيئة فهو أبعد عن أن يكون واحد من الأفراد موجبًا لنفسه ولسائر الأفراد ومع الهيئة الاجتماعية، وهذا بين ولله الحمد والمنة.\nواعلم أن مثل هذه الاعتراضات مع صحة الفطرة وحسن النظر يعلم فسادها، ومثل هذه الخواطر الفاسدة التي تقدح في المعلومات","vol":"3","page":261},{"text":"لا نهاية لها، ولا يمكن استقصاء ما يرد علي النفوس من وساوس الشيطان، ولولا أن هذين الرجلين اللذين كان يقال إنهما من أفضل أهل زمانهما في المباحث العقلية: كلاميها وفلسفيها، أورد كل منها ما ذكرت، وصار ذلك عنده مانعًا من صحة الطريق المذكور في إثبات واجب الوجود لما ذكرت ذلك لظهور فساده عند من له تصور صحيح لما ذكروه فضلًا عمن نور الله قلبه.\nثم إن هؤلاء الفلاسفة يقولون كما زعم الآمدي إن كمال النفس الإنسانية هو الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات وهم مع هذا لم يعرفوا الموجود الواجب، فأي شيء عرفوه؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>جهل المبتدعته وحيرتهم</span>\nوقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الخونجي صاحب كشف الأسرار في المنطق وهو عند كثير منهم غاية ف يهذا الفن أنه قال عند الموت أموت وما علمت شيئًا إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف عدمي أموت وما علمت شيئًا\nوذكر الثقة عن هذا الآمدي أنه قال أمعنت النظر في الكلام وما استفدت منه شيئًا إلا ما عليه العوام أو كلامًا هذا معناه.","vol":"3","page":262},{"text":"وذلك أن هذا الآمدي لم يقرر في كتبه لا التوحيد ولا حدوث العالم، ولا إثبات واجب الوجود بل ذكر في التوحيد طرقًا زيفها وذكر طريقة زعم انه ابتكرها، وهي أضعف من غيرها.\nوكان ابن عربي صاحب الفصوص والفتوحات وغيرهما يعظم طريقته ويقول: إن الطريقة التي ابتكرها في التوحيد طريقة عظيمة، أو ما هو نحو هذا، حتى أفضى الأمر ببعض أعيان القضاة الذين نظروا في كلامه إلى أن قال التوحيد لا يقوم عليه دليل عقلي وإنما يعلم بالسمع، فقام عليه أهل بلده وسعوا في عقوبته، وجرت له قصة.\nوكذلك الأصبهاني اجتمع بالشيخ إبراهيم الجعبري يومًا فقال له بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته.\nوكذلك حدثني من قرا على ابن واصل الحموي أنه قال أبيت باليليل واستلقي على ظهري وأضع الملحفة على وجهي وأبيت","vol":"3","page":263},{"text":"أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس وأصبح وما ترجح عندي شيء كأنه يعني أدلة المتكلمين والفلاسفة.\nوقد بسطنا في التوحيد وأدلته في غير هذا الموضع، وذكرنا أن الناس قبلنا قد ذكروا له من الأدلة العقلية اليقينية ما شاء الله ولكن الإنسان يريد ان يرعف ما قاله الناس وما سبقوا إليه، وبينًا أن القرآن ذكر من ذلك ما هو خلاصة ما ذكروه الناس، وفيه من بيان توحيد الإلهية ما لم يهتد إليه كثير من النظار ولا العباد، بل هو الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>الطرق المختلفة لإثبات الخالق تعالى</span>\nوهؤلاء كما ذكرت انقسموا إلى أصحاب نظر وفكر وبحث واستدلال وأصحاب إرادة وعبادة وتأله وزهد فكان منتهى أولئك الشك، ومنتهى هؤلاء الشطح.\nفأولئك يشكون في ثبوت واجب الوجود، او يعجزون عن إقامة الدلالة عليه.\nوإذا لم يكن في الوجود واجب لم يوجد شيء فتكون الموجودات كلها معدومات فيفضى بهم سوء النظر إلى جعل الموجودات معدومات أو تجويز كونها معدومات وجعل الموجود الواجب ممكنًا وجعل الواجب ممكنًا غاية التعطيل.\nوالآخرون يجعلون كل موجود واجب الوجود، ويجعلون وجود كل موجود هو نفس وجود واجب الوجود، فلا يكون في الوجود وجود هو","vol":"3","page":264},{"text":"عندهم مخلوق ولا مصنوع ولا مفتقر إلى غيره، ولا محتاج إلى سواه ن فلا يكون في الوجود ما وجد بعد عدمه ولا ما عدم بعد وجوده وهذا فيه من جعل المعدوم موجودًا ومن جعل الممكن واجبًا، وجعل العبد ربًا وجعل المحدث قديمًا ما هو غاية الكفر والشرك والضلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>الطريقة الصحيحة الموافقة للفطرة في إثبات وجود الله تعالى</span>\nهذا مع أن إثبات الموجود الواجب الغني الخالق، وإثبات الموجود الممكن المحدث الفقير المخلوق هو من أظهر المعارف وأبين العلوم.\nأما ثبوت الموجود المفتقر المحدث الفقير، فيما نشاهده من كون بعض الموجودات يوجد بعد عدمه، ويعدم بعد وجوده، من الحيوانات والنباتات والمعدن، وما بين السماء والأرض من السحاب والمطر والرعد والبرق وغير ذلك، وما نشاهده من حركات الكواكب.\nوحدوث الليل بعد النهار، والنهار بعد الليل، فهذا كله فيه من حدوث موجود بعد عدمه، ومعدوم بعد وجوده وما هو مشهود لبني أدم يرونه بأبصارهم.\nثم إذا شهدوا ذلك فنقول: معلوم أن المحدثات لا بد لها من محدث.\nوالعلم بذلك ضروري كما قد بين ولا بد من محدث لا يكون","vol":"3","page":265},{"text":"محدثًا وكل محدث ممكن والممكنات لا بد لها من واجب، وكل محدث وممكن فقير مربوب مصنوع والمفتقرات لا بد لها من غني والمربوبات لا بد لها من رب والمخلوقات لا بد لها من خالق.\nوأيضًا فإنه يقال: هذا الموجود إما أن يكون واجبًا بنفسه وإما أن لا يكون واجبًا بنفسه بل ممكنًا بنفسه فهو واجبًا بغيره والممكن بنفسه الواجب بغيره لا بد له من واجب بنفسه فلزم ثبوت الواجب بنفسه على التقديرين.\nوأيضًا فالموجود: إما أن يكون محدثًا وإما أن يكون قديمًا والمحدث لا بد له من قديم فلزم وجود القديم على التقديرين.\nوأيضًا فالموجود إما أن يكون محدثًا وإما أن يكون والمحدث لا بد له من قديم فلزم وجود على التقديرين.\nوأيضًا فإما إن يكون خالقًا وإما أن لا يكون وقد علم فيما ليس بخالق كالموجودات التي علم حدوثها أنها مخلوقة والمخلوق لا بد له من خالق فعلم ثبوت الخالق على التقديرين.\nوأيضًا فالموجود إما غني عن كل ما سواه وغما مفتقر إلى غيره والفقير إلى غيره لا بد له من غنى بنفسه فعلم ثبوت الغني بنفسه على التقديرين.","vol":"3","page":266},{"text":"فهذه البراهين وأمثالها كل منها يوجب العلم بوجود الرب ﷾ الغني القديم الواجب بنفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>طريقة ابن سينا وأتباعه في إثبات وجود الله تعالى</span>\nوابن سينا وأتباعه كالرازي والآمدي والسهروردي المقتول وأتباعهم سلكوا في إثبات واجب الوجود طريقة الاستدلال بالوجود وعظموها وظن من ظن منهم انها أشرف الطرق وأنه لا طريق إلا وهو يفتقر إليها حتى ظنوا أن طريقة الحدوث مفتقرة إليها.\nوكل ذلك غلط بل هي طريقة توجب إثبات واجب الوجود بلا ريب لو كانوا يفسرون الممكن بالممكن الذي هو ممكن عند العقلاء سلفهم وغير سلفهم وهو الذي يكون موجودًا تارة ومعدومًا أخرى.\nفأما إذا فسر الممكن بالممكن الذي ينقسم إلى قديم واجب بغيره وإلى محدث مسبوق بالعدم كما هو قول ابن سينا وأتباعه فلا يصح لهم على هذا الأصل الفاسد لاإثبات واجب بنفسه ولا إثبات ممكن يدل على الواجب بنفسه.\nوهذه الطريقة هي في الحقيقة مأخوذة من طريقة الحدوث","vol":"3","page":267},{"text":"وطريقة الحدوث أكمل وأبين فغن الممكن الذي يعلم انه ممن هو ما علم أنه وجد بعد عدمه أو عدم بعد وجوده.\nهذا الذي اتفق العقلاء على أنه ممكن، وهو الذي يستحق أن يسمى ممكنًا بلا ريب وهذا محدث فإذا كل ممكن محدث.\nوأما تقدير ممكن لم يزل واجبًا بغيره، فأكثر العقلاء دفعوا ذلك، حتى القائلون بقدم العالم كأرسطو وأتباعه المتقدمين، وحتى هؤلاء الذين قالوا ذلك ابن سينا وأتباعه لا يجعلون هذا من الممكن بل الممكن عندهم ما أمكن وجوده وعدمه فكان موجودًا تارة ومعدومًا أخرى.\nوإنما جعل هذا من الممكن ابن سينا وأتباعه مع تناقضه وتصريحه بخلاف ذلك لما سلكوا في إثبات واجب الوجود الاستدلال بالموجود على الواجب فقالوا كل ما سواه يكون ممكنًا بنفسه واجبًا بغيره، وجعلوا العلم قديمًا أزليًا مع كونه ممكنًا بنفسه.\nوهذا خلاف قول سلفهم، وقول أئمة الطوائف سواهم وخلاف ما صرحوا أيضًا به وهذا مما أنكره ابن رشد وغيره على ابن سينا وبسط الكلام فيه له موضع آخر.","vol":"3","page":268},{"text":"والمقصود هنا أن هؤلاء الذين يدعونان كمال النفس هو الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات هذا اظطرابهم في أشرف المعلومات الموجودات، بل فيما لا تنجو النفوس إلا بمعرفته وعبادته، ولكن لما سلموا للفلاسفة أصولهم الفاسدة تورطوا معهم في محاراتهم وصاروا يجرونهم كما يجر الملاحدة الباطنية الناس صنفًا صنفًا.\nوالفلسفة هي باطن الباطنية، ولهذا صار في هؤلاء نوع من الإلحاد فقل أن يسلم من دخل مع هؤلاء ف ينوع من الإلحاد، في أسماء الله وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>بطلان قول الفلاسفة حول كمال النفس</span>\nونفس المقدمة الهائلة التي جعلوها غاية مطلوبهم وهو أن كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات مقدمة باطلة قد بسطنا الكلام عليها في الكلام على معجزات الأنبياء لم تكلمنا عن قولهم انها قوى نفسانية وذكرنا قطعة من كلامهم على ذلك وبينا أن قولهم إن كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات خطأ وضلال ومن هنا جعلوا الشرائع مقصودها إما إصلاح الدنيا وإما تهذيب النفس لتستعد للعلم أو لتكون الشريعة أمثالًا لتفهيم المعاد في","vol":"3","page":269},{"text":"العقليات كما يقوله الملاحدة الباطنية مثل أبي يعقوب السجستاني وأمثاله ولهذا لا يوجبون العمل بالشرائع على من وصل إلى حقيقة العلم، ويقولون إنه لم يجب على الأنبياء ذلك وإنما كانوا يفعلونه لأنه من تمام تبليغهم الأمم ليقتدوا بهم في ذلك لا لأنه واجب على الأنبياء وكذلك لا يجب عندهم على الواصلين البالغين من الأمة والعلماء.\nودخل في ذلك طائفة من ضلال المتصوفة ظنوا أن غاية العبادات هو حصول المعرفة فإذا حصلت سقطت العبادات وقد يحتج بعضهم بقوله ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ الحجر ٩٩ ويزعمون أن اليقين هو المعرفة وهذا خطأ بإجماع المسلمين أهل التفسير وغيرهم فإن المسلمين متفقون على أن وجوب العبادات كالصلوات الخمس ونحوها وتحريم المرحمات كالفواحش والمظالم لا يزال واجبًا على كل أحد ما دام عقله حاضرًا، ولو بلغ، وأن الصلوات لا تسقط عن أحد قط إلا عن الحائض والنفساء أو من زال عقله.\nمع أن من زال عقله بالنوم فانه يقضيها بالسنة المستفيضة المتلقاه واتفاق العلماء وأما من زال عقله بالإغماء ونحوه مما يعذر فيه ففيه نزاع مشهور: منهم من يوجب قضاءها مطلقًا كأحمد ومنهم من لا يوجبه كالشافعي ومنهم من يوجب قضاء ما","vol":"3","page":270},{"text":"قل، وهو ما دون اليوم والليلة أو صلوات اليوم والليلية، كما مذهب أبي حنيفة ومالك والمجنون لا يقضي عند عامتهم، وفيه نزاع شاذ.\nفالمقصود من هذا أن الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد له عقل، سواء كان كبيرًا أو صالحًا أو عالمًا.\nوما يظنه طوائف من جهال العباد وأتباعهم، وجهال النظار وأتباعهم وجهال الإسماعيلية والنصيرية وإن كانوا كلهم جهالًا من سقوطها عن العارفين أو الواصلين او أهل الحضرة أو عمن خرقت لهم العادات، أو عن الأئمة الإسماعيلية أو بعض أتباعهم أو عمن عرف العلوم العقلية أو عن المتكلم الماهر في النظر أو الفيلسوف الكامل في الفلسفة فكل ذلك باطل باتفاق المسلمين وبما علم بالاضطرار من دين الإسلام.\nواتفق علماء المسلمين على أن الواحد من هؤلاء يستتاب، فإن تاب وأقر بوجوبها وإلا قتل، فإنه لا نزاع بينهم في قتل الجاحد لوجوبها، وإنما تنازعوا في قتل من أقر بوجوبها وامتنع من فعلها مع أن أكثرهم يوجب قتله.\nثم الواحد من هؤلاء إذا عاد واعتراف بالوجوب فهل عليه قضاء ما تركه فهذا على ثلاثة أنواع أحدها أن يكون قد صار مرتدًا ممتنعًا","vol":"3","page":271},{"text":"عن الإقرار بما فرضه الرسول، فهذا حكمه حكم المرتدين، وفيه للعلماء ثلاثة أقوال: إحدهما: أنه لا يقضي ما تركه في الردة ولا قبلها لا من صلاة ولا صيام ولا زكاة بناءً على أن الردة أحبطت عمله، وأنه إذا عاد عاد بإسلام جديد فيستأنف العمل، كما هو معروف في مذهب أبي حنيفة ومالك، وقول في مذهب أحمد، والثاني: أنه يقضي ما تركه في الردة وقبلها، وهذا قول الشافعي، وإحدى الروايات عن أحمد.\nوالثالث: أنه لا يقضي ما تركه في الردة، ويقضي ما تركه قبلها، كالرواية المشهورة عن أحمد.\nوإن كان الواحد من هؤلاء جاهلًا وهو مصدق للرسول، لكن ظن أن من دينه سقوط هذه الواجبات عن بعض البالغين، كما يضن ذلك طوائف ممن صحب الشيوخ الجهال، وكما يظنه طائفة من الشيوخ الجهال، ولهم مع ذلك أحوال نفسانية وشيطانية.\nفهؤلاء مبني أمرهم على أن من ترك الصلاة قبل العلم بوجوبها فهل يقضي؟ وفيه ثلاثة أقوال: منها وجهان في مذهب أحمد: أحدهما: أنه لا قضاء عليه بحال بناء على أن حكم الخطاب لا يثبت","vol":"3","page":272},{"text":"في حق العبد إلا من بعد بلوغ الخطاب إليه.\nوالثاني: عليه القضاء بكل حال كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وغيره.\nوالثالث: يفرق بين من أسلم في دار الحرب ومن أسلم في غيرها، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة، والأول أظهر الأقوال.\nوأيضًا فقد تنازع الناس فيمن فوت الصلاة عمدًا بغير عذر والصوم، هل يصح منه القضاء أم قد استقر عليه الذنب فلا يقبل منه القضاء؟ على قولين معروفين، وليس هذا موضع هذا.\nوإنما المقصود هنا أنه ليس في علماء المسلمين من يقول بسقوط الصلاة عمن هو عاقل على أي حال كان.\nفمن تأول قوله تعالى ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ الحجر: ٩٩، على سقوط العبادة بحصول المعرفة فإنه يستتاب ن فإن تاب وإلا قتل.\nوالمراد بالآية: اعبد ربك حتى تموت، كما قال الحسن البصري: لم يجعل الله لعبادة المؤمن أجلا دون الموت، وقرأ الآية.\nواليقين هو ما يعانيه الميت فيوقن به، كما قال الله تعالى عن أهل النار ﴿وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين﴾ المدثر: ٤٦ ٤٧ وفي الصحيح أن النبي ﷺ لما مات عثمان بن مظعون.\nقال أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه.\nوالمقصود هنا أن هؤلاء الملاحدة، ومن شركهم في نوع من إلحادهم لما ظنوا أن كمال النفس في مجرد العلم، وظنوا أن ذلك إذا حصل فلا","vol":"3","page":273},{"text":"حاجة إلى العمل ن وظنوا أن ذلك حصل لهم، ظنوا سقوط الواجبات العامة عنهم وحل المحرمات العامة لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>بطلان هذا القول من وجوه والرد عليهم في ذلك</span>\nوضلالهم من وجوه.\nمنها: ظنهم أن الكمال في مجرد العلم.\nوالثاني: ظنهم أن ما حصل لهم علم.\nوالثالث: ظنهم أن ذلك العلم هو الذي يكمل النفس.\nالوجه الأول\nوكل من هذه المقدمات كاذبة، فليس كمال النفس في مجرد العلم، ولا في أن تصير عالمًا معقولًا موازيًا للعالم الموجود، بل لا بد لها من العمل، وهو حب الله وعبادته، فإن النفس لها قوتان: علمية وعملية، فلا تصلح إلا بصلاح الأمرين ن وهو أن تعرف الله وتعبده.\nوالجهمية هم خير من هؤلاء بكثير، ومع هذا فلما قال جهم ومن واقفه: إن الإيمان مجرد المعرفة، أنكر ذلك أئمة الإسلام ن حتى كفر من قال بهذا القول وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما.","vol":"3","page":274},{"text":"وهذا القول: وإن كان قد تابعه عليه الصالحي والأشعري في كثير من واكثر أصحابه فهو من أفسد الاقوال وابعدها عن الصحة كما قد بيناه في غير هذا الموضع، لما بينا الكلام في مسمى الأيمان وقبوله للزيادة والنقصان، وما للناس في ذلك من النزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>الوجه الثاني</span>\nوأما المقدمة الثانية: فلو كان كمال النفس في مجرد العلم، فليس هو أي علم كان بأي معلوم كان بل هو الذي لا بد منه: العلم بالله وهؤلاء ظنوا أنه العلم بالوجود بما هوموجود، وظنوا أن العالم أبدي ازلي.\nفإذا حصل له العلم بالوجود الازلي الأبدي كملت نفسه.\nوعلى هذا بنى أبو يعقوب السجستاني وغيره من شيوخ الفلسفة والباطنية أقوالهم، وكذلك أمثالهم من الفلاسفة كالفارابي وغيره.\nوابن سينا وإن كان أقرب إلى الإسلام منهم ففيه من الإلحاد بحسبه.\nوأبو حامد، وإن سلك أحيانًا مسلكهم، لكنه لا يجعل العلم بمجرد الوجود موجبًا للسعادة، بل يجعل ذلك في العلم بالله، وقد يقول في بعض كتبه: إنه العلم بالأمور الباقية، وهذا كلامهم.\nفمن قال: إن العالم أزلي أبدي قال بقولهم، ومن قال: إن كل ما سوى الله كان معدومًا ثم وجد لم يلزمه ذلك.\nوابن عربي وابن","vol":"3","page":275},{"text":"سبعين ونحوهما جمعوا بين المسلكين، فصاروا يجعلون كمال النفس هو العلم بالوجود المطلق، إن الله هو الوجود المطلق، فأخذوا من طريقة الصوفية: أنه العلم بالله، واخذوا من كلام هؤلاء: أنه العلم بالوجود المطلق، وجمعوا بينهما فقالوا: إن الله هو الوجود المطلق\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>الوجه الثالث</span>\nوأما المقدمة الثالثة: فزعمهم أنهم حصل لهم العلم بالوجود.\nوهذا باطل، فغن كلامهم في الإلهيات مع قلته فالضلال أغلب عليه من الهدى ن والجهل أكثر فيه من العلم، وهي العلوم التي تبقى معلوماتها وتكمل النفوس بها عندهم.\nوهذه الأمور مبسوطة في غيرهذا الموضع، ولكن نبهنا عليه هنا، لأن مثل هذا الآمدي وأمثاله الذين عضموا طريقهم وصدروا كتبهم التي صنفوها في أصول دين الإسلام بزعمهم بما هو أصل هؤلاء الجهال: من أن كمال النفس الإنسانية بحصول ما لها من الكمالات، وهي الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات، وسلكوا طرقهم وقعوا في الجهل والحيرة والشك بما لا تحصل النجاة إلا به، ولا تنال السعادة إلا بمعرفته، فضلًا عن نيل الكمال الذي هو فوق ذلك، فإن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير» فالكاملون من الرجال","vol":"3","page":276},{"text":"كثير، ولكن الذين سلكوا طريق هؤلاء من أبعد الناس عن الكمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>تقرير الآمدي لطريقة المتأخرين في إثبات واجب الوجود</span>\nوالمقصود هنا الكلام على مسلكه هؤلاء المتأخرين في تقرير واجب الوجود.\nوالآمدي قد قررها في أبكار الأفكار وأورد سؤالًا على بعض مقدماتها في رموز الكنوز قد ذكرنا سؤاله وجوابه.\nوأما تقريره لها فقال في تقرير هذه الحجة: النظر إلى الجملة غير إلى كل واحد واحد من آحادها، فإن حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من الآحاد، وعند ذلك فالجملة موجودة، فإما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة، لا جائز أن تكون واجبة كما تقدم وإن كانت ممكنه فلا بد لها من مرجح، والمرجح إما داخل فيها وإما خارج عنها.\nفإن كان داخلًا فيها فالمرجح للجملة مرجح لآحادها،","vol":"3","page":277},{"text":"فيلزم أن يكون مرجحًا لنفسه لكونه من الآحاد، فيلزم أن يكون علةً لنفسه معلولًا لها، وإن كان خارجًا عنها لم يكن ممكنًا لأنه من الجملة فيكون واجبًا\nثم أورد على ذلك قول السائل لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهي ليصح ما ذكرتموه ولا يلزم من صحة ذلك في المتناهي مع إشعاره بالحصر صحته في غير المتناهي سلمنا أن مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهي وانه ممكن لكن لا نسلم أنه زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية، وحينئذ فلا يلزم أن يكون معللًا بغير علة الآحاد، سلمنا انه زائد على الآحاد، ولكن ما المانع أن يكون مترجحًا بآحاده الداخلة فيه لا بمعنى أنه مترجح بواحد منها ليلزم ما ذكرتموه، بل طريق ترجيحه بالآحاد الداخلة فيه ترجح كل واحد من آحاده بالآخر إلى غير النهاية، وعلى هذا فلا يلزم افتقاره إلى مرجح خارج عن الجملة، ولا أن يكون المرجح للجملة مرجحًا لنفسه ولا لعلته","vol":"3","page":278},{"text":"ثم قال في الجواب قولهم لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهي قلنا مسمى الجملة هو ما وصفتموه بكونه غير متناه، ولا شك أنه غير كل واحد من الآحاد، إذ كل واحد من الآحاد متناه، الموصوف بما لا يتناهي هو الأعداد المفروضة، بحيث لا يخرج عنها واحد قولهم لا نسلم ان مفهوم الجملة زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية.\nقلنا إن أردتم أن مفهوم الجملة هو نفس المفهوم من كل واحد من الآحاد فهو ظاهر الإحالة، وإن أردتم به الهيئة الاجتماعية من آحاد الأعداد، فلا خفاء بكونه زائدًا على كل واحد من الآحاد وهو المطلوب\nولقائل أن يقول يريدون بالجملة كل الآحاد، لا كل واحد منها، زلا يسلمون أن كل الآحاد أمر مغاير للآحاد المتعاقبة\nقولهم ما المانع من أن تكون الجملة مترجحة بآحادها الداخلة فيها كما قرروه","vol":"3","page":279},{"text":"قلنا إما ان يقال تترجح الجملة بمجموع الآحاد الداخلة فيها أو بواحد منها، فإن كان يوجد منها فالمحال الذي ألزمناه حاصل، وإن كان بمجموع الآحاد فهو نفس الجملة المفروضة، وفيه ترجح الشيء بنفسه، وهو محال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت ولقائل أن يقول الحجة المذكورة لا تحتاج إلى إثبات كون الجملة غير الآحاد، وإن كان ذلك حقًا فإنه يقال لمن قال لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناه لا يخلو إما أن يكون هنا جملة غير الآحاد، وإما أن لا يكون. فإن كان بطل سؤال، وإن لم يكن كان ذلك أبلغ في الحجة، فإن كل واحد من الآحاد ممكن، وليس هنا جملة يمكن أن تكون واجبة، فكل من الممكنات يمتنع أن يوجد بنفسه أو بممكن آخر، كامتناع وجود الجملة الممكنة بكل من الممكنات\nوقد أورد هو هذا السؤال، فكان فيه كفاية من ان يقرر أمورًا إذا حذفها كان أبلغ في الحجة وأقوى لها\nوكذلك السؤال الثاني وهو قوله سلمنا أن مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى وانه ممكن، لكن لا نسلم أنه زائد على الآحاد المتعاقبة، فلا يكون معللًا بغير علة الآحاد فإن هذا السؤال هو","vol":"3","page":280},{"text":"نظير الأول بل هو هو مع تغير العبارة، فإن من نفي وجود ما يسمى جملة في غير المتناهي، لم ينازع في وجود كل واحد واحد من الآحاد المتعاقبة، فإذا سلم مفهوم الجملة فيما لا يتناهي وفسر ذلك بالآحاد المتعاقبة، كان باقيًا على منعه الأول ٠ لكن من الناس من يقول الجملة لا تعقل إلا في المتناهي، ومنهم من قد ينازع في الجملة هل لها حقيقة غير كل واحد من الآحاد فلهذا جعلهما سؤالين\nوبكل حال فالسؤال إن كان متوجهًا كان ذلك أقوى في الحجة، وغن لم يكن متوجهًا لم يرد بحال وذلك انه لم يكن للجملة حقيقة غير كل واحد واحد لم يكن هنا مجموع نحتاج أن نصفه بوجوب أو إمكان غير كل واحد واحد وتلك كلها ممكنة فتكون الحجة على هذا التقدير أقل مقدمات، فإنه إذا كانت الجملة غير الآحاد، احتيج إلى نفي وجوبها بنفسها أو بالآحاد، أما إذا قدر انتفاء ذلك، لم يحتج إلى ذلك، فلا يحتاج إلى نفي الوجوب عنها، لا بنفسها ولا بالآحاد\nولهذا قال في الاعتراض إذا لم تكن الجملة غير الآحاد لم يلزم ان تكون معللة بغير علة الآحاد\nوهذا مما يقوي الحجة فإنها إذا لم تكن معللة بغير علة الآحاد ومعلوم أنه لا بد من إثبات علة الآحاد فذلك وحده كاف بخلاف ما إذا كانت غير الآحاد، فإنه يحتاج إلى نفي وجوبها بنفسها أو الآحاد","vol":"3","page":281},{"text":"وهذا هو السؤال الثالث وهو قوله ما المانع أن يكون المجموع وهو الجملة مترجحًا بآحاده الداخلة فيه لا بواحد منها، بل طريق ترجحه بالآحاد الداخلة فيه بترجح كل واحد من آحاده بالآخر إلى غير نهاية\nوقد أجاب عن هذا بقوله مجموع الآحاد نفس الجملة المفروضة، وفيه ترجح الشيء بنفسه وهو محال\nوهذا السؤال هو الذي ذكره في كتابه الآخر، وذكر أنه لا يعرف له جوابًا حيث قال ما المانع من ترجحها بترجح آحادها، وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير نهاية\nقال وهذا إشكال مشكل، وربما يكون عند غيري حله\nوالجواب الذي ذكر عنه إنما يستقيم إذا أرادوا بالجملة كل واحد واحد من الأجزاء، ولم يجعلوا للاجتماع قدرًا زائدًا، وجعلوا الاجتماع جزءًا، فإنه حينئذ يقال الجملة هي الآحاد، فأما إذا أريد بالجملة الاجتماع، وهو الهيئة الاجتماعية وأن ترجحها بالآحاد المتعاقبة، لم يكن الجواب صحيحًا","vol":"3","page":282},{"text":"وهذا هو الذي استشكله في كتابه الآخر، وحينئذ يكون السؤال لم لا يجوز ترجح الاجتماع بالآحاد المجتمعة، وترجح كل واحد بالآخر وليس الجملة هو الآحاد المتعاقبة كما تقدم بل هو الهيئة الاجتماعية، ولكن يمكن تقرير هذا الجواب إذا جعلت الهيئة الاجتماعية جزءًا من أجزاء الجملة وهذا أمر اصطلاحي، فإن المجموع المركب من أجزاء قد يجعل نفس الاجتماع، ليس جزءًا من المجموع، وقد يجعل جزءًا من المجموع، فإذا جعل الاجتماع جزءًا من المجموع، كان تقرير السؤال أن هذا الجزء معلل بسائر الأجزاء، وترجح كل جزء بالآخر، وترجح جزء ممكن بجزء ممكن، كترجح جزء ممكن بأجزاء ممكنة، وحينئذ فإجابته بقوله مجموع الآحاد نفس الجملة المفروضة، وفيه ترجح الشيء بنفسه، ليس بجواب مطابق، فإنهم لم يدعوا ترجح المجموع بالمجموع، بل ترجح الاجتماع بكل واحد واحد من الأجزاء المتعاقبة، والاجتماع وإن كان جزءًا فليس هو من الأجزاء المتعاقبة، لكن هذا فيه ترجيح بعض الأجزاء ببعض، فهو كتعليل بعض الممكنات ببعض، فيعود الأمر ويقال فالجموع هو واجب بنفسه أو ممكن، معلول لنفسه أو معلول ببعضه أو بخارج عنه كما تقدم تقرير ابن سينا لحجته\nوقد تقدم أن المجموع إما أن لا يكون له علة، بل هو واجب","vol":"3","page":283},{"text":"بنفسه، وهذا باطل كما تقدم وإما أن يكون له علة وهو المجموع أو بعضه أو ما هو خارج عنه، كما يقال نظير ذلك في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام\nفلهذا قال في القسم الثاني وأما أن يقتضي المجموع علة هي الآحاد باسرها فتكون معلولة لذاتها، فإن تلك الجملة والكل شيء واحد، واما الكل بمعنى كل واحد فليس تجب به الجملة\nيقول إن كان المقتضي للمجموع هي الآحاد بأسرها بحيث تدخل فيها الهيئة الاجتماعية، لزم أن تكون الجملة الممكنة معلولة لذاتها، فإن الجملة والكل والمجموع شيء واحد، بخلاف ما إذا أريد باكل كل واحد واحد، فإن الجملة لا تجب بكل واحد واحد، إنما تجب بمجموع الآحاد، كالعشرة لا تحصل بكل فرد فرد من أفرادها، وكذلك سائر المركبات، وإنما يحصل المركب بمجموع اجزائه التي من جملتها الهيئة الاجتماعية، إن جعلت الهيئة الاجتماعية امرًا وجوديًا وإن لم تجعل كذلك لم يحتج إلى هذا، بل يقال المجموع هو الآحاد بأسرها، وليس هنا غير الآحاد\nولعل ابن سينا أراد هذا ولهذا أوردوا عليه تلك الأسولة،","vol":"3","page":284},{"text":"وهو أن المجموع مغاير للآحاد، وأنه يجوز أن يجب المجموع بالآحاد المتعاقبة، ونحو ذلك مما تقدم\nوأما القسم الثالث وهو أن يكون للمجموع علة هي بعضه، فهذا قد أبطله بقول ليس بعض الآحاد أولى بذلك من بعض، إن كان كل واحد منها معلولًا، ولأن علته اولى بذلك\nوهذان وجهان في تقرير ذلك أحدهما أن كل جزء من الأجزاء إذا كان ممكنًا ومن ذلك الهيئة الاجتماعية فليس وجوب المجموع بهذا الجزء بأولى من هذا لأنه متوقف على كل جزء جزء منها\nوالثاني أن كل واحد من تلك الأجزاء معلول لغيره، فعلته أولى أن تكون هي الموجبة للجميع منه، سواء قيل: إن علة المجموع واحد معين، أو واحد منها غير معين.\nواما إذا قيل: كل واحد واحد، فذلك أبعد لأنه يقتضي اجتماع مؤثرين مستقلين على أثر واحد، وهو ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء.\nفإن قيل: إذا كان المجموع هو الأجزاء ونفس الاجتماع، فهذا لا يفتقر إلى شيء منفصل.\nقيل: هذا هو القول بوجوب ذلك بنفسه، وقد تقدم إبطاله، فإنه يكون كل جزء ممكنًا بنفسه، والاجتماع ممكن بنفسه، ولم يكن هنا","vol":"3","page":285},{"text":"ما يغاير ذلك حتى يقال: هو واجب بنفسه فلا يمكن أن يكون هنا ما هو واجب بنفسه.\nوقد أبطل غيره هذا القسم بوجهين: أحدهما ذكره الرازي والآمدي: أن ما كان سبب المجموع كان سبب كل واحد من أجزاء ذلك المجموع، فلو قدر جزء من أجزاء المجموع سببًا لزم كزن الجزء سببًا لنفسه، فيلزم كون الممكن علة معلولًا.\nوأيضًا فذلك الجزء معلول فإذا كان هو مرجحًا للمجموع كان مرجحًا لعلته فيكون علة لعلته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>فصل</span>\nولم يذكر أن سينا ولا غيره في إثبات واجب الوجود قطع الدور، كما لم يذكر الجمهور قطع التسلسل لظهور فساده.\nوقد ذكرنا غير مرة أن المقدمة إذا كانت معلومة، مثل علمنا بأن المحدث لا بد له من محدث، بل مثل علمنا أن هذا المحدث له محدث، كان العلم بها كافيًا في المطلوب، وأن ما يرد على الأمور المعلومة هو من جنس شبه السوفسطائية التي لا نهاية لها، فيجب الفرق بين ما يكون من المقدمات خفيًا على أكثر الناس يحتاج إلى بيان، وما يكون معلومًا لأكثر، والشبة الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية.\nولما كان أهل الكلام كثيرًا ما يوردون يورد عليهم ما هو من جنس شبه السوفسطائية، كما يورده الكفار الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به","vol":"3","page":286},{"text":"الحق، لم يكن لهذا حد محدود ولا عد معدود، بل هو بحسب ما يخطر للقلوب.\nفلهذا صار كلما طال الزمان أورد المتأخرون أسولة سوفسطائية لم يذكره المتقدمون.\nوزاد المتأخرون مقدمة في الدليل لدفع ذلك السؤال، فزادوا أولا: أن المحدث لا يختص بوقت دون وقت إلا بمخصص، والأوقات متماثلة، والأمور المتماثلة يمتنع اختصاص بعضها دون بعض إلا بمخصص منفصل.\nثم زادوا بعد هذا: ان التخصيص ممكن، والممكن لا يترجح ودوده على عدمه إذ لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح وزادوا أن المرجحات يمتنع تسلسلها كما تقدم، ثم زادوا بعد هذا قطع الدور.\nوكذلك ابن سينا لم يذكر في برهانه أن الممكن لا يوجد من نفسه فلا بد أن يوجد بغيره فقال الرازي لا يلزم من صحة قولنا ليس الممكن موجودًا من ذاته صحة قولنا: إنه موجود بغيره لأن بين القسمين واسطة وهي أن لا يكون وجوده من شيء أصلًا لا من ذاته ولا من غيره وإذا كان كذلك لم يتم البرهان إلا بذكر هذا القسم وإبطاله: إما بادعاء الضرورة في فساده أو بذكر البرهان على فساده.\nقال وهو لم يفعل شيئًا من ذلك","vol":"3","page":287},{"text":"فيقال له كون وجود الشيء لا من نفسه ولا من غيره، هو مما يعلم فساده بالضرورة والأمور المعلومة الفساد بالضرورة لا يجب على كل مستدل تقديرها ونفيها، فإن هذا لا غاية له، وإنما يذكر الإنسان من ذلك ما قد قيل أو خطر بالبال، فأما الذهن والصحيح الذي يعلم بالضرورة فساد مثل هذا التقدير، فهو لا يورده على نفسه ولا يورده عليه غيره وإنما يقع الإيراد عند الشك والاشتباه فإن قدر من الناس من يشك ف يهذا احتاج مثل هذا إلى البيان وقد قلنا إن الأسولة السوفسطائية ليس لها حد محدود ولا عد معدود.\nوهذا نظير قول القائل: إن المحدث الذي كان بعد أن لم يكن لم يحدث نفسه، وهذا كله من العلوم البديهية الضرورية الفطرية التي هي من أبين الأمور عند العقلاء.\nولو احتاج المستدل أن يذكر من الأقسام ما يخطر ببال كل أحد، وإن كان فساده معلومًا بالضرورة، لقال: الممكن إذا لم يوجد بنفسه فإما أن يوجد بموجد او بغير موجد وإذا وجد بموجد، فلذلك الموجد إما أن يوجده وهو معدوم، أو يوجده وهو موجود.\nثم يريد أن يبطل الثاني بأن الموجد لا يوجد وهو معدوم، كما فعل ذلك طائفة من أهل الكلام، وإذا أراد أن يبطل ذلك قال: والمعدوم لا يكون موجدًا لأن العدم لا يتميز فيه شيء عن شيء والموجد","vol":"3","page":288},{"text":"لا بد أن يتميز عن غيره، وإذا قيل: المعدوم يتميز فيه شيء عن شيء على قول من يقول: المعدوم شيء تبين أن المعدم ليس بشيء فيكون إثبات وجود الصانع موقوفًا على إبطال قول هؤلاء كما فعل ذلك طائفة من أهل الكلام.\nومن المعلوم ان إبطال هذا أدق من إبطال كون الشيء الذي لا يكون وجوده من نفسه يكون موجودًا لا بنفسه ولا بغيره، إذ كان من المعلوم البين لكل أحد أن ما لم يوجد بنفسه، فلا بد ان يكون وجوده بغيره، وأما تقدير موجود لم يوجد بنفسه ولا بغيره فهو ممتنع، فإنه لا يعني بكونه موجودًا بنفسه أن نفسه أوجدته إذ كان هذا معلوم الامتناع، بل يعني أنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره بل وجوده واجب بنفسه، فهو موجودًا أزلًا وأبدًا، فظهور صحة هذا الكلام وبطلان نقيضه أبين مما يستدل به عليه، بل يمكن هنا إيراد أسولة أخرى يطول بها الكلام.\nوقال الرازي أيضًا: قد كان الواجب على ابن سينا أن يتكلم قبل هذا الفصل في بيان أن سبب الممكن لا يكون مقدمًا عليه تقدمًا زمانيًا فإنه لو جاز ذلك لما امتنع إسناد كل ممكن إلى آخر قبله لا إلى أول، وذلك عنده غير ممتنع، فكيف يمكن إبطاله لإثبات واجب الوجود.\nوأما إذا قامت الدلالة على أن السبب لا بد من وجوده مع المسبب فحينئذ لو حصل التسلسل لكانت تلك الأسباب والمسببات بأسرها حاضرة معًا، وذلك عنده محال.","vol":"3","page":289},{"text":"والبرهان الذي ذكره في إبطال التسلسل أيضًا مختص بهذه الصورة، فكان الأولى تقديم الكلام في هذه المسألة، لكن لما كان في عزمه أن يذكره في موضع آخر، وهو النمط الخامس من هذا الكتاب، لا جرم تساهل فيه ههنا.\nقلت: مثل هذا الكلام هو الذي أوجب أن يدخل هذا القسم من أدخله ف يهذا الدليل كالآمدي وغيره، ولا حاجة إليه، بل ما ذكره ابن سينا كاف.\nوالدليل الذي ذكره على إبطال التسلسل في العلل يوجب إبطال علل متسلسلة سواء قدرت مجتمعة أولا، كما قد تبين من كلامه، وهو لا يجوز عللًا متسلسلة لا متعاقبة ولا غير متعاقبة وإنما يجوز حوادث متسلسة، وتلك عنده شروط لحدوث الحوادث، لا علل ولا أساب بمعنى العلل، ولا يجوز عنده إسناد كل ممكن إلى ممكن قبله أصلًا، ولكن يجوز ان يكون وجوده مشروطًا بوجود ممكن قبله وبين العلة والشرط فرق معروف.\nومن هنا دخل الغلط على الرازي ف يهذا الاعتراض، ولهذا كان سائر من تكلم في إبطال العلل المتسلسلة لم يحتج إلى ذكر هذا القسم أصلًا، ولا يقولون إن الممكن أو الحادث الذي يوجد قبل الممكن أو الحادث هو علة أيضًا، ولا هو مستند وجوده وإنما يقولون هو شرط فيه.","vol":"3","page":290},{"text":"وأيضًا فإسناد كل ممكن إلى آخر قبله إما أن يراد به أنه يستند إلى أخر موجود قبله، فيستمر الوجود إلى حين وجود الممكن المفعول، وإما أن يراد به إلى آخر يكون موجودًا قبله ويعدم قبله.\nفإن أريد الأول فمعلوم أنه بطل إسناده إلى ممكن موجود مع وجوده، كان هذا متناولًا لما يوجد مع ذلك قبل وجوده ولما لم يوجد إلا عند وجوده فلا حاجة إلى تخصيص ما وجد قبل وجوده بالذكر كما لا يحتاج إلى تخصيص ما يبقى بعد وجوده بالذكر إذ الدليل يتناول كل ما كان موجودًا عند وجوده، سواء وجد قبل ذلك أيضًا أو بعد ذلك أيضًا أو لم يكن موجودًا حين وجوده.\nوأما إن أريد أستناده إلى الآخر يكون موجودًا قبله ويعدم أيضًا قبله، وهذا هو الذي أراده الرازي لم يحتج أيضًا إلى هذا لوجوه:\nأحدهما: أنه إذا بطل إسناده إلى ممكن موجود حال وجوده، فبطلان إسناده إلى ممكن يعدم حين وجوده أولى وأحرى، فإذا قام الدليل على بطلان تسلسل العلل الممكنة مع كونها معًا في الوجود، فبطلان التسلسل مع تعاقبها أظهر وأجلى.\nالثاني: أن الدليل الدال على بطلان التسلسل في العلل هو دليل مطلق عام سواء قدرت متقارنة أو متعاقبة فإن جميع ما ذكر من","vol":"3","page":291},{"text":"الأدلة الدالة على أن مجموع الممكنات مفتقرة إلى أمر خارج عنها يتناول جميع الأنواع التي يقدرها سواء قدر أنها متسلسلة على سبيل الاقتران أو على سبيل التعاقب، وسواء قدرت مع التعاقب بعدم الأول عند وجود الثاني أو يبقى بعد وجوده إلا مع وجوده لا سابقًا ولا لاحقًا.\nوكذلك إذا قدرت مع الاقتران لا يكون بعضها قبل بعض ولا بعده ـو يوجد بعضها قبل بعض أو بعده فمهما قدر من التقديرات التي تخطر بالبال في تسلسل المؤثرات فما ذكر من الأدلة يبطل ذلك كله ويبين امتناعه، فتبين أن ما ذكره ابن سينا كاف في ذلك لا يحتاج إلى الزيادة التي زادها الرازي والآمدي.\nالثالث: أنه إذ كانت الممكنات محتاجة إلى خارج عنها ليس بممكن، بل هو واجب الوجود بنفسه، فذلك يمتنع عدمه ويجب وجوده، فكان نفسه إثبات واجب الوجود كافيًا في أنه يستمر الوجود حال وجود الممكن، لا يحتاج إلى ذلك الواجب.\nالرابع: أن ما ذكروه من الممكن يفتقر إلى الواجب، وإنما لا يكون افتقاره إليه مختصًا ببعض الأزمنة أن الواجب.\nوقال الرازي أيضًا لما شرح طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود","vol":"3","page":292},{"text":"وأبطل التسلسل قد بقي هنا كلام آخر وهو إبطال الدور وهو أن يكون هذا يترجح بذاك، وذاك يترجح بهذا.\nقال واعلم أن الدور باطل والمعتمد في إبطاله أن يقال العلة متقدمة على المعلول، ولو كان كل منهما علة للآخر لكان كل منهما متقدمًا على الآخر فيكون كل منهما متقدمًا على المتقدم على نفسه فيلزم تقدم كل منهم على نفسه وهو محال.\nوأورد على هذا ما مضمونه أن التقدم أن كان غير كون أحدهما علة للآخر فلا نسلم الأولى، وإن كان هو كون أحدهما علة للآخر كان اللازم هو الملزوم، فيكون المعنى لو كان أحدهما علة للآخر لكان للآخر.\nثم قال والإنصاف أن الدور معلوم البطلان بالضرورة ولعل الشيخ إنما تركه لذلك.\nقلت: هذا هو الصواب فإن بطلان الدور معلوم بالضرورة، ولأجل هذا لا يخطر لأكثر العقلاء حتى يحتاجوا إلى نفيه عن قلوبهم، كما لا يخطر لهم أن الفاعل للموجودات يكون معدومًا، ولا يخطر لهم أن الشيء يحدث أو يكون لا بنفسه ولا بغيره، بل ولا يخطر لهم أنه يمكن أن يكون مفعولات متعاقبة لا فاعل لها، وهو تسلسل العلل فيكون معلول مفعول لمعلول مفعول، والمعلول معلول لمفعول آخر لا إلى نهاية فأكثر الذهان الصحيحة لا يخطر لها إمكان هذا","vol":"3","page":293},{"text":"حتى تحتاج إلى نفيه، وكذلك لا يخطر لها أنه يمكن وجود شيئين كل منهما فعل الآخر، بل هم يعلمون أن الشيء لا يفعل نفسه، فكيف يفعل فاعل نفسه؟\nوقول القائل إنه لو كان كل منهما فاعلًا للآخر أو مؤثرًا في الآخر أو علة في الآخر لكان كل منهما قبل الآخر كلام صحيح.\nوأما قول المعترض: إن أريد بالتقدم تقدم العلة على المعلول فاللازم هو الملزوم وأن أريد غيره فإنه ممنوع.\nفهذا عنه جوابان ـأحدهما ان يراد به التقدم المعقول في فطر الناس من تقدم الفاعل على المفعول وهو كونه قبله بالزمان أو تقدير الزمان وعلى هذا جمهور العقلاء\nبل قد يقولون، هذا معلوم بالضرورة وهو كون الفاعل سابقًا متقدمًا على مفعوله، وإنه يمتنع أن يكون متساويين في زمان الوجود.\nوهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله حادث، ليس في الموجودات ما يقارن الخالق ويكون معه بالزمان ولا يعرف ف يالوجود مفعول معين قارن فاعله في زمانه أصلًا، وإنما يعرف هذا في الشرط والمشروط فإن الشرط قد يقارن المشروط فلا يوجد قبله، وقد يوجد قبله، لكن لا بد من وجوده معه، كما أن الحياة إذا كانت شرطًا في العلم والإرادة أمكن أن تكون متقارنة في صفات الله تعالى، فإن حياته","vol":"3","page":294},{"text":"وعلمه معًا لم يسبق أحدهما الآخر، والعلم مشروط بالحياة وكذلك الذات مع الصفات اللازمة: لا يوجد أحدهما قبل الآخر، بل هما متلازمان، ولا يوجد أحدهما إلا مع الآخر.\nوقد يكون الشرط سابقًا للمشروط كالأعراض التي لا توجد إلا بمحل، وقد يكون المحل موجودًا قبل وجود الأعراض، وكما في أفعال الله الحادثة فإنها مشروطة بوجود ذاته وذاته متقدمة عليها.\nوما ذكره من ذكره من أهل الفلسفة والكلام في مسألة حدوث العالم وغيرها من أن التقدم ينقسم إلى تقدم بالذات والعلية، وقد يسمى الأول تقدمًا بالعلية والثاني تقدمًا بالذات كتقدم العلة على المعلول، وتقدم بالطبع، كتقدم الواحد على الاثنين.\nوفرقوا بينهما بأنه في الأول يكون المتقدم فاعلًا للمتأخر، وفي الثاني يكون شرطًا فيه، ومثلوا الأول بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم والكم فإنك تقول: تحركت يدي فتحرك الخاتم فيها، فزمانهما واحد مع العلم بأن الأول متقدم على الثاني وينقسم إلى التقدم بالزمان وبالرتبة الحسية أو العقلية.\nوزاد طائفة منهم الشهرستاني والرازي ومت اتبعهما تقدمًا آخر يمطلق الوجود، وجعلوا التقدم بعض أجزاء الزمان على بعض","vol":"3","page":295},{"text":"منه فيجيب عنه من يوافق جمهور العقلاء بأن التقدم المعقول إنما هو التقدم بالزمان، أو تقدير الزمان على النزاع المعروف في هذا الموضع.\nوأما التقدم بالمكان والمرتبة فهو تابع لهذا لما كان المتقدم في المكان يتحرك قبل حركة المتأخر كتحرك الإمام قبل المأموم، والأمير قبل المأمور.\nوأما التقدم بالعلية فإن عني به هذا، وإلا فلا حقيقة له، فلا تعقل علة تامة تكون هي بسائر أجزائها مقارنة لمعلولها أصلا.\nوقول القائل: تحركت يدي فتحرك الخاتم، ليس هو من تقدم الفاعل على المفعول، فإن حركة اليد ليست هي الفاعل لحركة الخاتم لكن هي شرط قيها فلا ترجد حركة الخاتم التابعة لحركة اليد إلا بشرط وجود حركة اليد التي هي متبوعة، كما أن حركة الأصابع لا توجد إلا بحركة الكف.\nفإن قيل: الحركتان معًا في الزمان، فالفاعل لهذه هو الفاعل للأخرى، وهو متقدم عليهما جميعًا.","vol":"3","page":296},{"text":"وإن قيل: بل إحداهما عقب الآخرى في الزمان كأجزاء الزمان المتلاحقة، بطل قول القائل: إنهما معًا في الزمان.\nوكثيرًا ما يشتبه على الناس الوجود مع الشيء بالوجود عقبه، بل يطلقون لفظ المع على المعاقب له ويقولون: جاءا معًا، وإن كان مجيء أحدهما معاقبًا للآخر إذا لم يكن بينهما فصل، بل يطلقون ذلك مع قرب الآخر، فالحادثات إذا كان زمانهما واحدًا أو حدث أحدهما عقب حدوث الآخر بلا فصل، كأجزاء الحركة والزمان لم يميز أكثر الناس بين هذا وهذا بالحس.\nوحينئذ فقول القائل: تحركت يدي فتحرك كمي.\nيقال له: لم لا يجوز ان يكون هذا مع هذا كاجزاء الحركة والزمان بعضها مع بعض.\nوالحركة تحدث شيئًا فشيئًا من الفاعل والقابل، فمن حرك سلسلة أو حبلًا معلق الطرفين، فإنه إذا حرك أحد الطرفين تحرك شيئًا فشيئًا، حتى تنتهي الحركة إلى الطرف الآخر، وهي متعاقبة كتعاقب زمان تلك الحركة في أحدهما أسبق من الآخر، مثل البدن إذا تحرك منتقلًا، فإن أجزاء البدن تتحرك في آن واحد، لا يسبق بعهضا بعضًا إلا ما تقدم من الحركة كما تتقدم إحدى الرجلين على الآخرى، بخلاف خرزات الظهر المتصلة تتصل","vol":"3","page":297},{"text":"حركتها، فإذا حركت يده تحركت جميع أجزائها وما فيها كالخاتم، وما يتصل بها كالكم، فيكون حكمها حكم الجسم المتصل إذا تحرك والحركة المنفصلة عن أخرى كحركة الرجل قبل الرجل يشهد فيها التقدم بالزمان لوجود المنفصل، وأما مع الأتصال فقد يشتبه المتصل بالمقارن، وحينئذ فأي حركة كانت من قبل المتصل فهي متصلة بما قبلها، كاتصال أجزاء زمان الحركة، فليس هناك اقتران في الزمان.\nوإذا قيل في حركة الكم: إن زمانها حركة اليد، كما يقال مثل ذلك في سائر المتحركات معًا بالزمان، فهنا لا نسلم أن إحدى الحركتين فاعلة للآخرى، بل غايتها أن تكون شرطًا فيها، والشرط يجوز أن يقارن المشروط، بخلاف الفاعل فإنه لا بد أن يتقدم على الفعل المفعول المعين، وإن قدر أن نوع الفعل لازم له، كما؟ إذا قدر قديم أزلي متحرك لم يزل متحركًا، فإنه سيتقدم على كل جزء من أجزاء الحركة لم يقارن وجود ذاته شيء من أجزاء الحركة وإن كان نوع الحركة لازمًا له فمن حوز وجود جسم قديم لم يزل متحركًا، لا يقول: إن شيئًا معينًا من الحركة قديم أزلي، بل يقول: نوع الحركة أزلي وإن كان كل منها حادثًا كائنًا بعد ان لم يكن مسبوقًا بالعدم.\nوالمتفلسفة القائلون بقدم شيء من العالم لا دليل لهم على ذلك أصلًا، بل غاية ما عندهم إثبات قدم نوع الفعل، وقدم نوع الفعل لا يستلزم قدم فعل معين ولا مفعول معين بل ذلك ممتنع.","vol":"3","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>الرد على قولهم</span>\nوقول القائل: العلة متقدمة على المعلول وإن قارنته بالزمان، وجعله الباري مع العالم بهذه المنزلة.\nالوجه الأول\nيقال له إن أردت بالعلة ما هو شرط في وجود المعلول لا مبدعًا له كان حقيقة قولك: إن واجب الوجود ليس هو مبدعًا للمكنات ولا ربًا لها، بل وجوده شرط في وجودها، وهذا حقيقة قول هؤلاء فالرب على أصلهم والعالم متلازمان كل منهما شرط في الآخر والرب محتاج إلى العالم، كما أن العالم محتاج إلى الرب وهم يبالغون في إثبات غناه عن غيره، وعلى أصلهم فقره إلى غيره كفقر بعض المخلوقات.\nوغاية المتخذلق منهم كأرسطو أن يجعل الفلك واجب الوجود لا يقبل العدم مع كونه مفتقرًا إلى المبدأ الأول لأجل التشبيه به، ويجعل المبدأ الأول غنيًا عما سواه، لكن من التناقض أن يقول: إن واجب الوجود مفتقر إلى غيره، وأيضًا فالأزلي الذي يثبته لا حقيقة له، كما قد بسط في موضع آخر.\nوإن أراد بالعلة ما هو مبدع للمعلول له فهذا لا يعقل مع كون زمانه المعلول، لم يتقدم على المعلول تقدمًا حقيقًا، وهو التقدم المعقول.","vol":"3","page":299},{"text":"وإذا شبهوا وجود الفلك مع الرب بالصوت مع الحركة والضوء مع الشمس، كان هذا ونحوه تشبيهًا باطلًا لا يفيد إمكان صحة قولهم، فضلًا عن إثبات صحته، فإن هذه الأمور وأمثالها إما أن يقال فيها: إن الثاني موجود متصل بالأول، كأجزاء الزمان والحركة لا أنه معه في الزمان وإما أن يقال الثاني مشروط بالأول لا أن الأول مبدع للثاني فاعل له، فلا يمكنهم ان يذكروا وجود فاعل لغيره مع أن زمانهما معًا أصلًا.\nونحن ذكرنا هذا التقسيم لئلا يكون الجواب مبنيًا على أمور دقيقة يختص بفهمها بعض الناس، فإن الجواب كلما كان أظهر، واتفاق العقلاء عليه أكثر، كان أولى بالذكر من غيره إذ المقصود بيان الحق وإبطال الباطل، وألا فيمكن بسط الكلام في هذا وأن يقال السبب لا بد أن يتقدم على مسببه بالزمان وأن الفاء المستعلمة في هذا هي فاء التعقيب.\nفقول القائل: تحركت يدي فتحرك كمي يدل على أن الثاني عقب الأول ويقال إن فاء التسبب تتضمن التعقيب من غير عكس، فكل مسبب فإنه يكون بعد سببه فليس كل ما كان عقب","vol":"3","page":300},{"text":"غيره يكون مسببًا عنه بل قد يكونان مسببين لسبب آخر وإن كان شرطًا فيه.\nثم الكلام في هذا ينجر إلى الفرق بين السبب وجزئه والشرط، وليس هذا موضع استقصائه، فإن المقصود حاصل بدون ذلك، وإنما المقصود هنا أن تقدم العلة الفاعلة على المعلول المفعول أمر معقول عند جماهير العقلاء من الأولين والآخرين وإنما يجوز كون المفعول المعلول مقارنًا لفاعله طائفة قليلة من الناس، كابن سينا والرازي ونحوهما.\nوقد زعم الرازي في محصله وغيره أن المتكلمين والفلاسفة يجوزون وجود الممكن القديم عن موجب بالذات، وهي العلة القديمة لكن المتكلمون يقولون إنه فاعل بالاختيار فلهذا يمنعون قدم شيء من الممكنات والمتفلسفة يقولون إنه غير فاعل بالاختيار فلهذا قالوا بقدم معلوله، وهذا الذي قاله غلط على الطائفتين جميعًا كما قد بسطناه في موضع آخر.\nفالمتكلمون الذين يقولون بامتناع مفعول قديم، يقولون إن ذلك ممتنع على أي وجه قدر فاعله ويقولون: كون الرب فاعلًا بغير الاختيار ممتنع أيضًا وليس امتناع أحدهما مشروطًا بالعلم بامتناع الآخر.\nوالفلاسفة القائلون بقدم الأفلاك لهم قولان في العلة الأولى: هل هي فاعلة بالاختيار أو موجبة بلا اختيار؟","vol":"3","page":301},{"text":"وقد ذكر القولين عنهم أبو البركات صاحب المعتبر وغيره وهو يختار أنه فاعل بالاختيار مع قوله بقدم الفعل وليست مسألة القدم ملازمة لمسألة الفاعل بالاختيار، لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء، كما ادعاه الرازي على الطائفتين وكذلك القول بإمكان معلول مفعول مقارن لفاعله هو قول بعض القائلين بقدم العالم لا قولهم كلهم ولا قول واحد من أتباع الرسل، ولا ممن يقول بان اله خالق لما برأه محدث له.\nوحينئذ فالقول بتقدم الفاعل على مفعوله تقدمًا مفعولًا زمانيًا وإما مقدرًا تقدير الزمان قول جمهور العقلاء فهذا أحد الجوابين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: هب أنهم أرادوا بالتقدم تقدم العلة على المعلول، من غير تقدم بالزمان ولا تقدير الزمان، وكان اللازم هو الملزوم، لكن الشيء الواحد إذا عبر عنه بعبارتين تدل كل منهما على وصف غير الوصف الآخر، كان تعدد المعاني نافعًا، وإن كانت الذات واحدة، ولهذا قد تعلم الذات بوصف ولا تعلم بوصف آخر، فإذا كان ذات التقدم ذات العلة فليس المفهوم من نفس العلة هو المفهوم من نفس التقدم، وإن كان متلازمين، بل معنى العلة أنه اقتضاه وأوجبه، ومعنى التقدم أنه قبله.\nوقد يفهم السبق والقبلية من لا يعلم أنه علة بعد.\nفإذا قيل: لو كان علة قبله كان هذا صحيحًا.\nثم العقل يجزم بأن الشيء لا يكون قبل نفسه، فضلًا عن أن يكون قبل ما هو قبل نفسه، بأي وجه فسر معنى السبق والقبلية.","vol":"3","page":302},{"text":"وحينئذ فيستدل بهذا على ذلك من لم يفهم الامتناع من لفظ العلة.\nوأما من فهم الامتناع من لفظ العلة، كما عليه جمهور الفطر السليمة فلا يحتاج إلى هذا.\nولكن كون الشيء دليلًا على الشيء معناه أنه يلزم من ثبوته ثبوته.\nوالشيئان المتلازمان كل منهما يصلح أن يكون دليلًا على الآخر، ثم من شأن الإنسان أن يستدل بالظاهر على الخفي، لكن الظهور والخفاء من الأمور النسبية، فقد يظهر لهذا ما لا يظهر لهذا، وقد ظهر للإنسان في وقت ما يخفي عليه في وقت آخر.\nفلهذا أمكن أن يستدل بهذا على ذاك، وبذاك على هذا، إذا قدر إن هذا أظهر من ذاك تارة، وذاك أظهر من هذا أخرى، وإما بحسب شخصين، وإما بحسب حالين.\nوهذه المعاني من تفطن لها انجلت عنه شبه كثيرة فيما يورده الناس على الحدود والأدلة التي قد يقال إنه لا فائدة فيها ولا حاجة إليها، وذاك صحيح وقد يقال: بل ينتفع بها وهذا أيضًا صحيح.\nلكن من حصر العلم بطريق عينه، هو مثل واحد معين ودليل معين، أخطأ كثيرًا كما أن من قال: إن حد غيره ودليله لا يفيد بحال أخطأ كثيرًا، وهذا كما أن الذين أوجبوا النظر، وقالوا: لا يحصل العلم إلا به مطلقًا، أخطأوا والذين قالوا: لا حاجة إليه بحال، بل المعرفة دائمًا ضرورية لكل أحد في كل حال أخطأوا بل المعرفة","vol":"3","page":303},{"text":"وإن كانت ضرورية في حق أهل الفطر السليمة فكثير من الناس يحتاج فيها إلى النظر، والإنسان قد يستغني عنه في حال ويحتاج إليه ف يحال وكذلك الحدود قد يحتاج إليها تارة ويتغنى عنها أخرى كالحدود اللفظية والترجمة قد يحتاج إليها تارة وقد يستغنى عنها أخرى وهذا له نظائر.\nوكذلك كون العلم ضروريًا ونظريًا والاعتقاد قطعيًا وظنيًا، أمور نسبية فقد يكون الشيء قطعيًا عند شخص وفي حال وهو عند آخر وفي حال أخرى مجهول فضلًا عن أن يكون مظنونًا وقد يكون الشيء ضروريًا لشخص وفي حال ونظريًا لشخص آخر وفي حال أخرى.\nوأما ما أخبر به الرسول فإنه حق في نفسه لا يختلف باختلاف عقائد الناس وأحوالهم فهو الحق الذي لا يقبل النقيض ولهذا كل ما عارضه فهو باطل مطلقًا.\nومن هنا يتبين لك أن الذين بنوا أمورهم على مقدمات إما ضرورية أو نظرية أو قطعية أو ظنية بنوها على أمور تقبل التغير والاستحالة فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء وأما ما جاء به الرسول فهو حق لا يقبل النقيض بحال فهو ﷺ يخبر بالحق كما قال أهل الجنة لما دخلوها: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ الأعراف ٤٣ وقد قال تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا﴾ البقرة ١١٩ ﴿وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ الأحزاب ٤٦ وقال تعالى ﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون *","vol":"3","page":304},{"text":"أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون * ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون﴾ المؤمنون ٦٩ -٧ ١.\nوقال تعالى ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم * والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم * ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم﴾ محمد ١- ٢ ومثل هذا كثير.\nفالرسول ﷺ يخبر بالحق ويقيم عليه الأدلة العقلية البرهانية الموصلة إلى معرفته كالأقيسة العقلية وهي الأمثال المضروبة.\nقال تعالى ﴿ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا﴾ الإسراء ٨٩ وقال تعالى ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا﴾ الكهف ٥٤ إلى قوله تعالى ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا * ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا﴾ الكهف ٥٦ - ٥٧.","vol":"3","page":305},{"text":"وقال تعالى: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون﴾ الزمر: ٢٧.\nوهو سبحانه يجيب عن المعارضات كما قال تعالى ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ الفرقان ٢٣ وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن الطريقة الشرعية تتضمن الخبر بالحق والتعريف بالطرق الموصلة إليه النافعة للخلق وأما الكلام على كل ما يخطر ببال كل أحد من الناس من الشبهات السوفسطائية فهذا لا يمكن أن يبينه خطاب على وجه التفصيل.\nوالعلوم الفطرية الضرورية حاصلة مع صحة الفطرة وسلامتها، وقد يعرض للفطرة يفسدها ويمرضها فترى الحق باطلًا، كما في البدن إذا فسد أو مرض فإنه يجد الحلو مرًا ويرى الواحد اثنين فهذا يعالج بما يزيل مرضه.\nوالقرآن فيه شفاء لما في الصدور من الأمراض.\nوالنبي صلى اله عليه وسلم علم أن وسواس التسلسل في الفاعل يقع في النفوس، وأنه معلوم الفساد بالضرورة، فأمر عند وروده بالاستعاذة بالله منه والانتهاء عنه، كما في الصحيحين واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال:","vol":"3","page":306},{"text":"هذا الله خلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله» .\nوفي لفظ آخر «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول اله وزاد فليقل: آمنت بالله ورسله» .\nوفي لفظ آخر يقول: «من خلق كذا؟ من خلق كذا حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته» هذا لفظ البخاري أو نحوه\nوفي مسلم عن أنس عن النبي ﷺ قال «قال الله ﷿: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله سبحانه» .\nوفي البخاري عن أنس قال «قال رسول الله ﷺ لن يبرح الناس يتساءلون: هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله»","vol":"3","page":307},{"text":"وقد سئل بعض السالكين طريقة هؤلاء كالرازي ونحوه فقيل له: لم لم يأمر النبي ﷺ عند هذا الوسواس بالبرهان المبين لفساد التسلسل والدور بل أمر الاستعاذة؟ فاجاب بأن مثل هذا مثل من عرض له كلب ينبح عليه ليؤذيه ويقطع طريقة، فتارة يضربه بعصا وتارة يطلب من صاحب الكلب أن يزجره قال فالبرهان هو الطريق الأول وفيه صعوبة والاستعاذة بالله هو الثاني وهو أسهل.\nواعترض بعضهم على هذا الجواب بأن هذا يقتضي أن طريقة البرهان أقوى وأكمل وليس الأمر كذلك، بل طريقة الاستعاذة أكمل وأقوى، فإن دفع الله للوسواس عن القلب أكمل من دفع الإنسان ذلك عن نفسه.\nفيقال: السؤال باطل، وكل من جوابيه مبني على الباطل فهو باطل وذلك أن هذا الكلام مبناه على أن هذه الأسئلة الواردة على النفس تندفع بطريقين أحدهما البرهان والآخر الاستعاذة وأن النبي ﷺ أمر بالاستعاذة وأن المبين لفساد الدور والتسلسل قطعه بطريق البرهان وأن طريقة البرهان تقطع الأسولة الواردة على النفس بدون ما ذكره النبي ﷺ، وأن النبي ﷺ لم يأمر بطريقة البرهان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>الطريقة النبوية إيمانية وبرهانية</span>\nوهذا خطأ من وجوه، بل النبي ﷺ أمر بطريقة البرهان حيث يؤمر بها، ودل على مجاميع البراهين التي يرجع إليها غاية","vol":"3","page":308},{"text":"نظر النظار ودل من البراهين على ما هو فوق استنباط النظار، والذي أمر به في دفع هذا الوسواس هو الاستعاذة فقط، بل أمر بالإيمان وأمر بالاستعاذة وأمر بالانتهاء ولا طريق إلى نيل المطلوب من النجاة والسعادة إلا بما أمر به لا طريق غير ذلك\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>بيان ذلك من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن يقال: البرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية فإن كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري، إذ المقدمات النظرية لو أثبت بمقدمات نظرية دائمًا لزم الدور القبلي، أو التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء.\nوكلاهما باطل بالضرورة واتفاق العقلاء من وجوه.\nفإن العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر إذ لو كانت تلك المقدمات أيضا نظرية لتوقف على يغرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله، للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداء فلا بد من علوم بديهية أوليه يبتدؤها الله في قلبه وغاية البرهان أن ينتهي إليها.","vol":"3","page":309},{"text":"ثم تلك العلوم الضرورية قد يعرض فيها شبهات ووساوس كالشبهات السوفسطائية مثل الشبهات التي يوردونها على العلوم الحسية ولا بديهية كالشبهات التي أوردها الرازي في أول محصلة وقد تكلمنا في غير هذا الموضع.\nوالشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان لأن غاية البرهان أن ينتهي إليها، فإذا وقع الشك فيها انقطع طريق النظر والبحث.\nولهذا كان من أنكرم العلوم الحسية والضرورية لم يناظر، بل إذا كان جاحدًا معاندًا عوقب حتى يعترف بالحق، وإن كان غالطًا إما لفساد عرض لحسه او عقله لعجزه عن فهم تلك العلوم، وإما لنحو ذلك، فإنه يعالج بما يوجب حصول شروط العلم له وانتفاء موانعه فإن عجز عن ذلك.\nلفساد في طبيعته عولج بالأدوية الطبيعية أو بالدعاء والرقي والتوجه ونحو ذلك وإلا ترك.\nولهذا اتفق العقلاء على أن كل شبهة تعرض لا يمكن إزالتها بالبرهان والنظر والاستدلال وإنما يخاطب بالبرهان والنظر والاستدلال من كانت عنده مقدمات علمية، وكان ممن يمكنه أن ينظر فيها نظرًا يفيده العلم بغيرها فمن لم يكن عنده مقدمات علمية أو لم يكن قادرًا على النظر لم تمكن مخاطبتة بالنظر والاستدلال.","vol":"3","page":310},{"text":"وإذا تبين هذا فالوسوسة والشبهة القادحة في العلوم الضرورية لا تزال بالبرهان، بل متى فكر العبد ونظر ازداد ورودها على قلبه وقد يغلبه الوسواس حتى يعجز عن دفعه عن نفسه كما يعجز عن حل الشبهة السوفسطائية.\nوهذا يزول بالاستعاذة بالله.\nفإن الله هو الذي يعيذ العبد ويجيره من الشبهات المضلة والشهوات والمغوية، ولهذا أمر العبد أن يستهدي ربه في كل صلاة فيقول ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ الفاتحة ٦ - ٧.\nوفي الحديث الإلهي الصحيح عن النبي ﷺ فيما يروى عن ربه ﵎ «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» .\nوقال تعالى ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ النحل ٩٧.","vol":"3","page":311},{"text":"وقال تعالى ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ فصلت ٣٦.\nوفي الصحيحين عن سليمان بن صردج قال ك استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه فقال النبي ﷺ «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأمر الله تعالى العبد أن يستعيذ من الشيطان عند القراءة وعند الغضب ليصرف عنه شره عند وجود سبب الخير وهو القراءة ليصرف عنه ما يمنع الخير وعند وجود سبب الشر ليمنع ذلك السبب الذي يحدثه عند ذلك» .\nوقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامة وإن شاء أن يزيغه أزاغه.","vol":"3","page":312},{"text":"وكانت يمين النبي ﷺ: لا ومقلب القلوب.\nوكان كثيرًا ما يقول: والذي نفس محمد بيده.\nوفي الحديث: «للقلب أشد تقلبًا من القدر إذا استجمع غليانًا» .\nوشواهد هذا الأصل كثيرة مع ما يعرفه كل أحد من حال نفسه من كثرة تقلب قلبه من الخواطر، التي هي من جنس الاعتقادات ومن جنس الإرادات، وفيها المحمود والمذموم، والله هو القادر على صرف ذلك عنه، فالاستعاذة بالله طريق مفضية إلى المقصود الذي لا يحصل بالنظر والاستدلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>الوجه الثاني</span>\nوالوجه الثاني: ان يقال النبي ﷺ لم يأمر بالاستعاذة وحدها، بل أمر العبد أن ينتهي عن ذلك مع الاستعاذة، إعلامًا منه بان هذا السؤال هو نهاية الوسواس فيجب الانتهاء عنه.","vol":"3","page":313},{"text":"ليس هو من البدايات التي يزيلها ما بعده، فإن النفس تطلب سبب كل حادث وأول كل شيء حتى تنتهي إلى الغاية والمنتهى.\nوقد قال الله تعالى ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ النجن ٤٢.\nوفي الدعاء المأثور الذي ذكره مالك في الموطأ حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا ليس وؤاء الله مرمى.\nوفي رواية: ليس وراء الله منتهى.\nفإذا وصل العبد إلى غاية الغايات، ونهاية النهايات، وجب وقوفه، فإذا طلب بعد ذلك شيئًا آخر وجب أن ينتهي، فأمر النبي ﷺ العبد أن ينتهي مع استجارته بالله من وسواس التسلسل، كما يؤمر كل من حصل نهاية المطلوب وغاية المارد أن ينتهي إذ كل طالب ومريد فلا بد له من مطلوب ومراد ينتهي إليه، وإنما وجب انتهاؤه لأنه من المعلوم بالعلم الضروري الفطري لكل من سلمت فطرته من بني آدم أنه سؤال فاسد، وأنه يمتنع أن يكون لخالق كل مخلوق خالق، فغنه لو كان له خالق لكان مخلوقًا.\nولم يكن خالقًا لكل مخلوق، بل كان يكون من جملة الملخوقات، والمخلوقات، كلها لا بد لها من خالق، وهذا معلوم بالضرورة والفطرة، وإن لم يخطر ببال العبد قطع الدور والتسلسل، فإن وجود المخلوقات كلها بدون خالق معلوم الامتناع بالضرورة.","vol":"3","page":314},{"text":"وإذا قلنا: يمتنع وجود المحدثات كلها بدون محدث، كان هذا متضمنًا لذاك، فإن كل مخلوق محدث، فإذا كان كل محدث لا بد له من محدث فكل مخلوق لا بد له من خالق أولى، وكذلك إذا قلنا: كل ممكن لا بد له من واجب.\nفلما كان بطلان هذا السؤال معلومًا بالفطرة والضرورة أنر النبي ﷺ أن ينتهي عنه كما يؤمر أن ينتهي عن كل ما يعلم فساده من الأسولة الفاسدة التي يعلم فسادها، كما لو قيل: متى حدث الله؟ او متى يموت؟ ونحو ذلك.\nوهذا مما يبين أن سؤال السائل: أين كان بنا؟ في حديث أبي رزين لم يكن هذا السؤال فاسدًا عنده ﷺ، كسؤال السائل: من خلق الله؟ فإنه لم ينه السائل عن ذلك، ولا أمره بالاستعاذة بل النبي ﷺ سأل بذلك لغير واحد، فقال له: أين الله؟ وهو منزه أن يسأل سؤالًا فاسدًا، وسمع الجواب عن ذلك.\nوهو منزه أن يقر على جواب فاسد ولما سئل عن ذلك أجاب فكان سائلًا به تارة ومجيبًا عنه أخرى.\nولو كان المقصود مجرد التمييز بين الرب والصنم، مع علم الرسول أن","vol":"3","page":315},{"text":"السؤال والجواب فاسدان، لكان ف يالأسولة الصحيحة ما يغني غير الرسول عن الأسولة الفاسدة، فكيف يكون الرسول ﷺ فإنه كان يمكن أن يقول: من ربك؟ من تعبدين؟ كما قال لحصين الخزاي: يا حصين كم تعبد اليوم؟ قال أعبد سبعة ألهة ستة في الأرض وواحدًا في السماء قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء فقال أسلم حتى اعلمك كلمة ينفعك الله بها فلما أسلم سأله عن الدعوة فقال قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي رواه أحمد في المسند وغير أحمد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>الوجه الثالث</span>\nأن النبي ﷺ أمر العبد أن يقول آمنت بالله وفي رواية ورسوله فهذا من باب دفع الضد الضار بالضد النافع، فإن قوله: آمنت بالله، يدفع عن قلبه الوسواس الفاسد.\nولهذا كان الشيطان يخنس عند ذكر الله، ويوسوس عند الغفلة عن ذكر الله، ولهذا سمي الوسواس الخناس، فإنه جاثم على فؤاد ابن آدم فإن ذكر الله خنس والخنوس الاختفاء بنخفاض ن ولهذا سميت الكواكب الخنس.\nوقال أبو هريرة: لقيت النبي ﷺ في بعض طرق المدينة، وانا جنب فانخنست منه.","vol":"3","page":316},{"text":"ويقال: انخنست من فلان وهو اختفاء بنوع من الانخفاض والذل له فالمختفى من عدو يقالته لا يقال: انخنس منه وإنما ينخنس الإنسان ممن يهابه ويعظمه فيذل له وينخفض منه في اختفائه فهكذاالشيطان في حال ذكر يذل ويخضع ويختفي وإذا غفل العبد عن ذكر الله وسوس.\nفأمر النبي ﷺ العبد أن يقول: آمنت بالله أو آمنت بالله ورسوله فإن هذا القول إيمان وذكر الله يدفع به ما يضاده من الوسوسة القادحة في العلوم الضرورية الفطرية ويشبه هذا الوسواس الذي يعرض لكثير من الناس في العبادات حتى يشككه هل كبر أو لم يكبر؟ وهل قرا الفاتحة أم لا؟ وهو نوى العبادة أم لم ينوها؟ وهل غسل عضوه في الطهارة او لم يغسله فيشككه في علومه الحسية الضرورية.\nوكونه غسل عضوًا أمر يشهده ببصره، وكونه تكلم بالتكبير أو الفاتحة أمر يعلمه بقلبه ويسمعه بأذنه، وكذلك كونه يقصد الصلاة مثل كونه يقصد الأكل والشرب والركوب والمشي، وعلمه بذلك كله علم ضروري يقيني اولى لا يتوقف على النظر والاستدلال ولا يتوقف على البرهان، بل هو مقدمات البرهان وأصوله التي يبنى عليها البرهان أعني البرهان النظري المؤلف من المقدمات.","vol":"3","page":317},{"text":"وهذا الوسواس يزل بالاستعاذة وانتهاء العبد، وأن يقول إذا قال: لم تغسل وجهك؟ بلى، قد غسلت وجهي، وإذا خطر له أنه لم ينو ولم يكبر، يقول بقلبه: بلى قد نويت وكبرت فيثبت على الحق ويدفع ما يعارضه من الوسواس، فيرى الشيطان قوته وثباته على الحق، فيندفع عنه وإلا فمتى رآه قابلًا للشكوك والشبهات، مستجيبًا إلى الوسواس والخطرات، أورد عليه من ذلك ما يعجز عن دفعه وصار قلبه موردًا لما توحيه شياطين الإنس والجن من زخرف القول ونتقل من ذلك إلى غيره إلى أن يسوقه الشيطان إلى الهلكة.\n﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ البقرة ٢٥٧ ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ الأعراف ٢٠١-٢٠٢.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>فصل</span>\nومما ينبغي أن يعرف في هذا المقام وإن كنا قد نبهنا عليه في","vol":"3","page":318},{"text":"مواضع أن كثيرًا من العلوم تكون ضرورية فطرية فإذا طلب المستدل أن يستدل عليها خفيت ورقع فيها شك، إما لما في ذلك من تطويل المقدمات وإما لما في ذلك من خفائها، وإما لما في ذلك من كلا الأمرين.\nوالمستدل قد يعجز عن نظم دليل على ذلك، إما لعجزه عن تصوره وإما لعجزه عن التعبير عنه فإنه ليس كل ما تصوره الإنسان أمكن كل أحد أن يعبر عنه باللسان وقد يعجز المستمع عن فهمه ذلك الدليل وإن أمكن نظم الدليل وفهمه ففد يحصل العجز عن إزالة الشبهات المعارضة إما من هذا وإما من هذا وإما منهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>كلام لابن تيمية في مبحث التصورات</span>\nوهذا يقع في التصورات أكثر مما يقع في التصديقات، فكثير من الأمور المعروفة إذا حدث بحدود تميز بينها وبين المحدودات زادت خفاء بعد الوضوح لكونها أظهر عند العقل بدون ذلك الحد منها بذلك الحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>حقيقة الحدود</span>\nولكن قد يكون في الأدلة والحدود من المنفعة ما قد نبه عليه غير مرة، ولهذا تنوعت طرق الناس في الحدود والأدلة، وتجد كثيرًا من الناس يقدح في حدود غيره وأدلته، ثم يذكر هو حدودًا وأدلة يرد عليها إيرادات من جنس ما يرد على تلك أو من جنس آخر، وذلك لأن المقصود بالحدود: إن كان التمييز بين المحدود وبين غيره، كانت الحدود الجامعة المانعة على أي صورة كانت مشتركة في حصول التمييز بها، وإن لم تكن جامعة مانعة كانت مشتركة في عدم حصول التمييز، وإن كان المطلوب بها تعريف المحدود فهذا لا يحصل بها مطلقًا، ولا يمتنع بها","vol":"3","page":319},{"text":"مطلقًا بل يحصل لبعض الناس وفي بعض الأوقات دون بعض، كما يحصل بالأسماء فإن الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال فلا يمكن أن يقال الاسم لا يعرف المسمى بحال، ولا يمكن أن يقال يعرف به كل أحد كذلك الحد.\nوإن قيل إن المطلوب بالحد أن مجرد الحد يوجب أن المستمع له يتصور حقيقة المحدود التي لم يتصورها إلا بلفظ الحاد، وأنه يتصورها بمجرد قول الحاد، كما يظنه من يظنه من الناس بعض أهل المنطق وغيرهم فهذا خطأ كخطأ من يظن أن الأسماء توجب معرفة المسمى لمن تلك الأسماء بمجرد ذلك اللفظ.\nوقد بسط الكلام على هذا في موضعه، وبينا ما لعيه جمهور النظار من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين والمشركين من أن الحدود مقصودها: التمييز بين المحدود وغيره، وأن ذلك يحصل بالوصف الملازم للمحدود طردًا وعكسًا الذي يلزم من ثبوته ثبوت المحدود، ومن انتقائه انتقاؤه، كما هو طريقة نظار المسلمين من جميع الطوائف مثل أبي علي هاشم وأمثالهما، ومثل أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي المعالي الجويني والقاضي أبي يعلى وأبي الوفاء ابن عقيل وأمثالهم.","vol":"3","page":320},{"text":"وأما طريقة أهل المنطق ودعواهم: أن الحد التام مقصوده التعريف بالحقيقة، وأن الحقيقة مؤلفة من الصفات الذاتية الداخلة في المحدود، وهي: الجنس والفصل وتقسيمهم الصفات اللازمة للموصوف إلى: داخل في الحقيقة وخارج عنها عرضي وجعل العرضي الخارج عنها اللازم على نوعين: لازم للماهية، ولازم لوجود الماهية، وبناءهم ذلك على أن ماهيات الأشياء التي هي حقائقها ثابتة في الخارج، وهي مغايرة للموجودات المعينة الثابتة في الخارج، وأن الصفات الذاتية تكون متقدمة على الموصوف في الذهن والخارج، وتكون أجزاء سابقة لحقيقة الموصوف في الوجودين: الذهني والخارجي.\nفهذا ونحوه خطأ عند جماهير العقلاء من نظار الإسلام وغيرهم، بل الذي عليه نظار الإسلام أن الصفات تنقسم إلى: لازمة للموصوف لا تفارقه إلا بعدم ذاته، وإلى عارضة له يمكن مفارقتها له مع بقاء ذاته وهذه اللازمة منها: ما هو لازم للشخص دون نوعه","vol":"3","page":321},{"text":"وجنسه ومنها ما هو لازم لنوعه أو جنسه.\nوأما تقسيم اللازمة إلى ذاتي وعرضي، وتقسيم العرضي إلى لازم للماهية ولازم للوجود، وغير لازم بل عارض فهذا خطأ عند نظار الإسلام وغيرهم.\nبل طائفة من نظار الإسلام قسموا اللازم إلى: ذاتي ومعنوي، وعنوا بالصفات الذاتية: ما لا يمكن تصور الذات مع عدمه، وعنوا بالمعوي: ما يمكن تصور الذات بدون تصوره وإن كان لازما للذات فلا يلزمها إلا إذا تصور معينًا يقوم بالذات.\nفالأول عندهم مثل كوب قائمًا بنفسه وموجودًا بل وكذلك كونه قديمًا عند أكثرهم فإن ابن كلاب يقول: القديم يقدم، والأشعري له قولان أشهرهما عند أصحابه: أنه قديم بغير قدم لكنه باق ببقاء وقد وافقه على ذلك ابن أبي موسى وغيره.\nوأما القاضي","vol":"3","page":322},{"text":"أبو بكر فإنه يقول: باق بغير بقاء ووافقه على ذلك أبو يعلى وأبو المعالي وغيرهما.\nوالثاني عندهم: مثل كونه حيًا وعليمًا وقديرًا ونحو ذلك.\nوتقسيم هؤلاء اللازمة إلى ذاتي ومعنوي، كلام ليس هذا موضع بسطه فإنهم لم يعنوا بالذاتي ما يلزم الذات إذ الجميع لازم للذات، ولا عنوا بالذاتي: المقوم للذات، كاصطلاح المنطقيين: فإن هؤلاء ليس عندهم في الذوات ما هو مركب من الصفات: كالجنس والفصل، ولا يقسمون الصفات إلى مقوم داخل في الماهية هو جزء منها، وإلى عرضي خارج عنها ليس مقومًا، بل هذا التقسيم عندهم وعند جمهور العقلاء خطأ كما هو خطأ في نفس الأمر، إذ التفريق بين الذاتي المقوم، واللازم الخارج، تفريق باطل لا يعود إلا إلى مجرد تحكم يتضمن التفريق بين المتامثلين كما قد بسط في موضعه.\nولهذا يعترف حذاق أئمة أهل المنطق كابن سينا وأبي البركات صاحب المعتبر وغيرهما بانه لا يمكن ذكر فرق مطرد بين هذا وهذا وذكر ابن سينا ثلاثة فروق مع اعترافه بانه ليس واحد منها","vol":"3","page":323},{"text":"صحيحًا واعترض أبو البركات على ما ذكره ابن سينا بما يبين فساد الفرق بين الذاتي المقوم والعرضي اللازم.\nوأبو البركات لما كان معتبرًا لما ذكره أئمة المشائين لا يقلدهم ولا يتعصب لهم كما يفعله غيره مثل ابن سينا وأمثاله نبه على أن ما ذكره أرسطو وأصحابه في هذا الموضع مما لم تعرف صحته ولا منفعته.\nوغير أبي البركات بين فساده وتناقضه، وصنف مصنفات في الرد على أهل المنطق كما صنف أبو هاشم وابن النوبختي والقاضي أبو بكر بن الطيب وغيرهم.\nوهؤلاء الكلابية الذين يفرقون بين الصفات الذاتية والمعنوية هم أصح نظرًا من هؤلاء المنطقيين وهم ينكرون ما ذكر المنطقيون من الفرق فلا يعود تفريقهم إلى تفريق المنطقيين بل تفريقهم يعود إلى ما ذكروه هم من أن الصفات الذاتية عندهم مالا يمكن تصور الذات مع تصور عدمها والصفات المعنوية ما يمكن تصور الذات مع تصور عدمها، كالحياة والعلم والقدرة، فإنه يمكن تصور الذات مع نفي هذه الصفات ولا يمكن تصور الذات مع نفي كونها قائمة بالنفس وموجودة وكذلك لا يمكن ذلك مع نفي كونها قديمة عند أكثرهم.\nوابن كلاب والأشعري في أحد قوليه جعل القدم كالعلم والقدرة والبقاء فيه نزاع بين الأشعري ومن أتبعه كأبي علي بن","vol":"3","page":324},{"text":"أبي موسى وأمثاله، وبين القاضي أبي بكر ومن أتبعه كالقاضي أبي يعلي وأمثاله.\nوهؤلاء أيضًا تفريقهم باطل فإن قولهم: لا يمكن تصور الذات مع نفي تلك الصفة.\nيقال لهم: لفظ التصور مجمل يراد به تصور ما، وهو الشعور بالمتصور من طريق الوجود، ويراد به التصور التام، وما من متصور إلا وفوقه تصور أتم منه.\nومن هذا دخل الداخل على هؤلاء المنطقيين الغالطين وعلى هؤلاء فإن عنوا به التصور التام للذات الثابتة في الخارج التي لها صفات لازمة لها فهذه لا يمكن تصورها كما هي عليه مع نفي الصفات فإذا عني بالماهية ما يتصوره المتصور في ذهنه فهذا يزيد وينقص بحسب تصور الأذهان.\nوإن عنوا به ما في الخارج فلا يوجد بدون جميع لوازمه، وإن عني بذلك أنه لا يمكن تصورها بوجه من الوجوده مع نفي هذه الصفات فهذا يرد عليهم فيما جعلوه ذاتيًا مثل كونه قائمًا بنفسه وكونه قديمًا ونحو ذلك.\nفإنه قد يتصور الذات تصورًا ما من لا يخطر بقلبه هذه المعاني، بل","vol":"3","page":325},{"text":"من ينفي هذه المعاني أيضًا، وإن كان ضالًا في نفيها.\nكما أن من نفي الحياة والعلم والقدرة كان ضالًا في نفيها.\nوإذا قيل: لا يمكن وجود الفعل إلا من ذات قائمة بنفسها قديمة.\nقيل: ولا يمكن إلا من ذات حية عالمية قادرة.\nفإذا قيل: هذه يمكن بعض العقلاء أن يتصور كونها فاعلًا مع انتفاء هذه الصفات.\nقيل: هذا تصور باطل، والتصورات الباطلة لا ضابط لها.\nفقد يمكن ضال آخر أن يتصور كونها فاعلة مع عدم القيام بالنفس، فإن الفرق إذا عاد إلى اعتقاد المعتقدين، لا إلى حقائق موجودة في الخارج، كان فرقًا ذهنيًا اعتباريًا، لا فرقًا حقيقًا من جنس فرق أهل المنطق بين الذاتي المقوم والعرضي اللازم، فإنه يعود إلى ذلك حيث جعلوا الذاتي مالا تتصور الماهية بدون تصوره والعرضي ما يمكن تصورها بدون تصوره وليس هذا بفرق في نفس الأمر وإنما يعود إلى ما تقدره الأذهان فإنه ما من تصور إلا وفوقه تصور أتم منه، فإن أريد بالتصور مطلق الشعور بالشيء فيمكن الشعور به بدون الصفات التي جعلوها ذاتيه فإنه قد يشعر بالإنسان من لا يخطر بباله انه حيوان ناطق أو جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق.\nوإن أرادوا التصور التام، فقول القائل: حيوان ناطق لا يوجب","vol":"3","page":326},{"text":"التصور التام للموصوف بل ما من تصور إلا وفوقه تصور أكمل منه فغن صفات الموصوف ليست منحصرة فيما ذكروه.\nوإن قالوا: نريد به التصور التام للصفات الذاتية، عادت المطالبة بالفرق فيبقى الكلام دورًا.\nوهذا كما انهم يقولون: ماهية الشيء هي المركبة من الصفات الذاتية، ثم يقولون: الصفات الذاتية هي التي يتوقف تحقق الماهية عليها، أو يقف تصور الماهية عليها، فلا تعقل الصفة الذاتية حتى تعقل الماهية ولا تعقل الماهية حتى تعقل الصفة الذاتية لها، فيبقى الكلام دورًا.\nكما يجعلون الصفات الذاتية أجزاء للماهية مقومة لها سابقة لها في الحقيقة في الوجودين الذهني والخارجي مع العلم بان الذات أحق بأن تكون سابقة من الصفات إن قدر أن هناك سبقًا وإلا فهما متلازمان.\nوإذا قيل هي أجزاء.\nقيل إن كانت جواهر، كان الوهر الواحد جواهر كثيرة وإن كانت اعراضًا فهي صفات.\nفإذا قيل الإنسان حيوان ناطق.","vol":"3","page":327},{"text":"قيل: إن كانت الحيوانية والناطقية أعراضًا، فهي صفات الإنسان.\nوإن كانت جواهر هو حساس وجوهر هو نام ومعلوم فساد هذا.\nوحقيقة الأمر أنها صفات لما يتصور في الإذهان وصفات لما هو موجود في الأعيان وأن الذات هي أحق بتقويم الصفات من الصفات بتقويم الذات.\nوأيضًا فإن أرادوا تصور الصفات مفصلة فمعلوم أن قولهم حيوان ناطق لا يوجب تصور سائر الذاتيات مفصلًا فإن كونه جسمًا ناميًا وحساسًا ومتحركًا بالإرادة لا يدل عليه اسم الحيوان دلالة مفصلة بل مجملة وإن أرادوا بالتصور التصور سواء كان مجملًا أو مفصلًا فمعلوم أن لفظ الإنسان يدل على الحيوان والناطق كما يدل لفظ الحيوان على الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة فيكون اسم الإنسان كافيًا في تعريف صفات الإنسان مثل ما أن لفظ الحيوان كاف في تعريف صفات الحيوان.\nفإذا كانوا في تعريف الإنسان لا يأتون إلا بلفظ يدل على صفاته الذاتية دلالة مجملة وهذا القدر حاصل بلفظ الإنسان كان تعريفهم من جنس التعريف بالأسماء وكان ما جعلوه حدًا من جنس ما جعلوه اسما.","vol":"3","page":328},{"text":"فإن كان أحدهما دالًا على الذات فكذلك الآخر وإلا فلا فلا يجوز جعل أحدهما مصورًا للحقيقة دون الآخر، غاية ما يقال إن في هذا الكلام من تفصيل بعض الصفات ما ليس في الآخر.\nفإن قول القائل: حيوان ناطق، فيه من الدلالة على معنى النطق باللفظ الخاص ما ليس في لفظ الإنسان.\nفيقال: وكذلك في لفظ النامي من الدلالة على النمو باللفظ الخاص ما ليس في لفظ الحيوان وأنتم لا توجبون ذلك.\nوكذلك لفظ الحساس والمتحرك بالإرادة فعلم أن كلامهم لا يرجع إلى حقيقة موجوده معقولة وإنما يرجع إلى مجرد وضع واصطلاح وتحكم واعتبارات ذهنية وهذا مبسوط في موضعه.\nوكذلك الذين فرقوا بين الصفات الذاتية وبين المعنوية اللازمة للذات من الكلابية وأتباعهم يعود تفريقهم إلى وضع واصطلاح وتحكم واعتبارات ذهنية لا إلى حقيقة ثابتة في الخارج ولهذا يضطربون في الفرق بين الصفات الذاتية والمعنوية.\nفهذا يقول إنه قديم بقدم باق ببقاء وهذا ينازع في هذا أو في هذا.\nوالنافي يقول: هو عالم بذاته قادر بذاته كما يقول هؤلاء إنه باق بذاته قديم بذاته.\nوإذا أراد بذلك أن علمه من لوازم ذاته لا يفتقر إلى شيء آخر فقد","vol":"3","page":329},{"text":"أصاب وإن أراد أنه يمكن كونه حيًا عالمًا قادرًا بدون حياة وعلم وقدرة فقد أخطأ وذاته حقيقتها هي الذات المتسلزمة لهذه المعاني فتقدير وجودها بدون هذه المعاني تقدير باطل لا حقيقة له ووجود ذات منفكه عن جميع الصفات إنما يمكن تقديره في الأذهان لا في الأعيان، وهذه الأمور مبسوطة في موضعها.\nوالمقصود هنا أن التعريف بالحدود والتعريف بالأدلة قد يتضمن إيضاح الشيء بما هو اخفى منه وقد يكون الخفاء والظهور من الأمور النسبية الإضافية فقد يتضح لبعض الناس أو للإنسان في بعض الأحوال ما لا يتضح لغيره أو له في وقت آخر، فينتفع حينئذ بشيء من الحدو والأدلة لا ينتفع بها في وقت آخر.\nوكلما كانت حاجة الناس إلى معرفة الشيء وذكره أشد وأكثر، كانت معرفتهم به وذكرهم له أعظم وأكثر، وكانت طرق معرفته أكثر وأظهر، وكانت الأسماء المعرفة له أكثر وكانت على معانيه أدل.\nفالمخلوق الذي يتصوره الناس ويعبرون عنه اكثر من غيره تجد له من الأسماء والصفات عندهم ما ليس لغيره، كالأسد والداهية والمخمر والسيف ونحو ذلك، فلكل من هذه المسميات في اللغة من الأسماء أسماء كثيرة، وهذا الاسم يدل على معنى لا يدل عليه","vol":"3","page":330},{"text":"الاسم الآخر، كما يقولون في السيف: صارم ومهند وأبيض وبتار ومن ذلك أسماء الرسول ﷺ وأسماء القرآن قال النبي ﷺ «لي خمسة أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب» وقال أنا الضحوك القتال انا نبي الرحمة أنا نبي الملحمة ومن أسمائه المزمل والمدثر والرسول النبي.\nومن أسماء القرآن: الفرقان والتنزيل والكتاب والهدى والنور والشفاء والبيان وغير ذلك.\nولما كانت حاجة النفوس إلى معرفة ربها أعظم الحاجات كانت طرق معرفتهم له أعظم من طرق معرفة ما سواه، وكان ذكرهم لأسمائه أعظم من ذكرهم لأسماء ما سواه وله سبحانه في كل لغة أسماء واه في اللغة العربية أسماء كثيرة.","vol":"3","page":331},{"text":"والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي ﷺ «إن لله تسعة وتسعين أسمًا من أحصاها دخل الجنة» معناه أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون أسمًا، فإنه في الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأبو حاتم في صحيحه «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو أستأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب غمي وهمي» .\nوثبت في الصحيح ان النبي ﷺ كان يقول في سجوده ٥ اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت صفاته فأخبر أنه ﷺ لا يحصى ثناء عليه ولو","vol":"3","page":332},{"text":"أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها فكان يحصي الثناء عليه لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>فصل طرق معرفة الله كثيرة ومتنوعة</span>\nولما كانت طرق معرفة الله والإقرار به كثيرة متنوعه صار كل طائفة من النظار تسلك طريقًا إلى إثبات معرفته، ويظن من يظن أنه لا طريق إلا تلك.\nوهذا غلط محض، وهو قول بلا علم.\nفإنه من أين للإنسان انه لا يمكن المعرفة إلا بهذا الطريق؟ فإن هذا نفي عام لا يعلم بالضرورة، فلا بد من دليل يدل عليه، وليس مع النافي دليل يدل على هذا النفي بل الموجود يدل على ان للمعرفة طرقًا أخرى، وأن غالب العارفين بالله من الأنبياء وغير الأنبياء بل من عموم الخلق عرفوه بدون تلك الطريق المعينة.\nوقد نبهنا في هذا الكتاب على ما نبهنا عليه من طرق أهل النظر وتنوعها على ما يأتي وأن الطرق تتنوع تارة بتنوع أصل الدليل، وتارة بزيادة مقدمات فيه يستغني عنها آخرون، فهذا يستدل بالإمكان وهذا بالحدوث، وهذا بالآيات وهذا يستدل بحدوث الذوات وهذا بحدوث الصفات وهذا بحدوث المعين كالإنسان وهذا","vol":"3","page":333},{"text":"بحدوثه وحدوث غيره، وآخرون غلطوا فظنوا أنه لا بد من العلم بحدوث كل موصوف تقوم به الصفات وقد يعبرون عنه بلفظ الجسم، والجوهر، والمحدود، والمركب وغير ذلك من العبارت، وآخرون يستدلون بحدوث ما قام به الحوادث ويقولون كل ما قامت به الصفات محدثًا.\nوالفلاسفة لم يسلكوا هذه الطريق لاعتقادهم أن من الأجسام ما هو قديم تحله الحوادث والصفات فكونه جسمًا ومتميزًا وقديمًا وتحله الصفات والحوادث ليس هو عندهم مستلزمًا لكونه محدثًا بل وليس ذلك مستلزمًا عند أرسطو كونه ممكنًا يقبل الوجود والعدم.\nوكذلك لم يسلكها كثير من اهل الكلام كالهشامية والكرامية وغيرهم بل ولا سلكها سلف الأمة وأئمتها كما قد بسط في موضعه.\nولم يسلكها متأخرو أهل الكلام الذين ركبوا طريقًا من قول الفلاسفة وقول أسلافهم المتكلمين كالرازي والآمدي والطوسي ونحوهم بل سلكوا<span data-type=\"title\" id=toc-321> طريقة ابن سينا </span>التي ذكرها في إثبات واجب الوجود.\n\nطريقة ابن سينا\nوطريقة ابن سينا لم يسلكها سلفه الفلاسفة كأرسطو وأصحابه","vol":"3","page":334},{"text":"بل ولا سلكها جماهير الفلاسفة بل كثير من الفلاسفة ينازعونه في نفيه لقيام الحوادث والصفات بذات واجب الوجود ويقولولن إنه تقوم به الصفات والإرادات وأن كونه واجبًا بنفسه لا ينافي ذلك، كما لا ينافي عندهم جميعًا كونه قديمًا.\nولكن ابن سينا وأتباعه لما شاركوا الجهمية في نفي الصفات وشاركوا سلفهم الدهرية في القول بقدوم العالم سلكوا في إثبات رب العالمين طريقًا غير طريقة سلفه المشائين كأرسطو وأتباعه الذين أثبتوا العلة الأولى بحركة الفلك الإرادية، وأن لها محركًا يحركها كحركة المعشوق لعاشقه وهو يحرك الفلك للتشبه بالعلة الأولى فعدل ابن سينا عن تلك الطريقة إلى هذه الطريقة التي سلخها من طريقة أهل الكلام الذين يحتجون بالمحدث على المحدث، وهو لا يقول بحدوث العالم.\nفجعل طريقته الاستدلال بالممكن على الواجب ورأى أولئك المتكلمين قسموا الوجود إلى قديم ومحدث، فقسمه هو إلى واجب وممكن، وأثبت الواجب بهذا الطريق، ولكن هذا بناء على أن القديم ممكن وله ماهية تقبل الوجود والعدم.\nوهذا مما خالفه فيه جمهور العقلاء من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم حتى أنه هو تناقض في ذلك، فوافق سلفه وجميع العقلاء.","vol":"3","page":335},{"text":"وصرح بأن الممكن لا يكون إلا ما يقبل الوجود والعدم، ثم تناقض هنا، كما قد بسط في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>عودة إلى كلام ابن سينا</span>\nونحن ننبه عليه هنا فقوله كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره، فإما أن يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه أو لا يكون فإن وجب فهو الحق بذاته الواجب وجوده من ذاته، وهو القيوم وإن لم يجب لم يجز أن يقال هو ممتنع بذاته بعد ما فرض موجودًا، بل إن قرن باعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم علته صار ممتنعًا أو قرن شرط وجود علته صار واجبًا.\nواما إن لم يقرن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها بقي له من ذاته الأمر الثالث، وهو الإمكان فيكون باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع فكل موجود غما واجب الوجود بذاته وغماممكن الوجود بحسب ذاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>التعليق على كلام ابن سينا</span>\nفيقال اما كون الموجود ينقسم إلى واجب، وهو الواجب بنفسه ن وإلى ممكن وموجود بغيره، وأن الموجود بغيره لا بد له من موجود بنفسه، فهذا كله حق، وهي قضايا صادقة","vol":"3","page":336},{"text":"وأما كون الممكن بنفسه له ذات يعتقب عليها الوجود والعدم، وأنها مع ذلك قد تكون أزلية واجبة بغيرها.\nكما يقوله ابن سينا وموافقوه فهذا باطل عند العقلاء قاطبة من الأولين والآخرين حتى عند ابن سينا مع تناقضه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>الاعتراض على ما سبق من وجوه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>الوجه الأول</span>\nقوله إن قرن باعتبار ذاته شرط صار ممتنعًا أو واجبًا وإن لم يقرن بها شرط بقي له من ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان يقتضي إثبات ذات لهذا الممكن تكون تارة واجبة وتارة ممتنعة وهذا يقتضي أن الكل ممكن ذاتًا مغايرة لوجوده وأن تلك الذات يمكن اتصافها بالوجود تارة والعدم أخرى، وهذا باطل سواء أريد به قول من يجعل المعدوم شيئًا من المعتزلة ونحوهم، أو قول من يجعل الماهيات النوعية في الخارج مغايرة للوجود في الخارج كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والكلام على فساد هذين مبسوط في غير هذا الموضع.\nوهو لم يذكر هنا دليلًا على صحة ذلك ومجرد ما ذكره من التقسيم لا يدل على وجود الإقسام الثلاثة في الخارج فيبقى دليله غير مقدر المقدمات.","vol":"3","page":337},{"text":"وهذا مما يسلكه أمثال هؤلاء يذكرون أقسامًا مقدرة تقديرًا ذهنيًا ولا يقيمون الدليل على إمكان كل من الأقسام ولا وجوده وإنما يذكرون مجرد تقدير ذلك، ويبنون على ذلك التقدير بناء من قد أثبته في الخارج، وهو لم يثبتوه في الخارج كما ذكرنا نظائر ذلك في مواضع.\nوالمقصود هنا أن قول القائل: كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره فإما واجب وإما ممكن إنما يصح إذا علم أن الموجود في الخارج له ذات يمكن أن لا يلتفت معها إلى غيرها، ليقال إن تلك الذات إما واجبة وإما أن يجب لها الوجود وإما أن لا يجب.\nوأما إذا كان لا شيء في الخارج إلا الموجود: إما بنفسه وإما بغيره، فالموجود بغيره إذا التفت إليه من غير التفات إلى غيره فلا ذات له يمكن الالتفات إليها حتى يقال: إنها ممكنة قابلة للوجود والعدم، بل هذا الذي قدر انه موجود بغيره إذا لم يلتفت إلى غيره فلا حقيقة له أصلًا: لا وجود ولا غيره، ولا هناك ما يكون ممكن الوجود أصلًا.\nفهذا التفسير لا يصح الاستدلال به إلا بعد إثبات ذات محققة في الخارج، مغايرة لما هو في الخارج من الوجود، ولما لم يثبت هذا القسم كان الاستدلال باطلًا.","vol":"3","page":338},{"text":"وإذا قيل: قد قرر هذا في غير هذا الموضع.\nقيل الجواب من وجهين:\nأحدهما أنه قد بين أيضًا في غير هذا الموضع فساد ما ذكره.\nالثاني: أنه بتقدير أن يقرره فلا ريب أن هذه المقدمة ما ينازع فيه كثير من العقلاء بل أكثرهم وهي مقدمة خفية تحتاج إلى بيان.\nومتفلسفة الأشعرية كالرازي والآمدي حائرون فيها فالرازي له فيها قولان، والآمدي متوقف فيها، وأهل الإثبات قاطبة كالأشعري وغيره متفقون على بطلانها فكيف تكون مثل هذه المقدمة في إثبات واجب الوجود، الذي وجوده أظهر وأعرف من هذه المقدمة وهل الاستدلال على القوي بالضعيف إلا كتحديد الجلي بالخفي وهذا إذا كان في الحدود مردودًا فهو في الأدلة أولى بالرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>الوجه الثاني</span>\nأن هذا باطل على كل قول.\nأما على قول نظار السنة يقولون: وجود كل شيء في الخارج عين حقيقته فظاهر.\nوأما على قول القائلين بأن المعدوم شيء المفرقين بين الوجود والثبوت، فإنهم لا يقولون ذلك إلا في المعدوم لا يقولون إن الموجود القديم ثبوته يقبل الوجود والعدم بل قد يقولون إن ماهية القديم مغايرة لوجوده لكن لا يقولون إنها تقبل الوجود والعدم.\nففي الجملة","vol":"3","page":339},{"text":"لا يتصور عندهم ماهية متسلزمة للوجود تقبل الوجود والعدم.\nوأما على قول متأخري الفلاسفة الذين يجعلون وجود الممكنات زائداص على ماهياتها، فتلك الماهيات إنما تتحقق في حال الوجود، لا يمكن تجردها عن الوجود، إلا يتصور أن يكون عندهم ماهية هي نفسها تقبل الوجود والعدم، فإثبات ماهية تقبل الوجود والعدم وهي مع ذلك مستلزمة للوجود ليس قول أحد من الطوائف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>الوجه الثالث</span>\nأن هذا باطل، فإنها إذا كانت مستلزمة للوجود امتنع أن تقبل العدم.\nوإن كان عدمها ممكنًا امتنع أن تستلزم الوجود فدعوى المدعي أنها يمكن وجودها وعدمها وأنها مع ذلك تستلزم الوجود لا يمكن عدمها جمع بين المتناقضين.\nوإذا قيل: هي باعتبار ذاتها يمكن وجودها وعدمها، وأما باعتبار سببها فإنه يجب وجودها.\nقيل: قول القائل: هي باعتبار ذاتها يمكن وجودها وعدمها، ليس معناه أنه يجب وجودها أو عدمها بل معناه باعتبار أنها ذاتها لا تستحق وجودًا ولا عدمًا بل لا بد لها من أحدهما باعتبار غيرها.\nوالتقدير أنها موجودة فيكون الوجود لها من غيرها واجبًا والوجود الواجب ولو بغيره لا يمكن عدمه فهذه الذات الواجبة بغيرها لا يمكن عدمها بوجه من الوجوه.","vol":"3","page":340},{"text":"وهب انه لولا السبب الموجب لها لعدمت لكن هذا تقدير ممتنع فإن السبب واجب الوجود بذاته وهي من لوازمه ولازم الواجب بذاته يمتنع عدمه لأن عدم اللازم يوجب عدم الملزوم فلو عدم لازم الواجب لعدم الواجب وعدمه ممتنع فعدم لازمه ممتنع فكان عدم هذه الذات ممتنعًا فلا يكون عدمها ممكنًا، فإن الممكن نقيض الممتنع وإذا كان عدمها ممتنعًا لم يكن ممكنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: معلوم أنه لولا وجود الفاعل لكانت معدومة بنفسها ولم يكن عدمها معلول علة منفصلة عنها.\nوقول القائل: علة العدم عدم العلة: إن أراد به أن عدم العلة يستلزم عدمها ويدل عليه، فهذا صحيح وإن أراد أن نفس عدم العلة هو الذي جعل المعلول معدومًا ن فهذا معلوم البطلان بصريح العقل فإن العدم المحض لا يكون له تأثير في شيء أصلًا ولأن ما لا يوجد إلا بغيره إذا لم يوجد الغير فهو باق على العدم مستمر على ما كان عليه والعدم المستمر الباقي لا يكون له علة أصلًا ولو قدر أن لكل معدوم علة لعدمه للزم تقدير علل لا تتناهى لأن ما يقدر عدمه لا يتناهى، وكل هذا باطل، فإن العدم نفي محض، ليس بشيء أصلًا حتى يقدر فيه علل ومعلولات.\nوإذا كان كذلك، فالممكن لا يفتقر إلى المؤثر إلا إذا قدر وجوده وإلا فمع تقدير عدمه لا يفتقر إلى شيء أصلًا فإذا قدر وجوده واجبًا بغيره وجوبًا قديمًا أزليًا لم يكن هناك ما يقبل العدم ولا يمكن أن يقرن بذاته شرط عدم علته.","vol":"3","page":341},{"text":"وهذا الاعتراض يمكن إيراده على قوله كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره فهو إما واجب وإما ممكن.\nفيقال إن قيل بأن الذات هي نفس الوجود المحقق في الخارج، فذاك إذا قيل ليس له حقيقة بدون الوجود بنفسه فإذا نظر إليه مجردًا عن غيره بطلب حقيقته وكان نفيًا محضًا لم يكن له حقيقة بيلتفت القلب إيها ألبته.\nوإن قيل إن له ذاتًا مغايرة للوجود فتلك الذات سواء قدر إمكان تحققها دون الوجود كما يقوله من يقول: المعدوم شيء أو فرض انه لا يمكن تحققها بدون الوجود، فعلى التقديرين إذا التفت إليه من غير التفات إلى غيرها لم تكن موجودة بل معدومة وانت قد فرضتها موجودة فهذا جمع النقيضين.\nوأيضًا فهي مع عدم الالتفات إلى غيرها ممتنعة الوجود لا جائزة الوجود، فما يمكن وجوده إذا التفت إليه من غير التفات إلى ما يقتضى وجوده كان ممتنع الوجود ن سواء فرض عدم ما يوجده او لم يفرض: لا وجوده ولا عدمه فهو لا يكون موجودًا إلا مع ما يوجده فإذا التفت إليه مجردًا عما يوجده امتنع وجوده.\nوإن قال القائل فرق بين التفات إليه بشرط لا أولا","vol":"3","page":342},{"text":"بشرط أو قال بشرط عدم الموجد أولا بشرط وجوده فإنه ممتنع في الأول وممكن في الثاني.\nقيل له: بل هو ممتنع ف يالقسمين.\nفإذا أخذ لا بشرط كان ممتنع الوجود وكذلك إذا أخذ لا مع وجود الفاعل.\nوذلك أنه لا يمكن وجوده إلا بالفاعل ووجوده بدون الفاعل ممتنع فإذا التفت إليه لا مع لازم وجوده، كان وجوده ممتنعًا والممتنع أعم من أن يكون ممتنعًا بنفسه أو بغيره، كما أن الموجود أعم من أن يكون موجودًا بنفسه او بغيره، والامتناع لا يفتقر إلى أنيقترن به شرط وهو عدم علته، بل إذا لم يقترن به سبب وجوده كان ممتنعًا والعقل يعقل امتناعه بدون ما يوجده وإن لم يخطر له أنه قرن به عدم علته فهو في تجرده عن الاقتران بما يوجده ممتنع كما هو في الاقتران فعدم العلة ممتنع.\nيبين ذلك أن عدم العلة لا شيء فاقترانه بعدم العلة اقتران بعدم محض فلم تختلف حاله بين تقدير عدم هذا الاقتران وانتفائه إلا إذا قرن به ما يقتضي وجوده وإلا فهو بدون القرين المقتضي لوجوده ممتنع معدوم.\nوسبب هذا ان هذا الاقتران ليس هو الموجب لعدمه في نفس الأمر بل هو دليل على العدم، والأدلة تتعدد والدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدمه عدم المدلول إلا إذا كان ملازمًا فالشيء إذا اخذ مع ضده كان ممتنعًا ومع عدم فاعله كان ممتنعًا وكل من الأمرين يدل على امتنعه وكذلك إذا أخذ بدون شرطه كان ممتنعًا وبدون لازمه","vol":"3","page":343},{"text":"كان ممتنعًا والمقتضى الممكن ألزم اللوازم له وأعظم الشروط ولا فرق بين أن يقدر مع انتفاء اللازم أو يقدر لا مع ثبوت اللازم فالأمر سواء هو في كليهما ممتنع إلا مع اللازم فإن وجود الملزوم بدون اللازم ممتنع، ولهذا كل ما يقدر في الخارج فإما واجب بنفسه او بغيره وإما ممتنع بنفسه أو بغيره.\nفإذا قيل: هو باعتبار نفسه لا واجب ولا ممتنع.\nقيل: ليس في الخارج شيء لا واجب ولا ممتنع وإنما ذاك شيء يقدر ف يالذهن فيقدر في الذهن ذات يمكن وجودها وعدمها.\nوانت لم تتكلم فيما يقدر في الأذهان بل قلت: كل موجود فجعلت التقسيم واردًا على الأمور الموجودة ف يالخارج وتلك إما موجودة بنفسها وإما بغيرها، وليس فيها ما يمكن الالتفات إليه مع كونه غير موجود إلا إذا كان في الذهن، مع أنه في الذهن موجودًا ذهنيًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>الوجه الخامس</span>\nقوله إن قرن باعتبار ذاته واجبًا أو ممتنعًا، وغن لم يقترن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها، بقي له من","vol":"3","page":344},{"text":"ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان، فيكون باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع\nفيقال هذا التقسيم يتضمن رفع النقيضين، فإنه لا بد أن يقترن بها حصول العلة أو عدمها. لا يمكن رفع النقيضين جميعًا وهو حصول العلة وعدمها معًا فالتقدير المقابل لهذين وهو أن لا يقترن بها حصول العلة ولا عدمها، فهو تقدير سلب النقيضين، وهو رفع وجود العلة وعدمها معًا، وهذا ممتنع\nوحينئذ فلا يثبت الإمكان إلا علىى تقدير ممتنع، وما لا يثبت إلا على تقدير ممتنع فهو ممتنع، فيكون الإمكان الذي أثبتوه وهو أنه لا يجب ولا يمتنع لا يحصل إلا بتقدير ممتنع، وهو رفع النقيضين فيكون ممتنعًا وهذا يوضح أن هذا الإمكان أمر لا حقيقة له في الخارج، ولا يعقل الإمكان إلا في شيء يكون موجودًا تارة معدومًا أخرى ٠ واما ما يكون موجودًا لا يقبل العدم ألبتة فليس بممكن ٠ كما أن المعدوم الذي لا يقبل الوجود البتة ليس بممكن، مثل نقيض صفات كمال الباري، فإن العجز والجهل ونحو ذلك أمور معدومة له لا تقبل الوجود ألبتة، كما ان حياته وقدرته وعلمه من لوازم ذاته لا تقبل العدم ألبتة بل يجب وجودها ويمتنع عدمها، وليست من الممكن الذي يقبل الوجود والعدم يبين هذا","vol":"3","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>الوجه السادس</span>\nوهو قوله وإن لم يقترن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها، بقي له من ذاته الأمر الثالث\nيقتضي أن هذا الأمر الثالث إنما يكون له من ذاته إذا لم يقرن بها احد الأمرين ومعلوم أنه لا بد ان يقرن بها أحد الأمرين، فإذا لم يكن لها الإمكان إلا في حال تجردها عن الاقتران، وهي لا تتجرد عن الاقتران، لم يكن لها من ذاتها إمكان أصلًا، فإنه جعل ما لا يمكن عدمه واجبًا، سواء كان واجبًا بنفسه او بغيره، وما كان واجبًا لم يكن ممكنًا، وإنما يكون ممكنًا إذا لم يقرن به لا سبب وجوده ولا سبب عدمه يقرر هذا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>الوجه السابع</span>\nوهو أن هذا الكلام يقتضي أنها في حال اقرانها بشرط حصول العلة واجبة ليس لها من ذاتها افمكان، والتقدير أنها موجودة، وان الموجود إما واجب وإما ممكن، وفي حال وجودها قد","vol":"3","page":346},{"text":"اقترن بها حصول العلة، فلا يكون في حال وجودها لها من ذاتها الإمكان\nوحينئذ فوصفها بالإمكان في حال الوجود الواجب ممتنع، فبطل تقسيم الوجود الواجب إلى واجب وممكن بهذا الاعتبار بخلاف تقسيم من قسمه إلى واجب وممكن، وفسر الممكن بما يوصف بالوجود تارة والعدم أخرى، فيكون تارة موجودًا وتارة معدومًا فإن تقسيم الوجود إلى واجب وممكن بهذا الاعتبار لا منافاة فيه، فإنها توصف بالإمكان حال عدمها لأنه يمكن وجودها، وتوصف به في حال وجودها لأنه أمكن وجودها كما امكن عدمها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>الوجه الثامن</span>\nأن قول القائل له من ذاته الإمكان، أو ان ذاته تقبل الوجود والعدم ونحو ذلك\nيقال له هذه الذات هي من حيث هي ذات، مع قطع النظر عن وجودها كما فرضتم ذلك، هي واجبة أو ممكنة او ممكتنعة، فإن كانت واجبة أو ممتنعة بطل كونها ممكنة، وإن كانت ممكنة فلا تكون ذاتًا إلا آخر يجعلها ذاتًا، كما أنها لا تكون موجودة إلا بامر آخر يجعلها موجودة. بل قياس ما ذكروه أنه لا يثبت كونها ذاتًا إلا بسبب","vol":"3","page":347},{"text":"ولا ينتفى كونها ذاتًا إلا بسبب، وهذا يفضي إلى التسلسل، لأن القول فيما يوصف بكونه ذاتًا كالقول فيما يوصف بكونه موجودًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>الوجه التاسع</span>\nأنه إذا كانت تلك الحقيقة والذات مفتقرة في كونها حقيقة وذاتًا إلى سبب، فلا سبب إلا واجب الوجود، وواجب الوجود يمتنع ان يجعلها حقيقة مع كونها معدومة، فلا يجعلها ذاتًا وحقيقة إلا مع كونها موجودة ٠ وحينئذ فإذا كان وجودها واجبًا به فحقيقتها واجبة به، فلا تكون قابلة للعدم، كما أن نفس الوجود لا يكون قابلًا للعدم لما فيه من الجمع بين النقيضين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>الوجه العاشر</span>\nأنه إذا قدر أن واجب الوجود لم يجعل حقيقتها ٠ وهي لا تكون لها حقيقة إلا بسبب، لم يكن هناك حقيقة تقبل الوجود والعدم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>الوجه الحادي عشر</span>\nقوله كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره الخ\nيقال نحن إذا التفتنا إلى السماء او غيرها من الموجودات من غير التفات إلى غيرها لم نعقل إلا تلك العين الموجودة، فإذا قدرنا انه لا يجب لها الوجود من نفسها لم تكن موجودة إلا بموجد يوجدها، فنحن نعقل ان الشيء إما موجود بنفسه وإما موجود بغيره وإذا قسم الوجود إلى موجود بنفسه وموجود بغيره وسمي هذا ممكنًا، كان هذا تقسيمًا صحيحًا، وهو كتقسيمه إلى مفعول وغير مفعول، ومخلوق وغير","vol":"3","page":348},{"text":"مخلوق. اما كون هذا الممكن له ذات وليس له من تلك الذات وجود ولا عدم، فهذا غير معقول في شيء من الموجودات، بل المعقول انه ليس في الممكن من نفسه وجود أصلًا ولا تحقق ولا ذات ولا شيء من الأشياء\nوإذا قلنا ليس له من ذاته وجود، فليس معناه أنه في الخارج له ذات ليس له منها وجود، بل معناه أنا نتصور ذاتًا في أنفسنا، ونتصور أن تلك الذات لا توجد في الخارج إلا بمبدع يبدعها، فالحقائق المتصورة في الأذهان لا توجد في الأعيان إلا بمبدع يبدعها في الخارج، لا أنه في الخارج لها ذات ثابتة في الخارج تقبل الوجود في الخارج والعدم في الخارج، فإن هذا باطل\nوإذا كان كذلك وعلمنا أن كل موجود فإما موجود بنفسه وهو الخالق، أو موجود بغيره وهو المصنوع المفعول، والمصنوع المفعول لا يكون إلا محدثًا مسبوقًا بالعدم، بل الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثًا مسبوقًا بالعدم عند عامة العقلاء، ولو قدر أنا لم نعرف هذا فتسمية ما وجوده بنفسه ووجود غيره منه خالقًا","vol":"3","page":349},{"text":"وتسمية ما أبدعه غيره مخلوقًا، أحسن وأبين من تسمية هذا ممكنًا، إذا الممكن لا يوصف به في العادة إلا المعدوم الذي يمكن أن يوجد وأن لا يوجد، وأما وجد فقد خرج عن افمكان إلى الوجوب بالغير فالمعروف في فطر الناس أن ما مضى وجود وعدم لا يسمونه ممكنًا، وإنما يسمون بالممكن شيئًا يمكن وجوده في المستقبل وعدمه في المستقبل\nثم إذا عرف أن كل ما سوى الوجود بنفسه فهو مفعول مصنوع له، علم أن المصنوع المفعول لا يكون إلا محدثًا، كما قد بسط في موضعه، وهذه الاعتراضات ليست اعتراضات على إثبات واجب الوجود، فإنه حق، لكن على هذا الطريق الذي سلكه حيث أثبت ذاتًا ممكنة، مع كونها عنده قديمة أزلية، ولا يحتاج إثبات واجب الوجود إلى هذا في هذه الطريق\nبل إذا قيل كل موجود فإما موجود بنفسه وإما موجود بغيره، والموجود بغيره لا يوجد إلا بالموجود بنفسه، ثبت وجود الموجود بنفسه، وإذا سمي هذا واجبًا وهذا ممكنًا، كان ذلك أمرًا لفظيًا ٠ لكن المقصود أنه لا يثبت واجب الوجود بما يدعي أنه ذات تقبل الوجود والعدم، وهؤي مع ذلك قديمة أزلية واجبة، فالواجب لا يقبل العدم بحال، والله أعلم","vol":"3","page":350},{"text":"وهذه الأمور التي ذكرناها في هذا الموضع عامة النفع ويحتاج إليها في هذا الموضع وغيره، لما في القلوب من الأمراض ولكن خرجنا إليها من الكلام على المسالك التي سلكها أبو عبد الله الرازي في حدوث العالم والأجسام ن وذكرنا كلام الآمدي على تلك المسالك، فحصل هذا في الكلام على المسلك الأول\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>فصل تقرير الآمدي للمسلك الثاني</span>\nوأما المسلك الثاني فمسلك افتقار الاختصاص إلى مخصص، فقرره الآمدي من وجهين\nالوجه الأول\nأحدهما ما ذكره الرازي ثم زيفه\nقال الآمدي المسلك الثاني هو أن أجزاء العالم مفتقرة إلى ما يخصصها بما لها من الصفات الجائزة لها، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فالعالم محدث\nأما المقدمة الأولى فقد انتهج الأصحاب فيها طريقين الأول انهم قالوا كل جسم من أجسام العالم فهو متناه، وكل متناه فله شكل معين ومقدار معين وحيز معين\nأما المقدمة الأولى فلما سبق تقريره وأما المقدمة الثانية فلأن كل","vol":"3","page":351},{"text":"جسم متناه، فلا بد له من مقدار معين، وأن يحيط به حد واحد كالكري، أو حدود كالمضلع، وهو المعني بالشكل، وأن يكون في حيز بحيث يمكن أن يشار إليه بأنه ههنا أو هناك\nوهذا كله معلوم بالضرورة وكل ماله شكل ومقدار وحيز معين فلا بد له من مخصص يخصصه به\nوبرهانه أنه ما من جسم إلا ويعلم بالضرورة أنه يجوز أن يكون على مقدار أكبر أو أصغر مما هو عليه، أو شكل غير شكله، وحيز غير حيزه، إما متيامنًا عنه أو متياسرًا، وإذا كان كذلك فلا بد له من مخصص بما يخصص به، وإلا كان أحد الجائزين واقعًا من غير مخصص، وهو محال\nالطريق الثاني أن جواهر العالم إما أن تكون مجتمعة أو متفرقة، أو مجتمعة ومتفرقة معًا أو لا مجتمعة ولا متفرقة أو البعض","vol":"3","page":352},{"text":"مجتمعًا والبعض متفرقًا لا جائز أن يقال بالاجتماع والافتراق معًا، ولا أنها غير مجتمعة ولا مفترقة معًا، إذ هو ظاهر الإحالة فلم يبق إلا أحد الأقسام الأخر، وأي قسم منها قدر أمكن في العقل فرض الأجسام على خلافه، فيكون ذلك جائزًا لها ن ولا بد لها من مخصص يخصصها به لما تقدم في الطريق الأول\nوأما بيان المقدمة الثانية، وهو أن كل مفتقر إلى المخصص محدث فهو أن المخصص لا بد أن يكون فاعلًا مختارًا، وأن يكون ما يخصصه حادثًا، لما تقدم في المسلك الأول يعني مسلك الإمكان، فإنه قدمه، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ذكره فيه وإذا ثبت أن أجزاء العالم من الجواهر والأجسام لا تخلو عن الحادث فتكون حادثة، فإذا كانت أجزاء العالم من الجواهر","vol":"3","page":353},{"text":"والأجسام حادثة فالأعراض كلها حادثة ضرورة عدم قيامها بغير الجواهر والأجسام، والعالم لا يخرج عن الجواهر والأعراض، فيكون حادثًا\nقال الآمدي وهذا المسلك ضعيف أيضًا إذ لقائل أن يقول المقدمة الأولى وإن كانت مسلمة غير أن المقدمة الثانية وهي أن كل مفتقر إلى المخصص محدث ممنوعة، وما ذكر في تقريرها باطل بما سبق من المسلك الأول وبتقدير تسليم حدوث ما أشير إليه من الصفات، فلا يلزم أن تكون الجواهر والأجسام حادثة، لجواز أن تكون هذه الصفات متعاقبة عليها إلى غير النهاية، إلا بالالتفات إلى ما سبق في بيان امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها تنتهي إليه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>تعليق ابن تيمية على كلام الآمدي</span>\nقلت هذا المسلك أضعف من مسألة الحركة والسكون، فإن هذا يفتقر إلى ما يفتقر إليه ذاك من غير عكس، إذ كلاهما مفتقر إلى بيان","vol":"3","page":354},{"text":"امتناع حوادث متعاقبة، وقد عرف ما فيه. وهذا يزيد باحتياجه إلى بيان أن الجسم لا يخلو عن صفات حادثة غير الحركة والسكون، وهذا يخالف فيه جمهور العقلاء، وهذا مبني على مقدمات، على أنه لا بد من قدر أو اجتماع أو افتراق، وان ذلك لا يكون إلا بمخصص، وأن كل ما لا بد له من مخصص فهو محدث\nأما المقدمة الأولى فجمهور العقلاء سلموا أنه لا بد له من قدر، وأما كونه لا بد له من اجتماع وافتراق فهو مبني على مسألة الجوهر الفرد\nوأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون الجوهر الفرد، حتى الطوائف الكبار من أهل الكلام، كالنجارية والضرارية والهشامية والكلابية وكثير من الكرامية مع أكثر الفلاسفة، وإن كان القول بتركيب الجسم من المادة والصورة، كما يقوله من يقوله من المتفلسفة أيضًا، أفسد من دعوى تركبه من الجواهر الفردة، فكلا القولين ضعيف\nونحن في هذا المقام مقصودنا التنبيه على جوامع الطرق ومقاصدها وأما كون ما له قدر يفتقر إلى مخصص، فهذا فيه نزاع مشهور ٠ وذلك أن القدر صفة من صفات ذي القدر، كألوانه وأكوانه وسائر ما يمكن أن يتصف به الجسم من الحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر","vol":"3","page":355},{"text":"وغير ذلك، فإن صفاته نوعان منها ما يختص بالأحياء مثل هذه الصفات، ومنها ما يشترك فيه الحي وغيره، كالألوان والقدر والطعم والريح\nفإذا قال القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون قدرو على خلاف ما هو عليه، كان بمنزلة أن يقول كل موصوف يمكن أن يكون موصوفًا بخلاف صفته ٠ فإذا عرضنا على عقولنا ما نعلمه من الموجودات التي لها أقدار وصفات، كان تحويزنا لكونها على خلاف أقدارها كتجويزنا لها أن تكون على خلاف صفاتها، بل القدر من الصفات\nولهذا لما تكلم الفقهاء في مفهوم الصفة كقوله ﷺ في الإبل السائمة الزكاة تكلم بعضهم في مفهوم القدر كقوله إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فقال آخرون القدر من جملة الصفات\nولهذا كان مما احتيج به من احتج به من أهل الكلام على الفلاسفة في مسألة حدوث العالم، أن العالم له صفات وأقدار يمكن أن يكون على خلافها، فهو مفتقر إلى مخصص، لأن العالم ممكن بالاتفاق والمخصص لا يكون موجبًا بالذات\nوقد سلك هذا الطريق أبو المعالي في النظامية فسالكو هذه الطريقة ومنازعوهم لم يفرقوا بين القدر وسائر الصفات في إمكان القبول وعدمه، والقدر المعين أقرب إلى الذات المعينة من الصفات","vol":"3","page":356},{"text":"المطلقة، كما أن صفاته المخصوصة ألزم له من جنس القدر، فإن نفس الجسم التعليمي الذي يقدر في الذهن لا يمكن فرضه إلا وله قدر يمكن فرضه خاليًا عن جميع الصفات، لنه فرض جسم شامل لجميع الأجسام ن فلهذا قدر مجردًا عن جميع الصفات، كما يفرض عدد مجرد عن جميع المعدودات\nوكذلك ما يتخيله الإنسان من الأجسام بعد رؤيته له، كتخيله الإنسان والفرس والشجر والدار والمدينة والجبل ونحو ذلك، يمكنه تخيله مع عدم تخيل شيء من صفاته كألوانه وغيرها، ولا يمكنه تخيله مع نفي قدره، فاختصاص جنس الجسم بجنس القدر كاختصاص جنس الموصوفات بجنس الصفات، واختصاص الجسم المعين بقدره كاختصاصه بصفته المعينة وحقيقته المخصوصة\nوكل شيء له حقيقة تخصه، وقدر، وصفات تقوم به ٠فهنا ثلاثة أشياء المقدار، والحقيقة، وصفات الحقيقة\nفقول القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون بخلاف ذلك القدر، كقوله كل موصوف يمكن وجوده على خلاف تلك الصفات وهو أقرب من قوله كل ماله حقيقة فيمكن وجوده على خلاف تلك الحقيقة\nولكن في هذا المقام يكفي أن يجعل حكم المقدار حكم سائر","vol":"3","page":357},{"text":"الصفات، فلا ريب أن كيفية الموصوف وصفاته ألزم له من قدره، فكيفيته أحق به من كميته، فاختصاصه بقدر دون اختصاصه بصفة فالنار والماء والهواء يلزمها كيفياتها المخصوصة أعظم مما يلزمها المقدار المعين\nفيقال إن أمكن أن يقرر أن كل جسم يقبل من الصفات خلاف ما هو عليه، وما كان كذلك فهو ممكن أو محدث، كان هذا دليلًا عامًا لا يختص بالمقدر، وغن لم يمكن ذلك فلا فرق بين القدر وغيره\nوأحد الطرق التي ذكرها إبرازي وغيره في إثبات الصانع تعالى الاستدلال بإمكان صفات الجسم أو حدوثها، لم يفرق السالكون فيه بين القدر وغيره\nثم لقائل أن يقول قول القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون أكبر أو أصغر أو كل ذي وصف يمكن أن يكون بخلاف ذلك الوصف ونحو ذلك أتريد به الإمكان الذهني إن الخارجي؟ والفرق بينهما أن إمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع ن فليس في ذهنه ما يمنع ذلك. والإمكان الخارجي معناه العلم بالإمكان في الخارج","vol":"3","page":358},{"text":"والإنسان يقدر في نفسه أشياء كثيرة يجوزها ولا يعلم أنها ممتنعة، ومع هذا فهي ممتنعة في الخارج لأمور أخر\nفإن قال أريد به الإمكان الذهني، لم ينفعه ذلك، لأن غايته عدم العلم بامتناع كون تلك الصفة واجبة له\nوإن قال أريد إمكان الخارجي وهو أني اعلم أن كل موصوف بصفة، أو كل ذي قدر يمكن أن يكون بخلاف ذلك، كان مجازفًا في هذا الكلام، لأن هذه قضية كلية تتناول من الأفراد ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وليس معه دليل يدل على إمكان ذلك في الخارج يتناول جميع هذه الأفراد ٠ غايته انه رأى بعض الموصوفات والمقدرات يقبل خلاف ما هو عليه، فإذا قاس الغائب على الشاهد كان هذا من أفسد القياس لاختلاف الحقائق، ولأن هذا ينعكس عليه\nفيقال له لم نر إلا ماله صفة، فيقاس الغائب على الشاهد\nويقال كل قائم بنفسه فله صفة وقدر، وهذا إلى المعقول أقرب من قياسهم، فإن هذا لا يعلم انتقاضه\nوأما قول القائل كل ماله صفة وقدر فيقبل خلاف ذلك، فلا يعلم اطراده، فأين القياس الذي لا يعلم افتقاده من القياس الذي لا يعلم اطراده؟\nوالناس متفقون على أنهم لم يروا موجودًا إلا له صفة وقدر وليسوا متفقين على أن كل ما رأوه يمكن وجوده على خلاف صفاته","vol":"3","page":359},{"text":"وقدره مع بقاء حقيقته التي هو بها هو، ولكن مع استحالة حقيقته فاستحالة قدره وصفاته أولى\nثم إن ما نشاهد من السماوات غنما نعلم جواز كونها على خلاف هذه الصفات بأدلة منفصلة، لا نعلم ذلك ضرورة ولا حسًا ٠ ولهذا نازع في ذلك كثير من العقلاء الذين لا يجمعهم مذهب معين تلقاه بعضهم عن بعض ٠ ولو كان هذا الجواز معلومًا بالضرورة لم ينازع فيه طوائف العقلاء الذين لم يتواطأوا على قول، فإن هؤلاء لا يتفقون على جحد الضروريات\nثم يقال هذا بعينه معارض بالحقائق في نفسها وصفاتها اللازمة لها، فإنه يمكن أن يقال كل موجود له حقيقة تخصه يمتاز بها عن غيره، فاختصاص ذلك الموجود بتلك الحقيقة دون غيرها من الحقائق يفتقر إلى مخصص\nويقال أيضًا كل موجود له صفات لازمة تخصه، فاختصاصه بتلك الصفات دون غيرها يفتقر إلى مخصص\nومن المعلوم انه قد علم بضرورة العقل واتفاق العقلاء أنه لا بد من وجود واجب بنفسه قديم ن وموجود ممكن محدث ن فإنا نشاهد حدوث الحوادث، والحادث ممكن وإلا لما وجد، وليس بواجب بنفسه وإلا لم","vol":"3","page":360},{"text":"يعدم، ويعلم بالضرورة أن طبيعة المحدث لا تكون إلا بقديم وطبيعة الممكن لا تكون إلا بواجب، كما قد بسط في غير هذا الموضع\nفإذا كانت الموجودات منقسمة إلى قديم ومحدث، وواجب وممكن، فمن المعلوم انهما يشتركان في مسمى الوجود والماهية، والذات والحقيقة، وغير ذلك، ويختص الواجب بما لا يشركه فيه غيره\nبل من المعلوم بالضرورة إن الواجب له حقيقة تخصه لا يشركه فيها غيره ن فإن كان كل مختص يفتقر مباين له، افتقرت حقيقة الواجب بنفسه إلى مخصص مباين له، فلا يكون في الموجودات قديم ولا واجب فيلزم حدوث الحوادث بلا محدث ووجود الممكنات بلا واجب\nوهذا كما أنه معلوم الفساد بالضرورة فلم يذهب إليه احد من العقلاء بل غاية الدهري المعطل الكافر أن يقول: العالم قديم واجب الوجود بنفسه، لا يقول: إنه ممكن محدث ليس له مبدع وإذا قال الدهري إن العالم واجب الوجود بنفسه لزمه أن الواجب بنفسه مختص عن غيره بصفات لا يشركه فيها غيره كالحوادث من الحيوان والنبات والمعدن.\nففي الجملة كل عاقل مضطر إلى إثبات موجود واجب بنفسه له","vol":"3","page":361},{"text":"حقيقة يختص بها عما سواه من غير مخصص مباين له خصصه بتلك الحقيقة.\nومن قال: إن واجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو لا بشرط.\nفيقال له: هذا القول وإن كان فساده معلومًا بالاضطرار كما بين في موضعه قول متناقض وهو مستلزم أنه مختص عن غيره بما يخصه.\nوذلك أن المطلق لا يوجد في الخارج مطلقًا، ولا يوجد إلا مقيدًا بقيد من القيود.\nفإذا قيل: موجود واجب قيده بالوجوب فلم يبق مطلقًا.\nوإن قال: ليس بواجب قيده بسلب الوجوب فلم يكن مطلقًا.\nوإن ادعى وجود موجود لا واجب ولا غير واجب لزمه رفع النقيضين جميعًا، وهو أظهر الأمور الممتنعة في بديهة العقل.\nثم إنه يقيده بكونه مبدأ لغيره وبكونه عاقلًا ومعقولًا وعقلًا وعاشقًا ومعشوقًا وعشقًا، وغير ذلك من الأمور المقيدة المخصصة التي يمتاز بها من غيره ولا يكون وجودًا مطلقًا.","vol":"3","page":362},{"text":"ثم إن قال هو مطلق لا بشرط لزمه ان يصدق حمله على كل موجود كما أن الحيوان المطلق لا بشرط يصدق عليه حمله على الإنسان والفرس وغيرهما من الحيوانات وهذا متفق عليه بين العقلاء فيلزم حينئذ أن يكون كل موجود واجب الوجود، إن كان واجب الوجود هو الوجود المطلق لا بشرط كما يقوله الصدر القونوي وامثاله من الملاحدة الباطنية باطنية الرافضة وباطنية الصوفية.\nومعلوم أن هذا مكابرة للحس والعقل، وهو منتهى الإلحاد في الدين.\nوإن قال هو مطلق بشرط الإطلاق، كما يقوله طائفة من ملاحدة الطائفتين ممن يرفع عنه النقيضين فهم قد قرروا في منطقهم ان المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان ثم يلزمهم ان لا يصفوه بالوجوب، ولا بكونه علة، ولا عاقلًا ولا معقولًا، ولا عاشقًا ولا معشوقًا لأن هذه كلها تخرج الوجود عن أن يكون مطلقًا بشرط الإطلاق وتميزه عما ليس كذلك، والمطلق لا بشرط ليس فيه اختصاص ولا امتياز.\nوإن قالوا: مطلق بشرط سلب سائر الأمور التثبوتيه عنه وهو الموصوف بالسلوب والإضافات دون الإثبات كما يقوله ابن سينا","vol":"3","page":363},{"text":"وطائفة فهذا مع أنه باطل من وجوه كثيرة ليس هو مطلقًا بل موجود مقيد بقيود سلبية وإضافية وذلك نخصيص امتاز به عن سائر الموجودات على أي وجه قدر.\nثم يقال كل ما أشار إليه العقل من الأمور فلا بد له من حقيقة تختص به تميزه عما سواه كيفما كان وكل ما هو موجود في الخارج فلا بد له من وجود يختص به يمتاز به عما سواه فإن كان كل ما اختص بأمر يخصه يجب أن يكون له مخصص من خارج امتنع ان يكون في الوجود موجود بنفسه وأن تكون حقيقة من الحقائق موجودة بنفسها وأن يكون ثم وجود واجب.\nثم يلزم التناقض والدور الممتنع والتسلسل الممتنع فغنه إذا افتقر كل مختص إلى مباين يخصه فذاك الثاني إما أن يفتقر إلى مخصص وإما ان لا يفتقر فإن لم يفتقر انتقضت القضية الكلية وهو المطلوب.\nوإن افتقر إلى الأول لزم الدور القبلي، وإن افتقر إلى غيره لزم التسلسل في العلل، وكلاهما ممتنع باتفاق العقلاء.\nولو قدر مقدر أنه يلزم الدور المعي، وهو أن يكون كل من المختصين موجودًا مع الآخر.","vol":"3","page":364},{"text":"فيقال فكل منهما مختص بأمر فهو متوقف على ما اختصت به نفسه وعلى ما اختص به الآخر فيلزم أن يكون هناك اختصاصات فالقول في ذلك الاختصاص كالقول في الأول.\nوبالجملة اختصاص الشيء بما هو عليه من خصائص كاختصاصه بنفسه ووجوده وصفاته كلها لازمها عارضها فقول القائل كل مختص لا بد له من مخصص مباين له كقوله كل موجود فلا بد له من موجد مباين له وكل حقيقة فلا بد لها من محقق مباين لها وكل قدئم بنفسه فلا بد له من مقوم مباين له وأمثال ذلك.\nفإنه ما من أمر من هذه الأمور إلا ويمكن الذهن أن يقدره على خلاف ما هو عليه ومجرد تقدير إمكان ذلك في الذهن لا يوجب إمكان ذلك في الخارج، ولكن طائفة من أهل الجدل الباطل والحكمة السوفسطائية يستدلون على إمكان الشيء في الخارج بإمكانه في الذهن كما يوجد مثل ذلك في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة.\nوالرازي والآمدي ونحوهما يستعملون ذلك كثيرًا كاستدلال الرازي وغيره على إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانب بأن يقولوا القسمة العقلية تقتقضي أن كل موجود فاما مباين لغيره وإما مجانب له وإما لا مباين ولا مجانب أو كل موجود فإما داخل في غيره وإما خارج عنه وإما لا داخل ولا خارج.","vol":"3","page":365},{"text":"ويجعلون مثل هذا التقسيم دليلًا على إمكان كل من الأقسام في الخارج وقد يسمون ذلك برهانًا عقيًا وهو من أفسد الكلام، فإن هذا بمنزلة القائل: كل موجود فإما أن يكون قائمًا بنفسه أو قائمًا بغيره، وإما أن لا يكون قائمًا بنفسه ولا بغيره فإن هذا لا يقتضى إمكان وجود موجود لا قائم بنفسه ولا بغيره، بل هذا ما يعلم امتناعه بالضرورة واتفق العقلاء على امتناعه.\nومثله أن يقال كل موجود إما قديم أو محدث أو لا قديم ولا محدث ومثله كل موجود غما واجب أو ممكن أو لا هذا ولا هذا وكل موجود إما خالق أو مخلوق أو لا خالق ولا مخلوق ومثله إما عالم أو جاهل أو لا عالم ولا جاهل ومثله إما حي وميت أو لا حي ولا ميت.\nفهذه التقسيمات وأمثالها لا تدل على إمكان كل قسم منها ولا على وجوده في الخارج باتفاق العقلاء بل العقلاء متفقون على أن الموجود إما واجب وإما ممكن وإما قديم وإما محدث وإما قائم بنفسه وإما قائم بغيره.\nفأما تقسيم كل قائم بنفسه إلى الحي والميت والعالم والجاهل والقادر والعاجز فهو أيضًا صحيح عند جماهير العقلاء وهو قول المثبة لأسماء الله الحسنى وهو انه حي عالم قادر.","vol":"3","page":366},{"text":"وإنما ينازع فيه النفاة من الجهمية والباطنية فلا يسمونه بشيء من الأسماء الحسنى التي سمى بها نفسه وسمته بها رسله حتى لا يقولون هو شيء ولا موجود لأن ذلك بزعمهم يستلزم التشبيه بغيره من الأشياء والموجودات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>شبهة للملاحدة</span>\nوللملاحدة الفلاسفة سؤال مشهور على قول القائل إما أن يكون حيًا أو ميتًا، أو عالمًا أو جاهلًا، وقادرًا أو عاجزًا، وسميعًا بصيرًا أو أعمى وأصم، فإن هذين متقابلان تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والايجاب\nوالفرق بينهما أن الأول سلب الشيء عما من شأنه أن يكون متصفًا به، كسلب الحياة والسمع والبصر والعلم عن الحيوان، فإنه قابل لذلك، فإذا سلب عنه لزم أن يكون ميتًا أعمى أصم جاهلًا، وأما الجماد فإنه لا يقبل الاتصاف بذلك، فلا يقال فيه حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل، ولا سميع بصير، ولا أعمى أصم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>الجواب عنها من وجوه</span>\nقلت وقد بسطنا الكلام على هذه الشبهة، وغن كان الآمدي وأمثاله عجزوا عن حلها بل اعترفوا بورودها، وبينا الجواب عن ذلك من وجوه\nالأول\nأن مالا يقبل الاتصاف بصفات الكمال أنقص مما يقبل الاتصاف بصفات الكمال، والحي الجاهل الأعمى الأصم لقبوله للعلم","vol":"3","page":367},{"text":"والسمع والبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك ن فإذا كان يمتنع كون الواجب يقبل صفات الكمال ولا يتصف بها، فلأن يمتنع كونه لا يقبلها بطريق الأولى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>والثاني</span>\nأن كل صفة من صفات الكمال إذا لم تستلزم نقصًا فالواجب أولى بها من الممكن، واتصافه بها أولى من الممكن لأنه أكمل، ولأن كل كمال حصل للممكن فهو من الواجب، وهم يسلمون أن كل كمال حصل للمعلوم فهو من علته، فالمعلول أولى بذلك\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>الثالث</span>\nأن كل ما أمكن اتصاف الربسبحانه فهو واجب له، لامتناع توقف شيء من صفاته على غيره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>الرابع</span>\nأن نفي هذه الصفات نقص، وإن لم يسم جهلًا وصمًا وبكمًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>الخامس</span>\nأن ما ذكروه من التفريق بين السلب والإيجاب، والعدم والملكة، بتسمية هذا ميتًا دون هذا، اصطلاح لهم لا يجب أتباعه والله قد سمى الجماد مواتًا في مثل قوله تعالى ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء﴾ النحل ٢٠-٢١ وفي قوله تعالى ﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾ يس: ٣٣ وأمثال ذلك","vol":"3","page":368},{"text":"فإذا كان قد علم انه لا بد من موجود بنفسه مختص بخصائص لا يشركه فيها غيره، مباين له، توهمًا باطلًا شيطانيًا وهو من جنس ما ذكره النبي ﷺ في الحديث الصحيح لما قال يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا فيقول الله فيقول من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته\nوفي حديث آخر لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله كل شيء فمن خلق الله؟\nوهذا لكون الوسواس الشيطاني الباطل لا يقف عند حد الموجود الواجب القديم الخالق وهذا المقام ضل فيه طوائف من الناس صاروا ينفون ما يجب إثباته لله تعالى من الصفات لعدم علمهم بما يوجب اختصاصه بذلك\nثم إنهم يتناقضون، فالمعتزلة فرقوا بين كونه عالمًا وقادرًا، وكونه متكلمًا مريدًا بأن العلم عام التعلق، فإنه سبحانه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير والكلام خاص، فإنه يتكلم بشيء دون شيء فإنه لا يتكلم إلا بالصدق والإرادة خاصة، فإنه يريد شيئًا دون شيء، لا يريد إلا ما علم أن سيكون\nفقال لهم الناس هب أن الأمر كذلك، لكن ما الموجب للتكلم ببعض الكلام دون بعض، ولإرادة بعض الأمور دون بعض؟ فلا بد","vol":"3","page":369},{"text":"من سبب يوجب التخصيص، فلا بد حينئذ أن يكون هو المخصص. فقالوا القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مخصص\nفيقال لهم هذا مع بطلانه يوجب تناقضكم، فإنكم قلتم لا بد للتخصيص من مخصص، ثم قلتم كل الممكنات مخصصة ووجدت بدون مخصص، بل رجح المرجح أحد المتاثلين على الآخر من غير مخصص، وإذا جوزتم في الممكنات وجود المخصصات بدون مخصص، مع أن نسبة القادر واحدة، فالموجود بنفسه أولى أن يستغني عن مخصص مما اختص به من ذاته وصفاته، وذلك أنه من المعلوم أن وجود ذاته وصفاته أولى من وجود مفعولاته، وإذا جوزتم أن يكون مخصصًا لمفعولاته المختصة بحقيقة وقدر وصفة بلا مخصص أصلًا، فتجويزكم أن تكون ذاته المختصة الواجبة بنفسها لا تفتقر إلى مخصص بطريق الأولى\nوهذا لا ينعكس، فإنه إذا قيل إن أفعاله تفتقر إلى مخصص، لم يلزم أن تكون ذاته مفتقرة إلى مخصص، فإن ذاته واجبة الوجود بنفسها، فهي لا تفتقر إلى سبب أصلًا، بخلاف مفعولاته فإنها مفتقرة إلى سبب، وما افتقر إلى فاعل جاز أن يقال هو مفتقر إلى مخصص، بخلاف ما لا يفتقر إلى فاعل، فإنه لا يجب أن يفتقر إلى مخصص\nفإذا قيل ما افتقر إلى سبب أو ما افتقر إلى","vol":"3","page":370},{"text":"فاعل، أو ما افتقر إلى علم افتقر إلى مخصص، وما لم يفتقر إلى شيء من ذلك لم يفتقر، كان هذا كاملًا معقولًا\nبخلاف ما إذا قيل المفتقر إلى الفاعل لا يفتقر إلى نخصص، والغني عن الفاعل يفتقر إلى مخصص، فإن هذا قلب للحقيقة، كما قالته المعتزلة الجهمية القدرية من نفي افتقار الأفعال إلى مخصص، وإثبات افتقار الذات إلى مخصص قلب للحقائق\nوأفسد منه قول الفلاسفة الذين يثبتون مفعولات مختلفة مع حدوث كثير منها ويقولون إن مخصصها مجرد وجود بسيط، ثم يصفونه بصفات تفيد اختصاصه بما يتميز به عن سائر الموجودات، ويقولون مع ذلك الاختصاص لا بد له من مخصص مباين له ثم العلم فيه من العموم ما ليس في القدرة، وفي القدرة من العموم ما ليس في الإدارة\nوالمتفلسفة نفوا الاختصاص حتى أثبتوا وجودًا مطلقًا مجردًا، ثم أثبتوا له من اللوازم ما يوجب الاختصاص، مثل كونه وجودًا واجبًا، وذلك يميزه عن الوجود الممكن، وجعلوه عاقلًا ومعقولًا وعقلًا، وعاشقًا ومعشوقًا وعشقًا، وملتذًا به وأنواع ذلك مما يوجب اختصاصه بهذه الأمور عمن ليس هو موصوفًا بها من الجمادات\nوقالوا صدر عنه العالم المختص بما له من الصفات والأقدار من غير موجب للتخصيص فهل في الوجود أعظم من هذا التناقض؟","vol":"3","page":371},{"text":"وهو أن يكون وجود مطلق لا اختصاص فيه يوجب كل اختصاص في الوجود من غير سبب يوجب التخصيص؟\nوهؤلاء ينكرون على من أثبت من أهل الكلام الحوادث بلا سبب حادث، ثم يثبتون الحوادث بلا محدث، ويثبتون التخصيصات في الموجودات بلا مخصص أصلًا، وهو شبيه بقول من يجعل الممكن الذي ليس له من نفسه وجود يوجد بلا واجب بنفسه\nومن وافق هؤلاء من الكلابية في بعض الأمور يثبت صفات معدودة يختص بها ن ويجعل لها خصائص، ثم يطلب المخصص لغير تلك الصفات ٠ ولهذا كان منتهى من سلك هذه السبيل إلى أن يثبت وجودًا، ثم مطلقًا، ثم يتناقض أعظم من تناقض غيره، وذلك لن كل موجود فمختص بما هو من خصائصه، سواء عن غيره طلب ما هو ممتنع لذاته فمن وصف الواجب بذلك فقد وصفه بصفة الممتنع لذاته ن وهذا نهاية هؤلاء، وهو الجمع بين النقيضين\nثم يقول من يقول من متصوفتهم انه يجوز الجمع بين النقيضين، وأنه يثبت في الكشف ما يناقض صريح العقل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>كلام الشهر ستاني في نهاية الإقدام</span>\nوالشهر ستاني لما اعتمد في مناظرته للقائلين بالعلو والمباينة والصفات الفعلية ونحو هؤلاء على هذه الطريقة أورد على نفسه من اللوازم ما","vol":"3","page":372},{"text":"اعترف معه بالحيرة، فلما احتج بأن الاختصاص بالقدر يقتضي مخصصًا، والاختصاص بالجهة يقتضي مخصصًا، قال فإن قيل بم تنكرون على من يقول القدر الذي اختص به نهاية وحدًا واجب له لذاته فلا يحتاج إلى مخصص، بخلاف مقادير الخلق فإنها احتاجت إلى ذلك لأنها جائزة، وذلك لأن الجواز في الجائزات إنما يعرف بتقدير القدرة عليها، فلما كانت المقادير المخلوقة مقدورة عرف جوازها، واحتاج الجواز إلى مرجح، فإذا لم يكن فوق الباري تعالى قادر يقدر عليه لم يمكن إضافة الجواز إليه وإثبات الاحتجاج له، ألسنا اتفقنا على أن الصفات ثمان، أفهى واجبة له على هذا العدد، أم جائز أن توجد صفة اخرى؟ فإن قلتم يجب الانحصار في هذا العدد كذلك، نقول الاختصاص بالحد المذكور واجب له، إذ لا فرق بين مقدار في الصفات عدًا ومقدار في","vol":"3","page":373},{"text":"الذات حدًا وإن قلتم جائز أن توجد صفة أخرى فما الموجب للانحصار في هذا العدد والحد فيحتاج إلى مخصص حاصر؟ ثم قال قلنا المقادير من حيث إنها مقادير طولًا وعرضًا وعمقًا لا تختلف شهدًا ولا غائبًا في تطرق الجواز العقلي إليها واستدعاء مخصص\nفيقال له هذا الذي قلته هو أول المسألة، فإن المقادير من حيث هي هي لا وجود لها في الخارج، كما ان الصفات والذوات من حيث هي هي لا وجود لها في الخارج، وإنما يوجد في الخارج ذات مخصوصة بصفاتها المخصوصة، فالقول فيما اختصت به من المقدار كالقول فيما اختصت به من سائر الصفات به من الحقيقة الموصوفة بتلك الصفات\nثم قال وأما الصفات وانحصارها في ثمان، فقد اختلف جواب الأصحاب عنه بوجوه منها أنهم منعوا إطلاق لفظ","vol":"3","page":374},{"text":"العدد عليها فضلًا عن الثمانية وقالوا قد دل الفعل بوقوعه على كون الفاعل قادرًا، وباختصاصه ببعض الجائزات على كونه مريدًا، وبأحكامه على كونه عالما وعلم بالضرورة أن القضايا مختلفة وورد في الشرع إطلاق العلم والقدرة والإرادة ولا مدلول سوى ما دل الفعل عليه أو ورد في الشرع إطلاقه ولهذا اقتصرنا على ذلك فلو سئل هل يجوز أن يكون له صفة أخرى اختلف الجواب عته فقيل لا يتطرق إليه الجواز فإنا لم نثبت الصفات إلا بدليل الفعل والفعل ما دل إلا على تلك وقيل يجوز عقلًا إلا أن الشرع لم يرد به فنتوقف في ذلك ولا يضر في ذلك الاعتقاد إذا لم يرد به تكليف\nقال ومنها أنهم فرقوا في الشاهد بين الصفات الذاتية التي تلتئم منها حقيقة الشيء وبين المقادير العرضية التي لا مدخل لها في تحقيق حقيقة الشيء فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى","vol":"3","page":375},{"text":"الفاعل بل هي له من غير سبب، والمقادير العرضية تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل. فإن جعلها له بسبب\nومنها أنه ولو قدر صفة زائدة على الثمان لم يخل إما أن تكون صفة مدح وكمال، او صفة ذم ونقصان، فإن كان صفة كمال فعدمها في الحال نقص، وإن كان صفة نقص فعدمها واجب، وإذا بطل القسمان تعين أنه لا يتصف بزيادة على الثمانية\nقال ويترتب على ما ذكرناه هل يجوز أن يكون للباري تعالى أخص وصف لا ندركه؟ وفرق بين هذا السؤال الأول، فإن السائل الأول سأل هل يجوز أن تزيد صفاته على الصفات الثمانية؟ والسائل الثاني سأل هل له أخص وصف تميز","vol":"3","page":376},{"text":"به عن المخلوقات؟ واختلف جواب الأصحاب عنه أيضًا فقال بعضهم ليس له أخص وصف ولا يجوز أن يكون، لأنه بذاته وصفاته تميز عن ذوات المخلوقات وصفاتها من حيث أن ذاته لا حد لها زمانًا ومكانًا ولا تقبل الانقسام فعلًا ووهمًا بخلاف ذوات المخلوقات لا حد لها زمانًا ومكانًا ولا تقبل الانقسام فعلًا ووهمًا بخلاف ذوات المخلوقات وصفاته غير متناهية في التعلق بالمتعلقات ولو كان الغرض أن يتحقق أخص وصف به يقع التميز فقد وقع التميز بما ذكرناه ن فلا أخص سوى ما عرفناه. وقال بعضهم لا بل له أخص وصف في الإلهة لا ندركه وذلك أن كل شيئين لهما حقيقتان معقولتان فإنهما يتمايزان بأخص وصفيهما وجميع ما ذكرنا من ان لا حد ولا نهاية لا انقسام للذات ولا تناهي للتعلق في الصفات كل ذلك أسلوب وصفات نفي وبالنفي لا يتميز الشيء عن الشيء بل لا بد من صفة إثبات بها يقع التميز وإلا فترتفع الحقيقة رأسًا ثم إذا ثبت","vol":"3","page":377},{"text":"أخص الوصف فهل يجوز أن يدرك قال إمام الحرمين لا يجوز أن يدرك أصلًا وقال بعضهم يجوز أن يدرك وقال ضرار بن عمرو يدرك ذلك عند الرؤية بحاسة سادسة ونفس المسألة من محارات العقول وتصور الأخص من محارات العقول\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>تعليق ابن تيمية على كلام الشهرستاني</span>\nفيقال: هذا وما أشبه هو الذي يقال في هذا المقام من جهة من يفرق بين بعض الصفات وبعض كما يفرق بين الصفة والقدر، ومن تدبره علم أنه لا يمكن الفرق.\nوذلك من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>الوجه الأول</span>\nأن ما ذكره ليس فيه جواب فيه جواب عن الإلزام والمعارضة فإنهم عارضوه بإثبات صفات متعددة سواء كانت ثمانيًا أو أكثر أو أقل، فغن اختصاص الصفات بعدد من الأعداد كاختصاص الذات بقدر من الأقدار، وإذا كان المسمي لا يسمي ذلك عددًا فمنازعه لا يسمي الآخر قدرًا، وليس الكلام في الإطلاقات اللفظية بل في المعاني العقلية، وما زاد على ذلك سواء نفي ثبوته او نفي","vol":"3","page":378},{"text":"العلم به لا يضر، فغن السؤال قائم إلا أن يثبت المثبت صفات لا نهاية لعددها وهذا ينقض قاعدة من يقول: غنه لا يوجد ما لا نهاية له وإلا فإذا أثبت الصفات متناهية كانت المعارضة متوجهة سواء عرف عددها أو لم يعرف وتفريق من فرق بين الصفات الذاتية والعرضية بأن هذه تفتقر إلى فاعل دون الأخرى لا يصح، لأن هذا إنما يجيء على قول من يقول: الماهيات غير مفعولة ولا مجعولة، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ونحوهم وإلا فأهل السنة ومتكلموهم متفقون على أن حقائق جميع المخلوقات مخلوقة مصنوعة بل ليس لها حقيقة في الخارج إلا ما هو موجود في الخارج وما سوى ذلك فإنما هو الصورة العلمية، وما في الأذهان من ذلك فالله تعالى هو الذي جعله فيها والله سبحانه هو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر فهدى، وهو الذي خلق، خلق الإنسان من علق، وهو الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم وهو الذي خلق الإنسان علمه البيان.\nفقوله: الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل قول باطل بل صفة كل موصوف مخلوق مضافة إلى الله تعالى فإنه خلق كل موصوف بصفاته وليس في المخلوق شيء لا من ذاته ولا من صفاته إلا والله تعالى خلقه وأبدعه.\nوأيضًا فكل صفة لازمة لموصوفها لا يكون الموصوف إلا بها فإن كان مفتقرًا إلى الفاعل فالفاعل فعله بصفاته وإن كان غنيًا عن","vol":"3","page":379},{"text":"الفاعل استغنى بصفاته عن الفاعل وتسمية أهل المنطق لبعضها ذاتيًا ولبعضها عرضيًا لا يمنع اشتراكها في هذا الحكم.\nوقول القائل لو قدر صفة زائدة على الثمان لكان صفة كمال أو نقص إنما يفيده نفي ما زاد على الثمان وهذا لا يضر المعارض بل يقوي معارضته فإن تخصيص الصفات بإثبات ثمان دون ما زاد ونقص تخصيص بقدر وعدد فغن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين للموصوف فالسؤال قائم فإن قال القائل هذه الصفات على هذا الوجه من لوازم الذات لا تفتقر إلى موجب غير الذات قيل له: فهكذا مورد النزاع وبطل ما ذكرته من أن اختصاص كل موصوف بصفات ومقدار يفتقر إلى مخصص منفصل عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>الوجه الثاني</span>\nأن ما ذكره من الكلام في أخص وصف هو أيضًا لازم لهم، كما أن ما ذكره في الصفات هو أيضًا لازم لهم، فإن هذا معارضة باختصاص الحقيقة في نفسها وذلك معارضة باختصاصها ببعض الصفات دون بعض وبعدد من الصفات دون ما زاد.\nوسواء قيل بإثبات أخص وصف أو لم يقل فإنه لا بد من ذات متميزة بنفسها عما سواها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: أهل الإثبات للصفات لهم فيما زاد على الثمانية ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: إثبات صفات أخرى كالرضى والغضب والوجه واليدين والاستواء، وهذا قول ابن كلاب والحارث","vol":"3","page":380},{"text":"المحاسبي وأبي العباس القلانسي والأشعري وقدماء أصحابه كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن بن مهدي الطبري والقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثالهم ن وهو قول أبي بكر بن فورك وقد حكي إجماع أصحابه على إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليد وهو قول أبي القاسم القشيري وأبي بكر البيهقي، كما هو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل والشريف أبي علي وابن الزغوني وأبي الحسن التميمي وأهل بيته كابنه أبي الفضل ورزق الله وغيرهم، كما هو قول سائر المنتسبين إلى أهل السشنة والحديث وليس للأشعري نفسه فيإثبات صفة الوجه واليد والاستواء وتأويل نصوصها قولان، بل لم يختلف قوله أنه يثبتها ولا يقف فيها، بل يبطل تأويلات من ينفيها ولكن أبو المعالي وأتباعه ينفونها، ثم لهم في التأويل والتفويض قولان فأول قولي أبي المعالي التأويل كما ذكره في الإرشاد وآخرهما التفويض كما ذكره في الرسالة النظامية وذكر إجماع السلف على المنع من التأويل وأنه محرم.","vol":"3","page":381},{"text":"وأما أبو الحسن وقدماء أصحابه فهم من المثبتين لها.\nوقد عد القاضي أبو بكر في التمهيد والإبانة له الصفات القديمة خمس عشرة صفة ويسمون هذه الصفات الزائدة على الثمانية الصفات الخبرية وكذلك غيرهم من أهل العلم والسنة مثل محمد بن جرير الطبري وأمثاله وهو قول أهل السنة والحديث من السلف وأتباعهم وهو قول الكرامية والسالمية وغيرهم.\nوهذا القول هو القول المعروف عند متكلمة الصفاتية لم يكن يظهر بينهم غيره حتى جاء من وافق المعتزلة على نفيها، وفارق طريقة هؤلاء وأصل هؤلاء أنهم يثبتون الصفات السمع والعقل بخلاف من اقتصر على الثمانية فإنه لم يثبت صفة إلا بالعقل.\nوقد أثبت طائفة منهم بعضها بالعقل كما أثبت أبو أسحق الإسفراييني صفة اليد بالعقل وكما يثبت كثير من المحققبن صفة الحب والبغض والرضى والغضب بالعقل.","vol":"3","page":382},{"text":"القول الثاني: قول من ينفي هذه الصفات كما ذكره الشهرستاني وغيره، وهو أضعف الأقوال، فإن عندته أنه لو كان لله صفة غير لوجب أن ينصب عليها دليلًا نعلمه ولم ينصب فلا صفة له وكلتا المقدمتين باطلة فإن دعوى المدعي أنه لا بد أن ينصب الله تعالى على كل صفة من صفاته دليلًا باطل، ودعواه أنه لم ينصب دليلًا إلا نعلمه هو أيضًا باطل كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع فإن هذه القاعدة إنما هي معدة لجمل المقاصد.\nوالثالث قول الوافقة الذين يجوزون إثبات صفات زائدة لكن يقولون لم يقم عندنا دليل على نفي ذلك ولا إثباته وهذه طريقة محققي من لم يثبت الصفات الخبرية وهذا أختيار الرازي والأمدي وغيرهما.\nوأئمة أهل السنة والحديث من اصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم يثبتون الصفات الخبرية لكن منهم من يقول لا نثبت إلا ما في القرآن والسنة المتواترة وما لم يقم دليل قاطع على إثباته نفيناه كما يقوله ابن عقيل وغيره أحيانًا ومنهم من يقول بل نثبتها بأخبار الآحاد المتلقاة بالقبول ومنهم من يقول نثبتها بالأخبار الصحيحة مطلقًا ومنهم من يقول يعطى كل دليل حقه فما كان قاطعًا في الإثبات قطعنا بموجبه وما كان راجحًا لا قاطعًا قلنا بموجبه فلا","vol":"3","page":383},{"text":"نقطع في النفي والإثبات إلا بدليل يوجب القطع وإذا قام دليل يرجح لأحد الجانبين بينا رجحان أحد الجانبين وهذا أصح الطرق.\nوكثير من الناس قد يظن صحة أحاديث فإما أن يتأولها أو يقول هي مثل غيرها من الأخبار وتكون باطلة عند أئمة الحديث.\nومن الأخبار ما يكون ظاهرة يبين المراد به لا يحتاج إلى دليل يصرفه عن ظاهرة ولكن يظن قوم أنه مما يفتقر إلى تأويل كقوله الحجر السود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه.\nفهذا الخبر لو صح عن النبي ﷺ لم يكن ظاهرة ان الحجر صفة لله بل صريح في أنه ليس صفة لله لقوله يمين الله في الأرض فقيده في الأرض ولقوله فمن صافحه فكأنما صافح الله والمشبه ليس هو المشبه به وإذا كان صريحًا في أنه ليس صفة لله لم يحتج إلى تأويل يخالف ظاهرة ونظائر هذا كثيرة مما يكون في الاية","vol":"3","page":384},{"text":"والحديث ما يبين أنه لم يرد به المعنى الباطل فلا يحتاج نفي ذلك إلى دليل منفصل ولا تأويل يخرج اللفظ عن موجبه ومقتضاه.\nوإذا كان كذلك فالمعارضة بالصفات ثابتة على كل قول من الأقوال الثلاثة إذ لا بد فيها من اختصاص فإن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين لزم افتقار صفات الله تعالى إلى مباين له.\nثم رأيت أبا الحسن الآمدي قد ذكر هذا الدليل الذي ذكره الشهرستاني وبين ضعفه في كتابه المسمى بغاية المرام في علم الكلام فقال في مسألة نفي العلو وتوابع ذلك وقد سلك بعض الأصحاب في الرد على هؤلاء طريقًا شاملًا فقال لو كان الباري مقدرًا بقدر متصورًا بصورة متناهيًا بحد ونهاية مختصًا بجهة متغيرًا بصفة حادثة في ذاته لكان محدثًا إذ العقل الصريح يقضي بأن المقادير في تجويز العقل متساوية فما من مقدار وشكل يقدر في العقل إلا ويجوز أن يكون مخصوصًا بغيره فاختصاصه بما اختص به من مقدار أو شكل أو غيره يستدعي مخصصا ولو استدعى مخصصًا لكان الباري محدثًا.\nقال الآمدي لكن هذا المسلك مما لا يقوى وذلك","vol":"3","page":385},{"text":"انه سلم ما يفرض من المقادير والجهات وغيرها ممكنة في أنفسها وأن ما وقع منها لا بد له من مخصص لكن إنما يلزم أن يكون الباري حادثًا ان لو كان المخصص خارجًا عن ذاته ونفسه.\nولعل صاحب هذا القول لا يقول به، وعند ذلك فلا يلزم أن يكون الباري تعالى حادثًا ولا محوجا إلى غيره أصلًا فإن قيل: إن ما اقتضاه بذاته ليس هو أولى من غيره لتساوي الجميع بالنسبة إليه في جهة الاقتضاء فهو نحو الخلاف ولعل الخصم قد لا يسلم تساوي النسبة في جهة الاقتضاء إلا ان يقدر أنه لا اختلاف بين هذه الممكنات ولا محالة أن بيان ذلك متعذر جدًا كيف وأنه يحتمل أن ينتهج الخصم في تخصيص هذه الصفات الثابتة للذات منهج أهل الحق في تخصيص سائر الممكنات وبه درء الإلزام.\nثم استدل على هذه المسألة بما هو أضعف من هذا وهو أن البناء على ذلك مستلزم لكونه جوهرًا والجواهر متماثلة وقد عرف ما في هذين الأصلين من المنازعات اللفظية والمعنوية في غير هذا الموضع","vol":"3","page":386},{"text":"والآمدي نفسه قد بين بطلان قول من جعل الجواهر متماثلة.\nومما ينبغي أن يعرف في مثل هذه المسائل المنازعات اللفظية فإن القائل إذا قال التخصيص يفتقر إلى مخصص والتقدير إلى مقدر كان بمنزلة من يقول: التحريك يفتقر إلى محرك وأمثال ذلك وهذا لا ريب فيه فإن التخصيص مصدر خصص يخصص تخصيصًا وكذلك التقدير والتكلم ونحو ذلك ومصدر الفعل المتعدي لا بد له من فاعل يتعدى فعله فإذا قدر مصدر متعد بلا فاعل يتعدي فعله كان متناقضًا بخلاف ما إذاقيل: الاختصاص يفتقر إلى مخصص والمقدار إلى مقدر ونحو ذلك فإن هذا ليس في الكلام ما يدل عليه لأن المذكور إما مصدر فعل لازم كالاختصاص ونحوه، أو اسم ليس بمصدر كالمقدار وكل من هذين ليس في الكلام ما يوجب افتقاره إلى فاعل يتعداه فعله.\nفإذا قيل الموصوف الذي له صفة وقدر قد اختص بصفة وقدر فلا بد له من مخصص لم يكن في هذا الكلام ما يدل على افتقاره إلى مخصص مباين له يخصصه بذلك بخلاف ما إذا قيل إذا خص بصفة أو قدر فلا بد له من مخصص فإن هذا كلام صحيح.\nوالناطقون من أهل النظر وغيرهم إذا قصدوا المعاني فقد لا يراعون مثل هذا، بل يطلقون اسم المفعول على ما لم يعلم أن له فاعلًا فيقول أحدهم هذا مخصوص بهذه الصفة والقدر والمخصوص لا بد له من مخصص فإذا أخذ المخصوص على أنه اسم مفعول فمعلوم أنه","vol":"3","page":387},{"text":"لا بد له من فاعل يتعدى فعله وإذا أخذ على أن المقصود اختصاصه بذلك الوصف مان هذا مما يفتقر إلى دليل وهذا مثل الموجود فإنه لا يقصد به أن غيره أوجده بل يقصد به المحقق الذي هو بحيث يوجد، فكثير من الأفعال التي بنيت للمعفول واسم المفعول التابع لها قد كثر ف يالاستعمال حتى بقي لا يقصد به قصد فعل حادث له فاعل أصلًا بل يقصد إثبات ذلك الوصف من حيث الجملة.\nوكثير من ألفاظ النظار من هذا الباب كلفظ الموجود والمخصوص والمؤلف والمركب والمحقق فإذا قالوا: إن الرب تعالى المخصوص بخصائص لا يشركه فيها غيره أو هو موجود، لم يريدوا أن أحدًا غيره خصه بتلك الخصائص ولا أن غيره جعله موجودًا.\nوبسبب ذلك تجد جماعات غلطوا في هذا الموضع في مثل هذه المسألة إذا قيل الباري تعالى مخصوص بكذا وكذا او مختص بكذا وكذا قالوا فالمخصوص لا بد له ممن خصه بذلك والمخصص لا بد له من مخصص خصصه بذلك.\nوالناس قد يبحثون عن اختصاص الشيء بأمور قبل بحثهم هل هي من نفسه او من غيره ويعلمون ويقولون إنه مخصوص بذلك وقد خص بهذا واختص به ونحو ذلك.","vol":"3","page":388},{"text":"ونظير ذلك ما ذكره أبو حامد في تهافت الفلاسفة لما رد عليهم مذهبهم ف ينفي الصفات وبين أنه لا دليل هم على نفيها وتكلم في ذلك بكلام حسن بين فيه ما احتجوابه من الألفاظ المجملة المبهمة كلفظ التركيب فإنهم جعلوا إثبات الصفات تركيبًا وقالوا متى أثبتنا معنى يزيد على مطلق الوجود كان تركيبًا وادخلوا في مسمى التركيب خمسة أنواع.\nأحدها: أنه ليس له حقيقة إلا الوجود المطلق لئلا يكون مركبًا من وجود وماهية.\nوالثاني: ليس له صفة لئلا يكون مركبًا من ذات وصفات.\nوالثالث: ليس له وصف مختص ومشترك لئلا يكون مركبًا مما به الاشتراك وما به الامتياز لتركب النوع من الجنس والفصل أو من الخاصة والعرض العام.\nالرابع: أنه ليس فوق العالم لئلا يكون مركبًا من الجواهر المفردة وكذلك لا يكون مركبًا من المادة والصورة فلا يكون مركبًا تركيبًا حسيًا كتركيب الجسم من الجواهر المنفردة ولا عقليًا كتركبه من المادة والصورة.\nوهذان نوعان بهما يصير خمسة وهذه الطريقة هي طريقة","vol":"3","page":389},{"text":"ابن سينا فإنه زعم أن نفس الوجود إذا كان يستلزم وجودًا واجبًا فالوجود الواجب له هذه الخصائص النافية لهذه الصفات ويقول ليس له أجزاء حد ولا أجزاء كم وهذا مراده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة</span>\nوأما قدماء الفلاسفة فلم يكونوا يثبتون واجب الوجود بهذه الطريقة، بل بطريقة الحركة فلما جاء ابن رشد الحفيد يعترض على أبي حامد فيما ذكره لم يمكنه الانتصار لابن سينا بل بين أن هذه الطريقة التي سلكها ضعيفة كما ذكر أبو حامد واحتج هو بطريقة أخرى ظن أنها قوية وهي أضعف من طريقة ابن سينا فإن أبا حامد لما ذكر القول المضاف إلى الفلاسفة كابن سينا وأمثاله، وذكر أنهم ينفون تلك الأنواع الخمسة، قال ومع هذا فإنهم يقولون للباري تعالى غنه مبدأ وأول وموجود وجوهر واحد، وقديم وباق وعالم وعاقل وعقل ومعقول وفاعل وخالق ومريد وقادر وحي وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ وجواد وخير محض وزعموا ان كل ذلك عبارة عن معنى واحد لا كثرة فيه.","vol":"3","page":390},{"text":"قال وهذا من العجائب وهم يقولون ذات المبدأ الأول واحد وإنما تكثر الأسماء بإضافة إلى شيء أو إضافة شيء إليه أو سلب شيء عنه والسلب والإضافة لا يوجب كثرة في ذات المسلوب عنه ولكن الشان في رد هذه كلها إلى السلوب والإضافات وذكر تمام قولهم.\nقال أبو حامد فيقال لهم بم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه وانتم مخالفون من جميع المسلمين سوى المعتزلة فما البرهان عليه؟ فإن القائل الكثرة محال في واجب الوجود مع كون الصفات الموصوفة واحدة يرجع إلى أنه يستحيل كثرة الصفات فيه وفيه النزاع وليس","vol":"3","page":391},{"text":"استحالة معلومًا بالضرورة.\nولهم مسلكان أحدهما أن كل واحد من الصفة والموصوف: إن كان مستغنيًا عن الآخر فهما واجبا الوجود وإن كان مفتقرًا إليه فلا يكون واحد منهما واجب الوجود، وإن احتاج أحدهما إلى الآخر فهو معلول والآخر هو الواجب، وأيهما كان معلولا افتقر إلى سبب فيؤدي إلى أن ترتبط ذات واجب الوجود بسبب.\nقال أبو حامد: المختار من هذه الأقسام هو الأخير ولكن إبطالكم القسم الأول لا دليل لكم عليه فإن برهانكم عليه إنما يتم بنفي الكثرة من هذه المسألة فكيف تنبني هذه المسألة على تلك؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت الجواب عن هذه الحجة يمكن بوجوه:\nالوجه الأول\nأن يقال: قولكم: إما أن يقال: قولكم: إما أن يكون أحدهما محتاجًا إلى الآخر، وإما أن يكون مستغنيًا عنه: تريدون بالاحتياج حاجة المفعول إلى فاعله أو مطلق التلازم وهو كون أحدهما لا يوجد إلا بالآخر أم قسم ثالث؟","vol":"3","page":392},{"text":"فإن أردتم الأول، لم يكن أحدهما محتاجًا إلى الآخر بل غنيًا عن كونه فاعلًا له ولا يلزم أن يكونا واجبي الوجود بمعنى أن كلا منهما هو الواجب بنفسه المبدع للممكنات.\nوإن قيل: إن كلا منهما واجب الوجود بمعنى أنه لا مبدع له.\nقيل: نعم، ولا نسلم امتناع تعدد مسمى واجب الوجود بهذا التفسير، وإنما يمتنع تعدده بالتفسير الأول فإن الأدلة قامت على أن خالق الممكنات رب واحد لم تقم على نفي صفاته، بل كل من صفاته اللازمة له قديم أزلي، ممتنع عدمه، ليس له فاعل، فإذا عبر عن هذا المعنى بأنه واجب الوجود فهو حق، وإن عني بواجب الوجود ما ليس ملازمًا لغيره فليست الذات وحدها واجبة الوجود ولا الصفات بل الواجب الوجود هو الذات المتصفة بصفاتها اللازمة لها، لا سيما وهم يقولون إنها مستلزمة للمعلول، فامتناع ذلك على أصلهم أبلغ، وقد عرف أن كلا من الصفات الذاتية ملازمة للأخرى والصفات ملازمة للذات وليس كل منهما مبدعًا للآخر.\nوإن قلتم: كل منهما محتاج إلى الآخر بمعنى انه ملازم له لم يلزم من كونه ملازمًا أن يكون معلولًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>الوجه الثاني</span>\nوهذا الجواب الثاني وهو أن يقال: ما تعني بواجب الوجود؟","vol":"3","page":393},{"text":"أتعني به مالا فاعل له، أو تعني به القائم بنفسه الذي لا فاعل له؟\nفإن عنيت الأول لم يمتنع أن يكون كل الصفات والذات واجب الوجود بهذا التفسير ولم يدل على امتنع تعدد الواجب بهذا التفسير دليل، كما لم يدل على امتناع تعدد القديم بهذا التفسير دليل، وإنما دل الدليل على أنه لا إله إلا الله وأن الله رب العالمين واحد لا شريك له، وهو التوحيد الذي دل عليه الشرع والعقل.\nفأما نفي الصفات وتسمية ذلك توحيدًا فهو مخالف للشرع والعقل.\nوإن أراد بواجب الوجود: القائم بنفسه الذي لا فاعل له كانت الذات واجبة الوجود، وهي بالصفة واجبة الوجود ولم تكن الصفة وحدها واجبة الوجود.\nوإن أريد بحاجة كل من الصفة والموصوف إلى الآخر التلازم، أختير إثبات ذلك، ولم يلزم من ذلك كون أحدهما معلول الآخر، فإن المتضايفين متلازمين وليس أحدهما معلول الآخر وإن أريد بذلك كون أحدهما فاعلًا اختير نفي الحاجة بهذا التفسير وهو القسم الأول، وهو انه ليس أحدهما محتاجًا إلى الآخر.","vol":"3","page":394},{"text":"وإن أريد أن أحدهما محل للآخر، أختير جواب الغزالي وهو ان الصفة محتاجة إلى الذات من غير عكس.\nوعلى هذا فقول القائل: إن أحدهما معلول للآخر إن أراد به أحدهما فاعل للآخر فهو باطل فإنه لا يجب من قيام الصفة بالموصوف أن يكون الموصوف فاعلًا للصفة بل الأمر بالعكس فإن المفعول يمتنع ان يكون من باب الصفات اللازمة للموصوف.\nوإن أريد بذلك أن يكون أحدهما قابلًا للآخر، فلا امتناع في ذلك وإن قيل بل إن المحل علة للحال.\nواعلم أن هذه الحجة وأمثالها غنما نشأت الشبهة فيها من جهة أن ألفاظها مجملة فلفظ العلة يراد به العلة الفاعلة والعلة القابلة، ولفظ الحاجة إلى الغير يراد به الملازم للغير ويراد به حاجة المشروط إلى شرطه ويراد به حاجة المفعول إلى فاعله.\nوإذا عرف هذا فالصفات اللازمة مع الذات متلازمة وليس أحدهما فاعلا للآخر بل الذات محل للصفات وليس الواحد منهما علة فاعلة بل الموصوف قابل للصفات وهذا لا امتناع فيه بل هو الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول.\nلكن الغزالي لم يجب إلا بجواب واحد، ومضمون كلامهم أنهم في جميع كلامهم في نفي الصفات ينتهي أمرهم إلى أن هذا","vol":"3","page":395},{"text":"تركيب والمركب مفتقر إلى جزئه والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بنفسه لأنه محتاج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>كلام الغزالي في مسألة صفات الله</span>\nفقال لهم أبو حامد: نحن نختار أن يقال: الذات في قوامها غير محتاجة إلى الصفات والصفات محتاجة إلى الموصوف كما في حقنا فبقي قولكم إن المحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود فيقال إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له علة فاعلية فلم قلتم ذلك؟ ولم استحال أن يقال كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفته قديمة معه ولا فاعل لها وإن أردتم بواجب الوجود أن لا يكون له علة قابلية فهو ليس بواجب الوجود على هذا التأويل ولكنه قديم مع هذا ولا فاعل له فما المحيل لذلك فإن قيل: واجب الوجود المطلق هو الذي ليس له علة فاعلية ولا قابلية فإذا سلم أن له علة قابلية فقد سلم كونه معلولًا، قلنا تسمية الذات القابلة علة قابلية من","vol":"3","page":396},{"text":"اصطلاحكم والدليل لم يدل على ثبوت واجب الوجود بحكم اصطلاحكم، إنما دل على إثبات طرف ينقطع به تسلسل العلل والمعلولات ولم يدل على هذا القدر.\nوقطع التسلسل يمكن بواحد له صفات قديمة لا فاعل لها كما أنه لا فاعل لذاته ولكنها تكون متقررة في ذاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>تعليق ابن رشد على الغزالي</span>\nقال ابن رشد يرد أنه إذا وضع لهم هذا القسم من الأقسام التي استعملوا في إبطال الكثرة آل الأمر معهم إلى أن يثبتوا أن واجب الوجود ليس يمكن أن يكون مركبًا من صفة وموصوف ولا أن تكون ذاته ذات صفات كثيرة وهذا شيء ليس يقدرون عليه بحسب أصولهم.\nثم أخذ يبين أن المحال الذي راموا أن يلزموه على تقدير هذا القسم، ليس بلازم قال: فيقال لهم: إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له فاعلة فاعلية فلم قلتم ذلك أي فلم قلتم بامتناع كونه موصفًا بالصفات ولم استحال","vol":"3","page":397},{"text":"أن يقال: كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفاته قديمة لا فاعل لها.\nقال ابن رشد وهذا كله معاندة لمن سلك في نفي الصفات طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود بذاته وذلك أنهم يفهمون في الممكن الوجود الممكن الحقيقي ويرون أن كل ما دون المبدأ الأول هو بهذه الصفة وخصومهم من الأشعرية يسلمون هذا، ويرون أن كل ممكن فله فاعل وأن التسلسل ينقطع بالانتهاء إلى ما ليس ممكنًا في نفسه فإذا سلم لهم هذه ظن بها أنه يلزم عنها أن يكون الأول الذي انقطع عنده الإمكان ليس ممكنًا فوجب أن يكون بسيطًا غير مركب لكن للأشعرية أن يقولوا: أن الذي ينتفي عنه الإمكان الحقيقي ليس يلزم أن يكون بسيطًا وإنما يلزم أن يكون قديمًا فقط لا علة فاعلية له فلذلك ليس عند هؤلاء برهان على أن الأول بسيط من طريقة واجب الوجود.","vol":"3","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>كلام آخر للغزالي في مسألة التركيب</span>\nقال أبو حامد فإن قيل فإذا أثبتم ذاتًا وصفة وحلولًا للصفة بالذات فهو مركب وكل تركيب يحتاج إلى مركب ولذلك لم يجز أن يكون الأول جسمًا لأنه مركب قلنا قول القائل كل مركب يحتاج إلى مركب كقوله كل موجود يحتاج إلى موجد، فيقال له: الأول قديم موجود لا علة له ولا موجد.\nفكذلك يقال: موصوف قديم ولا علة لذاته ولا لصفته ولا لقيام صفاته بذاته بل الكل قديم بلا علة وأما الجسم فإنما لم يجز أن يكون هو الأول لأنه حادث من حيث إنه لا يخلو عن الحوادث ومن لم يثبت له حدوث الجسم يلزمه أن تكون العلة الأولى جسمًا كما سنلزمه عليكم فيما بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>تعليق ابن رشد على كلام الغزالي</span>\nقال ابن رشد معترضًا على أبي حامد التركيب ليس هو","vol":"3","page":399},{"text":"مثل الوجود لأن التركيب هو مثل التحريك، أعني صفة انفعالية زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب والوجود هو صفة هذه الذات بعينها وأيضًا المركب ليس ينقسم إلى مركب من ذاته ومركب من غيره فيلزم أن ينتهي الأمر إلى مركب قديم كما ينتهي الأمر في الموجودات إلى موجود قديم.\nوأيضًا فإذا كان الأمر كما قلنا من أن التركيب أمر زائد على الوجود، فلقائل أن يقول إن كان يوجد مركب من ذاته فسيوجد متحرك من ذاته وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم من ذاته لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك.\nقال والفصل في هذه المسألة أن المركب لا يخلو من أن يكون كل واحد من جزأيه أو أجزائه التي تركب منها شرطا في وجود صاحبه بجهتين مختلفتين أو لا يكون شرطًا أو يكون أحدهما","vol":"3","page":400},{"text":"شرطا في وجود الثاني والثاني ليس شرطًا في وجود الأول.\nفأما الأول فلا يمكن أن يكون قديمًا لأن التركيب نفسه شرط في وجود الأجزاء فلا يمكن أن تكون الأجزاء علة التركيب ولا التركيب علة نفسه، إلا لو كان الشيء علة نفسه وأما الثاني إذا لم يكن واحد منهما شرطًا في وجود صاحبه فإن امثال هذه إذا لم يكن في طباع أحدهما أن يلازم الآخر فإنها ليست تتركب إلا بمركب خارج عنها وإن كان أحدهما شرطا في وجود الآخر من غير عكس كالحال في الصفة والموصوف الغير جوهرية فإن كان الموصوف قديمًا ومن شانه أن لا تفارقه الصفة فالمركب قديم وإذا كان هذا هكذا فليس يصح إن جوز مجوز وجود مركب قديم أن يبين على طريق الشعرية أن كل جسم محدث لأنه إن وجد مركب","vol":"3","page":401},{"text":"قديم وجدت أعراض قديمة أحدها التركيب لأنه أصل ما يبنون عليه وجوب حدوث الأعراض أنه لا تكون الأجزاء التي تركب منها الجسم إلا بعد الأفتراق.\nفإذا جوزوا مركبًا قديما أمكن أن يوجد اجتماع لم يتقدمه افتراق وحركة لم يتقدمها سكون وإذا جاز هذا أمكن أن يوجد جسم ذو أعراض قديمة ولم يصح لهم أن مالا يخلو عن الحوادث حادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>تعليق ابن تيمية على كلام الغزالي وابن رشد</span>\nقلت ما ذكره أبو حامد مستقيم مبطل لقول الفلاسفة وما ذكره ابن رشد إنما نشأ من جهة ما في اللفظ من الإجمال والاشتراك وكلامه في ذلك أكثر مغلطة من كلام ابن سينا الذي أقر بفساده وضعفه.\nوذلك أن هؤلاء قالوا لأبي حامد والمثبتين إذا أثبتم ذاتًا وصفة وحلولًا للصفة بالذات فهو مركب وكل مركب يحتاج إلى مركب.\nقال لهم قول القائل كل مركب يحتاج إلى مركب كقول القائل: كل موجود يحتاج إلى موجد.\nومقصوده بذلك أن هذا المعنى الذي سميتموه تركيبًا ليس معنى كونه مركبًا إلا كون الذات موصوفة بصفات قائمة بها، ليس معناه أنه كان هناك شيء متفرق فركبه مركب بل ولا هناك شيء يقبل التفريق فإن الكلام إنما هو في إثبات صفات واجب الوجود اللازمة","vol":"3","page":402},{"text":"الوجود بنفسه لم يكن أن تفارقه ولا أن توجد دونه ولا يوجد إلا بها فليس هناك شيئان كانا مفترقين فركبهما فركب.\nولفظ المركب في الأصل اسم مفعول لقول القائل ركبته فهو مركب كما تقول فرقته فهو مفرق وجمعته فهو مجمع وألفته فهو مؤلف وحركته فهو محرك.\nقال الله تعالى ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾ الانفطار ٨ يقال ركبت الباب في موضعه.\nهذا هو المركب في اللغة لكن صار في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة يقع على عدة معان غير ما كان مفترقًا فاجتمع كما يقول أحدهم الجسم إما بسيط وإما مركب يعنون بالبسيط الذي تشتبه أجزاؤه كالماء والهواء.\nوبالمركب ما اختلفت كالإنسان وقد يقولون كل جسم مركب من أجزائه لأن هذا الجزء غير هذا الجزء وإن كانوا يعتقدون أنه لم يتفرق قط، وأنه لم يزل كذلك، ويتنازعون هل الجسم مركب من الواهر المنفردة أو من الهيولى والصورة أم ليس مركبًا من واحد منهمًا؟ مع اتفاقهم على أنه من الأجسام ما لم","vol":"3","page":403},{"text":"تكن أجزاؤه مفترقة فتركبت وقد يعنون بالمركب المركب من الصفات كما يقولون الإنسان مركب من الجنس والفصل وهو الحيوان الناطق وهاتان الصفتان لم تفارق إحداهما الأخرى ولا يمكن وجود الناطق إلا مع الحيوان ولا يمكن وجود حيوان إلا مع ناطق أو ما يقوم مقامه كالصاهل ونحوه.\nفأبو حامد وأمثاله خاطبوا هؤلاء بلغتهم في أن الموصوف بصفة لازمة له يسمى مركبًا وقالوا لهم قلتم إن مثل هذا المعنى الذي سميتموه تركيبًا يمتنع في الواجب الوجود فقولهم إن كل مركب مفتقر إلى مركب مغلطة نشأت من الإجمال في لفظ مركب فإنهم لم يسلموا لهم أن هناك تركيبًا هو فعل مركب حتى يقال إن المركب يفتقر إلى مركب بل هناك ذات موصوفة بصفات لازمة له فإذا قال القائل كل موصوف بصفات لازمة له يفتقر إلى مركب ومؤلف يجمع بين الذات والصفات كان قوله باطلًا فقولهم في هذا الموضع كل مركب يفتقر إلى مركب من هذا الباب.\nوكذلك إذا قيل كل مؤلف يفتقر إلى مؤلف كما يستعمل مثل هذا الكلام غير واحد من الناس في نفي معان سماها مسم تأيفًا وتركيبًا فجعل المستدل يستدل بمجرد إطلاق اللفظ من غير نظر إلى","vol":"3","page":404},{"text":"المعنى العقلي فيقال لمن سمى مثل هذا تركيبًا وتأليفًا أتعني بذلك أن هنا شيئًا فعله مركب ومؤلف أو ان هنا ذاتًا موصوفة بصفات؟\nأما الأول فممنوع فإنه ليس في خلق الله من يقول إن صفات الله اللازمة له متوقفة على فاعل يؤلف ويركب بين الذات والصفات.\nوإن عنيت الثاني فمسلم، ولا دليل لك على أن الذات القديمة الواجبة المستلزمة للصفات تفتقر إلى من يركب صفاتها فيها فلهذا قال أبو حامد هذا كقول القائل كل موجود يفتقر إلى موجد ولو قال إلى واجد لكان أقرب إلى مطابقة اللفظ.\nوهذا صحيح فإن الموجود اسم مفعول من وجد يجد فهو واجد.\nفإذا قال القائل: كل موجود يفتقر إلى واجد أو موجد نظرًا إلى اللفظ كان كقوله كل مركب يفتقر إلى مركب نظرًا إلى اللفظ ولكن لفظ الموجود إنما يراد به ما كان متحققًا في نفسه لا يعني به ما وجده أو اوجده غيره، كما أنهم يعنون بالمركب هنا ما كان متصفًا بصفة قائمة به أو ما كان فيه معان متعددة وكثرة لا يعنون به ما ركبه غيره فالذي جرى لهؤلاء المغالطين في لفظ التأليف والتركيب كما جرى لأشباههم في لفظ التخصيص والتقدير فإن الباب واحد فليتفطن اللبيب لهذا فإنه يحل عنه شبهات كثيرة.","vol":"3","page":405},{"text":"وأما اعتراض ابن رشد على أبي حامد بقوله ليس المركب مثل الموجود بل مثل التحريك.\nفجوابه من وجوه:\nأحدها أن يقال ليس الكلام في الموازنات اللفظية بل في المعاني العقلية والمقصود هنا أن الذات القديمة الواجبة الموصوفة بصفات لا يجب أن يكون لها جامع منفصل جمع بين الذات والصفات كما أن الموجود المحقق لا يفتقر إلى موجود غير نفسه بل قد يكون موجودًا بنفسه لا يفتقر إلى فاعل كذلك اتصافها بالصفات لا يفتقر إلى فاعل.\nالثاني أن يقال وهب أن هذا مثل التحريك في اللفظ،\nفقولك: هي صفة انفعالية زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب إن عنيت انها زائدة على الذات والصفة وقيام الصفة بالذات فهذا باطل وإن عنيت انها هي قيام الصفة بالذات أو هي الصفة القائمة بالذات فليس في ذلك ما يوجب كونها انفعالية لها فاعل مباين للموصوف.\nالثالث أن التحريك إن عني به تحريك الشيء لغيره فليس هذا نظير مورد النزاع فإن أحدًا لم يسلم أن في الذات القديمة الموصوفة بصفاتها اللازمة شيءً ركبه أحد وإن عني به مطلق الحركة صار معنى","vol":"3","page":406},{"text":"الكلام أن اتصاف الذات بالصفات كاتصافها بالحركات وليس في واحد منهما ما يقتضي احتياج الموصوف إلى مباين له.\nوأما قوله ليس ينقسم الأمر إلى مركب من ذاته ومركب من غيره حتى ينتهي الأمر إلى مركب قديم كما ينتهي الأمر في الموجودات إلى موجود قديم.\nفيقال له بل هؤلاء المسلمون كأبي حامد وأمثاله لما خاطبوكم باصطلاحهم وأنتم جعلتم قيام الصفة بالموصوف تركيبًا فإنهم يقولون بحسب اصطلاحكم إنه ينقسم إلى مركب من ذاته ومركب من غيره.\nوحقيقة الأمر أن ثبوت الصفات إن سميتموه تركيبًا، لم نسلم لكم عدم انقسام المركب إلى قديم واجب، ومحدث ممكن وإن لم تسموه تركيبًا بطل أصل كلامكم ٠ ولكن أنتم سميتم هذا تركيبًا ونفيتموه، فلهذا قلتم لا ينقسم المركب فكان كلامكم ممنوعًا بل باطلًا\nوأما قوله إن لقائل أن يقول إن كان يوجد مركب من ذاته فسيوجد متحرك من ذاته، وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد معدوم من ذاته","vol":"3","page":407},{"text":"فجوابه من وجوه\nأحدها منع المقدمة الأولى فما الدليل على أنه إذا وجدت ذات موصوفة بصفات لازمة له، يلزم أن توجد ذات متحركة بحركة منها، ليس معه في ذلك إلا مجرد الموازنة اللفظية\nالثاني أن حقيقة قوله إن افتقار التركيب إلى مركب كافتقار التحريك إلى المحرك فإن أخذ ذلك على أن له فاعلًا فلكل منهما فاعل، وإن أخذ مجرد التركيب مجرد التحرك قيل فعلى هذا يكون المعنى إذا وجد متصف بصفة بنفسه يوجد فاعل متحرك بنفسه، وإذا كان حقيقة كلامه أنه إذا كان متصفًا بالصفات من ذاته فسيوجد متصفًا بالأفعال من ذاته ٠ فيقال له إما أن تكون هذه الملازمة صحيحة وغما أن لا تكون، فإن لم تكن صحيحة فليست بحجة، وإن كانت صحيحة كانت دليلًا على ثبوت أفعال الله تعالى، وكان حقيقتها أنه يلزم من ثبوت الصفات القائمة به ثبوت الأفعال القائمة به، فأي محذور في هذا إذا كانت الملازمة صحيحة؟\nالثالث قوله وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم من ذاته، لأن وجود المعدوم هو خروج ما هو بالقوة إلى الفعل،","vol":"3","page":408},{"text":"وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك وليس كذلك الوجود لأنه ليس صفة زائدة على الذات، فكل موجود لم يكن وقتًا موجودًا بالقوة ووقتًا موجودًا لنه ليس صفة زائدة على الذات، فكل موجود لم يكن وقتًا موجودًا بالقوة ووقتًا موجودًا بالفعل، فهو موجود بذاته، والمتحرك وجوده إنما هو مع القوة المحركة، فلذلك احتاج كل متحرك إلى محرك\nفيقال ألقني بقولك فسيوجد المعدوم من ذاته أي نفس ما كان معدومًا يوجد من الذات المعدومة، أم تعني به أن الحركة المعدومة توجد من الذات المتحركة؟\nأما الأول فغير معقول، فإن المعدوم ليس له وجود أصلًا حتى يعقل أن يوجد منه ذاته أو غير ذاته، ووجوده موجود من غير موجود ممتنع بضرورة العقل، وكون المعدوم يوجد بنفسه معلوم البطلان بالبديهية\nوإن عنيت الثاني، فاللازم والملزوم واحد، فإن المتحرك من ذاته توجد حركته المعدومة من ذاته\nوقول القائل إنه إذا جاز هذا جاز وجود المعدوم من الذات المعدومة ممنوع بل باطل معلوم البطلان\nوقوله لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل، وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك\nفيقال له غاية هذا أنهما يشتركان في أمر من الأمور، فمن أين يلزم إذا اشتركا في أمر ما أن يشتركا في غيره مع ظهور الفرق فإن قوله","vol":"3","page":409},{"text":"وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل لا يجوز أن يراد به أن نفس المعدوم كان فيه قوة هي مبدأ وجوده، فإن المعدوم ليس في شيء ولا فيه شيء\nوإنما يقال إن ما منه وجد المعدوم كان فيه قوة وجوده، كما في النطفة قوة أن تصير علقة ٠ وفي الحبة قوة أن تصير سنبلة، وفي النواة قوة أن تصير نخلة، فالذي فيه القوة ليس هو المعدوم، واما الحركة والمتحرك فنفس المتحرك فيه قوة هي مبدأ الحركة فنظير المتحرك المحل الذي وجد فيه ما كان معدومًا من الأعراض، كما يوجد اللون في المتلونات، والطعم في المطعومات، والحياة في الأحياء، فكذلك الحركة في المتحركات، فمحل هذه الصفات والحركات كان قابلًا لها وفيه قوة القبول والاستعداد لها، وأما نفس هذه الأمور التي كانت معدومة فوجدت، فليس فيها من القوة ولا غيرها شيء\nفقياس القائس وجود المعدوم من ذاته بوجود الحركة من المتحرك في غاية الفساد، والعلة تكون فاعلة وتكون قابلة، فلو قال القائل الموجود أو الجسم أو القائم بنفسه أو نحو ذلك يقبل الصفات والأعراض كالحركات ونحوها، وفيه قوة لذلك، فيجب أن يكون المعدوم فيه قبول لقيام الصفات والحركات به لكان قوله في غاية","vol":"3","page":410},{"text":"الفساد، فكيف إذا قال إذا كان المتحرك فاعلًا بنفسه لحركته، وجب أن يكون المعدوم فاعلًا لذاته، بل يقال الفاعل يمكن أن يفعل غيره وأما فعله لنفسه فممتنع فلو قال إذا كان المتحرك يفعل حركة وجب أن يفعل المعدوم حركة لكان باطلًا، فكيف إذا قال وجب أن يفعل نفسه\nوقوله فكل موجود لم يكن وقتًا موجودًا بالقوة ووقتًا بالفعل فهو موجود بذاته، والمتحرك وجوده إنما هو مع القوة المحركة، فلهذا احتاج كل متحرك إلى محرك\nفيقال له هب أنه سلم لك أن المتحرك وجوده مع القوة المحركة فلم قلت إن الحركة تحتاج إلى محرك منفصل عنه؟\nثم يقال لك هل يجوز أن يتحرك المتحرك بنفسه بعد أن لم يكن متحركًا أم لا؟\nفإن أجزت هذا بطل قولك، وجاز وجود المتحرك بنفسه قبل الحركة، وقبل القوة المحركة، وإن قلت لا يجوز قيل فحركته حينئذ اما أن تكون من نفسه وإما من غيره، فإن كانت من نفسه كانت الحركة من نفس المتحرك وبطل قولك، وإن كانت من غيره وكان ذلك الغير متحركًا فالقول","vol":"3","page":411},{"text":"فيه كالقول في الأول، وإن كان غير متحرك لزم وجود حركات متوالية عن غير متحرك، وهذا قولهم، وهو باطل\nوذلك أن أجزاء الحركات متعاقبة شيئًا بعد شيء فالمقتضى لكل من تلك الأجزاء يمتنع ان يكون موجبًا تامًا في الأزل، لأنه لو كان كذلك للزم أن يقارنه موجبه، فإن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ٠ وحينئذ يلزم كون المحدث قديمًا وهو ممتنع، أو يقال إن كانت العلة التامة تستلزم مقارنة معلولها لزم ذلك، وإن لم تستلزم ذلك جاز حدوث الحركات المتأخرة عن موجب قديم، فيجوز أن يتحرك الشيء بعد ان لم يكن متحركًا بدون سبب حادث، وهذا يبطل قولكم، وإذا لم يكن الموجب التام لها ثابتًا في الأزل لزم ان يكون حادثًا، والقول في حدوثه كالقول في حدوث غيره، فيمتنع أن يحدث هو او غيره عن علة تامة قديمة، فإذا لم يكن في الفاعل فعل حادث امتنع أن يصدر عنه شيء حادث، فامتنع صدور الحركات عن غير متحرك\nومما اعترف به ابن رشد وغيره من الفلاسفة والمتكلمين وقال عن إخوانه لفلاسفة إن الذي يتمسكون به سببان:\nأحدهما أن فعل الفاعل يلزمه التغير وإن كل متغير فله مغير\nوالثاني أن القديم لا يتغير بضروب من ضروب التغير\nوقال وهذا كله عسير البيان\nقلت وهذا المقام وهو حدوث الحوادث عن ذات لا","vol":"3","page":412},{"text":"يقوم بها حادث ن مما اعترف حذاقهم بصعوبته وبعده عن المعقول، كما ذكر ذلك ابن رشد والرازي وغيرهما وهؤلاء المتفلسفة يقولون إن النفس المحركة للأفلاك يحدث لها تصورات وإرادات هي مبدأ الحركة، وأن محركها العقل الذي يريد التشبه به، او واجب الوجود الذي يطلب الفلك التشبه به بإخراج ما فيه من الأيون والأوضاع، وتحريك الواجب أو العقل للفلك أو لنفس الفلك، كتحريك المحبوب للمحب والمشتهى للمشتهى، والمعشوق للعاشق، ليس من جهة المحرك فعل أصلًا، بل ذلك يحبه فيتحرك تشبهًا به\nوبهذا أثبت أرسطو وأتباعه العلة الأولى، وان فوق الأفلاك ما يوجب تحريك الأفلاك\nوالكلام على هذا من وجوه ليس هذا موضع بسطها، لكن يقال كون الفلك يتحرك للتشبه بالواجب أو إخراج ما فيه الأيون والأوضاع، كلام لا دليل عليه بل الأدلة الدالة على فساده كثيرة ليس هذا موضعها","vol":"3","page":413},{"text":"فنقول: هب أن الأمر كذلك فهذا إنما فيه أنه أثبت العلة الغائية للحركة.\nفيقال: أين السبب الفاعل لحركة الفلك؟ فإن الحركة، وإن افتقرت إلى غاية مقصودة، فتفتقر إلى مبدأ فاعل بالضرورة\nفإذا قالوا نفسه تحركه\nقيل لهم فما الفاعل لما يحدث في النفس من أسباب الحركة، كالتصورات والإرادات؟ فإن فإن هذه كانت معدومة ثم وجدت بعد العدم، فما السبب الفاعل لهذه الحركة\nفإن قالوا النفس هي الفاعلة لهذه الحركة، فقد جعلوها متحركة من نفسها، وهذا خلاف ما قالوه\nوإن قالوا شيئًا غيرها قيل لهم الكلام فيه كالكلام في النفس، فإنه إن حدث فيه ما لم يحدث سئل عن سبب ذلك\nوإن قيل بل المحدث لحركة النفس على حال واحدة أزلًا وأبدًا قيل لهم فقد لزمكم حدوث حادث بلا سبب، وقيل لكم ذلك المحرك للنفس، إن كان علة في الأزل وجب وجود معلوله في الأزل، فيجب وجود ما حدث للنفس من التصورات والإرادات في الأزل، وهذا جمع بين النقيضين","vol":"3","page":414},{"text":"وإن قيل بل حدث له أمر به صار فاعلًا لما يحدث في النفس سئل عن سبب حدوث ذلك\nوإذا قيل الحادث استعداد النفس لأن يفيض عليها من الفعل ما تتصور به وتريد\nقيل فذلك الاستعداد حادث، والقول في سبب حدوثه كالقول في سبب حدوث غيره، فلا بد من أحد أمرين غما حدوث الحوادث بلا سبب حادث وإما حدوث الحوادث عن متحرك، وأيهما كان بطل قولهم ٠ والأول يقولون إنه معلوم البطلان بالضرورة، فيلزمهم الثاني فقد ألزم مناظريه ما يلزمه هو أشد منه وتبين به أن قول إخوانه أشد فسادًا، فإنه قال والذي لا مخلص للأشعرية منه هو إنزال فاعل أول، وإنزال فعل له أول، لأنهم لا يمكنهم أن يضعوا أن حالة الفاعل من المفعول المحدث تكون في وقت الفعل هي بعينها حالته في وقت عدم الفعل، فهنالك ولا بد حالة متجددة ونسبة","vol":"3","page":415},{"text":"لم تكن، وذلك ضرورة إما في الفاعل، أو في المفعول، او في كليهما، وإذا كان كذلك فتلك الحال المتجددة، إذا أوجبنا أن لكل حال متجددة فاعلًا، لا بد أن يكون الفاعل لها إما فاعلًا آخر، فلا يكون ذلك الفاعل هو الأول ولا يكون مكتفيًا بفعله بنفسه بل بغيره ن وإما ان يكون الفاعل لتلك الحال التي هي شرط في فعله هو نفسه ن فلا يكون ذلك الفعل الذي فرض صادرًا عنه اولًا، أولًا بل يكون فعله لتلك الحال التي هي شرط في المفعول قبل فعله المفعول\nقال وهذا لازم كما ترى ضرورة، إلا أن يجوز أن من الأحوال الحادثة في الفاعلين مالا يحتاج إلى محدث.\nوهذا بعيد إلا على قول من يجوز ان ههنا أشياء تحدث من تلقائها، وهو قول الأوائل من القدماء الذين أنكروا الفاعل، وهو قول بين سقوطه بنفسه.\nفيقال له ك أنت ألزمت مناظريك من أهل الكلام حدوث حادث بلا سبب حادث وذكرت أن هذا ممتنع بالضرورة وهذا هو المقام المعروف الذي استطالت به المتفلسفة الدهرية على مناظريهم من أهل","vol":"3","page":416},{"text":"الكلام المأخوذ في الأصل عن الجهمية والقدرية.\nفيقال له أنت يلزمك ما هو أشد من هذا، وهو حدوث الحوادث بلا فاعل وهو الذي ذكرت أنه ساقط بين السقوط وذلك أن الحوادث المشهودة أن قلت لا فاعل لها فقد لزمك هذا القول وإن قلت: لها فاعل قيل لك: أفعلها بعد أن لم تكن من غير حدوث شيء في ذاته ام لم يفعلها حتى حدث شيء في ذاته؟\nفإن قلت بالأول قيل لك: فهي دائمة أو لها ابتداء؟ فإن قلت لها ابتداء فهذا قول منازعيك وإن قلت لا ابتداء لها فقد صارت الحوادث كلها تحدث عن فاعل من غير حدوث شيء فيه وقد قلت إنه لا يمكن أن يكن حال الفاعل في المفعول المحدث وقت الفعل هي بعينها حاله وقت عدم الفعل، فيلزمك أن لا يكون حاله عند وجود حوادث الطوفان هي حاله عند وجود الحوادث التي قبله، فإن الحوادث مختلفة فإن أمكن أن يكون حاله واحدًا مع حدوث الحوادث المختلفة أمكن أن يكون حاله واحدًا مع تجدد الحوادث لأن الحادث الثاني كالطوفان فيه من الأمور ما لم يكن له قبل ذلك نظير فتلك حوادث لا نظير لها ولا فرق بين إحداث هذا وإحداث غيره وإذا جعل المقتضي لذلك تغيرات تحدث في الفلك كان الكلام في حدوث تلك التغيرات العلوية كالكلام في حدوث التغيرات السفلية.","vol":"3","page":417},{"text":"وإن قلت: بل حدث أمر أوجب هذه الحوادث.\nقيل لك: الفاعل له: إن كان هو الأول عاد الإلزام جذعًا وإن كان غيره لزمك حدوث الحوادث بلا فاعل وإن التزمت أنه ما فعلها حتى حدث فيه شيء فقد تركت قولك.\nوأيضًا فالفاعل المستكمل لشروط الفعل إما أن يجوز حدوث المفعول عنه بعد أن لم يكن بلا سبب حادث وإما أن لا يجوز فغن جاز فهو قول منازعك الذي ادعيت أنه فاسد بالضرورة وإن لم يجز لزم أن يكون مفعوله مقارنًا له لا يتأخر عنه منه شيء فلا يجوز أن يحدث عن الفاعل شيء كما تقوله أنت وإخوانك إنه علة تامة وموجب تام والعلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ولا شيء من معلولها فإذا كل ما تأخر عن الأول ليس معلولًا للعلة التامة، ولا مفعولا للفاعل الأول، ولا يجوز أن يكون فعلًا لغيره إذ القول في ذلك الغير كالقول فيه فيلزم أن تكون الحوادث كلها حادثة بلا محدث.\nوهذا لازم لهؤلاء الفلاسفة الإلهيين كما يلزم إخوانهم الطبيعيين، وهو القول الذي هو من أظهر المعارف الضرورية فسادًا وقد بسط الكلام على هذه المواضع في غير هذا الموضع وإنما كان المقصود هنا التنبيه على جنس ما يغالط به هؤلاء وأمثالهم من الألفاظ المجملة كلفظ المركب ونحوه كما يغالطون بلفظ التخصيص والمخصص وأن كلام أبي حامد وأمثاله في مناظرتهم خير من كلامهم وأقوم.","vol":"3","page":418},{"text":"وأما قول ابن رشد لا يخلو إما أن يكون كل من جزأيه شرطًا في وجود الآخر أو لا يكون أو يكون الواحد شرطًا في الآخر من غير عكس.\nوقوله القسم الأول لا يكون قديمًا وذلك أن التركيب نفسه هو شرط في وجود الآخر فليس يمكن أن تكون الأجزاء هي علة التركيب ولا التركيب علة نفسه إلا لو كان الشيء علة نفسه.\nفيقال له أولًا تسمية هذا تركيبًا وأجزاء ليس هو من لغات بني آدم المعروفة التي يتخاطبون بها فإنه ليس في لغة الآدميين أن الموصوف بصفات يقال إنه مركب منها وأنها أجزاء له وإذا خاطبناكم باصطلاحكم فقد علمتم انه ليس المراد بالمركب إلا اتصاف الذات بصفات لازمة لها، أو وجود معان فيها أو اجتماع معان وأمور ونحو ذلك ليس المراد أن هناك مركبًا ركبه غيره حتى يقال: إن المركب نفتقر إلى مركب فإن من وافقكم على اصطلاحكم في تسمية الذات الواجبة الموصوفة بصفاتها اللازمة تركيبًا لم يرد بذلك أن هناك مركبًا ركبها، فغن هذا لا يقوله عاقل، ولا انتم أيضًا تدعون أن مجرد اللفظ الدال على هذا المعنى يقتضي أن يكون له فاعل ولكن تدعون","vol":"3","page":419},{"text":"ثبوت ذلك إما بطريقة ابن سينا ونحوه الذي قد تقدم إبطالها وإما بطريقة المعتزلة التي اختارها ابن رشد واعترف بفساد طريقة ابن سينا.\nوإذا كان المراد بلفظ التركيب ما قد عرف فمن المعلوم ان الذات الموصوفة بصفات لازمة لها، أو فيها معان لازمة لها، لا يقال فيها: إن اتصاف الذات بالصفات أمر معلوم مفتقر إلى فاعل حتى يقال إن الأجزاء هي علة التركيب أو يقال التركيب علة نفسه.\nبل هذا المعنى الذي سميته تركيبًا هو من لوازم الواجب بنفسه، لا يمكن أن يكون الواجب إلا موصوفًا بالصفات اللازمة له ثابتة له المعاني اللازمة له وليس لذلك علة فاعلة كما تقدم.\nوأما قوله إن التركيب شرط في وجود الأجزاء.\nفيقال له لا ريب أنه لا يمكن وجود الذات إلا موصوفة بلوازمها ولا يمكن أن توجد صفاتها إلا بوجودها، فاجتماع الذات بالصفات واجتماع الأمور المتلازمة شرط في وجود كل منها وهي أيضًا شرط في وجود ذلك الاجتماع وليس شيء من ذلك معلولًا لفاعل ولا مفتقرًا إلى مباين ن وتوقف أحدهما على الآخر هو من باب الدور الاقتراني المعي، لا من باب الدور السبقي القبلي والألو جائز والثاني ممتنع فغن الأمور المتلازمة لا يوجد بعضها إلا مع بعض وليس بعضها فاعلًا لبعض بل أن كانت واجبة الوجود بنفسها وإلا افتقرت كلها إلى فاعل.","vol":"3","page":420},{"text":"والذات التي لا تقبل العدم بما هي عليه من الصفات اللازمة هي الحق الواجب الوجود بنفسه، وأما مجرد وجود مطلق في الخارج وذات لا صفة لها فلذلك ممتنع لنفسه فضلًا عن أن يكون واجب الوجود.\nواتصاف الذات الواجبة بصفاتها اللازمة، سواء سمي تركيبًا او لم يسم، لا يوجب افتقاره ولا افتقار الذات ولا شيء من صفاته إلى فاعل، ولا علة فاعلة، ولا ما يشبه ذلك وأما كون بعضها مستلزمًا لبعض ومشروطًا به ولا يوجد إلا معه وثبوته متوقف عليه ونحو ذلك فليس في هذا ما يقتضي افتقار ذلك إلى فاعل مبدع لكن يعلم ان الذات لا تكون إلا بصفاتها اللازمة وصفاتها لا تكون إلا بها.\nوإذا سمى المسمي هذا افتقارًا وسمى هذه أجزاء وسمى هذا الأجتماع تركيبًا لم يكن في هذه التسمية ما يوجب أن يكون هذا الموصوف مفتقرًا إلى فاعل، وما جعله افتقارًا ليس هو افتقار المفعول إلى الفاعل والمعلول إلى العلة الفاعلة وإنما هو تلازم ومن سماه افتقارًا لا يمكنه أن يفسره إلا لافتقار المشروط إلى الشرط والشرط إلى المشروط\nومثل هذا المعنى لازم للوجود الواجب لا ممتنع عليه وإنما الممتنع أن يفتقر إلى مباين له فيكون وجود الواجب متوقفًا على وجود","vol":"3","page":421},{"text":"مباين فإن كان المباين علة له لم يكن موجودًا بنفسه بل ممكنًا له فاعل وعلة وإن قدر انه شرط فيه وهو غني عنه وما كان وجوده مشروطًا بما هو غني عنه لم يكن موجودًا بنفسه فلا يجوز أن يكون الرب الخالق تعالى الذي له الذات الموصوفة بصفات الكمال متوقفًا على شيء مباين له بل ولا على شيء عني عنه بوجه من الوجوده لا على فاعل ولا شرط.\nوهذا هو الذي يقوم عليه الدليل، فإن الممكنات التي لا وجود لها من نفسها لا توجد إلا بغيرها وما كان خارجًا عنها لم يكن وجوده إلا بنفسه ونفسه هي الذات الموصوفة بصفاتها اللازمة ليست نفسه مجرد وجود مطلق ولا ذات مجردة.\nومن ادعى أن ما كان وجوده بنفسه لا يكون إلا وجودًا مجردًا وذاتًا مجردة لأن الذات الموصوفة مفتقرة إلى الصفة فلا يكون موجودة بنفسها.\nقيل له: الممكنات والمحدثات لم تفتقر إلى ذات مجردة ن حتى يقال إذا قيل إنها موصوفة لزم الافتقار بل افتقرت إلى ما هو خارج عنها كلها.\nوالتعبير عن هذا المعنى يكون بعبارات فإذا قيل: ما لا يقبل العدم، أو قيل موجود بنفسه او واجب الوجود بنفسه ونحو ذلك، كان المقصود واحدًا.\nومن المعلوم أن مالا يقبل العدم، إذا كان ذاتًا","vol":"3","page":422},{"text":"موصوفة بصفات الكمال، لم يجز ان يقال: اتصافها بصفات الكمال يوجب افتقارها إلى الصفات فتقبل العدم، فإن فساد هذا الكلام ظاهر، وهو بمنزلة أن يقال قولكم: موجود بنفسه أو واجب الوجود بنفسه، يقتضي افتقاره إلى نفسه والمفتقر لا يكون واجب الوجود بنفسه، بل يكون قابلًا للعدم، وإذا كان هذا فاسدًا فالأول أفسد، فإن صفات كماله داخلة في مسمى نفسه فإذا كان قول القائل: هو مفتقر إلى نفسه لا يمنع وجوب وجوده فقوله إنه مفتقر إلى صفاته أولى أن لا يمنع وجوب وجوده.\nوكذلك إذا سمى ذلك أجزاء وقال: هو مفتقر إلى أجزائه فإن جزء الشيء وبعضه وصفته ونحو ذلك داخل في مسمى نفسه فإذا لم يكن قول القائل: هو مفتقر إلى نفسه مانعًا من وجوب وجوده ن فقوله هو مفتقر إلى جزئه وصفته ونحو ذلك أولى وتسمية مثل هذا افتقارًا لفظ فيه تلبس وتدليس يشعر الجاهل بفقره، وهذا كما لو قيل: هو غني بنفسه فإنه قد يقول القائل: فهو فقير إلى نفسه فصفاته داخلة في مسمى نفسه، وهو غني سبحانه بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه.\nوهذه المعاني مبسوطة في غير هذا الموضع وقد قال ابن رشد هذا الذي يعبر على من قال بنفي تعدد الصفات هو ان تكون","vol":"3","page":423},{"text":"الصفات المختلفة ترجع إلى ذات واحدة حتى يكون مفهوم العلم مثلًا والإرادة والقدرة مفهومًا واحدًا وانها ذات واحدة، وأن يكون أيضًا العلم والعالم، والقدرة والقادر والإرادة والمريد، معنى واحدًا والذي يعبر على من قال: إن ههنا ذاتًا وصفات زائدة على الذات ان تكون شرطًا في وجود الصفات والصفات شرطًا في كمال الذات، ويكون المجموع من ذلك شيئًا واجب الوجود أي موجودًا واحدًا ليس فيه علة ولا معلول.\nقال لكن هذا لا جواب عنه في الحقيقة إذا وضع ان ههنا شيئًا واجب الوجود بذاته، فإنه يجب أن يكون واحدًا من جميع الوجوه وغير مركب أصلًا، لا من شرط ومشروط، ولا من علة ومعلول، لأن كل موجود بهذه الصفة: فإما أن يكون تركيبه واجبًا، وغما أن يكون ممكنًا فغن كان واجبًا، كان واجبًا بغيره لا بذاته لأنه يعسر إنزال مركب قديم من ذاته أعني من غير أن يكون له مركب وبخاصة على قول من أنزل أن كل عرض حادث، لأن التركيب فيه يكون عرضًا قديمًا، وإن كان ممكنًا فهو محتاج إلى ما يوجب اقتران العلة بالمعلول.","vol":"3","page":424},{"text":"قال وأما هل يوجد شيء مركب من ذاته على اصول الفلاسفة وإن جوزوا أعراضًا قديمة فغير ممكن وذلك أن التركيب شرط في وجوده وليس يمكن أن تكون الأجزاء هي فاعلة للتركيب، لأن التركيب شرط في وجودها، وكذلك أجزاء كل مركب من الأمور الطبيعية إذا انحلت لم يكن الاسم المعقول عليها إلا بالاشتراك مثل اسم اليد المقولة على التي هي جزء من الإنسان الحي، واليد المقطوعة، بل كل تركيب عند أرسطو طاليس فهو كائن فاسد ن فضلًا عن ان يكون لا علة له وأما هل تفضى الطريقة التي سلكها ابن سينا في واجب الوجود إلى نفي مركب قديم فليس تفضي إلى ذلك، لأنه إذا فرضنا أن الممكن ينتهي إلى علة ضرورية والضرورية لا يخلو إما أن يكون لها علة او لا علة لها، وأنها إن كانت لها علة فإنها تنتهي إلى ضروري لا علة له، فإن هذا القول إنما يؤدي من جهة امتناع التسلسل إلى وجود","vol":"3","page":425},{"text":"صورية ومادية إلا أن يوضع ان كل ماله صورة ومادة وبالجملة، كل مركب فواجب أن يكون له فاعل خارج عنه.\nوهذا يحتاج إلى بيان ولم يتضمنه القول المسلوك في شأن واجب الوجود مع ما ذكرنا أن فيه من الأختلال، ولهذا بعينه لا يفضي دليل الشعرية وهو ان كل حادث له محدث إلى أول قديم ليس بمركب، وإنما يفضي إلى أول ليس بحادث.\nقال وأما أن يكون العالم والعلم شيئًا واحدًا فليس ممتنعًا بل واجب أن ينتهي الأمر في أمثال هذه الأشياء إلى أن يتحد المفهوم فيها وذلك أن العالم إن كان عالمًا بعلم فالذي به العالم عالم أحرى ان يكون عالمًا، وذلك أن كل ما استفاد صفة من غيره فتلك الصفة أولى بذلك المعنى المستفاد مثال ذلك أن هذه الأجسام الحية التي لدينا ليست حية من ذاتها بل من قبل حياة تحلها فواجب أن تكون تلك الحياة التي استفاد منها ما ليس بحي الحياة حية بذاتها أو يفضي الأمر فيها إلى غير نهاية وكذلك يعرض في العلم وسائر الصفات.","vol":"3","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ليتأمل اللبيب كلام هؤلاء الذين يدعون من الحذق والتحقيق ما يدفعون به ما جاءت به الرسل كيف يتكلمون في غاية حكمتهم ونهاية فلسفتهم بما يشبه كلام المجانين ويجعلون الحق المعلوم بالضرورة مردودًا والباطل الذي يعلم بطلانه بالضرورة مقبولًا بكلام فيه تلبيس وتدليس فإنه ذكر ما يلزم مثبة الصفات وما يلوم نفاتها.\nفقال: يلزم النفاة أن تكون الصفات ترجع إلى ذات واحدة فيكون مفهوم العلم والقدرة والإرادة مفهومًا واحدًا وأن يكون العلم والعالم والقدرة والقادر والإرادة والمريد واحدًا وقد قال إن هذا عسير.\nقلت: بل الواجب أن يقال: أن هذا مما يعلم فساده بضرورة فمن جعل العلم هو القدر والقدرة هي الإرادة وجعل الإرادة هي المريد والعلم هو العالم والقدرة هي القادر كان مخالفته للعوم الضرورية وسفسطته اعظم من سفسطة كثير من السوفسطائية وقود هذه المقالة أن يمكن أن يكون المتكلم هو الكلام والمتحرك هو الحركة والمصلي هو الصلاة والصائم هو الصوم، وأمثال ذلك، وإن فرق بين الصفات اللازمة وغيرها فلا فرق في الحقيقة بل هذا تحكم ويلزمه ان يكون الإنسان الناطق نفس النطق والفرس الصاهل نفس الصهيل، والحمار الناهق نفس النهيق، والجسم الحساس المترحك بالإرادة نفس الإحساس والحركة الإرادية، ويلزمه أيضًا أن","vol":"3","page":427},{"text":"يجعل نفس الحس نفس الحركه ونفس الحيوانيه نفس الناطقية ونفس الصاهلية نفس الناهقية.\nوما أحق هؤلاء بدخولهم في قول الله تعالى ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ الأنعام ٣٩.\nوبقوله تعالى ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ الأعراف ١٧٩.\nوبقوله تعالى ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ الملك ١٠.\nوقول ابن رشد كون العالم والعلم شيئًا واحدًا ليس ممتنعًا، بل واجب ان ينتهي الأمر في أمثال هذه الأشياء إلى أن يتحد المفهوم فيها.\nفيقال له: هذا من أعظم المكابرة والفسفسطة والبهتان وقوله إن العالم إذا كان عالمًا بعلم فالذي به العالم عالم أحرى أن يكون عالمًا إلى آخر كلامه كلام في غاية الفساد كما أنه إذا قيل إذا كان الضارب ضاربًا بضرب فالضرب اولى أن يكون ضاربًا والقائم إذا","vol":"3","page":428},{"text":"كان قائمًا بقيام أولى أن يكون قائمًا والناطق إذا كان ناطقًا بنطق فالنطق أولى أن يكون ناطقًا والقاتل إذا كان قاتلًا ماشيًا والخالق إذا كان خالقًا بخلق فالخلق أولى أن يكون خالقًا والرازق إذا كان رازقًا برزق فالرزق أولى ان يكون رازقًا والمحيي المميت إذا كان محييًا مميتًا بإحياء وإماتة فالإحياء والإماتة أولى أن يكون محييًا مميتًا.\nوبالجملة فهذا يلزم نظيره في عامة أسماء الله الحسنى، وفي أسماء نبيه ﷺ وأسماء سائر الموجودات المشتقة يلزم أن يكون المصدر الذي اشتق منه الاسم أحق بالاسم من الفاعل، ويكون مسمى المصدر الذي هو الحدث أحق بأسماء الفاعلين والصفات المشبهة بها من من نفس الفاعل الموصوف.\nوتصور هذا الكلام كاف في معرفة فساده وإنما دخلت الشبهة على من قاله، لأن قوله إذا كان العالم عالمًا بعلم فالذي به العالم عالم أحرى أن يكون عالمًا كلام اشتبهت فيه باء الاستعانة بباء المصاحبة فظن أنه إذا قيل هذا عالم بعلم، أن العلم هو الذي أفاده العلم والعلم هو الذي أعطاه العلم كأنه معلمه فكأنه قال إذا كان المتعلم عالمًا فمعلمه أولى أن يكون عالمًا، وليس الأمر كذلك بل قولنا هذا عالم بعلم أي أنه موصوف بالعلم أي ليس موجودًا عن العلم ولا معرى عنه بل هو متصف به والعلم نفسه لا يعطيه العلم بل نفس العلم هو","vol":"3","page":429},{"text":"العلم وإن كان العلم قديمًا من لوازم ذاته فلم يستفيده من أحد وإن كان محدثًا فقد استفاده من غيره ولم يستفد العلم من العلم لكن هل له حال وهو كونه عالمًا معللة بالعلم أم كونه عالمًا نفس العلم هذا فيه نزاع بين مثبتة الحال ونفاتها ومن أثبتها لم يقل إنها صفة موجودة.\nوقوله ما استفاد صفة من غير فتلك الصفة يعني المستفاد منها اولى بذلك المعني المستفاد كما مثل به من الحياة كلام فاسد فإن العالم لم يستفد الصفة التي هي العلم من الصفة التي هي العلم بل نفس علمه هو نفس الصفة ليس هنا صفة مفيدة وصفة مستفادة إلا أن يقال اعلم أثبت العالمية على رأي مثبتة الحال، وعلى هذا التقدير فالعالمية ليست صفة وجودية وهو غنما كان عالمًا بالعلم الوجوب للحال.\nلا بالحال الموجبة للعلم وإذا كان عالمًا بالعلم لم يكن العلم حصل من علم آخر وإنما العلم عند هؤلاء اوجب كونه عالمًا والذي عليه الجمهور أن نفس العلم هو نفس كونه عالمًا فليس هنا شيئان وعلى القولين فإذا استحق الموصوف بالعلم أن يسمى عالمًا لم يكن العلم أحق بأن يكون عالمًا فإن هذا لا يقوله عاقل:\nوقوله إن الجسم إذا كانت حياته من قبل حياة تحله، فواجب","vol":"3","page":430},{"text":"أن تكون تلك الحياة التي استفاد منها ما ليس بحي الحياة حية بذاتها.\nفيقال: هذا باطل من وجهين:\nأحدهما أن الحياة التي حلته هي الحياة التي صار بها حيًا ليس هنا حياة أخرى صار بها حيًا حتى يقال هنا حياة حلته وحياة جعلته حيًا.\nالثاني أن حياته إذا قدر أنها مستفادة من حياة أخرى فتلك الحياة الأخرى قائمة بحي هو حي بها لا أن تلك الحياة هي الحية، بل الحي الموصوف بالحياة لا نفس الحياة، فلينظر العاقل نهايات مباحث هؤلاء الفلاسفة في العلم الإلهي: العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته ن ولينظر هذا المعقول الذي يعارضون به الرسول ﷺ مع أن هذا مبسوط في غير هذا الموضع وليس هذا موضع بسطه.\nوالناس شنعوا على ابي الهذيل العلاف لما قال إن الله عالم بعلم وعلمه نفسه ونسبوه إلى الخروج من العقل مع أن كلامه أقل تناقضًا من كلام هؤلاء.\nوأما زعمه أن ما يلزم مثبتة الصفات لا جواب عنه لأن واجب","vol":"3","page":431},{"text":"الوجود يجب أن يكون غير مركب من شرط ومشروط.\nفيقال له: قد تقدم أنكم أنتم سميتم هذا تركيبًا هو لا يسمى تركيبًا في لغة من اللغات المعروفة لبني آدم بل إنما سماه تركيبًا متأخروكم كابن سينا وأمثاله، وأما قدماؤكم فقد ذكرتم عن أرسطو طاليس أن كل تركيب فهو كائن عنده فاسد والسماء عنده ليست كائنة فاسدة فهو لا يسمي السماوات وما فيها من الكواكب مركبة مع لأنها أجسام متحيزة متحركة تقوم بها الأعراض فكيف يسمي ما كان حيًا عالما قادرًا مركبًا؟ وإذا خاطبناكم باصطلاحكم المبتدع لنقطع شغبكم بحثنا معكم بحثًا عقليًا فإنكم تدعون أن هذه الأمور معلومة بالعقل لا بالسمع وإطلاق الألفاظ ونفيها لا تقفون أنتم فيه عند الشرع، فالواجب على أصولكم أن ما علم بالعقل ثبوته أو انتفاؤه اتبع من غير مراعاة للفظ.\nونحن نبين فساد ما ذكرتموه من المعنى بالعقل الصريح مع مخاطبتكم بلغتكم فيقال له لم قلت إن ما كان مركبًا من شرط لا يكون واجب الوجود؟\nوأما قوله لأن تركيبه إذا كان واجبًا كان واجبًا بغيره لا بذاته لأنه يعسر تقدير مركب قديم من غير أن يكون له مركب.\nفيقال له هذا هو البحث اللفظي ذكرنا هذا لأجله","vol":"3","page":432},{"text":"والمركب الذي يفتقر إلى مركب هو ما ركبه غيره.\nكما أن المحرك الذي يفتقر إلى محرك ما حركة غيره، ولم يقل احد من العقلاء إن واجب الوجود مركب ركبة غيره، وأنتم إذا سميتم اجتماع الذات والصفات تركيبًا لم تريدوا إلا الاجتماع والتعدد والتألف وكثرة المعاني ونحو ذلك لم تقصدوا بذلك ان هناك فاعلًا لذلك وإن أردتم ذلك كان باطلًا وبطل اللفظ والمعنى جميعًا فغن أصل الكلام أن الواجب إذا كان ذاتا موصوفة بصفات كان مركبًا فإن أراد المريد: كان له من ركبه من الذات والصفات كان التلازم ممنوعًا بل هو باطل ضرورة فإنا إذا قدرنا واجب الوجود بنفسه الغني عن الفاعل موصوفًا بصفات لازمة له امتنع أن يكون للواجب بنفسه المستلزم لصفاته من ركب بينه وبين صفاته فإن كونه واجبًا بنفسه يمنع ان يكون له فاعل وكون صفاته لازمة له يمنع جواز مفارقتها له ويمنع افتقارها إلى من يجعلها فيه، فكيف يقال: إن له مركبًا ركبه، حتى يقال: إن هذا تركيب يفتقر إلى مركب ويقال يمتنع ثبوت مركب قديم، أي من ذاته ومن سمى هذا تركيبًا وقال إنه قديم فإنه يقول هو تركب وتألف واجتماع ومثل هذا لا يفتقر إلى مركب مؤلف جامع، ولو قيل","vol":"3","page":433},{"text":"على سبيل الفرض إن الذات المستلزمة للصفات هي الموصوفة بذلك فليس هنا ما يقتضي افتقارها إلى غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>كلام لابن رشد باطل من وجوه</span>\nوأما قوله خاصة على قول من يقول كل عرض حادث لن التركيب يكون فيه عرضًا قديمًا فهذا باطل من وجوه:\nالوجه الأول\nأن القائلين بأن كل عرض حادث من الأشعرية ومن وافقهم لا يسمون صفات الله أعراضًا فإذا قالوا هو عالم وله علم وهو متصف بالعلم، لم يقولوا إن علمه واتصافه بالعلم عرض، ومن سمى صفاته أعراضًا كالكرامية ونحوهم، لم يلزمهم أن يقولوا كل عرض حادث ٠ وما أعلم أحدًا من نظار المسلمين يقول كل عرض حادث وصفات الله القديمة عرض، فإن هذا تناقض بين، فما ذكره لا يلزم أحد من المسلمين ن فلم يقل أحد إن كل عرض حادث مع قوله إن صفات الله اللازمة له أعراض\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>الوجه الثاني</span>\nأن يقال على سبيل التقدير من قال كل عرض حادث، فإنه يقول في الأعراض الباقية إنها تحدث شيئًا بعد شيء، فإذا قدر موصوف قديم بصفات وقيل إنها أعراض والعرض لا يبقى زمانين لزم أن يقال إنها تحدث شيئًا بعد شيء وحينئذ فإذا قدر اجتماع أو تألف او تعدد في الصفات، ونحو ذلك مما سميته تركيبًا.","vol":"3","page":434},{"text":"وقيل إنه قديم وإنه عرض وإن كل عرض فهو حادث لا يبقى زمانين كان أولى بتجدد أمثاله من سائر الأعراض، فثبوت المعنى الذي سماه تركيبًا وجعله عرضًا قديمًا كسائر الصفات القديمة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>الوجه الثالث</span>\nأن يقال هذا الذي سميته عرضًا قديمًا حكمه سائر الصفات، فإن أقمت دليلًا على انتفاء الصفات أمكن نفي هذا، وإلا فالقول فيه كالقول في أمثاله ٠ وأنت لا دليل لك على انتفاء الصفات إلا انتفاء الاجتماع والتعدد الذي سميته تركيبًا، فإذا لم يمكنك نفي هذا إلا بنفي غيره من الصفات، ولا يمكنك نفي الصفات إلا بنفي هذا، كان هذا دورًا قبليًا باطلًا، وقد تبين انه لا يمكنك لا نفي هذا ولا نفي هذا، وان ما ذكرته من لفظ التركيب كلام فيه تلبيس توهم به من لا يفهم حقيقة المقصود أن مثبته الصفات أثبتوا لله تعالى ما يفتقر فيه إلى مركب يركبه معه، وكل عاقل يعلم أن مذهب المسلمين المثبتين للصفات أن صفاته القديمة لازمة لذاته لا يفتقر فيها إلى أحد سواه، ومن جعل اتصافه بها مفتقرًا إلى مركب غيره فهو كافر عندهم، فضلًا عن أن يقولوا إنه مفتقر إلى مركب جمع بينه وبينها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>الوجه الرابع</span>\nأن يقال على سبيل الفرض لو نازعك بعض إخوانك الفلاسفة في امتناع مركب قديم من ذاته لم يكن لك عليه حجة، فلو قدر أن ذلك يستلزم مركبًا قديمًا من ذاته، لم يكن لك على أصول","vol":"3","page":435},{"text":"إخوانك الفلاسفة حجة على إبطال هذا، فإن الفلك عندكم جسم قديم، وهو مركب بهذا الاصطلاح\nوأما قولك الفلاسفة وإن جوزوا أعراضًا قديمة فغير ممكن وجود قديم من ذاته عندهم ن لأن التركيب شرط في وجوده، ولا يمكن أن تكون الأجزاء هي فاعلة للتركيب، لأن التركيب شرط في وجودها\nفيقال لك إذا كان التركيب شرطًا في وجودها نوهي شرط في وجود التركيب، لم يكن أحدهما فاعلًا للآخر، بل إن كانا مفتقرين إلى الفاعل، ففاعل الأجزاء هو فاعل التركيب، وإن كانا غنيين عن الفاعل لم يفتقر أحدهما إلى الفاعل ٠ والكلام على تقدير أن يكون المركب قديمًا تركيبه بنفسه ٠ وقولك مركب من نفسه، لا تعنى به أن أجزاءه فعلت التركيب، وإنما تعنى به أن نفس الأجزاء متلازمان وهما مستغنيان عن غيرهما\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>الوجه الخامس</span>\nأن يقال قد اعترفت بفساد طريقة ابن سينا وأنها لا تتضمن أن كل مركب فلا بد له من فاعل خارج عنه\nوهذا الذي قلته في طريقة ابن سينا يلزمك بطريق الأولى، فإنه ليس فيما ذكرته أن كل مركب فلا بد له من فاعل خارج عنه، إلا ما أخذته من لفظ مركب، وهذا تدليس قد عرف حاله","vol":"3","page":436},{"text":"وأما قولك إن دليل الأشعرية أيضًا لا يفضي إلى إثبات أول قديم ليس بمركب وإنما يفضي إلى إثبات أول ليس بحادث\nفهذا أيضًا توكيد لإثبات الصفات ن فإن مرادك بالمركب ما كان موصوفًا بالصفات ولا ريب أن الأدلة الدالة على إثبات الصانع ليس فيها، والحمد لله، ما ينفي إثبات الصفات\nفإن قلت فهم ينفون التجسيم بناء على انتفاء التركيب، ولا دليل لهم على ذلك\nقيل لك هذه حجة جدلية، وغايته أن تلزمهم التناقض، وذلك لا يقتضي صحة قولك الذي نازعوك فيه، وهو نازعوك في إثبات الصفات، فقلت إن إثبات الصفات يستلزم التركيب، وأنت لم تقم دليلًا على نفي هذا التركيب، فلم تقم دليلًا على نفي الصفات، وقالوا لك أيضًا لا دليل لك على نفي التجسيم، فإن عمدتك هو نفي الصفات العائد إلى نفي التركيب، وقد ظهر ذلك\nفإذا قلت لهم وأنتم أيضًا لا دليل لكم على ذلك، فإن دليل الحدوث لا يقتضي ذلك\nقالوا لك نحن أثبتنا الحدوث بحدوث الجسم، وهو المراد بقولنا مركب، فإن صح دليلهم ثبت نفي ما سموه تركيبًا وغن لم يصح دليلهم لم يكن في هذا منفعة لك","vol":"3","page":437},{"text":"وهذه الطريق هي التي سلكها أبو حامد في مناظرته إخوانك، وهي طريق صحيحة، وقد تبين أن ما ذكره أبو حامد عن احتجاجهم بلفظ المركب جواب صحيح، وان احتجاجهم بهذا نظير احتجاج أولئك بلفظ التخصيص حيث قالوا إن المختص بشيء لا بد له من مخصص، وهذا هو الذي سلكه نفاة الصفات ويسمون نفي الصفات توحيدًا وهذا هو الذي سلكه أبو عبد الله محمد بن تومرت الملقب عند أصحابه بالمهدي وأمثاله من نفاة الصفات المسمين ذلك توحيدًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>كلام ابن تومرت</span>\nولقب ابن تومرت أصحابه بذلك، إذ كان قوله في التوحيد قول نفاة الصفات جهم وابن سينا ويقال إنه تلقى ذلك عمن يوجد في كلامه موافقة الفلاسفة تارة ومخالفتهم أخرى\nقلت ولهذا رأيت لابن التومرت كتابًا في التوحيد صرح فيه بنفي الصفات، ولهذا لم يذكر في مرشدته شيئًا من إثبات الصفات ولا إثبات الرؤية، ولا قال إن كلام الله غير مخلوق ن ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات بذكرها، ولهذا كان حقيقة قوله موافقًا لحقيقة قول ابن سبعين والقائلين بالوجود المطلق موافقة لابن سينا وقد ذكر ابن التومرت في فوائده المشرقية أن الوجود مشترك بين","vol":"3","page":438},{"text":"الخالق والمخلوق، فوجود الخالق يكون مجردًا ووجود المخلوق يكون مقيدًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>ما ورد في كتاب الدليل والعلم</span>\nوقال ابن التومرت في كتاب الدليل والعلم فقال\nالمعلومات على ضربين معدوم وموجود والموجود على ضربين مطلق ومقيد فالمقيد هو المخصص والاختصاص على ثلاثة اضرب الاختصاص بزمان دون زمان سواه والثاني الاختصاص بجهة دون جهة غيرها والثالث الاختصاص بخاصة دون خاصة غيرها ن والموجود المطلق هو الذي ليس بمقيد ولا بمخصص ن فلا يختص بزمان دون غيره، ولا بجهة دون غيرها، ولا بخاصة دون غيرها، فلو اختص بشيء لكان من جنسه ن فلما انتفت عنه الخواص على الإطلاق وجب له الوجود المطلق\nقال والموجود المطلق هو القديم الأزلي الذي استحالت عليه القيود والخواص المختص بطلق الوجود من غير تقييد ولا تخصيص وذكر كلامًا في نفي الاختصاص إلى أن قال وإذا تساوت المتناهيات في الاختصاص بجهة مقدرة امتنع عليها التخصيص من جهتها، ومن مخصص","vol":"3","page":439},{"text":"على الإطلاق ثم قال بعد هذا انفرد بالعلم والكمال والحكم والاختيار، وانفرد بالقهر والاقتدار، وانفرد بالخلق والاختراع وقال مع هذه المخصصات بأسرها يستحيل الكمال عليها وإن تكاملت صفاتها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت ومعلوم أن هذا تناقض، فإن نفي الاختصاص بخاصة من الخواص، ودعوى انه وجود مطلق لا يختص بوجه من الوجوه يمنع أن يختص بعلم أو قدرة أو مشيئة ونحو ذلك من الصفات، فإن العالم مختص بعلمه متميز به عن الجاهل ن والقادر مختص بقدرته متميز بها عن العاجز ن والمختار مختص بالاختيار متميز به عن المستكره، فإن أثبت شيئًا من صفات الكمال فقد أثبت اختصاصه بذلك، وإن نفى جميع الصفات ولم يثبت إلا وجودًا مطلقًا تناقض كلامه\nوقيل له المطلق لا يوجد إلا في الذهن لا في الخارج ن فلا يتصور أن يكون في الخارج شيء مطلق، لا حيوان ولا إنسان مطلق ولا جسم مطلق ولا موجود مطلق، بل كل موجود فله حقيقة بها لا يشركه فيها غيره\nوقيل له هذا الوجود المطلق اهو وجود المخلوقات أم غيره؟ فإن قال هو هو، بطل إثبات الخالق، وإن قال هو غيره قيل له","vol":"3","page":440},{"text":"فوجوده مثل وجود المخلوقات أو ليس مثله ن فإن كان الأول لزم أن يكون الخالق مثل المخلوق، والمثلان يجوز ويجب ويمتنع على أحدهما ما يجوز ويجب ويمتنع على الآخر، فيلزم أن يكون الشيء الواحد واجبًا غير واجب، محدثًا غير محدث، وهو جمع بين النقيضين\nوإن قال وجوده مخالف لوجود المخلوقات فقد أثبت له وجودًا يختص به، لا يشركه فيه غيره، فلا يماثله غيره وهذا وجود مخصوص مقيد، لا وجود مطلق وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع\nوالمقصود هنا الكلام في أن كل مختص بأمر هل يفتقر إلى مخصص منفصل عنه؟ لأن الكلام كان في المسلك الثاني في حدوث الأجسام، الذي بين فساده الآمدي والأرموي وغيرهما، فإنه مبني على مقدمتين إحداهما أنها مفتقرة إلى ما يخصصها بصفاتها والثانية أن ما كان كذلك فهو محدث.\nوقد بينوا فساد المقدمة الثانية كما تقدم","vol":"3","page":441},{"text":"وأما الأولى فقررت بوجهين\nأحدهما أن المختص بمقدار لا بد له من مخصص، وقد تبين فساده أيضًا\nالثاني أن جواهر العالم إما ان تكون مجتمعة أو مفترقة، أو مجتمعة ومفترقة معًا، أو لا مجتمعة ولا مفترقة، أو البعض مجتمعًا والبعض مفترقًا، وخلوها عنهما، وأيضًا الجمع بينهما ممتنع واما بقية الأقسام فهي ممكنة، ومهما قدر أمكن تقدير خلافه فيكون جائزًا والجائز يفتقر إلى مخصص\nوهذا أضعف الوجهين\nأحدهما انه مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، وان كل جسم يقبل الاجتماع والافتراق، واكثر عقلاء الناس على خلاف ذلك، فإن للناس في هذا المقام أقوالًا أحدها قول من يقول إنها مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل القسمة، كما هو قول أكثر المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وموافقيهم\nوالثاني قول من يقول إنها مركبة من جواهر لا نهاية لها كما هو قول النظام ومتبعيه\nوالثالث قول من يقول إنها مركبة من المادة والصورة، وإنها تقبل الانقسام إلى غير نهاية، كما هو قول ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة","vol":"3","page":442},{"text":"والرابع قول من يقول إنها ليست مركبة من هذا ولا هذا، لكن تقبل الانقسام إلى جوهر لا يتجزأ، كما هو قول الشهر ستاني وغيره\nوالخامس قول من يقول إنها ليست مركبة لا من هذا ولا هذا ن ولا تقبل الانقسام إلى جزء لا يتجزأ ولا إلى غير غاية لكن كل جزء موجود فإنه يقبل الانقسام العقلي ولا يقبل الانقسام الفعلي ولكنه يستحيل إذا تصغر، كما تفسد وتستحيل أجزاء المادة إذا صغرت فتصير هواء ن فلا يكون في الأجزاء ما لا يتميز يمينه عن شماله، ولا يكون فيها ما يقبل الانقسام إلى غير غاية\nوهؤلاء تخلصوا من هذا المحذور وهذا المحذور، فإن مثبتة الجزء الذي لا ينقسم ألزمهم الناس بأنه لا بد ان يتميز أحد جانبيه عن الآخر ن وما كان كذلك فهو يقبل الانقسام المتنازع فيه\nوألزموهم انه إذا وضع بين جوهرين فإن لاقى هذا بعين ما لاقى به هذا امتنع كونه بينهما، وإن لاقى هذا بغير ما لاقى به هذا لزم انقسامه وألزموهم من هذا الجنس إلزامات لا محيد لهم عنها\nومن نفاه وقال بانه يمكن انقسام الأجسام إلى غير نهاية ألزمهم الناس أن يكون الجسم الصغير كالكبير، وان يكون ما لا يتناهى محصورًا بين حاصرين","vol":"3","page":443},{"text":"ثم إما أن يقول هي غير متناهية مع وجودها، كما يقوله النظام، والتزم على ذلك ان الظافر لا يحاذي ما تحته من الأجزاء لئلا يقع ما لا يتناهى تحت ما يتناهى، وصار الناس يقولون عجائب الكلام طفرة النظام ن وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري ولهم في ذلك من الكلام ما يطول وصفه\nأو يقول إن الانقسام إلى غير غاية ممكن فيها كما يقوله المتفلسفة كابن سينا وأمثاله\nولما كان كل من القولين معلوم الفساد بالضرورة قول من أثبت ما لا يتميز بعضه عن بعض، ومن أثبت ما ينقسم إلى غير نهاية ن توقف من توقف من أفاضل النظار فيه، فتوقف فيه أبو الحسين البصري وأبو المعالي الجويني في بعض كتبه وأبو عبد الله الرازي في نهايته\nفهؤلاء الذين لم يثبتوا إمكان الانقسام إلى غير غاية، ولا أثبتوا ما لا يقبل امتياز بعضه عن بعض، خلصوا من هذا وهذا ن وقالوا إنه إذا صغر استحال إلى غيره، مع امتياز بعضه عن بعض لو بقي موجودًا\nوبالجملة نفي هذا وهذا قول طوائف قول طوائف كثيرة من أهل النظر من الكلابية والكرامية، بل والهاشمية والنجارية والضرارية وغيرهم","vol":"3","page":444},{"text":"والمقصود هنا ان هؤلاء الذين يقولون إن جواهر العالم إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة إلى آخرها قولهم مبني على هذا الأصل، والتزموا على ذلك أن جميع ما يحدث من الحيوان والنبات والمعدن، وما يفسد من ذلك غنما هو لاجتماع الجواهر وافتراقها، فالحادث صفات الجواهر، لا أن عينًا من الأعيان يحدث، وانكروا استحالة الأجسام بعضها إلى بعض وقالوا: إن أجزاء المني باقية في الأنسان، وكذلك أجزاء النواة في الشجرة، ولكن زادت أجزاء بما انضم إليها من أجزاء الغذاء، كأجزاء الماء والهواء، وأن تلك الأجزاء أيضًا باقية لم تستحل ولم تعدم، بل تجتمع تارة وتفترق أخرى.\nوجماهير العقلاء على مخالفة وقائلون هؤلاء وقائلون باستحالة الأجسام بعضها إلى بعض كما أطبق على ذلك علماء الشريعة وعلماء الطبيعة وغيرهم من أصناف الناس.\nولهذا يقولون: النجاسة هل تطهر بالاستحالة ام لا تطهر؟ فإذا صارت الميتة والدم ولحم الخنزير رمادًا أو ترابًا أو ملحًا ونحو ذلك، ففي طهارة ذلك قولان مشهوران للعلماء والقول بطهارته قول أكثر الفقهاء فإنه قول أصحاب أبي حنيفة وأهل الظاهر وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد بن حنبل واتفقوا على أن الخمر إذا استحالت وانقلبت بغير قصد الإنسان أنها تطهر.\nوالأطباء مع سائر الناس يعلمون أن الماء يستحيل هواء والهواء يستحيل ماء والنار تسحيل هواء والهواء يستحيل ماء كما","vol":"3","page":445},{"text":"هو مبسوط في غير هذا الموضع إذ المقصود هنا التنبيه على أصول هذه الحجة.\nوقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبين ما يقوله هؤلاء وهؤلاء من التركيب، وأن هؤلاء يدعون التركيب من جواهر محسوسة لا تنقسم وهي الجواهر المنفردة، وهؤلاء يدعون التركيب من جواهر معقولة لا تنقسم كما يقولون في تركب الأنواع من الأجناس والفصول وفي تركب الأجسام من المادة والصورة والمركب لا بد له من واحد لا تركيب فيه ولا تقسيم.\nوقد بين ان ما يدعيه هؤلاء وهؤلاء من هذا الواحد لا حقيقة له في الخارج ن وإنما تقديره في الذهن.\nوكذلك ما يدعيه هؤلاء من الجواهر العقلية المجردة التي لا تنقسم كالعقول العشرة، فقد بين في غير هذا الموضع أنها لا تتحقق إلا في الأذهان لا في الأعيان.\nوتوحيد القديم الأزلي واجب الوجود، الذي مضمونه نفي الصفات عند الفريقين ينزه عن مثل هذه الآحاد والوحدات التي يثبتونها في الخارج ولا حقيقة لها إلا في الذهن ولهذا كان منتهى تحقيقهم القول بوحدة الوجود، وأن الوجود واحد، لا يميزون بين الواحد بالنوع والواحد بالشخص، فإن الواحد بالنوع كما يقال: الموجودات تشترك في مسمى الوجود والأناسي تشترك في مسمى الإنسان والحيوانات تشترك في مسمى الحيوان والأجسام تشترك في مسمى الجسم ونحو ذلك.","vol":"3","page":446},{"text":"وهذا المشترك هو الكلي الذي لا يوجد في الخارج كليا، ولا يكون كليا إلا في الأذهان لا في الأعيان.\nوبين ما دخل على المنطقيين من الغلط في دعواهم تركب الحقائق من هذه الكليات، وما دخل عليهم من الفساد في العلم الإلهي والطبيعي، وأنهم يجعلون الواحد اثنين كالجسم والأثنين واحدًا كالعلم والعالم، والإرادة والقدرة ويجعلون الموجود معدومًا ن كالحقيقة الإلهية وصفاتها وأفعالها والمعدوم موجودًا كالوجود المطلق ويجعلون ما في الذهن في الخارج، كالمجردات والكليات وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه.\nالوجه الثاني انه لو سلم أن الجسم مؤلف من الجواهر المجتمعة فالقول في الاجتماع كالقول في المقدار وقوله: إن اختصاصه بذلك الاجتماع يفتقر إلى مخصص قد بين فساده كقوله إن اختصاصه بالمقدار إلى مخصص وهو مبني على أن كل مختص يفتقر إلى مخصص.\nوأما المقدمة الثانية فإنها قررت بان المخصص لا بد أن يكون فاعلًا مختارًا وان يكون ما خصصه به حادثًا وقد أبطل الآمدي وغيره كلا المقدمتين.","vol":"3","page":447},{"text":"وغاية هذا المسلك أن الأجسام لا تخلو عن الحوادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>كلام الآمدي في تقرير هذا المسلك</span>\nقال الآمدي وبتقدير تسليم حدوث ماأشير إليه من الصفات فلا يلزم أن تكون الجواهر والأجسام حادثة لجواز ان تكون هذه الفصفات متعاقبة عليها إلى غير النهاية إلا بالالتفات إلى ما سبق من امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها ينتهي إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>ذكر الآمدي في حدوث الأجسام سبعة مسالك وزيف ستة منها</span>\nقلت: وهذا الذي اعتمده الآمدي في هذه المسألة فإنه ذكر في حدوث الأجسام سبعة مسالك وزيف ستة منها:\nالأول: مسلك الإمكان وأنه ممكن، وكل ممكن محدث.\nوالثاني: مسلك الاختصاص.\nالثالث: مسلك الخبز المعين.\nالرابع: مسلك القدم: أنه قديم.\nوالخامس مسلك الإمكان أيضًا لكن فيه تقدير الحدوث بطريقة أخرى.\nوالسادس: مسلك الحركة والسكون الذي قدمه الرازي","vol":"3","page":448},{"text":"وقد تقدم ما عترض به هو والأرموي وغيرهما على هذه المسالك وبينوا به فسادها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>المسلك السابع الذي اعتمده</span>\nقال الآمدي والمسلك السابع: المسلك المشهور للأصحاب","vol":"3","page":449},{"text":"وعليه الاعتماد وذكر أن المسلك المشهور للأشعرية والرازي ونحوه لم يعتمد على هذا المسلك، لأنه مبني على أن الأعراض ممتنعة البقاء وقدح الآمدي في الطرق التي اعتمد عليها الرازي.\nقال الآمدي: وهو أنا نقول: العالم مؤلف من أجزاء حادثة، والمؤلف من الأجزاء الحادثة حادث، فالعالم حادث بيان الأول أن أجزاء العالم منحصرة في الجواهر والأعراض، والواهر والأعراض حادثة، فأجزاء العالم حادثة.\nوبيان الأول ما سبق في الوجود والممكن.\nبيانت الثانية إما بيان أن الأعراض حادثة فلانا بينا ان الأعراض ممتنعة البقاء وكل ممتنع البقاء فهو حادث مسبوق بعدم نفسه، فكل واحد من الأعراض حادث مسبوق بعدم نفسه وعند ذلم فإما أن تكون متعاقبة في وجودها إلى غير النهاية او هي منتهية إلى عرض ليس وراءه عرض آخر، الأول محال لما بيناه من بيان امتناع حوادث لا أول لها ينتهي إليه في إثبات واجب الوجود فلم يبق إلا الثاني وهو أن تكون جملتها متناهية","vol":"3","page":450},{"text":"ومسبوقة بالعدم فتكون حادثة وأما الواهر فلأنا بينا فيما تقدم امتناع عرو الواهر عن الأعراض وإذا كانت الأعراض التي لا عرو للجواهر عنها حادثة ومسبوقة بالعدم فالجواهر كذلك، لأن مالا يعرى عما له أول فله أول وهو حادث.\nوإلا فلو كان قديما للزم منه غما عروة عن العرض في حال قدمه، وإما أن تكون الأعراض لا أول لها وكل واحد من الأمرين محال لما تقدم.\nاما بيان المقدمة الثانية من أصل الدليل، فهو أن ما كانت أجزاؤه حادثة ولها أول تنتهي إليه، فالهيئة الاجتماعية الكائنة عنها تكون حادثة مسبوقة بالعدم وهو معلوم بالضرورة.\nفهذا تمام تقريره لهذا المسلك الذي ارتضاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>تعليق ابن تيمية</span>\nولقائل أن يقول: هذا الدليل أضعف بكثير ممن ذكره الرازي ولهذا لم يعرج الرازي على هذا لضعفه واستدل بدليل الحركة والسكون كما استدل به من استدل من المعتزلة فإن هذا الدليل مبني على مقدمتين إحداهما أن الأعراض جميعها ممتنعة البقاء وجمهور","vol":"3","page":451},{"text":"العقلاء من أهل الكلام وغيرهم من أصناف الناس ينكرون ذلك بل يقولون إن هذا خلاف الحس والضرورة ويجعلونه من جنس قول النظام إن الأجسام أيضًا لا تبقى.\nوعمدة من قال بامتناع بقائها: أن العرض لو جاز لامتنع عدمه لأن العدم لا يجوز أن يكون بحدوث ذد فإن الحادث إنما يحدث في حال عدم الثاني لامتناع اجتماع الضدين، لأنه ليس عدم الثاني لطريان الحادث بأولى من العكس ولا يجوز ان يكون بفعل القادر المختار لأن العدم نفي محض وفعل الفاعل لا يكون نفيًا محضا.\nومعلوم ان هذا كلام ضعيف، فإنه يمكن عدمه بالإعدام، وفعل الإعدام ليس فعلًا لعدم مستمر، بل هو إحداث لعدم ما كان موجودًا، كما أن إحداث الوجود إحداث لوجود ما كان معدومًا وهذا أمر متجدد يعقل كونه مفعولًا للفاعل.\nوأيضًا فالضد الحادث إذا قدر أنه أقوى من الباقي، كان إزالته له لفضل قوته، فإن كون العرضين متضادين لا يستلزم تساويهما وتماثلهما في القوة والضعف.\nوأيضًا فإن الفاعل المحدث للعرض الحادث يجعله مزيلًا لذلك الباقي دون العكس.\nولولا أن هذا ليس موضع بسط الكلام في مثل هذه الأمور وإلا لكان ينبغي أن تبين أن مثل هذا الكلام من أسخف الكلام الذي ذمه","vol":"3","page":452},{"text":"السلف والأئمة وغيرهم من العقلاء.\nفإن هؤلاء يقولون إن الله لا يمكن أن يفني شيئًا من الأجسام والأعراض بل طريق فنائها أنه لا يخلق الأعراض التي تحتاج إلى تجديد وإحداث دائمًا فإذا لم يحدثها عمدمت الأجسام وفنيت بأنفسها لأنه لا وجود لها إلا بالأعراض ومثل هذا الكلام لو قاله الصبيان لضحك منهم.\nوأما المقدمة الثانية فهو وجوب تناهي الحوادث وقد تقدم كلامهم في إفساد جميع ما استدل به على ذلك.\nوالطريقة التي قررها الآمدي قد تقدم اعتراض الأموري وغيره عليها وبيان فسادها.\nفهذا جملة ما احتج به هؤلاء الذين هم فحول النظر وأئمة الكلام والفلسفة في هذه المسائل.\nوقد تبين بكلام بعضهم في بعض إفساد هذه الدلائل.\nوهذا جملة ما يعارضون به الكتاب والسنة، ويسمونه قواطع عقلية ويقولون: إنه يجب تقديم مثل هذا الكلام على نصوص التنزيل والثابت من أخبار الرسول وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.\nفلو لم يكن في المعقول ما يوافق قول الرسول لم تجز معارضته","vol":"3","page":453},{"text":"بمثل هذا الكلام فضلًا عن تقديمه عليه فكيف والمعقول الصريح موافق لما جاء به الرسول كما بين في موضعه بل لا يجوز أن تعارض بمثل هذا الكلام الأحكام الثابتة بالمعومات والأقيسة والظاهر وأخبار الآحاد فكيف تعارض بذلك النصوص الثابتة عن المعصوم؟\nبل مثل هذا الكلام لا يصلح لإفادة ظن ولا يقين وإنما هو كلام طويل بعبارت طويلة وتقسيمات متنوعة يهابه من لم يفهمه، وعامة من وافق عليه وافق عليه تقليدًا لمن قاله قبله لا عن تحقيق عقلي قام في نفسه.\nوكلام السلف والأئمة في ذم مثل هذا الكلام الذي احتجوا فيه بطريقة الأعراض والجواهر على حدوث الأجسام وإثبات الصانع كثير منتشر قد كتب في غير هذا الموضع.\nوكل من أمعن نظره وفهم حقيقة الأمر علم أن السلف كانوا أعمق من هؤلاء علمًا وأبر قلوبًا وأقل تكلفًا وأنهم فهموا من حقائق الأمور ما لم يفهمه هؤلاء الذين خالفوهم وقبلوا الحق وردوا الباطل والله أعلم.","vol":"3","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>فصل</span>\nوإذ قد عرف ما قله الناس من جميع الطوائف في مسألة الأفعال الاختيارية القائمة بذات الله تعالى، وضعف أدلة النفاة واعتراف أب يعبد الله الرازي وغيره بذلك، وانه اعتمد على حجة الكمال والنقصان، وهي ضعيفة أيضًا كما تقدم، وذكر هو وأبو الحسن الآمدي ومن اتبعهما ادلة نفاة ذلك، وأبطلوها كلها ولم يستدلوا على نفي ذلك إلا بأن ما يقوم به: إن كان صفة كمال كان عدمه قبل حدوثه نقصًا وإن كان نقصًا لزم اتصافه بالنقص والله منزة عن ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>ضعف تضعيف الرازي وغيره لحجة الكمال والنقصان</span>\nوهذه الحجة ضعيفة ولعلها أضعف مما ضعفوه فإن لقائل أن يبطلها من وجوه كثيرة.\nالوجه الأول\nأن يقال: القول في افعاله القائمة به الحادثة بمشيئته وقدرته، كالقول في أفعاله التي هي المفعولات المنفصلة التي يحدثها بمشيئته وقدرته.\nفإن القائلين بقدم العالم أوردوا عليهم هذا السؤال فقالوا الفعل إن كان صفة كما لزم عدم الكمال له في الأزل وإن كان صفة نقص لزم اتصافه بالنقائص فأجابوهم بأنه ليس صفة نقص ولا كمال.\nوهذا كما أن من حجج النفاة أنه لو كان قابلًا لقيام الحادث به لكان القبول من لوازم ذاته ووجود المقبول في الأزل محال.","vol":"4","page":3},{"text":"فأجيبوا بانه لا فرق بين حدوث ما يقوم به أو بغيره.\nفإذا قيل: لو كان قادرًا على فعل الحوادث لكان ذلك من لوازم ذاته، وذلك في الأزل محال فما كان جوابًا عم هذا كان جوابًا عن هذا.\nوقد اورد الرازي على ذلك في بعض كتبه أن القادر يتقدم المقدور والقابل لا يجب أن يتقدم المقبول وهذا فرق في غاية الضعف لوجوه:\nأحدها: أن الكلام إنما هو في مقبول مقدور، لا في مقبول غير مقدور فإن ما كان حادثًا فالرب قادر عليه وهو قادر على افعاله القائمة به كما هو قادر على مفعولاته المنفصلة.\nقال تعالى: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ القيامة ٤٠ وقال تعالى ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ الآية الأنعام ٦٥ وقال تعالى ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ يس ٨١ وقال تعالى ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ الشورى ٢٩ فبين أنه قادر على الإحياء والبعث والخلق والجمع، وهذه أفعال وقد قال النبي ﷺ لأبي مسعود البدري لما","vol":"4","page":4},{"text":"رآه يضرب عبدًا له لله أقدر عليك منك عليه فتعين انه قادر عليه نفسه.\nوالمقصود هنا أن الكلام إنما هو في الحوادث التي هي مقدورة ليس في كل مقبول فإذا كان المقدور لا يوجد في الأزل اتمنع وجود الحوادث كذلك، فلا يصح أن يفرق بين مقبول مقدور ومقبول غير مقدور، إذ كلاهما مقدور.\nالثاني: أن يقال إما أن يكون وجود الحادث في الأزل ممكنًا، وإما أن يكون ممتنعًا فإن كان ممكنًا أمكن وجود المقدور في الأزل وإن كان ممتنعًا امتنع وجوده مقبولا ومقدورًا.\nالثالث: أن يقال: إثبات المقدور حال امتناع المقدور جمع بين المتناقضين ن فلا يعقل إثبات القدرة في حال امتناع المقدور بل في حال إمكانه.\nولهذا أنكر المسلمون وغيرهم على من قال من أهل الكلام إنه قادر في الأزل مع امتناع المقدور في الأزل وقالوا هذا جمع بين المتناقضين وقالوا: أنه يستلزم انتقال المقدور من الإمكان إلى الامتناع بدون سبب يوجب هذا الانتقال ويوجب أن يصير الرب قادرًا بعد أن لم يكن قادرًا بدون سبب يوجب ذلك وقد بسط الكلام على ذلك ف يغير هذا الموضع.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: كونه بحيث يتكلم ويفعل ما يشاء صفة كمال، وهو لم يزل متصفًا بذلك وأما الشيء المعين فحدوثه لا نقص ولا كمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: ما تعني بقولك عدم ذلك نقص؟ أتعني به أن ذاته ناقصة وأنها ليست منتصفة بصفات الكمال الواجبة لها؟ أم تعني به عدم ما سيوجد لها؟ أما الأول فباطل وأما الثاني فلم قلت إن هذا ممتنع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>الوجه الرابع</span>\nأن يقال أنتم قلتم ما ذكره أبو المعالي والرازي وغيرهما من أن تنزيهه عن النقائض إنما علم بالسمع لا بالعقل فإذا قلتم إنه ليس في العقل ما ينفي ذلك، لم يبقي ذلك إلا بالسمع، الذي هو الإجماع عندكم.\nومعلوم أن السمع الذي هو الإجماع، والإجماع وغيره لم ينف هذه الأمور، وإنما نفي ما يناقض صفات الكمال كالموت المنافي للحياة والسنة والنوم المنافي للقيومية واللغوب المنافي لكمال القدرة.\nولهذا كان الصواب أن الله منزه عن النقائص شرعًا وعقلا.\nفإن","vol":"4","page":6},{"text":"العقل كما دل على اتصافه بصفات الكمال من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام، دل أيضًا على نفي أضداد هذه فإن إثبات الشيء يستلزم نفي ضده ولا معنى للنقائص إلا ما ينافي صفات الكمال.\nوأيضًا فكل كمال اتصف به المخلوق إذا لم يكن فيه نقص بوجه ما فالخالق أحق به لأنه هو الذي خلقه وكل كمال اتصف به موجود ممكن وحادث فالموجود الواجب القديم أولى به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق موجود حادث إذا لم يكن فيه نقص بوجه ما فالخالق أولى بتنزيهه عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>الوجه الخامس</span>\nأن يقال إذا عرضنا على العقل الصريح ذاتًا لا علم لها ولا قدرة ولا حياة ولا تتكلم ولا تسمع ولا تبصر أو لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات وذاتًا موصوفة بالحياة والعلم والقدرة والكلام والمشيئة كان صريح العقل قاضيًا بان المتصفة بهذه الصفات التي هي صفات الكمال، بل القابلة للاتصاف بها، أكمل من ذات لا تتصف بهذه أو لا تقبل الاتصاف بها.","vol":"4","page":7},{"text":"ومعلوم بصريح العقل أن الخالق المبدع لجميع الذوات وكمالاتها أحق بكل كمال وأحق بالكمال الذي باين به جميع الموجودات وهذا الطريق وتحوه مما سلكه أهل الإثبات للصفات.\nفيقال: وإذا عرضنا على العقل الصريح ذاتًا لا فعل لها ولا حركة ولا تقدر أن تصعد ولا تنزل ولا تأتي ولا تجيء ولا تقرب ولا تقبض ولا تطوي ولا تحدث شيئًا بفعل يقوم بها وذاتًا تقدر على هذه الفعال ولا تحدث الأشياء بفعل لها، كانت هذه الذات أكمل فإن تلك كالجماد أو الحي الزمن المجدع، والحي أكمل من الجماد والحي القادر على العمل أكمل من العاجز عنه، كما أن ما لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم كالجماد أو كالأعمى الصم الأخرس والحي أكمل من الجماد والحي الذي يسمع ويبصر ويتكلم أكمل من الأصم الأعمى الأخرس.\nوإذا كان كذلك، فإذا أراد نافي الفعل أن ينفيه لئلا يصفه في الأزل بالنقص فقال لو كان فعالًا بنفسه لكان الفعل المتأخر","vol":"4","page":8},{"text":"معدومًا في الأزل وعدمه صفة نقص فكان متصفًا بالنقص كان بمنزلة من يقول إنه لا يقدر أن يحدث الحوادث ولا يفعل ذلك لأنه لو قدر على ذلك وفعله لكان إحداثه للحادث الثاني معدومًا قبل إحداثه وذلك نقص فيكون متصفًا بالنقص.\nفيقال: أنت وصفته بالكمال عن النقص، حذرًا من أن تصفه بما هو عندك نوع نقص، فإن من لا يفعل قط، ولا يقدر أن يفعل، هو أعظم نقصًا ممن يقدر على الفعل ويفعله والفعل لا يكون إلا حادثًا شيئًا بعد شيء.\nوهذه عادة النفاة، لا ينفون شيئًا من الصفات فرارًا من محذور إلا لزمهم في النفي أعظم من ذلك المحذور، كنفاة الصفات من الباطنية من المتفلسفة وغيرهم، لما قبل لهم إذا لم يوصف بالعلم والقدرة والحياة لزم أن يتصف بما يقابل ذلك كالعجز والجهل والموت.\nفقالوا: إنما يلزم ذلك لو كان قابلًا للاتصاف بذلك فإن المتقابلين تقابل السلب والإيجاب كالوجود والعدم إذا عدم أحدهما ثبت الآخر.\nوأما المتقابلان تقابل العدم والملكة، كالحياة والموت، والعمى والبصر فقد يخلو المحل عنهما، كالجماد فإنه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا.","vol":"4","page":9},{"text":"فيقال لهم: فررتم عن تشبيهه بالحيوان الناقص الذي لا يسمع ولا يبصر مع إمكانه ذلك منه فشبهتموه بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا فكان ما فررتم إليه شرًا مما فررتم منه.\nولهذا نظائر مبسوطة ف يغير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن من نفي الأفعال الاختيارية القائمة به لئلا يكون وجود الحادث منها ناقصًا، كان قد وصفه بالنقص التام فرارًا بزعمه مما يظنه نقصًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>الوجه السادس</span>\nأن يقال: الأفعال التي حدثت بعد ان لم تكن لم تكن وجودها قبل وجودها كمالًا، ولا عدمها نقصًا، فإن النقص إنما يكون إذا عدم ما يصلح وجوده، وما به يحصل الكمال، وما ينبغي وجوده ونحو ذلك.\nوالرب تعالى حكيم في أفعاله.\nوهو المقدم والمؤخر فما قدمه كان الكمال في تقديمه، وما أخره كان الكمال في تأخيره.\nكما أن ما خصصه بما خصصه به من الصفات فقد فعله على وجه الحكمة، وإن لم نعلم نحن تفاصيل ذلك واعتبر ذلك بما يحدثه من المحدثات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>الوجه السابع</span>\nأن يقال: الحوادث يمتنع قدمها، ويمتنع أن توجد معًا، واو وجدت معًا لم تكن حوادث.\nومعلوم انه إذا دار الأمر بين","vol":"4","page":10},{"text":"إحداث الحوادث وعدم إحداثها، كان أحداثها أكمل ولا يكون إحداثها إلا مع عدم الحادث منها في الأزل.\nوإذا كان كذلك صار هذا بمنزلة جعل الشيء موجودًا معدومًا، فلا يقال عدم فعل هذا او عدم تعلق القدرة به صفة نقص بل النقص عدم القدرة على جعله موجودًا فإذا كان قادرًا على ذلك كان موصوفًا بصفة الكمال التي لا يمكن غيرها فكذلك المحدث للأمور المتعاقبة هو موصوف بالكمال الذي لا يمكن في الحدوث غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>الوجه الثامن</span>\nأن يقال: لا ريب أن الحوادث مشهودة وأن لها محدثًا أحدثها، فالمحدث لها: إما أن يحدثها بفعل اختياري يقوم به وإما أن تحث عنه شيئًا بعد شيء من غير فعل يقوم به ولا حدوث شيء منه ومعلوم أن اتصافه بالأول أولى لو كان الاثنين ممكنًا فإن الأول فيه وصفة بصفة الكمال بخلاف الثاني فكيف والثاني ممتنع، لأن حدوث الحوادث من غير سبب حادث ممتنع.\nوإذا كان حال الفاعل قبل حدوثها كحاله مع حدوثها وبعد حدوثها، وهي في الحالين حادثة، لم يكن الفاعل قد فعل شيئًا ولا أحدث شيئًا بل حدثت بذاتها.\nوهذا الدليل قد بسط في غير هذا الموضع وبين فساد قول","vol":"4","page":11},{"text":"الفلاسفة الدهرية القائلين بان حركات الأفلاك تصدر عن قديم أزلي لا يحدث منه شيء وإن قولهم أفسد من قول المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام، فغن هؤلاء الفلاسفة استدلوا على قدم العالم بحجتهم العظمى، وهو انه لو حدث بعد أن لم يكن لاحتاج إلى سبب حادث والقول في ذلك السبب كالقول فيه فيلزم التسلسل او الترجيح بلا مرجح.\nفيقال لهم: أنتم تقولون بحدوث الحوادث شيئًا بعد شيء عن فاعل قائم بنفسه لا تقوم به صفة ولا فعل ولا يحدث له فعل ولا غير فعل.\nفقولكم بصدور الحوادث المختلفة الدائمة عمن لا فعل له ولا صفة ولا يحدث منه شيء أعظم فسادًا من قول من يقول إنه تارة تصدر عنه الحوادث وتارة تصدر فإنه إن كان صدور الحوادث عنه من غير حدوث شيء فيه محالًا فصدورها دائمًا عنه من غير حدوث شيء فيه أشد إحالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>الوجه التاسع</span>\nإن يقال: أفعال الله تعالى: إما أن يكون لها حكمة هي غايتها المطلوبة، وإما أن لا يكون والناس في هذا المقام مشهوران أحدهما قول من لا يثبت إلا المشيئة والثاني قول من يثبت حكمه قائمة بالمخلوق، أو حكمه قائمة بالخالق. والأقول الثلاثة معروفة في الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم","vol":"4","page":12},{"text":"فإن نفيتم الحكمة جوزتم أن يفعل أفعالًا لا يحصل له بها كمال فيقال لهم قولوا في أفعاله القائمة بنفسه الاختيارية ما تقولونه في حدوث المفعولات عنه، وهو الفعل عندكم\nوإن أثبتم الحكمو، قيل لكم الحكمة الحاصلة بالفعل الحادث حادثة بعده فحدوث هذه الحكمة بعد أن لم تكن، سواء كانت قائمة بنفسه أو بغيره، اهي صفة كمال أو لا؟\nفإن قلتم صفة كمال فقولوا في نفس الفعل الحادث ما قلتموه في الحكمة المطلوبة به\nوإن قلتم ليست صفة كمال، فقولوا في نفس الفعل الحادث ما قلتموه في الحكمة المطلوبة\nفقد لزمكم في الحكمة، إن أثبتموها أو نفيتموها، ما يلزمكم في نفس الفعل سواء بسواء، وهذا بين واضح\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>الوجه العاشر</span>\nأن يقول من يثبت الفعل القائم به والحكمة القائمة به معلوم بصريح العقل ان هذا صفة كمال، وأن من يكون كذلك أكمل ممن لا يفعل أو يفعل لا لحكمة فلم قلتم إن هذا ممتنع؟\nفإذا قيل لئلا يلزم الكمال بعد النقص\nقيل لهم لم قلتم وجود مثل هذا الكمال ممتنع؟","vol":"4","page":13},{"text":"ولفظ النقص لفظ مجمل كما تقدم فإن غايته أن يفسر بعدم ما وجد قبل أن يوجد، فيعود الأمر إلى أن هذا الموجود إذا وجد بعد أن لم يكن، لزم أن يكون معدومًا قبل وجوده\nفيقال ومن أين علمتم أن وجود هذا بعد عدمه محال؟ وليس في ذلك افتقار الرب إلى غيره ولا استكماله بفعل غيره، بل هو الحي الفعال لما يشاء العليم القدير الحكيم، الخبير الرحيم الودود، لا إله إلا هو، وكل ما سواه فقير إليه، وهو غني عما سواه، لا يكمل بغيره، ولا يحتاج إلى سواه ولا يستعين بغيره في فعل، ولا يبلغ العباد نفعه فينفعوه، ولا ضره فيضروه، بل هو خالق الاسباب والمسببات، وهو الذي يلهم عبده الدعاء، ثم يجيبه وييسر عليه العمل، ثم يثيبه ويلهمه التوبة، ويحبه ويفرح بتوبته وهو الذي استعمل المؤمنين فيما يرضيه، ورضي عنهم فلم يحتج في فعله لما يحبه ويرضاه إلى سواه، بل هو الذي خلق حركات العباد التي يحبها ويرضاها، وهو الذي خلق ما لايحبه ولا يرضاه من اعمالهم، لما له في ذلك من الحكمة التي يحبها ويرضاها ﴿وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون﴾ القصص: ٧٠، فلا إله إلا هو ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ الانبياء: ٢٢، إذا كان هو الذي يستحق أن تكون العبادة له، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل لا منفعة فيه،","vol":"4","page":14},{"text":"فما لا يكون به لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم كما قال تعالى ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ الفرقان: ٢٣ وقال ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء﴾ إبراهيم: ١٨، وهو سبحانه يحب عباده الذين يحبونه، والمحبوب لغيره أولى أن يكون محبوبًا\nفإذا كنا إذا أحببنا شيئًا لله هو المحبوب في الحقيقة، وحبنا لذلك بطريق التبع، وكنا نحب من يحب الله لأنه يحب الله، فالله تعالى يحب الذين يحبونه، فهو المستحق أن يكون هو المحبوب المألوه المعبود، وأن يكون غاية كل حب كيف وهو سبحانه الذي يحمد نفسه ويثني على نفسه، ويحب الحمد من خلقه\nكما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح لا أحد أحب إليه المدح من الله\nوقال له الأسود بن سريع يا رسول","vol":"4","page":15},{"text":"الله إني حمدت ربي بمحامد فقال إن ربك يحب الحمد\nوفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا احصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك وقد روى انه كان يقول ذلك في آخر الوتر\nفهو المثني على نفسه، إذا أفضل خلقه لا يحصى ثناء عليه\nوالثناء تكرير المحامد وتثنيتها، كما في الحدث الصحيح عن النبي ﷺ انه قال إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله حمدني عبدني فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي\nوفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ انه كان إذا رفع رأسه من الركوع قال ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، احق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا","vol":"4","page":16},{"text":"معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. فذكر الحمد والثناء والمجد هنا، كما ذكره في اول الفاتحة، فالحمد يتناول جنس المحامد، والثناء يقتضي تكريرها وتعديدها والزيادة في عددها ٠ والمجد تعظيمها وتوسيعها والزيادة في قدرها وصفتها\nفهو سبحانه مستحق للحمد والثناء والمجد، ولا أحد يحسن أن يحمد كما يحمد نفسه ن ولا يثني عليه كما يثني على نفسه، ولا يمجده كما يمجد نفسه\nكما في حديث ابن عمر الذي في الصحيح، لما قرأ النبي ﷺ على المنبر ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر: ٦٧ قال يقبض الله سماواته بيده، والأرضون بيده الأخرى، ثم يمجد نفسه فيقول ـنا الملك، انا القدوس، انا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئًا، أنا الذي أعدتها، أين الملوك أين الجبارون أين المتكبرون؟ أو كما قال","vol":"4","page":17},{"text":"وفي الحديث الآخر يقول الله تعالى إني جواد، ماجد، واجد، إنما أمري إذا أردت شيئًا أن أقول له كن فيكون\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>فصل كلام الآمدي في أبكار الأفكار في بيان امتناع حلول الحوادث بذاته ﵎</span>.\nونحن نذكر ما ذكره أبو الحسن الآمدي في هذا الأصل وتتكلم عليه قال في كتابه الكبير المسمى أبكار الأفكار المسألة الرابعة من النوع الرابع الذي سماه إبطال التشبيه في بيان امتناع حلول الحوادث بذاته ﵎:\nقال وقبل الخوض في الحجاج لا بد من تلخيص محل","vol":"4","page":18},{"text":"النزاع فنقول المراد بالحادث المتنازع فيه الموجود بعد العدم، كان ذاتًا قائمة بنفسها، أو صفة لغيره كالأعراض وأما ما لا وجود له كالعدم، أو الأحوال عند القائلين بها، فإنها غير موصوفة بالوجود ولا بالعدم، كالعالمية والقادرية والمريدية ونحو ذلك، أو النسب والإضافات، فإنها عند المتكلم أمور وهمية لا وجود لها، فما تحقق من ذلك بعد أن لم يكن فيقال له متجدد، ولا يقال له حادث\nقال وعند هذا فنقول العقلاء من أرباب الملل وغيرهم متفقون على استحالة قيام الحوادث بذات الرب ﵎ غير المجوس والكرامية فإنهم اتفقوا على جواز ذلك\nغير أن الكرامية لم يجوزوا قيام كل حادث بذات الرب تعالى، بل قال أكثرهم هو ما يفتقر إليه في الإيجاد والخلق، ثم اختلفوا في هذا الحادث فمنهم من قال هو قوله كن ومنهم من قال هو","vol":"4","page":19},{"text":"الإرادة أو القول في ذاته يستند إلى القدرة القديمة، لا أنه حادث بإحداث ن وأما خلق باقي المخلوقات فمستند إلى الإرادة أو القول، على اختلاف مذهبهم، فالمخلوق القائم بذاته يعبرون عنه بالحادث، والخارج عن ذاته يعبرون عنه بالمحدث، ومنهم من زاد على ذلك حادثين آخرين، وهما السمع والبصر\nقال وأجمعت الكرامية على أن ما قام بذاته من الصفات الحادثة لا يتجدد له منها اسم، ولا يعود إليه منها حكم، حتى لا يقال إنه قائل بقول، ولا مريد بإرادة، بل قائل بالقائلية، ومريد بالمريدية، ولم يجوزواعليه إطلاق اسم متجدد لم يكن فيما لا يزال، بل قالوا أسماؤه كلها أزلية، حتى في الخالق والرازق، وغن لم يكن في الأزل خلق ولا رزق","vol":"4","page":20},{"text":"قال وأما ما كان من الصفات المتجددة التي لا وجود لها في الأعيان، فما كان منها حالًا فقد اتفق المتكلمون على امتناع اتصاف الرب به، غير أبي الحسين البصري فإنه قال تتجدد عالميات لله تعالى بتجدد الملومات ن وما كان من النسب والإضافات والتعلقات، فمتفق بين أرباب العقول على جواز اتصاف الرب تعالى بها، حتى يقال إنه موجود مع العالم بعد أن لم يكن، وإنه خالق العالم بعد أن لم يكن ٠ وما كان من الأعدام والسلوب ٠ فإن كان سلب أمر يستحيل تقدير وجوده لله تعالى، فلا يكون متجددًا بالإجماع، مثل كونه غير جسم ولا جوهر ولا عرض، إلى غير ذلك. وإن كان سلب أمر لا يستحيل تقدير اتصاف الرب به كالنسب والإضافات، فغير ممتنع إن يتصف به الرب تعالى بعد أن","vol":"4","page":21},{"text":"لم يكن بالإتفاق، فإنه إذا كان الحادث موجودًا صح أن يقال الرب تعالى موجود مع موجوده، وتنعدم هذه المعية عند فرض عدم ذلك الحادث فيتجدد له صفة سلب بعد أن لم تكن\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت قد ذكر أن لفظ الحادث مرادهم به الموجود بعد العدم، سواء كان قائمًا بنفسه كالجوهر، أو صفة لغيره كالأعراض ن وسمي ما ليس بموجود كالأحوال والسلوب والإضافات متجددات، وهذا الفرق أمر اصطلاحي، وإلا فلا فرق بين معنى المتجدد ومعنى الحادث\nوأيضًا فإن الأحوال عند القائلين بها، منهم من يقول بوجودها، وقالوا يصح أن تكون معلومة تبعًا لغيرها، وأن يكون وجودها تبعًا لغيرها\nوخالفوا أبا هاشم في قوله ليست معلومة ولا مجهولة ولا موجودة ولا معدومة\nوأيضًا فالنسب والإضافات عند الفلاسفة قد تكون وجودية، وأما المذاهب فيقال لفظ الحوادث والمتجدادت في لغة العرب يتناول أشياء كثيرة، وربما أفهم أو اوهم في العرف","vol":"4","page":22},{"text":"استحالات كالأمراض والغموم والأحزان ونحوها، إذا قيل فلان حدث به حادث وكثير منهم يعبر بالأحداث عن المعاصي والذنوب ونحو ذلك كما قد عرف هذا\nوأما مورد النزاع انه هل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته إما من باب الأفعال كالاستواء إلى غيره والأستواء عليه، والإتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك، وإما من باب الأقوال والكلمات، وإما من باب الأحوال كالفرح والغضب والإرادات والرضا والضحك ونحو ذلك، وإما من باب العلوم والإدراكات كالسمع والبصر والعلم بالموجود بعد العلم بأنه سيوجد وإذا كان كذلك فقوله إن العقلاء من أرباب الملل وغيرهم متفقون على استحالة ذلك غير أن الكرامية إلى آخره ليس بنقل مطابق\nأما أهل الملل فلا يضاف إليهم من حيث هم أرباب ملة إلا ما ثبت عن صاحب الملة، صلوات الله عليه وسلامه، أو ما أجمع عليه أهل العلم، وأما ما قاله بعض أهل الملة برأيه أو استنباطه، مع منازعة غيره له، فلا يجوز إضافته إلى الملة ومن المعلوم أنه لا يمكن أحد أن ينقل عن محمد ﷺ، ولا عن إخوانه المرسلين كموسى وعيسى صلوات الله عليهما، ما يدل على قول النفاة لا نصًا ولا ظاهرًا، بل الكتب الإلهية","vol":"4","page":23},{"text":"المتواترة عنهم والأحاديث المتواترة عنهم تدل على نقيض قول النفاة وتوافق قول أهل الإثبات\nوكذلك أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين أرباب المذاهب المشهورة، وشيوخ المسلمين المتقدمين، لا يمكن أحد أن ينقل نقلًا صحيحًا عن أحد منهم بما يوافق قول النفاة بل المنقول المستفيض عنهم يوافق قول أهل الإثبات فنقل مثل هذا عن أهل الملة خطأ ظاهر\nولكن أهل الكلام والنظر من أهل الملة تنازعوا في هذا الأصل لما حدث في أهل الملة مذهب الجهمية نفاة الصفات وذلك بعد المائة الأولى في أواخر عصر التابعين ولم يكن قبل هذا يعرف في أهل الملة من يقول بنفي الصفات ولا بنفي الأمور الاختيارية القائمة بذاته\nفلما حدث هذا القول وقالت به المعتزلة وقالوا لا تحل به الأعراض والحوادث وأرادوا بذلك انه لا تقوم به صفة كالعلم والقدرة ولا فعل كالخلق والاستواء أنكر أئمة السلف ذلك عليهم كما هو متواتر معروف\nوعن هذا قالت المعتزلة إن القرآن مخلوق لأنه لو قام بذاته للزم أن تقوم به الأفعال والصفات، وأطبق السلف والأئمة على إنكار هذا عليهم","vol":"4","page":24},{"text":"وكل من خالفهم قبل ابن كلاب كان يقول بقيام الصفات والأقوال والأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته به لكن ابن كلاب ومتبعوه فرقوا بين ما يلزم الذات من أعيان الصفات كالحياة والعلم وبين ما يتعلق بالمشيئة والقدرة فقالوا هذا لا يقوم بذاته لن ذلك يستلزم تعاقب الحوادث عليه كما سيأتي\nوابن كرام كان متأخرًا بعد محنة الإمام أحمد بن حنبل وتوفي ابن كرام في حدود ستين ومائتين فكان بعد ابن كلاب بمدة وكان أكثر أهل القبلة قبلة على مخالفة المتزلة والكلابية حتى طوائف أهل الكلام من الشيعة والمرجئة كالهشامية وأصحاب أبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهما كما ذكر عنهم الأشعري في المقالات\nوأمثال هؤلاء كانوا يقولون بقيام الحوادث به حتى صرح طوائف منهم بالحركة كما صرح بذلك طوائف من أئمة الحديث والسنة وصرحوا بأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء وأن الحركة من لوازم الحياة وأمثال ذلك بل هم يقولون إنه إنما ابتدع من ابتداع من أهل الكلام البدع المخالفة للنصوص وللمعقول بهذا الأصل كقول من قال إن الكلام معنى واحد قديم وقول من قال إن المعدوم يرى ويسمع وقول من قال بقدم صوت معين\nوأما غير أهل الملل فالفلاسفة متنازعون في هذا الأصل والمحكي عن كثير من أساطينهم القدماء أنه كان يقول بذلك كما تقدم نقل المقالات عنهم حتى صرح بالحركة من صرح منهم بل الذين","vol":"4","page":25},{"text":"كانوا قبل أرسطو من الأساطين كانوا يقولون بحدوث العالم عن أسباب حادثة وهم يقولون بهذا الأصل إما تصريحًا وإما لزومًا وكذلك غير واحد من متأخريهم كأبي البركات البغدادي صاحب المعتبر وهذا اختيار طائفة من النظار كالأثير الأبهري وغيره\nوما حكاه عن أبي الحسين البصري فهو قول غير واحد قبل أبي الحسين وبعده كهشام ونحوه وغيره وإبن عقيل يختار قول ابي الحسين وهو معنى قول السلف والرازي يميل إلى قول أبي الحسين بل وإلى زيادة على قوله كما ذكره في المطالب العالية بل ينصره وقوله عن الكرامية إنهم قالوا أسماؤه كلها أزلية أي معاني أسمائه أي ما لأجله استحق تلك الأسماء كالخالقية والرازقية\nواما نفس الاسم فهو من كلامه وكلامه عندهم حادث قائم بذاته ويمتنع عندهم أن يكون في الأزل كلام أو أسماء لن ذلك يقتضي حوادث لا أول لها، أو يقتضي قدم القول المعين، وكلاهما باطل عندهم وحكايته عن الكرامية أنهم يقولون خلق الإرادة والقول في ذاته مستند إلى القدرة القديمة وخلق ما في المخلوقات يستند إلى","vol":"4","page":26},{"text":"الإرادة والقول تعبير عن مذهبهم بعبارته وإلا فهم لا يسمون شيئًا مما يقوم بذات الرب لا مخلوقًا ولا محدثًا وغنما يقولون حادث ولا يقولون إن إرادته وكلامه لا مخلوق ولا محدوث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>تابع كلام الآمدي وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nقال وقد احتج أهل الحق على امتناع قيام الحوادث به بحجج ضعيفة:\nالأولى قالوا لو كان الباري تعالى قابلًا لحلول الحوادث بذاته لما خلا عنها أو عن أضدادها وضد الحادث وما لا يخلو عن الحوادث فيجب أن يكون حادثًا والرب تعالى ليس بحادث\nقال وهذه الحجة مبينة على خمس مقدمات الأولى أن كل صفة حادثة لا بد لها من ضد والثانية أن ضد الصفة الحادثة لا بد وأن يكون حادثًا والثالثة أن ما قبل حادثًا فلا يخلو عنه وعن ضده والرابعة أن مالا يخلو عن الحوادث فهو حادث والخامسة أن الحدوث","vol":"4","page":27},{"text":"على الله تعالى محال أما أن الرب تعالى ليس بحادث فقد سبق تقريره\nقلت هذا معلوم باتفاق أهل الملل وسائر العقلاء ممن أثبت الصانع ومعلوم بالأدلة اليقينية بل معلوم بالضرورة وقد ذكر انه قرر ذلك وهو لم يقرره فإنه إنما قرره بناء على إثبات واجب الوجود وبني ذلك على نفي التسلسل في العلل وإبطال حوادث لا أول لها وحجته على ذلك ضعيفة\nوقد أورد في كتابه المسمى بدقائق الحقائق على إبطال تسلسل العلل سؤلًا زعم أنه لا يعرف عنه جوابًا فبطل ما ذكره من تقريره لكن هذا بحمد الله أجل من أن يحتاج إلى مثل هذا التقرير\nوقال وأما أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فسيأتي تقريره في حدوث الجواهر\nقلت لم يقرر ذلك إلا بدليل حدوث الأعراض وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها وإنما قرر ذلك بإبطال التسلسل في الآثار وقرر ذلك بان الحادث يمتنع أن يكون أزليًا\nوقد تقدم فساد ذلك بأن لفظ الحادث يراد به النوع الدائم ويراد به الحادث المعين والمعلوم امتناعه إنما هو النوع الثاني والنزاع إنما هو في الأول","vol":"4","page":28},{"text":"وأيضًا فإن الذي قرر به امتناع تسلسل العلل في دقائق الحقائق أورد عليه سؤلًا واعترف بأنه لا جواب له عنه وإذا كان تقريره لنفى تسلسل العلل قد بين انه ورد عليه سؤال لا يعرف جوابه فكيف بتقرير نفي تسلسل الحوادث\nومن المعلوم أن العقلاء اتفقوا على نفي تسلسل العلل وتنازعوا في نفي تسلسل الحوادث فإن كان لم يقم على نفي ذاك عنده دليل عقلي فهذا أولى.\nوالسؤال الذي أورده يرد على النوعين، وقد ذكرنا وذكرنا الجواب عنه فيما تقدم.\nومضمونه أنه: لم يلا يجوز أن كان لم لا يجوز أن يكون مجموع المعلومات التي لا تتناهى وإن كان ممكنًا في نفسه لكنه واجب بوجوب آحاده المتعاقبة وكل واحد واجب بما قبله وهذا وإن كان باطلًا لكن المقصود التنبيه على أن من خالف الكتاب والسنة وقال إنه ينصر بالمعقول أصول الدين يخل بمثل هذا الواجب في أعظم أصول الدين مع انه يقرر ما لا يحتاج إليه في الدين أو ما يعارض ما يثبت انه من الدين\nوكذلك من قال مثل هذا وأمثاله انه يتكلم بالقليات يظهر منه في أعظم المعقولات التقصير والتوقف والخيرة فيها ويحقق من المعقولات ما تقل الحاجة إليه أو ما يكون وسيلة إلى غيره مع أن المقصود بالوسيلة لم يحققه","vol":"4","page":29},{"text":"وقد احتج على إبطال حوادث لا أول لها بعد أن أبطل حجج موافقيه بأن ذلك يستلزم كون الحادث أزليًا وهذا الوجه ضعيف\nفإن المنازع يقول أشخاص الحوادث ليست أزلية وإنما الأزلي النوع فالموصوف بأنه أزلي ليس هو الموصوف بأنه حادث ثم يقال إذا لم تقدر أن تقيم حجة على امتناع تسلسل المعلولات وإثبات الصانع عندك موقوف على هذا فأي شيء ينفعك نفي حلول الحوادث عما لم تقم حجة على إثباته فضلا عن قدمه؟\nقال: وإنما الإشكال في المقدمات الثلاثة الأول.\nقال وذلك أن لقائل أن يقول قولكم إن كل صفة حادثة لا بد لها من ضد فإما أن يراد بالضد معنى وجودي يستحيل اجتماعه مع تلك الصفة لذاتيهما وإما أن يراد به ما هو اعم من ذلك وهو ما لا يتصور اجتماعه مع وجود الصفة لذاتيهما وإن كان عدمًا حتى يقال فإن عدم الصفة يكون ضدًا لوجودها فإن كان الأول فلا نسلم انه لا بد وان يكون للصفة ضد بذلك الاعتبار والاستدلال على موقع المنع عسير جدًا وإن كان الثاني فلا نسلم أنه","vol":"4","page":30},{"text":"يلزم أن يكون ضد الحادث حادثًا وإلا كان عدم العالم السابق على وجوده حادثًا ولو كان عدمه حادثًا كان وجوده سابقًا على عدمه وهو محال\nقال وإن سلمنا انه لا بد أن يكون ضد الحادث معنى وجوديًا ولكن لا نسلم امتناع خلو عن الصفة وضدها بهذا الاعتبار وحيث قررنا في مسألة الكلام والإدراكات أن القابل لصفة لا يخلو عنها وعن ضدها إنما كان بالمعنى الأعم لا بالمعنى الأخص فلا مناقضة\nقلت هذا كلام حسن جيد لو كان قد وفي بموجبه فإن هذه الطريقة مما كان يحتج بها السلف والأئمة في إثبات صفات الكمال كالكلام والسمع والبصر وقد اتبعهم في ذلك متكلمة الصفلتية من أصحاب أبي كلاب وابن كرام والأشعري وغيرهم بل أثبتوا بها عامة صفات الكمال\nوقد أورد عليها ما يورده نفاة الصفات وزعم أن ذلك قادح فيها،","vol":"4","page":31},{"text":"فقال أما أهل الإثبات يعني للصفات فقد سلك بعضهم في الإثبات مسلكًا ضعيفًا وهو انهم تعرضوا لإثبات أحكام الصفات ثم توصلوا منها إلى إثبات العلم بالصفات ثانيًا ٠ فقالوا إن العالم لا محالة على غاية من الحكمة والإتقان وهو مع ذلك جائز وجوده وجائز عدمه كما سيأتي وهو مستند في التخصيص والإيجاد إلى واجب الوجود كما سيأتي أيضًا فيجب أن يكون قادرًا عليه مريدًا له عالمًا به كما وقع به الاستقراء في الشاهد فإن من لم يكن قادرًا لا يصح صدور شيء عنه ومن لم يكن مريدًا لم يكن تخصيص بعض الجائزات عنه دون بعض بأولى من العكس إذ نسبتها إليه واحدة ومن لم يكن عالمًا بالشيء لا يتصور منه القصد إلى إيجاده","vol":"4","page":32},{"text":"قالوا وإذا ثبت كونه قادرًا مريدًا عالمًا وجب أن يكون حيًا إذ الحياة شرط في هذه الصفات على ما عرف في الشاهد وما كان له في وجوده أو عدمه شرط لا يختلف شاهدًا ولا غائبًا ويلزم من كونه حيًا أن يكون سميعًا بصيرًا متكلمًا فإن من لم تثبت له هذه الصفات من الأحياء فهو متصف بأضدادها كالعمي والطرش والخرس، على ما عرف في الشاهد أيضًا والإله تعالى يتقدس عن الاتصاف بهذه الصفات\nقالوا وإذا ثبت له هذه الأحكام فهي في الشاهد معللة بالصفات، فالعلم في الشاهد علة كون العالم عالمًا والقدرة علة كون القادر قادرًا، وعلى هذا النحو باقي الصفات، والعلة لا تختلف لا شاهدًا ولا غائبًا\nوأيضًا فإن حد العالم في الشاهد من قام به العلم والقادر من قامت به القدرة وعلى هذا النحو والحد لا يختلف شاهدًا ولا غائبًا","vol":"4","page":33},{"text":"وأيضًا فإن شرط العالم في الشاهد قيام العلم به وكذلك في القدرة وغيرها والشرط لا يختلف شاهدًا ولا غائبًا\nقلت وهذه الطريقة مع إمكان تقريرها علي هذا الوجه، فإنه يمكن تقريرها على وجه اكمل منه ومع هذا فقد قال هذه الحجة مما يضعف التمسك بها جدًا وأورد عليها أنها مبنية على الجمع بين الشاهد والغائب\nوقد تكلمنا على ما ذكره هو وغيره في غير هذا الموضع وبينا أن الحجة لا يحتاج فيها إلى هذا الجمع ولو احتيج فيها إلى هذا الجمع فهو صحيح فإنه من باب قياس الأولى وهو أن ما كان من لوازم الكمال فثبوته للخالق أولى منه للمخلوق كما قد ذكر في غير هذا الموضع\nلكن المقصود هنا انه اعترض على قولهم لو لم يتصف بهذا لاتصف بضده العام الذي يتضمن النفي وهو قد ذكر هنا أنه قرره\nقال وأما قولهم لو لم يتصف بهذه الصفات مع كونه","vol":"4","page":34},{"text":"حيًا لكان متصفًا بما يقابلها فالتحقيق فيه موقوف على بيان حقيقة المتقابلين يعني المتنافيين\nوذكر التقسيم المشهور فيه للفلاسفة وانه أربعة أقسام تقابل السلب والإيجاب، والعدم والملكة، والتضايف، والتضاد، وان تقابل العلم والجهل، أعمى والبصر، هو عندهم من باب تقابل أتعدم والملكة\nوالملكة على اصطلاحهم كل معني وجودي أمكن أن يكون ثابتًا للشيء إما بحق جنسه للإنسان، فإن البصير يمكن ثبوته لجنسه وهو الحيوان أو بحق نوعه ككتابه زيد فإن هذا ممكن لنوع الإنسان أو بحق شخصه كاللحية للرجل فإنها ممكنة في حق الرجل\nقال والعدم المقابل لها ارتفاع هذه الملكة","vol":"4","page":35},{"text":"قال فإن أريد بتقابل الإدراك ونفيه تقابل التناقض بالسلب والإيجاب وهو انه لا يخلو من كونه سميعًا وبصيرًا ومتكلمًا أو ليس فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل نفيه من غير دليل\nوإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة، فلا يلزم من نفي الملكة تحقق العدم ولا بالعكس إلا في محل يكون قابلًا لهما ولهذا يصح أن يقال الحجر لا أعمى ولا بصير والقول بكون البارىء تعالى قابلًا للبصر والعمى، دعوى محل النزاع والمصادرة على المطلوب وعلى هذا فقد امتنع نفي لزوم العمي والخرس والطرش في حق الله تعالى من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام عنه\nقلت وقد أشكل هذا على كثير من النظار حتى ضل به لاعتقادهم صحته حتى على الآمدي فهذا كلامه في الخلو عن الضدين بالمعنى العام قد أورد عليه ما ذكر فكيف يدعي انه","vol":"4","page":36},{"text":"قرره وهذا الإيراد إيراد معروف للمعطلة نفاة الصفات وهو إيراد فاسد من وجوه\nالوجه الأول لن يقال نحن نريد بالتقابل السلب والإيجاب ونفي هذه الصفات يتضمن النقص لكل من نفيت عنه سواء قيل إنه قابل لها أو لم يقل فإنه من المعلوم بصريح العقل أن المتصف بالحياة والعلم والكلام والسمع والبصر اكمل ممن لم يتصف بذلك وما قدر انتفاء ذلك عنه كالجماد فهو أنقص بالنسبة إلى من اتصف بذلك\nوهو قد سلك في إثبات الصفات طريقة الكمال وهي في الحقيقة من جنس هذه، فقال واعلم أن ههنا طريقة رشيقة سهلة المعرك، قريبة المدرك يعسر على المنصف المتبحر الخروج عنها، والقدح في دلالتها، يمكن طردها في إثبات جميع الصفات النفسانية، وهي مما ألهمني الله إياها ولم أجدها على صورتها وتحريرها لأحد غيري، وهو أن يقال المفهوم من كل واحد من هذه الصفات المذكورة، مع قطع النظر عما يتصف به صفة كمال أو لا صفة كمال، لا جائز أن تكون لا صفة كمال، وإلا كان حال من اتصف بها في الشاهد أنقص من حال من لم يتصف بها إن كان عدمها في نفس الأمر كمالًا أو مساويًا من لم يتصف بها إن لم يكن عدمها في نفس الأمر كمالًا وهو خلاف ما نعلمه بالضرورة في الشاهد فلم يبق إلا القسم الأول وهو انه في","vol":"4","page":37},{"text":"نفسها وذواتها كمال وعند ذلك فلو قدر عدم اتصاف الباري تعالى بها لكان ناقصًا بالنسبة إلى من اتصف بها من مخلوقاته ومحال أن يكون الخالق أنقص من المخلوق\nقلت هذه الحجة مادتها صحيحة وقد استدل بها ما شاء الله من السلف والخلف وغن كان تصويرها والتعبير عنها يتنوع وهذه المادة بعينها يمكن نقلها إلى الحجة الأولى التي زيفها بان يقال لو لم يتصف بصفات الكمال لاتصف بنقائضها وهي صفات نقص فيكون انقص من بعض مخلوقاته\nالوجه الثاني أن يقال هب انهما متقابلان تقابل العدم والملكة فقولكم لا يلزم من نفي أحدهما ثبوت الآخر إلا إذا كان المحل قابلًا\nجوابه أن يقال الموجودات نوعان نوع يقبل الاتصاف بأحد هذين كالحيوان وصنف لا يقبل ذلك كالجماد ومن المعلوم أن ما قبل أحدهما اكمل ممن لا يقبل واحدًا منهما وإن كان موصوفًا بالعمى والصم والخرس فإن الحيوان الذي هو كذلك أقرب إلى الكمال ممن لا يقبل لا هذا ولا هذا، إذ الحيوان الأبكم الأعمى الأصم يمكن أن يتصف بصفات الكمال، وما يقبل الاتصاف بصفات الكمال اكمل ممن لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال\nفإذا كان قد علم أن الرب تعالى مقدس عن أن يتصف بهذه النقائص مع قبوله للاتصاف بصفات الكمال، فلان يقدس عن كونه لا يقبل","vol":"4","page":38},{"text":"الاتصاف بصفات الكمال أولى وأحرى.\nوهذا معلوم ببداهة العقول.\nالوجه الثالث: إن نقول: لا نسلم أن في الأعيان مالا يقبل الاتصاف بهذه الصفات فإن الله قادر على أن يخلق الحياة في كل جسم، وأن ينطقه كما أنطق ما شاء من الجمادات.\nوقد قال تعالى ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون * أموات غير أحياء﴾ النحل ٢٠ - ٢١.\nوإذا كان كذلك فدعواهم أن من الأعيان مالا يقبل الاتصاف بهذه الصفات رجوع منهم إلى مجرد ما شهدوه من العادة وإلا فمن كان مصدقًا بأن الله قلب عصا موسى وهي جماد ثعبانا عظيما ابتلعت الحبال والعصي لم يمكنه أن يطرد هذه الدعوى.\nوإذا كان سبحانه قادرًا على أن يثبت هذه الصفات صفات الكمال لما كان جمادًا من مخلوقاته وكان كل مخلوق يقبل ذلك بقدرة الله تعالى فهو أحق بقبول ذلك، بل بوجود به له، إذ ما كان ممكنًا في حقه من صفات الكمال كان واجبًا، فإنه لا يستفيد صفات الكمال من غيره بل هو مستحق لها بذاته فهي من لوازم ذاته.\nوهذا فصل معترض ذكرناه تنبيها على تقصير من يقصر في الاستدلال على الحق الذي قامت عليه الدلائل اليقينية العقلية مع","vol":"4","page":39},{"text":"السمعية مع مدافعتهم لما دلت عليه دلائل السمع والعقل، وإن كنا لا نظن بمسلم بل بعاقل أن يتكلم في جهة الربوبية بما يراه تقصيرًا ولكن لا يخلو صاحب هذه الطريق من عجز أو تفريط، وكلاهما يظهر به نقصه عن حال السلف الأئمة الموافقين للشرع والعقل، وأنهم كانوا فوق المخالفين لهم في هذه المطالب الإلهية والمعارف الربانية.\nوهذه الحجة التي صدر بها الآمدي وزيفها هي الحجة التي اعتمد عليها الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من السالمية والفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، كالقاضي أبي يعلي وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم وهي مبنية على مقدمتين أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده وأكثر الناس ينازعونهم في ذلك، بل جميع الطوائف من أهل النظر والأثر ينازعونهم، كالمعتزلة والكرامية والشيعة والمرجئة وأهل الحديث والفقهاء والصوفية والفلاسفة.\nوالثانية: على امتناع تسلسل الحوادث والنزاع فيها مشهور بين جميع الطوائف.\nقال الآمدي الحجة الثانية أنه لو قامت الحوادث بذات الرب تعالى لكان لها سبب.\nوالسبب إما الذات وإما خارج عنها.\nفإن كان هو الذات وجب دوامها بدوام","vol":"4","page":40},{"text":"الذات، وخرجت عن أن تكون حادثة وإن كان خارجًا عن الذات فإما أن يكون معلولًا للإله تعالى أو لا يكون معلولًا له.\nفإن كان الأول لزم الدور، وإن كان الثاني فذلك الخارج يكون واجب الوجود بذاته مفيدًا للإله تعالى صفاته فكان أولى أن يكون هو إلاله.\nوهذه المحالات إنما لزمت من قيام الحوادث بذات الرب ﵎ فتكون محالًا.\nقال الآمدي ولقائل أن يقول وإن افتقرت الصفات الحادثة إلى سبب، فالسبب إنما هو القدرة القديمة والمشيئة الأزلية القائمة بذات الرب، كما هو مذهب الكرامية على ما أوضحناه، فليس السبب هو المسبب ولا خارجًا، ولا يلزم من دوام القدرة دوام المقدور، وإلا كان العالم قديمًا وهو محال.\nقال: فإن قيل: إذا كان المرجح للصفة الحادثة هو القدرة والاختيار، فلا بد وأن يكون الرب تعالى قاصدًا لمحل","vol":"4","page":41},{"text":"حدوثها، ومحل حدوثها ليس إلا ذاته، فيجيب أن يكون قاصدًا لذاته.\nوالقصد إلى الشيء يستدعي كونه في الجهة وهو محال ثم ولجاز قيام كل حادث به هو محال.\nوأيضًا فإن الصفةالحادثة عند الكرامية إنما هو قوله كن والإرادة هي مستند المحدثات وعند ذلك فلا حاجة إلى الحادث الذي هو القول والإرادة لإمكان إسناد جميع المحدثات إلى القدرة القديمة\nقلنا أما الأول فمندفع فإن القصد إلى إيجاد الصفة وإن استدعي القصد إلى محل حدوثها، فإنما يلزم من ذلك أن يكون المحل في الجهة أن لو كان القصد بمعنى الإشارة إلى الجهة وليس كذلك، بل بمعنى إرادة إحداث الصفة فيه وذلك غير موجب للجهة\nثم وإن كان القصد إلى إيجاد الصفة في المحل يوجب كون المحل في الجهة، فيلزم من ذلك امتناع القصد من الله تعالى إلى إيجاد الأعراض لأن القصد إلى إيجادها يكون قصدًا لمحالها، ويلزم من ذلك أن تكون محالها في الجهات والقصد إلى ما هو في جهة ممن ليس","vol":"4","page":42},{"text":"في الجهة محال، وذلك يفضي إلى أن يكون الرب في الجهة عند قصد خلق الأعراض وهو محال\nوالقول بأنه إذا جاز خلق بعض الحوادث في ذاته جاز خلق كل حادث فدعوى مجردة وقياس من غير جامع وهو باطل على ما أسلفناه في تحقيق الدليل\nوأما الثاني فحاصله يرجع إلى لزوم رعاية الغرض والحكمة في أفعال الله تعالى وهو غير موافق لأصولنا وإن كان ذلك بطريق الإلزام للخصم فلعله لا يقول به وإن كان قائلًا به فليس القول بتخطئته في القول بحلول الحوادث بذات الرب تعالى ضرورة تصويبه في رعاية الحكمة أولى من العكس\nقلت هذه الحجة مادتها من الفلاسفة الدهرية كابن سينا وامثاله الذين يقولون إن الرب لا يحدث عنه شيء بعد أن لم يكن حادثًا ولهذا يستدل بهذه الحجة على نفي الحوادث المنفصلة كما يستدل بها على نفي الحوادث المتصلة وهو أن الموجب لحدوث","vol":"4","page":43},{"text":"الحادث مطلقًا من الذات إن كان الذات لزم دوامه وإن كان الذات لزم دوامه وغن كان خارجًا عنها فإن كان معلولًا للذات لزم الدور لن ذلك الحادث موقوف على ذلك المعلول الخارج وذلك المعلول الخارج لا بد أن يكون حادثًا وإلا لو كان قديمًا لكان كمال المقتضي لذلك الحادث قديمًا وهو الذات ومعولها القديم وإذا كان المعلول الخارج حادثًا فلا يحدث إلا بسبب حادث في الذات وإلا لزم حدوث الحادث بلا سبب فيلزم أن يكون ما حدث في الذات من الذات موقوفًا على الحادث الخارج وما حدث في الخارج موقوفًا على الحادث فيها فيلزم الدور وإن كان الخارج ليس من مقتضيات الذات لزم أن يكون واجبًا بنفسه فيكون ما يقوم بالرب من الحوادث موقوفًا على ذلك الواحب بنفسه ثم قال فيكون أولى بالإلهية فهذه عمدة هؤلاء الدهرية في نفي فعله للحوادث سواء كانت قائمة به أو بغيره\nولهذا بين الآمدي ضعفها بين المتكلمين المنازعين للكرامية فإن قال الكرامية يقولون في الحوادث بذاته كما تقولون أنتم في الحوادث المنفصلة عنه فكما أن تلك الحوادث تحدث عندكم بكونه قادرًا أو بالقدرة أو المشيئة القديمة فهكذا نقول فيما يقوم بذاته\nولا ريب أن ما ذكره جواب تنقطع به عنهم مطالبة إخوانهم المتكلمين من المعتزلة والأشعرية ولكن لا تنقطع عنهم مطالبة","vol":"4","page":44},{"text":"الفلاسفة إلا بما يقوله الجميع من أن القادر المختار يرجح أحد المتساويين لا لمرجح أو أن الإرادة الأزلية ترجح أحد المتساويين لا لمرجح\nوالمنازعون في هذا من أهل الحديث والكلام والفلسفة يقولون إن هذا جحد للضرورة وإن هذا يقدح فيما به أثبتوا وجود الصانع فإنهم أثبتوا الصانع بأن ترجيح أحد المتساويين لا بد له من مرجح، وقد عرف كلام الناس في هذا المقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>الرد على الفلاسفة في مسألة امتناع حلول الحوادث بذاته تعالى من وجوه</span>\nونحن نذكر ما تجاب به الفلاسفة عن أهل الملل جميعًا وذلك من وجوه\nالوجه الأول\nان يقال الحوادث إما أن يجب تناهيها أو لا يجب بل يجوز أن لا يكون لها نهاية فإن وجب تناهيها لزم أن يكون للحوادث اول ولزم جواز حدوث الحوادث بدون سبب حادث وبطلت حجتكم وقولكم بدوام حركات الفلك وأنها أزلية وإن جاز دوام الحوادث فحينئذ ما من حادث إلا وهو مسبوق بحادث وحينئذ فالأفلاك إذا كانت حادثة لزم أن يكون قبلها حادث آخر وحينئذ فيمكن أن تكون تلك الإرادات المتعاقبة القائمة بذات الواجب أو غيرها من الحوادث هي الشرط في حدوث الأفلاك كما تقولون انتم كل حادث فهو مشروط بحادث قبله\nفإن قالوا ذاته لا تحلها الحوادث","vol":"4","page":45},{"text":"قيل لهم دليلكم على نفي قيام الحوادث به إما أن يكون نافيًا لقيام الصفات به مطلقًا وإما ان يخص الحوادث فإن كان الول فقد عرف فساد قولكم فيه ببيان فساد حجتكم على نفي الصفات وإبطال ما تذكرونه في التوحيد الذي مضمونه نفي الصفات كما بسط في موضعه\nوإن كان مختصًا فدليلكم على النفي هو هذا الدليل على امتناع حدوث الحوادث عنه فليس لكم ان تثبتوا هذا بهذا وهذا بهذا فإنه يكون دورًا وهذا من المصادرة على المطلوب فغن نفيكم لحدوث الحوادث بذاته وبغيره سواء فإذا لم يمكنكم نفي ذلك إلا بنفي حلولها بذاته كنتم قد صادرتم على المطلوب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>الوجه الثاني</span>\nإن يقال لهم قول القائل سبب الحوادث غما الذات أو خارج عنها أتريدون به سبب كل حادث أو سبب نوع الحوادث فإن أردتم الأول منعوكم الحصر وقالوا لكم بل سبب كل حادث الذات بما قام بها من الحوادث المتعاقبة\nفإن قلتم هذا يستدعي تعاقب الحوادث بذاته وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث\nقالوا لكم فهذا يبطل قولكم بقدم الأفلاك ويوجب حدوثها","vol":"4","page":46},{"text":"وأيضًا فيقال لكم مالا يخلو عن جنس الحوادث إن لم يجب حدوثه بطلت هذه الحجة وغن وجب حدوثه لزم حدوث الأفلاك وحينئذ فالموجب لحدوث الأفلاك إن كان قديمًا لم يحدث به حادث جاز حدوث الحادث بدون سبب حادث ولا فرق حينئذ بين أن يكون الحادث بذاته أو منفصلًا إنه فيلزم قول الكرامية ٠ وإن كانت الحوادث لا تحدث إلا بحوادث متعاقبة لزم تسلسل الحوادث وبطل القائل فما لا ينفك عن حنس الحوادث فهو حادث وحينئذ فتبطل هذه الحجة\nفتبين انه يلزمكم إما بطلان هذه الحجة وإما تصحيح قول الكرامية وذلك يستلزم بطلان الحجة فثبت بطلانها على كل تقدير\nوإن أردتم سبب نوع الحوادث فيقال لكم سبب نوع الحادث المتصل كسبب نوع الحادث المنفصل عندكم وإذا جاز عندكم ان تكون الذات سبب الحوادث التي لا أول لها مع انفصاله عنها فمع قيامها به بطريق الأولى فإن اقتضاء المقتضي لما قام به أولى من اقتضائه لما باينه ولا محيص لهم عن هذا إلا بما ينفون به الصفات مطلقًا\nوقد عرف فساد قولهم في ذلك وأن حجتهم عليه من أسقط الحجج وحينئذ فيكون جماهير الناس خصومهم في ذلك الأصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>الوجه الثالث</span>\nأن يقال هب أن سبب الحادث خارج عن الذات وهو معلول الذات قولهم يلزم الدور له إنما","vol":"4","page":47},{"text":"يلزم الدور إذا كان ذلك الحادث الخارج موقوفًا على الحادث المتصل والمتصل موقوفًا على الخارج وأما إذا كان ذلك الخارج موقوفًا على متصل وذلك المتصل موقوف على خارج آخر والخارج الآخر موقوف على متصل آخر فإنما يلزم التسلسل في الآثار وفي تمام التأثيرات المعينة لا يلزم الدور على هذا التقدير\nوإذا كان اللازم هو التسلسل في الآثار والتأثيرات المعينة فذلك لا يلزم منه الدور والتسلسل جائز عند هؤلاء الفلاسفة وكثير من أهل الكلام والحديث وغيرهم وليس هذا تسلسلًا ولا دورًا في أصل التأثير فإن هذا باطل باتفاق العقلاء كالدور والتسلسل في نفس المؤثر فإن الدور والتسلسل في تمام التأثيرات المعينة فإنه كالتسلسل في الآثار المعنية والتسلسل في أصل التأثير كالتسلسل في أصل الآثار\nثم يقال إن كان هذا التسلسل جائزًا بطلت هذه الحجة وإن كان ممتنعًا لزم أن يكون للحوادث أول وان تصدر الحوادث كلها عن قديم بلا سبب حادث من غير أن يجب دوام الحوادث ٠ وحينئذ فيلزم صحة قول الكرامية كما يلزم صحة قول غيرهم من أهل الكلام الجهمية والقدرية وأتباعهم الذين يقولون بحدوث جميع الحوادث بدون سبب حادث وإنما النزاع بينهم في المتصل والمنفصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>والوجه الرابع</span>\nفي الجواب أن يقال هب أن ذلك الخارج إذا","vol":"4","page":48},{"text":"كان ليس معلول الذات يلزم إن يكون مفيدًا للإله صفاته فيكون أولى بالإلهية\nيقال لهم هذا وغن كان باطلًا عند المسلمين وغيرهم من أهل الملل ولكن على أصولكم لا يمتنع بطلانه وذلك أن هذا لا ينافي وجوب وجوده بذاته بمعنى أنه لا فاعل له، فإن ما كان لا فاعل له لم يمتنع من هذه الجهة أن يقوم به أمر بسبب منه ومن أمر مباين له وغنما ينتفي ذلك بنفي واجب بذاته مباين له وذلك مبني على نفي واجبين بالذات\nوأنتم ادعيتم ذلك، وادرجتم في ذلك نفي الصفات كما ادعت الجهمية أن القديم واحد وادرجوا في ذلك نفي الصفات فقلتم أنتم لو كان له صفات لتعدد الواجب بذاته كما قال أولئك لو كان له صفات لتعدد القديم وحجتكم على ذلك ضعيفة جدًا وحتى إن منكم من قال بقدم الأفلاك ووجوب وجودها بذاتها لضعف ذلك\nوهذا حقيقة قول أرسطو وأصحابه في الأفلاك، وهو قول أهل وحدة الوجود في كل موجود، الذين أظهروا التصوف والتحقيق، وحقيقة قولهم قول هؤلاء الدهرية المعطلة.\nوحينئذ فنخاطب الجميع خطابا يتناول الطوائف كلها، ونقول إما أن تكون الأفلاك واجبة الوجود بذاتها وإما أن لا تكون.","vol":"4","page":49},{"text":"فإن قيل: إنها واجبة الوجود بذاتها، مع ان الحوادث تقوم بها، بطل قولكم: إن الواجب أو القديم لا تقوم به الحوادث.\nوإن قلتم: إنها معلولة مفعولة لغيرها، فالموجب لها: إن كان علة تامة لم يتأخر عنه شيء من معلوله فلا تصدر عنه الحركات والحوادث، فتفتقر الحوادث المشاهدة إلى واجب آخر، والقول فيه كالقول فيه.\nوإن لم يكن علة تامة فلا بد لما يتأخر حدوثه أن يكون موقوفًا على شرط حادث، والقول فيه كالقول في الذي قلبه، فيلزم التسلسل.\nوإذا لزم لزم دوام الحوادث المتسلسلة، ويمتنع صدورها عن علة تامة أزلية لا يقوم بها حادث، فإن ذلك يقتضي مقارنة جميع معلوها لها، لوجوب مقارنة جميع معلول العلة التامة لها، وامتناع أن يصير علة لشيء ما.\nبعد أن لم يكن علة بدون سبب منها، وإذا جاز أن تقوم به الحوادث المتعاقبة، فيلزم قيام الحوادث المتعلقة بالقديم على كل تقدير، فبطلي هذه الحجة.\nوأيضًا فقدماؤهم يقولون: إن الأول يحرك الأفلاك حركة شوقية مثل حركة المحبوب لمحبه، ولم يذكروا أن الأفلاك مبدعة له ولا معلولة لعلة فاعلة.\nوحينئذ فلا بد أن يقال: هي واجبة بنفسها، وهي مفتقرة في حركتها إلى المحرك المنفصل عنها، فلا يمكن من قال هذا أن يقول: إن الواجب","vol":"4","page":50},{"text":"بنفسه لا يقوم به حادث بسبب مباين له، كما لا يمكنه أن ينفي شيئين واجبين بأنفسهما، كل منها متوقف على الآخر.\nإذ حقيقة قول هؤلاء أن الفلك والعلة الأولى كل منها محتاج إلى الآخر حاجة المشروط إلى شرطه، لا حاجة المصنوع إلى مبدعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: غاية ما ذكرتموه في الحوادث منقوص بالمتجددات كالإضافات والعدميات، فإنهم سلموا حدوثها.\nوهذه الحجة تتناول هذا، كما تتناول هذا، فما كان جوابكم عن هذا، كان جواب منازعيكم عن هذا.\nفإنه يقال: تلك الأمور الإضافية والعدمية إذا تجددت فلا بد لها من سبب متجدد، والسبب إما: الذات، وغما خارج عنها.\nفإن كان الأول لزم دوام الإضافات والعدميات، وإن كان الثاني لزم الدور أو التسلسل، وإن كان الثالث فالأمر الخارجي الذي أوجب تجدد تلك الإضافات والإعدام يجب أن يكون واجب والوجود.\nوأما الأسئلة التي ذكر أبو الحسن الآمدي أنهم أوردها على هذه الحجة فهي ضعيفة كما ذكر ضعفها، ويمكن الجواب عنها ما ذكر أيضًا.\nأما قول القائل: القاصد إلى الحدوث في محل يستدعي كون المحل في جهة.\nفإن أراد به ما يقصد حدوثه في محل مباين له، فالكرامية","vol":"4","page":51},{"text":"تقول بموجب ذلك.\nوليس هذا محل الأنواع هنا.\nثم القائل لهذا إما أن يجوز كون الأمور المبانية للرب في جهة منه أو لا يجوز ذلك.\nفإن جوزه فقال بموجبه مع بقاء محل النزاع، وإن لم يجوزه كان ذلك دليلًا على فساد قوله في مسألة الجهة، وحينئذ فيكون ذلك أقوى لقول الكرامية ومن وافقهم.\nوإن أرادا ان ما يقصد حدوثه في محل هو ذاته، يوجب أن تكون ذاته في جهة من ذاته.\nفيقال له: هل يعقل كون الشيء في جهة من نفسه أم لا؟ فإن عقل ذلك قالوا بموجب التلازم، وإن لم يعقل ذلك منعوا التلازم.\nيبين ذلك أن الإنسان يحدث حوادث في نفسه بقصده وإدارته.\nوهذا السؤال يرد عليها، فإن عقل كون نفسه في جهة من نفسه، أمكن للمنازعين أن يقولوا بموجب ذلك في كل شيء، وإلا فلا.\nوأيضًا فيقال: قصد الشيء إما أن يستلزم كونه بجهة منم المقاصد، وأما أن لا يستلزم ذلك.\nفإن استلزم ذلك.\nلزم كون جميع الأجسام بجهة من الرب، فإنه إذا أحدث فيها الأعراض الحادثة كان قاصدًا لها على ما ذكروه، فيلزم أن يكون بجهة منه على هذا التقدير.\nوحينئذ فيكون هو أيضًا بجهة منها، لامتناع كون أحد الشيئين بجهة من الآخر، من غير عكس، كما ذكروه، وإذا كان كذلك لزم أن يكون الباري في جهة.","vol":"4","page":52},{"text":"وإذا كان كذلك بطلب حجتهم، لأن غايتها أن قصده للحوادث في ذاته يستلزم كون ذاته في جهة، بطل نفي هذا اللازم.\nوإما ان يقال: قصد الشيء لا يستلزم كونه بجهة من القاصد، وحينئذ فبطلت هذه الحجة، فثبت بطلانها على التقديرين.\nوإيضاح فسادها أنها مبنية على مقدمتين، وصحة إحداهما تستلزم بطلان الأخرى، وبطلانها يتضمن بطلان إحدى المقدمتين، فثبت بطلان إحداهما على كل تقدير، وإذا بطلت إحدى المقدمتين بطلت الحجة، فإن أحدى المقدمتين أن القاصد لا يقصد إلا ما هو في جهة.\nوالثانية أن كون الباري في الجهة محال.\nفإن كانت المقدمة الأولى صحيحة لزم أن يكون في الجهة، لأنه يقصد حدوث حوادث قطعًا، فبطلت الثانية.\nوإن كانت الأولى باطلة، بطلت الحجة أيضال لبطلان أحدى مقدمتيها.\nوكما أن فساد هذه الحجة ظاهر على أصول أهل الملل وغيرهم ممن يقول بحدوث العالم، فبطلانها على رأي الفلاسفة الدهرية أظهر.\nفإن هؤلاء لا ينكرون حدوث الحوادث، فإن قالوا: إنها حادثة عن علة أزلية موجبة بنفسها، كما يقوله ابن سينا وأمثاله، فهؤلاء يقولون بان الحوادث تحدث عنه بوسائط.","vol":"4","page":53},{"text":"وحينئذ فيقال: إما أن ذلك يستلزم كونها منه في جهة أو لا يستلزم؟ وتبطل الحجة على التقديرين كما تقدم.\nوإن قالوا: بل العالم واجب الوجود بنفسه، فقد قالوا بحدوث الحوادث عن القديم الواجب بنفسه وقيامها به، فإن الحوادث قائمة بذات الأفلاك، وحينئذ فكل ما يحتج به على نقيض ذلك فهو باطل، فإن صحة أحد النقيضين تستلزم بطلان الآخر، وبطلان اللازم الذي هو المدلول، كانت أدلته المستلزمة له كلها باطلة.\nوهذا الجواب خير من جواب الآمدي بقوله: القصد إلى ما هو في جهة ممن ليس في الجهة محال فإن جميع نفاة الجهة من أهل الكلام يقولون إن الرب تعالى يقصد إلى ما هو في جهة من المخلوقات، والقصد منه وليس هو في جهة عندهم.\nبل يقال جوابًا قاطعًا: القصد في الجهة ممن ليس في الجهة، إن كان ممكنًا بطلت المقدمة الأولى من الأعتراض، وإن كان ممتنعًا بطلت المقدمة الثانية.","vol":"4","page":54},{"text":"وأما الاعتراض الثاني، وهو قولهم: لجاز قيام كل حادث به، فظاهر الفساد.\nفإنا إذا جوزنا قيام صفة به لم يلزم قيام كل صفة به فإذا جوزنا أن تقوم به صفات الكمال كالحياة والعلم، والقدرة والسمع والبصر، والكلام لم يلزم أن تقوم صفات النقص به، كالجهل المركب، والمرض، والسنة، والنوم، وغير ذلك من النقائض الوجودية.\nوإذا جوزنا أن يقوم به كلام لم نجوز قيام كل كلام به وإذا جاز إرادة به لم يجز قيام إرادة كل شيء به، وإنما يقوم به ما يليق بجلاله، وما يناسب كبرياءه إذ هو موصوف بصفات الكمال، ولا يوصف بنقائضها بحال\nوذلك لأن كونه سبحانه قابلًا لأن تقوم به الصفات أو الحوادث، لم يكن لمجرد كون ذلك صفة أو حادثًا، فيلزم طرد ذلك في كل صفة وحادث، كما انه إذا قيل: تقوم به أمور وجودية، ولم يلزم أن يقوم به كل موجود، لأن قيام الصفات الوجودية به لم يكن لمجرد كونها موجودة، حتى يقوم به كل موجود، وهذا كما إذا قلنا: إن رب العالمين قائم بنفسه، وهو موجود، وهو ذات متصفة بالصفات، لم يلزم من ذلك أن يكون كل ما هو قائم بنفسه، وهو موجود، وهو ذات متصفة بالصفات، أن يكون رب العالمين.\nوالناس متنازعون في صفاته: هل تسمى أعراضا أو لا تسمى؟ مع تنازعهم في ثبوتها ونفيها، ففي مثبتة الصفات ونفاتها من يسميها أعراضا.","vol":"4","page":55},{"text":"فإذا قيل: لو جاز أن يقوم به عرض لزم أن يقوم به كل عرض، لكان هذا أيضًا باطلًا فإن ذلك لم يكن لكونه عرضًا فيلزم قيام كل عرض به.\nوالمسلمون متفقون على أن الله خالق كل موجود سواه فلو قيل: لو جاز أن يخلق موجودًا للزم أن يخلق كل موجود، فيلزم أن يكون خالقًا لنفسه وهو محال.\nأو لو قيل: لو جاز أن يخلق عالما قادرا حيا لزم أن يخلق كل حي عالم قادر، وهو حي عالم قادر، فيلزم أن يكون خالقًا لنفسه وهو محال لكان هذا كلامًا باطلًا.\nوأصل هذا أن السالب النافي لما نفي نفيًا عاما أن يقوم بالله صفة أو أن يقوم به ما يريده ويقدره عليه لكونه حادثًا فنفي عامًا أن يقوم به حادث ونحو ذلك قابلة المثبت فناقض هذا الخبر العام وهذه القضية السالبة الكلية، وكذبها يحصل بإثبات خاص، وهو القضية الجزئية الموجبة، فيجوز قيام صفة ما من الصفات، وحادث ما من الحوادث وذلك الجائز لم يجز قيامه للمعنى المشترك بينه وبين سائر الصفات والحوادث، وإنما قام لمعنى يختص به وبأمثاله لا يشاركه فيه جميع الصفات والحوادث.\nلكن المشترك، كما انه ليس هو المقتضي له للقيام بالذات فليس هو مانعًا فكون القائم به صفات أو حادثًا ليس أمرًا موجبًا للقيام به حتى يقوم كل صفة وحادث ولا مانعا من القيام به حتى يمنع كل صفة وحادث.","vol":"4","page":56},{"text":"فمن نفى نفيا عامًا لأجل ذلك فهو معارض بمن أثبت إثباتًا عاما لأجل ذلك، وكلاهما باطل.\nبل هو المستحق لصفات الكمال العارية عن النقص وهو على كل شيء قدير، ولم يزل قادرًا على أن يتكلم ويفعل بمشيئة واختياره، ﷾.\nوإذا قال القائل: هذا يقتضي قيام الصفات أو الحوادث به قيل: هذا المعنى عديم التأثير، لا هو موجب للامتناع ولا للجواز.\nوالمثبتون يقولون: كونه قادرًا على الفعل والكلام بنفسه صفة كمال وكونه لا يقدر على ذلك صفة نقص، فإن القدرة على الفعل والكلام، مما يعلم بصريح العقل أنه صفة كمال، وأن من يقدر أن يخلق ويتكلم، أكمل ممن لا يقدر أن يخلق ويتكلم، فإنه يكون بمنزلة الزمن، ويقولون: بالطريق التي تثبت له صفات الكمال يثبت هذا، فإن الفاعل بنفسه الذي يقدر بنفسه على الفعل من حيث هو كذلك، أكمل ممن لا يمكنه ذلك، كما قد بسط كلامهم في غير هذا الموضع.\nوأيضًا فإن أراد المريد بقوله: تقوم به الحوادث كلها، أنه قادر على أن يمسك العالم كله في قبضته، كما جاءت به الأخبار الإلهية فهم يجوزون ذلك بل هذا عندهم من أعظم أنواع الكمال كما قال تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر ٦٧.","vol":"4","page":57},{"text":"وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس ما يوافق مضمون هذه الآية وأن الله تعالى يقبض العالم العلوي والسفلي ويمسكه ويهزه ويقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟\nوفي بعض الآثار: ويدحوها كما يدحو أحدكم الكرة وقال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم.\nفإن أراد مريد بقوله إن الحوادث كلها تقوم بذاته المعنى الذي دلت عليه النصوص فهو حق وهو من أعظم الأدلة على عظمة الله وعظم قدره وقدرته وعلى فعله القائم بنفسه وفي مخلوقاته.\nوإن أراد بذلك أنه يتصف بكل حادث فهذا يستلزم أن يتصف بالنقائض الوجودية مثل أن يتصف بالجهل المركب الحادث ونحو","vol":"4","page":58},{"text":"ذلك.\nوهذا ممتنع لكونه نقصًا لا لكونه حادثًا فالموت والسنة والنوم والعجز واللغوب والجهل، وغير ذلك من النقائص هو منزه عنها ومقدس أزلًا وأبدًا فلا يجوز أن تقوم به، لا قديمة ولا حادثة، لكونه نقاقض ما وجب له من الكمال اللازم لذاته.\nوإذا كان أحد النقيضين لازمًا للذات، لزم انتقاء النقيض الآخر، فكل ما تنزه الرب عنه من الحوادث والصفات فهو منزه عنه لما أوجب ذلك لا للقدر المشترك بينه وبين ما قام به من الكمالات\nوأما السؤال الثالث وهو قوله: إنه لا حاجة إلى ذلك فيقال ليس كل مالا تعلم الحاجة إليه يجزم بنفيه فإن الله أخبر أنه كتب مقادير الخلائق قبل خلقهم ولا يعلم إلى ذلك حاجة وكذلك قد خلق آدم بيده عند أهل الإثبات مع قدرته على أن يخلقه كما خلق غيره.\nوأيضًا فإن عدم الحاجة إلى الشيء أوجبت نفيه فينبغي أن تنفي جميع المخلوقات فإن الله لا يحتاج إلى شيء.\nوأما ما يقوم بذاته فما كان الخلق محتاجًا إليه وجب إثباته، وما لم يكن الخلق محتجًا إليه كان قد انتفى هذا الدليل المعين الدال على إثباته وعدم الدليل مطلقًا لا يستلزم عدم المدلول عليه في نفس الأمر وإن استلزم عدم علم المستدل به فضلا عن عدم الدليل المعين.\nوأيضًا فإن الرب تعالى يمكن ان يكون له من صفات الكمال مالا يعلمه البعاد، ولا يمكنهم نفيه لانتفاء الحاجة إليه.","vol":"4","page":59},{"text":"ولكن هذا السؤال يمكن تحريره على وجه آخر، وهو أن يقال: الكرامية إنما أثبتوا ما أثبتوه لاحتياج الخلق إليه، والقدرة والمشيئة الأزلية مكافية في حدوث المخلوقات المنفصلة كما هي كافية في حدوث ما قام بالذات فيكون دليلهم على ذلك باطلًا.\nوهذا الكلام إنما يفيد إن أفاد إبطال هذا الدليل المعين ولا يبطل دليلًا آخر ولا يبطل ثبوت المدلول، فلا يجوز أن ينفي قيام الحوادث بذاته لعدم ما يثبت ذلك بل الواجب فيما لا يعرف دليل ثبوته وانتفائه الوقف فيه.\nثم هم قد يقولون: صدور المفعولات المنفصلة من غير سبب حادث يقوم بالفاعل أمر ممتنع كصدور المفعولات بدون قدرة وإرادة للفاعل.\nويقولون أيضًا: قد علم أن الله خالق لعالم، والخلق ليس هو المخلوق، إذ هذا مصدر وهذا مفعول به، والمصدر ليس هو المفعول به فلا بد من إثبات خلق قائم به ومن إثبات مخلوق منفصل عنه.\nوهذا قول جمهور الناس، وهو أشهر القولين عند أصحاب الأئمة الأربعة أصحاب: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وهو قول جمهور الناس: أهل الحديث والصوفية وكثير من أهل الكلام أو أكثرهم وكثير من أساطين الفلاسفة أو أكثرهم.","vol":"4","page":60},{"text":"لكن النزاع بينهم في الخلق المغاير للمخلوق: هل هو قديم قائم بذاته؟ أو هو منفصل عنه؟ أو هو حادث قائم بذاته؟ وإذا كان حادثًا فهل الحادث نوه؟ أو أن الحوادث هي الأعيان الحادثة ونوع الحوادث قديم لتكون صفات الكمال قديمة لله لم يزل ولا يزال متصفًا بصفات الكمال؟\nهذه الأقوال الأربعة قد قال كل قول طائفة ويقولون أيضًا: إن قيام هذه الأمور بذاته من صفات الكمال وذلك أنا قد علمنا أن الله متكلم وأن المتكلم لا يكون متكلمًا إلا بكلام قائم بذاته وأنه مريد، ولا يكون مريدًا إلا بإرادة قائمة بذاته إذ ما قام بغيره من الكلام والإرادة لا يكون كلامًا له ولا إرادة إذ الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره ويقولون قد أخبر الله انه ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ وان تدل على أن الفعل مستقبل، فوجب أن يكون القول والإرادة حادثين بالسمع.\nوبالجملة عامة ما يذكر في هذا الباب يعود إلى نوع تناقض من الكرامية، وهو عمدة منازعيهم، ليس معهم ما يعتمدون عليه إلا تناقضهم وتناقض أحد المتنازعين لا يستلزم صحة قول الآخر لجواز ان يكون الحق في قول ثالث لا قول هذا ولا قول هذا لا سيما إذا عرف أن هناك قولًا ثالثًا وذلك القول يتضمن زوال الشبه القادحة في كل من القولين الضعيفين.","vol":"4","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>الحجة الثالثة عند الآمدي على امتناع حلول الحوادث بذات الله تعالى</span>\nقال الآمدي الحجة الثالثة: أنه لو كان قابلًا لحلول الحوادث بذاته لكان قابلًا لها في الأزل، وإلا كانت القابلية عارضة لذاته واستدعت قابلية أخرى، وهو تسلسل ممتنع، وكون الشيء قابلًا للشيء، فرع إمكان وجود المقبول فيستدعي تحقق كل واحد منهما ويلزم من ذلك إمكان حدوث الحوادث في الأزل وحدوث الحادث في الأزل ممتنع للتناقض بين كون الشيء أزليًا وبين كونه حادثًا.\nقال الآمدي ولقائل أن يقول لا نسلم أنه لو كان قابلًا لحلول الحوادث بذاته لكان قابلًا لها في الأزل فإنه لا يلزم من القبول للحادث فيمالا يزال، مع إمكانه القبول له أزلا مع كونه غير ممكن أزلًا والقول بأنه يلزم منه التسلسل يلزم عليه الأيجاد","vol":"4","page":62},{"text":"بالقدرة للمقدور، وكون الرب خالقًا للحوادث فإنه نسبة متجددة بعد أن لم يكن فما هو الجواب ههنا به يكون الجواب ثم وإن سلمنا أنه يلزم من القبول فيما لا يزال القبول أزلًا فلا نسلم أن ذلك يوجب إمكان وجود المقبول أزلًا ولهذا على أصلنا الباري موصوف في الأزل قادرًا على خلق العالم ولا يلزم منه إمكان وجود العالم أزلًا.\nقلت: قد ذكر في إفساد هذه الحجة وجهين، هما منع لكلتا مقدمتيها، فإن مبناها على مقدمتين: إحداهما: أنه لو كان قابلا، لكان القبول أزليا.\nوالثانية أنه يمكن وجود المقبول مع المقبول.\nفيقال في الأولى لا نسلم أنه إذا كان قابلًا للحوادث في الأبد يلزم قبلوها في الأزل لأن وجودها فيما لا يزال ممكن وجودها في الأزل ممتنع فلا يلزم من قبول الممكن قبول الممتنع وهذا كما يقال إذا أمكن حدوث الحوادث فيما لا يزال أمكن حدوثها في الأزل.\nوقد احتجوا على ذلك بأنه يجب أن يكون القبول من لوازم الذات إذ لو كان من عوارضها لكان للقبول قبول آخر ولزم التسلسل.","vol":"4","page":63},{"text":"فأجاب عن هذه الحجة بالمعارضة بالإيجاد والإحداث فإنه عند من يمنع تسلسل الأثار من عوارض الذات لا من لوازمها فالقول في قبولها كالقول في فعله لها إذ التسلسل في القابل كالتسلسل في الفاعل.\nوهذا الجواب من جنس جوابه عن الحجة الأولى، وهو جواب صحيح على أصل من وافق الكرامية من المعتزلة والأشعرية والسالمية وغيرهم.\nوهؤلاء أخذوا هذا الأصل عن الجهمية والقدرية من المعتزلة ونحوهم.\nوأما المقدمة الثانية فيقال: لا نسلم انه يلزم من ثبوت القبول في الأزل، إمكان وجود المقبول في الأزل بدليل أن القدرة ثابتة في الأزل ولا يمكن وجود المقدور في الأزل عند هذه الطوائف.\nوهذا الجواب أيضًا جواب لمن وافقه على ذلك والنكتة في الجوابين: أن ما ذكروه في المقبول ينتقض عليهم بالمقدور فإن المقبول من الحوادث هو نوع من المقدورات، لكن فارق غيره في المحل فهذا مقدور في الذات، وهذا مقدور منفصل عن الذات، فإن قدرته قائمة بذاته ومقدور القدرة هو فعله القائم بذاته وإن كانت المخلوقات أيضًا مقدورة عندهم، فهذا المنفصل عندهم","vol":"4","page":64},{"text":"مقدور، وفعله القائم بذاته مقدور وقدرته قائمة بمحل هذا المقدور المتصل دون المنفصل.\nوالناس لهم في وجود المقدور بمحل القدرة وخارجًا عنها أقوال: منهم من يقول القدرة القديمة والمحدثة توجد في محل المقدور كأئمة أهل الحديث والكرامية وغيرهم.\nومنهم من يقول القدرتان توجدان في غير محل المقدور، كالجهعية والمعتزلة وغيرهم.\nومنهم من يقول المحدثة لا تكون إلا في محل المقدور، والقديمة لا تكون في محل المقدور، وهم الكلابية ومن وافقهم.\nومتنازعون أيضًا هل يمكن أن تكون القدرتان أو إحداهما متعلقة بالمقدور في محلها وخارجة عن محلها جميعًا.\nوالمقصود هنا ان ما عارضهم به معارضة صحيحة ولكن كثير من الناس من أهل الحديث والكلام والفلسفة وغيرهم يقولون في المقدور ما يقولون في المقبول ويقولون بجواز حوادث لا تتناهى ومنهم من يخص ذلك بالمقدورات.","vol":"4","page":65},{"text":"فيقال لهؤلاء: حينئذ فيجوز حوادث لا تتناهى في المقبولات والمقدورات كما في المقدورات المنفصلة لا فرق بينهما.\nوالجواب القاطع المركب ان يقال إما يكون وجود حوادث لا تتناهي ممكنًا وغما أن يكون ممتنعًا فإن كان الأول كان وجود نوع الحوادث في الأزل ممكنًا وحينئذ فلا يكون اللازم منفيًا فتبطل المقدمة الثانية.\nوإن كان ممتنعًا لم يجز أن يقال إنه قابل لها في الأزل قبولًا يستلزم إمكان وجود المقبول وحينئذ فلا يلزم وجودها في الأزل فتبطل المقدمة الأولى.\nفتبين أنه لا بد من بطلان إحدى المقدمتين وأيهما بطلت بطلت الحجة فهذا جواب ليس بإلزامي بل هو علمي يبطل الحجة قطعًا.\nوهنا طريقة ثالثة في الجواب على قول من قال: إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء وإن الحركة من لوازم الحياة من أهل السنة والحديث وغيرهم فغن هؤلاء يقولون إنه قابل لها في الأزل وإنها موجودة في الأزل.\nوما ذكره من الحجة يستلزم صحة قول هؤلاء في المقدور والمقبول فإنهم يقولون هو قادر عليها فيما لا يزال وهي ممكنة فيما لا يزال فوجب أنه لم يزل قادرًا وأنها ممكنة فإن هذه القدرة والإمكان","vol":"4","page":66},{"text":"إما أن تكون قديمة وإما أن تكون حادثة فإن كانت قديمة حصل المطلوب وإن كانت حادثة فلا بد لها من سبب حادث وذلك يستلزم التسلسل والتسلسل يتضمن دوام القدرة وإمكان الفعل، فثبت أنه لم يزل قادرًا على الفعل والفعل ممكن له وهو المطلوب.\nوإيضاح ذلك أنه إذا كان قادرًا على الفعل وجب أن يكون قادرًا عليه في الأزل وإلا كانت القادرية عارضة لذاته واستدعت القادرية قادرية أخرى، وذلك يقتضي التسلسل فإن كان التسلسل باطلًا لزم دوام نوع القادرية لأنه يمتنع أن تكون عارضة إذ كانت العارضة تستلزم التسلسل الباطل على هذا التقدير وما استلزم الباطل فهو باطل وإذا امتنع كونها عارضة ثبت كونها لازمة لأنه متصف بها قطعًا وإن كان ممكنًا لزم إمكان دوام قادريات لا تتناهى لأنه يتصف بها، ويمتنع تجددها له، إذ كانت قدرته من لوازم ذاته لامتناع أن يكون غير القادر يجعل نفسه قادرًا بعد أن لم يكن وذلك يقتضي دوام نوع القادرية فلا بد في الأزل من ثبوت القادرية على التقديرين، وهو المطلوب.\nوإذا كان كذلك فالقدرة على الشيء فرع إمكان المقدور، إذ القادرية نسبة بين القادر والمقدور، فتستدعي تحقق كل منهما، وإلا فما لا يكون ممكنا لا يكون مقدورا، فلا تكون القادرية عليه ثابتة في","vol":"4","page":67},{"text":"الأزل، فدل على أنه يلزم من ثبوت القدرة في الأزل إمكان وجود المقدور في الأزل.\nوحينئذ فذلك يدل على إمكان الفعل في الأزل فلا يكون هنا ما يمنع وجود المقدور المقبول في الأزل فصار ما ذكروه حجة على النفي هو حجة على الإثبات لكن هذا حجة لإمكان وجود المقبول في الأزل ويمكن أن يحتجوا على وجود المقبول في الأزل بأن يقولوا: لو لم يقم بذاته ما هو مقدور مراد له دائمًا للزم أن لا يحدث شيئًا لكنه قد أحدث الحوادث فثبت دوام فاعليته وقابليته لما يقوم بذاته من مقدورات ومرادات.\nوبيان التلازم أن الحادث بعد أن لم يكن إن حدث بغير سبب لزم ترجيح الممكن بلا مرجح، وتخصيص أحد المثلين من الوقتين وغيرهما بلا مخصص وهذا ممتنع.\nوإن حدث بالسبب فالقول في ذلك السبب كالقول في غيره فيلزم تسلسل الحوادث.\nثم تلك الحوادث الدائمة: إما أن تحدث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها وهو ممتنع لأن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ولا شيء منه وإما أن تحدث عن غير علة تامة وما ليس بعلة تامة ففعله للحادث موقوف على الشرط الذي به يتم فاعليته لذلك الحادث.","vol":"4","page":68},{"text":"وذلك الشرط إما منه وغما من غيره فإن كان من غيره لزم أن يكون رب العالمين محتاجًا في أفعاله إلى غيره وإن كان منه لزم أن يكون دائمًا فاعلًا للحوادث.\nوتلك الحوادث إما ان تحدث بغير أحوال تقوم به وإما أنه لا بد من أحوال تقوم به والثاني يستلزم انه لم يزل قادرًا قابلًا فاعلًا تقوم به الأفعال.\nوالأول باطل، لأنه إذا كان في نفسه أزلًا وابدًا على حال واحدة لم يقم به حال من الأحوال أصلًا كانت نسبة الأزمان والكائنات إليه واحدة فلم يكن تخصيص أحد الزمانين بحوادث تخالف الحوادث في الزمان الآخر اولى من العكس.\nوتخصيص الأزمنة بالحوادث المختلفة أمر مشهود ولأن الفاعل الذي يحدث ما يحدثه من غير فعل يقوم بنفسه غير مفعول بل ذلك يقتضي أن الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق وأن مسمى المصدر هو مسمي المفعول به وأن التأثير هو الأثر.\nونحن نعلم بالاضطرار أن التأثير أمر وجودي وإذا كان دائمًا لزم قيامه بذاته دائمًا وأن تكون ذاته دائمًا موصوفة بالتأثير والتأثير صفة كمال فهو لم يزل متصفًا بالكمال قابلًا للكمال مستوجبًا للكمال.\nوهذا أعظم في إجلاله وإكرامه ﷾.\nوبهذه الطريق وأمثالها يتبين أن الحجة العقلية التي يحتج بها","vol":"4","page":69},{"text":"أهل الضلال فإنه يحتج بها على نقيض مطلوبهم كما أن الحجج السمعية التي يحتجون بها حالها كذلك.\nوذلك مثل احتجاجهم على قدم الأفلاك بأنه إذا كان مؤثرًا في العالم فإما أن يكون التأثير وجوديًا أو عدميًا والثاني معلوم الفساد بالضرورة.\nلكن هذا قول كثير من المعتزلة والأشعرية، وهو قول من يقول الخلق هو المخلوق وإن كان وجوديًا فإن كان حادثًا لزم التسلسل ولزم كونه محلًا للحوادث فيجب أن لا يكون قديمًا وغن كان قديمًا لزم قدم مقتضاه فيلزم قدم الأثر.\nفيقال أولًا هذا يقتضي أن لا يكون شيء من آثاره محدثًا وهذا خلاف المشاهدة.\nوموجب هذه الحجة ان الأثر يقترن بالمؤثر التام التأثير وإذا كان كذلك فكلما حدث من الحوادث شيء كان التأثير التام منتفيًا في الأزل وكذلك أيضا كلما تجدد شيء من المتجددات وحينئذ فيلزم أنه لم يكن في الأزل تأثير يستلزم آثاره وهذا نقيض قولهم.\nوحينئذ فيلزم حدوث التأثير وتسلسله وإذا كان التأثير وجوديًا","vol":"4","page":70},{"text":"وجب أن يكون قائمًا بالمؤثر، وهذا يقتضي دوام ما يقوم بذاته من أحواله وشؤونه التي هي من آثار قدرته ومشيئته.\nوهذه الحجج الثلاث المذكورة مبناها على جواز التسلسل في الآثار والكرامية لا تقول بذلك لكن يقول به غيرهم من المسلمين وأهلل الملل وغير أهل الملل.\nوالكرامية تجيب من يوافقها على التسلسل بما تقدم من المعارضات أو الممانعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>الحجة الرابعة عند الآمدي</span>\nقال الآمدي الحجة الرابعة انه لو قامت الحوادث بذاته لكان متغيرًا والتغير على الله محال، ولهذا قال الخليل ﵇ ﴿لا أحب الأفلين﴾ الأنعام: ٧٦، أي المتغيرين\nقال ولقائل أن يقول إن أردتم بالتغير حلول الحوادث بذاته، فقد اتحد اللازم والملزوم، وصار حاصل المقدمة الشرطية لو قامت الحوادث بذاته، لقامت الحوادث بذاته وهو غير مفيد. ويكون القول بأن التغير على الله بهذا الاعتبار محال دعوى محل","vol":"4","page":71},{"text":"النزاع فلا يقبل، وإن أردتم بالتغير معنى آخر وراء قيام الحوادث بذات الله تعالى فهو غير مسلم ن ولا سبيل إلى إقامة الدلالة عليه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت لفظ التغير في كلام الناس المعروف هو يتضمن استحالة الشيء كالإنسان إذا مرض يقال غيره المرض ويقال في الشمس إذا اصفرت تغيرت والأطعمة إذا استحالت يقال لها تغيرت قال تعالى ﴿فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين﴾ محمد: ١٥ فتغير الطعم استحالت من الحلاوة إلى الحموضة ونحو ذلك\nومنه قول الفقهاء إذا وقعت النجاسة في الماء الكثير لم ينجس، إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه وقولهم إذا نجس الماء بالتغير زال بزوال التغير ولا يقولون إن الماء إذا جرى مع بقاء صفائه أنه تغير ولا يقال عند الإطلاق للفاكهة والطعام إذا حول من مكان إلى مكان انه تغير ولا يقال للإنسان إذا مشى أو قام أو قعد قد تغير اللهم إلا مع قرينة، ولا يقولون للشمس والكواكب إذا كانت","vol":"4","page":72},{"text":"ذاهبة من المشرق إلى المغرب إنها متغيرة بل يقولون إذا إصفر لون الشمس إنها تغيرت ويقال وقت العصر ما لم يتغير لون الشمس ويقولون تغير الهواء إذا برد بعد السخونة، ولا يكادون يسمون مجرد هبوبه تغيرًا، وإن سمى بذلك فهم يفرقون بين هذا وهذا ٠ لونه لون لباس المسلمين وتقول العرب تغايرت الأشياء إذا اختلفت والغيار البدال\nقال الشاعر\nفلا تحسبني لكم كافرًا ... ولا تحسبني أريد الغيارا\nويقولون نزل القوم يغيرون أي يصلحون الرحال\nومنه قول النبي ﷺ لما أتي بابي قحافة ورأسه ولحيته كالثغامة فقال غيروا الشيب، وجنبوه السواد أي غيروا لونه إلى لون آخر أحمر أو أصفر وتقول العرب غيرت الشيء فتغير غيرًا","vol":"4","page":73},{"text":"ومنه قول النبي ﷺ عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره أي قرب تغيره من الجدب إلى الخصب\nوغار الرجل على أهله يغار، إذا حصل له غضب أحال صفته من حال إلى حال\nوقال النبي ﷺ «من رأى منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقبله وذلك أضعف الإيمان»\nوقال «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه»","vol":"4","page":74},{"text":"وتغيير المنكر تبديل صفته حتى يزول المنكر بحسب الإمكان وغن لم يكن إلا بتغير الإنسان في نفسه غضبًا لله\nولهذا لم يطلق على الصفة الملازمة للموصوف أنها مغايرة له لأنه لا يمكن أن يستحيل عنها ولا يزايل\nوالغير والتغير من مادة واحدة فإذا تغير الشيء صار الثاني غير ما كان فما لم يزل على صفة واحدة لم يتغير ولا تكون صفاته مغايرة له\nوالناس إذا قيل لهم التغير على الله ممتنع فهموا من ذلك الاستحالة والفساد مثل انقلاب صفات الكمال إلى صفات نقص، أو تفرق الذات ونحو ذلك مما يجب تنزيه الله عنه\nوأما كونه سبحانه يتصرف بقدرته، فيخلق ويستوي ويفعل ما يشاء بنفسه ويتكلم إذا شاء، ونحو هذا لا يسمونه تغيرًا\nولكن حجج النفاة مبناها على ألفاظ مجملة موهمة كما قال الإمام أحمد: يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم حتى يتوهم الجاهل أنهم يعظمون الله وهم إنما يقودون قولهم إلى فرية على الله\nومن أعجب الأشياء احتجاجهم بقصة إبراهيم الخليل وهم مع افترائهم فيها على التفسير واللغة إنما هي حجة عليهم لا لهم كما قال","vol":"4","page":75},{"text":"بعضهم في قوله ﴿لا أحب الأفلين﴾ الأنعام: ٧٦\nأي المتغيرين وربما قال غيره المتحركين أو المنتقلين وقال بعض المتفلسفة المتأخرين الممكنين وأراد بالممكن ما يتناول القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه\nوزعم بعضهم كالرازي في تفسيره أن هذا قول المحققين وهؤلاء من أعظم الناس تحريفًا للفظ الأفول ولفظ الإمكان فإنهم وسائر العقلاء يسلمون أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا ما كان معدومًا فأما القديم الأزلي الذي لم يزل فيمتنع عندهم وعند سائر العقلاء أن يكون ممكنًا يقبل الوجود والعدم\nولكن يتناقضون تناقضًا بينًا فقالوا الفلك ممكن يقبل الوجود والعدم وهو مع ذلك قديم أزلي\nثم استعمال لفظ الأفول في الممكن الذي يقبل الوجود والعدم من أعظم الكذب على اللغة والتفسير فإن المخلوقات الموجودة كالشمس والقمر والكواكب والأدميين وغيرهم لا يسمون في حال حضورهم آفلين\nوهؤلاء اجترأوا على ذلك لما جعلت الجهمية أهل الكلام المحدث المتحرك آفلًا فجعلوا كل متحرك آفلًا وزعموا أن إبراهيم ﵇ احتج بالحركة على امتناع كون المتحرك رب العالمين فلما قال هؤلاء هذا قال أولئك نحن نجعل كل ما سوى الرب آفلًا فجعلوا السموات والأرض وكل ما سواه آفلًا وفسروا بذلك القرآن","vol":"4","page":76},{"text":"وهذا لا يعرف في لغة العرب أن الأفول بمعنى التحرك والانتقال، ولا بمعنى التغير الذي هو استحالة من صفة إلى صفة دع ما هومن باب التصرف الذي لا تستحيل فيه الصفات\nوإبراهيم إنما قال ﴿لا أحب الأفلين﴾ الأنعام: ٧٦ ردًا لمن كان يتخذ كوكبًا يعبده من دون الله، كما يفعله أهل دعوة الكواكب، كما كان قومه يفعلون ذلك لا ردًا على من قال إن الكوكب هو رب العالمين، فإن هذا لم يقله أحد لكن قومه كانوا مشركين، ولو كان إبراهيم مقصودة نفي كون الكوكب رب العالمين، واحتج على ذلك بالأفول لكانت حجة عليهم لأنه لما رأى الكوكب والقمر والشمس بازغة كانت متحركة من حين بزوغها إلى حين غروبها وهو في تلك الحال لا ينفي عنها المحبة كما نفاها حين غابت\nفعلم بذلك أن ما ذكر من التغير والحركة والانتقال لم يناف مقصود إبراهيم ﵇ وإنما نافاه التغيب والاحتجاب فإن كان مقصودة نفي كونه رب العالمين كان ذلك حجة عليهم لا لهم وكانوا قد حكوا عن إبراهيم انه لم يجعل التغير والحركة والانتقال مانعة من كون الموصوف بذلك رب العالمين فما ذكروه لو صح كان حجة عليهم لا لهم","vol":"4","page":77},{"text":"وبكل حال فإبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من حب المتصف بذلك كما جعل الأفول مانعًا فعلم أن ذلك ليس من صفات النقص التي تنافي كون المتصف بها معبودًا عند إبراهيم\nقال الآمدي وأما المعتزلة فمنهم من قال المفهوم من قيام الصفة بالموصوف حصولها في الحيز تبعًا لحصول محلها فيه والباري ليس بمتحيز فلا تقوم بذاته الصفة ومنهم من قال الجوهر إنما صح قيام الصفات به لكونه متحيزًا ولهذا فإن الأعراض لما لم تكن متحيزة لم يصح قيام المعاني بها والباري ليس بمتحيز فلا يكون محلًا للصفات\nقال وهذه الشبهة تدل على انتفاء الصفة عن الله تعالى مطلقًا قديمة كانت أو حادثة وهي ضعيفة جدًا أما الشبهة الأولى فلقائل أن يقول لا نسلم انه لا معنى لقيام الصفة بالموصوف إلا ما ذكروه بل معنى قيام الصفة بالموصوف تقوم الصفة بالموصوف في الوجود وعلى هذا فلا يلزم أن يكون المعلول قائمًا","vol":"4","page":78},{"text":"بالعلة لكونه متقومًا بها في الوجود إذ ليس المعلول صفة ولا العلة موصوفة به\nوأما الشبهة الثانية فلقائل أن يقول لا نسلم أن قيام الصفات بالجوهر لكونه متحيزًا بل أمكن أن يكون ذلك لمعنى مشترك بينه وبين الباري تعالى وغن كان ذلك لكونه متحيزًا فلا يلزم من انتفاء الدليل في حق الله تعالى انتفاء المدلول كما تقدم تحقيقة وقد أمكن أن يكون ذلك لمعنى اختص به الباري تعالى ولا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين في صورتين\nقلت أما الحجة الأولى فيقال قيام الصفة بالموصوف معروف يتصور بالبديهة وهو أوضح مما حدوه به حيث قالوا إن ذلك هو حصول الصفة في الحيز تبعًا لحصول محلها فيه فإن الناس يفهمون قيام اللون والطعم والريح بالموصوف بذلك وغن لم يخطر بقلوبهم هذا الحصول\nفإن ادعى مدع أن كل موصوف متحيز وأن قيام الصفة بدون المتحيز ممتنع","vol":"4","page":79},{"text":"فيقال من الناس من ينازعك في هذا ومنهم من يوافقك عليه والموافقون لك منهم من يقول كل قائم بنفسه متحيز ولا اعلم قائمًا بنفسه إلا المتحيز ومنهم من يقول بل أعلم قائمًا بنفسه غير المتحيز فقولك لا يصح إلا إذا ثبت لك أن كل موصوف متحيز وثبت لك وجود موجود ليس بمتحيز، حتى يستلزم ثبوت موجود ليس بموصوف\nوجمهور الخلق ينكرون هذه الدعوى بل يقولون إثبات موجود لا يوصف بشيء من الصفات بل هو ذات مجردة كإثبات وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص وهذا كله ممتنع لمن تصوره بضرورة العقل ويقولون هذا غنما يعقل تصوره في الأذهان لا في الأعيان، والذهن يقدر فيه الممتنعات، كالجمع بين الضدين والنقيضين\nوالجواب المركب أن يقال ما تعني بقولك متحيزًا اتعني به ما كان له حيز موجود يحيط به أم تعني به ما يقدر المقدر له حيزًا عدميًا أو ما كان منحازًا عن غيره؟\nفإن عنيت الأول كان باطلًا متناقضًا فإن الأجسام إن كانت متناهية لم تكن في حيز وجودي فإنها إذا كانت متناهية لو كانت في حيز وجودي لزم أن يكون الجسم في جسم آخر إلى ما لا يتناهي في حيز وجودي لأن ذلك الحيز هو أيضًا داخل فيما لا يتناهي","vol":"4","page":80},{"text":"فهذا جواب برهاني والجواب الإلزامي أن قولك كل موصوف يحيط به حيز وجودي يستلزم وجود أجسام لا تتناهى وهذا باطل عندك فإن العالم متحيز موصوف وليس في حيز وجودي\nوإن قلت أعني به أمرًا عدميًا قيل لك لاشيء وما جعل في لاشيء لم يجعل في شيء\nفكأنك إن قلت المتحيز ليس في غيره وحينئذ فلا نسلم لك امتناع كون الرب متحيزًا بهذا الاعتبار\nوكذلك إن فسرته بالمنحاز المباين لغيره كان نفي اللازم ممتنعًا\nفإن قلت قد قام الدليل على حدوث ما كان كذلك لأن ما كان كذلك لم يخل من الحوادث والأعراض أو كان مختصًا بقدر أو صفة أو تميز منه شيء عن شيء وهذا تركيب عاد الكلام إلى هذه المواد الثلاثة وقد علم أنها مادة الكلام الباطل\nوقد بين فساد ذلك بوجوه وحينئذ بوجوه وحينئذ فلا يمكنك نفي شيء من موارد النزاع إلا بنفي ذلك فيعود الكلام إلى نفي ذلك\nوأما الحجة الثانية فقول القائل إن الجوهر إنما صح قيام الصفة به لكونه متحيزًا","vol":"4","page":81},{"text":"فيقال أولًا لا نسلم أن قيام الصفة بمحلها يحتاج إلى علة أعم من المحل بل صفة لازمة لمحلها وهي محتاجة إلى ذلك المحل المعين لمعنى يخص ذلك المعين لا يعلل كونها فيه بأعم منه لأن العلة إذا كانت أعم من المعلول كانت منتقضة\nوإن قيل نحن نعلل جنس قيام الصفات لا يحتاج إلى غير محل يقوم به وإن لم يخطر بالقلب كونه متحيزًا\nوإن قيل إن التحيز لازم للمحل الذي تقوم به الصفات\nقيل وقيام الموصوف بنفسه لازم أيضًا وغير ذلك\nثم الكلام في التحيز على ما تقدم وبالجملة فهذا كلام في جنس الصفات لا في خصوص الحوادث ولا ريب أن نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة كلامهم الموضعين واحد وفساد اصولهم مبين في غير هذا الموضع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>طريقة الامدي في إثبات امتناع حلول الحوادث بذات الله تعالى</span>\nقال الآمدي والمعتمد في المسألة حجتان تقريرية وإلزامية","vol":"4","page":82},{"text":"أما التقريرية فهو أن يقال لو جاز قيام الصفات الحادثة بذات الرب تعالى فغما أن يوجب نقصًا في ذاته أو في صفة من صفاته أو لا يوجب شيئًا من ذلك فإن كان الأول فهو محال باتفاق العقلاء وأهل الملل وإن كان الثاني فإما أن تكون في نفسها صفة كمال أو لا صفة كمال لا جائز أن يقال بالأول وإلا كان الرب تعالى ناقصًا قبل اتصافه بها وهو محال أيضًا بالاتفاق ولا جائز أن يقال بالثاني لوجهين اتفاق الأمة وأهل الملل قبل الكرامية على امتناع اتصاف الرب بغير صفات الكمال ونعوت الجلال والثاني أن وجود كل شيء أشرف من عدمها فإذا كان اتصاف الرب بها لا يوجب تقصًا في ذاته ولا في صفة","vol":"4","page":83},{"text":"من صفاته على ما وقع به الفرض فاتصافه إذا بما هو في نفسه كمال لا عدم كمال ولو كان كذلك لكان ناقصًا اتصافه بها وهو محال كما سبق\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>الرد عليه من وجوه</span>\nقلت: فهذا عمدته وهو من أفضل هؤلاء المتأخرين، وهي من أضعف الحجج كما قد بسط في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>الوجه الأول</span>\nوبيان ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن عمدته في ذلك على مقدمة زعم أنها إجماعية، فلا تكون المسألة عقلية، ولا ثابتة بنص، بل بالإجماع المدعي ومثل هذا الإجماع عنده من الأدلة الظنية، فكيف يصلح أن يثبت بها مثل هذا الأصل؟\nوإذا كانت هذه المسألة مبنية على مقدمة إجماعية لم يكن العلم بها قبل العلم بالسمع، لأن الإجماع دليل سمعي وهم بنوا عليها كون القرآن غير مخلوق.\nقالوا: لأنه لو خلقه في ذاته لكان محلًا للحوادث وحينئذ فقبل العلم بهذا الإجماع يمكن تقدير قيام كلام حادث بذاته وإرادات حادثة بذاته، وغير ذلك فلا يكون شيء من هذه المسائل من المسائل العقلية.\nوإذا لم تكن من العقلية لم تكن من العقليات التي يتوقف","vol":"4","page":84},{"text":"صحة السمع عليها بطريق الأولى وحينئذ فلا يجوز معارضة نصوص الكتاب والسنة بها، ويقال قد عارض الظواهر النقلية قواطع عقلية فليس هنا عقلي لا قاطع ولا غير قاطع بل غاية ما هنا دعوى المدعي للإجماع.\nوهؤلاء إذا احتج عليهم المحتج في إثبات الاستواء والنزول والمجيء، والإتيان وغير ذلك بنصوص الكتاب والسنة أدعوا أن هذه المسائل لا يحتج فيها بالسمع وأن الأدلة السمعية قد عارضها العقل.\nفإذا اعترفوا بأنه لم يعارضها إلا ما ادعوه من الدليل المبنى على مقدمة زعموا أنها معلومة بالإجماع كان عليهم أن يسمعوا من الأدلة السمعية ما هو أقوى من هذا ويذكروا من الإجماعات ما هو أبين من هذا الإجماع لا سيما والأدلة السمعية المثبتة للصفات الخبرية ولقيام الحوادث به أضعاف ما يدل على كون الإجماع حجة من السمع وهي أقوى دلالة.\nفإذا كانت الأدلة السمعية المثبتة لهذه الصفات أقوى مما يدل على كون الإجماع حجة امتنع أن تعارض هذه النصوص بنصوص الإجماع فضلًا عن نفس الإجماع فضلًا عما هو مبني على مقدمة","vol":"4","page":85},{"text":"مبنية على الإجماع لو كان البناء حقًا فكيف إذا كان باطلًا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: هذا الإجماع لم ينقل بهذا اللفظ عن السلف والأئمة، لكن لعلمنا بعظمة الله في قلوبهم نعلم أنهم كانوا ينزهونه عن النقائص والعيوب.\nوهذا كلام مجمل، فكل من رأى شيئًا عيبًا أو نقصًا نزه الله عنه بلا ريب.\nوإن كان من هؤلاء الجهمية الاتحادية من يقول إنه موصوف بكل النقائص والعيوب، كما هو موصوف عنده بكل المدائح إذ لا موجود إلا هو فله جميع النعوت محمودها ومذمومها.\nوهذا القائل يدعي أن هذا غاية الكمال المطلق كما قال ابن عربي وغيره لعلي لذاته هو الذي يكون له الكمال المطلق الذي يتضمن جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عقلًا وشرعًا وعرفًا أو مذمومة عقلًا وشرعًا وعرفًا وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة.","vol":"4","page":86},{"text":"وجمهور العقلاء الذين يتصورون هذا القول، يقولون هذا معلوم الفساد بالحس والعقل كما هو كفر باتفاق أهل الملل.\nومن المعلوم أن كل متنازعين في هذا الباب فإن أحدهما يزعم أنه وصف الحق تعالى بصفة نقص لكن منازعه لا يسلم له ذلك.\nفإذا قال أنت وافقتني على تنزيهه عن النقص والعيب.\nقال له: هذا الذي نازعتك فيه ليس هو عندي نقصًا ولا عيبًا فأي شيء تنفعك موافقتي لك على لفظ أنازعك في معناه.\nوإن قال بل اتفقنا على كل ما هو نقص في نفس الأمر فالله منزه عنه وهذا نقص في نفس الأمر فيجب تنزيه الله عنه.\nقال له: أنا وافقتك على أن كل ما هو نقص في نفس الأمر منزه عنه ولم أوافك على أن كل ما أثبت أنت أنه نقص بدليل تدعي صحته فإنه منزه عنه.\nوحاصله أن الإجماع لم يقع بلفظ يعلم به دخول مورد النزاع فيه ولكن يعلم أن كل ما عتقده الرجل نقصًا فإنه ينزه الله عنه وما تنازعا في ثبوته يقول المثبت أنا لم أوافقك على انتقاء هذا ولكن أنت تقول هذا نقص فعليك أن تنفيه كما نفيت ذلك النقص الآخر وانا أقول ليس هذا بنقص وذلك الأمر الآخر الذي نفيته نفيته.","vol":"4","page":87},{"text":"لمعنى منتف فيما أثبته وأنا ما نفيت ذاك إلا لمعنى يختص به، فإن كان ذلك المأخذ صحيحًا لم تجب التسوية وإن كان باطلًا لزم خطئ في نفي ذاك وحينئذ فإن كانا مستويين لزم خطئ في الفرق بينهما، وليس خطء في إثبات ما أثبته بأولى من خطيء في نفي ذاك وحينئذ فإن كمانا مستويين لزم خطئ في لافرق بينهما وليس خطئ في إثبات ما أثبته بأولى من خطئ في نفي ما نفيته فإنما يفيدك هذا تناقضي إن صح التسوية لا يفيدك صحة مذهبك وإن ثبت الفرق بطل قولك.\nفتبين ان هذا الإجماع هو من الإجماعات المركبة التي ترجع إلى حجة جدلية ولو كانت صحيحة لم تفد إلا تناقض الخصم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: ما ذكرته من الحجة معارض بتجويزك على الله إحداث الحوادث بعد أن لم تكن، وهو كونه فاعلًا فالفاعلية: إما أن تكون صفة كمال وإما أن لا تكون صفة كمال.\nفإن كانت كمالًا، كان قد فاته الكمال قبل الفعل وإن لم تكن كمالًا لزم اتصافه بغير صفات الكمال وهذا محال لهذين الوجهين.\nوإذا قلت إن الفعل نسبة وإضافة.\nقيل لك: وإضافة هذا الحادث إليه نسبة وإضافة ولا فرق بينهما إلا كون أحدهما متصلًا والآخر منفصلًا.","vol":"4","page":88},{"text":"ومعلوم أن الإجماع على تنزيه الله تعالى عن صفات النقص، متناول لتنزيهه عن كل نقص من صفاته الفعلية وغير الفعلية وأنت وجميع الطوائف تقسمون الصفات إلى صفات ذاتية وصفات فعلية ومتفقون على تنزيهه عن النقص في هذا وفي هذا.\nوأيضًا فهذا منقوص بسائر ما جوزوه من تجدد الإضافات والسلوب فإن الرب منزه عن الاتصاف بالنقائص في الثبوت والسلب والإضافة فما كان جوابهم في المتجددات كان جوابًا لمنازعيهم في المحدثات.\nوهم يجيبون في المتجددات بأنه لا يمكن ثبوتها في الأزل.\nفيقال لهم: وكذلك الحوادث المتعاقبة لا يمكن ثبوتها في الأزل وهو وأمثاله يجيبون الدهرية بمثل ذلك في مسألة حدوث العالم.\nفإن من حججهم شبة برقلس قالوا إن الجود صفة كمال وعدمه صفة نقص فلو كان العالم قديمًا لكان الرب تعالى في الأزل جوادًا ولو كان حادثًا لما كان الرب تعالى في الأزل جوادًا لعدم العالم عنه وهو محال.\nثم قال في الجواب وأما الشبهة الرابعة فحاصل لفظ","vol":"4","page":89},{"text":"الجود فيها يرجع إلى صفة فعلية وهو كون الرب تعالى موجدًا وفاعلًا لا لغرض يعود إليه من حلب نفع أو دفع ضر وعلى هذا فلا نسلم أن الصفات الأفعال من كمالاته تعالى وليس ذلك من الضروريات فلا بد له من دليل كيف وأنه لو كان من الكمالات لقد كان كمال واجب متوقفًا على وجود معلوله عنه، ومحال أن يستفيد الأشرف كماله من معلوله، كما قرروه في كونه موجودًا بالإرادة وإن سلمنا أنه كمال لكن إنما يكون عدمه في الأزل نقصًا ان لو كان وجود العالم في الأزل ممكنًا وهو غير مسلم وهو على نحو قولهم في نفي النقص عنه بعدم إيجاده للكائنات الفاسدات كالصور الجوهرية العنصرية والأنفس الإنسانية لتعذر وجودها أزلًا من غير توسط ولا يلزم من كون العالم غير ممكن الوجود إزلًا أن لا يكون ممكن الحدوث لما حققناه.\nفهذا الجواب الذي أجاب به في هذا الموضع، إذا أجابته به الكرامية كان جوابهم له أحسن من جوابه لأولئك، وأدنى أحواله","vol":"4","page":90},{"text":"أن يكون مثله فإنه قال صفة الإحداث والفعل مطلقًا ليست بصفة كمال مع كونه اتصف بها بعد أن لم يكن.\nفيقال له لا فرق بينهما إلا من جهة أن أحدهما بنفسه والآخر مباين عنه ومن المعلوم أن ما يتصرف بنفسه أكمل ممن لا يتصرف بنفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>الوجه الرابع</span>\nأن يقال قول القائل إما أن تكون في نفسها صفة كمال أو لا صفة كمال.\nقلنا ليست في نفسها صفة كمال قوله فيلزم اتصاف الرب بما ليس من صفات الكمال وذلك ممتنع.\nقلنا متى يكون الممتنع إذا كان ذلك مع غيره صفة كمال أو إذا لم يكن مع غيره صفة كمال وذلك أن الشيء وحده قد لا يكون صفة كمال لكن هو مع غيره صفة كمال وما كان كهذا لم يجز اتصاف الرب به وحده لكن يجوز اتصافه به مع غيره ولا يلزم من كونه ليس صفة كمال منع قيامه بالرب مطلقًا.","vol":"4","page":91},{"text":"وهذا كالإرادة للفعل الخالية عن القدرة على المراد، ليست صفة كمال، فإن من أرادة شيئًا وهو عاجز عنه كان ناقصًا ولكن إذا كان قادرًا على ما أراد كانت الإرادة مع القدرة صفة كمال.\nفلو قال قائل: مجرد الإرادة هل هو كمال أو لا؟\nفإن قيل هو كمال انتقض بإرادة العاجز المتمني المتحسر.\nوإن قيل ليس بكمال لزم اتصافه بما ليس بكمال.\nقيل له الإرادة مع القدرة كمال.\nوكذلك قوله كن إما أن يكون صفة كمال أولا فإن كان صفة كمال فينبغي أن يكون كمالًا للعبد، ومعلوم أن العبد لو قال للمعدوم كن كان هاذيا لا كاملًا وإن لم يكن كمالًا فلا يوصف به الرب.\nفيقال له كن من القادر على التكوين الذي إذا قال للشيء كن فيكون كمال ومن غيره نقص.\nوكذلك الغضب إما أن يكون صفة كمال أولا فغن كان كمالًا فيحمد كل غضبان وإن كان نقصًا فكيف اتصف الرب به؟\nفيقال الغضب على من يستحق الغضب عليه من القادر على عقوبته صفة كمال وأما غضب العاجز أو غضب الظالم فلا يقال إنه كمال ونظائر هذا كثيرة.\nوإذا كان كذلك فكونه قادرًا على الأفعال المتعاقبة وفعله لها شيئًا بعد شيء صفة كمال وكل منها بشرط غيره كمال وأما الواحد منها","vol":"4","page":92},{"text":"مع عدم غيره فليس بكمال فإنه من المعلوم أنا إذا عرضنا على العقل الصريح ذاتًا لا تقدر أن تتصرف بنفسها وذاتًا تتصرف دائمًا شيئًا بعد شيء كانت هذه الذات أكمل من تلك وكان الكمال قدم هذا النوع.\nوكذلك إذا قدرنا شيئًا يتكلم إذا شاء بما شاء وهو لم يزل كذلك وآخر لا يمكنه الكلام وإلا بعض الأحيان أو حدث له الكلام بعد أن لم يكن كان الأول أكمل.\nونكتة الجواب: أن الواحد منها إذا لم يكن وحده كمالًا لا يلزم ان لا يكون مع سائر النوع كمالًا.\nلكن هذا الجواب إنما يناسب قول من يقول: لم يزل متصفًا بهذا النوع.\nوالكرامية لا تقول بذلك بل تقول حدث له النوع بعد أن لم يكن لكن الكرامية تقول قولنا في هذا النوع كقول غيرنا في الحوادث المنفصلة وهو أن دوام هذا لما كان ممتنعًا لامتناع الحوادث في الأزل لم يلزم أن لا يكون متصفًا بصفات الكمال لأن عدم الممتنع ليس بنقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>الوجه الخامس</span>\nوتحقيق هذا: أن يقال: قول القائل: إذا كان هذا كمالًا كان الرب ناقصًا قبل اتصافه.","vol":"4","page":93},{"text":"يقال له: متى يكون ناقصًا إذا وجوده قبل ذلك ممكنًا أو لم يكن ممكنًا والأول ممتنع، فإن عدم الممتنعات لا يكون نقصًا والحوادث عندهم يستحيل وجودها في الأزل فلا يكون عدمها نقصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>الوجه السادس</span>\nان يقال: متى يكون عدم الشيء نقصًا إذا عدم في الحال التي يصلح ثبوته فيها او إذا عدم في حال لا يصلح ثبوته فيها الأول مسلم والثاني ممنوع.\nوهم يقولون كل حادث فإنما حدث في الوقت الذي كانت الحكمة مقتضية له، وحينئذ فوجوده ذلك الوقت صفة كمال وقبل ذلك صفة نقص.\nمثال ذلك تكليم الله لموسى صفة كمال لما أتى وقبل أن يتمكن من سماع كلام الله فصفة نقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>الوجه السابع</span>\nأن يقال الأمور التي لا يمكن وجودها إلا حادثة أو متعاقبة أيما أكمل عدمها بالكلية او جودها على الوجه الممكن؟\nومعلوم أن وجودها على الوجه الممكن أكمل من عدمها وهكذا يقولون في الحوادث.","vol":"4","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>الوجه الثامن</span>\nأن يقال: قول القائل اتفاق الملل قبل الكرامية على امتنع اتصاف الرب بغير صفات الكمال كلام مجمل.\nفإن أريد بذلك أن الناس ما زالوا يقولون إن الله موصوف بصفات الكمال منزه عن النقائض فالكرامية تقول بذلك وإن أردت أن الناس قبل الكرامية كانوا يقولون إن الله لا يقوم به شيء من مقدوراته ومراداته فهذا غلط.\nفإن جمهور الخلائق على جواز ذلك قبل الإسلام وبعد الإسلام فالتوراة مملوءة من وصف الله بمثل ذلك وكذلك الإنجيل وسائر نبوات الأنبياء مثل الزبور ونبوة أشعيا وأرميا وأساطين الفلاسفة كانوا يقولون بذلك والسلف من الصحابة والتابعين وأهل الحديث متواتر عنهم ذلك.\nثم هذا الرجل لما أوردت عليه الدهرية هذا في صفة الخالقية قال صفة الخالقية لا صفة نقص ولا صفة كمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>الوجه التاسع</span>\nقوله إن وجود الشيء أشرف من عدمه.\nيقال له: وجوده أشرف مطلقًا أم في الوقت الذي يمكن وجوده فيه ويصلح وجوده فيه؟\nأما الأول فممنوع فإن وجود الجهل المركب ليس أشرف من","vol":"4","page":95},{"text":"عدمه ولا وجود تكذيب الرسول أشرف من عدمه ولا وجود الممتنع أشرف من عدمه.\nوإن أريد وجود الممكن الصالح.\nقيل فلا نسلم أن ما حدث كان يمكن حدوثه ويصلح حدوثه قبل وقت حدوثه وحينئذ فلا يلزم من كونه وقت وجوده كمالًا أن يكون قبل وجوده نقصًا.\nومدار الدليل على مقدمتين مغلطتين إحداهما أن ما وجد من الكمال كان عدمه قبل ذلك نقصًا وهذا فيه تفصيل كما تبين والثاني أن ما لا يكون وحده كمالًا يجب نفيه عن الرب مطلقًا وهذا فيه تفصيل كما سبق فإنه يقال إن كان الحادث كمالًا فعدمه قبل ذلك نقص وإن لم يكن كمالًا لم يتصف الرب بما ليس بكمال وكلا المقدمتين فيها من التموية والإجمال ما قد بين ويحتمل من البسط أكثر من هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>رد الآمدي على الكرامية من ثمانية أوجه</span>\nقال الآمدي الحجة الثانية من جهة المناقضة للخصم والإلزام وذلك من ثمانية أوجه.\nالأول\nأن من مذهب الكرامية انهم لا يجوزون إطلاق اسم متجدد على الله تعالى فيما لا يزال،\nكما بيناه من قبل فلو قامت بذاته صفات حادثة لا تصف بها وتعدي إليه حكمها كالعلم فإنه إذا قام بمحل وجب اتصافه بكونه عالمًا.","vol":"4","page":96},{"text":"وكذا في سائر الصفات القائمة بمحالها، وساء كان المحل قديمًا أو حادثًا وسواء كانت الصفة قديمة أو حادثة إذ لا فرق بين القديم والحادث من حيث أنه محل قامت به صفته إلا فيما يرجع إلى أمر خارج فلا أثر له وإذا ثبت ذلك فيلزم أن يقال إنه قائل بقول ومريد بإرادة ويلزم من ذلك تجدد اسم لم يكن له قبل قيام الصفة الحادثة به وهو مناقض لمذهبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت ولقائل أن يقول: هذا أمر اصطلاحي لفظي ليس بحثًا عقليًا فإن كونهم لا يسمونه إلا بما هو لازم لذاته دون ما يعرض لها أمر اصطلحوا عليه ولا يرد عليهم العلم والقدرة ونحوهما، فإنه من لوازم ذاته، ولعلهم يدعون في ذلك توقيفًا، كما يدعي غيرهم في كثير مما لا يطلقه من الأسماء.\nوأيضًا فيقال: هذا إما أن يكون لازمًا لهم وإما أن لا يكون لازمًا فإن لم يكن لازمًا بطل النقض به وإن كان لازما أمكن التزامه، وليس فيه إلا تجدد أسماء له مما تجدد من أفعاله.\nوالمنازع يقول بمثل ذلك في جميع الأفعال، فإنه تجدد استحقاقه لأسمائها عند تجدد الأفعال كالخالق والرازق ونحو ذلك.\nوحينئذ فيمكن إذا كان هذا صوابًا أن يجمع بين الصوابين فيقال بتجدد الحادث وتجدد الاسم أيضًا.","vol":"4","page":97},{"text":"وأيضًا فيقال: الكرامية قالوا هذا لكونه عندهم متصفًا في الأزل بصفات الكمال وكون أسمائه كلها الأسماء الحسنى التي تتضمن مدحًا له وثناء عليه وكون ذلك الحادث لا يمكن أن يمكن ازليًا فلا يكون مما يوجب أسمًا.\nوحينئذ فيقال: إما أن يمكن دوام نوع ذلك الحادث، وإما ان لا يمكن فإن أمكن كانوا قد أخطأوا في نفي دوامه وإن لم يمكن فإما أن يكون تجدد اسم له ممكنًا اولا يكون.\nفإن كان ممكنًا أخطاوا في نفي ذلك الاسم، وإن لم يكن ممكنًا كانوا مصيبين فبتقدير خطئهم على بعض التقديرات لا يلزم صواب قول منازعيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>الثاني</span>\nقال الآمدي أن الكرامية موافقون على أن القول والإرادة لا يقومان إلا بحي كالسمع والبصر وقد وافقوا على ان الحي إذا خلا عن السمع والبصر لا يخلو عن ضده وعند ذلك فإما أن يقولوا بأن الله يخلو عن القول الحادث والإرادة الحادثة وعن ضده فلا يجدون إلى الفرق بينه وبين السمع والبصر سبيلًا","vol":"4","page":98},{"text":"وإن قالوا بأنه لا يخلو الرب عن القول والإرادة وعن ضده فلا يخلو ذلك الضد إما أن يكون قديمًا أو حادثًا فإن كان الأول فيلزم من ذلك عدم الموجود القديم ضرورة حدوث ضده، وهو محال بالاتفاق وبالدليل على ما سيأتي، وإن كان الثاني فالكلام في ذلك الضد كالكلام في الأول ويلزم من ذلك تعاقب الحوادث على الرب تعالى علىوجه لا يتصور خلوه عن واحد منها والحوادث المتعاقبة لا بد وأن تكون متناهية علىما سبق في إثبات واجب الوجود وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ضرورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>تعليق ابن تيمية</span>\nفيقال: ولقائل أن يقول: نظير الحادث والإرادة الحادثة عندهم التسمع الحادث والتبصر الحادث، فإنهم يقولون: إنه عند وجود المسموعات والمرئيات تجدد ما يسمونه التسمع والتبصر، فهذا الحادث نظير ذلك الحادث، وعندهم أنه يخلو من وجود مثل هذا وضده العام، بخلاف نفس السمع والبصر، فإن ذاك عندهم بمنزلة القائلية والمريدية وعندهم انه لا يخلو عن القائلية","vol":"4","page":99},{"text":"والمريدية وضدها العام كما لا يخلو عن نفس السمع والبصر وضده العام.\nفإن قيل: منهم من يفرق بين القول والإرادة وبين التسمع والتبصر.\nفيقال قد قيل إن هذا ليس هو المشهور عنهم.\nوسواء كان هو المشهور أو لم يكن، فإنه يقال: إن كانت صورة الإلزام كصورة الوفاق لزم خطأ من فرق بين الصورتين منهم، وإن كان بينهما فرق مؤثر في الحكم لزم خطأ المسوى منهم وعلى التقديرين لا يلزم صواب المنازع لهما.\nوأيضًا فإنه يقال: إما أن يكون تعاقب الحوادث ممكنًا وإما ان يكون ممتنعًا فإن كان ممكنًا كانوا أخطأوا في قولهم: يخلو عن القول والإرادة وعن ضدها إذ يمكن تعاقب ذلك عليه دائمًا وإن كان ممتنعًا كان هذا الامتناع هو الفرق بين ذلك وبين السمع والبصر، فإنه يمكن اتصافه في الأزل بالسمع والبصر، دون اتصافه بالحادث من القول والإرادة.\nلكن على هذا لا يلزم تناقضهم في أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فإنهم يقولون ليس هو قابلًا في الأزل للاتصاف بالحوادث.\nلكن يقال لهم: هذا فرع إمكان اتصافه بالحوادث فلم قلتم إن ذلك ممكن.","vol":"4","page":100},{"text":"فيقولون: وهذا الإلزام والمعارضة فرع امتناع اتصافه بالحوادث فلم قلتم إن ذلك ممتنع؟\nفعلم أن مثل هذا الإلزام لا ينقطع به لا هم ولا خصومهم المسلمون لهم امتناع تسلسل الحوادث.\nوأما من يقول إنه يمكن تسلسل الحوادث فإنه يبين خطأهم في هذا التفريق ويقول: إذا كان الحي لا يخلو عما يقبله وعن ضده، والرب تعالى قابل للاتصاف بالقول والإرادة، لزم ان لا يخلو عن ذلك وعن ضده لكن ضده صفة نقص كضد السمع والبصر، فيلزم انه ما زال متصفًا بالقول والإرادة والاتصاف بنوع ذلك ممكن.\nولهم جواب ثالث عما ذكره من الإلزام وهو ان يقال نحن قلنا الحي القابل لهذا لا يخلو عنه وعن ضده العام الذي يدخل فيه عدم هذه الصفات لم نقل إنه لا يخلو عنه وعن ضد وجودي فإن هذا ليس قولنا فإن القابل للشيء ولضده الوجودي قد يخلو عنهما عندنا.\nولكن الأشعرية يقولون: إن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده الوجودي.\nوإذا كان كذلك، فضد القول والإرادة عدم ذلك، فلا يقال: القول في ضد ذلك كالقول فيه، ويلزم تسلسل الحوادث، لأن ضد ذلك عدم والعدم لا يفتقر إلى فاعل عندنا.","vol":"4","page":101},{"text":"ولا يضر عدم الشيء في الأزل ووجوده فيما لا يزال كالأفعال المحدثة.\nوهذا جواب محقق لهم.\nلكنه لا يتم ألا بأن يكون عدم القول والإرادة في الأزل ليس صفة نقص.\nوقولهم في ذلك كقول المعتزلة وهم خير من المعتزلة من وجهين:\nمن جهة انهم يجعلون القول والإرادة قائمة بذاته وهذا بحث آخر لا يختص بهذه المسألة.\nومن جهة أنهم يثبتون مشيئة أزلية وقابلية أزلية.\nوأيضًا فما ادعاه من انه أثبت أن الحوادث لا بد وأن تكون متناهية ليس كما ذكر.\nوقد عرف الكلام فيما ذكر هو وغيره وضعف ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>الثالث</span>\nقال أبو الحسن الآمدي يعني في بيان تناقضهم أن من مذهبهم أن القول الحادث والإرادة الحادثة عرض كاللون والطعم والرائحة، وأنه يجوز في الشاهد تعري","vol":"4","page":102},{"text":"الجواهر عن الأقوال والإرادات، والطعوم والرائح والألوان، مع جواز اتصافها بها، وقد أحالوا قيام الألوان والطعوم والرائح بذات الله تعالى، وجوزوا ذلك في القول والإرادة، ولو قيل لهم لم قضيتم بجواز قيام الطعوم والألوان والروائح بذات الله تعالى من غير أن يلزم استحالة التعري عنها، كما في القول الحادث والإرادة الحادثة، لم يجدوا إلى الفرق سبيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>تعليق ابن تيمية</span>\nفيقال: ولقائل أن يقول: جوابهم في هذا كجواب الأشعرية والسالمية، إذا قيل لهم: لم وصفتم الرب بالقول والإرادة، ولم تصفوه بالطعم واللون والريح؟\nفإذا قالوا: لأن القول والإرادة من الصفات المشروطة بالحياة، وهي صفة كمال بخلاف الطعم واللون والريح، أو غير هذا من الفرق قالت الكرامية نظير ذلك، فالفرق بين هذا وهذا ليس من خصائص مسألة حلول الحوادث، فإن نفي ذلك عند من ينفيه واجب، سواء قال بحلول الحوادث أو لم يقل، وإنما يفترقان في أن هذا يجوز حدوث ذلك بخلاف الآخر، فحاصله أنهم لم ينفوا الطعم واللون والريح، لكونه لو قبلها لم يخل منها، فإن هذا الأصل عندهم","vol":"4","page":103},{"text":"فاسد، بل نفوها لما فارقت به صفات الحي\nوأيضًا فيقال الفرق الذي فرقوا به بين اللون والريح وبين القول والإرادة، إما أن يكون مؤثرًا، وإما أن لا يكون.\nفإن كان مؤثرًا بطل الإلزام، وإن لم يكن مؤثرًا لزم خطؤهم في إحدى الصورتين لا بعينها، فلم لا يجوز أن يكون الخطأ فيما نفوه لا فيما أثبتوه، فلا يدل على صحة الصورتين لا بعينها، فلم لا يجوز أن يكون الخطأ فيما نفوه لا فيما أثبتوه، فلا يدل على صحة قول المنازع لهم فيما أثبتوه، فإن أقام المنازع لهم دليلًا عقليًا أو سمعيًا على نفي اللون والريح، دون القول والإرادة، كان ذلك فرقًا مؤثرًا، وإن أقام دليلًا على نفي حلول الجميع، كان ذلك حجة كافية دون الإلزام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>الوجه الرابع</span>\nقال الآمدي هو أن من مذهبهم أن الرب متحيز، وانه مقابل للعرش وأكبر منه وليس مقابلًا لجوهر فرد من العرش.\nوقد قالوا: بأن العرض الواحد لا يقوم بجوهرين ن والصفة الحادثة في ذات الله تعالى وهي القول أو","vol":"4","page":104},{"text":"الإرادة كما هو مذهبهم، يوجب قيامها مع اتحادها بجزئين فصاعدًا، وهو مناقض لمذهبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول قولهم: إن العرض لا يقوم بجوهرين، مع قولهم بقيام القول والإرادة بالله تعالى، أمر لا يختص بمسألة الحوادث، فإن العلم والقدرة والمشيئة القديمة عندهم بذات الله تعالى، فالقيام بذاته لا يفترق الحال فيه بين أن يكون قديمًا أو حادثًا، من جهة بذات الله تعالى، فالقيام بذاته لا يفترق الحال فيه بين أن يكون قديمًا أو حادثًا، من جهة كونه صفة واحدة قامت بجزأين، بل هذا بحث يتعلق بمسألة الصفات مطاقًا ولها موضع آخر.\nوأيضًا فيقال: إذا كان من مذهبهم أن الرب متحيز، كما حكاه عنهم، مع أن ابن الهيصم وغيره منهم ينكر أن يكون متحيزًا، فما ذكر من حجة المعتزلة عليهم غايتها إلزامهم إذا قامت به الصفات والحوادث أن يكون متحيزًا، فإذا كانوا ملتزمين لذلك كان هذا طرد قولهم، ويبقى البحث ليس هو في هذه المسألة، بل يبقى الكلام مع المعتزلة يعود إلى مسألة التحيز.\nوالكلام إذا عاد إلى أصل واحد، كان الكلام فيه أخف، مع","vol":"4","page":105},{"text":"انهم يمكنهم أن يلزموا المعتزلة بقيام الحوادث به وإن لم يكن متحيزًا إذا كان لكل من المسألتين مأخذ يخصه وبينهما اتفاق وافتراق.\nوأيضًا فإن ذكر قولهم في العرش ههنا لا يظهر له وجه، إلا أن يقال هم يقولون بالتحيز، والمتحيز مركب من الجواهر المنفردة، والعرض الواحد لا يقوم بجوهرين، فلا تقوم به إرادة ولا قول.\nوهذا القول إن توجه كان سؤلًا عليهم في أصل إثبات الصفات لله سواء كانت قديمة أو حادثة، لا يختص هذا بمسألة حلول الحوادث.\nوالكرامية لهم في إثبات الجوهر الفرد قولان فمن نفى ذلك لم يلزمه هذا الإلزام، ومن أثبته كان جوابه عن هذا كجواب غيره من الصفاتية في الصفات القائمة بالملائكة والآدميين وغيرهم، وكان لهم أيضًا أجوبة أخرى، كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>الوجه الخامس</span>\nقال الآمدي هو أن من مذهبهم أن مستند المحدثات إنما هو القول الحادث أو الإرادة الحادثة، ومستند القول","vol":"4","page":106},{"text":"والإرادة القدرة القديمة والمشيئة الأزلية، ولا فرق بين الحادث والمحدث من جهة تجدده، وهو إنما كان مفتقرًا إلى المرجح من جهة تجدده، وقد استويا في التجدد، فلو قيل لهم لم لا أكتفي بالقدرة القديمة والمشيئة الأزلية في حدوث المحدثات من غير توسط القول والإرادة، كما اكتفى بها في القول والإرادة لم يجدوا إلى الفرق سبيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>تعليق ابن تيمية</span>\nفيقال: ولقائل أن يقول: من الصفات ما يثبت بالسمع، وقد يكون أثبتوا ذلك بالسمع، كما أثبت الصفاتية من السلف والخلف كابن كلاب والأشعري، والقاضي أبي بكر، والقشيري، والبيهقي، تكوين آدم باليدين بالسمع، مع أن غيره لم يحتج إلى ذلك.\nكما أثبت أيضًا الأشعري، وغيره التكوين يكن سمعًا، مع أن العقل يكتفي بالقدرة.\nونقل ذلك عن أهل السنة والحديث، وقال عنهم إن الله لم يخلق شيئًا إلا قال له: كن.\nوذكر أنه: بقولهم يقول.\nوالقرآن قد أخبر أنه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون.\nوأن تخلص الفعل المضارع للاستقبال.\nوكذلك إذا ظرف لما يستقبل من الزمان يتضمن معنى الشرط غالبًا.","vol":"4","page":107},{"text":"فلما رأوا السمع دل على أن المحدث يتعلق بقول وإرادة يكون المحدث عقبه مع علمهم بأن قول الرب وإرادته لا يقوم إلا بذاته قالوا ذلك.\nوأيضًا فجميع الطوائف فرقوا بين حادث وحادث، وشرطوا في هذا ما لم يشرطوه في الآخر.\nفالفلاسفة يقولون: كل حادث مشروط بما قبله من الحوادث، ولا يسوون بين الحوادث.\nوالمعتزلة البصريون يقولون كل المحدثات لا تحدث إلا بإرادة، ولا تقوم الصفات إلا بمحل.\nوقالوا إن الإرادة حدثت بلا إرادة وقامت في غير محل، وكذلك الفناء عندهم.\nوالأشعرية فرقوا بين خلق وغيره.\nوأيضًا فلا يخلو: إما أن يكون بين هذين الحادثين فرق مؤثر، وغما أن لا يكون، فإن كان بينهما فرق مؤثر بطل الإلزام، وإن لم يكن فرق مؤثر لزم خطؤهم في أحد القولين: إما في الاكتفاء في الحدوث بالقدرة القديمة، وغما في إثبات شيء حادث للمحدثات المنفصلة.","vol":"4","page":108},{"text":"وحينئذ فقد يكونون إنما أخطأوا في الاكتفاء بمجرد القدرة والإرادة القديمة، كما يقوله من يقول إن الحوادث لا بد لها من سبب حادث، وحينئذ فيلزمهم القول بدوام الحوادث.\nكما هو قول من قاله من السلف وأهل الحديث والكلام والفلسفة.\nوفي الجملة هذا الإلزام إذا صح يلزم الخطأ في أحد الموضعين، لا يلزم صحة قول المنازع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>الوجه السادس</span>\nقال الآمدي يخص القائلين بحدوث القول، وذلك انهم وافقوا على أن القول مركب من حروف منتظمة، والحروف متضادة، فإنا كما نعلم استحالة الجمع بين السواد والبياض، نعلم استحالة الجمع بين الحروف ن وأنه يتعذر الجمع بين الكاف والنون، من قوله: كن.\nوقد وافقوا على استحالة تعري الباري عن الأقوال الحادثة في ذاته بعد قيامها به، وعند ذلك فإما أن يقال باجتماع حروف القول في ذات الباري تعالى، أولا","vol":"4","page":109},{"text":"يقال باجتماعها فيه.\nفإن قيل باجتماعها: فإما أن يقال بتجزىء ذات الباري تعالى، وقيام كل حرف بجزء منه، وإما أن يقال بقيامها بذاته مع اتحاد الذات.\nفإن كان الأول فهو محال لوجهين: الأول: أنه يلزم منه التركيب في ذات الله تعالى وقد أبطلناه في إبطال القول بالتجسيم.\nالثاني: أنه ليس اختصاص بعض الأجزاء ببعض الحروف دون البعض.\nأولى من العكس.\nوإن كان الثاني، فيلزم منه اجتماع المتضادات في شيء واحد وهو محال.\nوإن لم نقل باجتماع حروف القول في ذاته، فيلزم منه مناقضة أصلهم في أن ما اتصف به الرب تعالى يستحيل عروه عنه بعد اتصافه به، والحرف السابق الذي عدم عند وجود اللاحق قد كان صفة للرب وقد زال بعد وجوده له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت ولقائل أن يقول: هذا غايته ان يستلزم خطأهم في قولهم: إن ما يقوم به من الحوادث لا يخلو منه.","vol":"4","page":110},{"text":"ولا ريب أن أكثر الناس يخالفونهم في هذا، ولا يقولون بدوام الحادث المعين.\nفمن قال بإثبات الاستواء والنزول، وغيرهما من الأفعال القائمة بذاته، المتعلقة بمشيئته وقدرته، لا يقول: إن ذلك يدوم.\nوكذلك أكثر القائلين بأن الله كلم موسى بنداء بصوت سمعه موسى، والنداء بالصوت قائم بذات الله تعالى، لا يقولون: إن ذلك النداء بعينه دائم أبدًا، ونظائره كثيرة.\nوإذا كان كذلك، فيقال إما أن يكون بقاء الحادث الذي هو الحروف والأصوات ممكنًا، أو ممتنعًا.\nفإن كان ممكنًا، صح قول الكرامية.\nوإن كان ممتنعًا، صح قول من ينازعهم في دوام الحادث ويقول: إنه لا يبقى، مع اتفاق الجميع على قيام الحوادث به.\nوحينئذ فعلى التقديرين لا يلزم صحة قول المنازع النافي لقيام الحوادث به.\nوأيضًا فيقال قول القائل إنه يستحيل الجمع بين الحروف، هو من موارد النزاع.\nفذهب طوائف إلى إمكان اجتماعها من القائلين بقدم الحروف، والقائلين بحدوثها.\nوهذا قول السالمية وغيرهم من القائلين باجتماعها مع قدمها، وقول من قال باجتماعها مع حدوثها كالكرامية.","vol":"4","page":111},{"text":"وقد قال بالأول: طوائف من أهل الحديث والفقه والكلام، من أصحاب مالك والشافعي واحمد وغيرهم.\nوإذا كان هذا من موارد النزاع، فإذا قال مثل هذا القائل نحن نعلم استحالة اجتماع الحروف، كما نعلم استحالة اجتماع الضدين كالسواد والبياض.\nقيل له فالذي تنصرهم أنت من الكلابية والأشعرية قالوا بأن المعاني التي هي معاني الحروف المنتظمة، هي معنى واحد في نفسه والأمر والنهي والخبر صفات لموصوف واحد، فالذي هو الأمر هو الخبر ن والذي هو الخبر هو النهي وقالوا إن ذلك بالسريانية كان إنجيلًا.\nولا ريب أن جمهور العقلاء من الأولين والأخرين القائلين بأن القرآن غير مخلوق، والقائلين بأنه مخلوق ن يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالضرورة من عدة أوجه:\nمنها كون الأمر هو عين الخبر.\nومنها كون الخبر عن الخالق بمثل آية الكرسي هو الخبر عن المخلوق بمثل ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ .","vol":"4","page":112},{"text":"ومنها كون معاني التوراة إذا عربت تكون معاني القرآن إلى أمثال ذلك.\nولهذا لم يقل هذا القول من طوائف المسلمين ولا غير المسلمين إلا ابن كلاب ومن اتبعه.\nوهذا القول يتضمن أن تكون المعاني المتنوعة معنى واحدًا.\nولو قال: إن المعاني التي للحروف يمكن اجتماعها في زم واحد، كان أقرب إلى المعقول من كونها معنى واحد.\nولو قال قائل إن الحروف المجتمعة هي حرف واحد في الحقيقة، وغنما الحروف المتفرقة صفات للحرف لا أقسام له، كان هذا شبيهًا بقول من يقول إن تلك المعاني المتنوعة معنى واحد.\nوذلك انه من المعلوم بالاضطرار أن الحروف المنتظمة مطابقة لمعانيها المدلول عليها بها، تحدث بحدوثها في نفس المتكم.\nوإذا قال القائل إن الحروف متضادة يمتنع اجتماع اثنين منها في محل واحد، أمكن أن يقال إن المعاني متضادة يمتنع اجتماع اثنين في محل واحد.\nفإن غاية ما يقال إن محل المعاني واحد بخلاف محل الحروف","vol":"4","page":113},{"text":"فإنه متعدد لكن تعدد المحل واتحاده لا ينفي التضاد فإن المثلين متضادان وغن كانا متماثلين في الحقيقة والمحل، فالباء والتاء تتضادان أعظم من تضاد الباء والحاء إذ الحرفان يتعدد محلها يمكن اجتماعها ن بخلاف ما يتحد محلهما والضدان إنما يمتنع اجتماعهما في محل واحد لا في محلين.\nفإذا قدر أن الحروف لا تكون إلا في محل واحد كانت بمنزلة معانيها التي لا تكون إلا في محل واحد.\nوإذا قدر أن لها محلين أمكن اجتماعها، كما تجتمع أصوات المتكلمين جميعًا.\nلكن الواحد منا لا يقدر منا لا يقدر على ذلك لكون حركة بعض آلاته مستلزمًا لحركة الآخر وإلا فلو قدر أنا يمكننا تحريك الجميع كالذي ينفخ بيديه في هذه نفاخة وفي هذه نفاخة، أمكن اجتماع الحروف واجتماع الأصوات في زمن واحد مع تعدد المحل.\nوإنما الذي يظهر امتناعه اجتماع حرفين في محل واحد في زمن واحد.\nولكن هذا قد يقال فيه إنه بمنزلة معاني الكلام فإن الواحد منا يجد من نفسه أنه لا يمكنه جمع معاني الكلام في زمن واحد في قلبه.\nوإذا كان كذلك فمن قال باجتماع المعاني لزمه ما يلزم من قال","vol":"4","page":114},{"text":"باجتماع الحروف، فكيف من قال إن المعاني تكون معنى واحدًا.\nوالفضلاء من أصحاب اعري يعترفون بضعف لوازم هذا القول مع نصرهم لكثير من أقواله الضعيفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>استطرادات مقالة الآمدي في مسألة كلام الله تعالى</span>\nحتى الآمدي لما تكلم في مسألة الكلام قال فإن قيل وإذا ثبت أنه متصف بصفة الكلام، وان كلامه قديم وأنه ليس بحرف ولا صوت، فهو متحد لاكثره فيه في نفسه، بل التكثر إنما هو في تعلقاته ومتعلقاته فإن قيل عاقل ما لا يماري نفسه في انقسام الكلام إلى أمر ونهي وغيره من أقسام الكلام، وإن ما انقسم إليه حقائق مختلفة وأمور متمايزة وانها من أخص أوصاف الكلام، لا أن الاختلاف عائد إلى نفس العبارات والتعلقات والمتعلقات، ولهذا فإنا لو قطعنا النظر عن العبارات والتعلقات والمتعلقات ورفعناها وهمًا لم يخرج الكلام عن كونه منقسمًا وأيضًا فإن ما أخبر به عن القصص الماضية والأمور السالفة","vol":"4","page":115},{"text":"مختلفة متمايزة وكذلك المامورات والمنهيات مختلفة أيضًا فلا يتصور أن يكون الخبر عما جرى لموسى هو نفس الخبر عما جرى لعيسى، ولا الأمر بالصلاة هو نفس الأمر بالزكاة وغيرها ولا أن ما تعلق بزيد هو نفس ما تعلق بعمرو ولا ما سمى خبرًا هو عين ما سمى أمرًا إذ الأمر طلب والخبر لا طلب فيه بل هو حكم بنسبة مفرد إلى مفرد إيجابًا أو سلبًا فثبت ان الكلام انواع مختلفة، والكلام عام للكل فيكون كالجنس لها.\nقلنا قد بينا فيما تقدم أن الكلام قضية واحدة ومعلوم واحد قائم بالنفس، وأن اختلاف العبارات عنه بسبب اختلاف التعلقات والمتعلقات وهذا النوع من الاختلاف ليس راجعًا إلى اخص صفة الكلام بل إلى أمر خارج عنه وعلى هذا نقول إنه لو قطع النظر عن التعلقات والمتعلقات الخارجة فلا سبيل إلى توهم اختلاف في الكلام النفساني أصلًا ولا يلزم منه رفع الكلام في نفسه وزوال حقيقته.","vol":"4","page":116},{"text":"قال وعلى هذا فلا يخفى اندفاع ما استبعدوه من اتحاد الخبر واختلاف المخبر واتحاد الأمر واختلاف المأمور وكذلك اختلاف الأمر والخبر مع اتحاد صفة الكلام.\nقال فإن قيل إذا قلتم بأن الكلام قضية واحدة وأن اختلاف العبارات عنها بسبب المتعلقات الخارجة فلم لا جوزتم أن تكون الإرادة والقدرة والعلم وباقي الصفات راجعة إلى معنى واحد ويكون اختلاف التعبيرات عنه بسبب المتعلقات لا بسبب اختلافه في ذاته وذلك بأن تسمى إرادة عند تعلقه بالتخصيص وقدرة عند تعلقه بالإيجاد وهكذا سائر الصفات.\nوإن جاز ذلك فلم لا يجوز أن يعود ذلك كله إلى نفس الذات من غير احتياج إلى الصفات.\nوقال أجاب الأصحاب عن ذلك بأنه يمتنع أن يكون الاختلاف بين القدرة والإرادة بسبب التعلقات والمتعلقات، إذ","vol":"4","page":117},{"text":"القدرة معنى من شانه تأتي الإيجاد به والإرادة معنى من شانه تأتي تخصيص الحادث بحال دون حال، وعند اختلاف التأثيرات لا بد من الاختلاف في نفس المؤثر وهذا بخلاف الكلام فإن تعلقاته بمتعلقاته لا توجب أثرًا فضلًا عن كونه مختلفًا.\nقال وفيه نظر وذلك انه وإن سلم امتناع صدور الآثار المختلفة عن المؤثر الواحد مع إمكان النزاع فيه فهو موجب للاختلاف في نفس القدرة وذلك لأن القدرة مؤثرة في الوجود والوجود عند أصحابنا نفس الذات، لا انه زائد عليها وإلا كانت الذوات ثابتة في العدم وذلك مما لا نقول به وإذا كان الوجود هو نفس الذات ثابتة في العدم وذلك مما لا قول به وإذا كان الوجود هو نفس الذات فالذوات مختلفة، فتأثير القدرة في آثار مختلفة، فيلزم أن تكون مختلفة كما قرروه، وليس كذلك.\nوأيضًا فإن ما ذكروه من الفرق، وإن استمر في القدرة والإرادة فغير","vol":"4","page":118},{"text":"مستمر في باقي الصفات كالعلم والحياة والسمع والبصر، لعدم كونها مؤثرة في أثر ما.\nقال والحق ان ما أورده من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات مشكل وعسى أن يكون عند غيري حله، ولعسر جوابه فر بعض أصحابنا إلى القول بان كلام الله القائم بذاته خمس صفات مختلفة وهي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>تعليق ابن تيمية</span>\nهذا كلامه.\nفيقال: قول القائل: إن الكلام خمس صفات، أو سبع أو تسع، أو غير ذلك من العدد، لا يزال ما تقدم من الأمور الموجبة تعدد الكلام.\nوقد رأيت انه يلزم من قال باتحاد معنى الكلام اتحاد الصفات كلها، ثم رفعها بالكلية، وجعلها نفس الذات وهذا يعود إلى قول القائلين بان الوجود واحد، ولا يميزون بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، وذلك لأنه من جوز على الحقائق المتنوعة أن تكون شيئًا واحدًا غلا فرق بين هذا وهذا وذلك من جنس من يقول إن العالم هو العلم والعلم هو القدرة.","vol":"4","page":119},{"text":"ولهذا كان منتهى هؤلاء النفاة إلى أن يجعلوا الوجود الذي هو نوع واحد واحدًا بالعين، فيجعلون وجود الخالق هو عين وجود المخلوقات، ووجود زيد هو عين وجود عمرو، ووجود الجنة هو عين وجود النار ووجود الماء هو عين وجود النار.\nومنشأ ضلال هؤلاء كلهم أنهم يأخذون القدر المشترك بين الأعيان، وهو الجنس اللغوي، فيجدونه واحدًا في الذهن، فيظنون أن ذلك هو وحدة عينية، ولا يميزون بين الواحد بالجنس والواحد بالعين، وأن الجنس العام المشترك لا وجود له في الخارج وإنما يوجد في الأعيان المتميزة.\nولهذا شبه بعض أهل زماننا الكلام في أنه جنس واحد مع تعدد أنواعه بالنوع الواحد، وعلى قوله لا يبقى في الخارج كلام أصلا، ولو اهتدى لعلم أن هذا الكلام ليس هذا الكلام كما أن هذه الحركة ليست هذه الحركة وأن اشترك أنواع الكلام في الكلام كاشتراك أنواع الحركة في الحركة، بل اختلاف معاني الكلام أعظم من اختلاف أنواع الحركات من بعض الوجوه والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا ان يقال: من جوز أن تكون القدرة والإرادة","vol":"4","page":120},{"text":"والعلم حقيقة واحدة كما أن الطلب والخبر حقيقة واحدة، فلماذا لا يجوز أن تكون حقيقة الحروف المختلفة حقيقة واحدة، وكذلك حقيقة الأصواب؟ لست أعني واحدة بالنوع بل.\nواحدة بالعين كما جعل الكلام واحدًا بالعين، وكما سوغ ان تكون الصفات المتنوعة واحدة بالعين.\nوالذين قالوا: إن الكلام حروف وأصوات متقارنة قديمة لا يسبق بعضها بعضًا وهو مع ذلك واحد، إنما قالوه تبعًا لأولئك وجريًا على قياس قولهم، وهو لازم لهم مع ظهور فساده، وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم.\nويلزم من قال ذلك أن يجعل الطعم واللون والريح شيئًا واحدًا.\nوإذا قيل: هذا كالسواد والبياض.\nقيل له: ويلزمك ان تجعل السواد والبياض شيئًا واحدًا، كما جعلت العلم والقدرة والحياة شيئًا واحدًا.\nفإذا قال: نحن تكلمنا فيما يمكن اجتماعه من المعاني، والسواد والبياض متضادان.\nقيل: الجواب من وجهين","vol":"4","page":121},{"text":"أحدهما: أنه يلزمك هذا في المعاني المختلفة التي يمكن اجتماعها، كالطعم واللون والريح، فقل إنها شيء واحد، كما أن العلم والإرادة والقدرة، والطلب والخبر والأمر والنهي شيء واحد.\nالثاني: أن يقال: تضاد الحروف كتضاد معاني الكلام، أو تضاد الحركات لا كتضاد السواد والبياض.\nفإن المحل الواحد لا يتسع لحركتين ولا لمعنيين فلا يتسع لحرفين وصوتين وفرق بين ما يتضادان لأنفسهما وما يتضادان لضيق المحل.\nوإذا كان كذلك، كان تضاد الحروف والحركات، كتضاد معاني الكلام.\nفإن قلب الإنسان يعجز في الساعة الواحدة عن جمع جميع معاني الكلام، فإلحاق حروف الكلام بأسبابها، وهي الحركات ومضموناتها ومدلولاتها، وهي المعاني، أولى من إلحاقها بالمتضادات لنفسها، كالسواد والبياض.\nوحينئذ فإذا جعلت معاني الكلام شيئًا واحدًا فاجعل حروف الكلام شيئًا واحدًا، وإلا فما الفرق؟\nوقد يقال في الفرق: إن الحروف مقاطع الأصوات والأصوات تابعة لأسبابها، وهي الحركات.\nوالحركات: إما متماثلة وإما مختلفة، وكل من الحركات المختلفة والمتماثلة متضادة، لا يمكن اجتماع","vol":"4","page":122},{"text":"حركتين في محل واحد في زمن واحد، فلا يجتمع صوتان، فلا يجتمع حرفان.\nوالحركات هي من الأكوان، والأكوان كالألوان، فكما لا يجتمع لونان مختلفان في محل واحد في وقت واحد، فلا يجتمع كونان مختلفان في محل واحد في وقت واحد.\nبخلاف معاني الكلام، كالطلب الذي يتضمن الحب للمأمور به والبعض للمنهى عنه، والخبر الذي يتضمن العلم والاعتقاد للمخبر عنه فإنها وإن كانت حقائق متنوعة لكن لا يمنع اجتماعها فإن الأمر بالشيء لا يضاد النهي عن غيره ولا العلم بثالث فلم تتضاد لأنفسها ولكنها لعجز العبد عن جمعها.\nفالأمور ثلاثة أنواع: ما امتنع اجتماعها لنفسها، كالألوان المختلفة.\nوما امكن اجتماعها، وقد تجتمع كالعلم والإرادة والقدرة، والطعم واللون والريح.\nوما يعجز بعض الأحياء عن جمعها، كجمع الإرادات الكثيرة والاعتقادات الكثيرة في زمن واحد فهذه ليس بين حقائقها منافاة تمنع اجتماعها، ولكن العبد يعجز عن جمعها، كما أنه لا يمتنع ان يعمل بلسانه عملًا وبيده","vol":"4","page":123},{"text":"عملا، وبرجله عملا، وأن يسمع كلام هذا القارئ وهذا القارئ وهذا القارئ، فالجمع بين هذه الأمور قد يتعذر العبد لا لامتناع اجتماعها في نفسه، فإن سمع هذا لا ينافي سمع هذا لذاته، ولا هذه الحركة تنافي هذه الحركة لذاتها ولهذا يعقل اجتماع هذه بخلاف اجتماع الضدين.\nوكذلك رؤية المرئيات المختلفة لا تتضاد، ولكن يتضاد تحريك الأجفان إلى جهتين مختلفتين، فنفس الحركات متضادة، وأما ما يحصل عنها من إدراك، فليس هو في نفسه متضادًا.\nفإذا قدر إدراك لا يفتقر إلى حركة، أو يحصل بحركة واحدة، كمن ينظر إلى السماء بتحديق واحد، لم يكن إدراكه لهذه المدركات في آن واحد متضادًا، فهل يمكن أن يقال في الصوت مثل ذلك، وأنه يمكن حصول أصوات بلا حركات وحينئذ فلا تتضاد تلك الأصوات المجتمعة في محل واحد في زمن واحد؟\nفيه نزاع، وجمهور العقلاء على امتناعه فإن كان هذا مما يمكن اجتماعه صار كمعاني الكلام والصفات وإن لم يمكن اجتماعه صار كالمتضادات.\nوعلى هذا التقدير: فمن قال بإمكان اجتماع هذه الأمور لم يكن في قوله من الاستبعاد اعظم من قول من يقول: تكون تلك الحقائق المختلفة شيئًا واحدًا.","vol":"4","page":124},{"text":"وليس اجتماع ما يظهر تضاده بأعظم من اتحاد ما يعلم اختلافه.\nوإذا قال القائل: الأمور الإلهية لا تشبه بأحوال العباد، بل العبد يختلف علمه باختلاف المعلومات وإرادته باختلاف المرادات ويتعدد ذلك فيه والباري ليس كذلك.\nقيل: فإذا جوزتم أن يكون ما يعلم تعدده واختلافه في المخلوقين واحدًا لا تعدد فيه ولا تنوع في حق الخالق أمكن منازعكم أن يقول كذلك، فيقول: ما يمتنع اجتماعه في حقنا لا يمتنع اجتماعه في حقه لأنه واسع لا يقاس بالمخلوقين.\nبل اجتماع الأمور التي يظهر تضادها فينا أقرب من اتحاد الأمور التي نعلم اختلافها، فإن كون الشيء هو نفس ما يخالفه، أمر فيه قلب الحقائق.\nوأما اجتماع الشيء وغيره في حق الخالق، مع امتناع اجتماعهما في حق المخلوقات فيدل على أنه يمكن في حقه ما لا يمكن في حق الخلق وذلك يدل على عظمته وقدرته.\nوأيضًا فقد يقول الكرامية وأمثالهم: إن محل هذه الحروف والأصوات ليس هو بعينه محل الأخرى، والله واسع عظيم، لا يحيط العباد به علمًا، ولا تدركه أبصارهم.\nوبالجملة فالناس متنازعون في إمكان اجتماع الحروف وإمكان","vol":"4","page":125},{"text":"قدمها، والنزاع في ذلك قديم ذكره الأشعري في المقالات وأصحاب أحمد متنازعون في ذلك، وكذلك أصحاب مالك، وأبي حنيفة والشافعي، وغيرهم من الطوائف وكذلك أهل الحديث والصوفية.\nوحينئذ فيقال: إما أن يكون ذلك ممتنعًا وغما ان يكون ممكنًا فغن كان ممتنعًا لم يكن ظهور امتناعه أعظم من ظهور امتناع قول الكلابية الذي يوجب قدم المعاني المتنوعة التي هي مدلول العبارات المنتظمة، ويجعلها مع ذلك معنى واحدًا.\nفإن الألفاظ قوالب المعاني، ونحن كما لا نعقل الحروف إلا متوالية متعاقبة فلا تعقل معانيها إلا كذلك وبتقدير أن نعقل اجتماع معانيها، فهي معان متنوعة ليست شيئًا واحدًا.\nولهذا لما قالت الكلابية لهؤلاء: الحروف متعاقبة، والسين بعد الباء وذلك يمنع قدمها.\nأجابوهم بثلاثة أجوبة كما ذكر ابن الزاغوني وقالوا هذا معارض بمعارض الحروف فإنها متعاقبة عندنا وانتم تقولون بقدمها.\nالثاني أن التعاقب والترتيب نوعان: أحدهما ترتيب في نفس الحقيقة والثاني ترتيب في وجودها فإذا كانت موجودة شيئًا بعد شيء كان الثاني حادثًا وأما الترتيب الذاتي العقلي فهو بمنزلة كون","vol":"4","page":126},{"text":"الصفات تابعة للذات وكون الإرادة مشروطة بالعلم والعلم مشروطًا بالحياة.\nوادعوا أن تقدم الحروف من هذا الباب وهذا الذي يقال له تقدم بالطبع وهو تقدم الشرط على المشروط كتقدم الواحد على الإثنين وجزء المركب على جملته ومثل هذا الترتيب لا يستلزم عدم الثاني عند وجود الأول.\nفقول هؤلاء إن كان باطلًا، فكون العلم هو الحياة، والحياة هي الإرادة، ومعنى القرآن هو معنى التوراة، ومعنى آية الكرسي وقل هو الله أحد هو معنى آية الدين وتبت يدا أبي لهب هو باطل أيضًا سواء كان مثله في البطلان أو أخفى بطلانًا منه او أظهر بطلانًا منه.\nوحينئذ فيقال: هب أن قول السالمية والكرامية باجتماع الحروف محال، فقول الكلابية أيضًا محال، فلا يلزم من بطلان ذاك صحة هذا.\nوقول المعتزلة والفلاسفة أبطل من الكل.\nوحينئذ فيكون الحق هو القول الآخر وهو انه لم يزل متكلمًا بحروف متعاقبة لا مجتمعة.\nوهذا يستلزم قيام الحوادث به، فمن قال بهذا لم يكن تناقض الكرامية حجة عليه، ولم يلزم من بطلان قولهم بطلان هذا الأصل وإن كان اجتماع الحروف ممكنًا بطل أصل الاعتراض.","vol":"4","page":127},{"text":"ومعلوم أن القسمة العقلية أربعة لأن الحروف: إما أن يمكن قدم أعيانها، وحينئذ يلزم إمكان اجتماعها وإما ان لا يمكن قدم أعيانها بل قدم أنواعها وإما ان لا يمكن قدم أعيانها ولا أنواعها.\nوأما القسم الرابع: وهو قدم أعيانها لا أنواعها، فهذا لا يقوله عاقل وعلى التقديرين فإما أن يمكن اجتماعها وإما ان لا يمكن فهذه خمسة أقسام.\nوأيضًا فإذا أمكن الاجتماع، فإما ان يكون بقاؤها ممكنًا، وإما أن لا يكون فالقول المذكور عن الكرامية يتضمن حدوث اعيانها وأنواعها، لكن مع إمكان اجتماعها وبقائها بعد الحدوث وهذا قول من أقوال متعددة.\nوبإزاء ذلك من يقول: يجب حدوثها ويمتنع بقاؤها إما مع إمكان الاجتماع وإما مع عدم إمكان الاجتماع.\nومن يقول يجب قدم نوعها لا قدم أعيانها قد يقول بإمكان الاجتماع وقد لا يقول.\nوالناس متنازعون في تكليم الله لعباده: هل هو مجرد خلق إدراك لهم من غير تجدد تكليم من جهته أو لا بد من تجدد تكليم؟ على قولين للمنتسبين إلى السنة وغيرهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم.","vol":"4","page":128},{"text":"فالأول: قول الكلابية والسالمية، ومن وافقهم من أصحاب هؤلاء الأئمة القائلين بان الكلام لا يتعلق بمشيئته وقدرته بل هو بمنزلة الحياة.\nوالثاني: قول الأكثرين من أهل الحديث والسنة من أصحاب هؤلاء الأئمة وغيرهم وهو قول أكثر أهل الكلام من المرجئة والشيعة والكرامية والمعتزلة وغيرهم.\nقالوا: ونصوص الكتاب والسنة تدل على هذا القول، ولهذا فرق الله بين أيحائه وتكليمه كما ذكر في سورة النساء وسورة الشورى.\nوالأحاديث التي جاءت بأنه يكلم عباده يوم القيامة ويحاسبهم وأنه إذا قضى أمرًا في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان إلى غير ذلك مما يطول ذكره.\nوإذا كان كذلك امتنع أن لا يقوم كلام الله به فإنه يلزم ان لا يكون كلامه بل كلام من قام به كما قد قرر في موضعه.\nوالله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة، لا يشغله حساب هذا عن حساب هذا وكذلك إذا ناجوه ودعوه أجابهم كما في الصحيح عن النبي ﷺ انه قال يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل.\nفإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين.\nقال الله حمدي عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم.\nقال الله أثنى على عبدي.\nفإذا قال: مالك يوم الدين قال مجدني عبدي فإذا","vol":"4","page":129},{"text":"قال إياك نعبد وإياك نستعين.\nقال هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولبعدي ما سأل.\nفإذا قال أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل.\nفقد أخبر النبي ﷺ أن الله يقول هذا لكل مصل، والناس يصلون في ساعة واحدة والله تعالى يقول لكل منهم هذا.\nوقد روي ان أبن عباس قيل له: كيف يحاسب الله الخلق في ساعة واحدة؟ فقال كما يرزقهم في ساعة واحدة وأمثال ذلك كثير.\nوحينئذ فمن قال: إن هذه أقوال قائمة بنفسه تتعلق بمشيئته وقدرته يلزمه أحد أمرين إما أن يقول باجتماعها في محل واحد، وإما أن يقول إن ذاته واسعة تسع هذه الأقوال كلها.\nونحن نعقل ان يقوم بالذات الواحدة حروف كثيرة في آن واحد.\nوأصوات مجتمعة في آن واحد لكن لا يكون هذا حيث هذا إذ لا يعقل في الشاهد أنهما يجتمعان في محل واحد.\nوقد يقال: إن مثل هذا يجيء على قول من يقول: إنه يقوم بذاته لا نهاية لها، وإرادات لا نهاية لها، وقدر لا نهاية لها، فإن ذلك كقيام أفعال وأقوال لا نهاية لها.\nوهذا على وجهين: فمن قال:","vol":"4","page":130},{"text":"إن ذلك يقوم به على سبيل التعاقب فهو كمن يقول إنه تقوم به الكلمات والأفعال على سبيل التعاقب.\nومن قال إنها كلها أزلية كما تقوله طائفة يقولون إنه تقوم به علوم لا نهاية لها في آن واحد كما يقوله أبو سهل الصعلوكي وغيره فإن هذا يشبه قول من يقول: تقوم به حروف لا نهاية لها في آن واحد.\nلكن قد يقال: اجتماع العلوم بمعلومات، والإرادات بمرادات، قد يقال إنه لا يتضاد كاجتماع معاني الكلام بخلاف اجتماع حروف فإنه كاجتماع أصوات واجتماع أصوات كاجتماع حركات.\nوجماع ذلك ان الحقائق: إما أن تكون متماثلة، وإما أن لا تكون.\nوإذا لم تكن متماثلة فإما أن يمكن اجتماعها في محل واحد في زمن واحد، وإما أن لا يمكن فالأولى المختلفة التي ليست بمتضادة، كالعلم والقدرة، وكالطعم واللون والثاني المتضادة، كسواد والبياض.\nوكالعجز مع القدرة، كالعلم بمعلومات والقدرة على مقدورات والإرادة ليست هي متضادة بل يمكن اجتماع","vol":"4","page":131},{"text":"ذلك، لكن قد يضيق عنه المحل، كما يضيق قلب العبد عن إجتماع أمور كثيرة من ذلك وإن كان قد يجتمع في قلبه من ذلك ما يسعه قلبه.\nوالقلوب تختلف أيضًا بذاتها، ولهذا يمكن بعض الناس أن يقرأ ويفعل بيده ورجله وآخر لا يمكنه ذلك، كما يمكن هذا الحركة القوية الشديدة، والآخر لا يمكنه ذلك، ويمكن هذا أن يرى ويسمع من المختلفات ما لا يمكن الآخر رؤيته او سماعه.\nوإذا كان كذلك فالكلام في الصوت في شيئين: أحداهما: في بقائه وقدمه كما في بقاء الحركة وقدمها، ولا ريب في إمكان بقاء نوع الصوت والحركة، بمعنى حدوث الحركة والصوت شيئًا فشيئًا كحركة الفلك والكواكب.\nوأما إمكان قدم نوع الصوت والحركة ففيه قولان مشهوران للنظار فالجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم تنكر إمكان قدم ذلك وكثير من أئمة أهل الحديث والفقه والتصوف الفلاسفة يجوزون قدم ذلك ومنهم من يجوز قدم نوع الصوت لا نوع الحركة.\nوأما بقاء الصوت المعين والحركة المعينة فجمهور العقلاء يحيلون بقاء ذلك وقدمه، بل امتناع قدم ما يمتنع بقاؤه اولى فإن ما وجب قدمه","vol":"4","page":132},{"text":"وجب بقاؤه وامتنع عدمه ومن الناس من جوز بقاء الصوت المعين والحركة المعينة وبعض هؤلاء جوز قدم الصوت المعين.\nولا فرق بين الحركة والصوت وأما الحروف المنطوق بها فالناس متنازعون: هل هي طرف للصوت أم يمكن وجود حروف منظومة بلا صوت على قولين.\nوإذ قيل: لا يمكن وجود حرف منطوق له إلا بصوت، فالحرف قد يعبر به عن نهاية الصوت وتقطعه وقد يعبر به عن نفس الصوت المقطع، كما يعبر بلفظ الحرف عن الحرف المكتوب، ويراد به مجرد الشكل تارة مجردًا عن المادة ويراد به مجموع المادة والشكل وهو المداد المصور.\nوالمسألة الثانية: أن الأصوات المتنوعة سواء قيل بوجوب تعقبها شيئًا بعد شيء أو قيل بإمكان بقاء الصوت المعين: هل تقوم بالصائت الواحد، إذا كان محل هذا الصوت ليس هو بعينه محل هذا الصوت وإن كان الصائت واحدًا؟\nولا ريب أن هذا أولى من قيام الحركات المتنوعة بالمتحرك الواحد، إذا قامت كل حركة بمحل غير محل الأخرى.\nوأما اجتماع الصوتين والحركتين في محل واحد فهو متعذر للتضاد عند اكثر العقلاء أو لضيق المحل عند بعضهم، كاجتماع العلمين","vol":"4","page":133},{"text":"والقدرتين والإرادتين المختلفتين والإدراكين، ثم إذا قدر ان محل هذه الصفات لا يكون إلا جسمًا، فيبقى الكلام في الجسم هل هو مركب هل مركب من الجواهر المنفردة؟ أو من المادة والصورة؟ اولا من هذا ولا من هذا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>لنظار ثلاثة أقوال في تركيب الجسم</span>\nوفي ذلك للنظار ثلاثة أقولا:\nفمن قال بالمركب من الجواهر المنفردة اضطربوا في محل العلم ونحوه من العبد: هل هو جزء مفرد في القلب، كما يذكر عن ابن الرواندي؟ او أن الأعراض المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء من الجملة اتصف بها سائر الجملة، كما يقوله المعتزلة؟ أو حكم العرض لا يتعدى محله بل يقوم، بل يقوم بكل جوهر فرد عرض يخصه من العلم والقدرة ونحو ذلك، كما يقوله الأشعري؟ على ثلاثة أقوال.\nومن لم يقل بالجوهر الفرد لم يلزمه ذلك بل يقول: إن العرض القائم بالجسم ليس بمنقسم في نفسه، كما أن الجسم ليس بمنقسم، وأما قبوله للقسمة فهو كقبول الجسم للقسمة.\nوهؤلاء يقولون: إن الإنسان تقوم به الحياة والقدرة والحس بجميع بدنه، ويقولون: إن بدن الإنسان ليس مركبًا من الجواهر المنفردة فلا يرد عليهم ما ورد على أولئك.","vol":"4","page":134},{"text":"وأما الأعراض القائمة بروحه من العلم والإرادة ونحو ذلك فهي أبعد عن الأنقسام من الأعراض ببدنه، وروحه أبعد عن كونها مركبة من الجواهر المنفردة من بدنه وإن قيل إنها جسم.\nوعلى هذا فإذا قيل: يقوم بها علم واحد بمعلوم واحد كان هذا بمنزلة أن يقال يقوم بالعين إدراك واحد لمدرك واحد وبمنزلة أن يقوم بداخل الأذن سمع واحد لمسموع واحد.\nوهذا وغيره مما يجيبون به المتفلسفة الذين قالوا إن النفس الناطقة لا تتحرك ولا تسكن ولا تصعد ولا تنزل وليست بجسم فإن عمدتهم على ذلك كونها يقوم بها مالا ينقسم، كالعلم بما لا ينقسم فيجب أن لا ينقسم وإذا لم تنقسم امتنع كونها جسما وكلا المقدمتين ممنوعة، كما قد بسط الجواب عن هذه الحجة التي هي عمدتهم في غير هذا الموضع.\nولما عسر جواب هذه على الرازي ونحوه من أهل الكلام، اعتقدوا أن القول بالمعاد مبني على إثبات الجوهر الفرد لظنهم أنه لا يمكن الجواب عن هذه إلا بإثبات الجوهر الفرد وأن القول بالمعاد يفتقر إلى القول بان أجزاء البدن تفرقت ثم اجتمعت.\nوليس الأمر كذلك، فإن إثبات الجوهر الفرد مما أنكره أئمة السلف والفقهاء وأهل الحديث والصوفية وجمهور العقلاء وكثير من","vol":"4","page":135},{"text":"طوائف أهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من الكرامية.\nوالقول بمعاد الأبدان مما اتفق عليه أهل الملل، فكيف يكون القول بمعاد الأبدان مستلزما للقول بالجوهر الفرد؟ وبسط هذه الأمور له موضع آخر.\nوالمقصود هنا التنبيه على ما ذكره من البحث مع الكرامية.\nوحينئذ فيقال قول الكرامية الذي حكاه عنهم من انه يستحيل تعري الباري عن الأقوال الحادثة في ذاته بعد قيامها قول لا يوافقهم عليه كل من وافقهم على أصل هذه المسألة، فإن الموافقين لهم على أصل المسألة هم أكثر الناس، وأئمتهم من الطوائف كلها، حتى من أئمة أهل السنة والحديث وأئمة الفلاسفة أهل الشرع وأهل الرأي وأما هذا القول فموافقهم عليه قليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>عود إلى مناقشة كلام الأمدي في مسألة كلام الله تعالى</span>\nقال وعند ذلك فإما ان يقال باجتماع حروف القول في ذاته تعالى أو لا يقال باجتماعها فيه فإن قيل باجتماعها: فإما ان يقال بتحري ذات الباري وقيام كل حرف بجزأ منه وإماأن يقال بقيامها بذاته مع اتحاد الذات، فإن كان الأول فهو محال لوجهين:","vol":"4","page":136},{"text":"أحدهما انه يلزم منه التركيب في ذات الله وقد أبطلناه في أبطال لقول بالتجسيم.\nقلت: ولقائل أن يقول: قول القائل: إما أن يتجزأ ويلزم منه التركيب لفظ مجمل كما قد عرف غير مرة فإن هذا يفهم منه إما جواز الافتراق عليه، أو أنه مفترقًا فاجتمع أو ركبه ونحو هذه المعاني التي لا يقولونها.\nفإن أراد المريد بقوله إما أن يقال بتجزي ذات الباري تعالى هذا المعنى فهم لا يقولون بتجزئة، ولكن لا يلزم من رفع امتناع كون الذات واسعة تسع هذا وهذا وهذا وأن كل واحد يقوم لا يقوم الآخر وهذا هو الذي عناه بلفظ التجزي والتركيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>كلام الآمدي في نفي التجسيم وتعليق ابن تيمية</span>\nوقوله إنه أبطل هذا في أبطال القول بالتجسيم فهم يقولون ليس فيما ذكرته في نفي التجسيم حجة على نفي قولهم.\nوذلك أنه قال والمعتمد في نفي التجسيم أن يقال لو كان","vol":"4","page":137},{"text":"الباري جسمًا، فإما أن يكون كالأجسام وإما أن لا يكون كالأجسام فغن قيل إنه لا كالأجسام كان النزاع في اللفظ دون المعنى، والطريق في الرد ما أسلفناه في كونه جوهرًا.\nوإن قيل إنه كالأجسام فهو ممتنع لثمانية اوجه: منها أربعة وهي ما ذكرناها في استحالة كونه جوهرًا وهي الأول والثالث والرابع والخامس ويختص الجسم بأربعة أخرى.\nقلت والذي ذكره في إبطال كونه جوهرًا هو أن المعتمد هو أنا نقول لو كان الباري جوهرًا لم يخل إما أن يكون جوهرًا كالجواهر أولا كالجواهر والأول باطل لخمسة أوجه وإن قيل إنه جوهر لا كالجواهر فهو تسليم للمطلوب فإنا إنما ننكر كونه جوهرًا كالجواهر وإذا عاد الأمر إلى الإطلاق اللفظي فالنزاع لفظي ولا مشاحة فيه إلا من وجهة ورد التعبد من الشارع به، ولا يخفي أن ذلك مما لا سبيل إلى إثباته.","vol":"4","page":138},{"text":"قال وعلى هذا فمن قال إنه جوهر، بمعنى أنه موجود لا في موضوع، والموضوع هو المحل المقوم ذاته المقوم لما يحل فيه، كما قاله الفلاسفة، أو أنه جوهر بمعنى أنه قائم بنفسه غير مفتقر في وجوده إلى غيره، كما قاله أبو الحسين البصري، مع اعترافه أنه لا يثبت له أحكام الجواهر، فقد وافق في المعنى وأخطأ في الإطلاق، من حيث إنه لم ينقل عن العرب إطلاق الجوهر بأزاء القائم بنفسه، لا ورد فيه إذن من الشرع.\nفيقال: إذا كان قول القائل: إنه جوهر لا كالجواهر وجسم لا كالأجسام موافقًا لقولك في المعنى، وإنما النزاع بينك وبينهم ف ياللفظ قامت حجته عليك لفظًا ومعنى.\nأما اللفظ فمن وجهين: أحداهما أنه كما أن الشارع لم يأذن في إثبات هذه الألفاظ له فلم يأذن في نفيها عنه، وأنت لم تسمه سخيًا لعدم إذن الشرع، فليس لك أن تقول ليس بسخي لعدم إذن الشرع في هذا النفي بل إذا لم يطلق إلا ما إذن فيه الشرع، لا يطلق لا هذا ولا هذا.","vol":"4","page":139},{"text":"ثم أنت تسميه قديمًا، وواجب الوجود، وذاتًا، ونحو ذلك مما لم يرد به الشرع، والشارع يفرق بين ما يدعي به من الأسماء، فلا يدعي إلا بالأسماء الحسنى، وبين ما يخبر بمضمونه عنه من الأسماء لإثبات معنى يستحقه، نفاة عنه ناف لما يستحقه من الصفات، كما انه من نازعك في قدمه أو وجوب وجوده قلت مخبرًا عنه بما يستحقه إنه قديم وواجب الوجود، فإن كان النزاع مع من يقول هو جوهر وجسم في اللفظ فعذرهم في الإطلاق أن النافي ما يستحقه الرب من الصفات في ضمن نفي هذا الاسم، فأثبتنا له ما يستحقه من الصفات بإثبات مسمى هذا الاسم، كما فعلت أنت وغيرك في اسم قديم وذات وواجب الوجود ونحو ذلك.\nالثاني: أنك احتججت على نفي ذاك العرب لم ينقل عنها إطلاق الجوهر بإزاء القائم بنفسه.\nفيقال لك: ولم ينقل عنها إطلاقة بإزاء كل متحيز حامل للأعراض ولا نقل عنها إطلاق لفظ ذات بإزاء نفسه وإنما لفظ الذات عندهم تأنيث ذو فلا تستعمل إلا مضافة كقوله تعالى ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ الأنفال ١ وقوله ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ الأنفال ٤٣.\nوقول النبي","vol":"4","page":140},{"text":"ﷺ: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله» .\nوقول خبيب\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\nوأمثال ذلك أي في جهة الله أي لله تعالى.\nولهذا أنكر ابن برهان وغيره على المتكلمين إطلاق لفظ ذات الله.\nوإذا كان كذلك فأنت أطلقت لفظ الذات على ما لم تطلقه العرب بغير إذن من الشرع.\nولو قال لك قائل: إن الله ليس بذات.\nنازعته.\nفهكذا يقول منازعك في اسم الجوهر والجسم إذا كان موافقًا لك على معناهما.\nوأيضًا فإن لفظ الجوهر والجسم قد صار في أصطلاحكم جميعًا أعم مما استعملت فيه العرب فإن العرب لا تسمي كل متحيز","vol":"4","page":141},{"text":"جوهرًا ولا تسمي كل مشار إليه جسمًا فلا تسمي الهواء جسمًا.\nوفي أصطلاحكم سميتم هذا جسمًا، كما سميتم في اصطلاحكم باسم الذات كل موصوف أو كل قائم بنفسه أو كل شيء فلستم متوقفين في الاستعمال لا على حد اللغة العربية ولا على إذن الشارع لا في النفي ولا في الإثبات.\nفإن لم يكن لك حجة على منازعك إلا هذا، كان خاصمًا لك، وكان حكمه فيما تنازعتما فيه كحكمكما فيما اتفقتما أو فيما انفردت به من هذا الباب.\nوأيضًا فحكايتك عن الفلاسفة أنهم يسمونه جوهرًا، والجوهر عندهم الموجود لا في موضوع إنما قاله ابن سينا ومن تبعه.\nوأما أرسطو وأتباعه وغيرهم من الفلاسفة فيسمونه جوهرًا، فالوجود كله ينقسم عندهم إلى جوهر وعرض، والمبدأ الأول داخل عندهم في مقوله الجوهر.\nوالأظهر أن النصارى إنما أخذوا تسميته جوهرًا عن الفلاسفة فإنهم ركبوا قولًا من دين المسيح ودين المشركين الصابئين.\nوأما النزاع المعنوي فيقال: قول القائل إنه جوهر كالجواهر أو جسم كالأجسام لفظ مجمل، فإنه قد يراد به أنه مماثل لكل جوهر وكل","vol":"4","page":142},{"text":"جسم فيما يجب ويجوز ويمتنع عليه وقد يريد به أنه مماثل لها في القدر المشترك بينها كلها، بحيث يجب ويجوز ويمتنع عليه ما يجب ويجوز ويمتنع على ما حصل فيه القدر المشترك منها، ولو أنه واحد.\nفأما الأول فإنه إما أن يقول مع ذلك بتماثل الأجسام والجواهر، وإما أن يقول باختلافها فإن قال بتماثلها كان قوله هو القول الثاني، إذ كان يجوز على كل منها ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه باعتبار ذاته.\nوإن قال باختلافها امتنع مع ذلك أن يقول إنه كالأجسام فإنه من المعلوم على هذا التقدير أن كل جسم ليس هو مثل الآخر، ولا يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر فكيف يقال في الخالق سبحانه إنه يجوز عليه ما يجوز على كل مخلوق قائم بنفسه حتى في الجماد والنبات والحيوان.\nهذا لا يقوله عاقل حتى القائلون بوحدة الوجود، فهؤلاء عندهم هونفس وجود الأجسام المخلوقة، ولكن هم مع هذا لا يقولون إنه يجوز على وجود جميع الموجودات ما يجوز على وجود هذا.\nوهذا وإن قال: إنه كالأجسام المخلوقة في القدر المشترك بينها بحيث يجوز عليه ما يجوز على المجموع لا على كل واحد واحد فهذا","vol":"4","page":143},{"text":"أيضًا قول معلوم الفساد ولا نعرف قائلًا معروفًا يقول به فإن هذا هو التشبيه والتمثيل الذي يعلم تنزه الله عنه إذ كان كل ما سواه مخلوقًا والمخلوقات تشترك في هذا المسمى فيجوز على المجموع من العدم والحدوث والافتقار ما يجب تنزيه الله عنه بل لو جاز ووجب وامتنع عليه ما يجوز ويجب ويمتنع على الممكنات والمحدثات لزم الجمع بين النقيضين، فإنه يجب له الوجود والقدم، فلو وجب ذلك للمحدث، مع أنه لا يجب له ذلك، لزم أن يكون ذلك واجبًا للمحدث غير واجب له، ولو جاز عليه الإمكان والعدم، مع أن الواجب بنفسه، القديم الذي لا يقبل العدم، لا يجوز عليه الإمكان والعدم للزم أن يمتنع عليه العدم لا يمتنع عليه، وأن يجب له الوجود، لا يجب له، وذلك جمع بين النقيضين.\nفتنزيه الله عما يستحق التنزيه عنه من مماثلة المخلوقين يمنع أن يشاركها في شيء من خصائصها، سواء كانت تلك الخاصة شاملة لجميع المخلوقات، أو مختصة ببعضها.\nفعلم أن القول بأنه جوهر كالجواهر، أو جسم كالأجسام، سواء جعل التشبيه لكل منها، أو بالقدر المشترك بينها، لم تقل به طائفة معروفة أصلًا.\nفإن كان النزاع ليس إلا مع هؤلاء فلا نزاع في المسألة فتبقى بحوثه المعنوية في ذلك ضائعة، وبحوثه اللفظية غير نافعة مع أني إلى ساعتي هذه لم أقف على قول لطائفة ولا نقل عن طائفة أنهم قالوا","vol":"4","page":144},{"text":"جسم كالجسام مع أن مقالة المشبهة الذين يقولون يد كيدي وقدم كقدمي وبصر كبصري مقالة معروفة وقد ذكرها الأئمة كيزيد ابن هارون، واحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية وغيرهم وأنكروها وذموها، ونسبوها إلى مثل داود الجواربي البصري وأمثاله.\nولكن مع هذا صاحب هذه المقالة لا يمثله بكل شيء من الجسام بل ببعضها ولا مع ذلك أن يثبتوا التماثل من وجه والاختلاف من وجه لكن إذا أثبتوا من التماثل ما يختص بالمخلوقات كانوا مبطلين على كل حال.\nوفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر.\nفإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون يد كيدي وبصر كبصري وقدم كقدمي.\nوقد قال الله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: ١١","vol":"4","page":145},{"text":"وقال تعالى ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾ الإخلاص: ٤ وقال ﴿هل تعلم له سميا﴾ مريم: ٦٥ وقال تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ البقرة: ٢٢.\nوأيضًا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض كما قد بسط الكلام على ذلك في غير موضع ن وأفردنا الكلام على قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: ١١ في مصنف مفرد.\nوأما الكلام في الجسم والجوهر ونفيهما أو إثباتهما فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك لا نفيًا ولا إثباتًا.\nوالنزاع بين المتنازعين في ذلك بعضه لفظي وبعضه معنوي اخطأ هؤلاء من وجه، وهؤلاء من وجه فإن كان النزاع مع من يقول هو جسم أو جوهر إذا قال لا كالأجسام ولا كالجواهر إنما هو اللفظ فمن قال هو كالأجسام والجواهر يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.\nفإن فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى كان قوله مردودًا وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله فكل قول تضمن هذا فهو باطل.","vol":"4","page":146},{"text":"وإن فسر قوله جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.\nفلا بد أن يلحظ في هذا المقام إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا وذلك مثل أن يقول أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات وبين كل حي عليم سميع بصير وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات وإلا فلو قال الرجل هو حي لا كالأحياء وقادر لا كالقادرين وعليم لا كالعلماء وسميع لا كالسمعاء وبصير لا كالبصراء ونحو ذلك واراد بذلك نفي خصائص المخلوقين فقد أصاب.\nوإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله فقد أخطأ.\nإذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته يقع من جهة المعنى في شيئين أحدهما انهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.\nفمن قال بتماثلها قال كل من قال إنه جسم لزمه التمثيل.\nومن قال إنها لا تتماثل قال إنه لا يلزمه التمثيل.","vol":"4","page":147},{"text":"ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة بحسب ما ظنوه لازمًا لهم كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة ومجسمة وحشوية وغثاء وغثراء ونحو ذلك ما ظنوه لازمًا لهم.\nلكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم لم يجز نسبتها إليه على إنها قول له سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها دل على فساد قوله.\nوعلى هذا النزاع بين هؤلاء وهؤلاء في تماثل الأجسام وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبين الكلام على جميع حججهم.\nوالثاني أن مسمى الجسم في اصطلاحهم قد تنازعوا فيه هل هو مركب من أجزاء منفردة أو من الهيولى والصورة أو لا مركب لا من هذا ولا من هذا؟\nوإذا كان مركبًا فهل هو جزآن أو ستة أجزاء أو ثمانية أجزاء أو ستة عشر جزءًا أو اثنان وثلاثون؟\nهذا كله مما تنازع فيه هؤلاء فمثبتوا التركيب المتنازع فيه في الجسم يقولون لأولئك إنه لازم لكم إذا قالوا هو جسم وأولئك ينفون هذا اللزوم.","vol":"4","page":148},{"text":"وقد يكون في المجسمة من يقول إنه جسم مركب من الجواهر المنفردة وينازعهم في امتناع مثل هذا التركيب عليه ويقول لا حجة لكم على نفي ذلك إلا ما اقمتموه من الأدلة على كون الأجسام محدثة أو ممكنة وكلها أدلة باطلة، كما بسط في موضعه.\nوبينهم نزاع في أمور أخرى ينازعهم فيها من لا يقول هو جسم مثل كونه فوق العالم أو كونه ذا قدر أو كونه متصفًا بصفات قائمة به.\nفالنفاة يقولون هذه لا تقوم إلا بجسم، وأولئك قد ينازعونهم في هذا أو بعضه، وينازعونهم في إتنفاء هذا المعنى الذي سموه جسمًا فهم ينازعون إما في التلازم وإما في انتفاء اللازم.\nإذا تبين أن هذه الأمور كلها ترجع إلى هذه الأمور الثلاثة فإن الحجج الثمانية التي ذكرها الآمدي على نفي الجوهر، وأربعة مختصة بالجسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>ذكر الآمدي أربعة حجج على نفي الجوهر مختصة بالجسم</span>\nالحجة الأولى\nقوله لو كان جوهرًا كالجواهر فإما أن يكون واجبًا لذاته وإما أن لا يكون فإن كان واجبًا لذاته لزم اشتراك جميع الجواهر في وجوب الوجود لذاتها ضرورة اشتراكها في معنى","vol":"4","page":149},{"text":"الجوهرية وإن كان ممكنًا لزم أن لا يكون واجبًا لذاته وإن كان لا كالجواهر فهو تسليم للمطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>الرد عليه</span>\nفيقال لا نسلم انه إذا كان واجبا لذاته لزم اشتراك جميع الجواهر في وجوب الوجود ولا يلزم أن الاشتراك في الجوهرية يقتضي الاشتراك في جميع الصفات التي تجب لكل منها وتمتنع عليه وتجوز له.\nوكذلك سيقال لا نسلم أنه إذا لم يكن كالجواهر كان تسليمًا للمطلوب وذلك انه إذا قيل لا كالأحياء وعالم لا كالعلماء وقادر لا كالقادرين لا يلزم من ذلك نفي هذه الصفات ولا إثبات خصائص المخلوقات.\nفمن قال هو جوهر وفسره إما بالمتحيز وغما بالقائم بذاته وغما بما هو موجود في موضوع لم يسلم أن الجواهر متماثلة بل يقول تنقسم إلى واجب وممكن كما ينقسم الحي والعليم إلى هذا وهذا.","vol":"4","page":150},{"text":"فإن قال إذا كان متحيزًا فالمتحيزات مماثلة له كان هذا مصادرة على المطلوب، لأنه نفي كونه جسمًا بناءً على نفي الجوهر ونفي الجوهر بناء على نفي على نفي المتحيز.\nوالمتحيز هو الجسم أو الجوهر والجسم فيكون قد جعل الشيء مقدمة في إثبات نفسه وهذه هي المصادرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>الحجة الثانية</span>\nقال الآمدي انه إما أن يكون قابلًا للتحيزية أو لا يكون فإن كان الأول لزم أن يكون جسمًا مركبًا وهو محال كما يأتي وغن كان الثاني لزم أن يكون بمنزلة الجوهر الفرد.\nولقائل أن يقول إن عنيت بالتحيزية تفرقته بعد الاجتماع أو اجتماعه بعد الافتراق فلا نسلم أن ما لا يكون كذلك يلزم أن يكون حقيرًا.\nوإن عنيت به ما يشار إليه أو يتميز منه شيء عن شيء لم نسلم أن مثل هذا ممتنع بل نقول إن كل موجود قائم بنفسه فإنه كذلك،","vol":"4","page":151},{"text":"وأن ما لا يكون كذلك فلا يكون إلا عرضًا قائمًا وانه لا يعقل موجود إلا ما يشار إليه أو ما يقوم بما يشار إليه كما قد بسط في موضعه وسيأتي الكلام على نفي حجته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>الحجة الثالثة</span>\nقال لا يخلو غما ان يكون لذاته قابلًا لحلول الأعراض المتعاقبة أولًا فإن كان الأول فيلزم ان يكون محلًا للحوادث وهو محال كما يأتي وإن كان الثاني فيلزم امتناع ذلك على كل الجواهر ضرورة الاشتراك بينها في المعنى وهو محال خلاف المحسوس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>الرد عليه من وجوه</span>\nولقائل أن يقول الجواب من وجوه\nالأول أنا لا نسلم حلول الأعراض المتعاقبة وأنت قد اعتمدت في هذا الوجه الذي ذكرته من تناقض أهل هذا القول على نفي الجسم والجوهر فلو جعلت هذا حجة في ذلك لزم المصادرة على المطلوب إذ كنت في كل من المسألتين تعتمد على الأخرى وإن اعتمدت على نفيه بالوجوه الأخر فقد عرف فساد كلامك وكلام غيرك.","vol":"4","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>الوجه الثاني</span>\nالثانية أن يقال ولم قلت إنه إذا امتنع حلول الحوادث على بعض الجواهر بعض وبعض القائمين بأنفسهم دون بعض وبعض الموصوفات دون بعض فلو قال لك قائل الاشتراك في كون كل من الشيئين ذاتًا قائمة بنفسها موصوفة بالصفات يوجب اشتراكهما في حلول الحوادث لكان هذا القول إما أن يلزمك وإما أن لا يلزمك فإن لزمك كان هذا لازمًا لك ولمنازعك فليس لك أن تنفيه وإن لم يلزمك فما كان جوابك عن إلزام من يلزمك به هو جواب منازعك.\nفإن قلت الاشتراك في الجوهرية اشتراك في المعنى الذي لآجله جاز قيام الحوادث به.\nقال لك كل من الخصمين والاشتراك في الذاتية والموصوفية والقيام بالنفس اشتراك في المعنى الذي لجله جاز قيام الحوادث به وأنت إذا أنصفت علمت أن البابين واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>الحجة الثالثة</span>\nالثالثة أن يقال ما تعنى بقولك الأعراض المتعاقبة أتعني به أحواله التي دلت النصوص على قيامها به أم غير ذلك؟\nالأول مسلم لكن لا نسلم مساواة المخلوقات له في خصائصه والثاني ممنوع.","vol":"4","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>الحجة الرابعة</span>\nقال أنه لا يخلو إما ان تكون ذاته قابلة لأن يشار إليها انها هنا أو هناك او لا تكون قابلة لذلك فإن كان الأول فيكون متحيزًا إذ لا معنى للتحيز إلا هذا و<span data-type=\"title\" id=toc-429>التحيز على الله محال لوجهين</span>\n\nالتحيز على الله محال لوجهين\nالأول أنه إما ان يكون منتقلًا عن حيزه أو لا يكون منتقلًا عنه فيكون متحركًاوإن لم يكن منتقلًا عنه فيكون ساكنًا والحركة والسكون حادثان على ما يأتي وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>الثاني</span>\nأن اختصاصه بحيزه إما ان يكون لذاته او لمخص من خارج فإن كان الأول فليس هو أولى من تخصيص غيره من الجواهر به ضرورة المساواة في المعنى وإن كان لغيره وجب أن يكون الرب مفتقرًا إلى غيره في وجوده فلا يكون واجب","vol":"4","page":154},{"text":"الوجود وإن كان غير متحيز لزم في كل جوهر ان يكون غير متحيز ضرورة المساواة في المعنى وهو محال.\nوأنه لا معنى للجوهر غير المتحيز بذاته فما لا يكون كذلك لا يكون جوهرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا كان قابلًا للإشارة كان متحيزًا.\nوقوله: لا معنى للمتحيز إلا هذا: إن أراد به أن المفهوم من كونه مشارًا إليه هو المفهوم من كونه متحيزًا كان قوله فاسدًا بالضرورة.\nوإن أراد أن ما صدق عليه هذا صدق عليه هذا.\nقيل له: من الناس من ينازعك في هذا ويقول: إنه سبحانه فوق العالم ويشار إليه وليس بمتحيز.\nفإن قال: هذا فساده معلوم بالضرورة.\nقيل له: ليس هذا بأبعد من قولك إنه موجود قائم بنفسه، متصف بالصفات مرئي بالأبصار، وهو مع هذا لا يشار إليه، وليس بداخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا مداخل له.\nفإن قلت: إحالة هذا من حكم الوهم.\nقيل لك: وإحالة موجود قائم بنفسه يشار إليه ولا يكون متحيزًا من حكم الوهم.\nبل تصديق العقول بموجود يشار إليه ولا يكون متحيزًا","vol":"4","page":155},{"text":"أعظم من تصديقها بموجود قائم بنفسه متصف بالصفات لا يشار إليه وليس بداخل العالم ولا خارجه.\nثم يقال ثانيًا: لم قلتم: أنه يمتنع أن يكون متحيزًا؟ قولك: إما أن يكون متحركًا أو ساكنًا يقال لك فلم لا يجوز أن لا يكون قابلًا للحركة والسكون، وثبوت أحدهما فرع قبوله له؟\nفإن قلت كل متحيز فهو قابل لهما.\nقيل لك: علمنا بهذا كعلمنا بأن كل موجود قائم بنفسه موصوف بالصفات إما مباين لغيره، وإما محايث فإن جوزت موجودًا قائمًا بنفسه، لا مباين ولا محايث، فجوز وجود موجود متحيز ليس يمتحرك ولا ساكن.\nفإن قلت: المتحيز إما أن يكون منتقلًا عن حيزه أو لا يكون منتقلًا عنه.\nوالأول هو الحركة والثاني هو السكون.\nقيل لك: ليس كل متحيز أمرًا وجوديًا فإن العالم متحيز وليس له حيز وجودي ومن قال إن الباري وحده فوق العالم أو سلم لك إنه متحيز لم يقل إنه في حيز وجودي.\nوحينئذ فالحيز أمر عدمي، فقولك إما أن يكون منتقلًا عنه أو لا كقولك: إما أن يكون منتقلًا بنفسه أولا وهو معنى قولك إما أن يكون متحركًا أو ساكنًا وهذا إثبات الشيء بنفسه.","vol":"4","page":156},{"text":"فإن قلت: هذا بين مستقر في الفطرة والعلم به بديهي.\nقيل لك: ليس هذا بأبين من قول القائل: إما أن يكون صانع العالم حيث العالم وإما أن لا يكون حيث العالم والأول هو المحايثة والدخول فيه، والثاني هو المباينة والخروج عنه.\nفإن قلت: يمكن أن لا يكون داخلًا فيه ولا خارجًا عنه.\nقيل لك: ويمكن أن لا يكون المتحيز منتقلًا ولا يكون ساكنًا، كما تقوله أنت فيما تقول إنه قائم بنفسه لا منتقل ولا ساكن فإن قلت: أنا أعقل هذا فيما ليس بمتحيز ولا أعقله في المتحيز.\nقيل: وكيف عقلت اولًا ثبوت ما ليس بمتحيز بهذا التفسير؟\nوالمنازع يقول أنا لا أعقل إلا ما هو داخل أو خارج.\nفإذا قلت أنت: هذا فرع قبول ذلك وقابل ذلك هو المتحيز فما لا يكون كذلك لا يكون قابلًا للمباينة والمحاديثة والدخول والخروج.\nقال لك: نحن لا نعقل موجودًا إلا هذا.\nفإن قلت بل هذا ممكن في العقل وثابت أيضًا.\nقال لك: وكذلك متحيز لا يقبل الحركة والسكون هو أيضًا ممكن في العقل وثابت.","vol":"4","page":157},{"text":"فإن قلت الفطرة تدفع هذا.\nقيل لك: وهي لدفع ذاك أعظم.\nفإن قلت ذاك حكم الوهم.\nقيل وهذا حكم الوهم.\nفإن قلت العقل أثبت موجودًا ليس بمتحيز.\nقيل لك: إنما أثبت ذاك بمثل هذه الأدلة التي تتكلم على على مقدماتها.\nفإن أثبت مقدمات النتيجة بالنتيجة، كنت مصادرًا على المطلوب فأنت لا يمكنك إثبات موجود ليس بمتحيز إلا بمثل هذا الدليل وهذا الدليل لا يثبت إلا ببيان إن مكان وجود موجود ليس بمتحيز فلا يجوز أن تجعله مقدمة حجة في إثبات نفسه.\nويقول له الخصم: ثالثًا هب أنك تقول: لا بد له إذا كان متحيزًا من الحركة والسكون فنحن نقول: إن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون فإنه إما أن يكون منتقلًا أو لا يكون منتقلًا فإن كان منتقلًا فهو متحرك وإلا فهو ساكن.\nفإن قلت: ثبوت الانتقال وسلبه فرع قبوله.","vol":"4","page":158},{"text":"قيل لك: هذا التقسيم معلوم بالضرورة في كل قائم بنفسه، كما ذكرت أنه معلوم بالضرورة في كل ما سميته متحيزًا، وحيزه عدم محض فإنه إذا لم يكن إلا الانتقال وعدم الانتقال فالانتقال هو الحركة وعدمه هو السكون.\nوإذا قلت: هذان متقابلان تقابل العدم والملكة فلا بد من ثبوت القبول.\nكان الجواب من وجوه:\nالأول: أن يقال مثل هذا فيما سميته متحيزًا.\nالثاني: أن يقال هذا اصطلاح اصطلحته وإلا فكل ما ليس بمتحرك وهو قائم بنفسه فهو ساكن كما أن كل ما ليس بحي فهو ميت.\nالثالث أن يقال هب أن الأمر كذلك ولكن إذا اعتبرنا الموجودات فما يقبل الحركة أكمل مما لا يقبلها فإذا كان عدم الحركة عما من شأنه أن يقبلها صفة نقص فكونه لا يقبل الحركة أعظم نقصًا كما ذكرنا مثل ذلك في الصفات.","vol":"4","page":159},{"text":"ونقول رابعًا الحركة الاختيارية للشيء كمال له، كالحياة ونحوها، فإذا قدرنا ذاتين إحداهما تتحرك باختيارها والأخرى لا تتحرك أصلًا كانت الأولى أكمل.\nويقول الخصم: رأبعًا قوله لم لا يجوز أن يكون متحركًا قولك: الحركة حادثة.\nقلت: حادثة النوع او الشخص؟ الأول ممنوع والثاني مسلم وقولك مالا يخلو عن الحوادث فهو حادث إن أريد به ما لا يخلو عن نوعها فممنوع والثاني لا يضر وانت لم تذكر حجة على حدوث نوع الحركة إلا حجة واحدة وهو قولك الحادث لا يكون أزليًا وهي ضعيفة كما عرف.\nإذ لفظ الحادث يراد به النوع ويراد به الشخص فاللفظ مجمل كما أن قول القائل الفاني لا يكون باقيًا لفظ مجمل فإن أراد به أن القائم بنفسه لا يكون باقيًا فهو حق وإن أراد به أن ما كان فاني الأعيان لا يكون نوعه باقيًا فهو باطل فإن نعيم الجنة دائم باق مع أن كل أكل وشرب ونكاح وغير ذلك من الحركات تفنى شيئًا بعد شيء وإن كان نوعه لا يفنى.\nوأما قوله في الوجه الثاني: إن اختصاصه بحيزه: إما أن يكون لذاته أو لمخصص من خارج.","vol":"4","page":160},{"text":"فيقال أتعني بالحيز شيئًا موجودًا أو شيئًا معينًا سواء كان موجودًا أو معدومًا أو شيئًا مطلقًا، فإن عنيت الأول فالرب سبحانه لا يجب أن يكون متحيزًا بهذا الاعتبار عند المنازع بل ولا عند طائفة معروفة.\nوإن عنيت الثاني لم يسلم المنازع كونه متحيزًا بهذا الاعتبار وإن عنيت الثالث، فيقال لك حينئذ فليس اختصاصه بحيز معين من لوازم ذاته، بل هو باختياره.\nوإذا كان يخصص بعض الأحياز بما شاء من مخلوقاته فتصرفه بنفسه أعظم من تصرفه بمخلوقاته.\nوأما قولك ليس هو أولى من تخصيص غيره من الجواهر به ضرورة المساواة في المعنى.\nفكلام ساقط لوجوده:\nالأولى: أن الله يخص ما شاء من الأحياز بما شاء من الجواهر ولا يقال ليس هذا أولى من هذا فكيف يقال إنه ليس أولى من بعض مخلوقاته بما هو قادر عليه مختار له؟\nوالثاني إن يقال فما من جوهر إلا وله حيز يختص به دون غيره من الجواهر سواء قيل إنه حيزه الطبيعي أو لا فعلم أن مجرد الاشتراك في كل حيز.","vol":"4","page":161},{"text":"الثالث: أن كل جوهر مختص من غيره بصفة تقوم به ومقدار يخصه مع اشتراكها في الجواهرية فكيف لا يختص بحيزه؟\nالرابع: أن الحيز ليس أمرًا وجوديًا، وإنما هو أمر عدمي والجواهر الموجودة لا بد أن يكون لبعضها نسبة إلى بعض بالعلو والسفول والتيامن والتياسر والملاقاة والمباينة ونحو ذلك وكل منها مختص من ذلك بما هو مختص به لا تشاركه فيه سائر الجواهر فكيف يجب أن يشارك المخلوق لخالقه؟\nالخامس: أن هذا مبني على تماثل الجواهر وهو ممنوع بل هو مخالف للحس وسيأتي كلامه في إبطاله.\nالسادس: أنا لو فرضنا الجواهر متماثلة فالمخصص لكل منها بما يختص به هو مشيئة الرب وقدرته وإذا كان بقدرته ومشيئته يصرف مخلوقاته فكيف لا يتصرف هو بقدرته ومشيئته، كما أخبرت عنه رسله وكما انزل بذلك كتبه حيث أخبر أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم أستوى على العرش، وأمثال ذلك من النصوص.\nوأما قوله إن كان غير متحيز لزم ان يكون كل جوهر غير متحيز فعنه جوابان:\nالأول: أن يقال له ولأمثاله كالرازي والشهر ستاني ونحوهما من","vol":"4","page":162},{"text":"المتأخرين الذين أثبتوا جواهر معقولة غير متحيزة موافقة للفلاسفة الدهرية أو قالوا: إنه دليل على نفي ذلك: أنتم إذا ناظرتم الملاحدة المكذبين فادعوا إثبات جواهر غير متحيزة عجزتم عن دفعهم أو فرطتم، فقلتم: لا نعلم دليلا على نفيها، أو قلتم بإثباتها وإذا ناظرتم إخوانكم المسلمين الذين قالوا بمقتضى النصوص الإلهية والطريقة السلفية وفطرة الله التي فطر عباده عليها، والدلائل العقلية السليمة عن المعارض، وقالوا: إن الخالق تعالى فوق خلقه، سعيتم في نفي هذا القول لوازم هذا القول وموجباته، وقلتم: لا معنى للجوهر إلا المتحيز بذاته، فإن كان هذا القول حقا فادفعوا به الفلاسفة الملاحدة، وإن كان باطلا فلا تعارضوا به المسلمين.\nأما كونه يكون حقا إذا دفعتم ما يقوله إخوانكم المسلمون، ويكون باطلا إذا عجزتم عن دفع الملاحدة في الدين فهذا طريق من بخس حظه من العقل والدين، وحسن النظر والمناظرة عقلا ًوشرعا.\nوالجواب الثاني: أنك قلت في أول هذا الوجه: إما أن تكون ذاته قابلة لأن يشار إليها أنها ههنا أو هناك، أو لا تكون قابلة.\nثم قلت: فإن كان الأول فيكون متحيزًا.\nفكان حقك أن تقول: وإن لم تكن ذاته قابلة","vol":"4","page":163},{"text":"للإشارة إليه لزم في كل جوهر أن لا يكون مشارًا إليه وأن لا يكون متحيزًا.\nوإذا قلت ذلك، قيل لك، إثبات جوهرًا لا يشار إليه هو قول المتفلسفة الذين يثبتون جواهر لا يشار إليها، وقول النصارى الذين ينفون العلو.\nوحينئذ فيقولون: لا نسلم أن كل جوهر فإنه يجب ان يكون مشارًا إليه وأنت قد اعترفت في بحثك مع الفلاسفة بهذا وهذا القول وإن كان باطلًا لكن المقصود تبيين ضعف حجج هؤلاء النفاة نفيًا يستلزم نفي الصفات.\nويقال لك: إثبات جوهر لا يشار إليه كإثبات قائم بنفسه لا يشار إليه.\nوإن قال: أنا ذكرت هذا لنفي كونه جوهرًا كالجواهر.\nفيقال: من قال هذا يقول: هو جوهر كالجواهر التي يدعي إثباتها من يقول بإثبات الجواهر العقلية المجردة فإنه هو جوهر كالجواهر العقلية المجردة، فمن نفي هذه الجواهر أبطل قولهم وإلا فلا","vol":"4","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>الحجة الخامسة</span>\nقال الآمدي أنه لو كان جوهرًا كالجواهر لما كان مفيدًا لوجود غيره من الجواهر فإنه لا أولوية لبعض الجواهر بالعلية دون بعض، ويلزم من ذلك أن لا يكون شيء من الجواهر معلولًا، او ان يكون كل جوهر معلولًا للآخر، والكل محال.\nفإن قيل: الجواهر، وإن تماثلت في الجوهرية ألا أنها متمايزة بأمور موجبة لتعين كل واحد منها عن الآخر، وعند ذلك فلا مانع من اختصاص بأمور وأحكام لا وجود لها في البعض الأخر، ويكون ذلك باعتبار ما به التعين، لا باعتبار ما به الاشتراك، فنقول، والكلام في اختصاص كل واحد بما به التعين كالكلام في الأول فهو تسلسل ممتنع فلم يبق إلا أن يكون اختصاص كل واحد من المتماثلات بما اختص به لمخصص من خارج وذلك على الله محال.","vol":"4","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: قوله: لو كان جوهرًا كالجواهر إن عني به أنه لو كان جوهرًا مماثلا للجواهر فيما يجب ويجوز ويمتنع لم ينفعه هذا لوجوه:\nالأول أن إذا لا يقوله عاقل يتصور، لمافيه من الجمع بين النقيضين كما تقدم\nالثاني انه إذا كان يقتضي هذا أنه يماثل كل جوهر فيما يجب ويجوز ويمتنع لم يلزم انتفاء مشابهته له من بعض الوجوه، فغن نفي التماثل في مجموع هذه الأمور، يكون بانتفاء التماثل في واحد من أفرادها فإذا قدر انه خالف غيره في فرد هذه الأمور لم يكن مثله في مجموها ولكن ذلك لا ينفي مماثلة في فرد آخر وحينئذ فلا يكون قول القائل: هو جوهر لا كالجواهر صحيحًا، ولا يكون النزاع معه في اللفظ بل لا بد ان ينفي عنه مماثلة المخلوقات في كل ما هو من خصائصها.\nالثالث: انه على هذا التقدير يكون مشابهًا لها من وجه مخالفًا من وجه وليس في كلامه ما يبطل ذلك بل قد صرح في غير هذا الموضع بأن هذا هو الحق\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>ذكر الآمدي حجة من حجج القائلين بالقدم</span>\nفقال في مسألة حدوث الأجسام لما ذكر حجة القائلين","vol":"4","page":166},{"text":"بالقدم، قال: الوجه العاشر أنه لو كان العالم محدثا فمحدثه إما ان يكون مساويًا له من كل وجه، او مخالفًا له من كل وجه، فإن كان الأول فهو حادث، والكلام فيه كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل الممتنع، وإن كان الثاني فالمحدث ليس بموجود، وإلا لما كان مخالفًا له من كل وجه وهو خلاف الفرض، وإذا لم يكن موجودًا امتنع ان يكون موجبًا للموجود كما سبق، وإن كان الثالث فمن وجهة ما هو مماثل للحادث يجب أن يكون حادثًا، والكلام فيه كالأول وهو تسلسل محال وهذه المحاولات إنما لزمت من القول بحدوث بالعالم فلا حدوث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>رده عليها</span>\nثم قال في الجواب: وأما الشبهة العاشرة فالمختار من أقسامها","vol":"4","page":167},{"text":"إنما هو القسم الأخير، ولا يلزم من كون القديم مماثلا للحوادث من وجه أن يكون مماثلًا للحادث من جهة كونه حادثًا، بل لا مانع من الاختلافات بينهما في صفة القدم والحدوث وإن تماثلًا بأمر آخر، وهذا كما أن السواد والبياض مختلفان من وجه دون وجه لاستحالة اختلافهما من كل وجه وإلا لما اشتركا في العرضية واللونية والحدوث، واستحالة تماثلها من كل وجه وإلا كان السواد بياضًا ومع ذلك فما لزم من مماثلة السواد للبياض من وجه أن يكون مماثلًا له في صفة البياضية.\nوإن عني به انه لو كان جوهرًا مماثلًا في مسمى الجوهرية، فهذا مثل أن يقال: لو كان حيًا مماثلًا للأحياء في مسمى الحيية أو عالمًا مماثلًا للعلماء في مسمى العالمية أو قادرًا مماثلًا للقادرين في مسمى القادرية أو موجودًا مماثلًا للموجودات في مسمى الموجودية، وحينئذ فموافقته في ذلك لا تستلزم أن يكون مماثلًا لها فيما يجب ويجوز ويمتنع إلا أن تكن الجواهر كلها كذلك.\nومعلوم أن من يقول هو جوهر لا يقول إن الجواهر متماثلة بل يقول إنه مخالف لغيره بل جمهور العقلاء يقولون إن","vol":"4","page":168},{"text":"الجواهر مختلفة في الحقائق وحينئذ فتبقى هذه الوجوه موقوفة على القول بتماثل الجواهر والمنازع يمنع ذلك بل ربما قال العلم باختلافها ضروري.\nودعوى تماثلها مخالف للحس والعلم الضروري فإنا نعلم أن حقيقة الماء مخالفة لحقيقة النار، وأن حقيقة الذهب مخالفة لحقيقة الخبز وأن حقيقة الدم مخالفة لحقيقة التراب، وأمثال ذلك وأن اشتراكهما في كونهما جوهرين هو اشتراكهما في كونهما قائمين بأنفسهما او متحيزين أو قابلين للصفات وهذا اشتراك في بعض صفاتها لا في الحقيقة الموصوفة بتلك الصفات.\nالثالث: أنه إن أراد بقوله: إنه جوهر كالجواهر أنه مماثل لكل جوهر في حقيقته ويجوز عليه ما يجوز على كل جوهر، فهذا لا يقوله عاقل.\nوأنما أراد المنازع انه إما قائم بنفسه وإما متحيز وإما نحو ذلك من المعاني التي يقول إن الاشتراك فيه كاشتراك في كون كل منهما حيًا قائمًا بنفسه ونحو ذلك، فيبقى النزاع في أن مسمى الجوهر عند هؤلاء يقتضي تماثل أفراده.\nوهؤلاء يقولون: لا بل هو اسم لما تختلف أفراده وفي أن هؤلاء يقولون: الاشتراك في التحيز الاصطلاحي يقتضي التماثل في الحقيقة وهؤلاء ينفون ذلك.","vol":"4","page":169},{"text":"ومعلوم عند التحقيق أن قول النفاة للتماثل هو الحق كما قد بسط في موضعه.\nوهؤلاء يقولون: قولنا جوهر كقولكم ذات قائمة بنفسها ونحو ذلك.\nفتبين أن ما ذكره من الدليل على نفي الجوهر هو دليل على نفي ما اتفقت الطوائف على نفيه فإن أحدًا من العقلاء لا يقول إنه جوهر بمعنى مماثلته لكل قائم بنفسه فيما يجب ويجوز ويمتنع وما قاله المثبتة منه ما سلم لهم معناه ومنه مالا حجة له على نفيه إلا حجته على نفي الجسم، وحينئذ فيكون الكلام في نفي الجوهر مفرعًا على الكلام في نفي الجسم.\nوقوله: إن الوجوه الأربعة التي نفي بها الجوهر ينفي بها الجسم لا يستقيم فإنه إنما نفي بها الجوهر بمعنى انه مماثل لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع وهذا مما يسلمه له من يقول إنه جوهر وجسم فإقامة الدليل عليه نصب للدليل في غير محل النزاع لم ينف بها الجوهر بالمعنى الذي يثبته من قال.\nوحرف المسألة أن كلامه مبني على تماثل الجواهر ومن يقول ذلك لا يقول إنه جوهر ولا جسم فالكلام في هذا الباب فرع","vol":"4","page":170},{"text":"على تلك المسألة ولو هذا صحيحًا لكان العلم بحدوث الأجسام وإمكانها من اسهل الأمور فإن بعضها محدث بالمشاهدة والمحدث ممكن فإذا كانت متماثلة جاز على كل واحد منها ما جاز على الآخر فيلزم إما حدوثها وإما إمكان حدوثها وعلى التقديرين يحصل المقصود.\nوالنافي لتماثلها لا يقول السؤال الذي أورده إنها متماثلة في الجوهرية لكنها متمايزة ومتغايرة بأمور موجبة للتعين هو الموجب للاختصاص بل تقول أنها مختلفة بحقائقها وأنفسها لكنها تشابهت في كونها قائمة بأنفسها أو كونها متحيزة قابلة للصفات وهذا معنى اتفاقها في الجوهرية كما ذكرة هو في الاعتراض على دليل القائلين بتماثلها.\nويقول أيضا إن الأمور المتماثلة من كل وجه لا يجوز تخصيص أحدها بما يتميز به عن الآخر إلا لمخصص وإلا لزم ترجيح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح ومشيئة الله تعالى ترجح أحد الأمرين لحكمة تقتضي ذلك، وتلك الحكمة مقصودة لنفسها، وإلا فنسبة الإرادة إلى المتماثلين سواء وتلك الحكمة المرادة تنتهي إلى حكمة تراد لنفسها كما بسط في موضعه.","vol":"4","page":171},{"text":"وأيضًا فإن القائل: إن هذه الجواهر المشهودة متماثلة في الحقيقة، ولكن الفاعل المختار خص كلا منها بصفات تخالف بها الآخر، يقتضي أن لها حقيقة مجردة عن جميع الصفات التي اختلفت فيها، فيكون الماء المشهود له حقيقة غير هذا الماء المشهود، والنار المشهودة لها حقيقة غير هذه النار المشهودة ويكون ما خالف به هذا لهذا في الماء والنار أمرًا عارضًا لتلك الحقيقة لا صفة ذاتية لها ولا لازمة.\nوهذا مكابرة للحس، وأيضًا فعلى هذا القول لا يكن لشيء من الموجودات صفة ذاتية ولا صفة لازمة لذاته أصلًا بل كل صفة يوصف بها عارضة له يمكن زوالها مع بقاء حقيقته لأن كل ما اختلفت به الأعيان أمر عارض لها ليس بداخل في حقيقتها عند من يقول بتماثل الجواهر والأجسام.\nوحينئذ فيكون الإنسان الذي هو حيوان ناطق يمكن زوال كونه حيوانًا وكونه ناطقًا، مع بقاء حقيقته وذاته وكذلك الفرس يمكن زوال حيوانيته وصاهليته مع بقاء حقيقته وذاته وهكذا كل الأعيان.\nثم يقال: إذا قدرنا عدم هذه الصفات التي هي لازمة للأنواع وذاتية لها، لم يبق هناك ما يعقل كونه جوهرًا لا مماثلًا ولا مخالفًا فإنا إذا نظرنا إلى هذا الإنسان وقدرنا أنه ليس بحي ولا ناطق ولا ضاحك","vol":"4","page":172},{"text":"ولا حساس ولا متحرك بالإرادة لم يعقل هنالك جوهر قائم بنفسه غيره تعرض له هذه الصفات، بل إثبات ذلك نوع من الخيال الذي لا حقيقة له وهذا الخيال في الجواهر المحسوسة نظير خيال من أثبت الجواهر المعقولة لكن تلك محلها العقل، وهذه محلها الخيال، فإنا يمكننا تقدير هذا الشكل مع عدم كونه حيوانًا ناطقًا، لكن حينئذ يكون المقدور شكلًا مجردًا هو عرض ن الأعراض وهو الذي يسمى الجسم التعليمي كما نقدر أعدادًا مجردة عن المعدات، وهذه المقادير المجردة والأعداد المجردة لا وجود لها إلا في الأذهان واللسان، وكل جسم موجود له قدر يخصه وهذه هي الجسمية والجوهرية التي يثبتها من يقول بعدم تماثل الجواهر، وهي نظير الصورة فدعوى أولئك أن الصورة الجسمية جوهر، وأن المادة جوهر آخر هو نظير دعوى هؤلاء أن الصورة الجسمية جواهر متماثلة وليس هنا إلا هذه الأعيان القائمة بأنفسها وما قام بها من الصفات والمقادير التي هي أشكالها وصورها.\nثم من العجيب أن هؤلاء المتكلمين المتأخرين، كأبي حامد","vol":"4","page":173},{"text":"والشهرستاني والرازي والآمدي وأمثالهم، ممن يوافق أهل المنطق يوافقون أهل المنطق فيما يدعونه من انقسام صفات الجواهر والأجسام إلى ذاتي وعرضي وانقسام العرض إلى لازم للماهية وعارض لها وانقسام العارض إلى لازم ومفارق، مع ما في هذا الكلام من الخطأ فإن الصفات في الحقيقة إنما تنقسم إلى لازم للماهية وعارض لها.\nوأما تقسيم اللازم إلى ذاتي وعرضي وإثبات شيئين في هذه الأعيان أحدهما الذات، والثاني هذا الموجود المشاهد فكلام باطل كما قد بسط في موضعه.\nثم إنهم في قولهم بتماثل الجواهر والأجسام يدعون ان جميع صفات الأجسام التي تختلف بها إنما هي عارضة لها قابلة لزوالها ليس منها شيء لازم للحقيقة ولا هو من موجبات الذات ومقتضياتها فيا سبحان الله أين ذلك التلازم الذي غلوتم فيه حتى تجعلون الحقيقة مؤلفة من صفاتها الذاتية وتقولون إن الذات هي المقتضية للوازم ولوازم اللوازم؟\nوهنا يقولون ليس لهذه الأعيان حقيقة قائمة بنفسها إلا ما تشترك كلها فيه وليس لشيء منها لازم يخصه ولا لازم يفارق","vol":"4","page":174},{"text":"به غيره بل ليست اللوازم إلا ما لزم جميع ما يسمى جوهرًا وجسمًا.\nوهذا المعنى قد رأيت منه عجائب لهؤلاء النظار، يتكلم كل منهم مع كل قوم على طريقتهم بكلام يناقض ما تلكم به على طريقة أولئك، مع تناقض كل من القولين في نفس الأمر وهذا إما ان يكون لكونه لم يفهم أن هذا المعنى الذي أثبته بهذه العبارة هو الذي نفاه بتلك فلا يكون قد تصور حقيقة ما يقول، بل تصور ما يتقيد باللفظ بحيث إذا خرج المعنى عن ذلك اللفظ لم يعرف أنه هو، وهذا قبيح بمن يدعى النظر في العقليات المحضة التي لا تتقيد بلغة ولا لفظ، وإما أن يكون مع نسيانه وذهوله في كل مقام لما قاله في المقام الآخر، وهذا أشبه أن يظن بم له عقل وتصور صحيح لكنه يدل على ان له في المسألة قولين، وأنه يقول في كل مقام ما ترجح عنده في ذلك المقام ولا يمشي مع الدليل مطلقًا بل يتناقض وإما أن يكون مع فهمه التناقض وحينئذ فإما ان لا يبالي بتناقض كلامه وإما ان يرجح هذا في هذا الموطن وهذا في هذا الموطن.","vol":"4","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>فصل</span>\nومن العجب أنكلامه وكلام أمثاله يدور في هذا الباب على تماثل الأجسام وقد ذكر النزاع في تماثل الأجسام وأن القائلين بتماثلها من المتكلمين بنوا ذلك على انها مركبة من الجواهر المنفردة وأن الجواهر متماثلة.\nثم أنه في مسألة تماثل الجواهر ذكر انه لا دليل على تماثلها، فصار أصل كلامهم الذي ترجع إليه هذه الأمور كلامًا بلا علم، بل بخلاف الحق مع انه في الله تعالى\nوقد قال تعالى ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ الاعراف ٣٣ وقال تعالى عن الشيطان ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ البقرة ١٦٩.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>كلام الآمدي في أن الجواهر متجانسة غير متحدة</span>\nقال في كتابه هذا الكبير الفصل الرابع في أن الجواهر متجانسة غير متحدة: اتفقت الأشاعرة وأكثر المعتزلة على أن الجواهر متماثلة متجانسة وذهب النظام والنجار من المعتزلة بناء على قولهما","vol":"4","page":176},{"text":"بتركب الجواهر من الأعراض إلى أن الجواهر إن تركبت من الأعراض المختلفة فهي مختلفة ولهذا فإنا ندرك الاختلاف بين بعض الجواهر كالاختلاف الواقع بين النار والهواء والماء والتراب ضرورة كما يدرك الاختلاف بين السواد والبياض والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وسائر الأعراض المختلفة.\nقال وهو باطل اما كون الجواهر مركبة من الأعراض فيما سبق وأما ما ندركه من الاختلاف بين الجواهر كالأمثلة المضروبة فلا نسلم أنه عائد إلى اختلاف الجواهر في أنفسها بل هو عائد إلى الأعراض القائمة، واختلاف الاعراض لا يدل على اختلاف المعروض له في نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: النجار ليس هو من المعتزلة بل هو رأس مقالة وهو يخالف المعتزلة في القدر فيثبته وفي غير ذلك من أصول المعتزلة لكنه","vol":"4","page":177},{"text":"يوافقهم على نفي الصفات ويخالفهم أيضًا في تماثل الأسماء والأحكام والوعيد.\nوجمهور الناس على ان الأجسام مختلفة من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم وقد ذكر الأشعري في مقالاته النزاع في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>تابع كلام الآمدي</span>\nوالمقصود هنا اعترافه بأنه لا حجة للقائلين بالتماثل فإنه قيل ما ذكرتموه وإن دل على إبطال مأخذ القائلين بالاختلاف فما دليلكم في التماثل والتجانس فلئن قلتم: دليل التماثل اشتراك جميع الجواهر في صفات نفس الجوهر وهي التحيز وقبول الأعراض والقيام بنفسه فنقول وما المانع من كون الجواهر مختلفة بذواتها، وإن اشتركت فيما ذكرتموه من الصفات؟ فإنه لا مانع من اشتراك المختلفات في عوارض عامة لها، وإنما يثبت كون ما ذكرتموه صفات نفس الجوهر أن لو لم يكن الجواهر مختلفة، وهذه أعراض عامة لها، وإنما يمتنع كون الجواهر مختلفة وأن هذه أعراض","vol":"4","page":178},{"text":"عامة لها أن لو كانت هذه الصفات صفات نفس الجوهر وهو دور ممتنع.\nقال واعلم أن طرق أهل الحق في إثبات المجانسة، وإن اختلفت عباراتها فكلها آيلة إلى ما ذكر وما قيل عليه من الإشكال فلازم لا مخلص منه إلا بان يقال: نحن لا نعنى بتجانس الجواهر غير كونها مشتركة فيما ذكرناه من الصفات وعند ذلك فحاصل النزاع يرجع إلى التسمية لا إلى نفس المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فهذا قوله مع اطلاعه على طرق القائلين بالتجانس ورغبته في نصرهم لو أمكنه، فذكر أن جميع ما ذكروه من الطرق يرجع إلى ما ذكره وهو مما يعلم بالاضطرار أنه لا يدل على تماثلها، بل يدل على اشتراكها في معنى من المعاني، وليس جعل ما به الاشتراك هو الذات وما به الاختلاف من الصفات باولى من العكس، وهذا على سبيل التنزل وإلا فنحن نعلم بالضرورة والحس اختلاف الأجسام المختلفة، كما نعلم اختلاف الاعراض المختلفة، وما ذكره من أن الاختلاف عائد إلى الاعراض، لا إلى المعروض، فمخالفة للحس، فإن نفس النار مخالفة للماء ليس مجرد حرارة النار هي المخالفة لبرودة الماء، بل","vol":"4","page":179},{"text":"نحن نعلم أن النار تخالف الماء أعظم مما نعلم أن الحرارة تخالف عرضًا قائمًا بغيره، وهو صفة محسوسة بالمس، وكذلك بين السواد والبياض من الاشتراك في العرضية واللونية، والقيام بالغير، والرؤية بالبصر، وغير ذلك من الصفات أعظم من الاشتراك بين الماء والنار ن فإن الاشتراك بينهما هو في القدر ونحو ذلك من الكميات، والاشتراك في الكيفية أعظم من الاشتراك ف يالكمية فإذا كان ذلك لا يوجب التماثل فذاك بطريق الأولى.\nوأيضًا فالحرارة قد تنكسر بالبرودة في مثل الفاتر، فإنه لا يبقى حارًا كحرارة النار ولا باردًا برودة الماء المحض، واما نفس الماء والنار فلا يجتمعان.\nوأيضًا فالأعراض المختلفة تشترك في محل واحد واما نفس الأقسام فلا تشترك في محل واحد وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا بيان اعتراف هؤلاء بفساد الأصول التي بنوا عليها ما خالفوه من النصوص، وبيان تناقضهم في ذلك، وأنهم يقولون إذا تكلموا في المنطق وغيره بما يناقض كلامهم هنا ويبعد أو يمتنع في العادة ان يكون هذا لمجرد اختلاف الاجتهاد، مع الفهم التام في الموضعين، بل يكون لنقص كمال الفهم والتصور وخوفًا أن لا يكون القولان متنافيين فلا يهجم بإثبات التناقض أو لنوع من الهوى","vol":"4","page":180},{"text":"والغرض ولو لم يكن إلا مراعاة الطائفة التي يتكلم باصطلاحها أن لا يخالفها فيما هو مشهورات أقوالها ولعل كلا الأمرين موجود في مثل هذه المعاني التي تعبر عنها العبارات الهائلة ولها عند أصحابها هيبة ووهم عظيم والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا نوع تنبيه على أن ما يدعونه من العقليات المخالفة للنصوص لا حقيقة لها عند الاعتبار الصحيح، وإنما هي من باب القعقعة بالشنان لمن بفزعه ذلك من الصبيان، ومن هو شبيه بالصبيان وإذا أعطي النظر في المعقولات حقه من التمام، وجدها براهين ناطقة بصدق ما أخبر به الرسول، وأن لوازم ما أخبر به لازم صحيح، وأن من نفاه لجهله بحقيقة الأمر، وفزعًا باطنًا وظاهرًا كالذي يفزع من الآلهة المعبودة من دون الله أن تضره ويفزع من عدو الإسلام لما عنده من ضعف الإيمان.\nقال تعالى عن الخليل صلوات الله عليه ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ الأنعام ٨٠ - ٨١،","vol":"4","page":181},{"text":"قال الله تعالى ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ الأنعام ٨٢.\nومن خالف الرسل لا يلم من الشرك والإفك ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين﴾ الصافات ١٨٠ - ١٨٢ ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين﴾ الاعراف ١٥٢ قال أبو قلابة هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة.\nوما أشبه هؤلاء في رعبهم من الألفاظ الهائلة التي لم يعلموا حقيقتها بمن راى العدو المخذول، فلما رأى لباسهم رعب منهم قبل تحقق حالهم ن، ومن كشف حالهم وجدهم في غاية الضعف والعجز.\nولكن قال تعالى ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾ آل عمران ١٥١.\nوبسط هذا يطول والمقصود التنبيه فهذا ما ذكره في الجوهر وأما الجسم فإنه اعتمد في نفيه على هذه الوجوه الأربعة وقد عرف حالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>كلا الآمدي في الجسم</span>\nوقال ويختص بأربعة أوجه:\nالوجه الأول: أنه إذا ثبت ان","vol":"4","page":182},{"text":"الرب غير متصف بكونه جوهرًا امتنع أن يكون متصفًا بكونه جسمًا، لأن الجسم مركب من الجواهر ومفتقر إليها، ويلزم من انتفاء ما لا بد منه في كونه جسما أن لا يكون جسما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا الوجه بين الضعف وذلك أنه لو قدر انتفاء كون الشيء جوهرًا منفردًا لم يلزم أن لا يكون جسمًا مؤلفًا من الجواهر فإن الأجسام جميعها كل منها عنده ليس جوهرًا منفردًا، مع كونها مؤلفة من الجواهر، وهو لم يقم دليلا على نفي كونه جوهرًا ولا نفى ما يستلزم الجوهر.\nوهذا كما لو أقام دليلًا على أنه ليس بعلم أو قدرة أو كلام أو مشيئة لم يستلزم ذلك أن لا تكون هذه من لوازمه فنفى كون الشيء أمرًا من الأمور غير نفي كونه ملزومًا لذلك الأمر.\nوأيضًا فيقال: أنت لم تقم دليلًا على كون الجواهر متماثلة، بل صرحت بأنه لا دليل على ذلك، فبطل ما ذكرته في نفي الجوهر.\nوأيضًا فيقال لفظ الجوهر فيه إجمال وله عدة معان","vol":"4","page":183},{"text":"أحدها الجوهر الفرد وعلى هذا فالجسم ليس بجوهر، وفي كونه مركبًا منه نزاع.\nالوجه الثاني: المتحيز، وعلى هذا فالجسم جوهر، ومن نفى الجوهر الفرد قال كل جسم جوهر، وكل جوهر جسم، ومن أثبته قال: الجوهر أعم من الجسم.\nوالوجه الثالث: الجواهر العقلية عند من يثبت جوهرًا ليس بمتحيز كالعقول والنفوس والمادة والصور فإن هؤلاء المتفلسفة المشائين يدعون ان الجوهر خمسة أقسام.\nوجمهور العقلاء يدفعون هذا ويقولون: هذه الأمور التي سميتوها جواهر عقلية إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان.\nوقد يراد بالجواهر ما هو قائم بنفسه، فمن كان الجوهر أعم عنده من الجسم، فإذا انتفى الأعم انتفى الأخص وكذلك من كان الجوهر عنده مرادفًا للجسم، وأما من كان الجوهر عنده لا يتناول معنى الجسم، مثل أن يقدر أنه لا يستعمل لفظ الجوهر إلا في الفرد، فهذا لا يلزم من نفي كونه جوهرًا نفي كونه جسمًا، إلا بالحجة التي ذكرها، وهو ان يقال: الجسم مركب من الجواهر، فالحجة لا تستقيم إلا على تقدير ثبوت هذا الاصطلاح، مع أني لا أعرفه اصطلاحًا لأحد مطلقًا،","vol":"4","page":184},{"text":"ولكن بعض الناس قد يخص به الفرد مع أنه هو وغيره دائما يسمون الجسم جوهرًا.\nولهذا قال هذا الآمدي وغيره ف ينفي كونه جوهرًا: إما أن يكون قابلًا للتجزية فيكون جسمًا مركبًا، وإما ان لا يكون قابلًا للتجزية فيكون في غاية الصغر والحقارة، وكثيرًا ما يقع في كلامهم لفظ الجوهر متناولًا للجسم وكثيرًا ما يقع مختصًا بالفرد فما ذكره اولا في نفي الجوهر بالمعنى العام فالجسم يدخل فيه فإن صح ما ذكره صح نفي الجسم لكن قد عرف ضعفه.\nوأما إذا كان المنفي هو الجوهر الفرد فقط، فيحتاج ان يقول إن الجسم مركب منه لينفي الجسم.\nلكن هذا فيه نزاع معروف وأكثر الناس على انه ليس بمركب من الجواهر المنفردة وهو الصواب كما قد بسط في موضعه.\nفمن الناس من يقول: إنه مركب من جواهر متناهية لا تقبل القسمة بوجه من الوجوه حتى ولا بالوهم ومنهم من يقول: هو مركب من جواهر غير متناهية كذلك، ومنهم من يقول هو مركب من الهيولي والصورة لكنه يقبل القسمة إلى غير نهاية، ومنهم من يقول ليس بمركب لكنه يقبل التقسيم إلى الجواهر المنفردة التي لا تتجزأ.","vol":"4","page":185},{"text":"ومنهم من يقول: بل كل موجود فلا بد أن يتميز منه شيء عن شيء، فلا يتصور وجود جوهر لا يتميز منه شيء عن شيء، لكن إذا تصغرت الأجزاء استحالت، وقد لا تقبل القسمة الفعلية، بل إذا قسمت استحالت، كما في أجزاء الماء إذا تصغرت فإنها تصير هواء، فهي وإن كان يتميز منها شيء عن شيء، لكن ليس لها من القوة ما يحتمل الانقسام الفعلي، بل تستحيل إذا أريد بها ذلك.\nوعلى هذا القول فلا نثبت شيئًا لا يتميز منه جانب عن جانب، ولا يثبت ما لا نهاية له في ضمن مالا يتناهى، ولا انقسام إلى غير نهاية، بل كل موجود فإنه يتميز منه شيء عن شيء، وهو قد يستحيل قبل وجود الانقسامات التي لا تتناهى.\nفتزول بهذا القول الإشكالات الواردة على غيره، مع انه مطابق للواقع، فتبين ضعف هذا الوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>تابع كلام الآمدي الوجه الثاني في نفي الجسمية عن الله تعالى</span>\nالوجه الثاني\nقال الآمدي أنه قد ثبت ان الرب متصف بالعلم والقدرة وغيرهما من الصفات، فلو كان جسما كالأجسام لزم من اتصافه بهذه الصفات المحال، وذلك من وجهين:\nالوجه الأول: أنه لو","vol":"4","page":186},{"text":"اتصف بهذه الصفات فإما أن يكون كل جزء من اجزائه متصفًا بجميع الصفات وإما ان يكون المتصف بجملتها بعض الأجزاء وإما أن يكون كل جزء مختصًا بصفة، وإما أن تقوم كل صفة من هذه الصفات مع اتحادها بجملة الأجزاء فإن كان الأول يلزم منه تعدد الآلهة وأما الثاني فهو ممتنع لأنه لا أولوية لبعض تلك الأجزاء بان يكون هو المتصف دون الباقي ولأنه يلزم ان يكون الإله هو ذلك الجزء دون غيره لأن حكم العلة لا يتعدى محلها وإن كان الثالث فل أولولية أيضًا وإن كان الرابع فهو محال لما فيه من قيام المتحد بالمعتدد.\nولقائل أن يقول الاعتراض على هذا من وجوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>الرد عليه من وجه</span>\nالأول\nقولك: لو اتصف بكل واحدة من هذه الصفات فإما ان يكون كل جزء من أجزائه متصفًا بجميع هذه الصفات.\nإلى آخره فرع على ثبوت الأجزاء وذلك ممنوع فلم قلت إن كل كا هو جسم فهو مركب من الأجزاء؟ فإن هذا مبني على ان الاجسام مركبة من الجواهر المنفردة وهذا ممنوع.","vol":"4","page":187},{"text":"وجمهور العقلاء على خلافة، وهو لم يثبته هنا بالدليل، فيكفي مجرد المنع وبسط ذلك في موضعه.\nوكل من أمعن في معرفة هذا المقام علم أن ما ذكروه من أن الجسم مركب من جواهر منفردة متشابهة عرض لها التركيب، او من مادة وصورة، وهما جوهران، من أفسد الكلام.\nوإذا كان كذلك أمكن أن يكون كل من الصفات القائمة بجميع المحل شائعة في جميع الموصوف، ولا يلزم أن يكون الواحد قام بأجزاء بل القول في الصفة الحالة كالقول في المحل الذي هو الموصوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>الثاني</span>\nأن يقال: القول في وحدة الصفة وتعددها وانقسامها وعدم انقسامها كالقول في الموصوف وسواء في ذلك الصفات المشروطة بالحياة كالقدرة والحس - بل والحياة نفسها أو التي لا تشترط بالحياة كالطعم واللون والريح، فإن طعم التفاحة مثلا شائع فيها كلها، فإذا بعضت تبعض ولا يقال إنها قام طعم واحد بجملة التفاحة، بل إن قيل: إن التفاحة أجزاء كثيرة، قيل: أم بها طعوم كثيرة، وإن قيل: هي شيء واحد قيل: قام بها طعم واحد.\nفإن","vol":"4","page":188},{"text":"قيل فهذا هو التقدير الأول، وهو اتصاف كل جزء من هذه الأجزاء بجميع هذه الصفات قيل: ليس كذلك.\nأما أولا: فلمنع التجزي.\nوأما ثانيًا فلأنه لم يقل بكل جزء إلا جزء من الصفة القائمة بالجمع، لم تقم جميع الصفة بكل جزء وحينئذ فيطل التلازم المذكور وهو كون كل جزء إليها، فإن الإله سبحانه هو المتصف بأنه بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، أما إذا قدر موصوف قام به جزء من هذه القدرة لا تنقسم هي ولا محلها لم يلزم أن يكون ذلك الجزء قادرًا، فضلا عن أن يكون ربًا إذ القادر لا يجب أن يكون من قام به جزء من القدرة ولا الحي من قام به جزء من الحياة ولا العالم من قام به جزء من العلم.\nفإن قيل: كيف يعقل انقسام القدرة والحياة والعلم؟\nقيل: كما يعقل انقسام محل هذه الصفات فإن الإنسان تقوم حياته بجميع بدنه وكذلك الحس والقدرة ببدنه من صفاته فكما أن بدنه ينقسم فالقائم ببدنه ينقسم.\nفإن قيل إذا انقسم لم يبق قدرة ولا علمًا ولا حياة.","vol":"4","page":189},{"text":"قيل: وكذلك المحل لا يبقى يدا ولا عضوا لا قادرًا ولا حيا ولا عالما ولا حساسا، فإن الجزء المنفرد بتقدير وجوده هو أحقر من أن يقال إنه يد أو عضو أو بدن حي عالم قادر فكيف يقال فيه إنه إله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>الثالث</span>\nأن ما ذكروه معارض بقيام هذه الصفات في الإنسان، فإن الإنسان تقوم به الحياة والقدرة والحس، ولم نذكر العلم ولا نحتاج أن نقول كما قالت المعتزلة: إن الاعراض المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء في الجملة عاد حكمها إلى جميع الجملة، بل نذكر من الاعراض ما يعلم قيامه بالبدن الظاهر كالحياة والحس والحركة والقدرة فإن هذا التقسيم الذي ذكروه يرد عليه فإنه إن قيل: إن كل جزء من أجزائه متصف بهذه الصفات لزم تعدد الإنسان وإن كان المتصف بجملتها بعض الأجزاء فلا اولوية، وبزم أن لا يتعدى حكم الصفة محلها.\nوالتقدير أن ظاهر البدن كله حي حساس، وإن قيل كل واحد يختص بصفة فهو معلوم الفساد بالضرورة مع أنه لا أولوية.","vol":"4","page":190},{"text":"وإن قيل: تقوم الصفة الواحدة بالجملة لزم قيام الواحد بالمتعدد.\nفإذا كان هذا التقسيم واردًا على ما يعلم قيام الصفات به لم ينف قيامها به علم أنها حجة باطلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>الرابع</span>\nقوله والرابع محال لأنه يلزم منه قيام المتحد بالمتعدد.\nفيقال: لا نسلم التلازم فإن هذا القيام مبناه على أنه حينئذ يقوم الواحد بالمعتدد، فإنه فرض قيام علم واحد وقدرة واحدة وحياة واحدة بجملة أجزاء.\nوهذا الأصل فاسد فإن المعلوم من وحدة الصفة الحالية وتعددها هو المعلوم من وحدة المحل وتعدده فالحياة القائمة بجسم حي إذا قيل: هي حياة واحدة، قيل هو حي واحد وإذا قيل الحي أجزاء متعددة قيل: الحياة أجزاء متعددة، فالحال ومحله سواء في الاتحاد والتعدد.\nوحينئذ فقولهم: أنه قام المتحد بالمتعدد كلام باطل بل ما","vol":"4","page":191},{"text":"فسروا به الاتحاد في احدهما كان موجودًا في الآخر، وما فسروا به تعدد أحدهما كان موجوًا في الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>الخامس</span>\nأنا لا نسلم الحصر فيما ذكروه من الأقسام بتقدير انقسام الجسم بل من الممكن أن يقال: قام كل جزء من أجزاء هذه الصفات بجزء من أجزاء الموصوف وكل جزء منه متصف بجزء من الصفة.\nوهذا التقسيم غير ما ذكره من الأقسام، ليس فيه اتصاف كل جزء بجميع الصفة، ولا المتصف بجميعها بعض الجملة، ولا كل جزء مختصًا بجميع صفته، ولا قيام واحد بمتعدد.\nفإن قال: الصفة لا تنقسم ومحلها ينقسم.\nقيل: هذه مكابرة للحس والعقل، بل انقسامها محلها يبين هذا أن من أعظم عمد مثبتي الجوهر الفرد قولهم: إن الحركة قائمة بالجسم، والزمان مقدار الحركة، والزمان فيه الآن الذي لا ينقسم، فلا ينقسم قدره من الحركة، فلا ينقسم الجزء الذي يحلها، فإنما استدلوا على وجود الجزء الذي لا ينقسم إلا بوجود جزء من الحركة لا ينقسم، فعلم أن انقسام الحال عندهم كانقسام محله مع أن هذا معلوم بالحس والعقل.","vol":"4","page":192},{"text":"وكذلك المتفلسفة القائلون بان النفس الناطقة ليست جسما:\nعمدتهم انه يقوم بها مالا ينقسم، ومالا ينقسم إلا بما لا ينقسم، فقد اتفقت الطوائف على أن الصفة إذا لم تنقسم كان محلها لا ينقسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>السادس</span>\nأن قوله: إما أن يكون كل جزء من الأجزاء متصفًا بهذه الصفات.\nيقال له: إن أردت أنه يتصف به كما تتصف به الجملة فهذا لا يقوله عاقل، فإنه ليس في الأجسام ما يكون صفة جميعه صفة للجوهر الفرد منه، على الوجه الذي هي به صفة لجمعية وإن أردت انه متصف به كما يليق بذلك الجزء فلم قلت إن ما اتصف به بالصفة على هذا الوجه يمكن انفراده عن غيره فضلا عن كونه إلها؟\nوهذا لأنه ليس في جميع ما يعلم من الموصوفين المنفردين بأنفسهم ما هو جوهر فرد، ولا في شيء مما يشاهد من الموصوفين ما هو جوهر فرد، بل والجوهر الفرد بتقدير وجوده لا يحس به ولا يوجد منفردًا فما كان لا يوجد وحده حتى ينضم إليه أمثاله كيف يكون حيًا فضلًا عن أن يكون فرسًا أو بعيرًا؟ فضلا عن أن يكون أنسانًا أو ملكًا أو جنبا فضلا عن أن يكون إلهًا؟","vol":"4","page":193},{"text":"وهل ذكر مثل هذا في حق الله إلا من أعظم الدليل على جهل قائله؟\nفإنهم لا يعلمون شيئًا من الجواهر المنفردة يسمى باسم جملته لقيام الصفة بالجملة فكيف يجب في حق الله إذا قامت به الصفات الكمال أن يكون بتقدير ما ذكروه يجب فيه مثل ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>السابع</span>\nأن يقال: كما أنه لا يجب في كل جزء من الإنسان ان يكون انسانًا لأنه قام به من الصفات ما يقوم بالإنسان ولا في كل جزء من اجزاء الفرس وسائر الحيوان ان يكون فرسًا، لكونه من الجملة التي قامت بها الصفة، فلماذا يجب في كل ما كان من الإله ان يكون إلها لقيام الإله بالإله الموصوف كله، مع أن كل واحد من الموجودات لا يكون حكم جزئه حكم كله، لقيام الصفة بالجميع، وهل هذا إلا من أفسد الحجج وإن كان هو من اعظم عمد النفاة؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى</span>\nقال: في بيان المحال من اتصافه بهذه الصفات هو أنه لا يخلو إما أن يكون اتصافه بها واجبًا لذاته او","vol":"4","page":194},{"text":"لغيره، لا جائز ان يقال بالأول، وإلا لزم اتصاف كل جسم بها وجوبًا لذاته ن للتساوي ف يالحقيقة على ما وقع به الفرض، وإن كان الثاني فيلزم أن يكون الرب مفتقرًا إلى ما يخصصه بصفاته، والمحتاج إلى غيره في إفادة صفاته لاه لا يكون إلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون اتصافه بها واجبًا لذاته؟\nقوله: يلزم اتصاف كل جسم بها للتساوي في الحقيقة على ما وقع به الفرض.\nقيل: الذي وقع به الفرض أنه جسم كالأجسام، وذلك يقتضي الاشتراك في مسمى الجسمية، فلم قلت: إن ذلك يستلزم التساوي في الحقيقة فإن هذا مبني على تماثل الأجسام وهو ممنوع وهو باطل.\nوإن قيل: إنه يقتضي مماثلة كل جسم في حقيقية بحيث يجوز عليه ما يجوز على كل جسم ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له فهذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقول ولا يعرف هذا قولًا لطائفة معروفة وفساده ظاهر لا يحتاج إلى إطناب، ولكن لا يلزم من فساده أن","vol":"4","page":195},{"text":"لا يكون النزاع إلا لفظًا فإن المنازع يقول: ليس هو مثل كل جسم من الأجسام فيما يجب ويجوز ويمتنع ولكن شاركها غيره في مسمي الجسمية كما إذا قيل: هو حي وغيره حي، شاركه في مسمى الحي وكذلك شارك غيره في مسمى العالم والقادر والموجود والموجود والذات والحقيقة فما كان من لوازم القدر المشترك ثبت لهما، وما أخص بأحدهما لم يثبت للآخر.\nومعلوم ان مسمى الجسمية إن قيل إنه يستلزم أن يجوز على كل جسم ما جاز على الآخر.\nفلا يقول عاقل: إن الله جسم بهذا التفسير.\nومن قال: إنه جسم، لم يقل: إن القدر المشترك إلا كالقدر المشترك في الذات والقائم بالنفس ومسمى التحيز، ويقول مع ذلك: إن هذا المسمى وقع على أمور مختلفة الحقائق، كالموصوف والقائم بالنفس ونحو ذلك.\nوبالجملة إن ثبت تماثل الأجسام في كل ما يجب ويجوز ويمتنع أغناه عن هذا الكلام، وإن لم يثبت لم ينفعه هذا الكلام، فهذا الكلام لا يحتاج إليه على التقديرين، فالمنازع يقول: مسمى الجسم كمسمى الموصوف والقائم بنفسه والذات والماهية، والموجود ينقسم إلى واجب بنفسه وواجب بغيره، وإذا كان أحد النوعين واجبًا بنفسه، لم يجب أن يكون كل موصوف قائمًا بنفسه، ولا كل موجود، وكذلك لا يكون","vol":"4","page":196},{"text":"كل جسم.\nفتبين أن كل ما ذكره مغلطة لأنه قال: إما أن يقال: إنه جسم كالأجسام، وإما أن يقال: جسم لا كالأجسام، فإن قيل بالثاني كان النزاع في اللفظ لا في المعنى، فدل ذلك على أن قوله في المعنى موافق لقول من يقول: جسم لا كالأجسام، ثم جعل القسم الأول هو القول بتماثل الأجسام، فكان حقيقة قوله: إنه إما أن يقال إنه مماثل للأجسام في حقيقتها بحيث يتصف بما تتصف به من الوجوب والجواز والامتناع، وإما أن لا يقال بذلك، فمن لم يقل بذلك لم ينازعه في المعنى، ومن قال بالأول فقلوه باطل.\nومعلوم أن أحدًا من الطوائف المعروفة وأهل الأقوال المنقولة لم يقل: إنه جسم مماثل للأجسام كما ذكر.\nومعلوم أيضًا أن فساد هذا أبين من أن يحتاج إلى ما ذكره من الأدلة، فإن فساد هذا معلوم بالأدلة اليقينية لما في ذلك من الجمع بين النقيضين، إذ كان كل منهما يلزم أن يكون واجبًا بنفسه لا واجبًا بنفسه، محدثًا لا محدثا، ممكنا لا ممكنا، قديمًا لا قديما إذ المتماثلان يجب اشتراكهما في هذه الصفات.\nوإذا كان القول الذي نفاه لم يقله أحد، ولم ينازعه فيه أحد والقول الذي ادعى أنه موافق لقائله في المعنى لا يخالف فيه قائلة، بقي مورد النزاع لم يذكره ولم يقم دليلا على نفيه وهو قول من يقول: هو","vol":"4","page":197},{"text":"جسم كالأجسام، بمعنى أنه مشارك لغيره في مسمى الجسمية، كما يشاركه في مسمى الموصوفية والقيام بالنفس، وأنه لم يثبت له لوازم القدر المشترك، ولا يثبت له شيء من خصائص المخلوقين، ولا يكون مماثلًا لشيء من الأجسام فيما يجب ويجوز ويمتنع عليه، لأن الأجسام المخلوقة لها خصائص تختص باعتبارها ثبت لها ما يجب ويجوز ويمتنع عليه.\nوالقدر المشترك عند هؤلاء لا يستلزم شيئًا من خصائص المخلوقين، وهذا القدر لم يتعرض له هنا بنفي ولا إثبات لكنه يقول: إن القدر المشترك يستلزم التماثل في الحقيقة، وإن ما لزم كلا من الأجسام لزم الآخر وإنما يفترقان فيما يعرض لهما بمشيئة الخالق.\nلكن هذا القول لم يقرر هنا، فبقي كلامه بلا حجة، مع أن هذا القول فاسد في نفسه كما قد عرف.\nوهو لما قرره في موضع آخر بناه على أصلين: على إثبات الجوهر الفرد وتماثل الجواهر.\nوكلاهما منوع باطل، قد قرر هو انه لا حجة عليه، مع أن القول بانه جسم كالأجسام ما علمت أنه قاله أحد، ولا نقله أحد عن أحد وهو مع هذا لم","vol":"4","page":198},{"text":"يذكر دليلًا على نفيه، فكيف قد أقام دليلًا على نفي قول من يقول: هو جسم لا كالأجسام؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى</span>\nالحجة الثالثة: قال: هو أنه لو كان جسما لكان له بعد وامتداد، وذلك إما أن يكون غير متناه أو متناهيا، فإن كان غير متناه: فإما أن يكون غير متناه من جميع الجهات، أو من بعض الجهات دون بعض، فإن كان الأول فهو محال لوجهين: الأول: ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهى، والثاني: يلزم منه أن لا يوجد جسم غيره، أو أن تتداخل الأجسام وهو يخالط القاذورات وهو محال، وإن كان الثاني فهو ممتنع أيضا لوجهين: الأول ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهى، والثاني: أنه إما أن يكون اختصاص أحد الطرفين بالنهاية دون الآخر لذاته أو لمخصص من خارج، فإن كان الأول فهو محال لعدم الأولوية، وإن كان الثاني فيلزم أن يكون الرب مفتقرا في إفادة مقداره إلى موجب ومخصص، ولا معنى للبعد غير نفس الأجزاء على","vol":"4","page":199},{"text":"ما تقدم، فيكون الرب معلول الوجود، وهو محال.\nوإن كان متناهيا من جميع الجهات فله شكل ومقدار، وهو إما أن يكون مختصا بذلك الشكل والقدر لذاته، أو لأمر خارج، فإن كان الأول لزم منه اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في الطبيعة، وإن كان الثاني فالرب محتاج في وجوده إلى غيره وهو محال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون مختصًا بالشكل والمقدار لذاته؟ قوله: إن ذلك يستلزم اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في الطبيعة، إنما يصح إذا سلم أن طبيعة الأجسام كلها متحدة، وهذا ممنوع بل باطل بل معلوم الفساد بالضرورة والحس، فإن طبيعة النار ليست طبيعة الماء ولا طبيعة الحيوان طبيعة النبات وهذا مبني على القول بأن الأجسام متماثلة في الحقيقة، وهذا لو صح لأغنى عن هذه الوجوه كلها، وهو في كتابه لما ذكر قول من يقول بتجانس","vol":"4","page":200},{"text":"الأجسام من أهل الكلام المعتزلة والأشعرية قال: إنهم بنوا ذلك على أصلهم: أن الجسم هو الجوهر المؤلف أو الجوهر المؤتلفة وأن الجواهر متجانسة وأن التأليف من حيث هو تأليف غير مختلف فالأجسام الحاصلة منها غير مختلفة.\nومعلوم أن هذين الأصلين اللذين بنوا عليهما تماثل الأجسام قد أبطلها هو وغيره، وهي مما يخالفهم فيها جمهور العقلاء، فأكثر العقلاء لا يقولون إن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، لا جمهور أهل الملل ولا جمهور الفلاسفة، بل جمهور أهل الكلام من الهشامية والنجارية والضرارية والكلابية والكرامية لا يقولون بذلك، فكيف بمن عدا أهل الكلام من سائر أنواع أهل العلم؟ فإنهم من أعظم الناس إنكارًا لذلك.\nوكذلك القول بتماثل الجواهر قول لا دليل عله إذ المتنازعون في الجواهر المنفردة: منهم من يقول باختلافها ومنهم من يقول بتماثلها.\nوأيضًا فقول القائل إما أن تكون مختصًا بذلك المقدار لذاته أو لأمر خارج.\nيقال له أتريد بذاته مجرد الجسمية المشتركة أم ذاته الذي يختص بها ويمتاز بها عن غيره؟\nأما الأول فلا يقول عاقل، فإن عاقلا لا يعلل الحكم المختص بالأمر","vol":"4","page":201},{"text":"المشترك، فلا يقول عاقل، إن ما اختص به أحد الشيئين عن الآخر كان للقدر المشترك بينهما فإن القدر مستلزمة للمعلول، الملزوم أعم من العلة فإذا لم يكن المشترك ملزومًا للمختص كما أن، لا يكون علة أولى وأحرى فإن الملزوم حيث وجد وجد اللازم.\nومعلوم انه ليس حيث المشترك يوجد المختص، إذ المشترك يوجد في هذا والمختص بالآخر منتف.\nوفي الجملة فهذا ما لا يتنازع فيه العقلاء، فلا يكون اختصاص أحد الجسمين عن الآخر بخصائصه لمجرد الجسمية المشتركة بل تلك الخصائص مما يمتنع ثبوتها لسائر الأجسام.\nوحينئذ فيقال: معلوم أن كل جسم مختص بخصائص وخصائصه لا تكون لأجل الجسمية المشتركة، وذلك يمنع تماثل الأجسام، لأنها لو كانت متماثلة للزم أن يكون اختصاص بعضها بخصائصه لمختص والمخصص إما الرب وإما غيره وتخصيص غيره ممتنع لأنه جسم من الأجسام فالكلام فيه كالكلام في غيره، ولأن التقدير أنها متماثلة، فليس هذا بالتخصيص أولى من هذا وتخصيصه أيضًا ممتنع","vol":"4","page":202},{"text":"لأنه يستلزم ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بغير مرجح وذلك ممتنع وإذا قيل المرجح هو القدرة والمشيئة.\nقيل نسبة القدرة والمشيئة إلى جميع المتماثلات سواء فيمتنع الترجيح بمجرد ذلك، فلا بد أن يكون المرجح ما لله تعالى في ذلك من الحكمة، والحكمة تستلزم علم الحكيم بأن أحد الأمرين أولى من الآخر، وأن يكون ذلك الراجح أحب إليه من الآخر.\nوحينئذ فذلك يستلزم تفاصيل المعلومات المرادات وذلك يمنع تساويها وهو المطلوب.\nوهذا الكلام يتعلق بمسألة حكمه الله في خلقه وأمره، وهو مبسوط في غير هذا الموضع.\nونفاة ذلك غاية ما عندهم انهم يزعمون أن ذلك يقتضي افتقاره إلى الغير لأن من فعل شيئًا لمراد كان مفتقرًا إلى ذلك المراد مستكملا به، والمستكمل بغيره ناق بنفسه.\nوهذه الحجة باطلة كبطلان حجتهم في نفي الصفات وذلك أن لفظ الغير مجمل فإن أريد بذلك أنه يفتقر إلى شيء مباين منفصل عنه فهذا ممنوع فإن مفعولاته ومراداته هو الفاعل لها كلها، لا يحتاج في شيء منها إلى غيره وإن أريد بذلك أنه يفتقر إلى ما هو مقدور له مفعول له، كان حقيقة ذلك انه مفتقر إلى نفسه أو لوازم نفسه.\nومعلوم أنه سبحانه موجود بنفسه لا يفتقر إلى ما هو غير له مباين","vol":"4","page":203},{"text":"له، وأنه مستوجب لصفات الكمال التي هي من لوازم ذاته فإذا قال القائل إنه مفتقر إلى نفسه كان حقيقته أنه لا يكون موجودًا إلا بنفسه وهذا المعنى حق.\nوإذا قيل هو مفتقر إلى صفاته اللازمة أو جزئه أو لوازم ذاته او نحو ذلك كان حقيقة ذلك أنه لا يكون موجودا إلا بصفات الكمال، وأنه يمتنع وجوده دون صفات الكمال التي هي من لوازم ذاته وهذا حق ومعلوم: إن الأمور التي لا يمكن وجودها إلا حادثة متعاقبة ليس الكمال في أن يكون كل منها ازليا فإن ذلك ممتنع ولا في أن ذلك لا يكون، فإن ذلك نقص وعدم، بل في أن تكون كل منها أزليا فإن ذلك ممتنع، ولا في أن ذلك لا يكون، فإن ذلك نقص وعدم، بل في أن تكون بحسب إمكانها على ما تقتضيه الحكمة، فيكون وجود تلك المرادات للحكمة من أعظم نعوت الكمال التي يجب أن يوصف بها، ونفيها عنه يقتضي وصفه بالنقائص، وإن كل كمال يوصف به فليس مفتقرًا فيه إلى غيره أصلا، بل هو من لوازم ذاته سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، الذين يصفونه بالنقائص ويسلبونه الحكمة التي هي محض","vol":"4","page":204},{"text":"بل لا يقتضي إثباتها إلا استلزام ذاته لنعوت كماله وكمال نعوته لا افتقار إلى شيء مباين لنفسه المقدسة.\nوأيضًا فيقال القول في استلزام الذات لقدرها الذي لم يقدره المشركون كما قال تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الزمر ٦٧ كاستلزام الذات لسائر صفاتها من العلم والقدرة والحياة، فإنه لو كان مختص يحتاج إلى مخصص لزم الدور أو التسلسل الباطلان فلا بد من مختص بما يختص به يختص بذلك لنفسه وذاته لا لأمر مباين له.\nوهذا هو حقيقة الواجب لنفسه المستلزم لجميع نعوته من غير افتقار إلى غير نفسه، مع أنما ذكره في وجوب تناهي الأبعاد قد أبطل فيه مسالك الناس كلها، وأنشأ مسلكا ذكر أنه لم يسبقه إليه أحد وإذا حرر الأمر عليه وعليهم في تلك المسالك كان القدح فيها أقوى من مسالكهم في النفي، فلو قدر ان أثنين أثبت احدهما موجودًا قائمًا بنفسه لا يتناهى وأثبت الآخر موجودًا لا يكون متناهيا ولا غير","vol":"4","page":205},{"text":"متناه كان قول الثاني أفسد والأول أقرب إلى الصواب وما من مقدمة يدعون بها إفساد قول الأول إلا وفي أقوالهم ما هو أفسد منها.\nوالمناظرة تارة تكون بين الحق والباطل، وتارة بين القولين الباطلين لتبين بطلانهما، أو بطلان أحدهما او كون أحدهما أشد بطلانا من الآخر فإن هذا ينتفع به كثيرًا في أقوال أهل الكلام والفلسفة وأمثالهم، ممن يقول أحدهم القول الفاسد وينكر على منازعه ما هو أقرب منه إلى الصواب فيبين أن قول منازعه أحق بالصحة إن كان قوله صحيحًا وأن قوله أحق بالفساد إن كان قول منازعه فاسدًا لتنقطع بذلك حجة الباطل فإن هذا أمر مهم، إذ كان المبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم فإن بيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت ولكن صالوا عليها أصول المحاربين لله ولرسوله فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله.\nوقد حكى الأشعري وغيره عن طوائف أنهم يقولون إنه لا يتناهى وهؤلاء نوعان: نوع يقول: هو جسم ونوع يقول ليس بجسم فإذا أراد النفاة أن يبطلون قول هؤلاء لم يمكنهم ذلك فإنهم إذا قالوا: يلزم أن يخالط اقاذورات والأجسام قالوا: كما أثبتم موجودًا لا يشار إليه ولا هو داخل ولا خارج، فنحن نثبت موجودًا هو داخل","vol":"4","page":206},{"text":"ولا يخالط غيره فإذا قالوا هذا لا يعقل قالوا وذلك لا يعقل.\nومذهب النفاة أبعد في العقل من مذهب الحلولية، ولهذا إذا ذكر القولان لأهل الفطر السليمة نفروا عن قول النفاة أعظم من نفورهم عن قول الحلولية وكذلك ما ذكره من امتناع النهاية من بعض الجوانب دون بعض فإن هذا قاله طائفة ممن يقول إنه على العرش.\nوقول هؤلاء وإن قيل إنه باطل فقول النفاة أبطل منه إما احتجاجه على هؤلاء بأن اختصاص أحد الطرفين بالنهاية دون الآخر محال لعدم الأولوية، أو لافتقاره إلى مخصص من خارج فيقولون له أنت دائما تثبت تخصيصًا من هذا الجنس كما تقول إن الإرادة تخصص أحد المثلين لا لموجب فإذا قيل لك: هذا يستلزم ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح قلت هذا شان الإرادة والإرادة صفة من صفاته فإذا كانت ذاته مستلزمة لما من شأنه ترجيح أحد المثلين لذاته بلا مرجح فلأن تكون ذاته تقتضي ترجيح أحد المثلين بلا مرجح أولى.\nوهذا للمعتزلة والفلاسفة ألزم، فإن المعتزلة يقولون إن القادر المختار يرجح بلا مرجح والفلاسفة يقولون: مجرد الذات اقتضت ترجيح الممكنات بلا مرجح آخر فقد اتفقوا كلهم على أن الذات توجب الترجيح لأحد المتماثلين بلا مرجح فكيف يمكنهم مع هذا ان يمنعوا كونها تستلزم تخصيص أحد الجانبين بلا مخصص.","vol":"4","page":207},{"text":"ولو قال لهم منازعهم الموجودان القائمان بأنفسهما لا بد أن يكون بينهما حد وانفصال فعلمنا التناهي من جانب هذا الموجود واما الجانب الآخر فلا نعلم امتناعه إلا إذا علمنا امتناع وجود أبعاد لا تتناهى، وهذا غير معلوم لنا، أو هو باطل لكان قوله أقوى من قولهم.\nوالمقصود هنا أن غايتهم في إبطال قول هؤلاء أن ينتهوا إلى أبطال بعد لا يتناهى أو إلى عدم الأولوية أو وجوب المخالطة.\nوهذه المقدمات يمكن منازعوهم أن ينازعوهم فيها أعظم مما يمكنهم هم منازعة أولئك في مقدمات حجتهم ويرد عليهم من المناقضات والمعارضات أعظم مما يرد على أولئك، وهذا مبسوط في موضعه.\nفهذه الحجة وأمثالها من حجج النفاة يمكن إبطالها من وجوه كثيرة بعضها جهة المعارضة بأقوال أهل باطل آخر وبيان انه ليس أولئك بأبطل من قول هؤلاء، فإذا لم يمكن الاستدلال على نفي أحد القولين إلا بالمقدمة التي بها نفي القول الآخر، لم يكن نفي أحدهما أولى من نفي الآخر، بل إن كانت المقدمة صحيحة لزم نفيهما جميعًا، وغن كانت باطلة لم تدل على نفي واحد منهما فكيف إذا كانت","vol":"4","page":208},{"text":"المقدمة التي استدل بها المستدل على نفي قول منازعه قد قال بها وبما هو أبلغ منها؟ وبعض ما تبطل به هذه الحجة يكون من جهة أهل الحق الذين لم يقولوا باطلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>بطلان حجته من وجوه</span>\nونحن نذكر ما يحضر من إبطالها بالكلام على مقدماتها والمواضع التي ينازعه فيها الناس\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>الوجه الأول</span>\nقوله لو كان جسما لكان له بعد وامتداد فإن هذا مما نازعه فيه طائفة ممن يقول هو جسم وهو مع ذلك واحد لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه فلا يشار إلى شيء منه دون شيء، فإن هذا معروف عن طائفة من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم والرازي قد ذكر ذلك عن بعضهم لكنه ادعى أن هذا القول لا يعقل وأن فساده معلوم بالضرورة.\nوكذلك قول من قال إنه فوق العرش وإنه مع ذلك ليس بجسم كما يذكر ذلك عن الأشعري، وكثير من أهل الكلام والحديث والفقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو قول القاضي أبي يعلي وأبي الحسن الزاغوني وقول أبي الوفاء بن عقيل في كثير من كلامه وهو قول أبي العباس القلانسي، وقبله أبو محمد بن كلاب وطوائف غير هؤلاء.\nفإذا قال القائل: كونه جسمًا مع كون غير منقسم أو كونه فوق العرش مع كونه غير جسم مما يعلم فساده بضرورة العقل.","vol":"4","page":209},{"text":"فيقال: ليس العلم بفساد هذا بأظهر من العلم بفساد قول من قال إنه موجود قائم بنفسه فاعل لجميع العالم وأنه مع ذلك لا داخل في العالم ولا خارج عنه ولا حال فيه ولا مباين له لا سيما إذا قيل مع ذلك إنه حي عالم قادر وقيل مع ذلك ليس له حياة ولا علم ولا قدرة، أو قيل: هو عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق وأن العلم والحب نفس العالم المحب ونفس الحب هو نفس العلم أو قيل مع ذلك إنه حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة سميع يسمع بصير يبصر متكلم بكلام وقيل مع ذلك إنه لا داخل في مخلوقاته ولا خارج عنها ولا حال فيها ولا مباين لها وأن إرادته لهذا المراد ونفس رؤيته لهذا هو نفس رؤيته لهذا ونفس علمه بهذا هو نفس علمه بهذا وأن الكلام معنى واحد بالعين فمعنى آية الكرسي وآية الدين وسائر القرآن والتوراة والإنجيل وسائر ما تكلم به هو شيء واحد فإن كانت هذه الأقوال مما يمكن صحتها في العقل فصحة قول من قال هو فوق العرش وليس بجسم او هو جسم وليس بمنقسم أقرب إلى العقل.\nوإن قيل بل هذا القول باطل في العقل فيقال تلك أبطل في العقل ومتى بطلت تلك صح هذا.\nوإذا قيل النافي لإمكان تلك الأمور هو الوهم لا العقل","vol":"4","page":210},{"text":"وإلا فالعقل بجوز وجود ما ذكر قيل: والنافي لإمكان هذا هو الوهم وإلا فالعقل يجوز وجود ما ذكر وإذا قيل البرهان العقلي دل على وجود ما أنكره الوهم قيل والبرهان العقلي دل على وجود ما أنكره الوهم هنا.\nومن تأمل هذا وجده من اصح المعارضة وأبين التناقض في كلام هؤلاء النفاة وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>الوجه الثاني</span>\nقوله وإذا كان له بعد وامتداد فإما أن يكون غير متناه وإما أن يكون متناهيًا.\nفيقال من الناس من يقول إنه غير متناه وهؤلاء منهم من يقول جسم ومنهم من يقول غير جسم وقد حكى القولين أبو الحسن الأشعري في المقالات وحكاهما غيره أيضًا ومن الناس من قال هو متناه من بعض الجهات وهذا مذكور عن طائفة من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم وقد قاله بعض المنتسبين إلى الطوائف الأربعة من الفقهاء كما ذكره القاضي أبو يعلى في عيون المسائل فإن هذه الأقوال يوجد عامتها في بعض أتباع الأئمة منها ما يوجد في في بعض أصحاب أبي حنيفة ومنها ما يوجد في بعض أصحاب مالك، ومنها ما يوجد في بعض أصحاب الشافعي ومنها مايو جد في بعض أصحاب أحمد، ومنها ما يوجد في بعض أصحاب اثنين أو ثلاثة أو الأربعة.","vol":"4","page":211},{"text":"قوله إن كان غير متناه من جميع الجهات فهو محال لوجوه الأول ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهى.\nفيقال له أنت قد أبطلت أدلة نفاة ذلك ولم تذكر إلا دليلًا هو أضعف من أدلة غيرك فبقيت الدعوى بلا دليل.\nقوله الثاني انه يلزم منه نفي الأجسام أو تداخلها، ومداخلة القاذورات.\nفيقال هؤلاء يقولون لا يلزم منه شيء من ذلك بل هو غير متناه مع كونه جسمًا أو مع كونه غير جسم ويقولون لا يلزم نفي سائر الأجسام ولا مداخلتها.\nفإذا قيل لهم هذا ينفيه العقل قالوا نفي العقل لهذا كنفيه وجوده قائمًا بنفسه فاعلًا للعالم وهو مع ذلك لا حال في العالم ولا بائن من العالم بل نفي العقل لهذا أعظم من نفيه لهذا وما قيل من الاعتذار عن ذلك بالفرق بين الوهم والعقل يمكن في هذا بطريق الأولى كما بسط في موضعه.\nفإن هؤلاء ادعوا أن قول القائل كل موجودين غما أن يكونا متحايثين أو متباينين أو كل موجودين قائمين بأنفسهما فإما أن يكونا متبايني، أو متلاصقين ن أو كل موجود قائم بنفسه فلا بد أن يكون","vol":"4","page":212},{"text":"مشارًا إليه.\nوان قول القائل بإثبات موجود لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا حال فيه ولا مباين له ولا يشار إليه ولا يقرب من شيء ولا يبعد من شيء ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء وأمثال ذلك من الصفات السالبة النافية.\nهو محال في العقل.\nقالوا إن هذا الموجب لذلك التقسيم، والمحيل لوجود هذا، إنما هو الوهم دون العقل، وأن الوهم يحكم غير المحسوس بحكم المحسوس، وهذا باطل.\nفقيل لهم فأنتم لم تثبتوا بعد وجود مالا يمكن الإحساس به وحكم الفطرة أولى بديهي، والوهم عندكم إنما يدرك الأشياء المعينة كإدراك العداوة والصداقة، كإدراك الشاة عدواة الذئب وصداقة اكبش.\nوهذه أحكام كلية والكليات من حكم العقل لا من حكم الوهم.\nفهذا وأمثاله مما أبطل به ما ذكروه من الاعتذار بأن هذا حكم الوهم لكن المقصود هنا أن ذلك العذر إن كان صحيحًا فلمنازعيهم أن يعتذروا به ههنا فيقولون ما ذكرتموه من كونه لو كان فوق العرش، أو لو كان جسمًا لكان ممتدًا متناهيًا أو غير متناه هو من حكم الوهم وهو فرع كونه قابلًا لثبوت الامتداد ونفيه، أو لثبوت النهاية ونفيها، ونحن نقول هو فوق العرش أو هو فوق العرش وهو مع ذلك لا يقبل أن يكون ممتدًا ولا غير","vol":"4","page":213},{"text":"ممتد ولا أن يكون متناهيًا ولا غير متناه كما قلتم أنتم إنه موجود قائم بنفسه مبدع للعالم مسمى بالأسماء الحسنى وأنه مع ذلك لا يقبل أن يقال هو متناه ولا غير متناه بل ذاته لا تقبل إثبات ذلك ولا نفيه ولا تقبل أن يقال هو حال في العالم ولا خارج عنه فلا توصف ذاته بالدخول ولا بالخروج فإن ذاته لا تقبل الاتصاف لا بإثبات ذلك ولا بنفيه\nفهذا ونحوه قولكم فغن كان هذا القول صحيحًا أمكن من أثبت العلو دون التجسيم أو العلو والتجسيم ونفي ما يذكر من لوازمه أن يقول فيه ما تقولونه أنتم حيث أثبتم موجودًا قائمًا بنفسه مبدعًا للعالم، ونفيتم ما يذكر من لوازمه، فإن لزوم تلك اللوازم لما أثبتوه أظهر في صريح العقل من لزوم هذه اللوازم لما أثبته هؤلاء، فإن أمكنكم نفي اللزوم، وادعيتم أن القول باللزوم وإحالة ما أثبتموه من حكم الوهم دون العقل أمكن خصومكم أن يقولوا مثل ذلك ما قلتموه بطريق الأولي.\nوهذا يفهمه من تصور حقيقة قول الطائفتين وأدلتهم العقلية، فإنه إذا قابل بين قول هؤلاء وقول هؤلاء تبين له صحة الموازنة وان الإثبات","vol":"4","page":214},{"text":"أقرب إلى صريح المعقول وأبعد عن التناقض، كما أنه أقرب إلى صحيح المنقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>الوجه الثالث</span>\nوكذلك يقال في الوجه الثالث فإن لإثبات النهاية من أحد الطرفين دون الآخر أبعد عن الإحالة من إثبات موجود قائم لا يمكن أن يقال فيه هو متناه ولا أن يقال غير متناه.\nوكذلك إثبات موجود لا نهاية له من الطرفين أقرب إلى المعقول من كونه لا يقبل إثبات النهاية ولا نفيها.\nقوله فيلزم أن يكون الرب مفتقرًا في إفادة مقداره إلى موجب ومخصص ولا معنى للبعد غير نفس الأجزاء فيكون الرب معلولا لغيره.\nيقال ما من أحد من النفاة إلا وقد قال نظير هذا فالكلابية والأشعرية يقولون الذات اقتضت صفات معدودة دون غيرها من الصفات فإنهم وغن تنازعوا في كون صفاته كلها معلومة للبشر فإنهم لم يتنازعوا في إثبات صفات لا تناهي بل لا بد إن تكون صفاته متناهية فجعلوا الذات مقتضية لعدد معين دون غيره من الأعداد، ولصفات معينة دون غيرها من الصفات بل واقتضت الأمر بشيء دون غيره من المأمورات، وبإرادة شيء دون غيره من المرادات مع أن نسبتها إلى جميع المرادات والمأمورات نسبة واحدة.","vol":"4","page":215},{"text":"وأصلهم أنه يجوز تخصيص أحد المثلين دون الآخر بغير مخصص بل بمحض الإرادة ن وأن الذات اقتضت تلك الإرادة على ذلك الوجه دون غيرها، لا لأمر آخر.\nفإذا قيل الذات اقتضت تناهيًا من جانب دون جانب أو قدرًا مخصوصًا، لم يكن هذا في صريح العقل بأبعد من الامتناع من ذلك، لا سيما وهو مع ذلك يقولون لم يكن هذا في صريح العقل بأبعد من الامتناع من ذلك لا سيما وهو مع ذلك يقولون إن هذه الإرادة اقتضت أن تكون الحوادث متناهية من أحد الطرفين دون الآخر فالحوادث عندهم لا تناهي من جانب المستقبل مع تناهيها من جانب الماضي ومع إمكان تقدم الحوادث على مبدأ حدوثها وتأخرها عن ذلك المبدأ، ولكن الإرادة هي المخصصة لأحد المثلين والذات هي المخصصة لتلك الإرادة المعينة دون غيرها من الإرادات وهي المخصصة للكلام المعين الذي هو أمر بشيء معين دون غيره من الكلام والأوامر.\nوالمعتزلة يقولون إن تلك الذات هي المخصصة لأحد المقدورين دون أمثاله من المقدورات، وكذلك هي المخصصة لكونها آمرة ومتكلمة وفاعلة بالأمر المعين والكلام المعين والفعل المعين، دون غيره من الأوامر والكلام والفعل، وهي المخصصة للإرادة أو لكونه مريدًا دون غير تلك الإرادة أو غير تلك المريدية.\nوالفلاسفة يقولون إن الذات أو الوجود الذي لا اختصاص له","vol":"4","page":216},{"text":"بحقيقة من الحقائق ولا صفة من الصفات هو المخصص للعالم كله بما هو عليه من الحقائق والصفات والمقادير وأنه علة تامة موجبة للمعلول مع أن الحوادث من المعلولات ليست أعيانها أزلية ولم يكن فيه ما يوجب تأخر شيء من المعلولات، ولا قام به صفة ولا معنى ولا فعل يوجب التخصيص، لا بحقيقة دون حقيقة ولا بصفة دون صفة ولا لحادث دون حادث ولا لتأخير ما يتأخر.\nوالعالم يشهد فيه من الحقائق والحوادث الحادثة ما يعلم معه بالضرورة أنه لا بد له من مخصص، وهم لا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا، ليس فيه اختصاص وجودي بوجه من الوجوه، فضلًا عن إن يكون مقتضبًا لتخصيص حقيقة دون حقيقة ن وصفة دون صفة والحدوث من غير سبب يقتضي الحدوث، وهذه الأمور لبسطها موضع آخر.\nوالمقصود أن هؤلاء القائلين بعدم التناهي، أو بالتناهي من جانب دون جانب مع كون قولهم فاسدًا فنفاة كون الرب على العرش الذين يحتجون على نفي ذلك بنفي الجسم وعلى نفي الجسم بهذه الحجج يلزمهم من التناقض أعظم مما يلزم المثبتين والمقدمات التي","vol":"4","page":217},{"text":"يحتجون بها هي أنفسها وما هو أقوى منها من جنسها تدل على فساد أقوالهم بطريق الأولى، فإن كانت صحيحة دلت على فساد قولهم ومتى فسد قولهم صح قول المثبتة لامتناع رفع النقيضين، وإن كانت باطلة لم تدل على فساد قول المثبتة فدل ذلك على أن هذه المقدمات مستلزمة فساد قول النفاة دون قول أهل الإثبات.\nوهذه الطريق هي ثابتة في الأدلة الشرعية والعقلية فإنا قد بينا في الرد على أصول الجهمية النفاة للصفات في الكلام على تأسيس التقديس وغيره أن عامة ما يحتج به النفاة لرؤية والنفاة فرق العرش ونحوهم من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة هي نقيض قولهم وهكذا أيضًا عامة ما يحتجون به من الأدلة العقلية إذا وصلت معهم فيها إلى آخر كلامهم وما يجيبون به معارضهم، وجدت كلامهم في ذلك يدل على نقيض قولهم وأن ما يذكرونه من المناظرات العقلية هو على قول أهل الإثبات أدل منه على قولهم.","vol":"4","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>الوجه الرابع</span>\nقوله إذا كان متناهيًا من جميع الجهات فاختصاصه بالشكل والمقدار إن كان لذاته لزم منه اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في الطبيعة.\nفيقال له لا نسلم اشتراك جميع الأجسام في ذلك ولا نسلم أن االأجسام متحدة في الطبيعة وقد عرف أن النزاع في هذه المسألة من النظار من أشهر الأمور وهذا المصنف نفسه قد بين فساد حجج أصحابه المدعين تماثلها وتماثل الجواهر فإذا كان هو نفسه قد بين فساد حجج أصحابه المدعين تماثلها وتماثل الجواهر.\nفإذا كان هو نفسه قد بين فساد حجج القائلين بالاتحاد في الطبيعة كان قد أفسد حجته بما ذكره هو من الأدلة العقلية على فسادها فضلًا عما يذكره غيره من العقلاء وقد بسط هذا في موضعه وإنما المقصود هنا التنبيه على أن كل مقدمة في هذه الحجة يمكن منعها، ويكون قول المانع فيها أقوى من قول المحتج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>تابع كلام الأمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى</span>\nقال أنه لو كان جسمًا لكان مركبًا ممن الأجزاء، وهو محال لوجهين الأول أنه يكون مفتقرًا إلى كل واحد من تلك الأجزاء ضرورة استحالة وجود المركب دون أجزائه، وكل منها غير","vol":"4","page":219},{"text":"مفتقر إليه وما افتقر إلى غيره كان ممكنًا لا واجبًا لذاته وقد قيل إنه واجب لذاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت ولقائل أن يقول هذا باطل من وجوه\nبطلان هذا من وجوه\nالأول\nأن الذين قالوا إنه جسم لا يقول أكثرهم إنه مركب من الأجزاء بل ولا يقولون إن كل جسم مركب من الأجزاء فالدليل على امتناع ما هو مركب من الأجزاء فقط لا يكون حجة على من قال إنه ليس بمركب وإن كان بناءً على أن كل جسم مركب فهذا ممنوع.\nوإن قيل لا نعني بالأجزاء أجزاء كانت موجودة بدونه، وإنما نعني بها أنه لا بد أن يتميز منه شيء عن شيء.\nقيل فحينئذ لا يلزم أن يكون ذلك الذي يمكن أن يصير جزءًا غير مفتقر إليه إذ هو لا بد منه في وجود الجملة، وليس موجودًا دونها، فالجملة لا تستغني عنه وهو أيضًا لا يستغني عنها، فتكون الحجة باطلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>الثاني</span>\nأن يقال ما تعني بقولك إنه يكون مفتقرًا إلى كل واحد من تلك الأجزاء\nأتعني انه يكون مفعولًا للجزء أو معلولًا لعلة فاعلة أو تعني انه يكون وجوده مشروطًا بوجود الجزء.","vol":"4","page":220},{"text":"بحيث لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر فإن ادعيت الأول كان التلازم باطلًا فإنه من المعلوم أن الأجسام التي خلقها الله تعالى ليس شيء من أجزائها فاعلًا لها ولا علة فاعلة لها فإذا لم يكن شيء من المركبات المخلوقة جزؤه فاعلًا له ولا علة فاعلة له، كان دعوى أن ذلك قضية كلية من أفسد الكلام، فإنه لا يعلم ثبوتها في شيء من الجزئيات المشهودة، فضلًا عن أن تكون كلية.\nوإن قيل نعني بالافتقار أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا.\nقيل ولم قلتم إن مثل هذا ممتنع على الواجب بنفسه فإن الممتنع عليه أن يكون فاعلًا أو علة فاعلة إذ قيل بإمكان علة فاعلة لا تفعل بالاختيار فأما كونه لا يكون وجوده مستلزمًا للوازم لا يكون موجودًا إلا بها، فالواجب بنفسه لا ينافي ذلك، سواء سميت صفات أو أجزاء أو ما سميت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>الثالث</span>\nويظهر هذا بالوجه الثالث وهو أن النافي لمثل هذا التلازم إن كان متفلسفًا فهو يقول إن ذاته مستلزمة للممكنات المنفصلة عنه فكيف يمتنع أن تكون مستلزمة لصفاته اللازمة له، أو لما هو داخل في مسمى اسمه وهو أيضًا يسلم أن ذاته تستلزم كونه واجبًا وموجودًا.","vol":"4","page":221},{"text":"وعاقلًا ومعقولا وعقلا، ولذيذًا وملتذًا به ن ومحبًا لذاته ومحبوبًا لها، وأمثال ذلك من المعاني المتعددة.\nفإذا قيل هذه كلها شيء واحد.\nقيل: هذا مع كونه معلوم الفساد بالضرورة لكونه تضمن أن العلم هو الحب وأن العالم المحب هو العلم والحب فإن قدر إمكانه فقول القائل إن الجسم ليس بمركب من الهيولي والصورة ولا من الجواهر المنفردة، بل هو واحد بسيط أقرب إلى العقل من دعوى اتحاد هذه الحقائق.\nوإن كان من المعتزلة وامثالهم فهم يسلمون ذاته تستلزم أنه حي عالم قادر وإن كان من الصفاتية فهم يسلمون استلزام ذاته للعلم والقدرة والحياة وغير ذلك من الصفات فما من طائفة من الطوائف إلا وهي تضطر إلى أن تجعل ذاته مستلزمة للوازم وحينئذ فنفي هذا التلازم لا سبيل لأحد إليه سواء سمي افتقارًا أو يسم وسواء قيل إن هذا يقتضي التركيب أو لم يقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>الرابع</span>\nأن يقال قول القائل إن المركب مفتقر إلى كل","vol":"4","page":222},{"text":"واحد من تلك الأجزاء أتعنى بالمركب تلك الأجزاء أو تعني به اجتماعها آو الأمرين أو شيئًا رابعًا فإن عنيت الأول كان المعنى أن تلك الأجزاء مفتقرة إلى تلك الأجزاء وكان حاصله أن الشيء المركب مفتقر إلى المركب وان الشيء مفتقر إلى نفسه، وان الواجب بنفسه مفتقر إلى الواجب بنفسه.\nومعلوم أن الواجب بنفسه لا يكون مستغنيًا عن نفسه بل وجوبه بنفسه يستلزم أن نفسه لا تستغني عن نفسه.\nفما ذكرتموه من الافتقار هو تحقيق لكونه واجبًا بنفسه، لا مانع لكونه واجبًا بنفسه.\nوإن قيل إن المركب هو الاجتماع الذي هو اجتماع الأجزاء وتكبها.\nقيل فهذا الاجتماع هو صفة وعرض للأجزاء لا يقول عاقل إنه واجب بنفسه دون الأجزاء بل إنما يقال هو لازم للأجزاء والواجب لنفسه هو الذات القائمة بنفسها وهي الأجزاء لا مجرد الصفة التي هي نسبة بين الأجزاء وإذا لم يكن هذا هو نفس الذات الواجبة بنفسها وإنما هو صفة لها فالقول فيه كالقول في غيره مما سميتموه أنتم أجزاء وغايته أن تكون بعض الأجزاء","vol":"4","page":223},{"text":"مفتقرة إلى سائرها وليس هذا هو افتقار الواجب بنفسه إلى جزئه.\nوإن قيل إن المركب هو المجموع أي الأجزاء واجتماعها فهذا من جنس أن يقال المركب هو الأجزاء لكن على هذا التقدير صار الاجتماع جزءًا من الأجزاء.\nوحينئذ فإذا قيل هو مفتقر إلى الأجزاء كان حقيقته انه مفتقر إلى نفسه أي لا يستغني عن نفسه، وهذا حقيقة وجوبه بنفسه، لا مناف لوجوبه بنفسه.\nوإن عنيت به شيئًا رابع فلا يعقل هنا شيء رابع فلا بد من تصويره.\nثم هذا الكلام عليه.\nوإن قال بل المجموع يقتضي افتقاره إلى كل جزء من الأجزاء.\nقيل افتقار المجموع إلى ذلك الجزء كافتقار إلى سائر الأجزاء وذلك الجزء وسائر الأجزاء هي المجموع فعاد الأمر إلى انه مفتقر إلى نفسه.","vol":"4","page":224},{"text":"فإن قيل فأحد الجزأين مفتقر إلى الآخر أو قيل الجملة مفتقرة إلى كل جزأ إلى آخره.\nقيل أولًا ليس هذا هو حجتكم فإنما ادعيتم افتقار إلى الآخر أن أحدهما فاعل للآخر آو علة فاعلة له، فهذا باطل بالضرورة فإن المركبات الممكنة ليس أحد أجزائها علة فاعلة للآخر ولا فاعلًا له باختياره فلو قدر أن في المركبات ما يكون جزؤه فاعلًا لجزئه لم يكن كل مركب كذلك فلا تكون القضية كلية فلا يجب أن يكون مورد النزاع داخلًا فيما جزؤه مفتقر إلى جزئه فكيف إذا لم يكن في بعض أجزائه علة فاعلة للجزء الآخر؟\nوإن عنيت أن أحد الجزأين لا يوجد إلا مع الجزء الآخر فهذا غنما فيه تلازمهما وكون أحدهما مشروطًا بالآخر وذلك دور معي اقتراني وهو ممكن صحيح لا بد منه في كل متلازمين وهذا لا ينافي كون المجموع واجبًا بالمجموع.\nوإذا قيل في كل من الأجزاء هل هو واجب بنفسه أم لا؟\nقيل إن أردت هل هو مفعول معلول لعلة فاعلة أم لا؟ فليس في الأجزاء ما هو كذلك بل كل منها واجب بنفسه بهذا الاعتبار وإن عنيت أنه هل فيها في الأجزاء ما هو كذلك بل كل منها واجب بنفسه بهذا الاعتبار وإن عنيت أنه هل فيها ما يوجد بدون وجود الآخر","vol":"4","page":225},{"text":"فليس فيها ما هو مستقل فيها ما هو مستقل دون الآخر ولا هو واجب بنفسه بهذا الاعتبار والدليل دل على إثبات واجب بنفسه غنى عن الفاعل والعلة الفاعلة لا على أنه لا يكون شيء غني عن الفاعل مستلزمًا للوازم.\nفلفظ الواجب بنفسه فيه إجمال واشتباه دخل بسببه غلط كثير فما قام عليه البرهان من إثبات الواجب بنفسه ليس هو ما فرضه هؤلاء النفاة فإن الممكن هو الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده والواجب هو الذي يكون بنفسه، لا بموجد يوجده فكونه بنفسه مستلزمًا للوازم لا ينافي أن يكون ذاتًا متصفة بصفات الكمال وكل من الذات والصفات ملازم للأخر وكل من الصفات ملازمة للأخرى وكل ما يسمى جزءًا فهو ملازم للآخر.\nوإذا قيل هذا فيه تعدد الواجب.\nقيل إن أردتم تعدد الإله الموجود بنفسه الخالق للممكنات فليس كذلك وغن أردتم تعدد معان وصفات له أو تعدد ما سميتموه أجزاء له فلم قلتم إنه كان كل من هذه واجبًا بنفسه ن أي هو موجود بنفسه أي هو موجود بنفسه لا بموجد يوجده مع أن وجوده ملزوم لوجود","vol":"4","page":226},{"text":"الآخر يكون ممتنعًا ولم قلتم إن ثبوت معنيين أو شيئين واجبين متلازمين يكون ممتنعًا؟\nوهذا كما تقوله المعتزلة إنكم إذا أثبتم الصفات قلتم بتعدد القديم.\nفيقال لهم إن قلتم إن ذلك بتضمن تعدد آلهة قديمة خالقة للمخلوقات فهذا التلازم باطل.\nوإن قلتم يستلزم تعدد صفات قديمة للإلهة القديم.\nفلم قلتم إن هذا محال؟\nفعامة ما يلبس به هؤلاء النفاة ألفاظ مجملة متشابهة إذا فسرت معانيها وفصل بين ما هو حق منها وبين ما هو باطل زالت الشبهة وتبين أن الحق الذي لا محيد عنه هو قول أهل الإثبات للمعاني والصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>الخامس</span>\nأن يقال قولك إن المركب مفتقر إلى كل واحد من تلك الأجزاء ضرورة استحالة وجود المركب دون أجزائه ليس فيه ما يدل على افتقار المركب إلى أجزائه فإن كونه يستحيل","vol":"4","page":227},{"text":"وجوده دون الأجزاء يقتضي أنه لا يوجد بدونها بل لا يوجد إلا وهي موجودة.\nوكون الشيء لا يوجد إلا مع الشيء لا يقتضي افتقاره إليه بل إنما يكون مفتقرًا إليه إذا كان لا يوجد إلا به ألا ترى أن المتضايفين لا يوجد أحدهما دون الآخر ولا يقال إن أحدهما مفتقر إلى الآخر كالنبوة والأبوة بل كلاهما معلول علة منفصلة فمعلولًا العلة لا يوجد أحدهما دون الآخر وهما جميعًا مفتقران إلى العلة ليس أحدهما مفتقرًا إلى الآخر فإذا قدر انه لا علة لهما لم يكن أحدهما مفتقرًا إلى العلة ليس أحدهما مفتقرًا إلى الآخر فإذا قدر أنه لا علة لهما لم يكن أحدهما مفتقرًا إلى الآخر ولا إلى علة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>السادس</span>\nأن يقال قولك وكل منهما غير مفتقر إليه خطأ ظاهر.\nفإنه ليس من ضرورة كون المركب متوقفًا على كل من أجزائه أن لا يكون شيء من تلك الجزاء متوقفًا عليه وذلك أن المركب إن أريد به نفس الجزاء المجتمعة كان المعنى أن المجتمع متوقف على أو أن كل جزء متوقف على سائر الأجزاء أو على جزء آخر أو المجتمع على نفسه وأي شيء فرض من ذلك لم يلزم أن يكون أحد الجزأين هو المفتقر دون الآخر وإن قدر أن المركب هو الاجتماع أو الاجتماع مع الأجزاء فإنه إذا قدر أنها متلازمة لم يكن","vol":"4","page":228},{"text":"أحد الأجزاء واجبًا بنفسه بمعنى إمكان وجوده دون سائر الأجزاء لا الاجتماع ولا غيره بل لا يوجد شيء منها إلا بالآخر فلا يكون شيء من الأجزاء غير مفتقر إلى المركب بل كل منها مفتقر إليه.\nوهذا لا يقاس بالواحد مع العشرة الذي يمكن وجوده دون وجود العشر فإن أجزاء العشرة ليست متلازمة وغنما الكلام في أمور متلازمة لا يمكن وجود بعضها دون بعض كالصفات اللازمة للرب تعالى.\nوما سماه النفاة أجزاء فإنه لا يمكن وجود صفة من تلك الصفات دون الذات بل ولا دون الصفة الأخرى وكذلك ما سموه جزءًا لا يمكن وجوده دون الجميع ولا دون جزءا آخر، فامتنع أن يقال إن كل جزء من الأجزاء غير مفتقر إلى المجموع المركب مع أن المجموع المركب مفتقر إليه بل إذا سمي هذا التلازم افتقارًا فافتقار الصفة وما سموه جزءًا إلى المجموع اعظم من افتقار الذات الواجبة بنفسها أو ما سموه المجموع المركب الواجب بنفسه إلى الصفة أو الجزء فإن المجموع هو الواجب بنفسه الذي لا يقبل العدم أصلًا وكل جزء من أجزائه فلا يتصور وجوده بدون وجود الآخر وهذا كما يقولون إن الحيوانية والناطقية جزء من الإنسانية ومع هذا يمتنع وجود الجزء دون هذه الماهية المركبة وكذلك يقولون إن الجسم مركب من المادة والصورة","vol":"4","page":229},{"text":"ويمتنع وجود أحدهما بدون الجسم بل والجوهر الفرد عند عامة القائلين به يمتنع وجوده بدون وجود الجسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>السابع</span>\nأن يقال قولك إن المركب الواجب بنفسه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ضرورة استحالة وجود المركب دون أجزائه وكل منها غير مفتقر إليه كلام باطل وهو بالعكس أولى.\nوذلك أن ما قدر انه جزء إذا كان مفتقر إليه لزم أن يكون واجبًا بنفسه وإذا كان واجبًا بنفسه فإما أن يكون مستقلًا لا يتوقف على وجود الجزء الآخر ولا الجملة أو لا بد له من ذلك فإن كان مستقلًا بنفسه لا يتوقف على جزء آخر ولا على المجموع لزم تعدد الأمور الواجبة بنفسها المستقلة التي يستغني بعضها عن بعض ولا يتوقف واحد منها على الآخر ولا على الجملة.\nومعلوم أنه إذ كان هذا جائزًا لزم أن يكون هناك مجموع كل منه واجب بنفسه والمجموع واجب بتلك الواجبات فإذا قدر تعدد الواجب بنفسه كان هذا مبطلًا لأصل هذا الكلام فضلًا عن فروعه.","vol":"4","page":230},{"text":"ومع تقدير تعدده يمتنع عدم تعدده فيكون الدليل الذي استدل به على نفي التركيب مستلزمًا لثبوت التركيب فيكون دليله يدل على نقيض مطلوبه وهذا أبلغ ما يكون في بطلان قوله.\nوإن قدر أن للمجموع غير تلك الأفراد فإن ما لزم الواجب كان واجبًا ويبقى حينئذ الكلام في أن المجموع إن كان زائدا على العدد غنما وجوبه بالعدد نزاع لا فائدة فيه فإنه إذا قدر عشرة كل منهم واجب بنفسه لزم أن تكون العشرة واجبة قطعًا وإذا كان كل من العشرة لا يقبل العدم لنفسه فالعشرة لا تقبل العدم بطريق الأولى والأحرى.\nوانضمام الواجب بنفسه إلى الواجب بنفسه إذا قدر ذلك لا يوجب ضعفًا لأحدهما بل نفس ذلك الاجتماع هو من لوازم وجودهما بطريق الأولى والأحرى وإذا قدر أن اتصال بعضها ببعض من لوازم وجودها الواجب بنفسه لم يكن ممتنعًا فإن الواجب بنفسه على هذا التقدير لا يمتنع أن يكون له لوازم وملزومات واجبة.","vol":"4","page":231},{"text":"ومن العجب أن هؤلاء القوم كهذا وأمثاله من الخائضين في واجب الوجود على طريقة ابن سينا الذين جعلوا التركيب عمدتهم في نفي ما ينفونه يوردون في طريق إثبات واجب الوجود أسولة تفسد ما ذكروه في انتفاء التركيب بالضرورة وهي لا تفسد امتناع التسلسل وهو مع ذلك يوردونها في طريق إثباته إشكالًا على إبطال القول بالتسلسل الذي جعلوه مقدمة من مقدمات إثباته حتى يبقوا دائمًا في نصرة التعطيل بالباطل وهم إذا نصروا الإثبات ببعض ما نصروا به التعطيل، كان فيه كفاية وبيان لفساد التعطيل.\nوبيان ذلك أنهم لما أثبتوا واجب الوجود جعلوا إثباته موقوفًا على إبطال التسلسل، لما قالوا إن الممكن لا بد له من مرجح مؤثر ثم إما أن يتسلسل الأمر حتى يكون لكل ممكن مرجح ممكن فتتسلسل العلل والمعلولات الممكنة أو ينتهي الأمر إلى واجب لنفسه ثم قالوا لم لا يجوز أن يكون التسلسل جائزًا كما قد تكلم على هذا في غير هذا الموضع.\nومن أعظم أسولتهم قولهم لم لا يكون المجموع واجبًا بأجزائه المتسلسلة، وكل منها واجب بالآخر وهذا السؤال ذكره الآمدي","vol":"4","page":232},{"text":"وذكر انه لا يستطيع أن يجيب عنه، ومضمونه وجوب وجود أمور ممكنة بنفسها ليس فيها ما هو موجود واجب بنفسه لكن كل منها معلول للآخر والمجموع معلول بالأجزاء.\nومن المعلوم أنا إذا فرضنا مجموعًا واجبًا بأجزائه الواجبة التي لا تقبل العدم كان أولى في العقل من مجموع يجب بأجزاء كل منها ممكن لا يوجد بنفسه فإن المحتاج إلى الممكنات أولى بالإمكان أما الذي يكون وجوده لازمًا للواجبات فلا يمكن عدمه.\nوالعقل الصريح الذي لم بكذب قط يعلم أن المركب المجموع من أجزاء كل منها ممكن لا وجود له بنفسه هو أيضًا ممكن لا وجود له وأما المركب من أجزاء كل منها واجب بنفسه فإنه لا يمتنع كونه واجبًا بنفسه أي بتلك الأجزاء التي منها واجب.\nوإذا قيل الإجتماع نفسه مفتقر إلى الأجزاء التي كل منها واجب بنفسه كان ذلك نزاعًا لفظيًا.\nوالمقصود أن العقل يصدق بإمكان هذا ولا يصدق بإمكان أجزاء كل منها ممكن ن والمجموع واجب بها وهؤلاء قلبوا الحقائق العقلية","vol":"4","page":233},{"text":"فقالوا إذا اجتمعت واجبات بأنفسها صارت ممكنة وإذا اجتمعت ممكنات بأنفسها صارت واجبة فإذا تكلموا في نفي الصفات الواجبة لله جعلوا كون المركب يستلزم أجزاءه موجبًا لامتناع المركب الذي جعلوه مانعًا من العلو والتجسيم ومن ثبوت الصفات ولا يوردون على أنفسهم ما أوردوه في إثبات واجب الوجود، وإيراده هنا أولى لأن فيه مطابقة لسائر أدلة العقل مع تصديق ما جاءت به الرسل وما في ذلك من إثبات صفات الكمال لله تعالى بل وإثبات حقيقته التي لا يكون موجودًا إلا بها فكان بمكنهم أن يقولوا لم لا يجوز أن يكون المجموع الواجب أو المركب الواجب أو الجملة الواجبة واجبة بوجوب كل جزء من أجزائها التي هي واجبة بنفسها لا تقبل العدم؟\nوكان هذا خيرًا من أن يقولوا لم لا يجوز أن يكون المجموع الذي كل من أجزائه ممكن بنفسه هو واجبًا بنفسه أو واجبًا بأجزائه؟\nوهذا الآمدي مع أنه من أفضل من تكلم من أبناء جنسه في هذه الأمور وأعرفه بالكلام والفلسفة اضطرب وعجز عن الجواب عن","vol":"4","page":234},{"text":"الشبهة الداحضة القادحة في إثبات واجب الوجود هو دائمًا يحتج بنظيرها الذي هو أضعف منها على نفي العلو وغيره من الأمور الثابتة بالشرع والعقل ويقول إن ذلك يستلزم التجسيم وأن المخالفين في الجسم جهال.\nولو أعطى النظر حقه، لعلم أن الجهل المركب فضلًا عن البسيط أجدر بمن سلك مثل تلك الطريق فإن من شك في أوضح الأمرين وأبينهما في العقل وفي أمر لم يشك أحد من الأولين والآخرين فيه كان أولى بالجهل ممن قال بما قات به الأنبياء وارسل وأتباعهم وسائر عقلاء بني آدم من الأولين والآخرين وعلم ثبوته بالبراهين اليقينية.\nوذلك أنه لم يجوز أحد من بني آدم وجود فاعل للعالم ولذلك الفاعل فاعلة إلى ما لا نهاية له من غير أن يكون هناك فاعل موجود","vol":"4","page":235},{"text":"بنفسه فمن شك في جواز هذا أو عجز عن جواب شبهة مجوزة كان جهلة بينًا وكان أجهل من افحش الناس قولًا بالباطل المحض من التشبيه والتجسيم حتى لو فرض القول الذي يحكى عن غالية المنتقضة لله من اليهود وغيرهم مثل الذين يصفونه بالبكاء والحزن وعض اليد حتى جرى الدم ورمد العين سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nفإذا قدر واجب بنفسه موصوف بهذه النقائص لم يكن هذا أبعد في العقل من وجود فاعل ليس موجودًا بنفسه، له فاعل ليس موجودًا بنفسه، إلى ما لا يتناهى فإن هذا وصف لجميع الفاعلين بالعدم الذي هو غاية النقص فإن غاية النقص أنه يرجع إلى أمور عدمية، فكيف عدم ما يقدر فاعلًا للعالم؟\nفتبين أن هؤلاء الذين يدعون العقليات التي تعارض السمعيات هم من أبعد الناس عن موجب العقل ومقتضاه كما هم من أبعد الناس عن متابعة الكتاب المنزل والنبي المريل وأن نفس ما به يقدحون في أدلة الحق التي توافق ما جاء به الرسول لو قدحوا به فيما يعارض ما جاء به الرسول لسلموا عن التناقض وصح نظرهم وعقلهم واستدلالهم، ومعارضتهم صحيح المنقول وصريح المعقول بالشبهات الفاسدة.","vol":"4","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>كلام الأمدي في مسألة هل وجوده تعالى زائد على ذاته أم لا؟ والتعليق عليه</span>\nومن أعجب الأشياء أن هذا الآمدي لما تكلم على مسألة هل وجوده زائد على ذاته أم لا ذكر حجة من قال لا يزيد وجوده على ذاته فقال احتجوا بأنه لو كان زائدًا على ذاته لم يخل إما أن يكون واجبًا أو ممكنًا لا جائز أن يكون واجبًا لأنه مفتقر إلى الذات ضرورة كونه صفة لها ولا شيء من المفتقر إلى غيره يكون، واجبًا فإذا وجوده لو كان زائدًا على ذاته لم كان واجبًا، فلم يبق إلا أن يكون ممكنًا، وإذا كان ممكنًا فلا بد له من مؤثر، والمؤثر فيه إما الذات أو خارج عنها، والأول ممتنع، لأنه يستلزم كون الذات قابلة وفاعلة، ولأن المؤثر في الوجود لا بد أن يكون موجودًا، فتأثيرها في وجودها يفتقر إلى وجودها فالوجود مفتقر إلى","vol":"4","page":237},{"text":"نفسه، وهو محال وإن كان المؤثر غيرها، كان الوجود الواجب مستفادًا له من غيره فلا يكون الوجود واجبًا بنفسه.\nثم قال وهذه الحجة ضعيفة إذ لقائل أن يقول ما لا مانع من كون الوجود الزائد على الماهية واجبًا لنفسه قولكم لأنه مفتقر إلى الماهية والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا لنفسه قلنا لا نسلم أن الواجب لنفسه لا يكون مفتقرًا إلى غيره، بل الواجب لنفسه هو الذي لا يكون مفتقر إلى مؤثر فاعل، ولا يمتنع أن يكون موجبًا بنفسه، وإن كان مفتقرًا إلى القابل، فإن الفاعل الموجب بالذات لا يمتنع توقف تأثيره على القابل وسواء كان اقتضاؤه بالذات لنفسه أو لما هو خارج عنه، وهذا كما يقوله الفيلسوف في","vol":"4","page":238},{"text":"العقل الفعال بانه موجب بذاته للصور الجوهرية والأنفس الإنسانية وإن كان ما اقتضاه لذاته متوقفًا على وجود الهيولى القابلة.\nقال وإن سلمنا أنه لا بد وأن يكون ممكنًا، ولكن لا نسلم أن حقيقة الممكن هو المفتقر إلى المؤثر بل الممكن هو المفتقر إلى الغير والافتقار إلى الغير أعم من الافتقار إلى المؤثر وقد تحقق ذلك بالافتقار إلى الذات القابلة.\nفيقال ففي هذا الكلام جوز أن يكون الوجود الواجب مفتقرًا إلى الماهية، وذكر أن الواجب بنفسه هو الذي لا يفتقر إلى المؤثر ليس هو الذي لا يفتقر إلى الغير، وإن كونه ممكنًا بمعنى افتقاره إلى الغير لا إلى المؤثر هو الإمكان الذي يوصف به الوجود الواجب المفتقر إلى الماهية.\nوهذا الذي قاله هو بعينه يقال له فيما ذكره هنا حيث قال إن المجموع مفتقر إلى كل من أجزائه والمفتقر إلى الغير لا يكون واجبا بنفسه لأنه ممكن.","vol":"4","page":239},{"text":"فيقال له: لا نسلم أن المفتقر إلى الغير على الإطلاق لا يكون واجبًا بنفسه بل المفتقر إلى المؤثر لا يكون واجبًا بنفسه وافتقار المجموع إلى كل من أجزائه ليس افتقارًا إلى مؤثر بل إلى الغير كافتقار الوجود إلى الماهية إذا فرض تعددها.\nويقال: قولك إن المجموع يكون ممكنًا اتعني بالممكن ما يفتقر إلى مؤثر أم ما يفتقر إلى الغير؟\nفإن قلت الأول كان باطلًا، وإن قلت الثاني، فلم إن الواجب بنفسه الذي لا يفتقر إلى فاعل لا يكون ممكنًا بمعنى انه يفتقر إلى غير لا إلى فاعل؟\nفهذا الكلام الذي ذكره هو بعينه يجيب به نفسه عما ذكره هنا بطريق الأولى والاحرى، فإن توقف المجموع الواجب باجزائه على كل من أجزائه لا ينفي وجوبه بنفسه، التي هي المجموع مع الأجزاء اما توقف الوجود على الماهية المغايرة له، فإنه يقتضي توقف الوجود الواجب على ما ليس داخلًا فيه.","vol":"4","page":240},{"text":"ومعلوم ان افتقار الشيء إلى جزئه ليس هو كافتقاره إلى ما ليس جزاه، بل الأول لا ينفي كمال وجوبه، إذ كان افتقاره إلى جزئه ليس أعظم من افتقاره إلى نفسه والواجب بنفسه لا يستغني عن نفسه فلا يستغني عما هو داخل في مسمى نفسه، أما إذا قدر وجود واجب وماهية مغايرة له، كان الواجب مفتقرًا إلى ما ليس داخلًا في مسمى اسمه فمن جوز ذاك كيف يمنع هذا.\nولهذا كان قول مثبتة الصفات خيرًا من قول أبي هاشم وأمثاله من المعتزلة وأتباعهم الذين قالوا: إن وجود كل موجود في الخارج مغاير لذاته الموجود في الخارج وأن وجود واجب الوجود زائدًا على ماهيته وإن كان قد وافقه على ذلك طائفة من أهل الإثبات في إثناء كلامهم حتى من أصحاب الأئمة الأربعة احمد وغيره كأبن الزاغواني وهو احد قولي الرازي بل هو الذي رجحه في أكثر كتبه وكذلك أبو حامد.\nفإبطال مثل هذا التركيب أولى من إبطال ذاك، وأدنى الأحوال ان يكون مثله، فإن من قال: إن الوجود زائد على الماهية","vol":"4","page":241},{"text":"لزمه ان يجعل الماهية قابلة للوجود والوجود صفة لها، فيجعل الوجود الواجب صفة لغيره، والصفة مفتقرة إلى محلها وهذا الافتقار أقرب إلى أن تكون الصفة ممكنة، من افتقاره إلى صفته اللازمة له وإلى ما يقدر أنه جزؤه الذي لا يوجد إلا في ضمن نفسه؟ وأما افتقار الصفة إلى الموصوف فإدل على إمكان الصفة بنفسها، فإذا كان الوجود الواجب لا يمتنع ان يكون صفة لماهية فكيف يمتنع أن يكون مجموعًا؟\nوغاية ما يقال: إن الاجماع صفة للأجزاء المجتمعة الموجودة الواجبة ومعلوم أن صفة الأجزاء الواجبة بنفسها أولى أن تكون موجودة واجبة من صفة الماهية التي هي في نفسها ليست وجودًا.\nفهذا الذي ذكره هناك حجة عليه هنا مع انه يمكن تقريره بخير مما قرره، فإنه قد يقال: إن هذا تقرير ضعيف.\nوذلك أنه قال: لا نسلم أن الواجب لنفسه لا يكون مفتقرًا إلى غيره، فإن الواجب لنفسه هو الذي لا يكون مفتقرًا إلى مؤثر فاعل، ولا يمتنع ان يكون موجبًا بنفسه وإن كان مفتقرًا إلى القابل، فإن","vol":"4","page":242},{"text":"الفاعل الموجب بالذات لا يمتنع توقف تأثيره على القابل وسواء كان اقتضاؤه بالذات لنفسه أو لما هو خارج عنه وهذا كما يقول الفيلسوف في العقل الفعال بأنه موجب بذاته للصور الجوهرية والأنفس الإنسانية وإن كان ما اقتضاه لذاته متوقفًا على وجود الهيولى القابلة.\nفقد يقال إن هذا التقدير ضعيف لوجوه.\nالوجه الأول: أن الكلام فيما هو واجب بنفسه، لا فيما هو موجب لغيره أو فاعل له، وإذا قدر ان الموجب الفاعل يقف على غيره، لم يلزم أن يكون الواجب بنفسه يقف على غيره.\nالوجه الثاني: أن الموجب الفاعل لا تقف نفسه على غيره، وإنما يقف تأثيره، ولا يلزم من توقف تأثيره على غيره توقفه، وهذا كما ذكره من التمثيل بالعقل الفعال، فإن أحدًا لا يقول: إن نفسه تتوقف على غيره الذي يقف عليه تأثيره، فإذا كان هذا في الموجب فكيف بالواجب.\nبل هم يقولون: إن نفس إيجابه يتوقف على غيره بل وصول الأثر إلى المحل يتوقف على استعداد المحل.","vol":"4","page":243},{"text":"الوجه الثالث: ان هذا التمثيل يمكن في غير الواجب بنفسه أما هو ﷾ فلا يتصور أن تقف ذاته على غيره، ولا فعله على غيره، فإن القوابل هي أيضًا من فعله، فالكلام في فعله للمقبول لها، كالكلام في فعله للقابل، فكل ما سواه فقير إليه مفعول له، وهو مستغن عن كل ما سواه من كل وجه، بخلاف الفاعل المخلوق الذي يتوقف فعله على قابل، فإنه فعل مفتقر إلى شيء منفصل عنه لكن يمكن ان يجاب عنه بان يقال: إذا كان الموجب لغيره المتوقف إيجابه على غيره لا يمنع أن يكون موجبًا بنفسه، كما قالوا في العقل الفعال، فإن يكون توقف إيجابه على غيره لا يمنع ان يكون واجبًا بنفسه أولى وأحرى، فإن الموجب لغيره واجب وزيادة إذ لا يوجد إلا ما هو موجود ولا يوجب إلا ما هو واجب.\nوالعقل الفعال يقولون: هو واجب بغيره، وهو موجب بغيره، لا واجب بنفسه.\nومقصوده أن الوجوب والإيجاب بالذات لا يمنع توقف ذلك على غيره، وإنما يمنع كونه مفعولًا للغير.\nوتلخيص الكلام: أنه إذا قيل: إن الوجود زائد على الماهية، كانت الماهية محلا للوجود الواجب فيكون الواجب لنفسه مفتقرًا إلى قابل لا إلى فاعل.\nفنقول: الواجب هو الذي لا يكون مفتقرًا إلى فاعل، ليس هو الذي لا يكون مفتقرًا إلى قابل، فإن الذي قام عليه قطع التسلسل أن الواجب لا فاعل له ولا علة.","vol":"4","page":244},{"text":"أما كون الوجود الواجب له محل، هو موصوف به أم لا؟ فذاك كلام آخر لكنه عضد ذلك بأن الإيجاب بالذات لا ينافي كون الموجب له محل يقبله، فكذلك الواجوب بالذات لا ينفي أن يكون له محل يقبله واستشهد بالعقل الفعال لكنهم يقولون العقل الفعال ليس بموجب بالذات واما الرب الموجب بالذات فليس له محل يقبله.\nفتبين ان الاستشهاد بهذا لا يصح وليس التمثيل به مطابقًا.\nوالمقصود هنا أن الذي يعتمد عليه هو وأمثاله في نفي ما يسمونه التركيب، هم أنفسهم قد أبطلوه في مواضع أخر واحتجوا به في موضع آخر وهو حيث احتجوا به أضعف منه حيث أبطلوه.\nوكذلك ما ذكره من الوجه الثاني على إبطال التركيب فإنه قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>كلام الأمدي عن إبطال التركيب</span>\nالوجه الثاني في امتناع كونه مركبًا من الأجزاء أن تلك الأجزاء إما أن تكون واجبة الوجود لذاتها، أو ممكنة، أو البعض واجبا والبعض ممكنًا، لا جائز أن يقال بالأول، على ما سيأتي تحقيقه في إثبات الوحدانية، وإن كان الثاني أو الثالث، فلا يخفي أن المفتقر إلى الممكن المحتاج إلى الغير أولى بالإمكان والاحتياج، والممكن المحتاج لا يكون واجبًا لذاته، ومالا يكون واجبًا لذاته لا يكون إلهًا.","vol":"4","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>رد ابن تيمية عليه من وجوه</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: هذا الوجه أيضًا فاسد من وجوه:\nالوجه الأول\nأن يقال: لم لا يجوز أن تكون تلك الأجزاء كلها واجبة\nقوله: على ما سيأتي تحقيقة في مسألة التوحيد.\nيقال له: الذي ذكرته فيما بعد مسألة التوحيد هي الطريقة المعروفة لأبن سينا وأتباعه من الفلاسفة وهي وجهان:\nالوجه الأول: مبناه على أن المركب يفتقر إلى أجزائه، وهذا هو الوجه الأول الذي ذكرته هنا، فصار مدار هذا الوجه الثاني على الأول، فلم يذكر إلا الأول، وقد نبين فساده.\nالوجه الثاني: الذي ذكرته في التوحيد: مبناه على كون الوجوب يصير معلولا وهذا هو الذي ذكرته في كون الوجود الواجب لا يزيد على الماهية، لئلا يكون معلولا للماهية.\nوأنت قد أفسدت هذا الوجه وبما أفسدته به يفسد الآخر أيضًا\nفتبين أن ما ذكرته في مسألة التوحيد يعود إلى وجه واحد.\nوأنت قد قدمت فساده، فالحوالة على ما سيأتي وما سيأتي منه ما هو مكرر، فكلاهما فاسد.\nوهو دائما في كلامه يذكر فساد هذه الطريقة، حتى أنه لما استدلت الفلاسفة أتباع ابن سينا وغيرهم على أن الأجسام ممكنة بهذه","vol":"4","page":246},{"text":"الطريقة واستدل بها طائفة على حدوث العالم وهذا أول طريقة ذكرها في حدوث العالم فقال قد احتج الأصحاب بمسالك: الأول قولهم: العالم ممكن الوجود بذاته وكل ممكن بذاته فهو محدث.\nوقرر الإمكان بأن قال أجسام العالم مؤلفة ومركبة لما سبق بيانه في الأجسام، وكل ما كان مؤلفا مركبا فهو مفتقر إلى أجزائه، وكل مفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بذاته، فالأجسام ممكنة لذواتها والأعراض قائمة بالإجسام ومفتقرة إليها، والمفتقر إلى الممكن أولى أن يكون ممكنا.\nثم ضعف هذا المسلك: قال وقولهم: إن العالم مركب مسلم، ولكن ما المانع أن تكون أجزاؤه واجبة؟ وما ذكروه من","vol":"4","page":247},{"text":"الدلالة فقد بينا ضعفها في مسألة الوحدانية فهنا لما احتجوا بهذه الدلالة على حدوث العالم ذكر ضعفها، وأحال على ما ذكره في الوحدانية، فكيف يحتج بها بعينها في مثل هذا المطلوب بعينه، وهو كون الأجسام ممكنة لأنها مركبة ويحيل على ما ذكره في التوحيد.\nومعلوم انه لو أبطلها حيث تعارض نصوص الكتاب والسنة واعتمد عليها حيث لا تناقض ذلك، لكان مع ما فيه من التناقض أقرب إلى العقل والدين من أن يحتج بها في نفي لوازم نصوص الكتاب والسنة ويبطلها حيث لا تخالف نصوص الأنبياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: أنت أيضًا قد بينت في الكلام على إثبات وحدانية الله تعالى فساد هذه الطريقة التي سلكها ابن سينا وغيره من الفلاسفة التي أحلت عليها هنا.\nوذلك أنه قال الفصل الثاني في امتناع وجود إلهين لكل واحد منهما من صفات الإلهية ما للآخر وقد احتج النافون للشركة بمسالك ضعيفة: المسلك الأول: وهو ما ذكره الفلاسفة، وذلك أنهم قالوا: لو قدر وجود واجبين كل","vol":"4","page":248},{"text":"واحد منهما واجب لذاته، فلا يخلو: إما أن يقال باتفاقهما من كل وجه، أو باختلافهما من كل وجه، أو باتفاقهما من وجه دون وجه، فغن كان الأول فلا تعدد في مسمى واجب الوجود، إذ التعدد والتغاير دون مميز محال، وإن كان الثاني فما اشتركا في وجوب الوجود، وإن كان الثالث فما به الاشتراك غير ما به الأفتراق، وما به الاشتراك إن لم يكن هو وجوب الوجود فليسا بواجبين بل أحدهما دون الآخر، وإن كان الاشترك بوجوب الوجود فهو ممتنع لوجهين: الوجه الأول: هو أن ما به الاشتراك من وجوب الوجود: إما أن يتم تحققه في كل واحد من الواجبين بدون ما به الافتراق أو لا يتم دونه، فغن كان الأول فهو محال، وإلا كان المعنى المشترك المطلق متحققا في الأعيان من غير مخصص وهو محال وإن كان الثاني وجوب الوجود ممكنًا لافتقاره في تحققه إلى غيره، فالموصوف به، وهو ما قيل بوجوب وجوده، أولى أن يكون ممكنًا الوجه الثاني: أن مسمى واجب الوجود إذا كان مركبًا من أمرين، وهو وجوب الوجود المشترك، وما به الافتراق، فيكون مفتقرًا في وجوده إلى كل واحد من مفردية وكل","vol":"4","page":249},{"text":"واحد من المفردين مغاير للجملة المركبة منهما، ولهذا يتصور تعقل كل أحد من الأفراد مع الجهل بالمركب منها، والمعلوم غير المجهول، وكل ما كان مفتقرًا إلى غيره في وجوده إلى غيره ممكنًا لا واجبًا لذاته، إذ لا معنى لواجب الوجود لذاته إلا ما لا يفتقر في وجوده إلى غيره وهذه المحالات إنما لزمت من القول بتعدد واجب الوجود لذاته فيكون محالًا.\nقال: وربما استروح بعض الأصحاب في إثبات الوحدانية إلى هذا المسلك أيضًا وهو ضعيف إذ لقائل أن يقول وإن سلمنا الاتفاق بينهما من وجه والافتراق من وجه وأن ما به الاتفاق هو وجوب الوجود، ولكن لم قلتم بالامتناع؟ وما ذكرتموه في الوجه الأول إنما يلزم ان لو كان مسمى وجوب الوجود معنى وجوديًا وأما بتقدير أن يكون امرًا سلبيًا ومعنى عدميًا، وهو عدم افتقار الوجود إلى علة خارجة فلا فلم قلتم بكونه أمرًا وجوديًا.\nثم بسط الكلام في كونه عدميا بما ليس هذا موضع الكلام فيه.","vol":"4","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>تابع كلام الآمدي</span>\nقال وعلى هذا فقد بطل القول بالوجه الثاني فإنه إذا كان حاصل الوجوب يرجع إلى صفة سلب، فلا يوجب ذلك التركيب من ذات واجب الوجود، وإلا لما وجد بسيط أصلًا فإنه ما من بسيط إلا ويتصف بسلب غيره عنه، وإن سلمنا أن وجوب الوجود أمر وجودي، ولكن ما ذكرتموه من لزوم التركيب فهو لازم، وإن كان واجب الوجود واحدًا من حيث ان مسمى واجب الوجود مركب من الذات المتصفة بالوجوب ومن الوةجوب الذاتي، فما هو العذر عنه مع اتحاد الوجود فهو العذر مع تعدده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: الوجه الأول ذكره الرازي قبله في إبطال هذا، والوجه الثاني ذكره الرازي كما ذكره الشهرستاني قبله وهو أن هذا منقوض بمشاركة واجب الوجود لسائر الموجودات في مسمى الوجود وامتيازه عنها بوجوب الوجود، فقد صار فيه على أصلكم ما به الاشتراك وما به الامتياز.","vol":"4","page":251},{"text":"والآمدي يقول: إن وجوب الوجود بالاشتراك اللفظي، وقاله قبله الشهرستاني والرازي وأتباعه في ذلك.\nيبين بطلان ما أحال عليه في قوله لا يجوز أن تكون الأجزاء كلها واجبة على ما سيأتي تحقيقه في مسألة التوحيد.\nومن أعجب خذلان المخالفين للسنة وتضعيفهم للحجة إذا نصر بها حق، وتقويتها إذا نصر بها باطل: أن حجة الفلاسفة على التوحيد قد أبطلها لما استدلوا بها على أن الإله واحد، والمدلول حق لا ريب فيه، وإن قدر ضعف الحجة، ثم إنه يحتج بها بعينها على نفي لوازم علو الله على خلقه، بل ما يستلزم تعطيل ذاته فيجعلها حجة فيما يستلزم التعطيل، ويبطلها إذا احتج بها على التوحيد.\nوأيضًا فما ذكره في إبطال هذه الحجة يبطل الوجه الأول أيضًا، فإنه إذا لم يمتنع واجبان بأنفسهما فإن لا يمتنع جزءان كل منهما واجب بنفسه بطريق الأولى والآحرى.\nواعلم أن الوجهين اللذين أبطلا بهما الحجة: أحدهما منع كون الوجوب أمرًا ثبوتيًا والثاني المعارضة: أما المعارضة فوارده على هؤلاء الفلاسفة، لا مندوحة لهم عنها.\nومعارضة الشهرستاني والرازي وأظن","vol":"4","page":252},{"text":"الغزالي أجود من معارضة الآمدي ومن اعتذر عن ذلك بان الواجب لفظ مشترك لزم بطلان توحيد الفلاسفة بطريق الأولى، فإنه لا محذور حينئذ في إثبات أمور متعددة كل منها يقال له واجب الوجود بمعنى غير ما يقال للآخر.\nفبكل حال يلزم: إما لزوم التركيب، وإما بطلان توحيدهم وأيهما كان لازما لزم الآخر فإنه إذا لزم التركيب بطل توحيدهم، وإذا بطل توحيدهم أمكن تعدد الواجب وهذا يبطل امتناع التركيب.\nولا ريب أن أصل كلامهم، بل وكلام نفاة العلو والصفات، مبنى على إبطال التركيب وإثبات بسيط كلي مطلق مثل الكليات، وهذا الذي يثبتونه لا يوجد إلا في الأذهان، والذي أبطلوه هو لازم لكل الأعيان، فأثبتوا ممتنع الوجود في الخارج، وأبطلوا واجب الوجود في الخارج.\nونحن نبين بطلان ذلك بغير ما ذكره هؤلاء: فنقول: قول القائل إما أن يقال باتفاقهما من كل وجه أو اختلافهما من كل وجه أواتفاقهما من وجه دون وجه إن أريد به انهما يتفقان في شيء بعينه موجود في الخارج، ولكن يشتبهان من بعض الجوه، مع أن كلا منها مختص بما قام به نفسه كالبياضين أو الأبيضين المشتبهين، مع أنه","vol":"4","page":253},{"text":"ليس في أحدهما شيء مما في الآخر، وغن أراد بقوله أو اختلافهما من كل وجه أنهما لا يشتبهان في شيء ما ولا يشتركان في شيء ما، فليس في الوجود شيئان إلا بينهما اشتراك في شيء وتشابه في شيء ما، ولو انه مسمى الوجود وإن أراد امتياز أحدهما عن الآخر فكل منهما ممتاز عن الآخر من كل وجه وإن كانا مشتركين في أشياء بمعنى اشتباهما لا بمعنى أن في الخارج شيئًا بعينه اشتركا فيه كما يشترك الشركاء في العقار.\nوإذا عرف أن هذه الألفاظ مجملة فنقول هم مشتبهان مشتركان في وجوب الوجود كما أن كل متفقين في اسم متواطئ بالمعنى العام، سواء كان متماثلًا وهو التواطؤ الخاص، أو مشككا وهو المقابل للتواطؤ الخاص، كالموجودين والحيوانين، والإنسانين والسوادين اشتركا في مسمى اللفظ الشامل لهما مع أن كلا منهما متميز في الخارج عن الآخر من كل وجه فهما لم يشتركا في أمر يختص بأحدهما، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه وإنما اشتركا في مطلق الوجود.","vol":"4","page":254},{"text":"والوجود المطلق المشترك الكلي لا يكون كليًا لا في هذا ولا في هذا، بل هو كلي في الأذهان، مختص في الأعيان.\nوإذا قيل: الكلي الطبيعي موجود فمعناه أن ما كان كليًا في الذهن يوجد ف بالخارج، لكن لا يتصور إذا وجد أن يكون كليًا، كما يقال العام موجود في الخارج ن وهو لا يوجد عامًا.\nوقوله: غما أن يختلفا من كل وجه أو يتفقا من كل وجه.\nقلنا: إذا أريد بالاختلاف ضد الاشتباه، فقد يقال: ليسا مختلفين من كل وجه.\nوإن أريد الامتياز فهما مختلفان من كل وجه.\nوقوله: إذا كانا متفقين من كل وجه زال الامتياز يصح إذا أريد بالاختلاف ضد الأمتياز، فإنهما إذا لم يتميز أحدهما عن الآخر بوجه بطل الامتياز.\nوأما إذا أريد بالاتفاق التشابه والتماثل فقد يكونان متماثلين من كل وجه كتماثل أجزاء الماء الواحد.\nوالتماثل لا يوجب أن يكون أحد المثلين هو الآخر، بل لا بد أن يكون غيره.","vol":"4","page":255},{"text":"وحينئذ فقوله: ما به الاشتراك غير ما به الامتياز.\nقلنا: لم يشتركا في شيء خارجي حتى يحوجا أشتراكهما فيه إلى الامتياز، بل هما ممتازان بأنفسهما، وإنما تشابها.\nأو تماثلا في شيء والمتماثلان لا يحوجهما التماثل إلى مميز بين عينيهما، بل كل منهما ممتاز عن الأخر بنفسه.\nوقوله: ما به الاشتراك: إما وجوب الوجود أو غيره.\nقلنا: كل منهما مختص بوجوب وجوده الذي يخصه، كما هو مختص بسائر صفاته التي تخص نفسه، وهو أيضًا مشابه الآخر في وجوب الوجود، فما اشتركا فيه من الكلي لا يقبل الاختصاص، وما اختص به كل منهما عن الآخر لا يقبل الاشتراك، فضلا عن أن يكون ما اشتركا فيه محتاجًا إلى مخصص، وما اختص به كل منهما يقاربه فيه مشترك.\nوحينئذ فالاشتراك في وجوب الوجود المشترك والامتياز بوجوب الوجود المختص، والاشتراك أيضًا في كل مشترك، والامتياز بكل مختص.\nوقوله: إن كان الاشتراك بوجوب الوجود فهو ممتنع لوجهين: الوجه الأول: أن المشترك غما أن يتم بدون ما به الافتراق، وذلك محال، وإلا كان المطلق متحققًا في الأعيان من غير مخصص وإن لم يتم إلا بما به الافتراق كان وجوب الوجود ممكنًا لافتقاره في تحققه إلى غيره.\nقلنا: أن أريد بالمشترك بينهما المعنى المطلق الكلي فذاك لا يفتقر إلى ما به الامتياز، وليس له ثبوت في الأعيان حتى يقال: إنه يلزم أن يكون","vol":"4","page":256},{"text":"المطلق في الأعيان من غير مخصص، وإن أريد به ما يقوم بكل منهما من المشترك، وهو ما يوجد في الأعيان من الكلي، فذاك لا اشتراك فيه الأعيان، فإن كل ما لأحدهما فهو مختص به لا اشتراك فيه.\nوحينئذ فالموجود من الوجوب هو مختص بأحدهما بنفسه، لا يفتقر إلى مخصص، فلا يكون الوجوب الذي لكل منهما في الخارج مفتقرًا إلى مخصص.\nوإذا لم يكن ذلك بطل ما احتجوا به على كونه ممكنًا.\nوأما المشترك الكلي المطلق من الوجوب فذاك ليس موجودًا لهذا ولا لهذا، ولا متحققًا في الأعيان.\nوحينئذ فلا يلزم أن الكلي يتحقق في الأعيان بلا مخصص.\nوأيضًا فيقال: هب أن المشترك لا يتحقق في الأعيان إلا بالمختص، فهذا لا يمنع وجوب وجوده، إذا الواجب هو مالا فاعل له، ليس هو مالا لازم ولا ملزوم له.\nوهذا الآمدي ذكر هذا فيما تقدم، وبين أن الوجود الواجب لا يمتنع توقفه على القابل، وإنما يمتنع توقفه على الفاعل.\nوبهذا يبطل الوجه الثاني وهو كون الوجود الواجب مركبًا مما به","vol":"4","page":257},{"text":"الاشتراك وما به الامتياز، فإن ما به الاشتراك لم يوجد في الخارج، وما به الامتياز لم يقع فيه اشتراك، فليس في أحدهما ما به الاشتراك وما به الامتياز، ولكن كل منهما موصوف بصفة يشابهه بهذا الآخر وهو الوجوب، واتصاف الموصوف بصفة يشابهه بها غيره من وجه وأمر يختص به، إنما يوجب ثبوت معان تقوم به وأن ذاته مستلزمة لتلك المعاني، وهذا لا ينافي وجوب الوجود، بل لا يتم وجوب الوجود إلا به، ولو سلم أن مثل هذا تركيب فلا نسلم أن مثل هذا التركيب ممتنع، كما تقدم بيانه.\nفقد تبين بطلان الوجه الأول من وجهين، وبطلان الوجه الثاني من وجهين، غير ما ذكروه، والله اعلم.\nوالوجه الأول من الوجهين هو الذي اعتمده ابن سينا في إشارته، وقد بسطنا الكلام عليه في جزء مفرد، شرحنا فيه أصول هذه الحجة التي دخل منها عليهم التلبيس في منطقهم وإلهياتهم، وعلى من أتبعهم كالرازي والسهرورودي والطوسي وغيرهم.\nوقد ذكرنا عنه هناك جوابين:\nالأول: أن هؤلاء عمدوا إلى الصفات المتلازمة في العموم والخصوص، ففرضوا بعضها مختصًا، وبعضها عامًا بمجرد التحكم، كالوجود والثبوت، والحقيقة والماهية ونحو ذلك.","vol":"4","page":258},{"text":"فإذا قيل: الواجب والممكن كل منهما يشارك الآخر في الوجود، ويفارقه بحقيقته أو ماهيته.\nقيل لهم: معنى الوجود يعمهما ومعنى الحقيقة يعمهما، وكل منهما يمتاز عن الآخر بوجوده المختص به، كما يمتاز عنه بحقيقته التي تختص به، فليس جعل هذا مشتركا وهذا مختصًا باولى من العكس.\nوهكذا إذا قدر واجبان لكل منهما حقيقة فهمما مشتركان في مطلق الوجوب ومطلق الحقيقة، وكل منهما يمتاز عن الآخر بما يخصه من الوجوب والحقيقة.\nفما قلتم به الامتياز متلازم، وما قلتم به الاشتراك متلازم، ولا يفتقر ما جعلتم به الاشتراك إلى ما جعلتم به الامتياز، ولا ما جعلتم به الامتياز إلى به الاشتراك، بل كل منها موصوف بما به الامتياز، وهو ما يخصه.\nوتلك الخصائص تشابه خصائص الآخر من بعض الوجوه، فذلك القدر المشترك الذي لا يختص بأحدهما هو ما به الاشتراك.\nفإذا قيل هذا لون وهذا لون، كانت لونية كل منهما مختصة به، واللونية العامة مشتركة بينهما.\nوكذلك إذا قيل: هذا حيوان وهذا حيوان، وهذا إنسان وهذا إنسان، وهذا أسود وهذا أسود، وأمثاله ذلك فليس شيء من","vol":"4","page":259},{"text":"الموجودات في الخارج مركبًا من نفس ما ب الاشتراك وما به الامتياز، بل هو مختص بوصف، وذلك الوصف يشابه غيره، لكن هو مشتمل على صفات، بعضها اعم عن بعض، أي بعضها يوجد نظيره في غيره أكثر مما يوجد نظير الآخر وأما هو نفسه فلا يوجد في غيره.\nوأما الجواب الثاني: فلا ريب أن كلا منهما فيه وجوب، وفيه معنى آخر غير الوجوب، بل نفس الواجب الواحد فيه الوجوب وفيه ذاته، وهذا هو النقض الذي عارضهم به الآمدي.\nلكن قول القائل: وجوب الوجود حينئذ يكون ممكنًا لافتقاره في تحققه إلى غيره، فالموصوف به أولى أن يكون ممكنًا، كلام مجمل.\nفإنه يقال: ما تعني بكون الوجوب مفتقرًا إلى غيره: أتعني به انه مفتقر إلى مؤثر أم مستلزم لغيره؟\nفإن عنيت الأول فهو باطل، فإنه لا يحتاج الوجوب سواء فرض مختصًا أو مشتركًا إلى فاعل، ولكن لا بد له من محل يتصف به.\nفإن الوجوب لا يكون إلا لواجب، وافتقار الوجوب إلى محله الموصوف به لا يمنع المحل أن يكون واجبًا، بل ذلك يستلزم كونه واجبا.\nوقول القائل: إن الوجوب يكون ممكنًا إن أراد به افتقاره إلى","vol":"4","page":260},{"text":"محل، فهذا حق لكن هذا لا يستلزم كونه مفتقرًا إلى فاعل، ولا كون المحل مفتقرًا إلى فاعل.\nفقوله وإن كان الثاني كان الوجوب ممكنًا، فالموصوف به أولى مغلطة.\nفإن الإمكان الذي يوصف به الوجوب إنما هو افتقاره إلى محل لا إلى فاعل.\nومعلوم أنه إذا كانت صفة الموصوف تفتقر إليه لكونه محلًا لها لا فاعلًا، لم يلزم أن يكون الموصوف أولى بان يكون محلا، ولو قدر أن الوجوب يفتقر إلى مميز غير المحل، فهو من افتقار الشرط إلى المشروط، واللازم إلى الملازم، ليس هو من باب افتقار المعلول إلى العلة الفاعلة.\nومثل هذا لا يمتنع على وجوب الوجود، بل لا بد لوجوب الوجود من تلك، إذ وجوب الوجود ليس هو الواجب الوجود، بل هو صفة له، مع أن الواجب الوجود له لوازم وملزومات، وذلك لا يوجب افتقاره إلى المؤثر، فالوجوب أولى أن لا يفتقر إلى مؤثر لأجل ما له من اللوازم والملزومات.\nفهذان وجهان غير ما ذكره هو وأمثاله هنا.","vol":"4","page":261},{"text":"الوجه الرابع: أن يقال: لم لا يجوز أن يكون بعض تلك الأجزاء واجبًا وبعضها ممكنًا؟\nقوله الموقوف على الممكن أولى بالإمكان.\nقيل: متى إذ كان الجزء الممكن من مقتضيات الجزء الواجب أو بالعكس.\nوهذا كما أن مجموع الوجود: بعضه واجب لنفسه، وبعضه ممكن.\nوالممكن منه من مفعولات الواجب لنفسه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مجموع الموجودات أولى بالإمكان من الموجودات الممكنة.\nوهذا الجواب يقوله من يقوله في مواضع أحدها في الذات مع الصفات.\nفإذا قيل له: الذات والصفات مجموع مركب من أجزاء، فغما أن تكون واجبة كلها، أو بعضها واجب وبعضها ممكن أمكنه أن يقول: الذات الجبة والصفات ممكنة بنفسها وهي واجبة بالذات كما يجيب بمثل ذلك طائفة من الناس.","vol":"4","page":262},{"text":"فإذا قيل: المجموع متوقف على الممكن.\nقال: إن ذلك الممكن من مقتضيات الواجب بنفسه.\nوهذا يقوله هؤلاء إذا فسر إمكان الصفات بأنها تفتقر إلى محل.\nفالذات لا تفتقر إلى محل، فالذات لا تفتقر إلى فاعل ولا محل، والصفات لا بد لها من محل.\nوإن فسر الواجب بما لا يفتقر إلى موجب فالصفات أيضًا لا تفتقر إلى موجب.\nلكنه قد يسلم لهم هؤلاء أن الصفات لها موجب، وهو الذات.\nوقولهم: إن الشيء الواحد لا يكون فاعلا وقابلًا من أفسد الكلام كما قد بسط في موضعه فيقول هؤلاء الذات موجبة للصفات ومحل لها، والذات واجبة بنفسها، والصفات واجبة بها، والمجموع واجب، وإن توقف على الممكن بنفسه الواجب بغيره لأن الواجب بنفسه مستلزم للصفات، ولا اجتماع المجموع.\nوأيضًا فيقوله من يقول: إنه يقوم بذاته أمور متعلقة بمشيئة وقدرته، فإن تلم أيضًا ممكنة بنفسها، وقد تدخل في مسمى أسمائه.\nففي الجملة ليس معهم حجة تمنع كون الجموع فيه ما هو واجب موجب لغيره.\nوإذا قيل: المحتاج إلى الغير أولى بالاحتياج.","vol":"4","page":263},{"text":"قيل: هب أن الأمر كذلك، لكن إذا كان الغير من لوازم الجزء الواجب بنفسه، كان المجموع من لوازم الجزء بنفسه.\nوحاصلة أن في الأمور المجتمعة ما هو مستلزم لسائرها.\nوإذا قيل فحينئذ لا يكون الواجب بنفسه إلا ذلك الملزوم.\nقيل: هذا نزاع لفظي فإن الممكنات لا بد لها من فاعل عن الفاعل والدليل دل على هذا، وليس فيما ذكرتموه ما ينفي أن تكون ذاته مستلزمة لأمور لازمة له، واسمه يتناول الملزوم واللازم جميعًا، وغن سمى الملزوم واجبًا بنفسه، واللازم واجبًا بغيره، كما قاله من قاله في الذات والصفات.\nفيقول المنازع له فهذه مجموع الأدلة التي ذكرها هو وغيره على نفي كون الواجب بنفسه جسمًا أو جوهرًا، قد تبين انه لا دلالة في شيء منها، بل هي على نقيض مطلوبهم أدل منها على المطلوب.\nوهذا ذكرناه لما أحال عليه قوله إن الحروف إذا قام كل منها بمحل غير محل الآخر يلزم التركيب وقد أبطلناه في إبطال التجسيم.\nثم قال الوجه الثاني انه قال ليس اختصاص بعض الأجزاء ببعض الحروف دون البعض أولى من العكس.","vol":"4","page":264},{"text":"ولقائل أن يقول هذا الوجه في غاية الضعف وذلك انه إذا كانت الحروف مقدورة له.\nحادثة بمشيئته، كما ذكرته عن منازعيك فتخصيص كل منها بمحله، كتخصيص جميع الحوادث بما اختصت به من الصفات والمقادير والأمكنة والأزمنة.\nوهذا إما أن يرد إلى محض المشيئة وإما إلى حكمة جلية أو خفية وقد تنازع الناس في الحروف التي في كلام الآدميين هل بينها وبين المعاني مناسبة تقتضي الاختصاص على قولين مشهورين.\nوأما اختصاصها بمحالها في حق الأدميين بسبب يقتضي الاختصاص فهذا لا نزاع فيه.\nفعلم أن الاختصاص منه بالمحل أولى منه بالمعنى.\nواما قوله إن قالوا باجتماع الحروف بذاته مع اتحاد الذات فيلزم منه اجتماع المتضادات في شيء واحد فهذا قد تقدم أن للناس فيه قولين وان القائلين باجتماع ذلك إن كان قولهم فاسدًا فقول من يقول باجتماع المعاني المتعاقبة وأنها شيء واحد وأن الصفات المتنوعة شيء واحد أعظم فسادًا.\nوأما قوله وغن لم يقولوا باجتماع حروف القول في ذاته فيلزم منه مناقضة أصلهم في أن ما اتصف به الرب يستحيل عروه عنه فكلام صحيح ولكن تناقضهم لا يستلزم صحة قول منازعيهم إذا كان ثم قول ثالث وهذا اللازم فيه نزاع معروف وقد حكي النزاع عنهم أنفسهم.","vol":"4","page":265},{"text":"فمن قال إن ما اتصف به من الأصوات والأفعال ونحو ذلك يجوز عروه، لم يكن مناقضًا.\nوالذين قالوا منهم إنه لا يجوز عروه عما اتصف به عمدتهم أنه لو جاز عروه عنه لم يكن ذلك إلا بحدوث ضد ثم ذلك الضد الحادث لا يزول إلا بضد حادث فيلزم تسلسل الحوادث بذاته وهذا يجيب عنه بعضهم بأنه يجوز عدمه بدون حدوث ضد ويجيب عنه بعضهم بالتزام التسلسل في مثل ذلك في المستقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>عود إلى كلام الآمدي في الرد على الكرامية: السابع</span>\nقال الآمدي في تناقض الكرامية أنهم جوزوا اجتماع الإرادة الحادثة مع الإرادة القديمة ومنعوا ذلك في العلم والقدرة ولو سئلوا عن الفرق لكان متعذرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت ولقائل أن يقول إن كانوا هم فرقوا فغيرهم لم يفرق بل جوز تجدد علوم وقدر.\nوحينئذ فهم في الفرق على ما اعتمدت عليه المعتزلة في الفرق بين كونه عالمًا قادرًا وبين كونه متكلمًا مريدًا","vol":"4","page":266},{"text":"حيث قالوا العلم والقدرة عام في كل معلوم ومقدور فإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وإلإرادة والكلام ليسا عامين في كل مراد ومقول بل لا يقول إلا الصدق ولا يأمر إلا بالخير، ولا يريد إلا ما وجد، ولا يريد إرادة محبة إلا لما أمر.\nفهذا مما احتجوا به على حدوث كونه مريدًا متكلمًا دون كونه عالمًا قادرًا قالوا لأن الاختصاص يتعلق بالمحدثات، بخلاف العموم فإنه يكون للقديم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>فصل</span>\nومما يبين الأمر في ذلك، وان الأدلة التي يحتج بها هؤلاء على نفي لوازم علو الله على خلقه، هم يقدحون فيها، ويبينون فسادها في موضع آخر أن عامة هذه الحجج التي احتج بها الآمدي وغيره على نفي كونه جسمًا، هم أنفسهم أبطلوها في موضع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى</span>\nوالمقصود هنا ذكر ما قاله الآمدي وذلك انه لما ذكر مسالك الناس في إثبات حدوث الأجسام أبطل عامتها ن واختار الطريقة المبنية على أن الجسم لا يخلو من الأعراض، وان العرض لا يبقى زمانين فتكون الأعراض حادثة، ويمتنع حدوث ما لا نهاية له، وما لا يخلو عن الحوادث التي لها أول فله أول وذكر أن هذه الطريقة هي المسلك","vol":"4","page":267},{"text":"المشهور للأشعرية وعليه اعتماده.\nوالرازي وامثاله لم يعتمدوا على هذا المسلك لأنه مبني على أن الأعراض ممتنعة البقاء وهذه مقدمة خالف فيها جمهور العقلاء وقالوا إن قائليها للحس ولضرورة العقل فرأي أن الاعتماد عليها في حدوث الأجسام في غاية الضعف.\nوالآمدي قدح في الطرق التي اعتمد عليها الرازي كلها والمقصود هنا ذكر طعن الآمدي في حجج نفسه التي احتج بها على نفي كونه جسمًا ونفي قيام الحوادث به وقد تقدم ان حججه المبنية على تماثل الجواهر والأجسام قد قدح فيها، وبين أنه لا دليل لمن أثبت ذلك وحجته المبنية على التركيب قد قدح هو فيها في غير موضع كما ذكر بعضه.","vol":"4","page":268},{"text":"وأما حجته المبنية على نفي المقدار والشكل، وانه لا بد له من مخصص وكل ما له مخصص فهو محدث فإنه قال المقدمة الأولى وغن كانت مسلمة غير أن الثانية وهي أن كل مفتقر إلى المخصص محدث، وما ذكر في تقريرها باطل بما سبق في في المسلك الأول.\nقال وبتقدير تسليم حدوث ما أشير إليه من الصفات فلا يلزم أن تكون الأجسام حادثة لجواز أن تكون هذه الصفات المتعاقبة عليها إلى غير النهاية إلا بالالتفات إلى ما سبق من بيان امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها تنتهي إليه فقد ذكر هنا وغن كان لا بد للمختص من مخصص فلا يلزم أن يكون حادثًا بل جاز ان يكون قديمًا في ذاته وصفاته أو قديمًا في الذات مع تعاقب الصفات المحدثة من المقادير وغيرها عليه إلا إذا قيل ببطلان حوادث لا تتناهى.\nوحينئذ فيقال القديم إما واجب بنفسه وإما واجب بغيره فإن كان واجبًا بنفسه بطلت حجته وغن كان واجبًا بغيره لزم من كون المعلول مختصًا أن تكون علته مختصة أيضًا وإلا فبتقدير أن تكون العلة الموجبة وجودًا مطلقًا لا تختص بشيء من الأشياء كما يقوله من يقول هو وجود مطلق تكون نسبته إلى جميع أجناس الموجودات ومقاديرها وصفاتها نسبة واحدة وحينئذ فلا يخص مقدارًا دون مقدار بالاقتضاء والإيجاب إلا أن يقال لا يمكن غير ذلك المقدار","vol":"4","page":269},{"text":"وإذا قيل ذلك لزم أن يكون من المقادير ما هو واجب لا يمكن غيره فإذا قيل هذا في الممكن ففي الواجب بنفسه أولى فإن تطرق الجواز إلى الممكن بنفسه أولى من تطرقه إلى الواجب بنفسه فإذا قدر في الممكن مقدار لا يمكن وجود ما هو أكبر منه فتقدير ذلك في الواجب بنفسه أولى.\nونكته الجواب أن الموجب الذي يسمونه علة إن كان له مقدار بطل أصل قولهم، وإن لم يكن له مقدار فإما أن تكون جميع المقادير ممكنة بالنسبة إليه وإما أن لا يكون كذلك فإن كان الأول لم يخص بعضها دون بعض بلا مخصص لما في ذلك من ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وإن لم يمكن إلا بعضها كما يقوله من يقوله من المتفلسفة فحينئذ لزم أم يكون من المقادير ما هو ممتنع لنفسه ن بل منها ما هو متعين لا يمكن وجود غيره.\nوإذا جاز أن يمتنع بعضها لنفسه، فوجوب بعضها لنفسه أولى وأحرى وإذا جاز أن يتعين ممكن من المقادير دون غيره لنفسه، فتعين مقدار واجب لنفسه أولى وأحرى.\nوهذا كلام لا محيص لهم عنه فإن العالم إن كان واجبًا بنفسه فقد ثبت أن الواجب بنفسه يختص بمقدار، وإن كان ممكنًا فوجد ما هو أكبر منه أو أصغر إما أن يكون في نفسه ممكنًا وغما أن لا يكون،.\nفإن","vol":"4","page":270},{"text":"لم يكن ممكنًا ثبت امتناع بعض المقادير لنفسه دون بعض في الممكنات في الواجب اولى.\nوحينئذ فبطل قول القائل: إنه ما من مقدار إلا ويمكن ما هو أكبر منه وأصغر، وإن كان غير هذا المقدار ممكنا فتخصيص أحد الممكنين بالوجود يفتقر إلى مخصص.\nوالوجود المطلق لا اختصاص له بممكن دون ممكن، فلا بد أن يكون المخصص أمرا فيه اختصاص، وذلك الاختصاص واجب بنفسه، وإذا كان الواجب لنفسه فيه اختصاص واجب لم يمكن أن يقال: كل اخصاص فلا بد له من مخصص، إذ الاختصاص ينقسم إلى: واجب بنفسه وممكن.\nيوضح هذا أن المتفلسف إذا قال إن الموجب لتخصيص الفلك بمقدار دون مقدار كون الهيولى لا تقبل إلا ذلك المقدار مثلًا أو امتناع بعد وراء العالم أو ما قيل من الأسباب.\nقيل له ما ذكرته من الهيولى وامتناع وجود موجود وراء العالم وإن كان باطلًا فيقال ما الموجب لكون الهيولى لا تكون على غير تلك الصفة ولم لا كانت الهيولى غير هذه بحيث تقبل شكلًا أكبر من هذا ثم إذا زعمت ان الممكن له مقدار لا يمكن ان يكون أكبر منه لعدم القابل مع انه لا يعلم وجود مخصص لمقدار دون مقدار ولا","vol":"4","page":271},{"text":"لكون حيز هذا المقدار يقبل الوجود دون الحيز الذي يجاوره فإن الأحياز المجردة المحضة متشابهة أبلغ من تشابه المقادير.\nفإذا ادعيت التخصيص في هذا ففي الواجب بنفسه اولى وأحرى ثم بتقدير ان تكون المقادير والصفات حادثة فالحجة المبنية على نفي حوادث لا تناهي قد عرف ضعفها وقد أبطل هو جميع أدلة الناس التي ذكرها إلا حجة واحدة اختارها وهي أضعف من غيرها كما قد ذكر غير مرة.\nوإذا كانت هذه الحجة لا تمنع جواز تعاقب الحوادث على القديم لم يمتنع كون القديم محلًا للحوادث فبطل استدلالهم على نفي ذلك بمثل هذه الحجة٠\nفهذه الحجج الثلاث قد قدح هو فيها واما الرابعة وهي تعدد الصفات فالقدح فيها تبع للقدح في هذه الثلاث فإنها مبنية عليها إذ عمدة النفاة هي هذه الثلاث وكلامهم كله يدور عليها حجة التركيب وحجة الأعراض بأن مالا يخلو عن الحادث فهو حادث وحجة الاختصاص.\nوحججه الأولى على نفي الجوهر مبنية على نفي تماثل الجواهر وهو قد بين ان جميع ما ذكروه فإنه يرجع إلى ما قاله وقال إنه لا دليل فيه على نفي تماثلها.","vol":"4","page":272},{"text":"وأما الثانية وهي قوله إما أن يكون مركبًا فيكون جسمًا أو لا يكون على نفي الجسم وقد عرف كلامه وقدحه في حجج نفي ذلك.\nواما حجته الثالثة فإنها مبنية على تماثل الجواهر أيضًا وهو قد أبطل أدلة ذلك، ومبنية على امتناع حلول الحوادث به أيضًا وقد أبطل هو أيضًا جميع حجج ذلك واستدل بحجة الكمال والنقصان كما احتج بها الرازي وهو أيضًا قد أبطل هذه الحجة لما استدل بها الفلاسفة على قدم العالم كما ذكر عنه.\nوأما حجته الرابعة على نفي الجوهر فبناها علي نفي التحيز وبنى نفي التحيز على حجتين على حجة الحركة والسكون وعلى تماثل الجواهر.\nوهو قد بين انه لا دليل على تماثل الجواهر، وأبطل أيضًا حجة الحركة والسكون لما أحتج بها من احتج على حدوث الأجسام، فإنه قال المسلك السادس لبعض المتأخرين من أصحابنا يعني به الرازي وهذا المسلك آخذ الرازي عن المعتزلة، ذكره أبو الحسين وغيره: أنه لو كانت الأجسام أزلية لكانت في الأزل إما أن","vol":"4","page":273},{"text":"تكون متحركة او ساكنة، والقسمان باطلان، فالقول بأزليتها باطل.\nثم اعترض عليه بوجوه متعددة:\nقال ولقائل أن يقول إما أن تكون الحركة عبارة عن الحصول في الحيز بعد الحصول في حيز آخر، والسكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد أن كان في ذلك الحيز، أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول فقد بطل الحصر بالجسم في أول زمان حدوثه، فإنه ليس متحركًا لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان فيه، وإن كان الثاني فقد بطل ما ذكره في تقرير كون السكون أمرًا وجوديًا، ولا مخلص عنه.\nقلت: هذه مسألة نزاع بين أهل النظر: أن الجسم في أوقات حدوثه: هل يوصف بأحدهما أو يخلو عنهما؟ والذي قاله الرازي هو قول","vol":"4","page":274},{"text":"أبي هاشم وغيره من المعتزلة، ومضمونه: أنه في أوقات حدوثه ليس متحركًا ولا ساكنا.\nواعترض عليه بتقسيم حاصر فقال: إن كانت الحركة عبارة عن الانتقال من حيز إلى حيز، والسكون البقاء في حيز بعد حيز، فالجسم في أوقات حدوثه: لا متحرك ولا ساكن، وإن لم يكن الأمر كذلك، فقد بطل ما ذكره من كون السكون أمرًا وجوديًا، فإنه اعتمد في ذلك على أن السكون عبارة عن الحصول في الحيز، بعد ان كان في ذلك الحيز.\nتابع كلام الآمدي\nقال الآمدي فإن قيل: الكلام إنما هو في الجسم ف يالزمان الثاني، والجسم في الزمان الثاني لا يخلو عن الحركة والسكون، بالتفسير المذكور، فهذا قول ظاهر الإحالة، فإنه إذا كان الكلام ف يالجسم إنما هو الزمان الثاني، فوجود الجسم بالزمان الثاني ليس هو حالة الأولية، وعند ذلك فلا يلزم أن","vol":"4","page":275},{"text":"يكون الجسم أزلا لا يخلو عن الحركة والسكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: بل بتقدير قدمه لا يخلو عن الحركة والسكون، لأنه حينئذ إما أن يبقى في حيز او ينتقل عنه والأول: السكون والثاني الحركة.\nوما ذكره الآمدي من جواز خلوه عنهما على أحد التقديرين فإنما هو بتقدير حدوثه ومعلوم انه إذا كان بتقدير قدمه لا يهخلو عنهما، وكلاهما ممتنع كان بتقدير قدمه مستلزما لأمر ممتنع وهو الجمع بين النقيضين فإنه إذا صحت المقدمتان لزم أن يكون حادثًا بتقدير قدمه وهو انه لو كان قديمًا لم يخل من حادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nوما ذكره الأمدي إنما يتوجه إذاقيل الجسم مطلقًا لا يخلو عن الحركة والسكون وحينئذ فإما أن يخلو عنهما أو لا يخلو، فإن خلا عنهما لم يكن ذلك إلا حال حدوثه، فيكون حادثًا.\nوإن لم يخل عنهما لزم ان يكون حادثًا، فيلزم حدوثه على كل تقدير.\nونحن نذكر ما يقدح به الآمدي وأمثاله في حججهم التي احتجوا بها في موضع آخر، وإن كان بعض ذلك القدح ليس بحق، ولكن يعطي كل ذي حق حقه قولًا بالحق واتباعًا للعدل.","vol":"4","page":276},{"text":"وقد ذكرنا كلام الآمدي على سائر ما ذكره ف يامتناع كن الحركة أزلية، مثل قوله: لم قلتم بامتناع كون الحركة أزلية؟ وما ذكروه من الوجه الأول فإنما يلزم أن لو قيل بأن الحركة الواحدة بالشخص أزلية وليس كذلك، بل المعنى بكون الحركة أزلية أن أعداد أشخاصها المتعاقبة لا أول لها، وعند ذلك فلا منافاة بين كون كل واحدة من آحاد الحركات الشخصية حادثة ومسبوقة بالغير وبين كون جملة آحادها أزلية، بمعنى انها متعاقبة إلى غير نهاية إلى آخر كلامه.\nوالمقصود هنا التنبيه على أنه نقص في موضع آخر عامة ما احتج به هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>فصل</span>\nومما ينبغي معرفته في هذا الباب أن القائلين بنفي علو الله على خلقه، الذين يستدلون على ذلك أو عليه وعلى غيره بنفي التجسيم فإنهم ينقضون الحجج التي يحتجون بها، فتارة ينقض أحدهم الحجج التي يحتج ...\nكما ذكرناه عن الرازي والآمدي","vol":"4","page":277},{"text":"وأمثالهما من حذاق النظار الذين جمعوا خلاصة ما ذكره النفاة من أهل الفلسفة والكلام بل يعارضون ما يجب تصديقه بما يعلم بصريح العقل موافق لها بما يعلم الصريح انه باطل وتارة كل طائفة تبطل الطريقة العقلية التي اعتمدت عليها الأخرى ن بما يظهر به بطلانها بالعقل الصريح وليسوا متفقين على طريقة واحدة.\nوهذا يبين خطأهم كلهم من وجهين: من جهة العقل الصريح الذي بين به كل قوم فساد ما قاله الآخرون ومن جهة انه ليس معهم معقول اشتركوا فيه فضلًا عن أن يكون من صريح المعقول.\nبل المقدمة التي تدعى طائفة النظار النظار صحتها، تقول الآخرى هي باطلة، وهذا بخلاف مقدمات أهل الإثبات الموافقة لما جاء به الرسول ﷺ، فإنها من العقليات التي اتفقت عليها فطر العقلاء السليمي الفطرة، التي لا ينازع فيها إلا من تلقى النزاع تعليمًا من غيره، لا من موجب فطرته فإنما يقدح فيها بمقدمة تقليدية أو نظرية،","vol":"4","page":278},{"text":"لا ترجع إلى العقل الصريح، وهو يدعى أنها عقلية فطرية.\nومن كان له خبرة بحقيقة هذا الباب تبين له أن جميع المقدمات العقلية التي ترجع إليها براهين المعارضين للنصوص النبوية، إنما ترجع إلى تقليد منهم لأسلافهم، لا إلى ما يعلم بضرورة العقل ولا إلى فطرة، فهم يعارضون ما قامت الأدلة العقلية على وجوب تصديقه وسلامته من الخطأ، بما قامت الأدلة العقلية على أنه لا يجب تصديقه بل قد علم جواز الخطأ عليه، وعلم وقوع الخطأ منه فيما هو دون الإلهيات، فضلا عن الإلهيات التي يتيقن خطأ من خالف الرسل فيها بادلألة المجلة والمفصلة.\nوالمقصود هنا التنبيه على جوامع قدح كل طائفة في طريق الطائفة الأخرى من نفاة العلو، أو العلو وغيره من الصفات، بناء على نفي التجسيم، ففحول أهل الكلام كأبي علي وأبي هاشم والقاضي","vol":"4","page":279},{"text":"عبد الجبار وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي الحسين البصري ومحمد بن الهيثم وأبي المعالي الجويني وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم يبطلون طرق الفلاسفة التي بنوا عليها النفي منهم من يبطل أصولهم المنطقية وتقسيم الصفات إلى ذاتي وعرضي، وتقسيم العرضي إلى لازم للماهية وعارض لها، ودعواهم ان الصفات اللازمة للموصوف منها ما هو ذاتي داخل في الماهية ومنها ما هو عرضي خارج عن الماهية، وبناءهم توحيد واجب الوجود الذي مضمونه نفي الصفات على هذه الأصول\nوهم في هذا التقسيم جعلوا الماهيات النوعية زائدًا في الخارج على الموجودات العينية، وليس هذا قول من قال: المعدوم شيء، فإن أولئك يثبتون ذواتًا ثابتة في العدم تقبل الوجود المعين، وهؤلاء يثبتون ماهيات كلية لا معينة.\nوأرسطو وأتباعه غنما يثبتونها مقارنة للموجودات المعينة لا مفارقة لها، وأما شيعة أفلاطون فيثبتونها مفارقة ويدعون أنها أزلية أبدية، وشيعة فيثاغورس تثبت أعدادًا مجردة.\nوما يثبته هؤلاء إنما هو في الأذهان، ظنوا ثبوته في الخارج، وتقسيمهم الحد إلى حقيقي ذاتي، ورسمي أو لفظي، أو تقسيم المعرف إلى حد ورسم، هو بناء على هذا التقسيم.\nوعامة نظار أهل الإسلام وغيرهم ردوا ذلك عليهم وبينوا فساد","vol":"4","page":280},{"text":"كلامهم، وأن الحد إنما يراد به التمييز بين المحدود وغيره، وأنه يحصل بالخواص التي هي لازمة ملزومة، لا يحتاج إلى ذكر الصفات العامة، بل منعوا أن يذكر في الحد الصفات المشتركة بينه وبين غيره، بل وأكثرهم منعوا بتركيب الحد، كما هو مبسوط في موضعه، وقد صنف في ذلك متكلمو الطوائف، كأبي هاشم وغيره من المعتزلة، وأبن النوبخت وغيره من الشيعة، والقاضي أبي بكر وغيره من مثبتة الصفات.\nواما أبو حامد الغزالي فإنه وإن وافقهم على صحة الأصول المنطقية، وخالف بذلك فحول النظار الذين هم أقعد بتحقيق النظر في الإلهيات ونحوها من أهل المنطق، وأتبعه على ذلك من سلك سبيله كالرازي وذويه وأبي محمد بن البغدادي صاحب ابن المثنى وذويه فقد بين في كتابه تهافت الفلاسفة وغيره من كتبه فساد قولهم في الإلهيات، مع وزنه لهم بموازينهم المنطقية، حتى انه بين انه لا حجة لهم على نفي التجسيم بمقتضى أصولهم المنطقية، فضلا عن أن يكون لهم حجة على نفي الصفات مطلقًا، وإن كان أبو حامد قد يوجد كلامه ما يوافقهم عليه تارة أخرى، وبهذا","vol":"4","page":281},{"text":"تسلط عليه طوائف من علماء الإسلام، ومن الفلاسفة أيضًا كابن رشد وغيره، حتى أنشد فيه\nيومًا يمان إذا ما جئت ذا يمن ... وإن لقيت معديًا فعدناني\nفالاعتبار من كلامه وكلام غيره بما يقوم عليه الدليل، وليس ذلك إلا فيما وافق فيع الرسول ﷺ فلا يقوم دليل صحيح على مخالفة الرسول البتة.\nوهذا كما أن ابن عقيل يوجد في كرمه ما يوافق المعتزلة والجهمية تارة، وما يوافق به المثبتة للصفات بل للصفات الخبرية أخرى فالاعتبار من كلامه وكلام غيره بما يوافق الدليل وهو الموافق لما جاء به الرسول.\nوالمقصود هنا أن نبين ان فحول النظار بينوا فساد طرق من نفي الصفات أو لاعلو بناء على نفي التجسيم وكذلك فحول الفلاسفة كابن سينا وأبي البركات وابن رشد وغيرهم بينوا فساد أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشعرية التي نفوا بها التجسيم حتى أن ابن رشد في تهافت التهافت بين فساد ما أعتمد هؤلاء كما بين أبو حامد في التهافت فساد ما اعتمد عليه الفلاسفة.","vol":"4","page":282},{"text":"ولهذا كان في عامة طوائف النظار من يوافق أهل الإثبات على إثبات الصفات، بل وعلى قيام الأمور الاختيارة في ذاته وعلى العلو، كما يوجد فيهم من يوافقهم على أن الله خالق افعال العباد، فأخذق متأخري المعتزلة هو أبو الحسين البصري، ومن عرف حقيقة كلامه علم انه يوافق على إثبات كونه حيًا عالما قادرًا، وعلى أن كونه حيا ليس هو كونه عالما، وكونه عالما ليس كونه قادرا لكنه ينازع مثبتة الأحوال الذين يقولون: ليست موجودة ولا معدومة.\nوهذا الذي اختاره هو قول أكثر مثبتة الصفات، فنزاعه معهم نزاع لفظي، كما انه يوافق على أن الله يخلق الداعي في العبد، وعند وجود الداعي والقدرة يجب وجود المقدور.\nوهذا قول أئمة أهل الإثبات وحذاقهم الذين يقولون: إن الله خالق أفعال العباد.\nوهو أيضًا يقول: إنه سبحانه مع علمه بما سيكون فإنه إذا كان يعلمه كائنًا فعالميته متجددة.\nوابن عقيل يوافق على ذلك، وكذلك الرازي وغيره، وهذا موافق لقول من يقول بقيام الحوادث به.\nوبعض حذاق المعتزلة نصر القول بعلو الله ومباينته لخلقه بالأدلة العقلية، وأظنه من أصحاب أبي الحسين.","vol":"4","page":283},{"text":"وقد حكى ابن رشد ذلك عن أئمة الفلاسفة.\nأبو البركات وغيره من الفلاسفة يختارون قيام الحوادث به كإرادات وعلوم متعاقبة، وقد ذكروا ذلك وما هو أبلغ منه عن متقدمي الفلاسفة، كما ذكرت أقوالهم في غير هذا الموضع، وتقدم بعضها.\nوالمقصود هنا أن جميع ما احتج به النفاة قدح فيه بعض النفاة قدحًا يبين بطلانه، كما بين غير واحد فساد طرق الفلاسفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم</span>\nقال أبو حامد مسالة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم فنقول هذا إنما يستقيم لمن يرى أن الجسم حادث، من حيث إنه لا يخلو عن الحوادث، وكل حادث فيفتقر إلى محدث فأما أنتم إذا عقلتم جسمًا قديمًا لا أول لوجوده، مع أنه لا يخلو عن الحوادث فلم يمتنع أن يكون الأول جسمًا إما الشمس وإما الفلك الأقصى وإما غيره فإن قيل لأن الجسم لا يكون إلا مركبًا منقسمًا إلى جزأين بالكمية وإلى الهيولى والصورة بالقسمة المعنوية وإلى أوصاف يختص بها لا محالة حتى يباين سائر","vol":"4","page":284},{"text":"الأجسام وإلا فالأجسام متساوية في أنها أجسام، وواجب الوجود واحد لا يقيل القسمة بهذه الوجوه.\nقلنا وقد أبطلنا هذا عليكم، وبينا أنه لا دليل لكم عليه سوى أن المجتمع إذا افتقر بعض أجزائه إلى البعض كان معلولًا وقد تكلمنا عليه وبينا أنه إذا لم يبعد تقدير موجود لا موجود له لم يبعد تقدير مركب له وتقدير موجودات لا موجد لها إذ نفي العدد والتثنية بنيتموه على نفي التركيب ونفي التركيب على نفي الماهية سوى الوجود وما هو الأساس الأخير فقد استأصلناه وبينا تحكمكم فيه.\nفإن قيل الجسم إن لم يكن له نفس لا يكون فاعلًا وإن كان له نفس فنفسه علة له فلا يكون الجسم أولًا.\nقلنا أنفسنا ليست علة لوجود أجسامنا ولا نفس الفلك بمجردها علة لوجود جسمه عندكم بل هما يوجدان بعلة سواهما فإذا جاز وجودهما قديمًا جاز أن لا يكون لهما علة.","vol":"4","page":285},{"text":"فإن قيل كيف اتفق اجتماع النفس والجسم؟\nقلنا هو كقول القائل كيف اتفق وجود الأول فيقال هذا سؤال عن حادث فأما ما لم يزل موجودًا فلا يقال كيف اتفق فكذلك الجسم ونفسه إذا لم يزل كل واحد منهما موجودًا لم يبعد أن يكون صانعًا.\nفإن قيل لأن الجسم من حيث إنه جسم لا يخلق غيره والنفس المتعلقة بالجسم لا تفعل إلا بواسطة الجسم ولا يكون الجسم واسطة للنفس في خلق الأجسام ولا في إبداع النفوس والأشياء لا تناسب الأجسام.\nقلنا ولم لا يجوز أن يكون في النفوس نفس تختص بخاصية تتهيأ بها لن توجد الأجسام وغير الأجسام منها فاستحالة ذلك لا تعرف ضرورة ولا برهان يدل عليه إلا أنه لم يشاهد من هذه الأجسام المشاهدة وعدم المشاهدة لا يدل على الاستحالة فقد","vol":"4","page":286},{"text":"أضافوا إلى الموجود الأول مالا يضاف إلى موجود أصلًا ولم يشاهد من غيره وعدم المشاهدة من غيره لا يدل على استحالته منه فكذا في نفس الجسم والجسم.\nفإن قيل الفلك الأقصى أو الشمس أو ما قدر من الأجسام فهو متقدر بمقدار يجوز أن يزيد عليه وينقص منه فيفتقر اختصاصه بذلك المقدار الجائز إلى مخصص فلا يكون أولًا.\nقلنا بم تنكرون على من يقول إن ذلك الجسم يكون على مقدار يجب أن يكون عليه لنظام الكل ولو كان أصغر منه أو اكبر لم يجز، كما أنكم قلتم إن المعلول الأول يفيض الجرم الأقصى منه متقدرًا بمقدار وسائر المقادير بالنسبة إلى ذات المعلول الأول متساوية ولكن يعين بعض المقادير ليكون النظام متعلقًا به فيوجب المقدار الذي وقع ولم يجز خلافه فكذلك إذا قدر غير معلول بل لو أثبتوا في المعلول فيوجب المقدار الذي وقع ولم يجز خلافه فكذلك إذا قدر غير معلول بل لو أثبتوا في المعلول الأول الذي هو علة الجرم الأقصى عندهم","vol":"4","page":287},{"text":"مبدأ للتخصيص مثل إرادة مثلًا لم ينقطع السؤال إذ يقال ولم أراد هذا المقدار دون غيره كما ألزموه على المسلمين في إضافتهم الأشياء إلى الإرادة القديمة وقد قلبنا عليهم ذلك في تعين جهة حركة السماء وفي تعيين نقطتي القطبين فإذا ظهر انهم مضطرون إلى تجويز تمييز الشيء عن مثله في الوقوع بعلة فتجويزه بغير علة كتجويزه بعلة إذ لا فرق بين إن يتوجه السؤال في نفس الشيء فيقال لم اختص بهذا القدر وبين أن يتوجه في العلة فيقال ولم خصص هذا القدر عن مثله فإن أمكن دفع السؤال عن العلة بان هذا المقدار ليس مثل غيره إذ النظام مرتبط به دون غيره أمكن دفع السؤال عن نفس الشيء ولم يفتقر إلى علة وهذا لا مخرج عنه فإن هذا المقدار المعين الواقع إن كان مثل الذي لم يقع فالسؤال متوجه أنه كيف ميز الشيء عن مثله خصوصًا على أصلهم وهم ينكرن الإرادة المميزة وإن لم تكن مثلًا له فلا","vol":"4","page":288},{"text":"يثبت الجواز بل يقال وقع كذلك قديمًا كما وقعت العلة القديمة بزعمهم.\nقال وليستمد الناظر في هذا الكتاب مما أوردناه لهم من توجيه السؤال في الإرادة القديمة وقلبنا ذلك عليهم في نقطة القطب وجهة حركة الفلك وتبين بهذا أن من لا يصدق بحدوث الأجسام فلا يقدر على إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم أصلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>تعليق ابن تيمية</span>\nفهذا أبو حامد هو وغيره يبينون فساد ما ذكروه من نفي كون الأول جسمًا ويقولون لا طريق إلى ذلك إلا الاستدلال على حدوث الجسم وقد سبقهم الأشعري إلى بيان فساد ما احتجت به المعتزلة على حدوث الجسم.","vol":"4","page":289},{"text":"والرازي وأتباعه يبينون حدوث الجسم في كتبه الكلامية كالأربعين ونهاية العقول والمحصل وغير ذلك ثم يبينون فساد كل ما يحتج به على حدوث الأجسام في مواضع أخر مثل المباحث المشرقية وكذلك في المطالب العالية التي هي آخر كتبه بين فساد حجج من يقول بحدوثها وانه فعل بعد ان لم يكن فاعلًا ويذكر حججًا كثيرة على دوام الفاعلية ويورد عليها مع ذلك ما يدل على فسادها ويعترف بالحيرة في هذه المواضع العظيمة مسائل الصفات وحدوث العالم ونحو ذلك.\nوسبب ذلك أنهم يقولون أقوالًا تستلزم الجمع بين النقيضين تارة ورفع النقيضين تارة بل نستلزم كليهما والأصل العظيم الذي هو من أعظم أصول العلم والدين يذكرون فيه إلا أقوالًا ضعيفة.\nوالقول الصواب الموافق للميزان والكتاب لا يعرفونه كما في مسألة حدوث العالم فإنهم لا يذكرون إلا قولين قول من يقول","vol":"4","page":290},{"text":"بقدم الأفلاك وإن كانت صادرة عن علة توجبها، فالمعلول مقارن ازلًا وقول من يقول بل تراخى المفعول عن المؤثر التام وأنه يمتنع انه لم يزل متكلمًا إذا شاء ويفعل ما يشاء.\nوالقول الصواب الذي هو قول السلف والأئمة لا يعرفونه وهو القول بأن الأثر يتعقب التأثير التام فهو سبحانه إذا كون شيئًا كان عقب تكوينه له كما قال تعالى ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ يس: ٨٢ وهذا هو المعقول كما يكون الطلاق والعتاق عقب التطليق والاعتاق والانكسار والانقطاع عقب الكسر والقطع فهو سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويذكرون في كونه موجبًا بذاته وفاعلًا بمشيئته وقدرته قولين فاسدين أحدهما قول من يقول المتفلسفة وان معلوله يجب ان يكون مقارنًا له في الزمان أزلًا وأبدًا.","vol":"4","page":291},{"text":"وهذا القول من أفسد أقوال بني آدم فإنه يستلزم ان لا يحدث في العالم حادث فإنه إذا كانت علة تامة ازلية ومعلولها معها والعالم كله معلوله إما بواسطة وإما بغير واسط لزم ان لا يكون في العالم شيء إلا أزليًا فلا يكون في العالم شيء من الحوادث وهو خلاف المشاهدة.\nثم إنهم لما أثبتوا الواجب بالممكن إنما استدلوا على الممكن بالحادث الذي يفتقر إلى محدث فإن لم يكن في العالم حادث بطل الإمكان الذي به أثبتوا الواجب ولزم إما أن لا يكون في العالم واجب الوجود ولا ممكن الوجود وهو إخلاء للوجود عن النقيضين وإما أن يكون جميعه واجب الوجود فيكون الحادث الذي كان بعد أن لم يكن واجب الوجود.\nوأيضًا فإذا كان المعلول لا يكون إلا مع علته التامة لزم أن لا يحدث شيء من الحوادث إلا مع تمام علته ولم يحدث حين حدوثه ما يوجب حدوث علة تامة له وغن قدر حدوث ذلك لزم حدوث تمام علل ومعلولات في آن واحد وهو تسلسل في العلل وذلك معلوم الفساد بصريح العقل واتفاق العقلاء بخلاف تسلسل الحوادث المتعاقبة وهو أنه لا يكون حادث إلا بعد حادث فهذا فيه نزاع مشهور.","vol":"4","page":292},{"text":"والناس فيه على أربعة أقوال قيل يمتنع في الماضي والمستقبل كقول جهم وابي الهذيل ولهذا قال الجهم بفناء الجنة والنار وقال أبو الهذيل بفناء حركاتهما.\nوقيل: يمتنع في الماضي دون المستقبل، وهو قول كثير من طوائف أهل الكلام، كأكثر المعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم.\nوقيل: يجوز فيهما فيما هو مفتقر إلى غيره كالفلك، سواء قيل: إنه محتاج إلى مبدع، كقول أبن سينا وأتباعه، أو قيل: إنه محتاج إلى ما يتشبه به كقول أرسطو وأتباعه.\nوقيل: يجوز فيهما، لكن لا يجوز ذلك فيما سوى الرب، فإنه مخلوق مفعول، وحوادثه القائمة به لا تحصل إلا من غيره، فهو محتاج في نفسه وحوادثه إلى غيره، والمحتاج لا يكون إلا مربوبا، والمربوب لا يكون إلا مخلوقًا محدثًا، والمحدث لا يقوم به حوادث لا أول لها، فغن ما لم يسبق الحادث المعين والحوادث المحدودة فهو محدث مثلها باتفاق العقلاء، إذ لو كان لم يسبقها فإما أن يكون معها أو بعدها، وعلى التقديرين فهو حادث، بخلاف الرب القديم الأزلي الواجب بنفسه، فإنه إذا كان لم يزل متكلمًا إذا شاء فعالًا لما يشاء، كان ذلك من كماله، وكان هذا كما قاله أئمة السنة والحديث.","vol":"4","page":293},{"text":"والثاني: قول من يقول: انه فاعل مختار، لكنه يفعل بوصف الجواز، فيرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، إما بمجرد كونه قادرًا، أو لمجرد كونه قادرًا عالمًا، أو لمجرد إرادته القديمة التي ترجج مثلا على مثل بلا مرجح، ويقولون: إن الحوادث تحدث بعد أن لم تكن حادثة من غير سبب يوجب الحدوث، فيقولون بتراخي الأثر عن المؤثر التام.\nوهذا وإن كان خيرًا من الذي قبله ولهذا ذهب إليه طوائف من أهل الكلام ففساده أيضًا بين فإنه إذا قيل: إن المؤثر التام حصل مع تراخي الأثر عنه، وعند حصول الأثر لم يحصل ما يوجب الحصول، كان حاله بعد حصول الأثر وقبله حالا واحدة متشابهة، ثم اختص أحد الحالين بالأثر من غير ترجيح مرجح، وحدوث الحادث بلا سبب حادث وهذا معلوم الفساد بصريح العقل.\nوالقول الثالث: قول أئمة السنة: إنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله وجب بمشيئته وقدرته، وما لم يشأه امتنع","vol":"4","page":294},{"text":"لعدم مشيئته له، فهو موجب بمشيئته وقدرته، لا بذات خالية عن الصفات، وهو موجب له إذا شاءه، لا موجب له في الأزل، كما قال ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ يس ٨٢: وهذا الإيجاب مستلزم لمشيئته وقدرته، لا مناف لذلك، بل هو سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، فهو فاعل لما يشاؤه إذا شاء، وهو موجب له بمشيئته وقدرته.\nوالله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"4","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>الوجه العشرون</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>متابعة الملاحدة للنفاة في إنكار النصوص وتأويلها</span>\nأن نقول: ما سلكه هؤلاء نفاة الصفات من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم هو بعينه الذي احتج به الملاحدة الدهرية عليهم في إنكار ما أخبر اله به عباده من أمور اليوم الآخر، حتى جعلوا ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر لا يستفاد منه علم، ثم نقلوا ذلك إلى ما أمروا به من الأعمال كالصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج فجعلوها للعامة دون الخاصة فآل الأمر بهم إلى أن ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفقت عليها الملل كما قال تعالى ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ البقرة ٦٢.","vol":"5","page":3},{"text":"فأفضى الأمر بمن سلك سبيل هؤلاء إلى الإلحاد في الإيمان بالله واليوم والآخر والعمل الصالح، وسرى ذلك في كثير من الخائضين في الحقائق، من أهل النظر والتأله من أهل الكلام والتصوف، حتى آل الأمر بملاحدة المتصوفة كابن عربي صاحب فصوص الحكم وأمثاله إلى أن جعلوا الوجود واحدًا، وجعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق وهذا تعطيل للخالق.\nوحقيقة قولهم فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب أبدع الممكن، وهو قول فرعون، ولهذا كانوا معظمين لفرعون.\nثم إنهم جعلوا أهل النار يتنعمون فيها، كما يتنعم أهل الجنة في الجنة، فكفروا بحقيقة اليوم الآخر، ثم ادعوا أن الولاية أفضل من النبوة، وأن خاتم الأولياء وهو شيء لا حقيقة له زعموا أنه أفضل من خاتم الأنبياء، بل ومن جميع الأنبياء وأنهم كلهم يستفيدون من مشكاته العلم بالله، الذي حقيقته عندهم أن وجود المخلوق هو وجود الخالق.\nوكان قولهم كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم، لا عقل ولا قرآن، فإن المتأخر يستفيد من المتقدم دون العكس، والأنبياء أفضل من غيرهم، فخالفوا الحس والعقل مع كفرهم بالشرع.\nوآخر تحقيقهم استحلال المحرمات وترك الواجبات، كما كان يفعل أبرع محققيهم: التلمساني وأمثاله.\nهذا وشيوخ التصوف المشهورون من أبرأ الناس من هذا المذهب، وأبعدهم عنه، وأعظمهم نكيرًا عليه وعلى أهله.\nوللشيوخ المشهورين بالخير، كالفضل بن عياض وأبي سليمان الداراني والجنيد بن محمد","vol":"5","page":4},{"text":"وسهل بن عبد الله التستري وعمر بن عثمان المكي وأبي عثمان النيسابوري وأبي عبد الله بن خفيف الشيرازي ويحيى بن معاذ الرازي وأمثالهم من الكلام في إثبات الصفات والذم للجهمية والحلولية مالا يتسع هذا الموضع لعشره.\nبل قد قيل للشيخ عبد القادر الجيلي قدس الله روحه هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فقال: لا كان ولا يكون والاعتقاد إنما أضيف إلى أحمد لأنه أظهره وبينه عند ظهور البدع وإلا فهو كتاب الله وسنة ورسوله حظ أحمد منه كحظ غيره من السلف: معرفته والإيمان به وتبليغه والذب عنه كما قال بعض أكابر الشيوخ الاعتقاد لمالك والشافعي ونحوهما من الأئمة والظهور لأحمد ابن حنبل.\nوذلك لأنه كان بعد القرون الثلاثة، لما ظهرت بدعة الجهمية ومحنتهم المشهورة، وأرادوا إظهار مذهب النفاة وتعطيل حقائق الأسماء والصفات، ولبسوا على من لبسوا عليه من الخلفاء ثبت الله الإسلام والسنة بأحمد بن حنبل وغيره من أئمة الدين فظهرت بهم السنة وطفئت بهم نار المحنة، فصاروا علمًا لأهل الإسلام، وأئمة لمن بعده من علماء المسلمين: أهل السنة والجماعة وصار كل منتسب إلى السنة لا بد أن يواليه وإياهم، ويوافقهم في جمل الاعتقاد، إذ كان ذلك اعتقاد أهل الهدى والرشاد، المعتصمين بالكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان.\nوأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة، فإن أئمة السنة تضاف السنة","vol":"5","page":5},{"text":"إليهم لأنهم مظاهر بهم ظهرت، وأئمة البدعة تضاف إليهم لأنهم مصادر عنهم صدرت.\nولهذا كان جمل الاعتقاد الذي يذكره أهل المقالات عن أهل السنة والجماعة هو قول أحمد وأمثاله من أئمة السنة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>كلام الأشعري في الإبانة عن متابعته للإمام أحمد</span>\nولهذا قال أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة فإن قال قائل: قد أنكرتم قول الجهمية والقدرية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب ربنا، وسنة نبينا، وبما روي عن الصحابة والتابعين، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد أحمد بن حنبل قائلون، ولما خالف قوله مجانبون، فإنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان","vol":"5","page":6},{"text":"الله به الحق، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام معظم، وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين.\nوالمقصود هنا ان صفوة أولياء الله تعالى الذين لهم في الأمة لسان صدق، من سلف الأمة وخلفها، هو على مذهب أهل السنة والجماعة، أهل الإثبات للأسماء والصفات، وهم من أبعد الناس عن مذهب أهل الإلحاد، من أهل الحلول والوحدة والاتحاد، وإن كان كثير من متأخري الصوفية دخلوا في مذهب الإباحة والحلولية، وخلطوا التصرف بالفلسفة اليونانية، كما خلطه بعضهم بشيء من أقوال أهل الكلام الجهمية.\nومبدأ هذا من أقوال الذين يعارضون النصوص بآرائهم، كما ذكر الشهرستاني في أول كتابه في الملل والنحل أن مبدأ انواع كل الضلالات هو من تقديم الرأي على النص واختيار الهوى على الشرع، فسرى في المنتسبين إلى لا علم والدين، من أهل الفقه والكلام والتصوف من أقوال الملاحدة بسبب هذا الأصل مالا","vol":"5","page":7},{"text":"يعلمه إلا الله.\nوأما ملاحدة الشيعة من القرامطة الباطنية والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم فأولئك أمرهم أظهر من أن يخفى على من عرف حالهم ممن فيه نوع إيمان بالله ورسوله ولهذا كثر الكاشفون لأسرارهم، الهاتكون لأستارهم، من جميع أصناف أهل القبلة، حتى الشيعة والمعتزلة ونحوهم فإنهم متفقون على تكفيرهم، كما اتفق على تكفيرهم أئمة السنة، ومن انتسب إليهم من متكلمة الإثبات وغيرهم.\nوصنف القاضي أبو بكر كتابه المشهور فيهم، ووصف فضائحهم القاضي عبد الجبار والقاضي أبو يعلي وأبو الوفا بن عقيل، وأبو حامد الغزالي والشهرستاني، والخبوشاني وغير واحد من العلماء وتكلموا في العبيديين الذين كانوا بالمغرب ومصر الذين ادعوا النسب العلوي، وأضمروا مذهبهم تكلموا فيهم بما بينوا فيه","vol":"5","page":8},{"text":"بطلان نسبهم، كما عرفوا بطلان مذهبهم، وأن باطن مذهبهم أعظم كفرًا من أقوال كفار أهل الكتاب، ومن أقوال الغالية الذين يدعون نبوة علي أو إلهيته ونحوهم إذ كان مضمون مذهبهم: تعطيل الخالق، وتكذيب رسله والتكذيب باليوم الآخر وإبطال دينه.\nوقد ذكروا منتهى دعوتهم في البلاغ الأكبر والناموس الأعظم الذي لهم، وأن أقرب الطوائف إليهم الفلاسفة مع أنهم خالفوا الفلاسفة في إثبات واجب الوجود فإن الفلاسفة الإلهيين يثبتونه وهؤلاء أصحاب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم أنكروه، كما فعلت الدهرية الطبيعية.\nوقول الاتحادية كصاحب الفصوص وأمثاله يؤول إلى قول هؤلاء وهو القول الذي أزهره فرعون وأما المشاؤون أرسطو وأتباعه ومن اتبعهم من المتأخرين: كالفارابي وابن سينا وأمثالهم فهم يقرون بالعلة الأولى المغايرة لوجود الأفلاك لكن دليلهم الذي احتجوا به على الطبيعيين منهم هو دليل الحركة الذي احتج به أرسطو وقدماؤهم، أو دليل الوجود الذي احتج به أبن سينا ومتأخروهم، وهو منهم دليل ضعيف، إذ مبناه على حجة التركيب وهي حجة ضعيفة كما قد بين في غير هذا الموضع.","vol":"5","page":9},{"text":"وكان أهل بيت ابن سينا من أتباع هؤلاء القرامطة، من المستجيبين للحاكم الذي كان بمصر.\nقال ابن سينا: وبسبب ذلك دخلت في الفلسفة.\nكما كان أصحاب رسائل إخوان الصفا من الموافقين لهم، وصنف الرسائل على طريقتهم في الزمان الذي بنيت فيه القاهرة في أثناء المائة الرابعة، وكان أمر المسلمين قد اضطرب ف يتلك المدة اضطرابًا عظيمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>كلام ابن سينا في الرسالة الأضحوية</span>\nوالمقصود هنا أن هؤلاء الملاحدة يحتجون على النفاة بما وافقوهم عليه من نفي الصفات والإعراض عن دلالة الآيات، كما ذكر ذلك أبن سينا في الرسالة الأضحوية التي صنفها في المعاد لبعض الرؤساء الذين طلب تقربه إليهم ليعطوه مطلوبة منهم من الجاه والمال، وصرح بذلك في أول هذه الرسالة.\nقال فيها لما ذكر حجة من أثبت معاد البدن، وان الداعي لهم إلى ذلك ما ورد به الشرع من بعث الأموات فقال: وأما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد: وهو أن","vol":"5","page":10},{"text":"الشرع والملة الآتية على نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد: من الإقرار بالصانع: موحدًا مقدسًا عن الكم، والكيف والأين، ومتى، والوضع، والتغير، حتى يصير الاعتقاد به أنه ذات واحدة، لا يمكن أن يكون لها شريك في النوع ولا داخلة فيه، ولا حيث تصح الإشارة إليه أنه هنا أو هناك: ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور، ولو ألقي هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة أو العبرانيين الأجلاف، لتسارعوا إلى العناد، واتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمان بمعدوم أصلًا.\nولهذا ورد ما في التوراة تشبيهًا كله، ثم إنه لم يرد في الفرقان من الإشارة إلى","vol":"5","page":11},{"text":"هذا الأمر الأهم شيء، ولا إلى صريح ما يحتاج إليه في التوحيد بيان مفصل، بل إلى بعضه على سبيل التشبيه في الظاهر، وبعضه جاء تنزيها مطلقًا عامًا جدًا، لا تخصيص ولا تفسير له.\nوأما الأخبار التشبيهية فأكثر من أن تحصى، ولكن لقوم أن لا يقبلوه، فإذا كان الأمر في التوحيد هذا، فكيف فيما هو بعده من الأمور الاعتقادية؟ ولبعض الناس أن يقولون: إن للعرب توسعًا في الكلام ومجازًا، وان الألفاظ التشبيهية مثل: اليد والوجه والإتيان في ظلل من الغمام والمجيء، والذهاب، والضحك، والحياء، والغضب صحيحة ولكن نحو الاستعمال وجهة العبارة يدل على استعمالها مستعارة مجازًا.\nقال ويدل على استعمالها غير مجازية ولا مستعارة بل","vol":"5","page":12},{"text":"محققة أن المواضع التي يوردونها حجة في أن العرب تستعمل هذه المعاني بالاستعارة والمجاز على غير معانيها الظاهرة، مواضع في مثلها يصلح أن تستعمل على غير هذا الوجه ولا يقع فيها تلبيس ولا تدليس وأما قوله ﴿في ظلل من الغمام﴾ البقرة ٢١٠ وقوله ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ الأنعام ١٥٨ على القسمة المذكورة، وما جرى مجراه، فليس تذهب الأوهام فيه البتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازية.\nفإن كان أريد فيها ذلك إضمارًا فقد رضي بوقوع الغلط والشبهة والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحا وأما قوله ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح ١٠ وقوله ﴿ما","vol":"5","page":13},{"text":"فرطت في جنب الله﴾ الزمر ٥٦ فهو موضع الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام، ولا يشك في ذلك اثنان من فصحاء العرب ولا يلتبس على ذي معرفة في لغتهم كما يلتبس في تلك الأمثلة فإن هذه الأمثلة لا يقع شبهة في أنها مستعارة مجازية كذلك في تلك لا يقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مرادًا فيها شيء غير الظاهر.\nثم ذهب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة، فأين التوحيد؟ والعبارة المشيرة بالتصريح إلى التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين القيم المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة؟\nوقد قال في ضمن كلامه إن الشريعة الجائية على لسان نبينا","vol":"5","page":14},{"text":"محمد ﷺ جاءت أفضل ما يمكن أن تجئ عليه الشرائع وأكمله، ولهذا صلح أن تكون خاتمة الشرائع وآخر الملل.\nقال: وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد: مثل أنه عالم بالذات أو عالم بعلم قادر بالذات أو قادر بقدرة واحد الذات على كثرة الأوصاف أو قابل لكثرة تعالى عنها بوجه من الوجوه، متحيز الذات، أو منزهها عن الجهات؟ فإنه لا يخلو: إما أن تكون هذه المعاني واجبًا والروية فيها فإن كان البحث عنها معفوا عنه، وغلط الاعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذ به، فجل مذهب هؤلاء القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلف، وعنه غنية وإن كان فرضًا محكما فواجب أن يكون مما صرح به في الشريعة وليس التصريح المعمى أو الملبس أو المقتصر","vol":"5","page":15},{"text":"فيه بالإشارة والإيماء.\nبل التصريح المستقصي فيه، والمنبه عليه: والموفي حق البيان والإيضاح والتفهيم والتعريف على معانيه، فإن المبرزين المنفقين أيامهم ولياليهم وساعات عمرهم على تمرين أذهانهم وتذكية أفهامهم، وترشيح نفوسهم، لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة، يحتاجون في تفهم هذه ولعمري لو كلف الله رسولًا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم، ثم سامه أن يتنجز منهم الإيمان والإجابة غير مهمل فيه، ثم سامه أن يتولى رياضة نفوس الناس قاطبة، حتى تستعد للوقوف عليها، لكلفه شططًا وأن يفعل ما ليس في قوة البشر اللهم إلا أن تدركهم خاصة إلهية، وقوة علوية وإلهام سماوي، فتكون","vol":"5","page":16},{"text":"حينئذ وساطة الرسول مستغى عنها، وتبليغه غير محتاد إليه.\nثم هبك الكتاب العزيز جائيًا على لغة العرب وعادة لسانهم في الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني، وكله من أوله إلى آخره تشبيه صرف؟ وليس لقائل أن يقول: إن ذلك الكتاب محرف كله وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في أمم لا يطاق تعديدهم، وبلادهم متنائية وأوهامهم متباينة منهم يهود ونصارى وهم أمتان متعاديتان؟ فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون مقربًا مالا يفهمون إلى أوهامهم بالتمثيل والتشبيه ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة.\nقال فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب يعني أمر المعاد واو فرضنا الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة،","vol":"5","page":17},{"text":"بعيدة عن إدراك بدائة الأذهان لحقيقتها.\nلم يكن سبيل الشرائع في الدعوة إليها والتحذير عنها منبهًا بالدلالة عليها.\nبل بالتعبير عنها بوجوه من التمثيلات المقربة إلى الإفهام.\nفكيف يكون وجود شيء حجة على وجود شيء آخر.\nلو لم يكن الشيء الآخر على الحالة المفروضة لكان الشيء الأول على حالته فهذا كله هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصا من الناس لا عامًا أن ظاهر الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب.\nقلت فهذا كلام ابن سينا وهو ونحوه كلام أمثاله من القرامطة الباطنية مثل صاحب الأقاليد الملكوتية وأمثاله من الملاحدة والكلام على هذا من فنين:\nأحدهما: بيان لزوم ما ألزمه لنفاة الصفاة الذين سموا نفيها توحيدًا من الجهمية المعتزلة وغيرهم.","vol":"5","page":18},{"text":"والثاني بيان بطلان كلامه وكلامهم الذي وافقوهم عليه.\nأما الأول فإن هؤلاء وافقوه على نفي الصفات وأن التوحيد الحق هو توحيد الجهمية المتضمن أن الله لا علم له ولا قدرة ولا كلام ولا رحمة ولا يرى في الآخرة ولا هو فوق العالم فليس فوق العرش إله، ولا على السماوات رب ومحمد لم يعرج به إلى ربه.\nوالقرآن أحسن أحواله عندهم أن يكون مخلوقًا خلقه في غيره أن لم يكن فيضًا فاض على نفس الرسول، وأنه سبحانه لا ترفع اليدي إليه بالدعاء، ولم يعرج شيء إليه ولم ينزل شيء منه: لاملك ولا غيره ولا يقرب أحد إليه ولا يدنو منه شيء، ولا يتقرب هو من أحد، ولا يتجلى لشيء، وليس بينه وبين خلقه حجاب وأنه لا يحب ولا يبغض ولا يرض ولا يغضب، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا مباينًا للعالم ولا حالًا فيه، وإنه لا يختص شيء من المخلوقات بكونه عنده، بل كل الخلق عنده بخلاف قوله تعالى ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده﴾ الأنبياء ١٩.\nوأنه إذا سمي حيًا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا فهو حي بلا حياة عالم بلا علم، قادر بلا قدرة سميع بلا سمع بصير بلا بصر إلى أمثال هذه الأمور التي يسمي نفيها الجهمية توحيدًا ويلقبون أنفسهم بأهل التوحيد، كما يلقب الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنفسهم بذلك وكما لقب ابن","vol":"5","page":19},{"text":"التومرت أصحابه بذلك إذ كان قوله في التوحيد قول نفاة الصفات جهم وابن سينا وأمثالهما.\nويقال إنه تلقى ذلك عن من يوجد في كلامه موافقة الفلاسفة تارة ومخالفتهم أخرى.\nولهذا رأيت لابن التومرت كتابًا ف بالتوحيد صرح فيه بنفي الصفات ولهذا لم يذكر في مرشدته شيئًا من إثبات الصفات، ولا أثبت الرؤية ولا قال إن القرآن كلام الله غير مخلوق ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات بذكرها في عقائدهم المختصرة، ولهذا كان حقيقة قوله موافقًا لحقيقة قول ابن سبعين وأمثاله من القائلين بالوجود المطلق، موافقة لابن سينا وأمثاله من أهل الإلحاد، كما يقال إن أن التومرت ذكره في فوائده المشرقية إن الوجود مشترك بين الخالق والمخلوق فوجود الخالق يكون مجردًا ووجود المخلوق يكون مقيدًا.","vol":"5","page":20},{"text":"والمقصود أن هؤلاء لما سموا هذا النفي توحيداصوهي تسمية ابتدعها الجهمية النفاة لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولا أحد من السلف والأئمة بل أهل الإثبات قد بينوا أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات وعبادة الله وحده لا شريك له، كما ذكر الله ذلك في سورتي الإخلاص وعامة آيات القرآن فلما وافقه هؤلاء الجهمية من المعتزلة وغيرهم على نفي الصفات وأن هذا هو التوحيد الحق احتج عليهم بهذه المقدمة الدلية على أن الرسل لم يبينوا ما هو الحق في نفسه من معرفة توحيد الله تعالى ومعرفة اليوم الآخر ولم يذكروا ما هو الذي يصلح أو يجب على خاصة بني آدم وأولو الألباب منهم أن يفهموه ويعقلوه ويعلموه من هذا الباب، وأن الكتاب والسنة والإجماع لا يحتج بها في باب الإيمان بالله واليوم الآخر، لا في الخلق ولا البعث لا المبدأ ولا المعاد، وأن الكتب الإلهية غنما أفادت تخييلًا تنفع به العامة، لا تحقيقًا يفيد العلم والمعرفة وأن أعظم العلوم وأجلها وأشرفها وهو العلم بالله لم تبينه الرسل أصلًا ولم تنطق به ولم تهد إليه الخلق بل ما بينت لا معرفة الله ولا معرفة المعاد، لا ما هو الحق في الإيمان بالله، ولا ما هو الحق في الإيمان باليوم الآخر، بل ليس عندهم في كلام الله ورسوله من هذا الباب علم ينتفع به أولو الألباب، وإنما فيه تخييل وإبهام ينتفع به جهال العوام.\nولما كان هذا حقيقة قول الملاحدة القرامطة الباطنية صاروا يجعلون أحد رؤوسهم مثل الرسول أو أعظم من الرسول ويسوغون له نسخ","vol":"5","page":21},{"text":"شريعة محمد ﷺ، كما زعموا أن محمد ابن إسماعيل بن جعفر نسخ شريعته.\nوصار كل من هؤلاء يدعي النبوة والرسالة أو يريد أن يفصح بذلك لولا السيف كما فعل السهروردي المقتول فإنه كان يقول لا أموت حتى يقال لي: قم فأنذر وكان ابن سبعين يقول: لقد زرب أبن آمنة حيث قال: لا نبي بعدي ويقال إنه كان يتحرى غار حراء لينزل عليه فيه الوحي.\nوابن عربي ادعى ما هو أعظم من النبوة عنده، وهو ختم الولاية.","vol":"5","page":22},{"text":"وخاتم الأولياء عنده أفضل من خاتم الأنبياء في العلم بالله، وهو يقول إن جميع الأنبياء والرسل يستفيدون من مشكاة هذا الخاتم المدعي بمعرفة الله التي حقيقتها وحدة الوجود، وهي تعطيل الصانع سبحانه التي هي سر قول فرعون.\nوأما أئمة القرامطة والإسماعلية كابن الصباح الذين تلقوا أركان الدعوة عن المستنصر أطول خلفائهم مدة، وفي زمنه كانت فتنة البساسيري وأمثاله، وأما سنان وأمثاله من الملاحدة فتظاهروا بإظهار الكفر بين أصحابهم وقالوا قد أبحنا لكم كل ما تشتهونه من فرج وشراب عنكم ونسخنا عنكم العبادات، فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة.","vol":"5","page":23},{"text":"وهذه الحجة التي احتج بها هؤلاء الملاحدة على نفاة الصفات لإثبات إلحادهم هي من حجج أهل الإثبات عليهم لإثبات إيمانهم فإن الله سبحانه أخبر أنه ﴿أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ التوبة: ٣٣ وقال تعالى ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم﴾ إبراهيم: ١.\nوقال تعالى ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ المائدة: ١٥ -١٦، وقال تعالى ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ الشورى: ٥٢ - ٥٣، وقال تعالى ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ البقرة: ١-٢ وقال تعالى ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ النحل: ٨٩ وقال تعالى ﴿ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء﴾ يوسف: ١١١ وقال تعالى ﴿قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا﴾ النساء: ١٧٤ وقال تعالى ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾","vol":"5","page":24},{"text":"الأعراف: ١٥٧، وقال تعالى ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ العنكبوت: ١٨، وقال تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ النحل: ٤٤، وقال تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ المائدة: ٣، وقال تعالى ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ التوبة: ١١٥.\nوأمثال هذه النصوص التي تبين أن الرسول هدى الخلق وبين لهم، وانه أخرجهم من الظلمات إلى النور، لا أنه لبس عليهم وخيل، وكتم الحق فلم يبينه ولم يهد إليه، لا للخاصة ولا للعامة فإنه من المعلوم أن الرسول ﷺ لم يتكلم مع أحد بما يناقض ما أظهره للناس، ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه نقيض ما أظهره للناس بل كل من كان به أخص وبحاله أعرف كان اعظم موافقة له وتصديقًا له على ما أظهره وبينه فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره للزم إما أن يكون جاهلًا به أو كاتمًا له عن الخاصة والعامة، ومظهرًا خلافه للخاصة والعامة.\nوكل من كان عارفًا بسنته وسيرته علم أن ما يروى خلاف هذا فهو مختلق كذب مثل ما يذكره بعض الرافضة عن علي انه كان عنده علم خاص باطن يخالف هذا الظاهر.","vol":"5","page":25},{"text":"وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة التي لا يتنازع أهل المعرفة في صحتها عن علي ﵁ أنه لما قيل له هل عندكم من رسول الله ﷺ كتاب؟ فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسر إلينا رسول الله ﷺ شيئًا كتمه عن غيرنا إلا فهمًا يؤتيه الله لعبد في كتابه وما في هذه الصحيفة وفيها عقول الديات وفكاك الأسير أن لا يقتل مسلم بكافر وفي لفظ في الصحيح هل عهد إليك رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس؟ فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة الحديث.\nوقد اجمع أهل المعرفة بالمنقول على أن ما يروى عن علي وعن جعفر الصادق من هذه الأمور التي يدعيها الباطنية كذب مختلق ولهذا كانت ملاحدة الشيعة والصوفية يسبون إلحادهم إلى علي وهو بريء من ذلك فأهل البطاقة من أهل الإلحاد ينسبون ذلك إلى علي وكذلك باطنية الشيعة من الإسماعلية والنصيرية وكذلك جعفر الصادق نسبوا إليه من الكلام في المجوم واختلاج الأعضاء والتفاسير المحرفة وأنواع الباطل ما برأه الله منه، حتى رسائل إخوان الصفا زعم بعض رؤوسهم أنها كلامه وهذه إنما","vol":"5","page":26},{"text":"فيها من حوادث الإسلام التي حدثت بعد المائة الثالثة مثل دخول النصارى بلاد الإسلام ونحو ذلك ما يبين إنها صنفت بعد جعفر بنحو مائتي سنة.\nومن هذا الباب ما ينقله آخرون عن عمر ﵁ أنه قال كان النبي ﷺ وأبو بكر يتحدثان كالزنجي بينهم، فهذا وأمثاله من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة.\nوملاحدة الزهاد والعباد وجهالهم يرون من هذه الأمور فنونًا مثل روايتهم أن أهل الصفة قاتلوا مع الكفار النبي ﷺ لما لم يكن النصر معه ليحتجوا بذلك على أن العارف يكون مع من غلب وإن كان كافرًا ويروون أن أهل الصفة عرفهم الله تعالى بالسر الذي اوحاه إلى نبيه ﷺ صبيحة المعراج الأباطيل لم يكونوا خبيرين بالكذب فإن الصفة إنما كانت بالمدينة والمعراج كان بمكة بالنص والإجماع وقد علم كل عالم يعلم سيرة النبي","vol":"5","page":27},{"text":"ﷺ بالاضطرار أن أهل الصفة كانوا كسائر المؤمنين مع النبي ﷺ وانه لم يكن لأحد من الصحابة إلى الله طريق إلا متابعة رسوله وان أفضل الصحابة كان أقومهم بالمتابعة كأبي بكر وعمر وأبو بكر أفضل من عمر ﵄ وهو أفضل الصديقين.\nوقد ثبت في الصحيحين انه قال إنه قد كان في الأمم قبلك محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر.\nفعمر وإن كان محدثًا فالصديق الذي يأخذ من مشكاة النبوة أفضل منه واكمل منه لأن ما استقر مجيء الرسول به فهو معصوم لا يتطرق إليه الخطأ وما يلقي إلى المحدث يقع فيه خطأ يحتاج إلى تقويمه بنور النبوة ولهذا كان أبو بكر يقوم عمر يرى أشياء ثم يتبين له الحق بخلافها كما جرى له هذا في عدة مواطن.","vol":"5","page":28},{"text":"وهذا وأمثاله مما يبين حاجة أفضل الخلق بعد الرسول واكملهم إلى الاهتداء بالرسول والتعلم منه ومعرفة الحق مما جاء به فكيف بمن يقول ليس في كلامه في معرفة الله واليوم الآخر علم ولا هدى ولا معرفة ينتفع بها أولو اللباب الذين هم دون عمر وأمثال عمر؟\nوقد قال الله تعالى ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ النساء: ٥٩.\nوكيف يحكم بين الناس في مواطن الخلاف والنزاع كلام وخطاب ليس فيه علم ولا هدى ينتفع به أولو الألباب؟\nكما زعم هؤلاء الملاحدة من الفلاسفة المشائين المتأخرين وأتباعهم أن الشرائع لا يحتج بها في مثل هذه الأبواب فما لا يحتج به كيف يحتج به الناس فيما اختلفوا فيه؟\nوأي اختلاف أعظم من اختلافهم في اعظم الأمور وهي معرفة الله تعالى واليوم الآخر لا سيما ومن المعلوم أن الخلاف الحقيقي إنما يكون في الأمور العلمية والقضايا الخيرية التي لا تقبل النسخ والتغيير فأما العمليات التي تقبل النسخ والتغيير فأما العمليات التي تقبل النسخ فتلك تتنوع في الشريعة الواحدة فكيف بالشرائع المتنوعة؟","vol":"5","page":29},{"text":"وما جاز تنوعه لم يكن الخلاف فيه له حقيقة فإنه إن كانا مشروعين في وقتين أو رسولين فكلاهما حق وإن كان الخلاف في المشروع منهما أيهما هو فهذا يعلم بالخبر المنقول عن الكتاب المنزل والكتاب المنزل هو نفس الأمر والنهي والخبر وفيه الشرع الذي لا يكون خلافه شرعا.\nوحينئذ فما ذكره ابن سينا وأمثاله من أنه لم يرد في القرآن من الإشارة إلى توحيدهم شيء فكلام صحيح، وهذا دليل على أنه باطل لا حقيقة له، وأن من وافقهم عليه فهو جاهل ضال.\nوكذلك ما ذكره من أن من المواضع ما لا يحتمل اللفظ فيها إلا معنى واحدًا لا يحتمل ما يدعونه من الاستعارة والمجاز كما ذكر في قوله تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ البقرة: ٢١، وقال تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ الأنعام: ١٥٨ على القسمة المذكورة وانه ليس تذهب الأوهام فيه البتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازية فإن كان أريد بها ذلك إضمارًا فقد رضي بوقوع الغلط والشبهة فهذا حجة على من نفى مضمون ذلك من نفاة الصفات وهو حجة عليه وعليهم جميعًا وموافقتهم له لا","vol":"5","page":30},{"text":"تنفعه فإن ذلك حجة جدلية لا علمية إذ تسليمهم له ذلك لا يوجب على غيرهم أن يسلم ذلك له فإذا بين بالعقل الصريح ما يوافق النقل الصحيح دل ذلك على فساد قوله وقولهم جميعًا.\nوكذلك قوله ثم هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد والدلالة بالتصريح على التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين القيم المعترف بجلالته على لسان الحكماء قاطبة؟ كلام صحيح لو كان ما قاله النفاة حقًا فإنه حينئذ على قولهم لا يكون التوحيد الحق قد يبين أصلًا وهذا التوحيد لينقاد لهم الجمهور في صلاح دنياهم.\nوقد بينا في غير موضع توحيد ابن سينا وأمثاله وبينا أنه من أفسد الأقوال التي بصريح العقل فساده ولنا في ذلك مفرد مكتوب في غير هذا الموضع.","vol":"5","page":31},{"text":"وأما قوله وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد مثل انه عالم بالذات أو عالم بعلم أو قادر بالذات أو قادر بقدرة إلى آخره\nفهو خطاب لمن وافقه على ضلاله وإلحاده حيث ظن أن التعطيل هو التوحيد وان الباري تعالى لا علم له ولا قدرة ولا صفات.\nفأما من لم يوافقه على خطئه فإنه يعلم أن الكتاب بين دقائق التوحيد الحق الذي جاءت به السل ونزلت به الكتب على احسن وجه.\nفإن الله تعالى أخبر عن صفاته وأسمائه بما لا يكاد يعد من آياته وذكر علمه في غير موضع.\nكقوله تعالى ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ البقرة: ٢٥٥.\nوقوله تعالى ﴿أنزله بعلمه﴾ النساء: ١٦٦.\nوقوله تعالى ﴿وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ فصلت: ٤٧ وغير ذلك.","vol":"5","page":32},{"text":"وقد قال تعالى ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ الذاريات: ٥٨.\nوقال تعالى ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ الذاريات: ٤٧، أي بقوة وقال تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة﴾ فصلت: ١٥\nوفي الحديث الصحيح حديث الاستخارة اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك، فأي بيان لعلم الله وقدرته أبين من هذا؟\nوأما قول القائل هنا هو عالم بالذات أو عالم بعلم فغن كان يظن أن الذات التي تكون إلا عالمة قادرة يمكن وجودها مجردة عن العلم والقدرة كما يقوله النفاة فهو كلام ضال متناقض فغن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة، وحي بلا حياة وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر مما يعلم فساده بالضرورة عقلًا وسمعًا.","vol":"5","page":33},{"text":"وهذا بمنزلة متكلم بلا كلام ومريد بلا إرادة ومتحرك بلا حركة ومحب بلا محبة ومصل بلا صلاة وصائم بلا صيام وحاج بلا حج، وأبيض بلا بياض، وأسود بلا سواد، وحلو بلا حلاوة، ومر بلا مرارة، وطويل بلا طول، وقصير بلا قصر، ونحو ذلك من الألفاظ المشتقة: كاسم الفاعل، واسم الفعول، والصفة المعدولة عنهما.\nفإن لم يكن هذا باطلًا في بدائه العقول عقلًا وسمعًا لم يكن لنا طريق إلى معرفة الحق من الباطل، ولهذا كان هؤلاء النفاة يعودون في آخر الأمر إلى السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات.\nوغن كان معنى قوله هل هو عالم بالذات أو بعلم ان هنا ذاتًا مجردة موجودة بدون العلم وان العلم زائد عليها ن فهذا تصور فاسد فإن الذات المجردة عن العلم اللازم لها غنما تقدر في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان.\nولفظ الذات يراد به الذات الموصوفة بالعلم وحينئذ فقولنا هل هو عالم بالذات أو بالعلم كلام واحد لأن لفظ الذات متضمن للعلم على هذا التفسير، فلا يكون قولنا أو بالعلم قسمًا آخر.\nويراد بالذات المجردة عن العلم فهذه لا حقيقة لها إذا كانت الذات لاتكون إلا عالمة، كما أن ما لا يكون إلا حيًا لا يمكن وجوده","vol":"5","page":34},{"text":"منفكًا عن كونه حيًا وما لا يكون إلا متحيزًا لا يمكن وجوده منفكًا عن التحيز فما لا يمكن وجوده إلا عالمًا وقادرًا ويمتنع وجوده غير عالم قادر كيف يكون تقديره غير عالم ولا قادر ممكنًا في الخارج؟\nونفس العلم والقدرة هو نفس كونه عالمًا قادرًا على قول الجمهور، الذين ينفون أن تكون الأحوال زائدة في الخارج على الصفات ومن أثبت الأحوال زائدة على الصفات كالقاضي أبي بكر وأبي يعلى وأبي المعالى في أول قوليه فهؤلاء يقولون ثبوت الصفات يستلزم ثبوت الأحوال وإثبات الملزوم مع أن الصواب أن الأحوال كالكليات، لها وجود في الأذهان في الأعيان.\nومما يبين ذلك أن النزاع في كون الرب تعالى عالمًا لذاته أو بالعلم أو قادرًا لذاته أو بالقدرة كثير منه نزاع لفظي بل عامة المتنازعين فيه إذا حرر عليهم الكلام لم يتلخص بينهم نزاع وإنما يحصل النزاع بين مثبتة الأحوال ونفاتها فإن أهل الإثبات متفقون على أن علمه وقدرته من لوازم ذاته وانه لا يمكن وجوده غير عالم ولا قادر وينكرون وجود","vol":"5","page":35},{"text":"ذات مجردة عن العلم والقدرة وإذا قالوا هي زائدة على الذات فلا يعنون أنها زائدة على ذات مجردة عن العلم والقدرة إلا من يقول منهم إن له صفة هي العلم أوجبت كونه عالمًا فهؤلاء مثبتوا الحال.\nوأكثر الصفاتية هم من نفاة الأحوال.\nوأما النفاة فيسلمون ثبوت الأحكام وهي انه عالم قادر وينازعون في ثبوت الصفات، ويتنازعون بينهم في ثبوت الأحوال ثم الأحكام التي يثبتونها لا يجوز أن يراد بها مجرد حكمنا بأنه عالم قادر واعتقادنا لذلك وخبرنا عنه وهو الوصف بالقول فإن هذا الوصف والحكم إن لم يكن مطابقًا لمضمونه كان باطلًا فكونه حيًا عالمًا قادرًا ليس هو مجرد الحكم بذلك والخبر عنه ووصفه بالقول ولا هو نفس الذات التي هي العالمة القادرة فإن كون الذات حية عالمة قادرة ليس هو نفس الذات فتعين أن يكون هو الصفة.\nوأئمة المعتزلة يعترفون بذلك لكن يشنعون على الصفاتية بكلام لم يحققوا قولهم فيه بل ذكروا عنهم ما يفهم منه معنى فاسد، إما لكونهم لم يفهموا قول أولئك، أو لكونهم ألزموهم ما ظنوه لازمًا لهم أو لنوع من الهوى الموجب للافتراق الذي ذمه الله ورسوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>كلام أبي الحسين البصري في عيون الأدلة</span>\nواعتبر ذلك بما ذكره أبو الحسين البصري، أفضل متأخري المعتزلة، فإنه قال في كتاب عيون الأدلة قال باب القول في أن الله قديم وحده عندنا أنه لا قديم إلا الله وذهب قوم إلى إثبات قديم أكثر من","vol":"5","page":36},{"text":"قديم واحد فالكلابية والأشعرية أثبتوا ذواتًا قديمة قائمة بذات الباري تعالى منها ذات توجب أن يكون عالمًا ولولاها لم يكن عالمًا وذات توجب كونه قادرًا ولولاها لم يكن قادرًا وذات توجب كونه حيًا ولولاها لم يكن حيًا وكذلك القول في السمع والبصر والإرادة.\nوأثبتت كلامه قديمًا وقالوا هذه المعاني لا هي الله ولا غيره ولا بعضه وكل منها ليس هو الآخر ولا غيره ولا بعضه وقالوا لو لم يكن في ذات الباري تعالى وحده لكان غير قادر ولا عالم ولا حي وعندنا أن الله تعالى قادر عالم حي لذاته ونعني بذلك أن ذاته متميزة عن سائر الذوات تمييزًا يجب معه أن يعلم الأشياء ويقدر على ما لا نهاية له ويحيا ولا يحتاج إلى معنى به يقدر وإلى معنى به يعلم وإلى معنى به يحيا ولو لم يكن في الوجود إلا ذات الله تعالى فقط لكان عندنا عالمًا حيًا قادرًا سميعًا بصيرًا.\nقال فإن قالوا لله علم وقدرة وحياة قيل لهم إن أردتم بذلك أنه قادر عالم حي فنعم لله علم بكل شيء وقدرة على كل شيء مما لا نهاية له بمعنى أنه عالم قادر حي وإن أردتم بالعلم ذاتًا كان بها عالمًا ولولاها ما كان عالمًا تسمونها علمًا وأردتم بالقدرة ذاتًا بالعلم قادرًا تسمونها قدرة وأردتم بالحياة ذاتًا بها كان حيًا تسمونها حياة فالله تعالى مستغن عن ذلك.\nقال وذهبت الثنوية إلى إثبات قديمين لا يقوم أحدهما بذات الآخر نور وظلمة ونسبوا الخير كله إلى النور ونسبوا الشر كله إلى","vol":"5","page":37},{"text":"الظلمة وقالوا إنهما لم يزالا متباينين ثم امتزجا فحدث من امتزاجهما العالم فكل خير في العالم فمن النور وكل شر فيه فمن الظلمة ولم يقل أحد بإثبات قديمين مثلين حكيمين ونحن نفسد ذلك وغن لم يذهب إليه ذاهب ومن المجوس من يقول بحدوث الشيطان وقدم الله تعالى وأما النصارى فإنها تقول إن الله جوهر واحد ثلاثة أقانيم وذهبوا بذلك إلى قريب من مذهب الكلابية ونسخة أمانتهم يعني النصارى تدل على انهم أثبتوا ذواتًا فاعلة.\nقال ونحن نفسد هذه المذاهب كلها ليصح ما ذهب إليه شيوخنا من أنه لا قديم إلا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>تعليق ابن تيمية</span>\nفيقال هذا الكلام يقتضي أنه ليس بينه وبين أئمة الكلابية والأشعرية وسائر الصفاتية خلاف معنوي فأما نقله عنهم أنهم أثبتوا أكثر من قديم واحد وانهم أثبتوا ذاتًا قديمة قائمة بذات الله تعالى فيقال له أما الكلابية ومن سلك سبيلهم من أهل الحديث والفقه كأبي الحسن التميمي وأبي سليمان الخطابي وغيرهما من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، فإنهم لا يقولون عن الصفات وحدها إنها قديمة فلا يقولون العلم قديم ولكن يقولون الرب بعلمه قديم ومن أطلق منهم على الصفات أنها قديمة فلا يقول إن الذات","vol":"5","page":38},{"text":"والصفات قديمان ومن أطلق القدم على الصفات فإنهم لا يطلقون عليها لفظ الذوات فإن الذات إذا أطلقت يفهم منها أنها الذات القائمة بنفسها الموصوفة بالصفات ولهذا يفرق بين الذات والصفات.\nوأصل الذات تأنيث ذو ومعناه الصاحبة أي صاحبة الصفة فهم لا يسمون الصفات ذوات بهذا الاعتبار، وإنما يسمونها معاني.\nوإذا قال بعضهم كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما إن العلة ذات من الذوات موجودة لا يصح أن يوجب الحكم إلا لذات موجودة فمرادهم بذلك أنها شيء موجود كما بينوه بقولهم إن العلة لا يجوز أن تكون معدومة ولا حكمها معدومًا مع أن هذا ينازعهم فيه نفاة الحال.\nلكن المقصود أن مرادهم بهذا اللفظ ليس هو أنها ذات قائمة بنفسها بل معنى من المعاني وأما نقلك عنهم أنهم يثبتون ذاتًا نوجب أن يكون عالمًا ولولاها لما كان عالمًا فهذا أولًا ليس هو قول أئمتهم ولا جمهورهم بل هذا قول من يثبت الحال منهم وأما جمهورهم فعندهم العلم هو نفس كونه لا يثبتون هناك ذاتًا أوجبت كونه عالمًا.\nوأنت قد اعترفت بأن له علمًا وقدرة وحياة بمعنى انه عالم قادر","vol":"5","page":39},{"text":"حي لا بمعنى أن له ذاتًا بها كان عالمًا فقولك موافق لقول جمهورهم ثم مثبتة الحال تقول قام به معنى هو العلم أوجب كونه عالمًا وأما نقلك عنهم أنهم يقولون لو لم يكن في الوجود إلا ذات الباري وحده لكان غير قادر ولا عالم ولا حي فلبي الأمر على ما يفهم من هذه الشناعة فإنهم متفقون على انه لو لم يكن موجود إلا الله وحده لكان حيًا قادرًا عالمًا وإنما نقلت فإنهم متفقون على انه لو لم يكن موجود إلا الله وحده لكان حيًا قادرًا عالمًا وإنما نقلت قولهم بلفظ الذات ولفظ الذات مجمل فإن أردت أنهم يقولون لو لم يكن إلا الذات الموصوفة بهذه الصفات فإنه من المعلوم أنه لو لم يكن إلا الذات الموصوفة بالعلم والقدرة لكانت عالمة قادرة وغن أردت انهم يقولون لو لم يكن إلا الذات المجردة عن الصفات فعندهم أن وجود ذات الرب مجردة عن هذه الصفات ممتنع فهو كما تقول أنت لو قدر انه ليس في الوجود إلا هو مع كونه غير عالم ولا قادر ومعلوم انه إذا قدر هذا التقدير الممتنع لذاته لزمه حكم ممتنع.\nويقال له أنت قد قلت إن الله عندكم قادر حي لذاته.\nقلت ويعني بذلك أن ذاته متميزة من سائر الذوات تميزًا يجب معه أن يعلم ويقدر هل نفس أن يعلم ويقدر هو الذات المتميزة أو نفس أن يعلم الذات ويقدر ليس هو نفس الذات؟","vol":"5","page":40},{"text":"فإن قلت إن نفس الذات هو نفس أن يعلم ويقدر فهذه مكابرة للضرورة فإن العلم ليس هو نفس العالم ولا القدرة نفس القادر وهذا أيضًا متفق عليه بين المعتزلة وأهل الإثبات.\nوأيضًا فيكون حقيقة قولك إن الذات متميزة تميزًا تجب معه الذات وأنت لو قلت الذات أوجبت الذات لم يصح فكيف إذا كان تميزها هو الموجب لها وإن قلت ليس هذا هو هذا فهذا قول الصفاتية والعلم الذي يثبتونه هو قولك أن تعلم فإن أن والفعل هو بتأويل المصدر فقول القائل علم علمًا وله علم كقوله هو موصوف بأن يعلم يعلم وإذا قالوا عالم بالعلم لا بذاته لم يرد جمهورهم بذلك أن العلم هو أوجب صفة غير العلم وهو كونه عالمًا بل نفس علمه هو كونه عالمًا فيقولون عالم بصفة له هي العلم لا بذات مجردة عن العلم ومعلوم أن ذاته هي الموجبة لكونه عالمًا فلا ينازعون في انه عالم بالذات بمعنى أن ذاته أوجبت كونه عالمًا وأنه نفسه مستغن عما يجعله عالمًا وليس هناك شيء غيره جعله عالمًا.\nوأما قولك ولا يحتاج إلى معنى به يقدر وإلى معنى به يعلم فهذا لفظ مجمل فإن هذا إنما يصلح أن يكون حجة على مثبتة الأحوال الذين يقولون هناك معنى هو العلم أوجب كونه عالمًا فقولك هذا كقول القائل لا يحتاج إلى كونه عالمًا قادرًا ولا يحتاج إلى أن يعلم ويقدر وانتم تسلمون لهم انه لا بد أن يعلم ويقدر وهذا هو عندهم العلم والقدرة فقول القائل بعد هذا يحتاج إلى هذا أو لا يحتاج","vol":"5","page":41},{"text":"سؤال لا يرد عليهم ولا على أحد وذلك أن معنى الحاجة إن أريد به أن اتصافه بصفات الكمال لا يستلزم كونه عالمًا قادرًا فهذا باطل وإذا قيل إن ذلك يتضمن الحاجة إلى صفة فهو كقول القائل إن ذلك يتضمن الحاجة إلى ذاته وهو غني بنفسه عن كل ما سواه ولا يقال هو غني عن نفسه فغن نفسه المقدسة الموصوفة بصفة الكمال المستلزمة لذلك هي الغنية فإذا قيل هو غني عن ذلك كان مثل قول القائل هو غني عن نفسه أو غني عن غناه أو غني عما لا يكون غنيًا إلا به وكقوله الحي الذي تجب الحياة له غني عن حياته أو واجب الوجود غني عن وجوده والقديم عن قدمه ونحو ذلك.\nفإن قال هم يقولون عالم بعلم ولا يقولون موجود بوجود ولا باق ببقاء ولا قديم بقدم.\nقيل منهم من يقول ذلك ومنهم من لا يقول به ويفرق بأن نفس الذات القديمة الباقية إذا قدرت غير قديمة ولا باقية لم يرجع الخلاف في ذلك إلى معنى ثبتي قام بها فإن البقاء هو الدوام والشيء الباقي إذا قدر أنه لم يتغير فحاله مع البقاء ودونه سواء بخلاف العلم والقدرة فإن الذات العالمة القادرة إذا قدر أنها غير عالمة ولا قادرة علم ذلك اختلاف حالها في نفسها بتقدير عدمه ليس هو مجرد نسبة وإضافة كالبقاء ونحوه.\nوأيضًا فجمعك بين هؤلاء الصفاتية وبين المجوس والنصارى فيه من التحامل مالا يخفى على منصف.","vol":"5","page":42},{"text":"وقولك عن النصارى إنهم ربما أومأوا إلى مذهب الكلابية فيقال له لو كان قول النصارى ليس فيه إلا إثبات أن الله حي بحياة عالم بعلم لكان قولهم وقولك وقول الكلابية سواء.\nوالنصارى لم يكفرهم الله بهذا وغنما كفرهم الله بما ذكره عنهم في كتابه مما لا يقول به أحد من الصفاتية المسلمين وقول النصارى فيه من التناقض والاضطراب ما يتبين لكل عاقل ساده حيث يثبتون الابن صفة أقنومًا ويجعلونه مع ذلك إلهًا فاعلًا ويجعلون مع ذلك الإله واحدًا ويقولون إن المتحد بالمسيح هو الابن وهو الكلمة دون الأب فهو مذهب متناقض كتناقض الفلاسفة بل والمعتزلة متناقضون ايضًا في نفي الصفات وإثبتها كما تراه وهذا كلام افضل متأخريهم.\nثم إنه لم يحتج على الصفاتية إلا بحجتين إحداهما انه لو كان له علم لكان علمه مثل علمنا والمثلان لا يكون أحدهما محدثًا والآخر قديمًا.\nوالثانية أن كونه عالمًا قادرًا واجب والصفة إذا كانت واجبة استغنت بوجوبها عن معنى يوجبها فقد سمى ذلك صفة وهذه الحجة غنما تلزم مثبتة الحال وهم يقولون يعلل الواجب بالواجب وأما الأولى ففسادها ظاهر جدًا لا سيما وأبو الحسين لا يسلم لهم أن الواحد منا عالم لمعنى ولهذا عدل عن طريقتي شيوخه المذكورتين في نفي الصفات إلى طريقة ثالثة أضعف منهما فقال إنه لا طريق إلى إثبات هذه المعاني","vol":"5","page":43},{"text":"ومالا طريق إليه لا يجوز إثباته فكان مضمون كلامه نفي الشيء انتفاؤه في نفس المر بل النافي عليه الدليل لا ينعكس ولا يلزم متى انتفى الدليل على الشيء انتفاؤه في نفس الأمر بل النافي عليه الدليل على نفي ما نفاه كما على المثبت الدليل على ثبوت ما أثبته ومن ليس عنده دليل على النفي والإثبات فعليه أن لا ينفي ولا يثبت فغاية ما عنده التوقف في نفي ذلك وإثباته يبين ذلك أنه ذكر في حجة أهل الإثبات أن الواحد منا عالم لمعنى لا يكون عالمًا إلا به فوجب مثل ذلك للباري ﷾.\nقال والجواب يقال لهم ولم وجب أن يكون حكم الباري ﷾؟ فما أنكرتم أن يكون الواحد منا عالمًا لمعنى ويكون الباري عالمًا لذاته على أن الواحد منا عالم لا لمعنى وغن لم يكن ذلك مذهب أصحاب أبي هاشم وقد فرق أصحاب أبي هاشم بين الواحد منا وبين الباري تعالى في ذلك فقالوا الواحد منا علم مع جواز أن لا يعلم فلم يجز أن يكون عالمًا إلا لمعنى","vol":"5","page":44},{"text":"يرجح به كونه عالمًا على كونه غير عالم والباري تعالى علم الأشياء ويستحيل أن لا يعلمها فلم يحتج إلى معنى يترجح به كونه عالمًا على كونه غير عالم.\nتعليق ابن تيمية\nفيقال لأبي الحسين إذ كان مذهبك ومذهب نفاة الأحوال أن الواحد منا عالم لا لمعنى والباري عالم لا لمعنى فقد صحت حجة الصفاتية وتبين أن إثبات الصفة لأحد العالمين دون الآخر باطل وأما ما ذكرته من قول أبي هاشم فهو قول مثبتة الحال وحينئذ فيخاطبه مثبتة الحال من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى ومن تبعهما فيقولون كونه علم مع وجوب أن يعلم لا يمنع استلزام ذلك علمًا به صار عالمًا بل الحال الواجبة تستلزم علة واجبة والحال الجائزة تستلزم علة جائزة وإنما الفرق بينهما أن الواحد منا علم مع جواز أن لا يكون له علم وان لا يكون عالمًا والباري علم مع وجوب أن يكون له علم وأن يكون عالمًا فالفرق بينهما من جهة وجوب الصفة والحال وجواز الصفة والحال أما ثبوت الصفة والحال في أحدهما دون الآخر وهذا كله مما تبين لمن علم وانصف أنه لا يمكن أبا الحسين وأمثاله من المعتزلة أن يذكروا فرقًا معقولًا بين قولهم وقول أئمة الصفاتية وإذا قدر أنهم يذكرون فرقًا فحجتهم على","vol":"5","page":45},{"text":"النفي في غاية الفساد والتناقض فهم يتناقضون لا محالة في نفس المذهب أو في حجته ونقلهم عن منازعيهم فيه من التحريف والمجازفة والشناعة بغير حق ما يتبين لمن تأمله مثل تشنيعهم على أهل الإثبات بأنكم تقولون بتعدد القديم والقديم لفظ مجمل يوهمون به بعض الناس أنهم يقولون بتعدد الآلهية لا سيما مع قول اكثر شيوخهم كالجبائي ومن قبله إن أخص وصف الرب هو القدم وإن الاشتراك فيه يوجب التماثل فلو شاركت الصفة الموصوف في القدم لكانت مثله وهذا وإن كان في غاية الفساد فإن خصائص الرب التي لا يوصف بها غيره كثيرة مثل كونه رب العالمين وانه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه الحي القيوم القائم بنفسه القديم الواجب الوجود المقيم لكل ما سواه ونحو ذلك من الخصائص التي لا تشركه فيها صفة\nولا غيرها\nفيقال القدم هو من خصائصه هو قدم القائم بنفسه وكذلك وجوبه الذي هو وجوب وجود القائم بنفسه ونحو ذلك.\nوأما الصفات التي لا تقوم إلا به فإن قيل بقدمها أو وجوبها فلا ريب أنها ليست قائمة بنفسها بل لا تقوم إلا بالموصوف وحقيقة الأمر أن القديم الواجب بنفسه هو الذات المستلزمة لصفات الكمال وأما ذات مجردة عن هذه الصفات أو صفات مجردة عنها فلا وجود لها فضلًا عن أن تكون واجبة بنفسها أو قديمة فقولهم مع فساده","vol":"5","page":46},{"text":"أوجب أن صار كثير من الناس يحترزون عن إطلاق لفظ القديم على الموصوف والصفة جميعًا وإن كانوا يطلقون ذلك على أحدهما عند الانفراد وهذه طريقة ابن كلاب وأكثر أئمة متكلمي الصفاتية وعلى هذا جرى كلام أبي الحسن التميمي والخطابي وغيرهما ممن سلك هذا المسلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>كلام أبي الحسن التميمي في جامع الأصول</span>\nكما قال أبو الحسن في كتاب الإشارة له في جامع الأصول قال مسألة إن سأل سائل فقال هل يقال إن الصفات قديمة قيل له هذا سؤال ضعيف لا يسأل عنه من عرف حقائق الكلام لآن القديم الأزلي لم يكن قديمًا بغير صفة وغنما كان قديمًا بصفاته التي هي مضافة إليه في نفسه فإثبات القديم قديمًا بصفاته يسقط المسألة عن قدم الصفات لإضافة الصفة إلى الموصوف فكل صفة للقديم في نفسه لم يزل بها ألا ترى أن المحدث جميعه محدث فإذا سألت عنه مفرقًا كانت كل طائفة منه محدثة وكل شيء منه محدث لأنه كله محدث بكماله أو لا ترى أن الإنسان محدث بجميع جوارحه وآلته فيقال هو محدث عند المسألة عنه في الجملة ويقال يده محدثة عند المسألة عنها في التفسير ولا يقال إن الإنسان ورأسه محدثان فكذلك أيضًا يقال القديم بجميع صفاته قديم وكل شيء من القديم فهو قديم غير محدث.","vol":"5","page":47},{"text":"فإن قال قائل يقولون إن الموصوف قديم وصفته القديمة قديمان قيل له هذا خطأ لا يجوز أن يقال كما أنه لما لم يجز حين كان المحدث محدثا بجميع صفاته أن أجبت من سألني عنه منفردًا وعن صفاته مفردة أن أقول إنه وصفته محدثان لنه واحد هو وصفاته فهو كله محدث وهي على حالها محدثة ولا يجوز أن أقول هما جميعًا محدثان لأن في قولنا إنهما جميعًا محدثان فسادًا لإثبات الواحد المحدث وإيهام أنه اثنان وليس بواحد فكذلك في قولي في الأول الواحد القديم الذي له صفات إنه قديم وصفاته قديمة فإذا قلت هو وصفاته قديمان ففيه إثبات تعطيل لتوحيده وقدمه وإيجاب أنه اثنان دون واحد ففسد من ذلك أن يقال هو وصفته قديمان كما فسد أن يقال للمحدث هو وصفته محدثان وكان الواجب أن يقال إن القديم الأزلي لم يزل موصوفًا فمن سأل عن صفة صفة مفردة جاز أن يقال له هي قديمة صفة لقديم لم يزل بها ولم تزل به كما لا تكون صفة المحدث إلا محدثة فما جرى على القديم في شرط القدم فهو واقع عليه بصفاته وليس بواقع عليه دون صفاته.\nفإذا قال القائل الموصوف قديم فقد قال إن صفاته قديمة كما إذا قال الموصوف محدث فقد أوجب أن صفاته محدثة.","vol":"5","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت فهذه الطريقة التي سلكها هؤلاء في انهم يقولون عن الذات إنها قديمة وعن الصفات إنها قديمة ولا يقولون عن الذات والصفات إنهما قديمان من الإشعار بالتغاير وهم لا يطلقون على الصفات إنها غير الذات.\nولهم في لفظ المغايرة ثلاث طرق احدها وهي طريق الأئمة كالإمام احمد وغيره وأظنها قول ابن كلاب وغيره وقد ذكرها أبو إسحاق الإسفراييني انهم لا يقولون عن الصفة إنها الموصوف ولا يقولون غنها غيره ولا يقولون ليست هي الموصوف ولا غيره لأن لفظ الغير مجمل فلا ينفونه عند الإطلاق ولا يثبتونه.\nوالطريقة الثانية وهي المحكية عن الأشعري نفسه انه قال أقول مفرقًا إن الصفة ليست هي الموصوف وأقول غنها ليست غير الموصوف لكن لا أجمع بين السلبين فأقول ليست الموصوف ولا غيره.\nوهكذا أبو الحسن التميمي ومن سلك هذه الطريقة يقولون في العلم ونحوه من الصفات إنه ليس غير الله وان الصفات ليست متغايرة كما يقولون إنها ليست هي الله كما يقولون إن الموصوف قديم والصفة قديمة ولا يقولون عند الجمع قديمان كما لا يقال عند الجمع لا هو الموصوف ولا غيره.\nوالثالثة قول من يجمع بين السلبين كما هي طريقة ابن الباقلاني والقاضي أبي يعلي وغيرهما وهؤلاء قد يطلقون القول بإثبات قديمين: أحدهما الصفة، والآخر الموصوف، كما ذكروا ذلك في كتيهم.\nوإذا احتج عليهم المعتزلة بانه إذا كانت صفاته قديمة وجب إثبات قديمين،","vol":"5","page":49},{"text":"ولو كان علمه قديمًا لكان إلها.\nأجابوهم بان كونهما قديمين لا يوجب تماثلهما، كالسواد والبياض اشتركا في كونهما مخالفين للجوهر، ومع هذا لا يجب تماثلهما وأنه ليس معنى القديم معنى الإله، لأن القديم هو ما بولغ له في الوصف بالتقدم، ومنه بناء قديم ودار قديمة إذا بولغ له في الوصف بالتقدم.\nوليس معنى الإله مأخوذًا من هذا، ولأن النبي محدث وصفاته محدثة، وليس إذا كان الموصوف نبيًا وجب أن يكون صفاته أنبياء لكونها محدثة، كذلك لا يجب إذا كانت الصفات قديمة والموصوف بها قديمًا، أن تكون إلهة لكونها قديمة وبسط الكلام على ذلك له موضع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>كلام ابن سينا في الرسالة الأضحوية في مسألة الصفات وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nوأما قول ابن سينا وهل هو: واحد الذات على كثرة الأوصاف أو قابل لكثرة؟ تعالى عنها بوجه من الوجوه.\nفيقال له: الكتاب الإلهي مملوء بإثبات الصفات لله تعالى، كالعلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك، ولم يتنازع اثنان من العقلاء أن النصوص ليست دالة على نفي الصفات، بل إنما هي دالة على قول أهل الإثبات، لكن غاية ما تدعيه النفاة أن ظاهرها دال على ذلك وأنه يمكن تأويله للدليل المعارض.\nولا ريب أن ما ذكره لازم لنفاة الصفات، إذ لو كان قولهم هو الحق لكان الواجب بيان ذلك، وإن لم يبين فلا أقل من السكوت عن","vol":"5","page":50},{"text":"الحق ونقيضه، فأما ذكر ما يدل ظاهره على نقيض الحق، من غير ذكر للحق، فهذا ممتنع في حق من قصده هدى الخلق، وإن كان هذا جائزًا، فهو حجة لهؤلاء الملاحدة عليهم في المعاد، بل وفي الشرائع أيضًا، فإن أجابوا الملاحدة في المعاد بانا نعلم بالاضطرار معاد الأبدان من أخبار الرسول، فلا يحتاج أن نتلقاه من ألفاظ السمع، لئلا يقدح في دلالة السمع بالتأويل، كان هذا جوابًا بعينه لأهل الإثبات، فإنهم يقولون: إنا نعلم بالاضطرار أن إثبات الصفات مما أخبر به الرسول ﷺ، وأنه أخبر الأمة أن ربهم الذي يعبدونه فوق العالم، وأنه عليم قدير رحيم، له العلم والقدرة والرحمة، إلى أمثال ذلك من الصفات.\nوالعلم بإثبات الصفات من قول الله ورسوله، بعد تدبر النصوص الإلهية، علم ضروري لا يرتاب فيه، وهو أبلغ من العلم بثبوت الشفعة، وميراث الجدة، وتحريم المرأة على عمتها وخالتها، وسجود السهو في الصلاة، ونحو ذلك من الأحكام المعلومة عند الخاصة دون العامة، فإن ما في الكتب الإلهية من إثبات علو الله تعالى، وإثبات صفاته وأسمائه، هو من العلم العام الذي علمته الخاصة والعامة، كعلمهم بعدد الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وغير ذلك من الشرائع الظاهرة المتواترة، ولا تجد أحدًا من نفاة الصفات يعتمد في ذلك على الشرع، ولا يدعي أن أصل اعتقاده لذلك من جهة الكتاب والسنة، ولا ينقل قوله عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والدين وإنما ينقل قوله في النفي","vol":"5","page":51},{"text":"عمن هو معروف بتقليد أو بدعة أو إلحاد وعلى قدر بدعته وإلحاده يكون إيغاله في النفي وبعده عن الإثبات.\nوقوله: أو قابل لكثرة تعالى عنها لفظ مموه فإنه إن عني كثرة الآلهة، وهو لم يعن ذلك فقد علم أن الله سبحانه قد بين أن الإله إله واحد في غير موضع، والقرآن ملآن من نفي تعدد الآلهة ونفي الشرك بكل طريق، وإن عني كثرة صفاته التي دلت عليها أسماؤه آياته فتعليته الرب عنها كتعلية المشركين له أن يدعى ويعبد بلا واسطة، وتعليتهم له عن أن يرسل رسولًا من البشر فتنزيهه له عن صفاته كتنزيه المشركين له عن أن يكون إلهًا واحدًا وأن يكون له رسول من البشر.\nوقد أنكر الله تعالى على المشركين نفيهم اسم الرحمن، كما قال تعالى ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا﴾ الفرقان ٦٠ وقوله تعالى ﴿كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن﴾ الرعد ٣٠.\nومعلوم أن الاسم العلم لا ينكره أحد ولو كانت أسماؤه أعلامًا لم يكن فرق بين الرحمن والجبار، كيف وقد قال ﷺ في","vol":"5","page":52},{"text":"الحديث المعروف في السنن: يقول الله: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتتته.\nفإذا كانت الرحم مشتقة من اسم الرحمن، امتنع أن يكون علمًا لا معنى فيه.\nوفي الصحيح عنه الرحم شجنة من الرحمن.\nفإذا كان هذا قوله سبحانه فيمن ينكر الرحمن فما الظن بمن ينكر جميع معاني أسمائه وصفاته؟ وحمية هذا الملحد وأمثاله أن يكون له صفات حمية جاهلية شر من حمية الذين قال الله فيهم ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ الفتح ٢٦، فإنه قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما اصطلح هو والمشركون عام الحديبية أمر عليًا أن يكتب في أول كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو وكان إذ ذاك مشركًا لا نعرف الرحمن ولكن اكتب كما كنت تكتب باسمك اللهم فأمر عليًا فكتب باسمك اللهم ثم قال اكتب هذا ما قاضي عليه محمد رسول الله فقالوا لو علمنا","vol":"5","page":53},{"text":"أنك رسول الله ما قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله.\nفهؤلاء أخذتهم حمية جاهلية في إثبات أسماء الله ونبوة رسوله والملاحدة شاركوهم في ذلك من وجوه كثيرة فإنهم ينفون حقائق أسماء الله وحقيقة رسالة رسوله صلى الله لعيه وسلم وغايتهم أن يؤمنوا بها من وجه ويكفروا من وجه كالذين قالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض.\nويقال له ذات لا صفة لها لا وجود إلا في الذهن بل لفظ ذات تأنيث ذو ولا تستعمل إلا مضافًا وذات معناه صاحبة كقوله تعالى ﴿عليم بذات الصدور﴾ آل عمران ١١٩ وقوله تعالى ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ الأنفال ١ وقوله خبيب\nوذلك في ذات الإله\nأي في سبيل الإله وجهته.\nثم استعملها أهل الكلام بالتعريف فقالوا الذات أي الصاحبة والمعنى صاحبة الصفات.\nفتقدير المستلزم للإضافة بدون الإضافة ممتنع، وهذا كما أثبته ابن سينا وأمثاله من هؤلاء الملحدة، حيث جعلوه وجودًا مطلقًا إما بشرط","vol":"5","page":54},{"text":"النفي وإما بشرط الإطلاق إنما وجوده في الأذهان لا في الأعيان فكيف بالمطلق المشروط بالنفي فإنه أبعد عن الوجود من المشروط بالإطلاق وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.\nوقوله أهو متحيز الذات أم منزهها عن الجهات؟\nهو أيضًا من حججهم على نفاة الصفات فإن الكتب الإلهية وصفته بالعلو والفوقية ولم تنف أن يكون فوق العالم كما تقوله النفاة.\nوإذا كانت النصوص الإلهية قد بينت أن لعلي الأعلى الذي يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، الذي تعرج الملائكة والروح إليه، الذي نزل منه القرآن والملائكة تنزل من عنده، الذي خلق السماوات والأرض في ستته أيام ثم أستوى على العرش ونحو ذلك من النصوص المبينة لمباينته لخلقه وعلوه عليهم، فأي بيان للمقصود أعظم من هذا؟\nوأما لفظ التحيز والجهة فلفظان مجملان ومراد النفاة منهما غير المراد في اللغة المعروفة فإن المتحيز اسم فاعل من تحيز يتحيز فهو متحيز مثل تعوذ وتكبر، وتجبر ونحو ذلك.\nوالحيز ما يحوز","vol":"5","page":55},{"text":"الشيء ويحوطه والمفهوم من ذلك في اللغة الظاهرة أن يكون هناك شيء موجود بحوز غيره.\nولا ريب أن الخالق مباين للمخلوقات عال عليها، كما دلت النصوص الإلهية واتفق عليه السلف والأئمة وفطر الله تعالى على ذلك خلقه ودلت عليه الدلائل العقلية.\nوإذا كان كذلك وليس ثم موجود إلا خالق ومخلوق فليس وراء المخلوقات شيء موجود يكون ميزًا لله تعالى، فلا يجوز أن يقال هو متحيز بهذا الاعتبار.\nوهم قد يريدون بالحيز أمرًا عدميًا، حتى يسموا العالم متحيزًا، وإن لم يكن في شيء آخر موجود غير العالم، وإذا كان كذلك فكونه متحيزًا بهذا الاعتبار، معناه انه في حيز عدمي، والعدم ليس بشيء، وما ليس بشيء فليس في كونه فيه أكثر من كونه وحده لا موجود معه، وانه منحاز عن الخلق، متميز عنهم بائن عنهم ليست ذاته مختلطة بذات المخلوق فإذا أريد بالمتحيز المباين لغيره وقد دلت النصوص على أن الله تعالى عال على الخلق بائن عنهم ليس مختلطًا بهم، فقد دلت على هذا المعنى فالقرآن قد دل على جميع المعاني التي تنازع","vol":"5","page":56},{"text":"الناس فيها دقيقها وجليلها كما قال الشعبي ما ابتدع أحد بدعه إلا وفي كتاب الله بيانها وقال مسروق ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن قصر عنه.\nولما كان لفظ المتحيز فيه إجمال وإبهام امتنع طوائف من أهل الإثبات عن إطلاق القول بنفيه أو إثباته ولا ريب أنه لا يوجد عن أحد من السلف والأئمة لا إثباته ولا نفيه كما لا يوجد مثل ذلك في لفظ الجسم والجهر ونحوهما.\nوذلك لأنها ألفاظ مجملة يراد بها حق وباطل وعامة من أطلقها ف بالنفي أو الإثبات أراد بها ما هو باطل لا سيما النفاة فإن الصفات كلهم ينفون الجسم والجوهر والمتحيز ونحو ذلك ويدخلون في نفي ذلك صفات الله، وحقائق أسمائه ومباينته لمخلوقاته بل إذا حقق الأمر عليهم وجد نفيهم متضمنًا لحقيقة نفي ذاته، إذ يعود الأمر إلى وجود مطلق لا حقيقة له إلا في الذهن والخيال، أو ذات مجردة لا توجد إلا في الذهن والخيال أو إلى الجمع بين المتناقضين بإثبات صفات ونفي لوازمها.","vol":"5","page":57},{"text":"فعامة من يطلق ذلك إما متناقض في نفيه وإثباته يثبت الشيء بعبارة وينفيه بأخرى، أو يثبته وينفي نظيره أو ينفيه مفصلًا ويثبته مجملًا أو بالعكس، أو يتكلم في النفي والإثبات بعبارات لا يحصل مضمونها ولا يحقق معناها.\nوهكذا كثير في الكبار فضلًا عن الصغار، وكثير منهم لا يفهم مراد أكابرهم بهذه العبارات، وهم يعلمون أن عامتهم لا يفهمون مرادهم، وإنما يظنونه تعظيمًا وتسبيحًا من حيث الجملة، والواجب على المسلمين أن يتلقوا الأقوال الثابتة عن الرسول بالتصديق والقبول مطلقًا في النفي والإثبات.\nوأما الألفاظ التي تنازع فيها أهل الكلام، فلا تتلقى بتصديق ولا تكذيب حتى يعرف مراد المتكلم بها، فإن وافق ما قاله الرسول كان من القول المقبول، وإلا كان من المردود ن ولا يكون ما وافق قول الرسول مخالفًا للعقل الصريح أبدا، كما لا يكون ما خالف قوله مؤيدًا ببرهان العقل أبدًا كما قد بين ذلك في غير هذا الموضع.\nوكذلك لفظ الجهة لفظ مجمل فإن الناطقين به من أهل الكلام والفلسفة، وقد يريدون بلفظ الجهة أمرًا وجوديًا غما جسمًا وغما عرضًا في جسم.\nوقد يريدون بلفظ الجهة ما يكون معدوما كما وراء الموجودات.","vol":"5","page":58},{"text":"فقول القائل إن الحق في جهة\nإن أراد به ما هو موجود مباين له فلا موجود مباين له إلا مخلوقاته فإذا كان مباينًا لمخلوقاته فكيف تكون محتوية عليه؟\nوإن أراد بالجهة ما فوق العالم فلا ريب أن الله فوق العالم وليس هناك إلا هو وحده وليس فوق المخلوقات إلا خالقها هو العلي الأعلى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>فصل</span>\nوقول ابن سينا فإنه لا يخلو إما أن تكون هذه المعاني واجبًا تحققها وإتقان المذهب الحق فيها أو يسع الصدوف عنها وإغفال البحث والروية فيها فإن كان البحث عنها معفوًا عنه وغلط الاعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذ به فجل مذهب هؤلاء القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلف وعنه غنية وإن كان فرضًا محكمًا فواجب أن يكون مما صرح به في الشريعة.\nفهذا كله حجة على إخوانه نفاة الصفاة وهم المخاطبون بهذه الجملة واما أهل الإثبات فهم يقولون إن ذلك كله مما صرح به في الشريعة.\nوكذلك قوله وليس التصريح المعمى أو الملبس أو المقتصر","vol":"5","page":59},{"text":"فيه بالإشارة والإيماء بل بالتصريح المستقصي فيه والموفى حق البيان والإيضاح والتفهيم والتعريف.\nفهذا كله حجة على إخوانه نفاة الصفات الجهمية وأما أهل الإثبات فيقولون إنه قد صرح بالتوحيد الحق التصريح المستقصي فيه الموفى حق البيان والإيضاح والتفهيم والتعريف وهذه نصوص القرآن والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف فيها من البيان للإثبات ما لا يحصيه إلا رب السماوات.\nوقوله فإن المبرزين المنفقين أيامهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة يحتاجون في تفهم هذه المعاني إلى فضل وشرح وعبارة فكيف غتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب؟\nفهذا الكلام حجة له على إخوانه الجهمية من المعتزلة وأتباعهم نفاة الصفات الذين يقولون إن التوحيد الحق هو قول أهل السلب نفاة الصفات ولا ريب أن فهم قولهم فيه غموض ودقة لأنه قول متناقض فاسد أعظم تناقضًا من قول النصارى كما قد بين في","vol":"5","page":60},{"text":"موضعه فما يفهمه إلا الذكي الذي مرن ذهنه على تسليم المقدمات التي بها يفسدون ذهنه أو على تصور أقوالهم المتناقضة فإن كان من متابعيهم نقلوه من درجة إلى درجة، كما تفعل القرامطة بنقل المستجيبين لهم من درجة إلى درجة، وكذلك هؤلاء الجهمية النفاة لا يمكنهم أن يخاطبوا ذكيًا ولا بليدًا بحقيقة قولهم، إن لم يتقدم قبل ذلك منه تسليم لمقدمات وضعوها، تتضمن ألفاظًا مجملة، يلبسون بها لعيه الحق بالباطل، فيبقى ما سلمه لهم من المقدمات، مع ما فيه من التلبيس والإبهام، حجة لهم عليه فيما ينازعهم فيه، إلى أن يخرجوه أن تمكنوا من العقل والدين كما تخرج الشعرة من العجين، فإن من درجات دعوتهم الخلع والسلخ وأمثال هذه العبارات.\nوقد رأيت كتبهم فرأيتهم يحتجون على طوائف المسلمين الذين فيهم بدعة بما وافقوهم عليه من البدعة، كما احتج ابن سينا على المعتزلة، ونحوهم من نفاة الصفات، بما وافقوه عليه من هذه الأقوال المبتدعات، وإلا فالفطر السليمة تنكر أقوال النفاة، إذ قد توافق على إنكارها الفطر والمعقول، والسمع المنقول، وإنما يخالف بنوع من الشبه الدقيقة، التي هي من أبطل الباطل في الحقيقة.\nولقد حدثني بعض أصحابنا أن بعض الفضلاء، الذين فيهم نوع","vol":"5","page":61},{"text":"من التهجم، عاتبه بعض أصحابه على إمساكه عن الانتصار لأقوال النفاة، لما ظهر قول الإثبات في بلدهم، بعد ان كان خفيًا واستجاب له الناس بعد أن كان المتكلم به عندهم قد جاء شيئًا فريًا فقال هذا إذا سمعه الناس قبلوه وتلقوه بالقبول، وظهر لهم أنه الحق الذي جاء به الرسول، ونحن إذا أخذنا الشخص فربيناه وغذيناه ثلاثين سنة ثم أردنا أن ننزل قولنا في حلقه لم ينزل في حلقه إلا بكلفة.\nوهو كما قال: فإن الله تعالى نصب على الحق الأدلة والأعلام الفارقة بين الحق والنور وبين الباطل والظلام، وجعل فطر عباده مستعدة لإدراك الحقائق ومعرفتها، ولولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة الحقائق، لم يكن النظر والاستدلال ولا الخطاب والكلام، كما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء بالطعام والشراب، ولولا ذلك لما أمكن تغذيتها وتربيتها وكما ان في الأبدان قوة تفرق بين الغذاء الملائم والمنافي، ففي القلوب قوة تفرق بين الحق والباطل أعظم من ذلك.\nوهذا كما أن لأرباب السحر والنيرنجيات وعمل الكيمياء وأمثالهم، ممن يدخل في الباطل الخفي الدقيق، يحتاج إلى أعمال","vol":"5","page":62},{"text":"عظيمة، وأفكار عميقة وأنواع من العبادات والزهادات والرياضات، ومفارقة الشهوات والعادات ثم آخر امرهم الشك بالرحمن، وعبادة الطاغوت والشيطان، وعمل الذهب المغشوش، والفساد في الأرض، والقليل منهم من ينال بعض غرضه، الذي لا يزيده من الله إلا بعدًا، وغالبهم محروم مأثوم، يتمنى الكفر والفسوق والعصيان وهو لا يحصل إلا على نقل الأكاذيب وتمنى الطغيان سماعون للكذب أكالون للسحت عليهم ذلة المفترين.\nكما قال تعالى ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين﴾ الأعراف ١٥٢.\nولهذا تجد أهل هذه الأباطل الصعبة الشديدة في الغالب: إما ملحدًا من أهل النفي والتكذيب، وإما جاهلًا قد أضلوه ببعض شبهاتهم.\nوأما قوله: فكيف غتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب؟ فيقال له: نحن لا ننكر أن في العبرانيين والعرب من يكون ذهنه مقصرًا عن بعض دقيق العلم، لكن إذا وازنت من كان من محمد صلى الله لعيه وسلم من العرب الخاصة والعامة، ومن كان مع موسى ﵊ أيضًا بمن فرضته من الأمم، وجدتهم أكمل منهم في كل","vol":"5","page":63},{"text":"سب ينال به دقيق العلم وجليله، فإذا قدرت بعض الناقصين من ذلك القرن، فقابله بإخوانك القرامطة الباطنية، وعوام الفلاسفة الدهرية، وأمثالهم من عوام النصيرية والإسماعيلية وأمثالهم، فإنك تجد بين أدنى اولئك وخيار هؤلاء في الذهن والعلم من الفرق، أعظم مما بين القدم والفرق، أليس أصحابك هم المستجيبين لدعوة بني عبيد الذين راج عليهم مكرهم وكيدهم في الدنيا والدين، حتى اعتقدوا فيمن هو من أكفر الناس وأكذبهم: انه إمام معصوم، يعلم علم الأولين والآخرين، بل عوام النصارى، مع فرط جهلهم وضلالهم، احذق وأذكى من عوام أصحابك المستجيبين لمثل هؤلاء المنقادين لهم.\nوهل وجد في العالم أمة أجهل وأضل وأبعد عن العقل والعلم من أمة يكون رؤسها فلاسفة أو لم تكن أئمتكم اليونان كأرسطو","vol":"5","page":64},{"text":"وأمثاله مشركين يعبدون الأوثان ويشركون بالرحمن ويقربون أنواع القرابين لذرية الشيطان؟\nأو ليس من أعظم علومهم السحر، الذي غايته أن يعبد الإنسان شيطانًا من الشياطين، ويصوم ويصلي، ويقرب له القرابين، حتى ينال بذلك عرضًا من الدنيا، فساده أعظم من صلاحه، وأثمه أكبر من نفعه؟\nأو ليس أضل الشرك في العالم هو من بعض هؤلاء المتفلسفة؟ أو ليس كل من كان أقرب إلى الشرائع ولو بدقيقة كان أقرب إلى العقل ومعرفة الحقيقة؟ وهل رأيت فيلسوفا أقام مصلحة قرية من القرى فضلًا عن مدينة من المدائن؟ وهل يصلح دينه ودنياه إلا بأن يكون من غمار أهل الشرائع؟\nثم يقال له: أنت وأمثالك أئمة أتباعكم، وهذا قولك وقول أرسطو وأمثالكم من أئمة الفلاسفة في واجب الوجود وصفاته وأفعاله مع دعواكم نهاية التوحيد والتحقيق والعرفان في واجب الوجود وصفاته وأفعاله مع دعواهم نهاية التوحيد والتحقيق والعرفان قول لا يقوله إلا من هو من أجهل الناس وأضلهم وأشبههم بالبهائم من الحيوان.\nوكون الواحد منكم حاذقًا في طب أو نجوم أو غرس أو بناء، هو لقلة معرفتكم بالله وأسمائه وصفاته وافعاله وعبادته، وقلة نصيبكم وحظكم من هذا المطلب، الذي هو أجل المطالب، وأرفع المواهب،","vol":"5","page":65},{"text":"فاعتضتم بالأدنى عن الأعلى: إما عجزًا وغما تفريطًا.\nولا ريب أن أئمة اليهود والنصارى، بعد أن بدلوا الكتاب، ودخلوا فيما نهوا عنه احذق وأعرف بالله من أئمتكم، وعوام اليهود والنصارى الذين هم ضالون ومغضوب عليهم أصح عقلًا وإدراكًا وأصوب كلاما في هذا الباب من عوام أصحابكم، وهذا مما لا يشك فيه من له عقل وإنصاف.\nواعتبر ذلك بعوام النصيرية والإسماعيلية والدرزية والطرقية","vol":"5","page":66},{"text":"والعرباء وعوام التتر المشركين، الذين كان علماؤهم المشركون السحرة من البخشية والطوينية وأمثالهم، وكان خيار علمائهم رؤوس الملاحدة، فاعتبر عوام هؤلاء مع عوام اليهود والنصارى، تجد عوام اليهود والنصارى أقل فسادًا في الدنيا والدين من أولئك، وتجد أولئك أفسد عقلًا ودينًا.\nوأما متوسطوكم كالمنجمين والمعزمين وأمثالهم، ففيهم من الجهل والضلال والكذب والمحال مالا يحصيه إلا ذو الجلال، وهل كان","vol":"5","page":67},{"text":"الطوسي وامثاله ينفقون عند المشركين من التتر إلا بأكاذيب المنجمين، ومكايد المحتالين، المنافية للعقل والدين؟\nوأما أئمتكم البارعون كأرسطو وذويه فغايته ان يكون مشركًا سحارًا وزيرًا لملك مشرك سحار كالإسكندر بن فيلبس وأمثاله من ملوك اليونان الذين كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وإنما صار فيهم ما صار من الهدى والفلاح لما دخلت فيهم النصرانية بعد أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة وتسع وعشرة سنة او اكثر منها وقد قيل إن ذلك كان على عهد آخر ملوكهم بطليموس صاحب المجسطي، فناهيك ممن تكون النصارى أعقل منهم وأعلم وأهدى إلى الدين الأقوم.\nومن الضلال أن من يظن ذا القرنين المذكور في القرآن العزيز هو الإسكندر بن فيلبس الذي يقال إن أرسطو كان وزيره، وهذا","vol":"5","page":68},{"text":"جهل فإن ذا القرنين قديم متقدم على هذا بكثير، وكان مسلمًا موحدًا حنيفًا وقد قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة أو ما يقارب ذلك.\nوهذا الكلام وأمثاله إنما قيل لمقابلة لما في كلام هؤلاء من الاستخفاف بأتباع الأنبياء وأما أئمة العرب وغيرهم من أتباع الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، كفضلاء الصحابة، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأبي الدرداء وعبد الله بن عباس، ومن لا يحصى عدده إلا الله تعالى، فهل سمع في الأولين والآخرين بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوم كانوا أتم عقولًا وأكمل أذهانًا وأصح معرفة وأحسن علمًا من هؤلاء؟\nفهم كما قال فيهم عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.\nوما طمع أهل الإلحاد في هؤلاء إلا بجهل أهل البدع، كالرافضة والمتكلمين من المعتزلة ونحوهم.","vol":"5","page":69},{"text":"وابن سينا وأمثاله من ملاحدة الفلاسفة لما كانوا إنما يخاطبون من المسلمين من هو ناقص في العلم والدين: إما رافضي وإما معتزلي وإما غيرهما صاروا يتكلمون في خيار القرون بمثل هذا الكلام.\nوقد تواتر عن النبي ﷺ انه قال خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.\nثم يقال لهذا الأحمق: أن كل أمة فيها ذكي وبليد","vol":"5","page":70},{"text":"بالنسبة إليها، لكن هل رأى في أجناس الأمم امة أذكى من العرب؟\nواعتبر ذلك باللسان العام، وما فيه من تفصيل المعاني، والتمييز بين دقيقها وجليلها بالألفاظ الخاصة الناصة على الحقيقة ويليه في الكمال اللسان العبراني، فأين هذا من لسان أصحابك الطماطم، الذين يسردون ألفاظًا طويلة والمعنى خفيف؟ ولولا أن مثلك وأمثالك ممن شملته بعض سعادة المسلمين والعرب، فصار فيكم بعض كمال الإنسان في العقل واللسان، فعربتم تلك الكتب وهذبتموها وقربتموها إلى العقول، وإلا لكان فيها من التطويل والهذيان ما يشح بمثله على الزمان، وهي كما قال فيها ابو حامد الغزالي هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها، وإن بعض الظن أثم فإن ما يقوم عليه الدليل من الرياضي ونحوه كثير التعب قليل الفائدة، لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى، وما لم يقم عليه الدليل فظنون وأباطيل.\nثم يقال له: هب أن ما ذكرته من غتم العرانيين والعرب أهل الوبر لا يمكنهم معرفة الدقيق، فهل يمكنك أن تقول ذلك في أذكياء","vol":"5","page":71},{"text":"العرب والعبرانيين وكل أحد يعلم أن عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم أكمل عقول الناس.\nواعتبر ذلك بأتباعهم فإن كنت تشك في ذكاء مثل مالك والأوزاعي والليث بن سعد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد وإبراهيم الحربي وعبد الملك بن حبيب الأندلسي والبخاري ومسلم وأبي داود وعثمان بن سعد الدارمي بل ومثل أبي العباس بن سريج وأبي جعفر الطحاوي وأبي القاسم الخرقي وإسماعيل بن إسحاق القاضي وغيرهم من امثالهم فإن شككت في ذلك فأنت مفرط في الجهل أو مكابر، فانظر خضوع هؤلاء للصحابة وتعظيمهم لعقلهم وعملهم، حتى انه لا يجترئ الواحد منهم أن يخالف لواحد من الصحابة إلا أن يكون قد خالفه صاحب آخر.","vol":"5","page":72},{"text":"وقد قال الشافعي رحمة الله عليه في الرسالة أنهم فوقنا في كل عقل وعلم، وفضل وسب ينال به علم، أو يدرك به صواب، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا أو كما قال رحمة الله عليه.\nوأما قوله لو كلف الله رسولًا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أذهانهم إلى آخر كلامه.\nفيقال: لا ريب أن فيما غاب عن المشاهدة أمورًا من الغيب، بعضها يمكن التعريف به مطلقًا، وبعضها لا يمكن التعريف به إلا بعد شروط واستعداد وبعضها لا يمكن التعريف به في الدنيا إلا على وجه مجمل، وبعضها لا يمكن التعريف به في الدنيا بحال وبعضها لا يمكن مخلوقًا أن يعلمه.\nولهذا قال تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ السجدة ١٧.\nوفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فما لا يخطر بالقلوب إذا عرفت به لم تعرفه إلا إذا كان له نظير، وإلا لم يمكن التعريف على وجهه.","vol":"5","page":73},{"text":"وفي الدعاء المشهور: اللهم إني أسألك اسم هو لم سميت به نفسك، أو انزلته في كتابك، او علمته أحدًا من خلقك، أو أستأثرت به في علم الغيب عندك فإذا كان من أسمائه ما استأثر بعلمه لم يعلمه غيره، ذلك وما خص به بعض عباده لم يعلمه غيره.\nوفي الحديث الصحيح انه ﷺ كان يقول في دعائه لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.\nوفي حديث الشفاعة ينفتح على محامد أحمده بها لا احسنها الآن.","vol":"5","page":74},{"text":"فإذا كان اعلم الخلق بالله لا يحصى ثناء عليه، فكيف غيره؟ وإذا كان يفتح عليه في الآخرة بمحامد لم يعرفها في الدنيا فكيف حال غيره؟\nونذكر في هذا قصة موسى والخضر ﵉ ونقر العصفور من البحر.\nوقال علي بن أبي طالب ﵁ فيما ذكره البخاري حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون ان يكذب الله ورسوله؟\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁: ما من رجل يحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.","vol":"5","page":75},{"text":"وعن ابن عباس ﵄ أنه سأل رجل تفسير أية فقال: ما يؤمنك أني لو أخبرتك بها لكفرت بها وكفرك بها تكذيبك بها فتبين انه ليس كل أحد يليق بمعرفة جميع العلوم.\nولهذا قال تعالى ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ إلى قوله ﴿يضرب الله الأمثال﴾ الرعد ١٧، فإن هذا مثل ضربة الله فشبه فيه ما ينزله من السماء من العلم والإيمان بالمطر، وشبه القلوب بالأودية، والأودية منها صغار وكبار، فكل واد يسيل بقدره.\nفهذا ونحوه حق، ولكن حقائق الأمور التي يدعيها هؤلاء الملاحدة، هي في الحقيقة نفي وتعطيل تنكرها القلوب العارفة الذكية، أعظم مما تنكرها قلوب العامة، وكلما قوي عقل الرجل وعلمه زاد معرفة بفسادها، ولهذا لا يستجيب لهم الرجل إلا بقدر نقص عقله ودينه.\nوقوله: هبك الكتاب العزيز جاء على لغة العرب في الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني، هو من أوله إلى آخره تشبيه صرف؟ إلى آخر كلامه.\nفيقال: هذا من أعظم حجج أهل الإثبات على نفاة الصفات،","vol":"5","page":76},{"text":"ومن أعظم الحجج على صدق الرسولين العظيمين، وصدق الكتابين الكريمين، اللذين لم يأت من عند الله كتاب أهدى منهما.\nقال تعالى ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى﴾ القصص ٤٣، إلى قوله: ﴿قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا﴾ القصص ٤٨، إلى قوله ﴿قل فاتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين﴾ الآيات القصص ٤٩.\nوقال تعالى حكاية عن الجن ﴿قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم﴾ الأحقاف ٣٠.\nوقال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون * وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها﴾ الأنعام ٩١، ٩٢.\nوقال تعالى: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون * وهذا","vol":"5","page":77},{"text":"كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون﴾ الأنعام ١٥٤ - ١٥٥.\nفقد قرن الله تعالى بين الكتابين العربي والعبري في غير موضع.\nومن المعلوم ان موسى كان قبل محمد صلوات الله عليهما وسلامه.\nولم يأخذ عنه شيئًا، وكل من عرف حال محمد ﷺ يعلم أنه لم يأخذ عن أهل الكتاب شيئًا، فإذا أخبر هذا بمثل ما أخبر به مرسل واحد من غير تواطؤ ولا تشاعر فيما يمتن في العادة التوافق فيه من غير تواطؤ، كان هذا مما يدل على صدق كل من الرسولين في أصل الرسالة، وعلى صدق خبر كل من الرسولين فيما أخبر به صفات ربه، إذا كان كل منهما أخبر بمثل ما أخبر به الآخر.\nوهب أن بعض ألفاظ أحد الكتابين قد يحرفها المحرف، فالكتاب الآخر المصدق له يبطل ذلك التحريف، ويبين أن المقصود واحد.\nوما ذكره من امتناع التحريف على كلية الكتاب العبري حق كما قال، ويبين ذلك أن النبي ﷺ بين من تحريف أهل الكتاب ما شاء الله، وذمهم على ما وصفوا الله تتعالى به من النقائص، كقولهم: إن الله فقير، وإن الله بخيل، وإنه تعب لما خلق","vol":"5","page":78},{"text":"السماوات والأرض فاستراح فقال تعالى ﴿وما مسنا من لغوب﴾ ق ٣٨.\nفلو كان ما في التوراة من إثبات الصفات مما بدلوه وافتروه، لكان إنكار هذا من أعظم الواجبات، ولكان الرسول يعيبهم بما ينكره النفاة متن التشبيه والتجسيم، وأمثال هذه العبارات، فلما كان الرسول العربي مقرًا لما في التوراة من الصفات ومخبرًا بمثل ما في التوراة، كان ذلك من أعظم دليل على أن ما في التوراة من الصفات التي أخبر بها الرسول العربي أيضًا، ليس مما كذبه أهل الكتاب.\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن خبرًا من اليهود لما أخبر النبي ﷺ أن الله يوم القيامة يمسك السماوات على اصبع والأرضين على أصبع، والجبال على اصبع، والشجر والثرى على اصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك ضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا لقول الخبر ثم قرأ قوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر ٦٧.\nوهذا الحديث رواه من هو من أعلم الصحابة وأعظمهم اختصاصًا","vol":"5","page":79},{"text":"بالنبي ﷺ: عبد الله بن مسعود ورواه عنه وعن أصحابه من هو أجل التابعين وأتباع التابعين قدرًا، ورواه أيضًا عبد الله بن عباس الذي هو من أعلم الصحابة في زمانه، وأصحاب ابن مسعود وابن عباس من اعظم التباعين علمًا وقدرًا عند الأمة.\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ، وفيهما أيضًا من حديث ابن عمر في تفسير هذه الآية ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الزمر ٦٧، ما يناسب هذا الحديث","vol":"5","page":80},{"text":"ويوافق قول أهل الإثبات، ويبين أن النبي ﷺ لم يكن ينكر على أهل الكتاب ما يخبرون به من الصفات التي تسميها النفاة تجسيمًا وتشبيهًا، وإنما أنكر عليهم ما وصفوا الله تعالى به من النقائص والعيوب.\nولهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين أنهم ذموا أهل الكتاب بما يذمهم به نفاة الصفات، ولا يذكرون لفظ التجسيم ونحوه من الألفاظ التي أحدثها المحدثون: لا بمدح ولا ذم، ولا يقولون ما تقوله النفاة إن التوراة فيها تشبيه، كما قال ابن سينا الكتاب العبراني كله من أوله إلى آخره تشبيه صرف.\nفإنه يقال له: ما تعني بقولك: إنه تشبيه، أتعني أنه متضمن للإخبار بأن صفات الرب مثل صفات العباد، أو متضمن لإثبات الصفات التي يوصف الخلق بما هو بالنسبة إليهم كتلك الصفات بالنسبة إلى الله؟\nفإن أردت الأول، فهذا كذب على التوراة، فليس فيها الإخبار بأن صفات كصفات عباده، بل فيها نفي التمثيل بالله.\nوإن أردت الثاني فهذا أمر لا بد منه لك ولكل أحد، فإنك وأمثالك تقولون: إن الله موجود، مع قولكم: إن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وتقولون، وتقولون إنه عقل وعاقل ومعقول.\nمع قولكم: إن اسم العقل يقع على العقول العشرة، وتقولون: إنه علة للعالم، مع","vol":"5","page":81},{"text":"قولكم: إن العلة تنقسم إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث، وتقولون: إن له عناية، مع أن لفظ العناية يقال على صفات العباد، وتقولون: إنه مبدأ ومبدع ونحو ذلك من العبارات التي تسمون بها غيره، فإنكم تطلقون اسم المبادئ على العقول، وتطلقون الإبداع على العقول، وتقولون: إن كل عقل أبدع ما دونه، والعقل العاشر أبدع ما تحت فلك القمر، وتقولون: إنه موجب بالذات مع أن لفظ الإيجاب يطلق على غيره.\nويقولون: إنه عاشق ومعشوق وعشق، مع أن لفظ العشق فيه من التشبيه واحتمال النقص مالا يخفى على عاقل، وليس في الكتب الإلهية تسميته بعقل ولا عاشق ولا معقول ولا معشوق.\nويقولون أيضًا: إنه يلتذ ويبتهج، ولفظ اللذة فيها من التشبيه واحتمال النقص ما لا يخفى على عاقل، ويقولون إنه مدرك وأن اللذة أفضل إدراك لأفضل مدرك فيسمونه مدركًا ومدركًا.\nثم أعجب من هذا كله انكم تقولون: الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة، ومن هنا دخل من وافقكم في إثبات تشبه العبد بالرب، في الذات والصفات والأفعال، كصاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها، ومن مشى خلفه من القائلين بالوحدة المطلقة","vol":"5","page":82},{"text":"والاتحاد، وقالوا: إن الإنسان مثل الله، وأن قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: ١١ المراد أنه ليس كالإنسان الذي هو مثل الله شيء ويقولون إن الفلك إنما يتحرك تشبهًا بما فوقه، فيجعلون العبد قادرًا على أن يتشبه بالله وأن الفلك يتشبه بالله، أو يتشبه بالعقل المشبه لله.\nفإذا كان في التوراة: أنا سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهنا، أو نحو هذا فغايته أن يكون الله خالقًا لمن يشبهه بوجه وأنتم قد جعلتم العبد قادرًا على أن يتشبه بالله بوجه، فإن كان التشبه بالله باطلًا من كل وجه، ولا يمكن الموجود أن يشبهه بوجه من الوجوه، فتشبيهكم أنكر من تشبيه أهل الكتاب، لأنكم جعلتم العبد قادرًا على ان يتشبه بالرب وأولئك أخبروا عن الرب أنه قادر على أن يخلق ما يشبهه.\nفكان في قولكم إثبات التشبيه وجعله مقدورًا للعبد، وأولئك مع إثبات التشبيه إنما جعلوه مقدورًا للرب، فأي الفريقين أحق بالذم والملام؟ أنتم أم أهل الكتاب؟ إن كان مثل هذا التشبيه منكرًا من القول وزورا، وإن لم يكن منكرًا من القول وزورا، فأهل الكتاب أقوم منكم، لأنهم تبعوا ألفاظ النصوص الإلهية، التي أثبتت مقدورًا لرب البرية، وانتم ابتدعتم ما ابتدعتم بغير سلطان من الله.\nوأيضًا فيقال: إنه ما من موجودين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز، فإنهما لا بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان، وأن","vol":"5","page":83},{"text":"كلا منهما له حقيقة: هي ذاته ونفسه وماهية، حتى لو كان الموجودان مختلفين اختلافًا ظاهرًا كالسواد والبياض فلا بد أن يشتركا في مسمى الوجود والحقيقة ونحو ذلك، بل وفيما هو أخص من ذلك، مثل كون كل منهما لونًا وعرضًا وقائمًا بغيره ونحو ذلك، وهما مع هذا مختلفان.\nوإذا كان بين كل موجودين جامع وفارق، فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شيء: لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله فلا يجوز ان يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ولا يمثل بها، ولا أن يثبت لشيء من الموجودات مثل شيء من صفاته، ولا مشابهة في شيء من خصائصه سبحانه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.\nوإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع فهو، سبحانه لا يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له، وإذا أخذ القدر المطلق الذي يتفق فيه الخالق والمخلوق مثل: مسمى الوجود، والحقيقة، والعالم والقادر، ونحو ذلك فهذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان.\nوالمخلوق لا يشارك مخلوقًا في شيء من صفاته، فكيف يكون للخالق شريك في ذلك؟ لكن المخلوق قد يكون له من يماثله في صفاته، والله تعالى لا مثل له أصلًا، والقدر المشترك المطلق كالوجود والعلم والحقيقة ونحو ذلك، لا يلزمه شيء من صفات النقص الممتنعة على الله تعالى، فما وجب للقدر المطلق المشترك، لا نقص فيه ولا عيب، وما نفي عنه فلا كمال فيه، وما جاز له فلا محذور في جوازه.","vol":"5","page":84},{"text":"وأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والافات فهي ليست من لوازم ما يختص به، ولا من لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلا، بل هي من خصائص المخلوقات الناقصة، والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب، وهذه معاني شريفة بسطت في غير هذا الموضع.\nوما يذكره هؤلاء من تعظيم علوم الأسرار، والأمر بكتمانها عن الجمهور، وقصور الجمهور عن إدراك حقائق، هو كلام مجمل يقوله الصديق والزنديق.\nوالمخالفون من نفاة الصفات الخبرية، أو نفي الأوامر الشرعية، من المتفلسفة ومن دخل معهم من متصوفة النفاة ونحوهم، يشيرون إلى ذلك، ويحملون ما يروى من الآثار الصحيحة والسقيمة على ذلك، فالأثر المروي: إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله، فإذا ذكروه لم ينكروه إلا أهل الغرة بالله تعالى.\nوهذا الحديث وإن لم يكن له إسناد صحيح، فقد ذكره شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي وأبو حامد الغزالي وغيرهما.","vol":"5","page":85},{"text":"لكن ذكر شيخ الإسلام عن شيخه يحيى بن عمار أن من هذا أحاديث الصفات الموافقة لقول أهل الإثبات.\nوأبو حامد قد يحمل هذا إذا تفلسف على ما يوافق أقوال الفلاسفة النفاة.\nوكذلك ما في البخاري عن علي حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقد حمله ابن رشد الحفيد على أقوال الفلاسفة الباطنية النفاة.\nومن المعلوم ان أقوال النفاة لا توجد في كلام الله ورسوله، وإنما لا يحملها عقله أفضى إلى تكذيب الله ورسوله.\nوالأمور الباطنة فيها إجمال، فالملاحدة يدعون الباطن المخالف للظاهر، وأما أهل الإيمان فالباطن الحق عندهم موافق للظاهر الحق، فما في بواطنهم من المعارف والأحوال وتحقيق التوحيد ومقامات أهل العرفان، موافق لما جاء به الكتاب والرسول، يزداد صاحبها بأخبار الأنبياء إيمانًا بخلاف الملاحدة كلما امعن الواحد منهم فيه بعد عن الله ورسوله.","vol":"5","page":86},{"text":"وقول ابن سينا هو الإقرار بالصانع مقدسًا عن الكم، والكيف، والأين، ومتى، والوضع والتغير حتى يصير الاعتقاد أنه ذات واحدة، لا يمكن أن يكون له شريك في النوع، أو يكون له جزء وجودي كمي او معنوي ...\nإلى آخره.\nفكلامه هذا يتوهم الجاهل أنه تعظيم لله تعالى ومراده انه ليس لله علم، ولا قدرة ولا إرادة، ولا كلام، ولا محبة، وأنه لا يرى ولا يباين المخلوقات.\nقلت: وقد تكلمنا على هذا وعلى ثبوت الكليات في الخارج التي ذكرها في إشارته وشرحها شارحو إشاراته، كالرازي والطوسي وابن كمونه اليهودي وأمثالهم فإنه ذكر دليل توحيدهم وقدم قبله مقدمات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>كلام ابن سينا عن الصفات الذاتية والعرضية تعليق ابن تيمية عليه</span>\nقال في الإشارات: كل أشياء تختلف بأعيانها وتتفق في أمر مقوم لها: فإما أن يكون ما تتفق فيه لازمًا من لوازم ما تختلف فيه،","vol":"5","page":87},{"text":"فيكون للمختلفات لازم واحد، وهذا غير منكر.\nوإما أن يكون ما تختلف فيه لازمًا لما تتفق فيه، فيكون الذي يلزم الواحد مختلفًا متقابلًا، وهذا منكر وإما أن يكون ما تتفق فيه عارضًا عرض لما تختلف فيه، وهذا غير منكر.\nوغما أن يكون ما تختلف فيه عارضًا عرض لما تتفق فيه، وهذا أيضًا غير منكر.\nقال الشارحون لكلامه: كل شيئين فلا بد أن يكونا متخالفين في هويتهما وتشخصهما، لأن تشخص هذا لو كان حاصلًا لذاك، لكان هذا ذاك لا غيره، والأشياء قد تكون متوافقة في شيء من المقومات، كالأجناس العالية، فإنها لا تكون متوافقة في شيء من المقومات، وإن كانت ربما توافقت في شيء من الصفات العرضية.\nوإذا كان كذلك، فإذا اتفقت في أمر مقوم لها، كان ما به الاختلاف مغايرًا لما به الاشتراك لا محالة، فتكون هوية كل واحد منهما مركبة مما به شارك الآخر، ومما به امتاز عن الآخر، وعند ذلك فإما أن يكون ما به الاشتراك لازمًا لما به الاختلاف أو بالعكس، أو يكون ما به الاشتراك عارضًا لما به الاختلاف أو بالعكس.\nفأما الأول فهو غير منكر، كفصول الأنواع الداخلة تحت جنس، فإن طبيعة ذلك الجنس لازمة لطبائع تلك الفصول، وكالوجود","vol":"5","page":88},{"text":"اللازمين للمقولات، والتماثل والاختلاف والتضاد والتغاير اللوازم للحقائق الكثيرة المختلفة، فإن السواد والبياض وإن كانا مختلفين لكنهما مشتركان في كون كل منهما ضد الآخر.\nوأما الثاني، وهو كون ما به الاختلاف لازمًا لما به الاشتراك فهو محال، كالناطق مع الحيوان لو كان لازمًا له لكان كل حيوان ناطقًا.\nوأما الثالث والرابع فهما جائزان.\nقلت: وهذا الكلام مبني على أصول سلمها لهم من لم يفهمها، مثل كلامهم في الفرق بين الذاتيات المقومة والعرضية اللازمة، وكلامهم في تركب الأنواع من الأجناس والفصول ونحو ذلك.\nونحن نبين ما يعرف الحق به.\nفنقول: معلوم أن هذا الإنسان يشابه غيره في الإنسانية، ويشابه سائر الحيوانات في الحيوانية، وهذا معنى قولهم: متفقان في مسمى الإنسانية أو الحيوانية، أو يشتركان في ذلك، لكن نفس إنسانيته التي تخصه، وحيوانيته التي تخصه، لم يشركه فيها غيره أصلا، وإن كان قد ماثله فيها وشابهه، فمشابهة الشيء الشيء ومماثلته لا تقتضي أن يكون عين أحدهما يشاركه الآخر فيها، أو في شيء من صفاتها القائمة بها، فزيد المعين ليس فيه شيء من غيره أصلا، ولا في شيء من صفاته القائمة به.\nفقول القائل: اشتركا في الإنسانية أو اتفقا فيها، ونحو ذلك، فيه إجمال فإن الاشتراك يراد به الاشتراك في الأمور الموجودة في الخارج،","vol":"5","page":89},{"text":"كاشتراك الشركاء في العقار، بحيث يكون لهذا بعضه ولهذا بعضه، مشاعًا أو مقسومًا، وإذا اقتسما ذلك كان لهذا بعضه ولهذا بعضه، والمقسوم لا يصدق على كل من القسمين ولا يعمهما، فهذا اشتراك في الكل وقسمة للكل إلى أجزائه، كالقسمة التي ذكرها الفقهاء في كتبهم، وقسمة النبي ﷺ الغنائم والمواريث.\nومنه انقسام الكلام إلى اسم وفعل وحرف.\nومعلوم أن اشتراك الأعيان ف بالنوع أو الجنس.\nوانقسام الأجناس إلى الأنواع والأشخاص ليس من هذا فإن هذا قسمة الكلي إلى جزئياته واشتراك الجزئيات في كلي يتناولها، فالكليات لا توجد في الخارج كليات، فلا بد إلا مشخصة معينة.\nوإذا قال القائل: الكلي الطبيعي موجود في الخارج، وهو المطلق لا بشرط كالإنسان من حيث هو هو، والحيوان من حيث هو هو، فإن أراد بذلك أنه يوجد ما يصدق عليه المعنى الذي يقال له إذا كان في الذهن كليًا، مثل أن يوجد الشخص الذي يقال له إنسان وحيوان وجسم ونحو ذلك فقد صدق، وإن أراد أنه يوجد الكلي كليًا فقد أخطأ، فإن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، والمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فكيف يكون ذاك جزءًا من هذا، منحصرًا في هذا؟ وهو يصلح لأن يدخل فيه من الأعيان أضعاف هذا؟ وكيف يكون الكبير جزءًا من لا قليل، والعظيم جزءًا من الصغير؟ ولا ريب أن الذهن يتصور إنسانًا مطلقًا، لا يمنع تصوره من وقوع","vol":"5","page":90},{"text":"الشركة فيه، فيكون كليا في التصور والذهن، فإذا وجد فلا يوجد إلا معينا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.\nفمن أراد بقوله: الكلي يوجد في الأعيان، ما يراد بوجود الصور الذهنية في الخارج، مثل قول القائل: ما كان في نفسي فقد حصل ولله الحمد، وما كان في نفسي فقد فعله زيد، ونحو ذلك، فإن أول الفكرة آخر العمل.\nوالإنسانية يتصور في نفسه أشياء ثم يفعل ما تصوره، ولا يريد بذلك أن نفس الصورة الذهنية التي تصورها وقصدها وجدت في الخارج بعينها، ولكن وجد في الخارج ما هو مطابق لها موافق لها.\nوقد يقال: إن هذا هو هذا، كما يقال للمكتوب أنه الملفوظ، وللملفوظ إنه المعلوم، وللمعلوم إنه الموجود، فإن الأشياء لها وجود في الأعيان ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان ووجود في البيان: وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي، فإذا كتب اسم زيد وقيل إن هذا هو زيد لم يرد بذلك أن الخط هو الصوت، ولا أن الصوت هو العلم، ولا أن العلم هو الشخص المعين، بل الناس يعلمون أن القائل إذا قال: هذا هو زيد، فالمراد هذا المكتوب اسمه زيد، ونظائر هذا كثيرة.\nفإذا قيل: إن الكلي وجد في الخارج بهذا الاعتبار فهو صحيح، لأن الكلي يتصوره الذهن مطلقًا غير مشروط بشرط، فيوجد في الخارج ما يطابقه، بمعنى انه يصدق عليه المطلق الذي لا يشترط فيه شرط، فيوجد في الخارج ما يطابقه، بمعنى انه يصدق عليه المطلق الذي لا يشترط فيه شرط، إذا قيل: هذا حيوان، هذا إنسان، لكن إذا صدق عليه المطلق لا بشرط لم يلزم أن يكون قد وجد المطلق مطلقًا لا بشرط، فإن صدقه عليه","vol":"5","page":91},{"text":"يقتضي أن يكون صفة له ومحمولًا عليه، وهذا عين التقييد والتخصيص.\nوهذا كما إذا قلنا: هذا حيوان، هذا جسم لم يلزم من ذلك أن يكون قد وجد حيوان مطلق، فضلا عن أن يكون إنسانا أو فرسًا أو نحو ذلك من الأنواع، أو جسم معين مجرد عن أن يكون معينًا من الأجسام المعينة.\nوقول القائل: المطلق لا بشرط ينفي اشتراط الإطلاق، فإن ذلك هو المطلق بشرط الإطلاق، وذاك ليس بموجود في الخارج، بلا نزاع من هؤلاء المنطقيين أتباع أرسطو فإن المنطق اليوناني يضاف إليه ولهذا لا يذكرون فيه نزاعًا وإنما يثبته في الخارج أصحاب أفلاطون، وإذا لم يكن الإطلاق شرطًا فيه، لم يمتنع اقتران القيد به، فيكون وجوده مقيدًا، وإذا كان وجوده مقيدًا امتنع أن يكون مطلقًا فإن الإطلاق ينافي التقييد.\nوإن قلت: المقيد يدخل في المطلق بلا شرط.\nقلت: وإذا دخل فيه هو إياه في الذات، مغايرًا له في الصفات.\nكما إذا قلت: الناطق حيوان، لم يكن هناك جوهران: أحدهما مطلق، والآخر مقيد.\nوهذا أمر يشهد به الحس، ولا ينازع فيه من تصوره، فليس في الموجودات المعينة إلا صفاتها المعينة القائمة بها، وكل ذلك مشخص","vol":"5","page":92},{"text":"معين، وما ثم إلا عين قائمة بنفسها، سواء سميت جوهرًا، أو جسمًا أو غير ذلك، أو صفة لها: سواء سميت عرضًا أو لم تسم بذلك.\nوالمقصود أن الشيئين إذا اتفقا واشتركا في شيء، كالإنسانية والحيوانية، واختلفا وامتاز كل منهما عن الآخر بشيء كتعينة وتخصصه، فكل ما اتفقا فيه واختلفا فيه يمكن أخذه مطلقا ومعينا، فإذا أخذ معينا لم يكن واحد منهما شارك الآخر ووافقه في ما تعين فيه، وإذا أخذ مطلقا أو كليًا، كان كل منهما قد شارك الآخر ووافقه في الكلي المطلق الذي يصدق عليهما، ولكن الكليات في الأذهان، وليس ف بالأعيان إلا ما هو معين مختص.\nلكن بين المعينات تشابه واختلاف وتضاد.\nفإذا قيل: هذا الإنسان يشارك هذا في الإنسانية ويمتاز عنه بالتعين.\nقيل له: يشاركه في إنسانيته التي تخصه أو في مطلق الإنسانية؟ فالأول باطل ومخالف لقوله: ويمتاز عنه بالتعيين، وإن أراد الثاني.\nقيل له: وكذلك التعين، فإنه يشاركه في مطلق التعين، فلكل منهما تعين يخصه، ويشتركان في مطلق التعين، كما قلنا في الإنسانية.\nفقول هؤلاء: كل أشياء تختلف بأعيانها وتتفق في أمر مقوم لها، فإما أن يكون ما تتفق فيه لازمًا لما تختلف فيه أو ملزوما له أو عارضا له أو معروضا له.\nفالأول والثالث والرابع جائز، والثاني يمتنع.","vol":"5","page":93},{"text":"يقال لهم: الأشياء المعينة كالإنسانيين والموجودين سواء قدرا واجبين أو ممكنين أو قدر أحدهما كذلك لم تتفق في أمر هو بعينه في هذا وفي هذا، سواء سمي مقومًا أو لم يسم، فهذا الإنسان لم يوافق هذا في نفس إنسانيته، وإنما وافقه في إنسانية مطلقة، وتلك المطلقة يمتنع أن تقوم بالمعين، فالتي وافقه فيها يمتنع أن تكون بعينها موجودة في الخارج، فضلا عن أن تكون مقومة لشيء من الأشياء والأشياء المعينة لا تقوم بها، ولا يقومها إلا ما هو مختص بها، لا يشركها فيه غيره.\nفهذا الإنسان المعين لا يقومه ولا يقوم به ولا يلزمه ولا يعرض له قط إلا ما هو مختص به سواء كان جوهرًا أو عرضا كما أن يده ورجله ورأسه مختصة به، فما يقوم ببدنه ونفسه من الحياة والنطق والحس والحركة والجسمية وغير ذلك، كل ذلك مختص به، ليس بقائم بغيره.\nفليتدبر العاقل اللبيب هذا المكان الذي حصل بسبب الضلال فيه من فساد العقول والأديان ما لا يعلمه إلا الله ﷾.\nوباشتباه هذا اشتبه الأمر على هؤلاء المنطقيين، وعلى من قلدهم وأتبعهم، فضلوا في العقليات المنطقيات والإلهيات ضلالًا بعيدًا،","vol":"5","page":94},{"text":"وجعلوا الصور الذهنية الخيالية حقائق موجودة في الخارج، حتى آل بهم الأمر إلى أن جعلوا لواجب الوجود الخالق للسماوات والأرض رب العالمين وجودًا مطلقًا في إذ انهم، وعرضا ثابتًا في نفوسهم، ليس له حقيقة في الخارج، ولا وجود، ولا ثبوت ويقولون: وجوده معقول لا محسوس، وإنما هو معقول في عقولهم، كما يعقلون الكليات الثابتة في العقول، فالوجود المطلق: كالحيوان المطلق، والإنسان والجسم المطلق، والشمس المطلقة، والقمر المطلق، والفالك المطلق ونحو ذلك مما لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان.\nوهذا هو نهاية التوحيد، الذي زعموا أن الرسل جاءت به ولا ريب أن أقل أتباع الرسل أصح وأكمل عقلًا من أن يجعل هذا ثابتًا ف بالوجود الخارج، فضلًا عن أن يجعله رب العالمين، مالك يوم الدين، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرا.\nوقوله إما أن يكون المتفق لازمًا أو ملزومًا أو عارضًا أو معروضًا.\nفيقال: ما سميته متفقا ومشتركًا، هو ما جعلته مختلفًا مميزًا لازمًا له","vol":"5","page":95},{"text":"وملزومًا، يشتركان في العموم والخصوص والإطلاق والتعيين، فالاشتراك والامتياز والاتفاق والاختلاف إذا أخذته باعتبار الذهن والخارج، فكل شيئين اشتركا في أمر فذلك المشترك هو في الذهن، وكل منهما هو في الخارج متميز، فالحيوانان المشتركان في الحيوانية هما مشتركا في الحيوانية المطلقة، ويمتاز أحدهما عن الآخر بالحيوانية الموجودة التي تخصه، كما يشترك الناطقان في الناطقية، ويمتاز أحدهما عن الآخر بالناطقية التي تخصه.\nوأما الأمور الموجودة في الخارج فبينها تشابه وتماثل، واختلاف وتضاد، ليس فيها شيء يشارك شيئًا لا في ذاته ولا في صفة من صفاته.\nفقولهم في القسم الأول هو مثل فصول الأنواع الداخلة تحت جنس واحد، فإن طبيعة ذلك الجنس لازمة لطبائع الفصول، كالوجود والوجود والوحدة، والتماثل والاختلاف، والتضاد والتغاير، اللوازم للحقائق الكثيرة.\nيقال لهم: فصول الأنواع: كالناطقية والصاهلية ونحوهما، التي هي فصول أنواع الحيوان كالفرس والإنسان وغيرهما مما يدخل تحت جنس الحيوان إذا قيل طبيعة الجنس وهو الحيوان لازمة","vol":"5","page":96},{"text":"لطبائع هذه الفصول، كما هو لازم لهذه الأنواع، فإذا أخذت عين اللازم والملزوم في الخارج، كان التلازم من الطرفين يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه فلا يقال إن أحدهما أعم من الآخر ولا أخص.\nوإذا قيل: إنهما يشتركان في الحيوانية، وكل منهما متميز عن الآخر بالناطقية والصاهلية، فكل من هذه الموجودات متميزعن غيره بحيوانيته، كما هو متميز بناطقيته وصاهليته، ونوع الناطقية لا يميز معينا عن معين، وإنما يميز نوعًا عن نوع، والأنواع إنما هي في الأذهان لا في الأعيان، فإن الحيوان إذا لزم الناطق والصاهل، فنفس الحيوان هو نفس الصاهل ونفس الناطق ليس الحيوان فيه.\nوهم قد يقولون: إن في الناطق والصاهل حيوانًا وهذا غلط، فإن الحيوان هو الموصوف بأنه صاهل وأنه ناطق وليس في الجوهر المعين جوهر آخر: لا مطلقًا ولا معينا بل هو جوهر واحد موصوف بهذا وبهذا بل وهذا الصاهل المعين هو حيوان وليس هو هذا الصاهل المعين الذي هو حيوان، فضلًا عن أن يكون هذا الناطق المعين.","vol":"5","page":97},{"text":"ولو قيل: إن هذا الصاهل المعين فيه حيوان، فليس الحيوان الذي فيه هو الحيوان الذي فيه الصاهل المعين، فكيف بما في الناطق وأمثاله؟\nوإذا أراد أن الطبيعة العامة أو المطلقة أو الكلية لازمة لهذه الطبائع الخاصة، فالمعنى الصحيح: أن هذا المعنى الذي يوجد في الذهن عامًا مطلقًا كليًا، والذي يوجد أعيانه في الخارج أكثر من أعيان الطبيعة الخاصة هو لازم للطبيعة الخاصة، فحيث كان ناطق أو صاهل كان هناك ما هو حيوان وليس إذا كان حيوان يلزم أن يكون هناك ناطق أو صاهل.\nوهنا كلام ليس هذا موضعه وهو أن الحيوانية التي للإنسان مثلًا، هي مماثلة للتي للفرس مخالفة لها، فهؤلاء يقولون: هي مماثلة والمختلفات يلزمها امور متماثلة، وغيرهم يقولون: بل لوازم المختلفات مختلفة، وليست الحيوانية التي في هذا النوع مثل الحيوانية التي في النوع الآخر.\nوهذا نظير اختلافهم في الحكم الواحد بالنوع: هل يجوز تعليله بعلتين مختلفتين؟ فمن قال بالأول جوز ذلك.\nومن قال بالثاني منع ذلك، وقال: اختلاف العلل يقتضي","vol":"5","page":98},{"text":"اختلاف الأحكام ويجيبون عن قول من يقول إن الملك نوع واحد وهو يستفاد بالبيع والإرث والاتهاب ونحو ذلك بأن الملك أنواع مختلفة، وليس هذا مثل هذا، وإن اشتركا في كثير في كثير من الأحكام، وكذلك حل الدم الثابت بالردة والقتل والزنا.\nوقد عورضوا بنقض الوضوء الثابت بأسباب مختلفة فأجابوا بأنه قد يختلف الحكم بالقوة والضعف.\nوهذا الآن كلام في تماثل الأحكام والعلل المختلفة وتماثل لوازم الأنواع المختلفة، وأما كون هذا المعين ليس هو هذا المعين فهذا مما لا نزاع فيه.\nوالمقصود هنا أن المتفقات في أنر من الأمور، إذا قيل: إن ما به الاشتراك لازم لما به الامتياز فما اشتركا فيه لا يفارق ما به من الامتياز من جهة كونه مشتركا ولا يوجد معه، فضلا عن أن يلزمه، إذ الاشتراك إنما هو فيه إذا كان في الذهن، وهو من هذه الجهة لا يوجد في الخارج، ولكن الوصف الذي يقال إنهما تشاركا فيه، معناه انه يوجد لهذا معينا، ويوجد لهذا من نوعه آخر معين والمعين لا اشتراك فيه، فلا يظن انه وجد في الخارج ما اشتركا فيه في الخارج، وإن كان مشتركا فيه في الذهن.","vol":"5","page":99},{"text":"واعتبر عموم المعاني والاشتراك فيهما، بعموم الألفاظ والاشتراك فيهما، فإذا قلت: لفظ إنسان يشترك فيه هذا وهذا ويعمها ولفظ حيوان يشترك فيه أكثر مما يشترك في لفظ إنسان لم يكن بين المسميات في الخارج شيء اشتركت فيه، فليس بين هذا الإنسان وهذا الإنسان، ولا بينهما وبين الفرس في الخارج شيء مشترك بينهما لأجل الاشتراك والاتفاق في لفظ إنسان ولفظ حيوان فكذلك اتفاقهما واشتراكهما في المعنى المدلول عليه بهذا اللفظ.\nوكذلك اتفاقهم واشتراكهم في الخط المرقوم المطابق لهذا اللفظ، فالخط يطابق اللفظ واللفظ يطابق المعنى والثلاثة تتناول الأفراد الموجودة في الخارج وتعمها، والأعيان متفقة فيها مشتركة، من غير أن يكون بين الأعيان في الخارج شيء اشتركت فيه لكن بينها تشابه بحسب ذلك المعنى الشامل لها، واللفظ المطابق له، والخط المطابق للفظ.\nوبذلك يتبين الكلام في القسم الثاني وهو أن ما به الاختلاف لازم لما به الاشتراك انه قسم ممتنع فإنه ليس في الخارج إلا ما به الاختلاف الذي هو ضد الاشتراك إذ ليس في الخارج مشترك بل كل شيء فهو نفسه، ليس مشاركا لغيره في شيء فيكون مخالفًا له إذا جعل الاختلاف قسم الاشتراك، وأما الاختلاف الذي هو قسيم التشابه ن فهذا قد يكون في الخارج وقد لا يكون.\nفالبياضان المتماثلان هما غير مختلفين بهذا الاصطلاح، وهما مختلفان بالاصطلاح","vol":"5","page":100},{"text":"الأول الذي هو بمعنى الامتياز، فإذا كان كل من البياضين ممتازًا عن الآخر ببياضه الذي يخصه فهو ممتاز عنه أيضًا بلونيته وعرضيته التي تخصه وكذلك الإنسانان فما امتاز به كل منهما عن الآخر لازم للمشترك الكلي الذي في الذهن فذاك ليس بلازم ولا ملزوم إذ يمكن تقدير حيوان ولون مجردًا في الذهن ليس له لازم ولا ملزوم وأما الحيوان الموجود في الخارج فهو حيوان معين يلزمه معين إما إنسان معين وإما فرس معين وإما نحو ذلك وهذا المعين حاصل مع هذا المعين أبدًا ولكن ليس لازمًا لحيوان آخر فإذا عدم هذا الإنسان المعين عدم هذا الحيوان المعين فإذا وجد آخر لم يكن هو المستلزم لهذا المعين فالحاصل أن كل موجود في الخارج بعينه فجميع صفاته اللازمة متلازمة يلزم من وجود إنسانيته وجود حيوانيته ويلزم من وجود حيوانيته وجود إنسانيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>تابع كلام ابن سينا وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nوأما المقدمة الثانية فإنه قال: قد يجوز أن تكون ماهية الشيء سببًا لصفة من صفاته، وأن تكون صفة له سببًا لصفة أخرى، مثل الفصل للخاصة، ولكن لا يجوز أن تكون الصفة التي هي الوجود للشيء إنما هي بسبب ماهيتة التي ليست هي الوجود، أو بسبب","vol":"5","page":101},{"text":"صفة أخرى، لأن السبب متقدم في الوجود، ولا متقدم بالوجود قبل الوجود.\nفيقال له: هذه مبنية على أن ماهية الشيء مباينة لوجوده، فنقول: إما أن تعني بالماهية والوجود: الماهية العلمية الذهنية، والوجود العلمي الذهني، وإما أن تعني بهما الماهية الموجودة في الخارج، والوجود الثابت في الخارج، وإما أن تعني بالماهية ما في الذهن، وبالوجود ما في الخارج، وإما بالعكس.\nفإن عني الثاني فلا ريب أن الذي في الخارج هو الموجود المعين وهو الحقيقة المعينة والماهية المعينة ليس هناك شيئان ثابتان أحدهما هو الموجود والآخر ماهيته.\nومن قال إن المعدوم شيء في الخارج أو أن الماهية مباينة للموجود الخارج كما قال هذا طائفة من المعتزلة وقال هذا طائفة من الفلاسفة فقوله في غاية الفساد كما هو مبسوط في موضعه.\nوإن عني بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج فلا ريب أن أحدهما مغاير للآخر وكذلك بالعكس وليس هذا مما يتنازع فيه العقلاء لكن لما غلب على مسمى الماهية الوجود الذهني وعلى مسمى الوجود الثبوت في الخارج وأحدهما غير الآخر توهم من توهم أن للموجود ماهية مغايرة للموجود المعين وهو غلط محض.","vol":"5","page":102},{"text":"وإذا كان كذلك فقول القائل يجوز أن تكون ماهية الشيء أو بعض صفاته سببًا لصفة أخرى ولا يجوز أن تكون الماهية سببًا للصفة التي هي الوجود لأن السبب متقدم على الوجود ولا يتقدم بالوجود على الوجود.\nكلام مبني على أصول فاسدة.\nأحدها كون الموجود الثابت في الخارج صفة لماهية ثابتة في الخارج وهذا غلط بل نفس ما في الخارج هو الموجود الذي هو ماهيته والوجود إن عني به المصدر فذاك قائم بالواحد وإن عني به الموجود فهو الموجود فليس في الموجود وجود يزيد على حقيقته الموجودة.\nوالثاني قوله إن الماهية أو صفتها تكون سببًا لصفة أخرى مثل الفصل للخاصة.\nفإن عني بالماهية ما في النفس فليس هناك مسبب ولا سبب بل الذهن هو الذي يصور الجميع وإن عني بها ما في الخارج فالفاعل المعين مبدع لصفاتها اللازمة وصفاتها العارضة قد تكون موقوفة على شرط آخر وليست إحدى الصفتين اللازمتين سببًا لها وإن كان قد يكون شرطًا.\nالثالث أن لفظ السبب إن عني به الفاعل فالصفة لا تفعل الصفة ولا الماهية تفعل صفاتها اللازمة لا سيما عندهم حيث يقولون الواحد لا يكون فاعلًا وقابلًا وإن عني به ما يقف المسبب","vol":"5","page":103},{"text":"عليه ولو كان شرطًا فالمحل حينئذ سبب وهم يزعمون أن الماهية قابلة لوجودها فتكون سببًا لوجودها فتناقض قولهم.\nوأما عند التحقيق فيجوز أن تكون الماهية أو شيء من صفاتها شرطًا في صفة أخرى ولو كنا ممن يقول إن في الخارج ماهية مغايرة لوجوده لجوزنا أن تكون الماهية شرطًا لوجودها لأن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط بخلاف العلة فإنها تتقدم المعلول ولكن لما لم يكن في الخارج إلا الوجود الذي هو ماهية نفسه امتنع أن تكون هناك ماهية تكون شرطًا لوجود نفسها أو لا تكون شرطًا لوجود نفسها.\nثم قال ابن سينا في تقرير توحيدهم واجب الوجود المتعين إن كان تعينه ذلك لأنه واجب الوجود فلا واجب وجود غيره وإن لم يكن تعينه لذلك بل لأمر آخر فهو معلول لأنه إن كان وجوب الوجود لازمًا لتعينه كان الوجوب لازمًا لماهية غيره أو صفة وذلك محال وإن كان عارضًا فهو أولى أن يكون لعلة وإن كان ما تعين به","vol":"5","page":104},{"text":"لخصوصية ما لذاته يجب وجوده هذا محال وإن كان عروضه بعد تعين أول سابق فكلامنا في ذلك وباقي أقسامه محال.\nقلت وإيضاح هذا الكلام أنه إذا قدر واجبان كان قد اشتركا في مسمى الوجوب وامتاز كل منها عن الآخر بتعينه فإما أن يكون ما به الاشتراك لازمًا لما به الامتياز أو ملزومًا أو عارضًا أو معروضًا فغن كان المشترك لازمًا كلزوم الحيوانية للإنسانية مثلًا فهذا لا يجوز في هذا الموضع كما قال لأنه كان واجب الوجود لازمًا لتعينه كان الوجود الواجب لازمًا لماهية غيره وصفة وذلك محال.\nوإن كان المشترك وهو الوجوب عارضًا للمختص وهو التعين الذي هو الماهية فهو أولى أن يكون لعلة والوجود الواجب لا يكون لعلة.\nوإن كان التعين عارضًا للوجوب المشترك فهو لعلة كتعين آحاد النوع.\nولهذا قال بعد هذا أعلم أن الأشياء التي لها حد نوعي واحد فإنما تختلف بعلل أخرى وأنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة","vol":"5","page":105},{"text":"القابلة لتأثير على كثيرين فتعين كل واحد بعلة فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إلا إذا كان الاختلاف بينهما في الموضوع وما يجري العلل وهي المادة لم يتعين إلا أن يكون في طبيعة من حق نوعها أن توجد شخصًا واحدًا وأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل مجراه.\nقال فإذا كان ما تعين به عارضًا للوجوب المشترك بالعروض لعلة فإن كانت تلك العلة وما به تعين الماهية واحدًا بحيث تكون علة العروض هي علة التعين كانت تلك العلة علة الخصوص ما لذاته يجب وجوده فيكون لذات واجب الوجود علة وهو ممتنع وإن كان عروضه للوجوب المشترك بعد تعين أول سابق فالكلام في ذلك التعين السابق.\nوبقي من الأقسام قسم رابع وهو أن يكون ما به التعين الذي امتاز به كل منهما عن الآخر لازمًا للمشترك بينهما وهذا ممتنع في جميع المواد كما تقدم بتعين امتناع واجبي وجود ووجب أن يكون وجوب الوجود مستلزمًا للتعين فيكون تعينه لأنه واجب الوجود","vol":"5","page":106},{"text":"والمعلول لازمًا لعلته فلا يكون وجوب الوجود لغير المعين فهذا مراده بهذه الحجة.\nوقد ظن أبو عبد الله الرازي أن مراده بقوله إن كان تعينه ذلك لأنه واجب الوجود فلا واجب وجود غيره هو القسم الأول من الأقسام الأربعة التي جعل فيها الوجوب بلزوم التعين على تقدير ثبوت واجبين.\nقال وأما قوله إن لم يكن تعينه لذلك بل لأمر آخر فهو معلول هو القسم الذي جعل الوجوب فيه معروض ذلك التعين قال وقوله وإن كان ما تعين به عارضًا لذلك فهو لعلة هو هذا القسم وأنه لم يذكر في إبطاله إلا قوله لو كان تعينه لا لكونه واجبًا بل لأمر آخر فهو معلول وأنه أعاد هذا الكلام مرة أخرى وزاد في بيان بطلانه ما ذكره آخرًا وأنه لو ذكر هذا الكلام حينما تعرض لإبطال القسم الثاني كان أقرب إلى الضبط.\nقلت وليس الأمر على ما ظنه بل الرجل ذكر أولً التقدير المستلزم لوحدة الواجب ثم ذكر أربعة أقسام على تعدده وأبطلها بقوله واجب الوجود المتعين إن كان تعينه أي ذلك","vol":"5","page":107},{"text":"التعين الخاص لأنه واجب الوجود فلا واجب وجود غيره لأنه يكون وجوب الوجود يستلزم التعين الخاص فلا يوجد الملزوم بدون لازمة فلا يتحقق الوجوب إلا في ذلك المعين وهو المطلوب وإن لم يكن ذلك التعين لأجل وجوب الوجود فهو معلول وكون واجب الوجود معلولًا ممتنع وهذا يعم الأقسام الأربعة لأنه حينئذ يكون المتعين علة غير وجوب الوجود كما ذكر بعد هذا أن الأشياء التي لها حد نوعي إنما تتعدد لعلل وتتعين بعلل أخرى إلا أن يكون من حق نوعها أن توجد شخصًا واحدًا وإذا كان للتعين علة غير وجوب الوجود فهو معلول كما أن تعين الإنسان معلول لغير الإنسانية ثم بين أنه يكون معلولًا على التقديرات الأربعة فقال إن كان وجوب الوجود المشترك لازمًا للتعين أي لهذا التعين وهذا التعين الذي في الواجبين كما تلزم الإنسانية لهذا الإنسان وهذا الإنسان وهذا التعين الذي في الواجبين مما تلزم الإنسانية لهذا الإنسان وهذا الإنسان كان الوجود الواجب لازمًا أو صفة لماهية غيره وقد قال إن هذا محال في المقدمة الثانية وإن كان الوجود الواجب لازمًا أو صفة لماهية غيره وقد قال إن هذا محال في المقدمة الثانية وإن كان عارضًا فهو أولى وإن كان معروضًا فقد بين بطلانه وباقي أقسامه وهو كون التعين المتعدد لازمًا للمشترك فهو أولى وإن كان معروضًا فقد بين بطلانه وباقي أقسامه وهو كون التعين المتعدد لازمًا للمشترك فهو ممتنع في جميع المواد كما يمتنع أن يكون تعين الإنسان لازمًا للإنسانية لا يلزم أنه حيث وجد المشترك وجد المعين وهذا محال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>قول الآمدي في الحقائق</span>\nوإذا عرف أن هذا مقصودة فاعلم أن هذه الحجة يصوغها بعبارات متنوعة والمعنى واحد كما صاغها الآمدي في دقائق الحقائق في","vol":"5","page":108},{"text":"الفلسفة فقال الفصل الثاني في وحدانية واجب الوجود وأنه لا ضد له ولا ند وأنه قديم أزلي أما أن واجب الوجود واحد لا تعدد فيه ولا اشتراك فذلك لأن مسمى واجب الوجود لو كان مشتركًا بين شيئين فالشيئان إما متفقان من كل وجه أو مختلفان من كل وجه أو متفقان من وجه دون وجه فإن اتفقا من كل وجه فلا تعدد إذ التعدد دون مميز محال وإن اختلفا من كل وجه","vol":"5","page":109},{"text":"فما به وقع الافتراق إن كان هو مسمى واجب الوجود فلا اشتراك فيه أيضًا وإن كان غيره فمسمى واجب الوجود يكون مشتركًا بينهما وعند ذلك فإما أن يتم تحقق مسمى واجب الوجود في كل واحد من الشيئين بدون ما به التخصص والتمايز أو لا يتم دونه الأول محال وإلا كان الأمر المطلق المشترك متخصصًا في الأعيان بدون ما به التخصص وهو محال والثاني يتوجب أن يكون واجبًا لذاته وقد قيل إنه واجب لذاته وهذه المحالات إنما لزمت من القول بالاشتراك في مسمى واجب الوجود فلا اشتراك فيه فإذا واجب الوجود لا تعدد فيه بل نوعه منحصر في شخصه.\nقال والناظر المتبحر يزداد بإمعان النظر في هذه الحجة المحررة والبحث فيها مع نفسه وضوحًا وجلاء فإن ما طول به من التشكيكات وأنواع التخيلات على غيرها من الحجج المذكورة في هذا الباب فلا اتجاه له ههنا.\nهذا قوله هنا وهذه الحجة هي التي ذكرها الآمدي عنهم وعن بعض أصحابه في كتاب أبكار الأفكار واعترض عليها باعتراضين سبقه إلى أحدهما الرازي في شرح الإشارات وهو أن","vol":"5","page":110},{"text":"الوجوب أمر سلبي لا ثبوتي فلا يتم الدليل حينئذ والثاني أن هذه الحجة منتقضة بوجود الله سبحانه مع وجود الممكنات فإنهما اتفقا في مسمى الوجود وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه فإما أن يكون المطلق مع المعين لازمًا أو ملزومًا أو عارضًا أو معروضًا واعترض الرازي بإعتراض ثالث وهو أنه منع كون التعين وصفًا ثبوتيًا كما منع كون الوجوب وصفًا ثبوتيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت أما إلزامهم لهم الوجود الممكن مع الواجب فهذا إلزام لازم لا محيد للفلاسفة عنه ولكن ليس فيه حل الشبهة واما منع كون الوجوب أمرًا ثبوتيًا فهو من نوع السفسطة فإن الوجود إذا كان ثبوتيًا فوجوبه الذي هو توكده المانع من إمكان نقيضه كيف يكون عدميًا ومعلوم أن اسم الوجود هو بالواجب أحق منه بالممكن.\nوأيضًا فإن ما ذكره من التقسيم وارد سواء قيل إن المفهوم ثبوتي أو سلبي فإنه إذا كان سلبيًا مشتركًا امتنع أن يكون ملزومًا للمختص فإن المشترك سواء كان وجوديًا أو عدميًا لا يستلزم المختص فإنه يقتضي أنه حيث وجد المشترك المطلق العام وجد كل واحد من أفراده الخاصة وامتنع أيضًا أن يكون لازمًا للمختص إلا إذا كان الوجوب معلولًا ولازمًا لغيره وهو قد ذكر إبطال هذا.\nوقد اعترض الرازي باعتراض آخر على احد قوليه في أن الوجود زائد على الماهية بان الماهية تكون علة للوجود وذكر أنه لا محذور في أن","vol":"5","page":111},{"text":"تكون الماهية إذا أخذت مطلقة لا بشرط وجود ولا عدم علة لوجود نفسها والماهية من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة.\nقلت الحجة مدارها على أن المطلق المشترك الكلي موجود في الخارج وهذا هو الموضع الذي ضلت فيه عقول هؤلاء حيث اعتقدوا أن الأمور الموجودة المعينة اشتركت في الخارج في شيء وامتاز كل منها عن الآخر بشيء وهذا عين الغلط.\nقلت والشخص المعين ليس له تعين غير هذا الشخص المعين لا ثبوتي ولا عدمي فإنه لم يكن مشاركًا لغيره في أمر خارجي حتى يحتاج تعينه وتميزه عنه إلى وصف آخر ثبوتي أو سلبي وقولهم في القاعدة الكلية إن الأشياء التي لها حد نوعي إنما تختلف بعلل أخرى وأنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير العلل وهي المادة لم يتعين إلا أن يكون من حق نوعها أن توجد شخصًا واحدًا فأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل على كثيرين فيعين كل واحد بعلة فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إلا إذا كان الاختلاف بينهما في الموضوع وما يجري مجراه هو قول باطل وذلك أن الأشياء التي لها حد واحد نوعي لا وجود لها في الخارج مطلقة ولا عامة أصلًا وإنما وجودها كذلك في الذهن فالسبب الفاعل للواحد منها هو الفاعل لذاته ولصفاته وهو الفاعل لذلك الواحد المعين وليس هنا شيئان أحدهما لنوعها والآخر لتشخصها بل ولا وجودان أحدهما لنوعها","vol":"5","page":112},{"text":"والآخر لتشخصها بل ولا وجودان أحدهما لنوعها والآخر لتشخصها بل ولا قابلان بل الموجود هو الأعيان المشهودة والفاعل إنما فعل تلك الأعيان لم يفعل أنواعًا مطلقة كلية وإن كانت تلك تتصور في العلم فالكلام في الوجود الخارجي.\nوهذا مما يبين لك أن من قال المتفلسفة إنه ﷾ يعلم الأشياء على وجه كلي لا جزئي فحقيقة قوله إنه لم يعلم شيئًا من الموجودات فإنه ليس في الموجودات إلا ما هو معين جزئي والكليات إنما تكون في العلم لا سيما وهم يقولون إنما علم الأشياء لأنه مبدؤها وسببها والعلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب ومن المعلوم أنه مبدع للأمور المعينة المشخصة الجزئية كالأفلاك المعينة والعقول المعينة وأول الصادرات عنه على أصلهم العقل الأول وهو معين فهل يكون من التناقض وفساد العقل في الإلهيات أعظم من هذا؟\nوقولهم إنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير العلل وهي المادة لم يتعين كقول القائل إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة وهي المادة لم توجد فإن وجودها هو بعينها لم يكن لها تحقق في الخارج غير وجودها المعين.\nوقولهم فأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل على كثيرين فتعين كل واحد بعلة كقول القائل فموجود كل واحد بعلة ومعلوم أن الممكن وجوده بعلة سواء كان قد انحصر نوعه في شخصه كالشمس أو كان مما لم ينحصر نوعه في شخصه كالإنسان","vol":"5","page":113},{"text":"فليس للمعين علتان إحداهما لنوعه والأخرى لشخصه بل العلة الموجبة لشخصه كافية في وجوده كوجود ما أنحصر نوعه في شخصه.\nوقوله فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إذا كان الاختلاف بينهما في الموضوع وما يجري مجراه كقول القائل لا يكون سوادان إلا إذا كان كل منهما قائمًا في محل وكذلك السواد الواحد لا يوجد إلا في محل يقوم به وإذا قيل السوادان يفتقران إلى محلين وكذلك السواد الواحد فذلك لأجل كون السواد لا بد له من محل ولا يعقل تعدد السوادين بدون تعدد المحل كما لا يعقل وجوده بدون وجود المحل وما لا يفتقر إلى محل فتعدده لا يفتقر إلى محل كما أن واحده لا يفتقر إلى محل والتعين كالوحدة والتكثر كالتعدد وليس للعدد والوحدة في الخارج وجود غير المعدودات والمتوحدات وإنما وجود العدد المطلق والوحدة المطلقة والتعين المطلق في الأذهان لا في الأعيان كسائر المطلقات.\nوعلى هذا التقدير فواجب المتعين ليس لتعينه علة ولا سبب كما أنه ليس لوجوده علة ولا سبب وليس هناك في الخارج تعين زائد على نفسه المعينة لا ثبوتي ولا سلبي حتى يقال إن ذلك","vol":"5","page":114},{"text":"له علة وإن علته إما وجوب الوجود فلا يتعدد وإما أمر آخر فيكون وجوب الوجود معلولًا.\nوإذا قدر واجبًا وجود وقال القائل إنهما اشتركا في وجوب الوجود وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه.\nقيل له اشتركا في وجوب الوجود المطلق أو شارك كل منهما الآخر فيما يخصه من وجوب وجوده فأي شيء قال في ذلك قيل له وكذلك التعين فإنهما اشتركا في التعين المطلق وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه الذي يخصه فإذا قدرت وجوبًا مطلقًا فخذ معه تعينًا مطلقًا وإذا قدرت وجوبًا معينًا فخذ معه تعينًا معينًا وإذا قلت التعين المطلق لا يكون إلا في الذهن لا في الخارج قيل لك والوجوب المطلق لا يكون إلا في الذهن لا في الخارج.\nوحينئذ فقولك ما به الاشتراك يكون لازمًا لما به الامتياز أو ملزومًا أو عارضًا أو معروضًا.\nجوابه أن ليس في الخارج ما به الاشتراك وإنما في الخارج ما به الامتياز فقط وما جعلته مشتركًا هو نظير ما جعلته مميزًا يمكن فرض كل منهما مطلقًا ومعينًا.\nفإذا قلت اشتركا في الوجوب وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه.\nقيل لك اشتركا في وجوب مطلق كلي لا وجود له في الخارج كما","vol":"5","page":115},{"text":"اشتركا في تعين مطلق كلي وماهية مطلقة كلية وكل منهما ممتاز عن الآخر بما هو موجود فهو ممتاز عنه بوجوده الذي يخصه وهو حقيقته التي تخصه وهو نفسه وذاته وماهيته التي تخصه فما اشتركا فيه من الأمر الكلي الذهني لا يكون في الخارج فضلًا عن أن يحتاج إلى مميز وما وجد في الخارج هو مميز عن غيره بنفسه المتناولة لذاته وصفاته المختصة به لا يحتاج إلى مميز آخر، وإن شابهه أو ماثله.\nوإذا قيل: هو هو، فهو، باعتبار النوع، لا باعتبار الشخص، ومعنى ذلك أن الموجود في الخارج من هذا، هو مثل الموجود في الخارج من هذا.\nفإذا قلت: هذان إنسانان، اشتركا في الإنسانية، وامتاز أحدهما عن الآخر بعينه أو بشخصه، أو ما قلت من العبارات التي تؤدي هذا المعنى، أمكن ان يقال: هذان الإنسانان اشتركا في أن كلا منهما له عين تخصه، وله شخص، ونحو ذلك، فاشتركا في التعين والتشخيص، وامتاز كل منهما عن الآخر بما يخصه من الإنسانية.","vol":"5","page":116},{"text":"وحقيقة الأمر أن كلًا منهما ماثل الآخر ووافقه في أنه إنسان معين مشخص، وكذلك إذا قدرنا موجودين: واجبًا وممكنًا، أو موجودين: واجبين أو ممكنين، فهذا الموجود وافق هذا الموجود في الوجود المطلق المشترك، بمعنى انه شابهه في ذلك، فهذا موجود: أي ثابت متحقق في الخارج، وهذا موجود: أي ثابت متحقق في الخارج، وكل منهما يفارق الآخر في نفس وجوده الذي يختص به، وهو ذاته الموجودة في الخارج، وليس بينهما اشتراك إلا في الخارج، سواء كانا متماثلين: كالسوادين وحبتي الحنطة، أو كانا مختلفين: كالسواد مع البياض، والفرس مع الإنسان.\nفإذا قيل: إن السواد والبياض، أو السوادين اشتركا في الوجود، فهو كقولنا: اشتركا في التحقيق والثبوت، وأن لكل واحد ماهية، ولا يقتضي هذا تماثلهما في شيء من الأشياء، فإن ما وجد في الخارج لكل منهما أمر يخصه، فإذا لم يكن الموجود في الخارج منهما متماثلًا، كالسواد مع البياض، لم يكونا متماثلين.\nوكذلك إذا قدر واجبان، وقيل: اشتركا في الوجوب، وامتاز أحدهما عن الآخر بالتعين.\nقيل: ما في الخارج ليس فيه اشتراك، وإنما اشتركا في وجوب","vol":"5","page":117},{"text":"مطلق كلي، كما اشتركا في تعين مطلق كلي، وهذا الواجب المعين لم يشركه غيره في وجوبه المعين، كما لم يشركه في تعينه المعين، بل كل منهما حقيقته الموجودة في الخارج هي الشيء الموجود في الخارج، كما أن حقيقه الممكن المحدث الموجودة في الخارج هي نفس الموجود في الخارج، وليس في الخارج حقيقة سوى الشيء المعين الموجود، حتى يقال: إن الوجود عارض لها أو لازم، بل إن كان الشيء الموجود في الخارج من المحدثات، كان موجودًا تارة، ومعدومًا أخرى، والموجود هي حقيقته الثابتة في الخارج، والمعدوم تلك الحقيقة وهي مجعولة مفعولة مصنوعة، وأما الحقيقة المتصورة في الذهن، فتلك هي وجوده الذهني العلمي، وتلك تحصل بالأسباب المحصلة للعلم، كما تحصل الخارجة بالأسباب المحصلة للوجود، وما ثم إلا هذا أو هذا، فتقدير حقيقة لا في العلم ولا في الوجود، تقدير مالا حقيقة له، بل هو فرض ممتنع يتصوره الذهن، كما يتصور ما لا يمكن وجوده لا في العلم ولا في الخارج، فإن تصور مالا يمكن وجوده أعظم من تصورنا ما لا يوجد، وهو متصور من هذه الجهة العامة، حتى يحكم عليه بنفي التصور الخاص، ولولا تميزه في الذهن مجملًا، لما أمكن الحكم على أفراده بالامتناع.\nويبين هذا بالكلام على النظم الذي ذكره لهم الآمدي وجعله الغاية التي لا يرد عليها شيء، وهو قوله لو كان وجوب الوجود","vol":"5","page":118},{"text":"مشتركًا بين شيئين فالشيئان إما متفقان من كل وجه، أو مختلفان من كل وجه أو متفقان من وجه دون وجه.\nإلى قوله وإن اتفقا من وجه دون وجه، ومسمى واجب الوجود هو ما اشتركا فيه، فمسمى واجب الوجود يكون مشتركًا، فإما أن يتم تحقق مسمى واجب الوجود في كل واحد من الشيئين، بدون ما به التخصيص والتايز، أو لا يتم بدونه، والأول محال، وإلا كان الأمر المطلق المشترك مشخصا في العيان بدون ما به التخصيص، وهو محال والثاني يوجب افتقار مسمى واجب الوجود إلى أمر خارج عن المفهوم من اسمه فلا يكون واجبا بذاته.\nقلت: فيقال لهم: قولكم إما أن يتم تحقيق مسمى واجب الوجود في كل واحد من الشيئين بدون ما به التخصيص، أتعنون بذلك المسمى المطلق الكلي الذي لا يوجد إلا في الذهن؟ أم تعنون به المسمى الثابت في الخارج؟\nأما الأول فلا يوجد في الخارج: لا فيهما، ولا في أحدهما، كما لا يوجد الحيوان المطلق الكلي ثابتًا في الخارج: لا في هذا الحيوان ولا هذا الحيوان.\nبل لا يوجد في الخارج إلا ما هو حيوان معين جزئي، وإنسان معين جزئي، وكذلك الإنسان المطلق الكلي، وكذلك سائر المطلقات","vol":"5","page":119},{"text":"الكلية، كالحيوان المطلق، وهم يسلمون أنها لا توجد في الخارج كلية مطلقة، وإنما يظنون أنها توجد جزءًا من المعين، وهذا أيضًا غلط، بل لا توجد إلا معينة مشخصة، وليس في المعين المشخص ما هو مطلق، ولا في الجزئي ما هو كلي، فإن كون الكلي ينحصر في الجزئي.\nوالمطلق في المعين ممتنع.\nوالآمدي قد بين فساد هذا في غير موضع من كتبه مثل كلامه على الفرق بين المطلق والمقيد، والكلي والجزئي، وغير ذلك، وزيف ظن من يظن أن الكلي يكون جزءًا من المعين، وبين خطأ من يقول ذلك، كالرازي وغيره، فلو رجع إلى اصله الصحيح الذي ذكره في الكلي والجزئي، والمطلق والمعين لعلم فساد هذه الحجة، ولكن لفرط التباس أقوالهم، وما دخلها من الباطل الذي اشتبه عليهم وعلى غيرهم، تزلق أذهان كثير من الأذكياء في حججهم، ويدخلون في ضلالهم من غير تفطن لبيان فسادها كالرازي والآمدي ونحوهما: تارة يمنعون وجود الصور الذهنية حتى يمنعوا ثبوت الكلي في الذهن وتارة يجعلون ذلك ثابتًا في الخارج.\nففي هذا الموضع أثبت الآمدي المسمى المشترك الكلي في الخارج، وفي موضع آخر ينفيه مطلقًا كما قال في إحكامه لما أراد الرد على الرازي في الأمر بالماهية الكلية: هل يكون أمرًا بشيء من جزئياتها ام","vol":"5","page":120},{"text":"لا؟ فإن الرازي ذكر أن الأمر بشيء من المعينات أن لا يكون فاعل المعين ممتثلًا، بل الأمر بجميع الأفعال: كالأمر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والعتق وإعطاء الفقراء، فإنه أمر يشيء مطلق، ومع هذا فإذا اعتق رقبة مما أمر به أجزأه، ولو صام شهرين متتابعين في أول العام أو اوسطه أجزأه بخلاف آخره، فإن فيه نزاعًا لتخلل الفطر الواجب، ومثل هذا كثير.\nوزعم الآمدي أن الأمر لا يكون بالماهية الكلية، بل لا يكون إلا أمرًا بالجزئيات، وهذا صحيح باعتبار دون اعتبار، فإذا أريد به أن لا يمكنه فعل المطلق إلا معينًا فيكون مأمورًا بأحد الجزئيات لا يعينه بطريق اللزوم، كان صحيحًا وأما إن أريد انه لم يؤمر إلا بمعين لا بمطلق، فليس بصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>قول الآمدي في الإحكام</span>\nقال الآمدي إذا أمر بفعل من الأفعال مطلقًا غير مقيد في اللفظ بقيد خاص، قال بعض أصحابنا: الأمر إنما تعلق بالماهية الكلية المشتركة، ولا تعلق له بشيء من جزئياتها، وذلك كالأمر بالبيع، فإنه لا يكون أمرًا بالبيع بالغبن الفاحش، ولا ثمن المثل، إذ هما متفقان في مسمى البيع، ومختلفان بصفتهما، والأمر إنما تعلق بالقدر المشترك، وهو غير مستلزم لما يخصص به كل واحد من الأمرين، فلا يكون","vol":"5","page":121},{"text":"الأمر المتعلق بالأعم متعلقًا بالأخص إلا أن تدل القرينة على إرادة أحد الأمرين.\nقال ولذلك قلنا: إن الوكيل في البيع المطلق، لا يملك البيع بالغبن الفاحش.\nقال الآمدي وهذا غير صحيح وذلك لأن ما به الاشتراك في الجزئيات معنى كلي لا تصور لوجوده في الأعيان وإلا كان موجودًا في جزئياته فيلزم من ذلك انحصار ما يصلح لاشتراك كثيرين فيه مما لا يصلح لذلك وهو محال.\nقال وعلى هذا فليس معنى اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي سوى أن الحد المطابق للطبيعة الموصوفة بالكلية، مطابق للطبيعة الجزئية، بل إن تصور وجوده فليس في غير الأذهان، وإذا كان كذلك فالأمر طلب إيقاع الفعل على ما تقدم، وطلب الشيء يستدعي كونه متصورًا في نفس الطالب، وإيقاع المعنى الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه فلا يكون متصورًا في نفس الطالب، فإذا الأمر لا","vol":"5","page":122},{"text":"يكون بغير الجزئيات الواقعة في الأعيان لا بالأمر الكلي.\nقال وإن سلم أن الأمر يتعلق بالمعنى الكي المشترك، وهو المسمى بالبيع، فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات فقد أتى بما هو مسمى البيع المأمور به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا الثاني صحيح، فإن الآتي ببعض المعينات قد أتى بما امر به، لكن الجمهور الذي يقولون: لا يصح بيعه بالغبن الفاحش، يقولون لم يدخل هذا البيع المعين في المسمى المطلق في عرف الناس، كما لم يدخل البيع بثمن مؤجل، وثمن محرم، ونحو ذلك.\nوأما قوله إنه لم يؤمر بكلي وإنه لا معنى لا اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي، وإلا مطابقة حد الكلي لحد جزئياته، فهذا إسراف في النفي، فإن الجزئيات تطابق حد بعضها بعضا وليس بعضها عاما مشتركا لسائرها.\nوقوله، إيقاع المعنى الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه","vol":"5","page":123},{"text":"صحيح إذا أريد به أن يجعل ذلك المعنى الذي في نفسه كليًا هو نفسه موجودًا في الخارج، وهذا غير مراد، فإن ما في النفس صفة قائمة بها لا يكون في الخارج، وإنما المراد أن يوجد في الخارج ما يطابقه، بحيث يكون ذلك المعنى الكلي الذهني متناولًا له، كما يقال: فعلت ما في نفسي، كما قال تعالى ﴿إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾ يوسف ٦٨ فالحاجة التي في نفسه إنما في نفسه تصورها وقصدها، وقضاؤها له فعل ذلك المراد المتصور، وهو امره لهم بما امرهم به من الدخول من أبواب متفرقة، ومثل هذا كثير في كلام سائر الناس.\nومنه قول عمر بن الخطاب: زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها.\nويقال: كان في نفسي أن أحج وقد فعلت ما كان في نفسي.\nوالمقصود هنا أن الآمدي هنا متعرف بأن المعنى الكي لا تصور لوجوده في الأعيان وإلا كان موجودًا في جزئياته.\nقال: يلزم من ذلك انحصار ما يصلح لا اشتراك كثيرين فيه مما لا يصلح له، وهو محال وهو كما قال فإنه إذا قال: إن المطلق جزء من المعين، والكلي موجود في الجزئي، فقد جعل الكي بعض الجزئي، وبعض الشيء ينحصر فيه.\nثم أنهم يقولون: هو جزء من هذا","vol":"5","page":124},{"text":"المعين، وهذا المعين، وسائر الجزئيات، فيلزم انحصاره في كل جزئي من جزئياته، وانحصاره في واحد يمنع وجوده في غيره، كما يمتنع وجود الجزئي في جزئي آخر، فكيف يكون منحصرًا في جزئي مع انحصاره في جزئي آخر، فإن هذا جمع بين النقيضين مرات متعددة، بل لا ينحصر كثرة.\nفلو كان الآمدي ذكر هذا في هذا الموضع، لعلم بطلان هذه الحجة التي حررها لأتباع ابن سينا في كتابيه الكبيرين، ولم يبن علتها، ولعرف حلها ولم يقتصر على معارضتها.\nوكذلك الرازي يحتج بمثل هذه كثيرًا مع أنه ينقضها كثيرًا، كما قال في ملخصه حكاية عن المتفلسفة: أما الكلي العقلي، فالمشهور أن الصورة الذهنية أي وجوده بما هو هو في الذهن فقط لا في الخارج قالوا في بيان ذلك إن الأمر الموصوف بالكلية موجود: إما في الذهن، وإما في الخارج، وإلا لكان عدمًا صرفًا، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون مشتركا فيه بين كثيرين، ومحال أن يكون موجودًا في الخارج، لأن كل موجود في الخارج فهو مشخص معين، ولا شيء من المشخص المعين بمشترك فيه بين كثيرين، ينتج لا شيء من الموجود في الخارج بمشترك فيه بين كثيرين، وكل كلي مشترك فيه بين","vol":"5","page":125},{"text":"كثيرين، فلا شيء من الموجود في الخارج بكلي، ولما بطل كون الكي موجودًا في الخارج، تعين كونه موجودًا في الذهن فهذا الكلام الذي ذكره الرازي وحكاه عن الحكماء هنا، كلام صحيح.\nولو التزموا موجبه لم يقولوا: إن في الخارج شيئًا مشتركًا كليًا، ولا أن الإنسانية الكلية موجودة في الخارج، ولا أن الواجبين أو الموجودين إذا اشتركا في مسمى الوجود والوجوب، كان ذلك المشترك الكلي متحققا في الخارج، واحتاج حينئذ إلى ما به الامتياز.\nوتناقض القوم أكثر من أن يمكن ذكره هنا، ومن تصور هذا المعنى علم بالاضطرار أن هذا الإنسان المعين، هو حيوان معين وجسم معين وناطق معين وأنه ليس فيه شيء كلي مطلق، مشترك بينه وبين غيره، ولا الكلي المطلق المشترك بين الأعيان جزء منه، ثابت في الخارج، ومن جعل المطلقات الكلية ثابتة في الخارج وجزءًا من العينات، وأثبت في المعينات أمورًا مطلقة، فلا ريب أنه لم يتصور ما قال، أو هو فاسد العقل بأي عبارة عبر عن ذلك، مثل أن يقول: الماهية الكلية يعرض لها التعين، او هي معروضة التعين، أو هي غير مانعة من التعين، أو جعلوا الكلية عارضة للتعين، كقولهم: معروض الكلي في الخارج، فإنهم لما ظنوا أن في الخارج كليًا ومعينًا، صاروا تارة","vol":"5","page":126},{"text":"يجعلون هذا عارضًا لذاك، وتارة يجعلون ذاك عارضا لهذا، ويقولون: الماهية يعرض لها أن تكون كلية وجزئية.\nوحقيقة الأمر أن الماهية الكلية إنما تكون كذلك في الذهن وما في الذهن لا يوجد في الخارج إلا معينًا، ومعنى وجوده وجود ما يطابقه: مطابقة العلم للمعلوم، والاسم للمسمى، والإرادة للمراد، وإلا فعاقل يتصور ما يقول لا يقول: إن الكليات توجد في الخارج إلا إذا أراد به أن ما هو كلي في الأذهان يكون ثابتًا في الأعيان، لكن معينًا وهؤلاء ينكرون على من يقول: المعدوم شيء ثابت في الخارج.\nوقوله وإن كان باطلًا فقولهم أفسد منه وإن كانا يشربان من عين واحدة، وهو اشتباه ما في الأذهان بما في الأعيان.\nوكذلك الذين أثبتوا الأحوال في الخارج، وقالوا: هي لا موجودة ولا معدومة، شربوا أيضًا من هذه العين، وكذلك من ظن اتحاد العالم بالمعلوم، والمحب بالمحبوب، والعابد بالمعبود، كما وقع لأهل الاتحاد المعين قد شرب من هذه العين المرة المالحة أيضًا وكذلك من قال بالاتحاد المطلق تصور وجودًا مطلقًا في نفسه، فظن أنه في الخارج، فهؤلاء كلهم شربوا من عين الوهم والخيال، فظنوا أن ما يكون في وهمهم وخيالهم هو ثابت في الخارج.\nهذا وهم ينكرون على أهل العقول السليمة والفطر المستقيمة إذا","vol":"5","page":127},{"text":"أنكروا وجود قائم بنفسه موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يشار إليه، ويزعمون أن نفي هذا من حكم الوهم والخيال التابع للحس، فإذا طولبوا بدليل يدل على إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، كان ملجؤهم وغياثهم هي هذه الكليات، كما فزع إليها ابن سينا ومن أخذ ذلك عنه الرازي وأتباعه مثل الأصبهاني وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>قول ابن سينا في الإشارات عن الكليات</span>\nقال ابن سينا في أول النمط الرابع الذي هو في الوجود وعلله اعلم أنه قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس وأن ما لا يناله الحس بجوهره ففرض وجوده محال وأن ما لا يتخصص بمكان أو بوضع بذاته كالجسم أو بسبب ما هو فيه كأحوال الجسم فلا حظ له في الوجود وأنت يتاتى لك أن تتأمل نفس المحسوس فتعلم منه بطلان قول هؤلاء إنك ومن يستحق أن يخاطب تعلمان أن هذه المحسوسات قد يقع عليها","vol":"5","page":128},{"text":"اسم واحد لا على سبيل الاشتراك الصرف بل بحسب معنى واحد مثل اسم الانسان فإنكما لا تشكان في أن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود فذلك المعنى الموجود لا يخلو إما أن يكون بحيث يناله الحس أولًا يكون فإن كان بعيدًا من أن يناله الحس فقد أخرج التفتيش من المحسوسات ما ليس بمحسوس وهذا أعجب.\nوإن كان محسوسًا فله لا محالة وضع وأين ومقدار معين وكيف معين لا يتأتي أن يحس بل ولا أن يتخيل إلا كذلك فإن كل محسوس وكل وكل متخيل فإنه يتخصص لا محالة بشيء من هذه الأحوال وإذا كان كذلك لم يكن ملائمًا لما ليس بتلك الحال فلم يكن مقولًا على كثيرين يختلفون في تلك الحال فإذا الإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة بل هو من حيث حقيقته الأصلية التي لا تختلف فيها الكثرة غير محسوس بل معقول صرف وكذلك الحال في كل كلي.\nقال ولعل قائلًا منهم إن الإنسان إنما هو إنسان من حيث له اعضاء من يد ورجل وعين وحاجب ومن حيث هو كذلك فهو محسوس فننبهه ونقول إن الحال في كل","vol":"5","page":129},{"text":"عضو مما ذكرته أو تركته كالحال في الإنسان نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت يقال له قولك قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس إما أن تريد أن الوجود هو ما أحس الشخص المعين أو ما يمكن إحساسه في الدنيا أو ما يمكن الإحساس به ولو بعد الموت فأما الأول فلا يقوله عاقل فإنه ما من عاقل إلا ويعلم إما بخبر غيره وإما بنظره وقياسه ما لم يعلمه بحسه ومن حكى عن الراهمة أو غيرهم من الأمم انهم حصروا الموجودات في المحسوسات بمعنى انه ما لم يحسه الشخص المعين لا يصدق به وانه لا يصدق بالأخبار المتواترة وغيرها فلم يفهم مرادهم فإن أمة من الأمم لها بلاد يعيشون فيها لا بد أن يميز الرجل بين أمة وأبيه وأن يعرف من حوادث بلده وسير ملوكهم وعاداتهم ما لا يعرفه إلا بالخبر وهذا نظير إلا بالخبر وهذا نظير حكاية من حكى أن أمة من الأمم يقال لهم السوفسطائية ينسبون إلى رجل يقال له سوفسطا يجحدون الحقائق أو علمهم بجميع الحقائق أو يقفون أو يجعلون الحقائق مطلقًا تابعة للعقائد فإن هذا لا يتصور أن تكون عليه أمة من الأمم لهم بقاء في الدنيا وإنما السفسطة كلمة معربة أصلها سوفسقيا وهي كلمة يونانية أي حكمة مموهة بالسفسطة أي الكلام الباطل المشبه للحق وهذا يعرض لكثير من الناس أو لأكثرهم في كثير من الأمور لا في جميعها فإنه كما تعرض الأمراض","vol":"5","page":130},{"text":"للأبدان كذلك تعرض الأمراض للنفوس مرض الشبهات والشهوات.\nوفي الحديث المأثور: إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات، رواه البيهيقي مرسلًا، وزاد فيه بعضهم: ويحب السماحة، ولو بكف من تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل الحيات.\nولكن البراهمة أنكرت ما سوى هذا الموجود المحسوس، كما هو قول الطبيعية من الفلاسفة، وقول الفرعونية ونحوهم، وهذا هو المردود عليهم، وسيأتي بيان ذلك في حكاية الإمام أحمد مناظرتهم لجهم، ويمكن أن الراهمة أو بعضهم قال مالا يمكن معرفته بالحس ألبته فهو ممتنع وهذا قول أكثر أهل الأرض من أهل الملل وغيرهم، وهو القول الذي أنكره ابن سينا وأراد إبطاله.\nلكن هؤلاء نوعان: منهم من أنكر مالا يحسه عموم الناس في الدنيا، حتى أنكر الملائكة والجن، بل وجحد رب العالمين سبحانه، فهؤلاء هم الكفار الدهرية المعطلة المحضة.\nوابن سينا وأمثاله يردون على هؤلاء لكن يردون عليهم أحيانا بحجج فاسدة.\nوهذا هو القسم الثاني، وهو إنكار الإنسان مالا يحس في الدنيا.\nوأما القسم الثالث، وهو أن الموجود هو ما يمكن الإحساس به، ولو في الآخرة، وأن ما أخبرت به الرسل من الغيب، كما أخبرت به عن الجنة والنار وعن الملائكة، بل وإخبارهم عن الله تعالى، هو مما يمكن معرفته بالحس، كالرؤية.","vol":"5","page":131},{"text":"فهذا قول جماهير أهل الإيمان بالرسل، وسلف الأمة وأئمتها، فإنهم متفقون على أن الله يرى في الآخرة عيانا، كما يرى الشمس والقمر، وأنه لا يلزم من تعذر رؤية الشيء في حال تعذر رؤيته في حال أخرى، بل قد يرى الشيء في حال دون حال، كما أن الأنبياء يرون مالا يراه غيرهم من الملائكة وغيرها، بل والجن يراهم كثير من الناس.\nوإن ادعى أن من الموجودات القائمة بأنفسها مالا يمكن أن يعرف بالإحساس في حال من الأحوال، فهذا قول باطل، ولا دليل له لعيه، وهذا قول الجهمية الذين ينكرون رؤية الله تعالى.\nوقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على بطلان قولهم، وفساد قولهم يعلم بالعقل الصريح، كما يعلم بالنقل الصحيح، وهؤلاء في نفس الأمر من أجهل الناس وأضلهم، وإن كانوا عند أنفسهم من أعقل الناس وأعرفهم، فهم كما قال تعالى: ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ غافر ٥٦.\nوكما قال تعالى ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون﴾ البقرة ١٣.\nوقوله: ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ غافر ٨٣.","vol":"5","page":132},{"text":"وأما حجته على إثبات وجود ما ليس بمحسوس، فقد احتج بالكليات.\nفيقال له: قولك: إن هذه المحسوسات يقع عليها اسم واحد بحسب معنى واحد، مثل اسم الإنسان، فإن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود.\nفيقال له: لأتعني أن هذا المعنى الواحد الذي يشترك فيه زيد وعمرو، هو معنى واحد قائم بالعالم كالإنسان؟ كما أن لفظ إنسان قائم بالناطق، وكما أن خط زيد قائم باللوح الذي فيه الخط؟\nأم تعني أن ذلك المعنى الواحد هو موجود في الخارج، في زيد وعمرو أو في غيرهما؟\nأما الأول فصحيح ولاحجة لك فيه.\nوأما الثاني فقولك في المعنى كقول من يطرد قولك، ويجعل لفظ الإنسان الواقع على زيد وعمرو موجودًا في الخارج قائمًا بزيد وعمرو ويجعل الخط المطابق للفظ ثابتًا في الخارج عن اللوح، قائما بزيد وعمرو، إذا كل عاقل يعلم أن الخط مطابق للفظ، وأن اللفظ مطابق للمعنى، وأن عموم المعنى الواحد كعموم اللفظ الواحد المطابق له.\nفإذا قال القائل إنسان كان للفظه وجود في لسانه وللمعنى وجود في ذهنه ووقوعه هذا على زيد وعمرو كوقوع هذا على زيد وعمرو وهذا هو المعنى الذي سميته معقولًا، وجعلته معقولًا صرفًا،","vol":"5","page":133},{"text":"وهل يكون المعقول الصرف إلا في الحي العاقل؟ فإن المعقول الصرف الذي لا يتصور وجوده في الحس هو مالا يوجد إلا في العقل، وما لا يوجد إلا في لاعقل لم يكن موجودًا في الخارج عن العقل، فالتفتيش الذي أخرج من المحسوس ما ليس بمحسوس، أخرج منه المعقولات المحضه التي يختص بها العقلاء، وهي الكليات الثابتة في عقول العقلاء، فإن الإنسان إذا تصور زيدًا أو عمرًا ورأى ما بينهما من التشابه انتزع عقله من ذلك معنى عامًا كليًا معقولًا، لا يتصور أن يكون موجودًا في الخارج عن العقل.\nفهذا هو وجود الكليات، وهذه الكليات المعقولة أعراض قائمة بالذات العاقلة، بل يمكن وجود أعيان في الخارج من غير أن يعقل الإنسان كلياتها، ويمكن وجود كليات معقولة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج، كما يعقل الأنواع الممتنعة لذاتها وغير ذلك، فمن استدل على إمكان الشيء ووجوده في الأعيان، بإمكان تصوره في الأذهان، كان في هذا المقام أضل من بهيم الحيوان.\nقال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾ الأعراف: ١٧٩، وقال تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات﴾ الأنعام ٣٩.","vol":"5","page":134},{"text":"وقال تعالى ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ الحج ٤٦.\nوقال تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ الفرقان ٤٤.\nوقال تعالى: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ الأحقاف ٢٦.\nوقولهم: فالإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة بل من حيث الحقيقة الأصلية التي لا يختلف فيها الكثرة غير محسوس، بل معقول صرف.\nوكذلك الحال في كل كلي هو من الأقوال الملبسة، فإن هذه الحقيقة إما أن تعني بها ما يتصوره المعقول من الإنسان، أو ما يوجد منه، أو شيء ثالث.\nفأما شيء ثالث فلا حقيقة له، فإن كان له حقيقة فبينوها.\nفإنا نعلم بالاضطرار أنه ما في الوجود إلا ما هو موجود في نفسه، أو ما هو متصور في الذهن إذ العقل أو العلم ونحو هذه الأمور مما ليس","vol":"5","page":135},{"text":"بحاصل في العلوم والأذهان، ليس بموجود في الأعيان فلا حقيقة له البتة ولكن الناطق بهذه العبارة يتصور في نفسه مالا حقيقة له، كتصور إنسان ليس بموجود في الخارج.\nفإذا قلت: الإنسان من حيث هو هو، مع قطع النظر عن ثبوته في العلم أوالعين.\nقلت لك: تقديره مطلقًا لا بشرط من حيث هو هو - هو أيضًا من تقديرات الأذهان فإذا كان مالا يوجد إلا مقدرًا في الأذهان وفرضته غير مقدر في الأذهان جمعت بين النقيضين.\nفإن قلت: أنا يمكنني أن أتصور إنسانًا مطلقًا، مع قطع النظر عن وجوده في الذهن والخارج.\nقلت: تصوره مطلقا غير مقيد بالذهن ولا بالخارج شيء، وتصوره مقيدا بسلب الذهن والخارج شيء آخر.\nفأما الأول فأنت لم تتصور معه سائر لوازمه، وتصور الملزوم دون لوازمه ممكن، كما تتصور إنسانًا مع قطع النظر عن وجوده وعدمه، وإن كان لا يخلو عن واحد منهما، فهذا تصور للشيء دون لوازمه.\nوأما تصوره مقيدًا بسلب الوجود الذهني والخارجي، فهو من باب تصور الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين وهو كتصور إنسانا مقيد بكونه لا موجودًا ولا معدومًا ومجرد فرض هذا ف بالذهن يوجب العلم بامتناعه.\nوأما الأول فلا يوجب تصور الملزوم بدون لازمة، إمكان وجوده في","vol":"5","page":136},{"text":"الخارج بدون لازمة، فكونه إما في الذهن وإما في الخارج هو من لوازمه، ويمكن تصور الملزوم فإن عدم العلم بالشيء ليس علمًا بعدمه وهذا كما يمكنك تصور إنسان مع قطع النظر عن وجوده وعدمه، وإن كان لا بد له إما أن يكون موجودًا أو معدومًا لامتناع الخلو عن النقيضين.\nوهؤلاء يجعلون تقدير الذهن للممتنعات حجة على ثبوتها، ويشبهون الوجود الواجب بالوجود الممتنع.\nوهذا كما أن الإنسان يتصور علمًا مطلقًا وقدرة مطلقة، مع علمه بان ذلك لا يكون إلا بذات حية عالمة قادرة.\nوكذلك يتصور الإنسان حيوانًا مطلقًا، ولا يتصور مع ذلك انه ناطق أو بهيم، ولا يخلد ولا يموت، ولا يعلم ولا يجهل، ولا يعجز ولا يقدر، ولا يسكن ولا يتحرك، فهل يستدل بتصوره ذلك في عقلة على أنه يوجد؟ أو يمكن أن يوجد في الخارج حيوان مطلق يخلو عن هذه المتقابلات كلها، فلا يموت ولا يخلد، ولا يقدر ولا يعجز؟\nومن المعلوم أن مقدرات الأذهان ومتصورات العقول يحصل فيها مالا وجود له في الخارج، تارة بأن لا يوجد ما يطابقه وهو الوهم، وتارة مع وجود ما يطابقه، كمطابقة الاسم للمسمى، والعلم للمعلوم،","vol":"5","page":137},{"text":"وهو مطابقة ما في الذهن لما في الخارج، ومطابقة الصورة العلمية لمعلوماتها الخارجية.\nوإذا قيل في هذه الصورة إنها كلية فهو كقولنا في الاسم إنه عام.\nوالمراد بذلك أنها مطابقة لأفرادها، مطابقة اللفظ العام والمعنى العام لأفراده ن وهي مطابقة معلومة متصورة لكل عاقل، لا تحتاج إلى نظير، وإذا شبهت بمطابقة الصورة التي في المرآة، أو مطابقة نقش الخاتم للشمع ونحو ذلك، كان ذلك تقريبًا وتمثيلًا، وإلا فالحقيقة معلومة، وكل عاقل يعلم مثل هذا من نفسه.\nواعلم أنه بالكلام على هذه الحجة التي لهؤلاء المتفلسفة في التوحيد يتبين الكلام على حجتهم الثانية، وهي قولهم: لو كان واجبان لا يشتركان في مسمى الوجوب، وامتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه فكان كل منهما مركبًا مما به الاشتراك ومما به الامتياز والمركب مفتقر إلى جزئه فلا يكون واجبًا.\nفإنه يقال لهم: إنما اشتركا في المطلق الذهني، لم يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود في الخارج، حتى يكون في ذلك الموجود تركيب، وكل منهما يمتاز عن الآخر بالوجوب الذي يخصه، كما امتاز عنه بحقيقته التي تخصه والوجود الذي يخصه.","vol":"5","page":138},{"text":"ويقال لهم: هذا كاشتراك الموجود الواجب والموجود الممكن في مسمى الوجود مع امتياز هذا بما يخصه وهذا بما يخصه، فإن الوجوب المشترك الكلي ليس هو ثابتًا في الخارج، بل للواجب وجود يخصه، وللممكن وجود يخصه، كما أن لهذا حقيقة تخصه، ولهذا حقيقة تخصه.\nوكذلك إذا قيل لهذا ماهية تخصه ولهذا ماهية تخصه، فإنهما يشتركان في مسمى الماهية، ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يختص به وإنما اشتركا في المسمى المطلق الكلي، وامتاز كل منهما عن الآخر بالوجود الذي في الخارج، وذلك لا يكون إلا في الذهن، وما امتازا به هو موجود في الخارج وقد يتصور في الذهن، فإن ما في الخارج يتصور في الذهن، وليس كل ما يتصور في الذهن يكون في الخارج، فلم يكن ما به الاشتراك مفتقرًا إلى ما به الامتياز، ولا ما به الامتياز مفتقرًا إلى ما به الاشتراك، بل لاشركة في الأعيان الموجودة الجزئيات، ولا امتياز في الكليات المطلقة بالمعقولات، أعني من حيث تناولها وشمولها لأفرادها بل تناولها لأفرادها تناول واحد وشمولها شمول واحد.\nوهذا المعنى الواحد الشامل هو كاللفظ الواحد الشامل العام، واشتراك الموجودين في الوجود أو الواجبين في الوجوب، مع ما بينهما ف بالخارج من الامتياز والاختصاص، كاشتراك اللونين في اللونية، مع أن هذا في الخارج سواد، وهذا بياض","vol":"5","page":139},{"text":"فإذا قلت: السواد مركب من اللونية والسوادية، كما تقول: الموجود مركب من الحيوانية والناطقية.\nقيل لك أتعني أنه مركب من لونية مطلقة لا تخصه، ومن السوادية التي تخصه، ومن الوجود المطلق الذي لا يخصه والوجوب الذي يخصه ومن الحيوانية المطلقة التي لا تخصه والناطقية التي تخصه؟ أم مركب من نفس لونيته الخاصة وسواديته ومن نفس وجوده الخاص ووجوبه ومن الحيوانية التي تخصه وناطقيته؟\nفأما الأول فباطل، فإنه ليس فيه شيء مطلق: لا لونية مطلقة ولا حيوانية مطلقة، ولا وجودية مطلقة.\nوإن عنيت الثاني فلونيته الخاصة وسودايته متلازمان، وكذلك حيوانيته الخاصة وناطقيته وكذلك وجوده الخاص ووجوبه فكما لا يمكن تقدير هذا اللون المعين الذي هو سواد بدون السواد فلا يمكن تقدير هذا الحيوان المعين الذي هو ناطق بدون النطق ولا يمكن تقدير هذا الموجود المعين الذي هو واجب بدون الوجود، فإن هذا الحيوان هو الحيوان المعين والواجب هو الموجود المعين، ولا يتميز في الخارج سواد من لون، كما لا يتميز ناطق عن حيوان، ولا","vol":"5","page":140},{"text":"وجود عن وجوب، بل الذهن يعقل ما بين هذا السواد وسائر الألوان من المشابهة في اللونية، ويميز بين ذلك ما يعقله ما بين هذا السواد وسائر الألوان من المشابهة في اللونية، ويميز بين ذلك ما يعقله بينه وبين سائر السوادات من المشابهة، ويضم هذا إلى هذا، وهو تركيب عقلي اعتباري، وكذلك يعقل ما بين هذا الإنسان وغيره من الحيوان من المشابهة في الحيوانية وما بينه وما بين سائر الإناسي من المشابهة في الإنسانية، ويضم هذا إلى هذا، وهو تركيب عقلي اعتباري.\nومن قال: إن الإنسان مركب من الحيوان والناطق، وهو يعقل ما يقول، فإنما يعني هذا التركيب ونحوه، وليس ذلك تركيبًا في الوجود الخارجي، ولا في الوجود الخارجي جزء لهذا المركب متميز عن كله، ولا جزء سابق لكل، بل هذه الأمور إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان، فهذه التركيبات مركبة من تلك الكليات.\nوالكليات الخمسة: الجنس والنوع والفصل، والخاصة والعرض العام، إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان.\nكذلك التركيب الذي يوجد في بعض هذه مع بعض، فإن أجزاء المركب، التي هي الكليات، لا تكون إلا في الذهن فالمركب من الكليات الذهنية أولى أن لا يكون إلا ذهنيًا.\nوهؤلاء المتفلسفة المنطقيون نفوا حقيقة واجب الوجود وصفاته معتقدين أنهم موحدون لذاته وقالوا هو منزه عن التركيب لافتقار المركب إلى جزئية.","vol":"5","page":141},{"text":"والتركيب يقع عندهم كما ذكره ابن سينا وغيره، وذكره الغزالي عنهم في تهافت الفلاسفة وغيره على خمسة أنواع أحدها: تركيب الموجود من الوجود والماهية.\nوالثاني: تركب الحقيقة من الأمور العامة والخاصة: كالوجود العم، والوجوب الخاص.\nوالثالث: تركب الذات الموصوفة من الذات والصفات.\nوالرابع: تركب الذات القائة بنفسها، المباينة لغيرها المشار إليها: من الجواهر المنفردة التي يقال إنها مركبة منها.\nوالخامس: تركبها من المادة والصورة التي يقال أنها مركبة منها.\nوقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبينا أنه يمتنع وجود موجود قائم بنفسه: سواء كان واجبًا أو ممكنًا بدون ثبوت هذه المعاني التي سموها تركيبا وإن تسميتهم لذلك تركيبًا غلط منهم.\nوإن قالوا: هو أصطلاح اصطلحنا عليه فلا ترتفع بسب غلط الغالطين وأوضاعهم اللفظية الحقائق الموجودة والمعاني العقلية.\nوأنه ليس في العقل ما يمنع ذلك بل العقل يصدق السمع الدال على إثبات صفات الله تعالى ومباينته لمخلوقاته، وأن العقل أثبت موجودًا واجبًا بنفسه غنيًا عما سواه\nوأما كون ذلك الموجود لا يكون إلا حيًا عالمًا قادرًا، أو لا يكون إلا","vol":"5","page":142},{"text":"موصوفًا بصفات لازمة لذاته، ولا يكون إلا مباينًا لمخلوقاته فالعقل يوجب ذلك الوجود، لا نحيله عليه، وأن ما ذكروه من إثبات وجود مطلق بشرط الإطلاق، أو بسلب الأمور الثبوتية عنه، ليس له حقيقة ولا ماهية، سواء مطلق الوجود، أو الوجود المسلوب عنه الأمور الثبوتية، وهو أمر يمتنع تحققه في الخارج.\nوإنما يكون في الأذهان لا في الأعيان.\nوهذا هو الواحد الذي قالوا: لا يصدر عنه إلا واحد.\nفإنه يمتنع تحققه في الخارج.\nوكذلك الواحد البسيط الذي يتركب منه الأنواع هو أيضًا مما لا يتحقق إلا في الأذهان.\nومتكلموا أهل الإثبات إذا قالوا: وجوده عين حقيقته أو ماهيته أو ليس وجوده زائدًا على ماهيته، فليس مرادهم بذلك مراد المتفلسف الجهمي، الذي يقول إنه وجود مطلق، فإن الوجود المطلق لا حقيقة له في الخارج.\nولكن مرادهم بذلك ما يريدونه بقولهم: إن حقيقة الإنسان هي وجوده الموجود في الخارج وحقيقة السواد هو السواد الوجود في الخارج ونحو ذلك ومرادهم بذلك أن الشيء الموجود في الخارج الذي له حقيقة تخصه وجوده الثابت في الخارج هو تلك الحقيقة الخاصة فوجوده المختص به هو حقيقته المختصة كما أن الوجود المطلق كلي عام، والحقيقة المطلقة كلية عامة، ونفس حقيقة الإنسان والجسم وغيرهما، ليست","vol":"5","page":143},{"text":"هي وجودًا مطلقًا وإن كانت حقيقته نفس وجوده فكيف يكون رب العالمين حقيقته وجود مطلق لا يتصور إلا في الذهن؟\nبل هو ﷾ مختص بحقيقته التي لا يشركه فيها غيره ولا يعلم كنهها إلا هو وتلك هي وجوده الذي لا يشركه فيه غيره ولا يعلم كنهه إلا هو.\nوالناس إذا علموا وجودًا مطلقًا أو حقيقة مطلقة، فذلك هو الكلي العام الشامل، ليس هو نفس الحقيقة الموجودة في الخارج.\nوكذلك تركب الحقيقة من الصفات العامة والخاصة، إنما هو تركيب في الذهن تركيب ذهني عقلي اعتباري.\nوكذلك تركب الموصوف من الذات ولاصفات إنما يكون تركيبًا لو كان هناك ذات مجردة عن تلك الصفات، أو لو أمكن وجود ذلك فأما الذات التي لا تكون إلا حية عالمة فلا يتصور أنفكاكها عن الحياة والعلم، حتى نقول إن الذات تركيب مع الصفات.\nوكذلك أيضًا الماهية المشار إليها القائمة بنفسها المباينة لغيرها، إنما يقال هي مركبة من الأجزاء المنفردة، أو من المادة والصورة، ولو كان لهذا التركيب حقيقة، فأما إذا كان الجوهر الفرد باطلًا، وتركب الجسم من الجوهرين: المادة والصورة باطلًا، والأمور المشار إليها المباينة لغيرها من المخلوقات: كالشمس والقمر ليس هو مركبًا من أجزاء منفردة، ولا من جوهرين: مادة وصورة فكيف يظن برب العالمين أنه مركب من ذلك؟","vol":"5","page":144},{"text":"وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن الأعيان القائمة بأنفسها خلقها الله تعالى كذلك ليس فيها أجزاء تركبت منها لكن يمكن أن يفرقها الله ويجزئها إلى أن يتصاغر جدًا ثم يستحيل إلى نوع آخر من أن ذلك الجزء الصغير يتميز منه شيء عن شيء وليس في الوجود عين قائمة لا يتميز منها شيء عن شيء.\nوالصورة إما صورة عرضية كشكل فالمادة هنا هو الجسم نفسه وغما الصورة التي هي المصور كالإنسان نفسه والمادة فيها ليس لها جوهر يحملها بل مادتها ما منه خلقت وتلك استحالت إلى صورة أخرى وفني الأول وعدم كما يفنى المني إذا صار إنسانًا وليس بين ما استحال منه واستحال إليه شيء باق بعينه وإنما يشتركان في أمور نوعيه كالمقدار ونحوه.\nوالمركب المعقول هو ما كان مفترقًا فركبه غيره كما تركب المصنوعات من الأطعمة والثياب والأبنية ونحو من أجزائها المفترقة.\nوالله تعالى أجل وأعظم من أن يوصف بذلك بل من مخلوقاته ما لا يوصف بذلك ومن قال ذلك فكفره وبطلان قوله واضح.\nوقد يقال المركب على ما له أبعاض مختلفة كأعضاء الإنسان","vol":"5","page":145},{"text":"وأخلاطه وإن كان خلق كذلك مجتمعًا لكنه يقبل التفريق والانفصال والانقسام والله مقدس عن ذلك.\nوقد يقال المركب على ما يقبل التفريق والانفصال وإن كان شيئًا بسيطًا كالماء والله مقدس عن ذلك.\nفهذا هو التركيب المعقول في اللغة والاصطلاح فأما المركب في اللغة فهو الأول خاصة ولكن هذا المعنى لم يريدوه لفظ المركب.\nوالثاني والثالث قد يسميه طائفة من أهل العلم مركبًا فأما الذات المتصفة بصفات لازمة لها التي لها حقيقة تمتاز بها عن سائر الحقائق وتباين غيرها من الموجودات من غير أن يجوز عليها تفريق وتبعيض وتجزئة وتقسيم فهذه لو قدر أنها مخلوقة لم تكن مما يسمى مركبًا في اللغة المعروفة والاصطلاح.\nوإذا سمى مسم هذه مركبًا كان إما غالطًا في عقله لاعتقاده اشتمالها على حقيقتين وجودها وحقيقتها المغايرة لوجودها أو على حقيقتين ذات قائمة بنفسها معقولة مستغنية عن صفاتها وصفات زائدة عليها قائمة بها أو على جواهر منفردة أو معقولة أو نحو ذلك من الأمور التي يثبتها طائفة من الناس ويسمونها تركيبًا.","vol":"5","page":146},{"text":"وجمهور العقلاء يخالفونهم في إثبات ذلك فضلًا عن تسميته تركيبًا ولو سلم لهم ثبوت ما يدعونه لم تكن تسميته مركبًا من اللغة المعروفة بل هو واضح اصطلحوا عليه فإن الجسم الذي له صفات كالتفاحة التي لها لون وطعم وريح لا يعرف في اللغة المعروفة إطلاق كونها مركبة من لونها وطعمها وريحها ولا تسمية ذلك أجزاء لها ولا يعرف في اللغة أن يقال إن الإنسان مركب من الطول والعرض والعمق بل ولا أنه مركب من حياته ونطقه إلى أمثال ذلك من الأمور التي يسميها من يسميها من أهل الفلسفة والكلام تركيبًا إما غلطًا في المعقولات وإما اصطلاحًا انفردوا به عن أهل اللغات.\nفليس لهؤلاء أن ينفوا ما علم ثبوته بالشرع والدعاء ومضاهاة للمشركين والنصارى والصابئين الذين ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ التوبة: ٣١.\nوهذه الشفاعة التي أثبتها المشركون وأبطلها القرآن رأيت من هؤلاء المتفلسفة نفاة الصفات كابن سينا ومن ضاهاهم في بعض الأمور","vol":"5","page":147},{"text":"التي يجعلونها علومًا مضنونًا بها على غير أهلها قد أثبتوا هذه الشفاعة الشركية وهذه الوسائط الإفكية مع أن القرآن العزيز مملوء من ذم أهلها قال تعالى ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون﴾ الزمر: ٤٣- ٤٤.\nوقال تعالى ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ يونس: ١٨.\nوقال تعالى ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾ الأنعام: ٩٤.\nوقال تعالى ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ آل عمران: ٨٠.\nوقال تعالى ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم","vol":"5","page":148},{"text":"الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ الإسراء: ٥٦ و٥٧.\nوقال تعالى ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ سبأ: ٢٢، ٢٣.\nفنفي أن يكون لغيره معه ملك أو شريك في الملك أو مظاهرة له ولم يثبت من الشفاعة النافعة إلا ما كان بإذنه وهذه الشفاعة التي يؤمن بها المؤمنين كشفاعة نبينا محمد ﷺ يوم القيامة فإنه بإتفاق أهل السنة والجماعة له شفاعات في القيامة حتى يشفع في أهل الكبائر من أمته كما استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة كما كان يدعو ويشفع لهم في حياته.\nوكذلك يشفع غيره ممن يأذن الله له في الشفاعة لكن ليست هي الشفاعة التي يثبتها أصناف المشركين من غير أهل الكتاب والصابئين ومن ضاهاهم من أهل الكتاب كالنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة كالمتفلسفة والملاحدة والإسماعلية وكأهال المضنون به وغيرهم فإنهم جعلوا الشفاعة تنفع بدون دعاء الشافع لله وبدون إذن الرب له في الشفاعة كما تقدم.","vol":"5","page":149},{"text":"والله تعالى يقول ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ البقرة: ٢٥٥.\nوقال تعالى ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ الأنبياء: ٢٨، وأمثال ذلك في كتاب الله ﷿.\nوهنا جواب آخر عن أصل الحجة وهو أن يقال هب أن الشيئين يشركان في شيء موجود في الخارج ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه وأن الكلي المشترك بينهما ثابت في الخارج، وأن أحدهما إما أن يكون لازمًا للآخر أو ملزومًا، أو عارضًا، أو معروضًا، فلم لا يجوز أن يكون المشترك لازمًا للمعين بل وملزومًا له بحيث يكون كل من المشترك والمختص مشروطًا بالآخر والشرط لا يجب تقدمه على المشروط؟\nوهذا كما أن الحيوانية مع الناطقية والصاهلية كل منهما مشروط بالآخر فلا يوجد المختص الذي هو الناطقية والصاهلية إلا مع الحيوانية ولا توجد حيوانية إلا مع بعض ذلك.\nوليس المراد بكون المشترك مشروطًا بالمختص أنه بهذا المعين بل مشروط إما بهذا وإما بهذا فالمشترك من حيث مشروط بأحدهما لا بعينه ومن حيث تشخصه وتعينه مشروط بما لقترن به من التعين.","vol":"5","page":150},{"text":"وهذا ثابت في كل شيئين اتفقا في شيء وافترقا في شيء ولا حيلة لهم فيه وذلك أن كون الشيء لازمًا للآخرين أعم من كونه علة أو معلولًا أو لا علة ولا معلولًا فليس كل لازم معلولًا فإذا كان كل من الوجوبين لازمًا لمعينه لم يجب أن يكون الواجب معلولًا ولا يكون الملزوم علة.\nوبهذا يتبين فساد مقدمته الثانية التي قال فيها يجوز أن تكون ماهية الشيء سببًا لصفة من صفاته وأن تكون الصفة سببًا لصفة أخرى ولكن لا يجوز أن يكون الوجود بسبب ماهيته التي ليست من الوجود أو بسبب صفة أخرى لأن السبب يتقدم في الوجود ولا يتقدم بالوجود قبل الوجود.\nفإنه يقال له لفظ السبب قد تعني به العلة الموجبة وقد تعني به الشرط فإن عنيت به الأول لم يجعل مسببًا عن غيره لئلا يلزم تقدم غير الوجود الواجب عليه.\nوإن عنيت بالسبب الشرط فالشرط لا يجب تقدمه على مشروط بل يجوز مقارنته للمشروط فالأمور المتلازمة كالمتضايقات كل منها لا يوجد إلا مع الآخر فوجوده مشروط به من غير تقدم أحدهما على الآخر.\nوكذلك أنتم تقولون إن المادة مع الصورة كل منهما شرط في","vol":"5","page":151},{"text":"الآخر من غير تقدمه عليه والمسلمون يقولون إن العلم والقدرة مشروط بالحياة وكلاهما صفة لازمة لله تعالى لا يجوز تقدمها على الأخرى بالوجود.\nوإذا كان كذلك وقدر أن للواجب حقيقة مغايرة للوجوب فلم لا يجوز أن يكون وجوده الواجب مشروطًا بتلك الحقيقة التي هي أيضًا مشروطة به من غبر أن يكون الوجود الواجب مسبوقًا بوجود غيره، كما يقولون في وجود الممكن إذا قلتم إنه زائد على ماهيته إن ماهيته لا تنفك عن وجوده كما لا ينفك وجوده عن ماهيته.\nوهذا جواب لا حيلة لهم فيه وهو جواب عن تلازم الذات مع الصفات إذا قدر أحدهما مغايرًا للآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>عدم فصل الرازي العلة من الشرط</span>\nوأبو عبد الله الرازي اجاب بجواب لم يفصل فيه العلة من الشرط فقال قولكم لو كانت الماهية علة لوجود نفسها لكانت متقدمة بالوجود على نفسها فإن العلة متقدمة بالوجود على المعلول ممنوع فإنا لا نسلم وجوب تقدم العلة على المعلول بالوجود وقول القائل هي متقدمة عليه بالذات إن أريد به كونها مؤثرة فمسلم وإن أريد به أنها لا تؤثر فيه إلا بعد وجودها فهذا ممنوع ونحن أن المؤثر في وجود الله تعالى هو نفس ماهيته لا باعتبار وجود سابق وإن أريد بالتقدم أمر وراء التأثير فذلك غير متصور.","vol":"5","page":152},{"text":"ثم منع عموم الدعوى فقال نزلنا عن هذا المقام فلم قلتم إن كل علة فهي متقدمة بالوجود على المعلول ألا ترى أن ماهيات الممكنات قابلة لوجود ذاتها فماهياتها علل قابلية لوجود ذاتها ففي هذا الموضع العلل القابلية لا يجب تقدمها على المعلول بالوجود وإذا كان كذلك فلم لا يجوز مثله في العلة الفاعلية.\nوقال لا نقول المؤثر هو الماهية المعدومة بل الماهية من حيث هي هي مغايرة لوجودها وعدمها ونحن إنما نجعل المؤثر في الوجود تلك الماهية فقط.\nقال فإن قيل كما جوزتم أن تؤثر ماهيته قبل الوجود في وجود نفسها فلم لا يجوز ان تؤثر تلك الماهية قبل وجودها في وجود العالم وحينئذ لا يمكن الاستدلال بوجود الأفعال على وجود الفاعل قلنا البديهية فرقت بين الموضعين فإنا بالبديهية نعلم أن الشيء ما لم يوجد لا يكون شيئًا لوجود غيره ونعلم أن لا استبعاد في أن يكون الشيء موجودًا","vol":"5","page":153},{"text":"من ذاته والمعلوم من قولنا إنه موجود لذاته أن تقتضي وجود نفسه وإذا جزمت بالبديهية بالفرق صح كلامنا في هذه المسألة.\nوقد مانعه بعض أصحابه في هذا الموضع وقال العلم بأن العلة لو كانت موجبة للوجود لكانت موجودة علم ضروري لأن المفيد للوجود لا بد أن يكون له وجود بخلاف القابل فإنه مستفيد للوجود يمتنع أن يكون موجودا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت هذا الاضطراب إما نشأ من قولهم كون ذات فاعلة لوجوده أو علة مقتضية لوجوده إذا قدر أن وجوده مغاير لذاته وهذا لا يحتاج إليه بل إذا قيل ذاته مشروطة بوجوده كما أن وجوده مشروط بذاته وقيل إنهما متلازمان من غير أن يكون أحدهما هو الموجب للآخر كما قالوا مثل ذلك في ذات الممكن ووجوده زالت هذه الشبهة.\nوهؤلاء كثيرًا ما تشتبه عليهم العلل بالشروط في مسائل الدور والتسلسل وغير ذلك ويجعلون الملزوم علة كما يقولون إن ماهية الثلاثة والأربعة علة للفردية والزوجية، فيجعلون ذات الشيء علة لصفته اللازمة له، وأن فاعل الذات فاعل صفتها، فإن الدور في الشروط بمعنى توقف كل من الأمرين على وجود الآخر معه ممكن واقع وهو الدور المعي الاقتراني.\nوأما الدور في العلل، وهو أن يكون كل من الأمرين علة للآخر ومبدعًا له.\nفهذا ممتنع باتفاق العقلاء.","vol":"5","page":154},{"text":"وكذلك التقدم، فإن تقدم الشرط على المشروط غير واجب، وأما تقدم الموجب على الموجب، والفاعل على المفعول، والعلة على المعلول، فلا ريب فيه عند جماهير العقلاء.\nومعارضة الرازي لهم بالماهية الممكنة القابلة لوجودها، إذا قيل بتعددهما معارضة صحيحة وأما فرق المعارض له بأن الماهية في الواجب فاعلة للوجود فغلط فإن ماهية الواجب إذا قيل بمغايرتها لوجوده، ليست فاعلة لوجوده بل هي أيضًا قابلة لوجوده كالممكن لكن وجوده واجب مع هذا القبول.\nوالقابل والمقبول كلاهما واجب بنفسه يمتنع عدمه، بخلاف الممكن، كما تقوله الصفاتية في الذات والصفات، وكما تقوله الفلاسفة فيما يدعون قدم ذاته ووجوده من الممكنات كالفلك، فإن ابن سينا وأتباعه يقولون: إن ماهيته محل لوجوده، وكلاهما قديم يمتنع عدمه، لكن وجوده بغيره، فإذا عقل هذا في الواجب بغيره، ففي الواجب بنفسه أولى إذا قيل إن نفسه محل لوجوده، وكلاهما واجب بماهيته ووجوده، يمتنع نفي واحد منهما.\nوبهذا يظهر الجواب عن النظم الذي حرره الآمدي فإن قوله إذا لم يتم تحقق مسمى واجب الوجود في كل من الشيئين إلا بما به التخصيص والامتياز وجب افتقار مسمى واجب الوجود إلى أمر خارج عن المفهوم من اسمه، فلا يكون واجبًا بذاته.","vol":"5","page":155},{"text":"جوابه على تقدير كون الوجود مغايرًا للذات أن يقال لفظ الافتقار يراد به افتقار المعلول إلى العلة، ويراد به: افتقار المشروط إلى الشرط وإن قيل: يراد به معنى ثالث له، فإن قلت: يجب افتقار مسماه إلى علة فاعلة، لم يسلم لك ذلك، فإن تحقق المشترك في المميز لا يستلزم كون المميز هو الفاعل المبدع المشترك، وإن أردت بانه لا يوجد إلا بما هو شرط في وجوده فلم قلت إن هذا محال؟\nوقوله لا يكون واجبًا بذاته باطل حينئذ لأنه إذا قدر أن الذات غير الوجود فلا يد في قوله واجب بذاته من تحقق الوجود والذات معًا فلا يتقدم أحدهما على الآخر، ولا يستغني أحدهما عن الآخر فصار معنى وجوب الوجود بالذات، إذا قدر أن الذات عين الوجود أمرًا متضمنًا لتلازم الوجود الواجب والذات الموصوفة بذلك، فلا يكون موجود بذاته إلا كذلك وهذا كله بتقدير ثبوت شيئين.\nثم على هذا التقدير فيها قولان إما أن يقال الوجود الملازم للماهية هو أيضًا مختص كما أن الماهية مختصة به وهذا هو القول المأثور عن أبي هاشم ونحوه.\nوقد تقوله طائفة من أهل الإثبات، كما يوجد في كلام أبي حامد ووابن الزاغوني.\nوإما إن يقال الوجود مشترك في الخارج، ولكن الماهية هي المختصة التي تميز وجودًا عن غيره.\nوهذا هو الذي يحكيه الرازي عن أبي هاشم وغيره، وهو غلط عليهم، كما غلط على الأشعري وأبي الحسين","vol":"5","page":156},{"text":"حيث حكى عنهم ان لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي وهذا لغلط منه حيث ظن أن الكلي الذي هو مورد التقسيم يكون ثابتًا مشتركا في الخارج وهذا أصل للمنطقيين يخالفهم فيه أئمة الكلام بحسب ما فهمه من كلام أهل المنطق فغلط.\nوالمقصود هنا أن قول أبي هاشم وأتباعه خير من قول ابن سينا وأما إذا كان الوجود هو الماهية ولا مشترك في الخارج، كما هو قول الأشعري وعامة المثبتة للصفات، وهو الصواب، فلا يحتاج إلى هذا الجواب.\nوليس المراد أن ماهيته وجود مطلق مجرد كما يقوله ابن سينا وابن التومرت وغيرهما من الجهمية ولكن المراد أن حقيقته المختصة به، هي وجوده المختص به وليس ذلك وجودًا مطلقًا ولا مجردًا وكذلك يقول في كل موجود إن حقيقته المختصة به هي وجوده المختص به وقد ذكرنا هذا الجواب على تقدير مغايرة وجوده لماهيته لنه نافع في عامة ما يوردونه لنفي الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>كلام الإمام أحمد عن تعلق الصفات بذت الله تعالى</span>\nقال الإمام أحمد باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى فقلنا لم أنكرتم ذلك؟ قالوا إن الله لم","vol":"5","page":157},{"text":"يتكلم ولا يتكلم إنما كون شيئًا يعبر عن الله وخلق صوتا فأسمع وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف وشفتين ولسان.\nفقلنا: هل يجوز لمكون أو غير الله أن يقول ﴿يا موسى * إني أنا ربك﴾ طه ١١- ١٢ أو يقول ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ طه ١٤ فمن قال ذلك زعم ان غير الله ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون شيئًا كان يقول ذلك المكون يا موسى إن الله رب العالمين.\nإلى أن قال فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال رسول الله ﷺ ما منكم من احد إلا سيكلمه ربه.. الحديث وأما","vol":"5","page":158},{"text":"قوله إن الكلام لا يكون إلا من جوف وشفتين ولسان أليس الله قد قال للسماوات والأرض ﴿ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ فصلت ١١ اتراها قالت بجوف وفم وشفتين وأدوات؟\nوقال تعالى ﴿وسخرنا مع داود الجبال يسبحن﴾ الأنبياء ٧٩ أتراها أنها تسبحن بجوف وفم وشفتين ولسان؟ والجوارح إذا شهدت على الكفار فقالوا: ﴿لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ فصلت ٢١، أتراها نطقت بجوف وفم وشفتين؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء.\nإلى أن قال فلما خنقته الحجج قال: ان الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره فقلنا وغيره مخلوق؟ نعم فقلنا هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة وحديث","vol":"5","page":159},{"text":"الزهري قال لما سمع موسى كلام ربه قال يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك قال نعم يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشر آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.\nقال فلما رجع موسى إلى قومه، قالوا له صف لنا كلام ربك.\nفقال سبحان الله وهل أسطتيع أن أصفه لكم قالوا فشبهه قال هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله.\nوقلنا للجهمية من القائل للناس يوم القيامة ﴿يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين﴾ المائدة ١١٦، أليس الله هو القائل؟ قالوا: يكون الله شيئًا فيعبر عن الله كما كون شيئًا فعبر لموسى قلنا فمن القائل ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم﴾ الآية الأعراف ٦.\nأليس هو الله تعالى؟ قالوا هذا كله إنما يكون شيء فيعبر عن الله فقلنا قد أعظمتم","vol":"5","page":160},{"text":"على الله الفرية حين زعمتم انه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان.\nفلما ظهرت عليه الحجة قال إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق فقد شبهتم الله تعالى بخلقه، حين زعمتم ان كلامه مخلوق ففي مذهبكم كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام.\nوكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلامًا فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه الصفة بل نقول إن اله لم يزل متكلمًا إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق الكلام ولا نقول إنه كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم.","vol":"5","page":161},{"text":"قال الإمام احمد قالت الجهمية إن زعمتم ان الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم ان الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته قلنا لا نقول إن اله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره بل نقول لم يزل بقدرته ونوره، لا متى قدر ولا كيف قدر فقالوا لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلاهًا واحدًا بجميع صفاته وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوض وجمار واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد.\nإلى أن قال وقد سمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد فقال ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾ المدثر ١١ وكان له","vol":"5","page":162},{"text":"عينان وأذنان ولسان وجوارح فسماه وحيدًا بجميع صفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فلا يوجد في كلام الله ورسوله واللغة اسم الواحد على ما لا صفة له، فإن لا صفة له لا وجود له في الوجود.\nوما ذكره أحمد عن الجهمية أنهم يتأولون كلام الله لموسى بأنه خلق من عبر عنه تأوله جماعة من أتباعه في هذا أو في قوله تعالى كل ليلة من يدعوني فأستجيب له ولو كان كذلك لكان الملك يقول إن الله رب العالمين كما في الصحيحين إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل إني أحب فلانًا فأحبه فيحيه جبريل ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فاحبوه فيحبه فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء الحديث.\nوقد مثلوا ذلك بأن السلطان يأمر مناديًا فيقول نادى السلطان وهذا حجة عليهم فإن المنادي يقول امر السلطان أو ان المرسوم ونحو ذلك من الألفاظ التي تبين أن القائل غيره لا هو ولو قال المنادي قد أمرتكم فغن لم تقبلوا وإلا عاقبتكم ونحو ذلك لم يكن مناديًا عن السلطان ولو قال ذلك عاقبه السلطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>فصل</span>\nأخبر الله تعالى في كتابه بإثبات مفصل ونفي مجمل والمعطلة الجهمية متكلمهم ومتفلسفهم أخبروا بإثبات مجمل ونفي مفصل","vol":"5","page":163},{"text":"فأخبر في كتابه بأنه حي قيوم عليم قدير سميع بصير عزيز حكيم ونحو ذلك يرضى ويغضب ويحب ويسخط وخلق واستوى على العرش ونحو ذلك وقال ف يالنفي ﴿ليس كمثله شيء﴾ سورة الشورى ١١، ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ الإخلاص ٣، ﴿هل تعلم له سميا﴾ مريم ٦٥، فلهذا مذهب السلف والأئمة إثبات صفاته بلا تمثيل لا ينفون عنه الصفات ولا يمثلونها بصفات المخلوقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>تابع كلام الإمام أحمد</span>\nقال الإمام أحمد الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكلم من قتيل لإبليس قد أحيوه؟ وكم من ضال تائه قد هدوه؟ فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل","vol":"5","page":164},{"text":"الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين.\nفالمتشابه من الكلام يتكلمون به ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم هو كقولهم: مقدس عن الكم والكيف والأين والوضع ومن مقصودهم بذلك أنه لا علم له ولا قدرة ولا رحمة ولا غير ذلك من الصفات وأنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله ولا هو مباين لمخلوقاته ولا منفصل عنهم.\nوكذلك قولهم: ليس بداخل العالم ولاخارجه وأمثال هذه العبارات السالبة.\nوكذلك وصف الإمام احمد وأمثاله قول الجهمية النفاة قال أحمد وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث وأضلوا بكلامهم بشرًا كثيرًا فكان مما بلغنا","vol":"5","page":165},{"text":"من أمر الجهم عدو الله انه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله فلقي أناسا من المشركين يقال لهم السمنية، فعرفوا الجهم فقالوا نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا إن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا ألست تزعم أن لك إلهًا قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له حسًا قال لا قالوا فوجدت له مجسًا قال لا قالوا فما يدريك أنه إلاه قال فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يومًا ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهي عما شاء وهو روح غائبة عن الأبصار","vol":"5","page":166},{"text":"فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني ألست تزعم أن فيك روحًا قال نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال فسمعت كلامه قال لا قال فشممت له ريحًا قال لا قال فوجدت له حسًا أو مجسًا قال لا قال فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا تشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان.\nووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: ١١، ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض﴾ الأنعام: ٣، ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، الأنعام ك ١٠٣، فبنى أصل كلامه على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن من وصف من الله شيئًا مما يصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرًا وكان من المشبهة،","vol":"5","page":167},{"text":"فأضل بكلامه بشرًا كثيرًا وأتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من مناظرة جهم لأولئك السمينة، هم الذين يحكى أهل المقالات عنهم أنهم أنكروا من العلم ما سوى الحسيات، ولهذا سألوا جهمًا: هل عرفه بشيء من الحواس الخمس؟ فقال: لا.\nقالوا: فما يدريك أنه إلاه؟ فإنهم لا يعرفون إلا المحسوس، وليس مرادهم أن الرجل لا يعلم إلا ما أحسه، بل لا يثبتون إلا ما هو محسوس للناس في الدنيا.\nوهؤلاء كالمعطلة الدهرية الطبائعية من فلاسفة اليونان ونحوهم، الذين ينكرون سوى هذا الوجود الذي يشاهده الناس ويحسونه، وهو وجود الأفلاك وما فيها.\nهؤلاء الذين ذكر ابن سينا قولهم في إشاراته حيث قال قال: إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبًا.\nوهذا هو القول الذي أظهره فرعون، وإليه يعود عند التحقيق قول أهل الوحدة.\nلكن هؤلاء يعتقدون أنهم يثبتون الخالق، وأن وجوده","vol":"5","page":168},{"text":"وجود المخلوق، فهم متناقضون.\nثم إن جهم بن صفوان رد عليهم كرد أرسطو وابن سينا وأمثالهم من المشائين على الطبيعيين منهم، وهؤلاء يثبتون وجودًا عقليًا غير الوجود المحسوس، ويعتقدون أنهم بهذا الرد أبطلوا قول أولئك، كما تقدم حكاية قول ابن سينا لما تكلم على الوجود وعلله، وقال: قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس وأبطل هذا القول بإثبات الكليات وقد تقدم التنبيه على فساد هذه الحجة، وأن الكليات تكون في الأذهان لا في الأعيان.\nومن لم يقر إلا بالمحسوس إنما نازع في الموجودات الخارجية، لم ينازع في المعقولات الذهنية، وإن نازع في ذلك حصلت الحجة عليه بإثبات المعقولات الذهنية فتبقى الوجودات الخارجية وهي الأصل.\nوالحجة التي ذكرها أحمد عن الجهم انه احتج بها على السمنية، هي من أعظم حجج هؤلاء الثقاة الحلولية منهم ونفاة الحلول والمباينة جميعًا فإن النفاة تارة يقولون بالحلول والاتحاد أو نحو ذلك وتارة يقولون لا مباين للعالم ولا داخل فيه.\nوالشخص الواحد منهم يقول هذا تارة، وهذا تارة فإنهم في حيرة، والغالب على متكلميهم نفي الأمرين، والغالب على عبادهم وفقهائهم وصوفيتهم وعامتهم الحلول، فمتكلموهم لا يعبدون شيئًا ومتصوفتهم يعبدون كل شيء.","vol":"5","page":169},{"text":"والحلول نوعان: حلول مقيد وحلول مطلق.\nفالحلول المقيد هو قول النصارى ونحوهم من غلاة الرافضة وغلاء العبادة، وغيرهم يقولون إنه حل في المسيح أو اتحد به وحل بعلي أو أتحد به وأنه يتحد بالعارفين حتى يصير الموحد هو الموحد، ويقولون:\nما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وجده جاحد\nتوحيد من يخبر عن نعته ... عارية أبطلها الواحد\nتوحيده إياه توحيد ... ونعت من ينفعه لاحد\nوهؤلاء الذين حكى أحمد قولهم أنهم: إذا أراد الله أن يحدث أمر دخل فيه بعض خلقه، فتكلم على لسانه وقد رأيت من هؤلاء غير واحد ممن خاطبني وتكلم معي في هذا المذهب وبينت له فساده.\nوأما أهل الحلول المطلق الذين يقولون إنه حال في كل شيء أو متحد بكل شيء أو الوجود واحد، كأصحاب فصوص الحكم وأمثالهم فهؤلاء يقولون: أخطأ النصارى من جهة أنهم خصصوا وكذلك يقولون في عباد الأصنام خطؤهم من جهة انهم خصصوا بعض الأشياء فعبدوها.\nوقد رأيت من هؤلاء أيضًا غير واحد وجرت بيننا وبينهم محنة معروفة.","vol":"5","page":170},{"text":"وجعل الإمام أحمد حجة جهم من جنس حجة أولئك الذين يقولون بالحلول المقيد لأن هؤلاء يقولون إنه حل في بعض خلقه.\nوهؤلاء الجهمية فيهم من يقول: إن اللاهوت في الناسوت من غير حلول فيه.\nوهكذا الجهم وأتباعه جعلوا وجود الخالق في المخلوقات، من جنس اللاهوت في الناسوت، ويجمعون بين القولين المتناقضين كما جمعت النصارى.\nواحتجاج الجهم بهذا على السمنية، كاحتجاج نفاة الصفات بذلك على أهل الإثبات، فإن الرازي وأمثاله احتجوا على إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ولا داخل فيه بالنفس الناطقة، على قول هؤلاء المتفلسفة، الذين يقولون: إنها لا داخلة في هذا العالم ولا خارجة من هذا العالم إنها تشبه الإله وإن الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة.\nومقصود الجهم بهذه الحجة بيان إمكان وجود موجود لا سبيل إلى إحساسه، فاحتج عليهم بالنفس الناطقة، إذ لا سبيل إلى إحساسها وهذه حجة المشائين من المتفلسفة على الطبيعيين منهم.\nوهؤلاء يجعلون ما يثبتونه من الأمور المعقولة، حجة على إثبات موجود ليس بمحسوس، ثم يزعمون أن ما أخبرت به الرسل من الغيب، هو الوجود العقلي الذي يثبتونه.\nوهذا الموضع حارت فيه أحلام وضلت فيه أفهام، وهم","vol":"5","page":171},{"text":"مخطئون شرعًا وعقلًا.\nأما الشرع فإن الرسل أخبرت عما لم نشهده ولم نحسه في الدنيا وسمت ذلك غيبًا لمغيبه عن الشهادة، كقوله ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ البقرة ٣، ومنه قوله تعالى ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ الرعد ٩، فالغيب ما غاب من شهود العباد والشهادة ما شهدوها.\nوهذا الفرق لا يوجب أن الغيب ليس مما يمكن إحساسه بل من المعلوم بالاضطرار أن ما أخبرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من الثواب والعقاب كله مما يمكن إحساسه، بل وكذلك ما أخبرت به الملائكة، والعرش والكرسي، والجنة والنار، وغير ذلك، لكنا نشهده الآن.\nولهذا أعظم ما أخبرت به من الغيب هو الله ﷾، مع إخبار الرسول لنا انا نراه كما نرى الشمس والقمر، فأي الإحساس أعظم من إحساسنا بالشمس والقمر؟\nوما أخبرت به من الغيب كالجنة والنار والملائكة والعرش والكرسي وغير ذلك مما يمكن إحساسه فليس الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس والمعقول.\nفهذا أصل ينبغي معرفته، فإنه بسبب هذا وقع من الخلل في كلام طوائف مالا يحصيه إلا الله تعالى، كصاحب الكتب المضنون بها وصاحب الملل والنحل وطوائف غيرهم.","vol":"5","page":172},{"text":"ولهذا وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وصاحب نهاية الإقدام ونحوهما من كلام هؤلاء الذين يجعلون الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس وبين المعقول أنواع من جنس كلام الملاحدة الباطنية إما ملاحدة الشيعة، كما يوجد في كلام صاحب الملل والنحل ونهاية الإقدام وقد قيل إنه صنف تفسيره سورة يوسف على مذهب الإسماعيلية: ملاحدة الشيعة وإما ملاحدة الباطنية المنسوبين إلى الصوفية.\nومن هنا دخل أهل وحدة الوجود وأمثالهم من ملاحدة النساك المنتسبين إلى التصوف وكل من هؤلاء هؤلاء يؤول به الأمر إلى مخالفة صريح العقل والنقل.\nلكن هذا يحيل على علم الإمام المعصوم، وهذا يحيل على معرفة الشيخ المحفوظ، حتى يدعي كل منهما فيمن يحيل عليه ما هو أعظم من مقام الأنبياء، مع أن الذي يحيل عليه لا بد أن يكون فيه من الكذب والجهل والظلم مالا يعلمه إلا الله وأحسن أحواله أن يكون كثير من كذبه جهلًا منه وضلالًا، لم يعتمد فيه خلاف ما يعلمه من الحق كضلال كثير من النصارى أهل الأهواء.\nوالمقصود انه بهذا يتبين أن خطأهم في العقل، وما يسمونه معقولات، ودعواهم وجود أمور معقولات خارجة عن العاقل، لا","vol":"5","page":173},{"text":"يمكن الإشارة إليها ولا الإحساس بها بوجه من الوجوه، وليست داخل شيء من العالم ولا خارجة ولا مباينة له ولا حالة فيه فإنه من المعلوم أن المعقولات ما عقلها الإنسان، فهي معقولة العقل، وأظهر ذلك الكليات المجردة: كالإنسانية المطلقة، والحيوانية المطلقة، والجسم المطلق، والوجود المطلق، ونحو ذلك، فإن هذه من وجوده في العقل، وليس في الخارج شيء مطلق غير معين، بل لا يوجد إلا وهو معين مشخص، وهو المحسوس، وإنما يثبت العقليات المجردة في الخارج الغالطون من المتفلسفة كالفيثاغورية الذين يثبتون العدد المجرد، والأفلاطونية الذين يثبتون المثل الأفلاطونية، وهي الماهيات المجردة، والهيولى المجردة، والمدة المجردة، والخلاء المجرد.\nوأما أرسطو وأصحابه كالفارابي وابن سينا فأبطلوا قول سلفهم في إثبات مجردة عن الأعيان ولكن أثبتوها مقارنة للأعيان فجعلوا مع الأجسام المحسوسة جواهر معقولة كالمادة والصورة، وإذا حقق الأمر عليهم، لم يوجد في الخارج إلا الجسم وأعراضه، وأثبتوا في الخارج أيضًا الكليات مقارنة للأعيان، وإذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا الأعيان بصفاتها القائمة بها.\nوكذلك ما أثبتوه من العقول العشرة المفارقات، إذا الأمر عليهم لم يوجد لها وجود إلا في العقل لا في الخارج، كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع.\nفهذا الذي ذكره الإمام أحمد من احتجاج جهم على السمنية الطبيعية بإثبات موجود عقلي، هو كحجة المشائين على الطبيعية، وما في","vol":"5","page":174},{"text":"قوله من الحلول الذي ضاهى به النصارى من جنس كلام الحلولية.\nوالمقصود هنا أن نشير إلى جنس كلام السلف والأمة، مع جنس هؤلاء النفاة، وأن الجميع يشربون من عين واحدة، وأن كلام هؤلاء النفاة للصفات مع معطلة الصانع كلام قاصر، من جنس كلام جهم مع السمنية المشركين، وكلام المشائين الإلهيين من المتفلسفة مع الطبيعيين منهم.\nوذكر أحمد أن الجهم اعتمد من القرآن على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها: آية نفي الإدراك لينفي بها الرؤية والمباينة، وآية نفي المثل لينفي بها الصفات ويجعل من أثبتها مشبها، وقوله ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ الأنعام ٣، لينفي بها علوه على العرش، أو ليثبت بها مع ذلك الحلول والاتحاد وعدم مباينته للمخلوقات.\nوهذه أصول الجهمية من المعتزلة أصحاب عمرو بن عبيد ومن دخل ف بالتجهم، أو الاعتزال أو بعض فروع ذلك، من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد مع أن هؤلاء الأئمة من أبعد الناس عن أصول الجهمية والمعتزلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>تابع كلام الإمام أحمد</span>\nقال الإمام أحمد عن الجهمية فإن سألهم الناس عن قوله","vol":"5","page":175},{"text":"تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: ١١، يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرضين السابعة كما هو فوق العرش لا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان ولم يتكلم ولا يتكلم ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة ولا يوصف ولا يعرف بصفة ولا يعقل ولا غاية ولا له غاية ولا منتهى ولا يدرك بعقل هو وجه كله وهو علم كله وهو سمع كله وهو بصر كله وهو نور كله وهو قدرة كله ولا يكون شيئين مختلفين وفي نسخة ولا يوصف بوصفين مختلفين وليس له أعلى ولا أسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا شمال ولا هو ثقيل ولا خفيف ولا له لون ولا له جسم وليس هو معقولًا وكل ما خطر على قلبك أنه","vol":"5","page":176},{"text":"شيء تعرفه فهو خلافه فقلنا هو شيء فقالوا هو شيء لا كالأشياء فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يأتون بشيء وفي نسخة لا يثبتون شيئًا ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة فإذا قيل لهم من تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فقلنا لهم هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى فقالوا لم يتكلم ولا يتكلم لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح على الله منتفية فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله ولا يشعر أنهم إنما يقودون قولهم إلى فرية في الله.","vol":"5","page":177},{"text":"فهذا الذي وصفه الإمام أحمد وغيره من علماء السلف من كلام الجهمية هو كلام من وافقهم من القرامطة الباطنية والمتفلسفة المتبعين لأرسطو كابن سينا وأمثاله ممن يقول إنه الوجود المطلق أو المقيد بالقيود السلبية ونحو ذلك وهو حقيقة كلام القائلين بوحدة الوجود.\nولهذا ذكر عنهم أنهم سلبوه كل ما يتميز به موجود عن موجود فسلبوه الصفات والأفعال وسائر ما يختص بموجود.\nولما قالوا هو شيء لا كالأشياء علم الأئمة مقصودهم فإن الموجودين لا بد أن يتفقا في مسمى الشيء فإذا لم يكن هناك قدر اتفقا فيه اصلًا لزم أن لا يكونا جميعًا موجودين وهذا مما يعرف بالعقل.\nولهذا قال الإمام أحمد فقلنا إن الشيء الذي كالأشياء قد عرف أهل العقل إنه لا شيء فبين أن هذا مما يعرف بالعقل وهذا مما يعلم بصريح المعقولات.\nولهذا كان قول جهم المشهور عنه الذي نقله عنه عامة الناس أنه لا يسمى الله شيئًا لأن ذلك بزعمه يقتضي التشبيه لأن اسم الشيء إذا قيل على الخالق والمخلوق لزم اشتراكهما في مسمى الشيء وهذا تشبيه بزعمه.","vol":"5","page":178},{"text":"وقوله باطل فإنه سبحانه وإن كان لا يماثله شيء من الأشياء في شيء من الأشياء فمن المعلوم بالعقل أن كل شيئين فهما متفقان في مسمى الشيء وكل موجودين فيها متفقان في مسمى الوجود وكل ذاتين فهما متفقان في مسمى الذات فإنك تقول الشيء والموجود والذات ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب وممكن وخالق ومخلوق ومورد التقسيم بين الأقسام.\nوقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع وبينا غلط من جعل اللفظ مشتركا اشتراكًا لفظيًا.\nوهذا الذي نبه عليه الإمام أحمد من أن مسمى الشيء والوجود ونحو ذلك معنى عام كلي تشترك فيه الأشياء كلها والموجودات كلها هو المعلوم بصريح العقل الذي عليه عامة العقلاء.\nومن نازع فيه فلا بد أن يقول به أيضًا فيتناقض كلامه في ذلك كما تناقض فيه كلام الشهر ستاني والرازي والآمدي وغيرهم إذ يجعلونه تارة عامًا مقسومًا مشتركًا اشتراكًا لفظيا ومعنويًا بين الأشياء الموجودات ويجعلونه تارة مشتركًا اشتراكًا لفظيًا فقط كلفظ المشتري المشترك بين المبتاع والكوكب ولفظ سهيل المشترك بين الكوكب وبين الرجل المسمى بسهيل ولفظ الثريا المشترك بين الكوكب وبين المرأة المسماة ثريا.\nكما قيل:\nأيها المنكح الثريا سهيلًا ... عمرك الله كيف يلتقيان\nهي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان","vol":"5","page":179},{"text":"ولما كان هذا مما يعرف بالعقل قال أحمد فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يأتمون بشيء أي لا يقصدون شيئًا فإن المؤتم بالشيء يؤمه ويقصده والإمام الطريق لأن السالك يأتم به وهو أيضًا الكتاب الذي يأتم به القارىء وهو الإمام الذي يأتم به المصلي.\nوالأمة القدوة الذي يؤتم به أي يقتدى والأمة أيضًا الدين يقال فلان لا أمة له أي لا دين له ولا نحلة له.\nقال الشاعر:\nوهل يستوي ذو أمة وكفور\nوقول النابغة:\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع\nفقول أحمد لا يأتمون بشيء أي لا يدينون بدين ومن روي أنه قال إنكم لا تثبتون شيئًا فقوله ظاهر فإن قول الجهمية يتضمن أنهم لا يثبتون في الخارج ربًا خالقًا للعالم.\nثم قال فإذا قيل للجهمية من تعبدون قالوا نعبد من يدبر","vol":"5","page":180},{"text":"أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء.\nفقال أحمد في هذا الموضع قد عرف المسلمون وقال هناك قد عرف الناس لأنه هنا تكلم في كونه معبودًا وأنهم يعبدون وهناك تكلم في كونه موجودًا، فلما وصفوه بالسلب المحض، أخبر أن أهل العقل يعلمون أن الموصوف بالسلب المحض هو العدم، فعرف الناس أنهم لا يثبتون شيئًا.\nوهنا لما سألهم: من يعبدون؟ فأخبروا انهم يعبدون مدبر الخلق، وقالوا: إنه مجهول لا يعرف بصفة عرف المسلمون أنهم لا يعبدون شيئًا، لأن العبادة أصلها قصد المعبود وإرادته والقصد والإرادة مستلزمة للعلم بالمراد المقصود.\nفما يكون مجهولا لا يعرف بصفة يمتنع ان يكون مقصودًا فيمتنع أن يكون معبودًا والعبادة هي أمر ديني أمر الله بها ورسوله، وهي أصل دين المسلمين.\nفلهذا قال هنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء، وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فبين أن الناس يعلمون","vol":"5","page":181},{"text":"بعقلهم أنهم لا يثبتون شيئًا، وأن المسلمين يعرفون أنهم لا يعبدون شيئًا، وبين أن الجاهل إذا سمع قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله، ولا يشعر أنهم إنما يقودون قولهم إلى فرية في الله.\nوهذا الذي ذكره الإمام أحمد أصل قول هؤلاء النفاة الجهمية، وسر مذهبهم، وكلما كان الرجل أعقل وأعرف، وأعلم وأفضل، وأخبر بحقيقة الأمر في نفسه، وبقول هؤلاء النفاة أزداد في ذلك بصيرة وإيمانًا ويقينًا وعرفانا.\nوقد ذكر ابن جرير في تاريخه نسخة الكتاب الذي أرسل في المحنة المشهورة لما كان المأمور قد ذهب إلى ناحية طرسوس، وأرسل كتابًا إلى الناس ببغداد، وأمر نائبه إسحاق بن إبراهيم أن يقرأه على الناس، ويدعوهم إلى موافقته، فامتنع العلماء عن الإجابة، حتى أرسل كتابًا يهدد بن الناس، وأمر بقتل القاضيين إذا لم يجيبا: قاضي الشرقية والغربية، وهما: بشر بن الوليد وعبد الرحمن بن إسحاق فأجاب الناس كرها، واعترفوا بذلك، وامتنع عن الإجابة سبعة فقيدوهم فأجاب منهم خمسة، وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح النيسابوري، فأرسلوهما مقيدين، فمات محمد بن نوح في الطريق، فبقي أحمد بن حنبل، ومات المأمون قبل أن يصير إليه أحمد","vol":"5","page":182},{"text":"والمقصود أنه ذكر في كتابه لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه فوافقه من لم يعرف حقيقة هذه الكلمة وذكر عن أحمد أنه قال: لا يشبه الأشياء وليس كمثله شيء ونحو ذلك أو كما قال.\nوأما قوله: بوجه من الوجوه فامتنع منها وذلك لأنه عرف أن مضمون ذلك التعطيل المحض، فإنه يقتضي أنه ليس بموجود، ولا شيء ولا حي ولا عليم ولا قدير، ويقتضي إبطال جميع أسمائه الحسنى.\nوهذا النفي حقيقة قول القرامطة، والله تعالى: ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، بل هو سبحانه في كل ما هو موصوف به مختص بما لا يماثله فيه غيره، وله المثل الأعلى.\nولكن لفظ الشبه فيه إجمال وإبهام، فما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من الأمور، ولو كونهما موجودين، وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا بنفي كل منهما.\nفإذا قيل: هذا لا يوافق هذا بوجه من الوجوه ولا يواطئه بوجه من الوجوه كان هذا ممتنعًا.\nوكذلك إذا أريد بقول القائل لا يشبهه بوجه من الوجوه هذا المعنى بخلاف ما إذا أراد بذلك المماثلة والمساواة والمكافاة أو أراد ذلك بلفظ المشاركة والموافقة والمواطأة، فإنه سبحانه لا يماثل شيء بوجه من الوجوه ولا شريك له بوجه من الوجوه لا سيما والكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في الأذهان لا في الأعيان، فليس في","vol":"5","page":183},{"text":"الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء، فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء ﷾.\nوالقرامطة الباطنية كالجهمية الذين ينفون أن يسمى الله بشيء من الأسماء التي يسمى بها مخلوق، لبسوا على الناس بلفظ التشبيه والتركيب ولهذا أنكر جماهير الطوائف عليهم من المعتزلة والنجارية والضرارية ومتكلمة الصفاتية، وغيرهم بل أنكر عليهم من أنكر من الفلاسفة مع تناقض كثير من الناس معهم.\nولهذا زعم أبو العباس الناشيء أن الأسماء التي يسمى بها الله، ويسمى بعض عباده بها هي حقيقة في الله مجاز في عباده نقيض قول القرامطة الباطنية والجهمية.","vol":"5","page":184},{"text":"ولهذا كان السلف يجعلون الجهمية زنادقة ولم يكن إذا ذاك ظهرت ملاحدة الشيعة، بل في عصر محنة الجهمية، في خلافة المأمون والمعتصم ونحوهما، شرعت طوائف الملاحدة الباطنية تظهر مع ظهور الجهمية كما ظهرت الخرمية أصحاب بابك الخرمي وهذا احد ألقاب الباطنية.\nويقال إنه سنة عشرين، وهي السنة التي ضرب فهذا فيها أحمد، ظهرت أوائل القرامطة الذين ظهروا بالعراق، ثم صارت لهم شوكة بهجر مع الجناني وأتباعه، ثم ظهرت دعوتهم الكبرى بأرض المغرب ثم مصر، إلى أن فتحها أهل السنة بعد ذلك وبقاياهم في الأرض متفرقون.\nوهؤلاء لهم أنواع من الإلحاد في غير الأسماء والصفات وإنما","vol":"5","page":185},{"text":"المقصود هنا بيان إلحاد الجهمية: نفاة الأسماء والصفات، فهؤلاء الذين ينفون حقائق أسماء الله الحسنى، ويقولون: إنما يسمى بها مجازًا، أو المقصود بها غيره، أو لا يعرف معناها أصل تلبيسهم هو ما في إطلاق هذه الأسماء مما يظنونه من التشبيه الذي يجب نفيه ولهذا عظم كلام المسلمين في هذا الباب، وقد بسط في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>كلام الجويني عن صفات الله تعالى</span>\nوتحقيق هذا الموضع من أعظم أصول الدين كما قال أبو المعالي الجويني في الإرشاد من صفات القديم مخالفته للحوادث فالرب لا يشبه شيئًا من الحوادث ولا يشبهه شيء منها.\nقال: والكلام في هذا الباب من أعظم أركان الدين، فقد غلت طائفة في النفي فعطلت وغلت طائفة في الإثبات، فاما الغلاة في النفي فقالوا: الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه وقالوا على هذا القديم سبحانه لا يوصف بالوجود بل","vol":"5","page":186},{"text":"يقال: ليس بمعدوم وكذلك لا يوصف بانه قادر عالم حي بل يقال: ليس بعاجز ولا جاهل ولا ميت.\nقال وهذا مذهب الفلاسفة والباطنية وأما الغلاة في الإثبات فاعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم الحوادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: وهذا الذي قاله أبو المعالي من الاعتناء بهذا الأصل متفق عليه بين الطوائف، والذي ذكره عن النفاة هو قول الجهمية الذي ذكره الإمام أحمد ولهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمى الله بشيء ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمي بها الخلق: كالحي والعالم والسميع والبصير بل يسميه قادرًا خالقًا لأن العبد عنده ليس بقادر إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية.\nولما كان كل موجودين لا بد أن يكون بينهما اتفاق من بعض","vol":"5","page":187},{"text":"الوجوه واختلاف من بعض الوجوه، وقد أنكر طائفة من الناس ذلك وقالوا المتماثلان لا يختلفان بحال، والمختلفان لا يشتبهان في شيء البتة.\nواضطرب من خالف شيئًا من السنة في الأصل الذي يضبطه في نفي التشبيه إذ جعل مسمى التشبيه والتمثيل واحدًا فقالت الباطنية وبعض الفلاسفة إن الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه والتماثل.\nوقال النجار والقلانسي: المثلان هما المجتمعان في صفة من صفات الإثبات إذا لم يكن أحدهما بالثاني لحترز بهذا القيد عن القديم والحادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>تابع كلام الجويني</span>\nقال أبو المعالي فأما الرد على الفلاسفة فمن أوجه أحدها: الاتفاق على أن السواد يشارك البياض في بعض صفات الإثبات: من الوجود، والعرضية، واللونية.\nثم هما مختلفان.\nوكذلك الجوهر والعرض، والقديم والحادث، لا يمتنع اشتراكهما في صفة واحدة، مع اختلافهما في سائر الصفات.\nويقال لهم: أثبتوا الصانع المدبر، أم لا","vol":"5","page":188},{"text":"تثبتونه؟ فإن أثبتوه لزمهم من الحكم بإثباته ما حاذروه، فإن الحادث ثابت، فاستويا في الثبوت، ولا واسطة بين الإثبات والنفي فإن قالوا: ليس بمنفي قيل لهم: نفي النفي إثبات، كما أن نفي الإثبات نفي وإذا لزم الثبوت من نفي النفي، حصلت المماثلة.\nفإن قالوا: نحن لا نطلق الإثبات على صفاته، ولا ننطق به قلنا: قد نطقتم في صفات الرب بالإثبات أو بصيغة تتضمنه والمقصود من العبارات معناها، ثم نقول أتعتقدون ثبوت الإله سبحانه؟ فإن قالوا: لا نعتقده قطع الكلام عنهم فيما هو فرع له، على أنهم راغموا البديهة لعلمنا بأن نفي النفي إثبات وإن قالوا: نعتقد الثبوت ولا ننطق به.\nقلنا كلامنا في الحقائق لا في الإطلاقات فإن قالوا فصفوا الإله بالثبوت والوجود ولا تنطقوا به، واعتقدوا وجود الحادث ولا تنطقوا به، لتنفي المماثلة لفظًا، فغن المماثلة لفظًا مما يتوقى في العقائد.\nقلنا: يتوقى اللفظ لأدائه إلى الحدوث أو إلى النقص فكل مالا يؤدي إلى الحدوث وإلى النقص لا نكثرت به، ثم محاذرة التعطيل أولى من محاذرة التشبيه","vol":"5","page":189},{"text":"قال: ومما يتمسك به أن نقول هلا قلتم: الاشتراك في صفة النفي يوجب الاشتباه؟ وما الفرق بين صفة الإثبات والنفي في هذا الباب؟ ثم نقول: الرب سبحانه معقول ومذكور كالحادث وهو سبحانه مخالف للحادث ولا مخالفة إلا بين اثنين.\nقال فأما ما قيد النجار به كلامه فليس بعاصم، فإن التماثل يتلقى من الاجتماع في الصفة فأما كون أحدهما بالثاني أو المصير إلى أنه ليس به فلا أثر له في التشابه والتماثل.","vol":"5","page":190},{"text":"واختار أبو المعالي ما اختاره القاضي أبو بكر وأمثاله ويشاركهم في ذلك طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلي وقالوا: إن المثلين كل موجودين ثبت لكل واحد منهما من صفات النفس ما ثبت للآخر ولا يجوز أن ينفرد أحد المثلين عن الآخر بصفة نفس، ويجوز أن ينفرد بصفة معنى وقوعًا يجوز مثلها على مماثلة وبيان ذلك أن الجواهر متماثلة لتساويها في صفات الأنفس.\nإذ لا يستبد جوهر عن جوهر بالتحيز وقبول العرض والقيام بالنفس، وقد يختص بعض الجواهر بضروب من الأعراض، يجوز أمثالها في سائر الجواهر، ويجوز أن يشارك الشيء ما يخالفه في الوجود، مثل كونهما عرضين لونين خلافا للباطنية قالوا: ولا يجوز ان يتماثل الشيئان من وجه، ويختلفا من وجه لأنه إذا قلنا: المثلان","vol":"5","page":191},{"text":"هما المتساويان في جميع صفات النفس، فإذا اختلف الشيئان من وجه فليسا متماثلين من كل وجه إذ يستحيل التماثل في جميع الوجوه مع الاختلاف في وجه من الوجوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا بناء على أصل تلقوه من المعتزلة، وهو أن الجواهر والأجسام متماثلة، بخلاف الأعراض، فإنها قد تختلف وقد تتماثل.\nوحقيقة هذا القول أن الأجسام متماثلة من كل وجه، لا تختلف من وجه دون وجه، بل الثلج مماثل للنار من كل وجه، والتراب مماثل للذهب من كل وجه، والخبز مماثل للحديد من كل وجه، إذ كانا متماثلين في صفات النفس عندهم.\nوهذا القول فيه من مخالفة الحس والعقل ما يستغنى به عن بسط الرد على صاحبه، بل أصل دعوى تماثل الأجسام من أفسد الأقوال، بل القول في تماثلها واختلافها كالقول في تماثل الأعراض واختلافها، فإنها تتماثل تارة وتختلف أخرى.\nوتفريقهم بين الصفات النفسية والمعنوية اللازمة للمعين، يشبه تفريق أهل المنطق بين الصفات الذاتية واللازمة للماهية، وكلاهما قول فاسد لا حقيقة له، بل قول هؤلاء أفسد من قول أهل المنطق.\nوإذا وقع الكلام في جسم مطلق، وجوهر مطلق، فهذا لا وجود له في الخارج، وإن وقع في الوجود من الأجسام: كالنار والماء","vol":"5","page":192},{"text":"والتراب والإنسان والفرس والذهب، والبر والتمر، فكل جسم من هذه الأجسام له صفات نفسية لازمة له، لا تزول إلا باستحالة نفسه.\nفدعوى المدعي أنه ليس له من الصفات النفسية إلا التحيز، وقبول العرض، والقيام بالنفس، أفسد من قول أهل المنطق فإن أولئك جعلوا مثلا كون الحيوان حساسًا متحركا بالإرادة من الصفات الذاتية، وهؤلاء لم يجعلوا له صفة نفسية إلا كونه جسمًا.\nوالتحيز وقبول العرض والقيام بالنفس أمر تشترك فيه الأجسام كلها، والأمور المختلفة تشترك في لوازم كثيرة، كاشتراك الألوان المختلفة في اللونية والعرضية، ليس حقيقة النار مجرد كونها متحيزة، قابلة للعرض، قائمة بالنفس بل هذا من لوازمها.\nوأيضًا فقد يسلم هؤلاء القائلون بامتناع التشابه من وجه دون وجه، كأبي المعالي وغيره، أن الأعراض المختلفة تشترك في أمور وقد صرحوا بأن القديم والحادث يستويان في الثبوت، وأنه يشارك المحدث في أمور.\nوالاشتراك في بعض صفات الإثبات لا يكون تماثلًا، وهذا تصريح بأن المختلفين يستويان ويشتركان في بعض الصفات، فكيف يمكن أن يقال مع هذا إن المختلفين لا يشتبهان من بعض الوجوه، وقد صرح بتساويهما في بعض الأشياء؟ وغاية هذا أن يقال إنهما لا يختلفان بوجه من الوجوه في الصفات النفسية وإن اشتبها في الصفات المعنوية.\nوهذا مع أن اللفظ لا يدل، فيعود إلى ما ذكر.\nوقد أخبر الله","vol":"5","page":193},{"text":"تعالى في كتابه بنفي تساوي بعض الأجسام وتماثلها، كما أخبر بنفي ذلك عن بعض الأعراض فقال الله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ فاطر ١٩ - ٢٢.\nوقال تعالى ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ الزمر ٩.\nوقال تعالى ﴿ليسوا سواء﴾ آل عمران ١١٣.\nوقال تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ الحشر ٢٠ وقال تعالى ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ محمد ٣٨، فنفى أن يكون بعض الأجسام مثلا أو مساويًا لغيره.\nوإذا قيل: إن الأجسام اختلفت بما عرض لها من الأعراض.\nقيل: من الأعراض ما يكون لازمًا لنوع الجسم، أو للجسم المعين، كما يلزم الحيوان أنه حساس متحرك بالإرادة، ويلزم الإنسان انه ناطق، وكما يلزم الإنسان المعين ما يخصه من إحساسه وقوة تحركه بالإرادة ونطقه، وغير ذلك من الأمور المعينة التي لا يشركه في عينها غيره، فهذا لا يجوز أن يكون عارضًا له، إذ هو لازم له.\nوما يعقل جسم مجرد عن جميع هذه الصفات عرضت له بعد","vol":"5","page":194},{"text":"ذلك، فإذا كانت الأجسام تختلف بالأعراض وهي لازمة لها، كان من لوازمها أن تكون مختلفة.\nوتمام هذا أن الأشياء تتماثل وتختلف بذواتها، لا نحتاج أن نقول: تتماثل في ذواتها، والذات تختلف بصفاتها.\nولهذا كان الصواب أن الرب سبحانه غير مماثل لخلقه، بل هو مخالف لهم بذاته، لا نقول: إنه مساو لهم بذاته، وإنما خالفهم بصفاته.\nودعوى من ادعى: أن الأجسام مركبة من جواهر لا تنقسم، قائمة بأنفسها، ليس لها شيء من هذه الأعراض ولكن لما تركبت صارت متصفة بهذه الصفات، كاتصاف النار بالحرارة، والماء بالرطوبة دعوى باطلة بالعقل والحس، فإن الجسم المعين كهذه النار، لم تكن أجزاؤه قط عارية عن كونها نارًا بل النار لازمة لها.\nوإذا قيل: قد كان هواء فصار نارًا.\nقيل: نعم وتلك الأجزاء الهوائية لم تكن قط إلا هواء.\nواستحالة الجسم إلى جسم آخر مشهود معروف عند العامة والخاصة، كما يقول الفقهاء: إذا استحال الخمر خلا، أو العذرة رمادًا، والخنزير ملحًا، ونحو ذلك وكما يكون الإنسان منيًا ثم يصير علقة، ثم مضغة.\nفإما أن يقال: إن أجزاء العذرة تفرقت، وهي بعينها باقية حين صارت رمادًا، وإنما تغيرت صفاتها، كما يتغير اللون والشكل، بمنزلة","vol":"5","page":195},{"text":"الثوب المصبوغ، وبمنزلة الخاتم إذا عمل درهمًا فهذا مكابرة للحس، لأن الفضة التي كانت خاتمًا هي بعينها التي جعلت درهمًا أو سوارًا، وإنما تغير شكلها كالشمعة إذا غير شكلها.\nوكذلك إذا صبغ الجسم أو تحرك، فهنا اختلفت صفاته التي هي أعراضه.\nوأما المني إذا صار آدميا، والهواء إذا صار نارًا، والنار إذا طفئت صارت هواء، فهنا نفس حقيقة الشيء استحالت.\nفخلق من الأولى ما هو مخالف لها، وفنيت الأولى ولم يبق من نفس حقيقتها شيء، ولكن بقي ما خلق منها، كما يبقى الإنسان الذي خلق من أبيه بعد موت أبيه ولا يقول عاقل: إنه عبارة عن أجزاء كانت في أبيه فتفرقت فيه.\nوهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع، وبينا فساد قول من يقول: الأجسام مركبة من الجواهر التي لا تنقسم أو مركبة من جوهرين قائمين بأنفسهما مادة وصورة.\nومن عرف هذا زاحت عنه شبهات كثيرة في الإيمان بالله تعالى.\nوباليوم الآخر في الخلق، وفي البعث، وفي إحياء الأموات، وإعادة الأبدان، وغير ذلك مما هو مذكور في غير هذا الموضع.\nفهذا الموضع يحتاج إلى تحقيقه كل من نظر في هذه الأمور، فإنه بمعرفته تزول كثير من الشبهات المتعلقة بالله واليوم الآخر، ويعرف من","vol":"5","page":196},{"text":"الكلام الذي ذمه السلف، والمعقول الذي يقال إنه معارض للرسول، وما يتبين به أن هؤلاء خالفوا الحس والعقل.\nوذلك أنا نشهد هذه الأعيان المرئية تتحول من حال إلى حال، كما نشهد أن الشمس والقمر والكواكب تتحرك وتبزغ تارة وتأفل أخرى، ونشهد أيضًا أن السحاب والرياح تتحرك، لكن السحاب نشهد اجتماعه وتفرقه وخروج الودق من خلاله، ونشهد الماء يتحرك ويجتمع ويفترق، ونشهد النبات والحيوان ينمي ويعتدي ومثل هذا منتف في الماء والهواء والأفلاك، وحركته بالنمو والاغتذاء ليست من جنس حركة الماء والهواء والنجوم، فإن هذه توجب من تغير النامي المغتذي واستحالته مالا توجبه تلك، فإن الكواكب هي في نفسها لم تستحل وتغير بالحركة، بخلاف الطفل إذا كبر بعد صغره والزرع إذا استغلظ واستوى على سوقه.\nونشهد مع ذلك أن الحطب يصير رمادًا ودخانًا، وكذلك الدهن يصير دخانًا، والماء يصير بخارًا، وليس هذا مثل كبر الصغير، بل هذا فيه من الاستحالة والانقلاب من حقيقة إلى حقيقة، ما ليس في نبات الزرع والحيوان.\nونشهد إخراج الله من الأرض والشجر: الزرع والثمر، وإخراج الحيوان من الحيوان.","vol":"5","page":197},{"text":"كما قال تعالى ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ فاطر ٢٧-٢٨، وقال تعالى ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ الروم ١٩.\nوقال تعالى ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا﴾ الآية الأنعام ٩٩.\nوقال ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ الأنبياء ٣٠، وقال ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر﴾ إبراهيم ٣٢- ٣٣، فنحن نشهد الثمر يخرج من الخشب، ليست حقيقة الخشب حقيقة الرطب والعنب والرمان، ثم إذا أخرج الثمرة تكون خضراء ثم تصير صفراء ثم تصير حمراء فتختلف ألوانها وتكبر بعد صغرها.\nونرى الألوان المختلفة التي يخلقها الله للحيوان والنبات وغير ذلك من أسود وأحمر وأصفر وأبيض، ونفرق بين اختلافها ألوانها وحركاتها وطعومها بالحلاوة والحموضة وغير ذلك، وبين اختلافها بالنمو والاغتذاء، وكبرها بعد الصغر، وبين خروج السنبلة من الحبة،","vol":"5","page":198},{"text":"والشجرة من النواة، وخروج الثمرة من الشجرة، فاختلافها بالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، كتفريق الماء وجمعه، وتفريق التراب وجمعه، ليس يوجب اختلاف شيء من حقيقة الجسم، وبعد ذلك اختلاف ألوانه وطعومه فإن كونه أحمر وأخضر وأصفر وحلوًا وحامضًا، هو اختلاف يزيد على مجرد الحركة كحركة الكواكب والرياح.\nثم اختلافه بالنمو والاعتداء مثل كبر الصغير من الحيوان والنبات اختلاف آخر فيه من التغير والزيادة وغير ذلك ما ليس في مجرد تغير اللون والحركة.\nثم يصير الماء بخارًا والحطب دخانًا أو رمادًا نوع آخر فيه انقلاب الحقيقة واستحالتها ما ليس في ذلك.\nثم إخراج الثمرات من الشجر والإنسان من المني والزرع من النبات أمر آخر غير هذا كله فإن الشجرة لم تنقص بخروج الثمرة منها ولا استحالت حقيقتها وكذلك الأرض لم تنقص بخروج الزرع منها ولا استحالت حقيقتها.\nوكذلك خروج الإنسان من أمه وخروج البيضة من الدجاجة ولكن خلق الفروج من البيضة من جنس خلق الإنسان من المني.","vol":"5","page":199},{"text":"والذي يعقل من اجتماع الأجزاء وافتراقها أن تفترق مع بقاء حقيقتها مثل الماء تفرق حتى تصير أجزاؤه في غاية الصغر وهو ماء وكذلك الزئبق ونحوه فإذا استحالت بعد هواء لم يبق ماء ولا زئبق ومن قال إنه بعد انقلابه بقيت الأجزاء كما تبقى إذا تصغرت أجزاؤه فقد خالف الحس والعقل ولا يعقل الماء ونحوه جزءًا إلا وهو ماء فإذا صار هواء لم يكن في الهواء جزء هو ماء بل جزء الهواء هواء.\nوكذلك الحطب تكسر أجزاؤه إلى أن تتصاغر فإذا صار رمادًا فأجزاء الرماد مخالفة لأجزاء الحطب ليست هذه الأجزاء تلك فبقاء الشيء مع تغير أعراضه شيء وانقلاب حقيقته شيء آخر.\nولهذا تفرق اللغة والشرع بين هذا وهذا وتجعل هذا جنسًا مخالفًا لهذا في جميع الأحكام بخلاف ما إذا كانت حقيقته باقية وقد تبدلت أعراضها فالحكم المعلق بالذهب والفضة إذا تعلق بعينه كالربا مثلًا هو ثابت فيه وإن تغيرت صورة وأشكاله فسواء كان مجتمعًا","vol":"5","page":200},{"text":"مضروبًا أو مصوغًا على أي صورة كان أو مفترقًا بالإنكسار بخلاف حكمه لما كان ترابًا في المعدن قبل أن يصير ذهبًا وفضة.\nوكذلك النوى حكمه وحقيقته غير حكم النخلة وحقيقتها وأما الشجر والثمر فأبعد من هذا كله لأنه لا نشهد هناك من انقلاب أجزاء الشجرة واستحالتها ما نشهد من هذه المنقلبات وإنما نشهد خروج ثمرة لها طعم ولون وريح من خشبة مخالفة لها غاية المخالفة مع أن تلك الخشبة قد تزيد وتنمي مع خروج الثمرة منها وإن كان في ذلك استحالة لطينتها من الماء والهواء والتراب لكن خلق الحيوان والنبات والمعدن من العناصر ليس هو من جنس استحالة هذه المولدات بعضها إلى بعض لا سيما إذا كان بأفعالنا بل كلما بعد التسبب بأفعالنا يكون خلقه أعجب والإبداع للأعيان فيه أعظم.\nوما كان أقرب إلى مفعولاتنا يكون أبعد من إبداع الأعيان بل وعن انقلاب الحقائق إلى تغير الصفات إلى أن تنتهي إلى مطلق الحركة التي ليس فيها من تغير الذات شيء كحركة أحدنا بالمشي والقيام والقعود وحركة الكواكب فإن جنس الحركة هو المقدور للآدميين ابتداء وهو أبعد الأعراض والأحوال عن تغير الأعيان والحقائق ولهذا لا يسمى هذا في اللغة المعروفة تغيرًا أصلًا ولا يقول أحد عند الإطلاق للكواكب إذا كانت سائرة وللإنسان إذا كان ماشيًا متغيرًا اللهم إلا مع قرينة تبين المراد بخلاف ما إذا تغير لونه بحمرة أو","vol":"5","page":201},{"text":"صفرة فإنهم قد يقولون قد تغير ويقولون تغير الهواء إذا برد بعد السخونة ولا يكادون يسمون مجرد هبوبه تغيرًا وإن سمي بذلك فهم يفرقون بين هذا وهذا.\nوالمقصود أن قول من يقول إن هذه المخلوقات التي يخلقها الله بعضها من بعض، ليس خلقه لها إلا تغيير صفاتها وأن حقيقة كل شيء جواهر أصلية متماثلة باقية لا تتغير حقيقتها أصلًا ولكن تكثر تلك الأجزاء وتقل كلام لا حقيقة له وهو متضمن أمورًا باطلة إثبات جواهر قائمة بأنفسها مخلوقة وراء هذه الأعيان المشهودة وذاك باطل لا حقيقة له.\nوإثبات هؤلاء لهذه الجواهر الحسية من جنس إثبات آخرين لجواهر عقلية قائمة بأنفسها وراء هذه الأعيان المشهودة يسمونها المادة والصورة وإثبات أن هذه الجواهر متماثلة والأعيان المشهودة متماثلة وهو أمر لا حقيقة له.\nفدعوى أن خلق الله لمخلوقاته من الحيوان والنبات والمعدن ليس إلا إحداث أعراض وصفات ليس فيه خلق قائمة بنفسها ولا إحداث لأجسام وجواهر قائمة بنفسها كما تحرك الرياح والمياه وتفرق الماء في مجاريه وهو أيضًا من أبطل الباطل.\nوهذا من أعظم ضلال هؤلاء حيث عمدوا إلى ما هو من أعظم آيات الرب الدالة الشاهدة بوجوده وقدرته ومشيئته وعلمه","vol":"5","page":202},{"text":"وحكمته ورحمته أنكروا وجودها بالكلية وادعوا أنه ليس في ذلك إبداع عين ولا خلق شيء قائم بنفسه وإنما هو إحداث أعراض والواحد منا يقدر على إحداث بعض الأعراض ثم اقتصروا في ذلك على مجرد إحداث أعراض وصفات.\nثم أرادوا أن يثبتوا إبداعه لجميع الأعيان بان ادعوا وجود جواهر منفردة لا حقيقة لها وادعوا في الأعيان المختلفات تماثلا لا حقيقة له.\nثم أرادوا أن يثبتوا حدوث هذه الجواهر بمجرد قيام الأعراض أو الحركات بها وذلك من أبعد الأشياء عن الدلالة على المطلوب فاحتاجوا إلى تلك المقدمات الباطلة التي ناقضوا بها عقول العقلاء وكذبوا بها ما جاءت به الرسل من الأنباء واحتاجوا أن ينفوا حقيقة الرب بعد أن نفوا حقيقة مخلوقاته وآل الأمر بهم إما إلى نفي صفاته أيضًا وإما إلى إثبات صفات لا موصوف لها كما لم يثبتوا من آياته إلا ما يحدث من صفات الأشياء.\nومن تدبر هذا كله وتأمله وتبين له أن ما جاء به القرآن من بيان آيات الرب ودلائل توحيده وصفاته هو الحق المعلوم بصريح المعقول وأن هؤلاء خالفوا القرآن في أصول الدين في دلائل المسائل وفي نفس المسائل خلافًا خالفوا به القرآن والإيمان وخالفوا به صريح عقل الإنسان وكانوا في قضاياهم التي يذكرونها في خلاف ذلك أهل كذب وبهتان وإن لم يكونوا متعمدين الكذب بل التبس عليهم ما ابتدعوه من الهذيان.","vol":"5","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>الوجه الحادي والعشرون</span>\nأن يقال: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها، هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر، كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف بالملل والنحل ما معناه: أصل كل شر هو من معرضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع.\nوهو كما قال، فإن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وبين أن المتبعين لما أنزل هم أهل الهدى والفلاح، والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال.\nكما قال تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٦] .\nوقال تعالى: ﴿يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين","vol":"5","page":204},{"text":"كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [الأعراف ٣٥-٣٦] .\nوقد أخبر عن أهل النار أنهم إنما دخلوها لمخالفة الرسل، قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ [الأنعام: ١٢٨]، إلى قوله: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ [الأنعام: ١٣٠] .\nوقال تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾ [الزمر: ٧١] .\nوقال تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ [الملك: ٨، ٩] .\nومعلوم أن الكلام الذي جاءت به الرسل عن الله نوعان: إما إنشاء وإما خبر.\nوالإنشاء يتضمن الأمر والنهي والإباحة، فأصل السعادة تصديق خبره، وطاعة أمره وأصل الشقاوة معارضة خبره وأمره بالرأي والهوى، وهذا هو معرضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع.","vol":"5","page":205},{"text":"ولهذا كان ضلال من ضل من أهل الكلام والنظر في النوع الخبري، بمعارضة خبر الله عن نفسه وعن خلقه بعقلهم ورأيهم، وضلال من ضل من أهل العبادة والفقه في النوع الطلبي، بمعارضة أمر الله الذي هو شرعه بأهوائهم وآرائهم.\nوالمقصود هنا أن معارضة أقوال الرسل بأقوال غيرهم من فعل الكفار، كما قال تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد﴾ [غافر: ٤]، إلى قوله: ﴿وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب﴾ [غافر: ٥] .\nوقوله تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ [الكهف: ٥٦] .\nوقوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ [غافر ٤]، مصدق لقول النبي ﷺ: «مراء في القرآن كفر» .\nومن المعلوم أن كل من عارض القرآن، وجادل في ذلك بعقله ورأيه، فهو داخل في ذلك، وإن لم يزعم تقديم كلامه على كلام الله ورسوله، بل إذا قال ما يوجب المرية والشك في كلام الله، فقد دخل في ذلك، فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ورأيه مقدم على نصوص الكتاب والسنة.","vol":"5","page":206},{"text":"وقال تعالى: ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ الآية [غافر: ٥٦] .\nوقال: ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ [غافر: ٣٥] .\nوالسلطان هو الكتاب المنزل من السماء، كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين.\nوشواهده كثيرة كقوله تعالى: ﴿أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون﴾ [الروم: ٣٥] .\nوقوله: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [النجم: ٢٣] في سورة الأعراف ويوسف","vol":"5","page":207},{"text":"والنجم، فمن عارض آيات الله المنزلة برأيه وعقله من غير سلطان أتاه، دخل في معنى هذه الآية.\nوهذا مما يبين أنه لا يجوز معارضة كتاب الله إلا بكتاب الله، ولا يجوز معارضته بغير ذلك.\nوكتاب الله نوعان: خبر وأمر، كما تقدم.\nأما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر ويبين معناه.\nوأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله إلا بما أنزل الله فمن أراد أن ينسخ شرع الله، الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدًا، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدًا.\nوالقرامطة جمعوا هذا وهذا، وزعموا أن محمد بن إسماعيل هو السابع الذي نسخ دين محمد ﷺ، وكذلك تعرض لدعوى النبوة غير واحد من الملاحدة.\nوآخرون يدعون ما هو عندهم أعلى من النبوة: إما ختم الولاية عند من يزعم أن الولاية أفضل من النبوة، كمذهب صاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله، وإما دعوى الفلسفة والحكمة التي هي في زعم كثير منهم أعلى من النبوة.\nوهؤلاء الملاحدة نوعان: نوع يزعم أنه نزل عليه، كما يدعي ذلك من يدعيه من ملاحدة أهل النسك والتصوف.\nثم من هؤلاء من يقول: إن الله أنزل عليه ذلك.\nومنهم من يقول: ألقي إلي، أوحي إلي، ولا يسمي الموحي.","vol":"5","page":208},{"text":"وقوم يزعمون أنهم يقولون ذلك بعقلهم ورأيهم.\nوقد جمع الله هؤلاء بقوله: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾ [الأنعام: ٩٣] .\nفذكر سبحانه من يفترى الكذب على الله، ومن يقول أنه يوحى إليه، ومن زعم أنه يقول كلامًا مثل الكلام الذي أنزله الله.\nوهذا الأصل هو مما يعلم بالضرورة من دين الرسل من حيث الجملة: يعلم أن الله إذا أرسل رسولًا، فإنما يقول من يناقض كلامه ويعارضه من هو كافر، فكيف بمن يقدم كلامه على كلام الرسول؟  وأما المؤمنون بما جاء به فلا يتصور أن يقدموا أقوالهم على قوله، بل قد أدبهم الله بقوله: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] .\nولكن البدع مشتقة من الكفر، فلهذا كانت معارضة النصوص الثابتة عن الأنبياء بآراء الرجال هي من شعب الكفر، وإن كان المعارض لهذا بهذا يكون مؤمنًا بما جاء به الرسول في غير محل التعارض.\nوإذا كان أصل معارضة الكتب الإلهية بقول فلان وفلان من أصول الكفر، علم أن ذلك كله باطل.\nوهذا مما ينبغي للمؤمن تدبره، فإنه إذا حاسب نفسه على ذلك، علم تصديق ذلك.\nومما بين هذا:","vol":"5","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>الوجه الثاني والعشرون</span>\nوهو أن يقال: إن الله سبحانه ذم من ذمه من أهل الكفر على أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا.\nكما قال تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون * قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون﴾ [آل عمران: ٩٨-٩٩] .\nوقال تعالى: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم﴾ [الأعراف: ٨٦] .\nوقال: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا﴾ [هود: ١٨-١٩] .\nوقال: ﴿وويل للكافرين من عذاب شديد * الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله﴾ [إبراهيم: ٢] .\nومعلوم أن سبيل الله هو ما بعث الله به رسله مما أمر به وأخبر عنه، فمن نهى الناس نهيًا مجردًا عن تصديق رسل الله وطاعتهم، فقد صدهم عن سبيل الله، فكيف إذا نهاهم عن التصديق بما أخبرت به الرسل، وبين أن العقل يناقض ذلك، وأنه يجب تقديمه على ما أخبرت به الرسل؟ .","vol":"5","page":210},{"text":"ومعلوم أن من زعم أن العقل الصريح الذي يجب اتباعه، يناقض ما جاء به الرسل، وذلك هو سبيل الله، فقد بغى سبيل الله عوجًا، أي طلب له العوج، فإنه طلب أن يبين اعوجاج ذلك وميله عن الحق، وأن تلك السبيل الشرعية السمعية المروية عن الأنبياء عوجًا لا مستقيمة، وأن المستقيم هو السبيل التي ابتدعها من خالف سبيل الأنبياء.\nويوضح هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>الوجه الثالث والعشرون</span>\nوهو أن يقال: من المعلوم أن الله أخبر أنه أرسل رسله بالهدى والبيان، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، فقال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق﴾ [التوبة: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الشورى: ٥٢-٥٣] .\nوقال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد * الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ [إبراهيم: ١-٢] .\nإلى قوله: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ [إبراهيم: ٤] .","vol":"5","page":211},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿فهل على الرسل إلا البلاغ المبين﴾ [النحل: ٣٥] .\nوقال: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ [العنكبوت: ١٨] .\nوقال: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف: ١٥٧] .\nقال تعالى: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ [المائدة: ١٥-١٦] .\nوقال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ١٤٤] .\nوقال تعالى: ﴿ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ [يوسف: ١١١] .\nوقال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: ٨٩] .\nوقال تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة ٢-٥] .","vol":"5","page":212},{"text":"ونظائر هذا في القرآن كثيرة.\nوإذا كان كذلك فيقال: أمر الإيمان بالله واليوم الآخر: إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق، أو بما يدل على الباطل، أو لم يتكلم: لا بما يدل على حق، ولا بما يدل على باطل.\nومعلوم أنه إذا قدر في شخص من الأشخاص أنه لم يتكلم في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر: لا بحق ولا بباطل، ولا هدى ولا ضلال، بل سكت عن ذلك، لم يكن قد هدى الناس، ولا أخرجهم من الظلمات إلى النور، ولا بين لهم، ولا كان معه ما يستضيء به السالك المستدل.\nفإن قدر أن هذا الشخص تكلم بما يفهم منه نقيض الحق، وبما يدل على ضد الصواب، وكان مدلول كلامه في ذلك معلوم الفساد بصريح العقل- لكان هذا الشخص قد أضل بكلامه وما هدى، وكان مخرجا لمن اتبعه بكلامه من النور إلى الظلمات، كحال الطاغوت الذين قال الله فيهم: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ [البقرة: ٢٥٧] .\nومن زعم أن ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة، قد عارضه صريح المعقول الذي يجب تقدمه عليه، فقد جعل الرسول شبيهًا بالشخص الثاني الذي أضل بكلامه من وجه، ويجعله بمنزلة من جعله كالساكت الذي لم يضل ولم يهد من وجه آخر.","vol":"5","page":213},{"text":"فإنه إذا زعم أن الحق والهدى هو قول نفاة الصفات الذي يعلم بالعقل عنده، فمعلوم أن كلام الله ورسوله لم يدل على قول النفاة.\nدلالة يحصل بها الهدى والبيان للمخاطبين بالقرآن، إن كان قول النفاة هو الحق.\nومعلوم أن كلام الله ورسوله دل على إثبات الصفات المناقض لقول النفاة، دلالة بينة بقول جمهور الناس: إنها دلالة قطعية على ذلك.\nوالمعتزلة ونحوهم من النفاة معترفون بأنها دلالة ظاهرة، فإذا كان الرسول لم يظهر للناس إلا إثبات الصفات دون نفيها، وكان الحق في نفس الأمر نفيها، لكان بمنزلة الشخص الذي كتم الحق وذكر نقيضه.\nوهذا خلاف ما نعته الله في كتابه، فدل على أن هذا الطريق التي يسوغ فيها تقديم عقول الرجال- في أصول التوحيد والإيمان على كلام الله ورسوله، تناقض دين الرسول مناقضة بينة، بل مناقضة معلومة بالاضطرار من دين الإسلام، لمن تدبر حقيقة هذا القول وعرف غائلته ووباله.\nوحينئذ فنقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>الوجه الرابع والعشرون</span>\nإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول: هذا القرآن أو الحكمة الذي بلغته إلينا قد تضمن أشياء كثيرة تناقض ما علمنا بعقولنا، ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله،","vol":"5","page":214},{"text":"مع أن عقولنا تناقض ذلك، لكان ذلك قدحًا فيما علمنا به صدقك فنحن نعتقد موجب الأقوال المناقضة لما ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنه، لا نتلقى منه هدى ولا علم - لم يكن مثل هذا الرجل مؤمنًا بما جاء به الرسول، ولم يرض الرسول منه بهذا، بل يعلم أن هذا لو ساغ، لأمكن كل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جاء به الرسول، إذ العقول متفاوتة، والشبهات كثيرة والشيطان لا يزال يلقي الوساوس في النفوس، فيمكن حينئذ أن يلقي في قلب غير واحد من الأشخاص، ما يناقض عامة ما أخبر به الرسول وما أمر به.\nوقد ظهر ذلك في القرامطة الباطنية، الذين ردوا عامة الظاهر الذي جاء به من الأمر والخبر، وزعموا أن العقل ينافي هذا الظاهر الذي بينه الرسول.\nثم قد يقولون: الظاهر خطاب للجمهور والعامة، حتى يصل الشخص إلى معرفة الحقيقة التي يزعمون أنها تناقض ما بينه الرسول، وحينئذ تسقط عنه طاعة أمره، ويسوغ له تكذيب خبره.\nومن المعلوم لعامة المسلمين أن قول الباطنية، الذي يتضمن مخالفة الرسول، معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام.\nوكذلك ما أخبر به في المعاد، قد قال متكلمة المسلمين: إن قول الفلاسفة المناقض لذلك معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام.\nوهكذا ما اخبر به الرسول من أسماء الله وصفاته، يعلم أهل الإثبات أن قول النفاة فيه معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام.","vol":"5","page":215},{"text":"وأصل هذا الإلحاد معارضة ما جاءت به الأنبياء بالعقول والآراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>الوجه الخامس والعشرون</span>\nوهو أن الله ﷾ قد بين في كتابه أن معارضة مثل هذا فعل الشياطين المعادين للأنبياء.\nقال تعالى: ﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين * ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل * ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون * وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ [الأنعام: ١٠٦-١١٠] أي وما يشعركم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون، وأنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة.\nفقوله: ﴿نقلب أفئدتهم﴾ معطوف على قوله ﴿لا يؤمنون﴾، وكلاهما داخل في معنى قوله: ﴿وما","vol":"5","page":216},{"text":"يشعركم﴾ وبهذا تزول شبهة من لم يفهم الآية فظن أن (أن) بمعنى (لعل) لتوهمه أن قوله: ﴿ونقلب﴾ فعل مبتدأ، إلى قوله: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون * أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين * وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾ [الأنعام: ١١٢-١١٥] .\nومن تدبر هؤلاء الآيات علم أنها منطبقة على من يعارض كلام الأنبياء بكلام غيرهم بحسب حاله فإن هؤلاء هم أعداء ما جاءت به الأنبياء.\nوأصل العداوة والبغض، كما أن الولاية والحب.\nومن المعلون أنك لا تجد أحدًا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت، وأن ذلك الحديث لم يرد، ولو أمكنه كشط ذلك في المصحف لفعله.\nقال بعض السلف: لا ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه.\nوقيل عن بعض رؤوس الجهمية - إما بشر المريسي، أو غيره:","vol":"5","page":217},{"text":"أنه قال: ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن، فأقروا به في الظاهر، ثم صرفوه بالتأويل.\nويقال أنه قال: إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل.\nولهذا تجد الواحد من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية، بل قد يختار كتمان ذلك والنهي عن إشاعته وتبليغه خلافًا لما أمر الله به ورسوله من التبليغ عنه.\nكما قال: «ليبلغ الشاهد الغائب» .\nوقال: «بلغوا عني ولوا آية» .\nوقال: «نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه إلى من لم يسمعه،","vol":"5","page":218},{"text":"فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» .\nوقد ذم الله في كتابه الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى، وهؤلاء يختارون كتمان ما أنزله الله، لأنه معارض لما يقولونه، وفيهم جاء الأثر المعروف عن عمر: قال: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم السنن أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، وسئلوا فقالوا في الدين برأيهم.\nفذكر أنهم أعداء السنن.\nوبالجملة، فكل من أبغض شيئًا من الكتاب والسنة ففيه من عداوة النبي بحسب ذلك، وكذلك من أحب ذلك ففيه من الولاية بحسب ذلك.","vol":"5","page":219},{"text":"قال عبد الله بن مسعود: لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله.\nوعدو الأنبياء هم شياطين الإنس والجن.\nكما «قال النبي ﷺ لأبي ذر: تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن.\nفقال: أو للإنس شياطين؟ فقال: نعم شر من شياطين الجن، وهؤلاء يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا» .\nوالزخرف هو الكلام المزين، كما يزين الشيء بالزخرف، وهو المذهب، وذلك غرور لأنه يغر المستمع، والشبهات المعارضة لما جاءت به الرسل هي كلام مزخرف يغر المستمع.\nولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، فهؤلاء المعارضون لما جاءت به الرسل تصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، كما رأيناه وجربناه.\nثم قال: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ [الأنعام: ١١٤] وهذا يبين أن الحكم بين الناس هو الله تعالى بما أنزله من الكتاب المفصل.","vol":"5","page":220},{"text":"كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠] .\nوقال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣] .\nوقال تعالى: ﴿وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ [الأنعام: ١١٤] جملة في موضع الحال.\nوقوله: ﴿أفغير الله أبتغي حكما﴾ [الأنعام: ١١٤] .\nاستفهام استنكار، يقول كيف أطلب حكما غير الله، وقد أنزل الكتاب مفصلا يحكم بيننا.\nوقوله (مفصلا) يبين أن الكتاب الحاكم مفصل مبين، بخلاف ما يزعمه من يعارضه بآراء الرجال، ويقول إنه لا يفهم معناه، ولا يدل على مورد النزاع، فيجعله إما مجملًا لا ظاهر له، أو مؤولًا لا يعلم عين معناه، ولا يدل على عين المعنى المراد به.\nولهذا كان المعرضون عن النصوص، المعارضون لها، كالمتفقين على أنه لا يعلم عين المراد به، وإنما غايتهم أن يذكروا احتمالات كثيرة، ويقولون: يجوز أن يكون المراد واحدًا منها.\nولهذا أمسك من امسك منهم عن التأويل، لعدم العلم بعين المراد.","vol":"5","page":221},{"text":"فعلى التقديرين لا يكون عندهم الكتاب الحاكم مفصلا، بل مجملا ملتبسًا أو مؤولا بتأويل لا دليل على إرادته.\nثم قال: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ [الأنعام: ١١٤]، وذلك أن الكتاب الأول مصدق للقرآن، فمن نظر فيما بأيدي أهل الكتاب من التوراة والإنجيل، علم علمًا يقينًا لا يحتمل النقيض أن هذا وهذا جاءا من مشكاة واحدة، لا سيما في باب التوحيد والأسماء والصفات، فإن التوراة مطابقة للقرآن موافقة له موافقة لا ريب فيها.\nوهذا مما يبين أن ما في التوراة من ذلك، ليس هو من المبدل الذي أنكره عليهم القرآن، بل هو من الحق الذي صدقهم عليه.\nولهذا لم يكن النبي ﷺ وأصحابه ينكرون ما في التوراة من الصفات، ولا يجعلون ذلك مما يدله اليهود، ولا يعيبونهم بذلك ويقولون هذا تشبيه وتجسيم، كما يعيبهم بذلك كثير من النفاة، ويقولون: إن هذا مما حرفوه، بل كان الرسول إذا ذكروا شيئًا من ذلك صدقهم عليه، كما صدقهم في خبر الحبر، كما هو في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، وفي غير ذلك.\nثم قال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾ [الأنعام: ١١٥]، فقرر أن ما أخبر الله به فهو صدق، وما أمر به فهو عدل.\nوهذا يقرر أن ما في النصوص من الخبر فهو صدق علينا أن نصدق","vol":"5","page":222},{"text":"به، ولا نعرض عنه ولا نعارضه، ومن دفعه فإنه لم يصدق به، وإن قال: أنا أصدق الرسول تصديقًا مجملًا، فإن نفس الخبر الذي أخبر به الرسول، وعارضه هو بعقله ودفعه، لم يصدق به تصديقًا مفصلًا، ولو صدق الرجل الرسول تصديقًا مجملًا، ولم يصدقه تصديقًا مفصلًا، فيما علم أنه أخبر به، لم يكن مؤمنًا له، ولو أقر بلفظه مع إعراضه عن معناه الذي بينه الرسول، أو صرفه إلى معان لا يدل عليها مجري الخطاب بفنون التحريف، بل لم يردها الرسول، فهذا ليس بتصديق في الحقيقة، بل هو إلى التكذيب أقرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>الوجه السادس والعشرون</span>\nوهو أن يقال: إن الله ذم أهل الكتاب على كتمان ما أنزل الله، وعلى الكذب فيه، وعلى تحريفه، وعلى عدم فهمه.\nقال تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون * ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا","vol":"5","page":223},{"text":"أماني وإن هم إلا يظنون * فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ .\nفذم المحرفين له، والأميين الذين لا يعلمونه إلا أماني، والذين يكذبون فيقولون لما يكتبونه هو من عند الله، وما هو من عند الله، كما ذم الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، وقد ذم الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب في غير هذا الموضع.\nوهذه الأنواع الأربعة موجودة في الذين يعرضون عن كتاب الله ويعارضونه بآرائهم وأهوائهم، فإنهم تارة يكتمون الأحاديث المخالفة لأقوالهم، ومنهم طوائف يضعون أحاديث نبوية توافق بدعهم، كالحديث التي تحتج به الفلاسفة: أول ما خلق الله العقل.\nوالحديث الذي يحتج به الجهمية: كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان.","vol":"5","page":224},{"text":"والحديث الذي يحتجون به في نفي الرؤية: لا ينبغي لأحد أن يرى الله في الدنيا ولا في الآخرة.\nوالحديث الذي يحتجون به في نفي العلو، كالحديث الذي رواه ابن عساكر فيما أملاه في نفي الجهة عن شيخه ابن عبد الله العوسجي عن النبي ﷺ أنه قال: الذي أين الأين فلا يقال له: أين، وعرض به حديث ابن اسحق الذي رواه أبو داود وغيره، الذي قال فيه: يستشفع بك على الله ويستشفع بالله عليك وأكثر فيه في القدح في ابن اسحق مع احتجاجه بحديث أجمع العلماء على أنه من أكذب الحديث، وغاية ما قالوا فيه: إنه غريب.\nوالأحاديث التي تحتج بها الاتحادية من هؤلاء وغيرهم، مثل قولهم عن النبي ﷺ أنه قال: رب زدني فيك تحيرًا.\nومثل الأحاديث التي يحتج بها الواصفون بالنقائص، كحديث الجمل الأورق ونزوله عشية عرفه إلى الأرض يصافح الركبان ويعانق","vol":"5","page":225},{"text":"المشاة، ونزوله إلى بطحاء مكة، وقعوده على كرسي بين السماء والأرض، ونزوله على صخرة بيت المقدس، وأمثال ذلك.\nوكذلك ما يضعونه من الكتب بآرائهم وأذواقهم ويدعون أن هذا هو دين الله الذي يجب اتباعه.\nوأما تحريفهم للنصوص بأنواع التأويلات الفاسدة التي يحرفون بها الكلم عن مواضعه، فأكثر من أن يذكر، كتأويلات القرامطة الباطنية، والجهمية والقدرية، وغيرهم.\nوأما عدم الفهم فإن النصوص التي يخالفونها، تارة يحرفونها بالتأويل، وتارة يعرضون عن تدبرها وفهم معانيها، فيصيرون كالأميين","vol":"5","page":226},{"text":"الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ولهذا تجد هؤلاء معرضين عن القرآن والحديث، فمنهم طوائف لا يقرون القرآن، مثل كثير من الرافضة والجهمية، لا تحفظ أئمتهم القرآن، وسواء حفظوه أم لم يحفظوه لا يطلبون الهدى منه، بل إما أن يعرضوا عن فهمه وتدبره، كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وإما أن يحرفوه بالتأويلات الفاسدة.\nوأما الحديث: فمنهم من لا يعرفه ولم يسمعه، وكثير منهم لا يصدق به، ثم إذا صدقوا به كان تحريفهم له وإعراضهم عنه، أعظم من تحريف القرآن والإعراض عنه، حتى أن منهم طوائف يقرون بما أخبر به القرآن من الصفات، وأما الحديث إذا صدقوا به فهم لا يقرون بما أخبر به.\nوإذا تبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بالمعقولات، لا بد له من كتمان أو كذب أو تحريف أو أمية، مع عدم علم، وهذه الأمور كلها مذمومة - دل ذلك على أن هؤلاء مذمومون في كتاب الله، كما ذم الله أشباههم من أهل الكتاب، وأن هؤلاء وأمثالهم دخلوا في قوله ﷺ الذي ثبت عنه في الصحيح، الذي قال فيه: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.\nقالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن» .","vol":"5","page":227},{"text":"فإن قيل: فما ذكرتموه قد يشعر بأنه ليس لأحد أن يعارض حديثا، ولا يستشكل معناه، وقد كان الصحابة يفعلون ذلك.\nحتى قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما قال: «من نوقش الحساب عذب.\nقالت عائشة: يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ [الانشقاق: ٧، ٨]؟ فقال: ذلك العرض، ومن نوقش الحساب عذب» .\nولما قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة.\nقالت له حفصة: أليس الله يقول: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١]؟ فقال: ألم تسمعي قوله: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ [مريم: ٧٢]» .\n«وقال له عمر عام الحديبية: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف","vol":"5","page":228},{"text":"به؟ فقال: هل قلت لك: إنك تدخله هذا العام؟ قال لا: قال فإنك آتيه ومطوف به» .\nقيل: لم يكن في الصحابة من يقول: إن عقله مقدم على نص الرسول، وإنما كان يشكل على أحدهم قوله فيسأل عما يزيل شبهته، فيتبين له أن النص لا شبهة فيه.\nفلما نفى النبي ﷺ مناقشة الحساب عن الناجين، لم ينف كل ما يسمى حسابًا، والحساب يراد به الموازنة بين الحسنات والسيئات، وهذا يتضمن المناقشة، ويراد به عرض الأعمال على العامل وتعريفه بها.\nولهذا لما تنازع أهل السنة في الكفار: هل يحاسبون أم لا؟ كان فصل الخطاب إثبات الحساب، بمعنى عد الأعمال وإحصائها وعرضها عليهم، لا بمعنى إثبات حسنات نافعة لهم في ثواب يوم القيامة تقابل سيئاتهم.\nوكذلك لما قال النبي ﷺ: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» لم يرد به المرور على الصراط، فإن ذاك لا يسمى دخولًا، ولكن سماه الله ورودا بقوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ .","vol":"5","page":229},{"text":"ولفظ (الورود) يحتمل العبور والدخول.\nوأيضا، فالورود والدخول قد يراد: ورود أعلاها.\nوقد ثبت في الصحيح: «أنهم إذا عبروا على الصراط: منهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل» .\nوفسر النبي ﷺ الورود بهذا، وهذا عام لجميع الخلق، فلما قالت حفصة: أليس الله يقول: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] لم تكن هذه معارضة صحيحة لما أخبر به، فبين لها النبي ﷺبعد أن زبرها - أن الله قال: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ [مريم: ٧٢] فتلك النجاة هي المعنى الذي أراده بقوله: لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة.\nفإن قيل: فعائشة قد عارضت ما رواه عمر وغيره عن النبي صلى الله","vol":"5","page":230},{"text":"عليه وسلم: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» .\nبقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وعارضت ما رووه عن النبي ﷺ «من مخاطبة أهل القليب يوم بدر بقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ [النمل: ٨٠]» .\nقيل: الجواب من وجهين:\nأحدهما: أنا لم ننكر انهم كانوا يعارضون نصًا بنص آخر، وإنما أنكرنا معارضة النصوص بمجرد عقلهم، والنصوص لا تتعارض في نفس الأمر، إلا في الأمر والنهي، إذا كان أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، وأما الأخبار فلا يجوز تعارضها.\nوأما إذا قدر أن الإنسان تعارض عنده خبران أو أمران: عام وخاص، وقدم الخاص على العام، فإنه يعلم أن ذلك ليس يتعارض في","vol":"5","page":231},{"text":"نفس الأمر، وأن المعنى الخاص لم يدخل في إرادة المتكلم باللفظ العام، فالدليل الخاص يبين ما لم يرد باللفظ العام، كما في قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]، فالسنة بينت أن الكافر والعبد والقاتل لم يدخل في ذلك.\nهذا عند من يجعل اللفظ عاما لهؤلاء، وأما من قال: العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فإنه يقول: إن الآية تعم كل ولد، ولكن لم يبين فيها الحال الذي يرث فيها الولد، والحال التي لم يرث فيها، ولكن هذا مبين في نصوص أخرى.\nوهؤلاء يقولون: لفظ القرآن باق على عمومه، ولكن ما سكت عنه لفظ القرآن من الشروط والموانع بين في نصوص أخرى.\nوهكذا يقولون في قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] وأمثال ذلك من عمومات القرآن وظواهره، لا يقولون: إن اللفظ متروك، ولكن يقولون: ما سكت عنه اللفظ بين في نصوص أخرى.\nويقولون فرق بين ما يعمه اللفظ، وبين ما سكت عنه من أحوال: ما عمه فإن اللفظ مطلق في ذاك لا عام فيه.\nوإذا كان في كلام الله ورسوله كلام مجمل أو ظاهر قد فسر معناه وبينه كلام آخر متصل به أو منفصل عنه، لم يكن في هذا خروج عن كلام الله ورسوله، ولا عيب في ذلك ولا نقص، كما في الحديث","vol":"5","page":232},{"text":"الصحيح: «يقول الله: عبدي، جعت فلم تطعمني.\nفيقول: رب كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي.\nعبدي، عطشت فلم تسقني.\nفيقول: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا عطش، فلو أسقيته لوجدت ذلك عندي.\nعبدي، مرضت فلم تعدني.\nفيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده» .\nفهذا الحديث قد قرن به الرسول بيانه، وفسر معناه، فلم يبقى في ظاهره ما يدل على باطل، ولا يحتاج إلى معارضة بعقل ولا تأويل يصرف فيه ظاهره إلى باطنه بغير دليل شرعي.\nفأما أن يقال: إن في كلام الله ورسوله ما ظاهره كفر وإلحاد، من غير بيان من الله ورسوله لما يزيل الفساد ويبين المراد، فهذا هو الذي تقول أعداء الرسل، الذين كفروا من المشركين وأهل الكتاب، وهو الذي لا يوجد في كلام الله أبدًا.\nوإيضاح ذلك في:","vol":"5","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>الوجه السابع والعشرون</span>\nوهو أن نقول: الذين يعارضون كلام الله وكلام رسوله بعقولهم: إن كانوا من ملاحدة الفلاسفة والقرامطة.\nقالوا إن الرسل أبطنت خلاف ما أظهرت لأجل مصلحة الجمهور، حتى يؤول الأمر بهم إلى إسقاط الواجبات واستحلال المحرمات: إما للعامة.\nوإما للخاصة دون العامة، ونحو ذلك مما يعلم كل مؤمن أنه فاسد مخالف لما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وإن كانوا من أهل الفقه والكلام والتصوف الذين لا يقولون ذلك، فلا بد لهم من التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح.\nولفظ (التأويل) يراد به التفسير، كما يوجد في كلام المفسرين: ابن جرير وغيره.\nويراد به حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وهو المراد بلفظ التأويل في القرآن.\nوأما بالمعنى الثاني، فمنه ما لا يعلمه إلا الله.\nولهذا كانوا يثبتون العلم بمعاني القرآن، وينفون العلم بالكيفية، كقول مالك وغيره: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.","vol":"5","page":234},{"text":"فالعلم بالاستواء من باب التفسير، وهو التأويل الذي نعلمه.\nوأما الكيف فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وهو المجهول لنا.\nويراد بالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، وهذا هو الذي تدعيه نفاة الصفاة والقدر ونحو ذلك من نصوص الكتاب والسنة.\nوهؤلاء قولهم متناقض، فإنهم بنوه على أصلين فاسدين: فإنهم يقولون لا بد من تأويل بعض الظواهر كما في قوله: «جعت فلم تطعمني» .\nوقوله: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، ونحو ذلك.\nثم أي نص خالف رأيهم جعلوه من هذا الباب، فيجعلون تارة المعنى الفاسد هو الظاهر، ليجعلوا في موضع آخر المعنى الظاهر فاسدا، وهم مخطئون في هذا وهذا.\nومضمون كلامهم أن كلام الله ورسوله في ظاهره كفر وإلحاد، من غير بيان من الله ورسوله للمراد.\nوهذا قول ظاهر الفساد، وهو أصل قول أهل الكفر والإلحاد.\nأما النصوص التي يزعمون أن ظاهرها كفر، فإذا تدبرت النصوص وجدتها قد بينت المراد، وأزالت الشبهة، فإن الحديث الصحيح لفظه: «عبدي، مرضت فلم تعدني.\nفيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده» .\nفنفس ألفاظ الحديث نصوص في أن الله نفسه لا يمرض، وإنما الذي مرض عبده المؤمن.","vol":"5","page":235},{"text":"ومثل هذا لا يقال: ظاهره أن الله يمرض، فيحتاج إلى تأويل لأن اللفظ إذا قرن به ما يبين معناه، كان ذلك هو ظاهره كاللفظ العام، إذا قرن به استثناء أو غاية أو صفة، كقوله: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ [العنكبوت: ١٤] وقوله: ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ [النساء: ٩٢]، ونحو ذلك، فإن الناس متفقون على أنه حينئذ ليس ظاهره ألفًا كاملة ولا شهرين، سواء كانا متفرقين أو متتابعين.\nوأما قوله: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فهو أولا: ليس من الحديث الصحيح الثابت عن النبي ﷺ، فلا نحتاج أن ندخل في هذا الباب.\nولكن هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة، ويقولون بتأول الجميع، كما فعل بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي وأبو بكر بن فورك في كتاب مشكل الحديث حتى أنهم يتأولون حديث عرق الخيل وأمثاله من الموضوعات.","vol":"5","page":236},{"text":"هذا مع أن عامة ما فيه من تأويل الأحاديث الصحيحة هي تأويلات المريسي وأمثاله من الجهمية.\nوقد يكون الحديث منامًا كحديث رؤية ربه في أحسن صورة، فيجعلونه يقظة، ويجعلونه ليلة المعراج، ثم يتأولونه.\nوقد صنف القاضي أبو يعلى كتابه في إبطال التأويل ردًا لكتاب ابن فورك، وهو وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها، ففيها عدة أحاديث موضوعة كحديث الرؤية عيانًا ليلة المعراج ونحوه.\nوفيها أشياء عن بعض السلف رواها بعض الناس مرفوعة، كحديث قعود الرسول ﷺ على العرش، رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة، وهي كلها موضوعة، وإنما الثابت أنه عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه، ويتلقونه بالقبول.","vol":"5","page":237},{"text":"وقد يقال: إن مثل هذا لا يقال إلا توفيقًا، لكن لا بد من الفرق بين ما ثبت من ألفاظ الرسول، وما ثبت من كلام غيره، سواء كان من المقبول أو المردود.\nولهذا وغيره تكلم رزق الله التميمي وغيره مكن أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لها الكتاب بكلام غليظ وشنع عليه أعداؤه بأشياء هو منها بريء، كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب.\nوما نقله عنه أبو بكر بن العربي في العواصم كذب عليه عن مجهول لم يذكره أبو بكر، وهو من الكذب عليه، مع أن هؤلاء - وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذب عليه، ففي كلامه ما هو مردود نقلًا وتوجيهًا، وفي كلامه من التناقض من جنس ما يوجد في كلام الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي، وأمثالهم ممن يوافق النفاة على نفيهم، ويشارك أهل الإثبات على وجه، يقول الجمهور: إنه جمع بين النقيضين.\nويقال: إن أبا جعفر السمناني، شيخ أبي الوليد الباجي قاضي","vol":"5","page":238},{"text":"الموصل، كان يقول عليه ما لم يقله: ويقال عن السمناني إنه كان مسمحا في حكمه وقوله.\nوالمقصود هنا أن ما لم يكن ثابتًا عن الرسول، لا نحتاج أن ندخله في هذا الباب، سواء احتيج إلى تأويل أو لم يحتج.\nوحديث الحجر الأسود يمين الله في الأرض هو معروف من كلام ابن عباس، وروي مرفوعًا، وفي رفعه نظر.\nولفظ الحديث: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه.\nففي لفظ هذا الحديث أنه يمين الله في الأرض، وأن المصافح له كأنما صافح الله وقبل يمينه.\nومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به، فهذا صريح في أنه ليس هو نفس صفة الله، فلا يمكن أحد أن يأتي بنص صحيح صريح يدل على معنى فاسد، من غير بيان للنص أصلا، فالحمد لله الذي سلم كلامه وكلام رسوله من كل نقص وعيب، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، والحمد لله رب العالمين.\nوأما الخطأ الثاني فيأتون إلى نصوص صحيحة دالة على معان دلالة بينة، بل صريحة قطعية، كأحاديث الرؤية ونحوها، مما فيه إثبات الصفات، فيقولون هذه تحتاج إلى التأويل كتلك، وقد تبين استغناء كل من الصنفين عن التحريف، وأن التفسير الذي به يعرف الصواب","vol":"5","page":239},{"text":"قد ذكر ما يدل عليه في نفس الخطاب: إما مقرونا به، وإما في نص آخر.\nولهذا لما لم يكن لهم قانون قويم، وصراط مستقيم، في النصوص لم يوجد أحد منهم يمكنه التفريق بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والتي لا تحتاج إليه، إلا بما يرجع إلى نفس المتأول المستمع للخطاب، لا بما يرجع إلى نفس المتكلم بالخطاب، فنجد من ظهر له تتناقض أقوال أهل الكلام والفلاسفة، كأبي حامد وأمثاله، ممن يظنون أن في طريقة التصفية نيل مطلوبهم، يعولون في هذا الباب على ذوقهم وكشفهم، فيقولون: إن ما عرفته بنور بصيرتك فقرره، وما لم تعرفه فأوله.\nومن ظن أن في كلام المتكلمين ما يهدي إلى الحق، يقول: ما ناقض دلالة العقل وجب تأويله، وإلا فلا.\nثم المعتزلي - والمتفلسف الذي يوافقه - يقول: إن العقل يمنع إثبات الصفات وإمكان الرؤية.\nويقول المتفلسف الدهري: إنه يمنع إثبات معاد الأبدان وإثبات أكل وشرب في الآخرة، ونحو ذلك.\nفهؤلاء مع تناقضهم لا يجعلون الرسول نفسه نصب في خطابه","vol":"5","page":240},{"text":"دليلًا يفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، بل يجعلون الفارق هو ما يختلف باختلاف الناس من أذواقهم وعقولهم.\nومعلوم أن هذا نسبة للرسول إلى التلبيس وعدم البيان، بل إلى كتمان الحق وإضلال الخلق، بل إلى التكلم بكلام لا يعرف حقه من باطله، ولهذا كان حقيقة أمرهم الإعراض عن الكتاب والرسول، فلا يستفيدون من كتاب الله وسنة رسوله شيئًا من معرفة صفات الله تعالى، بل الرسول معزول عندهم عن الإخبار بصفات الله تعالى نفيًا وإثباتًا، وإنما ولايته عندهم في العمليات - أو بعضها - مع أنهم متفقون على أن مقصوده العدل بين الناس وإصلاح دنياهم.\nثم يقولون مع ذلك: إنه أخبرهم بكلام عن الله وعن اليوم الآخر: صار ذلك الكلام سببًا للشر بينهم والفتن والعداوة والبغضاء، مع ما فيه عندهم من فساد العقل والدين، فحقيقة أمرهم أنه أفسد دينهم ودنياهم.\nوهذا مناقض لقولهم: إنه أعقل الخلق وأكملهم، أو من أعقلهم وأكملهم، وأنه قصد العدل ومصلحة دنياهم.\nفهم مع قولهم المتضمن للكفر والإلحاد، يقولون قولًا مختلفا، يؤفك عنه من أفك، متناقض غاية التناقض، فاسد غاية الفساد.\nوهذا ينكشف:","vol":"5","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>الوجه الثامن والعشرون</span>\nوهو أن يقال: حقيقة قول هؤلاء الذين يجوزون أن تعارض النصوص الإلهية النبوية بما يناقضها من آراء الرجال، وأن لا يحتج بالقرآن والحديث على شيء من المسائل العلمية، بل ولا يستفاد التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله، فإنه إذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح العقل، ويجب تقديمه عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل، ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل، فالإنسان لا يخلو من حالين، وذلك لأن الإنسان إذا سمع خطاب الله ورسوله الذي يخبر فيه عن الغيب: فإما أن يقدر أن له رأيًا مخالفًا للنص، أو ليس له رأي يخالفه، فإن كان عنده مما يسميه معقولًا ما يناقض خبر الله ورسوله، وكان معقوله هو المقدم، قدم معقوله وألغى خبر الله ورسوله، وكان حينئذ كل من اقتضى عقله مناقضة خير من أخبار الله ورسوله قدم عقله على خبر الله ورسوله، ولم يكن مستدلا بما أخبر الله به ورسوله على ثبوت مخبره، بل ولم يستفد من خبر الله ورسوله فائدة علمية، بل غايته أن يستفيد إتعاب قلبه فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني التي لا يدل عليها الخطاب إلا دلالة بعيدة ليصرف إليها اللفظ.","vol":"5","page":242},{"text":"ومعلوم أن المقصود بالخطاب والإفهام، وهذا لم يستفد من الخطاب والإفهام، فإن الحق لم يستفده من الخطاب بل من عقله، والمعنى الذي دل عليه الخطاب الدلالة المعروفة لم يكن المقصود بالخطاب إفهامه، وذلك المعنى البعيد الذي صرف الخطاب إليه، قد كان عالما بثبوته بدون الخطاب، ولم يدل عليه الخطاب الدلالة المعروفة، بل تعب تعبًا عظيما حتى أمكنه احتمال الخطاب له، مع أنه لا يعلم أن المخاطب أفاده بالخطاب، فلم يكن له خطاب الله ورسوله على قول هؤلاء، لا إفهام ولا بيان، بل قولهم يقتضي أن خطاب الله ورسوله إنما أفاد تضليل الإنسان، وإتعاب الأذهان، والتفريق بين أهل الإيمان، وحصول العداوة بينهم والشنآن، وتمكين أهل الإلحاد والطغيان، من الطعن في القرآن والإيمان.\nوأما إن لم يكن عنده ما يعارض النص، مما يسمى رأيًا ومعقولا وبرهانًا ونحو ذلك، فإنه لا يجزم بأنه ليس في عقول جميع الناس ما يناقض ذلك الخبر الذي أخبر الله به رسوله، ومن المعلوم أن الدلالات التي تسمى عقليات، ليس لها ضابط، ولا هي منحصرة في نوع معين، بل ما من أمة إلا ولهم ما يسمونه معقولات.\nواعتبر ذلك بأمتنا، فإنه ما من مده إلا وقد يبتدع بعض الناس بدعًا، يزعم أنها معقولات.","vol":"5","page":243},{"text":"ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي المرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص.\nولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة.\nوأولهم الجعد بن درهم، ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بواسط، وقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، انه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا ثم نزل فذبحه.\nوإنما صار لهم ظهور شوكة في أوائل المائة الثالثة، لما قواهم من","vol":"5","page":244},{"text":"قواهم من الخلفاء، فامتحن الناس ودعاهم إلى قولهم، ونصر الله الإيمان والسنة بمن أقامه من أئمة الهدى، الذي جعلهم الله أئمة في الدين بما آتاهم الله من الصبر واليقين كما قال الله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ [السجدة: ٢٤] .\nوالمقصود هنا أن ما تذكره الجهمية نفاة الصفات العقلية المناقضة للنصوص لم يكن معروفا فيها عند الأمة إذ ذاك، ولما ابتدعوه لم يسمعه أكثر الأمة.\nثم قد وضعت الجهمية من المعتزلة وغيرهم من ذلك في الكتب ما شاء الله وأكثر المؤمنين لا يعلمون ذلك، وما من أحد من النفاة إلا وقد يذكر على النفي من حججه العقلية ما لا يذكره الآخر، ولا تجد طائفتين يتفقان على طريقة واحدة عقلية، بل المعتزلة عمدتهم في النفي، أما الصفات أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، وعمدتهم في نفي الجسم كونه لا ينفك من الحوادث، أو كونه مركبًا من الأجزاء المفردة، فهم يستدلون بالأكوان الأربعة التي للجسم - وهي الاجتماع، والافتراق، والحركة والسكون - على حدوثه.\nوأما ابن كلاب وأتباعه فينازعونهم في أن الصفات لا تقوم إلا بمحدث، ويسلمون لهم أن الأفعال ونحوها من الأمور الاختيارية لا","vol":"5","page":245},{"text":"تقوم إلا بمحدث.\nوكذلك الأشعري وأتباعه ينازعونهم في أن الصفات لا تقوم إلا بجسم، وتوافقهم على أن الأفعال لا تقوم إلا بجسم.\nومن أتباعهم المتفلسفة من نازعهم في أن الأفعال لا تقوم إلا بجسم.\nوطوائف غير هؤلاء من الهاشمية والكرامية وغيرهم يسلمون لهم أن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، وينازعونهم في كون الجسم لا يخلو من الحوادث، ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به، ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك.\nوقد ينازعونهم في كون كل جسم مركبًا من الأجزاء المنفردة.\nوهذه الطوائف وأمثالها من طوائف أهل الكلام، من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، كلهم متفقون على أن الممكن لا يكون إلا جسمًا، أو قائمًا بجسم، ومتنازعون في الواجب.\nوالمتفلسفة المشاءون الذين يثبتون ممكنًا ليس بجسم ولا قائم بجسم، يقولون: إن الجسم الممكن قد يكون قديمًا أزليًا أبديًا تحله الحوادث والأعراض وأن الجسم الممكن لا ينفك من الحوادث، وليس هو عندهم بمحدث، وهو مركب كتركيب الأجسام، وهو عندهم قديم أزلي، فهذا عندهم لا ينافي القدم والأزلية، وإنما ينفون ذلك عن واجب الوجود بناءً على أن إثبات الصفات تركيب، وواجب الوجود ليس بمركب.","vol":"5","page":246},{"text":"والتركيب الذي يعنيه هؤلاء أعم من التركيب الذي يعنيه أولئك، فإن هؤلاء يزعمون أن هنا خمسة أنواع من التركيب يجب نفيها عن الواجب، فيقولون ليس له حقيقة سوى الوجود المطلق، إذ لو كان له حقيقة سوى ذلك لكان مركبًا من تلك الحقيقة.\nوالوجود يثبتونه وجودًا مطلق بشرط الإطلاق، أو بشرط النفي، أو لا بشرط، مع علم كل عاقل أن هذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، ويقولون: ليس له صفة ثبوتية: لا علم، ولا قدرة، إذ لو كان كذلك لكان مركبًا من ذات الصفات.\nثم يقولون: هو عاقل ومعقول وعقل، وعاشق ومعشوق وعشق، وهو ملتذ ومبتهج، وملتذ به مبتهج به، وذلك كله شيء واحد، فيجعلون الصفة هي الموصوف، وهذه الصفة هي الأخرى.\nومعلوم أن هذا أكثر تناقضًا من قول النصارى، ويقولون لا يدخل هو وغيره تحت عموم، لئلا يكون مركبًا من صفة عامة وخاصة، كتركيب النوع من الجنس والفصل، أو من الخاصة والعرض العام، مع أنهم يقولون: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، والواجب يتميز عن الممكن بما يختص به، ويقولون ليس فوق العالم، لنه لو كان كذلك لكان له جانبان، فيكون جسمًا مركبًا من الأجزاء المفردة، أو المادة والصورة.\nثم أتباع هذه الطوائف يحدثون من الحجج العقلية على قول متبوعهم","vol":"5","page":247},{"text":"ما لم تكن عند متبوعهم، فيكونون - بزعمهم - قد تبين لهم من العقليات النافية ما لم يتبين لمتبوعهم.\nواعتبر ذلك بما تجده من الحجج لأبي الحسين البصري وأمثاله مما لم يسبقه إليها شيوخه، وما تجده لأبي هاشم، ولأبي على الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد مما لم يسبقهم إليها شيوخهم.\nبل أبو المعالي الجويني، ونحوه ممن انتسب إلى الأشعري، ذكروا في كتبهم من الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله، فإن هؤلاء متفقون على إثبات الصفات الخبرية، كالوجه واليد والاستواء.\nوليس للأشعري في ذلك قولان، بل لم يتنازع الناقلون لنذهبه نفسه في أنه يثبت الصفات الخبرية التي في القرآن، وليس في كتبه المعروفة إلا إثبات هذه الصفات، وإبطال قول من نفاها وتأول النصوص.\nوقد رد في كتبه على المعتزلة - الذين ينفون صفة اليد والوجه والاستواء، ويتأولون ذلك بالاستيلاء - ما هو معروف في كتبه لمن يتبعه، ولم ينقل عنه أحد نقيض ذلك، ولا نقل أحد عنه في تأويل هذه الصفات قولين.\nولكن لأتباعه فيها قولان: فأما هو وأئمة أصحابه فمذهبهم إثبات هذه الصفات الخبرية، وإبطال ما ينفيها من الحجج العقلية، وإبطال تأويل نصوصها.","vol":"5","page":248},{"text":"وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات موافقة للمعتزلة والجهمية.\nثم لهم قولان: أحدهما تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.\nوالثاني تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في الرسالة النظامية وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.\nثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات، ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي.\nوأبو حامد تارة يثبت الصفات العقلية، متابعة للأشعري وأصحابه، وتارة ينفيها أو يردها إلى العلم موافقة للمتفلسفة، وتارة يقف وهو آخر أحواله، ثم يعتصم بالسنة ويشتغل بالحديث، وعلى ذلك مات.\nوكذلك أبو محمد بن حزم، مع معرفته بالحديث، وانتصاره","vol":"5","page":249},{"text":"لطريقة داود وأمثاله من نفاة القياس أصحاب الظاهر، قد بالغ في نفي الصفات وردها إلى العلم، مع أنه لا يثبت علمًا هو صفة، ويزعم أن أسماء الله، كالعليم والقدير ونحوهما، لا تدل على العلم والقدرة، وينتسب إلى الأمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة، ويدعي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث، ويذم الأشعري وأصحابه ذمًا عظيما، ويدعي أنهم خرجوا عن مذهب السنة والحديث في الصفات.\nومن المعلوم الذي لا يمكن مدافعته أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل الصفات أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله في ذلك.\nثم المتفلسفة الدهرية، كالفارابي وابن سينا يزعمون أن العقل يحيل معاد الأبدان، فيجب تقديم العقليات على دلالة السمع، ويخاطبون من أقر بالمعاد من المعتزلة وموافقيهم في نفي ذلك، بما تخاطب به المعتزلة المثبتة الصفات، ويقولون لهم: قولنا في نصوص المعاد كقولكم في نصوص الصفات.","vol":"5","page":250},{"text":"وهكذا خاطبت القدرية من المعتزلة والشيعة وغيرهما لمتكلمة الإثبات في مسألة القدر، وقالت: القول في النصوص المثبتة للقدر، وأن الله خالق أفعال العباد، كالقول في نصوص الصفات.\nوبهذا أجاب من أجاب من المعتزلة والشيعة لهؤلاء فقالوا في الجواب عما يحتج به هؤلاء من الحجج السمعية، على أن الله خالق أفعال العباد، من جهة الجملة ومن جهة التفصيل.\nأما من جهة الجملة فمن وجوه:\nأحدها: أنه إذا ثبت كونه تعالى عادلًا، لا يفعل قبيحا، ولا يخل بواجب في حكمته، وجب أن يكون للآيات التي يتعلقون بها وجوه لا تنافي ما ثبت من الدلالة، وإن لم تعلم الوجوه على سبيل التفصيل.\nوقالوا: هذا كما نقول نحن وهم في الآيات التي تتعلق بها المشبهة في كون الله تعالى جسما، نحو قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤]، وما يجري مجرى ذلك من الآيات التي تفيد ظاهرها التشبيه، من أنه إذا ثبت أنه تعالى لا يشبه الأشياء وجب أن يكون لهذه الآيات وجوه تطابق أدلة العقول، وإن لم نعلمها على سبيل التفصيل.\nفهذه الطريق التي سلكها هؤلاء القدرية، هي الطريق التي سلكها من وافقهم على نفي الصفات أو بعضها، من الجهمية، كجهم بن","vol":"5","page":251},{"text":"صفوان، وحسين النجار، وضرار بن عمرو، وغيرهم، فإن هؤلاء يثبتون القدر، ويوافقون المعتزلة على نفي الصفات.\nومن المعلوم أن الحجج العقلية التي يحتج بها المعتزلة والشيعة ليس لها ضابط بل، قد سلك أبو الحسين البصري مسلكًا خالف فيه شيوخه، وادعى أن العلم بإحداثها ضروري.\nفهذه وأضعافه مما يبين أنه ليس لما يدعى من العقليات التي يقال إنها تناقض النصوص ضابط، بل ذلك من باب الوساوس والخطرات التي لا تزال تحدث في النفوس.\nفإذا جوز المجوز أن يكون لبعض ما أخبر الله به ورسوله معقول صريح يناقضه ويقدم عليه، لم يأمن أن يكون كل ما يسمعه من أخبار الله ورسوله من هذا الباب غايته أن يقول: ليس عندي من العقليات ما يناقض ذلك، أو لم أسمع، أو لم أجد، ونحو ذلك.\nوهذا القدر لا ينفي أن يكون في نفس الأمر قضايا عقلية لم تصل إليه بعد، وإذا قال: العقل لا ينفي ما أقر به.\nقيل له: أتريد بذلك أنك لم تعلم معقولًا ينافي ذلك، أو تعلم أنه ليس يمكن أن يكون في المعقول ما ينافي ذلك، إذا جوزت أن يقول في المعقول ما يناقض أخبار الرسول؟\nفإن قلت بالأول، لم ينفعك ذلك.\nوإن قلت بالثاني لم يكن كلامك صحيحا، لأنك جوزت أن يكون في المعقول ما يناقض أخبار الرسول.","vol":"5","page":252},{"text":"ومع هذا فالجزم ينفي كل معقول جزم بلا علم، بخلاف المؤمن بجميع ما أخبر الله به، الذي يجزم بأنه ليس في المعقول ما يناقض منصوص الرسول، فإن هذا قد علم ذلك علمًا يقينًا عامًا مطلقًا.\nوإذا قال الذي يقر ببعض النصوص دون البعض، المضاهي لمن آمن ببعض الكتاب دون بعض: الذي نفيته يحيله العقل، والذي أقررته لا يحيله العقل، بل هو ممكن في العقل.\nقيل له: أتعني بقولك: لا يحيله العقل، وهو ممكن في العقل: الإمكان الذهني أو الخارجي؟\nفإن عنيت الإمكان الذهني: بمعنى أنه لم يقم دليل عقلي يحيله، فهذا لا ينفي أن يكون في نفس الأمر ما يحيله ولم تعلمه.\nوإن عنيت به الإمكان الخارجي، وهو أنك علمت بعقلك أنه يمكن ذلك في الخارج، فهذا لا يتأتى لك في كثير من الأخبار.\nوهؤلاء الذين يدعون أنهم يقررون إمكان ذلك بالعقل، يقول أحدهم: هذا لو فرضناه لم يلزم منه محال، كما يقول ذلك الآمدي ونحوه، أو يقول: هذا لا يفضي إلى قلب الأجناس، ولا تجوير الرب، ولا كذا ولا كذا، فيعددون أنواعًا محصورة من الممتنعات.\nومعلوم أن نفي محالات معدودة لا يستلزم نفي كل محال.\nوقول القائل: لو فرضناه لم يلزم منه محال: إن أراد به: لا أعلم انه يلزم منه محال، لم ينفعه.","vol":"5","page":253},{"text":"وإن قال: أعلم أنه لا يلزم منه محال، فهو لم يذكر دليلا على هذا العلم، فما الدليل على انه علم أنه لا يلزم منه محال؟\nفتبين أن من جوز على خبر الله، أو خبر رسوله، أن يناقضه شيء من المعقول الصريح، لم يمكنه أن يصدق بعامة ما أخبر الله به ورسوله من الغيب، لا سيما والأمور الغائبة ليس للمخبرين بها خبرة يمكنهم أن يعلموا بعقولهم ثبوت ما أخبر به، أو انتفاء جميع ما تتخيله النفوس من المعارضات له.\nبل إذا كانت الأمور المشاهدة الحسية، وما يبنى عليها من المعلوم العقلية، قد وقع فيها شبهات كثيرة عقلية تعارض ما علم بالحس أو العقل، وكثير من هذه الشبه السوفسطائية يعسر على كثير من الناس - أو أكثرهم - حلها، وبيان وجه فسادها، وإنما يعتصمون في ردها بأن هذا قدح فيما فيما علم بالحس أو الضرورة فلا يستحق الجواب، فيكون جوابهم عنها أنها معارضة للأمر المعلوم الذي لا ريب فيه، فيعلم أنها باطلة من حيث الجملة، وإن لم يذكر بطلانها على وجه التفصيل.\nولو قال قائل: هذه الأمور المعلومة لا تثبت إلا بالجواب عما يعارضها من الحجج السوفسطائية، لم يثبت لأحد علم بشيء من الأشياء، إذ لا نهاية لما يقوم بنفوس بعض الناس من الحجج السوفسطائية.\nفهكذا تصديق خبر الله ورسوله، قد علم علمًا يقينيًا أنه صدق","vol":"5","page":254},{"text":"مطابق لمخبره، وعلمنا بثبوت جميع ما أخبر به أعظم من علمنا بكل فرد من علومنا الحسية والعقلية، وإن كنا جازمين بجنس ذلك، فإن حسنا وعقلنا قد يعرض له من الغلط ما يقدح في بعض إدراكاته كالشبه السوفسطائية.\nوأما خبر الله ورسوله فهو صدق، موافق لما الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخبار باطلًا، ولا مخالفًا لما هو الأمر عليه في نفسه، ويعلم من حيث الجملة أن كل ما عارض شيئًا من أخباره وناقضه، فإنه باطل من جنس حجج السوفسطائية، وإن كان العالم بذلك قد لا يعلم وجه بطلان تلك الحجج المعارضة لأخباره.\nوهذه حال المؤمنين للرسول، الذين علموا أنه رسول الله الصادق فيما يخبر به، يعلمون من حيث الجملة أن ما ناقض خبره فهو باطل، وأنه لا يجوز أن يعارض خبره دليل صحيح: لا عقلي ولا سمعي، وأن ما عارض أخباره من الأمور التي يحتج بها المعارضون ويسمونها عقليات، أو برهانيات، أو وجديات، أو ذوقيات، أو مخاطبات، أو مكاشفات، أو مشاهدات، أو نحو ذلك من الأمور الدهاشات، أو يسمون ذلك تحقيقًا، أو توحيدًا، أو عرفانًا، أو حكمة حقيقية، أو فلسفة أو معارف يقينية، ونحو ذلك من الأسماء التي يسميها بها أصحابها، فنحن نعلم علمًا يقينيا لا يحتمل النقيض أن تلك جهليات،","vol":"5","page":255},{"text":"وضلالات، وخيالات وشبهات مكذوبات، وحجج سوفسطائية، وأوهام فاسدة، وأن تلك الأسماء ليست مطابقة لمسماها، بل هي من جنس تسمية الأوثان آلهة وأربابًا، وتسمية مسيلمة الكذاب وأمثاله أنبياء: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ [النجم: ٢٣] .\nوالمقصود أنه من جوز أن يكون فيما علمه بحسه وعقله حجج صحيحة تعارض ذلك، لم يثق بشيء من علمه، ولم يبقى له طريق إلى التصديق بشيء من ذلك.\nفهكذا من جوز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله حجج صحيحة تعارض ذلك لم يثق بشيء من خبر الله ورسوله ولم يبق له طريق إلى التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله.\nولهذا كان هؤلاء المعرضين عن الكتاب، المعارضين له، سوفسطائية منتهاهم السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات، يتأولون كلام الله وكلام رسوله بتأويلات يعلم بالاضطرار أن كلام الله ورسوله لم يردها بكلام، وينتهون في أدلتهم العقلية إلى ما يعلم فساده بالحس والضرورة العقلية.\nثم إن فضلاءهم يتفطنون لما بهم من ذلك فيصيرون في الشك والحيرة والارتياب، وهذا منتهى كل من عارض نصوص الكتاب.","vol":"5","page":256},{"text":"وإذا كان قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن التصديق الجازم بما أخبر به الرسول حق واجب، وطريق هؤلاء تناقضه علم بالضرورة من دين الإسلام إن طريق هؤلاء فاسدة في دين الإسلام، وهذه هي طريقة أهل الإلحاد في أسماء الله وآياته.\nوإذا كان ما أوجب الشك والريب ليس بدليل صحيح، وإنما الدليل ما أفاد العلم واليقين، وطريق هؤلاء لا يفيد العلم واليقين، بل يفيد الشك والحيرة، علم أنها فاسدة في العقل، كما أنها إلحاد ونفاق في الشرع.\nوهذا كله بين لمن تدبره، والأمر فوق ما أصفه وأبينه، وهذا الموضع لا يحتمل البسط والإطناب، ولا ريب أن موجب الشرع أن من سلك هذه السبيل فإنه بعد قيام الحجة عليه كافر بما جاء به الرسول.\nولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع، وذلك لأن الإيمان إيمان بالله وإيمان للرسول، فإن الرسول أخبر عن الله بما أخبر به عن أسماء الله وصفاته، ففي الإيمان خبر ومخبر به فالإيمان للرسول تصديق خبره، والإيمان بما أخبر به والإقرار بذلك والتصديق به.\nولهذا كان من الناس من يجعل الكفر بإزاء المخبر به كجحد الخالق وصفاته، ومنهم من يجعله بإزاء الخبر، وهو تكذيب الرسول.\nوكلا الأمرين حق، فإن الإيمان والكفر يتعلق بهذا وبهذا، وكلام","vol":"5","page":257},{"text":"الجهمية نفاة الصفات مناقض لخبر الرسول الصادق، ونفي لما هو ثابت لله من صفات كماله.\nومما يوضح الأمر في ذلك أنك لا تجد من سلك هذه السبيل وجوز على الأدلة السمعية أن يعارضها معقول صريح ينافيها إلا وعنده ريب في جنس خبر الله ورسوله، وليس لكلام الله ورسوله في قلبه من الحرمة ما يوجب تحقيق مضمون ذلك، فعلم أن هذا طريق إلحاد ونفاق، لا طريق علم وإيمان.\nونحن نبين فساد طريق هؤلاء بالطرق الإيمانية والقرآنية تارة، وبالأدلة التي يمكن أن يعقلها من لا يستدل بالقرآن والإيمان.\nوذلك لأنا في مقام الخاطبة لمن يقر بأن ما أخبر به الرسول حق، ولكن قد يعارض ما جاء عنه عقليات يجب تقديمها عليه، وإذا كنا في مقام بيان فساد ما يعارضون به من العقليات على وجه التفصيل، فذلك- ولله الحمد- هو علينا من أيسر الأمور.\nونحن-ولله الحمد- قد تبين لنا بيانًا لا يحتمل النقيض، فساد الحجج المعروفة للفلاسفة والجهمية والقدرية ونحوهم، التي يعارضون بها كتاب الله، وعلمنا بالعقل الصريح فساد أعظم ما يعتمدون عليه من ذلك، وهذا- ولله الحمد - مما زادنا الله به هدى وإيمانا، فإن فساد المعارض مما يؤيد معرفة الحق ويقويه، وكل من كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف بصحة الحق.","vol":"5","page":258},{"text":"ويروي عن عمر بن الخطاب ﵁ انه قال: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.\nوهذا حال كثير ممن نشأ في عافية الإسلام وما عرف ما يعارضه ليتبين له فساده، فإن لا يكون في قلبه من تعظيم الإسلام مثل ما في قلب من عرف الضدين.\nومن الكلام السائر: (الضد يظهر حسنه الضد)، (وبضدها تتبين الأشياء) .\nوالاعتبار والقياس نوعان: قياس الطرد وقياس العكس.\nفقياس الطرد اعتبار الشيء بنظيره، حتى يجعل حكمه مثل حكمه.\nوقياس العكس اعتبار الشيء بنقيضه، حتى يعلم أن حكمه نقيض حكمه.\nوقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢]، يتناول الأمرين، فيعتبر العاقل بتعذيب الله لمن كذب رسله، كما فعل ببني النضير، حتى يرغب في نقيض ذلك، ويرهب من نظير ذلك، فيستعمل قياس الطرد في الرهبة، وقياس العكس في الرغبة.\nومن أمثلة قياس العكس: قياس من يحتج على أن الوتر ليس بواجب، «فإنه يفعل على الراحلة بسنة النبي ﷺ» .","vol":"5","page":259},{"text":"والواجبات لا تفعل على الراحلة، والنوافل تفعل على الراحلة، فلما كان مفعولًا على الراحلة، كان حكمه عكس حكم الفرائض، ونقيض حكم الفرائض، ومثل حكم النوافل، فيقاس بالواجبات قياس العكس، وبالنوافل قياس الطرد.\nوكذلك إذا قيل: دم السمك طاهر، لأنه لو كان نجسًا لوجب سفحه بالتذكية، لأن الدماء النجسة يجب سفحها بالتذكية، فلما لم يجب سفحه، كان حكمه نقيض حكمها، وكان ملحقًا بالرطوبات الطاهرة التي لا تسفح.\nوفي الحقيقة فكل قياس يجتمع في قياس الطرد والعكس، فقياس الطرد هو الجمع والتسوية بينه وبين نظيره، وقياس العكس هو الفرق والمخالفة بينه وبين مخالفه.\nفالقايس المعتبر ينظر في الشيء فيلحقه بما يماثله لا بما يخالفه، ويبين له حكمه في اعتباره بهذا وهذا.\nوالمقصود هنا أن معرفة ما يعارض الكتاب والمرسلين، كنبوة مسيلمة ونحوه من الكذابين، وأقاويل أهل الإلحاد الذين يعارضون بعقولهم وذوقهم ما جاء به الرسول، كلما ازداد العارف معرفة بها وبما جاء به الرسول، تبين له صدق ما جاء به الرسول وبيانه وبرهانه، وبطلان هذه وفسادها وكذبها، كما إذا قدر مفتيان أو قاضيان أو محدثان أحدهما يتكلم بعلم وعدل، والآخر بجهل وظلم، فإنه كلما اعتبرت أحدهما بالآخر ظهرت","vol":"5","page":260},{"text":"الحقيقة الفارقة بينهما، وكذلك الصانعان اللذان أحدهما قادر ناصح، والآخر عاجز غاش، وكذلك التاجران اللذان أحدهما صادق أمين، والآخر كاذب خؤون، وكذلك المتوليان اللذان أحدهما قوى أمين، والآخر عاجز خائن، وأمثاله ذلك.\nفنحن - ولله الحمد - قد تبين لنا من فساد الأقاويل المعارضة لقول الرسول ما ليس هذا المقام مقام تفصيله، فإنه يحتاج أن نتكلم في كل مسألة من مسائل الدين، ونستوفي حجج المبطلين فيها، ونتبين فسادها، وليس هذا الموضع استيفاء ذلك.\nوإنما المقصود بيان فساد القانون الزائغ الذي يقدمون به مذاهبهم المبتدعة على النصوص من كلام الله ورسوله، وهم قد وضعوا عبارات مجملة مشتبهة، لبسوا بها على كثير ممن عنده إيمان بالله ورسوله، من كبار أهل العلم والدين، وأولئك لم يعرفوا حقيقة ما في تلك الأقوال من الإلحاد، فقبلوها ممن ابتدعها من أهل النفاق.\nكما قاتل الله تعالى عن المنافقين: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم﴾ [التوبة: ٤٧] بين سبحانه أن المنافقين لو خرجوا في غزوة ما زادوا المؤمنين إلا خبالا، ولأوضعوا - أي أسرعوا- خلالهم، أي بينهم، يطلبون لهم الفتنة، وفي المؤمنين من يقبل منهم- وهم السماعون لهم - أي يستجيبون لهم، ليس المراد من ينقل الأخبار إليهم، كما يظنه بعض الناس.\nبل هذا نظير قوله: ﴿سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم","vol":"5","page":261},{"text":"يأتوك﴾ [المائدة: ٤١]، أي يسمعون الكذب فيقبلونه ويصدقونه، ويسمعون لقوم آخرين لم يأتوك فيستجيبون لهم، فبين أنهم يصدقون الكذب، ويستجيبون لمن يخالف الرسول.\nوأما من ظن أن المراد بقوله: ﴿سماعون لهم﴾ أنهم جواسيس لمن غاب وأخذ حكم الجاسوس من هذه الآية، فقد غلط، فإن ما كان يظهره النبي ﷺ حتى يسمعه المنافقون واليهود لم يكن مما يكتمه حتى يكون نقله جسًا عليه، وإنما المراد انهم سماعون الكذب، أي يصدقون به، سماعون: أي مستجيبون لقوم آخرين مخالفين للرسول، وهذه حال كل من خرج عن الكتاب والسنة، فإن لا بد أن يصدق الكذب، فيكون من السماعين للكذب، ولا بد أي يستجيب لغير الله والرسول، فيكون سماعًا لقوم آخرين لم يتبعوا الرسول.\nوهؤلاء لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩]، وقوله: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا﴾ [الأحزاب: ٦٦-٦٨] .\nفتبين أن أصل طريق من يعارض النصوص النبوية برأيه","vol":"5","page":262},{"text":"وعقله، هي طريق أهل النفاق والإلحاد وطريق أهل الجهل والارتياب، لا طريق ذي عقل ولا ذي دين.\nكما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ [الحج: ٨] .\nوقال تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير﴾ [الحج: ٣-٤] .\nفإنه قد يقال: هذه حال كل من عارض آيات الله بمعقوله، فإنه لا علم عنده، إذ ذلك المعارض، وإن سماه معقولا، فإنه جهل وضلال، فليس بعلم ولا عقل ولا هدى، إذ لا إيمان عنده ليكون مهتديًا، فإن المهتدين الذين على هدى من ربهم هم مؤمنون بما جاء به الرسول، ولا كتاب منير، فإن الكتاب المنير لا يناقض كتاب الله.\nوهؤلاء المعارضون ليس عندهم لا علم ولا إيمان ولا قرآن فهم يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.\nواسم (العلم) يتناول هذا وهذا، ولكن هو من باب عطف الخاص على العام، ولهذا ذكر تارة وحذف أخرى.\nوذلك أنه قد يقال: إنه سبحانه ذكر ثلاثة أصناف: صنف يجادل","vol":"5","page":263},{"text":"في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، مكتوب عليه إضلال من تولاه.\nوهذه حال المتبع لمن يضله.\nوصنف يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله، وهذه حال المتبوع المستكبر الضال عن سبيل الله.\nثم ذكر حال من يعبد الله على حرف، وهذه حال المتبع لهواه، الذي إن حصل له ما يهواه من الدنيا عبد الله، وإن أصابه ما يمتحن به في دنياه ارتد عن دينه، فهذه حال من كان مريضًا في إرادته وقصده، وهي حال أهل الشهوات والأهواء.\nولهذه ذكر الله ذلك في العبادة التي أصلها القصد والإرادة، وأما الأولان: فحال الضال والمضل، وذلك مرض في العلم والمعرفة، وهي حال أهل الشبهات والنظر الفاسد والجدال بالباطل.\nفإنه تعالى يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات، ولا بد للعبد من معرفة الحق وقصده.\nكما قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٦-٧] فمن لم يعرفه كان ضالًا، ومن علم ولم يتبعه كان مغضوبًا عليه.\nكما أن أول الخير الهدى، ومنتهاه الرحمة والرضوان، فذكر سبحانه ما","vol":"5","page":264},{"text":"يعرض في العلم من الضلال والإضلال، وما يعرض في الإرادة من اتباع الشهوات، كما جمع بينهما في قوله: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ [النجم: ٢٣] .\nفقال أولا: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم﴾ [الحج: ٣]، وكل من جادل في الله بغير هدى ولا كتاب منير، فقد جادل بغير علم أيضا، فنفي العلم يقتضي نفي كل ما يكون علمًا بأي طريق حصل، وذلك ينفي أن يكون مجادلًا بهدىً أو كتاب منير، ولكن هذه حال الضال المتبع لمن يضله، فلم يحتج إلى تفصيل، فبين أنه يجادل بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، كتب على ذلك الشيطان أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير.\nوهذه حال مقلد أئمة الضلال بين أهل الكتاب وأهل البدع، فإنهم يجادلون في الله بغير علم، ويتبعون من شياطين الجن والإنس من يضلهم.\nثم ذكر حال المتبوع الذي يثنى عطفيه تكبرًا كما قال: ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها﴾ [لقمان: ٧] .\nوقال: ﴿فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى﴾ [القيامة: ٣١ -٣٣] .\nوهذا النوع يجادل ليضل عن سبيل الله، وجداله بغير علم أيضا، ولكن فصل حاله، فبين أنه لا يجادل بهدىً كأيمان المؤمن، ولا بكتاب","vol":"5","page":265},{"text":"منير كالجدال بكتاب منزل من السماء، فليس معه علم من هذا الطريق ولا من غيرها.\nكما قال تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: ٣١] وكل من لم يصدق لم يصل.\nوقال تعالى: ﴿لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين﴾ [المدثر: ٤٣-٤٦] .\nوقال تعالى: ﴿إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين﴾ [الحاقة: ٣٣-٣٤] .\nومثل هذا كثير، قد ينفي الشيء الذي نفيه يستلزم نفي غيره، لكن تذكر تلك اللوازم على سبيل التصريح للفرق بين دلالة اللوازم ودلالة المطابقة، كما قد ذكرنا نحو ذلك في قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾ [البقرة: ٤٢]، وأن كل من لبس بالباطل فلا بد أن يكتم بعض الحق، وبينا أن هذا ليس من باب النهي عن المجموع المقتضي لجواز أحدهما، ولا من باب النهي عن فعلين متباينين، حتى لا يعاد فيه حرف النفي، بل هو من باب النهي عن المتلازمات.\nكما يقال لا تكفر وتكذب بالرسول، ولا تجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير.\nوالمقصود أن كل من عارض كتاب الله بمعقوله أو وجده، أو ذوقه،","vol":"5","page":266},{"text":"وناظر على ذلك، فقد جادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ليضل عن سبيل الله، فإن كتاب الله هو سبيل الله.\nولهذا فسر النبي ﷺ الصراط المستقيم بكتاب الله، وفسره بالإسلام، كلاهما مأثور عن النبي ﷺ، ففي حديث النواس بن سمعان، النبي ﷺ، قال: «ضرب الله مثلًا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع من فوق الصراط، وداع على رأس الصراط.\nفالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم، فإذا أراد العبد أن يفتح بابًا من تلك الأبواب دعاه الداعي،: يا عبد الله لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه» رواه الإمام أحمد، والترمذي وصححه.\nومن المعلوم أن من أعظم المحارم معارضة كتاب الله بما يناقضه ويقدم ذلك عليه.\nوفي حديث علي ﵁ الذي رواه الترمذي، وأبو نعيم من عدة","vol":"5","page":267},{"text":"طرق: قال رسول الله ﷺ: «إنها ستكون فتن.\nقلت فما المخرج منها يا رسول الله؟ فقال: كتاب الله: فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تختلف به الآراء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» .\nوبسط الكلام على مثل هذا يطول جدا، وإنما نبهنا هنا على أصله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>الوجه التاسع والعشرون</span>\nأن يقال: العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له.\nومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين، لزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفي اللازم نفي الملزوم، فكيف إذا كان التلازم من الجانبين؟","vol":"5","page":268},{"text":"فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج: فيلزم من ثبوت هذا اللازم ثبوت هذا، ومن نفيه نفيه، ومن ثبوت الملازم الآخر ثبوت ذلك، ومن نفيه نفيه.\nوهذا هو الذي يسميه المنطقيون: الشرطي المتصل، ويقولون: استثناء عين المقدم ينتج عين التالي، واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم، فإذا كان التلازم من الجانبين كان استثناء عين كل من المتلازمين ينتج عين الآخر، واستثناء نقيض كل منهما ينتج نقيض الآخر.\nوبيان ذلك ها هنا: أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عرف صحة الشرع، كما قد ذكروا هم ذلك، وقد تقدم أنه ليس المراد بكونه أصلًا له أنه أصل في ثبوته في نفسه، وصدقه في ذاته، بل هو أصل في علمنا به، أي دليل لنا على صحته.\nفإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه، فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه.\nوهذا كالمخلوقات فإنها آيه للخالق، فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق، ولا يلزم من وجود الخالق وجودها.","vol":"5","page":269},{"text":"وكذلك الآيات الدالات على نبوة النبي، وكذلك كثير من الأخبار والأقيسة الدالة على بعض الأحكام: يلزم من ثبوتها ثبوت الحكم، ولا يلزم من عدمها عدمه، إذ قد يكون الحكم معلومًا بدليل آخر، اللهم إلا أن يكون الدليل لازمًا للمدلول عليه، فيلزم من عدم اللازم عدم الملزوم، وإذا كان لازمًا له أمكن أن يكون مدلولًا له، إذ المتلازمان يمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر، مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي، فإنه يلزم من عدم دليله عدمه.\nوكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، إذا لم ينقل لزم من عدم نقله عدمه، ونقله دليل عليه، وإذا كان من المعقول ما هو دليل على صحة الشرع، لزم من ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع، ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في نفس الأمر.\nلكن نحن إذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بصحة الشرع علمنا بدليله العقلي الدال عليه، ولزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا به، فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه.\nوهذا هو معنى كون النظر يفيد العلم.\nوهذا التلازم فيه قولان: قيل: إنه بطريق العادة التي يمكن خرقها.\nوقيل: بطريق اللزوم الذاتي الذي لا يمكن انفصاله، كاستلزام العلم للحياة، والصفة لموصوف ما، وكاستلزام جنس العرض لجنس الجوهر، لامتناع ثبوت صفة وعرض، بدون موصوف وجوهر.\nوالمقصود هنا أنه إذا كان صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي، فإنه","vol":"5","page":270},{"text":"يلزم من علمنا بصحة الشرع، علمنا بالدليل العقلي الدال عليه، ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي، علمنا بصحة الشرع.\nوهكذا الأمر في كل ما لا يعلم إلا بالدليل، ويلزم أيضا من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع، ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل.\nوإذا كان العلم بصحة الشرع لازمًا للعلم بالمعقول الدال عليه، وملزومًا له، ولازما لثبوت ذلك المعقول في نفس الأمر، كما أن ثبوت ذلك المعقول في نفس الأمر، مستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر، فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم، فضلًا عن تعارض المتلازمين.\nفإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، كالضدين والنقيضين.\nوالمتلازمان يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه، فكيف يمكن أن يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين، أو متضادين؟\nولفظ التنافي والتضاد والتناقض والتعارض ألفاظ (متقاربة) في أصل اللغة، وإن كانت تختلف فيها الاصطلاحات، فكل مضاد فهو مستلزم للتناقض اللغوي.\nولهذا يسمي أهل اللغة أحد الضدين نقيض الآخر، وكل تعارض فهو","vol":"5","page":271},{"text":"مستلزم للتناقض اللغوي، لأن أحد الضدين ينقض الآخر، أي يلزم من ثبوته عدم الآخر، كما يلزم من ثبوت السواد انتفاء البياض.\nوالنقيضان في اصطلاح كثير من أهل النظر هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان والضدان لا يجتمعان لكن قد يرتفعان.\nوفي اصطلاح آخرين منهم هما: النفي والإثبات فقط، كقولك، إما أن يكون، وإما أن لا يكون.\nولهذا يقولون: التناقض اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب، على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، فالتناقض في عرف أولئك أعم منه في عرف هؤلاء، فإن ما لا يجتمعان ولا يرتفعان قد يكونان ثبوتيين، وقد يكونان عدميين، وقد يكونان ثبوتًا وانتفاءً، ولو كان أحدهما وجودًا والآخر عدمًا، فقد يعبر عنهما بصيغة الإثبات التي لا تدل بنفسها على التناقض الخاص، كما إذا قيل للموجود: إما أن يكون قائمًا بنفسه، وإما أن يكون قائمًا بغيره، وإما أن يكون واجبًا بنفسه، وإما أن يكون ممكنًا بنفسه، وإما أن يكون قديمًا، وإما أن يكون محدثًا، ونحو ذلك.\nفمن المعلوم أن تقسم الموجود إلى قائم بنفسه وغيره، وواجب وممكن، وقديم ومحدث، تقسيم حاصر كتقسيم المعلوم إلى الثابت والمنفي.\nوهذان القسمان لا يجتمعان ولا يرتفعان كما أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان.","vol":"5","page":272},{"text":"وأما أهل اللغة فالنقيضان عندهم أعم من هذا كله، كالمتنافيين، فكل ما نفى أحدهما الآخر فقد نقضه وأزاله وأبطله، فيسمونه نقيضه.\nوللمتفلسفة المشائين اصطلاح آخر في المتقابلين بالسلب والإيجاب، يسمونه تقابل العدم والملكة، وهو نفي الشيء عما من شأنه أن يكون قابلًا له، كنفي السمع والبصر والكلام عن الحيوان، فإنه يسمى عمىً وصممًا وبكمًا، لأن الحيوان يقبل هذا وهذا، بخلاف نفي ذلك عن الجماد كالجدار، فإنه لا يسمى في اصطلاحهم عمىً ولا صممًا ولا بكمًا، لأن الجدار لا يقبل ذلك.\nثم إنهم تذرعوا بذلك إلى سلب النقيضين عن الخالق تعالى، فاحتج السلف والأئمة وأهل الإثبات بأن الخالق سبحانه لو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام، ونحو ذلك من صفات الكمال، لوجب أن يوصف بما يقابل ذلك من الصمم والعمى والبكم ونحو ذلك من صفات النقص.\nفقال لهم هؤلاء: العمى والبصر والبكم والكلام متقابلان تقابل العدم والملكه، وهو سلب الشيء عما من شأنه أن يكون قابلًا له كالحيوان، فأما ما لا يقبل ذلك كالجماد، فلا يوصف بعمى ولا بصر ولا كلام ولا بكم ولا سمع ولا صمم، ولا حياة ولا موت.\nوالجواب عن هذا من وجوه:","vol":"5","page":273},{"text":"أحدها: أن يقال: هذا اصطلاح لكم، وإلا فما ليس بحي يسمى ميتا، كما قال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء﴾ [النحل: ٢٠-٢١]، وقال تعالى: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها﴾ [يس: ٣٣]، وقال: ﴿اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها﴾ [الحديد: ١٧] .\nوالثاني: أن ما لا يقبل صفات الكمال أنقص مما يقبلها ولم يتصف بها، فإن الجماد أنقص من الحيوان الأعمى والأصم والأبكم، فإذا كان اتصافه بصفات النقص، مع إمكان اتصافه بصفات الكمال، نقصًا وعيبًا يجب تنزيهه عنه، فعدم قبوله لصفات الكمال أعظم نقصًا وعيبًا.\nولهذا كان منتهى أمر هؤلاء تشبيهه بالجمادات ثم بالمعدومات، ثم بالممتنعات.\nالثالث: أن نفس عدم الحياة والعلم والقدرة نقص لكل ما عدم عنه ذلك، سواء فرض قابلًا أو غير قابل، بل ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله، كما أن نفس الحياة والعلم والقدرة صفات كمال.\nفنفس وجود هذه الصفات كمال، ونفس عدمها نقص، سواء سمي موتًا وجهلًا وعجزًا أو لم يسم، وكذلك السمع والبصر والكلام كمال، وعدم ذلك نقص.\nوقد بسط الكلام على ذلك في مواضع بسيطًا لا يليق بهذا الموضوع.","vol":"5","page":274},{"text":"وإذا تبين أن الدليل العقلي الذي به يعلم صحة الشرع مستلزم للعلم بصحة الشرع، ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر، وعلمنا بالشرع يستلزم العلم بالدليل العقلي الذي قيل: أنه أصل للشرع، وإن العلم بصحة الشرع موقوف عليه، وليس ثبوت الشرع في نفسه مستلزمًا لثبوت ذلك الدليل العقلي في نفس الأمر - علم أن ثبوت الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر، وأن ثبوت الشرع علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي، إن قيل: إنه ممكن أن تعلم صحته بغير ذلك الدليل، إلا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين.\nوإذا كان كذلك، كان القدح في الشرع قدحًا في دليله العقلي الدال على صحته بخلاف العكس، فكان القدح في الشرع قدحًا في هذا العقل، وليس القدح في هذا العقل مستلزمًا للقدح في الشرع مطلقًا.\nوأما ما سوى المعقول الدال على صحة الشرع، فكذلك لا يلزم من بطلانه بطلان الشرع، كما لا يلزم من صحته صحة الشرع.\nفتبين أنه ليس في المعقولات ما يجب تقديمه على الشرع لكونه أصلًا للشرع، لأن المقدم عليه إن لم يكن هو المعقول الدال عليه، فليس هو أصلًا له، فلا يجب تقديمه عليه بهذا الاعتبار، وغن كان هو المعقول الدال عليه، امتنع أن يكون صحيحًا مع بطلان الشرع، لأن صحته مستلزمة لصحة الشرع، وإلا لم يكن دليلًا عليه.\nوثبوت الملزوم بدون الإلزام محال، فمن قدم العقل على الشرع، فقد","vol":"5","page":275},{"text":"قدح في العقل والشرع جميعًا، وهو حال الذين قالوا: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠] .\nوإذا قال القائل: نحن إنما قدحنا في القدر الذي خالف العقل من الشرع، لم نقدح في كل الشرع.\nقيل: ومن قدم الشرع إنما قدح في ذلك القدر مما يقال إنه عقل، لم يقدح في كل عقل، ولا في العقل الذي هو أصل يعلم به صحة الشرع.\nوإنما قلنا (مما يقال إنه عقل) لأنه ليس بمعقول صحيح، وإن سماه أصحابه معقولًا.\nفإن من خالف الرسل عليهم الصلاة والسلام، ليس معه لا عقل صريح ولا نقل صحيح، وإنما غايته أن يتمسك بشبهات عقلية أو نقليه، كما يتمسك المشركون والصابئون من الفلاسفة وغيرهم بشبهات عقلية فاسدة، وكما يتمسك أهل الكتاب المبدل المنسوخ بشبهات نقليه فاسدة.\nقال الله تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ [الفرقان: ٤٤] .\nولهذا كان من قدم العقل على الشرع لزمه بطلان العقل والشرع، ومن قدم الشرع لم يلزمه بطلان الشرع بل سلم له الشرع.","vol":"5","page":276},{"text":"ومعلوم أن سلامة الشرع للإنسان، خير له من أن يبطل عليه العقل والشرع جميعا.\nوذلك لأن القائل الذي قال: العقل أصل الشرع، بل علمت صحته، فلولا قدمنا عليه الشرع للزم القدم في أصل الشرع.\nيقال له: ليس المراد بكونه أصلًا له: إنه أصل في ثبوته في نفس الأمر، بل هو أصل في علمنا به، لكونه دليلًا لنا على صحة الشرع.\nومعلوم أن الدليل مستلزم لصحة المدلول عليه، فإذا قدر بطلان المدلول عليه لزم بطلان الدليل، فإذا قدر عند التعارض أن يكون العقل راجحًا والشرع مرجوحًا، بحيث لا يكون خبره مطابقًا لمخبره، لزم أن يكون الشرع باطلًا، فيكون العقل الذي دل عليه باطلًا، لأن الدليل مستلزم للمدلول عليه، فإذا انتفى المدلول اللازم وجب انتفاء الدليل الملزوم قطعًا.\nولهذا يمتنع أن يقوم دليل صحيح على باطل، بل حيث كان المدلول باطلًا لم يكن الدليل عليه إلا باطلا.\nأما إذا قدم الشرع، كان المقدم له قد ظفر بالشرع، ولو قدر مع ذلك بطلان الدليل العقلي، لكان غايته أن يكون الإنسان قد صدق بالشرع بلا دليل عقلي، وهذا مما ينتفع به الإنسان، بخلاف من لم يبق عنده لا عقل ولا شرع، فإن هذا قد خسر الدنيا والآخرة.\nفكيف والشرع يمتنع أن يناقض العقل المستلزم لصحته؟ وإنما يناقض شيئًا آخر ليس هو دليل صحته بل، ولا يكون صحيحا في نفس الأمر.","vol":"5","page":277},{"text":"وأيضًا فلو قدر أنه ناقض دليلًا خاصًا عقليًا يدل على صحته، فالأدلة العقلية الدالة على صحة الشرع متنوعة متعددة، فلا يلزم من بطلان واحد منها بطلان غيره، بخلاف الشرع المدلول عليه، فإن قد قدر بطلانه لزم بطلان جميع ما يدل عليه من المعقولات.\nوأيضًا فإن هؤلاء المعارضين للشرع بالعقل، يدعون في معقولات معينة أنه عرفوا بهذا الشرع كدعوى الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم أن الشرع إنما تعلم صحته بالدليل الدال على حدوث الأجسام، المبني على أن الأجسام مستلزمة للأعراض، والأعراض حادثة لامتناع حوادث لا أول لها.\nوهذا الدليل يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العلم بصدق الرسول ليس موقوفًا عليه، لأن الذين أمنوا بالله ورسوله، وشهد لهم القرآن بالإيمان من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، لم يستدلوا على صدق الرسول بهذا الدليل.\nوحينئذ فلو قدر أن هذا الدليل صحيح، لم يلزم من عدم الاستدلال به بطلان الإيمان بالرسول، بل يمكن الاستدلال على صدق الرسول بالأدلة الأخرى، كالأدلة التي استدل بها السلف وجماهير الأمة.\nوحينئذ فإذا قدر أن هذا المعقول المعين مناقض لخبر الرسول، لم يلزم من تقديم خبر الرسول عليه، القدح في أصل السمع الذي لا يعلم إلا به، فكيف إذا كان هذا الدليل باطلا؟ .","vol":"5","page":278},{"text":"فإنه حينئذ لا يجوز أن يعتمد عليه في إثبات شيء ولا نفيه، فثبت أنه على كل تقدير لا يجب تقديمه على الشرع.\nومن زعم من أهل الكلام أنه لا طريف إلى معرفة الصانع وصدق رسوله إلا هذا، فإن من اجهل الناس شرعًا وعقلًا.\nأما الشرع فقد علم أن السابقين الأولين لم يستدلوا به.\nوأما العقل، فإن قول القائل: إنه لا دليل إلا هذا، قضية كلية سالبة، وشهادة على النفي العام، وإنه ليس لأحد من بني آدم علم يعلم به صدق الرسول إلا هذا، وهذا مما لم يقيموا عليه دليلًا، بل لا يمكن أحد العلم بهذا النفي لو كان حقًا، فكيف إذا كان باطلًا.\nوكذلك جميع ما يعارضون به الشرع من العقليات، فإنه لا تخلو من أمرين: إن كانت صحيحة فلم تصح الدلالة في ذلك المسلك العقلي، ولا يلزم من بطلانه بطلان دليل الشرع، إذ كان للشرع أدلة عقلية تدل عليه غير ذلك المعين العقلي، وإن كانت باطلة فهي من العقليات الباطلة، وليست أصلًا للشرع، فيجب أن يعرف معنى كون العقل أصلًا للشرع: أن المراد به أنه دليل.\nونحن قد بينا أن كل ما عارض الشرع من العقليات فليس هو دليلًا صحيحا، فضلا عن أن يكون هو الدليل على صحة الشرع، ولكن قبل أن نبين ذلك نقول: معلوم انه لا ينحصر الدال على صحة الشرع","vol":"5","page":279},{"text":"وفي دليل عقلي خاص، بل غيره من الأدلة العقلية يدل على الشرع، وحينئذ فلا يلزم من بطلان ذلك الدليل العقلي بطلان أصل الشرع، فكيف إذا كان ذلك الدليل باطلا؟ .\nفإن قيل: نحن إذا قدمنا العقل لم يبطل الشرع، بل نفوضه أو نتأوله.\nقيل: إن لم يكن الشرع دال على نقيض ما سميتموه معقولًا، فليس هو محال النزاع، وإن كان الشرع دالًا فتفويضه تعطيل لدلالة الشرع، وذلك إبطال له، وإذا دل الشرع على شيء، فالأعراض عن دلالته كالأعراض عن دلالة العقل.\nفلو قال القائل: أنا قد علمت مراد الشارع، وأما المعقول فأفوضه لأني لم أفهم صحته ولا بطلاته، فما أنا جازم بمخالفته لما دل عليه الشرع، وقد رأيت المدعين للمعقولات مختلفين، فما أنا واثق بهذا المعقول المناقض للشرع - كان هذا أقرب من قول من يقول: إن الله ورسوله لم يبين الحق، بل تكلم بباطل يدل على الكفر، ولم يبين مراده فإن المقدم للمعقول عند التعارض لا بد أن يقول: إن الشرع يدل على خلاف العقل: إما نصًا وإما ظاهرا.\nوإلا فإذا لم يكن له دلالة بحال تخالف العقل امتنعت المعارضة وحينئذ فحقيقة قوله: إن الله - ورسوله- أظهر ما هو باطل وضلال","vol":"5","page":280},{"text":"وكفر ومحال، ولم يبين الحق ولا هدى الخلق، وإنما الخلق عرفوا الحق بعقولهم.\nوالمقدم للشرع يقول: إن الله - ورسوله- بين المراد، وهدى العباد، وأظهر سبيل الرشاد، ولكن هؤلاء المخالفون له ضلوا وأضلوا، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ [البقرة: ١٧٦]، فأنا أطعن فيما خالفوا به الرسول، ونبذوا به كتاب الله وراء ظهورهم، وخالفوا به الكتاب والسنة والإجماع، لا اطعن في العقليات الصحيحة الصريحة، الدالة على أن الرسول صادق بلغ البلاغ المبين، فإن هذه المعقولات يمتنع معها أن يكون الرسول هو الرسول الذي وصفوه.\nفهذا القائل قد صدق بالمعقول الصريح والمنقول الصحيح وصدق بموجب الأدلة العقلية والنقلية.\nوأما ذاك القائل فإنه لم يتقبل بموجب الدليل العقلي الدال على صدق الرسول وتبليغه وبيانه وهداه للخلق، ولا قام بموجب الدليل الشرعي الذي دل عليه ما دل عليه نصًا أو ظاهرًا، بل طعن في دلالة الشرع وفي دلالة العقل، الذي يدل على صحة الشرع.\nفتبين أن ذلك المقدم للشرع هو المتبع للشرع وللعقل الصحيح دون هذا الذي ليس معه لا سمع ولا عقل.\nومما يوضح هذا: أن ما به عرف صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى، وأنه لا يكون فيه كذب ولا خطأ يدل على","vol":"5","page":281},{"text":"ثبوت ذلك كله، لا يميز بين خبر وخبر، بل الدليل الدال على صدقه يقتضي ثبوت جميع ما أخبر به.\nوإذا كان ذلك الدليل عقليًا، فهذا الدليل العقلي يمنع ثبوت بعض أخباره دون بعض، فمن أقر ببعض ما أخبر به الرسول دون بعض، فقد أبطل الدليل العقلي الدال على صدق الرسول وقد أبطل الشرع، فلم يبق معه لا عقل ولا شرع.\nوهذا الحال من آمن ببعض الكتاب دون بعض.\nقال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾ [النساء: ١٥٠-١٥١] .\nولا ريب من أن قدم على كلام الله ورسوله وما يعارضه من معقول أو غيره، وترك ما يلزمه من الإيمان به، كما آمن بما يناقضه، فقد آمن ببعض وكفر ببعض.\nوهذا حقيقة حال أهل البدع، كما في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية، لأحمد بن حنبل وغيره من وصفهم بأنهم: (مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب) .\nوقوله: (مختلفون في الكتاب) يتضمن الاختلاف المذموم","vol":"5","page":282},{"text":"المذكور في قوله تعالى: ﴿إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ [البقرة ١٧٦] .\nوأما الاختلاف في قوله تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فهذا الاختلاف يحمد فيه المؤمنون ويذم فيه الكافرون.\nوأما الاختلاف في الكتاب الذي يذم فيه المختلفون كلهم، فمثل أن يؤمن هؤلاء ببعض دون بعض، وهؤلاء ببعض دون بعض، كاختلاف اليهود والنصارى، كاختلاف الثنتين وسبعين فرقة.\nوهذا هو الاختلاف المذكور في قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨-١١٩]، وفي قوله تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء﴾ [المائدة: ١٤]، فأغرى بينهم العداوة والبغض، بسبب ما تركوه من الإيمان بما أنزل عليهم.","vol":"5","page":283},{"text":"وهذا هو الوصف الثاني فيما تقدم من قول أحمد: (مخالفون للكتاب) فإن كلًا منهم يخالف الكتاب.\nوأما قوله بأنهم (متفقون على مخالفة الكتاب) فهذا إشارة إلى تقديم غير الكتاب على الكتاب، كتقديم معقولهم وأذواقهم وآرائهم ونحو ذلك على الكتاب، فإن هذا اتفاق منهم على مخالفة الكتاب.\nومتى تركوا الإعتصام بالكتاب والسنة فلا بد أن يختلفوا، فإن الناس لا يفصل بينهم إلا كتاب منزل من السماء، كما قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [البقرة: ٢١٣] .\nوكما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩] .\nوقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ [آل عمران: ١٠٢، ١٠٣] .","vol":"5","page":284},{"text":"ومن العجائب أنك تجد أكثر الغلاة في عصمة الرسول ﷺ أبعد الطوائف عن تصديق خبره وطاعة أمره، ذلك مثل الرافضة والجهمية ونحوهم، ممن يغلون في عصمتهم، وهم مع ذلك يردون أخباره، وقد اجتمع كل من آمن بالرسول على أنه معصوم فيما يبلغه عن الله، فلا يستقر في خبره خطأ، كما لا يكون فيه كذب، فإن وجود هذا وهذا في خبره يناقض مقصود الرسالة، ويناقض الدليل الدال على أنه رسول.\nوأما ما لا يتعلق بالتبليغ عن الله من أفعاله، فللناس في العصمة منه نزاع وتفصيل، ليس هذا موضعه، ومتنازعون في أن العصمة من ذلك: هل تعلم بالعقل أو السمع؟ بخلاف العصمة في التبليغ، فإنه متفق عليه، معلوم بالسمع والعقل، ومقصود التبليغ تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، فمن كان من أصله أن الدلالة السمعية لا تفيد اليقين، أو أنه يقدم رأيه وذوقه على خبر الرسول، لم ينتفع بإثبات عصمته المتفق عليها، فضلا عن موارد النزاع من العصمة، بل هم، معظمون للرسول في غير مقصود الرسالة، وأما مقصود الرسالة فلم يأخذوه عنه، وصاروا في ذلك كالنصارى مع المسيح ﵇ الذي أرسل إليهم، فلم يتلقوا عنه الدين الذي بعث به، بل غلوا فيه غلوًا صاروا مشركين به لا مؤمنين به.\nوكذلك الغالية في الأنبياء وأهل البيت والمشايخ، تجدهم مشركين بهم، لا متبعين لهم في خبرهم وأمرهم، فخرجوا عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.","vol":"5","page":285},{"text":"وهؤلاء يعزلون الأنبياء والرسل في أنفسهم عن الولاية التي ولاهم الله إياها باتفاق المسلمين، ويعتقدون أنه ولاهم ولاية لو كانت حقًا لم ينفعهم ذلك، فكيف إذا كانوا كاذبين مشركين؟\nولهذا تجد فيهم من تحريف نصوص الأنبياء التي أخبروا بها عن الله وملائكته وكتبه ورسله ما يناقض مقصود أخبارهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>الوجه الثلاثون</span>\nأن هذا الذي ذكرناه يفيد أن الشرع لا يمكن أن يخالفه العقل الدال على صحته، بل هما متلازمان في الصحة، وهذا القدر لا يمكن مؤمن بالله ورسوله أن ينازع فيه، بل لا ينازع مؤمن بالله ورسوله أن العقل لا يناقض في نفس الأمر، لكن الذي تقوله الجهمية والقدرية وغيرهم من أهل البدع أن تصديق الرسول ﷺ مبنى على الأدلة النافية للصفات والقدر، كما يقولونه من أن صدق الرسول موقوف على قيام المعجزة الدالة على صدقه، وقيام المعجزة موقوف على أن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة، وذلك موقوف على أن فعل الله قبيح، والله لا يفعل القبيح، وتنزيهه من فعل القبيح موقوف على أنه غني عنه العالم بقبحه، والغني عن القبيح العالم بقبحه لا يفعله،","vol":"5","page":286},{"text":"وغناه عنه موقوف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على نفي صفاته وأفعاله، لأن الموصوف بالصفات والأفعال جسم، ونفي ذلك موقوف على ما دل عليه حدوث الجسم، فلو بطل الدال على حدوث الجسم بطل ما دل على صدق الرسول.\nوأيضا فالدال على حدوث الجسم هو الدال على حدوث العالم وإثبات الصانع تعالى، فإذا بطل ذلك بطل الدليل الدال على إثبات الصانع، فصار العلم بإثبات الصانع وتصديق الرسول موقوفًا على نفي الصفات والأفعال، فإذا جاء في الشرع ما يدل على إثبات الصفات والأفعال، لم يمكن القول بموجبه، لأن ذلك ينافي دليل الصدق، بل يعلم من حيث الجملة أن الرسول لم يرد به إثبات الصفات والأفعال، إما لكذب الناقل عنه أو لعدم دلالة اللفظ عن الإثبات، أو لعدم قصده الإثبات.\nثم إما أن نقدر احتمالات يمكن حمل اللفظ عليها وإن لم يعين المراد، وإما أن نعرض عن هذا ونقول: لا نعلم المراد.\nفهذا أصل قولهم، ومن وافقهم في نفي بعض الصفات أو الأفعال قال بما يناسب مطلوبه من هذا الكلام فحقيقة قولهم إنه لا يمكن التصديق بكل ما في الشرع، بل لا يمكن تصديق البعض إلا بعدم تصديق البعض الآخر.\nوحينئذ فدليلهم العقلي ليس دالًا على صدق الرسول إلا على هذا الوجه، فلا يمكنهم قبول ما يناقضه من نصوص الكتاب والسنة.","vol":"5","page":287},{"text":"وحينئذ فيقال لهم: لا نسلم أن مثل هذا هو الأصل الذي به علم صدق الرسول ﷺ، بل هذا معارضة لقول الرسول بما لا يدل على صدقه، فبطل قول من يقول: إنا إذا قدمنا الشرع كان ذلك طعنا في أصله.\nوهذه المقدمات التي ذكروها عامتها ممنوعه ويتبين فسادها بما هو مبسوط في موضع أخر.\nوإذا قال أحدهم: نحن لا نعلم صدق الرسول إلا بهذا، أو لا نعلم دليلا يدل على صدق الرسول إلا هذا.\nقيل: لا نسلم صحة هذا النفي، وعدم العلم ليس علمًا بالمعدوم، وأنتم مكذبون لبعض ما جاء به الشرع، وتدعون أنه لا دليل على صدق الرسول سوى طريقكم، فقد جمعتم بين تكذيب ببعض الشرع، وبين نفي لا دليل عليه، فخالفتم الشرع بغير حجة عقلية أصلا.\nوإذا قال أحدهم: فما الدليل على صدق الرسول غير هذا؟ .\nقيل: في هذا المقام لا يجب بيانه، وإن كنا نبينه في موضع آخر، بل يكفينا رد المنع، ونحن نعلن بالاضطرار أن سلف الأمة وأئمتها كانوا مصدقين للرسول بدون هذا الطريق.\nيوضح هذا أن المعارضين الذين يقولون بتقديم العقل على الشرع، قد اعترف حذاقهم بما يبين أن الشرع ليس مبنيًا على معقول يعارض شيئًا منه، وبيان ذلك في:","vol":"5","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>الوجه الواحد والثلاثون</span>\nوهو أن نقول: قد ذكر أبو عبد الله الرازي في أجل كتبه نهاية المعقول ما ذكره غيره من أهل الكلام، فقال الرازي: (المطالب على ثلاثة أقسام: منها ما يستحيل العلم بها بواسطة السمع، ومنها ما يستحيل العلم بها إلا من السمع، ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى.\nأما القسم الأول: فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع، مثل العلم بوجود الصانع، وكونه مختارًا وعالمًا بكل المعلومات وصدق الرسول.","vol":"5","page":289},{"text":"أما العلم بحدوث العالم فذلك ما لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته، لأنه يمكننا أن نثبت الصانع المختار بواسطة حدوث الأعراض، أو بواسطة إمكان الأعراض، على ما سيأتي تفصيل القول فيه، ثم نثبت كونه عاما بكل المعلومات ومرسلًا للرسل، ثم نثبت بأخبار الرسول حدوث العالم) .\nقال: (وبهذا يتبين خطأ قول من زعم أن أول الواجبات القصد إلى النظر الصحيح المفضى إلى العلم بحدوث العالم) .\nقلت: هذا القول الذي خطأه الرازي هو الذي ذكره أبو المعالي في أول الإرشاد كما ذكره طوائف من أهل الكلام: المعتزلة وغيرهم، وهو قول من وافقه على هذا من المنتسبين إلى الأشعري، وقالوا: إن العلم بحدوث العالم لا يمكن إلا بالعلم بحدوث الأجسام، ولا يمكن ذلك إلا بحدوث الأعراض، وليس هذا قول الأشعري وأئمة أصحابه، فإن","vol":"5","page":290},{"text":"إثبات الصانع عندهم لا يتوقف على هذه الطريق، بل قد صرح الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر هو وغيره، بأن هذا الطريق ليس هو طريق الأنبياء وأتباع الأنبياء، بل هي محرمة في دينهم، ولكن الأشعري لا يبطل هذه الطريق، بل يقول: هي مذمومة في الشرع، وإن كانت صحيحة في العقل، وسلك هو طريق مختصرة من هذا، وهو إثبات حدوث الإنسان بأنه مستلزم للحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ووافقهم على أن المعلوم حدوثه هو الأعراض: كالاجتماع والافتراق، وأن ما يخلق من الحيوان والنبات والمعادن إنما تحدث أعراضه لا جواهره.\nوكذلك الخطابي وطائفة معه، ممن يذم هذه الطريقة الكلامية التي ذمها الأشعري، يوافقون على صحتها مع ذمهم لها.\nوأما جمهور الأئمة والعقلاء، فهي عندهم باطلة، وهذا مما يعلم معناه كل من له نظر واستدلال، إذا تأمل حال سلف الأمة وأئمتها وجمهورها، فإنهم كلهم مؤمنون بالله ورسوله، ولم يكونوا يبنون الإيمان على إثبات حدوث الأجسام، بل كل من له أدنى علم بأحوال الرسول وأصحابه، يعلم انهم له يجعلوا العلم بتصديقه مبنيا على القول بحدوث الأجسام، بل ليس في الكتاب ولا السنة، ولا قول أحد من السلف والأئمة، ذكر القول بحدوث الأجسام ولا إمكانها، فضلًا عن أن يكون فيها أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بذلك، وقد بسط الكلام على هذا في مواضع.\nوالمقصود هنا أن القول بأن أول الواجبات هو سلوك النظر في","vol":"5","page":291},{"text":"هذه الطريقة- هو في الأصل قول الجهمية والمعتزلة، وإن وافقهم عليه طائفة غيرهم.\nوهذه طريقة المعتزلة: كأبي علي، وأبي هاشم، وأبي الحسين البصيري، وأمثالهم.\nوهم متنازعون في أن أول الواجبات النظر المفضى إلى العلم بحدوث العالم، أو القصد إلى النظر، أو الشك السابق على القصد، على ثلاثة أقوال لهم معروفة.\nوقد اعترف الجمهور الذين خالفوا هؤلاء بأن إثبات الصانع لا يتوقف على هذه الطريق، بل ولا حدوث العالم.\nوقد ذكر الرازي أن الطرق التي بها يثبت العلم بالصانع خمس طرق: الأول: الاستدلال بحدوث الذوات، كالاستدلال بحدوث الأجسام، المبني على حدوث الأعراض، كالحركة والسكون وامتناع ما لا نهاية له.\nوهذا طريق أكثر المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية كأبي المعالي وأمثاله.\nالثاني: الاستدلال بإمكان الأجسام، وهذه عمدة الفلاسفة، وهو مبني على أن الأجسام ممكنة لكونها مركبة.","vol":"5","page":292},{"text":"قلت: وهذا مبني على توحيد ابن سينا ومن وافقه من الفلاسفة، المتضمن نفي الصفات.\nوجماهير العقلاء من المسلمين واليهود والنصارى، والفلاسفة القدماء والمتأخرين، يقدحون في موجب هذا الدليل.\nوليس هو طريق أرسطو وقدماء الفلاسفة، ولا طريقة ابن رشد وأمثاله من المتأخرين.\nبل هذا المسلك عند جمهور العالم من أعظم الأقوال فسادًا في الشرع والعقل.\nوأما المسلك الأول فهو أيضًا عند جمهور أهل الملل وجمهور الفلاسفة باطل مخالف للشرع والعقل.\nوالمسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت الأجسام واجبة أو قديمة أو ممكنة وحادثه، وهو مبني على تماثل الأجسام، وهو باطل عند أكثر العقلاء، وهو مبني على مقدمتين: إحداهما: أن اختصاص كل جسم بما له من الصفات لا يكون إلا لسبب منفصل.\nوالثانية: أن ذلك السبب لا يكون إلا مخصصا ليس بجسم.\nقلت: وهاتان المقدمتان قد عرف نزاع العقلاء فيها، وما يرد عليهما من النقض والفساد، ومخالفة أكثر الناس لموجبهما.","vol":"5","page":293},{"text":"قال: (المسلك الرابع: الاستدلال بحدوث الصفات، والأعراض عن وجود الصانع، كصيرورة النطفة إنسانا، فهذا حادث، والعبد غير قادر عليه، فلا بد له من فاعل آخر لافتقار المحدث إلى المحدث: إما لأن ذلك معلوم بالضرورة، كما يقول جمهور لعقلاء، وإما لإثبات ذلك بالإمكان، وما لإثباته بالقياس على ما يحدثه العباد) .\nقال: (والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال بحدوثها أن الأول يقتضي أن لا يكون الفاعل جسمًا، والثاني لا يقتضي ذلك) .\nقال: (والطريق الخامسة: وهي عائدة إلى الأربعة: الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان على علم الفاعل، والذي يدل على علمه هو بالدلالة على ذاته أولى) .\nقلت: طريقة الاستدلال بما يشاهد حدوثه جاء بها القرآن، واتفق عليه السلف والأئمة، وقد اعترفوا بأن هذه الطريق تفضي إلى العلم","vol":"5","page":294},{"text":"بإثبات الفاعل، ولا تقتضي كون الفاعل ليس بجسم، وكذلك طريقة العلم لا تقتضي ذلك، بخلاف الطرق الثلاثة المتقدمة.\nوإذا تبين ذلك فيقول القائل: إذا علمنا بإثبات الصانع بهذه الطريق التي اعترفتم بأنه يمكن العلم بإثبات الصانع وصدق رسله بها، وليس فيها ما يقتضي أن الفاعل ليس بجسم، لم يكن في الأدلة الشرعية المثبتة لصفات الله تعالى وأفعاله ما يناقض هذه الطريق، لأن غاية ما يقوله النفاة أن إثبات الأفعال والصفات، أو بعض ذلك، يقتضي كون الموصوف الفاعل جسمًا، وإثبات الصانع مبني على الدليل النافي لكونه جسمًا، فلو قلنا بموجب النصوص تقديمًا لها على الدليل العقلي النافي للجسم، لكنا قد قدمنا الشرع على أصله العقلي.\nفإذا كان قد تبين أن إثبات الشرع المبني على إثبات الصانع وصدق الرسول لا يتوقف على نفي الجسم، علم بالضرورة أن الشرع المثبت للصفات والأفعال لا ينافي الدليل العقلي الذي به عرف إثبات ذلك، فبطل قول من يدعي أنه قد يتعارض الدليل الشرعي المثبت لذلك وأصله العقلي النافي لذلك، وهذا بين واضح ولله الحمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>اعتراض: إن عارضت الدليل العقلي الذي يعرف صحة الشرع</span>\nفإن قالوا: هب أن هذا الدليل العقلي الذي به يعرف صحة الشرع لا يعارضه الدليل الشرعي المثبت للصفات والأفعال، لكن غيره من الأدلة العقلية ينافي ذلك- كان الجواب عنه من وجوه:","vol":"5","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن المقصود بيان أن الشرع يمكن معرفة صدقه بدليل عقلي لا يعارض موجب الشرع، وأما ما سوى ذلك من الأدلة فليس على الرجل أن يستدل بها، والشيء إذا علمت صحته بدليل عقلي لم يجب أن تعلم صحته بكل دليل، فقد تبين أنه يمكن الرجل أن يصدق بما أخبر به الشارع من أسماء الله وصفاته وأفعاله، كإثبات العلو لله، والصفات الخبرية، من غير أن يعارض ذلك ما يكون أصلًا للعلم بصحة السمع من الأدلة العقلية، فتكون المعارضة بتلك الطريق التي يقال إنها عقلية معارضة بطرق لا يتوقف العلم بصحة السمع عليها، فلا يلزم من تقديم الشرع عليها القدح في الأصل الذي به عرفت صحة الشرع، وهذا هو المطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: تلك الطرق التي لم تدل على صحة الشرع مطلقًا، وإنما دلت على صدق الشارع فيما يخبر عنه من غير الصفات والأفعال التي تنفيها تلك الطرق، وحينئذ فلا تكون دالةً على صدق الرسول مطلقا.\nومعلوم أن دليل الإيمان لا بد أن يدل على أن الرسول صادق في كل ما يخبر به مطلقًا من غير تقييد بقيد، فمتى كان الدليل إنما دل على صدقه بشرط أن لا يعارضه موجب ذلك الدليل، صار مضمونه أن الرسول مصدق فيما لا يخالفني فيه، وليس مصدقًا فيما يخالفني فيه.\nومعلوم أن هذا ليس إقرارًا بصحة الرسالة، فإن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف شيئا من الحق ولا يخبر بما تخيله العقول وتنفيه،","vol":"5","page":296},{"text":"ولكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته فيخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول.\nولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة التي رواها عبدوس ابن مالك العطار قال: ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول.\nهذا قوله وقول سائر أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول ﷺ لا تدركه كل الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول، ولا يجوز أن يعارض بالأمثال المضروبة له، فلا يجوز أن يعارضه الناس بعقولهم، ولا يدركونه بعقولهم، فمن قال للرسول: أنا أصدقك إذا لم تخالف عقلي، أو أنت صادق فيما لم تخالف فيه الدليل العقلي، فإن كان يجوز على الرسول أن يخالف دليلًا عقليًا صحيحًا لم يكن مؤمنًا به وإن قدم على كلامه دليلًا عقليًا ليس","vol":"5","page":297},{"text":"بصحيح لم يكن مؤمنًا به، فامتنع أن يصح الإيمان بالرسول ﷺ مع هذا الشرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>الوجه الثالث</span>\nأن تلك الطرق إذا أمكن العلم بصدق الرسول بدونها، لم يكن العلم بالشرع محتاجًا إليها، وحينئذ فإذا عارضت الشرع كان المعارض له دليلًا أجنبيًا، كما لو عارضه من كذبه واحتج على أنه كاذب.\nولا ريب أن هذا من باب المعارضة للرسول فيما جاء به.\nكمعارضة المكذبين للرسل، وحينئذ فيكون جوابه بما يجاب به أمثاله من الكفار الملحدين الطاعنين فيما جاء به الرسول أو في بعضه، لا يكون جوابه ما يجاب به المؤمنون بالرسول الذي يقرون أنه لا يقول على الله إلا الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>الوجه الرابع</span>\nأنا لا نسلم صحة شيء من تلك الطرق، حتى تكون دليلا يصلح أن يعارض به شيء من الأدلة: لا العلمية ولا الظنية ولا العقلية ولا غيرها، فضلا عن أن يعارض بها كلام المعصوم الذي لا يقول إلا حقًا، وبيان فساد تلك الوجوه العقلية النافية للصفات والأفعال، أو بعض ذلك، مذكور بتفصيله في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: لا ريب أن النصوص دلت على إثبات الصفات والأفعال لله تعالى، ولم تتعرض للجسم بنفي ولا إثبات، والنفاة إنما ينفون ما ينفونه بناءً على أن الإثبات يستلزم كون الموصوف جسمًا، والعقل ينفي أن يكون جسما، وأدلتهم على نفي الجسم إما دليل الإمكان، وإما دليل الحدوث، فليس لهم ما يخرج عن هذا.","vol":"5","page":298},{"text":"وحينئذ فيقال: إما أن يقال: وهذا إثبات ما أثبته الدليل الشرعي من الصفات والأفعال، موجب لكون الموصوف بذلك ممكنًا وحادثًا، وأن استلزم ذلك للحدوث أو الإمكان معلوم بالأدلة العقلية كما يقول النفاة - وإما أن لا يقال ذلك.\nفإن لم يقل ذاك، أو قيل: ليس في الأدلة العقلية ما يدل على ذلك، لم يكن معارضًا.\nوإن قيل: بل ذلك يدل في العقل على أن الموصوف ممكن أو حادث، فحينئذ إما أن نفسد ذلك الدليل المعارض على وجه التفصيل، وإما أن يقال: قد علم بالعقل صدق الرسول، وعلم أنه أثبت هذه الصفات والأفعال، فالنافي لها لا يجوز أن يكون دليلًا صحيحا، لأن تعارض الأدلة الصحيحة ممتنع، وحينئذ فكل من كان أعلم بدلالة الشرع على الإثبات وبضعف أدلة النفاة كان أعلم بهذا الكلام، فيكون العلم بفساد هذه المعارضات، تارة بطريق إجمالي، وتارة بطريق تفصيلي، كما يعلم فساد الحجج السوفسطائية، فإن من علم الشيء علمًا يقينيًا علم قطعًا فساد ما يناقضه، وإن لم يعلم تفصيل فساد تلك الحجج، فمن علم صدق الرسول وأنه أخبر بأمر، علم قطعًا أنه لا يقوم دليل قطعي على نفيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>الوجه السادس</span>\nأن هؤلاء الذين يرون تقديم عقولهم على كلام الله ورسوله، عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو والصفات الخبرية ونحو ذلك مما جاء به الكتاب والسنة.","vol":"5","page":299},{"text":"وهؤلاء يقولون: علمنا بأن الرسول أخبر بالعلو وبهذه الصفات علم ضروري من دينه، أبلغ من علمنا بثبوت اللعان والشفعة وحد القذف وسجود التلاوة والسهو ونحو ذلك.\nوإذا كان ذلك معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، لم يكن أن يقال: إن الرسول لم يخبر به، بل لا يمكن إلا أحد أمرين: إما تكذيب الرسول، وإما رد هذه المعارضات المبتدعة.\nقالوا وعلمنا بصدق الرسول علم يقيني لا ريب يتخلله، فالشبه القادحة في ذلك كالشبه القادحة في العلوم العقلية اليقينية، وهذه من جنس شبه السوفسطائية، فنحن نعلم فسادها من حيث الجملة من غير خوض في التفصيل.\nولا ريب أن هذا الأصل مستقر في قلب كل مؤمن بالله ورسوله، فإن أهل الإلحاد قد يذكرون له شبهات ويقدحون بها فيما جاء به الرسول في مواضع كثيرة، وقد لا يكون للمؤمن خبرة بالمناظرة في ذلك، لعدم العلم بعباراتهم ومقاصدهم في كلامهم، كمن يتكلم بلفظ (الجسم)، (والجوهر)، (والحيز)، (الهيولى)، (المادة)، (والصورة)، (الكلي)، (والجزئي)، (الماهية)، ونحو ذلك عند من ليس له خبره بهذه الأوضاع والاصطلاحات، ويؤلفها تأليفا يتضمن القدح فيما أخبر الله به ورسوله، فإن المؤمن يعلم فساد ذلك مجملًا، وإن لم يعرف وجه فسادها، لا سيما إذا لم يكن خبيرًا بطرق","vol":"5","page":300},{"text":"المناظرة وترتيب الأدلة، وكيف يفسد المتعارض بالممانعة في موضعها، ولمعارضة في موضعها، ونحو ذلك ما يبين به فساد الأقوال الباطلة المعارضة للحق.\nوقول هؤلاء لنفاة الصفات نظير قول كل من آمن باليوم الآخر للملاحدة النفاة، إذا قالوا: قد قام الدليل العقلي على نفي المعاد مطلقا، أو نفي الأكل والشرب والنكاح ونحو ذلك في الجنة، أو على نفي معاد البدن، والنصوص المعارضة لذلك إما أن تأول وأما أن تفوض، فإن المؤمنين بالآخرة من أهل الكلام وغيرهم قالوا لهم: نحن نعلم ثبوت المعاد بالاضطرار من دين الإسلام، فلا يمكن دفع العلوم الضرورية، فلو لم يكن المعاد حقًا لزم: إما جحد كون الرسول أخبر به، وإما جحد صدقه فيما أخبر، وكلاهما ممتنع، وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به، وعلم أنه لا يخبر إلا بحق- علم بالضرورة أن المعاد حق.\nوهنا بعينه يقوله مثبتو الصفات والأفعال للنفاة حذو القذة بالقذة، فإن هؤلاء النفاة للصفات المثبتين للمعاد هم بين المؤمنين بالجميع كالسلف والأئمة، وبين الملاحدة المنكرين للصفات والمعاد، فالملاحدة تقول لهم: قولنا في نفي المعاد كقولكم في نفي الصفات، فلا يستل بالشرع على هذا ولا على هذا لمعارضة العقل له، والمؤمنون بالله ورسوله يقولون لهم: قولنا لكم في الصفات كقولكم للملاحدة في المعاد.","vol":"5","page":301},{"text":"فإذا قلتم للملاحدة: إثبات المعاد معلوم بالاضطرار من دين الرسول.\nقلنا لكم: وإثبات الصفات والعلو والأفعال معلوم بالاضطرار من دين الرسول.\nوقد تقدم من كلام الملاحدة، كابن سينا ونحوه، ما يبين ذلك، وكل من تدبر كلام السلف والأئمة في هذا الباب، علم أن الجهمية النفاة للصفات كانوا عند السلف والأئمة من جملة الملاحدة الزنادقة.\nولهذا لما صنف الإمام أحمد ما صنفه في ذلك سماه الرد على الزنادقة والجهمية وكذلك ترجم البخاري آخر كتاب الصحيح بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية.\nوقال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.\nوقال يوسف بن أسباط، وابن المبارك: أصول البدع أربعة: الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية.\nقيل: والجهمية فقالا: ليست الجهمية من أمة محمد.\nونقل مثل ذلك عن الزهري أنه قال: ليس الجعدي من أمة محمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>كلام الدارمي في كتاب الرد على الجهمية</span>\nوقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية:","vol":"5","page":302},{"text":"(ما الجهمية عندنا من أهل القبلة، بل هؤلاء الجهمية أفحش زندقة، وأظهر كفرًا، وأقبح تأويلًا لكتاب الله ورد صفاته، من الزنادقة الذين قتلهم علي وحرقهم بالنار) .\nقال: (والزنادقة والجهمية أمرهما واحد، ويرجعان إلى معنى واحد، ومراد واحد، وليس قوم أشبه بقوم منهم بعضهم ببعض) .\nقال: (ولو كان جهم وأصحابه في زمن الرسول ﷺ وكبار التابعين لقتلوهم، كما قتل علي الزنادقة التي ظهرت في عصره، ولقتلوا كما قتل أهل الردة.\nألا ترى أن الجعد بن درهم أظهر بعض رأيه في زمن خالد بن عبد الله القسري، فزعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا فذبحه خالد بواسط","vol":"5","page":303},{"text":"يوم عيد الأضحى على رؤوس من حضره من المسلمين لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه.\nوكذلك لو ظهر هؤلاء في زمن أصحاب الرسول ﷺ ما كان سبيلهم عند القوم إلا القتل كسبيل أهل الردة، وكما قتل علي من ظهر منهم في عصره وأحرقه، وظهر بعضهم بالمدينة في عهد سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فأشار على وإلى المدينة يومئذ بقتله) .\nقال: (ويكفي العاقل من الحجج في إكفارهم ما تأولنا فيه من كتاب الله، وروينا فيه عن علي وابن عباس، وما فسرنا من واضح كفرهم، وفاحش مذهبهم، وسنروي عن بعض من ظهر ذلك بين أظهرهم من العلماء.\nثنا محمد بن المعتمر السجستاني، كان من أوثق أهل","vol":"5","page":304},{"text":"سجستان وأصدقهم، عن زهير بن نعيم البابي، أنه سمع سلام بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار.\nوسمعت محمد بن المعتمر يقول: سمعت زهير بن نعيم يقول: سئل حماد بن زيد - وأنا معه في سوق البصرة - عن بشر المريسي فقال: ذلك كافر.\nقال عثمان بن سعيد: وبلغني عن يزيد بن هارون أنه قال: الجهمية كفار، وقال: حرضت أهل بغداد غير مرة على قتل المريسي.\nثنا يحيى الحماني: ثنا الحسن بن الربيع: سمعت ابن المبارك يقول: من زعم أن قوله: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا﴾ [طه: ١٤] مخلوق فهو كافر.\nسمعت محبوب بن موسى الأنطاكي، يذكر أنه سمع وكيعا يكفر الجهمية.\nقال: وحدث عن سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان أنه أكفر من زعم أن القرآن مخلوق، وسمعت الربيع بن نافع أبا توبة يكفر الجهمية.","vol":"5","page":305},{"text":"وحدثنا الزهراني أبو الربيع قال: كان من هؤلاء الجهمية رجل، وكان الذي يظهر من حاله الترفض وانتحال حب علي بن أبي طالب ﵁، فقال رجل ممن خالطه ويعرف مذهبه: قد علمت أنكم لا ترجعون إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه فما الذي حملكم على الترفض وانتحال حب علي؟ قال: إذًا أصدقك.\nإنا إن ظهرنا رأينا الذي نعتقده رميناه بالكفر والزندقة، وقد وجدنا أقوامًا ينتحلون حب علي ويظهرونه، ثم يقعون بمن شاءوا ويعتقدون ما شاءوا فيقولون ما شاءوا، فنسبوا بذاك إلى الترفض والتشيع، فلم نر لمذهبنا أمرًا ألطف من انتحال حب هذا الرجل، ثم نقول ما شئنا، ونعتقد ما شئنا، ونقع بمن شئنا، فلأن يقال: إنا رافضه وشيعة أحب إلينا من أن يقال: زنادقة وكفار، وما علي عندنا بأحسن حالًا من غيره ممن نقع بهم.\nقال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي: وصدق هذا الرجل فيما","vol":"5","page":306},{"text":"عبر عن نفسه ولم يراوغ، وقد استبان لي ذلك في بعض كبرائهم ونظرائهم أنهم يستترون بالتشيع: يجعلونه تسبيبا لكلامهم وخطائهم، وسلما وذريعة لاصطياد الضعفاء وأهل الغفلة، ثم يبذرون بين ظهراني خطئهم بذر كفرهم وزندقتهم، ليكون أنجع في قلوب الجهال وأبلغ فيهم، ولئن كان أهل الجهل في شك من أمرهم، إن أهل العلم منهم على يقين) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: قد قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره من أئمة السنة: هما صنفان فاحذروهما: الجهمية والرافضة.\nوهذا الذي حكاه عثمان بن سعيد عن هذا الرجل هو لسان حال أئمة الجهمية المتشيعة، كالقرامطة الباطنية، من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم، وهم رؤوس الملاحدة وأئمتهم، وقد دخل كثير من إلحادهم على كثير من الشيعة والمتكلمين، من المعتزلة، والنجارية، والضرارية، والأشعرية، والكرامية، ومن أهل التصوف والفقه والحديث والتفسير والعامة.\nلكن عامة هؤلاء لا يعتقدون الزندقة، بل يقرون بنبوة الرسول صلى الله","vol":"5","page":307},{"text":"عليه وسلم، لكن دخل فيهم نوع من الإلحاد، وشعبة من شعب النفاق والزندقة أضعف إيمانهم، وحصل في قلوبهم نوع شك وشبهة في كثير مما جاء به الرسول، مع تصديقهم للرسول.\nوتجدهم في هذا الباب في حيرة واضطراب، وشك وارتياب، لم يحققوا ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ [الحجرات: ١٥]، ولكن ليس كل من دخل عليه شعبة من شعب النفاق والزندقة، فقبلها جهلًا أو ظلمًا، يكون كافر منافق في الباطن، بل قد يكون معه من الإيمان بالله ورسوله ما يجزيه الله عليه، ولا يظلم ربك أحدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>تابع كلام الدارمي</span>\nقال: أبو سعيد عثمان بن سعيد: (والزندقة أكبر في نفوس أهل العلم من الارتداد، ومن كفر اليهود والنصارى ولذلك قال ابن المبارك: لأن أحكي كلام اليهود والنصارى أحب ألي من أن أحكي كلام الجهمية.\nحدثناه الحسن بن الصباح البغدادي، عن علي بن شقيق، عن ابن المبارك قال أبو سعيد: وصدق ابن المبارك إن في كلامهم ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى) .","vol":"5","page":308},{"text":"(وقال أبو سعيد: وذهبت يوما أحكي ليحيى بن يحيى كلام الجهمية، لأستخرج منه نقضًا عليهم، وفي مجلسه يومئذ الحسين بن عيسى البسطامي، وأحمد بن حريش القاضي، ومحمد بن رافع، وأبو قدامه السرخسي- فيما أحسب - وغيرهم من المشايخ، فزبرني بغضب وقال، اسكت، وأنكر علي المشايخ الذين في مجلسه، استعظامًا أن أحكي كلام الجهمية، وتشنيعًا عليهم، فكيف بمن يحكى كلامهم ديانة! ثم قال يحيى: القرآن كلام الله، فمن شك فيه أو زعم انه مخلوق فهو كافر) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: وكلام السلف والأئمة في تكفير الجهمية، وبيان أن قولهم يتضمن التعطيل والإلحاد كثير ليس هذا موضع بسطه.\nوقد سئل عبد الله ابن المبارك ويوسف بن أسباط فأجابا بما تقدم.\nوقد تبين أن الجهمية عندهم من نوع الملاحدة الذين يعلم بالاضطرار أن قولهم مخالف لما جاءت به الرسل، بل إنكار صفات الله أعظم إلحادًا في دين الرسل من إنكار معاد الأبدان، فإن إثبات الصفات لله أخبرت به الرسل أعظم مما أخبرت بمعاد الأبدان.","vol":"5","page":309},{"text":"ولهذا كانت التوراة مملوءة من إثبات صفات الله، وأما ذكر المعاد فليس هو فيها كذلك، حتى قد قيل: إنه ليس فيها ذكر المعاد.\nوالقرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذكر الأكل والشرب والنكاح في الجنة، والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته، أعظم قدرًا من آيات المعاد، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي المتضمنة لذلك.\nكما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم «عن النبي ﷺ أنه قال: لأبي بن كعب: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فضرب بيده في صدره، وقال ليهنك العلم أبا المنذر» .\nوأفضل سورة سورة أم القرآن، كما ثبت ذلك في «حديث أبي سعيد بن المعلى في الصحيح، قال له النبي ﷺ إنه لم ينزل في التوراة ولا الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها،","vol":"5","page":310},{"text":"وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظم مما فيها من ذكر المعاد.\nوقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ من غير وجه أن «: ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلثي القرآن» .","vol":"5","page":311},{"text":"وثبت في الصحيح «أنه بشر الذي كان يقرأها ويقول: إني لأحبها لأنها صفة الرحمن: بأن الله يحبه» فبين أن الله يحب من يحب ذكر صفاته ﷾، وهذا باب واسع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>الوجه السابع</span>\nأن يبين أن الفطرة التي فطر الله عليها عباده، والعلوم الضرورية التي جعلها في قلوبهم، توافق ما أخبر به الرسول من علو الله على خلقه ونحو ذلك، فالمعقول الضروري الذي هو أصل العلوم النظرية، موافق للأدلة الشرعية مصدق لها، لا مناقض معارض لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>الوجه الثامن</span>\nأن يقال: الإرادات والقصود الضرورية التي تضطر العباد عندما يضطرون إلى أن يطلبوا من الله قضاء الحاجات وتفريج الكربات، موافقة لما أخبر به الرسول، لا معارضة لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>الوجه التاسع</span>\nأن يقال: الأدلة العقلية البرهانية المؤلفة من المقدمات اليقينية، هي موافقة لخبر الرسول لا معارضة له، ومن كان له خبرة بالأدلة العقلية وتأليفها، وتأمل أدلة المثبتة والنفاة، رأى بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق، فإن أدلة الإثبات أدلة صحيحة، مبنية على مقدمات يقينية خالصة من الشبهة، وأما حجج","vol":"5","page":312},{"text":"النفاة فجميعها مبناها على ألفاظ مجملة متشابهة، ومعان متشابهة.\nولهذا متى وقع الاستفسار والتفصيل لمجمل كلامهم، ووقع البيان والتفصيل لمشتبه معانيهم، تبين لكل عاقل فاهم أن النفاة جمعوا بين المختلفات، وفرقوا بين المتماثلات، وسووا بين الشيئين اللذين هما في غاية التباين، لاشتراكهما في بعض الصفات.\nولهذا كان مآل أمرهم إلى أن جعلوا الوجود واحدًا، فجعلوا وجود الخالق رب العالمين- الذي لا يماثله شيء من الموجودات بوجه من الوجوه، ومباينته لكل موجود أعظم من مباينة كل موجود لكل موجود - هو وجود أحقر المخلوقات وأصغر المخلوقات، أو مماثلا له لاتفاقهما في مسمى الوجود أو مسمى الذات أو الحقيقة، وصار أئمتهم النظار في هذه المسألة التي هي أول ما ينبغي لذي النظر أن يعرفه في حيرة عظيمة، فهذا يقول: الوجود واحد لاشتراك الموجودات في مسمى الوجود، ولا يميز بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع أو الجنس اللغوي.\nوهذا يقول: وجوده وجود مطلق: إما بشرط الاطلاق، وإما مطلقًا لا بشرط، وإما بشرط سلب جميع الأمور الثبوتية عنه، وهذا يمتنع ثبوته عنه، وهذا يمتنع ثبوته في الموجودات، وإنما يكون مثل هذا فيما تقدره الأذهان، لا فيما يوجد في الأعيان.\nوغاية من يجعل ذلك ثابتًا في الخارج، أن يجعل وجود الخالق هو وجود المخلوقات، أو جزءًا منها، فيجعل افتقاره إلى المخلوقات كافتقار المخلوقات إليه، كما يقول من يفرق بين الوجود والثبوت.","vol":"5","page":313},{"text":"وهذا يقول لفظ (الوجود) و(الذات) وغيرهما، مقول عليه وعلى الموجودات بالاشتراك اللفظي المجرد كاشتراك (المشتري) و(سهيل) فتخرج الأسماء العامة الكلية كاسم (الوجود) و(الذات) و(النفس) و(الحقيقة) و(الحي) و(العالم) و(القادر) ونحو ذلك من مسمياتها، وتسلبه العقول ما جعله الله فيها من المعاني والقضايا العامة الكلية، وهذه خاصة العقل التي تميز بها عن الحس، إلى أمثال هذه المقولات التي هي عند من فهمها وعرف حقيقة قول أصحابها، ضحكة للعاقل من وجه، وأعجوبة له من وجه، ومسخطة له من وجه.\nومثل هذه المعقولات لو تصرف بها في تجارة أو صناعة من الصناعات لأفسدت التجارة والصناعة، فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي صفات رب البرية، ثم يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسله وأنزل بها كتبه؟ .\nفمن تبحر في المعقولات، وميز بين البينات والشبهات، تبين له أن العقل الصريح أعظم الأشياء موافقة لما جاء به الرسول، وكلما عظمت بمعرفة الرجل بذلك، عظمت موافقة الرسول.\nولكن دخلت الشبهة في ذلك بأن قومًا كان لهم ذكاء تميزوا به في أنواع العلوم: إما طبيعية كالحساب والطب، وإما شرعية كالفقه مثلا.\nوأما الأمور الإلهية فلم يكن لهم بها خبرة كخبرتهم بذلك، وهي أعظم المطالب، وأجل المقاصد، فخاضوا فيها بحسب أحوالهم، وقالوا","vol":"5","page":314},{"text":"فيها مقالات بعبارات طويلة مشتبهة، لعل كثيرًا من أئمة المتكلمين بها لا يحصلون حقائق تلك الكلمات، ولو طالبتهم بتحقيقها لم يكن عندهم إلا الرجوع إلى تقليد أسلافهم.\nوهذا موجود في منطق اليونان وإلهياتهم، وكلام أهل الكلام من هذه الأمة وغيرهم، يتكلم رأس الطائفة كأرسطو مثلا بكلام، وأمثاله من اليونان بكلام، وأبي الهذيل والنظام وأمثالهما من متكلمة أهل الإسلام بكلام، ويبقى ذلك الكلام دائرًا في الأتباع، يدرسونه كما يدرس المؤمنون كلام الله، وأكثر من يتكلم به لا يفهمه.\nوكلما كانت العبارة أبعد عن الفهم كانوا لها أشد تعظيمًا، وهذا حال الأمم الضالة، كلما كان الشيء مجهولًا كانوا أشد له تعظيما، كما يعظم الرافضة المنتظر، الذي ليس لهم منه حس ولا خبر ولا وقعوا له على عين ولا أثر.\nوكذلك تعظيم الجهال من المتصوفة ونحوهم للغوث وخاتم الأولياء، ونحو ذلك مما لا يعرفون له حقيقة.","vol":"5","page":315},{"text":"وكذلك النصارى تعظم ما هو من هذا الباب وهكذا الفلاسفة تجد أحدهم إذا سمع أئمته يقولون: الصفات الذاتية والعرضية والمقوم والمقسم والمادة والهيولى، والتركيب من الكم والكيف، وأنواع ذلك من العبارات، عظمها قبل أن يتصور معانيها، ثم إذا طلب معرفتها لم يكن عنه في كثير منها إلا التقليد لهم.\nولهذا كان فيها من الكلام الباطل المقرون بالحق ما شاء الله، ويسمونها عقليات، وإنما هي عندهم تقليديات، قلدوا فيها ناسًا يعلمون أنهم ليسوا معصومين، إذا بين لأحدهم فسادها لم يكن عنده ما يدفع ذلك، بل ينفي تعظيمه المطلق لرؤوس تلك المقالة، ثم يعارض ما تبين لعقله فيقول: كيف يظن بأرسطو وابن سينا وأبي الهذيل، أو أبي علي الجبائي ونحو هؤلاء أن يخفي عليه مثل هذا؟ أو أن يقول مثل هذا؟ .\nوهو مع هذا يرى أن الذين قلدوا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٤]، قد بخسوا أنفسهم حظها من العقل والمعرفة والتمييز، ورضوا بقبول قول لا يعلمون","vol":"5","page":316},{"text":"حقيقته، وهو مع هذا يقبل أقوالًا لا يعلم حقيقتها، وقائلين يعلم أنهم يخطئون ويصيبون.\nوهذا القدر قد تبينته من الطوائف المخالفين للكتاب والسنة-ولو في أدنى شيء ممن رأيت كتبهم، وممن خاطبتهم، وممن بلغني أخبارهم -إذا أقيمت على أحدهم الحجة العقلية التي يجب على طريقته قبولها، ولم يجد له ما يدفعها به، فر إلى التقليد، ولجأ إلى قول شيوخه، وقد كان في أول الأمر يدعوا إلى النظر والمناظرة والاعتصام بالعقليات، والإعراض عن الشرعيات.\nثم إنه في آخر الأمر لا حصل له علم من الشرعيات ولا من العقليات، بل هو كما قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد﴾ [الحج: ٣] .\nوكما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ [الحج: ٨] .\nوكما قال تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ [الأنعام: ١١٠] .\nوكما قال: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ [الفرقان: ٤٤] .\nوكما قال تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني","vol":"5","page":317},{"text":"اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩] .\nوكما قال: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا﴾ [الأحزاب: ٦٦-٦٨] .\nوهذه النصوص فيها نصيب لكل من اتبع أحدًا من الرؤوس فيما يخالف الكتاب والسنة، سواء كانوا من رؤوس أهل النظر والكلام والمعقول والفلسفة، أو رؤوس أهل الفقه والكلام في الأحكام الشرعية، أو من رؤوس أهل العبادة والزهادة والتأله والتصوف، أو من رؤوس أهل الملك والإمارة والحكم والولاية والقضاء.\nولست تجد أحدًا من هؤلاء إلا متناقضًا، وهو نفسه يخالف قول ذلك المتبوع الذي عظمه في موضع آخر، إذ لا يصلح أمر دنياه ودينه، بموافقة ذلك المتبوع، لتناقض أوامره.\nبخلاف ما جاء من عند الله، فإنه متفق مؤتلف، فيه صلاح أحوال العباد، في المعاش والمعاد.\nقال تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢]، وهذه الجمل مبسوطة في مواضع غير هذا.","vol":"5","page":318},{"text":"والمقصود هنا أن ننبه المسلم على أن العقل الصريح كلما أمعن في تحقيقه لا يكون إلا موافقًا للشرع الذي جاءت به الرسل، حتى تتبين لك صحة ما جاء به بالأدلة العقلية، التي لا يحتاج فيها إلى خبر مخبر ولو كان معصومًا، لكن تتعاضد الأدلة السمعية والعقلية، الخبرية والنظرية.\nكما قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت: ٥٣] .\nولكن الناس متفاوتون في هذا بحسب ما يؤتيهم الله من العقل والمعرفة، والنظر والاستدلال والتمييز، فكل من كان أكمل في معرفة الصواب من هذا، كان أكمل في معرفة الموافقة والمطابقة.\nوهذا أمر يخبر به من خبره، فقد يكون الرجل قبل أن يستيقن ما جاءت به السنة عنده شبهة ووهم، لظنه أنه قد عارضها ما يعارضها به المعارض: إما من عقلياته، وإما من ذوقياته، وإما من سياساته، فإذا هداه الله وأرشده تبين له في آخر الأمر أن ما وافق الشرع هو المعقول الصريح، وهو الذوق الصحيح، وهو السياسة الكاملة، وأن ما خالف ذلك هو من أمور أهل الجهل والظلم.\nوالله يقول الحق وهو يهدي السبيل: ﴿ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [يونس: ٢٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>الوجه العاشر</span>\nأنه ما من قول موافق للسنة إلا وتجد العقلاء الذين يقرون به أكثر وأعظم من العقلاء الذين ينكرونه، بل تجد الموافقين له","vol":"5","page":319},{"text":"من العقلاء قد اتفقوا على ذلك بغير مواطأة من بعضهم البعض، وذلك يبين أنه موجب العقل الصريح، بخلاف الأقوال المخالفة، فإنك لا تجد من يقولها من طوائف العقلاء، إلا من تواطأ على تلك المقالة التي تلقاها بعضهم عن بعض، وما تواطأ عليه الناس يجوز فيه الغلط والكذب ما لا يجوز فيما اتفق عليه العقلاء، من غير مواطأة ولا تشاعر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>الوجه الثاني والثلاثون</span>\nأن يقال القول بتقديم غير النصوص النبوية عليها، من عقل أو كشف أو غير ذلك، يوجب أن لا يستدل بكلام الله ورسوله على شيء من المسائل العلمية، ولا يصدق بشيء من أخبار الرسول لكون الرسول أخبر به، ولا يستفاد من أخبار الله.\nورسوله هدىً ولا معرفة بشيء من الحقائق، بل ذلك مستلزم لعدم الإيمان بالله ورسوله، وذلك متضمن للكفر والنفاق والزندقة والإلحاد، وهو معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام، كما أنه في نفسه قول فاسد متناقض في صريح العقل.\nوهذا لازم لكل من سلك هذه الطريق، كما يجد ذلك أو اعتبره، وذلك لأنه إذا جوز أن يكون ما أخبر الله به ورسوله، وبلغه الرسول ﷺ إلى أمته من القرآن والحديث، وما فيه من ذكر صفات الله تعالى، وصفات ملائكته وعرشه، والجنة والنار والأنبياء وأممهم، وغير ذلك مما قصه الله في كتابه، أو أمر به من التوحيد","vol":"5","page":320},{"text":"والعبادات والأخلاق، ونهى عنه من الشرك والظلم والفواحش وغير ذلك، إذا جوز المجوز أن يكون في الأدلة العقلية القطعية، التي يجب اتباعها وتقديمها عليه عند التعارض، ما يناقض مدلول ذلك ومفهومه ومقتضاه، لم يمكنه أن يعرف ثبوت شيء مما أخبر به الرسول، إن لم يعلم انتفاء المعارض المذكور، وهو لا يمكنه العلم بانتفاء هذا المعارض إن لم يعلم بدليل آخر عقلي ثبوت ما أخبر به الرسول، وإلا فإذا لم يعلم بدليل عقلي ثبوته، وليس معه ما يدل على ثبوته إلا أخبار الله ورسوله- وهذا عنده مما يجوز أن يعارضه عقلي تقدم عليه- فلا طريق له إلى العلم بانتفاء المعارضات العقلية، إلا أن يحيط علمًا بكل ما يخطر ببال بني آدم، مما يظن انه دليل عقلي.\nوهذا أمر لا ينضبط، وليس له حد، فإنه لا يزال يخطر لبني آدم من الخواطر، ويقع لهم من الآراء والاعتقادات، ما يظنونه دلائل عقلية، وهذه تتولد مع بني آدم كما يتولد الوسواس وحديث النفس، فإذا جوز أن يكون فيها ما هو قاطع عقلي معارض للنصوص مستحق للتقديم عليها، لم يمكنه الجزم بانتفاء هذا المعارض أبدًا، فلا يمكنه الجزم بشيء مما أخبر به الرسول - بمجرد إخباره- أبدًا، فلا يؤمن بشيء مما أخبر به الرسول، لكون الرسول أخبر به أبدًا، ولا يستفيد من خبر الله ورسوله علمًا ولا هدىً، بل ولا يؤمن بشيء من الغيب الذي أخبر به الرسول إذا لم يعلم ثبوته بعقله أبدًا.\nوحقيقة هذا سلب الإيمان برسالة الرسول وعدم تصديقه.\nثم إن لم يقم عنده المعارض المقدم بقي لا مصدقًا بما جاء به الرسول ولا مكذبًا به","vol":"5","page":321},{"text":"وهذا كفر باتفاق أهل الملل، وبالاضطرار من دين الإسلام.\nوإن قام عنده المعارض المقدم كان مكذبًا للرسول، فهذا في الكفر الذي هو جهل مركب، وذلك في الكفر الذي هو جهل بسيط.\nويتناول كلًا منهما قوله تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا * وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا * وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا﴾ [الفرقان: ٢٧ ٣١] .\nوقال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [الأنعام: ١١٢-١١٣] وأمثال ذلك.\nولهذا كان الأصل الفاسد مستلزمًا للزندقة والإلحاد في آيات الله وأسمائه، فمن طرده أداه إلى الكفر والنفاق والإلحاد، ومن لم يطرده تناقض وفارق المعقول الصريح، وظهر ما في قوله من التناقض والفساد.\nومن هذا الباب دخلت الملاحدة والقرامطة الباطنية على كل فرقة من","vol":"5","page":322},{"text":"الطوائف الذين وافقوهم على بعض هذا الأصل، حتى صار من استجاب لهم إلى بعضه دعوه إلى الباقي إن أمكنت الدعوة، وإلا رضوا منه بما أدخلوه فيه من الإلحاد، فإن هذا الأصل متناقض معارض لدين جميع الرسل صلوات الله عليهم وسلامه.\nوقد رأيت كتابًا لبعض أئمة الباطنية سماه الأقاليد الملكوتية سلك فيه هذا السبيل، وصار يناظر كل فريق بنحو من هذا الدليل، فإنهم وافقوه على تأويل السمعيات، ووافقوه على نفي ما يسمى تشبيهًا بوجه من الوجوه فصار من أثبت شيئًا من الأسماء والصفات، كاسم (الموجود) و(الحي) و(العليم) و(القدير) ونحو ذلك يقول له: هذا فيه تشبيه، لأن الحي ينقسم إلى: قديم ومحدث، والموجود ينقسم: إلى قديم ومحدث، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فيلزم التركيب وهو التجسيم ويلزم التشبيه، فإنه إذا كان هذا موجودًا وهذا موجودًا اشتبها واشتركا في مسمى الوجود، وهذا تشبيه، وإذا كان أحد الموجودين واجبًا بنفسه، صار مشاركًا لغيره في مسمى الوجود ومتميزًا عنه بالوجوب، وما به الامتياز غير ما به الاشترك، فيكون الواجب بنفسه مركبًا مما به الاشتراك وما به الامتياز، والمركب محدث أو ممكن لأنه مفتقر إلى جزئه، وجزؤه غيره، والمفتقر إلا غيره لا يكون واجبًا بنفسه، فساق من سلم له الأصول الفاسدة إلى نفي الوجود الواجب الذي يعلم ثبوته بضرورة عقل كل عاقل، فأورد على","vol":"5","page":323},{"text":"نفسه أنك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا ميت كان هذا تشبيهًا بالمعدوم أيضًا، فقال: لا أقول لا هذا ولا هذا، فأورد على نفسه أنك قد قررت في المنطق أنه إذا اختلفت قضيتان بالسلب والإيجاب، لزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، فإن صدق أنه موجود، كذب أنه ليس بموجود، وإن صدق أنه ليس بموجود، كذب أنه موجود، ولا بد لك بذلك من إحداهما، فأجاب بأني لا أقول لا هذا ولا هذا، فلا أقول: موجود ولا ليس بموجود، ولا معدوم ولا ليس بمعدوم.\nفهذا منتهى كلام الملاحدة، وقد حكوا مثل هذا عن الحلاج، وأشباهه من أهل الحلول والاتحاد، وأنهم لا يثبتونه ولا ينفونه، ولا يحبونه ولا يبغضونه.\nفيقال لهذا الضال: كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع، فرفع النقيضين أيضًا ممتنع، فإذا امتنع أن يكون موجودًا ليس بموجود، امتنع أن لا يكون موجودًا ولا غير موجود فقد وقعت في شر مما فررت منه.\nوأما التشبيه فإنك فررت من تشبيه بموجود أو معدوم، فشبهته بالممتنع الذي لا حقيقة له، فإن ما ليس بموجود ولا معدوم لا حقيقة له أصلًا، وهذا شر مما يقال فيه: إنه موجود أو معدوم.\nوقد رام طائفة من المتأخرين، كالشهرستاني، والآمدي، والرازي- في بعض كلامه - ونحوهم، أن يجيبوا هؤلاء عن هذا بأن لفظ (الموجود) و(الحي) و(العليم) و(القدير) ونحوها من الأسماء تقال على الواجب والممكن بطريق الاشتراك اللفظي، كما يقال لفظ","vol":"5","page":324},{"text":"(المشتري) على الكوكب والمبتاع، وكما يقال لفظ (سهيل) على الكوكب والرجل المسى بسهيل، وكذلك لفظ (الثريا) على النجم والمرأة المسمات بالثريا، ومن هنا قال الشاعر:\nأيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان\nهي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان\nوهؤلاء متناقضون في هذا الجواب، فإنهم وسائر العقلاء يقسمون الوجود إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث، وأمثال ذلك، مع علمهم بأن التقسيم لا يكون في الألفاظ المشتركة، إن لم يكن المعنى مشتركًا، سواء كان متماثلًا أو متفاضلًا، ومنهم من يخص المتفاضل بتسميته مشككًا فالتقسيم لا يكون إلا في الألفاظ المتواطئة التواطؤ العام الذي يدخل فيه المشككة أو في المتواطئة التواطؤ الخاص، وفي المشككة أيضًا.\nفأما مثل (سهيل) فلا يقال سهيل ينقسم إلى الكوكب والرجل، إلا أن يراد أن لفظ (سهيل) يطلق على هذا وهذا.\nومعلوم أن مثل هذا التقسيم لا يراد به الإخبار عن الإطلاق في اللغة، وإنما يراد به تقسيم المعنى المدلول عليه باللفظ.\nولهذا كان تقسيم المعاني العامة صحيحًا، ولو عبر عن تلك المعاني بعبارات متنوعة في اللغات، فإن المقسم هو المعنى الذي لا يختلف باختلاف اللغات.","vol":"5","page":325},{"text":"وأيضًا فلو لم تكن هذه الأسماء متواطئة، لكان لا يفهم منها عند الإطلاق الثاني معنى، حتى يعرف معناها في ذلك الإطلاق الثاني، كما في الألفاظ المشتركة، فإنه إذا أطلقه في موضع ما يدل على معناه، ثم أطلقه مرة ثانية وأراد به المعنى الآخر، فإنه لا يفهم ذلك المعنى إلا بدليل يدل عليه.\nثم هم مع هذا التناقض موافقون في المعنى للملاحدة، فإنهم إذا جعلوا أسماء الله تعالى كالحي والعليم والقدير والموجود ونحو ذلك مشتركة اشتراكًا لفظيًا، لم يفهم منها شيء إذا سمي بها الله، إلا أن يعرف ما هو ذلك المعنى الذي يدل عليه إذا سمي بها الله، لا سيما إذا كان المعنى المفهوم منها عند الإطلاق ليس هو المراد إذا سمي بها الله.\nومعلوم أن اللفظ المفرد إذا سمي به مسمىً لم يعرف معناه حتى يتصور المعنى أولًا، ثم يعلم أن اللفظ دال عليه، فإذا كان اللفظ مشتركًا، فالمعنى الذي وضع له في حق الله لم نعرفه بوجه من الوجوه، فلا يفهم من أسماء الله الحسنى معنى أصلًا، ولا يكون فرق بين قولنا: حي وبين قولنا ميت ولا بين قولنا موجود وبين قولنا معدوم، ولا بين قولنا عليم وبين قولنا جهول، أو (ديز) أو (كجز) بل يكون بمنزلة ألفاظ أعجمية سمعناها ولا نعلم مسماها، أو ألفاظ مهملة لا تدل على معنى، كديز وكجز ونحو ذلك.\nومعلوم أن الملاحدة يكفيهم هذا، فإنهم لا يمنعون إطلاق اللفظ إذا تظاهروا بالشرع، وإنما يمنعون منه أن نفهم معنى.","vol":"5","page":326},{"text":"وسبب هذا الضلال أن لفظ (التشبيه) و(التركيب) لفظ فيه إجمال.\nوهؤلاء أنفسهم - هم وجماهير العقلاء - يعلمون أن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفي ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله ﷾، إذ هو سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]، ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\nولهذا اتفق جميع طوائف المسلمين وغيرهم على الرد على هؤلاء الملاحدة، وبيان أنه ليس كل ما اتفق شيئان في شيء من الأشياء، يجب أن يكون أحدهما مثلًا للآخر، ولا يجوز أن ينفي عن الخالق سبحانه كل ما يكون فيه موافقة لغيره في معنىً ما، فإنه يلزمه عدمه بالكلية، كما فعله هؤلاء الملاحدة، بل يلزم نفي وجوده ونفي عدمه، وهو غاية التناقض والإلحاد والكفر والجهل.\nوكذلك لفظ (التركيب) فإن ثبوت معاني لله تعالى ليس هو مما ينفيه الدليل، وكون تلك المعاني من لوازم ذاته، وأنه لا يكون إلا متصفًا بها، ليس هو تركيبًا ينفيه عقل ولا شرع، بل مثل هذا لا بد منه، كما قد بسط ذلك في مواضع كثيرة.\nفهذا وأمثاله هي العقليات الفاسدة التي تطرق بها أهل الإلحاد، وكذلك ردهم للدلالة السمعية إذا عارضها عندهم ما هو عندهم","vol":"5","page":327},{"text":"عقلي، يوجب أن لا يستدل بشيء من كلام الله ورسوله كما تقدم فلا يبقى عندهم لا عقل ولا سمع.\nوهذا الذي ذكرناه من أن هذا الأصل يوجب عدم الاستدلال بكلام الله ورسوله على المسائل العلمية، قد اعترف حذاقهم به، بل التزمه من التزمه من متأخري أهل الكلام كالرازي، كما التزمته الملاحدة الفلاسفة.\nوأما المعتزلة فلا يقولون: الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، بل يقولون، لا يحتج بالسمع على مسائل التوحيد والعدل، لأن ذلك -بزعمهم- يتوقف العلم بصدق الرسول عليه.\nوكذلك متأخرو الأشعرية يجعلون القول في الصفات من الأصول العقلية.\nوأما الأشعري وأئمة أصحابه فيحتج عليهم عندهم بالسمع كما يحتج بالعقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>كلام الرازي في نهاية المعقول عن الأدلة السمعية</span>\nولهذا لما ذكر أبو عبد الله الرازي أصول الأدلة التي يحتج بها في أصول الدين أصحابه وغيرهم، ذكر هذا الأصل واعترض عليه، فقال في نهاية المعقول: (الفصل السابع في تزييف الطرق الضعيفة وهي أربع) فذكر نفي الشيء لانتفاء دليله، وذكر القياس، وذكر الإلزامات.\nثم قال: (والرابع هو التمسك بالسمعيات، فنقول: المطالب على أقسام ثلاثة: منها ما يستحيل حصول العلم بها بواسطة","vol":"5","page":328},{"text":"السمع، ومنها ما يستحيل العلم بها إلا من السمع، ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى) .\nقال: (أما القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع، مثل العلم بوجود الصانع، وكونه مختارًا وعالمًا بكل المعلومات، وصدق الرسل) .\nقال: (وأما القسم الثاني، وهو ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر، إذا لم يجده الإنسان من نفسه، ولا يدركه بشيء من حواسه، فإن حصول غراب على قلة جبل قاف إذا كان جائز الوجود والعدم مطلقًا، وليس هناك ما يقتضي وجوب أحد طرفيه أصلًا، وهو غائب عن النفس والحس، استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق.\nوأما القسم الثالث.\nوهو معرفة وجوب الواجبات، وإمكان الممكنات، واستحالة المستحيلات، التي لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها واستحالتها، مثل مسألة الرؤية والصفات والوحدانية وغيرها) .","vol":"5","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ليس المقصود هنا استيفاء الكلام فيما ذكره من الأمثال، فإن فيما ذكر أنه لا يعلم إلا بالسمع ما يمكن علمه بدون السمع، إذ علم الإنسان بوجود بعض الممكنات له طرق متعددة غير إخبار الرسول، وكذلك ما ذكر أنه لا يعلم بالسمع، فيه كلام ليس هذا موضعه.\nولكن المقصود ذكر قوله بعد ذلك، فإنه قال: (إذا عرفت ذلك فنقول: أما أن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في الأصول في القسم الأول فهو ظاهر، وإلا لو وقع الدور، وأما أنه يجب استعمالها في القسم الثاني فهو ظاهر كما سلف، وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه إشكال.\nوذلك لأنا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي، فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي، لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر","vol":"5","page":330},{"text":"النقل وبين مقتضى الدليل العقلي، فإما أن نكذب بالعقل وإما نأول النقل، فإن كذبنا العقل، مع أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل، فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا العقل، فحينئذ تكون صحة النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه، فإذن لا يكون النقل مقطوع الصحة، فإذن تصحيح النقل برد العقل يتضمن القدح في النقل، وما أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلًا، فتعين تأويل النقل.\nفإذن الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوجود مدلوله، إلا بشرط أن لا يوجد دليل عقلي على خلاف ظاهره، فحينئذ لا يكون الدليل النقلي مفيدًا للمطلوب، إلا إذا بينا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره، ولا طريق لنا إلى إثبات ذلك الأمر إلا من وجهين: إما","vol":"5","page":331},{"text":"أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل النقلي، وحينئذ يصير الاستدلال بالنقل فضلًا غير محتاج إليه، وإما بأن نزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل، وذلك ضعيف لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه أن لا يكون هناك معارض أصلًا، اللهم إلا أن نقول: إنه لا دليل على هذه المعارضات فوجب نفيه، ولكنا زيفنا هذه الطريقة، أو نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص، ولا المقدمة الفلانية الأخرى، وحينئذ يحتاج إلى إقامة الدلالة على أن كل واحدة من هذه المقدمات التي لا نهاية لها غير معارضة لهذا الظاهر، فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين، بعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي، وثبت أن الدليل النقلي يتوقف إفادته اليقين على ذلك، فإذًا الدليل النقلي تتوقف إفادته على مقدمة غير يقينية، وهي عدم دليل","vol":"5","page":332},{"text":"عقلي، فوجب تأول ذلك النقل، وكل ما تبنى صحته على ما لا يكون يقينيًا، لا يكون هو أيضًا يقينيًا، فثبت أن ذلك الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدًا لليقين) .\nقال: (وهذا بخلاف الأدلة العقلية، فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفى منها بأن لا يعلم فسادها، بل لا بد وأن يعلم بالبديهية صحتها، ويعلم بالبديهية لزومها مما علم صحته بالبديهية ومتى كان كذلك استحال أن يوجد ما يعارضه لاستحال التعارض في العلوم البديهية) .\nقال: (فإن قيل: إن الله لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء، وجب عليه تعالى أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل، وإلا كان ذلك","vol":"5","page":333},{"text":"تلبيسًا من الله تعالى، وأنه غير جائز.\nقلنا: هذا بناءً على قاعدة الحسن والقبح، وأنه يجب على الله شيء، ونحن لا نقول بذلك.\nسلمنا ذلك، فلم قلتم: إنه يجب على الله أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي، وبيانه أن الله تعالى إنما يكون ملبسًا على المكلف، لو أسمعه كلامًا يمتنع عقلًا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره، وليس الأمر كذلك، لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر، ثم إنه يجوز أن يكون هناك دليل على خلاف ذلك الظاهر، فبتقدير أن يكون الأمر كذلك، لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع الله المكلف ذلك الكلام، فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره، مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا، كان ذلك التقصير واقعًا من المكلف لا من قبل الله تعالى، حيث قطع لا في موضع القطع، فثبت إنه لا يلزم من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف","vol":"5","page":334},{"text":"ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون ملبسًا) .\nقال: (فخرج مما ذكرناه أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في المسائل العلمية، ولعله يمكن أن يجاب عن هذا السؤال بما به يجاب عن تجويز ظهور المعجزات على الكاذبين، نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية تارة لإفادة اليقين، كما في مسألة الإجماع وخبر الواحد، وتارة لإفادة الظن، كما في الأحكام الشرعية) .\nقلت فليتدبر المؤمن العاقل على هذا الكلام، مع أنه قد ينزل فيه درجة، ولم يجعل عدم إفادته اليقين إلا لتجويز المعارض العقلي، لكونه موقوفًا على مقدمات ظنية، كنقل اللغة والنحو، والتصريف وعدم المجاز، والاشتراك والنقل والإضمار، والتخصيص وعدم المعارض السمعي أيضًا مع العقلي.\nوبهذا دفع الآمدي وغيره الاستدلال بالأدلة السمعية في هذا الباب، ونحن قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبينا إمكان دلالة الأدلة السمعية على اليقين، وبينا فساد ما ذكره هؤلاء الذين أسسوا قواعد الإلحاد.","vol":"5","page":335},{"text":"والمقصود هنا أن نبين اعترافهم بما ألزمناهم به.\nوإذا كان كذلك فيقال: نحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول أن النبي ﷺ إذا اخبر أمته بما أخبرهم به من الغيب من أسماء الله وصفاته وغير ذلك، فإنه لم يرد منهم إلا يقروا بثبوت شيء مما أخبر به إلا بدليل منفصل غير خبره، فإذا كان القول مستلزمًا لكون الرسول أراد أن لا يثبت شيء بمجرد خبره، وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه كذب على الرسول، علم أن هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام.\nوهؤلاء الذين سماهم أهل التحقيق هم أهل التحقيق عنده، سماهم كذلك بناءً على ظنه، كما يسمي الاتحادية والحلولية أنفسهم أهل التحقيق، ويسمي كل شخص طائفته أهل الحق بناء على ظنه واعتقاده.\nومثل هذا لا يكون مدحهم زينًا، ولا ذمهم شيئًا، إلا إذا كان قولًا بحق.\nوالذي مدحه زين وذمه شين هو الله ورسوله، والذين جعلهم أهل الحق هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا﴾ [الأنفال: ٢-٤]، فوصف المؤمنين حقًا بأنهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا.\nوهؤلاء المعارضون لآياته إذا تليت عليهم آياته لم تزدهم إيمانًا، بل ريبًا ونفاقًا.","vol":"5","page":336},{"text":"وقال تعالى: ﴿ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم﴾ [محمد: ٣]، فوصف المؤمنين بأنهم اتبعوا الحق من ربهم، ومن اتبع الحق كان محقًا.\nوالمؤمنون اتبعوا الحق من ربهم، فهم أحق الناس بالتحقيق، وإذا كان المؤمنون هم المحققين، ومن نعتهم أنهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، كان الموصوفون بنقيض ذلك ليسوا من المحققين عند الله وعند رسوله، بل من المحققين عند إخوانهم، كما أن اليهود والنصارى والمشركين، وكل طائفة من المحققين عند من وافقهم على أن ما يقولونه بحق.\nوقد وصف المؤمنين بما ذكره في قوله تعالى: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥] .\nومن المعلوم أن من ناقض الآيات المنزلة باعتقاده وهواه لم تزده إيمانًا، ولم يستبشر بنزولها، بل تزيده رجسًا إلى رجسه.\nوقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ [الحجرات: ١٥] فالصادق في قوله: آمنوا هو الذي لم","vol":"5","page":337},{"text":"يحصل له ريب فيما جاء به الرسول، ومن جوز أن يكون فيما أخبر به ما يعارضه صريح المعقول لم يزل في ريب من ثبوت ما أخبر به، ولكن غايته أن يعلم أن الرسول صادق فيما أخبر به على طريق الجملة، فإذا نظر فيما أخبر به لم يعلم ثبوت شيء مما أخبر به.\nومن المعلوم أن العلم بأنه صادق، مقصوده تصديق أخباره، والمقصود بتصديق الأخبار التصديق بمضمونها، فإذا كان لم يصدق بمضمون أخبار الرسول ﷺ، كان بمنزلة من آمن بالوسيلة، ولم يحصل له المقصود.\nولو قال الحاكم: إن هؤلاء الشهود صادقون في كل ما يشهدون به، وهو لا يثبت بشهادة أحد منهم حقًا، لم يكن في تعديلهم فائدة، ومن تدبر هذا الباب علم حقيقته، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>الوجه الثالث والثلاثون</span>\nأن يقال: نحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه أوجب على الخلق تصديقه فيما أخبر به، وقطعهم بثبوت ما أخبرهم به، وأنه من لم يكن كذلك لم يكن مؤمنًا به، بل إذا أقر أنه رسول الله، وأنه صادق فيما أخبر، ولم يقر بما أخبر به من أنباء الغيب-لجواز أن يكون ذلك متيقنًا في نفس الأمر بدليل لم يعلمه المستمع، ولا يمكن إثبات ما أثبته الرسول بخبره إلا بعد العلم بذلك-فإن هذا ليس مؤمنًا بالرسول.","vol":"5","page":338},{"text":"وإذا كان هذا معلوم بالاضطرار، كان قول هؤلاء المعارضين لخبره بآرائهم معلوم الفساد بالضرورة من دينه.\nوحينئذ فإما أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله فيصدقه في كل ما أخبر به، ويعلم أنه يمتنع أن يكون ذلك منتفيًا في نفس الأمر، وأنه لا دليل يدل على انتفائه، وإما أن يكون الرجل غير مصدق للرسول في شيء مما أخبر به، إلا أن يعلم ذلك بدليل منفصل غير خبر الرسول، ومن لم يقر بما أخبر به الرسول إلا بدليل منفصل لم يكن مؤمنًا به، بل كان مع الرسول كالفقهاء بعضهم مع بعض: إن قام دليل على قوله وافقه، وإلا لم يوافقه.\nومعلوم أن هذا حال الكفار بالرسل، لا المؤمنين بهم، ورؤوس هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤] .\nوهذا الذي ذكره هذا في العقل ذكره طائفة أخرى في الكشف، كما ذكره أبو حامد في كتابه الإحياء في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول، وذكر أنه لا يستدل بالسمع على شيء من العلم الخبري، وإنما الإنسان يعرف الحق بنور إلهي يقذف في قلبه، ثم يعرض الوارد في","vol":"5","page":339},{"text":"السمع عليه، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه) .\nومن هنا زادت طائفة أخرى على ذلك، فادعوا أنهم يعلمون -إما بالكشف وإما بالعقل - الحقائق التي أخبر بها الرسول أكمل من علمه بها، بل ادعى بعضهم أن الأنبياء والرسل يستفيدون معرفة تلك الحقائق من مشكاة أحدهم، كما ادعاه صاحب الفصوص أن الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة المسمى عنده بخاتم الأولياء، وادعى انه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الموحي به إلى الرسول.\nومعلوم أن هذه الأقوال من شر أقوال الكافرين بالرسول، لا المؤمنين به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>الوجه الرابع والثلاثون</span>\nأن الذين يعارضون الشرع بالعقل، ويقدمون رأيهم على ما أخبر به الرسول، ويقولون: إن العقل أصل للشرع، فلو قدمناه عليه للزم","vol":"5","page":340},{"text":"القدح في أصل الشرع - إنما يصح منهم هذا الكلام إذا أقروا بصحة الشرع بدون المعارض، وذلك بأن يقروا بنبوة الرسول، وبأنه قال هذا الكلام، وبأنه أراد به كذا، وإلا فمع الشك في واحدة من هذه المقدمات، لا يكون معهم عن الرسول من الخبر ما يعلمون به تلك القضية المتنازع فيها بدون معارضة العقل، فكيف مع معارضة العقل، أما النبوة: فمن لم يعلم أن الرسول عالم بهذه القضية التي أخبر بها، وأنه معصوم أن يقول فيها غير الحق، لم يمكن أن يعلم حكمها بخبره، فمتى جوز أن يكون غير عالم مع خبره بها، يجوز عليه أن يخطئ فيما يخبر به عن الله واليوم الآخر أو أن يكذب، لم يستفد بخبره علمًا، ومن كانت النبوة عنده مكتسبة، من جني نبي الفلاسفة، وأن خاصة النبي قوة ينال بها العلم، وقوة بتصرف بها في العلم، وقوة تجعل من المعقولات في نفسه خيالات ترى وتسمع، فتكون تلك الخيالات ملائكة الله وكلامه، كما يقول ابن سينا وأتباعه من المتفلسفة - لم يمكنه أن يجزم بأن الرسول عالم بما يقوله، معصوم أن يقول غير الحق، فكيف إذا كان يقول: إن الرسول قد يقول ما يعلم خلاف.\nفهؤلاء يمتنع أن يستفيدوا بخبر الرسول علمًا، فكيف يتكلمون في المعارضة؟\nوكذلك من لم يعلم ثبوت الأخبار لم يتكلم في حصول العلم بموجبها،","vol":"5","page":341},{"text":"وكذلك من قال: إن الدليل السمعي لا يعلم به مراد المتكلم، كما يقول الرازي ومتبعوه الذين يزعمون أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم، فهؤلاء ليس عندهم دليل شرعي يفيد العلم بما أخبر به الرسول، فكيف يعارضون ذلك المعقول.\nوكذلك أيضا من عرف أن معقولاتهم التي يعارضون بها الشرع باطلة، امتنع أن يعارض بها دليلًا ظنيًا عنده، فضلًا عن أن يعارض بها دليلا يقينيًا عنده، ولهذا كان الذين صرحوا بتقديم الأدلة العقلية على الشرعية مطلقًا، كأبي حامد والرازي ومن تبعهم، ليس فيهم من يستفيد من الأنبياء علمًا بما أخبروا به، إذا لم يكونوا مقرين بأن الرسول بلغ البلاغ المبين المعصوم، بل إيمانهم بالنبوة فيه ريب: إما لتجويز أن يقول خلاف ما يعلم، كما يقول ابن سينا وأمثاله، وإما لتجويز أن يكون لا عالمًا بذلك، كما تقوله طائفة أخرى، وإما لأنه جائز في النبوة - لم يجزم بعد بأن النبي معصوم فيما يقوله، وأنه بلغ البلاغ المبين، فلا تجد أحدًا ممن يقدم المعقول مطلقًا على خبر الرسول إلا وفي قلبه مرض في إيمانه بالرسول، فهذا محتاج أولًا إلى أن يعلم أن محمدًا رسول الله الصادق المصدوق، الذي لا يقول على الله إلا الحق، وأنه بلغ البلاغ المبين، وأنه معصوم عن أن يقره الله على خطأ فيما بلغه وأخبر","vol":"5","page":342},{"text":"به عنه، ومن ثبت هذا الإيمان في قلبه امتنع مع هذا أن يجعل ما يناقض خبر الرسول مقدمًا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>الوجه الخامس والثلاثون</span>\nأن يقال: قول هؤلاء متناقض، والقول المتناقض فاسد.\nوذلك أن هؤلاء يوجبون التأويل في بعض السمعيات دون البعض، وليس في المنتسبين إلى القبلة، بل ولا في غيرهم، من يمكنه تأويل جميع السمعيات.\nوإذا كان كذلك قيل لهم: ما الفرق بين ما جوزتم تأويله، فصرفتموه عن مفهومه الظاهر ومعناه البين وبين ما أقررتموه؟ .\nفهم بين أمرين: إما أن يقولوا ما يقوله جمهورهم: إن ما عارضه عقلي قاطع تأولناه، وما لم يعارضه عقلي قاطع أقررناه.\nفيقال لهم: فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء، فإن لا يمكنكم نفي جميع المعارضات العقلية، كما تقدم بيانه.\nوأيضا فعدم المعارض العقلي القاطع لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي، فإنه -على قولكم-: إذا جوزتم على الشارع أن يقول قولًا لا معنى مفهوم، وهو لا يريد ذلك، لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس، أو لا تخطر للخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك- جاز أن يريد بكلامه ما يخالف مقتضاه بدون ذلك، لجواز أن يظهر في الآخرة ما يخلف ذلك، أو لكون ذلك ليس معلومًا بدليل","vol":"5","page":343},{"text":"عقلي ونحو ذلك، فإنه إذا جاز أن يكون تصديق الناس له فيما أخبر به موقوفًا على مثل ذلك الشرط، جاز أن يكون موقوفًا على أمثاله من الشروط، إذ الجميع يشترك في أن الوقف على مثل هذا الشرط، يوجب أن لا يستدل بشيء من أخباره على العلم بما أخبر به.\nوإن قالوا بتأول كل شيء إلا ما علم بالاضطرار أنه أراده، كان ذلك أبلغ فإنه ما من نص وارد إلا ويمكن الدافع له أن يقول: ما يعلم بالاضطرار أنه أراد هذا.\nفإن كان للمثبت أن يقول: أنا أعلم بالاضطرار أنه أراده.\nكان لمن أثبت ما ينازعه فيه هذا المثبت إن يقول أيضا مثل ذلك.\nولا ريب أن المثبتين للعلو والصفات عندهم أن هذا معلوم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ، فهم لا يتناقضون، ومن نازعهم يتناقض، فإنه لا يمكنه أن يقول لغيره من النفاة شيئًا، إلا أمكن أهل الإثبات للعلو أن يقولوا له: فإما أن تقبل مثل هذا، وإلا كان متناقضًا لا يستقيم له قول عند واحد من الطوائف، وهذا يبين فساد قوله وهو المطلوب.\nوهذا الذي ذكرناه بين في كلام كل طائفة، حتى في كلام المثبتين لبعض الصفات دون البعض، فإنك إذا تأملت كلامهم لم تجد لهم قانونًا فيما يتأول وما لا يتأول، بل لازم قولهم إمكان تأويل الجميع، فلا يقرون إلا بما يعلم ثبوته بدليل منفصل عن السمع، وهم لا يجوزون مثل ذلك، ولا يمكنهم أن يقولوا مثل ذلك.","vol":"5","page":344},{"text":"فعلم أن قولهم باطل، وأن قولهم: لا نتأول إلا ما عارضه القطعي - قول باطل، ومع بطلان قولهم قد يصرحون بلازمه، وأنه لا يستفاد من السمعيات علم، كما ذكره الرازي وغيره، مع انهم يستفيدون منها علمًا، فيتناقضون، ومن لم يتناقض منهم فعليه أن يقول: أخبار الرسول ثلاثة أقسام: ما علم ثبوته بدليل منفصل صدق به، وما علم أنه عارضه العقل القاطع كان مأولا، وما لا يعلم بدليل منفصل لا يمكن ثبوته ولا انتفاؤه، وكان مشكوكًا فيه موقوفًا.\nوهذه حقيقة قولهم الذي ذكرناه أولا، وهو ما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مناقض لما أوجبه الرسول من الإيمان بأخباره، وانه في الحقيقة عزل للرسول عن موجب رسالته، وجعل له كأبي حنيفة مع الشافعي، وأحمد بن حنبل مع مالك، ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>الوجه السادس والثلاثون</span>\nأن يقال: هم إذا أعرضوا عن الأدلة الشرعية لم يبقى معهم إلا طريقان: إما طريق النظار: وهي الأدلة القياسية العقلية، وإما طريق الصوفية: وهي الطريقة العبادية الكشفية، وكل من جرب هاتين","vol":"5","page":345},{"text":"الطريقتين علم أن مالا يوافق الكتاب والسنة منهما فيه من التناقض والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولهذا كان من سلك إحداهما إنما يؤول به الأمر إلى الحيرة والشك، إن كان له نوع عقل وتمييز، وإن كان جاهلًا دخل في الشطح والطامات التي لا يصدق بها إلا أجهل الخلق.\nفغاية هؤلاء الشك، وهو عدم التصديق بالحق، وغاية هؤلاء الشطح وهو التصديق بالباطل، والأول يشبه حال اليهود، والثاني يشبه حال النصارى، فحذاق أهل الكلام والنظر يعترفون بالحيرة والشك كما هو معروف عن غير واحد منهم، كالذي كان يتكلم على المنبر فأخذ ينكر العلو على العرش، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو لم يتحول عما كان عليه: فقام إليه الشيخ أبو الفضل جعفر الهمذاني وقال: دعنا يا أستاذ من ذكر العرش واستواء الله عليه، يعني أن هذا يعلم بالسمع، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال: عارف قط: يا الله، إلا ويجد قبل أن يتحرك لسانه في نفسه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فهل عندك من جواب على هذا.","vol":"5","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-546>فصل: كلام الغزالي عن التأويل وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nذكر أبو حامد في كتاب الإحياء كلامًا طويلا في علم الظاهر والباطن، قال: (وذهبت طائفة إلى التأويل فيما يتعلق بصفات الله تعالى، وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهره، ومنعوا التأويل وهم الأشعرية) - أي متأخروهم الموافقون لصاحب الإرشاد، قال: (وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا كونه سميعًا بصيرًا، والرؤية والمعراج وإن لم يكن بالجسد، وأولوا عذاب القبر والميزان، والسراط، وجملة من أحكام الآخرة، ولكن أقروا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها على المأكولات) .","vol":"5","page":347},{"text":"قلت: تأويل الميزان، والصراط وعذاب القبر، والسمع والبصر، إنما هو قول البغداديين من المعتزلة دون البصرية.\nقال أبو حامد: (وبترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في الآخرة إلى أمور عقلية روحانية ولذات عقلية) .\nإلى أن قال: (وهؤلاء هم المسرفون في التأويل.\nوحد الاقتصاد بين هذا وهذا دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي، لا بالسماع.\nثم إن انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هم عليه، ونظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فيه، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه.\nفأما من يأخذ هذه الأمور كلها من السمع فلا يستقر له قدم) .\nقلت: هذا الكلام مضمونه أنه لا يستفاد من خبر الرسول ﷺ شيء من الأمور العلمية، بل إنما يدرك ذلك كل إنسان بما حصل له من المشاهدة والنور والمكاشفة.\nوهذان أصلان للإلحاد، فإن كل ذي مكاشفة إن لم يزنها بالكتاب والسنة، وإلا دخل في الضلالات.","vol":"5","page":348},{"text":"وأفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر ﵄، وأفضل من كان محدثًا من هذه الأمة عمر، للحديث وللحديث الآخر: «إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه»، ومع هذا فالصديق أفضل منه، لأن الصديق إنما يأخذ من مشكاة الرسالة لا من مكاشفته ومخاطبته، وما جاء به الرسول معصوم لا يستقر فيه الخطأ، وأما ما يقع لأهل القلوب من جنس المخاطبة والمشاهدة ففيه صواب وخطأ، وإنما يفرق بين صوابه وخطائه بنور النبوة، كما كان عمر يزن ما يرد عليه بالرسالة، فما وافق ذلك قبله، وما خالفه رده.\nقال بعض الشيوخ ما معناه: قد ضمنت لنا العصمة فيما جاء به الكتاب والسنة، ولم تضمن لنا العصمة في الكشوف.\nوقال أبو سليمان الداراني: إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين: الكتاب والسنة.\nوقال أبو عمرو إسماعيل بن نجيد: كل ذواق أوكل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل.\nوقال الجنيد بن محمد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن وبكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا.\nوقال سهل أيضًا: يا معشر المريدين لا تفارقوا السواد على البياض، فما فارق أحد السواد على البياض إلا تزندق.","vol":"5","page":349},{"text":"وهذا وأمثاله كثير في كلام الشيوخ العارفين، يعلمون أنه لا تحصل لهم حقيقة التوحيد والمعرفة واليقين، إلا بمتابعة المرسلين، وقد يحصل لهم من الدلائل العقلية القياسية البرهانية، ومن المخاطبات والمكاشفات العيانية، ما يصدق ما أخبر به الرسول ﷺ.\nكما قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت: ٥٣] .\nوقال تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط﴾ [سبأ: ٦] .\nوقال تعالى: ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى﴾ [الرعد: ١٩] .\nوتجد كثيرًا من السالكين طريق العلم والنظر والاستدلال، الذين اشتبهت عليهم الأمور، وتعارضت عندهم الأدلة والأقيسة، يحسنون الظن بطريق أهل الإرادة والعبادة والمجاهدة، ظانين أنه ينكشف بها الحقائق.\nوكثير من السالكين طريق العبادة والإرادة والزهد والرياضة،","vol":"5","page":350},{"text":"الذين اشتبهت عليهم الأمور، وتعارضت عندهم الأذواق والمواجيد، يحسنون الظن بطريق أهل العلم والنظر والاستدلال، ظانين أنه ينكشف به لهم الحقائق.\nوحقيقة الأمر أنه لا بد من الأمرين، فلا بد من العلم والقصد، ولا بد من العلم والعمل به، ومن علم بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم.\nوالعبد عليه واجبات في هذا وهذا، فلا بد من أداء الواجبات، ولا بد أن يكون كل منهما موافقًا لما جاء به الرسول، فمن أقبل على طريقة النظر والعلم، من غير متابعة للسنة، ولا عمل بالعلم، كان ضالًا غاويًا في عمله، ومن سلك طريق الإرادة والعبادة، والزهد والرياضة من غير متابعة للسنة، ولا علم ينبني العمل عليه، كان ضالًا غاويًا، ومن كان معه علم صحيح مطابق لما جاء الرسول ﷺ بلا عمل به كان غاويًا، ومن كان معه عمل موافق للسنة بدون العلم المأمور به كان ضالًا، فمن خرج عن موجب الكتاب والسنة من هؤلاء وهؤلاء كان ضالًا، وإذا لم يعلم بعلمه، أو عمل بغير علم، كان ذلك فسادًا ثانيًا، والذين لم يعتصموا بالكتاب والسنة من أهل الأحوال والعبادات والرياضات، والمجاهدات، ضلالهم أعظم من ضلال من لم يعتصم بالكتاب والسنة من أهل الأقوال والعلم، وإن كان قد يكون في هؤلاء من الغي ما ليس فيهم، فإنهم يدخلون في أنواع من الخيالات الفاسدة، والأحوال الشيطانية المناسبة لطريقهم.\nكما قال تعالى: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم﴾ [الشعراء: ٢٢١-٢٢٢] .","vol":"5","page":351},{"text":"والإنسان همام حارث، فمن لم يكن همه وعمله ما يحبه الله ورسوله ﷺ، كان همه وعمله مما لا يحبه الله ورسوله ﷺ.\nوالأحوال نتائج الأعمال، فيكون ما يحصل لهم بحسب ذلك العمل، وكثيرًا ما تتخيل له أمور يظنها موجودة في الخارج ولا تكون إلا وفي نفسه، فيسمع خطابًا يكون من الشيطان أو من نفسه، يظنه من الله تعالى، حتى أن أحدهم يظن أنه يرى الله بعينه، وأنه يسمع كلامه بأذنه من خارج، كما سمعه موسى بن عمران، ومنهم من يكون ما يراه شياطين وما يسمعه كلامهم وهو يظنه من كرامات الأولياء، وهذا باب واسع بسطه موضع آخر.\nولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام» .","vol":"5","page":352},{"text":"وكثيرًا ما يرى الإنسان صورة اعتقاده، فيكون ما يحصل له بمكاشفته ومشاهدته هو ما اعتقده من الضلال، حتى أن النصراني يرى في كشفه التثليث الذي اعتقده، وليس أحد من الخلق معصومًا أن يقر على خطأ إلا الأنبياء، فمن أين يحصل لغير الأنبياء نور إلهي تدرك به حقائق الغيب وينكشف له أسرار هذه الأمور على ما هي عليه، بحيث يصير بنفسه مدركًا لصفات الرب وملائكته، وما أعده الله في الجنة والنار لأوليائه وأعدائه؟ .\nوهذا الكلام أصله من مادة المتفلسفة والقرامطة الباطنية، الذين يجعلون النبوة فيضًا من العقل الفعال على نفس النبي، ويجعلون ما يقع في نفسه من الصور هي ملائكة الله، وما يسمعه في نفسه من الأصوات هو كلام الله، ولهذا يجعلون النبوة مكتسبة، فإذا استعد الإنسان بالرياضة والتصفية فاض عليه ما فاض على نفوس الأنبياء، وعندهم هذا الكلام باطل باتفاق المسلمين واليهود والنصارى.\nومع هذا فإن هؤلاء لا يقولون: إن كل أحد يمكنه أن يدرك بالرياضة ما أدركه من هو أكمل منه، فلا يتصور على هذا الأصل أن يدرك عامة الخلق ما أدركه النبي ﷺ، ولو فعلوا ما فعلوا، فإن كان العلم بما أخبر به لا يعلم إلا بهذا الطريق، لم يمكنه معرفته بحال.\nثم من المعلوم أن هذا لو كان ممكنًا، لكان السابقون الأولون أحق","vol":"5","page":353},{"text":"الناس بهذا، ومع هذا فما منهم من ادعى أنه أدرك بنفسه ما أخبر به الرسول ﷺ.\nومن المعلوم أن الله فضل بعض الرسل على بعض، وفضل بعض النبيين على بعض.\nكما قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣] .\nوقال: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥] .\nكما خص موسى بالتكليم، فلا يمكن عامة الأنبياء والرسل أن يسمع كلام الله كما سمعه موسى، ولا يمكن غير محمد أن يدرك بنفسه ما أراه الله محمدًا ﷺ ليلة المعراج وغير ليلة المعراج.\nفإذا كان إدراك مثل ذلك لا يحصل للرسل والأنبياء، فكيف يحصل لغيرهم.\nولكن الذي قال هذا يظن أن تكلم الله لموسى من جنس الإلهامات التي تقع لآحاد الناس، ولهذا ادعوا أن الواحد من هؤلاء قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى بن عمران، وله في كتاب مشكاة الأنوار من الكلام المبني على أصول هؤلاء المتفلسفة ما لا يرضاه لا اليهود ولا النصارى، ومن هناك مرق صاحب (خلع النعلين) وأمثاله من","vol":"5","page":354},{"text":"أهل الإلحاد، كصاحب الفصوص ابن عربي الذي ادعى أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، وأن الأنبياء جميعهم إنما يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء.\nوتلك المعرفة عندهم هي كون الوجود واحدًا، لا يتميز فيه وجود الخالق عن وجود المخلوق، وادعى أن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول، وخاتم الأولياء، وإن كان قد تكلم به أبو عبد الله الترمذي وغيره، وتكلموا فيه بكلام باطل ا، كره عليهم العلم والإسمان، فلم يصلوا به إلى هذا الحد.\nولكن هذا بناه ابن العربي وأمثاله من الملاحدة على أصول الفلاسفة الصائبة، وهؤلاء أخذوا كلام الفلاسفة: أخرجوه في قالب المكاشفة والمشاهدة.\nوالملك عند هؤلاء ما يتخيل في نفس النبي من الصورة الخيالية، وهم يقولون إن للنبي ثلاثة خصاص: إحداها أن يكون له قوة","vol":"5","page":355},{"text":"قدسية ينال بها العلم بلا تعلم.\nوالثانية: أن تكون له قوة نفسانية يؤثر بها في هيولى العالم.\nالثالثة: أن يرى ويسمع في نفسه بطريق التخيل ما يتمثل له من الحقائق، فيجعلون ما يراه الأنبياء من الملائكة ويسمعونه منهم إنما وجوده في أنفسهم لا في الخارج.\nوخاتم الأولياء عندهم يأخذ المعقولات الصريحة التي لا تفتقر إلى تخيل، ومن كان هذا قوله قال: إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي إلى خاتم الأنبياء، فإن الملك عنده الخيال الذي في نفس النبي، وهو يأخذ من المعدن، الذي يأخذ منه الخيال.\nهذا وأمثاله هو المكاشفة التي يرجع إليها من استغنى عن تلقي الأمور من جهة السمع، وهؤلاء هم الذين سلكوا ما أشار إليه صاحب الإحياء وأمثاله، ممن جرى في بعض الأمور على قانون الفلاسفة.\nوطريق هؤلاء المتفلسفة شر من طريق اليهود والنصارى، وقد بسط الكلام على طريقهم في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن هؤلاء مع إلحادهم، وإعراضهم عن الرسول وتلقي الهدى من طريقه، وعزله في المعنى، هم متناقضون، في قول مختلف، أؤفك عنه من أفك، فكل من أعرض عن الطريقة السلفية الشرعية الإلهية، فإنه لا بد أن يضل ويتناقض، ويبقى في الجهل المركب أو البسيط.","vol":"5","page":356},{"text":"وكان المقصود أولًا بيان تناقض من أعرض عن الأدلة السمعية الشرعية في الأصول الخبرية، كالصفات والنبوات والمعاد، وأنه من سلك طريقًا يتناول به علم هذه الأمور، غير الطريقة الشرعية النبوية، فإن قوله متناقض فاسد، وليس له قانون مستقيم يعتمد عليه، فكيف بمن عارضها بطريق تناقضها، يعتمد فيه على آراء متناقضة، يحسبها براهين عقلية ومشاهدات ومخاطبات ربانية؟ وهي خيالات فاسدة، وأوهام باطلة كما قال السهيلي: أعوذ بالله من قياس فلسفي، وخيال صوفي.\nوأما بيان فساد ذلك من جهة الرسل والإيمان بهم فنقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>الوجه السابع والثلاثون</span>\nأنا نعلم بالاضطرار من دين النبي ﷺ، ودين أمته المؤمنين به، بطلان لوازم هذا القول، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، بل نعلم الاضطرار أن من دينه أن لوازم هذا القول من أعظم الكفر والإلحاد، وذلك لأن لازم هذه المقالة وحقيقتها ومضمونها: أن الرسول ﷺ لا يكون فيما أخبر به عن الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر: لا علم ولا هدى ولا كتاب منير، فلا يستفاد منه علم بذلك، ولا هدى يعرف به الحق من الباطل، ولا يكون الرسول قد هدى الناس ولا بلغهم بلاغًا بينًا ولا أخرجهم من الظلمات إلى النور، ولا هداهم إلى صراط العزيز الحميد.","vol":"5","page":357},{"text":"ومعلوم أن كثيرًا من خطاب القرآن، بل أكثره متعلق بهذه الباب، فإن الخطاب العلمي في القرآن أشرف من الخطاب العملي قدرًا وصفة.\nفإذا كان هذا الخطاب لا يستفيدون منه معرفةً، ولم يبين لهم الرسول مراده ومقصوده بهذا الخطاب، بل إنما يرجع أحدهم في معرفة الأمور التي ذكرها ووصفها وأخبرهم عنها إلى مجرد رأيه وذوقه، فإن وافق خبر الرسول ما عنده صدق بمفهوم ذلك ومقتضاه، وإلا أعرض عنه، كما يعرض المسلم عن الإسرائيليات المنقولة عن أهل الكتاب - كان هذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول.\nوهذا يعلمه كل من علم ما دعا إليه الرسول ﷺ، سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، فإن كل من بلغته دعوة الرسول، وعرف ما كان يدعوا إليه، علم أنه لم يكن يدعو الناس إلى أن يعتقدوا فيه هذه العقيدة.\nفالمقصود أنه يعلم بالاضطرار أن هؤلاء مناقضون لدعوة الرسول، وأن هذا يعرفه كل من عرف حال الرسول من مؤمن وكافر، ولوازم هذا القول أنواع كثيرة من الكفر والإلحاد، كما سننبه عليه إن شاء الله.","vol":"5","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>الوجه الثامن والثلاثون</span>\nقال: إذا كان الرسول ﷺ ما بين للناس أصول إيمانهم، ولا عرفهم علمًا يهتدون به، في أعظم أمور الدين، وأجل مقاصد الدعوة النبوية، وأجل ما خلق الخلق له، وأفضل ما أدركه الخلق وحصلوه وانتهوا إليه، بل إنما بين لهم الأمور العملية، فإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من علمهم وبين لهم أشرف القسمين، وأعظم النوعين، كان ما أتاهم به أفضل مما أتاهم به من لم يبين إلا القسم المفضول والنوع المرجوح.\nوحينئذ فمذهب النفاة للصفات ليس من أئمته أحد من خيار هذه الأمة وسابقيها، وإنما أئمتهم الكبار: القرامطة الباطنية من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم، ومن يوافق هؤلاء من ملاحدة الفلاسفة، وملاحدة المتصوفة القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد، كابن سينا، والفارابي، وابن عربي، وابن سبعين، وأمثال هؤلاء.\nثم من امثل هؤلاء كأئمة الجهمية: مثل الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وأبي الهذيل العلاف، وأبي إسحاق النظام،","vol":"5","page":359},{"text":"وبشر المريسي، وثمامة بن أشرس، وأمثال هؤلاء، فيكون ما أتى به هؤلاء من العلم والهدى والمعرفة، أفضل وأشرف مما أتى به موسى ابن عمران، ومحمد بن عبد الله سيد ولد آدم، وأمثالهما من الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، لأن هؤلاء عند النفاة الجهمية لم يبينوا أفضل العلم وأشرف المعرفة، وإنما بينها أولئك على قول النفاة.\nولازم هذا القول أن يكون عند النفاة الجهمية أولئك أفضل من الأنبياء والرسل في العلم بالله وبيان العلم بالله، وقد صرح أئمة هؤلاء بهذا، فابن عربي وأمثاله يقولون: إن الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، وأن هذا الخاتم يأخذ العلم من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحي به إلى الرسول.\nوابن سبعين يقول: إنه بين العلم الذي رمز إليه هرامس الدهور الأولية، ورامت إفادته الهداية النبوية.\nفعلى قوله: إن الأنبياء راموا إفادته وما أفادوه.","vol":"5","page":360},{"text":"وطائفة من المتفلسفة يقولون: إن الفيلسوف أفضل من النبي وأكمل منه، وهكذا ملاحدة الشيعة من الإسماعيلية ونحوهم، يقولون: إن أئمتهم كمحمد بن إسماعيل بن جعفر ونحوه، أفضل من موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين.\nثم إن هذا كثر في طوائف من جهال البربر والأكراد، والفرس والعرب، يعتقدون في شيخهم أنه أفضل من النبي ﷺ، ومن شيوخه هؤلاء من يكون منافقًا زنديقًا.\nومن قال في أئمة الإسماعيلية وأمثالهم من الشيوخ المنافقين والفاسقين: إنه أفضل من الرسل، فإن هؤلاء شر من النصارى، فإن النصارى يزعمون أن الحواريين وأمثالهم أفضل من إبراهيم الخليل وموسى وداود، وغيرهم من الأنبياء والحواريون كانوا مؤمنين، فإذا كان من قال هذا من النصارى من أجهل الناس وأكفرهم، فمن فضل ملحدًا من الملاحدة على أنبياء الله ورسله، كان كفره أعظم من كفر النصارى من هذا الوجه.","vol":"5","page":361},{"text":"بل هؤلاء قد يكونون شرًا ممن يفضل من النصارى على إبراهيم وموسى وداود وسليمان وغيرهم، كبولص وأمثاله، الذين يقال: إنهم ابتدعوا للنصارى ما ابتدعوه من الضلالات وأضلوهم، وأدخلوا في دين المسيح من دين المشركين والصائبين، ومن الروم وأمثالهم، ما أفسدوا به دين المسيح ﷺ، وجعلوا النصارى على الضلالات التي فارقوا بها دين المسيح، حتى قال من قال من العلماء: إن النصارى صاروا على مذهب الروم المشركين، لا أن الروم صاروا على دين النصارى، فإن أولئك غيروا شريعة دين المسيح، مستبدلين بها ما استبدلوه من شرائع المشركين، وغايتهم أنهم ركبوا دينًا من دين الفلاسفة والصائبين والمشركين ودين النصارى، كما صانع ماني لما ركب دينًا من دين المجوس ودين النصارى.","vol":"5","page":362},{"text":"فإذا كان هؤلاء من أجهل الناس وأكفرهم، فمن جعل أئمة الملاحدة الباطنية أفضل من محمد وإبراهيم وموسى وعيسى، كان أكثر من هؤلاء.\nوهؤلاء الملاحدة ركبوا مذهبًا من دين المجوس ودين الصابئين ودين رافضة هذه الأمة، فطافوا على أبواب المذاهب، وفازوا بأخس المطالب، فإنهم يبطنون من مناقضة الرسل وإبطال ما جاءوا به، ما لم يبطنه أتباع بولص وأمثاله من النصارى.\nومن لم يصل إلى هذا الحد من ملاحدة المتكلمين والمتعبدين ونحوهم، فقد شاركهم في الأصل وهو تفضيل أئمته وشيوخه على الأنبياء، ومن لم يقر منهم بتفضيل أئمته وشيوخه على الأنبياء لزمه ذلك لزمًا لا محيد عنه، كما تقدم إذا جعل العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله والمعاد لا يستفاد من خطاب الأنبياء وكلامهم، وبيانهم وطريقهم التي بينوها.\nوإنما يستفاد من كلام شيوخه وأئمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>الوجه التاسع والثلاثون</span>\nأن يقال: إن الرسل لم يسكتوا عن الكلام في هذا الباب، ولو سكتوا عنه للزم تفضيل شيوخ النفاة وأئمتهم على الأنبياء كما تقدم، فكيف إذا تكلموا فيه بما يفهم منه الخلق نقيض الحق على قول النفاة،","vol":"5","page":363},{"text":"فإذا كان الحق هو قول النفاة، ولم يتكلموا إلا بما يدل على نقيضه، كانوا - مع أنهم لم يهدوا الخلق ويعلموهم الحق عند النفاة، - قد لبسوا عليهم ودلسوا، بل أضلوهم وجهلوهم وأخرجوهم إلى الجهل المركب، وظلمات بعضها فوق بعض: إما من علم كانوا عليه وإما من جهل بسيط، أو حيروهم وشككوهم وجعلوهم مذبذين لا يعرفون الحق من الباطل، ولا الهدى من الضلال، إذ كانوا ما تكلموا به عارضوا به طرق العلم العقلية والكشفية.\nفعند هؤلاء كلام الأنبياء وخطابهم في أشرف المعارف وأعظم العلوم يمرض ولا يشفي، ويضل ولا يهدي، ويضر ولا ينفع، ويفسد ولا يصلح، ولا يزكي النفوس ويعلمها الكتاب والحكمة، بل يدسي النفوس ويوقعها في الضلال والشبهة، بل يكون كلام من يسفسط تارة ويبين أخرى، كما يوجد ف كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة، كابن الخطيب، وابن سينا، وابن عربي، وأمثالهم خيرًا من كلام الله وكلام رسله، فلا يكون خير الكلام كلام الله، ولا أصدق الحديث حديثه، بل يكون بعض قرآن مسيلمة الكذاب، الذي ليس فيه كذب في نفسه، وإن كانت نسبته إلى الله كذب، ولكنه مما لا يفيد كقوله: الفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، إن ذلك من خلق ربنا","vol":"5","page":364},{"text":"لجليل - عند هؤلاء الملاحدة خيرًا من كلام الله، الذي وصف به نفسه، ووصف به ملائكته، واليوم الآخر، وخيرًا من كلام رسوله، لأن قرآن مسيلمة، وإن لم تكن فيه فائدة ولا منفعة، فلا مضرة فيه، ولا فساد، بل يضحك المستمع-كما يضحك الناس- من أمثاله.\nوكلام الله ورسوله عند هؤلاء أضل الخلق وأفسد عقولهم، وأديانهم، وأوجب أن يعتقدوا نقيض الحق في الإيمان بالله ورسله، أو يشكوا ويرتابوا في الحق، أو يكونوا- إذا عرفوا بعقلهم- تعبوا تعبًا عظيمًا في صرف الكلام عن مدلوله ومقتضاه، وصرف الخلق عن اعتقاد مضمونه وفحواه، ومعاداة من يقر بذلك، وهم السواد الأعظم من أتباع الرسل.\nوإنما ذكرنا هذا لأن كثيرًا من الجهمية النفاة يقولون: فائدة إنزال هذه النصوص المثبتة للصفات، وأمثالها من الأمور الخيرية التي يسمونها هم المشكل والمتشابه، فائدتها عندهم اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها بالأدلة المعارضة لها حتى تنال النفوس كد الاجتهاد، وحتى تنهض إلى التفكر والاستدلال بالأدلة العقلية المعارضة لها الموصلة إلى الحق، فحقيقة الأمر عندهم أن الرسل خاطبوا الخلق بما لا يبين الحق، ولا يدل على العلم، ولا يفهم منه الهدى، بل يدل على الباطل، ويفهم منه الضلال، ليكون انتفاع الخلق بخطاب الرسول اجتهادهم في رد ما أظهرته الرسل وأفهمته الخلق، وأنهم بسبب ذلك ينظرون نظرًا","vol":"5","page":365},{"text":"يؤديهم إلى معرفة الحق، من غير أن ينصب الرسول لهم على الحق دلالة، ولا يبينه لهم بخطابه أصلًا، فمثال ذلك عندهم مثل من أرسل مع الحجاج أدلة يدلونها على طريق مكة، وأوصى الأدلاء بأن يخاطبوهم بخطاب يدلهم على غير طريق مكة، ليكون ذلك الخطاب سببًا لنظرهم واستدلالهم حتى يعرفوا طريق مكة بنظرهم، لا بأولئك الأدلاء، وحينئذ يردون ما فهم من كلام الأدلاء، ويجتهدون في نفي دلالته، وإبطال مفهومه ومقتضاه.\nوإذا كان لأمر كذلك، فمن المعلوم أن خلقًا كثيرًا لا يتبعون إلا الأدلاء الذين يدعون انهم أعلم بالطريق منهم، وأن ولاة الأمور قد قلدوهم دلالة الحاج، أو تعريفهم الطريق، وإن درك ذلك عليهم فيتبعون الأدلاء.\nوالطائفة التي ظنت أن الأدلاء لم يقصدوا بكلامهم الدلالة والإفهام والإرشاد إلى سبيل الرشاد، صار كل منهم يستدل بنظره واجتهاده، فاختلفوا في الطرق وتشتتوا فمنهم من سلك طرقًا أخرى غير طريق مكة، فأفضت بهم إلى أودية مهلكة، ومفاوز متلفة، وأرض متشعبة -فأهلكتهم.\nوطائفة أخرى شكوا وحاروا، فلا مع الأدلاء سلكوا فأدركوا المقصود، ولا لطرق المخالفين للأدلاء ركبوا وسلكوا، بل وقفوا مواقف التائهين الحائرين، حتى هلكوا أيضًا في أمكنتهم جوعًا وعطشًا، كما هلك","vol":"5","page":366},{"text":"أرباب الطرق المتشعبة فلم يظفروا بالمطلوب، ولا نالوا المحبوب، بل هلكوا هلاك الخاسر الحائر.\nوآخرون اختصموا فيما بينهم فصار هؤلاء يقولون: الصواب فيما ذكره الأدلاء، ونطق به هؤلاء الخبراء، وآخرون يقولون: بل الصواب مع هؤلاء الذين يقولون: إنهم أخبر وأحذق، وكلامهم في الدلالة أبين وأصدق، وآخرون حاروا مع من الصواب، ووقفوا موقف الارتياب، فاقتتل هؤلاء وهؤلاء، وخذل الواقفون الحائرون لهؤلاء وهؤلاء، ولكن فاتت باختلاف أولئك مصالح دينهم ودنياهم، فهلك الحجيج وكثر الضجيج، وعظم النشيج، واضطربت السيوف، وعظمت الحتوف، وتزاحف الصفوف، وحصل من الفتنة والشر والفساد، ما لا يحصيه إلا رب العباد.\nفهل من فعل هذا بالحجيج يكون قد هداهم السبيل، وأرشدهم إلى اتباع الدليل؟ أم يكون مفسدًا عليهم دينهم ودنياهم، فاعلًا بهم ما لا يفعله إلا أشد عداهم؟ وإذا قال: إنما قصدت بذلك أن يجتهد الحجاج في أن يعرفوا الطريق بعقولهم وكشوفهم، ولا يستدلوا بكلام الأدلاء الذين أرسلتهم لتعريفهم، لينالوا بذلك أجر المجالدين، وتنبعث هممهم إلى طريق المجالدين-هل يصدقه في ذلك عاقل؟ أو يقبل عذره من عنده حاصل؟ .\nفهذا مثال ما يقوله النفاة في رسل الله، الذين أرسلهم الله تعالى إلى الخلق ليعلموهم ويهدوهم سبيل الله، ويدعوهم إليه كما قال تعالى:","vol":"5","page":367},{"text":"﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ [إبراهيم: ١] .\nوقال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ [الأحزاب: ٤٥-٤٦] .\nوقال تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾ [الشورى: ٥٢-٥٣] .\nفجعل هؤلاء الجهاد في إفساد سبيل الله جهادًا في سبيل الله، والاجتهاد في تكذيب رسل الله اجتهادًا في تصديق رسل الله، والسعي في إطفاء نور الله سعيًا في إظهار نور الله، والحرص على أن لا تصدق كلمته، ولا تقبل شهادته، أو لا تفيد دلالته، سعيًا في أن تكون كلمة الله هي العليا، والمبالغة في طريق أهل الإشراك بالله والتعطيل مبالغة في طريق أهل التوحيد، السالكين سواء السبيل، فقلبوا الحقائق، وأفسدوا الطرائق، وأضلوا الخلائق.\nوهذه المعاني وأمثالها - وأعظم منها - يعرفها كل من فهم لوازم أقوال هؤلاء المبدلين المعطلين، وإن كان قد التبس كثير من كلامهم على من لا يعرف لا الحق ولا نقيضه، بل صار حائرا، حتى أنك تجد كثيرًا ممن عنده علم وفقه، وعبادة وزهد، وحسن قصد، وقد ضرب في العلم والدين بسهم وافر، وهو لا يختار أن ينحاز عن المؤمنين بالله واليوم الآخر، فيسمع كلام الله وكلام رسوله، وأهل العلم والإيمان،","vol":"5","page":368},{"text":"وكلام أهل الزندقة والإلحاد، الذين سعوا في الأرض بالفساد، فيؤمن بهذا وهذا إيمانًا مجملا، ويصدق الطائفتين، أو يعرض عنهما، فلا يدخل في تحقيق طريق هؤلاء ولا هؤلاء بمنزلة من سمع كلام محمد بن عبد الله الصادق الأمين ﷺ، وكلام مسيلمة الكاذب الكافر، ولم يفهم ما بينهما من التناقض والاختلاف، فصار يصدق هذا وهذا، ويقر كلا منهما، على ما قاله، ويسلم إليه حاله، ويقول: هذا رسول الله، وهذا رسوله.\nلكن هؤلاء لا يمكنهم التظاهر بين المسلمين بإظهار رسالة غير محمد ﷺ، ولكن يقولون ما هو بمعنى الرسالة أو أبلغ منها، فيقولون: هذا كلام رسول الله، وهذا كلام أولياء الله، بل كلام خاتم الأولياء، وهذا كلام العارفين المحققين، وكلام العقلاء وأهل البراهين، وكلام النظار المحققين، ونحن نسلم هذا وهذا، ففضلاؤهم الذين يفهمون التناقض، هم في الباطن مع أعداء الرسول، وإليهم أميل.\nوهم عندهم أهل التحقيق والتبيين بحقيقة الطريق.\nوأما من لم يفهم التناقض، فقد يكون الطائفتان عنده على السواء، وقد يكون إلى أهل مسيلمة أميل لمعنى من المعاني، وإلى أبي بكر الصديق وأمثاله أميل من وجه ثان.\nوربما رجح هؤلاء من وجه، وهؤلاء من وجه آخر.\nفهذا وأمثاله من الأمور الواقعة، بسبب هذه الواقعة، التي أصلها","vol":"5","page":369},{"text":"ترك الاستدلال بكلام الله ورسوله على الأمور العلمية، والمطالب الخيرية، والمعارف الإلهية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>الوجه الأربعون</span>\nأن يقال: كل عاقل يعلم بالضرورة أن من خاطب الناس في الطب أو الحساب أو النحو أو السياسة والأخلاق أو الهيئة أو غير ذلك من الأمور، بكلام عظم قدره وكبر أمره، وذكر انه بين لهم به وعلم، وهدى به وأفهم، ولم يكن في ذلك الكلام بيان تلك المعلومات، ولا معرفة لتلك المطلوبات، بل كانت دلالة الكلام على نقيض الحق أكمل، وهي على غير العلم أدل- كان هذا: إما مفرطا في الجهل والضلالة أو الكذب والشيطنة والنذالة، فكيف إذا كان قد تكلم في الأمر الإلهية، والحقائق الربانية، التي هي أجل المطالب العالية، وأعظم المقاصد السامية، بكلام فضله على كل كلام، ونسبه إلى خالق الأنام، وجعل من خالفه شبيهًا بالأنعام، وجعلهم من شر الجهلة الضلال الكفار الطغام، وذلك الكلام لم يدل على الحق في الأمور الإلهية، ولا أفاد علمًا في مثل هذه القضية، بل دلالته ظاهرة في نقيض الحق والعلم والعرفان، مفهمة لضد التوحيد والتحقيق الذي يرجح إليه ذوو الإيقان، فهل يكون مثل هذا المتكلم إلا في غاية الجهل والضلال، أو في غاية الإفك والبهتان والإضلال.","vol":"5","page":370},{"text":"فهذا حقيقة قول هؤلاء الملاحدة في رسل الله، الذين هم أفضل الخلق وأعلمهم بالله، وأعظمهم هدى لخلق الله، لا سيما خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم، الذي هو اعلم الخلق بالله، وأنصح الخلق لعباد الله، وأفصح الخلق في بيان هدى الله، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.\nومن المعلوم أن من وصف الأمر على خلاف ما هو عليه، فإما أن يكون قد أتي من علمه أو قصده أو عجزه، فإنه قد يكون جاهلًا، بالحق، وقد لا يكون جاهلًا به، بل ليس مراده تعليم المخاطبين وهداهم وبيان الأمر لهم، كما يقصده أهل الكيد والخداع والنفاق وأمثالهم، وإما أن يكون علمه تامًا وقصده البيان، لكنه عجز عن البيان والإفصاح، لقصور عبادته، وعجزه عن كمال البيان والإيضاح.\nفإن الفعل يتعذر لعدم العلم، أو لعدم القدرة، أو لعدم الإرادة، فأما إذا كان الفاعل له مريدًا له، وهو قادر عليه وعالم بما يريده، لزم حصول مطلوبه.\nومن المعلوم أن محمدًا ﷺ أعلم الخلق بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته وملائكته ومعاده، وأمثال ذلك من الغيب،، وهو أحرص الخلق على تعليم الناس وهدايتهم.\nكما قال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] .\nولهذا كان من شدة حرصه على هداهم يحصل له ألم عظيم إذا لم","vol":"5","page":371},{"text":"يهتدوا، حتى يسليه ربه ويعزيه، كقوله تعالى: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل﴾ [النحل: ٣٧] .\nوقال تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] .\nوقال تعالى: ﴿لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين﴾ [الشعراء: ٣] .\nوقال تعالى: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين﴾ [الأنعام: ٣٥] .\nثم إنه ﷾ أمره بالبلاغ المبين، فقال تعالى: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ [النور: ٥٤] .\nوقال تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ [المائدة: ٩٢] .\nوقال تعالى: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين﴾ [النحل: ٣٥] .","vol":"5","page":372},{"text":"ومعلوم انه كان من افصح الناس وأحسنهم بيانًا، واللغة التي خاطب بها أتم اللغات وأكملها بيانا، وقد امتن الله عليهم بذلك، كما في قوله تعالى: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ [يوسف: ١-٢] .\nوقال تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ [الزخرف: ٣] .\nوقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ [إبراهيم: ٤] .\nوقال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] .\nوقال تعالى: ﴿لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ [النحل: ١٠٣]، وأمثال ذلك.\nفإذا كان المخاطب أعلم الخلق بما يخبر به عنه، ويصفه ويخبر به، وأحرص الخلق على تفهيم المخاطبين وتعريفهم، وتعليمهم وهداهم، وأقدر الخلق على البيان والتعريف لما يقصده ويريده، كان من الممتنع بالضرورة أن لا يكون كلامه مبنيًا للعلم والهدى والحق، فيما خاطب به، وأخبر عنه، وبينه ووصفه، بل وجب أن يكون كلامه أحق الكلام بأن يكون دالًا على العلم والحق والهدى، وأن يكون ما ناقض كلامه من الكلام، أحق الكلام بأن يكون جهلًا وكذبًا وباطلًا.","vol":"5","page":373},{"text":"وهذا قول جميع من آمن بالله ورسوله، فتبين أن قول الذين يعرضون عن طلب الهدى والعلم في كلام الله ورسوله، ويطلبونه في كلام غيره، من أصناف أهل الكلام والفلسفة والتصوف وغيرهم، هم من أجهل الناس وأضلهم بطريق العلم، فكيف بمن يعارض كلامه بكلام الذين عارضوه، وناقضوه، ويقول أن الحق الصريح والعلم والهدى إنما هو في كلام هؤلاء المناقضين، المعارضين لكلام رسول رب العالمين، دون ما أنزله الله من الكتاب والحكمة، وبعث هـ رسوله من العلم والرحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>الوجه الحادي والأربعون</span>\nأن يقال: كل من سمع القرآن من مسلم وكافر، علم بالضرورة أنه قد ضمن الهدى والفلاح لمن اتبعه، دون من خالفه، كما قال تعالى: ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ [البقرة: ١-٢] .\nوقال تعالى: ﴿المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين * اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ [الأعراف: ١-٢] .\nوقال: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال","vol":"5","page":374},{"text":"كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٧] .\nوقال تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون﴾ [الأنعام: ١٥٥] .\nوقال تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢] .\nوقال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد * الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ [إبراهيم: [١-٢] .\nوكذلك نعلم انه ذم من عارضه وخالفه، وجادل بما يناقضه، كقوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ [غافر: ٤] .\nوقال تعالى: ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ [غافر: ٥٦]، وأمثال ذلك.\nوإذا كان كذلك، فقد علم بالاضطرار أن من جاء بالقرآن، أخبر أن من صدق بمضمون أخباره فقد علم الحق واهتدى، ومن أعرض عن ذلك كان جاهلًا ضالًا، فكيف بمن عارض ذلك وناقضه.","vol":"5","page":375},{"text":"وحينئذ فكل من لم يقل بما أخبر به القرآن عن صفات الله واليوم الآخر، كان عند من جاء بالقرآن جاهلًا، ضالًا، فكيف بمن قال بنقيض ذلك؟.\nفلأول عند من جاء بالقرآن في الجهل البسيط، وهؤلاء في الجهل المركب.\nولهذا ضرب الله تعالى مثلًا لهؤلاء، ومثلا لهؤلاء، فقال: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾ [النور: ٣٩]، فهذا مثل أهل الجهل المركب.\nوقال تعالى: ﴿أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ [النور: ٤٠]، فهذا مثل أهل الجهل البسيط.\nومن تمام ذلك أن يعرف أن للضلال تشابهًا في شيئين،: أحدهما الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ، والثاني معارضته بما يناقضه، فمن الثاني الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة.\nفكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيء من أمر الإيمان بالله","vol":"5","page":376},{"text":"واليوم الآخر أن غير ذلك فقد ناقضه وعارضه، سواء اعتقد ذلك بقلبه، أو قال بلسانه.\nوهذا حال كل بدعة تخالف الكتاب والسنة، وهؤلاء من أهل الجهل المركب، الذين أعمالهم كسراب بقيعة.\nومن لم يفهم خبر الرسول ويعرفه بقلبه، فهو من أهل الجهل البسيط، وهؤلاء من أهل الظلمات.\nوأصل الجهل المركب هو الجهل البسيط، فإن القلب إذا كان خاليًا من معرفة الحق، واعتقاده والتصديق به، كان معرضًا لأن يعتقد نقيضه ويصدق به، لا سيما في الأمور الإلهية، التي هي غاية مطالب البرية، وهي أفضل العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسماها، والناس الأكابر لهم إليه غاية التشوف والاشتياق، وإلى جهته تمتد الأعناق، فالمهتدون فيه أئمة الهدى، كإبراهيم الخليل وأهل بيته، وأهل الكذب فيه أئمة الضلال، كفرعون وقومه.\nوقال تعالى في أولئك: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾ [الأنبياء: ٧٣] .\nوقال تعالى في الآخرين: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون﴾ [القصص: ٤١] .","vol":"5","page":377},{"text":"فمن لم يكن فيه على طريق أئمة الهدى، كان ثغر قلبه مفتوحًا لأئمة الضلال.\nومصداق هذا أن ما وقع في هذه الأمة من البدع والضلال، كان من أسبابه تقصير من قصر في إظهار السنة والهدى، مثل ما وقع في هذا الباب، فإن الجهل المركب الذي وقع فيه أهل التكذيب والجحود في توحيد الله تعالى وصفاته، كان من أسبابه التقصير في إثبات ما جاء به الرسول عن الله، وفي معرفة معاني أسمائه وآياته، حتى أن كثيرًا من المنتسبين إلى الكتاب والسنة يريدون أن طريقة السلف والأئمة إنما هو الإيمان بألفاظ النصوص، والإعراض عن تدبر معانيها وفقهها وعقلها.\nومن هنا قال من قال من النفاة: (إن طريقة الخلف أعلم وأحكم، وطريقة السلف أسلم) لأنه ظن أن طريقة الخلف فيها معرفة النفي، الذي هو عنده الحق، وفيها طلب التأويل لمعاني نصوص الإثبات، فكان في هذه عندهم علم بمعقول، وتأويل لمنقول، ليس في الطريقة التي ظنها طريقة السلف، وكان فيه أيضًا رد على من يتمسك بمدلول النصوص، وهذا عنده من إحكام تلك الطريق.\nومذهب السلف عنده عدم النظر في فهم النصوص، لتعارض الاحتمالات، وهذا عنده أسلم، لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معان، فتفسيره ببعضها دون بعض فيه مخاطرة، وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة.\nفلو كان قد بين وتبين لهذا وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات","vol":"5","page":378},{"text":"ما دلت عليه النصوص من الصفات، وفهم ما دلت عليه، وتدبره وعقله، وإبطال طريقة النفاة، وبيان مخالفتها لصريح المعقول وصحيح المنقول- علم أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم، وأهدى إلى الطريق الأقوام، وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر به، وفهم ذلك ومعرفته، وأن ذلك هو الذي يدل عليه صريح المعقول، ولا يناقض ذلك إلا ما هو باطل وكذب، وأن طريقة النفاة المنافية لما أخبر به الرسول طريقة باطلة شرعًا وعقلًا، وأن من جعل طريقة السلف عدم العلم بمعاني الآيات، وعدم إثبات ما تضمنته من الصفات، فقد قال غير الحق: إما عمدًا وإما خطأً، كما أن من قال على الرسول: إنه لم يبعث بإثبات الصفات، بل بعث بقول النفاة، كان مفتريًا عليه.\nوهؤلاء النفاة هم كذابون: إما عمدًا وإما خطأً: على الله وعلى رسوله، وعلى سلف الأمة وأئمتها، كما أنهم كذابون: إما عمدًا وإما خطأً: على عقول الناس، وعلى ما نصبه الله تعالى من الأدلة العقلية، والبراهين اليقينية.\nوالكذب قرين الشرك، كما قرن بينهما في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين﴾ [الحج: ٣٠-٣١] .\nوقال تعالى: ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين﴾ [الأعراف: ١٥٢] .","vol":"5","page":379},{"text":"وقال تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون * ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [القصص: ٧٤-٧٥] .\nوتجد هؤلاء حائرين في مثل قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾ [آل عمران: ٧]، حيث ظنوا أن المراد بالتأويل: صرف النصوص عن مقتضاها.\nوطائفة تقول إن الراسخين في العلم يعلمون هذا التأويل، وهؤلاء يجوزون مثل هذه التأويلات، التي هي تأويلات الجهمية النفاة.\nومنهم من يوجبها تارة، ويجوزها تارة، وقد يحرمونها على بعض الناس، أو في بعض الأحوال لعارض، حتى أن الملاحدة من المتفلسفة والمتصوفة وأمثالهم قد يحرمون التأويلات، لا لأجل الإيمان والتصديق بمضمونها، بل لعلمهم بأنه ليس لها قانون مستقيم، وفي إظهارها إفساد الخلق، فيرون الإمساك عن ذلك لمصلحة، وإن كان حقًا في نفسه.\nوهؤلاء قد يقولون: الرسل خاطبوا الخلق بما لا يدل على الحق، لأن مصلحة الخلق لا تتم إلا بذلك، بل لا تتم إلا بأن تخيلوا لهم في أنفسهم ما ليس موجودًا في الخارج لنوع من المصلحة، كما يخيل للنائم والصبي والقليل العقل ما لا وجود له، لنوع من المناسبة، لما له في ذلك من المصلحة.","vol":"5","page":380},{"text":"وطائفة يقولون: هذا التأويل لا يعلمه إلا الله.\nثم من هؤلاء من يقول: تجرى على ظواهرها، ويتكلم في إبطال التأويلات بكل طريق.\nومن المعلوم أنه إذا كان لها تأويل يخالف ظاهرها، لم يحمل على ظاهره، وما حمل على ظاهره لم يكن له تأويل يخالف ذلك، فضلًا عن أن يقال: يعلمه الله أو غيره.\nبل مثل هذا التأويل يقال فيه: كما قال تعال: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾ [يونس: ١٨]، فإن كان منتفيا لا وجود له، لا يعلمه الله إلا منتفيًا لا وجود له، لا يعلمه ثابتًا موجودًا.\nوسبب هذا الاضطراب أن لفظ (التأويل) في عرف هؤلاء المتنازعين، ليس معناه معنى التأويل في التنزيل، بل ولا في عرف المتقدمين من مفسري القرآن فإن أولئك كان لفظ (التأويل) عندهم بمعنى التفسير، ومثل هذا التأويل يعلمه من يعلم تفسير القرآن.\nولهذا لما كان مجاهد إمام أهل التفسير، وكان قد سأل ابن عباس ﵄ عن تفسير القرآن كله، وفسره له، كان يقول: إن الراسخين في العلم يعلمون التأويل، أي التفسير المذكور.\nوهذا هو الذي قصده ابن قتيبة وأمثاله، ممن يقولون: إن","vol":"5","page":381},{"text":"الراسخين في العلم يعلمون التأويل، ومرادهم به التفسير، وهم يثبتون الصفات، لا يقولون بتأويل الجهمية النفاة، التي هي صرف النصوص عن مقتضاها ومدلولها ومعناها.\nوأما لفظ (التأويل) في التنزيل فمعناه: الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب، وهي نفس الحقائق التي أخبر الله عنها، فتأويل ما أخبر به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر، وتأويل ما أخبر به عن نفسه هو نفسه المقدسة الموصوفة بصفاته العلية.\nوهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله، ولهذا كان السلف يقولون: الاستواء معلوم والكيف مجهول، فيثبتون العلم بالاستواء وهو التأويل الذي بمعنى التفسير، وهو معرفة المراد بالكلام حتى يتدبر ويعقل ويفقه، ويقولون: الكيف مجهول، وهو التأويل الذي انفرد الله بعلمه، وهو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو.\nوأما التأويل بمعنى: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، كتأويل من تأول: استوى، بمعنى استولى، ونحوه، فهذا عند السلف والأئمة- باطل لا حقيقة له، بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته.","vol":"5","page":382},{"text":"فلا يقال في مثل هذا التأويل: لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، بل يقال فيه: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾ [يونس: ١٨]، كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية، كتأويل من تأول الصلوات الخمس: بمعرفة أسرارهم، والصيام، بكتمان أسرارهم، والحج: بزيارة شيوخهم، والإمام المبين: بعلي بن أبي طالب، وأئمة الكفر: بطلحة والزبير، والشجرة الملعونة في القرآن: ببني أمية، واللؤلؤ والمرجان: بالحسن والحسين، والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين: بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والبقرة: بعائشة، وفرعون: بالقلب، والنجم والقمر والشمس: بالنفس والعقل، ونحو ذلك.\nفهذه التأويلات من باب التحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آيات الله، وهي من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه، ومثل هذه لا تجعل حقًا حتى يقال إن الله استأثر بعلمها، بل هي باطل، مثل شهادة الزور، وكفر الكفار يعلم الله أنها باطل، والله يعلم عباده بطلانها بالأسباب التي بها يعرف عباده: من نصب الأدلة وغيرها.\nوأصل وقوع أهل الضلال في مثل هذا التحريف، الإعراض عن فهم كتاب الله تعالى، كما فهمه الصحابة والتابعون، ومعارضة ما دل عليه بما يناقضه، وهذا هو من أعظم المحادة لله ولرسول، لكن على وجه النفاق والخداع.","vol":"5","page":383},{"text":"وهو حال الباطنية وأشباههم، ممن يتظاهر بالإسلام واتباع القرآن والرسالة، بل بموالاة أولياء الله تعالى من أهل بيت النبوة وغيرهم من الصالحين، وهو في الباطن من أعظم الناس مناقضة للرسول فيما أخبر به وما أمر به، لكنه يتكلم بألفاظ القرآن والحديث، ويضم إلى ذلك من المكذوبات ما لا يحصيه إلا الله، ثم يتأول ذلك من التأويلات بما يناسب ما أبطنه من الأمور المناقضة لخبر الله ورسوله، وأمر الله ورسوله، ويظهر تلك التأويلات لمستجيبيه بحسب ما يراه من قبولهم وموافقتهم له.\nمثل أن يروا أن العالم كله مفعول ومصنوع لشيء يسميه العقل الأول، فجعله هو رب الكائنات، ومبدع الأرض والسموات، ولكنه لازم للواجب بنفسه، ومعلول له، وأنه يلزمه عقل ونفس وفلك، ثم يلزم ذلك العقل عقل ونفس وفلك، حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر، الذي أبدع بزعمه جميع ما تحت السماء من العناصر والحيوان والمعادن وغير ذلك، وهو الذي يفيض عنه العلم والنبوة والرسالة وغير ذلك في أنفس العباد، وعنه صدر القرآن والتوراة وغير ذلك.\nثم يريد أن يوفق بين هذا وبين ما أخبرت به الرسل فيقول: هذه العقول هي الملائكة التي أخبرت بها الأنبياء، وقد يقول عن هذا العقل الفعال: إنه جبريل، الذي ما هو على الغيب بضنين أي ببخيل، لأنه دائم الفيض بزعمه، لكن يحصل الفيض بحسب استعداد القوابل.","vol":"5","page":384},{"text":"ومن المعلوم بالاضطرار لكل من تدبر ما أخبرت به الرسل من صفات الملائكة أن هذه العقول التي وصفها هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركون، ليست هي الملائكة فإنا نعلم بالاضطرار أنهم لم يجعلوا ملكًا واحدًا أبدع جميع ما سوى الله تعالى، ولا ملكا أبدع جميع ما تحت السماء، ولا جعلوا الملائكة أربابًا ولا آلهة.\nبل قد قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ٨٠] .\nوقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦]، إلى: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم﴾ [الأنبياء: ٢٩]، ونحو ذلك من الآيات.\nفغاية الملك أن يكون شافعًا عند الله، ولا يشفع إلا من بعد إذنه.\nومن المعلوم أن كفر هؤلاء أعظم من كفر النصارى، فإن النصارى يقرون بإله خلق جميع المخلوقات، لا يجعلون له معلولا خلق المخلوقات، لكن يقولون: إنه اتحد بالمسيح.\nوأما هؤلاء فيثبتون عقولًا لا حقيقة لها، ثم يقولون إن كلًا منها أبدع الآخر وسائر العالم.","vol":"5","page":385},{"text":"وتسميتهم للعقول بالملائكة باطل، ثم يستدل من يجمع بين كلامهم، وكلام الأنبياء، بحديث موضوع، نبه على وضعه أبو حاتم البستي، والعقيلي، والدارقطني، والخطيب، وابن الجوزي.\nوهو ما روي عن النبي ﷺ انه قال: «أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقًا أكرم علي منك، فبك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب وعليك العقاب» .\nومع هذا فهو لفظه: لما خلق الله العقل، فهذا اللفظ يقتضي أنه خاطبه في أول أوقات خلقه، لا يقتضي أنه أول المخلوقات، بل هذا اللفظ يقتضي أنه خلق قبله غيره، فإنه قال له: «ما خلقت خلقًا أكرم علي منك» .\nوإيضا فإنه وصف بالإقبال والإدبار، والعقل عندهم لا يقبل ولا يدبر.\nوإيضا فإنه قال: بك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب وعليك العقاب، وهؤلاء عندهم جميع الموجودات صادرة عنه: من العقول، والأفلاك، والأرض، والحيوان، والنبات، ونحو ذلك.\nوالأعراض من العلوم والإرادات، فقول القائل: بك آخذ وبك أعطي ...\nإلى آخره، يقتضي أن به هذه الأعراض الأربعة، وعندهم","vol":"5","page":386},{"text":"جميع الكائنات هو مبدعها، وهو ربهم الأعلى، فمرتبته عندهم أجل مما وصف في هذا الحديث.\nفهؤلاء يتمسكون من السمعيات بمثل هذا الحديث المكذوب، وهو لا يدل إلا على نقيض المطلوب: لا إسناد ولا متن، ثم يفسرون هذه الأحاديث مقلوبًا، ويعبرون بتلك الألفاظ عن معان غير ما عناه الرسول ﷺ كما يعبرون بلفظ (الملك) و(الملكوت) و(الجبروت) عن: الجسم والنفس والعقل.\nولفظ الملك والملكوت والجبروت في كلام الله ﷾ ورسوله صلى الاله عليه وسلم لا يراد به ذلك.\nوكذلك يعبرون بلفظ (الملائكة، والشياطين) عن: قوى النفس المحمودة والمذمومة.\nوبالضرورة من الدين أن الرسل أرادوا بالملائكة والشياطين أعيانًا قائمة بأنفسها متميزين لا مجرد أعراض قائمة بنفس الإنسان، كالقوة الجاذبة والماسكة والدافعة والهاضمة، وقوة الشهوة والغضب، وإن كان قد يسمى بعض الإعراض باسم صاحبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>الوجه الثاني والأربعون</span>\nأن يقال إن هؤلاء متناقضون تناقضًا بينًا، فإنهم جعلوا","vol":"5","page":387},{"text":"المعلومات ثلاثة أقسام: ما لا يعلم إلا بالعقل، وما لا يعلم إلا بالسمع، وما يعلم بكل منهما.\nوجعلوا من المعلومات التي لا تعلم إلا بالسمع الإخبار عما يمكن وجوده وعدمه.\nومعلوم أن ما ذكروه ينفي أن يكون الدليل السمعي حجة في هذا القسم أيضا، وذلك لأن الشيء الذي يمكن وجوده وعدمه، إذ دل الدليل السمعي على أحد طرفيه، وجوزنا أن لا يكون مدلول الدليل السمعي ثابتًا، أمكن هنا أيضا أن لا يكون ذلك المدلول المخبر به ثابتًا في نفس الأمر، وأن يكون الشارع لم يرد ما دل عليه قوله، ولا يحتاج ذلك إلى تجويز قيام دليل عقلي يعارض ذلك، فإن المعارض الدال على أن مدلول الدليل السمعي غير ثابت، أو أن الشارع لم يرد بكلامه ما دل عليه إذا قدر عدمه، لم يلزم انتفاء مدلوله، فإن الدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدم الدليل العقلي النافي لموجب الدليل السمعي عدم مدلوله، إذا جوزنا أن يكون مدلوله ثابتًا في نفس الأمر فإن كما لا يلزم من عدم علمنا عدم الدليل، لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه.\nوحينئذ فلا يستدل بالسمع على ما لا مجال للعقل فيه من الأمور الأخروية، وهذا نهاية الإلحاد.\nفإن اعتذروا من ذلك بأن الشارع لا يجوز أن يريد بكلامه ما يخالف ظاهره، إلا أن يكون في العقل ما يدل على ذلك.\nقيل: جوابكم عن هذا كجوابكم للمعتزلة لما قالوا: لا يجوز أن","vol":"5","page":388},{"text":"يسمعه الخطاب الذي أراد به خلاف ظاهره، إلا إذا أخطر بباله العقلي المعارض.\nفلما قلتم له: هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح، وأيضًا فالتفريط من المكلف، كما تقدم إيراده.\nفيقال لكم هنا كذلك: هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح، وأيضا فالتفريط من المكلف، لأنه لما اعتقد في الأدلة السمعية أنها تفيد اليقين، وهي لا تفيد اليقين، كان مفرطا، فكان جزمه بمدلول خبر الشارع مطلقًا تفريط منه، مع تجويزه أن يريد بخطابه خلاف ظاهره.\nفإن سلكوا طريقة أخرى: وهو أنه لا يحتج بالسمع على شيء من المسائل العلمية، وقالوا: المعاد ونحوه معلوم بالضرورة من دين الرسول ﷺ، كما علم وجوب الصلاة، وأجابوا به ابن سينا، وكان هذا أيضًا جوابًا لأهل الإثبات، فإن إثبات الأسماء والصفات، والأفعال معلوم بالضرورة، بل وإثبات لعلو أيضًا.\nومنشأ الضلال قوله: (لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما دل عليه الدليل السمعي) وإثبات هذا التقدير هو الذي أوقعكم في هذه المحاذير، فكان ينبغي لكم أن تعلموا أن هذا التقدير يجب نفيه قطعًا، وأنه يمتنع أن يقوم دليل قاطع عقلي مخالف للدليل السمعي.","vol":"5","page":389},{"text":"ثم هؤلاء يحكمون إجماعات يجعلونها من أصول علمهم، ولا يمكنهم نقلها عن واحد من أئمة الإسلام، وإنما ذلك بحسب ما يقوم في أنفسهم من الظن، فيحكون ذلك عن الأئمة: كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المحافل.\nفإذا قيل لأحدهم في الخلوة: أنت حكيت أن هذا قول هؤلاء الأئمة: فمن نقل ذلك عنهم؟ قال هذا: العقلاء.\nوالأئمة لا يخالفون العقلاء، فيحكون أقوال السلف والأئمة، لاعتقادهم أن العقل دل على ذلك.\nومن المعلوم أنه لو كان العقل يدل على ذلك باتفاق العقلاء، لم يجز أن يحكى عن الإنسان قول لم ينقله عنه أحد، ولهذا كان أهل الحديث يتحرون الصدق، حتى أن كثيرًا من الكلام، الذي هو في نفسه صدق وحق موافق للكتاب والسنة، يروى عن النبي ﷺ فيضعفونه أو يقولون: هو كذب عليه، لكونه لم يقله، أو لم يثبت عنه، وإن كان معناه حقًا.\nولكن أهل البدع أصل كلامهم الكذب: إما عمدًا وإما بطريق الابتداع، ولهذا يقرن الله بين الكذب والشرك في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين﴾ [الأعراف: ١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به﴾ [الحج: ٣٠-٣١] .","vol":"5","page":390},{"text":"ولهذا قال النبي ﷺ: «عدلت شهادة الزور والإشراك، مرتين أو ثلاثًا» .\nوقال تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون * ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [القصص: ٧٤-٧٥] .\nوهذا كحكاية الرازي.\nوإجماع المعتبرين على إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يمكن أحد أن ينقل عن نبي من أنبياء الله تعالى، ولا من الصحابة، ولا التابعين، ولا سلف الأمة، ولا أعيان أئمتها وشيوخها، إلا ما يناقض هذا القول، ولا يمكنه أن يحكي هذا عمن له في الأمة لسان صدق أصلًا.\nوكما تقول طائفة - كأبي المعالي وغيره: اتفق المسلمون على أن الاجسام تتناهى في تجزئها وانقسامها حتى تصير أفرادًا، فكل جزء لا يتجزأ، وليس له طرف واحد.","vol":"5","page":391},{"text":"ومعلوم أن هذا القول لم يقله إلا طائفة من أهل الكلام، لم يقله أحد من السلف والأئمة، وأكثر طوائف أهل الكلام من الهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من الكرامية على خلاف ذلك.","vol":"5","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>الوجه الثالث والأربعون</span>\nأن يقال: المعارضون للكتاب والسنة بآرائهم لا يمكنهم أن يقولوا: إن كل واحد من الدليلين المتعارضين هو يقيني، وقد تناقضا على وجه لا يمكن الجمع بينهما، فإن هذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقوله، ولكن نهاية ما يقولونه: إن الأدلة الشرعية لا تفيد اليقين، وإن ما ناقضها من الأدلة السمعية الشرعية ويثبتونه لما ناقضها من أدلتهم المبتدعة، التي يدعون أنها براهين قطعية.\nولهذا كان لازم قولهم والإلحاد والنفاق، والإعراض عما جاء به الرسول، والإقبال على ما يناقض ذلك، كالذين ذكرهم الله تعالى في كتابه من مجادلي الرسل كما قال: ﴿وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب﴾ [غافر: ٥] .","vol":"6","page":3},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد﴾ [غافر: ٤] .\nوقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [الأنعام: ١١٢-١١٣] .\n، وأمثال ذلك، وهذا باب واسع في كتاب الله.\nومقصودنا تنبيه المؤمنين على حال مثل هؤلاء الكفار في كتاب الله، وإلا فالمقصود هنا دفعهم عن الرسل.\nومن جاهد الكفار والمنافقين لم يحتج عليهم بأقوال من كذبوه من المرسلين، ولكن المؤمن بالرسل يستفيد بهذا: أن جنس هؤلاء هم المكذبون للرسل.\nوأما طريق الرد عليهم فلنا فيه مسالك:\nالأول: أن نبين فساد ما ادعوه معارضًا للرسول ﷺ من عقلياتهم.\nالثاني: أن نبين أن ما جاء به الرسول معلوم بالضرورة من دينه، أو معلوم بالأدلة اليقينية وحينئذ فلا يمكن مع تصديق الرسول أن نخالف ذلك، وهذا ينتفع به كل من آمن بالرسول.","vol":"6","page":4},{"text":"الثالث: أن نبين أن المعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل لا يناقضه، إما بأن ذلك معلوم بضرورة العقل، وإما بأنه معلوم بنظره، وهذا أقطع لحجة المنازع مطلقًا، سواء كان في ريب من الإيمان بالرسول، وبأنه أخبر بذلك، أو لم يكن كذلك، فإن هؤلاء المعارضين منهم خلق كثير في قلوبهم ريب في نفس الإيمان بالرسالة، وفيهم من في قلبه ريب في كون الرسول أخبر بهذا.\nوهؤلاء الذين تكلمنا على قانونهم والذين قدموا فيه عقلياتهم على كلام الله ورسوله، عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو لله ونحوها، فإن النصوص التي في الكتاب والسنة بإثبات علو الله على خلقه كثيرة منتشرة، قد بهرتهم بكثرتها وقوتها، ولي سمعهم في نفي ذلك لا آية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول الله ﷺ، ولا قول أحد من سلف الأمة، إلا أن يرووا في ذلك ما يعلم أنه كذب، كحديث عوسجة وأمثاله، وإما أن يحتجوا بما يعلم أنه لا دلالة له على مطلوبهم، كاستدلالهم بأنه أحد، والأحد لا يكون فوق العرش،","vol":"6","page":5},{"text":"لأنه لو كان فوق العرش.\nلم يكن أحدًا بناءً على أن ما فوق العرش يكون جسمًا، والجسم منقسم فلا يكون أحدًا والأجسام متماثلة، فيكون له كفو ونظير.\nوقد بين فساد مثل هذه الأدلة السمعية بوجوه كثيرة في غير هذا الموضع، وبينا أن اسم الواحد والأحد لا يقع في لغة العرب إلا على نقيض مطلوبهم، كقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] .\nوقوله: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾ [المدثر: ١١]، وقوله: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: ١١]، وقوله: ﴿يود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب﴾ [البقرة: ٢٦٦]، وقوله: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾ [الكهف: ١٩]، وقوله: ﴿ولا يشعرن بكم أحدا﴾ [الكهف: ١٩]، وقوله: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقوله: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ [البقرة: ٩٦]، وقوله: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله:","vol":"6","page":6},{"text":"﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد﴾ [الجن: ٢٢]، وقوله: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠]، وأمثال ذلك كثير وأن لفظ المثل والمساوي منتفيان في لغة العرب عما ادعوا هم تماثلهما وتساويهما.\nكقوله تعالى: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ [محمد: ٣٨]، فقد نفى التماثل عن صنفين من بنى آدم، فنفي التماثل عن الحيوان والإنسان والفلك، والتراب أولى.\nفعلم أنه ليست في لغة العرب أن يكون كل ما كان متحيزًا مماثلًا لكل ما هو متحيز، وإن ادعى بعض المتكلمين تماثل ذلك عقلًا، فالمقصود أن هذا ليس مثلًا في اللغة.\nوالقرآن نزل بلغة العرب، فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم، لو كان معناه صحيحًا، فكيف إذا كان باطلًا في العقل.\nوقوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ [فاطر: ١٩]، ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ [فاطر: ٢٢]، وقوله: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠] .","vol":"6","page":7},{"text":"وعقلاؤهم يعلمون فساد ما يستدلون به من الأدلة الشرعية.\nوكلهم يعترف بأن مثل هذه الأدلة لا تعارض ما في القرآن من إثبات العلو والفوقية ونحو ذلك.\nولهذا لم يكن معهم على نفي ذلك أصل يعتصمون منه من جهة الرسول ﷺ وإنما يتمسكون بما يظنونه من العقليات، فيحتاجون إلى بيان تقديم ذلك على الأدلة الشرعية.\nوإذا كان كذلك، فنحن نبين أن الأدلة العقلية موافقة للأدلة النقلية، لا معارضة لها، ونذكر ما ذكروه هم في ذلك ليكون أبلغ في الحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>كلام الرازي عن الجهة والمكان</span>\nقالوا: وهذا لباب ما ذكره الرازي في (الأربعين) قال: (إنه تعالى ليس من جهة ولا مكان) قال: (وادعى كثير من المخالفين العلم البديهي بأن موجودين لا بد من كون أحدهما ساريًا في الآخر كالعرض والجوهر.\nأو مباينًا عنه في الجهة كالجوهرين) .","vol":"6","page":8},{"text":"قال: وهذا باطل لوجوه.\nأحدهما: لو كان بديهيًا لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، وهم ما سوى الحنابلة والكرامية.\nالثاني: أن مسمى الإنسان مشترك بين الأشخاص ذوات الأحياز المختلفة والمقادير المختلفة، فهو من حيث هو ممتنع أن يكون له قدر معين وحيز معين، وإلا لم يكن مشتركًا فيه بين كل الأشخاص.\nفإن قلت: فالإنسان من حيث هو إنسان لا وجود له إلا في العقل، والكلام في الموجودات الخارجية.\nقلت: الغرض: منه أنه لا يمتنع تعقل أمر لا يثبت العقل له جهة ولا قدرًا، وهذا يمنع كون تلك المقدمة بديهية.\nالثالث: أن الخيال والوهم لا يمكننا أن نستحضر لنفسيهما","vol":"6","page":9},{"text":"صورة ولا شكلًا، ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى.\nالرابع: أن العقل يتصور النفي والإثبات، ثم يحكم بتناقضهما، مع أنه لا يحكم بكون أحدهما ساريًا على الآخر، أو مباينًا عنه في الجهة أو لا ساريًا ولا مباينًا.\nثم أنا نجد العقل يتوقف عن القسم الثالث إلا لبرهان يثبته أو ينفيه، وأن العقل يدرك ماهيات مراتب الأعداد مع أنه لا يمكنه أن يحكم على أحد منها بأن موضوعها كذا ومقدارها كذا.\nإذا عرفت ذلك فنقول: المعني من اختصاص الشيء بالجهة والمكان: أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك.\nوالعالم مختص بالجهة والمكان بهذا المعنى، فإن الباري كذلك كان مماسًا للعالم أو محاذيًا له قطعًا.\nثم قالت الكرامية: إنه تعالى مختص بجهة فوق، مماسًا للعرش، أو مباينًا عنه ببعد متناه، وهو قول اكثر طوائفهم، وإما مباينًا عنه ببعد غير متناه، وهو قول الهيصمية، وهذا لا يعقل مع إثبات الجهة،","vol":"6","page":10},{"text":"لأنه إذا كان في جانب والعالم في جانب، كان البعد بينهما محصورًا.\nفهذا ما ذكروه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>تعليق ابن تيمية</span>\nفيقال: قد ذكرتم عمن ذكرتموه من منازعيكم أنهم ادعوا العلم البديهي ببطلان قولكم وصحة نقيضه، حيث جوزتم وجود موجود لا يشار إليه بأنه هنا أو هناك، وأنه يجوز وجود موجودين ليس أحدهما ساريًا في الآخر ولا مباينًا عنه بالجهة.\nفقال هؤلاء المنازعون: نحن نعلم بالبديهة بطلان هذا، فاحتجتم إلى مقامين.\nأحدهما: أن تبينوا أن بطلان هذا ليس معلومًا بالبديهة، وإلا فإذا كان بطلان القول معلومًا بالبديهة، لم يمكن إقامة الدليل على صحته، لأن النظريات لا تعارض الضروريات، بل ما عارضها كان من باب السفسطة.\nوالمقام الثاني: بيان ثبوت ذلك، فإنه لا يلزم من عدم العلم بامتناعه أو العلم بإمكانه ثبوت ذلك في الخارج.\nوإذا ثبت هذان المقامان لكم، فإما أن يمكن مع ذلك القول بمقتضى النصوص من أن الله فوق العرش أو لا يمكن، فإن أمكن ذلك لم يكن بين ما ذكرتموه من المعقولات وبين النصوص الإلهية تعارض، وإن لم يمكن ذلك ثبت التعارض بينهما، فقد تبين أن ثبوت التعارض","vol":"6","page":11},{"text":"مبني على هذه المقدمات الثلاث، فإن لم تثبت الثلاث بطل كلامكم، فكيف إذا تبين بطلان واحدة منها، فكيف إذا تبين بطلانها كلها.\nوبيان ذلك في كل مقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>المقام الأول</span>\nأما المقام الأول: فإن المثبتين قالوا: إنهم يعلمون بالبديهة امتناع وجود موجودين لا يكون أحدهما ساريًا في الآخر ولا مباينًا له بالجهة، وانه لا يمكن وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن الإشارة إليه، بل قد يقولون: إن علمتم بأن الله فوق العالم علم ضروري فطري، وأن الخلق كلهم إذا حزبهم شدة أو حاجة في أمر وجهوا قلوبهم إلى الله يدعونه ويسألونه، وأن هذا أمر متفق عليه بين الأمم التي لم تغير فطرتها، لم يحصل بينهم بتواطئ واتفاق.\nولهذا يوجد هذا في فطرة الأعراب والعجائز والصبيان، من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين، ومن لم يقرأ كتابًا ولم يتلق مثل هذا عن معلم ولا أستاذ.\nوهذا القدر ما زال يذكره المصنفون في هذا الباب، من أهل الكلام والحديث وغيرهم.\nقالوا: وإذا كان مما يجيز هؤلاء الذين لم يتواطئوا بثبوته عندهم كانوا صادقين، فإنه يمتنع على الجمع الكثير الكذب من غير تواطئ وبمثل هذا علم ثبوت ما يخبر به أهل التواتر مما يعلم بالحس والضرورة، فإن المخبر إذا لم يكن خبره مطابقًا فإما أن يكون متعمدًا للكذب، وإما أن يكون مخطئًا، وتعمد الكذب يمتنع في العادة على الجمع الكثير من غير تواطئ والخطأ على الجمع الكثير ممتنع في","vol":"6","page":12},{"text":"الأمور الحسية والضرورية.\nقالوا: وهذا بخلاف إثبات موجودين ليس أحدهما داخلًا في الآخر، ولا خارجًا عنه، فإن هذا لا تقوله إلا طائفة يذكرون أنهم علموا ذلك بالنظر لا بالضرورة، وقد تلقاه بعضهم عن بعض، فهو قول تواطئوا عليه، ولهذا لا يقول ذلك من لم ينظر في كلام النفاة.\nوإما الإقرار بعلو الله تعالى: ورفع الأيدي إليه، فهو مما اتفقت عليه الأمم، الذين يقولون ذلك ويفعلونه، من غير اتفاق ولا مواطأة.\nوحينئذ فالجمع الكثير: إما أن يجوز عليهم الاتفاق على مخالفة البديهيات، وإما أن لا يجوز، فإن لم يجز ذلك عليهم، ثبت أن هذه المقدمة بديهة، لأنه اتفق عليها أمم كثيرة بدون التواطؤ، وإن جاز ذلك عليهم بطل احتجاجهم على أن هذه المقدمة ليست بديهية، فإن الجمع الكثير أنكروها، وإذا بطلت حجتهم على أنها ليست بديهية، بقي أحد المتناظرين يقول: إن مقدمته معلومه له بالبديهة، والآخر لا يمكنه إبطال قوله، فلا تكون له حجة عقلية على بطلان قوله، وهو المطلوب.\nفكيف والنفاة لا يدعون بديهيات فطرية ولا سمعيات شرعية","vol":"6","page":13},{"text":"وإنما يدعون نظريات عقلية.\nوالمثبتون يقولون: معنا نظريات عقلية مع البديهيات الفطرية ومع السمعيات اليقينية الشرعية النبوية.\nوأيضًا فيقال: إذا قال المنازعون المثبتون: إن قولنا معلوم بالبديهة، لم يمكن أن يناظر بقضية نظرية، لأنه لا يمكن القدح بالنظريات في الضروريات، كما لا يقبل قدح السوفسطائي بنظره فيما يقول الناس إنه معلوم بالبديهة، ولا يقبل مجرد قوله على منازعه، بل المرجع في القضايا الفطرية الضرورية إلى أهل الفطر السليمة، التي لم تتغير فطرتهم بالاعتقادات الموروثة والأهواء.\nومن المعلوم أن هذه المقدمة مستقرة في فطر جميع الناس، الذين لم يحصل لهم ما يغير فطرتهم من ظن أو هوى.\nوالنفاة لا ينازعون في أن هذا ثابت الفطرة، لكن يزعمون أن هذا من حكم الوهم والخيال، وأن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات لا في العقليات.\nقالوا: ويتبين خطأ الوهم والخيال في ذلك بأن يسلم للعقل مقدمات تستلزم نقيض حكمه، مثل أن يسلم للعقل مقدمات تستلزم ثبوت موجود ليس بجسم ولا في جهة فيعلم حينئذ أن حكمه الأول باطل.\nوالمثبتون يقولون: هذا كلام باطل لوجوه:","vol":"6","page":14},{"text":"أحدها: أنه إذا جاز أن يكون في الفطرة حكمان بديهيان، أحدهما مقبول والآخر مردود، كان هذا قدحًا في مبادئ العلوم كلها، وحينئذ لا يوثق بحكم البديهية.\nالثاني: أنه إذا جوز ذلك، فالتمييز بين النوعين: إما أن يكون بقضايا بديهية، أو نظرية مبنية على البديهية، وكلاهما باطل، فإنا إذا جوزنا أن يكون في البديهيات ما هو باطل، لم يمكن العلم بأن تلك البديهية المميزة بين ما هو صحيح من البديهيات الأولى، وما هو كاذب مقبول التمييز، حتى يعلم أنها من القسم الصحيح، وذلك لا يعلم إلا ببديهية أخرى مبينة مميزة، وتلك لا يعلم أنها من البديهيات الصحيحة إلا بأخرى فيفضي إلى التسلسل الباطل، أو ينتهي الأمر إلى بديهية مشتبهة لا يحصل بها التمييز، فلا يبقى طريق يعلم به الحق من الباطل، وذلك يقدح في التمييز، والنظريات موقوفة على البديهيات، فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة: فيها حق وباطل، كانت النظريات المبنية عليها أولى بذلك، وحينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل، وهذا جامع كل سفسطة.\nوبتقدير ثبوت السفسطة، لا تكون لنا عقليات يثبت بها شيء فضلًا عن أن تعارض الشرعيات.","vol":"6","page":15},{"text":"الثالث: أن قول القائل: إن الوهم يسلم للعقل قضايا بديهية تستلزم إثبات وجود موجود، تمتنع الإشارة الحسية إليه، ممنوع.\nالرابع: أنه بتقدير التسليم بكون المقدمة جدلية، فإن الوهم إذا سلم للعقل مقدمة، لم ينتفع العقل بتلك القضية، إلا أن تكون معلومة له بالبديهة الصحيحة، فإذا لم يكن له سبيل إلى هذا انسدت المعارف على العقل، وكان تسليم الوهم إنما يجعل القضية جدلية، لا برهانية، وهذا وحده لا ينفع في العلوم البرهانية العقلية.\nالخامس: أن قول القائل: إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون العقليات إنما يصح إذا ثبت أن في الخارج موجودات لا يمكن أن تعرف بالحس بوجه من الوجوه، وهذا إنما يثبت إذا ثبت أن في الوجود الخارجي ما لا يمكن الإشارة الحسية إليه، وهذا أول المسألة، فإن المثبتين يقولون: ليس في الوجود الخارجي إلا ما يمكن الإشارة الحسية إليه، أو لا يعقل موجود في الخارج إلا كذلك.\nفإذا قيل لهم: حكم الوهم والخيال مقبول في الحسيات دون العقليات.\nوالمراد بالعقليات موجودات خارجة قائمة بأنفسها لا يمكن الإشارة الحسية إليها.\nقالوا: إبطال لحكم الفطرة الذي سميتموه الوهم والخيال، موقوف على ثبوت هذه العقليات، وثبوتها موقوف على إبطال هذا","vol":"6","page":16},{"text":"الحكم، وإذا لم يثبت هذا إلا بعد هذا، ولا هذا بعد هذا، كان هذا من الدور الممتنع.\nالسادس: أن يقال: إن أردتم بالعقليات ما يقوم القلب من العلوم العقلية الكلية ونحوها، فليس الكلام هنا في هذه، ونحن لا نقبل مجرد حكم الحس ولا الخيال في مثل هذه العلوم الكلية العقلية، موجودات خارجة لا يمكن الإشارة الحسية إليها، فلم قلتم: إن هذا موجود، فالنزاع في هذا، ونحن نقول: إن بطلان هذا معلوم بالبديهية.\nالسابع: أن يقال: الوهم والخيال يراد به ما كان مطابقًا وما كان مخالفًا، فأما المطابق، مثل توهم الإنسان لمن هو عدوه أنه عدوه، وتوهم الشاة أن الذئب يريد أكلها، وتخيل الإنسان لصورة ما رآه في نفسه بعد مغيبه، ونحو ذلك، فهذا الوهم والخيال حق، وقضاياه صادقة، وأما غير المطابق: فمثل أن يتخيل الإنسان أن في الخارج ما لا وجود له في الخارج، وتوهمه ذلك مثل من يتوهم فيمن يحبه أنه يبغضه، ومثل ما يتوهم الإنسان أن الناس يحبونه ويعظمونه، والأمر بالعكس، والله لا يحب كل مختال فخور، فالمختال الذي يتخيل في نفسه أنه عظيم، فيعتقد في نفسه أكثر مما يستحقه، وأمثال ذلك.\nقالوا: وإذا كان الأمر كذلك، فلم قلتم: إن حكم الفطرة بأن الموجودين إما متباينان وإما متحايثان من حكم الوهم والخيال الباطل، ونحن نقول: إنه من حكم الوهم والخيال المطابق.","vol":"6","page":17},{"text":"فإذا قلتم: إن العقل دل على أنه باطل، كان الشأن في المقدمات التي ينبني عليها ذلك، وتلك المقدمات أضعف في الفطرة من هذه المقدمات، فكيف يدفع الأقوى بالأضعف.\nالثامن: أن المثبتين قالوا: بل المقدمات المعارضة لهذا الحكم هي من الوهم والخيال الباطل، مثل إثبات الكليات في الخارج، وتصور النفي والإثبات المطلقين ثابتين في الخارج، وتصور الأعداد المجردة ثابتة في الخارج، فإن هذه المتصورات كلها لا تكون إلا في الذهن، ومن اعتقد أنها ثابتة في الخارج فقد توهم وتخيل ما لا حقيقة له، وجعل هذا التوهم والخيال الباطل مقدمة في دفع القضايا البديهية.\nالتاسع: أن يقال: لا نسلم أن في الفطرة قضايا تستلزم نتائج تناقض ما حكمت به أو لا كما يدعونه، فإن هذا مبني على أن المقدمات المستلزمة ما يناقض الحكم الأول مقدمات صحيحة، وليس الأمر كذلك، كما سنبينه إن شاء الله تعالى، فإن هذه المقدمات هي النافية لعلو الله على خلقه ومباينته لعباده، والمقدمات المستلزمة لهذا ليست مسلمة، فضلًا عن أن تكون بديهية.\nالوجه العاشر: أن الذين جعلوا هذه القضايا من حكم الوهم الباطل هم طائفة من نفاة الصفات الجهمية، من المتكلمين والمتفلسفة، ومن تلقى ذلك عنهم، وهذا معروف في كتب ابن سينا ومن اتبعه من أهل المنطق.","vol":"6","page":18},{"text":"وكثير من أهل المنطق، كابن رشد الحفيد وغيره، يخاف ابن سينا فيما ذكره في هذا الباب من الإلهيات والمنطقيات، ويذكر أن مذهب الفلاسفة المتقدمين بخلاف ما ذكروه، وأما الأساطين قبله فالنقل عنهم مشهور بخلافهم في هذا الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>كلام ابن سينا في الإشارات عن الخيال والوهميات</span>\nوالمقصود أن هذا الكلام عامة من تكلم به من المتأخرين أخذوا من ابن سينا.\nومن تدبر كلامه وكلام أتباعه فيه وجده في غاية التناقض والفساد، فإنه قال في (إشارته) التي هي كالمصحف لهؤلاء المتفلسفة الملحدة - لما ذكر مواد القياس، وتكلم عن القضايا من جهة ما يصدق بها وذكر أن: أصناف القضايا المستعملة فيما بين القائسين ومن يجري مجراهم أربعة: مسلمات، ومظنونات وما معها.\nومشتبهات بغيرها، ومتخيلات.\nقلت: المتخيلات هي مواد القياس الشعري، والمشتبهات هي مواد السوفسطائي، وما قبل ذلك هو مواد البرهان والخطابي والجدلي.\nقال: والمسلمات: إما معتقدات، وإما مأخوذات.\nوالمعتقدات أصنافها ثلاثة: الواجب قبولها، والمشهورات","vol":"6","page":19},{"text":"والوهميات.\nوالواجب قبولها: أوليات، ومشاهدات، ومجربات وما معها من الحدسيات والمتواترات وقضايا أقيستها معها.\nوتكلم عن القضايا الواجب قبولها بما ليس هذه موضعه، وقد بسط الكلام فيما في منطقهم اليوناني من الفساد - مثل كلامهم في الفرق بين الذاتيات اللازمة للماهية، ودعواهم أن الحد الحقيقي يفيد تعريف الماهية، وأن الحقائق مركبة من الأجناس والفصول، وكلامهم في الكليات الخمسة، وما ذكروه في مواد البرهان، ودعواهم أن التصورات المكتسبة لا تنال إلا بحدهم، والتصديقات المكتسبة لا تحصل إلا بمثل قياسهم، وغير ذلك مما ليس هذا موضعه.\nوالمقصود هنا أنه قال: (وأما القضايا الوهمية الصرفة فهي قضايا كاذبة، إلا أن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة، لأنه ليس يقبل ضدها ومقابلها، بسبب أن الوهم تابع للحس، فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم، ومن المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ وأصول كانت تلك قبل المحسوسات، ولم تكن محسوسة، ولم يكن وجودها على نحو وجود المحسوسات، فلم يمكن أن يتمثل ذلك","vol":"6","page":20},{"text":"الوجود في الوهم، ولهذا كان الوهم مساعدًا للعقل في الأصول التي تنتج وجود تلك المبادئ، فإذا تعديا معًا إلى النتيجة نكص الوهم، وامتنع عن قبول ما سلم موجبه.\nوهذا الصنف من القضايا أقوى في النفس من المشهورات التي ليست بأولية، وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها، وهي إحكام للنفس في أمور متقدمة على المحسوسات، أو أعم منها على نحو ما يجب أن لا يكون لها، وعلى نحو ما يجب أن يكون أو يظن في المحسوسات، مثل اعتقاد المعتمد أنه لا بد من خلاء ينتهي إليه الملاء إذا تناهى، وانه لا بد في كل موجود أن يكون مشارًا إلى جهة وجوده.\nوهذه الوهميات لولا مخالفة السنن الشرعية لها، لكانت تكون مشهورة، وإنما يثلم في شهرتها الديانات الحقيقية والعلوم الحكمية، ولا يكاد المدفوع عن ذلك يقاوم نفسه في دفع ذلك، لشدة استيلاء الوهم على أن ما يدفعه الوهم ولا يقبله إذا كان في المحسوسات","vol":"6","page":21},{"text":"فهو مدفوع منكر، بل إنه باطل شنع، بل تكاد أن تكون الأوليات والوهميات التي لا تزاحم من غيرها مشهورة ولا تنعكس) .\nقلت: وقد ذكر في غير هذا الموضع شرح أقوى الدراكة، وذكر القوى التي تتخيل بها المحسوسات والتي تحفظ بها، وسمى الأولى على اصطلاحهم (الحس المشترك) والثانية (الخيال) .\nقال: وأيضًا فالحيوانات - ناطقها وغير ناطقها - تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة، ولا متأدية من طريق الحواس، مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس، وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس: إدراكًا جزئيًا يحكم به كما يحكم الحس بما يشاهده، فعندك قوة هذا شأنها، وأيضًا فعندك وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه المعاني بعد حكم الحاكم بها، غير الحافظ للصور) وهذه هي الذاكرة.","vol":"6","page":22},{"text":"قال: (وتجد قوة أخرى لها أن تركب وتفصل ما يليها من الصور المأخوذة عن الحس والمعاني المدركة بالوهم، وتركب أيضًا الصور بالمعاني وتفصلها عنها، وتسمى عند استعمال العقل مفكرة، وعند استعمال الوهم متخيلة، وكأنها قوة ما للوهم، وبتوسط الوهم للعقل) .\nقلت: والمقصود أن يعرف اصطلاحهم ومرادهم بلفظ الخيال والوهم ونحو ذلك، وأن الخيال هو تصور الأعيان المحسوسة في الباطن، والوهم تصور المعاني التي ليست محسوسة في تلك الأعيان، كلاهما تصور معين جزئي، والعقل هو الحكم العام الكلي، الذي لا يختص بعين معينة ولا معنى معين.\nوإذا عرف ذلك فيقال: هذه القوة في الباطن بمنزلة القوة الحسية في الظاهر، والقدح فيها كالقدح في الحسيات، وهذه القوة لا يجوز أن يناقض تصورها للمعقول، كما لا يناقض سائر القوى الحسية","vol":"6","page":23},{"text":"للمعقول، لأن المعقولات أمور كلية تتناول هذا المعين وهذا المعين، سواء كان جوهرًا قائمًا بنفسه، أو معنى في الجوهر والحس الباطن والظاهر، لا يتصور إلا أمورًا معينة فلا منافاة بينهما، فالحس الظاهر يدرك الأعيان المشاهدة وما قام بها من المعاني الظاهرة كالألوان والحركات، والذي سموه الوهم جعلوه يدرك ما في المحسوسات من المعاني التي لا تدرك بالحس الظاهر، كالصداقة والعداوة ونحو ذلك، والتخيل هو بمثل تلك المحسوسات في الباطن، ولهذا جعلوا الإدراكات ثلاثة: الحس والتخيل والعقل.\nقال ابن سينا: (والشيء يكون محسوسًا عندما يشاهد، ثم يكون متخيلًا عند غيبته بتمثل صورته في الباطن، كزيد الذي أبصرته مثلًا، إذا غاب عنك فتخيلته، وقد يكون معقولًا عندما يتصور من زيد مثلًا معنى الإنسان الموجود أيضًا لغيره.\nوهو عندما يكون محسوسًا تكون غشيته غواش غريبة عن ماهيته، لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته، مثل: أين، ووضع وكيف، ومقدار بعينه، لو","vol":"6","page":24},{"text":"توهمت بدله غيره لم يؤثر في حقيقة ماهية إنسانيته.\nوالحس ينال من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة التي خلق منها، لا يجردها عنه، ولا يناله إلا بعلاقة وضعية بين حسه ومادته، ولذلك لا يتمثل في الحس إلا ظاهر صورته إذا زال.\nوأما الخيال الباطن فيتخيله مع تلك العوارض، لا يقتدر على تجريده المطلق عنها، لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي يتعلق بها الحس، فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها.\nوأما العقل فيقتدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة المشخصة مستثبتًا إياها حتى كأنه عمل بالمحسوس عملًا جعله معقولًا.\nوأما ما هو في ذاته بريء عن الشوائب المادية، ومن اللواحق","vol":"6","page":25},{"text":"الغريبة، التي لا تلزم ماهيته عن ماهيته، فهو معقول لذاته، ليس يحتاج إلى عمل يعمل به، يعده لأن العقل ما من شانه أن يعقله، بل لعله في جانب ما من شانه أن يعقله) .\nقلت: هذا الكلام هو من أصول أقوالهم، ومنه وقعوا في الاشتباه والالتباس، حتى صاروا في ضلال عظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>الرد المفصل على كلام ابن سينا</span>\nفإنه يقال: قوله: (وقد يكون معقولًا عندما يتصور من زيد مثلًا معنى الإنسان الموجود أيضًا لغيره) .\nأتعني به أن ذلك الإنسان المعقول الذي يكون لهذا وهذا، وهو شيء ثابت في الخارج، هو بعينه لهذا المعين، ولهذا المعين، مغاير للإنسان المعين، ولصفاته القائمة به؟ أم تعني به الإنسان المعقول الكلي الثابت في العقل، الذي يتناول المعينات تناول اللفظ العام لمفرداته؟\nفإن أردت الأول فهذا باطل لا حقيقة له، ونحن نعلم بالضرورة أن هذا الإنسان المعين ليس فيه شيء من الإنسان المعين الآخر، بل كل","vol":"6","page":26},{"text":"منهما مختص بذاته وصفاته، ولم يشتركا في شيء ثابت في الخارج أصلًا، ولهذا يكون أحدهما موجودًا مع عدم الآخر وبالعكس، ويموت أحدهما مع حياة الآخر وبالعكس، ويتألم أحدهما مع لذة الآخر وبالعكس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>كلام الرازي في شرح الإشارات</span>\nولهذا قال الشارحون لكلامه كالرازي: (إن الشخص المعين إما أن يدرك بحيث يمنع نفس إدراكه من الشركة، وإما أن لا يكون كذلك.\nوالأول لا يخلو: إما أن يتوقف حصول ذلك الإدراك على وجود ذلك المدرك في الخارج أو لا يتوقف.\nفهذه أقسام ثلاثة: أولها الإدراك الذي يجتمع فيه الأمران، وهو أن يكون مانعًا من الشركة، ويكون متوقفًا على وجود المدرك في الخارج، وهذا هو إدراك الحس، فإني إذا أبصرت زيدًا، فالمبصر يمنع لذاته من أن يكون مشتركًا فيه بين كثيرين، وهذا الإبصار لا يحصل إلا عند حصول المدرك في الخارج.","vol":"6","page":27},{"text":"وثانيها: أن يحصل فيه أحد الموضعين دون الآخر، فيكون مانعًا من الشركة، ولكنه لا يتوقف على الوجود الخارجي، وهو التخيل.\nفإني إذا شاهدت زيدًا ثم غاب، فإني أتخيله على ما هو عليه من الشخصية، فنفس ما تخيلته يمنع من الشركة، وأما هذا الإدراك فإنه لا يتوقف على وجود المدرك في الخارج، فإني يمكنني أن أتخيله بعد عدمه.\nوثالثهما: أن يخلو عن الموضعين جميعًا، فلا يكون مانعًا من الشركة، ولا موقوفًا على وجود المدرك في الخارج، وهو المسمى بالإدراك العقلي) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>تعليق ابن تيمية عود لمناقشة ابن سينا</span>\nقلت: فقد بينوا أن الإدراك العقلي هو ما لا يمنع الشركة، ولا يشترط فيه وجود المدرك من خارج.\nومعلوم أن هذا هو إدراك الكليات الثابتة في العقل.\nوإذا كان كذلك، فقوله: (وهو عندما يكون محسوسًا تكون غشيته غواش غريبة عن ماهيته، لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته) كلام يستلزم أن يكون في الخارج شيئان: أحدهما: ماهية مجردة عن المحسوسات، والثاني: محسوسات غشيت تلك الماهية المجردة المعقولة الثابتة في الخارج، وهذا باطل يعلم بطلانه بالضرورة من تصور ما يقول.","vol":"6","page":28},{"text":"فإنه إن كان المعقول المجرد لا يكون إلا في النفس، فكيف يكون في الخارج معقول مجرد تقارنه المعينات المحسوسة واحدًا بعد واحد، أو تقارنه تارة وتفارقه تارة أخرى؟ وقوله: (مثل، أين، ووضع، وكيف ومقدار بعينه، لو توهمت بدله غيره، لم يؤثر في حقيقة ماهية إنسانيته) .\nيقال له: نعم إذا تصورنا بدل المعنى غيره، لم يؤثر فيما في النفس من الإنسان المعقول الكلي المجرد، فإن مطابقته لهذا المعين كمطابقته لهذا المعين، كما لا يؤثر ذلك في لفظ الإنسان المطلق، فإن مطابقته لهذا المعين كمطابقته لهذا المعين، فشمول اللفظ ومعناه الذي هو في الذهن سواء، لكن ذلك المعين إذا توهمنا بدله غيره، لم يكن في ذلك البدل من هذا المعين أصلًا، بل كان البدل نظيره وشبيهه ومثله، فإما أن يكون هو إياه، أو يكون في الخارج حقيقة معينة في هذا المعين، هي نفسها حقيقة ثابتة في هذا المعين، فهذا هو محل الغلط.\nويقال لمن ظن هذا: لما خلق الله هذا المعين، كانت تلك الحقيقة موجودة قبله أو حدثت معه.\nفإن حدثت معه، فهي معينة لا مطلقة كلية، لأن الكلي لا يتوقف على وجود هذا المعين، وإن كانت موجودة قبله، فإن كانت","vol":"6","page":29},{"text":"مجردة من الأعيان لم يحتج فيها إلى شيء من المعينات، وإلا فالقول في مقارنتها لذلك المعين كالقول في هذا.\nوأيضًا فإنه يقال: هل انتقلت من غيره وقارنته؟ أو قامت به وغيره؟ فإن انتقلت من غيره فارقت ذلك المعين، فثبت أن المعين لا يحتاج إلى مطلق يقارنه، وإن قامت به وبغيره، فإما أن يكون جوهرًا أو عرضًا، فإن كانت عرضًا فالعرض الواحد لا يكون في محلين.\nوإن كانت جوهرًا فالجوهر الواحد لا يكون في محلين.\nفإن قال: هذا في الجواهر المحسوسة، وأما الجواهر المعقولة فقد تقدم بمحلين.\nقيل: إن أردت بالجواهر المعقولة ما في القلوب، فتلك أعراض لا جواهر.\nوإن أردت هذه الكليات التي تدعي وجودها في الخارج، فتلك لا محل لها عندك، فضلًا عن أن تقوم بمحلين.\nوهذا أيضًا مما يناقض قولهم: إن المطلق جزء من المعين، فكيف يكون ما لا يتخصص بحيز ولا مكان ولا جزءًا مما يتخصص بحيز ومكان.\nوإذا قال القائل: المعقول الذي لا حيز له ولا مكان ولا جهة ولا يشار إليه، جزء وبعض وداخل في هذا الجسم المتحيز، الذي له مكان وجهة وحيز - لعلم كل عاقل فساد ما يقول.\nوهذا حقيقة قول هؤلاء.\nوأيضًا فتلك الحقيقة المجردة المطلقة إذا كانت كلية، والكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وكانت جزءًا من المعين - كان في","vol":"6","page":30},{"text":"كل معين كليات كثيرة، لا يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها، فيكون في كل إنسان معين حيوان كلي، وناطق كلي، وإنسان كلي، وجسم كلي، وحساس كلي، وقائم بنفسه كلي، وجوهر كلي وموجود كلي، ومخلوق كلي، وآكل كلي وشارب كلي، ومتنفس كلي، وأمثال ذلك مما يمكن أن يوصف به الإنسان.\nومن المعلوم بصريح العقل أن الكلي الذي قد يعم جزئيات كثيرة لا يكون بعض جزئي واحد، فإن الكثير لا يكون بعض القليل وجزءه، ولا يكون ما يتناول أمورًا كثيرة ويشملها ويعمها، أو يصلح لذلك، بعض واحد لا يقبل العموم والشركة.\nوقوله: (والحس ينال من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة التي خلق منها، لا يجردها عنه، ولا يناله إلا بعلاقة وضعية) .\nفيقال: هذا مبني على أن في الخارج شيئًا موجودًا في هذا الإنسان المعين، عرض له هذا الإنسان المعين، وهذا مكابرة للحس والعقل.\nوالمادة التي خلق منها بدنه ليست موجودة الآن، بل استحالت وعدمت، وليس فيه الساعة مني أصلًا.\nوقوله: (لا يجردها عنه) إنما يصح لو كان هنا مادة موجودة مغايرة لهذا البدن المشهود، حتى يمكن تجريد أحدهما على الآخر.\nنعم إن أريد بالمادة البدن، وأن الروح مقارنة للبدن فهذا كلام صحيح.","vol":"6","page":31},{"text":"لكن الروح معينة، والبدن معين ومقارنة أحدهما الآخر ممكن، وهؤلاء يشتبه عليهم مقارنة الروح للبدن وتجريدها عنه، بمقارنة الكليات المعقولة لجزئياتها وتجريدها عنها، والفرق بين هذا وهذا أبين من أن يحتاج إلى بسط.\nوهم يلتبس عليهم أحدهما بالآخر، فيأخذون لفظ (التجريد) و(المقارنة) بالاشتراك، ويقولون: العقول المفارقة للمادة، ولا يميزون بين كون الروح قد تكون مقارنة للبدن، وبين المعقولات الكلية التي لا تتوقف على وجود معين، فإن الروح - التي هي النفس الناطقة - موجودة في الخارج، قائم بنفسه، إذا فارقت البدن.\nوأما العقليات الكلية المنتزعة من المعينات فإنما هي في الأذهان لا في الأعيان، فيجب الفرق بين تجريد الروح عن البدن، وتجريد الكليات عن المعينات.\nوأما قوله: (وكذلك لا يتمثل في الحس إلا ظاهر صورته) .\nفسبب هذا أن الحس لا يدركه كله، وإن كان كله محسوسًا، بمعنى أنه يمكن إحساسه ورؤيته في الجملة، ولكن باطنه ليس بمحسوس لنا","vol":"6","page":32},{"text":"عند رؤية ظاهره، لا لعدم إمكان إحساسه، لكن لاحتجاب باطنه، أو لمعنى آخر.\nوهذا أيضًا من مثارات غلطهم، فإنهم قد لا يفرقون في المحسوس بين ما هو محسوس بالفعل لنا، وبين ما يمكنه إحساسه، وإن كنا الآن لا نستطيع أن نحسه.\nفإن عنى بالمحسوس الأول، فلا ريب أن الأعيان منها ما هو محسوس، ومنها ما ليس بمحسوس، وما أخبرتنا به الأنبياء من الغيب ليس محسوسًا لنا، فلا نشهده الآن، بل هو غيب عنا، ولكن هو مما يمكن إحساسه، ومما يحسه الناس بعد الموت.\nولهذا كانت عبارة الأنبياء ﵈ تقسم الأمور إلى غيب وشهادة، قال تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة: ٣]، وقال: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك﴾ [هود: ٤٩]، وقال: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم﴾ [الحشر: ٢٢] .\nوأما هؤلاء فيقسمونها إلى محسوس ومعقول.\nوالمعقول في الحقيقة: ما كان في العقل، وأما الموجودات الخارجية فيمكن أن ينالها الحس، وأن يوقف الإحساس بها على شروط متيقنة الآن.","vol":"6","page":33},{"text":"وأما قوله: (وأما الخيال الباطن فيتخيله مع تلك العوارض لا يقتدر على تجريده المطلق عنها، لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي تعلق بها الحس، فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها) .\nفيقال له: هذه حجة عليكم، فإن ما يتخيله الإنسان في نفسه إنما هو موجود في نفسه، فالصورة الخيالية ليست موجودة في الخارج، ولا يشترط في التخيل ثبوت المتخيل في الخارج.\nوقولكم: (يتخيله مع تلك العوارض) إثبات لشيئين ولا حقيقة لذلك، بل لم يتخيل إلا الصورة التي هي عرض قائم بنفسه.\nوقولكم: (فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها) كلام ملتبس، فإن الصورة التي تخيلها في نفسه ليس لها حامل في الخارج، وحامل الصورة التي في الخارج هو موجود معها، فالصورة المحمولة في الخارج ليست عين ما في نفسه، وما في نفسه ليست الصورة المحمولة.\nوالتحقيق أنه يتخيل الصورة مع غيبوبتها بالكلية عن حسه الظاهر، وليس مع غيبوبة حاملها قط، سواء عني بالصورة نفس الشخص المتصور.\nأو نفس الشكل القائم به.\nوقوله: إن الخيال يتخيله مع تلك العوارض لا يقدر على","vol":"6","page":34},{"text":"تجريده المطلق عنها، لكنه يجردها عن تلك العلاقة المذكورة التي تعلق بها الحس، وأما العقل فيقدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة المشخصة مستثبتًا إياها، حتى كأنه عمل بالمحسوس عملًا جعله معقولًا) .\nفقد يعترض على بذلك بأن يقال: إنه يقتضي أن تجريد الخيال الكلي من جنس تجريد العقل، فإن ما يتخيله المختال هو مثال المحسوس المعين، فلم يجرد منه معنى كلي أصلًا، لكن إن ارتسم فيه صورة تشاكله، كما ترتسم في الحائط صورة تشاكل الصورة المعينة، ثم قد يتخيل المعين بجميع صفاته، وقد يتخيل بعضها دون بعض، وقد يتصور عينه مع مغيب صورة بدنه - كان المتصور حقيقة المعينة، كالروح دون الإنسانية المطلقة.\nوأما العقل فقد يراد به عقل الصورة المعينة، فهو من جهة كونه تصورًا معينًا من جنس التخيل، ومن جهة كونه لا يختص بشكل معين من جنس تصور العقل.\nوقد يراد بالعقل تصور الكلي المطلق، كتصور الإنسان المطلق، وجوابه أن الإنسان المطلق قد يتخيل مطلقًا، والبهائم لها تخيل كلي، ولهذا إذا رأت الشعير حنت إليه، ولولا أن في خيالها صورة مطلقة مطابقة لهذا الشعير وهذا الشعير، لم تطلب هذا المعين حتى تذوقه،","vol":"6","page":35},{"text":"فطلبها له إذا رأته يقتضي أنها أدركت أن مثل الأول، وإنما تدرك التماثل إذا كان في النفس صورة تطابق المتماثلين يعتبر بها تماثلهما.\nلكن يقال: فحينئذ لا فرق بين التخيل والتعقل من جهة كون كل منهما يكون معينًا ويكون مطلقًا، وكل منهما ليس عين ما فيه هو عين الموجود في العقل بل مثاله.\nفقوله: (حتى كأنه عمل بالمحسوس عملًا جعله معقولًا) .\nتحقيقة أن المحسوس لم يعمل به شيء أصلًا، ولا فيه معقول أصلًا، بل العقل تمثل معقولًا يطابق المحسوس وأمثاله.\nوقوله: (وأما ما هو في ذاته بريء عن الشوائب المادية وعن اللواحق الغريبة التي لا تلزم ماهيته عن ماهيته، فهو معقول لذاته) .\nففيه كلامان:\nأحدهما: أن يقال: ثبوت مثل هذا المعقول تبع لثبوت المعقول المنتزع من المحسوس، وذلك ليس إلا في العقل، لا وجود له في الخارج فيكون المعقول المجرد كذلك، وحينئذ فليس في ذلك ما يقتضي أن يكون في الخارج معقول مجرد.\nالثاني: أن يقال: ثبوت هذه المعقولات المجردة في الخارج فرع إمكان وجودها، وإمكان وجودها مبني على إمكان وجود ما لا يمكن","vol":"6","page":36},{"text":"الإحساس به، فلا يجوز إثبات إمكان وجود ذلك بناء على وجود هذه المجردات، لأن ذلك دور قبلي، وهو ممتنع.\nوالمقصود أن في كلامهم ما يقتضي أنه ليس في المعقولات إلا ما يعقله العاقل في نفسه، مثل العلم الكلي، وقد يدعون ثبوت هذه المعقولات في الخارج فيتناقضون، وهذا موجود في كلام أكثرهم، يقولون كلهم: الكليات وجودها في الأذهان لا في العيان، ثم يقول بعضهم: إن الكليات تكون موجودة في الخارج، ولهذا كثيرًا ما يرد بعضهم على بعض في هذا الموضع، وهو من أصول ضلالتهم ومجازاتهم.\nوكلامهم في المعقولات المجردة من هذا النمط، وليس لهم دليل على إثباتها، وإذا حرر ما يجعلونه دليلًا لم تثبت إلا أمور معقولة في الذهن.\nواسم (الجوهر) عندهم يقال على خمسة أنواع على: العقل، والنفس، والمادة والصورة، والجسم، وهم متنازعون في واجب الوجود: هل هو داخل في مسمى (الجوهر) على قولين، فأرسطو وأتباعه يجعلونه من مقولة الجوهر، وابن سينا وأتباعه لا يجعلونه من مقولة الجوهر، وإذا حرر ما يثبتونه من العقل والنفس والمادة والصورة، لم يوجد عندهم إلا ما هو معقول في النفس أو ما هو جسم، أو عرض قائم بجسم، كما قد بسط في موضعه.","vol":"6","page":37},{"text":"والمراد هنا أن يعرف أن المعقولات التي هي العلوم الكلية الثابتة في النفس لا ينازع فيها عاقل.\nوكذلك تصور المعينات الموجودة في الخارج، سواء كان المتصور عينًا قائمة بنفسها، أو معنى قائمًا بالعين، وسواء سمي ذلك التصور تعقلًا أو تخيلًا أو توهمًا، فليس المقصود النزاع في الألفاظ، بل المقصود المعاني.\nوإذا عرف أن الإنسان يقوم به تصور لأمور معينة موجودة في الخارج، وتصور كلي مطابق للمعينات، تبين ما وقع من الاشتباه في هذا الباب.\nفقول القائل: إن حكم الوهم أو الخيال قد يناقض حكم العقل: إذا أراد به أن التصور المعين الذي في النفس لما هو محسوس، أو لما يحسه، كالعداوة والصداقة، قد يناقض العقل الذي حكمه كلي عام - كان هذا باطلًا.\nوإن أراد به أن العقل يثبت أمورًا قائمة بنفسها، تقوم بها معاني، وتصوره للمحسوسات ولما قام بها يناقض ذلك - كان هذا أيضًا باطلًا، فإنه لا منافاة بين هذا وهذا، وذلك لأن الكلام ليس في مناقضة تصور الجزئيات للكليات، بل في تناقض القضايا الكلية بالسلب والإيجاب.","vol":"6","page":38},{"text":"وإذا أراد به أن ما سماه الوهم والخيال يحكم حكمًا كليًا يناقض حكمًا كليًا للعقل، وهذا هو مرادهم - كان هذا تناقضًا منهم وذلك أنهم قد فسروا حكم الوهم، المناقض للعقل عندهم، بأنه يقضي قضاء كليًا يناقض القضاء الكلي المعلوم بالعقل، مثل أنه يقضي أنه ما من موجود إلا ويمن الإشارة إليه، وما من موجودين إلا وأحدهما محايث للآخر أو مباين له، ويمنع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وأمثال ذلك.\nفيقال لهم: هذه قضايا كلية وأحكام عامة، وأنتم قلتم: إن الوهم هو الذي يدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحس، كإدراك الصداقة والعداوة إدراكًا جزئيًا يحكم به كما يحكم الحس بما نشاهده.\nوكذلك الخيال عندكم يحفظ ما يتصوره من المحسوسات الجزئية، فإذا كان الوهم والخيال إنما يدرك أمورًا جزئية، بمنزلة الحس، وهذه القضايا التي تزعمون أنها تعارض حكم العقل قضايا كلية، علم بذلك أن هذه ليست من إدراك الوهم والخيال، كما أنها ليست من إدراك الحس، وإنما هي قضايا كلية عقلية، بمنزلة أمثالها من القضايا الكلية العقلية، وهذا لا محيد لهم عنه، وهذا بمنزلة الحكم بأن كل وهم وخيال فإنما يدرك أمورًا جزئية.","vol":"6","page":39},{"text":"فهذه القضية الكلية عقلية، وإن كانت حكمًا على الأمور الوهمية الخيالية.\nوكذلك إذا قلت: كل صداقة فإنها ضد العداوة فهذا حكم بما في عقل كل الأفراد التي هي وهمية.\nوكذلك إذا قلنا: كل محسوس فإنه جزئي، فهذه قضية كلية عقلية تتناول كل حسي.\nومعلون أنه كل ما كان الحكم أعم كان أقرب إلي العقل.\nفقولنا: كل موجود قائم بنفسه فإنه يشار إليه، وكل موجودين فإما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين، من أعم القضايا وأشملها، فكيف تكون من الوهميات التي لا تكون إلا جزئية.\nوحينئذ فقولهم: إن حكم الوهم والخيال قد يناقض حكم العقل، بمنزلة قولهم: إن حكم الحس قد يناقض حكم العقل، وبمنزلة قولهم: إن حكم العقل يناقض حكم العقل، وليس الكلام في الحس والوهم والخيال والعقل إذا كان فاسدًا عرضت له آفة، فإن هذا لا ريب في إمكان تناقض أحكامه، وإنما الكلام في الحس المطلق وتوابعه مما سموه توهمًا وتخيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>كلام آخر لابن سينا في الإشارات</span>\nوأيضًا فقد قال ابن سينا في مقامات العارفين: أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة، وهو ما يعتري المستبصر","vol":"6","page":40},{"text":"باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال، فما دامت درجته هذه فهو مريد، ثم إنه يحتاج إلى الرياضة والرياضة موجهة إلى ثلاثة أغراض: الأول تنحية ما سوى الحق عن مستن الآثار، والثاني تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لتنجذب قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي.\nوالثالث: تلطيف السر للتنبيه.\nوالأول: يعين عليه الزهد، والاني يعين عليه العبادة المشفوعة بالفكر، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما يلحن بها من الكلام موقع القبول في الأوهام.\nوالثالث: يعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف) .","vol":"6","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: وقد تكلمنا على ما في هذا الكلام من حق وباطل في غير هذا الموضوع، والمقصود هنا انه جعل من الأمور التي يحتاج إليها العارف ما يجذب فوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي من العبادة وسماع الألحان وسماع الوعظ، فإن كان الأمر القدسي أمرًا معقولًا مجردًا، لا داخل العالم ولا خارجه، وقوى الوهم والتخيل لا تناسب إلا الأمور الحسية دون العقلية المجردة، كان هذا من الكلام الذي يناقض بعضه بعضًا.\nبل كان الواجب على العارف أن يعرض عما يحكم به الوهم والخيال، لينال معرفة الأمر القدسي المعقول المجرد، الذي يناقض حكم الوهم، والخيال لا يناسبه.\nولكن ما ذكره في مقدمات العارفين هو الأمر الفطري، فإن القلوب الطالبة لله إذا تحركت بما يصرف إرادتها إلى العلو، ويصرف إرادتها عن السفل، كان هذا مناسبًا لمطلوبها ومرادها ومحبوبها ومعبودها، فإن الله الذي هو العلي الأعلى، هو المعبود المحبوب المراد المطلوب، فإذا حركت النفس بما يصرف قواها إلى أرادته، انصرفت قواها إلى العلو، وأعرضت عن السفل.\nوالذي يبين هذا أن هذه القوة الوهمية، وفعلها الذي هو الوهم، لا يريدون به أن يتوهم في الشيء ما ليس فيه، وهو الوهم الكاذب.","vol":"6","page":42},{"text":"وكذلك لفظ (التخيل) لا يريدون تخيل ما لا وجود له في الخارج، بل هذا وهذا يتناول عندهم توهم ما لا وجود في الخارج، وتخيل ما له وجود في الخارج، وهو إدراك صحيح صادق مطابق.\nوذلك لأن لفظ (الوهم) و(الخيال) كثيرًا ما يطلق على تصور ما لا حقيقة لا له في الخارج، بل هذا المعنى هو المعروف من لغة العرب.\nقال الجوهري: (وهمت في الحساب أوهم وهمًا، إذا غلطت فيه وسهوت، ووهمت في الشيء بالفتح أوهم وهمًا، إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، وتوهمت: أي ظننت، وأوهمت غيري إيهامًا، والتوهم مثله، واتهمت فلانًا بكذا، والاسم التهمة بالتحريك.\nويقال: أوهم في الحساب مائة أي أسقط، وأوهم في صلاته ركعة، ويقال: قد أيهم إذا صار به الريبة) .\nقلت: فهذا أبو نصر الجوهري قد نقل في صحاحه المشهور في لغة العرب، أن مادة هذه اللفظ تستعمل في جهة الغلط بمعنى الخطأ","vol":"6","page":43},{"text":"تارة، وتستعمل بمعنى الظن تارة، ولم ينقل أنها تستعمل بمعنى اليقين، وهم يستعملونها في تصور يقيني، وهو تصور المعاني التي ليست بمحسوسة ولا ريب في ثبوتها، كعداوة الذئب للنعجة، وصداقة الكبش لها، وهو في لغة العرب يقال في هذه المعاني: تصورتها وعملتها وتحققتها وتيقنتها وتبينتها، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على العلم، ولا يقال: توهمتها، وإلا إذا لم تكن معلمه، فاصطلاحهم مضاد معروف في لغة العرب، بل وفي سائر اللغات.\nوإذا كان كذلك، فلإدراك الصحيح، الذي يسمونه هم توهمًا وتخيلًا، هو نوع من التصور والشعور والمعرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>كلام ابن سينا في إثبات القوة الوهمية وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nيوضح ذلك أنهم قالوا في إثبات القوة الوهمية: كما قال ابن سينا: (الحيوانات ناطقها وغير ناطقها - تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس، مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس، وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس: إدراكًا جزئيًا: يحكم به كما يحكم الحس بما يشاهده، فعندك قوة هذا شأنها، وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه المعاني بعد حكم الحاكم بها غير الحافظ للصورة) .","vol":"6","page":44},{"text":"فقد تبين أن هذه القوة تدرك معاني غير محسوسة وغير متأدية في الحس، ففرق بينها وبين الحسية والخيالية بأن الخيالية إدراك ما تأدى من الحس.\nوقد فسر الشارحون ما دل عليه كلامه فقالوا هذا بيان إثبات الوهم والحافظة: أما الوهم فقوة يدرك الحيوان بها معاني جزئية لم تتأد من الحواس إليها، كإدراك العداوة والصداقة والموافقة والمخالفة في أشخاص جزئية، فإدراك تلك المعاني دليل على وجود قوة تدركها، وكونها مما لا يتأدى من الحواس، دليل على مغايرتها للحس المشترك، ووجودها في الحيوانات العجم دليل على مغايرتها للنفس الناطقة.\nقالوا: وقد يستدل على ذلك أيضًا بأن الإنسان ربما يخاف شيئًا يقتضي عقله الأمن منه كالموتى، وما يخالف عقله فهو غير عقله.\nوقال ابن سينا في إشاراته: (كل ملتذ به فهو سبب كمال يحصل للمدرك هو بالقياس إليه خير، ثم لا يشك أن الكمالات وإدراكاتها متفاوتة، فكمال الشهوة مثلًا أن يتكيف العضو","vol":"6","page":45},{"text":"الذاتي بكيفية الحلاوة مأخوذة عن مادتها، ولو وقع مثل ذلك، لا عن سبب خارج، كانت اللذة قائمة.\nوكذلك الملموس والمشموم ونحوهما.\nوكمال القوة الغضبية: أن تتكيف النفس بكيفية غضب، أو بكيفية شعور بأذى يحصل من المغضوب عليه.\nوالوهم والتكيف بهيئة ما يرجوه أو يذكره، وعلى هذا حال سائر القوى) .\nوالمقصود أنه جعل كمال الوهم اتصافه بصفة ما يرجوه أو يذكره، والمرجو في المستقبل، والمذكور في الماضي: كلاهما لا بد أن يكون هنا مما يوافقه ويحبه، فإن الكمال- كما قد ذكروه- إنما يكون بإدراك الملائم لا المنافي.\nوالقوة الوهمية هي التي تدرك بها الصداقة والعداوة والموافقة والمخالفة.\nوالصداقة هي الولاية التي أصلها المحبة، والعداوة أصلها البغض.\nفالقوة الوهمية عندهم هي التي يدرك بها الحيوان ما يحبه وما يبغضه","vol":"6","page":46},{"text":"من المعاني التي لا تدرك بالحس والخيال، ثم يكون حبه وبغضه، لمحل ذلك المعنى تبعًا لحبه وبغضه ذلك المعنى، فالشاة إذا توهمت أن في الذئب قوة تنافرها أبغضته، والتيس إذا توهم أن في الشاة قوة تلائمه أحبها، فهذه القوة هي التي تدرك المحبوبات والمكروهات، من المعاني القائمة بالمحسوسات، وهي التي يحصل بها الرجاء والخوف، فيرجو حصول المحبوب، ويخاف حصول المكروه، ولهذا علقوا الرجاء والخوف بها، كما تقدم من كلامهم، وجعلوا كمالها في التكييف بهيئة ما ترجوه أو تذكره، وقالوا: إن خوف الإنسان من الموتى ونحوهم هو بهذه القوة.\nوعلى هذا فكل حب وبغض ورجاء وخوف لما لم يحسه الحيوان بحسه الظاهر فهو بهذه القوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>كلام ابن سينا في الشفاء عن قوة الوهم</span>\nولهذا عظموا شأنها، فقال ابن سينا في شفائه في القوة المسماة بالوهم: (هي الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكمًا ليس فصلًا كالحكم العقلي، ولكن حكمًا تخييليًا مقرونًا بالجزئية وبالصورة الحسية، وعنه تصدر أكثر الأفعال الحيوانية) .","vol":"6","page":47},{"text":"وقال أيضًا في شفائه: (ويشبه أن تكون القوة الوهمية هي بعينها المفكرة المتخيلة والمتذكرة، وهي بعينها الحاكمة، فتكون بعينها حاكمة، وبأفعالها وحركاتها متخيلة بما تعمل من الصور والمعاني، والمتذكرة بما ينتهي إليه عملها، وأما الحافظة فهي قوة خزانتها) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>تعليق ابن تيمية</span>\nفهذه ألفاظه، ومن الناس من قال: هذا يدل على اضطرابه في أمر هذه القوى، وليس المقصود هنا الكلام فيما يتنازعون فيه، وهو أن هذه الإدراكات الجزئية والأفعال الجزئية: هل هي للنفس، وإن كان بواسطة الجسم، أو هي للجسم، وهل محل هذه شيء واحد أو أشياء متعددة؟ وهل هو بقوة واحدة أو بقوى متعددة؟\nفإن الكلام في هذا مما لم يتعلق بالمقصود في هذا المكان، فإنه لا خلاف بين العقلاء أن الإنسان - بل وغيره من الحيوان - يتصور في غيره ما يحبه ويواليه عليه ويرجو وجوده، ويتصور ما يبغضه ويعاديه عليه ويخاف وجوده.","vol":"6","page":48},{"text":"فهذا التصور أمر معلوم في الإنسان وفي الحيوان، وهم سموا التصور وهمًا، وقالوا إنه يحصل بقوة تسمى الوهمية.\nوالناس متنازعون في إدراك الحيوان وأفعاله: كالسمع، والبصر، والتفكير، والعقل، وغير ذلك من أنواع التصورات والأفعال، سواء كان تصور ولاية أو عداوة أو غير ذلك،: هل هو بقوى في الحيوان أم لا؟ .\nفالأول: قول الجمهور، والثاني: قول من يقول: إنه ليس للعبد قدرة مؤثرة في مقدوره.\nوالأولون على قولين: منهم من يخص القوى بالأفعال الاختيارية، ومنهم من يجعله في جميع الحوادث.\nوهؤلاء نوعان: منهم من يقول بقول المتفلسفة الذين يقولون: إن الله موجب بذاته بدون مشيئة وعلمه بالجزئيات، وهذا باطل شرعًا وعقلًا.\nومنهم من يقول: إن الله خالق ذلك كله بمشيئته وعلمه وقدرته.\nوهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها، وجمهور علمائها: يثبتون ما في الأعيان من القوى والطبائع، ويثبتون للعبد قدرة حقيقة وإرادة، ويقولون: عن هذه الأمور جعلها الله أسبابًا لأحكامها، وهو يفعل بها، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات﴾ [الأعراف: ٥٧] .","vol":"6","page":49},{"text":"وقال تعالى: ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ [البقرة: ١٦٤] .\nإلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة.\nوكلام السلف والأئمة المذكور في غير هذا الموضع، ولهذا نص أحمد بن حنبل والحارثي والمحاسبي وغيرهما أن العقل غريزة في الإنسان.\nولكن من قال بالقول الأول من نفاة الأسباب والقوى الذين سلكوا مسلك الأشعري في نفي ذلك قالوا: إنما العقل هو نوع من العلوم الضرورية، كما قال ذلك القاضي أبو بكر بن طيب، والقاضي أبو يعلى، والقاضي أبو بكر بن العربي وغيرهم.\nوالمقصود أن هذا التصور لمعان في الأعيان المشهودة: كتصور أن هذا يوافقني ويواليني وينفعني وفيه ما أحبه، وهذا يخالفني ويعاديني ويضرني وفيه ما أبغضه، أمر متفق عليه بين العقلاء، سواء قيل بتعدد القوى، أو اتحادها أو عدمها، وسواء قيل: المدرك هو النفس أو البدن.","vol":"6","page":50},{"text":"إذا كان كذلك، فيقال إذا كان (الوهم) مفسرًا عندهم بما ذكروه من تصور معنى (غير محسوس في الأعيان المحسوسة وألا يتأدى من الحس، فمعلوم أن هذا تدخل فيه كل صفة تقوم بالحي من الصفات الباطنة: كالقدرة والإرادة والحب والبغض والشهوة والغضب، وأمثال ذلك.\nفإن القدرة في القادر، كالعداوة في العدو، والصداقة في الصديق، بل قد يكون ظهور الولاية والعداوة والحب والبغض، إلى الحس الظاهر أقرب من ظهور القدرة.\nوعلى هذا فيكون تصور الملك، والملك هو أيضًا من الوهم، فإن كون الشخص المعين ملكًا لغيره أو مالكًا لغيره: هو تصور معنى في الشخص المحسوس، وذلك المعنى غير محسوس، ولا يتخيل تخيل المحسوسات.\nوكذلك تصور الشهوة والنفرة: يكون أيضًا من باب التصور الوهمي في اصطلاحهم، وكذلك تصور الألم في الغير واللذة فيه، هو من الباب، فإن ما يجده الحيوان في نفسه من اللذة والألم غير محسوس.\nفإن قيل: هذه الأمر تدرك بآثار تظهر يدرك الحس تلك الظواهر، فلا يقال: هي موهومة.\nقيل: إن كان هذا كافيًا، فمعلوم أن تصور الشاة صورة الذئب المحسوسة إدراك لتلك الصورة، فتلك الصورة مستلزمة للعداوة،","vol":"6","page":51},{"text":"وكذلك إدراك التيس صورة الشاة، وكذلك إدراك الإنسان شعار صديقه وعدوه، مثل إدراك كل من الطائفتين المقتتلتين شعار الأخرى المسموعة بالأذن، كالشعائر المتداعي بها، والمرئية، كالرايات المرئية هي أيضًا مما يدرك بالحس، ويستدل بها على الولاية والعداوة التي ليست بمحسوسة، بل هي في الأشخاص المحسوسة.\nففي الجملة ليس من شرط الصورة الوهمية عندهم أن يدركها الوهم بلا توسط شيء محسوس، بل لا تدرك تلك المعاني إلا في الأشياء المحسوسة، ولا بد أن تدرك تلك الأشياء المحسوسة فيكون الوهم مقارنًا للحس، لا بد من ذلك وإلا فلو أدرك الوهم ما يدركه مجردًا عن الحس لكان يدرك ما يدركه لا في أعيان محسوسة، فلا بد أن يدرك بباطنه، وهو القوة المسماة بالوهم عندهم، وبظاهره، وهو الحس: ما في المدرك من الأمر الباطن، وهو المعنى كالصداقة والعداوة، والظاهر، وهو الشخص الذي هو محل ذلك.\nوعلى هذا فميل كل جنس إلى ما يناسبه في الباطن هو بسبب إدراك هذه القوة، كما يتفق في المتحابين والمتباغضين والمتحابون قد يكون تحابهم لاشتراكهم في التعاون على ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، كما يوجد في أجناد العساكر، وأهل المدينة الواحدة، وأهل الدين الواحد، والنسب الواحد ونحو ذلك.","vol":"6","page":52},{"text":"وفي الجملة فميل الحيوان إلى ما يظن أنه ينفعه، ونفوره عما يظن أنه يضره: بسبب هذه القوة، فإن إدراكه كون هذا نافعًا له موافقًا له ملائمًا له، وكون هذا ضارًا له مخالفًا له منافرًا له: هو بهذه القوة.\nوعلى هذه فينبغي إن يكون إدراك ما في الأغذية والأدوية من الملائمة هو بهذه القوة، فإن الإنسان يتوهم في الخبز أنه يلائمه إذا أكله، كما يتوهم الفرس ذلك في الشعير، ويتوهم في السيف أنه يضره إذا ضرب به، كما يتوهم الحمار ذلك في العصا.\nوفي الجملة فتصور الإنسان - بل والحيوان- لما ينفعه ويضره هو بهذه القوة على موجب اصطلاحهم، فإن الإنسان إذا رأى بئرًا محفورة يتصور أنه إن وقع فيها عطب- كان هذا بهذه القوة، لأن الحس إنما شهد مكانًا عميقًا، أما كونه يضر الإنسان إذا سقط فيه فهذا لا يعلم بالحس، ولهذا كان من لا تمييز له يسقط في مثل هذا المكان، كالصبي والمجنون والبهيمة، وإن كان له حس، فالذي يسميه الناس عقلًا سماه هؤلاء وهمًا، وتصور الإنسان أن هذا ماله وهذا مال غيره، وهذه الدار داره وهذه دار غيره، هو بهذه القوة لأن الحس الظاهر لا يميز بين هذا وهذا، وإنما يعرف هذا من هذا بقوة باطنة تتصور في المحسوس ما ليس بمحسوس، وهو أن هذه الدار أو المال له أو لأقاربه أو لأصدقائه، وتلك الدار أو المال للأجانب أو الأعداء، فإن هذه المعاني هي في المحسوس وليست محسوسة، وإدراك كون هذا الإنسان","vol":"6","page":53},{"text":"عادلًا جوادًا رحيمًا شجاعًا، وهذا ظالمًا بخيلًا قاسيًا جبانًا، هو على موجب اصطلاحهم وهم، فإن هذا إدراك أمور غير محسوسة في المحسوسات.\nوكذلك سائر الأخلاق التي بها مدح وقدح، مثل البر والفجور والعفة، والصدق والكذب والكرم واللؤم، وأمثال ذلك، فإن هذه معان تقوم بالشخص المحسوس، ونفس الأخلاق القائمة فيه ليست بمحسوسة، وإنما يحس بالأفعال الظاهرة الصادرة عنها، كما يحس بالأفعال الظاهرة الصادرة عن الصداقة والعداوة.\nومعلوم أن إدراك هذه الأمور هي مما يدخل في مسمى العقل والعلم والمعرفة عند عامة العقلاء، بل إدراك كون المعروف معروفًا، وكون المنكر منكرًا، هو أيضًا مما يدخل في (الوهم) على اصطلاحهم، فإن المعروف هو المحبوب الموافق الملائم، والمنكر هو المكروه المخالف المنافي، وما يدرك به هذه المعاني من الأمور الحسية وهم، بل على قولهم كل معنى يدرك في الأعيان المحسوسة فإدراكه بالوهم، ولا يبقى فرق بين الوهميات والعقليات في مثل هذا، إلا كون الوهميات جزئية والعقليات كلية.\nومعلوم أن إدراك كثير من هذه المعاني من خواص العقل، ومما يبين هذا أن الرجل إذا رأى امرأته مع من يظن به السوء كان هذا إدراكًا لأمر","vol":"6","page":54},{"text":"غير محسوس في المحسوس، وهو إدراك ما ينافيه، وهو ميل الأجنبي إلى امرأته، وميل امرأته إليه.\nوكذلك المرأة إذا وجدت مع زوجها امرأة أخرى فظنت أن بينهما اتصالًا وحصلت لها الغيرة، فالغيرة إنما تحصل بهذه القوة، فإن الغيرة من باب كراهة المؤذي وبغضه، وهو من جنس إدراك العداوة فيما يغار منه، كما أن الرجل يميل إلى أبيه وأمه وزوجته لما يستشعره من محبتهم ومودتهم، وإدراك ما منهم من المحبة والمودة هو أيضًا عندهم وهم، لأنه إدراك في المحسوس بما ليس بمحسوس، وهو الولاية التي بينهما، كما قالوا في إدراك التيس معنى الشاة، وإذا رأى إنسان امرأة أجنبية فقد يدرك منها أنها تميل إليه، فيكون كإدراك التيس معنى في الشاة، وقد يدرك منها أنها تنفر عنه، فيكون كإدراك الشاة معنى في الذئب، وهذا باب واسع.\nوالمقصود أن يجمع بين هذا وببن ما قاله ابن سينا في مقامات العارفين وهو خاتمة مصحفهم، وقد قال الرازي: (هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب، فإنه رتب علم الصوفية ترتيبًا ما سبقه إليه من قبله، ولا يلحقه من بعده) .\nوأقره الطوسي على هذا الكلام وقال: (قد ذكر الفاضل","vol":"6","page":55},{"text":"الشارح أن هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب، فإنه رتب فيه علوم الصوفية ترتيبًا ما سبقه إليه من قبله ولا لحقه من بعده) .\nوهذا الذي هو غاية ما عند هؤلاء من معارف الصوفية إذا تدبره من يعرف ما بعث الله به رسوله، وما عليه شيوخ القوم -المؤمنون بالله ورسوله- المتبعون لكتاب والسنة، تبين له أن ما ذكره في الكتاب بعد كمال تحقيقه لا يصير به الرجل مسلمًا، فضلًا عن أن يكون وليًا لله، وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، فإنه غايته هو الفناء في التوحيد الذي وصفه، وهو توحيد غلاة الجهمية المتضمن نفي الصفات، مع القول بقدم أفلاك، وأن الرب موجب بالذات لا فاعل بمشيئتة ولا يعلم بالجزئيات، ولو قدر أنه فناء في توحيد الربوبية المتضمن للإقرار بما بعث الله به رسوله من الأسماء والصفات، لم يكن هذا التوحيد وحده موجبًا لكون الرجل مسلمًا، فضلًا عن أن يكون عارفًا وليًا لله، إذ كان هذا التوحيد يقر به المشركون عباد الأصنام، فيقرون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وإنما يجعل الفناء في هذا التوحيد هو غاية العارفين صوفية هؤلاء الملاحدة كابن طفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وأمثاله، ولهذا يستأنسون بما يجدونه من كلام أبي حامد","vol":"6","page":56},{"text":"موافقًا لقولهم، إذ كان في كثير من كلامه ما يوافق الباطل من قول هؤلاء، كما في كثير من كلامه رد لكثير من باطلهم.\nولهذا صار كالبرزخ بينهم وبين المسلمين، فالمسلمون ينكرون ما وافقهم فيه من الباطل عند المسلمين، وهم ينكرون عليه ما خالفهم فيه من الباطل عند المسلمين.\nومن أسباب ذلك أن هؤلاء جعلوا غاية الإنسان وكماله في مجرد أن يعلم الوجود أو يعلم الحق، فيكون عالمًا معقولًا مطابقًا للعالم الموجود، وهو التشبه بالإله على قدر الطاقة، وجعلوا ما يأتي به من العبادات والأخلاق إنما هي شروط وأعوان على مثل ذلك فلم يثبتوا كون الرب تعالى معبودًا مألوهًا يحب لذاته، ويكون كمال النفس أنها تحبه، فيكون كمالها في معرفته ومحبته، بل جعلوا الكمال في مجرد معرفة الوجود عند أئمتهم، أو مجرد معرفته، عند من يقرب إلى الإسلام منهم.\nفهذا أحد نوعي ضلالهم.\nوالنوع الآخر أنه لو قدر كمالها في مجرد العلم، فما عندهم ليس بعلم، بل كثير منه جهل.","vol":"6","page":57},{"text":"والقدر الذي حصل لهم من العلم لا تحصل به النجاة، فضلًا عن حصول السعادة الكبرى، فهم أبعد من الكمال البشري، وعن النجاة في الآخرة والسعادة، من اليهود والنصارى من حيث هم كذلك، وإن كان من اليهود والنصارى من هو أبعد عن ذلك ممن كان أقرب إلى الإسلام من اليهود والنصارى، إذ النجاة والسعادة باتباع الرسل علمًا وعملًا.\nوكتبهم ليس فيها إيمان بنبي معين ولا كتاب معين: لا توراة ولا إنجيل، ولا قرآن، ولا إبراهيم، ولا موسى، ولا عيسى، بل ولا فيها إثبات رب معين، وإنما فيها إثبات موجود كلي وأمور كلية، ولا فيها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة ما سواه، ومعلوم أن النجاة والسعادة لا تحصل إلا بذلك، بل ليس عندهم الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، ولا الإيمان بأن الله قدر مقادير العباد، فإنه عندهم لا يعلم الجزئيات، فكيف يقدرها؟ ومعلوم أن السعادة لا تحصل إلا بذلك.\nوهؤلاء لما كان قولهم مخالفًا للفطرة التي فطر الله عليها عباده: من الإقرار به ومن محبته.\nكان ما ذكروه من كمال النفس منافيًا لهذا ولهذا.\nولهذا اضطرب كلامهم في هذا الباب، فتارة يحتاجون أن يثروا بما يوجب محبته وموالاته، مع الإقرار به سبحانه وبعلوه على خلقه، وتارة يدعون ما يوجب انتفاء هذا وهذا.","vol":"6","page":58},{"text":"وقد تقدم أقوالهم في الوهم ومعناه عندهم والقضايا الوهمية، والمقصود أن يجمع بين النظر في ذلك، وبين ما ذكروه في مقامات العارفين الذي هو أجل ما عندهم، وكثير منه أو أكثره، كلام جيد، ولكن الاقتصار عليه وحده مع ما عندهم، لا يوجب نجاة النفوس من العذاب، فضلًا عن حصول السعادة لها، ولكن كل ما قالوه-هم وغيرهم- من حق مقبول، ويتبين من ذلك الحق وغيره بطلان ما يناقضه من الباطل الذي قالوه أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>عود إلى كلام ابن سينا في مقامات العارفين في الإشارات</span>\nقال ابن سينا: (العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره، ولا يؤثر سيئًا على عرفانه.\nوتعبده له فقط، ولأنه مستحق للعبادة، ولأنها نسبة شريفة إليه، لا رغبة لرغبة ولا لرهبة، وإن كانتا، فيكون المرغوب فيه، أو المهروب عنه هو الداعي، وفيه المطلوب، ويكون الحق ليس الغاية، بل الواسطة إلى شيء غيره، وهو الغاية، وهو المطلوب دونه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>تعليق ابن تيمية</span>\nفيقال: هذا الذي قاله من كون الحق تعالى عند العارف هو المراد المعبود لنفسه، لا يراد لغيره، فيكون هو الواسطة إلى ذلك الغير، ويكون ذلك الغير هو الغاية - كلام صحيح، وهو مبادئ ما يتكلم","vol":"6","page":59},{"text":"فيه أهل الإيمان والإرادة، بل هو من شعائرهم ومن أشهر الأمور عندهم.\nوقد قال تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ [الأنعام: ٥٢] .\nوقال تعالى: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى﴾ [الليل: ١٩-٢١] .\nوقال تعالى: ﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾ [الأحزاب: ٢٩] .\nوقال تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤] .\nوقال: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥] .\nوقال تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا﴾ [التوبة: ٢٤] .\nوقد قال تعالى: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ [النساء: ١٢٥] .","vol":"6","page":60},{"text":"وفي الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» .\nوفي الصحيحين أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» .\nوفي الصحيحين عنه ﷺ «ويعلم أنه قال: والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» .\nوفي الصحيح أن عمر ﵁ قال: «والله يا رسول الله","vol":"6","page":61},{"text":"لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.\nفقال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك.\nفقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي.\nفقال: الآن يا عمر» .\nفإذا كان هذا حب الرسول، التابع لحب الله فكيف في حب الله الذي إنما وجب حب الرسول لحبه، والذي لا يجوز أن نحب شيئًا من المخلوقات مثل حبه؟ بل ذلك من الشرك.\nقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له.\nوالعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل، فلا يكون أحد مؤمنًا حتى يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، وأن يعبد الله مخلصًا له الدين.\nفهذا الذي ذكره في مقامات العارفين هو أول قدم يضعه المؤمن في الإيمان، ولا يكون مؤمنًا من لم يتصف بهذا.\nوقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وعلماؤها على أن الله يحب لذاته، لم ينازع في ذلك إلا طائفة من أهل الكلام والرأي، الذين سلكوا مسلك الجهمية في بعض أمورهم فقالوا: إنه لا يحب ولا يحب.","vol":"6","page":62},{"text":"وابن سينا والفلاسفة، وإن كانوا يردون على هؤلاء كما يرد عليه أئمة الدين، فهم أقرب إلى الحق من ابن سينا وأتباعه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.\nوقال طائفة من النظار: إن الإرادة لا تتعلق إلا بمعدوم محدث، وهو ما يراد أن يفعل، فأما القديم الواجب بنفسه فلا تتعلق به الإرادة.\nوقالوا: قول القائل: (أريد الله) أي: أريد عبادته، ونحو ذلك.\nوقال آخرون: بل الإرادة تتعلق بنفس القديم الواجب بنفسه، كما نطقت به النصوص.\nوالتحقيق أنه لا منافاة بين القولين، فإن كون الشيء محبوبًا لذاته مرادًا لذاته: هو أن المحب المريد لم يطلب إرادته لما سواه، بل كان هو أقصى مراده، وإنما يكون الشيء مرادًا محبوبًا لما للمحب المريد في الاتصال بذلك من السرور واللذة، إذ المحبة لا تكون إلا لما يلائم المحب، فما يحصل عند ذكره ومعرفته والنظر إليه من اللذة هو مطلوب المحب المريد المحب لذاته.","vol":"6","page":63},{"text":"كما ثبت في صحيح مسلم عن صهيب ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهو الزيادة» .\nوفي السنن عن النبي ﷺ: «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك» .\nفقد بين الرسول ﷺ أن الله لم يعط أهل الجنة","vol":"6","page":64},{"text":"شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهذا غاية مراد العارفين، وهذا موجب حبهم إياه لذاته لا لشيء آخر؟.\nفمن قال: إنه لا يحب لذاته، ولا يتلذذ بالنظر إليه، كما تزعمه طائفة من أهل الكلام والرأي فقط أخطأ، ومن قال: إن محبة ذاته وإرادة ذاته لا تتضمن حصول لذة العبد بحبه، ولا يطلبه العبد ولا يريده، بل يكون العبد محبًا مريدًا لما لا يحصل له لذة به، فقط أبطل.\nومن قال: إن العبد يفنى عن حظوظه وإرادته، وأراد بذلك أنه يفنى عن حظوظه وإرادته المتعلقة بالمخلوقات فقد أصاب، وأما إن أراد أن يفنى عن كل إرادة وحب، وتبقى جميع الأمور عنده سواء، فهذا مكابر لحسه ونفسه.\nوكل مراد محبوب لذاته فلا معنى لكونه مرادًا محبوبًا لذاته إلا أن ذاته هو غاية مطلب الطالبين، بمعنى أن ما يحصل لهم من النعيم واللذة هو غاية مطلوبهم، لا يطلبونها لأجل غيرها.\nفأما بتقدير أن تنتفي كل لذة، فلا يتصور حب، فإن حب ما لا لذة في الشعور به ممتنع.","vol":"6","page":65},{"text":"وعلى هذا فقول القائل: (العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره، ولا يؤثر شيئًا على عرفانه) لا منافاة بينهما.\nوكذلك قوله: (وتعبده له فقط) لا ينافي قوله (ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه) بل كونه تعبده له فقط إنما كان محمودًا لأنه مستحق للعبادة، وإنما انبغى للعبد أن يفعلها لأنها نسبة شريفة، وإلا فلو فعل العبد ما لا خير فيه كان مذمومًا، لكن يفرق بين من يكون قد عرف الله معرفة أحبه لأجلها، وبين من سمع مدح أهل المعرفة، فاشتاق إلى كونه منهم، لما في ذلك من الشرف، فإن هذا في الحقيقة إنما مراده تعظيم نفسه وجعل المعرفة طريقًا إليها.\nوكذلك كل من أراد الله لأمر من الأمور، كما حكي أن أبا حامد بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.\nقال: (فأخلصت أربعين يومًا فلم يتفجر شيء فذكرت ذلك لبعض العارفين، فقال: لي: إنك إنما أخلصت للحكمة، لم تخلص لله) .\nوذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب.","vol":"6","page":66},{"text":"وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطلب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا، لن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول يراد لكونه وسيله إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالمًا أو عارفًا أو ذا حكمة أو متشرفًا بالنسبة إليه، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيله له إلى ذلك المطلوب الأدنى، وإنما يريد الله ابتداء من ذاق حلاوة محبته وذكره.\nوفطر العباد مجبولة على محبته، لكن منهم من فسدت فطرته.\nقال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠] .\nوفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠]» .\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن النبي ﷺ «فيما يرويه عن ربه قال: إني خلقت عبادي حنفاء","vol":"6","page":67},{"text":"فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» .\nوأما قول القائل: (لا للرغبة والرهبة) .\nفهذا له ثلاث معان:\nأحدهما: أن يراد به: لا لرغبة في حصول مطلوب المحب من المحبوب لذاته، ولا لرهبة من ذلك.\nوهذا ممتنع، فإنه ما من عبد مريد محب إلا وهو يطلب حصول شيء، ويخاف فواته.\nوالثاني: أنه لا يرغب في التمتع بمخلوق، ولا يخاف من التضرر بمخلوق، فيمكن أن يعبد الله من يعبده بدون هذه الرغبة والرهبة.\nكما قال عمر ﵁: نعم العبد صهيب، لو لم يخاف الله لم يعصه.\nوفي الأثر: «لو لم أخلق جنةً ولا نارًا، أما كنت أهلًا أن أعبد» وقد ثبن في الصحيح «أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس» .","vol":"6","page":68},{"text":"وكذلك الملائكة فلولا تمتع أهل الجنة بذلك التسبيح، الذي هو لهم كالنفس، لم يكن الأمر كذلك.\nوقد ثبت في الحديث الصحيح المتقدم قوله: «فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه» .\nوالثالث: أن يراد: أن العبد لا يرهب مما يضره كألم العذاب، ولا يرغب فيما يحتاج إليه كالطعام والشراب، فهذا ممتنع، فإن ما جعل الله العبد محتاجًا إليه متألمًا إذا لم يحصل له، لا بد أن يرغب في حصوله، ويرهب من فواته، وما كان ملتذًا به غير متألم بفواته، كأكل أهل الجنة وشربهم، فهذا يرغب فيه ولا يرهب من فواته، فوجود تلك اللذة العليا الحاصلة بمعرفة الله ورؤيته لا ينافي وجود لذات أخر حاصلة بإدراك بعض المخلوقات، ومن نفى الأولى من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم فقط أخطأ، ومن نفى الثانية من المتفلسفة والمتصوفة على طريقهم فقد أخطأ، ومع أن هؤلاء المتفلسفة لا يثبتون حقيقة الأولى، فإنهم لا يثبتون أن الرب تحبه الملائكة والمؤمنون، وإنما يجعلون الغاية تشبههم به، لا حبهم إياه، وفرق بين أن تكون الغاية كون هذا مثل هذا،","vol":"6","page":69},{"text":"وبين أن تكون الغاية كون هذا يحب هذا محبة عبودية وذل.\nولهذا قالوا: (الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة)، ولهذا كان مطلوب هؤلاء إنما هو نوع من العلم والقدرة الذي يحصل لهم به شرف، فمطلوبهم من جنس مطلوب فرعون، بخلاف الحنفاء الذين يعبدون الله محبة له وذلًا له.\nوهم أيضًا لا يثبتون معرفة تحصيل بها النجاة والسعادة بعد الموت، بل المعروف عندهم وجود مطلق أو مقيد بالسلوب، ولا يثبتون بعد الموت تجدد نظر إليه، إذ المفارقات عندهم ليس فيها حركة أصلًا، لا من الناظر ولا من المنظور إليه، وهو خلاف ما دلت عليه الدلالة الشرعية والعقلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>فصل تابع كلام ابن سينا في الإشارات عن مقامات العارفين</span>\nثم قال: (إشارة: المستحيل بوسيط الحق مرحوم من وجه، فإن لم يطعم لذة البهجة به، فيستطعمها إنما معارفته مع اللذات","vol":"6","page":70},{"text":"المخدجة، فهو حنون إليها غافل عما وراءها، وما مثله بالقياس إلى العارفين إلا مثل الصبيان بالقياس إلى المحتنكين، فإنهم لما غفلوا عن طيبات يحرص عليها البالغون، واقتصرت بهم المباشرة على طيبات اللعب، صاروا يتعجبون من أهل الجد إذا ازوروا عنها عائقين لها، عاكفين على غيرها، كذلك من غض النقص بصره عن مطالعة بهجة الحق أعلى كفيه بما يليه من اللذات: لذات الزور فتركها في دنياه من كره، وما تركها إلا ليستأجل أضعافها، وإنما يعبد الله ويطيعه ليخوله في الآخرة ويشبعه منها، فيبعث إلى مطعم شهي، ومشرب هني ومنكح بهي، إذا بعثر عنه فلا مطمح لبصره في أولاه وآخرته، إلا إلى لذات قبقبه وذبذبه، والمستبصر بهداية","vol":"6","page":71},{"text":"القدس في شجون واجب الإيثار، قد عرف اللذة الحق، وولى وجهه سمتها، مترحمًا على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضده، وإن كان ما يتوخاه بكده مبذولًا له حسب وعده) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>تعليق ابن تيمية</span>\nفيقال: ينبغي أن يفرق بين كون الإنسان محبًا مريدًا، وبين كونه يعرف أنه محب مريد، وكذلك يفرق بين كونه سامعًا رائيًا عالمًا، وبين كونه عالمًا بكونه كذلك ذاكرًا له.\nمثال ذلك: أن الإنسان لا يفعل فعلًا اختياريًا وهو يعلم أنه يفعله إلا بإرادة، فكل من شهد المسجد ليصلي فيه الصلاة الحاضرة وهو يعلم أنها الجمعة أو الفجر، امتنع أن يصلي إلا وهو ناو لهذه الصلاة، ومع هذا فقد يظن كثير من الناس أنه لا ينوي أو لا تحصل له نية حتى يتكلم بذلك، وربما كرر ذلك، ورفع صوته به، وآذى من حوله، وأصابه من جنس ما يصيب الجنون.\nوكذلك المعرفة بالله فطرية ضرورية، كما قد بسط في موضعه، وكذلك حب الله ورسوله حاصل لكل مؤمن، ويظهر ذلك بما إذا خير المؤمن بين أهله وماله وبين الله ورسوله، فإنه يختار الله ورسوله.","vol":"6","page":72},{"text":"والمؤمنون متفاضلون في هذه المحبة، ولكن المنافقون - الذين أظهروا الإسلام ولما يدخل الإيمان في قلوبهم - ليسوا من هؤلاء وما من مؤمن إلا وهو إذا ذكر له رؤية الله اشتاق إلى ذلك شوقًا لا يكاد يشتاقه إلى شيء.\nوقد قال الحسن البصري: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا.\nوالحب لله يقوى بسبب قوة المعرفة وسلامة الفطرة، ونقصها من نقص المعرفة ومن خبث الفطرة بالأهواء الفاسدة.\nولا ريب أن النفوس تحب اللذة بالأكل والشرب والنكاح، وقد تشغل النفوس بأدنى المحبوبين عن أعلاهما، لقوة حاجته العاجلة إليه، كالجائع الشديد الجوع، فإن ألمه بالجوع قد يشغله عن لذة مناجاته لله في الصلاة.\nولهذا قال ﷺ في الحديث الصحيح: «لا يصلين أحدكم بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبثين» .\nوإن كانت الصلاة قرة عين العارفين، والإنسان إنما يشتاق إلى من يشعر به من المحبوبات، فأما ما لم يشعر به فهو لا يشتاق إليه، وإن كان لو شعر به لكان شوقه إليه أشد من شوقه إلى غيره.","vol":"6","page":73},{"text":"ولما كانت الجنة فيها كل نعيم يتنعم به من غير تنغيص مما يعرفونه وما لا يعرفونه.\nكما قال تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧] .\nوقال: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ [الزخرف: ٧١] .\nوفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: إني أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\nبله ما أطلعتم عليه، ثم قرأ ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧] الآية» .\nوكان النعيم الذي فيها منه ما له نظير عند المخاطبين، إذا ذكر اشتاقوا إليه، ومنه ما لا نظير له عندهم - أخبرهم الله تعالى منه بما له نظير، فإنه بذلك يحصل شوقهم ورغبتهم فيما أمروا به، ثم إذا فعلوا ما أمروا به نالوا بذلك ما لم يخطر بقلوبهم، كما أخبر بذلك الكتاب والسنة.\nولذة النظر، وإن كانت أفضل اللذات، وسببها- وهو حب الله ورسوله - موجود في قلب كل مؤمن، لكن الظاهر من الحب والشهوات، ومعرفة الناس لكون ذلك مشتهاة ومرغوبًا فيها، وان محبتها","vol":"6","page":74},{"text":"غالبة، وذكرهم لذلك أظهر من معرفتهم بما في حب الله ورسوله.\nوالنظر إليه من ذلك، ومن ذكرهم لذلك، وإن كان ذلك موجودًا فيهم، فوجود الشيء غير معرفته وذكره وظهوره، فذكر الله في كتابه من اللذات الظاهرة، كالأكل والشرب والنكاح، ما يعرف كل أحد أنه لذة، وما تشتاق إليه كل نفس، ويعرفون أنه مما يرغب فيه، وذلك لا ينال إلا بعبادة الله وطاعته.\nوهم إذا عبدوا الله فقد يحصل لهم من حلاوة المعرفة والعبادة ما هو اعظم من ذلك، وإذا كشف الحجاب في الآخرة فنظروا إليه كان ذلك أحب إليهم من جميع ما أعطاهم، فكان ترغيبهم في العبادة بذلك شائقًا لهم إلى هذا، وكان كمن أسلم رغبة في الدنيا، فلم تغرب الشمس إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس، وكمن دخل في العلم والدين لرغبه في مال أو جاه، أو رهبة من عزل أو عقوبة أو أخذ مال، فلما ذاق حلاوة العلم والإيمان كان ذلك أحب إليه مما طلعت عليه الشمس.\nوإذا كان هذا في الدنيا، فما الظن بما في الآخرة؟ وإذا عرفت هذا عرفت شيئين: أحدهما: أن كل مؤمن تحقق إيمانه فإنما يعبد الله، والله أحب إليه من كل ما سواه، وإن كان لا يستشعر هذا في","vol":"6","page":75},{"text":"نفسه، بل يكون ما يرجوه من الأكل والشرب النكاح، وما يخافه من العقاب باعثًا له على العبادة، لكن إذا ذاق حلاوة الإيمان وطعم العبادة، كان الله أحب إليه من كل شيء، وإن كان يغيب عن علمه بحاله، حتى لا يرغب ولا يرهب إلا من غير ذلك، فما كل محبوب واجب يستحضر في كل وقت، ولا تحصل به الرغبة، ولا من فواته الرهبة، بل تحصل الرغبة والرهبة بالمحبوب الأدنى والمرهوب الأدنى، ويقوده ذلك إلى المحبوب الأعلى، وهذا موجود فيمن ذاق طعم المحبوب الأعلى، فإنه قد يعترض له هوى في محبوب أدنى، فيكون حضوره ودواعي الشهوة إليه يوجب تقديمه، مع علمه بأنه يفوته بذل ما هو أحب إليه منه، وكمن يشتهي شيئًا فيتناوله، وهو بعلم أنه يضره وأنه يفوته به ما هو أحب إليه، بل يعلم أنه يوجب له ما يضره فإذا حصل له ترهيب يصده عن ذلك، أو رغبة فيما ترغب فيه نفسه حتى يترك ذاك، كان هذا دواء نافعًا له يشتاق به إلى المحبوب الأعلى.\nوالله قد أنزل كتابه شفاءً لما في الصدور، وهدىً للخلق، ورحمةً لهم، وبعث رسوله بالحكمة.\nوأما ما ذكره هذا الرجل من الكلام المزخرف الذي قال الله فيه: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [الأنعام: ١١٢-١١٣] .","vol":"6","page":76},{"text":"وذلك أنه عظم من يعبد الحق لذاته، وعبادة الحق تعالى لذاته أصل عظيم، وهو أصل الملة الحنيفية، وأساس دعوة الأنبياء، لكن هذا حاصل فيما جاءت به الرسل، لا في طريق الصحابة، فإن أصحابه لا يعبدون الله، بل ولا يحبونه أصلًا، بل ولا يطيعونه، وإنما العبادات عندهم رياضة للنفوس لتصل إلى علمهم الذي يدعون أنه كمال النفس، والكمال عندهم في التشبه به لا في أن يكون محبوبًا مرادًا.\nولهذا لم يتكلم أحد منهم في مقامات العارفين بمثل هذا الكلام الذي تكلم به ابن سينا، وهو أراد أن يجمع بين طريقهم وطريق العارفين أهل التصوف، فأخذ ألفاظًا مجملة، إذا فسر مراد كل واحد منها، تبين أن القوم من أبعد الناس عنه محبة الله وعبادته، وأنهم أبعد عن ذلك من اليهود والنصارى بكثير كثير.\nولهذا يظهر فيهم من إهمال العبادات والأوراد والأذكار والدعوات، ما لا يظهر في اليهود والنصارى، ومن سلك منهم مسلك العبادات فإن لم يهده الله إلى حقيقة دين الإسلام، وإلا صار آخر أمره ملحدًا من الملاحدة، من جنس ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما.\nوأيضًا فإنه استحقر ما وعد الناس به في الآخرة من أنواع النعيم، وطلب تزهيد الناس فيما رغبهم الله فيه، وهو مضادة للأنبياء، وهو في الحقيقة منكر لوجود ذلك، كما هو في الحقيقة منكر لوجود محبة الله ومعرفته والنظر إليه، وإنما الذي أثبته من ذلك خيال، كما أن الذي أثبته من لذة المعرفة إنما هو مجرد كونه عالمًا معقولًا موازيًا للعالم","vol":"6","page":77},{"text":"الموجود، وظن أنه بهذا تحصل اللذة التي يسعد بها في الآخرة، وينجو بها من العذاب، وهذا ضلال عظيم.\nوقد أعرض الرازي عن الكلام على هذا فلم يمدحه ولم يذمه، وأما الطوسي فمدحه عليه، لأنه ملحد من جنسه والكلام على هؤلاء مبسوط في موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>فصل: تابع كلام ابن سينا في مقامات العارفين وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nثم قال (إشارة: أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة، وهو ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني، أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال، فما دامت درجته هذه فهو مريد.\nإشارة: ثم إنه يحتاج إلى الرياضة، والرياضة متوجهة إلى ثلاثة أغراض: الأول: تنحية ما دون الحق من مستن الإيثار.\nالثاني: تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لتنجذب قوى التوهم والتخيل","vol":"6","page":78},{"text":"إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي.\nالثالث: تلطيف السر للتنبيه.\nوالأول يعين عليه الزهد الحقيقي، والثاني: تعين عليه أشياء: العبادة المشفوعة بالفكرة، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما يلحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام.\nوالثالث: نفس الكلام الواعظ من قائل زكي بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد.\nوأما الغرض الثالث فيعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف الذي تأمر فيه شمائل المعشوق، ليس سلطان الشهوة) .\nفيقال قد ذكر أن المريد يحتاج في الرياضة - التي تسمى السلوك، إلى ثلاثة أشياء متعلقة بالقصد، والعمل، والعلم.\nأما القصد، فأن لا يقصد إلا الحق، فينحي ما سواه عن طريق القصد، فلا يقصد إلا إياه.\nوهذا حق لكن لا يكون إلا على دين المرسلين.\nوأما إرادة الله ومحبته دون ما سواه فليس هو طريق هؤلاء المتفلسفة، بل هو ممتنع على أصولهم الفاسدة، وليس زهدهم زهد الأنبياء، ولكن زهدهم للتوفر على مطلوبهم الذي يرونه كمالًا، لا على عبادة الله.","vol":"6","page":79},{"text":"وأما العمل فهو تطويع قوة النفس الأمارة بالسوء لقوتها المطمئنة، وهذا متفق عليه، لكن عند أهل الملل أن هذا تكميل لعبادة الله وطاعته، وعند الملاحدة إنما هو تهذيب للنفس لتستعد لما جعلوه هم كمالًا.\nوليس المقصود هنا ذكر ما في هذا الكلام من حق وباطل، فإن هذا له موضع آخر.\nوإنما المقصود ذكر ما يتعلق بكلامهم في قوى التوهم والتخيل، فإنه قال: (لتنجذب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي) .\nفذكر أن المقصود انجذاب قوى التخيل الوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، ولم يقل: إلى التوهمات والتخيلات، كما قال انجذاب قوى التخيل والوهم، لأنه يريد أن يجذب قوى التخيل والوهم.\nفالتخيل لصور المحسوسات، والوهم لما فيها من المعاني، والجذب يكون إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، لا إلى التخيل، فإنه ليس المقصود جذبها إلى صورة متخيلة بل إلى أمر متوهم، وهو المعاني التي تحبها النفس، لأن الوهم كما تقدم تصور المعاني المحبوبة في الأعيان، وهي التي تكون لأجلها الولاية والعداوة.","vol":"6","page":80},{"text":"والمقصود حصول التوهمات المناسبة للأمر القدسي، والانصراف عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي.\nوالتوهمات هي تصور ما يحب ويبغض ويوالى ويعادى، ويوافق ويخالف، ويرجى ويخاف، من المعاني التي في الأعيان، فيريد أن يتصور ما يحب ويرجى لينجذب إليه، وما يكره ويخاف لينجذب عنه، ويكون ما يجب ويرجى في الأمر القدسي، والمكروه والمخوف في الأمر السفلي.\nوقد ذكر أن المراد المعبود لذاته هو الله تعالى، فلا بد أن يتصور ما يوجب حبه لله، وبغضه لما يصرفه عن ذلك، وأن يتصور من رجائه وخوفه ما يصرفه إليه كما يتصور في الدنيا ما يجذبه عنها.\nوإذا كان قد قال هذا مع قوله: (إن الوهم أن يتصور في المحسوسات أمرًا غير محسوس، لم يمكن حتى هذا يتصور في حق الله تعالى ما يوجب انجذاب القلب إليه، وقد سمى ذلك توهمًا.\nوقوله: (ولتنجذب قوة التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي) .\nإن أريد التوهمات المناسبة لقدس الرب تعالى، مثل كونه هو الذي يستحق أن يعبد ويحمد، وأمثال ذلك من المعاني المناسبة لعبادته، فقد جعل الشعور بهذه من باب التوهم.","vol":"6","page":81},{"text":"وإن أريد به توهم معان في غير الرب، فتلك لا يحتاج إليها في عبادته تعالى، ولا يحتاج العابد لله إلى أن يتصور ما يناسب محبته لله وعبادته، بشعوره بما يوجب محبة الله وعبادته إياه دون ما سواه، فإن عبادة الله وحده تحصل إذا عرف من الله ما تحصل به محبته لله، فلا يحتاج أن يعرف من غيره ما يوجب محبته لله، ولو قدر أن تصور لغيره يوجب محبته، فقد جعل طلب ما يوجب انجذاب قوة التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي.\nفهذه الأمور، سواء كانت صفات لله أو أمورًا تقتضي محبة الله، فإنه جعلها من باب التوهم.\nوهذا يوجب كون الله عاليًا على خلقه من وجوه:\nأحدهما: أنه قد ذكر أن الحيوانات - ناطقها وغير ناطقها - تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس، وهذا قوة الوهم كما تقدم.\nفإذا كان قد قال مع ذلك: أنه لا بد من تطويع القوة الأمارة للقوة المطمئنة، لتنجذب قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي، والتوهمات المناسبة لإرادة الله وحده إنما تكون بتصور معنى فيه يوجب انجذاب القلب إليه.\nوهو سبحانه يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فإنه واحد لا شريك له، وهم يقولون: انحصر نوعه في شخصه، فلا يجوز أن يكون","vol":"6","page":82},{"text":"التصور الجاذب للقلب إليه وحده إلا تصور معين، في معين وهذا هو التوهم عندهم.\nفهذا تصريح منهم بأن التوهم تصور صفاته، فقولهم مع ذلك بنفي إدراك هذه القوة له تناقض.\nالثاني: أن القوة المتوهمة إذا كانت لا تتصور إلا في معين، والمعين لا يكون كليًا، امتنع أن يكون هذا معقولًا، إذا كانت المعقولات هي الكليات، كما قد يقولونه، ولأنه لا حجة لهم على إثبات معقول غير الكليات.\nالثالث: أن هذا يوجب أن كون محسوسًا، أي يمكن الإحساس به وهو رؤيته، كما ثبت أنه يرى في الآخرة، لأن التوهم عندهم أن يتصور في المحسوس ما ليس بمحسوس.\nفإذا كان هو سبحانه يجب أن يوالى ويحب دون ما سواه، وكان ذلك بتوهم الأمور المناسبة لذلك التوهم، وهو تصور أمر غير محسوس في معين محسوس لزم أن يكون هو معينًا محسوسًا.\nالوجه الرابع: أنه جعل الذي يعين على تطويع النفس ثلاثة أشياء: العبادة المشفوعة بالفكرة، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام، والثالث: نفس الكلام الواعظ.\nومعلوم أن العبادة لا تكون إلا بقصد وإرادة، والقصد والإرادة","vol":"6","page":83},{"text":"الذي تنجذب معه قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة لعبادة الله، منصرفة عن المناسبة للأمر السفلي، لا يكون إلا إذا تصور في المراد الذي انجذبت إليه قوة التوهم ما يوجب إرادته ومحبته، فتكون إرادته توجب موالاته ومحبته، بل وخوفه ورجائه.\nوهذا كله عندهم من عمل القوة المتوهمة، فدل على أنه لا بد عندهم أن يكون الحق تعالى مما يتعلق الوهم بمعان فيه، وهذا لازم لكلامهم لا محيد عنه.\nالوجه الخامس: أنه قال: (الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام) .\nفتبين أنه يطلب كون الوهم يقبل الكلام الملحن، والقوة الوهمية هي التي تدرك المعنى المحبوب والمكروه في المعين المحسوس الجزئي كما تقدم.\nفدل بها على أن الكلام الملحن يكون فيه ما يوجب قبول الوهم للكلام الذي يدعو إلى عبادة الله ومحبته، وذلك بما تقدم من كون الوهم هو الذي يشعر بالمعاني التي تحب وتبغض، وتوالي وتعادي، فكان حب العبد لربه وعبادته إياه مشروطًا بتوهمه في ربهما يحبه العبد، فوجب كون الرب عندهم محسوسًا وكون الوهم يتصور فيه ما يحب لأجله.\nالسادس: أنه قال: (لينجذب التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمكر السفلي) .","vol":"6","page":84},{"text":"والسفلي ضد العلوي، فدل ذلك على أن القدسي علوي.\nفإن قيل: يراد بذلك علو القدر أو الصفات.\nقيل: هذا لا يصح هنا، لأن قوى الوهم إنما تنجذب إلى معان غير محسوسة في أمر محسوس، وما كان محسوسًا أمكن أن يكون فوق العالم.\nالسابع: أن يقال: ما أشار إليه من هذه المعاني، وغن كان التعبير عنه بعبارات غير معروف، فهذا هو الذي فطر الله عليه عباده، فإنهم إذا حزبهم أمر احتاجوا فيه إلى توجيه قلوبهم إلى الله توجهوا إلى العلو، وتصوروا أن الله جواد كريم يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ويرزقهم وينصرهم، فعرفوا منه ما يوافق مطلوبهم ومرادهم ومحبوبهم.\nوهذا هو الذي يسميه هؤلاء التوهم.\nوأيضًا فمن كان محبًا له، محبًا لذكره، متلذذًا بمناجاته، فإنه يجد\nفي فطرته معنى يطلب بالعلو، ويتصور أن ربه متصف بما يستحق لأجله أن يعبد ويحب ويطاع، وهذا هو الذي يسمونه التوهم، ويجد قلبه منصرفًا إلى العلو، منصرفًا عن السفل، إلا إذا كان قد غيرت فطرته.\nفإن قيل له: ربك ليس فوق، أو غير ذلك بأن يقال: ليس في","vol":"6","page":85},{"text":"جهة، أو لا يختص، أو لا تحصره، أو نحو ذلك من العبارات المجملة التي يراد بها: أنه ليس فوق، فيحتاج حينئذ أن يصرف فطرته علما وإرادة عما فطر عليه.\nفما ذكره في مقامات العارفين موافق لما فطر الله عليه عباده أجمعين، بخلاف\nما ذكره هناك، فإنه مخالف للفطرة كما تقدم.\nالثامن: أن الشرائع الإلهية جاءت بما يوافق الفطرة.\nالتاسع: أنه قد اتفق على ذلك سلف الأمة.\nالعاشر: أنه دلت على ذلك الدلائل العقلية اليقينية.\nالحادي عشر: أن موجب ما ذكروه أن لا يكون الرب معبودًا إلا بتعلق المعنى الذي سموه الوهم به، وأن من نفى تعلق الوهم بمعنى في الرب، فقد أبطل كون الرب محبوبًا معبودًا، فمن قال بعد ذلك: إنه لا يقبل في الإلهيات هذه القضايا الوهمية، فقد نفى كون الرب مستحقًا لأن العبد وأن يحب، وهذا حقيقة قولهم، ولهذا كان حقيقة قولهم تعطيل الرب عن أن يكون موجودًا، وأن يكون مقصودًا وأن يكون معبودًا.\nوعلى هذا كانت أئمتهم، كالقرامطة الباطنية الذين قادوا حقيقة قولهم، وكذلك باطنية الصوفية الذين وافقوهم، كأصحاب ابن عربي وابن سبعين، فإن الذين عرفوا حقيقة قولهم كالتلمساني كانوا من أبعد","vol":"6","page":86},{"text":"الناس عن عبادة الله وطاعته وطاعة رسله، وأشدهم فجورًا وتعديًا لحدود الله، وانتهاكًا لمحارمه، ومخالفة لكتابة ولرسوله، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>عود إلى مناقشة كلام ابن سينا عن الوهم</span>\nوحينئذ فنقول قوله: (إن القضايا الوهمية كاذبة) .\nإن أراد به القضايا الكلية التي تناقض معقولًا، فتلك عندهم ليست من قضايا الوهم.\nوإن أراد به ما يدركه الوهم من الأمور المعينة في المحسوسات، فتلك صادقة عنده لا كاذبة، وهي لا تعارض الكليات.\nوقوله: (إن الوهم الإنساني يقضي بها قضاءً شديد القوة لأنه ليس يقبل ضدها ويقابلها) .\nفيقال له: هذا يقتضي تمكنها من الفطرة، وثبوتها في النفس، وأن الفطرة لا تقبل نقيضها، وهذا يقتضي صحتها وثبوتها، لا ضعفها وفسادها.\nوأما قوله: (لأن الوهم تابع للحس، فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم) .\nفيقال له: إن أردت بالوهم التابع للحس ما سميته وهمًا، وهو توهم معاني جزئية غير محسوسة في المحسوسات الجزئية، فلا ريب أن","vol":"6","page":87},{"text":"الوهم تابع للحس، وهذا الوهم قد ذكرت أنه صحيح مطابق كالحس، فإن قدحت في هذا قدحت في الحس، وإن جعلت هذا معارضًا للعقل، كان بمنزلة جعل الحس معارضًا للعقل.\nوإن أردت بالوهم ما يقضي قضاءً كليًا أن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه محال، ونحو ذلك من القضايا الكلية التي تزعم أنها معارضة للعقل، كان هذا الكلام باطلًا من وجهين:\nأحدهما: أن هذه قضايا كلية مطلقة، والوهم قد ذكرت أن تصوراته جزئية، فلا يكون هذا من الوهميات.\nالثاني: أن يقال: هذه القضايا الكلية كسائر القضايا الكلية التي مبادئها من الحس، كالقضاء بأن السواد والبياض يتضادان، والحركة والسكون يتناقضان، والجسم الواحد لا يكون في مكانين، وأمثال ذلك.\nبل هذه بمنزلة الحكم بأن الموجود إما أن يكون قائمًا بنفسه، وإما أن يكون قائمًا بغيره، وإما أن يكون قديمًا وإما أن يكون محدثًا، وإما أن يكون واجبًا بنفسه، وإما أن يكون ممكنًا بنفسه، وأمثال ذلك.\nفالقدح في هذه القضايا الكلية كالقدح في تلك، فإن الجاز القدح في هذه لأن مبادئها الحس جاز القدح في تلك وإلا فلا، إذ الحس وما يتبعه - مما يسمونه توهمًا وتخيلًا - لا يدرك إلا أمورًا معينة جزئية، ثم يقضي الذهن قضاءً كليًا، فإن جاز أن تكون تلك القضايا الكلية باطلة بسبب كونها مبدئها من هذا الوهم، الذي هو في الأصل الصحيح","vol":"6","page":88},{"text":"عندهم، جاز أن تكون القضايا الكلية باطلة إذا كان مبدئها من الحس عندهم.\nفلو قال قائل يمكن في الموجود غير المحسوس أن يكون لا وجبًا ولا ممكنًا، ولا قديمًا ولا محدثًا، ولا قائمًا بنفسه ولا قائمًا بغيره - كان بمنزلة قول القائل: يمكن فيه أن يكون لا مباينًا لغيره ولا محايثًا له، ولا مداخلًا له ولا خارجًا عنه.\nوإن جاز أن يقال لهذا: هذه قضايا وهمية، والوهم تابع للحس، جاز أن يقال للأول: وهذه قضايا وهمية، أو يقال: قضايا حسية وحكم الحس والوهم لا يقبل إلا في الحسيات، فلا يحكم في الوجود المطلق وتوابعه، لأن ذلك معقول غير محسوس، فما به ترد تلك القضايا الكلية يمكن أن يقال في أمثالها من القضايا الكلية المتناولة لجميع الموجودات والمعلومات.\nوأما قوله في بيان أنها كاذبة: (من المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ وأصول، كانت تلك قبل المحسوسات ولم تكن محسوسة، ولم يكن وجودها على نحو وجود المحسوسات، فلم يمكن أن يتمثل ذلك الوجود في الوهم) .","vol":"6","page":89},{"text":"فيقال له: هذا كلام على تقدير أن يكون للمحسوسات مباد لا يمكن تعلق الحس بها، وهذا هو رأس المسألة وأول النزاع فإذا جعلت هذا حجة في إثبات مطلوبك فقد صادرت على المطلوب.\nثم يقال لك: الوهم إنما يتصور عندك في الأمور الجزئية، وهذه القضايا كلية لا جزئية.\nويقال لك أيضًا: هذا بعينه يرد عليك في تقسيم الوجود إلى: قائم بنفسه وبغيره، وقديم ومحدث، وجوهر وعرض، وعلة ومعلول، ونحو ذلك فإن ما ذكرته من هذه القضايا يتناول هذه.\nويقال لك ما تعني بقولك: (إن المحسوسات إذا كان لها مباد وأصول كانت قبل المحسوسات) .\nأتعني به أن ما أحسسناه له مباد وأصول لم نحسها؟ أم تعني به أن ما يمكن أن يحس به يجب أن يكون له مبدأ لا يمكن الإحساس به؟ .\nفإن عنيت الأول فهو مسلم، لكن لا يلزم من عدم إحساسنا بها أن لا يكون الإحساس بها ممكنًا، ولا يقول عاقل: إن كل ما لم نشهده الآن لا يمكن أن نشهده بعد الموت، أو في وقت آخر، فإنه ما من عاقل إلا ويجوز أن يكون فوق الأفلاك ما لا نشهده الآن، بل يجوز أن تكون هناك أفلاك ونجوم لا ندركها فضلًا عن غيرها.\nوإن قال: إنه لا بد أن يكون لكل ما يمكن أن يحس به مبدأ لا","vol":"6","page":90},{"text":"يمكن أن نحس به، فهذا ممنوع، وهو رأس المسألة ولم يذكر عليه دليلًا.\nوهو في إشاراته لم يذكر على ذلك من الأدلة إلا ما ذكره الرازي وأمثاله، فإنه قال: (في الوجود وعلله: إنه قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس، وأن ما لا يناله الحس بجوهره، ففرض وجوده محال، وأن ما لا يتخصص بمكان أو يوضع بذاته كالجسم، أو بسبب ما هو فيه كأحوال الجسم، فلا حظ له ولا وجود) .\nقال: (وأنت يتأتى لك أن تتأمل نفس المحسوس، فتعلم منه بطلان قول هؤلاء، فإنك، ومن يستحق أن يخاطب، تعلمان أن هذه المحسوسات قد يقع عليها اسم واحد، لا على الاشتراك الصرف، بل بحسب معنى واحد، مثل اسم الإنسان، فإنكما لا تشكان في أن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود، فذلك المعنى الموجود لا يخلو: إما أن يكون بحيث يناله الحس، أو لا يكون.\nفإن كان بعيدًا من أن يناله الحس فقد أخرج التفتش من المحسوسات ما ليس بمحسوس، وهذا","vol":"6","page":91},{"text":"أعجب.\nوإن كان محسوسًا فله لا محالة: وضع، وأين، ومقدار معين، وكيف معين، لا يتأتى أن يحس، بل ولا أن يتخيل إلا كذلك، فإن كل محسوس وكل متخيل فإنه يتخصص لا محالة بشيء من هذه الأحوال، وإذا كان كذلك لم يكن ملائمًا لما ليس بتلك الحال، فلم يكن مقولًا على كثيرين يختلفون في تلك الحال.\nفإذن الإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة، بل من حيث الحقيقة الأصلية التي لا تختلف فيها الكثرة غير المحسوس، بل معقول صرف، وكذلك الحال في كل الكلي) .\nفهذا لفظه، وأتباعه مشوا خلفه فأثبتوا ما ليس بمحسوس بإثبات الكليات المعقولة، وقد عرف بالاضطرار أن الكليات لا تكون كلية إلا في العقل لا في الخارج، بل ليس في الخارج كلي البتة، والذي يقال إنه كلي طبيعي لا يوجد إلا معينًا جزئيًا، فما كان كليًا في العقل يوجد في الخارج معينًا لا كليًا، كما قد بسط في موضعه.\nفهذا الكلام وأمثاله هو الذي يثبت به أن للموجود مبادئ لا يمكن أن يحس بها.\nوأما قوله: (إذا كانت للمحسوسات مبادئ كانت غير محسوسة)، فتلبيس لأن لفظ (المحسوس) يراد به ما هو محسوس لنا","vol":"6","page":92},{"text":"بالفعل وما يمكن إحساسه، ولا ريب أن المحسوسات بالفعل لها مبادئ غير محسوسة.\nلكن لم قلت: إن كل ما يمكن إحساسه له مبدأ لا يمكن إحساسه، هذه حكاية المذهب.\nوأما قوله: (ولهذا كان الوهم مساعدًا للعقل في الأصول التي تنتج وجود تلك المبادئ، فإذا تعديا معًا إلى النتيجة نكص الوهم وامتنع عن قبول ما سلم موجبه)، فهذا ممنوع.\nوقد عرف أن أدلته على إثبات ذلك من جنس هذه الأدلة التي أثبت بها الموجودات العقلية الثابتة في الخارج بإثبات كليات، وهو مثل إثباته لما كان خارج الذهن.\nثم يقال له: الوهم المساعد للعقل: إن أردت به ما سميته وهمًا، وهو ما يتصور في المحسوسات الجزئية معاني غير محسوسة، كالصداقة والعداوة، فليس في هذه التصورات مقدمة تساعد على إثبات موجود لا يمكن الإحساس به، بل تلك المقدمات مثل إثبات الكليات وأمثالها ليس فيها مقدمة يتصورها هذا الوهم.\nوإن أردت بالوهم المساعد ما يقضي قضايا كلية، مثل قضاء الذهن بأن بين هذا الإنسان وهذا الإنسان إنسانية مشتركة، ونحو ذلك فهذه قضايا عقلية لا وهمية.\nوأيضًا فالقاضي بإثبات إنسانية مطلقة هو القاضي بأن كل","vol":"6","page":93},{"text":"موجودين لا بد أن يكون أحدهما مباينًا للآخر أو محايثًا له، كما أنه هو القاضي بأن كل موجودين لا بد أن يقارن وجود أحدهما الآخر أو يتقدم عليه، وأن كل موجود فلا بد أن يكون قائمًا بنفسه أو بغيره.\nفهذه القضايا الكلية إن سميتها وهمية كانت العقليات هي الوهميات، وإن سميتها عقليات وقدرت تناقضها لزم تناقض العقليات.\nواعلم أن هؤلاء قد يجيبون بجواب يمكن أن يجاب به كل من قدح في العقليات الكلية.\nوقولك: (فإذا تعديا معًا إلى النتيجة نكص الوهم) .\nيقال لك: ما الوهم الناكص: أهو الذي سميته وهمًا؟ فذاك إنما يتصور معاني جزئية، فليس له في الكليات حكم: لا بقبول ولا رد فلا يقال فيه: لا يقبل ولا ينكص، كما لا يقال في القضايا الكلية: إن الحس يقبلها ولا يردها، كما لا يقال: إن البصر يميز بين الأصوات، والسمع يميز بين الألوان.\nوإن قلت: إن العقل يثبت موجودًا معينًا لا يمكن الإشارة إليه، والوهم لا يتصور معينًا لا يشار إليه.","vol":"6","page":94},{"text":"فيقال لك: العقل إنما يثبت أمورًا كلية مطلقة، لا يثبت شيئًا معينًا إلا بواسطة غيره، كالحس وتوابع الحس، ولهذا كان القياس العقلي المنطقي لا ينتج إن لم يكن فيه قضية كلية، وإذا أردنا أن ندخل شيئًا من المعينات تحت القضايا الكلية، فلا بد من تصور للمعينات غير التصور للقضايا الكلية.\nفإذا علمنا أن كل شيء: فإما قائم بنفسه أو بغيره، وان كل موجود: فإما واجب بنفسه وإما ممكن بنفسه، وأن كل موجود: فإما قديم وإما محدث، وأن كل موجود أو كل ممكن فهو: إما جوهر وإما عرض، وأردنا أن نحكم على معين بأنه قديم أو محدث، أو جوهر أو عرض، أو واجب أو ممكن، أو نحو ذلك، فلا بد من أن نعينه بغير ما به علمنا تلك القضية الكلية، فتصور المعين الداخل في القضية الكلية شيء وتصور القضية الكلية شيء آخر.\nفليتدبر الفاضل هذا، ليتبين له أن من لم يثبت موجودًا يمكن الإحساس به لم يثبت إلا قضايا كلية في الأذهان، كما يثبتون العدد المطلق، والمقدار المطلق، والحقائق المطلقة، والوجود المطلق، وكل هذه أمور ثابتة في الأذهان، لا موجودة في الأعيان.\nولهذا من أثبت أن في الوجود موجودًا واجبًا قديمًا، وقال: إنه يمتنع الإشارة إليه، امتنع أن يكون عنده معينًا مختصًا، ولزم أن يكون مطلقًا مجردًا في الذهن، فلا حقيقة له في الخارج.","vol":"6","page":95},{"text":"وهذا مذهب أئمة الجهمية، فإنهم يثبتون موجودًا مطلقًا يمتنع وجوده في الخارج، فابن سينا وأتباعه يقولون: هو وجود مطلق بشرط نفي جميع الأمور الثبوتية، وهو أبلغ الأقوال في كونه معدومًا، وآخرون يقولون: هو مطلق بشرط نفي الأمور الثبوتية والسلبية، لا بشرط شيء من الأمور الثبوتية والسلبية كما يقول هذا وهذا طائفة من ملحدة الباطنية ومن وافقهم من الصوفية.\nومن المعلوم أن الوجود المشروط فيه نفي هذا وهذا ممتنع، فكيف بالمشروط فيه النفي؟ فإن ما اشترط فيه العدم كان أولى بالعدم مما لم يشترط فيه وجود ولا عدم، ومما اشترط فيه نفي الوجود والعدم جميعًا؟ وهذا هو المطلق بشرط الإطلاق.\nوهم يقرون في منطقهم ما هو متفق عليه بين العقلاء من أن المطلق بشر الإطلاق لا وجود له في الخارج، ويقررون أن الفصول المميزة بين موجودين لا بد أن تكون أمورًا وجودية لا تكون عدمية، وهم لا يميزون الوجود الواجب عن الوجود الممكن إلا بأمور عدمية، ومن ظن أن مذهب ابن سينا إثبات وجود خاص بمنزلة الوجود المشروط","vol":"6","page":96},{"text":"بسلب جميع الحقائق، فجعل فيه وجودًا مشتركًا ووجودًا مختصًا، لم يفهم مذهبه، كما فعل ذلك الطوسي منتصرًا له فلم يفهم مذهبه.\nوالقونوي وأمثاله يقولون: هو المطلق لا بشرط، وهذا إما أن يكون ممتنعًا في الخارج، وإما أن يكون جزءًا من الممكنات، فيكون الواجب جزءًا من الممكنات.\nوقد بسط بيان تناقض أقوالهم في غير هذا الموضع، واعتبر ما ذكرناه من أن كل ما يثبتونه بالبرهان القياسي فإنه قضايا كلية مطلقة، بأنهم إذا أرادوا أن يعينوا شيئًا موجودًا في الخارج داخلًا في تلك القضية الكلية، عينوه إما بالحس الباطن أو الظاهر، إذ العقل يدرك الكليات والحس هو الذي يدرك الجزئيات، فإذا أثبتوا أن الحركة الإرادية مسبوقة بالتصور، وأرادوا تعيين ذلك، عينوا: إما نفس الإنسان فيشيرون إليها، وإما النفس الفلكية فيشيرون إلى الفلك.\nوإن أثبتوا وجود موجود معين في الخارج يدخل تحت هذه القضية من غير إشارة إليه تعذر ذلك عليهم.\nوكذلك إذا ثبت بالعقل أن الكل أعظم من الجزء، وأن الأمر المساوية لشيء واحد متساوية، وأن الشيء الواحد لا يكون موجودًا معدومًا ونحو ذلك، فمنى أراد الإنسان إدخال معين في هذه القضية","vol":"6","page":97},{"text":"الكلية أشار إليه.\nوالقضايا الكلية تارة يكون لجزيئاتها وجود في الخارج، وتارة تكون مقدورة في الأذهان، لا وجود لها في الأعيان، وهذا كثيرًا ما يقع فيها الغلط والالتباس.\nوليس المقصود الأول بالعلم إلا علم ما هو ثابت في الخارج، وأما المقدورات الذهنية فتلك بحسب ما يخطر للنفوس من التصورات، سواء كانت حقًا أو باطلًا، وما يثبته هؤلاء النفاة من إثبات موجود لا يمكن الإشارة إليه، ولا هو داخل العالم ولا خارجه عند التأمل والتدبر نبين أنه من المقدرات الذهنية، لا من الموجودات العينية.\nوغير أن ابن سينا وأتباعه م المنطقيين، مثل أبي البركات صاحب المعتبر وغيره، لم يخرجوا هذه القضايا التي سماها ابن سينا (وهميات) من الأوليات البديهيات، كما أخرجها ابن سينا، وما أظن صاحب المنطق أرسطو أخرجها أيضًا.\nوأما قوله: (وهذا الضرب من القضايا أقوى في النفس من","vol":"6","page":98},{"text":"المشهورات التي ليست بأولية، وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها) إلى آخره.\nيقال له: هذا أيضًا مما يبين قوتها وصدقها، فإنهم اعترفوا بأنها أقوى من المشهورات التي ليست بأولية، وهذه المشهورات عند أكثر العقلاء من العقليات الضروريات، فإذا كانت هذه أقوى منها لزم أن تكون أقوى من بعض العقليات الضروريات، وذلك يوجب صدقها.\nوذلك أنه قال: (فأما المشهورات فمنها هذه الأوليات ونحوها مما يجب قبوله، لا من حيث هي واجب قبولها، بل من حيث عموم الاعتراف بها، ومنها الآراء المسماة بالمحمودة، وربما خصصناها باسم المشهورة، إذ لا عمدة لها إلا الشهرة، وهي أن لو خلي الإنسان وعقله المجرد، ووهمه وحسه، لم يؤدب بقبوله قضايا ما والاعتراف بها، ولم يمكنه الاستقراء بظنه القوي إلى حكم لكثرة الجزئيات، ولم يستدع إليها ما في طبعه الإنساني من الرحمة والخجل، والأنفة والحمية، وغير ذلك- لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه","vol":"6","page":99},{"text":"وحسه، مثل حكمنا أن سلب مال الإنسان للإنسان قبيح، وأن الكذب قبيح، ومن هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من الناس، وليس شيء من هذا يوجبه العقل الساذج، ولو توهم الإنسان نفسه، وأنه خلق دفعة، تام العقل، ولم يسمع أدبًا، ولم يطع أنفعالًا نفسيًا أو خلقًا، لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء بل أمكنه أن يجهله ويتوقف فيه، ولي كذلك حال قضائه، لأن الكل أعظم من الجزء.\nوهذه المشهورات قد تكون صادقة، وقد تكون كاذبة، وإن كانت صادقة فليست تنسب إلى الأوليات ونحوها، إذا لم يكن بينة الصدق عند العقل الأول إلا بنظر، وإن كانت محمودة عنده، والصادق غير المحمود، وكذلك الكاذب غير الشنيع، ورب شنيع حق، ورب محمود كاذب.","vol":"6","page":100},{"text":"والمشهورات: إما من الواجبات، وإما من التأديبات الصلاحية، وما تتطابق عليها الشرائع الإلهية، وإما خلقيات وانفعالات، وإما استقرائيات، وهي: إما بحسب الإطلاق، وإما بحسب صناعة.\nقلت: ليس هذا موضع بسط القول.....\nقال ابن سينا: (وأما القضايا الوهمية فهي قضايا كاذبة، إلا أن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة، لأنه ليس يقبل ضدها ومقابلها، بسبب أن الوهم تابع للحس، فما لا يوافق الحس لا يقبله الوهم، ومن المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ وأصول كانت تلك قبل المحسوسات، ولم تكن محسوسة، ولم يكن","vol":"6","page":101},{"text":"وجودها على نحو وجود المحسوسات، فلم يمكن أن يتمثل ذلك الوجود في الوهم، ولهذا كان الوهم مساعدًا للعقل في الأصول التي تنتج وجود تلك المبادئ، فإذا تعديا معًا إلى النتيجة نكص الوهم، وامتنع عن قبول ما سلم موجبه.\nوهذا الضرب من القضايا أقوى في النفس من المشهورات التي ليست بأولية، وتكاد تشاكل الأوليات، وتدخل في المشبهات بها، وهي أحكام للنفس في أمور متقدمة على المحسوسات، أو أعم منها، على نحو ما يجب أن لا يكون لها، وعلى نحو ما يجب أن يكون أو يظن.\nفي المحسوسات، مثل اعتقاد المعتقد أنه لا بد من خلاء ينتهي إليه الملاء إذا تناهى، وانه لا بد في كل موجود من أن يكون مشارًا إلى جهة وجوده) .\nفيقال له: هذا الكلام إنما يصح أن لو ثبت وجود أمور لا يمكن الإحساس بها، حتى يكون حكم هذه في ما هو مقدم على تلك، أو ما هو أعم منها، وثبوت وجود هذه الأمور إنما يصح إذا ثبت إمكان ذلك، وإمكان ذلك إنما يصح إذا ثبت بطلان هذه القضايا التي يسميها الوهميات، فلو أبطلت هذه الوهميات بإثبات ذلك لزم الدور، فإن هذه القضايا تحكم بامتناع وجود ما لا يمكن الإشارة إليه، والمقدمات","vol":"6","page":102},{"text":"التي تثبت ذلك ليست مسلمة عندها، بل لا يمكن عندها تسليم ما يستلزم نقيض ذلك، فإنه قدح في الضروريات بالنظريات.\nوأيضًا فالوهم عندهم إنما يتصور معاني جزئية، وهذه القضايا كلية، فامتنع أن يكون وهمية.\nوأيضًا فما يثبت به وجود هذه الموجودات قضايا سوفسطائية، كما بين في موضعه.\nوأما قوله: (وهذه الوهميات، لولا مخالفة السنن الشرعية لها، لكانت تكون مشهورة وإنما تثلم في شهرتها الديانات الحقيقية والعلوم الحكمية) .\nفيقال له: هذا من أصدق الدليل على صحتها، وذلك أن هذه مشهورة عند جميع الأمم الذين لم تغير فطرتهم، وعند جميع الأمم المتبعين لسنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من المسلمين واليهود والنصارى، وإنما يقدح فيها المبتدعة من أهل الديانات، كالمعتزلة ونحوهم.\nوابن سينا لما كان من أتباع القرامطة الباطنية، وهو يعاشر أهل الديانات المبتدعين من الرافضة والمعتزلة، أو من فيه شعبة من ذلك،","vol":"6","page":103},{"text":"وهؤلاء يقولون: إن الله ليس فوق العرش، لم تكن هذه مشهورة عند هؤلاء.\nومن المعلوم باتفاق هؤلاء وغيرهم، أن الأنبياء لم يقدحوا في هذه القضايا، ولا أخبروا بما يناقضها، بل أخبار الأنبياء كلها توافق هذه القضايا.\nوالقرآن والتوراة والإنجيل فيها من الموافق لهذه القضايا ما لا يحصيه إلا الله.\nوكذلك في الأخبار النبوية والآثار السلفية، بل لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم قول يناقض إثبات هذه القضايا.\nوابن سينا وأمثاله مقرون بان الكتب الإلهية إنما جاءت بما يوافق مذهب المثبتة للصفات والعلو، بما لا يناقض ذلك، وهم يسمون ذلك تشبيهًا، ويقولون: الكتب الإلهية إنما جاءت بالتشبيه، ويجعلون هذا مما احتجوا به، كما قد حكينا كلامه في ذلك، وأنه احتج بذلك على هؤلاء الذين وافقوه على نفي الصفات والعلو.\nوقال: إذا كان هذا التوحيد حق، والأنبياء لم تخبر به بل بنقيضه، فكذلك في أمر المعاد، فكيف يزعم من هذا أن السنن الشرعية والديانات الحقيقة منعت هذه أن تكون مشهورة.\nفعلم أن المانع لشهرتها هو قول لم يوجد عن الأنبياء وأتباع الأنبياء، وأن شهرتها إنما امتنعت بين هؤلاء الذين ابتدعوا قولًا ليس مشروطًا،","vol":"6","page":104},{"text":"وحينئذ فيكون المانع من شهرتها عند من لم تشتهر عنده سنة بدعية لا شرعية، وديانة وضعها بعض الناس، ليست منقولة عن نبي من الأنبياء.\nولا ريب أن المشركين والمبدلين من أهل الكتاب لهم شرائع وديانات ابتدعوها ووضعوها، وتلك لا يجب قبولها عند العقلاء، وإنما يجب أن يتبع ما يثبت نقله عن الأنبياء المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم.\nوكذلك قوله إنه: (يثلم في شهرتها العلوم الحكمية) .\nفيقال له: قد نقل غيرك من الفلاسفة القدماء أنهم كانوا يقولون بموجب هذه القضايا، كما بين ذلك ابن رشد الحفيد وغيره، بل المنقول عن متقدمي الفلاسفة وأساطينهم بل أرسطو، وعن كثير من متأخريهم، القول بما هو أبلغ من هذه القضايا، من قيام الحوادث بالواجب، وما يتبع ذلك، كما تقدم نقل بعض ذلك عنهم.\nوقوله: (ولا يكاد المدفوع عن ذلك يقاوم نفسه في دفع ذلك، لشدة استيلاء الوهم) .\nفيقال له: هذا يدل على تمكنها في الفطرة، وثبوتها في الجبلة.\nوأنها مغروزة في النفوس، فمن دفع ذلك عن نفسه لم يقاوم نفسه، ولم يمكنه دفعها عن نفسه.","vol":"6","page":105},{"text":"وهذا حد العلم الضروري، وهو الذي يلزم نفس العبد لزومًا لا يمكنه معه دفعه عن نفسه، فإذا لم يمكن الإنسان أن يدفع هذه القضايا عن نفسه، ولا يقاوم نفسه في دفعها، تبين أنها ضرورية، وأن هؤلاء الدافعين لها يريدون تغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وتغيير خلقه، كأمثالهم من الجاحدين المكذبين بالحق، الذين يكذبون بالحق المعلوم بالبهتان والسفسطة، وأن قدحهم في هذا كقدح أمثالهم من السوفسطائية في أمثال هذه.\nوأما قوله: (لشدة استيلاء الوهم) .\nفقد قلنا غير مرة: إن الوهم قد فسروه بالقوة التي تتصور معاني جزئية في محسوسات جزئية، وهذا الوهم إنما تصرفه في الجزئيات من المعاني، وأما هذه القضايا فهي قضايا كلية، فهي من حكم العقل الصريح، فالمخالف لها مخالف لصريح العقل، وهو المتبع لقضايا الوهم الفاسد، فإنه يثبت موجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق، أو موجودًا لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا الموجود لا يثبته في الخارج إلا الوهم والخيال الفاسد، لا يثبته لا عقل صريح ولا نقل صحيح، بل ولا وهم مطابق، ولا خيال مستقيم، كما لا يثبته حس سليم، فنفاة ذلك ينفون موجب العقل والشرع والحس السليم، والوهم المستقيم، والخيال القويم، ويثبتون ما لا يدرك إلا بوهم فاسد، وخيال فاسد.","vol":"6","page":106},{"text":"وقوله: (على أن ما يدفعه الوهم ولا يقبله إذا كان في المحسوسات فهو مدفوع منكر) .\nفيقال له: هذا أيضًا حجة عليكم، فإن المنازع يقول: أنه لم يقم دليل شرعي ولا عقلي على إثبات موجود لا يمكن أن يعرف بالحس بوجه من الوجوه، وإن كان لا يمكن أن يعرف كثير من الناس بحسه، ولا يمكن أن يعر ف بالحس في كثير من الأحوال.\nوقد عرف من مذهب السلف وأهل السنة والجماعة أن الله يمكن أن يرى في الآخرة، وكذلك الملائكة والجن يمكن أن ترى، وما يقوم بالمرئيات من الصفات يمكن أن يعرف بطريقها، كما تعرف المسموعات بالسمع، والملموسات باللمس، ويقول: إن الرسل صلوات الله عليهم قسموا الموجودات إلى غيب وشهادة، وأمروا الإنسان بالإيمان بما أخبروا به من الغيب.\nوكون الشيء شاهدًا وغائبًا أمر يعود إلى كونه الآن مشهودًا أو ليس الآن بمشهود، فما لم يكن الآن مشهودًا يمكن أن يشهد بعد ذلك، بخلاف هؤلاء النفاة، فإنهم قسموا الموجودات في الخارج إلى محسوس، وإلى معقول لا يمكن الإحساس به بحال.\nوهذا مما ينفيه صريح العقل لا مما يثبته، وإنما المعقول الصرف ما كان ثابتًا في العقل كالعلوم الكلية، وليس للكليات وجود في الخارج، مع انه قد يقال: إنه يمكن الإحساس بها أيضًا، إذا أمكن الإحساس","vol":"6","page":107},{"text":"بمحلها، كما يمكن الإحساس بأمثالها من الأعراض، كالعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك.\nلكن نحن لا نحس الآن بهذه الأمور بالحس الظاهر، وعدم إحساسنا الآن بذلك، لا يمنع أن الملائكة يمكنها الإحساس بذلك، وأنه يمكننا الإحساس بذلك في حال أخرى، وأنه يمكن كل واحد أن يحس بما في باطن غيره، كما يمكنه الإحساس الآن بوجهه وعينه، وإن كان الإنسان لا يرى وجهه وعينه، فقد يشهد الإنسان من غيره ما لا يشهده من نفسه، وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع.\nوأيضًا فالحس نوعان: حس ظاهر يحسه الإنسان بمشاعره الظاهرة فيراه ويسمعه ويباشره بجلده، وحسن باطن كما أن الإنسان يحس بما في باطنه من اللذة والألم، والحب والبغض، والفرح والحزن، والقوة والضعف وغير ذلك.\nوالروح تحس بأشياء لا يحس بها البدن، كما يحس من يحصل له نوع تجريد، بالنوم وغيره، بأمور لا يحس بها غيره.\nثم الروح بعد الموت تكون أقوى تجردًا، فترى بعد الموت وتحس بأمور لا تراها الآن ولا تحس بها.\nوفي الأنفس من يحصل له ما يوجب أن يرى بعينه ويسمع بأذنه ما لا يراه الحاضرون ولا يسمعونه، كما يرى الأنبياء الملائكة ويسمعون","vol":"6","page":108},{"text":"كلامهم، وكما يرى كثير من الناس الجن ويسمعون كلامهم.\nوأما من يقول بعض الفلاسفة: إن هذه المرئيات والمسموعات إنما هي في نفس الرائي لا في الخارج، فهذا مما قد علم بطلانه بأدلة كثيرة، وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.\nومن كان له نوع خبرة بالجن: إما بمباشرته لهم في نفسه وفي الناس، أو بالأخبار المتواترة له عن الناس، علم من ذلك ما يوجب له اليقين التام بوجودهم في الخارج، دع ما تواتر من ذلك عن الأنبياء.\nوكذلك ما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقيني بوجودهم في الخارج، كقصة ضيف إبراهيم المكرمين، ومجيئهم إلى إبراهيم، وإتيانه لهم بالعجل السمين ليأكلوه، وبشارتهم لسارة بإسحاق ويعقوب ثم ذهابهم إلى لوط، ومخاطبتهم له، وإهلاك قرى قوم لوط، وقد قص الله هذه القصة في غير هذه الموضع.\nوكذلك قصة مريم وإرسال الله إليها جبريل في صورة بشر حتى نفخ فيها الروح، وكذلك قصة إتيان جبريل إلى النبي ﷺ: «تارة في صورة أعرابي» .","vol":"6","page":109},{"text":"«وتارات في صورة دحية الكلبي» .\nفمن علم أن الروح قد تحس بما لا يحس به البدن، وأن من الناس من يحس بروحه وبدنه ما لا يحسه غيره من الناس، توسع له طرق الحس، ولم يرى الحس مقصورًا على ما يحبه جمهور الناس في الدنيا بهذا البدن، فإن هذا الحس غنما يدرك بعض الموجودات.\nوحينئذ فإذا قيل: إن كل قائم بنفسه أو كل موجود يمكن الإحساس به، فإنه يراد بذلك ما هو أعم من هذا الحس، بحيث يدخل في ذلك هذا وهذا، وليس للنفاة دليل على إثبات ما ليس بمحسوس بهذا الحس، والعقليات التي يثبتونها إنما هي الكليات الثابتة في الذهن، وتلك في الحقيقة وجودها في الأذهان لا في الأعيان.","vol":"6","page":110},{"text":"وهذا منتهى ما عند ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة، ولهذا كان كمال الإنسان عندهم أن يصير عالمًا معقولًا موازيًا للعالم الموجود، ويجعلون النعيم والعذاب أمرين قائمين بالنفس، من جملة أعراضها لا ينفصل شيء من ذلك عنها، وقد بينا بعض ما في هذا القول من الضلال في غير هذا الموضع.\nولهذا جعل في منطقه العلوم اليقينية العقلية هي هذه العقليات، ونفى أن تكون المشهورات العملية من اليقينيات، ونفى أن يكون ما يثبت الموجودات الحسية الغائبة من اليقينيات، وسمى هذه وهميات، فبإنكاره هذا أنكر الموجودات الغائبة عن إحساس أكثر الناس في هذه الدنيا، فلم يصدق بالموجودات الغائبة، ولا بكثير مما يشاهد في هذا العالم من الملائكة والجن وغير ذلك، وبإنكاره المشهورات أن تكون يقينية أنكر موجب القوة العملية في النفس التي بها تستحسن ما ينفعها من الأعمال، وتستقبح ما يضرها، فأخرج الأعمال التي لا تكمل النفس إلا بها من أن تكون يقينية، كما أخرجها من أن تكون من الكمال، ولم يجعل كمال النفس إلا مجرد علم مجرد، لا حب معه لله تعالى في الحقيقة، وإنما الأعمال عندهم لأجل إعداد النفس لنيل ما يظنونه كمالًا من العلم.\nوهذا العلم الذي يدعونه غالبه جهل، وما فيه من العلم فليس علمًا","vol":"6","page":111},{"text":"بموجودات معينة، وإنما هو علم أمور مطلقة في الذهن لا وجود لها في الخارج، فلم يحصل له من الكمالات العلمية والعملية ما يوجب سعادتهم في الآخرة، ولا نجاتهم من النار، وكان كثير من اليهود والنصارى أقرب إلى السعادة والنجاة منهم، كما قد بسط في موضعه.\nوالمقصود هنا أن الناس متفقون على أن حكم الذهن بأنه ما من موجود قائم بنفسه وإلا يمكن الإشارة إليه، وأنه يمتنع وجود موجودين ليس أحدهما مباينًا للآخر ولا محايثًا له، بل إن صانع العالم فوق العالم - ليس مما تواطأ عليه الناس وقبله بعضهم عن بعض، كقول النفاة: إنه يمكن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، بل ذلك مما أقر به الناس بفطرتهم، وعرفوا ببدائه عقولهم، وضروات قلوبهم.\nوالقادحون فيما يسلمون ذلك، ويدعون أن فطر الناس أخطأت في هذا الحكم، وأنه من حكم الوهم والخيال الباطل.\nفإذا كانوا معترفين بأن هذا مما أقروا به بلا مواطأة، لم يمكن أن يقال: إنهم كذبوا على فطرتهم، لأن هؤلاء القائلين بذلك أضعاف أضعاف أضعاف أهل التواتر، بل هم جماهير بني آدم، فإذا قالوا: إن هذا أمر نجده في قلوبنا وفطرتنا، وجب تصديقهم في ذلك.\nوحينئذ فلا يجوز إبطال هذه القضايا البديهية بقضايا نظرية،","vol":"6","page":112},{"text":"لأن البديهيات أصل للنظريات، فلو جاز القدح بالنظريات في البديهيات، والنظريات لا تصح إلا بصحة البديهيات، كان ذلك قدحًا في أصل النظريات، فلزم من القدح في البديهيات بالنظريات فساد النظريات، وإذا فسدت لم يصح القدح بها، وهو المطلوب.\nفهذا ونحوه يبين أنه لا تسمع من النفاة حجة على إبطال مثل هذه القضية البديهية، ثم يبين فساد ما استدل به على بطلان ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>الرد على قول الرازي: الوجه الأول</span>\nأن يقال: من المعلوم أن هذا لا ينكره إلا من يقول بأن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، وينكرون أن يكون الله نفسه فوق العالم، فإنهم يقولون: لو كان فوق العرش لكان مباينًا له بالجهة مشارًا إليه، وذلك ممتنع عندهم، فيجوزون وجود موجودين ليس أحدهما مباينًا للآخر ولا مدخلًا له، ووجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، ويقولون: الباري ليس مباينًا للعالم ولا مداخلًا له.\nوطائفة من الفلاسفة تقول مثل ذلك فيما تثبته من العقول والنفس الناطقة، ولهم في النفس الفلكية قولان.","vol":"6","page":113},{"text":"وإذا كان كذلك، فجماهير الخلائق يخالفون هؤلاء، ويقولون بأن الله نفسه فوق العالم، وإذا كان الله نفسه فوق العالم، فإن كان ذلك مستلزمًا لجواز الإشارة إليه، وأن يكون مباينًا للعالم بالجهة، فلازم الحق حق، وامتنع حينئذ وجود موجود لا مباين للعالم ولا محايث له ولا يشار إليه، وإن أمكن أن يكون هو نفسه فوق العالم، ويكون مع ذلك غير مشار إليه ولا مباين للعالم بالجهة- بطل قول هؤلاء النفاة، فإنهم إنما نفوا أن تكون نفسه فوق العالم، لأن ذلك عندهم مستلزم لكونه مشارًا إليه، ومباينًا للعالم بالجهة، وإذا بطل قولهم حصل المقصود، ولم يكن إلى هذه المقدمات الضرورية حاجة.\nفالمقصود أنه لا يوافقهم على أنه ليس فوق العالم إلا أقل الناس، ومن لم يوافقهم على ذلك، فإما أن ينكر وجود موجودين: ليس أحدهما مباينًا للآخر ولا محايثًا له، وإما أن لا ينكر ذلك، فإن لم ينكر ذلك، مع إنكار قولهم بأنه ليس فوق العالم، كان إنكاره لقولهم أعظم من ترك إنكاره لما يبطل قولهم.\nفإن المقصود ما يبطل قولهم، فإذا كان الناس: إما منكر له، وإما منكر لما يستلزم إبطاله، ثبت اتفاق جمهور الناس على إنكاره، وهو المطلوب.\nثم يقال: هذه القضية قد صرح أئمة الطوائف الذين كانوا قبل أن يخلق الله الكرامية والحنبلية بأنها قضية بديهية ضرورية، فمن ذلك ما","vol":"6","page":114},{"text":"ذكره عبد العزيز بن يحيى المكي المشهور صاحب الحيدة وهو من القدماء الذين لقوا الشافعي ومن هو أقدم من الشافعي، وهو مشاهير متكلمي أهل السنة الذين اتفقت الأشعرية مع سائر الطوائف المثبتة على تعظيمه واتباعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>كلام عبد العزيز الكناني في مسألة الاستواء والعلو</span>\nقال في (الرد على الزنادقة والجهمية): (زعمت الجهمية في قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، إنما المعنى، استولى، كقول العرب: استوى فلان على مصر، استوى فلان على الشام، يريد استولى عليها) .\nقال: (فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه.\nفإذا قال: لا.\nقيل له: فمن زعم ذلك؟ فمن قوله: من زعم ذلك فهو كافر، يقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك أن الله ﵎ أخبر أنه خلق العرش قبل خلق السماوات والأرض، ثم استوى عليه بعد خلق السماوات والأرض.","vol":"6","page":115},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧] فأخبر أن العرش كان على الماء قبل السماوات والأرض.\nثم قال: ﴿خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩] .\nوقوله: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ [غافر: ٧]، وقوله: ﴿استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات﴾ [البقرة: ٢٩] .\nوقوله: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] .\nفأخبر أنه استوى على العرش، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان على العرش فيها قبل خلق السماوات والأرض ليس الله بمستول عليه، إذ كان استوى على العرش معناه عندك: استولى، فإنما استولى بزعمك في ذلك الوقت لا قبله.\nوقد روى عمران بن حصين عن النبي ﷺ أنه قال: «اقبلوا لبشرى يا بني تميم.\nقد بشرتنا فأعطنا.\nقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن قالوا: قد قبلنا، فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان.","vol":"6","page":116},{"text":"قال: كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح ذكر كل شيء» .\nوروي «عن أبي رزين - وكان يجب النبي ﷺ مسألته أنه قال: يا رسول الله كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء.\nما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق العرش على الماء» .\nقال: (فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما يقال: استوى.\nفلان على السرير، فيكون السرير قد حوى فلانًا وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول: إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.\nقال: فيقال له: أما قولك: كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه: كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش، ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب","vol":"6","page":117},{"text":"على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنهم لم يخبرهم كيف ذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله، ولكن يلزمك أيها الجهمي أن تقول: إن الله محدود، وقد حوته الأماكن، إذ زعمت في دعواك أنه في الأماكن، لأنه لا يعقل شيء في مكان إلا والمكان قد حواه، كما تقول العرب: فلان في البيت، والماء في الجب، فالبيت قد حوى فلانًا والجب قد حوى الماء، ويلزمك أشنع من ذلك، لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى، وذلك أنهم قالوا: إن الله ﷿ في عيسى، وعيسى بدن إنسان واحد، فكفروا بذلك، وقيل لهم: ما أعظم الله إذ جعلتموه في بطن مريم! وأنتم تقولون: إنه في كل مكان، وفي بطون النساء كلهن، وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم، ويلزمك أيضًا أن تقول: إنه في أجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن، وعندك أن الله في كل مكان، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا! فلما شنعت مقالته، قال: أقول: إن الله في كل مكان، لا كالشيء في الشيء، ولا كالشيء على الشيء، ولا كالشيء خارجًا عن الشيء، ولا مباينًا للشيء، قال: فيقال له: أصل قولك: القياس والمعقول، فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئًا، لأنه لو كان شيئًا داخلًا، فمن القياس والمعقول أن يكون داخلًا في الشيء أو","vol":"6","page":118},{"text":"خارجًا منه، فلما لم يكن في قولك شيئًا استحال أن يكون كالشيء في الشيء أو خارجًا من الشيء، فوصفت لعمري ملتبسًا لا وجود له وهو دينك، وأصل مقالتك: التعطيل) .\nفهذا كلام عبد العزيز يبين أن القياس المعقول يوجب أن ما لا يكون في الشيء ولا خارجًا منه، فإنه لا يكون شيئًا، وأن ذلك صفة توجب أن ما لا يكون في الشيء ولا خارجًا منه فإنه لا يكون شيئًا وأن ذلك صفة المعدوم الذي لا وجود له.\nوالقياس هو الأقيسة العقلية، والمعقول هو العلوم الضرورية، وعبد العزيز هذا قبل وجود الحنبلية والكرامية كما تقدم.\nوقال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، إمام الحارث المحاسبي، وأبو العباس القلانسي، والأشعري، وأمثالهم، وممن ذكر ذلك عنه أبو بكر بن فورك فيما جمعه من كلامه، فإن جمع من كلامه، وجمع كلام الأشعري أيضًا، وبين اتفاقهما في عامة أصولهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>كلام ابن كلاب في مسألة العلو</span>\nقال ابن كلاب: (وأخرج من النظر والخبر قول من قال: لا في العالم ولا لخارج منه، فنفاه نفيًا مستويًا، لأنه لو قيل له: صفة بالعدم، ما قدر أن يقول فيه أكثر منه، ورد أخبار الله نصًا، وقال في ذلك ما لا يجوز في خبر ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص، والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قياسون) .\nقال: (فإن قالوا: هذا إفصاح منكم بخلو الأماكن منه، وانفراد","vol":"6","page":119},{"text":"العرش به.\nقيل: إن كنتم تعنون خلو الأماكن من تدبيره، وأنه عالم بها، فلا.\nوإن كنتم تذهبون إلى خلوها من استوائه عليها كما استوت على العرش، فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله وعلى العرش، ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض، واستوى على الجدار، وفي صدر البيت) .\nوقال أيضًا أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب: (يقال لهم: أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا نعم.\nقيل ما تعنون بقولكم: إنه فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة، قيل لهم: ليس عن هذا سألتكم وإن قالوا: المسألة خطأ.\nقيل: فليس هو فوق.\nفإن قالوا: نعم، ليس هو فوق.\nقيل لهم: وليس هو تحت.\nفإن قالوا: ولا تحت، أعدموه لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم، وإن قالوا: هو فوق وهو تحت.\nقيل لهم: فوق تحت، وتحت فوق) .\nوقال أيضًا: (يقال لهم: إذا قلنا: الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان، فهذا محال، فلا بد من نعم.\nقيل لهم فهو لا مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا نعم: قيل لهم فهو بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم؟ فإذا قالوا: نعم، قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من هذه الجهة.\nوقيل لهم أليس لا يقال لما ليس بثابت في الإنسان مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا: نعم.\nقيل: فأخبرونا عن معبودكم: مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما، قيل لهم:","vol":"6","page":120},{"text":"فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون: عدم، كما تقولون للإنسان: عدم، إذا وصفتموه بصفة العدم؟ وقيل لهم: إذا كان عدم المخلوق وجودًا له، فإذا كان العدم وجودًا كان الجهل علمًا، والعجز قوة) .\nوقد ذكر هذا الكلام وأشباهه، ذكره عنه أبو بكر بن فورك في الكتاب الذي أفرده في لمقالاته، وقال فيه: إنه أحب من سماه من أعيان أهل عصره: (أن أجمع له متفرق مقالات أبي محمد بن كلاب، شيخ أهل الدين، وإمام المحققين، المنتصر للحق وأهله، المبين بحجج الله، الذاب عن دين الله، لما من به الله تعالى من معالم طرق دينه للحق، وصراطه المستقيم، السيف المسلول على أهل الأهواء والبدع، الموفق لاتباع الحق، والمؤيد بنصرة الهدى والرشد) وأثنى عليه ثناءً عظيمًا.\nقال: (وكان ذلك على أثر ما جمعت من متفرق مقالات شيخنا الأشعري) .\nقال: (ولما كان الشيخ الأول، والإمام السابق، أبو محمد عبد الله بن سعيد، الممهد لهذه القواعد، المؤسس لهذه الأصول، والفاصل بحسن ثنائه بين حجج الحق وشبه الباطل، بالتنبيه على طرق الكلام فيه، والدال على موضع الوصل والفصل، والجمع والفرق، الفاتق لرتق الأباطيل، والكاشف عن لبس ما زخرفوا وموهوا) وذكر كلامًا طويلًا في الثناء عليه.","vol":"6","page":121},{"text":"والمقصود أن ابن كلاب إمام الأشعري وأصحابه، ومن قبلهم كالحارث المحاسبي وأمثاله، يبين أن من قال: لا هو في العالم ولا خارج منه، فقوله فاسد، خارج عن طريق النظر والخبر، وأنه قد ورد خبر الله نصًا، ولو قيل له: صفة بالعدم، ما قدر أن يقول أكثر منه، وأنه قال ما لا يجوز في خبر ولا معقول، وأنهم قالوا: هذا هو التوحيد الخالص، وهو النفي الخالص، فجعلوا النفي الخالص هو التوحيد الخالص.\nوهذا الذي قاله هو الذي يقوله جميع العقلاء، الذين يتكلمون بصريح العقل، بخلاف من تكلم في المعقول بما هو وهم وخيال فاسد.\nولذلك قال: (إذا قالوا: ليس هو فوق وليس هو تحت فقد أعدموه لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم) .\nوهذا كله يناقض قول هؤلاء الموافقين للمعتزلة والفلاسفة، من متأخري الشيعة، ومن وافقهم من الحنبلية والمالكية والحنفية والشافعية، وغيرهم من طوائف الفقهاء، الذين بقولون: ليس هو تحت وليس هو فوق.\nوذكر حجة ثالثة فقال: (أنتم تصفونه بالصفات الممتنعة، التي مضمونها الجمع بين المتقابلين في الموجودات، فيلزمكم أن تصفوه بسائر المتقابلات) .\nقال: (فيقال لهم: إذا قلنا الإنسان - يعني: وغيره من الأعيان القائمة بأنفسها - لا مماس ولا مباين للمكان، فهذا محال باعترافهم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>تعليق ابن تيمية</span>\nوهم يقولون: إنه لا مماس ولا مباين للمكان، فيصفونه بالصفة","vol":"6","page":122},{"text":"المستحيلة الممتنعة في المخلوق، التي لا تثبت في التوهم، ويقولون: يجوز أن نصفه بما يمتنع تصوره وتوهمه في غيره من هذا السلوب، فإذا جوزوا أن يوصف بما يمتنع تصوره في سائر الموجودات، فليصفوه بسائر الممتنعات من الموجودات، فيقولوا: لا هو قديم ولا محدث، ولا قائم بنفسه ولا بغيره، ولا متقدم على غيره ولا مقارن له، ونحو ذلك، ويقولوا: هذا إنما يمتنع في غيره من الموجودات لا فيه.\nوحينئذ فيقولون: لا هو حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا موجود ولا معدوم، وهذا منتهى قول القرامطة، وهو جمع النقيضين، أو رفع النقيضين.\nومن المعلوم أن العقل إذا جزم بامتناع اجتماع الأمرين، أو امتناع ارتفاعهما، سواء كان أحدهما وجودًا والآخر عدمًا، وهو التناقض الخاص، أو كانا وجودين،، فإنا نعلم ذلك ابتداءً بما نشهده في الموجودات التي نشهدها، كما أن ما يثبت من الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام وأمثال ذلك، إنما نعلمه ابتداء بما نعلمه في الموجودات التي نعرفها، ثم إذا اخبرنا الصادق المصدوق عن الغيب الذي لا نشهده، فإنما نفهم مراده الذي أراد أن يفهمنا إياه لما بين ما أخبر به من الغيب، وبين ما علمناه في الشاهد من القدر الجامع الذي فيه نوع تناسب وتشابه، فإذا أخبرنا عما الجنة من الماء واللبن والعسل والخمر والحرير والذهب، لم نفهم ما أراد إفهامنا إن لم نعلم هذه الموجودات في الدنيا، ونعلم أن بينها وبين ما في الجنة قدرا مشتركًا وتناسبًا","vol":"6","page":123},{"text":"وتشابهًا يقتضي أن نعلم ما أراد بخطابه، وإن كانت تلك الموجودات مخالفة لهذه من وجه آخر.\nكما قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.\nرواه الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس، وقد رواه غيره واحد منهم محمد بن جرير الطبري في التفسير في قوله: ﴿وأتوا به متشابها﴾ [البقرة: ٢٥] .\nوإذا كان بين المخلوق والمخلوق قدر فارق مع نوع من إثبات القدر المشترك، الذي يقتضي التناسب والتشابه من بعض الوجوه، فمعلوم أن ما بين الخالق والمخلوق من المفارقة والمباينة أعظم مما بين المخلوق والمخلوق، فهذا مما يوجب نفي مماثلة صفاته لصفات خلقه، ويوجب أن ما بينهما من المباينة والمفارقة أعظم مما بين مخلوق ولمخلوق، مع أنه لولا أن بين مسمى الموجود الموجود، والحي والحي، والعليم والعليم، والقدير والقدير، وأمثال ذلك من المعنى المتفق المتواطئ المناسب والمتشابه، ما","vol":"6","page":124},{"text":"يوجب فهم المعنى لم يفهمه، ولا أمكن أن يفهم أحد ما أخبر به عن الأمور الغائبة.\nوإذا كان هذا في الخطاب السمعي الخبري، فكذلك في النظر القياسي العقلي، فإنما نعرف ما غاب عنا باعتباره بما شهدناه، فيعتبر الغائب بالشاهد، ويحصل في قلوبنا بسبب ما نشهده من الأعيان والجزئيات الموجودة قضايا كلية عقلية، فيكون إدراج المعينات فيها هو قياس الشمول، كالذي يسميه المنطقيون المقدمتان والنتيجة، ويكون اعتبار المعين بالمعنى هو قياس التمثيل الجامع المشترك، سواء كان هو دليل الحكم أو علة دليل الحكم.\nوالناس في هذا المقام: منهم من يزعم أن القياس البرهاني هو قياس الشمول، وأن قياس التمثيل لا يفيد اليقين، بل لا يسمى قياسًا إلا بطريق المجاز، كما يقول ذلك من يقوله من أهل المنطق، ومن وافقهم من نفاة قياس التمثيل في العقليات والشرعيات كابن حزم وأمثاله، ومنهم من ينفي قياس التمثيل في العقليات دون الشرعيات، كأبي المعالي ومتبعيه، مثل الغزالي والرازي والآمدي وأبي محمد المقدسي وأمثالهم.\nومنهم من يعكس ذلك فيثبت قياس التمثيل في العقليات دون الشرعيات، كما هو قول أئمة أهل الظاهر، مثل داود بن علي وأمثاله،","vol":"6","page":125},{"text":"وقول كثير من المعتزلة البغداديين، كالنظام وأمثاله، ومن الشيعة الإمامية، كالمفيد والمرتضى والطوسي وأمثالهم.\nوكثير من هؤلاء يقول: إن قياس التمثيل هو الذي يستحق أن يسمى قياسًا على سبيل الحقيقة، وأما تسمية قياس الشمول قياسًا فهو مجاز، كما ذكر ذلك الغزالي وأبو محمد المقدسي وغيرهما.\nوالذي عليه جمهور الناس، وهو الصواب، أن كليهما قياس حقيقة، وأن كليهما يفيد اليقين تارة والظن أخرى، بل هما متلازمان، فإن قياس التمثيل مضمونه تعلق الحكم بالوصف المشترك، الذي هو علة الحكم، أو دليل العلة، أو هو ملزوم للحكم، وهذا المشترك هو الحد الأوسط في قياس الشمول، فإذا قال القايس: نبيذ الحنطة المسكر حرام، قياسًا على نبيذ العنب، لأنه شراب مسكر، فكان حراما قياسًا عليه، وبين أن المسكر هو مناط التحريم، فيجب تعلق التحريم بكل مسكر - كان هذا قياس تمثيل.\nوهو منزلة أن يقول: هذا شراب مسكر، وكل مسكر حرام، فالمسكر الذي جعله في هذا القياس حدًا أوسط، هو الذي جعله في ذلك القياس الجامع المشترك الذي هو مناط الحكم، فلا فرق بينهما عند التحقيق في المعنى، بل هما متلازمان، وإنما يتفاوتان في ترتيب المعاني والتعبير عنها، ففي الأول يؤخر الكلام في المشترك الذي هو الحد الأوسط، وبيان أنه مستلزم للحكم متضمن له، ويذكر الأصل الذي هو نظير الفرع ابتداءً.\nوفي الثاني يقدم الكلام في الحد الوسط ويبين شموله وعموه، وانه مستلزم للحكم ابتداء.","vol":"6","page":126},{"text":"والمقصود هنا أنا إذا حكمنا بعقولنا حكمًا كليًا يعم الموجودات، أو يعم المعلومات، مثل قولنا: إن الموجود: إما واجب وإما ممكن، وإما قديم وإما محدث، وإما قائم بنفسه، وإما قائم بغيره، وإما مشار إليه، وإما قائم بالمشار إليه، وكل موجودين: فأحدهما إما متقدم على الآخر وإما مقارن له، وإما مباين له وإما محايث له، وقلنا: إن الصانع: إما أن يكون متقدمًا على العالم أو مقارنًا له، وإما أن يكون خارجًا عنه أو داخلًا فيه - كان علمنا بهذه القضايا الكلية العامة بتوسط ما علمناه من الموجودات.\nفإذا كنا نعلم أن المعلوم: أما أن يكون موجودًا، وإما أن يكون معدومًا، فادعى مدع أن الواجب لا يقال: إنه موجود لا معدوم، أو ليس بموجود ولا معدوم - كما يقول ذلك من يقوله من القرامطة الباطنية - كنا، وإن لم نشهد الغائب، نعلم أن هذا الخير العام والقضية الكلية تتناول غيره.\nوإذا قلنا لهذا: هل يمكنك إثبات شيء في الشاهد ليس بموجود ولا معدوم؟ قلنا: لا.\nقلنا له: فكيف تثبت في الغائب ما ليس بموجود ولا معدوم؟ - كنا قد أبطلنا قوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>قول القائل: أنا لا أصفه بالوصفين المتقابلين لأن القابل لذلك لا يكون إلا جسمًا</span>\nفإذا قال: أنا أصفه لا بهذا ولا بهذا، بل أنفي عنه هذين الوصفين المتقابلين، لأن اتصافه بأحدهما إنما يكون لو كان قابلًا لأحدهما، وهو لا يقبل واحدًا منهما، لأنه لو قبل ذلك لكان جسمًا، إذ هذه من صفات الأجسام، فإذا قدرنا موجودًا ليس بجسم، لم يقبل لا هذا ولا هذا - قيل له: فهكذا سائر الملاحدة، إذا قالوا: لا نصفه لا بالحياة ولا بالموت، ولا العلم ولا الجهل ولا القدرة ولا العجز،","vol":"6","page":127},{"text":"ولا الكلام ولا الخرس، ولا البصر ولا العمى، ولا السمع ولا الصمم، لأن اتصافه بأحدهما فرع لقبوله لأحدهما، وهو لا يقبل واحدًا منهما، لأن القابل للاتصاف بذلك لا يكون إلا جسمًا، فإن هذه من صفات الأجسام، فإذا قدرنا موجودًا ليس بجسم لم يقبل هذا ولا هذا، فما كان جوابًا لهؤلاء الملاحدة فهو جواب لك، فما تخاطب به أنت النفاة الذين ينفون ما تثبته أنت، يخاطبك به المثبتون لما تنفيه أنت حذو القذة بالقذة.\nونحن نجيبك بما يصلح أن تجيب أنت ونحن به لسائر الملاحدة، فإن حجتك عليهم قاصرة، وبحوثك معهم ضعيفة، كما بينا ضعف مناظرة هؤلاء الملاحدة في غير موضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن يقال: إن ما يقدر عدم قبوله ولهذا أشد نقصًا واستحال وامتناعًا، من وصفه بأحد النقيضين مع قبوله لأحدهما، وإذا قدرنا جسمًا حيًا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا متكلمًا كالإنسان والملك وغيرهما، كان ذلك خيرًا من الجسم الأعمى الأصم الأبكم، وإن أمكن أن يتصف بضد الكمال.\nوهذا الجسم الأعمى الأصم الذي يمكن اتصافه بتلك الكمالات","vol":"6","page":128},{"text":"أكمل من الجماد الذي لا يمكن اتصافه لا بهذا ولا بهذا، والجسم الجماد خير من العدم الذي يكون لا مباينًا لغيره ولا مداخلًا له، ولا قديمًا ولا محدثًا، ولا واجبًا ولا ممكنًا، فأنت وصفته بما لا يوصف به إلا ما هو أنقص من كل ناقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: قولك: (فهذه من صفات الأجسام) لفظ مجمل.\nفإن عنيت أن يكون هذه الصفات لا يوصف بها إلا من هو من جنس المخلوقات، وإذا وصفنا الرب بها لزم أن يكون من جنس الموجودات مماثلًا لها - كان هذا باطلًا، فإنك لا تعلم أن هذه لا يوصف إلا مخلوق، فإن هذا أو المسألة، فلو قدرت أن تبين أن هذه لا يوصف بها إلا مخلوق لم تحتج إلى هذا الكلام.\nيقال لك: لا سبيل لك إلى هذا النفي، ولا دليل عليه.\nوإن قلت: إن هذه الصفات توصف بها المخلوقات، وتوصف بها الأجسام.\nقيل لك: نعم وليس في كون الأجسام المخلوقة توصف بها ما يمنع اتصاف الرب بما هو اللائق به من هذا النوع، كاسم الموجود والثابت والحق والقائم بنفسه ونحو ذلك، فإن هذه الأمور كلها توصف بها الأجسام المخلوقة، فإن طرد قياسه لزم الإلحاد المحض والقرمطة، وأن يرفع النقيضين جميعًا فيقول: لا موجود ولا معدوم، ولا ثابت ولا منتف، ولا حق ولا باطل، ولا قائم بنفسه ولا بغيره، وهذا لازم قول من نفى الصفات، وحينئذ فيلزمه الجمع بين النقيضين، أو رفع","vol":"6","page":129},{"text":"النقيضين، ويلزمه أن يمثله بالممتنعات والمعدومات، فلا يفر من محذور إلا وقع فيما هو شر منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>الوجه الثالث</span>\nأن يقال لهذا النافي للمباينة والمداخلة: أنت تصفه بأنه موجود قائم بنفسه، قديم حي عليم قدير، وأنت لا تعرف موجودًا هو كذلك إلا جسمًا.\nفلا بد من أحد الأمرين: إما أن تقول: هو موجود حي عليم قديم وليس بجسم، فيقال لك: وهو أيضًا له حياة وعلم وقدرة وليس بجسم، ويقال لك: هو مباين للعالم، عال عليه، وليس بجسم.\nوإن قلت: يلزم من كونه مباينًا للعالم عاليًا عليه، أن يكون جسمًا لأني لا أعقل المباينة والمحايثة إلا من صفات الأجسام.\nقيل لك: ويلزم من كونه حيًا عليمًا قديرًا أن يكون جسمًا، لأنك لا تعقل موجودًا حيًا عليمًا قديرًا إلا جسمًا، فهذا نظير هذا، فما تقوله في أحدهما يلزمك نظيره في الآخر، وإلا كنت متناقضًا مفرقًا بين المتماثلين.\nوإما أن تقول: أنا أقول: إنه موجود قائم بنفسه حي عليم قدير، لأن ذلك قد علم بالشرع والعقل، وإن لزم أن يكون جسمًا التزمته، لأن لازم الحق حق.\nقيل لك: وهكذا يقول من يقول: إنه فوق العالم مباين له: أنا أصفه بذلك، لأنه قد ثبت ذلك بالشرع والعقل، وإذا لزم من ذلك أن يكون جسمًا التزمته، لأن لازم الحق حق.","vol":"6","page":130},{"text":"وإما أن تقول: أنا لا أعرف لفظ الجسم، أو تقول: لفظ الجسم فيه إجمال وإبهام، فإذا عنيت به الجسم المعروف في اللغة، وهو بدن الإنسان، لم أسلم لأني لا أعلم موجودًا حيًا عالمًا قادرًا، إلا ما كان مثل بدن الإنسان، فإن الروح هي أيضًا حية عالمة قادرة، وليست من جنس البدن، وكذلك الملك وغيره.\nوإن عنيت بالجسم أنه يقبل التفريق والتجزئة والتبعيض، بحيث ينفصل بعضه عن بعض الفعل.\nقيل: أنا أتصور موجودًا عالمًا قادرًا قبل أن أعلم أنه يمكن تفريقه وتبعيضه، فلا يلزم من تصوري للموجود الحي العالم القادر أن يكون قابلًا لهذا التفريق والتبعيض.\nوإن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لم يكن هذا ممتنعًا عندي، بل هذا هو الواجب، فإن كان ما لا يمكن أن يشار إليه، لا يكون موجودًا.\nوإن عنيت بالجسم انه يمكن مركب من الجواهر المنفردة الحسية، أو من المادة والصورة اللذان يجعلان جوهران عقليان، فأنا ليس عندي شيء من الأجسام كذلك، فضلًا عن أن يقدر مثل ذلك، فإذا كنت نافيًا لذلك في المخلوقات البسيطة فتنزيه رب العالمين عن ذلك أولى.\nوإن عنيت بالتبعيض أنه يمكن أن يرى منه شيء دون شيء، كما قال ابن عباس وعكرمة وغيرهما من السلف ما يوافق ذلك، لم أسلم لك أن أن هذا ممتنع.","vol":"6","page":131},{"text":"وإن عنيت بالجسم أنه يماثل شيئًا، من المخلوقات لم نسلم الملازمة.\nفأي شيء أجبت به الملحدة من هذه الأجوبة، قال لك المثبت لمباينته للعالم وعلوه عليه مثل ما قلت أنت لهؤلاء الملاحدة.\nقال ما تعني بقولك: لو كان عاليًا على العالم مباينًا له كان جسمًا؟ إن عنيت أنه بدن، لم نسلم لك الملازمة.\nوإن عنيت انه يبل التفريق والتبعيض فكذلك.\nوإن عنيت أنه مركب من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة لم نسلم الملازمة أيضًا.\nوإن عنيت شيئًا أنه يكون مماثلًا لشيء من المخلوقات لم نسلم الملازمة.\nوإن عنيت أنه يشار إليه أو أنه يرى منه شيء دون شيء منع انتفاء اللازم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: الحكم بأن المعلوم: إما موجود وإما معدوم، وأن الموجود: إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره، وإما واجب وإما ممكن، وإما قديم وإما محدث، وإما متقدم على غيره وإما مقارن له، وإما مباين لغيره وإما محايث له، وأن القائم بنفسه أو القائم القابل لصفات الكمال: إما حي وإما ميت، وإما عالم وإما جاهل، وإما قادر وإما عاجز، وإن ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله، وأن المتصف بصفات الكمال أكمل من المتصف بصفات النقص، وممن لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا.\nوهذه العلوم وأمثالها مستقرة في العقول، وهي إما علوم ضرورية،","vol":"6","page":132},{"text":"أو قريبة من الضرورية، والقطع بها أعظم من القطع بوجود موجود لا يمكن الإشارة الحسية إليه، وأن الواجب الوجود لا يشار إليه، فإن ما يشار إليه فهو جسم، فلو أشير إليه لكان جسمًا وليس بجسم فإن هذه الأمور إما أن تكون معلومة الفساد بالضرورة أو بالنظر، وإما أن تكون إذا علمت لا تعلم إلا بطرق نظرية، فلا يمكن القدح بها في تلك المقدمات الضرورية، فالاعتبار والقياس تارة يكون بلفظ الشمول والعموم، وتارة بلفظ التشبيه والتمثيل.\nوكذلك إذا قلنا: إما أن يكون قائمًا بنفسه أو بغيره أو قديمًا أو محدثًا، أو واجبًا أو ممكنًا، فكذلك إذا قلنا: إما أن يكون مباينًا أو محايثًا أو داخلًا أو خارجًا.\nفبين ابن كلاب - وغره من أئمة النظار - لهؤلاء النفاة: أنكم إذا جوزتم خلو الرب عن الوصفين المتقابلين - الذين يعلمون أنه يمتنع خلو الوجود عنهما - لزمكم مثل ذلك، وأن تصفوه بسائر الممتنعات، فقال: إذا وصفتموه بأنه لا مماس ولا مباين، وأنتم تعلمون أن الموجود الذي تعرفونه لا يكون إلا مماسًا أو مباينًا، فوصفتموه بما هو عندكم محال فيما تعرفونه من الموجودات، لزمكم أن تصفوه بأمثال ذلك من المحالات، فتقولون: لا قديم ولا محدث ولا قائم بنفسه ولا غيره، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل وأمثال ذلك.\nوذكر أيضًا حجة أخرى رابعة فقال: أليس يقال لما ليس بثابت","vol":"6","page":133},{"text":"في الإنسان: لا مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا: نعم، قيل: فأخبرونا عن معبودكم: مماس هو أم مباين؟ فإذا قالوا لا يوصف بهما.\nقيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون عدم، كما تقولون للإنسان: عدم إذا وصفتموه بصفة العدم.\nيقول: أنتم تعرفون أن سلب هذين المتقابلين جميعًا هو من صفات المعدومات، فالموجود الذي تعرفونه، القائم بنفسه، لا يقال: إنه ليس مباينًا لغيره من الأمور القائمة بأنفسها ولا مماسًا لها، بخلاف المعدوم، فإنه يقال: لا هو مماس لغيره ولا مباين له، فإذا وصفتموه بصفة المعدوم، فجعلتم ما هو صفة لما هو عدم في الموجودات صفة للخالق الموجود الثابت، وحينئذ فيمكن أن يوصف بأمثال ذلك، فيقال: هو عدم كما يوصف ما عدم من الأناسي بأنه عدم، فقال لهم: إذا كان عدم الموجود وجودًا له، فإذا كان العدم وجودًا، كان الجهل علمًا، والعجز قوة، أي إذا جعلتم المعدوم - الذي لا يعقل إلا معدومًا - جعلتموه موجودًا، أمكن حينئذ أن يجهل علمًا، والعجز قوة، والموت حياة والخرس كلامًا والصمم سمعًا، والعمى بصرًا وأمثال ذلك.\nوهذا حقيقة قول النفاة، فإنهم يصفون الرب بما لا يوصف به إلا المعدوم، بل يصفون الموجود الواجب بنفسه، الذي لا يقبل العدم بصفات الممتنع الذي لا يقبل الوجود، فإن كان هذا ممكنًا أمكن أن يجعل أحد المتناقضين صفة لنقيضه، كما ذكر.","vol":"6","page":134},{"text":"ولا ريب أن النفاة لا تقر بوصفه بالامتناع والعدم والنقائص، لكن نقول: لا نصفه لا بهذا ولا بهذا، لا نصفه بالعلم ولا الجهل ولا الحياة ولا الموت، ولا القدرة ولا العجز ولا الكلام ولا الخرس.\nفإذا قيل لهم: عن لم يوصف بصفة الكمال، لزم اتصافه بهذه النقائص.\nقالوا: هذا إنما يكون فيما يقبل الاتصاف بهذا وهذا.\nويقول المنطقيون: هذان متقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا يرتفعان جميعًا، بخلاف المتقابلين تقابل العدم والملكة، كالحياة والموت، والعمى والبصر، فإنهما قد يرتفعان جميعًا إذا كان المحل لا يقبلهما كالجمادات، فإنها لما لم تقبل الحياة والبصر والعلم لم يقل فيها إنها حية ولا ميتة، ولا عالمة ولا جاهلة، وقد أشكل كلامهم هذا على كثير من النظار، وأضلوا به خلقًا كثيرًا، حتى الآمدي وأمثاله من أذكياء النظار، اعتقدوا أن هذا كلام صحيح، وأنه يقدح في الدليل الذي استدل به السلف والأئمة، ومتكلمو أهل الإثبات في إثبات السمع والبصر وغير ذلك من الصفات.\nوهذا من جملة تلبيسات أهل المنطق والفلسفة، التي راجت على هؤلاء فأضلتهم عن كثير من الحق الصحيح، المعلوم بالعقل الصريح.\nوجواب هذا من وجوه بسطناها في غير هذا الموضع.\nمنها أن يقال: فما يقبل الاتصاف بهذه الصفات، مع إمكان","vol":"6","page":135},{"text":"انتفائه عنه، أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها بحال.\nفالحيوان الذي يقبل أن يتعاقب عليه العدم والملكة، فيكون إما سميعًا وإما أصم، وإما بصيرًا وإما أعمى، وإما حيًا وإما ميتًا - أكمل من الجماد الذي لا يقبل لا هذا ولا هذا، بل الحيوان الموصوف بهذه النقائص، مع إمكان اتصافه بهذا الكمال، أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك.\nفإذا قلتم: إن الموجود الواجب لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال - مع أن المتصف بالنقائص يمكنه الاتصاف بها - جعلتموه أنقص من الحيوانات، وجعلتموه بمنزلة الجمادات، وكان من وصفه بهذه النقائص، مع إمكان اتصافه","vol":"6","page":136},{"text":"بالكمالات، خيرًا منكم، فمن وصفه بالعمى والصمم والعور، مع إمكان زول هذه النقائص عنه - كان خيرًا منكم.\nوهم يشنعون بما يحكى عن بعض ضلال اليهود والنصارى من أن الله ندم على الطوفان حتى عض على إصبعه وجرى الدم، وبكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وآلى على نفسه أنه لا يغرق بنيه، وأن بعض بني إسرائيل وجده ينوح على خراب بيت المقدس، وفي بعض كتب النصارى أنه ينام.\nومن قال إن بشرًا - كمسيح الهدى ومسيح الضلالة - أنه الله، مع كونه يأكل ويشرب وأنه أعور.\nوأمثال هؤلاء الذين يصفونه بهذه النقائص - مع إمكان اتصافه بالكمال - هم خير ممن يقول: لا يمكن اتصافه بصفات الكمال بحال.\nبل من جعل يأكل ويشرب فهو خير ممن يقول: لا يمكن أن يكون حيًا ولا عالمًا ولا قادرًا، فإن الحي الذي يأكل ويشرب، خير من الجماد الذي لا يعلم ولا يتكلم، ولا يسمع ولا يبصر.\nعلم أن من نفى عنه صفات الكمال كان شرًا من جميع هذه الطوائف، فإنهم جعلوه كالمعدوم أو الجماد، وهؤلاء شبهوه بالحيوان الذي فيه صفة كمال مع نوع من النقص، فكان تعطيل الأول له من صفات الكمال، وتمثيله له بالمعدومات والجمادات، شرًا من تعطيل هذا له عن بعض صفات الكمال مع إثباته لكثير من صفات الكمال، وكان تشبيهه له بالحيوان أمثل من تشبيه ذاك له بالجماد والمعدوم.\nوهكذا من قيل له: هو واجب، فإنه إن لم يكن واجبًا كان ممكنًا، وهو قديم فإنه إن لم يكن قديمًا كان محدثًا، وهو خالق فإن القائم بنفسه إن لم يكن خالقًا كان مخلوقًا، وهو مباين للعالم خارج عنه، فإنه إن لم يكن مباينًا له خارجًا عنه، كان داخلًا فيه محصورًا محوزًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>كلام الإمام أحمد في الرد على الجهمية والزنادقة في إثبات علو الله واستوائه</span>\nوممن ذكر ذلك الإمام أحمد فيما خرجه في (الرد على الزنادقة والجهمية) قال: (بيان ما أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله","vol":"6","page":137},{"text":"على العرش.\nقلنا لم أنكرتم أن الله على العرش؟ وقد قال الله ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، فقالوا هو تحت الأرضين السبعة كما هو على العرش، فهو على العرش، وفي السماوات وفي الأرض وفي كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، وتلو آيات من القرآن: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ [الأنعام: ٣]، فقلنا قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء.\nفقالوا: أي شيء؟ قلنا أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة، ليس فيها من عظم الرب شيء.\nوقد أخبرنا أنه في السماء فقال: ﴿أأمنتم من في السماء أن","vol":"6","page":138},{"text":"يخسف بكم الأرض﴾ [الملك: ١٦]، ﴿أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا﴾ [الملك: ١٧]، وقال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال: ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقال: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠]، وقال: ﴿ذي المعارج﴾ [المعارج: ٣]، وقال: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال: ﴿وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] .\nفهذا خبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا بقول الله ﷿: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال: ﴿وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين﴾ [فصلت: ٢٩] .","vol":"6","page":139},{"text":"وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان، فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد؟ .\nولكن معنى قول الله ﷿: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ [آل عمران: ١٢٩]، يقول: هو إله من في السماوات وإله من في الأرض، وهو الله على العرش، وقد أحاط الله بعلمه ما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان.\nوذلك قوله تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢] .\nومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلًا كان في يديه قدح من قوارير صاف، وفيه شيء صاف، لكان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح،","vol":"6","page":140},{"text":"من غير أن يكون ابن آدم في القدح، والله وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه.\nوخصلة أخرى لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار.\nفالله ﷿ - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع ما خلق، وعلم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق.\nوما تأوله الجهمية من قول الله ﷿: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة: ٧]، فقالوا: إن الله ﷿ معنا وفينا.\nقال: فقلنا: فلم قطعتم الخبر من أوله بأن الله","vol":"6","page":141},{"text":"يقول: ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ يعني: إلا الله - بعلمه - رابعهم، ﴿ولا خمسة إلا هو﴾ بعلمه ﴿سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم﴾ يعني بعلمه فيهم ﴿أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ [المجادلة: ٧]، يفتح الخبر بعلمه فيهم ويختمه بعلمه.\nويقال للجهمي: إذا قال: إن الله معنا بعظمة نفسه.\nقيل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن الله يباين خلقه، وأن خلقه دونه، وإن قال لا","vol":"6","page":142},{"text":"كفر.\nوإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان.\nفقل له: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم.\nفقل له: حين خلق الشيء خلقه من نفسه أو خارجًا من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل: واحد منها: إن زعم أن الله خلق في نفسه فقد كفر، حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء.\nوإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه، ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>تعليق ابن تيمية</span>\nفقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بصريح العقل وبديهته، من أنه لا بد إذا خلق الخلق من أن يخلقه مباينًا له أو محايثًا له، ومع المحايثة: إما","vol":"6","page":143},{"text":"أن يكون هو العالم، وإما أن يكون العالم فيه، لأنه سبحانه قائم بنفسه، والقائم بنفسه إذا كان محايثًا لغيره، فلا بد أن يكون أحدهما حالًا في الآخر، بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات، فإنها قد تكون جميعًا قائمة بغيرها.\nفهذا القسم لم يحتج أن يذكره لظهور فساده، وأن أحدًا لا يقول به، إذ من المعلوم لكل أحد أن الله تعالى قائم بنفسه، لا يجوز أن كون من جنس الأعراض التي تفتقر إلى محل يقوم به.\nوكذلك من هذا الجنس قول من يقول: لا هو مباين ولا محايث، لما كان معلومًا بصريح العقل بطلانه، لم يدخله في التقسيم، إذ من المستقر في صريح العقل أن الموجود: إما مباين لغيره، وإما مداخل له، فانتفاء هذين القسمين يبطل قول من يجعله لا مباينًا ولا مداخلًا كالمعدوم، وقول من يجعله حالًا في العالم مفتقرًا إلى المحل كالأعراض، إذ المفتقر إلى المحل لا يقوم بنفسه، ولا يكون غنيًا عما سواه، فيمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه.\nولهذا لم يقل مثل هذا أحد من العقلاء، وإن قال بعضهم ما يستلزم ذاك، فما كل من قال مذهبًا التزم لوازمه.\nوقد نفى أيضًا قول من يقول: هو في كل مكان بتقسيم آخر من هذا الجنس، إذ القائل بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، لا يمكنه أن","vol":"6","page":144},{"text":"ينفي قول من يقول: إنه في كل مكان، لأنه إن جوز وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يقبل الإشارة إليه، لم يمكنه مع هذا السلب أن ينفي قول من يقول: هو في كل مكان لا الجسم مع الجسم، ولا كالعرض مع العرض أو الجسم، فإنه إذا احتج على نفي ذلك بأنه لو كان في كل مكان للزم احتياجه إلى محل، أو نحو ذلك، قال له المنازع: هو في كل مكان، وهو مع ذلك لا يحتاج إلى محل، فإن المحتاج إلى المحل إنما هو العرض أو الجسم، وهو ليس بجسم ولا عرض، بل هو لا مماس للأشياء ولا مباين لها، إذ المماسة والمباينة من صفات الجسم، وهو ليس بجسم.\nكما قد يقول: إنه في كل مكان، وليس بحال ولا مماس ولا مباين، فإذا قال النافي: هذا لا يعقل، قال له نظيره الذي يقول: لا داخل العالم ولا خارجه: وقولك أيضًا لا يعقل، فكلا القولين مخالف للمعروف في العقول، فليس إبطال أحدهما دون الآخر بأولى من العكس.\nوإنما يمكن أن يرد على الطائفتين أهل الفطر السليمة الذين لم يقولوا ما يناقض صريح العقل.\nومن المعلوم أن من قال: إنه في العالم، مثل كون القائم بنفسه في","vol":"6","page":145},{"text":"القائم بنفسه - كان قوله أقل فسادًا من قول من قال: إنه في العالم كالقائم بغيره مع القائم بنفسه، فإن هذا لا يقوله عاقل، فإذا بطل الأول بطل الثاني.\nفأبطل الإمام أحمد هذا القول أيضًا فقال: (بيان ما ذكره الله في القرآن من قوله تعالى: ﴿وهو معكم﴾ [الحديد: ٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>كلام آخر للإمام أحمد عن المعية</span>\nوهذا على وجوه: قول الله لموسى: ﴿إنني معكما﴾ [طه: ٤٦]، يقول في الدفع عنكما.\nوقال: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]، يقول: في الدفع عنا.\nوقال: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ [البقرة: ٢٤٩]، يقول: في النصر لهم على عدوهم.\nوقال: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم﴾ [محمد: ٣٥]، في النصر لكم على عدوكم.","vol":"6","page":146},{"text":"وقال: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم﴾ [النساء: ١٠٨]، يقول: بعلمه فيهم.\nوقال: ﴿فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]، يقول: في العون على فرعون.\nقال: (فلما ظهرت الحجة على الجهمي لما ادعى على الله أنه مع خلقه في كل شيء غير مماس للشيء ولا مباين منه فقلنا: إذا كان غير مباين أليس هو مماسًا؟ قال: لا.\nقلنا فكيف يكون في كل شيء غير مماس له ولا مباين له؟ فلم يحسن الجواب، فقال: بلا كيف، فخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم، فقلنا له: إذا كان يوم القيامة أليس إنما هو الجنة","vol":"6","page":147},{"text":"والنار، والعرش والهواء؟ قال: بلى.\nقلنا: فأين يكون ربنا: قال: يكون في الآخرة في كل شيء كما كان، حيث كانت الدنيا في كل شيء.\nقلنا فإن مذهبكم أن ما كان من الله على العرش فهو على العرش، وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة، وما كان من الله في النار فهو في النار وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء، فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>تعليق ابن تيمية</span>\nفكان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يبينون فساد قول الجهمية، سواء قالوا: إنه في كل مكان، أو قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، أو قالوا: إنه في العالم أو خارج العالم، إذ جماع قولهم أنه ليس مباينًا للعالم، مختصًا بما فوق العالم.\nثم هم مع هذا مضطربون: يقولون هذه تارة، وهذا تارة، ولا يمكن بعض طوائفهم أن يفسد مقالة الأخرى لاشتراكهم في الأصل الفاسد.\nولهذا كان الحلولية والاتحادية منهم الذين يقولون: إنه في كل","vol":"6","page":148},{"text":"مكان يحتجون على النفاة منهم، الذين يقولون: ليس مباينًا للعالم ولا مداخلًا له، بأن قد اتفقنا على أنه ليس فوق العالم، وإذا ثبت ذلك تعين مداخلته للعالم، إما أن يكون وجوده وجود العالم، أو يحل في العالم، أو يتحد به، كما قد عرف من مقالاتهم.\nوالذين أنكروا الحلول والاتحاد من الجهمية، ليست لهم على هؤلاء حجة إلا من جنس حجة المثبتة عليهم، وهو قول المثبتة: إن ما لا يكون داخلًا ولا مباينًا غير موجود، فإن أقروا بصحة هذه الحجة بطل قولهم، وإن لم يقروا بصحتها أمكن إخوانهم الجهمية الحلولية أن لا يقروا بصحة حجتهم، إذ هما من جنس واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>كلام الرازي في الرد على الحلولية</span>\nواعتبر ذلك بما ذكره الرازي في الرد على الحلولية فإنه لما ذكر الكلام: (في أنه يمتنع حلول ذاته أو صفة من صفاته في شيء) ذكر: أن النصارى تقول بالحلول تارة والتحاد تارة أخرى) .\nقال: (والحلول باطل، لأن الحلول إنما يعقل إذا كان الحال مفتقرًا إلى المحل، فحلوله بصفة الجواز ينفي افتقار الحال إلى المحل، وبصفة الوجوب، يقتضي افتقار الواجب إلى غيره وحدوثه أو قدم المحل) .","vol":"6","page":149},{"text":"قال: (فإن قلت: أنه قد يقتضي الحلول بشرط وجود المحل، أو المحل يقتضي حلوله فيه، فلم يلزم قدم المحل ولا حلول الواجب.\nقلت: كلاهما يمنع وجوب الحلول، والاتحاد باطل، لأن المتحدين إن بقيا عند الاتحاد أو عدما وحصل ثالث فلا اتحاد، فإن بقي أحدهما دون الآخر فلا اتحاد، لامتناع كون المعدوم عين الموجود) .\nقال الرازي: (ناظرت بعض النصارى، فقلت: تسلم أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول؟ قال: نعم.\nفقلت: فما الدليل على أنه تعالى لم يحل في بدن زيد ولا عمرو، والذبابة والنملة؟ فقال: لأنه ثبت في حق عيسى أنه أحيى الأموات، وأبرأ","vol":"6","page":150},{"text":"الأكمه والأبرص، ولم يوجد في حق غيره.\nفقلت له: فقد سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، ولأنه ظهر على يد موسى قلب العصا ثعبانًا، وانقلاب الخشبة ثعبانًا أعجب من انقلاب الميت حيًا، فهو أولى بالدلالة على الحلول في الجملة) .\nقال: (وبالجملة مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ما ذكره من إبطال الحلول بإلزام النصارى كلام صحيح، ولكن هذا إنما يستقيم على قول أهل الإثبات المثبتين لمباينته للعالم، فأما على قول الجهمية النفاة فلا تستقيم هذه الحجة.\nوذلك أن الحلول على وجهين:\nأحدهما: أهل الحلول الخاص، كالنصارى والغالية من هذه الأمة، الذين يقولون بالحلول، إما في علي، وإما في غيره.\nالثاني: القائلون بالحلول العام، الذين يقولون في جميع المخلوقات نحوًا مما قالته النصارى في المسيح ﵇، أو ما هو شر","vol":"6","page":151},{"text":"منه، ويقولون: النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا كما يقول ذلك الاتحادية أصحاب صاحب (الفصوص) وأمثاله، وهم كثيرون في الجهمية.\nبل عامة عباد الجهمية وفقهائهم، وعامة الذين ينتسبون إلى التحقيق من الجهمية، هم من هؤلاء كابن الفارض، وابن سبعين، والقونوي، والتلمساني، وأمثالهم.\nفإذا قال الجهمي الذي يقول: إنه في كل مكان، ويقول مع ذلك بأن وجوده غير وجود المخلوقات، أو يقول بالاتحاد من وجه والمباينة من وجه، كما هو قول ابن عربي وأمثاله، كما حكى الإمام أحمد عنهم، يقول: إنه في كل مكان لا مماس للأمكنة ولا مباين لها، وأنه حال في العالم أو متحد به لا كحلول الأعراض والأجسام في الأجسام وأشباه ذلك.\nفاحتج موافقوهم على نفي المباينة كالرازي وأمثاله بما ذكروه من قولهم: الحلول إنما يعقل إذا كان الحال مفتقرًا إلى المحل، فإما أن يكون الحلول جائزًا أو واجبًا، فإن كان جائزًا انتفى افتقاره إلى المحل، فلزم الجمع بين النقيضين: أن يكون مفتقرًا إلى المحل غير مفتقرًا إليه لكون حلوله جائزًا لا واجبًا، وإن كان الحلول واجبًا لم يكن الحال واجبًا بنفسه بل بغيره.","vol":"6","page":152},{"text":"قال لهم الحلولية: قولكم الحلول المعقول يقتضي افتقار الحال إلى المحل إنما يكون إذا كان الحال عرضًا، فضلًا عن أن يكون جسمًا، فضلًا عن أن يكون لا جسمًا ولا عرضًا، فأما إذا قدر حال ليس بجسم ولا عرض، فلم قلتم: إن حلوله يقتضي افتقاره إلى المحل؟ وقالوا لهم: إذا جوزتم وجود موجود لا مباين لغيره ولا حال فيه، فلم لا يجوز وجود موجود حال في غيره ليس مفتقرًا إليه؟\nفإذا قلتم: لا نعقل حالًا في شيء إلا مفتقرًا إليه.\nقيل لكم: هذا كما قلتموه للمثبتة: هذا من حكم الهم والخيال، لما قال المثبتة: لا نعقل موجودًا إلا مباينًا لغيره أو محايثًا له.\nوهذا هو السؤال الذي أورده أحمد من جهة الجهمية حيث قالوا: (هو في كل مكان: لا مماس ولا مباين، فضلًا عن أن يقولوا: مفتقرًا، فإن الافتقار إنما يعقل في حلول الأعراض، فأما حلول الأعيان القائمة بأنفسها في الأعيان القائمة بأنفسها، فلا يجب فيه الافتقار.\nوالقائلون بالحلول إنما يقولون: هو حلول عين في عين، لا حلول صفة في محل.\nفلهذا قال لهم الإمام أحمد وأمثاله: أهو مماس أو مباين؟ فإذا سلبوا هذين المتقابلين تبين مخالفتهم لصريح العقل، وكانت هذه الحجة عليهم خيرًا من حجة الرازي، حيث أنه نفى حلول العرض في محله، فإن هذا لم يقله أحد.","vol":"6","page":153},{"text":"وكذلك ما نفاه من الاتحاد، ليس فيه حجة على ما ادعوه من الاتحاد، فإنهم لا يقولون ببقائهما بحالهما، ولا ببقاء أحدهما، وإنما يشبهون الاتحاد باتحاد الماء واللبن، والماء والخمر واتحاد النار والحديد.\nفقوله: (هذا ليس باتحاد) نزاع لفظي، فهم يسمون هذا اتحادًا، فلا بد من بيان بطلان ما أثبتوه من الحلول والاتحاد، وإلا كان الدليل منصوبًا في غير محل النزاع.\nأما الأئمة الذين ردوا على الحلولية، فأبطلوا نفس ما ادعوه، وإن كان هؤلاء لا يقرون بأنا نقول بالحلول، كما لا يقر القائلون بأنه لا داخل العالم ولا خارجه بالتعطيل، فلزوم الحلول لهؤلاء كلزوم التعطيل لهؤلاء، والتعطيل شر من الحلول.\nولهذا كان العامة من الجهمية إنما يعتقدون أنه في كل مكان، وخاصتهم لا تظهر لعامتهم إلا هذا، لأن العقول تنفر عن التعطل أعظم من نفرتها عن الحلول، وتنكر قول من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه أعظم مما تنكر أنه في كل مكان، فكان السلف يردون خير قوليهم وأقربهما إلى المعقول، وذلك مستلزم فساد القول الآخر بطرق الأولى.","vol":"6","page":154},{"text":"ومن العجب أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينسبون المثبتين للصفات إلى قول النصارى، كما قد ذكر ذلك عنهم أحمد وغيره من العلماء.\nوبهذا السبب وضعوا على ابن كلاب حكاية راجت على بعض المنتسبين إلى السنة، فذكروها في مثالبه، وهو أنه كان له أخت نصرانية، وأنها هجرته لما أسلم، وأنه قال لها: أنا أظهرت الإسلام لأفسد على المسلمين دينهم، فرضيت عنه لأجل ذلك.\nوهذه الحكاية إنما افتراها بعض الجهمية من المعتزلة ونحوهم، لأن ابن كلاب خالف هؤلاء في إثبات الصفات، وهم ينسبون مثبتة الصفات إلى مشابهة النصارى، وهو أشبه بالنصارى، لأنه يلزمهم أن يقولوا: إنه في كل مكان، وهذا أعظم من قول النصارى، أو أن يقولوا ما هو شر من هذا، وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه.\nولهذا كان غير واحد من العلماء كعبد العزيز المكي وغيره، يردون عليهم بمثل هذا، ويقولون: إذا كان المسلمون كفروا من يقول: إنه","vol":"6","page":155},{"text":"حل في المسيح وحده، فمن قال بالحلول في جميع الموجودات أعظم كفرًا من النصارى بكثير.\nوهم لا يمكنهم أن يردوا على من قال بالحلول، إن لم يقولوا بقول أهل الإثبات، القائلين بمباينته للعالم فيلزمهم أحد الأمرين: إما الحلول، وإما التعطيل، والتعطيل شر من الحلول.\nولا يمكنهم إبطال قول أهل الحلول مع قولهم بالنفي الذي هو شر منه وإنما يمكن ذلك لأهل الإثبات.\nوهم وإن قالوا: إن مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه، فلا يقدرون على إبطاله مع قولهم بالتجهم، ولهذا لم يكن فيما ذكروه حجة على إبطاله، فيلزمهم: إما إمكان تصحيح قول النصارى والحلولية، وإما إبطال قولهم، وهذا لا حيلة فيه لمن تدبر ذلك.\nوهب أنهم يمكنهم إبطال قول النصارى في تخصيصهم المسيح بالحلول والاتحاد، حيث يقال: إذا جوز الحلول والاتحاد بالمسيح جاز بغيره، فإن القائلين بعموم الحلول والاتحاد يلتزمون هذا، ويقولون: النصارى كفرهم لأجل التخصيص، وكذلك عباد الأصنام إنما أخطأوا من حيث عبدوا بعض المظاهر دون بعض، والعارف المحقق عندهم من لا يقتصر على بعض المظاهر والمجالي، بل يعبد كل شيء كما قد صرح بذلك ابن عربي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم، وأمثاله من أئمة هؤلاء الجهمية القائلين بوحدة الوجود","vol":"6","page":156},{"text":"الذين هم محققو أهل الحلول والاتحاد، ولهذا كان هؤلاء لهم الظهور والاستطالة على نفاة الحلول والمباينة جميعًا، بل هؤلاء يخضعون لأولئك ويعتقدون فيهم ولاية الله، وينصرونهم على أهل الإيمان القائلين بمباينة الخالق للمخلوق، كما قد رأيناه وجربناه.\nوسبب ذلك أن قول هؤلاء الحلولية والاتحادية مسقف بالتأله والتعبد، والتصوف والأخلاق، ودعوى المكاشفات والمخاطبات، ونحو ذلك مما لا يكاد يفهمه أكثر النفاة، فإذا كانوا لا يفهمون حقيقة قولهم سلموا إليهم ما يقولونه، وظنوا أن هذا من جنس كلام أكابر أولياء الله، الذين أطلعهم الله من الحقائق على ما يقصر عنه عقول أكثر الخلائق، وسلموا لهم ما لا يفهمونه من أقوالهم، كما يسلمون للنبي ﷺ ما لا يفهمونه من أقواله، فيعظمون هؤلاء كما يعظمون الرسول، بمثابة من صدق محمدًا رسول الله ومسيلمة الكذاب: صدق كلا منهما في أنه رسول، كحال أهل الردة الذين آمنوا بمسيلمة المتنبي، مع دعواهم أنهم مؤمنون بمحمد رسول الله، ولا يعرفون ما بين قول هذا وقول هذا من المناقضة والمنافاة، لعدم تحققهم في الإيمان بمحمد رسول الله ﷺ.\nفهكذا نفاة العلو والصفات من الجهمية، أو نفاة العلو وحده، إذا سمعوا النصوص الإلهية المثبتة للعلو والصفات، أعرضوا عن فهم","vol":"6","page":157},{"text":"معناها، وإثبات موجبها ومقتضاها، وآمنوا بألفاظ لا يعرفون مغزاها، وآمنوا للرسول إيمانًا مجملًا بأنه لا يقول إلا حقًا، ولم يكن في قلوبهم من العلم بمباينة الله لخلقه وعلوه عليهم ما ينفون به بدعة الحلولية والاتحادية وأمثالهم، لأن أحد المتقابلين إنما يرتفع عن القلب بإثبات مقابله، وأحد النقيضين لا يزول عن القلب زوالًا مستقرًا إلا بإثبات نقيضه.\nفإذا كان حقيقة الأمر أن الرب تعالى، إما مباين للعالم، وإما مداخل له، كان من لم يثبت المباينة لم يكن عنده ما ينافي المداخلة، بل إما أن يقر بالمداخلة، وإما أن يبقى خاليًا من اعتقاد المتقابلين المتناقضين، ولا يمكنه مع عدم اعتقاد نقيض قول أن يعتقد فساده، ولا ينكره ولا يرده، بل يبقى بمنزلة من سمع أن محمدًا قال: إنه رسول الله، وأن مسيلمة قال: إنه رسول الله، وهو لم يصدق واحدًا منهما، ولم يكذب واحدًا منهما، فمثل هذا يمتنع أن يرد على مسيلمة أو يكذبه.\nفهكذا من كان لم يقر بأن الخالق تعالى مباين للمخلوق، لم يمكنه أن يناقض قول من يقول بالحلول والاتحاد، بل غايته أن لا يوافقه كما لم يوافق قول أهل الإثبات، فهو لم يؤمن بما قاله محمد رسول الله والمؤمنون به، ولا بما قاله مخالفوه الدجالون الكذابون، من أهل الحلول والاتحاد وغيرهم من نفاة العلو.","vol":"6","page":158},{"text":"وقول النفاة للمباينة والمداخلة جميعًا، لما كان في حقيقة الأمر نفيًا للمتقابلين المتناقضين، بمنزلة قول القرامطة الذين يقولون: لا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز - كان قولهم في العقل أفسد من قول من لا يؤمن بمحمد ولا بمسيلمة، فإن كلاهما مبطل، لكن بطلان سلب النقيضين وما هو في معنى النقيضين، أبين في العقل من الإقرار بنبوة رسول من رسل الله صلى الله عليهم أجمعين، فلهذا لا تكاد تجد أحدًا من نفاة المباينة والمداخلة جميعًا، أو من الواقفة في المباينة، يمكنه مناقضة الحلولية والاتحادية مناقضة يبطل بها قولهم، بل أي حجة احتج بها عليهم عارضوه بمثلها، وكانت حجتهم أقوى من حجته.\nفإذا قال لهم: لا يعقل الحلول إلا حلول العرض، فيكون الحال مفتقرًا إلى المحل، أو قال ما هو أبلغ من هذا مما احتج به الأئمة عليهم: لو كان حالًا لم يخل من المباينة والمماسة، فإن القائم بنفسه إذ حل في القائم بنفسه لم يخل من هذا وهذا - قالوا للنفاة: هذا إنما يكون إذا كان الحال متخيرًا أو قائمًا بمتحيز، أو قالوا: هذا هو المعقول من حلول الأجسام وأعراضها، فأما إذا قدرنا موجودًا قائمًا بنفسه ليس بجسم ولا متحيز، لم يمتنع أن يكون حالًا بلا افتقار إلى المحل، ولا مماسة ولا مباينة.","vol":"6","page":159},{"text":"فإن قال إخوانهم من النفاة للعلو والمباينة: هذا لا يعقل.\nقالوا لهم: إذا عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه، ولا مباين للعالم ولا محايث له ولا داخل فيه ولا خارج عنه، وعرضنا على العقل وجود موجود في العالم: قائم بنفسه، لا مماس له ولا مباين له، وليس بجسم ولا متحيز، أو وجود موجود مباين له، وليس بجسم ولا متحيز - كان هذا أقرب إلى العقل.\nوذلك أن وجود موجود لا يشار إليه، ولا يكون محيزًا: لا جسمًا ولا جوهرًا: إما أن يكون ممكنًا، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن ممكنًا بطل قول من يثبت موجودًا، لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يشار إليه، وكان حينئذ قول من أثبت موجودًا خارج العالم أو داخله، وقال: إنه لا يشار إليه - أقل فسادًا في العقل من هذا، وإن كان وجود موجود لا يشار إليه، وولا يكون جسمًا ولا متحيزًا، ممكنًا في العقل، فمن المعلوم إذا قيل مع ذلك: إنه خارج العالم، لم يجب أن يشار إليه، ولا يكون جسمًا منقسمًا ولا مطابقًا موازيًا محاذيًا للعرش، لا أكبر ولا أصغر ولا مساويًا.\nوإن قيل مع ذلك: إنه حال في العالم، لم يجز أن يقال: إنه مماس أو مباين، لأن المماسة والمباينة عندهم من عوارض الجسم المشار إليه، فما","vol":"6","page":160},{"text":"لا يكون جسمًا لا يشار إليه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا، وإذا كان قائمًا بنفسه لا يشار إليه امتنع أن يقال: هو عرض أو كالعرض المفتقر إلى المحل، بل إثبات ما لا يشار إليه، وهو داخل العالم أو خارجه أقرب إلى ما تثبته العقول من إثبات ما لا يشار إليه، ولا هو داخل العالم ولا خارجه.\nومما يقرر هذه الحجج: أن هؤلاء النفاة لما أرادوا بيان إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وأن نفي ذلك ليس معلومًا بضرورة العقل - احتجوا على ذلك بإثبات الكليات، واحتجوا بأن الفلاسفة وطائفة من متكلمي المسلمين من المعتزلة والشيعة والأشعرية أثبتوا النفس، وقالوا: إنها لا داخل البدن ولا خارجه، ولا توصف بحركة ولا سكون، ولا مباينة لغيرها، ولا حلول فيه.\nقالوا: وقول هؤلاء ليس معلوم الفساد بالضرورة، والمثبتون لما طلبوا بيان فساد قولهم، بينوا أن الكليات وجودها في الأذهان لا في الأعيان، وأن قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة حتى عند جماهير المتكلمين من المعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم.\nوالمقصود هنا أن يقال لهؤلاء: إذا جوزتم إثبات الكليات لا","vol":"6","page":161},{"text":"داخل العالم ولا خارجه، مع أنها متعلقة بمعينات، بل جعلتموها جزءًا من المعينات، حيث قلتم: المطلق جزء من المعين، وجوزتم وجود نفوس مجردات عقلية، لا داخل العالم ولا خارجه، مع أنها متعلقة بأبدان بني آدم تعلق التدبير والتصريف، وجوزتم أيضًا وجود نفس فلكية كذلك على أحد قوليكم، فما المانع أن يكون واجب الوجود، مع تدبيره وتصريفه للعالم، متعلقًا به تعلق النفوس بالأبدان، وتعلق الكليات بالأعيان.\nوالنصارى لا يصلون إلى أن يقولوا: إن اللاهوت في الناسوت كالنفس في البدن، بل مباينة اللاهوت للناسوت عندهم أعظم من مباينة النفس للبدن، فإذا جوزتم ما يكون لا داخل العالم ولا خارجه، مع تعلقه بالأبدان أعظم من تعلق اللاهوت بالناسوت عند النصارى، أمكن أن يكون واجب الوجود متعلقًا بالأبدان، بل الموجودات كلها كذلك، وكان قول الجهمية الذين يقولون: إن اللاهوت في كل مكان أقرب إلى المعقول من قول من يقول: إن المجردات في الأبدان والأعيان.\nومما يزيد الأمر وضوحًا أن هؤلاء الفلاسفة المشائين، ومن وافقهم من المتكلمة والمتصوفة يثبتون خمس أنواع من الجواهر: واحد منها هو الجوهر الذي يمكن إحساسه، وهو الجسم في اصطلاحهم، وأربعة: هي جواهر عقلية لا يمكن الإحساس بها، وهي: العقل،","vol":"6","page":162},{"text":"والنفس، والمادة والصورة، مع اتفاقهم على أن الأجسام المحسوسة مركبة من المادة والصورة، وهما جوهران عقليان، كما يقولون: إن الأعيان المعينة المحسوسة فيها كليات طبيعية عقلية هي أجزاء منها.\nفإذا كان هؤلاء يثبتون في الجواهر المحسوسة، معها جواهر عقلية لا ينالها الحس بحال، ويجعلون هذا حالًا وهذا محلًا - لم يمكنهم مع ذلك أن ينكروا كون الوجود الواجب هو حالًا أو محلًا لهذه المحسوسات.\nوهذا هو الذي انتهى إليه محققوهم، كابن سبعين وأمثاله، فإنهم جعلوا الوجود الواجب مع الممكن - كالمادة مع الصورة، وكالصورة مع المادة، أو ما يشبه ذلك - يجعلون الوجود الواجب جزءًا من الممكن، كما أن المطلق جزء من المعين، حتى أن ابن رشد الحفيد وأمثاله يجعلون الوجود الواجب كالشرط في وجود الممكنات، الذي لا يتم وجود الممكنات إلا به، مع أن الشرط قد يكون وجوده مشروطًا بوجود المشروط، فيكون كل منهما شرطًا في وجود الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>كلام ابن عربي في فصوص الحكم عن علاقة الواجب بالممكن</span>\nوهذه حقيقة قولهم: يجعلون الواجب مع الممكن، كل منهما مفتقر إلى الآخر ومشروط به، كالمادة والصورة.\nفابن عربي يجعل أعيان الممكنات ثابتة في العدم، والوجود الواجب فاض عليها فلا يتحقق وجوده إلا بها، ولا تتحقق ماهيتها إلا به، وبنى قوله على أصلين فاسدين.","vol":"6","page":163},{"text":"أحدهما: أن الوجود واحد، ليس هنا وجودان أحدهما واجب بنفسه، والآخر بغيره.\nوالثاني: أن وجود كل شيء زائد عن حقيقته وماهيته، وأن المعدوم شيء، موافقة لمن هذا وهذا: من المعتزلة والفلاسفة، ومن وافقهم من متأخري الأشعرية، فالحقائق والذوات عنده ثابتة في العدم، ووجود الحق فاض عليها، فكان كل منهما مفتقرًا إلى الآخر، ولهذا يقول: إن الحق يتصف بجميع صفات المخلوقات من النقائص والعيوب، وأن المخلوق يتصف بجميع صفات الله تعالى من صفات الكمال، كما قال: (ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص وصفات الذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق، فهي من أولها إلى آخرها صفات له، كما أن صفات المحدثات حق للحق) .\nولهذا قال: (فالأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق، كل ذلك من عين واحدة، لا بل هو العين الواحدة، وهو العيون الكثيرة:\n﴿فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾ [الصافات: ١٠٢]،","vol":"6","page":164},{"text":"فالولد عين أبيه، فما رأى يذبح غير نفسه ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [الصافات ١٠٧]، فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان، بل بحكم ولد من هو عين الوالد ﴿وخلق منها زوجها﴾ [النساء: ١]، فما نكح سوى نفسه) .\nوقال: (فيعبدني وأعبده ويحمدني وأحمده) .\nوقال: (ولما كان فرعون في مرتبة الحكم، قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] أي، وإن كان الكل أربابًا بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم بما أعطيته من الحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله لم ينكروه، وأقروا","vol":"6","page":165},{"text":"بذلك، وقالوا: ﴿إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾، ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه: ٧٢] فالدولة لك، فصح قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]، وإن كان عين الحق) .\nوقال: (فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فكان عتاب موسى على أخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره، وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء) .\nوقال في قصة قوم نوح: ﴿ومكروا مكرا كبارا﴾ [نوح: ٢٢]، لأن الدعوة إلى مكر بالمدعو، فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية) .","vol":"6","page":166},{"text":"وقوله: (ادعوا إلى الله عين المكر، فأجابوه مكرًا، كما دعاهم مكرًا)، فقالوا في مكرهم: ﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ [نوح: ٢٣]، فإنهم إذا تركوا هؤلاء جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن الحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله، كما قال في المحمديين: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣]: أي حكم الله.\nوفسر قوله: قضى، بمعنى قدر لا بمعنى أمر.\nقال: (وما حكم الله بشيء إلا وقع) .\n(والعارف يعرف من عبد.\nوفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود) .","vol":"6","page":167},{"text":"وأمثال هذا الكلام كثير في كلام هذا وأمثاله، كابن سبعين الذي حقق قول هؤلاء الفلاسفة تحقيقًا لم يسبق إليه، وكان آخر قوله: (وأن الله في النار نار، وفي الماء ماء، وفي الحلو حلو، وفي المر مر، وأنه في كل شيء تصوره ذلك الشيء) .\nكما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع.\nوكذلك ابن حموية الذي يتكلم بنحو هذا في مواضع من كلامه.\nوكذلك ابن الفارض في قصيدته المشهورة التي يقول فيها:\nلها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت\nكلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة","vol":"6","page":168},{"text":"وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة\nإلى أن قال:\nوما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت\nإلي رسولًا كنت مني مرسلًا ... وذاتي بآياتي علي استدلال\nفإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادي أجابت من دعاني ولبت\nوقد رفعت تاء المخاطب بيننا ... وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي\nوفارق ضلال الفرق فالجمع منتج ... هدى فرقة بالاتحاد تحدث","vol":"6","page":169},{"text":"فإن العارف المحقق من هؤلاء يقول: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولًا بنفسه، فهو المرسل والمرسل إليه والرسول،.\nويقول من هو من أكبر من أضلوه من أهل الزهادة والعبادة مع الصدق في تسبيحاته وأذكاره: (الوجود واحد، وهو الله، ولا أرى الواحد، ولا أرى الله) .\nويقول أيضًا (نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود، والوجود واحد لا ثنوية فيه) .\nويكرر ذلك كما يكرر المسلمون: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.\nوعنده أن غاية هذا التحقيق والعرفان.\nويجيء من هو من أفضل المتكلمين من النفاة للعلو: يعتقد في مثل هذا أنه كان من أفضل أهل الأرض، أو أفضلهم، ويأخذ ورقة فيها سر مذهبه، ويرقي بها المرضي، كما يرقي المسلمون بفاتحة الكتاب، كما أخبرنا بذلك الثقاة، وهم يقدمون تلك الرقية على فاتحة الكتاب.","vol":"6","page":170},{"text":"ويقول من هو من شعرائهم العارفين:\nوما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويشهد هذا السر من هو ذائق\nويقول:\nوتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواكم\nوأمثال هذا كثير.\nوالمتكلمة النفاة منهم من يوافق هؤلاء ومنهم من لا يوافقهم، ومن وافقهم يقال له: أين ذاك النفي - لا داخل ولا خارج - من هذا الإثبات؟ وهو أنه وجود كل موجود.\nفيقول: هذا حكم عقلي، وهذا حكم ذوقي.\nأو يرجع عن ذلك النفي، ويقول: المطلق جزء من المعينات، والوجود الواجب للموجودات،: مثل الكلي الطبيعي للأعيان، كالجنس لأنواعه، والنوع لأشخاصه، كالحيوانية في الحيوانات، والإنسانية في الأناسي، وهذا غايته أن يجعله شرطًا في وجود الممكنات، لا مبدعًا فاعلًا لها، فإن الكليات لا تبدع أعيانها، بل غايتها إذا كانت موجودة في الخارج أن تكون شرطًا في وجودها، بل جزءًا منها.\nومن لا يوافقهم أكثرهم يسلمون لهم أقوالهم، أو يقولون: نحن لا نفهم هذا، أو يقولون: هذا ظاهره كفر، لكن قد تكون له أسرار وحقائق يعرفها أصحابها.","vol":"6","page":171},{"text":"ومن هؤلاء من يعاونهم وينصرهم على أهل الإيمان، المنكرين للحلول والاتحاد، وهو شر ممن ينصر النصارى على المسلمين، فإن قول هؤلاء شر من قول النصارى، بل هو شر ممن ينصر المشركين على المسلمين.\nفإن قول المشركين الذين يقولون: إنما نعبدهم: ﴿ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣]، خير من قول هؤلاء، فإن هؤلاء أثبتوا خالقًا ومخلوقًا غيره يتقربون به إليه، وهؤلاء يجعلون وجود الخالق وجود المخلوق.\nوغاية من تجده يتحرى الحق منهم أن يقول: العالم لا هو الله ولا غير الله.\nولما وقعت محنة هؤلاء الملاحدة المشهورة، وجرى فيها ما جرى من الأحوال، ونصر الله الإسلام عليهم، طلبنا شيوخهم لنتوبهم، فجاء من كان من شيوخهم، وقد استعد لأن يظهر عندنا غاية ما يمكنه أن يقول لنا ليسلم من العقاب، فقلنا له: العالم هو الله أو غيره؟ فقال: لا هو الله ولا غيره.\nوهذا كان عنده هو القول الذي لا يمكن أحد أن يخالف فيه، ولو علم أنا ننكره لما قاله لنا، كان من أعيان شيوخهم ومحققيهم","vol":"6","page":172},{"text":"وممن لا أتباع ومريدون، وله ولأصحابه سلطان ودولة، ومعرفة ولسان وبيان، حتى أدخلوا معهم من ذوي السلطان والقضاة والشيوخ والعامة، ما كان دخولهم في ذلك سببًا لانتقاص الإسلام، ومصيره أسوأ من دين النصارى والمشركين، لولا ما من الله به من نصر الإسلام عليهم، وبيان فساد أقاويلهم، وإقامة الحجة عليهم، وكشف حقائق ما في أقوالهم من التلبيس، الذي باطنه كفر وإلحاد، لا يفهمه إلا خواص العباد.\nوالمقصود هنا أن الحلولية إذا أراد النفاة للمباينة والحلول جميعًا - من متكلمة الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية، كابن سينا والرازي وأبي حامد وأمثالهم - أن يردوا عليهم حجة عقلية تبطل قولهم لم يمكنهم ذلك كما تقدم، بل يلزم من تجويزهم إثبات وجود لا داخل العالم ولا خارجه تجويز قول الحلولية، ولهذا لا تجد في النفاة من يرد على الحلولية ردًا مستقيمًا، بل إن لم يكن موافقًا لهم كان معهم بمنزلة المخنث، كالرافضي مع الناصبي، فإن الرافضي لا يمكنه أن يقيم حجة على الناصبي الذي يكفره علنًا أو يفسقه، فإنه إذا قال للرافضي: بماذا علمت أن عليًا مؤمن ولي الله من أهل الجنة قبل ثبوت إمامته، وهذا إنما يعلم بالنقل، والنقل إما متواتر وإما آحاد.\nفإن قال له الرافضي: بما تواتر من إسلامه ودينه وجهاده وصلاته وغير ذلك من عباداته.","vol":"6","page":173},{"text":"قال له: وهذا أيضًا متواتر عن أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة، وأنت تعتقد كفرهم أو فسقهم.\nوقال له أيضًا: أنت تقول: إن عليًا كان يستجيز التقية، وأن يظهر خلاف ما يبطن، ومن كان هذا قوله أمكن أن يظهر الإسلام مع نفاقه في الباطن.\nفإن قال الرافضي للناصبي: علمت ذلك بثناء النبي ﷺ وشهادته له بالإيمان والجنة، كقوله: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، وقوله: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»، ونحو ذلك.\nقال له الناصبي: قد نقل أضعاف ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان، وأنت تطعن في تلك المنقولات أو تقول: إنهم ارتدوا بعد موته، فما يؤمنك إن كان قولك في هؤلاء صحيحًا أن يكون علي ذلك؟ .","vol":"6","page":174},{"text":"وأيضًا فهذه الأحاديث إنما نقلها الصحابة الذين تذكر أنت كفرهم وفسقهم، والكافر والفاسق لا تقبل روايته.\nفإن قال: هذه نقلها الشيعة.\nقال له الناصبي: الشيعة لم يكونوا موجودين على عهد النبي ﷺ وهم يقولون: إن الصحابة ارتدوا إلا نفرًا قليلًا: إما عشرة أو أقل، أو أكثر.\nومثل هؤلاء يجوز عليهم المواطأة على الكذب.\nفإن قال: أنا أثبت إيمانه بالقرآن، كقوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩] .\nوقال: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ [النساء: ٩٥] .\nوقوله: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ [الفتح: ١٨] .\nقال له الناصبي: هذه الآيات تتناول أبي بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين والأنصار كما تتناول عليًا، ليس في ظاهرها ما يخص عليًا.\nفإن جاز أن يدعي خروج هؤلاء منها، أو أنهم دخلوا فيها ثم خرجوا بالردة، أمكن الخوارج الذين يكفرون عليًا أن يقولوا مثل ذلك.\nوالمقصود هنا أن الرافضة لا يمكنهم إقامة حجة صحيحة على","vol":"6","page":175},{"text":"الخوارج، وإنما يتمكن من ذلك أهل السنة والجماعة، الذين يقرون بعموم هذه الآيات، وتناولها لأهل بيعة الرضوان كلهم، ويقرون بالأحاديث الصحيحة المروية في فضائل الصحابة، وأنهم كانوا صادقين في روايتهم، فهم الذين يمكنهم الرد على الخوارج والروافض بالطرق الصحيحة السليمة على التناقض.\nوهكذا الرد على الحلولية وبيان إبطال قولهم بالحق إنما يتمكن منه أهل السنة المثبتة لعلو الله على خلقه ومباينته لهم، فإن قول هؤلاء نقيض قول الحلولية، ومن علم ثبوت أحد النقيضين أمكنه إبطال ما يقابله، بخلاف قول النفاة فإنه متضمن رفع النقيضين، أو ما هما في معنى النقيضين، ورفع النقيضين أشد بطلانًا من المناقض الباطل، فإن رفعهما يعلم امتناعه بصريح العقل، وأما انتفاء أحدهما فهو أخفى في العقل من رفعهما، فمن رفع النقيضين، أو ما في معناهما، لم يمكنه إبطال قول من أثبت أحدهما، وما من حجة يحتج بها من رفع المتقابلين، إلا ويمكن ممن أثبت أحدهما أن يحتج عليه بما هو أقوى منها من جنسها.\nولهذا كان إطباق العقول السليمة على إنكار قول النفاة المتقابلين أعظم من إطباقها على إنكار قول الحلولية، لأن الموجود الواجب الوجود كلما وصف بصفات المعدومات الممتنعات، كان اعظم بطلانًا وفسادًا من وصفه بما هو أقرب إلى الموجود.\nومما يبين هذا أن الصفات السلبية ليس فيها بنفسها مدح ولا توجب","vol":"6","page":176},{"text":"كمالًا للموصوف، إلا أن تتضمن أمرًا وجوديًا، كوصفه سبحانه بأنه لا تأخذه ولا نوم، فإنه يتضمن كمال حياته وقيوميته.\nوكذلك قال تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨]، متضمن كمال قدرته.\nوقوله: ﴿لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾ [سبأ: ٣] يقتضي كمال علمه.\nوكذلك قوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] يقتضي عظمته، بحيث لا تحيط به الأبصار.\nوكذلك نفي المثل والكفو عنه يقتضي أن كل ما سواه فإنه عبد مملوك له، ولك يقتضي من كماله ما لا يحصل إذا كان له نظير مستغن عنه، مشارك له في الصنع، فإن ذلك نقص في الصانع، فأما العدم المحض والنفي الصرف، مثل كونه لا يمكن رؤيته بحال، وكونه لا مباينًا للعالم ولا مداخلًا له، فإن هذا أمر يوصف به المعدوم لا يمكن رؤيته بحال، وليس هو مباينًا للعالم ولا مداخلًا له، والمعدوم المحض لا يتصف بصفة كمال ولا مدح، ولهذا كان تنزيهه الله تعالى بقوله: (سبحان الله) يتضمن مع نفي صفات النقص عنه، إثبات ما يلزم ذلك من عظمته، فكان التسبيح تعظيم، له مع تبرئته من السوء.\nولهذا جاء التسبيح عند العجائب الدالة على عظمته، كقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ [الإسراء: ١]، وأمثال ذلك.\nولما قال: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ [الصافات: ١٨٠]،","vol":"6","page":177},{"text":"كان تنزيهه عما وصفوه به متضمنًا لعظمته اللازمة لذلك النفي.\nوإذا كان كذلك، فنفاة النقيضين، وما هو في معنى النقيضين، لم يتضمن وصفهم له بذلك شيئًا من الإثبات ولا التعظيم، بخلاف القائلين بالحلول في جميع الأمكنة، فإنهم يصفونه بما فيه تعظيم له.\nولهذا من يقول من يعذر الطائفتين: إن هؤلاء قصدوا تنزيهه، وهؤلاء قصدوا تعظيمه، فإذا كان التنزيه، إن لم يتضمن تعظيمًا لم يكن مدحًا، كان من وصفه بما فيه تعظيم أقرب إلى المعقول ممن وصفه بما يشركه فيه المعدوم، من غير أن يكون فيه تعظيم، فلم يكن أولئك النفاة أن يبطلوا حج هؤلاء المعظمين له، وإذا ردوا عليهم ببيان ما في قولهم من إثبات ما لا يعقل أو التناقض، قالوا لهم: إن في قولهم من إثبات ما لا يعقل ومن التناقض ما هو أعظم من ذلك.\nفإن قال النفاة: هؤلاء الحلولية قد أثبتوا حلولًا يقتضي افتقاره إلى المحل، كالصورة مع المادة، وكالوجود مع الثبوت، ونحو ذلك مما يقتضي أن أحدهما محتاج إلى الآخر، نحن قد بينا: إنما يعقل الحلول إذا كان الحال محتاجًا إلى المحل، وذلك باطل، لأن ذلك يناقض وجوبه كما تقدم، فقد أبطلنا قول هؤلاء.\nقيل عن هذا جوابان:\nأحدهما: أنه ليس كل من قال بالحلول يقول افتقاره إلى المحل، بل كثير من القائلين بالحلول يقولون: إنه في كل مكان مع استغنائه عن","vol":"6","page":178},{"text":"المحل، وهو قول النجارية وكثير من الجهمية، وقول من يقول بالحلول الخاص كالنصارى وغيرهم.\nالثاني: أنه بتقدير أن يكون الحلول مستلزمًا للافتقار، فأنتم لم تثبتوا غناه عما سواه، فإن طريقة الرازي والآمدي وأمثالهما في إثبات الصانع، هي طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود، وهذه الطريقة لا تدل على إثبات موجود قائم بنفسه واجب الوجود.\nوإن قيل: إنها تدل على ذلك، فلم تدل على أنه مغاير للعالم، بل يجوز أن يكون هو العالم.\nومن طريقهم قال هؤلاء بوحدة الوجود، فإن طريقتهم المشهورة: أن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن، الممكن لا بد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين.\nوهذا القدر يدل على أنه لا بد من وجود واجب، ومن قال: كل موجود واجب فقد وفى بموجب هذه الحجة، ومن قال: إن الوجود الواجب مع الممكن كالصورة مع المادة أو كالوجود مع الثبوت، فقد وفى بموجب هذه الحجة، بل لا يمكنهم إثبات لوجود واجب مغاير للممكن إن لم يثبتوا أن في الوجود ما هو ممكن يقبل الوجود والعدم.\nوهم يدعون أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم قد يكون قديمًا أزليًا، ولا يمكنهم إقامة دليل على ثبوت الإمكان بهذا الاعتبار.\nولهذا لما احتاجوا إلى إثبات الإمكان استدلوا بأن الحادث لا بد له محدث، وأن الحوادث مشهودة.","vol":"6","page":179},{"text":"وهذا حق، لكنه يدل على أن المحدث لا بد له من قديم، فيلزم ثبوت قديم، لكن لا يلزم من ذلك عندهم أن يكون واجب الوجود ثابتًا إلا بذلك التقسيم، إذ كانوا يجوزون على القديم، أن يكون ممكن الوجود، فإذا قالوا: القديم إن كان ممكنًا فلا بد له من واجب، لم يمكنهم إثبات واجب إلا بإثبات هذا الممكن، وهذا ممتنع، وهو أيضًا مستلزم للدور، فإنه لا يمكنهم إثبات واجب الوجود إلا بإثبات ممكن الوجود، ولا يمكن إثبات ممكن الوجود إلا بإثبات أن المحدث ممكن وله فاعل، وذلك لا يستلزم إلا إثبات قديم، والقديم عندهم لا يجب أن يكون واجب الوجود، فلا يمكنهم أن يثبتوا واجب الوجود حتى يثبتوا ممكن الوجود، والذي قد يكون قديمًا، وهذا لا يمكن إثباته إلا بإثبات الممكن الذي هو حادث، وهذا لا يدل إلا على إثبات قديم، والقديم عندهم لا يستلزم أن يكون واجب الوجود.\nوأيضًا فإذا أثبتوا واجب الوجود فإنهم لم يثبتوا أنه مغاير لهذه المشهودات إلا بطريقة التركيب، وهي باطلة.\nوحينئذ فيمكن أن يقول لهم أهل الحلول: الواجب هو حال.\nوإيضاح ذلك أنهم قسموا الوجود إلى واجب وممكن، لكن جعلوا الممكن منه ما هو قديم ومنه ما هو محدث، وحينئذ فلا يمكن إثبات الواجب إلا بإثبات هذا الممكن، وهذا الممكن لا يمكن إثباته.\nوأيضًا فهم لا يثبتون الممكن إلا بإثبات الحادث، والحادث لا بد له من القديم، والقديم لا يستلزم أن يكون واجبًا.","vol":"6","page":180},{"text":"وإذا قالوا: القديم إن كان واجبًا ثبت الواجب، وإن كان ممكنًا ثبت الواجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين.\nقيل: هذا إذا صح لزم أنه لا بد من واجب، كما أن الموجود مستلزم أنه لا بد من واجب، وهذا مما لا نزاع فيه، لكنه لا يدل على إثبات صانع، لا على أنه مغاير للأفلاك، ولا على أنه ليس بحال، بل يستلزم أنه لا بد من موجود يمتنع عدمه، وهذا مما يوافق عليه منكرو الصانع، والقائلون بقدم العالم، وأهل الحلول، وغيرهم، فتبين أنه ليس في كلامهم إبطال مذهب الحلول.\nوالمقصود هنا أن السلف والأئمة كانوا يردون على من أقوال النفاة ما هو أقرب إلى الإثبات، فيكون ردهم لما هو أقرب إلى النفي بطريق الأولى، وقول النفاة لمباينته للعالم ومداخلته له، أبعد عن العقل من قول المثبتين، لأنه قائم بنفسه في كل مكان، مع نفي مماسته ومباينته.\nوالسلف ردوا هذا وهذا، وكان ذلك تنبيهًا على إبطال الحلول، بمعنى حلول العرض في المحل.\nلكن هذا لم يقل به أحد، وإن كان النفاة لم يمكنهم إلا إبطاله خاصة دون أقوال أهل الحلول المعروفة عنهم.\nومما يبين هذا أن الطوائف كلها اتفقت على إثبات موجود واجب بنفسه، قديم أزلي لا يجوز عليه العدم، ثم تنازعوا فيما يجب له ويمتنع عليه.\nفالنفاة تصفه بهذه الصفات السلبية: أنه لا مباين للعالم ولا مداخل، ولا فوق ولا تحت، ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء،","vol":"6","page":181},{"text":"ولا يقرب إليه شيء ولا يقرب هو من شيء وأمثال ذلك، بل ويقولون أيضًا: إنه لا تمكن رؤيته ولا غير ذلك من الإحساس به، ولا يمكن الإشارة إليه.\nوآخرون منهم يقولون: ليس له علم ولا قدرة ولا حياة، ولا غير ذلك من الصفات.\nوآخرون يقولون: لا يسمى موجودًا حيًا عالمًا قادرًا إلا مجازًا، أو بالاشتراك اللفظي، وأن هذه الأسماء لا تدل على معنى معقول، ويقولون: إذا أثبتنا هذه الصفات لزم أن يكون متحيزًا، والمتحيز مركب، أو كالجوهر الفرد في الصغر، ونحو ذلك، فيفرون من هذه الصفات، لاعتقادهم أن ذلك يقتضي التجسيم، والأجسام عندهم موجودة، لكنها عند بعضهم محدثة، وعند بعضهم ممكنة، فإذا وصفوا الواجب القديم بذلك، لزم أن يكون عندهم ممكنًا أو محدثًا، وذلك ينافي وجوبه وقدمه، ويقولون: إن هذه المقدمات معلومة بالنظر.\nوأما المثبتون فيقولون: الموصوف بهذه الصفات السلبية لا يكون إلا ممتنعًا، والامتناع ينافي الوجود، فضلًا عن وجوب الوجود، فيقولون: إن الواصفين له بهذه الصفات وصفوه بما لا يتصف به إلا ما يمتنع وجوده، ومن وصف ما يجب وجوده بما يمتنع وجوده، فقد جعله دون المعدوم الممكن الوجود.\nويقولون: إن هذه المقدمات معلومة بالضرورة، فهم يقولون لأولئك: أنتم فررتم من وصفه بالإمكان فوصفتموه بالامتناع، ومن وصفه بالحدوث فوصفتموه بالعدم.","vol":"6","page":182},{"text":"ويقولون: إن الأجسام الجامدة خير من الموصوف بهذه الصفات، فضلًا عن الأجسام الحية الناقصة، فضلًا عن الأجسام الحية الكاملة.\nومن المعلوم أنه إذا دار الأمر بين جسم حي كامل، وبين معدوم أو ممتنع، كان ذلك خيرًا من هذا، وإن كانت هذه النتيجة لازمة لمقدمات يقول أهلها: إنها معلومة بالاضطرار، كانت أثبت من مقدمات يقول أهلها: أنتم لا تعلمونها إلا بالنظر، مع اختلافهم في كل مقدمة منها.\nفعلم بذلك أن المثبتة هم أقطع بما يقولونه وأشد تعظيمًا لما يثبتونه، وأن النفاة أقرب إلى الظن، وأبعد عن التعظيم والإثبات.\nيبين ذلك أن عمدة النفاة على أنه لو ثبت هذه الصفات: من العلو والمباينة ونحو ذلك، للزم أن يكون جسمًا، وكون الواجب القديم جسمًا ممتنع.\nوهذه المقدمة هي نظرية باتفاقهم، وكل طائفة منهم تطعن في طريق الآخرين.\nوالعمدة فيها طريقان: طريق الجهمية والمعتزلة، وطريق الفلاسفة.\nومن وافق على هذه المقدمة من الفقهاء وأهل الكلام، من الأشعرية وغيرهم فهو تبع فيها: إما للمعتزلة والجهمية، وإما للفلاسفة.\nفأما المعتزلة والجهمية فطريقهم هي طريق الأعراض والحركات،","vol":"6","page":183},{"text":"وأنه لو ثبت للقديم الصفات والأفعال لكان محلًا للأعراض والحركات، وذلك يقتضي تعاقبها عليه.\nوذلك يوجب حدوثه.\nوقد عرف أن الفلاسفة - مع طوائف من أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام - يطعنون في هذه الطريقة.\nوقد صنف الأشعري نفسه كتابًا بين فيه عجز المعتزلة عن إثبات هذه الطريق، كما سيأتي بيان ذلك.\nوأما طريق الفلاسفة فهي مبنية على أن واجب الوجود لا يكون متصفًا بالصفات، لأن ذلك يستلزم التركيب.\nوقد علم ما بينه نظار المسلمين من فساد هذه الطريقة.\nفإذا ليس بين النفاة مقدمة اتفقوا عليها يبنون عليها النفي، بل هم يشتركون فيه كاشتراك المشركين وأهل الكتاب في تكذيب الرسول ﷺ، واشتراك أهل البدع في مخالفة الحديث والسنة، مآخذ كل فريق غير مآخذ الآخر.\nوإذا كانت مقدماتهم ليست مما اتفقوا عليه، بل ولا اتفق عليه أكثرهم، بل أكثرهم ينكر صدق جميعها، علم أنها ليست مقدمات فطرية ضرورية، لأن الضروريات لا ينكرها جمهور العقلاء، الذين لم يتواطأوا عليها، ولا يكفي أن تكون بعض المقدمات معلومة، بل لا بد أن تكون الجميع معلومة، وما لم تكن معلومة بالضرورة، فلا بد أن تستلزمها مقدمات ضرورية، وليس معهم شيء من ذلك، بل غاية","vol":"6","page":184},{"text":"هؤلاء لفظ (التركيب) وأنه لا يكون واجبًا، وقد علم ما في ذلك من الإجمال والاشتراك.\nوغاية هؤلاء أن الأعراض لا تبقى، وجمهور العقلاء يخالفون في ذلك، وأن الأفعال يجب تناهيها، وقد علم نزاع العقلاء فيها، وجمهورهم يمنعون امتناع تناهيها من الطرفين.\nوقد ذكرنا اعتراض الأرموي وغيره من شيوخه في هذه المقدمات، وقد سبقه إلى ذلك الرازي وغيره، وقدحوا فيها قدحًا بينوا به فسادها، على وجه لم يعترضوا عليه.\nوإن كلام الرازي يعتمدها في مواضع أخر، فنظره استقر على القدح فيها.\nوكذلك الأثير الأبهري في كتابه المعروف بتحرير الدلائل في تقرير المسائل هو وغيره - قدحوا في تلك الطرق وبينوا فساد عمدة الدليل، وهو بطلان حوادث لا أول لها.\nوذكر الأبهري الدليل المتقدم: دليل الحركة والسكون، وقولهم: لو كان الجسم أزليًا لكان: إما متحركًا أو ساكنًا، والقسمان باطلان.\nأما الأول فلأنها لو كانت متحركة للزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، والأزل يقتضي عدم المسبوقية، فيلزم الجمع بينهما، ولأنها لو كانت متحركة لكانت بحال لا يخلو من الحوادث، وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وإلا لكان الحادث أزليًا.\nوهو محال.\nولأنها لو كانت متحركة","vol":"6","page":185},{"text":"لكانت الحركة اليومية موقوفة على انقضاء ما لا نهاية له، وانقضاء ما لا نهاية له المحال، والموقوف على المحال محال.\nولأنها لو كانت متحركة، لكان قبل كل حركة حركة أخرى لا إلى أول، وهو محال.\nولأن الحاصل من الحركة اليومية إلى الأزل جملة، ومن الحركة التي قبل الحركة اليومية إلى الأزل جملة أخرى، فتطبق إحداهما على الأخرى بأن يقابل الجزء الأول من الجملة الثانية، وبالجزء الأول من الجملة الأولى، والثاني بالثاني، فإما يتطابق إلى غير النهاية أو لم يتطابقا، فإن تطابقا كان الزائد مثل الناقص، وإن لم يتطابقا لزم انقطاع الجملة الثانية، وإذا لزم انقطاع الجملة الثانية لزم انقطاع الجملة الأولى أيضًا، لأن الأولى لا تزيد على الثانية إلا بمرتبة واحدة.\nثم تكلم على تقدير السكون، وهذا هو الذي تقدم ذكر الرازي له.\nومن تدبر كتب أهل الكلام، من المعتزلة وغيرهم، يف حدوث الأجسام، علم أن هذا عمدة القوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>كلام الأبهري وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nقال الأبهري: (والإعراض على قوله: يلزم المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير.\nقلنا: لا نسلم، وإنما يلزم الجمع بينهما، أن لو كان الواحد مسبوقًا بالغير وغير مسبوق بالغير، وليس كذلك، فإن المسبوق بالغير لا يكون إلا الحركة، وغير المسبوق بالغير هو الجسم، فلا يلزم الجمع بين المسبوقية وعدم المسبوقية في شيء واحد) .\nقلت: وهذا الاعتراض فيه نظر، ولكن الاعتراض المتقدم: وهو","vol":"6","page":186},{"text":"أن المسبوق لغير آحاد الحركة لا جنسها، فكل من أجزائها مسبوقة بالغير، وأما الجنس ففيه النزاع - اعتراض جيد، وإلا فإذا كانت الحركة من لوازم الجسم لم يكن سابقًا لها، فكيف يقال: إن الحركة مسبوقة بالجسم؟ .\nوكان الأبهري لم يفهم مقصود القائل: إن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير فظن أنه أراد أنها مسبوقة بالجسم، وإنما أراد أن الحركة تقتضي أن يكون بعض أجزائها سابقًا على بعض.\nقال الأبهري: (وأما قوله: لو كانت متحركة لكانت بحالة لا تخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.\nقلنا: لا نسلم.\nقوله: لو لم يكن كذلك لكان الحادث أزليًا.\nقلنا: لا نسلم، وإنما يلزم ذلك لو كانت الحادث الواحد يصير بعينه أزليًا، وليس كذلك، بل يكون قبل كل حادث آخر لا إلى أول، فلا يلزم قدم الحادث.\nوأما قوله فإنها لو كانت متحركة لكان الحادث اليومي موقوفًا على انقضاء ما لا نهاية له.\nقلنا: لا نسلم، بل يكون الحادث اليومي مسبوقًا بحوادث لا أول لها.\nولم قلتم بأن ذلك غير جائز، والنزاع ما وقع إلا فيه؟ وأما قوله بأن الحاصل من الحركة اليومية إلى الأزل جملة.\nقلنا: لا نسلم، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت الحركة مجتمعة في الوجود ليحصل منها جملة ومجموع، واستدل هو على حدوث العالم بأن صانع العالم إن كان موجبًا بالذات لزم دوام آثاره، فلا يكون في الوجود حادث.\nوإن كان","vol":"6","page":187},{"text":"فاعلًا بالاختيار امتنع أن يكون مفعوله أزليًا، لأنه يكون قاصدًا إلى إيجاد الموجود، وتحصيل الحاصل محال.\nوقد اعترض بعضهم على دليله بأنه يجوز أن يكون بعضه حادثًا له فاعل بالاختيار، وبعضه قديم له موجب بالذات، وجوزه بعضهم بأنه يجوز أن يكون موجبًا بالذات، ومعلوله فاعل بالاختيار أحدث غيره) .\nقلت: وهذا الاعتراض ساقط، لأن ما كان فاعلًا بالاختيار، فحدوث فعله بعد أن لم يكن حادث من الحوادث، فإذا كان مفعولًا لعلة تامة موجبة، امتنع أن يتخلف عنها معلولة، ولا يجوز أن يحدث عنها شيء، ولا عن لازمها، ولا لازم لازمها، وهلم جرا.\nوإن قدر أن البعض الحادث له فاعل واجب بنفسه غير فاعل للآخر، فهذا مع أنه لم يقله أحد، وأدلة التوحيد للصانع تبطله، فهو يبطل حجة القائلين بالقدم، لأن عمدتهم أن الواجب بنفسه لا يتأخر عنه فعله، فإذا جوزوا تأخر فعله عنه بطل أصل حجتهم.\nوهذا الدليل الذي احتج به، قد ذكرنا في غير موضع أنه يبطل قول الفلاسفة بأنه صدر عن علة موجبة، وأن قولهم هذا يتضمن حدوث الحوادث بلا سبب.\nوأما كون الفاعل باختياره يمتنع أن يقارنه فعله، فقد تكلمنا على هذا في غير هذا الموضع، ولكن نبين فساد قول الفلاسفة بأن يقال: الفاعل بالاختيار: إما أن يجوز أن يقارنه فعله، وإما أن يجب تأخره، فإن وجب تأخره بطل قولهم بقدم العالم، فإن الفعل إذا لزم تأخره كان تأخر المفعول، أولى إن جعل المفعول غير الفعل، وإن جعل المفعول هو","vol":"6","page":188},{"text":"الفعل فقد لزم تأخره، فتأخره لازم على التقديرين، وإن جاز مقارنة فعله له فإما أن يكون التسلسل ممكنًا، وإما أن يكون ممتنعًا، فإن كان ممتنعًا لزم أن يكون للحوادث أول، وحينئذ فإذا كان الفعل المقارن قديمًا، لم يقدح هذا في وجوب حدوث المفعولات.\nوهذا يقوله من يقول: إنه أحدث من الحوادث بتخليق قديم أزلي قائم بذاته، كما تقول ذلك طوائف من المسلمين، وإن كان التسلسل ممكنًا أمكن أن يكون بعد ذلك الفعل فعل آخر، وبعده فعل آخر، وهلم جرا، وأن تكون هذه الأفلاك حادثة بعد ذلك، كما أخبرت به النصوص، وهو المطلوب.\nوالأبهري وغيره اعترضوا على هذه المقدمة لما ذكروها في حجة من احتج على حدوث العالم بأنه ممكن، وكل ممكن فهو محدث، لأن المؤثر فيه إما أن تؤثر فيه حالة وجوده، وهو باطل، لأن التأثير حالة الوجود يكون إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل، وهو محال، وإما حال العدم وهو محال، لأن يستلزم الجمع بين الوجود والعدم، فتعين أن يكون لا حال الوجود ولا حال العدم، وهو حال الحدوث.\nفاعترض الأبهري وغيره على ذلك بأنه لم لا يجوز أن يكون التأثير حال الوجود؟ (قوله: يكون تحصيلًا للحاصل.\nقلنا: لا نسلم لأن التأثير عبارة عن كون المرجح مترجح الوجود على العدم بالمؤثر، وجاز أن يكون الممكن مترجح الوجود على العدم حال الوجود.\nفيقول له من يعارضه في دليله مثل ذلك، فإذا قال: لو كان الفعل الذي فعله الفاعل المختار أزليًا، لكان الفاعل قاصدًا إلى إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل.","vol":"6","page":189},{"text":"قالوا: بل وجود الموجود وحصول الحاصل مقصده واختياره.\nفقولك لو كان قاصدًا إلى إيجاد الموجود، إن أردت إلى إيجاد ما هو موجود بدون قصده فهذا ممنوع، وإنما يستقيم هذا إذا ثبت أن الأزلي لا يمكن أن يكون مرادًا مقصودًا، وهو أول المسألة، وإن أردت إلى إيجاد ما هو موجود بقصده، فهذا هو المدعي، فكأنك قلت: لو كان مقصودًا لأزلي موجودًا بقصده لكان موجودًا بقصده، وإذا كان هذا هو المدعي، فلم قلت: إنه محال: ولكن يلزم هؤلاء على هذا التقدير أن لا يكون فرق بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار، وهم يقولون: إن أريد بالموجب الذات أنه لم يزل فاعلًا، فهذا لا يمنع كونه مختارات على هذا التقدير، وإن أريد به ما يلزمه موجبه ومعلوله، فهذا أيضًا لا يمنع كونه مختارًا أيضًا على هذا التقدير.\nوهذا القسم باطل بلا شك، سواء سمي موجبًا أو مختارًا، لأن ذلك يستلزم أن لا يحدث شيء من الحوادث، فإن موجبه إذا كان لازمًا له - ولازم اللازم لازم - كانت جميع الموجبات لوازم قديمة، فلا يكون شيء من المحدثات صادرًا عنه ولا عن غيره، إذ القول في كل ما يقدر واجبًا كالقول فيه، فيلزم أن لا يكون للحوادث فاعل.\nولا ريب أن هذا لازم للفلاسفة الدهرية الإلهيين وغيرهم، كأرسطو والفارابي وابن سينا، لزومًا لا محيد عنه، وأن قولهم يستلزم أن","vol":"6","page":190},{"text":"لا يكون للحوادث فاعل، وأن هذه الحوادث الممكنة حصلت بعد عدمها من غير واجب ولا فاعل.\nوأما القسم الأول، وهو كونه لم يزل فاعلًا، سواء سمي موجبًا أو مختارًا، فهذا لا يوجب قدم هذا العالم، لإمكان توقفه على أفعال قبل ذلك، كما تحدث سائر الحوادث الجزئية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>فصل</span>\nوالمقصود في هذا المقام أن هؤلاء النفاة للعلو والمباينة لم يتفقوا على مقدمة واحدة يبينون عليها مطلوبهم، بل كل منهم يقدح في مقدمة الآخر، وإذا كان اتفاقهم على النفي مبنيًا على المقدمات التي بها اعتقدوا النفي - وتلك المقدمات متنازع فيها بينهم، ليس فيها مقدمات متفق عليها تبنى عليها النتيجة المذكورة - علم أن ما اشتركوا فيه من النتيجة كان من لوازم مع ما اعتقدوه من القضايا المختلف فيها، لا القضايا الضرورية.\nوحينئذ فاتفاقهم على النفي لا يمنع أن يكون اتفاقًا على خلاف المعلوم بالضرورة، كما لو كان لرجل مال كثير، وله غرماء كثيرون، فأقام كل منهم شاهدين بقدر من المال واستوفاه حتى استوفى المال كله، وكل من الغرماء يقدح في شهود الآخر، كان اللازم من الحكم بشهادة الشهود كلهم أخذ مال ذاك الرجل كله، ولا يقال أن هؤلاء عدد كثير لا يتفقون على الكذب، فإنهم لم يتفقوا على خبر واحد، بل كل طائفة","vol":"6","page":191},{"text":"أخبرت بخبر تكذبها فيه الأخرى، ولزم من مجوع الأخبار أخذ المال، فهم لم يخبروا بقضية واحدة توجب أخذ المال، بل الكذب ممكن عليهم كلهم.\nكذلك المتفقون على رد بعض ما أخبر به الرسول ﷺ وعلم بضرورات العقول، ويمكن أن يقع منهم على هذا الوجه، وهذا كاشتراك الكفار في تكذيب الرسول ﷺ، وقول هؤلاء: هو ساحر، وهؤلاء: هو كاذب، وهؤلاء: هو مجنون، فهم في الحقيقة مختلفون لا متفقون.\nوأيضًا فاتفاق العدد الكثير على تعمد الكذب، الذين يعلمون أنه كذب، يجوز إذا كان ذلك عن تواطئ منهم، وأما اتفاق الخلق الكثير على الكذب خطأ، فهو ممكن بالنظر والأمور الضرورية، فقد يعتبر عنها بعبارات غيها إجمال واشتباه، يظن كثير من الناس أن مفهومها لا يخالف الضرورة، وإنما يعلم أنها مخالفة للضرورة من ميز بين معانيها، وفصل المعنى المخالف للضرورة من غيره، فإذا كان قد سبق قليل من الناس إلى اعتقاد خطأ يتضمن مخالفة الضرورة، كان هذا جائزًا باتفاق العقلاء، فإن السفسطة تجوز على الطائفة القليلة تعمدًا، فكيف خطأ؟ .\nفإذا تلقى تلك الأقوال، عن أولئك السابقين إليها، عدد آخرون واشتهرت بين من اتبعهم فيها، صاروا متواطئين على قبولها، لما فيها الاشتباه والإجمال، مع تضمنها مخالفة الضرورة، وإن كان كثير من القائلين بها - أو أكثرهم - لا يعلمون ذلك، وهذا هو السبب في اتفاق","vol":"6","page":192},{"text":"طوائف كثيرة على مقالات يعلم أنها باطلة بضرورة العقل، كمقالات النصارى والرافضة والجهمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>كلام ابن كلاب في كتاب الصفات عن العلو وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nثم إن المتقدمين من النظار يحكون إجماع الخلائق على نقيض قول النفاة، كما ذكره أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، إمام الأشعري وأصحابه، ذكره في كتاب الصفات مما نقله عنه أبو بكر بن فورك فقال في كتاب الصفات في باب القول في الاستواء: (فرسول الله ﷺ، وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعًا به، يجيز السؤال بأين، ويقوله، ويستصوب قول القائل: إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين زعموا، ويحيلون القول به، ولو كان خطأ كان رسول ﷺ أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك، فتوهمين أن الله ﷿ محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان لأنه الصواب دون ما قلت.","vol":"6","page":193},{"text":"كلا لقد أجازه رسول الله ﷺ مع علمه بما فيه، وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يجب الإيمان به لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، فكيف يكون الحق في خلاف ذلك، والكتاب ناطق به وشاهد له) .\nقال: (ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور، لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد؟ لأنك لا تسأل أحدًا من الناس عنه، عربيًا ولا عجميًا، ولا مؤمنًا، ولا كافرًا، فتقول: أين ربك؟ إلا قال: (في السماء) إن أفصح، أو أومأ بيده، أو أشار بطرفه، إذا كان لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا داعيًا له إلا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان، كما يقولون: وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى جهم وحده وخمسون رجلًا معه، نعوذ بالله من مضلات الفتن) .\nفقد ذكر ابن كلاب في هذا الكلام أن العلم بأن الله فوق، فطري، مغروز في فطر العباد، اتفق عليه عامتهم وخاصتهم، وأنه لم يخالف الجماعة في ذلك إلا نفر قليل يدعون أنهم أفضل الناس، جهم ونفر قليل معه، وبين أيضًا ابن كلاب أن قول الجهمية هو نظير قول الدهرية، وهو كما قال فإن منتهى كلام الجهمية إلى أنه لا موجود إلا العالم.\nقال: (يقال للجهمية: أليست الدهرية كفارًا ملحدين في قولهم:","vol":"6","page":194},{"text":"إن الدهر هو واحد، إلا أنه لا ينفك عن العالم ولا ينفك العالم منه، ولا يباين العالم ولا يباينه، ولا يماس العالم ولا يماسه، ولا يداخل شيئًا من العالم ولا يداخله، لأنه واحد والعالم غير مفارق له؟ فإذا قالوا نعم: قيل لهم: صدقتم، فلم أثبتم المعبود بمعنى الدهر، وأكفرتم من قال بمثل مقالتكم؟ وهل تجدون بينكم وبينهم فرقًا أكثر من أن سميتموه بغير ما سموه به؟ وقد قلتم: إنه غير مفارق للعالم ولا العالم مفارق له، ولا هو داخل العالم ولا العالم داخل فيه، ولا مماس للعالم، ولا العالم مماس له.\nفأين تذهبون يا أولي الألباب إن كنتم تعقلون؟ من أولى أن يكون قد شبه الله بخلقه: نحن أو أنتم؟ ولم رجعتم على من خالفكم بالتكفير، وزعمتم أنهم قد كفروا لأنهم قالوا: واحد منفرد بائن؟ فلم لا كنتم أولى بالكفر والتشبيه منهم إذ زعمتم مثل زعم الملحدين، وقلتم مثل مقالة المخالفين الضالين، وخرجتم من توحيد رب العالمين) .\nقال: (وكذلك مشاركتكم الثنوية في إلحادهم لما قالوا: إن الأشياء من شيئين لا تنفك منهما ولا ينفكان منها، وإن الأشياء تولدت عنهما ومنهما، وأن النور والظلمة لا نهاية لهما في أنفسهما، وأن أحدهما مازج الآخر فتولدت الأشياء منهما؟ وقلتم لهم: كيف يكون ما لا نهاية له يفعل شيئًا لا في نفسه؟ وكيف يجيء ما لا نهاية له فيكون في غيره؟ فقيل لكم مثل ذلك: كيف يكون ما لا نهاية له يفعل شيئًا لا في نفسه ولا بائنًا من نفسه؟ ويلزمكم إذا زعمتم أنه لاتفاق النور والظلمة","vol":"6","page":195},{"text":"أصل الأشياء، وأن الأشياء تحدث منهما، وأنهما لا ينفكان مما كان بعدهما، ولا ينفك عنهما.\nكذلك زعمتم أن الواحد الذي ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]- تعالى عما قلتم - كان لا نهاية له، ثم خلق الأشياء غير منفكة منه، ولا هو منفك منها، ولا يفارقها ولا تفارقه، فأعظمتم معناهم ومنعتم القول والعبارة) .\nفيقال: هذا الذي ذكره ابن كلاب من موافقة الجهمية في الحقيقة للدهرية والثنوية يحققه ما فعلته غالية الجهمية من القرامطة الباطنية، فأنهم ركبوا لهم قولًا من قول الفلاسفة الدهرية وقول المجوس الثنوية، وقولهم هو منتهى قول الجهمية.\nوكان ذلك مصداق قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع.\nقالوا: فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا هؤلاء» .","vol":"6","page":196},{"text":"وفي الحديث الآخر الصحيح: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.\nقالوا اليهود والنصارى؟ قال: فمن» .\nومشابهة اليهود والنصارى أيسر من مشابهة فارس والروم، فإن الفرس كانوا مجوسًا، والروم إن لم يكونوا نصارى كانوا مشركين صابئة وغير صابئة، فلاسفة وغير فلاسفة، والباطنية ركبوا مذهبهم من قول المجوس ومن دخل فيهم ومن قول المشركين من الروم ومن دخل فيها، كاليونان ونحوهم.\nوأما الأشعري وأئمة أصحابه فهم مصرحون بأن الله نفسه فوق العرش، كما ذكر ذلك في كتبه كلها الموجز والإنابة والمقالات وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>كلام الأشعري في الإنابة عن الاستواء وتعليق ابن تيمية</span>\nقال: (إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل: نقول: إن الله ﷿ مستو على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، وقد قال: ﴿إليه يصعد الكلم","vol":"6","page":197},{"text":"الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه﴾ [السجدة: ٥] .\nوقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ [غافر: ٣٦-٣٧] كذب موسى في قوله: إن الله ﷿ فوق السماوات.\nوقال ﷿: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ [الملك: ١٦]، فالسماوات فوقها العرش.\nفلما كان العرش فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ يعني: جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى","vol":"6","page":198},{"text":"السماوات.\nألا ترى أن الله ﷿ ذكر السماوات فقال: ﴿وجعل القمر فيهن نورا﴾ [نوح: ١٦]، ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعًا، وأنه فيهن جميعًا.\nورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله ﷿ مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله ﷿ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض) .\nقال: (وقال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية أن معنى قول الله ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله ﷿ في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء والأرض، فالله قادر عليها","vol":"6","page":199},{"text":"وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستو على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو سبحانه مستول على الأشياء كلها، لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها، ولم يجز عنه أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش، الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها) .\nقال: (وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في كل مكان، فلزمهم أنه في بطن مريم والحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم) .\nوقال: (دليل آخر.\nوقال الله ﷿: ﴿ما كان لبشر","vol":"6","page":200},{"text":"أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١]، فقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر، ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم، كان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا، فيرتفع الشك والحيرة، من أن يقول: ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو أرسل رسولًا، ويترك أجناسًا لم يعمهم بالآية، فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم) .\nقلت: ومقصود الأشعري من هذا أنه على قول النفاة لا فرق بين البشر وغيرهم، فإنه عندهم لا يحجب الله تعالى أحدًا بحجاب منفصل عنه، بل هو محتجب عن جميع الخلق، بمعنى أنه لا يمكن أحد أن يراه، فاحتجابه عن بعضهم دون البعض دل على نقيض قولهم: وذلك أن نفاة المباينة يفسرون بالاحتجاب بمعنى عدم الرؤية لمانع من الرؤية في العين، ونحو ذلك من الأمور التي لا تنفصل عن المحجوب، بل نسبتها إلى جميع الأشياء واحدة.\nقال الأشعري: (دليل آخر.\nقال تعالى: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق﴾ [الأنعام: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿ولو ترى","vol":"6","page":201},{"text":"إذ وقفوا على ربهم﴾ [الأنعام: ٣٠]، وقال: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم﴾ [السجدة: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وعرضوا على ربك صفا﴾ [الكهف: ٤٨]، وكل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه، ولا خلقه فيه، وأنه مستو على عرشه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية، إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي، يريدون بذلك - زعموا - التنزيه ونفي التشبيه، فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل) .\nقلت: فقد احتج على عدم مداخلته بقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على ربهم﴾ [الأنعام: ٣٠]، وقوله: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق﴾ الأنعام: [٦٢]، وقوله تعالى: ﴿ناكسوا رؤوسهم عند ربهم﴾ [السجدة: ١٢]، وقوله: ﴿وعرضوا على ربك صفا﴾ [الكهف: ٤٨]، فإنه لو كانت نسبته إلى جميع الأمكنة واحدة لا يختص بالعلو، لكان في المردود كما هو في المردود إليه، وفي","vol":"6","page":202},{"text":"الواقف كما هو الموقوف عليه، وفي الناكس كما هو فيمن نكس رأسه عنده، وفي المعروض كما هو في المعروض عليه.\nفهذه النصوص تنفي مداخلته للخلق، وتوجب مباينته لهم، فلو أمكن وجود موجود لا مباين ولا محايث، لكان نسبة ذاته إلى جميع المخلوقات نسبة واحدة، وهو مناقض لما ذكر.\nوقوله: (مع نفي المداخلة أنه على العرش)، يبين أنه يثبت المباينة لا ينفيها كما ينفي المداخلة.\nقال الأشعري أيضًا: (وروت العلماء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله، فإنه بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله ﷿ فوق ذلك.\nقلت: وهذا الحديث رواه الحاكم أبو محمد العسال في كتاب المعرفة له من حديث عبد الوهاب الوراق الرجل الصالح: ثنا علي بن عاصم، عن عطاء بن السايب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله، فإن ما بين كرسيه إلى السماء السابعة سبعة آلاف نور، وهو فوق ذلك.\nقال عبد","vol":"6","page":203},{"text":"الوهاب الوراق: من زعم أن الله ههنا فهو جهمي خبيث، إن الله فوق العرش، وعلمه محيط بالدنيا والآخرة.\nقال الأشعري: (ومما يؤكد أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله ﷺ من أحاديث النزول، كقوله: «ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأستجيب له؟ حتى يطلع الفجر)» .\nقال الأشعري: دليل آخر قال الله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج: ٤]، وقال: ﴿استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت: ١١]، وقال: ﴿ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال: ﴿ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع﴾ [السجدة: ٤]، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء، مستو على عرشه.\nوالسماء","vol":"6","page":204},{"text":"بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أن الله منفرد بوحدانيته مستو على عرشه.\nوقال الأشعري: (دليل آخر.\nقال ﷿: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال تعالى: ﴿ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى﴾ إلى قوله: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ٧-١٨] .\nوقال ﷿ لعيسى ابن مريم: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾ [آل عمران: ٥٥] .\nوقال: ﴿وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه﴾ [النساء: ١٥٧-١٥٨] وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء) .\nقال الأشعري: (ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا، إذا هم","vol":"6","page":205},{"text":"رغبوا إلى الله ﷿ في الأمر النازل بهم، يقولون جميعًا: يا ساكن العرش، ومن حلفهم جميعًا: لا والذي احتجب بسبع سماوات) .\nفقد حكى الأشعري إجماع المسلمين على أن الله فوق العرش، وأن خلقه محجوبون عنه بالسماوات، وهذا مناقض لقول من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، فإن هؤلاء يقولون: ليس للعرش به اختصاص، وليس شيء من المخلوقات يحجب عنه شيئًا.\nومن أثبت الرؤية منهم إنما يفسر رفع الحجاب بخلق إدراك العين، لا أن يكون هناك حجاب منفصل يحجب العبد عن الرؤية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>كلام الباقلاني في التمهيد إثبات العلو والاستواء</span>\nوقال: القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابي: الإبانة والتمهيد وغيرهما: (فإن قال قائل: أتقولون: إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور﴾ [الملك: ١٦] .","vol":"6","page":206},{"text":"ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي نرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا، وإلى يميننا وشمائلنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله) .\nفقد وافق القاضي أبو بكر لأبي الحسن الأشعري، وأنكر أن يكون في كل مكان، وجعل مقابل ذلك أنه على العرش، لم يجعل مقابل ذلك أنه لا داخل العالم ولا خارجه، فإن الأقسام أربعة ليس لها خامس: إما أن يكون نفسه مباينًا للعالم، وإما أن يكون مداخلًا له، وإما أن يكون مباينًا ومداخلًا، وإما أن يكون لا مباينًا ولا مداخلًا.\nفهؤلاء جعلوا مقابلة المداخلة المباينة، ولم يقولوا: لا داخل العالم ولا خارجه، وهؤلاء أئمة طوائفهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>كلام القاضي أبو يعلى في إبطال التأويل في إثبات العلو والاستواء</span>\nوقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل: (فإذا ثبت أنه على العرش، فالعرش في جهة، وهو على عرشه) .","vol":"6","page":207},{"text":"قال: (وقد منعنا في كتابنا هذا، في غير موضع إطلاق الجهة عليه) .\nقال: (والصواب جواز القول بذلك، لأن أحمد أثبت هذه الصفة، التي هي الاستواء على العرش، وأثبت أنه في السماء، وكل من أثبت هذا أثبت الجهة) .\nقال: (والدليل عليه: أن العرش في جهة بلا خلاف، وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو عليه، فاقتضى أنه في جهة، ولأن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء وفي هذا كفاية) .\nقال: (ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقول: ليس في جهة ولا خارجًا منها، وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره، ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده، ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل: طلبته فلم أجده في موضع ما، وبين قوله: طلبته فإذا هو معدوم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: وهذا الذي اختلف فيه قول القاضي، اختلف فيه أصحاب أحمد وغيرهم، فكان طائفة يقولون: العلو من الصفات السمعية الخبرية، كالوجه واليد ونحو ذلك، وهذا قول طوائف من الصفاتية ولهذا نفاه من متأخري الصفاتية من نفى الصفات السمعية الخبرية كأتباع صاحب الإرشاد) .","vol":"6","page":208},{"text":"وأما الأشعري وأئمة أصحابه، فإنهم متفقون على إثبات الصفات السمعية، مع تنازعهم في العلو: هل هو من الصفات العقلية أو السمعية.\nوأما أئمة الصفاتية كابن كلاب وسائر السلف، فعندهم أن العلو من الصفات المعلومة بالعقل، وهذا قول الجمهور من أصحاب أحمد وغيرهم، وإليه رجع القاضي أبو يعلى آخرًا، وهو قول جمهور أهل الحديث والفقه والتصوف، وهو قول الكرامية وغيرهم.\nوأما الاستواء فهو من الصفات السمعية عند من يجعله من الصفات الفعلية بلا نزاع، فإن ذلك لم يعلم إلا بالسمع.\nوهذا الذي ذكره ابن كلاب وغيره من أن المنازع من المسلمين في أن الله فوق العرش كانوا قليلين جدًا، يبين خطأ من قال: إن النزاع إنما هو مع الكرامية والحنبلية، بل جماهير الخلق من جميع الطوائف على الإثبات: جمهور أئمة الفقهاء من: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والداوودية، وجمهور أهل التصوف والزهد والعبادة، وجمهور أهل التفسير، وجمهور أهل الحديث، وجمهور أهل الكلام من الكرامية والكلابية والأشعرية والهشامية، وجمهور المرجئة، وجمهور قدماء الشيعة.\nوإنما الخلاف في ذلك معروف عن جهم وأتباعه، والمعتزلة ومن","vol":"6","page":209},{"text":"وافقهم من الخوارج، ومتأخري الشيعة، وتأخري الأشعرية.\nوللمعتزلة والفلاسفة فيها قولان.\nبل وهذا هو المنقول عن أكثر الفلاسفة أيضًا، كما ذكر أبو الوليد بن رشد الحفيد، وهو من أتبع الناس لمقالات المشائين: أرسطو وأتباعه، ومن أكثر الناس عناية بها، وموافقة لها، وبيانًا لما خالف فيه ابن سينا وأمثاله لها، حتى صنف كتاب تهافت التهافت وانتصر فيه لإخوانه الفلاسفة، ورد فيه على أبي حامد في كتابه الذي صنفه في تهافت الفلاسفة، مع أن في كلام أبي حامد من الموافقة للفلاسفة في مواضع كثيرة ما هو معروف، وإن كان يقال: إنه رجع عن ذلك واستقر أمره على التلقي من طريقة أهل الحديث، بعد أن أيس من نيل مطلوبه من طريقة المتكلمين والمتفلسفة والمتصوفة أيضًا.\nفالمقصود أن ابن رشد ينتصر للفلاسفة المشائين - أرسطو وأتباعه - بحسب الإمكان، وقد تكلمنا على كلامه وكلام أبي حامد في غير هذا الموضع، وبينا صواب ما رده أبو حامد من ضلال المتفلسفة، وبينا ما تقوى به المواضع التي استضعفوها من رده بطرق أخرى، لأن الرد على أهل الباطل لا يكون مستوعبًا إلا إذا اتبعت السنة من كل الوجوه، وإلا فمن وافق السنة من وجه وخالفها من وجه، طمع فيه خصومه من الوجه الذي خالف فيه السنة، واحتجوا عليه بما وافقهم عليه من تلك المقدمات المخالفة للسنة.\nوقد تدبرت عامة ما يحتج به أهل الباطل على من هو أقرب إلى الحق منهم، فوجدته إنما تكون حجة الباطل قوية لما تركوه من الحق الذي","vol":"6","page":210},{"text":"أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه، فيكون ما تركوه من ذلك الحق من أعظم حجة المبطل عليهم، ووجدت كثيرًا من أهل الكلام الذين هم أقرب إلى الحق ممن يردون عليه، يوافقون خصومهم تارة على الباطل، ويخالفونهم في الحق تارة أخرى، ويستطيلون عليهم بما وافقهم عليه من الباطل، وبما خالفوهم فيه من الحق، كما يوافق المتكلمة النفاة للصفات - أو لبعضها كالعلو وغيره - لمن نفى ذلك من المتفلسفة وينازعونهم في مثل بقاء الأعراض، أو مثل تركيب الأجسام من الجواهر المنفردة، أو وجوب تناهي جنس الحوادث ونحو ذلك.\nوالمقصود هنا أن ابن رشد نقل عن الفلاسفة إثبات الجهة، وقرر ذلك بطرقهم العقلية التي يسمونها البراهين، مع أنه يزعم أنه لا يرتضي طرق أهل الكلام، بل يسميها هو وأمثاله من الفلاسفة الطرق الجدلية، ويسمون المتكلمين أهل الجدل، كما يسميهم بذلك ابن سينا وأمثاله، فإنهم لما قسموا أنواع القياس العقلي الشمولي الذي ذكروه في المنطق إلى: برهاني وخطابي، وجدلي، وشعري، وسوفسطائي، زعموا أن مقاييسهم في العلم الإلهي من النوع البرهاني، وان غالب مقاييس المتكلمين إما الجدلي وإما من الخطابي، كما يوجد هذا في كلام هؤلاء المتفلسفة، كالفارابي وابن سينا ومحمد بن يوسف العامري،","vol":"6","page":211},{"text":"ومبشر بن فاتك، وأبي علي بن الهيثم، والسهروردي المقتول، وابن رشد، وأمثالهم، وإن كانوا في هذه الدعاوى ليسوا صادقين على الإطلاق، بل الأقيسة البرهانية في العلم الإلهي في كلام المتكلمين أكثر منهما في كلامهم وأشرف، وإن كان قد يوجد في كلام المتكلمين أقيسة جدلية وخطابية بل وسوفسطائية، فهذه الأنواع في العلم الإلهي هي في كلام الفلاسفة أكثر منها في كلام المتكلمين وأضعف، إذا قوبل ما تكلموا فيه من العلم الإلهي بما تكلم فيه المتكلمون، بل ويستعملون من هذا الضرب في الطبيعيات، بل وفي الرياضيات قطعة كبيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن العلو والجهة</span>\nوالمقصود هنا ذكر ما ذكره ابن رشد عنهم، وهذا لفظه في كتاب مناهج الأدلة في الرد على الأصوليين، قال: (والقول في الجهة.\nوأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة، في أول الأمر،","vol":"6","page":212},{"text":"يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله.\nوظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ومثل قوله: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة: ١٧] ومثل قوله: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾ [السجدة: ٥]، ومثل قوله: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج: ٤]، ومثل قوله: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور﴾ [الملك: ١٦]، إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابهًا لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من في السماء نزلت الكتب، وإليها","vol":"6","page":213},{"text":"كان الإسراء بالنبي ﷺ، حتى قرب من سدرة المنتهى) .\nقال: (وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك.\nوالشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هو أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية) .\nقال: (ونحن نقول: إن هذا كله غير لازم، فإن الجهة غير المكان.\nوذلك أن الجهة هي: إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به، وهي ستة، وبهذا نقول: إن للحيوان فوقًا وسفلًا، ويمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، وإما سطوح جسم آخر تحيط بالجسم من الجهات الست.\nفأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلًا.\nوأما سطوح الجسم المحيطة به فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيطة بالإنسان، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضًا مكان للهواء.\nوهذه الأفلاك بعضها محيط ببعض ومكان له، وأما سطح الفلك الخارج فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم،","vol":"6","page":214},{"text":"لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم أيضًا جسم آخر، ويمر الأمر إلى غير نهاية.\nفإذًا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانًا أصلًا، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم، فإذًا إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير الجسم، فالذي يمتنع وجوده هنالك هو عكس ما ظنه القوم، وهو موجود هو جسم، لا موجود ليس بجسم.\nوليس لهم أن يقولوا: إن خارج العالم خلاء.\nوذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه، لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئًا أكثر من أبعاد ليس فيها جسم، أعني طولًا وعرضًا وعمقًا، لأنه إن وقعت الأبعاد عنه عاد عدمًا، وإن أنزل الخلاء موجودًا لزم أن تكون أعراض موجودة في غير جسم.\nوذلك لأن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد، ولكنه قد قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة إن ذلك الموضع هو مسكن الروحانيين، يريدون الله والملائكة.\nوذلك أن ذلك الموضع ليس بمكان ولا يحويه زمان، وكذلك إن كان كل ما يحويه الزمان والمكان فاسدًا، فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن،","vol":"6","page":215},{"text":"وقد تبين هذا المعنى فيما أقوله، وذلك أنه لما لم يكن ههنا شيء يدرك إلا هذا الموجود المحسوس أو العدم، وكان من المعروف بنفسه أن الموجود إنما ينسب إلى الوجود، أعني أنه يقال: إنه موجود في الوجود، إذ لا يمكن أن يقال: إنه موجود في العدم، فإن كان ههنا موجود هو أشرف الموجودات، فواجب أن ينسب من الوجود المحسوس إلى الجزء الأشرف، وهي السماوات.\nولشرف هذا الجزء، قال الله تعالى: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧] .\nقال: (فهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم.\nفقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه، فإن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع، وأنه وجه العسر في نفيهم هذا المعنى مع نفي الجسمية، هو","vol":"6","page":216},{"text":"أنه ليس في الشاهد مثال له، وهو بعينه السبب في أنه لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه، لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب، متى كان ذلك معلوم الوجوه في الشاهد، مثل العلم في الفاعل، فإنه لما كان في الشاهد شرطًا في وجوده كان شرطًا في وجود الصانع الغائب، وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر، ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون، فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته، إن لم تكن بالجمهور حاجة إلى معرفته، مثل العلم بالنفس، أو يضرب له مثال في الشاهد.\nفإن بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم، وإن لم يكن ذلك المثال هو الأمر المقصود فتفهيمه مثل كثير مما جاء من أحوال المعاد.\nوالشبهة الواقعة في نفي الجهة عند الذين نفوها ليس يتفطن الجمهور لها، لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ليس بجسم، فيجب أن يمتثل في هذا كله فعل الشرع، ولا يتأول ما لم يصرح الشرع بتأوله.\nوالناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث رتب: صنف لا","vol":"6","page":217},{"text":"يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى، وخاصة متى تركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع، وهؤلاء هم الأكثرون، وهم الجمهور.\nوصنف عرفوا حقيقة هذه الأشياء، وهم الراسخون في العلم، وهؤلاء هم الأقل من الناس، وصنف عرضت لهم في هذه الأشياء شكوك ولم يقدروا على حلها، وهؤلاء هم فوق العامة دون العلماء، وهذا الصنف هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع، وهم الذين ذمهم الله تعالى.\nوأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه.\nفعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم المتشابه.. ومثال ما عرض لهذا الصنف من الشرع مثال ما يعرض لخبز البر مثلًا، الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان، أن يكون لأقل الأبدان ضارًا، وهو نافع للأكثر، وكذلك التعلم الشرعي هو نافع للأكثر، وربما يضر الأقل.\nولهذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] .\nلكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز في الأقل منها والأقل من الناس، وأكثر ذلك هي الآيات التي تتضمن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال في الشاهد، فيعبر عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها، وأكثرها شبهًا بها، فيعرض لبعض الناس أن","vol":"6","page":218},{"text":"يرى الممثل به هو الممثل نفسه، فتلزمه الحيرة والشك، وهو الذي يسمى متشابهًا في الشرع.\nوهذا ليس يعرض للعلماء والجمهور، وهم صنفا الناس بالحقيقة، لأن هؤلاء هم الأصحاء، والغذاء الملائم إنما يوافق أأبدان الأصحاء، وأما أولئك فمرضى، والمرضى هم الأقل.\nولذلك قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ [آل عمران: ٧]، وهؤلاء هم أهل الجدل والكلام.\nوأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرًا مما ظنوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإما أتى به في صورة المتشابه ابتلاءً لعباده واختبارًا لهم، ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزًا من جهة الوضوح والبيان، فإذا ما أبعد عن مقصود الشرع من قال فيما ليس بمتشابه: إنه متشابه، ثم أوله بزعمه، وقال لجميع الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل، مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش، وغير ذلك مما قالوا: إن ظاهره متشابه.\nوبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تؤملت","vol":"6","page":219},{"text":"وجدت ليس يقوم عليها برهان، ولا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها، وعلمهم عنها، فإن المقصود الأول في العلم في حق الجمهور إنما هو العمل، فما كان أنفع في العمل فهو أجدر.\nفأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعًا: أعني العلم والعمل) .\nقال: (ومثال من أول شيئًا من الشرع، وزعم أن ما أوله هو الذي قصد الشرع، وصرح بذلك التأويل للجمهور، مثال ما أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر لحفظ صحة جميع الناس، أو الأكثر، فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم لرداءة مزاج كان به، ليس يعرض إلا لأقل الناس، فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المركب لم يرد به ذلك الدواء الذي جرت به العادة في ذلك أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواءً آخر مما يمكن أن تدل عليه بذلك استعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم،","vol":"6","page":220},{"text":"وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول، فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على وجه الذي تأوله عليه هذا المتأول، ففسدت به أمزجة كثير من الناس، فجاء آخرون شعروا بفساد أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركب، فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير المرض الأول، فجاء ثالث فتأول أدوية ذلك المركب على غير التأويل الثاني، فعرض للناس نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين، فجاء متأول رابع فتأول دواءً آخر غير الأدوية المتقدمة، فعرض للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة، فلما طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم، وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها، عرض منه للناس، أمراض شتى، حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس، وهذه حال الفرق الحادثة في هذه الشريعة، وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلًا غير","vol":"6","page":221},{"text":"التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه الذي قصد صاحب الشرع، حتى تمزق الشرع كل ممزق، وبعد جدًا عن موضوعه الأول.\nولما علم الرسول ﷺ أن مثل هذا يعرض، ولا بد في شريعته قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله تأويلًا صرحت به للناس) .\nقال: (وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة، في هذا الوقت، من الفساد العارض فيها من قبل التأويل، تبينت أن هذا المثال صحيح.\nفأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى، وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور، وبآراء","vol":"6","page":222},{"text":"الحكماء، على ما أداه إليه فهمه، وذلك في كتابه الذي سماه بالمقاصد، وزعم أنه إنما ألف هذا الكتاب للرد عليهم، ثم وضع كتابه المعروف بتهافت الفلاسفة، فكفرهم فيه في مسائل ثلاثة من جهة خرقهم فيها الإجماع فيما زعم، وبدعهم في مسائل، وأتي فيه بحجج مشككة، وشبه محيرة أضلت كثيرًا من الناس عن الحكمة والشريعة جميعًا، ثم قال في كتابه المعروف بجواهر القرآن إن الذي أثبته في كتاب التهافت هي أقاويل جدلية، وأن الحق إنما أثبته في المضنون به على غير أهله ثم جاء في كتابه المعروف بـ مشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب العارفين بالله، وقال: إن سائرهم محجوبون، إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك السماء الأولى، وهو الذي صدر عنه هذا المحرك، وهذا تصريح منه باعتقاد مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية، وهو قد قال في غير ما وضع: إن علومهم الإلهية تخمينات، بخلاف الأمر في سائر علومهم، وأما في كتابه الذي سماه المنقذ من الضلال فتحامل فيه على","vol":"6","page":223},{"text":"الحكماء، وأشار إلى أن العلم إنما يحصل بالخلوة والفكرة، وأن هذه المرتبة من جنس مراتب الأنبياء في العلم، وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذي سماه بكيمياء السعادة فصار الناس بسبب هذا التخليط والتشويش فرقتين: فرقة انتدبت لذم الحكماء والحكمة، فرقة انتدبت لتأويل الشرع وروم صرفه إلى الحكمة، وهذا كله خطأ، بل ينبغي أن يقر الشرع على ظاهره، ولا يصرح للجمهور بالجمع بينه وبين الحكمة، لأن التصريح بذلك هو تصريح بنتائج الحكمة لهم، دون أن يكون عندهم برهان عليها، وهذا لا يحل ولا يجوز، أعني التصريح بشيء من نتائج الحكمة لم يكن عنده\nالبرهان عليها، لأنه لا يكون مع العلماء الجامعين بين الشرع والعقل، ولا مع الجمهور المتبعين لظاهر الشرع، فلحق من فعله هذا إخلال بالأمرين جميعًا، أعني بالحكمة وبالشرع عند أناس، وحفظ الأمرين أيضًا جميعًا عند آخرين.\nأما إخلاله بالشريعة فمن جهة إفصاحه فيه بالتأويل الذي لا يجب الإفصاح به، وأما إخلاله بالحكمة فلإفصاحه أيضًا بمعان فيها لا","vol":"6","page":224},{"text":"يجب أن يصرح بها إلا في كتب البرهان، وأما حفظه للأمرين جميعًا، فإن كثيرًا من الناس لا يرى بينهما تعارضًا من جهة الجمع الذي استعمل منهما، وأكد هذا المعنى بأن عرف وجه الجمع بينهما، وذلك في كتابه الذي سماه التفرقة بين الإسلام والزندقة، وذلك أنه عدد فيه أصناف التأويلات، وقطع فيه على أن المتأول ليس بكافر.\nوإن خرق الإجماع في التأويل.\nفإذًا ما فعل من هذه الأشياء هو ضار للشرع بوجه، وللحكمة بوجه، ونافع لهما بوجه، وهذا الذي فعله هذا الرجل إذا فحص عنه ظهر أنه ضار بالذات للأمرين جميعًا.\nأعني الحكمة والشريعة، وأنه نافع لهما بالعرض.\nوذلك أن الإفصاح بالحكمة لمن ليس من أهلها يلزم عن ذلك بالذات: إما إبطال الحكمة، وإما إبطال الشريعة، وقد يلزم عنها بالعرض الجمع بينهما.\nوالصواب كان ألا يصرح بالحكمة للجمهور، فأما قد وقع التصريح، فالصواب أن تعلم الفرقة من الجمهور التي ترى أن الشريعة مخالفة للحكمة أنها ليست مخالفة لها، وكذلك يعرف الذين يرون أن الحكمة","vol":"6","page":225},{"text":"مخالفة لها من الذين ينتسبون للحكمة أنها غير مخالفة لها.\nوذلك بأن يعرف كل أحد من الفريقين أنه لم يقف على كنهها بالحقيقة، أعني على كنه الشريعة، ولا على كنه الحكمة، وأن الرأي في الشريعة الذي اعتقد أنه مخالف للحكمة هو رأي: إما مبتدع في الشريعة لا من أصلها، وإما رأي خطأ في الحكمة، أعني تأويل خطأ عليها، كما عرض في مسألة علم الجزئيات وفي غيرها من المسائل) .\nقال: (ولهذا المعنى اضطررنا نحن في هذا الكتاب أن نعرف أصول الشريعة، فإن أصولها إذا تؤملت وجدت أشد مطابقة للحكمة مما أول عليها.\nوكذلك الرأي في الذي ظن في الحكمة أنه مخالف للشريعة يعرف أن السبب في ذلك أنه لم يحط علمًا بالحكمة ولا بالشريعة.\nولذلك اضطررنا نحن إلى وضع قول في موافقة الحكمة للشريعة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>كلام ابن رشد في مسألة رؤية الله تعالى</span>\nقال: (فإذا تبين هذا فلنرجع إلى حيث كنا فنقول: إن","vol":"6","page":226},{"text":"الذي بقي علينا من هذا الجزء من المسائل المشهورة هي مسألة الرؤية، فإنه قد يظن أن هذه المسألة هي، بوجه ما، داخلة في هذا الجزء، أعني في الجزء المعدوم) يعني جزء التنزيه، فإنه تكلم في التنزيه بعد تكلمه في الصفات الثبوتية، فقال: (فإنه قد يظن أن هذه المسألة هي، بوجه ما داخلة في هذا الجزء، أعني في الجزء المعدوم، لقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ولذلك أنكرتها المعتزلة، وردت الآثار الواردة في الشرع بذلك، مع كثرتها وشهرتها، فشنع المر عليهم، والسبب في وقوع هذه الشبهة في الشرع أن المعتزلة لما اعتقدوا انتفاء الجسمية عنه سبحانه، واعتقدوا وجوب التصريح بهذا لجميع المكلفين، وجب عندهم إذا انتفت الجسمية أن تنتفي الجهة، وإذا انتفت الجهة انتفت الرؤية، إذ كل مرئي في جهة من الرائي، فاضطروا لهذا المعنى إلى رد الشرع المنقول، وأعلوا الأحاديث بأنها أخبار آحاد.\nوأخبار الآحاد لا توجب العلم، مع أن ظاهر القرآن معارض لها، أعني قوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]) .","vol":"6","page":227},{"text":"قال: (وأما الأشعرية فراموا الجمع بين الاعتقادين، أعني بين انتفاء الجسمية وبين جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس، فعسر ذلك عليهم، ولجأوا في ذلك إلى حجج سوفسطائية مموهة، أعني الحجج التي توهم أنها حجج وهي كاذبة، وذلك أنه يشبه أن يكون يوجد في الحجج ما يوجد في الناس، أعني كما يوجد في الناس الفاضل التام الفضيلة، يوجد فيهم من هو دون ذلك في الفضل، ويوجد فيهم من يوهم أنه فاضل وليس بفاضل، وهو المرائي، وكذلك الأمر في الحجج أعني أن منها ما هو في غاية اليقين ومنها ما هو دون اليقين، ومنها حجج مرائية، وهي التي توهم أنها يقين وهي كاذبة.\nوالأقاويل التي سلكها الأشعرية في هذه المسألة منها أقاويل في دفع دليل المعتزلة، ومنها أقاويل لهم في جواز إثبات الرؤية لما ليس بجسم، وأنه ليس يعرض من فرضها محال.\nفأما ما عاندوا به قول المعتزلة: إن كل مرئي فهو في جهة من الرائي، فمنهم من قال: إن هذا إنما هو حكم الشاهد لا حكم الغائب، وإن هذا الموضع ليس هو من المواضع التي يجب فيها نقل حكم الشاهد إلى الغائب، وإنه جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة، إذ كان جائزًا أن يرى الإنسان بالقوة المبصرة نفسها","vol":"6","page":228},{"text":"دون عين، وهؤلاء اختلط عليهم إدراك العقل مع إدراك البصر فإن العقل هو الذي يدرك ما ليس في جهة، أعني في مكان.\nوأما إدراك البصر، فظاهر من أمره أن من شرطه أن يكون المرئي منه في جهة، أعني في مكان، ولا في كل جهة بل في جهة ما مخصوصة.\nولذلك ليس تتأتى الرؤية بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي، بل بأوضاع محدودة وشروط محدودة أيضًا.\nوهي ثلاثة أشياء: حضور الضوء، والجسم الشفاف المتوسط بين البصر والمبصر، وكون المبصر ذا لون.\nوالرد لهذه الأمور المعروفة بنفسها في الإبصار هو رد للأوائل المعلومة بالطبع للجميع، وإبطال لجميع علوم النظر والهندسة.\nوقد قال القوم - أعني الأشعرية - إن أحد المواضع التي يجب فيها أن ينقل حكم الشاهد إلى الغائب هو الشرط، مثل حكمنا بأن كل عالم حي، لكون الحياة تظهر في الشاهد شرطًا في وجود العلم قلنا لهم: وكذلك يظهر في الشاهد أن هذه الأشياء هي شرط في الرؤية، فألحقوا الغائب فيها بالشاهد، على أصلكم) .","vol":"6","page":229},{"text":"قال: (وقد رام أبو حامد في كتابه المعروف بالمقاصد أن يعاند هذه المقدمة، أعني أن كل مرئي في جهة من الرائي، بأن الإنسان ينظر ذاته في المرآة، وليس ذاته منه في جهة ولا في غير جهة تقابله، وذلك أنه لما كان يبصر ذاته، وكانت ذاته لا تحال في المرآة التي في الجهة المقابلة، فهو يبصر ذاته في غير جهة) .\nقال: (وهذه مغالطة، فإن الذي يبصر هو خيال ذاته فقط، والخيال هو في جهة، إذ كان الخيال في المرآة، والمرآة في جهة.\nوأما حجتهم التي أتوا بها في إمكان رؤية ما ليس بجسم، فإن المشهور عندهم من ذلك حجتان: إحداهما - وهي الأشهر عندهم - ما يقولونه من أن الشيء لا يخلو من أن يرى من جهة أنه متلون، أو من جهة أنه جسم، أو من جهة أنه لون، أو من جهة أنه موجود.\nوربما عددوا جهات أخر غير هذه الوجوه، ثم يقولون: وباطل أن يرى من قبل أنه جسم، إذ لو كان كذلك لما رئي ما","vol":"6","page":230},{"text":"هو غير جسم، وباطل أن يرى من قبل أنه ملون، إذ لو كان كذلك لما رئي، وباطل أن يرى لمكان أنه لون، إذ لو كان كذلك لما رئي الجسم.\nقالوا: وإذا بطلت جميع هذه الأقسام التي تتوهم في هذا الباب، لم يبق أن يرى الشيء إلا من قبل أنه موجود) .\nقال: (والمغالطة في هذا القول بينة، فإن المرئي منه ما هو مرئي بذاته، ومنه ما هو مرئي من قبل المرئي بذاته.\nوهذه هي حال اللون والجسم، فإن اللون مرئي بذاته، والجسم مرئي من قبل اللون، وكذلك ما لم يكن له لون لم يبصر، ولو كان الشيء إنما يرى من حيث هو موجود فقط، لوجب أن يبصر الأصوات وسائر المحسوسات الخمس، فكان يكون السمع والبصر وسائر الحواس الخمس حاسة واحدة، وهذا كله خلاف ما يعقل، وقد اضطر المتكلمون لمكان","vol":"6","page":231},{"text":"هذه المسألة - وما أشبهها - إلى أن يسلموا أن الألوان ممكنة أن تسمع، والأصوات ممكنة أن لا تسمع، وهذا كله خروج عن الطبع وعما يمكن أن يعقله الإنسان، فإن من الظاهر أن حاسة البصر غير حاسة السمع، وأن محسوس هذه غير محسوس تلك، وأن آلة هذه غير آلة تلك، وأنه ليس يمكن أن ينقلب البصر سمعًا، كما لا يمكن أن يعود اللون صوتًا، والذين يقولون: إن الصوت يمكن أن يبصر في وقت، فقد وجب أن يسألوا فيقال لهم: ما هو البصر؟ فلا بد أن يقولوا: هو قوة تدرك بها المرئيات: الألوان وغيرها، ثم يقال لهم: ما هو السمع؟ فلا بد أن يقولوا: هو قوة تدرك بها الأصوات، فإذا وضعوا هذا قيل لهم: فهل البصر عند إدراكه الأصوات هو بصر فقط، أو سمع فقط؟ فإذا قالوا: سمع فقط، فقد سلموا أنه لا يدرك الألوان.\nوإن قالوا: بصر فقط، فليس يدرك الأصوات، وإذا لم يكن بصرًا فقط لأنه يدرك الأصوات، ولا سيما فقط لأنه يدرك الألوان، فهو بصر وسمع معًا، وعلى هذا فتكون الأشياء كلها شيئًا واحدًا، حتى المتضادات، وهذا شيء - فيما أحسبه - يسلمه المتكلمون من أهل ملتنا، أو يلزمهم تسليمه - يعني هؤلاء الأشعرية) .","vol":"6","page":232},{"text":"قال: (وهو رأي سوفسطائي لأقوام مشهورين بالسفسطة.\nوأما الطريقة الثانية التي سلكها المتكلمون في جواز الرؤية فهي الطريقة التي اختارها أبو المعالي في كتابه المعروف بالإرشاد وتلخيصها.\nأن الحواس إنما تدرك ذوات الأشياء، وما تنفصل به الموجودات بعضها من بعض، فهي أحوال ليست بذوات، فالحواس لا تدركها، وإنما تدرك الذات، والذات هي نفس الوجود المشتركة لجميع الموجودات، فإذًا الحواس إنما تدرك الشيء من حيث هو هو موجود) .\nقلت: هذه الحجة من جنس الأولى، لكن هذه على قول مثبتة الأحوال، وتلك على رأي نفاة الأحوال، لكن ذكرها على هذا الوجه فيه تناقض، حيث جعل الأحوال لا ترى، بل إنما يرى الوجود، والوجود حال عند مثبتة الأحوال، لكن مضمون ذلك أنها تدرك الحال المشتركة وهي الوجود، لا لما اختصت به.\nثم قال ابن رشد: (وهذا كله في غاية الفساد.\nومن أبين ما يظهر به فساد هذا القول أنه لو كان البصر إنما يدرك الأشياء لوجودها لما أمكنه أن يفرق بين الأبيض والأسود، لأن الأشياء لا تفترق بالشيء","vol":"6","page":233},{"text":"الذي تشترك فيه، ولكان في الجملة لا يمكن في الحواس: لا في البصر أن يدرك فصول الألوان، ولا في السمع أن يدرك فصول الأصوات، ولا في الطعم أن يدرك فصول المطعومات، وللزم أن يكون مدارك المحسوسات بالحس واحدًا، فلا يكون فرق بين مدرك السمع ومدرك البصر، وهذا كله في غاية الخروج عما يعقله الإنسان، وإنما تدرك الحواس وذوات الأشياء المشار إليها بتوسط إدراكها لمحسوساتها الخاصة بها، فوجه المغالطة في هذا هو أنه ما يدرك ثانيًا أخذ أنه يدرك بذاته) .\nقال: (ولولا النشأ على هذه الأقاويل، وعلى التعظيم للقائلين بها، لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة) .\nقال: (والسبب في مثل هذه الحيرة الواقعة في الشريعة - حتى ألجأت القائلين بنصرتها، في زعمهم، إلى مثل هذه الأقاويل الهجينة، التي هي ضحكة عند من عنى بتمييز أصناف الأقاويل أدنى عناية - هو التصريح في الشرع بما لم يأذن به الله ورسوله، وهو التصريح بنفي","vol":"6","page":234},{"text":"الجسمية للجمهور.\nوذلك أنه من العسير أن يجتمع في اعتقاد واحد أن ههنا موجودًا ليس بجسم، وأنه مرئى بالأبصار، لأن مدرك الأبصار هي في الأجسام أو أجسام، وكذلك رأى قوم أن هذه الرؤية هي مزيد علم في ذلك الوقت، وهذا لا يليق أيضًا الإفصاح به للجمهور، فإنه لما كان العقل من الجمهور لا ينفك عن التخيل، بل ما لا يتخيلون هو عندهم عدم، وكان تخيل ما ليس بجسم لا يمكن، والتصديق بوجود ما ليس بمتخيل غير ممكن عندهم، عدل الشرع عن التصريح لهم بهذا المعنى، ووصف لهم نفسه سبحانه بأوصاف تقرب من قوة التخيل مثل ما وصفه به من السمع والبصر والوجه وغير ذلك، مع تعريفهم أنه لا يجانسه شيء من الموجودات المتخيلة ولا يشبهه.\nولو كان القصد تعريف الجمهور أنه ليس بجسم لما صرح لهم بشيء من ذلك، بل لما كان أرفع الموجودات المتخيلة هو النور ضرب المثال به، إذ كان النور هو أشهر الموجودات عند الحس والتخيل.\nوبهذا النحو من التصور أمكن أن يفهموا المعاني","vol":"6","page":235},{"text":"الموجودات في المعاد، أعني تلك المعاني مثلت لهم بأمور متخيلة محسوسة، فإذًا متى أخذ الشرع في أوصاف الله على ظاهره لم تعرض فيه هذه الشبهة ولا غيرها، لأنه إذا قيل: إنه نور، وإن له حجابًا من نور، كما جاء في القرآن والسنن الثابتة، ثم قيل: إن المؤمنين يرونه في الدار الآخرة، كما ترى الشمس لم يعرض في هذا كله شك، ولا شبهة في حق الجمهور، ولا حق العلماء، وذلك أنه قد تبرهن عند العلماء أن تلك الحال مزيد علم، لكن متى صرح به للجمهور بطلت عندهم الشريعة كلها أو كفروا المصرح لهم بها، فمن خرج عن منهاج الشريعة في هذه الأشياء فقد ضل عن سواء السبيل.\nوأنت إذا تأملت الشرع وجدته، مع أنه قد ضرب للجمهور في هذا المعنى المثالات التي لم يمكن تصورها إياها دونها، فقد نبه العلماء على تلك المعاني أنفسها التي ضرب مثالاتها للجمهور، فيجب أن يوقف عند حد الشرع في نحو التعليم الذي خص به صنفًا صنفًا من الناس، لئلا يختلط التعليمان كلاهما، فتفسد الحكمة الشرعية النبوية.\nولذلك قال عليه الصلاة","vol":"6","page":236},{"text":"والسلام: «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وأن نخاطبهم على قدر عقولهم»، ومن جعل الناس شرعًا واحدًا في التعليم فهو كمن جعلهم شرعًا واحدًا في عمل من الأعمال، وهذا كله خلاف المحسوس والمعقول) .\nقال: (وقد تبين لك من هذه أن الرؤية معنى ظاهر، وأنه ليس يعرض فيه شبهة إذا أخذ الشرع على ظاهره في حق الله ﵎، أعني إذا لم يصرح فيه بنفي الجسمية ولا إثباتها) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>تعليق ابن تيمية على كلام ابن رشد في مناهج الأدلة</span>\nقلت: هذا الرجل قد ذكر في كتابه أن أصناف الناس أربعة: الحشوية، والأشعرية، والمعتزلة والباطنية: باطنية الصوفية وهو يميل إلى باطنية الفلاسفة الذين يوجبون إقرار الجمهور على الظاهر كما يفعل ذلك من يقول بقولهم من أهل الكلام والفقه والحديث، ليس هو من باطنية الشيعة كالإسماعيلية ونحوهم الذين يظهرون الإلحاد","vol":"6","page":237},{"text":"ويتظاهرون بخلاف شرائع الإسلام، وهو في نفي الصفات أسوأ حالًا من المعتزلة وأمثالهم، بمنزلة إخوانه الفلاسفة الباطنية، حتى أنه يجعل العلم هو العالم، والعلم هو القدرة، وهو مع موافقته لابن سينا على نفي الصفات، يبين فساد طريقته التي احتج بها وخالف بها قدماء الفلاسفة، وهو أن ما يشهد به الوجود من الموجود الواجب يمتنع كونه موصوفًا لأن ذلك تركيب، ووافق أبا حامد - مع تشنيعه عليه - على أن استدلال ابن سينا على نفي الصفات بأن وجوب الوجود مستلزم لنفي التركيب، المستلزم لنفي الصفات - طريقة فاسدة، واختار طريقة المعتزلة، وهي أن ذلك تركيب، والمركب يفتقر إلى مركب، وهي أيضًا من نمط تلك في الفساد.\nوكذلك أيضًا زيف طريقهم التي استدلوا بها على نفي التجسيم: زيف طريقة ابن سينا وطرق المعتزلة والأشعرية بكلام طويل، واعتمد هو في نفي التجسيم على إثبات النفس الناطقة، وأنها ليست بجسم، فيلزم أن يكون الله ليس بجسم.\nولا ريب أن هذه الحجة أفسد من غيرها، فإن الاستدلال على نفي كون النفس جسمًا أضعف بكثير من نفس ذلك في الواجب، والمنازعون له في النفس أكثر من المنازعين له في ذلك، لكن مما يطمعه، ويطمع أمثاله في ذلك ضعف مناظرة أبي حامد لهم في مسألة النفس، فإن أبا حامد بين فساد أدلتهم التي استدلوا بها على نفي كون الواجب ليس بجسم، وبين أنه لا حجة لهم على ذلك، وغنما الحجة على ذلك طريق","vol":"6","page":238},{"text":"المعتزلة: طريقة الأعراض والحوادث.\nوأما في مسألة النفس فهو موافق لهم على قولهم لاعتقاده صحة طريقهم.\nوابن رشد يذم أبا حامد من الوجه الذي يمدحه به علماء المسلمين ويعظمونه عليه، ويمدحه من الوجه الذي يذمه به علماء المسلمين، وإن كانوا قد يقولون: إنه رجع عن ذلك، لأن أبا حامد يخالف الفلاسفة تارة، ويوافقهم أخرى، فعلماء المسلمين يذمونه بمن وافقهم فيه من الأقوال المخالفة للحق الذي بعث الله به محمدًا ﷺ الموافقة لصحيح المنقول وصريح المعقول، كما وقع من الإنكار عليه أشياء في كلام رفيقه أبي الحسن المرغيناني، وأبي نصر القشيري، وأبي بكر الطرشوشي، وأبي بكر بن العربي، وأبي","vol":"6","page":239},{"text":"عبد الله المازري، وأبي عبد الله الذكي، ومحمود الخوارزمي، وابن عقيل، وأبي البيان الدمشقي، ويوسف الدمشقي، وابن حمدون القرطبي القاضي، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي محمد المقدسي، وأبي عمرو بن الصلاح، وغير واحد من علماء المسلمين وشيوخهم.","vol":"6","page":240},{"text":"والمتفلسفة، الذين يوافقون ما ذكره من أقوالهم، يذمونه لما اعتصم به من دين الإسلام ووافقه في الكتاب والسنة، كما يفعل ذلك ابن رشد الحفيد هذا، وابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان، وابن سبعين، وابن هود، وأمثالهم.\nوهؤلاء وأمثالهم يعظمون ما وافق فيه الفلاسفة، كما يفعل ذلك صاحب خلع النعلين وابن عربي صاحب الفصوص، وأمثالهم ممن يأخذ المعاني الفلسفية يخرجها في قوالب المكاشفات والمخاطبات الصوفية، ويقتدي في ذلك بما وجده من ذلك في كلام أبي حامد ونحوه.\nوأما عوام هؤلاء فيعظمون الألفاظ الهائلة مثل: لفظ الملك، والملكوت، والجبروت، وأمثال ذلك مما يجدونه في كلام هؤلاء وهم لا يدرون هل أراد المتكلم بذلك ما أراده الله ورسوله، أم أراد بذلك ما أراده الملاحدة كابن سينا وأمثاله.","vol":"6","page":241},{"text":"والمقصود هنا أن ابن رشد هذا مع اعتقاده أقوال الفلاسفة الباطنية - لا سيما الفلاسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم الذين لهم التصانيف المعروفة في الفلسفة - ومع أن قول ابن رشد هذا في الشرائع من جنس قول ابن سينا وأمثاله من الملاحدة، من أنها أمثال مضروبة لتفهيم العامة ما يتخيلونه في أمر الإيمان بالله واليوم الاخر، وأن الحق الصريح الذي يصلح لأهل العلم، فإنما هو أقوال هؤلاء الفلاسفة، وهذه عند التحقيق منتهاها التعطيل المحض، وإثبات وجود مطلق لا حقيقة له في الخارج غير وجود الممكنات، وهو الذي انتهى إليه أهل الوحدة والقائلون بالحلول والاتحاد، كابن سبعين وأمثاله ممن حقق هذه الفلسفة ومشوا على طريقة هؤلاء المتفلسفة الباطنية من متكلم ومتصوف، وممن أخذ بما يوافق ذلك من كلام أبي حامد وأمثاله، وزعموا أنهم يجمعون بين الشريعة الإلهية والفلسفة اليونانية، كما زعم ذلك أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم من هؤلاء الملاحدة.\nوابن رشد هذا، مع خبرته بكلام هؤلاء وموافقته لهم، يقول: إن جميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك، وقرر ذلك بطريق عقلية من جنس تقرير ابن كلاب والحارث المحاسبي، وابن العباس القلانسي، والأشعري،","vol":"6","page":242},{"text":"والقاضي أبي بكر، وأبي الحسن التميمي، وابن الزاغوني، وأمثالهم ممن يقول إن لله فوق العرش وليس بجسم.\nوقال هؤلاء المتفلسفة كما يقوله هؤلاء المتكلمون الصفاتية: إن إثبات العلو لله لا يوجب إثبات الجسمية، بل ولا إثبات المكان، وبناء ذلك على أن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي، وهذا قول أرسطو وأتباعه، فهؤلاء يقولون: مكان الإنسان هو باطن الهواء المحيط به، وكل سطح باطن من الأفلاك فهو مكان للسطوح الظاهرة مما يلاقيه.\nومعلوم أنه ليس وراء الأجسام سطح جسم باطن يحوي شيئًا، فلا مكان هناك على اصطلاحهم، إذ لو كان هناك محوى لسطح الجسم لكان الحاوي جسمًا، وإذا كان كذلك فالموجود هنالك لا يكون في مكان ولا يكون جسمًا، ولهذا قال: (فإذًا إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم، فالذي يمتنع وجوده هناك هو وجود جسم، لا وجود ما ليس بجسم) .","vol":"6","page":243},{"text":"فقرر إن كان ذلك كما قرر إثباته، كما ذكره من أنه لا بد من نسبة بينه وبين العالم المحسوس.\nوالذي يمكن منازعوه من الفلاسفة أن يقولوا له: لا يكمن أن يوجد هناك شيء: لا جسم ولا غيره، أما الجسم فلما ذكره، وأما غيره فلأنه يكون مشارًا إليه بأنه هناك، وما أشير إليه فهو جسم.\nوهذا كما يقول المعتزلة للكلابية وقدماء الأشعرية ومن وافقهم من أهل الحديث كالتميميين وأمثالهم أتباعهم، فيقول ابن رشد لهم ما تقوله الكلابية للمعتزلة، وهو أن وجود موجود ليس هو وراء أجسام العالم ولا داخل فيها، إما أن يكون ممكنًا وإما أن لا يكون، فإن لم يكن ممكنًا بطل قولهم، وإن كان ممكنًا فوجد موجود هو وراء أجسام العالم وليس الجسم أولى بالجواز، لأنه إذا عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه، لا في العالم ولا خارجًا عنه، ولا يشار إليه، وعرضنا عليه وجود موجود يشار إليه فوق العالم ليس بجسم، كان إنكار العقل للأول","vol":"6","page":244},{"text":"أعظم من إنكاره للثاني، فإن كان الأول مقبولًا وجب قبول الثاني وإن كان الثاني مردودًا وجب رد الأول، فلا يمكن منازعو هؤلاء أن يبطلوا قولهم مع إثباتهم لموجود قائم بنفسه، لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه.\nوما ذكره ابن رشد من أن: هذه الصفة - صفة العلو - لم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله تعالى حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الشريعة - كلام صحيح، وهو يبين خطأ من يقول: إن النزاع في ذلك ليس إلا مع الكرامية والحنبلية، وكلامه هذا أصح مما زعمه ابن سينا حيث ادعى أن السنن الإلهية منعت الناس عن شهرة القضايا التي سماها (الوهميات) مثل أن: كل موجود فلا بد أن يشار إليه، فإن تلك السنن ليست إلا سنن المعتزلة والرافضة والإسماعيلية ومن وافقهم من أهل البدع ليست سنن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.\nوما نقله ابن رشد عن هذه الأمة فصحيح، وهذا مما يرجع أن نقله لأقوال فلاسفة أصح من نقا ابن سينا.\nولكن التحقيق أن الفلاسفة في هذه المسألة على قولين وكذلك في مسالة ما يقوم بذاته من الأفعال وغيرها من الأمور، للفلاسفة في ذلك قولان.","vol":"6","page":245},{"text":"والرازي إذا قال: (اتفق الفلاسفة) فإنما عنده ما في كتاب ابن سينا وذويه.\nوكذلك الفلاسفة الذين يرد عليهم أبو حامد إنما هم هؤلاء.\nولا ريب أن مسائل الإلهيات كالنبوات ليس لأرسطو وأتباعه فيها كلام طائل.\nأما النبوات فلا يعرف له فيها كلام، وأما الإلهيات فكلامه فيها قليل جدًا.\nوأما عامة كلام الرجل فهو في الطبيعيات والرياضيات، ولهم كلام في الروحانيات من جنس كلام السحرة والمشركين.\nوأما كلامهم في واجب الوجود نفسه، فكلام قليل جدًا مع ما فيه من الخطأ، وهم لا يسمونه واجب الوجود، ولا يقسمون الوجود إلى واحب وممكن، وإنما فعل هذا ابن سينا وأتباعه، ولكن يسمونه المحرك الأول والعلة الأولى، كما قد بسط أقوالهم في موضع آخر.\nوعلم ما بعد الطبيعة عندهم هو العلم الناظر في الوجود ولواحقه، وتلك الأمور كلية عامة مطلقة تتناول الواجب وغيره.\nوبعض كلامهم في ذلك خطأ وبعضه صواب، وغالبه تقسيم لأجناس الجواهر والأعراض، ولهذا كانوا نوعين: نوعًا نظارين مقسمين للكليات، ونوعًا متأهلين بالعبادة والزهد على أصولهم أو جامعين بين الأمرين كالسهروردي والمقتول، وأتباع ابن سبعين، وغيرهم.","vol":"6","page":246},{"text":"وأما كلامهم في نفس العلة الأولى فقليل جدًا، ولهذا كانوا على قولين: منهم من يثبت موجودًا واجبًا مباينًا للأفلاك، ومنهم من ينكر ذلك، وحجج مثبتي ذلك على نفاته منهم حجج ضعيفة، وقدماؤهم كأرسطو كانوا يستدلون بأنه لا بد للحركة من محرك لا يتحرك، وهذا لا دليل عليه بل الدليل يبطله.\nوابن سينا سلك طريقته المعروفة، وهو الاستدلال بالوجود على الواجب، ثم دعواه أن الواجب لا يجوز أن يتعدد ولا تكون له صفة وهذه أيضًا طريقة ضعيفة ولعلها أضعف من طريقة أولئك، أو نحوها، أو قريبة منها.\nوإذا كان كلام قدمائهم في العلم بالله تعالى قليلًا كثير الخطأ، فإنما كثر كلام متأخريهم لما صاروا من أهل الملل، ودخلوا في دين المسلمين واليهود والنصارى، وسمعوا ما أخبرت به الأنبياء من أسماء الله وصفاته وملائكته وغير ذلك، فأحبوا أن يستخرجوا من أصول سلفهم ومن كلامهم ما يكون فيف موافقة لما جاءت به الأنبياء لما رأوا في ذلك من الحق العظيم الذي لا يمكن جحده، والذي هو أشرف المعارف وأعلاها، فصار كل منهم يتكلم بحسب اجتهاده، فالفارابي لون، وابن سينا لون، وأبو البركات صاحب المعتبر لون، وابن رشد الحفيد لون، والسهروردي المقتول لون وغير هؤلاء ألوان أخر.\nوهم في هواهم بحسب ما تيسر لهم من النظر في كلام أهل","vol":"6","page":247},{"text":"الملل.\nفمن نظر في كلام المعتزلة والشيعة، كابن سينا وأمثاله، فكلامه لون، ومن خالط أهل السنة وعلماء الحديث، كأبي البركان وابن رشد فكلامه لون آخر أقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول من كلام ابن سينا.\nلكن قد يخفى ذلك على من يمعن النظر، ويظن أن قول ابن سينا أقرب إلى المعقول، كما يظن أن كلام المعتزلة والشيعة أقرب إلى المعقول من كلام الأشعرية والكرامية وغيرهم من أهل الكلام، ومن نظار أهل السنة والجماعة.\nومن المعلوم - بعد كمال النظر واستيفائه - أن كل من كان إلى السنة وإلى طريق الأنبياء أقرب كان كلامه في الإلهيات بالطرق العقلية أصح، كما أن كلامه بالطرق النقلية أصح، لأن دلائل الحق وبراهينه تتعاون وتتعاضد، لا تناقض وتعارض.\nوما ذكره ابن رشد في اسم المكان يتوجه من يسلم له مذهب أرسطو، وأنا المكان هو السطح الداخل الحاوي المماس للسطح الخارج المحوي.\nومعلوم أن من الناس من يقول: إن للناس في المكان أقوالًا آخر، منهم من يقول: إن المكان هو الجسم الذي يتمكن غيره عليه ومنهم من يقول: إن المكان هو ما كان تحت غيره وإن لم يكن ذلك متمكنًا عليه ومنهم من يزعم أن المكان هو الخلاء وهو أبعاد.\nوالنزاع في هذا الباب نوعان: أحدهما معنوي، كمن يدعي وجود مكان هو جوهر قائم بنفسه ليس هو الجسم، وأكثر العقلاء ينكرون ذلك.","vol":"6","page":248},{"text":"والثاني نزاع لفظي، وهو من يقول المكان من يحيط بغيره، يقول آخر: ما يكون غيره عليه أو ما يتمكن عليه.\nولا ريب أن لفظ (المكان) يقال على هذا وهذا، ومن هنا نشأ تنازع أهل الإثبات: هل يقال: أن الله تعالى في مكان أم لا؟ هذا كتنازعهم في الجهة والحيز، لكن قد يقر بلفظ الجهة من لا يقر بلفظ (الحيز) أو (المكان)، وربما أقر بلفظ الحيز أو المكان ومن لا يقر بالآخر.\nوسبب ذلك إما إتباع ما ورد، أو اعتقاد في أحد اللفظين من المعنى المردود ما ليس في الآخر.\nوحقيقة الأمر في المعنى أن ينظر إلى المقصود، فمن اعتقد أن المكان لا يكون إلا ما يفتقر إليه المتمكن، سواء كان محيطًا به أو كان تحته فمعلوم أن الله سبحانه ليس في مكان بهذا الاعتبار، ومن اعتقد أن العرش هو المكان، وأن الله فوقه، مع غناه عنه، فلا ريب أنه في مكان بهذا الاعتبار.\nفمما يجب نفيه بلا ريب وافتقار الله إلى ما سواه، فإنه سبحانه غني عن ما سواه، وكل شيء فقير إليه، فلا يجوز أن يوصف بصفة تتضمن افتقاره إلى ما سواه.\nوأما إثبات النسب والإضافات بينه وبين خلقه، فهذا متفق عليه بين أهل الأرض، وأما علوه على العالم ومباينته للمخلوقات، فمتفق عليه بين الأنبياء والمرسلين، وسلف الأمة وأئمتها، وبين هؤلاء الفلاسفة كما ذكر ذلك عنهم، لكن آخرون من الفلاسفة ينازعون في ذلك.","vol":"6","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>فصل مذهب السلف والأئمة في العلو والمباينة</span>\nفهذا ونحوه بعض كلام رؤوس أهل الكلام والفلسفة في هذا الباب، يبين خطأ من جعل النزاع في ذلك مع الكرامية والحنبلية، ويبين أن أكثر طوائف العقلاء يقولون بالعلو، وبامتناع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه.\nوأما كلام من نقل مذهب السلف والأئمة فأكثر من أن يمكن سطره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>كلام أبي نصر السجزي في كتاب الإبانة</span>\nقال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له: فأئمتنا كسفيان الثوري، مالك، سفيان بن عيينة، حماد بن سلامة، حماد بن زيد، عبد الله بن المبارك، فضيل بن عياض، أحمد بن حنبل، إسحق بن إبراهيم الحنظلي، متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش، وإنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى، ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئًا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء.\nوأبو نصر هذا كان مقيمًا بمكة في أثناء المائة الخامسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>كلام أبي عمر الطلمنكي في الوصول إلى معرفة الأصول</span>\nوقال قبله الشيخ أبو عمر الطلمنكي المالكي، أحد أئمة وقته بالأندلس، في كتاب الوصول إلى معرفة الأصول قال: وأجمع","vol":"6","page":250},{"text":"المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ [الحديد: ٤]، ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء.\nوقال أيضًا: (قال أهل السنة في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، أن الاستواء من الله على عرشه المجيد في الحقيقة لا على المجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>كلام نصر المقدسي في الحجة على تارك المحجة</span>\nوقال الشيخ نصر المقدسي الشافعي السيخ المشهور في كتاب الحجة له: (إن قال قائل: قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من اتباع كتاب الله وسنة رسوله، وما أجمع عليه الأئمة والعلماء، والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة، فاذكر مذهبهم وما أجمعوا عليه من اعتقادهم، وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم.\nفالجواب: أن الذي أدركت عليه أهل العلم ومن لقيته وأخذت عنهم، ومن بلغني قوله من غيرهم) فذكر جمل اعتقاد أهل السنة وفيه (أن الله مستو على عرشه بان من خلقه، كما قال في كتابه: ﴿أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عدد﴾ [الجن: ٢٨] .","vol":"6","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>كلام أبي نعيم الأصبهاني ي عقيدته</span>\nوقال قبله الحافظ أبي نعيم الأصبهاني المشهور، صاحب التصانيف المشهورة كحلية الأولياء وغيرها في عقيدته المشهورة عنه: (طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه.\nفما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي ﷺ في العرش، واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله بائن عن خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سماواته من دون أرضه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>كلام أبي أحمد الكرخي في عقيدته</span>\nوقال الشيخ أبو أحمد الكرخي، الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة، في العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها للخليفة القادر بالله، وقرأها على (الناس، وجمع الناس عليها، وأقرتها طوائف أهل السنة، وكان قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.\nوكان حينئذ قد تحرك ولاة الأمور لإظهار السنة لما كان الحاكم المصري وأمثاله من أئمة الملاحدة قد أنتشر أمرهم، وكان أهل ابن سينا وأمثالهم","vol":"6","page":252},{"text":"من أهل دعوتهم، وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر، وأظهر السنة، وتناظر عنده ابن الهيصم وابن فورك في مسألة العلو، فرأى قوة كلام ابن الهيصم، فرجح ذلك، ويقال إنه قال لابن فورك: فلو أردت تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا؟ أو قال: فرق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين المعدوم؟ وأن ابن فورك كتب إلى أبي إسحق الأسفراييني يطلب الجواب عن ذلك، فلم يكن الجواب إلا أنه لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسمًا.\nومن الناس من يقول: إن السلطان لما ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السم حتى قتله، وتناظر عنده فقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وغيرهم، وفقهاء الرأي، فرأى قوة مذهب أهل الحديث فرجحه، وغزا المشركين بالهند، وهذه العقيدة مشهورة وفيها: (كان ربنا وحده ولا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجته إليه، فاستوى على استواء استقرار، كيف شاء وأراد لا استقرار راحة كما يستريح الخلق، وهو يدبر السماوات والأرض ويدبر ما فيهما، ومن في البر والبحر، لا مدبر غيره، ولا","vol":"6","page":253},{"text":"حافظ سواه، يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم، ويميتهم، والخلق كلهم عاجزون: الملائكة، والنبيون، والمرسلون، وسائر الخلق أجمعين، وهو القادر بقدرة، والعلم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع، والبصير ببصر، تعرف صفتهما من نفسه، لا يبلغ كنهها أحد من خلقه، متكلم بكلام يخرج منه، لا بآلة مخلوق كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه ﷺ وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصف بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>كلام ابن عبد البر في كتاب التمهيد</span>\nقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه التمهيد في شرح الموطأ لما تكلم على حديث النزول، قال: (هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته ...\nوهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي ﷺ.....\nوفيه دليل على أن الله في السماء على","vol":"6","page":254},{"text":"العرش فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على أن المعتزلة في قولهم: إن الله بكل مكان) .\nقال: (والدليل على صحة قول أهل الحق قوله تعالى.....\n) وذكر عدة آيات إلى أن قال: (هذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته.\nلأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم) .\nوقال أبو عمر أيضًا: (أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة: ٧]: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله) .","vol":"6","page":255},{"text":"وقال أيضًا (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يجدون فيه صفة محصورة.\nوأما أهل البدع: الجهمية والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئًا على الحقيقة، ويزعم أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، بلاشون، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>كلام معمر بن أحمد الأصبهاني في وصيته</span>\nقال الشيخ العارف معمر بن أحمد الأصبهاني، أحد شيوخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة: (أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين) .\nقال","vol":"6","page":256},{"text":"فيها: (وأن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأنه ﷿ مستو فيه على عرشه، بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد، الغني عن الخلق وأن الله سميع بصير، عليم خبير، يتكلم ويرضى ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول: هل من داع فأستجب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر) .\nقال: (ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول وتأول فهو مبتدع ضال) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>كلام ابن أبي حاتم</span>\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة يعني في أصول الدين - وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار فقالوا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا، وعراقًا، ومصرًا وشامًا، ويمنًا فكان من مذاهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته) .\nإلى أن قال: (وأن الله على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا) .","vol":"6","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>كلام أبي محمد المقدسي</span>\nوقال الشيخ أبو محمد المقدسي: (إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة والأتقياء، والأئمة من الفقهاء، فتواترت الأخبار بذلك، على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم، ولا ينكر ذلك إلا مبتدع، غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته) .\nقال: (وأنا ذاكر في هذا الجزء بعض ما بلغني في ذلك عن رسول الله ﷺ وصحابته والأئمة المقتدين بسنته على وجه يحصل القطع واليقين بصحة ذلك عنهم، ونعلم تواتر الرواية بوجوه منهم يزداد من وقف عليه من المؤمنين إيمانًا، وننبه من خفي ذلك عليه حتى يصير كالمشاهد له عيانًا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>كلام أبي عبد الله القرطبي في شرح معنى الاستواء</span>\nوقال أبو عبد الله القرطبي المالكي لما ذكر اختلاف الناس في تفسير (الاستواء) .\nقال: (وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، والفضلاء الأخيار: أن الله على عرشه، كما أخبر في كتابه، وعلى لسان نبيه، بلا كيف بائن من جميع خلقه.\nهذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات) .","vol":"6","page":258},{"text":"وقال أيضًا في كتابه الكبير في التفسير لما تكلم على آية الاستواء، قال: (هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وأجزاء وقد بينا أقوال العلماء فيها في شرح الأسماء الحسنى.\nوذكر فيها أربعة عشر قولًا) وذكر قول النفاة من المتكلمين، فقال: وأنهم يقولون: (إذا وجب تنزيه الرب عن الحيز، فمن ضرورة ذلك ولواحقه له تنزيه الرب عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون، ويلزم من ذلك التغير والحدوث) .\nوذكر أقوال هؤلاء المتكلمين، وقال: (قد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف","vol":"6","page":259},{"text":"الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وإنما جهلوا كيفية الاستواء) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>كلام أبي بكر النقاش</span>\nوأما كلام السلف أنفسهم فأكثر من أن يمكن حصره.\nقال أبو بكر النقاش صاحب التفسير والرسالة: (حدثنا أبو العباس السراج قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>كلام أبي بكر الخلال في كتاب السنة</span>\nوروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة (أنبأ أبو بكر المروذي، ثنا محمد بن الصباح النيسابوري، ثنا سليمان بن داود، أبو داود الخفاف، قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال الله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش ويعلم كل شيء في أسفل الأرضين السابعة، وفي قعور البحار) .\nوفي رواية: (وفي رؤوس الآكام وبطون الأودية، وفي كل موضع، كما يعلم علم ما في السماوات السبع، وما دون العرش، أحاط بكل شيء علمًا، فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس، وإلا وقد عرف ذلك كله، وأحصاه ولا يعجزه معرفة شيء من معرفة غيره) .","vol":"6","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>كلام عبد الله بن أحمد في كتاب السنة</span>\nوروى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة وعبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق: أنه ذكر عنده الجهمية، فقال (هم شر قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله فوق العرش وقالوا هم: ليس عليه شيء) .\nورويا أيضًا عن عبد الرحمن بن مهدي، الإمام المشهور، وهو من هذه الطبقة قال: (أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: أن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء وأن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا) .\nوروى عبد الله بن أحمد عن عباد بن العوام الواسطي، من تلك الطبقة قال: كلمت بشر المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء) .\nورويا عن علي بن عاصم شيخ البخاري وغيره قال: ناظرت جهميًا فتبين من كلامه أنه لا يرى أن في السماء ربًا) .\nوروى عبد الله بن أحمد عن سليمان بن حرب قال: سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء) .\nوروى عبد الله وغيره عن أبيه أحمد بن حنبل: ثنا شريح بن","vol":"6","page":261},{"text":"النعمان سمعت عبد الله بن نافع الصائغ، سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء وعلمه في كل مكان.\nوروى هذا الكلام مالك مكي خطيب قرطبة فيما جمعه من تفسير مالك نفسه، وكل هذه الأسانيد صحيحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>كلام أبي بكر البيهقي في الأسماء والصفات</span>\nوروى أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: (كنا نحن والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق العرش، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته) .\nفقد ذكر الأوزاعي، وهو أحد الأئمة في عصر تابعي التابعين، الذي كان فيه مالك وابن الماجشون وابن أبي ذئب ونحوهم، أئمة أهل الحجاز، والليث بن سعد ونحوه أئمة أهل مصر، والثوري وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ونحوهم، أئمة أهل الكوفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة ونحوهما، أئمة أهل البصرة، وهؤلاء ونحوهم أئمة الإسلام شرقًا وغربًا في ذلك الزمان.\nوقد حكى الأوزاعي عن شهرة القول بذلك في زمن التابعين،، وهم أيضًا متطابقون على ما كان عليه التايعون، كما ذكرنا قوا مالك وحماد بن زيد وغيرهما.","vol":"6","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>كلام أبي حنيفة في كتاب الفقه الأكبر</span>\nوقال أبو حنيفة في كتاب الفقه الأكبر المعروف المشهور عند أصحابه، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقال: قد كفر لأن الله يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات.\nقال أبو مطيع: قلت: فإن قال: إنه على العرش ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل) .\nوفي لفظ: قال: (سألت أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض.\nقال قد كفر لأن الله يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات.","vol":"6","page":263},{"text":"قال: (فإنه يقول: على العرش استوى، ولكنه لا يدري العرش في الأرض أم في السماء قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>كلام عبد الله بن المبارك الذي رواه عته البخاري</span>\nوروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحيحة عن عبد الله بن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه.\nولا نقول كما يقول الجهمية بأنه ههنا في الأرض) .\nومنن ذكر هذا عن ابن المبارك، البخاري في كتاب خلق أفعال العباد.\nوهكذا قال الإمام أحمد وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>كلام ابن خزيمة</span>\nوقال محمد بن إسحق بن خزيمة - الملقب بإمام الأئمة -: (من لم يقل بأن الله فوق سماواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة) وهذا معروف عنه، رواه الحاكم في تاريخ نيسابور، وأبو عثمان النيسبوري في رسالته المشهورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>كلام ربيعة بن أبي عبد الرحمن</span>\nوروى الخلال بإسناد كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: (سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>كلام مالك بن أنس</span>\nوهذا","vol":"6","page":264},{"text":"الكلام مروي عن مالك بن أنس صاحب ربيعة من وجوه متعددة، يقول في بعضها: الاستواء معلوم.\nوفي بعضها: غير مجهول، وفي بعضها: استواؤه غير مجهول، فيثبت العلم بالاستواء وينفي العلم بالكيفية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>كلام آخر لبعض الأئمة</span>\nوروى ابن أبي حاتم، عن هشام بن عبيد الله الرازي أنه حبس رجلًا في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام ليمتحنه، فقال له: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ قال: لا أدري ما بائن من خلقه.\nقال ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب بعد.\nوروى أيضًا عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه جعل يضرب قرابةً له بالنعل على رأسه يرى رأي جهم، ويقول: لا حتى يقول: الرحمن على العرش استوى، بائن من خلقه.\nوعن جرير بن عبد الحميد الرازي أنه قال: كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله.\nوجميع الطوائف تنكر هذا، إلا من تلقى ذلك عن الجهمية، كالمعتزلة ونحوهم من الفلاسفة، فأما العامة من جميع الأمم فلا يستريب اثنان في أن فطرهم مقرة بأن الله فوق العالم، وأنهم إذا قيل لهم: لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا يقرب إليه شيء، ولا يقرب هو من شيء، ولا يحجب العباد عنه شيء، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا تتوجه القلوب إليه طالبة له في العلو، فإن فطرهم تنكر ذلك، وإذا أنكروا هذا في هذه القضية","vol":"6","page":265},{"text":"المعينة التي هي المطلوب، فإنكارهم لذلك في القضايا المطلقة العامة التي تتناول هذا وغيره أبلغ وأبلغ.\nوأما خواص الأمم فمن المعلوم أن قول النفاة لم ينقل عن نبي من الأنبياء، بل جميع المنقول عن الأنبياء موافق لقول أهل الإثبات، وكذلك خيار هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم ينقل عنهم إلا ما يوافق قول أهل الإثبات.\nوأول من ظهر عنه قول النفاة هو الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وكانا في أوائل المائة الثانية فقتلهما المسلمون، وأما سائر أئمة المسلمين، مثل مالك والثوري والأوزاعي ووأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم، فالكتب مملوءة بالنقل عنهم لما يوافق قول أهل الإثبات.\nوكذلك شيوخ أهل الدين، مثل الفضيل بن عياض وبشر الحافي، وأحمد بن أبي الحواري وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي والحارث المحاسبي ومحمد بن خفيف الشيرازي، وغير هؤلاء.\nوكتب أهل الآثار مملوءة بالنقل عن السلف والأئمة لما يوافق قول أهل الإثبات، ولم ينقل عن أحد منهم حرف واحد صحيح يوافق قول النفاة.\nفإذا كان سلف الأئمة وأئمتها وأفضل قرونها متفقين على قول أهل الإثبات، فكيف يقال: ليس هذا إلا قول الكرامية والحنبلية؟ .\nومن المعلوم أن ظهور قول أهل الإثبات قبل زمن أحمد بن حنبل كان أعظم من ظهوره في هذا الزمان، فكيف يضاف ذلك إلى أتباعه.","vol":"6","page":266},{"text":"وأيضًا فعبد الله بن سعيد بن كلاب، والحارث المحاسبي، وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن بن مهدي الطبري، وعامة قدماء الأشعرية يقولون: إن الله بذاته فوق العرش، ويردون على النفاة غاية الرد، وكلامهم في ذلك كثير مذكور في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا التنبيه على بطلان ما يعارض به النفاة من الحجج العقلية.\nوأما النفي فلم يكن يعرف إلا عن الجهمية كالمعتزلة ونحوهم، ومن وافقهم من الفلاسفة.\nوإلا فالمنقول عن أكثر الفلاسفة هو قول أهل الإثبات، كما نقله ابن رشد الحفيد عنهم، وهو من أعظم الناس انتصارًا لهم، وسلوكًا لطريقتهم، لا سيما لأرسطو وأتباعه، كما أنه يميل إلى القول بقدم العالم أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>الوجه الثاني من وجوه الرد على الوجه الأول من كلام الرازي الوجه الثاني</span>\nمن أجوبة قوله: (لو كان بديهيًا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره، وهم ما سوى الحنابلة) .\nهو أن يقال: لم يطبق على ذلك إلا من أخذه بعضهم عن بعض، كما اخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض، وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم.\nفأما أهل الفطر التي لم تغير فلا ينكرون هذا العلم، وإذا كان كذلك فأهل المذاهب الموروثة لا يمتنع إطباقهم على جحد العلوم البديهية، فإنه","vol":"6","page":267},{"text":"ما من طائفة من طوائف الضلال - وإن كثرت - إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: ما من طائفة من طوائف الكلام والفلسفة إلا وجمهور الناس يقولون: إنهم جحدوا العلوم الضرورية.\nفالقائلون بأن الممكن قد يترجح أحد طرفيه بلا مرجح من القادر أو غيره، يقول جمهور العقلاء: إنهم جحدوا العلوم الضرورية.\nوالقائلون بأن الأجسام لا تبقى والأعراض لا تبقى، يقول جمهور الناس: إنهم جحدوا العلوم الضرورية.\nوالقائلون بأن الأصوات المتعاقبة تكون قديمة، أزلية الأعيان باقية، وأن الأصوات المسموعة من الآدميين هي قديمة، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري.\nوالقائلون بأن الكلام هو معنى واحد: هو الأمر بكل ما أمر به، والخبر عن كل ما أخبر به، وأنه وإن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرية كان هو التوراة، يقول جمهور العقلاء إنهم جحدوا العلم الضروري.\nوالقائلون بأن العالم هو العلم والمعلوم، والعاقل هو العقل والمعقول، والعاشق هو العشق والمعشوق، واللذة هي الملتذ، والعلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلوم الضرورية.\nوالقائلون بأن الوجود الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق أو لا بشرط يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلوم الضرورية.","vol":"6","page":268},{"text":"والقائلون بأن النفس لا تدرك إلا الكليات دون الجزئيات، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري.\nوالقائلون بأن كل موجود يجوز أن تتعلق به الإدراكات الخمسة، وأن الصوت يرى، والطعم يسمع، واللون يشم، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري.\nوالقائلون بأنه يحدث إرادة لا في محل، أو يحدث فناء لا في محل، يقول جمهور العقلاء: أن فساد قولهم معلوم بالضرورة.\nوالقائلون بأن الإرادة تحدث في الإنسان من غير سبب يوجب حدوثها، مما يقول جمهور العقلاء: إن فساد قولهم معلوم بالضرورة.\nوالقائلون بأنه حي عليم قدير، من غير حياة ولا علم ولا قدرة، مما يقول جمهور العقلاء: إن فساد قولهم معلوم بالضرورة.\nوالقائلون بأن النبي ﷺ نص على علي بالخلافة نصًا جليًا أشاعه بين المسلمين، فكتموه ولم يظهروه، يقول جمهور العقلاء: إن قولهم معلوم الفساد بالضرورة.\nوالقائلون بان للأمة إمامًا معصومًا عمره سنتان - أو ثلاث أو أربع - دخل السرداب من أكثر من أربعمائة سنة، أو أن عليًا لم يمت،","vol":"6","page":269},{"text":"وأمثال ذلك، يقول جمهور الناس: إن قولهم معلوم الفساد بالضرورة.\nوكذلك قول القائلين بأن الأعراض لا تبقى زمانين، مما يقول جمهور العقلاء: إن فساده معلوم بالضرورة.\nوكذلك من يقول: إن النبي ﷺ كان يسمي المنافقين مؤمنين، ويجعل إيمانهم كإيمان المؤمنين غير المنافقين، وهم مع ذلك مخلدون في النار، مما يعلم جمهور العقلاء المسلمين فساده بالاضطرار من دين الإسلام.\nوكذلك القائلون بأن القرآن العزيز زيد فيه زيادات، ونقص منه أشياء، مما يعلم بالضرورة امتناعه في العادة.\nوقول النصارى: إن الكلمة اتحدث بالمسيح، وإنها ليس هي الآب الجامع للأقانيم، وهي مع ذلك الرب الذي يخلق ويرزق، وهي جوهر، والجوهر عندهم واحد ليس إلا الآب، مما يقول الناس: إنه معلوم الفساد بالضرورة.\nومثل هذا إذا تتبعناه كثير.\nفوجده الأقوال التي يقول جمهور الناس: إنها معلومة الفساد بالضرورة في قول طوائف كثيرة من الناس أكثر من أن تستوعب، فكيف يقال: لا يجوز إطباق الجمع الكثير على إنكار ما علم بالبديهة؟","vol":"6","page":270},{"text":"ولكن إذا قيل: ما الفرق بين هذا وبين ما لا يمكن التواطؤ عليه من إثبات منف أو نفي ثابت، كما في خبر أهل التواتر.\nكان الجواب: أن الفطر التي لم تتواطأ يمتنع اتفاقها على جحد ما يعلم بالبديهة، فأما مع المواطأة فلا يمتنع اتفاق خلق كثير على الكذب، الذي يعلمون كلهم أنه كذب، وإن تضمن من جحد الحسيات والضروريات وإثبات نقيضها ما شاء الله.\nوأما في المذاهب فقد يجتمع على جحد الضروريات جمع كثير، إذا كان هناك شبهة أو هوى، فيكون عامتهم لم يفهموا ما قاله خاصتهم، مثل التعبير عن هذه المسألة بنفي الجهة والحيز والمكان، فيظن عامتهم أن مرادهم تنزيه الله تعالى عن أن يكون محصورًا في خلقه، أو مفتقرًا إلى مخلوق، فيوافقون على هذا المعنى الصحيح، ظانين أنه مفهوم تلك العبارة، فأما إذا فهموا هم حقيقة قولهم، وهو أنه ما فوق السماوات رب، ولا وراء العالم شيء موجود، فهذا لا يوافقهم عليه - بعد - فهمه - أحد بفطرته، وإنما يوافقهم عليه من قامت عنده شبهة من شبه النفاة، لا سيما إن كان له هوى وغرض.\nوإذا كان المتفقون على هذا النفي - بعد فهمه - إنما قالوه لما قامت عندهم من حجج النفاة، أمكن غلطهم في ذلك وخطؤهم، واتفاقهم على جحد ما يخالف ذلك، وإن كان معلومًا بالضرورة، كما","vol":"6","page":271},{"text":"وقع مثل ذلك في عامة فرق أهل الضلال، ومع هذا فلا يكاد بوجد منهم من يرجع إلى فطرته بلا هوى، إلا وفطرته تنكر إثبات موجود لا مباين ولا محايث، لكن يقهر فطرته بالشبهة أو العادة أو التقليد، كما يقهر النصراني فطرته إذا أنكرت أن يكون الله هو المسيح ابن مريم.\nوعامة هؤلاء إذا أصابت أحدًا منهم ضرورة تلجئه إلى دعاء الله وجد في قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ففطرته وضرورته تقر بالعلو، وينكر وجود موجود لا محايث ولا مباين، وعقيدته التي اعتقدها تقليدًا أو عادةً أو شبهةً تناقض فطرته وضرورته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: هذا معارض بما هو أبلغ منه، فإن الجموع الكثيرة يقولون: إنهم يجدون في أنفسهم عند الضرورة معنى يطلب العلو في توجه قلوبهم إلى الله ودعائه، وأنه يمتنع في عقولهم وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وأن هذا معلوم لهم بالضرورة، فإن امتنع اتفاق الجمع العظيم على مخالفة البديهة، فتجب الحجة المثبتة، فيبطل نقيضها، وإن لم تمتنع بطلت حجة النفاة، فيثبت بطلانها على التقديرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>فصل الوجه الثاني من كلام الرازي في الأربعين</span>\nوأما الوجه الثاني فقوله: إن مسمى الإنسان المشترك بين الأشخاص ممتنع أن يكون له قدر معنى وحيز معنى، وما أوردوه من أن","vol":"6","page":272},{"text":"هذا لا وجود له إلا في العقل، وأن النزاع في الموجودات الخارجية.\nوجوابه بأن الغرض تعقل أمر لا يثبت العقل له جهة ولا قدرًا، وهذا يمنع كون تلك المقدمة بديهية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن المثبتين إنما ادعوا أنه لا يوجد في الخارج موجودان إلا ولا بد أن يكون أحدهما محايثًا للآخر أو مباينًا له، وأما ما في النفس من العلوم الكلية فلم ينفوه، ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون العلوم الكلية ثابتة في النفس إمكان ثبوتها في الخارج، وإذا لم يلزم ذلك لم يلزم إمكان وجود موجود في الخارج لا محايث للاخر ولا مباين له.\nوأما قوله: المقصود أنه ممكن تعقل أمر لا يثبت له العقل جهة ولا قدرًا.\nفيقال: بتقدير صحة ذلك، هذا يفيد إمكان تعقل ثبوته في النفس، لا يفيد إمكان تعلقه في الخارج، فمورد النزاع لا دليل عليه، وما أثبته ليس مورد النزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: هذه المعاني الكلية هي كلية باعتبار مطابقتها لمفرداتها، كما يطابق اللفظ العام لأفراده.\nوأما في نفسها","vol":"6","page":273},{"text":"فأعراض معينة، كل منها عرض معين قائم في نفس معينة، كما يقوم اللفظ المعين بالفم المعين، والخط المعين بالورق المعين، فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق المعنى الذهني، والمعنى يطابق الموجود الخارجي، وكل من تلك الثلاثة قد يقال له: عام، وكلي، ومطلق، باعتبار شموله للأعيان الموجودة في الخارج، وأما هو في نفسه فشيء معين مشخص.\nوإذا كان كذلك فالإنسان المطلق من حيث هو الذي تصوره الذهن هو علم، وعرض معين في محل معين.\nفإذا قدر أن محل العلم وغيره من صفات الإنسان، كالحب والرضا والبغض، وغير ذلك مما يشار إليه إشارة حسية، كما يقوله جمهور الخلق، كانت الإشارة إلى ما فيه من الأعراض، كالإشارة إلى كل عرض قائم بمحله.\nوحينئذ فإذا كان المشار إليه حسيًا له قدر معين، وحيز معين، فلمحل الصورة الذهنية قدر معين وحيز معين، وله أيضًا جهة.\nوالكليات ثابتة في النفس كالجزئيات الثابتة فيها، فالنفس تعلم الإنسان المطلق والإنسان المعين، والإشارة إلى أحدهما كالإشارة إلى الآخر، فلا فرق حينئذ بين تصور الإنسان المشترك الكلي، والإنسان المعين الجزئي من هذه الجهة، لكن أحدهما لا يوجد إلا في النفس والآخر يوجد في الخارج، ويوجد تصوره في النفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: هذه الماهية المطلقة من حيث هي هي،","vol":"6","page":274},{"text":"إما أن يقال: هي ثابتة في الخارج، وإما أن لا يقال هي ثابتة في الخارج، فإن من الناس من يقول بثبوت الماهيات المجردة منفردة عن الأعيان، كالقائلين بالمثل الأفلاطونية.\nومن الناس من يقول بثبوتها مقارنة للمعينات، والمطلق جزء من المعين، ويقولون: المطلق لا بشرط موجود في الخارج، وأما المطلق بشرط الإطلاق فليس موجودًا في الخارج، ويسمون المطلق لا بشرط الكلي الطبيعي، والمطلق بشرط الإطلاق هو العقلي، وكونه كليًا ومطلقًا هو الكلي المنطقي، إذ العقل عندهم مركب من الطبيعي والمنطقي، فيقول: الإنسان من حيث هو - مع قطع النظر عن جميع قيوده - هو الطبيعي، وكونه عامًا وكليًا ومطلقًا هو المنطقي، والمؤلف منهما هو العقلي.\nوآخرون يقولون: ليس في الخارج ما هو كلي في الخارج أصلًا، بل ليس في الخارج إلا ما هو معين مخصوص، ولكن ما كان في النفس كليًا يوجد في الخارج، ولا يوجد في الخارج إلا معينًا.\nفإذا قيل: الكلي الطبيعي موجود في الخارج، وأريد به: أن الطبيعة التي يجردها العقل كلية توجد في الخارج ولا توجد فيه إلا معينة فهذا صحيح.\nوإذا قيل: إن الطبيعة الكلية، مع كونها كلية، توجد في الخارج، أو أن الكلي الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، جزء من المعين الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، أو أن هذا الإنسان المعين مركب من جوهرين: أحدهما حيوان والآخر ناطق، أو من عرضين: حيوانية وناطقية، أو نحو هذه المقالات، فهذا كله","vol":"6","page":275},{"text":"باطل، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن يقال: هذه الكليات: إما أن يقال: إنها ثابتة في الخارج، وإما أن لا يقال.\nفإن لم يقل بذلك، لم يكن فيها حجة على إمكان وجود موجود في الخارج لا يشار إليه.\nوإذا قيل بثبوتها في الخارج، فمن المعلوم أن هذا ليس من العلوم البديهية الأولية، بل لم يقل هذا إلا طائفة من أهل المنطق اليوناني، وهم متناقضون في ذلك، ويقولون القول، ويقولون ما يناقضه، وبعضهم ينكر على بعض إثبات ذلك.\nوإذا كان كذلك لم يصلح أن يجعل مثل هذه القضية مقدمة في إبطال قضية اعترف بها جماهير الأمم، واعترفوا بأنها مركوزة في فطرهم، مغروزة في أنفسهم، وأنهم مضطرون إليها، لا يمكنهم دفعها عن أنفسهم.\nلكن طائفة منهم تقول: إنها مع هذا خطأ، لاعتقادهم أنها - وإن كانت ضرورية في فطرتهم - ففطرتهم تسلم مقدمات تنتج نقيضها.\nوهؤلاء لا ينازعون أنها فطرية، مبتدأة في النفوس، ولكن يقدحون فيها بطرق نظرية.\nفإذا قال لهم المثبتون: نحن لا نقبل القدح في القضايا المبتدأة في النفس بالقضايا النظرية، أو قالوا: نحن لا نسلم لكم المقدمات التي تستدلون بها على نقيض هذه القضايا، كما لا نسلم لكم ثبوت الكليات في الخارج ونحو ذلك، ظهر انقطاع المعارض لهم، وأنهم يريدون دفع القضايا الضرورية بمجرد الدعاوى الوهمية الخيالية.","vol":"6","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>فصل الوجه الثالث من كلام الرازي في الأربعين</span>\nوأما الوجه الثالث: فقوله (إن الخيال والوهم لا يمكنهما أن يستحصرا لأنفسهما صورة وشكلًا، ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>كلام ابن سينا في الإشارات</span>\nفهذه الحجة من جنس حجة ابن سينا على ذلك فإنه قال في إشاراته في الحجة الثانية: (لو كان موجودًا بحيث يدخل في الوهم والحس، لكان الحس والوهم يدخل في الحس والوهم، ولكان العقل - الذي هو الحكم الحق - يدخل في الوهم.\nومن بعد هذه الأصول، فليس شيء من العشق، والخجل، والوجل، والغضب، والشجاعة، والجبن، مما يدخل في الحس والوهم، وهي من علائق الأمور المحسوسة، فما ظنك بموجودات، إن كانت خارجة الذوات عن درجة المحسوسات وعلائقها) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن يقال: الوهم والخيال والقوة الباصرة، وغير ذلك من","vol":"6","page":277},{"text":"القوى، هي من باب الأعراض الباطنة في الإنسان، وكذلك العشق والخجل، والوجل ونحوهما.\nومن المعلوم أن أحدًا لم يقل: إن كل عرض له شكل وصورة، وإنما غاية من يقول ذلك أن يقوله في الجسم القائم بنفسه، لا في العرض بل الأعراض الظاهرة المشهودة، كالألوان والحركات والطعوم والروائح، ليس لها في أنفسها شكل وصورة قائمة بنفسها، فكيف بالأعراض الباطنة.\nفإن قال: بل هذه لها صورة وشكل: إما باعتبار محلها وصورتها وشكلها بحسب الجسم الذي قامت به، أو يجعل نفس العرض القائم بالجسم له صورة وشكل.\nيقال: وهذا يمكن أن يقال في الأعراض الباطنة القائمة بباطن الإنسان، كحسه الباطن، وحركته الباطنة، وتوهمه، وتخيله القائم بدماغه ونفسه، ونحو ذلك فإن هذه أعراض قائمة ببعض بدن الإنسان، وبروحه التي هي النفس الناطقة، أو بهما، وذلك جسم له شكل وصورة، فلها من الشكل والصورة من جنس ما للطعم واللون والحركات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>الوجه الثاني</span>\nأن هذه الأمور: إما أن تكون قائمة بنفسها، وإما أن تكون قائمة بغيرها.\nفإن قال: هي قائمة بنفسها، مثل أن يريد","vol":"6","page":278},{"text":"بالوهم والخيال الروح الباطن في الدماغ الذي تقوم به هذه القوى، أو جسمًا آخر، فمعلوم أن ذلك له ما لغيره من الأجسام من الشكل والصورة.\nوإن كانت قائمة بهذه الأجسام، فلها حكم أمثالها من الأعراض القائمة بالأجسام.\nفعلى التقديرين لم يثبت بذلك إمكان وجود موجود، لا جسم ولا قائم بجسم، فضلًا عن أن يثبت وجود ما ليس في جهة، وما لا يمكن الإشارة إليه.\nوهكذا القوى في الخجل، والوجل، وسائر الأعراض النفسية.\nفإن قال: هذه الأعراض عندي قائمة بالنفس الناطقة، وتلك ليست جسمًا، ولا قوة في جسم، ولا يمكن الإشارة إليها، وليست داخل السماوات والأرض، ولا خارج السماوات والأرض ولا تصعد ولا تنزل، ولا تتحرك ولا تسكن.\nفيقال له: هذا منتف في التخيل والتوهم، ونحو ذلك مما يعرف بأن محله قائم بنفسه وهو جسم.\nثم يقال: إن ثبت ما تقوله في النفس الناطقة، كان ذلك حجة في إثبات موجود لا يمكن الإشارة إليه، وإن لم يثبت ذلك، لم يكن في مجرد الدعوى حجة لك في إثبات موجود قائم بنفسه لا يمكن الإشارة إليه، وقال لك المنازع: جميع هذه الأعراض عندي يمكن الإشارة إليها بالإشارة إلى محلها، كما يشار إلى غيرها من الأعراض، ويمكن الإحساس بها، وإن كنت الآن لا أحس بها، كما لا أحس ببعض أعضاء بدني الباطنة والظاهرة.","vol":"6","page":279},{"text":"وأهل الملل يعلمون أن الملائكة والجن موجودون في الخارج، وجمهور العباد لا يحسون بهم، والعقلاء لا يرتابون في إمكان أن يكون فوق الأفلاك ما لا نشاهده نحن الآن.\nوهذا معلوم بالضرورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: المثبتون قالوا: إنه لا يمكن وجود موجودين إلا أن يكون أحدهما مباينًا للآخر أو محايثًا له، أو قالوا: لا يمكن وجود موجود لا يمكن الإشارة إليه، أو لا يمكن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك.\nفهذه قضية كلية لا تبطل - إن قبلت البطلان - إلا بثبوت نقيضها.\nوقول القائل: إن الخيال والوهم لا يمكنهما أن يستحضرا لأنفسهما صورة ولا شكلًا، ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى - كلام أجنبي لا يقدح في مقصودهم سواء كان حقًا أو باطلًا، إلا أن يثبت أن ما لا يمكن الوهم والخيال أن يثبت له صورة وشكلًا لا يمكن الإشارة إليه، بل يكون لا محايثًا لغيره ولا مباينًا له ونحو ذلك.\nومعلوم أن هذا باطل، فإن القوة الباصرة، وغيرها من القوى، قائمة بالجسم، يشار إليها كما يشار إلى كل عرض قائم بالجسم، وهي محايثة لمحلها، كما تحايث الأعراض للجواهر، وتحايث سائر الأرض القائمة لمحلها، كما يحايث العرض العرض، فليست خارجة عن المباينة والمحايثة، فلم يكن في إثبات ذلك ما يناقض دعواهم الكلية، التي قالوا: إنها معلومة بالضرورة.","vol":"6","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-632>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: قول القائل: إن الوهم والخيال والقوة الباصرة وغيرها من القوى، والعشق، والخجل، والوجل، والغضب، والشجاعة، لا تدخل في الحس والوهم والخيال: إما أن يعني به أنه لا يمكن الإنسان أن يحس هذه الأمور، أو لا يمكن الإحساس بها بحال.\nفإن أراد الأول، لم يكن فيه حجة.\nوإن أراد الثاني معه المنازع ذلك، وقال: بل هذا مما يمكن الإحساس به، وطالبه بالدليل على أنه لا يمكن الإحساس به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: حكم الإنسان بأن هذه الأعراض والقوى، أو النفس الحاملة لها، لا يتصور أن تحس بها، أضعف من حكمة بأن كل موجودين فلا بد أن يكون أحدهما مباينًا للآخر أو محايثًا له، وبأن كل موجود قائم بنفسه مشار إليه، ونحو ذلك.\nبل يقال بأن العاقل إذا رجع إلى فطرته وقيل له: هل يمكن أن يخلق الله في الإنسان قوة يحس بها - إما بالمشاهدة، وإما باللمس، وإما بغير ذلك - ما في باطن غيره من القوى والأعراض ومحل ذلك، وعرض على فطرته وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه - كان جزمه بامتناع هذا أقوى من جزمه بامتناع الأول.\nفإذا كان كذلك لم يمكن أن يجزم بامتناع الأول، ويجعل امتناعه دليلًا على إمكان الثاني.","vol":"6","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-634>الرد على الوجه الرابع من كلام الرازي من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن ما يتصوره العقل من النفي والإثبات،: إما أن يكون معينًا أو مطلقًا.\nفإن كان إثبات معين ونفيه، كان تصوره تبعًا لذلك المعين، فإذا كان ذلك المعين محايثًا لغيره أو مباينًا، كان تصوره كذلك، فإذا كان العقل يجزم بانتفاء وجود موجودين لا متباينين ولا متحايثين، نفى الثالث، وإن تصور النفي المطلق والإثبات المطلق، كان هذا من القضايا العامة الكلية، والكليات وجودها في الأذهان لا في الأعيان.\nوقد تقدم أن الكلام إنما هو في الوجود الخارجي لا الذهني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: لا نسلم أنه لا يحكم بكون أحدهما محايثًا للآخر، بل تصوره للنفي والإثبات محله الذهن، وتصور أحدهما هو حيث هو تصور الآخر ولا نعني بالمحايثة إلا هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: هو عبر عن قول هؤلاء بعبارة لا يقولونها، فإنهم لا يقولون: إن كل موجودين لا بد أن يكون أحدهما ساريًا على الآخر أو مباينًا عنه، فإن الأعراض المجتمعة في محل واحد ليس كل منهما مباينًا للآخر.\nولا يقال: إن العرض سار في العرض، بل يقال: إن الأعراض سارية في المحل.\nاللهم إلا أن يعبر معبر بلفظ","vol":"6","page":282},{"text":"السريان عن كون أحد العرضين بحيث هو الآخر، فإن هذا قد يسمى محايثة ومداخلة ومجامعة ونحو ذلك، وإذا كان كذلك فتصور النفي وتصور الإثبات يجتمعان، كما تجتمع سائر التصورات، والتصورات محلها كلها محل العلم من الإنسان، وهذه كلها متحايثة متجامعة قائمة بمحل واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>الرد على الوجه الخامس من كلام الرازي من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن يقال: مجرد تقدير الذهن للأقسام لا يدل على إمكانها في الخارج، فإن يقدر أن الشيء: إما موجود وإما معدوم، وإما لا موجود ولا ومعدوم، وأن الموجود: إما أن يكون واجبًا، وإما أن يكون ممكنًا، وإما أن يكون لا واجبًا ولا ممكنًا، وأنه: إما قديم وإما محدث، وإما قائم بنفسه أو بغيره، أو لا قائم بنفسه ولا بغيره، وأمثال ذلك من التقديرات، ثم لم يكن هذا دليلًا على إمكان كل هذه الأقسام في الخارج.","vol":"6","page":283},{"text":"فكذلك تقديره لأن الشيء: إما محايث، وإما مباين، وإما لا محايث ولا مباين، لا يدل على إمكان كل من الأقسام في الخارج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: القوم لا يقولون: إما ساري وإما مباين، ولكن يقولون: إما أن يكون مباينًا له، وإما أن يكون محايثًا له - أي بحيث هو، سواء كان ساريًا فيه سريان الصفة في الموصوف، وإما أن يكون جميعًا ساريين في موصوف واحد، كالحياة والقدرة القائمة لموصوف واحد.\nوحينئذ فلا يسلم توقف العقل عن نفي القسم الثالث، فإن من يقول: أنا أعلم بالضرورة أن الموجودين: إما أن يكونا متباينين، وإما أن يكونا متحايثين، يجزم بانتفاء موجود لا يكون مباينًا للموجود الآخر ولا محايثًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: القسم الثالث: إما أن يقول: إنه ممكن إمكانًا ذهنيًا أو خارجيًا، والإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع، والثاني معناه العلم بالإمكان في الخارج.\nوهو قد فسر مراده بالأول، وهو عدم العلم حتى يقوم الدليل.\nوحينئذ فيقال: مجرد الإمكان الذهني - وهو عدم العلم بالامتناع - لا يدل على الإمكان الخارجي ولا العلم به، وإنما غايته أن يقول: إني لا أعرف إمكانه ولا امتناعه.\nوالمدعي يقول: أنا أعلم امتناعه بالضرورة، وقد ذكرنا أنهم طوائف متفرقون اتفقوا على ذلك من غير مواطأة، وذلك يقتضي أنهم صادقون فيما يخبرون به عن فطرهم.","vol":"6","page":284},{"text":"ومعلوم أن العلوم الضرورية لا يقدح فيها نفي النافي لها، فكيف يقدح فيها شك الشاك فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: لا نسلم توقف العقل بعد التصور التام، بل لا يتوقف إلا لعدم التصور، أو لوجود ما يمنع من الحكم، لظن أو هوى، كسائر المنازعين في القضايا الضرورية من أهل الجحود والتكذيب.\nومعلوم أن هؤلاء كثيرون في بني آدم، فإن الله قد أخبر عن قوم فرعون أنهم جحدوا بآياته واستيقنتها أنفسهم.\nوقال تعالى عن اليهود: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ [البقرة: ١٤٦] .\nوقال تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ [البقرة: ٧٥] .\nوقال عن المشركين: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ [الأنعام: ٣٣]، وقال موسى لفرعون: ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ [الإسراء: ١٠٢] .\nوقد أخبر عن كذب طوائف، وإذا كان كثير من الطوائف يتعمدون الكذب والتكذيب بما يعلمون أنه حق، وهذا جحد لما علموه وتيقنوه، علم أن في الطوائف من قد يتفقون على جحد ما يعلمونه، وكل طائفة","vol":"6","page":285},{"text":"جاز عليها المواطأة على الكذب، جاز عليها ذلك، ويجوز أيضًا أن يشتبه عليها الحق بالباطل، حتى تجحد ما هو حق في نفسه لاشتباهه عليها، وإن كان معلومًا بالضرورة عند غيرها، فإنه إذا جاز تعمد الكذب عليهم، فجواز الخطأ عليهم أولى.\nومعلوم أن الحس قد يغلط، والعقل قد يغلط، فيجوز على الطائفة المعينة غلط حسهم أو عقلهم، وإذا كانت المعاني دقيقة، وفيها ألفاظ مجملة، وقد ألقى بعضهم إلى بعض أن هذا القول باطل وكفر، أمكن أن لا يتصوروه على وجهه، وإن كان غيرهم يتصوره لسلامته من الهوى ومن الاعتقاد المانع من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>الرد على الوجه السادس من كلام الرازي من وجوه: الوجه الأول</span>\nما أجاب به بعض أصحابهم، حيث قال: هذا لا يرد عليهم، لأن الأعداد أمور ذهنية، والكلام في أمور خارجية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: العدد مع المعدود، والتقدير مع المقدر،","vol":"6","page":286},{"text":"كالحد مع المحدود، والاسم مع المسمى، والعلم مع المعلوم، ونحو ذلك.\nفالعلم والقول والعدد والحد، الذي هو القول الدال، والتقدير ونحو ذلك، هي قائمة بالعالم، القائل.\nالعاد، الحاد، المقدر، وإذا العدد هو معنى يقوم بالعاد، كان حكمه حكم سائر ما يقوم بالإنسان من هذه الأمور، وموضع ذلك نفس الإنسان، وأما مقدورها فهو تابع لمحلها، كأمثالها من الأعراض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: هذه الأعداد هي من جملة الكليات، والقول فيها كالقول في كليات الأنواع.\nومن المعلوم أن أصحاب فيثاغورس لما أثبتوا عددًا مجردًا قائمًا بنفسه، أنكر ذلك عليهم جماهير العقلاء من إخوانهم وغيرهم، وكانوا أضعف قولًا من أصحاب أفلاطون الذي أثبتوا الحقائق المجردة الكلية قائمة بأنفسها التي يسمونها (المثل الأفلاطونية) .\nفإذا كان قد تقدم بطلان حجة من احتج بكليات الحقائق، فبطلان حجة من احتج بكليات العدد أولى وأحرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>فصل تابع كلام الرازي في الأربعين</span>\nقال الرازي: (وإذا عرفت ذلك فنقول: المعنى من اختصاص الشيء بالجهة والمكان: أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك.\nوالعالم مختص بالجهة والمكان بهذا المعنى، فإن كان الباري","vol":"6","page":287},{"text":"كذلك كان مماسًا للعالم أو محاذيًا له قطعًا.\nثم قول أكثر الكرامية: إنه مختص بجهة فوق، مماس للعرش، أو مباين عنه ببعد متناه.\nوقالت الهيصمية: هو مباين عنه ببعد غير متناه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>الرد عليه</span>\nفيقال: الناس لهم في هذا المقام أقوال: منهم من يقول: هو نفسه فوق العرش غير مماس، ولا بينه وبين العرش فرجة، وهذا قول ابن كلاب، والحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، والأشعري، وابن الباقلاني، وغير واحد من هؤلاء، وقد وافقهم على ذلك طوائف كثيرة من أصناف العلماء، ومن أتباع الأئمة الأربعة، وأهل الحديث والصوفية، وغيرهم.\nوهؤلاء يقولون: إنه بذاته فوق العرش، وليس بجسم، ولا هو محدود ولا متناه.\nومنهم من يقول: هو نفسه فوق العرش، وإن كان موصوفًا بقدر لا يعلمه غيره.\nثم من هؤلاء من لا يجوز عليه مماسة العرش، ومنهم من يجوز ذلك.\nوهذا قول أهل الحديث والسنة، وكثير من أهل الفقه، والصوفية والكلام غير الكرامية، فأما أئمة أهل السنة والحديث","vol":"6","page":288},{"text":"وأتباعهم، فلا يطلقون لفظ (الجسم) نفيًا ولا إثباتًا، وأما كثير من أهل الكلام فيطلقون لفظ (الجسم)، كهشام بن الحكم، وهشام الجواليقي وأتباعهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>وجوه للرازي في الأربعين الوجه الأول</span>\nقال الرازي: لما وجوه: الأول: لو كان مشارًا إليه، فإن لم ينقسم كان في الحقارة كالجوهر الفرد، وتعالى عنه وفاقًا، وإن انقسم كان مركبًا، وقد سبق بطلانه) .\nقال (وعبر أصحابنا عن هذا بأنه لو كان فوق العرش، فإن كان أكبر منه أو مثله كان منقسمًا لكون العرش منقسمًا، وإن كان أصغر فإن بلغ إلى صغر الجوهر الفرد جاءت الحقارة المنزه عنها وفاقًا، وإلا لزم التركيب.\nثم من قال بأن كل متحيز قابل للقسمة كفاه أن يقول: كل متحيز فإن يمينه غير يساره، وقدامه غير خلفه، ولزم التركيب) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nقول من يقول: هو فوق العرش وليس بمنقسم، ولا متحيز، ولا له يمين ولا يسار يتميز منه بعضه عن بعض، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية والكرامية والأشعرية، ومن وافقهم من أهل الحديث والصوفية، الذين يقولون: هو فوق العرش وليس بجسم،","vol":"6","page":289},{"text":"كالتميميين، والقاضي أبي يعلى، وأتباعه كابن الزاغوني، وغير ذلك وكما يقول ذلك من يقول من الفلاسفة، كما حكاه ابن رشد عن الحكماء، كما تقدم بعض ذلك.\nوهؤلاء خلق كثيرون فإن هؤلاء يقولون: لا نسلم أنه إذا لم ينقسم كان الجوهر الفرد، ويقولون: لا نسلم أنه يلزم أنه يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، فإن هذه الأقسام الثلاثة إنما تلزم إذا كان جسمًا متحيزًا محدودًا، فإذا كان فوق العرش وليس بجسم مقدر محدود، لم يلزم لا هذا ولا هذا، مع أنه مشار إليه.\nفإن قال النفاة: فساد هذا معلوم بالضرورة، فإنا نعلم بالضرورة أن ما كان فوق غيره، فإما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه أو بقدره، ونعلم أنه يتميز منه جانب عن جانب، وهذا هو الانقسام.\nقالت لهم المثبتة: تجويز هذا أقرب إلى العقل من تجويز وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه، وتجويز وجود موجودين ليس أحدهما محايثًا للآخر ولا مباينًا له، وأنتم تقولون: إن الحكم بكون الشيء أكبر من غيره وأصغر ومساويًا، وأنه مباين له ومحايث له ومشار إليه ونحو ذلك، هو من حكم الوهم التابع للحس، وتقولون: إن حكم الوهم لا يقبل في غير الأمور الحسية، وتزعمون أن الكلام في صفات الرب تعالى من هذا الباب.\nفيقال لكم: إن كان مثل هذا الحكم غير مقبول، لم يقبل حكمكم","vol":"6","page":290},{"text":"بأنه إما أكبر وإما أصغر وإما مساو، فإن هذا حكم على ذوات المقدار، فإذا قدر ما لا مقدار له وهو فوق غيره، لم يلزمه شيء من الأقسام الثلاثة، وإن كان مثل هذا الحكم مقبولًا، لزم الحكم بأن كل موجودين فلا بد أن يكون أحدهما محايثًا للآخر أو مباينًا له.\nومن المعلوم بضرورة العقل أنا إذا عرضنا على العقل، أو الوهم، أو الخيال، أو الحس - أو ما شئت فقل - قولين: أحدهما يتضمن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه، والآخر يتضمن إثبات موجود خارج العالم، ليس بجسم ولا منقسم، ولا يكون أكبر من العالم ولا أصغر - كان إنكار العقل - إن أنكر القولين - للأول أعظم، وتجويزه - إن جوز القولين - للثاني أعظم.\nفإن ادعى المدعي أن فساد قول من يثبت موجودًا خارج العالم، ولا أكبر ولا أصغر ولا مساويًا، معلوم بالضرورة.\nقيل له: وفساد قول من يثبت موجودًا لا داخل العالم ولا خارجه، هو معلوم بالضرورة بطريق الأولى.\nوقد تقدم بيان قول من يقول: إن فساد هذا القول معلوم بالضرورة، وإن المنازعون له يقولون: هذا حكم الوهم لا حكم العقل، فهكذا يقول هؤلاء: إن قولكم هذا فاسد، من حكم الوهم لا من حكم العقل.\nولكن هؤلاء النفاة فيهم جهل وظلم، فإنهم يحتجون على منازعيهم بحجة هي لهم ألزم، ويثبتون قولهم بحجة هي على قول منازعيهم أدل، وهذا القول مع أنه أقرب إلى العقل فهو أقرب للسمع، فإن صاحبه لا يحتاج أن يتأول النصوص المثبتة للعلو والفوقية والاستواء،","vol":"6","page":291},{"text":"فيكون قوله أقرب إلى اتفاق الشرع والعقل، وأقرب إلى الشرع منفردًا، فيكون أرجح من قولهم على كل تقدير.\nوهكذا هو عند أهل الإسلام، فإن الكلابية والكرامية والأشعرية أقرب إلى السنة والحق من جهمية الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم، باتفاق جماهير المسلمين وعوامهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>الوجه الثاني</span>\nأنه يقال له: ما تعني بقولك: إن كل مشار إليه فإما أن ينقسم أو لا ينقسم؟ أتعني بالانقسام إمكان تفريقه وتجزئته وتبعضه؟ أم تعني به أن كل مشار إليه، إذا لم يكن بقدر الجوهر الفرد فإنه يكون مركبًا من الجواهر المنفردة؟ أو تعني به أنه يشار إلى شيء منه دون شيء، ويرى منه شيء دون شيء، ويتميز منه شيء عن شيء.\nفإن أردت الأول لازم التقدير الأول، فإنه لا يلزم من كونه لا يمكن تفريقه وتبعيضه وتقسيمه أن يكون صغيرًا بقدر الجوهر الفرد، فإنا نعلم بالاضطرار إمكان كون الشيء كبيرًا عظيمًا مع أنه لا يمكن تفريقه وتبعيضه وتقسيمه.\nبل قد تنازع الناس في كثير من المخلوقات: هل تقبل التفريق أو لا تقبله؟ ومن قال: إنها تقبله أثبته بالدليل، لم يقل: إنه معلوم بالضرورة.","vol":"6","page":292},{"text":"وكذلك إن عنى به أنه مركب من المادة والصورة، كما يقول بعض الفلاسفة، فأكثر العقلاء ينكرون ذلك.\nوالصواب قول من ينكر ذلك، كما هو مذكور في غير هذا الموضع، وبتقدير تسليمه ينازع من سلمه في صحة المقدمة الثانية ويمنع صحة انتفاء اللازم.\nوإن أردت به المعنى الثالث: وهو أنه يتميز منه شيء عن شيء.\nفيقال لك: هذا القول لازم لجميع الخلائق.\nأما الصفاتية فإنهم يثبتون العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، ومن المعلوم أن هذه المعاني متميزة في أنفسها، ليس كل واحد منها هو الآخر.\nوأما غيرهم فيعلمون الفرق بين كونه عالمًا، وكونه قادرًا، وكونه حيًا، ونحو ذلك.\nوالمتفلسفة يعلمون الفرق بين كونه موجودًا، وكونه واجبًا، وكونه عاقلًا وعقلًا، وعاشقًا وعشقًا، ولذيذًا وملتذًا، ونحو ذلك، ففي الجملة لزوم مثل هذه المعاني المتعددة المتكثرة لازم لجميع الخلائق، وهذه مسألة الصفات.\nفإذا قال النفاة: عندنا العلم هو الإرادة، والإرادة هي القدرة، والوجوب هو الوجود، ونحو ذلك.\nكان لهم جوابان: أحدهما أن يقال: هذا معلوم الفساد بالضرورة، كما تقدم.\nولا يرتاب عاقل في فساد مثل هذا بعد تصوره.\nوالثاني أن يقال: إذا جاز لكم أن تثبتوا معاني متعددة ومتغايرة في الأحكام واللوازم والأسماء ليس التغاير بينها تغاير العموم والخصوص، كاللون والسواد، وتقولون: إنه لا تعدد فيها ولا كثرة ولا انقسام، جاز","vol":"6","page":293},{"text":"لمنازعكم أن يثبت ذاتًا فوق العالم لا انقسام فيها ولا تركيب، وكان هذا أقرب إلى العقل.\nفإن جاز أن تقولوا: لا يتميز العلم عن القدرة، ولا الإرادة عن الحياة، جاز أن يقول: لا يتميز ما يحاذي يمين العرش عما يحاذي يسار العرش.\nومن المعلوم أن التعدد في الصفات أظهر من التعدد في المقدر، فإن كان ذلك مقبولًا كان هذا أولى بالقبول، وإن كان هذا مردودًا كان ذلك أولى بالرد، ولا يمكن أحد من العقلاء أن يرد ما يثبت أنه من المعاني المتعددة المعلومة بصريح العقل، ومع نطق الشرع بذلك في غير موضع، فإن الله تعالى أثبت لنفسه من الأسماء الحسنى التي تتعدد معانيها: كالعليم، والقدير، والرحيم، والعزيز، وغير ذلك، وأثبت له من الكلمات التي لا تعادلها، ما شهد به الكتاب العزيز، فقد أثبت تعدد أسمائه وكلماته، وفي ضمن ذلك تعدد صفاته، وهو الواحد المسمى بأسمائه الحسنى، المنعوت بصفات العلى، الصادق العدل في كلماته التامات صدقًا وعدلًا، وإذا كانت هذه الحجة مبنية عل نفي الصفات، فقد علم فساد أصلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: قولك: (وإن انقسم كان مركبًا.\nوقد سبق بطلانه) قد سبق قولك: أنه ليس بمتحيز، لأن كل متحيز منقسم لذاته، بناء على نفي الجزء، وكل منقسم لذاته ممكن لافتقاره إلى","vol":"6","page":294},{"text":"جزئه الذي هو غيره، وكون المفتقر إلى الغير ممكنًا بالذات.\nومعلوم أن هذه الحجة قد تبين فسادها بطريق البسط في مواضع متعددة وبين أن مبناها على ألفاظ مجملة مشتبهة، وهي أصل توحيد الفلاسفة.\nوقد بين نظار المسلمين فسادها، كما بين ذلك أبو حامد الغزالي وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>جواب الرازي في نهاية المعقول على حجة التركيب في مسألة الصفات</span>\nوالرازي أجاب الفلاسفة عن حجة التركيب في مسألة الصفات فقال في نهاية العقول: (قوله: يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية، فتكون تلك الحقيقة ممكنة.\nقلنا: إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم، لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها، وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة، فذلك مما يلتزمه.\nفأين المحال؟ وأيضًا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج، فيلزمكم ما ألزمتمونا في الصفات، وفي الصور المرتسمة في ذاته من المعقولات) .\nوقال أيضًا: (مما يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا: إن الله","vol":"6","page":295},{"text":"عالم بالكليات، وقالوا: إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم، وقالوا: إن صورة المعلومات موجودة في ذات الله تعالى، حتى ابن سينا قال: إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات، بل كانت م لوازم الذات.. ومن كان هذا مذهبًا له كيف يمكنه أن ينكر الصفات؟ وفي الجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين الفلاسفة، إلا أن الصفاتية يقولون: إن الصفات قائمة بالذات، والفلاسفة يقولون: إن هذه الصور العقلية عوارض متقومة بالذات والذي تسميه الصفاتية صفة يسميه الفلسفي عارضًا، والذي يسميه الصفاتي قيامًا، يسميه الفلسفي قوامًا وتقومًا، فلا فرق إلا بالعبارة، وإلا فلا فرق في المعنى) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: (إذا كان لفظ: التحيز والانقسام","vol":"6","page":296},{"text":"والجزء والافتقار، والغير ألفاظًا مجملة، فلفظ (المتحيز) يراد به ما حازه غيره من الموجودات، وليس مرادهم بهذا.\nويراد به ما كان منحازًا عن غيره، أو ما كان بحيث يشار إليه وإن لم يكن معه موجود سواه، وهذا مرادهم بلفظ (المتحيز)، ولهذا يقولون: العالم متحيز.\nولفظ (الانقسام) يراد به الانقسام المعروف الذي يتضمن تفريق الأجزاء، وليس هذا مرادهم، ويراد به ما يتميز منه شيء عن شيء أو جانب عن جانب، وهذا مرادهم.\nولفظ (الجزء) يراد به ما كان منفردًا فانضم إليه غيره، أو ما أمكن التفريق بينه وبين غيره، وليس هذا مرادهم.\nويراد به ما حصل الامتياز بينه وبين غيره، وهذا مرادهم.\nولفظ (الافتقار) يراد به أن يكون الشيء مفتقرًا إلى فاعل يفعله، وليس هذا مرادهم هنا، ويراد به أن يكون ملازمًا لغيره فلا يوجد أحدهما مع الآخر، وهذا مرادهم، وقد يقال: إنه يراد به كون الشيء مفتقرًا إلى أمر منفصل عنه، وليس هذا مرادهم هنا، ويراد به أن يكون الشيء لا يتم إلا بما يدخل فيه، مما يقال: إنه جزء كالصفة، وهذا مرادهم هنا.\nوإذا عرف ذلك كان مضمون كلامهم أنه لو كان مشارًا إليه للزم أن لا يوجد إلا بلوازمه التي لا يوجد إلا بها، الداخلة في مسمى اسمه.\nومعلوم أن ما كان كذلك لم يمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه المستلزمة لهذه اللازمات، والمتصفة بهذه الصفات، بل إذا كانت حقيقته متصفة بصفات الكمال الوجودية، كانت أحق بالوجود من أن لا يوصف إلا بأمور سلبية، يستلزم أن تكون ممتنعة الوجود، مشبهة","vol":"6","page":297},{"text":"بالمعدومات والجمادات، فما لا يتصف بشيء من صفات الكمال، فلا بد أن تكون له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا كلام، ولا فعل، ولا عظمة، ولا رحمة، بل يكون موجودًا مطلقًا أو مجردًا - كان ممتنع الوجود، لا واجب الوجود.\nوما لا يكون إلا كاملًا، لا يكون إلا بكماله، وما يجب أن يكون حيًا عليمًا قديرًا، لا يكون إلا بحياته وقدرته وعلمه، وليس لزوم صفات الكمال له واستلزامه إياها، موجبًا لكونه لا يكون موجودًا بنفسه.\nوتسمى المسمى هذا جزءًا وبعضًا ونحو ذلك، غايته أن يقال: لا يمكن وجود الكل إلا بوجود بعضه، ومن المعلوم أن وجود الكل لا يوجد إلا بوجود الكل، فيكون الكل موجودًا بالكل، ولا يتضمن ذلك افتقارًا له إلى غيره، فإذا كان قول القائل: إنه مفتقر إلى نفسه أو كله لا يقدح في وجوب وجوده، فقوله: هو مفتقر إلى صفته أو بعضه أولى أن لا يقدح في وجوب وجوده.\nومما يبين ذلك أن هؤلاء المتفلسفة يقولون: إن وجوده مستلزم لوجود المعلولات الممكنات، فلا يتصور وجوده بدون وجودات ممكنة معلولة منفصلة عنه، وذلك لا يقدح عندهم في وجوب وجوده بنفسه، فكيف يقدح في وجوب وجوده كونه مستلزمًا لصفات كمال لازمة له قائمة بنفسه؟ فإن كان استلزامه لغيره افتقارًا إليه، فافتقاره إلى معلوله","vol":"6","page":298},{"text":"المنفصل أعظم امتناعًا، وإن لم يكن افتقارًا إلى اللازم لم يكن استلزامه الصفات افتقارًا إليها.\nومثل هذا التناقض كثير في كلام المخالفين للسنة تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>الوجه الثاني من وجوه الرازي في الأربعين</span>\nقال الرازي: (الوجه لثاني: لو كان مشارًا إليه لكان متناهيًا من جميع الجوانب لما سبق من تناهي الأبعاد، ولأن عدم تناهيه إن كان من جميع الجوانب فإنه مخالط للعالم وما فيه من القاذورات، تعالى عنه، وإن كان من بعضها، فالجانب المتناهي، إن وافق غير الفصل والوصل، وإن خالفه فيها، وكل مركب من أجزاء مختلفة الطبائع ففيه أجزاء بسيطة، فأمكن على كل منها أن يماس ما على يمينه ويساره وبالعكس، فصح عليه الوصل والفصل، وكل ما كان كذلك كان تأليفه بمؤلف، تعالى عنه، وكل متناه من جميع الجوانب أمكن وجوده أزيد وأنقص مما وجد.","vol":"6","page":299},{"text":"فاختصاصه بذلك القدر المخصص، ولأنه لو كان متناهيًا من جميع الجوانب، لم يكن فوق كل الموجودات، لأنه يكون فوقه أمكنة خالية عنه، والخصم ينفيه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nقول من يقول: هو فوق العرش، ولا يوصف بالتناهي ولا بعدمه إذ لا يقبل واحدًا منهما، وهو قول من تقدم ممن يقول: هو فوق العرش ولا يوصف بأن له قدرًا، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف، من الكلابية والكرامية والأشعرية، ومن وافقهم من أتباع الأئمة من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم.\nوإذا قال لهم النفاة: هذا ممتنع في بديهة العقل.\nقالوا لهم: القول بوجود موجود لا يشار إليه ولا يقبل الوصف بالنهاية وعدمها، ولا بدخول العالم ولا بخروج منه، أظهر فسادًا في بديهة العقل، فإنا إذا عرضنا على العقل وجود موجود خارج العالم بائن منه، لا يوصف بثبوت النهاية ولا انتفائها، ووجود موجود لا داخل العالم لا خارجه، ولا بائن ولا محايث ولا متناه ولا غير متناه - كان الثاني أظهر فسادًا في العقل كما تقدم نظيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>الوجه الثاني</span>\nقول من يقول: هو غير متناه: إما من جانب،","vol":"6","page":300},{"text":"وإما من جميع الجوانب، كما قال ذلك طوائف أيضًا من أهل الكلام والفقهاء وغيرهم، وحكاه الأشعري في المقالات عن طوائف.\nفإذا قيل لهم: هذا ممتنع.\nقالوا: قول منازعينا أظهر امتناعًا.\nوإذا قيل لهم: يلزمكم أن يكون مخالطًا للعالم.\nقالوا: منازعونا منهم من يقول: هو بذاته في كل مكان، ومنهم من ينفي ذلك، ونحن يمكننا أن نقول كما قال هؤلاء وهؤلاء، وإذا ادعى هؤلاء إمكان ذلك من غير مخالطة، ادعينا مثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>الوجه الثالث</span>\nقول السلف والأئمة، وأهل الحديث والكلام والفقه والتصوف، الذين يقولون: له حد لا يعلمه غيره.\nفإذا قيل لهؤلاء: كل متناه من جميع الجوانب أمكن وجوده أزيد وأنقص مما وجد، واختصاصه بذلك القدر المخصص منفصل - منعوا هذا كما تقدم ذكره، وقالوا: لا نسلم أن كل ما اختص بقدر افتقر إلى مخصص منفصل عنه، ولا نسلم أن كل ما ثبت لواجب الوجود من خصائصه - يمكن أن يوجد بخلاف ذلك.","vol":"6","page":301},{"text":"وتقدم الكلام على هاتين المقدمتين، واعترف هؤلاء المحتجين بهما بفسادهما.\nوأما قوله: (لو كان متناهيًا من جميع الجوانب لم يكن فوق كل الموجودات، لأنه يكون فوقه أمكنة خالية منه) .\nفكلام ساقط، لأنه ليس هناك شيء موجود: لا مكان ولا غير مكان، وإنما هناك: إما خلاء هو عدم محض ونفي صرف ليس شيئًا موجودًا على قول طائفة، وإما أنه لا يقال هناك لا خلاء ولا ملاء.\nوعلى كل تقدير فليس هناك شيء موجود، بل يقال لمن احتج بهذا: أنت تقول ليس فوق العالم شيء موجود، ولا وراء العالم شيء موجود، مع أنه متناه عندك، فكيف يجب أن يكون فوق رب العالمين شيء موجود؟ .\nثم قال: (أنتم تزعمون أنكم تحتجون بالمعقولات اليقينية لا بالمقدمات الجدلية، فهب أنه لا يكون فوق جميع الموجودات، فأين دليلكم العقلي على امتناع هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>الوجه الرابع</span>\nقول بعض هؤلاء النفاة لبعض: لم قلتم: (إن عدم تناهيه: إن كان من جميع الجوانب فإنه مخالط للعالم وما فيه من القاذورات تعالى عنه) ولم لا يجوز أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو غير مخالط؟ فإن قالوا: لأن فرض مشار إليه، غير متناه لا يخالط العالم - ممتنع في صريح العقل.\nقيل: وفرض موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يكون مباينًا لغيره، ممتنع في صريح العقل.","vol":"6","page":302},{"text":"فإن قلتم: هذا في حكم الوهم.\nقالوا: وإثبات المخالطة لما لا نهاية له من حكم الوهم.\nوهؤلاء النفاة لمباينته للعالم، منهم من يقول: (إنه جسم، وهو في كل مكان، وفاضل في جميع الأماكن، وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكبر من مساحة العالم، لأنه أكبر من كل شيء.\nوقال بعضهم: مساحته على قدر مساحة العالم.\nوقال بعضهم: هو جسم له مقدار في المساحة، ولا ندري كم ذلك القدر) .\n(ومنهم من يقول: إنه جسم تحل الأشياء فيه، وهو الفضاء، وليس بذي غاية ولا نهاية.\nوقال بعضهم: هو الفضاء، وليس بجسم، والأشياء قائمة به) .\n(وقال بعضهم: ليس لمساحة البارئ","vol":"6","page":303},{"text":"نهاية ولا غاية، وإنه ذاهب في الجهات الست، اليمين، والشمال، والأمام، والخلف، والفوق، والتحت، قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم، ولا طويل ولا عريض، ولا عميق وليس بذي حدود، ولا هيئة ولا قطب) .\nحكى هذه الأقوال الأشعرية في المقالات وحكى عن زهير الأثري أنه كان يقول: (إن الله بكل مكان، وإنه مع ذلك مستو على عرشه، وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود، ولا يجوز عليه الحلول والمماسة، ويزعم أنه يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢]، بلا كيف) .\nوكذلك أبو معاذ التومني.\nوهذا القول الذي حكاه الأشعري عن هؤلاء يشبه قول كثير من الصوفية والسالمية، كأبي طالب المكي وغيره.\nفهؤلاء القائلون بأنه بذاته في كل مكان على أقوال: منهم من يقول: له قدر، ومنهم من يقول: ليس له غاية ولا نهاية، ومنهم من يقول: هو جسم، ومنهم من يقول: ليس بجسم.\nثم من هؤلاء من","vol":"6","page":304},{"text":"يقول: إنه غير متناه من جميع الجوانب، وهو مع ذلك لا يخالط الأشياء، وأيضًا فإنهم إذا قالوا: إنه يخالط الأشياء، قالوا: هذا لا يقدح في كماله، كما أن الشعاع لا يقدح فيه أنه فوق الأقذار.\nوقول هؤلاء وإن كان باطلًا، كما قد بين في غير هذا الموضع، فالمقصود أن النفاة الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا بخارجه، لا يمكنهم إبطال قول هؤلاء.\nبل قد يقول القائل: إن قول هؤلاء الحلولية خير من قول أولئك المعطلة، الذين يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه.\nولهذا قال من قال: (متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا، ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء) .\nومنهم من يقول هذا تارة وهذا تارة ومنهم من يقول: هذا اعتقادي، وهذا ذوقي ووجدي.\nوإنما يتمكن من إبطال قول هؤلاء كلهم أهل السنة المثبتة، الذين يقولون: إنه مباين للعالم، فأما بعض هذه الطوائف مع بعضهم فإنهم متناقضون.\nفإذا قالوا: لا نسلم أنه يجب أن يخالط العلم، أو لا نسلم أن في ذلك محذورًا، بل يمكن عدم المخالطة، أو المخالطة، بلا نقص ولا عيب - كان قول هؤلاء من جنس أقوال أولئك، فإنهم أثبتوا ما يحيله العقل.\nفإذا قالوا لأولئك: هذا من حكم الوهم لا من حكم العقل، كان","vol":"6","page":305},{"text":"هذا بمنزلة قول أولئك: إن إحالة موجود لا داخل العالم ولا خارجه من حكم الوهم، فإنهم قد قالوا: إنه حكم في غير المحسوس بحكم المحسوس، فإن لم يكن في الوجود ما لا يمكن الإحساس به بطل قولهم، وإن كان فيه ما لا يمكن الإحساس به، وادعى هؤلاء أنه غير متناه من جميع الجوانب، وهو غير جسم عند بعضهم، وجسم عند آخرين منهم - كان الحكم حينئذ بكونه يكون مخالطًا للعالم، وأن ذلك ممتنع عليه، حكمًا على غير المحسوس بحكم المحسوس، وهم لا يقبلون هذا الحكم.\nثم إن الكلام هنا من جهة من يقول: إنه مشار إليه، ويقول: إنه متناه، وهو مع ذلك جسم، أو ليس بجسم.\nوإذا قال هؤلاء: كل مشار إليه فهو جسم، كان كقولهم: لو كان فوق العرش لكان مشارًا إليه، ولكان جسمًا، وقد نازعهم في ذلك طوائف.\nوتبين أن قول من قال: هو فوق العرش وليس بجسم، ليس هو أبعد عن العقل، من قول من قال: أنه لا داخل العالم ولا خارجه أصلًا.\nفإن هذا أقرب إلى المعدوم من ذلك، وكل ما كان أقرب إلى العدم، كان أبعد عن الوجود الواجب.\nفهكذا من قال: يشار إليه وهو غير متناه ولا يخالط، أو يخالط ولا نقص في ذلك - فقوله ليس أبعد عن العقل من قول أولئك، بل نظير قولهم أن يقال: إنه في كل مكان بذاته، ولا يشار إليه، ولا نهاية له، كما قال بعضهم.","vol":"6","page":306},{"text":"فهذه الأقوال حكم ببطلانها حاكم واحد، فإن رد حكمه في بعضها رد في سائرها، فهذا جواب هؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>الوجه الخامس</span>\nقول من يقول: لا نسلم أنه إذا كان متناهيًا من بعض الجهات يلزم ما ذكره من المحذور.\nوقوله: (الجانب المتناهي إن وافق غير المتناهي في الماهية صح عليه أن ينقلب غير متناه، وإلا لزم التركيب، فيصح الفصل والوصل، وما كان كذلك احتاج إلى مؤلف يؤلفه) .\nقالوا: لا نسلم أنه يجوز عليه الفصل والوصل والحال هذه، لإمكان أن يكون ذلك الاتصال من لوازم الذات، كقيام الصفات اللازمة لموصوفها، وأيضًا الموافقة في الماهية إنما تقتضي جواز انقلابه غير متناه، إن لو لم يكن المقدار المعين من لوازم وجوده.\nفإن قال: إن كل مختص بقدر فهو ممكن، فهي المقدمة الثانية، وقد تقدم إبطالها، فلا يمكنه حينئذ تقرير المقدمة الأولى إلا بالثانية، فلا يكون قد أقام دليلًا على أنه إذا كان متناهيًا لزم التناهي من جميع الجوانب، إلا لافتقار الاختصاص إلى مخصص، وهذا: إن كان دليلًا صحيحًا فهو كاف سواء قدر التناهي من جميع الجوانب أو بعضها، وإن لم يكن صحيحًا بطل كلامه على بطلان تناهيه من جميع الجوانب، ومن بعضها.","vol":"6","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>الوجه الثالث من وجوه الرازي في لباب الأربعين</span>\nقال: الرازي: الوجه الثالث: (أنه لو كان مشارًا إليه فإن صح عليه الحركة والسكون كان محدثًا لما سبق في مسألة الحدوث، وإلا كان كالزمن المقعد، وهو نقص تعالى عنه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن يقال قد تقدم إبطال هؤلاء لدليل الحركة والسكون، كما أبطله الرازي نفسه في كتبه العقلية المحضة، وأبطل كل ما احتج به النفاة، من غير اعتراض على إبطال ذلك.\nوكذلك أبطله الآمدي والأرموي وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>الوجه الثاني</span>\nقول من يقول: هو مع كونه مشارًا إليه لا يقبل الوصف بالحركة والسكون ولا بضد ذلك، كما يقولون هم: إنه لا يقبل الوصف بالدخول والخروج، والمباينة والمحايثة، ونحو ذلك من المتقابلات.\nفإن قيل لهؤلاء: إثبات مشار إليه لا يقبل ذلك غير معقول.\nقالوا: هذا أقرب إلى العقل من إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه.\nوهؤلاء إذا قيل لهم: إما أن يكون مباينًا، وإما أن يكون محايثًا.\nقالوا: هذا من عوارض الجسم، فإذا قدر موجود لا يقبل ذلك، لم يوصف بمباينة ولا محايثة، فيقول لهم هؤلاء: كونه موصوفًا بالحركة","vol":"6","page":308},{"text":"والسكون فرع على قبوله لذلك، فإذا قدر موجود مشار إليه لا يقبل ذلك، لم يوصف بأحدهما.\nومن الناس من يقول: الحركة من خصائص الجسم.\nومنهم من يقول: الحركة يوصف بها ما ليس بجسم كمن يقول بإثبات نوع من الحركة للنفس، ويقول: إنها غير جسم.\nوكذلك قول من قال مثل ذلك في الواجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: اتصاف المتصف بالحركة والسكون: إما أن يكون صفة كمال أو لا.\nفإن لم يكن صفة كمال، لم يكن سلب ذلك نقصًا، فلا محذور فيه، وإن كان صفة كمال أمكن اتصافه بذلك فلا محذور فيه.\nفإن قيل: هو صفة كمال للجسم دون غيره.\nقيل: إما أن نعلم ثبوت موجود غير الجسم، أو لا نعلمه، فإن لم نعلمه لم يمكن إثبات موجود قائم بنفسه: لا تكن الحركة كمالًا، وإن علمنا وجود موجود ليس بجسم، فالعلم بذلك ليس بضروري، بل هو نظري، فلا بد له من دليل.\nوحينئذ فإما أن يمكن وجود مشار إليه ليس بجسم، أو لا يمكن، فإن أمكن جاز أن يشار إلى الباري تعالى، ويكون فوق العرش، وليس بجسم.\nوإن لم يمكن وجود مشار إليه إلا أن يكون جسمًا، فلا بد من دليل يدل على إثبات وجود موجود لا يمكن الإشارة إليه، ولا يكون جسمًا.","vol":"6","page":309},{"text":"وهذه الوجوه هي أدلة ثبوت ذلك.\nفإذا قيل: لو لم يصح عليه الحركة والسكون لكان كالزمن، لم يمكن إثبات ذلك إلا إذا ثبت أن كل مشار إليه يقبل الحركة والسكون، وأن كل مشار إليه جسم.\nوهذا لا يثبت إلا إذا بطل قول من يقول: يمكن أن يشار إليه ولا يكون جسمًا، أو يمكن أن يكون فوق العرش ولا يكون جسمًا.\nوهؤلاء لا يمكن إبطال قولهم إلا إذا بطل قول من يقول بوجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، لأنه بتقدير صحة قول هؤلاء، يمكن صحة قول أولئك، فإنه إذا جاز في العقل إمكان وجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يباين غيره ولا يحايثه، أمكن وجود موجود قائم بنفسه، فوق عرشه، لا يشار إليه، وكان هذا أقرب إلى العقل من ذلك.\nفإذا كان إبطال قول هؤلاء مستلزمًا لبطلان قول المدعي، لم يبطل قولهم إلا ببطلان قوله.\nوإذا بطل قوله، كانت الحجة على صحته باطلة.\nفتبين أن هذه الحجة يلزم من صحة مقدمتيها بطلان قول المدعي المحتج بها، فلا يمكن الاستدلال بها عليه، وهو المطلوب، فإنها إن صحت استلزمت بطلان دعواه، وإن لم تصح لم يمكن الاستدلال بها على دعواه، فبطلت الدلالة على التقديرين، وهو المطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: كثير من النظار يقولون: صحة الحركة ليست","vol":"6","page":310},{"text":"من خصائص كونه مشارًا إليه، فإن كثيرًا من هؤلاء يجوز أن يقوم به ما هو متجدد أو حادث، وإن قال: إنه غير مشار إليه، وقد تقدم قول الرازي: (إن عامة الطوائف يلزمهم القول بحلول الحوادث وإن أنكروا ذلك) مع أن نفاة العلو من هؤلاء يمنعون جواز الإشارة إليه، كما يقول ذلك من يقوله من الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية وغيرهم، بل المتفلسفة يجوزون حلول الحوادث بما ليس بجسم غير الواجب، كما يقولون مثل ذلك في النفس الفلكية والإنسانية.\nثم أكثر أهل الكلام من هؤلاء يقولون: إن ذلك الحادث القائم بالواجب تجدد بعد أن لم يكن، فهؤلاء يصفونه بقيام الحوادث به في وقت دون وقت، ومع هذا فلا يجعلونه في حال انتفاء ذلك كالزمن المقعد، فيقول هؤلاء: يمكن أن تقوم به الحوادث، وهو نوع من الحركة، ولا يكون مشارًا إليه، ولا يكون عند انتفاء ذلك كالزمن، فإن سلم أولئك لهم إمكان ذلك بطلت الحجة، وإن لم يسلموا ذلك لهم: قالوا: هذا أقرب إلى العقل من إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، وإن كان هذا من حكم الوهم فكذلك الأول، وإلا لزم امتناع موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، وهو المطلوب.\nومما يوضح هذا أن لفظ الحركة قد يعني به الانتقال من حيز إلى حيز، وقد يعني به ما هو أعم من ذلك، كالحركة في الكيف والكم والوضع، مثل مصير النفس عالمة وقادرة ومريدة، ومصير الجسم أسود وأحمر، وحلوًا وحامضًا.\nومثل الاغتذاء والنمو الحاصل في الحيوان والنبات، ومثل حركة الفلك في حيز واحد، فهذه قد تسمى حركات، وإن لم يكن قد خرج الجسم فيها من حيز إلى حيز آخر.","vol":"6","page":311},{"text":"وإذا كان لفظ الحركة من جنس لفظ الحدوث كان البحث عن قيام أحدهما به، كالبحث عن قيام الآخر به.\nومعلوم أن كثيرًا من النظار يصفونه بذلك، ولا يقولون: هو جسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>الوجه الرابع من وجوه الرازي في لباب الأربعين</span>\nقال الرازي: (الوجه الرابع: المكان الذي يزعم الخصم حصوله فيه: إن كان موجودًا، وهو منقسم، كان جسمًا، ولزم قدم الأجسام لذواته، وأيضًا المكان مستغن في وجوده عن المتمكن لجواز الخلاء وفاقًا، والباري تعالى عند الخصم يمتنع كونه لا في حيز، فكان مفتقرًا إلى الحيز، وكان المكان بالوجوب والإلهية أولى، وإن كان معدومًا استحال حصول الوجود فيه، ولا يلزم علينا كون الجسم في المكان، لأنه المعنى منه كونه يمكن الإشارة إلى أحد جوانبه بأنه غير الآخر ومتصل به.\nوهذا المعنى في الباري يوجب التركيب، وتعالى عنه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن يقال: لا نسلم الحصر، بل قد يكون الحيز تارة","vol":"6","page":312},{"text":"موجودًا وتارة معدومًا، فإنه إذا كان في الأزل وحده، لم يكن معه شيء موجود، فضلًا عن أن يكون في شيء موجود.\nثم لما خلق العالم: فإما أن يكون مداخلًا للعالم، وإما أن يكون مباينًا له، وإذا امتنع أن يكون هو نفسه داخل العالم، أو دخل العالم فيه، وجب أن يكون مباينًا له، وإذا كان مباينًا للعالم، أمكن أن يكون فوق العالم، ويكون ما يسمى حينئذ مكانًا أمرًا وجوديًا، ولا يلزم أن يكون ملازمًا له، فلا يلزم قدم المخلوقات، ولا افتقاره إلى شيء منها، بل كان مستغنيًا عنها، وما زال مستغنيًا عنها وإن كان عاليًا عليها، فعلوه على العرش وعلى غيره من المخلوقات لا يوجب افتقاره إليه، فإن السماء عالية على الأرض وليست مفتقرة إليها، والهواء عال على الأرض وليس مفتقرًا إليها، وكذلك الملائكة عالون على الأرض وليسوا مفتقرين إليها، فإذا كان المخلوق العالي لا يجب أن يكون مفتقرًا إلى السافل، فالعلي الأعلى، الخالق لكل شيء والغني عن كل شيء، أولى أن لا يكون مفتقرًا إلى المخلوقات مع علوه عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>الوجه الثاني</span>\nأن قول القائل: (إنه في كل مكان) لفظ فيه إجمال وتلبيس.\nوالمثبتون لعلو الله على خلقه لا يحتاجون أن يطلقوا القول بأنه في مكان، بل منهم كثير لا يطلقون ذلك، بل يمنعون منه، لما فيه من الإجمال.\nفإذا قال قائل: إنه لو كان في مكان، لم يخل: إما أن يكون المكان موجودًا، أو معدومًا.\nقيل له: إذا قيل: إن الشيء في مكان، وفسر المكان بأنه معدوم،","vol":"6","page":313},{"text":"كان حقيقته أنه وحده، ليس معه غيره، إذ لا يقول عاقل: إنه في مكان معدوم، وإنه مع هذا في شيء موجود قد أحاط به، أو كان هو فوقه، أو غير ذلك، إذ هذا كله من صفات الموجودات.\nوإذا كان كذلك فقول القائل.\nوإن كان المكان معدومًا استحال حصول الموجود فيه، إنما يلزم لو قدر أن هناك أمرًا يكون الواجب فيه، فأما إذا فسر ذلك بأنه وحده، ليس معه غيره، امتنع أن يقال: إنه في غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: إذا كنت أنت - وعامة العقلاء - تقولون: إن الجسم في مكان، ولا يلزم من هذا أن يكون في شيء موجود، لأنه يستلزم أبعادًا لا تتناهى، ولا في معدوم، لأن العدم لا يكون فيه شيء - فقولهم أولى بالقبول والجواز.\nوأما قوله: (إن المعنى من كون الجسم في المكان، كونه بحيث يمكن الإشارة إلى أحد جوانبه بأنه غير الآخر ومتصل به) .\nفيقال له: وبهذا المعنى فسرت قولهم بأنك قلت: المعنى من اختصاص الشيء بالجهة والمكان أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك.\nوأما قولهم: هذا المعنى يوجب التركيب في الباري، فهذا هو الحجة الأولى، وقد تقدم جوابها، فإذن هذه الحجة لا تتم إلا بالأولى، فلا تجعل حجة أخرى، وحجة التركيب قد تقدم بيان فسادها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>الوجه الرابع</span>\nأن يقال لفظ الحيز والمكان قد يعني به أمر","vol":"6","page":314},{"text":"وجودي وأمر عدمي، وقد يعني بالمكان أمر وجودي، وبالحيز أمر عدمي.\nومعلوم أن هؤلاء المثبتين للعلو يقولون: إنه فوق سماواته، وعلى عرشه، بائن من خلقه، وإذا قالوا: إنه بائن من جميع المخلوقات، فكل ما يقدر موجودًا من الأمكنة والأحياز فهو من جملة الموجودات، فإذا كان بائنًا عنها لم يكن داخلًا فيها، فلا يكون داخلًا في شيء من الأمكنة والأحياز الوجودية على هذا التقدير، ولا يلزم قدم شيء من ذلك على هذا التقدير.\nوإذا قالوا: إنه فوق العرش، لم يقولوا: إن العرش كان موجودًا معه في الأزل، بل العرش خلق بعد أن لم يكن، وليس هو داخلًا في العرش، ولا هو مفتقر إلى العرش، بل هو الحامل بقوته للعرش ولحملة العرش، فكيف يلزم على هذا أن يكون معه في الأزل؟ بل كيف يلزم على هذا أن يكون داخلًا في العرش أو مفتقرًا إليه، وإنما يلزم ما ذكره من لا بد له من شيء مخلوق يحتوي عليه، وهذا ليس قول من يقول: إنه بائن عن جميع المخلوقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: قوله (الباري عند الخصم يمتنع كونه لا في حيز) لفظ مجمل، فإن قال: إنه مفتقر عنده إلى حيز وجودي، فهذا لم يقله الخصم ولا يعرف أحدًا قاله، وإن قاله من لا يعرف لم يلتفت إليه، ولا ريب عند المسلمين أن الله تعالى غني عن كل ما سواه، فكيف يقال: إنه مفتقر إلى حيز عدمي، فالعدم ليس بشيء حتى يقال: إن الرب مفتقر إليه، أو ليس بمفتقر إليه.","vol":"6","page":315},{"text":"وإذا فسر الحيز بأمر عدمي، لم يجز أن يقال: إن العدم الذي ليس بشيء أحق بالإلهية من الموجود القائم بنفسه، فعلم أن هذه الحجة مغلطة محضة، وأن لفظ الحيز لفظ مجمل.\nوهؤلاء يريدون بالحيز تارة ما هو موجود، ويريدون به تارة ما هو معدوم.\nوكذلك لفظ المكان، لكن الغالب عليهم أنهم يريدون بالحيز ما هو معدوم، وبالمكان ما هو موجود، ولهذا يقولون: العالم في حيز وليس في مكان.\nوإذا كان كذلك، فمن أثبت متحيزًا في حيز عدمي لم يجعل هناك موجودًا غيره، سواء كان ذلك واجبًا أو ممكنًا.\nوإذا كان كذلك لم يجب أن يكون هناك ما يجب أن يكون موجودًا معه، فضلًا عن أن يكون مفتقرًا إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>الوجه السادس</span>\nأن يقال: هذه الحجة مبنية على أن كل مشار إليه مركب، وإن ذلك ممتنع في الواجب، فإن أردت بالتركيب أن غيره ركبه، أو أنه يقبل التفريق، ونحو ذلك، لم تسلم الأولى.\nوإن عنيت بالتركيب إمكان الإشارة إلى بعضه دون بعض، فللناس هنا جوابان:\nأحدهما: قول من يقول: هو فوق العالم وليس بمشار إليه، أو هو مشار إليه، وهو لا يتبعض، فيشار إلى بعضه دون البعض، لأن الإشارة إلى البعض دون البعض إنما تعقل فيما له أبعاض، فإذا قدر مشارًا إليه لا يتبعض، لم يمكن أن يقال هذا فيه.","vol":"6","page":316},{"text":"الثاني: قول من يقول: يمكن الإشارة إلى بعضه دون بعض، ويقول: التبعيض المنفي عنه، هو مفارقة بعضه بعض، وأما كونه يرى بعضه دون البعض، فليس هذا منفيًا عنه، بل هو من لوازم وجوده، وإذا قال الثاني: هذا تركيب، وهو ممتنع، فقد عرف بطلان هذه الحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>الوجه السابع</span>\nأن يقال: إذا كان فوق العرش فلا يخلو: إما أن يلزم أن يكون جسمًا أو لا يلزم، فإن لم يلزم بطل مذهب النفي، فإن مدار قولهم على أن العلو يستلزم أن يكون جسمًا، فإذا لم يلزم ذلك لم يكن في كونه على العرش محذور، وإن لزم أن يكون جسمًا، فإن لازم هذا القول قدم ما يكون جسمًا، وحينئذ فقول القائل: إن كان المكان موجودًا كان جسمًا ولزم قدم الأجسام لدوامه - لا يكون محذورًا على هذا التقدير، ولا يصح الاستدلال على انتفاء المكان بهذا الاعتبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>الوجه الثامن</span>\nوأما الوجه الثامن: فقوله: (المكان مستغن في وجوده عن المتمكن، لجواز الخلاء وفاقًا، والباري عند الخصم يمتنع كونه لا في الحيز، فكان مفتقرًا إلى الحيز) يعترض عليه الخصم بأنا لا نسلم أنه على هذا التقدير يكون كل مكان مستغنيًا عن المتمكن، فإنه لا يقول عاقل إن شيئًا من الممكنات مستغنية عن الواجب الوجود، فإذا جعل ما سمى مكانًا من الممكنات المبدعات لله تعالى، لم يجز أن يقال: هو مستغن عنه.\nوأيضًا يقال: إن عنيت بكون المكان مستغنيًا عن المتمكن، أنه لا يفتقر إلى كون المتمكن عليه، فهذا مسلم، لكنه لا يفيدك، إلا إذا","vol":"6","page":317},{"text":"قيل: إن المتمكن مفتقر إلى وجود المكان المستغنى عنه، وهذا لم يذكره في التقسيم.\nوإن عنيت أنه يستلزم استغناءه عن فاعل مبدع، فهذا ليس بلازم على هذا التقدير، فإن الأمكنة كلها مفتقرة إلى فاعل مبدع، وإن استغنيت عن متمكن.\nوإذا كان وجوده مستلزمًا للحيز على هذا التقدير، لم يكن مفتقرًا إلى ما هو مستغن عنه، بل كان وجوده مستلزمة لأمور لازمة له مفتقرة إليه، وذلك لا يوجب أن يكون غيره مستغنيًا عنه، ولا أن يكون مفتقرًا إلى ما هو مستغن عنه، كما أن الذات إذا كانت مستلزمة للصفات، لم يجب أن تكون الصفات أحق بالإلهية.\nهذا عند من يقول بالصفات وكذلك من يقول بالأحوال من المسلمين، ومن نفى الجميع كالفلاسفة الدهرية، فعندهم أن وجود الواجب مستلزم لوجود الممكنات، مع أنها هي المفتقرة إليه، وهو مستغن عنها.\nونكتة الاعتراض أنه فرض افتقاره إلى مكان مستغن عنه، فلا ريب أن هذا باطل بالاتفاق، لأنه يلزم أن يكون الخالق فقيرًا إلى ما هو مستغن عنه، وهذا ينافي وجوب وجوده.\nوأما إذا كان ما سمي مكانًا مفتقرًا إليه، وهو المبدع الخالق له، لم يكن فيما ذكره ما يبطل ذلك.","vol":"6","page":318},{"text":"أما إذا قدر أن وجوده لا يستلزم وجود ذلك ولا يشترط فيه ذلك، لكن حصل بحكم الجواز لا بحكم الوجوب، فهذا ظاهر.\nوإما إذا قدر أن ذلك لازم له، فغايته أن وجوده مستلزم لما يكون الرب ملزومًا له، وهو مفتقر إلى الرب تعالى، وقد عرف كلام الناس في مثل هذا؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>الوجه الخامس من وجوه الرازي في لباب الأربعين</span>\nقال الرازي: (الوجه الخامس في نفي علوه على الخلق أن الأحياز إن تساوت في تمام الماهية، كان حصوله في بعضها بدلًا عن الآخر جائزًا، فافتقر فيه إلى مرجح، وإن تخالفت فيها كانت متباينة بالعدد، والماهية تختص بخواص معينة وصفات معينة، وهي غير متناهية، فقد وجد في الأزل مع الله أشياء موجودة قائمة بأنفسها غير متناهية، ولا يرتضيه مسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن يقال: الأحياز أمور عدمية كما قد عرف، فإنهم يقولون: العالم في حيز، والحيز عندهم عدمي، ولو قال قائل: إن الحيز قد يكون وجوديًا، فالمثبتون يقولون: نحن نقول: أنه فوق العالم وحده، كما كان قبل المخلوقات، وليس هو في حيز وجودي، فإذا","vol":"6","page":319},{"text":"سميت ما هناك حيزًا، كان تسميته للعدم حيزًا، وهو اصطلاحهم.\nوحينئذ فالعدم المحض ليس هو أشياء موجودة، حتى يقال: إنها متماثلة أو مختلفة.\nفإن قيل: من الناس من يقول: الحيز جوهر قائم بنفسه لا نهاية له.\nقيل: هذا القول إن كان صحيحًا ثبت قدم الحيز الوجودي، وحينئذ فتبطل الحجة التي مبناها على نفي ذلك.\nوإن كان باطلًا بطلت الحجة أيضًا كما تقدم، فهي باطلة على تقدير النقيضين، فثبت بطلانها في نفس الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: لم لا يجوز أن تكون الأحياز متساوية في الماهية.\nقوله: (حصوله في بعضها بدلًا عن الآخر جائز فيفتقر إلى مرجح) .\nيقال له: نعم وإذا افتقر إلى مرجح فإنه يرجح بعضها بقدرته ومشيئته، كما ترجح سائر الأمور الجائزة بعضها على بعض، وكما يرجح خلق العالم في بعض الأحياز على بعض، مع إمكان أن يخلقه في حيز آخر، وكما رجح ما خلقه بمقدار على مقدار، وصفة على صفة، مع إمكان أن يخلقه على قدر وصفة أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: ترجح بعض الأحياز على بعض متفق","vol":"6","page":320},{"text":"عليه بين العقلاء، سواء قالوا بالفاعل بالاختيار أو بالعلة الموجبة، فغن القائلين بالعلة الموجبة يقولون: إنها اقتضت وجود العالم في هذا الحيز دون غيره، وأما على القول بالفاعل المختار فالأمر ظاهر، وإذا كان ترجيح بعض الأحياز على بعض متفقًا عليه بين العقلاء، لم يكن في ذلك محذور.\nوإذا قيل: هذا ترجيح لبعضها على بعض في الممكن.\nقيل: فإذا جاز ذلك في الممكن، فهو في الواجب أولى بالجواز، فإن المرجح إن كان موجبًا بالذات، فترجيحه لما يتعلق به أولى من ترجيحه لما يتعلق بغيره، وإن كان فاعلًا بالاختيار، فاختياره لما يتعلق به أولى من اختياره لما يتعلق بظاهره.\nوإذا قيل: هذا يلزم منه قيام الأمور الاختيارية بذاته.\nقيل: قد عرف أنهم يعترفون بذلك، وهو لازم لعامة العقلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: أهل الإثبات القائلون بأن الله سبحانه فوق العالم، لهم في جواز الأفعال القائمة بذاته، المتعلقة بمشيئته وقدرته، قولان مشهوران:\nأحدهما: قول من يقول: لا يجوز ذلك، كما يقول ابن كلاب والأشعري ومن اتبعهما، من أصحاب أبي حنيفة وأحمد ومالك والشافعي وغيرهم، فهؤلاء يقولون: استواؤه مفعول له، فعله في العرش، ويقولون: إنه خلق العالم تحته، من غير أن يحصل منه انتقال وتحول من حيز إلى حيز، ويقولون: أنه خصص العالم بذلك الحيز بمشيئته وقدرته.","vol":"6","page":321},{"text":"والقول الثاني: قول من يقول: إنه يفعل أفعالًا قائمة بنفسه باختياره ومشيئته، كما وصف نفسه في القرآن بالاستواء إلى السماء وعلى العرش، وبالإتيان والمجيء، وطي السماوات بيمينه، وغير ذلك، مما هو قول أئمة أهل الحديث، وكثير من أهل الكلام، ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فهؤلاء يقولون: إن ما يحصل من الترجيح لبعض الأحياز على بعض بأفعاله القائمة بنفسه هو بمشيئته وقدرته.\nفحصل الجواب عن هذا على قول الطائفتين جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: الحيز، إما أن يقال: إنه موجود، وإما أن لا يقال: إنه معدوم.\nفإن قيل: هو معدوم، لم يلزم أن يكون مع الله في الأزل شيء موجود.\nوإن قيل: هو موجود، فإما أن يكون وجوده في الأزل ممتنعًا، وإما أن يكون ممكنًا، فإن كان ممتنعًا تعين القسم الأول، وهو أن الأحياز متماثلة في تمام الماهية، فإن العدم المحض لا يتميز فيه شيء عن شيء، وحينئذ في فالتخصيص المفتقر إلى المرجح يحصل: إما بقدرته ومشيئته، على قول المسلمين وجمهور الخلق، وإما بالذات، عند من يجوز نظير ذلك، وإن كان وجوده في الأزل ممكنًا، فلا محذور فيه، فبطا انتفاء اللازم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>الوجه السادس</span>\nأن يقال: التقسيم المذكور غير حاصر، وذلك لأن الأحياز: إما أن تكون متماثلة، وإما أن تكون مختلفة، وعلى التقديرين: فإما أن تكون متناهية، وإما أن تكون غير متناهية فإن كان","vol":"6","page":322},{"text":"وجود أحياز وجودية غير متناهية ممتنعًا، بطل هذا التقسيم، ولم يلزم بطلان غيره، وكذلك أي قسم بطل، لم يلزم بطلان غيره، وذلك لأن هؤلاء النفاة: منهم من يقول بثبوت أحياز قديمة: إما بنفسها، وإما بغيرها، كما تقول الطائفة منهم بأن القدماء خمسة: الواجب بنفسه، والحيز الذي هو الخلاء، والدهر والمادة والنفس.\nويقول آخرون منهم بثبوت أبعاد لا نهاية لها، وإن لم يقولوا بغير ذلك.\nوما يذكر من هذه الأقوال ونحوها - وإن قيل: أنه باطل - فالقائلون بغير ذلك بهذه الأقوال هم المعارضون لنصوص الكتاب والسنة، وهم الذين يدعون أن معهم عقليات برهانية تنافي ذلك، فإذا خوطبوا على موجب أصولهم، وبين أنه ليس في العقليات ما ينافي النصوص الإلهية على كل مذهب، كان هذا من تمام نصر الله لرسوله وإظهار لنوره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>الوجه السابع</span>\nأن يقال: مقدمات هذه الحجة ليست برهانية، فإنه على تقدير تماثل الأحياز إنما يلزم الافتقار إلى المرجح، وهذا غير ممتنع.\nوأما على التقدير الثاني، فيلزم ثبوت أحياز مختلفة أما كونها غير متناهية فذلك غير لازم.\nوحينئذ فيقال: إذا قدر أن هذه الأحياز مفتقرة إليه، ممكنة بنفسها واجبة به، أمكن أن يقال فيها ما يقوله من يجوز أن يكون معه ما هو من لوازم ذاته، كما عرف من مذاهب الطوائف.\nويقال على وجه التقسيم: إن امتنع أن يكون معه ما هو من لوازم ذاته، تعين القسم الأول وإلا جاز الثاني.","vol":"6","page":323},{"text":"والمقصود بيان فساد أمثال هذه الكلام بالحجج العقلية المحضة، فإن هؤلاء النفاة يستعينون على معارضة النصوص الإلهية بأقوال الفلاسفة وغيرها، المخالفة لدين المرسلين، فإذا احتج لنصر النصوص الإلهية بما هو من هذا الجنس، كان ذلك خيرًا من فعلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>الوجه الثامن</span>\nأن يقال: الأحياز: إن كانت عدمية، لم يكن في ذلك محذور، سواء كانت متماثلة أو مختلفة، فإن ثبوت أعدام غير متناهية في الأزل غير محذور، والمثبت لا يقول: إنه يفتقر إلى حيز وجودي منفصل عنه، فإن هذا ليس هو معروفًا من أقوال المثبتين.\nوإن قدر قائل يقوله أمكنه أن يقول: هذا من لوازم ذاته، وحينئذ فإن جاز أن يلزمه أمر وجودي كان هذا ممكنًا، وإلا تعين قول من يجعل الحيز عدميًا، فعلم أنه لا حجة فيما ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>الوجه التاسع</span>\nأن من المسلمين من يقول: قد قامت به في الأزل معاني لا نهاية لها، كعلوم لا نهاية لها، وكلمات لا نهاية لها، وإرادات لا نهاية لها، ونحو ذلك.\nومن الناس من يقول بثبوت أبعاد لا نهاية لها، وحينئذ فإن كان علوه على العالم ممكنًا بدون ثبوت أحياز قديمة، مختلفة غير متناهية، لم يضرهم بطلان هذا اللازم.\nوإن قيل: إن ذلك يستلزم هذا القول كان نفيه محتاجًا إلى دليل، وهو لم يذكر دليلًا على نفيه، وإنما قنع بحجة مسلمة، وهي أن المسلمين ليس فيهم من يرتضي أن يوجد معه في الأزل أشياء موجودة","vol":"6","page":324},{"text":"قائمة بأنفسها غير متناهية، ومعلوم أن هذا لا يرتضيه المسلمون، من أهل الإثبات وغيرهم، لاعتقادهم أن ذلك ليس من لوازم قولهم، فإذا قدر أنه من لوازم قولهم، احتاج نفيه إلى دليل، ولا يجوز أن يحتج على ذلك بالسمع، لأن السمع الدال على علو الله على خلقه أظهر وأكثر وأبين مما يدل على مثل هذا، فإن المحتج إذا احتج بمثل قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الزمر: ٦٢] و: ﴿رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] .\nونحو ذلك، لم يدل إلا على أن الأحياز الموجودة مخلوقة لله، وهو ربها، وهذا لا ينازع فيه مسلم، لكن الاستدلال بالسمع على قدم شيء من ذلك أضعف من الاستدلال على أن الله تعالى ليس فوق العالمين، فلا يمكن دفع أقوى الدلالتين بأضعفهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>الوجه العاشر</span>\nأن يقال: هذا الرازي وأمثاله يدعون أنه ليس في السمع ما يصرح بأن الله كان وحده، ثم ابتدأ إحداث الأشياء من العدم، بل يقولون بما هو أبلغ من ذلك، كما يذكر مثل ذلك في كتاب المطالب العالية وغير ذلك من كتبه.\nوأما النصوص الكثيرة الدالة على علو الله على خلقه، فلا ينازعون في كثرتها، وظهور دلالتها، ولا يدعون أنه عارضها نصوص سمعية تدفع موجبها، وإنما يدعون أنه عارض العقل.\nوإذا كان الأمر كذلك، لم يجز أن يدفع موجب النصوص الكثيرة الدالة على أن الله فوق بأدلة سمعية، ليست في الظهور والكثرة بمنزلتها.","vol":"6","page":325},{"text":"بل إذا قدر تعارض الأدلة السمعية كان الترجيح مع الأكثر الأقوى دلالة بلا ريب، فعلم أنه لا يجوز دفع موجب نصوص العلو بالمقدمة التي أثبتها بالسمع.\nوالمقدمة السمعية: إما نص أو إجماع، ولا نص في المسألة، وأما الإجماع فهو يقول: أنه لا يمكن العلم بإجماع من بعد الصحابة، ومعلوم أنه ليس عن الصحابة، بل ولا التابعين، ولا الأئمة المشهورين، ما يقرر ما يقرر مطلوبه، بل النقول المتواترة عنهم توافق إثبات العلو لا نفيه.\nوأيضًا فالإجماع عنده دليل ظني:\nومعلوم أن النصوص الدالة على العلو أكثر وأقوى دلالة من النصوص الدالة على كون الإجماع حجة، فكيف يجوز أن تدفع النصوص الكثيرة البينة الدلالة، بنصوص دونها في الظهور والكثرة.\nوبالجملة من بنى كونه تعالى ليس على العرش على مقدمة سمعية، فقوله في غاية الضعف كيفما احتج، سواء ادعاها نصية أو إجماعية، مع أن قوله أيضًا في غاية الفساد في العقل عند من خبر حقائق الأدلة العقلية، فقوله فاسد في صحيح المنقول وصريح المعقول، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>الوجه السادس من وجوه الرازي في لباب الأربعين</span>\nقال الرازي: (الوجه السادس في العالم كرة.\nفإن الكسوف القمري يرى في البلاد الشرقية في أول الليل، في البلاد الغريبة في","vol":"6","page":326},{"text":"آخره، فلو كان الله في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة إلى سكان الوجه الآخر، وأنه باطل) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nأحدها: أن يقال: القائلون بأن العالم كرة يقولون: إن المحيط هو الأعلى، وإن المركز الذي هو جوف الأرض هو الأسفل، ويقولون: إن السماء عالية على الأرض من جميع الجهات، والأرض تحتها من جميع الجهات، ويقولون: إن الجهات قسمان: حقيقية وإضافية، فالحقيقية جهتان: وهما العلو والسفل، فالأفلاك وما فوقها هو العالي مطلقًا، وما في جوفها هو السافل مطلقًا.\nوأما الإضافية فهي بالنسبة إلى الحيوان، فما حاذى رأسه كان فوقه، وما حاذى رجليه كان تحته، وما حاذى جهته اليمنى كان عن يمينه، وما حاذى اليسرى كان عن يساره، وما كان قدامه كان أمامه، وما كان خلفه كان وراءه.\nوقالوا هذه الجهات تتبدل، فإن ما كان علوًا له قد يصير سفلًا له، كالسقف مثلًا: يكون تارة فوقه، وتارة تحته، وعلي هذا التقدير فإذا علق رجل جعلت رجلاه إلى السماء ورأسه إلى الأرض، أو مشت نملة تحت سقف: رجلاها إلى السقف، وظهرها إلى الأرض، كان هذا","vol":"6","page":327},{"text":"الحيوان باعتبار الجهة الحقيقية، السماء فوقه، والأرض تحته، لم يتغير الحكم، وأما باعتبار الإضافة إلى رأسه ورجليه، فيقال: إن السماء والأرض فوقه.\nوإذا كان كذلك، فالملائكة الذين في الأفلاك من جميع الجوانب - هم باعتبار الحقيقة كلهم فوق الأرض، وليس بعضهم تحت بعض، ولا هم تحت شيء من الأرض، أي الذين في ناحية الشمال ليسوا تحت الذين في ناحية الجنوب، وكذلك من كان في ناحية برج السرطان ليس تحت من كان في ناحية برج العقرب، وإن كان بعض جوانب السماء تلي رؤوسنا تارة وأرجلنا أخرى، وإن كان فلك الشمس فوق القمر، وكذلك السحاب وطير الهواء، هو من جميع الجوانب فوق الأرض وتحت السماء، ليس شيء منه تحت الأرض، ولا من في هذا الجانب تحت من في هذا الجانب، وكذلك ما على ظهر الأرض من الجبال والنبات والحيوان والأناسي وغيرهم، هم من جميع جوانب الأرض فوقها، وهم تحت السماء، وليس أهل هذه الناحية تحت أهل هذه الناحية، ولا أحد منهم تحت الأرض ولا فوق السماء البتة، فكيف تكون السماء تحت الأرض، أو يكون من هو فوق السماء تحت الأرض؟ ولو كان شيء منهم تحت الأرض، للزم أن يكون كل منهم تحت الأرض وفوقها، ولزم أن تكون كل من الملائكة وطير الهواء وحيتان الماء ودواب الأرض فوق الأرض وتحت الأرض، ويلزم أن يكون كل شيء فوق ما يقابله وتحته، ولزم أن يكون كل من جانبي","vol":"6","page":328},{"text":"السماء فوق الآخر وتحت الأرض وأن يكون العرش - إذا كان محيطًا بالعالم - تحت السماء وتحت الأرض، مع أنه فوق السماء وفوق الأرض، ولزم أن تكون الجنة تحت الأرض وتحت جهنم، مع أنها فوق السماوات وفوق الأرض وفوق جهنم، ولزم أن يكون أهل عليين تحت أهل سجين مع أنهم فوقهم.\nفإذا كانت هذه اللوازم وأمثالها باطلة، باتفاق أهل العقل والإيمان، علم أنه لا يلزم من كون الخالق فوق السماوات أن يكون تحت شيء من المخلوقات، وكان من احتج بمثل هذه الحجة إنما احتج بالخيال الباطل الذي لا حقيقة له، مع دعواه أنه من البراهين العقلية، فإن كان يتصور حقيقة الأمر فهو معاند جاحد محتج بما يعلم أنه باطل، وإن كان لم يتصور حقيقة الأمر، فهو من اجهل الناس بهذه الأمور العقلية، التي هي موافقة لما أخبرت به الرسل، وهو يزعم أنها تناقض الأدلة السمعية، فهو كما قيل:\nفإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: هب أنا لا نأخذ بما يقوله هؤلاء، أليس من المعلوم عند جميع الناس أن السماوات فوق الأرض، والهواء فوق الأرض والسحاب والطير فوق الأرض، والحيتان والدواب والشجر فوق الأرض، والملائكة الذين في السماوات فوق الأرض وأهل عليين فوق أهل سجين، والعرش أعلى المخلوقات.","vol":"6","page":329},{"text":"كما في الصحيحين عن النبي ﷺ لأنه قال: «إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن» .\nوهذه الأمور بعضها متفق عليه عند جميع العقلاء، وما لم يعرفه جميع العقلاء فهو معلوم عند من يقول به، ومن يقل أحد من العقلاء: أن هذه الأمور تحت الأرض وسكانها، وعلم العقلاء بذلك أظهر من علمكم بكرية الأفلاك، لو قدر أن ذلك معارض لهذا، فكيف إذا لم يعارضه.\nوإذا كانت المخلوقات التي في الأفلاك والهواء والأرض لا يلزم من علوها على ما تحتها أن تكون تحت ما في الجانب الآخر من العالم، فالعلي الأعلى - سبحانه - أولى أن لا يلزم من علوه على العالم أن يكون تحت شيء منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: هذه الحجة: إما أن تكون سمعية، وإما أن تكون عقلية.\nومن المعلوم أنها ليست سمعية، ولو كانت سمعية لكانت السمعيات التي تدل على علو الله تعالى أنص وأكثر وأظهر على ما لا يخفى على مسلم.\nوإن كانت عقلية فلا بد من بيان مقدماتها بالعقل.\nوهو لم يذكر إلا قوله: (فإن كان الله في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة إلى","vol":"6","page":330},{"text":"سكان الوجه الآخر من الأرض، وأنه باطل) .\nفذكر مقدمتين لم يدل عليهما: لزوم كونه أسفل بالنسبة إلى بعض المخلوقات، وبطلان هذا اللازم.\nوالمنازع ينازع في كل من المقدمتين، فلا يسلم لزوم السفول، وإن سلم لزومه فلا بد من دليل عقلي ينفي به ذلك، وهو لم يذكر على ذلك دليلًا.\nولا يجوز أن يقال: هذا يوجب النقص، وهو منزه عنه لوجهين:\nأحدهما: أن المثبت لا يسلم أن هذا نقص، ألا ترى أن الأفلاك موصوفة بالعلو على الأرض مع لزوم ما ذكر من السفول تحت سكان الوجه الآخر وليس ذلك نقصًا فيها؟ وكذلك كل ما يوصف بالعلو على ما تحته، مثل الهواء والسحاب والطير والحيوان والنبات والجبال والمعدن، ومثل الملائكة والجنة والعرش، وغير ذلك، فإذا كانت المخلوقات العالية أشرف في النفوس من المخلوقات السافلة، ولم يكن ما ذكره من هذا السفول الإضافي مانعًا من هذا الشرف والرتبة، ولا يوجب ذلك نقصًا - علم أن هذا ليس بنقص.\nفإن قيل: الناحية الأخرى ليس فيها حيوان ونبات ومعادن وجبال، وإنما فيها ماء، وكذلك السحاب والمطر قد يمنع كونه فيها.\nقيل: هذا لا يضرنا، فإنا نعلم أن الكواكب والشمس والقمر فوق الأرض مطلقًا، وعلوها على الأرض ليس بنقص فيها، وإن قدر ما تخيلوه في السفول، وكذلك إذا قدر هناك مثل ما في هذا الوجه، ولو","vol":"6","page":331},{"text":"كان ما هناك سافلًا، للزم أن تكون الشمس والقمر والسماوات إذا ظهرت علينا تحت ذلك الجانب من الأرض، وتحت ما هناك، ولزم أنه لا تزال الأفلاك تحت الكواكب، والشمس والقمر تحت الأرض وهذا في غاية الفساد.\nومن العجائب أن هؤلاء النفاة يعتمدون في إبطال كتاب الله، وسنة أنبيائه ورسله، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وما فطر الله عليه عباده، وجعلهم مضطرين إليه عند قصده ودعائه، ونصب عليه البراهين العقلية الضرورية، على مثل هذه الحجة التي لا يعتمدون فيها إلا على مجرد خيال ووهم باطل، مع دعواهم أنهم هم الذين يقولون بموجب العقل، ويدفعون موجب الوهم والخيال.\nوكل من له معرفة يعلم أن قول القائل: أن الشمس والقمر والكواكب الدائرة في الفلك هي بالليل تحت الأرض، هو من حكم الوهم الفاسد، والخيال الباطل، ليس له حقيقة في الخارج، فيريدون بهذا الوهم والخيال الفاسد أن يبطلوا صريح العقل وصحيح المنقول في أعظم الأصول، ويحولوا بين القلوب وقصد خالقها وعبادته بمثل هذا الوهم والخيال الفاسد، الملتبس على من لا يفهم حقيقة قولهم.\nالوجه الثاني: أن يقال: أنتم تقولون: لم يقم دليل عقلي على نفي النقص عن الله تعالى، كما ذكر ذلك الرازي متلقيًا له عن أبي المعالي وأمثاله، وإنما ينفون النقص بالأدلة السمعية، وعمدتهم فيه على","vol":"6","page":332},{"text":"الإجماع، وهو ظني عنده، والنصوص الدالة عليه دون النصوص الدالة على العلو في الكثرة والقوة.\nوإذا كان كذلك، وكان علو الله تعالى على خلقه ثابتًا بالسمع، كان السمع مثبتًا لما نفيتموه، لا نافيًا له، ولم يكن في السمع ما ينفي هذا المعنى وإن سميتموه ناقصًا، فإنه إذا كان عمدتهم الإجماع، فلا إجماع في موارد النزاع، ولا يجوز الاحتجاج بإجماع في معارضة النصوص الخبرية بلا ريب، فإن هذا يستلزم انعقاد الإجماع على مخالفة النصوص، وذلك ممتنع في الخبريات وإنما يدعيه من يدعيه في الشرعيات، ويقولون: نحن نستدل بالإجماع على أن النص منسوخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: إذا قدرنا موجودين أحدهما عظيم كبير، أعظم من السماوات والأرض، بحيث يمكنه أن يحيط بذلك كله ويحتوي عليه، وآخر لا يشار إليه، وليس هو داخل العالم ولا خارجه، كان من المعلوم بالضرورة أن الأول أكمل وأعظم.\nفإذا قال قائل: هذه العظمة تقتضي، إذا كان محيطًا بالعالم، أن يكون تحت شيء منه، كان من المعلوم أن وصف ذاك له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يشار إليه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا يحيط بشيء، ولا يوصف بأنه عظيم كبير في نفسه، ولا أنه","vol":"6","page":333},{"text":"ليس بعظيم كبير في نفسه - أعظم نقصًا من وصفه بإحاطة ما يستلزم إحاطته بجميع الموجودات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: هب أن العالم كري، فلم قلت: إنه إذا كان فوق العالم يلزم أن يكون تحت بعضه، فإن هذا إنما يلزم إذا قدر أنه محيط بالعالم كله من جميع الجهات، فأما إذا قدر أنه فوق العالم من هذه الجهة التي عليها الحيوان والنبات والمعدن، لم يلزم أن يكون تحت العالم من تلك الجهة، فلو فرضنا مخلوقين أحدهما مدور، والآخر فوق المدور، ليس محيطًا به، كما يجعل الإنسان تحت قدمه حمصة أو بندقة، لك يلزم أن يكون الذي فوق المدور تحت المدور بوجه من الوجوه.\nوإذا قيل: المحيط بالمدور، كالفلك التاسع المحيط بالأرض، وهو العالي من كل جانب.\nقيل: هو العالي بالنسبة إلى ما في جوف المدور، وأما بالنسبة إلى ما فوق المدور فلا، بل المحيط وما في جوفه تحت ذلك الفوقاني مطلقًا، كما أن الحمصة والبندقة تحت الرجل الموضوعة عليها.\nومما يوضح ذلك أن مركز الفلك هو السفل المطلق للفلك، والفلك من كل جانب عال عليه، فإذا قدر فوق الفلك من الجانب الذي يلي الجانب الذي عليه الأنام ما هو أعلى من الفلك من هذا الجانب وليس محيطًا به، ولا مركز العال مركزًا له - امتنع أن يكون هذا تحت شيء من العالم، بل هو قطعًا فوق الأفلاك من هذا الجانب، وليس تحتها من ذلك الجانب، فيلزم أن يكون هو فوقها لا تحتها.","vol":"6","page":334},{"text":"وإذا قال القائل: هذا كما لا يوصف بالسفول، فهو لا يوصف أيضًا بالعلو، فإن العالي المطلق هو المحيط، إذًا ليس إلا المحيط والمركز، وهذا إذا لم يكن محيطًا لم يكن عاليًا.\nقيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه على هذا التقدير إذا كان محيطًا لم يكن سافلًا البتة، بل يكون عاليًا، وعلى هذا فإذا كان هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، ولو أدلى المدلي بحبل لهبط عليه - كان محيطًا بالعالم عاليًا عليه مطلقًا، ولم يلزم من ذلك أن يكون فلكًا ولا مشابهًا للفلك، فإن الواحد من المخلوقات تحيط قبضته بما في يده من جميع جوانبها، وليس شكلها شكل يده، بل ولا شكل يده شكلها.\nوذكر أن بعض الشيوخ سئل عن كون الرب عاليًا محيطًا بالعالم ممسكًا له، فقال: بعض مخلوقاته كالباشق مثلًا يقبض بيده حمصة، فيكون فوقها محيطًا بها ممسكًا لها، فإذا كان هذا لا يمتنع في بعض مخلوقاته، فكيف يكون ممتنعًا في حقه.\nالثاني: أنه إذا قدر أنه عال وليس بمحيط، لم يلزم أن يكون له مركز، ولا أن يكون مركز العالم مركزًا له، وأن يكون المركز هو السفل بالنسبة إليه، وأن يكون العالي هو المحيط بالنسبة إليه، بل ذلك إنما يلزم في المحيط والمحاط به، فالمركز من المحيط كالنقطة من الدائرة، فإذا قدر ما ليس بدائرة ولا هو كرة، لم يكن له مركز كنقطة الدائرة.\nولهذا لو","vol":"6","page":335},{"text":"قدر أن السماوات ليست محيطة بالأرض لم يكن لها مركز، مع تقدير الكرة المستديرة، فلا بد لها من نقطة في وسطها هو المركز، وأما ما ليس بمستدير ولا هو كرة فليس مركز الكرة - وهو النقطة التي وسطها - مركزًا له، سواء جعل فوق المستدير أو تحته، فلا يمتنع أن يكون شيء فوق المستدير وتحته إذا لم يكن مستديرًا، ولا يكون مع هذا مشاركًا للمستدير في أن النقطة التي هي المحيطة مركزًا له، بل المركز نسبته إلى جميع جهات المحيط واحدة، وليست نسبته إلى ما فوق المحيط أو تحته - إذا قدر أن فوقه شيء أو تحته شيء ليس مستدير - نسبة واحدة، بل يكون المركز مع المحيط تحت هذا الشيء المعين الذي ليس بمستدير، كما قد يمكن أن يكون فوق شيء آخر، فالمركز بالنسبة إلى المحيط تحته، والمحيط فوقه.\nوأما ما يقدر فوق المحيط فهو عال على الجميع قطعًا، ويمتنع أن يقال: إنه ليس فوق المحيط، فإنه معلوم بصريح العقل أن الهواء فوق الأرض، والسماء فوق الأرض، وهذا معلوم قبل أن يعلم كون السماء محيطة بالأرض، بل الإحاطة قد يظن أنها مناقضة للعلو، لا يقول أحد: إن العلم بالعلو موقوف على العلم بها، ولا إن العلو مشروط بها، فإن الطير فوق الأرض، وليست محيطًا بها، والسحاب فوق الأرض وليس محيطًا بها، وكل جزء من أجزاء الفلك هو فوق الأرض وليس محيطًا بها، فتبين أن العلو معنى معقول، مع أنه لا يشترط فيه الإحاطة، وإن كانت الإحاطة لا تناقضه.","vol":"6","page":336},{"text":"وهؤلاء النفاة حائرون: تارة يجعلون الإحاطة مناقضة للعلو، وتارة يجعلونها شرطًا في العلو لازمة له.\nونحن قد بينا خطأهم في هذا وهذا، فلا هي مناقضة له، ولا هي منافية له.\nولهذا كان الناس يعلمون أن السماء فوق الأرض، والسحاب فوق الأرض، قبل أن يخطر بقلوبهم أنها محيطة بالأرض.\nوكذلك يعلمون أن الله فوق العالم، وإن لم يعلموا أنه محيط به، وإذا علموا أنه محيط لم يمنع ذلك علمهم بأنه فوق.\nفتبين أنه ليس من شرط العلم بكون الشيء عاليًا أن يعلم أنه محيط، ولو كانت الإحاطة شرطًا في العلم، امتنع العلم بالمشروط دون شرطه، ولكن لما كان في نفس الأمر الأفلاك عالية محيطة، كانت الإحاطة والعلو متلازمين في هذا - محال، فإن قدر أن كل عال فهو محيط، كان العلو والإحاطة متلازمين، وإن قدر وجود موجود عال ليس بمحيط لم تكن الإحاطة لازمة للعلو.\nفقد تبين أنه بتقدير أن يكون الرب عاليًا ليس بمحيط فهو عال، وبتقدير أن يكون عاليًا محيطًا فهو عال، فثبت علوه على التقديرين، وهو المطلوب.\nوإذا كان هذا معقولًا في مخلوقين، ففي الخالق بطريق الأولى.\nوقد قررت هذا على وجه آخر بأن يقال: فإن قيل: المحيط لا يتميز منه جانب دون جانب بكونه فوقًا وسفلًا، فلا يمكن إذا قدر شيء","vol":"6","page":337},{"text":"خارجًا عنه أن يقال: هو فوقه إلا كما يقال: هو سفله، وحينئذ ففرض شيء خارج عن المدور المحيط مع كونه فوقه، جمع بين الضدين.\nقيل: الجواب عن هذا من وجوه:\nأحدها: أن هذا الكلام إن كان صحيحًا لزم بطلان حجتكم، وإن لم يكن صحيحًا لزم بطلانها، فثبت بطلانها على تقدير النقيضين، فيلزم بطلانها في نفس الأمر، لأن الحق في نفس الأمر لا يخلو عن النقيضين.\nبيان ذلك أن المحيط إما أن يصح أن يقال: إن بعضه عال وبعضه سافل، وإما أن لا يصح، فإن لم يصح بطل أن يكون الخارج عنه تحت شيء من العالم، بل إذا قدر أنه يحيط به، ولو بقبضته له، لزم أن يكون عاليًا عليه مطلقًا، ولم يكن سافلًا تحت شيء من العالم، وإن صح أن يكون بعضه عاليًا وبعضه سافلًا، أمكن أن يكون مباينًا للعالم من الجهة العالية، فيكون عاليًا عليه.\nوإن قيل: بل المحيط إذا حاذى رؤوسنا كان عاليًا، وإذا حاذى أرجلنا كان سافلًا، فلا يزال بعضه عاليًا، وبعضه سافلًا.\nقيل: فعلى هذا التقدير يكون العالي ما كان فوق رؤوسنا، وحينئذ فإذا كان مباينًا للعالم من جهة رؤوسنا دون أرجلنا، لم يزل عاليًا علينا دائمًا، وهو المطلوب.\nالوجه الثاني: أن يقال: هب أنه محيط بالعالم وفوقه من","vol":"6","page":338},{"text":"جميع الجهات، فإنما يلزم ما ذكرت أن لو كان من جنس فلك من الأفلاك، فإن المتخيل قد يتوهم أن ما استدار وأحاط بالأفلاك، كان تحت بعض العالم من بعض الجهات.\nومن المعلوم أن الله تعالى ليس مثل فلك من الأفلاك، ولا يلزم إذا كان فوق العالم ومحيطًا به أن يكون مثل فلك، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه.\nوقد قال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] .\nوقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه ما يوافق ذلك، مثل حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» وفي رواية: «أنها تكون بيده مثل الكرة في يد الصبيان» وروي ما هو أقل من ذلك.\nوالمقصود أنه إذا كان الله أعظم وأكبر وأجل من أن يقدر العباد قدره، أو تدركه أبصارهم، أو يحيطون به علمًا، وأمكن أن تكون السماوات والأرض في قبضته لم يجب - والحال هذه - أن يكون تحت العالم، أو تحت شيء منه، فإن الواحد من الآدميين إذا قبض قبضة أو بندقة أو حمصة أو حبة خردل، وأحاط بها بغير ذلك، لم يجز أن يقال: إن أحد جانبيها فوقه، لكون يده لما أحاطت بها كان منها","vol":"6","page":339},{"text":"الجانب الأسفل يلي يده من جهة سفلها، ولو قدر من جعلها فوق بعضه بهذا الاعتبار، لم يكن هذا صفة نقص بل صفة كمال.\nوكذلك أمثال ذلك من إحاطة المخلوق ببعض المخلوقات، كإحاطة الإنسان بما في جوفه، وإحاطة البيت بما فيه، وإحاطة السماء بما فيها من الشمس والقمر والكواكب، فإذا كانت هذه المحيطات لا يجوز أن يقال: إنها تحت المحاط، وأن ذلك نقص، مع كون المحيط يحيط به غيره، فالعلي الأعلى المحيط بكل شيء، الذي تكون الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، كيف يجب أن يكون تحت شيء مما هو عال عليه أو محيط به، ويكون ذلك نقصًا ممتنعًا.\nوقد ذكر أن بعض المشايخ سئل عن تقريب ذلك إلى العقل، فقال للسائل: إذا كان باشق كبير، وقد أمسك برجله حمصة أليس يكون ممسكًا لها في حال طيرانه، وهو فوقها ومحيط بها، فإذا كان مثل هذا ممكنًا في المخلوق، فكيف يتعذر في الخالق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>بقية كلام الرازي في لباب الأربعين</span>\nقال الرازي: (واحتج الخصم بالعلم الضروري بأن كل موجودين فإن أحدهما سار في الآخر أو مباين عنه في الجهة) .","vol":"6","page":340},{"text":"قال: (والجواب أن دعوى الضرورة قد سبق بطلانها وبقي القسم الثالث فهذه المقدمة توجب الدور لتوقف ثبوتها على نفيها) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>الرد على كلام الرازي</span>\nوالاعتراض على هذا: أن دعوى الضرورة لا يمكن إبطالها إلا بتكذيب المدعي أو بيان خطئه، والمدعون لذلك أمم كثيرة منتشرة يعلم أنها لم يتواطأوا على الكذب، فالقدح في ذلك كالقدح في سائر الأخبار المتواترة، فلا يجوز أن يقال: إنهم كذبوا فيما أخبروا به عن أنفسهم من العلم الضروري.\nوأيضًا فالمنازع يسلم أن مثل هذا مستقر في فطر جميع الناس وبدائههم، وأنهم مضطرون إليه لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم، إلا كما يمكن دفع أمثاله مما هم مضطرون إليه، وإنما يقولون: إن هذه الضرورة خطأ وهي من حكم الوهم.\nوقد تقدم بيان فساد ذلك، وأن هذه قضية كلية عقلية، لا خبرية معينة، ولو كانت خبرية معينة فالجزم بها كالجزم بسائر الحسيات الباطنة والظاهرة، فهي لا تخرج عن العقليات الكلية والحسيات المعينة، وكما يمتنع اتفاق الطوائف الكثيرة التي لم تتواطأ على دعوى الكذب في مثل","vol":"6","page":341},{"text":"ذلك، يمتنع اتفاقهم على الخطأ في مثل ذلك، ولو جاز الخطأ في مثل ذلك، لم يكن الجزم بما يخبر به الناس عما عرفوه بالحس أو الضرورة لإمكان غلطهم في ذلك، فإن غلط الحس الظاهر أو الباطن أو العقل يقع لآحاد الناس، ولطائفة حصل بينها مواطأة، وتلقي بعضها عن بعض، كالمذاهب الموروثة، وكقول التابعين، لكون هذا معلومًا بالضرورة، فإنهم أهل مذهب تلقاه بعضهم عن بعض.\nوأما الجازمون بالضرورة في أن الله فوق العالم، أو أنه لا يعقل موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، ولا يعقل موجودان ليس أحدهما محايثًا للآخر ولا مباينًا له، وأن مثل هذا ممتنع بالضرورة التي يجدونها في أنفسهم، كسائر العلوم الضرورية، فهؤلاء أمم كثيرة لم يتواطأوا ولم يتفقوا على مذهب معين.\nوأما قوله: (وبقي القسم الثالث، فهذه المقدمة توجب الدور لتوقف ثبوتها على نفيها) .\nفليس الأمر كذلك، لأن هذه المقدمة الضرورية لا يتوقف ثبوتها على نفي ما يعارضها، كسائر المعارف الضرورية، بل نعلم بالضرورة أن ما عارضها من النظريات فهو باطل على سبيل الجملة، وإن لم نذكر حل الشبه على وجه التفصيل، كما نعلم فساد سائر النظريات السوفسطائية المعارضة للعلوم الضرورية.\nوإذا قال قائل: لا تثبت هذه المقدمة حتى ينفي المعارض المبطل لها، ونفسي ذلك لا يكون إلا بثبوتها.","vol":"6","page":342},{"text":"كان قوله ممنوعًا غير مقبول باتفاق العقلاء على نظائر ذلك، فإن كل مقدمة ضرورية لا يتوقف ثبوتها على نفي ما يقدح فيها، والاستدلال بها لا يتوقف على ذلك، بل هم يقولون: إن القضايا اليقينية سواء كانت ضرورية أو نظرية، لا يتوقف العلم بموجبها على نفي المعارض، ولو توقف على ذلك لم يعلم أحد شيئًا، لأن ما يخطر بالقلوب من الشبهات المعارضة لا نهاية له، فكيف يحتاج إلى العلوم الضرورية إلى نفي المعارض.\nولهذا كان جميع العقلاء السالمي الفطرة يحكمون بموجب هذه القضية الضرورية قبل أن يعلموا أن في الوجود من ينكرها ويخالفها، وأكثر الفطر السليمة إذا ذكر لهم قول النفاة بادروا إلى تجهيلهم وتكفيرهم، ومنهم من لا يصدق أن عاقلًا يقول ذلك، لظهور هذه القضية عندهم، واستقرارها في أنفسهم، فينسبون من خالفها إلى الجنون، حتى يروا ذلك في كتبهم أو يسمعوه من أحدهم.\nولهذا تجد المنكر لهذه القضية يقر بها عند الضرورة، ولا يلتفت إلى ما اعتقدوه من المعارض لها.\nفالنفاة لعلو الله إذا حزب أحدهم شدة وجه قلبه إلى العلو يدعو الله.\nولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم، وهو يطلب مني حاجة، وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني غير منكر له، وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره، فرفع طرفه ورأسه إلى السماء، وقال: يا الله، فقلت له: أنت محق، لمن ترفع طرفك","vol":"6","page":343},{"text":"ورأسك؟ وهل فوق عندك أحد؟ فقال: أستغفر الله، ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول: فتاب من ذلك، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>كلام الرازي عن الجهة في لباب الأربعين</span>\nقال الرازي: (واحتج الخصم أيضًا بأن اختصاص الجسم بالحيز والجهة إنما كان لكون قائمًا بالنفس) يعني: وهذا ثابت لكل قائم بنفسه (وإذا كان في جهة كان في جهة فوق، لأن اختصاص الأشرف بالأشرف هو المناسب، ولأن الخلق بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم إليها عند التضرع والدعاء) قال:\n(والجواب أن اختصاص الجسم بالحيز والجهة قد يكون لذاته المخصوصة، فإنه لا يجب أن يكون اختصاص كل شيء بصفة لصفة أخرى) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>الرد عليه</span>\nوالاعتراض على ذلك أن يقال: إن عنيت بذاته المخصوصة هو ما","vol":"6","page":344},{"text":"يمتاز به جسم عن جسم، كما يقال: اختصاص الفلك بالحيز لكونه فلكًا، واختصاص الماء بالحيز لكونه ماء، واختصاص الهواء بالحيز لكونه هواء، فهذا باطل لا يقوله عاقل، فإن جميع الأجسام مشتركة في الاختصاص بالحيز والجهة، والحكم العام المشترك بينها، لا يكون إلا لما امتاز به بعضها عن بعض، فإنه لو كان لما امتاز به بعضها عن بعض وجب أن يختص ببعضها، كسائر ما كان من ملزومات المخصصات المميزات.\nوإذا قيل: إن المختلفات يجوز أن تشترك في لازم عام، كاشتراك أنواع الحيوانات المختلفة في الحيوانية، فهذا صحيح، لكن لا يجوز أن يكون الحكم العام المشترك فيه لأجل ما يخص به كل حيوان.\nوإذا قيل: إن الحكم الواحد بالنوع يجوز أن يعلل بعلتين مختلفتين، كما يعلل حل الدم بالردة والقتل والزنا، وكما يعلل الملك بالإرث والبيع والاصطياد، وكما يعلل وجوب الغسل بالإنزال والإيلاج والحيض، فالوجوب الثابت بهذا السبب ليس هو بعينه الوجوب الثابت بهذا السبب، لكنه نظير، مع أنهما يختلفان بحسب اختلاف الأسباب، فليس الملك الثابت بالإرث مساويًا للملك الثابت بالبيع من كل وجه، بل له خصائص يمتاز بها عنه، وكذلك حل الدم الثابت بالردة، ليس مساويًا لحل الدم الثابت بالقتل، بل بينهما فروق معينة.\nوكذلك الغسل المشروع بالحيض مخالف للغسل المشروع بالإيلاج من بعض الوجوه، وأما الإنزال والإيلاج فهما نوع واحد.\nوأما ما جزم العقل بثبوته للقدر المشترك، فيجب أن يضاف إلى قدر","vol":"6","page":345},{"text":"مشترك، والعقل يجزم بثبوت الحيز والجهة لكل جسم من غير أن يعلم كل جسم، بل لا يعقل حقيقة الجسم عنده إلا مع كونه متحيزًا ذا جهة، فصار هذا من لوازم القدر المشترك، فلا يجوز أن يضاف إلى المخصصات.\nوقوله: (لا يجب أن يكون اختصاص كل شيء بصفة لصفة أخرى) .\nإنما تكون حجة لو قيل: العلة في ثبوت هذه الصفة لصفة أخرى، وليس هذا هو المدعي، بل المدعي أن هذا من لوازم القدر المشترك، سواء قيل: إنه معلول له، أو غير لازم غير معلول له.\nوحينئذ فلا يحتاج أن نقول: ثبت لصفة أخرى، بل يمكن أن يكون لازمًا لنفس الذات، لكن هو لازم لسائر ما يشابهها في الحيز والجهة، فلم يكن لزومه لها من جهة ما يمتاز به عن غيرها، بل من جهة القدر المشترك بينها وبين غيرها من الأجسام.\nفعلم أن اتصاف الجسم بكونه متحيزًا وذا جهة لازم له، لعموم كونه جسمًا، لا لخصوص المعينات، بمعنى أن المشترك مستلزم لهذا الحكم.\nوإن عنيت بذاته المخصوصة القدر المشترك بين الأجسام، فلفظ (الجسم) مجمل إن عنيت به كل ما يشار إليه، فتسمية مثل هذا جسمًا مما ينازعك فيه من ينازعك من أهل الإثبات والكلام في المعاني العقلية، لا في المنازعات العقلية.\nوصاحب هذا القول قد يمنع أن كل ما يشار إليه مركب من الجواهر","vol":"6","page":346},{"text":"المفردة، أو من المادة والصورة.\nوحينئذ فالناس هنا طوائف: منهم من يقول لك: هو فوق العرش وليس بجسم، ومنهم من يقول لك: هو فوق العالم وهو جسم، بمعنى أنه يشار إليه، لا بمعنى أنه مركب.\nومنهم من يسلم لك أنه يلزم أن يكون مركبًا، ومنهم من لا يطلق الألفاظ البدعية في النفي ولا الإثبات، بل يراعي المعاني العقلية والألفاظ الشرعية، فيقولون لك: القدر مشترك بينهما هو القيام بالنفس، فإنها كلها مشتركة في القيام بالنفس وفي التحيز وفي الجهة، فهذه أمور متلازمة.\nويقول لك كثير منهم أو أكثرهم: لا يعقل قائم بنفسه غير متحيز، كما لا يعقل قائم بغيره إلا وهو صفة، سواء سمي عرضًا أو لم يسم، فإثبات المثبت قائمًا بنفسه لا يشار إليه أمر لا يعقل عند عامة العقلاء، كإثباته قائمًا بغيره ليس صفة له.\nيوضح ذلك أن الأجسام مختلفة على أصح قولي الناس، وإنما اشتركت في مسمى القيام بالنفس والمقدار، مع القيام بالنفس، فكما أن التحيز والجهة هما من لوازم المقدار العام، لا من لوازم ما يختص ببعضها، فكذلك هما من لوازم القيام بالنفس العام، لا من لوازم ما يختص ببعضها.\nوإن عنيت بلفظ الجسم ما هو مركب من المادة والصورة، أو من الجواهر المفردة، كما هو قول طوائف من أهل الكلام والفلسفة، فهنا المنازعون لك صنفان: منهم من يقول: هو جسم مركب من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة، وهؤلاء - وإن كان قولهم باطلًا - فليس لك حجة تبطل بها قولهم، بل هم على إبطال قولك أقدر منك على إبطال قولهم، فإن كل قول يكون أبعد عن الحق","vol":"6","page":347},{"text":"تكون حجج صاحبه أضعف من حجج من هو أقل خطأ منه.\nوقول المعطلة لما كان أبعد عن الحق من قول المجسمة، كانت حجج أهل التعطيل أضعف من حجج أهل التجسيم، ولما كان مرض التعطيل أعظم، كانت عناية الكتب الإلهية بالرد على أهل التعطيل أعظم، وكانت الكتب الإلهية قد جاءت بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل، مع تنزيهه عن أن يكون له فيها مثيل، بل يثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، ويأتون بإثبات مفصل ونفي مجمل، فيثبتون أن الله حي، عليم، قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، ودود، إلى غير ذلك من الصفات، ويثبتون مع ذلك أنه لا ند له، ولا مثل له، ولا كفو له، ولا سمي له.\nويقول تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]، ففي قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ رد على أهل التمثيل، وفي قوله: ﴿وهو السميع البصير﴾ رد على أهل التعطيل.\nولهذا قيل: الممثل يعبد صنمًا والمعطل يعبد عدمًا.\nوالمقصود هنا أن هؤلاء النفاة لا يمكنهم إقامة حجة على غلاة المجسمة الذين يصفونه بالنقائص، حتى الذين يقولون ما يحكى عن بعض اليهود أنه بكى على الطوفان حتى رمد، وأنه عض يده حتى جرى منه الدم ندمًا، ونحو ذلك من المقالات التي هي من أفسد المقالات وأعظمها كفرًا، ليس مع هؤلاء النفاة القائلين بأنه بداخل العالم ولا خارجه حجة عقلية يبطلون بها مثل هؤلاء الأقوال الباطلة، فكيف بما هو دونها من الباطل، فكيف بالأقوال الصحيحة.","vol":"6","page":348},{"text":"وذلك أن عمدتهم على أن هذه الصفات تستلزم التجسيم وهو باطل، وعمدتهم في نفي التجسيم على امتناع اتصافه بالصفات، ويمسونه التركيب، أو على حدوث الجسم الذي مبناه على أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وعلى أن ما اختص بشيء فلا بد له من مخصص، من غير فرق بين الواجب بذاته القديم الأزلي وبين غيره، مع العلم بأنه لا بد للموجود الواجب من حقيقة يختص بها يتميز بها عما سواه، وأن ما اختصت به حقيقته يمتنع أن يكون لها مخصص، كما يمتنع أن يكون لوجوده الواجب موجب، أو لعلمه معلم، أو لقدرته مقدور، ونحو ذلك.\nوإذا كان كذلك فهؤلاء يقولون لك: الاختصاص بالحيز والجهة إنما كان لكون المختص بها قائما بالنفس، فيكون كل قائم بنفسه مختصًا بالحيز والجهة لذاته المخصوصة، فقد ظهر بطلان ذلك.\nوإن قلت: إنما اختص بالجهة المخصوصة والحيز المخصوص لذاته المخصوصة، لم ينازعوك في ذاك، بل يقولون: الاختصاص بجنس الجهة والحيز كان لجنس القيام بالنفس، فجنس الاختصاص لازم لجنس القيام بالنفس، فكل قائم بنفسه مختص بحيز وجهة، فقد تبين أن كونه متحيزًا ذا جهة لازم لعموم كونه جسمًا، لا لخصوص جسم معين.\nوحينئذ فإن قلت: كما أن الاختصاص بالجهة والحيز من لوازم القيام بالنفس، فهو مستلزم لكونه جسمًا.\nقالوا لك: ونحن نقول بذلك.","vol":"6","page":349},{"text":"وكذلك إذا قلت لهم: كما لا تعقلون قائمًا بنفسه إلا مختصًا بجهة وحيز، فلا تعقلون قائمًا بنفسه إلا جسمًا.\nقالوا لك: ونحن نقوم بذلك.\nفإذا شرعت معهم في نفي الجسم، كان لهم طريقان: أحدهما: أن يقولوا: هذا قدح في الضروريات بالنظريات: فلا نقبله، كما تقدم.\nوالثاني: أن يبينوا بطلان أدلة النافية للتجسيم، وأن تعترف ببطلانها.\nفأنت في غير موضع من كتبك، ومن تقدمك، كالغزالي وغيره، تبينون فساد حجج المتكلمين على أن كل جسم محدث، وتقدحون فيها بما لا يمكن إبطاله، كما فعلت في المباحث المشرقية والمطالب العالية، بل كما فعل من بعدك الآمدي والآرموي وغيرهما، وأنتم في مواضع أخر تقدحون في حجج من احتج على أن الجسم مركب، وكل مركب فهو مفتقر بذاته، وتقدحون في أدلة الفلاسفة التي احتجوا بها على إمكان كل مركب، كما فعل ذلك الغزالي في تهافت الفلاسفة وكما فعله الرازي والآمدي وغيرهما.\nوهذه الحجة - وهي الاحتجاج بكون الرب قائمًا بنفسه على كونه مشارًا إليه، وأنه فوق العالم - لما كانت حجة عقلية لا يمكن مدافعتها، وكانت مما ناظر به الكرامية لأبي إسحاق الإسفراييني، فر أبو إسحاق وغيره إلى إنكار كون الرب قائمًا بنفسه بالمعنى المعقول،","vol":"6","page":350},{"text":"وقال: لا أسلم أنه قائم بنفسه إلا بمعنى أنه غني عن المحل، فجعل قيامه بنفسه وصفًا عدميًا لا ثبوتيًا، وهذا لازم لسائرهم.\nومعلوم أن كون الشيء قائمًا بنفسه أبلغ من كونه قائمًا بغيره، فإذا كان العرض القائم بغيره يمتنع أن يكون عدميًا، فقيام الجسم بنفسه أبلغ في الامتناع، وإذا كان المخلوق قائمًا بنفسه، فمعلوم أن هذه صفة كمال تميز بها الجسم عن العرض، فخالق الجميع كيف لا يتصف إلا بهذه الصفة الكمالية.\nبل لا يكون قائمًا بنفسه ولا بغيره إلا بمعنى عدمي، فيكون المخلوق مختصًا بصفة موجودة كمالية، والخالق لا يتصف إلا بالأمر العدمي، فيكون المخلوق متصفًا بصفة كمال وجودية، والخالق مختصًا بالأمر العدمي، والعدم لا يكون قط صفة كمال إلا إذا تضمن أمرًا وجوديًا، فما ليس بوجود ولا كمال في الوجود فليس بكمال، فإن لم يكن القيام بالنفس متضمنًا لأمر وجودي، بل لا معنى له إلا العدم المحض، لم يكن صفة كمال، وعدم افتقاره إلى الغير أمر عدمي، والعدمي إن لم يتضمن صفة ثبوتية لم يكن صفة كمال، والعدم المحض لا يفتقر إلى محل، وكل صفة لا يشاركه فيها المعدوم لم تكن صفة كمال.\nوأما الصنف الثاني فهم يوافقونك على أن صانع العالم ليس بمركب من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، فليس هو بجسم.\nوحينئذ فقولك: إن اختصاص الجسم بالحيز والجهة، قد يكون","vol":"6","page":351},{"text":"لذاته المخصوصة، إن عنيت بذاته المخصوصة هذا التركيب، فهذا المعنى ممنوع عنده، فضلًا عن أن يكون علة لهذا الحكم.\nوإن عنيت بذاته المخصوصة ما هو مشترك بين الأجسام من كونهًا مشارًا إليها، فلا يسلم لك أن في الوجود قائمًا بنفسه غير مشار إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>بقية كلام الرازي في لباب الأربعين عن الجهة</span>\nقال الرازي: في حجة خصمه: (وإذا كان في جهة كان في جهة فوق لأن اختصاص الأشرف بالأشرف هو المناسب) .\nقال: (والجواب: قوله: جهة فوق أشرف الجهات، خطابي لا يثبت به العقليات) .\nقال: (ولأن العالم كرة، فلا فوق إلا وهو تحت بالنسبة، ولأنه إن لم يكن لامتداده في جهة العلو نهاية، فكل نقطة فوقها نقطة أخرى، فلا شيء يفرض فيه إلا وهو سفل، وإن كان له نهاية كان فوق طرفه الأعلى خلاء أعلى منه، فلم يكن علوًا مطلقًا، ولأن الشرف الحاصل بسبب الجهة للجهة بالذات، وللحاصل فيها بالعرض، فكان المكان في هذا الباب أشف منه، تعالى الله عن ذلك) .","vol":"6","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-695>الرد على الرازي وبيان تقرير العلو بالأدلة العقلية من طرق</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: تقرير العلو بالأدلة العقلية ثبت من طرق:\nالطريق الأول: أن يقال: إذا ثبت بالعقل أنه مباين للمخلوقات، وثبت أن العالم كري، وإن العلو المطلق فوق الكرة، لزم أن يكون في العلو بالضرورة.\nوهذه المقدمات عقلية ليس فيها خطابي، وذلك لأن العالم إذا كان مستديرًا فله جهتان حقيقيتان: العلو والسفل فقط، وإذا كان مباينًا للعالم، امتنع أن يكون في السفل داخلًا فيه، فوجب أن يكون في العلو مباينًا له.\nوقد تقدم أن النافي قال: (إن العالم كرة) واستدل على ذلك بالكسوف القمري إذا كان يتقدم في الناحية الشرقية على الغربية.\nوالقول بأن الفلك مستدير هو قول جماهير علماء المسلمين، والنقل بذلك ثابت عن الصحابة والتابعين، بل قد ذكر أبو الحسين بن المنادي، وأبو محمد بن حزم، وابن الجوزي، وغيرهم: أنه ليس في ذلك خلاف بين الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين، وقد نازع في ذلك طوائف من أهل الكلام والرأي، من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.\nوقال الله تعالى: ﴿وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وقال: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون﴾ [يس: ٤٠] .","vol":"7","page":3},{"text":"قال ابن عباس وغيره: في فلكة، مثل فلكة المغزل.\nوفي حديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ، الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، «أن أعرابيا قال: يا رسول الله، جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه الصحابة، ثم قال: (ويحك أتدري ما الله؟ شأن الله أعظم من ذلك.\nإن الله لا يستشفع به أحد من خلقه، إن عرشه على سماواته هكذا، وقال بأصابعه مثل القبة، وأنه ليأط به أطيط الرحل الجديد براكبه» .\nوهذا مبسوط في غير هذا الموضع.\nوإذا كان الخصم قد استدل بذلك، كان ذلك حجة عليه، فإذا كان العالم كريًا - وقد ثبت بالضرورة أنه: إما مداخل له، وإما مباين له وليس بمداخل له وجب أن يكون مباينًا له، وإذا كان مباينًا له، وجب أن يكون فوقه، إذ لا فوق غلا المحيط وما كان وراءه.","vol":"7","page":4},{"text":"الطريق الثاني: أن يقال: علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقرارًا بذلك وتصديقًا، من غير أن يتواطأوا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم.\nالطريق الثالث: أن يقال: هم عندنا يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى دعائه وسؤاله، وهم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلوم إليه لا يجدون في قلوبهم توجهًا إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلوب عن قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.\nوهذا الوجه يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو، وتوجههم عند دعاءه إلى العلو، والأول يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك، فهذا فطرة واضطرار إلى العلم والتصديق والإقرار، وذلك اضطرار إلى القصد والإرادة والعمل متضمن للعلم والتصديق والإقرار.\nالطريق الرابع: أن يقال: قوله (جهة فوق أشرف الجهات، خطابي) ليس كذلك، وذلك لأنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة وصف","vol":"7","page":5},{"text":"بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل وصف بالعلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل الكلام والبكم وصف بالكلام دون البكم، ولما تقابل السمع والبصر والصمم والعمى، وصف بالسمع والبصر دون الصمم والعمى، ولما تقابل الغنى والفقر وصف بالغنى دون الفقر، ولما تقابل الوجود والعدم وصف بالوجود دون العدم، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليًا على العالم أو مسامتًا له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلًا عن السفول.\nوالمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلوه القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم، كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، لا محاذيًا له، ولا سافلًا عنه، ولما كان العلو صفة كمال، كان ذلك كم لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، لا يكون قط غير عال عليه.\nكما ثبت في الصحيح الذي في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر","vol":"7","page":6},{"text":"فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» .\nولهذا كان مذهب السلف والأئمة أنه مع نزوله إلى سماء الدنيا لا يزال فوق العرش.\nلا يكون تحت المخلوقات، ولا تكون المخلوقات محيطة به قط، بل هو العلي الأعلى: العلي في دنوه، القريب في علوه.\nولهذا ذكر غير واحد إجماع السلف على أن الله ليس في جوف السماوات.\nولكن طائفة من الناس قد يقولون: إنه ينزل ويكون العرش فوقه، ويقولون: إنه في جوف السماء، وإنه قد تحيط به المخلوقات وتكون أكبر منه.\nوهؤلاء ضلال جهال، مخالفون لصريح المعقول وصحيح المنقول، كما أن النفاة الذين يقولون: ليس داخل العالم ولا خارجه جهال ضلال، مخالفون لصريح المعقول وصحيح المنقول.\nفالحلولية والمعطلة متقابلان.","vol":"7","page":7},{"text":"الطريق الخامس: أن يقال: إذا كان مباينًا للعالم: فإما أن يقدر محيطًا به، أو لا يقدر محيطًا به، سواء قدر أنه محيط به دائمًا، أو محيط به في بعض الأوقات، كما يقبض يوم القيامة ويطوي السماوات، فإن قدر محيط به كان عاليًا علو المحيط على المحاط به.\nوقد تقدم قولهم: (إن الفلك كري) فيلزم أن تكون الأفلاك محيطة بالأرض، فهي فوقها باتفاق العلماء، فما كان محيطًا بالجميع أولى بالعلو والارتفاع، ﷾ وإن لم يكن مماثلًا لشيء من المخلوقات ولا مجانسًا لأفلاك ولا غيرها.\nوإن لم يقدر محيطًا به، فإن كان العالم كريًا، وليس لبعض جهاته اختصاص بالعلو، فإذا كان مباينًا له لزم أن يكون عاليًا، كيفما كان الأمر.\nوإن قدر أن العالم ليس بكري، أو هو كري ولكن بعض جهاته لها اختصاص بالعلو، مثل أن تقول: إن الله وضع الأرض وبسطها للأنام، فالجهة التي تلي رؤوس الناس هي جهة العلو من العالم دون الأخرى.\nفحينئذ إذا كان مباينًا، وقدر أنه غير محيط، فلا بد من اختصاصه بجهة العلو أو غيرها.\nومن المعلوم أن جهة العلو أحق بالاختصاص، لأن الجهة العالية أشرف بالذات من السافلة، ولهذا اتفق العلماء على أن جهة السماوات أشرف من جهة الأرض، وجهة الرأس أشرف من جهة الرجل، فوجب اختصاصه بخير النوعين وأفضلهما، إذ اختصاصه بالناقص المرجوح ممتنع.","vol":"7","page":8},{"text":"وأما قول النافي: (ولأن العالم كرة، فلا فوق إلا وهو تحت بالنسبة) .\nفيقال له: هذا خطأ، لما تقدم من أن المحيط باتفاق العقلاء عال على المركز، وأن العقلاء متفقون على أن الشمس والقمر والكواكب، إذا كانت في السماء، فلا تكون إلا فوق الأرض، وكذلك السحاب والطير في الهواء.\nوأيضًا فإن هذا التحت أمر خيالي وهمي لا حقيقة له، وليس فيه نقص، كالمعلق برجليه لا تكون السماء تحته إلا في الوهم الفاسد، والخيال الباطل، وكذلك النملة الماشية تحت السقف.\nفالشمس والقمر والنجوم السابحة في أفلاكها، لا تكون بالليل تحتنا إلا في الوهم والخيال الفاسد.\nوأيضًا فإنه مع كونه كريًا لا يمتنع أن نختص إحدى جهتيه بوصف اختصاص، ألا ترى أن الأرض مع قولهم، إنها كرية، فإن هذه الجهة التي عليها الحيوان والنبات والمعدن، أشرف من الجهة التي غمرها الماء؟ وإذا كانت هذه الجهة أشرف جهتي الأرض، لم يمتنع أن يكون ما يحاذيها أشرف مما يحاذي الجهة الأخرى، فما كان فوق الأفلاك من هذه الجهة أشرف مما يكون من تلك الجهة الأخرى.\nومما يوضح ذلك أن مقتضى طبيعة الماء والتراب عند من يعتبر ذلك، أن يكون الماء قد غمر الأرض كلها من هذه الناحية، كما غمرها","vol":"7","page":9},{"text":"من تلك الناحية، لأن الماء بالطبع يعلو على التراب، ومع هذا اختص هذا الوجه بأن الماء ممنوع عنه.\nوفي المسند عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من ليلة إلا والبحر يستأذن ربه في أن يغرق بني آدم فيمنعه ربه» .\nوأهل الطبع والحساب قد حاروا في سبب جفاف هذا الوجه، حتى قالوا: هذا سببه عناية الرب، مع أن هذا عندهم إذا قالوه ينقص مذاهبهم.\nوإذا كان هذا فيما شوهد، فما المانع أن يكون فوق الأفلاك من هذا الجانب ما هو مختص بأمر يقتضي اختصاص الرب بالعلو عليه من هذا الوجه؟ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>تابع لكلام الرازي في لباب الأربعين</span>\nوأما قوله: (إن لم يكن لامتداده في جهة العلو نهاية، فكل نقطة فوقها أخرى، فلا شيء يفرض فيه إلا وهو سافل، وإن كان له نهاية كان فوق طرف العلو خلاء أعلى منه، فلم يكن علوًا مطلقًا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن يقال: العلي الأعلى هو الذي ليس فوقه شيء أصلًا.\nكما قال النبي ﷺ، في الحديث الصحيح: «أنت","vol":"7","page":10},{"text":"الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» .\nوحينئذ فهذا الخلق المذكور: إما أن يكون شيئًا موجودًا، وإما أن يكون شيئًا موجودًا، فإن كان الأول فهو من العالم والله فوقه إذ هو العلي الأعلى، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وإن لم يكن شيئًا موجودًا، فهذا لا يوصف بأنه فوق غيره ولا تحته، ولا يقال: إن تحته شيء ولا فوقه شيء، إذ هو عدم محض، ونفي صرف، فلا يجوز أن يقال: إن فوق الله شيء، والعدم ليس بشيء، لا سيما العدم الممتنع، فإنه ليس بشيء باتفاق العقلاء، ويمتنع أن يكون فوق الله شيء، فهو عدم ممتنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>الوجه الثاني</span>\nأن يقال غاية الكمال في العلو أن لا يكون فوق العالي شيء موجود، والله موصوف.\nوما ذكرته من الخلاء إذا قدر أنه لا بد منه، لم يقدح ذلك في علوه الذي يستحقه، كما أنه سبحانه موصوف على كل شيء قدير، والممتنع بنفسه الذي ليس بشيء ولا يدخل في العموم لا يكون عدم دخوله نقص في قدرته الشاملة.\nوكذلك هو سبحانه بكل شيء عليم، فيعلم الأشياء على ما هي عليه، فما لم يكن موجودًا لا يعلمه موجودًا، كما قال تعالى ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾ [يونس: ١٨]،","vol":"7","page":11},{"text":"ولا يكون نفي هذا العلم نقصًا، بل هو من تمام كماله، لأنه يقتضي أن يعلم الأشياء على ما هو عليه، ونظائر هذا كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>الوجه الثالث</span>\nأن يقول له إخوانه الذين يقولون: أنه لا نهاية له في ذاته: قوله: (إن ما لا يتناهى فكل نقطة منها فوقها نقطة، فكل شيء، منه سفل) - لا يقدح في مطلوبنا، فإن مقصودنا أن لا يكون غيره أعلى منه، بل هو عال على كل موجود، ثم بعد ذلك إذا قدرت أنه ما منه شيء إلا وغيره منه أعلى منه، لم يقدح هذا في مقصوده ولا في كماله، فإنه لم يعل على شيء منه إلا ما هو لا من غيره.\nوأيضًا فإن مثل هذا لا بد منه، والواجب إثبات صفات الكمال بحسب الإمكان.\nوأيضًا فإن مثل هذا كمال في العلو، ولا يقدح في العالي، أن يكون بعضه أعلى من بعض إذا لم يكن بعضه عاليًا عليه.\nوأيضًا فإن الناس متنازعون في صفاته: هل بعضها أفضل من بعض، مع أنها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه؟ وهل بعض كلامه أفضل من بعض مع كمال الجميع؟\nوالسلف والجمهور على أن بعض كلامه أفضل من بعض، وبعض صفاته أفضل من بعض، مع كونها كلها كاملة لا نقص فيها، كما دلت","vol":"7","page":12},{"text":"على ذلك نصوص الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦] .\n«وكقوله ﷺ حاكيًا عن ربه: إن رحمتي تغلب غضبي» وفي لفظ: «سبقت غضبي» .\nوقوله: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] .\nتعدل ثلث القرآن.\nوقوله في فاتحة الكتاب: لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها.\nفنفى أن يكون لها مثل.\nوقوله عن آية الكرسي أنها أعظم آية في القرآن.","vol":"7","page":13},{"text":"وقوله ﷺ: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .\nوقوله: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يخفض ويرفع»، فأخبر أن الفضل بيده اليمنى، والقسط بيده الأخرى، مع أن كلا يديه يمين.\nكما في الصحيح عن النبي ﷺ: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» .\nفإذا كانت صفاته كلها كاملة لا نقص فيها، وبعضها أفضل من بعض، لم يمتنع أن هو العالي علوًا مطلقًا، وإن كان منه ما هو أعلى من غيره.","vol":"7","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>كلام آخر للرازي في لباب الأربعين</span>\nوأما قوله: (إن الشرف الحاصل بسبب الجهة لها بالذات، وللحاصل فيها بالعرض) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>الرد عليه من وجوه</span>\nفجوابه من وجوه:\nإن هذا إنما يمكن أن يقال إذا كانت الجهة أمرًا وجوديًا، فأما إذا كانت أمرًا عدميًا - والمراد بذلك أنه فوق العالم مباين له ليس معه هناك موجود غيره - لم يكن هناك شيء موجود غيره يستحق العلو، لا جهة ولا غيرها، فضلًا عن أن يستحق غيره العلو والشرف والذات.\nوهؤلاء يتكلمون بلفظ الجهة والحيز والمكان، ويعنون بها تارة أمرًا معدومًا، وتارة أمرًا موجودًا، ولهذا كان أهل الإثبات، من أهل الحديث والسلفية من جميع الطوائف، فمنهم من يطلق لفظ (الجهة) ومنهم من لا يطلقه، وهما قولان لأصحاب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم من أهل الحديث والرأي.\nوكذلك لفظ (المكان) منهم من يطلقه ومنهم من يمنع منه.\nوأما لفظ (المتحيز) فمنهم من ينفيه، وأكثرهم لا يطلقه ولا ينفيه، لأن هذه ألفاظ مجملة تحتمل حقًا وباطلًا.\nوإذا كان كذلك فيقال: قول القائل (إن الله في جهة أو حيز أو مكان) إن أراد به شيئًا موجودًا غير الله، فذلك من جملة مخلوقاته ومصنوعاته، فإذا قالوا: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، امتنع أن يكون محصورًا أو محاطًا بشيء موجود غيره، سواء سمى مكانًا أو جهة أو حيزًا أو غير ذلك، ويمتنع أيضًا أن يكون محتاجًا إلى","vol":"7","page":15},{"text":"شيء من مخلوقاته: لا عرش ولا غيره، بل هو بقدرته الحامل للعرش ولحملته، فإن البائن عن المخلوقات العالي عليها يمتنع أن يكون في جوف شيء منها.\nإذا قيل: إنه في السماء، كان المعنى إنه في العلو، وهو مع ذلك فوق كل شيء، ليس في جوف السماوات، فإن السماء هو العلو، وكل ما علا فهو سماء.\nيقال: سما، يسمو، سموًا، أي علا، يعلو، علوًا.\nوهذا اللفظ يعم كل ما يعلو، لم يخص بعض أنواعه بسبب القرينة.\nفإذا قيل: فليمدد بسبب إلى السماء، فقد يراد به السقف، وإذا قيل: نزل المطر من السماء، كان نزوله من السحاب، وإذا قيل: العرش في السماء فالمراد به ما فوق الأفلاك.\nوإذا قيل: الله في السماء، فالمراد بالسماء ما فوق المخلوقات كلها، أو يراد: أنه فوق السماء وعليها، فأما أن يكون في جوف السماوات فليس هذا قول أهل الإثبات، أهل العلم والسنة، ومن قال بذلك فهو جاهل، كمن يقول: إن الله ينزل ويبقى العرش فوقه، أو يقول: إنه يحصره شيء من مخلوقاته، فهؤلاء ضلال، كما أن أهل النفي ضلال.\nوإن أراد بمسمي الجهة والحيز والمكان أمرًا معدومًا، فالمعدوم ليس شيئًا، فإذا سمى المسمى ما فوق المخلوقات كلها حيزًا وجهة ومكانًا، كان المعنى: أن الله وحده هناك، ليس هناك غيره من الموجودات: لا","vol":"7","page":16},{"text":"جهة ولا حيز ولا مكان، بل هو فوق كل موجود من الأحياز والجهات والأمكنة وغيرها، ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>الوجه الثاني</span>\nإن يقال: لو عارضكم معارض، وقال: الجهة وإن كانت موجودة فهي مخلوقة له مصنوعة، وهي مفتقرة إليه، وهو مستغن عنها، فإن العرش مثلًا إذا سمي جهة ومكانًا وحيزًا، فالله تعالى هو ربه وخالقه، والعرش مفتقر إلى الله افتقار المخلوق إلى خالقه، والله غني عنه من كل وجه، فليس في كونه فوق العرش، وفوق ما يقال له جهة ومكان وحيز - وإن كان موجودًا - إثبات شرف لذلك المخلوق أعظم من شرف الله تعالى.\nوهذا قد يجيب به من يثبت الخلاء ويجعله مبدعًا لله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>الوجه الثالث</span>\nإنه إذ كان عاليًا على ما يسمى جهة ومكانًا، كان هو أعلى منه، فأي شرف وعلو كان لذلك الموجود بالذات أو بالعرض، فعلو، فعلو الله أكمل منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: لا نسلم أن العلو الحاصل بسبب الجهة هو لها بالذات ولغيرها بالعرض، إذ الجهة تابعة لغيرها، سواء كانت موجودة أو معدومة، وعلوها تبع لعلو العالي بها، فكيف يكون العلو للتابع بالذات وللمتبوع بالعرض؟ !\nوقولنا: (عال بالجهة) مثل قولنا: عال بالعلو، وعالم بالعلم، وقادر بالقدرة، أو عال علو المكانة، أو عال القهر، فليس في ذلك ما","vol":"7","page":17},{"text":"يوجب أن تكون المكانة والقهر والعلو والعلم أكمل من القاهر العالم العالي ذي المكانة العالية، ومهما قدر أنه يسمى جهة فإما أن يكون عدمًا فلا شرف له أصلًا، وإما أن يقدر موجودًا: إما صفة لله، وإما مخلوقًا لله، وعلى التقديرين فالموصوف أكمل من الصفة، والخالق أكمل من المخلوق، فكيف تكون الصفات والمخلوقات أكمل من الموصوف الخالق ﷾؟ ! .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>الوجه الخامس</span>\nأن الجهة قد نعني بها نسبة وإضافة، كاليمين واليسار، والأمام والوراء فالعلو إذا سمي جهة بهذا الاعتبار، كان العالي بالجهة معناه: أن بينه وبين ما هو عال عليه نسبة وإضافة أوجبت أن يكون هذا فوق هذا، فهل يقال: إن هذه النسبة والإضافة التي بها وصف العالي بأنه عال أكمل من ذاته العالية الموصوفة بهذا العلو والنسبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>الوجه السادس</span>\nأن يقال: هذا الذي قاله إنما يتوجه في المخلوق إذا علا على سقف أو منبر أو عرش أو كرسي أو نحو ذلك، فإن ذلك المكان كان عاليًا بنفسه، وهذا صار عاليًا لما صار فوقه بسبب علو ذلك.\nفالعلو لذلك السقف والسرير والمنبر بالذات، ولهذا الذي صعد عليه بالعرض.\nفكلامهم يتوجه في مثل هذا، وهذا في حق الله وهم وخيال فاسد، وتمثيل لله بخلقه، وتشبيه له بهم من صفات النقص التي يتعالى عنها.","vol":"7","page":18},{"text":"وهؤلاء النفاة كثيرًا ما يتكلمون بالأوهام والخيالات الفاسدة، ويصفون الله بالنقائص والآفات، ويمثلونه بالمخلوقات، بل بالناقصات، بل بالمعدومات، بل بالممتنعات، فكل ما يضيفونه إلى أهل الإثبات الذين يصفونه بصفات الكمال وينزهونه عن النقائص والعيوب، وأن يكون له في شيء من صفاته كفوا أو سمي، فما يضيفونه إلى هؤلاء من زعمهم أنهم يحكمون بموجب الوهم والخيال الفاسد، أو أنهم يصفون الله بالنقائص والعيوب، أو أنهم يشبهونه بالمخلوقات، هو بهم أخلق، وهو بهم أعلق، وهم به أحق، فإنك لا تجد أحدًا سلب الله ما وصف به نفسه من صفات الكمال، إلا وقواه يتضمن لوصفه بما يستلزم ذلك من النقائص والعيوب ولمثيله بالمخلوقات، وتجده قد توهم وتخيل أوهامًا وخيالات فاسدة غير مطابقة بنى عليها قوله من جنس هذا الوهم والخيال، وأنهم يتوهمون ويتخيلون أنه إذا كان فوق العرش كان محتاجًا إلى العرش، كما أن الملك إذا كان فوق كرسيه كان محتاجًا إلى كرسيه.\nوهذا عين التشبيه الباطل، والقياس الفاسد، ووصف الله بالعجز والفقر إلى الخلق، وتوهم أن استواءه مثل استواء المخلوق، أو لا يعلمون أن الله يجب أن نثبت له صفات الكمال وننفي عنه مماثلة المخلوقات؟ وأنه: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]، لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله؟ فلا بد من تنزيهه عن النقائص والآفات ومماثلة شيء من المخلوقات، وذلك يستلزم إثبات صفات الكمال والتمام، التي ليس فيها كفو لذي الجلال والإكرام.\nوبيان ذلك هنا أن الله مستغن عن كل ما سواه، وهو خالق كل","vol":"7","page":19},{"text":"مخلوق، ولم يصر عاليًا على الخلق بشيء من المخلوقات، بل هو سبحانه خلق المخلوقات، وهو بنفسه عال عليها، لا يفتقر إلى علوه عليها إلى شيء منها، كما يفتقر المخلوق إلى ما يعلو عليه من المخلوقات، وهو سبحانه حامل بقدرته للعرش ولحملة العرش.\nوفي الأثر: أن الله لما خلق العرش أمر الملائكة بحمله، قالوا: ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.\nفإنما أطاقوا حمل العرش بقوته تعالى، والله إذا جعل في مخلوق قوة أطاق المخلوق حمل ما شاء أن يحمله من عظمته وغيرها، فهو بقوته وقدرته الحامل للحامل والمحمول، فكيف يكون مفتقرًا إلى شيء؟ وأيضًا فالمحمول من العباد بشيء عال، لو سقط ذلك العالي سقط هو، والله أغنى وأجل وأعظم من أن يوصف بشيء من ذلك.\nوأيضًا فهو سبحانه خلق ذلك المكان العالي والجهة العالية والحيز العالي، إذا قدر شيئًا موجودًا، كما لو جعل ذلك اسمًا للعرش، وجعل العرش هو المكان العالي، كما في شعر حسان:\nتعالى علوًا فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما","vol":"7","page":20},{"text":"فالمقصود أنه خلق المكان وعلاه، وبقوته صار عاليًا، والشرف الذي حصل لذلك المكان العالي منه، ومن فعله وقدرته ومشيئته، فإذا كان هو عاليًا على ذلك وهو الخالق له، وذلك مفتقر إليه من كل وجه، وهو مستغن عنه من كل وجه، فكيف يكون قد استفاد العلو منه، ويكون ذلك المكان أشرف منه.\nوإنما صار له الشرف به، والله مستحق للعلو والشرف بنفسه، لا بسبب سواه، فهل هذا وأمثاله إلا من الخيالات والأوهام الباطلة، التي تعارض بها فطرة الله التي فطر الناس عليها، والعلوم الضرورية، والقصود الضرورية، والعلوم البرهانية القياسية، والكتب الإلهية، والسنن النبوية، وإجماع أهل العلم والإيمان من سائر البرية؟ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>تابع كلام الرازي في لباب الأربعين عن الجهة والعلو</span>\nقال الرازي في حجة خصمه: (ولأن الخلق بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم إليها عند التضرع والدعاء) .\nوأجاب عن ذلك بأن رفع الأيدي إلى السماء معارض لوضع الجبهة على الأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>الرد عليه من وجوه: الوجه الأول</span>\nأن يقال: وضع الجبهة على الأرض لم يتضمن قصدهم لأحد في السفل، بل السجود بها يعقل أنه تواضع وخضوع للمسجود له، لا طلب وقصد ممن هو في السفل، بخلاف رفع الأيدي إلى العلو عند الدعاء، فإنهم يقصدون به الطلب ممن هو في العلو.","vol":"7","page":21},{"text":"والاستدلال هو بقصدهم القائم بقلوبهم، وما يتبعه من حركات أبدانهم، والداعي يجد من قلبه معنى يطلب العلو، والساجد لا يجد من قلبه معنى يطلب السفل، بل الساجد أيضًا يقصد في دعائه العلو، فقصد العلو عند الدعاء يتناول القائم والقاعد والراكع والساجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>الوجه الثاني</span>\nأن وضع الجبهة على الأرض يفعله الناس لكل من تواضعوا له من أهل الأرض والسماء، ولهذا يسجد المشركون للأصنام والشمس والقمر سجود عبادة، وقد سجد ليوسف أبواه وإخوته سجود تحية لا عبادة، لكون ذلك كان جائزًا في شرعهم، وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم، والسجود لا يختص بمن هو في الأرض، بل لا يكاد يفعل لمن هو في بطنها، بل لمن هو على ظهرها عال عليها، وأما توجيه القلوب والأبصار والأيدي عند الدعاء إلى السماء فيفعلونه إذا كان المدعو في العلو، فإذا دعوا الله فعلوا ذلك، وإن قدر منهم من يدعوا الكواكب ويسألها، أو يدعوا الملائكة، فإنه يفعل ذلك.\nفعلم أن قصدهم بذلك التوجه إلى جهة المدعو المسؤول، الذي يسألونه ويدعونه، حتى لو قدر أن أحدهم يدعو صنمًا أو غيره مما يكون على الأرض لكان توجه قلبه ووجهه وبدنه إلى جهة معبوده الذي يسأله ويدعوه، كما يفعل النصارى في كنائسهم، فإنهم يوجهون قلوبهم وأبصارهم وأيديهم إلى الصور المصورة في الحيطان، وإن كان قصدهم صاحب الصورة، وكذلك من قصد الموتى في قبورهم، فإنه يوجه","vol":"7","page":22},{"text":"قصده وعينه إلى من في القبر، فإذا قدر أن القبر أسفل منه توجه إلى أسفل، وكذلك عابد الصنم إذا كان فوق المكان الذي فيه الصنم، فإنه يوجه قلبه وطرفه إلى أسفل، لكون معبوده هناك.\nفعلم بذلك أن الخلق متفقون على أن توجيه القلب والعين واليد عند الدعاء إلى جهة المدعو، فلما كانوا يوجهون ذلك إلى جهة السماء عند الله، علم إطباقهم على أن الله في جهة السماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>الوجه الثالث</span>\nأن الواحد منهم إذا اجتهد في الدعاء حال سجوده يجد قلبه بقصد العلو، مع أن وجهه يلي الأرض، بل كلما ازداد وجهه ذلًا وتواضعًا، ازداد قلبه قصدًا للعلو، كما قال تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩] .\nوقال النبي ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» .\nفعلم أنهم يفرقون بين توجه وجوههم في حال السجود إلى الأرض.\nوتوجيه القلوب في حال الدعاء إلى من في السماء.\nوالقلوب حال الدعاء لا تقصد إلا العلو، وأما الوجوه والأيدي فيتنوع حالها، تارة تكون في حال السجود إلى جهة الأرض، لكون ذلك غاية الخضوع، وتارة تكون حال القيام مطرقة، لكون ذلك أقرب إلى الخشوع، وتارة تتوجه إلى السماء لتوجه القلب.","vol":"7","page":23},{"text":"وقد صح عن النبي ﷺ «أنه نهى عن رفع البصر في الصلاة إلى السماء، وقال لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم» .\nوأما رفع البصر حال الدعاء خارج الصلاة، ففيه نزاع بين العلماء، وإنما نهي عن رفع البصر في الصلاة لأنه ينافي الخشوع المأمور به في الصلاة.\nقال تعالى: ﴿فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر * خشعا أبصارهم﴾ [القمر: ٦-٧] .\nوقال: ﴿يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم﴾ [المعارج: ٤٣-٤٤] .\nوقال: ﴿وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾ [الشورى: ٤٥] .\nورأى عمر ﵁ رجلًا يصلي وهو يلتفت، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.\nفخشوع القلب يستلزم خشوع البصر وذله، وذلك ينافي رفعه وفي اعتبار هذا في الدعاء نزاع.\nولهذا يوجد من يخاطب المعظم عنده لا يرفع","vol":"7","page":24},{"text":"بصره إليه.\nومعلوم أنه كانت الجهات بالنسبة إلى الله سواء لم نؤمر بهذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>الوجه الرابع</span>\nأن السجود من باب العبادة والخضوع للمسجود له، كالركوع والطواف بالبيت.\nوأما السؤل والدعاء ففيه قصد المسؤول المدعو، وتوجيه القلب نحوه، لا سيما عند الضرورة، فإن السائل الداعي يقصد بقلبه جهة المدعو المسؤول بحسب ضرورته واحتياجه إليه.\nوإذا كان كذلك، كان رفع رأسه وطرفه ويديه إلى جهة، متضمن لقصده إياه في تلك الجهة، بخلاف الساجد فإنه عابد ذليل خاشع، وذلك يقتضي الذل والخضوع، ليس فيه ما يقتضي توجيه الوجه واليد ونحوه، لكن إن كان داعيًا وجه قلبه إليه، وهذا حجة من فرق بين رفع البصر في حال الصلاة وحال الدعاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: قصد القلوب للمدعو في العلو أمر فطري عقلي اتفقت عليه الأمم من غير مواطأة، وأما السجود فأمر شرعي يفعل طاعة للآمر، كما تستقبل الكعبة حال العبادة طاعة للآمر.\nوحينئذ فالاحتجاج بما في فطر العباد من قصد من في العلو، وهذا لا معارض له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>تابع كلام الرازي في لباب الأربعين عن الجهة والعلو</span>\nقال (واحتج الخصم أيضًا بالآيات الواردة الموهمة للجهة، كقوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [الأنعام: ٦١] .","vol":"7","page":25},{"text":"قال: (والجواب أن الظواهر النقلية إذا عارضت الدلائل العقلية لم يمكن تصديقهما ولا تكذيبهما، لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، ولا تصديق النقل وتكذيب العقل، لأن العقل أصل النقل، فتكذيبه لتصديقه يوجب تكذيبهما، فتعين تصديق العقل، وتفويض علم النقل إلى الله، أو الاشتغال بتأويل الظاهر) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>الرد عليه</span>\nوجواب هذا أن يقال: القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بعد تدبر ذلك، كالعلم بالأكل والشرب في الجنة، والعلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، والعلم بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، والعلم بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما، بل نصوص العلو قد قيل إنها تبلغ مئين من المواضع.\nوالأحاديث عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين متواترة موافقة لذلك، فلم يكن بنا حاجة إلى نفي ذلك من لفظ معين، قد يقال إنه يحتمل التأويل، ولهذا لم يكن بين الصحابة والتابعين نزاع في ذلك، كما تنطق بذلك كتب الآثار المستفيضة المتواترة في ذلك، وهذا يعلمه من له عناية بهذا الشأن، أعظم مما يعلمون أحاديث الرجم والشفاعة","vol":"7","page":26},{"text":"والحوض والميزان، وأعظم مما يعلمون النصوص الدالة على خبر الواحد والإجماع والقياس، وأكثر مما يعلمون النصوص الدالة على الشفعة، وسجود السهو، ومنع نكاح المرأة على عمتها وخالتها، ومنع ميراث القاتل، ونحو ذلك مما يتلقاه عامة الأمة بالقبول.\nولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين، والأمور المعلومة بالضرورة عند السلف والأئمة وعلماء الدين قد لا تكون معلومة لبعض الناس: إما لإعراضه عن سماع ما في ذلك من المنقول، فيكون حين انصرافه عن الاستماع والتدبر غير محصل لشرط العلم، بل يكون ذلك الامتناع مانعًا له من حصول العلم بذلك، كما يعرض عن رؤية الهلال فلا يراه، مع أن رؤيته ممكنة لكل من نظر إليه، وكما يحصل لمن لا يصغي إلى استماع كلام غيره وتدبره، لا سيما إذا قام عنده اعتقاد إن الرسول لا يقول مثل ذلك، فيبقى قلبه غير متدبر ولا متأمل لما به يحصل له هذا العلم الضروري.\nولهذا كان كثير من علماء اليهود والنصارى يؤمنون بأن محمدًا رسول الله، وأنه صادق، ويقولون: إنه لم يرسل إليهم، بل إلى الأميين، لأنهم أعرضوا عن سماع الأخبار المتواترة والنصوص المتواترة، التي تبين أنه كان يقول: إن الله أرسله إلى أهل الكتاب، بل أكثرهم لا يقرون بأن الخليل بنى الكعبة هو وإسماعيل، ولا أن إبراهيم ذهب إلى تلك الناحية، مع أن هذا من أعظم الأمور تواترًا لإعراضهم.\nوكثير من الرافضة تنكر أن يكون أبو بكر وعمر مدفونين عند النبي","vol":"7","page":27},{"text":"ﷺ، وفي الغالية من يقول: إن الحسن والحسين لم يكونا ولدين لعلي، وإنما ولدهما سلمان الفارسي، وكثير من الرافضة لا تعلم أن عليًا زوج بنته لعمر، ولا أنه كان له ابن كان يسمى عمر.\nوأما دعوى التقية والإكراه فهذا شعار المذهب عندهم.\nوبعض المعتزلة أنكر وقعة الجمل وصفين، وكثير من الناس لا يعلمون وقعة الحرة، ولا فتنة ابن الأشعث وفتنة يزيد بن المهلب، ونحوها من الوقائع المتواترة المشهورة.\nبل كثير من الناس، بل من المنسوبين إلى العلم، لا يعلمون مغازي رسول الله ﷺ المواترة المشهورة وترتيبها، وما كان فيه قتال أو لم يكن، فلا يعلمون أيما قبل: بدر أو أحد؟ وأيما قبل: الخندق أو خيبر؟ وأيما قبل: فتح مكة أو حصار الطائف؟ ولا يعلمون هل كان في تبوك قتال أو لم يكن؟ ولا يعلمون عدد أولاد النبي ﷺ: الذكور والإناث، ولا يعلمون كم صام رمضان، وكم حج واعتمر، ولا كم صلى إلى بيت المقدس بعد هجرته؟ ولا أي سنة فرض رمضان؟ ولا يعلمون هل أمر بصوم يوم عاشوراء في عام واحد أو أكثر؟ ولا يعلمون هل كان يداوم على قصر الصلاة في السفر أم لا؟ ولا يعلمون هل كان يجمع بين الصلاتين، وهل كان يفعل ذلك كثيرًا أم قليلًا؟ .\nإلى أمثال هذه الأمور التي كلها معلومة بالتواتر عند أهل العلم","vol":"7","page":28},{"text":"بأحواله، وغيرهم، ليس عنده فيها ظن فضلًا عن علم، بل ربما أنكر ما تواتر عنه؟ .\nومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم، من أبعد الناس عن العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف، وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن الاستدلال بالكتاب والسنة، وإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعًا، مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعًا، وليس بإجماع، وعمدتهم في أصول الدين على ما يظنونه عقليات، وهي جهليات، لا سيما مثل الرازي وأمثاله، الذين يمنعون أن يستدل في هذه المسائل بالكتاب والسنة.\nواعتبر ذلك بما تجده في كتب أئمة النفاة، مثل أبي الحسين البصيري وأمثاله، ومثل أبي حامد، والرازي، وأمثالهما.\nفأبو الحسين البصيري، وأمثاله من المعتزلة، يعتمدون في أصول دينهم على أحاديث قد يجمعها عبد الوهاب بن أبي حية البغدادي، فيها الكذب والضعف، وأضعافها من الأخبار المتواترة لا يعرفونها البتة، حتى يعتقدون أنه ليس في الرؤية إلا حديث جرير بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ أنه قال: «أنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع","vol":"7","page":29},{"text":"الشمس وقبل غروبها فافعلوا» .\nويقولون: هذا لم يروه إلا قيس بن أبي حازم، وكان يبغض عليًا، فيظنون أنه ليس في الرؤية إلا هذا الحديث.\nوأهل العلم بالحديث يعلمون أحاديث الرؤية متواترة، أعظم من تواتر كثير مما يظنونه متواترًا، وقد احتج أصحاب الصحيح منها أكثر مما خرجوه في الشفعة، والطلاق، والفرائض، وسجود السهو، ومناقب عثمان وعلي، وتحريم المرأة على عمتها وخالتها، والمسح على الخفين، والإجماع، وخبر الواحد، والقياس، وغير ذلك من الأبواب الذين يقولون إن أحاديثها متواترة.\nفأحاديث الرؤية أعظم من حديث كل نوع من هذه الأنواع، وفي الصحاح منها أكثر مما فيها من هذه الأنواع.\nمثل حديث أبي هريرة الطويل في تجليه يوم القيامة، ومرورهم على الصراط، وهو في الصحيح أيضًا، من حديث أبي سعيد، ومن حديث جابر.","vol":"7","page":30},{"text":"وفي الصحيحين حديث أبي موسى في رؤيته في الجنة.\nوفي الصحيحين في حديث الشفاعة رؤيته لربه.\nوفي الصحيح حديث صهيب في رؤية أهل الجنة.\nوأما أحاديث العلو وما يتضمن هذا المعنى، فأضعاف أضعاف أحاديث الرؤية.\nفأبو الحسين وأمثاله من المعتزلة، وكذلك الغزالي والرازي وأمثالهما من فروع الجهمية، هم من أقل الناس علمًا بالأحاديث النبوية وأقوال السلف في أصول الدين، وفي معاني القرآن، وفيما بلغوه من الحديث، حتى أن كثيرًا منهم لا يظن أن السلف تكلموا في هذه الأبواب.","vol":"7","page":31},{"text":"ومن كان له علم بهذا الباب، علم أن كلام السلف في هذه المسائل الأصولية، كمسائل العلو وإثبات الصفات الخبرية وغير ذلك.\nأضعاف أضعاف كلامهم في مسائل الجد، والإخوة، والطلاق، والظهار، والإيلاء، وتيمم الجنب، ومس المحدث للمصحف، وسجود السهو، ومسائل الإيمان، والنذور والفرائض، وغير ذلك مما تواتر به النقل عنهم.\nوهذا الأصل قد بسطناه في مواضع، مثل كلامنا في تواتر معجزات الرسول ﷺ، وغير ذلك، مما يحتاج إلى معرفة هذا الأصل، وأنه قد يتواتر عند أهل العلم بالشيء ما لا يتواتر عند غيرهم.\nوأهل العلم بالحديث أخص الناس بمعرفة ما جاء به الرسول.\nومعرفة أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإليهم المرجع في هذا الباب، لا إلى من هو أجنبي عن معرفته، ليس له معرفة بذلك، ولولا أنه قلد في الفقه لبعض الأئمة، لكان في الشرع مثل آحاد الجهال من العامة.\nفإن قيل: قلت إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلغوه عن الرسول، ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك.\nقيل: هؤلاء أنواع: نوع ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة عن الحكم والدليل، ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلدون فيها، وقد اعتقد أقوال السلف أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث","vol":"7","page":32},{"text":"وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنوه موافقًا لهم، وإما أن يعرضوا عنه مفوضين لمعناه.\nوهذه حال مثل أبي حاتم البستي، وأبي سعد السمان المعتزلي، ومثل أبي ذر الهروي، وأبي بكر البيهقي، والقاضي عياض، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الحسن علي ابن المفضل المقدسي، وأمثالهم.\nوالثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها، كما غلط غيره، فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة، مع أنه لا","vol":"7","page":33},{"text":"يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة من هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما.\nوهذه حال أبي محمد بن حزم، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأمثالهم.\nومن هذا النوع بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي، وأمثالهما.\nونوع ثالث سمعوا الأحاديث، والآثار، وعظموا مذهب السلف.\nوشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار، ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها.\nوقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.\nوهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.","vol":"7","page":34},{"text":"ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.\nوتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك.\nوتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله.\nوهؤلاء قد يدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع، ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال، مثل أن يكون رؤيا منام، فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج.\nومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم، وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة، كمسألة القرآن والرؤية، فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية، التي ظنها صحيحة، ولم يكن لهم من الخبرة المفصلة بالقرآن ومعانيه، والحديث وأقوال الصحابة، ما لأئمة السنة والحديث، فذهب مذهبًا مركبًا من هذا وهذا، وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض.","vol":"7","page":35},{"text":"وهذه طريقة الأشعري وأئمة أتباعه، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراييني، وأمثالهما.\nولهذا تجد أفضل هؤلاء، كالأشعري، يذكر مذهب أهل السنة والحديث على وجه الإجمال، ويحكيه بحسب ما يظنه لازمًا، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام، من المعتزلة وغيرهم، حكاها حكاية خبير بها، عالم بتفصيلها.\nوهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم، ومعرفة فساد أقولهم.\nوأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون، فمعرفتهم بذلك قاصرة، وإلا فمن كان عالمًا بالآثار، وما جاء عن الرسول، وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظن بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء: إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعًا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم كمالك وعبد العزيز الماجشون وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن معاذ ويزيد بن هارون الواسطي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد بن عامر والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبد الرحمن القاسم بن","vol":"7","page":36},{"text":"سلام ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن حجاج النيسابوري والدارميين: أبي محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن وعثمان بن سعيد وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين وأبي داود السجستاني وأبي بكر الأثرم وحرب الكرماني ومن لا يحصى عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل.\nفهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كما تواترت الآثار عنهم، وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك، من غير خلاف بينهم في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>الوجه الثاني</span>\nأن يقال نصوص ذلك صريحة لا تحتمل التأول، بالتأويلات المذكورة في ذلك من جنس تأويلات القرامطة الباطنية، وهي باطلة كما قد بين في موضعه، بل معلومة الفساد بالضرورة، كما بين بطلان تأويل كل من تأول (استوى) على غير ما يتضمن علوه على العرش، مثل تأويله بالقدرة والمكانة أو غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: لا نسلم أنه عارض ذلك دليل عقلي أصلًا.\nبل العقليات التي عارضتها هذه السمعيات هي من جنس شبه السوفسطائية، التي هي أوهام وخيالات غير مطابقة، وكل من قالها لم يخل من أن يكون مقلدًا لغيره، أو ظانًا في نفسه، وإلا فمن رجع في مقدماتها إلى الفطر السليمة واعتبر تأليفها، لم يجد فيما يعارض السمعيات برهانًا مؤلفًا من مقدمات يقينية تأليفًا صحيحًا، وجمهور من تجده","vol":"7","page":37},{"text":"يعارض بها أو يعتمد عليها، إذا بينت له فسادها، وما فيه من الاشتباه والالتباس، قال: هذه قالها فلان وفلان، وكانوا فضلاء، فكيف خفي عليهم مثل هذا؟ فينتهون بعد إعراضهم عن كلام المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وإجماع سلف الذين لا يجتمعون على ضلالة.\nومخالفة عقول بني آدم التي فطرهم الله عليها، إلى تقليد رجال يقولون: إن هذه القضايا عقلية برهانية، وقد خالفهم في ذلك رجال آخرون من جنسهم، مثلهم وأكثر منهم، وعامة من تجده من طلبة العلم، المنتسبين إلى فلسفة أو كلام أو تصوف أو فقه أو غير ذلك، إذا عارض نصوص الكتاب والسنة بما يزعم أنه برهان قطعي، ودليل عقلي، وقياس مستقيم، وذوق صحيح، ونحو ذلك إذا حاققته وجدته ينتهي إلى تقليد لمن عظمه إذا كان من الأتباع، أو إلى ما افتراه هو - أو توهمه - إن كان من المتبوعين، وللطائفتين نصيب مما ذكره الله في أشباههم.\nقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب * إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ [البقرة: ١٦٥-١٦٧] .\nوقال تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني","vol":"7","page":38},{"text":"عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩] .\nوقال تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا﴾ [الأحزاب: ٦٦-٦٨] .\nوقال تعالى: ﴿وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد﴾ [غافر: ٤٧-٤٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: لا نسلم أنه بتقدير ما يذكر من التعارض لا يمكن تصديقهما، بل يمكن ذلك، فإن ما ينفيه صريح العقل من صفات النقص وإثبات المماثلة بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته، لم يثبته السمع الصحيح، وما أثبته السمع الصحيح الصريح لم ينفه عقل صريح.\nوحينئذ فلا يجوز أن يتعارض العقل الصريح والسمع الصحيح، وإنما يظن تعارضهما من غلط مدلولهما أو مدلول أحدهما، كمن يعارض الدلالات العقلية الصريحة من السوفسطائية وأمثالهم، وكمن يظن تعارض الأدلة السمعية من الملاحدة.","vol":"7","page":39},{"text":"وكثيرًا ما يشتبه ذلك وتتعارض الدلالتان عند من يكن السفسطة والإلحاد لشبه قامت به، فتكون الآفة من إدراكه لا من المدرك، كالأحول الذي يرى الواحد اثنين، والممرور الذي يجد الحلو مرًا، وإلا فالسمع الصحيح هو القول الصادق من المعصوم، الذي لا يجوز أن يكون في خبره كذب لا عمدًا ولا خطأً.\nوالمعقول الصحيح هو ما كان ثابتًا أو منتفيًا في نفس الأمر، لا بحسب إدراك شخص معين، وما كان ثابتًا أو منتفيًا في نفس الأمر.\nلا يجوز أن يخبر عنه الصادق بنقيض ذلك، بل من شهد الكائنات على ما هي عليه وجدها مطابقة لخبر الصادق.\nكما قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت: ٥٣] .\nفأخبر أنه سيريهم من الآيات العيانية المشهودة لهم، ما يبين لهم أن القرآن حق.\nوقال تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد﴾ [سبأ: ٦] .\nفمن أوتي العلم رأى أن ما أنزل إليه من ربه هو الحق، وأما من كان عنده ما يظنه علمًا - وهو جهل - فذلك يرى الأمر على خلاف ما هو عليه، مثل من زاغ فأزاغ الله قلبه، وكان في قلبه مرض، فزاده الله مرضًا، وممن يقلب الله أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ومن الصم البكم","vol":"7","page":40},{"text":"العمي الذين لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهدى، أو لم يكونوا يعقلون بحال.\nوأمثال هؤلاء قال تعالى فيهم: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ [الأنعام: ٣٩] .\nوقد ضرب الله مثل هؤلاء وهؤلاء في غير موضوع من القرآن كسورة النور وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: لا نسلم أن تصديق النقل المثبت لعلو الله على خلقه، وتكذيب ما يناقض ذلك مما يسمى معقولًا، يوجب القدح في أصل النقل كما في قوله: (لأن العقل أصل للنقل، فتكذيبه لتصديقه موجب لتكذيبهما) .\nقلنا: لا نسلم أن المعقول النافي لعلو الله على خلقه أصل للنقل فإنه ليس كل ما يسمى معقولًا، ولا كل ما يعلم بالعقل يتوقف العلم بصحة السمع عليه، فتلك الأمور، التي لا يتوقف العلم بصحة السمع عليها، ليست أصلًا للسمع، ولا يجوز أن يقال جنس المعقول به يعلم بالسمع، فلا يجوز أن يرد شيئًا منه، فإن العقلاء متفقون على أن جنس المعقولات لا يلزم من تكذيب بعضها تكذيب السمع، وإن قدر أنها عقليات صحيحة، مثل مسائل الحساب الدقيقة وغيرها، فإنها مع كونها","vol":"7","page":41},{"text":"عقليات صحيحة لا يلزم من القدح فيها في السمع، فكيف بالمعقولات التي فيها خطأ كثير وتنازع عظيم.\nبل كل من كان عن الشرائع أبعد، كان اضطرابهم في عقلياتهم أكثر، كالفلاسفة فإن بينهم من الاختلاف في عقلياتهم - حتى في المنطق والهيئة والطبيعيات - ما لا يكاد يحصى.\nوكلامهم في الإلهيات قليل، وعلمهم بها ضعيف، ومسائلها عندهم يسيرة، وهي مع هذا عندهم لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقي، ولا سمين فينتقل.\nوأساطينهم معترفون بأنه لا سبيل لهم إلى اليقين فيها وإنما يتكلمون فيها بالأولى وألا خلق، وهم مع هذا متنازعون فيها أعظم من تنازع كل فرقة من مبتدعة أهل الملل في الأمور الإلهية.\nوإذا كان جنس ما يسميه هؤلاء عقليات، فيه خطأ كثير باتفاق الناس وبالضرورة، لم يمكن أن يقبل جنس ما يقال له عقليات، فضلًا عن أن يعارض به، ولو قبل جنس ما يقال له عقليات كله، للزم من الجميع بين النقيضين ما شاء الله.\nفنفاة الجزء - الذي هو الجوهر الفرد - ومثبتوه، كل منهم يقول: إن ذلك معلوم بالعقل.\nوالقائلون ببقاء بعض الأعراض، مع القائلين بفنائها، والقائلون بتماثل الأجسام مع القائلين باختلافها، والقائلون","vol":"7","page":42},{"text":"بوجوب تناهي الحوادث مع القائلين بعدم جواز تناهيها، وأضعاف ذلك.\nبل العقليات الصحيحة: ما كان معقولًا للفطر السليمة الصحيحة الإدراك التي لم يفسد إدراكها.\nوهذا القدر لا يزال موجودًا في بني آدم، وإن فسد رأي القوم، لم يلزم فساد رأي آخرين.\nلكن إذا تنازع الناس، وادعى كل فريق أن قولنا هو الذي تشهد به الفطر السليمة، لم يفصل بينهم إلا ما يتفقون على صدق شهادته: إما كتاب منزل من السماء يحكم بينهم، وإما شهادة فطر تقر الطائفتان أنها صحيحة الإدراك صادقة الخبر، فلا يحكم بين المتنازعين إلا حاكم يسلمان لحكمه.\nوالمقصود هنا أنه لا يقول عاقل: إن كل ما يسمى معقولًا يجوز قبوله، فضلًا عن أن يجب، فضلًا عن أن يعارض به معقول آخر، فضلًا عن أن يعارض به كتاب منزل من عند الله.\nوإذا كان كذلك لم يكن في رد كثير مما يسمى معقولًا رد لسائرها، فإذا رد مما يسمى معقولًا ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه، لم يكن في هذا رد للأصل المعقول الذي به يعلم السمع، وهو المطلوب.\nوإذا كان كذلك، فالمعقول المذكور هنا الذي عارضوا به الآيات الإلهية والأحاديث النبوية - هو ما ذكروه في نفي علو الله على خلقه، وليس شيء من ذلك مما يحتاج في العلم بصحة السمع إليه، فإن إثبات موجود لا يمكن أن يشار إليه، ولا يكون داخل العالم ولا خارجه،","vol":"7","page":43},{"text":"ومقدمات ذلك مستلزمه له، لا يتوقف العلم بصحة السمع على شيء من ذلك، فإن نعلم بالاضطرار بعد تأمل أحوال النبي ﷺ وأصحابه التابعين لهم بإحسان، أن الذين أمنوا بالرسول وجزموا بصدقه - وهم باتفاق المسلمون أعلم الأمة بصدقه، والصدق ما أخبر به، وصحة ذلك - لم يكونوا في إيمانهم وعلمهم بصدقه، يستدلون بشيء من هذه المقدمات على صحة ذلك، ولو مناظرين به أحدًا، ولا يقيمون بها حجة على غيرهم فضلًا عن أن يكونوا هم لم يعلموا صدقه إلا بعد العلم بهذه المقدمات المستلزمة لوجود موجود لا يشار إليه، وأن صانع العلم ليس بداخل العلم ولا خارجه، ولا فوق العالم رب ولا على العرش إله.\nومما يوضح ذلك أن نعلم بالعادة المطردة أن القضايا التي بها علموا أنه رسول الله الصادق فيما يخبر به الله، لو كانت مستلزمة لقول نفاة العلو، وأن الله ليس مباينًا للعالم ولا هو فوق السماوات، ولا يمكن الإشارة إليه، ولا عرج أحد من الملائكة ولا محمد، إليه نفسه، ولا نزل من عنده نفسه شيء: لا ملك ولا غيره - لكانت هذه اللوازم تحصل في نفوسهم، كما حصلت على أنفس غيرهم، ولا سيما مع كثرة الخلق، وانتشار الإسلام، ودخول الناس في دين الله أفواجا، ولو كانت هذه القضايا مستقرة في أنفسهم، لامتنع فيه العادة أن يتكلموا بها، فضلًا عن أن يتكلموا بنقيضها، ولو وجب في العادة أن يعارضوا بها ما دل عليه ظاهر السمع، لكانوا يسألونه ويقولون: ما دلت","vol":"7","page":44},{"text":"عليه هذه الآيات والأحاديث التي أخبرتنا بها يناقض هذه القضايا التي علمنا بها أنك رسول الله الصادق عليه، فما يمكننا أن نجمع بين تصديقك في دعوى الرسالة، وبين الإخبار بهذه الأمور، بل تصديقك في دعوى الرسالة التي يقتضي تكذيب مقتضى هذه الأخبار، فكيف نصنع؟ هل لها تأويل يوافق ما به علمًا أنك صادق؟: أم نحن مأمورون بأن نقرأ ما ظاهره كفر وكذب يقدح في أصول إيماننا، ونعرض بقلوبنا وعقولنا عن فهم ذلك وتدبره والنظر فيه؟ .\nوهذا فيه عذاب عظيم للعقول، وفساد عظيم في القلوب، إذا كان الرجل مأمورًا أن يقرأ في الليل والنهار كلامًا، يقرأ به في صلاته وغير صلاته، ويجزم بأنه صدق لا كذب، وأن من كفر بحرف منه فهو كافر، وذلك الكلام مشتمل على أن أخبارها ظاهرها ومفهومها يناقض ما به علم وصدق ذلك الكلام، بل هو باطل وضلال وكفر، فيورثه ذلك الحيرة والاضطراب، ويمرض قلبه أعظم مرض، ويكون تألمه لذلك ووجع قلبه، أعظم بكثير من مرض بدنه ووجع يده ورجله، فإنه حينئذ إن قبل ما به صدق هذا الرسول قدح في الكلام الذي أخبر أنه حق وصدق، فيكون ذلك الدليل الذي دله على صدقه، دله على كذب المفهوم من أخباره وإن صدق المفهوم من أخباره، أبطل شاهد صدقه.\nومن المعلوم أن أخباره لو عارضت معقولًا لهم، غير ما به علموا صدقه، لأوجب ذلك من الحيرة والألم والفساد ما لا يعلمه إلا الله، فكيف إذا كان المعارض له ما به علموا صدقه؟ .","vol":"7","page":45},{"text":"وقد كان الصحابة يسألون رسول الله ﷺ، ويسأل بعضهم بعضًا، عن أدنى شبهة تعرض في خطابه وخبره، مثل ما كان يوم الحديبية لما صالح النبي ﷺ مشركي مكة، على أن يرجع ذلك العام بأصحابه الذين قدموا معه معتمرين، وبايعهم بيعة الرضوان تحت الشجرة، وهم السابقون الأولون، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فصالح المشركين على أن يرجع بهم ذلك العام، ويرد إلى المشركين ما جاءه مؤمنًا مهاجرًا، ولا يرد المشركون من ذهب إليهم مرتدًا، وامتنعوا من أن يكتبوا في كتاب الصلح: (بسم الله الرحمن الرحيم) وأن يكتبوا: هذا ما قضى عليه محمد رسول الله، وأمثال ذلك.\nوالمقصود أن كثيرًا من الصحابة اشتد عليهم ذلك، وأجلهم عمر، فجاء إلى النبي ﷺ: (فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق، وعدونا على باطل؟ قال: بلى.\nقال فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: إني رسول الله وهو ناصري، ولست أعصيه.\nفقال: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت، ونطوف به؟ فقال بلى، أقلت لك إنك تأتيه هذا العام؟ قال: لا.\nقال: فإنك آتيه ومطوف به) .\nثم ذهب عمر إلى أبي بكر، فقال له مثل ما قال للنبي ﷺ، وأجابه أبو بكر بمثل ما أجابه النبي ﷺ، من غير أن يكون سمع جواب النبي ﷺ.","vol":"7","page":46},{"text":"والقصة مستفيضة رواها أهل الصحيح والمسند والمغازي والسير والتفسير والفقه وسائر العلماء.\nفهذا عمر، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ: «أنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» أخرجاه في الصحيحين.\nوقال: «إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه» .\nوقال: «لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر» رواه الترمذي.\nإلى غير ذلك من فضائله، وقد اشتبه عليه معنى نص، وليس ظاهره ينافي الواقع، فإن الله تعالى قال: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧] .","vol":"7","page":47},{"text":"وكان النبي ﷺ أخبرهم بذلك قبل نزول الآية خبرًا مطلقًا، من المعلوم باتفاق الفقهاء أن الرجل إذا قال: والله لأفعلن كذا وكذا، ولم يكن هنا سبب ولا نية توجب التعجيل كان له أن يؤخره إلى وقت آخر، فلم يكن في ظاهر خطاب الله ورسوله ما يقتضي تعجيل إتيان البيت والطواف به.\nومع هذا لما ظن هذا الذي هو أفضل الأمة بعد أبي بكر، أن ظاهره يقتضي التعجيل، أورده على النبي ﷺ، ثم على صديقه، وأجاب كل منهما في مغيب الآخر بأنه ليس في الخطاب ما يقتضي التعجيل، وإنما الذي فهم ذلك من الخطاب غلط في فهمه.\nفالغلط منه، لا لنقص في دلالة الخطاب.\nوأيضًا ففي الصحيح أنه قال ﷺ: «من نوقش الحساب عذب.\nقالت عائشة: فقلت يا رسول الله، أليس الله يقول في كتابه: ﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ [الانشقاق: ٨]، فقلت: ذلك العرض، ومن نوقش الحساب عذب» .\nومعلوم أن قوله: ﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ [الانشقاق: ٨]، لا يدل ظاهره على أن المحاسب يناقش، بل الظاهر من لفظ الحساب اليسير أنه لا تكون فيه مناقشة، ومع هذا فلما قال: من نوقش عذب، فظنت امرأة تحبه ويحبها - وهي أحب النساء إليه، وأبوها احب الرجال إليه - أن ظاهر خطابه يعارض تلك الآية - سألته عن ذلك ولم تسكت.","vol":"7","page":48},{"text":"وكذلك في الحديث الصحيح أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة.\nقالت حفصة: فقلت يا رسول الله: أليس الله يقول: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] .\nفقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ [مريم: ٧٢]» .\nوقد بين في الحديث الصحيح الذي رواه جابر وغيره أن الورود هو المرور على الصراط، ومعلوم أنه إذا كان قد أخبرهم أن جميع الخلق يعبرون الصراط ويردون النار بهذا الاعتبار، لم يكن قوله لهم: فلان لا يدخل النار منافيًا لهذا العبور، ولهذا قال لها: ألم تسمعيه قال: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ فأخبرها أن هذا الورود لا ينافي عدم الدخول الذي أخبرت به، فالذين نجاهم الله بعد الورود - الذي هو العبور - لم يدخلوا النار.\nولفظ الورود والدخول قد يكون فيه إجمال فقد يقال لمن دخل سطح الدار: أنه دخلها ووردها، وقد يقال لمن مر على السطح ولم يثبت فيها: إنه لم يدخلها.\nفإن قيل: فلان ورد هذا المكان الرديء ثم نجاه الله منه، وقيل فلان: لم يدخله الله إياه، كان كلا الخبرين صدقًا لا منافاة بينهما.\nوقوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما","vol":"7","page":49},{"text":"مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ [مريم: ٧١-٧٢]، بيان فيه نعمة الله على المتقين: أنهم مع الورود والعبور عليها وسقوط غيرهم فيها نجوا منها، والنجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه أعداؤه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم.\nولهذا قال تعالى: ﴿ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم﴾ [الأنبياء: ٧٦] .\nومعلوم أن نوحًا لم يغرق ثم خلص.\nبل نجي من الغرق الذي أهلك الله به غيره.\nكما قال: ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة﴾ [العنكبوت: ١٥] .\nوكذلك قوله عن لوط: ﴿ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث﴾ [الأنبياء: ٧٤] .\nومعلوم أن لوطًا لم يصبه العذاب الذي أصابهم من الحجارة والقلب وطمس الأبصار.\nوكذلك قوله: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ﴾ [هود: ٥٨]، وقوله: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ﴾ [هود: ٦٦] .","vol":"7","page":50},{"text":"وأمثال ذلك يبين سبحانه أنه نجى عباده المؤمنين من العذاب الذي أصاب غيرهم، وكانوا معرضين له، لولا ما خصهم الله من أسباب النجاة - لأصابهم ما أصاب أولئك.\nفلفظ (النجاة من الشر) يقتضي انعقاد سبب الشر، لا نفس حصوله في المنجى.\nفقوله تعالى: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ [مريم: ٧٢]، لا يقتضي أنهم كانوا معذبين ثم نجوا، لكن يقتضي أنهم كانوا معرضين للعذاب الذي انعقد سببه، وهذا هو الورود.\nفقوله ﷺ: «لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»، لا ينافي هذا الورود، فإن مجرد الورود ليس بعذاب، بل هو تعريض للعذاب، وهو إنما نفى الدخول الذي هو العذاب، لم ينف التقريب من العذاب، ولا انعقاد سببه، ولا الدخول على سطح مكان العذاب.\nومع هذا لما اشتبه ذلك على امرأته، سألته عن ذلك، وذكرت ما يعارض خبره في فهمها، ولم تسكت، وقد كان يفعل الأمر فيسألونه: هل هو بوحي فيجب طاعته؟ أو هو رأي يمكن معارضته برأي أصلح منه؟ ويشيرون عليه في الرأي برأي آخر، فيقبل منهم ويوافقهم، كما سأله الحباب بن المنذر لما نزل ببدر فقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل الذي نزلته: أهو منزل أنزلكه الله، فليس لنا أن نتعداه، أم هو الرأي","vol":"7","page":51},{"text":"والحرب والمكيدة؟ فقال: (بل هو الرأي والحرب والكيدة.\n) فقال: ليس هذا بمنزل قتال.\nولما صالح غطفان عام الخندق على نصف ثمر المدينة لما تألبت عليهم الأحزاب: من قريش وحلفائها، وأهل نجد وجموعهم، وبني قريظة اليهود جيران المدينة، وكانت تلك القضية من أعظم البلاء والمحنة، وفيها أنزل الله سورة الأحزاب، فلما صالحهم على نصف ثمرها.\nقال له سعد ما مضمونه: إن كان الله أمرك بهذا سمعنا وأطعنا، وإن كان رأيًا منك أردت به مصلحتنا، فقد كنا في الجاهلية وما أحد منهم ينال منها ثمرة إلا بشرىً أو قرىً، فحين أعزنا الله بالإسلام نعطيكم ثمرنا؟ أو كما قال: فبين له النبي ﷺ: («إني لما رأيت الأعداء قد تحزبوا عليكم خشيت أن تضعفوا عنهم، فرأيت أن أدفع هؤلاء ببعض الثمر، فإذا كنتم ثابتين صابرين، فلا حاجة إلى هذا)» .\nوفي الصحيح «أنهم كانوا في بعض الأسفار فنفد زادهم فاستأذنوه في نحر ظهرهم - وهي الإبل التي يركبونها - فأذن لهم، فأتاه عمر وأخبره أنهم إن نحروا ظهرهم تضرروا بذلك، وطلب أن تجمع أزوادهم ويدعوا فيها","vol":"7","page":52},{"text":"بالبركة ليغنيهم الله بذلك عن نحر ظهرهم، ففعل ذلك» .\nوكذلك في الصحيح «أنه أعطى أبا هريرة نعله ليبشر الناس بأن الموحدين في الجنة، فلقيه عمر فرده، وقال النبي ﷺ: (إنهم إذا سمعوا ذلك اتكلوا، فترك ذلك)» .\nبل كان يأمرهم بالأمر الذي يجب عليهم طاعته، فيعارضه بعضهم بما لا يصلح للمعارضة، فيجيبهم.\n(فإن في الصحيح «أنه نهاهم عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي ويطعمني ويسقيني)» .\nومعلوم أن هذه معارضة فاسدة، لو أوردها بعض طلبة الفقهاء، أجابه آخر بأن أمره ونهيه يجب طاعته فيه، وحكمه لازم للأمة باتفاق المسلمين، بل ذلك معلوم بالاضطرار من دينه، وإن كان بعض الناس","vol":"7","page":53},{"text":"ينازع في الأمر المطلق: هل يفيد الإيجاب أم لا؟ فلم ينازع في أنه إذا بين في الأمر أنه للإيجاب يجب طاعته، ولا أنه إذا صرح ابتداءً بالإيجاب تجب طاعته.\nولكن نزاعهم في مراده بالأمر المطلق: هل يعلم به أنه أراد به الإيجاب؟ فهذا نزاع في العلم بمراده، لا نزاع في وجوب طاعته فيما أراد به الإيجاب، فإن ذلك لا ينازع فيه إلا مكذب به.\nوالمقصود أن حكم النهي لازم للأمة، وأما فعله فقد يكون مختصًا به باتفاق الأمة.\nبل قد تنازعوا في تعدي حكم فعله إلى غيره، على ما هو معروف، فإذا أمر المسلمين أو نهاهم أمرًا ونهيًا علموا به مراده، لم يكن لأحد منهم أن يعارض ذلك بفعله باتفاق العلماء، وإنما يتكلمون في تعارض دلالة القول والفعل، إذا لم يعلموا مراده بالقول، كما تكلموا في «نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول»، «مع أنه قد رآه ابن عمر مستقبل الشام مستدبر الكعبة وهو يتخلى» .\nفهنا قد يظن بعضهم أن نهيه ليس عامًا بل خاص إذا لم يكن حائل، ويوفق بين القول والفعل، ويظن بعضهم الفرق بين الاستقبال والاستدبار، ويظن بعضهم أن أحدهما منسوخ لاعتقاده التعارض،","vol":"7","page":54},{"text":"ويظن بعضهم أن الفعل خاص له، فهذا كله لعدم علمهم بأن النهي عام محكم.\nوأما إذا علموا أن نهيه عام محكم غير منسوخ، كانوا متفقين على أنه لا يعارض بفعله.\nفتبين أن من عارض نهيه عن الوصال بقوله: إنك تواصل، كانت معارضته خطأ، باتفاق العلماء ومع هذا فقد أجابه ببيان الفرق، وقال: «إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» .\n«بل لما غير عادته يوم الفتح، فصلى الصلوات بوضوء واحد سأله عمر فقال: إنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله.\nفقال: عمدًا فعلته» .\nهذا وأمثاله كثير.\nهذا من المؤمنين به المحبين له، فأما معارضة الكفار بما لا يصلح للمعارضة - عند أهل النظر والخبرة بالمناظرة - على سبيل الجدل بالباطل فكثيرة.\nمثل معارضتهم لله لما نزل قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فقام ابن الزبعري وغيره فقالوا: قد عبد المسيح، فآلهتنا خير أم هو؟ .\nفأنزل الله تعالى: ﴿ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون﴾ [الزخرف: ٥٧]: إي يضجون.\n﴿وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم","vol":"7","page":55},{"text":"خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل﴾ [الزخرف: ٥٨-٥٩] .\nوأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون﴾ [الأنبياء: ١٠١-١٠٢] .\nوقد ظن طائفة من الناس أن قوله ﴿وما تعبدون﴾ [الأنبياء: ٩٨]، لفظ يعم كل معبود من دون الله لكل أمة، فيتناول المسيح وغيره، وجعلوا هذا مما استدلوا به على عموم الأسماء الموصوفة، مثل (من) و(ما) و(الذي) .\nواستدل بذلك بعضهم على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.\nقالوا: لأن اللفظ عام، وأخر بيان المخصص إلى أن نزل قوله: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] .\nوهذا خطأ، ولو كان قول هؤلاء صحيحًا، لكانت معارضته المشركين صحيحة.\nفإن من سمع اللفظ العام ولم يسمع المخصص، فأورد على المتكلم، كان إراده مستقيمًا.\nوهذا سوء ظن ممن قاله بكلام الله ورسوله وحسن ظن المشركين.\nولكن هؤلاء وأمثالهم الذين يجعلون المفهوم المعقول الظاهر من القرآن مردودًا بآرائهم، كما رده المشركون بالمسيح، فإن قول المشركين إن المسيح لا يدخل النار والملائكة لا تدخل النار، كلام صحيح، أصح مما يعرض به المعارضون لكلام الله ورسوله.","vol":"7","page":56},{"text":"فإن كانت معارض ابن الزبعري باطلة، فمعارضة هؤلاء أبطل، وهي باطلة قبل نزول القرآن، وقبل رد الله عليهم، وما نزل من القرآن كان مبينًا لبطلانها، الذي هو ثابت في نفسه يمكن علمه بالعقل، فإن الله إنما خاطب بقوله: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله﴾ [الأنبياء: ٩٨]، المشركين الذين يعبدون الأوثان، لم يخاطب بذلك أهل الكتاب.\nبل الآيات المكية عامتها خطاب لمن كذب الرسل مطلقًا، وأما ما يخاطب به من صدق جنس الرسول من أهل الكتاب والمؤمنين، ففي السور المدنية.\nوالقرآن قد فصل بين المشركين وأهل الكتاب في غير موضع، كقوله: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١] .\nوقوله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا﴾ [الحج: ١٧] .\nوقوله لهم: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله﴾ [الأنبياء: ٩٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>الوجه الخامس</span>\nبمنزلة قوله: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين﴾ [الأنعام: ١٥٦] .","vol":"7","page":57},{"text":"وبمنزلة قوله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا﴾ [فاطر: ٤٢] .\nوأمثال ذلك مما فيه ضمير المخاطب والغائب، وهو متناول لأولئك المشركين، لكن يتناول غيرهم من جهة المعنى والاعتبار وتماثل الحالين.\nفلما قال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون﴾ [الأنبياء: ٩٨-٩٩]، دليل على انتفاء الإلهية، فإن الإله لا يدخل النار، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم أن يكون من لم يدخل النار إلهًا، فمن ورد النار لم يكن إلهًا، وليس كل من لا يردها إله.\nلكن كانت معرضة الزبعري وأشباهه من جهة المعنى والقياس والاعتبار، أي إذا كانت آلهتنا دخلوا النار لكونهم معبودين، وجب أن يكون كل معبود يدخل النار، والمسيح معبود فيجب أن يدخلها، فعارضوه بالقياس، والقياس مع وجود الفارق المؤثر قياس فاسد، فبين الله الفرق بأن المسيح عبد حي مطيع لله، لا يصلح","vol":"7","page":58},{"text":"أن يعبد لأجل الانتقام من غيره بخلاف الأوثان، فإنها حجارة، فإذا عذبت لتحقيق عدم كونها آلهة، وانتقامًا ممن عبدها، كان ذلك مصلحة، ليس فيها عقوبة لمن لا يصلح أن يعاقب.\nولهذا قال تعالى: ﴿ولما ضرب ابن مريم مثلا﴾ [الزخرف: ٥٧]، أي جعلوه مثلًا لآلهتهم فقاسوها به، فهذا حال من عارض النص الخبري بالقياس الفاسد، وهو حال الذين يعارضون النصوص الإلهية بأقيستهم الفاسدة، فيقولون: لو كان له علم وقدرة ورحمة وكلام وكان مستويًا على عرشه، للزم أن يكون مثل المخلوق الذي له علم وقدرة ورحمة وكلام ويكون مستويًا على العرش، ولو كان مثل المخلوق للزم أن يجوز عليه الحدوث، وإذا جاز عليه الحدوث امتنع وجوب وجوده وقدمه.\nفهذا من جنس معارضة ابن الزبعري، حيث قاس ما أخبر الله عنه بشيء آخر ليس مثله، بل بينهما فرق، والفرق بين الله وبين مخلوقاته، أعظم من الفرق بين المسيح وبين الأوثان، فإن كلاهما مخلوق لله تعالى.\nوأما قياس الخالق بالمخلوق، وقول القائل: لو كان متصفًا بالصفات والأفعال القائمة به، لكان مماثلًا للمخلوق المتصف بالصفات والأفعال القائمة به - ففي غاية الفساد، فإن تشابه الشيئين من بعض الوجوه لا يقتضي تماثلهما في جميع الأشياء، فإذا كان المسيح المشابه لآلهتهم في وجوه كثيرة لا تكاد تحصى - مثل كون هذا كان معدومًا وهذا كان معدومًا، وهذا محدث ممكن، وهذا محدث ممكن، وهذا مفتقر إلى","vol":"7","page":59},{"text":"غيره وهذا مفتقر إلى غيره، وهذا يقدر عليه غيره، وهذا يقدر عليه غيره، وهذا تعترض عليه الآفات والعلل كالتفريق والتجزئة والتبعيض، وهذا تعترض عليه الآفات والعلل كالتفريق والتجزئة والتبعيض، وهذا يمكن إفساده واستحالته، وهذا يمكن إفساده واستحالته، وأمثال ذلك من الأمور التي يجب تنزيه الرب عنها - فمع اشتراكهما في هذه الأمور التي يجب تنزع الرب عنها، لم يصح قياس أحدهما بالآخر، ولا أن يثبت له من الحكم ما ثبت له، وإن كانا قد اشتركا في هذه الأمور.\nفالخالق سبحانه الذي يفارق غيره بأعظم مما فارق به المسيح آلهتهم، هو أولى وأحق بأن لا يمثل بخلقه، لأجل موافقته في بعض الأسماء والصفات، إذ أصل هذا القياس الفاسد أن الشيئين إذا اشتركا وتشابها في بعض الأشياء، لزم اشتراكهما وتماثلهما في غير ذلك مما ليس من لوازم المشترك، وهذا كله خطأ فاحش، وبعضه أفحش من بعض، فالشيئان إذا اشتركا في شيء لزم أن يشتركا في لوازمه، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، فأما ما ليس من لوازمه، فلا يجب اشتراكهما فيه.\nفكون المعبود من حصب جهنم، ليس من لوازم كونه معبودًا، بل من لوازم كونه معبودًا يصلح دخوله النار، والمسيح ونحوه لا يصلح دخولهم النار.\nوكذلك ثبوت الوجود والحياة والعلم والقدرة والاستواء والنزول، ونحو ذلك من الأمور التي يوصف بها الخالق والمخلوق، ليس من لوازمها","vol":"7","page":60},{"text":"الإمكان والحدوث والآفات والنقائص، فإن الإمكان من لوازم ما ليس واجبًا بنفسه، والحدوث من لوازم المعدوم، وإمكان الآفات والنقائص من لوازم ما يقبل ذلك.\nوهذه الصفات صفات كمال لا تستلزم الآفات، بل قد تكون منافية للآفات والنقائص، والمنافي للشيء لا يكون من لوازمه، بل هو مناقض للوازمه، فكيف يجعل المنافي كالملازم؟\nوالمقصود أن المشركين كانوا يعارضون الرسول بما يتخيلونه مناقضًا لقوله، وإن لم يكن في ظاهر قوله ما يناقض: لا معقولًا ولا منقولًا، فكيف إذا كان ظاهر قوله يناقض صريح المعقول الذي عليه أئمة أرباب العقول، لا سيما إذا كان ذلك المعقول هو الذي لا يمكن تصديقه إلا به؟ فإذا كان قد أظهر ما يطعن في دليل صدقه وشاهده، كان معارضته بذلك أولى الأشياء.\nوكذلك أيضًا لما أخبرهم بالإسراء وشجرة الزقوم أنكر ذلك طائفة منهم، وزعموا أن العقل ينافي ذلك.\nوأنزل الله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن﴾ [الإسراء: ٦٠] .\nوفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: «هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به» .","vol":"7","page":61},{"text":"قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ [الإسراء: ١] .\nوقال: ﴿أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ [النجم: ١٢-١٦] .\nوقال تعالى: ﴿وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطان رجيم﴾ [التكوير: ٢٢-٢٥] .\nفإذا كان ما أخبرهم به من رؤية الآيات التي أراها الله إياها ليلة الإسراء قد أنكروها وكذبوه لأجلها، واستبعدوا ذلك بعقولهم، مع أن ذلك ليس ممتنعًا في العقل، فكيف بما هو ممتنع في صريح العقل.\nوكذلك أيضًا أنكروا أن يبعث الله بشرًا رسولًا، وجعلوا ذلك منكرًا ممتنعًا في عقولهم.\nكما قال تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا﴾ [الإسراء: ٢٤] .\nوقال: ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾ [يونس: ٢] .","vol":"7","page":62},{"text":"وقال تعالى: ﴿وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا﴾ [الفرقان: ٤١] .\nوقال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ [الأنعام: ٩] .\nوقال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١] .\nوقد حكى نحو ذلك عمن تقدم من الكفار، كقول قوم فرعون: ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون * فكذبوهما فكانوا من المهلكين﴾ [المؤمنون: ٤٧-٤٨] .\nوقول قوم نوح: ﴿ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا﴾ [هود: ٢٧] .\nوقالت أصناف الأمم لرسلهم: ﴿إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا﴾ [إبراهيم: ١٠] .\nحتى قالت الرسل: ﴿إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده﴾ [إبراهيم: ١١] .\nوأمثال هذا.\nفقد ذكر عن المشركين أنهم أنكروا إرسال رسول من البشر، ودفعوا ذلك بعقولهم.","vol":"7","page":63},{"text":"وهذا قول من يجحد النبوات من البراهمة مشركي الهند وغيرهم، ولهم شبه معروفة يزعمون أنها براهين عقلية تقدح في جواز إرسال الرسل.\nولهذا قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى﴾ [يوسف: ١٠٩] .\nوقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣] .\nوقال: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل﴾ [الأحقاف: ٩] .\nوأمثال ذلك.\nوكذلك لما أخبرهم بالمعاد عارضوه بعقولهم، وقد ذكر الله تعالى من حججهم التي احتجوا بها في إنكار المعاد ما هو مذكور في القرآن.\nكقوله تعالى: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون * أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم﴾ [يس: ٧٨-٨١] .\nوقد ذكر طعنهم في الرسالة والمعاد جميعًا في قوله تعالى: ﴿ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا","vol":"7","page":64},{"text":"شيء عجيب * أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد * قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ﴾ [ق: ١-٤] .\nثم ذكر الأدلة عليهم إلى قوله: ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد﴾ [ق: ١٥] .\nوهذه السورة قد تضمنت من أصول الإيمان ما أوجبت أن النبي ﷺ كان يقرأ بها في المجامع العظام، فيقرأ بها في خطبة الجمعة وفي صلاة العيد، وكان من كثرة قراءته لها يقرأ بها في صلاة الصبح، وكل ذلك ثابت في الصحيح.\nقال تعالى: ﴿وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا * قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا * يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٤٩-٥٢] .\nوقد ذكر نحو ذلك عمن مضى من المكذبين للرسل، كقولهم عن رسولهم: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون * إن هي إلا حياتنا الدنيا","vol":"7","page":65},{"text":"نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين﴾ [المؤمنون: ٣٥-٣٨] .\nوقال تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون﴾ [الجاثية: ٢٤] .\nوأمثال هذا في القرآن كثير.\nوذكر عنهم أنه طعنوا في الرسول بعقولهم بأمور ظنوها لازمة له، كقولهم: ﴿وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحور﴾ [الفرقان: ٧-٨] .\nقال تعالى: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا﴾ [الفرقان: ٩] .\nوكذلك قالوا عمن قبله من الرسل كما قال فرعون: ﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين * فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾ [الزخرف: ٥٢-٥٣] .\nوقالوا لشعيب: ﴿إنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز﴾ [هود: ٩١] .\nوالمقصود هنا أن الرسول ﷺ كان يعارضه من","vol":"7","page":66},{"text":"المؤمنين به والكفار من لا يكاد يحصى معارضة لا ترد عليه.\nولم تكن إلا من جهل المعارض، ولم يكن في ظاهر الكلام الذي يقوله لهم ومفهومه ومعناه ما يخالفه صريح المعقول، بل كان المعارضون يعارضون بعقولهم ما لا يستحق المعارضة، فلو كان فيما بلغهم إياه عن الله، من أسمائه وصفاته ونحو ذلك، ما يخالف ظاهره صريح المعقول، لكان هذا أحق بالمعارضة، وكان يمتنع في مستمر العادة أن مثل هذا لا يعارضه أحد: لا معارضة دافع طاعن، ولا معارضة مستشكل مسترشد، فكيف إذا كان ذلك يعارض القضايا العقلية التي بها علموا نبوته، وأنه رسول الله إليهم؟ فكانت تكون المعارضة بذلك أولى أن تقع من الكفار والمسلمين.\nأما الكفار فيقولون له: نحن لا نعلم صدقك إلا بأن نعلم بعقولنا أمورًا تناقض ما يفهم ويظهر مما تخبرنا به، فالمصدق لك يكون متناقضًا متلاعبًا، لا يمكنه أن يقبل بعض أخبارك إلا برد بعضها، وهذا ليس فعل العالمين الصادقين دائمًا، بل فعل من يكذب تارة ويصدق أخرى، أو يصيب تارة ويخطئ أخرى.\nوأما المسلمون المظهرون للإسلام فقد كان فيهم منافقون، وفي المؤمنين سماعون لهم يتعلقون بأدنى شبهة يوقعون بها الشك والريب في قلوب المؤمنين، وكان فيهم من له معرفة وذكاء وفضيلة وقراءة للكتب ومدارسة لأهل الكتاب، مثل أبي عام الفاسق، الذي كان يقال له أبو عامر الراهب، الذي أتخذ له المنافقون مسجد الضرار.","vol":"7","page":67},{"text":"وأيضًا فقد كان اليهود والنصارى يعارضونه بما لا يصلح للمعارضة، ويقدحون في القرآن بأدنى شبهة، ويخاطبون بذلك من أسلم، كما قالوا للمغيرة بن شعبة: أنتم تقرأون في كتابكم: ﴿يا أخت هارون﴾ [مريم: ٢٨]، وموسى بن عمران كان قبل عيسى بسنين كثيرة، فظنوا أن هارون المذكور هو هارون أخو موسى، وهذا من فرط جهلهم، فإن عاقلًا لا يخفى عليه أن موسى كان قبل عيسى بسنين كثيرة، وأن مريم أم عيسى ليست أخت موسى وهارون، ولا هو المسيح ابن أخت موسى، وليس في من له تمييز - وإن كان من أكذب الناس - من يرى أن يتكلم بمثل هذا الذي يضحك عليه به كل من سمعه، فكيف بمن هو أعظم الناس عقلًا وعلمًا ومعرفة، غلبت عقول بنى آدم ومعارفهم وعلومهم، حتى استجاب له كل ذي عقل مصدقًا لخبره، مطيعًا لأمره وذل له - أو خاف منه - كل من لم يستجيب له، وظهر به من العلم والبيان، والهدى والإيمان، ما قد ملأ الآفاق، وأشرق به الوجود غاية الإشراق.\nفكان النصارى الذين سمعوا هذا - لو كان لهم تمييز - لعلموا أن مثل هذا الرجل العظيم الذي جاء بالقرآن لا يخفى عليه أن المسيح ليس هو ابن أخت موسى بن عمران، ولا يتكلم بمثل ذلك، ولو كانت أختهما لكان إضافتها إلى موسى أولى من إضافتها إلى هارون، فكان يقال لها: يا أخت موسى، لكن لما اتفق أن مريم هذه بنت عمران، وذانك","vol":"7","page":68},{"text":"موسى وهارون ابنا عمران، فكان لفظ عمران فيه اشترك، والاشتراك غالب على أسماء الأعلام - نشأت الشبهة، حتى سأل المغيرة النبي ﷺ عن ذلك فقال: «ألا قلت لهم إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم؟ إن هارون هذا كان رجلًا في بنى إسرائيل سموه باسم هارون النبي» .\nفمن كانوا يعارضونه بمثل هذه المعارضة، كيف يسكتون عن معارضته إذا كان الخطاب الذي أخبر به، والمفهوم الظاهر منه - بل الصريح منه الذي لا يحتمل التأويل مخالفًا لصريح العقل، بل مخالفا لما به يعلم صدقه وصدق الأنبياء قبله؟ وهلًا كان أهل الكتاب يقولون له: ما جئت به يقدح في نبوات الأنبياء قبلك، فإنا لا يمكننا أن نصدقك إلا بقضايا عقلية بها يعلم صدق الرسل، وما أظهرته للناس وبينته لهم وأخبرته به يناقض الأصول العقلية التي بها نعلم تصديق الأنبياء؟\nواعلم أنه من أمعن النظر في هذا المقام وتوابعه، حصل لهم أمور جليلة:\nبطلان قول من يقول: العلم بصحة السمع لا يكون إلا بقضايا عقلية مناقضة للمفهوم الظاهر من أخبار الله ورسوله.\nبل بطلان قول من يجعل صريح العقل مناقضًا لأخباره.","vol":"7","page":69},{"text":"بل بطلان قول من يدعي أن أقوال الجهمية النفاة لعلو الله على خلقه - مما هي معروفة بصريح العقل، سواء كانت موافقة لخبر الرسول أو مخالفة له.\nوذلك من وجوه:\nأحدها: أن إيمان المؤمنين به، العالمين بصدقه، حصل بدون هذه القضايا.\nالثاني: أن أحدًا منهم لم يورد هذه المعارضة، ولم يستشكل هذا الذي هو تناقض في وعم هؤلاء.\nالثالث: أن المنافقين لم يورد أحد منهم هذا.\nالرابع: أن المشركين لم يورد أحد منهم هذا.\nالخامس: أن أهل الكتاب لم يورد أحد منهم هذا.\nالسادس: أنه لم يعهد إليهم أن لا يصدقوا بمضمون هذه الظواهر ولا يعتقدوا موجبها، ولا أمرهم بترك تدبرها وفهمها وعقلها، ولا بتأويلها تأويلا يصرفها عن المعنى الظاهر المفهوم منها، ولا بتفويضها وقولهم: لا نعلم معناها.\nالسابع: أن الصحابة لم يوصوا التابعين بذلك.\nالثامن: أن التابعين لم يوردوا على الصحابة، ولا أورد بعضهم على بعض ظهور هذا التناقض والتعارض، ولا سئل بعضهم بعضًا: كيف نصنع؟ هل نتبع موجب النصوص أو موجب العقول المعارضة،","vol":"7","page":70},{"text":"وتناول النصوص؟ أو نصرف قلوبنا عن فهمها وتدبرها وعقلها، ونقول: لا ندري ما معناها؟\nفإن قيل: فهذا الذي ذكرته ظاهرًا لا يخفى على من تأمل أمور الإسلام كيف كانت، وكيف ظهر الإسلام، ومع هذا فهذه الشبه العقلية التي احتج بها النفاة وقد ضل بها خلق كثير من هذه الأمة ومن أهل الكتاب، فهل كانت عقول الكفار أصح من عقول هؤلاء؟ ثم إذا كان الأمر هكذا فكيف إذا وقع في هذه من وقع؟\nقيل: المقصود هنا فساد قول من يقول: إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بقضايا عقلية تناقض مفهوم ما أخبر به، وهذا يلزم من قال ذلك من الجهمية والمعتزلة، وأتباعهم من الأشعرية، ومن دخل معهم من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة والصوفية: إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بأن يستدل على حوادث العالم بحدوث الأجسام، وأنه يستدل على ذلك بحدوث ما قام بها من الأعراض مطلقًا أو الحركات، وأن ذلك مبني على امتناع حوادث لا أول لها، وذلك يستلزم نفي الأفعال القائمة بذات الله تعالى المتعلقة بمشيئته واختياره، بل نفي صفاته، وأن يكون القرآن مخلوقًا، وأن الله لا يرى في الآخرة، ولا يكون فوق العالم.\nفمن قال: إن تصديقه فيما أخبر به لا يمكن إلا بهذه الطريق، كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، ولهذا قال الأشعري وغيره: إن هذه الطرق مبتدعة في دين الأنبياء، بل محرمة غير","vol":"7","page":71},{"text":"مشروعة لا ريب أن عقل من آمن بالله ورسوله كان خيرًا من عقل من سلك هذه الطريق من أهل الكلام.\nوأما عقول الكفار فلا ريب، وإن كانت عقول جنس المؤمنين خيرًا من عقولهم، لكان قد يكون عند الكفار من عقل التمييز ما يمنعه أن يقول ما يقوله كثير من أهل البدع.\nألا ترى أن أكاذيب الرافضة لا يرضاها أكثر من العقلاء من الكفار؟ فذلك عقول المشركين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ لم تكن تقبل أن ترد رسالته بمثل هذا الكلام الذي فيه من الدقة والغموض ما لا يفهمه أكثر الناس، ومن فهمه من العقلاء علم أنه من باب الهذيان والبهتان.\nيبين لك كل ذلك أن العرب مع شركها كانت مقرة بأن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه، مقرة بالقدر، وكانت عقولهم من هذا الوجه خيرًا من عقل من جعل كثيرًا من المحادثات لم يخلقه الله ولا قدره ولا أراده، وكانت العرب أيضًا تقر بان الله فاعل مختار، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فكانت عقولهم خيرًا من عقول الدهرية والفلاسفة، الذين يقولون بأن العالم صدر عن علة تامة موجبة له، كما يقول الدهرية والإلهيون.\nولا ريب أن من أنكر الصانع وقال بان العالم واجب بذاته، فعقله أفسد من عقل هؤلاء.\nوالعرب لم تكن تقول بهذا اللهم إلا أن يكون في تضاعيفهم آحاد وتقوله، ولكن لم يكن هذا القول ظاهرًا فيهم، بل الظاهر فيهم الإقرار بالخالق وعلمه وقدرته ومشيئته.\nوهذه الشبه - شبه الجهمية - هي في الأصل نشأت من ملاحدة","vol":"7","page":72},{"text":"الأمم المنكرين للصانع، وهؤلاء أجهل الطوائف وأقلهم عقلًا، فلهذا لم تكن العرب تعارض بمثل هذه الشبه، وإنما ذكر الله تعالى نظير قول الجهمية عن مثل فرعون وأمثاله من المعطلة، كالذي حاج إبراهيم في ربه.\nولا ريب أن المعطلة شر من المشركين، والعرب، وإن كانوا مشركين، لم يكن الظاهر فيهم التعطيل للصانع، وإن كان قد يكون في أضعافهم من هو من المرتابين في الصانع أو الجاحدين له، كما في تضاعيف كل أمة، حتى في المصلين من هو من هؤلاء، إذ المنافقون لم يزالوا في الأمة ولم يزالوا على اختلاف أصنافهم.\nوإذا عرف أن المقصود بيان فساد قول من يزعم أنه لا يمكن تصديق الرسول إلا بالطريق الجهمية، المناقضة لإثبات ما اخبر من صفات الله وكلامه وأفعاله حصل المقصود.\nوأما من قال: إن هذه المعقولات تعارض المفهوم الظاهر من الآيات والأحاديث، من غير أن يقول: إن العلم بصدق الرسول موقوف عليها، كما يقول من يعتقد صحة هذه الطريق: طريقة الاستدلال على الصانع بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام، وإن قال إنه يمكن تصديق الرسول بدونها، كما يقول الأشعري نفسه، وكثير من أصحابه، والرازي وأمثاله، وكثير من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية، يوجد شيء من هذا في كلام المحاسبي، وأبي حاتم البستي، والخطابي، وأبي الحسن التميمي، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وابن الزاغوني، وغير هؤلاء - فإن هؤلاء وجمهور المسلمين يقولون: إنه","vol":"7","page":73},{"text":"يمكن تصديق الرسل بدون طريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام.\nلكن هؤلاء وغيرهم يعتقدون صحة تلك الطريق وإن قالوا: إن تصديق الرسل لا يتوقف عليها.\nثم منهم من يقول: إنها لا تعارض النصوص، بل يمكن الجمع بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>الوجه الخامس</span>\nوهذه طريق الأشعري وأئمة الصحابة: يثبتون الصفات الخبرية التي جاء بها القرآن، مع اعتقادهم صحة طريقة الاستدلال بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام.\nوهذه طريق أبي حاتم بن حبان البستي، وأبي سليمان الخطابي، والتميميين: كأبي الحسن التميمي وغيره من أهل بيته، وأبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلى، وأبي بكر البيهقي، وابن الزاغوني، وخلق كثير من طوائف المسلمين من الحنيفة والمالكية والشافعية والحنبلية.\nومن هؤلاء من يدعي التعارض بينهما كالرازي وأمثاله، كما يقول ذلك من يوجب الاستدلال بطريقة حدوث الأعراض، كالمعتزلة، وأبي المعالي وأتباعه.\nفهؤلاء مشتركون في أن هذه الطريقة المعقولة لهم مناقضة لما يفهم من الآيات والأحاديث، سواء قالوا: إن تصديق الرسول موقوف عليها، كما يقوله من يقوله من المعتزلة، وأتباع صاحب الإرشاد أو لم يقولوا ذلك، كما يقوله من يوافق الأشعري والرزي.\nوجمهور المسلمين على","vol":"7","page":74},{"text":"أن تصديق الرسول ليس موقوفًا عليها.\nوليس المقصود في هذا المقام إلا إبطال قول من يدعي أن تقديم النقل على العقل المعارض له يقدح في العقل الذي به علم صحة السمع، وقد تبين أن فساد هذا القول معلوم بالاضطرار من الدين، معلوم بالاضطرار من العادة، وأن الذين آمنوا بالرسول وعلموا صدقه، لم يكن علمهم موقوفًا على هذه القضايا.\nومما يشترك فيه الفريقان أن يقال: أهل العقول الذين سمعوا القرآن، والكفار من المشركين وأهل الكتاب في العصور المتقدمة، لم يكن منهم من طعن فيه، أو رد عليه مخالفة هذه الأخبار عن صفات الله لصريح المعقول، فلو كان العلم بنقيض ذلك ثابتًا في عقول بني آدم، لم يمكن في العادة أن يكون هذا الكلام الذي طبق مشارق الأرض ومغاربها، وظهر وليه على عدوه بالحجة الباهرة والسيف القاهر، وفي صريح المعقول ما يناقض أخباره، ولا أحد من العقلاء يتفطن لذلك: لا على وجه الطعن، ولا على وجه الاستشكال، مع أن هذه العقليات مما تتوفر الهمم والدواعي على استخراجها واستنباطها لو كانت صحيحة لأنها متعلقة بأشرف المطالب، والعلم به الذي تتوفر الهمم على طاب معرفة صفاته نفيًا وإثباتًا.\nفلو كانت هذه الطرق الدالة على السلب طرقًا صحيحة تعلم بالعقل، لكان مع الداعي التام يجب تحصيلها، فإنه مع كمال القدرة","vol":"7","page":75},{"text":"والداعي يجب وجود المقدور، فكان يجب أن تظهر هذه من أفضل الناس عقلًا ودينًا.\nفلما لم يكن الأمر كذلك علم أن ذلك كان لفسادها، وأنهم لصحة عقولهم لم يعتقدوها، كما يعتقدوا مذهب القرامطة الباطنية، والرافضة الغالية، وأمثالهم من الطوائف التي يعلم فساد قولهم بصريح العقل.\nومعلوم أن الباطل ليس له حد محدود، فلا يجب أن يخطر ببال أهل العقل والدين كل باطل، وأن يردوه فإن هذه لا نهاية له، بخلاف ما هو حق بصريح العقل في حق الله تعالى، لا سيما إذا كان مما يجب اعتقاده، بل يتوقف تصديق الرسول على معرفته، فإن هذا يمتنع أن تكون العصور الفاضلة، مع كثرة أهلها وفضلهم عقلًا ودينًا، لم يعلموها ولم يقولوها.\nفعلم بذاك أن هذه المعارضات ليست من العقليات الصحيحة التي هي مستقرة في صريح العقل، بل هي من الخيالات الفاسدة المشابهة للعقليات التي تنفق على طائفة من الناس دون طائفة، كما نفقت على الجهمية ومن وافقهم دون جمهور عقلاء بني آدم.\nولهذا كان أعظم نفاقها على أجهل الناس وأعظمهم تكذيبًا بالحق وتصديقًا بالباطل، من القرامطة الباطنية، والحلولية والاتحادية وأمثالهم.\nومن المعلوم أن أهل التواتر لا يجوز عليهم في مستقر العادة أن يكذبوا، ولا أن يكتموا ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فكما أن الفطر فيها مانع من الكذب، ففيها داع إلى الإظهار والبيان، فكذلك ها هنا.\nكما أن العقول المتباينة والفطر المختلفة إذا أخبرت عما تعلمه بضرورة أو","vol":"7","page":76},{"text":"حس، لم تتفق على الكذب ولا الخطأ، فكذلك أيضًا العقول المتباينة والفطر المختلفة إذا سمعت ما يعلم بصريح العقل وبطلانه وفساده، لم تتفق على الإعراض عن النظر والاستدلال حتى يعرف فساده وبطلانه.\nولهذا لم تظهر في أمة من الأمم أقوال باطلة إلا كان فيه من يعرف بطلان ذلك، فيتكلم بذلك مع من يثق به، وإن وافق في الظاهر لغرض من الأغراض.\nولهذا تجد خلقًا من الرافضة والإسماعيلية والنصيرية يعلمون في الباطن فساد قولهم، ويتكلمون بذلك مع من يثقون به.\nوكذلك بين النصارى خلق عظيم يعلمون فساد قول النصارى، وكذلك بين اليهود.\nوهذه الأمة قد كان فيها في القرون الثلاثة منافقون لا يعلم عددهم إلا الله، وقد جاورهم من المشركين وأهل الكتاب أمم أخر، وهم طوائف متباينة، فما يمكن أحدًا أن ينقل أنه كان قبل الجعد بن درهم وجهم بن صفوان من ظهر عنه القول بأن العقول تنافي ما في القرآن من إثبات العلو والصفات، أو بعض الصفات، لا من المؤمنين، ولا من أهل الكتاب، ولا من سائر الكافرين.\nومن المعلوم أن هذا إذا كان مستقرًا في صريح المعقول، فلا بد مع توفر الهمم والدواعي أن يستخرج ويستنبط، وإذا استخرج واستنبط فلا بد مع توفر الهمم والدواعي أن يتكلم به، وإذا تكلم به فلا بد مع","vol":"7","page":77},{"text":"توفر الهمم والدواعي أن ينقل.\nإلا ترى أنه لما تكلم به واحد، وهو الجعد بن درهم، نقل الناس ذلك؟ ثم الجهم بعده كذلك، ولم نقل إن هذا لم يكن في نفس أحد، فإن هذا لا يمكن نفيه، ولم ينقل أن أحدًا من هؤلاء لم يناج به بعض الناس، فإن هذا لا يمكن نفيه، بل قلنا: إنه لم يظهر، وعدم ظهوره مع الكثرة والقوة الموجبة لتوفر الهمم والدواعي على استخراجه واستنباطه: إن كان حقًا يوجب أنه ليس حقًا، فإن معرفة الله وما يستحقه من الصفات نفيًا وإثباتًا أعظم المطالب.\nونحن نعلم بالاضطرار أن سلف الأمة كانوا أعظم الناس رغبة في هذا ومحبة له، فإذا كان الحق هو قول النفاة، وعلى ذلك أدلة عقلية يستخرجها الناظر بعقله، وهم من أعقل الناس وأرغبهم في هذا المطلب، امتنع مع ذلك أن لا يكون منهم من يفطن لهذا الحق، وإذا تفطن له، مع قوة دينهم ورغبتهم في الحيز، كانوا يظهرونه ويبينونه، وذلك يوجب ظهوره وانتشاره لو كان حقًا.\nوكذلك الكفار لهم رغبة في معرفة ذلك وإظهاره، لو كان حقًا، لما كان فيه من معارضة الرسول ومناقضته، ولما فيه من معرفة الحق.\nواعلم أن هذا كما يقال في أمتنا، فإنه يقال في بني إسرائيل، فإن التوراة مملوءة بإثبات الصفات التي يسميها النفاة تشبيهًا وتجسيمًا.\nومن المعلوم أن التوراة قد تداولها من الأمم ما لا يحصيهم إلا الله، وقد انتشرت بين النصارى كما انتشرت بين اليهود، فلو كان ما فيها من الصفات وإثبات العلو لله مما يناقض صريح العقل، لكان ذلك من أعظم ما كان","vol":"7","page":78},{"text":"ينبغي أن يتعنت به بنو إسرائيل وغيرهم لموسى، فقد ذكر عنهم ومن تعنت بموسى أشياء لا تعلم بصريح العقل، قد آذوا موسى وقالوا إنه آدر وإنه قتل هارون، ودس عليه قارون بغيًا لرميه بالزنا ليؤذي موسى بذلك.\nوقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، ومع هذا فأذى موسى بذلك أذى لا يشهد به صريح العقل، فلو كان ما اخبرهم به مما يناقض صريح العقل، لكان آذاه بالقدح في ذلك أبين وأظهر وأولى أن يستعمله من يريد الأذى له.\nوقد قال تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ [البقرة: ٤٧] .\nوقال: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين﴾ [المائدة: ٢٠] .\nوقال: ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين﴾ [الجاثية: ١٦] .\nوقد كان القوم مجاورين الروم والقبط والنبط والفرس، وهم أئمة الفلاسفة، والصابئين والمشركين من جميع الأصناف.\nوقد ذكروا أن","vol":"7","page":79},{"text":"أساطين الفلاسفة كفيثاغورس وسقراط أفلاطون قدموا الشام وتعلموا الحكمة من لقمان وأصحاب داود وسليمان، فكيف بكون ما تدل عليه التوراة ويفهم منها مناقضًا لصريح المعقول الذي لا ينبغي أن يشك عاقل فيه، لا يظهر ذلك إلا في أوليائها ولا أعدائها؟\nبل الطوائف كلها مجتمعة على تعظيم الذي جاء بالتوراة، خاضعين له، فهل يكون كتابًا مملوءًا مما ظاهره كذب وفرية على الله، ووصف له بما يمتنع عليه ولا يجوز في حقه، ولا يظهر بين العقلاء مناقضته ومعارضته؟\nومن اعتبر الأمور وجد الرجل يصنف كتابًا في طب وحساب أو نحو أو فقه، أو ينشأ خطبة أو رسالة، أو ينظم قصيدة أو أرجوزة، فيلحن فيه لحنة، أو يغلط في المعنى غلطة، فلا يسكت الناس حتى يتكلموا فيه ويبينوا ذلك ويخرجون إلى الحق من زيادة الباطل، وإن كان صاحب ذلك الكلام لا يدعوهم إلى طاعته واستتباعه، ويذم من يخالفه - فضلًا عن أن يكفره ويبيح قتاله وشتمه - فإذا كان الذي جاء بالقرآن، ودعا الناس إلى طاعته واستتباعه، وأن يكون هو المطاع الذي لا ينبغي مخالفته في شيء: دق ولا جل، ويقول إن السعادة لمن أطاعه والشقاء لمن خالفه، ويعظم مطيعيه، ويعدهم بكل خير، ويلعن مخالفيه ويبيح دماءهم وأموالهم وحريمهم، فمن المعلوم أن مثل هذه الدعوة لا يدعيها إلا أكمل الناس وأحقهم بها، وهم الرسل الصادقون، أو أكذب الناس وأبعدهم عنها، كالمتنبئين الكاذبين.","vol":"7","page":80},{"text":"ومعلوم أن صاحب هذه الدعوة، تعاديه النفوس وتحسده، «كما قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ لما أخبره بما جاءه، فقال: (إن قومك سيخرجوك.\nقال: أو مخرجيهم؟ قال: نعم، إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مأزورا)» .\nومن المعلوم أن أعداء من يقول مثل هذا، إذا كان المفهوم من كلامه، والظاهر من خطابه هو كذب على الله، ووصفه بذلك كان قائلًا من التشبيه والتجسيم بما يخالف صريح العقل، بل يكون صاحبه كافرًا كذابًا مفتريًا على الله - كان هذا من أعظم مما تتوفر الهمم والدواعي على معارضته به، والطعن في ذلك والقدح في نبوته به.\nوهكذا موسى بن عمران وبنو إسرائيل، كان بمقتضى العادة المطردة إنه لا بد في كل عصر من أن يظهر إنكار مثل ذلك والقدح في ما جاء به موسى، وأن يكون المأذون له يؤذونه بذلك وأعظم منه.\nفإن قيل: أنه قد وجد طعن في موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم بمثل هذا.","vol":"7","page":81},{"text":"قلنا: نعم، وجد بعد أن ظهرت مقالة الجهمية في المسلمين، وحديث الملاحدة من القرامطة الباطنية، والذين أخذوا شر قول الجهمية وشر قول الرافضة، وركبوا منهم قولًا ثالثًا شرًا منهما، ونحن لم نقل: إنه لم يقدح أحد في الأنبياء والمرسلين، ولا كذبهم ولا عارضهم في نفس ما دعوا إليه من التوحيد والنبوة والمعاد، وعارضوهم بعقولهم، ولم يعارضوهم معارضة صحيحة، بل كان ما عارضوا به فاسدًا في العقل.\nفهؤلاء الذين حدثوا من المعارضين هم أسوا حالًا من أولئك المعارضين، فغن القرامطة الباطنية شر من عباد الأصنام من العرب، وشر من اليهود والنصارى، فمجادلة هؤلاء وأمثالهم بالباطل ليس بعجيب، فما زال في الأرض من يجادل بالباطل ليدحض به الحق.\nولكن قلنا: إذا كان الظاهر المفهوم مما خبروا به مخالفًا لصريح العقل، امتنع في العادة أن لا يعارض أولئك الأعداء به، ولا يستشكله الأصدقاء مع طول الزمان، وتفرق الأمة، فإذا كان العدو يعارض بالمعقول الفاسد، فكيف لا يعارض بالمعقول الصريح، وإذا كان الولي يستشكل ما لا إشكال فيه لخطأه هو نفسه، فكيف لا يستشكل ما هو مشكل يخالف ظاهره - بل نصه - للحق المعلوم بصريح العقل؟\nفقلنا: عدم وجود هذه المعارضات مع توفر الهمم والدواعي على وجودها - لو كانت حقًا - دليل على أنها باطل، كما أن عدم نقل ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله - لو كان موجودًا - دليل على انه كذب، بخلاف وجود الطعن والمعارضة، فانه ليس دليلًا على صحة ما","vol":"7","page":82},{"text":"عارض به وطعن، كما أن مجرد نقل الناقل ليس دليلًا على صحة ما نقل.\nفليتدبر الفاضل هذا النوع من النظر والكلام فإنه ينفتح له أبواب من الهدى، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن الجهمية النفاة هم من أفسد الناس عقلًا، وأعظمهم جهلًا، وإن كان قد يحصل لأحدهم ملك وسلطان بيد أو لسان، كما حصل لفرعون ونمرود بن كنعان ونحوهما.\nولهذا وصف الله لهؤلاء وأشباههم بأنهم لا يسمعون ولا يعقلون، ومن تدبر الحقائق وجد كل من كان أقرب إلى التصديق بما جاءت به الرسل والعمل به، كان أكمل عقلًا وسمعًا، وكل من كان أبعد عن التصديق بما جاءت به الرسل والعمل به، كما أنقص عقلًا وسمعًا.\nولا ريب أن قول أهل التعطيل والإلحاد، ومن دخل منهم من أهل الحلول والاتحاد، ومن شاركهم في بعض أصولهم المستلزمة، لتعطيلهم وإلحادهم من سائر العباد هي من أفسد الأقوال وأكذبها وأعظمها تناقضًا، وأكثر من الأمور أدلة على نقيضها، من الأدلة العقلية والسمعية، لكان اشتبه بعض أصولهم على كثير من أهل الإيمان فظنوا أن ذلك برهان عقلي معارض للقرآن الإلهي، ولم يعلموا أن البرهان موافق للقرآن ومعاضد لا مناقض معارض، وإن دلائل الآيات والآفاق العيانية موافقة للدلائل القرآنية، إذ كانت أدلة الحق شهودًا صادقين، وحكمًا لا يثبت عندهم إلا الحق المبين.\nومن المعلوم أن أخبار الصادقين وشهاداتهم وإثباتاتهم تتعاون وتتعاضد وتتناصر وتتساعد، لا تناقض ولا تعارض، وإن قدر أن","vol":"7","page":83},{"text":"أحدهم يغلط خطأ أو يكذب أحيانًا، فلا بد أن يظهر خطأه وكذبه، وهذا ما استقراه الناس في أحاديث المحدثين للأحاديث النبوية، لا يعرف أن أحدًا منهم غلط أو كذب، إلا وظهر لأهله صناعته كذبه أو خطأه.\nوكذلك الناظرون - أهل النظر والاستدلال في الأدلة السمعية أو العقلية - ما يكاد يغلط غالط منهم، إلا ويعر فالناس غلطه من أبناء جنسه وغيرهم.\nوالجهمية النفاة المعطلة قلبوا حقائق الأدلة البرهانية العقلية والسمعية، ثم ادعوا أن معهم دلالات عقلية تعارض الآيات السمعية، فحرفوا الآيات وبدلوها بالتأويل، بعد أن أفسدوا العقول بزخرف الأباطيل.\nقال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون * أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين * وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾ [الأنعام: ١١٢-١١٥] .\nفإذا رأيت الدلائل اليقينية تدل على أن ما اخبر به الرسول لا يناقض العقول، بل يوافقها، وأن ما ادعاه النفاة من مناقضة البرهان","vol":"7","page":84},{"text":"لمدلول القرآن قول باطل، فلا تعجب من كثرة أدلة الحق، وخفاء ذلك على كثيرين، فإن دلائل الحق كثيرة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وقل لهذه العقول التي خالفت الرسول، في مثل هذه الأصول: كادها باريها، واتل قوله تعالى: ﴿وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ [الأحقاف: ٢٦] .\nومما يوضح الأمر في ذلك أن يقال: من المعلوم أن موسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم وأمثالهما، كانوا من أكمل الناس معرفة وخبرة وعقلًا باتفاق من آمن بهم ومن كفر، فإن الكافر بهم يقول: كانوا من أدهى الناس واخبرهم بالأمور، وأعرفهم بالطرق التي تنال بها المقاصد، والأسباب التي تطلب بها المرادات، فسعوا فيما يصدقهم به الناس، ويطيعونهم بما كان عندهم من المعرفة والحذق والذكاء.\nوأما المؤمن بهم فيقول: إن الله خصهم من العلم والعقل والمعرفة واليقين، بما لم يشركهم أحد من العالمين.\nوقال وهب بن منبه لو وزن عقل محمد ﷺ بعقل أهل الأرض لرجح.\nوإذا كان كذلك امتنع في صريح العقل أن من يريد أن الناس يصدقونه ويطيعونه، يذكر لهم ما يوجب في صريح العقل تكذيبه","vol":"7","page":85},{"text":"ومعصيته، والقدح فيما جاء به ومعارضته، فإن كان المفهوم المعروف مما أخبروا به الناس مناقضًا لصريح العقل.\nوهم لو لم يعرفوا أنه مناقض لصريح العقل، فقد وصفهم من قال ذلك من نقص العقل وفساده، بما أجمع الناس على فساده، وإن علموا أنه مناقض لصريح العقل، وأظهروه ولم يبينوه، ولم يذكروا ما يجمع بينه وبين صريح العقل، فقد سعوا فيما به يكذبهم المكذب، ويرتاب المصدق، ويستطيل به أعداؤهم على أوليائهم، فيكون أوليائهم في الريب والاضطراب، وأعدائهم قد فوقوا إليهم النشاب، وحزبوا عليه الأحزاب، وهم لا يستطيعون نصر ما جاء به الرسول بل يطلبون الإعراض عن سماعه، ومنع الناس من استماعه، ولا يفعله إلا من هو من أقل الناس عقلًا.\nوإذا كان هؤلاء بإجماع أهل الأرض كاملي العقول والمعرفة، بل أكمل الناس عقلًا ومعرفة، تبين أن الدين الذي أظهروه وبينوا وأخبروا به ووصفوه، لم يكن عنهم مناقضًا لصريح المعقول، ولا منافيًا لحق مقبول، بل كان عندهم لا يخالف ذلك إلا كل كاذب جهول.\nومما يوضح الأمر في ذلك أن النبي ﷺ قد ظهر وانتشر ما أخبر به من تبديل أهل الكتاب وتحريفهم، وما اظهر من عيوبهم وذنوبهم، تنزيه لله عما وصفوه به من النقائص والعيوب،","vol":"7","page":86},{"text":"كقوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾ [آل عمران: ١٨١] .\nوقوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين﴾ [المائدة: ٦٤-٦٥]، وقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] .\nونزه نفسه عما يصفوه به من الفقر والبخل والإعياء، فالإعياء من جنس العجز المنافي لكمال القدرة، والفقر من جنس الحاجة إلى الغير المنافي لكمال الغنى، والبخل من جنس منع الخير وكراهة العطاء، المنافي لكمال الرحمة والإحسان، وكمال القدرة والرحمة.\nوالغنى من الغير مستلزم سائر صفات الكمال، فإن الفاعل إذا كان عاجزًا لم يفعل، وإذا كان قادرًا ولم يرد فعل الخير لم يفعله، فإذا كان قادرًا مريدًا له فعل الخير، ثم إن كان محتاجًا إلى غيره، كان معاوضًا لا محسنًا متفضلًا، وكان فيه نقص من وجه آخر، فإذا كان مع","vol":"7","page":87},{"text":"هذا غني عن الغير، لم يفعل إلا لمجرد الإحسان والرحمة، وهذا غاية الكمال.\nوقد نزه الله سبحانه نفسه في القرآن عما زعمته النصارى من الولد الشريك، فقال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه﴾ [النساء: ١٧١] .\nوقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ [المائدة: ١٧] .\nوقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم * أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٧٣-٧٤] .\nثم إنه جمع اليهود والنصارى في قوله: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ [التوبة: ٣٠] .\nومن المعلوم لمن له عناية بالقران أن جمهور اليهود لا تقول: إن عزير ابن الله، وإنما قالت طائفة منهم، كما قد نقل أنه قاله فنحاص بن","vol":"7","page":88},{"text":"عازورا، أو هو وغيره.\nوبالجملة إن قائلي ذلك من اليهود قليل، ولكن الخبر عن الجنس.\nكما قال: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فالله سبحانه بين هذا الكفر الذي قاله بعضهم وعابه به، فلولا كان ما في التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم، فإن فيها من ذلك ما تنكره النفاة وتسميه تشبيهًا وتجسيمًا، بل فيه إثبات الجهة وتكلم الله بالصوت، وخلق آدم على صورته وأمثال هذه الأمور.\nفإن كان هذا مما كذبته اليهود وبدلته، كان إنكار النبي ﷺ لذلك وبيان ذلك أولى من ذكر ما هو دون ذلك، فكيف والمنصوص عنه موافق للمنصوص في التوراة؟ فإنك تجد عامة كما جاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقًا مطابقًا لما ذكر في التوراة، وقد قلنا قبل ذلك إن هذا كله مما يمتنع في العادة توافق المخبرين به من غير مواطأة.\nوموسى لم يواطئ محمدًا، ومحمد لم يتعلم من أهل الكتاب.\nفدل","vol":"7","page":89},{"text":"ذلك على صدق الرسولين العظيمين، وصدق الكتابين الكريمين.\nوقلنا: إن هذا لو كان مخالفًا لصريح المعقول لم يتفق عليه مثل هذين الرجلين، اللذان هما وأمثالهما أكمل العالمين عقلًا، من غير أن يستشكل ذلك وليهما المصدق، ولا يعارض بما يناقضه عدوهما المكذب، ويقولان: إن إقرار محمد ﷺ لأهل الكتاب على ذلك، من غير أن يبين كذبهم فيه، دليل على أنه ليس مما كذبوه وافتروا على موسى مع أن هذا معلوم بالعادة، فإن هذا في التوراة كثير جدًا، وليس لأمة كثيرة عظيمة منتشرة في مشارق الأرض ومغاربها، غرض في أن تكذب على من تعظمه غاية التعظيم، بما يقدح فيه، وتبين فساد أقواله، ولكن لهم غرض في أن يكذبوا كذبًا يقيمون به رياستهم وبقاء شرعهم، والقدح فيما جاء به من ينسخ شيئًا منها، كما لهم غرض في الطعن على عيسى بن مريم وعلى محمد صلى الله عليهما وسلم، فإذا قالوا ما هو من جنس القدح فيه عيسى ومحمد كان تواطؤهم على الكذب فيه ممكن، فإما إذا قالوا ما هو من جنس القدح في موسى فيمتنع تواطؤهم على ذلك في العادة، مع علمهم بأنه يقدح في موسى، كما يمتنع تواطؤ النصارى على ما يعلمون انه قدح في المسيح.","vol":"7","page":90},{"text":"وأما المسلمون فقد عصمهم الله من أن يتفقوا على خطأ، لكن يعلم بمطرد العادات انه يمتنع تواطؤهم على ما يعلمون أن قدح في نبوته، فإن هذا لا يفعله إلا من هو مبغض له مكذب، ونحن نعلم أن اليهود لم يتفقوا على ضرب موسى وتكذيبه، ولا اتفقت النصارى على بغض المسيح وتكذيبه، فضلًا عن أن تتفق طائفة من المسلمين على بغض محمد وتكذيبه، وإذا اتفقت طائفة على بغضه وتكذيبه، مثل غالية الإسماعيلية والخزمية الباطنية وأمثالهم، لم تكن هذه الطائفة من أهل الإيمان به، وقد انكشف - ولله الحمد - أمرهم، وانهتك سترهم.\nوقد تتفق الطائفة على قول يكون متضمنًا للقدح فيمن تعظمه ولا يعلم ذلك، كما يتفق مثل ذلك للنصارى والرافضة، وأمثالهم من جهال الطوائف، الذين اعتقدوا عقائد فاسدة فظنوها حقًا، وكذب بعضهم فنقلها لهم عن المسيح أو علي، فصدقوا ذلك الناقل، لا لثبوت صدقه عندهم، لكن لموافقته لهم فيما يعتقدونه.\nوهذا سبب كثرة الكذب والضلال بين النصارى والرافضة والغلاة من العامة وغيرهم، وإذا كان كذلك فهذه الأقوال التي في التوراة: إن كانت مخالفة لصريح العقل لم يكن في إضافتها إلى موسى إلا بطريق القدح فيه، فيمتنع اتفاق اليهود على نقلها عنه، وإن لم تكن مخالفة لصريح العقل، لم يكن حينئذ في نقلها عن موسى محذور.\nفثبت أن لا يجوز تكذيب نقل هذه عن موسى لاعتقاده مخالفتها بالعقل الصريح.","vol":"7","page":91},{"text":"فإن قيل: إن الذي كذبها لهم كان يعتقد صدقها، أو كان غرضه إضلالهم، كما أن كثيرًا من هذه الأمة يكذب على النبي ﷺ أكاذيب لاعتقاده أنها حق صحيح يجب على الناس قبوله، فيكذب أحاديث في ذلك ليقبل الناس ما يعتقده، كما وقع مثل هذا لطوائف من أهل البدع والكلام، وبعض المتفقهة والمتزهدة، مثل الجويباري الذي كان يكذب للمرجئة والكرامية وغيرهم أحاديث توافق قولهم، ومثل بعض المتفقهة الذين كذبوا أحاديث توافق رأيهم لاعتقادهم أنه صدق، ومثل طائفة من أهل الزهد والعبادة كذبوا أحاديث في الرتغيب والترهيب، وقالوا: نحن كذبنا له ما كذبنا عليه، ومثل الذين كذبوا أحاديث في فضائل الأشخاص والبقاع والأزمنة وغير ذلك، وغير ذلك، لظنهم أن موجب ذلك حق، أو لغرض آخر.\nوآخرون من الزنادقة والملاحدة كذبوا أحاديث مخالفة لصريح العقل ليهجنوا بها الإسلام ويجعلوها قادحة فيه، مثل حديث عرق الخيل الذي فيه أنه خلق خيلًا فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق، فإن هذا الحديث وأمثاله لا يكذبه من يعتقد صدقه لظهور","vol":"7","page":92},{"text":"كذبه، وإنما كذبه من مقصوده إظهار الكذب بين الناس، كما يقولون: إنه وضعه بعض أهل الأهواء، ليقول: أن أهل الحديث يروون مثل هذا، ومع هذا فكل أهل الحديث متفقون على لعنة من وضعه.\nومما يشبه ذلك حديث الجمل الأورق وأنه ينزل عشية عرفة على جمل أورق، فيصافح المشاة ويعانق الركبان، وحديث رؤيته لربه في الطواف، أو رؤيته ليلة المعراج بعين رأسه وعليه تاج يلمع، بل وكل حديث فيه رؤيته لربه ليلة المعراج عيانًا، فإنها كلها أحاديث مكذوبة موضوعة، باتفاق أهل المعرفة بأحاديث، لكن الذين وضعوها يمكن أنهم كانوا زنادقة، فوضعوها ليهجنوا بها من يرويها ويعتقدها من الجهال، ويمكن أن الذين وضعوها كانوا من الجهال الذين يظنون مثل هذا حقًا، وأنهم إذا وضعوه قووا الحق، كما وضع كثير من هؤلاء أحاديث في فضائل الصحابة: أبي بكر وعمر وعثمان، لا سيما ما وضعوه في فضائل علي من الأكاذيب، فإنه لا يكاد يحصى، مع أن في فضائلهم الصحيحة ما يغنى عن الباطل، ومثل ما وضعوه في مثالبهم، لا سيما ما وضعته الرافضة في مثالب الخلفاء وغيرهم، فإن فيه من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله.\nوالمقصود أن المعترض يقول: يمكن أن يكون الذين كذبوا ما في","vol":"7","page":93},{"text":"التوراة من الصفات على موسى، كانوا يعتقدونها فكذبوها، أو كان مقصودهم إضلال اليهود وبث الكذب فيهم لإفساد دينهم.\nقيل: هذا القدر يمكن أن يفعله الواحد والاثنان والطائفة القليلة، ولكن هؤلاء إذا حدثوا به عامة اليهود، مع معرفتهم واختلافهم، فلا بد إذا كان معلومًا فساده بصريح العقل أن يرده بعضهم أو يستشكله، ويقول: إن مثل هذا يقدح في موسى، فحيث قبلوه كلهم علم أنهم لم يكونوا يعتقدون أنه فاسد في صريح العقل.\nومن المعلوم عند أهل الكتاب أن قدماءهم لم يكونوا ينكرون ما في التوراة من الصفات، وإنما حدث فيهم بعد ذلك، لما صار فيهم جهمية: إما متفلسفة مثل موسى بن ميمون وأمثاله، وإما معتزلة مثل أبي يعقوب البصير وأمثاله، فإن اليهود لهم بالمعتزلة اتصال وبينهما اشتباه، ولهذا كانت اليهود تقرأ الأصول الخمسة التي للمعتزلة، ويتكلمون في أصول اليهود بما يشابه كلام المعتزلة، كما أن كثيرًا من زهاد الصوفية يشبه النصارى ويسلك في زهده وعبادته من الشرك والرهبانية ما يشبه سلوك النصارى، ولهذا أمرنا الله تعالى أن تقول في صلاتنا: ﴿اهدنا الصراط","vol":"7","page":94},{"text":"المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٦-٧] .\nوالنصارى يشبهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال، واليهود تشبه الخالق بالمخلوق في صفات النقص.\nولهذا أنكر القرآن على كل من الطائفتين ما وقعت فيه من ذلك، فلو كان ما في التوراة من هذا الباب لكان إنكار ذلك من اعظم الأسباب، وكان فعل النبي ﷺ والصحابة والتابعين لذلك من أعظم الصواب، ولكان النبي ﷺ ينكر ذلك، من جنس إنكار النفاة.\nفنقول إثبات هذه الصفات يقتضي التجسيم والتجسيد والتشبيه والتكييف، والله منزه عن ذلك، فإن عامة النفاة إنما يردون هذه الصفات بأنها تستلزم التجسيم.\nومن المسلمين وأهل الكتاب من يقول بالتجسيد، فلو كان هذا وتجسيمًا وتجسيدًا يجب إنكاره، لكان الرسول إلى إنكار ذلك أسبق وهو به أحق.\nوإن كان الطريق إلى نفي العيوب والنقائص، ومماثلة الخالق لخلقه، هو ما في ذلك من التجسيد والتجسيم، كان إنكار ذلك بهذا الطريق هو الصراط المستقيم، كما فعله من أنكر ذلك بهذا الطريق من القائلين بموجب ذلك من أهل الكلام، فلما لم ينطق النبي ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون، بحرف من ذلك بل كان ما نطق به","vol":"7","page":95},{"text":"موافقًا مصدقًا لذلك، وكان اليهود إذا ذكروا بين يدي أحاديث في ذلك يقرأ من القرآن ما يصدقها.\nكما في الصحيحين عن «عبد الله بن مسعود أن يهوديًا قال للنبي ﷺ: إن الله يوم القيامة يمسك السماوات على إصبع.\nوالأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا لقول الحبر، ثم قرا قوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ [الزمر: ٦٧]» .\nوأخبر هو ﷺ بما يوافق ذلك غيره مرة، كما في حديث ابن عمر الذي في الصحيحين: «أن النبي ﷺ قرأ على المنبر هذه الآية ثم قال: يقول الله: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا المتعال ينجد نفسه.\nقال: فجعل رسول الله ﷺ يرددها، حتى رجف به المنبر، حتى ظننا انه سيخر به» .\nفهذا كله ذكرناه لما بينا أن ما يخالف هذه النصوص من القضايا التي يقال: أنها عقلية ليست مما يحتاج إليه في العلم بصدق الرسول، فاعلم","vol":"7","page":96},{"text":"بطلان قول القائل: إن تقديم النقل على العقل يوجب القدح فيه بالقدح في أصله، حيث تبين أن ذلك ليس قدحًا في أصله.\nوهذا الكلام في الأصل هو من قول الجهمية والمعتزلة وأمثالهم، وليس من قول الأشعري وأئمة الصحابة وإنما تلقاه عن المعتزلة متأخرو الأشعرية لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة الصحابة، الذين لم يكونوا بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة ادلة عقلية عقلية توافق السمع.\nولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، واثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضًا للسمع، بل ما جعله معاضدًا له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.\nوهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة الصحابة في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوا من العقليات.\nوالذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب الأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الجسام وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك من المسائل التي أشكلت على من كان أعلم من الأشعري بالسنة والحديث وأقوال السلف والأئمة، كالحارث المحاسبي، وأبي علي الثقفي، وأبي بكر بن إسحاق الصبغي، مع أنه قد قيل: إن","vol":"7","page":97},{"text":"الحارث رجع عن ذلك، وذكر عن غير واحد ما يقتضي الرجوع عن ذلك، وكذلك الصبغي والثقفي قد روي أنهما استتيبا فتابا.\nوقد وافق الأشعري على هذه الأصول طوائف من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، منهم من تبين له بعد ذلك الخطأ فرجع عنه، ومنهم من اشتبه عليه ذلك، كما اشتبه غير ذلك على كثير من المسلمين، والله يغفر لمن اجتهد في معرفة الصواب من جهة الكتاب والسنة، بحب عقله وإمكانه وإن أخطأ في بعض ذلك.\nوالمقصود أنه لم يكن في المنسوبين إلى السنة ولو كان فيه نوع من البدعة، من يزعم أن صريح المعقول يخالف مدلول الكتاب والسنة، بل كل من تكلم بذلك كان عند الأمة من أهل البدع المضلة، فضلًا عن أن يقال: إن ما به يعلم صدق الرسول من المعقول مناقض لمدلول الكتاب والسنة، وإذ هذا كلام يفتح على صاحبه من الزندقة والإلحاد ما يخرجه عن طرد قوله إلى غاية الجهل والضلال والكفر والإلحاد، وإن لم يطرد قول ظهر منه من التناقض والفساد ما لا يوافقه عليه لا أهل التوحيد والحق والإيمان ولا طائفة من طوائف العباد.\nوبهذا كان يصف الأشعري كل من يواليه ويحبه من المنسوبين إلى السنة والجماعة، كما في رسالة أبي بكر البيهقي التي كتبها إلى بعض ولاة الأمور لما كان وقع بخراسان من لعنة أهل البدع ما وقع، وقصد بعض","vol":"7","page":98},{"text":"الناس إدخال الأشعري فيهم.\nوقد ذكر الرسالة أبو قاسم بن عساكر في تبين كذب المفتري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>رسالة البيهقي في فضائل الأشعري</span>\nقال البيهقي في أثناء الرسالة: (فليعلم الشيخ العميد أن أبا الحسن من أولاد أبي موسى الأشعري ﵁) .\nثم ذكر من فضائل أبي موسى الأشعريين، وذرية أبي موسى أمورًا معروفة، إلى قال: (إلى أن بلغت النوبة إلى أن شيخنا أبي حسن الأشعري، فلم يحدث في دين الله حدثًا، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة، في أصول الدين، فبصرنا بزيادة شرح وتبيين وأن ما قالوه وجاء به الشرع في الأصول صحيح في المعقول، خلاف ما زعمه أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء، فكان في بيانه","vol":"7","page":99},{"text":"تقوية ما لم يزل عليه أهل السنة والجماعة، ونصرت أقاويل من مضى من الأئمة، كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، ومالك والشافعي من أهل الحرمين، ومن نحا نحوهما من أهل الحجاز، وغيرها من سائر البلاد، كأحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث، والليث بن سعد وغيره، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم الحجاج النيسابوري إمامي أهل الآثار، وذلك من دأب من تصدر من الأئمة في هذه الأمة، وصار رأسًا في العلم أهل السنة، في قديم الدهر وحديثه.\nإلى أن قال: (وحين كثرت المبتدعة في هذه الأمة، وتركوا ظاهر الكتاب والسنة، وأنكروا ما ورد أنه من صفات الله تعالى، نحوه: الحياة والقدرة والعلم، والمشيئة، والسمع، والبصر، والكلام، وجحدوا ما دل عليه من المعراج وعذاب القبر، والميزان، وأن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل الإيمان يخرجون من النيران، وما لنبينا ﷺ من الحوض والشفاعة، وأن الخلفاء الأربعة","vol":"7","page":100},{"text":"كانوا محقين فيما قاموا به من الولاية، وزعموا أن شيئًا من ذلك لا يستقيم على العقل، ولا يصح في الرأي - أخرج الله من نسل أبي موسى الأشعري إمامًا قام بنصرة دين الله، وجاهد بلسانه وبنانه من صد عن سبيل الله، وزاد في التبيين لأهل اليقين، أن ما جاء به الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، مستقيم على العقول الصحيحة والآراء.\nومضمون الرسالة إزالة ما وقع من الفتنة وإطابة قلوب أهل السنة.\nقال أبو القاسم بن عساكر: (وإنما كان انتشار ما ذكر أبو بكر البيهقي من المحنة واستعار ما أشار بإطفائه - في رسالته -من الفتنة، ما تقدم به من سب حزب الشيخ أبي الحسن الأشعري، في دولة السلطان طغرلبك، ووزارة أبي نصر الكندري، وكان السلطان حنيفًا سنيًا، وكان وزيره معتزليًا رافضيًا، فلما أمر السلطان بلعن المبتدعة على المنابر في الجمع، قرن الكندري - للتسلي والتشفي - اسم الأشعرية","vol":"7","page":101},{"text":"بأسماء أرباب البدع، وامتحن الأئمة الأفاضل، وعزل أبا عثمان النيسابوري عن خطبة نيسابور، وفوضها إلى بعض الحنيفة، فأم الجمهور، وخرج الأستاذ أبو القاسم وأبو المعالي عند البلد) .\nثم ذكره زوال تلك المحنة في دولة ابن ذلك السلطان ووزارة النظام.\nوهذا الذي ذكره عنه البيهقي هو المعروف في كتبه وعند أئمة الصحابة، وذكر ابن عساكر عن جماعة ما يوافق كلام البيهقي فذكر أن أبا الحسن القابسي - وهو من كبار أئمة المالكية بالمغرب - سأل عنه فكان في جوابه: (واعلموا أن أبا الحسن الأشعري لم يأت من هذا الأمر - يعني الكلام - إلا ما أراد به إيضاح السنن - والتثبيت عليها - ودفع الشبه عنها) .\nوقال أبو بكر بن فورك: (انتقل الشيخ أبو الحسن الأشعري","vol":"7","page":102},{"text":"من مذاهب المعتزلة إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة بالحجج العقلية، وصنف في ذلك الكتب) .\nوذكر ابن عساكر كلامه في مصنفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>كلام الأشعري في الإبانة</span>\nوقوله: (فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم الني بها تدينون.\nقيل له: قولنا الذي به تقول: وديانتنا التي بها ندين، التمسك بكتاب الله، وسنة نبيه ﷺ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثبوبته - قائلون: ولمن خالف","vol":"7","page":103},{"text":"قوله مجانبون، لأن الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين.\nوجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا نرد من ذلك شيئًا، وأن الله إله واحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولد، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، وأن له وجه، كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [طه: ٢٧]، وان له يدين كما قال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤]، كما قال ﴿لما خلقت","vol":"7","page":104},{"text":"بيدي﴾ [ص ٧٥]، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ [القمر: ١٥]، إلى أن قال\n(ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ، إجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونقول إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢]، وأن الله يقرب من عباده كيف يشاء كما قال: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦]، وكما قال: ﴿ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ [النجم: ٨-٩] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>تعليق ابن تيمية</span>\nفهذا الكلام وأمثاله في كتبه وكتب أئمة أصحابه: يبينون أنهم يعتصمون في مسائل الأصول التي تنازع فيها الناس بالكتب والسنة والإجماع، وأن دينهم التمسك بالكتاب والسنة، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ثم خصوا الإمام أحمد بالاتباع والموافقة، لما أظهر من السنة بسبب ما وقع له من المحنة.\nفأين هذا من قول من لا يجعل الكتاب والسنة والإجماع طريقًا إلى معرفة صفات الله، وأمثال ذلك من مسائل الأصول؟ فضلًا عمن يدعي تقديم عقله ورأيه على مدلول الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأئمة، ومن يقول: إذا تعارض القرآن وعقولنا قدمنا عقولنا على القرآن.","vol":"7","page":105},{"text":"ولهذا كان الأشعري وأئمة الصحابة من المثبتين لعلو الله بذاته على العالم، كما كان ذلك مذهب ابن كلاب، والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي، وأبي بكر الصبغي، وأبي علي الثقفي وأمثالهم.\nلكن للبقايا التي بقيت على ابن كلاب وأتباعه من بقايا التهجم والاعتزال، كطريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام، احتاج من سلك طريقهم إلى طرد تلك الأقوال، فاحتاج أن يلتزم قول الجهمية والمعتزلة في نفي الصفات الخبرية، ويقدم عقله على النصوص الإلهية، ويخالف سلفه والأئمة الأشعرية، وصار ما مدح به الأشعري وأئمة الصحابة من السنة والمتابعة النبوية عنده من أقوال المجسمة الحشوية، كما أن المعتزلة لما نصروا الإسلام في مواطن كثيرة، وردوا على الكفار بحجج عقلية، لم يكن أصل دينهم تكذيب الرسول، ورد أخباره ونصوصه، لكن احتجوا بحجج عقلية: إما ابتدعوها من تلقاء أنفسهم وإما تلقوها عمن احتج بها من غير أهل الإسلام، فاحتجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها وتسلم عن النقص والفساد، فوقعوا في أنواع من رد المعاني الأخبار الإلهية، وتكذيب الأحاديث النبوية.\nوأصل ما أوقعهم في نفي الصفات والكلام والأفعال، والقول بخلق القرآن، وإنكار الرؤية، والعلو لله على خلقه - هي طريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام، وعنها لومهم ما خالفوا به الكتاب والسنة والإجماع في هذا المقام، مع مخالفتهم للمعقولات الصريحة التي لا تحتمل","vol":"7","page":106},{"text":"النقيض، فناقضوا العقل والسمع من هذا الوجه، وصاروا يعادون من قال بموجب العقل الصريح، أو بموجب النقل الصحيح.\nوهم وإن كان لهم من نصر بعض الإسلام أقوال صحيحة، فهم فيما خالفوا به السنة سلطوا عليهم وعلى المسلمين أعداء الإسلام، فلا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>اعتراض يذكر نفاة الصفات</span>\nفإن قيل: إنما لم يعارض سلف المؤمنين والكفار المتقدمون لهذه النصوص لأنهم كانوا قومًا عربًا فصحاء يفهمون ما أريد بها، ولم يكونا يفهمون منها إثبات أن ذاته نفسه فوق العرش، ولا ما يشبه ذلك من الأمر المستلزمة للتجسيم، فلما لم يفهموا منها ما فهمه المتأخرون من هذا الإثبات، لم يكن المفهوم منها عندهم معارضًا لشيء من الأدلة العقلية، وأما المتأخرون فلما صاروا يستدلون بها على الإثبات المستلزم للتجسيم، صار من يريد أن يرد عليهم يعارضهم بالأدلة العقلية النافية.\nفهذا خلاصة ما يمكن أن يقوله من يعظم الرسول والسلف من النفاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>بطلان هذا الكلام من وجوه متعددة: الوجه الأول</span>\nفيقال: هذا باطل من وجوه متعددة: الوجه الأول\nأن يقال: فعلى هذا التقدير لا يكون المفهوم الظاهر من هذه النصوص إثبات العلو على العالم والصفات، ولا يجوز أن يقال: ظواهر هذه النصوص غير مراد، ولا أن قد تعارضت الدلائل النقلية والعقلية، فإنه إذا قدر أنها لا تدل على الإثبات: لا دلالة قطعية ولا ظاهرة بطل أن يكون في ظاهرها ما يفهم منه إثبات.","vol":"7","page":107},{"text":"ومن المعلوم أن هذا خلاف قول الطوائف كلها من المثبتة والنفاة، حتى من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وإنكار معاد الأبدان، فإنهم معترفون بما اعترف به سائر الخلق من أن الظاهر المفهوم منها هو إثبات الصفات.\nولكن هؤلاء المتفلسفة يقولون: إن الرسول لم يرد بيان العلم والإخبار بالأمر على وجهه، وإنما أراد التخييل، وإن تضمن ذلك التدليس وإظهار خلاف ما يبطن والكذب للمصلحة وهذا قول الملاحدة الباطنية.\nوفساد هذا المعلوم من وجوه اكثر مما يعلم به فساد قول الجهمية والمعتزلة.\nولهذا كان هؤلاء عند المسلمين ملاحدة زنادقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: التفاسير الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان تبين أنهم إنما كانوا يفهمون منها الإثبات، بل والنقول المتواترة المستفيضة عن الصحابة والتابعين في غير التفسير موافقة للإثبات، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين حرف واحد يوافق قول النفاة، ومن تدبر الكتب المصنفة في آثار الصحابة والتابعين، بل المصنفة في السنة من: كتاب السنة والرد على الجهمية، للأثرم،، ولعبد الله بن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبي داود السجستاني، وعبد الله بن محمد الجعفي، والحكم بن معبد الخزاعي، وحشيش بن أصرم النسائي، وحرب بن قاسم الكرماني، وأبي بكر الخلال، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي القاسم الطبراني، وأبي الشيخ الأصبهاني، وأبي أحمد العسال، وأبي","vol":"7","page":108},{"text":"نعيم الأصبهاني، وأبي الحسن الدارقطني، وأبي حفص بن شاهين، ومحمد بن إسحاق بن منده، وأبي عبد الله بن بطه، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي ذر الهروي، وأبي محمد الخلال، والبيهقي، وأبي عثمان الصابوني، وأبي نصر السجزي، وأبي عمر بن عبد البر، وأبي القاسم اللالكائي، وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي القاسم التيمي، وأضعاف هؤلاء رأى في ذلك من الآثار الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين، ما يعلم منه بالاضطرار أن الصحابة والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه النصوص ومدلولها، وأنهم كانوا على قول أهل الإثبات المثبتين لعلو الله نفسه على خلقه، المثبتين لرؤيته، القائلين بأن القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه.\nوهذا يصير دليلًا من وجهين: أحدهما من جهة إجماع السلف، فإنهم يمتنع أن يجمعوا في الفروع على الخطأ، فكيف في الأصول.\nالثاني: من جهة أنهم كانوا يقولون بما يوافق مدلول النصوص ومفهومها، لا يفهمون منها ما يناقض ذلك.\nولهذا كان الذين أدركوا التابعين من أعظم الناس قولًا بالإثبات وإنكارًا لقول النفاة، كما قال يزيد بن هارون الواسطي من قال: إن الله على العرش استوى، خلاف ما يقر في نفوس العامة فهو جهمي.\nوقال الأوزاعي كنا - والتابعون متوافرون - نقر بأن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>الوجه الثالث</span>\nأن من له عناية بآثار السلف بعلم علمًا أن قول النفاة إنما حدث فيهم في أثناء المائة الثانية، وأن أول من ظهر ذلك عنه الجعد","vol":"7","page":109},{"text":"بن درهم، والجهم بن صفوان، وقد قتلهما المسلمون.\nوكلام السلف والأئمة في ذم الجهمية أعظم وأكثر من أن يذكر هنا، حتى كان غير واحد من الأئمة يخرجهم عن عداد الأمة.\nوقال يوسف بن أسباط وعبد الله ابن المبارك: أصولي الثنتين وسبعين فرقة أربع: الخوارج والشيعة، والمرجئة والقدرية،.\nفقيل لابن المبارك: فالجهمية: فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد ﷺ.\nولأصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة، أم هم خارجون عنها كالملاحدة والزنادقة؟ - قولان.\nوالجهمية باتفاقهم هم نفاة الصفات الذين يقولون إن الله ليس فوق العالم، ولا يرى، ولا تقوم به صفة ولا فعل.\nوابن كلاب ومتبعوه خالفوهم في العلو والصفة، ووافقوهم على نفي الأفعال القائمة به، وغيرها مما يتعلق بمشيئته وقدرته، فكيف يمكن مع هذا أن يقال: إن السلف كانوا من القائلين بنفي العلو والصفات.\nوإذا كانوا من المثبتة امتنع أن يقال: إنهم عرفوا أن القرآن إنما يدل على قول الإثبات وخالفوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: القرآن: إما أن يقال: إنه بنفسه دال على العلو وإثبات ما يفهم منه من الصفات.\nوإما أن يقال: أنه ينفي ذلك، وإما أن يقال: إنه لا يدل على ذلك لا بنفي ولا إثبات.\nفإن قيل بالأول ثبت المقصود وعلم أن مدلول القرآن ومفهومه هو","vol":"7","page":110},{"text":"الإثبات، وتبين ما ذكر من أنه يمتنع أن يكون العقل الصريح معارضًا لذلك.\nوإن قيل بالثاني كان هذا معلوم الفساد بالاضطرار، فإن ليس في القرآن آية واحدة ظاهرة في نفي الصفات، وغاية ما يريد من يستدل بذلك أن يستدل بقوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ٤]، ونحو ذلك، وهذه الآيات إنما تنفي مماثلة صفاته لصفات المخلوقين، لا تنفي ثبوت الصفات.\nولا ريب أن القرآن تضمن إثبات الصفات ونفى مماثلة المخلوقات، فأما أن يكون فيه ما ينفي الصفات، فهذا من أعظم البهتان، الذي يظهر أنه كذب لكل عاقل.\nولهذا لما كان النفاة يعتمدون على ما ينفي التمثيل كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾، وقوله: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾، وهذا لا يدل على مقصودهم في اللغة التي نزل بها القرآن، بل هو على نقيض مقصودهم أدل، فإن هذا يدل على ثبوت شيء موصوف بصفات الكمال، لا مماثل له في ذلك، وهم لم يثبتوا ذلك - احتاجوا إلى أن يفتروا على اللغة، بعد أن افتروا على العقل، فصاروا مفترين على الشرع والعقل واللغة، فيقول أحدهم: لو كان موصوفًا بالعلو لكان جسمًا، ولو كان جسمًا لكان مماثلًا لسائر الأجسام، والله قد نفى عنه المثل، فهذا أعظم ما يعتمدون عليه من جهة السمع.\nوقد بين في غير هذا الموضع فساد هذا من وجوه كثيرة.\nمنها أن يقال: هنا ثلاث مقدمات حصل فيها التلبيس: أحدها: كون كل","vol":"7","page":111},{"text":"عال جسمًا.\nوالثاني: كون الأجسام متماثلة.\nوالثالث: كون هذا التماثل هو المراد بالمثل في لغة العرب التي نزل بها القرآن.\nومنشأ الغلط في الاشتباه والاشتراك والإجمال في لفظ (الجسم) ولفظ (المثل) .\nفيقال: الجسم في لغة العرب هو البدن، وهو عندكم مما يمكن الإشارة إليه، فالهواء والماء والنار ونحو ذلك ليس جسمًا في لغة العرب، وهو في اصطلاحكم جسم.\nوإذا كان الجسم في لغة العرب أخص منه في عرفكم، وقد علم بصريح العقل أن الذهب ليس مثل الفضة، ولا الخبز مثل التراب، ولا الدم كالذهب، فما يسمى في لغة العرب (جسدًا) و(جسمًا) ونحو ذلك، هو مما يعلم أنه ليس متماثلًا بصريح العقل والحس، فكيف بما هو أعم من ذلك، مثل كونه يشار إليه، أو كونه يقبل الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والعمق؟ مع أن هذه الألفاظ ليس مرادهم بها ما هو معناها في اللغة المعروفة، فإن هؤلاء عندهم الحبة الواحدة، كالعدسة والسمسمة، بل الذرة التي قال الله فيها: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ [النساء: ٤٠]، هي في اصطلاحهم طويلة عريضة عميقة.\nومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب أنهم يقولون عن نوع الإنسان: هذا طويل، وهذا قصير.\nوكذلك أعضاء الإنسان كيده","vol":"7","page":112},{"text":"ورجله وعنقه، يقولون: هذا طويل وهذا قصير، ويقولون: هذا عريض، وهذا دقيق ورقيق، لعنقه ويده.\nوأما العميق عندهم فيقال في مثل الآبار ونحوها، لا يقولون لفم الإنسان: إنه عميق، ولا لأذنه وعينه ونحو ذلك، فكيف بالعدسة والسمسمة والذرة.\nفإذا قالوا عن الشيء: إنه طويل عريض عميق، لم يقصدوا بذلك المعروف في اللغة، وما يعقله الناس من معنى الطول والعرض والعمق، بل يقصدون هذا المعنى العام الذي وضعوا له لفظ الطول والعرض والعمق، ثم يقولون مع هذا: إن كل ما وصف بهذه المعاني العامة، فإنه يجب أن يكون مماثلًا مستويًا في الحد والحقيقة، لا يختلف إلا باختلاف أعراضه.\nفهذا القول من أبعد الأقوال عن المعقول الذي يعرفه الناس بحسهم وعقلهم.\nثم بتقدير أن يكون كذلك، فلا يتمارى عاقلان أن لفظ (المثل) في لفة العرب وسائر الأمم ليس المراد به هذا، وأنه إذا قيل له: إن كذا مثل كذا، أو ليس مثله، وهذا ليس له مثل، فإنه ليس المفهوم من (المثل) كون هذا بحيث يشار إليه، وكون هذا بحيث يشار إليه، أو كون كل منهما له قدر، أو له طول وعرض وعمق، لا بالمعنى اللغوي، ولا بما هو أقرب إليه، فضلًا عن اصطلاحهم.\nونحن نعلم بالضرورة من لغة العرب انهم لا يقولون: الجبل مثل النار، ولا الهواء مثل الماء ولا الجمل مثل البقر، ولا الشمس والقمر مثل الذهب والفضة، مع اشتراكهما في كثير من الصفات الزائدة على","vol":"7","page":113},{"text":"مطلق المقدار، بل قد نفى في القرآن كون الشيء مثل غيره مع كون كل منهما جسمًا، بل حيوانًا، بل إنسانًا.\nكما يف قوله: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ [محمد: ٣٨] .\nوقال تعالى: ﴿أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون﴾ [الواقعة: ٥٨-٦١] .\nوهذا في لغة العرب لقول شاعرهم:\nليس كمثل الفتى زهير ... خلق يوازيه في الفضائل\nوقال الآخر:\nما إن كمثلهم في الناس واحد\nفكيف يجوز مع هذا أن يستدل بقوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾، أو قوله: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ على أنه لا صفة له، أو لا يرى في الآخرة، أو ليس فوق العرش - بناءً على تلك المقدمات، وهو أنه لو كان كذلك لكان جسمًا، والأجسام متماثلة، والله قد نفى المثل؟\nومن عجيب ما يحتجون به أنهم يقولون: لو كان متصفًا بذلك لكان جسمًا، ولو كان جسمًا لكان منقسمًا، والمنقسم ليس بواحد، والله قد أخبر أنه واحد.\nمع أنه لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم","vol":"7","page":114},{"text":"من الأمم، استعمال الواحد الأحد والوحيد إلا فيما يسمونه جسمًا ومنقسمًا، كقوله تعالى: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾ [المدثر: ١١] .\nوقوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: ١١] .\nوقوله: ﴿واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب﴾ إلى قوله: ﴿قال له صاحبه وهو يحاوره﴾ [٣٢-٣٧] .\nوقوله: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب﴾ [البقرة: ٢٦٦] .\nوقوله تعالى: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩] .\nوقوله: ﴿ولا يشرك في حكمه أحدا﴾ [الكهف: ٢٦] .\nوقوله: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠] .\nوقوله: ﴿ولا تستفت فيهم منهم أحدا﴾ [الكهف: ٢٣] .\nوقوله: ﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد﴾ [الجن: ٢٢] .\nوقوله: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ [الجن: ١٨] .\nوقوله: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] .","vol":"7","page":115},{"text":"وقوله: ﴿ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣٦] .\nإلى قوله: ﴿أما أحدكما فيسقي ربه خمرا﴾ [يوسف: ٤١] .\nوقوله: ﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره﴾ [القصص: ٢٦] .\nإلى قوله: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ [القصص: ٢٧] .\nوقوله: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ٤] .\nوالعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل، ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وفرس واحد، وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد، ورأس واحد، وذكر واحد، وأمير واحد، وملك واحد، ومسكن واحد، وسيد واحد، وأمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى.\nفلفظ الواحد وما يتصرف منه في لغة العرب وغيرهم من الأمم لا يطلق إلا على ما يسمونه هم جسمًا منقسمًا، لأن ما لا يسمونه هم جسمًا منقسمًا ليس هو شيئًا يعقله الناس، ولا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه، بل عقول الناس وفطرهم مجبولة على إنكاره ونفيه، فلو قدر وجود هذا في الخارج، أو إمكان وجوده، لاحتيج بعد ذلك إلى أن يثبت لفظ (الواحد) في لغة العرب يعبرون بها عنه، إذ ليس كل ما وجد، أو أمكن وجوده، يجب أن يتصوره أهل اللغة، ويكون داخلًا فيما عبروا عنه من لغتهم.","vol":"7","page":116},{"text":"وإذا قدر أن أهل اللغة عبروا بلفظ (الواحد) و(الأحد) في لغتهم عن هذا، لم يجز أن يقال: إن لفظ (الواحد) في لغتهم لا يقع إلا عليه، لما ذكرناه أن لفظ (الواحد) وما اشتق منه عرف واشتهر استعماله في اللغة فيما يجعلونه هم جسمًا منقسمًا، وذلك ليس بواحد عندهم، فسمي الواحد عندهم منتف في اللغة، وإن قدر وجوده لكان نادرًا في اللغة.\nوالغالب المشهور في اللغة أن اسم (الواحد) يتناول ما ليس هو الواحد في اصطلاحهم، وإذا كان كذلك لم يجز أن يحتج بقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقوله: ﴿قل هو الله أحد﴾ ونحو ذلك مما أنزله الله بلغة العرب، واخبرنا فيه انه أحد، وأنه إله واحد - على أن المراد ما سموه هم في اصطلاحهم واحدًا مما ليس معروفًا في لغة العرب، بل إذا قال القائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر - كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان قديمًا بنفسه، متصفًا بالصفات مباينًا لغيره، مشارًا إليه.\nوما لم يكن مشارًا إليه أصلًا، ولا مباينًا لغيره، ولا مداخلًا له، فالعرب لا تسميه واحدًا ولا أحدًا، بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض مطلوبهم منه، لا على مطلوبهم.","vol":"7","page":117},{"text":"يؤيد هذا أنهم يقولون: اللفظ المشهور في اللغة الذي يتداوله الخاص والعام لا يجوز أن يكون موضوعًا بإزاء المعنى الدقيق الذي لا يفهمه إلا خواص الناس، وهذا مما استدل به نفاة الأحوال على مثبتيها، وقالوا: المعروف في اللغة أن الحركة هي كون الجسم متحركًا.\nوأما ما يدعونه من أن الحركة أمر يوجب كون الجسم متحركًا، فهذا المعنى لا يفهمه إلا الخاصة، فضلًا عن أن يعلموا أن لفظ (الحركة) موضوع له.\nولفظ (الحركة) لفظ مشهور يتداوله الخاصة والعامة، فلا يحوز أن يكون مفهومه ما لا يتصوره المخاطبون به.\nوهذا بعينه ما يقال لهؤلاء النفاة الذين يسمون نفيهم توحيدًا، فيقال هذا الواحد الذي تثبتونه، وهو أنه لا يشار إليه، ولا يتميز منه شيء عن شيء، ونحو ذلك - أمر لا يتصوره إلا بعض الناس، بل قليل منهم، والذين تصوروه تناعوا في إمكان وجوده في الخارج، فمنهم من قال: وجود هذا في الخارج ممتنع، وإن كان كذلك، ولفظ الواحد مشهور في اللغات كلها أشهر من لفظ (الحركة)، فلا يجوز أن يكون مسمى هذا الاسم في اللغة المعروفة معنى لا يتصوره إلا قليل من الناس، وهم متنازعون في إمكان ثبوته في الخارج، وإذا لم يكن هذا المعنى هو المراد بلفظ (الواحد) و(الأحد)، لم يجز الاستدلال بالسمع الوارد بلغة العرب على هذا.","vol":"7","page":118},{"text":"ولو قيل: إنه يجوز استعمال لفظ (الواحد) في لغتهم في هذا المعنى: إما بطريق المجاز والاشتراك أو التواطؤ.\nقيل: هب أنه يجوز لمن بعدهم أن يستعمل ذلك، لكن نحن نعلم أنهم لم يستعملوه في ذلك، لأنهم لم يكونوا يثبتون هذا المعنى، وبتقدير أن يكون مستعملًا في هذا وهذا، فإنه يكون دالًا على ما به الاشتراك، فلا يدل على ما يمتاز به أحدهما عن الآخر، فلا يدل على محل النزاع، ولو قدر أنه حقيقة في أحدهما: مجاز في الآخر، لكان حقيقة في المعنى الذي يسبق إلى إفهام الناس عند الإطلاق، وهو المعروف.\nولو قدر أنه مشتركًا اشتراكًا لفظيًا لم يجز تعيين محل النزاع إلا بقرينة تدل على تعيينه، والقرائن اللفظية إنما تدل على نقيض قولهم، لا على عين قولهم، فإنه ليس في الكتاب إثبات واحد بالمعنى الذي ادعوه، فضلًا عن أن يكون الله موصوفًا به.\nوهذا (الواحد) الذي يثبته هؤلاء من جنس الأحوال التي يثبتها أولئك، ومن جنس الشيء المعدوم الذي يثبته من يقول: المعدوم شيء، ومن جنس الكليات والمجردات، كالعقول والمادة والصورة العقلية التي يثبتها الفلاسفة، فهؤلاء يثبتون في الخارج ما لا وجود له في الخارج، لكن مثبتة الأحوال اعقل، ولهذا كان فيهم من هو من أهل الإثبات، فإنهم عرفوا أنها ليست موجودة في الخارج، لكن تناقضوا حيث قالوا: لا موجودة ولا معدومة، فصاروا مشابهين للقرامطة الباطنية المتفلسفة، الذين يقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت.\nومن قال: المعدوم شيء، وهو ثابت وليس بموجود - يشبه المتفلسفة الذين جعلوا","vol":"7","page":119},{"text":"الكليات المجردات أمورًا موجودة في الخارج، لكن تناقضوا حيث فرقوا بين الوجود والثبوت.\nوالمقصود أن كل هؤلاء يجمعهم إثبات أمور يدعون أنها موجودة في الخارج، وهي لا يتصورها إلا طائفة قليلة من الناس، فضلًا عن أن تكون الألفاظ المعروفة المشهورة في اللغة دالة عليها.\nولا ريب أنهم أخطأوا في المعاني المعقولة، ثم في مدلول الألفاظ المسموعة.\nفتبين لك أن قولهم يتضمن من الفرية على اللغة والعقل من جنس ما تضمن من الفرية على الشرع، وأنهم لا يمكنهم أن يقولوا: إن الشرع دال على قولهم بوجه من الوجوه، لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز.\nفإذا أريد بيان انتفاء دلالة النص على ما ادعوه من مسمى الواحد، كان هنا طرق:\nأحدها: أن هذا اللفظ لم يستعمل إلا فيما نفوه دون ما أثبتوه.\nالثاني: أن نبين انتفاء ما أثبتوه في الخارج، وحينئذ فلا يكون كلام دالًا على وجود ما ليس بموجود.\nالثالث: أن ما يذكرونه لا يتصوره عامة الناس: لا العرب ولا غيرهم، فلا يكون اللفظ موضوعًا له ودالًا عليه، وإن كان له وجود.\nولا يقال: هو بتقدير وجوده يشمله لفظ الواحد، لما تقدم من أن اللفظ المشهور بين الخاص والعام لا يكون مسماه مما لا يتصوره إلا الخاصة.\nالطريق الرابع: أنه بتقدير شموله لما أثبتوه وما نفوه، فلا ريب أن شموله لما","vol":"7","page":120},{"text":"نفوه أظهر، إذ لم يعرف استعماله في ذلك، فلا يمكنهم دعوى اختصاص معنى الواحد بما ادعوه.\nالخامس: أنه بتقدير عمومه وكونه متواطئًا إنما يدل على القدر المشترك لا على خصوص ما أثبتوه.\nالسادس: أنه بتقدير كون أحدهما مجازًا، فالحقيقة هي ما نفوه دون ما أثبتوه، لأن المعنى الذي يسبق إلى إفهام المخاطبين.\nالسابع: أنه بتقدير الاشتراك اللفظي لا يجوز إرادة ما ادعوه غلا بقرينة، ويكفينا في هذا المقام ألا نستدل به على أحدهما.\nالثامن: أن من يستدل به على ما نفوه، لأن القرائن اللفظية المذكورة في القرآن تدل عليه، لأنه أثبت لهذا الواحد صفات متعددة، وأفعالًا متعددة، وتلك تستلزم ما نفوه لا ما أثبتوه.\nالتاسع: أن يقال: أسم (الأحد) لا يستعمل في حق غير الله إلا مع الإضافة، أو في غير الموجب، كقوله: ﴿قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقال: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ [التوبة: ٦]، فهو أبلغ في إثبات الوحدانية من اسم الواحد، ومع هذا فلم يستعمل إلا فيما نفوه مثل قوله: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ وأمثاله، لا يعرف استعمال (الأحد) فيما ادعوه، لا في النفي والإثبات، فكيف اسم الواحد؟","vol":"7","page":121},{"text":"العاشر: أن القرآن أثبت الوحدانية في الإلهة بقوله: ﴿وإلهكم إله واحد﴾ [البقرة: ٦٢]، وقوله: ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون﴾ [النحل: ٥١]، وقوله حكاية عن المشركين: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾ [ص: ٥] .\nوأمثال ذلك.\nوأما كون القديم واحدًا، أو الواجب واحدًا، فهذا إنما يعرف عن الجهمية من المتكلمين والفلاسفة، فإنهم قالوا: القديم واحد، وهو لفظ مجمل يراد به أن الإله القديم واحد، وهذا حق، ويراد به أن مسمى القديم واحد، ثم قالوا: لو أثبتنا له الصفات لكان القديم أكثر من واحد.\nوقالت جهمية الفلاسفة: الواجب واحد، وهو مجمل: يراد به الإله الواجب بذاته، وهذا حق.\nويراد به مسمى الواجب ثم قالوا: لو أثبتنا له الصفات لتعدد الواجب.\nومعلوم أن التوحيد الذي في القرآن هو الأول لا هذا، وكذلك التوحيد الذي جاءت به السنة، واتفق عليه الأئمة، فتبين أن لفظ (التوحيد) و(الواحد) و(الأحد) في وضعهم واصطلاحهم، غير التوحيد والواحد والأحد في القرآن والسنة والإجماع وفي اللغة التي جاء بها القرآن.\nوحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بما جاء في كلام الله ورسله وفي","vol":"7","page":122},{"text":"لفظ التوحيد على ما يدعونه هم، لأن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون، بعد انقراض عصره وعصر الذين خاطبهم بلغته وعادته، كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ [إبراهيم: ٤]، بل لفظ (التوحيد) و(الأحد) و(الواحد) الموجود كلام الله ورسوله يدل على نقيض قولهم، وأنه موصوف بالصفات الثبوتية، كما تقدم التنبيه عليه من أنه لا يعرف مسمى الواحد في لغة العرب إلا ما كان كذلك، ومن أن الله وصف هذا الواحد بالصفات الثبوتية، وسماه بالأسماء المتضمنة للمعاني الثبوتية في غير موضع.\nفلو قدر أن لفظ (الواحد) فيه اشتراك وإجمال، لكان ما بينه القرآن من اتصافه بالصفات الثبوتية رافعًا للإجمال والاشتراك، موافقًا لقول أهل الإثبات دون النفاة.\nوهذه الأدلة كلما تدبرها العاقل تبين له قطعًا أن هؤلاء النفاة مناقضون للرسول، هم في جانب، والرسل في جانب، كمناقضة القرامطة الباطنية وأمثالهم، وأن استدلال هؤلاء بنصوص الأنبياء على نفيهم، من جنس استدلال القرامطة على شريعتهم الإلحادية بنصوص الأنبياء.\nومما يبين ذلك أن كلام الله ورسوله صدق، بل أصدق الكلام كلام الله.\nوالكلام الصدق يتضمن الإخبار عن الأمور على ما هي عليه، لا على خلاف ما هي عليه، بخلاف الكلام الذي هو كذب، سواء كان","vol":"7","page":123},{"text":"صاحبه يعلم أنه كذب، أو كان مخطأ يظن أنه صدق مطابق للحقائق وليس كذلك، كما هو كلام هؤلاء النفاة للصفات، فإن الواحد الذي يثبتونه لا حقيقة له في الخارج، فيمتنع أن يكون كلام الله مخبرًا عن وجوده في الخارج وذلك أنهم يجعلون الحقائق المتنوعة: كل واحدة هي الأخرى بلا امتياز أصلًا، فيجعلون الذات القائم بنفسها هي الصفة القائمة بها، كما يجعلون العالم عين العلم، والقادر عين القدرة.\nومنهم من يجعل العلم عين المعلوم، ويجعلون كل صفة هي الأخرى، كما يجعلون العلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة، أو يجعلون النوع الكلي العام المقسوم إلى أعيان هو واحد بالعين، بحيث تكون هذه العين هي تلك العين، كما يقولون: الوجود واحد، والموجود الواجب، وهو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، الذي لا يختص بوجه من الوجوه، أو بشرط عدم كل أمر وجودي عنه، فلا يختص بكونه واجبًا أو عالمًا أو قادرًا أو حيًا، أو نحو ذلك من الأمور التي توجب اختصاصه بموجود دون موجود.\nوإذا حققوا الأمر لم يفرقوا بين الوجود الواجب الخالق القديم الفاطر الغني عن كل ما سواه، والوجود الممكن المحدث المخلوق المفطور الفقير الذي لا يستغني بوجه من الوجوه عن خالقه بل لا يزال فقيرًا إليه.\nويجعلون الكلام المنقسم إلى الأمر والنهي والخبر هو نفس الأمر والنهي والخبر، وإن عين الكلام الذي هو أمر عين الكلام الذي هو","vol":"7","page":124},{"text":"خبر، وعين الكلام الذي هو أمر بالصلاة، هو عين الكلام الذي هو أمر بالصيام، وعين الكلام الذي هو خبر عن الله، هو العين الكلام الذي هو خبر عن أبي لهب، فيجمعون ذلك بين كون الواحد العام الكلي المشترك الذي لا يكون إلا بالذهن، هو الآحاد المعينة الموجودة في الخارج، ولا يفرقون بين الواحد بالنوع والواحد بالعين.\nكما لم يفرق بين هذا وهذا وحدة الوجود، الذين قالوا الوجود واحد، وجعلوا وجود الخالق عين وجود المخلوقات، الذين قالوا: الحقائق المتنوعة كالأمر والخبر حقيقة واحدة.\nفالواحد الذي يثبته النفاة - أو من أخذ ببعض أقوالهم - لا بد أن يتضمن بعض هذا، مثل جعل الذرات هي الصفات، أو جعل كل صفة هي الأخرى، أو جعل الكل المقسوم إلى أنواع هو نفس الأعيان المختلفة الموجودة في الخارج، وجعل ما يمتنع وجوده في الخارج ولا يكون إلا في الذهن أمرًا موجودًا في الخارج يجب وجوده في الخارج، وجعل ما يجب وجوده في الخارج مما يمتنع وجوده في الخارج، فلا يكون إلا في الذهن.\nومنتهاهم في توحيدهم إلى إثبات واحدين: أحدهما: الجوهر الفرد الذي يثبته من يثبته من المعتزلة ومن وافقهم من أهل الكلام، مع أن","vol":"7","page":125},{"text":"جمهور العقلاء ينكرونه، مع دعوى النظام أن في كل جسم من ذلك ما لا يتناهى.\nالثاني: الجواهر العقلية التي يثبتها من يثبتها من المتفلسفة، مع أن جمهور العقلاء يعلمون بالضرورة أنها إنما هي في الأذهان لا في الأعين، مثل الكليات المطلقة التي توصف بها العيان.\nوهم يقولون إن الحقائق الموجودة بالخارج - الذي يسمونها الأنواع، كالإنسان والفرس وغيرها من أنواع الحيوان - مركبة من هذه، ومثل المادة الكلية والصورة الجوهرية اللتين يدعون أنهما جوهران عقليان يتركب منهما كل جسم، ومثل العقول العشرة التي يدعون أنها مجردات - فإن هؤلاء يصورون أن ما يعقله الإنسان من المعقولات المجردات المفارقات للأعيان المحسوسة، فتوهموها أنها تلك المعقولات المجردات هي موجودة في الخارج مفارقات للأعيان محسوسة، وإنما هي أمور متصورة في الأذهان، لا أنها موجودة مع كونها كلية أو مع كونها مجردة في الأعيان، ثم يدعون تركيب الأنواع منها، كما يدعي أولئك تركب الأعيان من الأجزاء التي يسمونها الجواهر المنفردة.\nوقد بسط الكلام على هذه الأمور في موضع آخر، وبين أن هذا الواحد الذي يثبتون في العلم الإلهي والطبيعي والمنطقي لا حقيقة له إلا في الأذهان.\nومن تصور أن هذا حق التصور، تبين لهم من غلط هؤلاء","vol":"7","page":126},{"text":"وضلالهم ما يطور وصفه، وتبين له أن ضلال هؤلاء في العقليات من جنس ضلالهم في السمعيات، وأنهم كما أخبر تعالى عن أصحاب النار: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠] .\nوكان من أصول الإلحاد والتعطيل - الذي سموه توحيدًا - هو فرارهم من تعدد صفات الواحد الحق، وتعدد أسمائه وكلامه، مع ذلك لا محذور فيه، بل هو الحق الذي لا يمكن جحده.\nومن فهم هذا انحل له ما يقوله من يقوله من المتفلسفة: أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وما يقوله من تركيب الأنواع من الأجناس والفصول، وأن ذلك الفرض الذي تتركب منه هذه الحقائق هو أيضًا أمر يقدر في الذهن لا حقيقة له في الخارج، وما يقولونه من أن الواحد لا يكون فاعلًا وقابلًا، وأمثال ذلك مما يعبرون عنه بلفظ الواحد هو واحد يقدر في الأذهان، لا حقيقة له في الخارج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>الرد على قولهم: أن القرآن لم يدل على العلو والصفات من وجوه</span>\nوإن قيل: إن القرآن لم يدل على العلو والصفات لا بنفي ولا إثبات، كان هذا أيضًا باطلًا ومعلوم الباطلان من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>الوجه الأول</span>\nأن العلم بدلالة النصوص على العلو والصفات أمر ضروري، فالقدح فيه من جنس القدح في ما دل عليه القرن من خلق السماوات والأرض، ومن نعيم الجنة والنار.\nولا ريب أن دلالة القرآن والحديث على ذلك أعظم من دلالته على الميزان والشفاعة والحوض","vol":"7","page":127},{"text":"وفتنة القبر ومساءلة منكر ونكير، وأعظم من دلالته على أن محمد خاتم النبيين، وأنه أفضل الخلق، وأن الأنبياء أفضل من غيرهم وأن السابقين الأولين من أهل الجنة، وأعظم من دلالته على تنزيه الله عن البخل والكذب والظلم ونحو ذلك من النقائص.\nوبالجملة فما من صنف من الأصناف المعلومة بالضرورة من الدين إلا وتطريق التأويل إلى نصوصه من جنس تطريقه إلى نصوص العلو والصفات، أو أبلغ من ذلك أو قريب من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: جميع الطوائف متفقة على أن ظواهر النصوص مثبتة للعلو والصفات.\nولهذا كان المخلوقون إما بالتأويل المتضمن لصرف ذلك عن ظاهره، وإما بالتفويض مع قولهم: ظاهر ذلك غير مراد، فلو كان ظاهرها دالًا على الإثبات لما احتاجوا إلى هذا، ولدفعوا أصل ظهور هذه الدلالة، كما يدفع ظهور الدلالة في غير ذلك مما تقدم التمثيل به وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن ظهور دلالة هذه النصوص على العلو الصفات أعظم من ظهور ما كان المؤمنون والكافرون يوردونه من السؤالان عما يظنوه مشكلًا من القرآن، كما تقدم تمثيلًا.\nوإذا كان كذلك، ولم يسألوا عن ذلك، علم قطعًا أنه لم يكن منافيًا لما يعلمونه بعقولهم.","vol":"7","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: فعلى هذا التقدير يمتنع تعارض العقل والسمع، إذا لم يكن للسمع ظاهر يخالف العقل.\nوهذا هو كان صلب الكلام، وإنما ذكرنا مسألة العلو على طريق التمثيل، لنهم يذكرون ذلك فيها.\nفيقال: ليس في ظاهر القرآن ما يخالف الأدلة العقلية وهو المطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>الوجه الخامس</span>\nأن الهمم والدواعي متوفرة على طلب العلم بهذه المسائل، وهي من أجل علوم الدين، ومعرفتها إما واجبة أو مؤكدة الاستحباب.\nوما كان كذلك يمتنع في الشرع والعادة أن الرسول لا يبين أمرها بالنفي ولا إثبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>الوجه السادس</span>\nأن العلم بهذه المسائل إما أن يكون من الدين، وإما أن لا يكون.\nفإن قيل: ليس ذلك من الدين، بحيث لا يكون العلم بها أفضل من الجهل بها، وهذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وكل دين، فإن العلم بالله وما يستحقه من الأسماء والصفات لا ريب أنه مما يفضل الله به بعض الناس على بعض، أعظم مما يفضلهم بغير ذلك من أنواع العلم.\nولا ريب أن ذلك يتضمن من الحمد لله، والثناء عليه، وتعظيمه وتقديسه، وتسبيحه وتكبيره - ما يعلم به أن ذلك مما يحبه الله ورسوله.\nسواء قيل: إن ذلك واجب أو مستحب، فمقصود أنه من المحمود الحسن المفضل عند الله ورسوله، فيكون ذلك من الدين.\nوقد قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] .","vol":"7","page":129},{"text":"وقال تعالى: ﴿يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾ [المائدة: ١٦] .\nوقال تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩] .\nوقال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] .\nوأمثال ذلك من النصوص التي يدل كل منها على أن بيان هذا ومعرفته مما جاء به الرسول، ونزل به هذا الكتاب، وعلمته هذه الأمة، وتضمنه هذا الدين، فلا يمكن أن يقال: إن الرسول والمؤمنين أعرضوا عنه، فلم يكن لهم به علم، ولا لهم فيه كلام لا بنفي ولا إثبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>الوجه السادس في الرد على كلام الرازي المتقدم</span>\nوفيه الرد على كلام الرازي المتقدم: عن أصل الحجة أن يقال: لا نسلم أن العقل ينافي موجب هذه النصوص، بل هذه المعقولات النافية لذلك فاسدة، كما تقدم التنبيه على فسادها، فضلًا عن أن يكون المعقول المنافي لها هو الأصل في العلم بالسمع، فإن غاية هذه المعقولات أن يقال: لو كان فوق العالم لكان جسمًا وذلك منتف، قد علم جواب أهل الإثبات عن هذه الحجة، فإن منهم من منع المقدمة الأولى، مثل كثير من أهل الكلام والفلسفة، وغيرهما من أصحاب كلاب والأشعري، وأهل الفقه والحديث والتصوف، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، والفلاسفة كما ذكر ابن رشد ونحوه.\nومنهم من منع الثانية، كالهشامية والكرامية وغيرهما، ومنهم من فصل عن المعنى الجسم.","vol":"7","page":130},{"text":"فإن قيل: إن معناه ما ليس بلازم للعلو، مثل كونه مماثلًا للمخلوقات - منع الأولى.\nفإن قيل: إن معناه لزم للعلو، مثل كونه مستشارا إليه - منع الثانية.\nفهو يقول: أنه فوق العالم قطعًا، كما علم ذلك بالعقل والسمع.\nفإذا قيل: لو كان فوقه لكان جسمًا، فالمراد بمعنى الجسم: إما أن يكون لازمًا للعلو، وإما أن لا يكون لازمًا.\nفإذا كان لازمًا لا محال، منعت المقدمة الثانية، وهي انتفاء اللازم.\nوإن لم يكن لازمًا، منعت المقدمة الأولى وهي التلازم.\nوكل ما يقال في هذا المقام من الألفاظ المتجملة مثل لفظ (المتحيز) و(المركب) ونحو ذلك يستفصل عن معناه، كما يستفصل عن معنى لفظ (الجسم)، فإذا تخلص محل النزاع في معنى معقول، مثل كون المراد بذلك ما تقوم به الصفات، أو ما يتميز منه شيء عن شيء، ونحو ذلك من المعاني - لم يسلم انتفاء ذلك، بل نقول: هذا لا بد من ثبوته بالعقل الصريح، كما دل عليه النقل الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>الوجه السابع</span>\nأن يقال: بل العقل الصريح الموافق للسمع لا منازع له.\nوالعقل قد دل على أن الله تعالى فوق العالم، وهذه طريقة حذاق أهل النظر من أهل الإثبات، كما هو طريق السلف والأئمة: يجعلون العلو من الصفات المعلومة بالعقل.\nوهذه طريقة أبي محمد بن كلاب وأتباعه، كأبي عباس القلانسي، والحارث المحاسبي وأشباههما","vol":"7","page":131},{"text":"من أئمة الأشعرية، وهي طريقة محمد بن كرام وأتباعه، وطريقة أكثر أهل الحديث والفقه والتصوف، وإليها رجع القاضي أبو يعلى وأمثاله.\nولكن طائفة من الصفاتية من أصحاب الأشعرية، ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم، يظنون أن العلو من الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك، وانهم إذا أثبتوا ذلك أثبتوه لمجيء السمع به فقط، ولهذا كان من هؤلاء من ينفي ذلك ويتأول نصوصه أو يعرض عنها كما يفعل مثل ذلك من نصوص الوجه واليد.\nومن سلك هذه الطريقة فإنه يبطل الأدلة التي قال: أنها نافية لهذه الصفة، كما يبطل ما به ينفون صفة الاستواء والوجه واليدين، ويبين أنه لا محذور في إثباتها، كما يقول مثل ذلك في الاستواء والوجه واليد، ونحو ذلك من الصفات الخبرية.\nوهؤلاء كلامهم امتن من كلام نفاة الصفات الخبرية نقلًا وعقلًا، وإذا قيل: إن في كلامهم تناقضًا، أو أنهم يقولون ما لا يعقل، ففي كلام النفاة من التناقض وما لا يعقل أكثر مما في كلامهم، فهم بالنسبة إلى النفاة اكمل علمًا بالمعقول والمنقول، وأما بالنسبة إلى السلف والأئمة أهل الإثبات، فيظهر من تناقضهم وقولهم ما لا يعقل وما يظهر به رجحان طريقة السلف والأئمة عليهم، وتنسب به معارضة النفاة لهم.\nويتبين به الحق الذي لا يعدل عنه من فهمه ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nثم المثبتون للعلو بالعقل لهم طرق: منها: أنهم يقولون: العلم بذلك ضروري مستقر في فطر بني آدم.","vol":"7","page":132},{"text":"ومنها: أنهم يقولون: قصدهم لربهم عند الحاجات التي لا يقضيها إلا هو - هو أيضًا ضروري، وقصدهم لهم بتوجه قلوبهم إلى العلو أيضًا ضروري، فهم مفطورون على الإقرار به وأنه في العلو، وعلى انهم محتاجون غليه يسألونه عن الضرورات، وعلى انهم يقصدونه في العلو ولا في السفل، وأن قلوبهم بفطرتها تتوجه إلى العلو، اللهم إلا من أفسد فطرته وقصد أن يصدها عن مقتضاها مع أن هذا عند الحقيقة يغلب مع فطرته، ويظل عنه ما كان يفتريه.\nومنها أنهم يقولون: إن ذلك أمر متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة، وكل منهم يخبر بذلك عن فطرته من غير موطأة من بعضهم البعض، ويمتنع في مثل هؤلاء أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة، ويمتنع أيضًا غلطهم في الأمور الفطرية الضرورية، فإن ذلك يسد باب العلم والمعرفة، وأن يثق الإنسان بشيء من علومه.\nومتى قدح في مثل هذا، كان القدح في مقدمات ما يدعى أنه معارض لذلك أسهل بكثير، فإن المعارضين لا بد فيما يعارضون به من العقليات من قضايا تلقاها بعضهم عن بعض، فيجوز عليهم فيها من الاتفاق على الغلط وعلى تعمد الكذب، ما لا يجوز على المتفقين على قضايا لم يتلقها بعضهم عن بعض، مع كثرة هؤلاء وتنوع أصنافهم.\nومنها أنهم يثبتون العلو بطرق نظرية: كقولهم: كل موجودين فإما أن يكون أحدهما مباينًا للآخر، وإما أن يكون مداخلًا له، ونحو ذلك من الطرق المعلومة لهم، فمعهم من العلم الضروري، والقصد الضروري، واتفاق العقلاء الذين لم يتواطأوا على قضاياهم والعقليات","vol":"7","page":133},{"text":"النظرية ما ليس للنفاة ما يشابهه، وليس مع النفاة إلا أقيسة نظرية قد بين فسادها، ومن لم يعلم فسادها على التفصيل كفاه أن يعلم فسادها مجملًا، فإنها مخالفة للمعارف الضرورية، ولما أجمعت عليه فطر البرية، مع مخالفتها لما جاء في الكتب الإلهية، كالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب، فالعلم الموروث عن الأنبياء من بني إسرائيل وغيرهم، مع علم عامة المسلمين بمخالفتها للقرآن، ولسنة النبي ﷺ، ولما أجمع عليه سلف الأمة وخيار قرونها، ولما اجتمع عليه عامة المؤمنين وأعيان الأمة من كل صنف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>الوجه الثامن</span>\nأن يقال لمن أجاب بهذا عن النصوص: إذا احتججت على من ينفي، ما تثبته بالنصوص: كإثبات القدر إن كنت من المثبتين له، أو إثبات الجنة والنار وما فيهما من الأكل والشرب واللباس ونحو ذلك، إن كنت من المثبتين له، وإثبات وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الربا والخمر وغير ذلك من الشرائع، إن كنت من المثبتين له - إذا قال لك منازعك: هذه الظواهر التي احتججت بها قد عارضها دلائل عقلية وجب تقديمها عليها، فما كان جوابك لهؤلاء كان جواب أهل الإثبات لك.\nفإن قلت: ما أثبته معلوم معلوم بالاضطرار من الدين.\nقال لك أهل الإثبات للعلو: وهذا معلوم لنا بالاضطرار من الدين.\nفإن قلت: أنا لا أسلم هذا لكم.\nقالوا لك: ومن نازعك من القرامطة أو الفلاسفة أو المعتزلة لا يسلم لك ما ادعيته من الضرورة.","vol":"7","page":134},{"text":"فإن قلت: لا يقدح في علمي الضروري منازعة غيري.\nقالوا لك: لا يقدح في علمنا الضروري منازعتك لنا.\nفإن قلت: أنا إذا نازعني منازع في الضروريات التي عندي سكت عنه ولم أنازعه.\nقيل لك: وهذا مما يمكن المثبت أن يقوله لك، كما تقوله لمنازعك أيضًا، لكن أنت لا توفي بهذا، بل تتناقض وتخاصم أهل الإثبات وتنكر عليهم، بل قد تعاديهم أو تكفرهم، فإن كان ما فعلته سائغًا لك، ساع لأولئك النفاة أن يخاصموك ويعادوك ويكفروك، كما فعلت هذا بأهل الإثبات، وإن كنت تنكر على من يعاديك ويكفرك من النفاة لما أثبته، فأنكر على نفسك معاداتك وتكفيرك لأهل الإثبات لما نفيته.\nوإن قلت: أنا لا أثق بصدقهم: أنهم يعلمون ذلك اضطرارًا، أو لا أثق بخبرتهم بالعلم الضروري.\nقيل لك: ومنازعك النافي لا يثق بصدقك وعلمك أيضًا.\nفإن قلت: هو يعلم من ديني وعقلي ما يوجب معرفته بصدقي وعلمي.\nقيل لك: وأنت تعرف من دين أهل الإثبات وعقلهم، ما يوجب معرفتك بصدقهم وعلمهم.\nوإن قلت: أنا بين فساد العقليات التي يعارض به النفاة لما أثبته.\nقيل لك: والمثبتون لما تنفيه يثبتون فساد العقليات التي تعارضهم أنت بها.","vol":"7","page":135},{"text":"وإن قلت: أنا وأولئك النفاة متفقون على النفي لما أثبته هؤلاء.\nقيل لك: والطائفة الفلانية والفلانية متفقتان على النفي لما أثبته.\nوأعلم أنه ليس من أهل الأرض إلا من يمكن مخاطبته بهذه الطريق، حتى غلاة النفاة من الجهمية والقرامطة والفلاسفة، فإنهم لا بد أن يثبتوا شيئًا من السمعيات بوجه من الوجوه، إذ لا يمكن أحدًا من الطوائف أن ينفي جميع ما أثبته السمع من القضايا الخبرية والطلبية.\nوإذا قال: أنا أثبت ما جاء به السمع لكوني علمته بالعقل، لا لمجيء السمع به أمكن أن يجاب بمثل ذلك في إثبات العلو والصفات أيضًا، وأمكن أن يجاب بجواب آخر، وهو: أن كل من أقر بالنبوات بوجه من الوجوه، فلا بد له أن يثبت بأقوال الأنبياء ما تكون الحجة فيه مجرد قولهم، ولو أنه من الأمور العلمية السياسية، فإن هؤلاء كلهم لا بد لهم من العمل بالشرائع: إما في الظاهر، وإما للجمهور، وإما أوائل سلوكهم.\nوإن كان ممكن لا يثبت النبوات بوجه، فلا بد له من العمل بقول غير الأنبياء، كالملوك والفلاسفة ونحوهم.\nبل لا بد للإنسان أن يفهم كلام بني جنسه، إذ الإنسان مدني بالطبع، لا يستقل بتحصيل مصالحه، فلا بد لهم من الاجتماع للتعاون على المصالح، ولا يتم ذلك إلا بطريق يعلم به بعضهم ما يقصده غيره.","vol":"7","page":136},{"text":"وأي طريق فرض من الإشارة والعبارة والكتابة وغير ذلك - كان ذلك من جنس السمعيات والنقليات، فإن جماع ذلك ما به يعلم مراد الغير، فإن نفى ناف ذلك بطريق جعله معارضًا له من عقلياته، فلا بد لمن أثبت ما يثبته من السمعيات أن يجيبه بجواب، فما كان جوابًا له، كان نظير جوابًا لأهل الإثبات فيما علموا أنه مراد للرسول ﷺ، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>الجواب التاسع</span>\nأن يقال: نحن لا نرضى أن نجيبكم بما أجبتم به النفاة.\nوذلك أنكم مقصرون في مناظرة النفاة لما أثبتموه عقلًا وسمعًا، فإنكم في كثير من مناظراتكم لهم تصيرون إلى المكابرة ودعوى ما يعلمون هم نقيضها، كما تفعلونه في مسالة الرؤية والكلام وإثبات الصفات بدون إثبات لوازم ذلك، إذ أنتم كثيرًا ما تثبتون الشيء بدون لوازمه، أو مع وجود منافيه.\nومن هنا تسلط عليكم القرامطة والفلاسفة والمعتزلة، ونحوهم من النفاة، وكلام أئمتكم معهم كلام قاصر، يظهر قصوره لمن كان خبيرًا بالعقليات.\nوسبب ذلك تقصيرهم في مناظرتهم، حيث سلموا لهم مقدمات عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة، فاحتاجوا إلى إثبات لوازمها، فاضطروا إما إلى موافقتهم على الباطل، وإما على التناقض الذي يظهر به فساد قولهم، وإما إلى العجز الذي يظهر به قصورهم وانقطاعهم.","vol":"7","page":137},{"text":"ثم أخذوا يناظرون أهل الإثبات للعلو ونحوه، بما به ناظرهم أولئك، ويتسلطون على العاجز من مناظرتهم مع المثبتين، كما تسلط عليهم أولئك، فصاروا بمنزلة من قصروا في جهاد من يليهم من الكفار حتى غلبوهم وهزموهم، فقاموا يقاتلون من يليهم من المسلمين، كما قاتلهم أولئك الكفار، حتى ظهر الباطل والكفر والضلال، بتفريطهم أولًا في جهاد من يليهم من الكفار، وعداوتهم ثانيًا على من يليهم من المسلمين.\nوصاروا على ضد ما وصف الله به المؤمنين حيث قال: ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩]، ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤]، فصاروا أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين.\nكما نعت النبي ﷺ الخوارج حيث قال: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» .\nوحال الجهمية والرافضة شر من حال الخوارج، فإن الخوارج كانوا","vol":"7","page":138},{"text":"يقاتلون المسلمين ويدعون قتال الكفار، وهؤلاء أعانوا الكفار على قتال المسلمين وذلوا للكفار، فصاروا معاونين للكفار أذلاء لهم، معادين للمؤمنين أعزاء عليهم، كما قد وجد مثل ذلك في طوائف القرامطة والرافضة والجهمية النفاة والحلولية.\nومن استقرأ أحوال العالم رأى من ذلك عبرًا، وصار في هؤلاء شبه من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا﴾ [النساء: ٥١-٥٢] .\nولهذا تجد كثيرًا من هؤلاء النفاة يصنف في الشرك والسحر وعبادة الكواكب والأوثان، وفي النفاق والزندقة التي توجد في كلام كثير من الفلاسفة وغيرهم، بل يخضع لهؤلاء الكفار والمنافقين ويذل لهم، ويريد أن يعلو على المؤمنين ويقهرهم، وإن كان هذا بسبب ضعف من قاتله من المؤمنين وتفريطهم وعداوتهم، كما أن قهر أولئك الكفار له كان بسبب ضعفه الحاصل من تفريطه وعدوانه، فالذم لاحق له بقدر ما فرط فيه من حقوق الله وتعداه من حرماته، كما أن هؤلاء يلحقهم أيضًا الذم بقدر ما فرطوا فيه من حقوق الله وتعدوه حرماته.\nوقد قال تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩] .\nوالمقصود هنا أن يقال لهؤلاء الذين ينفون العلو ويثبتون بعض الصفات: نحن لا نرضى أن نجيبكم بنا تجيبون به أنتم نفاة الصفات","vol":"7","page":139},{"text":"وغيرها مما أثبته الرسول ﷺ، بل نجيبكم وأولئك جميعًا ببيان أنه ليس معكم فيما تخالفون به النصوص: لا عقل صريح ولا نقل صحيح، بل ليس معكم في ذلك إلا الأكاذيب المموهة المزخرفة بالألفاظ المجملة المموهة التي تلقاها بعضكم عن بعض تقليدًا لأسلافكم، فإذا فسر معناها وكشف عن مغزاها ظهر فسادها بصريح المعقول، كما علم فسادها بصحيح المنقول، وتبين أيضًا أن حجة الرسول ﷺ قائمة على من بلغه ما جاء به، ليس لأحد أن يعارض شيئًا من كلامه برأيه وهواه، بل على كل أحد أن يكون معه كما قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: ٦٥] .\nونحن لا نسلم ما سلمتموه أنتم من المقدمات الفاسدة، كما سلمتموه لمن عارض الكتاب من القرامطة والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم، بل نسد عليهم الطريق التي منها دخلوا على الإسلام، ونمنعهم المقدمات التي جعلوا علم الكلام الذي خالفوا به الكتاب والسنة وإجماع خير الأنام.","vol":"7","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>الوجه الرابع والأربعون</span>\nأن يقال: العقليات التي يقال إنها أصل للسمع وأنها معارضة له ليست مما يتوقف العلم بصحة السمع عليها، فامتنع أن تكون أصلًا له، بل هي أيضًا باطلة.\nوقد اعترف بذلك أئمة أهل النظر، من أهل الكلام والفلسفة، فإن جماع هذه الطرق هي طريقان أو ثلاثة:\nطريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الموصوف بها أو ببعضها كالحركة والسكون.\nوطريقة التركيب والاستدلال بها أن الموصوف بها ممكن أو محدث.\nفهاتان الطريقتان هي جماع ما يذكر في هذا الباب.\nوالثالثة: الاستدلال بالاختصاص على إمكان المختص أو حدوثه.\nقد يقال: إنها طريقة أخرى، وقد تدخل في الأولى.\nوالاستدلال باجتماع الجواهر وافتراقها - على رأي من يقول: إن الجسم مركب من الجواهر المنفردة - يدخل في الأولى والثانية.\nأما دخولها في الأولى فبناءً على أن الجواهر لا تخلو من الاجتماع والافتراق، كما لا يخلو الجسم - بل الجوهر - من الحركة والسكون.","vol":"7","page":141},{"text":"وأما دخولها في الثانية فبناءً على أن الجسم مركب من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة، وحينئذ فيكون: إما ممكنًا عند من يستدل بذلك على الإمكان، وإما محدثًا عند من يستدل بذلك على الحدوث.\nولكن الاستدلال بهذه الطريق مبني على أن الجسم مركب من الجواهر المحسوسة التي لا تنقسم، وهي الجواهر المنفردة، أو من الجواهر العقلية، وهي المادة والصورة، وهذا مما ينازعهم فيه جمهور العقلاء، بخلاف كون الجسم لا يخلو عن نوع من الأعراض، فلا يخالف فيه إلا شذوذ.\nثم الطريقة الأولى مبنية على امتناع وجود ما لا يتناهي من الحوادث، والثانية مبنية على أن ما اجتمعت فيه معان لزم أن يكون ممكنًا أو حادثًا، والثالثة مبنية على أن المختص لا بد له من مخصص منفصل عنه.\nوهذه المقدمات الثلاث قد نازع فيها جمهور العقلاء، وكل من هذه الطرق تسلكه الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات والأفعال، ويسلكه أيضًا نفاة الأفعال القائمة به دون الصفات.\nوأما المتفلسفة القائلون بقدم العالم نفاة الصفات، فأصل كلامهم مبني على طريقة التركيب، بناءً على أن الموصوف مركب، وإذا استدلوا","vol":"7","page":142},{"text":"بطريقة الأعراض فإنما يستدلون بها على أن الموصوف بها ممكن، ويسندون ذلك إلى التركيب، فإنما استدلالهم بالأعراض على حدوث الموصوف فلا يمكنهم، بل هذا نقيض قولهم.\nوكل من الطائفتين تطعن في طريقة الأخرى وتبين فسادها.\nومعلوم أن المتكلمين القائلين بإثبات الصفات لله تعالى أقرب إلى الإسلام والسنة من نفاة الصفات، وأن نفاة الصفات القائلين بحدوث السماوات والأرض أقرب إلى الإسلام والسنة من القائلين بقدم ذلك، ومن كان إلى الإسلام والسنة أقرب، كانت عقلياته التي يعارض بها النصوص الإلهية أقل بعدًا عن دين المسلمين.\nفإذا كان أئمة العلم قد أنكروا هذه التي هي أقرب من غيرها إلى العقل والنقل، وبينوا أنها فاسدة في العقل، محرمة في الشرع - كان ما هو أبعد منها وأضعف أعظم فسادًا في العقل، وتحريمًا في الشرع.\nوما زال أئمة العلم على ذلك، حتى أئمة النظر من أهل الكلام والفلسفة، فالاستدلال بالحكة والسكون على حدوث المتحرك الساكن، بل الاستدلال بالأعراض مطبقًا على حدوث ما قامت به من الجواهر والأجسام، والاستدلال بحدوث الصفات على حدوث ما قامت به من الموصوفات، والاستدلال بتركيب الأجسام من الجواهر، ونحو ذلك، وجعل ذلك طريقًا إلى العلم بحدوث العالم، وإلى العلم","vol":"7","page":143},{"text":"بإثبات الصانع تعالى، هو طريق الجهمية والمعتزلة، ونحوهم من أهل الكلام المذموم - عند السلف المحدث في الإسلام، وهم الذين ابتدعوا هذه الطريقة، والاستدلال بها - والتزام لوازمها، والتفريع عليها، وإن كان قد شركهم في ذلك قوم من غير المسلمين، أو سبقوهم إلى ذلك، سواء كانوا من الصابئين أو اليهود أو غيرهم.\nوالمقصود أن ظهور هذه في الإسلام كان ابتداؤه من جهة هؤلاء المتكلمين المبتدعين، وهذه هي من أعظم أصول هؤلاء المتكلمين.\nوهذه وأمثالها هي من الكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه والنهي عنه، وتجهيل أصحابه وتضليلهم، حيث سلكوا في الاستدلال طرقًا ليست مستقيمة، واستدلوا بقضايا متضمنة للكذب، فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصرائح المعقول، فكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثير من مسائلهم ووسائلهم وأحكامهم ودلائلهم.\nوكلام السلف والأئمة في ذم ذلك كثير مشهور في عامة كتب الإسلام، وما من أحد قد شدا طرفًا من العلم إلا وقد بلغه من","vol":"7","page":144},{"text":"ذلك بعضه، لكن كثير من الناس لم يحيطوا علمًا بكثير من أقوال السلف والأئمة في ذلك وبمعانيها، وقد جمع الناس من كلام السلف والأئمة في ذلك مصنفات مفردة، مثل ما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي.\nومثل المصنف الكبير الذي جمعه الشيخ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام الذي سماه ذم الكلام وأهله، ومن ذلك في كتب الآثار والسنة ما شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>كلام الغزالي في الإحياء عن ذم علم الكلام</span>\nوممن ذكر اتفاق السلف على ذلك الغزالي في أجل كتبه، الذي سماه إحياء علوم الدين قال: (فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم، أو هو مباح، أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلوًا وإسرافًا في أطراف.\nفمن قائل: إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب - سوى الشرك - خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل: إنه واجب فرض: إما على كفاية، أو على الأعيان، وإنه أجل الأعمال، وأعلى القربات،","vol":"7","page":145},{"text":"وإنه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال على دين الله) .\nقال: (وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف، قال ابن عبد الأعلى سمعت الشافعي يوم ناظر حفصًا الفرد - وكان من متكلمي المعتزلة - يقول: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام، وإني سمعت من حفص كلامًا لا أقدر أن أحكيه.\nوقال أيضًا: قد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت ظننته قط، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام) .\n(وقال أيضًا: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من الأسد) .","vol":"7","page":146},{"text":"(وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام) .\nوقال (وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدًا، ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل) .\nقال: (وبالغ فيه حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتابًا في الرد على المبتدعة، وقال: ويحك ألست تحكي بدعتهم أولًا ثم ترد عليهم؟ ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة، والتفكر في تلك الشبهات، فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هجران أحمد للحارث لم يكن لهذا السبب الذي ذكره أبو حامد، وإنما هجره لأنه كان على قول ابن كلاب، الذي وافق المعتزلة","vol":"7","page":147},{"text":"على صحة طريق الحركات وصحة طريق التركيب، ولم يوافقهم على نفي الصفات مطلقًا، بل كان هو وأصحابه يثبتون أن الله فوق الخلق، عال على العالم، موصوف بالصفات، ويقررون ذلك بالعقل، وإن كان مضمون مذهبه نفي ما يقوم بذات الله تعالى من الأفعال وغيرها مما يتعلق بمشيئته واختياره، وعلى ذلك بنى كلامه في مسألة القرآن.\nوهذا هو المعروف عند من له خبرة بكلام أحمد، من أصحابه وغيرهم من علماء أهل الحديث والسنة، ولأبي عبد الله الحسين والد أبي القاسم الخرقي صاحب المختصر المشهور - كتاب في قصص من هجره أحمد سال فيه لأبي بكر المروذي عن ذلك، فأجابه عن قصصهم واحدًا واحدًا.\nوقد ذكر ذلك أيضًا أبو بكر الخلال في كتاب السنة، وقد ذكر ذلك ابن خزيمة وغيره ممن يعرف حقيقة هذه الأمور، وكذلك السري السقطي كان يحذر الجنيد بن محمد من شقاشق الحارث.\nثم ذكر غير واحد أن الحارث رجع عن ذلك، كما ذكره معمر بن زياد في أخبار","vol":"7","page":148},{"text":"شيوخ أهل المعرفة والتصوف، وذكر أبو بكر الكلاباذي في كتاب التعرف لمذاهب التصوف عن الحارث المحاسبي، أنه كان يقول: إن الله يتكلم بصوت، وهذا يناقض قول ابن كلاب.\nوأبو حامد ليس له من الخبرة والآثار النبوية والسلفية ما لأهل المعرفة بذلك، الذين يتميزون بين صحيحه وسقيمه.\nولهذا يذكر في كتبه من الأحاديث والآثار الموضوعة والمكذوبة ما لو علم أنها موضوعة لم يذكرها.\nوأحمد ﵁ قد رد على الجهمية وغيرهم بالأدلة السمعية والعقلية، وذكر من كلامهم وحججهم ما لم يذكره غيره.\nبل استوفى حكاية مذهبهم وحججهم أتم استيفاء، ثم أبطل ذلك بالشرع والعقل.\nوقد نقل أبو حامد في كتابه ما ذكر أنه سمعه من بعض الحنابلة، وهو","vol":"7","page":149},{"text":"أن أحمد لم يتأول إلا ثلاث أحاديث، وهذا غلط على أحمد، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وتبين ما في هذا الكلام وتوابعه من الصواب والخطأ نقلًا وتوجيهًا.\nولو اقتصر أبو حامد على ما نقله من كتاب ابن عبد البر عن الأئمة لم يكن فيه شيء من هذا الخطأ، فإن ابن عبد البر وأمثاله أعلم بالآثار من هؤلاء، ولكن لعله نقل ذلك من كلام أب طالب أو غيره.\nونظير هذا ما ذكره أبو المعالي في كتابه أصول الفقه المسمى بالبرهان لما ذكر مذهب الناس في القياس العقلي والشرعي،","vol":"7","page":150},{"text":"فقال: (القياس فيما ذكره أصحاب المذاهب ينقسم إلى شرعي وعقلي، ثم الناظرون في الأصول والمنكرون تفرقوا على مذاهب، فذهب بعضهم إلى رد القياسين، وقال القائلون: هذا مذهب منكري النظر.\nوقال قائلون بالقياس العقلي والسمعي، وهذا مذهب الأصوليين والقياسيين، من الفقهاء.\nوذهب ذاهبون إلى القول بالقياس العقلي، وجحد القياس الشرعي.\nوهذا مذهب النظام وطوائف من الرافضة والإباضية والأزارقة ومعظم فرق الخوارج إلا النجدات.\nوصار صائرون إلى النهي عن القياس النظري، والأمر بالقياس الشرعي.","vol":"7","page":151},{"text":"وقال (وهذا مذهب أحمد بن حنبل والمقتصدين من أتباعه، وليس ينكرون إفضاء النظر العقلي إلى العلم، ولكن ينهون عن ملابسته والاشتغال به) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>كلام الجويني في البرهان</span>\nقال: (وذهب الغلاة من الحشوية وأهل الظاهر إلى رد القياس العقلي والشرعي) .\nقال أبو المعالي: أطلق النقلة القياس العقلي، فإن عنوا به النظر العقلي فهو من نوعه إذا استجمع شرائط الصحة، مفض إلى العلم مأمور به شرعًا، والقياس الشرعي متقبل معمول به إذا صح على السبر اللائق به، وإن عنى الناقلون بالقياس العقلي اعتبار شيء بشيء، ووقوف نظر في غائب على استثارة معنى في شاهد، فهذا باطل عندي لا أصل له، فليس في المعقولات قياس، وقد فهم عنا ذلك طلبة المعقولات.","vol":"7","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا الذي ذكره أبو المعالي من إنكار القياس في المعقولات وافقه عليه طائفة من المتأخرين، كأبي حامد الرازي وأبي محمد المقدسي، قال: قياس التمثيل إنما يكون في الشرعيات.\nوالمنطقيون قد يدعون أن قياس التمثيل في العقليات إنما يفيد الظن، وأما جمهور العقلاء فعلى أنه لا فرق بين قياس الشمول وقياس التمثيل في إفادة العلم والظن، فإن مما يجعل في قياس الشمول حدًا أوسط يجعل في قياس التمثل مناط الحكم، ويسمى العلة والوصف والمشترك.\nفإذا قيل: النبيذ المسكر حرام، لأنه مسكر، وكل مسكر حرام - فهذا قياس شمول، ولا بد له من دليل يدل على صحة المقدمة الكبرى القائلة: كل مسكر حرام فإذا استدل بقياس التمثيل: قال: إنه مسكر فكان حرامًا، قياسًا على عصير العنب المسكر.\nثم يبين أن العلة في الأصل هو السكر، فالدليل الدال على علة الوصف في الأصل، هو الدال على صحة المقدمة الكبرى، والسكر هو الوصف الذي علق به الحكم، وهو مناطه، وهو المشترك بين الأصل والفرع الذي علق به الحكم، والسكر المتصف بالسكر هو الحد الأوسط المقرر في قياس الشمول، الذي هو محمول في المقدمة الصغرى، موضوع في الكبرى.\nوأما ما ذكره عن أحمد فقد أنكره أصحاب أحمد، حتى قال أبو البقاء العكبري لمن قرأ عليه كتاب البرهان: (هذا النقل ليس بصحيح عن مذهب الإمام أحمد) .\nوهو كما قال، فإن أحمد لم ينه عن نظر في دليل عقلي صحيح يفضي إلى المطلوب، بل في كلامه في أصول الدين في الرد على الجهمية وغيرهم من الاحتجاج بالأدلة العقلية","vol":"7","page":153},{"text":"على فساد قول المخالفين للسنة ما هو معروف في كتبه وعند أصحابه.\nولكن أحمد ذم من الكلام البدعي ما ذمه سائر الأمة، وهو الكلام المخالف للكتاب والسنة، والكلام في الله ودينه بغيره علم.\nواستدل أحمد بقوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣] .\nوأحمد أشهر وأكثر كلامًا في أصول الدين بالأدلة القطعية: نقلها وعقلها من سائر الأئمة، لأنه ابتلي بمخالفي السنة، فاحتاج إلى ذلك.\nوالموجود في كلامه، من الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة، لم يوجد مثله في كلام سائر الأئمة، ولكن قياس التمثيل في حق الله تعالى لم يسلكه أحمد، لم يسلك فيه إلا قياس الأولى، وهو الذي جاء به الكتاب والسنة، فإن الله لا يماثل غيره في شيء من الأشياء حتى يتساويا في حكم القياس، بل هو سبحانه أحق بكل حمد، وأبعد عن كل ذم، فما كان من صفات الكمال المحضة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو أحق به من كل ما سواه، وما كان من صفات النقص فهو أحق بتنزيهه عنه من كل ما سواه.\nوالقرآن لما بين قدرته في إعادة الخلق بفعله لما هو أبلغ من ذلك، كان هذا من باب قياس الأولى.\nوكذلك بين تنزيهه عن الولد والشريك.\nوكذلك أحمد سلك هذا المسلك - كما ذكره في موضعه - مثل بيانه لإمكان كونه عالمًا بجميع المخلوقات، مع كونه بائنًا عن العالم فوق","vol":"7","page":154},{"text":"العرش، بقياسين عقليين: أحدهما أن الإنسان قد يكون معه قد صاف فيرى ما فيه مع مباينته له، فالرب سبحانه قدرته على العالم ومباينته له، أعظم من قدرة هذا على ما في يده، فلا تمتنع رؤيته لما فيه وأحاطته به مع مباينته له.\nوالقياس الثاني من بنى دارًا وخرج منها فهو يعلم ما فيها، لكونه فعلها، وإن لم يكن فيها.\nفالرب الذي خلق كل شيء وأبدعه، هو أحق بأن يعلم ما خلق، وهو اللطيف الخبير، وإن لم يكن حالًا في المخلوقات.\nوالمقصود أن أحمد يستدل بالأدلة العقلية على المطالب الإلهية إذا كانت صحيحة، إنما يذم ما يخالف الكتاب والسنة، أو الكلام بلا علم، والكلام المبتدع في الدين، كقوله في رسالته إلى المتوكل: (لا احب الكلام في هذا إلا ما كان في كتاب الله أو حديث عن الرسول ﷺ، أو الصحابة أو التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود) .\nوهو لا يكره - إذا عرف معاني الكتاب والسنة - أن يعبر عنها بعبارات أخرى إذا احتيج إلى ذلك، بل هو قد فعل ذلك، بل يكره المعاني المبتدعة في هذا، أي فيما خاض الناس فيه - من الكلام في القرآن والرؤية والقدر والصفات - غلا بما يوافق الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين.","vol":"7","page":155},{"text":"ولهذا كره الكلام في (الجسم) وفي (الحيز)، وفي اللفظ بالقرآن نفيًا وإثباتًا، لما في كل من النفي والإثبات من باطل، وكلامه في هذه الأمور مبسوطة في موضع آخر كما هو معروف في كتابه وخطابه.\nوالمذموم شرعًا ما ذمه الله ورسوله، كالجدل بالباطل، والجدل بغير علم، والجدل في الحق بعد ما تبين.\nفأما المجادلة الشرعية، كالتي ذكرها الله تعالى على الأنبياء ﵈ وأمر بها، مثل قوله تعالى: ﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا﴾ [هود: ٣٢] .\nوقوله: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾ [البقرة: ٢٥٨] .\nوقوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥] .\nوأمثال ذلك، فقد يكون واجبًا أو مستحبًا، وما كان كذلك لم يكن مذمومًا في الشرع.\nوما ذكره أبو حامد الغزالي من كلام السلف، في ذم أهل الكلام، لو أنه معروف عنهم، في كتب يعتمد عليها، لم يذكره هنا.","vol":"7","page":156},{"text":"وقد نقل من ذلك ما نقله من كتاب أبي عمر بن عبد البر، الذي سماه فضل العلم وأهله، وما يلزمهم في تأديته وحمله وأبو عمر من اعلم الناس بالآثار والتميز بين صحيحيها وسقيمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>كلام الغزالي في الإحياء عن علم من الكلام وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nومن ذلك ما نقله أبو حامد أيضًا عن أحمد أنه قال (علماء الكلام زنادقة) .\nقال: (وقال مالك: أرأيت إن جاء من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم بدين جديد؟) .\nقال: (يعني أن أقوال المتجادلين تتقاوم) .\nوقال: (وقال مالك: لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع.\nفقال بعض أصحابه في تأويله: انه أراد بأهل الأهواء: أهل الكلام على أي مذهب كانوا) .\nقلت: هذا الذي كنى عنه أبو حامد هو محمد بن خويز منداد","vol":"7","page":157},{"text":"البصري الإمام المالكي، وقد قال: (إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه، الذين ترد شهادتهم، هم أهل الكلام) .\nقال: (فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه.\nوكل متكلم فهو عندهم من أهل الأهواء: أشعري كان أو غير أشعري) هكذا ذكره عنه ابن عبد البر، ومنه نقل ذلك أبو حامد، لكان كنى عن التصريح بذلك.\nقال أبو حامد: (وقال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق) .","vol":"7","page":158},{"text":"وقال: (وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما ينقل عنهم من التجديدات فيه.\nوقالوا: ما سكت عن الصحابة، مع أنهم أعرف بالحقائق، وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم، إلا لعلمهم بما يتولد منه.\nولذا قال النبي ﷺ: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون»، أي المتعمقون في البحث والاستقصاء) .\nقال: واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدين، لكان أهم ما يأمر به النبي ﷺ، ويعلم طريقه، ويثني على أربابه، فقد علمهم الاستنجاء وندبهم إلا حفظ الفرائض","vol":"7","page":159},{"text":"وأثنى عليهم ونهاهم عن الكلام في القدر، وعلى هذا استر الصحابة فالزيادة على الأستاذ طغيان وظلم، وهم الأستاذون والقدوة، ونحن الأتباع والتلامذة) .\nقال: (وأما الفرقة الأخرى، فاحتجوا بان المحذور من الكلام: إن كان هو من أجل لفظ (الجوهر) و(العرض) وهذه الاصطلاحات الغريبة لأجل التفهم كالحديث والتفسير والفقه، ولو عرض عليهم عبارة النقض والكسب، والتعدية، والتركيب، وفساد الوضع لما كانوا يفهمونه، وإحداث عبارة للدلالة على مقصود صحيح، كإحداث آنية على","vol":"7","page":160},{"text":"هيئة جديدة لاستعمالها في مباح.\nوإذا كان المحذور هو المعنى، فنحن لا نعني به إلا معرفة الدليل على حدوث العالم، ووحدانية الخالق تعالى وصفاته، كما جاء به الشرع، فمن أين تحرم معرفة الله بالدليل؟ وإن كان المحذور هو الشغب، والتعصب، والعداوة، والبغض وما يفضي إليه الكلام، فذلك يحرم ويجب الاحتراز منه، كما أن الكبر والرياء وطلب الرياسة مما يفضي إليه على الحديث والتفسير والفقه، وهو محرم يجب الاحتراز منه، ولكن لا يمنع من العلم لأجل أدائه أليه.\nوكيف يكون ذلك الحجة المطالبة، والبحث عن محظورًا، وقد قال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ [النمل: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] .","vol":"7","page":161},{"text":"وقال تعالى: ﴿إن عندكم من سلطان﴾ [يونس: ٦٨] أي من حجة وبرهان.\nوقال تعالى ﴿قل فلله الحجة البالغة﴾ [الأنعام: ١٤٩] .\nوقال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾ إلى قوله ﴿فبهت الذي كفر﴾ [البقرة: ١٥٨]، وذكر إبراهيم مجادلته وإفحامه خصمه في معرض الثناء عليه.\nوقال تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣] .\nوذكر كلامًا طويلًا ذكرناه وتكلمنا على ما فيه من مقبول ومردود كلامًا مبسوطًا في غير هذا الموضع، إلى أن قال: (فهذا ما يمكن أن يذكر للفريقين) .\nثم ذكر تفصيلًا اختاره، مضمونه: أن فيه مضرة من آثار الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، ومضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة، وتثبيته في صدورهم، بحيث تنبعث","vol":"7","page":162},{"text":"دواعيهم، ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الإصرار بواسطة التعصب الذي يثور عن الجدل) .\nقلت: المضرة التي ذكرها: نوعان: أحدهما: يتعلق بالعلم، وهو التنبيه على شبه الباطل التي تضعف اعتقاد الحق، وتفضي إلى الباطل.\nوالثاني: يتعلق بالقصد، وهو إثارة الهوى والحمية والعصبية التي تدعو إلى الإصرار ولو على الباطل، لئلا يغلب الشيطان.\nقال: (وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا.\nفاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود) .\nقال (ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف","vol":"7","page":163},{"text":"وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور، وفي أمور جلية تكاد تنال قبل التعمق في صناعة الكلام) .\nقال: (بل منفعته شيء واحد، وهو حراسة العقيدة التي ترجمناها على العوام، وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل، فإن العامي يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدًا، ومعارضة الفاسد بالفاسد نافعة، والناس متعبدون بهذه العقيدة التي قدمناها، إذ ورد الشرع بها لما فيها من صلاح دينهم ودنياهم، اجتماع السلف عليها، والعلماء متعبدون بحفظ ذلك على العوام من تلبيسات المبتدعة، كما تعبد السلاطين بحفظ أموالهم عن تهجمات الغصاب والظلمة) .\nقال: (وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون","vol":"7","page":164},{"text":"كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر، إذ لا يضعه إلا في موضعه، وذلك في وقت الحاجة، وعلى قدر الحاجة) .\nقلت فهذا كلام أبي حامد، مع معرفته بالكلام والفلسفة، وتعمقه في ذلك يذكر اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلام، ويذكر خلاف من نازعهم، ويبين أنه ليس فيه فائدة إلا الذب عن العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول ﷺ لأمته، وإذا لم يكن فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد، امتنع أن يكون معارضًا لها، فضلًا عن أن يكون مقدمًا عليها، فامتنع أن يكون الكلام العقلي المقبول مناقضًا للكتاب والسنة، وما كان من ذلك مناقضًا للكتاب والسنة، وجب أن يكون من الكلام الباطل المردود الذي لا ينازع في ذمه أحد من المسلمين: لا من السلف والأئمة، ولا أحد من الخلف المؤمنين أهل المعرفة بعلم الكلام والفلسفة، وما يقبل من ذلك وما يرد، وما يحمد وما يذم، وإن من قبل ذلك وحمده كان من أهل الكلام الباطل المذموم باتفاق هؤلاء.\nهذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من الكلام والعقليات والجدل باطلًا، وإن قصد به نصر الكتاب والسنة، فيذمون من قابل بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد، فكيف من قابل السنة بالبدعة، وعارض الحق بالباطل، وجادل في آيات الله بالباطل ليدحض به الحق.","vol":"7","page":165},{"text":"ولكن المقصود هنا بيان ما ذكره من اتفاق أئمة السنة على ذمه، وما ذكره من أنه هو وطريق الفلسفة لا يفيد كشف الحقائق ومعرفتها، مع خبرته بذلك.\nوهو تكلم بحسب ما بلغه عن السلف، وما فهمه وعلمه مما يحمد ويذم، ولم تكن خبرته بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول ﷺ، كخبرته بما سلكه من طرق أهل الكلام والفلسفة، فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره، وذلك أن ما ذكره من أن مضرته هي إثارة الشبهات في العلم، وإثارة التعصب في الإرادة، إنما يقال إذا كان الكلام في نفسه حقًا، بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة، بل معلومة.\nفإذا كان مع ذلك قد يورث النظر فيه شبهًا وعداوة قيل فيه ذلك: والسلف لم يكن ذمهم للكلام لمجرد ذلك، ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة، ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله، بل كانوا أعلم الناس بذلك، وأعرفهم بأدلة ذلك، ولا حرموا نظرًا صحيحًا في دليل صحيح يفضي إلى علم نافع، ولا مناظرة في ذلك نافعة: إما لهدى مسترشد، وإما لإعانة مستنجد، وإما لقطع مبطل متلدد، بل هم أكمل الناس نظرًا واستدلالًا واعتبارًا، وهم نظروا في أصح الأدلة وأقومها، فإن الناظر","vol":"7","page":166},{"text":"الطالب للعلم: إما أن يكون نظره في كلام معلم يبين له ويخاطبه بما يعرفه الحق، وإما أن يكون في نفس الأمور الثابتة، التي يخبر عنها المتكلم ويريد أن يعلم أمرها المتعلم، كسائر الناظرين في الطب والنحو وغير ذلك: إما أن ينظر في كلام المعلمين لهذا الفن، وإما أن ينظر فيما من شأنه أنه يخبر عنه كالأبدان واللغات.\nوالسلف كان نظرهم في خير الكلام وأفضله، وأصدقه وأدله على الحق، وهو كلام الله تعالى، وهم ينظرون في آيات الله تعالى التي في الآفاق وفي أنفسهم، فيرون في ذلك من الأدلة ما يبين أن القرآن حق.\nقال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت: ٥٣] .\nوالمناظرة المحمودة نوعان: والمذمومة نوعان، وذلك لأن المناظر: إما أن يكون عالمًا بالحق، وإما أن يكون طالبًا له، وإما أن لا يكون عالمًا به ولا طالبًا له.\nفهذا الثالث هو المذموم بلا ريب، وأما الأولان: فمن كان عالمًا بالحق فمناظرته المحمودة أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدًا طالبًا للحق إذا تبين له، أو يقطعه ويكف عداوته إن كان معاندًا غير متبع للحق إذا تبين له، ويوقفه ويسلكه ويبعثه على الناظر في أدلة الحق إن كان يظن أنه حق وقصده الحق.\nوذلك لأن المخاطب بالمناظرة إذا ناظره العالم المبين للحجة: إما أن","vol":"7","page":167},{"text":"يكون ممن يفهم الحق ويقبله، فهذا إذا بين له الحق فهمه وقبله، وإما أن يكون ممن لا يقبله إذا فهمه، أو ليس له غرض في فهمه، بل قصده مجرد الرد له، فهذا إذا نوظر بالحجة انقطع وانكف شره عن الناس وعداوته، وهذا هو المقصود الذي ذكره أبو حامد وغيره، وهو دفع أعداء السنة المجادلين بالباطل عنها.\nوإما أن يكون الحق قد التبس عليه، وأصل قصده الحق، لكن يصعب عليه معرفته لضعف علمه بأدلة الحق، مثل من يكون قليل العلم بالآثار النبوية الدالة على ما أخبر به من الحق، أو لضعف عقله لكونه لا يمكنه أن يفهم دقيق العلم، أو لا يفهمه إلا بعد عسر، أو قد سمع من حجج الباطل ما اعتقد موجبه وظن أنه لا جواب عنه، فهذا إذا نوظر بالحجة أفاده ذلك: إما معرفة الحق، وإما شكًا وتوقفًا في اعتقاد الباطل، أو في اعتقاد صحة الدليل الذي استدل به عليه، وبعث همته على النظر في الحق وطلبه، إن كان له رغبة في ذلك، فإن صار من أهل العصبية الذين يتبعون الظن وما تهوى النفس الحق بقسم المعاندين كما تقدم.\nوأما المناظرة المذمومة من العالم بالحق، فأن يكون قصده مجرد الظلم والعدوان لمن يناظره.\nومجرد إظهار علمه وبيانه لإرادة العلو في الأرض، فإذا أراد علوًا في الأرض أو فسادًا كان مذمومًا على إرادته","vol":"7","page":168},{"text":"ثم قد يكون من الفجار الذين يؤيد الله بهم الدين، كما قال النبي ﷺ: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، فكما قد يجاهد الكفار فاجر فينتفع المسلمون بجهاده، فقد يجادلهم فاجر فينتفع المسلمون بجداله، لكن هذا يضر نفسه بسوء قصده وربما أوقعه ذلك في أنواع من الكذب والبدعة والظلم، فيجره إلى أمور أخرى.\nوقد وقع في ذلك كثير من هؤلاء وهؤلاء.\nوأما إن كان المناظر غير عالم بالحق، بأن لا يعرف الحق في نفس المسألة، أو يعرف الحق لكن لا يعرف بعض الحجج، أو الجواب عن بعض المعارضات، أو الجمع بين دليلين متعارضين، وأمثال ذلك - فهذا إذا ناظر: طالبًا لمعرفة الحق وأدلته، والجواب عما يعارضها، والجمع بين الأدلة الصحيحة - كان محمودًا، وإن ناظر بلا علم، فتكلم بما لا يعرف من القضايا والمقدمات - كان مذمومًا.\nوالسلف رضوان الله عليهم كانت مناظرتهم مع الكفار وأهل البدع - كالخوارج وغيرهم - من القسم الأول، وكانت مناظرة بعضهم لبعض في مسائل الأحكام والتفسير: تارة من القسم الأول، وتارة من","vol":"7","page":169},{"text":"القسم الثاني، وهي المشاورة التي مدحهم الله عليها بقوله ﷿ ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨] .\nوما ذكره الله تعالى عن الأنبياء والمؤمنين من المجادلة يتناول هذا وهذا.\nوقد ذم الله تعالى في القرآن ثلاثة أنواع من المجادلة: ذم أصحاب المجادلة بالباطل ليدحض به الحق، وذم المجادلة في الحق بعد ما تبين، وذم المحاجة فيما لا يعلم المحاج.\nفقال تعالى: ﴿وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ [غافر: ٥] .\nوقال تعالى: ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾ [الأنفال: ٦] .\nوقال: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ [آل عمران: ٦٦] .\nوالذي ذمه السلف والأئمة من المجادلة والكلام هو من هذا الباب، فإن أصل ذمهم الكلام المخالف للكتاب والسنة، وهذا لا يكون في نفس الأمر إلا باطلًا، فمن جادل به جادل بالباطل، وإن كان ذلك الباطل لا يظهر لكثير من الناس أنه باطل لما فيه من الشبهة، فإن الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكل أحد لا يكون قولًا ومذهبًا لطائفة تذب عنه، وإنما يكون باطلًا مشوبًا بحق، كما قال تعالى:","vol":"7","page":170},{"text":"﴿لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾ [آل عمران: ٧١] .\nأو تكون فيه شبهة لأهل الباطل، وإن كانت باطلة وبطلانها يتبين عند النظر الصحيح، كالذين قالوا: إن محمدًا ﷺ شاعر وكاهن ومجنون، قالوا: إنه شاعر لأن الشعر كلام موزون مقفى فشبهوا القرآن به من هذا الوجه، والكاهن يخبر أحيانًا بواحدة تصدق فشبهوا الرسول به من هذا الوجه، والمجنون يقول ويفعل خلاف ما في عقول ذوي العقول.\nفلما زعموا أن ما يأتي به الرسول ﷺ يخالف ما يأتي به العقلاء نسبوه إلى ذلك.\nلكن ما ينصبه الله من الأدلة، ويهدي إليه عباده من المعرفة، يتبين به الحق من الباطل الذي يشتبه به، ولكن ليس كل من عرف الحق - إما بضرورة أو بنظر - أمكنه أن يحتج على من ينازعه بحجة تهديه أو تقطعه، فإن ما به يعرف الإنسان الحق نوع، وما به يعرفه به غيره نوع، وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به، فلهذا كان النظر أوسع من المناظرة، فكل ما يمكن المناظرة به يمكن النظر فيه، وليس كل ما يمكن النظر فيه يمكن مناظرة كل أحد به.","vol":"7","page":171},{"text":"ولهذا كان أهل العلم بالحديث لهم علوم ضرورية بأقوال الرسول ومقاصده، لا يشركهم فيها إلا من شركهم في أسبابها.\nوالمقصود هنا أن السلف كانوا أكمل الناس في معرفة الحق وأدلته، والجواب عما يعارضه، وإن كانوا في ذلك درجات.\nوليس كل منهم يقوم بجميع ذلك، بل هذا يقوم بالبعض،، وهذا يقوم بالبعض، كما في نقل الحديث عن النبي ﷺ، وغير ذلك من أمور الدين.\nوالكلام الذي ذموه نوعان: أحدهما أن يكون في نفسه باطلًا وكذبًا، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل كذب، فإن أصدق الكلام كلام الله.\nوالثاني أن يكون فيه مفسدة، مثلما يوجد في كلام كثير منهم: من النهي عن مجالسة أهل البدع، ومناظرتهم، ومخاطبتهم، والأمر بهجرانهم.\nوهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم، فإن الحق إذا كان ظاهرًا قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته، فإنه يجب منعه من ذلك، فإذا هجر وعزر، كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بصبيغ بن عسل التميمي، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو قتل كما قتل المسلمون","vol":"7","page":172},{"text":"الجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهما - كان ذلك هو المصلحة بخلاف ما إذا ترك داعيًا، وهو لا يقبل الحق: إما لهواه، وإما لفساد إدراكه، فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين.\nوالمسلمون أقاموا الحجة على غيلان ونحوه، وناظروه وبينوا له الحق، كما فعل عمر ابن عبد العزيز ﵁ واستتابه، ثم نكت التوبة بعد ذلك فقتلوه.\nوكذلك علي - ﵁ - بعث ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم، ثم رجع نصفهم، ثم قاتل الباقين.\nوالمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف، وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس، قوبل بالعقوبة.\nقال الله تعالى: ﴿والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد﴾ [الشورى: ١٦] .\nوقد ينهون عن المجادلة والمناظرة، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجًا قويًا من علوج الكفار، فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة، وقد ينهى عنها إذا كان المناظر","vol":"7","page":173},{"text":"معاندًا يظهر له الحق فلا يقبله - وهو السوفسطائي - فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بينة بنفسها ضرورية وجحدها الخصم كان سوفسطائيًا، ولم يؤمر بمناظرته بعد ذلك، بل إن كان فاسد العقل داووه، وإن كان عاجزًا عن معرفة الحق - ولا مضرة فيه - تركوه، وإن كان مستحقًا للعقاب عاقبوه مع القدرة: إما بالتعزير وإما بالقتل، وغالب الخلق لا ينقادون للحق إلا بالقهر.\nوالمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال.\nوأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة تارة أخرى.\nوفي الجملة جنس المناظرة والمجادلة فيها: محمود ومذموم، ومفسدة ومصلحة، وحق وباطل.\nومنشأ الباطل من نقص العلم، أو سوء القصد.\nكما قال تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: ٢٣] .\nومنشأ الحق من معرفة الحق والمحبة له، والله هو الحق المبين، ومحبته أصل كل عبادة، فلهذا كان أفضل الأمور على الإطلاق معرفة الله ومحبته، وهذا هو ملة إبراهيم خليل الله تعالى، الذي جعله الناس إمامًا، وجعله أمة يأتم به الخلق، وهو الذي ناظر المعطلين والمشركين.","vol":"7","page":174},{"text":"ثم ذكر الله تعالى محاجته لمن حاجه في ربه: ﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ومحاجته لقومه الذين كانوا يعبدون الكواكب.\nوالجهمية نفاة الصفات الذين هم رؤوس أهل الكلام المذموم، قولهم مأخوذ من قول خصمائه، كما هو مأخوذ من قول فرعون خصم موسى ﵇، فإن فرعون أظهر جحد الصانع وعلوه على خلقه، وجحد تكليمه لموسى.\nوقوم إبراهيم كانوا مشركين، كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك، وكان فيهم من هو معطل، كما ذكر الله تعالى ذلك.\nوالفلاسفة القائلون بدعوة الكواكب: فيهم المشرك، وفيهم المعطل.\nونفي الصفات من أقوالهم، فمنهم من لا يثبت لهذا العالم المشهود ربًا أبدعه، كما هو قول الدهرية الطبيعية منهم، ويجعلون العالم نفسه واجب الوجود بذاته، ومنهم من يثبت له مبدعًا واجبًا بنفسه أبدعه، كما هو قول الدهرية الإلهية منهم، ويقولون: إن الواجب ليس له صفة ثبوتية، بل صفاته: إما سلب، وإما إضافة، وإما مركبة منهما.\nوكان الجعد بن درهم من أهل حران، وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة - خصوم إبراهيم الخليل ﵇، فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون والنمرود، بناءً على أصل هؤلاء","vol":"7","page":175},{"text":"النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه.\nوالمحبة متضمنة للإرادة، ومسألة الكلام والإرادة ضل فيها طوائف، كما ضلوا في إنكار العلو الذي أنكره فرعون على موسى.\nكما قد بسط هذا في موضعه.\nومما يبين هذا أن السلف لم يذموا التكلم بأسماء مفردة: كالجوهر، والجسم، والعرض، فإن الاسم المفرد ليس بكلام، ولا يتكلم به أحد، وإنما ذموا الكلام المؤلف الدال على معان، والذين كانوا يتكلمون بهذه الأسماء كان كلامهم متضمنًا لأمور فيها افتراء على الله ورسوله: إما إثبات ما نفاة الله، وإما نفي ما أثبته الله، ومتضمنة لمعان باطلة هي كذب وباطل في نفس الأمر.\nوالمقصود هنا التنبيه على جنس ما مدحه السلف وذموه، وأنهم كانوا أعرف الناس بالحق وأدلته، وبطلان ما يعارضه، وإنما يظن بهم التقصير في هذا من كان جاهلًا بحقيقة الحق، وبما جاء الرسول ﷺ من العلم والإيمان، وبما وصل إليه السلف والأئمة، فجهله بالأول يوجب أن لا يعلم الحق بل يعتقد نقيضه، وجهله بالثاني يوجب ظنه أن ليس فيما جاء به الرسول بيان الحق بأدلته والمناظرة عنه، وجهله بالثالث يوجب ظنه أن السلف ذموا الكلام بالأدلة الصحيحة المفضية","vol":"7","page":176},{"text":"إلى العلم بالله وصفاته خوفًا من الشبهات والأهواء، بل الأصل في ذم السلف لكلام هو اشتماله على القضايا الكاذبة، والمقدمات الفاسدة، المتضمنة للافتراء على الله تعالى وكتابه ورسوله ودينه.\nفهذا هو الكلام المذموم بالذات، وهو الكلام الكاذب الباطل، وأما الكلام الذي هو حق وصدق، فهذا لا يذم بالذات، وإنما يذم المتكلم به أحيانًا، لاشتمال ذلك على مضرة عارضة، مثل ما يحرم القذف، وإن كان القاذف صادقًا إذا لم يكن له أربعة شهداء، ومثل ما تحرم الغيبة والنميمة ونحو ذلك مما هو صدق لكن فيه ظلم للغير.\nوأما الكلام في الدين فنوعان: أحدهما أمر، والثاني خبر.\nوالكلام في أصول الدين هو من النوع الثاني.\nولا ريب أن الله تعالى أخبر بإثبات أمور ونفي أمور، وأصدق الكلام كلام الله، فما ناقض ذلك كان كذبًا وقولًا على الله غير الحق.\nكما قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ [النساء: ١٧١] .\nوقال تعالى: ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق﴾ [الأعراف: ١٦٩] .\nوقال تعالى: ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين﴾ [الأعراف: ١٥٢] .","vol":"7","page":177},{"text":"وقال تعالى: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ [الصافات: ١٨٠]، وأمثال ذلك.\nوعامة الكلام الذي ذمه السلف تشتمل مسائله على كذب وفرية، ودلائل مسائله على كذب وفرية، كأقوال الجهمية النفاة لما أثبته الله تعالى له من الأسماء والصفات، وكلام القدرية النافية لما أثبته الله من قدرته ومشيئته.\nودلائل الجهمية والنفاة: هو استدلالهم بدليل الجواهر والأعراض، فإنهم زعموا أن الأعيان المشاهدة كالسماوات والأرض مركبة من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة، وأن المركب مسبوق بجزئه، ومفتقر إلى مركب يركبه، فيكون محدثًا وممكنًا، وما قام بها من الصفات والحركات أعراض، والأعراض - أو بعضها - حادثة، وما كان شخصه حادثًا، وجب أن يكون نوعه حادثًا، فيمتنع وجود حوادث لا تتناهى، قالوا: بهذا عرفنا أن السماوات مخلوقة، وبذلك عرفنا أن الله موجود، فلزمهم على ذلك أن ينفوا صفات الله وأفعاله، وذلك باطل شرعًا وعقلًا، ولم يكن ما أقاموه دليلًا صحيحًا، فلا هم عرفوا الحق بدليل صحيح قويم، ولا","vol":"7","page":178},{"text":"هم نصروا بميزان مستقيم، ولكنهم قد يقابلون الفاسد بالفاسد، فإن أعداد الملة قد يقيمون شبهة على نقيض ما جاء به الرسول ﷺ، كشبهة الدهرية على قدم السماوات، فيقابلون ذلك بفاسد آخر، كاستدلالهم على حدوث ذلك بدليل الأعراض والصفات.\nوحفظ مثل هذا الكلام لاعتقاد العوام، كدفع المظلمة عنهم بعقوبات فيها عدوان، ومن ظن أن الخلف أعلم بالحق وأدلته، أو المناظرة فيه من السلف، فهو بمنزلة من زعم أنهم أقوم بالعلم والجهاد وفتح البلاد منهم، وكلا الظنين طريق من لم يعرف حقيقة الدين، ولا حال السلف السابقين.\nوهذا مثل كلام الرافضة وأمثالهم من أهل الفرية، الذي يتضمن قولهم التكذيب بالحق والتصديق بالباطل، فهؤلاء فيما يحدثون به من الكذب، ويكذبون به من الصدق في المقولات، بمنزلة أهل الكلام الباطل في البحث والنظر، كالجهمية الذين يكذبون بالحق ويصدقون بالباطل في العقليات.\nولهذا كان غير واحد من السلف يقرن بين الجهمية والرافضة، وهما شر أهل الأهواء، وكان الكلام المذموم عند السلف أعظم من الشهادة بالزور وظلم الحق.","vol":"7","page":179},{"text":"وذلك لأن الكاذب الظالم إذا علم أنه كاذب ظالم، كان معترفًا بذنبه، معتقدًا لتحريم ذلك، فترجى له التوبة، ويكون اعتقاده التحريم، وخوفه من الله تعالى من الحسنات التي يرجى أن يمحوا الله بها سيئاته.\nوأما إذا كذب في الدين معتقدًا أن كذبه صدق، وافترى على الله ظانًا أن فريته حق، فهذا أعظم ضررًا وفسادًا.\nولهذا كان السلف يقولون: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها.\nولهذا أمر النبي ﷺ بقتال الخوارج المبتدعين مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، ونهى عن الخروج على أئمة الظلم، وأمر بالصبر عليهم.\n«وكان يجلد رجلًا يشرب الخمر فلعنه رجل، فقال: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» .\n«وجاءه ذو الخويصرة التميمي وبين عينيه أثر السجود، فقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل.\nفقال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل.\nثم قال: يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقراءته","vol":"7","page":180},{"text":"مع قراءتهم.\nيقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» .\nفهذا المبتدع الجاهل لما ظن أن ما فعله الرسول ليس بعدل، كان ظنه كاذبًا، وكان في إنكاره ظالمًا، وهذا حال كل مبتدع نفى ما أثبته الله تعالى، أو أثبت ما نفاه الله، أو اعتقد حسن ما لم يحسنه الله، أو قبح ما لم يكرهه الله، فاعتقادهم خطأ، وكلامهم كذب، وإرادتهم هوى، فهم أهل شبهات في آرائهم، وأهواء في إرادتهم.\nفالسلف ذموا أهل الكلام الذين هم أهل الشبهات والأهواء، لم يذموا أهل الكلام الذين هم أهل كلام صادق، يتضمن الدليل على معرفة الله تعالى، وبيان ما يستحقه وما يمتنع عليه، ولكن قد يورث شبهة وهوى.\nوقد اعترف أبو حامد بأن ما ذكره هو من الكلام والفلسفة ليس فيه كشف الحقائق ومعرفتها.","vol":"7","page":181},{"text":"وأما حراسة عقيدة العوام.\nفيقال: أولًا: لا بد أن يكون المحروس هو نفس ما ثبت عن الرسول ﷺ أنه أخبر به لأمته، فأما إذا كان المحروس فيه ما يوافق خبر الرسول وفيه ما يخالفه، كان تمييزه قبل حراسته أولى من الذب عما يناقض خبر الرسول ﷺ، فإن حاجة المؤمنين إلى معرفة ما قاله الرسول وأخبرهم به ليصدقوا به، ويكذبوا بنقيضه، ويعتقدوا موجبه، قبل حاجتهم إلى الذب عن ذلك، والرد على من يخالفه، فإذا كان المتكلم الذي يقول إنه يذب عن السنة، قد كذب هو بكثير مما أخبر به الرسول ﷺ، واعتقد نقيضه - كان مبتدعًا مبطلًا متكلمًا بالباطل فيما خالف فيه خبر الرسول ﷺ، كما أن ما وافق فيه خبر الرسول، فهو فيه متبع للسنة، محق يتكلم بالحق.\nوأهل الكلام الذين ذمهم السلف لا يخلو كلام أحد منهم على مخالفة السنة، ورد بعض ما أخبر به الرسول، كالجهمية والمشبهة، والخوارج والروافض، والقدرية، والمرجئة.\nويقال بأنها لا بد أن تحرس السنة بالحق والصدق والعدل، كما تحرس بكذب ولا ظلم، فإذا رد الإنسان باطل بباطل، وقابل بدعة ببدعة، كان هذا مما ذمه السلف والأئمة.","vol":"7","page":182},{"text":"وهؤلاء - كما ذكره أبو حامد - يدخلون في هذا، وكلام السلف في ذم الكلام متناول لما ذمه الله في كتابه، والله سبحانه قد ذم في كتابه الكلام الباطل، والكلام بغير علم.\nوالأول كثير.\nوأما الثاني فقد قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣] .\nوقال تعالى: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ [آل عمران: ٦٦] .\nوقال: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء: ٣٦] .\nوهذا النوعان مذمومان في القضاء والفتيا والتفسير.\nقال النبي ﷺ: «القضاة ثلاث: قاض في الجنة، وقاضيان في النار.\nرجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وحكم بخلافه فهو في النار» .","vol":"7","page":183},{"text":"وفي السنن: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن قال في القرآن برأيه فأخطأ فليتبوأ مقعده من النار» .\nفهذان النوعان من الكلام مذمومان مطلقًا، لا سيما ما كان في نفسه كذبًا باطلًا، وأما جنس النظر والمناظرة، فهذا لم ينه السلف عنه مطلقًا، بل هذا - إذا كان حقًا - يكون مأمورًا به تارة ومنهيًا عنه أخرى، كغيره من أنواع الكلام الصدق، فقد ينهى عن الكلام الذي لا يفهمه المستمع، أو الذي يضر المستمع، وعن المناظرات التي تورث شبهات وأهواء، فلا تفيد علمًا ولا دينًا.\nومن هذا الباب أنه خرج ﷺ على طائفة من أصحابه وهم يتناظرون في القدر، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ وأن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل القرآن ليصدق بعضه بعضًا، لا ليكذب بعضه بعضًا.\nفإذا كانت المناظرة تتضمن أن كل واحد من المتناظرين يكذب ببعض الحق نهي عنه لذلك.\nوأكثر الاختلاف بين ذوي الأهواء من","vol":"7","page":184},{"text":"هذا الباب، كالقائلين بأن الله جسم متحيز في جهة، والنافين لذلك، والقائلين: إن الله يجبر العباد، والنافين لذلك وأمثال ذلك من الكلام المجمل المتشابه، الذي يتضمن حقًا وباطلًا، في جانبي النفي والإثبات.\nوالكلام بلفظ (الجسم) و(الجوهر) و(العرض) في مسائل الصفات هو من هذا الباب.\nقال: أبو عبد الرحمن السلمي - وقد ذكر شيخ الإسلام في ذم الكلام من طريقة: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد السجزي يقول: سمعت أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد؟ قال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام، وإنما بعث النبي ﷺ بإنكاره ذلك.\nوالمقصود هنا بيان فساد الطرق المعارضة للكتاب والسنة، وأما بيان اشتمال الكتاب والسنة على الطرق التي بها تحصل معرفة الله والإيمان به وبرسله وباليوم الآخر، فهذا مذكور في موضع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>تابع كلام الغزالي في الإحياء</span>\nقد قال أبو حامد أيضًا لما ذكر أقسام العلوم: (فإن قلت: لم تورد في أقسام العلوم الكلام والفلسفة، وتبين أنهما محمودان أو","vol":"7","page":185},{"text":"مذمومان؟ فاعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام في الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه، وما خرج عنه فهو: إما مجادلة مذمومة، وهي من البدع، وإما مشاغبات بالتعلق بمناقضات الفرق، وتطويل وقت بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع، وتمجها الأسماء، وبعضها خوض في ما لا يتعلق بالدين، ولم يكن شيء منها مألوفًا في العصر الأول، فكان الخوض فيه بالكلية من البدع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>كلام الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر</span>\nقال أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب: (ووقفت على ما التمسوه من ذكر الأصول التي عول","vol":"7","page":186},{"text":"سلفنا رحمة الله عليهم عليها وعدلوا إلى الكتاب والسنة من أجلها، واتباع خلفنا الصالح لهم في ذلك، وعدولهم عما صار إليه أهل البدع من المذاهب التي أحدثوها، وصاروا إلى مخالفة الكتاب والسنة بها، وما ذكرتم من شدة الحاجة إلى ذلك، فبادرت - أيدكم الله - بإجاباتكم إلى ما التمسوه، وذكرت لهم جملًا من الأصول، مقرونة بأطراف من الحجاج، تدلكم على صوابكم في ذلك، وخطأ أهل البدع فيما صاروا إليه من مخالفتهم، وخروجهم عن الحق الذي كانوا عليه قبل هذه البدع معهم، ومفارقتكم بذلك الأدلة الشرعية، وما أتى به الرسول منها ونبه عليها، وموافقتكم بذلك لطرد الفلاسفة الصادين عنها، والجاحدين لما أتت به الرسل صلوات الله عليهم منها: اعلموا - أرشدكم الله - أن الذي","vol":"7","page":187},{"text":"مضى عليه سلفنا وأتباعهم من صالح خلفنا: أن الله تعالى بعث محمد ﷺ إلى سائر العالمين وهم أحزاب متشتتون، وفرق متباينون: منهم كتابي يدعو إلى الله بما في كتابه، وفلسفي قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها بقضايا العقول وبرهمي يمكن أن يكون لله رسول، ودهري يدعي الإهمال ويخبط في عشواء الضلال، وثنوي قد اشتملت عليه الحيرة، ومجوسي يدعي ما ليس له به خبرة، وصاحب صنع يعكف عليه ويزعم أن له ربًا يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه، لينبههم جميعًا على حدثهم، ويدعوهم إلى توحيد المحدث لهم، ويبين لهم طرق معرفته، بما فيهم من آثار صنعتهم ويأمرهم برفض كل ما كانوا عليه من سائر الأباطيل، بعد تنبيهه ﵇ لهم على فسادها، ودلالته على صدقه فيما يخبرهم به عن ربهم بالآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، ويوضح لهم سائر","vol":"7","page":188},{"text":"ما تعبدهم الله به من شريعته، وأنه ﵇ دعا\nجماعتهم إلى ذلك، ونبههم على حدثهم، بما فيهم من اختلاف الصور والهيئات، وغير ذلك من اختلاف اللغات، وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم، بما فيهم وفي غيرهم مما يقتضي وجوده، ويدل على إرادته وتدبيره، حيث قال ﷿: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات: ٢١]، فنبههم ﷿ بتقلبهم في سائر الهيئات التي كانوا عليها على ذلك.\nوشرح لهم ذلك بقوله سبحانه: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٢-١٤] .\nوهذا مما أوضح ما يقتضي الدلالة على حدث الإنسان","vol":"7","page":189},{"text":"ووجود المحدث له من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديمًا، وذلك أن تغيره يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره، وكونه قديمًا ينفي تلك الحال، فإذا حصل متغيرًا بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن قبل تغيره عليها، دل ذلك على حدوثها وحدوث الهيئة التي كان عليها قبل حدوثها، إذ لو كانت قديمة لما جاز عدمها، وذلك أن القديم لا يجوز عدمه، وإذا كان هذا على ما قلنا، وجب أن يكون ما عليه الأجسام من التغير منتهيًا إلى هيئات محدثة، ولم تكن الأجسام قبلها موجودة، بل كانت معها محادثة، ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم من قبل أن ذلك لا يجوز أن يقع بالاتفاق، فيتم من غير مرتب له، ولا قاصد إلى ما وجد منه فيها، دون ما كان يجوز وقوعها عليه من الهيئات المخالفة لها، وجواز تقدمها في الزمان وتأخرها، وحاجتها بذلك إلى محدثها ومرتبها، لأن سلالة الطين والماء المهين","vol":"7","page":190},{"text":"بنفسه، لا يجوز أن يقع شيء من ذلك فيها بالاتفاق، لاحتمالها لغيره، فإذا وجدنا ما صار إليه الإنسان في هيئته المخصوصة به دون غيره من الأجسام، وما فيه الآلات المعدة لمصالحه: كسمعه وبصره وشمه وحسه وآلات ذوقه، وما أعد له من آلات الغذاء التي لا قوام له إلا بها، على ترتيب ما قد أحوج إليه من ذلك، حتى يوجد في حال حاجته إلى الرضاع بلا أسنان تمنع من غذائه، وتحول بينه وبين مرضعته، فإذا نقل من ذلك وخرج إلى غذاء لا ينتفع به، ولا يصل منه إلا غرضه إلا بطحنها له جعل له منها بقدر ما به الحاجة في ذلك إليه، والمعدة المعدة لطبخ ما يصل إليها من ذلك، وتلطيفه حتى يصل إلى الشعر والظفر، وغير ذلك من سائر الأعضاء في مجاز لطاف، قد هيئات لذلك بمقدار ما يقيمها، والكبد المعدة لتسخينها بما يصل من حرارة القلب،","vol":"7","page":191},{"text":"والرئة المهيأة\nلإخراج بخار الحرارة التي في القلب، وإدخال ما يعتدل به من الهواء البارد، باجتذاب المناخر، وما فيها من الآلات المعدة كخروج ما يفضل من الغذاء عن مقدار الحاجة، في مجاز ينفذ ذلك منها، وغير لك مما يطول شرحه، مما لا يصح وقوعه بالاتفاق، ولا يستغني في ما هو عليه عن مقوم له يرتبه، إذا كان ذلك لا يصح أن يترتب وينقسم في سلالة الطين والماء المهين بغير صانع لها مدبر، عند كل عاقل متأمل، كما لا يصح أن تترتب الدار على ما تحتاج إليه فيها من البناء بغير مدبر ينقسم ذلك فيها، ويقصد إلى ترتيبها.\nثم زادهم الله تعالى في ذلك بيانًا بقوله ﷿: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار","vol":"7","page":192},{"text":"لآيات لأولي الألباب﴾ [آل عمران: ١٩٠]، فدلهم تعالى بحركة الأفلاك على المقدار الذي بالخلق الحاجة إليه في مصالحهم، التي لا تخفى مواقع انتفاعهم، بها كالليل الذي جعل لسكونهم، ولتبريد ما زاد عليهم من حر الشمس في زروعهم وثمارهم، والنهار الذي جعل لانتشارهم وتصرفهم في معايشهم، على القدر الذي يحتملونه في ذلك.\nولو كان دهرهم كله ليلًا لأضر بهم ما فيه من الظلمة، التي تقطعهم عن التصرف في مصالحهم، وتحول بينهم وبين إدراك منافعهم، وكذلك لو كان دهرهم كله نهارًا، لأضر بهم ذلك ودعاهم إلى ما فيه من الضياء إلى التصرف في طلب المعاش مع حرصهم على ذلك، إلى ما لا يطيقونه، فأداهم قلة الراحة إلى عطبهم، فجعل لهم من النهار قسطًا لتصرفهم، لا يجوز بهم قدر الطاقة فيه، وجعل لهم من الليل قسطًا لسكونهم، لا يقتصر عن درك حاجتهم، لتعتدل في ذلك","vol":"7","page":193},{"text":"أحوالهم، وتكمل مصالحهم، وجعل لهم من الحر والبرد فيهما، بمقدار ما لهم من ثمارهم ولمواشيهم من الصلاح، رفقًا لهم وجعل لون ما يحيط بهم من السماء ملاومًا لأبصارهم، ولو كان لونها على اختلاف ذلك من الأولون لأفسدها، ودلهم على حدثها، بما ذكرناه من حركتها، واختلاف هيئاتها، كما ذكرنا أنفًا، ودلهم على حاجتها وحاجة الأرض، وما فيهما من الحكم، ومع عظمها وثقل أجرامها إلى إمساكه ﷿ لهما بقوله تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا﴾ [فاطر: ٤١] .\nفعرفنا تعالى أن وقوفهما لا يصح أن يكون من غيره، وأن وقوفهما","vol":"7","page":194},{"text":"لا يجوز ان يكون بغير موقف لهما، ثم نبهنا على فساد قول الفلاسفة بالطبائع، وما يدعونه من فعل الأرض والماء والنار والهواء في الأشجار، وما يخرج منها من سائر الثمار بقوله ﷿: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾ ثم قال ﷿ ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ [الرعد: ٤] .\nثم نبه تعالى خلقه على انه واحد باتساق أفعاله وترتيبها، وأنه تعالى لا شريك له فيها، بقوله ﷿: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .\nووجه الفساد بذلك: لو كان إلهين ما اتسق أمرهما على نظام، ولا يتم إحكام، وكان لا بد أن يلحقهما العجز، أو يحلقهما، عند التمانع في الأفعال والقدرة على ذلك، وذلك أن كل واحد منهما لا يخلو أن يكون قادرًا","vol":"7","page":195},{"text":"ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من فعل لآخر، أو لا يكون كل واحد منهما قادرًا على ذلك، فإن كان كل واحد منهما قادرًا على فعل ما يقدر الأخر بدلًا منه، لم يصح أن يفعل كل واحد منهما ما يقدر عليه الآخر، وإلا بترك الآخر له، وإذا كان كل واحد منهما لا يفعل إلا بترك الآخر له، جاز أن يمنع كل واحد منهما صاحبه من ذلك.\nومن يجوز أن يمنع ولا يفعل إلا بترك غيره له، فهو مذموم عاجز، وإن كان كل واحد منهما لا يقدر على فعل مقدور الآخر بدلًا منه، وجب عجزهما وحدوث قدرتيهما، والعاجز لا يكون إلهًا ولا ربًا.\nثم نبه المنكرين للإعادة، مع إقرارهم بالابتداء على جواز إعادته تعالى لهم، حيث قال لهم لما استنكروها وقالوا: من يحي العظام وهي رميم؟ ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل","vol":"7","page":196},{"text":"خلق عليم﴾ ثم أوضح لهم ذلك بقوله: ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون﴾ [يس: ٧٩-٨٠]، فدلهم بما يشاهدونه من جعله النار من العفار والمرخ وهما شجرتان خضراوان إذا حكت أحدهما الأخرى بتحريك الريح لها اشتعل النار فيهما، على جواز إعادته الحياة في العظام والنخرة والجلود المتمزقة.\nثم نبه عباد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها مع نحتها، بقوله تعالى: ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ ثم قال: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٥-٩٦] .\nفبين لهم فساد عبادتها، ووجوب عبادته دونها، بأنها إذا كانت لا تصير أصنامًا إلا بنحتكم لها، فأنتم أيضًا لن تكونوا على ما أنتم عليه","vol":"7","page":197},{"text":"من الصور والهيئات إلا بفعلي، وإني - مع خلقي لكم وما تنحتونه - خالق لنحتكم، إذ كنت أنا المقدر لكم عليه والممكن لكم منه.\nثم رد على المنكرين لرسله بقوله ﷿: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس﴾ [الأنعام: ١٩١] .\nوقال تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥] .\nثم احتج النبي ﷺ على أهل الكتب بما في كتبهم من ذكر صفته والدلالة على اسمه ونعته، وتحدي النصارى - لما كتموا ما في كتبهم من ذلك وجحدوه - بالمباهلة، عند أمر الله ﷿ له بذلك بقوله: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من","vol":"7","page":198},{"text":"العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ آل عمران: ٦١] .\nوقال لليهود لما بهتوه: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: ٩٤]، فلم يجسر أحد منهم على ذلك، مع اجتماعهم على تكذيبه، وتناهيهم في عداوته، واجتهادهم في التنفير عنه، لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك، فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم، وصدقه فيما يخبرهم، لأقدموا على إجابته، ولسارعوا إلى فعل ما يعلمون أن فيه توهين أمره.\nثم إن الله تعالى بعد إقامة الحجج عليهم أزعج خواطر جماعتهم للنظر فيما دعاهم إليه، ونبههم عليه، بالآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، وأيده بالقرآن الذي تحدى به فصحاء قومه الذين بعث","vol":"7","page":199},{"text":"إليهم لما قالوا: إنه مفترى أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، أو سورة من مثله، وقد خاطبهم فيه بلغتهم، فعجزوا عن ذلك، مع إخباره لهم أنهم لا يأتون بمثله، ولو تظاهر على ذلك الإنس والجن، وقطع ﵇ عذرهم به عذر غيرهم، كما قطع موسى ﵇ عذر السحرة وغيرهم في زمانه بالعصا التي فضحت سحرهم، وبان بما كان منها - لهم ولغيرهم - أن ذلك من فعل الله تعالى، وأن هذا ليس تبلغه قدرتهم، ولا تطمع فيه خواطرهم، وكما قطع عيسى ﵇ عذر من كان في زمانه من الأطباء، الذين قد برعوا في معرفة العقاقير، وقوى ما في الحشائش، وقدر ما ينتهي إليه علاجهم، وتبلغه حيلهم، بإحياء الموتى بغير علاج، وإبراء الأكمة والأبرص، وغير ذلك مما","vol":"7","page":200},{"text":"بهرهم به، وأظهر لهم منه ما يعلمون بيسير الفكر أنه خارج عن قدرهم، وما يصلون إليه بحيلهم.\nوكذلك قد أزاح نبينا ﷺ بالقرآن - وما فيه من العجائب - علل الفصحاء من أهله، وقطع به عذرهم، لرؤيتهم أنه خارج عما انتهت إليه فصاحتهم في لغاتهم، ونظموه في شعرهم، وبسطوه في خطبهم، وأوضح لجميع من بعث إليه من الفرق التي ذكرناها فساد ما كانوا عليه بحجج الله وبيناته، ودل على صحة ما دعاهم إليه ببراهين الله وآياته، حتى لم يبق لأحد منهم شبهة فيه، ولا احتيج مع ما كان منه ﵇ في ذلك إلى زيادة من غيره، ولو لم يكن ذلك كذلك، لم يكن له ﵇ حجة على جماعتهم، ولا كانت طاعته لازمة لهم، مع خصامهم وشدة عنادهم، ولكانوا قد احتجوا عليه بذلك، ودفعوه عما يوجب","vol":"7","page":201},{"text":"طاعتهم له، وقرعوه بتقصيره عن إقامة الحجة عليهم فيما يدعوهم إليه، مع طول تحديه لهم، وكثرة تبكيتهم، وطول مقامه فيهم، ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، مع حرصهم عليه.\nوإذا كان هذا على ما ذكرناه، علم صحة ما ذهبنا إليه في دعوته ﵊ إلى التوحيد، وإقامة الحجة على ذلك، وإيضاحه لطرق إليها.\nوقد أكد الله تعالى دلالة نبوته، بما كان من خاص آياته ﵇ التي تنقض بها عاداتهم، كإطعامه الجماعة الكثيرة في المجاعة الشديدة من الطعام اليسير، وسقيهم الماء في العطش الشديد من الماء اليسير، وهو ينبع من بين أصابعه، حتى رووا ورويت مواشيهم، وكلام الذئب، وإخبار الذراع المشوية أنها مشوية، وانشقاق القمر، ومجيء الشجرة إليه عند دعائها إليه ورجوعها إلى مكانها بأمره لها، وإخباره لهم عليه","vol":"7","page":202},{"text":"السلام بما تجنه صدورهم، وما يغيبون به عنه من أخبارهم.\nثم دعاهم ﵇ إلى معرفة الله ﷿، وإلى طاعته فيما كلف تبليغه إليهم، بقوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ [التغابن: ١٢]، وعرفهم أمر الله بإبلاغه ذلك، وما ضمنه له من عصمته منهم، بقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧]، فعصمه الله منهم، مع كثرتهم وشدة بأسهم، وما كانوا عليه من شدة عنادهم وعداوتهم له، حتى بلغ رسالة ربه إليهم، مع كثرتهم ووحدته وتبري أهله منه، ومعاداة عشيرته، وقصد الجميع المخالفين له حين سفه آراءهم فيما","vol":"7","page":203},{"text":"كانوا عليه من تعظيم أصنامهم، وعبادة النيران، وتعظيم الكواكب، وإنكار الربوبية، وغير ذلك مملا كانوا عليه حتى بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأوضح الحجة في فساد جميع ما نهاهم مما كانوا عليه، ودلهم على صحة جميع ما دعاهم إلى اعتقاده وفعله بحجج الله وبيناته، وأنه ﵇ - لم يؤخر عنهم بيان شيء مما دعاهم إليه عن وقت تكليفهم فعله، لما يوجبه تأخير ذلك عنهم من سقوط تكليفه لهم.\nوأنه جوز فريق من أهل العلم تأخير البيان فيما أجمله الله من الأحكام قبل لزوم فعله لهم فأما تأخير ذلك عن وقت فعله فغير جائز عن كافتهم.\nومعلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي ﷺ إليه من واجهه من أمته من اعتقاد حديثهم ومعرفة المحدث لهم.\nوتوحيده ومعرفة أسمائه الحسنى، وما هو عليه من صفات نفسه وصفات","vol":"7","page":204},{"text":"فعله، وتصديقه فيما بلغهم من رسالته، مما لا يصلح أن يؤخر عنهم البيان فيه، لأنه - ﵇ - لم يجعل لهم فيما كلفهم من ذلك من مهلة، ولا أمرهم بفعله في الزمن المتراخي عنه، وإنما أمرهم بفعل ذلك على الفور، وإنما كان ذلك من قبل أنه لو أخر ذلك عنهم، لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله، والزمهم ما لا طريق لهم إلى الطاعة فيه، وهذا غير جائز عليه، لما يقتضيه ذلك من بطلان أمره وسقوط طاعته.\nولهذا المعنى لم يوجد عن أحد من صحابته خلاف في شيء ما وقف عليه جماعتهم، ولا شك في شيء منه، ولا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك، ولا زيادة على ما نبههم عليه من الحجج، بل مضوا جميعًا على ذلك، وهم متفقون: لا يختلفون في حدثهم، ولا","vol":"7","page":205},{"text":"في توحيد المحدث لهم، وأسمائه وصفاته، وتسليم جميع المقادير إليه، والرضى فيها بأقسامه، لما قد ثلجت به صدورهم، وتبينوا وجوه الأدلة التي نبههم - ﵇ عليها عند دعائه لهم إليها، وعرفوا به صدقه في جميع ما أخبرهم به، وإنما تكلفوا البحث والنظر فيما كلفوه من الاجتهاد في حوادث الأحكام عند نزولها بهم وحدوثها فيهم، وردها إلى معاني الأصول التي وقفهم عليها، ونبههم بالإشارة على ما فيها، فكان منهم رحمة الله عليهم في ذلك ما نقل إلينا عنهم من طريق الاجتهاد التي اتفقوا عليها، والطرق التي اختلفوا فيها، ولم يقلد بعضهم بعضًا في جميع ما صاروا إليه من جميع ذلك، لما كلفوا من الاجتهاد وأمروا به، فأما ما دعاهم إليه ﵇ من معرفة حدثهم والمعرفة","vol":"7","page":206},{"text":"بمحدثهم، ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وعدله وحكمته - فقد تبين لهم وجوه الأدلة في جميعه، حتى ثلجت صدورهم به، واستغنوا على استئناف الأدلة فيه، وبلغوا جميع ما وقفوا عليه من ذلك، واتفقوا عليه إلى من جاء بعدهم، فكان عذرهم فيما دعوا إليه من ذلك، مقطوعًا بما نبههم عليه النبي ﷺ من الأدلة على ذلك، وما شاهدوا من آياته الدالة على صدقه، وعذر سائر من تأخر عنه مقطوع بنقلهم ذلك إليهم، ونقل أهل كل زمان حجة على من بعدهم، ومن غير أن تحتاج - أرشدكم الله - في المعرفة لسائر ما دعينا إلى اعتقاده إلى استئناف أدلة غير الأدلة التي نبه النبي ﷺ عليها، ودعا سائر أمته إلى تأملها، إذ كان من المستحيل أن يأتي في ذلك أحد\nبأهدى","vol":"7","page":207},{"text":"مما أتى به، أو يصل من ذلك إلى ما بعد عنهم ﵇.\nوجميع ما اتفقوا عليه من الأصول المشهورة في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك، وانقطعوا إلى الاحتياط فيه، والاجتهاد في طلب الطرق الصحية إليه: من المحدثين والفقهاء، يعلم أكابرهم أصاغرهم، ويدرسون صبيانهم في كتاتيبهم، لتقر ذلك عندهم.\n، وشهرته فيهم، واستغنائهم في العلم بصحة جميع ذلك، بالأدلة التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته.\nواعلموا - أرشدكم الله - أن ما دل على صدق النبي ﷺ من المعجزات - بعد تنبيهه لسائر المتكلفين على حدثهم ووجود المحدث لهم - قد أوجب صحة أخباره، ودل على أن ما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله ﷿.\nوإذا ثبت بالآيات صدقه، فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي ﷺ","vol":"7","page":208},{"text":"عنه، وصارت أخباره ﵇ أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه، من الأمور الغائبة عن حواسنا، وصفات فعله، وصار خبره - ﵇ - عن ذلك سبيلًا إلى إدراكه، وطريقًا إلى العلم بحقيقته، وكان ما يستدل به من أخباره - ﵇ - على ذلك، أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة، ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل ﵈، من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها، إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها، ويدق الكلام عليها، فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها، والعرفة بفساد شبه المنكرين لها، والمعرفة بمخالفتها للجواهر، في كونها لا تقوم بنفسها، ولا يجوز ذلك على شيء منها، والمعرفة بأنها لا تبقى، والمعرفة باختلاف أجناسها، وأنه لا يصح انتقالها من محالها، والمعرفة بأن ما لا ينفك منها فحكمه في الحدث حكمها، ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما","vol":"7","page":209},{"text":"يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك، حتى يمكن الاستدلال بها على ما هي أدلة عليه عند مخالفينا، الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه بها، لأن العلم بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفًا.\nوفي كل رتبة من ما ذكرنا فوق تخالف فيها، ويطول الكلام معهم عليها، وليست يحتاج - أرشدك الله - في الاستدلال بخبر الرسول ﷺ على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك، لأن آياته والأدلة على صدق محسوسة مشاهدة، قد أزعجت القلوب، وبعثت الخواطر، على النظر في صحة ما يدعوا إليه، وتأمل ما استشهد به على صدقه، والمعرفة بأن آياته من قبل الله تعالى تدرك بيسير الفكر فيها، وأنها لا يصح أن","vol":"7","page":210},{"text":"تكون من البشر، بوضوح الطرق إلى ذلك، ولا سيما مع إزعاج الله قلوب سائر من أرسل إليه النبي ﷺ على النظر في آياته، بخرق عوائدهم له، وحلول من يعدهم به من النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له، على ما ذكرنا مما كان من ذلك موسى وعيسى ومحمد ﷺ.\nوإذا كان ذلك على ما وصفنا بان لكم - أرشدكم الله - أن طرق الاستدلال بإخبارهم - ﵈ - على سائر ما دعينا إلى معرفته وما لا يدرك بالحواس - أوضح من الاستدلال بالأعراض، إذ كان أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة، ومن اتبعهم من أهل الأهواء واغتروا بها، لبعدهم عن الشبهة، كما ذكرناه، وقرب من أخلد ممن ذكرنا إلى الاستدلال به من الشبه، وكذلك ما منع الله رسله من الاعتماد","vol":"7","page":211},{"text":"عليه، لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم، وكلفوا - ﵈ - إلزامهم فرضه، فأخلدنا سلفنا رحمة الله عليهم ومن اتبعهم من الخلف الصالح، بعد ما عرفوه من صدق النبي ﷺ، في ما دعاهم إليه من العلم بحذفهم، ووجود المحدث لهم، بما نبههم عليه من الأدلة - إلى التمسك بالكتاب والسنة، وطلب الحق في سائر ما ادعوا إلى معرفته منهم، والعدول عن كل ما خالفها، لثبوت نبوته ﵇ عندهم، وثقتهم بصدقه في ما أخبرهم به عن ربهم، لما وثقته الأدلة لهم فيه، وكشفته لهم العبرة، وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة - ومن اتبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع - من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته، لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه، وإنما صار من أثبت حدث العلم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر، لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم، وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز","vol":"7","page":212},{"text":"مجيئهم في العقول وغلط من دفع لك، وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم - لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طريقتهم، إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم، فلما كان هذا واجبًا لما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف كان اجتهاد الخلف - في طلب أخبار النبي ﷺ، والاحتياط في عدالة الرواة لها - واجبًا عندهم،\nليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين.\nلذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول الله ﷺ، حرصًا على معرفة الحق من وجهه، وطلبًا للأدلة الصحيحة فيه، حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه، وتسكن نفوسهم إلى من يتدينون به، ويفارقوا بذلك من ذمه في تقليده لمن يعظمه من سادته بغير دلالة تقتضي ذلك، ولما كلفهم الله ﷿ ذلك وجعل أخبار نبيه ﷺ","vol":"7","page":213},{"text":"طريقًا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان - حفظ أخباره ﵇ في سائر الأزمنة، ومنع من تطرق الشبه عليها، حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها، أو تبديل معنى كلمة قالها، إلا كشف الله تعالى ستره، وأظهر في الأمة أمره، حتى يرد ذلك عليه العربي والعجمي، ومن قد أهل لحفظ ذلك من حملة علمه ﵇.\nوالمبلغين عنه، كما حفظ كتابه، حتى لا يطيق أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ساكن فيه، أو تسكين حرف متحرك، إلا يبادر القراء في رد ذلك عليه، مع اختلاف لغاتهم، وتباين أوطانهم، لما أراده الله ﷿ من صحة الأداء عنه، ووقوع التبليغ لما أتى به نبينا ﵇ إلى من يأتي في آخر الزمان،","vol":"7","page":214},{"text":"لانقطاع الرسل بعده، واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم، حتى قد ظهر ذلك بينهم، وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه، وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع القلوب عليه، حجة على من تعبد بعده ﵇ بشريعته، ودلالة لمن دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار، وأكمل الله لجميعهم طرق الدين، وأغناهم بها عن التطلع إلى غيرها من البراهين.\nودل على ذلك بقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] .\nوليس يجوز أن يخبر الله ﷿ عن إكماله الدين، مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم به الدين، وبين النبي ﷺ معنى","vol":"7","page":215},{"text":"ذلك في حجة الوداع، لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته، عند اقتراب أجله، ومفارقته لهم ﷺ بقوله: اللهم هل بلغت؟\nفلو كنا نحتاج مع ما كان منه - ﵇ - في معرفة ما دعانا إليه، إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال، لما كان مبلغًا، إذ كنا نحتاج إلى المعرفة بصحة ما دعانا إليه إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها، ولو كان هذا كما قالوا، لكان فيما دعانا إليه وقوله بمنزلة الملغز، ولو كان كذلك لعارضه المنافقون، وسائر المرصدين لعداوته في ذلك، ولم يمنعهم مانع، كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات، ومجادلته في سائر الأوقات، ولكنهم لم يجدوا سبيلًا إلى الطعن، لأنه ﵇ لم يدع شيئًا مما بهم الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده،","vol":"7","page":216},{"text":"أو مثل فعله كذا، إلا وقد بينه لهم.\nويزيد هذا وضوحًا قوله ﵇ «إني قد تركتكم على مثل الواضحة: ليلها كنهارها» .\nوإذا كان هذا على ما وصفنا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ، ولا طعن لمبتدع، إذ كان - ﵇ - قد أقام الدين، بعد أن أرسى أوتاده، وأحكم أطنابه، ولم يدع النبي ﷺ لسائر من دعاه إلى توحيد الله حاجة إلى غيره، ولا لزائغ طعنًا عليه، ثم مضى - ﷺ - محمودًا بعد إقامة الحجة، وتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة والنصيحة لسائر الأمة، حتى لم يحوج أحدًا من أمته إلى البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره لهم أو معنى أسره إلى أحد من أمته.\nبل قد قال - عليه والسلام - في المقام الذي لم ينكتم قوله","vol":"7","page":217},{"text":"فيه، لاستحالة كتمانه على من حضره، أو طي شيء منه على من شهده،: إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي، ولعمر إن فيهما الشفاء من كل أمر مشكل، والبرء من كل داء معضل، وإن في حراستهما من الباطل - على ما تقدم ذكرنا له - آية لمن نصح نفسه، ودلالة لمن كان الحق قصده) .\nقال: (وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال به، وقوة ما عرفوا الحق منه، فإذا كان ذلك ما وصفنا فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد، وسوء اختيارهم لهم في المفارقة لهم، والعدول عما كانوا عليه معهم، وبالله التوفيق.\nوإذ قد بان بما ذكرناه استقامة لطرق","vol":"7","page":218},{"text":"استدلالهم، وصحة معارفهم، فلنذكر الآن ما اجتمعوا عليه من الأصول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة، ونحوها على وجود الخالق ﷾، فحدوث الإنسان يستدل به على المحدث، لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة التغير أو الحوادث له، ووجوب تناهي الحوادث.\nوالفرق بين الاستدلال بحدوثه، والاستدلال على حدوثه بين.\nوالذي في القرآن هو الأول لا الثاني، كما قال تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [الطور: ٣٥]، فنفس حدوث الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب ونحو ذلك معلوم بالضرورة، بل مشهود لا يحتاج إلى دليل، وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم بالحس وبالضرورة.\nوالعلم بحدوث هذه المحدثات علم ضروري لبا يحتاج إلى دليل، وذلك معلوم بالحس أو بالضرورة: إما بإخبار يفيد العلم الضروري، أو غير ذلك من العلوم الضرورية.\nوحدوث الإنسان من المني كحدوث الثمار من الأشجار، وحدوث","vol":"7","page":219},{"text":"النبات من الأرض، وأمثال ذلك.\nومن المعلوم بالحس أن نفس الثمرة حادثة كائنة بعد أن لم تكن، وكذلك الإنسان وغيره.\nكما قال تعالى: ﴿أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا﴾ [مريم: ٦٧]، ﴿قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا﴾ [مريم: ٩] .\nومعلوم أن هذه المخلوقات خلقت من غيرها كما خلق الإنسان من نطفة، والطائر من بيضة، والثمر من شجرة، والشجرة من نواة، والسنبلة من حبة.\nومعلوم أن ما منه خلق هذا استحال وزال، فالحبة التي أنبتت سبع سنابل لم تبق حبة ولم يبق منها شيء، بل استحال.\nوقد تنازع الناس في هذا الموضع، فقال طائفة من أهل الكلام: هنا أجسام وجواهر منتقلة من حال إلى حال، كالاجتماع بعد الافتراق، والافتراق بعد الاجتماع، وأت تلك الجوهر باقية، ولكن تغيرت صفاتها وأعراضها.\nوأنكر هؤلاء أن تكون نفس الأعيان القائمة بنفسها انقلبت حقيقتها فاستحالت ذاتها، ولكن تغيرت صفاتها.\nوهذا مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة.\nوهؤلاء يقولون: إنما يعلم بالحس والضرورة حدوث ما يحدث من الأعراض والصفات، وأما حدوث شيء من الأجسام القائمة بأنفسها، فلا نعلمه إلا بالاستدلال.","vol":"7","page":220},{"text":"والذي ذكر الأشعري أولًا مبني على هذا الأصل، وهو في ذلك موافق لمن قال به من المعتزلة وغيرهم، وهذا من بقايا التي بقيت عليه من أصولهم العقلية، بعد رجوعه عن مذهبهم، وبيانه لبطلان أقوالهم التي أظهروا بها خلاف أهل السنة والجماعة.\nوجمهور العقلاء من أصناف الناس - أهل النظر والفلسفة وغيرهم - يقولون: إن هذا باطل، وإن الأجسام يستحيل بعضها إلى بعض، كما يقول ذلك الفقهاء والأطباء وغيرهم، وكما يشهد ذلك، وإن الحادث هو نفس أعيان الحيوان والنبات لا مجرد صفاتها، وينكرون أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة.\nوالمنكرون للجوهر المفرد أكثر طوائف الكلام كالنجارية والضرارية والهشامية والكلابية وطائفة من الكرامية، مع جمهور الفلاسفة.\nوقالت طائفة من الفلاسفة وغيرهم: بل الأجسام التي يستحيل بعضها إلى بعض بينها مادة: وهي هيولى مشتركة بينها، هي بعينها باقية لم تتبدل، وإنما تبدلت الصورة، وتلك الهيولى جوهر عقلي.","vol":"7","page":221},{"text":"وجمهور العقلاء أيضًا ينكرون ذلك.\nوذلك أن المني إذا صار حيوانًا والماء هواءً والهواء ماءً، ونحو ذلك، فالجسم الثاني له عين وصفات وليس عين الأول ولا صفاته، وإنما يشتركان في النوع.\nوهو: أن هذا له قدر، وهذا له قدر، وكل منهما يقبل الاتصال والانفصال، ولكن ليس عين القدر هذا هو عين قدر هذا، ولا نفس ما يقوم به الاتصال والانفصال من أحدهما هو عين الآخر الذي يقوم به الاتصال والانفصال، وأحدهما إذا قبل الاتصال والانفصال فهو اجتماعه وافتراقه، وذلك عرض له، والقابل للاجتماع - الذي هو القائم به هو هو، ولكن تفرق بعد اجتماعه كالثوب والحجر ونحوهما مما يقطع ويكسر، وهو كالشمع، التي تختلف صورها وهي هي بعينها، وكالفضة التي تختلف صورها مع بقاء عينها، فنفس العين - التي هي الجوهر والجسم - باقية، وإنما تغير شكلها وصفتها وذلك هو الصورة العرضية التي تغيرت، لم تتغير الحقيقة.\nولفظ (الصورة) لفظ مشترك: يراد بالصورة الشكل والهيئة، كصورة الخاتم والشمعة، والمادة الحامية لهذه الصورة هي الجسم بعينه.\nويراد بالصورة نفس الجسم المتصور، وهذا الجسم المتصور","vol":"7","page":222},{"text":"ليس له مادة تحمله، فإن الجسم القائم بنفسه لا يكون شائعًا في الجسم قائمًا بنفسه، لكن خلق من مادة، كما خلق الإنسان من المني، وهذه المادة لا تبقى مع وجود ما خلق منها، بل تفنى وتعدم شيئًا فشيئًا.\nوهذا هو العدم المشهود في الأعيان، فإن الله تعالى كما ينشئ ما يخلقه شيئًا فشيئًا فينفي ما يعدمه شيئًا فشيئًا.\nوقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع.\nوإذ كان كذلك فالطريقة المذكورة في القرآن هي المعلومة بالحس والضرورة، ولا يحتاج مع ذلك إلى إقامة دليل على حدوث ما يحدث من الأعيان، بل يستدل بذلك على وجود المحدث لله تعالى.\nوأما المعتزلة والجهمية ومن تبعهم، فطريقتهم المشهورة في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع هي الاستدلال: (بإثبات الأعراض أولًا، وإثبات حدوثها ثانيًا، وبيان استحالة خلو الجواهر عنها ثالثًا، وبيان استحالة حوادث لا أول لها رابعًا)، وقد وافقهم عليها اكثر الأشعرية وغيرهم، وهذه هي التي ذمها الأشعري، وبين أنها ليست طريقة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا من اتبعهم، وإنما سلكها من يخالفهم من الفلاسفة وأتباعهم المبتدعة كما تقدم.\nوقد تقدم نقل كلامه في ذلك وهو المقصود، وكلامه يقتضي أنها محرمة في الدين","vol":"7","page":223},{"text":"مبتدعة، لا حاجة إليها لطول مقدماتها، وغموضها، وما فيها من النزاع.\nوهذا هو الذي قصدناه، وهو أنه نقل اتفاق السلف على الاستغناء عن هذه الطريقة.\nوأما بطلانها، فذاك مقام آخر، ليس في كلامه تعرض لذلك، ولهذا كان ما سلكه هو من جنس هذه الطريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>كلام الشهرستاني عن حدوث العالم في نهاية الإقدام</span>\nقال الشهرستاني في مسألة حدوث العالم: (وللمتكلمين طريقان في المسألة: أحدهما: إثبات حدوثه.\nوالثاني إبطال القول بالقدم.\nأما الأول فقد سلك عامتهم طريق الإثبات بإثبات الأعراض) - كما تقدم ذكره - قال: (وأما الثاني فقد سلك شيخنا أبو الحسن الأشعري ﵁ طريق الإبطال فقال: لو قدرنا قدم الجوهر لم يخل من أمور: إما أن تكون مجتمعة، أو مفترقة، أو لا مجتمعة ولا مفترقة، أو مجتمعة ومفترقة معًا، أو بعضها مجتمعًا وبعضها مفترقًا، وبالجملة ليس يخلو من اجتماع وافتراق","vol":"7","page":224},{"text":"وجواز طريان الاجتماع والافتراق عليها، أو تبدل بعضها ببعض، وهي بذاتها لا تجتمع ولا تفترق، لأن حكم الذات ل يتبدل، فلا بد إذًا من جامع فارق) .\nقال: (وقد أخذ الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني هذه الطريقة فكساها عبارة أخرى) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذه الطريقة: إنما أراد بها امتناع قدم جميع الجواهر، فهي مبنية على إثبات الجوهر الفرد، حتى يمكن أن يفرض إمكان اجتماع الجواهر وافتراقها، وإلا فإذا قيل: إن من الأجسام ما هو واحد في نفسه، أو كل جسم متشابه فهو واحد في نفسه، أو قيل: إنه مركب من المادة والصورة - لم يلزم الافتراق فيما هو واحد في نفسه، ولا يسلم المنازع إمكان افتراق كل جسم، فيمنع قوله:","vol":"7","page":225},{"text":"(لا يخلو من اجتماع وافتراق، وجواز طريان الاجتماع والافتراق) بل ويمكن مع هذا أن يقال: هي مركبة من الجواهر، ويمنع قبول كل منهما للافتراق، لكن يبنيه على أن الجواهر متماثلة، فما جاز على أحدهما جاز على الآخر.\nولا ريب أن تماثل الجواهر والأجسام: إن سلمه المنازع، كان القول بحدوث الأجسام كلها ظاهرًا، فإن منها ما هو حادث قطعًا، فيكون جميعها قابلًا للحدوث، وما قبل الحدوث لم يكن بنفسه موجودًا، فلا بد له من صانع، وهو الذي سماه جامعًا فارقًا.\nلكن هم يقولون: إن الحادث المعلوم حدوثه هو الأعراض، وحينئذ فلا يكون في الجواهر ما يعلم حدوثه إلا بالدليل، وإن أراد به امتناع قدم بعض الجواهر، فهذا لا ينازعه فيه من يقول: إن الأعيان المحدثة جواهر، وهم اكثر العقلاء، فإنه من المعلوم بالاضطرار حدوث ما يشهد حدوثه من الحيوان والنبات والمعدن، لكن من يقول بأن الأجسام مركبة من جواهر، قد يقول: إن المحدث تأليف وتركيب، وهي أعراض.\nوأما جمهور العقلاء فيقولون: إن المحدث المشهود جواهر قائمة بأنفسها.\nفالمقصود أن من قال: الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، فهذه الحجة توجب أنه لا بد لذلك التركيب من مركب.\nوكلام الأشعري - الذي ذكره الشهرستاني - مبني على هذه الأصل، ومن نازع في ذلك لم يفده شيئًا.","vol":"7","page":226},{"text":"وإذا دلت هذه الحجة فإنما تدل على حدوث التركيب الذي هو عرض، لا تدل على حدوث الجواهر إلا بالطريقة الأولى، وهي إثبات حدوث التركيب، وامتناع حوادث غير متناهية.\nوهذه الطريقة تسلكها الكرامية ونحوهم، ممن يقول: إن الله جسم قديم أزلي، وإنه لم يزل ساكنًا ثم تحرك لما خلق العالم، ويحتجون على حدوث الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة، فهي تقبل الاجتماع والافتراق، ولا تخلو من اجتماع وافتراق، وهي أعراض حادثة لا تخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nوأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق، ولكنه لم يزل ساكنًا.\nوالسكون عندهم أمر عدمي وهو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة.\nوهؤلاء يقولون: إن الباري لم يزل خاليًا من الحوادث حتى قامت به، بخلاف الأجسام المركبة من الجواهر المفردة، فإنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>بقية كلام الشهرستاني</span>\nقال الشهرستاني: (وربما سلك أبو الحسن طريقًا في حدوث الإنسان بكونه من نطفة أمشاج، وتقلبه في أطوار الخلقة، وأكوار الفطرة، وليس يشك في أنه ما غير ذاته ولا بدل","vol":"7","page":227},{"text":"صفاته: لا الأبوان ولا الطبيعة، فتعين احتياجه إلى صانع مدبر قال: وما ثبت من الأحكام لشخص واحد، أو لجسم واحد، ثبت في الكل لاشتراك الكل في الجسمية) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذه الطريقة هي المتقدمة التي ذكرها الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، وهي مبنية على أنه أثبت حدوث الإنسان بما فيه من اختلاف الصور والهيئات، ولهذا قال: إنه سلك طريقًا في إثبات حدوث الإنسان فجعل حدوثه هو المدلول، وجعل الدليل اختلاف الصور عليه.\nوقد جعل الصورة الحادثة دليلًا على حدوث المتصور، ولا بد في هذه الطريقة من بيان امتناع حوادث لا أول لها، فهذه الطريقة من جنس طريقة الأعراض، لكنها أخص دليلًا ومدلولًا، فإن الهيئات أخص، ومدلولها إنما هو حدوث ما حدثت هيئته.\nودليل أولئك يعم، ولكن الأشعري عدل عن طريقة غامضة إلى طريقة واضحة، وهذه الطريقة هي التي يسميها الرازي وأمثاله: الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض القائمة بالأجسام فإنهم يقولون في","vol":"7","page":228},{"text":"الاستدلال على وجود الصانع ما قاله الرازي في (نهاية العقول) وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>كلام الرازي في الاستدلال على وجود الله تعالى وتعليق ابن تيمية</span>\nوقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما ذكره من ذلك في (الأربعين) .\nوقال في النهاية: (اعلم أن الاستدلال على ما يعلم بالضرورة إنما يكون بما يعلم بالضرورة، والمعلوم بالضرورة: الأجسام، والأعراض القائمة بها، وكل منهما إما أن يعتبر إمكانه أو حدوثه، فلا جرم كانت الأدلة الدالة على الصانع تعالى هذه المسالك الأربعة) .\nوذكر أن الأول هو الاستدلال بحدوث الأجسام لقيام الأعراض بها أو بعضها بها، فهذه هي الطريقة المشهورة عند الجهمية والمعتزلة، ومن اتبعهم من الأشعرية والكرامية، ومن دخل في ذلك من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم.","vol":"7","page":229},{"text":"وهذه هي التي ذكر الأشعري أنها طريقة الفلاسفة، ومن اتبعهم من القدرية، وذكر أنها مبتدعة مذمومة في الدين، لم يسلكها السلف الصالح، وذكر أنها خطرة مبتدعة، وأنه لا حاجة إليها.\nقال الرازي: والثاني: (الاستدلال بإمكان الأجسام على وجود الصانع تعالى) .\nقال: (وهذه عمدة الفلاسفة) .\nقلت: هذه طريقة ابن سينا ومن وافقه، ليست طريقة قدماء الفلاسفة.\nوهي مبنية على أصلهم الفاسد في التوحيد ونفي الصفات، الذين بين الناس فساده وتناقضهم فيه، وهو طريقة التركيب الذي يقولون: إن المتصف بالصفات مركب، والمركب مفتقر إلى أجزائه، قد تكلمنا عليها في مواضع.\nقال الرازي: (والمسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت الأجسام واجبة أو ممكنة، قديمة أو حادثة) .","vol":"7","page":230},{"text":"قلت: وهذه الحجة مبنية على تماثل الأجسام، وقد بين الناس فساد هذه الحجة، وبين الرازي نفسه فسادها، بل وجمهور العقلاء على فسادها.\nوقد بين ذلك في موضع آخر على وجه لا يبقي في القلب شبهة.\nقال الرازي: (والمسلك الرابع: الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود الصانع، ولنفرض الكلام في أعراض لا يقدر عليها بشر، مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء أنسانًا، فإذا كانت تلك التركيبات أعراضًا حادثة، والعبد غير قادر عليها، فلا بد من فاعل آخر، ثم من ادعى أن العلم بحاجة المحدث إلى الفاعل ضروري ادعى الضرورة ههنا، ومن بنى ذلك على الإمكان أو على القياس على حدوث الذوات، فكذلك يقول في حدوث الصفات) .\nقال: (والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال بحدوثها، أن الأول يقتضي ان لا يكون الفاعل جسمًا.\nوالثاني لا يقتضي ذلك) .\nقلت: قد ذكرنا في غير موضع أن هذا المسلك صحيح، لكن","vol":"7","page":231},{"text":"الرازي قصر فيه من وجهين: أحدهما: أنه لا يستدل بنفس الحدوث، بل يجعل الحدوث دليلًا على إمكان الحادث، ثم يقول: والممكن لا بد له من مرجح، وهذا الإمكان الذي يثبته هو الإمكان الذي يثبته ابن سينا، وهو الإمكان الذي يشترك فيه القديم والحادث، فجعل القديم الأزلي ممكنًا يقبل الوجود والعدم، وهذا مما خالفوا فيه سلفهم وسائر العقلاء، فإنهم متفقون على أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثًا.\nوابن سينا وأتباعه يوافقن الناس على ذلك، لكن يتناقضون وقد بسط الكلام على ذلك في مواضع، كما تكلمنا على ذلك فيما ذكره الرازي في إثبات الصانع في أول المطالب العالية وأول الأربعين وبينا فساد ذلك، وأنه على هذا التقدير لا ينفي لهم دليل على إثبات واجب الوجود.\nالوجه الثاني: إنه جعل ذلك استدلالًا بحدوث الصفات والأعراض ليس بمستقيم، بل هو مبني على مسألة الجوهر الفرد.\nوقد ذكرنا في غير موضع أن هؤلاء بنوا مثل هذا الكلام على مسألة الجوهر الفرد، وأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، وأن الحادث إنما هو اجتماع الجواهر وافتراقها، وحركتها وسكونها، وهذه الأربعة هي الأكوان عندهم، أو حدوث غير ذلك من الأعراض، فيجعلون تبديل الأعيان وإحداثها إنما هو تبديل أعراض.","vol":"7","page":232},{"text":"وقد قابلهم في ذلك طائفة من المتفلسفة، كابن سينا وأمثاله، فجعلوا الصور كلها جواهر، كما جعل أولئك الصور كلها أعراضًا.\nوذلك أن هؤلاء المتفلسفة نظروا في المصنوعات: كالخاتم، والدرهم، والسيف، والسرير، والبيت، والثور، ونحو ذلك مما يؤلفه الآدميون ويصورونه، فوجدوها مركبة من مادة كالفضة، ويسمونها أيضًا الهيولى، والهيولى في لغتهم معناه المحل، وتصرفهم فيه بحسب عرفهم الخاص، كتصرف متكلمي العرب في اللغة المعربة، فهذه المصنوعات مركبة من مادة هي المحل، ومن صورة وهي الشكل الخاص، وهذا نظر صحيح.\nثم زعموا أن صور الحيوان والنبات والمعدن لها مادة هي هيولاها كذلك، وأن النار والهواء والتراب لها أيضًا مادة هي هيولاها.\nومنهم من قال: جميع الأجسام لها مادة مشتركة هي هيولاها، وجعلوا الهيولى ثلاث مراتب.\nصناعية وطباعية وكلية، وتنازعوا: هل تنفرد المادة الكلية عن الصور، فتكون الهيولى مجردة عن الصور؟ على قولين:\nوإثبات هذه المادة المجردة يذكر عن شيعة أفلاطون، وإنكار ذلك قول أصحاب أرسطو.","vol":"7","page":233},{"text":"والتحقيق أن الصور الصناعية إنما هي أعراض وصفات قائمة بالأجسام، كالفضة والحديد والخشب والغزل واللبن ونحو ذلك، وأما الحيوان والنبات والمعدن فهي جواهر استحالت عن جواهر أخرى، وإثبات مادة مشتركة بينها باقية مع اختلاف الصور عليها قول باطل، كما أن إثبات أولئك للجوهر الفرد قول باطل.\nوالذين قالوا: إن بدن الإنسان وأمثاله من المحدثات إنما حدثت أعراضه لم تحدث عين قائمة - أخطأوا، والذين قالوا: إن جميع الصور جواهر أخطأوا، بل الصورة قد تكون عرضًا كالشكل، والصور الصناعية من هذا الباب.\nوقد يعبر بالصورة عن نفس الشيء المصور كالإنسان، فالصورة هنا جوهر قائم بنفسه، ليس قائمًا بجوهر آخر.\nوالقرآن العزيز ذكر خلق الله تعالى لما خلقه من الجواهر التي هي أعيان قائمة بأنفسها، مع ما نشهده من إحداث الصفات والأعراض أيضًا، والاستدلال بذلك على الخالق سبحانه، وجعل ذلك من آياته هو مما بينه القرآن.","vol":"7","page":234},{"text":"ولكن هؤلاء لم يسلكوا طريقة القرآن من وجهين: أحدهما: أنهم جعلوا الحوادث إنما هي أعراض لا أعيان، كما جعله الرازي وغيره.\nلكن الرازي وغيره مع ذلك استدلوا بذلك على إثبات الصانع، فكان دليلًا صحيحًا في نفسه، وإن كان فيه تقصير من ذلك الوجه، ومن حيث رد ذلك إلى طريقة الإمكان.\nالثاني: ما ذكره الأشعري، حيث أنه استدل بذلك على حدوث محل هذه الصفات والأعراض، بناء على أن الحادث صورة هي عرض ولها محل، فتكون الأجسام التي هي محل هذه الأعراض حادثة، وهذا لا يتم إلا ببيان امتناع حوادث لا أول لها، ثم إذا أراد أن يستدل بذلك على حدوث سائر الأجسام احتاج أن يبنيه على تماثل الأجسام.\nوهذه ثلاث مقدمات ينازعهم فيها أكثر العقلاء، بل يبينون فسادها بصريح المعقول، فهي من جنس طريقة المعتزلة.\nلكن مقصود الأشعري أن هذه الطريقة تغني الناس عن تلك الطريقة الطويلة، الكثيرة المقدمات، الغامضة التي يقع فيه نزاع، فإذا كانت الطريقتان مشتركتان في البناء على امتناع حوادث لا أول لها، وهذه الطريقة لا تحتاج إلى ما تحتاج إليه تلك، فكانت هذه أقرب وأيسر، فبحث الأشعري مع المعتزلة في هذه الطريقة، من جنس بحوثه","vol":"7","page":235},{"text":"معهم في غير ذلك من أصولهم، فإنه يبين تناقضهم، ويلزمهم فيما نفوه نظير ما يلزمونه لأهل الإثبات فيما أثبتوه فيستفاد من مناظرته لهم معرفة فساد كثير من أصولهم، ولكن سلم لهم أصولًا وافقهم عليها، مثل تسليمه لهم صحة طريق الأعراض مع طولها،، ومثل إثباته للصانع بهذه الطريق التي هي من جنسها، وبنى ذلك على إثبات الجوهر الفرد، فلزم من تسليمه ذلك لهم لوازم أراد أن يجمع بينها وبين ما أثبته من الرؤية، وإثبات الكلام والصفات والعلو لله تعالى، فقال جمهور طوائف العقلاء من أهل السنة والحديث وغيرهم، ومن المعتزلة والفلاسفة وغيرهم: أن هذا مناقضة مخالفة لصريح المعقول.\nولهذا قال من قال: بقيت عليه بقية من الاعتزال، وقالوا: إنه وافقهم على بعض أصولهم التي بنوا عليها قولهم كهذا الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>كلام أبي نصر السجزي في الإبانة</span>\nوهذا ما ذكره أبو نصر السجزي في الإبانة قال: حكى محمد بن عبد الله المغربي المالكي، وكان فقيهًا صالحًا، عن الشيخ أبي سعيد البرقي وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة، عن أستاذ خلف المعلم، كان من فقهاء المالكيين، قال: أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة فرجع عن الفروع وثبت على الأصول) .\nقال أبو نصر: (وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره) .","vol":"7","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-755>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ليس مراده بالأصول ما أظهروه من مخالفة السنة، فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة، كمسألة الرؤية والقرآن والصفات.\nولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة، مثل هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل أصولهم، كما قد بينا كلام أبي الحسين البصيري وغيره في ذلك، وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة كلامهم في أصول الدين، هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أتباع المتأخرين، كأتباع صاحب الإرشاد فأعطوا الأصول - التي سلمها للمعتزلة - حقها من اللوازم، فوافقوا المعتزلة على موجبها، وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية، ونفوا العلو، وفسروا الرؤية بمزيد علم لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة، وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن، الذي قالت به المعتزلة: إنه مخلوق، نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندعي ثبوت معنى آخر وأنه واحد قديم.\nوالمعتزلة تنكر تصور هذا بالكلية، وصارت المعتزلة والفلاسفة - مع جمهور العقلاء، يشنعون عليهم بمخالفتهم لصريح العقل، ومكابرتهم للضروريات.","vol":"7","page":237},{"text":"وسبب ذلك تسليمهم لهم صحة تلك الأقوال، التي ذكر الأشعري أنها مبتدعة في الإسلام، مع أنه يمكن بيان أن قول الأشعري وأصحابه أقرب إلى صحيح المعقول، من قول المعتزلة، كما يمكن أن يبين أن قول المعتزلة أقرب إلى صريح المعقول من قول الفلاسفة، لكن هذا يفيد أن هذا القول أقرب إلى المعقول وإلى الحق، لا يفيد أنه هو الحق في نفس الأمر، فهذا ينتفع به من ناظر الطاعن على الأشعرية من المعتزلة، والطاعن على المعتزلة من الفلاسفة، فتبين له أن قول هؤلاء خير من قول أصحابك، فإنه كما إن كل من كان أقرب إلى السنة فقوله أقرب إلى الأدلة الشرعية، فكذلك قوله أقرب إلى الأدلة العقلية.\nولا ريب أن هذا مما ينبغي سلوكه، فكل قول - أو قائل - كان إلى الحق أقرب، فإنه يبين رجحانه على ما كان عن الحق أبعد، ألا ترى أن الله تعالى لما نصر الروم على الفرس وكان هؤلاء أهل الكتاب، وهؤلاء أهل أوثان، فرح المؤمنون بنصر الله لمن كان إلى الحق أقرب، على من كان عنه أبعد، وأيضًا فيمكن القريب إلى الحق أن ينازع","vol":"7","page":238},{"text":"البعيد عنه في الأصل الذي احتج به عليه البعيد، وأن يوافق القريب إلى الحق للسلف الأول الذين كانوا على الحق مطلقًا.\nمثال ذلك: أن متأخري الأشعرية إذا ناظروا المعتزلة في مسألة الرؤية، وقالت لهم المعتزلة: رؤية مرئي لا يواجه ولا يقابل مخالف لصريح العقل، أمكن الأشعرية - ومن وافقهم على نفي المقابلة والمواجهة، كطائفة من أصحاب أحمد وغير هم من أصحاب الأئمة الأربعة أن يقولوا لهم - الرؤية ثابتة بالسنة المستفيضة، بل المتواترة عن النبي ﷺ، وبإجماع السلف من أهل العصر الأول، ويمكن تقريرها أيضًا بالعقل، كما بيناه في غير هذا الموضع.\nفلا يخلو من ذلك: إما أن يمكن الرؤية بدون المواجهة والمقابلة، وإما أن لا يمكن، فإن أمكن ذلك انقطعت المعتزلة، وإن لم يمكن كانوا بين أمرين: إما موافقة المعتزلة على نفي المقابلة لانتفاء المباينة والعلو، وإما موافقة أهل الحديث على المباينة والعلو، المتضمن معنى المقابلة والمواجهة.\nوهذا أولى بأتباع الأشعري، لأنه قول أئمة مذهبهم كابن كلاب وغيره، بل وقول الأشعري أيضًا وغيره من قدماء الأصحاب.\nفإن قال له المعتزلي: إذا قلت ذلك لزمك أن يكون متحيزًا، وأنت قد وافقتني على بطلان ذلك - أمكن الأشعري أن يقول له: إما أن يكون علوه على العرش ومباينته للخلق مع نفي التحيز ممكنا، وإما أن","vol":"7","page":239},{"text":"لا يكون.\nفإن كان مكنًا انقطع المعتزلي، وإن لم يكن ممكنًا قال له: أنا وافقتك على نفي التحيز، لاعتقادي صحة الدليل الدال على أن كل متحيز هو محدث، لما اتفقنا عليه من التحيز لا بد أن يكون مركبًا من الجواهر المنفردة، فيصح عليه الاجتماع والافتراق، ويصح عليه الحركة والسكون، وكل ما قبل ذلك لم يخل من الحوادث، والحوادث يجب أن تكون متناهية لها انتهاء، وما كان مستلزمًا لما له انتهاء كان له ابتداء، فإذا كان المتحيز لا ينفك عما له ابتداء، كان له ابتداء لأن وجود الملزوم بدون اللازم ممتنع.\nفيقول الأشعري: هذا الدليل إن كان صحيحًا، ودليل الرؤية والعلو والمباينة أيضًا صحيح، أمكن أن أقول بموجب ذلك، وأثبت العلو والرؤية والمباينة بدون التحيز، وإن قدر أنه لا يمكن الجمع بين هذين، فموافقتي للسلف والأئمة في إثبات الرؤية والعلو والمباينة، مع موافقتي للكتاب والسنة، أولى من موافقتك على هذه المقدمة، وهي امتناع وجود ما لا يتناهى، فإن هذه المقدمة لكل طائفة فيها قولان، فللفلاسفة فيها قولان، وللمعتزلة فيها قولان، وللأشعرية فيها قولان، ولأهل السنة والحديث والفقه فيها قولان.\nوأكثر العقلاء على جواز وجود ما لا يتناهى في الجملة، ولكن منهم","vol":"7","page":240},{"text":"من يجوز ذلك في الماضي كما يجوزه في المستقبل ومنهم من يجوزه في المستقبل دون الماضي.\nوالأدلة الدالة على امتناع ذلك قد عرف ضعفها.\nويقول له: وقد علمت بالاضطرار أن تصديق السلف للرسول ﷺ لم يكن مبنيًا عليها، فلا يكون العلم بصدق الرسول موقوفًا عليها، ولا علمي أيضًا بصدق الرسول موقوفًا عليها، ولا معرفتي للصانع تعالى موقوفة عليها.\nوليست هذه الطرق وأمثالها هي الطرق العقلية التي دل القرآن عليها وأرشد عليها فإن تلك الطرق صحيحة عقلية، لا يمكن عاقلًا أن ينازع فيها، فإن حدوث المحدثات مشهود معلوم الحس، وافتقار المحدث إلى محدث معلوم بضرورة العقل، بل العقل الصريح يعلم العقل افتقار كل ما يعلم حدوثه إلى محدث، كما يعلم افتقار جنس المحدثات إلى محدث، فتعلم الأعيان الجزئية الموجودة في الخارج، كما تعلم القضية الكلية الشاملة لها، إلى سائر نافي هذا الباب من الآيات الدالة على معرفة الصانع سبحانه، كما قد بسط في موضعه.","vol":"7","page":241},{"text":"وإذا كان كذلك تبين أن العلم بصدق الرسول ﷺ ليس موقوفا على شيء من المقدمات المناقضة لإثبات الصفات الخبرية والرؤية والعلو على العرش ونحو ذلك مما دل عليه السمع، وهو المطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>فصل</span>\nومما يوضح ذلك أن هذه الطرق المبتدعة في الإسلام في إثبات الصانع، التي أحدثها المعتزلة والجهمية، وتبعهم عليها من وافقهم من الأشعرية، وغيرهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، قد طعن فيها جمهور العقلاء، فكما طعن فيها السلف والأئمة وأتباعهم، وذموا أهل الكلام بها، كذلك طعن في حذاق الفلاسفة وبينوا أن الطرق التي دل عليها القرآن العزيز أصح منها، وإن كان أولئك المعتزلة والأشعرية أقرب إلى الإسلام من هؤلاء الفلاسفة من وجه آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>كلام ابن عساكر في تبيين كذب المفتري عن ذم الأئمة لأهل الكلام</span>\nفأما ذم السلف والأئمة لهذا الكلام فمشهور كثير.\nوقد قال أبو القاسم بن عساكر في كتابه المعروف بـ تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الأشعري: فإن قيل: (غاية ما تمدحون به أبا الحسن أن تثبتوا أنه","vol":"7","page":242},{"text":"متكلم، وتدلونا على أنه بالمعرفة برسوم الجدل متوسم، ولا فخر في ذلك عند العلماء من ذوي التسنن والاتباع، لأنهم يرون أن من تشاغل بذلك من أهل الابتداع، فقد حفظ عن غير واحد من علماء الإسلام عيب المتكلمين، وذم أهل الكلام، ولو لم يذمهم غير الشافعي لكفى، فإنه قد بالغ في ذمهم وأوضح حالهم وشفى، وأنتم تنتسبون إلى مذاهبه، فهلا اقتديتم في ذلك به) .\nثم روى ابن عساكر بإسناده عن الفريابي، حدثني بشر ابن الوليد سمعت أبا يوسف يقول: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس.\nقال البيهقي، وروي هذا أيضا عن مالك بن أنس، وقال: قال البيهقي: وإنما يريد - والله أعلم - بالكلام","vol":"7","page":243},{"text":"كلام أهل البدع، فإن في عصرهما إنما كان يعرف بالكلام أهل البدع، فأما أهل السنة فقلما كانوا يخوضون في الكلام حتى اضطروا إليه بعد) .\nقال ابن عساكر: (وأما قول الشافعي: فأخبرنا فلان - وذكر من كتاب مناقب الشافعي لـ عبد الرحمن بن أبي حاتم: ثنا يونس بن عبد الأعلى، سمعت الشافعي يقول: لأن يبتلي المرء بكل ما نهى الله عنه - سوى الشرك - خير له من الكلام، ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلما يقول ذلك.\nقال ابن أبي حاتم ثنا أحمد بن أصرم المزني قال: قال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: ما تردى أحد بالكلام فأفلح.","vol":"7","page":244},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: ثنا الربيع، قال رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة وقوم في المجلس يتكلمون بشيء من الكلام.\nفصاح فقال: إما أن تجاورونا بخير، وإما أن تقوموا عنا) .\nوروي أيضا (عن ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: لو علم الناس ما في الكلام في الأهواء لفروا منه كما يفر من الأسد) .\nقال ابن عساكر: (فإنما عنى الشافعي الكلام البدعي المخالف عند اعتباره للدليل الشرعي) .\nقال: (وقد بين زكريا بن يحيى الساجي في روايته هذه الحكاية عن الربيع أنه أراد بالنهي عن الكلام قوما تكلموا في القدر، ولذلك حكم بالتبديع، ويدل عليه ما أخبرنا فلان) .\nوروى بإسناده (عن محمد بن إسحاق بن خزيمة: سمعت يونس بن عبد الأعلى: يقول: جئت الشافعي بعد ما كلم حفصا الفرد، فقال: غبت عنا يا","vol":"7","page":245},{"text":"أبا موسى، لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله، خير له من أن يبتلى بالكلام) .\nقال: (فالشافعي إنما عنى بمقالته كلام حفص القدري وأمثاله) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: حفص الفرد لم يكن من القدرية، وإنما كان على مذهب ضرار بن عمرو الكوفي، وهو من المثبتين للقدر، لكنه من نفاة الصفات، وكان أقرب إلى الإثبات من المعتزلة والجهمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>كلام الأشعري في المقالات عن الضرارية</span>\nوقد ذكر الأشعري في (المقالات) فقال: (ذكر الضرارية - أصحاب ضرار بن عمرو -: والذي فارق ضرار بن عمرو به المعتزلة قوله: إن أعمال العباد مخلوقة، وإن فعلا واحدا لفاعلين، أحدهما خلقه، وهو الله، والآخر اكتسبه، وهو العبد، وإن الله فاعل لأفعال العباد في الحقيقة، وهم فاعلون لها في","vol":"7","page":246},{"text":"الحقيقة.\nوكان يزعم أن الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل، وأنها بعض المستطيع، وأن الإنسان أعراض مجتمعة، وكذلك الجسم أعراض مجتمعة.... وأن الأعراض قد يجوز أن تنقلب أجساما ...\nوكان يزعم أن كل ما تولد عن فعله، كالألم الحادث عن الضربة، وذهاب الحجر الحادث عن الدفعة، فعل لله - سبحانه - وللإنسان.\nوكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر: أنه ليس بجاهل ولا عاجز، وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه) .\nوقال: (وكان يزعم أن الله يخلق حاسة سادسة يوم القيامة للمؤمنين، يرون بها ماهيته - أي ماهو -) .\nقال: (وقد تابع على ذلك حفص الفرد وغيره) .\nفهذا الذي ذكره الأشعري من قول ضرار وحفص الفرد في القدر هو مخالف لقول المعتزلة، بل هو من أعدل الأقوال وأشبهها.\nوقوله إلى قول الأشعري وأصحابه في القدر والرؤية أقرب من قوله إلى قول المعتزلة، بل هو في القدر أقرب إلى قول أهل الحديث والفقهاء وسائر أهل السنة.","vol":"7","page":247},{"text":"وأعدل من قول الأشعري، حيث جعل العبد فاعلا حقيقة، وأثبت استطاعتين، ونحو ذلك مما أثبته أئمة الفقهاء وأهل الحديث، كما هو مذكور في موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>عود لكلام ابن عساكر وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nقال ابن عساكر: (فأما الموافق للكتاب والسنة، الموضح لحقائق الأصول عند الفتنة فهو محمود عند العلماء) .\nوروي عن ابن خزيمة: (سمعت الربيع يقول: لم كلم الشافعي حفصًا الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق، قال له الشافعي: كفرت بالله العظيم) .\nوعن الربيع: (قال: حضرت الشافعي - أو حدثني أبو شعيب - ألا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد، وكان الشافعي يسميه المنفرد، فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم، فقال: ما تقول","vol":"7","page":248},{"text":"في القرآن؟ فأبى أن يجيبه، فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه، فكلاهما أشار إلى الشافعي، فسأل الشافعي واحتج عليه، فطالت فيه المناظرة، فقال الشافعي بالحجة عليه بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكفر حفصًا الفرد.\nقال الربيع: فلقيت حفصًا في المسجد بعد، فقال: أراد الشافعي قتلى) .\nوروي عن الشافعي: (قال: ماناظرت أحدًا أحببت أن يخطىء إلا صاحب بدعة، فإني أحب أن ينكشف أمره للناس) .\n(قال البيهقي إنما أراد الشافعي بهذا الكلام حفصًا الفرد وأمثاله من أهل البدع، وهكذا مراده بكل ما حكي عنه من ذم الكلام وذم أهله، غير أن بعض الرواة أطلقه، وبعضهم قيده) .","vol":"7","page":249},{"text":"(وروى البيهقي عن أبي الوليد بن الجارود قال: دخل حفص الفرد على الشافعي، فقال لنا: لأن يلقى الله العبد بذنوب مثل جبال تهامة، خير له من أن يلقاه باعتقاد حرف مما عليه هذا الرجل وأصحابه، وكان يقول بخلق القرآن) .\nقلت: حفص الفرد كما هو معروف عند أهل العلم بمقالات الناس بإثبات القدر، فهو من نفاة الصفات القائلين بأن الله تعالى لا تقوم به صفة ولا كلام ولا فعل.\nوأصل حجتهم في ذلك هو دليل الأعراض المتقدم، فإن القرآن كلام، والكلام عندهم كسائر الصفات والأفعال، لا يقوم إلا بجسم، والجسم محدث، فكان إنكار الشافعي عليه لأجل الكلام الذي دعاهم إلى هذا، لم تكن مناظرته له في القدر، ومن ظن أن الشافعي ناظره في القدر فقد أخطأ خطأ بينا، فإن الناس كلهم إنما نقلوا مناظرته له في القرآن: هل هو مخلوق أم لا؟.\nوأهل المقالات متفقون على أن حفصًا لم يكن من نفاة القدر بل من","vol":"7","page":250},{"text":"مثبته.\nوقد ظن البيهقي وغيره أنه إنما ذم مذهب القدرية فقال: (وإنما ذم الشافعي مذهب القدرية ألا تراه قال: بشيء من هذه الأهواء، واستحب ترك الجدال فيه وكأنه سمع ما رويناه عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ: أنه قال: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم» - الحديث، أو غير ذلك من الأخبار الواردة في معناه، وعلى مثل ذلك جرى أئمتنا في قديم الدهر عند الاستغناء عن الكلام فيه، فإذا احتاجوا إليه أجابوا بما في كتاب الله، ثم في سنة رسول الله ﷺ من الدلالة على إثبات القدر لله تعالى، وأنه لا يجري في ملكوت السماوات والأرض شيء إلا بحكم الله وبقدرته وإرادته، وكذلك في سائر مسائل","vol":"7","page":251},{"text":"الكلام اكتفوا بما فيها من الدلالة على صحة قولهم، حتى حدثت طائفة سموا ما في كتاب الله من الحجة عليهم متشابهًا، وقالوا: نترك القول بالأخبار أصلًا، وزعموا أن الأخبار التي حملت عليهم لا تصح في عقولهم، فقال جماعة من أئمتنا بهذا العلم، وبينوا لمن وفق للصواب ورزق الفهم أن جميع ما ورد في تلك الأخبار صحيح في المعقول، وما ادعوه في الكتاب من التشابه باطل في المعقول، وحين أظهروا بدعهم وذكروا ما اغتر به أهل الضعف من شبههم.\nأجابوهم فكشفوا عنها بما هو حجة عندهم، كما فعل الشافعي فيما حكينا عنه، لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما في ترك أنكار المنكر والسكوت عنه من الفساد والتعدي وكانوا في القديم إنما يعرفون بالكلام أهل الأهواء، فأما أهل السنة والجماعة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنة، وكانوا لا يتسمون بتسميتهم) .\nقال: (وإنما يعني - والله أعلم - بقوله: من ارتدى بالكلام لم يفلح، كلام أهل الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة، وجعلوا معولهم","vol":"7","page":252},{"text":"عقولهم، وأخذوا في تسوية الكتاب عليها، وحين حملت عليهم السنة بزيادة بيان لنقض أقاويلهم اتهموا رواتها وأعرضوا عنها) .\nقال: (فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة، وإنما أخذ من أخذ منهم في العقل إبطالًا لمذهب من زعم أنه غير مستقيم في العقل) .\nإلى أن قال البيهقي: (وفي كل هذا دلالة أن الكلام المذموم إنما هو كلام أهل البدع الذي يخالف الكتاب والسنة، فأما الكلام الذي يوافق الكتاب والسنة، ويبين بالعقل والعبرة، فإنه محمود مرغوب فيه عند الحاجة، تكلم فيه الشافعي وغيره من أئمتنا ﵃) .\nقال: (وكان عبد الله بن يزيد بن هرمز شيخ مالك بن أنس استاذ الشافعي بصيرا بالكلام والرد على أهل الأهواء) .\nوروي من تاريخ يعقوب بن سفيان، عن ابن وهب: (قال:","vol":"7","page":253},{"text":"قال مالك: كان ابن هرمز رجلا كنت أحب أن أقتدي به، وكان قليل الكلام قليل الفتيا، شديد التحفظ وكان كثيرا ما يفتي الرجل ثم يبعث في إثره فيرده إليه يغير ما أفتاه\nقال: وكان بصيرا بالكلام، وكان يرد على أهل الأهواء، وكان من علم الناس بما اختلفت فيه الناس من هذه الأهواء.\nوروى ابن عساكر من طريق البيهقي عن الحاكم: سمعت أبا بكر بن عبد الله يوسف الحفيد - من أصل كتابه - سمعت الحسين بن الفضيل البجلي يقول: دخلت على زهير بن حرب بعد ما قدم من عند المأمون وقد امتحنه، فأجاب إلى ما سأله، وكان أول ما قال لي علي تكتب عن المرتدين؟ فقلت: معاذ الله، ما أنت بمرتد.\nوقد قال الله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾، فوضع الله عن المكره ما يسمعه في القرآن، ثم سألته عن أشياء يطول ذكرها، فقال: أشدها","vol":"7","page":254},{"text":"علينا: أن قال لنا: ما تقولون في عيسى ﷺ؟ قلنا: من عيسى يا أمير المؤمنين؟ قال: عيسى بن مريم.\nقلنا: رسول الله، قال: وكلمته؟ قلنا: نعم.\nقال: فما تقولون فيمن قال: ليس عيسى كلمة الله؟ قلنا: كافر يا أمير المؤمنين.\nقال: فقال لنا: أليس عيسى كلمة الله؟ قلنا: بلى.\nقال: أفمخلوق أم غير مخلوق؟ قلنا: مخلوق.\nقال فمن زعم أنه غير مخلوق؟ قلنا: كافر يا أمير المؤمنين.\nقال: فما تقولون في القرآن؟ قلنا: كلام الله ﷿.\nقال: مخلوق أو غير مخلوق؟ قلنا: غير مخلوق.\nقال: فمن زعم أنه مخلوق؟ قلنا: كافر.\nقال فمن زعم؟ أن عيسى غير مخلوق.\nوهو كلمة الله؟ قلنا: كافر قال: يا سبحان الله: عيسى كلمة الله، ومن نفى الخلق عنه كافر! والقرآن كلمة الله، ومن يثبت الخلق عليه كافر! قال الحسين: فأعلمته ما يجب من القول، وقلت له: قد كان المكي يختلف إليكم ويقول لكم: إني أعلم من هذا الباب مالا تعلمون.\nفتعلموا ذلك مني، فتحملكم الرياسة على ترك ذلك.\nويقول لكم: يكون لكم ما تعلمتموه مني عدة تعتدونها لأعدائكم، فإن هجموا لم تحتاجوا إلى طلب العدة، وإن لم يحضركم الأعداء لم يضركم الإعداد للعدة،","vol":"7","page":255},{"text":"فتأبون ذلك.\nوالحجة في هذا الباب كيت وكيت.\nفقال: والله وددت أني كنت أعلم هذا كما تعلمه يوم دخلت على المأمون، وأن ثلث روايتي ساقطة عني.\nثم نظر إلى يحيى بن معين وهو معه، فقال له: وأنا أقول كما تقول.\nفقال لي زهير: فعلم ابني فإنه حدث.\nفخلوت به في المسجد فعلمته ذلك، ثم انصرفت.\nقال الحاكم: الحسين بن الفضل البجلي، صاحب عبد العزيز المكي المقدم في معرفة الكلام.\nهـ) .\nقلت: هذه الحكاية وقع فيها تغيير، أن كان أصلها صحيحًا، فإن زهير بن حرب ويحيى بن معين ونحوهما، ممن امتحن في زمن المحنة، لم يجتمعوا بالمأمون، ولا ناظرهم، بل ذهب إلى الثغر بطرسوس، وكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن أبراهيم ين مصعب أن يمتحن الناس، فامتنعوا من الإجابة، فكتب إليه كتابًا ثانيًا يغلظ فيه، ويأمر بقتل القاضيين: بشر بن الوليد، وعبد الرحمن بن إسحاق إن لم يجيبا، ويأمر بتقييد من لم يجب من العلماء، فامتنع من الإجابة سبعة، منهم:","vol":"7","page":256},{"text":"زهير بن حرب، وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح لم يجيبا، فحملا إليه مقيدين، فمات محمد بن نوح في الطريق، ومات المأمون قبل وصول أحمد بن حنبل إليه.\nوهذا كله معلوم عن أهل العلم بذلك، لم يختلفوا في ذلك، فإن كانت قد جرت مناظرة مع زهير بن حرب، فلعل ذلك كان من غير المأمون، ولعل ذلك كان بين يدي نائبه إسحاق بن إبراهيم، فإنه هو الذي باشرهم بالمحنة، وإنما الذي ناظر الجهمية في المحنة هو أحمد بن حنبل، وكان ذلك في خلافة المعتصم، بعد أن بقي في الحبس أكثر من سنتين، وجمعوا له أهل الكلام من البصرة وغيرها: من الجهمية والمعتزلة والنجارية: مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث، صاحب حسين النجار، وناظرهم ثلاثة أيام، وقطعهم في تلك المناظرات، كما قد شرحنا تلك المناظرات في غير هذا الموضع.\nوهذه الحجة التي ذكرت في حكاية زهير بن حرب، ذكرها الإمام أحمد وتكلم عليها في كتبه فيما الرد على الجهمية، وهو في الحبس، قبل اجتماعه بهم للمناظرة فكان الجواب عن هذه مما هو بعد عند الأئمة، كـ أحمد بن حنبل وأمثاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>كلام أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية عن القرآن</span>\nقال أحمد فيما كتبه: (ثم إن الجهمي ادعى أمرًا آخر، فقال:","vol":"7","page":257},{"text":"أنا أجد آية في كتاب الله تدل على القرآن أنه مخلوق.\nفقلنا: أي آية؟ قال: قول الله ﷿: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم﴾، وعيسى مخلوق.\nفقلنا: إن الله منعك الفهم في القرآن: إن عيسى تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن، لأنه يسمى مولودًا رضيعًا وطفلًا وغلامًا، يأكل ويشرب، وهو مخاطب بالأمر والنهي، يجري عليه الوعد والوعيد، ثم هو من ذرية نوح، ومن ذرية إبراهيم، فلا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى، فهل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في عيسى؟ ولكن المعنى من قول الله جل ثناؤه: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته","vol":"7","page":258},{"text":"ألقاها إلى مريم﴾ فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له (كن) فكان عيسى ﷺ بكن، فعيسى ليس هو الكن، ولكن بالكن كان، فالكن من الله قول، وليس الكن مخلوقا.\nوكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته.\nإلا أن كلمته مخلوقة، وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله، وكلمة الله من ذات الله، كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، قلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة، وأما قول الله تعالى: ﴿روح منه﴾، يقول: من أمره كان الروح فيه، كقوله: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾، يقول: من أمره، وتفسيره","vol":"7","page":259},{"text":"روح الله إنما معناها أنها روح يملكها الله خلقها الله، كما يقال: عبد الله، وسماء الله، وأرض الله) .\nفبين الإمام أحمد أن الجهمية المعطلة، والنصارى الحلولية، ضلوا في هذا الموضع، فإن الجهمية النفاة يشبهون الخالق تعالى بالمخلوق في صفات النقص، كما ذكر الله تعالى عن اليهود أنهم وصفوه بالنقائص، وكذلك الجهمية النفاة إذا قالوا: هو في نفسه لا يتكلم ولا يحب، ونحو ذلك من نفيهم.\nوالحلولية يشبهون المخلوق بالخالق، فيصفونه لصفات الكمال التي لا تصلح إلا لله، كما فعلت النصارى في المسيح.\nومن جمع بين النفي والحلول، كحلولية الجهمية: مثل صاحب الفصوص وغيره، قالوا: (ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص والذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق فهي كلها صفات له.\nكما أن صفات المخلوق حق الله) .\nفهم يصفون المخلوق بكل ما يوصف به الخالق، ويصفون","vol":"7","page":260},{"text":"الخالق بكل ما يوصف به المخلوق، فإن الوحدة والاتحاد والحلول العام يقتضي ذلك.\nولفظ (الكلام) مثل لفظ: الرحمة، والأمر، والقدرة، ونحو ذلك من ألفاظ الصفات التي يسمونها في اصطلاح النحاة مصادر، ومن لغة العرب أن لفظ المصدر يعبر به عن المفعول كثيرًا، كما يقولون: درهم ضرب الأمير.\nومنه قوله تعالى: ﴿هذا خلق الله﴾: أي مخلوقه؟.\nفالأمر يراد به نفس مسمى المصدر، كقوله: ﴿أفعصيت أمري﴾، ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾، ﴿ذلك أمر الله أنزله إليكم﴾ .\nويراد به المأمور به، كقوله تعالى: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾، ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾، فالأول هو كلام الله وصفاته، والثاني مفعول ذلك وموجبه ومقتضاه.\nوكذلك لفظ (الرحمة) يراد بها صفة الله التي يدل عليها اسمه: الرحمن، الرحيم، كقوله تعالى: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾، ويراد بها ما يرحم به عباده من","vol":"7","page":261},{"text":"المخلوقات، كقول النبي ﷺ: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة» .\nوقوله «عن الله تعالى: يقول للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، ويقول للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي» .\nوكذلك الكلام يراد به الكلام الذي هو الصفة، كقوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾، وقوله: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ .\nويراد به ما فعل بالكلمة، كالمسيح الذي قال له (كن) فكان، فخلقه من غير أب على غير الوجه المعتاد المعروف في","vol":"7","page":262},{"text":"الآدميين، فصار مخلوقا بمجرد الكلمة دون جمهور الآدميين، كما خلق آدم وحواء أيضًا على غير الوجه المعتاد، فصار عيسى ﵇ مخلوقا بمجرد الكلمة دون سائر الآدميين.\nوفي هذا الباب، باب المضافات إلى الله تعالى، ضلت طائفتان: طائفة جعلت جميع المضافات إلى الله إضافة خلق وملك، كإضافة البيت والناقة إليه، وهذا قول نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، حتى ابن عقيل وابن الجوزي وأمثالهما، إذا مالوا إلى قول المعتزلة سلكوا هذا المسلك، وقالوا: هذه آيات الإضافات لا آيات الصفات، كما ذكر ذلك ابن عقيل في كتابه المسمى بـ نفي التشبيه وإثبات التنزيه، وذكره أبو الفرج بن الجوزي في منهاج الوصول وغيره، وهذا قول ابن حزم وأمثاله ممن وافقوا الجهمية على نفي الصفات وإن كانوا منتسبين إلى الحديث والسنة.\nوطائفة بإزاء هؤلاء يجعلون جميع المضافات إليه إضافة صفة، ويقولون بقدم الروح، فمنهم من يقول بقدم روح العبد، لقوله:","vol":"7","page":263},{"text":"﴿ونفخت فيه من روحي﴾، وهم من جنس النصارى الذين يقولون بأن روح عيسى من ذات الله تعالى.\nومن هؤلاء من ينتسب إلى أهل السنة والحديث، إلى الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة، كطائفة من أهل طبرستان وجيلان، وأتباع الشيخ عدي وغيره.\nوطائفة ثالثة تقف في روح العبد: هل هي مخلوقة أم لا؟ وهم منتسبون إلى السنة والحديث من أصحاب أحمد وغيرهم، والنزاع بين متأخري أصحاب أحمد وغيرهم وهو في المضافات الخبرية، كالوجه واليد والروح.\nوأما المعتزلة فيطردون ذلك في الكلام وغيره.\nوقد بين أحمد الرد على الطائفتين الأوليين، وهؤلاء الطائفتان أيضًا يضلون في المضاف بمن، فإن المجرور بالإضافة حكمه حكم المضاف، كقوله تعالى: ﴿ولكن حق القول مني﴾، وقوله تعالى: ﴿وروح منه﴾، فالطائفتان يجعلون القول منه كالروح منه، ثم يقةل النفاة: والروح مخلوقة بائنة عنه، فالقول مخلوق بائن عنه، ويقول الحلولية: القول صفة له ليس لمخلوق، فالروح التي منه صفة له ليست مخلوقة.","vol":"7","page":264},{"text":"والفرق بين البابين: أن المضاف إذا كان معنى لا يقوم ينفسه ولا بغيره من المخلوقات، وجب أن يكون صفة لله تعالى قائما به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإن كان المضاف عينا قائمة بنفسها كعيسى وجبريل وأرواح بني آدم، امتنع أن تكون صفة لله تعالى، لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره.\nفقوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا﴾، وقوله في عيسى: ﴿وروح منه﴾، وقوله تعالى: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾، يمتنع أن يكون شيء من هذه الأعيان القائمة بنفسها صفة لله تعالى.\nلكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين: أحدهما أن تضاف إليه من جهة كونه خلقها وأبدعها، فهذا شامل لجميع المخلوقات، كقولهم: سماء الله، وأرض الله.\nومن هذا الباب فجميع المخلوقين عباد الله، وجميع المال مال الله، وجميع البيوت والنوق لله.\nوالوجه الثاني: أن يضاف إليه لما خصه الله به من معنى يحبه ويرضاه ويأمر به، كما خص البيت العتيق بعباجة فيه لا تكون في غيره، وكما خص المساجد بأن يفعل فيها ما يحبه ويرضاه من العبادات، وأن","vol":"7","page":265},{"text":"تصان عن المباحات التي لم متشرع فيها فضلًا عن المكروهات.\nوكما يقال عن مال الفيء والخمس: هو مال الله ورسوله.\nومن هذا الوجه فعباد الله هم الذين عبدوه وأطاعوا أمره.\nفهذه إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه ودينه، وتلك إضافة تتضمن ربوبيته وخلقه، وهذه الإضافة العامة لا تتضمن إلا خلقه وربوبيته.\nوكذلك كلماته نوعان: كلماته الدينية المتضمنة شرعه ودينه كالقرآن.\nوكلماته الكونية التي بها كون الكائنات.\nوهي الكلمات التي كان النبي ﷺ يستعيذ بها في قوله: «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر»، فإن كلماته التي بها كون المخلوقات لا يخرج عنها بر ولا فاجر، بخلاف كلماته التي شرع بها دينه فإن الفجار عصوها، كما عصاها إبليس ومن اتبعه.\nوالله تعالى لا يضيف إليه من المخلوقات شيئًا إضافة تخصيص إلا","vol":"7","page":266},{"text":"لإختصاصه بأمر ويوجب الإضافة، وإلا فمجرد كونه مخلوقا ومملوكا لا يجب أن يخص بالإضافة.\nويهذا يتبين فساد قول النفاة الذين يقولون في قوله تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾، من الأقوال ما لا اختصاص لآدم به، كقولهم: بقدرته، أو بنعمته، أو أن المعنى: خلقته أنا، أو أنه أضافه إلى نفسه إضافة تخصيص، فإن هذه المعاني كلها موجودة في الملائكة وإبليس والبهائم، فلا بد أن يثبت لآدم من اختصاصه بكونه سبحانه خلقه بيديه مالا يثبت لهؤلاء.\nوكذلك أيضا إذا قيل عن القرآن العزيز - أو غيره - إنه كلام الله، فإن هذا لا يوجب أن تكون إضافته إليه إضافة خلق وملك، لوجهين: أحدهما: أنه صفة، والصفات إذا أضيفت إليه كانت إضافة وصف لا إضافة خلق.\nالثاني: أن هذا يقتضي أن يكون كل كلام خلقه الله كلام، فيكون إنطاقه لما أنطقه من المخلوقات كلامًا له، ومن عرف أن الله خالق كل شيء لزمه أن يجعل كل كلام في الوجود كلامه، كما فعل ذلك حلولية الجهمية، كابن عربي وغيره حيث قالوا:\nوكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه","vol":"7","page":267},{"text":"ولا يجوز أن تكون إضافته إليه لا ختصاصه بمعنى يحبه ويرضاه، كما أضاف إليه البيت والناقة، بقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين﴾، وقوله: ﴿ناقة الله وسقياها﴾، لأن هذا يوجب أن يكون كل كلام يحبه الله فإنه كلامه، فيكون الإنسان إذا أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس يكون ذلك كلام الله، ويكون الشاهد إذا شهد بشهادة أمر بها تكون كلام الله، ويكون كل من حدث بحديث عن النبي ﷺ فإنما حدث بكلام الله تعالى.\nوالناس قد تنازعوا في مثل قوله ﷺ: «أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» .\nهل المراد بها: الكلمة التي شرعها الله، وهي عقد النكاح؟ أو المراد كلمة التي تكلم بها، وهي شرعه وإذنه وتحليله لذلك؟\nوالصواب أن المراد بقوله: كلمة الله، كلامه الذي تكلم به المتضمن إذنه وتحليله وشرعه، لا العقد الذي هو كلام العباد.\nومن قال","vol":"7","page":268},{"text":"إن المراد به العقد فقد أخطأ من وجون متعددة، قد بسطناها في غير هذا الموضع، وتكلمنا على ذلك في مسألة مفردة، ولا يعرف قط أنه أضيف إلى الله كلام إلا كلام تكلم الله به، ولكن لو قدر أنه قد يراد بالكلام المضاف إلى الله ما أمر به، وقدر أنه حصل نزاع في قوله: ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ هل المراد: الكلمة التي يحبها ويأمر بها؟ أو الكلمة التي تكلم بها، وهي نفس أمره وخبره؟\nوكذلك قوله ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا» .\nفمن قال: المراد بالجميع كلام الله الذي تكلم له أطردت الإضافة على قوله، ولو قدر أن قائلا قال: أضيف إليه من الكلام ما يحبه ويرضاه، وإن لم يكن تكلم به - لم يمكن أن يجعل كون القرآن","vol":"7","page":269},{"text":"كلامه من هذا الباب بالضرورة والاتفاق، إذ لازم ذلك أن يكون القرآن بمنزلة ما أمر به من الشهادة والأخبار وتقويم السلع وخرص النخل وسائر أنواع الكلام الصادق الذي يجب التكلم به، فيكون كل من تكلم بشيء من ذلك قد تكلم بكلام الله، ويكون كون القرآن كلام الله هو من هذا الباب، ولا يكون لله ﷿ في نفسه كلام إلاما تكلم به الخلق، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده.\nثم قول القائل: الكلام الذي يحبه الله ويرضاه ويأمر به، أو الكلام الذي يكرهه وينهى عنه - يقتضي أن هناك محبة ورضاء وامرًا غير المأمور به، وكلامًا هو نهي غير المنهي عنه، وذلك هو كلامه الذي هو أمره ونهيه، فالأمر والنهي غير المأمور به والمنهي عنه.\nوهذا على قول من اشتبه عليه أمر الإضافة في هذا المواضع، وإلا فالصواب في قوله ﷺ: «واستحللتم فروجهن بكلمة الله،» أنها كلمته التي تكلم بها.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ .","vol":"7","page":270},{"text":"هي كلمته التي تكلم بها، وكل كلام تكلم به سبحانه مخبرا فإنه صدق، كما أن كل كلام تكلم به آمرا فهو عدل، وقد تمت كلماته صدقا وعدلا.\nفالكلام له نسبة إلى المتكلم به، وهو الآمر المخبر به وله نسبة إلى المتكلم فيه، وهو المأمور به والمخبر عنه، فكلام الله الذي تكلم به يشبرك كله في كونه تكلم به.\nثم ما أخبر به عن نفسه، مثل قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾، وآية الكرسي، وغير ذلك - أفضل مما أخبر به عن خلقه، وذكر فيه أحوالهم، كقوله تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾، وهذا أصح القولين لأهل السنة وغيرهم،\nوهو قول جمهور العلماء من الأولين والآخرين، فإن طائفة من المنتسبين إلى السنة وغيرهم يقولون: إن نفس كلام الله تعالى لا يتفاضل في نفسه، بناء على أنه قديم، والقديم لا يتفاضل.\nويتأولون قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو","vol":"7","page":271},{"text":"مثلها﴾، أي خير لكم وأنفع.\nوالصواب الذي عليه جمهور السلف والأئمة: إن بعض كلام الله أفضل من بعض، كما دل على ذلك الشرع والعقل.\nففي الحديث الثابت «عن النبي ﷺ أنه قال لأبي سعيد بن المعلى: لأعلمنك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها»، ثم أخبره أنها فاتحة الكتاب، فأخبر النبي ﷺ فأخبر النبي ﷺ أنه ليس في القرآن لها مثل، فبطل قول من يقول بتماثل جميع كلام الله.\nوكذلك ثبت في الصحيح أنه قال لأبي بن كعب: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم: فقال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، فضرب بيده في صدري، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر، فبين أنه هذه الآية أعظم من غيرها من الآيات.","vol":"7","page":272},{"text":"وقد ثبت عنه في الصحيحين من غيره وجه أن: ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن.\nوذلك أن القرآن: إما خبر، وإما إنشاء، والخبر: إما خبر عن الخالق، وإما عن المخلوق.\nفثلثه قصص.\nوثلثه أمر، وثلثه توحيد، فهي تعدل ثلث القرآن بهذا الاعتبار.\nوأيضًا فالكلام وإن اشترك من جهة المتكلم به في أنه تكلم بالجميع.\nفقد تفاضل من جهة المتكلم فيه، فإن كلامه الذي وصف به نفسه، وأمر فيه بالتوحيد، أعظم من كلامه الذي ذكر فيه بعض خلقه، وأمر فيه بما هو دون التوحيد.\nوأيضًا فإذا كان بعض الكلام خيرًا للعباد وأنفع، لزم أن يكون في نفسه أفضل من هذه الجهة، فإن تفاضل ثوابه ونفعه إنما هو لتفاضله في نفسه، وإلا فالشيئان المتساويان من كل وجه، لا يكون ثواب أحدهما أكثر، ولا نفعه أعظم.\nوالمقصود هنا شيئان: أحدهما: أن الذين يعظمون الأشعري وأمثاله من أهل الكلام كالبيهقي، وابن عساكر، وغيرهما - وقد عرفعوا ذم الشافعي وغيره من الأئمة للكلام، ذكروا أن الكلام المذموم هو كلام أهل البدع، وقالوا: إنما كان يعرف في عصرهم بالكلام أهل البدع،","vol":"7","page":273},{"text":"وأنه أراد بذلك كلام مثل حفص الفرد وأمثاله، وأنه لما حدثت طائفة سمت ما في كتاب الله من الحجة عليهم متشابها، وقالوا بترك القول بالأخبار التي رواها أهل الحديث، وزعموا أن الأخبار التي حملت عليهم لا تصح في عقولهم، قام جماعة من أئمتنا، وبينا أن جميع ما ورد في الأخبار صحيح في المعقول، وما ادعوه في الكتاب من التشابه باطل في العقول، وكانوا في القديم إنما يعرفون بالكلام أهل الأهواء، فأما أهل السنة والجماعة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنة، فكانوا لا يسمون تسميتهم، وإنما يعني بقوله (من ارتدى بالكلام لم يفلح) كلام أهل الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة، وجعلوا معولهم عقولهم، وأخذوا في تسوية الكتاب والسنة عليها، فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة، وإنما أخذ من أخذ منهم في العقل، إبطالًا لمذهب من زعم أنه غير مستقيم في العقل.\nقلت: وهذا اتفاق من علماء الأشعرية، مع غيرهم من الطوائف المعظمين للسلف، على أن الكلام المذموم عند السلف: كلام من يترك الكتاب والسنة، ويعول في الأصول على عقله، فكيف بمن يعارض","vol":"7","page":274},{"text":"الكتاب والسنة بعقله؟! وهذا هو الذي قصدنا إبطاله، وهو حال أتباع صاحب الإرشاد الذين وافقوا المعتزلة في ذلك.\nوأما الرازي وأمثاله، فقد زادوا في ذلك على المعتزلة، فإن المعتزلة لا تقول: إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، بل يقولون: إنها تفيد اليقين، ويستدلون بها أعظم مما يستدل بها هؤلاء.\nالثاني: أن كلام الإمام الشافعي ﵁ ونحوه من الأئمة تضمن ذم كلام حفص الفرد وأمثاله في مسألة القرآن.\nوالكلام في ذلك مبني على نفي قيام الأفعال به، فإن المعتزلة يقولون: الكلام لا بد له من فعل يتعلق بمشيئة المتكلم وقدرته، فلو قام به الكلام لقامت به الأفعال، وهي حادثة، فكان يكون محلا للحوادث، وبطل الدليل الذي استدللنا به على حدوث العالم.\nوقد بينا أن ذم الشافعي لكلام حفص وأمثاله لم يكن لأجل إنكار القدر، فإن حفصًا لا ينكره، وإنما كان لإنكار الصفات والأفعال، المبني على دليل الأعراض.\nوهكذا كلام الإمام أحمد - وغيره من الأئمة - في ذم الكلام، كان متناولًا لكلام الجهمية.\nوكلام أحمد وأمثاله في ذلك كثير ظاهر معلوم، فإن مناظرته للجهمية، ورده عليهم، أشهر وأكثر من أن","vol":"7","page":275},{"text":"يذكر هنا، وكان من المناظرين له أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث، وهو على قول حسين النجار - والنجار من المثبتة للقدر - وكذلك كانوا يذمون المريسي وغيره من المثبتين للقدر، فتبين أن كلامهم في ذم أهل الكلام لم يكن لأجل إنكار القدر، بل كان ذمهم للجهمية أعظم من ذمهم للقدرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>كلام الأشعري في مقالات الإسلاميين عن النجارية</span>\nقال الأشعري في المقالات: (ذكر قول الحسين بن محمد النجار: كان هو وأصحابه يقولون: إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى وهم فاعلون لها، وإنه لا يكون في ملك الله إلا ما يريده، وأن الله لم يزل مريدًا أن يكون في وقته ماعلم أنه يكون في وقته، مريدًا أن لا يكون ما علم أنه لا يكون، وأن الاستطاعة لا يجوز أن تتقدم الفعل، وأن العون من الله يحدث في حال الفعل مع الفعل وهو الاستطاعة، فإن الاستطاعة الواحدة لا يفعل بها فعلان، وأن لكل فعل استطاعة تحدث معه إذا حدث، وإن الاستطاعة لا تبقى، وأن في وجودها وجود الفعل، وفي عدمها عدم الفعل) .\nوذكر سائر قوله في القدر من جنس قول الأشعري وأصحابه","vol":"7","page":276},{"text":"(وأن الإنسان لا يفعل في غيره، وأنه لا يفعل الأفعال إلا في نفسه، كنحو الحركات والسكون، والإرادات والعلوم، والكفر والإيمان، وإن الإنسان لا يفعل ألمًا ولا إدراكًا ولا رؤية، ولا يفعل شيئًا على طريق التولد) .\nقال: (وكان برغوث يميل إلى قوله) .\nقال: (وكان يزعم أن الله لم يزل جوادًا بنفي البخل عنه، ولم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأنه كلام الله محدث مخلوق، وكان يقول في التوحيد يقول المعتزلة، إلا في باب الإرادة والجود، وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء.\nوكان يزعم أن جائز أن يحول الله العين إلى القلب، ويجعل في العين قوة القلب، فيرى الله الإنسان بعينه: أي يعلمه بها، وكان ينكر الرؤية لله بالأبصار على غير هذا الوجه) .","vol":"7","page":277},{"text":"قلت: فقول ضرار والنجار وأتباعهما كبرغوث وحفص، وقول بشر المريسي ونحوه من أهل الكلام الذين ذمهم الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة، ليس فيه إنكار للقدر، بل فيه إثبات له، وإنما ذمومهم لما في قولهم من نفي ما وصف الله به نفسه، مع أن قول النجار وضرار خير من قول المعتزلة، وقولهما في الرؤية يشبه قول من ينفي العلو ويثبت الرؤية من الأشعرية ونحوهم، وأصل كلامهم الذي بنوا عليه نفي ذلك ما تقدم من الأصول الثلاثة، ليس لهم غيرها، وهي دليل الأعراض، والتركيب، والأختصاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>كلام الخطابي في الغنية عن الكلام وأهله</span>\nومما يبين ذلك ما ذكره الشيخ أبو سليمان الخطابي في رسالته المعروفة في الغنية عن الكلام وأهله قال فيها: (وقفت على مقالتك وظهور ما ظهر بها من مقالات أهل الكلام، وخوض الخائضين فيها، وميل بعض منتحلي السنة إليها، واغترارهم بها،","vol":"7","page":278},{"text":"واعتذارهم في ذلك بأن الكلام وقاية للسنة، وجنة لها، يذب به عنها، ويزداد بسلاحه عن حريمها، وفهمت ما ذكرته من ضيق صدرك بمجالسهم، وتعذر الأمر عليك في مفارقتهم، لأن موقفك بين أن تسلم لهم ما يدعونه من ذلك فتقبله، وبين أن تقابلهم على ما يزعمونه فترده وتنكره، وكلا الأمرين يصعب عليك: أما القبول فلأن الدين يمنعك منه، ودلائل الكتاب والسنة تحول بينك وبينه، وأما الرد المقابلة فلأنهم يطالبونك بأدلة العقول، ويؤاخذونك بقوانين الجدل، ولا يقنعون منك بظواهر الأمور، وسألتني أن أمدك بما يحضرني في نصرة الحق من علم وبيان، وفي رد مقالة هؤلاء القوم من حجة وبرهان، وأن أسلك في ذلك طريقة لا يمكنهم دفعها، ولا يسوغ لهم من جهة العقل جحدها وإنكارها، فرأيت إسعافك لازمًا في حق الدين، وواجب النصيحة لجماعة المسلمين، فإن الدين النصيحة) .","vol":"7","page":279},{"text":"«واستشهد بقول النبي ﷺ: الدين النصحية، الدين النصيحة، الدين النصيحة.\nقالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» .\nقال: (واعلم أن هذه الفتنة قد عمت اليوم وشملت، وشاعت في البلاد واستفاضت، فلا يكاد يسلم من رهج غبارها إلا من عصمه الله، وذلك مصداق قول النبي ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء» .\nقال: ثم إني تدبرت هذا الشأن، فوجدت عظم السبب","vol":"7","page":280},{"text":"فيه أن الشيطان صار اليوم بلطيف حيلته يسول لكل من أحس من نفسه بزيادة فهم، وفضل ذكاء وذهن، ويوهمه أنه إن رضي في علمه ومذهبه بظاهر من السنة، واقتصر على واضح بيان منها، كان أسوة للعامة، وعد واحدًا من الجمهور والكافة، وأنه قد ضل فهمه، واضمحل لطفه وذهنه فحركهم بذلك على التنطع في النظر، والتبدع لمخالفة السنة والأثر، ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء، ويتميزوا في الرتبة عمن يرونه دونهم في الفهم والذكاء، فاختدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها، وتاهوا","vol":"7","page":281},{"text":"عن حقائقها، ولم يخلصوا منها إلى شفاء نفس، ولا قبلوا بيقين علم) .\nقال: (ولما رأوا كتاب الله ينطق يخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه، ضربوا بعض آياته ببعض، وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم، واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم، ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله ﷺ، ولسنته المأثورة عنه، وردوها على وجوهها، وأساءوا في نقلتها القالة، ووجهوا عليهم الظنون، ورموهم بالتزيد، ونسبوهم إلى ضعف المنة، وسوء المعرفة بما يروونه من الحديث، والجهل بتأويله، ولو سكلوا سبيل القصد، ووقفوا عند ما أنتهى بهم التوقيف، لوجدوا برد اليقين، وروح القلوب، ولكثرت البركة،","vol":"7","page":282},{"text":"وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور، ولأضاءت فيها مصابيح النور، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>تعليق ابن تيمية</span>\nفهذا الذي وصفه الشيخ أبو سليمان الخطابي هو حال أهل الكلام، الذين يعارضون الكتاب والسنة بعقلهم، فيتأولون الكتاب على غير تأويله، ويردون الحديث بما يمكنهم، مثل زعمهم أنه خبر واحد، وأن كان من المستفيضات المتلقاة بالقبول، ومثل غير ذلك من وجوه الرد، لأن الأصول التي بنوا عليها دينهم تناقض منصوص الكتاب والسنة، كطريقة الأعرض والتركيب والاختصاص، ونحو ذلك مما تقدم.\nوهم فيها خاضوا فيه من العقليات المعارضة للنصوص، في حيرة وشبهة وشك، من كان منهم فاضلًا ذكيًا قد عرف نهايات أقدامهم كان في حيرة وشك، ومن كان منهم لم يصل إلى الغاية كان مقلدا لهؤلاء، فهو يدع تقليد النبي المعصوم وإجماع المؤمنين المعصوم، ويقلد رؤوس الكلام المخالف للكتاب والسنة، الذين هم في شك وحيرة، ولهذا لا يوجد أحد من هؤلاء إلا وهو: إما حائر شاك، وإما متناقض يقول قولًا ويقول ما يناقضه، فيلزم بطلان أحد القولين أو كلاهما، لا يخرجون عن الجهل البسيط مع كثرة النظر والكلام، أو عن","vol":"7","page":283},{"text":"الجهل المركب الذي هو ظنون كاذبة، وعقائد غير مطابقة، وإن كانوا يسمون ذلك براهين عقلية، وأدلة يقينية، فهم أنفسهم ونظراؤهم يقدحون فيها، ويبينون أنها شبهات فاسدة، وحجج عن الحق حائدة.\nوهذا الأمر يعرفه كل من كان خبيرًا بحال هؤلاء، بخلاف أتباع الرسول ﷺ المتبعين له، فإنهم ينكشف لهم أن ما جاء به الرسول، هو الموافق لصريح المعقول، وهو الحق الذي لا اختلاف فيه ولا تناقض.\nقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ .\nفهؤلاء مثل نور الله في قلوبهم: ﴿كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾: نور الإيمان، ونور القرآن، نور صريح المعقول، ونور صحيح المنقول.\nكما قال بعض السلف: يكاد المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر، فإذا جاء الأثر كان نورًا على نور.","vol":"7","page":284},{"text":"وقال لغير واحد من الصحابة - كجندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر: - تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانا.\nقال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾\nوأما أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة فهم: إما في الجهل البسيط، وإما في الجهل المركب، كالكفار، فالأولون: ﴿كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور﴾ .\nوالآخرون: ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾ .\nفأهل الجهل والكفر البسيط لا يعرفون الحق ولا ينصرونه، وأهل الجهل والكفر المركب يعتقدون أنهم عرفوا وعلموا، والذي معهم ليس لعلم بل جهل.","vol":"7","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>عود لكلام الخطابي في الغنية</span>\nقال أبو سليمان الخطابي: (واعلم أن الأئمة الماضين، والسلف المتقدمين، لم يتركوا هذا النمط من الكلام، وهذا النوع من النظر، عجزًا عنه، ولا انقطاعًا دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة، وأفهام ثاقبة، وقد كان وقع في زمانهم هذه الشبه والآراء، وهذه النحل والأهواء، وإنما تركوا هذه الطريقة وأعرضوا عنها لما تخوفوه من فتنتها، وحذروه من سوء مغبتها، وقد كانوا على بينة من أمرهم، وعلى بصيرة من دينهم، لما هاهم الله له من توفيقه، وشرح به صدورهم من نور معرفته، ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته، وتوقيف السنة وبيانها، غناء ومندوحة عما سواهما، وأن الحجة قد وقعت بهما، والعلة أزيحت بمكانهما، فلما تأخر الزمان بأهله، وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة، وقلت عنايتهم، واعترضهم الملحدون بشبههم، والمتحذلقون بجدلهم - حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام، ولم يدافعوهم بهذا النوع من الجدل، لم يقووا","vol":"7","page":286},{"text":"بهم، ولم يظهروا في الحجاج عليهم، فكان ذلك ضلة من الرأي، وغبنا فيه، وخدعة من الشيطان، والله المستعان) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هو كما قال أبو سليمان فإن السلف كانوا أعظم عقولًا، وأكثر فهمومًا، وأحد أذهانًا، وألطف إدراكًا، كما قال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.\nوقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بأن: «خير قرون الأمة القرن الذي بعث فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .\nوأعظم الفضائل فضيلة العلم والأيمان، فهم أعلم الأمة باتفاق علماء الأمة، ولم يدعوا الطرق المبتدعة المذمومة عجزًا عنها، بل كانوا كما قال عمر بن عبد العزيز: على كشف الأمور أقوى، وبالخير لو كان في تلك الأمور أحرى.","vol":"7","page":287},{"text":"وقول الخطابي: (تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها، لما تخوفوه من فتنتها، وحذروه من سوء مغبتها) فسنبين إن شاء الله أن تلك الطرق المخالفة للسنة هي في نفسها باطلة، فأضربوا عنها، كما يضرب عن الكذب والقول الباطل، وإن كان مزخرفًا مزينًا، ولم يستجيزوا أن يقابلوا الفاسد بالفاسد، ويردوا البدعة بالبدعة.\nوأما الكلام الذي لا يدري أصدق هو أم كذب، فهو بمنزلة الشاهد الذي لا يعلم صدقه، فهذا قد يعرض عنه خوفًا أن يكون باطلًا وكذبًا.\nفهذا يكون في الطرق المجهولة الحال.\nولا ريب أن كثيرًا من الناس لا يعلم أحق هي أم باطل، فينهى عن القول بما لا يعلم، وقد ينهى بعض الناس عن أن ينظر فيما يعجز عن فهمه ومعرفة الحق فيه من الباطل، خوفًا من أن يزل ذهنه فيضل، ولا يمكن هداه، فالخوف يكون فيما لا يعلم حاله، أو لا يعلم حال سالكه، وإن كان حقًا.\nوأما الكلام المخالف للنصوص فهو في نفسه باطل، فالنهي عنه كالنهي عن الكذب والكفر ونحو ذلك.\nوقوله: (وقد كانوا على بينة من أمرهم وعلى بصيرة من دينهم، لما هداهم الله له من توفيقه، وشرح به صدورهم من نور معرفته) .","vol":"7","page":288},{"text":"فهذا بيان لأنهم كانوا أهل علم ويقين، لا أهل جهل وتقليد، وأنه حصل لهم معرفة يقينية ضرورية، بهدى الله لهم، وشرح صدورهم، كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين أن الإيمان والعلم لا يتوقف على النطر الذي أحدثه أهل الكلام، فضلًا عن الكلام المخالف للنصوص.\nوقوله: (ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب والسنة غنىً ومندوحة عما سواهما)\nفهذا لأن الكتاب - والسنة - قد بين الحق وبين الطرق التي بها يعرف الحق، وذكر من الأدلة العقلية والأمثال المضروبة، التي هي مقاييس برهانية، ما هو أكمل في تحصيل العلم واليقين، مما أحدثه أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة.\nوليس هدى الكتاب بمجرد كونه خبرًا، كما يظنه بعضهم، بل قد نبه وبين ودل على ما به يعرف الحق من الباطل، من الأدلة والبراهين، وأسباب العلم واليقين، كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع.\nوما ذكره من أنه لما تأخر الزمان، وفترت عزائم بعض الناس عن طلب حقائق علوم الكتاب والسنة أخذوا يردون شبه الملحدين","vol":"7","page":289},{"text":"بالكلام المبتدع، المستلزم مخالفة النصوص - فهو كما قال.\nوقد تأملت هذا في عامة الأبواب فوجدته كذلك، بل وجدت جميع أهل البدع يلزمهم أن لا يكونوا مصدقين بتنزيل القرآن، ولا بتفسيره وتأويله في كثير من الأمور، والعلم - والإيمان - يتضمن التصديق بالتنزيل، وما دل عليه من التأويل، وما من بدعة من بدع الجهمية وفروعهم، إلا وقد قالوا في القرآن بما يقدح في تنزيله، وقالوا في معانيه بما يقدح في تفسيره وتأويله.\nفمن تأمل طرق المعتزلة ونحوهم، التي ردوا بها على أهل الدهر والفلاسفة ونحوهم، فيما خالفوا فيه المسلمين، رآهم قد بنوا ما خالفوا فيه النصوص على أصول فاسدة في العقل، لا قطعوا بها عدوا الدين، ولا أقاموا على موالاة السنة واتباع سبيل المؤمنين، كما فعلوه في دليل الأعراض والتركيب والاختصاص.\nوكذلك من ناطرهم من الكلابية وغيرهم، فيما خالفوا فيه السنة من مسائل الصفات والقدر وغير ذلك، بنوا كثيرًا من الرد عليهم على أصول فاسدة: إما أصول وافقوهم عليها مما أحدثه أولئك، كموافقة من وافقهم على دليل الأعراض والتركيب ونحوهما، وإما أصول عارضوهم بها فقابلوا الباطل بالباطل، كما فعلوه في مسائل القدر والوعد والوعيد، ومسائل الأسماء والأحكام، فإن أولئك كذبوا بالقدر، وأوجبوا إنفاذ الوعيد، وقاسوا الله بخلقه فيما يحسن ويقبح، وهؤلاء ابطلوا حكمة الله","vol":"7","page":290},{"text":"تعالى، وحقيقة رحمته وعدله، وقالوا ما يقدح في أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وتوقفوا في بعض أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فصار أولئك يكذبون بقدرته وخلقه ومشيئته، وهؤلاء يكذبون برحمته وحكمته، وببعض أمره ونهيه، ووعده ووعيده، كما قد بسط في موضعه.\nفكان ما دفعوا به أهل البدع من أصول مبتدعة باطلة وافقوهم عليها، أو أصول مبتدعة باطلة قاتلوهم فيها، ضلة من الرأي، وغبنًا فيه، وخدعة من الشيطان، بل الحق أنهم لا يوافقون على باطل، ولا يقابل باطلهم بباطل.\nوهذا كما أصاب كثيرًا من الناس من أهل العبادة والزهد والتصوف والفقر، أعرضوا عن السماع الشرعي، والزهد الشرعي، والسلوك الشرعي، فاحتاجوا أن يعتاضوا عن ذلك بسماع بدعي، وزهد بدعي، وسلوك بدعي، يوافق فيه بعضهم بعضًا في باطل، أو يقابل باطلهم بباطل آخر، وكما أصاب كثيرًا من الناس مع الولاة الذين أحدثوا الظلم، فإنهم تارة يوافقونهم على بعض ظلمهم، فيعاونونهم على الإثم والعدوان، وتارة يقابلون ظلمهم بظلم آخر، فيخرجون عليهم","vol":"7","page":291},{"text":"ويقاتلونهم بالسيف، وهو قتال الفتنة، فمن الناس من يوافق على الظلم ولا يقابل الظلم، مثل ما كان بعض أهل الشام، ومنهم من كان يقابله بالظلم والعدوان، ولا يوافق على حق ولا على باطل كالخوارج، ومنهم من كان تارة يوافق على الظلم، وتارة يدفع الظلم بالظلم، مثل حال كثير من أهل العراق.\nوكثير من الناس مع أهل البدع الكلامية والعملية بهذه المنزلة: إما أن يوافقوهم على بدعهم الباطلة، وإما أن يقابلوها ببدعة أخرى باطلة، وإما أن يجمعوا بين هذا وهذا، وإنما الحق في أن لا يوافق المبطل على باطل أصلًا، ولا يدفع بباطل أصلًا فيلزم المؤمن الحق، وهو ما بعث الله به رسوله ﷺ، ولا يخرج عنه إلى باطل يخالفه: لا موافقة لمن قاله، ولا معارضة بالباطل لمن قال باطلًا.\nوكلا الأمرين يستلزم معارضة منصوصات الكتاب والسنة بما يناقض ذلك، وإن كان لا يظهر ذلك في بادي الرأي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>بقية كلام الخطابي في الغنية</span>\nقال أبو سليمان: (فإن قال هؤلاء القوم: فإنكم قد أنكرتم الكلام","vol":"7","page":292},{"text":"ومنعتم استعمال أدلة العقول، فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم، ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها، وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه، وأن الرسول لم يثبت صدقة إلا بأدلة العقول، وأنتم قد نفيتموها؟) .\nقال أبو سليمان: (قلنا: إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف، ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر، وانقلابها فيها على حدوث العالم وإثبات الصانع، ونرغب عنها إلى ما هو أوضح بيانًا، وأصح برهانًا، وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة وتابعتموهم عليه.\nوإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات، ولا يرون لها حقيقة، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور، ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء، فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله ﷿ عن ذلك، وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها،","vol":"7","page":293},{"text":"والإيداع والانقطاع على سالكها) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: وهذا الذي ذكره الخطابي يبين أن طريقة الأعراض من الكلام المذموم، الذي ذمه السلف والأئمة، وأعرضوا عنه، كما ذكر ذلك الأشعري وغيره، وأن الذين سلكوها سلكوها لكونهم لم يسلكوا الطرق النبوية الشرعية، فمن لم يسلك الطرق الشرعية احتاج إلى الطرق البدعية، بخلاف من أغناه الله بالكتاب والحكمة.\nوالخطابي ذكر أن هذه الطريقة متعبة مخوفة، فسالكها يخاف عليه أن يعجز أو أن يهلك.\nوهذا كما ذكره الأشعري وغيره، ممن لم يجزموا بفساد هذه الطريقة، وإنما ذموها لكونها بدعة، أو لكونها صعبة متعبة قد يعجز سالكها، أو لكونها مخوفة خطرة لكثرة شبهاتها.\nوهكذا ذكر الخطابي في كتاب شعار الدين ما يتضمن هذا المعنى، ولهذا كان من لم يعلم بطلان هذه الطريقة أو اعتقد صحتها، قد يقول ببعض موجباتها.\nكما يقع مثل ذلك في كلام الخطابي وأمثاله، ما يوافق موجبها، وقد أنكره عليه أئمة السلف والعلم، كما هو مذكور في غير هذا الموضع.\nوهذا قد وقع فيه طوائف من أصناف الناس، من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم.","vol":"7","page":294},{"text":"وأما قوله: (إنهم أخذوا هذه الطريقة من الفلاسفة) كما ذكر ذلك الأشعري.\nفيقال: كثير من الفلاسفة يبطل هذه الطريقة، كأرسطو وأتباعه، فلم يوجد عنهم، ومن الفلاسفة من يقول بها، والذين قالوا بها من أهل الكلام ليس كلهم أخذها عن الفلاسفة، بل قد تتشابه القلوب.\nكما قال تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾ .\nوقال تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ .\nوأكثر المتكلمين السالكين لها مناقضون للقول المشهور عن الفلاسفة لا موافقون لهم، بل يردون على أرسطو وأصحابه في المنطق والطبيعيات والألهيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>تابع كلام الخطابي في الغنية</span>\nقال الخطابي: (وبيان ما ذهب إليه السلف - من أئمة المسلمين - في الاستدلال على معرفة الصانع وإثبات توحيده وصفاته، وسائر ما ادعى أهل الكلام تعذر الوصول إليه إلا من الوجه الذي يذهبون إليه، ومن الطريقة التي يسلكونها، ويزعمون أن من لم يتوصل","vol":"7","page":295},{"text":"إليه من تلك الوجوه كان مقلدًا غير موحد على الحقيقة - هو أن الله سبحانه لما أراد إكرام من هداه لمعرفته، بعث رسوله محمد ﷺ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.\nوقال له: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ .\nوقال ﷺ في خطبة الوداع، وفي مقامات شتى، وبحضرته عامة أصحابه: «ألا هل بلغت» .\nوكان الذي أنزل عليه من الوحي، وأمر بتبليغه، هو كمال الدين وتمامه، لقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾، فلم يترك ﷺ شيئًا من أمور الدين: قواعده، وأصوله، وشرائعه، وفصوله - إلا بينه، وبلغه على كماله وتمامه، ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لا خلاف بين فرق الأمة: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال.\nومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدًا في كل وقت وزمان، ولو أخر عنه البيان لكان التكليف واقعًا بما لا سبيل","vol":"7","page":296},{"text":"للناس إليه، وذلك فاسد غير جائز، وإذا كان الأمر على ما قلناه، وقد علم يقينًا أن النبي ﷺ لم يدعهم في أمر التوحيد إلى الاستدلال بالأعراض، وتعلقها بالجواهر، وانقلابها فيها، إذ لا يمكن واحدًا من الناس أن يروي عنه ذلك ولا عن أحد من أصحابه من هذا النمط حرفًا واحدًا فما فوقه، لا من طريق تواتر ولا آحاد - علم أنهم قد ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء، وسلكوا غير طريقتهم، ولو كان في الصحابة قوم يذهبون مذاهب هؤلاء في الكلام والجدل، لعدوا من جملة المتكلمين، ولنقل إلينا أسماء متكلميهم، كما نقل إلينا أسماء فقهائهم وقرائهم وزهادهم، فلما لم يظهر ذلك، دل على أنه لم يكن لهذا الكلام عندهم أصل) .\nقال الخطابي: (وإنما ثبت عندهم أمر التوحيد من وجوه:\nأحدهما: ثبوت النبوة بالمعجزات التي أوردها نبيهم من كتاب قد أعياهم أمره، وأعجزهم شأنه، وقد تحداهم به وبسورة من مثله،","vol":"7","page":297},{"text":"وهم العرب الفصحاء والخطباء والبلغاء، فكل عجز عنه، ولم يقدر على شيء منه بوجه: إما بأن لا يكون في قولهم ولا في طباعهم أن يتكلموا بكلام يضارع القرآن في جزالة لفظه.\nوبديع نظمه، وحسن معانيه، وإما أن يكون ذلك في وسعهم، وتحت قدرهم، طبعًا وتركيبًا، ولكن منعوه وصرفوا عنه ليكون آية لنبوته، وحجة عليهم في وجود تصديقه، وإما أن يكونوا إنما عجزوا عن علم ما جمع في القرآن من أنباء ما كان، والإخبار عن الحوادث التي تحدث وتكون، وعلى الوجوه كلها، فالعجز موجود، والانقطاع حاصل، هذا إلى ما شاهدوه من آياته، وسائر معجزاته المشهودة عنه، الخارجة عن سوم الطباع، الناقضة للعادات، كتسبيح الحصا في كفه، وحنين الجذع لمفارقته، ورجف الجبل تحته، وسكونه لما ضربه برجله، وانجذاب الشجرة بأغصانها وعروقها إليه، وسجود البعير له، ونبوع","vol":"7","page":298},{"text":"الماء من بين أصابعه حتى توضأ به بشر كثير، وربو الطعام اليسير بتبريكه فيه حتى أكل منه عدد جم، وأخبار الذراع إياه بأنها مسمومة، وأمور كثيرة سواها، يكثر تعدادها هي مشهورة، ومجموعة في الكتب التي أنشئت لمعرفة هذا الشأن) .\nقال الخطابي: (فلما استقر ما شاهدوه من هذه الأمور في نفوسهم، وثبت ذلك في عقولهم، صحت عندهم نبوته، وظهرت عن غيره بينونته، ووجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من الغيوب، ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله ﷿ وأمر صفاته، وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة، ودلائل الحكمة، الشاهدة على أن لها صانعًا حكيمًا، عالمًا، خبيرًا، تام القدرة، بالغ الحكمة، وقد نبههم الكتاب عليه، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته، فقال ﷿: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾: إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة، ولطيف الحكمة، الدالين على جود الصانع","vol":"7","page":299},{"text":"الحكيم، لما ركب فيها من الحواس التي عنها يقع الإدراك، والجوارح التي يباشر بها القبض والبسط، والأعضاء المعدة للأفعال التي هي خاصة بها، كالأضراس الحادثة فيهم عند استغنائهم عن الرضاع، وحاجتهم إلى الغذاء، فيقع بها الطحن له، وكالمعدة التي اتخذت لطبخ الغذاء، والكبد التي يسلك إليها صفاوته، وعنها يكون انقسامه على الأعضاء في مجاري العروق المهيأة لنفوذه إلى أطراف البدن، وكالأمعاء التي يرسب إليها تفل الغذاء وطحانه فيبرز عن البدن.\nوكقوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت﴾ .\nوكقوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ .\nوما أشبه ذلك من جلال الأدلة، وظواهر الحجج، التي يدركها كافة ذوي العقول، وعامة من يلزمه حكم الخطاب، مما","vol":"7","page":300},{"text":"يطول تتبعه واستقراؤه، فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه، ثم بينوا وحدانيته وعلمه وقدرته، بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة، واطرادها في سبلها، وجريها على إدلالها، ثم علموا سائر صفاته توقيفًا عن الكتاب المنزل، الذي بان حقه، وعن قول النبي ﷺ الذي قد ظهر صدقه، ثم تلقى جملة أمر الدين عنهم أخلافهم وأتباعهم، كافة عن كافة، قرنًا بعد قرن، فتناولوا ما سبيله الخبر منها تواترًا واستفاضة، على الوجه الذي تقوم به الحجة، وينقطع فيها العذر، ثم كذلك من بعدهم عصرًا بعد عصر، إلى آخر من تنتهي إليه الدعوة، وتقوم عليه بها الحجة، فكان ما اعتمده المسلمون من الاستدلال في ذلك أصح وأبين، وفي التوصل إلى المقصود به أقرب، إذ كان التعلق في أكثره إنما هو بمعاني درك الحس، وبمقدمات من العلم مركبة","vol":"7","page":301},{"text":"عليها، لا يقع الخلف في دلالتها) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ذكر الخطابي طريقين إلى معرفة الله وصفاته: طريقًا سمعية.\nوطريقًا عقلية، وكلاهما طريق شرعية معروفة بالقرآن.\nأما الأولى: فهو أن تعلم نبوة النبي ﷺ بما أظهره الله على يديه من المعجزات وبغير ذلك، ثم يعرفون بذلك ما أخبرهم به ودعاهم إليه من التوحيد وإثبات الصفات، وهذا لأن نفس الإقرار بالصانع سبحانه فطري ضروري، أو معلوم بأدنى نظر وتأمل يحصل لعموم الخلق.\nثم معرفة صدق الرسول ﷺ تعلم بما أظهره من المعجزات الدالة على صدق الرسول.\nوقد نبه الخطابي أن فيما جاء به الرسول من بيان الطرق العقلية التي يعرف بها ثبوت الخالق وتوحيده وصفاته، فإن الرسول ﷺ لم يكن تعريفه للناس ما عرفهم إياه بمجرد خبره، وإن كان ذلك بعد ثبوت صدقه كما يظنه كثير من أهل الكلام، بل عرفهم ما به يعرف ثبوت الخالق ووحدانيته وصفاته، وما به يعرف صدقه، فبين ما جاء به من أصول","vol":"7","page":302},{"text":"الدين وأدلته العقلية التي يعلم بها ما يمكن معرفته بالعقل، وأخبرهم عن الغيب الذي لا يمكنهم معرفته بمجرد عقلهم.\nولهذا قال الخطابي: (وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة ودلائل الحكمة الشاهدة على أنه لها صانعًا حكيمًا عالمًا خبيرًا تام القدرة بالغ الحكمة) .\nقال: (وقد نبههم الكتاب عليه، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته، فقال ﷿: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ .\nإلى قوله: (وما أشبه ذلك من جلال الأدلة، وظواهر الحجج، التي يذكرها كافة ذوي العقول، وعامة من يلزمه حكم الخطاب، مما يطول تتبعه واستقراؤه، فعن هذه الأمور ثبت عندهم أمر الصانع وكونه، ثم بينوا وحدانيته وعلمه وقدرته، بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة، واطرادها في سبلها، وجريها على إدلالها، ثم علموا سائر صفاته توقيفًا عن الكتاب.... إلى آخر كلامه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>كلام القاضي عبد الجبار في تثبيت دلائل النبوة</span>\nوهذا مما اعترف به النظار من جميع الطوائف: من المعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم، كما قال القاضي عبد الجبار في أول كتابه المصنف في تثبيت نبوة نبينا ﷺ قال: (الحمد لله","vol":"7","page":303},{"text":"الذي من على عباده بإرسال رسله، وختمم بسيدهم محمد ﷺ، فأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإنما يعرف الرسول من عرف المرسل، وقد حصل لك العلم به ﵎ بما في كتاب المصباح وغيره، وأجلها وأعظمها وأوضحها وأبينها ما في القرآن مما نبه الله عليه، وجعله في عقول العقلاء، فينبغي أن يراعيه، ويديم النظر فيه، ويواصل الفكر في آيات الله، ويعتبر بالنقل والاعتبار، تنال المعرفة) .\nوكذلك قال الأشعري في كتابه المشهور المعروف باللمع لما ذكر خلق الإنسان واستدل به على الخالق تعالى.\nكما قد حكينا كلامه، وذكرنا كلامه وكلام القاضي أبي بكر عليه، وأن كلامه أجود، مع أنه جعل الإنسان مما يستدل على خلق جواهره بأنها لا تخلو من الحوادث بناءً على أن الحدوث المشهود إنما هو حدوث الأعراض كالتأليف والتركيب، وهو المراد بالخلق، بناءً على ثبوت الجوهر الفرد.\nوهذا وإن كان ضعيفًا، وأكثر علماء المسلمين ينازعون في هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>كلام الباقلاني شرح اللمع</span>\nفالمقصود أنه استدل بالخلق على الخالق.\nقال القاضي أبو بكر: (ثم قال أبو الحسن مؤيدًا لما ذكره من حدوث الإنسان، وحدوث تصويره","vol":"7","page":304},{"text":"وتعلقه بخالق خلقه، ومدبر دبره: وقد قال تعالى: ﴿أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ فما استطاعوا بحجة أن يقولوا إنهم يخلقون مع تمنيهم الولد، فلا يكون، ومع كراهتهم له يكون قال: وقال تنبيهًا لخلقه على وحدانيته: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾، فبين لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم، ومدبر دبرهم) .\nقال القاضي أبو بكر: (واعملوا أن الغرض بذكر الآيتين الإخبار عن الله في نص كتابه بما دلهم العقول عليه، وتقريبه والتنبيه على موضع الاستدلال به من جهة السمع، ليكون المرء عند سماعه أقرب إلى العلم بإدراك ما يلتمس علمه، وترتيب ما النظر فيه على حقه وموجبه، وأن يجمع لأهل التوحيد المقربن بالسمع بين دلائل العقول وتنبيه السمع عليها، وأن النظر في مقدورات الله والاعتبار بها طريقًا إلى العلم بصانعها المدبر بها والخالق لأعيانها) .\nقال: (وأما وجه التنبيه من قوله: ﴿أفرأيتم ما تمنون * أأنتم","vol":"7","page":305},{"text":"تخلقونه أم نحن الخالقون﴾، فهو أن من سبيل الخالق المنشىء، أن يكون ماخلقه واقعًا بقصده وإرادته، وأن يجد نفسه قادرة عليه وعلى إجاد عينه، إن كان مخترعًا له، أو على تصويره وتخطيطه، إن كان الخلق تصويرًا وتقديرًا) .\nقال: (وإذا ثبتت هذه الجملة، وعلمنا أن وجود الولد بنيته وهيئته، وليس بمقصور على إرادة الوالد، ولا مما يجد في نفسه القدرة عليه - ثبت بذلك أن الولد المخلوق ليس من فعل الوالد على سبيل المباشرة، ولا على جهة التولد عن حركاته) .\nقال: (وأما وجه التنبيه من قوله: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾، رده لهم إلى الاعتبار في أحوالهم، وتنقلهم من حال إلى حال، ومن تركيب إلى تركيب، وعجيب ما قد فعل بذواتهم من التصوير والتأليف، وخلق الحواس ومواضعها، وتركيب كل عضو من أعضائهم على صفة ما يحتاج إلى استعماله فيه: من اليد للبطش، والرجل للمشي، وغير ذلك من جوارحهم، ومايتجدد في أنفسهم من الحوادث التي لم تكن، ويزول عنهم من الأمور الني يؤثرون استدامتها، مع علمهم بأن الصورة لا بد لها من مصور، وأن التأليف للدار والكتابة وضروب المنسوجات والمصنوعات لا بد لها في عقولهم من صانع مؤلف، وأن التغير في صفاته مع جواز بقائه على ما يعبر عنه لا بد له من ناقل نقله، ومغير غيره، وأنهم يجب أن يعلموا بذلك أن تصوير الإنسان وتغيره في الأحوال التي ذكرها أولى أن يتعلق بمصور صوره، وناقل نقله وغيره من تركيب إلى تركيب، وحال إلى","vol":"7","page":306},{"text":"حال: أن الإنسان أقرب إلى علم هذا بالتنبيه من ناحية السمع عليه، وأجدر أن يتحقق علم ما فيه، وإن كان لو أفرد بعقله، وأحيل على صحيح نظره، لقال بما نبه السمع على مواضعه، وإن احتاج في ذلك إلى فضل فكر بالكد والروية وإتعاب النفس في طلب الحق) .\nقال: (فهذا وجه التنبيه مما تلاه من التنزيل) .\nوذكر في التوحيد والمعاد نحوًا من ذلك، بخلاف نفي التشبيه، فإنه جعله من باب ما دل القرآن عليه بالخبر.\nوأما ما ذكره هو وغيره: من أنهم عرفوا صدق الرسول بالمحجزات ابتداءً، فهذا يكون على وجهين:\nأحدهما: أنهم عرفوا إثبات الخالق بالضرورة، ثم عرفوا صدق الرسول بالمعجزات.\nالثاني: أن يقال: نفس ظهور المعجزات دلت على إثبات الخالق وعلى صدق رسوله، كما كان إظهار موسى للآيات: مثل العصا، واليد، دليلًا على الصانع وعلى صدق الرسول.\nولهذا لما قال له فرعون: ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ .\nقال له موسى: ﴿قال أو لو جئتك بشيء مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾ .\nفأظهر موسى هذه الآيات لما قال له فرعون: ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ فدل ذلك على أنه أظهرها لإثبات","vol":"7","page":307},{"text":"العلم بالصانع، ولصدق الرسول.\nوالأدلة الدالة على صدق الرسول كثيرةً مبسوطةً في غير هذا الموضع.\nوبنبوته يستدل على تفصيل صفات الله وأسمائه، وعلى توحيده الذي هو عبادته وحده لا شريك له، وهو توحيد الإلهية وكذلك على توحيد الربوبية.\nفكلا نوعي التوحيد مما يمكن علمه بالسمع، وهذا مما اعترف به غير واحد من حذاق النظار، وقالوا: إنه يمكن العلم بصدق الرسول قبل العلم بالوحدانية، مع أن الخطابي أردا - والله أعلم - بعلم التوحيد: علم صفات الرب سبحانه وأسمائه، فإنهم يسمون ذلك علم التوحيد، وذلك مما يمكن معرفته بالشرع، فإنه يعلم بالفطرة، وبالعقل إثبات الصانع على طريق الإجمال، وأما تفصيل صفاته وأسمائه فتعلم بالسمع.\nوأيضًا فإذا عرف أن العلوم الإلهية حقيقتها موجودةً عند الأنبياء ﵈، فإنهم الصادقون المصدقون فيما يخبرون به من ذلك، وأن الواجب تلقي ذلك عنهم - كان العلم بأن هذا يستفاد من الرسول يمكن إثباته بما به يعلم أنه رسول، وإذا علم أنه رسول تعلم منه هذا","vol":"7","page":308},{"text":"المطلوب.\nكما إذا عرف أن علاج المرضى يؤخذ من الأطباء، والاستفتاء يرجع فيه إلى المفتين، وأمر التقويم يرجع فيه إلى المقومين.\nفإذا عرف أن هذا طبيب، أو مفت، أو مقوم، رجع إليه في ذلك.\nوهذا مبسوط في غير هذا الموضع، وبين أن العلم بصدق النبي ﷺ له طرق متعددة، فمن ادعى من المتكلمين: المعتزلة والجهمية وموافقيهم - أنه لا يمكن العلم بصدقة إلا بعد العلم بحدوث الأجسام، وأن ذلك لا يعلم إلا بطريقة الأعراض، فقوله خطأ مبتدع، وهو الذي ذكر الخطابي أنه لم يسلك أحد من السلف هذه الطريق.\nوأما الطريق العقلية التي ذكرها، فهي طريق دل عليها القرآن، وأرشد إليها، ونبه عليها، وهي الاستدلال بما يجدونه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة، ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعًا حكمًا عالمًا خبيرًا.\nإلى قوله: (فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه، ثم تبينوا وحدانيته وعلمه وقدرته بما","vol":"7","page":309},{"text":"شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة، واطرادها في سبلها وجريها على إدلالها) .\nوهذا لأن الفعل الواحد المتسق المنتظم لا يكون عن اثنين، ولا يكون إلا عن عالم قادر، كما بين في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>عود لكلام الخطابي في الغنية</span>\nفهذه الصفات ونحوها مما يعلم بالعقل.\nقال: (ثم علموا سائر صفاته توقيفًا عن الكتاب المنزل) .\nوهذا كالصفات الخبرية: مثل الوجه، واليدين، والاستواء على العرش، ونحو ذلك.\nقال الخطابي: (فأما الأعراض فإن التعلق بها إما أن يكون عذرًا، وإما أن يكون تصحيح الدلالة من جهتها عسرًا متعذرًا.\nوذلك أن اختلاف الناس قد كثر فيها، فمن قائل: لا عرض في الدنيا ناف لوجود الأعراض أصلًا، وقائل: إنما هي قائمة بأنفسها، لا تخالف الجواهر في هذه الصفة، إلى غير ذلك من الاختلاف فيها.\nوأوردوا في نفيها شبهًا قوية، فالاستدلال بها، والتعلق بأدلتها، لا يصح إلا بعد التخلص من تلك الشبه، والانفكاك عنها.\nوالطريقة التي","vol":"7","page":310},{"text":"سلكناها سليمة من هذه الآفات، برية من هذه العيوب، فقد بان ووضح فساد قول من زعم وادعى من المتكلمين أن من لم يتوصل إلى معرفة الله تعالى وتوحيده من الوجه الذي يصححونه من الاستدلال، فإنه غير موحد في الحقيقة، لكنه مستسلم مقلد، وأن سبيله سبيل الذرية في كونها تبعًا للآباء في الإسلام، وثبت أن قائل هذا القول مخطىء، وبين يدي الله ورسوله متقدم، وبعامة الصحابة وجمهور السلف مزر، وعن طريق السنة عادل، وعن نهجها ناكب) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: وهذا الذي ذكره الخطابي بين ظاهر، بتقدير أن تكون تلك الطريق صحيحة في نفسها، موصلة إلى العلم، فإن سلوكها - والحال هذه - إما غرر وخطر، وإما مشق صعب، بل معجوز عنه، فإنها تحتاج إلى تصحيح مقدمات كثيرة دقيقة متنازع فيها، وقد لا تثبت للإنسان فيضل عنها، فكانت بمنزلة من يريد الحج من طريق بعيدة مخوفة، يمكن سالكها أن يصل بعد جهد ومشقة، ويمكن أن","vol":"7","page":311},{"text":"ينقطع، فمثل هذه الطريق قد يعجز صاحبها، وقد يضل بعد جهد ومشقة عظيمة، إذا لم يكن فيها مخوف، وإذا كان فيها مخوف فقد يهلك قبل الوصول.\nومعلوم أن من عدل إلى هذه الطريق، وترك الطريق المستقيمة الواضحة الآمنة الميسرة كان ظلومًا جهولًا.\nوأما بتقدير أن تكون طريقًا فاسدة، كما يعرفه من عرف حقيقتها، فإنها: إما أن لا توصل إلى مطلوب، لأن النظر في الدليل الفاسد يستلزم الجهل المركب لا محالة، بل قد لا يحصل معه لا علم ولا جهل، وهذا حال كثير من حذاق النظار الذين سلكوها.\nوإما أن توصل إلى نقيض الحق، إذا اعتقد سالكها صدق بعض مقدماتها الكاذبة، وهذه حال كثير ممن اعتقد صحتها، وعارض بموجبها صحيح المنقول وصريح المعقول.\nوهي حال أهل البدع من المعتزلة والجهمية، ومن وافقهم على مقتضاها، فإنها منشأ ضلال ما شاء الله تعالى من طوائف أهل الكلام، كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع، فالأولون يبقون في الجهل البسيط، وهؤلاء يصيرون في الجهل المركب.","vol":"7","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>تابع كلام الخطابي في الغنية</span>\nقال الخطابي: (فهذا قولهم ورأيهم في عامة السلف وجمهور الأئمة وفقهاء الخلف، فلا تشتغل - رحمك الله - بكلامهم، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم، فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازنه أو يقاربه، فكل بكل معارض، وبعض ببعض مقابل، وإنما يكون تقدم الواحد منهم، وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان، وحذقه في صنعة الجدل والكلام، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل، على أصول مؤصلة لهم، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم، فهم يطالبونهم بقودها وطردها، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق الجدل منقطعًا، وجعلوه مبطلًا، وحكموا بالفلج لخصمه عليه، والجدل لا يبين به حق، ولا تقوم به حجة.\nوقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين كلتاهما باطل ويكون الحق في ثلاثة غيرهما، فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح مذهبه وإن","vol":"7","page":313},{"text":"كان مفسدًا له قول خصمه، لأنهما مجتمعان معًا في الخطأ، مشتركان فيه، كقول الشاعر فيهم:\nحجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقًا، وكل كاسر مكسور\nوإنما كان الأمر كذلك لأن واحدًا من الفريقين لا يعتمد في مقالتها التي ينصرها أصلًا صحيحًا، وإنما هي أوضاع تتكافأ وتتقابل، فيكثر المقال، ويدوم الاختلاف، ويقل الصواب.\nقال الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ .\nفأخبر سبحانه ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده.\nوهذا من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة، لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل، وذلك صفة الباطل الذي أخبر الله عنه.","vol":"7","page":314},{"text":"ثم قال سبحانه في الحق: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾ .\nقال الخطابي: (فإن قيل: دلائل النبوة، ومعجزات النبي ﷺ - ما عدا القرآن - إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر، والحجة لا تقوم بنقل الآحاد على من كان في الزمان المتأخر، لجواز وقوع الغلط فيها، واعتراض الآفات من الكذب وغيره عليها، قيل: هذه الأخبار، وإن كانت شروط التواتر في آحادها معدومة، فإن جملتها راجعة من طريق المعنى إلى التواتر، ومتعلقة به جنسًا، لأن بعضها يوافق بعضًا ويجانسه.\nإذ كل ذلك واقع تحت الإعجاز، والأمر المزعج للخواطر الناقض لمجرى العادات) .\nقال: (ومثال ذلك أن يروي قوم ان حاتم طي وهب لرجل مائة","vol":"7","page":315},{"text":"من الأبل، ويروي آخرون أنه وهب لرجل آخر ألفًا من الغنم، ويروي آخرون أنه وهب آخر عشرة أرؤس من الخيل والرقيق إلى ما يشبه ذلك حتى يكثر عدد ما يروى عنه، فهو وإن لم يثبت التواتر في كل واحد منها نوعًا نوعًا، فقد ثبت التواتر في جنسها، وحصل من جملتها العلم بأن حاتمًا سخي، كذلك هذه الأمور وأن لم يثبت لأفراد أعيانها تواتر، فقد ثبت برواية الجم الغفير، الذي لا يحصى عددهم، ولا يتوهم التواطؤ في الكذب عليهم، أنه قد جاء بمعنى معجز للبشر خارج عما في قدرهم، فصح بذلك أمر نبوته) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>كلام الخطابي في كتاب شعار الدين</span>\nوقال الخطابي أيضًا فيما ألحقه بكتاب شعار الدين وبراهين المسلمين (الكلام المكروه الذي زجر عنه العلماء وعابوه، هو التجرد","vol":"7","page":316},{"text":"في مذهب الكلام، والتعمق فيه على الوجه الذي يذهب المتكلمون.\nوذلك أنهم أدعوا الوقوف على حقائق الأمور من جهة العقول، وزعموا أن شيئًا من المعلومات لا يذهب عليهم علمه، ولا يعجزهم إدراكه، على سبيل التحديد والتحقيق) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا هو حقيقة قول من لم يجعل السمعيات تفيد العلم، إنما يحصل العلم عنده من جهة العقل فقط، وقول من يظن أنه بمجرد عقله يعرف ما جاءت به الشرائع.\nولهذا قول الإمام أحمد في أول رسالته في السنة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: (ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول)، فبين أن ما جاء به الرسول ﷺ لا يجوز أن يعارض بضرب الأمثال له، ولا يدركه كل أحد بقياس، ولا يحتاج أن يثبته بقياس، بل هو ثابت بنفسه، وليس كل ما ثبت يكون له نظير، وما لا نظير له لا قياس فيه، فلا يحتاج المنصوص خبرًا وأمرًا إلى قياس، بخلاف من أردا أن ينال كل ما جاءت به الرسل بعقله، ويتلقاه من طريق القياس،","vol":"7","page":317},{"text":"كالقياس العقلي المنطقي، وهو قياس الشمول أو قياس التمثيل ونحو ذلك، فإن كلًا من هذا وهذ يسمى قياسًا.\nوقد تنازع الناس في اسم القياس: هل هو حقيقة في قياس التمثيل، مجاز في قياس الشمول؟ كما يقوله أبو حامد الغزالي وأبو محمد المقدسي وغيرها، أو هو حقيقة في قياس الشمول مجاز في قياس التمثيل؟ كما يقوله أبو محمد بن حزم وغيره، أو القياس حقيقة فيهما؟ كما يقوله الجمهور.\nعلى ثلاثة أقوال.\nوأيضًا فهم متنازعون في الجنسين: أيهما هو الذي يوصل إلى العلم؟ كثير من الناس من أهل النطق اليوناني ونحوهم يزعم أن الموصل إلى العلم هو قياس الشمول فقط دون قياس التمثيل، وكثير من أهل الكلام يرجح قياس التمثيل، ويقول: إن قياسهم المنطقي قياس الشمول قليل الفائدة أو عديمها.\nوحقيقة الأمر أن القياسين متلازمان، فكل قياس شمول هو متضمن لتمثيل، وكل قياس تمثيل هو متضمن لشمول، فأن القايس قياس التمثيل لا بد أن يعلق الحكم بالوصف المشترك، فإذا قال: النبيذ المسكر حرام لأنه مسكر، فكان حرامًا كخمر العنب، فقد علق","vol":"7","page":318},{"text":"التحريم بالسكر، ولا بد له من دليل بدل على تعلق الحكم بذلك الوصف المشترك: إما بنص، أو إجماع، أوغير ذلك من الطرق الدالة على أن الحكم معلل بذلك الوصف المشترك بين الأصل والفرع، وهو الذي يسمى جواب المطالبة، فإن القايس إذا قاس توحه عليه منوع، أحدها: منع الحكم في الأصل.\nوالثاني: منع ثبوت الوصف الذي علق به الحكم في الأصل.\nوالثالث: منع وجوده في الفرع.\nوهذه الأسولة الثلاثة قد يسهل جوابها، والرابع: منع علة الوصف، وهو منع كون الحكم متعلقًا به، وهذا أعظم الأسولة.\nوذلك الوصف الذي علق به الحكم، يسمونه: علة، وسببًا، وداعيًا، وموجبًا، ومناطًا، وباعثًا، وأمارةً، وعلامة، ومشتركًا، وأمثال ذلك.\nثم إذا أراد المستدل أن يصوغ هذا قياس شمول، قال: النبيذ مسكر، كل مسكر حرام، ولا بد له من إثبات هذه القضية الكبرى، وهو قوله: كل مسكر حرام، كما يحتاج الأول إلى إثبات كون السكر هو مناط التحريم، والذي جعله الأول مناط الحكم، جعله الثاني الحد الأوسط المتكرر في المقدمتين، ولا بد لكل منهما من الدلالة على ذلك، وكل من القياسين يتضمن حكمًا عامًا كليًا، ولهذا اتفق أرباب القياس الشمولي المنطقي على أنه لا بد فيه من قضية كلية،","vol":"7","page":319},{"text":"واتفق أرباب القياس التمثيلي على أنه لا بد فيه من مشترك بين الأصل والفرع، والمشترك هو الكلي، لكن في قياس الشمول لا يجب أن يبين ثبوت الكلي في صورة من الصور المعنية، بل يقول الرجل: السواد والبياص لا يجتمعان، وإن لم يعين سوادًا أو بياضًا معينين، ويقول: الكل أعظم من الجزء، ولا يعين شيئًا.\nوأما قياس التمثيل فلا بد فيه من تعيين أصل يقاس به الفرع ويمثل به، فيقال: هذا السواد وهذا البياض لا يجتمعان، فكذلك سائر السواد والبياض.\nوهذا الكل أعظم من هذا الجزء، وهلم جرًا.\nويقول أهل التمثيل: هذا أنفع لأن الكليات لاوجود لها في الأعيان، إنما وجودها في الأذهان، فإذا مثل الفرع بمعين ثابت في الخارج أفاد ذلك معرفة شيء موجود معين، بخلاف الكلي الذي لا تتمثل أعيانه في الخارج.\nولهذا كل متكلم في كليات مقدرة لا يتصور أعيانها الموجودة في الخارج، فإما أن يكون كلامه قليل الفائدة، بل عديمها، وإما أن يكون كثير الخطأ والغلط، وإما أن يجتمع فيه الأمران.\nويقولون أيضًا: إن العلم بكل واحد واحد من الأعيان يحصل بما به يحصل المعين","vol":"7","page":320},{"text":"الآخر، فإنا إذا قلنا: الكل أعظم من الجزء، كان علمنا بأن هذا الكل أعظم من هذا الجزء، كعلمنا بذلك في الكل الآخر، فلم نستفد بالقضية الكلية علمًا بمعين، إلا والعلم بذلك المعين مستغن عن القضية الكلية، ففيه تطويل بلا فائدة.\nويقول أهل قياس الشمول: بل قياس التمثيل لا يفيد إلا بتوسط تعليق الحكم بالمشترك، وهو الحد الأوسط، فلا بد فيه من قضية كلية أيضًا، لكن قد يدعي القايس الممثل تعليق الحكم بالمشترك بمجرد التمثيل، ولا يقيم دليلًا على أن الوصف المشترك الجامع بين الأصل والفرع هو مناط الحكم الذي هو الحد الأوسط، وربما أثبت ذلك بطرق لا تفيد العلم، كالاستقراء الناقص الذي هو من نوع السبر والتقسيم ونحو ذلك، ففي كل من القياسين قضية كلية، لكن صاحب الشمول يثبتها وصاحب التمثيل لا يثبتها.\nقال أصحاب التمثيل: بل صاحب الشمول لا يمكنه إثباته إلا بطريق التمثيل، وإلا فإذا نازعه المنازع في الشمول والعموم، لم يكن له طريق إلا ذكر الأعيان بأن يقول: هذا الكل أعظم من هذا","vol":"7","page":321},{"text":"الجزء، وإذا قيل: بل العقل يقضي بالقضية الكلية قضاءً عامًا.\nقيل: إنما كان ذاك بواسطة علمه بالجزئيات، فيعود إلى التمثيل.\nولهذا توجد عامة قضاياهم الكلية منتقضة باطلة، لأنهم يدعون فيها العموم، بناءً على ما عرفوه من التجارب والعادات، وتكون تلك منتقضة في نفس الأمر كما هو الواقع، فإن من قال: كل نار فإنها تحرق ما لاقته، إنما قاله لأجل إحساسه بما أحس به من جزئيات هذا الكلي، وقد انتفض ذلك عليه بملاقاتها للياقوت والسمندل وغير ذلك، وبسط الكلام في هذا له موضع آخر.\nوالمقصود هنا التنبيه على أن كل واحد من قياس التمثيل والشمول يفيد أمرًا كليًا مطلقًا بواسطته يحصل العلم بالمعينات الموجودة في الخارج، ثم قد يكون العلم بتلك المعينات غنيًا عن ذينك القياسين، والمعين الذي لا نظير به لا يعلم لا بهذا القياس ولا بهذا القياس، وقد تكون الكلية منتقضة، فالقياس لا يحصل بنفسه العلم بالمعينات، وقد لا يحصل العلم به مطلقًا، وقد يكون كثير الانتقاض، بخلاف النصوص النبوية، فإنها لا تكون إلا حقًا، وهي تخبر عن المعينات على ما هي عليه.\nوأعظم المطالب العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأمره، ونهيه، وهذا كله لا تنال خصائصه لا بقياس الشمول ولا بقياس التمثيل، فإن الله تعالى لامثل له فيقاس به، ولا يدخل هو","vol":"7","page":322},{"text":"وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، فلهذا كانت طريقة القرآن - وهي طريقة السلف والائمة - أنهم لا يستعملون في الإلهيات قياس تمثيل وقياس شمول تستوي أفراده، بل يستعملون من هذا وهذا قياس الأولى، فإن الله له المثل الأعلى، فإذا أدخل هو - سبحانه - وغيره تحت قضية كلية، مثل أن يقال: القائم بنفسه لا يفتقر إلى المحل كما يفتقر العرض مثلًا، أو قيل: كل موجود فله خاصية لا يشركه فيها غيره ونحو ذلك - كان هو سبحانه أحق بمثل هذه الأمور من سائر الموجودات، فهو أحق بالغنى عن المحل من كل قائم بنفسه، وهو أحق بانتقاء المشارك له في خصائصه من كل موجود.\nوكذلك إذا قيس قياس تمثيل فكل كمال يستحقه موجود من جهة وجوده فالوجود الواجب أحق بتنزيه عنه، وهو أحق بانتفاء أحكام العدم وأنواعه وأشباهه وملزوماته عنه من كل موجود.\nوإذا كان الأمر الوجودي كالرؤية مثلًا لا يتعلق إلا بأمور موجودة لا يجوز أن تتعلق بمعدوم، لأن العدم لا يكون سببًا للوجود، وكان كل","vol":"7","page":323},{"text":"ما كان أكمل وجودًا كان أحق بأن يرى، كان الباري سبحانه بأن يرى أحق من كل موجود، وإذا كان تعذر الرؤية أحيانًا قد يكون لضعف الأبصار، وكان في الموجودات القائمة بنفسها ما تتعذر أحيانًا رؤيته لضعف أبصارنا في الدنيا، كان ضعفها في الدنيا عن رؤيته أولى وأولى.\nوليس المقصود هنا الكلام على أعيان المسائل، ولكن المقصود بيان مسمى القياس، وأنه وإن كان قد يحصل به من العلوم أمور عظيمة، فإنه لا يحصل به كل مطلوب، ولا يطرد في كل شيء.\nفطرق العلم ثلاث: أحدها: الحس الباطن والظاهر، وهو الذي تعلم به الأمور الموجودة بأعيانها.\nوالثاني: الاعتبار بالنظر والقياس، وإنما يحصل العلم به بعد العلم بالحس، فما إفاده الحس معينًا يفيده العقل والقياس كليًا مطلقًا، فهو لا يفيد بنفسه علم شيء معين، لكن يجعل الخاص عامًا، والمعين مطلقًا، فإن الكليات إنما تعلم بالعقل، كما أن المعينات إنما تعلم بالإحساس.\nوالثالث: الخبر، والخبر يتناول الكليات والمعينات والشاهد والغائب، فهو أعم وأشمل، لكن الحس والعيان أتم أكمل.","vol":"7","page":324},{"text":"وقد تنازع الناس في السمع والبصر إيهما أكمل؟ فذهبت طائفة منهم ابن قتيبة إلى أن السمع أكمل، لعموم ما يعلم به وشموله.\nوذهب الجمهور إلى أن البصر أكمل، فليس المخبر كالمعاين، وليس كل ما يعاين يمكن الإخبار عنه، وليس العلم الحاصل بالخبر كالعلم الحاصل بالعيان، وإن كان الخبر لا ريب في صدقه، لكن نفس المرئي المعاين لا يحصل العلم به قبل العيان كما يحصل عن العيان.\nوالتحقيق في هذا الباب أن العيان أتم وأكمل، والسماع أعم وأشمل، فيمكن أن يعلم بالسماع والخبر أضعاف ما يمكن علمه بالعيان والبصر أضعافًا مضاعفة، ولهذا كان الغيب كله إنما يعلم بالسماع والخبر، ثم يصير المغيب شهادة، والمخبر عنه معاينًا، وعلم اليقين عين اليقين.\nوالمقصود هنا أن الخبر أيضًا لا يفيد إلا مع الحس أو العقل، فإن المخبر عنه، إن كان قد شوهد، كان قد علم بالحس، وإن لم يكن شوهد ما يشبهه من بعض الوجوه، وإلا لم يعلم بالخبر شيء فلا يفيد الخبر إلا بعد الحس والعقل، فكما أن العقل بعد الحس، فالخبر بعد العقل والحس، فالإخبار يتضمن هذا","vol":"7","page":325},{"text":"وهذا، وكما أنه ليس كل ما علم بالخبر والسماع يمكن اعتباره بالقياس، إما لعدم النظير له من كل وجه، وإما لغير ذلك.\nثم إذا كان الخبر صادقًا لا كذب فيه، أمن معه من الانتفاض والفساد، بخلاف القياس، فإن كثيرًا مما يبني فيه على قضايا كلية تكون منتقضة، وإن كان فيه ما ليس منتقضًا.\nوالمقصود أنه ليس كل شيء يمكن علمه بالقياس، ولا كل شيء يحتاج فيه إلى القياس، فلهذا قال الأئمة: ليس في المنصوصات النبوية قياس.\nوأما كونها لا تعارض بالأمثال المضروبة، فهذا الذي ذكرناه من أن المنصوص لا يعارضه دليل عقلي صحيح.\nأما قولهم: لا تدرك بالعقول، فإن نفس الغريزة العقلية التي تكون للشخص قد تعجز عن إدراك كثير من الأمور، لا سيما الغائبات، فمن رام بعقل نفسه أن يدرك كل شيء كان جاهلًا، لا سيما إذا طعن في الطرق السمعية النبوية الخبرية.\nوهذا هو الذي يسلكه من يسلكه من الفلاسفة ومن يشبههم من أهل الكلام.\nوهؤلاء هم الذين يذكر أبوحامد الغزالي وغيره تهافتهم","vol":"7","page":326},{"text":"وتناقضهم، وأن ما يدعونه من المعارف الإلهية بعقولهم جمهوره باطل، وإن كان قد وقع في كلامه من كلام هؤلاء أمور، قيل أنه رجع عنها.\nولا ريب أن الرسل صلوات الله عليهم يخبرون الخلق بما تعجز عقولهم عن معرفته، ولا يخبرونهم بما يعلمون امتناعه، فهم يخبرنهم بمحارات العقول لا بمحالاتها، فمن أراد أن يعرف ما أخبرت به الرسل بعقله، كان شبيهًا بمن قال الله تعالى فيه: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾، وقال: ﴿بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة﴾ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>كلام آخر للخطابي وتعليق ابن تيمية</span>\nقال الخطابي: (وذهب العلماء إلى خلاف هذا الرأي، وجعلوا المعلومات قسمين: قسم يمكن استدراكه وتثبيته حقيقة، وقسم لا يعلم إلا ظاهره ولا يتعرض لعلم باطنه وطلب كيفيته، وانتهوا في ذلك إلى ما نطق به الكتاب، وقوله سبحانه: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، يجعلون","vol":"7","page":327},{"text":"الوقف عند قوله: ﴿إلا الله﴾ ويستأنفون الكلام فيما بعده، وهو مذهب الصحابة، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وعائشة، وابن عباس، قالوا: وقد حجب عنا أنواع من العلم، كعلم قيام الساعة، وكعلم الروح، حين يقول: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾، وقال تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾، وقال: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ .\nقلت: قد ذكرنا معنى لفظ (التأويل) في غير هذا الموضع، وأنه في اللغة التي نزل بها القرآن يراد به: حقيقة الشيء كالكيفية التي لا يعلمها إلا الله، كما قال مالك: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول) .\nويراد به التفسير، وهو كقوله: (الاستواء معلوم) فإنه تفسيره ومعناه معلوم) ويراد به تحريف الكلم عن مواضعه، كتأويلات الجهمية، مثل تأويل من تأول: استوى بمعنى استولى.\nوهذا الذي اتفق السلف والأئمة على بطلانه وذم أصحابه.\nومثل هذا لا يقال فيه: لا يعلمه إلا الله، بل يقال: إنه باطل وتحريف وكذب، ولكن في القسم الأول يقال: لا يعلمه إلا الله، وأما القسم الثاني فيعلمه الله، وقد يعلمه الراسخون في العلم.","vol":"7","page":328},{"text":"قال الخطابي: (فلم ينته أهل التعمق من المتكلمين حتى تكلموا في الروح وتكلموا في القدر، والتعديل والتجويز، وتكلموا في النفس والعقل وما بينهما، وتكلموا في أشياء لا تعنيهم ولا تجدي عليهم.\nشيئًا.\nكالكلام في الجزء والطفرة وما أشبه ذلك من الأمور التي لا طائل لها، ولا فائدة فيها، فزجر العلماء عن الخوض في هذه الأمور، وخافوا فتنتها، والخروج منها إلى ما يفضي بالمرء إلى أنواع من المكروه: من الأقوال الشنعة، والمذاهب الفاسدة، ورأوا أن يقتصروا من الكلام على ما انتهى إليه بيان الدين، وتوقيف الشريعة) .\nقلت: فقد ذكر الخطابي في الكلام المذموم ما لا يد ركه الإنسان بعقله، وما لا فائدة فيه.\nوما لا يدركه الإنسان بعقله إذا تكلم بلا علم، والكلام بلا علم ذمه الله في كتابه، وما لا فائدة فيه هو من باب ما لا يعني الإنسان ولا يفيده، ومن باب العلم الذي لا ينفع، وقد استعاذ النبي ﷺ من علم لا ينفع.\nولهذا يقال: العلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول، وهذان النوعان هما اللذان يذكرهما أبو حامد وغيره في وصف غير العلوم الشرعية، فيقول: (هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها - ونعوذ بالله من علم لا ينفع - وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها، وإن بعض الظن إثم.\nفالأول كالعلم بدقائق الهيئة، وحركات الكواكب، وغير ذلك مما هو بعد التعب الكثير لا يفيد إلا تضييع الزمان، وتعذيب الحيوان.","vol":"7","page":329},{"text":"والثاني كالعلم بأحكام النجوم، التي غلبها ظنون لا تغني من الحق شيئًا، والخطأ فيها أكثر من الصواب، والكذب فيها أكثر من الصدق) .\nوهذان النوعان غير ما ذكر أولًا، ذمه لما فيه من الخطر والعسر والعجز.\nوهذه الثلاثة غير ما هو كذب في نفسه وباطل، فإن هذا هو الكلام المذموم في نفسه، فما كان كذبًا غير مطابق للحق فهو مذموم في نفسه، بخلاف ما فيه عسر وهو حق، فإن هذا، وإن ذم من وجه فقد يحمد من وجه آخر، بخلاف ما لا يدركه الإنسان، أو ما لا فائدة فيه، فإن هذا قد يقال: إن مضرته تضييع الزمان من جنس اللعب واللهو الذي لا ينفع، أو من جنس البطالة وتضييع الزمان، لكن متى أفضى بصاحبة إلى اعتقاد الباطل حقًا، والكذب صدقًا، كان من القسم المذموم بنفسه.\nوكل كلام ناقض نصوص الأنبياء فإنه من الكلام المذموم بنفسه، وهو باطل قطعًا.\nوأما قوله: (وتكلموا في الروح، والقدر، والتعديل والتجوير، والعقل والنفس) فقد يظن أن الكلام في هذا مذموم مطلقًا، وليس كذلك.\nبل الكلام في ذلك وغيره بالحق النافع لا يذم، وإنما يذم الكلام الباطل، والكلام بلا علم، والكلام الحق لمن يعجز عن معرفته.\nكما قال ابن مسعود: ما من رجل يحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.\nوقال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون،","vol":"7","page":330},{"text":"ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ وأما الكلام الحق النافع فهو محمود غير مذموم.\nقال الخطابي: (ثم إن الكتاب والسنة لم يستوفيا بيان جميع ما يحتاج الناس إليه نصًا وتسمية، فاحتجنا إلى انتزاع أحكام الحوادث في ضمن الأسماء والنصوص، من طريق المعاني والمعقول من النصوص، فاستنبطه العلماء وتكلموا فيه من طريق القياس، ولم يتجاوزوه إلى الكلام فيما لا أصل له من الكتاب والسنة، ولم يتعرضوا لما ورد الكتاب - ثم السنة - بالزجر عنه وعن الخوض فيه، وكان هذا موضع الفرق بين الكلامين) .\nقال: (وقد أشار الشافعي إلى هذه الجملة، وأبان عنها بما زجر عنه من النظر في الكلام، وعابه من مذاهب المتكلمين.\nوبما زجر عنه من التقليد وجب عليه من النظر والاستدلال، فعلمنا أن زجر عنه ليس هو الذي أمر به، وتبينا أن له في الأصول مذهبًا ثالثًا، ليس بالتقليد ولا بالتجريد لمذاهب المقتحمين في غمرات الكلام، والخائضين في أوديته، وإنما هو الاستدلال بمعقول أصول","vol":"7","page":331},{"text":"الدين، التي مرجعها إلى علوم الحس ومقدماتها، والنظر المتعلق بالأصول التي هي الكتاب والسنة الصحيحة التي ينقطع العذر بها) .\nقال: (ونحن لم نعد فيما أوردنا من الكلام في كتاب شعار الدين هذه الجملة، وإن كان الذي عبناه في مسألة الغنية عن الكلام هو المذهب الآخر الذي تقدم ذكرنا له، وهو مذهب الغلو والأفراط، وما يقابله من مذاهب من يرى التقليد، ولا يقول بحجج العقول، فهو في التفريط والتقصير مواز لمذاهب المتكلمين في الغلو والأفراط.\nوالطريقة المثلى هي القصد والاعتدال، وهو ما نختاره ونذهب إليه) .\nقال: (وسبيل ما نأتيه ونذره من هذا الباب سبيل القياس، فإنا نستعمله في مواضع ونأباه في مواضع، فلا يكون ذلك منا مناقضة، وكذلك ما نطلقه من جواز الكلام في موضع، وكراهته في موضع آخر.\nوالأصل في مذاهب الناس كلهم ثلاث مقالات: القول بالحس حسب، وهو مذهب الدهرية، فإنهم قالوا بما يدركه الحس، لم يقولوا بمعقول ولا خبر وقال قوم بالحس والمعقول حسب، ولم يقولوا بالخبر، وهو مذهب الفلاسفة، لأنهم لا يثبتون","vol":"7","page":332},{"text":"النبوة.\nوقال أهل المقالة الثالثة بالحس والنظر الأثر، وهو جماعة المسلمين، وهو قول عمائنا وبه نقول) .\nقلت: تفصيل مقالات الناس مبسوط في غير هذا الموضع، فإن الدهرية لا تنكر جنس المعقول، بل تنكر من المعقول ما لا يكون جنسه محسوسًا.\nوهذا فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما كفروا بإنكارهم الغيب الذي أخبرت به الرسل.\nوالفلاسفة أيضًا لا تنكر جنس الخبر، بل تقول بالأخبار المتواترة وغيرها.\nولكن ينكرون استفادة الأمور الغائبة بأخبار الأنبياء، وهم قد يعظمون الأنبياء - صلوات الله عليهم - ويوجبون اتباع شرائعهم، ويأمرون بقتل من يخرج عنها، لكن يجعلون مقصودها هو إقامة مصالح الناس في دنياهم بالعدل الذي شرعته الأنبياء.\nوأما الأمور الإلهية والمعاد ونحو ذلك، فيزعمون أنهم لم يخبروا عنها بما يحصل به العلم، ولكن خاطبوا الناس فيه بطريق التخييل وضرب المثل الذي ينتفع به الجمهور.\nوحقيقة قولهم هو ما ذكره الخطابي من أنهم لا يجعلون خبر الأنبياء طريقًا إلى العلم، وقد ذكرنا من كلام من دخل معهم في هذا الأصل الفاسد، من المنتسبين إلى المسلمين، ما تبين به هذا الأصل، وبينا من ضلالهم وكذبهم في هذا القول ما قد بسط في موضعه.","vol":"7","page":333},{"text":"وحقيقة ما يزعمونه في المعقول إنما هو أمور ذهنية كلية، قائمة في الذهن، لا حقيقة لها في الخارج.\nوما يثبتونه من المجردات العقليات، بل وواجب الوجود الذي يثبتونه وغير ذلك، يعود إلى هذا.\nومن هنا استطال عليهم إخوانهم الفلاسفة الطبيعية والدهرية، فإن أولئك لم ينكروا مثل هذه العقليات، ولكن أنكروا وجود هذه في الخارج، وادعوا أن كل موجود في الخارج فلا بد أن يمكن إحساسه، والفريقان جميعًا كذبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله من الإخبار بالغيب إلا من كان منهم من الصابئة الحنفاء الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحًا، فأولئك هم سعداء في الآخرة.\nكما قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ .\nوأما الصابئة المشركون، الذين يعبدون الكواكب والأوثان، ونحوهم من الفلاسفة المشركين، فهؤلاء كفار كسائر المشركين.\nوالفلسفة اليونانية - فلسفة المشائين - عامتها من هذه الفلسفة، فإن اليونان كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأوثان، وفي مقالاتهم حق وباطل، كما في مقالات مشركي العرب والهند وغيرهم من أصناف المشركين، وهذا مبسوط في موضعه.","vol":"7","page":334},{"text":"وأما ما ذكره الخطابي من القياس والاعتبار في الأحكام الشرعية.\nوأن الكتاب والسنة لم يستوفيا بيان جميع ما يحتاج إليه الناس نصًا.\nفهذا كلام في القياس العلمي الشرعي، وهو مبسوط في موضعه.\nوالناس في هذا بين إفراط وتفريط، كما هم كذلك في القياس العقلي الخبري.\nفطائفة تزعم أن أكثر الحوادث لا تتناولها النصوص، بل إنما تعلم بالقياس.\nوطائفة بآرائهم يزعمون أن القياس كله باطل، حتى يردون الاستدلال المسمى بتنقيح المناط، ويردون قياس الأولى وفحوى الخطاب، والعلة المنصوصة، ويرجعون إلى العموم واستصحاب الحال.\nوكل من الطائفتين مخطئة غالطة، فإن الطائفة الأولى بخست الكتاب والسنة حقهما، وقصرت في معرفتهما وفهمهما، واعتصمت بأنواع من الأقيسة الطردية التي تغنى من شيئًا، أو بتقليد قول من لا تعرف حجة قائله.\nوكثيرًا ما تجد هؤلاء إذا فتشت حجتهم إنما هي مجرد دعوى.\nبأن يظن أحدهم أن الحكم الثابت في الأصل معلق بالوصف المشترك، من غير دليل يدله على ذلك، بل بمجرد اشتباه قام في نفسه،","vol":"7","page":335},{"text":"أو بمجرد استحسان ورأي ظن به أن مثل ذلك الحكم ينبغي تعليقه بذلك الوصف، وأحدهم يبني الباب على مثل هذه القواعد، التي متى حوقق عليها سقط بناؤه، وربما تمسكوا من الآثار الضعيفة بما يعلم أهل المعرفة بالأثر أنه من الموضوع المكذوب، فضلًا عن أن يكون من كلام المعصوم.\nوقد يتمسكون بما يظهر له من ألفاظ المعصوم، ولا تكون داله على ما فهموه.\nوأما الطائفة الثانية فتعتصم من استصحاب الحال ونفي الحكم لعدم دليله - في زعم أحدهم - مع ظهور الأدلة الشرعية بما يبين به فساد قولها، ويفرق بين المتماثلين تفريقًا لا يأتى به عاقل، فضلًا عن نبي معصوم، وتجمد على ما تراه ظاهر النص من خطائها في فهم النص ومراد قائله، وتسلب الشريعة حكمها ومحاسنها ومعانيها، وتضيف إلى الله ورسوله من التحكم المنافي للعدل والإحسان، ما يجب أن ينزه عنه الملك العادل، والرجل العاقل.\nوالناس كلهم متفقون على الاجتهاد والتفقه، الذي يحتاج فيه إلى إدخال القضايا المعينة تحت الأحكام الكلية العامة، التي نطق بها الكتاب والسنة.\nوهذا هو الذي يسمى تحقيق المناط، كالاجتهاد في تعيين القبلة عند الاشتباه، والاجتهاد في عدل الشخص المعين، والنفقه بالمعروف للمرأة المعينة، والمثل لنوع الصيد أو للصيد المعين، المثل الواجب في إتلاف المال المعين، وصلة الرحم الواجبة، ودخول أنواع","vol":"7","page":336},{"text":"من المسكرات في اسم الخمر، وأنواع من المعاملات في اسم الربا والميسر، وأمثال ذلك مما فيه إدخال أعيان تحت نوع، وإدخال نوع خاص تحت نوع أعم منه.\nفهذا الاجتهاد مما اتفق عليه العلماء، وهو ضروري في كل شريعة، فإن الشارع غاية ما يمكنه بان الأحكام بالأسماء العامة الكلية، ثم يحتاج إلى معرفة دخول ما هو أخص منها تحتها من الأنواع والأعيان.\nوقد احتج من احتج من الأئمة المثبتين للقياس عليه بمثل هذا القياس، وأن القرآن العزيز ورد بمثل هذا في القبلة، وجزاء الصيد، وعدل الشخص، ونحو ذلك.\nوهذا لا حجة فيه، فإن مثل هذا لا نزاع فيه، وهو ضروري لا بد منه، ولا يمكن إثبات حكم النوع - أو عين - إلا بمثل هذا.\nونفاة القياس لا يسمونه قياسًا، وإن سماه المسمي قياسًا كان نزاعًا لفظيًا.\nوالتحقيق أن دخول الأعيان في المعنى العام الذي دل عليه الخطاب، هو من قياس الشمول، وأن تمثيل بعض الأعيان والأنواع ببعض، هو من قياس التمثيل، لكن شمول اللفظ لهذا ولهذا بطريق العموم يغني عن قياس التمثيل.","vol":"7","page":337},{"text":"ونفاة القياس المعروفون بالسنة لا ينازعون في العموم، وإن سماه الممي قياسًا كليًا، بل هو عمدتهم وعصمتهم، هو واستصحاب الحال.\nفهذا نوع.\nومن نازع في القياس والعموم جميعًا - كما فعل ذلك من فعله من الرافضة - فهؤلاء سدوا على أنفسهم طريق معرفة الأحكام، فلهذا يحتجون بما يزعمون أنه قول المعصوم.\nومن الناس من يظن أن العلة المنصوصة هي المسماة بتحقيق المناط، وهي داخلة فيه.\nوليس كذلك، فإن هذه فيها نزاع.\nوهنا نوع ثان يسمى تنقيح المناط، وهو أن يكون الشارع قد نص على الحكم في عين معينة، وقد علم بالنص والإجماع أن الحكم لا يختص بها، بل يتناولها وغيرها، فيحتاج أن ينقح مناط الحكم، أي يميز الوصف الذي تعلق به ذلك الحكم، بحيث لا يزداد عليه ولا ينقص منه.\nوهذا كأمره ﷺ للأعرابي الذي استفتاه لما جامع امرأته في رمضان بالكفارة، ثم لما أتى العرق، قال: أطعمه أهلك وأمره لمن سأله عن فأرة وقعت في سمن بأن تلقى وما حولها ويأكل السمن.\nوأمره لمن سأله عمن أحرم بعمرة، وعليه جبة، وهو متضمخ بخلوق، أن ينزع عنه الجبة، ويغسل الخلوق، ويصنع في","vol":"7","page":338},{"text":"عمرته ما كان صانعًا في حجته.\nوأمره لمن ابتاع صاعًا جيدًا من التمر بصاعين من الرديء، أن يبيع الرديء بدراهم ثم يبتاع بها جيدًا.\nومثل أمره لبريرة لما عتقت أن تختار.\nومثل رجمه لماعز والغامدية، وقطعه لسارق رداء صفوان والمخزومية وغيرهما، وأمثال ذلك.\nفإنه من المعلوم لجميع العلماء أن حكم النبي ﷺ ليس مخصوصًا بتلك الأعيان، بل يتناول ما كان مثلها، لكن يحتاجون إلى معرفة مناط المشترك الذي به علق الشارع الحكم.\nوهذا قد يكون ظاهرًا، وقد يكون خفيًا.\nفالظاهر: مثل كون سبب الرجم هو زنا المحصن، وسبب القطع هو السرقة.\nوالخفي: مثل كون الكفارة وجبت لخصوص الجماع، أو لعموم الإفطار.\nوهل وجبت لنوع من الإفطار، أو لجنسه؟ وهل وجب لوقاع في صوم صحيح في رمضان، أو لوقاع في صوم واجب في رمضان؟ سواء كان صحيحًا أو فاسدًا؟ كما يجب في الإحرام الواجب، سواء كان صحيحًا أو فاسدًا فهذه مما تنازع فيه الفقهاء.\nوكذلك لما أجاب عن الفأرة التي وقعت في السمن، فلا ريب أن الحكم ليس مخصوصًا بتلك الفأرة والسمن، ولا بنوع من الفأر ونوع من الأسمان، فلا بد من إثبات حكم عام.\nوهذا النوع يقر به كثير من منكري القياس، أو أكثرهم.\nوكثير من الفقهاء لا يسميه قياسًا، بل يثبتون به الكفارات والحدود، وإن كانوا لا يثبتون ذلك بالقياس، فإنه","vol":"7","page":339},{"text":"هنا قد علم يقينًا أن الحكم ليس مخصوصًا بمورد النص، فلا يجوز نفيه عما سواه بالاتفاق، كما يمكن ذلك في صور القياس المحض المسمى بتخريج المناط، فإنه لما نهى عن التفاضل في الأصناف الستة لم يعلم أن حكم غيرها حكمها، إلا بدليل يدل على ذلك.\nولهذا كان بعض نفاة القياس لما حكموا في مثل هذا بأن الحكم مخصوص بفأرة وقعت في سمن، دون سائر الميتات والنجاسات الواقعة في سائر المائعات، ظهر خطاؤهم يقينًا، فإن الشارع - صلوات الله عليه - لم يعلق الحكم في خطابه بفأره وقعت في سمن، ولكن السائل سأله عن ذلك، والسائل إذا سأل عن حكم عين معينة، أو نوع باسمه، لم يجب أن يكون الحكم معلقًا مختصًا بما سأل عنه السائل، بل قد يكون ما سأل عنه السائل داخلًا في حكم عام، كما إذا سئل عن عين معينة لم يكن الحكم مخصوصًا بتلك العين، ولا فرق بين أن يسأل عن عين أونوع، فليس في جوابه ما يقتضي اختصاص الحكم بمورد السؤال، فهذا من أعظم الغلط.\nوهنا يظهر تفاضل العلماء بما آتاهم الله من العلم، فمن استخرج المناط الذي دل عليه الكتاب والسنة، دل على فهمه لمراد الرسول ﷺ، مثل أن يقول القائل: الحكم هنا ليس متعلقًا بمجرد الميتة، بل بالخبيث الذي قال الله تعالى فيه: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾، فإن الميتة، وإن","vol":"7","page":340},{"text":"شاركت الخنزير والدم في التحريم، فقد شمل الجميع اسم الخبيث، فالتحريم متناول للوصف العام، ليس مخصوصًا بنوع من الأنواع، وكلام الرسول ﷺ ليس فيه دليل على الاختصاص بنوع، لتعلق الحكم بالوصف العام المشترك - وهو الخبث - فيكون الخبيث الجامد الواقع في السمن حكمه حكم الفأرة، سواء كان دمًا أو ميتة متجسدة، ونحو ذلك.\nثم ينظر في السمن فيعلم أنه لا اختصاص في الشرع له بذلك، بل سائر الأدهان كذلك ثم سائر المائعات كذلك، ثم يبقى النظر: هل يفرق بين الماء وسائر المائعات؟ أو يسوي بينهما؟ وهل يفرق بين الجامد والمائع أو يسوى بينهما؟ وهل يفرق بين القليل والكثير، أو يسوى بينهما؟ هذا من المواضع الخفية التي تنازع فيها العلماء.\nوالمقصود هنا أن مثل هذا لا يرده إلا جهلة نفاة القياس.\nوكذلك العلة المنصوصة، وكذلك القياس في معنى الأصل، وقياس الأولى.\nوأما القياس الذي يستخرج علة الأصل فيه بالمناسبة، فهذا محل اجتهاد.\nولهذا تنازع الفقهاء القياسون من أصحاب أحمد وغيرهم في ذلك، فمنهم من لا يقول إلا بالعلة المنصوصة، ومنهم من يقول بالمؤثر،","vol":"7","page":341},{"text":"وهو ما نص على تأثيره في نظير ذلك الحكم، كالصغر فإنه قد علم أن الشارع علق به ولاية المال، فإذا علق به ولاية النكاح كان هذا إثباتًا لعلة هذا الحكم بنظيره المؤثر.\nوأما إذا لم يكن مؤثرًا، فهو الذي يسمونه المناسب الغريب، وفيه قولان مشهوران، فإنه استدلال على أن الشرع علق الحكم بالوصف لمجرد ما رأيناه من المصلحة.\nومن تدبر الأدلة الشرعية: منصوصها ومستنبطها، تبين له أن القياس الصحيح هو التسوية بين المتماثلين، وهو من العدل الذي أمر الله به ورسوله، وأنه حق لا يجوز أن يكون باطلًا، فإن الرسول ﷺ بعث بالعدل، فلم يسو بين شيئين في حكم إلا لاستوائهما فيما يقضي تلك التسوية، ولم يفرق بين اثنين في حكم إلا لافتراقهما فيما يقتضي ذلك الفرق، ولا يجوز أن يتناقض قياس صحيح ونص صحيح، كما لا يتناقض معقول صريح ومننقول صحيح، بل إذا ظن بعض الناس تعارض النص والقياس، كان أحد الأمرين لازمًا: إما أن القياس فاسد، وإما أن النص لا دلالة له.\nومع هذا فالكتاب والسنة بينا جميع الأحكام بالأسماء العامة، لكن يحتاج إدخال الأعيان في ذلك إلى فهم دقيق ونظر ثاقب، لإدخال كل معين تحت نوع، وإدخال ذلك النوع تحت نوع آخر بينه الرسول ﷺ.","vol":"7","page":342},{"text":"وحينئذ فكل من الحوادث شملها خطاب الشارع، وتناولها الاعتبار الصحيح.\nوخطاب الشارع العام الشامل دل عليها بطريق العموم الذي يرجع إلى تحقيق المناط، وهو في معنى قياس الشمول البرهاني.\nوالاعتبار الصحيح تناولها بطريق قياس التمثيل، الذي يتضمن التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين.\nوالتماثل والاختلاف ثابت في نفس الأمر، وقد نصب الله عليه أدلة تدل عليه، وكما أن القياس الشمولي والتمثيلي يرجعان إلى أصل واحد، ولا يجوز تناقضهما إلا مع فسادهما أو فساد أحدهما، فكذلك الخطاب العام والاعتبار الصحيح يرجعان إلى أصل واحد، ولا يجوز تناقضهما إلا لفساد دلالتهما أو أدلة أحدهما.\nوهذا تنبيه على مجامع نظر الأولين والآخرين في جميع استدلالهم، ومن تبصر في ذلك وفهمه وعلم ما فيه من الأحاطة.\nوبين له أن دلائل الله تعالى لا تتناقض، وأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الموافق لصرائح المعقول، وأن ما شرعه للعباد هو العدل الذي به صلاح المعاش والمعاد، وإن فهم - مع ذلك - مسألة التحسين والتقبيح العقلي، وارتباطها بمسألة المناسبات، ورجوع جنس التحسين والتقبيح إلى حصول المحبوب ودفع المكروه - هو المعروف والمنكر - كما يرجع جنس الخبر إلى الوجود والعدم، وإن هذا يرجع إلى الحق النافع، وفي مقابلته الباطل الذي لا ينفع، وهذا يرجع إلى الحق","vol":"7","page":343},{"text":"الموجود، وفي مقابلته المعدوم - تبين به أيضًا تناسب جميع العلوم الصحيحة، والموجودات المعتدلة، والشرائع الإلهية، وأعطى كل ذي حق حقه: ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾، ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ .\nوإذا أحسن الاعتبار، تبين له ما في منطق اليونان وفلسفتهم من الصواب والخطأ في الحد والبرهان، لت سيما في مواد القياس والبرهان، وتبين له كثير من خطأهم في التفريق بين المتماثلين، والتسوية بين المختلفين، مثلما ذكروه في مواد البرهان من قبول بعض القضايا التي سموها يقينية واعتقدوها كلية، وليس الأمر كذلك، وردهم لبعض القضايا التي سموها مشهورات ووهميات، مع كونها قد تكون أقوى من كثير من القضايا التي سموها يقينية، كما قد ذكر في غير هذا الموضع، فهذا لمعة من كلام علماء الكلام وغيرهم في طريقة الأعراض ونحوها.","vol":"7","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>كلام ابن رشد في مناهج الأدلة</span>\nوأما كلام الفلاسفة في هذا الباب، فقال القاضي أبو الوليد بن رشد الحفيد في كتابه المعروف بالأصول في العقائد: (قد رأيت أن أفصح في هذا الكتاب عن الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها، ونتحرى في ذلك كله مقصد الشارع ﷺ بحسب الجهد والاستطاعة، فإن الناس قد اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في هذه الشريعة حتى حدثت فرق ضالة وأصناف مختلفة، كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى، وأن من خالفه: إما مبتدع، وإما كافر مستباح الدم والمال، وهذا كله عدول عن مقصد الشارع ﷺ، وسببه ما عرض لهم من الضلال عن مقصد فهم الشريعة.\nوأشهر هذه الطوائف في زماننا هذا أربعة: الطائفة التي تسمى بالأشعرية، والتي تسمى بالمعتزلة، والطائفة التي تسمى بالباطنية، والطائفة التي تسمى بالحشوية.\nوكل هذا الطوئف قد اعتقدت في","vol":"7","page":345},{"text":"الله اعتقادات مختلفة، وصرفت كثيرًا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها إلى تأويلات نزلوها في تلك الاعتقادات، وزعم كل منهم أن اعتقاده هو الشريعة الأولى التي قصد بالحمل عليها جميع الناس، وأن من زاغ عنها فهو: إما كافر، وإما مبتدع.\nوإذا تؤملت جميعها وتؤمل مقصد الشرع، ظهر أن جلها أقاويل محدثة، وتأويلات مبتدعة.\nوأنا أذكر من ذلك ما يجري مجرى العقائد الواجبة في الشرع، الذي لا يتم الإيمان إلا به، وأتحرى في ذلك مقصد الشارع ﷺ، دون ما جعل أصلًا في الشرع، وعقيدة من عقائده، من قبل التأويل الذي ليس بصحيح، وأبدأ من ذلك بتعريف ما قصد الشارع أن يعتقده الجمهور في الله ﵎، والطرق التي سلك بهم في ذلك، وذلك في الكتاب العزيز.\nونبتدي من ذلك بمعرفة الطريق التي تفضي إلى وجود الصانع، إذ كانت أول معرفة يجب أن يعلمها المكلف، وقبل ذلك فينبغي أن","vol":"7","page":346},{"text":"نذكر آراء تلك الفرق المشهورة، فنقول: أما الفرقة التي تدعى بالحشوية، فإنهم قالوا: إن طريق معرفة وجود الله سبحانه هو السمع لا العقل، أعني أن الإيمان بوجوده الذي كلف الناس التصديق به، يكفي فيه أن يتلقى من صاحب الشرع ويؤمن به إيمانًا، كما يتلقى منه أحوال المعاد وغير ذلك مما لا مدخل للعقل فيه) .\nقال: (وهذه الفرقة الظاهر منها أنها مقصرة عن مقصود الشرع في الطريق التي نصبها للجميع، مفضية إلى معرفة وجود الله ﵎) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ليس المقصود هنا الكلام علىكل ما يقوله هذا الرجل، فإن حصره للمسلمين في هذه الطوائف الأربعة تقصير منه، إذ السلف والأئمة وخيار المسلمين ليس منهم واحد من هذه الطوائف، فإن المعتزلة قد عرفت بدعتهم عند المسلمين، والأشعرية جاءوا بعدهم، وما كان في كلامهم من حق فهو قول السلف والأئمة، وما كان فيه من باطل فهو مما أحدث، كأقوال المعتزلة وغيرهم.","vol":"7","page":347},{"text":"وأما الباطنية فهم أبعد عن السلف والأئمة من هؤلاء وهؤلاء.\nوأما الذي سماهم بالحشوية، فهذا الذي ذكره عنهم، إن يريد به أن الإيمان بوجود الرب ﵎ يكفي فيه مجرد إخبار من لم يعلم صدقه بعد، فهذا قول لا يقوله عاقل يعقل ما يقول، فضلًا عن أن يكون هذا قول طائفة لها قول، أو قول سلف الأمة وأئمتها، ولكن غاية ما قد يقال: إن الجزم بوجود الرب تعالى يكفي في الأيمان بأي طريق من الطرق حصل ذلك.\nوقد تنازع الناس في الجزم: هل يمكن أن يكون يغير علم أم لا؟ وهل يحصل الإيمان بدون العلم به أم لا؟ وإذا حصل الإيمان بدون العلم فهل بعد ذلك طلب العلم به أم لا؟\nوتنازعوا في العلم به: هل يحصل ضرورة وموهبة أم لا يحصل إلا كسبًا؟ ونحو ذلك من المسائل التي ليس هذا موضعها.\nوكذلك العلم بصدق رسول الله ﷺ، أو غيره من المخبرين، له طرق متنوعة ليس هذا موضعها.\nفغير الرسول ﷺ إذا أخبر بشيء قد يعلم صدقه بوجوه متنوعة، فالرسول ﷺ أولى أن يعلم صدقه كذلك.\nوقد يفرق في التصديق بين شخص وشخص.\nفهذا وأمثاله مما يقوله من يتكلم في العلم.","vol":"7","page":348},{"text":"فهؤلاء قد يقولون: العلم بوجود الرب هو فطري ضروري، لا يتوقف على النظر والعلم بصدق الرسول ﷺ، مع ما يقترن برسالته من آيات الصدق التي تحصل أيضًا بالضرورة.\nوإذ حصل العلم بالصانع تعالى وبالرسول بعلوم ضرورية، أمكن بعد هذا أن يعلم تفصيل المعرفة بالله وصفاته وغير ذلك بطريق السماع من الرسول.\nومما يبين هذا أن الذين خاطبهم الرسول ﷺ كان عامتهم مقرين بالصانع، وكانت آيات رسالته وأعلام نبوته أظهر عند طالب الحق من أن تخفى على عاقل.\nوأيضًا فقد يقال: إن من الناس من يحصل له العلم بحال الرسول ﷺ، وأنه عالم صادق فيما يذكره من العلوم الإلهية والمعارف الدينية، ثم يعرف من الرسول ﷺ هذه العلموم كما قد يسلكه أبو حامد، وهذا الرجل، وغير واحد في العلم بالنبوة - فيقولون نعلم أن هذا نبي، كما نعلم أن هذا الطبيب، وأن هذا شاهد عدل، وأن هذا أمين، وسائر الصناعات،","vol":"7","page":349},{"text":"فإنه إذا علم وجود النوع كان العلم بأن هذا الشخص من أهل هذا النوع له طرق متنوعة.\nفهذا طريق تعرف به نبوة النبي قبل العلم بتفصيل العلوم الإلهية والدينية.\nوبالجملة فالعلم بنبوة النبي لها طرق كثيرة قد ذكرت في غير هذا الموضع.\nفالذين يسلكون في معرفة الله تعالى طريق السماع والخبر المجرد يعرفون صدق النبي أولًا، ثم يعلمون بخبره ما أخبر به.\nولعلم بصدق النبي ليس موقوفًا على إثبات المقدمات التي يذكرها كثير من أهل الكلام، كالمعتزلة ومن تبعهم، لما سلكوا في ذلك طريق إثبات حدوث الأجسام، بما ادعوه من التركيب، وبما اتصفت به من الاختصاص، وبما قام بها من الأعراض والحوادث، وظنوا أنه لا طريق إلى العلم بصدق الرسول إلا هذه - أخذوا يشنعون على من لم يسلك هذه الطرق، أو قال ما يناقض مقدماتها.\nوقد عرف بطلان طريقهم شرعًا وعقلًا، ولهم ولنحوهم من أهل الكلام الباطل تشنيعات على أهل الجماعة.","vol":"7","page":350},{"text":"وقد تقدم من كلام أبي سليمان الخطابي وغيره في الغنية عن الكلام وأهله وبيان طريق المعرفة بهذا الموضع.\nومثل هذا موجود في كلام عامة أئمة المسملين، فإنهم يذمون الطريق التي أحدثها أهل الكلام، كالمعتزلة ونحوهم.\nولكن هؤلاء الذين ابتدعوها يذمون من لم يسلكها من عوام المسلمين وعلمائهم، ويسمونهم حشوية.\nفإن لفظ الحشوية أول ما عرف الذم به من كلام المتعتزلة ونحوهم، رووا عن عمر بن عبيد أنه قال: عبد الله بن عمر حشويًا وهم يسمون العامة الحشو، كما تسميهم الرافضة والفلاسفة الجمهور، ويسمون مذهب الجماعة مذهب الحشو.\nفما كان السلف والأئمة يردونهم إلى الشرع، وظنوا هم أن الشرع لا يدل إلا بمجرد خبر رسول الله ﷺ، قالوا بطريق الإلزام، فيلزم أن يكون وجود الصانع تعالى يكفي فيه مجرد خبر الرسول بوجوده، وكان هذا من تقصيرهم في معرفة الشرع، فإن الشرع يتضمن بيان الدلائل العقلية التي يحتاج إليها وينتفع لها في هذا الباب.\nوقد اعترف بذلك أئمة طوائف الكلام والفلسفة الذين يقولون: لا تعرف إلا بالعقل، بل الذين يقولون بأن وجوب المعرفة والنظر ثابت في العقل، كما سنذكر إن شاء الله تعالى بعض كلامهم في ذلك.\nفإن","vol":"7","page":351},{"text":"الكتاب - والرسول - وإن كان يخبر أحيانًا بخبر مجرد، كما يأمر أحيانًا بأمر مجرد، فهو يذكر مع إخباره عن الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، من الدلالة والبيان والهدى والإرشاد، ما يبين الطرق التي يعلم لها ثبوت ذلك، وما يهدي القلوب ويدل العقول على معرفة ذلك، ويذكر من الآيات والأمثال المضروبة، التي هي مقاييس عقلية وبراهين يقينية، ما لا يمكن أن يذكر أحد من أهل الكلام والفلسفة ما يقاربه، فضلًا عن ذكر ما يماثله أو يفضل عليه.\nومن تدبر ذلك رأى أنه لم يذكر أحد - طريقًا عقليًا يعرف به وجود الصانع، أو شيء من أحواله - من أهل الكلام والفلاسفة إلا وقد جاء القرآن بما هو خير منه وأكمل وأنفع وأقوى وأقطع، بتقدير صحة ما يذكره هؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>تنازع الناس في أصل المعرفة بالله وكيف تحصل</span>\nمما يبين أصل الكلام في هذا المقام أنه قد تنازع الناس في أصل المعرفة بالله: هل تحصل ضرورة في قلب العبد؟ أو لا تحصل إلا بالنظر؟ أو تحصل بهذا تارة وهذا تارة؟..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>القائلون بأنها لا تحصل بالنظر</span>\nفذهب كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية، ومن وافقهم من الطوائف، من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة","vol":"7","page":352},{"text":"وغيرهم، إلى أنها لا تحصل إلا بالنظر، وهؤلاء يقولون في أول واجب على العبد: هل هو النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله أو المعرفة؟ وقد تنازعوا في ذلك على قولين ذكرهما هؤلاء الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم.\nوالنزاع لفظي، فإن النظر واجب وجوب الوسيلة، من باب ما لا يتم الوجب إلا به، والمعرفة واجبة وجوب المقاصد.\nفإول واجب وجوب الوسائل هو النظر، وأول واجب وجوب المقاصد هو المعرفة.\nومن هؤلاء من يقول: أول واجب هو القصد إلى النظر.\nوهو أيضًا نزاع لفظي فإن العمل الاختياري مطلقًا مشروط بالإرادة، وحكى عن أبي هاشم أنه قال: أول الواجبات الشك.\nوقال كثير من أهل الكلام والصوفية والشيعة وغيرهم: إن المعرفة يبتديها الله اختراعًا في قلوب العقلاء البالغين من غير سبب يتقدم، وغير نظر وبحث، وأنها تقع ضرورة.\nويذكر ذلك عن صالح قبة وفضل الرقاشي وغيرهما","vol":"7","page":353},{"text":"وعن الجاحظ أنه قال: معرفة الله ضرورية، وأنها تقع في طباع نامية عقب النظر والاستدلال، وأن العبد غير مأمون بها.\nويذكر نحو ذلم عن ثمامة بن أشر.\nوذكروا عن الجهم أنه قال: معرفة الله واقعة باختيار الله لا باختيار العبد، لأن العبد لا يفعل شيئًا.\nوقال جمهور طوائف المسلمين: يمكن أن تقع ضرورة، ويمكن أن تقع بالنظر.\nبل قال كثير من هؤلاء: إنها تقع بهذا تارة وبهذا تارة، فالذين جوزوا وقوعها ضرورة هم عامة أهل السنة وسائر المثبتين للقدر كالأشعري وغيره.\nوتنازع نظارهم: هل ذلك بطريق خرق العادة أو هو معتاد؟ على قولين.\nومن هؤلاء القائلين بأنها تحصل تارة بالضرورة وتارة بالنظر أبو حامد والرازي والآمدي وغيرهم.\nولهذا لما أوردوا عليهم في مسألة وجوب النظر: أن المعرفة قد","vol":"7","page":354},{"text":"تحصل بغير الحس والخبر والنظر بطريق تصفية النفس، وأنها طريق الصوفية، وأنهم جازمون بما هم عليه من العقائد في المعارف الإلهية بخلاف أصحاب النظر، فإنه قد لا يحصل لهم هذا الجزم.\nوإذا كان كذلك فالرياضة إن لم تتعين طريقًا إلى تحصيل معرفة الله، فلا أقل من أن تكون هي من جملة الطرق المفيدة لمعرفة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>كلام الرازي في نهاية العقول عن المعرفة الفطرية</span>\nفقال الرازي في كتابه الكبير نهاية العقول في الجواب: العقائد الحاصلة عند التصفية إما أن تكون ضرورية، وإما أن لا تكون.\nفإن كانت ضرورية فلا كلام لنا فيها، فإنا قد نسلم أن النظريات يمكن أن تصير ضرورية، وإن لم تكن ضرورية فلا يخلو إما أن تكون تلك العقائد بحال يلزم من زوالها زوال شيء من العلوم الضرورية، أو يلزم، فإن لزم فتلك العلوم إنما حصلت مرتبة على تلك العلوم الضرورية، ولا معنى للعلم النظري إلا ذلك، وإن لم يلزم فتلك العقائد ليست إلا عقائد تقليدية، فلا عبرة حينئذ بذلك، فإن أمثال تلك العقائد قد توجد لأصحاب الرياضة من المبطلين من اليهود والنصارى والدهرية) .","vol":"7","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>كلام الآمدي في الأبكار</span>\nوكذلك قال أبو الحسن الآمدي في كتابه الكبير المسمى أبكار الأفكار في مسألة وجوب النظر لما ذكر حجة من ذكر من جهة المنازع: (إنا لا نسلم أنه لا طريق إلى معرفة الله إلا النظر والاستدلال، بل أمكن حصولها بطريق آخر، إما بأن يخلق الله تعالى العلم للمكلف بذلك من غير واسطة، وإما بأن يخبره به من لا يشك في صدقه، كالمؤيد بالمعجزات الصادقة، وإما بطريق السلوك والرياضة وتصفية النفس وتكميل جوهرها، حتى تصير متصلة بالعوالم العلوية، مطلعة على ما ظهر وبطن، من غير احتياج إلى تعليم وتعلم) .\nوقال في الجواب: (قولهم: لا نسلم توقف المعرفة على النظر.\nقلنا نحن إنما نقول بوجوب النظر في حق من لم يحصل له العلم بالله","vol":"7","page":356},{"text":"بغير النظر، وإلا فمن حصلت له المعرفة بالله بغير النظر في حقه غير واجب) .\nوكذلك ذكر هذا غير واحد من أئمة الكلام من أصحاب الأشعري وغيرهم، ذكروا أن المعرفة بالله تعالى قد تحصل ضرورة، وأنهم مع قولهم بوجوب النظر فإنهم يقولون: بإيمان العامة: إما لحصول المعرفة لهم ضرورة، وإما لكونهم حصل لهم من النظر ما يقتضي المعرفة، وإما لصحة الإيمان بدون المعرفة، ونقلوا صحة إيمان العامة عن جميعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>كلام أبي الحسن الطبري الكيّا</span>\n\nكلام أبي الحسن الطبري الكيا\nوممن ذكر ذلك أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا في كتابه في الكلام، أو بعض نظرائه من أصحاب الأستاذ أبي المعالي، قال: (فإن قيل: إذا قلتم: إن النظر واجب والمعرفة واجبة، فما قولكم في العوام وسائر الناس الذين لا ينظرون ولا يعرفون؟ أهم مؤمنون أم كافرون؟ قلنا: اختلف في هذا علماء الأصول.\nأما أبو هاشم رأس القدرية فإنه ركب الأبلق العقوق في هذا، وقال: من لا يعرف الله فهو كافر غير مؤمن، وقال: المعرفة واجبة فإذا لم تحصل فضدها النكرة، والنكرة كفر، وقرره بأن هؤلاء العامة يقولون: إنهم","vol":"7","page":357},{"text":"مخيرون في المذاهب أم غير مخيرين؟ فإن قلتم: إنهم مخيرون بين الرفض والاعتزال والقدر، والتجسيم والتشبيه، وغير ذلك من المذاهب فهذا خطأ وعناد.\nوإن قلتم: لا يخيرون بل يتبعون بعض المذاهب، فلا يمكن اختيار بعض المذاهب إلا بدليل، وذلك هو العلم والنظر) .\nقال: (وأما علمائنا فكلهم مجمعون على أن العامة مؤمنون، وأنهم حشو الجنة، إلا أنهم اختلفوا في ذلك، فقال قائلون: إنهم عالمون بالله تعالى، عارفون بالأدلة، إلا أن عبارتهم غير مفصحة بالألفاظ المصطلح عليها، وإلا فالأدلة في طي عقولهم ونشر نفوسهم، وإذا رأى أحدهم خضرة تفوه يقول: سبحان الله وما هذا نظر منه.\nوقالوا: لا معنى للعلم إلا اعتقاد المعلوم على ما هو عليه، وهذا موجود في حق العامة.\nثم أنهم قالوا في العلوم النظرية: ما قولكم فيها؟ أتجيزون وجودها ضرورة أم لا تجوزوا ذلك فقد أبعدتم، وإن جوزتم ذلك فألا قلتم مثله ههنا؟ ويكون التكليف الوارد في حقهم","vol":"7","page":358},{"text":"قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتكون المعارف ضرورية) .\nقال: (وقال قائلون من علمائنا: هم مؤمنون غير عالمين لأن العلم حقيقة، فإن وجدت حكمنا بإنهم عالمون، وإلا فلا.\nوالعلم معرفة المعلوم على ما هو به، على وجه لا يمكن الانحلال عنه ولا الانفكاك منه، وإذا طرأت علية شبهة لا يرتاع لها ولا يتشكك.\nوهذا العلم بناؤه على طريق يفيد العلم، ولا يوجد هذا في حق العامة فإنهم وإن اعتقدوا المعلوم على ما هو به، إلا أنهم يعرضه التشكك إذا ذكرت لهم شبهة، أذ لا يقدرون على دفعها بطريق يستند العلم إليه، لأنهم يدفعون الشبه باتباع الآباء والتعصب الذي نشأوا عليه، وهذا لا يحصل به العلم، وإذا قال: إن العم حصل بغير اتباع الآباء والتقليد، فهذا عالم حقيقة، كسادات الصوفية، فإن المعارف في حقهم ضرورة) .\nقال: (وأما قوله بأن العامة ينظرون.\nقلنا: لعمري ذاك كله مبادىء النظر، وما وصلوا إلى غاية النظر، وهو وقوف منهم على أحد شطري الشيء، لأنهم يقولون: العالم حادث، ويجوز أن يكون","vol":"7","page":359},{"text":"حادثًا، ويجوز أن يكون قديمًا مثلًا، فيعتقد حدوثه لا ينظر إلى الجانب الآخر.\nوالعالم يستعرض المسالك، ويشرحها بالمدارك، وينهي النظر إلى الغاية القصوى) .\nقال: (فإن قيل: كيف يكونون مؤمنين وليسوا بعارفين؟ قلنا: لأن الله تعالى أوجب عليهم هذا القدر، ولم يوجب عليهم العلم.\nوهذا معلوم بضرورة العقل، مستندًا إلى السمع، فإن الرسول ﷺ كان يكتفي من الأعراب بالتصديق، مع علمنا بقصور علمهم عن معرفة النظر والأدلة، بل يجب عليهم نفي الشك عنهم، فإذا كانوا قد نفوا الشك واللبس عنهم، وعقائدهم مستقرة، فهم مؤمنون.\nولا نقول: يجب العلم، بل لو زال الشك عنهم بخبر التواتر ظاهرًا، أو قول بعض المشايخ، أو منام هائل في حق الخصوم، ثم سكنت قلوبهم إلى اعتقادهم، صح ذلك.\nفإن لم يزل عنهم الشك إلا بالعلم، فعند ذلك لا بد منه) .\nقال: (وفي القرآن حجاج، وإن لم يكن فيه الغلبة والفلج، غير أن العامي يكتفي له، كقوله تعالى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾، وليس من أنكر الحشر ينكره لأجل العياء.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾، ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾، وليس هذا يدل على نفي الولد قطعًا، فمبادىء النظر كافية لهم.\nفإن قيل: فإذا لم يجب هذا النظر على كافة الناس، فهل يجب على الآحاد؟ قلنا: أجل، يجب في كل عصر أن يقول به آحاد الناس، وهو فرض من فروض الكفايات، كالجهاد وتعلم القرآن","vol":"7","page":360},{"text":"وغير ذلك من فروض الكفايات.\nفأما عامة الناس فلا يتعين عليهم العلم، بل الاعتقاد الصحيح يكفيهم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: المقصود أن الطائفة الأولى الذين قالوا: إن العامة عليهم العلم، قالوا: إنه قد يحصل لهم ضرورة، وقد يحصل بالنظر.\nوالطائفة الثانية الذين اكتفوا بالاعتقاد، اعترفوا بأن من الناس من يحصل له المعرفة ضرورة، كسادات الصوفيه.\nوأما ذكره من أن الحجاج الذي في القرآن يكتفي به العامي، وإن لم يكن فيه الغلبة والفلج، فهذا الكلام يقوله مثل هذا الرجل وأمثاله من أهل الكلام الجاهلين بحقائق ما جاء به التنزيل، وما بعث به الرسول، حتى قد يقول بعضهم: إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن، وهؤلاء جهلهم بمعاني الأدلة البرهانية التي دل عليها القرآن، كجهلهم بحقائق ما أخبر به القرآن، بل جهلهم بحقائق ما دل عليه الشرع من الدلائل العقلية والمطالب الخبرية، أعظم من جهلهم بما سلكوه من الطرق البدعية التي سموها عقلية.\nوقد رأيت في كلام هذا الرجل وأمثاله من ذلك عجائب يخالفون بها صريح المعقول، مع مخالفتهم لصحيح المنقول، ونقص علمهم وإيمانهم بما جاء به الرسول ﷺ، والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع.","vol":"7","page":361},{"text":"وقد بينا في غير هذا الموضع أن الطرق التي جاء بها القرآن هي الطرق البرهانية التي تحصل العلم في المطالب الإلهية، مثال ذلك أنه يستدل بقياس الأولى البرهاني، لا يستدل بقياس التمثيل والتعديل، وذلك أن الله تعالى ليس مماثلًا لشيء من الموجودات، فلا يمكن أن يستعمل في حقه قياس شمول منطقي تستوي أفراده في الحكم، كما لا يستعمل في حقه قياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، فإنه سبحانه لا مثل له، وإنما يستعمل في حقه من هذا وهذا قياس الأولى، مثل أن يقال: كل نقص ينزه عنه مخلوق من المخلوقات، فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عنه، وكل كمال مطلق ثبت لموجود من الموجودات، فالخالق تعالى أولى بثبوت الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، لأنه سبحانه واجب الوجود، فوجوده أكمل من الوجود الممكن من كل وجه، ولأنه مبدع الممكنات وخالقها، فكل كمال لها فهو منه وهو معطيه، والذي خلق الكمال وأبدعه وأعطاه أحق بأن يكون له الكمال، كما يقولون: كل كمال في المعلول فهو من العلة.\nوكان المشركون يقولون: إن الملائكة بنات الله، كما حكى الله ذلك عنهم بقوله: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا﴾، وهم مع هذا يجعلون البنات نقصًا وعيبًا، ويرون الذكر كمالًا، فقال لهم: كيف تصفون ربكم بأنقص الوصفين، وأنتم مع هذا لا ترضون هذا لأنفسكم؟ فهذا احتجاج عليه بطريق","vol":"7","page":362},{"text":"الأولى في بطلان قولهم: إن له البنات ولهم البنين، لم يحتج بذلك على نفي الولد مطلقًا كما يقول من يفتري على القرآن.\nقال تعالى: ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون﴾، ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون * وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون * للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون﴾ .\nفبين ﷾ أنهم يفضلون أنفسهم على ربهم، ويجعلون له ما يكرهون، ويقولون بوصفهم الكذب أن لهم الحسنى، وأنهم يجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن ما جعلوا لله نظيره إذا بشر به أحدهم ظل وجه مسودًا يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون.\nفبين سبحانه أن هذا الحكم حكم سىء.\nكما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى﴾، أي قسمة جائرة.\nوقال في","vol":"7","page":363},{"text":"الآية الأخرى: ﴿وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين * أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين * وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم * أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين * وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون﴾، فقال تعالى مقيمًا للحجة مخاطبًا باستفهام الإنكار المبين لبطلان ما أنكره وامتناعه، وأن ذلك مستقر في الفطر: ﴿أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين﴾، فإنه لوقدر على سبيل الفرض أن يتخذ ولدًا، أكان يتخذ مما يخلق بنات ويصفيكم بالبنين؟! أي يجعل البنين صافين لكم لا يشرككم في اتخاذ البنين، بل تكونون أنتم مخصوصون بخير الصنفين، وهو سبحانه مخصوص بالصنف المنقوص؟!\nثم ذكر عنهم ما يبين فرط نقص البنات عندهم فقال: ﴿وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا﴾، وهن الإناث، كما ذكر ذلك في سورة النحل، أي بالذي جعله مثلًا للرحمن وهن البنات اللاتي جعل للرحمن مثلهن فضربه للرحمن مثلًا أي جعله له مثلًا حيث مثل به الملائكة الذين جعلهم بنات الله، فجعلهن يماثلن البنات اللاتي جعل الرحمن مثلهن، فضرب للرحمن - أي","vol":"7","page":364},{"text":"جعل له - مثلًا، يماثل البنات اللاتي إذا بشر أحدهم بها ظل وجهه مسودًا وهو كظيم.\nثم بين نقص النساء فقال: ﴿أو من ينشأ في الحلية﴾، وهن النساء تربين في الحلية: ﴿وهو في الخصام غير مبين﴾، وهي المرأة لا تكاد تتكلم بحجة لها إلا كانت عليها، فبين أنهم من نقصهن يكملن بالحلية التي تزينهن في أعين الرجال، وهي لا تبين في الخصام.\nوعدم البيان صفة نقص، فإن الله ميز الإنسان بالنطق والبيان، الذي فضله به على سائر الحيوان، كما قال تعالى ﴿الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان﴾، وقال: ﴿اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ .\nوأهل المنطق يقولون: الإنسان هو الحيوان الناطق، ولما كان هذا أظهر صفاته قال تعالى: ﴿فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾، وقد قال تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾، وهذه هي الأصنام الكبرى التي كانت بمدائن الحجاز، فإنه كانت","vol":"7","page":365},{"text":"اللات لأهل المدينة، والعزى لأهل مكة، ومناة الثالثة الأخرى لأهل الطائف.\nوهذه كلها مؤنثة، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا﴾ .\nوهذه جعلوها شركاء له تعبد من دونه، وسموها بأسمائه مع التأنيث، كما قيل: إن اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من مني يمنى إذا قدر، وكانوا يسمونها الربة، وهم سموها بهذه الأسماء التي فيها وصفها لها بالإلهية والعزة والتقدير والربوبية، وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، أي من كتاب وحجة، فإن الله تعالى لم يأمر أحدًا بإن يعبد أحدًا غيره، ولم يجعل لغيره شركاء في إلهيته.\nكما قال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ .","vol":"7","page":366},{"text":"وهو سبحانه دائما ينزه نفسه في كتابه العزيز عن الشريك والولد، كما ذكره في سورة النحل، حيث قال: ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم﴾ الآية، وما بعدها.\nوقال: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾ .\nوقال تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا * الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك﴾ .\nوقال تعالى: ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد﴾ .\nوقال تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون﴾ .\nوقالت الجن: ﴿وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا﴾ .\nوإذا أراد أن يحتج سبحانه على نفي الولد مطلقًا لم يذكر هذه الحجة التي لن يفهم وجهها من لم يعرف ما في القرآن من الحجاج، وظن هو","vol":"7","page":367},{"text":"وأمثاله من أهل الضلال أن حجاجهم أكمل من حجاج القرآن، وأنهم حققوا أصول الدين أعظم من تحقيق الصحابة والتابعين.\nبل يذكر سبحانه الحجة المناسبة للمطلوب كقوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون * بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ .\nوقال تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون * بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم﴾ .\nوالكلام على هذه الآيات وما فيها من الأسرار مذكور في غير هذا الموضع، وقد بين هناك أن هؤلاء الآيات تضمنت إبطال قول المبطلين من المشركين والصابئين وأهل الكتاب، وتضمنت إبطال ما كان يقوله مشركو العرب، وما يقوله النصارى، وما يقوله مشركو الصابئة وفلاسفتهم، الذين يقولون بتولد العقول، أو العقول والنفوس عنه.\nومن أراد الجمع بين كلامهم وبين النبوات سماها ملائكة، ويقول: العقل كالذكر، والنفس كالأنثى.\nفهؤلاء خرقوا له بنين وبنات بغير علم.","vol":"7","page":368},{"text":"ثم بين سبحانه أنه مبدع للسماوات والأرض، والإبداع خلق الشيء على غير مثال، بخلاف التولد الذي يقتضي تناسب الأصل والفرع وتجانسهما.\nوالإبداع خلق الشيء بمشيئة الخالق وقدرته، مع استقلال الخالق له وعدم شريك له، والتولد لا يكون إلا بجزء من المولد بدون مشيئته وقدرته، ولا يكون إلا بانضمام أصل آخر إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>تعليق ابن تيمية</span>\nوقال تعالى: ﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم﴾، فبين بطلان كون الولد له من غير صاحبة لقوله: ﴿ولم تكن له صاحبة﴾، فإن التولد لا يكون إلا من أصلين، وليس في الموجودات ما يكون وحده مولدًا لشيء، بل قد خلق الله تعالى من كل شيء زوجين، وهو سبحانه الفرد الذي لا زوج له.\nوقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين فساد قول المتفلسفة الذين يقولون: لا يصدر عن الواحد إلا واحد، حتى قالوا: إن الواجب لم يصدر عنه أولًا إلا العقل، ثم بتوسط العقل صدر عقل ونفس وفلك.","vol":"7","page":369},{"text":"وهذا الكلام، وإن كان فساده معلومًا من وجوه كثيرة، كما قد بسط في موضعه، فالمقصود هنا أنه ليس في الموجودات الواحد البسيط الذي يصفونه، وهو المجرد عن جميع صفات الإثبات الذي لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات، بل هذا الواحد لا حقيقة له.\nوأيضًا فإنه لا يعرف في الوجود واحد صدر عنه بمجرده شيء، وما يمثلون به من أن النار لا يصدر عنها إلا الإحراق والتسخين، والماء لا يصدر عنه إلا التبريد، والشمس يصدر عنها الشعاع، ونحو ذلك كلها حجج عليهم، فإن هذه الآثار لم تصدر عن مجرد هذه الأجسام وطبائعها، بل لا تكون السخونة والإحراق إلا عن شيئين: أحدهما: النار أو الشعاع أو الحركة، فإن هذه الثلاثة من أسباب السخونة.\nوالثاني: محل قابل لذلك، كبدن الحيوان والنبات، ونحو ذلك، وإلا فالسمندل والياقوت وغيرهما لما لم تكن فيه قوة القبول لم تحرقه النار.\nوكذلك الشعاع لا بد له من محل يقبل الانعكاس عليه، وإلا فإذا لم يكن هناك جسم قابل له لم يحدث الشعاع.\nوهؤلاء الملاحدة يقولون: إن الأول الواجب الوجود، الذي","vol":"7","page":370},{"text":"يسمونه العلة، هو ذات بسيطة، ليس له نعت من النعوت، وأنه صدر عنه عقل هو واحد بسيط أيضًا لأنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد ثم صدر عنه عقل ونفس وفلك، وليس هذا نظير ما يمثلون به من الآحاد، فإن آثارها كانت بمشاركة من القوابل الموجودة، وهنا كل ما سوى الأول فهو معلول له، ليس هناك موجود غيره ليشترك هو وذلك الموجود في ذلك، كاشتراك الشمس والمطارح القابلة، واشتراك النار والموارد القابلة.\nفقوله تعالى: ﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾، بيان أن التولد لا يكون إلا بين اثنين وهو سبحانه لا صاحب له فكيف يكون له ولد.\nوهذا القدر لما كان مستقر في فطر الناس كان عامة ما يسمونه تولدًا ونتاجًا إنما يكون عن أصلين، فالأمور التي تسمى متولدات - كالشبع والري ونحو ذلك - إنما حدثت عن أصلين: فعل العبد، والأسباب الأخر المعاونة له.\nوكذلك النظار يقولون: النتيجة لا تكون إلا عن مقدمتين ويشبهون حصول النتيجة عن المقدمتين بحصول النتاج عن الأصلين من","vol":"7","page":371},{"text":"الحيوان، لأن هذين أصلان في التوليد، وهذين أصلان في التولد.\nثم قال تعالى: ﴿وخلق كل شيء﴾، وذلك بيان لأنه إذا كان خالقًا لجميع الأشياء، فكيف يكون فيها ما هو متولد عنه؟ والجمع بين الخلق والتوليد ممتنع، كما يمتنع الجمع بين التولد والتعبد.\nكما قال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا﴾ .\nوقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾، حتى أنه استدل بهذا طائفة من الفقهاء على أن ولد الإنسان يعتق عليه إذا ملكه، فلا يكون عبده من هذه الآية، لأنه سبحانه بين تنافي التوليد والتعبيد.","vol":"7","page":372},{"text":"وهذا الحكم معلوم بأدلة أخرى، كما في الصحيح «أن النبي ﷺ مر بامرأة مجح على باب فسطاط، فقال: لعل صاحبها يلم بها؟ قالوا: أجل قال: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستعبده وهو لا يحل له؟»\nفبين ﷺ أنه إذا وطىء تلك الحبلى وسقى ماءه زرع غيره، فإنه بتلك الزيادة التي تحصل منه في الجنين، يصير شريكًا له في التولد، وحينئذ فلا يحل له أن يستعبده، ولا أن يجعله موروثًا عنه، كما يورث ماله، فإذا كان هذا بمشاركته في التولد مع أن الولد قد انعقد من ماء غيره، فكيف بالولد الذي انعقد منه؟\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ كما، قال في الآية الأخرى: ﴿لقد أحصاهم وعدهم عدا﴾، فإن إحاطة العلم والعد بهم فيه بيان أنه لا يكون منهم إلا ما يعلمه، لا ينفردون عنه بشيء، كما ينفرد الولد عن والده، والشريك عن شريكه.","vol":"7","page":373},{"text":"وقوله في الآية الأخرى: ﴿بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾، بيان لكونه سبحانه يخلق الأشياء بكلمته، وأنها منقادة له، فإذا قال له: كن، كانت.\nوهذا مناف للتوليد، بل خلق المسيح ﵇ بكلمة (كن) .\nوقد علم في الشاهد أن من يدبر الأشياء بمجرد كلمته ليس كالذي يحتاج إلى أن تولد منه الأشياء، فكيف يوصف بالتولد وهو سبحانه في جميع ما يقضيه إنما يقول له: كن فيكون؟\nوأما ما ذكره من قوله تعالى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾، وقول ذلك القائل: من أنكر الخلق فلم ينكره لأجل كونه عيي بالخلق الأول.\nفيقال له: مثل هذا الكلام إذا قاله ملحد طاعن في القرآن، كان فيه الدلالة على جهله وضلاله ما لا يقدر على وصفه الإنسان.\nوذلك أن الله تعالى في كتابه ذكر من دلائل المعاد وبراهينه ما لا يقدر أحد على أن يأتي بقريب منه، وذكر فيه من أصناف الحجج ما ينتفع به عامة الخلق.","vol":"7","page":374},{"text":"فإنه سبحانه دل على إمكان إحياء الموتى وقدرته على ذلك بطريق الوجود والعيان، وبطريق الاعتبار والبرهان، والأول أعظم الطريقين، فلا شيء أدل على إمكان الشيء من وجوده.\nفذكر في كتابه ما أحياه من الموتى في غير موضع.\nكما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾، فهذه في قصة موت بني إسرائيل الذين سألوه الرؤية.\nوقال في قصة البقرة: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون﴾ .\nوقال في الذين خرجوا من ديارهم: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس﴾، الآية - وهي قصة معروفة.\nوقال تعالى: ﴿أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم","vol":"7","page":375},{"text":"لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾، فقص هذه القصة التي فيها موت البشر مائة عام، وموت حماره، ومعه طعامه وشرابه، ثم إحياء هذا الميت وإحياء حماره وبقاء طعامه وشرابه لم يتغير ولم يفسد، وهو في دار الكون والفساد التي لا يبقى فيها في العادة طعام وشراب بدون التغير بعض هذه المدة، وهذا يبين قدرته على إحياء الآدميين والبهائم، وإبقاء الأطعمة والأشربة لأهل الجنة في دار الحيوان بأعظم الدلالات.\nوذكر بعد ذلك قول إبراهيم: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم﴾، فأمره بخلط الأطيار الأربعة مثلًا مضروبًا لاختلاط الأخلاط الأربعة، ثم أحيى الأطيار، وميز بين هذا وهذا، وجعلهن يأتين سعيًا إجابة","vol":"7","page":376},{"text":"لدعوة الداعي، فكان في ذلك من الدليل ما لا يخفى على ذي تحصيل.\nفهذه خمس قصص في إحياء الآدميين، وقصة في إحياء البهائم، وقصة في إبقاء الطعام والشراب، وقصة في إحياء الطير.\nوذلك في غير هذا موضع إحياء المسيح ﷺ للموتى، وذكر قصة أصحاب الكهف وبقاءهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين نيامًا لا يأكلون ولا يشربون وهم أحياء لم يفسدوا.\nوقال في القصة: ﴿وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها﴾ .\nفهذه القصص فيها من الإخبار بالموجود ما هو من أعظم الدلائل على القدرة والإمكان لإحياء الله الموتى.\nوصدق هذه الأخبار يعلم بما به يعلم صدق الرسول، ويعلم بأخبار أخرى من غير طريق الرسول، وإخبارهم بها من أعلام نبوته، كما قد بسط في موضع آخر.","vol":"7","page":377},{"text":"وأما الصنف الثاني، وهو طريق إثبات الإمكان والقدرة بالاعتبار والقياس بطريق الأولى، فإنه سبحانه يستدل على ذلك تارةً بخلق النبات، ويبين أن قدرته على إحياء الموتى كقدرته على إنبات النبات.\nوتارةً يستدل على ذلك بخلق الحيوان نفسه، وأن قدرته على الإعادة كقدرته على الابتداء وأولى.\nوتارةً يبين ذلك بقدرته على خلق السماوات والأرض، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج * ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير * وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ .\nوفي هذا الكلام العزيز من أنواع الاعتبار ما لا يحتمله هذا المكان.\nوقال تعالى: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون﴾ .","vol":"7","page":378},{"text":"فبين أن إخراج النبات بالماء مما يتذكر به إخراج الموتى من قبورهم.\nوقال تعالى: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد * والنخل باسقات لها طلع نضيد * رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج﴾ .\nوقال تعالى: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور﴾\nوقال تعالى: ﴿أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون﴾ .\nوقال تعالى: ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم﴾ .\nوقال تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير﴾ .\nوقال تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ .","vol":"7","page":379},{"text":"وقد بين سبحانه من حجج منكري المعاد، والجواب عنها وتقريره ما يطول هذا الموضع باستقصائه، كما في قوله: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون﴾ .\nإلى آخر الآيات، وهذا باب واسع ليس هذا موضع بسطه.\nفأما الآية التي ذكرها القائل التقدم، وهي قوله: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾ .\nفإن العرب تقول: عي وعيي بأمره إذا لم يهتد لوجهه، ويقول الرجل: عييت بأمري إذا لم يهتد لوجهه، وأعياني هو.\nوقال الشاعر:\nعيوا بأمرهم كما ... عييت ببيضتها الحمامة\nفالعيي بالأمر يكون عاجزًا عنه مثل أن لا يدري ما يفعل فيه.\nفقال سبحانه باستفهام الإنكار المتضمن نفي ما استفهم عنه، وأن ذلك معلوم عند المخاطب: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾، فلم نكن عالمين بما نصنع فيه، ولا قادرين عليه؟ أم خلقناه بعلمنا وقدرتنا، وأتنيا فيه من الإحكام والإتقان بما دل على كمال علمنا وحكمتنا وقدرتنا؟\nوهذا نظير قوله: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات","vol":"7","page":380},{"text":"والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير﴾ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>تعليق ابن تيمية</span>\nومن المستقر في بدائه العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الآدميين، فإذا كان فيها من الدلالة على علم خالقها وقدرته وحكمته ما بهر العقل، أفلا يكون ذلك دالًا على أنه قادر على إحياء الموتى لا يعي بذلك كما لم يعي بالأول بطريق الأولى والأخرى؟\nولعل هذا الجاهل لم يفهم هذه الآية، فظن أن قوله: ﴿ولم يعي بخلقهن﴾، وهو من الإعياء: الذي هو النصب اللغوب، وأن المعنى إذا كنا ما تعبنا في الخلق الأول، فكيف نتعب في الثاني؟ فإن كان هذا هو الذي فهمه من الآية، كما يفهم ذلك جهال العامة الذين لا يعرفون لغة العرب ولا تفسير القرآن، ولا يفرقون بين عيي وأعياء، فقد أوتي من جهة جهله بالعقل والسمع.\nوهؤلاء المبتدعين يجهلون حقائق ما جاء به الرسول، ويعرضون عنه، ثم يحكمون بموجب جهلهم أن ليس في ذلك من البراهين من","vol":"7","page":381},{"text":"جنس ما في كلامهم، ولو أوتوا العقل والفهم لما جاء به الرسول ﷺ، لتبينوا أنه الجامع لكل خير.\nوأما فساد طرقهم المخالفة للنصوص، فهو بين لكل ذكي فاضل منهم ومن غيرهم.\nويكفيك أن عمدتهم في أصول الدين إما دليل الأعراض، وقد علم ما فيه من الأعتراض وإما دليل الوجوب المستلزم للواجب.\nوقد بينا في غير هذا الوضع أن تلك الطريقة لا تدل على وجود واجب، فإن ذلك إنما يدل إذا ثبت وجود الممكن الذي يستلزم الواجب.\nوالممكن عندهم هو متناول القديم والحادث، فجعلوا القديم الأزلي داخلًا في مسمى الممكن، وخالفوا بذلك سائر العقلاء من سلفهم وغيرهم، مع تناقضهم في ذلك.\nوبهذا التقدير لا يمكنهم أن يقيموا دليلًا على أن الممكن بهذا الاعتبار يحتاج إلى فاعل.\nوقد أوردوا على هذه الطريقة من الاعتراضات ما أوردوه، ولم يمكنهم أن يجيبوا عنه بجواب صحيح، كما قد بسط في موضعه.\nثم غايته إثبات وجود واجب لا يتميز عن المخلوقات، ولهذا صار كثير منهم إلى أن الوجود الواجب لا يتميز على المخلوقات.\nولهذا صار كثير منهم إلى أن الوجود الواجب هو وجود المخلوقات، فكثير","vol":"7","page":382},{"text":"من نظارهم يطعن في دليل إثبات واجب الوجود، وكثير من محققيهم وعارفيهم يقول: إن الوجود الواجب هو وجود المخلوقات.\nومآل القولين واحد، وهو قول فرعون الذي أنكر رب العالمين، فإن فرعون وغيره لم ينكروا وجود هذا العالم المشهود، فمن جعله هو الوجود الواجب، أو كان قوله لا يدل إلا على ذلك، كان منكرًا للصانع.\nثم إذا كان هذا الوجود الواجب، كان ما يلزمهم على ذلك من المحالات أضعاف ما فروا منه، كما بينا ذلك في غير هذا الموضع.\nفمن جعله وجود كل موجود، كان فيه الشهادة على نفس الوجود المحدث الكائن بعد أن لم يكن بأنه واجب، ومن جعله وجود الفلك كان فيه من افتقار واجب الوجود إلى غيره، ومن حدوث الحوادث بلا سبب فاعل، ومن غير ذلك ما يناقض أصولهم وأصول غيرهم المتفق على صحتها، ويوقعهم في شر مما منه فروا.\nوالمقصود هنا أنه سبحانه لما قال: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾، لم يرد الإعياء الذي هو التعب، وإيما أراد العي، كما تقول العرب: عيي بأمره إذا لم يهتد لوجهه.\nوحينئذ فيكون في الآية من الدلالة على علم الخالق وحكمته ما يبين أنه خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه.\nومن كان خالقًا لهذا العالم بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه، كان بأن يقدر على إحياء الموتى أولى وأحرى.","vol":"7","page":383},{"text":"والملاحدة المنكرون للعماد تعود شبههم كلها إلى ما ينفي علم الرب تعالى أو قدرته أو مشيئته أو حكمته.\nونفي العي يثبت هذه الصفات، فتنتفي أصول شبههم.\nفالفلاسفة الإلهيون الذين هم أشهر هذه الطوائف بالحكمة والنظر والعلم - رهط الفارابي وابن سينا وأمثالهما - عمدتهم في إنكار المعاد هو اعتقادهم قدم العالم، وأن الفاعل علة تامة موجبة بالذات، لا يختلف فعلها، فلا يجوز أن يتغير العالم لأجل ذلك.\nوهؤلاء في كلامهم من نفي قدرته وعلمه ومشيئته ما هو مبسوط في غير هذا الموضع.\nومن أيسر ذلك أنهم في الحقيقة ينكرون أن يكون خالقًا للمحدثات.\nوإذا كان قد عرف بضرورة العقل أن المحدثات، وما فيها من التخصيص والإتقان والحكمة، دل على الخالق العليم القدير الحكيم، علم فساد قول هؤلاء، فإن قولهم يستلزم أن تكون المحدثات كلها حدثت بلا محدث، لأن العلة القديمة التامة التي جعلوها الأول لا يتأخر عنها شيء من معلولاتها، فلا يكون شيء من الحوادث معلولًا لها، فلا يكون مفعولًا لها، ولا يجوز أن تكون الحوادث معلولة لعلة أخرى تامة موجبة بذاتها، لأن القول في تلك","vol":"7","page":384},{"text":"العلة كالقول في هذه، ولا يجوز أن يكون صدرت عن ممكن لا علة له، لأن الممكن لا يكون موجودًا بنفسه، بل لا بد له من موجد - سمي علة أو لم يسم - ولا يجوز أن يكون صدرت عن ممكن بنفسه، لأن كون ذلك الممكن محدثًا لها أمر ممكن محدث.\nفلا بد له من محدث، فإذا استحال على أصولهم صدور الحوادث عن العلة التامة الواجبة بواسطة أو غير واسطة، فقد تعذر صدورها عن ممكن لا موجب له، وعن موجب لا يستند فعله إلى الواجب بنفسه، لزم على قولهم أن لا يكون لها فاعل.\nووجه الحصر أن يقال: محدث الحوادث: إما أن يكون هو الواجب بنفسه، بوسط أو بغير وسط، أو غير الواجب بنفسه.\nوما ليس بواجب بنفسه فهو الممكن.\nوالممكن إما أن يكون له موجد، وإما أن لا يكون.\nوالثاني ممتنع.\nوالأول نفس إحداثه للمحدثات أمر حادث ممكن، فلا بد له من موجد.\nفتبين أن المحدثات لا بد لها من محدث، يكون واجبًا بنفيه، ولا يكون علة تامة مستلزمة لمعلولها، وهذا يبطل أصل قولهم.\nوهذا قول حذاقهم - كابن سينا وأمثاله - الذين يقولون: إنه صدر عن موجب بالذات.\nويحكى هذا القول عن برقلس.\nوأما أرسطو وأتباعه فعندهم الأول لا يوجب شيئًا ولا يفعل شيئًا، بل","vol":"7","page":385},{"text":"الفلك يتحرك للتشبه به - وهذا أفسد من ذاك من طرق متعددة وليس هذا موضع بسط ذلك.\nوإنما المقصود هنا التنبيه على أن قوله تعالى: ﴿ولم يعي بخلقهن﴾، فيه تنبيه على ثبوت الأمور التي توجب وصف خالق السماوات والأرض بصفات الكمال وبإحداث الأفعال، وذلك هو الذي يستلزم قدرته على إحياء الموتى، وبسط ذلك يطول.\nومما يبين خذلان الله لأهل البدع، والمخالفين للكتاب والسنة، أن هذين الأصلين: أمر الولادة، وأمر المعاد، هما من أعظم أصول أهل الضلال كالدهرية من الفلاسفة وغيرهم، الذين يقولون: إن العقول تولدت عن الله، وينكرون إحياء الله الموتى.\nوفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك.\nفأما شتمه إياي فقوله: إني اتخذت ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد.\nوأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته» .\nوهذا في الصحيح من غير وجه عن النبي ﷺ، من حديث أبي هريرة، وابن عباس.","vol":"7","page":386},{"text":"وهؤلاء الملاحدة شتموه بما ذكروه من تولد الموجودات عنه، وكذبوه بقولهم: لن يعيدنا كما بدأنا، وضاهوا في ذلك أشباههم من ملاحدة العرب.\nقال تعالى: ﴿ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا * أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا﴾ إلى قوله: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾ .\nفذكر سبحانه في هذا الكلام الرد على من أنكر المعاد، وعلى من قال: إنه اتخذ ولدًا، كما جمع النبي ﷺ بينهما في الحديث.","vol":"7","page":387},{"text":"وهذا المبتدع ذكر في دلالة القرآن على هذا وعلى هذا ما تقدم التنبيه على فرط ضلال قائله عن حقائق ما أنزل الله على رسوله.\nولهذا كانت طريقة القرآن فيما يثبته للرب تعالى وينفيه عنه مبنية على برهان الأولى، لا على البرهان الذي تستوي أفراده، أو يماثل فرعه أصله.\nقال تعالى: ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى﴾، بعد قوله: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم﴾ .\nوقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن﴾، أي بما ضربوه للرحمن مثلًا، والمثل الذي ضربوه له هو البنات، وهو عندهم مثل سوء مذموم معيب.\nفقال تعالى: ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء﴾، ومن قال: إنه ولد الملائكة، أو قال: إنه ولد العقول أو النفوس، فإنه لا يؤمن بالآخرة، فله مثل السوء.\nوالله تعالى له المثل الأعلى، فلا يضرب له المثل المساوي، إذا لا كفو ولا ند، فضلًا عن أن يضرب له المثل الناقص، ولا يكتفي في حقه بالمثل العالي، بل له المثل الأعلى، إذ هو الأعلى سبحانه، والعلم به أعلى العلوم، وذكره أعلى الأذكار، وحبه أعلى الحب.","vol":"7","page":388},{"text":"والذي يبتغي وجه ربه الأعلى هو أعلى إذ هو الأتقى الذي هو أكرم الخلق على الله، كما قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، وقال تعالى: ﴿وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ .\nونظير ما ذكره سبحانه في الأولاد، ما ذكره في الشركاء في قوله تعالى: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم﴾، يقول تعالى: إذا كان الواحد منكم ليس له من مماليكه شريك في ما رزقه الله، بحيث يخاف ذلك المملوك، كما يخاف السادة بعضهم بعضًا، فكيف تجعلون لي شريكًا هو مملوكي، وتجعلونه شريكًا فيما يختص بي من العبادة والمخافة والرجاء حتى تخافوه كما تخافوني؟.\nومن المعلوم أن ملك الناس بعضهم بعضًا ملك ناقص، فإن السيد لا يملك من عبده إلا بعض منافعه، لا يملك عينه، وهو شبيه بملك الرجل بعض منافع امرأته، وملك المستأجر بعض منافع أجيره.\nولهذا","vol":"7","page":389},{"text":"يشبه النكاح بملك اليمين، كما قال عمر ﵁: النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته.\nوقال زيد بن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾، فإذا كان هذا الملك الناقص لا يكون المملوك فيه شريكًا للمالك، فكيف بالملك الحق التام لكل شيء؟ ملك المالك للأعيان والصفات، والمنافع والأفعال، الذي لا يخرج عن ملكه شيء بوجه من الوجوه، ولا لغيره ملك مفرد، ولا شريك في ملك ولا معاونة له بوجه من الوجوه، كيف يسوغ في مثل هذا، أن يجعل مملوكه شريكه بوجه من الوجوه؟.\nوالشرك نوعان: أحدهما: شرك في الربوبية، والثاني شرك في الإلهية.\nفأما الأول فهو إثبات فاعل مستقل غير الله، كمن يجعل الحيوان مستقلًا بإحداث فعله، ويجعل الكواكب، أو الأجسام الطبيعية، أو العقول، أو النفوس، أو الملائكة، أو غير ذلك مستقلًا بشيء من الإحداث، فهؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الحوادث عن الفاعل، فإن كل ما يذكرونه من فعل هذه الفاعلات أمر حادث يفتقر إلى محدث يتم به إحداثه، وأمر ممكن لا بد له من واجب يتم به","vol":"7","page":390},{"text":"وجوده، وكل ما سوى الخالق القديم الواجب الوجود بنفسه مفتقر إلى غيره، فلا يتم به حدوث حادث، ولا وجود ممكن.\nوجمهور العرب لم يكن شركها من هذا الوجه، بل كانت مقرة بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وإنما كان من النوع الثاني، فإثبات التوحيد في النوع الثاني يتضمن الأول من غير عكس.\nوالثاني الشرك في الإلهية، وضده هو التوحيد في الإلهية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن المشركين المقرين بأنه رب كل شيء، كانوا يتخذون آلهة يستجلبون بعبادتها المنافع، ويستدفعون بها المضمار، ويتخذونها وسائل تقربهم إليه، وشفعاء يستشفعون بها إليه.\nوهؤلاء خلق من خلقه، لا يملكون لأحد نفعًا ولا ضرًا إلا بإذنه، فكل ما يطلب منهم لا يكون إلا بإذنه، وهو سبحانه لم يأمر بعبادة غيره، ولم يجعل هؤلاء شفعاء ووسائل.\nبل قد قال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ .\nقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ .\nوقال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في","vol":"7","page":391},{"text":"السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ .\nوهذا المعنى كثير في القرآن: يبين سبحانه أنه لم يشرع عبادة غيره، ولا إذن في ذلك، بل يبين أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فإنه كما يمتنع أن يكون غيره ربًا فاعلًا، يمتنع أن يكون إلهًا معبودًا.\nوإذا كان جعل المملوك شريكًا في الملك الناقص - بحيث يرغب إليه كما يرغب إلى المالك، يرهب منه كما يرهب من المالك - ممتنعًا يوجب الفساد، فجعل المملوك المخلوق شريكًا لمالكه الخالق أولى بالامتناع ولزم الفساد.\nوذلك أن الذي يخافه إنما يخاف أن يضره، فإذا كان يعلم أنه لا يضره إلا بإذن الله سبحانه، كان الله تعالى هو الذي يجب أن يخاف.\nوكذلك الذي يرجوه، إذا كان إنما يرجو نفعه، وهو لا ينفعه إلا بإذن الله، كان الله هو الذي يجب أن يرجى، إذ لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله، بخلاف مملوك البشر، فإنه - وإن كان لا يترف في المال إلا بإذن سيده، ولا يمنع من أذن له","vol":"7","page":392},{"text":"سيده - فقد يمكنه معصية سيده، وإن كان في معصيته نوع من الفساد.\nوالخالق تعالى لا يمكن أحدًا أن يفعل شيئًا إلا بمشيئته وقدرته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وفي معصية أمره الفساد الذي لا صلاح معه، فالمخلوق أعجز عن أن ينفع أو يضر بدون إذنه، من عجز المملوك عن النفع والضر بدون إذن سيده، ومعصية المخلوق لأمره، الذي أرسل به رسله، أعظم فسادًا من معصية المملوك لأمر سيده.\nقال تعالى في قصة الخليل ﷺ ومناظرته لقومه: ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ .","vol":"7","page":393},{"text":"قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ .\nوقال تعالى: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾ .\nولما كان الطريق إلى الحق هو السمع والعقل، وهما متلازمان، كان من سلك الطريق العقلي دله على الطرق السمعي، وهو صدق الرسول، ومن سلك الطريق السمعي بين له الأدلة العقلية، كما بين ذلك القرآن، وكان الشقي المعذب من لم يسلك لا هذا ولا هذا.\nكما قال أهل النار: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ .\nوقال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ .\nولهذا نفى سبحانه عن الشرك الطريق السمعي والعقلي، ونفى شرك الإلهية والربوبية في مثل قوله: ﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات","vol":"7","page":394},{"text":"ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين﴾، فطالبهم أولًا بالطريق العقلي، وثانيًا بالطريق السمعي.\nونظيره قوله: ﴿قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا﴾، وهذا باب واسع قد بسط الكلام فيه في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا التنبيه اللطيف على بعض ما في القرآن من تقرير المعاد ونفي الولد والشريك، إذ كان هذا فصلًا معترضًا في هذا المقام.\nفقد تبين أن جمهور النظار من جميع الطوائف يجوزون أن تحصل المعرفة بالصانع بطريق الضرورة، كما هو قول الكلابية والأشعرية، وهو مقتضى قول الكرامية والضرارية والنجارية والجهمية وغيرهم، وهو قول طوائف أهل السنة، من أهل الحديث والفقهاء وغيرهم، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفه ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم.\nوإنما ينازع في ذلك من ينازع من القدرية كالمعتزلة ونحوهم، مع أنهم متنازعون في ذلك، بل كثير من أهل الكلام، بل","vol":"7","page":395},{"text":"وجمهور العلماء، يقولون: إن الإقرار بالصانع حاصل لعامة الخلق بطريق الضرورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>ذكر الشهرستاني في نهاية الإقدام أن الفطرة تشهد بوجود الله تعالى</span>\nكما ذكر الشهرستاني في كتابه المعروف بنهاية الإقدام في قاعدة التعطيل قال: (قد قيل: إن التعطيل ينصرف إلى وجوه شتى: منها: تعطيل الصنع عن الصانع.\nومنها: تعطيل الصانع عن الصنع.\nومنها: تعطيل الباري عن الصفات الأزلية الذاتية ومنها تعطيل الباري عن الصفات الأزلية القائمة بذاته.\nومنها: تعطيل الباري عن الصفات والأسماء أزلًا.\nومنها: تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت عليها) .\nثم قال.\nأما تعطيل العالم عن الصانع العليم، القادر الحكيم، فلست أراها مقالة، ولا عرفت عليها صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية: أنهم قالوا: كان","vol":"7","page":396},{"text":"العالم في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة فاصطكت اتفاقًا، فحصل منها العالم بشكله الذي تراه عليه، ودارت الأكوار وكرت الأدوار، وحدثت المركبات) .\nقال: (ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع، بل هو معترف بالصانع، لكنه يحيل سبب وجود العالم على البخت والاتفاق، احترازًا عن التعطيل، فما عدت هذه المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان، فإن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت - بضرورة فطرتها، وبديهة فكرتها - على صانع حكيم، قادر عليم: أفي الله شك، ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن","vol":"7","page":397},{"text":"الله﴾، ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ .\nقال: وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء، فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء: ﴿دعوا الله مخلصين له الدين﴾، ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ .\nولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد ونفي الشريك ﴿ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا﴾، ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ ﴿وإذا ذكرت ربك في القرآن","vol":"7","page":398},{"text":"وحده ولوا على أدبارهم نفورا﴾ .\nقال: (وقد سلك المتكلمون طريقًا في إثبات الصانع، وهو الاستدلال بالحوادث على محدث صانع، وسلك الأوائل طريقًا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح لأحد طرفي الإمكان، ويدعي كل واحد من جهة الاستدلال ضرورة وبديهة) .\nقال: (وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه بعد تقديم المقدمات، ودون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتجاج ذاته إلى مدبر، هو منتهى مطلب الحاجات، فيرغب إليه ولا يرغب عنه، ويستغنى به ولا يستغنى عنه، ويتوجه إليه ولا يعرض عنه، ويفزع إليه في الشدائد والمهمات، فإن احتياج نفسه أوضح له من احتياج الممكن الخارج إلى الواجب،","vol":"7","page":399},{"text":"والحادث إلى المحدث، وعن هذا المعنى كانت تعريفات الحق سبحانه في التنزيل على هذا المنهاج.\n﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ .\n﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾، ﴿ومن يرزقكم من السماء والأرض﴾، ﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ .\nقال: (وعن هذا المعنى قال ﷺ: «خلق الله العباد على معرفته، فاجتالتهم الشياطين عنها»، فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج، وذلك الاجتيال من الشيطان هو تسويله الاستغناء ونفي الحاجة، والرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة وتطهيرها من تسويلات الشياطين","vol":"7","page":400},{"text":"فإنهم الباقون على أصل الفطرة، وما كان له عليهم من سلطان: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى﴾، ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ .\nومن رحل إلى الله قربت مسافته، حيث يرجع إلى نفسه أدنى رجوع، فيعرف احتياجه إليه في تكوينه، وبقائه وتقلبه في أحواله وأنحائه، ثم استبصر من آيات الآفاق إلى آيات الأنفس، ثم استشهد به على الملكوت، لا بالملكوت عليه: ﴿أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾، عرفت الأشياء بربي، وما عرفت ربي بالأشياء، ومن غرق في بحر المعرفة، لم يطمع في شط، ومن تعالى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط، فثبت بالدلائل والشواهد أن العالم لم يتعطل عن الصانع الحكيم، العالم القدير، تعالى وتقدس) .\nوقال أيضًا في أول كتابه: (قد أشار إلي من إشارته","vol":"7","page":401},{"text":"غنم، وطاعته حتم، أن أجمع له مشكلات الأصول، وأحل ما انعقد من غوامضها على أرباب العقول، لحسن ظنه بي أني وقفت على نهايات مسارح النظر، وفزت بغايات مطارح الفكر، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم.\nلعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم\nفلم أر إلا واضعًا كف حائر ... على ذقن أو قارعًا سن نادم\nفلكل عقل مسرى ومسرح، هو سدرته المنتهى، ولكل قدم محط ومجال، هو غايته القصوى، إذا وصل إليها ووقف دونها، فيظن الناظر أولًا، أن ليس وراء مرتبته مطاف لطيف الخاطر، ولا فوق درجته مطرح لشعاع الناظر، ويتيقن آخرًا أن مطار الأفكار، إنما يتعلق بذوات المقدار، وجناب العزة لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) .","vol":"7","page":402},{"text":"إلى أن قال: (وإذا كان لا طريق إلى المطلوب من المعرفة إلا الاستشهاد بالأفعال، ولا شهادة للفعل إلا من حيث احتياج الفطرة واضطرار الخلقة، فحيثما كان الاضطرار والعجز أشد، كان اليقين أوفر وآكد: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾، لا جرم: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ .\nوالمعارف التي تحصل من تعريفات أحوال الاضطرار، أشد رسوخًا في القلب من المعارف التي نتائج الأفكار، في حال الاختيار) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>تعليق ابن تيمية</span>\n قلت: فهذا كله كلام الشهرستاني، وهو من أئمة المتأخرين من النظار، وأخبرهم بالمقالات، وقد صرح بأن معرفة الله ليست معدودة من النظريات التي يقام عليها البرهان، وأن الفطرة تشهد بضرورتها وبديهة فكرتها بالصانع الحكيم، إلى آخر ما ذكره وأن ما تنتهي إليه مقدمات الاستدلال بإمكان الممكنات أو حدوثها من القضايا الضرورية، دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية، من احتياج الإنسان في ذاته إلى مدبر.\nوأما ما ذكره من أن إنكار الصانع ليس مقالة معروفة لصاحب مقالة.\nفإنه، وإن لم يكن مذهبًا مشهورًا، عليه أمة من","vol":"7","page":403},{"text":"الأمم المعروفة، لكنه مما يعرض لكثير من الناس، ويقوله بعض الناس: إما ظاهرًا دون الباطن - كحال فرعون ونحوه - وإما باطنًا وظاهرًا، كما ذكر الله مناظرة إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه للذي حاجه في ربه، ومحاجة موسى صلوات الله عليه وسلامه لفرعون.\nلكن هذا لا يمنع أن تكون المعرفة به مستقرة في الفطرة، ثابتةبالضرورة، فإن هذا نوع من السفسطة حال يعرف لكثير من الناس: إما عمدًا، وإما خطأ.\nوكثير من الناس قد ينازع في كثير من القضايا البديهية، والمعارف الفطرية، في الحسيات والحسابيات، وكذلك في الإلهيات.\nومن تأمل ما يحكيه الناس من المقالات عن الناس، في العلوم الطبيعية والحسابية، رأى عجائب وغرائب.\nوبنو آدم لا ينضبط ما يخطر لهم من الآراء والإرادات، فإنهم جنس عظيم التفاوت، ليس في المخلوقات أعظم تفاضلًا منه، خيارهم خير المخلوقات عند طائفة، أو من خيرها عند طائفة، وشرهم شر المخلوقات، أو من شرها.","vol":"7","page":404},{"text":"قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ .\nوقال تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ .\nوقال تعالى: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال﴾ .\nوقال تعالى: ﴿أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير * ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص﴾ .\nونظير هذا كثير.\nوكما تنازع النظار في المعرفة: هل تحصل ضرورة، أو نظرًا، أو تحصل بهذا وهذا، على ثلاثة أقوال، فكذلك تنازعوا في مسألة وجوب النظر المفضي إلى معرفة الله تعالى على ثلاثة أقوال.\nفقالت طائفة من الناس: إنه يجب على كل أحد.\nوقالت طائفة: لا يجب على أحد.\nوقال الجمهور: إنه يجب على بعض الناس دون بعض.\nفمن حصلت له المعرفة او الإيمان عند من يقول: إنه يحصل بدون المعرفة بغير النظر لم يجب عليه، ومن لم تحصل له المعرفة ولا الإيمان إلا به وجب عليه.","vol":"7","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>كلام ابن حزم في الفصل</span>\nوذكر غير واحد أن هذا قول جمهور المسلمين، كما ذكر ذلك أبو محمد بن حزم في كتابه المعروف بـ الفصل في الملل والنحل فقال في مسألة: (هل يكون مؤمنًا من اعتقد الإسلام دون استدلال، أم لا يكون مسلمًا إلا من استدل؟) .\nقال: (وذهب محمد بن جرير والأشعرية إلا أبا جعفر السمناني إلى أنه لا يكون مسلمًا إلا من استدل، وإلا فليس مسلمًا) .\nقال: (وقال الطبري: من بلغ الاحتلام أو الإشعار من الرجال أو النساء، أو بلغ المحيض من النساء، ولم يعرف الله بجميع أسمائه وصفاته من طريق الاستدلال، فهو كافر حلال الدم والمال: وقال إنه أذا بلغ الغلام أو الجارية سبع سنين وجب تعليمهما وتدريبهما على الاستدلال على كل ذلك) .\nقال: (وقالت الأشعرية: لا يلزمهما الاستدلال على ذلك إلا","vol":"7","page":406},{"text":"بعد البلوغ) قال: وقال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقادًا لا يشك فيه، وقال بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن كل ما جاء به حق، وبرىء من كل دين سوى دين محمد ﷺ، فإنه مسلم مؤمن، ليس عليه غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: القول الأول هو في الأصل معروف عمن قاله من القدرية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام، وإنما قاله من قاله من الأشعرية موافقة لهم، ولهذا قال أبو جعفر السمناني: القول بإيجاب النظر بقية بقيت في المذهب من أقوال المعتزلة، وهؤلاء الموجبون للنظر يبنون ذلك على أنه لا يمكن حصول المعرفة الواجبة إلا بالنظر، لا سيما القدرية منهم، فإنهم يمنعون أن يثاب العباد على ما يخلق فيهم من العلوم الضرورية، وليس إيجاب النظر على الناس هو قول الأشعرية كلهم، بل هم متنازعون في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>كلام الأشعري</span>\nفقال الأشعري في بعض كتبه: (قال بعض أصحابنا: أول الواجبات الإقرار بالله تعالى وبرسله وكتبه ودين الإسلام.\nوقال أيضًا: لو سأل سائل عمن ورد من الصين ورأى الاختلاف، ماذا يلزمه؟ فقال: عنه جوابان: أحدهما: أن يلزمه","vol":"7","page":407},{"text":"النظر ليعرف الحق فيتبعه.\nوالثاني: يلزمه اتباع الحق وقبول الإسلام، ثم تصحيح المعرفة بالنظر والاستدلال على أقل ما يجزئه) .\nوقد تنازع أصحابه وغيرهم في النظر في قواعد الدين: هل هو من فروض الأعيان، أو من فروض الكفايات؟ والذين لا يجعلونه فرضًا على الأعيان، منهم من يقول: الواجب هو الاعتقاد الجازم.\nومنهم من يقول: بل الواجب العلم، وهو يحصل بدونه.\nكما ذكر ذلك غير واحد من النظار من أصحاب الأشعرية وغيرهم، كـ الرازي والآمدي وغيرهما.\nوالذين يجعلونه فرضًا على الأعيان، متنازعون: هل يصح الإيمان بدونه وتاركه آثم، أم لا يصح؟ على قولين.\nوالذين جعلوه شرطًا في الإيمان، أو أوجبوه، ولم يجعلوه شرطًا اكتفوا بالنظر الجملي دون القدرة على العبارة والبيان، ولم يوجب العبارة والبيان إلا شذوذ من أهل الكلام.\nولا ريب أن المؤمنين على عهد رسول الله ﷺ، والصحابة والتابعين، لم يكونوا يؤمرون بالنظر الذي ذكره أهل الكلام المحدث، كطريق الأعراض والأجسام.\nلكن هل يقال: مجرد الاعتقاد الجازم كان كافيًا لهم؟ أم لا بد من علم يحصل بالنظر؟ أم يحصل علم ضروري بغير الطريقة النظرية؟ فهذا مما تنوزع فيه.","vol":"7","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>رد ابن حزم</span>\nقال ابن حزم: (فاحتج من أوجب الاستدلال بالإجماع على أن التقليد مذموم، وما لم يعرف بالاستدلال فهو تقليد) .\n(قالوا والديانات لا يعرف حقها من باطلها بالحس، لا يعلم إلا بالاستدلال، ومن لم يحصل له العلم فهو شاك، واحتجوا بقول النبي ﷺ، فيما حكاه من المسؤول في قبره.\nقال: «فأما المؤمن - أو الموقن - فيقول: هو عبد الله ورسوله، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته» .\nوقال في الجواب: (التقليد أخذ المرء قول من هو دون الرسول ﷺ ممن لم يأمرنا الله باتباعه وأخذ قوله، بل حرم علينا ذلك.\nوأما أخذ قول الرسول ﷺ الذي","vol":"7","page":409},{"text":"فرض الله تصديقه وطاعته فليس تقليدًا، بل إيمان وتصديق، واتباع للحق، وطاعة الله ورسوله) .\nقال: (فموه هؤلاء الذين أطلقوا على الحق - الذي هو اتباع الحق - اسم التقليد، الذي هو باطل.\nوالقرآن إنما هو ذم فيه تقليد الآباء والكبراء والسادة في خلاف ما جاءت به الرسل، وأما اتباع الرسل فهو الذي أوجبه، لم يذم من اتبعهم أصلًا) .\nقال: (وأما احتجاجهم بأنه لا تعرف الأشياء إلا بالدلائل، وبأن ما لم يصح به دليل فهو دعوى، ولا فرق بين الصادق والكاذب بنفس قولهما، فإن هذا ينقسم قسمين.\nفمن كان من الناس تنازعه نفسه إلى تصديق ما جاء به الرسول ﷺ حتى يسمع الدلائل، فهذا فرض عليه طلب الدليل، إلا أنه مات شاكًا أو جاحدًا قبل أن يسمع من البرهان ما تثلج به نفسه، فقد مات كافرًا، وهو مخلد في النار، بمنزلة من لم يؤمن ممن شاهد النبي ﷺ حتى رأى المعجزات، فهذا أيضًا لو مات قبل أن يرى المعجزات مات كافرًا بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام، وإنما أوجبنا على من هذه صفته طلب البرهان، لأن فرضًا عليه طلب ما فيه نجاته من الكفر.\nوالقسم الثاني: من استقرت نفسه إلى تصديق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه","vol":"7","page":410},{"text":"وسلم، وسكن قلبه إلى الإيمان، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقًا من الله له، وتيسيرًا له لما خلق له من الخير والحسنى، فهؤلاء لا يحتاجون إلى برهان، ولا إلى تكليف استدلال.\nوهؤلاء هم جمهور الناس من العامة والنساء والتجار والصناع والأكراه والعباد، وأصحاب الحديث الأئمة، الذين يذمون الكلام والجدل والمراء في الدين) .\nقال: (وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم﴾ .\nوقال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾ .\nقال: (فقد سمى الله راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم، وكره إليهم المعاصي، فضلًا منه ونعمة وهذا هو خلق الله الإيمان في قلوبهم ابتداءً، وعلى ألسنتهم،","vol":"7","page":411},{"text":"ولم يذكر الله في ذلك استدلالًا أصلًا.\nوليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لكبرائهم، لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم، محققون في قلوبهم، أن آباءهم ورؤساءهم لو كفروا لما كفروا هم، بل كانوا يستحلون قتل آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم، ويحسون من أنفسهم النفار العظيم عن كل من سمعوا منه ما يخالف الشريعة، ويرون أن حرقهم بالنار أخف عليهم من مخالفة الإسلام) .\nقال: (وهذا أمر قد عرفناه من أنفسنا حسًا، وشاهدناه في ذواتنا يقينًا، فلقد بقينا سنين كثيرة لا نعرف الاستدلال ولا وجوهه، ونحن - ولله الحمد - في غاية اليقين بدين الإسلام، وكل ما جاء به محمد ﷺ، وفي غاية سكون النفس إليه، وفي غاية النفار عن كل ما يعترض فيه بشك، وكانت تخطر في قلوبنا خطرات سوء في خلال ذلك ينبذها الشيطان، فنكاد","vol":"7","page":412},{"text":"لشدة نفارنا عنها أن نسمع خفقان قلوبنا استبشاعًا لها، كما أخبر رسول الله ﷺ إذ سئل عن ذلك، فقيل له: إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يقدم فتضرب عنقه أحب إليه من أن يتكلم به.\nفأخبر النبي ﷺ بأن ذلك محض الإيمان، وأخبر أنه وسوسة الشيطان، ثم تعلمنا طرق الاستدلال وأحكمناها - ولله الحمد والمنة - فما زادنا يقينًا على ما كنا، بل عرفنا أننا كنا ميسرين للحق، وصرنا كما عرف وقد أيقن يكون - الفيل سماعًا ولم يره، ثم رآه، فلم يزدد يقينًا بصحة إنيته أصلًا، لكن أرانا صحيح الاستدلال رفض بعض الآراء الفاسدة التي نشأنا عليها فقط) .\nقال: وإن المخالفين لنا ليعرفون من أنفسهم ما ذكرنا، إلا أنهم يلزمهم أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر قبل استدلالهم ولا بد، فصح بما قلنا أن كل من محض اعتقاد الحق بقلبه، وقاله","vol":"7","page":413},{"text":"بلسانه، فهم مؤمنون محققون.\nليسوا مقلدين أصلًا، وإنما كانوا مكذبين مقلدين لو أنهم قالوا واعتقدوا أننا إنما نتبع في الدين آباءنا وكبراءنا فقط، ولو أن آباءنا وكبراءنا تركوا دين محمد ﷺ لتركناه، فلو قالوا هذا واعتقدوه لكانوا مقلدين كفارًا غير مؤمنين، لأنهم إنما اتبعوا آباءهم وكبراءهم الذين نهوا عن اتباعهم، لم يتبعوا النبي ﷺ الذي أمروه باتباعه) .\nقال: (وإنما كلق الله الإتيان بالبرهان - إن كانوا صادقين - الكفار المخالفين لما جاء به النبي ﷺ، وهذا نص الآية، ولم يكلف قط المسلمين الإتيان بالبرهان، ولا أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان.\nوالفرق بين الأمرين واضح وهو أن كل من خالف النبي ﷺ فلا برهان له أصلًا، فكلف المجيء بالبرهان تبكيتًا وتعجيزًا، وإن كانوا صادقين - وليسوا","vol":"7","page":414},{"text":"صادقين - فلا برهان لهم، وأما من اتبع ما جاء به رسول الله ﷺ فقد اتبع الحق الذي قامت البراهين بصحته، ودان بالصدق الذي قامت الحجة البالغة بوجوبه، فسواء علم هو بذلك - أي البرهان - أو لم يعلم، حسبه أنه على الحق الذي صح البرهان به، ولا برهان على سواه، فهو محق مصيب) .\nقال: (وأما قولهم: ما لم يكن علمًا فهو شك وظن، والعلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة أو استدلال.\nقالوا: والديانات لا تعرف صحتها بالحواس ولا بضرورة العقل، فصح أنه لا تعرف صحتها إلا بالاستدلال، فإن لم يستدل المرء فليس عالمًا، وإذا لم يكن عالمًا فهو جاهل شاك أو ظان، وإذا كان لا يعلم الدين فهو كافر.\nقال: فهذا ليس كما قالوا، لأنهم قضوا قضية باطلة فاسدة بنوا عليها هذا الاستدلال، وهي إقحامهم في حد العلم قولهم عن ضرورة أو استدلال.\nهذه زيادة فاسدة لا نوافقهم عليها، ولا جاء بتصحيحها قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا لغة، ولا طبيعة،","vol":"7","page":415},{"text":"ولا قول صاحب.\nوحد العلم على الحقيقة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، وكل من اعتقد شيئًا على ما هو به ولم يتخالجه شك فيه فهو عالم به، وسواء كان عن ضرورة حسً، أو عن بديهة عقل، أو عن برهان استدلال، أو عن تيسير الله ﷿ له، وخلقه لذلك المعتقد في قلبه، ولا مزيد ولا يجوز البتة أن يكون محقق في اعتقاد شيء، كما هو ذلك الشيء، وهو غير عالم به، وهذا تناقض وفساد وتعارض) .\nقال: وقول النبي ﷺ في مساءلة الملك حجة عليهم لأن النبي ﷺ إنما قال فيه: «فأما المؤمن أو الموقن فيقول: هو رسول الله ﷺ»، ولم يقل: فأما المستدل.\nفحسبنا نور المؤمن الموقن، كيف كان إيمانه ويقينه.\nو«قال ﷺ: وأما المنافق أو المرتاب» - ولم يقل: غير المستدل - فيقول: «سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته»، فنعم هذا هو قولنا، لأن","vol":"7","page":416},{"text":"المنافق والمرتاب ليسا موقنين ولا مؤمنين، وهذا مقلد للناس لا محقق، فالخبر حجة عليهم كافية.\nوأما قولهم: إن الله قد ذكر الاستدلال في غير موضع من كتابه وأمر به وأوجب العلم به، والعلم به لا يكون إلا عن استدلال، فهذا أيضًا زيادة أقحموها وهي قولهم: وأمر به.\nفهذا لا يجدونه أبدًا، ولكن الله ذكر الاستدلال وحض عليه، ونحن لا ننكر الاستدلال، بل هو فعل حسن مندوب إليه، محضوض عليه كل من أطاقه، لأنه مزيد من الخير، وهو فرض على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، وإنما ننكر كونه فرضًا على كل أحد لا يصح إسلام أحد دونه، فهذا هو الباطل المحض.\nوأما قولهم: إن الله أوجب العلم به، فنعم.\nوأما قولهم: والعلم لا يكون إلا عن استدلال، فهذا هو الدعوى الكاذبة التي أبطلناها آنفًا.\nوأول بطلانها أنه دعوى بلا برهان) .\nقال: (فسقط قولهم إذ تعرى من البرهان، وكان دعوى منهم مفتراه لم يأت بها نص قط ولا إجماع.\nونحن ذاكرون البراهين على بطلان قولهم.\nيقال لمن قال: لا يكون مسلمًا إلا من","vol":"7","page":417},{"text":"استدل أخبرنا: متى يجب عليه فرض الاستدلال؟ أقبل البلوغ أو بعده؟ فأما الطبري.\nفإنه أجاب بأن واجب قبل البلوغ.\nقال ابن حزم: وهذا خطأ، لأن من لم يبلغ ليس مكلفًا ولا مخاطبًا) .\nقال: وأما لاأشعرية فإنهم أتوا بما يملأ الفم، وتقشعر منها جلود أهل الاسلام، وتصطك منه المسامع، ويقطع ما بين قائلها وبين الله، وهو أنهم قالوا: لا يلزم طلب الأدلة إلا بعد البلوغ.\nولم يقنعوا بهذه الجملة حتى كفونا المؤونة، وصرحوا بما كنا نريد أن نلزمهم، فقالوا غير مساترين: لا يصح إسلام أحد بأن يكون بعد بلوغه شاكًا غير مصدق.\nقال: وما سمعنا قط في الكفر والانسلاخ من الإسلام بأشنع من قول هؤلاء القوم: إنه لا يكون أحد مسلمًا حتى يشك في الله ﷿، وفي صحة النبوة، وفي هل رسول الله ﷺ صادق أو كاذب؟ ولا سمع قط سامع في الهوس","vol":"7","page":418},{"text":"والمناقضة والاستخفاف بالحقائق بأقبح من قول هؤلاء: إنه لا يصح الإيمان إلا بالكفر، ولا يصح التصديق إلا بالجحد، ولا يوصل إلى رضا الله ﷿ إلا بالشك فيه، وأن من اعتقد موقنًا بقلبه ولسانه أن الله ربه لا إله إلا هو، وأن محمد رسول الله، وأن دين الله الذي لا دين غيره - فإنه كافر مشرك، نعوذ بالله من الخذلان.\nفوالله لولا خذلان الله - الذين هو غالب على أمره - ما انطلق لسان ذي مسكة بهذه العظيمة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا القول هو في الأصل من أقوال المعتزلة، وقد أوجب أبو هاشم وطائفة معه الشك، وجعلوه أول الواجبات.\nومن لم يوجبه من الموافقين على أصل القول، قال إنه لابد من حصوله، وإن لم يؤمر به.\nوهذا بناء على أصلين: أحدهما: أن أول الواجبات النظر المفضي إلى العلم.\nوالثاني: أن النظر يضاد العلم، فإن الناظر طالب للعلم، فلا يكون في حال النظر عالمًا.\nوكلا الأصلين باطل.\nأما الأول، فقد عرف الكلام فيه.\nوأما الثاني، فإن النظر نوعان: أحدهما: النظر المتضمن طلب الدليل،","vol":"7","page":419},{"text":"وهو كالنظر في المسؤول عنه ليعلم ثبوته أو انتفاؤه، كالنظر في مدعي النبوة: هل هو صادق أو كاذب؟ والنطر في رؤية الله تعالى: هل هي ثابتة في الآخرة أم منتفية؟ والنظر في النبيذ المسكر: أحلال هو أم حرام؟\nفهذا الناظر طالب، وهو في حال طلبه شاك.\nوليس هذا النظر هو النظر المقتضي للعلم، فإن ذلك هو النظر فيما يتضمن النظر فيه للعلم، وهو النظر في الدليل، كالنظر في الآية والحديث، أو القياس الذي يستدل به، فهذا النظر مقتض للعلم، مستلزم له.\nوذلك النظر مضاد للعلم مناف له.\nولما كان في لفظ (النظر) إجمال، كثر اضطراب الناس في هذا المقام، وتناقض من تناقض منهم، فيوجبون النظر لأنه يتضمن العلم، ثم يقولون: النظر يضاد العلم.\nفكيف يكون ما يتضمن العلم مضادًا له لا يجتمعان.\nفمن فرق بين النظر في الدليل، وبين النظر الذي هو طلب الدليل، تبين له الفرق.\nوالنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول، بل قد يكون في القلب ذاهلًا عن الشيء، ثم يعلم دليله، فيعلم المدلول، وإن لم","vol":"7","page":420},{"text":"يتقدم ذلك شك وطلب.\nوقد يكون عالمًا به، ومع هذا ينظر في دليل آخر، لتعلقه بذلك الدليل، فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير، لكن هؤلاء لزمهم المحذور، لأنهم إنما أوجبوا عليه النظر، فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول، فيكون الناظر طالبًا للعلم، فيلزم أن يكون شاكًا، فصاروا يوجبون على كل مسلم: أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله ورسوله بعد بلوغه، سواء أوجبوه، أو قالوا: هو من لوازم الواجب.\nومن غلطهم أيضًا.\nأنه لو قدر أن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر، فليس من شرط ذلك تأخر النظر إلى البلوغ، بل النظر قبل ذلك ممكن، بل واقع، فتكون المعرفة قد حصلت بذلك النظر، وإن لم يكن واجبًا كما لوتعلم الصبي أم الكتاب وصفة الصلاة قبل البلوغ، فإن هذا التعلم يحصل به مقصود الوجوب بعد البلوغ، والنظر إنما هو واجب وجوب الوسائل، فحصوله قبل وقت وجوبه أبلغ في حصول المقصود.\nونظير ذلك: إن يتوضأ الصبي قبل البلوغ، والبالغ قبل دخول وقت الصلاة، فيحصل بذلك مقصود الوجوب بعد البلوغ والوقت.\nوالكلام في هذه المسألة له شعب كثيرة، وقد تكلم عليها في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا بيان طرق كثير من أهل العلم في تصديق الرسول ﷺ.\nوتحقيق هذه المسألة يتعلق بمسائل: منها: أن","vol":"7","page":421},{"text":"الاعتقاد الجازم بلا ضرورة ولا استدلال: هل يمكن أم لا؟ وإذا أمكن: فهل يسمى علمًا أم لا؟\nومنها: أن لفظ (الضرورة) فيه إجمال.\nفقد يراد به مايضطر إليه الإنسان من المعلومات الظاهرة المشتركة بين الناس.\nوقد يراد به ما يحصل في نفسه بدون كسبه.\nوقد يراد به ما لا يقبل الشك.\nوقد يراد به ما يلزم نفس الإنسان لزومًا لا يمكن الانفكاك عنه.\nومنها: أن حصول العلم في النفس قد يحصل لكثير من الناس حصولًا ضروريًا، مع توهمه أنه لم يحصل له، كما يقع مثل ذلك في القصد والنية، فإن الأمة متفقة على أن الصلاة ونحوها من العبادات لا تصح إلا بالنية من جنس القصد، والإرادة محلها القلب باتفاقهم، فلو لفظ بلسانه غير ما قصد بقلبه أو بالعكس، كان الاعتبار بقصده الذي في قلبه.\nثم إن كثيرًا من الناس اشتبه عليهم أمر النية، حتى صار أحدهم يطلب حصولها وهي حاصلة عنده، ويشك في حصولها في نفسه وهي حاصلة، لا سيما إذا اعتقد أنه يجب مقارنة النية للصلاة، فيرى في أحدهم من الوسواس في حصولها ما يخرجه عن العقل والدين، حتى قيل: الوسوسة لا تكون إلا عن خبل في العقل، أو جهل بالشرع.\nوأصل ذلك جهلهم بحقيقة النية وحصولها، مع خروجهم عن الفطرة السليمة، التي فطر الله عليها عباده.\nومن المعلوم أن كل من علم","vol":"7","page":422},{"text":"ما يريد أن يفعله، فلا بد ان ينويه ويقصده، فيمتنع أن يفعل العبد فعلًا باختياره، مع علمه به وهو لا يريده، فالمصلي إذا خرج من بيته وهويعلم أنه يريد الصلاة، امتنع أن لا يقصد الصلاة ولا ينويها.\nوكذلك الصائم إذا علم أن غدًا من رمضان وهوممن يصومه، أمتنع أن لا ينويه.\nوكذلك المتطهر إذا أخذ الماء وهو يعلم أن مراده الطهارة، أمتنع أن لا يريدها.\nوإنما يتصور عدم النية مع الجهل بالمفعول، أو مع أنه ليس مقصوده المأمور به، مثل من يظن أن وقت الصلاة أو الصيام قد خرج، فيصوم ويصلي ظانًا أن ذلك قضاء بعد الوقت، فهذا نوى القضاء، فإذا تبين له بعد ذلك أن الصوم والصلاة إنما كانا في الوقت، إذا فهذا يجزئه الصلاة والصيام بلا نزاع.\nوكذلك من اغتسل بالماء لقصد لقصد إزالة الوسخ، أو لتعليم الغير، فهذا لم يكن مراده بما فعله الطهارة المأمور بها.\nولهذا تنازع الفقهاء في صحة الصلاة بمثل هذه الطهارة، وأمثال ذلك.\nولهذا يجد المسلم في نفسه فرقًا بين ليلة العيد الذي يعلم أنه لا يصومه، وبين ليالي رمضان الذي يعلم أنه يصومه.\nويجد الفرق بين ما إذا كان مقيمًا أو مسافرًا يريد الصيام، وبين ما إذا كان مسافرًا لا يريد الصيام.","vol":"7","page":423},{"text":"فكما أن الإرادة تكون موجودة في نفس الإنسان، وقد يشك في وجودها، أولا يحسن أن يعبر عن وجودها، أو يطلب وجودها فهكذا العلم الضروري وغيره، قد يكون حاصلًا في نفس الإنسان، وهو يشك في وجوده، أو يطلب وجوده، أو لا يحسن أن يعبر عنه، لأن وجود الشيء في النفس شيء، والعلم بوجوده في النفس شيء آخر، فالتمييز بينه وبين غيره والتعبير عن ذلك شيء آخر.\nفهكذا عامة المؤمنين: إذا حصل أحدهم في سن التمييز يحصل له من الأسباب، التي توجب معرفته بالله وبرسوله، ما يحصل بها في نفسه علم ضروري ويقين قوي، كحصول الإرادة لمن علم ما يريد فعله، ثم كثير من أهل الكلام يلبسون عليه ما حصل له ويشككونه فيه، كما أن كثيرًا من الفقهاء يلبسون على المريد الناوي ما حصل له ويشككونه فيه.\nوالعلم الحاصل في النفس لا تنضبط أسبابه، ومنه ما يحصل دفعة، كالعلم بما أحسه.\nومنه ما يحصل شيئًا بعد شيء، كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة، والعلم بمدلول القرائن التي لا يمكن التعبير عنها.\nوكذلك حصول الإرادة، فإن من الأشياء ما تحصل إرادته الجازمة في النفس، كإرادة الأشياء الضرورية التي لا بد له منها، كإرادة دفع","vol":"7","page":424},{"text":"الأمور الضارة له، وكإرادة الجائع الشديد الجوع، والعطشان الشديد العطش، لتناول ما تيسر له من الطعام والشراب.\nومنه ما يحصل شيئًا بعد شيء، كإرادة الإنسان لما هو أكمل له وأفضل، فإن هذا قد تحصل إرادته شيئًا بعد شيء.\nوكذلك إرادته لما يشك في كونه محتاجًا إليه، أو كونه نافعًا له، فإن الإرادة قد تقوى بقوة العلم، وقد تضعف بضعفه، وقد تقوى بقوة نفس محبة الشيء المطلوب وضعف محبته.\nومن عرف حقيقة الأمر تبين له أن النفوس فيها إرادات فطرية، وعلوم فطرية، وأن كثيرًا من أهل الكلام في العلم قد يظنون عدم حصولها، فيسعون في حصولها، وتحصيل الحاصل ممتنع، فيحتاجون أن يقدروا عدم الموجود، ثم يسعون في وجوده، ومن هنا يغلط كثير من الخائضين في الكلام والفقه.\nوقد يكون العلم والإرادة حاصلين بالفعل، أو بالقوة القريبة من الفعل، مع نوع من الذهول والغفلة، فإذا حصل أدنى تذكر رجعت النفس إلى ما فيها من العلم والإرادة، أو توجهت نحو المطلوب، فيحصل لها معرفته ومحبته.","vol":"7","page":425},{"text":"والله تعالى فطر عباده على محبته ومعرفته، وهذه هي الحنيفية التي خلق عباده عليها، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» .\nوقد قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ .\nوقال ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء»؟ والكلام في هذه الأمور مذكور في غير هذا الموضع.\nومن المسائل المتعلقة بهذا الباب أن العلم والإيمان واجب على الناس بحسب الإمكان، فالجمل التي فرض الله تعالى على الخلق كلهم الإقرار بها مما يمكنهم معرفتها.\nوأما التفاصيل ففيها من الدقيق ما لا يمكن أن يعرفه إلا بعض الناس، فلو كلف بقية الناس بمعرفته، كلفوا ما لا يطيقون، ولهذا لم يجب على كل أحد أن يسمع كل آية في القرآن ويفهم معناها، وإن كان هذا فرضًا على الكفاية.","vol":"7","page":426},{"text":"ومن المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل الناس فيه تفاضلًا لا ينضبط لنا.\nوالقرآن الذي يقرأه الناس بالليل والنهار يفاضلون في فهمه تفاضلًا عظيمًا، وقد رفع الله بعض الناس على بعض درجات، كما قال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، بل من الأخبار ما إذا سمعه بعض الناس ضرهم ذلك، وآخرون عليهم أن يصدقوا بمضمون ذلك ويعلموه، قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسول؟ وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ما من رجل يحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.\nفمثل هذه الأحاديث التي سمعت من الرسول ﷺ، أو ممن سمعها منه، وعلم أنه قالها، يجب على من سمعها أن يصدق بمضمونها، وإذا فهم المراد كان عليه معرفته والإيمان به.\nوآخرون لا يصلح لهم أن يسمعوها في كثير من الأحوال، وإن كانوا في حال أخرى يصلح لهم سماعها ومعرفتها.\nوالقرآن مورد يرده الخلق كلهم، وكل ينال منه على مقدار ما قسم الله له.\nقال تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها","vol":"7","page":427},{"text":"فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ .\nوهذا مثل ضربه الله سبحانه لما أنزل من العلم والإيمان والقلوب التي تنال ذلك، شبه الإيمان بالماء النازل، والقلوب بالأودية، فمنها كبار ومنهاصغار، وبين أن الماء كما يختلط بما يكون في الأرض، كذلك القلوب فيها شبهات وشهوات تخالط الإنسان، وأخبر أن ذلك الزبد بجفأ جفاءً، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، كذلك الشبهات تجفوها القلوب، وما ينفع يمكث فيها.\nوفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا ورعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في","vol":"7","page":428},{"text":"دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» .\nوما ذكره ابن حزم من أن العلم قد يحصل في القلب لا عن ضرورة ولا نظر، ورده على من يحصره في النوعين فمثل هذا قد يكون النزاع فيه لفظيًا.\nوذلك أن نافي الحصر قد يريد بالضرورة ما كان عن ضرورة حس، وأولئك يجعلون ما يحصل من العلم الضروري بالحس أحد أنواع العلم الضروري وقد يريد بالضرورة ما يضطر إليه الإنسان بدون نظر في تصوره.\nوأولئك يريدون بالعلم الضروري والبديهي ما اضطر إليه الإنسان إذا تصور طرفيه، سواء كان ذلك التصور ضروريًا أو لم يكن، بل كثير من الناس يقول: إن جميع العلوم ضرورية باعتبار أسبابها، فإن العلم الحاصل بالنظر والكسب والاستدلال هو بعد حصول أسبابه ضروري، يضطر إليه الإنسان، وهذا اختيار أبي المعالي وغيره.\nوللناس في هذا الباب اصطلاحات متعددة، من لم يعرفها يجعل بينهم نزاعًا معنويًا، وليس كذلك.\nكما أن طائفة منهم يجعلون العلم البديهي هو الضروري، والكسبي هو النظري.\nومنهم من يفرق بينهما، فيجعلون الضروري ما اضطر إليه العبد من غير عمل وكسب منه، لا في","vol":"7","page":429},{"text":"تصور المسألة ولا دليلها ويجعلون البديهي ما بدهه، وإن كان عن نظر اضطر إليه من غير كسب منه، فإن العبد قد يضطر إلى أسباب العلم.\nوقد يختار اكتساب أسبابه.\nوهذا في الحسيات وغيرها، كمن يفجأه ما يراه ويسمعه، من غير قصد إلى رؤيته وسمعه، ومن يسعى في رؤية الشيء واستماعه.\nوالأول لا يدخل تحت الأمر والنهي.\nوالثاني يدخل تحت الأمر والنهي.\nوأيضًا فمن الناس من يقول: العلوم الضرورية والبديهية يشترك فيها عامة العقلاء، ويجعل ما يختص به بعضهم ليس من هذا القسم.\nومنهم من يسمى كل ما اضطر إليه الإنسان وبدهه ضروريًا وبديهيًا، وإن كان ذلك مختصًا بنوع من الناس، كما يختص بالأنبياء والأولياء وأهل الفراسة والإلهام.\nوعلى هذا فالعلم الحاصل بتيسير الله تعالى وهدايته وإلهامه، وجعله له في قلب العبد بدون استدلال، يسميه هؤلاء علمًا ضروريًا.\nوإن كان ابن حزم وأمثاله لا يسمونه ضروريًا، فهذا نزاع لفظي.\nومن حد الضروري بأنه العلم الذي يلزم نفس العبد لزومًا لا يمكنه الانفكاك عنه، جعل هذا كله ضروريًا.\nوكذلك يقول كثير من شيوخ أهل المعرفة لكثير من أهل النظر: إن علمنا ضروري، كما في الحكاية المعروفة التي ذكرها أبو العباس أحمد بن محمد بن خلف المقدسي","vol":"7","page":430},{"text":"ورأيتها بخطه عن الشيخ أحمد الحيوقي المعروف بالكبرى، قال: دخل علي فخر الدين الرازي ورجل آخر من المعتزلة كبير فيهم، فقالا: يا شيخ، بلغنا أنك تعلم علم اليقين.\nفقلت نعم أنا أعلم علم اليقين.\nفقالا لي: كيف تعلم علم اليقين، ونحن نتناظر من وقت كذا إلى وقت كذا، وكلما أقام حجة أبطلتها، وكلما أقمت بجة أبطلها؟ فقلت: ما أدري ما تقولان، ولكن أنا أعلم علم اليقين.\nفقالا: فبين لنا ما هذا اليقين.\nفقلت: واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها.\nفجعلا يرددان هذا الكلام، ويقولون: واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها.\nوتعجبا من هذا الجواب، لأنه ﵀ بين أن ذلك من العلوم الضرورية التي تلزم القلب لزومًا لا يمكنه مع ذلك دفعها.\nقالا له: كيف الطريق إلى هذه الواردات؟ فقال لهما: بأن تسلكا طريقتنا التي نأمركم بها فاعتذر الرازي بما له من الموانع.\nوأما المعتزلي فقال: أنا محتاج إلى هذه الواردات، فإن الشبهات قد أحرقت قلبي.\nفأمر الشيخ بما يفعله من العبادة والذكر وما يتبع ذلك، ففتح الله عليه بهذه الواردات.","vol":"7","page":431},{"text":"والمعتزلة ينفون العلو والصفات، ويسمون من أثبت مجسمًا حشويًا، فلما فتح الله تعالى عليه بذلك، قال: والله ما الحق إلا فيما عليه هؤلاء الحشوية والمجسمة، أو كما قال، فإن عهدي بالحكاية من زمان، وكان هذا الشيخ الكبرى إذا قيل له: من قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ فهو مجسم، يقول: فخذ إني حنيئذ مجسم وكان من أجل شيوخ وقته في بلاده، بلاد جرجان وخوارزم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>تابع كلام ابن حزم</span>\nقال أبو محمد بن حزم: (ومن البرهان الموضح لبطلان هذه المقالة الخبيثة أنه لا يشك أحد ممن يدري شيئًا من السير من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمنانية والدهرية في أن رسول الله صلى لله عليه وسلم منذ بعث لم يزل يدعو الناس، الجم الغفير، إلى الإيمان بالله تعالى، وبه، وبما أتى به، ويقاتل من أهل الأرض من يقاتله ممن عند ويستحل سفك دمائهم، وسسبي نسائهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، متقربًا إلى الله تعالى بذلك، وأخذ الجزية","vol":"7","page":432},{"text":"وإصغاره، ويقبل من آمن به، ويحرم ماله ودمه وأهله وولده، ويحكم له بحكم الإسلام، ومنهم المرأة البدوية، والراعي، والراعية، والغلام الصحراوي، والوحشي، والزنجي، والمسبي، والزنجية المجلوبة، والرومي والرومية، والأغثر الجاهل والضعيف في فهمه، فما منهم من أحد ولا من غيرهم قال ﵇: إني لا أقبل إسلامك، ولايصح لك دين إلا حتى تستدل على صحة ما أدعوك إليه.\nقال: ولسنا نقول: إنه لم يبلغنا أنه قال ذلك لأحد، بل نقطع - نحن وجميع أهل الأرض - قطعًا كقطعنا على ما شاهدنا: أنه ﵇ لم يقل هذا قط لأحد، ولا رد إسلام أحد حتى يستدل، ثم جرى على هذه الطريقة جميع الصحابة، أولهم عن آخرهم، ولا يختلف أحد في هذا الأمر.\nومن المحال","vol":"7","page":433},{"text":"الممتنع عند أهل الإسلام أن يكون ﵇ يغفل أن يبين للناس ما لا يصح لأحد الإسلام إلا به، ثم يتفق على إغفال ذلك أو تعمد ترك ذكره جميع أهل الإسلام، ويبينه هؤلاء الأشقياء، ومن ظن أنه وقع من الدين على ما لا يقع عليه رسول الله ﷺ فهو كافر بلا خلاف.\nفصح أن هذه المقالة خرق للإجماع، وخلاف لله ولرسوله، ولجميع أهل الإسلام قاطبة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: قبول الإسلام الظاهر يجري على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة: مثل عصمة الدم، والمال، والمناكحة، والموروثة، ونحو ذلك.\nوهذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يعلم ما في باطن الإنسان.\nكما قال ﷺ: «فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» .\nوقال: «إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم» .","vol":"7","page":434},{"text":"ولهذا يقاتل الكافر حتى يسلم أو يعطي الجزية، فيكون مكرهًا على أحد الأمرين.\nومن قال: لا تؤخذ الجزية من وثني قال: إنه يقاتل حتى يسلم.\nوأما الإيمان الباطن الذي ينجي من عذاب الله في الآخرة، فلا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، بل قد يكون الرجل مع إسلامه الظاهر منافقًا، وقد كان على عهد رسول الله ﷺ منافقون، وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن في غير هذا موضع، وميز سبحانه بين المؤمنين والمنافقين في غير موضع.\nكما في قوله: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب * ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور * فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير﴾ .\nوقال تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم","vol":"7","page":435},{"text":"من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم * إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ .\nوهؤلاء قد قالت طائفة: إنهم أسلموا ظاهرًا مع كونهم منافقين.\nوقال الأكثرون: بل كانوا مسلمين غير منافقين ولا واصلين إلا حقيقة الإيمان، فإنه قد قال فيهم: ﴿وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئًا إن الله غفور رحيم﴾ .\nوالمنافق عمله حابط لا يتقبله الله، ومن هذا الباب قوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولايسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» وغير ذلك من الأحاديث التي تكلم عليها في غير هذا الموضع، فإن مسألة الإيمان والكفر والنفاق متعلقة بمسألة أول الواجبات، ووجوب النظر، بالفاسق الملي، وتكفير أهل البدع، وغير ذلك من المسائل التي تكلم عليها الناس.","vol":"7","page":436},{"text":"وبهذا أجابوا عن هذه الحجة، فإنه لما قيل لهم: أجمع المسلمون على أن الكافر إذا أراد أن يسلم يكتفي منه بالإقرار بالشهادتين.\nقالوا: إنما نجتزىء منه بذلك لإجراء الإسلام عليه.\nفإن صاحب الشرع جعل ذلك أمارة لإجراء الأحكام.\nولو كان ذلك إيمانًا حقيقيًا لما قال في حق النسوة المهاجرات: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾ ثم يقول: من ترك ملة من الملل وعاد إلى ملتنا، فلا بد له من حامل يحمله عليه، فإن كان الذي يحمله عليه ما علمه من فساد ملته وعقيدته، وصحة دين الإسلام، فهذا القدر كاف من النظر والاستدلال على الجملة، وإن كان الذي يحمله رهبةً منا، أو رغبة فيما أعطانا الله من المال وغيره، فهجرته إلى ما هاجر إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>تابع كلام ابن حزم</span>\nقال أبو محمد: (فإن قالوا: فما كانت حاجة الناس إلى الآيات والمعجزات؟ وإلى احتجاج الله عليهم بالقرآن وإعجازه؟ وبدعاء اليهود إلى تمني الموت، ودعاء النصارى إلى المباهلة وشق القمر؟ قلنا","vol":"7","page":437},{"text":"وبالله التوفيق قد قلنا: إن الناس قسمان: قسم لم تسكن نفوسهم إلى الإسلام، ولا دخلها التصديق، فطلبوا منه ﵇ البراهين، فأراهم المعجزات، فانقسموا قسمين: طائفة آمنت، وطائفة عندت وجاهرت فكفرت، وأهل هذه الصفة اليوم هم الذين يلزمهم طلب الاستدلال فرضًا ولابد، وقسم وفقهم الله تعالى لتصديقه ﵇، وخلق في نفوسهم الإيمان، كما قال تعالى: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾، فهؤلاء آمنوا له ﵇ بلا تكليف آية.\nوأهل هذه الصفة هم اليوم المعتقدون للإسلام حقًا بلا معرفة باستدلال.\nقال أبو محمد ويلزم أهل هذه المقالة أن جميع أهل الأرض كفار إلا الأقل، وقد قال بعضهم: إنهم مستدلون.\nقال: وهذه مجاهرة هو يدري أنه فيها كاذب، وكل من سمعه يدري","vol":"7","page":438},{"text":"أنه فيها كاذب، لأن أكثر العامة من حاضرة وبادية لايدري ما معنى الاستدلال، فكيف يستعمله؟) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: لفظ الاستدلال فيه إجمال، فإن أريد العبارة عن نظم الأدلة والجواب عن الممانعات والمعارضات، فهذا قد يقال: إنه لا يحسنه إلا من يحسن الجدل.\nوأما الاصطلاح المعين، والترتيب المعين، أو اللفظ المعين، فهذا بمنزلة اللغات، لا يعرفه إلا من يعرف تلك اللغة، وليس هذا واجبًا بلا ريب.\nوإن أريد به نفس طلب العلم بالشيء بالدليل والنظر فيما يدل على الشيء، فهذا مركوز في فطرة جميع الناس، فإنه مامنهم من أحد إلا وعنده من نوع النظر والاستدلال، بل ومن الجدال، بحسب ما هداه الله إليه من ذلك.\nوقد قال تعالى: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلا﴾ والإنسان يجادل بالباطل ليدحض به الحق، من غير معرفة بقوانين الجدل، فكيف لا يجادل بالحق؟.\nوللناس من النظر والمناظرة في صناعتهم وأمور دنياهم، ما يبين أن النظر والمناظرة مركوز في فطرهم، فكيف في أمور الدين؟\nوالله سبحانه يقول: ﴿الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى﴾ وقال تعالى: ﴿قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ .","vol":"7","page":439},{"text":"وهذا الذي ذكره ابن حزم هو قول كثير من الأشعرية، فإنهم متنازعون في النظر: هل هو فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ وفي الواجب: هل هو المعرفة أو الاعتقاد الجازم المصمم؟ وهل يسمى ذلك علمًا أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>كلام الجويني في نفي وجوب النظر</span>\nوكان أبو المعالي يقول: (لم يكلف الناس العلم، فإن العلم في هذه المسائل عزيز لا يتلقى إلا من النظر الصحيح التام، فتكليف ذلك عامة الناس تكليف ما لا يطاق، وإنما كلفوا الاعتقاد السديد مع التصميم وانتفاء الشك والتردد، ولو سمى مسم مثل هذا الاعتقاد علمًا، لم يمنع من أطلاقه) .\nقال: (وقد كنا ننصر هذه الطريقة زمانًا من الدهر، وقلنا: مثل هذا الاعتقاد علم على الحقيقة، فإنه اعتقاد يتعلق بالمعتقد على ما هو به مع التصميم، ثم بدا لنا أن العلم ما كان صدوره عن الضرورة أو الدليل القاطع) .\nقال: (وهذا الاعتقاد الذي وصفناه لا يتميز في مبادىء النظر حتى يستقر ويتميز عن اعتقاد الظان والمخمن) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>كلام أبي إسحاق الإسفراييني</span>\nوقال أبو إسحاق الإسفراييني في آخر مصنفاته: (من اعتقد ما يجب","vol":"7","page":440},{"text":"اعتقاده هل يكتفي به؟ اختلف الأصحاب فيه: فمنهم من اكتفى به، ومنهم من شرط إقرار هذه العقائد بالأدلة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: والذين أوجبوا النظر من الطوائف العامة نوعان: أحدهما: من يقول: إن أكثر العامة تاركوه، وهؤلاء على قولين فغلاتهم يقولون: إن إيمانهم لا يصح.\nوأكثرهم يقولون يصح إيمانهم تقليدًا، مع كونهم عصاة بترك النظر.\nوهذا قول جمهورهم.\nقد ذكر هذا طوائف من الحنفية وغيرهم، كما ذكر من ذكر من الحنفية في شرح الفقه الأكبر فقالوا: قال أبو حنيفة وسفيان ومالك والأوزاعي وعامة الفقهاء وأهل الحديث بصحة إيمان المقلد، ولكنه عاص بترك الاستدلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>كلام شارح الفقه الأكبر لأبي حنيفة</span>\nوقال الشارح: (هذا يفيد فائدتين: إحداهما: أن الإيمان بالتقليد صحيح، وإن لم يهتد إلى الاستدلال، خلافًا للمعتزلة والأشعرية، فإنهما لا يصححان إيمان المقلد والإيمان بالتقليد، ويقولان بكفر العامة) .","vol":"7","page":441},{"text":"وقال: (وهذا قبيح من أقبح القبائح لأنه يؤدي إلى تفويت حكمة الله تعالى في الرسالة والنبوة، لأن من أعطي الرسالة والنبوة أمر بعرض الإسلام أولًا على الكفرة، فلو كان الإسلام لا يصح بالعرض والتقليد، لفات الحكمة في الرسالة، إلا أن درجة الاستدلال أعلى من درجة التقليد ألف مرة، وكل من كان في الاستدلال والاستنباط أكثر، كان إيمانه أنور) .\nوذكر كلامًا آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: القول القبيح الباطل تكفير من حكم الشارع بإيمانه، وهم المؤمنون من العامة وغيرهم، الذين لم يسلكوا الطرق المبتدعة، كطريق الأعراض ونحوها.\nوأما كون إيمان العامة تقليدًا أو ليس تقليدًا؟ وهل هم عصاة أو ليسوا عصاة؟ فهذا كلام آخر.\nوأما المعتزلة والأشعرية فلهم في ذلك نزاع وتفصيل معروف.\nوالنوع الثاني من موجبي النظر - وهم جمهورهم - يقولون: إنه متيسر على العامة، كما يقوله القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلي وغيرهما، ممن يقول ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>كلام أبي يعلى في وجوب النظر</span>\nقالوا: (فإن قيل: فتقولون بوجوب معرفة الله، ومعرفة نبوة رسله، في حق كل مكلف من أهل النظر والعامة، وجفاة","vol":"7","page":442},{"text":"الأعراب والأكراد، وأهل القصبة والرستاق، ومن يقصر فهمه عن معرفة الدقيق وأدلة التفصيل؟ قيل: نعم، لأنه ليس في جميع من ذكرت من يعرف فهمه ويقصر علمه عن معرفة الحدث والمحدث عند مشاهدة تغيير العالم، وما يحدث ويتجدد في أجسامه، من الزيادة والنقصان والنماء وتغير الحالات، وما تجد عليه النطفة من التصور والانتقال من حال إلى حال، وإن قصرت عبارته عن أن يقول: إن هذه أمور متجددة طارئة، إنه لا بد للصنعة من صانع، وللكتابة من كاتب.\nوقد علم أن انتقال النطفة، إلى أن تصير إنسانًا أو بهيمة، أعظم في الأعجوبة، من تحول الفضة خاتمًا، والخشبة سريرًا وبابًا، والغزل ثوبًا منسوجًا، وإن لم يعبر عن ذلك بعبارات المتكلمين، وألفاظ الناظرين، وكما يفرق بين خبر الوحد الذي لا يوجب العلم، وبين خبر التواتر الموجب للعلم، وكما تجد في أنفسها الفرق بين الظن والتقليد، وبين المشاهدة وعلم اليقين، وإن تعذر عليها الفصل بين ذلك أجمع من طريق العبارة.\nوإذا كان كذلك وجب أن يكون لجميعهم سبيل إلى معرفة الحدوث والمحدث) .\nهذه عبارة القاضي أبي يعلي، وغيره من هؤلاء الذين وافقوا القاضي أبا بكر على طريقته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>كلام ابن الزاغوني عن وجوب النظر</span>\nوكذلك قال ابن الزاغوني، وهو من القائلين بوجوب النظر","vol":"7","page":443},{"text":"والاستدلال، وحكى ذلك عن عامة العلماء، كما ذكره القاضي أبو يعلي، وابن عقيل، وأبو الخطاب، وغيرهم.\nقال: (والذي فرضه الله على الأعيان على ضربين: أحدهما: ما لا يتم الإيمان إلا به، وهو معرفة الله وتوحيده، وأنه صانع الأشياء، وأن الكل عبيده، وأمثال ذلك.\nفهذا يستوي في لزومه العالم والعامي، ونعني بقولنا: العالم، الذي تبصر وتدرب وعرف الحجة من الشبهة، وتبحر في مواقف الاجتهاد للمعرفة، وانتصب دافعًا بالحق شبه أهل الاعتراض، على وجه يترجح به الثقة، ويساعده بالفهم اليقين والمعرفة.\nونعني بالعامي من فصل عن أرباب الاختصاص في أحراز العلم وكثرة التبحر، وإنما سمي عاميًا من جهة قلة العدد في خواص العلماء، بالإضافة إلى من بقي، فخواص العلماء في كل زمان آحاد يسير عددهم، والناس غيرهم أعم وجودًا، وأكثر عددًا.\nفلهذا سمي من قل علمه عاميًا ومن جملة العامة.\nولسنا نريد بالعامي من لا معرفة له بشيء من العلم بحال.\nفإذا ثبت هذا، فسائر العامة مؤمنون عارفون بالله في عقائدهم وديانتهم، غير مقلدين في شيء قدمناه ذكره) .\nقال: (وذهبت طوائف من المعتزلة والقدرية إلى أنه لا يعرف الله إلا العلماء، فإما العوام فلا يحكم بصحة إيمانهم ولا بمعرفتهم لله) .","vol":"7","page":444},{"text":"قال: (والدليل على إبطال قولهم هو أنا نقول: حقيقة الإيمان العائد إلى المعتقد هي طمأنينة النفس، وسكون القلب إلى معرفة مايعتقد، بإسناد ذلك إلى دليل يصلح له.\nوهذا لا يعدم في حق أحد من العامة.\nوبيان ذلك: أنه لو قيل لأحد من العوام: بم عرفت ربك؟ لقال: بأنه انفرد ببناء هذه السماء ورفعها، فلا يشاركه في هذا موصوف بجسم ولا جوهر.\nوهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وإلى السماء كيف رفعت﴾، ومن سائر الآيات التي فيها ذكر السماء والاعتبار بها.\nوهذا الآيات هي الأصل عند العلماء، وإنما ينفردون عن العامة في هذا ببيسط البيان المليح، والتشقيق، والغامض الدقيق.\nوفي بيان حكم يدركها العامي فهمًا بجنانه، ويقصر عن شرحها بلسانه، فهما في ذلك كرجلين اتفقا في العلم بمسألة، وأحدهما في الكشف أبسط باعًا، وأفصح شرحًا.\nوهذا يرجع إلى شيء، وذلك أنه قد ثبت أن الله تعالى كلف الكل معرفته، وضمن فيما أن لا يزيد تكليفه على مقدار الوسع، بقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ وقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾، فحقيقة المعرفة بالشيء إنما هي الوقوف عليه بالعلم على ما هو به، ولا يوصل إلى ذلك في","vol":"7","page":445},{"text":"حق الله إلا باستناد المعتقد فيه إلى دليله، فلو كان الدليل لا يدخل الوقوف عليه في طوق العامي، لأدى ذلك إلى تكليفه ما ليس في وسعه، وهذا خلاف ما نص الله عليه.\nدليل آخر: وهو أنا إذا تأملنا أدلة التوحيد، وما يجب على العامي ترك التقليد فيه، وجدناه سهلًا في مأخذه، قريبًا في تناوله، تشتاق النفوس إليه بأنسها، ويستند ذلك إلى شيئين: أحدهما: أن ذلك منوط بالعقل، ولأجل هذا ادعى خصومنا أن المعرفة وجبت بالعقل، والعوام عقلاء.\nويظهر ذلك شرعًا وعقلًا: أما الشرع فلا يكلف إلا عاقلًا، وهو تسليم أموالهم إليهم لرشدهم، ولا رشيد إلا عاقل.\nوأما طريق العقل فيما يظهر من ذلك في تدبيرهم، وتدقيق حيلهم، وخفي مكرهم، في تقاسيم أحوال الدنيا.\nوقد سطر الناس في ذلك كتبًا، وصنفوا فيها من فنون المكر والحيل، وتدقيق الآراء في أنواع التدبير ما فيه غنية لمن تأمله.\nوالثاني: أن أدلة ذلك جلية في أعلى مقامات الإيضاح والكشف، حتى تجد النفوس بها مستأنسة، وذلك مثلما يستدل","vol":"7","page":446},{"text":"العامي على معرفة أن له خالقًا، فيعلم عند تأمل نفسه أنه جسم مجموع مفعول مصنوع، وهو عاجز في نفسه عن صنع ذاته وصفاته من وجوه.\nأيسرها: أن الصانع من شرطه أن يتقدم على المصنوعات، فإذا ثبت ذلك في نفسه، واستقر ذلك في أمثاله من جنسه، واستوى العالم كله عنده في أنه يشاركه في صفات نفسه، اقتضى ذلك إثبات صانع آخر، يخالفهم في استحقاق الجمع لحقيقة الوحدة، ويتحقق فيه شرط السبق إلى غير غاية.\nوهذا وأمثاله معروف عند العامة، لا يخفى عليهم، وإن عجزوا في بعضه عن الإفصاح بشرحه، والمأخوذ على المكلف فهمه ومعرفته، على وجه يزول عنه الشك، ويبعد فيه الريب، ويستضيء به العقل، وتثق به النفس.\nوهذا سهل لا تقصر العامة عن معرفته، فلهذا قضينا لهم بالإيمان والمعرفة، وهذا جلي واضح.\nولكونه حقًا في نفسه، صحيحًا في معناه، سوى الله في أحكامه بين العالم والعامي، في احكام ذلك العامة، وهي الخطاب بالأمر والنهي، وإقرارهم على حكم القبول في المعقود من الأنكحة والبيوع، وأداء الفرائض","vol":"7","page":447},{"text":"واجتناب المحارم، والغسل والتكفين، والصلاة عليهم، والدفن في مقابر المسلمين إلى قبلتهم، والتوارث منهم، وذلك يوجب لهم القضاء بالإيمان والمعرفة) .\nقال: (واحتج المخالف بأن حقيقة المعرفة هو العلم بالشيء، أو العلم بالمعلوم، وإنما يكون ذلك إذا وصل صاحبه إلى اليقين فيه، وإذا لم يكن قادرًا على بصيرة دليل يكشفه، ولا على دفع شبهة يحلها، لم يكن على يقين فيما علمه، لأنه قد يعترض عليه، فيما عنده شك، ما يوجب نقلته عما كان عليه، أو يعرض له من الشكوك، ما يزيل الثقة بما عنده.\nومن هو على هذه الصفة فهو ناقص المعرفة، وتجويز النقصان في هذا يوجب أنه لم يتعلق بما مثله يصلح أن يكون كافيًا في مقصوده، شافيًا في مراده، وإلا فحقيقة المعرفة لا تدخلها التجزئة، فيثبت منها بعض دون بعض.\nفبان بهذا أن كل من كان في عداد العامة، فهو غير عارف على الحقيقة، ومن ليس بعارف لم يثبت له تسمية ما يستحقه أهل المعرفة من ذلك) .\nقال: (والجواب أن ما أسلفناه في أول المسألة، هو جواب عما","vol":"7","page":448},{"text":"ذكروه، وهو أنه إذا أضاف ما علمه إلى دليل مثله لا يفسد، وقد استحكمت ثقة المعترف به في مدة حياته، لا يعتريه فساد، ولا يدخله نقص، واتفق على ذلك من يساويه في معرفته، ومن يزيد عليه في مقام العلم والاجتهاد، فقد استحكمت ثقته به من وجهين: أحدهما: علمه وتجربته.\nوالثاني: اتفاق أهل الملة على صحته.\nومثل هذا لا يعارضه شك يخرج المتمسك به عن الثقة، فإنه قد ثبت عند العامة عمومًا، لا يختلف فيه أحد منهم، أن كل جسم مبني مجموع محدث، كان بعد أن لم يكن، ويتوهم نقضه، كما يتحقق بناؤه، وإن كان كل واحد منهم ليس بفاعل نفسه، ولا فعله مثله، ويتحقق أن من شرط الفاعل أن يكون سابقًا على المفعول، فإذا تساوت الأجسام في هذا، دل على أن الفاعل لها غيرها، وهو من لا يشاركها فيما أوجب بها العجز، وهذا جلي واضح لا يمكن دفعه، ولا تقابله شبهة تؤثر فيما استقر عند العالم به.\nوهذا كاف لا يقصر عنه عامي، ولا يقدر على الزيادة فيه عالم، إلا بتحسين العبارة فيه، أو حذف مواد الشبهة عنه.\nوهذا أمر زائد على مقدار فهمه، والثقة بصحته، ولهذا كان من فرائض الكفايات) .","vol":"7","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-807>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: إن جمهور العامة لا يعرف هذا الدليل، بل ولا يعرف مسمى الجسم في اصطلاح المستدلين به، ولا يعرف أن الهواء يسمى جسمًا، بل أكثر الناظرين في العلم، من أهل الفلسفة والكلام، والفقه والحديث والتصوف، لم يعرفوا صحة هذا الدليل، بل قالوا: إن باطل.\nوالسلف والأئمة جعلوا هذا من الكلام المبتدع الباطل، ولم يدع أحد من الأنبياء وأتباعهم أحدًا إلى الاستدلال على معرفة الله بهذا الطريق، وإنما ابتدعه في الإسلام، من كان مبتدعًا في الإسلام، من الجهمية والمعتزلة ونحوهم.\nولكن الذي يعرفه العامة، والخاصة، إن كل واحد من الآدميين محدث، كان بعد أن لم يكن، وأنه ليس بفاعل نفسه.\nولم يفعله مثله.\nولهذا استدل سبحانه بذلك، في قوله تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ .\nوكذلك يعلمون حدوث ما يشهدون حدوثه، ويعلمون أنواعًا من الادلة غير هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>تابع كلام ابن الزاغوني</span>\nقال أبو الحسن بن الزاغوني: (وأما قولهم: إنه قد يعترض عليه من الشبهة ما يوجب تفلته، ويرفع ثقته، فليس كذلك، من وجهين: أحدهما: أن خيالات الشبه لا تكافي فيما ذكرنا، فما يقصر من الشبه","vol":"7","page":450},{"text":"فتقصيره يظهر سريعًا.\nوالنثاني: أنه إذا طرأ على العامي شبهة، فإنه لا يزال يسأل عنها، ويبالغ في التفتيش والتنقير، حتى يخبره العلماء الربانيون في ذلك بما تقوى به ثقته) .\nقال: (وأما قولهم: إن المعرفة ناقصة في حقه، فإن أردتم أنها ناقصة من حيث إنه لا يصل إلى مطلوب المسألة، فهذا محال، لا فهذا مما لا يدخله نقص، وذلك لأن الإنسان: إما عارف بالمسألة، أو غير عارف، ولا واسطة بينهما وإن أردتم بالنقص من طريق العدد في المسائل أو في الدلائل فصحيح، غير أنه يفصل به بين علم الأعيان وعلم الكفاية، وذلك غير قادح في ثبوت المسألة بدليلها الذي لا غنى عنه ولا زيادة عليه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا مبني على أن المعرفة بالله تعالى لا تتفاضل، وأن الشيء لا يكون معلومًا من وجه، مجهولًا من وجه.\nوهذا أحد القولين للناس في هذه المسألة، وهو قول طائفة من أهل الحديث والفقهاء، من أصحاب أحمد وغيرهم، وقول كثير منهم من أصحاب الأشعري، أو أكثرهم، وهو قول جهم بن صفوان وكثير من المرجئة.\nلكن جمهور الناس على خلاف هذا.\nوقد ذكر القاضي أبو يعلى في ذلك عن أحمد في روايتين.\nوهذا يشبه تنازع الناس في العقل: هل","vol":"7","page":451},{"text":"يتفاضل؟ فمذهب الجمهور أنه يتفاضل، وهو قول أكثر أصحاب أحمد، وغيرهم من العلماء، كـ التميمي، والقاضي، وأبي الخطاب، وغيرهم من العلماء.\nوقالت طائفة: لا يتفاضل.\nوهو قول أكثر أصحاب الأشعري، وابن عقيل، وغيرهم.\nوهو يشبه تنازعهم في أن بعض الواجبات: هل تكون أوجب من بعض؟ فـ ابن عقيل وغيره ينكرون التفاضل في هذا.\nوجمهور الفقهاء يجوزون التفاضل في هذا.\nوالكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن الذين يقولون بوجوب النظر والاستدلال على الأعيان، أو يقولون: إن الإيمان لا يصح إلا به، لأن المعرفة واجبة، والمعرفة لا تتم إلا به، فقول جمهورهم: إن المراد بذلك هو العلم الذي يقوم بالقلب، لا العبارة عنه، ولا يوجبون نظم الدليل بالعبارة، ولا القدرة على جواب المعارض، ويقولون: إن العلم بالدليل أمر متيسر على العامة، وإن العامة المؤمنين قد حصل لهم في قلوبهم النظر والاستدلال المفضي إلى العلم، وإن لم يكونوا قادرين على نظم الدليل وبيانه بالعبارة.\nوهذا موجود في عامة ما يقوم بالنفس من علم، وحب وبغض،","vol":"7","page":452},{"text":"ولذة وألم، وغير ذلك، يكون ذلك موجودًا في النفس، يعلم به الإنسان، ولكن وصف ذلك وبيانه، والتعبير عنه، شيء آخر.\nوليس كل من علم شيئًا أمكنه أن يصفه، ولهذا يسمى مثل هذا متكلمًا.\nومعلوم أن العلم ليس هو الكلام.\nولهذا يقال: العلم علمان: علم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان هو حجة الله على عباده.\nوقد روي ذلك عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا، وقد قيل: إنه من كلام الحسن، وهو أقرب.\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁: إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، كثير معطوه، قليل سائلوه.\nوسيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه، قليل فقهاؤه، قليل معطوه، كثير سائلوه.\nفالفقيه الذي تفقه قلبه، غير الخطيب الذي يخطب بلسانه، وقد يحصل للقلب من الفقه والعلم أمور عظيمة، ولا يكون صاحبه مخاطبًا","vol":"7","page":453},{"text":"بذلك لغيره، وقد يخاطب غيره بأمور كثيرة من معارف القلوب وأحوالها، وهو عار عن ذلك، فارغ منه.\nوقد أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة: طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل الثمرة: طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة: طعمها مر ولا ريح لها» .\nفبين ﷺ إن الإنسان قد يقرأ القرآن فيتكلم بكلام الله وهو منافق، ليس في قلبه إيمان، وآخر يكون مؤمنًا قلبه، فيه من معرفة الله تعالى وتوحيده، ومحبته وخشيته، ما هو من أعظم الأمور، وهو لا يتكلم بالقرآن الذي هو كلام الله تعالى.\nولهذا قال جندب بن عبد الله، وابن عمر، وغيرهما: تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانًا.\nوأنتم تتعلمون القرآن، ثم تتعلمون الإيمان.","vol":"7","page":454},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾ .\nوفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة» .\nفأخبر انه أنزل الإيمان في القلوب.\nوقد تقدم قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ .\nوهذا مثل ضربه الله لما أنزله في القلوب من الإيمان والقرآن، وشبه القلوب بالأودية، وشبه ما يخالط القلوب من الشهوات والشبهات بالزبد الذي","vol":"7","page":455},{"text":"يذهب جفاء، يجفوه القلب ويدفعه، وشبه ما يبقى في الأرض من الماء النافع بما يبقى في القلوب من الإيمان النافع.\nوتقدم أيضًا حديث أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: «مثل بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء، فشرب الناس وسقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان: لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» .\nفقسم ﷺ الناس فيما بعث به من الهدى والعلم، الذي شبهه بالغيث، إلى ثلاثة أقسام: فقسم قبلوه فانتفعوا به في نفوسهم علمًا وعملًا.\nوقسم حفظوه وأوده إلى غيرهم.\nوقسم ثالث لا هذا ولا هذا.\nوقوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ نظير قوله: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي﴾ .","vol":"7","page":456},{"text":"ففي هاتين الايتين بين سبحانه أن الإيمان والهدى حصل بالوحي النازل، لا بمجرد العقل الذي كان حاصلًا قبل الوحي.\nوالناس متنازعون في المعرفة: هل حصلت بالشرع، أو بالعقل؟ وهل وجبت بهذا أو بهذا؟\nوالنزاع في هاتين المسألتين موجود بين عامة الطوائف، من اصحاب أحمد وغيره.\nفإن الناس لهم في العقل: هل يعلم به حسن الأشياء وقبحها؟ والوجوب والتحريم، قولان مشهوران: أحدهما: أنه لا يعلم به ذلك، وهو قول الأشعري وأصحابه، وابن حامد، والقاضي أبي يعلى، والقاضي يعقوب، وابن عقيل، وابن الزاغوني، وغيرهم من أصحاب أحمد وكثير من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما.\nوالثاني: أنه يعلم به ذلك.\nوهذا قول المعتزلة والكرامية وغيرهم.\nوهو قول أبي الحسن التميمي، وأبي الخطاب، وغيرهما من أصحاب أحمد.\nوذكر أبو الخطاب أنه قول جمهور العلماء، وهو قول كثير من أئمة الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم، كـ أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، وأبي نصر السجزي.\nوقول كثير من أصحاب مالك والشافعي، وهو الذي ذكره أصحاب أبي حنيفة، وذكروه عن أبي حنيفة نفسه.\nوقد بسط الكلام على هذه المسألة، وما فيها من التفصيل، في غير هذا الموضع.\nوكذلك المعرفة: هل تحصل بالعقل أو بالشرع؟.\nفيها","vol":"7","page":457},{"text":"نزاع بين العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم من العلماء.\nوحقيقة المسألة: أن المعرفة منها ما يحصل بالعقل، ومنها ما لا يعرف إلا بالشرع.\nفالإقرار الفطري: كالإقرار الذي أخبر الله به عن الكفار، قد يحصل بالعقل، كقوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ .\nوأما ما في القلوب من الإيمان المشار إليه في قوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ فلا يحصل إلا بالوحي، كما في قوله: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي﴾ .\nومما يتعلق بهذه المسألة الكلام فيما يلهمه الله تعالى المؤمنين من الإيمان، كقوله تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي﴾ .\nوقوله: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾، وقوله: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ .\nوقوله: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾ إلى قوله: ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ .","vol":"7","page":458},{"text":"وقوله: ﴿حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم﴾ .\nوقوله: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾ وقوله: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ .\nوأمثال ذلك مما يبين أن ما يحصل في القلوب من الهدى والنور الإيمان هو من الله تعالى بفضله ورحمته.\nوهذا يتعلق بمسألة القدر.\nولما كانت المعتزلة قدرية تنكر أن يكون الله تعالى خالقًا لأفعال العباد، ويقولون: إن ما يحصل للعبد من الإيمان، لم يحصل من الله تعالى، بل قد أعطى الكافر من أسباب الإيمان مثل ما أعطى المؤمن، وليس له نعمة على المؤمن، أعظم من نعمته على الكافر، ولكن نفس القدرة التي بها آمن هذا بها كفر هذا، وكل منهما رجح أحد مقدوريه بلا سبب يوجب الترجيح، لأن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح.\nوأما من قال منهم بقول أبي الحسين: إن الفعل لا يحصل مع القدرة إلا بالداعي، وإن الله يخلق الداعي، وأنه يجب وجود المقدور عند وجودهما، فهذا موافق لأهل السنة في المعنى، وإن أظهر نزاعهم.","vol":"7","page":459},{"text":"والمعتزلة كانوا هم أئمة الكلام في وجوب النظر والاستدلال بطريقة الأعراض والأجسام وما يتبع ذلك، وصاروا يقولون: إن الإيمان لا يمكن أن يحصل للعبد بدون اكتسابه له، لا يمكن عندهم أن يحصل بعلم ضروري يجعله الله في قلب العبد، ولا بإلهام وهداية منه، يختص بها من يشاء من عباده.\nولهذا خالفهم المثبتون للقدر، كـ الأشعري وغيره، وقالوا: يمكن أن يعلم بالاضطرار ما يعلم بالنظر، فإن هذا عندهم ليس أمرًا لازمًا، لكنه بحسب العادة.\nوالمعتزلة يقولون: إن الإيمان إذا كان موهبة من الله تعالى لعبد، وتفضلًا منه عليه، لم يستحق العبد الثواب.\nوأهل السنة يقولون: هو محسن إلى العبد متفضل عليه، بأن أرسل إليه الرسول ﷺ، وأن جعل له السمع والبصر الفؤاد الذي يعقل به، وأن هداه للإيمان، وأن أماته عليه، فكل هذا إحسان منه إلى المؤمن وتفضل عليه، وإن كان هو قد كتب على نفسه الرحمة، وكان حقًا عليه نصر المؤمن، وحق العباد عليه إذا وحدوه ألا يعذبهم، فذاك حق أوجبه بنفسه، بكلماته التامات وبما تستحقه نفسه المقدسة من حقائق الأسماء والصفات، لا أن شيئًا من المخلوقات أوجب عليه شيئًا، أو حرم عليه شيئًا","vol":"7","page":460},{"text":"والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر.\nفلما صار من أخذ ما أخذه من الكلام المحدث عنهم، كـ الأشعري ومن سلك سبيله من أصحاب أحمد ومالك والشافعي، يسلكون مسلكهم في مسألة إيجاب النظر، وأن الإيمان لا يحصل إلا به، قال أبو جعفر السمناني، أحد أئمة الأشعرية: (هذه المسألة بقية بقيت في المذهب من الأعتزال لمن اعتقدها، وذلك لكون الأشعري كان معتزلًا تلميذًا لأبي علي الجبائي، ثم رجع عن ذلك إلى مذهب ابن كلاب وأمثاله من الصفاتية المثبتين للقدر، والقائلين بأن أهل الكبائر لا يخلدون، ونحو ذلك من الأصول التي فارق بها المعتزلة للجماعة.\nوأصل الكلام المحدث، المخالف للكتاب والسنة، المذموم عند السلف والأئمة، كان أئمة الجهمية والمعتزلة وأمثالهم، والمعتزلة قدرية جهمية، وجهم وأتباعه جهمية مجبرة، ثم الأشعري كان منهم، ولما فارقهم وكشف فضائحهم، وبين تناقضهم، وسلك مسالك أبي محمد بن كلاب وأمثاله، ناقضهم غاية المناقضة في مسائل القدر والوعيد والأسماء والأحكام، كما ناقضهم في ذلك الجهمية والضرارية والنجارية ونحوهم.","vol":"7","page":461},{"text":"وكان الأشعري أعظم مباينة لهم في ذلك من الضرارية، حتى مال إلى قول جهم في ذلك، لكنه كان عنده من الانتساب إلى السنة والحديث وأئمة السنة، كـ الإمام أحمد وغيره.\nونصر ما ظهر من أقوال هؤلاء، ما ليس عن أولئك الطوائف.\nولهذا كان هو وأمثاله يعدون من متكلمة أهل الحديث، وكانوا هم خير هذه الطوائف، وأقربها إلى الكتاب والسنة، ولكن خبرته بالحديث والسنة كانت مجملة، وخبرته بالكلام كانت مفصلة، فلهذا بقي عليه بقايا من أصول المعتزلة، ودخل معه في تلك البقايا وغيرها طوائف من المنتسبين إلى السنة والحديث، من أتباع الأئمة من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد.\nوعامة هؤلاء يقولون الأقوال المتناقضة، ويقولون القول ولا يلتزمون لوازمه.\nومن أسباب ذلك أنهم يقولون القول المأثور عن الصحابة والسلف، الموافق للكتاب والسنة، ولصريح المعقول، ويسلكون في الرد على بعض الكفار، أو بعض أهل البدع، مسلكًا سلكته المعتزلة ونحوهم، وذلك المسلك لا يوافق أصول أهل السنة، فيحتاجون إلى التزام لوازم ذلك المسلك المعتزلي، وإلى القول","vol":"7","page":462},{"text":"بموجب نصوص الكتاب والسنة، والمعقول الموافق لذلك، فيحصل التعارض والتناقض.\nوهكذا المعتزلة ردوا على كثير من الكفار ردًا بطرق سلكوها، متى التزموا لوازمها عارضت حقًا آخر معلومًا بالشرع أو العقل.\nومن تدبر هذه الأبواب رأى عجائب، وما ثم ما يثبت على السبر والتقسيم ويسلم عن التناقض، إلا ما جاء من عند الله.\nكما قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ .\nوكثير من هذه الطوائف يتعصب على غيره، ويرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع المعترض في عينه، ويذكر من تناقض أقوال غيره، ومخالفتها للنصوص والمعقول، ما يكون له من الأقوال في ذلك الباب ما هو من جنس تلك الأقوال، أو أضعف منها، أو أقوى منها.\nوالله تعالى يأمر بالعلم والعدل ويذم الجهل والظلم.\nكما قال تعالى: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما﴾ .","vol":"7","page":463},{"text":"وقال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾ .\nوقال النبي ﷺ: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فرجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار» .\nرواه أهل السنن.\nومعلوم أن الحكم بين الناس في عقائدهم وأقوالهم أعظم من الحكم بينهم في مبايعهم وأموالهم.\nوقد قال تعالى: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير﴾ .","vol":"7","page":464},{"text":"وقد رأيت من كلام الناس في هذا الباب وغيره ألوانًا لا يسعها هذا الموضع، وكثير من نزاع الناس يكون نزاعًا لفظيًا، أو نزاع تنوع، لا نزاع تناقض.\nفالأول مثل أن يكون معنى اللفظ الذي يقوله هذا، هو معنى اللفظ الذي لا يقوله هذا، وإن اختلف اللفظان، فيتنازعان، لكون معنى اللفظ في اصطلاح أحدهما، غير معنى اللفظ في اصطلاح الآخر، وهذا كثير.\nوالثاني أن يكون هذا يقول نوعًا من العلم والدليل صحيحًا، ويقول الآخر نوعًا صحيحًا.\nوكثير من نزاع الناس في هذا الموضع من هذا الباب، وكثير منه نزاع في المعنى، والنزاع المعنوي: إما أن يكون في ثبوت شيء وانتفائه، وإما أن يكون في وجوب شيء وسقوطه.\nفالنزاع في صحة دليل الأعراض ونحوه نزاع معنوي، وكذلك النزاع في وجوب الاستدلال بهذا الدليل على الإيمان، أو توقف صحة الإيمان عليه، ونحو ذلك.\nولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة، مأخوذ في الأصل عن المعتزلة والجهمية ونحوهم، وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات: هل هو النظر، أو القصد، أو الشك، أو المعرفة؟ صار كثير من المنتسبين إلى","vol":"8","page":3},{"text":"السنة، المخالفين للمعتزلة في جمل أصولهم، يوافقونهم على ذلك.\nثم الواحد من هؤلاء إذا انتسب إلى إمام من أئمة العلم، كـ مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وصنف كتابًا في هذا الباب يقول فيه: (قال أصحابنا) و(اختلف أصحابنا) فإنما يعني بذلك أصحابه الخائضين في هذا الكلام، وليسوا من هذا الوجه من أصحاب ذلك الإمام فإن أصحابه الذين شاركوه في مذهب ذلك الإمام، إنما بينهم وبين أصحابه المشاركين له في ذلك الكلام عموم وخصوص، فقد يكون الرجل من هؤلاء دون هؤلاء وبالعكس، وقد يجتمع فيه الوصفان.\nوهذا موجود كثيرًا في أتباع جميع الأئمة، فتجد الواحد، من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد يقول: اختلف أصحابنا في أول الواجبات، ونحو ذلك، ولا يصح كلامه إلا على هذا الوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>كلام أبي الفرج المقدسي</span>\nكما يقول أبو الفرج المقدسي الحنبلي في تبرصته فإنه قال:","vol":"8","page":4},{"text":"(فصل): في أول ما أوجب الله على العبد المكلف، وفي ذلك وجهان لأصحابنا: أحدهما: أن أول ما أوجب الله على العبد معرفته، والثاني: أن أول ما أوجب الله على العبد النظر والاستدلال، المؤديان إلى معرفة الله تعالى) .\nقال: (وقال قوم: أول ما أو جب الله على العبد الطهارة والصلاة وغير ذلك) .\nثم قال: (دليلنا أن معرفة الله يجب أن تتقدم على عبادته، لأنه لا يجوز للمكلف ان يعبد ما لا يعرف وإذا ثبت هذا، وجب تقدم المعرفة على العبادة) .\nقال: (وإلى ذلك دعانا الباري بقوله تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم﴾ وقال: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض﴾ .\nقال: (ولم يندبنا إلى النظر والتفكر إلا لكي نستدل على معرفته) .\nقال: (دليل ثان: أن النبي ﷺ أول ما أرسل به إلى الأمة التوحيد، ومعرفة الله تعالى بالوحدانية ونفى الإليهة عما سواه.\nولهذا قال النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس","vol":"8","page":5},{"text":"حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» .\nثم فرض عليهم بعد ذلك الفرائض، فدل على ما قلناه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فهذا الكلام وأمثاله يقوله كثير من أصحاب الأئمة الأربعة ومعلوم أن الأئمة الأربعة ما قالوا لا هذا القول، ولا هذا القول، وإنما قال ذلك من أتباعهم من سلك السبل المتقدمة.\nوالنبي ﷺ لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداءً، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه.\nكما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ بن جبل ﵁، لما بعثه إلى اليمن: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» .","vol":"8","page":6},{"text":"وكذلك سائر الأحاديث عن النبي ﷺ موافقه لهذا، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» .\nوفي حديث ابن عمر: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» .\nوهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول، أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين، سواء كان معطلًا، أو مشركًا، أو كتابيًا، وبذلك يصير الكافر مسلمًا، ولا يصير مسلمًا بدون ذلك.\nكما قال أبو بكر بن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام - وهو بالغ صحيح يعقل - أنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدًا، يجب عليه ما يجب على المرتد.\nلكن تنازعوا فيما إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله: هل يتضمن ذلك الشهادة بالتوحيد أو لا يتضمن؟ أو يفرق بين من يكون","vol":"8","page":7},{"text":"مقرًا بالتوحيد ومن لا يكون مقرًا، على ثلاثة أقوال معروفة من مذهب أحمد وغيره من الفقهاء.\nولهذا قال غير واحد ممن تكلم في أول الواجبات، كالشيخ عبد القادر وغيره: أول واجب على الداخل في ديننا هو الشهادتان.\nواتفق المسلمون على أن الصبي إذا بلغ مسلمًا، لم يجب عليه عقب بلوغه تجديد الشهادتين.\nوالقرآن العزيز ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد، وإنما في الأمر بالنظر لبعض الناس، وهذا موافق لقول من يقول: إنه واجب على من لم يحصل له الإيمان إلا به، بل هو واجب على كل من لا يؤدي واجبًا إلا به.\nوهذا أصح الأقوال.\nفقوله تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون﴾ وهذا بعد قوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾ .","vol":"8","page":8},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم﴾ فالضمير عائد إلى الذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون.\nوقوله تعالى: ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين * أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ .\nفهذا مذكور بعد قوله: ﴿والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين﴾ .\nثم قال: ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم﴾، فالضمير عائد إلى المكذبين، فإنه قال تعالى: ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾ ثم قال تعالى: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ فقول هؤلاء، كأبي المعالي وغيره: (أول ما يجب على العاقل البالغ، باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا، القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدث العالم) هو في الأصل من","vol":"8","page":9},{"text":"كلام المعتزلة، وهو كلام مخالف لما أجمع عليه أئمة الدين، ولما تواتر عن سيد المرسلين، بل لما علم بالاضطرار من دينه.\nوإذا قدر أن أول الواجبات هو النظر، أو المعرفة، أو الشهادتان، أو ماقيل، فهذا لا يجب على البالغ أن يفعله عقب البلوغ، إلا إذا لم يكن قد فعله قبل البلوغ، فأما من فعل ذلك قبل البلوغ فإنه لا يجب عليه فعله مرة ثانية، لا سيما إذا كان النظر مستلزمًا للشك، المنافي لما حصل له من المعرفة والإيمان، فيكون التقدير: اكفر ثم آمن، واجهل ثم أعرف، وهذا كما أنه محرم في الشرع، فهوممتنع في العقل، فإن تكليف العالم الجهل من باب تكليف ما لا يقدر عليه، فإن الجاهل يمكن أن يصير عالمًا، فإذا أمر بتحصيل العلم كان ممكنًا، أما العالم فلا يقدر أن يصير جاهلًا، كما أن من رأى الشيء وسمعه لا يمكن أن يقال لا يعرفه، فمن كان الله قد أنعم عليه وشرح صدره للإسلام قبل بلوغه، فحصل له الإيمان المتضمن للمعرفة، لم يمكن أن يؤمر بما يناقض المعرفة، من نظر ينافي المعرفة، أو شك أو نحو ذلك، بل الأمر لمن حصل له علم ومعرفة أن يقدم ذلك ثم يحصله، مثل تكليف من حصل له قصد الصلاة ونيتها، بأن يقدم ذلك ثم تحصل النية.","vol":"8","page":10},{"text":"وهذا مع أنه من باب الجهل والسفه والضلال، فهو من باب تكليف العباد ما يعجزون عنه، ولهذا يقال: الوسوسة لا تكون إلا من خبل في العقل أو جهل بالشرع.\nوقد اتفق الفقهاء على أن الصبي إذا تطهر قبل البلوغ لم يجب عليه إعادة الوضوء إذا بلغ، وكذلك لوكان عليه ديون فقضاها، أو قضاها وليه، لم يجب عليه إعادة القضاء بعد البلوغ، بل لو صلى الفرض في أول الوقت ثم بلغ، ففي إعادة الصلاة عليه نزاع معروف بين العلماء، ومذهب الشافعي لا تجب الإعادة، وهو قول في مذهب أحمد.\nومن الناس من يضعف هذا القول، ولعله أقوى من غيره، فإن النبي ﷺ لم يأمر أحدًا من الصبيان بإعادة الصلاة، مع العلم بأن كثيرًا منهم يحتلم بالليل.\nوقد صلى العشاء مع بقاء وقتها.\nوالمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ.\nوالشهادة تتضمن الإقرار بالصانع تعالى وبرسوله، لكن مجرد المعرفة بالصانع لا يصير به الرجل مؤمنًا، بل ولا يصير مؤمنًا بأن يعلم أنه رب كل شيء حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يصير مؤمنًا","vol":"8","page":11},{"text":"بذلك حتى يشهد أن محمدًا رسول الله، ثم كون ما يجب من العرفة لا يحصل إلا بالنظر، أو يمكن حصوله بدونه؟ وهل أصل المعرفة فطرية ضرورية أو نظرية؟ أو يحصل بهذا تارة ولهذا تارة؟ والنظر المحصل لها: هل يتعين في طريق معين أو لا يتعين؟ هذه مسائل أخر.\nومما يتعلق بهذا تنازعهم في المعرفة الواجبة: هل تحصل بالعقل أو بالشرع؟ وكثير من النزاع في ذلك لفظي، وبعضه معنوي.\nفمن ادعى أن المعرفة لا تحصل إلا بطريقة الأعراض والتركيب ونحو ذلك من الطرق المبتدعة، التي للمعتزلة والمتفلسفة ومن وافقهم.\nكان النزاع معه معنويًا.\nونحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول وسلف الأمة بطلان قول هؤلاء، وأن الرسول ﷺ لم يأمر أحدًا بهذه الطرق، ولا علق إيمانه، ومعرفته بالله بهذه الطرق، بل القرآن وصف بالعلم والإيمان من لم يسلك هذه الطرق.\nولم ابتدع بعض هذه الطرق من ابتدعها، أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها، ووسموا هؤلاء بالبدعة والضلالة.\nثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر، لا يمشي على","vol":"8","page":12},{"text":"قول من يقول: لا واجب إلا بالشرع كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.\nفإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور، وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أوسبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك.\nوإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين، وإن كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة.\nوهذا هو المعنى الذي قصده من قال: أول الواجبات الطهارة والصلاة.\nفإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا، أو إذا ميزوا.\nكما «قال ﷺ: مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» .\nولهذا قال الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما: يجب على كافل الصبي أن يأمره بالطهارة والصلاة لسبع.\nولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد شهادتين، ولا نظر ولا استدلال، ونحو ذلك.\nولا يؤمر بذلك بعد البلوغ، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبًا باتفاق المسلمين، ووجوب ذلك، يسبق وجوب الصلاة، لكن هو قد أدى هذا الواجب قبل ذلك: إما بلفظه وإما بمعناه، فإن نفس الإسلام والدخول فيه إلتزام لذلك.","vol":"8","page":13},{"text":"وهنا مسائل تكلم الفقهاء فيها، فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما؟ والصحيح أنه يصير مسلمًا بكل ما هو من خصائص الإسلام.\nفإن قال هؤلاء: يعني بكونه أول الواجبات: أنه أول العبد من الواجبات؟ قيل: قد يؤدي قبل ذلك واجبات: من قضاء الديون، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، والعدل وغير ذلك.\nفإن قيل: لكن هذا أول واجب يتعلق به الثواب في الآخرة، بخلاف ما أدي بدونه، فإنه لا ثواب فيه في الآخرة؟.\nقيل: مع قولنا بأنه لا وجوب ولا ثواب في الآخرة إلا بالشرع، فلا يثاب لا على هذا وعلى هذا قبل مجيء الشرع، ولا يجب لا هذا ولا هذا إلا بالشرع، وإذا خاطبه الشارع الناس، فإنما يأمر العبد ابتداءً لما لم يؤده من الواجبات دون ما أداه.\nفلم يخاطب المشركين ابتداءً بالمعرفة إذ كانوا مقرين بالصانع، وإنما أمرهم بالشهادتين، ولو لم يكونوا مقرين بالصانع، فإنه لم يأمرهم بإقرار مجرد عن الشهادتين، بل أمرهم بالشهادتين ابتداءً.\nوالشهادتان تتضمن المعرفة،","vol":"8","page":14},{"text":"فلو أقروا بالصانع وعرفوه من غير إقرار بالشهادتين لم يقبل ذلك منهم، ولم يخرجوا بذلك من الكفر، ولم يرتب خطابهم بذلك شيئًا بعد شيء، بل خاطبهم بالجميع ابتداءً.\nوهنا تكلم الناس في وجوب إمهال الكافر إذا طلب الإمهال للنظر، فأوجبه من أوجبه من المتكلمين من المعتزلة، ومن تبعهم على هذه الطريقة، كالقاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى في المعتمد وغيرهما.\nوأما الفقهاء أئمة الدين فلا يوجبون ذلك مطلقًا.\nأما في حال المقاتلة فيقاتلون حتى يسلموا أو يقروا بالجزية، إن كانوا من أهلها، فإذا أسر الرجل منهم فهذا لا يتعين قتله.\nفإذا طلب مثل هذا الإمهال ورجى إسلامه أمهل.\nوأما المرتد فلا يؤخر عند الجماهير أكثر من ثلاث.\nوأما من له عهد، فذلك لا يكره على الإسلام، فهو في مهلة النظر دائمًا.\nولوطلب أهل دار ممتنعين من الإمام أن يمهلهم مدةً، ورجا بذلك إسلامهم، ولم يخف مفسدة راجحةً، أمهلهم.\nوالحربي إذا طلب الأمان حتى يسمع القرآن، وينظر في دلائل الإسلام، أمناه.\nكما قال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ .\nوأما من قال بالوجوب العقلي، كما هو قول المعتزلة والكرامية، ومن","vol":"8","page":15},{"text":"وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فهؤلاء هم الذين قالوا ابتداء: أول ما يجب المعرفة أو النظر المؤدي إليها.\nلكن أخد كلامهم من أراد أن يبنية على أصوله من الأشعرية ونحوهم، فتناقض كلامه.\nومن قال بالوجوب العقلي إذا قال: أول الواجبات المعرفة كان ذلك أقرب، ثم له أن يقول: الرسول ﷺ إذا أوجب الشهادتين ابتداء فقد ضم إلى الواجب العقلي ما يجب بالشرع، وجعل أحدهما شرطًا في الآخر، فلا يقبل لأحدهما دون الآخر، ومن أدى هذا الواجب أو بعضه لم يخاطبه إلا بفعل ما لم يؤده.\nوعلى هذا فيكون خطاب الشارع للناس بحسب أحوالهم.\nوأول الواجبات الشرعية يختلف باختلاف أحوال الناس، فقد يجب على هذا ابتداءً ما لا يجب على هذا ابتداءً، فيخاطب الكافر عند بلوغه بالشهادتين، وذلك أول الواجبات الشرعية التي يؤمر بها.\nوأما المسلم فيخاطب بالطهارة إذا لم يكن متطهرًا، وبالصلاة وغير ذلك من الواجبات الشرعية التي لم يفعلها.\nوفي الجملة فينبغي أن يعلم أن ترتيب الواجبات في الشرع واحدًا بعد واحد، ليس هو أمرًا يستوي فيه جميع الناس، بل هم متنوعون في ذلك، فكما أنه قد يجب على هذا ما لا يجب على هذا، فكذلك قد","vol":"8","page":16},{"text":"يؤمر هذا ابتداءً بما لا يؤمر به هذا.\nفكما أن الزكاة يؤمر بها بعض الناس دون بعض، وكلهم يؤمر بالصلاة، فهم مختلفون فيما يؤمرون به ابتداءً من واجبات الصلاة، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة، ونحو ذلك من واجباتها، أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداءً، ولا يكون أول ما يؤمر به هذا من أمور الصلاة، هو أول ما يؤمر به هذا.\nوهكذا الواجبات العقلية: إذا قيل بالوجوب العقلي يتنوع الناس في ترتيبها.\nفهذا يؤمر بقضاء ما عليه من الديون، وهذا يؤمر برد ما عنده من الودائع، وهذا يؤمر بالعدل في حكمه والصدق في شهادته، وأمثال ذلك.\nوكما أنهم متنوعون في ترتيب الوجوب فهم متنوعون في ترتيب الحصول علمًا وعملًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>كلام أبي الحسين البصري عن العلم</span>\nوقد سلك طائفة من أهل الكلام، من المعتزلة ومن وافقهم، ترتيبًا معينًا في العلم الواجب على كل مكلف، وزعموا أنه لايمكن حصول المعرفة لأحد إلا على ذلك الترتيب الخاص، كما ذكرناه من كلام أبي الحسين البصري وأمثاله، حيث قالوا: (ليس يثق أحد بصحة ما جاءت به الرسل إلا بعد المعرفة بصدقهم، ولا تحصل المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات التي تميزهم عن غيرهم، وليس تدل المعجزات على صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح، لكي يؤمن أن يصدق الكذابين، وليس يعلم أنه لا يفعل القبيح إلا إذا عرف أنه عالم بقبحه،","vol":"8","page":17},{"text":"عالم باستغنائه عنه، ولا يعرف غناه إلا بعد أن يعلم بأنه غير جسم، ولا يعرف أنه غير جسم إلا إذا عرف أنه قديم، ولا يعلم أنه قديم، ولا يعلم أنه عالم بكل قبيح إلا إذا علم أنه عالم بكل شيء، ولا يعلم ذلك إلا إذا علم أنه عالم لذاته، ولا يعلم أنه يثبت ويعاقب إلا إذا علم أنه قادر حي، ولا نعرف موصوفًا بهذه الصفات إلا إذا عرفت ذاته، وإنما تعرف ذاته إذا استدل عليها بأفعاله لأنها غير مشاهدة، ولا معروفة باضطرار، ولا طريق إليها إلا أفعاله) .\nقال: (فيجب أن يتكلم في هذه الأشياء ليعلم صحة ما جاءت به الرسل) .\nثم إنه تكلم في حدوث الأجسام، وبنى الأمر في ذلك على أن ما لم يسبق الحوادث فهو محدث، وبنى ذلك على أنه إذا كان كل من الحوادث له أول، استحال أن لا يكون له أول، لأنها ليست سوى آحادها، كما يستحيل أن يكون كل واحد من الزنج أسود، ولا يكونوا كلهم سودًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>تعليق ابن تيمية</span>\nفقد جعل الدين كله مبنيًا على هذا الترتيب، المبني على هذه المقدمة، التي ينازعه فيها جمهور العقلاء من أهل الملل وغيرهم.\nوهذا هي أصول الدين عندهم، وهذا مما يخالفهم فيه جماهير المسلمين، بل جمهور عقلاء العالمين، بل يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن","vol":"8","page":18},{"text":"الرسول لم يوجب هذه الطريق ولا دعا إليها، ولا كان إيمان السابقين الأولين موقوفًا عليها.\nوعامة ما ذكره من الترتيب ممنوع.\nفقوله: لا تحصل المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات ينازعه فيه طوائف كثيرون، بل أكثر الناس.\nوقوله: (لا تدل المعجزات على صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح) ينازعه فيه أيضًا طوائف كثيرون.\nوقوله: (لا يعلم غناه إلا إذا علم أنه ليس بجسم) ينازعه فيه أيضًا طوائف كثيرون.\nوكذلك ما ذكره من قوله: (ولا يعلم ذلك إلا إذا علم أنه عالم لذاته) ومراده نفي الصفات، والقول: بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، ونحو ذلك مما ينازعه فيه طوائف كثيرون.\nوقوله: (إنما يعرف ذاته إذا استدل عليها بأفعاله لأنها غير مشاهدة ولا معرفة باضطرار) ينازعه فيه طوائف آخرون.\nفهذا ترتيب المعتزلة للعلم بالله ورسله.\nولغيرهم من طوائف المتكلمين ترتيب آخر، وفيه من الممانعات والمعارضات من جنس ما في ترتيب هؤلاء.","vol":"8","page":19},{"text":"ونظير هذه التراتيب التي أحدثها أهل الكلام، وادعوا أنه لا يحصل العلم إلا بها، تراتيب ذكرها طوائف من الصوفية المصنفين في أحوال القلوب وأعمالها، لما تكلموا في المقامات والمنازل وترتيبها.\nفهذا يذكر عددًا من المنازل والمقامات وترتيبًا.\nوهذا يذكر عددًا آخر وترتيبًا.\nويقول هذا: إن العبد لا ينتقل إلى مقام كذا، حتى يحصل له كذا، وأنه ينتقل إلى كذا بعد كذا، ويقول هذا: عدد المنازل مائة، ويقول الآخر عددها أكثر، وأقل.\nثم هذا يقسم المنازل أقسامًا يجعلها الآخر كلها قسمًا.\nويذكر هذا أسماء وأحوالًا لا يذكرها الآخر.\nوغاية الواحد من هؤلاء أن يكون ما ذكره وصف حاله وحال أمثاله وسلوكهم وترتيب منازلهم، فإذا كان ما قالوه حقًا، فغايته أن يكون وصف سلوك طائفة معينة.\nأما كون جميع أولياء الله تعالى لا يسلكون إلا على هذا الوجه المرتب، وهذه الانتقالات، فهذا باطل.\nوكذلك أيضًا نظير هذا ما يذكره من المتفلسفة وأهل المنطق في ترتيب العلم وأسباب حصوله، وما يذكرونه، من الحدود والأقيسة، والانتقالات الذهنية، فغاية كلامهم - إذ كان صحيحًا - أن يكون ذلك وصفًا لما تسلكه طائفة معينة.\nأما كون جميع بني آدم لا يحصل لهم العلم بمطالبهم إلا بهذه الطرق المعينة، فهذا كلام","vol":"8","page":20},{"text":"باطل.\nفحصر هؤلاء لمطلق العلم في ترتيب معين، وحصر هؤلاء العلم بالله وبصدق رسله في ترتيب معين، وحصر هؤلاء للوصول إلى الله في ترتيب معين، كل هذا مع كونه في نفسه مشتملًا على حق وباطل، فالحق منه لا يوجب الحصر، ولكن هو وصف قوم معينين، وطرق العلم والأحوال وأسباب ذلك وترتيبه أوسع من أن تحصر في بعض هذه الطرائق.\nولهذا كانت الرسل صلوات الله عليهم وسلامه يأمرون بالغايات المطلوبة من الإيمان بالله ورسوله وتقواه، ويذكرون من طرق ذلك وأسبابه ما أقوى وأنفع.\nوأما أهل البدع المخالفون لهم فبالعكس، يأمرون بالبدايات والأوائل، ويذكرون من ذلك ما هو أضعف وأضر.\nفمتبع الأنبياء لا يضل ولا يشقى، ومتبع هؤلاء ضال شقي.\nإذ كانت قضايا هؤلاء فيها من الباطل الذي هو كذب وإفك، وإن لم يعلم صاحبه أنه كذب وإفك، بل يظنه صدقًا، ما لا يحصيه إلا الله.\nوإذا كان الناس يتنوعون في الوجوب وترتيب الواجبات، ويتنوعون في الحصول وترتيب الحاصلات، لم يمكن أن يجعل ما يخص بعضهم شاملًا لجميعهم، وكثير من الغلط في هذا الباب إنما دخل من هذا الوجه: يصف أحدهم طريق طائفة، ثم يجعله عامًا كليًا، ومن لم يسلكه كان ضالًا عنده، ثم ذلك الطريق إما أن يكون خطأ وإما أن","vol":"8","page":21},{"text":"يكون صوابًا.\nولكن ثم طرق أخرى غير ذلك الطريق، فيجيء من سلك غير ذلك الطريق: يبطله بالكلية، ويرد ما فيه من الصواب.\nوقد تكلمنا على مسألة تحسين العقل وتقبيحه في غير هذا الموضع، وفصلنا القول فيها.\nوبينا منشأ الغلط، فإن الطائفتين اتفقوا على أن الحسن والقبح باعتبار الملائمة والمنافرة قد يعلم بالعقل.\nوالملائمة تتضمن حصول المحبوب المطلوب المفروح به، والمنافرة تتضمن حصول المكروه المحذور المتأذى به.\nوهذا الذي اتفقوا عليه حق، لكن توهموا بعد هذا أن الحسن والقبح الشرعي خارج عن ذلك، وليس الأمر كذلك، بل هو في الحقيقة يعود إلى ذلك.\nلكن الشارع عرف بالموجود، وأثبت المفقود.\nفتحسينه: إما كشف وبيان، وإما إثبات لأمور في الأفعال والأعيان.\nوعلى قول من يجعل الأحكام صفات ثابتة للأفعال وللأعيان فالتحسين الشرعي يتضمن أن الحسن ما حصل به الحمد والثواب، والقبح ما حصل به الذم والعقاب، ومعلوم أن الحمد والثواب ملائم للإنسان، والذم والعقاب مناف للإنسان.\nوكذلك توهم من توهم من الطائفتين أن إثبات ذلك في حق الله تعالى ممتنع، لكون هؤلاء المتوهمين لم يفرقوا بين الإرادة، والمحبة،","vol":"8","page":22},{"text":"والرضا، بل جعلوا كل مراد محبوبًا مرضيًا.\nثم قال هؤلاء: الكفر والفسوق والعصيان ليس محبوبًا باتفاق المسلمين، فلا يكون مرادًا، فيكون وقوع ذلك بدون إرادته، فيكون في ملكه ما لا يريده، فيكون ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون.\nوقال هؤلاء بل هو مريد لكل حادث، فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.\nوالكفر والفسوق والعصيان.\nمراد له فيكون محبوبًا مرضيًا، فيكون محبًا راضيًا، فيكون محبًا راضيًا بالكفر والفسوق والعصيان، فهؤلاء سووا بين المأمور والمحظور في أن الجميع محبوب مرضي فلزمهم تعطيل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وإن لم يلتزموه.\nوأولئك قالوا: يكون ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، فلزمهم أن يكون عاجزًا مغلوبًا، وإن كانوا لا يكرمون عجزه.\nفهؤلاء لم يجعلوا لله الملك، وأولئك لم يجعلوا الحمد، والله تعالى له الملك وله الحمد.\nهؤلاء أرادوا إثبات إلهيته، وأنه معبود محمود حكيم عادل، فقصروا في ذلك، ونقصوه موجب ربوبيته، وقدرته ومشيئته.\nوهؤلاء أثبتوا موجب ربوبيته، وقدرته ومشيئته، لكنهم نقصوا موجب إلهيته وحكمته، ورحمته وحمده.\nوهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.","vol":"8","page":23},{"text":"والمقصود هنا التنبيه على منشأ النزاع في الوجوب، كما نبهنا على النزاع في ترتيب الوجوب.\nوأما الحصول فكثير من الناس يقول: المعرفة لا تحصل إلا بالعقل، وقد يسرف هؤلاء حتى لا يثبتوا أشياء من صفات الله تعالى، لا نفيًا ولا إثباتًا إلا بالعقل.\nوصرح هؤلاء بأنه لا يستدل بنصوص الرسل على شيء من صفات الله تعالى، لا إثباتًا ولا نفيًا.\nكما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ومن اتبعهم من متأخري الأشعرية، ويجعلون أصول الدين هي: العقليات المحضة التي لا تعلم بالسمع.\nثم قد يعينون من الطرق العقلية ما هو باطل عقلًا وشرعًا كطريقة الأعراض، وطريقة التركيب وطريقة الاختصاص.\nوإلى هذه الثلاث تعود جميع أصول النفاة.\nويقابلهم آخرون فيقولون: المعرفة لا تحصل إلا بالسمع، ولا تحصل بالعقل.\nوربما قالوا: إنه لا يمكن حصولها بالعقل.\nوقد بينا في غير هذا الموضع أن الأدلة العقلية والسمعية متلازمة، كل منهم مستلزم صحة الآخر.\nفالأدلة العقلية تستلزم صدق الرسل فيما أخبروا به، والأدلة السمعية فيها بيان الأداة العقلية التي بها يعرف الله، وتوحيده، وصفاته، وصدق أنبيائه.\nولكن من الناس من ظن أن السمعيات ليس فيها عقلي.\nوالعقليات","vol":"8","page":24},{"text":"لا تتضمن السمعي.\nثم افترقوا فمنهم من رجح السمعيات، وطعن في العقليات، ومنهم من عكس.\nوكلا الطائفتين مقصر في المعرفة بحقائق الأدلة السمعية والعقلية.\nثم تجد هؤلاء وهؤلاء في أتباع الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>كلام أبي الفرج صدقة بن الحسين</span>\nوكثير من النزاع في ذلك قد يكون لفظيًا.\nوقد رأيت من ذلك عجائب كطائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد سلكوا الطريقة الأولى، ونسبوا من خالفهم في ذلك إلى الجهل والغباوة، حتى أن بعض متأخري أصحاب أحمد، وهو أبو الفرج صدقة ابن الحسين البغدادي صنف مصنفًا سماه محجة الساري في معرفة الباري سلك فيه مسلك ابن عقيل وأمثاله من المتكلمين المنتسبين إلى السنة، مشوب من كلام المعتزلة مع مخالفتهم لهم في شعار مذهبهم، فذكر أنه سئل عن المعرفة بأي طريق تحصل؟ ومن أي طريق تجب؟ وأن يبين اختلاف الناس في ذلك.\nوذكر أن الناس تنازعوا في أول واجب على الإنسان بعد سن البلوغ والعقل، هل هو النظر أو المعرفة؟ وأنهم اتفقوا على وجوب المعرفة، واختلفوا في طريقه.\nقال: (فذهب أهل الحق والسنة والجماعة إلى أن طريق الوجوب هو السمع والنقل وقالت المعتزلة: طريق الوجوب هو العقل) .","vol":"8","page":25},{"text":"ثم قال: (وهنا مزلة أقدام لبعض أصحابنا الحنابلة.\nلأنهم إذا سئلوا مطلقًا عن معرفة الله، وقيل لهم: بم يعرف الله؟ قالوا: بالشرع، من غير فصل بين الوجوب والحصول) .\nقال: (وقد نبهتهم على هذا غير مرة، فما هبوا من رقدتهم، ولا انتبهوا من سنتهم) .\nثم ذكر قول الإمامية والباطنية، وأن المعرفة تحصل عندهم بقول الرسول والإمام المعصوم، دون نظر العقل.\nوتكلم في مسألة نفي الوجوب العقلي بما ليس هذا موضعه.\nوتكلم في طرق المعلومات بالكلام المعروف لأهل هذه الطريقة، وأن منها ما لا يعلم إلا بالعقل، ومنها ما لا يعلم بالسمع، ومنها ما يعلم بهما.\nفالذي لا يعلم إلا بالعقل: علمنا بأنه لا بد من موجود قديم، لأن الكل لو كان حادثًا لكان حادثًا بلا سبب.\nوهذه المعرفة تتقدم على ورود الرسول، فلا حاجة فيها إلى الرسول.\nبل مثاله علمنا بدلالة معجزة رسول الله ﷺ على صدقه.\nوالذي يعلم بمجرد التعليم من النبي المعصوم مثل علمنا بمقادير العبادات الواجبة، وما يتعلق بالآخرة من الجنة، والنار، وعذاب القبر، والحساب، والميزان، وغير ذلك.\nقال: (فالرسول ﷺ إنما بعث ليفصل الشرع،","vol":"8","page":26},{"text":"وليشرح أمر الآخرة.\nفأما معرفة افتقار هذا العالم إلى صانع قادر على إرسال الرسل، فهو متقدم على قول الرسول، فكيف يكون مستفادًا من قول الرسول؟ فمعرفة المرسل إذًا تقدم على معرفة الرسول ومعرفة صدقه، فكيف يعرف بقول الرسول؟ قال: وأما مثال ما يدرك بالعقل والسمع جميعًا، فهو كرؤية الله تعالى، وكونه خالقًا لأعمال العباد فهذا مما يعلم بمجرد السمع وبمجرد العقل.\nثم قال: (وأما حجتنا في حصول المعرفة بمجرد العقل فقوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت﴾، وقال في موضع آخر ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾، وقال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾، فهذا كله دعوة إلى الدلائل العقلية، وهو التأمل في الآيات الدالة على حدوث العالم، وقدم الصانع، من غير شرط، على ما نبنيه من بعد) .\nقال: (ولأنه بالعقل يستدل بالشاهد على الغائب، وبالبناء على الباني، وبالكتابة على الكتاب، من غير سماع خطاب) .","vol":"8","page":27},{"text":"قال: (وآثار صنع الباري - عزت قدرته - في الموجودات أكثر وأظهر من كل دليل.\nوكل من وقف على آثار صنعته بنور عقله، يقع له العلم بوجود الصانع.\nإذ لا يتصور مصنوع بلا صانع، ولا مخلوق بلا خالق) .\nقال: (والدليل على أن النظر أول الواجبات هو أن سائر الواجبات من الصلاة والصيام إنما يوجد بعد المعرفة، لأن إنما يصح أن يتقرب إلى الله من يعرفه.\nفصارت المعرفة متقدمة على سائر الواجبات، والنظر متقدم على المعرفة، لأنه طريق إليها، وطريق الشيء متقدم عليه، فصح أن النظر متقدم على كل شيء واجب، وهنا التقدم في النظر إنما هو في وجوده لا في وجوبه، وإلا فالواجب الأول هو المعرفة.\nيعني: الواجب قصدًا) .\nقال: (والحاجة التي دعت إلى النظر هو أنه لا طريق إلى المعرفة إلا به.\nوالدليل على ذلك أن المعرفة إما تكون واقعة مبتدأة، كمعرفة العاقل أن العشرة أكثر من الخمسة، وإما أن تكون واقعةً عن طريق، كمعرفتنا بالمدركات إذا أدركناها بحواسنا الخمس، وكمعرفتنا بما غاب عنا إذا أخبرنا به خلق عظيم شاهدوه، نحو معرفتنا","vol":"8","page":28},{"text":"بمكة من جهة الخبر، وإما أن تكون بالاستدلال، كاستدلالنا بالبناء على الباني) .\nقال: (ومعلوم أن معرفة الله تعالى لا تجري مجرى معرفتنا بأن العشرة أكثر من الخمسة، لأنه لو جرت هذا المجرى لاستغنينا عن الاستدلال عليه، كما نستغني عن الاستدلال على أن العشرة أكثر من الخمسة.\nومعلوم أن نفوس العقلاء تتشوف إلى الاستدلال على الله تعالى، ولا يجوز أن تكون معرفتنا بالله تعالى لإدراك الحواس، لأنه لا يجوز أن يدرك بشيء منها في الدنيا، ولا يجوز أن تكون معرفتنا به واقعة بالخبر، لأن الخبر إنما يفضي إلى المعرفة إذا أخبر به خلق كثير عن مشاهدة، وليس أحد يخبرنا بالله عن مشاهدة.\nولا يجوز أن تكون معرفته بطريق الإلهام، كما زعمت طائفة من الصوفية وبعض الشيعة، لأن الإلهام هو تخايل يقع في القلب، قد يكون ذلك من الله وقد يكون من وسوسة الشيطان، وليس على أحدهما دليل يدل عليه، ولأن من يدعي الإلهام يمكن خصمه أن يدعي خلافه.\nفإنه إذا قال: ألهمت بكذا.\nفيقول خصمه: وأنا ألهمت بكذا.\nفكان العمل به عملًا بلا دليل.\nألا ترى أن صاحب الشرع أمرنا بالاجتهاد عند","vol":"8","page":29},{"text":"فقد النصوص؟ هو عمل بدلالة النصوص، كما روي في حديث معاذ) .\nقال: (ولا يلزم على هذا التحري في الأواني وغيرها في الشرع، فإنه عمل بشهادة القلب، لأنه هناك ليس ثم دليل سواه.\nوذلك ليس من قبل ما ذكرنا، لأن الإلهام لا يصلح حجة لإلزام الحكم على الغير، وكذلك التحري أيضًا لا يصلح للإلزام على غيره، وإنما اعتبر لجواز العمل في حق نفسه عند عدم سائر الأدلة.\nأما المشروعات فلا يتصور أن تنفك عن نوع دليل: إما الكتاب، أو السنة، أو إجماع، أو قياس، فلا ضرورة في العمل بغير حجة ودليل.\nفإذا بطلت هذه الأقسام كلها ثبت أنه لا طريق إلى معرفة الله إلا بالنظر) .","vol":"8","page":30},{"text":"قال: (فإن قيل: بماذا تعلمون أن في العقول حجة ودليلًا؟ قيل: بأن تبين في كل مسألة تبيينًا عقليًا يفضي النظر فيه إلى العلم.\nفإن قيل لم قلتم إن معرفة الله لا تنال إلا بالنظر في حجة العقل؟ قيل: الدلالة على ذلك: أن الكتاب إنما يصح أن يستدل به إذا علم أنه كلام الله الحكيم.\nفيجب تقدم العلم بالله وحكمته وبأن هذا كلامه، وإنما لم يصح الاستدلال عليه بالسنة، لأنه إنما يصح الاستدلال بها إذا ثبت أنها كلام رسول الله ﷺ الحكيم، فيجب تقدم العلم بالله وحكمته، وأن هذا الرسول رسوله.\nوإنما لم يصح الاستدلال بالإجماع على الله، لأنه إنما يصح الاستدلال بالإجماع بعد أن يعلم أن الله ورسوله قد شهدا بأنه حجة، فيجب تقدم العلم بالله، فصح أن العلم بالله لا يستفاد بغير حجة العقل) .\nقال: (فإن قيل فما الدليل الذي يؤدي النظر فيه إلى معرفة الله تعالى؟ قيل: نفسك وسائر ما تشاهدوه من الأجسام.\nفوجه دلالة","vol":"8","page":31},{"text":"الإنسان من نفسه على الله تعالى أنه قد كان نطفة، ثم تقلبت به الأحوال إلى أن انتهى إلى حال الكمال، فلا بد لهذا التنقل والتغير من مغير.\nولم يكن التغير في وقت أولى من وقت.\nفلا يخلو ذلك المغير إما أن يكون قد اقتضى تغيرها على سبيل الإيجاب من غير اختيار بالطبع أو القالب، أو يكون اقتضى تغيرها على سبيل الاختبار وهو الفاعل.\nولا يخلو ذلك الفاعل إما أن يكون هو الإنسان أو غيره.\nوإن كان غيره فلا يخلو إما أن يكون من جنسه أو من غير جنسه.\nفإن كان من جنسه فإما أن يكون أبويه أو غيرهما.\nفإن كان من غير جنسه فهو قولنا.\nوسنبطل سائر الأقسام، ونثبت هذا الأخير.\nأما أنه لا يجوز أن يكون الإنسان قد تشكل لأجل أن الرحم على شكل القالب، فلأن الكلام فيمن شكل ذلك القالب، كالكلام فيمن شكل الإنسان، ولأن القالب يقتضي تشكيل ظاهر ما يلقى فيه.\nفما الذي اقتضى تشكيل باطن الإنسان ووضع أجزاء الباطن مواضعها؟ ولا يجوز أن يكون المقتضى لتغيير الإنسان وتشكيله طبيعية غير عالمة ولا مختارة، لأن الإنسان أبلغ في الترتيب والحكمة من بناء دار وصناعة تاج.\nوكما لم يجز أن يحصل ذلك ممن ليس بعالم فكذلك الإنسان.\nألا ترى أن أعضاء الإنسان مقسومة على حسب المنفعة وموضوعة مواضعها؟ ولا يجوز أن يكون الإنسان هو","vol":"8","page":32},{"text":"الذي غير نفسه من حال إلى حال، لأنه لو قدر على ذلك في حال ضعفه لكان في حال كماله أقدر.\nوإذا عجز عن خلق مثله وخلق أعضائه في حال كماله فهو عن ذلك في حال الضعف أعجز، ولا يجوز أن يكون المغير له من حال إلى حال أبويه، لأنه ليس يجري على حسب إيثارهما، ألا ترى أنهما يريدانه فلا يكون ويكرهانه فيكون؟ ويريدانه ذكرًا فيكون أنثى، ويريدانه أنثى فيكون ذكرًا؟ فإذا لم يكن لأبويه في ذلك تأثير فغيرهما مما لا تعلق له به أجدر.\nفصح أن للإنسان فاعلًا مخالفًا له، وهو الله تعالى) .\nقال: (فإن قيل: فكيف يدل غير على الله؟ قيل: إن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق.\nوهذه حوادث فيجب أن يكون للجسم محدثًا إذ لم يتقدم الحوادث، والدليل على أن الأجسام محدثة هو أن الأجسام محدثة، وكل محدث يحتاج إلى محدث) .\nقال: (وهذا الكلام يشتمل على أصلين: أحدهما: أن الأجسام محدثة، والثاني: أن كل محدث يحتاج إلى محدث.\nأما الأصل الأول فالغرض به أن يدل على أن الجواهر والأجسام محدثة غير قديمة، ولا","vol":"8","page":33},{"text":"يصح أن تثبت صفة لشيء وتنقى صفة عن شيء إلا وقد عرفنا ما تثبت له الصفة، والصفة التي نثبتها والصفة التي ننفيها.\nفيجب أن نذكر ما الجوهر وما الجسم وما القديم وما المحدث.\nولما كان الوصلة إلى حدوث الجسم هو العرض، الذي هو الحركة والسكون، والكون والاجتماع والافتراق، ولم يصح أن يتوصل بما لا نعرفه، وجب أن نبين ما العرض، وما الكون، وما الحركة، وما السكون، وما الاجتماع والافتراق، فالجوهر هو الذي يشغل الحيز في وجوده، ويصح أن تحله الأعراض، ومعنى شغله الحيز أن يوجد في جهة ومكان فيحوزه، ويمنع مثله من أن يوجد معه بحيث هو والجسم هو المؤلف، عند قوم: هو الطويل العميق.\nوالقديم هو: الموجود الذي لم يزل، والذي لا أول لوجوده والمحدث هو، الذي لوجوده أول.\nوالعرض هو ما يعرض في الوجود ولا يكون له لبث كلبث الجواهر والأجسام.\nوذلك أن ما قل لبثه بالإضافة إلى غيره سموه عارضًا.\nقال الله تعالى: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ وذلك نحو الحركة والسكون.\nوالحركة زوال الجسم من مكان إلى مكان، والسكون لبث الجوهر في المكان أكثر من وقت واحد، والكون ما به كون الجوهر في مكان دون مكان، والاجتماع كونا جوهرين متماسين، والافتراق كونا جوهرين غير متماسين) .","vol":"8","page":34},{"text":"قال: (وإذ قد ذكرنا حدود هذه الأشياء، فلندل على حدوث الأجسام.\nفنقول: إن الأجسام لم تسبق الحركة والسكون المحدثين، وكل ما لم يسبق المحدث فهو محدث) .\nثم إنه ساق هذه الحجة إلى آخرها.\nكما ساقها من قبله، مثل ابن عقيل ونحوه، وقبلهم أبو الحسين البصري، وأمثاله الذين هم أئمة هذه الحجة، وقد ذكرنا سياق أبي الحسين لها فلا حاجة إلى تكريرها.\nوقال: (فإن قيل: فما تقولون فيمن حصلت له هذه المعرفة بمجرد التقليد أو غيره؟ أيكون عارفًا بالله مؤمنًا؟ قيل: نعم، إلا أنه يكون مأثومًا بترك ما وجب عليه من النظر) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: أما هذه الحجة: حجة الأعراض، فقد عرف اعتراض الناس عليه وذمهم لها.\nوأما الحجة المتقدمة، وهي الاستدلال بحدوث الإنسان، فإنها حجة صحيحة، وهي من الحجج التي دل عليها القرآن وأرشد إليها.\nوالمقصود هنا أن هذا وأمثاله ممن يقولون: إن المعرفة لا تحصل إلا بالعقل، ويشنعون على من يقول: إنها تحصل بالسمع، من","vol":"8","page":35},{"text":"أصحابهم وغير أصحابهم، إذا تدبر كثير من كلام أصحابهم الذين ينازعهم هؤلاء، تبين أن نزاعهم لهم ليس في نفس ما ثبت معرفته بمجرد العقل، بل في أمر آخر.\nوالمعنى الذي أراد أولئك أنه يحصل بالسمع، ليس هو المعنى الذي اتفقوا على أنه لا يحصل إلا بالعقل، كما ذكر ذلك الشريف أبو علي بن أبي موسى وغيره.\nوسنذكر إن شاء الله تعالى بعض كلامهم، فالنزاع بينهم وبين كثير من أصحابهم قد يكون لفظيًا، وقد يكون معنويًا، فإن المقدمات التي حصروا بها المعرفة في طريقهم ينازعهم الناس في كل واحدة منها، وإن تنوع المنازعون.\nوهذا كله بناء على أن دلالة السمع هي مجرد خبر المخبر الصادق، كما هو اصطلاح هؤلاء.\nوأما إذا عرف أن دلالة السمع تتناول الأخبار، وتتناول الإرشاد والتنبيه والبيان للدلائل العقلية، وأن الناس كما يستفيدون من كلام","vol":"8","page":36},{"text":"المصنفين والمعلمين الأدلة العقلية التي تبين لهم الحق، فاستفادتهم ذلك من كلام الله أكمل وأفضل.\nفتلك الأدلة عقلية باعتبار أن العقل يعلم صحتها إذا نبه عليها، وهي شرعية باعتبار أن الشرع دل عليها وهدى إليها.\nفعلى هذا التقدير تكون الدلائل حينئذ شرعية عقلية.\nوعلى هذا فقد يقال: الأدلة الشرعية نوعان: عقلي وسمعي.\nفالعقلي ما دل الشرع عليه من المعقولات، والسمعي ما دل بمجرد الإخبار.\nوقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن أئمة النظار معترفون باشتمال القرآن على الدلائل العقلية.\nوأما على اصطلاح أولئك، فكثيرًا ما يعنون بالدليل الشرعي الدليل السمعي الخبري، وهو مجرد خبر الشارع الصادق، فعلى اصطلاحهم ينازعهم الناس في تلك المقدمات العقلية، التي زعموا أن المعرفة لا تحصل إلا بها.\nفأما المقدمة الأولى، وهي قولهم: إن المعرفة لا تحصل مبتدأة في النفس، بل لا بد لها من طريق، فهي من موارد النزاع.\nفإذا قيل لهم: إنها قد تحصل في النفس مبتدأة، لم يكن لها على نفي ذلك دليل إلا مجرد الاستقراء، الذي هو: إما فاسد، وإما ناقص.\nوقولهم: إن نفوس العقلاء تتشوف إلى الاستدلال.\nيقول لهم المنازعون: لا نسلم أن جميع العقلاء كذلك، بل جمهور العقلاء","vol":"8","page":37},{"text":"مطمئنون إلى الإقرار بالله تعالى، وهم مفطورون على ذلك.\nولهذا إذا ذكر لأحدهم اسمه تعالى، وجد نفسه ذاكرةً له مقبلة عليه، كما إذا ذكر له ما هو عنده من المخلوقات.\nوالمتجاهل الذي يقول: إنه لا يعرفه، هو عند الناس أعظم تجاهلًا ممن يقول: إنه لا يعرف ما تواتر خبره من الأنبياء والملوك، والمدائن والوقائع، وذلك عندهم أعظم سفسطة من غيره من أنواع السفسطة.\nولهذا من تتبع مقالات الناس المخالفة للحس والعقل، وجد المسفسطين فيها أعظم بكثير من المسفسطين المنكرين للصانع.\nفعلم أن معرفته في الفطرة أثبت وأقوى، إذ كان وجود العبد ملزوم وجوده، وحاجته معلقة به ﷾، بل كل ما يخطر بقلب العبد ويريده فهو ملزوم له، وخواطر العباد وإرادتهم لا نهاية لها.\nوانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم لا ينحصر، بل إقرار القلوب به قد لا يحتاج إلى وسط وطريق، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات.\nوأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا في الباطن، كما قال له موسى: ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ .","vol":"8","page":38},{"text":"وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ .\nولهذا قال: ﴿وما رب العالمين﴾ على وجه الإنكار له، قال له موسى: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾ وقد زعم طائفة أن فرعون استفهم استفهام استعلام، فسأله عن الماهية، وأن المسؤول عنه لما لم يكن له ماهية عجز موسى عن الجواب.\nوهذا غلط وعلى هذا التقدير يكون استفهم استفهام إنكار وجحد، كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحدًا لله نافيًا له، لم يكن مثبتًا له، طالبًا للعلم بماهيته.\nفلهذا بين لهم موسى أنه معروف، وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو، فإن هذا إنما هو سؤال عما يجهل، وهو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل، بل معرفته مستقرة في الفطرة أعظم من معرفة كل معروف، وهو سبحانه له المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو في السماء إله وفي الأرض، فأهل السماوات والأرض يعرفونه ويعبدونه، وإن كان أكثر أهل الأرض، كما قال","vol":"8","page":39},{"text":"تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ .\nولهذا قالت الأنبياء ﵈ لأمهم: ﴿أفي الله شك فاطر السماوات والأرض﴾ وهذا استفهام إنكار يتضمن النفي، ويبين أنه ليس في الله شك.\nوقول القائل: ليس في هذا شك، يراد به أنه قد بلغ في الظهور والوضوح ولزوم معرفته، إلى حيث لا ينبغي أن يشك فيه، وإلى حيث لا يشك فيه.\nوعلى كلا التقديرين يتبين أن الإقرار بالصانع بهذه المثابة.\nوأما الطريق الثاني، وهو إدراك الحواس، فلا ريب أنهم لا يقولون إنهم يدركونه بالحس الظاهر، بل يقولون: إن الحس نوعان: ظاهر، وباطن.\nوالإنسان يحس بباطنه الأمور الباطنة، كالجوع والعطش، والشبع والري، والفرح والحزن، واللذة والألم، ونحو ذلك من أحوال النفس، فهكذا يحسون ما في بطونهم من محبته سبحانه وتعظيمه، والذل له، والافتقار إليه، مما اضطروا إليه وفطروا عليه، ويحسون أيضًا ما يحصل في بواطنهم من المعرفة المتضمنة لمثله الأعلى في قلوبهم.\nوالإحساس نوعان: نوع بلا واسطة، كالإحساس بنفس الشمس والقمر والكواكب، وإحساس بواسطة: كالإحساس","vol":"8","page":40},{"text":"بالشمس والقمر والكواكب في مرآه، أو ماء، أو نحو ذلك.\nوالقلوب مفطورة على أن يتجلى لها من الحقائق ما هي مستعدة لتجليها فيها، فإذا تجلى فيها شيء أحست به إحساسًا باطنًا تجليه فيها.\nوأيضًا فنفس مشاهدة القلوب لنفسه ﵎ أمر ممكن، وإن كان ذلك قد يقال: إنه مختص ببعض الخلق، كما قال أبو ذر وابن عباس وغيرهما من السلف: «إن نبينا ﷺ رأى ربه بفؤاده» .\nوقال ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين.\nفهذا النوع إذا كان ممكنًا، وقد قيل: إنه واقع، لم يمكن نفيه إلا بدليل.\nوأما الرؤية بالعين في الدنيا.\nوإن كانت ممكنة عند السلف والأئمة، لكن لم تثبت لأحد، ولم يدعها أحد من العلماء لأحد إلا لنبينا ﷺ على قول بعضهم.\nوقد ادعاها طائفة من الصوفية لغيره، لكن هذا باطل، لأنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه.","vol":"8","page":41},{"text":"وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت» .\nوقد بسطنا الكلام على مسألة الرؤية في غير هذا الموضع، وبينا أن النصوص عن الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة هو الثابت عن ابن عباس من أنه يقال: رآه بقلبه، أو: رآه بفؤاده.\nوأما تقييد الرؤية العين فلم يثبت، لا عن ابن عباس ولا عن أحمد.\nوالذي في الصحيح «عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه» !.\nوقد روى أحمد بإسناده عن أبي ذر أنه رآه بفؤاده، واعتمد أحمد على قول أبي ذر لأن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن هذه المسألة، وأجابه - وهو أعلم بمعنى ما أجابه به النبي ﷺ، فلما ثبت أنه رآه بفؤاده، دل ذلك على مراده.","vol":"8","page":42},{"text":"وأما قولهم: لا يجوز أن تكون معرفتنا به واقعة بالخبر، لأن الخبر إنما يفضي إلى المعرفة، إذا أخبر به خلق كثير عن مشاهدة، وليس أحد يخبر بالله عن مشاهدة.\nفهذا مما ينازعهم فيه المنازعون، ويقولون: ليس من شرط أهل التواتر أن يخبروا عن مشاهدة، بل إذا أخبروا عن علم ضروري، حصل العلم بمخبر أخبارهم، وإن لم يكن المخبر مشاهدًا.\nوالمعرفة بالله قد تقع ضرورة، وإذا كان كذلك أمكن المعرفة بتصديق أخبار المخبرين عن المعرفة الحاصلة ضرورة، إلى ترى أن ما يخبر به الناس عن أنفسهم من لذة الجماع، وكثير من المطاعم والمشارب، بل ولذه العلم والعبادة والرئاسة، وحال السكر والعشق، وغير ذلك من الأمور الباطنة، تحصل المعرفة بوجودها بالتواتر لمن لم يجدها من نفسه، ولا عرفها بالضرورة في باطنه؟ وليست أمرًا مشاهدًا، بل إطباق الناس على وصف رجل بالعلم أو العدل أو الشجاعة أو الكرم أو المكر أو الدهاء، أو غير ذلك من الأمور النفسانية التي لا تعلم بمجرد المشاهدة يوجب العلم بذلك لمن تواترت هذه الأخبار عنده، وإن لم يكن المخبرون أخبروا عن مشاهدة، وكذلك الإخبار عن ظلم الظالمين.","vol":"8","page":43},{"text":"ولهذا كانت العداله والفسق تثبت بالاستفاضة، ويشهد بها بذلك، كما يشهد المسلمون كلهم أن عمر بن عبد العزيز كان عادلًا، وأن الحجاج كان ظالمًا.\nوالعدل والظلم ليس أمرًا مشاهدًا بالظاهر، فإن الإنسان أكثر ما يشاهد الأفعال كما يسمع الأقوال، فإذا رأى رجلًا يعطى ويقتل، شاهد الفعل، أما كونه قتل بحق أو بغير حق، أو أعطى عدلًا وإحسانًا، أو غير عدل وأحسان، فهذا لا يعلم بمجرد المشاهدة، بل لابد من دخول العقل في هذا العلم.\nوكذلك من لا يعرف الطب والنحو: إذا رأى ما تواتر عند أهل الطب والنحاة من علم أبقراط وجالينوس وأمثالهما، والخليل وسيبويه، علم أن هؤلاء علماء بالطب والنحو، وإن لم يعرف هو الطب والنحو وليست معرفة المخبرين بذلك عن المشاهدة.\nبل وكذلك إذا تواتر عنده كلام الناس بالإخبار عن علم مالك والشافعي وأحمد ويحيى بن معين والبخاري ومسلم وأمثالهم بالفقه والحديث، علم علمهم بذلك، وإن كان المخبرون لم يخبروا عن مشاهدة لكن من رآى كلام هؤلاء، من أهل الخبرة بالفقه والحديث، علم بالضرورة أنهم علماء بذلك، ثم هؤلاء يخبرون بذلك غيرهم.\nفيتواتر ذلك عند هؤلاء.","vol":"8","page":44},{"text":"وكذلك القضايا الحسابية، كالعلم بالمضروبات والمنسوبات والمجموعات ونحو ذلك، هو ضروري لمن علمه، فإذا أخبر أهل تواتر بذلك لواحد حصل له العلم بذلك، وإن كانوا إنما أخبروا عن علم ضروري.\nوهكذا العلم بصدق الصادق وكذب الكاذب، يعلمه من باشره وجربه ضرورة، ويعلمه من تواتر ذلك عنده بطريق الخبر.\nولهذا كان العلم بأن محمدًا ﷺ، كان صادقًا معروفًا بالصدق لا يكذب متواترًا عند من لم يباشره، لأن الذين جربوه من أعدائه وغيرهم كانوا متفقين على أنه صادق أمين، حتى أن هرقل لما سأل أبا سفيان - وكان حين سأله من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ -: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا.\nفأخبر أنه - هو وغيره من قريش - لم يكونوا يتهمونه بالكذب، فضلًا عن أن يخبروا عنه بالكذب، وكانوا يسمونه الأمين.\nولما كان أبو سفيان مخبرًا بهذا بين جماعة من قومه يقرونه على ذلك، مع قيام المقتضى للتكذيب لو كان قد كذب، استفاد هرقل بهذا أنه لا يكذب.\nفقال: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله.\nوهذا وأمثاله باب واسع، فالعلم بمخبر الأخبار يحصل إذا كان المخبر عالمًا بالضرورة، سواء كان المخبر مشاهدًا أو لم يكن.","vol":"8","page":45},{"text":"وأما طريقة الإلهام، فالإلهام الذي يدعى في هذا الباب، هو عند أهله علم ضروري، لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم، أو مستند إلى أدلة خفية لا تقبل النقض، فلا يمكن أن يكون باطلًا.\nوأما الاستدلال على الأحكام بالإلهام، فتلك مسألة أخرى، ليس هذا موضعها، والكلام في ذلك متصل بالكلام على الاستحسان والرأي وأنواعهما، وأن ما يعنيه هذا بالاستحسان، قد يعنيه هذا بالإلهام.\nوليس الكلام فيما علم فساده من الإلهام لمخالفته دليل الحس والعقل والشرع، فإن هذا باطل، بل الكلام فيما يوافق هذه الأدلة لا يخالفها.\nوليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله إلهامًا، فدعوى المدعي امتناع ذلك يفتقر إلى دليل.\nفطرق المعارف متنوعة في نفسها، والمعرفة بالله أعظم المعارف، وطرفها أوسع وأعظم من غيرها، فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيًا عامًا لما سوى تلك الطريق لم يقبل منه، فإن النافي عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل.\nنعم، من نفى تلك بحسب علمه، لم ينازع في ذلك.\nفإذ قال: لا أعلم طريقًا آخر، أو لم يحصل لي ولمن عرفته طريق آخر، كان نافيًا لعلمه ولما علم وجوده، لا نافيًا للأمور المحققة في نفس الأمر.","vol":"8","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>كلام العلماء في ذم علم الكلام</span>\nفهذا الكلام وأمثاله يرد على النزاع المعنوي، ولهذا كان كثير من الفضلاء، الذين يوجبون هذه الطريقة ويصححونها، قد رجعوا عن ذلك، وتبين لهم ذم هذا الكلام، بل بطلانه، كما يوجد مثل ذلك في كلام غير واحد منهم، مثل أبي المعالي، وابن عقيل، وأبي حامد، والرازي وغيرهم، من الذين يصححون هذه الطريق، بل يوجبونها تارة، ثم إنهم ذموها أو أبطلوها تارة.\nقال أبو المعالي في آخر عمره: (خليت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهوا عنه والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق ببره فأموت على دين العجائز، وإلا فالويل لابن الجويني) .","vol":"8","page":47},{"text":"وسأل رجل ابن عقيل فقال له: هل ترى لي أن أقرأ الكلام، فإني أحسن من نفسي بذكاء؟ فقال له: (إن الدين النصيحة، فأنت الآن على مابك مسلم سليم، وإن لم تنظر في الجزء - يعني الجوهر الفرد - وتعرف الطفرة - يعني طفرة النظام - ولم تخطر ببالك الأحوال، ولا عرفت الخلاء والملاء والجوهر والعرض، وهل يبقى العرض زمانين، وهل القدرة مع الفعل او قبله، وهل الصفات زوائد على الذات، وهل الاسم المسمى أو غيره، وهل الروح جسم أو عرض، فإني أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا ذلك ولا تذاكروه، فإن رضيت أن تكون مثلهم بإيمان ليس فيه معرفة هذا فكن، وإن رأيت طريقة المتكلمين اليوم أجود من طريقة أبي بكر وعمر والجماعة، فبئس الاعتقاد والرأي) .\nقال: (ثم هذا علم الكلام قد أفضى بأربابه إلى الشكوك، وأخرج كثيرًا منهم إلى الإلحاد بشم روائح الإلحاد من فلتات","vol":"8","page":48},{"text":"كلامهم، وأصل ذلك كله أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع، وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل درك لما عند الله من الحكمة التي انفرد بها، ولا أخرج الباري من علمه ما علمه هو من حقائق الأمور، وقد درج الصدر الأول على ما درج عليه الأنبياء من هذه الإقناعات، ولما راموا ما وراءها ردوا إلى مقام غايته التحكيم والتسليم، وهو الذي يزرى به طائفة المتكلمين على أهل النقل والسنة، وتسميهم الحشوية، وإليه ينتهي المتكلمون أيضًا، لكنهم يتحسنون بما ليس لهم، وبما لم يتحصل عندهم، فهم بمثابة من يدعي الصحة بتجلده وهو سقيم، ويتغانى على الفقراء وهو عديم، والعقل، وإن كان للتعليل طالبًا، فإنه يذعن بأن فوقه حكمة إلهية، توجب الاستكانة والتحكيم لمن هو بعض خلقه) .\nقال: (وإنما دخلت الشبه من ثلاث طرق ترجع إلى طريق واحد، وذلك أن قومًا نظروا إلى أن العقل هو الأصل في النظر","vol":"8","page":49},{"text":"والاستدلال، اللذين هما طريقة العلم، فإذا قضى العقل بشيء عولوا عليه، فلما قضى بوجود صانع لهذا العالم المحكم بالقواعد أثبتوه، ثم نظروا في أفعاله، فرأوا هدم الأبنية المحكمة، وشاهدو جزيئات لم تأت على نظام الكليات، ومضمار تعقب منافع، فجحدوا الأول بالآخر، ففسد اعتقادهم في الكل، بما عرض لهم من اختلال الجزء، وقالوا: إن دل الإحكام على حكيم، فقد دل الاختلال على الإهمال، فشكوا.\nوالقبيل الآخر أثبتوا صانعًا للكليات، وأضافوا الشرور إلى صانع آخر، فثنوا بعد أن وحدوا.\nوالقبيل الآخر عللوا بما انحرم بعلل لم تشف غليل العقل، فلما لم يستقم لهم التعليل جنحوا، وقالوا: خفي علينا وجه الحكمة فيما عرض في العالم من الفساد، فسلموا لمن استحق التسليم، وهو الصانع، وهذه طائفة أهل الحديث) .\nقال: (وهذا الذي يقال له مذهب العجائز، وإليه كل عالم محق) .\nقال: وقد ظن قوم أن مذهب العجائز ليس بشيء، وليس كذلك.\nوإنما معناه أن المدققين لما بالغوا في النظر، فلم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليلات، وقفوا مع هذه الجملة التي هي","vol":"8","page":50},{"text":"مراسم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: قول القائل: (إن الصحابة - ﵃ - ماتوا وما عرفوا ذلك) فيه تفصيل.\nوذلك أن هذا الكلام فيه حق وباطل، فأما الباطل فهو مثل إثبات الجوهر الفرد، وطفرة النظام، وامتناع بقاء العرض زمانين، ونحو ذلك.\nفهذا قد لا يخطر ببال الانبياء والأولياء، من الصحابة وغيرهم، وإن خطر ببال أحدهم، تبين له أنه كذب، فإن القول الباطل الكذب هو من باب ما لا ينقض الوضوء، ليس له ضابط، وإنما المطلوب معرفة الحق والعمل به، وإذا وقع الباطل عرف أنه باطل ودفع، وصار هذا كالنهي عن المنكر، وجهاد العدو، فليس كل شيء من المنكر رآه كل من الصحابة وأنكروه، ومع هذا فلا يقطع على كل من الصحابة بأنهم لم يعرفوا أمثال هذه الأقاويل ويعرفوا بطلانها، فإنهم فتحوا أرض الشام ومصر والمغرب والعراق وخراسان، وكان بهذه البلاد من الكفار المشركين الصابئين وأهل الكتاب من كان عنده من كتب أهل الضلال من الفلاسفة وغيرهم ما فيه هذه المعاني الباطلة، فربما خوطبوا بهذه المعاني بعبارة من العبارات، وبينوا بطلانها لمن سألهم.\nوالواحد منا قد يجتمع بأنواع من أهل الضلال، ويسألونه عن","vol":"8","page":51},{"text":"أنواع من المسائل، ويوردون عليه أنواعًا من الأسولة والشبهات الباطلة فيجيبهم عنها، وأكثر الناس لا يعلمون ذلك ولا ينقلونه.\nوالشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة قد ناظروا أنواعًا من الجهمية أهل الكلام وجرى بينهم من المعاني ما لم ينقل، ولكن من عرف طريق المناظرين لهم، والمسائل التي ناظروهم فيها، علم ما كانوا يقولونه، كالفقيه الذي يعرف أن فقيهين تناظرا في مسألة من مسأئل الفقه، مثل مسألة قتل المسلم بالذمي، أو القتل بالمثقل ونحو ذلك، فينقل المناظرة من لم يفهم ما قالاه، فيعرف الفقيه الفاضل - مما نقل - ما لم ينقل.\nوأما الخوض في مسألة الروح: هل هي قائمة بنفسها، أم هي عرض؟ فكلام الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة في أن الروح: عين بنفسها تخرج من البدن، وتصعد وتعرج، وتنعم وتعذب، وتتكلم وتسأل وتجيب، وأمثال ذلك أكثر من أن يمكن سطره هنا، فكيف يقال: إن الصحابة ماتوا وما عرفوا هل الروح عين قائمة بنفسها، أو صفة من الصفات؟ وإن كانوا هم كانوا لا يتخاطبون بلفظ الجسم والعرض.\nوكذلك قول القائل: إن الصحابة لم يعرفوا هل الصفات زوائد على","vol":"8","page":52},{"text":"الذات، ليس بسديد.\nفإن كلام الصحابة في إثبات الصفات لله تعالى أكثر وأعظم من أن يمكن سطره هنا، بل كلام الصحابة في إثبات الصفات العينية الخبرية التي تسميها نفاة الصفات تجسيمًا، أكثر من أن يمكن سطره هنا، وكلامهم وكلام التابعين صريح في أنهم لم يكونوا يثبتون ذاتًا مجردة عن الصفات.\nوأما اللفظ: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ فلفظ مجمل، فإن أراد به المريد أن هناك ذاتًا قائمة بنفسها، منفصلة عن الصفات الزائدة عليها، فهذا لا يقوله أهل الإثبات، ولا الصحابة.\nوإن أراد به أن الصفات زائدة على الذات المجردة التي يعترف بها النفاة، فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة، فالسلف والأئمة لم يثبتوا ذاتًا مجردة حتى يقولوا: الصفات زائدة عليها، بل الذات التي أثبتوها هي الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها، وهذا المعنى متواتر في كلام الصحابة.\nففي الجملة: المعاني الصحيحة الثابتة كان الصحابة أعرف الناس بها، وإن كان التعبير عن تلك المعاني يختلف بحسب اختلاف الاصطلاحات.\nوالمعاني الباطلة قد لا تخطر ببال أحدهم، وقد تخطر بباله فيدفعها، أو يسمعها من غيره فيردها، فإن ما يلقيه الشيطان","vol":"8","page":53},{"text":"من الوسواس والخطرات الباطلة ليس لها حد محدود، وهو يختلف بحسب أحوال الناس.\nوأما ما ذكره ابن عقيل من قوله: (ليس في قوة العقل درك لما عند الله من الحكمة التي انفرد بها ...\nإلى آخر كلامه) فهذا كله في العلل الغائية، وحكمة الأفعال وعواقبها، ومسائل القدر والتعديل والتجوير، فإن ابن عقيل كان - لكثرة نظره في كتب المعتزلة وما عارضها - عنده في هذا الأصل أمر عظيم، وهو من أعظم الأصول التي تشعب فيها كلام الناس.\nوكان طوائف من المنتسبين إلى الحديث والسنة كالأشعري، والقاضي أبي بكر، ومن وافقهم في أصل قولهم، وإن كان يختلف كلامه، كالقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وطوائف لا يحصيهم إلا الله، ينكرون التعليل جملة، ولا يثبتون إلا محض المشيئة، ولا يجعلون في المخلوقات والمأمورات معاني لأجلها كان الخلق والأمر، إلى غير ذلك من لوازم قولهم.\nوالمعتزلة يثبتون تعليلًا متناقضًا في أصله وفرعه، فيثبتون للفاعل تعليلًا لا تعود إليه حكمة، ثم يزعمون أن كل واحد من العباد قد","vol":"8","page":54},{"text":"أراد به الفاعل كل من هو صالح له أو أصلح، وفعل معه ما يقدر عليه من ذلك، ويتكلمون في الآلام والتعويضات، والثواب والعقاب، بكلام فيه من التناقض والفضائح ما لا يحصى.\nوفي ذلك الحكاية المشهورة لأبي الحسن الأشعري مع أبي علي الجبائي لما سأله عن إخوة ثلاثة: مات أحدهم قبل البلوغ، والآخر بلغ فكفر، والآخر بلغ فآمن وأصلح، فرفع الله درجات هذا في الجنة، والصغير جعله دونه في الجنة، والكافر أدخله النار.\nفقال له الصغير: يارب ارفعني إلى درجة أخي.\nقال: إنك لا تستحق ذلك، فإن أخاك عمل عملًا صالحًا استحق به ذلك.\nفقال: يارب إنك أحييته حتى بلغ، وأنا أمتني، فلو أبقيتني لعملت مثل ما عمل.\nفقال له: إنه كان في علمي إنك لو بقيت لكفرت، فاخترتك إحسانًا إليك.\nقال: فصرخ الكافر من النار: يارب فهلا أمتني قبل البلوغ ما فعلت بهذا؟ قالوا: فما سأله عن ذلك انقطع.\nولهم على الكلام أبي الحسن اجوبة لها موضع آخر.\nوالمقصود هنا أن ابن عقيل نظر في تعليلات المعتزلة فرآها عليلة، ورأى أنه لا بد من إثبات الحكمة والتعليل في الجملة، خلافًا لما كان","vol":"8","page":55},{"text":"ينصره شيخه القاضي أبو يعلى: فصار يثبت الحكمة والتعليل من حيث الجملة، ويقر بالعجز عن التفصيل.\nوالقاضي أبو خازم بن القاضي أبي يعلى في كتابه المصنف في أصول الدين الذي رتبه ترتيب محمد بن الهيصم في كتابه المسمى بجمل المقالات يسلك مسلك من أثبت الحكمة والمصلحة العامة التي تجب مراعاتها، وإن أفضى ذلك إلى مفسدة جزيئة، كما يشخد ذلك في المخلوقات والمأمورات، وهذا مذهب الفقهاء في تعليل الشرعيات، وهو مذهب كثير من النظار، أو أكثرهم، في تعليل المخلوقات، كما ذهب إلى ذلك الكرامية والفلاسفة وغيرهم من الطوائف، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.\nولم يرد ابن عقيل بقوله: (وقد درج الصدر الأول على ما درج عليه الأنبياء من هذه الإقناعيات) .\nوالإقناعيات تكون في الأدلة الدالة على العلم بإثبات الصانع، وإثبات الصفات له، والمعاد، ونحو ذلك، فإن تلك عند ابن عقيل وامثاله برهانيات يقينيات، فكيف يجعلها عند","vol":"8","page":56},{"text":"الأنبياء والسلف إقناعيات؟ ولكن أراد بذلك، الإقناعيات في تعليل أفعاله.\nوسماها هو إقناعيات لأن هذا مبلغ أمثاله من العلم، ومنتهاهم من المعرفة في ذلك.\nوأما الأنبياء ﵈، والسلف رضوان الله عليهم، فإن الله تعالى أطلعهم من حكمته في خلقه وأمره على ما لم يطلع عليه هو وأمثاله، ولكن هؤلاء ليس لهم بحقائق أحوال الأنبياء والصحابة من الخبرة ما يعرفون به منتهاهم في هذه المطالب العالية، كما أنه ليس لهم من الخبرة بهذه المسائل الكبار ما انتهوا معه إلى غايتها، لكنهم يعلمون أن الأنبياء أفضل الخلق، والصحابة بعدهم أفضل الخلق، فيعتقدون فيهم أنهم وصلوا إلى منتهى ما يصل إليه الخلق في هذه المسائل.\nثم إنهم لما نظروا - مع فرط ذكائهم - ولم يصلوا إلا إلى هذا، ظنوا أنه لا غاية وراءهم، فقالوا ما قالوا.\nوهكذا كل طائفة سلكت فانتهت إلى حيث رأت أنه منتهى الخلق، فإنها تقضي على كل من تعظمه بأن هذا منتهاه، كما قد رأينا طائفة من الفلاسفة لما رأوا أن قول الفلاسفة هو منتهى معارف العقلاء، صاروا إذا رأوا شخصًا ظهر عنه ما يدل على كمال عقله، وعظم علمه وفضله، ومعرفته بأقوالهم على الحقيقة، يجعلون قوله هو منه ورأينا من كلامه ما يناقض قول الفلاسفة، يقول ذلك الفيلسوف الفاضل: هذا والله قد عرف حقيقة قولنا، ومن عرف حقيقة قولنا لم يعدل عنه، إلا أن يكون هناك شيء أعلى منه، ثم","vol":"8","page":57},{"text":"يبقى حائرًا: هل فوق قولهم ما هو أكمل منه، لما ظهر منه من كون العارف بحقيقة قولهم، مع حسن قصده وعدله، قد عدل عنه إلى قول يناقضه؟ أو ليس فوقه ما هو أكمل منه؟ لأن هذا الفيلسوف لا يعرف أن فوقه ما هو أكمل منه.\nوهكذا الاتحادية أهل الوحدة ينسبون كل من عرف علمه وعقله وكماله إلى أنه منهم، وإن كان مظهرًا للإنكار عليهم، وهكذا أهل الحيرة في الصفات الخبرية، يجعلون السلف والأئمة يمرون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت، مع عدم علمهم بمعانيها.\nوإن كانوا من نفاتها قالوا: إنهم كانوا يعتقدون نفيها في الباطن: ولا يعلمون مدلول النصوص.\nولما كان هذا عندهم هو الغاية التي انتهوا إليها، والسلف عندهم أعظم الناس، جعلوا هذا غاية السلف.\nوهؤلاء الطوائف وقع لهم الخطأ من جهتين: أحداهما: أنهم لم يعرفوا الحق في نفسه على ما هو عليه، لا بدليل عقلي ولا سمعي.\nالثانية: أنهم لم يعرفوا حقيقة أقوال السلف وما كان عندهم من العلم والبيان، فكان عندهم قصور في معرفة الحق في نفسه، وفي معرفة الأنبياء والسلف به، وظنوا أن ما وصلوا إليه هو الغاية الممكنة، فجعلوا ذلك","vol":"8","page":58},{"text":"منتهى غيرهم، فصاروا يحكون كلام المعظمين عندهم على هذا الوجه.\nوقد رأينا من ذلك أمورًا، حتى أن من قضاتهم وأكابرهم من يحكي أقوال الأئمة الأربعة في مسألة من المسائل الكبار، فإذا قيل له: أهذا نقله أحد عن الشافعي أو فلان أو فلان؟ قال: لا، ولكن هذا قاله العقلاء، والشافعي لا يخالف العقلاء، أو نحو هذا الكلام.\nفالطوائف المقصرة الضالة تجد حكايتهم للمنقولات، مثل نظرهم في المعقولات، فلا نقل صحيح، ولا عقل صريح.\nوكل من كان أبعد عن متابعة الأنبياء، كان أبلغ في هذين الأمرين، حتى ينتهي الأمر إلى القرامطة الباطنية، الذي مبنى أمرهم على السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات.\nثم الشيعة أقرب منهم، فكان عندهم من السفسطة والقرمطة بحسبهم، والمعتزلة خير منهم، فهم أقل سفسطة وقرمطة، ولكن دخل من ذلك عندهم، بحسب ما فيهم من مخالفة الكتاب والسنة، أمور كثيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>كلام ابن عقيل في ذم علم الكلام</span>\nوابن عقيل لما خبر كلام المعتزلة لم يرض طريقهم، فلهذا ذكر أن","vol":"8","page":59},{"text":"الناس ثلاث طوائف: طائفة شكت لما رأت وجود الشر والضرر في العالم.\nوطائفة قالت بالأصلين وهم الثنوية.\nوالطائفة الثالثة عللوا ما انخرم بعلل لم تشف غليل العقل - كما فعلت المعتزلة - فلما لم يستقم لهم التعليل، جنحوا وقالوا: خفي علينا وجه الحكمة فيما عرض في العالم من الفساد، فسلموا لمن استحق التسليم، وهو الصانع.\nقال: (وهذه طائفة أهل الحديث) وهذا بناءً على إثبات الحكمة والغاية والتعليل من حيث الجملة، والاعتراف بجهلة من جهة التفصيل، وذكر أن هذا منتهى كل عالم محق، وهذا مبلغ علم من انتهى إلى هنا.\nولابن عقيل أنواع من الكلام، فإنه كان من أذكياء العالم، كثير الفكر والنظر في كلام الناس، فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية، وينكر على من يسميها صفات، ويقول: إنما هي إضافات، موافقة للمعتزلة، كما فعله في كتابه ذم التشبيه وإثبات التنزيه وغيره من كتبه، واتبعه على ذلك أبو الفرج بن الجوزي في كتابه كف التشبيه بكف التنزيه) في كتابه منهاج الوصول، وتارة يثبت","vol":"8","page":60},{"text":"الصفات الخبرية، ويرد على النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات، وتارة يوجب التأويل كما فعله في الواضح وغيره وتارة يحرم التأويل ويذمه وينهي عنه، كم فعله في كتاب الأنتصار لأصحاب الحديث، فيوجد في كلامه من الكلام الحسن البليغ ما هو معظم مشكور، ومن الكلام المخالف للسنة والحق ما هو مذموم مدحور.\nوكذلك يوجد هذا وهذا في كلام كثير من المشهورين بالعلم، مثل أبي محمد بن حزم، ومثل أبي حامد الغزالي، ومثل أبي عبد الله الرازي وغيرهم.\nولابن عقيل من الكلام في ذم من خرج عن الشريعة من أهل الكلام والتصوف ما هو معروف، كما قال في الفنون، ومن خطه نقلت، قال: (فصل: المتكلمون وقفوا النظر في الشرع بأدلة العقول","vol":"8","page":61},{"text":"فتفلسفوا، واعتمد الصوفية المتوهمة على واقعهم فتكهنوا، لأن الفلاسفة اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم، والكهان اعتمدوا على ما يقلى إليهم من الاطلاع، وجميعًا خوارج على الشرائع، هذا يتجاسر إن يتكلم في المسائل التي فيها صريح نقل بما يخالف ذلك المنقول، بمقتضى ما يزعم أنه يجب في العقل، وهذا يقول: قال لي قلبي عن ربي، فلا على هؤلاء أصبحت، ولا على هؤلاء أمسيت، لا كان مذهب جاء على طريق السفراء والرسل، يريد تعلم بيان الشرايع، وبطلان المذاهب والتوهمات، والطرايق المخترعات: هل لعلم الصوفية عمل في إباحة دم أو فرجً، أوتحريم معاملة، أو فتوى معمول بها في عبادة أو معاقدة؟ أو للمتكلمين بحكم الكلام حاكم ينفذ حكمه في بلد أو رستاق؟ أو تصيب للمتوهمة فتاوي وأحكام؟ إنما أهل الدولة الإسلامية والشريعة المحمدية المحدثون والفقهاء: هؤلاء يروون أحاديث الشرع، وينفون الكذب عن النقل، ويحمون النقل عن الاختلاف.\nوهؤلاء المفتون يفنون عن الأخبار تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، هم الذي سماهم النبي ﷺ: الحملة العدول، فقال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين.","vol":"8","page":62},{"text":"فالخارج - وإن خفقت بنوده، وكثرت جموعه، وسمي بالملك - يبعد أن يضرب له دينار أو درهم، أو يخطب له على منبر، أو تكون أموره إلا على المغالطة والمخالسة، بينا هو على حاله يتضعضع لكتاب الملك، وتخشى من أن يقابله بقتال، أو يصافه بحرب، لأن في نفس الخارجي بقية من انخساس الباطل، وللملك - وإن قل جمعه - صولة الحق، وكذلك البرخشتي مع الطبيب المقيم: هذا مختار يطلب من الأدوية ما يسكن الألم في الحال، ويضع على الأمراض الأدوية الجواد العاملة بسرعة، فيأخذ العطية والخلعة لسكون الألم وإزاله المرض، ويصبح على أرض أخرى، ومنزل","vol":"8","page":63},{"text":"بعيد، وطبه مجازفة، لأنه يأمن الموافقة والمعاينة.\nوالأطباء المقيمون يلامون على تطويل العلاج، وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المتركبة دون الحادة من الأدوية، وإن عجلت سكون الألم، فإنها غير مأمونة الغوائل، ولا سليمة العواقب، لأن ماتعطى الأدوية الحادة من السكون إنما هو لغلبة المرض، وحيثما غلبت الأمراض أوهت قوى المحل الذي حلته الأمراض، فهو كما قيل: الدواء للبدن كالصابون للثوب ينقيه ويبليه، كذلك كلما احتد الصابون وجاد أخلق الثوب، فكذلك الفقهاء والمحدثون يقصرون عن إزالة الشبه.\nلأنهم عن نقل يتكلمون، وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ويقللون، فهم حال الأجوبة ينظرون في العاقبة، والمبتدعة والمتوهمة يتهجمون، كتهجم البرخشتي، فعلومهم فرح ساعة، ليس لعلومهم ثبات، فإن اشتبه على قوم ما دلسه الصوفيه عليهم من قول النبي ﷺ: إن في أمتي محدثين ومكلمين، وهو ما يلقي من الفراسات والدرايات، كما نطق به عمر.\nقيل لهم: لو نطق","vol":"8","page":64},{"text":"عمر برأيه ولم يصدقه الوحي على لسان السفير، لما التفت إلى واقعته، ولا يبتنى الشرع على فراسته.\nألاتراه لما مات السفير قال من هو أعلى طبقة منه: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ وقال في الكلالة ما قال.\nيقول الصديق هذا وأسلم اليوم لشيخ رباط يخلو بأمرد في سمعه، ويسمع الغناء من أمرد وحرة، ويأكل من الحرام شبعة، ويرقص كما تشمس الخيل، لا يسأل الفقهاء، ولا يبنى أمره على النقل، يقول بواقعة، ويقول أتباعه: الشيخ يسلم إليه طريقته، وأي طريقة مع الشرع؟ وهل أبقت الشريعة لقائل قولًا؟ وهل جاءت إلا بهدم العوايد ونقض الطرايق؟ ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين.\nهؤلاء يفسدون العقول بتوهمات شبهات العقول، وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان، يحبون البطالات، والاجتماع على اللذات، وسماع الأصوات المشوشات للمعايش والطاعات، وأولئك يجرئون الشباب والأحداث، وعلى البحث وكثرة السؤال والاعتراضات، وتتبع الشرع بالمناقضات.\nوما عرفنا للسلف الصالح أعمال هؤلاء الصوفية، بل كانت أحوالهم الجد لا الهزل، ولا أحوال المتكلمين: لا التكشف ولا البحث، بل كانوا عبيد تسليم وتحكيم في المعتقدات، وجد وتشهير في الأعمال والطاعات،","vol":"8","page":65},{"text":"فنصيحتي لأخواني من المؤمنين الموحدين أن لا يقرع أبكار قلوبهم كلام المتكلمين، ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين، بل الشغل بالمعايش أولى من بطالة المتصوفة، والوقوف مع الظواهر أولى من توغل المنتحلة للكلام.\nوقد خبرت طريقة الفريقين: غاية هؤلاء الشك، وغاية هؤلاء الشطح.\nوالمتكلمون عندي خير من المتصوفة، لأن المتكلمين مرادهم مع التحقيق مزيد الشكوك في بعض الأشخاص، ومؤدي المتصوفة إلى توهم الإشكال، والتشبيه هو الغاية في الإبطال، بل هو حقيقة المحال، مما يسقط المشايخ من عيني، وإن نبلوا في أعين الناس أقدارًا وانسابًا، وعلومًا وأخطارًا، إلا قول القائل منهم إذا خوطب بمقتضى الشرع: عدتي كذا وكذا، يشير إلى طريقة قد قننها لنفسه، تخرج عن سمت الشرع، فذاك مختلق طريقة، وكل مختلق مبتدع، ولو كان في ترك النوافل، لأن الاستمرار على ترك السنن خذلان.\nقال أحمد ﵁ وقد سئل","vol":"8","page":66},{"text":"عن رجل استمر على ترك الوتر: هذا رجل سوء.\nأنا أنصح بحكم العلم والتجارب: إياك أن تتبع شيخًا يقتدي بنفسه، ولا يكون له إمام يعزى إليه ما يدعوك إليه، ويتصل ذلك بشيخ إلى شيخ إلى السفير ﷺ، الله الله، الثقة بالأشخاص ضلال، والركون إلى الآراء ابتداع، اللين والانطباع في الطريقة مع السنة، أحب إلي من الخشونة والانقباض مع البدعة، الله لا يتقرب إليه بالامتناع مما لم يمنع منه، كما لا يتقرب إليه بأعمال لم يأمر بها.\nاصحاب الحديث رسل السفير: الفقهاء المترجمون لما أراد السفير من معاني كتابه، ولا يتم اتباع إلا بمنقول، ولا يتم فهم المنقول إلا بترجمان، وما عداهما تكلف لا يفيد.\nوإلى هذين القسمين انقسم أصحاب رسول الله ﷺ: نقلةً وفقهاء، ولا نعرف فيهم ثالثًا.\nأصحاب أسواق وصفقات وتجارات، لا ربط ولا مناخ للبطالات، يا أصحاب المخالطات والمعاملات، عليكم بالورع، يا أصحاب الزوايا والانقطاعات عليكم بحسم مواد الطمع.\nيا طراق المبتدئين إياكم واستحسان طرائق أهل التوهم والخدع، ليس السني عندي المحب لمعاوية ويزيد، ولا لأبي بكر وعمر، ولا الشيعة عندي من زار المشاهد، وأنشد المراثي والقصايد.","vol":"8","page":67},{"text":"السني عندي من تتبع آثار الرسول فعمل بها بحسب ما يفتيه الفقهاء، واحتذى الرسم، واتبع الأمر، وكف عن النهي وتنزه عن الشبه، ووقف عند الشك، وتفرغ من كل علم خالف النقل، وإن كانت له طلاوة في السمع، وقبول في القلب، ليس قلبك معيارًا على الشرع، مالله طائفة أجل من قوم حدثوا عنه، وما أحدثوا وعولوا على ما رووا، ولا على ما رأوا، الصبر على الرواية مقام الصديقين.\nقال الخضر للسفير: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾ لأن مستحسنًا برأيه ومستقبحًا برأيه لا يتبع، لأنه قد بان لك بنص القرآن أن استحسان عقل السفير الكليم واستقباحه ما كان على القانون الصحيح، حتى كشف له عن العذر فيما كان استقبحه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولا ابن عقيل من هذا الجنس في تعظيم الشرع، وذم من يخالفه من أهل النظر والكلام، وأهل الإرادة والعبادة، كلام كثير من هذا الجنس.\nكما قد تقدم تكلم في ذلك طوائف من اهل العلم والدين، لكن من غلب عليه طريق النظر والكلام،","vol":"8","page":68},{"text":"كان ذمه لمنحرفه العباد أكثر من ذمه لمنحرفه أهل الكلام، وهذا كثير في أهل الكلام والفقهاء، لاسيما في العتزلة، وهؤلاء قد لا يعرفون ما في طريق أهل العبادة والتصوف من الأمور المحمودة في الشرع، ومن غلب عليه طريقة أهل التصوف.\nوهذا يوجد كثيرًا في كلام أهل الزهد والعبادة، لا سيما المعظمين لطريق الصوفية، فمثل أبي عبد الرحمن السلمي، وأبي طالب المكي، وأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، وأبي حامد الغزالي، وإن كانوا يذمون من منحرفة الصوفية ما يذمون، فذمهم لجنس أهل الكلام والبحث والنظر أعظم.\nومثل أبي بكر بن فورك، وأبن عقيل، وأبي بكر الطرطوشي، وأبي عبد الله المازري، وأبي الفرج بن الجوزي، وإن كانوا يذمون من بدع أهل الكلام والفلسفة ما يذمون، فذمهم لما يذمونه من بدع أهل التصوف والتاله أعظم.\nوقد قال الله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، وقد قال النبي ﷺ: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» .\nرواه الترمذي وصححه.\nوكان طائفة من السلف يقولون: من فسد من الفقهاء ففيه شبه من","vol":"8","page":69},{"text":"اليهود، ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى.\nفمن كان فيه بدعة من أهل الكلام والنظر والفقه كالمعتزلة تجدهم يذمون النصارى أكثر مما يذمون اليهود، واليهود يقرأون كتبهم ويعظمونهم.\nومن كان فيه بدعة، من أهل العبادة والتصوف والزهد، تجدهم يذمون اليهود أكثر مما يذمون النصارى، وتجد النصارى يميلون إليهم، وقد يحصل من مبتدعة الطائفين من موالاة اليهود والنصارى بحسب ما فيهم من مشابهتهم، وهذا موجود كثيرًا، كما دل عليه الكتاب والسنة.\nوهذه الطريقة الأولى التي يعتمد عليها من يعتمد، مثل ابن عقيل، وصدقه بن الحسين، وغيرهما، هي التي ذكرها أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، وهي التي اعتمد عليها في كتابه المشهور المسمى: بـ اللمع في الرد على أصحاب البدع وهو أشهر مختصراته، وقد شرحوه شروحًا كثيرة، ومن أجلها شرح القاضي أبي بكر له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>كلام الأشعري في اللمع عن إثبات وجود الله تعالى</span>\nوهذه السياقة النتقدمة هي سياقة أبي الحسن في اللمع فإنه قال في أوله: (إن سأل سائل: ما الدليل على أن للخلق صانعًا صنعه، ومدبرًا دبره؟ قيل: الدليل على ذلك أن الإنسان، الذي","vol":"8","page":70},{"text":"هو في غاية الكمال والتمام، كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحمًا ودمًا، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال، لأنا نراه في حال كمال قوته، وتمام عقله، ولا يقدر أن يحدث لنفسه سمعًا ولا بصرًا، ولا أن يخلق لنفسه جارحة، فدل ذلك على أنه قبل تكامله، واجتماع قوته وعقله، كان عن ذلك أعجز، لأن ما عجز عنه في حال الكمال، فهو في حال النقصان عنه أعجز، ورأيناه طفلًا، ثم شابًا، ثم كهلًا، ثم شيخًا، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر والهرم، لأن الإنسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم، ويردها إلى حال الشباب لم يمكنه ذلك، فدل ما وصفناه على أنه ليس هو الذي نقل نفسه في هذه الأحوال، وأن له ناقلًا نقله من حال إلى حال، ودبره على ما هو عليه، لأنه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر) .\nقال: (ومما يبين ذلك أيضًا: أن القطن لا يجوز أن يتحول","vol":"8","page":71},{"text":"غزلًا مفتولًا، ولا ثوبًا منسوجًا يغير صانع ولا ناسج، ومن اتخذ قطنًا فانتظر أن يصي رغزلًا مفتولًا، ثم ثوبًا منسوجًا، بغير صانع ولا ناسج، كان عن المعقول خارجًا، وفي الجهل والجًا، وكذلك من قصد إلى برية لم يجد فيها قصرًا مبنيًا، فانتظر أن يتحول الطين إلى حال الآجر، وينتضد بعضه إلى بعض بغير صانع ولا بان كان جاهلًا، فإذا كان تحول النطفة علقة، ثم مضغة، ثم لحما، ثم عظمًا ودمًا، أعظم في الأعجوبة، كأن أولى أن يدل على صانع صنعها، أعني النطفة، ونقلها من حال إلى حال) .\nقال: (وقد قال تعالى: ﴿أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾، فما استطاعوا بحجة أن","vol":"8","page":72},{"text":"يقولوا إنهم يخلقون ما يمنون مع تمنيهم الولد فلا يكون، ومع كراهتهم له فيكون.\nوقال تنبيهًا لخلقه على وحدانيته: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ فبين لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم، ومدبر دبرهم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا الدليل مبني على مقدمتين: على تحول الإنسان من حال إلى حال، وأن ذلك لا بد له من صانع حوله من حال إلى حال، وكلتا المقدمتين ضرورية.\nوالأولى هي مسألة حدوث صفات الأجسام، كما تقدم بيانه، وأن من أهل الكلام من يقول إن: المشهود هو حدوث الصفات لا حدوث الأعيان، وإن أكثر الناس على خلاف ذلك.\nوهذا هو طريقة القرآن، ولكن حدوث الصفات هي أقرب الطرق إلى طريقة القرآن، وأما الثانية فهي ضرورية، ولهذا لم يذكر أبو الحسن عليها دليلًا، لكن كثير من أصحابه يقولون: إنها طريقة، موافقةً منهم لمن قال ذلك من المعتزلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>كلام الباقلاني شرحًا لكلام الأشعري</span>\nولهذا اعترض من اعترض من المعتزلة على كلام أبي الحسن، فأجابه","vol":"8","page":73},{"text":"القاضي أبو بكر على أصله بجواب ذكره.\nقال القاضي أبو بكر: (أعلم أنه إنما ضرب المثل بما ذكره من القطن واللبن لظهوره في نفوس العامة والخاصة، واعتقاد جميعهم لجهل من جوز تنضد البنيان، واجتماع الآجر والتراب، وتصوير المصنوعات بغير صانع ولا مدبر، وأنت لو اعترضت كل من سلمت حاسته، وصح عقله، فسألته: هل يجوز وجود ما ذكره من ضروب المحكمات بغير صانع، مع العلم بأنها لم تكن كذلك من قبل؟ لمنع ذلك ولاستجهل قائله، لتقدم الأدلة وتقررها على فساده، في نفوس العامة والخاصة، وإن كانت العامة تقصر عبارتها عن عبارة الخاصة، وألفاظ المتكلمين، وطريق المستنبطين في التعبير، وقولهم: لم تجد كتابة إلا من كاتب، ولا ضربًا إلا من ضارب، ولا بناءً إلا من بان، وإن استحالة وجود ضرب من لا ضارب، وبناء من لا بان، كاستحالة ضارب لا ضرب له، وبان لا بناء له، وقد تقرر هذا المعنى في نفوسهم، وإن قصروا عن تأديته، وصار مقارنًا للعلوم الضرورية، وصار المخالف فيه عند سائرهم كالمخالف فيما يدرك من جهة الحواس) .\nقال: (وجملة القول في هذا الباب أنا لا ندعي، ولا صاحب","vol":"8","page":74},{"text":"الكتاب، أن العلم باستحالة وقوع الصنعة لا من صانع، شيء يدرك من جهة الضروريات وتعلم صحته من طريق درك الحواس، لكنه يدرك بالاستنباط، فإذا حصل في نفوس من يجوز أن يشك في هذه المسألة، وفي صانع الأشياء التي غاب عنها، نظير لما يشك فيه، ومثل لما ارتاب فيه، رده إليه، وجعله أصلًا معه في تصحيح ما ينبغي تصحيحه، وكشف ما يرجى له كشفه) .\nقال: وقوله: لو أن منتظرًا انتظر اجتماع المصنوعات من غير صانع كان متجاهلًا، كلام صحيح، لأن الصنعة يستحيل وقوعها إلا من صانع، كما يستحيل في العقول وجود صانعًا لا صنعة له، وكاتب لا كتابة له، فتعلق الصنعة بالصانع، كتعلق الصانع في كونه صانعًا بوجود صنعته، واستحالة أحد الأمرين في المعقول كاستحالة الآخر) .\nقال: (وهذه النكتة المعتمدة في هذا الدليل، وإنما نذكر ضروبًا من ضروب الصنائع تقريبًا بذكره، وليس القصد بذكره تخصيص تعليقه بالصانع، وإنما يراد بذلك وجوب تعلق سائر المصنوعات بصانع صنعها، فاعرف ذلك) .\nوذكر كلامًا آخر إلى أن قال: (فإن قال قائل: فما الدليل الآن","vol":"8","page":75},{"text":"على أنه لا بد لسائر الأفعال الحاضرة والغائبة من فاعل فعلها، ومدبر دبرها؟ وكيف وجه تعلق الإنسان وغيره من المصنوعات، بفاعل ومدبر صنعه وقصده، متى لم يكن هو الفاعل لنفسه؟ قيل له: قد تقدم من كلام صاحب الكتاب ما هو دلالة على ذلك، وقد مضى شرحنا له، حيث قلنا: إن تعلق الفعل بالفاعل، كتعلق الفاعل في كونه فاعلًا بفعله.\nثم نقول في الدليل على ذلك: إنه لا يسوغ أن يجيب عن هذه المسألة إلا من سلم لنا هذه الأمور - التي هي التأليفات والتصويرات والتركيبات - معان محدثات، وإن كان لا يقر بأنها أفعال، كلم في أصل هذه المسألة، وقرر معه القول بوجوب حدوثها، فإذا كان الأمر على ما وصفناه، لم يكن لأحد أن يسأل عن هذه المسألة.\nوقد يخالف في أن هذه الأمور التي ذكرناها أفعال، لأنه إذا قال: ما الدليل على أن هذه الأفعال تتعلق بفاعل؟ فقد أثبتها أفعالًا، فإذا أنكر أن تكون أفعالًا، فقد أبطل بآخر كلامه ما أثبته بأوله، ولكن قد يسوغ أن يقول: ما الدليل على أن التأليف يتعلق بمؤلف؟ وإن لم يسلم أنه فعل، لشبهة تدخل عليه.","vol":"8","page":76},{"text":"فإذا كان الأمر على ما وصفنا، رجعنا فقلنا: الدليل على أنه لا بد للأفعال من تعلق بفاعل، أنا وجدناها يتقدم بعضها على بعض في الوجود، ويتأخر بعضها عن بعض، وتوجد في زمان كان يصح عدمها فيه، بدلًا من الوجود، وتعدم في زمان يصح وجودها فيه بدلًا من العدم.\nفإذا كان هذا وصفها، قلنا: لا يخلو ما تقدم منها: أن يكون متقدمًا لنفسه، أو لمعنى يوجد به، أو لا لنفسه ولا لعلة، أولمقدم قدمه، وكذلك حكم القول فيما تأخر منها، فنظرنا فإذا هو مستحيل أن يكون إن ما تقدم منها إنما تقدم لنفسه، لأنه قد يتقدم على ما هو جنسه، وتأخر عنه ما ذاته مثل ذاته، كالجواهر وأجزاء السواد وغير ذلك من المتماثلات، فلو كان ما تقدم منها متقدمًا لنفسه، لم يكن بالتقدم أولى مما هو مثل له، ولا كان المتأخر منها بالتأخر أولى منه بالتقدم، إذ قد صح وثبت أن المتماثلين هما ما سد أحدهما مسد صاحبه، وناب منابه، واقتضت ذاته من الأحكام ما اقتضته ذات ما كان مثلًا له.\nوفي العلم بتقدم بعض المتماثلات على بعض، وتأخر بعضها عن بعض - فإن ما تقدم منها، فالتقدم أولى منه بالتأخر، وما تأخر منها، فالتأخر أولى منه بالتقدم - دليل على أنه لا يجوز أن يكون","vol":"8","page":77},{"text":"المتقدم منها متقدمًا لنفسه، ولا المتأخر منها متأخرًا لنفسه، ويستحيل أن يكون ما تقدم منها متقدمًا لعلة توجد به، لأنه ليس بأن توجد له تلك العلة - إذا لم تكن تلك العلة منه معلقة بموجد - أولى من وجودها بغيره.\nووجود سائر ما جانسها، بسائر ما يحتمله ذلك الجنس من العلل المقتضية بالتقدم، الذي هو الوجود في الوقت المخصوص الذي يتكلم عليه، حتى تتساوى في الوجود، ولا يتأخر بعضها عن بعض، لاحتمالها ما يقتضي وجودها من المعاني وكونها متماثلة.\nعلى أنه لو كان المتقدم من الجواهر وأجزاء السواء متقدمًا لعلة، والمتأخر عنها متأخرًا لعلة، لكانت علة التقدم قبل علة التأخر، إذ كانت موجودة مع المتقدم، الذي هو قبل المتأخر.\nولو كان ذلك كذلك، لوجب أن يكون لعلة ايضًا، ما تقدمت إحدى العلتين على الأخرى، لأن علة التقدم والتأخر يجب أن تكونا من جنس واحد، لأنهما حدوثان ووجودان للحادث الموجود، ولو ثبتا معنى من المعاني.\nوقد أبنا فيما سلف أنه لا يجوز تقدم أحد المثلين، على صاحبه لنفسه وجنسه.\nووجود الشيئين في زمانين متغايرين، لا يخرج","vol":"8","page":78},{"text":"الوجود عن حقيقته، فيجب لذلك أن تكون علة وجود الشيء في زمان، كعلة وجود غيره في غير ذلك الزمان، ومن جنسها.\nوإذا كان كذلك، وجب أن يكون تقدم إحدى العلتين للأخرى لعلة ثانية، والقول في الثانية وفي وجوب تعليقها بثالثة - إذا كانت متقدمة لعلة - كالقول في الأولى.\nوكذلك القول في علة التأخر، وهذا يوجب ما لا نهاية له من الحوادث، وذلك محال.\nفإن اعترف المخالف أن الشيء الذي يتقدم وجوده وجود ما هو مثل له لعلة فعلها فاعل، أقر أن الفعل يتعلق بالفاعل، وكان حكم المعلول حكم العلة، ففي ذلك ما أردناه.\nوإن امتنع من تعلق العلة المقتضية لوجود ما يوجد به الفاعل، دخل عليه ما كلمناه به آنفًا: من أنه ليس احتمال بعض الجواهر لما يقتضي وجوده في زمان بعد زمان، بأولى من احتمال وجود ذلك فيما هو مثل له) .\nقال: (وسنبين بعد هذا أن الجواهر المعدودات، ليست بذوات ولا أعيان ولا جواهر قبل وجود الأعراض، وأنها لم توجد إلا مع وجودها.\nوإنما لم نقدم هذا الباب في هذه الدلالة لعدم حاجتنا","vol":"8","page":79},{"text":"إليه، وذلك أنا نجعل مكان قولنا: (تقدمت الجواهر بعضها على بعض)، أن نقول: إن بعضها ينتضد قبل بعض، وبعضها يتفرق قبل بعض، وبعضها يجتمع قبل بعض، وأنه لا يجوز أن يكون ما ينتضد منها منتضدًا لنفسه، وما افترق منها مفترقًا لنفسه لقيام الدليل على تماثلها، وأن ما اقتضاه ذوات بعضها من الأحكام اقتضاه ذوات سائرها، وفي العلم بأن منها ما يكون مجتمعًا منتضدًا، ومنها ما يكون متفرقًا متباينًا، دليل على أنه ليس الذي اقتضى لها ذلك ذواتها، وإن كانت تلك العلة فعلها فاعل، فصارت بوجودها على صفة ما ذكرناه من الاجتماع والافتراق، فصح أن الأفعال تتعلق بالفاعل، وأن تلك العلة إذا كانت متعلقة بالفاعل من حيث كانت فعلًا محدثًا، وجب أن يكون هذا سبيل الجسم، إذ كان فعلًا لمساواته لما تعلق بالفاعل فيما لو كان متعلقًا به.\nوهذا إقرار بتعلق الأفعال بالفاعل) .\nقال: (ويستحيل أن يكون ما تقدم منها متقدمًا لا لنفسه ولا لعلة، لأنه كان يجب أن لا يكون بالتقدم - في وقت تقدمه - أولى منه بالتأخر، ولا بالتأخر أولى منه بالتقدم، ولا كان هو بأن يكون متقدمًا لا لنفسه ولا لعلة، أولى من تقدم ما هو مثل له في زمانه، لا لنفسه ولا لعلة، وفي العلم بكون المتقدم أولى منه بالتأخر، والمتأخر","vol":"8","page":80},{"text":"أولى منه بالتقدم، وإن وصفه بالتقدم والتأخر يفيد فوائد متغايرة، لا تجري مجرى الألقاب التي لا تفيد - دليل على أنه لا يجوز أن يكون ما تقدم منها متقدمًا لا لنفسه ولا لعلة) .\nقال: (وفي فساد هذه الأقسام التي لا يخلو الأمر منها في التقدم والتأخر، دليل على أن مقدمًا قدم منها ما قدم، وأخر منها ما أخر) .\nقال: (وهذا أحد ما يعول عليه في وجوب تعلق الأفعال بفاعل) .\nقلت: مضمون هذا الكلام أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث يستدل عليه بأن ذلك يتضمن الاختصاص بزمان دون زمان، والتخصيص لا بد له من مخصص، لأنه ترجيح لأحد المتماثلين على الآخر، وترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح معلوم الفساد بالضرورة، ولم يحتج بعد هذا أن يستدل على أن الترجيح لا بد له من مرجح، لأن ذلك ترجيح لأحد طرفي الممكن على الآخر، فلا بد له من مرجح، وقد ذكرنا فيما بعد أن هذا هو الطريق الذي سلكه أبو الحسين، وأبو المعالي، وابن عقيل، وابن الزاغوني، وغيرهم: قرروا افتقار المحدث","vol":"8","page":81},{"text":"إلى المحدث بأن ذلك تخصيص بأحد الجائزين، والتخصيص بأحد الجائزين لأنه لا بد له من مخصص، وهذا عندهم مختص بالمحدثات، ولا يتصور عندهم ممكن قديم حتى يستدلوا بافتقار الممكن المتساوي الطرفين إلى مرجح لأحدهما، أو مرجح لوجوده.\nوذكر القاضي أبو بكر أن ما ذكر من ضرب المثل باللبن إذا صار بناءً، والغزل إذا صار ثوبًا، إنما هو لأجل ظهور ذلك في نفوس العامة والخاصة، لا لأن أحداهما مقيس على الآخر.\nوذلك أن كثيرًا من المعتزلة، كأبي علي، وأبي هاشم، يقررون ذلك بالقياس على أفعال العباد، فيقولون: كما أن الكتابة لا بد لها من كاتب، والبناء لا بد له من بان، فكذلك الجسم المحدث لا بد له من فاعل للقدر المشترك، لأن العلة الموجبة افتقار الأصل المقيس عليه إلى الفاعل، هي موجوده في الفرع المقيس، لأن افتقار الأصل إلى الفاعل إنما كان لحدوثه، وهذا موجود في الفرع ...\nإلى سائر كلامهم المعروف في مثل هذا.\nفذكر القاضي أبو بكر أنه لا حاجة إلى هذا، بل افتقار أحداهما كافتقار الآخر، وقرر الجميع بالطريقة التي ذكرها، وهو قوله: (لأن","vol":"8","page":82},{"text":"الصنعة يستحيل وقوعها إلا من صانع، كما يستحيل في العقول وجود صانع لا صنعة له، وكاتب لا كتابة له، فتعلق الصنعة بالصانع، كتعلق الصانع في كونه صانعًا بوجود صنعته) .\nقال: (وهذه النكتة المعتمدة في هذا الدليل) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: بيان هذا أنه إذا قيل: صنعة، أو فعل، كان هذا اللفظ متضمنًا صانعًا فاعلًا، كما إذا قيل: فاعل صانع، كان ذلك متضمنًا فعلًا وصنعة.\nوذلك لأن المصدر يستلزم الفاعل، كما يستلزم الفاعل المصدر، فكما أن العقل يعلم امتناع فاعل لا فعل له، فهو يعلم امتناع فعل لا فاعل له.\nوالقاضي أبو بكر قرر هذا الوجه أيضًا بناءً على أن العلم بافتقار المحدث إلى محدث ليس بضروري، وزعم أن الأشعري يقول بذلك، كما تقدم من قوله: (إنا لا ندعي - ولا صاحب الكتاب - أن العلم باستحالة وقوع الصنعة لا من صانع، شيء يدرك من جهة الضرورات) .\nومن المعلوم أن كلام الأشعري ليس فيه شيء من هذا، ولم يذكر في كلامه أن العلم بافتقار الصنعة إلى صانع يقرر بأن استلزام الصنعة للصانع كاستلزام الصانع للصنعة، ولا بأن ذلك يتضمن تقديمًا وتأخيرًا، فيفتقر إلى مقدم ومؤخر.","vol":"8","page":83},{"text":"ثم إن القاضي قرر ذلك بأن ذلك التقدم والتأخر لا يجوز أن يكون لعلة تقوم بالمتقدم والمتأخر، لأنه ليس وجود العلة به بأولى من وجودها بغيره، إذا لم يكن هناك موجد.\nوكذلك وجود سائر العلل المجانسة لها لسائر ما يحتمله ذلك الجنس الذي وجدت به العلة، ولأن ذلك يتضمن تقدم علة على علة، فتفتقر أيضًا إلى لعة متقدمة، وذلك يفضي إلى وجود حوادث لا نهاية لها، وهو محال.\nوهذه المقدمة فيها نزاع مشهور، لكنه احتج بها على من يسلمها من المعتزلة، ولأنه عند نفسه قد أقام الدليل عليها في موضع آخر.\nوأيضًا فإنه بنى دليله على تماثل الجواهر، وهذا فيه نزاع مشهور، لكنه أحال على تقريره لذلك في موضع آخر.\nوإبطال هذا القسم يظهر بدون هذه الأدلة التي اعتمد عليها، وذلك أن الكلام في حدوث ما يحدث من الحوادث التي تقدمت وتأخرت، وهذه لا تقوم بها العلل في حال عدمها، إنما تقوم بها في حال وجودها، فيمتنع أن يكون حدوثها لمعنى قام بها قبل حودثها، لأن المعدوم لا يحدث الموجود، ولا يكون المعدوم علة للموجود.\nولكن سلوك هؤلاء لهذه الطرق البعيدة التي فيها شبهة وطول، دون","vol":"8","page":84},{"text":"الطرق القريبة التي هي أقرب وأقطع، قد يكون لكون المناظر لهم لا يسلم صحة الطرق القريبة الواضحة القطعية، إما عنادًا منه، وإما لشبهة عرضت له افسدت عقله وفطرته، مثلما يعرض كثيرًا لهؤلاء، فيحتاج مع من يكون كذلك إلى أن يعدل معه إلى طريق طويلة دقيقة يسلم مقدماتها مقدمةً مقدمة، إلى أن تلزمه النتيجة بغير اختياره، وإن كانت المقدمات التي مانعها أبين وأقطع من المقدمات التي سلمها، لكن هذا يحتاج إليه كثيرًا في مخاطبة الخلق، فكم من شخص لا يقبل شهادة العدول الذين لا يشك في صدقهم، ويقبل شهادة من هو دونهم: إما لجهله، وإما لظلمه.\nوكذلك كم من الخلق من يرد أخبارًا متواترة مستفيضة، ويقبل خبر من يحسن به الظن، لاعتقاده أنه لا يكذب، وكم من الناس من يرد ما يعلم بالدلائل السمعية والعقلية، ويقبله إذا رآى منامًا يدل على ثبوته، أو قاله من يحسن به الظن لثقة نفسه بهذا أكثر من هذا، وكم ممن يرد نصوص الكتاب والسنة حتى يقول ما يوافقها شيخه أو إمامه فيقبلها حينئذ، لكون نفسه اعتادت قبول ما يقوله ذلك المعظم عنده، ولم يعتد تلقي العلم من الكتاب والسنة، ومثل هذا كثير.\nفكذلك كثير من الناس قد يألف نوعًا من النظر والاستدلال، فإذا أتاه العلم على ذلك الوجه قبله، وإذا أتاه على غير ذلك الوجه، لم","vol":"8","page":85},{"text":"يقبله، وإن كان الوجه الثاني أصح وأقرب، كمن تعود أن يحج من طريق بعيدة معطشة مخوفة، وهناك طرق أقرب منها آمنة وفيها الماء، لكن لما لم يعتدها نفرت نفسه عن سلوكها.\nوكذلك الأدلة التي فيها دقة وغموض وخفاء، قد ينتفع بها من تعودت نفسه الفكرة في الأمور الدقيقة، ومن يكون تلقيه للعلم عن الطرق الخفية التي لا يفهمها أكثر الناس، أحب إليه من تلقيه له من الطرق الواضحة التي يشركه فيها الجمهور.\nومثل هذا موجود في المطاعم والمشارب، والملابس والعادات، لما في النفوس من حب الرياسة.\nفهذه الطرق الطويلة الغامضة التي تتضمن تقسيمات، أو تلازمات، أو إدراج جزيئات تحت كليات، قد ينتفع بها من هذا الوجه في حق طائفة من الناظرين والمناظرين، وإن كان غير هؤلاء، من أهل الفطر السليمة والأذهان المستقيمة، لا يحتاج إليها، بل إذا ذكرت عنده مجها سمعه، ونفر عنها عقله، ورأى المطلوب أقرب وأيسر من أن يحتاج إلى هذا، فإن علم العقول بافتقار المحدث إلى محدث، أبين","vol":"8","page":86},{"text":"وأظهر من علم العقول بأن تخصيص أحد المثلين بشيء دون الآخر يحتاج إلى مخصص، ومن تصور هاتين القضيتين حق التصور، لم يمكنه - مع الشك في الأولى - أن يجزم بالثانية، بل قد لا يتصور إحداهما حق التصور.\nألا ترى أنه إذا قيل لمن صدق بالثانية: لم قلت: إن التقديم والتأخير لا بد له من مقدم ومؤخر؟ رجع إلى فطرته السليمة وحكم بذلك، وغايته أن يقول: الأشياء المتساوية لا يترجح بعضها على بعض إلا بمرجح.\nفلو قال قائل: لما قلت ذلك؟ ولم لا يجوز أن يترجح هذا على هذا إلا بمرجح أصلًا؟ ويختص بما اختص به لا لمخصص أصلًا؟ لكان إنكاره لقول هذا القائل، دون إنكاره لقول من قال: لم قلت: إن هذه الحوادث لا تحدث إلا بمحدث؟\nوهذا التأليفات والتركيبات الحادثة كانت، بعد أن لم تكن، لا بمؤلف ولا مركب، فإن ترجيح أحد المتساويين الحادثين على الآخر بلا مرجح، هو نوع من حدوث الحادث بلا محدث، فإن سوغ العقل حدوث حادث بلا محدث، سوغ ان يحدث أحد المثلين دون الآخر، بلا مخصص لحدوثه.","vol":"8","page":87},{"text":"وهل تخصيص أحد الحادثين بوقت دون وقت، أو شكل دون شكل، أو وصف دون وصف، إلا نوع من حدوث حادث؟ فإن الصفات والأشكال حوادث، والتقدم والتأخر إضافة للحوادث إلى وقتها، فهو صفة في الحدوث، كإضافة الحادث إلى مكانه، وكل ذلك مما يعلم بصريح العقل وفطرته السليمة، أنه لا بد له من محدث، مخصص، فاعل، مؤلف، سواه.\nولهذا لم يحتج الأشعري إلى أن يقيم على ذلك دليلًا، كما فعله القاضي أبو بكر وأتباعه، إلا أن يكون في موضع آخر فعل كما فعلوا، ولعله إن فعل ذلك لأجل عناد المناظرين أو جهلهم، فسلك بهم الطريق البعيدة لما لم يسلكوا الطريق القريبة، لا لأنه عنده يحتاج إلى الطريق البعيدة.\nولهذا لا توجد هذه الطريق البعيدة في كلام أحد من السلف والأئمة، ولا ذكرت في القرآن، فإنها من باب تضييع الزمان، وإتعاب الحيوان في غير فائدة.\nوالقرآن لا يذكر فيه مخاطبة كل مبطل بكل طريق، ولا ذكر كل ما يخطر بالبال من الشبهات وجوابها، فإن هذا لا نهاية له ولا ينضبط، وإنما يذكر الحق والأدلة الموصلة إليه لذوي الفطر السليمة، ثم إذا اتفق معاند أو جاهل، كان من يخاطبه","vol":"8","page":88},{"text":"من المسلمين، مخاطبًا له بحسب ما تقتضيه المصلحة، كما يحتاج إلى الترجمة أحيانًا وكما قد يستدل على أهل الكتاب بما يوجد عندهم من التوراة والإنجيل.\nففي الجملة: الطرق التي تختص بطائفة طائفة، مع طولها وثقلها على جمهور الخلق، لا تكون في مثل الكتاب العزيز، الذي جعله الله شفاءً ورحمةً، ودعا به الخلق جميعهم ليخرجهم به من الظلمات إلى النور، فإن مثل هذا الكتاب العزيز لا يليق أن يذكر فيه من الطرق ما يثقل على جمهور الخلق ويستركونه ويعدونه لكنةً وعيًا لا يحتاج إليه، ويرونه من باب إيضاح الواضحات، كما لو ذكر فيه الرد على السوفساطئية ببيان أن الشمس موجودة، والقمر موجود، والبحار موجودة، والجبال موجودة، والكواكب موجودة، وأن الإنسان يعلم هذا بالمشاهدة - ونحو ذلك - لكن هذا مما يستقبح ذكره، ويستثقله ويستركه جمهور العقلاء، لأن هذا عندهم أمر معلوم، مستقر في عقولهم، لا يحتاجون فيه إلى خطاب عالم من العلماء، فضلًا عن كتاب منزل من السماء.","vol":"8","page":89},{"text":"وإذا قدر أن بعض الناس احتاج إلى إزالة ما عرض له من هذه الشبه السوفسطائية، كان هذا من الأمراض النادرة التي لا تعرض لجمهور العقلاء، وعلاج هذا لا يحتاج إلى كتاب منزل من السماء يقصد به هدى الخلق، وبيان ما يحتاجون إليه في صلاح أمورهم.\nولو ذكر في القرآن مثل هذا، لم يكن لما يذكر من ذلك غاية، لأن الخواطر الفاسدة لا نهاية لها ولا ضابط، فكان يضيع زمان الناس في القراءة والسماع لما لا ينتفع به جماهيرهم، ويشتغلون بذلك عما لا بد لهم منه، ولا يصلح أمرهم إلا به.\nونحن لم يكن بنا حاجة - في الإيمان بالله ورسوله - إلى مثل هذه الطرق، وإنما ذكرناها لما كان الذين سلكوها يعارضون كلام الله ورسوله بمقتضاها، يزعمون أنه قد قامت عندهم أدلة عقلية تناقض ما جاءت به الرسل، فكشفنا حقائق هذه الطرق التي يعرضون بها، لنبين أن ما عارض النصوص منها لا يكون إلا باطلًا، وما لم يعارض النصوص: فقد يكون حقًا، وقد يكون باطلًا، وماكان حقًا ولم يعارض النصوص، فقد لا يحتاج إليه، بل في الطرق العقلية التي دلت النصوص عليها وهدت إليها ما يغني عن ذلك، بل تلك الطرق","vol":"8","page":90},{"text":"أقوى وأقرب وأنفع، فإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.\nوقد قال تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾، والصراط المستقيم هو أقرب الطرق إلى المطلوب، بخلاف الطرق المنحرفة الزائفة، فإنها إما أن لا توصل، وإما أن توصل بعد تعب عظيم، وتضييع مصالح أخر، فالطرق المبتدعة إن عارضت كانت باطلًا، وإن لم تعارض، فقد تكون باطلًا، وقد تكون حقًا لا يحتاج إليه مع سلامة الفطرة.\nولهذا كل من كان إلى طريق الرسالة والسلف أقرب، كان إلى موافقة صريح المعقول وصحيح المنقول أقرب.\nفـ القاضي أبو بكر، وإن كان أقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول في أصول الدين - بخلاف أصول الفقه - من أبي المعالي، وأتباعه، والأشعري أقرب إلى ذلك من القاضي أبي بكر، وأبو محمد بن كلاب أقرب إلى ذلك من أبي الحسن، والسلف والأئمة أقرب إلى ذلك من ابن كلاب، فكل من كان إلى الرسول أقرب كان أولى بصريح المعقول وصحيح المنقول، لأن كلام المعصوم هو الحق الذي لا باطل فيه، وهو المبلغ عن الله كلامه، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.\nومما يبين ذلك أن ما ذكره القاضي أبو بكر من الطريقين البعيدين اقربهما مبني على أن دلالة الصنعة على الصانع، كدلالة الصانع على الصنعة، وهذا إنما يدل من جهة الاشتقاق اللفظي كما تقدم.","vol":"8","page":91},{"text":"ومن المعلوم أن من شاهد الحوادث قبل أن يعلم أن لها صانعًا، لا يعلم أنها صنعة ولا مفعولة لفاعل، حتى يتضمن علمه بأحدهما علمه بالآخر، فإن لم يعلم أن الحادث لا بد له من محدث، لم يعلم أنها مفعولة ولا مصنوعة، فضلًا عن أن يعلم أن لها صانعًا فاعلًا وإذا علم أنها مصنوعة مفعولة، امتنع مع ذلك أن لا يعلم أن لها صانعًا فاعلًا.\nيوضح ذلك أن علم الناس بأن الصنعة مفتقرة إلى الصانع، ليس بدون علمهم بأن الصانع لا بد له من صنعة، بل علمهم بالأول قد يكون أقوى من الثاني، وذلك لأنه أراد بكلامه أن الصانع لا يكون صانعًا الإبصنعة، والفاعل لا يكون فاعلًا إلا بفعل، وهذا صحيح.\nولكن ليس هذا بأبين من كون المصنوع لا يكون مصنوعًا إلا بصانع، والمفعول لا يكون مفعولًا إلا بفاعل، والفعل لا يكون فعلًا إلا بفاعل، والصنعة لا تكون صنعة إلا بصانع، بل إذا رأوا الحادث علموا بعقولهم أنه لا بد له من فاعل أحدثه، وقد يرون ما يصلح أن يكون فاعلًا، ولا يعلمون: هل فعل شيئًا أو لم يفعله؟ فكان فيما ذكره بيان الأبين الأظهر بالأخفى، وهم يمنعون من تحديد الأظهر بالأخفة.\nوقد قلنا: إن مثل هذا قد يستعمل مع جهل المخاطب أو عناده ونحو ذلك.","vol":"8","page":92},{"text":"وأما الطريق الثانية التي جعلها القاضي أبو بكر معتمدة، فهي مع طولها يمكن تقريرها بمقدمات صحيحة، لكنه أدخل في بعض مقدماتها تماثل الجواهر وتناهي الحوادث.\nومعلوم لكل مؤمن عاقل أن الإقرار بالصانع لا يفتقر إلى هذا وهذا، بل وعلم الخلق بأن الحادث لا بد له من محدث، لا يفتقر لا إلى هذا ولا إلى هذا، وهو ذكر هاتين المقدمتين مع غيرهما، وفيما ذكره من غيرهما غنية عنهما، فإن تماثيل الأعراض كأجزاء السواد يغنيه عن تماثل الجواهر.\nوما ذكره من الوجه الأول في امتناع التقدم لعلة يغنيه عن الوجه الثاني، المبني على تناهي الحوادث.\nثم مما ينبغي أن يعرف أن الذين سلكوا الطرق المبتدعة في إثبات الصانع وتصديق رسله، إذا اعتقدوا أنه لا طريق إلا ذلك الطريق، جعلوا من خالفهم في صحة تلك الطريق ملحدًا أو دهريًا أو نحو ذلك، وهذا يذكرونه في مواضع.\nمنها: أنهم لما اعتقدوا أن إثبات الصانع تعالى موقوف على إثبات","vol":"8","page":93},{"text":"الجوهر الفرد، جعلوا إثبات ذلك من أقوال المسلمين، ونفي ذلك من أقوال الملحدين.\nوكذلك قد يقولون: إن تماثل الجواهر والأجسام من أقوال المسلمين، ونفي ذلك من أقوال الملحدين، وكذلك قد يقولون: إن تناهي الحوادث من أقوال المسلمين، والقول بعدم تناهيها من أقوال الدهرية الملحدين، ولهذا نظائر.\nمع أن الذين يضيفونه إلى المسلمين قد يكون إنما ابتدعه طائفة من أهل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، والقول الآخر هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهور الخلق.\nوكذلك قد يضيفون إلى السنة ما لا يوجد في كتاب ولا سنة، ولا قول أحد من السلف، بل قد يكون المأثور ضد ذلك، حتى يتناقض أحدهم في النقل.\nفيحكي إجماع المسلمين، أو إجماع أهل الملل على شيء، ثم يحكي النزاع عنهم في موضع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>كلام أبي الحسن الطبري إلكيا</span>\nكما رأيته قد ذكره بعض فضلاء المتكلمين من أصحاب أبي المعالي، أظنه أبا الحسن الطبري المعروف بإلكيا، أو بعض نظرائه ذكر في","vol":"8","page":94},{"text":"كتابه في الكلام لما استدل على حدوث العالم بدليل الأعراض، المشهور عن المعتزلة وأتباعهم من الأشعرية والكرامية وغيرهم - قال: (فإما الركن الرابع، وفيه المعركة، والتشاجر عنده يحصل، وهو إثبات استحالة حوادث لا أول لها، وقد أطبق المليون وأتباع الأنبياء كلهم على استحالة حوادث لا أول لها - وقال ملحدة الفلاسفة بإثبات حوادث لا أول لها) .\nوقال: في مسألة حلول الحوادث بعد أن ذكر قول الكرامية قال: (واعلم أن المشبهة أيضًا يقولون: إن الحوادث تقوم به، وإن لم يصرحوا به، فهم والكرامية في إثبات الجهة وقيام الحوادث بذات القديم، على حد سواء.\nوذلك أنهم يجوزون على الله الجيئة والذهاب، والنزول والصعود، والانتقال، فيقولون: هذه الأشياء لم تكن فكانت، وهذا هو الحادث.\nثم أثبتوا له التحيز، وذلك لا يقوم إلا بمتحيز) .\nقال: (وقد أثبتوا حوادث لا أول لها) .\nقال: ولا تصول الملحدة إلا بهذا، وقد دللنا على بطلانه، وأنه لا يتم القول بحدوث العالم إلا بإبطاله) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: وهذا القول الذي يحكيه هذا وأمثاله من إجماع المسلمين، أو","vol":"8","page":95},{"text":"إجماع المليين في مواضع كثيرة، يحكونه بحسب ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم، وكثير من الإجماعات التي يحكيها أهل الكلام هي من هذا الباب، فإن أحدهم قد يرى أن صحة الإسلام لا تقوم إلا بذلك الدليل، وهم يعلمون أن المسلمين متفقون على صحة الإسلام، فيحكون الإجماع على ما يظنونه من لوازم الإسلام، كما يحكون الإجماع على المقدمات التي يظنون أن صحة الإسلام مستلزمة لصحتها، وأن صحتها من لوازم صحة الإسلام، أو يكونون لم يعرفوا من المسلمين إلا قولين أو ثلاثة، فيحكون الإجماع على نفي ما سواها، وكثير مما يحكونه من هذه الإجماعات لا يكون معهم فيها نقل لا عن أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، بل ولا عن العلماء المشهورين، الذين لهم في الأمة لسان صدق، ولا فيها آية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول الله ﷺ، وهم مع هذا يعتقدون أنها من أصول الدين، التي لا يكون الرجل مؤمنًا، أولا يتم دين الإسلام إلا بها، ونحو ذلك.\nومثل هذا الرجل، وأمثاله من أهل الكلام، لما اعتقدوا أن العلم بإثبات الصانع وصدق الرسول موقوف على هذا الدليل، أخذ يحكيه عن جميع أهل الملل وجميع أتباع الأنبياء، وهو مع هذا لا يمكنه أن ينقله عن عالم واحد، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا","vol":"8","page":96},{"text":"تابعيهم، ولا معه فيه آية ولا حديث، والمنصوص عن الأئمة المشهورين عند الأمة يناقض ذلك، ولهذا عاد فحكى عن أهل الحديث الذين سماهم مشبهة، أنهم يقولون بذلك وإن كان ذكره في معرض التشنيع عليهم ففي ذلك ما يبين أن أتباع الأنبياء تنازعوا في ذلك.\nوما ذكره من أن حدوث العالم لا يتم إلابإبطاله، يقول منازعوه: إن الأمر في ذلك بالعكس، وإن القول بما أخبرت به الرسل من أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، لا يتم مع هذا القول، ولا يتم إلا بنقيضه، لأن إبطال هذا يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، وحدوث مجموع الحوادث بلا سبب حادث، ويصير الفاعل فاعلًا بعد أن لم يكن، بدون سبب جعله فاعلًا، بل حقيقة هذا القول أنه صار قادرًا بعد أن لم يكن بغير سبب، وصار الفعل ممكنًا بدون سبب وهذا ممتنع في بدائه العقول.\nوبذلك صالت الدهرية على أهل الكلام، الذين سلكوا هذه السبيل.\nفإنهم لما رأوا فساد هذا القول في صريح المعقول، وظنوا أن هذا قول الرسل وأبتاعهم، اعتقدوا أن الرسل صلوات الله عليهم أخبرت بما يخالف صريح المعقول.\nثم من أحسن الظن بهم قال: فعلوا ذلك لمصلحة الجمهور، إذ لم يمكن مخاطبتهم بالحق المحض، فكذبوا لمصلحة الجمهور، فساء ظن هؤلاء بما جاءت به الأنبياء، وامتنع أن","vol":"8","page":97},{"text":"يستدلوا به على علم، وأولئك المتكلمون بجهلهم قصدوا إقامة الدليل على تصديق الأنبياء، ونصر ما جاؤوا به، فما نقص علمهم بالسمعيات والعقليات أدى ما فعلوه إلى تكذيب الرسل والطعن فيما جاؤوا به.\nفأما القول بما أخبرت به الرسل فلا يناقض هذا الأصل، بل يبطل ما يدفع به الملاحدة أقوال الرسل.\nثم إنه يحكي عن اهل الحديث هذا القول، وأن معنى قولهم هو أنه تحله الحوادث، وتجد كثيرًا من متكلمة أهل الحديث كأبي الحسن بن الزاغوني، وأبي بكر بن عربي يحكون الإجماع على امتناع قيام الحوادث به، وأظن ان أبا علي بن أبي موسى ذكر ذلك، وهذا من جملة الإجماعات التي يطلقها من يطلقها بحسب ما ظنه، وهذا لأن هذه أقوال مجمله، قد يفهم منها ما هو باطل بالإجماع، والمطلقون لها أدرجوا فيها معاني كثيرة، لا يفهمها إلا خواص الناس.\nوأول من أظهر هذه المقالات الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وصاروا يقولون: إنه منزه عن الأعراض، والأبعاض، والحوادث، والمقدار، والحد، ونحو ذلك.\nويدخلون في نفي الأعراض نفي الصفات، وفي نفي الحوادث نفي الأفعال القائمة به، وفي نفي المقدار نفي علوه على خلقه، ومباينته لهم، وفي نفي الأبعاض نفي علوه ومباينته، ونفي الصفات الخبرية: كالوجه، واليدين، ونحو ذلك،","vol":"8","page":98},{"text":"مما يستلزم عندهم أن يكون له أبعاض.\nومن عجيب ذلك ما ذكروه في هذه المسألة، مسألة افتقار الحادث إلى المحدث، فإن أبا الحسن لما قال: الدليل على أن للخلق صانعًا صنعه، ومدبرًا دبره؟ واستدل بحدوث الإنسان كما تقدم، فسر القاضي أبو بكر قوله بوجهين:\nأحدهما: أنه يريد بالخلق: التقدير.\nوكل جسم فله قدر، فيكون المعنى: ما الدليل على أن لكل جسم قدرًا من الأقدار، قدره مقدر؟ لكن هذا الوجه لم يرده الأشعري، ولا بنى كلامه على إرادته، وإنه لم يذكر دليلًا على ذلك.\nوالوجه الثاني: أن يكون الخلق: بمعنى الإبداع والاختراع، وجعل الشيء شيء شيئًا عينًا بعد أن لم يكن كذلك.\nوهذا هو الوجه الذي أراده، لكن اعترض عليه بعض المعتزلة، وأظنه القاضي عبد الجبار، بأن كل من أقر بالمحدث المخلوق أقر بالخالق، وكل من اعترف بمفعول اعترف بفاعل، ولو سلم أن الجسم مخلوق لم يحتج إلى تعاطي الدليل على إثبات الصانع الخالق.\nوأراد","vol":"8","page":99},{"text":"عبد الجبار بيان فساد الطريقة التي سلكها الأشعري، وتصحيح طريق شيوخه، وهو إثبات حدوث الأجسام أولًا، ثم إثبات المحدث بعد ذلك.\nوليس الأمر كما ذكره عبد الحبار، بل الأشعري قصد العدول عن هذه الطريقة التي سلكها المعتزلة عمدًا، مع علمه بها، كما قد بين ذلك في رسالته إلى الثغر، وبين أنها بدعة محرمة في الشرائع لم يسلكها السلف والأئمة، وعدل عنها إلى الاستدلال بحدوث صفات الإنسان، لأن ذلك أمر مشهود معلوم، والقرآن العزيز قد دل عليها وأرشد إليها.\nلكن الأشعري لما أراد تقرير حدوث النطفة سلك في الاستدلال على حدوثها الطريقة المعروفة للمعتزلة في حدوث الأجسام، فهو وإن كان قد وافقهم على صحة هذه الطريقة، فهو يقول إن فيها تطويلًا وشبهات ومقدمات كثيرة فيها نزاع، فلا يحتاج إليها ابتداء، ولا يقف العلم والإيمان بالله تعالى عليها، بخلاف نفس تحول النطفة من حال إلى حال، فإن هذا أبين وأظهر من كون كل جسم لا بد له من أعراض مغايرة له، وأن الأعراض حادثة النوع.\nثم من أراد إثبات حدوث الأجسام بأنها لا تخلو عن الحركة والسكون، كما فعله من فعله من المعتزلة ومن وافقهم، فالأمر عليه أيسر","vol":"8","page":100},{"text":"من إثبات من أثبت ذلك، بأنها لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض عن واحد منها، وأن جميع أنواع الأعراض لا تبقى زمانين، كما سلك هذه الطريقة كثير من الأشعرية ومن وافقهم، فإن هذه أبعد الطرق وأطولها وأضعفها مقدمات، لوكان في هذه الطرق شيء صحيح.\nفالجواب لعبد الجبار عن الأشعري أن يقال له: هو استدل بحدوث الإنسان، وهو أمر معلوم مشهود لا ينازع فيه عاقل، وكان في ذلك مندوحة له عن الاستدلال بحدوث جميع الأجسام، وحينئذ فإذا ثبت أن للإنسان صانعًا ثبت سائر صفاته من العلم والقدرة وغير ذلك، ثم أمكن أن يعلم حدوث السماوات والأرض بالسمع، فلا يحتاج إلى ما يدل على حدوث جميع الأجسام، مع أن تمام الطريقة التي ذكرها الأشعري تدل على ذلك، فيقال لعبد الجبار: إن كانت طريقتكم صحيحة فقد سلكها الأشعري في آخر استدلاله، وإن كانت باطلة لم يكن عليه ملام في تركها، بل الذين ذموا ما ذموا منه، من أتباع السلف والأئمة، ذموا منها ما وافقكم فيه من هذه الطريقة وأمثالها، فالذي تطلبون منه من موافقتكم، هو الذي ينكره عليه السلف والأئمة، كما ينكرون ذلك عليكم.","vol":"8","page":101},{"text":"وفي الجملة، فإن كان طريقكم مذمومًا فالذم الذي يلحقه به أقل مما يلحقكم به، وإن كان صحيحًا فهو قد سلكه في آخر الدليل، لكنه لم يجعل نفس إثبات الصانع تعالى مفتقرًا إلى إثبات حدوث الأجسام، لعلمه بأن الأمر ليس كذلك، وبأن هذا مخالفة لدين المسلمين، وسائر أهل الملل، فكان في موافقتكم على سلوك هذه الطريق ابتداء مخالفة للشرع والعقل.\nوأما كون من أقر بالشيء المحدث المخلوق أقر بالخالق، ومن اعترف بالمفعول اعترف بالفاعل، كما ذكره هذا المعتزلي، فالأمر كذلك.\nولهذا لم يتعرض الأشعري للدليل على ذلك، بل جعل كون المحدث دالًا على المحدث أمرًا مستقرًا معلومًا بالفطرة، إذ النزاع في ذلك أقبح من نزاع السوفسطائية.\nوأما القاضي أبو بكر فأراد أن يجيب عن الأشعري بوجه آخر، فزعم أن افتقار المحدث إلى المحدث أمر نظري لا ضروري، وأن الأشعري أثبت ذلك، وذكر أن إثباته لذلك من جهة تتضمن الفعل للفاعل، كتضمن الفاعل للفعل.\nومن المعلوم أن كلام الأشعري ليس فيه شيء من هذا، ولا يحتاج كلامه إلى هذا، وإما نشأ الغلط من ظن القاضي أبي بكر أن العلم","vol":"8","page":102},{"text":"بافتقار المحدث إلى الفاعل أمر نظري، وليس الأمر كذلك، بل هو ضروري عند جماهير العقلاء، وإن كان نظريًا عند طائفة من أهل الكلام من المعتزلة ومن وافقهم.\nوالشيء قد يكون ضروريًا مع إمكان إقامة الأدلة النظرية عليه، فلا منافاة بين كونه ضروريًا مستقرًا في الفطر، وبين إمكان إقامة الدليل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>كلام الباقلاني في بيان معنى الخلق</span>\nفقال القاضي أبو بكر: (وأما توجيه كلام أبي الحسن إلى أن الخلق بمعنى الاختراع والابتداع فصحيح مع أكثر أهل الدهر، لأن كثيرًا من الدهرية والفلاسفة يزعمون أن العالم محدث من غير محدث، وأنه متشكل ومتصور بغير مصور ولا مدبر، مع إظهارهم الإقرار بحدوثه وأنهم لذلك يعتقدون، فإذا حصل هذا الإقرار من الفريق الذين ذكرناهم بحدث الأجسام وتصويرها وتركيبها، مع إنكارهم الصانع المصور، كان الكلام معهم في تعلقها بمحدث أحدثها وصورها، بعد الأصل الذي قد سلموه صحيحًا)\nقال: (وقد زعم قوم من المسلمين أن شطر الحوادث، أو قريبًا من شطرها، يقع من غير محدث ولا فاعل أصلًا، وهو ثمامة بن","vol":"8","page":103},{"text":"أشرس النميري وشيعته، لأنه كان يزعم أن المتولدات كلها لا فاعل لها، وهي مع ذلك حوادث وأفعال) .\nقال: (وإنما ذكرت لك هذه الفرقة من أهل الملة، لتعلم أن الإقرار بحدث الشيء وإنكار محدثه مذهب قد شاع في أهل الملة وغيرهم، وأن تعجب من تعجب من هذا وإنكاره دليل على جهله وشدة غباوته، وقلة عنايته بمعرفة مذاهب الأمم السالفة، ومن بعدهم من شيوخه المعتزلة، مع أن الدعوة التي عول عليها صاحب الأعتراض، هو أن قال: كل من أقر بالشيء المحدث المخلوق أقر بالخالق، وكل من اعترف بمفعول اعترف بالفاعل، ولو سلم أن الجسم مخلوق لم يحتج إلى تعاطي الدليل على إثبات الصانع الخالق) .\nقال: (وقد أنبأنا بالذي سلف من الكلام على جهله في هذا، وذهابه عن جهة الصواب فيه.\nثم نقول: فهب أن الأمر كما وصفته، ماالذي فيه يوجب غلط واضع الكتاب في تعاطيه إقامة الدليل على إثبات الخالق؟ وقد اتفق الجميع من العاقلين على أن الأفعال تتعلق بفاعل، وأن المخلوقات تتعلق بخالق، ليس هو مما يعلم بالاضطرار، ولا يثبت بدرك الحواس، وإنما يتطرق إليه بالبحث والفحص، إلا شرذمة قليلة لا يعتد بقولها، ادعت في هذا المذهب البديهة، وأن","vol":"8","page":104},{"text":"العلم يقع به عند كمال العقل، وليس هذا من قولنا وقول هذا المعترض، وقد يصح أن يشك في وجوب هذا التعلق من العقلاء شاكون إذا عدلوا عن جهة الاستدلال، وطرق الاستشهاد المؤدي إلى معرفة وجوب تعلق الفعل بالفاعل، وإذا كان هكذا لم يستنكر ما سلكه شيخنا ﵁ من ذكر الدليل على أن الإنسان ليس هو المحدث لنفسه، وأن له محدثًا سواه، وأن المخلوق لا بد له من أن يتعلق بخالق، فإذا كان هذا إنما يعلم بالاستدلال، فكإنه إنما أراد أن يعرف المتعلم وجه الدليل الذي أدى المجمعين إلى وجوب تعلق الفعل بالفاعل، وما من أجله أجمعوا على ذلك، فما في هذا مما يعاب، لولا فرط الجهل وسوء الظن بالشيوخ؟!\nوأيضًا فإن الذي عابه هذا المعترض غلط بين من قبل أنه سام الرجل إقامه الدليل على حدوث الجسم قبل إقامته على وجود محدثه.\nوهذا الترتيب لعمري يجب على من قصد إلى أن يدل على الأمرين.\nفأما من قصد أن يقيم الدلالة على أحدهما، وهو أن المحدث يتعلق بوجود محدث، فلا يجب عليه ذلك، فإنه قصد إلى الكلام في إحدى المسألتين دون الأخرى) .\nقال: (وقد يقضي القول في هذا الذي سامه هذا المعترض في إثبات الأعراض وحدوث الأجسام في غير كتاب بما لا يخفي على من","vol":"8","page":105},{"text":"عرف من مذهبه القليل واطلع منه على اليسير) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: ما ذكره القاضي أبو بكر ليس فيه جواب عن الأشعري، بل كلام الأشعري صحيح في نفسه لا يحتاج إلى ما ذكره.\nوبيان ذلك من وجهين:\nأحدهما: أن كلام الأشعري ليس فيه إقامة دليل على هذه المقدمة التي جعلها القاضي نظرية، وهو تعلق الفعل بالفاعل، وأن المخلوق لا بد له من خالق.\nبل الأشعري ذكر هذه المقدمة ذكرًا مطلقًا، وجعلها مسلمة، ولم ينازع فيها من يعبأ فيها من يعبأ به، ولهذا لا يعرف في أهل المقالات المعروفة من نازع فيها.\nوقول القاضي: إن كثيرًا من الدهرية والفلاسفة يقولون: إنه محدث من غير محدث، فهذا القول إنما يحكي عن شرذمة لا يعرف منهم وقد تأول الشهرستاني وغيره ذلك بأنهم أرادوا به أن سبب حدوثه كان بالاتفاق، لا أنهم أنكروا الصانع، وحينئذ فيكونون قد أثبتوا فاعلًا ولم يثبتوا سببًا للحدوث.","vol":"8","page":106},{"text":"وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم: يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث، ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع، وقال لهم الناس: هذا ينقض الاصل الذي أثبتم به الصانع، وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، فإذا كانت الأوقات متماثلة، والفاعل على حال واحدة، لم يتجدد فيه شيء أزلًا وأبدًا، ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه، كان ذلك ترجيحًا بلا مرجح.\nفقول أولئك الدهرية وقول محمد بن زكريا الرازي وأمثاله في إحالة الحدوث على تعلق النفس بالهيولى وأمثال ذلك، كل ذلك ينزع إلى أصل واحد، وهو إثبات حدوث حادث بلا سبب حادث.\nوالفلاسفة القائلون بقدم العالم، كأرسطو وابن سينا وأمثالهما، جعلوا هذا حجة على القائلين بحدوث العالم، لكن قولهم تضمن هذا وما هو أقبح منه، فإنهم زعموا أن الحوادث كلها تحدث عن علة تامة قديمة مستلزمة لمعلولها، لا يتأخر عنها شيء من معلولها، كما يقوله ابن سينا وأمثاله: إن الأول يحرك المتحركات، بمعنى أنها تتحرك للتشبه به، لا أنه أبدع حركتها، كما أنها لم يدعها عندهم، فلزم من","vol":"8","page":107},{"text":"ذلك أن تكون الحوادث كلها حدثت لا محدث، وذلك أعظم من كونها حدثت بلا سبب حادث، وقد بسط هذا في موضعه.\nوأما ما حكاه القاضي عن ثمامة، فهو من لوازم قوله، كما أن المعتزلة البصريين لما قالوا: تحدث إرادة لا في محل بل إرادة، ألزمهم الناس بحدوث الحوادث كلها بلا إرادة، وهو ينفي عنها الفاعل الإرادي، لا ينفي سببًا اقتضى حدوثها، وهم مع هذا معترفون بأنه لا بد للحوادث من فاعل مختار، ولكن لازم المذهب ليس بمذهب، وليس كل من قال قولًا التزم لوازمه التي صرح لفسادها، بل قد يتفق العقلاء على مقدمة وإن تناقض بعضهم في لوازمها، ولهذا كانت الشبه الواردة على قول القائل: إن التخصيص الحادث لا بد له من محدث مخصص، أو أن الممكن لا بد له من مرجح، أعظم مما يرد على أن المحدث لا بد له من محدث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>كلام الرازي في نهاية العقول عن مسألة إثبات وجود الله تعالى</span>\nوالتناقض الذي يلزم أولئك أكثر.\nولها أورد أبو عبد الله الرازي في مسألة إثبات الصانع على طريقة أسولة لم يجب عنها بجواب صحيح، فإنه يبني جميع ما يذكره من الطرق على أن الممكن","vol":"8","page":108},{"text":"لا بد له من سبب، فاعترض على ذلك بأنه: (لم قلتم: إن الممكن لا بد له من سبب؟.\nثم هنا نظران: أحدهما: أن نقول: أنتم في هذا المقام بين أمرين: إما أن تدعوا الضرورة فيه أو النظر.\nودعوى الضرورة باطل لوجهين: أحدهما أنا إذا عرضنا على العقل أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، وعرضنا أيضًا قولنا: إن الواحد نصف الأثنين، لم نجد القضية الأولى في قوة القضية الثانية.\nوثانيهما: أن العقلاء جوزوا وقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان ذلك ضروريًا لاستحال من العقلاء دفعه.\nبيان أن العقلاء جوزوا ذلك صور ست: أحدها: أن القائلين بحدوث العالم، وهم المسلمون، يقولون: إن الله فعل في","vol":"8","page":109},{"text":"الوقت المعين، دون سائر الأوقات، لا لأمر يختص به ذلك الوقت.\nومن علل منهم ذلك باختصاص ذلك الوقت بمصلحة خفية، يحكم باختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة دون سائر الأوقات المذكورة، مع تساويها بأسرها، فيكون ذلك وقوعًا للممكن بلا سبب.\nوثانيها: أن الذين يحيلون الدواعي والأعراض على الله تعالى، وينكرون كون الحسن والقبح صفة عائدة إلى الفعل، يقولون: أن الله تعالى حكم في الواقعة المعينة بحكم مخصوص، من إيجاب، أو ندب، أو حظر، أو إباحة، مع كون سائر الوقائع مساويًا لها، فلا يكون على مذهبهم لتخصيص تلك الواقعة بذلك الحكم سبب مخصوص.\nوثالثها: أن أكثر زعموا أن القادر، مع تساوى دواعيه إلى الشيء وضده، قد يفعل أحدهما دون الآخر لا لمرجح، بل زعموا أن الهارب من السبع إذا اعترضه طريقان متساويان من جميع الوجوه، فإنه لا بد وأن يختار أحدهما دون الآخر، وزعموا أن العلم بذلك","vol":"8","page":110},{"text":"ضروري، وأن الجائع إذا خير بين أكل رغيفين متساويين من كل الوجوه، فإنه لا بد وأن يختار أحدهما، بل يبتدىء بكسر أحد جوانب ذلك الرغيف من غير سبب مختص يختص به ذلك الجانب، وكذلك النائم ينقلب من احد جنبيه على الآخر لا لمرجح، وادعوا الضرورة في هذه الصورة.\nورابعها: أن أكثر المعتزلة زعموا أن الذوات متساوية في الذاتية، ومختلفة في الصفات الذاتية، وأنه ليس لاختصاصها بتلك الصفة علة.\nوخامسها: زعمت الفلاسفة أن حركات الفلك لأجل التشبه، مع أنها لو وقعت إلى الجهة المضادة لجهتها، أو أسرع أو أبطأ مما وجدت، لكن التشبه حاصلًا لا عن مرجح.","vol":"8","page":111},{"text":"وسادسها: أنهم يقولون: الكوكب المعين يختص بموضع معين من الفلك، مع كون ذلك الموضع مساويًا لسائر المواضع في الحقيقة والماهية، لكون الفلك عندهم بسيطًا، فثبت أن العقلاء حكموا في هذه الصور بوقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان العلم بذلك ضروريًا لاستحال ذلك، كما استحال أن يحكم بعضهم بكون الواحد أكثر من اثنين.\nفهذا البطلان قول من يدعي الضرورة في هذا المقام، وأما من يدعي الاستدلال فلا بد له من دليل، وأنتم ما ذكرتم ذلك الدليل.\nثم لو ذكرتموه فإنه ينتقض بالصور التي عددناها) .\nوذكر أسولة أخرى.\nثم قال أبو عبد الله الرازي: (والجواب على منهجين: الأول: إجمالي، وهو أن دليلنا بناء على مقدمتين: إحدهما:","vol":"8","page":112},{"text":"أن المحدث لا بد وأن يكون ممكنًا، لأن الذي لا يقبل حقيقة العدم لا يكون معدودًا في شيء من الأوقات.\nوثانيهما: أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح.\nوهاتان المقدمتان لا يشك فيهما عاقل، وما ذكرتموه من الشكوك فهي جارية مجرى شبه السوفسطائية القادحة في سائر العلوم الضرورية.\nوكما أن تلك الشبه مع قوتها لا تقدح في شيء من العلوم الضرورية، وتلك لا تزيل عنا الجزم والوثوق بالمشاهدات، فكذلك ما ذكرتموه) .\nقال: (وهذا جواب قاطع للمنصف) .\nقال: (والمنهج الثاني أن نجيب عن الشكوك المذكورة على التفصيل) .\nإلى أن قال: (قوله: إذا ثبت كون المحدثات ممكنة، وجب","vol":"8","page":113},{"text":"استنادها إلى مؤثر.\nقوله: تدعون فيه الضرورة أو النظر؟ قلنا: بل ندعي فيه الضرورة، فإنا أذا فرضنا إنسانًا سليم العقل لم يمارس هذه المجادلات، ثم يعرض على عقله أن كفتي الميزان: هل يمكن أن تترجح إحداهما على الأخرى لا لسبب أصلًا؟ فإن صريح العقل يشهد له بإنكار ذلك.\nوكذلك إذا دخل برية لم يجد فيها عمارة أصلًا، ثم دخلها فوجد فيها عمارة رفيعة مشيدًا، فإنه مضطر إلى العلم بوجود باني وصانع، وكذلك إذا أحس بصوت أو حركة اضطر إلى العلم بوجود مصوت أو متحرك، بل الصبيان يضطرون إلى العلم بذلك، لأنهم إذا وجدوا في موضع شيئًا لم يتوقعوا حصوله هناك، حملتم طباعهم السليمة على طلب من وضع ذلك الشيء في ذلك الموضع، فدلنا هذا على أن ذلك من العلوم الضرورية.\nقوله: إذا عرضنا على العقل أن الواحد نصف الأثنين، وعرضنا أيضًا أن الممكن","vol":"8","page":114},{"text":"لا يترجح أحد طرفيه على الآخر الإ لمرجح، وجدنا الأول أظهر.\nقلنا: هذا ممنوع، وبتقدير التسليم لا يلزم من كون الأول أجلى منه أن لا يكون هو جليًا، وذلك لأن العلوم الضرورية متفاوتة في الجلاء، كما أن العلوم النظرية متفاوتة في الخفاء، وكما أن التفاوت في النظريات لا يخرجها عن كونها نظرية، وكذلك التفاوت في الضروريات لا يخرجها عن أن تكون ضرورية.\nقوله: إن جمعًا من العلماء التزموا وقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان فساد ذلك ضروريًا لما قالوا به.\nقلنا: إنهم لم يلزموا ذلك، بل غايته أن صار ذلك لازمًا على مذاهبهم، وليس كل ما صار لازمًا وجب أن يلتزمه صاحب ذلك المذهب.\nوالإشكال إنما يجيء من التزامه ما يناقض هذه القضية لا من لزومه، وكذلك فإن أصحاب هذه المذاهب متى ألزمتهم وقوع الممكن لا عن سبب، فإنهم يحتالون","vol":"8","page":115},{"text":"في الجواب عن ذلك، سواء كانت أجوبتهم عن ذلك قوية أو ضعيفة، وذلك يدل على أن العلم بذلك ضروري.\nوأما العذر عن كل واحد من الصور التي أوردناها، فنحن بعد ذلك إن شاء الله تعالى في المواضع اللائقة بها نجيب عنها.\nقال: وبالجملة فكل مذهب يؤدي إلى القول بوقوع الممكن لا عن سبب، فإحالة البطلان على ذلك المذهب أولى من إحالته على هذا الأصل المعلوم بالضرورة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فهو إن سلك مسلك هؤلاء في بيان افتقار المحدث إلى المحدث لأنه ممكن، والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، فمسلكه اطول وأضعف.\nبل هذا المسلك الذي سلكه باطل، كما قد بسط الكلام عليه في موضع آخر.\nوذلك أن كون تخصيص أحد الوقتين المتماثلين بالحدوث دون الآخر يفتقر إلى مخصص، أبين من كون الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، فإن المعلوم لكل أحد أن الممكن الذي لا يوجد بنفسه لا بد له من غيره، فلا يترجح وجوده إلا بمرجح.","vol":"8","page":116},{"text":"أما كون عدمه لا يترجح على وجوده إلا بمرجح فهذا محل نزاع، وأكثر العقلاء على نقيض ذلك، وعندهم أن العدم لا يعلل ولا يعلل به، كما قال ذلك من قاله من متكلمة أهل الإثبات، وغيرهم كـ القاضي أبي بكر وأتباعه، كـ أبي المعالي، والقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وغيرهم.\nفالجمهور يقولون: عدم الممكن لا يفتقر إلى سبب، بل ليس له من ذاته وجود، فإذا لم يكن ثم سبب يقتضي وجوده نفي معدومًا.\nوإذا قال القائل: عدم وجوده لعدم علة وجوده، كما أن وجوده لوجود علة وجوده.\nقالوا له: أتعني أن نفس عدم العلة هو الموجب لعدمه، كما أن العلة المقتضية لوجوده كالفاعل هو المقتضي لوجوده؟ أم تعني أن عدم العلة مستلزم لعدمه، ودليل على عدمه؟\nالأول ممنوع، والثاني مسلم.\nوذلك لأن عدمه لا يفتقر إلى سبب منفصل أصلًا، وما لا يفتقر إلى سبب منفصل لا يعلل بسبب منفصل، وذاته ليست مستلزمة للعدم لتكون ممتنعة، بل ليست مقتضية للوجود، فعدمه مستمر إذا لم يكن هناك سبب يقتضي وجوده، ولكن يستدل بعدم الموجب على عدم الموجب، لأن وجوده بدون سبب محال.\nفإذا علمنا ان لا سبب يقتضي وجوده، علمنا عدم وجوده، فهذا","vol":"8","page":117},{"text":"من باب الاستدلاب وقياس الدلالة، لا من باب العلة التي هي المؤثرة في عدمه في الخارج، والله أعلم.\nوأيضًا فالمعلوم بالبديهة هو أن ترجيح أحد المتماثلين من كل وجه على نظيره لا يكون إلا بمرجح، كما ذكره من أن كفتي الميزان لا تترجح إحداهما على الاخرى إلا بمرجح، وأن هذا معلوم بصريح العقل.\nوإذا كان كذلك، فطريقة المتكلمين من الذي قالوا: لا يختص بوقت دون وقت إلا بمخص، كما قاله القاضي أبو بكر، والقاضي أبو يعلى، وأبو الحسين البصري، وأبو المعالي، وابن عقيل، وابن الزاغوني، وأمثال هؤلاء من نظار المسلمين - خير من طريقة الذين احتجوا بأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح.\nكما فعل ذلك ابن سينا، والسهروردي المقتول، والرازي، والآمدي، وأمثال هؤلاء، فإن هؤلاء بنوا ذلك على أن الممكن لا يترجح أحد طرفي وجوده وعدمه على الآخر إلا بمرجح.\nومن المعلوم أن العلم يكون أحد الأمرين لا يترجح على الآخر إلا بمرجح يظهر في الأمرين المتماثلين من كل وجه، كما ذكروه في كفتي الميزان، فإما إذا قدرناهما متساويتين، لم يترجح إحداهما على الأخرى إلا بمرجح.","vol":"8","page":118},{"text":"وكذلك الأوقات المتماثلة، إذا اختص وقت عن وقت بحدوث الحادث فيه، كان ذلك التخصيص تخصيصًا لأحد المثلين على الآخر، والتخصيص ترجيح له عليه، فلا يد له من مخصص مرجح.\nوأما الوجود والعدم فليسا متماثلين في أنفسهما، وإن كان الممكن يقبل الوجود ويقبل العدم، فليس وجوده مماثلًا لعدمه، كتماثل الكفتين والوقتين، ولكن هما بالنسبة إليه جائزان، وهو قابل لهما.\nفغاية ما يقال: إنه باعتبار نفسه ليس هو بأحدهما أولى منه بالآخر، فهما بالنسبة إليه متماثلان من هذا الوجه، فيكون ترجيح أحدهما مفتقرًا إلى مرجح، ولكن عند التحقيق يظهر أنهما بالنسبة إليه ليسا متماثلين، وأنه ليس هنا حقيقتان ترجيح إحداهما على الأخرى، بل ليس له نفسه وجود أصلًا، فهو باعتبار ذاته لا يستحق إلا العدم، لا يقال: إنه لا يستحق لا الوجود ولا العدم، بل إذا جردنا النظر إلى محض ذات الممكن، الذي يقبل الوجود والعدم، علمنا أن ذاته لا تكون موجودة بذاته.\nلسنا نقول: إن ذاته تستلزم العدم، بحيث يكون عدمها واجبًا ووجودها ممتنعًا، فإن هذا حقيقة الممتنع لذاته، لا حقيقة الممكن لذاته.\nولكن نقول: إن ذاته هي باعتبار النظر إليها فقط معدومة عدمًا ليس واجبًا، بل عدمًا يمكن أن يتبدل بالوجود.","vol":"8","page":119},{"text":"ومما يوضح ذلك أن كل محدث فهو ممكن، فإنه كان معدومًا ثم صار موجودًا، فهو قابل للوجود والعدم.\nثم إنه من المعلوم لكل أحد أن المحدث لا يقال: إن عدمه يفتقر إلى سبب مرجح، كما يفتقر وجوده إلى سبب مرجح، بل المحدث ليس له من نفسه وجود أصلًا، ولا يستحق باعتبار ذاته إلا العدم، أي لا يثبت له بذاته إلا العدم، لا أنه يجب له بذاته العدم، فالعدم ليس واجبًا بذاته، بل هو ثابت بذاته.\nوقولي: ثابت بذاته، ليس هو إخبارًا عن شيء ثابت في الخارج وذات، فإن المعدوم ليس له في الخارج ذات ثابتة، بل حقيقة الأمر أنه ليس له في الخارج شيء موجود من ذاته، ولكن هو ممكن الوجود من غيره، فهو مفتقر إلى غيره في كونه موجودًا لا في كونه معدومًا.\nوإذا قال قائل: إن الممكن - أو المحدث - يفتقر في عدمه إلى عدم السبب الموجب.\nقيل له: وعدم ذلك السبب الموجب: إما أن يكون واجبًا، وأما أن يكون ممكنًا، فإن كان واجبًا، لزم أن يكون عدم كل ممكن واجبًا، فتكون جميع الممكنات ممتنعة، لأن عدم كل ممكن على هذا التقدير معلول بعدم واجب، وإذا كان معدومًا لعدم علته، وعدم علته واجبًا، كان عدمه واجبًا، وهذا معلوم الفساد بالبديهة.","vol":"8","page":120},{"text":"وإن قيل: إن عدم العلة ممكن، فإن كان معدومًا بنفسه، أمكن أن يكون الممكن معدومًا بنفسه لا بعلة، وهو المطلوب.\nوإن كان معدومًا بعلة، كان القول في تلك العلة كالقول في الأخرى، ويلزم من هذا أن يكون عدم كل ممكن معللًا بعدم ممكن آخر.\nوهذا باطل لوجوه: منها: أنه ليس تعليل عدم هذا بعدم هذا، بأولى من العكس.\nفإن كل ممكن مفتقر إلى المرجح المؤثر، سواء سمي فاعلًا أو علة، أو موجبًا أو سببًا، أو ما سمي به.\nفإذا قيل: عدم هذا الممكن لعدم مؤثره، وعدم ذلك المؤثر لعدم مؤثره، كان كل منهما مساويًا للآخر في الافتقار إلى المؤثر، فليس أن يكون عدم أحدهما لعدم الآخر، المفتقر عدمًا إلى المؤثر، بأولى من أن يكون عدم ذاك لعدم هذا المفتقر عدمه إلى المؤثر، مع استوائهما في ذلك.\nمنها: إذا كان عدم هذا لعدم ذاك، وعدم ذاك لعدم آخر، فالعدم الثالث إن كان هو الأول، لزم الدور القبلي، وإن كان غيره، لزم التسلسل في العلل والمعلولات، وكلاهما ممتنع.\nفهذا كله مما يببين أن عدم الممكن ليس مفتقرًا إلى المؤثر، كافتقار","vol":"8","page":121},{"text":"وجوده إلى المؤثر، فليس ترجيح وجوده على عدمهه، كترجيح إحدى كفتي الميزان، وترجيح أحد الزمانين بالحدوث على الآخر، فإنه هناك رجح الشيء على مثله بلا مرجح، ونسبة الحادث إلى هذا الزمان كنسبته إلى هذا، ونسبة الرجحان إلى هذه الكفة كنسبته إلىهذه، بخلاف الوجود والعدم يالنسبة إلى الممكن، فإن ليس رجحان الوجود كرجحان العدم.\nومما يبين هذا أن المرجح للوجود في الممكن، ليس هو المرجح للعدم، لا مثله، ولا من جنسه، فإن المرجح للوجود مؤثر موجود، والمرجح للعدم عدم المؤثر، وليس الوجود هو العدم، ولا مثله، ولا من جنسه، فليس المرجح لأحد طرفي الممكن هو المرجح للآخر، ولا مثله، ولا من جنسه، ولا يمكن ذلك فيه، بخلاف المرجح لإحدى كفتي الميزان والمخصص لوقت دون وقت بالحدوث، فإنه يمكن أن يكون هو الآخر لتغير صفته، أو ما يكون من جنس بالآخر.\nوأيضًا فترجيح سائر صفات الحادث والممكن على الأخرى، ليست كترجيح الوجود على العدم، بل هي أقرب إلى ترجيح الوقت على الوقت، كتخصيصه بقدر دون قدر، ووصف دون وصف، ومكان دون مكان، ونحو ذلك.\nفإن هذا إلى تخصيصه لوقت دون وقت، أقرب منه إلى تخصيصه بالوجود دون العدم.","vol":"8","page":122},{"text":"فتبين بذلك أن طريقة أولئك النظار من متكلمة المسلمين، مع كونهم سلكوا فيها من التطويل والتبعيد ما لا يحتاج إليه، بل ربما كان فيه مضرة، خيرًا من طريقة هؤلاء، الذي استدلوا بترجيح أحد طرفي الممكن.\nثم إن ابن سينا وأمثاله كانوا خيرًا فيها من الرازي والآمدي وأمثالهما.\nوالرازي فيها خير من الآمدي، كما قد ذكر في غير هذا الموضع.\nوهذا لو قدر أن هذه الطريقة - طريقة ابن سينا ومن اتبعه كـ الرازي ونحوه - طريقة صحيحة، فكيف إذا كانت باطلة؟! كما قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع، وبينا أن هذه الطريقة لا تدل على إثبات وجود واجب ثابت في الخارج، مغاير للممكن أصلًا.\nولو دلت على ذلك لم تدل على أنه مغاير للأفلاك ونحوها.\nولهذا كان من سلك هذه الطريقة لا يمكنه أن يثبت بها الصانع، ولو أثبت بها الصانع، لم يمكنه أن يجعله شيئًا غير الأفلاك، فضلًا عما يدعونه من نفي التركيب، الذي جعلوه دليلًا على نفي الصفات.\nوذلك أن هؤلاء بنوا هذه الطريقة على أن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وأن الممكن لابد له من واجب، فاحتاجوا إلى شيئين: إلى حصر القسمة في الواجب والممكن، وأن الممكن يستلزم الواجب.\nولفظ (الواجب) فيه إجمال.\nقد يراد به الموجود بنفسه الذي","vol":"8","page":123},{"text":"لا فاعل له، فتدخل فيه - إذا كان ذاتًا موصوفة بالصفات - ذاته وصفاته.\nويراد به القائم بنفسه مع ذلك، فتدخل فيه الذات دون الصفات.\nويراد به المبدع للممكنات، فلا تدخل فيه إلا الذات المتصفة بالصفات.\nويراد به شيء منفرد، ليس بصفة ولا موصوف.\nفهذا يمتنع وجوده، ولم يفهموا دليلًا على وجوده، فضلًا عن أن يكون واجب الوجود.\nفإذا قالوا: نعني بالواجب ما لا تقبل ذاته العدم، وبالممكن ما تقبل ذاته العدم.\nقيل لهم: أثبتوا وجود ممكن تقبل ذاته العدم لتحتاج إلى الواجب.\nولما قيل لهم ذلك لم يثبتوه إلا بإثبات الحوادث، التي تكون موجودة تارة ومعدومة أخرى.\nوهذا صحيح، فإن الحوادث مشهودة، وافتقارها إلى المحدث معلوم الضرورة.\nلكنهم لم يسلكوا هذا المسلك، فإن هذا إنما يثبت وجود قديم أحدث الحوادث.\nوالممكن عندهم يتناول ما يكون قديمًا ومحدثًا، فالقديم الأزلي عندهم يكون ممكنًا يقبل الوجود والعدم.\nوهذا القول قاله ابن سينا واتبعه هؤلاء، وخالفوا به جميع العقلاء حتى أرسطو وأصحابه، وحتى خالفوا أنفسهم وتناقضوا، فإن ابن سينا وأتباعه صرحوا في غير موضع بأن الممكن، الذي يقبل الوجود","vol":"8","page":124},{"text":"والعدم لا يكون إلا محدثًا، لا يكون قديمًا أزليًا، وأن ما كان قديمًا أزليًا، لم يكن إلا واجبًا ضروريًا يمتنع عدمه.\nفهذا القول باطل، وإن قدر صحته، فلا يتمكن إثباته إلا بكلفة ونظر دقيق.\nومعلوم أن العلم بواجب الوجود الصانع للممكنات، لا يتوقف على العلم بكون القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه، قد يكون ممكنًا يقبل الوجود والعدم، فهم يقولون: إذا أثبتنا قديمًا نحتاج بعد ذلك إلى أن نثبت أنه واجب الوجود لا ممكن الوجود، لأن القديم يحتمل الأمرين.\nوهذه طريقة الرازي التي اعتمد عليها في عامة كتبه كـ الأربعين ونهاية العقول والمطالب العالية وغيرها من كتبه.\nفهؤلاء إذا قيل لهم أثبتوا واجب الوجود، الذي هو قسيم الممكن عندهم، والممكن عندهم يتناول القديم والحادث، لم يمكنهم إثبات هذا الواجب إلا بإثبات ممكن يقبل الوجود والعدم.\nوهذا لا يمكنهم إثباته إلا بإثبات الحادث، الذي يكون موجودًا تارة معدومًا أخرى.\nوالحادث يسلتزم ثبوت القديم، والقديم عنده لا يجب أن يكون واجب الوجود، بل قد يكون ممكن الوجود، فهم لم يثبتوا: لا واجب الوجود، ولا ممكن الوجود، الذي به يثبت واجب الوجود الذي ادعوه.\nثم إذا قدر أنهم أثبتواوجود واجبًا، فهم لم يقروا أنه واحد وأنه","vol":"8","page":125},{"text":"مغير للأفلاك، إلا بدعوى أن الواجب لا يكون مركبًا، لأن المركب يفتقر إلى أجزائه وما افتقر إلى أجزائه لم يكن واجبًا.\nومعلوم أن هذا إنما ينفي وجوب واجب، بمعنى أنه منفرد، ليس بصفة ولا موصوف، وأن مثل هذا يمتنع أن يكون موصوفًا، مع أن الغرض أنه ليس بموصوف.\nولكن هذا الواجب لم يقم دليل على وجوده، بل ولا على إمكانه، وإنما يقوم الدليل على امتناعه.\nيراد به افتقار المفعول إلى فاعله، والمعلوم إلى علته الفاعلة، وإنما يراد به أنه يلزم من وجود المركب وجود أجزائه، فيلزم من وجود الذات المتصفة بصفات، وجود الذات والصفات.\nوهذا لا محذور فيه، وحقيقته أنه يلزم من كون الشيء موصوفًا كونه موصوفًا، ومن كونه مركبًا كونه مركبًا.\nوهذا كلام صحيح، وليس فيه ما يدل على امتناع ذلك، وقد بسط هذا فيغيره هذا الموضع.\nوقد تفطن الغزالي وغيره لبعض ما به يفسد كلامهم، وقد تكلمنا على ذلك وعلى أنواع أخر مما يتبين به بطلان كلامهم.\nوالمقصود هنا بيان أن طريقة أولئك خير من طريقة هؤلاء.\nوهذا كله مما يبين أن كل من كان إلى الإسلام أقرب، فإن عقلياته في الأمور الإلهية أصح من عقليات من كان على الإسلام أبعد منه، إلا حيث يكون قد اتبع في عقليانه من هو عن الإسلام أبعد منه.\nهذا كله بين","vol":"8","page":126},{"text":"لمن تدبره، ومن تدبر كلام هؤلاء وكلام هؤلاء، وجد كلام متكلمي المسلمين خيرًا من كلام متكلمي الفلسفة ومبتعيهم.\nوهذه الطريقة هي طريقة ابن سينا وأتباعه، لم يسلكها أرسطو وقدماء الفلاسفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>كلام ابن سينا وتعليق ابن تيمية</span>\nوقد قال ابن سينا في الإشارات: (ما حقه في نفسه الإمكان فليس يصير موجودًا من ذاته، فإنه ليس وجوده من ذاته أولى من","vol":"8","page":127},{"text":"عدمه، من حيث هو ممكن.\nفإن صار أحدهما أولى، فلحضور شيء أو غيبته، فوجود كل ممكن الوجود من غيره) .\nفقوله: (ما حقه الإمكان فليس يثير موجودًا من ذاته) قضي صحيحة وهي بينة بنفسها، فإن الممكن هو الذي يكون وجوده بنفسه.\nفإذا قيل: ما لا يكون وجوده بنفسه فوجوده من غيره، كان هذا من القضايا البينة، ولكن هذا لا يعرف، بل ولا يثبت إلا في الأمور الحادثة، التي تكون موجودة تارة ومعدومة أخرى، كما اعترف، هو وسلفه وسائر العقلاء، لأن ما يمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثًا.\nوقد ذكرنا ألفاظه وألفاظ غيره في غير هذا الموضع، ولم يمكنهم إقامة دليل على الافتقار إلى الفاعل إلا في المحدث.\nوأما استدلاله على ذلك بقوله: (فليس وجوده في ذاته أولى من عدمه من حيث هو ممكن) فهذا لا يحتاج إليه، وهو متنازع فيه، وهو لم يقم عليه دليلًا، بل يقال: هو العدم باعتبار ذاته أولى به من الوجود، بل هو باعتبار مجرد ذاته لا يستحق إلا العدم، بل يقال: هذا باطل، فإن ما كان يفتقر إلى فاعل يفعله، يعلم بالضرورة أنه لا يوجد إلا بالفاعل الذي فعله، وأما عدمه فلا يفتقر فيه إلى شيء، وكل ما كان يمكن وجوده وعدمه، لا يكون وجوده إلا بموجد يوجده، وأما عدمه فلا يحتاج فيه إلى شيء.\nوقوله: (فإن صار أحدهما فلحضور شيء او غيبته) هو أيضًا مما لا يحتاج إليه ولا بينه، ولا هو مسلم، بل هو باطل، إذ كان الممكن إنما يفتقر إلى غيره إذا كان موجودًا، فأما ما كان مستمرًا على العدم، فلا يحتاج دوام عدمه إلى شيء، وحقيقة كلامه أنه صار الوجود فلحضور غيره، وإن صار العدم فلغيبة غيره، فيكون إنما عدم لغيبة سببه، وهذا كما قد عرف كلام ليس ببين، وهو متنازع فيه، بل هو باطل، وعند التحقيق تبين أن عدم الغير مستلزم لعدمه، ودليل على عدمه، لا أنه الموجب لعدمه.\nوكلام القاضي أبي بكر وأبي الحسين البصري وأمثالهما في هذا","vol":"8","page":128},{"text":"الباب، هو أصرح في المعقول، بل هو صواب، وهذا خطأ، وإن كان أولئك مقصرين من وجه آخر، حيث استولوا على الواضح بالخفي.\nوأما ابن سينا وأتباعه، كـ الرازي وغيره، فدليلهم باطل، ولم يثبتوا وجودًا واجبًا، بل تكلموا في تقسيم الوجود إلى واجب وممكن بكلام ابتدعوه، خالفوا به سلفهم وسائر العقلاء ونقضوا به أصولهم التي قرروها بالعقل الصريح، فإن أبا الحسين يقول: (الدليل على أن للمحدث محدثًا هو أنه لا يخول: إما أن يكون حدث وكان يجوز أن لا يحدث، أو كان يجب أن يحدث، فلو حدث مع وجوب أن يحدث، لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من ان يحدث من قبل، فلا يستقر حدوثه على حال، إذ كان حدوثه واجبًا في نفسه.\nوإن حدث مع جواز أن لا يحدث، لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث، لولا شيء اقتضى حدوثه)\nفقد بين أن الحادث إن كان واجب الحدوث بنفسه لم يختص بوقت دون وقت، إذ الواجب بنفسه لا يختص بوقت دون وقت، وإذا لم يختص يجب أن لا يحدث في بعض الأوقات، والتقدير أنه حدث في بعض الأوقات.\nوأيضًا فالتخصيص بوقت دون وقت لا بد له من مخصص، وإن كان ممكن الحدوث، بحيث يكون قد حدث وكان من الممكن أن لا","vol":"8","page":129},{"text":"يحدث، لم يكن بالحدوث أولى منه بعدم الحدوث لولا شيء اقتضى حدوثه.\nفقول أبي الحسين: (لم يكن وجود الحدوث أولى من عدم الحدوث لولا مقتض اقتضى الحدوث) يبين أن رجحان وجود الحدوث على عدم الحدوث، يفتقر إلى مقتض لترجيح الحدوث على عدم الحدوث.\nفكانت هذه الطريقة، مع طولها، خيرًا من طريقة ابن سينا والرازي وأمثالهما، لو كانت تلك صحيحة، من وجهين: أحدهما: أن افتقار رجحان المحدث على عدمه إلى مقتض، أبين في المعقول من افتقار كل ممكن، فإن الممكن الذي يقدر أنه ليس بمحدث، قد نازع طوائف من الناس في ثبوته، وفي إمكان كونه معلولًا لغيره، ونحو ذلك.\nبل عامة العقلاء على امتناعه، والذين يثبتونه يعترفون بامتناعه، والعقل الصريح يدل على امتناعه، ولم يقيموا دليلًا على تحقيقه، ولا على افتقاره إلى واجب، وعلى إثبات واجب يكون قسيمًا له.","vol":"8","page":130},{"text":"وأما المحدث الذي كان بعد عدمه، لم ينازع هؤلاء، ولا عامة العقلاء في أنه لا يترجح وجودهه على عدمه إلا بمقتض، فكان الاستدلال بترجيح وجود المحدث على عدمه، أولى من الاستدلال برجحان وجود كل ممكن، لو قدر أن الممكن أعم من المحدث فكيف أذا لم يكون الممكن إلا محدثًا؟ .\nالثاني: أنه قال: (لم يكن بالحدوث أولى منه بالعدم لولا شيء اقتضى حدوثه) فبين أن رجحان الوجود على العدم لا يكون إلا بمقتض، لم يقل: إن رجحان أحد الطرفين على الآخر لا يكون إلا بمرجح.\nوهذا الذي قاله أبو الحسين متفق عليه بين الطوائف، وهو بين في العقل ضروري فيه، بخلاف ما قاله أولئك، فإن فيه نزاعًا واضطرابًا، وليس هو بينا في العقل، بل الصواب يقتضيه.\nوكذلك أبو الحسين يقول دائمًا: (ما كان موجودًا على طريق الجواز لم يكن بالوجود أولى منه بالعدم لولا فاعل) وهذا كلام صحيح، ولكن ابن سينا إنما أخذ هذه الطريق التي سلكها من كتب المعتزلة ونحوهم من متكلمي الإسلام، وأراد تقريبها إلى مذهب سلفه الفلاسفة الدهرية، ليصير كلامه في الإلهيات مقربًا لجنس كلام متكلمي المسلمين، ثم يأخذ المواضع التي خالف فيها المتكلمون للشرع","vol":"8","page":131},{"text":"والعقل، فيستدل لها على ما نازعوه فيه، مما وافقوا فيه دين المسلمين، وهذا كما فعلت إخوانه الباطنية، مثل صاحب كتاب الأقاليد الملكوتية ونحوه، فإنهم عمدوا إلى كل طائفة من طوائف القبلة، فأخذوا منها ما وافقوهم فيه من المقدمات المسلمة التي غلط فيها أولئك، فبنوا عليها لوازمها التي تخرج أولئك عن دين المسلمين، وناظروا بذلك المعتزلة وأمثالهم، كما قالوا للمعتزلة: أنتم سلمتم لنا نفي التشبيه والتجسيم، ونفيتم الصفات بناء على ذلك، ثم أثبتم الأسماء الحسنى لله تعالى والتشبيه يلزم في الأسماء كما يلزم في الصفات.\nفإذا قلتم: إنه حي عليم قدير، لزم في ذلك من التجسيم والتشبيه نظير ما يلزم في إثبات الحياة والعلم والقدرة وأردتم إثبات أسماء بلا صفات، وهذا ممتنع.\nوإذا كنتم قد وافقتم على نفي الصفات، وهي لازمة للأسماء، فنفي اللازم يقتضى نفي الملزوم، فيلزمكم نفي الأسماء، ولهذانظائر في كلامهم.\nفابن سينا وجد في كتب متكلمي المسلمين، من المعتزلة وأشباههم، أن تخصيص أحد المتماثلين على الآخر لا يكون إلا بمخصص، كما في تخصيص الحدوث بوقت دون وقت، وهذا مما جعله هؤلاء أصلًا لهم في إثبات العلم بالصانع.","vol":"8","page":132},{"text":"فأخذ ابن سينا كلام هؤلاء ونقله إلى ماده الإمكان والوجوب، وأن الممكن لا يترجح إلا بمرجح، لئلا يناقض قوله في قدم العالم، ويقول: إنه معلول علة قديمة مستلزمة له ونسى ما قرره في المنطق، هو وسلفه، من أن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا حادثًا، وأن الدائم الأزلى والأبدي لا يكون إلا ضروريًا واجبًا، لا يكون ممكن الوجود والعدم، وهذا الذي ذكروه في المنطق متفق عليه بين العقلاء.\nوأخذ قولهم الضعيف في أن القادر المختار يحدث الحوادث بلا سبب حادث، جعله له حجة على قدم العالم، بناء على مطالبتهم بسبب الحدوث، وكان ما يلزمه ويبين فساد قوله، أعظم مما يلزمهم ويبين فساد قولهم، فإنه إذا كان العالم صادرًا عن علة مستلزمة له، والعلة المستلزمة لا يتأخر عنها شيء من معلولها، لزم أن لا يحدث في العالم شيء من الحوادث، أو أن تكون الحوادث حدثت بلا محدث.\nوفي ذلك من الترجيح بلا مرجح ما هو أعظم مما بنوا عليه وجود الواجب.\nفيلزمهم على قولهم بطلان ما أثبتوا به واجب الوجود، وبطلان الاستدلال بالحدوث على المحدث، وبالممكن على الواجب، وأن تكون الحوادث حدثت بلا محدث أصلًا.","vol":"8","page":133},{"text":"وذلك أعظم من قول أولئك: حدثت عن قادر مختار بدون سبب حادث وهؤلاء أصل قولهم: إن العلة التامة يقارنها معلولها في الزمان، كما جعلوا الفلك القديم الأزلي عندهم مقارنًا لعلته في الزمان، وقابلوا لذلك قول المتكلمين، الذي قالوا: بل المؤثر التام يتأخر عنه أثره.\nوالصواب أن المؤثر التام يتعقبه أثره، لا يقارنه، ولا يتراخي عنه، كما قال تعالى ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ .\nولهذا يقال: كسرته فانكسر، وقطعته فأنقطع وطلقت المرأة فطلقت، وعتقت العبد فعتق.\nوعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب تعالى، لأن ما كونه لا يكون إلا بعد تكوينه لا مع التكوين.\nوهم إذا قالوا: إن المكون مع التكوين، لزمهم أن لا يحدث شيء من العالم، وهو خلاف المشاهدة.\nفإن الأول إذا كان علة تامة، والعلة التامة يقارنها معلولها، وكل ما ساواه معلوله كان الجميع قديمًا.\nولزمهم أيضًا أن كل ما حدث يحدث عند حدوثه تمام علل لا نهاية لها، وذلك في آن واحد، وذلك ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء.","vol":"8","page":134},{"text":"وقد ذكر ابن سينا أن هذه الطريقة، التي سلكها في إثبات واجب الوجود ولوازمه، هي غير طريقة سلفه الفلاسفة، بل هي طريقة محدثة.\nوهذا مما يبين أنه ركبها مما أخذه عن المعتزلة ونحوهم من متكلمة الإسلام، ومن أصول سلفه الفلاسفة، والذي أخذه عن متكلمة الإسلام أقرب إلى الحق مما أخذه عن سلفه في ذلك، لأنه أخذ عنهم أن تخصيص أحد الشيئين المتماثلين المحدثين دون الآخر لا بد له من مخصص، وهذا حق.\nفأخذ من ذلك أن تخصيص الممكن بالوجود لا بد له من موجب، وهذا حق.\nلكن قد ينازعونه في أن الممكن: هل يمكن أن يكون قديمًا أم لا؟ فإنهم - وعامة العقلاء - يقولون: الممكن لا يكون إلا محدثًا وهو - وسلفه - يسلمون لهم ذلك.\nوأيضًا فإن أبا الحسين وأمثاله يقولون: الموجود على طريق الجواز، ليس بالوجود أولى منه بالعدم لولا الفاعل.\nويقولون: إنه يستحيل ان يوجب القديم بالفاعل، لأن المعقول من الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم، وليس للقديم حال عدمية.\nولهذا يقولون: إن وجود القديم واجب، وليس بأن يجب وجوده في حال أولى من حال.\nفصح أنه واجب الوجود في كل حال، فاستحال عدمه.","vol":"8","page":135},{"text":"وضم ابن سينا وأتباعه إلى ذلك أن الممكن لا يكون معدومًا إلا بسبب.\nوهذا مما نازعه فيه الجمهور، حتى إخوانه الفلاسفة نازعوه في ذلك.\nوهذا الذي ذكرته من أن ابن سينا أخذ هذه الطريق عن المتكلمين، رأيته بعد ذلك قد ذكره ابن رشد الحفيد.\nذكر في كتابه الذي سماه تهافت التهافت.\nفإن أبا حامد الغزالي ذكر ذلك في كتابه المسمى بتهافت الفلاسفة مسألة في بيان عجز الفلاسفة عن الاستدلال على وجود الصانع للعالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>كلام الغزالي عن عجز الفلاسفة عن الاستدلال على وجود الصانع للعالم</span>\nقال: (فنقول: النسا فرقتان: فرقة أهل الحق، وقد رأوا أن العالم حادث، وعلموا ضرورةً أن الحادث لا يوجد بنفسه، فافتقر إلى صانع، فعقل مذهبهم في القول بالصانع.\nوفرقة أخرى هم الدهرية، وقد رأوا العالم قديمًا، ثم كما هو عليه، ولم يثبتوا صانعه، ومعتقدهم مفهوم.\nوإن كان الدليل يدل على بطلانه.","vol":"8","page":136},{"text":"فأما الفلاسفة فقد رأوا قديمًا ثم أثبتوا مع ذلك له صانعًا) .\nقال: (وها المذهب بوضعه متناقض، لا يحتاج إلى إبطال) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>رد ابن رشد على الغزالي في تهافت التهافت</span>\nقال ابن رشد الحفيد: (بل مذهب الفلاسفة مفهوم في الشاهد، أكثر من المذهبين جميعًا.\nوذلك أن الفاعل قد يلقى صنفين: صنف يصدر منه مفعول يتعلق به فعله في حال كونه.\nوهذا إذا تم كونه استغنى عن الفاعل، كوجود البيت عن البناء والصنف الثاني إنما يصدر عنه فعل فقط يتعلق بمفعول، لا وجود لذلك المفعول إلا بتعلق الفعل به، وهذا الفاعل يخصه أن فعله مساوق لوجود ذلك المفعول، أعني أنه إذا عدم ذلك الفعل عدم المفعول، وإذا وجد ذلك الفعل وجد المفعول، أي هما معًا، وهذا الفاعل أشرف","vol":"8","page":137},{"text":"وأدخل في باب الفاعلية من الأول، لأنه يوجد مفعوله ويحفظه.\nوالفاعل الآخر يوجد مفعوله، ويحتاج إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد وهذه حال المحرك مع الحركة، والأشياء التي وجودها إنما هو في الحركة، والفلاسفة لما كانوا يعتقدون أن الحركة فعل الفاعل، وأن العالم لا يتم وجوده إلا بالحركة، قالوا: إن الفاعل للحركة هو الفاعل للعالم، وأنه لو كف فعله طرفة عين عن التحريك لبطل العالم، فعلموا قياسهم هكذا: العالم فعل، أو شيء، وجوده تابع لفعل.\nوكل فعل لا بد له من فاعل موجود بوجوده، فأنتجوا من ذلك أن العلم له فاعل موجود بوجوده، فمن لزم عنده أن يكون الفعل الصادر عن فاعل العالم حادثًا، قال: العالم حادث عن فاعل لم يزل قديمًا وفعله قديم.\nأي: لا أول له ولا آخر، لا أنه موجود قديم بذاته، كما تخيل لمن يصفه بالقدم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: هذا الذي ذكره ابن رشد عن الفلاسفة أراد به تقرير طريقة أرسطو وأتباعه، الذين استدلوا بالحركة على وجود المحرك الذي لا يزال محركًا غير متحرك، ويسمونه الأول.","vol":"8","page":138},{"text":"وهو الواجب الوجود عند ابن سينا وأتباعه.\nوأما من قبل ابن سينا من الفلاسفة فلا يخصونه بواجب الوجود، إذ كل قديم فهو عندهم واجب الوجود، فلا يخصه بواجب الوجود إلا من يقول: لا قديم إلا هو، وليس هذا قول أرسطو وأتباعه، وإن كان هو مذهب جماهير العقلاء من أهل الملل وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>كلام أرسطو وأتباعه</span>\nوكلام أرسطو وأتباعه باطل من وجوه:\n(الوجه الأول)\nأن هؤلاء لم يجعلوا الأول فاعلًا للحركة الفلكية، إلا من حيث هو محبوب معشوق يتشبه به الفلك، لا من حيث هو مبدع محدث للحركة.\nومعلوم أن المحبوب المتحرك إليه من غيره بالمحبة له والشوق، لا سيما إذا كان محبًا للتشبيه به لا لذاته، كما يتشبه المأموم بإمامه، لا يكون هو المبدع المحدث للحركة بمجرد ذلك، وإنما يكون علة غائية، لا علة فاعلية، فلم يثبتوا الواجب الوجود بنفسه فاعلًا لشيء من الحوادث، كما قد بسط في موضعه.\nوأرسطو وأتباعه معترفون بأن الأول عندهم لا يفعل شيئًا ولا يعلم شيئًا، ولا يريد شيئًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>الوجه الثاني</span>\nأنه بتقدير أن يثبتوه محدثًا مبدعًا للحركة التي لا قوام","vol":"8","page":139},{"text":"للفلك والعالم إلا بها، كما قد يدعي ذلك ابن رشد وأمثاله، فإنما يكون فاعلًا لما هو شرط في وجود العالم، لا يكون فاعلًا لنفس جواهر العالم وسائر أعراضه، بل هو فاعل لعرض واحد من أعراضه، وهي الحركة التي زعموا أنه لا قوام له بدونها.\nوهذا من أبعد الأشياء عن كونه مبدعًا للعالم، ولاسيما إذا جعلوا فعله للحركة من جهة كونه محبوبًا، فهو بمنزلة كون كل محبوب يبدع المحب، الذي لا يقوم بدون تلك المحبة، بل بمنزلة كون الإمام المقتدى به مبدعًا للمؤتم به، من جهة كونه يحتاج إلى الأئتمام به.\nومعلوم أن هذا لا يقوله عاقل، بل هذا يتضمن أن واجب الوجود - كالفلك عند أرسطو وأتباعه - يفتقر إلى شيء بائن عنه، وذلك يدل على فساد قولهم، فما قاله أرسطو وأتباعه من الحق يدل على فساد قول المتأخرين، وما قاله المتأخرون من الحق في الواجب يدل على فساد قول أرسطو وأتباعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>الوجه الثالث</span>\nإن كون العالم لا يمكن وجوده بدون الحركة أمر لا دليل عليه، بل هو باطل، وأقصى ما يمكن أن يقال: يمكن وجوده لكن يكون ناقصًا.\nومعلوم أن هذا حال سائر المخلوقات التي لها صفات كمال إذا عدم بعض صفاتها، إنما يلزم نقصها لا يلزم عدمها.","vol":"8","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-838>الوجه الرابع</span>\nأنه ادعى أن هذا الفاعل أشرف من الفاعل الذي فعل البناء ونحو.\nفيقال: إن ادعيت أن ما يفعل حركةً في غيره أشرف مما يفعل التأليف القائم به، فهذا غير مسلم، لا يسما إذا كان فعل ذلك بجهة كونه محبوبًا أو مؤتمًا به، وهذا مبدع لنفس التأليف القائم بغيره.\nومعلوم أن حاجة المؤلف إلى التأليف قائم به أعظم من حاجة المتحرك إلى الحركة القائمة به، وأن تغير ذات المؤلف إذا انتفض تأليفه، أبين من انتقاض ذلك المتحرك إذا والت حركته، فإذا جعلتم فاعل الحركة فاعلًا، ففاعل التأليف أولى أن يكون فاعلًا، وهذا أمر مشهود، ليس من جمع الأجزاء المتفرقة وجعلها شيئًا واحدًا، كمن حرك الشيء الساكن، لاسيما إذا كان تحريكه كتحريك الخبز للجائع، والماء للعطشان، والمرأة للرجل، والرجل للمرأة، فكيف إذا كان كتحريك الإمام للمؤتم به؟\nوإن قال: إن ذلك الفاعل للحركة يفعلها دائمًا، وفاعل التأليف لا يفعله إلا حال إحداثه، وهذا هو الوجه الذي قصده.\nفيقال له: ليس في الشاهد أمر يفعل الحركة التي لا قوام للمتحرك إلا بها دائمًا.\nفقولك: إن مذهب الفلاسفة مفهوم في الشاهد أكثر من","vol":"8","page":141},{"text":"المذهبين، وذلك أن الفاعل قد يصدر منه مفعول يتعلق به فعله في حال كونه، وقد يصدر عنه فعل يتعلق بمفعول، لا وجود لذلك المفعول إلا بتعلق الفعل به، وهذا الفاعل يخصه إن فعله مساوق لوجود ذلك المفعول، وهذه حال المحرك مع الحركة، والأشياء التي وجودها إنما هو في الحركة.\nفيقال لك: ليس فيما نشاهده شيء من هذا الصنف الثاني، وإنما الفاعل المشاهد هو من النمط الأول.\nوإن قلت: إن النفس تحرك البدن بهذا الاعتبار.\nفيقال لك: كون النفس وحدها هي المحركة للبدن، دون أن يكون هناك سبب للحركة، أمر لو كان حقًا لم يكن من المشاهدات.\nوأيضًا فالنفس لا يقول عاقل: إنها هي الفاعلة للبدن.\nوأيضًا فكل من النفس البدن شرط في حركة الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>الوجه الحامس</span>\nأن يقال: نحن نسلم أن الفاعل، الذي نفتقر إليه المفعول دائمًا، أكمل ممن لا يفتقر إليه إلا حال حدوثه.\nلكن إذا قيل: إن المخلوقات مفتقرة إلى الخالق دائمًا، كان هذا قولًا صحيحًا، وليس هذا نظير ما ذكرته من الصنفين.\nبل لو قيل: إنه يفعل تأليف العالم دائمًا، وأن تأليفه لا يقوم إلا به، كان هذا خيرًا من قول سلفك: إنه يفعل حركة العالم دائمًا، لو كانوا قائلين بذلك.\nفكيف وحقيقة قولهم: إنه لا يفعل شيئًا؟.","vol":"8","page":142},{"text":"فأنت لو جعلته من الصنف الأول، من الفاعلين الذين يفعلون تأليف المؤلفات، كان خيرًا من أن تجعله فاعلًا للحركات.\nلكن الفاعل الدائم، للفعل الذي يحتاج إليه المفعول دائمًا، أكمل ممن لا يفتقر إليه المفعول إلا في حال حدوثه، فإذا جعلته فاعلًا للتأليف، وهو محتاج إليه دائمًا، كان خيرًا من أن تجعله فاعلًا للحركة، فكيف ولم تجعلوه فاعلًا إلا من جهة كونه متشبهًا به فقط؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>الوجه السادس</span>\nأن يقال: العالم ليس فيه مخلوق يشهد أنه فاعل لشيء منفصل عنه من كل وجه، لا عين ولا صفة، فإن فاعل التأليف في غيره كالبناء والخياط والكاتب ونحوهم، غاية فعله تأليف تلك الأجسام، مع أن كثيرًا من متكلمة الإثبات، كالأشعري ومن وافقه، يقولون: ليس فعله إلا ما قام به في محل قدرته، وما خرج عنه ليس فعله.\nوالقائلون بالتولد يقولون: بل ذلك التأليف فعله.\nوالقول الوسط: أن التألف حادث بسبب فعله القائم به، وبسبب ما في الأجزاء المؤلفة من قبول التأليف وحفظه، ولهذا لم تكن الأجزاء محتاجة إلى الإنسان المحدث لتأليفها بعد التأليف، لأنها تمسك التأليف بما فيها من اليبس","vol":"8","page":143},{"text":"والقوة التي جعلها الله فيها، وتلك لا حاجة إليه فيها، فالذي أحتيج إليه إنما هو مجرد فعله القائم به فقط.\nوأما مبدع العالم فهو المبدع لأعيانه وأعراضه وحركاته، فليس له نظير، إذ هو سبحانه ليس كمثه شيء: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.\nوأما ما ذكره هو من إثبات مخلوق محدث لحركة تقوم بغيره، لا يقوم إلا بها، والمخلوق يحدثها دائمًا، فليس هذا بمشاهد في الفاعلين، والمثل الذي ضربه لقوله وقولهم، وإن لم يكن مطابقًا، ولس في المشاهدات ما يكون فعله كفعل الرب تعالى، ولا فعل كفعله - فقولهم أقرب من قوله، لأنه موجود في العالم، وهو أقرب إلى الفاعل المطلق.\nفقوله: (إن الفاعل الذي يوجد مفعوله ويحفظه، أشرف وأدخل في باب الفاعلية من الفاعل الذي يوجد مفعوله ويحتاج إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد) كلام صحيح، لكن ليس هو مطابقًا لقول إخوانه الفلاسفة، فإنهم لم يثبتوا أنه فاعل لجوهر العالم ولأعراضه، بل غاية ما جعلوه فاعلًا للحركة، ثم لم يجعلون فاعلًا لها إلا من جهة كونه","vol":"8","page":144},{"text":"علة غائية، لكون الفلك يقصد التشبه به، وهذا القدر لا يوجب أن يكون هو الفاعل.\nوأما أولئك فأثبتوا أنه فاعل لجواهر العالم.\nثم من قال من المتكلمين، المعتزلة ونحوهم، إن المحدثات لا تحتاج إلى الفاعل المحدث إلا في حال الحدوث لا في حال البقاء فقوله - مع فساده - أرجح من قول الفلاسفة، لكونهم أثبتوا فاعلًا حقيقة.\nفأما قول أهل السنة وجماهير أهل الملة، الذي يقولون: إن المخلوقات محتاجة إلى الخالق في حال الحدوث وحال البقاء، فهذا أكمل من قولهم من كل وجه، وإذا ضم إلى ذلك أنه إلههم الذي يعبدونه ويحبونه، وأنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، تبين بذلك أن العالم محتاج إليه من جهة كونه ربًا فاعلًا، ومن جهة كونه إلهًا محبوبًا معبودًا.\nوفي هذا من التفاضل بينه وبين قول سلفه الفلاسفة ما لا يخفى على أضعف الناس نظرًا.","vol":"8","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>بقية كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة</span>\nقال الغزالي: (فإن قيل: نحن إذا قلنا للعالم صانع لم نرد به فاعلًا مختارًا يفعل بعد أن لم يكن يفعل، كما يشاهد في أصناف الفاعلين من الخياط، والنساج والبناء، بل نعني به علة العالم، ونسميه المبدأ الأول، على معنى أنه لا علة لوجوده، وهو علة لوجود غيره، فإن سميناه صانعًا فبهذا التأويل.\nوثبوت موجود لا علة لوجوده يقوم عليه البرهان القطعي على قرب، فإنا نقول: العالم موجود، والموجود إما أن يكون له علة، وإما أن يكون لا علة له، فإن كان له علة، فتلك العلة لها علة ام لا علة لها؟\nوهكذا القول في علة العلة، فإما ان تتسلسل إلى غير نهاية، وهو محال.\nوإما أن تنتهي بالآخر إلى علة أولى لا علة لوجودها فنسميه المبدأ الأول.","vol":"8","page":146},{"text":"وإن كان العالم موجودًا بنفسه لا علة له.\nفقد ظهر المبدأ الأول، فإما لم نعن به إلا موجودًا لا علة له، هو ثابت بالضرورة.\nنعم لا يجوز أن يكون المبدأ الأول هو السماوات، لأنها عدد، ودليل التوحيد يمنعه، فيعرف بطلانه بنظر في صفة المبدأ ولا يجوز أن يقال: إنه سماء واحد أو جسم واحد، أو شمس، أو غيره، لأنه جسم، والجسم مركب من الهيولى والصورة، والمبدأ الأول لا يجوز أن يكون مركبًا، وذلك يعرف بنظر ثان.\nوالمقصود أن موجودًا، لا علة لوجوده، ثابت بالضرورة والاتفاق - وإنما الخلاف في الصفات - وهو الذي نعنية بالمبدأ الأول) .\nقال الغزالي: (والجواب من وجهين: أحدهما: أنه يلزم على مساق مذهبكم أن تكون أجسام العالم قديمة لذلك لا علة لها.\nوقولكم إن بطلان ذلك يعلم بنظر ثان، فيبطل ذلك عليكم في","vol":"8","page":147},{"text":"مسألة التوحيد ونفي الصفات بعد هذه المسألة.\nالوجه الثاني: وهو الخاص بهذه المسألة، هو أن يقال: نثبت تقديرًا أن هذه الموجودات لها علة، ولكن علتها علة، ولعلة العلة علة كذلك، وهكذا إلى غير نهايتة.\nوقولكم: أنه يستحيل إثبات علل لا نهاية لها، لايستقيم منكم.\nفإنا نقول: عرفتم ذلك ضرورةً بغير واسطة او عرفتموه بواسطة؟ لا سبيل إلى دعوى الضرورة، وكل مسلك ذكرتموه في النظر، يبطل عليكم بتجويز حوادث لا أول لها.\nوإذا جاز أن يدخل في الوجود ما لا نهاية له، فلم يبعد أن يكون بعضها علة لبعض وينتهي من الطرف الآخر إلى معلول لا معلول له ولا ينتهي في الجانب الآخر إلى علة لا علة لها؟ كما أن الزمان","vol":"8","page":148},{"text":"السابق له آخر، وهو الآن.\nولا أول له.\nفإن زعمتم أن الحوادث الماضية ليست موجودة معًا في الحال، ولا في بعض الأحوال، والمعدوم لا يوصف بالتناهي وعدم التناهي، فيلزمكم النفوس البشرية المفارقة للأبدان، فإنها لا تفنى عندكم، والموجود المفارق للبدن من النفوس لا نهاية لأعدادها، إذ لم تزل نطفة من إنسان وإنسان من نطفة، إلى غير نهاية، ثم كل إنسان مات، فقد بقي نفسه، وهو بالعدد غير نفس من مات قبله، ومعه، وبعده، وإن كان الكل بالنوع واحدًا، فعندكم في الوجود، في كل حال، نفوس لا نهاية لأعدادها) .\nقال: (فإن قيل: ليس لبعضها ارتباط ببعض، ولا ترتيب لها: لا بالطبع، ولا بالوضع، وإنما نحيل نحن موجودات لا نهاية لها، إذا كان لها ترتيب بالطبع، كالأجسام فإنها مرتبة بعضها فوق","vol":"8","page":149},{"text":"بعض، أو كان بها ترتيب بالطبع، كالعلل والمعلولات، وأما النفوس فليست كذلك.\nقلنا: هذا تحكم في الوضع ليس طرده أولى من عكسه، فلم أحلتم.\nأحد القسمين دون الآخر، وما البرهان المفرق؟.\nوبم تنكرون على من يقول: إن هذه النفوس التي لا نهاية لها، لا تخلو عن ترتيب، إذ وجود بعضها قبل البعض، فإن الأيام والليالي الماضية لا نهاية لها، فإذا قدرنا وجود نفس واحدة، في كل يوم وليلة، كان الحاصل في الوجود الآن خارجًا عن النهاية، واقعًا على ترتيب في الوجود، أي بعضها بعد البعض.\nوالعلة غايتها أن يقال: إنها قبل المعلول بالطبع، كما يقال: إنها فوق المعلول بالذات لا بالمكان، فإذا لم يستحل ذلك في القبل الحقيقي الزماني، فينبغي أن لا يستحيل في القبل الذاتي الطبيعي.\nوما بالهم لم يجوزوا أجسامًا بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير نهاية، وجوزوا موجودات بعضها قبل البعض بالزمان إلى غير النهاية؟ وهل هذا إلا تحكم بارد لا أصل له؟.","vol":"8","page":150},{"text":"قال فإن قيل: البرهان القاطع على استحالة علل إلى غير النهاية، أن يقال: كل واحدة من آحاد العلل، ممكنة في نفسها أو واجبة؟ فإن كانت واجبة لم تفتقر إلى علة.\nوإن كانت ممكنة فالكل موصوف بالإمكان، وكل ممكن فيفتقر إلى علة زائدة على ذاته، فيفتقر الكل إلى علة زائدة على ذاته، فيفتقر الكل إلى علة خارجة عنها.\nقلنا: لفظ الممكن والواجب لفظ مبهم، إلا أن يراد بالواجب ما لا علة لوجوده، ويراد بالممكن ما لوجوده علة، فإن كان المراد هذا، فلنرجع إلى هذه اللفظة، ونقول: كل واحد ممكن: على معنى أن له علة زائدة على ذاته، والكل ليس بممكن: على معنى انه ليس له علة زائدة على ذاته خارجة منه، وأن أريد بلفظ الممكن غير ما أردناه، فهو ليس بمفهوم) .","vol":"8","page":151},{"text":"قال: (فإن قيل: فهذا يؤدي إلى أن يتقوم واجب الوجود بممكنات الوجود، وهو محال.\nقلنا: إن أردتم بالواجب والممكن ما ذكرناه، فهو نفس المطلوب، فلا نسلم أنه محال.\nوهو كقول القائل: يستحيل أن يتقوم القديم بالحوادث، والزمان عندهم قديم، وآحاد الذوات حادثة، وهي ذات أوائل، والمجموع لا أول له، فقد تقوم ما لا أول له بذوات أوائل، وصدق ذوات أوائل على الآحاد، ولم يصدق على المجموع.\nوكذلك يقال على كل واحد: إن له علة، ولا يقال: للمجموع علة، وليس كل ما صدق على الآحاد يلزم أن يصدق على المجموع، إذ يصدق على كل واحد أنه واحد، وأنه بعض، وأنه","vol":"8","page":152},{"text":"جزء ولا يصدق على المحجموع وكل واحد حادث بعد أن لم يكن، أي له أول، والمجموع عندهم ما ليس له أول.\nفتبين أن من يجوز حوادث لا أول لها، وهي صور العناصر الأربعة المتغيرات، فلا يتمكن من إنكار علل لا نهاية لها، ويخرج من هذا أنه لا سبيل لهم إلى الوصول إلى إثبات المبدأ الأول لهذا الإشكال، وخرج قولهم إلى التحكم المحض.\nفإن قيل: الدورات ليست موجودة في الحال، ولا صور العناصر وإنما الموجود منها صورة واحدة بالفعل، وما لا وجود له لا يوصف بالتنهاهي وعدم التناهي، إلا إذا قدر في الوهم وجودها، ولا يتعذر ما يقدر في الوهم، فإن كانت المقدرات بعضها علل لبعض، فالإنسان قد يفرض ذلك في وهمه، وإنما الكلام في الموجود في الأعيان لا في الأذهان، لا يبقى إلا نفوس الأموات، وقد ذهب","vol":"8","page":153},{"text":"بعض الفلاسفة إلى أنها كانت واحدة أزلية قبل التعلق بالأبدان، وعند مفارقة الأبدان تتحد، فلا يكون فيه عدد، فضلًا عن ان يوصف بأنه لا نهاية لها، وقال آخرون: النفس تابع للمزاج، وإنما معنى الموت عدمها، ولا قوام لها بجوهرها دون الجسم، فإذن لا وجود في النفوس إلا في أحياء، والأحياء الموجودون محصورون، ولا تنتهي النهاية عنهم، والمعدومون لا يوصفون أصلًا بوجود النهاية ولا بعدمها إلا في الوهم، إذا فرضوا موجودين) .\nقال: (والجواب أن هذا الإشكال في النفوس أوردناه على ابن سينا والفارابي والمحققين منهم، إذا حكموا بأن النفس جوهر قائم بنفسه، وهو اختيار أرسطاليس والمعتبرين من الأوائل، ومن عدل","vol":"8","page":154},{"text":"عن هذه المسلك فيقول: هل يتصور أن يحدث شيء يبقى أم لا؟ فإن قالوا: لا، فهو محال، وإن قالوا نعم، قلنا: إذا قدرنا كل يوم حدوث شيء وبقاءه، اجتمع إلى الآن لا محالة موجودات لا نهاية لها، فالدورة وإن كانت منقضية، فحصول موجود فيها، يبقى ولا ينقضي غير مستحيل، وبهذا التقدير يتقرر الإشكال، ولا غرض في أن يكون ذلك الباقي نفس آدمي، أو جني، أو شيطان، أوملك، أو ماشئت من الموجودات، وهو لازم على كل مذهب لهم، إذا أثبتوا دورات لا نهاية لها) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: أبو حامد جعل الطريقة الصحيحة في أثبات الصانع الاستدلال بالحدوث على المحدث، وقال: إنا نعلم بالضرورة أن الحادث لا يوجد نفسه فافتقر إلى صانع، وهذا موافق لما ذكره حذاق أهل النظر، بخلاف من ذهب إليه من ذهب من المعتزلة ومن وافقهم.\nكـ القاضي أبي بكر وأبي المعالي وغيرهما، ممن جعل هذه المقدمة نظرية.","vol":"8","page":155},{"text":"وأخذ أبو حامد يطعن على طريقة ابن سينا وأمثاله في إثبات واجب الوجود بوجهين.\nأحدهما: أن غاية هذه الطريقة إثبات موجود واجب، ولكن لا يمكن نفي كونه جسمًا من الأجسام إلا بطريقهم في التوحيد الذي مضمونه نفي الصفات، وتلك مبناها على نفس التركيب، وقد بين أبو حامد فساد كلامهم في هذا.\nوهذا الوجه الذي ذكره أبو حامد أحسن فيه، وكنت قد كتبت على توحيد الفلاسفة ونفيهم الصفات كلامًا بينت فيه فساد كلامهم في طرقة التركيب، قبل أن أقف على كلام أبي حامد، ثم رأيت أبا حامد قد تكلم بما يوافق ذلك الذي كتبته.\nومن هنا يعلم أن ابن سينا لا يمكنه بهذه الطريقة إفساد مذهب الفلاسفة الطبيعين الذين يقولون بأن الفلك واجب الوجود بنفسه، وإن كان يمكن إفساد قولهم بطرق أخرى.\nولهذا ظن كثير من المتأخرين أن ابن سينا موافق للدهرية","vol":"8","page":156},{"text":"المحضة، الذين يقولون: إن العالم واجب الوجود بذاته، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.\nالوجه الثاني الذي أبطل به أبو حامد طريقهم: أنها مبنية على إبطال علل ومعلولات لا نهاية لها، وقد ألزمهم أنهم لا يمكنهم إبطال ذلك مع قولهم بثبوت حوادث لا تتناهي كما قد ذكره.\nوابن سينا والرازي والآمدي إنما أثبتوا واجب الوجود بناءً على هذه المقدمة.\nفكان ما ذكره أبو حامد إبطالًا لطريق هؤلاء كلهم.\nوالآمدي وافق أبا حامد على ضعف الحجة في نفي النهاية عن العلل، فلا جرم لم يقرر في كلامه إثبات واجب الوجود، بل قرره في كتاب الأفكار بطريق أفسدها في كتاب رموز الكنوز وقد بينا بطلان اعتراضه في غير هذا الموضع.\nوليس فيما ذكره أبو حامد والآمدي إبطال لطريقة المعتزلة، ومن وافقهم، على أن تخصيص الحدوث بأحد الزمانين لا بد له من مخصص، فإن تلك لا تفتقر إلى أبطال التسليل في العلل والمعلولات.\nومدار كلام أبي حامد على أنه لا فرق بين نفي النهاية في الحوادث ونفيها في العلل.\nوأنتم تجوزونها في الحوادث، فجوزوها في العلل.\nوالناس لهم في هذا المقام قولان: أحدهما: قول من يبطل عدم","vol":"8","page":157},{"text":"النهاية فيهما جميعًا، مثل كثير من أهل الكلام: المعتزلة ومن وافقهم.\nثم من هؤلاء من يبطل عدم النهاية في الأزل والأبد، كقول جهم والعلاف.\nوأكثرهم يبطلونها في الأزل دون الأبد، لأن من دين المسلمين دوام نعيم الجنة لا إلى نهاية.\nولهذا قال جهم بانقطاع نعيم الجنة، وقال العلاف ببطلان حركاتهم.\nوالثاني: قول من يبطل عدم النهاية في الفاعلين والعلل دون الحوادث والآثار، كما هو قول جمهور الفلاسفة من القائلين بحدوث العالم والقائلين بقدمه، وهو قول طوائف من أهل الكلام، من المعتزلة والأشعرية وهو قول جمهور أهل الحديث وأئمة السنة.\nوما ذكره أبو حامد من الكلام على بطلان حجة من ينفي عدم النهاية، هو أنه لا يلزم أن ماصدق على الآحاد صدق على الجميع، كما قاله هؤلاء في الحوادث، بخلاف ما قاله أبو الحسين البصري، وغيره من أهل الكلام، من أنه صدق على الآحاد صدق على الجيمع، ثم سوى أبو حامد بين الأمرين.\nوقد تكلمنا في غير هذا الموضع على الفرق بين الأمرين، وهو أن الوصف إذا ثبت للجميع كثبوته للأفراد، كان حكم الجميع حكم أفراده، وإن لم يكن ثبوته للجميع كثبوته للأفراد، لم يلزم أن يكون","vol":"8","page":158},{"text":"حكمها حكمه، فالأول مثل وصفها بالوجود، أو العدم، أو الوجوب، أو الامكان، أو الامتناع، فإذا قدر أشياء لا تناهى، كل منها موجود، فالكل أيضًا موجود.\nثم أن قدر وجود كل منها مقارنًا للآخر، كان وجود الجميع مقارنًا، وإن قدر وجودها متعاقبة كان وجود الجملة متعاقبًا.\nوإذا قدرت كل منها معدومًا فالكل أيضًا معدوم، وإذا قدرت عدم كل منها مع عدم الآخر كانت معدومة معًا، وإذا قدرت عدم كل منها بعد الآخر، كانت متعاقبة في العدم.\nفالحوادث المتعاقبة التي تعدم بعد وجودها - كالحركات - وجودها متعاقب، وعدمها متعاقب.\nفالجملة أيضًا موجودة على التعاقب، معدومة على التعاقب.\nوإذا قدر أشياء لا تتناهي ممتنعة، فالجملة ممتنعة، ولو قدر أشياء لا تتناهي واجبة، فالجملة أيضًا واجبة، فكذلك إذا قدر أمور لا تتناهي، ليس لشيء منها وجود من نفسه، بل كل منها مفتقر إلى غيره، فوصف الافتقار والحاجة والإمكان يجب تناوله للجملة، كتناوله لكل من أفرادها، كما يتناول وصف الوجود والعدم، والوجوب والامتناع، للجملة بحسب تناوله للأفراد، فلا تكون الجملة إلا مفتقرة محتاجة ممكنة، لا تكون معدومة مع وجود كل منها،","vol":"8","page":159},{"text":"ولا تكون واجبة بنفسها مع إمكان كل منها، فإن اجتماعها عرض مفتقر إلى الممكنات، فهو أولى بالإمكان منها.\nولو قال قائل: فكيف تصفونها بالامتناع، مع كون كل منها ممكنًا؟ أليس في هذا وصف بالامتناع للجملة دون الأفراد؟\nقيل له: نحن لا نقدر وجود علل ومعلولات لا تتناهى في الخارج، ثم نحكم عليها بالامتناع، فإن هذا جمع بين النقيضين.\nفإن كونها موجودة في الخارج ينافي امتناعها، ولكن نقدر ذلك في الذهن، ثم نحكم على هذا المقدر في الذهن بامتناعه في الخارج، كالجمع بين النقيضين.\nوأمثاله من الممتنعات، بخلاف ما إذا قدر وجودها في الخارج، وكل منها ممكن.\nوقيل: إن الجملة واجبة بنفسها، فهذا هو الممتنع، كما ان وصفها مع ذلك بالامتناع ممتنع، وتقديرها في الذهن لا يكفي في وجود الممكنات، لأن الممكن لا يوجد إلا بما هو موجود في الخارج لا مقدر في الذهن.\nوهذا بخلاف ما إذا قدر أشياء لا تتناهي كل منها بعد الآخر، لم يلزم أن تكون الجملة بعد غيرها.\nكالحوادث المستقبلة في الجنة.\nفإن كلًا منها بعد غيره، وليست الجملة بعد غيرها، بل لا تزال","vol":"8","page":160},{"text":"إلى غير نهابة، وهذا لأن تقديرها غير متناهية يستلزم أن لا يكون بعدها شيء.\nفحينئذ إذا قيل: بعد كل واحد غيره، كان التقدير أن الجملة ليس لها بعد، ولكل واحد من أجزائها بعد.\nومعلوم أن مثل هذا حكم الجملة فيه ليس حكم الأفراد، وكذلك إذ قدر أنه لا أول للجملة، ولكل منها أول.\nوكذلك إذا قيل: إن الجملة كل، وجميع، ومجموع، أومستدير، أومربع، أو مثلث، أو حيوان، أو إنسان لم يلزم أن يكون كل من أجزائها كلًا، ولا مدورًا، ولا حيوانًا.\nولكن الذي يبين فساد مذهب هؤلاء الفلاسفة أن يقال: قد علم بصريح العقل واتفاق العقلاء امتناع التسلسل في العلل، وأما وجود حوادث لا تتناهى فلا ننازعهم فيه مطلقًا، إذ كان أئمة السنة يقولون بذلك في أفعال الرب وأقواله.\nلكن تبين خطؤهم من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>فساد مذهب الفلاسفة من وجوه</span>\n(الوجه الأول)\nأن قولهم يتضمن وجود حوادث لا تتناهى في آن واحد، وهذا محال باتفاقهم مع جماهير العقلاء، بل بتضمن وجود تمام علل","vol":"8","page":161},{"text":"ومعلولات لا تتناهي في آن واحد، ووجود ممكنات لا تتناهى في آن واحد، وهذا مما يصرحون بامتناعه، مع قيام الدليل على امتناعه، وتضمن امتناع وجود حادث، ووجود الحوادث بلا مؤثر تام، وكل هذا ممتنع.\nوذلك أن أصلهم أن المعلول يجب مقارنته لعلته التامة في الزمان، لا يتعقبها ولا يتراخى عنها، فيكون الأثر مع التأثير التام.\nوكثير من المتكلمين يقولون: يجوز أن يتراخى.\nوالصحيح قول ثالث، وهو أن يتعقبه: لا يكون معه، ولا متراخيًا عنه.\nوذلك يستلزم حدوث كل ما سوى الله تعالى.\nوأما على قولهم فيلزم أن لا يحدث شيء في الوجود، بل يكون كل ممكن قديمًا أزليًا، لوجود علته التامة في الأزل.\nويلزم أن لا يحدث شيء لامتناع حدوث الحادث بدون سبب حادث، والأول يمتنع عندهم أن يحدث عنه شيء، ويلزم أنه كلما حدث حادث حدثت حوادث لا نهاية لها، فإنهم يقولون: لا يحدث حادث حتى تحدث تمام علته.\nفيقال: وذلك التمام حادث، فيحتاج أن يحدث معه تمام علته وهلم جرًا، فيلزم وجود تمام علل ومعلولات لا تتناهى في آن واحد.\nوهذا ممتنع، كامتناع علل ومعلولات لاتتناهى في آن واحد، إذ لا فرق بين امناع التسلسل في ذات العلة وفي تمامها، إذ كانت لا تصير علة بالفعل إلا إذا كانت تامة.","vol":"8","page":162},{"text":"ولهذا قالوا: لا يحدث حادث إلا بسبب حادث، فلو حدث عن القديم لا فتقر إلى حادث، والقول في الثاني كالقول في الأول، فيلزم أن لا يحدث شيء.\nوهذا بعينه يلزمهم في كل حادث، فإنه لا يحدث حتى يحدث حادث هو تمام مؤثره، وذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث حادث معه، فيلزم أن لا يحدث شيء.\nفالمتكلمون قالوا: القادر يفعل بدون سبب حادث، فقالوا: هذا محال.\nوقالوا: تحدث الحوادث كلها بدون سبب حادث ولا فاعل محدث لها، فكان قولهم أشد بطلانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>الوجه الثاني</span>\nأن وجود حوادث لا أول لها إنما يمكن في القديم الواحد، فإذا قدر قديمان: كل منهما تقوم به حوادث لا تتناهى، كما يقولونه في الأفلاك، فهذا ممتنع.\nلأن كلًا منهما لا بداية لحركاته ولا نهاية، مع أن أحدهما أكثر من الآخر، وما كان أكثر من غيره كان ما دونه أقل منه، فيلزم أن يكون ما لا أول له ولا آخر يقبل أن يزاد عليه، ويكون شيء آخر أكثر منه، وهذا ممتنع، كما امتنع مثل ذلك في الأبعاد.\n(الوجه الثالث)\nأن قولهم يقتضي أن يكون فعل الفاعل مقارنًا له أزلًا وأبدًا، وأن يكون القديم الأزلي مفعولًا ممكنًا يقبل الوجود والعدم، وهذا مما يعلم فساده بصريح العقل واتفاق العقلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>كلام ابن رشد ردًا على الغزالي وتعليق ابن تيمية</span>\nوقد أورد ابن رشد على أبي حامد في هذا كلامًا، بعضه من باب","vol":"8","page":163},{"text":"الأسولة اللفظية وبعضه من باب الأسوله المعنوية، فقال عن الدليل الذي ذكره لهم في إثبات العلة الأول.\n(هذا كلام مقنع غير صحيح، فإن اسم العلة يقال باشتراك الاسم على العلل الأربع، أعني: الفاعل، والصورة، والهيولى، والغاية.\nوكذلك لو كان هذا جواب الفلاسفة لكان جوابًا مختلًا، فإنهم كانوا يسألون عن أي علة أرادوا بقولهم: إن العالم له علة أولى، فإن قالوا: أردنا بذلك السبب الفاعل الذي فعله لم يزل ولا يزال، مفعوله هو فعله، لكان جوابًا صحيحًا على مذهبهم، على ما قلنا غير معترض عليه.\nولو قالوا: أردنا به السبب المادي لكان قولهم معترضًا.\nوكذلك لو قالوا: أردنا به السبب الصوري لكان معترضًا أن فرضوا صورة العالم قائمة به.\nوإن قالوا: أردنا به صورة مقارنة للمادة، جرى قولهم على مذهبهم.","vol":"8","page":164},{"text":"وإن قالوا: صورة هيولانية، لم يكن المبدأ عندهم شيئًا غير جسم من الأجسام، وهذا لا يقولون به.\nوكذلك إن قالوا: هو سبب على طريق الغاية، كان جاريًا أيضا على أصولهم.\nوإذا كان هذا الكلام فيه من الاحتمال ما ترى، فكيف يصح أن يجعل جوابًا للفلاسفة؟) .\nوبسط الكلام بسطًا لا يرد على أبي حامد، فإنه قد علم أنه أراد بالعلة هنا العلة الفاعلة، لا الأقسام الثلاثة، وهم يسمون المبدأ الأول العلة الأولى، ويقولون: كل ما سواه صادر عنه، فالذي ذكره تقرير مذهبهم - كما يقولونه - على أحسن وجه، فلا حاجة إلى مؤاخذة لفظية، وهو كون لفظًا مشتركًا، فإن هذا من باب الإعنات في الخطاب، والخروج عن المقصود.\nوالاستفسار مع ظهور المقصود، نوع من اللد في الكلام، وأبغض الرجال إلى الله الألد الخصم.\nثم اعترض ابن رشد على الوجهين اللذين ذكرهما أبو حامد، فقال على الوجه الأول، وأنه يلزمهم على مساق مذهبهم أن يكون المبدع جسمًا قديمًا لا علة له، وأنهم لم يبطلوا ذلك إلا بقولهم في التوحيد ونفي الصفات، وقد أبطلة أبو حامد.","vol":"8","page":165},{"text":"قال ابن رشد: (يريد أنهم إذا لم يقدروا على نفي الصفات، كان ذلك الأول عندهم ذاتًا بصفات، وما كان على هذه الصفة فهو جسم، أو قوة في جسم، ولزمهم أن يكون الأول الذي لا علة له الأجرام السماوية) .\nقال ابن رشد: (وهذا القول لازم لمن يقول بالقول الذي حكاه عن الفلاسفة - يعني طريقة ابن سينا والفلاسفة - يعني الأوائل - لا يحتجون على وجود الأول الذي لا علة له، بمانسبة إليهم من الأحتجاج، ولا يزعمون أيضًا أنهم يعجزون عن دليل التوحيد، ولا عن دليل نفي الجسمية عن المبدأ الأول.\nوستأتي هذه المسألة فيما بعد) .\nقلت: ابن رشد لما رأى ضعف الطريقة المنسوبة إلى الفلاسفة في كتب ابن سينا، في نفي الصفات ونفي التجسيم.\nوأنها ليست طريقة","vol":"8","page":166},{"text":"أوليهم، بنى نفي الصفات ونفي التجسيم تارة على إثبات النفس، وأنها ليست بجسم، واستدل بأضعف من دليلهم، وتارة يستدل بطريقة كلامية لفظية، وهي أن المركب لا بد له من مركب، والمؤلف لا بد له من مؤلف.\nوهذا إنما يكون إذا أطلق هذا اللفظ على مسماه، باعتبار أن هناك مؤلفًا فعل التأليف، ومركبا فعل التركيب.\nومن لا يطلق هذا اللفظ بحال، أو أراد به ما فيه اجتماع، وقال: إن ذلك واجب بنفسه، لم يكن مثل هذا الكلام حجة عليه، وهذا مبسوط في موضعه.\nالمقصود تبيين ما أخذه ابن سينا عن أسلافه، وما أخذه عن المتكلمين، وكيف خلط أحدهما بالآخر.\nقال ابن رشد: (قول أبي حامد: ولكن لعلتها علة، ولعلة العلة علة، وهكذا إلى غير نهاية، إلى قوله: وكل مسلك ذكرتموه في النظر يبطل عليكم بتجويز دورات لا أول لها، شك تقدم الجواب عنه، حين قلنا: إن الفلاسفة لا تجوز عللًا ومعلولات لا نهاية","vol":"8","page":167},{"text":"لها، لأنه يؤدي إلى معلول لا علة له، ويوجبونها بالعرض من قبل علة قديمة، لكن لا إذا كانت مستقيمة ومعًا وفي مواد لا نهاية لها، بل إذا كانت دورًا) .\nقال: (وأما ما يحكيه عن ابن سينا: أنه يجوز نفوسًا لا نهاية لها، وأن ذلك إنما يمتنع فيما له وضع، فكلام غير صحيح، ولا يقول به أحد من الفلاسفة، وامتناعه يظهر من البرهان العام الذي ذكرناه عنهم، فلا يلزم الفلاسفة شيء مما ألزمهم من قبل هذا الوضع، أعني القول لوجود نفوس لا نهاية لها بالفعل.\nومن أجل هذا قال بالتناسخ من قال: إن النفوس متعددة بتعدد الأشخاص، وأنها باقية) .\nقال: (وأما قوله: وما بالهم لم يجوزوا أجسامًا بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير نهاية، وجوزوا موجودات بعضها قبل بعض بالزمان إلى غير نهاية؟ وهل هذا إلا تحكم بارد؟!.\nفإن الفرق بينهما عند الفلاسفة ظاهر جدًا، وذلك أن وضع","vol":"8","page":168},{"text":"الأجسام لا نهاية لها معًا يلزم عنه أن يوجد لما لا نهاية له كل، وأن يكون بالفعل، وذلك مستحيل، والزمان ليس بذي وضع، فليس يلزم من وجود أجسام، بعضها فوق بعض إلى غير نهاية، وجود ما لا نهاية له بالفعل، وهو الذي امتنع عندهم) .\nثم لما ذكر ابن رشد البرهان الذي حكاه أبو حامد عن الفلاسفة على استحالة علل لا نهاية لها، قال ابن رشد: (وهذا البرهان الذي حكاه عن الفلاسفة، أول نقله إلى الفلسفة ابن سينا، على أنه طريق خير من طريق القدماء، لأنه زعم أنه من جوهر الموجود، وأن طرق القوم من أعراض تابعة للمبدأ الأول، وهو طريق أخذه ابن سينا من المتكلمين، وذلك أن المتكلمين ترى أن من المعلوم بنفسه أن الموجود ينقسم إلى ممكن وضروري، ووضعوا أن الممكن يجب أن يكون له فاعل، وأن العالم بأسره لما كان ممكنًا، وجب أن يكون الفاعل له واجب الوجود وهذا هو اعتقاد المعتزلة قبل الأشعرية، وهو قول جيد ليس فيه كذب، إلا ما وضعوه فيه: من أن العالم بأسره ممكن، فإن هذا ليس معروفًا بنفسه، فأراد ابن سينا أن يعمم هذه","vol":"8","page":169},{"text":"القضية ويجعل المفهوم من الممكن ما له علة، كما ذكر أبو حامد، وإذا سومح في هذه القضية، لم تنته به القسمة إلى ما أراد، لأن قسمة الموجود أولًا إلى ما له علة، وإلى ما لا علة له، ليس معروفًا بنفسه.\nثم ما له علة ينقسم إلى ممكن وإلى ضروري، فإن فهمنا منه الممكن الحقيقي، أفضى إلى ممكن ضروري، ولم يفض إلى ضروري لا علة له، وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري، لم يلزم عن ذلك إلا أن ما له علة فله علة، وأمكن أن نضع أن تلك لها علة، وأن يمر ذلك إلى غير نهاية، فلا ينتهي الأمر إلى موجود لا عله له، وهو الذي يعنونه بواجب الوجود، إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة له: الممكن الحقيقي، فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية، وأما إن عنى بالممكن ما له علة من الأشياء الضرورية، فلم يتبين بعد ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين في الموجودات الممكنة بالحقيقة، ولا يتبين بعد أن ها هنا ضروريًا يحتاج إلى علة، فيجب عن وضع هذا أن ينتهي الأمر إلى","vol":"8","page":170},{"text":"ضروري بغير علة، إلى أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية، التي من علة ومعلول، كالأمر في الجملة الممكنة) .\nقلت: فقد ذكر ابن رشد لما ذكر البرهان الذي حكاه أبو حامد عن الفلاسفة على استحالة علل لا نهاية لها: أن هذا البرهان الذي حكاه عن الفلاسفة أول من نقله إلى الفلسفة ابن سينا على أنها طريق خير من طريق القدماء، لأنه زعم أنه من جوهر الوجود وأن طرق القوم من اعراض تابعة للمبدأ الأول.\nقال: (وهو طريق أخذه ابن سينا من المتكلمين، وذلك أن المتكلم يرى أن من المعلوم بنفسه أن الموجود ينقسم إلى ممكن وضروري، ووضعوا أن الممكن يجب أن يكون له فاعل، وأن العالم بأسره لما كان ممكنًا وجب أن يكون الفاعل له واجب الوجود هذا هو اعتقاد المعتزلة قبل الأشعرية) .\nقال: (وهو قول جيد ليس فيه كذب، إلا ما وضعوا فيه من أن العالم بأسره بممكن، فإن هذا ليس معروفًا بنفسه، فأراد ابن","vol":"8","page":171},{"text":"سينا أن يعمم هذه القضية ويجعل المفهوم من الممكن ما له علة، كما ذكره أبو حامد) .\nقلت: فقد بين أن كون الممكن يجب أن يكون له فاعل، قول جيد، إذ ان الممكن هو المحدث عند عامة العقلاء من الفلاسفة وغيرهم، والمحدث لا بد له من فاعل.\nهذا أيضا معلوم بين مسلم عند عامة العقلاء.\nوأما قوله: (ليس فيه كذب إلا ما وضعوا فيه من أن العالم بأسره ممكن، فإن هذا ليس معروفًا بنفسه.\nفأراد ابن سينا أن يعمم هذه القضية.\nويجعل المفهوم من الممكن ما له علة) .\nفإنه يقول: أولئك أرادوا بالممكن المحدث، وليس من المعروف بنفسه أن العالم كله محدث، فأراد ابن سينا أن يجعل معنى الممكن هو ما له علة، حتى يبني على ذلك أن العالم كله ممكن وله علة قديمة أزلية.\nوهذا القول الذي ذكره ابن سينا، يظن من أخذ الفلسفة من كلامه، أنه قول أرسطو وأتباعه، وليس كذلك.\nوإنما يذكر هذا عن برقلس.\nولهذا قال: الباري جواد وعلة جوده هو ذاته، فيكون جوده دائنًا.\nوهذا يوافق قول ابن سينا، ولا يوافق قول أرسطو، فإن الأول عنده لا فعل له: لا جودًا ولا غير جود، ولا إرادة، بل ولا يعلم ما سواه.\nوقول ابن رشد: (إن كون العالم بأسره ممكن ليس معروفًا بنفسه) .","vol":"8","page":172},{"text":"فيقال له: إن سلم أنه ليس معروفًا بنفسه، هو معروف بالأدلة الكثيرة الدالة على أن كل ما سوى الله ممكن: يقبل الوجود والعدم، بل إنه محدث وكل ما سواه فقير إليه، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن، وأنه ليس شيئًا موجودًا بنفسه غنيًا عما سواه، قديمًا أزليًا، إلا واحد.\nوأدلة ذلك مذكورة في مواضع، وحينئذ فيحصل بذلك المقصود.\nلكن المتكلمون من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية والكرامية ونحوهم، سلكوا في ذلك الاستدلال بأن ذلك لا يخلو عن الأعراض الحادثة، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، لامتناع حوادث لا أول لها، فلزم بذلك أن الأول لم يزل غير متكلم بمشيئته وقدرته، ولا فاعل لشيء، بل ولا كان يمكنه أن يكون متكلمًا إذا شاء، فعالًا لما يشاء، بل هذا ممتنع، فلا يكون مقدورًا، فيلزم أنه صار قادرًا بعد أن لم يكن، وفاعلًا، بل ومتكلمًا بمشيئته بعد أن لم يكن، وأن الفعل صار ممكنًا بعد أن كان ممتنعًا، من غير تجدد شيء أوجب انقلابه من الامتناع إلى الإمكان، إلى غير ذلك من اللوازم.\nكما قد بسط في موضعه.\nوالسلف والأئمة كلهم ذموا الكلام المحدث وأهله، وأخبروا أنهم يتكلمون بالجهل، ويخالفون الكتاب والسنة وإجماع السلف، مع أن كلاهم جهل وضلال.\nمخالف للعقل، كما هو مخالف للشرع، كما قد بسط في موضعه.","vol":"8","page":173},{"text":"والمقصود ذكر كلام ابن رشد على طريقة ابن سينا: قال ابن رشد: (وإذا سومح ابن سينا في هذه القضية: - وهو أن الممكن ما له علة - لم تنته به القسمة إلى ما أراد، لأن قسمة الوجود إولًا: إلى ما علة، وإلى ما لا علة له، ليس معروفًا بنفسه، ثم ما له علة ينقسم إلى ممكن وضروري) .\nقلت: أما تقسم الوجود إلى ما علة وإلى ما لا علة، فهذا تقسم دائر بين النفي والإثبات، لا يمكن المنازعة فيه، كما إذا قيل: الموجود ينقسم إلى ما قوم بنفسه، وإلى ما لا قوم بنفسه، وإلى ما هو موجود بنفسه، وما ليس موجودًا بنفسه، ونحو ذلك من التقسيمات الدائرة بين النفي والإثبات.\nفهذا تقسيم حاصر، وإذ لا واسطة بين النفي والإثبات، وهما النقيضان.\nكما أنهما لا يجتمعان فلا يرتفعان أيضًا.\nلكن دعوى ابن سينا وأتباعه المقسمون هذا التقسيم: أن ما له علة ينقسم إلى ممكن حقيقي - وهو الحادث - وإلى ضروري، هو الذي ليس بينًا بنفسه، ولم يقيموا عليه دليلًا، ولا يمكنهم إقامة دليل عليه، بل","vol":"8","page":174},{"text":"الدليل يدل على بطلانه.\nولهذا أظهر ما ذكره ابن رشد من فساد كلامهم.\nقال ابن رشد: (ثم إذا قسم ما له علة إلى ممكن وضروري، فإن فهمنا منه الممكن الحقيقي أفضى إلى ممكن ضروري، ولم يفض إلى ضروري لا علة به، وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري، لم يلزم من ذلك إلا أن ما له علة فله علة، وأمكن أن نضع أن تلك العلة لها علة، وأن يمر ذلك إلى غير نهاية.\nفلا ينتهي الامر إلى موجود لا علة له، وهو الذي يعنونه بواجب الوجود.\nإلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة له: الممكن الحقيقي، فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيه إلى غير نهاية) .\nفقد بين ابن رشد أنه إذا قسم الوجود إلى ما له علة وما ليس له علة، ثم قسم ما له علة إلى ممكن وضروري، فإذا أراد بالممكن: الممكن الحقيقي، وهو الحادث، وهو قد جعل الممكن ما له علة - أفضى ذلك إلى ما له علة، فينقسم إلى ممكن ضروري - وهو القديم - وإلى ممكن حقيقي - وهو الحادث.\nولم يكن في هذا إثبات ضروري لا علة له، وهو واجب الوجود، لأن مجرد تقسيم الوجود إلى قسمين لا يستلزم ثبوت كل من القسمين، بل لا بد من دليل بدل على ثبوتهما،","vol":"8","page":175},{"text":"وإلا فمجرد التقسيم دعوى مجردة، كما لو قيل: الوجود ينقسم إلى ماهو ثابت، وإلى ما ليس بثابت، أو ينقسم إلى قديم وحادث، وما ليس بقديم ولا حادث، أو ينقسم إلى واجب وممكن، وما ليس بواجب ولا ممكن.\nفهذا تقسيم دائر بين النفي والإثبات، لكن لا يستلزم ثبوت كل من الأقسام.\nوإذا قيل: ينقسم إلى معلول وغير معلول.\nوقيل: المعلول ينقسم إلى ممكن حقيقي - وهو الحادث وإلى ممكن باصطلاح ابن سينا - وهو المعلول - مع كونه ضروريًا، كان غايته إذ أثبت انقسام المعلول إلى ضروري وحادث: إثبات القسمين: الضروري والحادث، أو إثبات ضروري معلول، ليس في إثبات ضروري ليس بمعلول، وهو واجب الوجود بنفسه، فلم يكن فيما ذكره إثبات واجب الوجود بنفسه، فكيف وليس فيه أيضًا إثبات ضروري معلول، وإنما فيه تقسيم المعلول إلى ضروري وغير ضروري؟.\nومجرد التقسيم لا يدل على ثبوت كل من القسمين، فلم يكن فيما ذكره لا إثبات ضروري معلول ولا غير معلول، إن لم يبين أن المحدث يدل على ذلك، ولا استدل بالحدوث ألبته، وهو الممكن الحقيقي، وإنما استدل بالممكن الذي ابتدعه، وجعله يتناول القديم الضروري والمحدث ولو استدل بالمحدث لدل على إثبات قديم، وثبوت قديم لا يدل على واجب الوجود باصطلاحهم لأن القديم عندهم ينقسم إلى واجب وممكن.","vol":"8","page":176},{"text":"فإن أرادوا أن يثبتوا الواجب بنفسه، قالوا: (والقديم - الذي سموه ممكنًا - يفتقر إلى واجب بنفسه) .\nوهذا ليس بينًا، وعامة العقلاء ينازعونهم فيه، ولا يمكنهم إقامة دليل عليه.\nفهذا الذي سموه ممكنًا هو قديم أزلي ضروري الوجود، ومثل هذا لا يدل على واجب بنفسه، وهو أيضًا ليس بثابت، فلم يثبتوا هذا الممكن، ولم يثبتوا الواجب الذي يستدل عليه بهذا الممكن، فلم يثبتوا ما ادعوه من الممكن، ولا ما ادعوه من الواجب.\nقال ابن رشد: (وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري، لم يلزم من ذلك إلا أن ما له علة فله علة) .\nقلت: وذلك لأنه إذا قسم الوجود إلى ما له علة، وما لا علة له، وسمى هذا الأول ممكنًا، ثم قسم هذا الممكن إلى: الممكن الحقيقة - وهو الحادث - وإلى الضروري - وهو القديم المعلول - لم يلزم من ذلك إلا إثبات قديم معلول، وهو أن هذا الضروري الذي له علة، هو ضروري له علة.\nوهذا إذا قدر أنه أثبت هذا القسم.\nوحينئذ فيكون قد أثبت ضروريًا واجب الوجود معلولًا.\nقال: وإذا أمكن أن يكون الضروري الواجب الوجود معلولًا لعلة، أمكن أيضًا أن تكون تلك العلة، وإن كانت ضرورية واجبة","vol":"8","page":177},{"text":"الوجوب معلولة لعلة أخرى وهلم جرًا، ولم يكن على هذا التقدير معنا ما يدل على امتناع هذا التسلسل، لأن مضمونه إثبات أمور واجبتة ضرورة كل منها له علة، والجملة كلها واجبة ضرورة، مع كونها وكون كل منها معلولًا، وهو الممكن بهذا الاصطلاح المتأخر، إذا الممكن عندهم يكون ضروريًا واجب الوجود ممتنع العدم - مع كونه معلولًا لغيره.\nفلا يمتنع على هذا التقدير وجود علل ومعلولات كل منها واجب ضروري، ويسمى ممكنًا باعتبار أنه معلول، وإن كان ضروريًا واجب الوجود، لا باعتبار أنه محدث مفتقر إلى فاعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>كلام ابن رشد ردا على الغزالي وتعليق ابن تيمية</span>\nوحقيقة الأمر أنهم قدروا أمورًا متسلسلة، كل منها واجب الوجود ضروري يمتنع عدمه، وكل منها معلول، وسموه باعتبار ذلك ممكنًا، وقالوا: إنه يقبل الوجود والعدم.\nوحينئذ فلا يمكنهم إثبات افتقار واحد منها إلى علة، فضلًا عن افتقارها كلها، لأن التقدير أنها جميعها ضرورية الوجود لا تقبل العدم، ومثل هذا يعقل افتقاره إلى فاعل، ويعود الأمر إلى الممكن الذي أثبتوه، وهو الضروري الواجب الوجود القديم الأزلي: هل يفتقر إلى فاعل ومرجح يرجح وجوده على عدمه؟\nوقد عرف أنه ليس لهم على ذلك دليل، بل جميع العقلاء يقولون: إن هذا لا يفتقر إلى فاعل.\nولهذا لما بنوا إثبات واجب الوجود على إثبات هذا الممكن - كما فعله ابن سينا والرازي والآمدي وغيرهم - لم يمكنهم إقامة دليل على أن هذا الممكن - بهذا التفسير - يفتقر إلى فاعل، وورد على هذا الممكن من الأسولة ما لم يمكنهم الجواب عنه، كما قد ذكر بعض ذلك في غير هذا الموضع.","vol":"8","page":178},{"text":"وقد ذكر بعض ذلك الرازي في الأربعين ونهاية العقول والمطالب العالية والمحصل وغير ذلك من كتبه.\nوهؤلاء قسموا الوجود إلى واجب وممكن، وعنوا بالممكن ما له علة، وأدخلوا في الممكن القديم الأزلي الضروري الواجب الذي يمتنع عدمه، فيلزمهم بيان أن هذا الممكن لا بد له من واجب، فلم يثبتوا ذلك إلا بأن المحدث يفتقر إلى فاعل.\nهذا حق، لكنه يدل على إثبات قديم أزلي، لا يدل على أن القديم الأزلي ينقسم إلى واجب وممكن كما ادعوه.\nولما لم يثبتوا هذا الممكن، والواجب لا يثبت إلا بثبوته، لم يثبتوا لا واجبًا ولا ممكنًا، ولا عرف انقسام الوجود إلى واجب وممكن على اصطلاحهم، بل غايتهم ثبوت الواجب على التقديرين.\nوإن لم يثبت الممكن، فإنه إن كان الممكن ثباتًا فقد ثبت الواجب، وإن لم يكن ثابتًا فقد بقي القسم الآخر، وهو الواجب، لأنه لا واسطة بين النفي والإثبات.\nونحن قلنا: الموجود: إما أن يكون له علة، وإما أن يكون لا علة له، والمعلول لا بد له من علة، فلزم ثبوت ما لا علة له على التقديرين وهو المطلوب.\nقيل لهم: هذا لا ينفعكم لوجهين:\nاحدهما: أنكم لم تثبتوا وجودًا لا علة له، ومجرد التقسيم لا يدل عليه، بل جوزتم أن يكون موجود قديم أزلي معلول.\nوعلى هذا التقدير","vol":"8","page":179},{"text":"فيجوز وجود علل ومعلولات لا تتناهى، فلا يثبت لكم وجود لا علة له.\nالثاني: أن يقال: هذا غايته أن يدل على ثبوت وجود واجب.\nفمن قال: الوجود كله واحد، وهو واجب لا ينقسم إلى واجب وممكن، ولا قديم ومحدث، فقد وفى بموجب دليلكم، وهذا مما يبين به غاية كلام هؤلاء.\nولما كان هذا منتهى كلامهم، صار السالكون لطريقهم نوعين:\nنوعًا يقول: لم يثبت واجب الوجود لإمكان علل ومعلولات لا تتناهى، ويوردون على إبطال التسلسل ما يقولون: لا جواب عنه، كالآمدي وغيره.\nونوعًا يقول: الوجود كله واجب: قديمه ومحدثه، وليس في الوجود موجودان: أحدهما قديم، والآخر محدث، وأحدهما واجب والآخر ممكن، بل عني وجود المحدث الممكن هو عين وجود الواجب القديم، كما يقوله ابن عربي وأتباعه، كابن سبعين والقونوي.\nفيتدبر من هداه الله هذا التناقض العظيم، الذي أفضى إليه هذا الطريق الفاسد، الذي سلكه ابن سينا وأتباعه، في إثبات واجب الوجود.\nفنظارهم يعترفون بأنه لم يقم دليل على إثبات وجود واجب، بل ولا على ممكن بالمعنى الذي قدره.\nومعلوم أن هذا في غاية السفسطة، فإن انقسام الموجود إلى","vol":"8","page":180},{"text":"واجب: هو قديم أزلي، وإلى ممكن: هو محدث وجد بعد أن لم يوجد، معلوم بالضرورة بجميع العقلاء وعوامهم.\nوصوفيتهم يقولون: الوجود الواجب القديم الأزلي هو عين الوجود المحدث ليس هنا وجودان: أحدهما واجب قديم، والآخر ممكن محدث، فهؤلاء يجمعون بين النقيضين، حين يجعلون الوجود الواحد قديمًا حادثًا ممكنًا، معلولًا مفعولًا واجبًا، وغير مفعول ولا معلول.\nوأولئك لم يثبت عندهم أحد النقيضين، بل يشكون في رفع النقيضين، فلم يثبت عندهم وجود واجب، بل ولا ممكن بالمعنى الذي قرره.\nومعلوم أن الموجود مشهود، وأنه إما ممكن وإما واجب، فمن رفع النوعين أو شك في ثبوتهما، أوثبوتا أحدهما، فهو في غاية السفسطة، كما أن من لم يثبتهما، بل جعل الجميع واجبًا بنفسه قديمًا أزليًا، وأنكر وجود الحوادث، فهو في غاية السفسطة.\nوالكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر.\nوإنما المقصود هنا ذكر ما ذكره ابن رشد، فإنه مع تعظيمه للفلاسفة، وغلوه في تعظيمهم، وقوله: إنهم وقفوا على أسرار العلوم الإلهية، قد تفطن لفساد ما ذكره أفضل متأخريهم وأتباعه، وهو عند التحقيق خير مما ذكره أرسطو وأتباعه، فإذا كان هذا فسادًا فذاك بطريق الأولى.","vol":"8","page":181},{"text":"وقد تبين ما ذكره ابن رشد حيث قال: (وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري، لم يلزم عن ذلك إلا أن ما له علة، وأمكن أن نضع أن تلك لها علة، وأن نمر ذلك إلى غير نهاية، فلا ينتهي الأمر إلى موجود لا علة له، وهو الذي يعنونه بواجب الوجود، إلا أن يفهم من الممكن، الذي وضعه بإزاء ما لا علة له، الممكن الحقيقي، فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية) .\nقال ابن رشد: إنه إذا أريد بالممكن ما يعقل العقلاء أنه ممكن، وهو المحدث بعد أن لم يكن، الذي يكون أن يكون موجودًا تارة ومعدومًا تارة أخرى، فإن هذا هو الممكن الحقيقي، فإذا أريد بالممكن هذا، وقيل: الوجود ينقسم إلى ممكن وغير ممكن، والممكن ما له علة، وهو الممكن الحقيقي وهو الحادث، كان حقيقة الكلام: أنه ينقسم إلى قديم وحادث، كما قاله المتكلمون.\nوحينئذ فهذه الممكنات - التي هي المحدثات - هي التي يستحيل فيها وجود علل لا تتناهى، فإن المحدث يعلم بالضرورة أنه لا بد له من محدث، فإذا قدرنا وجود ما لاينتاهى من المحدثات، كان كل منها لا بد له من محدث، وكان مجموع المحدثات أعظم افتقارًا إلى محدث، فإنه كلما كثرت المحدثات كان افتقارها إلى محدث لها أعظم من افتقر واحد","vol":"8","page":182},{"text":"منها، وتسلسل المحدثات إذا قدر إلى ما لايتناهى لا يخرجها عن كونها جميعها محدثة، وأن جيمعها مفتقر إلى محدث خارج عنها، والمحدث الخارج عن جميع المحدثات لا يكون إلا قديمًا.\nوعلى هذا التقدير فليس فيها معلول قديم أزلي، ولا معلول ضروري، كما قدره أولئك، حيث قدروا عللًا ومعلولات لا تتناهى، كل منها محدث وكل منها ممكن، مع أن الممكن قد يكون ضروريًا ممتنع العدم واجب الوجود، فكانوا محتاجين إلى بيان أن الضروري الوجود القديم الأزلي يكون معلولًا، حتى يكون المجموع من ذلك معلولًا، وهذا ممتنع عليهم، حيث جمعوا بين النقيضين.\nقال ابن رشد: (وأما إن عنى بالممكن ما له علته من الأشياء الضرورية فلم يتبين بعد أن ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين من الموجودات الممكنة بالحقيقة، ولا تبين بعد أن ها هنا ضروريًا يحتاج إلى علة، فيجب عن وضع هذا أن ينتهي الأمر إلى ضروري بغير علة، إلى تبين أن الأمر في الجملة الضرورية - التي من علة معلول - كالأمر في الجملة الممكنة) .\nقلت: فابن رشد ذكر أولًا أن الممكن، إن فهمنا منه: الممكن","vol":"8","page":183},{"text":"الحقيقي وهو المحدث، فقد تبين فساد كلامهم على هذا التقدير.\nوإن عني بالممكن ما له علة من الأشياء الضرورية - كما يقوله ابن سينا وأتباعه: إن الأفلاك ضرورية واجبة الوجود، يمتنع عدمها أزلًا وأبدًا، ويقول مع ذلك: إنها ممكنة، يمعنى أنها معلولة - قال ابن رشد: فلا يمكن إثبات واجب الوجود على هذا التقدير، كما لا يمكنهم إثباته بطريقتهم على التقدير الأول.\nوذلك أن مقدمة الدليل لا بد أن تكون معلولة قبل النتيجة، فيستدل على ما لا يعلم بما يعلم، ويستدل بالبين على الخفي.\nوحينئذ فما ذكروه فاسد من وجهين: أحدهما: أنه لم يتبين بعد أنه يستحيل وجود التسلسل في هذه الممكنات بالوجه الذي تبين في الممكنات الحقيقية.\nوهي المحدثات.\nودليلهم في إثبات واجب الوجود موقوف على إبطال التسلسل، وإبطال التسلسل إنما يمكن في المحدثات، لا في الأمور الضرورية التي لا تقبل العدم، إذا قدر تسلسلها.\nالوجه الثاني: قال: (ولا تبين بعد أن ها هنا ضروريًا يحتاج إلى علة، فيجب عن وضع هذا، إي عن تقدير هذا، أن ينتهي الأمر إلى ضروري بغير علة، إلى أن تبين أن الأمر في الجملة الضرورية، التي من علة ومعلول، كالأمر في الجملة الممكنة) .\nومعنى كلامه: أن مقدمة الدليل يجب أن تكون معلومة قبل النتيجة، فإذا كانوا يثبتون واجب الوجود بما جعلوه ممكنًا، وإن كان","vol":"8","page":184},{"text":"ضروريًا واجب الوجود، لكنه واجب بغيره، فيجب أولًا أن يثبتوا أن هاهنا ضروريًا يحتاج إلى علة، وهو الواجب بغيره، الذي قالوا: إنه واجب أزلًا وأبدًا ضروري الوجود، لكنه واجب بغيره لا بنفسه، فلهذا سموه ممكنًا.\nقال: (ولم يبين بعد أن ها هنا ضروريًا يحتاج إلى علة، حتى يلزم عن تقدير ذلك أن يكون هنا ضروريًا بغير علة، وهو الواجب بنفسه، ولو بين هذا أولًا كان يحتاج بعد ذلك أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية، التي من علة ومعلول، كالأمر في الجملة الممكنة) .\nيقول: تبين أولًا أنه يمكن أن يكون ضروري الوجود واجب الوجود أزلًا وأبدًا، وهو مع ذلك معلول غيره.\nلقيل: هذا يدل على ضروري آخر يكون واجب الوجود ويكون علة له، وحينئذ فنحتاج أن نقول: إنه يمتنع وجود علل ومعلولات، كل منها ضروري واجب الوجود قديم يمتنع عدمه أزلًا وأبدًا، فيكون التسلسل فيها باطلًا، كما كان التسلسل باطلًا في الممكن الحقيقي، وهو المحدث.\nفإنه قد علم بالعقل واتفاق العقلاء أنه يمتنع وجود محدثات متسلسة، كل منها محدث الآخر، ليس فيها قديم، فلو ثبت إمكان معلول قديم أزلي، لوجب بعد هذا أن ينظر في امتناع التسلسل، وقد تقدم أن التسلسل في ذلك على هذا التقدير لا يمكن إقامة الدليل على امتناعه، فيكيف إذا لم يثبت الأصل الذي بنوا عليه كلامهم؟","vol":"8","page":185},{"text":"وهذا الأصل الذي بنوا عليه كلامهم - وهو أن الممكن قد يكون قديمًا أزليًا ضروريًا واجبًا بغيره، وأن الواجب الضروري القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه أزلًا وأبدًا، ينقسم إلى واجب بنفسه وإلى ممكن بنفسه واجب بغيره - هو مما ابتدعه ابن سينا، وخالف فيه عامة العقلاء من سلفه ومن غيره سلفه.\nوقد صرح أرسطو وسائر الفلاسفة أن الممكن، الذي يمكن وجوده وعدمه، لا يكون إلامحدثًا، وأن الدائم القديم الأزلي لايكون إلا ضروريًا، لا يكون محدثًا.\nوابن سينا وأتباعه وافقوهم على ذلك، كما ذكروا ذلك في المنطق في غير موضع، كما قد ذكرت ألفاظه وألفاظ غيره في غير هذا الموضع، من كتابه المسمى بالشفاء وغيره.\nلكن ابن سينا وأتباعه تناقضوا بسبب أنهم لما وجدوا المتكلمين قد قسموا الموجود إلى واجب وممكن، والممكن عندهم هو الحادث، سلكوا سبيلهم في هذا التقسيم، وأدخلوا في الممكن ما هو قديم أزلي، ونسوا ما ذكروه في غير هذا الموضع: من أن الممكن لا يكون إلا محدثًا.\nوكان ما ذكره هؤلاء، وسائر العقلاء، دليلًا على أن ما سوى الله تعالى محدث كائن بعد أن لم يكن، لما ثبت أنه ليس واجب الوجود موجودًا بنفسه إلى الله وحده، وأن كان ما سواه مفتقر إليه.\nوكان ما ذكره أرسطو وسائر العقلاء مبطلًا لما ذكره ابن سينا وأتباعه في الممكن وتناقضوا فيه، وكان ما ذكره ابن سينا وأتباعه من العقلاء في الواجب بنفسه مبطلًا لما ذكره أرسطو وأتباعه، وابن رشد أيضًا،","vol":"8","page":186},{"text":"من أن الفلك ضروري الوجود واجب الوجود لا يقبل العدم، فإنه محتاج إلى غيره، وهم يسلمون أنه محتاج إلى الأول، لأنه لا قوام له إلا بحركته، ولا قوام لحركته إلا بالأول، فكان لا وجود له إلا بالأول، فامتنع أن يكون وجوده بنفسه، بل كان معلولًا بغيره، وما كان معلولًا بغيره لم بكن موجودًا بنفسه، بل كان ذلك الأول علة في وجوده، وما كان له علة في وجوده ثابتة عنه، علم بصريح العقل أنه ليس موجودًا بنفسه، فلا يكون واجبًا بنفسه، وما لم يكن واجبًا بنفسه كان ممكنًا، وكان محدثًا، كما قد بسط في مواضع.\nإذا المقصود هنا ذكر كلام ابن رشد، وابن رشد يقول: إن لفظ الممكن في اصطلاح الفلاسفة ليس هو لفظ الممكن في اصطلاح ابن سينا وأتباعه، وما كان أزليًا واجبًا بغيره دائمًا - بحيث لا يقبل العدم - لا يسمى ممكنًا، بل الممكن ما كان معدومًا يقبل الوجود، وأما ما لم يزل واجبًا يغره فليس هو بممكن.\nوقد ذكر هذا في غير موضع من كتابه، وذكر أن ما ذكره ابن سينا خروج عن طريقة الفلاسفة القدماء، وأن طريقه التي أثبت به","vol":"8","page":187},{"text":"واجب الوجود، بناءً على هذا الأصل، إنما هو إقناعي لا برهاني، كقوله في الكلام في مسألة الواحد لا يصدر عنه إلا واحد.\n(وما وضع في هذا القول من أن كل معلول فهو ممكن الوجود، فإن هذا إنما هو صادق في المعلول المركب، وليس يمكن أن يوجد شيء مركب وهو أزلي، فكل ممكن الوجود عند الفلاسفة فهو محدث) .\nقال: (وهذا شيء قد صرح به أرسطاطاليس في غير ما موضع من كتبه) .\nقال: (وأما هذا الذي يسميه ابن سينا ممكن الوجود، فهذا والممكن الوجود مقول باشتراك الاسم وكذلك ليس كونه محتاج إلى الفاعل ظاهرًا من الجهة التي منها تظهر حاجة الممكن) .","vol":"8","page":188},{"text":"قلت: وهذا الذي حكاه عنهم: من أن الممكن عندهم لا يكون إلا محدثًا مركبًا قد ذكره في غير موضع، وذكر عنهم أن الأفلاك عندهم ليست مركبة من المادة والصورة، كالأجسام العنصرية والمولدات، وأن القول بأن كل جسم مركب من المادة والصورة إنما هو قول ابن سينا دون القدماء، وكذلك ذكر عنهم أن القول بأن الأول صدر عنه عقل، ثم عن العقل عقل ونفس وفلك، وهلم جرًا إلى العقل الفعال ليس هو قول القدماء، بل هو قول ابن سينا وأمثاله.\nوكذلك ذكر فيما ذكره ابن سينا وأتباعه في الوحي والمنامات: أن سببها كون النفس الفلكية عالمة بحوادث العالم، فإذا اتصلت بها نفوس البشر فاض عليها العلم منها، ذكر أنه ليس قول القدماء، بل هو قول ابن سينا وأمثاله، وهو مع هذا فالذي يذكر عن القدماء وطرقهم، هو أضعف من قول ابن سينا بكثير.\nوعامة ما يذكر في واجب الوجود أن يكون شرطًا في وجود غيره، وأما كونه علة تامة لغيره وربًا ومبدعًا، كما يقوله ابن سينا وأمثاله، فهذا لا يوجد تقريره فيما ذكره عن الأوائل، فإذا كانت طريقة ابن سينا يلزمها أن تكون الحوادث حدثت بغير محدث، فطريقة أولئك تستلزم أن تكون","vol":"8","page":189},{"text":"الممكنات وجدت بغير واجب، أو أن يكون كل من الواجبين بأنفسهما لا يتم وجوده إلا بالآخر، إلى غير ذلك مما في كلامهم من الفساد.\nوالمقصود هنا أن نبين أن خيار ما يوجد في كلام ابن سينا فإنما تلقاه عن مبتدعة متكلمة أهل الاسلام، مع ما فيهم من البدعة والتقصير.\nولما أورد عليهم الغزالي في قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد.\nوعدة أدلة بين بها فساد قولهم، قال ابن رشد: (إذا اعتقدت الفلاسفة أن في المعلول الأول كثرة، لزمهم ضرورة أن يقال لهم: من أين كان في المعلول الأول كثرة؟ وكما يقولون: إن الواحد لا يصدر عنه كثير، كذلك يلزمهم أن الكثير لا يصدر عن الواحد، فقولهم: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، يناقض قولهم: إن الذي صدر عن الواحد الأول شيء فيه كثرة، إلا أن يقولوا: إن","vol":"8","page":190},{"text":"الكثرة في المعلول الأول كل واحد منها أول، فيلزمهم أن تكون الأوائل كثيرة) .\nقال: (والعجب كل العجب كيف خفي هذا على أبي نصر وابن سينا؟ لأنهما أول من قال هذه الخرافات، فقلدهما الناس، ونسبوا هذا القول إلى الفلاسفة، لأنهم إذا قالوا: إن الكثرة التي في المبدأ الثاني إنما الثاني إنما هي مما يعقل من ذاته ومما يعقل من غيره، لزم عندهم أن تكون ذاته ذات طبيعتين: أعني صورتين.\nفليت شعري أيتهما الصادرة عن المبدأ الأول، وأيتهما التي ليست الصادرة؟) .\nقال: وكذلك إذا قالوا فيه: إنه ممكن من ذاته واجب من غيره، لأن الطبيعة الممكنة يلزم ضرورة أن تكون غير الطبيعة الواجبة التي استفادها من واجب الوجود، فإن الطبيعة الممكنة ليس يمكن أن تعود","vol":"8","page":191},{"text":"واجبة، إلا لو أمكن أن تنقلب طبيعة الممكن ضروريًا، وكذلك ليس في الطبائع الضرورة إمكان أصلًا، كانت الضرورة بذاتها أو بغيرها) .\nقال: (وهذه كلها خرافات وأقاويل أضعف من أقاويل المتكلمين، وهي كلها أمور دخيلة في الفلسفة، ليست جارية على أصولهم، وكلها أقاويل ليست تبلغ مرتبة الإقناع الخطبي، فضلًا عن الجدلي ولذلك يحق ما يقول أبو حامد في غير موضع من كتبه: إن علومهم الإلهية ظنية) .\nوقال أيضًا لما أراد أن يقرر قول أرسطو: إن كل حادث فهو مسبوق بإمكان العدم، والإمكان لا بد له من محل، وقد رد ذلك أبو حامد بأن الإمكان الذي ذكروه يرجع إلى قضاء العقل، فكل","vol":"8","page":192},{"text":"ما قدر العقل وجوده فلم يمتنع تقديره، سميناه واجبًا، فهذه قضايا عقلية لا تحتاج إلى موجود حتى نجعل وصفًا له، لأن الإمكان كالامتناع، وليس للامتناع محل في الخارج، ولأن السواد والبياض يقضي العقل فيهما قبل وجودهما بكونهما ممكنين.\nفقال ابن رشد: (هذه مغلطة، فإن الممكن يقال على القابل وعلى المقبول، والذي يقال على الموضوع القابل يقابله الممتنع، والذي يقال على المقبول بقابله الضروري، والذي يتصف بالإمكان الذي يقاله الممتنع، ليس هو الذي يخرج من الإمكان إلى الفعل، من جهة ما يخرج إلى الفعل، لأنه إذا خرج ارتفع عنه الإمكان، وإنما يتصف بالإمكان من جهة ما هو بالقوة، والحامل لهذا الإمكان هو الموضوع الذي ينتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، وذلك بين من حد الممكن، فإن الممكن هو المعدوم الذي يتهيأ أن يوجد وأن لا يوجد،","vol":"8","page":193},{"text":"وهذا المعدوم الممكن ليس هو ممكنًا من جهة ما هو معلوم، ولامن جهة ما هو موجود بالفعل، وإنما هو ممكن من جهة ما هو بالقوة.\nولذلك قالت المعتزلة: إن المعدوم ذات ما، وذلك أن العدم يضاد الوجود، وكل واحد منهما يخلف صاحبه، فإذا ارتفع عدم شيء ما خلفه وجوده، وإذا ارتفع وجوده خلفه عدمه.\nولما كان نفس العدم ليس يمكن فيه أن ينقلب وجودًا، ولا نفس الوجود أن ينقلب عدمًا، وجب أن يكون القابل لهما شيئًا ثالثًا غيرهما، وهو الذي يتصف بالإمكان والتكون والانتقال من صفة العدم إلى صفة الوجود، فإن العدم لا يتصف بالتكون والتغير، ولا الشيء الكائن بالفعل يتصف أيضًا) وبسط الكلام في هذا.\nوقال أيضًا في دليلهم المشهور على قدم العالم، وهو قولهم: (يستحيل صدور حادث من قديم مطلق، لأنا إذا فرضنا القديم ولم","vol":"8","page":194},{"text":"يصدر منه العالم مثلًا، فإنما لم يصدر لأنه لم يكن للوجود مرجح، بل كان وجود العالم ممكنًا عنه إمكانًا صرفًا، فإذا حدث لم يخل: إما أن يتجدد مرجح أو لا يتجدد، فإن لم يتجدد مرجح بقي العالم على الإمكان الصرف كما كان قبل ذلك، فإن تجدد مرجح انتقل الكلام إلى ذلك المرجح: لم رجح الآن ولم يرجح قبل؟ فإما أن يمر إلى غير نهاية، أو ينتهي الأمر فيها إلى مرجح لم يزل مرجحًا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>كلام ابن رشد ردا على الغزالي وتعليق ابن تيمية</span>\nقال ابن رشد: (هذا القول هو قول في أعلى مراتب الجدل، وليس هو واصلًا موصل البراهين، لأن مقدماته هي عامة، والعامة قريبة من المشتركة، ومقدمات البراهين هي من الأمور الجوهرية المناسة، وذلك أن الممكن يقال اشتراك على الممكن الأكثري، الممكن الأقلي، والذي على التساوي، وليس ظهور الحاجة فيها إلى مرجح على التساوي، وذلك أن الممكن الأكثري قد يظن به أن يترجح من ذاته، لا من مرجح خارج عنه، بخلاف الممكن على التساوي.","vol":"8","page":195},{"text":"والإمكان أيضًا منه ما هو من الفاعل، وهو إمكان الفعل، ومنه ما هو من المنفعل، وهو إمكان القبول، وليس ظهور الحاجة فيهما إلى المرجح على السواء.\nوذلك أن الإمكان الذي في المنفعل مشهور حاجته إلى المرجح من خارج، لأنه يدرك حسًا في الأمور الصناعية وكثير من الأمور الطبيعية، وقد يلحق فيه شك في الأمور الطبيعية، لأن أكثر الأمور الطبيعة مبدأ تغيرها منها، ولذلك يظن في كثير منها أن المحرك هو المتحرك هو المتحرك، وأنه ليس معروفًا بنفسه: أن كل متحرك فله محرك، وأنه ليس ها هنا شيء يحرك ذاته.\nفإن هذا كله يحتاج إلي بيان، فلذلك فحص عنه القدماء.\nوإما الإمكان الذي في الفاعل، فقد يظن في كثير منها أنه لا يحتاج في خروجه إلى الفعل إلى مرجح من خارج، لأن انتقال الفاعل من أن لا يفعل إلى أن يفعل، قد يظن بكثير منه أنه ليس تغيرًا يحتاج إلى مغير، مثل انتقال المهندس من أن لا يهندس إلى أن يهندس، وانتقال المعلم من أن لا يعلم إلى أن يعلم) .","vol":"8","page":196},{"text":"قال: (والتغير أيضًا الذي يقال إنه يحتاج إلى مغير: منها ما هو في الجوهر، ومنه ما هو في الكيف، ومنه ما هو في الكم، ومنه ما هو في الأين.\nوالقديم أيضًا: يقال على ما هو قديم بذاته، وقديم بغيره عند كثير من الناس، والتغيرات منها ما يجوز عند قوم على القديم، مثل جواز كون الإرادة الحادثة على القديم عند الكرامية، وجواز الكون والفساد على المادة الأول عند القدماء وهي قديمة.\nوكذلك المعقولات: على العقل الذي بالقوة، ووهو قديم عند أكثرهم ومنها ما لا يجوز، وبخاصة عند بعض القدماء دون بعض) .\nقال: (وكذلك الفاعل أيضًا: منه ما يفعل بإرادة، ومنه ما يفعل بطبيعة.\nوليس الأمر في كيفية صدور الفعل الممكن الصدور عنهما واحدًا: أعني في الحاجة إلى المرجح، وهل هذه القسمة في الفاعل حاصرة أويؤدي البرهان إلى فاعل لايشبه الفاعلين بالطبيعة، ولا الذي بالإرادة التي في الشاهد)؟","vol":"8","page":197},{"text":"قال: (وهذه كلها مسائل كثيرة عظيمة يحتاج كل واحد منها إلى أن يفرد بالفحص عنها وعما قاله القدماء فيها.\nوأخذ المسألة الواحدة بدل المسائل الكثيرة هو موضع مشهور من مواضع السفسطائيين، والغلط في واحد من هذه المبادي، هو سبب لغلط عظيم آخر في الفحص عن الموجودات) .\nقلت: المقصود هنا أن بين اختلاف اصطلاحهم في مسمى الممكن، وأن الطريفة المشهورة عند المتأخرين في الفلسفة هي الطريفة المضافة إلى أفضل متأخريهم ابن سينا، والفارابي قبله.\nوهذا ابن رشد، مع عنايته التامة بكتب أرسطو والقدماء، واختصاره لكلامهم، وعنايته بالانتصار لهم والذب عنهم، يذكر أن كثيرًا من ذلك إنما هو من قول هؤلاء المتأخرين، ليس هو من قول قدمائهم.\nولما ذكر عن ابن سينا أنه استعمل لفظ الممكن في أعم مما هو عند الفلاسفة قال: إنه جعل المفهوم من لفظ الممكن ما له علة.","vol":"8","page":198},{"text":"قال: وحينئذ فقول القائل: إن الموجود ينقسم إلى ما له علة، وإلى ما لا علة له، يحتاج إلى دليل.\nقال: ثم ما له علة ينقسم إلى ممكن وضروري.\nفالضروري هو الذي لا يمكن عدمه، بل هو واجب دائمًا بعلته، والممكن الحقيقي ما كان يمكن وجوده وعدمه، وهو ما كان معدومًا.\nوحينئذ فالممكن الحقيقي لا يكون إلا حادثًا، وذلك يستلزم وجود واجب وهو الضروري، ولكن لا يستلزم أنه لا علة له إلا بدليل منفصل.\nقال: وإذا جعلنا الممكن ما له علة، كان التقدير: أن ما له علة فله علة، ويمكن حينئذ تقدير ممكنات لا تنتهي.\nفلا ينتهي الأمر إلى موجود لا علة له، وهو المسمى عندهم بواجب الوجود، إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة له: الممكن الحقيقي، فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية، وأما إن عنى بالممكن ما له علة من الأشياء الضرورية، فلم يتبين بعد أن ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين في الموجودات الممكنة بالحقيقة، ولا تبين بعد أن ها هنا ضروريًا يحتاج إلى علة، حتى يقال: إنه لا بد أن ينتهي","vol":"8","page":199},{"text":"الأمر إلى ضروري بغير علة، إلى أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية، التي من علة ومعلول، كالأمر في الجملة، الممكنة.\nقلت: ولفظ الممكن إذا قيل فيه يمكن أن يوجد ويمكن لا يوجد، فهذا لا يكون إلا إذا كان معدومًا.\nكما ذكر ابن رشد أنه اصطلاح الفلاسفة، فإما كل ما يمتنع عدمه، فليس بممكن بهذا الاعتبار أن يكون ممكن الوجود والعدم.\nبل هذا واجب الوجود، سواء قيل: إنه واجب بنفسه.\nأو واجب بغيره، وإذا كان من هذا ما هو واجب بغيره أزلًا وأبدًا، فكونه ممكنًا يفتقر إلى دليل.\nفتقسيم الموجود إلى واجب وممكن، بهذا الاعتبار، لا بد له من دليل، كما ذكر ابن رشد.\nبخلاف المعدوم الذي يمكن وجوده، فهذا يعلم أنه ممكن.\nولهذا كان ابن سينا ومن سلك طريقته محتاجين إلى إثبات كون الأفلاك ممكنة بنفسها، لا واجبة بنفسها.\nوهذا وإن كان حقًا، لكن دليلهم عليه في غاية الضعف، فإنه مبين على أن كل جسم ممكن، ودليلهم عليه ضعيف جدًا، كما قد بين في غير هذا الموضع، وقد بين ضعفه أبو حامد، ووافقه ابن رشد مع عنايته بالرد عليه على ضعف هذه الطريق.\nوالتحقيق أن هذا يسوغ تسميته ممكنًا في اللغة، باعتبار أنه بنفسه لا","vol":"8","page":200},{"text":"يوجد.\nلكن ما كان كذلك لا يكون إلا محدثًا، فيسمى ممكنًا باعتبار، ويسمى محدثًا باعتبار، والإمكان والحدوث متلازمان، وأما تسمية ما هو قديم أزلي يمتنع عدمه ممكنًا يمكن وجوده وعدمه، فهذا لا يعرف في عقل ولا لغة.\nوإن قدر أنه حق فالنزاع هنا لفظي.\nلكن إذا عرفت الاصطلاحات زالت إشكالات كثيرة تولدت من الإجمال الذي في لفظ الممكن، كما قد بسط في غير هذا الموضع.\nواختلاف الاصطلاح في لفظ الممكن هنا غير اختلاف الاصطلاح في الممكن العام الذي هو قسيم الممتنع.\nوالممكن الخاص الذي هو قسيم الواجب الممتنع، بل نفس الممكن الخاص على هذا الاصطلاح المذكور عن القدماء إنما هو في المحدث الذي يمكن وجوده وعدمه.\nوأما ما يقدر واجبًا بغيره دائمًا، فذاك لا يسمى ممكنًا بهذا الاصطلاح.\nوأما على اصطلاح ابن سينا وأتباعه، وهو كون الممكن ما له علة.\nقال ابن رشد: فما له علة ينقسم إلى ممكن وضروري.\nفالضروري هو الذي لا يمكن عدمه، بل هو واجب دائمًا بعلة، وهذا مما يقوله الفلاسفة في الأفلاك والممكن الحقيقة هو الحادث.","vol":"8","page":201},{"text":"قال: وذلك يسلتزم وجود واجب وهو ضروري، ولكن لا يستلزم أنه لا علة له إلا بدليل منفصل.\nوهذا الذي قاله ابن رشد بناء على أن افتقار المحدث إلى المحدث أمر ضروري، كما هو قول الجمهور.\nفإذا كان المراد بالممكن الحقيقي هو الحادث، فلا بد له من فاعل ليس بحادث، وهو الضروري في اصطلح عامة العقلاء، فإن كل قديم هو ضروري عند عامة العقلاء، وكل ممكن الإمكان الخاص هو محدث عندهم، ثم بعد هذا كونه لا علة له.\nوالعلم بامتناع التسلسل في مثل هذا: بأن يكون للمحدث محدث إلى غير نهاية، ممتنع عند جميع العقلاء.\nوقد بين ذلك في موضعه.\nوأما كون الممكن، الذي هو قديم أزلي ضروري الوجود، هو معلول لغيره، فهذا ليس يبين أيضًا امتناع التسلسل فيه على هذا التقدير كما تقدم، وعلى هذا التقدير فيمكن تقرير ما ذكره الغزالي من أن ما قالوه في امتناع التسلسل باطل على أصولهم، فإن كل ممكن إذا قدر أنه معلول، مع كونه واجبًا قديمًا أزليًا، فالقول في علته كقول فيه، فإذا قدر علل ومعلولات، كل منها واجب قديم أزلي لا نهاية لها، لم يظهر امتناع هذا على هذا التقدير، ولم يظهر افتقار مجموعها إلى واجب خارج عنها، إذ كان كل منها واجب له علة.\nفإذا قيل: المجموع لا علة له، لم يظهر امتناع ذلك، كما يظهر امتناعه في المحدثات، ولكن كونه له","vol":"8","page":202},{"text":"علة أو لا علة له يفتقر إلى دليل آخر.\nوقد تكلم ابن رشد على القول المنسوب إلى الفلاسفة في كتب ابن سينا في صدرو العالم عن الله، وأنه صدر عن عقل، ثم عن العقل عقل ونفس وفلك، إلى العقل العاشر، كما هو معرف من مذهبهم وتقريره.\nقال ابن رشد لما حكاه أبو حامد عنهم: (وهذا كله تخرص على الفلاسفة من ابن سينا وأبي نصر وغيرهما، ومذهب القوم القديم هو أنه ها هنا مبادىء هي الأجرام السماوية، ومبادىء الموجودات السماوية، موجودات مفارقة للمواد، هي المحركة للأجرام السماوية، والأجرام السماوية تتحرك إليها على جهة الطاعة لها، والمحبة فيها، والامتثال لأمرها إياها بالحركة والفهم عنها، وأنها إنما خلقت من أجل الحركة.\nوذلك أنه لما صح أن المبادىء التي تحرك الأجسام السماوية هي","vol":"8","page":203},{"text":"مفارقة للمواد، وأنها ليست بأجسام، لم يبق وجه به تحرك الأجسام، ما هذا شأنه إلا من جهة أن المحرك أمر بالحركة، ولذلك لزم عندهم أن تكون الأجسام السماوية حية ناطقة تعقل ذواتها وتعقل مباديها المحركة لها على جهة الأمر لها، ولما تقرر أنه لا فرق بين العلم والمعلول، إلا أن المعلوم في مادة، والعلم ليس في مادة، وذلك في كتاب النفس فإذا وجدت موجودات ليست في مادة، وجب أن يكون جوهرها علمًا، أو عقلًا، أو كيف شئت أن تسميها، وصح عندهم أن هذه المبادىء مفارقة للمواد، من قبل أنها التي أفادت الأجرام السماوية الحركة الدائمة، التي لا يلحقها فيها كلال ولا تعب، وإن كل ما يفيد حركة دائمة بهذه الصفة فإنه ليس جسمًا ولا قوة في جسم، وأن الجسم السماوي إنما استفاد البقاء من قبل المفارقات، وصح عندهم أن هذه المبادىء المفارقة وجودها","vol":"8","page":204},{"text":"مرتبط بمبدأ أول فيها، ولولا ذلك لم يكن هنا نظام موجود، وأقاويلهم مسطورة في ذلك.\nفينبغي لمن أراد معرفة الحق أن يقف عليها من عنده.\nوما يظهر أيضًا من كون جميع الأفلاك تتحرك الحركة اليومية، مع أنها تتحرك بها الحركات التي تخصها، مما صح عندهم أن الآمر بهذه الحركة هو المبدأ الأول، وهو الله ﷾، وأنه أمر ساير المبادىء أن تأمر ساير الأفلاك بساير الحركات، وأن بهذا الأمر قامت السماوات والأرض، كما أن بأمر الملك الأول في المدينة قامت جميع الأوامر الصادرة ممن جعل الملك له ولاية أمر من الأمور من المدينة إلى جميع من فيها من أصناف الناس.\nكما قال سبحانه: ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾، وهذا التكليف والطاعة هي الأصل في التكليف والطاعة التي وجبت على الإنسان لكونه حيوانًا ناطقًا) .\nقال: (وأما ما حكاه ابن سينا من صدور هذه المبادىء بعضها","vol":"8","page":205},{"text":"عن بعض، فهو شيء لا يعرفه القوم، وإنما الذي عندهم أن لها من المبدأ الأول مقامات معلومة، لا يتم لها وجود إلا بذلك المقام منه، كما قال تعالى: ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾، وأن الارتباط الذي بينها هو الذي يوجب كونها معلولة بعضها عن بعض، وجميعها عن المبدأ الأول، وأنه ليس يفهم من الفاعل المفعول، والخالق والمخلوق، في ذلك الوجود، إلا هذا المعنى فقط، وما قلناه من ارتباط وجود كل موجود بالواحد، وذلك خلاف ما يفهم ها هنا من الفاعل والمفعول، والصانع والمصنوع.\nفلو تخيلت آمرًا له مأمورون كثيرون، وأولئك المأمورون لهم مأمورون أخر، ولا وجود للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة الآمر، ولا وجود لم دون المأمورين إلا بالمأمورين، لوجب أن يكون الآمر الأول هو الذي أعطى جميع الموجودات المعنى الذي صار به صارت موجودة، وأنه إن كان شيء وجوده في أنه مأمور، فلا وجود له إلا من قبل الآمر الأول، وهذا المعنى هو الذي ترى الفلاسفة أنه عبرت عنه الشرائع بالخلق والاختراع والتكليف) .","vol":"8","page":206},{"text":"قال: (فهذا هو أقرب تعليم يمكن أن يفهم به مذهب هؤلاء القوم، من غير أن يلحق ذلك الشنعة التي تلحق من سمع مذاهب القوم، على التفصيل الذي ذكره أبو حامد ها هنا) .\nيعني ما ذكره ابن سينا.\nقال: (وهذا كله يزعمون أنه قد بين في كتبهم، فمن أمكن أن ينظر في كتبهم على الشروط التي ذكروها، فهو الذي يقف على صحة ما يدعون أو ضده) .\nقال: (وليس يفهم من مذهب أرسطاطاليس غير هذا، ولا من مذهب أفلاطون وهو منتهى ما وقفت عليه العقول الإنسانية.\nوقد يمكن الإنسان أن يقف على هذه المعاني من أقاويل عرض لها إن كانت مشهورة، مع أنها معقولة، وذلك أن ما شأنه هذا الشأن من التعليم، فهو لذيذ محبوب عند الجيمع) .\nقال: (وأحد المقامات التي يظهر منها هذا المعنى، هو أن","vol":"8","page":207},{"text":"الإنسان إذا تأمل ما ها هنا، ظهر له أن الأشياء التي تسمى حية عالمة، هي الأشياء المتحركة من ذاتها بحركات محدودة، بجواهر وأفعال محدودة تتولد عنها أفعال محدودة.\nولذلك قال المتكلمون: إن كل فعل فإنما يصدر عن حي عالم، فإذا حصل له هذا الأصل، وهو أن كل ما يتحرك حركات محدودة يلزم عنها أفعال محدودة منتظمة، فهو حيوان عالم.\nوأضاف إلى ذلك ما هو مشاهد بالحس، وهو أن السماوات تتحرك من ذاتها حركات محدودة، يلزم عند ذلك في الموجودات التي دونها أفعال محدودة.\nونظام وترتيب به قوام ما دونها من الموجودات، تولد أصل ثالث لا شك فيه، وهو أن السماوات أجسام حية مدركة، فأما أن حركتها يلزم عنها أفعال محدودة، بها قوام ما ها هنا وحفظه، من الحيوان والنبات والجمادات، فذلك معروف بنفسه عند التأمل، فإنه لولا قرب الشمس وبعدها عن فلكها المائل، لم يكن ها هنا فصول أربعة، ولو لم يكن ها هنا فصول أربعة، لما كان نبات ولا","vol":"8","page":208},{"text":"حيوان، ولا جرى الكون علىنظام في كون الاستقصات بعضها من بعض على السواء لينحفظ بها الموجود مثال ذلك أنه إذا بعدت الشمس إلى جهة الجنوب برد الهواء في جهة الشمال، فكانت الأمطار، وكثر الاستقص المائل وكثر في جهة الجنوب تولد الاسطقس الهوائي، وفي الصيف بالعكس: أعني إذا صارت الشمس فوق سمت رؤوسنا، وهذه الأفعال التي تلفى للشمس من قبل القرب والبعد، الذي لها دائمًا من موجود موجود، من المكان الواحد بعينه، تلفى للقمر ولجميع الكواكب، فإن لكلها أفلاكًا مائلة، وهي تفعل فصولًا أربعة في حركاتها الدورية.\nوأعظم من هذه كلها، في ضرورة وجود المخلوقات وحفظها، الحركة العظمى اليومية الفاعلة للليل والنهار.\nوقد نبه الكتاب العزيز على العناية بالإنسان لتسخير جميع السماوات له، في غير ما آية.\nمثل قوله سبحانه: ﴿وسخر لكم الليل","vol":"8","page":209},{"text":"والنهار﴾ الآية.\nفإذا تأمل الإنسان هذه الأفعال والتدبيرات اللازمة والمتقنة عن حركات الكواكب، ورأى الكواكب تتحرك هذه الحركات وهي ذوات أشكال محدودة، ومن وجهات محدودة، ونحو حركات محدودة، وحركات متضادة - علم أن هذه الأفعال المحدودة إنما هي عن موجودات مدركة حية، ذوات اختيار وإرادة، ويزيده إقناعًا في ذلك أن يرى أن كثيرًا من الأجسام الصغيرة الحقيرة الخسيسة المظلمة الأجساد التي ها هنا، لم تعدم بالحياة بالجملة، على صغر أجرامها، وخساسة أقدارها، وقصر أعمارهما، وإظلام أجسادها، وأن الجود الإلهي أفاض عليها الحياة والإدراك، التي لها دبرت ذاتها، وحفظت وجودها - علم على القطع أن الأجسام السماوية أحرى أن تكون حية مدركة من هذه الأجسام، لعظم أجرامها، وشرف وجودها، وكثرة أنوارها.","vol":"8","page":210},{"text":"كما قال سبحانه: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ الآية، وبخاصة إذا اعتبر تدبيرها الأجسام الحية التي ها هنا، علم على القطع أنها حية، فإن الحي لا يدبره إلى حي أكمل حياة منه، فإذا تأمل الإنسان هذه الأجسام العظيمة الحية، الناطقة المختارة المحيطة بنا، ونظر إلى أصل ثالث، وهو أن عنايتها بما ها هنا هي غير محتاجة إليها في وجودها، علم أنها مأمورة بهذه الحركات، ومسخرة لما دونها من الحيوانات والنباتات والجمادات، وأن الآمر لها غيرها، وهوغير جسم ضرورة، لأنه لو كان جسمًا لكان واحدًا منها، وكل واحد منها مسخر لما دونه ها هنا من الموجودات، وخادم لما ليس يحتاج إلى خدمته في وجود ذاته، وأنه لولا مكان هذا الآمر لها لما اعتنت بما ها هنا على الدوام والاتصال، لأنها مدبرة ولا منفعة لها، خاصة في هذا الفعل فإذن إنما تتحرك من قبل الأمر والتكليف للجرم المتوجه","vol":"8","page":211},{"text":"إليها لحفظ ما ها هنا وإقامة وجوده، والآمر هو الله تعالى.\nوهذا كله معنى قوله تعالى: ﴿أتينا طائعين﴾ .\n) .\nقال: (ومثال هذا في الاستدلال: لو أن إنسانًا رأى جمعًا عظيمًا من اناس، ذوي نطق وفضل، مكبين على أفعال محدودة، لا يخلون بها طرفة عين، مع أن تلك الأفعال غير ضرورية في وجودهم، وهم غير محتاجين إليها - لأيقن على القطع أنهم مكلفون ومأمورون بتلك الأفعال، وأن لهم آمرًا هو الذي أوجب لهم تلك الخدمة الدائمة، للعناية بغيرهم المستمرة، هو أعلى قدرًا منهم، وأرفع مرتبة، وأنهم كالعبيد مسخرين له.\nوهذا المعنى هو الذي أشار إليه الكتاب العزيز في قوله سبحانه: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ .\nوإذا اعتبر الإنسان أمرًا آخر، وهو أن كل واحد من الكواكب السبعة،","vol":"8","page":212},{"text":"له حركات خادمة لحركاته الكلية، ذوات أجسام تخدم جسمه الكلي، كأنها خدمة يعتنون بخادم واحد - علم أيضًا على القطع أن لجماعة كل كوكب منها آمرًا خاصًا بهم، رقيبًا عليهم، من قبل الآمر الأول مثل ما يعرض عند تدبير الجيوش: أن يكون منها جماعة جماعة، كل واحد منها تحت آمر واحد، وأولئك الآمرون، وهم المسمون العرفاء، يرجعون إلى أمير واحد، وهو أمير الجيش.\nكذلك الأمر في حركات الأجرام السماوية التي أدرك القدماء.\nمن هذه الحركات - وهي نيف على الأربعين - ترجع كلها إلى سبعة آمرين، وترجع السبعة - أو الثمانية، على اختلاف بين القدماء في عدد الحركات - إلى الآمر الأول.\nوهذه المعرفة تحصل للإنسان بهذا الوجه، سواء علم كيف مبدأ خلقه هذه الأجسام - أعنى السماوية - أو لم يعلم، وكيف ارتباط وجود سائر","vol":"8","page":213},{"text":"الآمرين باللآمر الأول أو لم يعلم، فإنه لا شك أنها لو كانت موجودة من ذاتها، أعني قديمة من غير علة ولا موجد، لجاز عليها أن لا تأتمر لآمر واحد لها بالتسخير وألا تطيعه، وكذلك حال الآمرين مع الآمر الأول.\nوإذا لم يجز ذلك عليها، فهنالك نسبة بينها وبينه اقتضت لها السمع والطاعة، وليس ذلك أكثر من أنها ملك له في عين وجودها، لا فيعرض من اعراضها، كحال السيد مع عبيده، بل في نفس وجودها، فإنه ليس هنالك عبودية زائدة على الذات، بل تلك الذوات تقومت بالعبودية.\nوهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا﴾، وهذا الملك هو ملكوت السماوات والأرض الذي أطلع الله إبراهيم عليه في قوله تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون","vol":"8","page":214},{"text":"من الموقنين﴾ وأنت تعلم تأنه إذا كان الآمر هكذا، فإنه يجب ألا تكون خلقة هذه الأجسام ومبدأ كونها على نحو كون الأجسام التي ها هنا، وأن العقل الإنساني يقصر عن إدراك كيفية ذلك الفعل، وإن كان يعترف بالوجود، فمن رام أن يشبه الوجودين: أحدهما بالفاعل، وأن الفاعل لها فاعل بالنحو الذي توجد الفاعلات ها هنا، فهو شديد الغفلة، عظيم الزلة كثير الوهلة) .\nقال: (فهذا هو أقصى ما تفهم به مذاهب القدماء في الأجرام السماوية.\nوفي إثبات الخلق لها، وفي أنه ليس بجسم، وإثبات ما دونه من الموجودات التي ليست بأجسام، واحدها هي النفس) .\nقال: (وأما إثبات وجوده من كونها محدثة، على نحو حدوث الأجسام التي نشاهدها كما رام المتكلمون، فعسير جدًا والمقدمات المستعلمة في غير ذلك غير مفضية بهم إلى ما قصدوا بيانه) .","vol":"8","page":215},{"text":"قلت: فهذا الكلام لا ريب أنه إلى الكلام الذي نقله الناس عن أرسطو وأصحابه في إثبات واجب الوجود أقرب من كلام ابن سينا وأمثاله.\nبل هذا خير من الكلام المنقول عن أرسطو من وجوه متعددة، فإن المنقول عن أرسطو إنما فيه أنه جعل الأول محركًا لها، من حيث هو محبوب معشوق لها للتشبه به، يحركها تحريك المحبوب لمحبه، بل تحريك المتشبه به للمتشبه، كتحريك الإمام للمؤتم، فإن هذا أضعف من تحريك المحبوب لمحبه، كتحريك الطعام للآكل، ولمرأة للجماع.\nوأما هذا فقد جعله آمرًا لها بالحركة، مسخرًا لها بذلك، مكلفًا لها بذلك.\nلكن أرسطو أثبت قوله بأن الحركة الإرادية الشوقية لا بد فيها من عقل يتشبه به الفلك، كم يتشبه المؤتم بالإمام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>كلام أرسطو عن الحركة الشوقية والمحرك الأول</span>\nقال: والشيء المتشوق إليه علة لحركة المتحرك إليه بالشوق،","vol":"8","page":216},{"text":"والشيء المشتاق إليه معلول له من جهة تلك العلة، وفي تلك الحركة وحركة كل واحد من الأجسام، فتشتاق كلها وترتفع إلى محرك أول لا يتحرك.\nوهذا لم يذكر حجة على أن المبدأ الأول هو الآمر بالحركات، فإن كان قصد أن أمره لها بمعنى كونه متشبهًا به محبوبًا لها كما ذكر أرسطو، فقد ذكر طريقة أرسطو بعينها، وقد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع، وبينا ما فيها من النقص والتقصير عن إثبات واجب الوجود، وأنها تدل على أن هؤلاء القوم من أبعد الخلق عن معرفة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>نقد كلام ابن رشد عن الحركة الشوقية للسماوات</span>\nوكذلك كلام هذا الرجل ليس فيه إثبات الصانع، كما ليس ذلك في كلام أرسطو.\nوفي باطل وتناقض من وجوه:\n(الوجه الأول)\nأنه جعل الحركة تاره لا قوام للسماوات إلا بها، كما ذكر ذلك أرسطو حيث قال: إنه لا وجود لها إلا في قبول الأمر وطاعة","vol":"8","page":217},{"text":"الآمر، يعني الحركة كما ذكر أرسطو، وجعلها تارة مستغنية عنها، ولكنها كلفت بها لأجل السفليات، وأن حال المكبين على أفعال لا يخلون منها طرفة عين، مع أن تلك الأفعال غير ضرورية في وجدهم، وهم غير محتاجين إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>الوجه الثاني</span>\nأن غاية ما في هذا أن يكون آمرًا لها بالحركة، وليس في مجرد الأمر بالفعل ما يوجب أن يكون الفعل القائم بالفاعل من إبداع الآمر ومن خلقه، ولا أنه محتاج إلى الآمر في نفس إحداث الفعل، كما ذكره في أمر الملك لنوابه، وأمر القائد لجيشه.\nوأمر السيد لعبيده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>الوجه الثالث</span>\nأنه لم يذكر حجة على أنه لا قوام لها إلا بحركة التي أمرت بها، فمن أين يعلم أن قوام ذاتها بتلك الحركة؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>الوجه الرابع</span>\nأنه لو قدر أنه أبدع الحركة التي قامت بها، وأنه لا قوام لها إلا بالحركة، فغاية ما في ذلك أن يكون ذلك شرطًا في قوامها، ويكون فاعلًا لشرط من شروط وجودها، ليس في هذا ما يقتضي أنه أبدع سائر أعراضها، ولا أبدع أعيانها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>الوجه الخامس</span>\nأن هذا مبني على إثبات عقول مفارقة وراء الأفلاك، وأن فيها عقلًا هو فوقها في الرتبة، والدليل الذي ذكره هذا، وابن سينا وغيرهما من الفلاسفة، في إثبات العقول، إنما يدل على إثبات عقول","vol":"8","page":218},{"text":"هي أعراض تفتقر إلى أعيان تقوم بها، من جنس العقل الموجود في نفوسنا، فأما إثبات عقول هي جواهر قائمة بنفسها، فلا دليل لهم على ذلك أصلًا.\nولولا أن هذا ليس موضع بسط ذلك، لذكرت ألفاظهم بأعيانهم، ليتبين لك ما ذكرته.\nولكن هؤلاء القوم يجعلون الأعراض جواهر، والجواهر أعراضًا، والصفة هي الموصوف، والموصوف هو الصفة.\nوعلى هذا بنوا كلامهم، كما صرحوا به في غير موضع.\nومن هنا يظهر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>الوجه السادس</span>\nوهو أن هذا وأمثاله جعلوا نفس العلم هو العالم، وجعلوا نفس العلم هو جوهرًا قائمًا بنفسه واجب الوجود.\nوهذا من أعظم سفسطة في الوجود، وهو شر من كلام النصارى بكثير.\nوغاية ما ينتهي إليه ما يدعونه من المفارقات المجردات عن المادة، وهو العقول التي جعلولها مبادىء، أنها علوم كلية كالعلوم الكلية التي لنا.\nومن المعلوم أن العلوم الكلية لا تقوم إلا بعالم، لكن هؤلاء غلطوا حيث أثبت قدماؤهم كأصحاب أفلاطون، كليات مجردة عن الأعيان، وهي المثل الأفلاطونية، وجعلوها أزلية أبدية، وإنما التغير والتحول في أعيانها فلما تبين لأرسطو وأتباعه فساد هذا أبطلوه، وقالوا: الكليات لا يكون","vol":"8","page":219},{"text":"وجودها منفكة عن الأعيان.\nوهؤلاء ظنوا أيضًا أن الأعيان الموجودة تقارنها كليات مغايرة للأعيان وهو أيضًا غلط، فإن كل هذه الأمور الكلية إنما ثبتوها في الأذهان لا في الأعيان، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن العقول المفارقات التي أثبتوها هي من جنس هذه الكليات، ولهذا يصرحون بأن العلم هو العالم، حتى في واجب الوجود قالوا: إنه هو العلم، وإنه العالم، وأن العلم هو القدرة، فجعلوا نفس الذات الموصوفة هي الصفة، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، كما قد بسط في غير هذا الموضع.\nثم إنهم أثبتوا واجب الوجود بطريق الحركة، وأنه لا بد لها من محرك والمحرك هو المحبوب عندهم، الذي يحب التشبه به لا تحب ذاته، لأن الحركة الإرادية لا بد له من ذلك، وادعوا أنه لا بد له من محرك لا يتحرك، وقدبين فساد هذا في غير هذا الموضع من هذا الكتاب.","vol":"8","page":220},{"text":"وابن رشد قرر طريقتهم على غاية ما أمكنه من الحسن والبيان، وهي كما ترى غايتها أن تكون الأجسام المتحركة محتاجة إلى آمر يحركها، والمراد بأمره بالحركة: كونه محبوبًا لها، أي تحب أن تتشبه به، لا أنها تحب ذاته، كما ذكره سلفه الفلاسفة الذين بين طريقهم، وشبهه بالملك الآمر لمن دونه من نابه في مملكته بأوامر، وكل واحد يأمر من دونه، وكلها ترجع إلى الآمر الأول.\nومعلوم أن الآمر لم يبدع شيئًا من أعيان المأمورين: لا صفاتهم ولا أفعالهم، بل الملك الآمر له شعور بأمره، وطلب من المأمور، وأما كون الشيء محبوبًا مشتاقًا إليه أو للتشبه به، فليس في هذا صدور أمر من أمر، ولا شعور بالمحب المشتاق، ولا طلب لفعل منه.\nوابن رشد قرر بأن الآمر لها هو المبدع لها، بأنها لو كانت موجودة من ذاتها، أي قديمة من غير علة ولا موجد، لجاز عليها أن لا تأتمر لآمر احد لها بالتسخير، وألا تطيعه، كذلك حال الآمرين مع الآمر الأول، وإذا لم يجز ذلك عليها، فهنالك نسبة بينها وبينه اقتضت لها السمع والطاعة، وليس ذلك أكثر من أنها ملك له في عين وجودها.\nلا في عرض من أعراضها.","vol":"8","page":221},{"text":"فيقال له: أنت لم تقرر أنه آمر لها، وسلفك إنما ذكروا أنه محبوب لها، أي تحب التشبه به، وهب أنه آمر لها، فأنت لم تذكر دليلًا على أنها إذا كانت مأمورة كانت مملوكة، إلا قولك: (إنه ليس هنالك عبودية زائدة على الذات، بل تلك الذوات تقومت بالعبودية) .\nوهذه دعوى مجردة.\nفلم لا يجوز أن يقال: تلك العبودية زائدة على الذات؟\nوقولك: (إنها تقومت بالعبودية): إن أردت تقومت.\nبتعبدها الذي هو طاعتها وحركتها، فهذه دعوى أرسطو، وقد علم ما فيها.\nوبتقدير أن تكون حقيقتها هي تلك الحركة، بل يقتضي أن تكون الحركة شرطًا في وجودها.\nوإن أردت بتقومها بالعبودية تقومها بأن خلقها الله تعالى، فهذا هو المطلوب، ولم تذكر عليه حجة.\nوأيضًا فقولك: علم أن الآمر لها غيرها، وهو غير جسم، لأنه لو كان جسمًا لكان واحدًا منها - كلام لا حجة فيه، لوجهين:\nأحدهما: أنه مسخرًا للعقول: ولم يلزم أن يكون من العقول المسخرة، فلماذا يلزم إذا كان مسخرًا للأجسام، أن يكون من الأجسام","vol":"8","page":222},{"text":"المسخرة؟ فهو عندهم عقل وليس من العقول المسخرة، فلا يلزم أيضًا إذا قيل: هو قائم بنفسه، أو هو حي عليم قدير، أو هو جوهر، أو جسم أو ذات، أو غير ذلك، أن يكون من جملة المسخرات من هذا الجنس.\nالثاني: أنه لم لا يجوز أن يكون خارجًا عن جملة المسخرات المأموره كما أنه قائم بنفسه، وهو آمر لأعيان قائمة بنفسها، وهو موصوف.\nوهو آمر لموصوفات، وأمثال ذلك.\nوإذا كانت الأعيان أو الأجسام أو الموصفات مختلفة الحقائق، لم يلزم أن يكون الآمر لها مماثلًا للمأمور.\nوأيضًا فإنك قلت: لو تخيلت أمرًا له مأمورون كثيرون، وأولئك المأمورون لهم مأمورون أخر، ولا وجود للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة الآمر، ولا وجود لمن دون المأمورين إلا بالمأمورين، لوجب أن يكون الآمر الأول هو الذي أعطى جميع الموجودات المعنى الذي صارت موجودة.\nوهذا الكلام فيه تفريق بين المأمور الذي لا وجود له إلا في قبول الأمر، كما يقولون: لا توجد الأفلاك إلا بالحركة، وهي قبول الأمر، أو أن العقول لا توجد إلا بما فيها من قبول الأمر، وبين ما صدر عن الأفلاك أو العقول من المولدات التي لا وجود لها إلا بالعقول أو الأفلاك.","vol":"8","page":223},{"text":"ومن المعلوم أن احتياج العقول والأفلاك إلى الواجب بذاته، أعظم من حاجة ما دونها إليها: فكيف يقال في هذا: لا يوجد إلا به؟ ويقال في ذلك: لا يوجد إلا بقبول الأمر؟\nومن المعلوم أن ما يظهر من تأثير الأفلاك في الأرض إنما هو في بعض أحوالها، كما ذكره من تأثير قرب الشمس وبعدها والليل والنهار.\nومن المعلوم بالحس أن هذا ليس وحده مستقلًا بإبداع ما في الأرض، وإنما هو من جملة الأسباب التي بها يتم، كما يفتقر الحيوان والنبات إلى الريح، وافتقارها إلى ذلك أعظم من افتقارها إلى الشمس، وكما تفتقر إلى الأرض والتراب وغير ذلك من الأسباب.\nوبالجملة هذه الطريق التي سلكها هؤلاء مبنية على ثلاث مقدمات أن الأفلاك لا تقوم إلا بالحركة، وأن الحركة لا تقوم إلا بآمر منفصل، أو محبوب منفصل يحب التشبه به، فالأفلاك لا تقوم إلا بذلك.\nثم إذا كانت لا تقوم إلا بذلك، لزم أن تكون جميع أعيانها وصفاتها صادرة عنه، وهم لم يقروا ذلك.\nوقد بسط هذا في غير هذا الموضع، لكن يمكن تقريره بأن يقال: إذا كان قوامها بحركتها، وقوام حركتها به، فقوامها به، وإذا كان قوامها","vol":"8","page":224},{"text":"به، امتنع أن تكون واجبة الوجود بنفسها، لأن ما كان واجب الوجود بنفسه لا يكون قوامه بغيره.\nوإذا كان الفلك متحركًا بغيره امتنع أن يكون واجب الوجود، فيكون ممكن الوجود بنفسه.\nوممكن الوجود بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، فيجب أن يكون مفتقرًا إلى مبدع فاعل، كما كان مفتقرًا إلى محبوب مشتاق إليه للتشبه به.\nفهذه الطريق يمكن أن يقرر به إثبات واجب الوجود.\nلكن هم لم يذكروا هذا، وهم في إصطلاحهم لايسمون الواجب بغيره ممكنًا.\nوإنما سلك هذه الطريقة متأخروهم، لكن متأخروهم لم يثبتوا كون الفلك ممكنًا لا واجبًا بنفسه بهذه الطريق، فظهر في كلام قدمائهم التقصير من وجه، وفي كلام متأخريهم التقصير من وجه آخر.\nولهذا ما صاروا مقصرين في إثبات كون الفلك ممكنًا مصنوعًا، صار الدهرية منهم إلى أنه واجب بنفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>عود إلى لكلام ابن رشد في الرد على الغزالي وتعليق ابن تيمية</span>\nولهذا لما ناظرهم أبو حامد الغزالي وبين عجزهم عن إثبات كون كل جسم ممكنًا، كما اعترفوا بأنه ليس كل جسم محدثًا، قال: (فإن قيل: إن الدليل على أن الجسم لا يكون واجب الوجود أنه إن كان واجب الوجود","vol":"8","page":225},{"text":"لم يكن له علة: لا خارجة عنه ولا داخلة فيه، فإن كانت له علة لكونه مركبًا، كان باعتبار ذاته ممكنًا، وكل ممكن مفتقر إلى واجب الوجود) .\nأجاب بأن البرهان لم يقم على إثبات واجب الوجود بالتفسير الذي ادعيتموه، وإنما قام بمعنى أنه ليس له علة فاعلة، وأما كونه ليس له علة مادية أو صورية، فلم يقم دليل على واجب الوجود بهذا الاعتبار.\nقال: (وكل تلبياتهم في هاتين اللفظيتين): واجب الوجود وممكن الوجود (فلنعد إلى المفهوم وهو نفي العلة) (يعني العلة الفاعلة) وإثباتها، فكأنهم يقولون: إن هذه الأجسام لها علة أم لا علة لها؟ فيقول الدهري: لا علة لها، فما المستنكر؟ وإذا عنى بالإمكان والوجوب هذا، فنقول: إنه واجب وليس ممكنًا.\nوقولهم:","vol":"8","page":226},{"text":"الجسم لا يكون واجبًا تحكم لا أصل له) .\nقال ابن رشد: (قد تقدم من قولنا: إنه إذ فهم من واجب الوجود ما ليس له علة، وفهم من ممكن الوجود ما له علة، لم تكن قسمة الموجود بهذين الفصلين، معترفًا بها، فإن للخصم أن يقول: ليس كما ذكر، بل كل موجود لا علة له.\nلكن إذا فهم من واجب الوجود: الموجود الضروي، ومن الممكن: الممكن الحقيقي، أفضى الأمر - ولا بد - إلى موجود لا علة له، وهو أن يقال: كل موجود فإما أن يكون ممكنًا أو ضرريًا، فإن كان ممكنًا فله علة، فإن كانت تلك العلة من طبيعة الممكن، تسلسل الأمر.\nفيقطع التسلسل بعلة ضرورية، ثم يسأل في تلك العلة الضرورية: إذا جوز أيضًا أن يكون من الضروري ما له علة وما ليس له علة، فإن وضعت العلة من طبيعة الضروري الذي له علة لزم التسلسل، وأنتهى الأمر إلى علة ضرورية ليس لها علة) .\nقال: (وإنما أراد ابن سينا أن يطابق بهذه القسمة رأي الفلاسفة في الموجودات، وذلك أن الجرم السماوي عند الجميع من الفلاسفة هو","vol":"8","page":227},{"text":"ضروري بغيره.\nوأما: هل الضروري بغيره فيه إمكان بالإضافة إلى ذاته؟ ففيه نظر ولهذا كانت هذه الطريقة مختلة إذا سلك فيها هذا المسلك، فأما مسلكه فهو مختل ضرورة، لأنه لم يقسم الموجود أولًا إلى الممكن الحقيقي والضروري، وهي القسمة الموجودة بالطبع للموجودات) .\nقال: (ثم قال أبو حامد مجيبًا للفلاسفة في قولهم: إن الجسم ليس بواجب الوجود بذاته لكونه له أجزاء هي علته.\nفإن قيل: لا ينكر أن يكون الجسم له أجزاء، وأن الجملة إنما تقوم بالأجزاء، وأن الأجزاء تكون سابقة في الذات على الجملة.\nقلنا: ليكن كذلك، فإن الجملة تقومت بالأجزاء واجتماعها، ولا علة للأجزاء ولا اجتماعها، بل هي قديمة كذلك بلا علة فاعلية، فلا يمكنهم رد هذا إلا بما ذكروه من لزوم نفي الكثرة عن الموجود الأول، وقد أبطلنا عليهم، ولا سبيل لهم سواه) .\nقال: (فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام، لا يصل","vol":"8","page":228},{"text":"لاعتقاد في الصانع أصلًا) .\nقال ابن رشد: (هذا القول لازم لزومًا لا شك فيه لمن سلك طريقة واجب الوجود في إثبات موجود ليس بجسم، وذلك أن هذه الطريق لم يسلكها القدماء، وإنما أول من سلكها - فيما وصلنا - ابن سينا، وقد قال: إن أشرف من طريقة القدماء، وذلك أن القدماء إنما صاروا إلى إثبات موجود ليس بجسم هو مبدأ للكل، من أمور متأخرة، وهي الحركة والزمان.\nوهذه الطريقة تفضي إليه - زعم - أعني إلى إثبات مبدأ بالصفة التي أثبتها القدماء من النظر في طبيعة الوجود بما هو موجود، ولو أفضت لكان ما قال صحيحًا، لكنها ليس تفضى) .\nوذلك أن واجب الوجود بذاته إذا وضع موجودًا فغاية ماينتفي عنه أن يكون مركبًا من مادة وصورة، وبالجملة أن يكون له جزء، فإذا وضع موجودًا مركبًا من أجزاء قديمة، من شأنها أن يتصل بعضها بعض، كالحال في العالم وأجزائه، صدق على العالم - أو على أجزائه - أنه واجب الوجود) .","vol":"8","page":229},{"text":"قال: (هذا كله إذ سلمنا أن ها هنا موجودًا هو واجب الوجود، وقد قلنا نحن: إن الطريقة التي سلكها في إثبات موجود بهذه الصفة ليست برهانية، ولا تفضى بالطبع إليه، إلا على النحو الذي قلنا، وأكثر ما يلزم هذا القول، أعني ضعف هذه الطريقة عند من يضع ها هنا جسمًا بسيطًا غير مركب من مادة وصورة، وهو مذهب المشائين، لأن من يضع مركبا قديمًا من أجزاء بالفعل، فلا بد أن يكون واحدًا بالذات، وكل وحدة في شيء مركب فهي من قبل واحد بنفسه، أعني بسيطًا ومن قبل هذا الواحد صار العالم واحدًا.\nوكذلك يقول الإسكندر: إنه لا بد أن تكون ها هنا قوة روحانية سارية في جميع أجزاء العالم، كما يوجد في جميع أجزاء الحيوان الواحد قوة تربط أجزاءه بعضها ببعض.\nوالفرق الذي بينهم أن الرباط الذي في العالم قديم من قبل أن الرابط قديم، والرباط الذي بين أجزاء","vol":"8","page":230},{"text":"الحيوان ها هنا كائن فاسد بالشخص غير كائن ولا فاسد بالنوع، من قبل الرباط القديم، من قبل أنه لم يمكن فيه أن يكون غير كائن ولا فاسد بالشخص، كالحال في العالم، فتدارك الخالق سبحانه هذا النقص الذي لحقه بهذا النوع من التمام الذي لم يكن فيه غيره، كما يقوله أرسطو في كتاب الحيوان) .\nقال: (وقد رأينا في هذا الوقت كثيرًا من أصحاب ابن سينا، لموضع هذا الشك، تأولوا على ابن سينا هذا الرأي، وقالوا: إنه ليس يرى أن ها هنا مفارقًا وقالوا: إن ذلك يظهر من قوله في واجب الوجود في مواضع، وإنه المعنى الذي أودعه في فلسفته المشرقية.\nقالوا: وإنما سماها فلسفة مشرقية، لأنها مذهب أهل المشرق، ويرون أن الآلهة عندهم هي الأجرام السماوية، على ما كان يذهب إليه وهم مع هذا يضعفون طريق أرسطو في إثبات المبدأ الأول من طريق الحركة) .\nقال: (ونحن قد تكلمنا على هذه الطريقة غير ما مرة،","vol":"8","page":231},{"text":"وبينا الجهة التي منها يقع اليقين لها، وحللنا جميع الشكوك الواردة عليها.\nوتكلمنا أيضًا على طريقة الإسكندر في ذلك أعني الذي اختاره في كتابه الملقب بالمبادىء وذلك أنه يظن أنه عدل عن طريقة أرسطو إلى طريقة أخرى، لكنها مأخوذة من المبادىء التي بينها أرسطو، وكلا الطريقين صحيحة، لكن الطبيعة أكثر ذلك هي طريقة أرسطو.\nقال: (ولكن إذا حققت طريقة واجب الوجود عندي، على ما أصف كانت حقًا، وإن كان فيها إجمال يحتاج إلى تفصيل، وهو أن يتقدمها العلم بأصناف الممكنات: الوجود في الجوهر، والعلم بأصناف الواجبة الوجود في الجوهر.\nوهذه الطريقة هي أن نقول: إن الممكن الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود في الجوهر الجسماني، وواجب الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود بإطلاق، وهو الذي لا قوه فيه أصلًا: لا في الجوهر، ولا في غير ذلك من أنواع الحركات.\nوما هكذا فليس بجسم.\nمثال ذلك أن الجرم السماوي قد يظهر من أمره أنه واجب الوجود في الجوهر الجسماني، وإلا لزم أن يكون هنالك جسم أقدم منه، وظهر منه أنه","vol":"8","page":232},{"text":"ممكن الوجود في الحركة التي في المكان، فوجب أن يكون المحرك له واجب الوجود في الجوهر، وألا يكون فيه أصلًا: لا على حركة، ولا على غيرها، فلا يوصف بحركة ولا سكون، ولا يغير ذلك من أنواع التغيرات.\nوما هو بهذه الصفة فليس بجسم أصلًا، ولا قوة في جسم، وأجزاء العالم الأزلية إنما هي واجبة الوجود في الجوهر: إما في الكلية كالحال في الاسطقسات الأربع، وإما بالشخص كالحال في الأجرام السماوية) .\nقلت: المقصود ذكر طرق هؤلاء، ومنتهى نظرهم ومعرفتهم، وأن خيار ما في كلام ابن سينا وأمثاله، إنما تلقاه من طرق المتكلمين، كالمعتزلة ونحوهم مع ما فيهم من البدعة.\nوأما ما ذكره هذا من طريقة الفقهاء، فهي أضعف وأقل فائدة في العلوم الإلهية من طريقة ابن سينا بكثير، فإن ابن سينا أدخل الفلسفة من المعارف الإلهية التي ركبها من طرق المتكلمين، وطرق الفلاسفة والصوفية.\nما كسا به الفلسفة بهجة ورونقًا، حتى نفقت على كثير من أهل الملل، بخلاف فلسفة القدماء، فإن فيها من التقصير والجهل في العلوم الإليهة ما لا يخفى على أحد.\nوإنما كلام القوم وعلمهم في العلوم الرياضية والطبيعية، وكل فاضل يعلم أن كلام أرسطو وأمثاله في الإلهيات قليل نزر جدًا، قليل","vol":"8","page":233},{"text":"الفائدة إذاكان صحيحًا، مع أنه لا يوصل إليه إلا بالتعب كثير، مع أنه يقول: هذا غاية فلسفتنا ونهاية حكمتنا.\nوهوكما قيل: لحم جمل غث على رأس جبل وعر، ولا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل.\nوهذا الذي ذكره ابن رشد في إثبات واجب الوجود، مضمونه: أن الممكن الوجود، هو في اصطلاحه الذي ذكره عن القدماء: المحدث بعد عدم، يجب أن تتقدمه واجب الوجود، وهو القديم الذي لم يسبقه عدم.\nوهذا هو بعينه قول المتكلم: إن المحدث مفتقر إلى قديم.\nثم قال: (وواجب الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود بإطلاق، وهو الذي لا قوة فيه أصلًا، وليس بجسم) .\nوهذا لم يذكر عليه دليلًا صحيحًا.\nوقوله: (إن الفلك يظهر من أمره أنه واجب الوجود) أي قديم في جوهره، (وأنه ممكن الوجود في الحركة) هو قول الفلاسفة الدهرية، الذي يقولون: إن الأفلاك قديمة وحركتها دائمة.\nوهذا لا دليل له أصلًا، بل جميع ما يذكرونه من الأدلة في","vol":"8","page":234},{"text":"قدم العالم لا يدل شيء منها على قدم الأفلاك، بل غاية ما يدل على أن الله لم يزل فاعلًا، وأنه لا بد قبل الأفلاك من شيء آخر موجود، ونحو ذلك مما لا يدل على قدم الأفلاك.\nثم إذا قدر ثبوت ذلك فقوله: يجب أن يكون المحرك للفلك واجب الوجود في الجوهر، وألا يكون فيه أصلًا لا على حركة ولا غيرها، فلا يكون جسمًا، أي لا يقوم له فعل من الأفعال - دعوى مجردة.\nثم لم قدر أنه لا يقوم به فعل، فلم قال: إن ما لا يقوم به فعل لا يكون جسمًا؟ يقال: غاية ما ذكره أن يكون ما قاله ممكنًا.\nفيقال: كما أنه يمكن ذلك فيمكن نقيضه.\nفإنه كما يجوز أن يكون المحرك له غير متحرك.\nفالمحرك المتحرك أولى بالجواز والإمكان.\nثم يقال: بل ما ذكرته هو على نقيض قولكم أدل منه على قولكم، وذلك لأن الفلك إذا كان دائم الحركة - وقد قررت أن المحرك له غيره - فالمحرك له إما أن يكون متحركًا وإما أن لا يكون.\nفإن لم يكن متحركًا كان محركًا لغيره بدون حركة فيه.\nوهذا إما أن يكون ممكنًا وإما أن يكون ممتنعًا.\nفإن كان ممكنًا بطل مذهبهم، وإن أمكن فالفلك نفسه: إما أن يكون واجبًا بنفسه، وإما أن يكون ممكنًا، فإن كان واجبًا بنفسه وحركته ممكنة، وهو محتاج في حركته","vol":"8","page":235},{"text":"إلى محرك منفصل، كان واجب الوجود بنفسه جسمًا متحركًا بحركة تقوم به، يفتقر فيها إلى غيره.\nوحينئذ فيمكن أن يقال: المحرك للفلك هو أيضًا جسم متحرك بحركة فيه، سواء احتاج فيها إلى غيره أولم يحتج.\nوإذا لم يتحج إلى غيره كان أولى.\nوإن قيل: إن الفلك ممكن الوجود، فلا بد له من الواجب، فيكون الواجب علة موجبة له.\nفلا بد أن يكون علة تامة في الأزل له، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن كذلك.\nوالعلة التامة لا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها، فإن كان علة تامة لحركة الفلك لزم وجودها في الأزل، وهو ممتنع.\nوإن لم يكن علة تامة له، لم يكن بد من أمر يتجدد يصير به علة تامة لحدوث ما يحدث من الحركة.\nوذلك المتجدد إن كان منه فقد بطل قولهم، وإن كان من الممكن كان قولهم أبطل وأبطل، فإن ما من الممكن لا بد أن يكون له من الواجب، إذ لا شيء له من نفسه.\nوهذا يصلح أن يكون حجة في أول هذه المسألة، وهو أن الحركة الدائمة في الفلك، إذا كانت صادرة عن موجب، فالموجب لها: إن كان علة تامة لها في الأزل لم يتأخر عنها شيء من معلولها، وإن لم تكن تامة في الأزل صار موجبًا بعد أن لم يكن.\nوذلك التمام: إن كان له من نفسه كان متحركًا، وهو خلاف ما زعموه، وإن كان من غيره كان واجب الوجود بنفسه، مفقترًا في تمام فعله إلى غيره.","vol":"8","page":236},{"text":"وهذا أعظم عليهم: وهو أن يكون متحركًا بحركة من غيره.\nوإذا قيل: نقول في صدور الفعل الدائم الذي في الفلك عن الواجب ما يقال لو كان ذلك الفعل في الواجب.\nقيل: الفعل إذا كان قائمًا في الواجب بنفسه، لم يكن على هذا القول يمتنع أن تقوم به الأفعال التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولا يكون مفتقرًا في شيء من ذلك إلى شيء من مخلوقاته، بل كل ما سواه فقير إليه.\nوأما على قولهم: فهم يقولون: إنه يمتنع أن يقوم بالمبدأ الأول شيء من الأفعال، ويقولون: إن الفعل الدائم القائم بالفلك صادر عنه شيئًا بعد شيء.\nفيقال لهم: الفلك إن كان واجبًا بنفسه، فقد قام بالواجب بنفسه حركات شيئًا بعد شيء، فامتنع أن يقولوا: إن الواجب بنفسه لا تقوم به الأفعال.\nوإن كان الفلك ليس واجبًا بنفسه، لم ممكن بنفسه، فهو صادر عن الأول: ذاته وصفاته وأفعاله.\nفإذا قدر قديمًا لزم أن يكون المقتضى التام له قديمًا، والفلك الممكن قابل للحركة شيئًا بعد شيء، فلا بد له من واجب، والحركة ممكنة لا واجبة بنفسها، فلا بد لها من فاعل يفعلها شيئًا بعد شيء، فإذا قدر الفاعل الفلك، ففاعله الفلك ممكنة، فإذا حدثت شيئًا بعد شيء لم يكن","vol":"8","page":237},{"text":"لها بد من فاعل.\nوحدوث الحوادث شيئًا بعد شيء عن علة تامة في الأزل لا يتأخر عنها شيء من موجبها ممتنع، فوجب أن يكون لحدوث تلك الحوادث أمرًا يتعلق بالواجب، وذلك من لوازم الواجب، لا يفتقر إلى غير الواجب، وما منه بخلاف ما يقوم بالممكن، فإن الممكن نفسه مفتقر إلى غيره، فما فيه أولى أن يفتقر إلى غيره.\nوهذا قد بسط في موضع آخر، وبين أنهم يلزمهم التناقض وفساد قولهم، سواء قدر الفلك واجبًا بنفسه، أو قدر ممكنًا واجبًا بغيره.\nوالمقصود هنا إنما كان التنبيه على طرق الطوائف في إثبات الصانع، وأن ما يذكره أهل البدع من المتكلمة والمتفلسفة، فإما أن يكون طويلًا لا يحتاج إليه، أو ناقصًا لا يحصل المقصود، وأن الطرق التي جاءت بها الرسل هي أكمل الطرق وأقربها وأنفعها، وأن ما في الفطرة المكملة بالشرعة المنزلة يغني عن هذه الأمور المحدثة، وأن سالكيها يفوتهم من كمال المعرفة بصفات الله تعالى وأفعاله ما نيقصون به عن أهل الإيمان نقصًا عظيمًا إذا عذروا بالجهل، وإلا كانوا من المستحقين للعذاب، إذا خالفوا النص الذي قامت عليهم به الحجة، فهم بين محروم ومأثوم.","vol":"8","page":238},{"text":"وهذه الطرق التي أخدها، ابن سينا عن المتكلمين، من المعتزلة ونحوهم، وخلطها بالكلام سلفه الفلاسفة، صار بسبب ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة، يستطيل بها على المسلمين، ويجعل القول الذي قاله هؤلاء هو قول المسلمين.\nوليس الأمر كذلك.\nوإنما هو قول مبتدعتهم، وهكذا عمل إخوانه القرامطة الباطنية: صاروا يلزمون كل طائفة من طوائف المسلمين بالقدر الذي وافقهم عليه مما هو مخالف للنصوص ويلزمونهم بطرد ذلك القول حتى يخرجوهم عن الإسلام بالكلية.\nولهذا كان لهؤلاء وأمثالهم نصيب من حال المرتدين، الذين قال الله تعال فيهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ ولهذا آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى عبادة الأوثان، والشرك بالرحمن مثل دعوة الكواكب والسجود لها، أو التصنيف في ذلك كما صنفه الرازي وغيره في ذلك.\nوالذي أحدثه الفلاسفة، كابن سينا وأمثاله، عن المعتزلة: منه ما هو صحيح، ومنه ما هو باطل.\nفالصحيح كقولهم: إن تخصيص شيء دون","vol":"8","page":239},{"text":"شيء بالحدوث في وقت دون وقت لا بد له من مخصص.\nوالباطل نفي الصفات.\nوركب ابن سينا من الأمرين ما دار به على المعتزلة، ونحوهم من المتكلمين، ولم يقتصر على مجرد ما قالوه، بل وسع القول فيه، حتى وصله كلام سلفه الدهرية.\nفالأول: وهو أن تخصيص الحدوث بوقت لا بد له من مخصص، ضم إليه: أن كل ممكن، وإن كان قديمًا، لا يترجح إلا بمرجح، وبنى على ذلك إثبات واجب الوجود.\nوهي الطريقة التي أحدثها في الفلسفة، وهي مركبة من كلام الفلاسفة المعتزلة.\nوالمعتزلة لا تقتصر في أن التخصيص لا بد له من مخصص على تخصيص الحدوث، بل تقول ذلك فيما هو أعم من ذلك، ولا تفرق بين الاختصاص الواجب والاختصاص الممكن.\nوابن سينا وافقهم على ذلك، فتناقضت عليه أصوله، وأما الأصل الفاسد الذي أخذه عنهم، فهو نفي الصفات، ولما كانت المعتزلة تنفي الصفات وتسمي إثباتهما تجسيمًا، والتجسيم تركيبًا، ويقولون: إن المركب لا بد له من مركب، فلا يكون مركبًا، فلا يكون","vol":"8","page":240},{"text":"جسمًا لأن الجسم مركب، فلا يقوم به صفة، لأن الصفة لا تقوم إلا بجسم، ولا يكون فوق العالم، لأنه لا يكون فوق العالم إلا جسم.\nولا يرى في الآخرة، لأن الرؤية إنما تقع على جسم، أو عرض في جسم.\nوكلامه مخلوق، لأن لو قام به الكلام لكان جسمًا.\nأخذ ابن سينا وأمثاله هذه الأصول، وألزمهم ما هو أبلغ من ذلك، فزاد في نفي الصفات عليهم، حتى كان أظهر تعطيلًا منهم، بل أبلغ تعطيلًا من الجهم رأس نفاة الصفات.\nوخالف ابن سينا وأمثاله المعتزلة في أمور: بعضها أصابوا في مخالفتهم، وبعضها أخطأوا في مخالفتهم، لكن الذي أصابوا فيه، منه ما صاروا يحتجون به على باطلهم، لضعف طريق المعتزلة الذي به يردون باطلهم.\nوهذا الذي ذكرته يجده من اعتبره في كتب ابن سينا كـ الإشارات وغيرها، ويتبين للفاضل أنه إنما بنى إلحاده في قدم العالم على نفي الصفات، فإنهم لما نفوا الصفات والأفعال القائمة بذاته، وسموا ذلك توحيدًا، ووافقهم ابن سينا على تقرير هذا النفي الذي سموه توحيدًا، بين امتناع القول بحدوث العالم مع هذا الأصل، وأظهر تناقضهم.","vol":"8","page":241},{"text":"ولكن قوله في قدم العالم أفسد من قولهم، ويمكن أظهار تناقض قوله، أكثر من إظهار تناقض أقوالهم.\nفلهذا تجده في مسألة قدم العالم يردد القول فيها، ويحكي كلام الطائفتين وحجتهم كأنه أجنبي، ويحيل الترجيح بينهما إلى نظر الناظر، مع ظهور ترجيحه لقول القائلين بالقدم.\nوأما مسألة نفي الصفات فيجزم بها، ويجعلها من المقطوع به الذي لا تردد فيه، فإنهم يوافقون عليها، وهو بها تمكن من الاحتجاج عليهم في قدم العالم، وبها تمكن من إنكار المعاد، وتحريف الكلم عن مواضعه، وقال: نقول في النصوص الواردة في المعاد كما قلتم في النصوص الواردة في الصفات، وقال: كما أن الكتب الإلهية ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في التوحيد، يعني التوحيد الذي وافقته عليه المعتزلة، وهو نفي الصفات بناءً على نفي التجسيم والتركيب، فكذلك ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في أمر المعاد.\nوبنى ذلك على أن الإفصاح بحقيقة الأمر لا يمكن خطاب الجمهور به، وإنما","vol":"8","page":242},{"text":"يخاطبون بنوع من التخييل والتمثيل الذي ينتفعون به فيه، كما تقدم كلامه.\nوهذا كلام الملاحدة الباطنية الذين ألحدوا في اسماء الله وآياته، وكان منتهى أمرهم تعطيل الخالق، وتكذيب رسله، وإبطال دينه.\nودخل في ذلك باطنية الصوفية، أهل الحلول والاتحاد وسموه تحقيقًا ومعرفة وتوحيدًا.\nومنتهى أمرهم هو إلحاد باطنية الشيعة، وهو أنه ليس إلا الفلك وما حواه وما وراء ذلك شيء.\nوكلام ابن عربي، صاحب فصوص الحكم وأمثاله من الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، يدور على ذلك لمن فهمه، ولكن يسمون هذا العالم الله، فمذهبهم في الحقيقة مذهب المعطلة، كفرعون وأمثاله، ولكن هؤلاء يطلقون عليه هذا الاسم، بخلاف أولئك.\nوأيضًا فقد يكون جهال هؤلاء وعوامهم يعتقدون أنهم يثبتون خالقًا مباينًا للمخلوق، مع قولهم بالوحدة والاتحاد، كما رأينا منهم طوائف، مع ما دخلوا فيه من العلم والدين، لا يعرفون حقيقة مذهب هؤلاء، لما في ظاهره من الإقرار بالصانع ورسله ودينه.\nوإنما يعرف ذلك من كان ذكيًا خبيرًا بحقيقة مذهبهم، ومم كان كذلك فهو أحد رجلين: إمامؤمن عليهم: علم أن هذا يناقض الحق، وينافي دين الإسلام، فذمهم وعاداهم.\nوإما زنديق منافق: علم حقيقة","vol":"8","page":243},{"text":"أمرهم، وأظهرمن ما يظهرون، وكان من أئمتهم.\nفهذا وأمثاله من جنس آل فرعون، الذين جعلوا أئمة يدعون إلى النار.\nوالأول من أتباع الرسل والأنبياء، كآل إبراهيم، الذين جعلهم الله أئمة يهدون بأمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>كلام ابن سينا في الإشارات</span>\nوهذا الذي ذكرته لك من حال هؤلاء، يتبين لكل مؤمن ذكي رأى كتبهم، وتبين له مقصودهم.\nفما ذكرته عن ابن سينا مذكور في كتابه الإشارات الذي هو زبدة الفلسفة عندهم، الذي قال في خاتمته: (أيها الأخ إن مخضت لك في هذه الإشارات عن زبد الحق، وألقمتك نفي الحكم، في لطائف الكلم، فصنه عن المبتذلين والجاهلين، ومن لم يرزق الفطنة الوقادة، والروية والسعادة، وكان صغاه مع الغاغة، أو كان من ملاحدة هؤلاء المتفلسفة ومن","vol":"8","page":244},{"text":"همجهم، فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته، واستقامة سيرته، أو بتوقفه عما يفزع إليه الوسواس، ونظر إلى الحق بعين الرضا والصدق، فآته ما سألك منه مدرجًا مجزأ مفرقًا، تستفرس ما تسلفه لما تستأنفه، وعاهده بالله وبالأيمان التي لا مخرج له منها، أن يجري فيما تؤتيه مجراك، متأسيًا بك، فإن أذعت هذه العلم وأضعته، فالله بيني وبينك)\nوبهذه الوصية أوصى الرازي في شرحه له، كما وصى بذلك في كلامه على حديث المعراج لما شرحه بنظير شرح هؤلاء له.\nوهذا من جنس وصايا القرامطة الملاحدة في البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم.\nوالمقصود هنا أن ابن سينا في الكتاب الذي عظمه، لما تكلم على أفعال الرب تعالى وصفاته، سلك ما ذكرته لك عنه، كما قد ذكرنا في","vol":"8","page":245},{"text":"غير هذا الموضع، لما ذكر النزاع في مسألة الصنع الإبداع وحدوث العالم.\nقال في آخره: (فهذه هي المذاهب، وإليك الاعتبار بعقلك دون هوالك، بعد أن تجعل واجب الوجود واحدًا) .\nوالرازي لم يعرف وجه وصيته فقال: (إن كان المقصود منه الأمر بالثبات على التوحيد، فإنه يكون كلامًا أجنبيًا عن مسألة الحدوث والقدم.\nوإن كان المقصود منه إنما هو المقدمة التي يظهر منها الحق في مسألة القدم والحدوث فهو ضعيف، لأن القول بوحدة واجب الوجود لا تأثير له في ذلك أصلًا، لأن القائلين بالقدم يقولون: ثبت إسناد الممكنات بأسرها إلى واجب الوجود لذاته، فسواء كان الواجب واحدًا أو أكثر من واحد، لزم من كونه واجبًا دوام آثاره وأفعاله.\nوأما القائلون بالحدوث، فلا يتعلق شيء من أدلتهم بالتوحيد والتثنية، فثبت أنه لا تتعلق مسألة القدم والحدوث بمسألة التوحيد) .\nقلت: ليس مراد ابن سينا بالتوحيد الذي جاءت به الرسل، وهو عبادة الله وحدة لا شريك له، مع ما يتضمنه من أنه لا رب لشيء من ممكنات سواه، فإن إخوانه من الفلاسفة من أبعد الناس عن هذا","vol":"8","page":246},{"text":"التوحيد، إذ فيهم من الإشراك بالله تعالى، وعبادة ما سواه، وإضافة التأثيرات إلى غيره، بل ما هو معلوم لكل من عرف حالهم، ولازم قولهم: إخراج الحوادث كلها عن فعله.\nوإنما مقصوده التوحيد الذي يذكره في كتبه، وهو نفي الصفات، وهو الذي شارك فيه المعتزلة، وسموه أيضا توحيدًا.\nوهذا النفي الذي سموه توحيدًا، لم ينزل به كتاب، ولا بعث به رسول، ولا كان عليه أحد من سلف الأئمة وأئمتها، بل هو مخالف لصريح المعقول، مع مخالفته لصحيح المنقول.\nوالمقصود منه وجه ارتباطه بمسألة الحدوث والقدم، وذلك أن الأصل الذي بنى عليه حجته في مسألة القدم: أنه كيف تحدث السماوات بعد أن لم تكن محدثة من غير حدوث أمر؟ وهذا إنما يكون على قول نفاة الصفات والأفعال القائمة به، الذي يقولون: إنه لا يقوم به فعل يتعلق بمشيئته وقدرته، وإلا فعلى قول أهل الإثبات تبطل حجته.\nوأيضًا فمقصود تمهيد أصله في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وهذا إنما يتم إذا ثبت موجودًا مجردًا لا صفة له ولا نعت، وإلا فإذا كان الخلق موصوفًا بصفات متنوعة: كالعلم والقدرة والكلام والمشيئة،","vol":"8","page":247},{"text":"الرحمة، بأفعال متنوعة: كالخلق والاستواء ونحو ذلك - لم يكن واحدًا عندهم، بل كان مركبًا وجسمًا.\nوحينئذ فيقال لهم: هذا الذي تسمونه واحدًا لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو أمر يقدر في الأذهان، لا يوجد في الأعيان، وهو نظير الواحد البسيط، الذي يجعلون منه تتركب الأنواع، فإن هذا الواحد الذي يثبتونه في الكليات، ويقولون: إنه منه تتركب الأنواع الموجودة، هو نظير الواحد الذي يثبتونه في الألهيات، ويقولون: هو مبدأ الوجود.\nوكلاهما لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو يقدره الذهن، كما يقدر الكليات المجردة عن الأعيان، وكما يقدر بعدًا مجردًا ودهرًا مجردًا ومادة مجردة، كما يقوله شيعة أفلاطون ومن وافقهم.\nبل هذه الأمور أقرب إلى وجودها في الخارج من ذلك الواحد الذي يقدرونه: إما الواحد الكلي البسيط، الذي تتركب منه الأنواع في حدودها وحقائقها، وإما الواحد المعين الذي تصدر عنه الموجودات.\nومتى بطل واحدهم هذا بطل توحيدهم، فبطل نفيهم للصفات، وبطل قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فبطل قولهم في الأفعال، فبطل ما قرروه في قدم العالم، وبطل ما احتجوا به على ذلك من الحجة، حيث قالوا: كيف يصدر عنه ما لم يكن صادرًا، من غير قيام أمر متجدد","vol":"8","page":248},{"text":"به؟ فكان إبطال ما ألحدوا به في توحيد الله تعالى بهدم أصول ضلالهم.\nأيضًا فالمقالات التي أبطلها ابن سينا في مسألة حدوث العالم وقدمه، بنى إبطالها على هذا التوحيد الذي هو نفي الصفات، فكان هذا عصمته التي لا بد له منها.\nوقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن ابن سينا ذكر مقالات الناس في مسألة الحدوث والقدم، ولم يذكر مقالة أساطين الفلاسفة المتقدمين، كما لم يذكر مقالة الأنبياء والمرسلين.\nوالمقالات التي حكاها من الباطل إنما احتج على إبطالها بما لا حجة له فيه، فقال: (أوهام وتنبيهات.\nقال قوم: إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته، واجب لنفسه، لكنه إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبًا، وتلوت قوله تعالى: ﴿لا أحب الأفلين﴾ فإن الهوي في حظيرة الإمكان أفول ما) .","vol":"8","page":249},{"text":"قلت: وهذا القول هو قول القائلين بقدم العالم وأنه واجب بنفسه، ليس له موجب آخر.\nوهو الظاهر المشهور من مذاهب الدهرية، وإليه يعود كلام محقيقهم، ولهذا كان أئمة الكلام القدماء، من المعتزلة والأشعرية وغيرهم، كأبي على الجبائي وأمثاله، وكـ القاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وأمثالهما، لا يذكرون عن الدهرية إلا هذا القول.\nوأما القول الذي ذكره ابن سينا وهو أنه معلول علة واجبة أبدعته، فهذا قوله وقول أمثاله من الفلاسفة.\nوقد حكي هذا القول عن برقلس، وقد نازعه فيه إخوانه الفلاسفة، وهو لم يذكر له عليهم حجة مستقيمة، وإنما احتج عليهم بما احتج عليهم بما ذكره في توحيد واجب الوجود، وأنه لايكون موصوفًا بصفات فتكون فيه كثرة، ولا يكون جسمًا فتكون فيه كثرة، ونفى الأنواع الخمسة التي سماها تركيبًا كتركيب الجسم من أجزائه الحسية: الجواهر المفردة، ومن أجزائه العقلية: وهي المادة والصورة، ومن الذات والصفات، ومن العام والخاص، ومن الوجود والماهية.","vol":"8","page":250},{"text":"ولهذا بين أبو حامد الغزالي وغيره من المسلمين، بل وابن رشد وأمثاله من الفلاسفة، فساد ما ذكروه في هذا التوحيد، وبطلان ما نفوه من هذه المعاني التي سموها تركيبًا، وأنه لا حجة لهم على ذلك أصلًا إلا ما توهموه من مدلول لفظ واجب الوجود بالمعنى الذي تصوروه، لا بالمعنى الذي قام عليه الدليل، فكان مبنى حجتهم على ألفاظ مجملة إذا بينت ظهر فساد كلامهم.\nولهذا احتاج ابن سينا في مسألة إثبات الصانع إلى توحيده، فضلًا عن إثبات أفعاله قال: (وقال آخرون: بل هذا الوجود المحسوس معلول.\nثم افترقوا: فمنهم من زعم أن أصله وطينته غير معلولين، لكن صنعته معلولة.\nوهؤلاء قد جعلوا في الوجود واجبين.\nوأنت خبير باستحالة ذلك.\nومنهم من جعل وجوب الوجود لشيئين أو لعدة أشياء، وجعل غير ذلك من ذلك.\nوهؤلاء في حكم الذين من قبلهم) .\nفيقال له: الذين جعلوا الوجود لشيئين أو عدة أشياء، يدخل فيهم من جعل أصله وطينته غير معلومين، فإن ما لم يكن معولًا كان واجبًا لنفسه، فهؤلاء جنس واحد، حيث جعلوا واجب الوجود أكثر من","vol":"8","page":251},{"text":"واحد.\nومع هذا فحجتك على إبطال قولهم قد عرف ضعفها، ولكن الفرق بين هؤلاء وهؤلاء: أن هؤلاء يجعلون الصانع أكثر من واحد، فيقولون بالتعدد في الصانع.\nوأولئك إذا أثبتوا أصلًا وطنية غير معلولة، فلا يجعلونها فاعلة صانعة، بل قابلة للفاعل، فهؤلاء يقولون: إن الفاعل للعالم واجب بنفسه وهؤلاء يدخل فيهم من قال بقولهم، كابن زكريا المتطبب حيث قالوا: القدماء خمسة، وسبب حدوث العالم عشق النفس للهيولى، فإن هؤلاء يقولون بقدم مادة العالم ومكانه وزمانه والنفس.\nوكان ابن سينا ذكر هذا القول، وذكر قول المجوس الذين يقولون بقدم النور والظلمة.\nفهذان القولان متشابهان من بعض الوجوه، فإن هذا يقول: سبب حدوث العالم اختلاط النور والظلمة.\nوهذا يقول: سببه عشق النفس للهيولى، ثم ذكر قول المتكليمن وقول أصحابه، فلم يذكرإلا هذه الأقوال الأربعة.\nوأما قول أئمة الفلاسفة وأساطينهم القدماء فلم يذكره، كما لم يذكر قول الأنبياء وسلف الأمة.\nوحينئذ فيقال: مذهب جمهور الفلاسفة أن أصل العالم معلول عن الواجب نفسه، والعالم مع ذلك محدث الصورة.\nفهؤلاء لا يقولون بتعدد الواجب، ولا يقولون بقدم العالم، ولا يقولون بأن طينته غير","vol":"8","page":252},{"text":"معلولة.\nوهذا القول لم يذكره في نقله للمقالات، مع أنه من أشهر الأقوال عن أساطين الفلسفة، وهو أظهر أقوالهم في الحجة والدليل، فإنه لا يدر عليه ما يرد على غيره، ولا يمكنه أن يحتج على فساد قول هؤلاء بما احتج به على فساد قول غيرهم، بل حجته الصحيحة لا تدل إلا على قول هؤلاء، فإنهم يمكنهم أن يثبتوا للحوادث سببًا حادثًا، ويجعلون الفاعل معطلًا عن الفعل، ولا يقولون بقدم الأفلاك وحدوث حوادثها من غير سبب حادث، ولا يخالفون النصوص المشهورة عن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.\nفكان قولهم أقرب إلى العقل والنقل من الأقوال التي ذكرها.\nقال: (ومنهم من وافق على أن واجب الوجود واحد، ثم افترقوا فقال فريق منهم: إنه لم يزل ولا وجود لشيء عنه، ثم ابتدأ وأراد وجود شيء عنه، ولولا هذا لكانت أحوال متجددة من أصناف شتى في الماضي لا نهاية لها موجودة بالفعل، لأن كل واحد منها وجد، فالكل وجد، فيكون لما لا نهاية له من أمور متعاقبة كلية منحصرة في الوجود.\nقالوا: وذلك محال، وإن لم تكن كلية حاصرة لأجزائها معًا فإنها في حكم ذلك، وكيف يمكن أن تكون حال من هذه الأحوال","vol":"8","page":253},{"text":"توصف بأنها لا تكون إلا بعد ما لا نهاية له، فتكون موقوفة على ما لا نهاية له، فيقطع إليها ما لا نهاية له.\nثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الاحوال، وكيف يزداد عدد ما لا نهاية له؟ ومن هؤلاء من قال: إن العالم يوجد حين كان أصلح لوجوده، ومنهم من قال: لم يمكن وجوده إلا حين وجد، ومنهم من قال: لا يتعلق وجوده بحين وشيء آخر بل بالفاعل، ولا يسأل عن لم فهؤلاء هؤلاء) .\nقال: (وبإزاء هؤلاء قوم من القائلين بوحدانية الأول، يقولون: إن واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته وأحواله الأزلية، وأنه ليس يتميز في العدم الصريح حال الأولى به فيها أن لا يوجد شيئًا، أو بالأشياء أن لا توجد عنه أصلًا، وحال بخلافها، ولا يجوز أن تسنح له إرادة متجددة إلا لداع، وأن","vol":"8","page":254},{"text":"تسنح جزافًا.\nوكذلك لا يجوز أن تسنح طبيعة أو غير ذلك بلا تجدد حال، وكيف تسنح إرادة لحال تجددت، وحال حال ما يتجدد كحال ما يمهد له التجدد فيتجدد؟ وإذا لم يكن تجدد، كانت حاله ما لم يتجدد شيء حالًا واحدة مستمرة على نهج واحد، وسواء جعلت التجدد لأمر تيسر، أو لأمر زال مثلًا لحسن من الفعل وقتًا ما، أو تيسر، أو وقت معين، أوغير ذلك مما عد، أو لقبح كان يكون له قد زال، أو عائق، أوغير ذلك كان فزال.\nقالوا: فإن كان الداعي إلى تعطيل واجب الوجود عن إفاضة الخير والجود هو كون المعلول مسبوق العدم لا محالة.\nفهذا الداعي","vol":"8","page":255},{"text":"ضعيف قد انكشف لذوي الأبصار ضعفه على أنه قائم في كل حال، وليس في حال بأولى بإيجاب السبق من حال، وأما كون المعلول ممكن الوجود في نفسه واجب الوجود بغيره، فليس يناقض كونه دائم الوجود بغيره كما نبهت عليه.\nوأما كون غير المتناهي كلًا موجودًا ككون كل واحد وقتًا ما موجودًا فهو توهم خطأ، فليس إذا صح على كل واحد حكمه صح على كل محصل، وإلا لكان يصح أن يقال: الكل من غير المتناهي يمكن أن يدخل في الوجود، لأن كل واحد يمكن أن يدخل في الوجود، فيحمل الإمكان على الكل، كما حمل على كل واحد.\nقالوا: ولم يزل غير المتناهي من الأحوال التي يذكرونها معدومًا إلا شيء بعد شيء، وغير المتناهي المعدوم قد يكون فيه أكثر وأقل، ولا يثلم ذلك كونها غير متناهية في العدم.\nوأما توقف الواحد منها على أن يوجد قبله ما لا نهاية له، أو احتياج شيء منها إلى أن ينقطع إليه ما لا نهاية له، فهو قول كاذب.\nفإن معنى قولنا: كذا توقف على كذا هو أن الشيئين وصفًا معًا بالعدم.","vol":"8","page":256},{"text":"والثاني لم يكن يصح وجوده إلا بعد وجود المعلول الأول، وكذلك الاحتياج.\nثم لم يكن البتة ولا في وقت من الأوقات، يصح أن يقال: إن الأخير كان متوقفًا على وجود مالا نهاية، أو محتاجًا إلى أن يقطع إليه ما لا نهاية له، بل أي وقت فرضت وجدت بينه وبين كون الأخير أشياء متناهية، ففي جميع الأوقات هذه صفته، لا سيما والجميع عندكم وكل واحد واحد، فإن عنيتم بهذا التوقف أن هذا لم يوجد إلا بعد وجود أشياء كل واحد منها في وقت آخر لا يمكن أن يحصى عددها، وذلك محال، فهذا نفس المتنازع فيه: أنه ممكن أوغير ممكن، فكيف يكون مقدمة في إبطال نفسه؟ أبان يغير لفظها بتغيير لا يتغيره به المعنى؟ قالوا: فيجب من اعتبار ما نبهنا عليه أن يكن الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب إلى الأوقات والأشياء الكائنة عنه كونًا أوليًا وما يلزم من ذلك الاعتبار لزومًا ذاتيًا، إلا ما يلزم من الاختلافات يلزم عندها فيتبعها التغير) .","vol":"8","page":257},{"text":"قال: (فهذه هي المذاهب وإليك الاعتبار بعقلك دون هواك) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>تعليق ابن تيمية</span>\nهذا جملة كلامه، فهذا الكلام قد ذكر فيه قول المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام، وقوله وقول أمثاله من الفلاسفة، وذكر حجة المعتزلة المعروفة عندهم، وهو دليل الأعراض المبني على إبطال حوادث لا تتناهى، وذكر حجته في أن تخصيص حال دون حال بالفعل لا بد له من مخصص، فإذا كانت الأحوال متساوية لزم انتفاء المخصص، فينتفي التخصيص، فينتفي ما ذكروه من الحدوث.\nوهذه الحجة مادتها من كلام المعتزلة الصحيح، حيث أخذ عنهم أن التخصيص بوقت دون وقت لا بد له من مخصص.\nوهم بنوا على ذلك إثبات الصانع، هو على ذلك بنى إثبات واجب الوجود، لكن نقل ذلك إلى الممكن الذي ليس له من نفس وجود، فتخصيصه بالوجود دون العدم، وبالعدم دون الوجود، كتخصيص الحدوث بوقت دون وقت.\nوقد عرف أن هذا الكلام مادته من كلام المعتزلة والفلاسفة","vol":"8","page":258},{"text":"جميعًا، وأن الصواب الذي فيه - وهو امتناع تخصيص المحدث أو الممكن بلا مخصص - هو من كلام المعتزلة الذي وافقهم عليه، والخطأ الذي فيه بعضه منهم وأكثره منه، فإنه ألزم المعتزلة بطرد هذا الأصل، فلما لم يطردوه نقض قولهم.\nوحينئذ فيقال له: بطلان قول المعتزلة لا يستلزم صحة قولك، إلا لو لم يمكن قول إلا وقولك وقولهم.\nفكيف وأقاويل أئمة الفلاسفة ليست من القولين؟ وكذلك الأقوال التي عليها أئمة السنة والحديث ليست من القولين؟.\nوالأقوال الموجودة في الكتب الإلهية: التوراة والقرآن اللذين لم يأت من عند الله تعالى كتاب أهدى منهما ليست واحدًا من القولين، فإذا قدر بطلان قول معين لم يلزم صحة قولك، فكيف إذا كان ما أفسدت به قول المعتزلة يبطل أيضًا قولك؟ فقولك أفسد من قولهم إن كان قولهم فاسدًا، وكذلك إن كان صحيحًا، فهو فاسد على كل تقدير.\nوذلك أن عمدتك على بدلان قولهم أنه يمتنع أن يختص وقت دون وقت بالحدوث بل سبب مخصص حادث.","vol":"8","page":259},{"text":"فيقال لك: وأنت تقول: إن الحوادث كلها تحدث بلا سبب حادث.\nوعلى قولك فكل حادث حادث في وقت من الأوقات، فإن ذلك الوقت اختص بالحدوث بلا سبب مخصص حادث، فألزمهم اختصاص وقت من الأوقات بالحدوث دون سائر الأوقات بلا مخصص.\nوأنت يلزمك اختصاص كل وقت بما يحدث فيه من الحوادث بلا سبب مخصص، واختصاص كل حادث بصفته وقدره بلا سبب مخصص، واختصاص كل حادث بوقته بلا سبب مخصص، وحدوث جميع الحوادث بلا سبب مقتض للحوادث، فهم إن كان ما التزموه باطلًا فقد التزمت أضعافه، فيكون قولك أفسد.\nوإن لم يكن باطلًا بطلت حجتك على إبطال قولهم، فتبين أن إبطالك لقولهم، مع اعتقادك لما تعتقده، باطل على كل تقدير، وعلم أن الأصول الصحيحة التي وافقتهم عليها، هي بطلان قولك أدل منها على بطلان قولهم، والأصول الفاسدة التي وافقوك عليها، إذا كانوا قد تناقضوا فيه ولم يطردوها، فأنت أعظم تناقضًا في عدم طردك لأصولك مطلقًا: صحيحها وفاسدها.\nوبيان ذلك أنه قد قال: يجب أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب إلى الأوقات والأشياء الكائنة عنه كونًا أزليًا، ومايلزم من ذلك لزومًا ذاتيًا وإلا ما يلزم من اختلافات يلزم عندها فيتبعها التغيير يعني حركة الفلك وما يتبعها من التغيير.","vol":"8","page":260},{"text":"فيقال له: إذا لم يكن مختلف النسب إلى الأوقات والأشياء الكائنة عنه كونًا أزليًا، واللازمة من ذلك لزومًا ذاتيًا، كما يقوله في لزوم الفلك عنه، وما يقدره علة للفلك من العقول أوغيرها، فاللازم لهذه اللوازم: إما أن يكون لازمًا لها لا ينفك عنها في وقت من الأوقات، أو لازمًا لها في حال دون حال.\nفإن كان لازمًا لها في كل الأوقات، وجب أن لا يحدث شيء، وأن لا يكون تغير أصلًا.\nوإن كان لازمًا لها في وقت دون وقت، فقد اختلف نسبة لوازمه إلى الأوقات، والأمور الحادثة في الأوقات، حيث حدث عن لوازمه في هذا الوقت ما لم يحدث في هذا الوقت، وإذا اختلفت نسبة اللوازم إلى الأوقات والحودث، لزم أن تختلف نسبته إلى الأوقات والحوادث، لأن الأمور الكائنة عنه كونًا أزليًا، وما يلزمها لزومًا ذاتيًا، نسبتها إلى جميع الأوقات والحوادث كنسبته، لأنه لو كانت نسبتها إلى الأوقات والحوادث تخالف نسبته، لكانت حالها في بعض الأوقات والحوادث مخالفًا لحاله، ولكانت مختصة في بعض الأوقات بمعنى منتف في أوقات أخر.\nوذلك تخصيص لبعض الأوقات دون وقت آخر بحدوث حادث فيه،","vol":"8","page":261},{"text":"فإن جاز تخصيص وقت دون وقت بحدوث من غير سبب حادث، بطل أصل الكلام.\nوإن لم يجز ذلك، لزم أن يكون اختصاص لوازمه بحدوث حادث فيها أو منها بوقت دون وقت، إنما كان لاختصاصه هو بحدوث حادث فيه أو منه لوقت دون وقت، وإلا لم تكن تلك اللوازم لوازم له.\nفلا بد من أحد أمرين:\nإما أن تكون الأمور اللازمة له ليست لازمة، فتكون الحوادث حدثت عنه ابتداء بدون وسائط، وهذا أشد إبطالًا لقولهم.\nوإما أن تكون تلك الأمور اللازمة له لا تخصص في وقت دون وقت بحدوث حادث فيها أو منها، إلا لتخصيص لها بذلك، إذ لو اختصت دون تخصيصه، للزم الحدوث بلا محدث، وهو ممتنع.\nومتى كان تخصيص اللوازم لحدوث حادث فيها أو منها إنما هو لتخصيصها لها بذلك، كانت نسبته إلى الأوقات والحوادث نسبة مختلفة كنسبة اللوازم.\nوهذا أمر لا محيد لهم عنه، هو يبين بطلان قولهم بيانًا ضروريًا لمن فهمه.\nإذ أصل قولهم حدوث التغير عما لا يتغير.\nوهذا يناقض ما قالوه.\nفهم بين أمرين: إن جوزوا حدوث متغير عن غير متغير، لم يمكنهم","vol":"8","page":262},{"text":"إبطال قول المعتزلة ونحوهم، الذين يقولون بحدوث جميع الحوادث من غير حدوث سبب، بل بمجرد القدرة، أو القدرة والإرادة التي لم تزل ولا تزال على حال واحدة.\nوإن لم يجوزوا حدوث متغير عن غير متغير، بطل قوهم كله.\nفإن الفلك متغير مختلف هو في نفسه، مختلف القدر والصفات، وهو متغير عندهم بما يحدث فيه من الحركات.\nوهذا التغير صادر عما لا يتغير عندهم، سواء قالوا: هو صدر عن العقل الذي لا يتغير، كما يقوله ابن سينا وأمثاله، أو صادر عن الواجب بنفسه الذي لا يتغير، كما يقوله ابن رشد وأمثاله، أو صادر عن الواجب بتوسط العقل، كما يقوله النصير الطوسي وأمثاله، أو مهما قالوه من جنس هذه المقالات فلا بد على كل تقدير أن يلزمهم حدوث متغير عن غير متغير.\nوحينئذ فبطلت حجتهم على المعتزلة، وكانوا أكثر التزامًا للباطل الذي قرروا أنه باطل، وأبطلوا به قول المعتزلة.\nوذلك أنهم يجعلون جنس الحركات والحوادث كلها حدثت بلا محدث أصلًا، لأن العلة القديمة الأزلية لا يتأخر عنها شيء من معلولاتها ولوازمها، فكل ما تأخر عنها فليس من موجبها: لا بوسط ولا بغير وسط.\nوتلك الحوادث لم تحدث","vol":"8","page":263},{"text":"عن واجب آخر بالاتفاق والضرورة، فيلزم أن لا يكون للحوادث كلها محدث، وأن لا يكون الرب تعالى محدثًا لشيء من الحوادث.\nوفي هذا من تعطيل الصنع عن الصانع وتعطيل الصانع عن الصنع، ما هو أعظم من كل قول قاله غيرهم، فإنهم يشنعونه على المعتزلة ونحوهم: بأنكم إذا قلتم بحدوث العالم عطلتم الصانع في أزلة عن الصنع.\nفقال لهم: أنتم عطلتم الصانع دائمًا عن صنع شيء من الحوادث، على ما هوبين ظاهر لكل من تدبر هذا، فقد عطلتموه عن أن يحدث شيئًا من الخير والإحسان أزلًا وأبدًا.\nوأما صنعه اللوازم وجوده، فهذا أنتم منازعون فيه، وقد بين غير واحد بطلان قولكم فيه.\nوحينئذ فتكونون قد عطلتموه عن كل فعل وصنع وإفاضة وإيجاب واقتضاء أزلًا وأبدًا.\nوأما تعطيل الصنعة عن الصانع، فهذا ليس قولًا معروفًا لطائفة معروفة، بل الأمم المعروفون متفقون على أن الصنعة لا بد لها من صانع.\nوهذا ضروري في العقل.\nوعلى قولكم: الحوادث دائمًا تحدث، وليس لها صانع، فإن العلة التامة في الأزل لا يحدث عنها شيء أصلًا.\nوأيضًا فإن الحوادث مختلفة في","vol":"8","page":264},{"text":"صفاتها ومقاديرها.\nكما أن الفلك مختلف في صفته وقدرة.\nوالواحد البسيط من كل جهة يمتنع أن يصدر عنه ما هو مختلف في صفاته وأقداره، وإن جاز ذلك بطل قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد.\nوإذا بطل هذا القول بطل قولهم في صدور العالم عنه، سواء كان صادرًا عنه بوسائط لازمة له بسيطة كالعقول، أو بغير وسائط أو بوسائط مختلفة، فكيف ما قدروه، فلا بد لهم من لوازم أجسام مختلفة في القدر والصفات عن واحد بسيط لا صفة له ولا فعل فيه.\nوأيضًا فما زمان من الأزمنة إلا وتحدث فيه حوادث مختلفة، وقد يختص بعض الأزمنة بحوادث ليست من جنس حوادث بقية الأزمنة، كحادث الطوفان وأمثاله، بل إرسال موسى ﵇، وما تبع رسالته من الحوادث، وإرسال محمد ﷺ وما تبع رسالته من الحوادث، وأمثال ذلك، هي من الحوادث المختصة بزمان دون زمان، فإذا كان لا سبب للحوادث إلا ذات نسبتها إلى جميع الأزمنة سواء، ولوازمها التي نسبتها إلى جميع الأزمنة سواء، وقد قالوا لأجل هذا: يمتنع تخصيص زمان دون زمان بحدوث العالم، وقالوا: العالم قديم لذلك، ففي هذا القول من تخصيص بعض الأزمنة بحادث دون حادث، ما في ذلك القول وزيادات، فإن المعتزلة يقولون: التخصيص إنما وقع","vol":"8","page":265},{"text":"وقت إحداث العالم فقط، ثم التخصيص في سائر الأوقات كان أسباب حادثة في العالم.\nوهؤلاء يقولون: لا تزال الأوقات تختص بالحوادث من غير سبب، مع أن نسبته إلى جميع الأوقات والحوادث واحدة.\nوالأشعرية ونحوهم، وإن قالوا: إنه لا يزال يخص وقتًا دون وقت بحدوث الحوادث، من غير سبب يقتضي التخصيص سوى محض الإرادة، التي نسبتها إلى جميع الأوقات والحوادث واحدة، فهم أطرد لقولهم من قولكم: إن نسبته إلى الأوقات واحدة، مع أنه لم يزل ولا يزال يخص كل وقت بحادث دون الآخر، مع استواء نسبته إلى الأوقات.\nفأنتم مع قولكم بدوام الفعل وأزليته، في قولكم من مخالفة أصلكم أكثر مما في قول المعتزلة وقول الأشعرية.\nوأيضًا فمعلوم أن الحركات مختلفة، والمتحركات مختلفة، وليست الحركات كلها صادرة عن حركة الفلك الأطلس، بل لكل فلك، أو لكواكب كل فلك، حركة تخصه، فإن الناس يشهدون بعيونهم حركات الخمسة على خلاف حركات الثوابت، ويشهدون حركة الشمس والقمر والكواكب من المشرق إلى المغرب، على خلاف حركة الخمسة وحركة الثوابت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>تعليق ابن تيمية</span>\nوالجمهور من أهل الهيئة يقولون: المتحرك هو الأفلاك، وإن","vol":"8","page":266},{"text":"الحركة المشرقية هي حركة المحيط بما فيه، وسواء كان الأمر كذلك أو لم يكن، فليست حركة كل كوكب وفلك تابعة لحركة المحيط، بل الحركات مختلفات وإذا كان كذلك امتنع أن تصدر هذه الحركات المختلفة عن واحد بسيط لا يصدر عنه إلا واحد، سواء صدرت بواسطة أو بغير وساطة.\nوأما صدور المختلفات عن ما لا يصدر عنه إلا واحد بلا واسطة، فهو جمع بين النقيضين، وقول متناقض.\nوأما الصدور بواسطة، فتلك الواسطة يجب أن لا تكون إلا واحد عن واحد، فإذا قدر أن الأول واحد بسيط لا يصدر عنه إلا واحد، وإلا كان قولًا متناقضًا، فإنه إذ صدر عنه ما فيه كثرة، فقدر صدر عنه أكثر من واحد، وإن لم يكن في الصادر كثرة، وجب أن لا يصدر عن الصادر الأول إلا واحد، وهلم جرًا، وهذا خلاف المشهود.\nوما يلفقونه في هذا المقام من قولهم: إن الأول يعقل مبدعه ويعقل نفسه، وأنه باعتبار عقله للأول صدر عنه عقل، وباعتبار عقله لنفسه صدر عنه نفس أو فلك، أو باعتبار وجوبه بالأول صدر عنه عقل، وباعتبار إمكانه صدر عنه نفس أو فلك، أو باعتبار عقله صدر كذا أو كذا، وباعتبار وجوبه أو إمكانه صدر كذا أو كذا، أو مهما قالوه","vol":"8","page":267},{"text":"من الأقوال التي يقدرها الذهن في هذا المقام، فهي مع كونها أقوالًا لا دليل عليها، وإنما هي تحكمات ورجم بالغيب، بل والدليل يقوم على فسادها، فلا يحصل بها جواب عما يدل على فساد أصلهم، فإن تلك الوجوه إما أن تكون أمورًا وجودية أو عدمية، فإن كانت وجودية، فقد صدرت عن الأول، فقد صدر عنه أمور متعددة أكثر من واحد بلا واسطة، وإن كانت عدمية لا يخرج الصادر الأول عن أن يكون واحدًا بسيطًا، وحينئذ فلا يصدر عنه إلا واحد.\nيبين ذلك أن كثرة السلوب العدمية إن أوجبت كثرة، فالأول فيه كثرة لكثرة ما يسلب عنه، وإن لم توجب كثرة فلا كثرة في الصادر الأول بأمور عدمية، فلا يصدر عنه إلا واحد، وهلم وجرًا.\nوأيضًا فهذا الواحد الذي يقدرونه إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان، كالواحد الذي يجعلونه مبدأ المركبات العقلية، كما بسط هذا في موضع آخر.\nوإذا كان كذلك، فما يقولونه في هذا المقام من أنه حركة الفلك واحدة أزلية أبدية، وهي فعل الرب الدائم فعله، قول باطل لوجوه:\nأحدها: أن الحركات ليست واحدة، بل حركات مختلفات وليس بعضها صادرًا عن بعض.\nفقول القائل: إنها واحدة قول باطل.\nالثاني: أن الحركة الدائمة سواء كانت واحدة","vol":"8","page":268},{"text":"نوعًا واحدًا أو أنواعًا مختلفة تحدث شيئًا بعد شيء، وإذا كان الأول علة تامة أزلية، كان مستلزمًا لمعلوله، فلا يتأخر عنه شيء من معلوله، بل يكون معلوله كله أزليًا أبديًا دائمًا بدوامه، إن أمكن مقارنة المعلول لعلته، لا يحدث منه شيء بعد شيء، فإن الحادث في الزمن الثاني يمتنع أن تكون علته تامة أزلية، لأن العلة التامة مستلزمة لمعلولها، وهو لا يكون بينه وبينها فصل، فكيف وأجزاء الحركة الحادثة شيئًا بعد شيء كلها منفصلة عن الأزل؟ فامتنع أن يكون معلول علة تامة أزلية.\nالثالث: أن يقال: كون المفعول المعين يقارن فاعله في الزمان، أمر لا يعقل وجوده في الخارج، وإنما يقدره الذهن، كما يقدر الممتنعات.\nوسواء سمي الفاعل علة أولم يسم، فإنه لا تعقل علة صدر عنها معلول وهو مفعول لها، وكان زمانهما واحدًا، ولكن قد يكون الشيء مستلزمًا لغيره ومقارنًا له في الزمان، كاستلزام الذات لصفاتها اللازمة واستلزام حركة أحد الجسمين المتلازمين لحركة الآخر، كحركة الخاتم واليد، لكن لا يكون الملزوم فاعلًا للازم، فإنه لا يعقل مفعول معين لازم لفاعله البتة.\nولكن لفظ (العلة) فيه إجمال واشتباه واشتراك، فقد يراد بها الملزوم الموجب، وقد يراد بها الفاعل.\nوالملزوم الموجب الذي ليس بفاعل يعقل أن يقارنه لازمه وموجبه الذي ليس بمفعول له، لكن موجبه الذي هو","vol":"8","page":269},{"text":"مفعول له لا يعقل مقارنته له، لكن يعقل صدور الفعل عنه شيئًا بعد شيء، فتكون المفعولات صادرة عنه شيئًا بعد شيء.\nوهؤلاء أصلوا أصلًا فاسدًا ظهر به فساد قولهم وهو أن العلة التامة التي تسمى المؤثر التام يجب أن يقارنه معلوله في الزمان بحيث لا يتأخر عنه، ولا يكون معلول إلا لعلة تامة.\nوهذا ناقضوا به المتكلمين الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم في قولهم: إن المؤثر التام يجوز، بل قد يجب، أن يتراخى عنه أثره، فقالوا: الباري كان في الأزل مؤثرًا تامًا وتراخى عنه أثره.\nفقال أولئك: بل يجب أن يقارنه أثره.\nوالصواب قول ثالث، وهو أن التأثير التام من المؤثر يستلزم الأثر، فيكون الأثر عقبه، لا مقارنًا له، ولا متراخيًا عنه.\nكما يقال: كسرت الإناء فانكسر، وقطعت الحبل فانقطع، وطلقت المرأة فطلقت وأعتقت العبد فعتق.\nقال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾، فإذا كون شيئًا كان عقب تكوين الرب له، لا يكون مع تكوينه ولا متراخيًا عنه.\nوقد يقال: يكون مع تكوينه، بمعنى أنه يتعقبه لا يتراخى عنه.\nوهو سبحانه ما شاء كان ووجب بمشيئته وقدرته، وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته له، وعلى هذا فكل ما سوى الله تعالى لا يكون إلا حادثًا مسبوقًا بالعدم، فإنه إنما يكون عقب تكوينه له،","vol":"8","page":270},{"text":"فهو مسبوق بغيرهم سبقًا زمانيًا.\nوما كان كذلك لا يكون إلا محدثًا والمؤثر التام يستلزم وجود أثره عقب كمال التأثير التام.\nوأما على قول هؤلاء، فيلزمهم أمور باطلة تستلزم فساد قولم.\nمنها: أنه لا يحدث في العالم شيء، فإنه إذا كانت العلة تامة أزلية ومعلولها معها في الزمان، وكل ما سواه مغلول له بوسط أو بغير وسط، لزم أن يكون كل ما سوى الله قديمًا أزليًا.\nومنها: أنه يلزم أن لا يحدث شيء حتى تحدث حوادث لا تتناهى في آن واحد.\nوهذا متفق على استحالته عندهم وعند سائر العقلاء، وهو تسلسل علل ومعولات، أو تمام علل ومعلولات حادثة لا نهاية لها، فإنه كلما حدث حادث، فإنه لا يحدث حتى تحدث علته التامة أو تمام علته التامة وتكون حادثة معه، وتلك لا تحدث حتى يحدث معها ماهو كذلك، فلزم وجود علل ومعلولات لا تتناهى، أوتمام علل ومعلولات لا تتناهى في آن واحد.\nوإذا قالوا: كل حادث مشروط بعدم ما قبله لم يصح على قولهم، لأن عدم الحادث الأول سابق للحادث الثاني.\nوعندهم العلة التامة يجب مقارنتها للمعلول ولا تتقدم عليه.\nولكن هذا يصح على قول أهل السنة الذين يقولون: المعلول يحصل عقب تمام العلة التامة لا معها، فيكون حدوث الثاني عقب عدم الأول.","vol":"8","page":271},{"text":"وعلى هذا القول فيلزم حدوث كل ماسوى الله تعالى.\nوبهذا يظهر بطلان قولهم وصحة قول المسلمين، فإنهم قد يشبهون قولهم بما يحدث شيئًا فشيئًا عن الفاعل بالاختيار أو بالطبع، كالحجر الهابط، وكالمسافر إلى بلد، فإنه يقطع المسافة شيئًا فشيئًا، والمقتضى لقطعه المسافة، وهو قصده تلك المدينة، قائم.\nلكن قطعه للجزء الثاني منها مشروط بعدم الأول.\nفيقال لهم: هذا يدل على فساد قولكم، فإنه ليس هنا مؤثر تام قارنه أثره، ولم يوجد الأثر إلا عقب التأثير التام لا معه، فليس هذا نظير قولكم، بل هو نظير قول من يقول: لم يزل يحدث شيئًا بعد شيء، وإحداثه للثاني مشروط بعدم الأول.\nوهذا نظير قول من يقول: لم يزل متكلمًا إذا شاء، فعالًا لما يشاء، فوجود الثاني، كالإرادة الثانية، والكلمة الثانية، والفعل الثاني، مشروط بانقضاء الأول، وبانقضاء الأول تم المؤثر التام المقتضى لوجود الثاني.\nوعلى هذا فكل ما سوى الرب حادث كائن بعد أن لم يكن، وهو سبحانه المختص بالقدم والأزلية، فليس في مفعولاته قديم، وإن قدر أنه لم يزل فاعلًا، وليس معه شيء قديم بقدمه، بل ليس في المفعولات قديم","vol":"8","page":272},{"text":"البتة، بل لا قديم إلا هو سبحانه، وهو وحده الخالق لكل ماسواه، وكل ما سواه مخلوق، كما قال تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ .\nوهؤلاء لمما كانت مناظرتهم مع المتكلمين الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم على أصلهم في الاستدلال على حدوث الأجسام، أو حدوث العالم، بامتناع حوادث لا أول لها، ورأى هؤلاء أن هذه قضية كاذبة.\nولهذا كان أئمة أهل الكلام، كـ الرازي وغيره، يوفقونهم على فسادها، فإن الرازي وإن قرر في كتبه الكلامية كـ الأربعين ونهاية العقول وغيرهما: امتناع حوادث لا أول لها، كما تقدم تقريره، واعتراض إخوانه عليه، فهو نفسه في كتب أخرى يقدح في هذه الأدلة، ويقرر وجوب دوام الفاعلية، وامتناع حدوث الحوادث بلا سبب، وامتناع حدوثها في غير زمان، ويجيب عن كل ما يحتج به في هذه الكتب، كما فعل ذلك في كتاب المباحث المشرقية وغيره.\nولعل الذين قدحوا في أدلته هذه، كـ الآمدي والأبهري والأرموي صاحب لباب الأربعين وغيرهم، أخذوا ذلك - أو بعضه - من كلامه، أو أخذوه هم من حيث أخذه هو.\nوهذا قد رأيته فإني كنت قد أرى اعتراض هؤلاء عليه أو بعض أجوبته، ثم أنظر بعد ذلك في كلام آخر له، فأجدهم قد أخذوا ذلك","vol":"8","page":273},{"text":"الأعتراض أو الجواب، أخذو، من كلامه كما في الجواب الباهر الذي ذكره الأرموي، فإنه أخذه من المطالب العالية.\nوالاعتراضات التي ذكرها هو وغيره على تقريره لامتناع حوادث لا أول لها، قد ذكرها الرازي في المباحث المشرقية وذكرها الآمدي أيضًا.\nولهذا أرأيت من يغتر بكلام هؤلاء من طلبة العلم حقيقة أمرهم.\nوأن هذا التقرير الذي وافقوا فيه شيوخهم المتكلمين، ومن المعتزلة والأشعرية، هم بعينهم قد قدحوا فيه في موضع آخر قدحًا لم يجيبوا عنه.\nفلا يظن الظان أن ما ذروه مما ينصر دين الإسلام، بل هذا مما يقوي معرفة المسمين بذم الكلام الذي ذمه السلف والأئمة.\nوأنه جهل لا علم.\nولا يغتر المغتر بما يجده من كثرة ذكر المصنفين في الكلام لذلك، واتباع آخرين مقلدين لهم في ذلك، فإن النظر: إما أن يكون ناظرًا بنفسه حتى يتبين له الحق، أو يقلد المعصوم، فهذان طريقان علميان، وإما أن يكون محسنًا للظن بشيوخ تقدموا، من شيوخ هذا الكلام المحدث، فهؤلاء قد عارضوهم من هو أعلم منهم.\nفالسلف والأئمة عارضوهم، وأتباعهم الحذاق الذين تعقبوا كلامهم عارضوهم وناقضوهم، وأتباعهم الذين تعقبوا كلامهم عارضوهم وناقضوهم، والفلاسفة أيضًا عارضوهم وناقضوهم.","vol":"8","page":274},{"text":"وإذا قال القائل: هذا الأصل قد قرره مثل أبي الهذيل العلاف وأبي إسحاق النظام، ومثل الجهم بن صفوان، واتبعهم عليه مثل أبي علي وأبي هاشم، وعبد الجبار بن أحمد، وأبي الحسين البصري، وغيرهم.\nووافقهم على صحة هذه الطريقة - وهو امتناع حوادث لا أول لها - مثل محمد بن كرام، وابن الهيثم وغيرهما، ومثل أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر، وأبي المعالي، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، ابن الزاغوني، وأبي عبد الله المازري، والقاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهم، بل ومثل الشريف المرتضى وأمثاله من شيوخ الشيعة، فهؤلاء - وأضعافهم - يحتج بهذه الطريقة، وإن كان أصلها مأخوذًا من الجهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف وغيرهما.\nقيل لمن قال هذا القول: الواحد من هؤلاء لم يعظمه من يعظمه من المسلمين، إلا لما قام به من دين الإسلام، الذي كان فيه موافقًا لما جاء به محمد ﷺ، فإن الواحد من هؤلاء له مساع مشكورة في نصر ما نصره من الإسلام، والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول، فحمدهم والثناء عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله، وإظهار العلم الصحيح الموافق لما جاء به الرسول ﷺ، والمظهر لباطل من خالف الرسول، وما من أحد من هؤلاء، ومن هو أفضل منهم، إلا وله غلط في مواضع.","vol":"8","page":275},{"text":"وإذا كان كذلك فانظر في هذا الأصل الذي اتبع فيه متأخروهم لمتقدميهم، من إثباتهم حدوث العالم والأجسام بهذه الطريق: هل هي طريقة صحيحة في العقل أم لا؟\nوهل هي موافقة للشرع أم لا؟ فعرضها على الكتاب والميزان، فإن الله تعالى يقول: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾، فاعرض عما يذكرونه بما ثبت من كتاب الله وسنة رسوله، وما ثبت عن الصحابة التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، وزنه أيضًا بالميزان الصحيحة العادلة العقلية، واستعن على ذلك بما يذكره كل من النظار في هذه الطريقة وأمثالها، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، ولا تتبع الظن فإنه لا يغنى من الحق شيئًا، وسل الله أن يلهمك ويهديك.\nفإنه قد ثبت في الحديث الصحيح الإلهي «أن الله تعالى قال: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» .\nوقد ثبت في صحيح مسلم: «أن النبي ﷺ كان إذا قام","vol":"8","page":276},{"text":"من الليل يصلي يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» .\nوالله تعالى قد أخبر عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾، فالضلال وقع في السمع والعقل، فإن أقوامًا نصروا الإسلام - أو السنة - في ظنهم، وصاروا يدخلون في الإسلام - أو السنة - ما ليس منه، ولم يكن لهم من الخبرة بالكتاب - وتفسير السلف له - والسنة، وأقوال سلف الأمة ما يعرفون به ما بعث الله به رسوله، مما عرف بالنص والإجماع.\nولهذا نجد جمهور أهل الكلام من أبعد الناس عن معرفة الحديث وأقوال الصحابة، ويذكرون أحاديث يظنونها صحيحة وتكون من الموضوعات المكذوبات، وأحاديث تكون صحيحة متلقاة بالقبول، بل مجمع على تلقيها بالقبول وصحتها عند علماء أهل الحديث، وهم يكذبون بها أو يرتابون فيها، وكذلك نجدهم - وغيرهم - في العقليات قد","vol":"8","page":277},{"text":"أحسنوا الظن بطريقة دون طريقة، وفي كل من الطريقين ما يؤخذ ويترك، وأهم الأمور معرفة ماجاء به الرسول وفهم ذلك.\nفإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عيه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، وأول الفقه فهم خطاب الله ورسوله، بعد معرفة ثبوت ذلك عن الرسول، ولو كان في نفس الأمر أن السمعيات لا يجب قبولها حتى يقوم الدليل على صدق المبلغ، وهو بعد في قطع هذه المسافة، فينبغي له أن لا ينظر في مسألة مما تكلم فيها الناس، حتى يعرف ما قاله هذا الرسول وما ثبت عنه، فإنه لوقدر واحد من العلماء النظار، لكان ينبغي أن يعرف ما قاله في مسائل النزاع، لينظر في قوله وقول غيره، كما يفعل من نظر في أقوال النظار، فكيف إذا كان في نفس الأمر هو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى؟.\nومعلوم أن الرجل لو تكلم في مسألة طب تنازع فيها الناس، وقد بلغه أن لبقراط وجالنيوس وأمثالهم فيها نصًا، لم ينبغ له أن يثبت القول فيها","vol":"8","page":278},{"text":"حتى يعرف ما قاله هؤلاء، مع جواز غلطهم في نفس الأمر، فكيف بنصوص الانبياء في الأمور الألهية؟.\nوإذا وقع في قلبه شبهة الباطنية، من الفلاسفة وغيرهم، أنهم تكلموا بالتخييل والتمثيل، لا بإظهار الحقائق، إذ لم يكن إلا ذلك، فليس لأحد أن يقبل هذا القول منهم تقليدًا لهم، بل ينظر في أقواله وأحواله وسائر أموره وأحوال أصحابه، هل يطابق قول هؤلاء، أم يورث علمًا ضروريًا بأن هؤلاء كاذبون عليهم عمدًا أو خطأ: إما عنادًا وإما ضلالًا؟ وهذا مبسوط في موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>تعليق ابن تيمية</span>\nوالمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وبين باطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم، في مسألة حدوث العالم ونحوها، استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها، فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا أبطلوا قول هؤلاء بامتناع حوادث لا أول بها، وأقاموا الدليل على دوام الفعل، لزم من ذلك قدم هذا العالم، ومخالفة نصوص الأنبياء،\nوهذا جهل عظيم، فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف شيئًا من نصوص الأنبياء.\nوهذه مسألة حدوث العالم وقدمه، لا يقدر أحد من بني آدم يقيم دليلًا على قدم الأفلاك أصلًا،","vol":"8","page":279},{"text":"وجميع ما ذكروه ليس فيه ما يدل على قدم شيء بعينه من العالم أصلًا، وإنما غايتهم أن يدلوا على قدم نوع الفعل، وأن الفاعل لم يزل فاعلًا، وأن الحوادث لا أول لها، ونحو ذلك مما لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم، وهذا لا يخالف شيئًا من نصوص الأنبياء، بل يوافقها.\nوأما النصوص المتواترة عن الأنبياء بأن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وأن الله خالق كل شيء، فكل ماسواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، فلا يمكن أحدًا أن يذكر دليلًا عقليًا يناقض هذا، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.\nوهذه مسألة حدوث العالم أعظم عمد الفلاسفة فيها، التي عجز المتكلمون عن حلها، ليس فيها ما يدل على قدم شيء من العالم أصلًا ولهذا كان ما أقامه الناس من الأدلة على أن كل مفعول فهومحدث كائن بعد أن لم يكن، ولك ما سوى الله مفعول فيكون محدثًا، لا يناقض ذلك، وإنما يناقض ذلك أصل الجهمية والمعتزلة حيث قالوا: إن الله كان، ولا يتكلم بشيء ولا يفعل شيئًا، بل كان الكلام والفعل عليه ممتنعًا، لا مقدورًا له في الأزل، ثم إنه صار ذلك ممكنًا مقدورًا بدون تجدد شيء، فيحدث الكلام والفعل بدون سبب أوجب حدوث ذلك أصلًا.\nثم قال أئمة هذه الطريقة - وهو الجهم وأبو الهذيل - بأن لا بد من فناء الفعل وفناء الحركات كلها، زاد الجهم: وبفناء العالم كله: الجنة","vol":"8","page":280},{"text":"والنار، فيكون الرب ما زال معطلًا من الكلام والفعال، صم لا يزال معطلًا من الكلام والفعال، وإنما حدث ما حدث من الكلام والفعال في مدة قليلة جدًا بالنسبة إلى الأزل والأبد، فبهذا القول وما يترتب عليه أقام على هؤلاء الشناعة أئمة الشرع والعقل، ورآى الناس أن في ذلك من مخالفة الشرع والعقل مالا يجوز السكوت عن رده، لكن هؤلاء، وإن كانوا ابتدعوا مخالفة للشرع والعقل بحسب نظرهم واستدلالهم، فالمتفلسفة المتنازعون لهم أبعد عن العقل والشرع، وهؤلاء يردون صريح ما تواتر عن الرسل، ويزعمون أنهم خيلوا ومثلوا.\nوأما أولئك فقد يتأولون النصوص، أو يقولون: لها معنى لا نفهمه، ولا يقولون: إن الرسل قصدت أن تخبر بالأمور على خلاف ما هي عليه بطريق التخييل والتمثيل، بل كثير مما ينصرونه من بدعهم يظنون أن الرسل قالوه، فخطؤهم تارة في تكذيب الناقل، وتارة في تأويل المنقول.\nوأولئك يعلمون صدق الناقل وصدق المنقول عنه، ولكن يقولون كلامًا مضمونه أنه كذب للمصلحة، ولهذا سماهم المسلمون: ملحدين: فإنهم يلحدون في آيات الله، ولهذا يفضي بهم تأويل","vol":"8","page":281},{"text":"النصوص إلى ما يعلم العامة والخاصة أنه افتراء على الرسول وإلحاد محض، مثل تأويلات الباطنية للعبادات وللقرآن وغير ذلك.\nوكان مما سلط هؤلاء على الإلحاد، إدخال أولئك في الشريعة ما ليس منها، وإن كانوا متأولين في ذلك، فما جعلوا من دين الإسلام القول بأن الخالق لم يكن يمكنه أن يتكلم ويفعل، ثم أمكنه ذلك بلا سبب، وأن ذلك يتضمن ترجيح الممكن بلا مرجح، وأن الممكن انقلب من الأمتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب حادث، والفاعل أمكنة الفعل والكلام بعد أن لم يكن ممكنًا بلا سبب - أخذ ذلك المتفلسفة وناقضوه واستدلوا بحجتهم المشهورة على قدم العالم، بأن كل ما يعتبر في كون الباري مؤثرًا: إما أن يكون موجودًا في الأزل، وإما أن لا يكون، فإن كان موجودًا لزم القول بأنه لم يزل فاعلًا، لأن المؤثر التام لا يتخلف عنه أثره، وإن لم يكن موجودًا امتنع وجوده بعد هذا، لأن القول في ذلك الحادث كالقول في غيره، فإذا لم يحصل المرجح التام امتنع الفعل، وإذا حصل وجب وجود الفعل.\nوهذه الحجة لما ذكروها صار أولئك يجيبون عنها بما لا يفسدها، بأن","vol":"8","page":282},{"text":"يقولوا: المرجح هو علم الفاعل وإرادته أو قدرته، أو إمكان الفعل وانتفاء المانع، وهو الأزل، أو حصول المصلحة.\nوكل ما قالوه من هذا وغيره إذا نظر فيه بعينه لم يكن جوابًا صحيحًا، فإن العلم يتبع المعلوم على ما هو به، والمعلوم يتبع الإرادة، فإن لم يكن المرجح ثابتًا في نفس الأمر، لم يكن العلم مرجحا.\nوأما الإرادة فادعى كثير منهم أنها بذاتها توجب تخصيص أحد المتماثلين.\nوهذا القدر خلاف ما يعقل من الإرادة، فإنه لا تعرف الإرادة ترجح أحد المتماثلين من كل وجه، بل لا بد من اختصاص أحدهما بما يوجب الترجيح.\nوإثبات إرادة كما ذكروه لا يعرف بشرع ولا عقل، بل هو مخالف للشرع والعقل، فإنه ليس في الكتاب والسنة وما يقتضي أن جميع الكائنات حصلت بإرادة واحدة بالعين تسبق جميع المرادات بما لا نهاية له، وكذلك سائر ما ذكروه.\nثم إن هذه الأمور إن كانت قديمة فلم يحدث مرجح، وإن حدث بعد أن لم يحدث شيء منها أو تعلق بها، فقد حدث الحادث بدون موجب لحدوثه، وترجح أحد المتماثلين بلا مرجح، فقد حدث الحادث بدون موجب لحدوثه، والمرجح قبل وجوده كما هو بعد وجوده لم يكن ناقصًا فتم.\nوالرازي يجيب بأن الإرادة مرجحة كجواب أصحابه، ثم يضعف هذا الجواب، وتارة يقول: بل العقل والنفوس أزلية فحدث تصور من","vol":"8","page":283},{"text":"التصورات للنفس أوجب حدوث الأجسام، وهو باطل في نفسه مخالف للعقل والنقل كما تقدم، وأجود أجوبته المعارضة والنقض، وهو أنه يقول: هذه الحجة تستلزم أن لا يحدث شيء من العالم، وهو خلاف المشاهدة.\nوهذه المعارضة جيدة إذا ادعى المدعي أن المرجح التام لكل ممكن ثابت في الأزل، فأن الحس والمشاهدة يناقض ذلك، ودليلهم لا يدل على ذلك، بل يدل على حصول مطلق الترجيح، لا على حصول ترجيح لممكنات معينة، ولا كل ممكن.\nفهذا يبين أنه ليس في دليلهم حصول مطلوبهم، فإن مطلوبهم حصول المؤثر التام في الأزل لأثر معين، كالعقول والنفوس والأفلاك.\nومعلوم أن دليلهم لا يدل على ذلك، بل إنما يدل على أنه لم يزل يفعل شيئًا، فإذا قدر أن ذلك الفعل هو قائم بنفسه، لا مفعول له في الخارج، كان ذلك وفاءً بموجب دليلهم، وإذا قدر أن ذلك كونه لم يزل متكلمًا إذا شاء، كان وفاءً بموجب دليلهم.\nوإذا قيل: إنه قامت به إرادات متعاقبة، كما قاله الأبهري، وأن بسبب بعض تلك الإرادات حدثت الحوادث، كان ذلك وفاءً بموجب دليلهم، إذ موجبه أنه يمتنع كونه يصير فاعلًا بعد أن لم يكن، والمثبت لمطلق لا ثبت فعلًا معينًا ولا مفعولًا معينًا، فضلًا عن أن يثبت عموم الفعل والمفعول.","vol":"8","page":284},{"text":"بل الذي يدل على فساد قولهم أنا قد علمنا بالمشاهدة والإحساس تجدد الحوادث في العالم، وقد امتنع أن يكون في الأزل مؤثرًا تامًا فيها، فلا بد من حدوث تمام المؤثرية لك واحد منها، والإحداث من غيره ممتنع بوسط أو بغير وسط، فلا يحدث حادث إلا منه، سواء كان بوسط كالعقول أو بغير وسط، فلو كان المؤثر كما زعموه، من أنه واحد بسيط لا تقوم به صفة ولا أمر اختياري، لكان حاله عند هذه الحوادث كحاله قبلها وبعدها.\nوهكذا الأمر في كل حال، وهو قبل حدوث الحادث المعين لم يكن علة تامة، فعنده يجب أن لا يكون علة تامة، فلا يجوز أن يحدث شيء على موجب أصولهم.\nوإذا قالوا: حدث من الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية ما أعدت القوابل لقبول فيضه.\nقيل لهم: هذا إنما يصح إذا كانت القوابل والاستعدادات من غير الفاعل الممد، كما في الشمس، وكما يقولونه في العقل الفعال.\nفأما الباري تعالى فمنه الإعداد والإمداد، وكل ما سواه من القوابل والمقبولات، والاستعدادات والإمدادات، فمنه لا من غيره، سواءً كان بوسط أو بغير وسط.","vol":"8","page":285},{"text":"وإذا كان كذلك، وكان حاله قبل إحداث كل حادث، كحاله قبل ذلك الحادث، امتنع أن يحدث منه شيء أصلًا: لا قابل ولا مقبول، ولا استعداد ولا إمداد.\nفهم وإن أثبتوا أنه لم يزل فاعلًا، فقولهم يوجب أنه لم يحدث شيئًا قط، بل ولا فعل شيئًا قط، بل حدثت الحوادث بلا محدث، فعلم أنه باطل.\nوليس في قولهم ما يوجب قدم شيء من العالم، فقولهم بقدمه باطل.\nولهذا لم يحفظ القول بقدم الأفلاك عن أساطين الفلاسفة، بل أول من حفظ ذلك عنه أرسطو وأتباعه.\nوأما أساطين القدماء، فالمنقول عنهم حدوث الأفلاك، فهم قائلون بحدوث صورة العالم، ولهم في المادة كلام فيه اضطراب.\nفالنقل الثابت عن أعيانهم بحدوث العالم، موافق لما أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم.\nونقل أصحاب المقالات عن غير واحد من أئمتهم القول بإثبات الصفات لله، وبإثبات الأمور الاختيارية القائمة بذاته.\nوهذا قول من يقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول، من الأوائل والأواخر، كأبي البركات وغيره.\nوهؤلاء لم يوافقوا أرسطو وأتباعه، ولا ابن سينا وأمثاله، على أن","vol":"8","page":286},{"text":"الرب وجود بسيط لا صفة له ولافعل، بل أثبتوا له الصفات القائمة بذاته، وأنه يفعل بإرادات تقوم بذاته: إرادة بعد إرادة.\nوهؤلاء أبعدوا أن يمكنهم إقامة الدليل على قدم شيء من العالم، فإن الفاعل الذي يفعل بإرادات قائمة به بذاته شيئًا بعد شيء، لا يقوم لهم دليل على أن شيئًا من مفعولاته لم يزل مقارنًا له، إذ يمكن أنه فعل مفعولًا بعد مفعول.\nوأن هذا العالم خلقه من مادة كانت قبله.\nكما أخبرت بذلك الرسل.\nفأخبر الله تعالى في القرآن أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأخبر أنه سبحانه: ﴿استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم﴾ .\nقال في الآية الأخرى: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم﴾ .\nفأخبر أنه سواهن سبع سماوات في يومين، وأن السماء كانت دخانًا، وهو بخار الماء كم جاء تفيسره في عدة آثار: أنه خلق السماء من","vol":"8","page":287},{"text":"بخار الماء، والبخار دخان الماء، كما أن دخان الأرض دخان.\nوإن أريد بالدخان التراب فقط.\nأو دخان التراب والماء، فكل ذلك فيه إخبار الله أنه خلق السماوات السبع من مادة أخرى، كما أخبر أنه خلق الإنسان من مادة، وأنه خلق الجان من مادة.\nوثبت في الصحيح: صحيح مسلم، عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» .\nوثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله به عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» .\nوفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ أنه قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض» وفي رواية صحيحة: «ثم خلق","vol":"8","page":288},{"text":"السماوات والأرض»، قأخبر أنه كان بين تقديره وبين خلقه للسماوات والأرض خمسين ألف سنة، وهذه أزمنة مقدرة بحركات موجوده قبل وجود الأفلاك والشمس والقمر.\nوأخبر أنه كان عرش الرب إذ ذاك على الماء.\nوقد جاءت الآثار المشهورة بأن الماء كان على وجه الأرض، وأنه خلق السماء من دخان ذلك الماء.\nوكذلك في أول التوراة مثل هذا، سواء أنه في أول الأمر خلق الله السماوات والأرض، وأنه كانت الأرض مغمورة بالماء، وكانت الريح تهب على الماء، وذكر تفصيل خلق هذا العالم.\nففي هذه الآثار المنقولة عن الأنبياء أنه كان موجودًا قبل خلق هذا العالم أرض وماء وهواء، وتلك الأجسام خلقها الله من أجسام","vol":"8","page":289},{"text":"أخر فإن العرش أيضًا مخلوق، كما أخبرت بذلك النصوص، واتفق على ذلك المسلمون، فأساطين الفلاسفة المتقدمون كانوا - فيما نقل الناقلون عنهم - قولهم يوافق هذا، لم يكونوا بقدم العالم، فإن هذا قول ليس عليه دليل أصلًا، مع أنه في غاية الفساد.\nوحقيقته أن الصانع لم يصنع شيئًا، وأن الحوادث تحدث بلا محدث، بل حقيقته أن هذا العالم واجب الوجود، وأنه ليس له مبدع.\nوأرسطو إنما أثبت له علة غائية يتشبه الفلك لها، واستدل عليه بكون حركة الفلك عنده اختيارية، فلا بد لها من غاية، وقال: إن العلة الأولى تحرك الفلك كما يحرك المعشوق عاشقه، والمشوق في الحقيقة ليس له قصد ولا علم ولا فعل في تحريك العاشق، بل ذاك لمحبته يتحرك إليه، فكيف وحقيقة قولهم أن يتحرك للتشبه به، كمايتحرك المأموم للتشبه بإمامه؟ فهكذا يقولون: أن الفلك يتحرك للتشبه بالعلة الأولى.\nوقد بينا فساد قوله.\nوحكينا ما ذكره أصحابه من أقواله، وما فيها من الفساد، في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن يعلم العقلاء أنه مخالف لصريح العقل، ليس من دين المسلمين، كما أنه من خالف كتاب الله، وسنة رسوله، أو إجماع السابقين، ليس من دين المسلمين، فليس في دينهم الصحيح: لا ما يخالف صحيح المنقول، ولا ما يخالف صريح المعقول، ولاما يناقض صحيح المنقول وصريح المعقول.","vol":"8","page":290},{"text":"والمقصود هنا أن الممكن لا يترجح إلا بمرجح، وأن هذا متفق عليه بين العقلاء، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>فصل</span>\nثم إن الرازي، مع سلوكه المسلك المتقدم، ذكر أن هذه المتقدمة، أعني أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، هي مقدمة ضرورية، وأن من لزمه ما يناقضها فهو لم يلزم ذلك، فليس من العقلاء من يلتزم نقيضها، والأقوال المستلزمة نقيض هذه القضية باطلة قطعًا.\nوهذا الذي قاله صحيح في الممكن المعلوم أنه ممكن وهو المحدث، فإن وجود المحدث بلا محدث مما يعلم بضرورة العقل امتناعه، وأما الممكن بالمعنى الذي قالوه وهو ما يتناول القديم، فهو يبين أنه باطل، وأنهم لم يثبتوا بهذه الطريق: لا إثبات متمكن ولا إثبات واجب.\nولكن قد ذكر أيضًا أنه من المعلوم بضرورة العقل أن المتساوي الطرفين لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح.\nوهذا صحيح يوافقه عليه عامة العقلاء.","vol":"8","page":291},{"text":"وقد ذكر أن كثيرًا من الطوائف يتنافضون، فيقولون بما يناقض هذه القضية، ونحن ليس بنا حاجة أن نجيب عن أهل الباطل به نقول: إن قولهم بترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح له يدل على فساد قولهم، كما يدل على فساد قول المتفلسفة الدهرية وفساد قول الجهمية والقدرية.\nوحينئذ فليس في تلك اللوازم ما نحتاج أن نجيب عنه، إلا ما ذكره عن المسلمين من قولهم: إن الله فعل العالم في الوقت المعين دون سائر الأوقات، لا لأمر يختص به ذلك الوقت.\nفإن القول المحكي عن المسلمين لا بد أن يكون موجودًا في كتاب الله أو سنة رسوله، أو هو مما انعقد عليه إجماع المسلمين، ولو لم يكن إلا إجماع الصحابة وحدهم فلو كان فيه نزاع بين المسلمين لما جاز أن يحكى عنهم كلهم.\nفكيف وهذا القول ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من سلف الأمة وأئمتها.\nولا هو متفق عليه بين أهل الكلام منهم؟ بل هوقول طوائف من أهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والأئمة.\nوطوائف منهم ينازعون في ذلك، ويقولون: إن الحادث إنما حدث لسبب اقتضى حدوثه واختصاصه بذلك الوقت، مع قولهم: إن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما ثبت ذلك بالنصوص المتواترة، وقد علم النزاع في تسلسل الآثار، بل فيما","vol":"8","page":292},{"text":"يقوم بذات الله تعالى من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته مع عدم تناهيها، وثبوت تسلسلها.\nوالمقصود هنا أن القول بترجيح الممكن - الذي هو الحادث - بلا مرجح ممتنع عند عامة العقلاء، فإن كان الممكن هو الحادث، كان كلاهما دليلًا على مدلول واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>القول بحدوث حادث بلا محدث ممتنع لوجوه</span>\nوإن قدر أن الممكن أعم من المحدث، فنقول: إذا كان ذلك ممتنعًا فالقول بحدوث حادث بلا محدث ممتنع أيضًا.\nبل هو أعظم امتناعًا لوجوه:\n(الأول)\nأنه يتضمن رجحان الممكن بلا مرجح، لأن كل محدث فهو يمكن وجوده وعدمه، إذ لولا إمكان وجوده لما وجد، ولولا إمكان عدمه لما كان معدومًا قبل حدوثه، فوجوده يقتضي ترجيح وجوده علىعدمه، وذلك يفتقر إلى مرجح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>الثاني</span>\nأن ذلك يتضمن تخصيص حدوثه بوقت دون وقت، وصفة دون صفة، وتخصيص أحد المثلين بما يختص به عن الآخر لا بد له من مخصص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>الثالث</span>\nأن نفس العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين وأقوى وأظهر في العقل من كون الممكن لا يترجح إلا بمرجح.\nوهذا يتصور هذا من العقلاء ويعلمون بطلانه بالضرورة، من لا يتصور الممكن ويعلم افتقاره إلى","vol":"8","page":293},{"text":"المرجح، إلا بنوع من التكلف الذي لا يتصور به ذلك.\nوقد تبين أن الناس في هذا المقام على درجات، وكل من كان إلى الفطرة العقلية والشريعة النبوية أقرب، كانت طريقته أقوم، فالمستدل بأن الموجود على سبيل الجواز، وهو الموجود الممكن، لا يكون بالوجود أولى منه بالعدم إلا بالفاعل، وأن ما حدث مع جواز أن لا يحدث لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث، لولا شيء اقتضى حدوثه، كما سلك ذلك كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم - خير من المستدل بأن الموجود الممكن مطلقًا لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح، وهذا المستدل بأن الممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح خير من المستدل بأنه لا يترجح وجوده على عدمه، ولا عدمه على وجوده إلا بمرجح، كما سلك ابن سينا وأتباعه، كالسهروردي والرازي والآمدي وغيرهم مع تناقض هؤلاء، حيث قالوا في موضع آخر: إن العدم المستمر لا يحتاج إلى سبب، كما قاله نظار المسلمين من جميع الطوائف.\nثم الذين استدلوا بذلك، ولم يحتاجوا إلى قطع التسلسل، كما فعل الجمهور، أقرب من الذين احتاجوا إلى قطع التسلسل، كما فعل ابن سينا ونحوه.","vol":"8","page":294},{"text":"ثم هؤلاء الذين لم يحتاجوا إلا إلى إبطال التسلسل دون إبطال الدور، أقرب من الذين احتاجوا إلى إبطال التسلسل والدور جميعًا، كما فعل الرازي ونحوه، وظنوا أن الدليل لايتم إلا بذلك.\nثم هؤلاء الذين أبطلوا التسلسل خير من الذين أقروا بعجزهم عن ذلك كما فعل الآمدي.\nثم إن أبا الحسين مع أن طريقه أصح وأبين وأقرب من طرق هؤلاء، فطريقة القاضي أبي بكر بن الطيب، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي الجويني، وابن عقيل، وأبي الحسن ابن الزاغوني، وأمثالهم، خير من طريقته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>كلام أبي الحسن البصري في إثبات محدث العالم</span>\nوذلك أنه قال: (فإذا ثبت أن العالم محدث، فالدلالة على أن له محدثًا، هي أنه لا يخلو إما أن يكون حدث، وكان يجوز أن لا يحدث، أو كان يجب أن يحدث.\nفلو حدث مع وجوب أن يحدث، لم يكن أن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل، فلا يستقر حدوثه على حال، إذ كان حدوثه واجبًا في نفسه، وإن حدث مع جواز أن لا يحدث، لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث، لولا شيء اقتضى حدوثه.\nوسندل على أنه عالم قادر، فصح قولنا) .\nقال: (واستدل شيوخنا، ﵏، على أن الأجسام تحتاج إلى محدث، بأن تصرفنا يحتاج إلى محدث، لأجل أنه محدث، فكان حدوث","vol":"8","page":295},{"text":"كل محدث يحوجه إلى محدث، فإذا كانت الأجسام محدثه، احتاجت إلى محدث) .\nقال: (والدلالة على حاجة تصرفنا إلى محدث، هو أنه لو حدث بنفسه من غير محدث لحدث، وإن كرهناه، وكنا ممنوعين منه، فلما وقع بحسب قصدنا، وانتفى بحسب كراهتنا، علمنا أنه يحتاج إلينا.\nوالدليل على أنه يحتاج إلينا لأجل حدوثه، أنه إما أن يحتاج إلينا لأجل حدوثه، أو لبقائه، أو لعدمه، فلو احتاج إلينا لأجل بقائه، لوجب أن لا يبقى البناء إذا مات الباني، ولا يجوز أن يحتاج إلينا لعدمه، لأن تصرفنا كان معدومًا قبل وجودنا، وقبل كوننا قادرين، فصح أنه احتاج إلينا ليحدث، ولأن حدوثه هو المتجدد بحسب قصدنا وإرادتنا، وهو الذي لا يتجدد إذا كرهناه، فعلمنا أنه إنما يحتاج إلينا لأجل حدوثه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فطريقة شيوخه الذين أشار إليهم من المعتزلة، هي الاستدلال على افتقار المحدث إلى المحدث بالقياس على تصرفاتنا، وأنها تحتاج إلى محدث لأجل كونها محدثة.\nوقد سلك هذه الطريقة غير المعتزلة من أصحاب الأشعري وغيرهم، حتى مثل أبي القاسم القشيري وأبي الوفاء بن عقيل، وبنوا ذلك على هذه.\nوأما الطريقة التي ذكرها هو، وبناها على التقسيم الذي ذكره وهو أن","vol":"8","page":296},{"text":"المحدث لا يخلو من أن يحدث مع وجوب حدوثه، أو مع جواز حدوثه وجواز أن لا يحدث.\nوأبطل الأول، بأنه لو كان حدوثه واجبًا، لم يكن حدوثه في حال بأولى من حدوثه قبل تلك الحال، فلا يستقر حدوثه على حال، إذ كان حدوثه واجبًا في نفسه.\nوقد قال قبل هذا: إن وجود القديم واجب، وليس بأن يجب وجوده في حال أولى من حال، فصح أنه واجب الوجود في كل حال، واستحال عدمه.\nوهذا التقسيم لا يحتاج إليه، ولا على إبطال هذا القسم بما ذكروه، وذلك أن قول القائل: إما أن يحدث مع وجوب حدوثه، أو مع جواز حدوثه.\nإما أن يريد به وجوب حدثه بنفسه، أو وجوبه بغيره.\nفإن أراد به الثاني فهذا لا يمتنع، بل يجوز أن يقال: المحدث حدث مع وجوب حدوثه بالمقتضى لحدوثه لا بنفسه، أي وجد المقتضي التام لحدوثه، الذي يمتنع معه أن لا يحدث.\nوهذا إذا قيل، فإنه يدل على ثبوت الصانع المحدث أيضًا لا ينفي ذلك، فليس في إثبات هذا القسم ما ينفي ثبوت الصانع.\nولكن هؤلاء المعتزلة قد ينازعون قي كون الممكن عند وجود المقتضى التام يكون واجبًا.\nويقولون: لا يقع شيء من الممكنات والحوادث إلا على وجه الجواز، أو أن يكون بالوجود أولى منه بالعدم، لا على وجه الوجوب.","vol":"8","page":297},{"text":"ويقولون: إن القادر المختار، سواء كان قديمًا أو محدثًا، لا يفعل إلا مع جواز أن لا يفعل، وإنه يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، وهذا مما نازعهم فيه جمهور العقلاء.\nوليس المقصود هنا بيان صحة قول الجمهور، وفساد قولهم.\nلكن المقصود أن قولهم سواء كان صحيحًا أو فاسدًا، فهم يستغنون عن جعله مقدمة إثبات الصانع.\nوإذا أمكن إثبات العلم بالصانع على كل تقدير، كان خيرًا من إثباته على تقدير قول تنازع فيه كثير من العقلاء وهم يمكنهم إثباته بأن المحدث لا بد له من محدث، سواء قيل أنه يجب بمحدثه أو لم يقل ذلك، فلا حاجة بهم في إثباته إلى ذلك.\nوإما إن أراد القائل بقوله: إما أن يحدث مع وجوب أن يحدث أو مع جواز أنه يحدث، مع وجوب أن يحدث بنفسه بدون مقتض لحدوثه، فلا ريب أن هذا فاسد معلوم فساده بضرورة العقل.\nوالعلم بفساده أبين من العلم بكون حدوثه ليس في حال بأولى منه في حال أخرى، وذلك أن ما حدث يعلم أنه ليس واجبًا بنفسه، فإن الواجب بنفسه لا يقبل العدم.\nوالمحدث كان معدومًا، فيمتنع أن يقال إنه حادث، وهو واجب بنفسه.","vol":"8","page":298},{"text":"ومن المعلوم أن المحدث يمتنع أن يكون قديمًا، فإن هذا نقيض هذا، إذ المعني بكونه محدثًا أنه ليس بقديم.\nومن المعلوم أن واجب الوجود بنفسه يجب أن يكون قديمًا، والعلم بأن واجب الوجود بنفسه يجب أن يكون قديمًا، أبين من العلم بكون القديم يجب أن يكون واجب الوجود بنفسه.\nفإن الأول لم تنازع فيه طائفة معروفة، والثاني نازع فيه طائفة معروفة.\nوأيضًا فإن أبا الحسين استدل على أن القديم يجب أن يكون واجب الوجود بنفسه، بأنه ليس وجوده في حال بأولى من وجوده في حال، فصح أنه واجب الوجود في كل حال، فامتنع عدمه.\nوأما كون واجب الوجود بنفسه يكون قديمًا، فهو أبين من هذا.\nوحينئذ فالمحدث لا يمكن أن يقال: إنه حدث، وهو أنه حدث وهو واجب الوجود بنفسه، أبين من كونه ليس وجوده في حال أولى منه في حال.\nوأبو الحسين بنى كلامه على نفي هذه الأولوية، التي مضمونها أن الوقتين متساويان.\nفلا يجوز تخصيص أحد الوقتين عن الآخر بالحدوث إلا بمخصص.\nوهذا يكفيه في الاستدلال ابتداء، فإن المحدث اختص حدوثه بوقت، وتخصيص أحد الوقتين لا بد له من مخصص.","vol":"8","page":299},{"text":"وهذه هي الطريقة التي سلكها القاضي أبو بكر ومن وافقه، وهي خير وأقرب وأصح من طريقة أبي الحسين.\nأما كونها خيرًا وأقرب فظاهر، وأما كونها أصح فلأن أبا الحسين جعل من مقدمات حجته أنه إذا حدث مع وجوب أن يحدث، لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل، فلا يستقر حدوثه على حال.\nوهذا كما تقدم فيه إجمال يحتاج إلى استفصال، يترتب عليه نزاع.\nفإذا قال له القائل: بل حدث مع وجوب أن يحدث لمقتضى اقتضى وجوب حدوثه في تلك الحال، لم يمكنه أن يقول: ليس إيجاب المقتضى لحدوثه في تلك الحال بأولى من اقتضائه لوجوب حدوثه في غير تلك الحال، لأنه يقول له كما قلت: إن المقتضى لحدوثه مع جواز حدوثه، يخصص الحدوث بحال من حال، كذلك يقول: إن المقتضي لوجوب حدوثه يخصص الحدوث بحال دون حال.\nفإن قال: المقتضى الموجب لا يخص بحال دون حال، بخلاف المقتضى مع عدم وجوب الاقتضاء.\nكان الجواب من وجوه:\nأحدها: المنع، فإن هذه دعوى مجردة.\nالثاني: أن يقال: لا نسلم أنه يمكن أن يكون شيء مقتضيًا للحدوث إلا مع الوجوب، وإنه مادام اقتضاؤه جائزًا فإنه يمتنع الاقتضاء، وذلك","vol":"8","page":300},{"text":"لأنه إذا جاز أن يقتضى، وجاز أن لا يقتضى، كان كل من الأمرين ممكنًا جائزًا، لم يكن ثبوت الاقتضاء أولى من انتفاء، لولا أمر آخر اقتضى ذلك الاقتضاء، ثم القول في اقتضاء ذلك الاقتضاء كالأول، ويلزم منه توقف حدوث الحوادث على اقتضاءات متسلسلة لا نهاية لها، ولا وجود لشيء منه، وما توقف على ما لا وجود له فلا وجود له، وهو يبطل التسلسل فيما هو دون هذا.\nوهذا المقام مقام معروف للمعتزلة في فعل الرب، وفعل العبد يذكرونه في مسألة حدوث العالم، ومسألة القدر، وهو مما استطالت عليهم به أهل السنة والفلاسفة وغيرهم.\nلا سيما وأبو الحسين يقول: إنه مع فعل القادر يتوقف على الداعي، وإنه عند وجود الداعي التام يجب وجود المقدور، فيكون أصل قوله موافق لقول من قال من أهل السنة ومن الفلاسفة: إن الحادث يحدث مع وجوب أن يحدث، وهذايناقض قوله بأنه لا يحدث إلا مع جواز الحدوث لا مع وجوبه.\nالثالث أن يقال: هب أنا سلمنا إمكان ثبوت المقتضى، وأنه يقتضى مع جواز أن لا يقتضى، وأنه يخص الحدوث بحال دون حال، فإذا أمكن الحدوث والتخصيص بما هو مقتض مع جواز أن لا يقتضى، فالحدوث والتخصيص بمقتض واجب الاقتضاء أولى وأحرى.\nفإن قيل: ما كان واجب الاقتضاء لم يتخلف عنه مقتضاه، فيلزم قدم الحوادث، بخلاف ما كان جائز الاقتضاء.","vol":"8","page":301},{"text":"قيل: هذا إنما يصح لو كان اقتضاؤه لكل ما يقتضيه لازمًا له، وكان مجرد ذاته علة موجبة لمعلولاته، كما يقوله من يقول ذلك من المتفلسفة، كبرقلس وابن سينا وأتباعهما.\nفإنهم يقولون: إن الأول علة بمجرد ذاته لجميع المعلولات، وما سواه معلول به، فيلزمهم أن لا يتخلف عنه شيء من الحوادث، وهذا باطل قطعًا.\nوأما إذا كان اقتضاؤه وفعله لما يفعله، إنما هو أنه مقتض لوجود كل حادث في الوقت الذي حدث فيه، لا سيما إذا قيل مع ذلك بأنه مقتض لما يقتضيه كمشيئته وقدرته، كما هو قول المسلمين وجماهير العقلاء.\nفيقال: إذا قدر أنه قادر مختار، وهو يحدث الحوادث، مع جواز أن لا تكون مشيئته وقدرته مستلزمة لحدوثها، فلان يحدثها مع كون مشيئته وقدرته مستلزمة لها أولى وأحرى.\nوحينئذ فيحدث مع وجوب حدوثها بقدرته ومشيئته.\nولا يمكنهم أن يقولوا: القدرة والمشيئة لا تخص وقتًا دون وقت، لأن هذا ينقض قولهم.\nفإنهم يقولون: إنه لمجرد قدرته يخص بعض الأحوال دون بعض.","vol":"8","page":302},{"text":"ولو قال قائل: ذلك من غيرهم.\nلقيل له: تخصيص القدرة والمشيئة للحوادث بحال دون حال، هو بحسب ما يعلمه من الأسباب المقتضية للتخصيص.\nوغاية ذلك أن يستلزم أن تقوم بذاته أسباب تقتضي التخصيص متعلقة بمشيئته وقدرته.\nأو يقال: إن هذا يستلزم ما لا نهاية له على سبيل التعاقب، ونحو ذلك من المقامات المعروفة التي لا يوردها أحد، إلا وهو يلزمه بترك التزامها من التناقض أعظم مما يلزم به منازعه، وأما منازعه فيمكنه التزامها، ولا يتناقض قوله: لا عقلًا ولا شرعًا.\nولكن من حسن المناظرة والتعليم أن يبين لمن يرد قولًا ما يلزمه هو على تقديره رده ومن أراد تصحيح الحق بقول باطل يمكن استغناؤه عن ذلك القول، وأن الحق يمكن تصحيحه بدونه، وأنه إذا صححه بذلك الطريق، كان ما يلزمه من اللوازم التي تناقض قوله وتفسده، أعظم مما يلزمه إذا أعرض عن ذلك.\nوبهذا وأمثاله يتبين أنه لم يسلك أحد طريقًا مخالفة للسنة في إثبات شيء من اصول الإيمان، إلا والله قد أغنى عنها بما هو سليم من عيوبها، وأن تلك الطريق وإن غمض على أكثر الناس معرفة فسادها لدقته، فلا يخفى عليهم إمكان الاستغناء عنها.\nونحن كثيرًا ما نقصد بيان أن الطرق التي خالفها سالكها شيئًا من النصوص غير محتاج إليها، بل مستغن عنها، ليتبين أن العلم بصدق","vol":"8","page":303},{"text":"الرسول، وصحة ما جاء به من الكتاب والسنة، ليس موقوفًا على شيء من الطرق التي تناقض شيئًا مما جاء به، مع أنا نبين أيضًا أن تلك الطرق فاسدة، لكن بيان الاستغناء عنها في مقام، وبيان فسادها في مقام.\nوأهل البدع يدعون الحاجة إليها أولًا، ثم يعارضون بها النصوص ثانيًا، فنحن نبين الغنى عنها، ثم نبين فسادها ثانيًا، ثم نبين ثالثًا أن الطرق العقلية الصحيحة، وهي الأدلة السمعية متلازمان، فيلزم من صحة أحدهما صحة الآخر.\nوهذا قدر زائد على عدم تنافيها، وعدم تنافيها وحده كاف في بطلان قول من يزعم تنافيهما.\nوأيضًا فلو قدر أن فيها ما ينافي السمع، فذلك المنافي ليس هو الأدلة العقلية التي بها نعلم صحة السمع.\nوذلك كله مما تبين به بطلان قول من يقول: إن تقديم الكتاب والسنة على ما يعارض ذلك، يستلزم قدح الشرع في أصله.\nوطريقة القاضي أبي بكر وأمثاله ليس فيها هذا التقسيم الذي ذكره أبو الحسين، بل ذكر أولًا أن تخصيص المحدث بوقت دون وقت لا بد له من مخصص، وأن ما قدم من الحوادث وأخر، لا بد له من مقدم ومؤخر، من غير أن يحتاج أن يقول: إن الحدوث: إما أن يكون واجبًا، وإما أن يكون غير واجب، وهذا أصح وأقرب وأبين.\nثم أن طريقة أبي الحسن الأشعري التي في اللمع خير من","vol":"8","page":304},{"text":"طريقة القاضي، فإنه بناها على أن المحدث لا بد له من محدث، ولم يحتج أن يستدل على ذلك بأن الحدوث تخصيص بوقت دون وقت، والتخصيص لا بد له من مخصص، فإن هذا وإن كان صحيحًا فالعلم بافتقار المحدث إلى المحدث أبين وأقوى من هذا.\nوكل ما يذكر في تخصيص أحد الوقتين، أو تخصيصه بصفة دون صفة، هو موجود في نفس الحدوث، فإن تخصيص هذا الحادث بالحدوث دون غيره من الممكنات، لا بد له من مخصص، ونفس الحدوث مستلزم للمحدث الفاعل، ولو قدر أنه لم يحدث غيره، ولا يمكن حدوث غيره، وأنه ليس هناك حال أخرى تصلح للحدوث، فإن كون الحادث يحدث نفسه من غير محدث يحدثه، من أبين الأمور استحالة في فطر جميع الناس.\nوالعلم بذلك مستقر في فطر جميع الناس، حتى الصبيان، حتى أن الصبي إذا رأى ضربة حصلت على رأسه، قال: من ضربني؟ من ضربني؟ وبكى حتى يعلم من ضربه.\nوإذا قيل له: ما ضربك أحد، أو هذه الضربة حصلت بنفسها من غير أن يفعلها أحد، لم يقبل عقله ذلك، وهو لا يحتاج في هذا العلم الفطري الذي جبل عليه إلى أن يستدل عليه بأن حدوث هذه الضربة في هذه الحال، دون ما قبلها وما بعدها، لا بد له من مخصص، بل تصور هذا فيه عسر على كثير من العقلاء، وبيان","vol":"8","page":305},{"text":"ذاك بهذا، من باب بيان الأجلى بالأخفى.\nثم الطرق التي جاء بها القرآن خير من طريقة الأشعري وغيره، فإن فيها إثبات الصانع بنفس ما يشاهده الناس، من حدوث الأعيان المحدثة، وحدوث الأعيان مشهود معلوم، لا يحتاج أن يستدل على حدوثها بحدوث صفاتها، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nبل سالكو هذه السبيل ظنوا أن الأعيان لا تحدث، وإنما تحدث صفاتها وأنهم لم يشهدوا حدوث جسم ولا جوهر قائم بنفسه، وإنما شهدوا حدوث صفات الأجسام، وأن الأجسام متماثلة مركبة من جواهر متماثلة، وهي تنقلب فيها من وصف إلى وصف.\nقالوا: فهذا هو الذي يشهد حدوثه، ثم بهذا يعلم حدوث ما قامت به هذه الحوادث، فأنكروا ما يعلمه الناس بحسهم ومعاينتهم، من حدوث ما يشهدون حدوثه من الأجسام، ثم احتاجوا مع ذلك إلى أن يثبتوا حدوث هذه الأعيان بالاستدلال الذي ذكروه، من أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.\nوهذه الطريق يظهر الاستغناء عنه لكل أحد بما يشهده من حدوث الأعيان، وأصحابها يسلمون الاستغناء عنها بما يشهدونه من حدوث الصفات، كما ذكره الرازي وغيره، وعلى التقديرين فقد ثبت الاستغناء عنها.","vol":"8","page":306},{"text":"فمن قال: إن العلم بإثبات الصانع وتصديق رسله موقوف عليها، فقد ظهر خطؤه عقلًا لكل أحد، كما علم مخالفته لدين الإسلام بالضرورة.\nفإنه من المعلوم بالاضطرار: أن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، ما دعوا أحدًا من الناس إلى الإقرار بالخالق وبرسله بهذه الطريق، ولا استدلوا على أحد بهذه الحجة، بل ولا سلكوا هم في معرفتهم هذه الطريق، ولا حصلوا العلم بهذا النوع من النظر والاستدلال المبتدع المحدث، الذي قد أغنى الله عنه، وظهر الغنى عنه لكل عاقل.\nثم معرفة فساد هذه الطريق عقلًا، هو ألطف من العلم بالغنى عنها.\nولهذا يظهر الغنى عنها لخلق كثير، قبل أن يظهر لهم فسادها.\nوقد ذكر من الكلام على مقدماتها، وفسادها، وطعن بعض أهلها في بعض، وإفسادها لمقدماتها، وبيان فسادها بصريح العقل، في غير هذا الموضع، ما ينبه على المقصود.\nوالمقصود هنا: التنبيه على أن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث، والمفعول إلى الفاعل، وهو من العلوم الضرورية البديهية، وهو أظهر وأقوى مما استدل به عليه القاضي وأمثاله، من كون تخصيص الحدوث بوقت دون وقت، لا بد له من مخصص.","vol":"8","page":307},{"text":"وهذا الذي ذكره القاضي أبو بكر وأمثاله، أظهر مما استدل عليه أبو الحسين وأمثاله، من أن الحدوث: إما أن يكون على وجه الوجوب، أو على وجه الجواز.\nوهذا الذي ذكره أبو الحسين وأتباعه من أن الجائز الممكن ليس وجوده أولى من عدمه، لولا المقتضى لحدثه، أظهر مما ذكره ابن سينا، والرازي، وأمثالهما، من أن الجائز الممكن ليس وجوده أولى من عدمه، ولا عدمه أولى من وجوده إلا لمرجح منفصل عنه.\nوطريق هؤلاء بعضها أصح وأقرب من طريق بعض.\nوقد ظهر بما ذكرنا فساد القاضي أبي بكر: أنه لم يخالف في أن افتقار المحدث إلى محدث مما لا يعلم بالاضطرار، وإنما يتطرق إليه بالفحص والبحث إلا شرذمة لا يعتد بقولها، ادعت في هذه المذهب البديهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>كلام الأشعري في اللمع عن إثبات وجود الله تعالى وتعليق ابن تيمية</span>\nثم يقال له: إن كان هذا حقًا، فالأشعري لم يذكر في اللمع دليلًا على ذلك، بل جعل ذلك مسلمًا، وإنما أثبت حدوث الإنسان وأنه","vol":"8","page":308},{"text":"لم يحدث نفسه.\nثم قال: (فدل ما وصفناه على أنه ليس هو الذي نقل نفسه في هذه الأحوال، وأن له ناقلًا نقله من حال إلى حال، ودبره على ما هو عليه، لأنه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر) .\nفذكره هذه المقدمة مجردة عن الاستدلال، فإن كان العالم انتقاله من حال إلى حال، لا يعلم به أن له ناقلًا مدبرًا إلا بأدلة تذكر، فهو لم يذكر تلك الأدلة، بل ادعى دعوى نظرية تقبل النزاع بلا دليل.\nوحينئذ فيكون طعن من طعن المعتزلة في كلامه أوجه، فإنه لم يقم دليلًا: لا على حدوث الجسم، ولا على أن المحدث لا بد له من محدث.\nثم يقال: من العجائب أن يكون القول بأن العالم حدث من غير محدث أحدثه، وأن بعض الحوادث حدث من غير محدث أحدثه، قول قاله كثير من الفلاسفة والدهرية، أو طائف من نظار المسلمين.\nوقول بأن العلم بأن الأفعال تتعلق بفاعل، وأن المخلوقات تتعلق بفاعل، وأن المخلوق تتعلق بخالق - علم ضروري، إنما قاله شرذمة لا","vol":"8","page":309},{"text":"يعتد بقولها، وأن الجميع من العقلاء إنما يعلم هذا بالفحص والبحث، مع أنه لا يعلم أن أحدًا من المشهورين بالعلم، طلب على هذا دليلًا، ولم يذكر عن أحد من الكفار مطالبة أحد من المؤمنين بدليل على هذا، ولا في كتاب الله وسنة ورسوله، ولا كلام أحد من السلف والأئمة ذكر حاجة هذا إلى الاستدلال.\nأو الاستدلال عليه بما ذكرتموه: من أن ذلك يتضمن التقدم والتأخر، فلا بد به من مرجح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>فصل</span>\nومن هنا يظهر الوجه الثاني، الذي تبين به أن ما ذكره الأشعري لا يحتاج إلىما ذكره القاضي.\nوذلك أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث، هو أبده للعقل، وأرسخ في القلب، وأظهر عند الخاصة والعامة، مما قرره به، وهو أن ذلك يتضمن تخصيص بعض الأزمان بالحدوث دون بعض، والتخصيص لا بد له من مخصص.\nفالأول: إن لم يكن أقوى منه وأجلى، فليس هو دونه، وغاية هذا الثاني أن يكون مثله أو داخلًا في أفراده.\nلا سيما على أصل القاضي، وموافقيه من المعتزلة والأشعرية، فإنهم يجوزون اختصاص بعض الأزمنة بالحوادث دون بعض، بدون سبب اقتضى ذلك التخصيص.\nوإذا أضافوا التخصيص إلى المشيئة القديمة، فنسبة المشيئة إلى جميع الحوادث والأزمنة سواء.","vol":"8","page":310},{"text":"وإذا كانت النسبة مستوية، فثبوت هذه النسبة مع أحد المتماثلين دون الآخر، تخصيص بلا مخصص.\nوإذا قالوا: الإرادة لذاتها تخصص مثلًا عن مثل بلا سبب، مع تضمن ذلك ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح أصلًا، أمكن منازعهم أن يقول بتخصيص أحد الزمانين المتماثلين بالحوادث دون الآخر بلا مخصص أصلًا، وقال: من شأن الأوقات التخيصص بلا مخصص.\nوإذا قالت المعتزلة: القادر المختار يرجح أحد مقدورية على الآخر بلا مرجح، كان ما يلزمهم كما يلزم أولئك وأشد.\nفمن كانت هذه الأقوال أقواله، وكان غاية ما يثبت به الصانع وافتقار المحدث إلى محدث: أن الحوادث مختصة بزمان دون زمان، فلا بد للتخصيص من مخصص، وأن التخصيص بلا مخصص ممتنع، ويجعل ذلك بديهيًا ضروريًا.\nكيف يمكنه أن يقول: إن وجود الحوادث بلا محدث، والفعل بلا فاعل، والصنعة بلا صانع، ليس امتناعه بديهيًا ضروريًا؟\nفمن جعل العلوم البديهية الضرورية ليست بديهية ضرورية، وجعل ما هو دونها بديهيًا ضروريًا، تناقضت أقواله، وكان فيها من مخالفة العقل والسمع ما لا يحصيه إلا الله.\nوهذا بخلاف الطرق المذكورة في القرآن، فإنها في غاية السداد والاستقامة.","vol":"8","page":311},{"text":"ومن أقرب ذلك أن إثبات الفاعل مبني على مقدمتين ضروريتين: أحداهما: أن الإنسان محدث.\nوالثانية: أن المحدث لا بد له من محدث.\nفأبو الحسن - مع جماهير العقلاء - جعولوا المقدمة الثانية ضرورية بخلاف ما ذكره القاضي ومن وافقه، حيث أثبتوا بما هي أقوى منه وأجلى.\nوإن كانت هذه الطرق الخفية البعيدة وأمثالها ينتفع بها في حق من لم ينفذ للطرق الجلية القريبة، أوعرضت له فيها شبهة كما تقدم.\nوأما المقدمة الأولى: وهو أن الإنسان والثمار والمطر والسحاب ونحو ذلك محدث فهذه مقدمة معلومة بالمشاهدة والضرورة، فإن حدوث الحوادث مشهود.\nثم من قال من أهل الجوهر الفرد والهيولى: إن الحادث إنما هو صفات الأجسام لا أعيانها، أو صورتها لا مادتها، أمكنهم إثبات المحدث بناءً على ذلك، وهذه الطريقة التي ذكرها الرازي وغيره، وهي الاستدلال بحدوث صفات الأجسام.\nوأما من أنكر ذلك، وهم جمهور العقلاء، فإن الحادث عندهم هو نفس الأعيان المحسوسة.\nوأبو الحسن ممن يثبت الجوهر الفرد، ولم يكتف بالاستدلال على حدوث الصفات، بل أراد إثبات حدوث نفس النطفة، فأثبت ذلك بطريقة استلزامها للحوادث، وما لا ينفك عن الحوادث فهو","vol":"8","page":312},{"text":"حادث.\nوهي الطريقة التي سلكتها المعتزلة في حدوث الأجسام ابتداءً، وعلى هذه الطريقة فحدوث الإنسان نظري لا ضروري.\nوإذا ضم إلى ذلك أن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث نظري، كما قاله من قاله من المعتزلة ومن وافقهم، كـ القاضي أبي بكر وأتباعه - صار كل من المقدمتين في إثبات الصانع نظريًا.\nوهذا أضعف هذه الطرق وأطولها، لكن مبناها على أن التخصيص الحادث لا بد له من مخصص، وهذا عند هؤلاء ضروري، كافتقار الممكن إلى الواجب.\nثم الذي سلكوا طريقة ابن سينا جعلوا هذا نظريًا، وأثبتوا منع التسلسل بطريقة ابن سينا، وهي أقرب مما بعده.\nفجاء من بعدهم، كـ الرازي، ضم إلى ذلك نفي الدور أيضًا، ثم هو والآمدي ونحوهما أثبتوا بطلان التسلسل بطرق طويلة، واستصعب ذلك على الآمدي، حتى قال: إنه عاجز عن تمشيها، وحل مايرد عليها، كما ذكرناه.\nولا ريب أن تمشيها مع تفسيرهم الممكن بالتفسير الذي أحدثه ابن سينا ممتنع.\nوأما تمشيتها إذا جعل الممكن هو الذي يوجد تارة، ويعدم أخرة، فهو سهل متيسر، معلوم ببدائه العقول.\nفانظر من عدل عن الطرق المستقيمة شرعًا وعقلًا، كلما أمعن في العدول أمعن في البعد عن الحق وتطويل الطريق وتصعيبها، حتى آل الأمر","vol":"8","page":313},{"text":"بهم إلى الجهل العظيم، وإلى العجز عن الاستدلال على ما هو أعظم الأشياء ثبوتًا ووجودًا، وأكثرها وأقواها أدلة، وأولاها بالعلم من كل معلوم، وأحقها بأن يكون مستقرًا في الفطرة، دائم الحصول في القلوب، حاصلًا بأكمل الأسباب التي يمكن بها حصول العلم.\nوالمقصود هنا الكلام على الطريقة التي ذكرها أبو الحسن، وأنها أقرب وأصح من الطريقة التي سلكها من سلكها من المعتزلة ومن وافقهم، كـ القاضي أبي بكر وأمثاله، وأنها طريقة صحيحة لم ينازع فيها طائفة مشهورة، إذا اكتفي فيها بحدوث ما يعلم حدوثه كالإنسان والنبات وغيرهما من الحوادث.\nوأما إذا احتيج فيها إلى إثبات حدوث الأجسام كلها بطريقة الأعراض، أو قيل: إن حدوث الإنسان ونحوه لا يثبت إلا بمثل تلك الطريق، كان المنازع في صحة هذه الطريق جمهور العقلاء من أهل الملل والفلاسفة، وكان هذا من الكلام الذي ذمه السلف والائمة.\nفالمخالفون للطرق الفطرية العقلية الشرعية، القريبة الصحيحة، كلما أبعدوا عنها مدحوا من يوافقهم في البعد، ولهذا عكس هؤلاء الكلام على المقدمتين، فأخذوا يوافقون أبا الحسن على المقدمة المبتدعة الباطلة، ويذمونه أو يعتذرون عنه على المقدمة البديهة الصحيحة الشرعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>تابع كلام الأشعري في اللمع</span>\nقال أبو الحسن: (فإن قال قائل: ما أنكرتم من أن تكون النطفة","vol":"8","page":314},{"text":"قديمة لم تزل؟ قيل له: لو كان ذلك كما ادعيتم، لم يجز أن يلحقها الاعتمال والتأثير والانقلاب والتغير، لأن القديم لا يجوز انقلابه وتغييره، وأن يجري عليه سمات الحدث، لأن ما جرى عليه ذلك ولزمته الصنعة، لم ينفك عن سمات الحدث، وما لم يسبق المحدث كان محدثًا مصنوعًا، فبطل لذلك قدم النطفة وغيرها من الأجسام) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>كلام الباقلاني في شرح اللمع</span>\nقال القاضي أبو بكر: (اعلم أن هذا الذي ذكره هو المعول عليه في الاستدلال على حدوث سائر الأجسام، وذلك أن الذي عناه بقوله: لو كانت قديمة لم يلحقها الاعتمال والتأثير والانقلاب والتغير، وخروجها من صفة كانت عليها إلى صفة لم تكن عليها، كنحو خروجها عن السكون إلى الحركة، وعن الحركة إلى السكون، وكاستصلابها بعد لينها، وافتراقها بعد اجتماعها، وما يلحقها من تعاقب الأكوان، وغير ذلك من التغيرات، لأن القديم الحاصل على صفة من الصفات لا يجوز خروجه عنها على ماذكره أصلًا، وذلك أن القديم إذا لم يزل مجتمعًا مثلًا أو مفتقرًا، أومتحركًا أو ساكنًا، أو على بعض هذه الصفات، لم يجز خروجه عنه، لأنه لايخلو أن يكون على ما هو عليه في أزله: لنفسه، أو لعلة، أولا لنفسه ولا","vol":"8","page":315},{"text":"لعلة، أن لبطلان نفسه، أو لبطلان معنى، فيستحيل أن يكون على ما هو عليه لا لنفسه ولا لمعنى، لأن هذا يوجب خروج الإثبات عن تعلقه بمثبت، والخبر عن تعلقه بمخبر، وغير ذلك من وجوه الفساد، ويستحيل أن يكون ما هو عليه لبطلان نفسه - وعدمها، لأن المعدوم ليس بشيء يحصل على صفة من الصفات، ولأنه ليس عدم نفسه - إن جاز عدمها - بأن يكون تحصيله ساكنًا أولى من تحصيله له متحركًا، ويستحيل أن يكون ذلك لبطلان معنى كان موجودًا به.\nلأن القديم لا يجوز عدمه، ولأنه ليس بأن يكون متحركًا لعدم سكونه أولى من غيره، ممن يصح أن يكون متحركًا.\nوهذا يوجب أن يكون الجسم إنما تحرك لعدم سكونه إلى محاذاة بعينها، ولو كان ذلك كذلك لم يكن تحركه لعدم ذلك السكون إلى تلك المحاذاة بعينها، أولى من تحركه إلى غيرها من الجهات، وإلىما هو أبعد منها.\nوفي تحركه إلى جهة مخصوصة، ومحاذاة معينة - دليل على أن ذلك إنما وجب له لمعنى سوى عدم سكونه، ولأنه ليس بأن يتحرك هو لأجل عدم السكون، أولى من غيره من الأجسام، لأن عدم السكون ليس هو بأكثر من خلوه منه، وأنه ليس فيه وغيره من الأجسام حال من ذلك السكون أيضًا، فكيف صار خلوه منه يوجب له التحرك أولى من كل من خلا من الأجسام؟ وفي فساد ذلك: دليل على أنه لا يجوز أن يكون المتحرك تحرك لعدم معنى.","vol":"8","page":316},{"text":"وجملة هذا أن القديم لا يجوز عدمه، ولا يجوز لمثل ذلك أن يكون القديم إنما يتحرك فيما لم يزل لعدم نفسه، ولا لعدم معنى قديم.\nفلم يبق إلا وجهان: أحدهما: أن يكون فيما لم يزل على ما هو عليه لنفسه أو لمعنى قديم.\nفإن كان لم يزل ساكنًا لنفسه، استحال تحركه بعد سكونه، لوجود نفسه في كلا الحالين.\nويستحيل خروج الشيء عن الوصف المستحق لنفسه، مع وجود نفسه التي بها كان كذلك.\nوإن كان لم يزل ساكنًا لأجل معنى قديم، استحال أن يتحرك إلا عند عدم سكونه القديم، وإلا وجب تحركه وسكونه معًا.\nفإذا استحال ذلك، واستحال عدم سكونه إذا كان قديمًا، واستحال أن يخرج القديم عن الصفة التي هو فيها لم يزل عليها، لم يجز أن يلحقه - لما وصفناه - وانقلاب ولا تغيير، ولا اعتمال ولا تأثير، فصح ما قاله شيخنا أبو الحسن من هذا الوجه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ولقائل أن يقول: هذا الكلام مضمونه أن ما به يعلم حدوث النطفة، به يعلم حدوث سائر الأجسام، وأن المنكر لحدوث سائر الأجسام يمكنه إنكار حدوث النطفة.\nوليس الأمر كذلك.\nبل حدوث الحيوان والنبات والمعدن ونحوذلك، وحدوث أوائل ذلك، كالنطفة والبيضة وطاقة الزرع ونحو ذلك - أمر مشهود معلوم بالحس والضرورة،","vol":"8","page":317},{"text":"واتفاق العقلاء.\nوهذا بخلاف الفلك، فإنه ليس شهود حدوثه كشهود حدوث الحيوان والنبات والمعدن.\nوكذلك من ينازعهم في الواجب وفي تسميته جسمًا: كالهاشمية والكرامية وغيرهم.\nأو من لا يطلق الاسم، ولكن يقولون له: ما أثبته نسميه نحن جسمًا، أو يجب أن يكون جسمًا، كما يعلم حدوث هذه الحوادث المشهودة.\nفإن قال بهذا، فالمفرق يقول: حدوث النطفة مشهود معلوم مسلم، وكذلك حدوث ما أشبهها.\nوأما حدوث كل ماسميته جسمًا، فإنما أثبته بما ذكرته من الدليل، وهو ضعيف على ما سنذكره.\nفإن قال: أعني بالنزاع في حدوث النطفة النزاع في حدوث الجواهر المفردة، التي منها تركبت النطفة وتألفت، أو في حدوث مادتها التي لبستها صورة النطفة.\nقيل له: الجواب من طريقتين:\nأحدهما: أن يقال: هذا لا حاجة لك به.\nالثاني: أن يقال: ما ذكرته ليس بصحيح.","vol":"8","page":318},{"text":"فأما الطريق الأول ففيه وجوه.\nأحدها: أن العلم بحدوث ما يحدث، والاستدلال به على ثبوت الصانع ليس مفتقرًا إلى أن يعلم: هل في النطفة جواهر منفردة أو مادة؟ وهل ذلك قديم أو حادث؟ بل مجرد حدوث ما شهد حدوثه يدل على أن له محدثًا، كما يدل حدوث سائر الحوادث على أن لها محدثًا.\nوإن قال: فقصدي تعميم حدوث سائر الأجسام.\nقيل له: فحينئذ لم يكن بك حاجة إلى ذكر حدوث الإنسان وحده من النطفة، بل كان هذا تطويلًا.\nإذ كان ما به بثبت حدوث النطفة، به يثبت حدوث الإنسان ابتداء.\nوحينئذ فيكون كلام الأشعري كلام من لا يعرف الاستدلال والنظر، كما قاله من اعترض عليه من المعتزلة، فإنه إذا كان لا بد في الاستدلال بالأجسام المخصوصة في آخر الأمر من دليل يتناول جميع الأجسام، كان ذكر هذا ابتداءً أولى من التطويل، لا سيما في مثل المختصر الذي يطلب فيه التقريب والتسهيل.\nوأيضًا، فإن العلم بحدوث الحوادث المشهودة أظهر وأبين من العلم بحدوث جميع الأجسام، وذلك كاف في إثبات العلم بالصانع، فلماذا تجعل موقوفة على مقدمات لو كانت صحيحة، كان فيها من التطويل والغموض ما يوجب هذا كثيرًا: إما عدم العلم، أو حصول ضده","vol":"8","page":319},{"text":"من اعتقاد الباطل، فيكون ما جعل طريقًا إلى العلم والإيمان، موجبًا لضده من الجهل والكفر.\nوالوجه الثاني: أن يقال: فحينئذ يكون الشك في حدوث الحيوان والنبات ونحو ذلك، مبينًا على كونها مركبة من الجواهر المنفردة أو المادة والصورة، وإمكان قدم الجواهر المنفردة أو المادة.\nومعلوم أن هذا لو كان صحيحًا، لكان من الدقيق الذي يحتاج إلى بيان، وهم لم يبنوا ذلك.\nومن المعلوم أن هذا موضع اضطراب فيه أهل الكلام والفلسفة اضطرابًا لا يتسع هذا الموضع لاستقصائه:\nفقالت طائفة: إن الأجسام مركبة من أجزاء لا تتجزأ، وهي الجواهر المنفردة، وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية.\nوقالت طائفة: بل فيها أجزاء لا نهاية لها، وهوالمذكور عن النظام.\nوعليه انبنى القول بطفرة النظام.\nولهذا يقال: ثلاثة لا يعلم لها حقيقة: طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري.\nوقالت طائفة: بل هي مركبة من المادة والصورة، وهي تقبل الانقسام إلى غير نهاية، لكن ليس فيها أجزاء لا نهاية لها.","vol":"8","page":320},{"text":"وقالت طائفة: ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا، بل تقبل التجزؤ إلى أجزاء لا تتجزأ.\nوقالت طائفة: ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا، ولا تتجزأ إلى غير غاية.\nبل إذا صغرت الأجزاء انقلبت إلى أجسام أخر، مع كونها في نفسها يتميز منها جانب عن جانب.\nفهؤلاء لا يقولون بقبول الانقسام إلى غير نهاية، ولا بوجود ما لا يقبل الانقسام، بل كل ما وجد يقبل الانقسام، لكنه يستحيل إلى جسم آخر، في حال تميز جانب منه عن جانب، فلا يوجد فيه انقسام إلى غير نهاية.\nوقد بسط الكلام على هذه الأقوال في غير هذا الموضع.\nوأذكياء المتأخرين: مثل أبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجويني، وأبي عبد الله الرازي: كانوا متوقفين في آخر أمرهم في إثبات الجوهر الفرد.\nفإذا كان الأمر هكذا لم يمكن أحدًا أن يطالب بدليل على حدوث الحيوان، باعتبار تركبه من الجواهر، أو المادة والصورة، حتى يثبت ذلك أولًا.\nومن المعلوم لكل عاقل أن علم الناس بحدوث ما يشهدون حدوثه من","vol":"8","page":321},{"text":"الأجسام، ليس موقوفًا على العلم بأنها مركبة هذا التركيب، الذي كلت فيه أذهان هؤلاء الأذكياء.\nالوجه الثالث: أن يقال: حدوث مايشهد حدوثه من الثمار والزروع والحيوان وغير ذلك أمر مشهود، فإن الإنسان إذا تأمل خشب الشجرة، وما يخرجه الله منها من الأنوار والثمار، وما يخرجه من الأرض من الزروع، وما يخرجه من الحيوان من النطفة والبيض - أيقن بحدوث هذه الأعيان.\nفإذا قيل له: هذا لم يحدث، ولكن كانت أجزاؤه مفرقة فاجتمعت، وجعل لها صفة غير تلك الصفة.\nقال: أما ما تغيرت صفاته، كتغير الأبيض إلى السواد، والساكن إلى الحركة، والحامض إلى الحلاوة، والمفرق إلى الاجتماع، وتغير الجسم من شكل إلى شكل، كتغير الشمعة والفضة ونحو ذلك من صورة إلى صورة - فهذا كله، وما يشبهه، يشهد فيه أن العين باقية، وإنما تغيرت صفاتها التي هي: الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، والألوان والطعوم والأشكال.\nبخلاف الثمرة التي تخرج من الشجرة، والجنين الذي يخرج من بطن أمه، والفروج الذي يخرج من البيضة، فإن","vol":"8","page":322},{"text":"عاقلًا لا يقول: إن نفس الرطبة فها جرم الخشب باقيًا، ولا أجزاء الجنين كعظمه وبصره فيه أجزاء النطفة باقية، ولا نفس الفروج فيه بياض البيض باقيًا.\nومن قال: إن هذا باق في هذا، كما أن الجسم الذي اسود بعد بياضه، وحلا بعض حموضته، وصار مدورًا بعد أن كان مسطحًا باق - فهو لا يتصور ما يقول، أو هو معاند مسفسط.\nفالأمر ينتهي إلى عدم التصور التام أو العناد المحض.\nوهذا أصل كل ضلال، وهو الجهل أو العناد، والعناد وصف المغضوب عليهم، والجهل وصف الضالين.\nوالفرق بين استحالة العين وبين تبدل الصفات معلوم للعامة والخاصة.\nوقد ذكر الفقهاء ذلك في غير موضع.\nثم كلامهم في النجاسة إذا استحالت، مثل أن تصير رمادًا أو ملحًا ونحو ذلك.\nومثل كلامهم في باب الأيمان: فيما إذا حلف على فعل في جسم معين، فتغير ذلك الجسم المعين.\nفإن كان التغيير لم يزل الاسم فاليمين باقية بلا نزاع بينهم، كما لو حلف لا يكلم هذا الرجل فمرض أو صار شيخًا، أو لا يأكل هذه الخبز فصار كسرًا، ونحوذلك.\nوإن كانت قد استحالت أجزاؤه تغير اسمه: مثل أن يحلف لا أكلت هذه البيضة فصارت فروجًا، أولا أكلت هذه الحنطة فصارت زرعًا.","vol":"8","page":323},{"text":"قالوا: فهنا لا يحنث، لأنه زال اسمه، وزالت أجزاؤه.\nوإن تغيرت الصفة مع زوال الاسم: كما إذا حلف لا كلمت هذا الصبي فصار شيخًا، أولا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشًا - فإنه يحنث عند جمهورهم: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور من مذهبه، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي.\nوكذلك لو حلف لا أكلت من هذا الرطب فصار تمرًا.\nوتنازعوا فيما إذا أكل مما يصنع من الرطب والعنب من الدبس والخل، فمنهم من قال: يحنث، وهو مذهب مالك، وهو المشهور من مذهب أحمد.\nومنهم من قال: لا يحنث، كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي.\nوطائفة من أصحاب أحمد قالوا: لأن اسم المحلوف عليه وصورته زالت فلم يحنث، كما في مسألة البيضة والفروج.\nفقال لهم الأولون: عين المحلوف عليه باقية، فصار كمسألة الحمل، بخلاف البيضة إذا صارت فرخًا، فإن أجزاءها استحالت فصارت عينًا أخرى، ولم يبق عينها.\nمع أن في هذه المسائل كلامًا ليس هذا موضعه، إذ كان منهم من يرى اليمين باقية مع استحالة العين لأجل التغيير، ومنهم من يرى أنه بمجرد زوال الاسم تزول اليمين.","vol":"8","page":324},{"text":"ولكن المقصود هنا أنه من المستقر في عقول الناس الفرق بين استحالة الأعيان وانقلابها، وبين تغير صفاتها مع بقاء عينها وذاتها.\nولهذا اتفقوا كلهم على أن العين الخبيثة لا تطهر بمجرد تغير الصفة، فالدم والميتة ولحم الخنزير والخمر: إذا تغيرت صفاته، مثل أن يجمد الدم والخمر، أو يسيل شحم الميتة والخنزير ونحو ذلك، فإنه لا يزول التحريم باتفاقهم.\nوأما إذا استحالت العين: مثل أن يصير ذلك ملحًا أو رمادًا أو نحو ذلك، ففيه نزاع مشهور.\nوالجمهور على أنه يطهر بالاستحالة، كما هو مذهب أكثر أهل الرأي وأهل الظاهر، وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد، واتفقوا على أن الخمر المنقلبة بفعل الله تعالى خلًا أنها تطهر.\nوأما الطريق الثاني: وهو بيان أن ما ذكره ليس بدليل صحيح على حدوث الأجسام - فإن المعترض يقول: قوله: (إن القديم إذا حصل على صفة من صفات لم يجز خروجه عنها) كلام مجمل، قد يراد به أنه إذا حصل على صفة لازمة لذاته لم يجز خروجه عنها.\nوقد يريد له إذا حصل على حال عارضة له، سواء كان نوعها لازمًا له أولم يكن لازمًا لذاته، مثل الفعل والعمل، سواء سمي حركة أو لم يسم: كالإتيان","vol":"8","page":325},{"text":"والمجيء والنزول والمناداة والمناجاة، وأمثال ذلك مما تنازع فيه الناس: هل يقوم بالقديم أم لا؟.\nفجمهور أهل السنة والحديث المتبعون للسلف، والأئمة من السلف والخلف، مع كثير من طوائف الكلام، وأكثر الفلاسفة: يجوزون أن يقوم بالقديم ما يتعلق بمشئته وقدرته من الأفعال وغير الأفعال، فيقول هؤلاء: قول القائل: أن القديم الحاصل على صفة، لا يجوز خروجه عنها، إن إراد به مواقع الإجماع: مثل صفات الكمال اللازمة لذات الله، أو نوع الصفات الازم لذات الله تعالى، فهذا لا نزاع فيه.\nوإن أراد به أعيان الحوادث، فما الدليل على أن القديم إذا قام به حال من غير هذه الأحوال المعينة، لم يجز خروجه عنها؟\nوأما استدلال المستدل بقوله: لا يخلو أن يكون على ما هو عليه في أزله لنفسه، أو لعلة، إلى آخر الكلام.\nفيقال لك: ذلك الأمر الذي قام هو به، هو معنى من المعاني؟ فإن جعلت الموجب لذلك المعنى أمرًا آخر - على قول مثبتي الأحوال القائلين: بأن كونه عالما ومتحركا معنى أوجبه العلم والحركة - خوطبت على هذا الاصطلاح وقيل لك: قام به ذلك لمعنى.\nقوله: وإذا كان لمعنى استحال أن يزول إلا عند عدم ذلك المعنى، والقديم يستحيل عدمه.\nيقال له: قول القائل: القديم يستحيل عدمه، لفظ مجمل.\nأتريد","vol":"8","page":326},{"text":"به: أن العين القديمة أو صفتها اللازمة لها يستحيل عدمه، أو النوع الذي لا يزال يستحيل عدمه؟ فإن أراد شيئًا من هذه المعاني، لم يكن له فيه حجة.\nوإن أراد أن النوع القديم يستحيل عدم فرد من أفراده المتعاقبة، فهذا محل نزاع، ولا دليل على امتناع عدمه، ولم يعدم القديم هنا، بل النوع القديم لم يزل، ولكن عدم فرد من أفراده بمعاقبة فرد آخر له، كالأفعال المتعاقبة شيئًا بعد شيء.\nفإذا كان القائم بالقديم نوع لم يزل مع تعاقب أفراده، لم يكن قد عدم النوع، بل كان الكلام في كونه أزليًا كالكلام في كونه أبديًا، وكما أنه لا يزال، فلا يعدم النوع، وإن عدم ما يعدم من أعيانه، فكذلك القول في كونه لم يزل.\nوأيضًا فيقال له: القديم إذا فعل بعد إن لم يكن فاعلًا، فكونه فعل أمر موجود أو معدوم؟.\nفإن قال: إنه معدوم.\nفهذا مكابرة للحس والعقل، فإن الفعل إذا كان أمرًا عدميًا، فلا فرق بين حال أن يفعل وحال ألا يفعل، لأن العدم المحض لا يكون فعلًا.\nوإذا لم يكن فرق بين الحالين، وهو في حال ألا يفعل لا فعل، فيجب في الحال التي زعم أنه فعل ألا يكون له فعل لتساوي الحالين، فيجب ألا يفعل مع كونه فعل، وهذا جمع بين النقيضين.","vol":"8","page":327},{"text":"وإن قال: كونه فعل أمر موجود، فالقديم قبل أن يفعل كان على صفة، فإما أن يتجدد ما يوجب خروجه عن تلك الصفة أو لا يتجدد، فإن لم يتجدد وجب ألا يفعل، وإن تجدد شيء انتقض قوله: إنه إذا كان على صفة من الصفات لم يجز خروجه عنها.\nفإن قيل: إنما أعني بالصفة المعنى القائم بذاته، وذاك لم يزل.\nقيل: هب أنك عنيت هذا، لكن دليلك يتناول هذا وغيره، ويوجب أن الأمر القديم الأزلي لا يجوز تحوله من حال إلى حال بوجه من الوجوه، لأن ما كان قديمًا كان لمعنى، والقديم لا يزول.\nفالأمر المتجدد المتحول الحادث، سواء سميته صفة أو حالًا أو حادثًا أو فعلًا، وسواء كان قائمًا به أو بغيره، بموجب دليلك أنه لا يجوز بغير الأمور القديمة الأزلية.\nفإن كان هذا حقًا وجب ألا يحدث شيء من الحوادث، فإن جوز أن تحدث عن قديم من غير حدوث أمر وجودي يكون شرطًا في وجودها، فقد جوز تغير الأمور الأزلية بلا سبب.\nوإن قال: لا بد من تجدد أمر به يحصل حدوثها، وإذا تجدد أمر فقد حصل تغير لم يكن في الأزل، فانتقضت حجته.\nوإيضاح هذا أن يذكر نظير حجته.\nفيقال له: القديم الذي لم يزل غير فاعل لا يجوز كونه فاعلًا، فإنه إذا كان غير فاعل، فإما أن يكون ذلك لنفسه أو لعلة، إلى آخر الكلام.","vol":"8","page":328},{"text":"وإن قال: فعله بعد أن لم يكن فاعلًا، ليس إلا مجرد وجود المفعولات، والفعل حدوث نسبة وإضافة بينهما، وهي عدمية.\nفيقال له: فالمتجدد القائم به يقال فيه كذلك، ليس هو إلا مجرد وجود ذلك المتجدد، وهو حدوث نسبة وإضافة عدمية، والفعل حدوث نسبة وإضافة نسبة وإضافة بيهما وهي عدمية.\nفإن قال: هذا يلزم منه قيام المتجددات والحوادث به، وهذا لا يجوز.\nقيل له: هذه مصادرة على المطلوب، فإنك أنت لم تقم دليلًا على أن القديم لا تقوم المتجددات والحوادث به، بل ما ذكرته هو الدليل على ذلك.\nفإن كان استدلالك على هذا لا يتم إلا بأن تجعل المطلوب مقدمة في إثبات نفسه، لم يكن لك عليه دليل إلا مجرد الدعوى، وصار هذا بمنزلة أن يقول القائل: القديم لا تقوم به الأحوال المتجددة، لأن القديم لا تقوم به الأحوال المتجددة.\nوإذا كان العلم بالصانع موقوفًا على هذا الدليل، لم يكن هناك علم بالصانع، بل صار حقيقة الكلام: الدليل على ثبوت الصانع حدوث النطفة وغيرها من الأجسام، والدليل على حدوث ذلك أنه تقوم به المتجددات والحوادث، وما قام به المتجددات والحوادث كان حادثًا، لأن ما قام به المتجددات والحوادث كان جادثًا.\nفيكون منتهى الكلام: مجرد الدعوى التي نوزع فيها والاستدلال عليها","vol":"8","page":329},{"text":"بنفسها، مع ترك الدليل الواضح البين، الذي يشهد به الحس ويعلمه الخلق، ولا ينازع فيه عاقل - وهو حدوث المحدثات التي يشهد حدوثها، ثم افتقار المحدثات إلى فاعل ليس بمحدث بل قديم - من الأمور المعلولة بالضرورة لعامة العقلاء، لا ينازع فيه إلا من هو من شر الناس سفسطة.\nفهذا وأمثاله مما يقوله جمهور الأنام، في مثل هذا المقام، ويقولون: إنا نعلم بالاضطرار: أن ما ذكره الله تعالى في القرآن ليس فيه إثبات الصانع بهذه الطريق، بل ما في القرآن من الإخبار عن الله بما أخبر عنه من أفعاله وأحواله يناقض هذه الطريق.\nويقولون: إن العقل الصريح مطابق لما في القرآن، فإن حدوث المحدثات مشاهد معلوم بالحس والعقل، وكون المحدث لا بد لهم من محدث أمر يعلم بصريح العقل، وأيضًا فحدوث الحادث بدون سبب حادث ممتنع في العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>عود لكلام الباقلاني في شرح اللمع</span>\nقال القاضي أبو بكر: (وأما قول أبي الحسن: إن الانقلاب والتغير والاعتمال والتأثير من سمات الدحث، وما لم يسبق المحدثات كان محدثًا مثلها - ففيه وجهان من الكلام:\nأحدهما: أن نقول: إن التغييرات من سمات الحدوث بدلالة أن التغير هو خروج الشيء من صفة إلى صفة - فلا يخلو إما أن يكون","vol":"8","page":330},{"text":"خروجًا من صفة قدم إلى صفة قدم، أو من صفة حدث إلى صفة حدث، أو من صفة قدم إلى صفة حدث، أو من صفة حدث إلى صفة قدم.\nوالأول باطل لوجهين:\nأحدهما: أن المنتقل انتقل إلى أمر مستأنف لم يكن عليه، وذلك لا يكون قديمًا.\nالثاني: أن ذلك يقتضي عدم القديم كما تقدم، والقديم لا يجوز عدمه) .\nقال: (ويستحيل أن يكون التغيير خروجًا من حال حدث، لأن ذلك لا يثبت إلا بأحد وجهين:\nإما بحدوث تغيير القديم، أو ببطلان معنى منه قد ثبت قدمه، ووجوب حدوث ما اكتسبه وصفًا بعد أن لم يكن مستحقًا له.\nوما قبل الحوادث لم يخل منها أو من أضدادها، وما لم يوجد قبل أول الحوادث ولم يعر منها كان محدثًا مثلها) .\nقال: (ولا خلاف بيننا وبينهم - يعني المعتزلة - في هذا القسم لنطنب فيه) .","vol":"8","page":331},{"text":"وقال: (وأما الوجه الآخر: فهو أن نقول: إنما أراد بقوله: إنها من سمات الحدث ودلائلة - إنها إذا ثبت حدوثها وأن الجسم لم يخل منها ولم يوجد قبل أولها: وجب له من الحدث ما وجب لها، إذ لا يخلو أن يكون وجد مع وجودها أو بعد وجودها، إذ قد فسد أن يكون موجودًا قبلها.\nفإن كان وجد مع وجودها، وجب له من الحدث ما وجب لها، وإن كان وجد بعد وجودها، كان أولى بالحدوث، لأن ما وجد بعد المحدث كان أولى أن يكون محدثًا) .\nقال القاضي أبو بكر: (واعلم أن هذا الدليل على حدوث النطفة وغيرها من الأجسام، إذا علق على هذه النكتة، وسلك فيها هذا الضرب من الاستدلال - فلا بد فيه من مقدمات أربع:\nأولها: الدلالة على إثبات الأعراض.\nوالثانية: الدلالة على حدوثها وأن لها أولًا تنتهي إليه.\nوالثالثة: أن الجسم لا يخلو منها ولا يوجد قبل أولها.\nوالرابعة: أن ما لم يسبق المحدثات فواجب أن يكون محدثًا مثلهًا) .\nثم تكلم على إثبات هذه المقدمات بالكلام المعروف فهم في ذلك.\nولما قيل له: لم قلتم: إن الجسم لا ينفك من هذه الحوادث، ولا يوجد قبل أولها؟.","vol":"8","page":332},{"text":"قال: (لأدلة منها: أنا نعلم بالاضطرار وببدائه العقول ومقدماتها: أن الأجسام إذا كانت موجودة فلا تخلو من الاجتماع والافتراق، وذلك لأنها لا تعدو إذا كانت موجودات من أن تكون متماسة متلاصة، كل شيء منها إلى جنب صاحبه، أوتكون متباينة متباعدة، كل شيء منها لا إلى جنب صاحبه، وليس بين هذين منزلة.\nفإن كانت متماسة، فذلك معنى الاجتماع، وإن كانت متباينة، فذلك هو معنى الافتراق) .\nقال: (ومما يبين ذلك أيضًا: أنا لوجاز لنا وجود جسم خاليًا من الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، والحياة والموت، والسواد والبياض غيرهما من الألوان ومن سائر الهيئات، لم يجد إلى ذلك سبيلًا، ولكان ذلك ممتنعًا، لأنا وجدنا هذه الأعراض متعاقبة عن الأجسام.\nوتفسير التعاقب: أن الشيء منها يوجد بعقب غيره) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: أما الاجتماع والافتراق: فإذا قدر وجود جسمين فلا بد من يجتمعا أو يفترقا.\nوأما الجسم الواحد الذي ليس معه غيره، فلا يوصف بمجامعة غيره ولا مفارقته.\nوإنما يصفه بالاجتماع والافتراق من يقول: بأنه مركب من الأجزاء المفردة.\nفيقول: تلك الأجزاء إما مجتمعة وإما مفترقة، وهذا ليس معلومًا بالبديهة ولا الحس، ولا يسلمه جمهور الناس.","vol":"8","page":333},{"text":"وأما الحياة والموت: فقد ينازعه من ينازعه من النظار في ذلك.\nفإن نظار المسلمين وغيرهم متنازعون في الموت: هل هو وجودي أو عدمي؟.\nثم من قال: إنه عدمي، يقول كثير منهم: إن هذين متقابلان، تقابل العدم والملكة.\nوما لا يقبل الحياة والموت، كالجماد، لا يوصف بواحد منهما.\nلكن القاضي وجمهور الناس، يردون على هؤلاء: بأنه هذا اصطلاح منكم لا يلزمنا.\nويقولون: إنا نفسر الموت بما يكون النزاع معه لفظيًا.\nويقول القاضي وأكثر الناس: إن كل جسم فإنه يقبل الحياة.\nلكن الذي يقال له: الجسم، لا يخلو من أن يكون حيًا أو ميتًا، كما لا يخلو من أن يكون متحركًا أو ساكنًا، واتصافه بالحياة لايستلزم إمكان اتصافه بالموت.\nفإن القديم سبحانه موصوف بالحياة والعلم والقدرة، ولا يمكن اتصافه بضد ذلك.\nوحينئذ: فلا يمكن أن يقال: إن كل جسم يقبل الحياة والموت إلا بدليل يدل على ذلك.\nوالحياة لايجب أن تكون حادثة لا نوعًا ولا شخصًا، كما قد يقال مثل ذلك في الحركة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>تابع كلام الباقلاني وتعليق ابن تيمة عليه</span>\nثم قال القاضي أبو بكر: (فإن قال قائل: فما الدليل على أن لم يسبق المحدثات محدث، وأنه واجب لا محالة القضاء على حدوث الجسم، متى لم يوجد قبل أول الحوادث، ولم زعمتم ذلك؟.","vol":"8","page":334},{"text":"قيل له: الدليل على هذا قريب واضح: وذلك أنه لا حال للجسم مع الحوادث إلا بثلاثة أحوال: إما أن يكون موجودًا قبل أولها، أو يكون موجودًا مع وجودها، أو يكون موجودًا بعدها.\nفإذا بطل أن يكون الجسم عاريًا عن الحوادث ومنفكًا من سائرها - وجب أنه ليس له معها إلا حالان: إما أن يكون موجودًا مع وجودها، أو بعدها.\nفإن كان موجودًا مع وجودها، ولوجودها أول: فواجب أن يكون حكمه في الوجود عن أول، وحصوله عن عدم حكمها، وذلك يوجب من حيث شركها في علة الحدوث متى لم يكن سابقًا لها.\nوإن كان موجودًا بعدها: كان أولى بالحدوث منها لوجوده بعدها) .\nفهذا منتهى كلام القاضي وأبي الحسن في إثبات الصانع، وكلام أبي الحسن أجود، فإنه بناه على التغير المحسوس في النطفة، لم يحتج من ذلك إلى إثبات جنس الأعراض لكل جسم.\nوقول القاضي: إن الدليل على حدوث النطفة وغيرها من الأجسام إذا علق على هذه النكتة، فلا بد فيه من إثبات الأعراض أولًا، وعلى حدوثها ثانيًا - فليس كما قال.\nبل الأشعري عدل عن هذه الطريق","vol":"8","page":335},{"text":"قصدًا، كما ذكره في رسالة الثغر، وذم هذه الطريق وعابها.\nوذلك أن ما ذكره من تحول النطفة وانقلابها أمر مشهود محسوس، لا ينازع فيه عاقل سليم، سواء سمي ذلك تحول عرضًا أولم يسم، وسواء قيل: إن ذلك العرض مغاير للجسم، أوقيل ليس بمغاير له، وتحولها مشهود حدوثه لا يحتاج من ذلك إبطال كمون الأعراض ولا انتقالها.\nلكن منتهى الدليل إلى مقدمة واحدة: وهو أن ما قامت به الحوادث فهو حادث، بناءً على أن ما قامت به لم ينفك عنها، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث.\nوهذه المقدمات فيها نزاع مشهور.\nوجمهور الناس من المسلمين واليهود النصاري والمجوس والصابئين والمشركين يخالفون في ذلك، حتى جمهور الفلاسفة المتقدمون والمتأخرون القائلون بقدم العالم وحدوثه يخالفون في ذلك.\nوالجمهور القائلون بأن الله خلق السماوات والأرض بعد أن لم تكونا مخلوقتين، لا يتوقف إثبات ذلك عندهم على هذه المقدمة، بل ويقولون: إن إثبات خلقهما لا يثبت إلا مع نقيض هذه المقدمة.\nبل وكذلك القول بأن الله خالق كل شيء، وأنه هو القديم وحده وما سواه محدث مسبوق بالعدم، كما هو مذهب أهل الملل.\nوجمهور العقلاء يقول أئمتهم: إنها لا تحتاج إلى هذه المقدمة، بل لا تثبت إلا مع نقيض هذه المقدمة، ومع القول بإبطالها.\nويقولون: إن","vol":"8","page":336},{"text":"موجب هذه المقدمة أن كل موجود محدث، وأنه ليس في الوجود قديم، مع أن هذا معلوم الفساد بالضرورة.\nوأما الكلام في أن ما قبل الحوادث لم يخل منها، ففيها نزاع مشهور بين أهل الكلام.\nوذلك قوله: ما لم يسبق الحوادث فهو حادث، فيها من منازعة أهل الحديث والكلام والفلسفة ما هو معروف.\nوقد يسلم هذه من ينازع في الأولى من الكرامية ونحوهم، وقد ينازع في هذه من لا ينازع في الأولى من أهل الحديث والفلسفة والكلام وغيرهم.\nوهذه المقدمة هي التي جعلها الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم عليها من الأشعرية والكرامبة وأتباع الأئمة الأربعة - أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد - أصل الدين.\nثم إن قدماءهم كانوا يأخذونها مسلمة، ويظنونها ضرورية، ولا يميزون بين ما لا يسبق الحادث المعين والحوادث المحدودة التي لها مبدأ، وما لا يسبق جنس الحوادث.\nفإن ما لا يسبق الحادث المعين أو الحوادث المحددة التي لها مبدأ، فهو محدث بالضرورة، ولا ينازع في هذا عاقل.\nفإن ما كان عينه حادثًا فما لم يكن قبله فإنه محدث مثله بالضرورة، كما قرره.\nلأنه إما بعده.\nوما كان مع الحادث أو بعده فهو","vol":"8","page":337},{"text":"حادث بالضرورة.\nوأما ما لا يسبق جنس الحوادث، وهو ما قدر أنه لم يزل يقارنها حادث بعد حادث وهلم جرًا، كما أنه يقارنه حادث بعد حادث، وفان بعد فان في الأبد، فيقدر ليس متقدمًا على جنس الحوادث، ولا متأخرًا عن جنس الحوادث والفانيات، فهذا محل نزاع: نازعهم فيه جمهور الناس من أهل الملل، والفلاسفة القائلين بحدوث العالم وبقدمه.\nوقد رأيت في كتب كثير من المتكلمين: من المعتزلة والأشعرية وغيرهم، أنهم أخذوا هذه المقدمة مسلمة، وجعلوها ضرورية.\nواشتبه عليهم ما لم يسبق عين الحادث بما لم يسبق نوع الحادث.\nوالأول ظاهر معلوم لكل احد.\nوأما الثاني فليس كذلك.\nفصاروا ينتهون في أصل أصول دينهم الذي زعموا أنه ثابت بصريح المعقول، وأنهم به عرفوا وجود الخالق وصدق رسله، وأنه به يردون على من خالف الملة، وبه خالفوا ما خالفوه من نصوص الكتاب والسنة، وأقوال السلف والأئمة وأهل الحديث، إلى هذه المقدمة.\nوهي لفظ مجمل فيه عموم، وإطلاق أحد نوعيه بين.","vol":"8","page":338},{"text":"فإذا ذكروا ذلك النوع البين، ظنوا أن المقدمة صارت معلومة ضرورية، والمطلوب لا يتم إلا ببيان النوع الآخر، وهم لم يبينوه.\nوهذا مما يبين للفاضل المعتبر كيف تدخل الشبهات والبدع على كثير من الناس، وإن كانوا من أعقل الناس وأذكاهم وأفضلهم، وإن كانوا لم يعتمدوا التلبيس لا على أنفسهم، ولا على من يعلمونه ويخاطبونه، لكن اشتبه الأمر عليهم، فوقعوا في شبهات ظنوها بينات.\nوهذا مما يعتبر به المسلم فلا يعدل عن كلام الله وكلام رسوله المعصوم، الذي عرف أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إلى كلام من يروج عليهم مثل هذه الشبهات، ويغرقون في مثل هذه المجملات، ولا يتبين لهم ما فيها من فصل الخطاب، والتقسيم المميز للصحيح من السقيم.\nويعرف بهذا حذق السلف والأئمة، الذين ذموا مثل هذا الكلام، وجعلوه من الجهل الذي يستحق أهله العقوبة والانتقام.\nلكن هؤلاء ذكروا في موضع آخر الكلام مع من يدعي وجود ما لا يتناهى، وبحثوا معه، وإن كانوا لم يجعلوا ذلك من المقدمات التي لا بد منها في هذه المسألة.\nوقد ذكر القاضي أبو بكر بعد هذا فقال: (فصل: فإن قال قائل من أهل الدهر، الذاهبين إلى أنه: لا حركة إلا وقبلها","vol":"8","page":339},{"text":"حركة، ولا حادث إلا وقبله حادث، لا إلى غاية: فما أنكرتم من ألا تدل الحوادث على حدوث الجسم أصلًا، إذ كان لا أول لوجودها، ولا شيء منها إلا وقبله شيء لا إلى غاية؟.\nيقال له: أنكرنا ذلك لأمور: أقربها أن هذا الذي قلته محال متناقض، وذلك أنه لا يخلو ما ما مضى من الحوادث وانقضى، أن يكون محدثًا موجودًا عن أول، وأن يكون الفعل والفراغ قد أتيا عليه، أو أن يكون منها ما هو غير وجود عن أول، ولا كائن عن حدوث.\nفإن كان الماضي من الحوادث مستفتحًا مبتدأ قد أتى عليه الفراغ - استحال قولكم: إنها لم تزل موجودات شيئًا قبل شيء، لأن ما لم يزل موجودًا فقديم غير مستفتح.\nوقولنا: إنها حوادث وجب لها الاستفتاح والوجود عن أول، والجمع بين ذلك متناقض - محال.\nوإن كان فيما أوقعنا عليه هذه التسمية، وهو قولنا: حوادث، ما هو موجود لا عن أول، وكائن عن عدم، فالموجود لا بحدوث، والكائن لا عن عدم واجب أن يكون قديمًا لا محالة، كما أن الفلك عندكم وعناصر الأشياء - التي هي: الماء، والأرض، والنار، والهواء - قديمة عندكم، إذ كانت موجودة لا عن عدم، وكانت لا بحدوث، فواجب أن يكون الفلك قديمًا لا أول لوجوده.","vol":"8","page":340},{"text":"ولو أمكن أن يكون فيما أوقعنا عليه قولنا: حوادث، ما هو كائن لا بحدوث، موجود لا عن عدم، وهو مع ذلك محدث في الحقيقة - لوجب أن يكون الفلك أيضًا وهذه الأعراض موجودةً لا بحدوث، كائنًا لا عن عدم، وهو مع ذلك محدث غير قديم.\nوكذلك القول في سائر أجسام العالم المركبة من هذه الأصول.\nولو جاز ذلك جاز في جميع أجسام العالم.\nفإن لم يجز هذا، ووجب قدم الفلك الكائن لا عن عدم، الموجود بغير حدوث - وجب قدم ما كان من الحوادث لا عن عدم، وما هو موجود فيها بغير حدوث.\nوهذا يوجب أن من الحوادث ما هو قديم، وذلك غاية التناقض والجهل لمن بلغه، لأن هذين الوصفين متناقضان.\nوإذا كان كذلك استحال ما قلتموه من أن الحوادث لم تزل شيئًا قبل شيء لا إلى أول.\nقال: (وتحرير ذلك أن هذا قول يوجب أن منها ما هو قديم لا محالة.\nوالقديم لا يكون محدثًا، ولا مجموعًا من الحوادث، لأن قولنا محدث جمع مبني من لفظ واحد، ومن المحال أن يكون من جملة الحوادث.\nفوجب أن للحوادث كلًا وجميعًا، وأن ما انقضى منها ومضى قد لقي الفراغ على جميعه، وأن لم يسبقه ولم يكن قبله، فواجب أن يكون محدثًا مثله) .","vol":"8","page":341},{"text":"فدل ما ذكره أبو الحسن في حال النطفة، وما يلحقها من التغييرات والانقلاب والتأثيرات على أنها محدثة، وهي وسائر الأجسام، إذ سائر الأجسام هي كالنطفة فيما استدل به على حدوثها، من الاعتمال والتأثير والانقلاب والتغيير) .\nقال: (وهذا الطريق من الكلام في حدوث الأجسام هو المعتمد في هذا الباب) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا القاضي هو المقدم على أبناء جنسه.\nوهذا منتهى كلامه في هذا الموضع، الذي هو عندهم أصل الدين، الذي جعلوه أصلًا لرد ما خالفه من النصوص النبوية، ولما خالفه من مذاهب الدهرية.\nوالمنازعون من أئمة السنة وأئمة الفلسفة يقولون لهم: ما ذكرتموه ليس فيه إلا مجرد الدعوى المبنية على عدم تصور النزاع، فإن قولكم: لا يخلو ما مضى من الحوادث أن يكون موجودًا عن أول، أو يكون فيها ما هو غير موجود عن أول - جوابه: أن ما مضى من الحوادث يراد به كل فرد بعينه، ويراد به النوع المتعاقب شيئًا بعد شيء.\nفإن كان المراد كل واحد واحد من الحوادث، فليس فيها شيء قديم، بل كل منها كائن بعد أن لم يكن.","vol":"8","page":342},{"text":"وإن كان مرادك النوع المتعاقب شيئًا بعد شيء، فليس له أول، وليس هو حادثًا، بل النوع قديم من أن كل فرد من أفراده حادث.\nوأنت لم تذكر دليلًا على امتناع هذه البتة، وإنما ذكرت أنه ليس فيها شيء قديم، وهذا مسلم لا نزاع فيه.\nوقلت: فإن كان الماضي من الحوادث مستفتحًا مبتدأ، قد أتى الفراغ عليه استحال قولكم: إنها لم تزل موجودة شيئًا قبل شيء، لأن ما لم يزل فقديم غير مستفتح.\nفيقال لك: كل واحد منها مستفتح مبتدأ.\nولكن لم قلت: إنه إذا كان كذلك استحال قول القائل: إنها لم تزل موجودة شيئًا قبل شيء، لأن ما لم يزل فقديم غير مستفتح؟.\nفإن هذا القائل يقول: إن الذي لم يزل، إنما هو الجنس المتعاقب شيئًا بعد شيء، وأما كل واحد واحد من تلك الحوادث فلا يقول عاقل: إنه لم يزل.\nفقول القائل: فإن كان الماضي من الحوادث مستفتحًا مبتدأ قد أتى الفراغ عليه، استحال قولكم: إنها لم تزل موجودة شيئًا قبل شيء.\nيقال له: هم لا يقولون: إن جنس الماضي مستفتح مبتدأ.\nفإن ما لم يزل موجودًا شيئًا قبل شيء لا يكون إلا قديمًا لم يزل، ولكن يقولون: إن كل واحد من تلك الحوادث مستفتح مبتدأ، وهذا لا يقولون فيه: إنه لم يزل موجودًا.\nفالذي يقولون: إنه لم يزل، ليس هو الذي يقولون: إنه مستفتح","vol":"8","page":343},{"text":"مبتدأ.\nوهذا كما يقولون في المستقبلات الفانية المنقضية المتصرمة كالحركات: إن كل واحد منها فان منقض، والجنس ليس بفان منصرم بل هو دائم.\nكما قال تعالى: ﴿أكلها دائم﴾، وقال: ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ .\nفالجنس دائم لا نفاذ له، وكل واحد واحد من أفراد الرزق المأكول ينفذ لا يدوم.\nولما تفطن كثير من أهل الكلام، لما في هذه المقدمة من الإجمال والإبهام، وأنها لا بد من بيان هذه المقدمة في هذا الموضع، ميزوا بين النوعين، كما فعل ذلك أبو الحسين البصري وأبو المعالي الجويني، والشهرستاني، والرازي وغيرهم.\nفعرفوا أن المراد أنه ما لم يسبق جنس الحوادث لا عين الحوادث، وأن ذلك لا يتم إلا ببيان أن الحوادث يجب أن يكون لها ابتداء، وأنه يمتنع وجود حوادث لا يتناهى نوعها.\nفإخذوا يحتجون على ذلك بما ذكرناه، وذكرنا اعتراض الناس عليه في غير هذا الموضع.\nولهذا جعل أبو الحسين وأبو المعالي ونحوهما هذا الدليل مبنيًا على أربع مقدمات: إثبات الأعراض، وإثبات حدوثها، وإثبات استلزام الجسم لها، واستحالة حوادث لا أول لها.\nوجعلوا النتيجة: أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، فإن ذلك حينئذ يكون معلومًا بالضرورة، بخلاف ما فعله كثير من أهل الكلام من","vol":"8","page":344},{"text":"الجهمية والمعتزلة والأشعرية والشيعة وغيرهم، حيث جعلوا المقدمات أربعًا: إثبات الأعراض، وإثبات حدوثها، وأثبات استلزام الجسم لها، والرابعة: أن ما لم يسبق الحوادث فهو محدث، وهذه هي النتيجة، وتصلح أن تكون مقدمة إذا تبين أن ما لم يسبق جنس الحوادث فهو محدث، لكن هم لم يثبتوا ذلك هنا، واللفظ مجمل كما ترى.\nلكن قد بين هؤلاء، كـ القاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وغيرهما الكلام على هذا الأصل.\nوهو امتناع وجود ما لا يتناهى في موضع آخر، فجعلوا الكلام في إبطال ما لا يتناهى من الحوادث، والأجزاء التي هي الجواهر المفردة، ونحو ذلك جنسًا.\nومنهم من يجعل ذلك دليلًا ثابتًا في المسألة، كما فعله ابن عقيل والقشيري وغيرهما.\nوقد ذكرنا: أن الناس لهم في وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل ثلاثة أقوال، قال بكل قول طائفة من نظار المسلمين وغيرهم.\nأحدها: امتناع وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل.\nوهذا قول أبي الهذيل والجهم بن صفوان.\nوعن هذا الأصل قال الجهم بفناء الجنة والنار، واشتد إنكار سلف الأمة عليه ذلك.\nوليس هذا قول من يقول بأنهما ليستا مخلوقتين، ولو كانتا مخلوقتين لفنيتا.\nكما قال ذلك طائفة من الجهمية والمعتزلة، فإن هؤلاء يقولون: إن","vol":"8","page":345},{"text":"العالم كله لا بد أن يفنى جميعه ثم يعاد، فلو كانت الجنة مخلوقة لفنيت فيما يفنى، ثم تعاد فلا تفنى، والجهم يقول: تفنى فناءً لا تعاد بعده، وأبو الهذيل يقول: تفنى حركات أهل الجنة والنار.\nوالقول الثاني: قول من يقول بامتناع ما لا يتناهى في الماضي دون المستقبل، لأن الماضي قد وجد، والمستقبل لم يوجد بعد.\nوهو قول أكثر المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم.\nوالثالث: قول من يقول بإمكان وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل كما هو قول أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة.\nلكن أئمة أهل الملل وغيرهم ممن يقر بأن الله خالق كل شيء، وأن كل ما سواه محدث مسبوق بعدم - يقولون: لا يجوز وجود حوادث لا تتناهى إلا من قديم واحد.\nوأما من يقول بوجود قديمين متحركين، كمن يقول بقدم الأفلاك، فإن هؤلاء - كأرسطو وأتباعه - لا يجوزون أن يوجد بكل من القديمين - بل والقدماء - حوادث لا بداية لها ولا نهاية، مع أن إحداهما أكثر من الأخرى، فيجوزون فيما لا أول له ولا آخر أن يكون غيره أكثر منه، وأن يكون قابلًا للزيادة، بخلاف الذين قبلهم، فإنهم إنما يجوزون ذلك في قديم واحد، فإذا كان ما يفعله لا بداية له ولا نهاية، لم يلزم أن يكون قابلًا للزيادة.","vol":"8","page":346},{"text":"وعلى هذا فللناس في أن ما لا يسبق جنس الحوادث هل هو حادث؟ أقوال:\nأحدها: أنه يجب أن يكون حادثًا مطلقًا.\nوالثاني: لا يجب أن يكون حادثًا.\nوالثالث: أنه كان محتاجًا إلى غيره وجب أن يكون حادثًا، وإن كان غنيًا عن غيره لم يجب أن يكون حادثًا.\nوأيضًا فإن ما لم يسبق حوادث نفسه لم يجب أن يكون حادثًا، وإن لم يسبق حوادث غيره كان حادثًا.\nوقد قرر هذا في موضع آخر.\nومن فهم ما ذكرناه، ونظر فيما صنفه الناس في هذا الباب من الاستدلال على حدوث الأجسام بأنها لا تخلو من الحوادث، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث - تبين له تقصير كثير منهم في استيفاء مقدمات الدليل.\nثم الذين استوفوا مقدماته يبقى الكلام معهم في صحة تلك المقدمة، وقد عرف منازعه أكثر أهل الملل، وأكثر الفلاسفة، أو كثير من الطائفتين فيها وإبطالهم لها.\nولما كان هؤلاء وأمثالهم يدعون أن معرفة الله لا تحصل إلا بالمعقول، ويفسرون المعقول بمثل هذا الدليل الذي هو باطل، وغايته إذا قيل: إنه صحيح أنه لا يصل به إلى المطلوب إلى قليل من الناس بعد كلفة شديدة، ومخاطرة عظيمة، ويريدون أن يردوا بمثل هذا ما دل عليه الكتاب","vol":"8","page":347},{"text":"والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، بل ما علم بفطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، ودلت عليه العقليات الصريحة، قابلهم من قال: إن المعرفة لا تحصل إلا بالشرع.\nوهؤلاء في الغالب لا يريدون بذلك المعرفة الحاصلة لعموم الخلق من الكفار وغيرهم، فإن هذه عندهم فطرية ضرورية، أو مكتسبة بنوع من نظر العقل.\nوقد تقدم كلام الناس في أن أصل الإقرار بالصانع فطري ضروري، أو قد يكون ضروريًا، خلافًا لمن قال: إنه لا يحصل إلا بالنظر.\nوكلام السلف والأئمة في ذلك كثير.\nولهذا كان كثير من أتباعه ممن يقول: إن أول الواجبات هو النظر، وأن المعرفة لا تحصل إلا به، قد يقول خلاف ذلك في موضع آخر.\nوقد تقدم أن القاضي أبا يعلى وغيره كانوا يقولون بوجوب النظر في هذه الطريقة: طريقة الأعراض، ثم رجعوا عن ذلك.\nويقولون: إن المعرفة نظرية، وإنها حاصلة بالنظر في الأدلة المذكورة في القرآن.\nوكثير من الناس كانوا يقولون أولًا بوجوب النظر المعين الذي توجبه الجهمية والمعتزلة، وهو النظر في حدوث الأعراض ولزومها للأجسام، وأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وأنه أول واجب على العباد، ثم رجعوا عن ذلك لما تبين له فساد القول بوجود ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>كلام أبي يعلى في المعتمد عن وجوب النظر</span>\nومن هؤلاء القاضي أبو يعلى، وابن عقيل، وأبو المعالي الجويني،","vol":"8","page":348},{"text":"والغزالي، والرازي، وغيرهم.\nفإن هؤلاء وأمثالهم سلكوا أولًا الطريقة التي وجدوها للمتكلمين الذي سلكوا مسلك الجهمية والمعتزلة.\nفقالوا - وهذا لفظ القاضي أبي يعلى في المعتمد -: (إذا ثبت صحة النظر ووجوبه، فإن أول ما أوجب الله على خلقه العقلاء النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة الله تعالى) .\nقال: (وقد قيل: إن أول الواجبات إرادة النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله تعالى) .\nقلت: هذا قول أبي المعالي في إرشاده وذكر القاضي أبو بكر وغيره.\nواختار القاضي أبو يعلى هذا في موضع آخر، فقال: (أول ما أنعم الله على المؤمنين - بعد الحياة - من النعم الدينية: خلق القدرة على الإرادة للنظر والاستدلال المؤديين إلى إثبات المعاني وحدوثها، وأن الجواهر لم تخل منها ولم تسبقها في الوجود الموصل له إلى معرفة الله تعالى) .\nقال: (وقد قيل: أول نعمة دينية خلق القدرة على الإيمان) .","vol":"8","page":349},{"text":"قال: (وجه الأول: أول طاعة واجبة لله على الخلق اكتساب الإرادة للنظر المؤدي إلى إثبات المعاني وحدوثها، وأن الجواهر لم تسبقها، وإذا كان ذلك أول الواجبات، وجب أن يكون أول النعم عليه من النعم الدينية) .\nقال: (وأعظم نعمة الله على المؤمنين من النعم الدينية وأجلها: كتب الإيمان في قلوب المؤمنين) .\nقال: (وقد قيل: أعظم النعم الدينية هي: خلق القدرة على الإيمان، والأول أشبه.\nفإن أعظم الطاعات هو الإيمان، فإنه بوجوده والموافاة به يحصل الثواب الدائم في الآخرة، وإذا لم يوجد لا يحصل ذلك.\nثم قالوا: - وهذا لفظ القاضي أبي يعلى - خلافًا لمن قال: إن أول الواجبات المعرفة بالله، وخلافًا لمن قال: معرفة الله غير واجبة، وأن الواجب الإقرار به والتصديق له.\nقال: (والدلالة على ما ذكرنا، أنه قد ثبت أن من لا يعرف الله لا يمكنه أن يتقرب إليه، كما أن من لا يعرف زيدًا لا يمكنه أن يتقرب إليه.\nلأن من شرط المتقرب أن يكون عارفًا بالمتقرب إليه، وليس بمشاهد لنا، ولا معلوم لنا ضرورة، فوجب ألا نعلمه إلا بالنظر والاستدلال في الطريق الموصل إليه، فلما لم تتم المعرفة إلا به، وجب أن يكون واجبًا، وإذا وجب علم أنه أول الواجبات) .\nثم قال: (فصل): وإذا ثبت أن أول الواجبات، فإنما يجب النظر في الطريق الموصل إلى معرفة الله، وهو حدوث الأشياء من الجواهر","vol":"8","page":350},{"text":"والأجسام، وإذا كانت محدثةً وجب أن يكون لها محدث، لأن المحدث لو لم يعلق بمحدث، لم تتعلق الكتابة بكاتب، والضرب بضارب، لأن ذلك كله يبعد، إذ استحالة محدث لا محدث له كاستحالة كتابة لا كاتب لها.\nفلو جاز محدث لامحدث له، لجاز محدث لا إحداث له وذلك محال.\nوأيضًا، فإنا نرى الحوادث يتقدم بعضها على بعض، ويتأخر بعضها عن بعض، فلولا أن مقدمًا قدم منها ما قدم، وأخر منها ما أخر،، لم يكن ما تقدم منها أولى من أن يكون متأخرًا، وما تأخر منها أولى من أن يكون متقدمًا، فدل ذلك على أن لها مقدمًا محدثًا لها، قدم منها ما قدم، وأخر منها ما أخر) .\nوكان القاضي قد سمع رسالة الخطابي في الغنية عن الكلام وأهله على مسعود السجزي، عن علي بن سري السجستاني، عن الخطابي، وذكر أن بعض الناس اعترض عليها.\nفإن الخطابي ذكر عن الغنية عن الاستدلال بحدوث الجواهر والأجسام، لكونها لا تنفك عن الحوادث كما تقدم.\nوقال: (فأموا مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك) .","vol":"8","page":351},{"text":"وهذه طريقة السلف من أئمة المسلمين في الاستدلال على معرفة الصانع، وحدوث العالم، لأنه إذا ثبتت نبوته بقيام المعجز (وجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من الغيوب، ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله تعالى وصفاته وكلامه) .....\n(وقد نبههم في كتابه على الاستدلال به على ربوبيته فقال: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ ....) وقال: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت﴾، وقوله: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات﴾، وما أشبه ذلك مما يدل على إثبات الصانع) إلى آخر كلامه.","vol":"8","page":352},{"text":"قال القاضي: (وقد اعترض على هذا بعضهم فقال: هذه رجوع منهم ومناف لما ذكره، لأنه حث على الاعتبار بأنفسنا وبالسماوات والأرض، وليس ذلك بمعجزات الأنبياء، وإنما هي الأجسام والأعراض) .\nقال: (وإنما احتج المتكلمون بالأعراض لأن الجسم لا ينفك منها، وهي محدثة في أنفسها، لعلمنا بأن العرض يعدم في حال ويوجد في حال أخرى.\nوهذا شاهد على حدوثها، وعلى حدوث ما لا ينفك منها) .\nقال: (ومعنى قوله: انقلابها فيها، انقلاب الجواهر في الأعراض، ومعناه تغيره من سواد إلى بياض، ومن حركة إلى سكون) .\nقلت: قد يراد بانقلابها فيها انقلاب الأعراض في الجواهر، فإنها تنقلب من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم، ومن نوع إلى نوع: كالبياض والسواد، والحركة والسكون.\nوهذا المعترض على الخطابي أخطأ، فإن الخطابي ذكر طريقين كما ذكرنا:","vol":"8","page":353},{"text":"أحدهما: المعجزات، بناء على أن الإقرار بالصانع فطري، أو على المعجزات يستدل بها على الخالق، وعلى صدق أنبيائه، كما ذكرنا في عصا موسى.\nوالطريق الثاني: أن القرآن نبه على الأدلة العقلية الصحيحة، كما اعترف أئمة النظار بأن القرآن دل على الطريق العقلية.\nفقال: (وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة، ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعًا حكيمًا، عالمًا خبيرًا، تام القدرة، بالغ الحكمة.\nوقد نبههم الكتاب على ذلك، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته، فقال ﷿: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾، إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة، الدالين على وجود الصانع الحكيم) .\nثم تكلم في خلق الإنسان بما تقدم ذكره.\nقال: (وكقوله: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت﴾","vol":"8","page":354},{"text":"وبقوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾، وما أشبه ذلك من خلال الأدلة، وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي العقول، وعامة من يلزمه حكم الخطاب، مما يطول تتبعه واستقراؤه) .\nقال: (فبهذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه) .\nفقد بين الخطابي بعض ما نبه عليه القرآن من الاستدلال بالآيات النفسية والأفقية، وهي أدلة عقلية.\nوالخطابي ذم طريقة الاستدلال بالأعراض، وأنها لازمة للأجسام.\nوهذه الطريقة لم ينبه القرآن عليها، ولكن بعض الناس ذكروا: أن هذه طريقة إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، في قوله: ﴿لا أحب الأفلين﴾، قالوا: لأن الأفول هو الحركة التي لم يخل الجسم منها.\nوهذا باطل لوجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>بطلان استدلال الفلاسفة</span>\nأحدها: أن الأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب.","vol":"8","page":355},{"text":"والثاني: أنه لو استدل بالحركة لكان من حين بزغت استدل بذلك، لم يؤخر الدلالة إلى حين الغروب.\nالثالث: أن قصة إبراهيم هي على نقيض مطلوبهم أدل، فإنه لم يجعل الحركة منافية لما قصده، بل المنافي هو الأفول.\nالرابع: أن إبراهيم لم يكن معنيًا بقوله: ﴿هذا ربي﴾، أنه رب العالمين، عل أي وجه قاله، ولا اعتقد ذلك قومه ولا غيرهم، وإنما كان الذي يقول ذلك يتخذه ربًا لينال بذلك أغراضه، كما كما عباد الكواكب والشمس والقمر يفعلون ذلك.\nوكان قومه من هؤلاء، لم يكونوا جاحدين للصانع، بل مشركين به.\nولهذا قال لهم: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ .\nوقال في آخر قوله: ﴿إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين * وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾، وقد بسط هذا في موضع آخر.","vol":"8","page":356},{"text":"والمقصود هنا: أن القاضي كان أولًا يقول بطريقة من يقول: إن أول الواجبات هو النظر في حدوث الأجسام، ثم رجع القاضي عن ذلك، ووافق الخطابي وغيره ممن سلك مسلك السلف والأئمة، وقالوا: إن هذه الطريقة ليست واجبة بل هي عند محققيهم باطلة، وإن كان النظر واجبًا في غيرها من الطرق الصحيحة.\nوقد افتتح القاضي كتابه بقوله: (الحمد لله مبتدىء الأشياء ومخترعها من غير شيء، العالم بها قبل تكوينها، والقادر عليها قبل أنشائها، جاعل العلامات، وناصب الدلالات، ومبين الآيات، الآمر أولي الأبصار بالأفكار، وأولي الألباب بالاعتبار، أرسل الرسل بالإنذار، وأنزل الكتب بالأنوار، وباعث النبيين، ومنقذ العمين.\nوأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، وأمينه المرتضى، أنزل عليه كتابه الهدى نورًا لمن التمسه، وضياءً لمن اقتبسه، ودليلًا لمن طبله، دلهم فيه على معاني حكمته، ولطيف صنعته، وبيان جلاله، أثبت الحجة به على أوليائه وأعدائه، وهو كلامه الذي يعجز الخلق أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، لا معقب لأمره، ولا راد لفضله، تعالى عما يقول الجاحدون علوًا كبيرًا) .","vol":"8","page":357},{"text":"ثم قال: (وهذه خطبة شيخنا أبي بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، ذكرها في أول كتابه الشافي قصدت أن أفتتح كتابي بها تبركًا به، ولأنه قد صرح فيها بالقول وبالنظر والاستدلال بقوله: الآمر أولي الأبصار بالأفكار، وأولي الألباب بالاعتبار) .\nقال: (وفي هذا بيان لوجوب النظر وصحته، وإزالة الإشكال عمن توهم غير هذا في المذهب) .\nقلت: وإيجاب النظر مطلقًا غير إيجاب النظر في الطريق المعين، طريقة كون الأعراض حادثة وهي لازمة للأجسام، فإن هذه لا يقول بوجوبها على المسلمين أحد من أئمة المسلمين، الذي يعرفون ما جاء به الرسول ﷺ ويتبعونه، إذ كان معلومًا بالاضطرار لكل من عرف ذلك أن الرسول ﷺ لم يوجب النظر في هذه الطريقة، بل ولا دل على صحتها، بل ما أخبر به يناقض موجبها، وهي وإن جعلها من جعلها من أهل الكلام المحدث أصلًا في معرفة الصانع وصفاته، وصدق رسله، فهي عند التحقيق تناقض معرفة الصانع ومعرفة صفاته وصدق رسله، كما قد بسط في مواضع والمقصود هنا أن القاضي أبا يعلى ونحوه ممن كان يقول أولًا: إن المعرفة","vol":"8","page":358},{"text":"لا تحصل إلا بالنظر في هذه الطريقة، وهو أول الواجبات، لما ذكروا قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة»، قالوا: - واللفظ للقاضي في الفطرة -: (ما الفطرة هنا؟ على روايتين عن أحمد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>كلام القاضي أبي يعلى عن معنى الفطرة</span>\nأحداهما: الإقرار بمعرفة الله تعالى، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم، فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعًا ومدبرًا، وإن سماه بغير اسمه.\nقال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾، فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول) .\nقال: (وليس الفطرة ها هنا الإسلام، لأمرين:\nأحدهما: أن معنى الفطرة: ابتداء الخلقة.\nومنه قوله تعالى: ﴿فاطر السماوات والأرض﴾، أي مبتدئهما.\nوإذا كانت الفطرة هي الأبتداء، وجب أن تكون تلك هي وقعت لأول الخلق، وجرت في فطرة المعقول، وهو استخراجهم ذريةً، لأن تلك حالة ابتدائهم، ولأنها لو كانت الفطرة هنا: الإسلام لوجب إذ ولد من بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه، ما دام طفلًا، لأنه مسلم، واختلاف","vol":"8","page":359},{"text":"الدين يمنع الإرث، ولوجب ألا يصح استرقاقه، ولا يصح إسلامه بإسلام أبيه، لأنه مسلم) .\nقال: (وهذا تأويل ابن قتيبة، ذكره في إصلاح الغلط على أبي عبيد، وذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة.\nقال: (وليس كل من ثبت له المعرفة حكم بإسلامه، كالبالغين من الكفار فإن المعرفة حاصلة لهم وليسوا بمسلمين) .\nقال: (وقد أومأ أحمد إلى هذا التأويل في رواية الميموني، فقال: الفطرة الأولى التي فطر الله عليها، فقال له الميموني: الفطرة: الدين؟ قال: نعم) .\nقال القاضي: (وأراد أحمد بالدين: المعرفة التي ذكرناها) .\nقال: (والرواية الثانية: الفطرة هنا: ابتداء خلقه في بطن أمه) .\nقال: لأن حمله على العهد الذي أخذه عليهم، وهو الإقرار بممعرفة الله تعالى، حمل للفطرة على الإسلام، لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان، والمؤمن مسلم) .\nقال: (ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه، لأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقًا لله، وقد ثبت من أصولنا أن أفعال العباد خلق لله عن طاعة ومعصية) .","vol":"8","page":360},{"text":"قال: (وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية علي بن سعيد، وقد سأله عن كل مولود يولد على الفطرة، فقال: على الشقاوة والسعادة.\nوكذلك نقل محمد بن يحيى الكحال، أنه سأله عن كل مولود يولد على الفطرة، قال: هي التي فطر الناس عليها: شقي أو سعيد.\nوكذلك نقل حنبل عنه، قال: الفطرة التي فطر الله العباد من الشقاء والسعادة) .\nقال: (وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة ها هنا: ابتداء خلقه في بطن أمه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: أحمد لم يذكر العهد الأول، وإنما قال: الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، وهي الدين.\nوقد قال في غير هذا موضع: إن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما، حكم بإسلامه.\nواستدل بهذا الحديث: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.\nفدل على أنه فسر الحديث: بأنه يولد على فطرة الإسلام، كما جاء ذلك مصرحًا به في الحديث: ولو لم يكن كذلك لما صح استدلاله بالحديث.\nوقوله في موضع آخر: يولد على مافطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك، فإن الله تعالى قدر الشقاوة والسعادة وكتبها، وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها، كفعل الأبوين.\nفتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله تعالى.\nوالمولود ولد على الفطرة سليمًا، وولد على أن هذه الفطرة السليمة","vol":"8","page":361},{"text":"يغيرها الأبوان، كما قدر الله تعالى ذلك وكتبه.\nكما مثل النبي ﷺ ذلك بقوله: «كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء»، فبين أن البهيمة تولد سليمة، ثم يجدعها الناس، وذلك بقضاء الله وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليمًا، ثم يفسده أبواه، وذلك أيضًا بقضاء الله وقدره.\nوإنما قال الأئمة: ولد على ما فطر عليه من شقاء وسعادة، لأن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقدر الله، بل مما فعله الناس، لأن كل مولود يولد خلقه على الفطرة، وكفره بعد ذلك من الناس.\nولهذا قالوا لـ مالك بن أنس: إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث، فقال: احتجوا عليهم بآخره.\nوهو قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين.\nفبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية، فإنهم لا يقولون إن نفس الأبوين خلقا تهوده وتنصره، بل هو تهود وتنصر باختياره، لكن كانا سببًا في ذلك بالتعليم والتلقين، فإذا أضيف إليهم بهذا الاعتبار، فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى، لأن الله، وإن خلقه مولودًا على الفطرة سليمًا، فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك.\nكما في الحديث الصحيح: (إن الغلام الذي قتله الخضر يوم طبع","vol":"8","page":362},{"text":"كافرًا، ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) .\nفقوله: طبع، أي طبع في الكتاب، أي قدر وقضي، لا أنه كان كفره موجودًا قبل أن يولد، فهو مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر، كما طبع كتابه يوم طبع.\nومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه، وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار، فهو غالط.\nفإن ذلك لا يقال فيه: طبع يوم طبع، إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره.\nوقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار «عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال: خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» .\nوهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.\nوكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره، قال: «بعث النبي ﷺ سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي ﷺ: ما حملكم على قتل الذرية؟ قالوا: يا رسول الله: أليسوا أولاد المشركين؟ قال: أو ليس خياركم أولادكم","vol":"8","page":363},{"text":"المشركين؟ ثم قام النبي ﷺ خطيبًا فقال: ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه» .\nفخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار، ثم الكفر طرأ بعد ذلك.\nولو كان أراد أن المولود حين يولد يكون إما كافرًا وإما مسلمًا على ما سبق له القدر - لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده ﷺ من نهية لهم عن قتل أولاد المشركين.\nوقد ظن بعضهم أن معنى قوله: «أو ليس خياركم أولاد المشركون؟» معناه: لعله أنه قد يكون سبق في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا، فيكون النهي راجعًا إلى هذا المعنى من التجويز.\nوليس هذا معنى الحديث، ولكن معناه: إن خياركم هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، هؤلاء من أولاد المشركين، فإن آباءهم كانوا كفارًا، ثم إن البنين أسلموا بعد ذلك، فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كانوا مؤمنًا، فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه، وهو سبحانه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.","vol":"8","page":364},{"text":"وهذا الحديث قد روي بألفاظ يفسر بعضها بعضًا، ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾، قالوا: يا رسول الله: أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .\nوفي الصحيح: قال الزهري: يصلي على كل مولود متوفى وإن كان لغية، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام إذا استهل صارخًا، ولا يصلى على من لم يستهل من أجل أنه سقط، و«إن أبا هريرة كان يحدث أن النبي ﷺ قال: ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾» .\nوفي الصحيح من رواية الأعمش: «ما من مولود يولد إلا وهو على","vol":"8","page":365},{"text":"الملة» .\nوفي رواية أبي معاوية عنه: إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه، فهذا صريح في أنه يولد على ملة الإسلام، كما فسره ابن شهاب راوي الحديث، واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل على ذلك.\nقال ابن عبد البر في التمهيد: (روي هذا الحديث عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وغيره، فممن رواه عن أبي سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وحميد بن عبد الرحمن، وأبو صالح السمان، وعبد الرحمن الأعرج، وسعيد بن أبي سعيد، ومحمد بن سيرين) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>كلام ابن عبد البر في التمهيد عن معنى الفطرة</span>\nقال: (ورواه ابن شهاب، واختلف في إسناده، منهم من رواه عن سعيد عن أبي هريرة، ومنهم من رواه عن أبي سلمة عن","vol":"8","page":366},{"text":"أبي هريرة ومنهم من رواه عن حميد عن أبي هريرة.\nقال محمد بن يحيى الذهلي: كل هذه صحاح عن ابن شهاب، محفوظة) .\nقال ابن عبد البر: (وقد سئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزىء الصبي عنه أن يعتقه وهو رضيع؟، قال: نعم لأنه ولد على الفطرة) .\nقال ابن عبد البر لما ذكر النزاع في تفسير هذا الحديث: (وقال آخرون: الفطرة ها هنا الإسلام، قالوا: وهوالمعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله ﷿: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾، على أن قالوا: فطرة الله: دين الله الإسلام.\nواحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرأوا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ .\nوذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله ﷿: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ قالوا: فطرة","vol":"8","page":367},{"text":"الله: دين الإسلام، لا تبديل لخلق الله، قالوا: لدين الله.\nواحتجوا بحديث محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن عياض بن حمار المجاشعي، «أن رسول الله ﷺ قال للناس يومًا: ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب: إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالًا لا حرام فيه، فجعلوا ما أعطاهم الله حلالًا وحراما» الحديث.\nقال: (وكذلك روى بكر بن مهاجر، عن ثور بن يزيد بإسناده مثله في هذا الحديث (حنفاء مسلمين) .\n(...\nقال أبو عمر: روى هذا الحديث قتادة عن مطرف بن عبد الله، عن عياض بن حمار، ولم يسمعه قتادة من مطرف، ولكن","vol":"8","page":368},{"text":"قال: حدثني ثلاثة: عقبة بن عبد الغافر، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، والعلاء بن زياد، كلهم يقول: حدثني مطرف، عن عياض، عن النبي ﷺ فقال فيه: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم» .\nلم يقل: مسلمين، وكذلك رواه الحسن عن مطرف عن عياض، ورواه ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن قتادة بإسناده، وقال فيه: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم» ولم يقل مسلمين) .\nقال: (فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق وإتقانه وضبطه، لأنه ذكر (مسلمين) في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث، وأسقطه من رواية قتادة، وكذلك رواه الناس عن قتادة، قصر فيه عن قوله: مسلمين، وزاد ثور بإسناده، والله أعلم) .\nقال: (والحنيف في كلام العرب: المستقيم المخلص، ولا استقامة أكثر من الإسلام) .","vol":"8","page":369},{"text":"قال: (وقد روي عن الحسن قال: الحنيفة: حج البيت، وهذا يدلك على أنه أراد الإسلام، وكذلك روي عن الضحاك والسدي: (حنفاء) قال: حجاجًا، وعن مجاهد: (حنفاء) قال: متبعين) .\nقال: (وهذا كله يدلك على أن الحنيفية: الإسلام) .\nقال: (وقال أكثر العلماء: الحنيف: المخلص.\nوقال الله ﷿: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما﴾ وقال: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل﴾ .\nفلا وجه لإنكار من أنكر رواية من روى:\nحنفاء: مسلمين.\nقال الشاعر - وهو الراعي -:","vol":"8","page":370},{"text":"أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرةً وأصيلًا\nعرب نرى لله في أموالنا ... حق الزكاة منزلًا تنزيلًا\nفهذا وصف الحنيفية بالإسلام، وهو أمر واضح لا خفاء به) .\nقال: (ومما احتج به - من ذهب إلى أن الفطرة في هذا الحديث: الإسلام - قوله ﷺ «خمس من الفطرة» ويروى «عشرة من الفطرة» يعني فطرة الإسلام) .\nقلت: الدلائل الدالة على أنه أراد: على فطرة الإسلام - كثيرة، كألفاظ الحديث التي في الصحيح، مثل قوله: (على الملة)، (وعلى هذه الملة) ومثل قوله في حديث عياض بن حمار: «خلقت عبادي حنفاء كلهم» وفي لفظ «حنفاء مسلمين» ومثل تفسير أبي هريرة وغيره من رواة الحديث ذلك، وهو أعلم بما سمعوا.\nوأيضًا، فإنه لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام، لما سألوا عقب ذلك: (أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟)، لأنه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لم سألوه.\nوالعلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير.","vol":"8","page":371},{"text":"وكذلك قوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»، بين فيه أنهم يغيرون الفطرة التي فطر الناس عليها.\nوأيضًا، فإنه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيه، ثم تجدع بعد ذلك، فعلم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها.\nوأيضًا، فإن الحديث مطابق للقرآن، لقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾، وهذا يعم جميع الناس، فعلم أن الله فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة، وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم، فعلم أنها فطرة محمودة لا مذمومة.\nيبين ذلك أنه قال: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ وهذا نصب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبويه وأصحابه، فدل على أن إقامة الوجه للدين حنيفًا هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، كما في نظائره، ومثل قوله: ﴿كتاب الله عليكم﴾، وقوله: ﴿سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾، فهذا عندهم مصدر منصوب بفعل مضمر لازم إضماره، دل عليه الفعل المتقدم.\nكأنه قال: كتب الله ذلك عليكم، وسن الله ذلك.\nوكذلك هنا فطر الله الناس على ذلك: على إقامة الدين لله حنيفًا.\nوكذلك فسره السلف كما تقدم النقل عنهم.","vol":"8","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>كلام الطبري في تفسيره عن معنى الفطرة</span>\nقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره المشهور يقول: فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك الله يا محمد لطاعته، وهي الدين حنيفًا.\nيقول: مستقيمًا لدينه وطاعته.\nفطرة الله التي فطر الناس عليها، يقول: صنعة الله التي خلق الناس عليها، ونصب فطرة على المصدر من معنى قوله: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ وذلك أن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة) .\nقال: (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) .\nوروي (عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾، قال: الإسلام، فمنذ خلقهم الله من آدم جميعًا يقرون بذلك.\nوقرأ: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ .\nفهذا قول الله، كان الناس أمة واحدة يومئذ، فبعث الله النبيين بعد) .","vol":"8","page":373},{"text":"وروي بإسناده الصحيح عن (ابن أبي نجيح عن مجاهد: فطرة الله، قال: الدين، الإسلام.\nوقال (ثنا ابن حميد، ثنا يحيى بن واضح، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم، قال: مر عمر بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص - وهو الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها - والصلاة: وهي الملة، والطاعة: وهي العصمة.\nفقال عمر: صدقت) .\nقال: حدثني يعقوب - يعني الدورقي - ثنا أبن علية، ثنا أيوب عن أبي قلابة أن عمر قال لمعاذ: ما قوام هذه الأمة؟ فذكر نحوه) .\nقال: (وقوله ﴿لا تبديل لخلق الله﴾: يقول: لا تغيير لدين الله، أي لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل) .\nثم ذكر بإسناده الصحيح عن (ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لا","vol":"8","page":374},{"text":"تبديل لخلق الله.\nقال: لدين الله) .\nوروي عن (عبد الله بن إدريس، عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلًا يقال له قاسم إلى عكرمة، يسأله عن قول: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾، فقال عكرمة: هو الخصاء.\nفرجع إلى مجاهد فقال: أخطأ، لاتبديل لخلق الله إنما هو الدين، ثم قرأ: ﴿لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾) .\nوروي عن (وكيع، عن نصر بن عربي، عن عكرمة: لا تبديل لخلق الله: لدين الله) .\nوروي أيضًا عن (حسين بن واقد عن يزيد النحوي، عن عكرمة: فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال: الإسلام، وكذلك روي (عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال: لدين الله) .\nوروي (عن سعيد، عن قتادة: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾: أي لدين الله) .","vol":"8","page":375},{"text":"وكذلك روي (عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، قال: قال سعيد بن جبير: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾، قال: لدين الله) .\nوكذلك عن (المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله ﴿لا تبديل لخلق الله﴾، قال: دين الله) .\nوكذلك عن (وكيع، عن سفيان الثوري، ومسعر، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم النخعي: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾، قال: دين الله) .\nوكذلك عن (مغيرة، عن إبراهيم قال: لدين الله) .\nوعن (عمرو بن أبي سلمة، سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن قوله تعالى: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ .\nقال: لدين الله) .\nوروي أيضًا عن ابن عباس أنه سئل عن إخصاء البهائم فكرهه،","vol":"8","page":376},{"text":"وقال: لا تبديل لخلق الله.\nوعن حميد الأعرج قال: قال عكرمة: الإخصاء، وعن حفص بن غياث، عن ليث، عن مجاهد قال: الإخصاء) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: مجاهد وعكرمة: روي عنهما القولان، إذ لا منافاة بينهما، كما قال تعالى: ﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾، فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه، والخصاء وقطع الأذن أيضًا تغيير لخلقه.\nولهذا شبه النبي ﷺ أحدهما بالآخر في قوله: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» .\nفأولئك يغيرون الدين، وهؤلاء يغيرون الصورة بالجدع والخصاء، هذا تغيير لما خلقت عليه نفسه، وهذا تغيير ما خلق عليه بدنه.\nواعلم أن هذا الحديث لما صارت القدرية يحتجون به على قولهم الفاسد، صار الناس يتأولونه تأويلات يخرجونه بها عن مقتضاة.\nفالقدرية من المعتزلة وغيرهم يقولون: كل مولود يولد على الإسلام، والله لا يضل أحدًا، ولكن أبواه يضلانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>الحديث حجة على المعتزلة ونحوهم من المتكلمين</span>\nوالحديث حجة عليهم من وجهين:","vol":"8","page":377},{"text":"أحدهما: أنه عند المعتزلة ونحوهم من المتكلمين: لم يولد أحد على الإسلام أصلًا، ولا جعل الله أحدًا مسلمًا ولا كافرًا، ولكن هذه أحدث لنفسه الكفر، وهذا أحدث لنفسه الإسلام، والله لم يفعل واحدًا منهما عندهم، بلا نزاع بين القدرية، ولكن هو دعاهما إلى الأسلام، وأزاح علتهما، وأعطاهما قدرة مماثلة فيهما تصلح للإيمان والكفر، ولم يختص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان، فإن ذلك عندهم غير مقدور، ولو كان مقدورًا لكان ظلمًا، وهذا قول عامة المعتزلة.\nوإن كان بعض متأخريهم كأبي الحسين يقول: إنه خص المؤمن بداعي الإيمان، ويقول عند الداعي والقدرة يجب وجود الإيمان، فهذا في الحقيقة موافق لأهل السنة، فهذا أحد الوجهين.\nالثاني: أنهم يقولون: إن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل، فيستحيل.\nأن تكون المعرفة عندهم ضرورية، أو تكون من فعل الله تعالى.\nوأما آخر الحديث فهو دليل على أن الله تعالى يعلم ما يصيرون إليه بعد ولادتهم على الفطرة، هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين؟ أو يغيرونها فيصيرون كفارًا؟.\nوإن احتجت القدرية بقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» من جهة كونه أضاف التغيير إلى الأبوين - فيقال لهم: أنتم","vol":"8","page":378},{"text":"تقولون: إنه لا يقدر: لا الله ولا أحد من مخلوقاته، على أن يجعلهما يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين، بل هما فعلا بأنفسهما ذلك، بلا قدرة من غيرهما ولا فعل من غيرهما، فحينئذ لا حجة لكم في قوله: «فأبواه يهودانه» ...\nوأهل السنة متفقون على أن غير الله لا يقدر على جعل الهدى أو الضلال في قلب أحد.\nفقد اتفقت الأمة على أن المراد بذلك: دعوة الأبوين لهما إلى ذلك، وترغيبهما فيه، وتربيتهما عليه، ونحو ذلك مما يفعل المعلم والمربي مع من يعلمه ويربيه، وذكر الأبوين بناءً على الغالب، إذ لكل طفل أبوان، وإلا فقد يقع ذلك من أحد الأبوين، وقد يقع من غير الأبوين حقيقةً وحكمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>عود إلى كلام ابن عبد البر وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nوأما غير القدرية فقال أبو عمر بن عبد البر: اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في الدنيا والآخرة، فذكر ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في غريبه المشهور، قال: قال ابن المبارك: يفسره آخر الحديث: قوله ﷺ: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .\nقال ابن عبد البر: هكذا ذكر عن ابن المبارك، لم يزد شيئًا.","vol":"8","page":379},{"text":"وذكر عن محمد بن الحسن أنه سأله عن تأويل هذا الحديث فقال: (كان هذا القول عن ﷺ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد) .\nهذا ما ذكره أبو عبيد.\nقال ابن عبد البر: (أما ما ذكره عن ابن المبارك فقد روي عن مالك نحوه، وليس فيه مقنع من التأويل ولا شرح موعب في أمر الأطفال، ولكنها جملة تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفر أو إيمان، أو جنة أو نار ما لم يبلغوا العمل) .\nقال: (وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن، فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه: إما لإشكاله عليه، أو لجهلة به، أولما شاء الله.\nوأما قوله: إن ذلك كان من النبي ﷺ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد، فلا أدري ما هذا.\nفإن كان أراد أن ذلك","vol":"8","page":380},{"text":"منسوخ، فغير جائز عند العلماء دخول النسخ في إخبار الله تعالى وأخبار رسوله، لأن المخبر بشيء، كان أو يكون، إذا رجع عن ذلك، لم يخل رجوعه عن تكذيبه لنفسه، أو غلطة فيما أخبر به، أو نسيانه.\nوقد جل الله وعصم رسوله في الشريعة والرسالة منه.\nوهذا لا يجهله ولا يخالف فيه أحد له أدنى فهم، فقف عليه، فإنه أمر جسيم من أصول الدين.\nوقول محمد بن الحسن: إن ذلك كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ليس كما قال، لأن في حديث الأسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد) .\nوروي بإسناده (عن الحسن، عن الأسود بن سريع، قال: «قال رسول الله ﷺ: ما بال أقوام بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان؟ فقال رجل: أو ليس إنما هو أولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ: أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ إنه ليس من مولود يولد إلا على الفطرة حتى يبلغ فيعبر عنه ليسانه، ويهوده أبواه أو ينصرانه» .","vol":"8","page":381},{"text":"قال: وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة، منهم بكر المزني، والعلاء بن زياد، والسري بن يحيى.\nوقد روي عن الأحنف عن الأسود بن سريع، قال: وهو حديث بصري صحيح.\nقال: وروى عوف الأعرابي عن سمرة بن جندب، «عن النبي ﷺ قال: كل مولود يولد على الفطرة.\nفناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين» .\nقلت: أما ما ذكره عن ابن المبارك ومالك، فيمكن أن يقال: إن المقصود أن آخر الحديث يبين أن الأولاد قد سبق في علم الله ما يعملون إذا بلغوا، وأن منهم من يؤمن فيدخل الجنة، ومنهم من يكفر فيدخل النار.\nفلا يحتج بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة) .\nعلى نفي القدر كما احتجت به القدرية، ولا على أن أطفال الكفار كلهم في الجنة لكونهم ولدوا على الفطرة، فيكون مقصود الأئمة أن يستقر الأطفال على ما في آخر الحديث.\nوأما قوله محمد، فإنه رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني يتبع أبوية في الدين في أحكام الدنيا، فيحكم له بحكم الكفر في","vol":"8","page":382},{"text":"أنه لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه المسلمون، ويجوز استرقاقهم، ونحو ذلك - فلم يجز لأحد أن يحتج بهذا الحديث على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين حتى تعرب عنهم ألسنتهم، وهذا حق.\nلكن ظن أن الحديث اقتضى أن يحكم لهم في الدنيا بأحكام المؤمنين، فقال: هذا منسوخ، كان قبل الجهاد، لأنه بالجهاد أبيح استرقاق النساء والأطفال، والمؤمن لا يسترق، ولكن كون الطفل يتبع أباه في الدين في الأحكام الدنيوية، أمر ما زال مشروعًا، وما زال الأطفال تبعًا لأبويهم في الأمور الدنيوية.\nوالحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام، وإنما قصد ما ولد عليه من الفطرة.\nوإذا قيل: إنه ولد على فطرة الإسلام، أو خلق حنيفًا ونحو ذلك.\nفليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده.\nفإن الله تعالى يقول: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾، ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته.\nفنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئًا بعد شيء، بحسب كمال الفطرة، إذا سلمت عن المعارض.","vol":"8","page":383},{"text":"وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، كما أن كل مولود يولد فإنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الإغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه.\nوهذا من قوله تعالى: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾، وقوله: ﴿الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى﴾، فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديًا إلى طلب ما ينفعه، ودفع ما يضره، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئًا فشيئًا بحسب حاجته.\nثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة.\nقال ابن عبد البر: (وأما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وما كان مثله، فقالت فرقة: الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخلقة التي خلق عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال: (كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة) يريد خلقةً مخالفة لخلقة البهائم، التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك) .","vol":"8","page":384},{"text":"قالوا: (لأن الفاطر هو الخالق) .\nقال: (وأنكرت أن يكون المولود يفطر على إيمان أو كفر أو معرفة أو إنكار) .\nقلت: صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيف.\nفإن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا، ولا أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبوية لفطرته، حتى يسأل عمن مات صغيرًا.\nولأن القدرة هي في الكبير أكمل منها في الصغير.\nوهو لما نهاهم عن قتل الصبيان، فقالوا: إنهم أولاد المشركين.\nقال: أليس خياركم أولدا المشركين؟ ما من مولود إلا يولد على الفطرة.\nولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك، مع كونهم مشركين، مستوجبين للقتل.\nوإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان.","vol":"8","page":385},{"text":"قال: (وقال آخرون معنى قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة»، يعني البدأة التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم) .\n(قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة.\nوالفاطر المبدىء والمبتدىء، فكأنه قال: ﷺ: يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاوة والسعادة، وغير ذلك مما يصير إليه وقد فطره عليه.\nواحتجوا بقوله تعالى: ﴿كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾ .\nوروي بإسناده إلى (ابن عباس قال: لم أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا","vol":"8","page":386},{"text":"فطرتها، أي ابتدأئتها) .... (وذكروا ما يروى عن علي ﵁ في دعائه: اللهم جبار القلوب على فطرتها، شقيها وسعيدها) .\nقلت: حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه.\nومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة، فجميع البهائم هي مولودة على ماسبق في علم الله لها.\nوالأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله لها.\nوحينئذ فيكون كل مخلوق مخلوقًا على الفطرة.\nوأيضًا فإنه لو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» معنى، فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، على هذا القول، فلا فرق بين التهويد والتنصير حينئذ، وبين تلقين الإسلام وتعليمه، وبين تعليم سائر الصنائع، فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم.\nوأيضًا فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت، يبين أن أبويه غيرا ما ولد عليه.\nوأيضًا فقوله: (على هذه الملة)، وقوله: (إني خلقت","vol":"8","page":387},{"text":"عبادي حنفاء) يخالف هذا.\nوأيضًا فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان، فإنه من حين كان جنينًا إلى ما لا نهاية له من أحواله، على ما سبق في علم الله، فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص.\nوقد ثبت في الصحيح أنه: قبل نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فلو قيل: كل مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة، لكان أشبه بهذا المعنى، مع أن النفخ هو بعد الكتابة.\nقال ابن عبد البر: (قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد عن أبن المبارك، أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: يفسره الحديث الآخر حين سئل عن أطفال المشركين: الله أعلم بما كانوا عاملين.","vol":"8","page":388},{"text":"قال المروزي: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه.\nقال ابن عبد البر: ما رسمه مالك في موطأه، وذكره في أبواب القدر، فيه من الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا) .\nقلت: أئمة السنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق به علم الله منهم من إيمان وكفر، كما في الحديث الآخر: (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا) والطبع الكتاب، أي كتب كافرًا كما قال: (فيكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقي أو سعيد)، وليس إذا كان الله قد كتبه كافرًا، يقتضي أنه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير، كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء، وقد سبق في عمله أنها تجدع، كتب أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة، لا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة.\nوكلام أحمد في أجوبة أخرى له، يدل على أنه الفطرة عنده:","vol":"8","page":389},{"text":"الإسلام، كما ذكر محمد بن نصر عنه أنه آخر قوليه، فإنه كان يقول: إن صبيان أهل الحرب إذا سبوا بدون الأبوين كانوا مسلمين، وإن كانوا معهما فهم على دينهما، وإن سبوا مع أحدهما، فعنه روايتان، وكان يحتج بالحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>كلام أبي بكر الخلال في كتابه الجامع</span>\nقال أبو بكر الخلال في الجامع في كتاب أحكام أهل الملل: (أنبأ أبو بكر المروزي أن أبا عبد الله قال في سبي أهل الحرب: إنهم مسلمون إذا كانوا صغارًا، وإن كانوا مع أحد الأبوين.\nوكان يحتج بقول رسول الله ﷺ «فأبواه يهودانه وينصرانه» ....\nقال: وأما أهل الثغر فيقولون: إذا كان مع أبوية: إنهم يجبرونه على الإسلام) .\nقال: (ونحن لا نذهب إلى هذا.\nقال النبي ﷺ: «فأبواه يهودانه» ....","vol":"8","page":390},{"text":"قال الخلال: أنبأ عبد الملك الميموني قال: سألت أبا عبد الله قبل الحبس - أي قبل أن يحبس أحمد في محنة الجهمية - عن الصغير يخرج من أرض الروم وليس معه أبواه قال: إذا مات صلى عليه المسلمون.\nقلت: يكره على الإسلام؟\nقال: إذا كانوا صغارًا يصلون عليه أكره من يليه إلا هم، وحكمه حكمهم.\nقلت: فإنه كان معه أبواه؟ قال: إذا كان معه أبواه - أو أحدهما - لم يكره، ودينه على دين أبويه.\nقلت: إلى أي شيء يذهب إلى حديث النبي ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة»:\nحتى يكون أبواه؟ قال: نعم.\nقال: وعمر بن عبد العزيز نادى به؟ قال: فرده إلى بلاد الروم إلا وحكمه حكمهم.\nقلت: في الحديث كان معه أبواه؟ قال: لا، وليس ينبغي إلا أن يكون معه أبواه) .","vol":"8","page":391},{"text":"قال الخلال: (ما رواه الميموني قول أول لأبي عبد الله) .... (ولذلك نقل إسحاق ابن منصور أن أبا عبد الله قال: إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم.\nقلت: لا يجبرون على الإسلام، إذا كان معه أبواه أو أحدهما؟ قال: نعم) .\nقال الخلال: (وقد روي هذه المسألة عن أبي عبد الله خلق كلهم قال: إذا كان مع أحد أبويه فهو مسلم.\nوهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس، وبعضهم قبل وبعد، والذي أذهب إليه: ما رواه الجماعة) .\nوقال الخلال: (ثنا أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: إني كنت بواسط، فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته، ويدعا طفلين ولهما عم، ما تقول فيهما؟ فإنهم قد كتبوا إلى البصرة فيها، وقالوا:","vol":"8","page":392},{"text":"إنهم قد كتبوا إليك.\nفقال: أكره أن أقول فيها برأي.\nدع حتى أنظر، لعل فيها عمن تقدم.\nفلما كان بعد شهر عاودته، فقال: قد نظرت فيها فإذا قول النبي ﷺ (فأبواه يهودانه وينصرانه....)، هذا ليس له أبوان.\nقلت: يجبر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون، لقول النبي ﷺ) ...\n(وكذلك نقل يعقوب بن بختان قال: قال أبو عبد الله: الذمي إذا مات أبواه وهو صغير جبر على الإسلام، وذكر الحديث: «فأبواه يهودانه وينصرانه» ....\n(ونقل عن عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسيين يولد لهما ولد فيقولان: هذا مسلم فيمكث خمس سنين، ثم يتوفى؟ قال: ذاك يدفنه المسلمون.\nقال النبي ﷺ «فأبواه يهودانه وينصرانه» ....\n(وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من","vol":"8","page":393},{"text":"قوم، على أنه ما كان من ذكر فهو للرجل مسلم، وما كان من أنثى فهي مشركة: يهودية أو نصرانية أو مجوسية؟ فقال: يجبر هؤلاء من أبى منهم على الإسلام، لأن آباءهم مسلمون.\nحديث النبي ﷺ «فأبواه يهودانه وينصرانه» يردون كلهم إلى الإسلام) .\nومثل هذا كثير في أجوبته، يحتج بالحديث على أن الطفل إنما يصير كافرًا بأبويه، فإن لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم، فلو لم تكن الفطرة: الإسلام، لم يكن بعدم أبويه يصير مسلمًا، فإن الحديث إنما دل على أنه يولد على الفطرة.\nونقل عنه الميموني أن الفطرة هي الدين، وهي الفطرة الأولى.\nقال الخلال: (أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله: كل مولود يولد على الفطرة يدخل عليه إذا كان أبواه، معناه: أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغارًا؟ فقال لي: نعم، ولكن يدخل عليك في هذا.\nفتناظرنا بما يدخل علي من هذا القول، وبما يكون بقوله.\nقلت لأبي عبد الله: فما تقول أنت فيها، وإلى أي شيء تذهب؟ قال: إيش أقول","vol":"8","page":394},{"text":"أنا؟ ما أدري أخبرك هي مسلمة كم ترى، ثم قال لي: والذي يقول: كل مولود يولد على الفطرة ينظر أيضًا إلى الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها.\nقلت له: فما الفطرة الأولى: هي الدين؟ قال لي: نعم.\nفمن الناس من يحتج بالفطرة الأولى مع قول النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة» .\nقلت لأبي عبد الله: فما تقول لأعرف قولك؟ قال: أقول: (إنه على الفطرة الأولى) .\nفجوابه: أنه على الفطرة الأولى، وقوله: إنها الدين - يوافق القول بأنه على دين الإسلام.\nوأما جواب أحمد: أنه على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة، الذي ذكر محمد بن نصر أنه كان به ثم تركه، فقال الخلال: (أخبرني محمد بن يحيى الكحال، أنه قال لأبي عبد الله: كل مولود يولد على الفطرة، ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، شقي أو سعيد) .","vol":"8","page":395},{"text":"وكذلك نقل عنه (الفضل بن زياد، وحنبل، وأبو الحارث أنهم سمعوا أبا عبد الله في هذه المسألة، قال: (الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقاوة والسعادة) .\nوكذلك نقل: (عن علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد الله عن كل مولود يولد على الفطرة.\nقال: على الشقاء والسعادة، فإليه يرجع على ما خلق) .\n(وعن الحسن بن ثواب قال: سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين.\nقلت: إن ابن أبي شيبة أبا بكر قال: هو على الفطرة حتى يهودانه أبواه أو ينصرانه، فلم يعجبه شيء من هذا القول وقال: كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة، يولد على الفطرة التي خلقوا عليها من الشقاء والسعادة التي سبقت في أم الكتاب، ارفع ذلك إلى الأصل.\nهذا معناه كل مولود يولد على الفطرة) .","vol":"8","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-885>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: وأما ثبوت حكم الكفر في الآخرة للأطفال، فكان أحمد يقف فيه، تارة يقف عن الجواب، وتارة يردهم إلى العلم، كقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .\nوهذا أحسن جوابيه، كما، نقل محمد بن الحكم عنه، وسأله عن أولاد المشركين، فقال: أذهب إلى قول النبي ﷺ: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .\nونقل عنه (أبو طالب أن أبا عبد الله سئل عن أطفال المشركين.\nفقال: كان ابن عباس يقول: (فأبواه يهودانه وينصرانه)، حتى سمع: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .\nفترك قوله.\nقال أحمد: (وهي صحاح، ومخرجها كلها صحاح.\nوكان الزهري يقول: من الحديث ما يحدث بها على وجوهها) .\nوأما توقف أحمد في الجواب، (فنقل عنه علي بن سعيد أنه سأله عن قوله: فأبواه يهودانه وينصرانه.\nقال: الشأن في هذا، وقد اختلف الناس، ولم نقف منها على شيء أعرفه) .\nوقال الخلال: (رأيت في كتاب لهارون المستملي، قال أبو عبد الله: إذا سأل الرجل عن أولاد المشركين مع آبائهم، فإنه أصل كل","vol":"8","page":397},{"text":"خصومه، ولا يسأل عنه إلا رجل الله أعلم به، قال: ونحن نمر هذه الأحاديث على ما جاءت، ونسكت، لا نقول شيئًا) .\n(قال المروزي: قال أبو عبد الله سأل بشر بن السري عن سفيان الثوري عن أطفال المشركين، فصاح به وقال: يا صبي، أنت تسأل عن هذا؟!) .\nوكذلك نقل خطاب بن بشر، وحنبل أن عبد الرحمن بن الشافعي سأل أحمد عن هذا، فنهاه، ولم ينقل أحد قط عن أحمد أنه قال: هم في النار.\nولكن طائفة من أتباعه، كالقاضي أبي يعلى وغيره، لما سمعوا جوابه بأنه قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ظنوا أن هذا من تمام حديث مروي «عن خديجة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن أولادها من غيره، فقال النبي ﷺ: هم في النار.\nفقالت: بلا عمل؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .\nفظن هؤلاء أن، أحمد أجاب بحديث خديجة، وهذا غلط على أحمد.\nفإن حديث خديجة هذا حديث موضوع كذب لا يحتج بمثله أقل من صحب أحمد، فضلًا عن الإمام أحمد.","vol":"8","page":398},{"text":"وأحمد إنما اعتمد على الحديث الصحيح، حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة، وهو في الصحيحين «عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾» .\nوكذلك في الصحيح عن ابن عباس «عن النبي ﷺ أنه سئل عن أطفال المشركين.\nفقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .\nوقد ذكر أحمد أن ابن عباس رجع إلى هذا، بعد أن كان يقول: هم مع آبائهم.\nفدل على أن هذا جواب من لا يقطع بأنهم مع آبائهم.\nوأبو هريرة نفسه، الذي روى هذا الحديث عن النبي ﷺ، قد ثبت عنه ما رواه غير واحد، منهم عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره وغيره، من حديث عبد الرازق: أنبأ معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه عن أبي هريرة قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسولًا: أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسل؟ قال: وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا، ثم يرسل","vol":"8","page":399},{"text":"إليهم رسولًا، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه.\nثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ .\nوروي هذا الأثر عن أبي هريرة: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره من رواية محمد بن الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، ومن رواية القاسم، عن الحسين، عن أبي سفيان، عن معمر، وقال فيه: (والشيوخ الذين جاء الاسلام وقد خرفوا) فبين أبو هريرة أن الله لا يعذب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا، وأنه في الآخرة يمتحن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا.\nوقد روى هذا الحديث الإمام أحمد، عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\nوعن الأسود بن سريع أيضًا، قال أحمد في المسند: حدثنا علي بن عبد الله ثنا معاذ بن هشام ثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع: أن نبي الله ﷺ قال: «أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما","vol":"8","page":400},{"text":"أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول.\nفيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا» .\nوبالإسناد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة بمثل هذا الحديث، غير أنه قال في آخره: «فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن لم يدخلها يسحب إليها» .\nوقد جاءت بذلك عدة آثار مرفوعة إلى النبي ﷺ، وعن الصحابة والتابعين، بأنه في الآخرة يمتحن أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغه الرساله في الدنيا.\nوهذا تفسير قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .\nوهذا هو الذي ذكره الأشعري في المقالات عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يذهب إليه.\nوهذا التفصيل يذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه.\nفإن من قطع لهم بالنار كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنةكلهم، جاءت نصوص تدفع قوله.\nثم إذ قيل: هم مع آبائهم، لزم تعذيب من لم يذنب، انفتح باب الخوض في الأمر والنهي،","vol":"8","page":401},{"text":"والوعد والوعيد، والقدر والشرع، والمحبة والحكمة والرحمة.\nفلهذا كان أحمد يقول: هو أصل كل خصومه.\nفأما جواب النبي ﷺ الذي أجاب به أحمد آخرًا، وهو قوله «الله أعلم بما كانوا عاملين»، فإنه فصل الخطاب في هذا الباب.\nوهذا العلم يظهر حكمه في الآخرة، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>تابع كلام ابن عبد البر في التمهيد</span>\nوأحمد - ﵀ - كان متبعًا في هذا الباب وغيره لمن قبله من أئمة السنة، كما روينا عن طريق إسحاق بن راهويه، فيما ذكره ابن عبد البر وغيره.\n(ثنا يحيى بن آدم، ثنا جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي: سمعت أبن عباس يقول: لا يزال أمر هذه الأمة مواتيًا أو مقاربًا، أو كلمة تشبه هاتين، حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقدر.\nقال يحيى بن آدم: فذكرته لابن المبارك، فقال: أفيسكت الإنسان على الجهل؟ قلت: فتأمر بالكلام؟ فسكت.\nوذكر محمد بن نصر المروزي، ثنا شيبان بن شيبة، ثنا جرير","vol":"8","page":402},{"text":"بن حازم فذكره بإسناده.\nوقال: لا يزال أمر هذه الأمة مقاربًا أو مواتيًا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر.\nوذكر المروزي أيضًا، ثنا عمرو بن زرارة، أنبأ إسماعيل بن علية، عن ابن عوان قال: كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فقال: ماذا كان بين قتادة وبين حفص بن عمر في أولاد المشركين؟ قال: وتكلم ربيعة الرأي في ذلك؟ فقال القاسم: إذا الله انتهى عند شيء فانتهوا وقفوا عنده.\nقال: فكأنما كانت نارًافطفئت؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ابن عباس ﵁ خطب بهذه الخطبةبالبصرة، وكان عنده وعند غيره من الصحابة من العلم بما يحدث في هذا الأمة، والتحذير من أسباب الفتن، ما قد نقل إلينا، كما في الحديث الذي ذكره أحمد في رسالته للمتوكل في قصة ابن عباس مع عمر ابن الخطاب، لما كثر القراء، وخوفهما من اختلاف الأمة وافتراقها، والمسائل المشكلة إذا خاض فيها أكثر الناس لم يفهموا حقيقتها، وإذا تنازعوا فيها صار بينهم أهواء وظنون، وأفضى ذلك إلى الفرقة والفتنة.","vol":"8","page":403},{"text":"ومن ذلك الحديث الذي رواه أحمد وغيره، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، وقائل يقول: ألم يقل الله كذا؟ وآخر يقول: ألم يقل الله كذا؟ فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فافعلوه، وما نهيتم عنه فاتركوه.\nفهذا الحديث ونحوه مما ينهى فيه عن معارضة حق بحق، فإن ذلك يقتضي التكذيب بأحد الحقين، أو الاشتباه والحيرة.\nوالواجب التصديق بهذا الحق وهذا الحق، فعلى الإنسان أن يصدق بالحق الذي يقوله غيره، كما يصدق بالحق الذي يقوله هو، ليس له أن يؤمن بمعنى آية استدل بها، ويرد معنى آية استدل بها مناظره، ولا أن يقبل الحق من طائفة، ويرده من طائفة أخرى.\nولهذا قال تعالى: ﴿فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين * والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ .\nفذم سبحانه من كذب أو كذب بحق، ولم يمدح إلا من صدق وصدق بالحق.\nفلو صدق الإنسان فيما يقوله، ولم يصدق بالحق الذي يقوله غيره، لم يكن ممدوحًا، حتى يكون ممن يجيء بالصدق ويصدق به، فأولئك هم المتقون.","vol":"8","page":404},{"text":"ومسألة القدر يحتاج فيها إلى الإيمان بقدر الله، وإلى الإيمان بشرع الله، فطائفة غلب عليهم التصديق بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، فظنوا أن هذا لا يتم إلا بالتكذيب بالقدر، فأخطأوا في التكذيب به، وطائفة ظنت أن الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأن يقول: إن الرب تعالى يخلق ويأمر لا لحكمه ولا لرحمة، ولا يسوي بين المتماثلين، بل بإرادة ترجح أحد المتماثلين لا لمرجح.\nواشتركت الطائفتان في أن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح.\nوهذا أصل مذهب القدرية النفاة، ولهذا قالوا: إن العبد لا يحتاج في ترجيح أحد مقدوريه على الآخر إلى مرجح يفتقر فيه إلى الله تعالى، وإن الله لا يمتن على المطيع بنعمة أنعم بها عليه دون العاصي صار بها مطيعًا، وتوهموا أن هذا من الظلم الذي يجب نفيه، وظن أولئك أنه لا يمكن أبطال قولهم إلا بأن يقال: الظلم ممتنع لذاته، وأنه مهما قدر من الممكنات فهو عدل، حتى تعذيب الأنبياء والصالحين، وتنعيم الكفار والفاسقين، إلى أمثال هذه الأمور التي خاض فيها الناس في القدر، وكانت من أعظم أسباب الجهل والظلم.\nوكان أعظم ظهور ذلك من أهل البصرة الذين خطبهم ابن عباس، وكذلك أمر أطفال المشركين: طائفة يقولون: يعذبهم كلهم، أو يمكن تعذيبهم كلهم، بناءً على المشيئة المرجحة بلا سبب ولا حكمة ولا رحمة.","vol":"8","page":405},{"text":"وطائفة تقول: بل يدخلون الجنة مع من آمن وعمل صالحًا، بناءً على رحمة بلا حكمة، وتسوية بين أولاد المؤمنين وأولاد الكفار، وبين من آمن وعمل صالحًا ومن لم يؤمن ويعمل صالحًا، من غير اعتبار التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين، فيقع الاختلاف والاشتباه والتفرق.\nوهذه المسأئل وغيرها قد بين الله ورسوله أمرها، فإن الله أكمل الدين، وأتم النعمة.\nوقد «قال النبي ﷺ: تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» .\nوفي الصحيح «عن أبي ذر ﵁ قال: توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا» .\nوقد أنزل الله كتابه شفاءً لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين.\nوقال تعالى: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ .\nقال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.\nوقد قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾، فحكم الله بكتابه بين الناس فيما اختلفوا فيه.","vol":"8","page":406},{"text":"وقال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ .\nفهذه النصوص وأمثالها مما يبين أن ما بعث الله به رسله، يبين للناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم في هذه المسائل وغيرها، لكن ليس كل واحد قد بلغته النصوص كلها، ولا كل أحد يفهم ما دلت عليه النصوص، فإن الله يختص من يشاء عباده من العلم والفهم بما يشاء، فمن اشتبه عليه الأمور فتوقف لئلا يتكلم بلا علم، أو لئلا يتكلم بكلام يضر ولا ينفع فقد أحسن، ومن علم الحق فبينه لمن يحتاج إليه وينتفع به فهو أحسن وأحسن.\nولهذا لما روى يحيى بن آدم لابن المبارك هذا الأثر عن ابن عباس، وهو قوله: إنه لا يزال أمر هذه الأمة مواتيًا أو مقاربًا، شك الراوي، حتى يتكلموا في الولدان والقدر، وكأن قائل هذا يطلب من الناس السكوت مطلقًا.\nقال له ابن المبارك: أفيسكت الإنسان على الجهل؟ وقد صدق ابن المبارك، فقال له يحيى بن آدم: أفتأمر بالكلام؟ فسكت ابن المبارك، لأن أمره بالكلام مطلقًا يتضمن الإذن","vol":"8","page":407},{"text":"بالكلام الذي وقع من الناس، وفيه من الجهل والكذب ما ينهى عنه.\nوتحقيق الأمر أن الكلام بالعلم الذي بينه الله وسوله مأمور به، وهو الذي ينبغي للإنسان طلبه، وأما الكلام بلا علم فيذم، ومن تكلم بما يخالف الكتاب والسنة فقد تكلم بلا علم، وقد يتكلم بما يظنه علمًا: إما برأي رآه، وإما بنقل بلغه، ويكون كلامًا بلا علم.\nوهذا قد يعذر صاحبه تارة وإن لم يتبع، وقد يذم صاحبه إذا ظلم غيره ورد الحق الذي معه بغيًا.\nكما ذم الله ذلك بقوله: ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ .\nفالبغي مذموم مطلقًا.\nسواء كان في أن يلزم الإنسان الناس بما لا يلزمهم، ويذمهم على تركه، أو بأن يذمهم على ما هم معذورون فيه، والله يغفر لهم خطأهم فيه، فمن ذم الناس وعاقبهم على ما لم يذمهم الله تعالى ويعاقبهم.\nفقد بغى عليهم، لا سيما إذا كان ذلك لأجل هواه.\nوقد قال تعالى: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ .\nوالله تعالى قد قال: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات﴾ .","vol":"8","page":408},{"text":"فالسعيد من تاب الله عليه من جهله وظلمه، وإلا فالإنسان ظلوم جهول، وإذا وقع الظلم والجهل في الأمور العامة الكبار، أوجبت بين الناس العداوة والبغضاء، فعلى الإنسان أن يتحرى العلم والعدل فيما يقوله في مقالات الناس، فإن الحكم بالعلم والعدل في ذلك أولى منه في الأمور الصغار.\nوقد قال النبي ﷺ: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة.\nرجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار» .\nفإذا كان هذا فيمن يقضي في درهم وثوب، فكيف بمن يقضي في الأصول المتضمنة للكلام في رب العالمين، وخلقه وأمره، ووعده ووعيده؟.\nولهذا لما اشترك هؤلاء القدرية القائلون بأن القادر المختار يرجح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح في هذا الأصل، وناظروا به الملاحدة القائلين بقدم العالم، من الدهرية الفلاسفة وغيرهم، ورأى أولئك أن هذا ليس بعلم ولا عدل، طعموا في هؤلاء القدرية.\nفإن الإنسان إذا اتبع العدل نصر على خصمه، وإذا خرج عنه طمع","vol":"8","page":409},{"text":"فيه خصمه، فصار بين الفلاسفة الدهرية والمتكلمين القدرية في هذا الباب من النزاع ما استطار شرره، وإن كانت القدرية أقرب إلى العلم والعدل.\nومن الناس من يحار، ومنهم من يوافق هؤلاء تارة وهؤلاء تارة، تناقضًا منه في حالين، أو جمعًا بين النقيضين في حال واحدة.\nولو اتبعوا ما بعث الله ورسوله من الهدى ودين الحق، لحصل لهم من العلم والعدل ما يرفع النزاع، ويدخلهم في اتباع النص والإجماع، والكلام على هذه المسألة له موضع آخر.\nوالمقصود هنا تفسير قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) وأن من قال بإثبات القدر، وأن الله كتب الشقي والسعيد، لم يمنع ذلك أن يكون ولد على الإسلام ثم تغير بعد ذلك، كما تولد البهيمة جمعاء ثم تغير بعد ذلك، فإن الله تعالى يعلم الاشياء على ما هي عليه، فيعلم أنه يولد سليمًا ثم يتغير.\nوالآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول الذي رجحناه، وهو أنهم ولدوا على الفطرة، ثم صاروا إلىما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة، لا تدل على أنه حين الولادة لم يكن على فطرة سليمة مقتضية للإيمان، مستلزمة له لولا المعارض.","vol":"8","page":410},{"text":"فروى ابن عبد البر في ضمن هذا المنقول بإسناده (عن موسى بن عبيده، سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾، وقال: من ابتدأ الله خلقه لضلالة وإن علم بعمل أهل الهدى، ومن ابتدأ خلقه على الهدى صيره إلى الهدى، وإن عمل بعمل أهل الضلالة، ابتدأ خلق إبليس على الضلالة، وعمل بعمل السعادة مع الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه من الضلالة.\nقال: وكان من الكافرين.\nوابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل الضلالة، ثم هداهم إلى الهدى والسعادة، وتوفاهم، عليها مسلمين.\nوبهذا الإسناد عن محمد بن كعب في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾، يقول: فأقروا له بالبإمان والمعرفة الأرواح قبل أن تخلق أجسادها) .\nفهذا المنقول عن محمد بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه، وهو","vol":"8","page":411},{"text":"ما كتبه أنهم صائرون إليه، قد يعملون قبل ذلك غيره، وأن من ابتدأه على الضلالة، أي كتبه أنه يموت ضالًا، فقد يكون قبل ذلك عاملًا بعمل أهل الهدى، وحينئذ من ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى، لا يمتنع أن يعرض لها ما يغيرها، فيصير إلى ما سبق به القدر لها.\nكما في الحديث الصحيح: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعلم بعمل أهل النار، حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة» .\nولهذا قال محمد بن كعب: إن جميع الذرية أقروا له بالإيمان والمعرفة، فأثبت هذا وهذا، إذ لامنافاة بينهما.\nثم روى ابن عبد البر بإسناده (عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كما بدأكم تعودون﴾، قال: كما كتب عليكم تكونون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>تعليق ابن تيمية</span>\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿كما بدأكم تعودون﴾، قال: شقي وسعيدًا.\nوقال غيره عن مجاهد: ﴿كما بدأكم تعودون﴾، قال: يبعث المسلم مسلمًا والكافر كافرًا.","vol":"8","page":412},{"text":"وقال الربيع أبن أنس عن أبي العالية: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ قال: عادوا إلى علمه فيهم، فريقًا هدى، وفريقًا حق عليهم الضلالة) .\nقلت: ما في هذه الأقوال من إثبات علم الله وقدره السابق، وأن الخلق يصيرون إلى ذلك، حق لا محالة، كما دل عليه الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، وأما كون ذلك تفسير الآية، فهذا مقام آخر ليس هذا موضعه.\nولفظ (بدأ الله الخلق): يراد به ابتداء تكوينهم، وهو ظاهر القرآن.\nوقد يراد به ابتداء أسباب خلقهم وعلامات ذلك، كما في قول السائل للنبي ﷺ: «ما كان أول أمرك؟ قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي: رأت أنني حين ولدتني كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام» .\nقال: (وقال آخرون: معنى قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم، فقال ألست بربكم؟ قالوا جميعًا:","vol":"8","page":413},{"text":"بلى، فأما أهل السعادة فقالوا: بلى، على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاء فقالوا: بلى، كرهًا غير طوع.\nقالوا: ويصدق ذلك قوله: ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها﴾، قالوا: وكذلك قوله: ﴿كما بدأكم تعودون * فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة﴾، قال محمد بن نصر المروزي: وسمعت إسحاق بن إبراهيم - يعني ابن راهويه - يذهب إلى هذا المعنى.\nواحتج بقول أبي هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ .\nقال إسحاق: يقول: (لا تبديل للخلقة التي جبل عليها ولد آدم كلهم، يعني من الكفر والإيمان، والمعرفة والإنكار، واحتج إسحاق بقول الله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ .\nقال: إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد: استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فقال: انظروا ألا تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل) .\nوذكر (حديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر.","vol":"8","page":414},{"text":"قال: وكان الظاهر ما قال موسى: أقتلت نفسًا زاكية بغير نفس؟ فعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه في الفطرة التي فطره عليها، وأنه لا تبديل لخلق الله: فأمر بقتله، لأنه كان قد طبع يوم طبع كافرًا) .\nوروى إسحاق حديث أبي بن كعب.\n«عن النبي ﷺ قال: الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا» .\nوهذا الحديث رواه مسلم.\nوروى البخاري وغيره (عن ابن عباس أنه كان يقرأها: وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين.\nقال إسحاق: فلو ترك النبي ﷺ الناس ولم يبين لهم حكم الأطفال، لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين، لأنهم لا يدرون ما جبل كل واحد منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبين النبي ﷺ حكم","vol":"8","page":415},{"text":"الطفل في الدنيا فقال: «أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»، يقول: أنتم لا تعلمون ما طبع عليه في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين كافرين ألحق بحكم الكفار، ومن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين ألحق بحكم الأسلام، وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير إليه فعلم ذلك إلى الله، ويعلم ذلك فضل الخضر موسى إذ أطلعه الله عليه في ذلك الغلام وخصه بذلك العلم.\nقال: (ولقد «سئل ابن عباس عن الولدان: ولدان المسلمين والمشركين، فقال ابن عباس: حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر قال: إسحاق: ألا ترى إلى قول عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين","vol":"8","page":416},{"text":"فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة.\nفرد عليها النبي ﷺ ذلك وقال: مه يا عائشة، وما يدريك؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلها، وخلق النار وخلق لها أهلها» .\nقال إسحاق: فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم) .\n(وسئل حماد بن سلمة عن قول النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة»، فقال: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم.\nقال ابن عبد البر: (وقال ابن قتيبة: يريد حين مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى) .\nقلت: مقصود حماد وإسحاق ومالك وابن المبارك، ومن اتبعهم كابن قتيبة، وابن بطة، والقاضي أبي يعلى، وغيرهم، هو منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر، وهذا مقصود صحيح.\nولكن سلكوا في حصوله طرقًا بعضها صحيح وبعضها ضعيف.","vol":"8","page":417},{"text":"كما أن النبي ﷺ لما ثبت عنه أنه قال: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: ربنا أرنا أبانا آدم الذي أخرجنا من الجنة.\nفقال له: أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي كلمك الله تكليمًا، وخط لك التوراة بيده، فبكم تجد علي مكتوبًا قبل أن أخلق: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾؟ قال: بأربعين خريفًا.\nقال: فحج آدم موسى» .\nفبهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وهو مروي بإسناد جيد من حديث عمر.\nفلما توهم من توهم أن ظاهره أن المذنب يحتج بالقدر على من لامه على الذنب، اضطربوا فيه: فكذب به طائفة من القدرية كالجبائي، وتأوله طائفة من أهل السنة تأويلات ضعيفة قصدًا لتصحيح الحديث، ومقصودهم صحيح.\nلكن طريقهم في رد قول القدرية وتفسير الحديث ضعيفة، كقول بعضهم إنما حجه لكونه أباه، وقول الآخر: لكونه كان قد تاب، وقول الآخر: لكون الذنب كان في شريعة والملام في أخرى، وقول الآخر: حجة لأن الاحتجاج به كان في الآخرة","vol":"8","page":418},{"text":"دون الدنيا، وقول الآخر: الاحتجاج بالقدر ينفع الخاصة المشاهدين لجريان القدر عليهم دون العامة، فإن الحديث صريح بأن آدم احتج بالقدر وحج به موسى.\nوأيضًا فموسى أعلم من أن يلوم تائبًا، وموسى وآدم أعلم من أن يظنا أن القدر حجة لأحد في ذنب، فإن هذا لو كان حقًا لكان حجةً لإبليس وفرعون، وكل كافر وفاسق.\nوكذلك قول من قال: إن الأحتجاج بالقدر لا يجوز في الدنيا بل بعد الموت قول باطل، أو احتجاج الخاصة به سائغ، فإنه قول باطل، فإن الأنبياء جميعهم تابوا من ذنوبهم ولم يحتج أحد منهم بالقدر، ووقع العتب والملام بسبب الذنب، كما حقق الله ذلك في القرآن، ولكن موسى لام آدم لما حصل له وللذرية من الشقاء بالخروج من الجنة، كما في الحديث: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فلامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بسببه، لا من جهة كونه عصى الأمر أو لم يعصه، فإن هذا أمر قد تاب الله عليه منه، واجتباه ربه وهداه، فأخبر آدم بأن القدر قد سبق بذلك، فما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، ما أخطاه لم يكن ليصيبه.\nكما قال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم","vol":"8","page":419},{"text":"إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾، وقال: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ .\nقال طائفة من السلف: هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.\nفالعبد مأمور بالصبر عند المصائب نظرًا إلى القدر، وأما عند الذنوب فمأمور بالاستغفار.\nفحج آدم موسى لأن ما أصابهم من المصيبة كانت مقدرة هي وسببها.\nفلا بد أن يصيبهم ذلك، فلا فائدة من ملام لا يدفع المصيبة المقدرة بعد وقوعها، وإنما الفائدة في الرجوع إلى الله.\nومثل هذا قول أنس في الحديث الصحيح: «خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي شيء فعلته لما فعلته، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته، وكان بعض أهله إذا عتبني على شيء يقول: دعوه فلو قضي شيء لكان» .\nومن هذا قوله في الحديث الصحيح: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت","vol":"8","page":420},{"text":"لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن اللو تفتح عمل الشيطان» .\nوالمقصود هنا أنهم تشعبوا في حديث الفطرة كتشبعهم في حديث الحجة.\nوأصل مقصودهم من الإيمان بالقدر صحيح، لكن لا يجب مع ذلك أن يفسر القرآن والحديث إلا بما هو مراد الله ورسوله، ويجب أن يتبع في ذلك ما دل عليه الدليل.\nوكثيرًا ما يقع لمن هو من أهل الحق - في أصل مقصوده، وقد أخطأ في بعض الأمور - هذا المجرى، مثل أن يتكلموا في مسألة، فإذا أرادوا أن يجيبوا عن حجج المنازعين ردوها ردًا غير مستقيم.\nوما ذكروه من أن الله فطرهم على الكفر والإيمان، والمعرفة والنكرة: إن أرادوا به أن الله سبق علمه وقدره بأنهم سيؤمنون ويكفرون، ويعرفون وينكرون، وأن ذلك كان بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فهذا حق يرده القدرية، فغلاتهم ينكرون العلم، وجمهورهم ينكرون عموم خلقه وممشيئته وقدرته، وإن أرادوا أن هذه المعرفة والنكرة كانت موجودة حين أخذ الميثاق، كما في ظاهر المنقول عن إسحاق، فهذا يتضمن شيئين: أحدهما: أنهم حينئذ كانت المعرفة والإيمان موجودًا فيهم، كما قال ذلك","vol":"8","page":421},{"text":"طوائف من السلف، وهو الذي حكى إسحاق الإجماع عليه.\nوالآية في تفسيرها نزاع ليس هذا موضعه، وكذلك في وجود الأرواح قبل الأجساد قولان معروفان.\nلكن المقصود هنا أن هذا إن كان حقًا، فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك المعرفة والإقرار، فهذا لا يخالف ما دلت عليه الأحاديث من أنه يولد على الملة، وأن الله خلق خلقه حنفاء، بل هو مؤيد لذلك.\nوأما قول القائل: إنهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى: طائع وكاره، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فيما أعلم، إلا عن السدي في تفيسره.\nقال السدي في قول الله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾ .\nقالوا: لما أخرج الله آدم من الجنة، قبل أن يهبطه من السماء، مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي.","vol":"8","page":422},{"text":"فذلك قوله: وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال.\nثم أخذ منهم الميثاق فقال: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ .\nفأطاعه طائفة طائعين وطائفة كارهين، على وجه التقية.\nفقال هو والملائكة: ﴿شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل﴾، فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه.\nوذلك قوله ﷿: ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها﴾، وذلك قوله: ﴿فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ يعني يوم أخذ الميثاق.\nفهذا الأثر إن كان حقًا ففيه أن كل ولد آدم يعرف الله، فإذا كانوا ولدوا على هذه النطفة فقد ولدوا على المعرفة، ولكن فيه أن بعضهم أقر كارهًا مع المعرفة، بمنزلة الذي يعرف الحق لغيره ولا يقر به إلا مكرهًا، وهذا لا يقدح في كون المعرفة فطرية، مع أن هذا لم يبلغنا إلا في هذا الأثر، ومثل هذا لا يوثق به.\nفإن هذا في مثل تفسير السدي، وفيه أشياء قد عرف بطلان بعضها، إذ كان السدي - وإن كان ثقة في نفسه - فهذه الأشياء أحسن أحوالها أن تكون كالمراسيل، إن كانت أخذت عن النبي ﷺ، فكيف إذا كان فيها ما هو مأخوذ عن أهل الكتاب الذين يكذبون كثيرًا؟ وقد عرف أن فيها شيئًا كثيرًا مما يعلم أنه باطل، لا","vol":"8","page":423},{"text":"سيما ولو لم يكن في هذا إلا معارضة لسائر الآثار التي تسوي بين جميع الناس في ذلك الإقرار.\nوقول الله تعالى: ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها﴾، إنما هو في الإسلام الموجود بعد خلقهم، لم يقل: إنهم حين العهد الأول أسلموا طوعًا وكرهًا.\nيدل على ذلك أن ذلك الإقرار الأول جعله الله حجة عليهامن عند من يثبته ولو كان فيهم كاره لقال: لم أقل ذلك طوعًا بل كرهًا، فلا تقوم عليه به حجة.\nوأما احتجاج إسحاق ﵀، بقول أبي هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾، قال إسحاق: نقول: لا تبديل للخلقة التي جبل عليها.\nفهذه الآية فيها قولان: أحدهما: أن معناها النهي، كما تقدم عن ابن جرير أنه فسرها بالنهي، أي: لا تبدلوا دين الله الذي فطر عليه عباده، وهذا قول غير واحد من المفسرين الذين لم يذكروا غيرهم كالثعلبي والزمخشري.\nوالثاني: ما قاله إسحاق: وهو أنه خبر على ظاهرها، وأن خلق الله","vol":"8","page":424},{"text":"لا يبدله أحد.\nوظاهر اللفظ أنه خبر فلا يجعل نهيًا بغير حجة، وهذا أصح.\nوحينئذ فيقال: المراد ما خلقهم عليه من الفطرة لا تبدل، فلا يخلقون على غير الفطرة، لا يقع هذا قط.\nوالمعنى أن الخلق لا يتبدل فيخلقون على غير الفطرة، ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق، بل نفس الحديث يبين أنها تتغير، ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء ثم تجدع، ولا تولد بهيمة قط مخصية ولا مجدوعة.\nوقد قال تعالى عن الشيطان: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾، فالله أقدر الخلق على أن يغيروا ما خلقهم عليه بقدرته ومشيئته.\nوأما تبديل الخلق، بأن يخلقوا على غير تلك الفطرة، فهذا لا يقدر عليها إلا الله، والله لا يفعله، كما قال: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾، ولم يقل: لا تغيير، فإن تبديل الشيء يكون بذهابه وحصول بدله، فلا يكون خلق بدل هذا الخلق، ولكن إذا غير بعد وجوده، لم يكن الخلق الموجود عند الولادة قد حصل بدله.\nوأما قول القائل: لا تبديل للخلقة التي جبل عليه ولد آدم كلهم من كفر وإيمان، فإن عنى بها أن ما سبق به القدر من الكفر والإيمان لا يقع خلافه، فهذا حق.\nولكن ذلك لا يقتضي أن تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس ممتنع، ولا أنه غير مقدور، بل العبد قادر على ما أمره الله به","vol":"8","page":425},{"text":"من الإيمان، وعلى ترك ما نهاه عنه من الكفر، وعلى أن يبدل حسناته بالسئيات بالتوبة، كما قال تعالى: ﴿إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم﴾ .\nو﴿أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>تعليق ابن تيمية</span>\nوهذا التبديل كله هو بقضاء الله وقدره، وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين الولادة، فإن ذاك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره، وهو سبحانه لا يبدله قط، بخلاف تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس، فإنه يبدله دائمًا، والعبد قادر على تبديله بإقدار الله له على ذلك.\nومما يبين ذلك أنه قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾، فهذه فطرة محمودة، أمر الله بها نبيه، فكيف يكون فيها كفر وإيمان مع أمر الله تعالى بها؟ وهل يأمر الله تعالى قط بالكفر؟.\nوقد تقدم تفسير السلف: لا تبديل لخلق الله تعالى، بأنه: دين الله، أو تبديل خلق الحيوان بالخصاء ونحوه، ولم يقل أحد منهم إن المراد: لا تبديل لأحوال العباد من إيمان إلى كفر ولا من كفر إلى إيمان، إذ تبديل ذلك موجود، ومهما وقع كان هو الذي سبق به القدر، والله تعالى عالم بما","vol":"8","page":426},{"text":"سيكون، لا يقع خلاف معلومه، لكن إذا وقع التبديل كان هو الذي علمه، وإن لم يقع كان عالمًا بأنه لا يقع.\nوأما قوله: الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا.\nفالمراد به: كتب وختم، وهذا من طبع الكتاب، وإلا فاستنطاقهم بقوله: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾، ليس هو طبعًا لهم، فإنه ليس بتقدير ولا خلق.\nولفظ (الطبع) لما كان يستعمله كثير من الناس في الطبيعة، التي هي بمعنى الجبلة والخليقة، ظن الظان أن هذا مراد الحديث.\nوهذا الغلام الذي قتله الخضر قد يقال فيه: إنه ليس في القرآن ما يبين أنه كان غير مكلف، بل ولا ما يبين أنه كان غير بالغ، ولكن قال في الحديث الصحيح: الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا، ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا.\nوهذا دليل على كونه لم يدرك بعد، فإن كان بالغًا - وقد كفر - فقد صار كافرًا بلا نزاع، وإن كان مكلفًا قبل الاحتلام في تلك الشريعة، أو على قول من يقول: إن المميزين مكلفون بالإيمان قبل الاحتلام، كما قاله طوائف من أهل الكلام والفقه، من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم - أمكن أن يكون","vol":"8","page":427},{"text":"مكلفًا بالإيمان قبل البلوغ، ولو لم يكن مكلفًا، فكفر الصبي المميز صحيح عند أكثر العلماء، فإذا ارتد الصبي المميز صار مرتدًا، وإن كان أبواه مؤمنين، ويؤدب على ذلك باتفاق العلماء أعظم مما يؤدب على ترك الصلاة، لكن لا يقتل في شريعتنا حتى يبلغ.\nفالغلام الذي قتله الخضر: إما أن يكون كافرًا بالغًا كفر بعد البلوغ فيجوز قتله، وإما أن يكون كافرًا قبل البلوغ وجاز قتله في تلك الشريعة، وقتل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، كما يقتل الصبي الكافر في ديننا، إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل.\nبل الصبي الذي يقاتل المسلمين يقتل، فقتل الصبي الكافر المميز يجوز لدفع صباله الذي لا يندفع إلا بالقتل.\nوأما قتل صبي لم يكفر بعد، بين أبوين مؤمنين، للعلم بأنه إذا بلغ كفر وفتن، فقد يقال إنه ليس في القرآن ما يدل عليه، ولا في السنة.\nوقد يقال: بل في السنة ما يدل عليه، ومنه قول ابن عباس لنجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان: إن علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتله وإلا فلا.\nرواه مسلم.","vol":"8","page":428},{"text":"والمعلوم من الكتاب والسنة لا يعارض إلا بما يصلح أن يعارض به.\nومن قال بالأول يقول: إن الله تعالى لم يأمر أن يعاقب أحد بما يعلم أنه يكون منه قبل أن يكون منه، ولا هو سبحانه يعاقب العباد بما يعلم أنهم سيعماونه حتى يفعلوه.\nويقول قائل هذا القول: إنه ليس في قصة الخضر شيء من الاطلاع على الغيب الذي لا يعلمه عموم الناس، وإنما فيها علمه بأسباب لم يكن علم بها موسى، مثل علمه بأن السفينة لمساكين ووراءهم ملك ظالم، وهذا أمر يعلمه غيره.\nوكذلك كون الجدار كان لغلامين يتيمين، وأن أباهما كان رجلًا صالحًا، هذا مما قد يعلمها كثير من الناس، فكذلك كفر الصبي مما يمكن أنه كان يعلمه كثير من الناس حتى أبواه، لكن لحبهما له لا ينكران عليه، أو لا يقبل منهما الإنكار عليه.\nفإن كان الأمر على ذلك، فليس في الآية حجة أصلًا، وإن كان ذلك الغلام لم يكفر بعد أصلًا، ولكن سبق في العلم أنه إذا بلغ كفر.\nفهذا أيضًا يبين أنه قتل قبل أن يصير كافرًا، ومن قال هذا يقول: إنه قتل دفعًا لشره.\nكما قال نوح: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾","vol":"8","page":429},{"text":"فقد دعا نوح ﵍ بهلاكهم لدفع شرهم في المستقبل، وعلى هذا فلم يكن قبل قيام الكفر به كافرًا.\nوقول ابن عباس: وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين، ظاهره أنه كان حينئذ كافرًا.\nوأما تفسير قول النبي ﷺ: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» أنه أراد به مجرد الإلحاق في أحكام الدنيا، دون أن يكون أراد أنهما يغيران الفطرة، فهذا خلاف ما يدل عليه الحديث، فإنه شبه تكفير الأطفال بجدع البهائم تشبيهًا للتغيير بالتغيير.\nوأيضًا فإنه ذكر الحديث لما قتلوا أولاد المشركين ونهاهم عن قتلهم، وقال أليس خياركم أولاد المشركين؟ كل مولود يولد على الفطرة.\nفلو أراد أنه تابع لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة لهم، يقولون: هم كفار كآبائهم فنقتلهم.\nوكون الصغير يتبع أباه في أحكام الدنيا، هو لضرورة حياته في الدنيا، فإنه لا بد من مرب يربيه، وإنما يربيه أبواه، فكان تابعًا لهما ضرورة ولهذا متى سبي منفردًا عنهما صار تابعًا لسابيه عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وغيرهم، لكونه هو الذي يربيه.\nوإذا سبي منفردًا عن أحدهما أو معهما، ففيه نزاع للعلماء.","vol":"8","page":430},{"text":"واحتجاج الفقهاء، كأحمد وغيرهم، بهذا الحديث على أنه متى سبي منفردًا عن أبويه يصير مسلمًا، لا يستلزم أن يكون المراد بتكفير الأبوين مجرد لحاقه بهما في الدين، ولكن وجه الحجة أنه إذا ولد على الملة فإنما ينقله عنها الأبوان اللذان يغيرانه عن الفطره، فمتى سباه المسلمون منفردًا عنهما، لم يكن هناك من يغير دينها، وهو مولود على الملة الحنيفية، فيصير مسلمًا بالمقتضى السالم عن المعارض، ولو كان الأبوان يجعلانه كافرًا في نفس الأمر بدون تعليم وتلقين، لكان الصبي المسبى بمنزلة الكافر.\nومعلوم أن الكافر البالغ إذا سباه المسلمون لم يصر مسلمًا، لأنه صار كافرًا حقيقة.\nفلو كان الصبي التابع لأبويه كافرًا حقيقة، لم ينتقل عن الكفر بالسباء، فعلم أنه كان يجزي عليه حكم الكفر في الدنيا تبعًا لأبويه، لا لأنه صار كافرًا في نفس الأمر.\nيبين ذلك أنه لو سباه كفار، لم يكن معه أبواه ولم يصر مسلمًا، فهو هنا كافر في حكم الدنيا، وإن لم يكن أبواه هوداه ونصراه ومجساه.\nفعلم أن المراد بالحديث أن الأبوين يلقنانه الكفر ويعلمانه إياه.\nوذكر ﷺ الأبوين لأنهما الأصل العام الغالب في تربية الأطفال، فإن كل طفل غير فلا بد له من أبوين، وهما اللذان يربيانه مع بقائهما وقدرتهما، بخلاف ما إذا ماتا أو عجزا لسبي الولد عنهما أو غير ذلك.","vol":"8","page":431},{"text":"ومما يبين ذلك قوله في الحديث الآخر: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإما شاكرًا وإما كفورًا» .\nفجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميز، فحينئذ يثبت له أحد الأمرين، ولو كان كافرًا في الباطن بكفر الأبوين، لكان ذلك من حين يولد، قبل أن يعرب عنه لسانه.\nوكذلك قوله في الحديث الآخر الصحيح، حديث عياض بن حمار، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» .\nصريح في أنهم خلقوا على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم وحرمت عليهم الحلال وأمرتهم بالشرك، فلو كان الطفل يصير كافرًا في نفس الأمر من حين يولد، لكونه يتبع أبويه في الدين قبل أن يعلمه أحد الكفر ويلقنه إياه، لم يكن الشياطين هن الذين غيروهم عن الحنيفية وأمروهم بالشرك، بل كانوا مشركين من حين ولدوا تبعًا لآبائهم.\nومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإن أولاد الكفار لما كانوا يجري عليهم أحكام الكفر في أمور الدنيا، مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانة آبائهم لهم، وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثة بينهم وبين آبائهم، واسترقاقهم إذا كان آبائهم محاربين، وغير ذلك - صار يظن من يظن أنهم كفار في نفس الأمر، كالذي تكلم بالكفر وعمل به.","vol":"8","page":432},{"text":"ومن هنا قال من قال: إن هذا الحديث - هو قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» كان قبل أن تنزل الأحكام، كما ذكره أبوعبيد، عن محمد بن الحسن، فأما إذا عرف أن كونهم ولدوا عى الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعًا، لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة.\nوقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن في الباطن يكتم إيمانه من لا يعلم المسلمون حاله، إذا قاتلوا الكفار، فيقتلونه ولا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن مع المشركين، وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، فحكم الدار الآخرة غير حكام الدار الدنيا.\nوقوله: «كل مولود يولد على الفطرة» إنما أراد به الإخبار بالحقيقة التي خلقوا عليها، وعليها الثواب والعقاب في الآخرة، إذا عمل بموجبها وسلمت عن المعارض، لم يرد له الإخبار بأحكام الدنيا، فإنه قد علم بالاضطرار من شرع الرسول أن أولاد الكفار يكونون تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا، وأن أولادهم لا ينتزعون منهم إذا كان للآباء ذمة، وإن كانوا محاربين استرقت أولادهم ولم يكونوا كأولاد المسلمين.\nولا نزاع بين المسلمين أن أولاد الكفار الأحياء مع آبائهم، لكن تنازعوا في الطفل إذا مات أبواه أو أحدهما، هل يحكم بإسلامه؟ فعن","vol":"8","page":433},{"text":"أحمد رواية أنه يحكم بإسلامه، لقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»، فإذا مات أبواه بقى على الفطرة.\nوالرواية الأخرى كقول الجمهور: إنه لا يحكم بإسلامه.\nوهذا القول هو الصواب، بل هو إجماع قديم من السلف والخلف، بل هو ثابت بالسنة التي لا ريب فيها.\nفقد عليم أن أهل الذمة كانوا على عهد النبي صلى الله علي وسلم بالمدينة، ووادي القرى، وخيبر، ونجران، وأرض اليمن وغير ذلك، وكان فيهم من يموت وله ولد صغير، ولم يحكم النبي ﷺ بإسلام يتامى أهل الذمة.\nوكذلك خلفاؤه كان أهل الذمة في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان، وفيهم من يتامى أهل الذمة عدد كثير، ولم يحكموا بإسلام أحد منهم، فإن عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضًا، فهم يتولون حضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولون حضانة أولادهما.\nوأحمد ﵁ يقول: إن الذمي إذا مات ورثه ابنه الطفل، مع قوله في إحدى الروايتين: إنه يصير مسلمًا، لأن أهل الذمة ما زال أولادهم يرثونهم، ولأن الإسلام حصل مع استحقاق الإرث، لم يحصل قبله.\nوالقول الآخر هو الصواب كما تقدم.","vol":"8","page":434},{"text":"والمقصود هنا أن قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» لم يرد به في أحكام الدنيا، بل في نفس الأمر، وهو ما يترتب عليه الثواب والعقاب، ولهذا لما قال هذا، سألوه فقالوا: يا رسول الله: أرأيت من يموت من أطفال المشركين؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين.\nفإن من بلغ منهم فهو مسلم أو كافر، بخلاف من مات.\nوقد تنازع الناس في أطفال المشركين على أقوال: فقالت طائفة: إنهم كلهم في النار.\nوقالت طائفة: كلهم في الجنة.\nوكل واحد من القولين اختاره طائفة من أصحاب أحمد.\nالأول: اختاره القاضي أبي يعلى وغيره، وحكوه عن أحمد، وهو غلط على أحمد كما أشرنا إليه.\nوالثاني: اختاره أبو الفرج بن الجوزي وغيره.\nومن هؤلاء من يقول: هو خدم أهل الجنة.\nومنهم من قال: هم من أهل الأعراف.\nوالقول الثالث: الوقف فيهم.\nوهذا هو الصواب الذي دلت عليها الأحاديث الصحيحية، وهو منصوص أحمد وغيره من الأئمة.\nوذكره ابن عبد البر عن حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن المبارك وإسحاق بن راهويه.\nقال: وعلى ذلك أكثر أصحاب مالك، وذكر أيضًا في أطفال المسلمين نزاعًا ليس هذه موضعه.","vol":"8","page":435},{"text":"لكن الوقف قد يفسر بثلاثة أمور:\nأحدها: أنه لا يعلم حكمهم، فلا يتكلم فيهم بشيء، وهذا قول طائفة من المنتسبين إلى النسة، وقد يقال: إن كلام أحمد يدل عليه.\nوالثاني: أنه يجوز أن، يدخل جميعهم الجنة، ويجوز أن يدخل جميعهم النار.\nوهذا قول طائفة من المنتسبين إلى السنة، من أهل الكلام وغيرهم، من أصحاب أبي الحسن الأشعري وغيرهم.\nوالثالث: التفصيل، كما دل عليه قول النبي ﷺ: «الله أعلم بما كانوا عاملين» فمن علم الله منه أنه إذا بلغ أطاع أدخله الجنة، ومن علم منه أن يعصي أدخله النار.\nثم من هؤلاء من يقول: إنهم يجزيهم بمجرد علمه فيهم، كما يحكى عن أبي العلاء القشيري المالكي.\nوالأكثرون يقولون: لا يجزي على علمه بما سيكون حتى يكون، فيمتنحهم يوم القيامة، ويمتحن سائر من لم تبلغه الدعوة في الدنيا، فمن أطاع حينئذ دخل الجنة ومن عصى دخل النار.","vol":"8","page":436},{"text":"وهذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم.\nوقد روي به آثار متعددة عن النبي ﷺ حسان يصدق بعضها بعضًا، وهو الذي حكاه الأشعري في المقالات عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يذهب إليه، وعلى هذا القول تدل الأصول المعلومة بالكتاب والسنة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين أن الله لا يعذب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا.\nوالمقصود هنا الكلام على الأقوال المذكورة في تفسير هذا الحديث، وقد تبين ضعف قول من قال: الفطرة: الكفر والإيمان، وأن الإقرار كان من هؤلاء طوعًا، ومن هؤلاء كرهًا.\nومما يضعف هذا القول طائفة أخرى بأن جميع أولئك كان إقرارهم جميعهم له بالربوبية من غير تفصيل بطوع وكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>تعليق ابن تيمية</span>\nقال ابن عبد البر: (وقال آخرون: معنى الفطرة المذكورة في المولدين ما أخذ الله من ذرية آدم من الميثاق، قبل أن يخرجوا إلى الدنيا، يوم استخرج ذرية آدم من ظهره، فخاطبهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.\nفأقروا جميعًا له بالربوبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة وذلك الإقرار.","vol":"8","page":437},{"text":"قالوا: وليست تلك المعرفة بإيمان، ولا ذلك الإقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب، فطرةً ألزمها قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل يدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية والخضوع، تصديقًا بما جاءت به الرسل، فمنهم من أنكر وجحد بعد المعرفة وهو به عارف، لأنه لم يكن الله يدعو خلقه إلى الإيمان به وهو لم يعرفهم نفسه، لأنه كان حينئذ يكون قد كلفهم الإيمان بما لا يعرفون.\nقالوا: وتصديق ذلك قول الله ﷿: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾، وذكروا ما ذكره السدي عن أصحابه) كما تقدم.\nوروى بإسناده في التفسير المعروف عن أبي جعفر الرازي (عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قول الله ﷿: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ إلى قوله: ﴿أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ .","vol":"8","page":438},{"text":"قال: فجعلهم جميعًا أرواحًا، ثم صورهم، ثم استنطقهم فقال: ألست بربكم؟.\nقالوا: بلى شهدنا، أن يقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا.\nقالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، ولا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك.\nقال: فإني أرسل إليكم رسلي، وأنزل عليكم كتبي، فلا تكذبوا رسلي، وصدقوا بوعدي، وإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي.\nقال: فأخذ عهدهم وميثاقهم، ورفع أباهم آدم، فرأى منهم الغني والفقير، وحسن الصورة، وغير ذلك، فقال: يا رب لو سويت بين عبادك؟ قال: أحببت أن أشكر.\nقال: والأنبياء يومئذ بينهم مثل السرج.\nوقال: وخصوا بميثاق آخر للرسالة أن يبلغوها.\nقال: فهو قوله: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ .\nقال: وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها) .\nقال: (وذلك قوله: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن","vol":"8","page":439},{"text":"وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ .\nقال: (فكان في علم الله من يكذب به ومن يصدق.\nقال: وكان روح الله عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم) .\nفهذا القول يحقق القول الأول في أن كل مولود يولد على الفطرة، التي هي المعرفة بالله والإقرار به، وفيه زيادة: أن ذلك كان قد حصل لهم قبل الولادة حين استخرجوا من صلب آدم.\nوقد فسر (فطرة الله) في الحديث بذلك.\nوأما قول صاحب هذا القول: (إن هذا الإقرار ليس هو بإيمان يستحق عليه الثواب) فهذا لا يضر، فإنه قد بين فيه أن المعرفة بالله ضرورية، وأنه بذلك صح أن يأمرهم، فإن المأمور إن لم يعرف الآمر امتنع أن يعرف أنه أمره.\nولو لم تكن المعرفة ثابتة في الفطرة لكان الرسول إذا قال لقومه: أدعكم إلى الله، لقالوا مثل ما قال فرعون: وما رب العالمين؟ إنكارًا له وجحدًا، كأن يكون قولهم متوجهًا.\nوفرعون لم يقل هذا لعدم معرفته في الباطن بالخالق، لكن أظهر خلاف ما في نفسه.\nكما قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾، وكما قال له موسى: ﴿لقد علمت","vol":"8","page":440},{"text":"ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ .\nولهذا قال تعالى: ﴿ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب * قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾، فأخبر تعالى أن أولئك المكذبين لما قالوا: ﴿إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب * قالت رسلهم أفي الله شك﴾ .\nوهذا استفهام إنكار بمعنى النفي والأنكار على من لم يقر بهذا النفي.\nوالمعنى: ما في الله شك، وأنتم تعلمون أنه ليس في الله شك، ولكن تجحدون انتفاء الشك جحودًا تستحقون أن ينكر عليكم هذا الجحد.\nفدل ذلك على أنه ليس في الله شك عند الخلق المخاطبين، وهذا يبين أنهم مفطورون على الإقرار، وإلا فالأمر النظري مسلتزم للشك قبل العلم، لا سيما إذا كانت طرقة خفيةً طويلة، فكل من لم يعرف تلك الطرق يشك فيه، فإن كان لا طريق للمعرفة إلا طريقة الأعراض وطريقة الوجود ونحو ذلك، فالشك في الله حاصل لمن لم يعرف هذه الطرق، وهم","vol":"8","page":441},{"text":"جمهور الخلق، بل ولأكثر من سلك هذه الطرق أيضًا إذا عرف حقيقتها.\nقال ابن عبد البر: (وقال آخرون معنى قول النبي ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة» لم يرد رسول الله عليه وسلم بذكر الفطرة ها هنا كفرًا ولا إيمانًا، ولا معرفة ولا إنكارًا، وإنما أراد أن كل مولود يولد على السلامة خلقةً وطبعًا وبنيةً، ليس معها كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا.\nواحتجوا بقوله في الحديث: «كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء» يعني سالمة: «هل تحسون فيها من جدعاء» يعني مقطوعة الأذن.\nفمثل قلوب بني آدم بالبهائم، لأنها تولد كاملة الخلق، لا يتبين فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه بحاير وهذه سوايب، يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم، ليس لهم كفر حينئذ ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، كالبهائم السالمة، فلما بلغوا","vol":"8","page":442},{"text":"استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم، قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمرهم، ما انتقلوا عنه أبدًا، وقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون.\nقالوا: ويستحيل في العقول أن يكون الطفل في حال ولادته يعقل كفرًا أو إيمانًا، لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون فيها شيئًا.\nقال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ فمن لم يعلم شيئًا استحال منه كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار.\nقال أبو عمر: هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الولدان عليها، وذلك أن الفطرة: السلامة والاستقامة، بدليل قوله في حديث عياض بن حمار: إني خلقت عبادي حنفاء، يعني على استقامة وسلامة، فكأنه - والله أعلم - أراد الذين خلصوا من الآفات","vol":"8","page":443},{"text":"كلها والزيادات، ومن المعاصي والطاعات، فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما.\nومن الحجة أيضًا في هذا قول الله تعالى: ﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾، ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾، ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء.\nقال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ .\nقلت: هذا القائل إن أراد بهذا القول أنهم خلقوا خالين من المعرفة والإنكار، من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدًا منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر، وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر، وهذا هو الذي يشعر به ظاهر الكلام - فهذا قول فاسد، لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار، والتهويد والتنصير والإسلام، وإنما ذلك بحسب الأسباب، فكان ينبغي أن يقال: فأبواه يسلمانه ويهودانه وينصرانه ويمجسانه، فلما ذكر أن أبوه يكفرانه، وذكر الملل الفاسدة دون الإسلام، علم أن حكمه في حصول ذلك بسبب منفصل غير حكم الكفر.\nوأيضًا فإنه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامة ولا عطب، ولا استقامة ولا زيغ، إذ نسبته إلى كل منهما نسبة واحدة، وليس هو بأحدهما","vol":"8","page":444},{"text":"أولى منه بالآخر، كما أن الرق قبل الكتابة فيه لا يثبت له حكم مدح كالمصحف، ولا حكم ذم القرآن مسيلمة، والتراب قبل أن يبنى مسجدًا أو كنيسة، لا يثبت له حكم واحد منهما.\nففي الجملة كل ما كان قابلًا للممدوح والمذموم على السواء، لم يستحق مدحًا ولا ذمًا.\nوالله تعالى يقول: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾، فأمره بلزوم فطرته التي فطر الناس عليها، فكيف لا يكون فيها مدح ولا ذم؟.\nوأيضًا فالنبي ﷺ شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق، وشبه ما يطرأ عليها من الكفر بجدع الأنف والأذن.\nومعلوم أن كمالها محمود ونقصها مذموم، فكيف تكون فبل النقص لا محمودة ولا مذمومة؟.\nوإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من الناس، من أن المراد: أنهم ولدوا على الفطرة السليمة، التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار، والإيمان على الكفر، ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة - فهذا القول قد يقال: إنه لا يرد عليه ما يرد على ما قبله، فإنه صاحبه يقول: في الفطرة قوة يميل بها إلى المعرفة والإيمان، كما","vol":"8","page":445},{"text":"في البدن السليم قوة يحب بها الأغذية النافعة، وبهذا كانت محمودة وذم من أفسدها، لكن يقال: فهذا الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية: هل هي كافية في حصول المعرفة، أو تقف المعرفة على أدلة يتعلمها من خارج؟.\nفإن كانت المعرفة تقف على أدلة يتعلمها من خارج، أمكن أن توجد تارة وتعدم أخرى، ثم ذلك السبب الخارج يمتنع أن يكون موجبًا للمعرفة بنفسه، بل غايته أن يكون معرفًا ومذكرًا، فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة، كانت المعرفة واجبة الحصول عند وجود تلك الأسباب وإلا فلا، وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة والإيمان، إذا وجدت من يعلمها أسباب ذلك.\nومعلوم أن فيها قبول الإنكار والكفر، إذا وجدت من يعلمها أسباب ذلك، وهو التهويد والتنصير والتمجيس.\nوحينئذ فلا فرق بين الإيمان والكفر، والمعرفة والإنكار، إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له، لكن يتوقف على المؤثر الفاعل من خارج.\nوهذا القسم الأول الذي أبطلناه، وبينا أنه ليس في ذلك مدح للفطرة، وإن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها، وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة، لزم حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة، سواء قيل: إن المعرفة ضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب كالأدلة التي تنتظم في النفس، من غير أن يسمع كلام مستدل، فإن النفس","vol":"8","page":446},{"text":"بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال مالا يحتاج معه إلى كلام أحد، فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة، لزم أن يكون المقتضى للمعرفة حاصلًا لكل مولود، وهو المطلوب.\nوالمقتضى التام يستلزم مقتضاه، فتبين أن أحد الأمرين لازم: إما لكون الفطرة مستلزمة للمعرفة، وإلا استوى الكفر والإيمان بالنسبة إليها، وذلك ينفي مدحها.\nوتلخيص النكتة أن يقال: المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب، فإما أن تكون هو موجبة مسلتزمة له، وإما أن يكون ممكنًا بالنسبة إليها، ليس بواجب لازم لها.\nفإن كان الثاني، لم يكن فرق بين الكفر والإيمان، إذ كلاهما ممكن بالنسبة إليها.\nفتبين أن المعرفة لازمة واجبة لها، إلا أن يعارضها معارض.\nفإن قيل: ليست موجبة مستلزمة للمعرفة، ولكنها إليها أميل، مع قبولها للنكرة.\nقيل: فحينئذ إذا لم تسلتزم المعرفة، وجبت تارة وعدمت أخرى.\nوهي وحدها لا تحصلها، فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين، فيكون الإسلام كالتهويد والتنصير والتمجيس.\nومعلوم أن هذه الأنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض كالتمجيس،","vol":"8","page":447},{"text":"ولكن مع ذلك لما لم تكن الفطرة مقتضية لشيء منها، أضيفت إلى السبب، فإن لم تكن الفطرة مقتضية للإسلام، صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى التمجيس، فوجب أن تذكر كما ذكر ذلك.\nوهذا كما أن الفطرة لو لم تقتض الأكل عند الجوع - مع القدرة عليه - لم يوجد الأكل إلا بسبب منفصل.\nوالنبي ﷺ شبه اللبن بالفطرة، لما عرض عليه الخمر واللبن واختار اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو أخذت الخمر لغوت أمتك.\nوالطفل مفطور على أن يختار شرب اللبن بنفسه، فإذا تمكن من الثدي لزم أن يرتضع لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرتضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية له لا محالة إذا لم يوجد معارض.\nوأيضًا فإن حب النفس وخضوعها لله وإخلاص الدين له، مع","vol":"8","page":448},{"text":"الكبر والشرك والنفور، إما أن يكون نسبتها إلى الفطرة سواء، أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني.\nفإن كانا سواء، لزم انتفاء المدح كما تقدم، ولم يكن فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان، ويكون تمجيسها كتحنيفها، وقد عرف بطلان هذا.\nوإن كان فيها مقتض لهذا فإما أن يكون المقتضى مسلتزمًا لمقتضاة عند عدم المعارض، وإما أن يكون متوقفًا على شخص خارج عنها.\nفإن كان الأول، ثبت أن ذلك من لوازمها، وأنه مفطورة عليه، لا تفقد إلا إذا فسدت الفطرة.\nوإن قيل: إنه متوقف على شخص، فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها مجوسية.\nوحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا.\nوإذا قيل: هي إلىالحنيفية أميل، كان كما يقال: هي إلى النصرانية أميل.\nفتبين أن فيها قوة موجبة لحب الله، والذل له، وإخلاص الدين له، وأنها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض، كما فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>تعليق ابن تيمية</span>\nومما يبين هذا أن كل حركة إرادية، فإن الموجب لها قوة في المريد، فإذا أمكن في الإنسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين، كان فيه قوة تقتضي ذلك، إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل، ولا يشترط في إرادته إلا مجرد الشعور بالمراد، فما في النفوس من","vol":"8","page":449},{"text":"قوة المحبة له - إذا شعرت به - يقتضي حبه إذا لم يحصل معارض.\nوهذا موجود في محبة الأطعمة والأشربة والنكاح، ومحبة العلم، وغير ذلك.\nوإذا كان كذلك، وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله والذل له، وإخلاص الدين له، وأن فيها قوة الشعور به - لزم قطعًا وجود المحبة فيها، والذل بالفعل لوجود المقتضى الموجب إذا سلم عن المعارض، وعلم أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل يكلمها بكلام، وإن كان وجود هذا قد يذكر ويحرك، كما لو خوطب الجائع بوصف طعام، أو خوطب المغتلم بوصف النساء، فإن هذا مما يذكر ويحرك، لكن لا يجب ذلك في وجود الشهوة للطعام ووجود الأكل.\nفكذلك الأسباب الخارجة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق والذل له ومحبته، وإن كان ذلك مذكرًا ومحركًا، أومزيلًا للمعارض المانع، لكن المقصود أنه لا يحتاج حصول ذلك في الفطرة إليه مطلقًا.\nوأيضًا فالإقرار بالصانع بدون عبادته، بالمحبة له والذل له وإخلاص الدين له، لا يكون نافعًا، بل الإقرار مع البعض أعظم استحقاقًا للعذاب، فلا بد أن يكون في الفطرة مقتض للعلم، ومقتض للمحبة، والمحبة مشروطة بالعلم، فإن ما لا يشعر به الإنسان لا يحبه، والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من خارج، بل هو جبلي فطري، وإذا كانت","vol":"8","page":450},{"text":"المحبة جبلية فطرية، فشرطها - وهو المعرفة أيضًا - جبلي فطري، فلا بد أن يكون في الفطرة محبة الخالق مع الإقرار به.\nوهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها، وهو فطرة الله التي أمر الله بها.\nوأيضًا فإذا كانت المحبة فطرية، وهي مشروطة بالشعور، لزم أن يكون الشعور أيضًا فطرية، والمحبة له أيضًا فطرية، لأنها لو لم تكن فطرية، لكانت النفس قابلة لها ولضدها على السواء، وهذا ممتنع كما تقدم.\nوإذا كانت في الفطرة أرجح، لزم وجودها في الفطرة، وإلا كانت ممكنة الحصول وعدمه، كما في المجوسية وغيرها من الكفر، فتبقى الحنيفية مع المجوسية، كاليهودية مع المجوسية، وهذا باطل كما تقدم.\nفعلم أن الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها، والحب لله والخضوع له والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية، وذلك مسلتزم للإقرار والمعرفة، ولازم اللازم لازم، وملزوم الملزوم ملزوم، فعلم أن الفطرة ملزومة لهذه الأحوال، هذه الأحوال لازمة لها، وهو المطلوب.\nقال أبو عمر: (قد مضى في الفطرة ومعناها عند العلماء ما بلغنا عنهم والحمد لله، وأما أهل البدع فمنكرون لكل ما قاله العلماء في تأويل","vol":"8","page":451},{"text":"قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ الآية، قالوا: ما أخذ الله من آدم ولا من ذريته ميثاقًا قط قبل خلقه إياهم، وما خلقهم قط إلا في بطون أمهاتهم، وما استخرج قط من ظهر آدم ذرية تخاطب، ولو كان ذلك لأحياهم ثلاث مرات.\nوالقرآن قد نطق عن أهل النار: ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ من غير إنكار عليهم.\nوقال تعالى تصديقًا لذلك: ﴿وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ قالوا: وكيف يخاطب الله ﷿ من لا يعقل؟ وكيف يجيب من لا عقل له؟ أم كيف يحتج عليه بميثاق لا يذكرونه؟ أم كيف يؤاخذون بما قد نسوه ولم يذكروه، ولا يذكر أحد أن ذلك عرض له أو كان منه؟.","vol":"8","page":452},{"text":"قالوا: وإنما أراد الله بقوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ إخراجه إياهم في الدنيا، وخلقه لهم، وإقامة الحجة عليهم، بأن فطرهم ونبأهم فطرة: إذا بلغوا وعقلوا علموا أن الله ربهم.\nثم اختلف القائلون بهذا كله في المعرفة: هل تقع ضرورة أو اكتسابًا.\nعلى ما قد ذكرنا في غير هذا المكان) .\nقلت: ليس المقصود هنا الكلام على هذه الآية وتفسيرها، والكلام في معرفة حاصلة قبل الولادة أو نفيها، بل المقصود إثبات المعرفة الفطرية الحاصلة بعد الولادة، وإذا كان من نفاة الأول من يقول: إن هذه ضرورية، فكيف بمن أثبت الثنتين، وهذه الأقوال التي ذكرها منها اثنان من جنس، وهو قول من يقول: ولدوا على ما سبق به القدر، أو على ذلك، وكانوا مفطورين عليه من حين الميثاق الأول، منهم مقر طوعًا وكرهًا، أو اثنان من جنس، وهو قول من يقول: ولدوا","vol":"8","page":453},{"text":"قادرين على المعرفة، وقول من يقول: ولدوا قابلين لها وللتهود والتنصر، إما من التساوي، وإما مع رجحان القبول للإسلام.\nوأما من قول من يقول: ولدوا على فطرة الإسلام، أو علىالإقرار بالصانع، وإن لم يكن ذلك وحده أيمانًا، أو على المعرفة الأولى يوم أخذ الميثاق عليهم - فهذه الثلاثة لا منافاة بينها، بل يحصل بها المقصود.\nوالكتاب - والسنة - دل على ما اتفقت عليه من كون الخلق مفطورين على دين الله، الذي هو معرفة الله والإقرار به، بمعنى أن ذلك موجب فطرتهم، وبمقتضاها يجب حصوله فيها، إذا لم يحصل ما يعوقها، فحصوله فيها لا يقف على وجود شرط، بل على انتفاء مانع.\nولهذا لم يذكر النبي ﷺ لموجب الفطرة شرطًا، بل ذكر ما يمنع موجبها، حيث قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»، كما قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾، فأخبر أن المشركين مفترقون.\nولهذا قال ﷺ في الحديث الصحيح: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه لا تشركوه به شيئًا، وأنت تعتصموا بحبل الله جميعًا","vol":"8","page":454},{"text":"ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» .\nوقد قال تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه﴾ .\nوقال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾ .\nوقال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ .\nوأصل الدين الذي فطر الله عليه عباده، كما قال: خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا.\nفهو يجمع أصلين:\nأحدهما عبادة الله وحده لا شريك له، وإنما يعبد بما أحبه وأمر به، وهذا هو المقصود الذي خلق الله له الخلق، وضده الشرك والبدع.\nوالثاني: حل الطيبات التي يستعان لها على المقصود، وهو الوسيلة.\nوضدها تحريم الحلال.\nوالأول كثير في النصارى، والثاني - وهو تحريم الطيبات - كثير في اليهود، وهما جميعًا في المشركين.","vol":"8","page":455},{"text":"ولهذا ذم الله تعالى المشركين على هذين النوعين في غير موضع من كتابه، كسورة الأنعام والأعراف، يذكر فيها ذمهم على ما حرموه من المطاعم والملابس وغير ذلك، وذمهم على ما ابتدعوه من العبادات التي لم يشرعها الله تعالى.\nوفي الحديث: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة»، فنعبده وحده بفعل ما أحبه، ونستعين على ذلك بما أحله.\nكما قال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم﴾ .\nوهذا هو الدين الذي فطر الله عليه خلقه، فإنه محبوب لكل أحد، فإنه يتضمن الأمر بالمعروف الذي تحبه القلوب، والنهي عن المنكر الذي تبغضه، وتحليل الطيبات النافعة، وتحريم الخبائث الضارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>الأدلة العقلية تدل على أن كل مولود يولد على الفطرة</span>\nوهذا الذي أخبر به النبي ﷺ من أن «كل مولود يولد على الفطرة»، مما تقوم الأدلة العقلية على صدقه، كما أخبر الصادق المصدوق، وتبين أن من خالف مدلول هذا الحديث فإنه مخطىء في ذلك.\nوبيان ذلك من وجوه:\n(الوجه الأول)\nأن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يحصل له تارة من","vol":"8","page":456},{"text":"الاعتقادات والإرادات ما يكون حقًا، وتارة ما يكون باطلًا، فإن اعتقاداته قد تكون مطابقة لمعتقدها وهو الحق، وقد تكون غير مطابقة وهو الباطل.\nوالخبر عن هذا صدق وعن هذا كذب.\nوالإرادات تنقسم إلىما يوافق مصلحته، وهو جلب المنفعة له، وإلى ما لا يوافق مصلحته بل يضره.\nفإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة.\nولهذا «قال ﷺ: أصدق الأسماء: الحارث وهمام، وأحبها إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأقبحها: حرب ومرة»، فإن الإنسان لا بد له من حرث وهو العمل والحركة الإرادية، ولا بد من أن يهم بالأمور: منها ما يهم به ويفعله، ومنها ما يهم به ولا يفعله، فإن كان المراد موافقًا لمصلحته كانت الإرادة حسنة محمودة، وإن كان مخالفًا لمصلحته كانت الإرادة سيئة مذمومة، كمن يريد ما يضر عقله ونفسه وبدنه.\nوإذا كان الإنسان تارةً تكون تصديقاته وإراداته حسنة محمودة، وتارة تكون سيئة، فلا يخلو: إما أن تكون نسبة نفسه إلى النوعين نسبة","vol":"8","page":457},{"text":"واحدة بحيث لا يترجح أحد الصنفين على الآخر بمرجح من نفسه، أو لا بد أن تكون نفسه مرجحة لأحد النوعين.\nفإن كان الأول، لزم أن لا يوجد أحد الصنفين إلا بمرجح منفصل عنه، ثم ذلك المرجح المنفصل إذا قدر مرجحان: أحدها يرجح الصدق الذي ينفعه، والآخر يرجح الكذب الذي يضره، فإما أن يتكافأ المرجحان، أويترجح أحدهما، فإن تكافأ المرجحان لزم أن لا يحصل واحد منهما، وهو خلاف المعلوم بالضرورة، فإنا نعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق، وأن ينتفع، وأن يكذب وتضرر، مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع وإذا كان لا بد من ترجيح أحدهما فترجح الكذب الضار - مع فرض تساوى المرجحين أولى بالامتناع من تكافيهما، فعين أنه تكافأ المرجحان فلا بد أن يترجح عنده الصدق والنفع، وهو المراد باعتقاد الحق وإرادة الخير.\nفعلم أن في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع، وحينئذ فالإقرار بوجود الصانع ومعرفته والإيمان به هو الحق أو نقضيه؟ والثاني معلوم الفساد قطعًا، فتعين الأول.\nوحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به.\nوأيضًا فإنه مع الإقرار به، إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو عدم محبته، والثاني معلوم الفساد، وإذا كان الأول أنفع له، كان في فطرته محبة ما ينفعه.","vol":"8","page":458},{"text":"وأيضًا فإنه إما أن تكون عبادته وحده لا شريك له أكمل للناس علمًا وقصدًا، أو الإشراك به، والثاني معلوم الفساد، فوجب أن يكون في فطرته مقتض يقتضي توحيده.\nوأيضًا فأما أن يكون دين الإسلام مع غيره من الأديان متماثلين، أو الإسلام مرجوحًا أو راجحًا.\nوالأول والثاني باطلاق باتفاق المسملين، وبأدلة كثيرة، فوجب أن يكون في الفطرة مقتض يقتضي خير الأمرين لها، وامتنع أن تكون نسبة الإسلام وسائر الملل إلى الفطرة واحدة، سواء كانت نسبة قدرة، أو نسبة قبول.\nوإذا لزم أن يكون في الفطرة مرجح للحنيفية التي أصلها معرفة الصانع ومحبته، وإخلاص الدين له، فإما أن يكون مع ذلك لا يوجد مقتضاها إلا بسبب منفصل، مثل من يعلمه ويدعوه، أو يمكن وجود ذلك بدون هذا السبب المنفصل.\nفإن كان الأول لزم أن يكون موجبها متوقفًا على مخاطب منفصل دائمًا، فلا يحصل بدونه البتة.\nثم القول في حصول موجبها لذلك المخاطب المنفصل، كالقول في الأول، وحينئذ فيلزم التسلسل في المخاطبين، ووجود مخاطبين لا يتناهون، وهو أيضًا مخاطبون، وهذا تسلسل في الفاعلين، وهو ممتنع.\nوإن كان في المخاطبين من حصل له بموجب الفطرة بلا مخاطب منفصل، دل على إمكان ذلك في الفطرة، فبطل هذا التقدير: وهو كون","vol":"8","page":459},{"text":"موجب الفطرة لا يحصل قط إلا لمخاطب منفصل.\nوإذا أمكن حصول موجب الفطرة بدون مخاطب منفصل، علم أن في الفطرة قوة تقتضي ذلك، وأن ذلك ليس موقوفًا على مخاطب منفصل، لكن قد يكون لذلك المقتضى معارض مانع، وهذا هو الفطرة.\nوهذا الدليل يقتضي أنه لا بد في الفطر ما يكون مستغنيًا عن مخاطب منفصل في حصول موجب الفطرة، لكن لا يقتضي أن كل واحد كذلك، لكن إذا عرف أن ما جاز على أحد الإنسانين يجوز على الآخر لتماثلهما في النوع، أمكن ذلك في حق كل شخص، وهو المطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: إذا ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته ومحبته، حصل المقصود بذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير منهم في حصول ذلك إلى سبب معين للفطرة: كالتعليم والتخصيص.\nفإن الله قد بعث الرسل، وأنزل الكتب، ودعوا الناس إلى موجب الفطرة: من معرفة الله وتوحيده، فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة، وإلا استجابت لله ورسله، لما فيها من المقتضى لذلك.\nومعلوم أن قوله: كل مولود يولد على الفطرة، ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفًا بالله موحدًا له، بحيث يعقل ذلك.\nفإن","vol":"8","page":460},{"text":"الله يقول: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا﴾ .\nونحن نعلم بالاضطرار أن الطفل ليس عنده معرفة بهذا الأمر، ولكن ولادته على الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضي ذلك، وتستوجبه بحسبها.\nفكلما حصل فيه قوة العلم والإرادة، حصل من معرفتها بربها، ومحبتها له، ما يناسب ذلك كما أنه ولد على أنه يحب جلب المنافع ودفع المضار بحسبه، وحينئذ فحصول موجب الفطرة، سواء توقف على سبب، وذلك السبب موجود من خارج، أو لم يتوقف، على التقديرين يحصل المقصود.\nولكن قد يتفق لبعضها فوات الشرط أو وجود مانع، فلا يحصل مقصود الفطرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: من المعلوم أن النفوس إذا حصل لها معلم ومخصص، حصل لها من العلم والإرادة بحسب ذلك.\nومن المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق.\nومعلوم أن مجرد التعليم والتخصيص لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك.\nوإلا فلو علم البهائم والجمادات وحضضها، لم يحصل لها ما يحصل لبني آدم، والسبب في الموضعين واحد، فعلم أن ذلك لاختلاف القوابل.\nولهذا يشترك الناس في سماع القرآن، ويتفاوتون في آثاره فيهم من العلم والحال وهكذا في سائر الكلام.\nوإذاكان كذلك علم أن في النفوس قوة تقتضي العلم والإرادة.","vol":"8","page":461},{"text":"يبين ذلك أن ذلك المرجح إذا حصل من خارج، فمعلوم أنه نفس لا يوجب بنفسه حصول العلم والإرادة في النفس، إلا بقوة منها تقبل ذلك، وتلك القوة لا تتوقف على أخرى، وإلا لزم التسلسل الذي لا يتناهى بين طرفين متناهين، أو الدور القبلي، وكلاهما ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء.\nفهذا يدل على أن في النفس قوة ترجح الدين الحق علىغيره، وحينئذ فالمخاطب إنما عنده تنبيهًا على ما لا تعلمه لتعلمه، أو تذكيرها بما كانت ناسية لتذكره، أو تخضيضها على ما لا تريده لتريده، ونحو ذلك.\nوكل هذه الأمور يمكن أن تحصل بخواطر في النفس تقتضي تنبيهها وتذكيرها وتحضيضها.\nواعتبار الإنسان ذلك من نفسه يوجب علمه بذلك، فإن ما يسمعه الإنسان من كلام البشر بمكن أن يخطر له مثله في قلبه.\nفعلم أن الفطرة يمكن حصول إقرارها بالصانع والمحبة والإخلاص له بدون سبب منفصل، وأنه يمكن أن تكون الذات كافية في ذلك.\nومن المعلوم أنه إذا كان المقتضى لذلك قائمًا في النفس وقدر عدم المعارض، فالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم يجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يصل لها من يفسدها كانت مقرةً بالصانع، عابدةً له.\nفإن قيل: هذه الخواطر التي تخطر للإنسان قد تحصل لبعض الناس دون بعض، بحسب ما يتفق من الأسباب، كما أن بعض الناس يحصل له","vol":"8","page":462},{"text":"من يخاطبه دون بعض، فليسوا مشتركين في أسباب الخواطر والخطاب.\nقيل: إذا لم تكن الخواطر متوقفة على مخاطب من خارج، كانت الفطرة الإنسانية هي المقتضية لذلك، وإن كان ذلك بأسباب يحدثها الله من إلهام ملك أو غيره، لكن المقصود أنه لا يحصل لها ذلك بواسطة تعلم إنسان ودعائه.\nوهذا هو المقصود بيانه من كونها ولدت على الفطرة، ليس المراد أنه يجب وجود الهدى لكل إنسان، فإن هذا خلاف الواقع.\nوالحديث قد بين أن المولود يعرض له من يغير فطرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: هب أنه لا بد من الداعي المعلم من خارج، لكن في النفس ما يوجب ترجيح الحق على الباطل في الاعتقادات والإرادات، وهذا كاف في كونها ولدت على الفطرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: المقصود أنه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج، كانت الفطرة مقتضية للصلاح، لأن المقتضي فيه للعلم والإرادة النافعة قائم، والمانع زائل، إذ يجب وجود مقتضاه.\nوالأول استدلال بوقوع الإقرار بدون سبب من فصل على وجود المقتضي التام في الفطرة، وهذا استدلال بوجود المقتضي التام على حصول مقتضاه.\nوليس المقصود هنا أن المقتضى التام يجب وجوده لكل أحد، فإنه هذا","vol":"8","page":463},{"text":"ممتنع، بل إن الفطرة تقتضى وجوده، كما تقتضى فطرة الصبي شرب لبن أمه، فلو لم يعرض له المانع للزم وجود الشرب.\nلكن قد يعرض له مرض فيه أو في أمه أو غير ذلك، يوجب نفوره عن شرب لبنها.\nوحب العبد لربه هو مفطور فيه، أعظم مما فطر فيها حبه للبن أمه.\nقال الله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾، فلو لم يكن المقتضي التام ممكن وجوده في الفطرة، لم يحصل موجبها إلا بمرجح من خارج، وهو خلاف الواقع، ولأنها إذا خلت عن الأسباب الخارجة، لم يكن بد من وجود صلاحها أو فسادها، والثاني ممتنع، فتعين الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>الوجه السادس</span>\nأن السبب الذي في الفطرة: إما أن يكون مسلتزمًا للمعرفة والمحبة، وإما أن يكون مقتضيًا لها بدون استلزام، وعلى التقديرين يحصل المقصود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>الوجه السابع</span>\nأن النفس لا تخلو عن الشعور والإرادة، بل هذا الخلوممتنع فيها.\nفإن الشعور والإرادة من لوازم حقيقتها، ولا يتصور أن تكون النفس إلا شاعرةً مريدةً، ولا يجوز أن يقال: إنها قد تخلو في حق الخالق تعالى عن الشعور بوجوده وعدمه، وعن محبته وعدم محبته.\nوحينئذ فلا يكون الإقرار به ومحبته من لوازم وجودها، ولو لم يكن لها معارض، بل هذا باطل.","vol":"8","page":464},{"text":"وذلك أن النفس لها مطلوب مراد بضروة فطرتها، وكونها مريدة من لوازم ذاتها، لا يتصور أن تكون نفس الإنسان غير مريدة.\nولهذا قال ﷺ: «أصدق الأسماء الحارث وهمام»، وهي حيوان، وكل حيوان متحرك بالإرادة، فلا بد لها من حركة إرادية، وإذا كان كذلك فلا بد لكل مريد من مراد، والمراد إما أن يكون مرادًا لنفسه أو لغيره، والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لنفسه، فيمتنع أن تكون جميع المرادات مرادات لغيرها، فإن هذا تسلسل في العلل الغائبة، وهو ممتنع، كامتناع التسلسل في العلل الفاعلية، بل أولى.\nوإذا كان لا بد للإنسان من مراد لنفسه، فهذا هو الإله الذي يألهه القلب.\nفإذًا لا بد لكل عبد من إله، فعلم أن العبد مفطور على انه يحب إلهه.\nومن الممتنع أن يكون مفطورًا على أنه يأله غير الله لوجوده:\nمنها: أن هذا خلاف الواقع.\nومنها: أنه ليس هذا المخلوق، بأن يكون إلهًا لكل الخلق، بأولى من هذا.\nومنها: أن المشركين لم يتفقوا على إله واحد، بل عبد كل قوم ما يستحسنوه.\nومنها: أن ذلك المخلوق إن كان ميتًا فالحي أكمل من الميت، فيمتنع أن يكون الناس مفطورين على عبادة ميت، وإن كان حيًا فهو أيضًا مريد، فله إله يألهه، فلو كان هذا يأله هذا، وهذا يأله هذا، لزم الدور الممتنع، أو التسلسل الممتنع، فلا بد لهم كلهم من إله يألهونه.","vol":"8","page":465},{"text":"فإن قلت: ما ذكرته يستلزم أنه لا بد لكل حي من إله، أو لكل إنسان من إله، لكن لم لا يجوز أن يكون مطلوب النفس مطلق المألوه، لا مألوهًا معينًا، وجنس المراد لا مرادًا معينًا؟.\nقيل: هذا ممتنع، فإن المراد إما أن يراد لنوعه أو لعينه، فالأول مثل كون العطشان يريد ماءً، والسغبان يريد طعامًا، فإرادته هنا لم تتعلق بشيء معين، فإذا حصل عين من النوع حصل مقصوده.\nوالمراد لذاته لا يكون نوعًا، لأن أحد المعنيين ليس هو الآخر، فلو كان هذا مرادًا لذاته، للزم أن لا يكون الآخر ماردًا لذاته، وإذا كان المراد لذاته هو القدر المشترك بينهما، لزم أن يكون ما يختص به أحدهما ليس مرادًا لذاته، وإذا لم يكن مرادًا لذاته، لزم أن يكون ما يختص به كل منهما ليس مرادًا لذاته.\nوالكلي لا وجود له في الأعيان إلا معينًا، فإذا لم يكن في المعينات ما هو مارد لذاته، لم يكن في الموجودات الخارجية ما هو مراد لذاته، فلا يكون فيها ما يجب أن يألهه أحد، فضلًا عما يجب أن يألهه كل واحد.\nفتبين أنه لا بد من إله معين، هو المحبوب لذاته من كل حي، ومن الممتنع أن يكون هذا غير الله، فلزم أن يكون هو الله، وعلم أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، وأن كل مولود ولد على حبة هذا الإله، ومحبته","vol":"8","page":466},{"text":"مستلزمة لمعرفته، فعلم أن كل مولود ولد على محبته ومعرفته، وهو المطلوب.\nوهذا الدليل يصلح أن يكون مستقلًا، وهذا بخلاف ما يراد جنسه كالطعام والشراب، فإنه ليس في ذلك ما هومارد لذاته، بل المراد دفع ألم الجوع والعطش، أو طلب لذة الأكل والشرب.\nوهذا حاصل بنوع الطعام والشراب، لا يتوقف على معين بخلاف ما هو مارد ومحبوب لذاته، فإنه لا يكون إلا معينًا.\nأن يقال: اليهود عندهم نوع من المعرفة بالحق لكن بلا عمل به، بل مع بغض له ونفور عنه واستكبار.\nوالنصارى معهم نوع من المحبة والطلب والإرادة، لكن بلا علم، بل مع ضلال وجهل، ولهذا قال النبي ﷺ: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» .\nرواه الترمذي وصححه.\nوأمرنا الله أن نقول في صلاتنا: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ آمين.\nفإن النعمة المطلقة لا تحصل إلا بمعرفة الحق واتباعه، وإذا كان كذلك، والإنسان يحتاج إلى هذا وهذا، فطرته السليمة: إما أن تكون مقتضية لمعرفة الحق دون العلم به، أو للعمل به دون معرفته، أو لهما، أو لا لواحد منهما.","vol":"8","page":467},{"text":"فإن كان الرابع: فيلزم أن يستوي عندها الصدق والكذب، والاعتقاد المطابق والفاسد، وإرادة ما ينفعها وإرادة ما يضرها، وهذا خلاف ما يعلم بالحس الباطن والظاهر وبالضرورة.\nوإن كان الثالث: فيلزم أن يستوي عندها مع العمل أن تعلم وأن تجهل، وأن تهتدي وأن تضل، وأن لا يكون فيها مع استواء الدواعي الظاهرة ميل إلى أحدهما، وهوأيضًا خلاف المعلوم بالحس والضرورة.\nوإن كان الثاني: فيلزم أن يستوي عندها إرادة الخير النافع والشر الضار دائمًا، إذا استوت الدواعي الخارجة.\nهو أيضًا خلاف الحس الباطن والظاهر، وخلاف الضرورة.\nفبين أنه لا يستوى عندها هذان، بل يترجح عندها هذا وهذا جميعًا.\nوحينئذ فلا تكون مفطورة لا على يهودية ولا على نصرانية، فعلى المجوسبة أولى، ويلزم أن تكون مفطورة على الحنيفية المتضمنة لمعرفة الحق والعمل به، وهو المطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>فصل في قوله تعالى: \" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون </span>\"\nفصل في قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون\nقالت الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وللناس في هذه العبادة التي خلقوا له قولان:\nأحدهما: أنها وقعت منهم.\nثم هؤلاء منهم من يقول: جميعهم خلقوا لها.\nومنهم من يقول: إنما خلق لها بعضهم.","vol":"8","page":468},{"text":"والقول الثاني: أنهم كلهم خلقوا لها، ومع ذلك فلم تقع إلا من بعضهم.\nوهؤلاء حزبان:\nحزب يقولون: إن الله لم يشأ إلا العبادة، لكنهم فعلوا ما لا يشاؤه بغير قدرته ولا مشيئته، وهم القدرية المنكرون لعموم قدرته ومشيئته وخلقه.\nوالثاني يقولون: بل كل ما وقع فهو بمشيئته وقدرته وخلقه، لكن هو لا يحب إلا العبادة التي خلقهم لها، ولا يأمر إلا بذلك، فمنهم من أعانة ففعل المأمور به، ومنهم من لم يفعله.\nواللام عند هؤلاء كاللام في قوله: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾، وفي قوله: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين﴾ .\nوقوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، على قول الأكثرين، الذي يجعول (لعل) متعلقة بقوله: (خلقكم) كما قال ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ .","vol":"8","page":469},{"text":"وقوله: ﴿كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين﴾ .\nوقوله: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾ .\nوقوله: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم﴾ .\nوقوله: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ .\nومنه قوله: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ .\nوقوله: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ ونحو ذلك مما فيه: أن الله يفعل فعلًا لغاية يحبها ويرضاها، ويأمر بها عباده، وإذا حصلت لهم كان فيها نجاتهم وسعادتهم، ثم منهم من يعينه على فعلها، ومنهم من لا يفعلها، فإن هذا قد أشكل على طائفة من الناس، وقالوا: كيف يفعل فعلًا لغاية مع علمه أنها لا تحصل؟.","vol":"8","page":470},{"text":"فيقال: الغاية التي يراد الفعل لها هي غاية مرادة للفاعل، ومراد الفاعل نوعان: فإنه تارةً يفعل فعلًا ليحصل بفعله مراده، فهذا لا يفعله، وهو يعلم أنه لا يكون.\nوالله تعالى يفعل ما يريد، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولكن الله يفعل ما يريد.\nوتارةً يريد من غيره أن يفعل فعلًا باختياره، لينتفع ذلك الفاعل بفعله، ويكون ذلك محبوبًا للفاعل الأول، كمن يبني مسجدًا ليصلي فيه الناس، ويعطيهم مالًا ليحجوا به ويجاهدوا به، وسلاحًا ليجاهدوا به، ويأمرهم بالمعروف ليفعلوه، وينهاهم عن المنكر ليتركوه، وهم إذا فعلوا ما أراد لهم ومنهم، كان صالحًا لهم، وكان ذلك محبوبًا له، وإن لم يفعلوا ذلك، لم يكن صلاحًا لهم ولا حصل محبوبه منهم.\nثم هذا قد لا يكون قادرًا على فعل ما أمروا به اختيارًا.\nولهذا زعمت القدرية النافية أن الرب ليس قادرًا على هدي العباد، وهو خطأ عند أهل السنة، وقد يكون قادرًا، فإنه سبحانه لو شاء لآتى كل نفس هداها: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾ .\nلكن المخلوق قد يعين بعض من أمره لمصلحة له في إعانته، ولا يعين آخر، والرب تعالى قد يعين المؤمنين فيفعلوا ما أمروا به، وأحبه الله منهم، لا يعين آخرين، لما له في ذلك من الحكمة، فإن الفعل لا يوجد إلا بلوازمه وانتفاء أضداده.","vol":"8","page":471},{"text":"وقد يكون في وجود ذلك فوات حكمة له، هي أحب إليه من طاعة أولئك، أو وجود شيء دفعه أحب إليه من حصول معصية أولئك.\nوحينئذ فإذا أمر العباد ونهاهم، ليطيعوه ويعبدوه، ويفعلوا ما أحبه، وينالوا كمالهم الذي هو غايتهم التي خلقوا لها، جاز أن يقال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾، وأن يقال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ .\nوأن يقال: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم﴾ .\nوأن يقال: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم﴾، ونحو ذلك.\nوإن كان هو لم يخلق ما أمره به، وإذا خلقهم وخلق لهم ما ينتفعون به، ليعبدوه ويطيعوه، ويشكروه ويذكروه، ويبلغوا الغاية المحمودة في حقهم، التي يحبها ويرضاها لهم - صح أن يقال: إنما خلقهم ليعبدوه، وإن كان هو لم يخلق لكل منهم ما به يصير عابدًا له، كما جاز أن يقال: وإنما بنيت المسجد ليصلوا فيه، وإنما أعطيتهم المال ليحجوا ويجاهدوا ونحو ذلك، فإنه ليس من شرط من فعل فعلًا لغاية يفعلها غيره، أن يكون هو فاعلًا لتلك الغاية.\nثم إذا علم أن كثيرًا من هؤلاء لا يصلي ولا يحج ولا يجاهد، وإن من","vol":"8","page":472},{"text":"يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر لا يطيعه، لم يمنع ذلك أن يفعل ما يفعل، ويأمر بما يأمر به، لأن نفس ذلك الفعل وذلك الأمر مصلحة له، وهذا موجود في المخلوق والخالق، فإن المخلوق - كالرسول وغيره - يأمر وينهي، وإن كان يعلم أنه لا يطاع، لأن نفس أمره لهم، له فيه مصلحة ومنفعة وثواب، وفيه حكمة في حق المأمور والمنهي.\nوكذلك يفعل ما يفعل لمصالح الناس، وإن علم أنهم لا يفعلون ذلك، إذا كان له في ذلك أجرًا ومثوبة ومصالح أخرى، فإنه إذا كان بعض الناس يصلى في المسجد، وبعضهم لا يصلي فيه، قامت حجته على من لا يصل واستحق العقوبة، وكان قد أزاح عن نفسه العلة، بأن يقال: لم يبن لهم مسجدًا يصلون فيه.\nوالخالق تعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأنذر العباد، وأزاح عللهم، وفعل لهم من الأسباب التي بها يتمكنون من الطاعة، أعظم مما يفعله كل آمر غيره بالمأمورين، فليس أحد أزاح علل المأمورين أعظم من الله، فلا تقوم حجة آمر على مأمور، إلا وحجة الله على عباده أقوام، ولا يستحق مأمور من آمره ذمًا ولاعقابًا لمعصيته إلا واستحقاق عصاة الله لأمره أعظم استحقاقًا وذمًا، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ولا ييسر أمر على مأموريه ويرفع عنهم ما لا يطيقونه، إلا والله تعالى أعظم تيسيرًا على مأموريه وأعظم رفعًا لما لا يطيقونه عنهم.","vol":"8","page":473},{"text":"وكل من تدبر الشرائع، لا سيما شريعة محمد ﷺ، وجد هذا فيها أظهر من الشمس.\nولهذا قال في آية الصيام: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ .\nوقال في آية الطهارة: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم﴾ .\nوقال: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ .\nوفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» .\nوهو سبحانه يسقط الواجبات إذا خشي المريض زيادة في المرض أو تأخر البرء، فيسقط القيام في الصلاة، والصيام في شهره، والطهارة بالماء كذلك، بل المسافر مع تمكنه من الصيام أسقطه عنه في شهره، وقال: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ .","vol":"8","page":474},{"text":"والشريعة طافحة بهذا وأمثاله، وهو سبحانه مع ذلك هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته، وهو سبحانه محسن متفضل إلى من أمرهم ونهاهم بقدر زائد لا يقدر عليه، ولا يفعله غيره، وهو أن جعلهم مؤمنين مسلمين مطيعين، وهذا لا يقدر عليه غيره من الآمرين الناهين، وهو في ذلك محسن إليهم منعم عليهم نعمة ثانية، غير نعمته بالإرسال والبيان والإنذار، فهذه نعمة يختصمون بها غير النعمة المشتركة.\nوأما الكفار فلم ينعم عليهم بمثل ما أنعم به على المؤمنين، ومن لم ينعم ويحسن بمثل ذلك، لم يكن قد أساء وظلم مع الإقدار والتمكين وإزاحة العلل، إذا كان له في ترك ذلك حكمة بالغة، لو فعل بهم مثلما فعل بالأولين، بطلت تلك الحكمة التي هي أعظم من طاعتهم، وحصلت مفسدة أعظم من مفسدة معصيتهم.\nفمن وجه ليس ذلك بواجب عليه لهم، ومن وجه له في ذلك حكمة بالغة لا تجتمع هي ومساواتهم بأولئك، فتقتضي الحكمة ترجيح خير الخيرين، بتفويت أدناهما، ودفع شر الشرين بالتزام أدناهما.\nوقول القائل: كيف يفعل فعلًا لغاية مع علمه أنها لا تحصل؟\nجوابه: أن ذلك إنما يمتنع إذا كان ليس مراده إلا تلك الغاية فقط،","vol":"8","page":475},{"text":"فإذا لم تحصل لم يحصل ما أراده، ومن فعل شيئًا لأجل مراد يعلم أنه لا يحصل كان ممتنعًا.\nوبهذا يبطل قول القدرية الذين يقولون: لم يرد إلا المأمور، وما سواه واقع بغير مراده، وخلق الخلق لذلك المراد بعينه، مع علمه أنه لا يكون، وهذا تناقض.\nيقولون: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء.\nوأما أهل السنة الذين يقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع إلا ما شاءه، وإن وقع ما لم يحبه ويأمر به، فلحكمة له في ذلك باعتبارها خلقه، ولولا الغاية التي يريدها به لم يخلقه، فلا إشكال على قولهم.\nوإذا علم أن الرب له مراد بما أمره، وله مراد بما خلقه، فإذا لم يحصل ما أمر به فقد حصل ما خلقه، فما حصل إلا مراده، وهو لم يخلق ذلك المعين الذي أمر به، لئلا يستلزم عدم مراد أحب إليه منه وهو ما خلقه، وقد يكون ذلك المأمور يستلزم تفويت مأمور آخر هو أحب إليه منه.\nمثاله أن فرعون لو أطاع لم يحصل ما حصل من الآيات العظيمة، التي حصل بها من المأمور ما هو أعظم من إيمان فرعون.\nوصناديد قريش لو أطاعوا لم يحصل ما حصل من ظهور آيات الرسول، ومعجزة القرآن،","vol":"8","page":476},{"text":"وجهاد المؤمنين الذي حصل به من طاعة الله ومحبوبه ما هو أعظم عنده من إيمان صناديد قريش.\nوعلى هذا فيجوز أن يقال: إن الله إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، فإنه هذا هو الغاية التي أرادها منهم بأمره، وبها يحصل محبوبه، وبها تحصل سعادتهم ونجاتهم، وإن كان منهم من لم يعبده، ولم يجعله عابدًا له، إذا كان في ذلك الجعل تفويت محبوبات أخر، هي أحب إليه من عبادة أولئك، وحصول مفاسد أخر، هي أبغض إليه من معصية أولئك.\nويجوز أيضًا أن يقال: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾، فإنه أراد بخلقهم صائرون إليه من الرحمة والاختلاف.\nففي تلك الآية ذكر الغاية التي أمروا بها، وهنا ذكر الغاية التي إليها يصيرون، وكلاهما مرادة له، تلك مرادة بأمره، والموجود منها مراد بخلقه وأمره.\nوهذه مرادة بخلقه، والمأمور منها مراد بخلقه وأمره.\nوهذا معنى ما يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله: ﴿إلا ليعبدون﴾، قال: معناه إلا لآمرهم أن يعبدوني","vol":"8","page":477},{"text":"وأدعوهم إلى عبادتي، واعتمد الزجاج هذا القول، فرواه ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، قال: لآمرهم وأنهاهم.\nوروى سليمان بن عامر عن الربيع بن أنس، قال: ما خلقتهما إلا للعبادة.\nوأما من قال: المراد: المؤمنون، فروى ابن مصلح عن الضحاك في قوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، قال هي خاص للمؤمنين.\nوأمامن قال: كلهم وقعت منهم العبادة التي خلقوا لها.\nفروي الوالبي عن ابن عباس: إلا ليعبدون: إلا ليقروا لي بالعبودية طوعًا وكرهًا.\nوقال السدي: خلقهم للعبادة، فمن العبادة تنفع، ومن العبادة عبادة لا تنفع: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ هذا منهم عبادة، وليس تنفعهم مع شركهم.","vol":"8","page":478},{"text":"وروى ابن أبي زائدة، عن ابن جريج في قوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، قال: إلا ليعرفون.\nروى هذه الأقوال ابن أبي حاتم بأسانيده إلا قول علي.\nوذكر الثعلبي عن مجاهد: إلا ليعرفون.\nقال: ولقد أحسن في هذا القول، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده.\nودليل هذا التأويل قوله: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم﴾ الآيات، قال: وروى حبان عن الكلبي: إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه: قوله: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾، فعلى هذه الأقوال أن جميع الإنس والجن عبدوه وعرفوه ووحدوه، وأقروا له بالعبودية طوعًا وكرهًا.\nوالأولون لا ينكرون ما أثبته هؤلاء، لكن يقولون: ليست هذه هي العبادة التي خلقوا لها، وإن كان قد وجد من جميعهم معرفة به، وإقرار به، وعبودية له طوعًا وكرهًا.\nوهذا يبين أن جميع الإنس والجن مقرون بالخالق معترفون به مقرون بعبوديته طوعًا وكرهًا، وذلك يقتضي أن هذه المعرفة من لوازم نشأتهم، وأنه لم ينفك عنها أحد منهم، مع العلم بأن النظر المعين الذي يوجبه","vol":"8","page":479},{"text":"الجهمية والمعتزلة لا يعرفه أكثرهم، فعلم بذلك ثبوت المعرفة والإقرار بدون هذا النظر.\nوقد روى ابن جريج عن زيد بن أسلم: إلا ليعبدون قال: جبلهم على الشقاء والسعادة.\nوكذلك عن وهب بن منبه: ﴿إلا ليعبدون﴾ قال: جبلهم على الطاعة وجبلهم على المعصية، ذكرهما ابن أبي حاتم؟\nوعلى هذا فيكون المراد بالعبادة دخولهم تحت قضائه وقدره، ونفوذ ميشئته فيهم.\nوقد فسر بهذا ما رواه الوالبي عن ابن عباس حيث قال: إلا ليقروا لي بالعبودية طوعًا وكرهًا.\nقال الثعلبي: (فإن قيل: كيف كفروا، وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته؟ قيل: إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم، لأن قضاءه جار عليهم، لا يقدرون على الامتناع منه إذا نزل لهم، وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمر به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه) .\nقلت: وهذا المعنى - وإن كان في نفسه صحيحًا، وقد نازعت القدرية في بعضه - فليس هو المراد بالآية.\nفإن جميع المخلوقات - حتى البهائم والجمادات - بهذه المنزلة.","vol":"8","page":480},{"text":"وأيضًا فالعبادة المذكورة في عامة المواضع في القرآن لا يراد بها هذا المعنى.\nوأيضًا فإن قوله: ﴿ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾، دليل على أنه خلقهم ليعبدوه، لا ليرزقوا ويطعموا، بل هو المطعم الرازق، وإطعامه لهم ورزقه إياهم، هو من جملة تدبيرهم وتصريفهم، الذي قد جعله أهل هذا القول عبادةً له، فتكون العبادة التي خلقوا لها كونهم مرزوقين مدبرين، وهذا باطل.\nوأيضًا: فقوله ﴿ليعبدون﴾ يقتضي فعلًا يفعلونه هم.\nوكونه يربيهم ويخلقهم، ليس فيه إلا فعله فقط، ليس في ذلك فعل لهم.\nويلي هذا القول في الضعف قول من يقول: إنهم كلهم عبدوه، أو أن الآية خاصة فإنه هذه أقوال ضعيفة، كما أن قول القدرية الذين يقولون: إنه ما كان منهم كان بغير مشيئته وقدرته وإنه لم يشأ إلا العبادة فقط، وما كان غير ذلك فإنه حاصل بغير مشيئته وقدرته - قول ضعيف.\nوالناس لما خاضوا في القدر صارت الأقوال المتقابلة تكثر فيه، وفي تفسير القرأن بغير المراد، وهو مما «نهى عنه النبي ﷺ حيث خرج عليهم وهم يتنازعون في القدر: هذا قول: ألم يقل الله كذا؟ وهذا يقول: ألم يقل الله كذا؟ فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض» .","vol":"8","page":481},{"text":"والمقصود هنا أنه من المعروف عند السلف والخلف أن جميع الجن والإنس معترفون بالخالق مقرون به، مع أن جمهور الخلق لا يعرفون النظر الذي يذكره هؤلاء، فعلم أن أصل الإقرار بالصانع والاعتراف به مستقر في قلوب جميع الإنس والجن، وأنه من لوازم خلقهم، ضروري فيهم، وإن قدر أنه حصل بسبب، كما أن اغتذاءهم بالطعام والشراب هو من لوازم خلقهم، وذلك ضروري فيهم.\nوهذه هو الإقرار والشهادة المذكورة في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ .\nفإن هذه الآية فيها قولان: من الناس من يقول: هذا الإشهاد كان لما استخرجوا من صلب آدم، كما نقل ذلك عن طائفة من السلف، ورواه بعضهم مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وقد ذكره الحاكم، لكن رفعه ضعيف.","vol":"8","page":482},{"text":"وإنما المرفوع الذي في السنن، كأبي داود، والترمذي، وموطأ مالك، من حديث أبي هريرة ومن حديث عمر: هو أنهم استخرجهم، ليس في هذه الكتب أنهم نطقوا ولا تكلموا.","vol":"8","page":483},{"text":"ولكن في حديث أبي هريرة أنه أراهم آدم.\nوفي حديث عمر وغيره أنه قال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار.\nففيها إثبات القدر وأن الله علم ما سيكون قبل أن يكون، وعلم الشقي والسعيد من ذرية آدم، وسواء كان ما استخرجه فرآه آدم هي وأمثالهم أو أعيانهم.\nفأما نطقهم فليس في شيء من الأحاديث المرفوعة الثابتة، ولا يدل عليه القرآن، فإن القرآن يقول فيه: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾، فذكر الأخذ من ظهور بني آدم - لا من نفس آدم - وذرياتهم يتناول كل من ولده، وإن كان كثيرًا، كما قال تمام الآية: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم﴾ .\nوقال تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض﴾، وقال: ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾، وقال: ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون﴾، إلى قوله: ﴿وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس﴾، فاسم الذرية يتناول الكبار.","vol":"8","page":484},{"text":"وقوله: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾، فشهادة المرء على نفسه في القرآن يراد بها: إقراره.\nفمن أقر بحق عليه فقد شهد به على نفسه.\nقال تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾، وهذا مما احتج به الفقهاء على قبول الإقرار.\nوفي حديث ماعز بن مالك: فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه رسول الله ﷺ، أي أقر أربع مرات.\nومنه قوله تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾، فإنهم كانوا مقرين لما هو كفر، فكان ذلك شهادتهم على أنفسهم.\nوقال تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾، فشهادتهم على أنفسهم هو إقرارهم، وهو إذًا الشهادة على أنفسهم.","vol":"8","page":485},{"text":"ولفظ شهد فلان وأشهدته: يراد به تحمل الشهادة، ويراد به أداؤها، فالأول كقوله: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، والثاني كقوله: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ .\nوقوله: ﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾، من هذا الثاني، ليس المراد أنه جعلهم يتحملون شهادة على أنفسهم يؤدونها في وقت آخر، فإنه سبحانه في مثل ذلك إنما يشهد على الرجل غيره.\nكما في قصة آدم لما أشهد عليه الملائكة، وكما في شهادة الملائكة وشهادة الجوراح على أصحابها، ولما ظن بعض المفسرين هذا قال: المراد أشهد بعضهم على بعض.\nلكن هذا اللفظ حيث جاء في القرآن، إنما يراد به شهادة الرجل على نفسه، بمعنى أداء الشهادة على نفسه، وهو إقراره على نفسه، فالشهادة هنا خبر.\nوقولهم: ﴿بلى شهدنا﴾، هو إقرارهم بأنه ربهم، ومن أخبر بأمر عن نفسه فقد شهد به على نفسه، ولهذا قال في الآية: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾، فقولهم: بلى، معناه: أنت ربنا.\nوهذا إقرار بربوبيته لهم، وهذا الإقرار هو","vol":"8","page":486},{"text":"شهادة على أنفسهم، أي إنطاقهم بالإقرار بربوبيته، وجعلهم شهداء على أنفسهم بما أقروا به من ربوبيته.\nوقوله: (أشهدهم) يقتضي أنه هو الذي جعلهم شاهدين علىأنفسهم بأنه ربهم، وهذا الإشهاد مقرون بأخذهم من ظهور آباؤهم، وهذا الأخذ المعلوم المشهود الذي لا ريب فيه هو أخذ المني من أصلاب الآباء ونزوله في أرحام الأمهات.\nلكن لم يذكر هنا الأمهات لقوله فيما بعد: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم﴾، وهم كانوا متبعين لدين آبائهم، لا لدين الأمهات، كما قالوا: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ .\nولهذا قال: ﴿قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم﴾، فهو يقول: اذكر حين أخذوا من أصلاب الآباء فخلقوا حين ولدوا على الفطرة مقرين بالخالق شاهدين على أنفسهم بأن الله ربهم، فهذا الإقرار حجة لله عليهم يوم القيامة، فهو يذكر أخذه لهم، وإشهاده إياهم على أنفسهم، إذ كان سبحانه خلق فسوى، وقدر فهدى.\nفالأخذ يتضمن خلقهم، والإشهاد يتضمن هداه لهم إلى هذا الإقرار، فإنه قال: ﴿أشهدهم﴾ أي جعلهم شاهدين.\nوقد ذكرنا أن الإشهاد يراد به تحميل الشهادة، كقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، أي احملوا هذه الشهادة على هؤلاء المشهود عليهم.","vol":"8","page":487},{"text":"وهنا لم يقل: أشهدوا على أنفسهم بما أنطقهم به، فيكون هذا إقرار مشهودًا به غير الشهادة، سواء كان شهادة بعضهم على بعض، كما قاله بعضهم أو كان شهادتهم على أنفسهم بما أقروا به، بل شهادتهم على أنفسهم هو إقرارهم.\nفالشهادة هي الإقرار، كما قال: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾، وكما قيل لماعز: شهد على نفسه أربعًا.\nفإشهادهم على أنفسهم جعلهم شاهدين على أنفسهم، أي مقرين له بربوبيته، كما قال في تمام الكلام: ﴿ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾، فقولهم: بلى شهدنا، هو إقرارهم بربوبيته، وهو شهادتهم على أنفسهم بأنه ربهم وهم مخلوقون به، فشهدوا على أنفسهم بأنهم عبيده.\nكما يقول الملوك: هذا سيدي، فيشهد على نفسه بأنه مملوك لسيده، وذلك يقتضي أن هذا الإشهاد من لوازم الإنسان، فكل إنسان قد جعله الله مقرًا بربوبيته، شاهدًا على نفسه بأنه مخلوق والله خالقه.\nولهذا جميع بنى آدم مقرون بهذا شاهدون به على أنفسهم.\nوهذا أمر ضروري لهم لا ينفك عنه مخلوق، وهو مما خلقوا عليه وجبوا عليه، وجعل علمًا ضروريًا لهم، لا يمكن أحدًا جحده.","vol":"8","page":488},{"text":"ثم قال بعد ذلك: ﴿أن تقولوا﴾ أي كراهة أن تقولوا، ولئلا تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين: عن الإقرار لله بالربوبية، وعلى نفوسنا بالعبودية، فإنهم كانوا غافلين عن هذا، بل كان هذا من العلوم الضرورية اللازمة لهم، التي لم يخل منها بشر قط، بخلاف كثير من العلوم التي قد تكون ضرورية، ولكن قد يغفل عنها كثير من بني آدم، من علوم العدد والحساب وغير ذلك، فإنها إذا تصورت كانت علومًا ضرورية، لكن كثير من الناس غافل عنها.\nوأما الاعتراف بالخالق فإنه علم ضروري لازم للإنسان، لا يغفل عنه أحد بحيث لا يعرفه، بل لا بد أن يكون قد عرفه، وإن قدر أنه نسيه، ولهذا يسمى التعريف بذلك تذكيرًا، فإنه تذكير بعلوم فطرية ضرورية قد ينساها العبد.\nكما قال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾، وفي الحديث الصحيح: «يقول الله للكافر: فاليوم أنساك كما نسيتني» .","vol":"8","page":489},{"text":"ثم قال: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾، ذكر لهم حجتين يدفعهما هذا الإشهاد.\nإحداهما: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ .\nفبين أن هذا علم فطري ضروري، لا بد لكل بشر من معرفته، وذلك يتضمن حجة الله في إبطال التعطيل، وأن القول بإثبات الصانع علم فطري ضروري، وهو حجة على نفي التعطيل.\nوالثاني: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم﴾، فهذا حجة لدفع الشرك، كما أن الأول حجة لدفع التعطيل.\nفالتعطيل مثل كفر فرعون ونحوه، والشرك مثل شرك المشركين من جميع الأمم.\nوقوله: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾: وهم آباؤنا المشركون، وتعاقبنا بذنوب غيرنا؟ وذلك لأنه قدر أنهم لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم، ووجدوا آباءهم مشركين، وهم ذرية من بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذى الرجل حذو أبيه حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم، إذ كان هو الذي رباه، ولهذا كان أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه، فإذا كان هذا مقتضى العادة الطبيعية، ولم يكن في فطرتهم وعقولهم ما يناقض ذلك، قالوا: نحن معذورون، وآباؤنا هم الذين","vol":"8","page":490},{"text":"أشركوا، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم، اتبعناهم بموجب الطبيعة المعتادة، ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم.\nفإذا كان في فطرتهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم، كان معهم ما يبين بطلان هذا الشرك، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم، فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء، كانت الحجة عليهم الفطرة الطبيعية العقلية السابقة لهذه العادة الأبوية.\nكما قال ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»، فكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها.\nوهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد، حجة في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا.\nوهذا لا يناقض قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، فإن الرسول يدعو إلى التوحيد، لكن إن لم يكن في الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع، لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم، فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن إقرارهم بأن الله ربهم.\nومعرفتهم بذلك، وأن هذه المعرفة والشهادة أمر لازم لكل بني آدم، به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله، فلا يمكن أحدًا أن يقول يوم القيامة: إني كنت عن هذا غافلًا، ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني، لأنه عارف بأن الله ربه لا شريك له، فلم يكن معذورًا في التعطيل ولا الإشراك، بل قام به ما يستحق به العذاب.","vol":"8","page":491},{"text":"ثم إن الله بكمال رحمته وإحسانه لا يعذب أحدًا إلا بعد إرسال رسول إليهم، وإن كانوا فاعلين لما يستحقون به الذم والعقاب، كما كان مشركو العرب وغيرهم ممن بعث إليهم رسول، فاعلين للسيئات والقبائح التي هي سبب الذم والعقاب، والرب تعالى مع هذا لم يكن معذبًا لهم حتى يبعث إليهم رسولًا.\nوالناس لهم في هذا المقام ثلاثة أقوال، قال بكل قول طائفة من المنتسبين إلى السنة، من أصحاب الأئمة الأربعة، أصحاب أحمد وغيره.\nطائفة تقول: إن الأفعال لا تتصف بصفات تكون بها حسنة ولا سيئة البتة.\nوكون الفعل حسنًا وسيئًا إنما معناه أنه منهي عنه أو غير منهي عنه، وهذه صفة إضافية لا تثبت إلا بالشرع، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وهؤلاء لا يجوزون أن يعذب الله من لم يذنب قط، فيجوزون تعذيب الأطفال والمجانين.\nوطائفة تقول: بل الأفعال متصفة بصفات حسنة وسيئة، وأن ذلك قد يعلم بالعقل ويستحق العقاب بالعقل، وإن لم يرد سمع، كما يقول ذلك المعتزلة، ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم،: أبي الخطابي وغيره.","vol":"8","page":492},{"text":"وطائفة تقول: بل هي متصفة بصفات حسنة وسيئة تقتضي الحمد والذم، ولكن لا يعاقب أحدًا إلا بلوغ الرسالة، كما دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ .\nوفي قوله: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ .\nوقال تعالى لإبليس: ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ .\nوهذا أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة، فإن الله أخبر عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة، قبل مجيء الرسول إليهم، وأخبر أنه لا يعذبهم إلا بعد إرسال رسول إليهم.\nوقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ حجة على الطائفتين.\nوإن كان نفاة التحسين والتقبيح العقلي يحتجون بهذه الآية على منازعيهم، فهي حجة عليهم أيضًا فإنهم يجوزون على الله أن يعذب من لا ذنب له ومن لم يأته رسول، ويجوزون تعذيب الأطفال والمجانين الذي لم يأتهم رسول، بل يقولون: إن عذابهم واقع.\nوهذه الآية حجة عليهم، كما أنها حجة على من جعلهم معذبين بمجرد العقول من غير إرسال رسول.\nوالقرآن دل على ثبوت حسن وقبح قد يعلم بالعقول، ويعلم أن هذا","vol":"8","page":493},{"text":"الفعل محمود ومذموم، ودل على أنه لا يعذب أحدًا بعد إرسال رسول.\nوالله سبحانه أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>كلام أبي محمد بن عبد البصري</span>\nوقال الشيخ أبو محمد بن عبد البصري في كتابه في أصول السنة والتوحيد: (فصل في الخلق على الفطرة.\nقال: وخلق الله الخلق على الفطرة، وهو قوله سبحانه: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾، وهي الإقرار له بالربوبية، مع معرفة الوحدانية، وذلك أنه سبحانه خلق الخلق على علم منه بهم، مشاهد لما يؤول أمرهم وعواقبهم إليه، فخلقهم على ما علم منهم وشاء، غير مؤمنين ولا كافرين صبغةً، بل مقرين عارفين، لا موحدين ولا جاحدين.\nوكذلك قد روي في الأثر، بقول الله تعالى: خلقت خلقي حنفاء مقرين، لا منكرين ولا موحدين، وذلك إثبات ونفي الجبر، فثابت في نظره وعلمه عامة عواقبهم، وله التحكم فيهم، وهو أعدل من أن يضطرهم إلىكفر وغيره، فيبطل بذلك الكسب، وإذا بطل الكسب بطل التكليف والامتحان، إذ التكليف لا يكون جبلًا، ولا يقع اضطرارًا وجبرًا، ولا يكون إلا اختيارًا، إذ قد أمروا بها، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وكل","vol":"8","page":494},{"text":"ما منه حق غير عابث، عدل غير ظالم، عالم لا يخفى عليه شيء، شاء لم يزل يشاء أن يثبتهم ويعاقبهم على أفعال تكون كسبًا لهم.\nوهو عادل في عباده: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ .\nوقال عز من قائل: ﴿وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم﴾ مع ما أنه لم يزل مالكًا لهم، وقادرًا عليهم، ومتصرفًا فيهم، لا غناء لهم عنه، ولا محيص لهم منه، فخلقهم ﷿ على الفطرة كما أخبر، وخلق الأعمال كما ذكرنا، ولم يضطر أحدًا إلى شيء من ذلك، ولو خلقهم كفارًا صبغةً لما قال لهم: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم﴾، إذ لا يليق بالحكيم أن يخلق صبغةً ويغير نفس ما خلق من غير كسب.\nوقال سبحانه: ﴿أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين﴾، ولو خلقه كافرًا لما صح منه الإيمان، وكان معذورًا مدليًا بحجته، والله تعالى يقول: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾، وكان ذلك تكليف ما لا يطاق، كما أن يصرف الأسود فيقال له أبيض، والأبيض أسود، وذلك مستحيل من حكيم.\nوأما قوله سبحانه: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم","vol":"8","page":495},{"text":"مؤمن﴾، يعني: أنه خلق الكل وقد اعترفوا به بذلك، فمنهم من شكر خالقه واعترف له بالنعم، وبالإخراج من العدم إلى الوجود، فحقق فعله، وقبل من رسله، ووحد ربه.\nومنهم من كفر ولم يشكر خالقه، وأشرك به ما لا يجوز له، وكذب برسله، فصار كافرًا بفعله.\nوقد روي نحو من هذا عن النبي ﷺ بقوله: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا أعرب عنه لسانه فإما شاكرًا وإما كفورًا» .\nوقد قال تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾، فلما امتثل ذلك قوم، وعدل عنه آخرون، كانوا هم المرادين من قوله: ﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ .\nوقد قال سبحانه في حال المؤمنين ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾، فأخبر أنه فعل ذلك بهم بعد ما خلقهم، ولم يقل: خلقكم مؤمنين: وكره إليكم الكفر، فدل على أنه لم يفعل بالكافر ما فعل بالمؤمن، وذلك أبلغ دليل على أنهم لم يخلقوا صبغة: كافرين ولا مؤمنين) .","vol":"8","page":496},{"text":"إلى أن قال: (وقد رأينا على الكفر برهة ثم آمن، ومن كان مؤمنًا ثم كفر.\nولو كان ذلك صبغةً لما انتقلوا، ولما كان من الكسب صح عليه النقلة والتحويل، وقد قال تعالى: ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم﴾، فأضافه إليهم حقيقة.\nوقال: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا﴾، ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا﴾، ألا ترى أنهم لما لم يخلقوا صبغة كفارًا نفعهم إيمانهم؟.\nولما قال فرعون (آمنت) لم ينفعه.\nوقد أشفى في الحديث بما فيه مقنع بقوله ﷺ: «ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»، وهو إجماع المسلمين أن الكافر لا يعاقب ويجلد على ما خلق، إنما يعاقب ويجلد على نيته وكسبه، وهو موضع إيثارهم لما نهاهم عنه، على ما أمرهم به من الإيمان، فكان تكذيبه لهم على كسب اكتسبوه، وفعل فعلوه، ونهي ارتكبوه، وأمر خالفوه، وهو ما أحدثوه، لا شيء جبلوا عليه ولا اضطروا له، ولا خلقوا مجبولين عليه، إذ لو خلقهم كفارًا لكانوا إلى ذلك مضطرين، ولم يقل بذلك أحد من المسلمين.\nألاترى أنه لما خلقهم علىمعرفة لم يصح لهم ولم يقع غير ذلك، ولم يثابوا على ذلك؟ أعني: معرفة الربوبية، وهي الفطرة، ووجدنا الكفر يصح النقل عنه إلى","vol":"8","page":497},{"text":"الإيمان، ويقع الارتداد عن الإيمان إلى الكفر، فكان كمعرفة التوحيد الذي يقع اختيارًا.\nوقال سبحانه: ﴿فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾ ولم يقل: منهم من خلقت مؤمنًا، ومنهم من خلقت كافرًا.\nوقال سبحانه: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾، فأعلمنا أن كذبهم وكفرهم هو كسبهم الذي حرمهم البركات، وعليه توعدهم بالعقوبات، وكون الكافر مخلوقًا كافرًا صراح بالجبر، ومن قال: ما سبق في العلم والنظر ولا هو داخل في القضاء والقدر، فهو قدري رديء.\nوقد لعنت القدرية والمرجئة، وكذلك المجبرة، والله لا يجبر أحدًا على فعل، إذ لو جبر لكانوا عن التكليف خارجين كما جبلت الملائكة على الطاعة.\nوقد قال سفيان، وأحمد، وسهل، والإمام، وأهل العلم: (إن الله لا يجبر على طاعة ولا على معصية، وهو الجبار الذي جبر القلوب على فطرتها) .\nإلى أن قال: (قال سبحانه: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾، مع كونه سبحانه فعالًا لما يريد، وليس معنى (شاء) معنى (علم)، ولا معنى (علم وشاء) معنى (خلق)، فشاءهم وعلمهم","vol":"8","page":498},{"text":"وقدرهم وقضاهم مؤمنين وكافرين في حكم الكينونة، وهي العواقب التي لم يزل بها عالمًا، وعليها قادرًا، ولها شائيًا، ولم يخلقهم في العبودية والدينونة والبنية والتركيب كفارًا، ولا إقرارًا للزوم المطالبة والعبودية، ومحال أن يخلقهم لذلك ويتعبدهم، ويطالبهم، كما زعم أهل الإجبار، من ضرار وأصحابه، وسالكي البدعة، والمضاهي لهم بالعدوان والطغيان، والمغترين المحيلين على الأقدار، والمتمسكين بمعاذير ليست لهم بأعذار، لم يؤمنوا أن الأعمال محصاة، والعواقب مشهودة، وأعمالهم في القبضتين داخلة، وإلى المعبود صائرون، وعلى اكتسابهم محاسبون، وبها مؤاخذون.\nقال أصدق القائلين: ﴿ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون﴾، وهل الكفر وغيره إلا عملان وكسبان؟ فمن زعم أنه ما سبق في علمه عواقبهم، وما قضى عليهم بما وجد منهم، ولا شاء ذلك في ملكه، ولا خلق أعمالهم، ولا أحصى سكونهم وحركاتهم، ولا شهد في القدم إلى ما إليه صائرون - فهو قدري ومعتلي، مكابر معتزلي، مدعي الحول والقوة، وأن الأمر إليه.\nومن زعم أن كلفهم صبغةً، وجبرهم على الأفعال، وجعل كسبهم","vol":"8","page":499},{"text":"مجازًا، وأعمالهم لا صنع لهم فيها - فهو أخس القدرية، وأعتى المجبرة، وهو الغالي في دين الله، المرجىء المحيل بمعاصيه على ربه، وبفجوره على من تقدس عن كسبه، بل تنزه عما يقول الظالمون، ولم يزل عليمًا شائيًا، حكيمًا عادلًا متفضلًا، منصفًا محققًا، مجبرًا خالقًا، آمرًا ناهيًا، غير عابث ولا تارك لأمورهم سدى، ولا لها مهملًا، فخلق الكافر على الفطرة، وخلق كفره وشاءه في ملكه، ولم يجبره عليه ولا اضطره إليه، ولم يتوله، بل تبرأ منه، وتركه معه، ونهاه عن اعتقاده والتلبس به وبفعاله، وجعل له قدرةً واستطاعةً على كسبه، وتركه مع هواه، فلما دخل تحته، واعتقده في نفسه، واتصل به، واختاره وأحبه - كان كما ذكرنا في الجمع والتفرقة، والخلقة والكسب، فصار بما اعتقد واكتسب، كافرًا، وسمي فاجرًا، ولا هو لنفسه خالقًا، ولا لكفره مخترعًا، بل له مكتسبًا، وبه اجتمع ففارق الإيمان والإحسان الذي أمر بمواصلتهما، فصار لذلك مجانيًا، وخالط الكفر فصار فيه والجًا، فتوجه نحوه التهديد، ولزمه الوعيد، فألزمه ما اكتسب، ورده إل ىما علم، وأدخله في وعيده، واستحق عقوبته، وخلده بنيته: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ .\nوقد قال ﷺ: «يقول الله ﷿: خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين» .\nوهذا نص من صاحب الشريعة جلي واضح لا شبهة فيه، يسفر عن إيضاح ما أوردناه، حنفاء عارفين على فطرته،","vol":"8","page":500},{"text":"وهي معرفة ربوبيته، والإقرار بوحدانيته، لا يقع بذلك كفر ولا إيمان، بل ذلك عليهم طارىء بالحكم الجاري، فخلق الكل على الفطرة، وأمر الكل بالإيمان، لصحة الدعوة، وعموم النصيحة، وأقدر الكل على ما أمر وأراد) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فهذا الكلام يوافق قول من قال: خلقهم على الفطرة، التي هي المعرفة والإقرار بالصانع، وأن ذلك لا يصير به العبد مؤمنًا ولا كافرًا، وقد أبطل من يقول: إنهم خلقوا على الكفر والإيمان، وهو ظاهر القول الذي تقدم عن طائفة من العلماء.\nوصاحب هذا الكلام يقول: الذي خلقوا عليه من المعرفة والإقرار لا يمكن تغييره.\nوهذا موافق لقول من قال: لا تبديل لخلق الله - إنها بمعنى الخبر.\nلكن ذاك يقول: إنهم لا يخلقون إلا على الفطرة، لا يبدل الخلق، فيخلقون على غير ذلك.\nوصاحب هذا الكلام يقول: لايبدل الخلق بعد ذلك، أي: لا يمكن أن يصيروا غير عارفين مقرين بالخلق، بل هذه المعرفة والإقرار أمر لازم لهم، وهو يقول: كل ما خلق عليه العبد فلا يمكن انتقاله عنه، وهو يثبت القدر، وأن الله خالق أفعال العباد، وينكر أن يكونوا جبلوا على ذلك واضطروا إليه أو جبروا عليه.\nفأما الكلام في الجبر فهو مبسوط في غير هذا الموضع، وقد بينا أن مذهب الأئمة، كالأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم، أنهم ينكرون إثبات الجبر ونفيه معًا.\nومذهب الزبيدي وطائفة: نفي الجبر","vol":"8","page":501},{"text":"وإنكار إثباته فقط، وهو موافق لهذا الكلام.\nوأما ما حكاه أحمد ونحوه: أن الله لا يجبر على طاعة ولا معصية - فهو حكاه بحسب ما بلغه واعتقده.\nوالمنصوص الصريح عنه الإنكار على من قال: جبر.\nوعلى من قال: لم يجبر.\nوفي الجملة الكلام في هذا الباب له موضع آخر.\nوالمقصود هنا ما ذكره في تفسير الفطرة، وأنه فسر ذلك بأن الخلق فطروا على المعرفة والإقرار.\nوأما قوله: (إن ذلك ليس بإيمان، وإن ذلك لا يمكن تحويله) فقد قدمنا الكلام على ذلك، وبينا أن النصوص تدل على أن ما ولدوا عليه يتغير، وإن كان ذلك بقضاء الله وقدره، كما تغير الشاة المولودة سليمة بجدع الأنف والأذن.\nوالمقصود هنا كلامه في أن المعرفة بالصانع فطرية ضرورية، وقد بسط ذلك مستوفيًا في أول كتابه.\nوهذا الشيخ أبو محمد بن عبد البصري المالكي، طريقته طريقة أبي الحسن بن سالم وأبي طالب المكي، وأمثالهما من المنتسبين إلى السنة والمعرفة والتصوف، واتباع السلف وأئمة السنة والحديث، كمالك وسفيان الثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وأحمد بن حنبل وأمثالهم.\nوكذلك ينسبون إلى سهل ابن عبد الله التستري وأمثاله من الشيوخ.","vol":"8","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية</span>\nقال أبو محمد في كتابه هذا الذي صنفه في أصول السنة والتوحيد، قال: (وكان إجماع السلف والخلف، وأئمة الدين وفقهاء المسلمين، من شرق وغرب، وسهل وجبل، وسائر أقاليم الإسلام، من مغرب ومصر وشام وعراق وحجاز ويمن وبحر وخراسان مجتمعين: على أن عقيدة السنة أربع عشرة خصلة: سبعة متعلقة بالشهادة، وهي مما يدان بها في الدنيا، وسبعة متعلقة بالغيب وهي مما يؤمن بها من أحكام الآخرة.\nفالتي في دار الدنيا: القول مع الاعتقاد بأن الإيمان: قول وعمل ونية، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأن القرآن غير مخلوق، وتخيير الأربعة على الترتيب، وإثبات الإمامة، وترك الخروج على أحد منهم، والصلاة على من مات من أهل القبلة، وترك المراء والجدل.\nوالمتعلقة بالآخرة: الإيمان بأحكام البرزخ، والآيات التي بين يدي الساعة، والبعث بعد الموت، ورؤية الله تعالى، والإيمان بالحوض والشفاعة والصراط والميزان، وخلود الدارين، فمن خالف شيئًا من هذا فقد خالف اعتقاد السنة والجماعة، وهذا مما لا شبهة فيه بين أصحاب الحديث والفقهاء والعلماء من سائر الأقاليم.\nوسنتكلم على كل مسألة بذاتها، ونقيم الدليل على ذلك من كتاب وسنة ونظر، وبه التوفيق والمعونة، وهو حسبنا ونعم الوكيل، لا غناء بنا عنه طرفة عين ولا أقل من","vol":"8","page":503},{"text":"ذلك، إذ قد أدبنا وعلمنا كيف نقول، فقال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، إثباتًا للمجاهدة، وفقرًا إلى المعونة منه سبحانه.\nفأول الكلام الواقع في الخلاف في المعارف، فجمهور قول المعتزلة أن جميعها اضطرار) .\nقلت: كأنه بالعكس وأظن الغلط في النسختين: المعتزلة.\n(وقال ابن كلاب وطائفة: جميعها اكتساب.\nوقول أصحاب الحديث: إن منها اضطرارًا ومنها اكتسابًا، وكان الأصل في ذلك أن المعرفة اسم لاضطرار ومكتسب، وكأن الاضطرار راجع إلى معرفة الربوبية والوحدانية، والمكتسب راجع إلى المريد ونحوه.\nفصل: في معرفة الوحدانية التي جبل الرحمن الرحيم الخلق عليها وبه نستعين.\nأما معرفة الوحدانية فهي معرفة الصانع القديم، المخترع لأعيان الأشياء، والمتمم تصويره لها على غير مثال، ولا بد لكل مخترع أن يعرف المنعم عليه بالإخراج من العدم إلى الوجود، وهي غير مكتسبة لأنها تعم من يصح منه الكسب ومن لا يصح منه، وهي ضرورة لا اختيار فيها، كما لا كسب فيها، ولا يتوصل إليها بالأسباب.","vol":"8","page":504},{"text":"دليل ذلك قوله ﷾: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾، يعني: وما من شيء إلا يسبح.\nقال ابن عباس: حتى النبات الذي خلقه يسبح بحمده.\nوقال عكرمة: لايسبن أحدكم ثوبه ولا دابته، فما من شيء إلا يسبح بحمده.\nوروي أن صرير الباب بالتسبيح.\nوقال سبحانه: ﴿يا جبال أوبي معه والطير﴾، وقد روي: سبحي.\nوقال سبحانه: ﴿أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون﴾، يعني: صاغرون.\nوقال سبحانه: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب﴾ الآية.\nوقوله سبحانه: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض﴾، وسبح إخبار عن ماض وآت، وإعلام لنا أن كل شيء يسبح بحمده، ويسجد لعظمته، ويعترف بألوهيته ووحدانيته، ولا يجوز أن تسجد الأشياء وتسبح لمجهول.\nوكذلك اعترافها بفضائل رسله، وما","vol":"8","page":505},{"text":"استفاض من مخاطبات الجمادات له ﷺ، وسلامها عليه، وحنينها إليه، ومخاطبة الأنعام والوحوش، والطير، والصغار في المهود، وغير ذلك.\nقال ﷺ: «إن البهائم أبهمت إلا عن ثلاث»، فذكر معرفة بارئها.\nوهذه الأشياء مما لا يصح فيها الاستدلال والنظر، ولا عقول، ولا اختيار، ولا كسب، وقد عقل معرفتها لبارئها ﷿، وثبت بالكتاب والسنة.\nوهذا ظاهر جلي ينفي وجود هذه المعرفة بالوسائط، لأنها حق له ﷿، ينفي عن نفسه ما شمل سائر البرية من المعلوم والمجهول، لأنه سبحانه خلق الأشياء مجهولة، ثم جلاها بالأسماء، فعرفت من بعد جهلها، وذلك دليل الحدث، فعز عن أن يكون كالحوادث التي عرفت بغيرها.\nوقال بعض الحكماء كلمات لا سبيل إلى نقضها: وهو أن كل معروف بغير نفسه مجهول، وكل تام بغيره معلول.\nولقد أحسن فيما قال وأصاب، إذ معرفته بغيره شهادة قاطعة على وجود علة المجهول فيه، الذي ارتفعت عنه تغيره، الذي لولاه لم يعرف، فصارت معرفته بغيره صارخة بفقره، إلى من ارتفعت عنه علة المجهول، والغير علة، والعلة لا تصحب إلا معلولًا.","vol":"8","page":506},{"text":"قلت: وقد قرر كلامه صاحبنا الشيخ أبو العباس الواسطي، فقال: (المعنى: أنه لولا وجود زيد ما عرف عمرو، وبوجود زيد زالت الجهالة عن عمرو، فصار زيد مفتقرًا إلى وجود عمرو واسمه، لزوال الجهالة عنه به وباسمه، والمعنى: أن المخلوق مفتقر إلى علة يعرف بها، بخلاف الواحد الذي لا نظير له، ولا هو مفتقر إلى علة يعرف به ويقوم بها، بل العباد مفترقون إليه وإلى معرفته) .\nقال: وهذا إشارة إلى المعرفة الفطرية، فإنه سبحانه لم يعرف فيها بغيره، بل كان هو المعروف بها بنفسه إلى خلقه) .\nقال الشيخ أبو محمد بن عبد: (فعز ربنا أن يقوم بالعلل، فيصير دليلًا بعد ماكان مدلولًا) .\nهكذا رأيته في الكتاب، وإنما أراد: (فيصير مدلولًا بعد ما كان دليلًا) .\nقال: (وقد جاء في الأثر: يقول الله تعالى في بعض الكتب السالفة: أنا الدال على نفسي، ولا دليل أدل علي مني.\nوقد روى: كنت كنزًا لا أعرف، فأحببت أن أعرف، فأظهرت خلقًا وتعرفت إليه بنفسي فعرفوني.\nوهذ نص بإزالة العلل، لأنه من ثبت بغيره ونفي بغيره، كان","vol":"8","page":507},{"text":"إثباته تخييرًا، وتلك علل الحوادث، فهو الثابت بثباته، المعروف بنفسه، لم يعرف من بعد جهل، إذ ذاك تغيير عن الأزل، فهو المعروف أزليًا، والعارفون محدثون، كما أنه إله لم يزل، والمألوهون المقرون له بالإلهية محدثون، ولا يجوز على الإلهية تغيير، ولا أن تقوم لها صفة بالحوادث، وهذه المعرفة تعم سائر البرية من ساكن ومتحرك، وهي جبل كجبل الملائكة على الخدمة، فتلزم مكلفًا وغير مكلف) .\nقال: (والفصل الثاني: معرفة الربوبية، وهي خاصة للمكلفين من بني آدم، وهي تعم مؤمنهم وكافرهم وسائر فرقهم، وهي ضرورية أيضًا، وهي عن رؤية، وهي قوله سبحانه: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾، وهذا في غير وقت الكسب والتكليف، فتعرف إليهم بنفسه بلا وسائط ولقنهم التاء وخاطبهم بحرف التعريف، فأقر الكل له بتلك المعرفة، إذ عاينوه جبارًا قهارًا، وهي معرفة لا يقع بها إيمان ولا توحيد، لأنها إقرار للضرورة، وليس للكافر فيها اختيار، إذ لو كان له فيها اختيار لجحدها، كما جحد معرفة التوحيد، ولو كانت كسبية لوقع له بها","vol":"8","page":508},{"text":"إيمان وثواب، بلى هي ضرورية يرجع إليها في شدائده، قال تعالى: ﴿ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون﴾ .\nوقد أخبر عن الكفار أنهم يعرفونه مع ردهم على رسله.\nقال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾، وقال سبحانه: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾، مع آيات كثيرة، وذلك موجود منهم ضرورة، وهم في الجاهلية يعرفونه ولا ينكرونه، ويقولن: إلهنا القديم والعتيق، وإله الآلهة، ورب الأرباب، وغير ذلك، مع كفرهم.\nفدل ذلك على أن تلك ضرورة ألزموها، وهو قوله تعالى: ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها﴾، وقول: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾، يعني: معرفة ربوبيته.\nوقد جاء في الأثر: يقول الله تعالى: (خلقت خلقي حنفاء مقرين) يعني عرفاء عرفوه بوحدانيته، وأقروا له بمعرفة ربوبيته، وإنما جحدوا معرفة التوحيد الذي تعبدهم بها على ألسنة السفراء، وهو قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ .\nوقول صاحب الشرع: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا","vol":"8","page":509},{"text":"إله إلا الله»، لم يقل: حتى يقولوا: إن ربهم ربًا، إذ هم عارفون بذلك.\nوإنما أمرتهم الرسل أن يصلوا معرفة التوحيد بمعرفة الربوبية والوحدانية فأبوا، وقبل ذلك الموحدون، فقال في حال المؤمنين: ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾، وقال في حال الكفار: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ .\nفالسفراء لهم مدخل في معرفة التوحيد دون معرفة الوحدانية والربوبية، إذ لكل معرفة مقام، فليس للعقل والكسب والوسائط والنظر والاستدلال في هذه المعرفة حكم، لكونها عامة موجودة ممن يصح منه النظر والاستدلال وممن لا يصح منه، فلو كلفهم كلهم النظر والاستدلال، لكان مكلفًا لهم شططًا، إذ لايصح من الكل النظر والاستدلال، ويصح من الكل المعرفة بالاضطرار، فحملهم من ذلك ما رفع به عنهم الشطط.\nوحديث الجارية فمشهور، وهي مما لا يصح منه النظر والاستدلال.\nوكذلك الأبله والمجنون وغيرهم، لو سألتهم عن الله سبحانه لأشاروا إليه بما عرفهم، فتعرف سبحانه قبل التكليف بنفسه وبعد التكليف بالسفراء، لأنه لو خطابهم وكاشفهم قبل التكليف بلا سفير لبطل التكليف) .","vol":"8","page":510},{"text":"قال: وقد «قال له أبو ذر ﵁: يا رسول الله، بماذا أقول: عرفت الله؟ فقال: إنك إن قلت بمن فقد أشركت، وإن حلت كفرت، وإن وسطت واسطة ضللت» .\nوقد قيل لعلي ﵁: بم عرفت ربك؟ فقال: بما عرفني نفسه، لا يشبه صورةً، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس.\nوعن ابن عباس حين سأله نجدة الحروري فقال: يا ابن عباس بما عرفت ربك إذ عرفته؟ فأجاب بنحو من جواب أمير المؤمنين.\nوقول الصديق الأكبر: (سبحان من لم يجعل للخق طريقًا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته) .\nفهذه المعرفة ضرورة للعارف موجودة فيه، كوجود ضرورة المقعد وقعوده موجودة فيه، فهو سبحانه المعروف الذي لا ينكره شيء، والمعلوم الذي لا يجهله شيء، فمن كانت معه معرفتان فهو كافر، وبالمعرفة الثالثة يصح الإيمان، وهو الفصل الثالث: وهي معرفة التوحيد التي دعت الرسل إليها، وبعثوا بها، وكلفنا قبولها، وهي قوله: ﴿وإلهكم إله واحد﴾، وهو قوله: ﴿لئلا يكون للناس على الله","vol":"8","page":511},{"text":"حجة بعد الرسل﴾، وأخبرنا أنه ما كان معذبًا قبل بعثتهم، فكانوا يعرفون أن لهم ربًا وإلهًا، ولكنهم ينكرون توحيد الإله وبعث رسله وشرائع دينه، وبه وقع منهم الكفر.\nفوجود ذلك منهم يزيل عنهم معرفة التوحيد، ولا يزيل ضرورتهم، وهذه المعرفة وجبت بالتوقيف، وهي ما وقفتنا الرسل عليه، ودلنا عليه سبحانه، ووفقنا لذلك، وبها يجب الخلود في الجنة، وبعدمها يجب الخلود في النار، وهي مكتسبة ولم تجب بالعقل كما زعمت المعتزلة، لأن هذه المقالة تضاهي مقالة البراهمة، حيث زعمت أن في قوة العقل كفاية عن بعث الرسل، والحق لم يخبر أنه ما كان يعذبهم حتى يرزقهم عقولًا، وإن كان العقل حجة فهو باطن، والرسل حجة الله ظاهرة.\nوقد قيل لبعض العارفين: بم عرفت الله؟ قال: بالله.\nفقيل: فأين العقل؟ فقال: العقل عاجز يدل على عاجز.\nوقد جاء في الأثر: إن الله سبحانه لما خلق العقل، وأقامه بين يديه - وهو حجة من قال: عرف بالعقل - فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: عزتي وجلالي ما خلقت خلقًا هو أكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أعرف.\nفتعلق الخصم بهذه","vol":"8","page":512},{"text":"الكلمة، وتمام الحديث: فطفق لا ينطق، فكحله بنور العزة، فقال: أنت الله الذي لا إله إلا أنت، فلم يعرف العقل الله إلا بالله.\nوإذا كان الله معروفًا من طريق التوحيد بالعقل، فما بال قريش - مع كونها ذوي عقول - يقول الله عنهم إخبارًا: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾؟ فإن كان لا عقل لها فلا حجة عليها، وإن كانت ذوي عقول فما أغنت عنهم عقولهم.\nوقال سبحانه: ﴿وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم﴾ الآية، وأخبر عنهم أنهم يقولون في النار: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾، لا خلاف أنهم كانوا ذوي أسماع لا يسمعون بها، وكذلك عقول لا تغني عنهم ولا يستعملونها، فلم تكن مغنية لهم مع تكذيبهم الرسل، فبوجود الرسل صح التكليف، وبالعقل تمثيل ذلك بعد التوفيق، وليس للعقل مدخل فما تقدم من المعارف، وإن كان له ها هنا مدخل، فالأصل الرسل والعقل اتبع ذلك.\nوأما العقل فله مدخل بالغ في معرفة المزيد، وكذلك العلم، فالعلم بيان الله، والعقل حجة الله، والرسل هم الحجة الظاهرة المبلغة عن الله مراده، والمخبرة بأمره، والداعية إلى سبيله.\nولما كان سبحانه لا سبيل إليه.\nولا عقول تشرف عليه، ولا لنا طاقة إلى استماع كلامه، لم يكن بد من بعث الرسل لنعلم بها مراد الربوبية منا.","vol":"8","page":513},{"text":"وليس هذا للعقل، وإنما للعقل الزوائد والتصرف في المراد المخبر عنه الرسل، فعم سبحانه بمعرفة وحدانيته سائر ما ابتدع، وخص بمعرفة ربوبيته بني آدم كما كرمهم، وخص بمعرفة توحيده المؤمنين، وخص بمعرفة المزيد خواص المؤمنين.\nوفي هذه المعرفة يتفاوت الناس، فمن كان معه معرفتان كان كافرًا، ومن كان معه ثلاث فهو مسلم، فإذا كان أربع كان مؤمنًا، فإذا كانت معه خمس كان مؤمنًا عالمًا، ثم يفاوتون في معرفة المزيد على قدر أحوالهم، وصدق الهمم، واتباع العلم، وقوة اليقين، وصفاء الإخلاص، وصحة المعتقد، ولزوم السنة.\nفالعقل والعلم والنظر والاستدلال، والافتكار والاعتبار، يكشف عن معرفة المزيد التي يتفاوت فيها العبيد، فمن جعل حكم معرفة في أخرى فقد غلط غاية الغلط، وأوبقه الجهل، ورماه في بحر الحيرة ونقض الآثار، إذ قد ورد في بعضها أنه عرف بنفسه، وفي بعضها بالعلم، وفي بعضها بالعقل، وغير ذلك.\nفدل على أن كل معرفة لها حكم ومصدر، ومقام وحال، فللكل معرفة الوحدانية والربوبية، وليس للكل معرفة التوحيد.\nوإذا عمت معرفة التوحيد المسلمين، فليس لكل المسلمين معرفة","vol":"8","page":514},{"text":"المزيد، وإذا زعم الخصم أن المعارف المتقدمة وجبت - أي حصلت - بالنظر والاستدلال - فذلك مكابر معاند.\nفإن احتج بقوله تعالى عن الخليل: ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكبا﴾، إلى قوله: ﴿إني بريء مما تشركون﴾، فتلك حجة على الخصم لا له، لأنه لو عرف بالنظر والاستدلال لما صح له أن يقال: إني بريء مما تشركون، ولم يحكم النظر والاستدلال، ولا يقول: إني بريء مما تشركون، وإني وجهت وجهي، إلا عارف بربه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية</span>\nوما كان ذلك من الخليل إلا بالرشد السابق الذي خبرت الربوبية عنه، بقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل﴾، وإنما أراد بذلك القول الإنكار على قومه والتوبيخ لهم، إذ كانوا يعبدون الشمس والقمر والنجم من دون الله، فقال ما قال على طريق الإنكار ليعلمهم أن ما جاز عليه الأفول والتغيير من حال إلى حال، لم يكن بإله يعبد ولا رب يوحد.\nوإنما الإله الذي خلقكم، ولمعرفته فطركم:\nهو الذي أخبر عنه بقوله: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض﴾، وإن كان مخرج الآية مخرج الخبر، فإنما المراد به الاستفهام) .","vol":"8","page":515},{"text":"قلت: وذكر ابن عبد أشياء، وإن كان في بعض ما ذكره آثار لا تثبت، وكلام مستدرك، فالمقصود بيان ما ذكره من أن المعرفة فطرية.\nإلى أن قال: وإنما كان الخليل بقوله منبها لقومه، ومذكرًا لهم الميثاق الأول، ردًا لهم إلى ضرورتهم، ليصلوا إلى ما انعجم عليها بما هو ضرورتهم وكوشفوا به، وإن كان ذلك من الخليل في طفوليته كم حكي، فأين محل النظر والاستدلال؟ وإن كان في حال رجوليته فمتى التبس هذا الحكم على بعض المؤمنين في زماننا وغيره، حتى يلتبس على الخليل، الذي اصطفاه الله بالخلة من بين العالمين؟! نعوذ بالله من الحيرة في الدين.\nلا جرم وقال تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾، ولو أن الله عرف بالعقل لكان معقولًا بعقل، وهو الذي لا يدركه عقل، ولا يحيط به إحاطة، وإنما أمرنا بالنظر والتفكير فيما عرف بالتقدير، لا إلى من: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فعرفنا أن لكل أثرًا مؤثرًا، ولك بناء بان، ولكل كتابه كاتب من ضرورتنا إلى ذلك، كما عرفنا اضطرارًا أن السماء فوقنا والأرض تحتنا، ومعرفة وجودنا، وغير ذلك، إذ يستحيل أن يحدث الشيء نفسه، لعلمنا بأنه في وجوده وكماله يعجز، كيف في عدمه وعجزه؟!) .","vol":"8","page":516},{"text":"قال: (والفصل الرابع: وهي معرفة المزيد بالعقل والعلم والاستدلال، وخالص الأعمال مدلول عليها، وإن كان الأصل فضل الله المحض.\nقال الله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾، وقد روى: معرفة، ﴿وزدناهم هدى﴾، ﴿ولدينا مزيد﴾، ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾، فوعد بالزيادات وأخبر عنها، فكلما نصحوا فيما عرفوا، كوشفوا بما غاب عنهم في المقام الثاني من المقام الأول.\nوفي الحديث: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» وكان عمر بن عبد العزيز يقول: (جهلنا بما علمنا تركنا العمل بما علمنا، ولو علمنا بما علمنا لفتح الله على قلوبنا غلق ما لا تهتدي إليه آمالنا.\nوقد قال النبي ﷺ: «من أراد عزًا بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وعلمًا بلا تعلم، فليخرج من ذل معصية الله، إلى عز طاعة الله، فإنه واجد ذلك كله» .\nوقد روي: «إذا زهد العبد في الدنيا، وكل الله سبحانه بقلبه ملكًا","vol":"8","page":517},{"text":"يغرس فيه آثار الحكمة، كما يغرس أكار أحدكم الفسيل في بستانه» .\nوقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول - ويكتب بذلك إلى عماله-: (احفظوا عن المطيعين لله ما يقولون، فإنه يتجلى لهم أمور صادقة) فكلما استعمل العبد عقله، وعمل بعلمه، وأخلص في عمله، وصفا ضميره، وجال بفهمه في بصيرة العقل، وذكاء النفس، وفطنة الروح وذهن القلب، وقوى يقينه، ونفى شكه، وضبط حواسه بالآداب النبوية، وقام على خواطره بالمراقبة، وتحرى ترك الكذب في الأقوال والأفعال، وصار الصدق وطنه، وذهب عنه الرياء والعجب، وأظهر الفقر والفاقه إلى معبوده، وتبرأ من حوله وقوته، ولزم الخدمة، وقام بحرمة الأدب، وحفط الحدود والاتباع، وهرب من الابتداع، زيد في معرفته، وقويت بصيرته، وكوشف بما غاب عن الأعيان، وصار من أهل الزيادة بحقيقة مادة الشكر الموجبة للمزيد، وهذه المعرفة لا يجب أن تكون ضرورة، ولا أيضًا معرفة التوحيد، إذ لو كانت ضرورة لعمت وبطل الثواب، فلم يجبر سبحانه على معرفة توحيد، وعلى معرفة المزيد، إذ لو كان كذلك لأغنى عن بعث الرسل، وإنزال الكتب،","vol":"8","page":518},{"text":"وإقامة الحجج، وإنما هو الجبار الذي جبر القلوب على فطرتها، وأقامها مع مقدرتها، لم يكلفها فوق الطاقة، ولا شططًا، فجبر على معرفة ربوبيته ووحدانيته، ولم يجبر على ما سوى ذلك من المعارف كما زعمت المجبرة، فمن أهل الكلام من يزعم أن المعارف كلها اضطرار، وذلك غلط.\nوهو قول جمهور شيوخ الاعتزال والمجبرة وبعض المتشيعة، ومنهم من يزعم أن جميعها اكتساب، وذلك أيضًا غير صواب، وبه يقول القدرية وبقايا الاعتزال وغيرهم، وأصحاب الحديث وأهل الظاهر، فيقولون بالاضطرار والاكتساب.\nوالأمر هو ما ذكرنا، والصواب ما شرحنا، لأن كل مقالة خالفت ما رتبنا فمنقوضة مضطربة، نصرح بإبطالها، ونومي إلى تناقض الأحاديث، فمعارف الاضطرار لا تفاوت فيها، ومعارف الاكتساب يقع فيها التفاوت، ويتفاضل الناس فيها على قدر ما ذكرنا.\nفلما ثبت أنه القديم الأزلي وحده، وما سواه محدث، وكان القاهر لهم على الاتحاد والفناء، كانت المعرفة لهم من هذا الوجه اضطرارًا وجبلًا، وكذلك لما اضطرهم في الذر، وخاطبهم كفاحًا في غير زمان التكليف، لم يجز أن يكون ذلك بكسب، فلما أرسل رسله، وأنزل كتبه، وتعرف على ألسنة السفراء، لم يصح أن يكون ذلك جبرًا ولا ضرورة فيسقط","vol":"8","page":519},{"text":"التكليف، ولا يكون ذلك موقع الحكمة، ولا ثبوت حجة: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾، وهو الفعال لما يريد، ذو الحكمة البالغة، والعدل الشامل، والفضل الذي يختص به، فعرفناه من حيث وحدانيته وربوبيته، من حيث يعرف، ومن حيث توحيده، ومن حيث وصف ووقف، ومن حيث المزيد، من حيث استعمل ووفق، واختص وتفضل، فلكل معرفة مقام، ولكل مقام حكم، فعم بالأول، وأفراد بالثاني، واختص بالثالث من مقامات المعارف، فمعارف البلغاء بالإصابة، ومعرفة النظر والاستدلال لأهل الرأي والمكايلة والكلام، ومعرفة الفقه للعلماء، والحديث للرواة، والفراسة للحكماء، والمزيد للأنبياء والأولياء، مع مشاركتهم للغير في المعارف، لا يشاركهم غيرهم فيما خصوا به وكوشفوا، فلما استوى الكل في كونهم أحداثًا مربوبين، استووا في تلك المعرفة، ولما وقعت الميزة بالكسب والاختصاص، تباينوا وتفاوتوا في المعارف، وما يعقل ذلك إلا عارف، ولا ينكره إلا جاهل، فوصل الكل إلى معرفة الربوبية، ولم ينته أحد إلى معرفة المزيد، وهو أن يعرف الله حق معرفته.\nقال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ .\nوقد روي: ما عرفوه حق معرفته.\nوقال ﷺ: «لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور، ولزالت بدعائكم الجبال، ولو خفتم الله حق خوفه لعلمتم العلم","vol":"8","page":520},{"text":"الذي ليس بعده جهل، وما وصل أحد إلى ذلك.\nقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، الله أجل أن يبلغ أحد كنه أمره كله» .\nهذا وهو أعرف الخلق بربه، الذي تصير معارف ذوي المعارف عند معرفته نكرة.\nوقد كان يقول في مناجاته: «اللهم عرفني نفسك حتى أزداد لك رغبة، ومنك رهبة» .\nوهذا طلب الزيادة في المعرفة، كما أدبه: ﴿وقل رب زدني علما﴾ .\nوقد كان الشبلي يقول: (ما عرف الله أحد حقيقةً) يعني لو عرفوه حقيقةً ما اشتغلوا بسواه.\nوكان الواسطي يقول: (كما به كانوا، كذلك به عرفوا) .\nوقال أبو الحسن المروزي في قصيدته:\nبه عرفوه فاهتدوا لرشادهم ... ولولا الهدى منه عموا وتحيروا\nوقال النبي ﷺ في كلامه: «والله لول الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا» الحديث) .","vol":"8","page":521},{"text":"قال: (فليس شيء إلا وهو يعرف الله سبحانه، ولو كان الحكم واحدًا والمعرفة واحدة لاستووا.\nوعدم الاستواء ووجود التفاوت يشهد بصحة ما قلنا، مع تصحيح الآثار، ومذاقات ألفاظ الرجال، فهو أجل أن يجهل، وأعز أن تنتهي فيه معارف ذوي المعارف، أو تبلغه بصائر ذوي البصائر: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ .\nومعرفة الرب بربوبيته، إذ ربوبيته ظاهرة، لا يدعها جاحد، ولا يقدر أن ينكرها معاند، إذ هو أجل أن يخفى، وأعز أن يقاس، وأعظم أن تشرف عليه العقول، أو يتناوله معقول، ليس في حيز المجهولات فيستدل عليه، ولا مضبوط بالحواس فتصل الأفهام إليه، فعرفناه بما تعرف، ووصفناه بما وصف، إذ به عرفت المعارف، ووجدت الدلائل، فعرفنا نفسه، وعرفنا رسله، بما أظهر على أيديها من المعجزات، والبراهين والآيات، وتعرف إلينا على ألسنتهم كيف نوحده ونشكره ونعبده، إذ لا وصول لنا إلى مراده منا إلا بما أرسل وعلم، لتكون المملكة معذوقة بمالكها، ونوحده بما وحد به نفسه، ونثني عليه","vol":"8","page":522},{"text":"بثنائه، ونشكره كما علمنا على آلائه، إذ هو الغني عن كل شيء، وكل شيء إليه فقير.\nقال الله: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾، فلفقرنا لم نعرفه بنا، ولغنائه عنا عرفناه به، وجعل لنا الزيادة في الكسب، والتوصل بالأسباب، ومنه البداية، وإليه المنتهى، فكل من ألزمنا بسبب، عكسنا عليه ذلك السبب، وتسلسل الأمر، وإلى الله ترجع الأمور: ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾، فلا مجهول فيستدل عليه، ولا متوقع فيرتقب، فللرسل تأثير في العبادات، وللاستدلال تأثير في المكونات، وللعقول تأثير في المدبرات، وللرياضات تأثير في المكتسبات.\nوقد أخبر سبحانه في كتابه فقال: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وقد روي: ليعرفون.\nفلأجل ذلك وقعت المعرفة من الجميع ولم تقع العبادة، فأراد ليعرفوه ثم يعبدوه على بساط المعرفة، فما جبرهم عليه من معرفة ربوبيته وقع، وما ردهم فيه إلى الاكتساب وقع من بعض دون بعض، ألا ترى أنه لم يقع من الكفار التعجب والإنكار من أنه سبحانه رب وإله؟ وإنما تعجبت وأنكرت التوحيد بالإلهية، فقالوا: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾، فما أريد منهم أن يقع بهم علل، وما ألزمهم من معرفة ربوبيته لم يكن لهم سبيل إلى إنكاره وجحده كغيره من المعارف) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية</span>\nقال: (فأصحاب المقالات وضعت كل معرفة غير موضعها،","vol":"8","page":523},{"text":"وأجملت وجهلت الحكم، فالتبس عليها الحكم، واختلفوا بما يصاب؟: بالعقول، أو الاستدلال أو بالإمام؟ فقال بعضهم: أصل المعرفة معرفة الإمام.\nومنهم من يقول: أهل البيت، يعني معرفتهم.\nوالأئمة والعلماء والفقهاء أكثرهم يذهب إلى أن المعرفة معرفة العلم والفقه، من حلال وحرام، وفرائض ومندوبات، وأحكام وسنن.\nوقال بعضهم: هي أن تعرف الله على يقين حتى تستقر معرفته في قلبك.\nواختلفوا: أي وقت تقع؟ فمنهم من يزعم: قبل البحث والنظر.\nومنهم من قال: بعد البحث والنظر.\nوقوم يقولون: بعد البلوغ.\nومنهم من بجعل حدها معرفة الأجسام والأعراض والجواهر، وكلام يكثر ذكره، ويتبين لك في نفس الكلام - إذا لزمت ما قررنا وشرحنا - أن أهل الكلام اعتقدوا ما يليق بالطبع فأثبتوا من طريق العبودية، فجعلوا معرفته بأسباب، وأهل الحق اعتقدوا ما يليق بالربوبية فأثبتوه من حيث الربوبية، والربوبية لا تدنسها العلل، ولا يقع عليها غوامض الفطر، فقرر الله الخلق ودعاهم إلى معرفته كفاحًا، لئلا يشركوا في العلم بمعرفته ولا تكون لهم حجة.\nقال سبحانه: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل﴾ وذلك لموضع ما ألزمهم من الضرورة، ولو قررهم بمعرفته في حال العبودية - كما","vol":"8","page":524},{"text":"زعم الجاهلون - لخرجوا عن كونهم مكلفين لموضع النظر إليه، لكن تعرف إليهم من بعد ما ألزمهم من الضرورة بالوسائط والآيات فمن نصح معبوده، وقام على مراعاة ما شرعه له، وتعرف به إليه، واتكل في المعرفة عليه، وأسند جميع أموره إليه، ذكره ما سلف من الحال، وكشف له عن العواقب والمآل، فزهد فيما يفنى، وزادت رغبته فيما يبقى، وصار للإله موحدًا خائفًا، ومصدقًا راجيًا، ومن قصر في رعايته، وخلط في سعايته، وسلك محجة التفريط، ولم ينصح فيما أعطى من ضرورته وعقله، جمت عيوبه، وكثرت ذنوبه، فملكه هواه، فأعماه وأراده، ولم يبلغ مناه، فأنساه ذلك ما كان في وقت التعريف، فحصل في جملة من خان وعاند، ولم يكن بخارج من كون ماكان يجهله، إذ قد ثبت العلم بذلك فلم يكن بخارج من النار، ولم يكن بخارج من ضرورته) .\nقال: (وقد ثبت أهل الكلام معارف ضرورية، كمعرفة الإنسان بوجود نفسه، فالربوبية أولى بذلك.\nوكذلك الأعراض والأجسام والجواهر لأهل الكلام، والجمع والتفرقة، وما يعرف بالفكر ويشترط بالعلم، ومعرفة الشرع للفقهاء، والمعرفة التي هي","vol":"8","page":525},{"text":"الحجة والبرهان، والنور والبيان، للعلماء البلغاء الحكماء، ومعرفة الصفات - وهي العلم به - فهي للأولياء الذين يشاهدونه بالقلوب، ويكاشفهم بالغيوب، إذ يظهر لهم ما لا يظهر لغيرهم، وهم المكاشفون بنور اليقين، وعلم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين المخصوصون بالحقائق، والمبتدأون بالمكنون من ذخائر كراماته، لأهل صفوته وولايته، فلكل قوم مقام ولكل مقام علم، ولكل علم حكم.\nوكذلك المعارف على أحكام ومقامات، فلا يتعدى بمعرفة مقامها) .\nقال: (وقد قيل لأبي الحسين النوري: كيف لا تدركه العقول؟ فقال: كيف يدرك ذو مدى من لا مدى له؟ أم كيف يدرك ذو غاية من لا غاية له؟ أم كيف يدرك مكيف من كيف الكيف.\nوقال الواسطي: كما قامت الأشياء وبه فنيت كذلك به عرفوه.\nوقال الشبلي: الحق لا يعرف بسواه.\nوقال النباجي: طوبى لأهل المعرفة، عرفهم نفسه قبل أن عرفوه) .\nقال: (صدق أئمة الدين، وشيوخ المسلمين فالله سبحانه هو المعروف الأزلي، وهو الهادي إلى معرفته، والمتعرف بنفسه إلى بريته، إذ ضلت العقول والفهوم، والعلوم والأوهام، في تيه التيه أن تتوهمه، والأفكار والأضمار ان تدركه، لأنه العظيم الذي فاتت عظمته لكل","vol":"8","page":526},{"text":"حيث وتقدير، وعجز عن توهمه كل فكر وضمير، وردعت العقول، فلم تجد مساغًا فرجعت كليلة، ورجع الوهم خاسئًا وهو حسير) .\nإلى أن قال: (بل هو المعروف بما تعرف، والموصوف كما وصف، فتعرف إلينا بربوبيته، ووصف لنا توحيده ووحدانيته، وأقسم على ذلك بقوله تعالى: ﴿والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلهكم لواحد﴾، وهو الصادق في خبره وشهادته، إذ هو الواحد في الحقيقة، الذي لا شريك له في الألوهية والابتداع، وتعرف إلينا بهذه المعرفة على ألسنة السفراء، فأوقفتنا السفراء على توحيده، الذي تعرف إلينا به في كلامه وخطاه، فالأصل منه ثم السفراء.\n﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم﴾، وأسعدنا بالعقل الذي هو الحجة، والعلم الذي هو الحجة، وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، وطالبنا بالاعتبار والافتكار والقبول، ليكون أقوى في البرهان، وأبلغ في البيان.\nقال سبحانه: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون﴾، فنزه نفسه عما زعموا وابتدعوا، وصدق الله في خبره وصدقت الرسل) .","vol":"8","page":527},{"text":"وتكلم على هذه الآية، وعلى قوله: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾، بما يناسب ذلك، إلى أن قال: (قال سبحانه: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء﴾ .\nوقال سبحانه: ﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل﴾ .\nوقال: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا﴾، مثلا لمن عبد غيره، إذ ضرب العبد مثلًا لمن عبد من دونه، لأنه ذليل عاجز مفتقر مدبر مملوك، لا يقدر على شيء: لا نفعا ولا ضرًا، ولا خلقًا ولا أمرًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.\nومن رزقناه: جعله مثلا يستدل به على توحيده وكمال ربوبيته، لأنه الواسع الجواد القادر الرازق للعباد سرًا وجهرًا، فضرب الله سبحانه لهم الأمثال ليوبخهم ويريهم عجزهم فيما أضافوا إليه من الشركاء، مع إقرارهم بمعرفة ربوبيته تعالى الله عما يشركون، فعز من لمن يشارك في قدرته، وجل من لم يرام في وحدانيته، وتعظم من تفرد بالربوبية، فجل أن يكون له شريك في خلقه) .\nإلى أن قال: (فخلقهم على الفطرة، وبعث إليهم السفراء، وعلمهم العلم، وركب فيهم العقل بالفكر.\nفبالفطرة عرفوه، وبالواسائل عبدوه، فلولا الله سبحانه ما عرفناه من طريق ربوبيته، ولولا إرسال الرسول مع ما","vol":"8","page":528},{"text":"خاطبنا به، ووقفنا عليه، ووفقنا له، ومن علينا به، وكتب في قلوبنا، واختصنا - ما عرفنا توحيده، ولا كيف نطيعه.\nولولا ما ظهرت من الآيات والمعجزات، التي أظهرها على أيدي الرسل، بحقائق معانيها التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، لم نعرف رسله.\nولولا زوائد الأعمال، وتصحيح الأحوال، والعلوم والفهوم والمعارف، وأسرار مقامات القوم، وحلاوة أذواقهم، والروائح الواردة إلينا منهم وعنهم - ما عرفنا ذوي المزيد.\nوكل ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون.\nفلو شكر الكافر ما اضطره إليه من معرفة باريه بربوبيته، واعترف له بنعمه، وإخراجه من العدم إلى الوجود، ورأى الأفضال والنعم التي قد عم بها، وكمال صورته، وإدرار رزقه عليه - لأوصله شكره بمعرفة توحيده، فصدق رسوله، وحقق ما سلف من عهده، ورجع إلى ضرورته، واعترف بوحدانيته، فأبطل ما سواه، ولم ير إلهًا إلا إياه، ولكن لما جهل النعمة.\nوزاغ عن العهد، ونكث في إقراره، وكذب السفراء - حرمه أكبر المنن، وأفضل النعم: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، فتركه مع هواه، فكان هلاكه في مناه، وإذا شكر المؤمن معرفة التوحيد التي من بها عليه، وشكرها قبول ماجاء به الرسول: قول، وعمل، وإخلاص نية، وإصابة سنة، ولزوم","vol":"8","page":529},{"text":"قدوة، وحبس عن المخالفة أو صلة بمعرفة مزيدة، فكلما نصح في مزيد، رفع إلى مزيد.\nقال سبحانه: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ .\nقلت: ويستدل على ما ذكره أبومحمد بن عبد وغيره من أن المعرفة الأولية الفطرية تحصل بلا دليل أن ما يعلم بالدليل إنما يعلم إذا علم أن الدليل مسلتزم له ليكون دليلًا عليه.\nوهذه هي الآية والعلامة.\nوكذلك الاسم إنما يدل على المسمى إذا عرف أنه اسم له، وذلك مشروط بتصور المدلول عليه اللازم، وبأن هذا ملزوم له.\nولهذا قيل: إن المقصود بالكلام ليس هو تعريف المعاني المفردة، لأن المعنى المفرد لا يفهم من اللفظ حتى يعرف أن اللفظ دال عليه، فلا بد أن يعرف أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، حتى تعرف دلالته عليه، فتكون المعرفة بالمعنى سابقة للمعرفة بدلالة اللفظ عليه، بخلاف المعنى المركب، فإنه إنما يحتاج إلى العلم بجنس المركب لا بالتركيب المعين، فنعرف أنه إذا قيل: قام فلان، أنه فعل القيام القائم به.\nفإذا قيل: زيد، عرف أنه فعل القيام القائم به، بخلاف مسمى زيد، وأنه لا يعرف","vol":"8","page":530},{"text":"أن زيدًا يدل على مسماه، حتى يعرف أولًا مسمى زيد، فلو استفيد مسمى زيد من زيد لزم الدور.\nوهذا موجود في كل ما دل على معنى مفرد.\nفما دل على الباري إنما تعرف دلالته عليه إذ عرف أنه مستلزم له، وذلك مشروط بمعرفة اللازم المدلول عليه، فلا يعرف أن هذا دليل على هذا المعين حتى يعرف المعنى والدليل، وأن الدليل مستلزم للمعين المدلول عليه، فلو استفيد معرفة المعين من الدليل لزم الدور، بل يكون ذلك المعين متصور قبل هذا، وتلك الأمور مستلزمة له، وآيات عليه، فكلما تصورت تصور المدلول عليه، فيكون كما قال: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾، تبصرة: إذا قدر أنه مس طيف من الشيطان فشككه فيما عرفه أولًا، فإذا رآى آياته المستلزمة لوجوده، كان ذلك تبصرة من ذلك اللطيف.\nكما قال تعالى: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾، وتكون تذكرة إذا حصل نسيان وغفلة تذكرة بالله، فهي تبصرة لما قد يعرض من الجهل، وتذكرة لما قد يحصل من غفلة، وإن كان أصل المعرفة فطريًا حصل في النفس بلا واسطة البتة.","vol":"8","page":531},{"text":"وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الأدلة نوعان: أقيسة، وآيات.\nفأما الأقيسة فلا تدل إلا على معنى كلي، لا تدل على معنى معين.\nفإذا قيل: هذا محدث.\nوكل محدث فله محدث قديم.\nأو: كل ممكن فلا بد له من واجب، فإنما يدل على قديم واجب الوجود بنفسه، لا يدل على عينه، بل نفس تصور هذا لا يمنع من وقوع الشركة فيه.\nفإذا قدر أنه عرف أنه واحد لا يقبل الشركة، فإنه لم تعرف عينه، فلا بد أن تعرف علينه بغير هذه الطريق، والايات تدل على عينه، لكن كون الآية دليلًا على عينه مشروطة بمعرفة عينه قبل، إذ لو لم تعرف عينه لم يعرف أن هذه الآية مستلزمة لها.\nفعلم أنه في الفطرة معرفة بالخالق نفسه، بحيث يميز بينه وبين ما سواه، كما ذكره أبو محمد بن عبد وغيره، ولهذا كل من تطلب معرفته بالدليل، فلا بد أن يكون مشعورًا به قبل هذا، حتى يطلب الدليل عليه أو على بعض أحواله.\nوأما ما لا تشعر به النفس بوجه فلا يكون مطلوبًا لها.\nوإذا كان مطلوبًا لها فلا يمكن أن يستدل عليه بشيء، حتى يعلم أنه يلزم من تحقق","vol":"8","page":532},{"text":"الدليل تحققه.\nوقد بسط هذا في موضع آخر، وبين فيه أن التصور البسيط المفرد لا يجوز أن يكون مطلوبًا بالحد، وإنما يطلب بالحد ما يكون مشعورًا به من بعض الوجوه، فيطلب الشعور به من وجه آخر.\nولهذا لم يكن مجرد الحد معرفًا بالمحدود، إن لم يعرف أن الحد مطابق له، وهو لا يعرف ذلك إن لم يعرف المحدود، وإلا فمجرد الدعوى لا تفيد.\nوكذلك الدليل القياسي.\nإذا قيل: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، فإن لم يعرف المقدمتين لم يعرف النتيجة.\nوإذا كان آية على شيء معين.\nمثل كون الكوكب الفلاني، كالجدي مثلًا، علامة على جهة الكعبة، فلا بد أن يكون قد عرف الجدي وعرف أنه من جهة الشمال، وعرف أن الجهة المعينة جهة الكعبة في الجنوب، فإذا رآى الجدي علم أن جهة الكعبة تقابله.\nولولا تقدم معرفته بالدليل وهو الجدي، والمدلول عليه وهو جهة الكعبة، لم يمكنه الاستدلال.\nلكنه عرف أولًا الدليل والمدلول عليه، ثم خفى عليه المدلول، وهوجهة الكعبة في بعض الأوقات والمواضع، فلما رآى الدليل عرف المدلول الذي كان قد جهله بعد علمه به، كمن سمع مناديًا ينادي باسم من يطلبه كابنه وأخيه، وقد أضل مكانه، فإذا سمع الاسم استدل به عل المسمى الذي كان يعرفه قبل هذا، ولكنه قد حصل له به نوع من الجهل بعد ذلك.\nفالآيات الدالة على الرب تعالى: آياته القولية التي تكلم بها كالقرآن،","vol":"8","page":533},{"text":"وآياته الفعلية التي خلقها في الأنفس والآفاق، تدل عليه وتحصل بها التبصرة والذكرى، وإن كان الرب تعالى قد عرفته الفطرة قبل هذا، ثم حصل له نوع من الجهل أو الشك أو النسيان ونحو ذلك.\nومما ينبغي أن يعرف أن علم الإنسان بالشيء وتصوره له شيء، وعلمه بأنه عالم به شيء، وعلمه بأن علمه حصل بالطريق المعين شيء ثالث.\nوكذلك إرادته وحبه شيء، وعلمه بأنه مريد محب له شيء، وكون الإرادة والمحبة حصلت بالطريق المعين شيء ثالث.\nفالمتوضىء والمصلي والصائم يحصل في قلبه نية ضرورية للفعل الاختياري، ولا يمكنه دفع ذلك عن نفسه، وإن لم يتكلم بالنية، ثم قد يظن أن النية إنما حصلت بتكلمه بها، وهو غالط في ذلك.\nوكذلك قد يحصل له علم ضروري بمخبر الأخبار المتواترة، ثم ينظر في دلالة الخبر، فيظن أن العلم الحاصل له لم يحصل إلا بالنظر، وهو قد كان قبل النظر عالمًا.\nوقد يقال: إن النظر وكد ذلك العلم أو أحضره في النفس بعد ذهول النفس عنه، وهذا مما يبين لك أن كثيرًا من النظار يظنون أنهم لم يعرفوا الله بالطريق المعين من النظر الذي سلكوه، وقد يكون صحيحًا، وقد يكون فاسدًا.\nفإن كان فاسدًا فهو لا يوجب العلم، وهم يظنون أن العلم إنما حصل به، وهم غالطون.","vol":"8","page":534},{"text":"بل العلم قد حصل بدونه، وإن كان صحيحًا، فقد يكون مؤكدًا للعلم ومحضرًا له، ومبينًا له، وإن كان العلم حاصلًا بدونه.\nهذه الأمور من تصورها حق التصور تبين له حقيقة الأمر في أصول العلم، وعلم أن من ظن أن الأمر الذي يعرفه عامة الخلق، وهو أجل المعارف عندهم، من حصره في طريق معين لا يعرفه إلا بعضهم كان جاهلًا، لو كان ذلك الطريق صحيحًا، فكيف إذا كان فاسدًا!؟.\nومما يوضح الكلام في هذا الذكر المشروع لله هو كلام تام، كما قال النبي ﷺ: «أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» .\nفأما مجرد ذكر الاسم المفرد، وهو قول القائل: (الله، الله) فلم تأت به الشريعة، وليس هو كلامًا مفيدًا، إذا الكلام المفيد أن يخبر عنه بإثبات شيء أو نفيه.\nوأما التصور المفرد فلا فائدة فيه، وإن كان ثابتًا بأصل الفطرة، وإن كان المعلوم بالفطرة ما تدخل فيه أمور ثبوتية وسلبية.","vol":"8","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>كلام ابن أبي موسى في شرح الإرشاد</span>\nوالقائلون بأن المعرفة تحصل بغير العقل يفسرون كلامهم بمعنى صحيح، مثل ما ذكره الشريف أبو علي بن أبي موسى في شرح الإرشاد في الفقه تصنيفه، لما شرح عقيدته المختصرة التي ذكرها في أول الإرشاد.\nقال لما ذكر التوحيد: (الكلام بعد ذلك: المعرفة هل تدرك بالعقول أم بالسمع؟) قال: (فالذي نذهب إليه قول إمامنا: إن معرفة الخالق أنه الله لا تدرك إلا بالسمع) قال: (وقد اختلف أصحابنا في ذلك على طريقين.\nفقال الأقلون منهم: إن المعرفة تدرك بالعقول، مع اتفاقهم معنا أنها لا تدرك بمجرد العقل قبل ورود السمع بها) .\nقال: (والدليل على أنه تدرك بالسمع، وأنه لا مدخل للعقول فيها قبل ورود السمع بها: ان العقل مخلوق كالحواس الخمس من البصر والسمع والشم واللمس والمذاق.\nثم المقسوم منه يتفاضل الخلق فيه.\nيعلم ذلك كل أحد ضرورة، فإذا كان كذلك فاللمس لا يدرك له اللامس الأراييح، والشم لا يدرك به الشام الأصوات) .\nقال: (وجملة هذا أن الله لم يجعل اللمس سبيلًا إلى إدراك الأراييح، ولا الشم سبيلًا إلى إدراك المسموعات، بل جعل كل واحد منهما سبيلًا لإدراك ما خص به، وإن كنا نجوز أن يفعل ذلك ويجعل العلم في اليد، والكلام في الرجل، والنظر في اللسان، لأن الجواهر من جنس","vol":"9","page":3},{"text":"واحد.\nوإذا جاز قيام الرؤية ببعضها جاز بجميعها، ولكن ذلك لا يكون في الدنيا إلا لنبي ليكون من معجزاته.\nودليل تصوره كلام الذراع للنبي ﷺ.\nوفي الآخرة إذا أنطق الله ﷿ الجوارح بقوله: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾، ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾، وبقوله: ﴿ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ .\nقال: (فيجوز أن يجعل الله الظن يوم القيامة في الوجوه المعذبة.\nكذلك العقل لم يجعل الله له سبيلًا إلى إدراك السواد والبياض، ولا إلى إدراك المشام والطعوم، بل جعل الله له سبيلًا إلى التمييز بين الموجودات، وإلى إدراك فهم السمعيات، والفرق بين الحسن منها والقبيح، والباطل","vol":"9","page":4},{"text":"منها والصحيح، فإذا نظر إلى المصنوعات التي لا سبيل للخلق إلى مثلها، ويعجز كل فاعل عنها، وتحقق بصحة التمييز المركب فيه - إذا أراد الله هدايته - أن المحدثات لا تصنع نفسها، علم أنها مفتقرة إلى صانع، غير أنه لا يعرف من هو قبل ورود السمع، فإذا ورد السمع بأن الصانع هو الله قبله العقل، ووقع له فهم في السمع، وتحقق صحة الخبر، وعرف الله من ناحية السمع، لا من ناحية العقل، لأن العقل بمجرده لا يعلم من الصانع قط، وأكثر ما في بابه أن يقع به التمييز، فيبقى أن يفعل الجماد نفسه، ويقتضي بالشاهد على الغائب، فأما أن يعرف من الصانع فمحال إلا من جهة السمع) .\nقال: (والدليل على صحة اعتبارنا أن الله خاطب العقلاء بالاعتبار، فقال ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ يعني البصائر.\nوقال: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ أي عقل.\nوقال: ﴿ليتذكر أولو الألباب﴾، فأمرهم باعتبار ما جعل لهم سبيلًا إلى اعتباره دون غيره.\nثم الدليل القاهر هو القاضي بصحة ما ذكرت: أن الله ﷿ حجب عن الخلق - من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وسائر الخلق أجمعين - معرفة ما هو، ولم يجعل لهم طريقًا إلى علم مائيته، ولا سبيل إلى إدراك كيفيته، جل أن يدرك أو يحاط به علمًا، وتعالى علوًا كبيرًا: ﴿ولا يحيطون به علما﴾، فمنع من أحاطة العلم به، فلا سبيل لأحد إليه.","vol":"9","page":5},{"text":"وقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فنفى عن نفسه الأشبهاه والأمثال، فمنع من الاستدلال عيه بالمثلية، كما منع الدليل على إدراك كيفيته أو علم ماهيته.\nفهذا الذي لا سبيل للعقل إلى معرفته، ولا طريق له إلى علمه.\nثم كلف جل إسمه سائر بريته، وأفترض على جميع المكلفين من خليقته علم من هو، ليعرف الخلق معبودهم، ويعلموا أمر إلههم وخالقهم، فلما كلفهم ذلك نصب لهم الدليل عليه سمعًا، ليتوصلوا به إلى أداء ما افترض عليهم من عبادته، وعلم ما كلفهم من معرفته، علمًا منه جلت عظمته بأن لا طريق للعقل إلى علم ذلك بحال، فقال تعالى: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾، وقال: ﴿ذلكم الله ربكم﴾، وقال: ﴿الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾، وقال: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ .\nقال: (ولو سألهم قبل أن يسمعوا باسمه عن تأويل من خلقهم، ماكان لهم طريق إلى علم ذلك، لأن الأسماء لا تسمع من جهة العقل) .","vol":"9","page":6},{"text":"قال: فثبت وتقرر بالدليل الذي لا يحتمل إلا ما ذكرناه: أن الله العظيم لم يعرف إلا من جهة السمع، لإحاطة العلم أنه لا طريق للعقل بمجرده إلى معرفة هذه الأسماء، ولا إلى معرفة المسمى، لو لم يرد السمع بذلك.\nومدعي ذلك ومجوزه من ناحية العقل بعلم بطلان دعواه ضرورة) .\nوتكلم على قصة إبراهيم بكلام ليس هذا موضعه، إلى أن قال: (والمعرفة عندنا موهبة من الله، وتقع استدلالًا لا اضطرارًا، لأنه لو كانت تعلم بضرورة لاستوى فيها العقلاء) .\nإلى أن قال: (فثبت أن المعرفة لا تقع إلا من ناحية السمع، على ما نقول: إن الله لا يخلى خلقه في وقت من الأوقات، ولا في عصر من الأعصار ممن يعرفه إليهم، فتعرف إليهم على ألسنة رسله، وأرسل الرسل بالدعاء إليه، والدلاة عليه، لكيلا تسقط حجج الله.\nوكان كل نبي يعرف أمته معبودهم، كقول نوح لقومه: ﴿يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله﴾، وكقول شعيب: ﴿يا قوم اعبدوا الله﴾ .\nوكذلك في قصص غيرهم من الرسل، كل منهم يديم الدعوة لقومه، فإذا قبض كان حكم شريعته قائمًا في حال الفترة، إلى أن ينسخها الله بإرسال نبي آخر، فيقوم الثاني لأمته في التعريف والدعوة قيام الماضي لأمته، فما أخلى الله الخلق من سمع يعرفونه به، ويستدلون به على ربوبيته ومعرفة أسمائه) .","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-907>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: ففي هذا الكلام قد جعل العلم ثلاثة أنواع: أحدها: هو الذي يعرف بالعقل، والثاني: المعرفة التي لا تحصل إلا بالسمع.\nوالثالث: ما لا سبيل إلى معرفته لا بعقل ولا بسمع.\nفالأول: المعرفة المطلقة المجملة بأن هذه المحدثات التي يعجز عنها الخلق لا بد لها من صانع.\nولكن هذه المعرفة لا تفيد معرفة عينه ولا أسمائه، فإن المحدثات إنما تدل على فاعل ما مطلق من حيث الجملة.\nوكذلك سائر ما يذكر من البراهين القياسية، فإنما تدل على أمر مطلق كلي، إذ كان البرهان المنطقي العقلي لابد فيه من قضية كلية، والنتيجة موقوفة على جميع المقدمات، فإذا كان المدلول عليه لم تعرف عينه قبل الاستدلال، لم يدل هذا الدليل إلى على أمر مطلق كلي.\nوإيضاح ذلك أنه إذا استدل بحدوث المحدثات على أنه له محدثًا، وبإمكان الممكنات على أن هناك واجبا، فإنه لم يعرف إلا وجود محدث واجب بنفسه، وهذا معنى كلي مطلق لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه، فلا يكون في ذلك معرفة عينه، ولو وصف هذا بصفات مطلقة لم يخرجه ذلك عن أن يكون مطلقًا كليًا.\nثم إنه ضل من ضل من الجهمية نفاة الصفات، من المتفلسفة والمعتزلة والمتصوفة، حيث أثبتوا وجودًا واجبًا قديمًا، ثم وصفوه بصفات سلبية توجب امتناع تعينه، وأنه لا يكون إلا مطلقًا، وقد علم أن ما لا يكون مطلقًا كليًا، لا يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان، فيكون ما أثبتوه لا وجود له في الخارج.\nومن المعلوم الفرق بين كون الدليل لم يدل على عينه وبين نفي تعينه،","vol":"9","page":8},{"text":"فإن من سلك النظر الصحيح علم أنه موجود معين متميز، وإن كان دليله لم يدله على عينه، بخلاف من نفى تعينه وجعله مطلقًا كليًا، أو قال ما يستلزم ذلك، فإن هذا معطل له في الحقيقة.\nومثال هذا من علم بالدليل وجود نبي مرسل أرسله الله إلى خلقه ولم يعلم عينه، فهذا قد علمه علمًا مطلقًا.\nوأما من قال: إن هذا النبي إنما يوجد مطلقًا لا معينًا، فهذا قد نفى وجوده في الخارج.\nفإذا تبين أن القياس العقلي البرهاني لا يفيد إلا معرفة مطلقة كلية، فمعلوم أن أسماءه لا تعرف إلا بالسمع، فبالسمع عرفت أسماء الله وصفاته التي يوصف بها من الكلام.\nولولا السمع لما سمي ولا ذكر ولا حمد ولا مدح ولا نعت ولا وصف.\nفإن كان هذا هو الذي أراده بمعرفة عينه ومن هو، فلا ريب أنه لا يحصل إلا بالسمع، وإن أراد بذلك معرفة أخرى، مثل المعرفة بسائر نعوته التي أخبرت بها الرسل، فهذا أيضًا يعلم بالسمع، ومنها ما لا يعلم بمجرد القياس العقلي، ومنها ما قد تنازع الناس هل يعلم بالعقل أم لا؟\nوأما معرفة عين المسمى الموصوف الذي علم وجوده، فهذا في المخلوقات يعرف بالإحساس ظاهرًا أو باطنًا: إما بالإحساس بعينه، أو بالإحساس بخصائصه.\nفمن علم اسم شخص ونعوته، أو اسم أرض وحدودها، فإنه يعرف عينها بالرؤية: إما بمخبر يخبره أن هذا المعنى هو الموصوف المسمى، وإما بأن يرى اختصاص ذلك المعين بتلك الأسماء والصفات.\nقال تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ .\nفمن عرف نعوت النبي ﷺ التي نعت","vol":"9","page":9},{"text":"بها في الكتب المتقدمة، ثم رآه ورأى خصائصه، علم أن هذا هو ذاك، لعدم الاشتراك في تلك الصفات.\nوهذه المعرفة قد تكون بمشاهدة عينه كالذين شاهدوه، وقد لا تكون بمشاهدة عينه، بل بطرق أخرى يعلم بها أنه هو، كما يعلم أن القرآن تلقي عنه، وأنه هاجر من مكة إلى المدينة ومات بها، وأنه هو المذكور في الأذان، وهو الذي يسميه المسلمون محمدًا رسول الله، وهو صاحب هذه الشريعة التي عليها المسلمون.\nفهذه الأمور تعرف بها عينه من غير مشاهدة.\nوكذلك قد تعرف عين خلفائه وأصحابه وغيرهم من الناس، وتعرف أقوالهم وأفعالهم وغير ذلك من أحوالهم، معرفة معينة لااشتراك فيها مع عدم المعاينة.\nلكن قد شوهد آحاد الأناسي وعلم أن هؤلاء من هذا النوع، ولكن لم يشهد ما يشبه النبي ﷺ وخلفاءه من كل وجه، وإما شوهد ما يشبههم من بعض الوجوه.\nفهذا القدر المسمى يعلم بمشاهدة نظيره.\nوأما القدر الفارق، فلا بد أن يشارك غيره في وصف آخر، فيعلم ما بينهما من القدر المشترك أيضًا.\nفالأمور الغائبة لا يمكن معرفتها ولا التعريف بها إلا بما بينها وبين الأمور الشاهدة من المشابهة.\nلكن إذا عرف أنه لا شركة في ذلك، علم أنه واحد معين من علم بعض صفاته.\nوإن جوز فيه الشركة لم يعلم عين ذاك.","vol":"9","page":10},{"text":"ففي الجملة معرفة عين من علم بعض صفاته قد يحصل بالسماع، وقد يحصل بالعيان، وقد يحصل بالاستدلال.\nوالعلم بالموصوف قد يعلم بطرق متعددة، فمن علم نعت الملك ثم رآه فقد يعلم عينه لما استقر عنده من معرفة صفاته.\nوقد يعلم ذلك بمن يخبره أن ذلك المسمى الموصوف هو هذا المعين.\nولهذا إذا كان في كتاب الوقف ونحوه حدود عقار وصفاته، فقد تعلم الحدود بالمعاينة والاستدلال بأن لا يدل ما يطابق تلك النعوت إلا هي.\nوقد يعلم بالخبر والشهادة ما يشهد الشهود بأن الحد المسمى الموصوف هو هذا المعين.\nوإذا شهد الشهود على مسمى منسوب، وكتب بذلك حاكم إلى حاكم آخر، أو شهد شهود فرع على شهود أصل، فإنه يعلم عين المسمى المنسوب، كمن شهد بنسبة ولا يوجد له شريك، فإن وجد له شريك لم تعلم عينه بالشهادة باسمه ونسبه، وصار ذلك كالحلية والنعت المشترك، وهل يشهد بالتعيين بمجرد الحلية عند الحاجة؟ فيه نزاع بين الفقهاء.\nوكما أن معرفة عين الموصوف تحصل بطرق، فنفس العلم الأول بصفته المختصة يحصل بطرق.\nوالعلم بالمعينة قد يكون بالمشاهدة الظاهرة، وقد يكون بالمشاهدة الباطنة، وقد لا يكون إلا لمجرد الآثار.\nومما يبين الفرق بين المعين والمطبق، ما ذكره الفقهاء في باب الأعيان المشاهدة الموصوفة.\nفإن المبيع قد يكون معينًا وقد لا يكون، والمعين قد يكون مشاهدًا، فهذا يصح بيعه بالإجماع.\nوقد يكون غائبًا، وفيه ثلاثة أقوال مشهورة للعلماء، وهي ثلاث روايات عن أحمد: أحدها: أنه لا","vol":"9","page":11},{"text":"يصح بيعه، كظاهر مذهب الشافعي.\nوالثاني: يصح، وصف أو لم يوصف، كمذهب أبي حنيفة.\nوالثالث: وهو مذهب مالك والمشهور من مذهب أحمد: أنه يصح بالصفة، ولا يصح بدونها.\nولو تلف هذا المبيع قبل التمكن من قبضة بآفة سماوية، انفسخ البيع فيه باتفاق العلماء، ولم يكن للمشتري المطالبة ببدله، لأن حقه تعين في عين معينة.\nوأما المبيع المطلق في الذمة، فمثل دين السلم.\nفإنه أسلم في شيء موصوف مطلق ولم يعينه.\nوهو بمنزلة الثمن المطلق الذي لم يعين، وبمنزلة الديون التي ثبتت مطلقة، كالصداق وبدل القرض والأجرة ونحو ذلك.\nومثله في الواجبات الشرعية وجوب عين رقبة مطلقة ونحو ذلك.\nفهنا الواجب أمر مطلق لم يتعين، بل لمن هو عليه أن يأتي بأي عين من الأعيان إذا حصل به المقصود.\nولو أتى بمعين فتلف قبل التمكن من قبضه، كان للمستحق المطالبة بعين أخرى.\nوهكذا قال الفقهاء في الهدي المطلق، كهدي التمتع والقرآن والهدي المعين، كما لو نذر هديًا بعينه، فإن المعين لو تلف بغير تفريط منه، لم يكن عليه بدله، بخلاف ما وجب في الذمة.\nفإنه لو عينه وتلف كان عليه إبداله.\nوكل موجود في الخارج فهو في نفس معين.\nلكن العلم به قد يكون مع العلم بعينه، وقد لا يكون مع العلم بعينه، كالمبيع إذا كان مشاهدًا فقد عرف المشتري عينه، وإذا كان غائبًا فهو معين في نفسه، والمشتري لا يعرف عينه، وإنما يعرف منه أمرًا مطلقًا، سواء كان ذلك المطلق لا يحتمل سواه، أو يحتمله ويحتمل غيره، فإنه قد يبيعه العبد أو الأرض التي من","vol":"9","page":12},{"text":"صفتها كذا وكذا، ويصفها بصفات تميزها لا تحتمل دخول غيرها فيها، وهذا بخلاف المسلم فيه، فإنه لا يكون معينًا، ومتى كان معينًا بطل السلم، كما لو أسلم في ثمن بستان بعينه، أو زرع أرضًا بعينها، قبل بدو الصلاح، كما جاء في ذلك حديث مسند عن النبي ﷺ.\nوإذا تبين هذا فإذا عرف محدث للحوادث واجب قديم، وعلم انتفاء الشركة فيه بأنه واحد لا شريك في الخلق، أو غير ذلك من خصائصه التي لا يوصف بها اثنان، مثل أنه رب العالمين، وأنه على كل شيء قدير ونحو ذلك - فقد تعرف عينه بالعقل - عرف أنه واحد معين في نفس الأمر لا شركة فيه، فيطلب القلب حينئذ معرفة عينه، بخلاف ما يمكن الشركة فيه.\nوإذا كان كذلك فقد يعترض المعترض على قول من قال: إن عينه لا تعرف إلا بالسمع، ويقول: التعيين حينئذ بما جعل الله في القلوب من ضرورة المعرفة والقصد والتوجه والإشارة إلى ما فوق السماوات، فإنها مفطورة على أنه ليس فوق العالم غيره.\nولهذا كان منكرو علو الله ومباينته لمخلوقاته من الجهمية الحلولية، أو النفاة للحلول والمباينة ونحوهم، إنما يثبتون وجودًا مطلقًا لا يعين ولا يشار","vol":"9","page":13},{"text":"إليه، بل يقولون بلا إشارة ولا تعيين، وهؤلاء يثبتون وجودًا مطلقًا كليًا، لا يعينونه لا ببواطنهم ولا بظواهرهم.\nولهذا يبقون في حيرة واضطراب، تارة يجعلونه حالًا في المخلوقات لا يختص بشيء، وتارة يسلبونه هذا وهذا، ويقولون: الحق لا يقيد ولا يخصص ولا يقبل الإشارة والتعيين، نحو ذلك من العبارات التي مضمونها في الحقيقة نفي ثبوته في الخارج، فإن كل موجود في الخارج فإنه متعين متميز عن غيره، مختص بخصائصه التي لا يشركه فيها غيره.\nوهذا هو المقيد في اصطلاحهم، وهم يظنون أن ما ذكره ثابت في الخارج، لكنهم ضالون في ذلك.\nوضلالهم كضلال في أمور كثيرة لا توجد إلا في الأذهان ظنونًا ثابتة في الأعيان.\nومن هنا ضل من ضل في مسألة المعدوم: هل هو شيء أم لا؟ وفي مسألة الأحوال، وفي مسألة وجود الموجودات: هل هو ماهيتها الثابتة في الخارج أو غير ذلك؟ والكلي الطبيعي: هل هو ثابت في الخارج أم لا؟\nوجماع أمرهم أنهم جعلوا الأمور العقلية التي لا تكون ثابتة إلا في العقل - كالمطلقات الكلية ونحوها - أمورًا موجودة ثابتة في الخارج، وزعموا أن هذا هو الغيب الذي أخبرت به الرسل، وذلك ضلال.\nفإن الغيب الذي أخبرت به الرسل هو مما يمكن الإحساس به في الجملة، ليس مما لا يمكن الإحساس به، لكن مشاهدته والإحساس به يكون بعد الموت، وفي الدار الآخرة.\nوهناك الحياة وتوابعها من الإحساس والعمل أقوى وأكمل، فإن الدار الآخرة لهي الحيوان.","vol":"9","page":14},{"text":"فالرسل لم تفرق بين الغيب والشهادة، لأن أحدهما معقول والآخر محسوس، كما ظن ذلك من ظنه من المتفلسفة والجهمية، ومن شركهم في بعض ذلك، وإنما فرقت بأن أحدهما مشهود الآن، والآخر غائب عنا لا نشهده الآن، ولهذا سماه الله تعالى غيبًا.\nقال تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، لم يسمه مقولًا، وقد بسط الكلام على هذا في موضعه.\nوالمقصود هنا أن ما عرف وصفه تعرف عينه بوجه من وجوه الإحساس، إما بذاته وإما ببعض خصائصه.\nوالله تعالى يختص بما فوق العالم، فالعباد يشيرون إلى ذلك، ويعلمون أن خالق العالم هو الذي فوق العالم، لا يشركه في ذلك أحد.\nوهذا العلم قد يحصل بالفطرة، وقد يحصل بالاستدلال والقياس، وقد يحصل بالسمع من الرسل، كما أخبرت بأن الله فوق العالم.\nولهذا قال فرعون: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ .\nولهذا كان معراج نبينا ﷺ إلى السماء.\nوكذلك سائر ما تعرفه القلوب من خصائصه.\nوقد يقال: هو تعيين يمكن حصوله بدون السمع.\nوذلك أن معرفة عينه بالمشاهدة لا تحصل في الدنيا، فلم يبق إلا معرفة عينه بغير هذه الطريق، كما يعرف عين الرسول ﷺ من لم يشاهده، بمعرفة ما يعرفه من خصائصه.","vol":"9","page":15},{"text":"وأما القائل: إن عينه لا تعرف إلا بالسمع، فقد يقول: إن ما حصل للقلوب من معرفة عينه إنما حصل بالسمع.\nوالناس متنازعون في كونه فوق العالم: هل هو من الصفات التي تعلم بالعقل؟ كما هو قول أكثر السلف والأئمة، وهو قول ابن كلاب وابن كرام، وآخر قولي القاضي أبي يعلى.\nأو هو من الصفات السمعية التي لا تعلم إلا بالسمع، كما هو قول كثير من أصحاب الأشعري، وهو أول قولي القاضي أبي يعلى وطائفة معه.\nفابن أبي موسى وأمثاله قد يقولون بهذا، ويقولون: لم نعلم ذلك إلا بالسمع.\nويقولون: لم تعلم أنه فوق السماء إلا بالسمع، لكن كلامه أعم من ذلك.\nوكلامهم يصح إذا فسر بأنواع من التعيين التي لم تعلم إلا بالسمع، كالصفات الخبرية.\nأو فسر بأن السمع هو الذي أرشد العقول إلى ما به يعلم التعيين، وأنه لولا إرشاد السمع لم يعلم ذلك، أو بأنه أراد بالتعيين معرفة الأسماء والصفات القولية، التي يوصف الله بها.\nأو أراد بذلك أن كثيرًا من الناس - أو أكثرهم - لا تحصل لهم معرفة شيء من التعيين إلا بالسمع.\nوكثير ممن يقول بوجوب النظر وأنه أول الواجبات، أو أول الواجبات: المعرفة، يقولون مع ذلك: إن المعرفة لا تحصل إلا بالشرع، كما ذكر ذلك أبو فرج المقدسي، وابنه عبد الوهاب، وابن","vol":"9","page":16},{"text":"درباس، وغيرهم، كما قال من قال قبلهم: إنها لا تحصل إلا بالشرع.\nوهؤلاء يريدون بالعقل: الغريزة ولوازمها من العلوم التي تحصل لعامة العقلاء، وأن ذلك مجردة لا يوجب المعرفة، بل لا بد من أمر زائد على ذلك.\nكما قالوا في استدلالهم: إن المعرفة لو كانت بالعقل، لكان كل عاقل عارفًا، ولما وجد جماعة من العقلاء كفارًا، دل على أن المعرفة لم تثبت بالعقل.\nألا ترى أن ما يدرك بالضرورة لا يختلف أرباب النظر فيه؟ وهذا إنما ينفي المعرفة الإيمانية، وإلا فعامة العقلاء يقرون بالصانع.\nوأيضًا فهذا ينفي أن تكون المعرفة الإيمانية ضرورية.\nوهو أيضًا يوجب أن الطرق العقلية لا تفصل مورد النزاع، ولا يحصل عليها الإجماع.\nوهوكما قالوا.\nفإن الطرق القياسية العقلية النظرية، وإن كان منها ما يفضى إلى العلم، فهي لا تفصل النزاع بين أهل الأرض.\nتارة لدقتها وغموضها، وتارةلأن النفوس قد تنازع في المقدمات الضرورية، كما ينازع أكثر النظار في كثير من المقدمات الضرورية.\nولهذا لم يأمر الله عند التنازع إلا بالرد إلى الكتب المنزلة.\nقال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا","vol":"9","page":17},{"text":"فيه﴾، فجعل الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه الكتاب المنزل من السماء.\nوقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ .\nفأمر عند التنازع بالرد إلى الله والرسول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>كلام عبد الوهاب بن أبي الفرج المقدسي</span>\nولهذا قال هؤلاء المقررون لكون المعرفة لاتحصل بمجرد العقل ما قاله عبد الوهاب ابن أبي الفرج وغيره: (إنا نقول إن المعرفة لو كانت بالعقل، لوجب أن يكون كل عاقل عارفًا بالله تعالى، مجمعًا على رأي واحد في التوحيد، ولما وجدنا جماعة من العقلاء كفارًا، مع صحة عقولهم ودقة نظرهم - دل على أن المعرفة لم تحصل بالعقل، لأن العقل حاسة من جملة الحواس.\nفالحواس لا تختلف في محسوساتها، ألا ترى أن ما يدرك بالنظر من أسود وأحمر وأخضر وأصفر، وحيوان، وحجر، لا يختلف أرباب النظر فيه؟ فدل على أن معرفة الله حصلت بمعنى غير العقل، لوجود الأختلاف في المعرفة، والاتفاق فيما طريقة العقل والحواس) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>تعليق ابن تيمية</span>\nوتسمية هؤلاء للعقل حاسة من الحواس هومما نازعهم فيه طوائف من أصحابهم وغيرهم، كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره.\nوالنزاع في ذلك عند التحقيق يرجع إلى اللفظ، ولذلك قالوا: لوكان العقل علة في معرفة الباري، لوجب أن تحصل المعرفة بوجوده، وتعدم بعدمه.\nكالمنظورات تدرك بوجود البصر، وتعدم معرفتها ونظرها بعدم البصر.\nوكذلك المسموعات وسائر المحسوسات.","vol":"9","page":18},{"text":"ولما رأينا المسلم يرتد عن الإسلام، مع وجود عقله الذي كان به قبل الارتداد مؤمنًا، علمنا أن المعرفة حصلت له بغير ذلك.\nوكذلك نرى المؤمن بالله يذهب عقله، ويحكم بجنونه، وهو باق على المعرفة، مقر بالتوحيد، عارف بالله.\nوعقلاء كثيرون يكفرون بالله ويشركون به.\nفدل على أن المعرفة مستفادة بمعنى غير العقل.\nوهذا الكلام يقتضي أن مجرد الغريزة ولوازمها لا تستلزم المعرفة الواجبة على العباد.\nوهذا مما لا ينازع فيه أحد، فإن من يقول: إن المعرفة تحصل بالعقل، يقول: إن أصل الإقرار بالصانع يحصل بعلوم عقلية، ولكن ليس ذلك هو جميع المعرفة الواجبة، ولا بمجرد ذلك يصير مؤمنًا.\nوهذا العقل هوالعقل الذي هو شرط في الأمر والنهي.\nوقد يراد بالعقل ما تحصل به النجاة.\nكما قال تعالى عن أهل النار: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ .\nوقال تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا﴾ .\nوقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ .\nوقال: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾، وأمثال ذلك في القرآن.\nواحتجوا على أن المعرفة لا تحصل بمجرد العقل، بقوله تعالى: ﴿وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم","vol":"9","page":19},{"text":"ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله﴾ .\nوهذه الآية وأمثالها تدل على أن السمع والأبصار والأفئدة لا تنفع صاحبها مع جحده بآيات الله.\nفتبين أن العقل الذي هو مناط التكليف لا يحصل بمجرده الإيمان النافع، والمعرفة المنجية من عذاب الله.\nوهذا العقل شرط في العلم والتكليف لا موجب له.\nاحتجوا أيضًا بما ذكروه «عن النبي ﷺ أنه قال: تعلموا العلم، فإن تعليمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه، به يعرف الله ويعبد، وبه يمجد الله ويوحد.\nهو إمام العمل، والعمل تابعه.\nيرفع الله بالعلم أقوامًا فيجعلهم للناس قادة وأئمة يقتدى بهم، وينتهى إلى رأيهم» .","vol":"9","page":20},{"text":"قالوا: فوجه الدليل قوله: (به يعرف الله ويعبد) .\nوهذا الكلام معروف عن معاذ بين جبل ﵁، رووه عنه بالأسانيد المعروفة.\nوهو كلام حسن، ولكن روايته مرفوعًا فيه نظر.\nوفيه: أن الله يعرف ويعبد بالعلم، لا بمجرد الغريزة العقلية.\nوهذا صحيح لا ينازع فيه من يتصور ما يقول.\nومن يقول: إن المعرفة تحصل بالعقل، يقول: إنما تحصل بعلوم عقلية، أي يمكن معرفة صحتها بنظر العقل، لا يقول: إن نفس العقل - الذي هو الغريزة ولوازمها - يوجب حصول المعرفة والعبادة.\nوقد تنازع كثير من الناس في مسمى العلم والعقل، أيهما أشرف؟ وأكثر ذلك منازعات لفظية.\nفإن العقل قد يراد به: الغريزة، وقد يراد به: علم يحصل بالغريزة.\nوقد يراد به: عمل بالعلم.\nفإذا أريد به علم كان أحدهما من جنس الآخر.\nلكن قد يراد بالعلم: الكلام المأثور عن المعصوم.\nفإنه قد ثبت أنه علم، لقوله: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم﴾ .\nوأمثاله.\nويراد بالعقل: الغريزة.\nفهنا يكون أحدهما غير الآخر.\nولا ريب أن مسمى العلم بهذا الاعتبار أشرف من مسمى العقل.\nفإن مسمى العلم هنا كلام الله تعالى، وكلام الله أشرف من الغريزة التي يشترك فيها المسلم والكافر.\nوأيضًا فقد تسمى العلوم المسموعة عقلًا، كما قيل:","vol":"9","page":21},{"text":"رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومسموع\nفلا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع\nكما لا تنفع العين ... وضوء الشمس ممنوع\nوأما العمل لعلم، وهو جلب ما ينفع الإنسان، ودفع ما يضره، بالنظر في العواقب، فهذا هو الأغلب على مسمى العقل في كلام السلف والأئمة، كالآثار المروية في فضائل العقل.\nومنه الحديث المأثور عن النبي ﷺ، وإن كان مرسلًا: إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات.\nوبهذا الاعتبار فالعقل يتضمن العلم، والعلم جزء مسماه.\nومعلوم أن مجموع العلم والعمل به أفضل من العلم الذي لا يعمل به.\nوهذا كما قال غير واحد من السلف في مسمى الحكمة، كما قال مالك بن أنس: (الحكمة معرفة الدين والعمل به) .\nوكذلك قال الفضيل بن","vol":"9","page":22},{"text":"عياض، وابن قتيبة، وغير واحد من السلف.\nقال الشاعر:\nوكيف يصح أن تدعى حكيمًا، ... وأنت لكل ما تهوى ركوب\nوقال آخر:\nابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nوهذا المعنى موجود في سائر الألسنة، لكن لكل أمة حكمة بحسبها، كما أن لكل أمة دينًا.\nفاليونان لهم ما يسمونه حكمة، وكذلك الهند.\nوأما حكمة أهل الملل فهي أجل من ذلك.\nومما احتج به هؤلاء أنهم قالوا: لا يدرك بالعقل إلا ما يكنفه العقل ويحيط به علمًا.\nوالباري ﷾ لا تدركه العقول ولا تحيط به.\nلقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ وقوله: ﴿ولا يحيطون به علما﴾ .\nقال ذو النون المصري: العقل عاجز ولا يدل إلا على عاجز، فأما الربوبية فلا سبيل إلى كيفية إدراكها بالعقول، ليس هو إلا الرضا والتسليم والإيمان والتصديق) .\nلكن هذا الكلام وما يشبهه إنما يقتضي أن معرفة كنهه وحقيقته لا تدركه العقول.\nوهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء، وإنما نازع في ذلك طوائف من متكلمي المعتزلة ومن وافقهم.\nولهذا كان السلف والائمة يذكرون أنهم لا يعرفون كيفية صفاته.\nكقولهم: (الأستواء معلوم، والكيف مجهول) .\nوهذا الكيف المجهول هو","vol":"9","page":23},{"text":"التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.\nوهذا هو النوع الثالث من العلم الذي ذكر ابن أبي موسى أن الله انفرد به.\nوقد قال ابن عباس: (التفسير أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله: من ادعى علمه فهو كاذب) .\nوقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبين أن لفظ التأويل لفظ مشترك بحسب الاصطلاحات: بين صرف اللفظ عن الأحتمال الراجح إلى المرجوح، وبين تفسير اللفظ وبيان معناه، وبين الحقيقة التي هي نفس ما هو عليه في الخارج، وأن التأويل بالمعنى الثاني كان السلف يعلمونه ويتكلمون به، وبالمعنى الثالث انفرد الله به، وأما بالمعنى الأول فهو كتحريفات الجهمية التي أنكرها السلف وذموها.\nومما احتج به هؤلاء: القدر، وأن العلم والإيمان يحصل للعبد بفضل الله ورحمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>تابع كلام عبد الوهاب بن أبي الفرج المقدسي وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nقال عبد الوهاب: (وأيضًا فإن الله قال في حق المؤمنين: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾، فاعلم أن الإيمان من تفضله، وكتبه في القلوب.\nفأي عمل للعقل بعد ذلك؟ وإنما العقل بمنزلة القارىء للمكتوب، فإن كان في القلب شيء مكتوب قرأه العقل، كالمسطور يدركه النظر.\nوإذا لم يكن في القلوب شيء مكتوب لم يفد العقل فائدة) .\nقال: (ثم نقول: هل نال الأنبياء النبوة بعقولهم؟ أم باصطفاء الله لهم وإرساله إليهم الملائكة؟ فإن قال: بعقولهم.\nفقد أكذبه الله تعالى بقوله: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾،","vol":"9","page":24},{"text":"وإذا ثبت أن العقل لم يفد الرسالة والنبوة، وإنما ذلك اختصاص من الله لهم، كذلك معرفة الله والإيمان به ليس للعقل في ذلك شيء.\nوإنما العقل شرط في التكليف والخطاب بالشرع، كالحياة والوجود) .\nقال والده أبو الفرج: قال بعض أصحابنا: عرف بنور الهداية.\nوقال غيره: عرفنا نفسه بتعرفه، والجميع واحد.\nقال: (وقد روي ذلك عن جماعة من السلف الصالح، فسئل بعضهم: أعرفت الله بمحمد أم عرفت الله به؟ فقال: عرفت الله به، وعرفت محمدًا بالله، ولو عرفت الله بمحمد لكانت المنة لمحمد دون الله) .\nقلت: هذه الطريقة تصلح أن تكون ردًا على القدرية من المعتزلة ونحوهم، الذين يقولون: إن ما يحصل باختيار العبد من علم وعمل فإنه هو الذي أحدثه بدون معونة من الله له، وله هدى يسره له خصه به دون الكافر.\nبل يجعلون المؤمن والكافر سواء فيما فعل الله بهما من أسباب الهداية، حيث أرسل الرسول إليهما جميعًا، وخلق لكل منهما استطاعة يتمكن بها من الإيمان، وأزاح علةكل منهما.\nبل يقولون: إنه يجب عليه أن يفعل بكل منهما من اللطف الذي يؤمن به اختيارًا كل ما يقدر عليه، فيفعل به الأصلح في دينه، وأنه ليس في المقدور مما يؤمن به اختيار شيء، ولكن المؤمنون - كأبي بكر وعلي آمنا بأنفسهما، والكفار - كأبي لهب وأبي جهل - كفرا بأنفسهما، من غير أن يختص الله المؤمن بأسباب تقتضي إيمانه.\nولهذا قال لهم الناس: إذا كان الأمر كذلك، وهما مستويان في أسباب الإيمان، فلما أختص أحدهما","vol":"9","page":25},{"text":"بوجود الإيمان منه دون الآخر؟ وإذا قالوا بمشيئته وقدرته، قالوا لهم: إن كان للكافر مثل ذلك بطل الاختصاص، وإن لم يكن له مثل ذلك كان المؤمن مخصوصًا بأسباب من الهداية لم يحصل مثلها للكافر.\nوأيضًا فإن الله يسأل الهدى إلى الصراط المستقيم في كل صلاة، والهدى المشترك بين المؤمن والكافر قد فعله، بل يجب عنده عليه فعله، فما المطلوب بالدعاء بعد ذلك؟\nوأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ .\nالآية، فبين أنه حبب الإيمان إلى المؤمنين وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان.\nوالقدرية من المعتزلة والشيعة تتأول ذلك بأنه حبب الإيمان إلى كل مكلف وزينة بما أظهره من دلائل حسنه، وكره الكفر بما أظهر من دلائل قبحه.\nفيقال لهم: أول الآية وآخرها خطاب للمؤمنين، بقوله: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم﴾ وقال في آخرها: ﴿أولئك هم الراشدون﴾ فبين أن الذين حبب إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر هم الراشدون، والكفار ليسوا براشدين، ولو كان قد فعل بالكفار كما فعل بهم، لم يصح أن يمتن عليهم بما يشعر اختصاصهم به.","vol":"9","page":26},{"text":"كما قال في أثناء السورة: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ .\nفلو كان المراد بالهداية الهداية التي يشترك فيها المؤمن والكافر، لم يقل: إن كنتم صادقين.\nفإن تلك حاصلة سواء كانوا صادقين في قولهم أمناء، أولم يكونوا صادقين.\nوهذا كقوله: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾، وأمثال ذلك مما يبين اختصاص المؤمنين بهدى ليس للكفار.\nكقوله: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ .\nوقوله: ﴿فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾ .\nوقوله: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾، ومثل هذا في القرآن كثير، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة، ولكن المقصود التنبيه على المأخذ.\nفالمعتزلة يقولون إن ما يحصل بكسب العبد واختياره من المعرفة ليس مما جعله الله في قلبه.\nويقولون: إن المعرفة الواجبة لا تكون مما يقذفها الله في قلب العبد، لأن الواجب لا يكون إلا مقدورًا للعبد.\nومقدورات العباد عندهم لا يفعلها الله ولا يحدثها، ولا له عليها قدرة.\nوقد يقولون: إنه لا يستحق الثواب إلا على مقدوره.","vol":"9","page":27},{"text":"ولهذا يقول من يقول منهم: إنه يمتنع أن تكون ضرورية، لأنه حينئذ لا يستحق عليها الثواب.\nلكن هنا هم متنازعون فيه، لإمكان أن يكون الثواب على ما سوى ذلك، كما أن الحياة والقدرة على النظر والعلوم الضرورية هي من خلق الله عندهم، ولا ثواب فيه ولا أجر لها.\nولهذا جوز أهل الإثبات أن تقع المعارف النظرية ضرورية وبالعكس، ولأن ذلك لا ينافي ما وعد الله به من الثواب عندهم، بل يجوز عندهم أن يجعل الله في قلب العبد من معرفته ومحبته ما يحصل بغير كسبه، ويثيبه عليه أعظم الثواب.\nفالذين احتجوا من أهل السنة على أن المعرفة والإيمان تحصل للعبد بفضل الله ورحمته وهدايته وتعريفه، ونحو ذلك من العبارات، يتضمن قولهم إبطال قول هؤلاء القدرية.\nوهذا صحيح، لكن ليس في ذلك ما يقتضي أن المعرفة لا يمكن أن تحصل بنظر العقل، كما أنه ليس في ذلك ما يقتضي أنها لا تحصل بتعليم الرسول والعلماء والمؤمنين ودعائهم وبيانهم واستدلالهم.\nبل من المعلوم أن العلم يحصل في قلب العبد تارة بما يسمعه من الناس من البيان والتعليم: إما إرشادًا إلى الدليل العقلي، وإما اخبارًا بالحق الواقع.\nوتحصل تارة بما يقذفه في قلبه من النظر والاعتبار والاستدلال الذي ينعقد في قلبه، كما يحصل تارة بكسبه واستدلاله.\nويحصل تارة بما يضطره الله إليه من العلم من غير إكتساب منه، وإن","vol":"9","page":28},{"text":"كان العلم الذي حصل باكتسابه ونظره هو مضطر إليه في آخر الأمر.\nفلا يمكن العالم العارف، بعد حصول المعرفة في قلبه بدليل أو غير دليل، أن يدفع ذلك عن قلبه، اللهم إلا بأن يسعى فيما يوجب نسيانه وغفلته عن ذلك العلم.\nوقد لا يمكنه تحصيل الغفلة والنسيان.\nوذلك أن ما كتبه الله في قلوب المؤمنين من الإيمان، سواء حصل بسبب من العبد، كنظره واستدلاله، أو بسبب من غيره، أو بدون ذلك، هو والأسباب التي بها حصل بقضاء الله وقدره، وهي من نعمة الله على عبده، فإن الله هو الذي من بالأسباب والمسببات.\nفمن ظن أن المعرفة والإيمان يحصل بمجرد عقله ونظره واستدلاله - كما تقوله القدرية - كان ضالًا.\nوهذا هو الذي أبطله هؤلاء.\nوقولهم: إن العقل شرط في التكليف والخطاب كالوجود والحياة، كلام صحيح.\nوالشرط له مدخل في حصول المشروط به، كما للحياة مدخل في الأمور المشروطة بها.\nوالعقل قد يراد به الغريزة، وقد يراد به نوع من العلم ونوع من العمل وكل هذه الأمور هي من الأمور المعينة على حصول الإيمان.\nولهذا يتفاضل الناس في الإيمان بحسب تفاضلهم في ذلك.\nوأهل السنة لا ينكرون وجود ما خلقه الله من الأسباب ولا يجعلونها مستقله بالآثار، بل يعلمون أنه ما من سبب مخلوق إلا وحكمه متوقف على سبب آخر، وله موانع تمنع حكمه، كما أن الشمس سبب في الشعاع، وذلك موقوف على حصول الجسم القابل به، وله مانع كالسحاب والسقف.","vol":"9","page":29},{"text":"والله خالق الأسباب كلها، ودافع الموانع.\nولهذا كان النبي ﷺ يقول في خطبته: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» .\nكما قال تعالى: (﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾ .\nوقال تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون﴾ .\nوقال تعالى: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه﴾ .\nولهذا كان مذهب أهل السنة أن ما يحصل بالقلب من العلم، وإن كان بكسب العبد ونظره واستدلاله واستماعه ونحو ذلك، فإن الله تعالى هو الذي أثبت ذلك العلم في قلبه، وهو حاصل في قلبه بفضل الله وإحسانه وفعله.\nوالقدرية لا يجعلونه من فعل الله، بل يقولون: هو متولد عن نظره، كتولد الشبع عن الأكل، والري عن الشرب، والجرح عن الجرح، فيجعلون هذه الأمور المتولدات عن الأسباب المباشرة من فعل العبد فقط، كما يقولون في الأمور المباشرة.","vol":"9","page":30},{"text":"وقد عارضهم من ناقضهم من متكلمة الإثبات، فلم يجعل للعبد فعلًا ولا أثرًا في هذا المتولدات، بل جعلها من مخلوقات الله التي لا تدخل تحت مقدور العباد ولا فعلهم، ولم يجعل للعبد فعلًا إلا ما كان في محل قدرته، وهو ما قام ببدنه، دون ما خرج عن ذلك.\nوالقول الوسط أن هذه الأمور التي يقال لها المتولدات حاصلة بسبب فعل العبد وبالأسباب الأخرى التي يخلقها الله.\nفالشبع يحصل بأكل العبد وابتلاعه، وبما جعله الله في الإنسان وفي الغذاء من القوى المعينة علىحصول الشبع.\nوكذلك الزهوق حاصل بفعل العبد وبما جعله في المحل من قبول الانقطاع، وهو سبحانه خالق للأثر المتولد عن هذين السببين، اللذين أحدهما فعل العبد، وهو خالق للسببين جميعًا.\nولهذا كان العبد مثابًا على المتولدات، والله تعالى يكتب له بها عملًا، وقد ذكر الأفعال المباشرة والمتولدة في آيتين في القرآن.\nقال تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح﴾، فهذه الأمور كلها هي مما يسمونه متولدًا، فإن العطش والتعب والجوع هو من المتولدات، وكذلك غير الكافر.","vol":"9","page":31},{"text":"وكذلك ما يحصل فيهم من هزيمة ونقص نفوس وأموال وغير ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم﴾، فالإنفاق وقطع الوادي عمل مباشر فقال فيه: ﴿إلا كتب لهم﴾ ولم يقل: به عمل صالح.\nوأما الجوع والعطش والنصب وغيظ الكفار ما ينال منهم فهو من المتولدات، فقال فيه: ﴿إلا كتب لهم به عمل صالح﴾، فدل ذلك على أن عملهم سبب في حصول ذلك، وإلا فلا يكتب للإنسان بدون سبب من عمله، بل تكتب الآثار لأنها من أثر عمله.\nقال تعالى: ﴿نكتب ما قدموا وآثارهم﴾ .\nوقال ﷺ في الحديث الصحيح: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» .\nوقال في الحديث الصحيح: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى","vol":"9","page":32},{"text":"ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا» .\nولهذا كانت هذه التي يسمونها المتولدات يؤمر بها تارة وينهى عنها أخرى.\nكما قال تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ .\nوقال تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ .\nوقال: ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر﴾ .\nوقال تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ .\nفأخبر أنه هو المعذب بأيدي المؤمنين، فهذا مبسوط في موضع آخر.\nوالمقصود هنا أن القدرية لما كانت تزعم أن ما يحصل من الإيمان في القلب ليس من فعل الله، بل هو من فعل العبد فقط، وأنه خارج عن مقدور الله وعن ما من الله به على العبد - كان ما ذكر ردًا عليهم.\nوأما من أقر بأن ذلك من فضل الله وإحسانه، وجعل ما يحصل بالنظر والاستدلال من فضل الله وإحسانه، فلا حجة عليه إذا قال إنه بنظر العقل واستدلاله قد يهدي الله العبد ويجعل في قلبه علمًا نافعًا.\nوقد تنازع أهل الإثبات في اقتضاء النظر الصحيح للعلم: هل هو","vol":"9","page":33},{"text":"بطريق التضمن الذي يمتنع الفكاكة عنه عقلًا؟ أو بطريق إجراء الله العادة التي يمكن نقضها؟ وبكل حال فالعبد مفتقر إلى الله في أن يهديه ويلهمه رشده.\nوإذا حصل له علم بدليل عقلي، فهو مفتقر إلى الله في أن يحدث في قلبه تصور مقدمات ذلك الدليل ويجمعها في قلبه، ثم يحدث العلم الذي حصل بها.\nوقد يكون الرجل من أذكياء الناس وأحدهم نظرًا ويعميه عن أظهر الأشياء، وقد يكون من أبلد الناس وأضعفهم نظرًا ويهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فلا حول ولا قوة إلا به.\nفمن اتكل على نظره واستدلاله، أو عقله ومعرفته، خذل.\nولهذا كان النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة كثيرًا ما يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ويقول في يمينه: «لا ومقلب القلوب» .\nويقول: «والذي نفسي بيده» ويقول: «ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه» .","vol":"9","page":34},{"text":"وكان إذا قام من الليل يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذانك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» .\nوكان يقول هو وأصحابه في ارتجاجهم:\nاللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\nفأنزلن سكينةً علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\nوهذا في العلم كالإرادات في الأعمال، فإن العبد مفتقر إلى الله في أن يحبب إليه الإيمان ويبغض إليه الكفر، وإلا فقد يعلم الحق وهو لا يحبه ولا يريده، فيكون من المعاندين الجاحدين.\nقال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ .\nوقال: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾، فكما أن الإنسان فيما يكتسبه من الأعمال مفتقر إلى الله محتاج إلى معونته، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، كذلك فيما يكتسبه.\nمن العلوم، ومع هذا فليس لأحد حجة على الله في أن يدع ما أمر به من الأسباب التي يحصل بها العلم النافع والعمل الصالح.\nولكن الشأن في","vol":"9","page":35},{"text":"تعيين الأسباب، فيذم من المعتزلة أنهم أحدثوا طرقًا زعموا أن معرفة الله لا تحصل إلا بها، وزعموا أن المعرفة تجب بها بفعل العبد لا بفعل الله.\nومن الناس من قد يوافقهم على إحدى البدعتين دون الأخرى.\nوكثير من الناس قد اختلف كلامه في هذا الأصل، تارة يقول: إن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر، ويجعل أول الواجبات النظر أو المعرفة الحاصلة به، وقد يعين طريق النظر، كما فعل ذلك القاضي أبي يعلى في المعتمد موافقة للقاضي أبي بكر وأمثاله من الموافقين في هذا الأصل للمعتزلة، وكما فعل ابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم.\nومن توابع ذلك أن النظر المفيد للعلم لا يكون إلا نظرًا في دليل.\nوالنظر الذي يوجبونه يكون نظرًا فيما يعلم الناظر أنه دليل، لأنه لو علم قبل النظر أنه دليل لعلم ثبوت المدلول، وإذا كان عالمًا به لم يحتج إلى الاستدلال عليه، فيوجبون سلوك طريق لا يعلم السالك أنه طريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>كلام أبي يعلى عن عدم وجوب النظر</span>\nثم أن القاضي أبا يعلى في كتابه المعروف بعيون المسائل الذي صنفه في الخلاف من المعتزلة والأشعرية ذكر ما يخالف ذلك، فقال: (مسألة: مثبتو النبوات تحصل لهم المعرفة بالله بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول، خلافًا للأشعرية في قولهم: لا تحصل حتى ننظر نستدل بدلائل العقول.\nدليلنا أن النبوة إذا ثبتت بقيام المعجز علمنا أن هناك مرسلًا أرسله، إذ لا يكون هناك نبي إلى وهناك مرسل.\nوإذا ثبت أن هناك مرسل أغنى ذلك عن النظر والاستدلال في دلائل العقول على إثباته.\nولأنه لما لم يقف وجود المعرفة على النظر في دلائل العقول، بل وجبت بالشرع، كذلك طريقها جاز أن يحصل بالشرع دون دلائل","vol":"9","page":36},{"text":"العقول.\nولأن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» فحكم بصحة إيمانهم بالدعاء إلى الشهادتين والإجاب إليها من غير أن يوجد منهم نظر واستدلال) .\nقال: (واحتج المخالف بأن الله أمر بالنظر والاستدلال في دلائله.\nفقال تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾، وقال: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ .\nوقال: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض﴾ .\nوقال: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها﴾ .\nوقال: ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾، وإذا أمر بذلك دل على أن النظر يثمر المعرفة) .\nقال: (والجواب أنا لا نمنع حصول المعرفة به، وإنما كلامنا هل تحصل بغيره أم لا؟ وقد دللنا على حصوله بغيرها من الوجه الذي ذكرنا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>تعليق ابن تيمية</span>\nولقائل أن يقول: أما قوله: (إن المعرفة يجوز حصولها بالشرع) فهذا مسلم، لكن حصولها بالشرع على وجوه:\nأحدهما: أن الشرع ينبه على الطريق العقلية التي بها يعرف الصانع، فتكون عقلية شرعية.","vol":"9","page":37},{"text":"الثاني: أن المعرفة المنفصلة بأسماء الله وصفاته، التي بها يحصل الإيمان، تحصل بالشرع، كقوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ .\nوقوله: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي﴾ .\nوقوله: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم﴾، وأمثال ذلك من النصوص التي تبين أن الله هدى العباد بكتابه المنزل على نبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>كلام الفرج الشيرازي عن وجوب المعرفة بالشرع</span>\nوأما كون مجرد الوجوب بالشرع، فلا يدل على إمكان الحصول بمجرد الشرع.\nونظير هذا استدلال طائفة كالشيخ أبي الفرج الشيرازي على أوجوبها وحصولها بالشرع.\nفقالوا: (لا يخلو إما أن تكون معرفة الباري وجبت أو حصلت بالشرع دون العقل، أو بالعقل دون الشرع، أو بهما جميعًا.\nلا يجوز أن يكون ذلك بالعقل دون الشرع لما بينا.\nولا يجوز أن يكون ذلك بالشرع والعقل لأنه لا يخلو إما أن يكون ما يعرف بالعقل يوجد في الشرع أو لا يوجد.\nولا يجوز أن يقال: لا يوجد في الشرع، لأن الله تعالى قال: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾، وإذا كان ذلك موجودًا في الشرع، فلا حاجة بنا إلى ذكر العقل) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>تعليق ابن تيمية</span>\nفيقال: هذه الطريقة تفيد أن ذلك موجود في الشرع.\nويستدل على","vol":"9","page":38},{"text":"ذلك بقوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ .\nوقوله: ﴿ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء﴾ .\nوقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، ونحو ذلك مما فيه الاستدلال بذلك أجود من الاستدلال بقوله: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾، لأن الكتاب هنا في أشهر القولين - هو اللوح المحفوظ، كما يدل عليه السياق في قوله: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ .\nوإذا كان الشيء موجودًا في الشرع، فذلك يحصل بأن يكون في القرآن الدلالة على الطريق العقلية والتنبيه عليها والبيان لها والإرشاد إليها.\nوالقرآن ملآن من ذلك، فتكون شرعية بمعنى أن الشرع هدى إليها، عقلية بمعنى أنه يعرف صحتها بالعقل، فقد جمعت وصفي الكمال.\nوأيضًا فإذا كان الشرع قد دل على شيء أو أوجبه، وقدر أن في العقل ما يوافق ذلك، لم يضر ذلك، وإن كان قد يستغنى عنه، فلا يطعن في صحته للاستغناء عنه.\nوأما كون النبي ﷺ لم يطالب الناس بالنظر والاستدلال، فهذا دليل قاطع على أن الواجب متأدى بدون الطرق التي أحدثها الناس وأبدعها.","vol":"9","page":39},{"text":"وأما الوجه الأول وهو قوله: (إن النبوة إذا ثبتت بقيام المعجز، علم أن هناك مرسلًا أرسله، لكون ثبوت لارسالة يستلزم ثبوت المرسل) فهذا لا بد فيه من تقدير.\nوهذا الكلام الذي قاله من أن العلم بالرسول يتضمن العلم بالمرسل، كلام صحيح.\nفإن العلم بالإضافة يستلزم العلم بالمضاف والمضاف إليه.\nلكن المعترض يقول له: المعجزة لا تدل على الرسالة إلا بعد العلم بإثبات الصانع، ثم يعلم بعد ذلك صدق الرسول، إما لكون المعجز يجري مجرى التصديق، والعلم بذلك ضروري في العادة.\nوإما لكون المعجز لم يدل على الصدق للزم عجز الرب عن طريق يصدق به الرسول، وإما لكون تصديق الكذاب قبيحًا، هو منزه عن فعل القبيح، ونحو ذلك من الطرق التي سلكوها من سلكها من أهل النظر القائلين بأن صدق الرسول لا يعرف إلا بالمعجزة.\nوالطريقان الأولان هما طريقا الأشعري وأصحابه ومن وافقهم، كالقاضي أبي يعلى وأمثاله.\nوالثاني هو طريق المعتزلة ومن وافقهم، كأبي الخطاب وأمثاله.\nوأما القائلون بأن صدق الرسول يعرف بطرق أخرى غير المعجزة، فلا يحتاجون إلى هذا.\nوقد بسط الكلام على ذلك في موضعه.\nوالمقصود هنا أن قول القائل: إن مثبتي النبوات تحصل لهم معرفة بالله بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول.\nوإنا لا نمنع صحة النظر، ولا نمنع حصول المعرفة به، وإنما خلافنا: هل يحصل بغيره؟ يحتاج إلى بيان حصول المعرفة لمثبتي النبوات.\nوالقاضي في هذا قد سلك مسلك الخطابي، كما قد كتبنا كلامه،","vol":"9","page":40},{"text":"وقد قال: (إنما يثبت عندهم أمر التوحيد من وجوه: أحدها: ثبوت النبوات بالمعجزات التي أوردها نبيهم) إلى قوله: (فلما استقر ما شاهدوه من هذه الأمور في أنفسهم، وثبت ذلك في عقولهم، صحت عندهم نبوته، وظهرت عن غيره بينونته، ووجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من الغيوب، ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله، وإثبات صفاته، وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم، وفي سائر المصنوعات، من آثار الصنعة، ودلائل الحكمة الشاهدة على أن له صانعًا حكيمًا عالمًا خبيرًا، تام القدرة، بالغ الحكمة.\nوقد نبههم الكتاب عليه، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته) إلى آخر كلامه.\nوهذا الكلام يمكن تقريره بطرق:\nأحدها: بأن يقال: الإقرار بالصانع ضروري لا يحتاج إلى نظر، فإذا شوهدت المعجزات أمكن أن يعلم بها صدق الرسول.\nالثاني: أن يقال: نفس المعجزات يعلم بها صدق الرسول المتضمن إثبات مرسله، لأنه دالة بنفسها على ثبوت الصانع المحدث لها، وأنه أحدثها لتصديق الرسول، وإن لم يكن قبل ذلك قد تقدم من العبد معرفة الإقرار بالصانع.\nوقد يقال: إن قصة موسى من هذا الباب.\nقال تعالى:","vol":"9","page":41},{"text":"﴿كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون * فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين * أن أرسل معنا بني إسرائيل * قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين * قال فعلتها إذا وأنا من الضالين * ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين * وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل * قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون * قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين * قال أو لو جئتك بشيء مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين * قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم * فجمع السحرة لميقات يوم معلوم * وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين * فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين * قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون * فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون * فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون * فألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى","vol":"9","page":42},{"text":"وهارون * قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين * قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين﴾ .\nوفي سورةطه: ﴿فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى﴾ .\nإلى آخر القصة.\nففرعون كان منكرًا للصانع، مستفهمًا عنه استفهام إنكار، سواء كان في الباطن مقرًا به أو لم يكن، ثم طلب من موسى آية فأظهر آيته، ودل بها على إثبات إلهية ربه وإثبات نبوته جميعًا.\nكما قال: ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين * قال أو لو جئتك بشيء مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾ .\nولهذا قال السحرة لما عارضوا معجزته بسحرهم، فبطل سحرهم، تبين أن تلك آية لا يقدر عليها المخلوقين: ﴿قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون﴾ فكان إيمانهم بالله لما شاهدوا معجزة موسى ﷺ، فكانت المعجزة مبينة للعلم بالصانع وبصدق رسوله.\nوذلك أن الآيات التي يستدل بها على ثبوت الصانع تدل المعجزة","vol":"9","page":43},{"text":"كدلالتها وأعظم.\nوإذا كانت دلالتها على صدق الرسول معلومة بالاضطرار، كالمثل الذي ضربوه في أن رجلًا لو تصدى بحضرة ملك مطاع وقال: إن كنت رسولك فانقض عادتك، وقم ثم اقعد، ثم قم ثم اقعد، فخرق الملك عادته، وفعل ما طلبه المدعي على وفق دعواه - لعلم الحاضرون بالضرورة أنه فعل ذلك تصديقًا له.\nفمن المعلوم أنه إذا تنازع رجلان: هل داخل هذه الدار ناسخ يكتب خطًا مليحًا؟ فأخذ المدعى ورقًا أبيض، ومعه شعر قد صنعوه في تلك الحال في ورقة أخرى، وقال: إن كان هناك ناسخ فلينسخ هذا الشعر في هذه الورقة البيضاء، فأخرجت إليهم الورقة البيضاء وقد كتب فيها ذلك الشعر - تيقنوا أن هناك من ينسخ.\nفكذلك من نازع في إثبات صانع يقلب العادات ويغير العالم عن نظامه، فأظهر المدعي للرسالة المعجز الدال على ذلك - علم بالضرورة ثبوت الصانع الذي يخرق العادات، ويغير العالم عن نظامه المعتاد.\nوبالجملة فانقلاب العصا حية أمر يدل على ثبوت صانع قدير عليم حكيم، أعظم من دلالة ما اعيد من خلق الإنسان من نطفة، فإذا كان ذاك يدل بنفسه على إثبات الصانع، فهذا أولى.\nوليس هذا الموضع بسط هذا.\nوإنما المقصود التنبيه على أن المعجزات قد يعلم بها ثبوت الصانع وصدق رسوله معًا.\nوما ذكرناه من كون الإقرار بالصانع فطري ضروري هو قول أكثر الناس، حتى عامة فرق أهل الكلام.\nقال بذلك طوائف منهم من المعتزلة والشيعة وغيرهم.","vol":"9","page":44},{"text":"وكون المعرفة يمكن حصولها بالضرورة، لم ينازع فيه إلا شذوذ من أهل الكلام، ولكن نازع كثير منهم في الواقع.\nوزعم أن الواقع أنها لا تحصل لأكثر الناس إلا بالنظر.\nوجمهور الناس نازعوه في هذا، وقالوا: بل هي حاصلة لأكثر الناس فطرة وضرورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>كلام ابن الزاغوني عن وجوب النظر</span>\nوابن الزاغوني ممن يقول بوجوب النظر، وأن المعرفة لا تحصل إلا به، حتى قال: (فصل: إذا قال القائل: أنا أعتقد حدوث العالم والتوحيد وصحة الدين، وأقر بالنبوة لا بطريق النظر ولااستدلال، ولا عن نظر في حجة أو دليل، لكن بطريق التقليد في ذلك، أو مما سوى ذلك، مما لا يستدل إلى معرفة ثابتة عن نظر في حجة أو دليل بحيث ينتهي الاستدلال إلى العلم الحق، فهذا ليس هو بمؤمن، ولا نحكم بأنه مؤمن عند الله، ولا يثاب على هذا الإيمان، بل هو معاقب ملوم على ترك ما أمر به من العلم بالله وصحة الدين والنبوة، والنظر فيما يقتضي به النظر فيه إلى معرفته بذلك بطريق اليقين) .\nقال: (وقالت طائفة: هو مؤمن عندنا وعند الله إذا صادق اعتقاده التوحيد والنبوة، وما يجب عليه اعتقاده من الحق في المعارف الدينية، سواء كان ممن يتهيأ له ذلك بطريق انقطع فيه بأدلته، أو ممن لا يتهيأ له ذلك)\nقال: (وقالت طائفة: هو مؤمن في الظاهر عندنا، ولا نعلم: هل هو مؤمن عند الله أم لا؟ وقالت طائفة: نحكم بأنهم مؤمنون ما لم يخطر ببالهم ما يخالف ذلك من التشبيه والحيز، وإبطال النبوات، وأعراض","vol":"9","page":45},{"text":"الشبه في ذلك.\nفإذا خطر لهم شيء من ذلك وجب عليهم النظر والاستدلال لدفعه، وأن لا يتمكثوا ولا يتثبطوا عن النظر حتى يصلوا إلى عين الحق الرافع للشبهة، فإن لم يصلوا إلى ذلك لم يؤدوا ما فرض عليهم من الإيمان علىحقه، وإن عجزوا عن ذلك لم يكن عجزهم عذرًا عن الوصول إلى حقيقة الحق) .\nقال: (وقالت طائفة: لا يجب عليهم ذلك، ويحل لهم البقاء على ما هم عليه، وأن لا يعتقدوا في ذلك شيئًا، مع القيام على السنة) .\nقال: (والدلالة عليه أنا قد قدمنا الدليل على وجوب معرفة الله، وسائر المعارف الدينية: من التوحيد، وصحة النبوة، والدين.\nوبينا أن حقيقة المعرفة إنما تكون بالعلم وأبطلنا أن يكون التقليد طريقًا إلىالعلم.\nوإنما يصل إلى العلم به واليقين فيه إذا خرج عن الشبهة العارضة، الموجبة للشك، الناقلة عن الحق.\nوإذا ثبت ذلك بالأدلة المتقدمة، فمدعي المعرفة مع ترك النظر والاستدلال - المؤدي إلى الدليل القاطع المتوقف على حقيقة التوحيد والمعارف الدينية - مبطل وإذا كان مبطلًا في معرفته لم نحكم بإيمانه، لأن الإيمان ها هنا هو التصديق، وإنما يصدق بما يزول معه الشك، ويبرأ من عهدة الاشتباه) .\nوبسط الكلام في ذلك العادة المعروفة.\nوقد قال في كتابه الكبير الذي سماه منهاج الهدى: (فصل في معرفة الله وسائر معارف الدين: كسبية وليست حاصلة بطريق الضطرار) .\nقال: (وقال طوائف، منهم الجاحظ وصالح قبة وفضل","vol":"9","page":46},{"text":"الرقاشي والصوفية وكثير من الشيعة: معارف الدين كلها حاصلة بطريق الضرورة.\nثم اختلفوا بعد ذلك، فقال طائفة، منهم صالح قبة: إن الله جعل معارف دينه ضرورة يبتديها ويخترعها في قلوب البالغين، من غير سبب متقدم، ولا بحث ولا نظر، وهو قول طائفة من الشيعة.\nوقالت طائفة من الشيعة: إن الله يخترعها في قلوب البالغين، لكن من المحال أن يفعلها فيهم إلا بعد فكر ونظر يتقدمها، ثم يهب الله المعرف لمن أحب، كما يهب الولد عند الوطء، وقد يجوز أن لا يهبها مع النظر، كما لا يهب الولد مع الوطء.\nوقالت طائفة من الشيعة: الخلق مضطرون إلى المعارف بالأسباب، فإذا حصلت عن الأسباب كانوا مختارين للمعرفة، مضطرين إليها في حال واحدة، فيكون مضطرًا للسبب مختارًا للإرادة.\nوقال طائفة من المعتزلة القائلين بأن المعرفة ضرورة: إن الله لا يخترع شيئًا من أمور الدين والدنيا وعلومهمااختراعًا، ولكنها تحدث من بعد الإرادة وطباعًا، وأن الله خلق العباد وهيأهم لاكتساب الإرادة، وما يحدث بعدها من نظر وغيره فهو واقع بالطبع، وليس يضاف إلى الإنسان إلى على سبيل المجاز والاتساع) .\nقال: (وقالت طائفة من المعتزلة، منهم غيلان بن مروان: إن","vol":"9","page":47},{"text":"معرفة الإنسان لنفسه ومعرفة صانعه وأنه غيره، يضطر الإنسن إليها بالطبع، فأما باقي المعارف الدينية فكلها اكتساب) .\nقال: (وقالت طائفة، منهم أبو الهذيل العلاف: معرفة العلم والدليل الذي يدعو إلى معرفة الصانع إضطرار.\nفأما ما يحدث بعدها من علم فعام بالقياس، فذلك علم اختيار واكتساب) .\nقال: (وقالت: طائفة، منهم بشر بن المعتمر: معرفة الإنسان لنفسه ليست من فعله ولا من كسبه ولا اضطرار إليها، بل تخترع له وتخلق مخترعة في قلبه، وما يدرك بالحواس من علوم الديانات وغيرها اضطرار، وما يعلم بالقياس اكتساب، ويجوز فيهما جميعًا الاضطرار، ويجوز فيهما جميعًا أن يكونا اكتسابًا) .\nقال: (وقالت طائفة منالمعتزلة: الناس مضطرون إلى ذلك على كل حال، وليس لهم في ذلك حيلة) .\nقال: (وقالت طائفة من المعتزلة، منهم الجاحظ: معرفة الله تقع ضرورة في طباع نامية عقب النظر والاستدلال) .","vol":"9","page":48},{"text":"قال: (وقالت الجبرية، ومتقدمهم جهم بن صفوان: معرفةالله تقع باختيار الله لا باختيار العبد، وبنوه عل مذهبهم في الخبر) .\nقال ابن الزاغوني: (وتفيد هذه المسألة فائدة حكيمة، وهو أن القائل بمعرفة الله واجبة بطريق الكسب يقول: إن الله يعاقب العبد على جهله بالله وجهله بالدين واعتقاد الباطل.\nوأمامن قال: إنها ضرورية، فإنه يقول: فائدة ذلك أنه لا يجوز أن يعذب الله الجاهل على جهله، وعل أنه لم يكتسب المعرفة، لأن ذلك ليس من مقدوراته، وإنما يعذبه على جحده وإنكاره لما عرفه إياه بطريق اضطراره له إليه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>فصل</span>\nوما ذكرناه من أن الرسل، صلوات الله عليهم، بينوا للناس الطرق العقلية، ونبهوهم عليها، وهدوهم إليها، كما أنه معلوم لنا، فهو مما ذكره طوائف من أئمة الكلام والفلسفة.\nوأعظم المتكلمين المعظمين للطرق العقلية هم المعتزلة، فإنهم يقولون: كما أن المعرفة لا تحصل ابتداء إلا بالعقل، فإنهم يقولون بأنها واجبة بالعقل، بناءً على القول بأن العقل يعرف به الإيجاب والتحريم، والتحسين والتقبيح.\nوهذا الأصل تنازع فيه المتأخرون من عامة الطوائف.\nفلكل طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد فيه قولان.\nوأما الحنفيه فالمعروف عنهم القول بتحسين العقول وتقبيحه، ونقلوا ذلك عن أبي حنيفة نفسه، وأنه كان يوجب بالعقل معرفة الله تعالى.\nولأصحاب الحديث والصوفية وغيرهم في هذا الأصل نزاع.\nومن","vol":"9","page":49},{"text":"القائلين بتحسين العقل وتقبيحه من أهل الحديث أبو نصر السجزي وأبو القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهما، وذكروا أن إنكار ذلك من بدع الأشعري التي لم يسبق إليها.\nوممن قال ذلك من أصحاب أحمد أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب وغيرهما.\nبل ذكروا أن هذا قول جمهور الناس، وذكروا مع ذلك أن الرسل أرشدت إلى الطرق العقلية كما أمرت بالواجبات العقلية.\nفهم مع قولهم بتحسين العقل وتقبيحه يقولون: إن الرسل بينت ذلك ووكدته، وهكذا، مع قولهم بأن المعرفة تحصل بالأدلة العقلية، يقولون: إن الرسل بينت ذلك ووكدته، فما يعلم بالعقل من الدين هو عندهم جزء من الشرع، والكتاب - والسنة - يأتي على المعقولات الدينية عندهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>كلام الكلوذاني في تمهيده وتعليق ابن تيمية</span>\nقال أبو الخطاب في تمهيده: (اختلف أصحابنا: هل في قضاء العقل حظر وإباحة وإيجاب وتحسين وتقبيح أم لا؟ فقال أبو الحسن التميمي: في قضايا العقل ذلك، حتى لا يجوز أن يرد الشرع بحظر ما كان في العقل واجابًا، كشكر المنعم، والعدل، والإنصاف، وأداء الأمانة، ونحو ذلك.\nولا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل محظورًا، نحو الظلم، والكذب، وكفر النعمة، والخيانة، وما أشبه ذلك) .","vol":"9","page":50},{"text":"قال: (وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وعامة الفلاسفة) .\nقال: (وقل شيخنا - يعني القاضي أبي يعلى -: (ليس قضايا العقل ذلك، وإنما يعلم ذلك من جهة الشرع، وتعلق بقول أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار: ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، وإنما هو الاتباع) .\nقال أبو الخطاب: (وهذه الرواية - إن صحت عنه - فالمراد به الأحكام الشرعية التي سنها رسول الله ﷺ وشرعها) .\nقلت: قول أحمد: (لا تدركها العقول) أي أن عقول الناس لا تدرك كل ما سنه رسول لله ﷺ، فإنها لو أدركت ذلك، لكان علم الناس كعلم الرسول.\nولم يرد بذلك أن العقول لا تعرف شيئًا أمر به ونهي عنه.\nففي هذا الكلام الرد ابتداء على من جعل عقول الناس معيارًا على السنة، ليس فيه رد على من يجعل القول موافقة للسنة) .\nقال أبوالخطاب: (ولهذه القول قالت الأشعرية وطائفة من المجبرة، وهم الجهمية) .\nقال: (وعلى هذا يخرج وجوب معرفة الله: هل هي واجبة بالشرع، حتى لو لم يرد ما يلزم أحدًا أن يؤمن بالله وأن يعترف بوحدانيته ويوجب شكره أم لا؟ فمن قال: يجب بالشرع، يقول: لا يلزم شيء من ذلك لو لم يرد الشرع.\nومن قال بالأول: قال: يجب على كل عاقل الإيمان بالله والشكر له.","vol":"9","page":51},{"text":"ووجه ذلك أنه لو لم يكن في العقل إيجاب وحظر، لم يتمكن المفكر أن يستدل على أن الله سبحانه لا يكذب خبره، ولا يؤيد الكذاب بالمعجزة، إذ لا وجه في العقل لاستقباحه وخروجه عن الحكمة قبل الخبر عندهم.\nوإذا كان كذلك لم يؤمن العاقل كون كل خبر ورد عنه أنه كذب، وكل معجزة رآها أن يكون قد أيد بهذا الكذاب المتخرص، وفي ذلك ما يمنع الأخذ بخبر السماء، والانقياد لمعجزات النبوة الدالة على صدقها.\nولما وجب اطراح هذا القول، والاعتقاد بأن الله جلت عظمته منزه عن الكذب، متعال عن تأييد المتخرص بالمعجزة، ثبت أن ذلك إنما قبح وحظر في العقل وامتنع في الحكمة) .\nقلت هذه طريقة معروفة للقائلين بالتحسين والتقبيح العقليين.\nويقولون إنهم يعلمون بتلك أن الله منزه عن أن يفعل القبيح، كالكذب وتصديق الكاذب المدعي للنبوة بالمعجزة الدالة على صدقه، وإن كان ذلك ممكنًا مقدورًا له، لكن لا يفعله لقبحه وخروجه عن الحكمة.\nوهم يقولون: إنه بهذه الطريقة يعلم صدق الأنبياء.\nوالذين ينازعونهم - كالأشعري وأصحابه، وابن حامد، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وابن الزاغوني وغيرهم - يسلكون في المعرفة بتصديق الأنبياء غير هذه الطريق.\nوإما طريقة القدرة - كما سلكها الأشعري في أحد قوليه، والقاضيان أبو بكر وأبو يعلى وغيرهما - وهو أنه لا طريق إلى تصديق النبي غير المعجزة، فلو لم تكن دالة على التصديق للزم عجز الباري عن تصديق الرسل.","vol":"9","page":52},{"text":"وإما طريقة الضرورة - كما سلكها الأشعري في قوله الآخر، وأبو المعالي وطوائف أخر - وإما غير ذلك من الطرق التي بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع.\nوليس المقصود هنا بسط الكلام في هذه المسائل.\nبل المقصود أن جميع الطوائف - حتى أئمة الكلام والفلسفة - معترفون باشتمال ما جاءت به الرسل على الأدلة الدالة على معرفة الله وتصديق رسله، كما سيأتي ذكره في كلام القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، والفلاسفة وغيرهم.\nقال أبوالخطاب: (دليل آخر: أنه غير ممتنع أن يخطر للعاقل أنه لم يخلق نفسه ولا خلقه من هو مثله من أبيه وأمه، إذ لو كانا قادرين على ذلك، لكان هو أيضًا قادرًا، وكانا يقدران على خلق غيره.\nوهو يعلم أنهما لا يقدران، فيعلم أن له خالقًا من غير جنسه خلقه وخلق أبويه، ثم يرى إنعامه عليه بإكماله وتسخير ما سخر له من المأكول والمشروب والأنعام وغير ذلك، كإقداره عليهم، ويخطر له أنه لم يعترف له بذلك ويشكره أنه يعاقبه، وإذا جوز ذلك وجب عليه في عقله دفع الضرر والعقاب بالتزام الشكر.\nفإن قيل: كما يجوز أن يخطر له ما ذكرتم، يجوز أن يخطر له أن له خالقًا أنعم عليه، وأنه غني عن شكره وجميع ما يتقرب به إليه.\nويخاف من تكلف له ذلك أن يسخط عليه ويقول: من أنت حتى تقابلني بالشكر، وتعتقد أنه جزاء نعمتي؟ وما أصنع بشكر مثلك؟ ونحو ذلك.\nوفي هذا ما يمنعه من التزام شيء من جهة عقله) .","vol":"9","page":53},{"text":"قال: (والجواب: أن العاقل، مع اعترافه بحكمة خالقه، لا يتوهم أنه يسخط على من شكره وتذلل له وتضرع إليه، وإن كان غنيًا عن ذلك، لأن الذي بعثه على الشكر ليس هو اعتقاد حاجة خالقه إلى الشكر، ولا أن شكره يقومن بإزاء النعمة عليه، فيمتنع، لعلمه بغناه عن ذلك.\nوإنما الباعث له حسن الشكر والتذلل.\nوالتعظيم للمنعم من بدائه العقول.\nوالحكيم لايسخط ما هذا سبيله.\nفإذًا قد أمن عاقبة الإقدام على الشكر، ولم يأمن عاقبة العقاب على تركه، فيجب في عقله توخي ذلك.\nوصار مثال ذلك أن يقال للعاقل: في الطريق مفسدون، يأخذون المال ويقتلون النفس، أو سباع تفترس الآدمي.\nويقال له: أنت ما معك قليل نذر، والمفسدون قد استغنوا بما قد أخذوا، فلعلهم لا يعرضن لك أنفة من قلة مالك.\nوالسباع قد افترست جماعة فقد شبعوا، فلعلهم لا يعرضون لك.\nفإن في العقل يجب عليه التوقف عن سلوك ذلك الطريق لا الإقدام عليه، كذلك ها هنا) .\nقلت: مضمون ذلك أن العقل يوجب سلوك الأمن دون طريق الخوف.\nقال: (دليل ثالث: أنه لو لم يكن في قضاء العقول: إلزام وحظر، لأمكن العاقل أن لا يلزمه شيء أصلًا، لأنه متى قصد بالخطاب سد سمعه فلم يسمع الخطاب.","vol":"9","page":54},{"text":"كما أخبر الله عن قوم نوح: ﴿وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا﴾، فلما علمنا أنه يجوز بعقله أن يكون في الخبر الذي خوطب به نجاته وسلامته من الهلاك، وفي الإعراض عنه بسد أذنه هلاكه ودماره، ثبت أن في عقله وجوب الإصغاء إلى الخبر، وحظر الإعراض عنه، وذلك وصية العقل لا السمع) .\nقال: (دليل رابع: أن العقلاء أجمعوا على قبح الكذب والظلم والخيانة وكفران النعمة، وحسن العدل والإنصاف والصدق وشكر المنعم: من أقر منهم بالنبوة ومن جحدها.\nولهذا يرى الدهرية وأهل الطبائع في ذلك كأهل الأديان، بل أكثر.\nفدل على أنهم استفادوا ذلك من العقل لا من الأنبياء.\nوإذا ثبت أن فيها تحسينًا وتقبيحًا، ثبت أن فيها حظرًا وإباحة.\nوقد صرح ﵇ بذلك لما عرض نفسه على القبائل.\nدليل خامس: أنا نجد الحمد على الجميل والذم على القبيح يلزمان مع وجود العقل، ويسقطان مع عدمه، فلولا أنه مقتض للحسن والقبح لم يكن لتخصيص العاقل بالذم على القبيح والمدح على الحسن معنىً.\nوإذا قد وجدنا ذلك، دل على أن في العقل حظرًا أو إلزامًا.\nدليل سادس: أن التكليف محال إلا مع العقل، ولهذا لا يكلف الشرع شيئًا إلا بعد كمال عقولنا.\nفدل على أن السمع يعلم بالعقول.\nوإذا كان معلومًا به، والعقل متقدم عليه، ولا تقف معرفته على الشرع - استحال أن يقال: طريق معرفة الله السمع.\nوكيف يتصور ذلك ونحن لا نعلم وجوب النظر بقول الرسول حتى نعلم أنه رسول؟ ولا نعلم أنه رسول","vol":"9","page":55},{"text":"حتى نعلم أنه مؤيد بالمعجزة؟ ولا نعلم أنه مؤيد بالمعجزة حتى نعلم أن التأييد من الله سبحانه؟ ولا نعرف التأييد من الله حتى نعرفه ونعلم أنه لا يؤيد الكذاب بالمعجزة؟ ولا نعرف ذلك إلا بفهم العقل، الذي هو نوع من العلوم الضرورية؟ فدل على أن معرفته سبحانه بالعقل.\nدليل سابع: لو لم تجب معرفته بالعقل لوجب أن يجوز على الله أن ينهي عن معرفته، وأن يأمر بكفره وعصيانه والجور والكذب، كما يجوز أن ينسخ ما شاء من السمعيات، ويوجب ما كان قد نهى عنه.\nفلما لم يكن ذلك، دل على أن ذلك غير ثابت بالسمع، وإنما يثبت بالعقل الذي لا يتغير، ولا يجوز نكثه ونسخه.\nدليل آخر: أن الله وهب العقل وجعله كمالًا للآدمي.\nوإذا أغفل النظر وضيع العقل إذا لم يقتبس منه خيرًا، وإذا كان لا يقبح شيئًا ولا يحسنه، فوجوده وعدمه سيان، وهذا لا يقوله عاقل.\nوأيضًا يدل على ذلك عبارة ملخصة: أن من وجد نفسه مؤثرًا بآثار الصنعة، مستغرقًا في أنواع النعمة، لم يستبعد أن يكون له صانع صنعه، وتولى تدبيره، وأنعم عليه، وأنه إن لم ينظر في حقيقة ذلك ليتوصل إلى الاعتراف له وإلتزام شكره، عوقب على ما أغفل من النظر، وضيع من الاعتراف والشكر، فإن العقل سيلزمه النظر لا محاله، إذ لا شيء أقرب إلى الإنسان من النظر، فدل على وجوبه بالعقل) .\nقلت: هذه الأدلة فيها للمنازعين كلام يحتاج معه إلى فصل الخطاب، كما ذكر في موضعه.\nوهذه الطريقة التي سلكها أبو الخطاب، وغيره من أهل النظر: من المعتزلة وغيرهم، بنوها على أن معرفة الله تحصل","vol":"9","page":56},{"text":"بالاستدلال بنفس الإنسان، ولا يحتاج مع ذلك إلى إثبات حدوث الإجسام، كما سلك الأشعري أيضًا هذه الطريقة.\nقال أبو الخطاب: (احتج الخصم بظواهر الآية، كقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، ولم يقل: حتى نجعل عقولًا.\nوقوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾، ولم يقل: بعد العقل.\nوقوله: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾، وغير ذلك من الآيات، فجعل الحجة والعذاب يتعلق بالرسل.\nفثبت أنه لا بالمعقول حجة ولا عذاب) .\nوقال: (والجواب أن الله بعث الرسل يأمرون بالشرائع والأحكام، وينذرونهم قرب الساعة ووقوع الجزاء على الأعمال، ويبشرونهم على الطاعة وشكر النعمة بدوام النعمة ومزيدها في دار الخلود، ويخوفونهم على المعصية بالعذاب الشديد، ويكونوا شهودًا على أعمالهم.\nوقد قال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ .\nوقال: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ .\nوهذا بعد أن يعرفوا الله بعقولهم، ويردون الشبهات المؤدية إلى التعطيل","vol":"9","page":57},{"text":"والتشبه، بالحكمة التي جعلها الله فيهم، والنور العقلي المفرق بين الحق والباطل، وإلا فنحن نعلم أن المفكر إذا خطر بباله أن الكتاب لعله مخترع مختلق من جهة مخلوق، والرسول لعله متخرص متمترق، لم يخرج ذلك من قلبه الرجوع إلى الآيات والسنة، وهو يتوهم فيها ما ذكرنا.\nإنما يرجع إليه بعد ما ثبت عنده حقيقة التوحيد وصدق الرسول، وأن القرآن كلام الله الذي لا يجوز عليه الكذب، وعرف محكم الكتاب من متشابه، وعرف طرق الأخبار وما يجب فيها، فإنه يستغني حينئذ عن النظر بعقله) .\nقال: (فإن قيل: هذا توهين لأمر الرسل، وجعلهم لا يغنون في التوحيد شيئًا، وإنما يفيد بعثهم في الفروع، وأنه لا فائدة من الآيات التي ذكر فيها التوحيد والدعوة إليه) .\nثم قال: (والجواب: أنا نقول: بل لهم في الأصول أعظم فائدة، لأنهم ينبهون العقول الغافلة، ويدلون على المواضع المحتاج إليها في النظر، ليسهل سبيل الوقوف عليها.\nكما يسهل من يقرأ عليه الكتاب على المتعلم بأن يدله على الرموز، ويبين له مواضع الحجة والفائدة، وإن كان ذلك لا يغنيه عن النظر في الكتاب وقراءته.\nوأيضًا فإنه بعثهم لتأكيد الحجة، فيؤكدون الحجة على العباد كيلا يقولوا: خلقت لنا الشهوات، وشغلتنا بالملاذ عن التفكر والتدبر فغفلنا.\nفقطع الله سبحانه حجتهم","vol":"9","page":58},{"text":"ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾، فجعل الحجة عليهم طول العمر للتفكر والتذكر، ثم التدبر للتنبيه) .\nقلت: فهؤلاء الذين يقولون بوجوب المعرفة بالعقل، وأنها لا تحصل إلا بالعقل، ذكروا أن الرسل بينوا الأدلة العقلية التي يستدل بها الناظر، كما نبهوا الغافل ووكدوا الحجة، إذ كانوا ليسوا بدون من يتعلم الحساب والطب والنجوم والفقه، من كتب المصنفين، لا تقليدًا لهم فيما ذكروه، لكن لأنهم يذكرون من الكلام ما يدله على الأدلة التي يستدل بها بعقله.\nفهداية الله لعباده بما أنزله من الكتب، وإرشاده لهم إلى الأدلة المرشدة، والطرق الموصلة، التي يعمل الناظر فيها بعقله ما يؤدي إليه من المعرفة، أعظم من كلام كل متكلم، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ.\nوأبو الخطاب يختار ما يختاره كثير من الحنفية - أو أكثرهم - مع من يقول ذلك من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم - من أن الواجبات العقلية لا يشترط فيها البلوغ، بل تجب قبل البلوغ، بخلاف الواجبات الشرعية.\nقال: (واحتج بأنه لو كان في العقل إلزام وحظر، لوجب أن يكون لمعرفة الحسن والقبح أصل في أوائل العقول يترتب عليه ما سواه.\nألا ترى أن للقدم والحدث فيها أصلًا؟ ولو كان ذلك كذلك، لكان من أنكر الحسن والقبح مكابرًا لعقله مغالطًا لنفسه، لأن جاحد ما يثبت في البدائه مكابر) .","vol":"9","page":59},{"text":"قال: (والجواب أن للحسن والقبح أصلًا في بدائه العقول، وهو علمنا بحسن شكر المنعم، والإنصاف، والعدل، وقبح الكذب، والجور، والظلم.\nومنكر ذلك مكابر لكافة العقلاء.\nإلا أن من العقلاء من قال: لا أعرف ذلك بضرورة العقل، وإنما أعرفه بالنظر والخبر.\nفذلك مقر بالحسن والقبح، ومدع غير طريق الجماعة فيه، فنتكلم في ذلك ونبين له أن الجاهلية وعبدة الأصنام ومن لم تبلغه الدعوة يعلم ذلك، كما يعلمه أهل الأديان، فسقط أن يكون طريقه إلا العقل.\nوعلى أن القدم والحدوث لهما أصل في بدائه العقول ثم الخلف في ذلك واقع.\nولا يقال: إن مخالفنا مكابر عقله.\nواحتج بأنه أجمع القائلون بأن في العقل إلزامًا وحظرًا، على أنه لا يلزم ولا يحظر إلا بتنبيه يرد عليه، فإذا ثبت هذا، قلنا: يجب أن يكون ذلك التنبيه بخبر الشرع لا الخواطر، لأن الخواطر يجوز أن تكون من الملك ومن الشيطان ومن ثوران المرة، وما أشبه ذلك.\nوإذا جاز ذلك فيها لم نلتفت إلى تنبيهها، والتفتنا إلى ما تؤثر به، وهو خبر الشرع.\nفإذا عدم خبر الشرع ثبت أنه لا إلزام ولا حظر في ذلك) .\nوقال: (والجواب أنه لا بد أن ينبه على معرفة حسن الشكر بخطور النعمة بباله من منعم قصد الإحسان إليه، فإنه إذا خطر له نعمه عليه - على ما ذكرنا - ألزمه عقله الشكر لا محالة، سواء نبه على ذلك وسوسة إو إلهام.\nولذلك مهما خطر بباله كفران النعمة عرف قبحة.\nومهما خطر بباله أن القبيح لا يبعد أن يكون سببًا لهلاكه وعقابه، وأن يكون ضده سببًا","vol":"9","page":60},{"text":"لنجاته، فإنه يلزمه النظر في ذلك، سواء كانت الخطرة من الملك أو من الشيطان.\nفثبت أن التنبيه لا يقف على خبر السماء، ثم يلزم أن الحدوث والقدم لا يكون إلا بتنبيه، ثم ذلك خاطر عقلي، ولا يقال: يقف على تنبيه الشرع) .\nقال: (واحتج بأن الأمة أجمعت أن التكليف يقف على البلوغ، وليس العقل موصوفًا بذلك، من قبل أن الغلام إذا احتلم فليس يستحدث عقلًا، وإنما ذلك عقل قبل بلوغه، فبان أن العقل لا يوجب شيئًا ولا يحظره.\nوقال: (الجواب: أن الموقوف من التكليف على البلوغ هو تكليف الشرعيات خاصة.\nفأما الأحكام المتستفادة بالعقل، فإنها تلزم الإنسان إذا استفاد من العقل ما يمكنه أن يفعل به بين الحسن والقبيح، فلا نسلم ما ذكروه) .\nقلت: هذا الذي قاله هو قول كثير من الحنفية وأهل الكلام - المعتزلة وغيرهم - من القائلين بتحسين العقل وتقبيحه.\nفإن هؤلاء لهم في الوجوب قبل البلوغ قولان: وكثير ممن يقول بتحسين العقل وتقبيحه هم ونفاة ذلك من الطوائف الأربعة ينفون الوجوب قبل البلوغ.\nوقد ذكر طائفة من مصنفي الحنفية في كتبهم، قالوا: وجوب الإيمان بالعقل مروي عن أبي حنيفة.\nوقد ذكر الحاكم الشهيد في المنتقى","vol":"9","page":61},{"text":"عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه لا عذر لأحد بالجهل بخالقه لما يرى من خلق السماوات والأرض، وخلق نفسه، وسائر خلق ربه.\nقالوا: ويروى عنه أنه قال: لو لم يبعث الله رسولًا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم.\nقالوا: وعليه مشايخنا من أهل السنة والجماعة، حتى قال أبو منصور الماتريدي في صبي عاقل: إنه يجب عليه معرفة الله، وإن لم يبلغ الحنث.\nقالوا: وهو قول كثير من مشايخ العراق.\nومنهم من قال: لا يجب على الصبي شيء من قبل البلوغ، كما لا تجب عليه العبادات البدنية بالاتفاق) .\nقلت: هذا الثاني قول أكثر العلماء، وإن كان القول بالتحسين والتقبيح يقول به طوائف كثيرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، كما يقول به هؤلاء الحنفية، وتنازع هولاء الطوائف في مسألة الحظر والإباحة، وأن الأعيان قبل ورود الشرع، هل هي على الحظر أو الإباحة؟ لا يصح إلا على قول من يقول: إنه بالعقل يعلم الحظر إو الإباحة.\nوأما من قال: إن العقل لا يعلم به ذلك، ثم قال بأن هذه الأعيان قبل ورود الشرع حظرًا أوإباحة، فقد تناقض في ذلك.\nوقد رام منهم من تفطن لتناقضه أن يجمع بي قوليه فلم يتأت.\nكقول طائفة: إنه بعد الشرع علمنا به أن الأعيان كانت محظورة أومباحة، ونحو ذلك من الأقوال الضعيفة، وليس هذا موضع بسط ذلك.\nلكن المقصود هنا أن الأكثرين على انتفاء التكليف قبل البلوغ، لقوله ﷺ: «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق» .\nوهو معروف في السنن وغيرها، متلقى عند الفقهاء بالقبول، من","vol":"9","page":62},{"text":"حديث عائشة وغيرهما.\nوأيضًا فإن قتل الصبي من أهل الحرب لا يجوز - باتفاق العلماء.\nوأيضًا فالناس مع تنازعهم في أولاد الكفار: هل يدخلون الجنة أو النار، أو يتوقف فيهم؟ لم يفرق أحد - علمناه - بين المميز وغيره، بل المنصوص عن أحمد ويغره من أئمة السنة - وهو المشهور عنهم - الوقف فيهم.\nوذهب طائفة إلى أنهم في النار، كما اختاره القاضي أبو يعلى وغيره.\nوذكروا أن أحمد نص على ذلك، وهو غلط عن أحمد.\nفإن المنصوص عنه أنه أجاب فيهم بجواب النبي ﷺ: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .\nوهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي الصحيح أيضًا من حديث ابن عباس.\nلكن هذا الحديث روي أيضًا في حديث يروى «أن خديجة سألته عن أولادها من غيره، فقال: هم في النار.\nفقالت: بلا عمل؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .\nفظن هؤلاء أن أحمد أفتى بما في حديث","vol":"9","page":63},{"text":"خديجة، كم ذكر ذلك القاضي في المعتمد.\nوهذا غلط على أحمد.\nفإن هذا الحديث ضعيف، بل موضوع.\nوأحمد أجل من أن يعتمد على مثل هذا الحديث، والحديث متناقض، ينقض آخره أوله.\nوذهبت طائفة إلى أنهم في الجنة، كأبي الفرج بن الجوزي وغيره.\nوالذين قالوا بالوقف فسره بعضهم بأنه يدخل فريق منهم الجنة وفريق النار بحسب تكليفهم يوم القيامة، كما جاء في ذلك عدة آثار.\nوهذا هو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث، وقد بسطنا هذا فيما تقدم.\nوالمقصود هنا أنا لم نعلم من السلف من قال إنه فرق فيمن لم يبلغ بين صنف وصنف في القتل أو في عقاب الآخرة، بل الفقهاء متفقون على أن العقوبات التي فيها إتلاف، كالقتل والقطع، لا تكون إلا لبالغ.\nلكن قد يجمع بين هذا وهذا بأن يقال: الإثم الموجب لعقاب الآخرة مرفوع عمن لم يبلغ.\nوكذلك العقوبات الدنيوية التي فيها إتلاف.\nفأما التعزير بالضرب ونحوه فلم يرفع عن المميز من الصبيان.\nبل قد قال النبي ﷺ: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»، فأمر بضربهم على ترك الواجب الشرعي الذي هو الصلاة، فضربهم على الكذب والظلم أولى.\nوهذا مما لا يعلم بين العلماء فيه نزاع: أن الصبي يؤذى على ما يفعله من القبائح وما يتركه من الأمور التي يحتاج إليها في مصلحته.","vol":"9","page":64},{"text":"وهذا النزاع من لوازم الواجبات العقلية للميزين عند من يقول بالإيجاب العقلي، نظير النزاع في الواجبات الشرعية، فإن أحد القولين في مذهب أحمد، وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز: أن الصلاة تجب على ابن عشر.\nوكذلك الصوم يجب عليه إذا أطاقه.\nوحينئذ فإيجاب أبي الخطاب وموافقيه للتوحيد أولى من هذا.\nبل يقال: لولم يقل بالوجوب العقلي فإنه يجب أن يقال: إن الصبي يجب عليه الإقرار بالشهادتين قبل وجوب الصلاة عليه، فإن وجوبهما متقدم على وجوب الصلاة بالاتفاق.\nوأما ما يجب في مال الصبي من النفقات وقضاء الديون وغيره، والعشور والزكوات عند الجمهور الذين يوجبون الزكاة في ماله، فذلك لا يشترط فيه التمييز باتفاق المسلمين، بل يجب ذلك في مال المجنون أيضًا، وفي مال الطفل.\nوللفقهاء في إسلام الصبي وردته وإحرامه، وغير ذلك من أقواله وأفعاله، كلام معروف، ليس هذاموضع بسطه.\nوفي ذلك من تناقض أقوال بعضهم، ورجحان بعض الأقوال على بعض ما ليس هذا موضعه، وإنما المقصود هنا أن أعظم الناس تعظيمًا للعقل هم القائلون بأنه يوجب ويحظر، ويحسن ويقبح، كالمعتزلة والكرامية والشيعة القائلين بذلك، ومن وافقهم من طوائف الفقهاء والعلماء.\nوأما الفلاسفة فالنقل عنهم مختلف لتناقض كلامهم، فالمشهور عنهم أن العقل يحسن ويقبح، كما نقله أبو الخطاب عنهم.\nولكن كلامهم في مبادىء المنطق وقولهم: إن هذه القضايا من المشهورات لا من البرهانيات، لما رأى الناس أنه يناقض ذلك، صاروا","vol":"9","page":65},{"text":"يحكون عنهم أنهم لا يقولون بتحسين العقل وتقبيحه، كما نقله الرازي وغيره.\nفإذا كان المتكلمون القائلون بتحسين العقل وتقبيحه، وأنه لا طريق إلى المعرفة إلا به، وأنه يوجبها، يعني على المميزين، يقولون مع ذلك: إن الشرع بين هذه الطرق العقلية وأرشد إليها، ودل الناس عليها، ووكدها وقررها، حتى تمت الحجة به على الخلق، فجعلوا ما جاء به الشرع متضمنًا للمقصود بالعقل من غير عكس، حتى صارت العقليات النافعة جزءًا من الشرع، فكيف غيرهم من طوائف أهل النظر؟ وكذلك الفلاسفة ذكروا ذلك، كما ذكره أبو الوليد بن رشد الحفيد، لما قسم الناس إلى أربعة أصناف، كما سيأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>فصل. كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nفصل.\nكلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه\nفقد ذكرنا ما تيسر من طرق الناس في المعرفة بالله، ليعرف أن الأمر في ذلك واسع، وأن ما يحتاج الناس إلى معرفته، مثل الإيمان بالله ورسوله، فإن الله يوسع طرقه وييسرها، وإن كان الناس متفاضلين في ذلك تفاضلًا عظيمًا.\nوليس الأمر كما يظنه كثير من أهل الكلام من أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بطريق يعينونها، وقد يكون الخطأ الحاصل بها يناقض حقيقة الإيمان، كما أن كثيرًا منهم يذكر أقوالًا متعددة، والقول","vol":"9","page":66},{"text":"الذي جاءت به الرسل، وكان عليه سلف الأمة لا يذكره ولا يعرفه.\nوهذا موجود في عامة الكتب المصنفة في المقالات والملل والنحل، مثل كتاب أبي عيسى الورق، والنوبختي، وأبي الحسن الأشعري، والشهر ستاني: تجدهم يذكرون من أقوال اليهود والنصارى والفلاسفة وغيرهم من الكفار، ومن أقوال الخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئه والكلابية والكرامية والمجسمة والحشوية أنواعًا من المقالات.\nوالقول الذي جاء به الرسول، وكان عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين، لا يعرفونه ولا يذكرونه.\nبل وكذلك في كتب الأدلة والحجج التي يحتج بها المصنف للقول الذي يقول إنه الحق، تجدهم يذكرون في الأصل العظيم قولين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك وينصرون أحدهما، ويكون كل ما ذكروه أقوالا فاسدة مخالفة للشرع والعقل.\nوالقول الذي جاء به الرسول، وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح العقول لا يعرفونه ولا يذكرونه، فيبقى الناظر في كتبهم حائرًا ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه، ولكن قد يستفيد من رد بعضهم على علمه ببطلان تلك المقالات كلها.\nوهذا موجد في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة: متقدميهم","vol":"9","page":67},{"text":"ومتأخريهم إلى كتب الرازي والآمدي ونحوها، وليس فيها من أمهات الأصول الكلية والالهية القول الذي هو الحق، بل تجد كل ما يذكرونه من المسائل وأقوال الناس فيها، إما أن يكون الكل خطأ، وإما أن يذكروا القول الصواب من حيث الجملة، مثل إطلاق القول بإثبات الصانع، وأنه لا إله إلا هو وأن محمدًا رسول الله، لكن لا يعطون هذا القول حقه: لا تصورًا ولا تصديقًا فلا يحققون المعنى الثابت في نفس الأمر من ذلك، ولا يذكرون الأدلة الدالة على الحق، وربما بسطوا الكلام في بعض المسائل الجزئية التي لا ينتفع بها وحدها، بل قد لا يحتاج إليها.\nوأما المطالب العالية والمقاصد السامية، من معرفة الله تعالى والإيمان به وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا يعرفونه كما يجب، وكما أخبر به الرسول ﷺ ولايذكرون من ذلك ما يطابق صحيح المنقول ولا صريح المعقول.\nوابن رشد الحفيد واحد من هؤلاء.\nولهذا لما ذكر أصناف الأمة، وجعلهم أربعة أقسام: باطنية، وحشوية، ومعتزلة، وأشعرية: جرى","vol":"9","page":68},{"text":"في ذلك على طريق أمثاله من أهل الكلام والفلسفة.\nوهو قد نبه على كثير مما جاء به القرآن، كما سنذكره عنه.\nلكن المقصود أنه في تقسيم الأمة لم يذكر القسم الذي كان عليه السلف والأئمة، وعليه خيارها إلى يوم القيامة.\nلكنه صدق في وصفه من ذكره بالتقصير عن مقصود الشرع فإنه كما قال.\nقال: وذلك أنه يظهر من غير ما آية من كتاب الله تعالى أنه دعا الناس فيها إلى التصديق بوجود الباري تعالى بأدلة عقلية منصوص عليها فيها، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ ومثل قوله ﴿أفي الله شك فاطر السماوات والأرض﴾، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى.\nقال: وليس لقائل أن يقول: إنه لو كان واجبًا على كل من آمن بالله أن لا يصح إيمانه إلا من قبل وقوفه على هذه الأدلة،","vol":"9","page":69},{"text":"لكان النبي ﷺ لا يدعو أحدًا إلى الإسلام إلا عرض عليه هذه الأدلة، فإن العبر كلها كانت تعترف بوجود الباري ﷾.\nولذلك قال تعالى ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾، ولا يمتنع أن يوجد من الناس من يبلغ منه فدامة الطبع وبلادة القريحة إلى أن لا يفهم شيئًا من الأدلة الشرعية التي نصبها الشارع للجمهور.\nوهذا فهو أقل الوجود، فإذا وجد ففرضه الإيمان بالله من جهة السماع.\nقال: فهذه حال الحشوية مع ظاهر الشرع.\nقال: وأما الأشعرية فإنهم رأوا أن التصديق بوجود الباري تعالى لا يكون إلا بالعقل.\nلكن سلكوا في ذلك طرقًا ليست هي الطرق الشرعية التي نبه الله عليها ودعا الناس إلى الإيمان به من قبلها، وذلك أن طريقهم المشهورة انبنت على بيان أن العالم محدث، وانبنى عندهم","vol":"9","page":70},{"text":"حدوث العالم على القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ، وأن الجزء الذي لا يتجزأ محدث بحدوثه.\nوطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد - وبالجملة حدوث الأجسام - طريقة معتاصة تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل، فضلًا عن الجمهور، ومع ذلك فهي غير برهانية ولا مفضية بيقين إلى وجود الباري تعالى.\nوذلك أنه إذا فرضنا أن العالم محدث لزم - كما يقولون - أن يكون له - ولا بد - فاعل محدث، وذلك أن هذا المحدث لسنا نقدر أن نجعله أزليًا ولا محدثًا، أما كونه محدثًا فلأنه يفتقر إلى محدث، وذلك المحدث إلى محدث، ويمر الأمر إلى غير نهاية، وذلك مستحيل.\nوأما كونه أزليًا فإنه يجب أن يكون فعله المتعلق بالمفعولات أزليًا فتكون المفعولات أزلية، والحادث يحب أن يكون وجوده متعلقًا بفعل حادث، اللهم إلا لو سلموا أنه يوجد فعل حادث عن فاعل قديم.","vol":"9","page":71},{"text":"فإن المفعول لا بد أن يتعلق به الفاعل، وهم لا يسلمون ذلك، فإن من أصولهم أن المقارن للحادث حادث.\nقلت: من أصولهم التي تلقوها عن المعتزلة أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، وهذا متفق عليه بين العقلاء إلا إذا أريد به الحادث بالشخص، فإن ما لا يسبق الحادث المعين يجب أن يكون حادثًا، وأما ما لا يسبق نوع الحادث فهو محل النزاع بين الناس وعليه ينبني هذا الدليل.\nوكثير من الناس لايميز في هذا المقام بين ما هو بعينه حادث، وما تكون آحاد نوعه حادثة والنوع لم يزل، حتى أن كثيرًا من أهل الكلام إذا رأوا أن الحركات حادثة، أو غيرها من الأعراض، اعتقدوا أن ما لا يسبق ذلك فهو حادث، ولم يميزوا بين ما لا يسبق الحادث المعين، وما لا يسبق النوع الدائم الذي آحاده حادثة، فهو لا يسبق النوع وإن سبق كل واحد واحد من آحاده.\nولما تفطن كثير من أهل الكلام للفرق، أرادوا أن يثبتوا امتناع حوادث لا تتناهى بطريق التطبيق وما يشبهه، كما قد ذكر ذلك في موضعه.\nفهم لايسلمون وجود حوادث لا أول لها عن فاعل قديم، ويسلمون وجود فعل حادث العين عن فاعل قديم.\nوهو يقول: الحادث يجب أن يكون وجوده متعلقًا بفعل حادث، ثم ذلك الحادث متعلق بفعل حادث، فيكون فعل حادث الأفراد دائم النوع عن فاعل قديم.\nفهو يقول: لا يمكن وجود","vol":"9","page":72},{"text":"حادث عن فاعل أزلي إلا بفعل حادث الأفراد دائم النوع، وهم لايسلمون ذلك.\nقال: وأيضًا إن كان الفاعل حينًا يفعل وحينًا لا يفعل، وجب أن يكون هنالك علة صيرته بإحدى الحالتين أولى منه بالأخرى، فلنسأل أيضًا في تلك العلة مثل هذا السؤال وفي علة العلة، فيمر الأمر إلى غير نهاية.\nقال: وما يقوله المتكلمون في جواب هذا من أن الفعل الحادث كان بإرادة قديمة ليس بمنج ولا مخلص من هذا الشك، لأن الإرادة غير الفعل المتعلق بإيجاده حادثًا، سواء فرضنا الإرادة قديمة أو حادثة، متقدمة على الفعل أو معه.\nفكيفما كان فقد يلزمهم أن يجوزوا على القديم أحد ثلاثة أمور: إما إرادة حادثة وفعل حادث، وإما فعل حادث وإرادة قديمة، وإما فعل قديم وإرادة قديمة.\nوالحادث ليس يمكن أن يكون عن فعل قديم بلا وسطة، إن سلمنا","vol":"9","page":73},{"text":"لهم أنه يوجد عن إرادة قديمة.\nووضع الإرادة نفسها هي الفعل المتعلق بالمفعول شيء لا يعقل، وهو كفرض مفعول بلا فاعل، فإن الفعل غير الفاعل وغير المفعول وغير الإرادة.\nوالإرادة هي شرط الفعل لا الفعل.\nوأيضًا فهذه الإرادة القديمة يجب أن تتعلق بعدم الحادث دهرًا لانهاية له، إذا كان الحادث معدومًا دهرًا لانهاية له فهي لا تتعلق بالمراد في الوقت الذي اقتضت إيجاده، إلا بعد انقضاء دهر لا نهاية له، وما لانهاية له لا ينقضي، فيجب أن لا يخرج هذا المراد إلى الفعل، أو ينقضي دهر لا نهاية له، وذلك ممتنع.\nوهذا هو بعينه برهان المتكلمين الذي اعتمدوه في حدوث دورات الفلك.\nوأيضًا فإن الإرادة التي تتقدم المراد وتتعلق به بوقت مخصوص دون وقت، لا بد أن يحدث فيها في وقت إيجاد المراد عزم على الإيجاد لم يكن قبل ذلك الوقت، لأنه إن لم يكن في المريد في وقت الفعل قدر زائد على ما كانت عليه في الوقت الذي اقتضت الإرادة عدم الفعل، وإلا لم يكن وجود ذلك الفعل عنه في ذلك الوقت أولى من عدمه.\nوأيضًا كيف يتعين وقت للحادث من غير أن يتقدمه زمان ماض محدود الطرف، إلى ما في هذا كله من التشغيب والشكوك العويصة التي","vol":"9","page":74},{"text":"لا يخلص منها العلماء المهرة بعلم الكلام والحكمة، فضلًا عن العامة، ولو كلف الجمهور العلم من هذه الطرق لكان من باب تكليف ما لا يطاق.\nوأيضًا فإن الطرق التي سلك هؤلاء القوم في حدوث العالم قد جمعت هذين الوصفين معًا، أغني أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها، ولا هي مع هذا برهانية، فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور.\nونحن ننبه ها هنا على ذلك بعض التنبيه، فنقول إن الطرق التي سلكوا في ذلك طريقان:\nأحدهما: وهو الأشهر الذي اعتمد عليها عامتهم - ينبني على ثلاث مقدمات هي بمنزلة الاصول لما يرومونه من إثبات حدوث العالم.\nإحداهما: أن الجواهر لا تنفك عن الأعراض، أي لا تخلو منها والثانية: أن الأعراض حادثة","vol":"9","page":75},{"text":"والثالثة: أن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث، أعني ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nفأما المقدمة الأولى، وهي القائلة: إن الجوهر لا يعرى من الأعراض، فإن عنوا الأجسام المشار إليها القائمة بذاتها فهي مقدمة صحيحة، وإن عنوا بالجوهر الجزء الذي لا يتجزأ وهو الذي يريدونه بالجوهر الفرد، ففيها شك ليس باليسير، وذلك أن وجود جوهر غير منقسم ليس معروفًا بنفسه، وفي وجوده أقاويل متضادة شديدة التعاند، وليس في قوة صنا عة الكلام تلخيص الحق منها، وإنما ذلك صناعة البرهان، وأهل هذه الصناعة قليل جدًا، والدلائل التي يستعملها الأشعرية في إثباته خطا بية في الأكثر.\nوذلك أن استدلالهم المشهور في ذلك هو انهم يقولون: إن من المعلومات الأولى أن الفيل مثلًا إنما يقولون فيه: إنه أعظم من النملة من قبل زيادة أجزائه على أجزاء النملة وإذا كان ذلك كذلك","vol":"9","page":76},{"text":"فهو مؤلف من تلك الأجزاء، وليس هو واحدًا بسيطًا، فإذا فسد الجسم فإليها ينحل، وإذا تركب فمنها يتركب.\nوهذا الغلط إنما دخل عليهم من شبه الكمية المنفصلة بالمتصلة، فظنوا أن ما يلزم في المنفصلة يلزم في المتصلة، وذلك إنما يصدق هذا في العدد، أعني أن نقول: إن عددًا أكثر من عدد من قبل كثرة الأجزاء الموجودة فيه، أعني الوحدات.\nوأما الكم المتصل فليس يصدق ذلك فيه.\nولذلك نقول في الكم المتصل: أنه أعظم وأكبر، ولا نقول: اكثر.\nونقول في العدد: إنه أكثر ولانقول: إنه أكبر.\nوعلى هذا القول فتكون الأشياء كلها أعداد، ولا يكون هناك عظم متصل أصلًا فتكون صناعة الهندسة هي صناعة العدد بعينها.\nومن المعروف بنفسه أن كل عظم فإنه ينقسم بنصفين: أعني الأعظام الثلاثة، التي هي: الخط، والسطح، والجسم.\nوأيضًا فإن الكم المتصل هو الذي يمكن أن يفرض عليه في وسطه نهاية يلتقي عندها طرفا القسمين جميعًا، وليس يمكن ذلك في العدد.\nولكن يعارض هذا أيضًا أن الجسم، وسائر أجزاء الكم المتصل، يقبل","vol":"9","page":77},{"text":"الانقسام، وكل منقسم فإما أن ينقسم إلى شيء منقسم، أو إلى شيء غير منقسم فإن انقسم إلى غير منقسم، فقد وجدنا الجزء الذي لا ينقسم، وإن انقسم إلى منقسم عاد السؤال في ذلك المنقسم: هل ينقسم إلى منقسم أو إلى غير منقسم؟ فإن انقسم إلى منقسم إلى غير النهاية، كانت في الشيء المتناهي أجزاء لا نهاية لها، ومن المعلومات الأولى أن أجزاء المتناهي متناهية.\nقلت: هذا الموضع هو الذي أوجب قول النظام ونحوه بالطفرة، وقول طائفة من المتفلسفة والمتكلمين بقبول انقسام إلى غيى نهاية بالقوة لا بالفعل.\nوقد أجاب عن هذا طائفة من نفاة الجزء بأن كل ما يوجد فهو يقبل القسمة، بمعنى امتياز شيء منه عن شيء، وهي القسمة العقلية المفروضة، لكن لا يلزم وجود ما لا يتناهى من الأجزاء، لأن الموجود إن قيل: إنه لا يقبل القسمة بالفعل لم تكن فيه أجزاء لا تتناهى، وإن قيل: إنه يقبلها بالفعل، فإذا صغرت أجزاؤه فإنها تستحيل وتفسد وتفني، كما تستحيل أجزاء الماء الصغار هواء، وإذا استحالت عند تناهي صغرها لم يلزم أن تكون باقية قاتلة لانقسامات لا تتناهى، ولا يلزم وجود أجزاء لا تتناهى.","vol":"9","page":78},{"text":"قال: ومن الشكوك المعتاصة التي تلزمهم أن يسألوا إذا حدث الجزء الذي لا يتجزأ: ما القابل لنفس الحدوث؟ فإن الحوادث عرض من الأعراض، وإذا وجد الحادث فقد ارتفع الحدوث، فإن من أصولهم أن الأعراض لا تفارق الجواهر فيضطرهم الأمر إلى أن يضعوا الحدوث في موجود ما وبوجود ما.\nقلت من يقول: إن الإحداث هو نفس المحدث، والمخلوق هو نفس الخلق، والمفعول هو نفس الفعل، كما هو قول الأشعرية لا يسلم أن لحدوث عرض، ولا أن له محلًا، فضلًا عن أن يكون وجوديًا، لكنه قد قدم إفساد هذا، وأنه لا بد للمفعول من فعل.\nوحينئذ فيقال: الإحداث قائم بالفاعل المحدث، وحدوث الحادث ليس عرضًا موجودًا قائمًا بشيء غير إحداث المحدث.\nويقال أيضًا: إن هذا ينبني على أن المعدوم شيء وأن الماهيات في الخارج زائد على وجودها، وكلاهما باطل.\nوبتقدير صحته فيكون الجواب: أن القابل للحدوث هو تلك الذوات والماهيات.\nلكن هذا الذي ذكره يتقرر بطريقة أصحابه المشهورة: أن الحادث","vol":"9","page":79},{"text":"مسبوق بالإمكان لا بد له من محل، فلا بد للمحدث من محل.\nقال: وأيضًا فقد يسألون إن كان الموجود يكون عن عدم، فبم يتعلق فعل الفاعل ولا يتعلق عندهم بما وجد وفرغ من وجوده فقد ينبغي أن يتعلق بذات متوسطة بين العدم والوجود، وهذا الذي اضطر المعتزلة إلى أن قالت: أن في القدم ذاتًا ما.\nوهؤلاء أيضًا - يعني المعتزلة - يلزمهم أن يوجد ما ليس بموجود بالفعل.\nوكلتا الطائفتين يلزمهم أن يقولوا بوجود الخلاء.\nقلت هذا هو الشبهة المشهورة من أن فعل الفاعل وإحداث المحدث ونحو ذلك: إن قيل: يتعلق بالشيء وقت عدمه، لزم كونه موجودًا معدومًا.\nوإن قيل يتعلق به وقت وجوده، لزم تحصيل الحاصل ووجوده مرتين.","vol":"9","page":80},{"text":"وجوابه أنه يتعلق به حين وجوده، بمعنى أنه هو الذي يجعله موجودًا، لا بمعنى أنه كان موجودًا بدونه، فجعله هو أيضًا موجودًا.\nقال: فهذه الشكوك - كما ترى - ليس في قوة صناعة الجدل حلها، فإذًا يجب أن لا يجعل هذا مبدأً لمعرفة الله تعالى، وخاصة الجمهور، فإن طريقة معرفة الله تعالى أصح من هذا وأوضح، على ما سنبين بعد من قولنا.\nقال: وأما المقدمة الثانية، وهي القائلة إن جميع الأعراض محدثة، فهي مقدمة مشكوك فيها، وخفاء هذا المعنى فيها كخفائه في الجسم.\nوذلك أنا شاهدنا بعض الأجسام محدثة وكذلك بعض الأعراض، فلا فرق في النقلة من الشاهد في كليهما إلى الغائب، فإن كان واجبًا في الأعراض أن ينقل حكم الشاهد منها إلى الغائب - أعني أن","vol":"9","page":81},{"text":"نحكم بالحدوث على ما لم نشاهده منها قياسًا على ما شاهدنا - فقد يجب أن يفعل مثل ذلك في الأجسام، ونستغني عن الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام.\nوذلك أن الجسم السماوي - وهو المشكوك في إلحاقه بالشاهد - الشك في حدوث أعراضه كالشك في حدوثه نفسه، لأنه لم يحس حدوثه، لا هو ولا أعراضه.\nولذلك ينبغي أن نجعل الفحص عنه من أمر حركته، وهي الطريق التي تقضي بالسالكين إلى معرفة الله ﵎ بيقين.\nقال: وهي طريق الخواص، وهي التي خص بها إبراهيم الخليل ﵇ في قوله تعالى ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ لأن الشك كله إنما هو في الأجرام السماوية، وأكثر النظار إنما انتهوا إليها، واعتقدوا أنها آلهة.\nقلت: قول هذا وأمثاله: إن إبراهيم استدل بطريق الحركة، هو من جنس قول أهل الكلام الذين يذمهم أصحابه وسلف الأمة: إن إبراهيم استدل بطريق الحركة.\nلكن هو يزعم أن طريقة الخواص:","vol":"9","page":82},{"text":"طريقة أرسطو وأصحابه، حيث استدلوا بالحركة على أن حركة الفلك اختيارية، وأنه يتحرك للتشبه بجوهر غير متحرك.\nوأولئك المتكلمون يقولون: إن استدلال إبراهيم بالحركة لكون المتحرك يكون محدثًا، لامتناع وجود حركات لا نهائية لها.\nوكل من الطائفتين تفسد طريقة الأخرى، وتبين تناقضها بالأدلة العقلية.\nوحقيقة الأمر أن إبراهيم لم يسلك واحدة من الطريقين ولا احتج بالحركة، بل بالأفول الذي هو المغيب والاحتجاب، كما قد بسط في موضع آخر.\nفالآفل لا يستحق أن يعبد.\nولهذا قال ﴿إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني﴾ وقال ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ وقومه كانوا مقرين بالرب تعالى، لكن كانوا مشركين به، فاستدل على ذم الشرك، لا على إثبات الصانع.\nولو كان المقصود إثبات الصانع، لكانت قصة إبراهيم حجة عليهم لا لهم، فإنه من حين بزغ الكوكب والشمس والقمر، إلى أن أفلت كانت","vol":"9","page":83},{"text":"متحركة، ولم ينف عنها المحبة، ولا تبرأ منها كما تبرأ مما يشركون لما أفلت، فدل ذلك على أن حركتها لم تكن منافية لمقصود إبراهيم، بل نافاه أفولها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>فصل. كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nفصل.\nكلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه\nقال ابن رشد: وأيضًا فإن الزمان من الأعراض، ويعسر تصور حدوثه، وذلك أن كل حادث فيجب أن يتقدمه العدم بالزمان، فإن تقدم عدم الشيء على الشيء لا يتصور إلا من قبل الزمان.\nوأيضًا فالمكان الذي يكون فيه العالم، إذا كان كل متكون، فالمكان سابق له، يعسر تصور حدوثه، لأنه إن كان خلاء -على رأي من يرى أن الخلاء هو المكان - احتاج أن يتقدم حدوثه، إن فرض حادثًا خلاء آخر.\nوإن كان المكان نهاية الجسم المحيط بالمتمكن - على الرأي الثاني - لزم أن يكون ذلك الجسم في مكان، فيحتاج ذلك الجسم إلى الجسم، ويمر الأمر إلى غير نهاية.\nوهذه كلها شكوك عويصة.\nوأدلتهم التي يرومون بها بيان إبطال","vol":"9","page":84},{"text":"قدم الأعراض إنما هي لازمة لمن يقول بقدم ما يحسن منها حادثًا.\nأعني من يضع أن جميع الأعراض غير حادثة.\nوذلك أنهم يقولون: إن الأعراض التي يظهر للحس أنها حادثة، إن لم تكن حادثة، فإما أن تكون منتقلة من محل إلى محل، وإما أن تكون كامنة في المحل الذي ظهرت فيه من قبل أن تظهر.\nثم يبطلون هذين القسمين فيظنون أنهم قد بينوا أن جميع الأعراض حدوثه، ولا ما يشك في أمره، مثل الأعراض الموجودة في الأجرام السماوية من حركاتها وأشكالها وغير ذلك، فتؤول أدلتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خطابي، إلا حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب وأما المقدمة الثالثة: وهي القائلة: إن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فهي مقدمة مشتركة الاسم.\nوذلك أنها يمكن أن تفهم على معنيين: أحدهما ما لا يخلو من","vol":"9","page":85},{"text":"جنس الحوادث ويخلو من آحادها، والثاني: ما لا يخلو من واحد منها مخصوص مشار إليه.\nكأنك قلت: ما لا يخلو من هذا السواد المشار إليه فهو مادي، فأما هذا المفهوم الثاني فهو صادق أعني ما لا يخلو من عرض ما يشار إليه.\nوذلك أن العرض الحادث يجب بالضرورة أن يكون الموضوع له حادثًا، لأنه إن كان قديمًا فقد خلا من ذلك العرض، وقد كنا فرضناه لا يخلو، وهذا خلف لا يمكن.\nوأما المفهوم الأول، وهو الذي يريدونه فليس يلزم عنه حدوث المحل.\nأعني الذي لا يخلو من جنس الحوادث، لأنه يمكن أن يتصور المحل الواحد- أعني الجسم -تتعاقب عليه أعراض غير متناهية: إما متضاده، وإما غير متضاده.\nكأنك قلت: حركات لا نهاية لها، وحركات وسلوكيات لانهاية لها، كما يرى كثير من القدماء في","vol":"9","page":86},{"text":"العالم، أعني أنه يتكون واحد بعد واحد.\nولهذا لما شعر المتأخرون من المتكلمين بوهاء هذه المقدمة رامو شدها وتقويتها، بأن بينوا - في زعمهم - أنه لا يمكن أن تتعاقب على محل واحد أعراض لا نهاية لها.\nوذلك أنهم زعموا أنه يجب على هذا الوضع أن لا يوجد في المحل منها عرض ما مشار إليه إلا وقد وجدت قبله أعراض لا نهاية لها، وذلك يؤدي إلى امتناع الموجود منها، أعني المشار إليه، لأنه يلزم ألا يوجد إلا بعد انقضاء ما لا نهاية له.\nولما كان ما لا نهاية له لا ينقضي، وجب ألا يوجد المشار إليه، أعني المفروض موجودًا.\nمثال ذلك: أن الحركة الموجودة اليوم للجرم السماوي، إن كان قد وجد قبلها حركات لا نهاية لها، فقد كان يجب ألا يوجد ذلك.\nومثلوا ذلك برجل قال لرجل: لا أعطيك هذا الدينار حتى أعطيك قبله دنانير لانهاية لها.\nقالوا: فليس يمكن أن يعطيه ذلك الدينار المشار إليه أبدًا.\nقال: وهذا التمثيل ليس بصحيح، لأن في هذا التمثيل وضع","vol":"9","page":87},{"text":"مبدأ ونهاية ووضع ما بينهما غير متناه.\nلأن قوله وقع في زمان محدود، وإعطاءه إياه يقع في زمان محدود، فاشترط هو أن يعطيه الدينار في زمان يكون بينه وبين ذلك الزمان، الذي تكلم فيه، أزمنة لا نهاية لها، وهي التي يعطيه فيها دنانير لانهاية لها، وذلك مستحيل.\nفهذا التمثيل بين أمره لا يشبه المسألة الممثل بها.\nوأما قولهم: إن ما يوجد بعد وجود أشياء لا نهاية لها لا يمكن وجوده، فليس بصادق من جميع الوجوه.\nوذلك أن الأشياء التي بعضها قبل بعض توجد على نحوين: إما على جهة الدور، وإما على جهة الاستقامة.\nفالتي توجد على جهة الدور، الواجب فيها أن تكون غير متناهية، إلا أن يفرض فيها ما ينهيها.\nمثال ذلك: أنه إن كان شروق فقد كان غروب، وإن كان غروب فقد كان شروق، فإن كان شروق فقد كان شروق.\nوكذلك إن كان غيم فقد كان بخار صاعد من الأرض، وإن كان بخار","vol":"9","page":88},{"text":"صاعد من الأرض فقد ابتلت الأرض، وإن كان قد ابتلت الأرض فقد كان مطر، وإن كان مطر فقد كان غيم.\nوأما التي تكون على استقامة، مثل كون الإنسان من الإنسان، وذلك الإنسان من إنسان آخر، فإن هذا إن كان بالذات لم يصح أن يمر إلى غير نهاية، لأنه إذا لم يوجد الأول من الأسباب لم يوجد الآخر، وإن كان ذلك بالعرض، مثل أن يكون الإنسان بالحقيقة عن فاعل آخر غير الإنسان، الذي هو الإله وهو المصور له، ويكون الأب إنما منزلته منزلة الآلة من الصانع، فليس يمتنع إن وجد ذلك الفاعل يفعل فعلًا لا نهاية له بآلات غير متناهية متبدلة، أن يكون فعله لأشخاص الناس على الدوام بأشخاص لا نهاية لها، أعني أنه يفعل الأبناء بالآباء، وإليه الإشارة في قوله تعالى ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ .\nقلت: مضمون هذا الكلام أن التسلسل في العلل ممتنع، لأن العلة يجب وجودها عند وجود المعلول.\nوأما في الشروط والآثار - مثل كون","vol":"9","page":89},{"text":"الوالد شرطا في وجود الولد، ومثل كون الغيم شرطا في وجود المطر - فلا يمتنع.\nوهذا فيه نزاع معروف، وقد ذكر في غير هذا الوضع.\nوليس في هذا ما ينفع الفلاسفة في قولهم بقدم الأفلاك، وإنما غايته إبطال ما يقوله من يقول بوجوب تناهي الحوادث.\nوقد تقدم غير مرة أن حجة الفلاسفة باطلة على تقدير النقيضين، فإنه إذا امتنع وجود ما لا يتناهى بطل قولهم، وإن جاز وجوده لم يمتنع أن يكون وجود الأفلاك متوقفًا على حوادث قبله، وكل حادث مشروط بما قبله، كما يقولون هم في الحوادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها، ويقتضي أنه يلزم من قولهم أن لا يكون للحوادث فاعل، إذا كان كل حادث مشروطًا بحادث قبله.\nوالعلة التامة المستلزمة لمعلولها يمتنع عندهم -وعند غيرهم - أن يحدث عنها شيء بوسط أو غير وسط، لأن ذلك يقتضي تأخر شيء من معلولاتها فلا تكون تامة، بل فيها إمكان ما بالقوة لم يخرج إلى الفعل، وهو نقيض قولهم.\nقال ابن رشد: وأيضًا فإن قولهم: إن الحركة المشار إليها لا تخرج إلا وقد انقضت قبلها حركات لانهاية لها، قول لا يسلمه الخصوم، فإن الخصوم: إنه لا ينقضي إلا ما له ابتداء، وما لا مبدأ له - كما","vol":"9","page":90},{"text":"نضعه نحن - فلا انقضاء له وبهذا ينكرون قولهم: إن ما وقع في الماضي فقد دخل في الوجود، لأن معنى: دخل في الوجود، أنه تناهى وجوده وكمل، ولا يتناهى إلا ما له ابتداء، فأما ما لم يبتدي فلا يدخل في الوجود.\nقلت: لفظ الانقضاء والقضاء قد يعنى به الكمال والتمام.\nكما قال تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾، ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ ويقال: قد انقضت هذه السنة، والمضي والزوال.\nفمعلوم أن الحوادث التي كانت قبلها قد انقضت ومضت وانتهت، بمعنى أنها لم يبق منها شيء.\nوعلى هذا فقول القائل: كل حركة لا تكون حتى يكون قبلها حركات لا نهاية لها، معناه: حتى توجد قبلها حركات لا ابتداء لها.\nليس","vol":"9","page":91},{"text":"المراد: لا آخر لها، بل المراد: ليس لها ابتداء، وهذا صحيح، وهو أول المسألة.\nوالمنازع يقول: إذا كانت الحركات لا أول لها، فالمعنى أنه قد مضى في الماضي ما لا ابتداء له، كما يقال: إنه سيوجد في المستقبل ما لا انتهاء له.\nوهذا هو قوله، فما الدليل على بطلان هذا؟\nفهناك اشتراك واشتباه في الألفاظ والمعاني، إذا ميزت ظهر المعنى.\nولفظ الدخول في الوجود قد يتناول ما كمل وجوده وما لم يكمل وجوده، ويتناول ما وجد معًا وما وجد متعاقبًا.\nلكن قول القائل: إن الماضي دخل في الوجود دون المستقبل، عند منازعه فرق لا تأثير له.\nفإن أدلته النافية لإمكان دوام ما لا يتناهى، كالمطابقة والشفع والوتر وغير ذلك، يتناول الأمرين، وهي باطلة في أحدهما، فيلزم بطلانها في الآخر، ومن اعتقد صحتها مطلقًا، ك أبي الهذيل والجهم، طردوها في الماضي والمستقبل، وهو خلاف دين المسلمين وغيرهم من أهل الملل.\nوهذا الذي يذكره هؤلاء المتفلسفة إنما يتوجه فيما مضى ولم يبق كالحركات، فأما النفوس الإنسانية المجتمعة، إذا قالوا بأنه الآن في الوجود منها ما لا يتناهى وهو مجتمع، وأن ذلك لا يزال يزيد، لم يكن ما ذكروه في الحركات متناولًا لهذا.\nولهذا فر ابن رشد من ذلك إلى أن جعل النفوس واحدة بالذات، وشبهها بالضوء مع الشمس، والضوء عرض.\nوفساد هذا القول معلوم، وليس هذا موضع بسطه.","vol":"9","page":92},{"text":"ولهذا قال ابن رشد هنا: وهذا كله ليس بينًا في هذا الموضع، وإنما سقناه ليعرف أن ما توهم القوم من هذه الأشياء أنه برهان فليس برهانًا، ولا هو من الأقاويل التي تليق بالجمهور، أعني التراهين البسيطة التي كلف الله تعالى بها الجميع من عباده الإيمان به.\nقال: فقد تبين لك من هذا أن هذه الطريقة ليست برهانية صناعية ولا شرعية.\nوأيضًا فإن خصماءهم لا يضعون قبل الدورة المشار إليها دورات لا","vol":"9","page":93},{"text":"نهاية لها، لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود، هو الذي يوجد أبدًا شيء خارج عنه، أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائمًا، فهم إنما يضعون أن قبل هذه الدورة المشار إليها دورة، وقبل تلك الدورة دورة، وذلك إلى غير نهاية على التعاقب على محل واحد أي متى وجدت دورة وجدت قبلها في المحل دورة وبعدها دورة، وأن هذا المرور إلى غير نهاية، كالحال في المستقبل، فإنما نقول: إن بعد هذه الدورة دورة وبعدها دورة وذلك إلى غير نهاية، ولا نقول: إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها، فيلزم عن هذا أن يكون بعد الدورة التي كانت اليوم بمدة عشرة آلاف سنة دورات لا نهاية لها، وبعد الدورة المشار إليها الآن، فيكون ما لا نهاية لها أعظم مما لا نهاية له وذلك محال، وكذلك الحال في الأدوار الماضية.\nوقولهم: إن الفرق بين ما مضى وبين ما يأتي: أن ما يأتي لم يدخل في","vol":"9","page":94},{"text":"الوجود بعد، وأن مضى قد أنصرم وانقضى، وما انصرم وانقضى فواجب أن يدخل في الوجود، فهو متناه - قول حق، إلا أن الوضع الذي يضعه خصماؤهم في الدورات ليس بهذه الصفة، وذلك أنه لم يكن هناك حركة، واجب أن تكون أولى يستحيل أن تكون قبلها حركة، فليس يجب أن يكون ها هنا جملة، هي أو لجملة دخلت في الوجود، ولا جزء منها هو أول جزء دخل في الوجود.\nوالذي دخل منها في الوجود إنما هو شخص واحد أو أشخاص متناهية، إن كانت من الأشياء التي يوجد منها أكثر من شخص واحد.\nوذلك على جهة التعاقب على محل وحد.\nفمن أين-يلزم ليت شعري-إن كان الداخل منها في الوجود إنما هو واحد، وقبله واحد، أن يكون هاهنا جملة غير متناهية دخلت في الوجود معا؟.","vol":"9","page":95},{"text":"والأصل في هذا كله أن لا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده، وما انقضى وجوده ولا ينقضي إلا ما ابتدى وجوده، وإنما كان يلزم أن يدخل في الوجود ما لا نهاية له الماضي في الوجود، لو كان دخوله معا، أعني ما لا نهاية له، وأما الداخل فيه شخص فشخص على محل واحد، وكأنك قلت على الجسم الدوري وليس هناك أول، فليس يجب أن يكون ما دخل منها في الوجود منحصرا أو متناهيا، لأن المتناهي هو الذي يمكن يزاد عليه شيء، وأي جملة فرضناها متناهية فإنه يمكن أن يكون فيها جملة قبلها جملة أخرى.\nهذا هو حد ما لا نهاية له الجائز الوجود، أعنى أن يكون أبدًا يوجد شيء خارج عنه، ويسألون: كما أن تقدير وجود الباري ﷾ في الماضي غير متناه، وكما أن تقدير وجوده في المستقبل غير متناه ـوهذا معنى قولنا لم يزل ولا يزال: هل تقدر أفعاله في الماضي متناهية أو غير متناهية؟ .","vol":"9","page":96},{"text":"فإن قالوا: غير متناهية، كما هو في المستقبل، فقد اعترفوا بوجود ما لا نهاية له في الماضي، على الشرط الذي يوجد ما لا نهاية له، أعني أن لا يوجد معًا، وأن لا ينقطع المكان.\nوإن قالوا غير ذلك فقد أحالوا على الوجود الأزلي أن تكون أفعاله أزلية، يلزمهم ذلك في علمه بالحادثات وإرادته لها، فتكون معلوماته بالفعل متناهية، وكذا إرادته وبالقوة غير متناهية.\nأما في الماضي فمن قبل أنه لا يجوز عندهم أن تكون أفعال لا نهاية لها، وأما في المستقبل فمن قبل أن ما لا نهاية له إنما يوجد عنده بالقوة، وذلك شيء لا يقولونه.\nفإن قالوا: إرادته ومعلوماته غير متناهية بالفعل فقد سلموا دخول ما لا نهاية له بالفعل في الوجود.\nقال: وهذا كله تشويش لعقائد المتشرعين، وصد عن الغاية التي قصد بها تعريفهم هذه الأشياء، وهو أن يكونوا مصمين في هذه الأشياء أخيارًا، فإن من ليس بمصمم العقيدة في هذه ليس بخير.","vol":"9","page":97},{"text":"قلت: قول القائل: هذا متناه أو غير متناه لفظ مجمل، يراد به ما لا يتناهى من أوله ولا من آخره، فلا يمكن أن يزال عليه، وهذا هو مراد ابن رشد بما لا يتناهى من أوله فقط، أو من آخرهس فقط، كالحوادث الماضية إذا قيل: لا تتناهى، فإنه لا نهاية له من جهة الابتداء، بمعنى أنه لا ابتداء لها، ولكن إذا قدر أنها انقضت اليوم فقد تناهت من هذا الطرف.\nقال ابن رشد: فخصماء هؤلاء المتكلمين لا يقولون: قيل هذه الدورة المعنية دورات لا نهاية لها بالمعنى الأول، أي ليس لها أول ولا آخر، بل يعترفون أنه حينئذ يكون للدورات آخر.\nوهذا عندهم هو الذي لا يتناهى بالمعنى الآخر وهو جائز عندهم.\nقال: لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود، هو الذي يوجد أبدًا شيء خارج عنه، أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائمًا.\nقال: فهم إنما يضعون أن قبل هذه الدورة المشار إليها دورة،","vol":"9","page":98},{"text":"وقبل تلك الدورة دورة، إلى غير نهاية على التعاقب على محل واحد، كالحال في المستقبل، فإنا نقول: إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها، فيلزم أن يكون بعد هذه الدورة بمدة عشرة آلاف سنه دورات لانهاية لها، وبعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها، فيكون ما لا نهاية له أعظم مما لا نهاية له، وذلك محال.\nفمعنى ما لا نهاية له الذي جعل مقتضاه محالًا، هو الذي لا يقبل أن يزاد عليه، وهو ما لا أول له ولا آخر.\nوأما إذا قيل: وجد قبل هذه الدورة دورة، وقبلها دورة إلى غير نهاية، فهنا إنما نفيت النهاية عن الجانب الماضي دون المستقبل، فلا يطلق على الجملة أنها لا تتناهى، لأنها تناهت من أحد الجانبين، وإن كانت غير متناهنة من الجانب الآخر.\nفهو يسلم امتناع انقضاء وجود ما لا يتناهى في الماضي، إذا أريد به ما لا يتناهى من الجانبين.\nوما قدر متناهيًا من أحدهما فلا يسلم امتناع أنقضائه، ولا يطلق عليه أنه لا يتناهى، بل هو عنده قد تناهى لأنه انقضى، والتناهي","vol":"9","page":99},{"text":"والانقضاء واحد.\nولكن يقال فيه: إنه وجد شيئًا قبل شيء إلى غير نهاية، فتكون النهاية مسلوبة عن ابتدائه، لا عن الجانب الذي انتهى إليه.\nويقال: لا يتناهى مقيدًا لا مطلقًا كما قال: لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز وجودة، هو الذي يوجد أبدًا شيء خارج عنه، أي يمكن أن يزاد عليه دائمًا، فهذا يسميه ما لا نهاية له الجائز وجوده، وهو أن يكون خارجًا عنه شيء يمكن أن يزاد عليه دائمًا، هو إنما يقبل الزيادة من الجهة التي تناهى منها، فهو متناه من احد الطرفين، غير متناه من الطرف الآخر.\nفلهذا جاز أن يقال: ليس هو مما لا يتناهى لتناهيه من جانب، ويجوز أن يقال: هو لا يتناهى لعدم تناهيه من الجانب الآخر.\nولهذا نقول: إنه لا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده.\nوما انقضى - ولا ينقضي إلا ما ابتدأ وجوده - لأنه إذا قدر أن الحوادث دائمة لم تزل ولا تزال فلم تنقض، وإنما يفرض الإنسان انقضاء الماضي فرضًا، وإنما المنقضي ما لم يبق فيه شيء.\nوالحوادث إذا كانت مستمرة فما انقضت ولا انتهت، فما دخلت في","vol":"9","page":100},{"text":"الوجود.\nوالذي وجد في الماضي فهو متناه ليس هو مما لا يتناهى، وإنما يكون قد دخل ما لا يتناهى إذا كان ممتنعا في الوجود، فيكون قد انقضى، مع كونه غير متناه، وهذا ممتنع.\nفأما ما يوجد شيئًا بعد شيء، وهو لم يزل ولا يزال، فهذا ليس يجب أن يكون ما دخل منه في الوجود منحصرًا أو متناهيًا لأنه لم ينقض، بل هو متواصل الوجود، والمنقضي عنده ما انقطع وجوده ولم يبق منه شيء، وليست الحوادث المستمرة كذلك.\nفلفظ انقضى وانتهى وانصرم ونحو ذلك معناها متقارب.\nفإذا قال المتكلم: الحوادث الماضية قد انقضت، فلو لم تكن متناهية للزم انقضاء ما لا نهاية له، كان هذا تلبيسًا، فإنها إذا جعلت منقضية، فإنما انقضت من جهتنا لا من البداية، ومن هذه الجهة هي متناهية، وأما من جهة الابتداء فلا انتهاء لها ولا انقضاء، وما لا يتناهى هو ما لا ينقضي ولا ينصرم.\nفإذا قيل: انصرم وانقضى ما لا يتناهى، كان هذا تناقضيًا بينًا.\nوالحوادث الماضية ليس لها أول، فإذا قدر أنها انقضت فقد انتهت وانصرمت، فلا يطلق عليها أنها لا تتناهى، مع تقدير أنها منقضية، بل إذا قدر تناهيها فقد انقضت، وإن قدر استمرارها فلم تنقض.\nوما ذكره ابن رشد، كما أنه مبطل لقول من يقول بامتناع وجود ما لا","vol":"9","page":101},{"text":"يتناهى في الماضي والمستقبل -كما يقوله من يقوله من المتكلمين - فهو مبطل أيضًا لقول إخوانه من الفلاسفة، الذين يقولون بوجود ما لا يتناهى، ولا له أول ولا آخر في قديميين مختلفين، كما يقولونه: إن حركات كل واحد من الأفلاك لا تتناهى ولا لها بداية ولا نهاية، مع أن إحدى الحركات أكثر وأعظم من الأخرى.\nكما يقولون: إن القمر يتحرك في كل شهر مرة، والشمس في كل سنة مرة، والفلك المحيط في كل يوم مرة، فهو أعظم مقدارًا وأسرع حركة من فلك الشمس القمر وغيرهما، فإنه محيط بالجميع، فهو أعظم، وهو يتحرك كل يوم الحركة الشرقية التي تحرك بها جميع الأفلاك، وليس في الأفلاك ما يتحرك كل يوم غيره، فتكون حركته أكبر وأكثر من حركة سائر الأفلاك: فلك الشمس والقمر وغيرهما، فإن الأيام أكثر عددًا من الشهور، والشهور أكثر عددًا من الأعوام.\nونفس المتحرك كل يوم حركته أعظم مقدارًا مما يتحرك في الشهر والعام، مع أن كلًا من هذه الحركات ليس لها أول ولا آخر عندهم، فيلزم من ذلك أن يكون ما لا يتناهى وليس له أول ولا آخر، كحركة فلك القمر والشمس، يقبل أن يزاد عليه أضعافًا مضاعفة، بل وجد ما هو بقدره أضعافًا مضاعفة، وهو حركة الفلك المحيط، فيكون ما لا يتناهى من","vol":"9","page":102},{"text":"الجانبين وليس له أول ولا آخر، أعظم مما لا يتناهى وليس له أول ولا آخر وأكبر منه، وهذا هو الذي بين ابن رشد وغيره من النظار أنه ممتنع.\nولايلزم هذا أئمة أهل الملل قالوا: إن الرب يفعل أفعالًا، أو يقول كلمات لا نهاية لها، ليس لها أول ولا آخر.\nفإن هؤلاء يقولون: لا قديم إلا الله وحده، وما سواه محدث مخلوق، فلم يقم بغيرة ولا يصدرعن غيره ما لا يتناهى، وإنما ذلك له وحده، فلم يكن لغيره ما لا يتناهى من الطرفين، لا أقل مما له ولا أكثر.\nوذلك أن ابن رشد عنده ما لا يتناهى هو ما لا أول له ولا آخر، فما كان له منتهى ينتهي إليه محدود، فلا بد أن يكون له مبدأ محدود، فلا يتناهى شيء في النهاية إلا وله مبدأ محدود.\nولهذا قال: وأيضًا فإن خصماءهم لا يضعون قبل الدورة المشار إليها دورات لا نهاية لها، لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد أبدًا شيء خارج عنه، أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائمًا إلى قوله: (إن الفرق بين ما مضى وبين ما يأتي: أن ما يأتي لم يدخل في الوجود بعد، وأن ما مضى قد انقضى وانصرم، وما انقضى ونصرم فواجب أن يدخل في الوجود فهو متناه، فهو قول حق ومراده","vol":"9","page":103},{"text":"بذلك أن الذي ينقضي وينصرم هو ما له مبتدأ.\nوأما ما لا ابتداء له فلا انتهاء له ولا ينقضي ولا ينصرم\nولهذا قال: إلا أن الوضع الذي يضعه خصماؤهم في الدورات ليس بهذه الصفة، وذلك أنه لم يكن هناك حركة، واجب أن تكون أولى بحيث يستحيل أن تكون قبلها حركة، فليس يجب أن يكون ها هنا جملة دخلت في الوجود، ولا جزء منها هو أول جزء دخل في الوجود.\nوالذي دخل منها في الوجود إنما هو شخص واحد أو أشخاص متناهيه، إن كانت من الاشياء التي يوجد منها أكثر من شخص واحد.\nإلى قوله: فمن أين يلزم - ليت شعري - إن كان الداخل منها في الوجود إنما هو واحد وقبله واحد، أن يكون ها هنا جملة غير متناهية دخلت في الوجود معا.\nقال: والأصل في هذا كله ألا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده، وما انقضى، ولا ينقضي إلا ما ابتدأ وجوده.\nإلى قوله: لأن المتناهي هو الذي يمكن أن يزاد عليه شيء.\nوأي جمله فرضناها متناهية فإنه يمكن قبلها جملة أخرى.\nوهذا هو حد مالا يتناهى الجائز الوجود.","vol":"9","page":104},{"text":"وقد قال قبل ذلك: لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد أبدا شيء خارج عنه، أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما.\nإلى قوله: ولا نقول: إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها، فيلزم من هذا أن يكون بغد الدورة التي كانت اليوم بمدة عشرة آلاف سنة دورات لا نهاية لها وبعد الدورة المشار إليها دورات لا نهاية لها فمن تدبر كلامه تبين له ما قلناه.\nقلت: فأما الكلام على إحاطة علم الله تعالى بالكليات والجزئيات وإرادته، فمذكور في غير هذا الموضع.\nوهذا الرجل قد أورد على هؤلاء هذا السؤال المعروف، وهو الذي أوقع أبا المعالي في قوله بالارسترسال، وأن العلم يحيط بأعيان الجواهر وأنواع الأعراض، ويسترسل على أعيان الأعراض.\nهذا ليس هو قول من يقول بأنه يتعلق بالكليات فإن ذلك لا يفرق بين الجواهر وأنواع أعراض وأعيانها.\nومن علم أن الكليات لا تكون إلا كلية في الذهن، وأن كل موجود فإنه معين، والأفلاك معينة، والعقول والنفوس عندهم معينة، ونفسه المقدسة معينة، تبين له أن قول من يقول: يعلم الكليات، وأنه إنما يعلم الجزئيات","vol":"9","page":105},{"text":"على وجه كلي، مضمون كلامه أنه لا يعلم نفسه ولا شيئا من الموجودات.\nوهذا وهم يقولون: إنه مبدع لها وسبب في وجودها، وأنا العلم بالسبب يقتضي العلم بالمسبب.\nفقولهم هذا يوجب علمه بنفسه وبكل موجود، وذلك يناقض هذا.\nوهذا مبسوط في موضعه.\nوهذا الرجل -أعني ابن رشد - أراد أن يجمع بين قولهم هذا وبين علمه بالجزئيات، فقال قولا فيه من الحيرة والتناقض ما هو مذكور في موضعه.\nوالمقصود هنا ذكر ما ناقض به قول هؤلاء المتكلمين الذين يزعمون أن عقلياتهم تعارض الكتاب والسنة، وله أيضا من عقلياته، التي يزعم أنها تناقض ذلك في الباطن، ما هو مردود عليه بالعقل الصريح أيضا.\nلكن من عرف كلام بعض هؤلاء مع بعض، تبين له فساد كل ما يعارض به كل طائفة للنصوص النبوية، وأنه ما من معقول يدعى معارضته لذلك إلا وقد نقضه أهل المعقول بما يتبين فساده، ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين﴾ الصافات: ١٨٠ -١٨٢.\nقال ابن رشد: والأولى أن يقال لمن وصل من الجمهور إلى هذا","vol":"9","page":106},{"text":"القدر من التشكك: إن العالم ليس هو موجودا واحدا، وإنما هو أفعال لله متجددة ومتعاقبة، فيمكن في العقل أن تكون هذه الأفعال أزلية، ويمكن أن تكون محدثة، إلا أن الشرائع كلها قد وردت بأنها محدثة، فيجب التصديق بأحد الجائزين الذي ورد به الشرع، وأن يقال في علمه وإرادته: إنهما غير مكيفين ولا حادثين، ولا يلزم في العلم المكيف الحادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>فصل</span>\nقال ابن رشد: وأما الطريقة الثانية فهي الطريقة التي استنبطها أبو المعالي في رسالته المعرفة بالنظامية ومبناها على مقدمتين: إحداهما أن العالم بجميع ما فيه جائر أن يكون على مقابل ما هو عليه حتى يكون من الجائز مثلًا أن يكون أصغر مما هو وأكبر مما هو عليه،","vol":"9","page":107},{"text":"أو يكون حركة كل متحرك منها إلى جهة ضد الجهة التي يتحرك إليها، حتى يمكن في الحجر أن يتحرك إلى فوق، وفي النار أن تتحرك إلى أسفل، وفي الحركة الشرقية أن تكون غربية، وفي الغربية أن تكون شرقية.\nوالمقدمة الثانية أن الجائز محدث وله محدث، أي فاعل محدث صيره بأحد الجائزين أولى منه بالجائز الآخر.\nقال: فأما المقدمة الأولى فهي خطابية في بادئ الرأي، وهي في بعض أجزاء العالم فظاهر كذبها بنفسها، مثل كون الإنسان موجودًا على خلقه غير هذه الخلقة التي هو عليها، وفي بعضه الأمر فيه مشكوك، مثل كون الحركة الشرقية غربية، والغربية شرقية\n، إذ كان ذلك ليس معروفًا بنفسه، إذ كان يمكن أن يكون ذلك لعلة غير بينة الوجود بنفسها، أو تكون من العلل الخفية على الإنسان.","vol":"9","page":108},{"text":"ويشبه أن يكون ما يعرض للإنسان في أول الأمر عند النظر في هذه الأشياء، شبيهًا بما يعرض لمن ينظر في أجزاء المصنوعات، من غير أن يكون من أهل تلك الصنايع.\nوذلك أن هذا الذي شأنه قد يسبق إلى ظنه أن كل ما في تلك المصنوعات - أو جلها - ممكن أن يكون على خلاف ما هي عليه ويوجد على ذلك المصنوع ذلك الفعل بعينه الذي صنع من أجله، أعني غايته، فلا يكون في ذلك المصنوع عند هذا موضع حكمة.\nوأما الصانع الذي يشارك الصانع في شيء من علم ذلك، فقد يرى أن الأمر بضد ذلك، وأنه ليس في المصنوع شيء إلا واجب ضروري، أو ليكون به المصنوع أتم وأفضل إن لم يكن ضروريًا فيه، وهذا هو معنى الصناعة.\nوالظاهر أن المخلوقات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع، فسبحان الخلاق العظيم!.\nوهذه المقدمة من جهة أنها خطابية قد تصلح لإقناع الجميع، ومن جهة أنها كاذبة ومبطلة لحكمة الصانع، فلا تصلح لهم.\nوإنما صارت مبطلة للحكمة - لأن الحكمة ليست شيئًا أكثر من معرفة","vol":"9","page":109},{"text":"أسباب الشيء، وإذا لم يكن للشيء أسباب ضرورية تقتضي وجوده -على الصفة التي هو بها ذلك النوع موجودًا، فليس هنا معرفة يختص بها الحكيم\nالخالق دون غيرة، كما أنه لو لم تكن أسباب ضرورية في وجود الأمور المصنوعة، لم يكن هنالك صناعة أصلًا، ولا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ليس بصانع.\nوأي حكمة كانت تكون في الإنسان، لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن أن تتأتى بأي عضو اتفق، أو بغير عضو، حتى يكون الإبصار مثلًا يتأتى بالآذان كما بالعين، والشم بالعين كما يتأتى بالأنف.\nوهذا كله إبطال للحكمة وإبطال للمعنى الذي سمى به نفسه حكيمًا تعالى وتقدست أسماؤه عن ذلك.\nقلت: مضمون هذا الكلام إثبات ما في الموجودات من الحكمة والغاية المناسبة\nلاختصاص كل منها بما خص به، وأن ارتباط بعض الأمور ببعض قد يكون شرطًا في الوجود، وقد يكون شرطًا في الكمال.\nوبإثبات هذا أخذ يطعن في حجة أبي المعالي وأمثاله، ممن لايثبت إلا مجرد المشيئة المحضة التي تخصص كلًا من المخلوقات بصفته وقدره.\nفإن هذا قول من أهل الكلام، كالأشعرية والظاهرية، وطائفة من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة.\nوأما الجمهور من المسلمين","vol":"9","page":110},{"text":"وغيرهم، فإنهم - مع أنهم يثبتون مشيئة الله وإرادته - يثبتون أيضًا حكمته ورحمته.\nوهؤلاء المتفلسفة أنكروا على الأشعرية نفي الحكمة الغائية، وهم يلزمهم من التناقص ما هو أعظم من ذلك، فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية، كما هو قول جمهور المسلمين، فإنه يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى، فإن من فعل المفعول لغاية يريدها كان مريدًا للمفعول بطريق الأولى والأحرى.\nفإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار، ويقولون: إنه علة موجبة للمعلول بلا إردة، كان هذا في غاية التناقص.\nما هو أعظم من ذلك، فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية، كما هو قول جمهور المسلمين، فإنه يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى، فإن من فعل المفعول لغاية يريدها كان مريدًا للمفعول بطريق الأولى والأحرى فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار، ويقولون: إنه على موجبة للمعلول بلا إرادة، كان هذا في غاية التناقص.\nومن سلك طريقة أبي المعالي في هذا الدليل، لايحتاج إلى أن ينفي الحكمة، بل يمكنه إذا أثبت الحكمة المرادة أن يثبت الإرادة بطريق الأولى.\nوحينئذ فالعالم بما فيه من تخصيصه ببعض الوجوه دون بعض، دال على مشيئة فاعله، وعلى حكمته أيضًا ورحمته المتضمنة لنفعه وإحسانه إلى خلقه.\nوإذا كان كذلك فقولنا: إن ما سوى هذا الوجه جائز يراد به أنه جائز ممكن من نفسه، وأن الرب قادر على غير هذا الوجه، كما هو قادر عليه.\nوذلك لا ينافي أن تكون المشيئة والحكمة خصصت بعض الممكنات المقدرات دون بعض.","vol":"9","page":111},{"text":"فهذه المقدمة التي ذكرها أبو المعالي مقدمة صحيحة لا ريب فيها، وإنما الشأن في تقرير المقدمة الثانية، وقد ذكر الكلام عليها في غير هذا الموضع، وهو أن التخصص للممكنات ببعض الوجوه دون بعض: هل يستلزم حدوثها أم لا؟\nقال ابن رشد: وقد نجد ابن سينا يذعن إلى هذه المقدمة بوجه ما.\nوذلك أنه يرى أن كل موجود ما سوى الفاعل فهو إذا اعتبر بذاته ممكن وجائز، وأن هذه الجائزات صنفان: صنف هو جائز باعتبار فاعله.\nوصنف هو واجب باعتبار فاعله ممكن باعتبار ذاته، وأن الواجب بجميع الجهات هو الفاعل الأول.\nقال: وهذا قول في غاية السقوط، وذلك أن الممكن في ذابه وفي جوهره، ليس يمكن أن يكون ضروريًا من جهة فاعله، وإلا انقلبت طبيعة الممكن إلى طبيعة الضروري فإن قيل: إنما نعني بكونه ممكنًا باعتبار ذاته أنه متى توهم فاعله وتفعًا ارتفع هو.\nقلنا: هذا الارتفاع مستحيل لازم عن مستحيل وهو ارتفاع السبب الفاعل، وليس هذا موضع الكلام في هذا الرجل، ولكن","vol":"9","page":112},{"text":"للحرص على الكلام معه في الأشياء التي اخترعها هذا الرجل استجزنا القول هنا معه.\nقلت: مراد ابن رشد أن المفعول لا يكون قديمًا أزليًا فإن الضروري عنده وعند عامة العقلاء، حتى أرسطو وأتباعه، وحتى ابن سينا وأتباعه -وإن تناقصوا- هو القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه في الماضي والمستقبل.\nوهذا يمتنع أن يكون ممكنًا يقبل الوجود والعدم، بل هذا لا يكون إلا محدثًا، يمتنع أن ينقلب قديمًا، فلهذا قال: الممكن يمتنع أن يكون ضروريًا.\nأما كون الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه، وهو المحدث، يصير واجب الوجود بغيره، فهذا لا ريب فيه، وما أظن ابن رشد ينازع في هذا ولكن من المتكلمين من ينازع في هذا.\nوهذا حق، وإن قاله ابن سينا، فليس كل ما يقوله ابن سينا هو باطلًا.\nبل هو مذهب أهل السنة أنه م شاء الله كان فوجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن فامتنع وجوده.\nوهذا يوافق عليه جماهير الخلق، فإن هؤلاء يقولون: كل ما سوى الله ليس له من نفسه وجود.\nوهذا يعنون بكونه ممكنًا، لا يعنون بذلك أنه يمكن أن لا يوجد، فهو واجب بغيره، غير واجب بنفسه.","vol":"9","page":113},{"text":"ولهم نزاع فيما إذا عدم.\nهل يقولون: عدم لعدم موجبه أولا يعلل عدمه؟ بل ليس له من نفسه وجود، وإنما وجوده بفاعله.\nفإذا لم يفعله فاعل بقي على العدم المستمر.\nهذا فيه نزاع لفظي اعتباري.\nوتحقيق الأمر أن عدم علته مستلزم لعدمه، لا أن عدم علته فعل عدمه وأوجب عدمه، ولكن يلزم من عدم علته عدمه.\nفإن أريد بالعلة في عدمه، المؤثر في عدمه، فعدمه المستمر لا يحتاج إلى مؤثر.\nوإن أريد به المستلزم لعدمه، فلا ريب أن عدم علته مستلزم لعدمه.\nوهؤلاء يقولون: إن الجائزات صنفان: صنف هو جائز باعتبار فاعله، وصنف هو واجب باعتبار فاعله.\nبل الجائزات الموجوده كلها واجبة باعتبار فاعلها، وما لم يوجد من الجائزات، فهو جائز باعتبار يفسه، وهو ممتنع لغيره.\nفكما أن ما وجد من الممكنات فهو واجب لغيره لا لنفسه، فما لم يوجد منها، فهو ممتنع لغيره لا لنفسه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما شاء أن يكون، فلا بد أن يكون، وليس هو واجبًا بنفسه، ولا له من نفسه وجوده، بل الله مبدعه.","vol":"9","page":114},{"text":"وما لم يشأ لم يكن، فإنه يمتنع وجود شيء بدون مشيئة الله تعالى، وإن كان الله قادرًا عليه، وهو ممكن في نفسه، أي يمكن أن يخلقه الله، لوشاء الله خلقه.\nفهذا الباب كثير من النزاع فيه لفظي.\nوهم لا يعنون بكونه ممكنًا باعتبار ذاته، أنه متى توهم فاعله مرتفعًا ارتفع هو.\nولكن ابن سينا وأتباعه الذين يقولون: إن الفلك قديم أزلي، وهو مع هذا ممكن، يعنون ذلك.\nوأما عامة العقلاء فيعنون بذلك أنه لا يوجد بنفسه، وأنه باعتبار نفسه يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد.\nوما كان كذلك فهو محدث.\nولا ريب أنه مع هذا واجب بغيره حين وجوده لا قبل وجوده يمتنع ارتفاعه حين وجوده، لا متناع ارتفاع فاعله، ولا يمتنع ارتفاعه مطلقًا، إذا كان معدومًا فوجد، فارتفاعه مستحيل حين وجوده، لازم عن مستحيل.\nوالذي ينكره جمهور العقلاء - ابن رشد وغيره - على ابن سينا ومن وافقه من المتأخرين، قولهم بأن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم قد يكون قديمًا أزليًا واجبًا بغيره، فهذا مما ينكره الجمهور\nوقد ذكر ابن رشد أنه مخالف لقول أرسطو ومتقدمي الفلاسفة.\nولهذا","vol":"9","page":115},{"text":"لزم ابن سينا وموافقيه من التناقض ما ذكر بعضه الرازي.\nوهم إذا حقق الكلام عليهم في الممكن فروا إلى إثبات الإمكان الاستقبالي، وهو أنه يمكن في هذا الموجود أن يعدم في المستقبل، وفي المعدوم العين أن يوجد في المستقبل، فيكون الممكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثًا.\nوهذا قول جمهور العقلاء.\nوكلامهم في الإلهيات وفي هذا الممكن القديم الأزلي مضطرب غاية الاضطراب، كما ذكره ابن رشد وغيره.\nوأما كلامهم فيه، في المنطق وغيره، فوافقوا فيه سلفهم،\nأرسطو واتباعه وسائر العقلاء، وصرحوا بأن الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا محدثًا مسبوقًا بعدم نفسه، وقسموا الممكن إلى أقسام كلها محدثة، وجعلوا قسيم الممكن العامي، هو الضروري الواجب وجوده، وهو القديم الأزلي، وصرحوا بأن ما كان قديمًا أزليًا يمتنع أن يقال: إنه ممكن يقبل الوجود والعدم.\nوممن صرح بذلك ابن سينا وأتباعه لما تكلموا في الإلهيات","vol":"9","page":116},{"text":"وأحدثوا مذهبًا ركبوه من مذهب سلفهم- أرسطو وأتباعه-ومن مذهب أهل الكلام المعتزلة ونحوهم، وقسموا الوجود إلى واجب ممكن، كما قسمه المتكلمون إلى قديم وحادث ٠\nوهذا التقسيم ابتدعوه، لم يذهب إليه قدماء الفلاسفة، بل قدماؤهم قسموه إلى جوهر وتسعة أعراض، كما هو معروف في كتاب قاطبغورياس، وجعلوا العلة الأولى من مقولة الجوهر ٠\nوهؤلاء جعلوا هذه القسمة للممكن، وقالوا: الوجود إما واجب، وإما ممكن، والممكن لا بد له من واجب ٠ فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين ٠\nوظنوا أن هذه الطريقة التي ابتدعوها في إثبات رب العالمين طريقة عظيمة، وأنها غاية عقول العقلاء، وهي من أفسد الطرق، لا تدل على إثبات مبدع للعالم البتة، فإنهم يحتاجون إلى حصر الوجود في القسمين\n، ثم إلى بيان أن الممكن الذي جعلوه قسيم الواجب يستلزم ثبوت الواجب الذي ادعوه، وهذا ممتنع على طريقهم.\nفإنهم إذا قالوا: الموجود إما أن يقبل العدم، وإما أن لا يقبله، وما قبل العدم فهو الممكن، ولا بد له من واجب.\nقيل لهم: إن عنيتم بما يقبل العدم المحدث، كان مقتضى الحجة إثبات قديم محدث للمحدثات. وهذا حق، ولكن القديم عندكم قد يكون واجبًا وقد يكون","vol":"9","page":117},{"text":"ممكنًا، فليس في هذا ما يدل على إثبات واجب.\nوإن قلتم: إن الممكن لا بد له من واجب.\nقيل لكم: فمعلوم أن المحدث لا بد له من فاعل. وأما ما جعلتموه قديمًا أزليًا، وسميتموه ممكنًا، فهذا لا يعلم أنه يفتقر إلى فاعل، بل عامة العقلاء يقولون: إنه يمتنع أن يكون لهذا فاعل.\nولو قدر أن له فاعلًا، لكان هذا يعلم بنظر دقيق خفي، فلا يمكن أن يكون إثبات واجب الوجود موقوفًا على مثل هذه المقدمة.\nفإن قالوا: نحن قد قررنا أنه ممكن، ولا بد للمكن من واجب.\nقيل: أنتم جعلتموه ممكنًا قديمًا أزليًا، وهذا عند جمهور العقلاء جمع بين النقيضين، وهو ممتنع. والممتنع قد يلزمه حكم ممتنع. وإنما موجب دليلكم ثبوت قديم أزلي، وهذا حق٠\nوالقديم الأزلي عندكم يمكن أن يكون واجبًا، ويمكن أن يكون ممكنًا.\nوهذا الممكن لم نعلم أنه يفتقر إلى واجب، فلا يلزم ثبوت الواجب الذي ادعيتموه، كما لم يلزم ثبوت الممكن الذي ادعيتموه.\nوإن قلتم: إذا قدر عدم هذا الممكن لزم ثبوت القسم الآخر، وهو الواجب، لانحصار الموجود في الواجب والممكن، كما بيناه.\nقيل لكم: كما لم يلزم ثبوت هذا الممكن، فلم يثبت نفيه، بل الشك حاصل وإن قدر انتفاؤه.","vol":"9","page":118},{"text":"فإذا لم يثبت وجود ممكن بل واجب، لم يكن في هذا ما يدل على أن في الوجود ما هو ممكن، وأمكن أن يقال الوجود كله واجب، كما يقوله من يقول بوحدة الوجود ويقول: عين وجود ما يسمى ممكنًا ومحدثًا هو عين وجود الواجب، فصار حقيقة قولكم إن الوجود كله إما واجب وإما ممكن، هو نوعان: قديم ومحدث.\nوهذا الكلام لا فائدة فيه، بل ليس فيه إلا ذكر التقسيم، والشك في وجود الواجب، أو إثبات واجب يعم المحدث والقديم، وهو باطل قطعًا، فليس فيه إلا الجزم بالباطل، أو الشك في الحق، أو يقولوا: إن الموجود يمكن أن يكون كله واجبًا، ويمكن أن يكون ليس فيه واجب، بل هو إما محدث وإما قديم ممكن.\nومعلوم أن كل القولين معلوم الفساد بالضرورة، وأن الوجود فيه حوادث كانت معدومة فوجدت، وهذه ممكنات، وأنه لا بد لها من قديم أزلي، والقديم الأزلي يجب وجوده، ويمتنع أن يكون ممكنًا.\nوهذا يبين أن كل ما سوى الواجب المبدع فهو محدث كائن بعد أن لم يكن، وهذا كله يناقض ما قالوه.\nولهذا يوجد في بحوث من سلك طريقهم، ك الرازي والآمدي، من البحوث المضطربة، في الواجب والممكن والعلة والمعلول، ما ليس هذا موضع بسطه، وقد تكلم عليه في غير هذا الموضع.","vol":"9","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>فصل</span>\nفإن قالوا: نحن إذ قلنا: الوجود: إما واجب، ذاته لا تقبل العدم، وإما ممكن يقبل العدم، وما كان قابلًا للعدم فلا بد له من واجب، لزم ثبوت الواجب على التقديرين، مع قطع النظر عن الممكن: هل يكون قديمًا أم لا؟\nبل نفس تصور هذه الحقيقة، وهو كونه يقبل العدم، فيلزم افتقاره إلى فاعل.\nقيل صحيح.\nلكن هذا التقسيم لا يستلزم ثبوت القسمين في الخارج، إن لم يبين ثبوت الممكن، ولكن يلزم ثبوت موجود لا يقبل العدم على التقديرين.\nوهذا لا يناقض قول القائل بأن الموجود واحد لا يقبل العدم، وإنما يبطل قول هؤلاء إذا بين أن في الوجود ما هو ممكن يقبل العدم.\nوليس في مجرد التقسيم ثبوت القسمين، وإنما يثبت القسمان إذا ثبت أن في الوجود ممكنًا يقبل العدم، وهذا الممكن لا بد له من واجب.\nوحينئذ فيكون استدلالًا بوجود الممكن المعلوم إمكانه على القديم، وهذا استدلال بالمحدثات على القديم، لا استدلال بالوجود من حيث هو جود الواجب، كما ظن ابن سينا وأتباعه بأن الوجود من حيث هو","vol":"9","page":120},{"text":"وجود، إذا دل على وجود واجب، لم يناقض ذلك أن يكون الوجود كله واجبًا\nفإذا قال أنا أبين بعد أن فيه محدثًا.\nقيل: إذا بين ذلك ثبت أن فيه قديمًا، ويكون الدليل على ثبوت القديم وهو الحوادث.\nوهذه طريقة صحيحة، وهي تدل على إثبات قديم، لا على ثبوت واجب له مفعول قديم، لكن نفس الوجود يدل على كل تقدير ثم يقال: وليس الوجود كله واجبًا قديمًا، فإن نشهد حدوث المحدثات، والمحدث ليس بقديم، وليس بواجب الوجود وعدمه.\nولا بممتع الوجود يجب عدمه، فإنه كان موجودًا تارة، ومعدومًا أخرى.\nفعلم أنه يمكن وجوده وعدمه.\nوما كان هكذا فلا بد له من فاعل قديم أزلي يمتنع عدمه، فثبت وجود الموجود القديم الأزلي من نفس الوجود ومن وجود المحدثات، وثبت من وجود المحدثات أنه ليس كل موجود قديمًا ولا واجبًا، بل ثبت انقسام الوجود إلى قديم واجب وإلى محدث ممكن بهذه الطريق، وهي طريق الحدوث، وطريق الإمكان الذي لا يناقض الحدوث بل يلازمه، فأما الإمكان الذي ابتدعوه، فلا يثبت هو بنفسه، ولا يثبت به شيء.\nثم الكلام في تعيين القديم الواجب، وأن السماوات محدثه، له طرق","vol":"9","page":121},{"text":"متعددة ضرورية ونظرية، كما قد بسط في موضع آخر، وبين أن معرفة الصانع فطرية ضرورية: معرفته بعينه، وأن السماوات والأرض وما بينهما مخلوقه له، حادثه بعد أن لم تكن، وأن كل مولود يولد على الفطرة وأن الله خلق عباده حنفاء، ولكن شياطين الإنس والجن أفسدوا فطرة بعض الناس، فعرض لهم ما أزاحهم عن هذه الفطرة.\nولهذا قالت الرسل: ﴿أفي الله شك فاطر السماوات والأرض﴾ ولما قال فرعون لموسى على سبيل الإنكار، لما قال موسى: إني رسول من رب العالمين، قال: ﴿وما رب العالمين﴾ قال له موسى: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون *قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾ .\nولما قال لموسى وهارون: ﴿فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين﴾ .\nقال ابن رشد: وأما المقدمة الثانية، وهي القائلة: إن الجائز","vol":"9","page":122},{"text":"محدث، فهي مقدمة غير بينة بنفسها، وقد اختلف فيها العلماء.\nفأجاز أفلاطون أن يكون شيئًا جائزًا أزليًا، ومنعه أرسطوطاليس، وهو مطلب عويص، ولم يتبين حقيقته إلا لأهل صناعة البرهان، وهم العلماء الذين خصهم الله بعلمه، وقرن شهادتهم في الكتاب العزيز بشهادتة وشهادة ملائكته.\nقلت: أما دعواه أن العلماء المذكورين في القرآن هم إخوته الفلاسفة أهل المنطق وأتباع اليونان فدعوى كاذبة، فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الذين أثنى الله عليهم بالتوحيد ليس هم من المشركين الذين يعبدون الكواكب والأوثان ويقولون بالسحر، ولا ممن يقول بقدم الأفلاك، ولا ممن يقول قولًا يستلزم أن تكون الحوادث حدثت بأنفسها ليس لها فاعل، ونعلم بالاضطرار أن العلم بالتوحيد ليس موقوفًا على ما انفرادوا به في المنطق من الكلام في الحد والقياس بما يخالفهم فيه أكثر الناس، كتفريقهم بين الذاتيات والعرضية اللازمة للماهية، وتفريقهم بين حقيقة الأعيان الموجودة التي هي ما هيتها، وبين نفس الوجود الذي هو الأمر الموجود، وأمثال ذلك.\nوهذا الذي ذكره من ينازع هذين، فإنه ينصر قول","vol":"9","page":123},{"text":"أرسطو طاليس، ويقول: إن الجائز وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثًا، وينكر على ابن سينا قوله بأن الجائز وجوده وعدمه يكون قديمًا أزليًا، وحكايته لهذا عن أفلاطون، قد يقال: إنه لا يصح فيما يثبته قديمًا من الجواهر العقلية، كالدهر والمادة والخلاء، فإنه يقول بأنها جواهر عقلية قديمة أزلية، لكن القول مع ذلك بأنها جائزة ممكنة، ونقل ذلك عنه فيه نظر.\nوأما الأفلاك فالمنقول عن أفلاطون وغيرة أنها محدثة، فإن أرسطو طاليس يقول بقدم الأفلاك والعقول والنفوس، وهي على اصطلاح هؤلاء ممكنة جائزة، وعلى أصله يكون أزليًا، وهم ينقلون: إن أول من قال من هؤلاء بقدم العالم هو أرسطو طاليس، وهو صاحب التعاليم.\nوأما القدماء كأفلاطون وغيرة، فلم يكونوا يقولون بقدم ذلك، وإن كانوا يقولون- أو كثير منهم -بقدم أمور أخرى قد يخلق منها شيء أخر، ويخلق من ذلك شيء آخر، إلى أن ينتهي الخلق إلى هذا العالم.\nفهذا قول قدمائهم، أو كثير منهم، وهو خير من قول أرسطو وأتباعه.\nقال ابن رشد: وأما أبو المعالي فإنه رام أن يبين هذه المقدمة","vol":"9","page":124},{"text":"بمقدمات: إحداها: أن الجائز لا بد له من مخصص يجعله بأحد الوصفين الجائزين أولى من الثاني والثانية: أن هذا المخصص لا يكون إلا مريدًا والثالثة: أن الموجود على الإرادة حادث.\nثم بين أن الجائز يكون عن الإرادة، أي عن فاعل مريد من قبل أن كل فعل فإما أن يكون عن الطبيعة، وإما عن الإرادة.\nوالطبيعة ليس يكون عنها أحد الجائزين المتماثلين دون مماثلة.\nمثال ذلك أن السقمونيا ليس تدذب الصفراء التي في الجانب الأيمن من البدن دون التي في الأيسر.\nوأما الإرادة فهي التي تخصص الشيء دون مماثلة.\nثم أضاف إلى هذه أن العالم يماثل كونه في الموضع الذي خلق فيه، من الجو الذي خلق فيه، يريد الخلاء، لكونه في غير ذلك الموضع من ذلك الخلاء، فأنتج ذلك أن العالم خلق عن إرادة.","vol":"9","page":125},{"text":"قال: والمقدمة القائلة: إن الإرادة هي التي تخص أحد المتماثلين صحيحة، والقائلة إن العالم في حد يحيط به كاذبة أو غير بينة بنفسها، ويلزم أيضًا عن وضعه هذا الخلاء أمر شنيع عندهم، وهو أن يكون قديمًا، لأنه إن كان محدثًا احتاج إلى خلاء.\nقلت: أما تسليمه أن الإرادة تخص أحد المتماثلين، فيناقض ما قد ذكر أولًا من أنه لا بد من المفعول من حكمة اقتضت وجوده دون الآخر.\nوالإرادة تتعلق بالمفعول لعلم المريد بما في المفعول من تلك الحكمة المطلوبة.\nومن كان هذا قوله امتنع عنده تخصيص أحد المتماثلين بالإرادة، بل لا بد أن يختص أحدهما بأمر أوجب تعلق الإرادة به، وإلا فمع التساوي يمتنع أن يراد أحدهما على هذا القول.\nومتى تسلم هذا أمكن أن يقال: إن مجرد اختيار الفاعل، وهي إرادته، خصت الوجود بدهر دون دهر مع التماثل، وبقدر دون قدر، وبوصف دون وصف.\nوأما منازعته في أن العالم في حد يحيط به، فهم لا يحتاجون أن يثبتوا أمرًا واحدًا وجوديًا يكون العالم فيه، بل هم يقولون: إنا نعلم إمكان تيامنه وتياسره بالضرورة، وإن كان ما وراءه عدم محض، وتسمية ذلك موضعًا، كقول القائل: العالم في موضع.\nولفظ الموضع والمكان والحيز يراد به أمر موجود وأمر معدوم.","vol":"9","page":126},{"text":"قال ابن رشد: وأما المقدمة القائلة: إن الإرادة لا يكون عنها إلا مراد حادث فذلك شيء غير بين.\nوذلك أن الإرادة التي هي بالفعل، فهي مع فعل المراد نفسه، لأن الإرادة من المضاف.\nوقد تبين أنه إذا وجد أحد المضافين بالفعل، وجد الآخر بالفعل، مثل الأب والابن.\nوإذا وجد أحدهما بالقوة، وجد الآخر بالقوة، فإن كانت الإرادة التي هي بالفعل حادثة، فالمراد لا بد حادث، وإن كانت الإرادة التي بالفعل قديمة، فالمراد الذي بالفعل قديم.\nوأما الإرادة التي تتقدم المراد فهي الإرادة التي بالقوة، أعني التي لم يخرج مرادها إلى الفعل، إذا لم يقترن بتلك الإرادة الفعل الموجب لحدوث المراد.\nولذلك هو بين أنها إذا خرج مرادها للفعل أنها على نحو من الوجود لم تكن عليه قبل خروج مرادها إلى الفعل، إذ كانت هي السبب في حدوث المراد بتوسط الفعل.\nفإذًا لو وضع المتكلمون أن الإرادة حادثة لوجب أن يكون المراد محدثًا ولابد.\nقال: والظاهر من الشرع أنه لم يتعمق هذا التعمق مع الجمهور","vol":"9","page":127},{"text":"ولذلك لم يصرح لا بإرادة قديمة ولا حادثة، بل صرح بما الأظهر منه أن الإرادة موجدة موجودات حادثة.\nوذلك قوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ وإنما كان ذلك كذلك، لأن الجمهور لا يفهمون موجودات حادثة عن إرادة قديمة، بل الحق أن الشرع لم يصرح في الإرادة لا بحدوث ولا قدم، لكون هذا من المتشابهات في حق الأكثر، وليس بأيدي المتكلمين برهان قطعي على استحالة إرادة حادثة في موجود قديم.\nلأن الأصل الذي يعولون فيه على نفي قيام الإرادة الحادثة بمحل قديم هي المقدمة التي بينا وهنها، وهي أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث، وسنبين هذا المعنى بيانًا أتم عند القول في الإرادة قلت: الكلام في الإرادة وتعددها، أو وحده عينها، أو عمومها، أو خصوصها وقدمها، أو حدثها أوحدوث نوعها، أوعينها.\nوتنازع الناس في ذلك ليس هذا موضعه، وهي من أعظم محارات النظار.\nوالقول فيها يشبه القول في الكلام ونحوه، لكن نفس تسليم","vol":"9","page":128},{"text":"الإرادة للمفعول يستلزم حدوثه، بل تسليم كون الشيء مفعولًا يستلزم حدوثه.\nفأما مفعول مراد أزلي لم يزل ولا يزال مقارنًا لفاعله المريد له، الفاعل له بإرادة قديمة وفعل قديم، فهذا مما يعلم جمهور العقلاء بضرورة العقل.\nوحينئذ فبتقدير أن يكون الباري لم يزل مريدًا لأن يفعل شيئًا بعد شيء، يكون كل ما سواه حادثًا كائنًا بعد أن لم يكن، وتكون الإرادة قديمة، بمعنى أن نوعها قديم، وإن كان كل من المحدثات مرادًا بإرادة حادثة.\nقال: فقد تبين لك من هذا كله أن الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك إلى معرفة الله تعالى ليست طرقًا نظرية يقينية، ولا طرقًا شرعية يقينية.\nوذلك ظاهر لمن تأمل أجناس الأدلة المنبهة في الكتاب العزيز، على هذا المعنى، أعني معرفة وجود الصانع تعالى.\nوذلك أن الطرق الشرعية إذا تؤملت وجدت في الأكثر قد جمعت وصفين: أحدهما: أن تكون يقينية.\nوالثاني: أن تكون بسيطة غير","vol":"9","page":129},{"text":"مركبة، أعني قليلة المقدمات، فتكون نتائجها قريبة من المقدمات الأول.\nقال ابن رشد: وأما الصوفية فطرقهم في النطر ليست طرقًا نظرية، أعني مركبة من مقدمات وأقيسة.\nوإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية، وإقبالها بالفكرة على المطلوب.\nويحتجون لتصحيح هذا بظواهر من الشرع كثيرة ونحن نقول: إن هذه الطريقة، وإن سلمنا وجودها، فليست عامة للناس بما هم ناس.\nولوكانت هذه الطريقة هي المقصودة بالناس، لبطلت طريقة النظر، ولكان وجودها في الإنسان عبثًا.\nمثل قوله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ البقرة: ٢٨٢.\nومثل قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ العنكبوت: ٦٩، ومثل قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾ الانفال: ٢٩، إلى أشياء كثيرة يظن أنها عاضدة لهذا المعنى","vol":"9","page":130},{"text":"والقرآن كله دعاء إلى النظر والاعتبار وتنبيه على طرق النظر، نعم لسنا ننكر أن إماته الشهوات قد تكون شرطًا في صحة النظر، لا أن إماته الشهوات هي التي تفيد المعرفة بذاتها، وإن كانت شرطًا فيها، كما أن الصحة شرط في العلم، وإن كانت ليست مفيدة له.\nومن هذه الجهة دعا الشارع إلى هذه الطريقة وحث عليها في جملة ما حث، أعني على العمل، لا أنها كافية بنفسها، كما ظن القوم، بل إن كانت نافعة في النظرية، فعلى الوجه الذي بينا.\nوهذا بين عند من أنصف واعتبر الأمر بنفسه.\nقلت: العمل الذي أصله حب الله تعالى أمر الشرع به، لأنه مقصود في نفسه، وهو معين على حصول العلم النافع، كما أنه معين على حصول عمل آخر صالح، كما أن الشرع أمربالعلم بالله تعالى لأنه مقصود في نفسه، وهو معين على العمل الصالح وعلى علم آخر نافع.","vol":"9","page":131},{"text":"قال ابن رشد: وأما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى ويشبه أن تكون طرقهم شيئًا من جنس طرق الأشعرية.\nقلت: طريق المعتزلة هي الطريق التي ذكرها عن الأشعرية، وإنما أخذها من أخذها ولهذا لما كان الأشعري تارة يوافقهم، وتارة يوافق السلف والأئمة وأهل الحديث والسنة، ذم هذه الطريقة، كما تقدم ذكر كلامه في ذلك، فذمها وعابها موافقه للسلف والأئمة في ذلك.\nوابن رشد رأى ما رآه من كتب الأشعرية، فرأى اعتمادهم عليها، فذلك تكلم عليها.\nوأفضل متأخري المعتزلة هو أبو الحسين البصري، وعلى هذه الطريقة في كتبه كلها يعتمد، حتى في كتابه الذي سماه غرر الأدلة.","vol":"9","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>كلام أبي الحسين البصري في غرر الأدلة وتعليق ابن تيمية</span>\nقال في أوله: إنا ذاكرون الغرض بهذا الكتاب والمنفعة به، لكي إذا عرف الإنسان شرف تلك المنفعة وشرف الغرض، صبرت نفسه على تحمل المشاق في طلبها، والاجتهاد في تحصيلها.\nفنقول: إن الغرض به هو التوصل بالأدلة إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال، وصدق رسله، وصحة ما جاءوا به.\nقال: وظاهر أن المنفعة بذلك عظيمة شريفة من وجوه منها: أن من عرف هذه الأشياء بالأدلة أمن من أن يستزله غيره عنها.\nومنها: أنه يمكنه أن يرد غيره عن الضلال إليها.\nومنها أن يكون على ثقة مما يقدم عليه في معاده، غير خائف من أن يكون على ضلال يوديه إلى الهلاك.\nقال: وليس أحد يثق بصحة ما جاءت به الرسل إلا بعد المعرفة بصدقهم، ولا تحصل المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات التي تميزهم عن غيرهم، وليس تدل المعجزات على صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح، لكي يؤمن أن نصدق الكذابين، وليس يؤمن أنه لا يفعل القبيح إلا إذا عرف أنه عالم بقبحه، عالم باستغنائه عنه، ولا يعرف","vol":"9","page":133},{"text":"غناءه إلا بعد أن يعلم أنه غير جسم، ولا يعرف أنه غير جسم إلا إذا عرف أنه قديم، ولا يعلم أنه عالم بكل قبيح إلا إذا علم أنه عالم بكل شيء، ولا يعلمه كذلك إلا إذا علم أنه عالم لذاته، ولا يعلمه كذلك إلا إذا علم أنه عالم، ولا يعلم أنه يثيب ويعاقب إلا إذا علم أنه قادر حي، ولا يعرف موصوفًا بهذه الصفات إلا إذا عرفت ذاته، وإنما تعرف ذاته إذا استدل عليها بأفعاله، لأنها غير مشاهدة ولا معروفة باضطرار، ولا طريق إليها إلا أفعاله، فيجب أن نتكلم في هذه الأشياء لنعلم صحة ما جاءت به الرسل ونمتثله، فنكون آمنين في المعاد.\nثم قال: باب الدلالة على محدث الأجسام.\nالدلالة على محدث الأجسام والجواهر، هي أن الأجسام والجواهر محدثة، وكل محدث فله محدث، فللأجسام إذا محدث.\nقال: وهذا الكلام يشتمل على أصلين: أحدهما: قولنا: إن الجسم لم يسبق الحركات والسكنات المحدثة، والآخر: قولنا: وكل ما لم يسبق المحدث فهو محدث.\nفالأول يشتمل على ثلاث دعاو: إثبات الحركة والسكون، وأن الجسم ما سبقها، وأنها محدثان.\nوالأصل الآخر لا يشتمل إلا على دعوى واحدة: وهو أن ما لم يسبق المحدث محدث، فصارت الدعاوى أربعًا، ونحن نبينها ليصح حدوث الجسم.","vol":"9","page":134},{"text":"قلت: وهذه الدعاوى الأربع التي ذكرها أبو المعالي في أول الإرشاد، لكن جعل بدل الحركات والسكنات الأعراض، ولكنه لم يقرر حدوث الأعراض إلا بحدوث الأكوان، ولم يقرر ذلك إلا بالاجتماع والافتراق.\nوأما طريقة الحركة والسكون التي اعتمدتها المعتزلة، فهي التي يعتمدها الرازي، وهي أقوى مما سلكه الآمدي وغيرة، حيث سلكوا طريقة الأعراض مطلقًا، بناء على أن العرض لا يبقى زمانين، فإن هذه أضعف الطرق، وطريقة الحركة أقواها، وطريقة الاجتماع والافتراق بينهما، وهي طريقة أبي الحسن الأشعري وطريقة الكرامية وغيرهم، ممن يقول: إنه جسم.\nثم إن أبا الحسين أحتج لهذه الدعاوى الأربع بنظير ما تقدم.\nقيل: فإن قيل: فما الدليل على أن الحركة غيرة؟\nقيل: لو كان تحرك الجسم هو الجسم، لكان إذا بطل تحرك بطل الجسم، ولو كان تحرك الجسم هو الجسم لكانت الدلالة على حدث التحرك دلالة على حدث الجسم، فلو كان تحرك الجسم هو الجسم، لكان أسهل في الدلالة على حدث الجسم.","vol":"9","page":135},{"text":"قلت: هذا ينبني على أن ما ليس هو الشيء فهو غيره، وهو قول المعتزلة.\nوأما الصفاتية فينازعونهم في هذا، ويقولون: الصفة لا يطلق عليها: إنها هي هو ولا إنها غيره، وأئمتهم لا يقولون: لاهي هو ولا هي غيره، لأن لفظ الغير مجمل.\nوكثير منهم يقولون: لا هي هو ولا هي غيره لكن الاستدلال يمشي بأن تكون الحركة ليست هي الجسم وهي حادثة، ويمشي بأن يقال: الغيران ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود، والحركة تفارق الجسم بالوجود.\nفإنه قد يكون موجودًا ولا حركة له.\nلكن يقال: لانسلم أن كل جسم يجوز أن يفارقه نوع الحركة، بل قد تقارنه عين الحركة، وهم لايدعون أن الجسم مستلزم لعين الحركة والسكون بل لنوعها.\nقال أبو الحسين: والدلالة على استحالة سبق الجسم لجنس الحركة والسكون، وهي أنه لو سبقه لكان لا واقفًا ولا مارًا ولا حا صلًا في مكان، مع أنه جرم متحيز، والعلم باستحالة ذلك ضروري.\nقال: والدلالة على حدوث الحركة والسكون هي أن كل حركة وسكون يجوز\nعليهما العدم، والقديم لايجوز عليه العدم، وإنما قلنا: يجوز على السكنات والحركات، لأنه ما من جسم متحرك إلا ويمكن أن يسكن، أو يحول من حركة إلى حركة، كخروج الفلك من دورة إلى","vol":"9","page":136},{"text":"دورة، وما من جسم ساكن إلا ويمكننا أن نحركه: إما بجملته أو بأجزائه، كالأجسام العظام.\nوإنما قلنا: إن القديم لا يجوز عليه العدم، لأن القديم واجب الوجود في كل حال، وما وجب وجوده في كل حال استحال عدمه.\nوإنما قلنا: إنه واجب الوجود في كل حال، لأنه موجود فيما لم يزل، فإما أن يكون وجوده على طريق الجواز أو على طريق الوجوب، فلو كان موجودًا على طريق الجواز، لم يكن بالوجود أولى منه بالعدم لولا فاعل، ويستحيل أن يوجد القديم بالفاعل، لأن المعقول من الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم، وليس للقديم حال عدم فيخرجه، فصح أن وجود القديم واجب، وليس بأن يجب وجوده في حال أولى من حال، فصح أنه واجب الوجود في كل حال فاستحال عدمه.\nثم قرر الأصل الثاني وهو المهم.\nقال: فإن قيل: ما أنكرتم أن الحوادث الماضية لا أول لها، ولا يلزم حدث الجسم إذا لم يتقدمها؟\nقيل: إذا كان كل واحد من الحوادث له أول، استحال ألا يكون لجميعها أول، لأنها ليست سوى آحادها، كما يستحيل أن يكون كل واحد من الزنج أسود، ولا يكونوا كلهم سودًا،","vol":"9","page":137},{"text":"ولأن كل واحد قد سبقه عدمه، فلو كانت لا أول لها، لكان ما مضى ما أنفك من وجودها ولا من عدمها، ولا يفصل السابق من المسبوق.\nقلت: هذه المقدمة هي التي نازعهم فيها المنازعون كما تقدم ذكر بعض طعن الطاعنين فيها، في كلام الرازي وغيره.\nوهؤلاء يقولون: لا نسلم أنه إذا كان لكل واحد منها أول، أن يكون لجميعها أول، كما أن كل واحد منها له آخر، وليس لجميعها آخر.\nوكما أن كل واحد من العشرة عشر، وليس المجموع عشرًا، وكل واحد من أعضاء الإنسان عضو، وليس المجموع في جميع المواضع، بل تارة يتصف المجموع بما يتصف به الأفراد، كما أنه إذا كان كل جزء من الجملة موجودًا فالجميع موجود، وإن كان كل جزء من المجموع ممكنًا فالمجموع ممكن، وإذا كان كل جزء منها معدومًا، فالجميع معدوم، وتارة لا يكون كذلك كما تقدم.\nفلا بد من بيان أن مورد النزاع من أحد الصنفين، وإلا فدعوى ذلك هو أول المسألة، فدعوى ذلك مصادرة.\nوتمثيلهم بالزنج تمثيل بأم جزئي لايحصل به المقصود، إلا أن يعلم أن هذا مثل هذا.","vol":"9","page":138},{"text":"ولهم عنه أجوبة: المنع، والمعارضة، والفرق.\nأما المنع: فيقولون: لا نسلم أن هذا مثل الزنج.\nوأما المعارضة: فيعارضون ذلك بعلمنا بأن كل حركة لها آخر، وكل حادث له آخر، وليس لكل الحركات والحوادث آخر، وأن كل عدد له نهاية، وليس للأعداد نهاية، وأن كل واحدة من الأخوات يباح التزويج بها، وليس الجمع بين الاخوات مباحًا، وكل واحد من أفراد العشرة واحد، وهو ثلث الثلاثة، وربع الأربعة، وليست العشرة ثلث الثلاثة، ولا ربع الأربعة، وأن كل واحد من أجزاء المركب هو مفرد بشرط المركب، ليس مفردًا بسيطا، وأن كل واحد من أجزاء الدائرة جزء دائرة، والدائرة ليست جزء دائرة، وأن كل واحد من أجزاء المطر قطرة، وليس المجموع قطرة، وليس المجموع قطرة، فإنه يفرق بين ما له مجموع يمكن أن يوصف بما وصفت به الأفراد، وبين ما ليس له مجموع يمكن وصفه بذلك.\nولا ريب أنا إذا عرضنا على عقولنا أن كل زنجي فهو أسود، فإنا نعلم بالضرورة أن مجموع الزنج سود، وذلك لأن المجموع غير كل واحد واحد من الأفراد.\nفتارة يمكن وصفه بصفات الأفراد، كما نقول عن الحوادث المحدودة الطرفين: إن مجموعها حادث، كما أن كل واحد منها حادث.","vol":"9","page":139},{"text":"وتارة لا يمكن وصفه بذلك اللفظ، بل بصيغة الجمع، فإن مجموع السودان لا يقال فيه بنفس اللفظ: أسود، ولا يقال، غير أسود، بل يقال: سود.\nوسود صيغة جمع، فهي بمعنى قولنا: كل زنجي أسود.\nوإذا لم يكن الحكم على المجموع هو بلفظه الحكم على الأفراد، كان نظير مثال الزنج.\nوأما إذا اتحد الحكم فقد يكون حكم المجموع فيه حكم الأفراد، وقد لا يكون.\nفالأول إذا قلنا: كل محدث فهو مخلوق أو فهو ممكن، أو: كل ممكن فهو مفتقر إلى غير ممكن،\nفإن ذلك يوجب أن يكون مجموع المحدث مخلوقا وممكنا، ومجموع الممكن مفتقرا إ لى غير ممكن، لأن هذا الحكم ثابت للجنس من حيث هو هو، فيلزم ثبوته حيث تحقق الجنس، والجنس يتحقق في المجموع، كتحققه في كل فرد فرد.\nفطبيعة المحدث تستلزم كونه مخلوقا ممكنا، وطبيعة الممكن إذا وجد تستلزم الافتقار إلى غير ممكن، والطبيعة لازمة للمجموع، فيستحيل وجود الطبيعة منفكة عن لازمها، فلا يكون مجموع الممكنات إلا مفتقرا إلى غيره، كما لا يكون كل فرد منها إلا مفتقرا إلى غيره، ولا يكون مجموع المخلوقات إلا حادثة وممكنة، كما لا يكون كل منها إلا حادثا ممكنا كذلك في المعنى.\nلكن من المجموع ما يكون اللفظ يتناول جنسه، كما يتناول الواحد","vol":"9","page":140},{"text":"منه، كلفظ المخلوق والمحدث والممكن، ومنه ما يكون لفظ الكثير فيه صيغة جمع لا يستعمل في الواحد منه.\nوالزنج ليس لهم مجموع يحكم عليه بأنه أسود أو ليس بأسود، بل يقال: مجموعهم سود وذلك معنى قولك: كل واحد منهم أسود، ولكنه الأسود يتصف به المجموع من حيث هو مجموع، كما يتصف به كل واحد واحد.\nبخلاف اتصاف المجموع بكونه محدثا وممكنا ومفتقرا إلى غيره، فإن هذا الوصف يمكن ثبوته للمجموع من حيث هو مجموع، كما يثبت لكل فرد من أفراده.\nوالحوادث إذا حكم على مجموعها بأن له أولا ليس له أول، فهو حكم على الجنس المجموع، فإن علم أن الجنس الحادث لا يكون دائما متصلا، بل لا يكون إلا بعد عدم، كما علم أن كل فرد فرد من أفراده كذلك، كان هذا نظير المحدث والممكن، لكن النزاع في هذا، فإنا إذا عرضنا على العقل المحدث عن عدم من حيث هو، مع قطع النظر عن أفراده ومجموعه: هل يكون مخلوقا ممكنا؟ جزم العقل بأن ما كان مخلوقا محدثا، فإن كونه محدثا، يستلزم كونه ممكنا، إذا لو لم يكن كذلك لزم كونه واجبا فلا يعدم، أو ممتنعًا فلا يوجد.\nوالمحدث كان معدوما وصار موجودا، فطبيعته تنافي الوجوب والامتناع، لا فرق في ذلك بين الواحد والجنس.","vol":"9","page":141},{"text":"وإذا عرضنا على العقل الحادث، مع قطع النظر عن أفراده وجنسه: هل يستلزم أن يكون منتهيًا منقطعًا لن ابتداء، أو يستلزم ذلك، بل يمكن دوامه؟ لم تجد في العقل ما يقضي بأن جنس الحادث يجب أن يكون منتهيًا له ابتداء.\nوهذا الباب من تدبره تبين له الفرق بين تسلسل المؤثرات الفاعلات أنه ممتنع، وبين تسلسل الآثار: أثرًا بعد أثر، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود الفرق بين الزنجي وبين الحادث.\nومما يوضح ذلك أنا إذا قلنا: كل زنجي أسود، لم يكن في الزنج ما ليس بأسود، لأن هذا النقي يناقص ذلك الإثبات، وصدق أحد المتناقضين اللذين لا يرتفعان يوجب كذب الآخر، فإنا إذا قلنا: بعض الزنج ليس بأسود، كان مناقضًا لقولنا: كل زنجي أسود، فإذا لم يكن في الزنج ما ليس بأسود، لزم أن يكون جميعهم سودًا، وأما إذا قلنا: كل حادث فله يلزم أن لا يكون في الحوادث ما ليس له أول، وهكذا عكس نقيضه،","vol":"9","page":142},{"text":"فيمتنع أن يكون جميع الزنج سودًا؟ هذا محل نزاع.\nفيقال: الفرق معلوم بين قولنا: جميع الحوادث لها أول، بمعنى: أن كل واحد منها له أول، وبين قولنا: إن جنس الحوادث لها أول، بمعنى: أن الحوادث منقطعة غير دائمة ولا مستمرة، ولا متسلسلة، فإن العقل يتصور أن كل واحد له أول وآخر، وهي مع ذلك دائمة مستمرة، فيمكنه الحكم بأن كل حادث له أول، كما أن كل زنجي أسود.\nوهو بعد ذلك لم يعلم: هل هي دائمة أم هي منقطعة؟\nبل العلم بكون الحادث له أول، هو العلم بأنه مسبوق بعدم، وليس العلم بأن كل حادث هو مسبوق بعدم، هو العلم بأنه كان العدم مستمرًا دائمًا، حتى حدث جنس الحوادث، بل يمكن العقل أن يتصور أنه ما من حادث إلا وقبله حادث، وبعده حادث، وما من عدد إلا وبعده عدد. وهو يعلم أن كل حادث فله أول، وكل نقص فله آخر، وكل عدد فله حد ومنتهى، وإن لم يكن لجنس العدد حد ومنتهى.\nومما يبين ذلك الفرق: أن كون الشخص أسود وأبيض صفة قائمة به في حال وجوده، فلا يمكن انتفاؤها عن الجنس الموجود، مع قولنا: إن كلًا منهم أسود. وأما أن كون الشيء حادثًا، أو مسبوقًا بعدم، أو موجودًا","vol":"9","page":143},{"text":"بعد أن لم يكن، أو له أول، فهو بمنزله كونه ماضيًا وملحوقًا بعدم، ومعدومًا بعد ما كان.\nوهذا يقتضي أن كلًا من هذه الأمور ثابت لكل واحد من الحادث والمنقضي.\nأما كون جنس المنقضي انقطع، فلا يكون بعده منقض، أو كون جنس الحوادث منقطعًا، فلم يكن قبل الحوادث المعينة شيء حادث، هذا نوع آخر.\nوالحكم على كل فرد فرد، غير الحكم على المجموع، من حيث هو مجموع في النفي والإثبات، ففي النفي نفرق بين قوله: لا تأكل هذا ولا هذا، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن، إذا الأول نهى عن كل منهما، والثاني نهى عن جميعها.\nوكذلك إذا قال: ما ضربت لا هذا ولا هذا، أو لم أضربها، وعنى نفي ضربهما جميعًا.\nولهذا تنازع الفقهاء فيمن حلف لا يفعل شيئًا ففعل بعضه، كما لو حلف: لا آكل الرغيف، فأكل بعضه.\nولم يتنازعوا في أنه لو عنى أكل جميعه لم يحنث بأكل البعض.\nوهذا كما في قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ النساء: ٢٣، ونهي النبي ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها، فالجميع بينهما منهي عنه.\nفهذه وحدها مباحة وهذه وحدها مباحة، واجتماعهما ليس مباحًا.","vol":"9","page":144},{"text":"وكذلك كل واحد من الضدين مقدور ممكن، وليس الجمع بينهما مقدورًا ممكنًا.\nوكذلك الجائع إذا حضرته أطعمة يكفيه كل منها، فكل منها مباح له أكله، ولا يباح له أكل المجموع حتى يبشم ويموت.\nوكذلك من قال لغيره: خذ عبدًا من عبيدي، أو فرسًا من خيلي، كل منها مباح له، وليس المجموع مباحًا له.\nفإذا قيل: كل من هذه مباح، لم يستلزم أن يكون المجموع مباحًا.\nوالمقصود أن الأمور التي يتصف بها كل واحد من الأفراد ثلاثة أنواع:\nأحدها: ما لا يمكن تصوره في المجموع، فلا يقال: هو ثابت ولا منتف.\nوالثاني: ما يمكن تصوره في المجموع، وهذا قد يكون ثابتًا كثبوت الافتقار إلى الفاعل في مجموع الممكنات والحادثات، وثبوت الحل في كل من الأجنبيات منفردة، وفي جمع أربع.\nوقد لا يكون ثابتًا كثبوت النهاية في أفراد الحوادث المنقضية لا في مجموعها، وثبوت الحل في كل من الأختين لا في مجموعهما.\nوالفرق بين هذا وهذان أن الحكم الذي ثبت للأفراد، إن كان للمعنى الذي يوجد في المجموع ثبت له، وإن لم يكن لذلك المعنى لم يلزم ثبوته له، فيكون المحدث ممكنًا أو مفتقرًا إلى الفاعل ثبت لحقيقة الحدوث، وهذا ثابت للأفراد والمجموع.\nوكذلك افتقار الممكن إلى ما ليس ثبت","vol":"9","page":145},{"text":"لحقيقة الإمكان، فإن حقيقة الممكن هو الذي لا يوجد إلا بغيره لا بنفسه، وهذه الحقيقة لا تفرق بين الأفراد وبين المجموع.\nوأما كون الحادث له أول، أو الماضي له انتهاء، فهذا يعلم في كل حادث حادث، وماض ماض.\nوأما كون هذا الجنس كذلك، فالطبيعة تلزم كل واحد واحد، وليس في الخارج مجموع ثابت للحوادث والماضيات، حتى يقال: هل يحكم لذلك المجموع بحكم أفراده أم لا؟ فإن أفراده موجودة على التعاقب، وإذا قدر حوادث متعاقبة، لم يكن في العلم بهذا ما يوجب أن لا تكون دائمة.\nلكن إذا قدر إجتماع حوادث في آن واحد، أو كانت محدودة.\nقيل: إن هذا المجموع له ابتداء.\nوإذا قدر اجتماع أمور منقضية أو محدودة الآخر.\nقيل: لها انتهاء.\nوأما ما لا يمكن اجتماعه لا من هذا ولا من هذا، فليس وجوده مجتمعًا في الخارج، وإنما يجتمع أفراده في الذهن لا في الخارج.\nيبين ذلك أن ما لا يوجد إلا متعاقبًا متتاليًا، إذا قيل: إن كل واحد من أفراده يعقب فردًا آخر، لم يعلم من ذلك أنه كله يعقب شيئًا آخر، إذا لم يحكم على جنسه بأنه يعقب غير جنسه، وإنما حكمنا على أفراد الجنس بالتعاقب.\nوكذلك إذا قلنا: كل واحد من أفراده سبقه عدم، لم يحكم على الجنس بأنه سبقه عدم، كما حكمنا هناك على جنس المحدث بافتقاره إلى الفاعل، وعلى جنس الممكن بافتقاره إلى ما ليس بممكن، أو إلى الفاعل أو الواجب ونحو ذلك.\nوالكلام على هذا مبسوط في موضعه.","vol":"9","page":146},{"text":"والمقصود التنبيه على ما ذكره المنازعون لأبي الحسين وغيره من القائلين بأن جنس الحوادث ممتنع دوامها من أهل الإسلام والسنة والفلاسفة وغيرهم.\nوكذلك قوله: كل واحد قد سبقه عدم، فلو كانت لا أول لها لكان ما مضى ما أنفك من وجودها وعدمها، ولا ينفصل السابق من جنس المسبوق.\nفإنهم يقولون: كل واحد مسبوق بعدم نفسه لا بعدم جنسه، فإذا كان الجنس لا أول له، لم يلزم أن يقارنه عدمه، بل يقارن كل فرد من أفراده عدم غيره.\nوهم يسلمون عدم كل واحد واحد، كما يسلمون حدوثه، فإن حدوثه مستلزم لعدمه.\nلكنهم ينازعون في عدم الجنس وانتهائه وامتناع دوامه في الأزل، كما ينازعون في انتهائه وامتناع دوامه في الأبد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>كلام أبي الحسين البصري في غرر الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nوبالجملة: هذا الموضع هو من أعظم الأصول التي ينبني عليها دليل المعتزلة والجهمية ومن وافقهم على حدوث الأجسام.\nوتنبني عليه مسألة كلام الله تعالى وفعله وخلقه للسماوات والأرض، ثم استوائه على العرش وتكلمه بالقرآن وغيره من الكلام.\nوأئمة أهل الحديث والسنة، وطوائف من أهل النظر والكلام، مع أئمة الفلاسفة تنازعهم في هذا.\nثم إنهم والدهرية من الفلاسفة اشتركوا في أصل تفرعت عنه مقالاتهم، وهو أن تسلسل الحوادث ودوامها يستلزم قدم العالم، بل قدم السماوات والأفلاك.\nفقال الفرقان إذا قدر حادث بعد حادث إلى غير نهاية، كان العالم قديمًا، فتكون الأفلاك قديمة.","vol":"9","page":147},{"text":"ثم إن الفلاسفة الدهرية، كابن سينا وأمثاله، قالوا: تسلسل الحوادث ودوامها واجب، لإن حدوث الحادث بدون سبب ممتنع، فيمتنع أن يكون جنسها حادثًا بلا سبب حادث.\nلكل حادث سبب حادث، كان الجنس قديمًا، فيكون العالم قديمًا.\nوأبو الحسين البصري، وأمثاله من المعتزلة، ونحوهم من أهل الكلام، قالوا: تسلسل الحوادث ممتنع، لأن كل حادث مسبوق بالعدم، فيكون الجنس مسبوقًا بالعدم، فيلزم حدوث كل ما لا يخلو عن الحوادث، والأجسام لاتخلو من الحوادث فتكون حادثة.\nونفس الأصل الذي اشترك فيه الفريقان باطل، وهو أنه يلزم من إمكان تسلسل الحوادث قدم الأفلاك، أوقدم العالم، أوقدم شيء من العالم.\nوالفلاسفة الدهرية أعظم إقرارًا ببطلانه من المعتزلة، فإن تسلسل الحوادث ودوامها لا يقتضي قدم أعيان شيء منها، ولا قدم السماوات والأفلاك، ولا شيء من العالم.\nوالفلاسفة يسلمون أن تسلسل الحوادث لايقتضي قدم شيء من أعيانها، وأن تسلسلها ممكن بل واجب.\nفيقال لهم: هب أن الحوادث لم تزل تحدث شيئًا بعد شيء، فمن أين لكم أن الأفلاك قديمة؟ وهلا جاز أن تكون حادثة بعد حوادث قبلها؟ بل يقال: هذا يبطل قولكم فإنها إذا كانت متسلسلة امتنعت أن تكون صادرة عن علة تامة موجبة، فإن العلة التامة لايتأخر عنها شيء من معلولها.\nوالحوادث متأخرة، فيمتنع صدورها عن علة تامة بوسط أو بغير وسط.","vol":"9","page":148},{"text":"وهكذا يقول للمعتزلة منازعوهم، يقولون: أنتم موافقون لسائر المسلمين وأهل الملل على أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأنه خالق كل شيء، وأنه القديم، وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم.\nومقصودكم بالأدلة بيان ذلك، فأي حاجة لكم إلى أن تسلموا للدهرية ما يستظهرون به عليكم؟\nوإذا جاز أن يكون الله خلقها وأحدثها بأفعال أحدثها قبل ذلك، وكل حادث مسبوق بحادث، مع أن ما سوى الله مخلوق مصنوع مفطور، حصل مقصودكم.\nوإذا كان الله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، أو فاعلًا لما يشاء، لم يناقض هذا كون العالم مخلوقًا له، فتكون السماوات والأرض مخلوقة في ستة أيام، كما أخبرت بذلك الرسل، والله خالق كل شيء، وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم.\nويقول لهم منازعوهم: أنتم أردتم إثبات حدوث العالم، وإثبات الصانع سبحانه بما جعلتموه شرطًا في حدوثه، بل وشرطًا في العلم بالصانع، فكان ما ذكرتموه مناقضًا لحدوث العالم، وللعلم بحدوثه، وللعلم بإثبات الصانع.\nوذلك أنكم ظننتم أنه لا يتم حدوث السماوات إلا بامتناع حوادث لا أول لها، وأن إحداث الله تعالى لشيء من مخلوقاته لا يمكن إلا إذا بقي من الأزل إلى حين أحداث المحدثات، لم يفعل شيئًا من الأفعال ولا الأقوال، بل ولا كان يمكنه عندكم الفعل الدائم، ولا أن تكون كلماته دائمة لا نهاية","vol":"9","page":149},{"text":"لها في الأزل، ثم حين أحداثها هو على ما كان عليه قبل ذلك، فحدث من غير تجدد شيء أصلًا.\nفلزمكم القول بترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، وحدوث الحوادث بلا سبب، ولزمكم تعطيل الصانع سبحانه وجحده وسلبه القدرة التامة، حيث سلبتم قدرته على جنس الكلام والفعل في الأزل.\nوقلتم: يجب أن يكون كلامه حادثًا بعد أن لم يكن، بل أن يكون مخلوقًا في غيره، لا قائمًا بذاته، أو أنه لايتكلم بمشيئته وقدرته.\nوقلتم: لا يمكنه أن يحدث شيئًا إن لم يمتنع دوام الفعل منه، فلا يكون قادرًا متكلمًا، إلا بشرط أن لا يكون كان قادرًا فاعلًا متكلمًا.\nوقلتم: لا يجوز وجود الحوادث إلا بشرط ألا يحدث لها سبب حادث، ولا يترجح أحد طرفي الممكن على الآخر إلا بشرط ألا يكون هناك سبب يقتضي الرجحان، فجعلتم شرط حدوث العالم وسائر أفعال الله وكلامه ما يكون نقيضه هو الشرط، وبدلتم الفضايا العقلية، كما حرفتم الكتب الإلهية.\nومن هنا طمعت الفلاسفة فيكم، وزادوا في الكتب الإلهية تحريفًا وإلحادًا، وصار أصل الأصول عندكم - الذي بنيتم عليه إثباتكم للصانع ولصفاته ولرسله، وبه كفرتم أو ضللتم من نازعكم من أهل القبلة، أتباع السلف والأئمة، ومن غير أهل القبلة - هو قولكم: إذا كان كل واحد من الحدوث له أول، استحال ألا يكون لمجموعها أول، لأنها ليست سوى آحادها.","vol":"9","page":150},{"text":"والعقلاء يفرقون بصريح عقولهم بين الحكم والخبر والوصف لكل واحد واحد، وبين الحكم والخبر والوصف للمجموع في مواضع كثيرة.\nوأنتم تقولون بإثبات الجوهر الفرد، فكل واحد من أجزاء الجسم جوهر فرد عندكم، وليس الجسم جوهرا فردًا، بل المجموع من أفراد، وقد ثبت للمجموع من الأحكام ما لا يثبت للفرد.\nوبالعكس فمجموع الإنسان إنسان، وليس كل عضو منه إنسان.\nوكذلك كل من الشمس والقمر، والشجر والثمر، وغير ذلك من الأجسام المجتمعة، لها حكم ووصف لا يثبت لأجزائها.\nوالإنسان حي سميع بصير متكلم، وليس كل واحد من أبعاضه كذلك.\nفلم يجب إذا كان النوع والمجموع دائمًا باقيًا، أن يكون كل من أفراده دائمًا؟\nوالأمور المقدارية والعددية، كالكرات، والدوائر، والخطوط، والمثلثات، والمربعات، والألوف، والمئات، كلها يثبت لأجزائها من الحكم ما لا يثبت لمجموعها.\nوبالعكس فإذا وصف الشيء بأنه دائم، أو طويل، أو ممتد، لم يلزم أن يكون كل واحد من أجزائه أو أفراده كذلك.\nقال تعالى في الجنة: ﴿أكلها دائم وظلها﴾ الرعد: ٣٥.\nومعلوم أن كل جزء من أجزاء الأكل والظل يفني وينقضي، والجنس دائم لا يفنى ولا ينقضي، ولا توصف الأجزاء بما وصف به الكل.","vol":"9","page":151},{"text":"قال تعالى: ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ ص: ٥٤، فأخبر عن الجنس أنه لا ينفد، وأن كل واحد من أجزائه ينفد.\nويقال للزمان والحركات في الأجسام: إنها طويلة ممتدة، ولا يقال للصغير من أجزائها: إنه طويل ممتد، فيكون الرب لم يزل ممتلكًا إذا شاء، أولم يزل فاعلًا لما يشاء هو، بمعنى كونه لم يزل متكلمًا فعالًا، وبمعنى دوام كلامه وفعاله، لا يستلزم أن كل واحد من الأفعال دائم لم يزل.\nفإن قلتم: الحادث من حيث هو حادث يقتضي أنه مسبوق بغيره، كما أن الممكن من حيث هو ممكن يقتضي الافتقار إلى غيره، والمحدث هو من حيث هو محدث يقتضي الاحتياج إلى غيره، فكما أن الممكنات - مفردها ومجموعها - يلزم أن تكون مفتقرة إلى الفاعل، وكذلك المحدثات، فكذلك الحوادث - مفردها ومجموعها - يقتضي أن تكون مسبوقة بالغير.\nوهذا من جنس قولهم: الحركة من حيث هي تقتضي كونها مسبوقة بالغير، لأن أجزاءها متعاقبة لا مجتمعة.\nقال لكم منازعوكم: هذا لفظ مجمل مشتبه.\nوعامة حججكم وحجج غيركم الباطلة مبناها على ألفاظ مجملة متشابهة، مع إلغاء الفارق، ويأخذون اللفظ المجمل المشتبه من غير تمييز لأحد معنييه عن الآخر.\nفبالاشتراك والاشتباه في الألفاظ والمعاني ضل كثير من الناس.","vol":"9","page":152},{"text":"وذلك أن قولهم: الحادث - من حيث هو - يقتضي أنه مسبوق بغيره، أو الحركة - من حيث هي - تقتضي أن تكون مسبوقة بالغير.\nيقال لكم: الحادث المطلق لاوجود له إلا في الذهن لا في الخارج، وإنما في الخارج موجودات متعاقبة، ليس مجتمعة في وقت واحد، كما تجتمع الممكنات والمحدثات المحدودة، والموجودات والمعدومات، فليس في الخارج إلا حادث بعد حادث، فالحكم إما على كل فرد فرد، وإما على كل جملة محصورة، وإما على الجنس الدائم المتعاقب.\nفيقال لكم: أتريدون بذلك أن كل حادث فلا بد أن يكون مسبوقًا بغيره، أو أن الحوادث المحدودة لا بد أن تكون مسبوقة، أو أن الجنس لا بد أن يكون مسبوقًا؟\nأما الأول والثاني فلا نزاع فيهما.\nوأما الثالث فيقال: أتريدون به أن الجنس مسبوق بعدمه، أم مسبوق بفاعله، بمعنى أنه لا بد من محدث؟ الثاني مسلم، والأول محل النزاع.\nوكذلك في الحركة: إن قلتم: إن الحركة المعينة مسبوقة بأخرى أو بعدم، فهذا لا نزاع فيه.\nوإن قلتم: إن نوعها مسبوق بالعدم، فهذا محل النزاع.\nوذلك أن معظم ما اعتمدوا عليه قولهم: الحركة من حيث هي حركة تتضمن المسبوقة بالغير، فإن الحركة تحول من حال إلى حال، فإحدى الحالتين سابقة للحال الأخرى، فلا تعقل حركة إلا مع سبق البعض على البعض، وكل ما كان مسبوقًا بغيره لم يكن أزليًا.\nفالحركة","vol":"9","page":153},{"text":"يمتنع أن تكون أزلية.\nفيقال لهم: قولكم: الحركة تستلزم المسبوقة بالغير سبق بعض أجزائها على بعض، وهو المعنى الذي دللتم عليه؟ أم تريدون أنها مسبوقة بالعدم، أم مسبوقة بالفاعل؟\nأما الأول، وهو الذي دللتم عليه، فإنه يقتضي نقيض قولكم، وهو يقتضي أن الحركة لم يزل نوعها موجودًا، لأن كل ما هو حركة مسبوق بما هو حركة، وكل حال تحول إليه المتحرك فهو مسبوق بحال أخرى، وتلك الحال مسبوقة بأخرى، فكان ما ذكرتموه دليلًا على حدوث الحركة، كما أنه يدل عل حدوث أعيان الحركة وأجزائها، فهو يدل على دوام نوعها، وهو نقيض قولكم.\nفكان ما ذكرتموه حجة في محل النزاع إنما يدل على مواقع الإجماع، وهو في محل النزاع حجة عليكم لا لكم.\nوحينئذ فيقول المنازع: نحن نقول بموجب دليلكم، وهو حجة عليكم.\nوإن أردتم أن مسمى الحركة مسبوق بالعدم، فلم تذكروا على هذا دليلًا أصلًا، وهو مورد النزاع.\nوإن أردتم أنه مسبوق بالفاعل، فهذا أيضًا يراد به أن كل جزء منها مسبوق بالفاعل.\nويراد به أن جنسها سبقه الفاعل سبقًا انفصاليًا، وإن لم يقيموا دليلًا على هذا، فكان ما ذهبتم إليه لم تقيموا دليلًا عليه، وما أقمتم عليه دليلًا لا يدل على قولكم بل على نقيضه.\nولذلك يقال لخصومهم الفلاسفة: أنتم لم تقيموا دليلًا عل قدم شيء من العالم، بل عامة ما أقمتموه من الأدلة يستلزم دوام الفاعلية، وهذا يدل على نقيض قولكم، فإنه يقتضي أنه لم يزل يفعل، والمفعول لا يكون إلا ما حدث عن عدمه.","vol":"9","page":154},{"text":"وأما قدم شيء من العالم فلا دليل لكم عليه، بل دليلكم يدل على نقيضه، فإنه لو كان المفعول مقارنًا للفاعل، لزم ألا يحدث في العالم شيء.\nوالطائفتان جميعًا أصل قولها الكلام في الحركة، فهؤلاء يقولون: يمتنع أن تكون الحركة دائمة، فلا بد أن يكون جنس الحركة حادثًا عن غير سبب حادث.\nوهؤلاء يقولون بل جنس الحركة يمتنع أن يكون حادثًا، فيمتنع أن تحدث الحركة لا من حركة.\nوالزمان مقدار الحركة، فيجب قدم نوعه.\nثم قالوا: ولا حركة فوق حركة الفلك ولا قبلها إلا مقدار هذه الحركة، فتكون هذه الحركة وزمانها أزليين.\nفيقال لهم: من أين لكم أنه لا حركة قبل حركة الفلك ولا فوقها؟ وهل هذا إلا قول بلا علم، ونفي لما لم تعلموا نفيه، وتكذيب لما لم تحيطوا بعلمه ولما يأتيكم تأويله؟\nثم قولكم بأنه لا حركة إلا هذه الحركات، مع أنه لا أول لها ولا آخر، وهذا كذلك، وهذا أكثر من ذلك بأضعاف مضاعفة.\nقالوا: فالجسم يمتنع أن يتحرك حركة لا تتناهى، كما ذكر ذلك أرسطو، لأن الجسم ينقسم، فتكون حركة الجزء مثل حركة الكل لا تتناهى، وهذا ممتنع: يمتنع أن يكون الجزء مثل الكل.\nقيل لهم: بل هذا الذي ذكره أرسطو وتلقيتموه بالقبول، يدل على نقيض مقصوده ومقصودكم.\nفإن الجسم إذا قامت به حركة فحركة مجموع الجسم أكبر من حركة بعضه في المكان.\nوهذا غير ممتنع عند أحد من العقلاء، فليس حركة الجزء مثل حركة الكل، ولكن كلاهما","vol":"9","page":155},{"text":"لا يتناهى بعضه أكثر من بعض في الزمان، وما لا يتناهى لا يكون شيء أكبر منه.\nفهذا يدل على فساد قولكم.\nلأنكم تقولون: إن حركة المحيط أعظم من الحركة المختصة بفلك الشمس والقمر وغيرهما، وكلاهما لا يتناهى.\nفهذا الذي ذكرتموه في حركة الجسم الواحد يستلزم بطلان قولكم في حركة الجسمين، وأما الجسم الواحد فإن قولكم فيه ينبني على أنه يتبعض، وأن حركته متبعضة، حتى يقال: إن بعضه يساوي كله في عدم النهاية، وهذا ممتنع، بل هي حركة واحدة لا أول لها ولا آخر، ولا امتناع في ذلك.\nويقال للمتكلمين: إن قلتم: إنه مسبوق بالمحرك، بمعنى أنه لا بد للحركة من محرك، فهذا أيضًا مسلم، لكن قولكم: إن المحرك لا يجوز أن يحرك شيئًا حتى تكون الحركة ممتنعة عليه أولًا، ثم تصير ممكنة من غير تجدد شيء، فتنقلب من الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث سبب أصلًا، ولا يجوز أن يحدث شيئًا حتى يحدثه بلا سبب حادث أصلًا.\nهذا هو الذي ينازعكم فيه جمهور المسلمين وغيرهم، ويقولون لكم: لم ينزل الله قادرا على الفعل، والقدرة عليه مع امتناع المقدور جمع بين النقيضين، فإن القدرة على الشيء تستلزم إمكانه، فكل ما هو مقدور للرب تعالى، فلا بد أن يكون ممكنا لا ممتنعا.\nويقولون: إذا قلتم: لم يكن قادرا على الفعل ثم صار قادرا، لأن الفعل لم يكن ممكنا ثم صار ممكنا، فما الموجب لهذا التجدد والتغير؟","vol":"9","page":156},{"text":"فإن قلتم: حدث ذلك بلا سبب، كان هذا أعجب من قولكم الأول، إذا كان القادر بصير قادرا بعد أن لم يكن، من غير تجدد شيء أوجب قدرته.\nوإن قلتم ما ذكره أبو الحسين: المعقول من الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم، فيمتنع وجوده في الأزل.\nقيل لكم: إن الفاعل لا يكون فاعلا حتى يحصل الشيء عن عدمه، فلا يكون الفعل نفسه، أو المفعول نفسه، قديما.\nلكن لم قلتم: إنه يشترط في الفعل المعين عدم غيره؟ ولم قلتم: إنه لا يكون فاعلا لهذه السموات والأرض، حتى لا يكون قبل ذلك فاعلا أصلا ولا يكون فاعلا حتى يكون جنس الفعل منه معدوما بل ممتنعا؟ فهذا غير واجب في المعقول، بل المعقول يعقل أنه حصل الشيء عن عدم.\nوإن كان قبل تحصيله حصل غيره عن عدم، وهم قد يقولون: كان في الأول قادرا على الفعل فيما لم يزل، وهذا كلام متناقض، فإنه في حال كونه قادرا لم يكن الفعل ممكنا له عندهم.\nفحقيقة قولهم: كان قادرا حين لم يكن قادرا، فإن القادر إنما يكون قادرا على ما يمكنه دون ما لا يمكنه، فإذا كان الفعل في الأزل - وهو الفعل الدائم، أي الذي يدوم جنسه - غير ممكن له مقدورا له، فلا يكون قادرا عليه.\nوهذا مما أنكره المسلمون على هؤلاء المتكلمين، وكان هذا من أسباب لعنة بعضهم على المنابر.","vol":"9","page":157},{"text":"ويقال لهم: مقصودكم الأول نصر الإسلام والرد على مخالفيه، وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا عن أحد من السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان، هذا القول الذي أحدثتموه وجعلتموه أصل دين المسلمين.\nليس فيه أن الرب لم يزل لا يفعل شيئا\n، ولا يتكلم بشيء، ولا يمكنه ذلك، ثم إنه بعد تقدير أزمنة لا نهاية لها فعل وتكلم وإنه\nصار ممكنًا من الفعل والكلام بعد أن لم يكن متمكنًا، بل القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين يناقض ما ذكرتموه، فكان ما ابتدعتموه من الكلام الذي ادعيتم أنه أصل الدين مخالفًا للسمع والعقل، ثم إنه صار من تقلدكم ينقل عن المسلمين واليهود والنصارى أن هذا قولهم.\nولا يعرف هذا القول عن أحد من الأنبياء ولا أصحابهم، بل المعروف عنهم يناقض ذلك، ولكن الثابت عند الأنبياء أن كل ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم يكن، خلاف قول الفلاسفة الذين يقولون: إن الأفلاك، أو العقول، أو النفوس أو شيئًا غير ذلك مما سوى الله، قديم أزلي، لم يزل ولا يزل.\nويقال: قول القائل: الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم، أتريد به الفاعل للشيء المشار إليه أنه لا يكون فاعلًا له إلا إذا حصله عن عدم؟ أم تريد به أنه لا يكون الفاعل في نفسه فاعلًا لشيء حتى تكون فاعليته ممتنعة، ثم صارت ممكنة؟\nأما الأول فمسلم.\nوالثاني ممنوع.\nوسبب ذلك الفرق بين الفعل ونوعه.\nفإذا لم يعقل فاعل لمعنى إلا بعد عدمه، لم يلزم ألا يعقل كون الفاعل فاعلًا إلا بعد أن لم يكن فاعلًا، بل العقل لا يعقل حدوث فاعلية بلا سبب.","vol":"9","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-924>تابع كلام أبي الحسين البصري</span>\nقال أبو الحسين البصري: فإذا ثبت حدوث العالم فالدلالة على أن له محدثًا هي أنه لا يخلو أن يكون حدث وكان يجوز أن لا يحدث، أو كان يجب أن يحدث.\nفلو حدث مع وجوب أن يحدث، لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل، فلا يستقر حدوثه على حال، إذا كان حدوثه واجبًا في نفسه، وإن حدث مع جواز ألا يحدث لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث، لولا شيء اقتضى حدوثه، ويستدل على أنه عالم قادر، فصح قولنا.\nقال: واستدل شيوخنا على أن الأجسام تحتاج إلى محدث، بأن تصرفنا يحتاج إلى محدث لأجل أنه محدث، فحدوث كل محدث يحوجه إلى محدث، فإذا كانت الأجسام محدثة احتاجت إلى محدث، والدلالة على حاجة تصرفنا إلى محدث هو أنه لو حدث بنفسه من غير محدث لحدث ٠ وإن كرهناه، أو كنا ممنوعين منه، فلما وقع بحسب قصدنا، وانتفى بحسب كراهتنا، علمنا أنه محتاج إلينا ٠\nقال: والدليل على أنه يحتاج إلينا لأجل حدوثه، أنه إما أن يحتاج إلينا لحدوثه أو لبقائه، أو لعدمه احتاج إلينا لبقائه لوجب ألا يبقى البناء إذا مات الباني ٠ ولا يجوز أن يحتاج إلينا لعدمه، لأن تصرفنا كان معدومًا قبل وجودنا وقبل كوننا قادرين ٠ فصح أنه يحتاج إلينا ليحدث، ولإن حدوثه هو المتجدد بحسب قصدنا وإرادتنا، وهو الذي لا يتجدد إذا كرهناه ٠ فعلمنا أنه يحتاج إلينا لأجل حدوثه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فهذا أصل أصول القوم الذي بنوا عليه دينهم الصحيح والفاسد فإن الإقرار بوجود الصانع تعالى، وأنه حي عالم قادر، ونبوة","vol":"9","page":159},{"text":"نبيه ﷺ، حق لا ريب فيه وأما نفيهم صفات الرب تعالى، ودعواهم أنه لم يتكلم بكلام قائم به، ولا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، ونحو ذلك، فهو من دينهم الفاسد\nوهذه الطريقة هي التي سلكها ابن عقيل، إذا مال إلى شيء من أقوال المعتزلة، فإنه كان قد أخذ عن أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التبان، وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري، ولهذا يوجد في كلامه نصر كلامهم تارة، وإبطاله أخرى، فإنه كان ذكيًا كثير الكلام والتصنيف، فيوجد له من المقالات المتناقضة بحسب اختلاف حاله، كما يوجد لأبي حامد والرازي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم.\nوابن الجوزي يقتدي به فيما يدخل فيه من الكلام، مثل كلامه في منهاج الأصول، وفي كف التشبيه ونحو ذلك.\nولهذا يوجد في كلام هؤلاء من نفي الصفات الخبرية، ومنعهم أن تسمى الآيات والأحاديث آيات الصفات وأحاديث الصفات، بل آيات الإضافات، ونصوص الإضافات، ونحو ذلك من الكلام الموافق لأقوال المعتزلة، ما يبين به أن الأشعري وأئمة أصحابه من المثبتين للصفات الخبرية ونحو ذلك، أقرب إلى السنة والسلف والأئمة، كأحمد بن حنبل وغيره، من كلام هؤلاء الذي مالوا في هذا إلى طريقة المعتزلة.\nوهذه الطريقة التي سلكها أبو الحسين في إثبات أن المحدث لا بد له من حادث، هي طريقة أبي المعالي وابن عقيل في كثير من كلامهم، وغيرهم.","vol":"9","page":160},{"text":"والقاضي أبو بكر يذكر ما يشبهها في الأصلين من استدلاله على افتقار المحدث إلى محدث بالتخصيص، والاستدلال على ذلك بالقياس.\nوالأشعري أحسن استدلالًا منه، مع أنهم كلهم سلكوا سبيل المعتزلة في هذا الأصل، وسلموا كلامهم.\nوهي طريقة أثبتوا فيها الجلي بالخفي وأرادوا بها إيضاح الواضح، كمن يقرر القضايا البديهية بقضايا نظرية، يسندها إلى قضايا أخرى بديهية، وذلك العلم بأن المحدث لا بد له من محدث، أبين في العقل من العلم بأن ما جاز حدوثه، لم يكن بالحدوث أولى من ألا يحدث، لولا شيء اقتضى حدوثه، وبأن ما وجب حدوثه وجب في كل حال.\nفإن هذه القضايا وإن كانت حقًا، وهي ضرورية، فالعلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين منها، والعقل يضطر إلى التصديق بهذه أعظم مما يضطر إلى التصديق بتلك، وتصور طرفي هذه القضية أبده في العقل من تصور تلك، ولا تعرض هذه القضية وتلك على سليم الفطرة إلا صدق بهذه قبل تلك.\nوهذا كقول أبي المعالي، ومن وافقه على طريقة، إذا أثبت حدوث العالم: فالحادث جائز وجوده، وكل وقت صادفه كان من المجوزات تقدمه عليه بأوقات، ومن الممكنات استئخار وجوده عن وقته بساعات.\nفإذا وقع الوجود الجائز بدلًا عن استمرار العدم المجوز، قضت العقول ببداهتها بافتقاره إلى مخصص خصصه بالوقوع، وذلك - أرشدك","vol":"9","page":161},{"text":"الله - مستبين على ضرورة، لا حاجة فيه إلى سبر الغير والتمسك فيه بسبيل النظر.\nثم إذا وضح اقتضاء الحادث مخصصًا على الجملة، فلا يخلو ذلك المخصص من أن يكون موجبًا وقوع الحدوث، بمنزلة العلة الموجبة معلولها، وإما أن تكون طبيعة، كما صار إليه الطبائعيون، وباطلًا أن يكون جاريًا مجرى العلل، فإن العلة توجب معلولها على الاقتران، فلو قدر المخصص علة لم يخل من أن تكون قديمة أو حادثة.\nفإن كانت قديمة فيجب أن يجب وجود العالم أزلًا، وذلك يفضي إلى القول بقدم العالم، وقد أقمنا الدلالة على حدثه.\nوإن كانت حادثة افتقرت إلى مخصص، ثم يتسلسل القول في مقتضى المقتضي.\nومن زعم أن المخصص طبيعة، فقد أحال فيما قال، فإن الطبيعة عند مثبتها توجب أثرها إذا ارتفعت الموانع، فإن كانت الطبيعة قديمة، فلتقتض قدم العالم، وإن كانت حادثة فلتكن مفتقرة إلى مخصص.\nقال: وإذا بطل أن يكون مخصص العالم علة أو طبيعة موجبة بنفسها، لا على اختيار، فتعين بعد ذلك القطع بأن مخصص الحوادث فاعل لها على الاختيار، مخصص إيقاعها ببعض الصفات والأوقات.\nقلت: فهذه الطريقة هي من جنس طريقة أبي الحسين كما ترى وهي من جنس طريقة القاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وغيرهم.\nومعلوم لكل ذي فطرة سليمة أن العلم بأن الحادث لا بد له من محدث أبين من العلم بأن التخصص لا بد له من مخصص، فإنه ليس التخصص إلا نوعًا من الحوادث، فإنهم لا يريدون بذلك أن كل","vol":"9","page":162},{"text":"تخصيص، سواء كان محدثًا أو قديمًا، لا بد له من مخصص فاعل له على الاختيار، فإن القديم يمتنع عندهم أن يكون له فاعل، فلم يبق إلا التخصص الحادث، فيكون المعنى أن كل تخصيص حادث لا بد له من مخصص فاعل مختار.\nوالتخصص الحادث إما أن يكون مساويًا للحادث في العموم والخصوص، أو يكون أخص منه، فإن كان مساويًا له، كان هذا بمنزلة أن يقال: المفعول الحادث والمتجدد الحادث وما أشبه ذلك، وإن كان أخص منه كان استدلالًا على أن كل محدث لا بد له من محدث، لأن هذا النوع من الحادث لا بد له من محدث.\nثم إن هذا النوع هو المطلوب إثباته بالدليل، فيكون استدلالًا على هذا النوع بالجنس، ثم استدلالًا على الجنس بذلك النوع، فيكون استدلالًا بالشيء على نفسه.\nلكن يقال من جهتهم: التخصص، وإن كان مساويًا للحدوث في العموم والخصوص، فجهة كونه تخصيصًا غير جهة كونه حدوثًا.\nوهم استدلوا بما فيه من التخصيص وإن كان مشروطًا بالحدوث، على أنه لا بد له من مخصص.\nفيقال: هذا صحيح.\nلكن عليه سؤالان: أحدهما أن جهة كونه حدوثًا أدل على المحدث من جهة دلالة كونه مخصصًا على المخصص.\nفإنه لو قال لهم قائل: لا نسلم أن التخصص لا بد له من مخصص، لم يكن لهم جواب إلا ما هو دون جوابهم، لمن قال: لا نسلم أن المحدث لا بد له من محدث.","vol":"9","page":163},{"text":"وإذا كان قد قال: إن ما جاز تقدمه وتأخره، فإذا وقع وجوده بدلًا عن عدمه، قضت العقول ببدائهها بافتقاره إلى مخصص خصصه بالوقوع، فلأن يقال: ما حدث بعد أن لم يكن فإن العقول تقضي ببدائهها بافتقاره إلى محدث أحدثه، أولى وأحرى، فإن العلم بافتقاره المحدث إلى محدث أبين من العلم بافتقار المخصص إلى المخصص، وافتقار ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر إلى مرجح.\nالسؤال الثاني: أن يقال لهؤلاء كلهم، ك أبي الحسين ومن وافقه: هذه المقدمة التي بنيتم عليها إثبات الصانع تعالى تناقضهم فيها، فإن حاصلها أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، أو لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح.\nفإن هؤلاء يقولون: إذا حدث مع جواز أن يحدث وأن لا يحدث، لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يكون.\nوالآخرون يقولون إذا تخصص بوقت دون وقت مع تشابه الأوقات، أو بقدر دون قدر، لم يكن تخصيصه بأحدهما أولى من الآخر إلا بمخصص، والأول ينبني على أنه قد استوى بالنسبة إلى ذاته الحدوث وعدمه، فيفتقر إلى مرجح للحدوث.\nوالثاني ينبني على أن الأزمنة والمقادير والصفات مستوية.\nفلا بد من مخصص يخصص أحدهما بالوقوع فيه، وكل هذا مبني على أن الأمرين المتساويين في الإمكان لا يترجح أحدهما إلا بمرجح، وهذا حق في نفسه، لكنهم نقضوه حيث قالوا: إن هذه المحدثات والتخصيصات تقع بلا سبب يقتضي حدوثها ولا اختصاصها.","vol":"9","page":164},{"text":"فإنهم، وإن أثبتوا فاعلًا، لكن يقولون: إن نسبة قدرته وإرادته إلى جميع الممكنات سواء، وأنه حدثت الحوادث بلا سبب حادث أصلًا بل حال الفاعل قبل الفعل وحين الفعل سواء، ومعلوم أن هذا تصريح برجحان الممكن بلا مرجح تام.\nوهؤلاء يقولون: القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح.\nوهذا هو أصل قول القدرية، وهو أصل قول الجهمية الجبرية.\nالقدرية أخرجوا به أفعال الحيوان أن تكون مخلوقة لله، وقالوا: إن العبد قادر مختار، فترجح الفعل على الترك بال مرجح.\nوقالوا: إن ما أنعم الله به على أهل الإيمان والطاعة مما يؤمنون به ويطيعون، هو مثل ما أنعم به على أهل الكفر والمعصية، فإن أرسل الرسل إلى الصنفين، وأقدر الصنفين، وأزاح علل الصنفين، وفعل كل ما يمكن من اللطف الذي يؤمن عنده الصنفان، بمنزلة من أعطى أبنيه مالًا بالسوية، ثم قالوا: إن المؤمن فعل الطاعة من غير نعمة خصه الله بها تعينه على الإيمان، والكافر فعل الكفر من غير سبب من الله.\nوهذا القول مخالف للشرع والعقل.\nفإن الله بين ما خص به المؤمنين من نعمة الإيمان في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون﴾\nوالقدرية يقولون: إن هذا خطاب لجميع الخلق، وليس الأمر كذلك، بل هو خطاب للمؤمنين، كما قال: ﴿أولئك هم الراشدون﴾","vol":"9","page":165},{"text":"وكما قال قبل ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين * واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم﴾\nفهذا خطاب للمؤمنين لا لجميع الناس.\nوأيضًا فإن العبد إذا كان قادرًا على الطاعة والمعصية، فلو لم يحدث سبب يوجب وقوع أحدهما دون الآخر للزم الترجيح بلا مرجح.\nوذلك السبب، إن كان من العبد، فالقول فيه كالقول في الفعل، فلا بد أن يكون السبب الحادث الموجب للترجيح من غير العبد، والسبب الذي به وقعت الطاعة نعمة من الله خص بها عبده المؤمن.\nثم إن القدرية من المعتزلة وغيرهم بنوا على هذا أن الرب لم يكن يتكلم ولا يفعل، ثم خلق الكلام والمفعولات بغير سبب اقتضى الترجيح.\nوأما المثبتون للقدر، من الجهمية ونحوهم، فخالفوهم في فعل العبد، وقالوا إنه لا يترجح أحد مقدوريه على الآخر إلا بمرجح، ووافقوهم في فعل الله.\nولهذا يوجد كلام الرازي - ونحوه من هؤلاء - متناقضًا في هذا الأصل، فإذا ناظروا القدرية استدلوا على أن القادر لا يرجح مقدورًا إلا بمرجح، وإذا أرادوا إثبات حدوث العالم، وردوا على الدهرية، بنوا ذلك على أن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، وقالوا: إن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بغير مرجح يصح من القادر المختار، ولا يصح من العلة الموجبة، وادعوا الفرق بين الموجب بالذات وبين الفاعل بالإختيار في هذا الترجيح.","vol":"9","page":166},{"text":"وهذا حقيقة قول القدرية.\nلكن جهم نفسه نفى كون العبد قادرًا، ونفى أن يكون له قدرة على فعل.\nوحينئذ إذا قال: إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح، لم ينتقض قوله بناءً على أصله الفاسد.\nوالأشعري وغيره ممن يقول: إن العبد كاسب وله قدرة، ويقولون: ليس بفاعل حقيقة، ولا لقدرته تأثير في المقدور، إن حصل فرق معنوي بين قولهم وقول جهم، احتاجوا الى الفرق بين فعل الرب وفعل العبد، وإلا كانوا مثل جهم.\nوأما جمهور المثبتين للقدر، الذين يقولون: للعبد قدرة وفعل، وهذا قول السلف والأئمة، فعندهم أن العبد فاعل قادر مختار، وهو لا يرجح أحد مقدوريه على الآخر إلا لمرجح.\nوالرازي يميل إلى قول هؤلاء، ويثبت للعبد قدرة وداعيًا، وأن مجموعهما يستلزم وجود الفعل.\nفهؤلاء الطوائف من الكلابية والكرامية والأشعرية، ومن وافقهم من أهل الحديث.\nوالفقه وغيرهم، وإن خالفوا المعتزلة بقدر، فهم يشاركونهم في الأصل الذي بنى أولئك قولهم في القدر عليه، وهم يناظرون الفلاسفة القائلين بالموجب بالذات، وأهل الطبع القائلين بأن فاعل العالم علة تامة أزلية تستلزم معلولها.\nوهذا القول أشد فسادًا، فإن حقيقة القول هؤلاء أنه ليس لحوادث العالم محدث، كما أن حقيقة قول القدرية أنه ليس لفعل الحيوان محدث، فما قاله القدرية في فعل الحيوان، قاله هؤلاء في جميع حوادث العالم،","vol":"9","page":167},{"text":"لأن العلة التامة المستلزمة لمعلولها لا يصدر عنها حادث لا بوسط ولا بغير وسط.\nفهؤلاء شبهوا فعله بفعل الجمادات، مع تناقضهم وتقصيرهم في ما جعلوه فعل الجمادات.\nوالقدرية شبهوا فعله بفعل الحيوانات، مع تناقضهم وتقصيرهم فيما جعلوه فعل الحيوانات.\nثم المثبتين للقدر، من الكلابية وغيرهم، يخالفون المعتزلة في إثبات القدر، وفي بعض مسائل الصفات، ويجعلون المخصص هو الإرادة القديمة التي نسبتها إلى جميع المرادات سواء، وقالوا: إن من شأن الإرادة أن تخصص أحد المثلين عن الآخر بلا سبب، ولهذا بنوا أصولهم على أن التخصيص بأحد الوقتين لا بد له من مخصص.\nثم كلام أبي الحسين وأمثاله أحذق من كلام هؤلاء من وجه، وأنقص من وجه، فإنه من حيث جعل نفس وجود الحدوث بدلًا عن العدم، مع جواز أن لا يحدث، دليلًا على المقتضي لحدوثه، كلامه أرجح من كلام من جعل الدليل هو التخصيص بوقت دون وقت، فإن نفس الحدوث فيه من التخصيص ما يستغنى به عن نسبة الحادث إلى الأوقات.\nوأما كونه أنقص، فإنه متناقص من وجه آخر.\nوذلك أنه قال: لو حدث مع وجوب أن يحدث، لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل، فلا يستقر حدوثه على حال، إذا كان حدوثه واجبًا، فإنه بعد أن يتجاوز عن أن نفس الحدوث يستلزم المحدث.\nولو قدر واجبًا، يقال له: إذا قدرت الحدوث واجبًا، فلم لا يجوز أن يكون حدوثه في حال أولى منه في حال أخرى، ويكون واجبًا في تلك الحال دون غيرها؟","vol":"9","page":168},{"text":"فإن قال: لأن الأحوال مستوية.\nقيل له: الأحوال مستوية سواء قدر أن الحدوث واجب أو جائز، فلا بد من مخصص سواء قدر الحدوث واجبًا أو جائزًا.\nوإن قال: إن الواجب لا يختص بحال دون حال، خلاف الجائز.\nقيل: هذا حق فيما وجب بنفسه.\nلكن ليس العلم به بأبين من العلم يكون الحادث لا يحدث بنفسه.\nبل يحتاج ذلك إلى مزيد بيان وإيضاح أكثر من هذا، لأنه قد تقدم تقريره بأن القديم واجب الوجود في كل حال، فإنه موجود في الأزل، فلا يجوز أن يكون وجوده على طريق الجواز، ولا بالفعل، فتعيين أن يكون واجبًا، ولم يقرر أن الواجب لا يختص بوقت دون وقت.\nفإن قال: هذا بين معروف بنفسه معلوم بالضرورة.\nقيل له: إذا عرضنا على عقول العقلاء: أن الواجب: هل يكون واجبًا في وقت دون وقت؟ وأن الحادث: هل يحدث بنفسه كان ردهم لهذا الثاني أعظم من ردهم لذاك، فلا يقرر الأبين بالأخفى.\nوأيضًا فهذا أرجح من ذاك من وجه آخر.\nوذلك أن الفلاسفة الدهرية الإلهين من المتأخرين، ك ابن سينا وغيره، يقولون: إن الواجب قد يكون قديمًا، وهو واجب بغيره.\nفالواجب بغيره عندهم قد لا يكون محدثًا، مع كونه مفتقرًا إلى مخصص موجب.\nفإذا عرف افتقاره إلى موجب، لم يلزم على قولهم أن يكون له محدثًا، ولم يقل أحد من هؤلاء: إن المحدث يكون بغير محدث.\nومن قال هذا، فإنه لا ينكر افتقار المخصص","vol":"9","page":169},{"text":"إلى مخصص، فحينئذ فمن أقر بالمحدث أقر بالمخصص من غير عكس، وما دل على المحدث دل على المخصص بالاتفاق، وفي العكس نزاع.\nوأيضًا فلو نازعه منازع في أن ما وجب حدوثه يجوز أن يحدث في وقت دون وقت، وقال: هذا كما تقول أنت: إن القادر يخصه بوقت دون وقت، لاحتاج إلى جواب.\nفإن قال: القادر له أن يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح، كالجائع والهارب.\nقال له المعترض: فهذا الترجيح واجب أو جائز؟\nفإن قال: واجب.\nقال: فلم اختص بوقت دون وقت؟\nوإن قال: جائز.\nقال: فحدوثه مع جواز أن لا يحدث، يفتقر إلى ترجيح آخر، وإلا لم يكن بالحدوث أولى\nوإن قال: العلم بأن الواجب بنفسه لا يختص بزمان دون زمان ضروري.\nقال المعترض: والعلم بأن الحادث لا بد له من محدث علم ضروري.\nفإن زعم أن هذا ليس بضروري بل نظري، أمكن المعترض أن يقابله ويقول: العلم بأن الواجب لا يختص نظري لا ضروري.\nوالمقصود هنا التنبيه على أصول هؤلاء التي هي عمدتهم، وعليها بنوا","vol":"9","page":170},{"text":"دينهم الحق، وما أدخلوا فيه من البدع، وأن ذلك إما أن يكون باطلًا، وإما أن يكون حقًا طولوه بما لا ينفع، بل قد يضر، واستدلوا على الجلي بالخفي، بمنزلة من يحد الشيء بما هو أخفى منه.\nوإذا كانت الحدود والأدلة إنما يراد بها البيان والتعريف، والدلالة والإرشاد فإذا كان المعروف المعلوم في الفطرة، ويجعل خفيًا يستدل عليه بما هو أخفى منه، أو يدفع ويذكر ما هو نقيضه ومخالفه، وكانت هذه طرق السلف والأئمة التي دل عليها الكتاب والسنة، وهي الطرق الفطرية العقلية اليقينية الموافقة للنصوص الإلهية -تبين أن من عارض تلك الطرق الشرعية - معقولها ومنقولها - بمثل هذه الطرق البدعية، بل عدل عنها إليها، كان في ضلال مبين، كما هو الواقع في الوجود، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ .\nوأما طريق شيوخ المعتزلة، التي ذكرها أبو الحسين وعدل عنها، فهي أبعد وأطول، والأسولة عليها أكثر، كما لا يخفى ذلك، مع أن هذه الطرق لم تتضمن كذبًا ولا باطلًا، من جهة أنها إخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، أو من جهة أنها قضايا كاذبة، بل من جهة الاستدلال على الشيء بما هو أخفى منه، بخلاف كلامهم في الترجيح بل مرجح، والحدوث بلا سبب، وإبطال دوام الحوادث، فإن منازعيهم يقولون: كلامهم في ذلك","vol":"9","page":171},{"text":"من نوع الكذب الباطل، وإن لم يعتمدوا الكذب كسائر المقالات الباطلة.\nوهاتان الطريقتان، اللتان ذكرهما أبو الحسين عنه وعن شيوخه، هما اللتان اعتمد عليهما كثير من المثبتين للصفات، الذين استدلوا بطريقة الأعراض والحركات على حدوث الأجسام، كالقاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى في المعتمد)، وغيرهما، فإنهم سلكوا هذه الطريق فأثبتوا وجودها، وأن الأجسام لا تخلو عنها، وأنها لا تبقى زمانين، وأنها محدثة، وأن ما لا يخلو منها فهو محدث، لأن الحوادث لها أول، وأبطلوا وجود ما لا يتناهى مطلقًا، وذكروا النزاع في ذلك مع معمر والنظام وابن الراوندي وغيرهم، وأثبتوا ذلك بنظير ما تقدم من الحجيج، وقالوا: إن ما لا ينفك عن الحوادث فهو محدث، وقالوا: إذا ثبت أن ذلك محدث، فلا بد له من محدث أحداثه، وصانع صنعه، خلافًا للملحدة في نفي الصانع.\nقالوا: والدلالة عليه أن المحدث لو لم يتعلق بمحدث، لم تتعلق الكتابة","vol":"9","page":172},{"text":"بكتاب، ولا الضرب بضارب، لأن ذلك كله يتعذر، إذا استحالة محدث لا محدث له، كاستحالة كتابة لا كاتب لها، فلو جاز وجود محدث لا محدث له، لجاز محدث لا إحداث له، وذلك محال.\nوهؤلاء يقولون: المحدث عين الإحداث، فحقيقة قولهم وجود محدث لا إحداث له، وقد جعلوا هنا نفي هذا مقدمة معلومة يحتج بها.\nقالوا: وأيضًا فإنا نرى الحوادث يتقدم بعضها بعضًا، ويتأخر بعضها عن بعض، ولولا أن مقدمًا قدم منها ما قدم، وأخر منها ما أخر، لم يكن ما تقدم منها أولى من أن يكون متأخرا، وما تأخر أولى من أن يكون متقدمًا، فدل ذلك على أن لها مقدمًا محدثًا لها قدم منها ما قدم، وأخر منها ما أخر.\nثم لا يخلو ذلك الأمر من أن يكون نفس الحادثات، أو معنى فيه، أو نفسه ولا معنى فيه، أو لجاعل جعله، فيستحيل أن يكون ذلك لنفسه، لأن نفسه هو وجوده، والشيء لا يجوز أن يفعل نفسه، ولا يجوز أن يكون لذلك المعنى، لأن ذلك المعنى لا بد أن يكون موجودًا، إذ المعدوم ليس له تأثير في ذلك، وإذا كان موجودًا فلا يخلو من أن يكون قديمًا أو محدثًا، فلا يجوز أن يكون قديمًا، لأنه لو كان قديمًا لوجب قدم الجسم المحدث، وذلك باطل.\nوإن كان محدثًا فلا بد أن يكون متقدمًا أو متأخرًا، فإن كان كذلك، مع جواز أن لا يكون متقدمًا لقدم موجبه، فلا يكون كذلك إلا لمعنى آخر، وذلك المعنى لمعنى آخر إلى غير نهاية.","vol":"9","page":173},{"text":"ولا يجوز أن يكون كذلك: لا لنفسه، ولا لمعنى، ولا لأمر، لأن ذلك يؤدي إلى أن لا يكون بالوجود في وقت أولى من عدمه وبقائه على عدمه، ولما علو أن اختصاصه بالوجود أولى من عدمه، بطل أن يكون إلا لأمر، وإذا بطلت هذه الأقسام، علم أن هذه الحوادث إنما اختصت في الوجود في أوقات معينة لجاعل جعله، وأراد تقديم أحدهما على الآخر، وتأخر بعضها عن بعض، فثبت ما قلناه.\nفهذا الذي ذكره القاضي أبو يعلى، ومن سلك هذه الطريقة كأبي محمد بن اللبان، وقبلهما القاضي أبو بكر، وغيرهم: هي من جنس ما تقدم.\nوهؤلاء غالبهم إذا ذكروا طريقتهم في حدوث الأجسام، بأن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، ذكروا ذلك مسلمًا، كأنه بين، وإذا ذكروا مع ذلك أن الحوادث يجب تناهيها، وجعلوا ذلك بمنزلة المسلم أو المقدمة الضرورية، تسوية بين النوع وأشخاصه فيقولون مثلًا إذا أثبتوا حدوث الأعراض وأن الجسم مستلزم لها: الحوادث لها أول أبتدئت منه، خلافًا لابن الراوندي وغيره من الملحدة.\nوالدلالة على ذلك علمنا بأن معنى المحدث أنه الموجود عن عدم، ومعنى الحوادث أنها موجودة عن عدم، فلو كان فيها ما لا أول له، لوجب أن يكون قديمًا، وذلك فاسد لما بينا من إقامة الدلالة على حدوثها.","vol":"9","page":174},{"text":"والجمع بين قولنا: حوادث، وأنه لا أول لها، مناقضة ظاهرة في اللفظ والمعنى، وذلك باطل.\nثم يقولون: وإذا ثبت ما ذكرنا من ثبوت الأعراض وحدوثها، وأن الجواهر لم تخل منها ولم تسبقها، وجب أن تكون محدثة كهي، لأن الجواهر لا تخلو من أن تكون موجودة معها أو بعدها أو قبلها، فإذا بطل أن تكون الجواهر موجودة قبل الأعراض، وبطل أن توجد بعدها، وجب أن تكون موجودة معها، وثبت حدوثها كحدوث الأعراض.\nفهذا الذي يقوله هؤلاء، كالقاضيين ومن وافقهما على ذلك، وهذا لفظ القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى ونحوهما.\nوالمعترض على ذلك يقول إن موضع المنع لم يقيموا عليه حجة، وإنما قالوا: معنى الحوادث أنها موجودة عن عدم، فلو كان فيها ما هو لا أول له، لوجب أن يكون قديمًا، وهم لا يقولون فيها ما لا أول له، بل كل حادث له أول عندهم، وإنما يقولون: إن جنسها لا أول له بمعنى أنه لم يزل كل حادث قبله حادث وبعده حادث.\nوحينئذ فيقولون: إنه لا مناقضة بين قولنا: حوادث، وقولنا: لا أول لها، لأن معنى قولنا: حوادث، أن كل واحد واحد منها حادث منها حادث بعد أن لم يكن، ليس معناه أن جنسها حادث.\nوالذي لا أول له هو الجنس عندهم، لا كل واحد واحد، فالذي أثبتوا له الحدوث، هو كل واحد واحد من الأعيان، وتلك لم يثبتوا لشيء منها قدمًا، ولا قالوا: لا أول لشيء منها، والذي قالوا: لا أول له، بل هو قديم، هو النوع المتعاقب، وذلك لم يقولوا: إنه حادث.","vol":"9","page":175},{"text":"ثم إن هؤلاء أيضًا بعد ذلك يقررون ما يدقونه من امتناع حوادث لا أول لها، في ضمن دعواهم امتناع وجود ما لا يتناهى، فيقعدون قاعدة، فبقولون: لا يجوز وجود موجودات لا نهاية لعددها، سواء كانت قديمة أو محدثة، خلافًا لمعمر والنظام وابن الراوندي وغيرهم من الملحدة، في قولهم: يجوز وجود ذوات محدثة لا نهاية لها، وخلافًا للفلاسفة في قولهم: يجوز وجود جواهر قديمة لا غاية لها ٠\nثم يقولون: والدليل على ذلك أن كل جملة من الجمل لو ضممنا إليها خمسة أجزاء لعلم ضرورة أنها زادت، أو نقصت منه خمسة أجزاء لعلم ضرورة أنها قد نقصت.\nوإذا كان هذا كذلك وجب أن تكون متناهية، لجواز قبول الزيادة والنقصان استحال أن تكون متناهية، وإذا كان كذلك استحال وجود موجودات غير متناهية، قديمة كانت أو محدثة.\nوليس لأحد أن يقول يلزمكم على هذا أن تقولوا: إن معلومات الباري ﷿ أكثر من مقدوراته، لأن جميع مقدوراته معلومة، وله معلومات لا يصح أن تكون مقدورة، وهي ذاته تعالى، وسائر صفاته،","vol":"9","page":176},{"text":"وسائر الباقيات والمحالات التي لا يصح وجودها، لأن مقدورات الباري ومعلوماته على ضربين: موجودات ومعدومات، فالموجودات من المقدورات والمعومات كلها متناهية، والمعدومات منها غير متناهية، ولا يصح فيها الزيادة والنقصان.\nوإذا كان الأمر على ما ذكرناه، بطل ما قالوه.\nفهذا الذي يذكره مثل هؤلاء، كالقاضيين وابن اللبان أو غيرهم.\nوهذه الطريق هي طريق التطبيق، ومبناها على أن ما لا يتناهى لا يتفاضل، وعليها من الكلام والاعتراض ما قد ذكر في غير هذا الموضع، إذ المقصود هنا التنبيه على طرق الناس في الأصول، التي يقول القائل: إنها تستلزم ما يخالف النصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>كلام الجويني في \"الإرشاد\" عن امتناع حوادث لا أول لها</span>\nكلام الجويني في الإرشاد عن امتناع حوادث لا أول لها\nومنهم من يسلك في دعوى امتناع دوام الحوادث مسلك الضرورة، كما سلكه طوائف، منهم أبو المعالي في إرشاده الذي جعله إرشادًا إلى قواطع الأدلة، وجعل أصل الأصول، الذي بنى عليه جميع ما يذكره من أصول الدين، التي بها كفر أو بدع من خالفه هو دليل الأعراض المذكور، وسلك فيه مسلك من تقدمه من أهل الكلام، السالكين طريق المعتزلة في تقرير ذلك، وهو مبني على أربعة أركان: إثبات الأعراض، ثم إثبات حدوثها، ثم إثبات لزومها للجسم.\nقال والأصل الرابع يشتمل على إيضاح استحالة حوادث لا أول لها.","vol":"9","page":177},{"text":"قال: والاعتناء بهذا الركن حتم، فإن إثبات العرض منه يزعزع جملة مذاهب الملحدة، فأصل مقالتهم أن العالم لم يزل على ما هو عليه، فلم تزل دورة الفلك قبل جورة إلى غير أول، ثم لم تزل الحوادث في عالم الكون والفساد تتعاقب كذلك إلى غير مفتتح، فكل ولد مسبوق بوالد، وكل زرع مسبوق ببذر، وكل بيضة مسبوقة بدجاجة، فنقول: موجب أصلكم يقضي بوجود حوادث لا نهاية لأعدادها، ولا غاية لآحادها، على التعاقب في الوجود، وذلك معلوم بطلانه بأوائل العقول، فإنا نفرض القول في الدورة التي نحن فيها، ونقول من أصل الملحدة أنه انقضى قبل الدورة التي نحن فيها دورات لا نهاية لها، وما انتفت عنه النهاية يستحيل أن ينصرم بالواحد على إثر الواحد، فإذا تصرمت الدورات التي قبل هذه الدورة أذن انقضاؤها بتناهيها، وهذا القدر كاف في غرضنا.\nتعليق ابن تيمية\nقلت: وهذه الحجة هي التي تقدم ذكر اعتراض كثير من النظار","vol":"9","page":178},{"text":"عليها، حتى أتباع أبي المعالي، كالرازي والآمدي والأرموي وغيرهم.\nوهم ينازعونه في قوله: إن بطلان ذلك معلوم بأوائل العقول، ويقولون: قد جوز ذلك طوائف متنوعة من العقلاء، الذين لم يتلقه بعضهم عن بعض من أهل الملل: المسلمين واليهود والنصارى، ومن الفلاسفة الأولين والآخرين وغيرهم، بل قد يقولون: إن هذا قول الأنبياء وأتباعهم، وفضلاء الطوائف، لا يريدون أن قدم العالم هو قول الأنبياء، بل يعلمون أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، كما أخبرت به الأنبياء، لكن يقولون: ما زال الله تعالى متكلمًا، تكلم بما شاء، أو ما زال فاعلًا، يفعل بنفسه ما شاء، أو ما زال يفعل الحوادث شيئًا بعد شيء، أو نحو ذلك من المقالات، التي يقولون: إنها موافقة لقول الأنبياء صلوات الله عليهم، وأن أقوال الأنبياء لا تتم إلا بها.\nوأما قدم الأفلاك ودوامها، فهو قول طائفة قليلة، كأرسطو وأتباعه.\nوقد نقل أرباب المقالات أنه أول من قال بقدم ذلك من الفلاسفة، وأن الفلاسفة المتقدمين كانوا على خلاف قوله في ذلك، وقول أرسطو هذا وأتباعه، هو من أقوال الملاحدة المخالفين للرسل، فإن الأقوال التي تخالف ما علم من نصوص الأنبياء هي من أقوال الملاحدة، ومن عارض نصوص الأنبياء بعقله كان من الملاحدة.\nوما الأقوال التي قالها الرسل، أو قالت ما يستلزمها، ولم تقل نقيض ذلك، فهذه لا تضاف إلى الملاحدة، بل من عارض نصوص الأنبياء بمعقوله، وادعى تقديم عقله على أقوال الأنبياء، واستند في ذلك إلى أصل اختلف فيه العقلاء، ولم يوافقه عليه الأنبياء، كان أقرب إلى أقوال","vol":"9","page":179},{"text":"أهل الإلحاد، ولكن قد تشتبه على كثير من النظار، فينصرون ما يظنونه من أقوال الأنبياء بما يظنونه دليلًا عقليًا، ويكون الأمر في الحقيقة بالعكس، لا القول من أقوال الأنبياء، بل قد يكون مناقضًا لها، ولا الدليل دليلًا صحيحًا في العقل بل فاسدًا، فيخطئون في العقل والسمع ويخالفونهما، ظانين أنهم موافقون للعقل والسمع، وآية ذلك مخالفتهم لصرائح نصوص الأنبياء، وما فطر الله عليه العقلاء.\nفمن خالف هذين كان مخالفًا للشرع والعقل، كما هو الواقع في كثير من نفاة الصفات والأفعال.\nوالمقصود هنا أن المعترضين على ما ذكر في تناهي الحوادث، يقولون: لم يذكر على وجوب تناهيها دليلًا، فإن عمدته قوله: ما انتفت عنه النهاية يستحيل أن ينصرم بالواحد على إثر الواحد، فإذا تصرمت الحوادث أذن انقضاؤها بتناهيها.\nوهم يقولون لفظ الانتهاء لفظ مجمل: أتريد به الانتهاء، بمعنى أنه لا أول لها؟ أو الانتهاء بمعنى انقضاء ما مضى؟\nأما الانتهاء بالمعنى الثاني، فإنهم لا ينازعون فيه، بل يسلمون أن ما انتهى فقد انتهى، لكن لا يسلمون أن الحوادث انتهت، بل يقولون: لم تزل ولا تزال، فإن الانتهاء انقطاعها وانصرامها ونفادها، وهي لم تنفد ولم تنقطع.\nوإن قيل: الماضي قد وجد بخلاف المستقبل.","vol":"9","page":180},{"text":"قيل: وجود ما وجد مع دوامها لا يوجب انتهاؤه.\nفإن قيل: فنحن نقدر أنها انتهت وفرغت.\nقيل: إذا قدر تناهيها لزم تناهيها على هذا التقدير.\nوقيل: إن أريد بتناهيها أن ما مضى هو محدود بالحد الفاصل بين الماضي والمستقبل، وهذا انتهاء.\nقيل: هب أن هذا يسمى انتهاء، لكن على هذا التقدير فهي منتهية من هذا الطرف الذي انتهت إليه، لا من الطرف الأول الذي لا ابتداء له.\nوعلى هذا فهؤلاء لا ينازعون في الانتهاء بهذا المعنى، بل يقولون: كل ما مضى من الحوادث فقد انتهى وانقضى وانصرم وفرغ.\nوهذا هو الذي نفاه الله عن كلماته، وعن نعيم أهل الجنة.\nكما قال تعالى: ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ [ص: ٥٤] .\nوقال: ﴿أكلها دائم وظلها﴾ [الرعد: ٣٥] وقال: ﴿لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ [الواقعة: ٣٣] .\nوقال: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾ [الكهف: ١٠٩] .\nوأما عدم الانتهاء، بمعنى أنه لا ابتداء لها، فلم يذكر دليلًا على امتناعه.\nفإن القائل إذا قال: ما انتفت عنه النهاية، بمعنى أنه لا ابتداء","vol":"9","page":181},{"text":"له، يستحيل أن ينصرم بالواحد على إثر الواحد، فإن الحوادث إذا انصرمت أذن انقضاؤها بتناهيها.\nقيل له: انقضاؤها يؤذن بتناهيها من آخرها، فالانتهاء والانصرام هنا معناهما واحد فكأن القائل قال: إذا انتهت فقد انتهت، وإذا انصرمت فقد انصرمت.\nوأما كون الانقضاء والانتهاء من الآخر يؤذن بأن لها مبدأ كان بعد أن لم يكن، فليس في الانتهاء ما يؤذن بحدوث الابتداء، بل هذا هو رأس المسألة، وليس الاطراد بالانتهاء هنا انقطاعها بالكلية حتى لا يوجد شيء منها، بل المراد انتهاء ما مضى منها، فإن ما انقطع بالكلية فعدم جنسه، يمكن أن يقال إن له مبتدأً، ولو كان قديم الجنس لم يعد، فإن ما وجب قدمه امتنع عدمه، سواء كان شخصًا أو نوعًا.\nوأما إذا أريد بالانتهاء انتهاء ما مضى مع دوام النوع في المستقبل، فليس في هذا الانتهاء ما يستلزم أن يكون أوله محدودًا.\nومن المعلوم أن العقل إذا قدر حوادث متوالية لم تزل ولا تزال، كان يعلم أن كل واحد منها قد انصرم وانصرم ما قبله، مع أنه قد قدر دوام هذا النوع، كما يعلم أن كل واحد منها له أول، مع تقديره أنه لا أول لها، فعلم أن هذا التقدير ينافي انصرام ما انصرم، ولا حدوث ما حدث، وإذا لم يتناف هذا وهذا لم يكن ثبوت أحدهما دليلًا على انتفاء الآخر، فعلم أن ما ذكروه لا ينافي جواز دوام الحدوث.","vol":"9","page":182},{"text":"وقد عارضهم المعترضون بالحوادث المستقبلة، وأوردوا سؤالهم.\nقالوا: فإن قيل: مقام أهل الجنان فيها مؤبد مسرمد، فإذا لم يبعد إثبات حوادث لا آخر لها، لم يبعد إثبات حوادث لا أول لها.\nقلنا: المستحيل أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى آحادًا على التوالي، وليس في توقع الوجود في الاستقبال والمآل قضاء بوجود ما لا يتناهى، ويستحيل أن يدخل في الوجود من مقدورات الباري تعالى: ما لا يحصره عدد، ولا يحصيه أمد.\nوالذي يحقق ذلك أن حقيقة الحادث ما له أول، وإثبات الحوادث مع نفي الأولية تناقض، وليس في حقيقة الحادث أن يكون له آخر.\nوقد أجاب المعترضون عن هذا الكلام بأن ما مضى دخل في الوجود ثم خرج، فليس هو الساعة داخلًا في الوجود، وما يستقبل سيدخل في الوجود ثم يخرج، فكلاهما في الحال ليس بداخل في الوجود، وكلاهما لا بد من دخوله في الوجود وخروجه منه، فقد استوى هذا وهذا، في الدخول والخروج، وفي العدم الآن.\nلكن دخول هذا وخروجه ماض، ودخول هذا وخروجه مستقبل، وليس في هذا الفرق ما يمنع اشتراكهما، فهما اشتركا فيه، لا سيما والمضي والاستقبال أمران إضافيان، فما من","vol":"9","page":183},{"text":"حادث إلا ولا بد أن يوصف بالمضي والاستقبال، فيوصف بالمضي باعتبار ما بعده، ويوصف بالاستقبال باعتبار ما قبله، فإذا نظر إلى حادث معين فما قبله ماض وما بعده مستقبل، وهكذا كل حادث.\nوإذا كانت الحوادث الدائمة كل منها يوصف بالمضي والاستقبال، لم يصح الفرق بينهما بذلك فإن من شرط الفرق اختصاص أحد النوعين به وتأثيره في الحكم الذي فرق بينهما فيه لأجله، وكلا الأمرين منتف هنا.\nوالدليل الدال على انتفاء دوام الحدوث يتناول هذا كتناول هذا، فإما أن يصحا جميعًا وإما أن يبطلا جميعًا.\nولهذا كان من طرد هذا الدليل، وهما إماما أهل الكلام نفاة الصفات: الجهم بن صفوان إمام الجهمية، وأبو الهذيل العلاف إمام المعتزلة، كلاهما ينفي دوام الحدوث في المستقبل كما نفاه في الماضي.\nوإذا قال القائل: المستحيل أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى آحادًا على التعاقب.\nقيل له: فالمستقبلات تدخل في الوجود وهي لا تتناهى آحادًا على التعاقب، لكن لم تدخل بعد، وذاك دخل ثم خرج.\nوقوله: يستحيل أن يدخل في الوجود من مقدورات الباري تعالى ما لا يحصره عدد ولا يحصيه أمد هو محل النزاع إذا قصره على الماضي، وإن كان اللفظ عامًا فهو خلاف ما سلمه، بل هؤلاء يقولون: يجب أن يدخل","vol":"9","page":184},{"text":"في الوجود من مقدورات الباري ما لا يتناهى وإلا لزم أن يكون الرب لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا، أو بالعكس من غير حدوث أمر أوجب انتقاله من القدرة إلى العجز وبالعكس.\nوهذا فيه سلب للرب صفة الكمال، وإثبات التغير بلا سبب يقتضيه، وذلك مخالفة لصريح المعقول والمنقول.\nولهذا كان ما أنكره المسلمون على هؤلاء قولهم: إن الرب في الأزل لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا، وهو مما استحل به المسلمون لعنة بعض من أضيف إليه ذلك من أهل الكلام، لا سيما من يسلم أن الرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، فإنه يجب أن يصفه بأنه لم يزل ولا يزال قادرًا، والقدرة لا تكون إلا على ممكن، فلزم إمكان فعله فيما لم يزل ولا يزال.\nوقول القائل: من هؤلاء: أنه كان قادرًا في الأزل على ما لم يزل، كلام متناقض.\nفإنه يقال لهم: حين كان قادرًا: هل كان الفعل ممكنًا؟ فلا بد أن يقولوا: لا، فإنه قولهم.\nفيقال لهم: كيف وصف بالقدرة مع امتناع شيء من المقدور؟ فعلم أنه مع امتناع الفعل يمتنع أن يقال إنه: قادر على الفعل.\nوأما قوله: إثبات الحوادث مع نفي الأولية تناقض.\nفيقولون: هو تناقض إذا نفى الأولية عن نفس ما له أول، وهو كل واحد واحد من الحوادث.\nأما إذا نفى الأولية عما لم تثبت له أولية، وهو نوع الحوادث، لم يتناقض كما تقدم.","vol":"9","page":185},{"text":"ثم قالوا في الفرق بين الماضي والمستقبل ما قاله أبو المعالي.\nقال: وضرب المحصلون لذلك مثالين في الوجهين.\nقالوا: مثال إثبات حوادث لا أول لها قبل كل حادث قول القائل لمن يخاطبه: لا أعطيك درهمًا إلا وأعطيك قبله دينارًا، ولا أعطيك دينارًا إلا وأعطيك قبله درهمًا، فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه دينارًا ولا درهمًا.\nومثال ما ألزمونا أن يقول القائل: لا أعطيك دينارًا إلا وأعطيك بعده درهمًا، ولا أعطيك درهمًا إلا وأعطيك بعده دينارًا، فيتصور منه أن يجري على حكم الشرط.\nفيقول المعترضون: هذا التمثيل ليس مطابقًا لمسألتنا، فإن قوله: لا أعطيك حتى أعطيك نفي للمضارع المستقبل إذا وجد قبله ماض، فحق القياس الصحيح والاعتبار المستقيم أن يقال: ما أعطيتك درهمًا إلا أعطيتك قبله دينارًا، ولا أعطيتك دينارًا إلا أعطيتك قبله درهما فهذا إخبار أن كل ماض من الدراهم كان قبله دينار، وكل دينار كان قبله درهم، وهو نظير الحوادث الماضي التي قبل كل حادث منها حادث.\nكما أن قوله: لا أعطيك درهمًا إلا أعطيك بعده دينارًا، أو لا دينارًا إلا وبعده درهم هو نظير الحوادث المستقبلة التي بعد كل حادث منها حادث، فإن أمكن أن يصدق في","vol":"9","page":186},{"text":"قوله في المستقبل، أمكن أن يصدق في قوله في الماضي، وإن امتنع صدقه في الماضي امتنع صدقه في المستقبل، إذ العقل لا يفرق بين هذا وهذا، ولكنه يفرق بين قوله: لا أعطيك حتى أعطيك وبين قوله: ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك.\nفإذا كان منتهى النظار هو القياس العقلي والإعتبار، وهم في القياس الذي جعلون أصل أصول الدين يقيسون الشيء بما يبين مفارقته إياه في عين الحكم الذي سووا بينهما فيه، علم أن ذلك قياس باطل.\nوهذا من أعظم أصولهم، أو أعظم أصولهم الذي بنوا عليها نفيهم لما نفوه من أفعال الرب وصفاته، وعارضوا بذلك ما أرسل به رسله من أنبائه وآياته.\nوقوله: لا أعطيك حتى أعطيك مثل قول: ما أعطيتك حتى أعطيتك.\nفهنا نفي الماضي حتى يوجد الماضي، وهناك نفي المستقبل حتى يوجد المستقبل.\nوكلاهما ممتنع، فإنه نفي للشيء حتى يوجد الشيء.\nوحقيقته الجمع بين النقيضين، حتى يجعل الشيء موجودًا معدومًا، كما لو قيل: لا يوجد هذا حتى يوجد هو نفسه، فيقتضي أن يكون وجوده قبل وجوده، بل في حال عدمه، فيكون قد جعل موجودًا حال كونه معدومًا، وهذا ممتنع بين الامتناع.\nبخلاف قوله: ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله، ولا أعطيك إلا أعطيك بعده فإنه إثبات بعد كل عطاء عطاء، وقبل كل عطاء عطاء، فهذا يتضمن إثبات بعد كل حادث مستقبل حادث مستقبل، وقبل كل حادث ماض حادث ماض، فأين هذا من هذا؟","vol":"9","page":187},{"text":"وليتدبر العاقل القياس العقلي في هذا الباب، فإنهم قد سلموا أنه يجوز أن يكون بعد كل حادث مستقبل حادث مستقبل، كما إذا قال: لا أعطيك درهمًا إلا وأعطيك بعده دينارًا.\nواتفقوا على أنه لا يجوز أن نقول لا أعطيك درهمًا حتى أعطيك دينارًا وتنازعوا هل يجوز أن يكون قبل كل حادث ماض حادث ماض أم لا؟ فمنهم من منع ذلك، وقال: هذا مثل أن نقول: لا أعطيك درهمًا حتى أعطيك دينارًا.\nومنهم من جوز ذلك وقال: ليس هذا مثل هذا الممتنع، ولكن هذا نظير ذلك الجائز، وهو قوله: لا أعطيك درهمًا إلا أعطيتك بعده دينارًا، فإن هذا معناه أن يكون بعد كل حادث حادث، وذاك معناه أن يكون قبل كل حادث حادث.\nوهذا المعنى هو هذا المعنى، لكن هذا قدم اللفظ بما بعد، وهناك قدم التلفظ بما قبل، وأما من جهة المعنى فلا فرق بينهما.\nقالوا: وأما الممتنع فنظيره أن نقول: ما أعطيتك إلا حتى أعطيتك فهذا نظير قوله: لا أعطيك حتى أعطيك، ليس نظيره: ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله.\nفهنا أصل متفق على جوازه، وأصل متفق على امتناعه، بل أصلان متفق على امتناعهما، وأصل متنازع فيه، هل هو نظير هذا الجائز، أو نظير الممتنعين؟\nولهذا كان الذين اتبعوا هؤلاء من المتأخرين، كالرازي والآمدي وغيرهما، قد يتبين لهم ضعف هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث الأجسام، ويترجح عندهم حجة من يقول بدوام فاعلية الباري تعالى، وهم يعلمون أن دين المسلمين واليهود والنصارى: أن الله خلق السموات","vol":"9","page":188},{"text":"والأرض في ستة أيام، وأن الله خالق كل شيء، لكن قد لا يجمعون بين ذلك وبين دوام فاعلية الباري، لكنهم لم يبنوا على ثبوت الأفعال القائمة به المقدورة المرادة له، فيبقون دائرين بين مذهب الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم الأفلاك، معظمين لأرسطوا وأتباعه كابن سينا، وبين مذهب أهل الكلام القائلين بتناهي الحدوث، وربما رجحوا هذا تارة وهذا تارة، حتى قد يصير الأمر عندهم كأن دين المسلمين ودين الملاحدة عدلًا جهل، أو ربما مالوا أحيانًا إلى دين الملاحدة، حتى قد يصنفون في الشرك والسحر، كعبادة الكواكب والأصنام.\nوأصل ذلك نفيهم لما يجب إثباته من فعل الرب تعالى، كما دل عليه المنقول والمعقول، فإن هؤلاء قد يثبتون أن الذين نفوا قيام الأمور الاختيارية بذات الله تعالى، وسموا ذلك نفي حلول الحوادث به، ليس لهم على ذلك حجة صحيحة: لا عقلية ولا سمعية، بل الذين نفوا ذلك من جميع الطوائف يلزمهم القول به.\nفإن كان هذا الأصل في المعقول، ولزومه للطوائف، ودلالة الشرع عليه، بهذه القوة، وبتقدير إبطاله يلزم ترجيح مذهب الملاحدة المبطلين شرعًا وعقلًا، على أقوال المرسلين الثابة شرعًا وعقلًا، أو تكافي المسلمين بين أهل الإيمان وأهل الإلحاد -تبين ما ترتب على إنكار ذلك من الضلال والفساد.\nومصداق ذلك أن الرازي -مثلًا- إذا قرر في مثل نهاية العقول","vol":"9","page":189},{"text":"وأمثالها من كتبه الكلامية تناهي الحوادث، واستوعبت ما ذكره أهل الكلام في ذلك من الحجج، عارضه إخوانه المتكلمون فقدحوا فيها واحدة واحدة، ثم هو نفسه يقدح فيها في مواضع من كتبه، مثل المباحث المشرقية والمطالب العالية وغير ذلك، ويبين أن دوام فاعلية الرب مما يجب القول به، كما ذكره في المباحث المشرقية فإنه قال في بيان دوام فاعلية الباري: اعلم أنا بينا أن واجب الوجود لذاته، كما أنه واجب الوجود لذاته، فهو واجب الوجود من جميع جهاته.\nوإذا كان كذلك، وجب أن تدوم أفعاله بدوامه.\nوبينا أيضًا أن سبق العدم ليس بشرط في احتياج الفعل إلى الفاعل، وبينا في باب الزمان أن الزمان لا يمكن أن يكون له مبدأ زماني، وحللنا فيه الشكوك والشبه.\nقال: وأيضًا العالم غير ممتنع أن يكون دائم الوجود، وما لا يمتنع أن يكون دائم الوجود، يجب أن يكون دائم الوجود، فالعالم يجب أن يكون دائم الوجود.\nأما الصغرى فقد مضى تقريرها، وأما الكبرى فهي أن الذي لا يمتنع أن يكون موجودًا دائمًا، لو كان جائز العدم لكان: إما أن يكون عدمه ممكنًا دائمًا، أو لا يكون دائمًا، فإن لم يكن","vol":"9","page":190},{"text":"له إمكان العدم دائمًا، كان ذلك الإمكان محدودًا، وإذا تعدى ذلك الحد، وجب فيه وجوده وامتنع عدمه، مع أن الأحوال واحدة، وهذا محال، يبقى أنه إن كان عدمه ممكنًا، فهو ممكن العدم دائمًا، وكل ما كان ممكنًا فإنه إذا فرض موجودًا، أمكن أن يعرض منه كذب، وأما المحال فلا يعرض البتة، إذا فرض معدومًا، لكن فرض هذا العدم يعرض منه محال، وبيانه هو: أنا نفرض أن أحد طرفي الممكن، وهو الوجود الدائم، وجد وهو مع ذلك يقوى على عدم الصورة دائمًا، فلا يمتنع أن يقع ذلك الممكن، فإن استحالة وقوعه لم يكن ذلك ممكنًا، لكنه يستحيل مع فرض وجوده دائمًا عدمه دائمًا، وإلا لكان الشيء، في زمان غير متناه، معدومًا وموجودًا معًا، وهو محال.\nنعم يمكن فرض عدمه بعد وجوده، ولكن ذلك العدم غير دائم، بل هو عدم متجدد.\nوإذا كان هذا محالًا بالوضع ليس بكذب غير محال بل هو محال، فالحكم على ما يمكن وجوده دائمًا بأنه جائز العدم محال، فإذًا وجوده واجب، وهو المطلوب.","vol":"9","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-927>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فهذه الحجة مضمونها أن الفعل يمكن أن يكون واجب الوجود، فيجب أن يكون دائم الوجود، لأنه لو لم يكن كذلك لكان ممكن الوجود والعدم.\nوالمقصود هنا أنه يمكن دوام وجوده بغيره، فيجب دوام وجوده بغيره لا بنفسه، إذ لو لم يجب بنفسه ولا بغيره بل أمكن عدمه، لوجب أن يمكن عدمه دائمًا، إذ إمكان عدمه في حال دون حال مع تساوي الأحوال محال، وإمكان عدمه دائمًا ينافي وجوبه بنفسه أو بغيره في شيء من الأوقات، فإنه لو وجب موجودًا في حال بنفسه أو بغيره، لم يكن ممكن العدم في حال وجوبه، وهو إذا كان موجودًا كان بغيره فيكون واجبًا بالغير، فإذا كان موجودًا امتنع -في حال وجوده- أن يمكن عدمه، فإذا قدر أنه ممكن العدم دائمًا، بحيث لا يجب لا بنفسه ولا بغيره، امتنع أن يكون موجودًا في شيء من الأحوال.\nوالتقدير أنه ممكن الوجود، بل ممكن دوام الوجود.\nوإمكان الوجود ينافي امتناع الوجود، فما أمكن وجوده دائمًا امتنع عدمه.\nونكته الحجة أن ما أمكن وجوده دائمًا، يكون مع وجوده واجبًا بغيره، فإن الممكن إن اقترن به ما يوجب وجوده، صار واجبًا بغيره، وإن لم يقترن به ما يوجب وجوده، صار ممتنعًا لغيره، إذ الممكن لا يحصل إلا عند المرجح التام الذي يوجب وجوده، إذ لو لم يجب معه لكان ممكنًا، وإذا كان ممكنًا لم يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح.\nوهذا الموضع قد نازع فيه طوائف المعتزلة، وغيرهم من أهل الكلام.\nطائفة يقولون إن القادر يرجح أحد المقدورين المتماثلين بلا","vol":"9","page":192},{"text":"مرجح أصلًا، كما يقول ذلك طوائف من الجهمية والمعتزلة، ومن اتبعهم من أصناف المتكلمين.\nوهؤلاء يقولون: عند وجود القدرة والداعي لا يجب الفعل، بل يكون جائز الوجود والعدم.\nوطائفة من المعتزلة الكرامية يقولون: بل عند وجود المرجح يكون الوجود راجحًا على العدم من غير وجود.\nوهذا قول محمود الخوارزمي، وابن الهيصم الكرامي وغيرهما.\nوالقول الثالث: هو قول طوائف من أهل السنة والمعتزلة كأبي الحسين: أنه عند وجود القدرة التامة والداعي التام يجب وجود المقدور.\nوالقول الذي اختاره محمود يقول أصحابه: إنه عند وجود المرجح يكون الممكن أولى بالوجود منه بالعدم، وإن لم ينته الترجيح إلى حد الوجوب.\nوجعلوا فعل القادر المختار من هذا الوجه.\nوبهذا يناظرون الناس في مسألة القدر، ويناظرون الفلاسفة في مسألة حدوث العالم.\nلكن الناس بينوا فساد قولهم، وذلك أنه إذا حصل مرجح، وكان مع وجوده يمكن وجود الممكن ويمكن عدمه، فلا بد من ترجيح لأحدهما على الآخر.\nفإن قيل: جانب الوجود: أقوى أو أضعف؟\nقيل: قول القائل: أقوى، يريد به أنه مع هذه القوة يمكن وجوده وعدمه، أو لا بد من وجوده.\nفإن قال بالثاني: ثبت وجوبه عند المرجح.","vol":"9","page":193},{"text":"وإن قال بالأول، قيل له: فإن كان مع القوة يمكن وجوده وعدمه، فلا بد من ترجيح، وإلا كان الممكن نوعين أو له حالان: حال يحصل فيها بغير مرجح، وحال لا يحصل فيها إلا بمرجح.\nوالممكن ليس له من نفسه وجود أصلًا، بل وجوده ممكن، ولا يحصل إلا بغيره، فكل ما وصف بهذه الحقيقة، يمتنع أن يوجد إلا بغيره، فما دام ممكنًا لا يوجد إلا بغيره.\nوذلك الغير إذا كان يمكن أن يفعل، ويمكن أن لا يفعل، كان فعله ممكنًا.\nوالممكن لا يحصل إلا بغيره.\nوإذا قيل: الغير هو القادر، أو القادر المريد، أو نحو ذلك.\nقيل: مجرد القادر المريد، إذا كان معه وجود الفعل تارة وعدمه الأخرى، كان ممكنًا، فلا بد له من مرجح، وإلا فإذا قدر استوىء الحال من كل وجه فلا يترجح، وإذا لم يكن ترجيح، لزم حصول الممكن بلا ترجيح مرجح، وهو ممتنع.\nوهذا الموضع هو الذي أنكره من أنكره من أئمة السنة والحديث، ومن أئمة الفلاسفة أيضًا، على من صار إليه من أهل الكلام: المعتزلة، والكلابية كالأشعرية، وطائفة من أصحاب أحمد وغيره من الأئمة.\nوهو أصل قول ابن كلاب في مسألة القرآن، الذي أنكره عليه الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة.\nوهو أصل شبهة الفلاسفة في مناظرتهم لهؤلاء في قدم العالم، وقد بسط في موضعه.\nوإذا كان الممكن نفسه إما واجبًا بغيره، وإما ممتنعًا لغيره، فما كان يمكن دوام وجوده كان مع وجوده واجب الدوام بغيره، فيمتنع أن","vol":"9","page":194},{"text":"يكون حينئذ ممكن العدم والحال هذه، مع كونه واجب الدوام بغيره، فيمتنع أن يكون حينئذ ممكن العدم والحال هذه، مع كونه واجب الدوام بغيره.\nفكل ما أمكن وجوده بغيره وأمكن دوامه، امتنع مع وجوده عدمه، وامتنع مع عدمه وجوده، فإنه إذا لم يدم وجوده، لزم أن لا يكون هناك ما يقتضي وجوده، أو ما يقتضي وجوده في حال دون حال، فإن ممكن الوجود إنما يعدم لعدم مقتضيه، فالعدم الدائم عدم فيه مقتضى الوجود على سبيل الدوام، والعدم الحادث عدم فيه مقتضى الوجود في تلك الحال.\nوالمراد أنه عدم كمال المقتضى، لا أنه عدم كل شرط من شروط الاقتضاء، بل عدم بعض الشروط كاف في عدمه، وعدم المقتضى في حال دون حال، مع تماثل الأحوال، منتف، وعدمه دائمًا يوجب أنه يمتنع وجوده دائمًا، والتقدير أنه فرض إمكان وجوده دائمًا.\nومادة هذه الحجة مشاركة لمادة الحجة التي اعتمدوها في قدم العالم، وهي أن الحدوث بدون سبب الحدوث ممتنع، ووجود المقتضى التام في الأزل يستلزم وجود مقتضاه، فإن الأصل في ذلك أنه لا يتجدد شيء بدون سبب يقتضي التجدد.\nفالمنازع لهم من أهل الكلام، من المعتزلة والأشعرية ونحوهم، إما أن يقول: الفعل في الأزل ممتنع، كما قاله طوائف منهم.\nوإما أن يقول: هو ممكن لكن لم يحصل ما به يوجد، فكان عدمه لفوات شرط الاتحاد، إذ التقسيم العقلي يوجب أن يقال: الفعل في الأزل: إما ممكن وإما","vol":"9","page":195},{"text":"ممتنع، وإذا كان ممكنًا، فإما أن يحصل مجموع ما به يوجد، وإما أن لا يحصل.\nفالتقدير الأول أنه ممتنع، لاستلزام تسلسل الحوادث.\nوالثاني أنه وإن قدر إمكانه، لكن لم تتعلق به مشيئة الرب تعالى، أو قدرته، أو لم يحصل تعلق العلم بوجوده قبل ذلك الزمن، أو نحو ذلك مما لا يوجد الفعل إلا به.\nفمن قال: إن دوام الفعل ممتنع، فقد أبطلوا قوله، كما ذكر.\nومن قال: إنه ممكن، لكن لم يوجد تمام شرطه.\nقالوا له: فهو قبل ذلك كان ممتنعًا، ثم صار ممكنًا، بل موجودًا مع تساوي الحالين، فيلزم الترجيح بلا مرجح.\nوإذا قال: إنه ممكن وما به يحصل موجود.\nقالوا: فيلزم وجوده.\nولما ذكر الرازي هذه الحجة قال: عمدة المنكرين لهذا امتناع حوادث لا أول لها، وقد مضى القول فيه في باب الزمان، فلا نطول بذكره تطويلاتهم الخارجة عن الأصول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>كلام الرازي في \"المباحث المشرقية\" عن مسألة حدوث العالم وتعليق ابن تيمية</span>\nكلام الرازي في المباحث المشرقية عن مسألة حدوث العالم وتعليق ابن تيمية\nوالموضع الذي أحال فيه ذكر فيه الحجج التي احتج بها هو وغيره على حدوث الزمان، ولوازم ذلك من حدوث الحركة والجسم، وأبطل ذلك كله، فذكر ما احتج به المعتزلة والأشعرية، وما ذكره هو في الأربعين ونهاية العقول في مسألة حدوث العالم، وأبطل ذلك كله فركب لهم","vol":"9","page":196},{"text":"سبع حجج: أولها: الحوادث الماضية تتطرق إليها الزيادة والنقصان، وما كان كذلك فبه بداية، فللحوادث الماضية بداية.\nبيان الأولى بأربعة أوجه.\nأحدها أن الحوادث الماضية إلى زمن الطوفان أقل من الحوادث إلى زماننا بمقدار ما بين الطوفان وزماننا.\nالثانية: أن الدورات الماضية إما أن تكون شفعًا أو وترًا، وكيفما كان فهو ناقص عن العدد الذي فوقه.\nالثالث: أن عودات القمر لا شك أنها أقل من عودات زحل والمشتري.\nالرابع: أن الدورات الماضية لو كانت غير متناهية لكانت الأبدان البشرية الماضية غير متناهية، فكانت النفوس البشرية غير متناهية، لامتناع التناسخ، فكانت النفوس البشرية الموجودة في زماننا غير متناهية، لوجوب بقاء الأنفس البشرية، لكن عدد النفوس الموجودة في زماننا غير متناهية، لوجوب بقاء الأنفس البشرية، لكن عدد النفوس الموجودة في زماننا قابل للزيادة","vol":"9","page":197},{"text":"والنقصان، فهو متناه.\nفالنفوس التي كانت موجودة في زمان الطوفان لا شك أنها أقل عددًا من عدد النفوس إلى زماننا، وكل عدد يقبل الزيادة والنقصان فهو متناه، فالنفوس الموجودة البشرية متناهية، ثم يستدل بتناهيها على تناهي الأبدان وتناهي الأبدان على تناهي الحركات والمتحركات، وتناهي كل العالم.\nقال: وأما بيان أن كل عدد يقبل الزيادة والنقصان فهو متناه، فقد زعموا أن العلم بذلك بديهي.\nقال: والحجة الثانية: لو كانت الحوادث الماضية غير متناهية، لتوقف حدوث الحادث اليومي على انقضاء ما لا نهاية له، وما يتوقف على انقضاء ما لا نهاية له استحال وجوده، وكان يلزم أن لا يوجد الحادث اليومي، فلما وجد علمنا أن الحوادث الماضية متناهية.\nقلت: وهذه هي التي ذكرها من ذكرها من شيوخ المعتزلة والشيعة، وقد ذكرها أبو المعالي وأمثاله من أئمة الكلام.","vol":"9","page":198},{"text":"والثالثة: أن كل واحد واحد من الحوادث: إذا كان له أول، وجب أن يكون للكل أول، كما أن كل واحد واحد من الزنج لما كان أسود، وجب أن يكون الكل سودًا.\nقلت: وهذه حدة أبي الحسين البصري وأمثاله من المعتزلة.\nوالرابعة: أن الحوادث الماضية قد انتهت إلينا، فلو كانت الحوادث الماضية بلا نهاية، لكان ما لا نهاية له متناهيًا، وذلك محال.\nوأمثاله من المعتزلة.\nوالرابعة: أن الحوادث الماضية قد انتهت إلينا، فلو كانت الحوادث الماضية بلا نهاية، لكان ما لا نهاية له متناهيًا، وذلك محال.\nوهذا من جنس الثاني.\nوالخامسة: أن الأزل إما أن يكون قد وجد فيه حادث أو لم يوجد.\nوالأول محال، لأن ذلك الحادث يكون مسبوقًا بالعدم، والأزل لا يكون مسبوقًا بالعدم، وإن لم يوجد شيء من الحوادث في الأزل، فقد أشرنا إلى حالة ما كان شيء من الحوادث هناك موجودًا، فإذًا كل من الحوادث مسبوق بالعدم.\nالسادسة: أن الأمور الماضية قد دخلت في الوجود، وما دخل في الوجود فقد حصره الوجود، وما حصره الوجود كان متناهيًا، فالحوادث الماضية يجب أن تكون متناهية.","vol":"9","page":199},{"text":"السابعة: أن كل واحد من الحوادث مسبوق بعدم لا أول له، فإذا فرضنا جسمًا قديمًا، وفرضنا حوادث لا أول لها، لزم أن لا يكون ذلك الجسم متقدمًا، لا على وجود تلك الحوادث ولا على عدمها، ومحال أن يكون الشيء لا يتقدم أمورًا، ولا يتقدم ما هو سابق على كل واحد واحد من تلك الأمور، فيصير حكم السابق والمسبوق في السبق والتقدم حكمًا واحدًا.\nثم قال: قالت الفلاسفة: الجواب عما ذكروه أولًا من وجوه ثلاثة.\nالأول: المحكوم عليه بالزيادة والنقصان: إما كل الحوادث، وإما كل واحد واحد منهما، والأول محال، لأن الكل من حيث هو كل غير موجود لا في الخارج ولا في الذهن على ما بيناه في باب اللانهاية، وما لا يكون موجودًا امتنع أن يكون موصوفًا بالأوصاف الثبوتية، من الزيادة والنقصان وغيرهما، لما بينا في باب الوجود: أن ما لا يكون ثابتًا في نفسه، لا يمكن أن يكون موصوفًا بالأوصاف الثبوتية.","vol":"9","page":200},{"text":"قلت: هذا كقولهم: الحركة غير موجودة، والصوت غير موجود.\nوالكلام غير موجود.\nوهذا لفظ مجمل، فإن أريد بالموجود ما تقترن أجزاؤه في زمن واحد، فهذا غير موجود.\nوأما إن أريد ما هو أعم من ذلك، بحيث يدخل فيه ما يوجد شيئًا بعد شيء، فهذا كله موجود، وهو من حيث هو موجود شيئًا بعد شيء، لا موجود على سبيل الاقتران.\nالثاني: أنا بينا في باب تناهي الأجسام أن الشيء إذا كان متناهيًا من جانب، وغير متناه من جانب آخر، فإذا انضم إلى الجانب المتناهي شيء، حتى ازداد هذا الجانب، فالزيادة إنما حصلت في الجانب المتناهي لا في الجانب الآخر، فلا يلزم أن يصير الجانب الآخر متناهيًا، إلا أن يقال: إنا نفرض في الذهن انطباق الجانب المتناهي من الزائد على الجانب المتناهي من الناقص، فلا بد وأن يظهر التفاوت من الجانب الآخر.\nولكن إذا سلمنا لهم صحة هذا التطبيق، فإنه لا يصح تطبيق طرف الزائد على طرف الناقص، إلا بوقوع فضلة عددية من الزائد، ومع ذلك فمن المحتمل أن يمتد الزائد مع الناقص أبدًا، من غير أن ينقطع الناقص، بل يبقى أبدًا مع الزائد بتلك الفضلة العددية.\nالثالث: معارضة ذلك بأمور أربعة: أولها: صحة حدوث","vol":"9","page":201},{"text":"الحوادث من الأزل إلى الطوفان، أقل من صحتها من الأزل إلى زماننا هذا، مع أنه لا يلزم تناهي الصحة.\nوثانيها: صحة حدوث الحوادث من الطوفان إلى الأبد، أكثر من صحة حدوثها من الآن إلى الأبد، مع أنه لا يلزم تناهي هذه الصحة في جانب الأبد.\nوثالثهما: تضعيف الألف مرارًا غير متناهية، أقل من تضعيف الألفين مرارًا غير متناهية.\nورابعها: معلومات الله أكثر من مقدوراته مع أن تلك غير متناهية.\nقال: والجواب عما ذكروه ثانيًا-يعني الحجة الثانية- أنه إما أن يعني بالتوقف المذكور أن يكون أمران معدومان في وقت، وشرط وجود أحدهما في المستقبل أن يوجد المعدوم الآخر قبله، فإن كان الأمر على هذا، فقد وجدنا أمرًا معدومًا، ومن شرط وجوده أن توجد أمور بغير نهاية في ترتيبها وكلها معدومة، فيبتدي في الوجود من وقت","vol":"9","page":202},{"text":"ما اعتبر هذا الاشتراط، فالذي يكون كذلك كان ممتنع الحدوث في الوجود، وأما أن يعني بهذا التوقف أنه لا يوجد هذا الحادث إلا وقد وجد قبله ما لا نهاية له، ثم ادعى أن التوقف بهذا المعنى محال، فهذا هو نفس المطلوب، فإن النزاع ما وقع إلا فيه.\nوالجواب عما ذكروه ثالثًا أنه لا يلزم من ثبوت الأول لكل واحد، ثبوت الأول للكل، لأن من الجائز أن يكون حكم الكل مخالفًا لحكم الآحاد، لأن كل واحد من آحاد العشرة ليس بعشرة والكل عشرة، وكل واحد من الأجزاء ليس بكل، مع أن كلها كل، وكل واحد من الحوادث اليومية غير مستغرق لكل اليوم، مع أن مجموعها مستغرق لكل اليوم، بل نقول: إن الكل من حيث هو كل يستحيل أن يكون مساويًا لجزئه من حيث هو جزء، وإلا لم يكن أحدهما كلًا والآخر جزءًا.\nوأما المثال الواحد فلا يكفي، لأنا لا ندعي أن حكم الكلية يجب أن يكون مخالفًا لحكم الآحاد، حتى يضرنا المثال الواحد، بل نقول: إن ذلك التساوي قد يكون وقد لا يكون، والأمر فيه موقوف على البرهان.\nقال: والجواب عما ذكروه رابعًا أن انتهاء الحوادث إلينا يقتضي ثبوت النهاية لها من الجانب الذي يلينا، وثبوت النهاية من أحد","vol":"9","page":203},{"text":"الجانبين لا ينافي أن لا نهاية لها من الجانب الآخر، والدليل عليه الصحة، فإنه لا بداية لها، مع أنها قد تناهت إلينا، وكذلك حركات أهل الجنة لا نهاية لها، مع أنها في جانب البداية لها نهاية.\nقال: والجواب عما ما ذكروه خامسًا وهو قولهم: الأزل هل وجد فيه حادث أم لا؟ فنقول الأزل ليس حالة معينة، بل هو عبارة عن نفي الأولية، فالحادث بالزمان الذي هو عبارة عن الشيء المسبوق بالعدم، يمتنع وقوعه في الأزل، فأما قولهم: لما لم يقع شيء من الحوادث في الأزل، فقد أشرنا إلى حالة لم يكن شيء من الحوادث هناك موجودًا، فنقول: قد بينا أن الأزل ليس وقتًا مخصوصًا، حتى يقال بأن ذلك الوقت قد خلا عن الحوادث بل الأزل عبارة عن نفي الأولية، فقولنا: الأزل لم يوجد فيه شيء من الحوادث، معناه: أن نفي الأولية لم يوجد فيه شيء من الحوادث، أي كل واحد من الحوادث مسبوق بالعدم، فلم قلتم: إنه لما كان واحد منها مسبوقًا بالعدم، وجب أن يكون الكل كذلك، فإن النزاع ما وقع إلا فيه.\nوالذي يحسم مادة هذا الوهم معارضته بالصحة، فنقول: صحة","vol":"9","page":204},{"text":"حدوث الحوادث: هل كانت حاصلة في الأزل أم لا؟ فإن كانت حاصلة في الأزل أمكن حدوث حادث أزلي، وذلك محال، وإن لم تكن فللصحة مبدأ أول، وهو محال.\nولما لم يكن هذا الكلام قادحًا في أن الصحة لا بداية لها، لم يكن قادحًا في هذه المسألة.\nقال: والجواب عما ذكروه سادسًا، وهو أن ما دخل في الوجود فقد حصره الوجود، فهو أن المراد بالحصر أن يكون للشيء طرف، ونحن نسلم أن الحوادث محصورة من الجانب الذي يلينا، أما لم قلتم: إنه يلزم من ذلك أن تكون محصورة من الطرف الذي لا يلينا، ثم نعارض ذلك بصحة حدوث الحوادث؟\nوالجواب عما ذكره سابعًا من أنه لا يلزم أن لا ينفك الجسم عن حدوث الحوادث وعدمها، فنقول: إن عنيتم به أنه يكون موصوفًا بوجود كل الحوادث، ويكون موصوفًا بعدمها معًا، فذلك باطل، لأن الحوادث ليس لكلها وجود، حتى يكون الجسم موصوفًا بعدمها معًا، فذلك باطل، لأن الحوادث ليس لكلها وجود، حتى يكون الجسم موصوفًا به وإن عنيتم به أنه في كل واحد من الأزمان يكون موصوفًا بواحد من تلك","vol":"9","page":205},{"text":"الحوادث، فهو في ذلك الوقت لا يكون موصوفًا بعدم ذلك الحادث، حتى يلزم التناقض، بل يكون موصوفًا بعدم سائر الحوادث، والتناقض إنما يلزم إذا كان الشيء موصوفًا بالحادث المعين، وبعدم ذلك الحادث معًا، فأما أن يكون في ذلك الوقت موصوفًا بوجوده وبعدم غيره، فأي تناقض فيه؟.\nقال: هذا جملة ما قيل في هذه المسألة.\nقلت: فهذا كلام الرازي في هذا، مع أنه من عادته في الكتاب المذكور الذي صنفه في الفلسفة، وهو أكبر كتبه في ذلك، إذا تمكن من القدح فيما يورده الفلاسفة، قدح فيه، كما قدح في قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، والشيء الواحد لا يكون قابلًا وفاعلًا، ونحو ذلك مما يتوجه له القدح فيه، وكما تقرر ما ذكره بزيادات وتكميلات لم يذكروها هم، إذا توجه له تقرير ذلك، فإنه بحسب ما يتوجه له من البحث والنظر.\nولهذا كان تارة يعارض ما ذكره الفلاسفة بما يناقضه من كلام المتكلمين، كما يعارض من الكتب الكلامية ما يذكره المتكلمون بما يذكره في مناقضة الفلاسفة، ويرجح ما يترجح له في تلك الحال.\nوهو مع هذا ذكر هذه الحجج التي هي عمد القائلين بأن الحوادث لا تدوم، وعليها","vol":"9","page":206},{"text":"بنوا حدوث الجسم، وأبطلها كلها، وذكر أدلة أولئك في دوام فاعلية الرب تعالى ولم يبطلها.\nوقد ذكر أيضًا حجج هؤلاء في دوام الزمان بكلام طويل ليس هذا موضع بسطه.\nوالمقصود هنا أن من يريد هذا وأمثاله من كلام هؤلاء، تبين له أن ما ذكره أئمتهم الأشعرية وشيوخ أئمتهم المعتزلة في هذا الباب، كان مما تبين لهم فساده، ثم مع هذا لا يمكنهم القدح في أدلة الفلاسفة، إن لم يقروا بما أنكروه من مدلول الكتاب والسنة الموافق لصريح المعقول، فحينئذ يمكنهم القول بالمعقولات الصريحة، ويتبين لهم أنها موافقة للمنقولات الصحيحة، وليس مما أمر الله به ورسوله، ولا مما يرتضيه عاقل، أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد، بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء.\nوأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم، إذ هم -ولله الحمد- أكمل الناس عقلًا وأتمهم إدراكًا وأصحهم دينًا، وأشرفهم كتابًا، وأفضلهم نبيًا، وأحسنهم شريعة.\nومن المعلوم في دين الإسلام أن اليهود والنصارى خير من الفلاسفة الخارجين عن الملل، وأصح عقلًا ودينًا، ولهذا كان خيار الصابئة من انتسب إلى ملة من الملل.\nوقد اتفق أئمة الدين على إقرار اليهود والنصارى بالجزية، وعلى حل ذبائحهم ونسائهم، وإن خالف في ذلك أهل البدع.\nوأما الفلاسفة فإما أن يكونوا من المشركين، وإما أن يكونوا من المجوس، وإما يكونوا من الصابئين، وإما أن يكونوا منتسبين إلى أهل الملل الثلاث.\nفمن كان من المشركين، كما يذكر عن الفلاسفة اليونان ونحوهم، أو من المجوس، كفلاسفة الفرس ونحوهم، فاليهود والنصارى","vol":"9","page":207},{"text":"خير منه، ولذلك هم خير من فلاسفة الصابئين والصابئون للعلماء فيهم طريقتان: إحداهما: أنهم هل يقرون بالجزية أم لا؟ على قولين.\nوالثانية: إنه يفصل الأمر فيهم، فمن تدين بدين أهل الكتاب ألحق بهم، وإلا فلا، وهاتان الطريقتان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.\nوالنزاع في إقرارهم الجزية هو على قول من لا يقبل الجزية إلا من المجوس وأهل الكتاب، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين.\nوأما من يقر مشركي العجم بالجزية ك أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، فهؤلاء يتنازعون في حل ذبائحهم ونسائهم، ولذلك ينتازع في ذلك من يفرق بين الكتابي الذي دخل سلفه قبل النسخ والتبديل، وبين الذين دخلوا بعد النسخ والتبديل، كما هو قول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد، بناءً على أن أهل الكتاب الاعتبار فيهم بنسبتهم، وهم من كان سلفهم مستمسكين به قبل النسخ والتبديل.\nلكن جمهور العلماء، ك مالك وأبي حنيفة وأحمد في المنصوص عنه، على أن الاعتبار بنفس الرجل لا ينسبه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة.\nوالمقصود هنا أنه من رجح بعض أقوال الفلاسفة، التي يخالفون فيها أقوال أهل الملل، كان شرًا ممن رجح بعض أقوال اليهود والنصارى على أقوال المسلمين.\nوإذا كانت الطريق التي سلكها أهل طريقة الأعراض والتركيب","vol":"9","page":208},{"text":"والاختصاص من أهل الكلام، يوجب أن يصلوا إلى حد يرجحون فيه طريقة الفلاسفة على طريقة سلفهم من أهل الكلام، علم بذلك أنهم جعلوا دين سلفهم المتكلمين أنقص من دين اليهود والنصارى بدرجتين إن كانوا مسلمين، وإن لم يكونوا مسلمين جعلوا قول الفلاسفة الملحدين خيرًا من قول الأنبياء والمرسلين، فإنهم رجحوا كلام الفلاسفة على كلام سلفهم المتكلمين، مع اعتقادهم أن أقوال الفلاسفة المناقضة لقول الرسول ﷺ باطلة، وأن اليهود والنصارى خير من الفلاسفة، لزم الأول.\nوإن اعتقدوا أن قول الفلاسفة خير من قول سلفهم، وقول سلفهم هو قول الأنبياء، لزمهم أن يجعلوا قول الفلاسفة خيرًا من قول الأنبياء، فإن طرودا قولهم لزمهم ترجيح اليهود والنصارى على سلفهم، أو ترجيح الفلاسفة على الأنبياء.\nوممن كان أقل علمًا وإيمانًا منهم مال إلى القول الثاني، ومن كان أعظم علمًا وإيمانًا كان ميله إلى الأول أهون عليه، فإن كفر لا حيلة فيه، اللهم إلا أن يسلكوا مسلك القرامطة الباطنية، فيدعون أن ما أظهرته الأنبياء من الأقوال والأفعال إنما هو للجهال والعامة دون الخاصة، وأن لهذه الأقوال والأعمال بواطن تخالف ما أظهروه.\nوحينئذ فهؤلاء شر الطوائف.\nهم شر من اليهود والنصارى، ومن الفلاسفة المشركين القدماء الذين لم تقم عليهم حجة بكتاب منزل ونبي مرسل، فإن أولئك، وإن كانوا ضالين، فهؤلاء شركوهم في الضلال، ولكن هؤلاء حصل من حجة الله عليهم بكتابه ورسوله، ومن كفرهم","vol":"9","page":209},{"text":"الذين يستحقون العقوبة عليه، ما لم نعلمه من حال أولئك.\nوإن كان أولئك قد بلغهم نبوة بعض الأنبياء، وأرسل إليهم رسول، فليس هو مثل محمد ﷺ، بل نعلم قطعًا أنهم لم يأتهم كتاب مثل القرآن، ولا رسول مثل محمد ﷺ، ولا شريعة كشريعته.\nوكل من علم حاله يعلم بالاضرار من دينه أنه أخبر أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأنه خالق كل شيء، وأن هذه الأفلاك ليست قديمة أزلية، فالقائل بذلك مناقض لأخباره وأخبار موسى وغيرهما من المرسلين، مناقضة لا يتمارى فيها من له معرفة بذلك، وأي هذين الوجهين اختاره السالك فما فيه مختار.\nوأصل هذا الضلال جهلهم بحقيقة ما جاء به الرسول ﷺ، ونصرهم لما يظنونه جاء به بما يظنونه من المعقول، ومعارضتهم لما يعلم أنه جاء به بما يظنونه من المعقول، وتوهمهم تعارض صحيح المنقول وصريح المعقول، وهذا هو الكلام الذي عابه السلف والأئمة.\nوأما أهل المعرفة العالمون بالمعقول والمنقول، فلا يقولون في سلفهم ما هو من لوازم قولهم، كما أنهم لا يقولون في الأنبياء ذلك، بل يعلمون قطعًا أن كلام الأنبياء هو الحق وكل ما ناقضه من قول متفلسف أو متكلم أو غيرهما فباطل، وأنه لا يجوز أن يكون في العقل ما يناقض قول الأنبياء، ولا يجوز تعارض الأدلة العلمية السمعية والعقلية أبدًا، ويعلمون أن جنس","vol":"9","page":210},{"text":"المتكلمين أقرب إلى المعقول والمنقول من جنس كلام الفلاسفة، وإن كان الفلاسفة قد يصيبون أحيانًا.\nكما أن جنس المسلمين خير من جنس أهل الكتابين، وإن كان قد يوجد في أهل الكتاب من له عقل وصدق وأمانة لا توجد في كثير من المنتسبين إلى الإسلام.\nكما قال تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾ [آل عمران: ٧٥] .\nوهم يعلمون مع هذا أن كل من كان مؤمنًا بنبوة محمد ﷺ باطنًا وظاهرًا، على الوجه الذي يرضاه الله، فهو خير من كل كتابي.\nلكن من المظهرين للإسلام، من المنافقين، من يكون في الآخرة أشد عذابًا من بعض اليهود والنصارى، فإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، والإسلام الظاهر يتناول المؤمن والمنافق، والسعداء في الآخرة هم المؤمنون دون المنافقين، والمنافقون، وإن أجريت عليهم في الدنيا أحكام الإسلام، فما لهم في الآخرة من خلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>فصل. أهل الكلام أقرب إلى الإسلام من الفلاسفة</span>\nفصل.\nأهل الكلام أقرب إلى الإسلام من الفلاسفة\nونحن نبين هنا ما ننصر به أهل الكلام، الذين هم أقرب إلى الإسلام والسنة من هؤلاء الفلاسفة، وإن كانوا ضالين فيما خالفوا به السنة.\nوذلك من وجوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>الوجه الأول</span>\nأن يقولوا لهؤلاء المتفلسفة: أنتم ادعيتم قدم العالم، بناءً على ما ذكرتموه من قدم الزمان، ووجود دوام فاعلية الله تعالى، ونحو ذلك،","vol":"9","page":211},{"text":"مما غايتكم فيه إثبات دوام الحوادث، إذ ليس في حججكم هذه وأمثالها، ما يدل على قدم شيء من العالم: لا السموات التي أخبر الله أنه خلقها والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا غير ذلك.\nفيقولون لهم: الحوادث إما أن تكون لها بداية كما قلنا، وإما أنه لا يجب ذلك كما قلتم.\nفإن كان الأول بطل قولكم، ولزم أن يكون للحوادث ابتداء، فبطل قولكم بأن حركات الأفلاك أزلية، وهو المطلوب.\nوإن كان الثاني، أمكن أ، يكون حدوث الفلك حركاته موقوفًا على حوادث قبل ذلك كالحوادث اليومية، وتلك الحوادث على حوادث أخرى.\nوهذا مطابق لما أخبرت به الرسل من أن الله سبحانه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وكان عرشه على الماء، ومطابق للأخبار المتضمنة أنها خلقها من الدخان والبخار الذي حصل من الماء، وذلك كله أسباب حادثة، ومطابق لما أخبر به الله من أنه خالق كل شيء، وليس في حججكم ما يناقض هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: دوام فاعلية الرب تعالى ودوام الحوادث، يمكن معه أن تدوم الأفعال التي تقوم بالرب بمشيئته وقدرته، وتحدث شيئًا بعد شيء، وأن تحدث حوادث منفصلة شيئًا بعد شيء.\nوعلى كل من التقديرين فلا يكون شيء من العالم قديمًا، فلم قلتم: إن الأمر ليس كذلك، وإن كان ما ذكرتموه صحيحًا؟ وإن كان باطلًا فهو أبعد وأبعد.\nفإن اعتذروا بأن واجب الوجود لا تقوم به الصفات والأفعال، كان الجواب من وجوه:","vol":"9","page":212},{"text":"أحدها: أن قولكم في هذا أفسد من قولكم بدوام الحوادث، وحجتكم على ذلك في غاية الفساد.\nفإن قلتم: هؤلاء المنازعون لنا من المعتزلة والأشعرية وغيرهم يسلمون لنا هذا.\nقيل لهم: هؤلاء إنما سلموا لكم امتناع قيام الأفعال المرادة المقدورة بذاته، بناءً على امتناع قيام الحوادث به، وإنما منعوا ذلك، لأن ذلك يفضي إلى تعاقبها عليه، وإنما منعوا تعاقب الحوادث على القديم، لاعتقادهم امتناع حوادث لا أول لها.\nفإن كان هذا القول فاسدًا، لم يكن لهم دليل على نفي ذلك.\nفيقولون لكم: هذا الدليل إن كان صحيحًا بطل قولكم، ولزم أن الحوادث لها ابتداء، وإن كان باطلًا بطل قولنا الذي بنينا عليه نفي الأفعال، وليس لكم على هذا التقدير أن تلزمونا بأن القديم لا تقوم به الحوادث بأنا إنما بنيناه على أصل يعتقدون فساده.\nغاية ما في هذا الباب أنكم تلزمونا التناقض، وتقولون: يلزمكم: إما القول بدوام الحوادث، وإما القول بجواز قيامها بالقديم.\nفنقول: إن كان القول بدوامها هو الحق قبلناه وتركنا ذلك، وكان في ذلك لنا مصلحتان: إحداهما: موافقة الأدلة العقلية التي ذكرتموها على ذلك.\nوالثانية: موافقة النصوص الإلهية التي بدعنا بمخالفتها إخواننا المؤمنين.","vol":"9","page":213},{"text":"والقول الذي يجمع لنا موافقة العقل والنقل خير من أن نوافقكم على قدم الأفلاك ونفي صفات الله تعالى، فإن في هذا من الكفر المخالف للشرع، والفساد المخالف للعقل ما يتبين لمن نظر فيه، لا سيما والفلاسفة لا يمنعون قيام الحوادث والصفات بالقديم الأزلي، ولا كون الجسم قديمًا أزليًا، بل يوجبون ذلك كله، ولا دليل لهم على قدم جسم معين كالأفلاك ونحوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>الوجه الثالث</span>\nأن يقال للفلاسفة: ما ذكرتموه من الأدلة العقلية الموجبة لدوام فاعلية الرب ودوام الحدوث يدل على نقيض قولكم لا على وفقه.\nفإن هذا يقتضى أن واجب الوجود لم يزل يفعل ويحدث الحوادث، وأنتم على قولكم يلزم ألا يكون أحدث شيئًا من الحوادث، وذلك لأن الموجب لهذه الحوادث المتعاقبة، إما أن يكون ثابتًا في الأزل أو لا.\nفإن كان الأول لزم وجود كل من الحوادث في الأزل، وهو محال، لأن الموجب التام لا يتخلف عنه موجبه ومقتضاه.\nوهم يقولون: إن واجب الوجود علة تامة لا يتخلف عنه شيء من معلوله، فإذا كانت هذه الحوادث المتعاقبة معلولة بوسط أو بغير وسط لزم مقارنتها له، لأن العلة التامة يقارنها معلولها، لا يتخلف عنها، وإذا امتنع أن يتخلف عنها معلولها، فما تأخر عنها فليس معلولًا لها، فيلزم أنه لم يحدث شيئًا من الحوادث: لا بوسط ولا بغير وسط.\nوقولهم بتسلسل الحوادث لا ينفعهم، والحال هذه، إذا جعلوه علة تامة مستلزمة لمعلولها، لأن التقدير على قولهم: إنه ليس له فعل قائم بذاته متجدد أصلًا: لا خلق ولا استواء ولا غير ذلك.","vol":"9","page":214},{"text":"ومعلوم أن الحوادث الحادثة هي مختلفة الأجناس، متعاقبة في الوجود، فالأجناس الحادثة المختلفة، إذا قدر أن حال الفاعل لها لم يزل على حال واحدة، لا يقوم به فعل ولا وصف، بل هو واحد بسيط، امتنع أن يختلف حاله في الإحداث، وأن يحدث شيئًا بعد أن لم يكن أحدثه، كما يقولون هم ذلك، ويجعلونه عمدتهم في قدم العالم، وامتناع أن تحدث عنه الأنواع المختلفة الحادثة شيئًا بعد شيء، وهو في نفسه لم يتجدد له حال ولا فعل، ولا حكم ولا وصف، ولا شيء من الأشياء؟\nوهم أنكروا على المتكلمين نفاة الفعل الاختياري القائم به أن يحدث عنه شيء بلا سبب حادث، وقالوا: إن هذا مخالف لصريح العقل.\nفيقال لهم: الباطل بعض قولكم، وإذا كان حدوث بعض الحوادث عن هذا ممتنعًا، فحدوث الحوادث المختلفة دائمًا عن علة تامة، لم يحدث فيها ولا منها شيء، أعظم امتناعًا من قول هؤلاء.\nوأيضًا فالحادث لا يحدث حتى يحصل الفعل التام المحدث له، والممكن لا يحصل حتى يحصل الموجب التام المرجح له، والموجب التام يستلزم موجبه ومقتضاه، فكل من الحوادث الممكنات ما حدث ووجد حتى حصل له الموجب التام، وذلك الموجب التام لا بد له من موجب تام، وهلم جرًا.\nفيلزم أ، يحصل لكل من الحوادث موجبات تامة لا نهاية لها في آن واحد.\nوذلك تسلسل في العلل والمؤثرات، وهو باطل باتفاق العقلاء.","vol":"9","page":215},{"text":"وإنما لزم ذلك لأن الحوادث يمتنع حدوثها عن العلة التامة القديمة، فإن العلة التامة القديمة لا يتخلف عنها معلولها، والمحدث يجب أن تكون علته تامة عند حدوثه.\nوهم يقولون بكلا القولين، فلزم من هذين القولين أن واجب الوجود لم يحدث شيئًا من الحوادث، وأن الحوادث لا محدث لها.\nويلزم أيضًا وجود علل ومعلولات لا نهاية لها، وفاعلين لا نهاية لهم، وكل ذلك مما يعلمون هم وسائر العقلاء فساده، ولا مخلص لهم عن هذا إلا بأن يقولوا بأن واجب الوجود تقوم به الأفعال الاختيارية المقدورة له، وتقوم به الصفات.\nوإذا قالوا ذلك بطل قولهم بنفي الصفات ووجوب قدم الأفلاك.\nفعلم أن ما ذكروه من الحجج الصحيحة الدالة على دوام فاعلية الرب، ودوام الحدوث، يدل على نقيض قولهم في أفعال الرب تعالى وصفاته، وعلى ضد قولهم في قدم العالم، وتوحيد واجب الوجود، وهذا هو المطلوب، وقد بسط ما يتعلق بهذا الكلام في موضع آخر.\nوالمقصود هنا التنبيه على أن كل ما تقيمه كل طائفة من الناس من الحجج العقلية التي لا مطعن فيها، فإنها إنما تدل على موافقة الكتب والسنة، وإبطال ما خالف ذلك من أقوال أهل البدع، متكلمهم ومتفلسفهم، والله سبحانه أعلم.\nومما يوضح هذا أن عمدة الحجة المتقدمة في دوام فاعليته من جنس الحجة المتقدمة لمن منع حدوث الأفعال القائمة به، حيث قالوا: إن كل صفة تفرض لواجب الوجود فإن ذاته كافية في حصولها أو لا حصولها،","vol":"9","page":216},{"text":"وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقتضي إمكانه، فيلزم من دوام حقيقته دوام تلك الصفة.\nوهكذا قال القائلون بقدم الفعل قالوا: ذاته إما أن تكون كافية فيه، وإما أن تكون متوقفة على غيره.\nفإن كانت كافية فيه، لزم قدم الفعل لوجود موجبه التام في الأزل، وإن لم تكن كافية فيه، لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقتضي إمكانه، وهذا هو الذي يعتمدون عليه.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\nأحدها: أن يقال: هذا يبطل قولكم ويرد عليكم في جميع الحوادث، فإن ذاته إن كانت كافية في حدوث الحوادث، لزم قدمها، وهو ممتنع.\nوإن لم تكن كافية، لزم توقف الحوادث على غير ذاته.\nثم ذلك الشرط في حدوث الحوادث: إن كانت ذاته كافية فيه، لزم قدمه، وإلا فالقول فيه كالقول في الحادث المشروط.\nومهما قدر من الممكنات أمكن أن يقال: حدوثه موقوف على حادث قبله، كما علم حدوثه من المحدثات.\nوإذا قالوا: مبدأ الحدوث هو حركة الفلك، والحركة لذاتها تتجدد شيئًا بعد شيء، وسبب ذلك تجدد التصورات والإرادات.\nقيل: هذا بعينه يبطل حجتكم، فإن هذا الذي هو كذاته يتجدد شيئًا بعد شيء، لو كان ذات واجب الوجود وحده كافية في وجوده، لزم مقارنته له في الأزل، وهو ممتنع.\nفعلم أن ذاته لا تكفي في وجود شيء منه، بل كل منه مشروط بما قبله، وذاته لا توجب شيئًا من الشروط.","vol":"9","page":217},{"text":"وإذا قيل: الذات أوجبت وجوده متعاقبًا دائمًا، لزم أن يكون الواحد البسيط القديم، الذي لا صفة له ولا فعل، يوجب لذاته أمورًا منفصلة عنه متعاقبة مختلفة، سواء كان بواسطة لازمة له أو بغير واسطة.\nوهذا مع أنه باطل في ضرورة العقل، فإنه ينقض أصولهم في تناسب الموجب والموجب، ولزوم المعلول للعلة التامة، وأن الواجب علة تامة.\nومن المعلوم بصريح العقل أن المعلول الموجب إذا كان حادثًا شيئًا فشيئًا، فلا بد من حدوث أمر في علته الموجبة اقتضت ذلك، وإلا فالعلة موجبة إذا كانت عند الحادث الثاني كما كانت عند الحادث الأول، كان تخصيصها للأول بالتقدم تخصيصًا بلا مخصص، وكان ترجيح الأول ترجيحًا الأول ترجيحًا بلا مرجح.\nوأيضًا فيمتنع أن تكون الحركات الحادثة شيئًا بعد شيء معلول علة تامة قديمة أزلية يقارنها معلولها، فإن العلة الأزلية التامة يقارنها معلولها، والحركات الحادثة شيئًا فشيئًا ليس شيء منها مقارنًا للعلة، فامتنع أن يكون معلولًا لها.\nوهذا بخلاف ما إذا كان الفاعل يحدث أفعاله القائمة به شيئًا بعد شيء، فإن ذاته واجبة الوجود بنفسها، فلا يمتنع أن تكون مستلزمة لدوام الفعل.\nوأما المفعولات فكلها ممكنة، ليس فيها واجب بنفسه، فامتنع أن يكون فيها ما يوجب الفعل الدائم، بل ذلك مستند إلى الواجب بنفسه.\nالثاني: أن يقال: هذا إنما يصح فيما كان لازمًا لنفسه في النفي والإثبات.\nأما ما كان موقوفًا على مشيئته وقدرته كأفعاله، فإنه يكون إذا شاءه الله، ولا يكون إذا لم يشأه.\nوهم لا يمكنهم إقامة الدليل على أنه","vol":"9","page":218},{"text":"لا يتعلق بمشيئته وقدرته إلا ببيان أنه لازم لذاته، ولا يمكنهم بيان أنه لازم لذاته إلا بنفي مشيئته وقدرته، فلا تصح حجتهم.\nفإن قالوا: فتلك الأمور التي يقف عليها الفعل إن كانت قديمة لزم قدمه، وإلا فلا بد لحدوثها من سبب.\nقيل: هذا غايته أنه يجب التسلسل في الشروط والآثار، وذلك جائز عندكم.\nثم نقول إن كان التسلسل في الشروط جائزًا بطل هذا السؤال، لجواز تسلسل الشروط، وإن كان ممتنعًا، بطل أيضًا، لوجوب كون جنس الحوادث مسبوقًا بالعدم.\nوالثالث: أن يقال: أتعني بقولك: ذاته كافية: أنها مستلزمة لوجود اللازم في الأزل، أم هي كافية فيه وإن تأخر وجوده؟ فإنه عنيت الأول انتفض عليك بالمفعولات الحادثة، فإنه يلزمك إما قدمها وإما افتقاره إلى سبب منفصل، إذا كان ما لا تكفي فيه الذات مفتقرًا إلى سبب منفصل.\nوإن عنيت الثاني كان حجة عليك إذا كان ما تكفي فيه الذات يمكن تأخره.\nالرابع: أن يقال: قولك: يفتقر إلى سبب منفصل: أتعني به سببًا يكون من فعل الله، أو سببًا لا يكون من فعله؟\nأما الأول فلا يلزم افتقاره إلى غيره، فإنه إذا كان هو فاعل الأسباب، وفاعلها يحدث بها، فهو فاعل الجميع وليس مفتقرًا في فعل إلى غيره، إلا أن يعنى به أنه لا يحصل أحد فعليه إلا بشرط فعله الآخر.\nوهذا ليس فيه","vol":"9","page":219},{"text":"افتقار إلى غيره.\nومن سمى هذا افتقارًا إلى غيره، فهو بمنزلة من قال: إنه يفتقر إلى صفته.\nوقد ذكر غير مرة أن هذا بمنزلة قول القائل: إنه مفتقر إلى نفسه.\nوهذا إذا أطلق لا ينافي ما وجب له من الغنى بل هذا الغنى الذي لا يتصور غيره.\nوإن عنيت بالسبب ما لا يكون من فعله، لزمك أن كل ما لا تكفي الذات فيه، ولا هو لازم لها في الأزل، لا يوجد إلا بشريك مع الله ليس من مفعولاته.\nوهذا مع أنه باطل بالإجماع الذي توافقون عليه أهل الملل، فبطلانه معلوم بصريح العقل، كما تقدم بيان بطلانه.\nالخامس: أن يقال ما تعني بقولك: ذاته كافية في ذلك؟ أتعني به بالذات المجردة عن فعل يقوم بها؟ أم تعني به الذات الموصوفة بقيام الفعل بها؟ وأيهما عنيت بطل قولك.\nفإن عنيت الأول لزم أن تكون الذات المجردة عن الفعل القائم بها تفعل أمورًا مختلفة متعاقبة، مع أن حالها مع فعل الشيء هو حالها مع فعل خلافه، ومع أن حالها بالنسبة إلى وجود المفعول وعدمه سواء، وهذا باطل.\nثم يقال: إن جاز أن يكون هذا صحيحًا، جاز أن يكون حالها قبل الفعل وحين الفعل سواء.\nفيمكن قول القائل بأن الحوادث لها أول، وإن","vol":"9","page":220},{"text":"لم يجز أن يكون صحيحًا، بطل قولهم بأن الحوادث تصدر بواسطة أو بغير واسطة عن ذات لم يقم بها فعل.\nوإن عنيت الثاني، فالذات الموصوفة بقيام الفعل بها، إذا قيل: هي كافية في المفعولات لم يلزم قدم المفعولات، لأنها مشروطة بالفعل، ولا يلزم من ذلك افتقارها إلى غيرها، لأن فعلها الذي هو شرط في المفعولات من لوازم ذاتها، كما أن صفاتها من لوازم ذاتها.\nلكن قد يكون اللازم نوعًا، كالفعل المتعاقب، وقد يكون عينًا كالحياة التي لم تزل ولا تزال.\nوهذه الحجة هي التي يعتمد عليها أولوهم وآخروهم، لكن يصرفون ألفاظها ومعانيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>كلام السهرودي المقتول في \"التلويحات</span>\"\nكلام السهرودي المقتول في التلويحات\nوذلك كقول السهروري المقتول في تلويحاته، فإنه قال: واجب الوجود لا يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن، فإنه إن كان المرجح هو نفسه، أو على ما أخذ من صفاته، وهو دائم، فيجب دوام الترجيح، ودوام وجود المعلول، وإن لم يفعل ثم فعل، فلا بد من حدوث ما ينبغي في فعله، أو عدم ما لا ينبغي، ويعود الكلام إليه ولا يقف.\nفواجب الوجود لا تسنح له إرادة، وحال كل ما يتجدد حال ما لأجله التجدد في استدعاء مرجح حادث، وليس قبل جميع الوجود","vol":"9","page":221},{"text":"وقت يتوقف عليه الفعل، ولا يمتاز في العدم البحث حال يكون الأولى به أن يصدر عنه شيء، أو بالشيء أن يحصل عنه، فلو حصل فيه شيء بعد أن لم يكن لتغيرت ذاته، ولتسلسل الحوادث فيها إلى غير النهاية وهو محال، ففعله دائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>الرد عليه من وجوه. الوجه الأول</span>\nالرد عليه من وجوه.\nالوجه الأول\nوجواب هذا من وجوه.\nالوجه الأول\nأن يقال له: ما تعني بقولك: لا يصدر عنه بعد أن لم يكن؟\nإن عنيت له أنه لا يصدر عنه شيء من أعيان الحوادث بعد أن لم يكن ذلك المحدث، فهذا باطل لوجهين:\nأحدهما: أن هذا خلاف قولكم وقول أهل الملل.\nفإن الحوادث متجددة شيئًا بعد شيء، سواء صدرت عنه بواسطة أو بغير واسطة.\nوإذا قلتم: الحركة هي السبب فيها، فكل جزء من أجزاء الحركة صادر عنه بعد أن لم يكن.\nالثاني: أن ما ذكرته من الحجة لا ينفي ذلك، فإن كون ذاته تقتضي دوام الترجيح، لا يوجب أن تقتضي دوام ترجيح كل ممكن ولا كل مفعول، بل يكفي أن توجب دوام ترجيح أمر ما، كما تقولون أنتم: إن الذي رجحه هو الأفلاك والعناصر، دون أعيان الحوادث.","vol":"9","page":222},{"text":"وإن عنيت أنه لا يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن شيء من الأشياء صادرًا عنه، وهذا هو مراده.\nفيقال: غاية ما في هذا دوام فعله.\nوحينئذ فهذا لا يستلزم دوام المفعول المعين، لا الفلك ولا غيره بل يجوز تعاقب الأفعال القائمة به، وتعاقب المفعولات المحدثة شيئًا بعد شيء، على قولك، وتعاقبها جميعًا.\nوعلى التقديرات الثلاثة، فحدوث الأفلاك ممكن، فيبطل استدلالك على قدمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: حدوث الحوادث المنفصلة عنه شيئًا بعد شيء من غير فعل يقوم به: إما أن يكون ممكنًا، وإما ألا يكون.\nفإن لم يكن ممكنًا بطل قولكم، بأن سبب الحوادث هو حركات الفلك.\nوإن كان ممكنًا أمكن حدوث حوادث متعاقبة، الفلك واحد منها.\nكما أخبرت بذلك الأنبياء، وهو قول قدماء الفلاسفة وأساطينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: دوام حدوث الحوادث إما أن يكون ممتنعًا، أو ممكنًا، كما ذكرت.\nفإن كان ممتنعًا لزم حدوث الأجسام وحركاتها، ودخل في ذلك الفلك وغيره.\nوإن كان ممكنًا، لم يجب أن يكون الفلك دائمًا، بل يجوز أن يكون حادثًا بعد حوادث قبله كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: قولكم: إما أن يكون المرجح نفسه، أو على ما أخذ من صفاته وهو دائم، فيجب دوام الترجيح، ودوام وجود المعلول.\nوإن لم يفعل، ثم فعل، فلا بد من حدوث ما ينبغي.\nلأهل الملل هنا جوابان:","vol":"9","page":223},{"text":"أحدهما: قول من يقول: إنه لم يزل يقوم به الفعل والكلام بقدرته ومشيئته، وعلى هذا فيمكن دوام الترجيح، ولا يجب قدم شيء من المفعولات، فضلًا عن قدم الأفلاك.\nوالجواب الثاني: قول من يقول: يمتنع وجود المفعول في الأزل.\nوعلى هذا، فإذا قلت لهؤلاء: إذا قلتم: لم يفعل ثم فعل، فلا بد من حدوث ما ينبغي فعله، أو عدم ما لا ينبغي، ويعود الكلام إليه ولا يقف.\nقالوا: فعل واجب الوجود لما فعله من المفعولات المختلفة الحادثة: إما أن يجوز صدوره عنه من غير فعل قائم به، وإما ألا يجوز.\nفإن لم يجز ذلك بطل قولك.\nوإن جاز ذلك فحاله حين حدوث الطوفان كحاله حين إرسال محمد ﷺ.\nوقد وجد منه في أحد الزمانين من المفعولات ما لا يوجد في الزمان الآخر، مع تماثل حاله بالنسبة إلى الزمانين.\nوإذا قيل: إن ذلك لأجل الحوادث المختلفة، كالحركات الفلكية، والاتصالات الكوكبية.\nقيل: الكلام في الحوادث التي أوجبت حدوث الطوفان، كالقول في الحوادث حين المبعث وغيره من الحوادث المختلفة.\nفإذا كان الفاعل حاله مماثل في جميع الأزمنة، واللوازم عنه كذلك، كان اختصاص أحد الزمانين بما يخالف الزمان الآخر ترجيحًا بلا مرجح.\nفإن كان ذلك جائزًا، جاز أن تحدث عنه الحوادث بعد أن لم تكن.","vol":"9","page":224},{"text":"وإذا نسبت الحوادث إلى الحركة الفلكية.\nقيل: إن كانت الحركة الدائمة متماثلة لزم تماثل الحوادث، وإن كان مختلفة كان قد اختص أحد الزمانين بما لم يوجد في الزمان الآخر.\nبل قد يقال: الفاعل إن قيل: إنه يلزمه مفعولات مختلفة دائمة متعاقبة من غير فعل يقوم به، ولا صفة له، كان كذلك أبعد في العقل من أن يقال: إنه فعل مفعولات مختلفة في وقت دون وقت، فإن هذا بعض ذاك، فكان المحذور الذي هو في هذا هو في ذاك وزيادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: قولك: وإن لم يفعل ثم فعل فلا بد من حدوث ما ينبغي فعله، أو عدم ما لا ينبغي، ويعود الكلام إليه ولا يقف.\nغايته أنه يستلزم امتناع كونه صار فاعلًا بعد أن لم يكن، وهذا لازم لك.\nلكن نقول: لم قلت: إنه لم يزل يفعل شيئًا بعد شيء؟\nفإن قلت: هذا يستلزم تسلسل الحوادث، وتسلسل الحوادث شيئًا بعد شيء جائز عندكم.\nفبتقدير أنه لا يزال يفعل شيئًا بعد شيء كان كل ما سواه حادثًا مع التسلسل الجائز، وذلك جائز عندك.\nوهو موجب دليلك.\nفإن كان باطلًا بطل مذهبك.\nوإن كان حقًا، فيقال: ما المانع أن يفعل ما لم يكن فاعلًا لحدوث حادث، وذلك موقوف على حادث آخر لا إلى نهاية، وتكون تلك الحوادث صادرة عنه؟\nثم يقال: إما أن يكون كل ما حدث يجوز حدوثه بلا فعل يقوم به، أو لا بد من فعل يقوم به.\nوعلى التقديرين لا يلزم صحة قولك.","vol":"9","page":225},{"text":"فإن قلت: مقصودي أنه لم يزل فاعلًا وقد حصل، قيل: لا يلزم أن يكون فاعلًا لمعقول معين.\nبل ولا يلزم أن يكون هو الفاعل على قولك.\nفإنك تجوز حدوث جميع الحوادث من غير أمر يحدث فيه ومنه، وعندك يحدث الحادث المخالف لما قبله كالطوفان وغيره، من غير أن يحدث منه ما لم يكن حدث قبل ذلك، فأنت تجوز حدوث جميع الحوادث من غير أن يحدث منه شيء يخص حادثًا من الحوادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>الوجه السادس</span>\nأن يقال: قولك: لو حصل منه شيء بعد أن لم يكن لتغيرت ذاته، وتسلسل الحوادث فيها إلى غير نهاية وهو محال، ففعله دائم.\nجوابه أن يقال: حصول الحوادث المنفصلة عنه إما أن يقف على حدوث شيء في ذاته، وإما أن لا يقف.\nفإن لم يقف بطل قولك: لو حصل شيء بعد أن لم يحصل لتغيرت ذاته، وتسلسلت فيها الحوادث.\nفإنك تجوز أن تحدث عنه جميع الحوادث من غير حدوث شيء في ذاته، فلا يكون حدوث الحوادث مستلزمًا لحدوث شيء في ذاته.\nوإن كان حدوث الحوادث المنفصلة متوقفًا على حدوث شيء في ذاته، لم يكن في ذلك بمحذور، فإن حدوث الحوادث مشهودة، وأنت لم تذكر حجة على امتناع هذا المعنى، ولكن أحدث امتناعه مسلمًا.\nوتسميتك لذلك تغيرًا ليس بحجة عقلية، فإن لفظ التغير مشترك، وهنا لا يراد به الاستحالة، بل يراد به نفس الفعل أو التحول أو ما يشبه ذلك، وأنت لا دليل لك على انتفاء ذلك، بل أنت تجوز على القديم أن يكون متغيرًا بهذا الاعتبار، وتجوز على القديم أن يكون محلًا للحوادث.","vol":"9","page":226},{"text":"وتحقيق الكلام في هذا الموضع أن التسلسل هنا يراد به شيئان:\nأحدهما: التسلسل في الفعل مطلقًا.\nوالثاني: التسلسل في فعل شيء معين.\nفالأول أن يراد به أنه لا يحدث شيئًا من الأشياء أصلًا حتى يحدث شيئًا، فتكون حقيقة الكلام أنه لا يخلق حتى يخلق، ولا يفعل حتى يفعل، ولا يحدث حتى يحدث، وهذا ممتنع بالضرورة.\nوهذا في حقيقة دور وليس بتسلسل، فإن معناه أنه لا يكون الشيء حتى يكون الشيء، فيلزم الجمع بين النقيضين، فإنه إذا لم يوجد حتى يوجد، لزم أن يكون معدومًا موجودًا.\nوأما إذا قيل: لا يفعل شيئًا إلا بشرط يقارنه، ولا يفعل ذلك الشرط إلا بشرط يقارنه، فهذا التسلسل في تمام التأثير، وليس بتسلسل أمور متعاقبة، وهذا هو التسلسل في تمام التأثير، والأول تسلسل في أصل التأثير، وكلاهما ممتنع.\nوالأول هو الذي ينبغي أن يراد بقول القائل: إذا لم يفعل ثم فعل، فلا بد من حدوث شيء: إما قدرة، وإما إرادة، وإما علم، وإما أمر من الأمور.\nثم القول في حدوث ذلك كالقول في حدوث الأول.\nفإن هذا الثاني أيضًا لا يحدث إلا بحدوث شيء يكون حادثًا معه، فإن ما كان من تمام التأثير فلا بد أن يكون موجودًا حين التأثير، لا يكفي وجوده قبله.\nوحينئذ فيمكن تصوير هذه الحجة على وجهين:\nأحدهما: أن يقال لا يحدث شيئًا حتى يحدث شيئًا، ولا يفعل شيئًا","vol":"9","page":227},{"text":"حتى يفعل شيئًا.\nفإن حدوث الحادث بلا سبب حادث ممتنع.\nوالثاني: أن يقال: لا يحدث مفعولًا إلا بحدوث قدرة، أو إرادة، أو علم أو نحو ذلك.\nولا يحدث ذلك إلا بحدوث ما يوجب حدوثه، فيلزم أن لا يحدث شيئًا، فإن هذا تسلسل في تمام التأثير.\nوالتسلسل في تمام التأثير كالتسلسل في المؤثرين، فكما أنه يمتنع أن لا يكون مؤثرًا إلا عن مؤثر، ولا يؤثر إلا عن مؤثر، وأنه يمتنع وجود علل ومعلولات لا نهاية لها، فلذلك يمتنع أن لا يتم كون الشيء علة أو فاعلًا إلا بوجود أمر، ولا يتم وجود ذلك التمام إلا بوجود تمام آخر، إلى غير غاية.\nفهذا أيضًا ممتنع باتفاق العقلاء.\nوأما إذا قيل لا يوجد الشيء حتى يوجد قبله شيء آخر، ولا يوجد ذلك الثاني حتى يوجد قبله شيء آخر، فهذا فيه النزاع المشهور، وهو تسلسل الآثار المعينة، لا تسلسل في أصل التأثير، فيجب تصور الفرق بين الأمرين.\nوقد صور السهروردي هذه الحجة في كتابه المسمى بـ حكمة الإشراق وهو الذي ذكر فيه خلاصة ما عنده، ولم يقلد فيه المشائين، بل بين فيه خطأهم في مواضع، وذكر فيه طريقة فلاسفة الفرس المجوس والهند.\nكما أن ابن سينا في كتابه المسمى بـ الحكمة المشرقية ذكر فيه بيان ما تبرهن عنده، وكذلك الرازي في المباحث المشرقية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>كلام السهرودي المقتول في \"حكمة الإشراق</span>\"\nكلام السهرودي المقتول في حكمة الإشراق\nفقال السهروردي: نور الأنوار والأنوار القاهرة يعني واجب","vol":"9","page":228},{"text":"الوجود والعقول: لا يحصل منهم شيء بعد أن لم يحصل، إلا على ما سنذكره، فإن كل ما لا يتوقف على غير شيء، إذا وجد ذلك الشيء، وجب أن يوجد، وإلا هو مما لا يتصور وجوده أو توقف على غيره، فما كان هو الذي يتوقف عليه، وقد فرض أن التوقف عليه، وهو محال.\nوكل ما سوى نور الأنوار لما كان منه، فلا يتوقف على غيره، كما يتوقف شيء من أفعالنا على وقت، أو زوال مانع، أو وجود شرط، فإن لهذه مدخلًا في أفعالنا، ولا وقت مع نور الأنوار متقدم على جميع ما عدا نور الأنوار، فإن نفس الوقت أيضًا من الأشياء التي هي غير نور الأنوار، فلما كان نور الأنوار، وجميع ما يفرضه الصفاتية صفة دائمة، فيدوم بدوامه ما فيه، لعدم توقفه على أمر منتظر، ولا يمكن في العدم البحث قرض تجدد، مع أن كل ما تجدد يعود الكلام إليه.\nفنور الأنوار والأنوار القاهرة: ظلالها وأضواؤها المجردة دائمة، وقد علمت أن الشعاع المحسوس هو من النير، لا النير من الشعاع، وكلما يدوم النير الأعظم يدوم الشعاع، مع أنه منه.","vol":"9","page":229},{"text":"ثم قال: كل هيئة أي عرض لا يتصور ثباتها هي الحركة، وكل ما لم يكن زمانًا ثم حصل فهو حادث، وكل حادث إذا حدث شيء مما يتوقف عليه هو حادث، إذ لا يقتضي الحادث وجود نفسه، إذ لا بد من مرجح في جميع الممكنات، ثم مرجحه، إن دام مع جميع ما له مدخل في الترجيح، لدام الشيء، فلم يكن حادثًا، ولما كان حادثًا، فشيء مما يتوقف عليه هذا الحادث حادث.\nويعود الكلام إلى ذلك الشيء، فلا بد من التسلسل، والسلسلة الغير المتناهية مجتمعة وجودها محال، فلا بد من سلسلة غير متناهية لا تجمع آحادها ولا تنقطع، وإلا يعود الكلام إلى أول حادث بعد الانقطاع، فينبغي أن يكون الوجود حادث متجدد لا ينقطع، وما يجب فيه لماهيته التجدد إنما هو الحركة.\nوذكر تمام الكلام في وجوب استمرار حركة دائمة، وأنها حركة الأفلاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>الرد عليه من وجوه. الوجه الأول</span>\nالرد عليه من وجوه.\nالوجه الأول\nفيقال له عن هذا أجوبة:","vol":"9","page":230},{"text":"أن يقال: كل ما لا يتوقف على غير شيء إذا وجد ذلك الشيء وجب أن يوجد، إلى قوله: وما كان من نور الأنوار فلا يتوقف على غيره.\nإلى آخره.\nما تعني بقولك: ما كان من نور الأنوار؟ تعني: الله، فلا يتوقف على غيره؟ أتعني به: أنه لا يتوقف على شيء منفصل عن الله؟ أم تعني به: لا يتوقف على فعل قائم بذات الرب يفعله بمشيئته وقدرته؟\nأما الأول: فلا ينفعك، لأنه لا يلزم من كونه لا يتوقف على شيء منفصل عن الله، أن لا يتوقف على فعله الواقع بمشيئته وقدرته، وحينئذ فلا يلزم قدمه، بل إذا كان الفعل المراد المقدور حادثًا، فالمعلق به أولى أن يكون حادثًا، فإنه لا يكون قبله، وما لا يسبق الحوادث يجب أن يكون حادثًا.\nوإن قلت: إنه لا يتوقف على فعل الرب القائم بنفسه، فهذا محل النزاع.\nوأنت لم تذكر دليلًا على أن وجود الممكنات لا يتوقف على فعل الرب القائم بنفسه، بل الدليل يوجب توقف المعقولات على فعل الفاعل، وتوقف المعلول على اقتضاء العلة، والعلة شيء، واقتضاؤها المعلول شيء.\nوإذا كانت العلة مشروطة بما يقوم بها بالمشيئة والقدرة، لم يحصل المشروط قبل الشرط، وأنت لم تقم دليلًا إلى ثبوت علة مجردة خالية عن شرط، بل الدليل ينفي ذلك لأنه يلزم من قدم هذه العلة قدم معلولها، ومعلول معلولها، فإن العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها، وحينئذ فلا يكون للحوادث فاعل أصلًا، وهذا من أبين الأمور المعلوم فسادها بالضرورة.","vol":"9","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-942>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: ما سوى الله هل يتوقف شيء منه على غيره، أم لا؟\nفإن قلت بالثاني، لزم قدم جميع الممكنات الموجودة، حتى الحوادث، وهو مكابرة.\nوإن توقف منه شيء على غيره بطل قولك: ما سوى نور الأنوار لا يتوقف على غيره.\nوإيضاح ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>الوجه الثالث</span>\nوهو أن يقال: إذا قدر الغير الذي هو شرط، هو من الله أيضًا، وتوقف أحد الفعلين على الآخر لم يكن في ذلك محذور.\nفإن الله جعل بعض الأشياء شرطًا في وجود بعض، غاية ما في هذا أن يقال: هذا يقتضي التسلسل.\nفيقال: وهذا عندك جائز، فلا يتعين قدم شيء من الأفلاك ولا غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: إن كان التسلسل باطلًا بطل مذهبك، وإن كان جائزًا بطلت حجتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>الوجه الخامس</span>\nأن يقال أنت وقد أوجبت التسلسل في الحوادث بإيجاب حركة دائمة لا تنقطع، وقلت أيضًا: فلما كان نور الأنوار وجميع ما يفرضه الصفاتية صفة دائمة، فيدوم بدوامه ما منه لعدم توقفه على أمر منتظر.\nوإذا كان قولك وقول إخوانك يتضمن هذا وهذا، فيقال لكم: الحركة الدائمة إما أن تكون منه بواسطة أو بغير واسطة، وإما أن لا تكون منه، فإن لم تكن منه لزم حدوث الحوادث بدون واجب الوجود، وهذا هو القول بحدوث الحوادث بلا محدث، وإن كانت الحركة منه بواسطة أو بغير واسطة، وهو قولهم.","vol":"9","page":232},{"text":"فيقال: فحينئذ قد كان منه ما لا يدوم بدوامه، فإن كل جزء من أجزاء الحركة حادث، وعندكم أنه حدث عن تصور حادث وشوق حادث، فهذه أمور من واجب الوجود وليست دائمة بدوامه، فهذا ينقض قولكم: إن كل ما منه يدوم بدوامه.\nثم أيضًا من المعلوم أن كل واحد من الحوادث منه بواسطة أو غير واسطة، وهو كان بعد أن لم يكن، ويعدم بعد أن كان فهو منه، وليس مقارنًا له، ولا دائمًا بدوامه.\nفعلم بذلك أنه لا يجب في كل ما كان منه أن يدوم بدوامه، فلا يجب في الفلك وغيره من الأعيان المشهودة أن تدوم بدوامه، وهو المطلوب.\nوإذا قال: الذي يدوم بدوامه هو جنس الأفعال والمفعولات أو جنس الحوادث شيء بعينه.\nقيل: فهذا يبطل حجتك على قدم شيء بعينه، ويناقض مذهبك في قدم شيء بعينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>كلام ابن سينا في الإشارات</span>\nوقال ابن سينا: في إشاراته في ذكر هذه الحجة: تنبيه: وجود المعلول يتعلق بالعلة، من حيث هي على الحال التي بها تكون علة، من طبيعة أو إرادة أو غير ذلك أيضًا، من أمور يحتاج أن تكون من الخارج، ولها مدخل في تتميم كون العلة بالفعل، مثل الآلة:","vol":"9","page":233},{"text":"كحاجة النجار إلى القدوم، أو المادة: كحاجة النجار إلى الخشب، أو المعادن: كحاجة النشار إلى نشار آخر، أو وقت: كحاجة الآدمي إلى الصيف، أو الداعي: كحاجة الآكل إلى الجوع، أو زوال مانع: كحاجة الغسال إلى زوال الدجن.\nوعدم المعلول يتعلق بعدم كون العلة على الحالة التي هي بها علة بالفعل، سواء كان ذاتها موجودًا على غير تلك الحالة أو لم يكن موجودًا أصلًا، فإذا لم يكن شيء معوق من خارج، وكان الفاعل بذاته موجودًا، ولكن ليس لذاته علة، توقف وجود المعلول على وجود الحالة المذكورة، التي إذا وجدت كانت طبيعة، أو إرادة جازمة، أو غير ذلك -وجب وجود المعلول.\nوإن لم توجد وجب","vol":"9","page":234},{"text":"عدمه، وأيهما فرض أبدًا كان ما بإزائه أبدًا، أو وقتًا ما، كان وقتًا ما.\nوإذا جاز أن يكون شيء متشابه الحال في كل شيء، وله معلول، لم يبعد أن يجب عنه سرورًا، فإن لم يسم هذا مفعولًا، بسبب أن لم يتقدمه عدم، فلا مضايقة في الأسماء بعد ظهور المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>تعليق ابن تيمية</span>\nفيقال له: هذا كلام مقدر على شيء مضمونه: أن العلة التامة التي لا يقف اقتضاؤها على أمر منفصل عنها، يلزم من وجودها وجود معلولها بجلاء، بخلاف ما يتوقف اقتضاؤها على أمور منفصلة، كالآلة والمادة والداعي وغير ذلك، وأنه إذا فرض شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول، لم يبعد عنه سرمدًا.\nلكن الشأن في تحقيق هذا المقدر، فإنه يقال لك: هذا غايته أن يكون إبطالًا لقول من يجعل الرب خالقًا للعالم، من غير حدوث سبب أصلًا.\nوهذا قول طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى الملل، وليس هذا قول أئمة أهل الملل وجمهورهم القائلين بأن الله خالق كل شيء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام.\nوإذا كان كذلك فهؤلاء يلزموك ويقولون: هذه العلة الموصوفة هل يجوز أن يصدر عنها -بوسط أو بغير وسط- أمور مختلفة حادثة أو لا يجوز؟\nفإن لم تجوز ذلك بطل قولك، ولزم أن لا يكون للحوادث فاعل، وهو معدوم الفساد بالضرورة.\nوإن جوزت ذلك، قيل لك: فإذا كان الفاعل واحدًا بسيطًا","vol":"9","page":235},{"text":"موجودًا، لا يتوقف فعله على شيء خارج عنه، فلم وجدت عنه المختلفات؟ ولم تأخرت عنه الحوادث؟ فما كان جوابك عن هذا، كان جوابًا لهم عن الحوادث، وأولى.\nوأما من قال: إن الواجب بنفسه تقوم به الأفعال المتعلقة بقدرته ومشيئته.\nفيقولون: حدوث ما حدث يتوقف على تلك الأفعال موقوفة على ما قبلها، فإن التسلسل جائز عندك.\nثم يقال: إما أن يكون التسلسل جائزًا، وإما أن لا يكون.\nفإن كان جائزًا، أمكن أن تتسلسل الأفعال التي يقف عليها وجود تلك المفعولات.\nوإن لم يكن جائزًا لزم حدوث جنس المحدثات، ويبطل القول بحوادث لا أول لها، وهو نقيض قولكم.\nوأيضًا قوله: إذا جاز أن يكون شيء متشابه الحال لا يخلو: إما أن يجوز أن تصدر عنه الأمور المختلفة الحادثة بوسط أو بغير وسط، وإما أن لا يجوز.\nفإن لم يجز ذلك لزم أن لا تكون هذه الحوادث صادرة عن علة بسيطة، لا بوسط ولا بغير وسط.\nوهذا يبطل قولهم.\nوحينئذ فإما أن يقال: إن هذه الحوادث لا محدث لها، وهو معلوم الفساد بالضرورة.\nوإما أن يقال: ليس المحدث مجردًا عن الصفات والأفعال، بل له صفات وأفعال، كما يقوله المسلمون، وهو الحق.\nوإن جاز أن تصدر المختلفات والمحدثات عن بسيط، أمكن أن يحدث عنه ما لم يكن حادثًا عنه، وحينئذ فلا يلزم أن يكون معلولًا له لازمًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>كلام الرازي في شرح الإشارات</span>\nقال الرازي في شرح هذا الكلام.\nاعلم أن الغرض من هذا","vol":"9","page":236},{"text":"الفصل التنبيه على الحجة لا يزال القائلون بالقدم يتمسكون بها ويعولون عليها، وهي أن الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري تعالى في العالم، إما أن تكون بأسرها أزلية، وإما أن لا تكون، والثاني باطل، إذ لو كان شيء منها حادثًا لافتقر حدوثه إلى المؤثر.\nوالكلام في كونه مؤثرًا في ذلك الآخر، كالكلام في الأول، فيلزم التسلسل وهو محال.\nفإذًا كل الأمور المعتبرة في مؤثرية الله تعالى في العالم أزلية.\nوأيضًا فمن الظاهر أن المؤثر متى حصل مستجمعًا جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية، وجب أن يترتب الأثر عليه، لأنه إن جاز تخلف الأثر عنه، كان صدور الأثر عن العلة المستجمعة لجميع تلك الأمور المعتبرة في المؤثرية، ولا صدور عنها على السواء.\nولو كان كذلك لما ترجح الصدور على أن لا صدور إلا بمرجح آخر.\nفلم تكن جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية حاصلًا قبل حصول هذا الزائد، وكنا قد قد فرضنا أن الأمر كذلك، هذا خلف.\nقال: وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري قد أفعاله، هذا تحرير هذه الحجة.","vol":"9","page":237},{"text":"قال: ولقائل أن يقول: هذا الكلام إنما يلزم في الموجب بالذات، أما الفاعل المختار فلا، لاحتمال أنه يقال: إنه كان في الأزل مريدًا لإحداث العالم في وقت دون وقت، فإذا قالوا: فلم أراد إحداثه في ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده؟ كان الكلام فيه طويلًا، وهو مذكور في سائر كتبنا على الاستقصاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: هذا الجواب الذي أجاب به هو جواب كثير من أهل الكلام، من المعتزلة والكرامية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم.\nوقد عرف الطعن في هذا الجواب، وأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح، وأن ما ذكر في القسم الأول هو حصول الموثرية التامة في الأزل مع تأخر الأثر، وأن مضمونه تخلف الشيء عن موجبه التام، كما قد بسط في موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>الجواب عن هذه الحجة بوجوه. الوجه الأول</span>\nالجواب عن هذه الحجة بوجوه.\nالوجه الأول\nقوله: يلزم التسلسل وهو محال ليس كذلك، فإن التسلسل جائز عند من يقول بموجب هذه الحجة، فإن ذلك تسلسل في الآثار لا في المؤثرات، ولا يصح القول بموجبها إلا بذلك، فقولهم: التسلسل محال، باطل على أصلهم.\nوهذا الموضع مما يشتبه على كثير من الناس، فإن التسلسل في الآثار: تارة يعني به التسلسل في أعيان الآثار، مثل كونه فاعلًا لهذا بعد هذا، ولهذا بعد هذا، وأنه لا يفعل هذا إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد هذا، وهلم جرًا.\nفهذا التسلسل جائز عند الفلاسفة، وعند أئمة أهل الملل، أهل السنة والحديث.","vol":"9","page":238},{"text":"وعلى هذا التقدير، فقول القائل، فقول القائل: الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري في العالم: إما أن تكون بأسرها أزلية، وإما أن لا تكون.\nأتريد به التي يتم بها مؤثريته في كل واحد واحد من آحاد العالم؟ أو في جملة العالم؟\nإن إردت الأول، لم تكن بأسرها أزلية، وكان حدوث كل واحد منها مفتقرًا إلى حادث قبله.\nوهذا التسلسل جائز عندهم.\nوإن أردت الثاني، قيل لك: ليس جملة العالم متوقفًا على أمور معينة، حتى يرد عليها هذا التقسيم، بل بعض العالم يتوقف على أمور، وبعض آخر يتوقف على أمور أخرى، وكل بعض يتوقف على أمور حادثة، وتلك الأمور تتوقف على أمور أخرى، ويلزم من ذلك التسلسل في نوع الحادث، وهو جائز عندكم.\nوأما أن أريد بالتسلسل في الآثار، التسلسل في جنس التأثير، وهو أن يكون جنس التأثير متوقفًا على جنس التأثير، بحيث لا يحدث شيئًا حتى يحدث شيئًا، فهذا باطل لا ريب فيه، وهو تسلسل في تمام كون المؤثر مؤثرًا، وهو من جنس التسلسل في المؤثر.\nلكن بطلان هذا يستلزم أنه لم يفعل بعد أن لم يكن فاعلًا لشيء، فيلزم دوام نوع الفاعلية لا دوام مفعول معين، وحينئذ فلا يدل على قدم شيء من العالم، وهذا بين لمن تدبره.\nويراد بالتسلسل معنى ثالث، وهو أن فاعليته للحادث المعين، لا تحصل حتى يحصل تمام المؤثر لهذا الحادث المعين، فيلزم تسلسل الحوادث في الواحد، وهذا ممتنع أيضًا باتفاق العقلاء.","vol":"9","page":239},{"text":"فهذا تسلسل في تمام تأثر المعنى، وذاك في أصل التأثير وكلاهما ممتنع باتفاق العقلاء.\nفتبين أن حججهم الهائلة، التي أرعبت قلوب النظار، ليس فيها ما يدل على قدم شيء من العالم البتة.\nفقولهم بقدم شيء من العالم: الأفلاك أو غيرها، قول بلا حجة أصلًا، بل هو قول باطل، كما بين في موضع آخر.\nنعم هذه الحجج إنما أرعبت قلوب أهل الكلام المبتدع المحدث في الإسلام، الذي هو كلام الجهمية والقدرية، ومن سلك سبيلهم من الأشعرية والكرامية، ومن تبعهم أو قلدهم من المتفقه وغيرهم، فما ذكره الفلاسفة إنما يبطل قول هؤلاء، الذي زعموا أن الرب لم يزل معطلًا عن أن يفعل بمشيئته أو يتكلم بمشيئته ثم يفعل أو يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء.\nوهذا القول مما اتفق سلف الأمة وأئمتها على بطلانه.\nفإذًا ليس معهم حجة عقلية تناقض نصوص الكتب والسنة، بل ولا مذهب السلف والأئمة، وهو المطلوب.\nوبما ذكرناه من الفرق بين التسلسل في أصل التأثير وتمامه، وبين التسلسل في الآثار، يظهر صحة الدليل، الذي احتج به غير واحد من أئمة السنة، على أن كلام الله غير مخلوق، مثل سفيان بن عيينة.\nوبيان ذلك: أنه إذا دل على أن الله لم يخلق شيئًا إلا بكن، فلو كانت كن مخلوقة، لزم أن يخلق بكن أخرى، وتلك الثانية بثالثة،","vol":"9","page":240},{"text":"وذلك هو من التسلسل الممتنع باتفاق العقلاء، فإنه تسلسل في أصل التأثير، فإنه لا يخلق شيئًا إلا بكن، فإذا لم يخلق كن لم يخلق شيئًا، ولو خلق كن لكان قد خلق بعض المخلوقات بغير كن، فيلزم الدور الممتنع، وهو المستلزم للجمع بين النقيضين، وهو أن تكون موجودة معدومة.\nوأيضًا فإذا قدر أنه خلق الأولى بالثانية، والثانية بالثالثة، وهلم جرًا، فلا بد من وجود جميعها في آن واحد، فإن كل واحد منها شرط في الثانية، وهي من الأمور الوجودية المشروطة في التأثير، فلا بد أن تكون موجودة عند وجود الأثر، كالاستطاعة والقدرة، وحياة الفاعل، وعلمه، وسائر شروط الفعل، فإنها كلها لا بد من وجودها عند وجود الفعل.\nولهذا اتفق أهل السنة المثبتون للقدر، على أن الاستطاعة لا بد أن تكون مع الفعل وتنازعوا في جواز وجودها قبله، ودوام وجودها إلى حين الفعل في حق المخلوق، على قولين.\nوأما في حق الخالق، فاتفقوا على بقائها ودوامها إلى حين الفعل.\nوالصحيح الذي عليه السلف وأئمة الفقهاء، أنها تكون موجودة قبل الفعل، وتبقى إلى حين الفعل.\nولهذا يجوز عندهم وجود الاستطاعة بدون الفعل، كما في حق العصاة، ولولا هذا لم يكن أحد ممن كفر وعصى الله، إلا غير مستطيع لطاعة الله، وهو خلاف الكتاب والسنة.\nقال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] .\nوقال: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] .","vol":"9","page":241},{"text":"وقال: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ [النساء: ٩١] .\nومعلوم أنه ليس المنفي هنا استطاعة لا تكون إلا مع الفعل، فإنه قد يكون حينئذ معنى الكلام، فمن لم يفعل فعليه صيام شهرين متتابعين.\nوكذلك يكون الأمر بالتقوى لمن اتقى لا لمن لم يتق، وإيجاب الحج على من حج دون من لم يحج، وهذا باطل.\nفعلم أن المراد استطاعة توجد بدون الفعل، وما كانت موجودة بدون الفعل أمكن وجودها قبله بطريق الأولى.\nوقد بين في غير هذا الموضع أن تسلسل العلل والمعلولات ممتنع بصريح الفعل واتفاق العقلاء، وكذلك تسلسل الفعل والفاعلين، والخلق والخالقين، فيمتنع أن يكون للخالق خالق، وللخالق خالق إلى غير نهاية.\nولهذا بين النبي ﷺ أن هذا من وسوسة الشيطان، فقال في الحديث الصحيح: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته» .. وفي رواية أخرى: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليتعوذ بالله ولينته» .\nوكذلك إذا قيل: لا يخلق شيئًا إن لم يخلق كذا، ولا يخلق كذا إن لم","vol":"9","page":242},{"text":"يخلق كذا، كان هذا ممتنعًا، لأنه منع وجود الخالق بالكلية، حتى يوجد تمام كونه مؤثرًا، وتمام كونه مؤثرًا موقوف على تمام آخر، فيلزم ألا يوجد تمام كونه خالقًا، فيلزم ألا يخلق شيئًا قط.\nفإذا علم أنه لا يخلق شيئًا إلا بكن فلو كان كن مخلوقًا بكن أخرى وهلم جرًا، كان كل واحدة من ذلك بها يصير خالقًا، ولم يوجد شيء من ذلك، فيمتنع أن يصير خالقًا.\nوهذا بخلاف ما إذا قيل: يخلق هذا بكن، وهذا قبله أو بعده بكن وهلم جرًا، فإن هذا يقتضي أنه لا يوجد الثاني إلا بعد وجود الأول.\nوالتوقف ها هنا على الشرط، هو فعله لهذا المعين، لا أصل الفعل، فلهذا كان في هذا نزاع مشهور، بخلاف الأول.\nومعلوم أن الأدلة العقلية لا تدل على قدم شيء من العالم، وإنما غايتها أن تدل على دوام الفاعلية، وامتناع كونه فاعلًا بعد أن لم يكن.\nفإذا قالوا: التسلسل باطل، فإن عنوا به تسلسل الآثار، ووجود شيء بعد شيء فهذا خلاف قولهم، ولم يقيموا دليلًا على بطلانه.\nوإن أرادوا به التسلسل الخاص، وهو التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلًا، فهذا مسلم أنه ممتنع، لكن امتناع لا يدل على فعله لشيء معين، بل على أصل الفعل، وهذا لا ينفعهم بل يضرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: أما التسلسل في أصل الفاعلية فلا ينفعهم.\nوإنما فيه إبطال قول الجهمية والقدرية.\nوأما التسلسل في الأفعال المعينة، فإن كان جائزًا لم يصح احتجاجهم به، بل تبطل الحجة، وإن كان ممتنعًا","vol":"9","page":243},{"text":"لزم أن يكون للحوادث أول، فيبطل قول القائلين بقدم العالم.\nوإذا بطل هذا القول، بطلت حجته بالضرورة، فيلزم بطلان هذه الحجة على التقديرين، وذلك يقتضي أنها فاسدة في نفس الآمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: كل حادث من الحوادث المشهودة إما أن تكون مؤثريته حاصلة في الأزل، وإما ألا تكون.\nفإن كان الأول، لزم حصول الحوادث عن الموثر القديم، من غير تجدد شيء، وبطلت الحجة.\nوإن كان الثاني فحصول كمال المؤثرية فيه بعد أن لم تكن أمر حادث، فيقف كمال مؤثريته في هذا الكمال.\nوحينئذ فحال الفاعل إما أن يكون عند كمال التأثير في الحادث الثاني، كحاله عند كمال التأثير في الأول، وإما ألا يكون، فإن قدر الأول، لزم أن يحدث هذا الحادث الثاني، والذي بعده، والذي بعده، من غير حدوث سبب أوجب هذا الحدوث، لأن الذات الفاعلة حالها عند الأول كحالها عند الثاني والثالث، وحينئذ فإذا كانت عند الأول لا تفعل الثاني، فعند الثاني لا تفعل الثالث، لأنه لم يتجدد ما يوجب حدوثه.\nوأيضًا فالذات نفسها ليست موجبًا تامًا في الأزل لشيء من الحوادث، وهي لم تزل على ما كانت عليه، فيلزم ألا تكون موجبة لشيء من الحوادث في الأبد، وإلا لزم الإحداث بلا سبب حادث.","vol":"9","page":244},{"text":"وهؤلاء فروا من حدوث الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب، وادعوا دوام حدوثها بلا سبب، فكان الذي فروا إليه شرًا من الذي فروا منه، كالمستجير من الرمضاء بالنار.\nوأما إن قيل: إن الفاعل نفسه تقوم به إرادات وأفعال توجب تخصيص كل وقت بما أحدثه فيه، كان هذا مبطلًا لحجتهم، إذ يمكن والحال هذه أن يحدث شيئًا بعد شيء مع دوام فاعليته، بل هذا مبطل لمذهبهم.\nفإن من تصور هذا الفاعل علم يقينًا امتناع مقارنة شيء من أفعاله ومفعولاته له، وعلم أن كل واحد من أفعاله ومفعولاته لا يكون إلا حادثًا، لا مساوقًا له أزلًا وأبدًا.\nوإن كان هذا معلومًا في كل ما يقدر أنه فاعل، فهو فيما يقدر أنه فاعل بمشيئته وقدرته وأفعاله تقوم به، أظهر وأظهر.\nثم يقال: إما أن يكون تسلسل كمال المؤثرات ممكنًا، وإما أن يكون ممتنعًا، فإن كان ممتنعًا لزم حدوث كل ما سوى الله، وأنه لم يكن فاعلًا ثم صار فاعلًا، وهو مبطل لقولهم.\nوإن كان ممكنًا لم يلزم إلا دوام كونه مؤثرًا في شيء بعد شيء، وهذا لا حجة لهم فيه، بل هو مبطل لحجتهم ومذهبهم كما تقدم.\nوالقول في الثاني كالقول في الأول، فيلزم التسلسل في الآثار.\nوإذا كان ذلك لازمًا كان جائزًا بطريق الأولى، وإذا كان جائزًا بطل القول بأنه محال، فبطلت الحجة.","vol":"9","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-953>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: حدوث الحوادث من المؤثر القديم من غير تجدد شيء إما أن يكون جائزًا، وإما أن يكون ممتنعًا.\nفإن كان جائزًا بطلت المقدمة الثانية من الحجة.\nوإن كان ممتنعًا لزم حدوث ما به يتم التأثير في هذه الحوادث، إذ لو لم يحدث ما به يتم التأثير، لكانت قد حدثت عن المؤثر القديم من غير تجدد شيء، والتقدير أنه ممتنع.\nثم القول في حدوث ذلك التمام، كالقول في حدوث أثره، ويلزم التسلسل في الآثار، وذلك يبطل القول بامتناع التسلسل مطلقًا.\nفإن كان هذا هو المراد في المقدمة، كما يريده طائفة ممن يصوغ هذه الحجة فهو ممتنع.\nوإن كان المراد به ما ينبغي أن يراد، وهو التسلسل في تمام أصل التأثير، فهذا إذا امتنع إنما يستلزم دوام كونه فاعلًا، لا فاعلًا لشيء معين، وذلك لا ينفعهم بل يضرهم، فيلزم فساد إحدى المقدمتين على تقدير أحد النقيضين، وفساد الأخرى على تقدير النقيض الآخر.\nولا بد من ثبوت أحد النقيضين، فيلزم فساد إحدى المقدمتين قطعًا.\nفتفسد الحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>الوجه الخامس</span>\nأن نقول: قوله: وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري تعالى قدم أفعاله أتعني به جميع أفعاله، أو فعلًا ما من أفعاله، أم قدم نوع أفعاله؟.\nأما الأول فباطل قطعًا، لأنه خلاف المشاهدة.\nوأما الثاني فلا دليل في الحجة عليه، فإنها لا تدل على قدم شيء معين، لا فعل ولا مفعول.","vol":"9","page":246},{"text":"وأما الثالث فلا يفيد قدم السموات لجواز أن يكون هناك فعل قائم بالذات بعده فعل، أو مفعول بعد مفعول، أو كلاهما.\nوهذه الحجة قد ذكرها الآمدي، والأبهري، وغيرهما، وأجابوا عنها بالمعارضة بالحوادث اليومية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>كلام الآمدي في \"دقائق الحقائق</span>\"\nكلام الآمدي في دقائق الحقائق\nفقال الآمدي في دقائق الحقائق في الاحتجاج لهم: لو كان ما وجد عن الواجب بذاته محدثًا موجودًا بعد العدم، فهو لذاته: إما أن يكون واجبًا، أو ممتنعًا، أو ممكنًا.\nالقول بالوجوب ممتنع، وإلا لما كان معدومًا.\nوالقول بالامتناع ممتنع.\nوإلا لما وجد.\nفلم يبق إلا أن يكون ممكنًا لذاته.\nوعند ذلك فحدوثه إن كان لا لمحدث ومرجح فقد ترجح أحد طرفي الممكن لا لمرجح، وهو محال.\nوإن كان لمحدث ومرجح فالمرجح إما قديم، أو حادث.\nفإن كان حادثًا فالكلام فيه كالكلام في الأول، والتسلسل والدور محال.\nفلم يبق إلا أن يكون المرجح قديمًا أو منتهيًا إلى مرجح قديم، والمرجح القديم إما أن يكون قد تحقق معه في القدم كل ما لا بد منه في الإيجاد، أو بقي شيء منتظر.\nفإن بقي شيء منتظر، فالكلام في حدوثه كالكلام في الأول، ويلزم في التسلسل أو الدور وهو ممتنع.\nوإن كان القسم الأول فيلزم من قدم العلة قدم المعلول.\nوكذلك الحكم فيما وجب عن الواجب بالواجب لذاته.\nوقال الآمدي في الجواب: إنه يلزم منها وجود شيء من الحوادث.\nإذ","vol":"9","page":247},{"text":"الكلام في كل حادث يفرض بالنسبة إلى علته، كالكلام في معلول واجب الوجود، وهو خلاف المعقول والمحسوس، وما هو الجواب فيما اعترف به من الحوادث فهو الجواب فيما نحن فيه، ولا بد من التفاتهم في ذلك إلى الإرادة النفسانية، وبيان انتفائها عن واجب الوجود.\nوقد عرف ما فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: قد يظنون أنهم يجيبون عن هذه المعارضة بأن الحوادث اليومية مشروطة بحدث بعد حادث، وهذا يقتضي التسلسل في الآثار، والتسلسل في الآثار عندهم ليس بمحال.\nوحقيقة قولهم: إن المرجح القديم هو دائم الترجيح، والحوادث المنفصلة عنه تحدث شيئًا بعد شيء.\nثم قد يعينون ذلك بحركة الفلك، فيقولون: هي الحادثة شيئًا بعد شيء.\nومن حذق منهم كابن سينا علم أن هذا جواب باطل، وأن حدوث حادث بعد حادث عن القديم من غير تجدد شيء ممتنع.\nفادعى ما هو أفسد من ذلك فقال: إن الحركة لا توجد شيئًا بعد شيء، وإنما هي شيء موجود دائمًا، وأن ما يوجد شيئًا بعد شيء لا وجود له في الخارج، بل في الذهن.\nوهذه مكابرة بينة، قد بسط الكلام عليها في شرح الأصبهانية.\nوقد اعترف حذاقهم بأن حدوث الحوادث شيئًا بعد شيء عن ذات لا يقوم بها حادث مما تنكره العقول.\nوأما من اعترف منهم بقيام الأمور الاختيارية بذاته، فيقال لهم: هذا أدل على حدوث المفعولات.\nويقال للطائفتين: إذا جوزتم ذلك، لم يكن لكم دليل على قدم شيء من العالم.\nفظهر بطلان حجتكم.","vol":"9","page":248},{"text":"لكن هذا الجواب الذي عارض به هؤلاء لأولئك، لا يمكن أن يقال في أول الحوادث، لأنه ليس قبل أول الحوادث حادث يشترط في الحوادث المستقبلة.\nفهذا فرق هؤلاء الفلاسفة بين ما يثبتونه من الحوادث اليومية التي تشاهد، وما ينفونه من أن للحوادث أولًا ابتدأت منه، وبهذا يتبين بطلان قول الطائفتين: هؤلاء وهؤلاء، وأن كل طائفة أقامت برهانًا على بطلان قول الأخرى، لا على صحة قولها، إذ لا يلزم من بطلان أحد القولين صحة الآخر، إلا إذا انحصر الحق فيهما، وليس الأمر كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>كلام الآمدي في أبكار الأفكار</span>\nوذكرها الآمدي أيضًا في كتابه أبكار الأفكار قال: وجوابها: أنها باطلة من جهة أن الحس والعيان والبرهان شاهد بوجود حوادث كائنة بعد ما لم تكن.\nوما ذكروه من الشبهة يلزم منه امتناع وجود الحوادث، والقول بامتناع وجود الحوادث ممتنع، وكل دليل لزم عنه الممتنع فهو باطل في نفسه.\nوبيان الملازمة هو أن ما ذكروه من الترديد والتقسيم في حدوث العالم بعينه لازم في حدوث كل حادث، وكل ما هو جواب لهم في حدوث الحوادث بعينه يكون جوابًا في القول بحدوث العالم بجملته.","vol":"9","page":249},{"text":"وهذا الذي ذكره يجيبون عنه بما تقدم، وهو أن هذه الحجة إنما كانت حجة على من يقول ببطلان التسلسل في الآثار من أهل الكلام، وأما نحن فنجوز التسلسل في الآثار، فتكون الحوادث موقوفة على حوادث قبلها لا إلى أول.\nوهذا الجواب منتف في جملة العالم، لأنه ليس قبله حادث نقف عليه عند الطائفتين.\nوحقيقة جوابهم أن التسلسل الذي نفوه في هذه الحجة، ليس هو التسلسل في الحوادث التي تحدث شيئًا بعد شيء، فإنها لا تدل على بطلان هذا، وهم لا يقولون ببطلانه، وإنما دلت على بطلان التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلًا.\nومن قال بكونه فاعلًا، لا يقول بتوقف فاعليته على غيره: لا حادث ولا غير حادث، فلا يلزمهم هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>الجواب عن حجتهم من وجوه. الوجه الأول</span>\nالجواب عن حجتهم من وجوه.\nالوجه الأول\nونحن قد ذكرنا الأجوبة القاطعة لهذه الحجة في غير موضع من وجوه:\nأن يقال: إن كان التسلسل في الآثار ممتنعًا، لزم القول بأن للحوادث أولًا، وبطل المذهب فبطلت حجته، وإن كان ممكنًا بطلت الحجة، لإمكان دوام كونه فاعلًا ليس بعد شيء، مع أن كل ما سواه مخلوق حادث.\nهذا إذا أريد بالتسلسل الممتنع تسلسل أصل الفاعلية، وأما إذا أريد تسلسل الآثار، فإنه يظهر بطلانها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: غاية الحجة أنه لا بد لكل حادث أن يكون قبله حادث.\nوحينئذ فقد أخبرت الرسل أن الله خلق السموات والأرض وما","vol":"9","page":250},{"text":"بينهما في ستة أيام، وكان عرشه على الماء.\nوجمهور المسلمين وغيرهم على أن المخلوق ليس هو الخلق، بل الخلق قائم بذات الله فتكون السموات والأرض وما بينهما محدثة بحوادث قبلها، والحوادث محدثة بما يقوم بذات الله من مقدوراته ومراداته ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: إما أن تقولوا بأن كل ما صدر عن الواجب بذاته لازم لذاته، أو لازم للازم بذاته، أو منه ما ليس بلازم بذاته.\nفإن قلتم بالأول كان مكابرة للحس.\nولم يقل بذلك أحد من الناس، وهو الذي أنكره المعارضون لهم، وجعلوه لازم حجتهم.\nوإن قالوا: إن منه ما ليس بلازم لواجب الوجود، ولا لازم للازمه، بل هو متأخر عنه.\nفيقال: فالسموات والأرض وما بينهما، الذي أخبرت به الرسل عن الله، أنه خلق ذلك في ستة أيام: لم لا يجوز أن تكون من الحوادث المتأخرة كغير ذلك من الحوادث؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: إذا كان العالم صادرًا عن علة مستلزمة له، لا يتأخر عنها موجبها، لزم ألا يكون لشيء من الحوادث فاعل، لأن العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها، فلا يكون شيء من الحوادث معلولًا لها، ولا لشيء من معلولاتها.\nفلزم أن تكون الحوادث لا فاعل لها، أو يكون فاعلها ليس هو، بل يكون فاعل كل محدث محدثًا، وهلم جرًا، ويلزم تسلسل الفاعلين.\nوهذا مع اتفاق العقلاء على فساده، ففساده معلوم بالضرورة من وجوه كثيرة، كما بين في غير هذا الموضع.","vol":"9","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-962>فصل</span>\nومنشأ ضلال هاتين الطائفتين هو نفي صفات الله وأفعاله القائمة بنفسه.\nفإنهم لما نفوا ذلك، ثم أرادوا إثبات صدور الممكنات عنه، مع ما يشاهدون من حدوثها، لم يبق هناك ما يصلح أن يكون هو المرجح لوجود الممكنات -إلا لما شوهد حدوثه منها- ولا لغير ذلك.\nوصارت المتفلسفة تحتج على هؤلاء المتكلمة بالحجج التي توجب تناقض قولهم، فيجيبوهم بما يتضمن الترجيح بلا مرجح، مثل إسنادهم الترجيح إلى القدرة أو الإرادة القديمة، التي لا اختصاص لها بوقت دون وقت.\nفيقول لهم أولئك: إسناد التخصيص والترجيح إلى مرجح، لا فرق بالنسبة إليه بين وقت دون وقت، وبين مفعول ومفعول، كإسناد التخصيص والترجيح إلى ترجح الذات المجردة عن الصفات.\nلكن كل ما تحتج به المتفلسفة يلزمهم نظيره، وما هو أشد فسادًا منه، فإن قولهم أعظم تناقضًا من قول هؤلاء المتكلمين، وما من محذور يلزم أولئك، إلا ويلزم المتفلسفة ما هو مثله أو أعظم منه.\nفإنهم يسندون وجود الممكنات المختلفات، كالأفلاك والعناصر وما يسمونه العقول والنفوس، مع ما يتعاقب على ذلك من الحوادث المختلفات أيضًا، إلى ذات مجردة بسيطة لا صفة لها ولا فعل، ويقولون: إنها لم تزل ولا تزال مجردة عن الصفات والأفعال، وهي مع ذلك لا تزال تصدر عنها الأمور المختلفة والمحدثات المختلفة المتعاقبة.","vol":"9","page":252},{"text":"وهذا مما يظهر فيه من الفساد والتناقض أعظم مما يظهر في قول أولئك.\nوإذا دفعوا ذلك بما يجعلونه صادرًا عن الأول من اللازم لذاته، كالعقل الأول ولوازمه، لم يكن هذا دافعًا لما يلزم قولهم من الفساد.\nفإن ما كان لازمًا لذاته مع وحدته، يقال فيه ما يقال فيه من امتناع صدور الأمور المختلفة والحوادث الدائمة عنه، ولهذا ينتهون إلى إثبات العقل الفعال، ويقولون: إنه صدر عنه فلك القمر ونفسه، والعناصر التي تحته، مع اختلاف أنواعها وصفاتها وأقدارها، وهو في نفسه بسيط، ثم يقولون: إنه بسبب حركات الأفلاك حصلت استعدادات مختلفة لما يفيض منه.\nوالكلام في تلك الحركات المختلفة كالكلام في غيرها، فلا بد لهم من إسناد الأمور المختلفة الأنواع والأقدار والصفات، والحوادث المختلفة الأنواع والأقدار والصفات، إلى ذات بسيطة مجردة عن كل صفة وفعل يقوم بها، مستلزمة لكل ما يصدر عنها، وهذا فيه من التناقض والفساد أضعاف ما في قول أولئك.\nومن سلم من الفلاسفة أن الرب تقوم به الصفات والأفعال الاختيارية، فهؤلاء حدوث كل ما سوى الله على قولهم أظهر، وقدم شيء من العالم على قولهم أبعد.\nولهذا كان القائلون بهذا الأصل من الأساطين لا يعرف عنهم القول بقدم صورة الأفلاك، إذ أول من عرف عنه القول بقدم صورة الأفلاك هو","vol":"9","page":253},{"text":"أرسطو، لكن يحكى عن بعضهم القول بقدم المادة، وقد يريدون قدم جنسه لا قدم شيء معين، ومنهم من يقول بقدم شيء معين.\nوأما أبو البركات فإنه من المثبتين للصفات والأفعال القائمة بذاته، وهو لم يقم حجة على قدم شيء من العالم، وإنما أبطل قول من قال بأنه فعل بعد أن لم يفعل.\nوالذي تقتضيه حججه العقلية الصحيحة وحجج سائر العقلاء، إنما هو موافق لما أخبرت به الرسل لا مخالف لها.\nوكأن القول الوسط لم يعرفه، كما لم يعرفه الرازي وأمثاله.\nولو عرفوه لكان هو المتصور عندهم دون غيره، وإنما استطال ابن سينا، وأمثاله من الفلاسفة الدهرية، على أولئك بما وافقوهم عليه من نفي الصفات.\nولهاذ تجد ابن سينا يذكر قول إخوانه وقول أولئك المتكلمين فقط.\nومعلوم أن فساد أحد القولين لا يستلزم صحة القول الآخر، إلا أن تنحصر القسمة فيهما.\nفأما إذا أمكن أن يكون هناك قول ثالث هو الحق، لم يلزم من فساد أحد القولين صحة القول الآخر.\nوهذا مضمون ما ذكره في كتبه كلها، وما ذكره سائر هؤلاء الفلاسفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>كلام ابن سينا في الإشارات وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nوملخص ذلك ما ذكره في الإشارات، التي هي مصحف هؤلاء الفلاسفة.\nقال: أوهام وتنبيهات.\nقال قوم: إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه، لكن إذا تذكرت ما قيل في","vol":"9","page":254},{"text":"شرط واجب الوجود، لم تجد هذا المحسوس واجبًا، وتلوت قوله تعالى: ﴿لا أحب الأفلين﴾ [الأنعام: ٧٦] .\nفإن الهوى في حظيرة الإمكان أفول ما.\nقلت: هذا القول هو قول الدهرية المحضة من الفلاسفة وغيرهم، الذين ينكرون صدور العالم عن فاعل أو علة مستلزمة له، وهو الذي أظهر فرعون وغيره.\nوإليه يرجع عند التحقيق قول القائلين بوحدة الوجود من قدماء الفلاسفة.\nومن هؤلاء الفلاسفة الذين يدعون التحقيق والتوحيد والمعرفة، كابن عربي وابن سبعين ونحوهما، فإن هؤلاء لا يثبتون موجودين متباينين أحدهما أبدع الآخر، بل كل وجود في الوجود فهو الوجود الواجب عندهم.\nثم لما رأوا أن الموجودات فيها اختلاف وتفرق، وفيها ما حدث بعد وجوده، احتاجوا إلى أن يجمعوا بين كون الوجود واحدًا بالعين، وبين ما يوجد فيه من التفرق والاختلاف، فتارة يقولون: الأعيان ثابتة في العدم، ووجود الحق فاض عليها، فيجمعون بين كون المعدوم شيئًا ثابتًا في العدم غنيًا عن الله تعالى، كما قال ذلك من قاله من المعتزلة والشيعة، ويضمون إلى ذلك أن وجوده وجود الخالق تعالى.\nوهذا لم يقله أحد من أهل الملل، بل ولا من الفلاسفة الإلهيين.\nوهذا حقيقة قول ابن عربي.\nوتارة يجعلون الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، والأعيان هي الممكنات، كما يقوله صاحبه القونوي.\nوابن سينا وأتباعه يقولون الوجود الواجب هو المطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي، وهذا أفسد من ذاك، فإن المطلق بشرط إطلاقه لا","vol":"9","page":255},{"text":"وجود له في الخارج، وبتقدير وجوده فهو يعم ما تحته عموم الجنس والعرض العام، والعالم بشرط سلبه عن كل أمر ثبوتي هو وجود مقيد بالعدم وسلب الوجود، هذا أبعد عن الوجود من المقيد بسلب الوجود والعدم، فإن ما قيد بانتفاء الوجود والعدم، أقرب إلى العدم والامتناع مما قيد بسلب الوجود والعدم.\nومع هذا فهذا المطلق لا يوجد إلا بوجود الأعيان، لا يتصور أن يكون مبدعًا لها ولا علة لها، بل غايته أن يكون صفة لها أو جزءًا منها، فيكون الوجود الواجب صفة للمكنات أو جزءًا منها، وما كان جزءًا من الممكن أو صفة له أولى أن يكون ممكنًا، فإما أن ينفوه أو يجعلوه محتاجًا إلى المخلوقات، والمخلوقات مستغنية عنه.\nوتارة يجعلونه مع الممكنات كالمادة في الصورة، أو الصورة في المادة، نحو ذلك مما يقوله ابن سبعين ونحوه.\nوتارة لا يثبتون شيئًا آخر، بل هو عين الموجودات، وهي أجزاء له وأبعاض، كما قد يقوله التلمساني وأمثاله، وهذا محض قول الدهرية المحضة، الذين يجعلون هذا المحسوس واجبًا بنفسه.\nلكن طريقة ابن سينا وأتباعه في الرد عليه مبينة على أصله في توحيد واجب الوجود ونفي صفاته، وهي طريقة ضعيفة كما بين فسادها في غير هذا الموضع.\nفلا يمكن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالفلاسفة الإلهية الرد على","vol":"9","page":256},{"text":"أولئك الدهرية الطبيعية بمثل هذه الطريق، بل بيان كون المشاهدات ليس واجبة بنفسها، بل مفتقرة غلى غيرها، يمكن بوجوه كثيرة، كما قد بسط في موضعه، إذ المقصود هنا ذكر كلامه في أفعال الرب تعالى، وما ذكره في قدم العالم.\nقال: وقال آخرون: بل هذا الوجود المحسوس معلول، ثم افترقوا.\nفمنهم من زعم أن أصله وطينته غير معلولين، لكن صنعته معلولة.\nوهؤلاء فقد جعلوا في الوجود واجبين، وأنت خبير باستحالة ذلك.\nومنهم من جعل واجب الوجود لضدين أو لعدة أشياء، وجعل غير ذلك من ذلك، هؤلاء في حكم الذي قبلهم.\nقلت: هؤلاء كالمجوس القائلين بأن له أصلان: النور والظلمة، وهما قديمان، فإن هذا أحد قوليهم، والآخر أن الظلمة محدثة.\nوالقائلون بالقدماء الخمسة كديمقراطيس ومن اتبعه، كابن زكريا الطبيب الملحد، يقولون بقدم الباري والنفس والمادة والدهر والخلاء.\nفهؤلاء يجعلون الواجب أكثر من واحد، وهم مع هذا يقولون بأن أصله غير معلول، وطينته معلولة.\nوأما من جعل المبدع أكثر من اثنين فهذا لا يعرف.\nفقوله: منهم من زعم أن أصله وطينته معلولة يتناول هذا القول،","vol":"9","page":257},{"text":"كما يتناوله قول من جعل وجوب الوجود لعدة أشياء، وجعل غير ذلك من ذلك، وقد يحكى عن طائفة من القدماء أنهم قالوا: كانت أجزاء العالم مبثوثة، ثم إن الباري ألفها، لكن هؤلاء قد يقولون: إنها معلولة عن الواجب بنفسه، فإن هذا القول الذي قاله أئمة الفلاسفة وقدماؤهم وأساطينهم، وهو أن المادة العالم قديمة، وصنعته محدثة، لم يذكره ابن سينا، فإن هؤلاء لا يقولون: إن المادة غير معلولة، بل يقولون: هي مبدعة مفعولة للباري.\nوهذا القول الذي هو قول أئمة الفلاسفة وأساطينهم لم يتعرض لحكايته، ولا لرده وإبطاله، وليس في كلامه ما يبطله.\nوقد قالوا: إن أول من قال بقدم صنعة العالم من هؤلاء الفلاسفة هو أرسطو، فهذا كلامه في حكاية مذاهبهم.\nوأما رده الأقوال التي حكاها بامتناع وجود واجبين فهو بناء على نفي الصفات، وهو توحيده الذي قد علم فساده، وبين ذلك في غير هذا الموضع.\nثم أخذ بعد ذلك في ذكر مقالة من قال بحدوث العالم من نفاة الأفعال القائمة به، ومن قال بقدمه، فلم يذكر إلا هذين القولين مع تلك الأقوال الثلاثة، فكان مجموع ما ذكره خمسة أقوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>كلام الرازي في شرح الإشارات</span>\nقال الرازي في شرح ذلك: المسألة العاشرة في مذاهب أهل العلم في إمكان العالم وحدوثه ثم ذكر كلام ابن سينا، وقال في شرحه: أقول: أهل العالم فريقان: منهم من أثبت أكثر من واجب","vol":"9","page":258},{"text":"وجود واحد، ومنهم من لم يقل إلا بالواجب الواحد.\nأما الفريق الأول فقد تحزبوا إلى ثلاث فرق: أحدها: الذين زعموا أن هذا العالم المحسوس واجب لذاته، على ما هو عليه من الشكل والمقدار والهيئة.\nقال الشيخ: لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبًا.\nثم استدل الرازي بما يدل على أن الأجسام ممكنة، وقد ذكرت هذه الأدلة وضعفها في غير هذا الموضع.\nولهذا قال الرازي لما ذكرها: هذا مجموع ما يدل على أن الأجسام ممكنة، وقد عرفت ما في كل واحد منها.\nالمقالة الثانية: أن العالم له ذات وصفات، فأما الذات فهي للأجسام، وهي واجبة لذواتها.\nومنهم من قال: الذات هي الهيولى التي هي محل الجسمية، وهي واجبة لذاتها.\nفأما الصفات وهي الشكل والمقدار والتحيز والحركة والسكون، فكل ذلك من الممكنات.\nقال: وهذه المقالة أيضًا باطلة بالأدلة المذكورة على فساد المقدمة الأولى.\nقال: والمقالة الثالثة: أن هذا العالم ممكن الوجود بذاته وصفاته، لكن واجب الوجود مع ذلك أكثر من واحد.\nثم هؤلاء أيضًا فرق: منهم من أثبت إلهين واجبين لذاتيهما، أحدهما خير، والآخر","vol":"9","page":259},{"text":"شرير.\nومنهم من قال: خمسة أشياء واجبة لذواتها: الباري، والنفس، والهيولى، والدهر، والخلاء.\nقال: وفساد هذه الأقاويل وأشباهها إنما يظهر بالأدلة المذكورة على أن واجب الوجود يستحيل أن يكون أكثر من واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فقد تداخلت المقالتان في كلامه، كما تداخل في كلام الآخر، وذلك أن من قال: الأجسام أو الهيولى التي هي محل الجسمية واجبة لذاتها وصفاتها ممكنة، فهو من جنس من قال بخمسة أشياء واجبة، إذ كلاهما يقول: إن الباري أحدث التأليف والصنعة، بخلاف من قال بإلهين: الخير والشر: فإنه يقول: كلاهما فاعل، وليس في هذه الأقوال قول من يجعل وجوب الوجود لعدة أشياء، وجعل ما سواها مفعولًا لها، كما يقوله القائلون بالأصلين: النور والظلمة من المجوس.\nلكن القائلون بقدم النفس يقولون: إنها أحبت الهيولى، ولم يمكن تخليصها منها إلا بإحداث العالم.\nوالقائلون بقدم المادة فقط لا يقولون بذلك.\nوالقائلون بقدم الهيولى أو بعض الأجسام أو نحو ذلك، لا يلزمهم أن يقولوا: إنها واجبة الوجود بنفسها، بل قد يقولون: إنها مبدعة مفعولة للواجب بنفسه.\nوهذا المشهور عن قدماء الفلاسفة.\nوالرازي قد ذكر في شرح الإشارات من كتبه: أن هؤلاء يقولون إن الباري هو الواجب بذاته، وأن النفس وغيرها معلولة له.\nوذكر هنا","vol":"9","page":260},{"text":"عنهم: أنهم يصفون الجميع بوجوب الوجود، وهذا تناقض في نقل أقوالهم.\nثم إبطال هذه الأقوال بناء على توحيدهم، الذي مضمونه نفي الصفات، لكون الواجب لا يكون إلا واحدًا، قد عرف فساده.\nقال الرازي: فأما القائلون بأن واجب الوجود واحد، فقد اختلفوا على قولين: منهم من قال: إنه تعالى لم يكن في الأزل فاعلًا، ثم صار فيما لا يزال فاعلًا، وهم المليون بأسرهم.\nومنهم من قال: أنه كان في الأزل فاعلًا، وهم أكثر الفلاسفة.\nقلت: القول الذي حكاه عن المليين بأسرهم هو قول طوائف من أهل الكلام المحدث منهم، الذين ذمهم السلف والأئمة، ولا يعرف هذا القول عن نبي مرسل، ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين.\nلم يقل أحد من هؤلاء: إن الله لم يكن فاعلًا ثم صار فاعلًا، وإنما المعروف عنهم ما جاء به الكتاب والسنة، من أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، فكل ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن.\nوهذا هو الذي نطق به الكتاب والسنة، واتفق عليه أهل الملل.\nوكذلك نقله عن جمهور الفلاسفة: إن الله لم يزل فاعلًا، كلام مجمل، فجماهير الفلاسفة لا يقولون بقدم العالم.\nوأول من ظهر عنه منهم القول بقدمه هو أرسطو.\nولا يلزم من قال: إنه لم يزل فاعلًا، أن يقول بقدم شيء من العالم، إذ يمكنه مع ذلك أن يقول: لم يزل فاعلًا لشيء بعد شيء، فكل ما سواه مخلوق محدث، وهو لم يزل فاعلًا.","vol":"9","page":261},{"text":"وقد أخبرت الرسل أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأن الله كان ولم يكن قبله شيء، وكان حينئذ عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض.\nوليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من السلف، هذا القول الذي حكاه عن أهل الملل كلهم، بل صرح أئمة الإسلام بأن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، قادرًا على ما يشاء، فاعلًا يقوم به الفعل الذي يشاؤه، بل وصرحوا أنه لم يزل فاعلًا، وأن الحي لا يكون إلا فعالًا، يقوم به الفعل.\nولفظ بعضهم: أن الحي لا يكون متحركًا، وعبارة بعضهم: كان محسنًا فيما لم يزل، عالمًا بما لم يزل، إلى ما لم يزل.\nوعبارة بعضهم: كان غفورًا رحيمًا، عزيزًا حكيمًا، ولم يزل كذلك.\nفنقل الرازي لمقالة أهل الملل، كنقل ابن سينا لمقالات الفلاسفة.\nفكلا الرجلين لم يذكر في هذا المقام أقوال أئمة الفلاسفة المتقدمين الأساطين، ولا أقوال الأنبياء والمرسلين، ومن اتبعهم من الصحابة والتابعين، كأئمة المسلمين وعلماء الدين، بل هذه الخمسة الأقوال التي ذكرها هذان وأتباعهما، ليست قول هؤلاء، ولا قول هؤلاء.\nولهذا كان جميع ما ذكروه، من الأقوال التي ينصرونها ويزيفونها، أقوالًا يظهر فسادها وتناقضها.","vol":"9","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>كلام ابن سينا في الإشارات</span>\nقال ابن سينا: ومنهم من وافق على أن واجب الوجود واحد، ثم افترقوا، فقال فريق منهم: إنه لم يزل ولا وجود لشيء عنه، ثم ابتدأ وجود شيء عنه، ولولا هذا لكانت أحوال متجددة من أصناف شتى في الماضي لا نهاية لها، موجودة بالفعل، لأن كل واحد منهما وجد، فالكل وجد، فيكون لما لا نهاية له من أمور متعاقبة كلية منحصرة في الوجود.\nقالوا: وذلك محال، وإن لم تكن كلية حاصرة لأجزائها معًا، فإنها في حكم ذلك.\nوكيف يمكن أن تكون حال من هذه الأحوال توصف بأنها لا تكون إلا بعد ما لا نهاية لها، فيكون موقوفًا على ما لا نهاية له، فيقطع إليها ما لا نهاية له.\nثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الأحوال، وكيف يزداد عدد ما لا نهاية له؟\nومن هؤلاء من قال: إن العالم وجد حين كان أصلح لوجوده، ومنهم من قال: لم يمكن وجوده إلا حين وجد.\nومنهم من قال: لا يتعلق وجوده بحين وشيء آخر، بل بالفاعل، ولا يسأل عن لم؟.\nفهؤلاء هؤلاء.\nوبإزاء هؤلاء قوم من القائلين بوحدانية الأول، يقولون:","vol":"9","page":263},{"text":"إن واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته، وأحواله الأولية، وإنه لن يتميز في العدم الصريح حال أولى به فيها ألا يوجد شيئًا، أو بالأشياء ألا توجد عنه أصلًا، وحال بخلافها ولا يجوز أن تسنح له إرادة متجددة إلا لداع، ولا أن تسنح جزافًا.\nوكذلك لا يجوز أن تسنح طبيعة أو غير ذلك بلا تجدد حال.\nوكيف تسنح إرادة لحال تجددت، وحال ما تجدد، كحال ما تمهد له التجدد فيتجدد؟ وإذا لم يكن تجدد كانت حال ما لم يتجدد شيء حالًا واحدة مستمرة على نهج واحد.\nوسواء جعلت التجدد لأمر تيسر أو لأمر زال مثلًا كحسن من الفعل وقتًا ما تيسر، أو وقت معين، أو غير ذلك مما عد، أو لقبح كان يكون له، أو كان قد زال، أو عائق أو غير ذلك كان فزال.\nقالوا: فإن كان الداعي إلى تعطيل واجب الوجود عن إفاضة الخير والوجود هو كون المعلول مسبوق العدم لا محالة، فهذا الداعي","vol":"9","page":264},{"text":"ضعيف قد انكشف لذي الإنصاف ضعفه، على أنه قائم في كل حال، وليس في حال أولى بإيجاب السبق من حال.\nوأما كون المعلول ممكن الوجود في نفسه، واجب الوجود لغيره، فليس يناقض كونه دائم الوجود بغيره، كما نبهت عليه.\nوأما كون غير المتناهي كلًا موجودًا، ككون كل واحد وقتًا ما موجودًا، فهو توهم خطأ، فليس إذا صح على كل واحد حكمه، صح على كل محصل، وإلا لكان يصح أن يقال: الكل من غير المتناهي يمكن أن يدخل في الوجود، لأن كل واحد يمكن أن يدخل في الوجود، فيحتمل الإمكان على الكل، كما يحمل على كل واحد.\nقالوا: ولم يزل غير المتناهي من الأحوال التي يذكرونها معدومًا إلا شيئًا بعد شيء، وغير المتناهي المعدوم قد يكون فيه أقل وأكثر.\nولا يثلم ذلك كونها غير متناهية في العدم.\nوأما توقف الواحد منها على أن يوجد قبله ما لا نهاية له،","vol":"9","page":265},{"text":"واحتياج شيء منها إلى أن يقطع إليه ما لا نهاية له فهو قول كاذب.\nفإن معنى قولنا: توقف على كذا، هو أن الشيئين وصفا معًا بالعدم، والثاني لم يكن يصح وجوده إلا بعد وجود المعلول الأول، وكذلك الاحتياج.\nثم لم يمكن البتة، ولا في وقت من الأوقات، يصح أن يقال: إن الأخير كان متوقفًا على وجود ما لا نهاية له، أو محتاجًا إلى أن يقطع إليه ما لا نهاية له، بل أي وقت فرضت وجدت بينه وبين كون الأخير أشياء متناهية، ففي جميع الأوقات هذه صفته، لا سيما والجميع عندكم وكل واحد واحد، فإن عنيتم بهذا التوقف أن هذا لم يوجد إلا بعد وجود أشياء كل واحد منها في وقت آخر لا يمكن أن يحصى عددها، وذلك محال، فهذا نفس المتنازع فيه، أنه ممكن أو غير ممكن، فكيف يكون مقدمة في إبطال نفسه؟ أبان يغير لفظها بتغير لا يتغير به المعنى؟ قالوا: فيجب من اعتبار ما نبهنا عليه أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب إلى الأوقات والأشياء الكائنة عنه كونًا أوليًا،","vol":"9","page":266},{"text":"وما يلزم من ذلك الاعتبار لزومًا ذاتيًا، إلا ما يلزم من اختلافات تلزم عندها فيتبعها التغير، فهذه هي المذاهب وإليك الاعتبار بعقلك دون هواك، بعد أن تجعل واجب الوجود واحدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>شرح الرازي لكلام ابن سينا</span>\nقلت: والرازي قد شرح هذا الكلام إلى أن وصل إلى آخره، وهو قوله: وإليك الاختيار بعقلك دون هواك، بعد أن تجعل واجب الوجود واحدًا.\nوقال: فاعلم أن الغرض منه الوصية بالتصلب في مسألة التوحيد.\nولكنه يكون كلامًا أجنبيًا عن مسألة القدم والحدوث، وإن كان الغرض منه إنما هي المقدمة التي منها يظهر الحق في مسألة القدم والحدوث فهو ضعيف، لأن القول بوحدة واجب الوجود لا تأثير له في ذلك أصلًا، لأن القائلين بالقدم يقولون: ثبت إسناد الممكنات بأسرها إلى الواجب بذاته، فسواء كان الواجب واحدًا أو أكثر من واحد، لزم من كونه واجبًا دوام آثاره وأفعاله.\nوأما القائلون بالحدوث فلا يتعلق شيء من أدلتهم بالتوحيد والتتنية، فثبت أنه لا تعلق لمسألة القدم والحدوث بمسألة التوحيد.","vol":"9","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-968>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: لقائل أن يقول: بل ابن سينا عرف أن قوله لا يتم إلا بما ادعاه من التوحيد الذي مضمونه نفي صفات الرب وأفعاله القائمة بنفسه، كما وافقه على ذلك من وافقه من المعتزلة، وبموافقتهم له على ذلك استطال عليهم، وظهر تناقض أقوالهم، وإن كان قوله أشد تناقضًا من وجه آخر.\nلكنه صار يحتج على بطلان قولهم بما اشتركوا هم وهو فيه من نفي صفات الله الذي هو أصل الجهمية.\nوهكذا هو الأمر.\nفإن حجة القائلين بقدم العالم، التي اعتمدها أرسطو طاليس وأتباعه، كالفارابي وابن سينا وأمثالهما، لا تتم إلا بنفي أفعال الرب القائمة بنفسه، بل وتبقى فاته، وإلا فإذا نوزعوا في هذا الأصل بطلت حجتهم، وإذا سلم لهم هذا الأصل صار لهم حجة على من سلمه لهم، كما أن عليهم حجة من جهة أخرى.\nولهذا كان مآل القائلين بنفي أفعال الرب الاختيارية القائمة به في مسألة قدم العالم: إما إلى الحيرة والتوقف، وإما إلى المعاندة والسفسطة، فيكونون إما في الشك وإما في الإفك.\nولهذا كان الرازي يظهر منه التوقف في هذه المسألة في منتهى بحثه ونظره، كما يظهر في المطالب العالية، أو يرجح هذا القول تارة، كما رجح القدم في المباحث المشرقية، وهذا تارة، كما يرجح الحدوث في الكتب الكلامية.\nوابن سينا وصى بالأصل المتضمن نفي صفات الرب وأفعاله القائمة به.\nثم ذكر القولين في قدم العالم وحدوثه، مع ترجيحه القدم، مفوضًا إلى الناظر الاختيار، بعد أن يسلم الأصل الذي به يحتج على القائلين بالحدوث.","vol":"9","page":268},{"text":"ونحن نبين إن شاء الله أن قوله، مع تسليم نفي الصفات والأفعال القائمة بالله، أشد فسادًا وتناقضًا من قول القائلين بالحدوث، فإن كان في قول هؤلاء ما يناقض صريح العقل، ففي قول أصحابه من مناقضة المعقول الصريح ما هو أشد من ذلك.\nوذلك أنه إذا كانت الذات بسيطة ليس لها فعل يقوم بها أصلًا، بل كان امتناع صدور الأمور المختلفة، والحادثة عنها بوسط أو بغير وسط دائمًا، أشد امتناعًا من صدور ذلك بعد أن لم يصدر، فإنه إن أمكن أن يحدث عنها حادث بلا سبب محدث منها، أمكن حدوث الحوادث عنها بعد أن لم تحدث، وإن لم يمكن كان حدوث الحوادث المختلفة عنها، بوسط أو غير وسط دائمًا من غير فعل منها، هو أبعد في الامتناع من صدور المختلفات عنها بعد أن لم تصدر.\nولهذا كان أرسطو طاليس مقدم هؤلاء لم يذكر علة فاعلة لحدوث الحركة، وإنما ذكر أن سبب الحوادث الحركة الفلكية وما يحدث عنها، وذكر لذلك علة غائية.\nفذكر أن كل متحرك فلا بد له من محرك يحركه، وجعل الأول يحرك الفلك، كما يحرك الإمام المقتدى به المشبه به للمأموم المقتدى المتشبه، وقد يشبه ذلك، كما يحرك المعشوق عاشقه.\nومعلوم أن هذا التحريك ليس هو بفعل من المحرك، ولا قصد، وتلك الحركة حادثة بعد أن لم تكن، فنسأل عن الفاعل لتلك الأجسام الممكنة، فإن الممكن وإن كان قديمًا لا بد له من فاعل، فما الفاعل لها؟ ونسأل عن العلة الفاعلة لتلك الحوادث، فإن المتحرك ممكن، فالمحرك إذا كان أمورًا تحدث في ذاته، كما يقولونه في تصورات النفس الفلكية وشوقها، قيل لهم: فما المحدث لتلك التصورات والارادات شيئًا بعد","vol":"9","page":269},{"text":"شيء، وهي أمور ممكنة كانت بعد أن لم تكن، وهي قائمة بممكن هو مفتقر إلى غيره، ليس بواجب بنفسه.\nمعلوم أن الحركة لا يكفي في حدوثها العلة الغائية، بل لا بد من العلة الفاعلية، ومعلوم أن افتقار الفعل إلى الفاعل، إن لم يكن مثل افتقاره إلى الغاية لم يكن دونها، بل العقل يعلم افتقار الفعل الحادث إلى الفاعل قبل علمه بافتقاره إلى الغاية.\nوأرسطو وأتباعه إنما زعموا افتقاره إلى الغاية المنفصلة عنه، ولم يذكروا احتياجه إلى الفاعل المنفصل عنه.\nومعلوم أن الموجب لحدوث الحركة يحدثها شيئًا بعد شيء، فلا بد له من محدث منفصل، كما أنه لا بد له من غاية منفصلة بطريق الأولى، فإن جوز المجوز أن يكون هو المحدث لفعله، من غير افتقار إلى شيء منفصل مع كونه ممكنًا، فلنجوز أن يكون هو غاية لنفسه من غير افتقار إلى شيء منفصل مع كونه ممكنًا، وذلك ممتنع عندهم.\nوأيضًا فمن المعلوم أن الممكن الذي ليس له شيء من نفسه، بل ذاته، نفسها من غيره يمتنع أن يكون شيء من أفعاله من نفسه، بدون افتقاره في ذلك إلى غيره، كما يمتنع أن تكون صفاته وأبعاضه من نفسه، من غير افتقار في ذلك إلى غيره.\nفإن ما به يعلم أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون بنفسه موجودًا، يعلم أن سائر ما يحصل له من الصفات والأفعال لا تكون بنفسه، فإن ما لا يوجد بنفسه بل بغيره، كيف يكون موجدًا لغيره بنفسه بدون غيره؟","vol":"9","page":270},{"text":"والكلام في هذه المسألة من جنس الكلام في مسألة خلق أفعال العباد، فكلما نعلم أن الله خالق أفعال العباد نعلم أنه خالق حركات الفلك إذا قدر أنها اختيارية، وإن قدر أنها اختيارية كان الأمر أولى وأولى، فإن القدرية تنازع في الأول، لا تنازع في الثاني.\nوليس القائل أن يقول: إن هؤلاء الفلاسفة، كأرسطو وأتباعه، قد يسلكون في حركات الأفلاك الاختيارية مسلك القدرية، الذين لا يقولون: إن الله خالق أفعال العباد.\nلأنه يقال: أولًا: ليس هذا مذهبهم، بل عندهم أن أفعال الحيوان وغير ذلك من الممكنات صادرة عن واجب الوجود، وهذا هو الموجود في كتب الذين نقلوا مذهبهم، كابن سينا وأمثاله.\nوأيضًا فيقال لهم: إما تجوزوا على الحي أن يحدث الأفعال من غير سبب من خارج يقتضي حدوث تلك الأفعال، لست أعني من غير مقصور يحدث، بل من غير مقتض للفعل، وإما ألا تجوزوه.\nفإن لم تجوزوا على الحي ذلك، لزمكم أن الفلك الحي عندكم لا تحدث حركته إلا بسبب منفصل، يكون مقتضيًا لفعل الحدوث، لا يكفي أن يكون ذلك متشبهًا به.\nثم القول في حدوث اقتضاء ذلك المقتضى، كالقول في حدوث حركة الفلك، فيلزم أن يكون فوق الفلك سبب فاعل للحوادث، وذلك يبطل قولهم.\nفإنه ليس عندهم فوق الفلك حركة ولا فعل بوجه من الوجوه.\nوإن جوزوا على الحي أن يحدث الأفعال بغير سبب حادث من غيره،","vol":"9","page":271},{"text":"لم يمتنع حينئذ حدوث العالم من الحي بدون سبب حادث عن غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>كلام ثابت بن قرة في تلخيص ما بعد الطبيعة وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nفذكر أرسطو طاليس في كتاب ما بعد الطبيعة وهو العلم الإلهي، الذي هو أصل حكمتهم، نهاية فلسفتهم، فيما حكاه عنه ثابت بن قرة، فإنه قال في كتاب تلخيص ما أتى به أرسطو طاليس فيما بعد الطبيعة: إن أرسطو طاليس يأتي في كتابه هذا بأقاويل فيها إغماض، يرمي فيها إلى غرض واحد، إذا وفى حقه من الشرح والبيان، قبل على هذه الجهة، مما جرى الأمر فيه على صناعة البرهان، سوى ما جرى من ذلك مجرى الإقناع.\nوقال: إنما عنون أرسطو كتابه هذا بما بعد الطبيعة، لأن قصده فيه: البحث عن جوهر غير متحرك، وغير قابل للشوق، إلى شيء خرج عن ذاته.\nوقال: إن الجوهر الجسماني كله الوجود مبتدأ لمتكون، إنما قوامه بطبيعته الخاصة به، وطبيعته الخاصة به إنما قوامها بصورته الخاصة به، وصورته الخاصة به المقومة لذاته، إنما قوامها بحركته الخاصة به، وكل متحرك بحركة خاصة به، فإنما يتحرك إلى تمام وتمام كل واحد من الأشياء ملائم لطبيعته، وموافق لها.\nوكل متحرك إلى ما لاءمه، ووافق","vol":"9","page":272},{"text":"طبيعته، فبالشوق والمحبة والتوق منه إليه يتحرك، والشيء المتشوق إليه، علة لحركة المتحرك إليه بالشوق، والشيء المشتاق معلول له من جهة تلك العلة، وفي تلك الحركة، وحركة كل واحد من الأجسام، فتنساق كلها، وترتفع إلى محرك أول لا يتحرك كما بين أرسطو ذلك في كتابه المعروف بـ السماع الطبيعي.\nلأنه وإن وجد بعضها يحرك بعضًا، فالمتحرك الأقصى متحرك عن محرك غير متحرك، والمحرك الأول علة الصورة المقومة لجوهر كل واحد من الأشياء المتحركة حركة خاصية، فقوام جوهر كل واحد من الأشياء المتحركة، ليس له في ذاته، لكنه من الشيء الذي هو السبب الأول في حركته.\nفيقال لهم: هب أن الحركة الإرادية لا تتصور إلا بمحبوب منفصل عنها، لكن إذا كان المتحرك ليس واجبًا بنفسه، لا هو ولا حركته، فما الموجب له ولحركته؟ وأنتم لم تجعلوا المحرك الأول محركًا إلا من جهة كونه محبوبًا معشوقًا، لا من جهة أنه فعل شيئًا أصلًا.\nقال ثابت: وكذلك ما يقول أرسطو طاليس: إن كل ما يتحرك فحركته بالشوق إلى شيء، والصورة الأولى فيما هو في الكون، وفيما هو موجود الحركة الخاصة به، فالمحرك الأول إذن هو المبدأ والعلة في وجود صور الجواهر الجسمانية كلها وبقائها، إذ كنا متى توهمنا ارتفاع وجود الحركة الطبيعية، وإن شئت أن تقول: القوي من كل واحد من الأجسام التي له، فسد جوهره لا محالة.","vol":"9","page":273},{"text":"ثم ذكر سؤالًا وجوابًا مضمونه: إن الجوهر الجسماني لا قوام له إلا بطبيعته التي قوامها بحركته الخاصة به.\nقال: فإن ظن أحد أن هذا الجوهر إذ قدرت صورته الطبيعية باطلة منه، انحل إلى شيء آخر أبسط منه، ليس في طبيعته حركة خاصة به، فيكون حينئذ في ذاته، لا معلول، لكن المركب فيه معلول.\nفأرسطو طاليس يقول: إن هذا الظن باطل محال، لأن ذلك البسيط إنما يوجد حينئذ في الوهم الفكري فقط.\nفأما في خاصة نفسه مفردًا، فلا وجود له بالحقيقة، لا قوام لذاته.\nوليس بهذا المعنى فقط يترك هذا الظن، لكنه يرى أنه يوجد في ذلك البسيط الذي ينحل إليه الجوهر الجسماني في الوهم، إذا توهمنا فساد صورته تلك، قبول صورة أخرى، فهو معلول في ذلك القبول من المحرك الأول.\nفإن ظن ظان أنه معلول من جهة ذلك القبول فقط، قلنا: فإن أنزلنا إزالة ذلك القبول نفسه من أنه قد بطل، وجب أن تبطل ذاته، يعني فتفسد وتنحل طبيعته التي بها هو حينئذ ما هو، إذ كانت ذاته تلك حينئذ إنما هي التي في طبيعتها القبول.\nفإن قيل أيضًا: إنها تنحل إلى شيء آخر كان الجواب فيه كما أجبنا في الانحلال الأول، وليس يمكن أن ينحل هذا دائمًا إلى ما لا نهاية له.\nقال: فقد تبين من هذا أن كل جوهر جسماني معلول في جوهره، ووجوده، وبقائه للعلة التي هي المبدأ الأول بحركة الجميع.\nقلت: فهذا هو تقريرهم لوجود العلة الأولى، التي هي المبدأ الذي","vol":"9","page":274},{"text":"يسميه المتأخرون: واجب الوجود بذاته، وهي طريقة المتقدمين من المشائين.\nوأما الطريقة المشهورة عند المتأخرين: وهي الاستدلال بمطلق الوجود على الواجب، فهذه هي التي سلكها ابن سينا ومتبعوه، ثم هذه طريقة أرسطو وأتباعه المشائين: مضمونها أن كل جسم لا يتقوم إلا بطبيعته، ولا تتقوم طبيعته إلا بحركة إرادية، لا تتقوم تلك إلا بمحبوب معشوق لا يتحرك، ثم إن أرسطو أورد على نفسه سؤالًا بأنه يمكن تقدير بطلان طبيعة الجسم الخاصة وبطلان حركته، بانحلاله إلى شيء أبسط منه، فلا يكون المحرك علة لذاته، بل علة للتركيب فقط.\nوأجاب بأن البسيط إنما يوجد في الذهن لا في الخارج.\nوأجاب أتباعه بجواب ثان، وهو أنه يكون فيما انحل إليه قبول، والقبول حركة.\nوهذا الجواب ساقط، فإنه إذا قدر أن فيه قبولًا، لم يجب أن يكون ذلك حركة إرادية شوقية.\nوإذا لم تكن الحركة إرادية شوقية لم يستلزم وجود محبوب، بل يستلزم وجود فاعل مبدع.\nوهم لم يثبتوا ذلك.\nوكذلك تقدير أرسطو تقدير فاسد، فإنه إذا قدر أن الحركة لا تتم إلا بطبيعة تستلزم الحركة الإرادية، مع أن في تقدير هذا كلامًا ليس هذا موضع بسطه، لكن بتقدير أن هذا سلم له، فغاية ما في هذا أن يكون الجسم المتحرك بالإرادة مفتقرًا إلى المعشوق الذي هو غايته وأنه لا يتم وجوده إلا به، فيكون وجوده شرطًا في وجوده، بأن يقال: لا قوام للجسم إلا بطبيعته، ولا قوام لطبيعته إلا بحركته، ولا قوام لحركته إلا","vol":"9","page":275},{"text":"بالمحرك المنفصل الذي هو محبوب معشوق، فغاية ما في هذا أنه لابد من وجود محبوب معشوق، ولا يمكن وجود الجسم المتحرك إلا به، لكن مجرد المحبوب المنفصل لا يكفي في وجود الجسم الممكن الذي ليس بواجب بذاته، ولا في وجود طبيعته، ولا في وجود احتياجه إلى المبدع لذلك، ولا دليلًا على وجود المبدع لذلك كله، بل اكتفوا بوجود المعشوق المنفصل.\nوهذا مقام يتبين فيه جهل هؤلاء القوم وضلالهم، لكل من تدبر نصوص كلامهم الموجود في كتبهم، الذي ينقله أصحابه عنهم، فإنا نحن لا نعرف لغة اليونان، ولم ينقل ذلك عنهم بإسناد يعرف رجاله، ولكن هذا نقل أئمة أصحابهم الذين يعظمونهم ويذبون عنهم بكل طريق.\nوقد نقلوا ذلك إلينا وترجموه باللسان العربي، وذكروا أنهم بينوه وأوضحوه وقدروه وقربوه إلى أن تقبله العقول ولا ترده، فكيف إذا أخذ الكلام أولئك على وجهه؟ فإنه يتبين فيه من الجهل بالله، أعظم مما يتبين من كلام المحسنين له.\nولا ريب أن الفلاسفة أتباع أرسطو يقل جهلهم ويعظم علمهم، بحسب ما اتفق لهم من الأسباب التي تصحح عقولهم وأنظارهم، فكل بالنبوات أعلم وإليها أقرب، كان عقله ونظره أصح.\nولهذا يوجد لابن سينا من الكلام ما هو خير من كلام ثابت بن قرة ويوجد لأبي البركات صاحب المعتبر من الكلام ما هو خير من كلام ابن سينا.\nوكلام أرسطو نفسه دون كلام هؤلاء كلهم في الإلهيات.","vol":"9","page":276},{"text":"ثم إنهم مع أنهم لم يذكروا المبدع للأجسام الممكنة المتحركة، اللهم إلا أن يكون هؤلاء قائلين بأن الأجسام الفلكية المتحركة واجبة الوجود بنفسها، وأنها مع ذلك مفتقرة إلى المحرك الأول.\nوهذا حقيقة قول أرسطو، فهذا أعظم في التناقض، فإنه إذا قدر إن الأجسام الفلكية واجبة الوجود بنفسها، وهي متحركة حركة تفتقر فيها إلى غيرها، كان واجب الوجود متحركًا مفتقرًا في حركته إلى غيره.\nوحينئذ فكونه متحركًا لا يفتقر في حركته إلى غيره أولى، فإنهم حينئذ يكونون قد أثبتوا واجبًا بنفسه لا يتحرك أصلًا، وواجبًا بنفسه يفتقر في الحركة إلى محبوب غيره، لا قوام له إلا به.\nوحينئذ فإثبات واجب يتحرك لا يفتقر في الحركة إلى غيره، أولى بالإمكان من هذا، فإن كلاهما متحرك، لكن هذا يفتقر إلى غيره، وهذا مستغن عنه.\nهم قد جعلوا على هذا التقدير واجب الوجود بنفسه اثنين: واجبًا لا يفتقر إلى غيره، وواجبًا يفتقر إلى غيره.\nفإذا قدر واجبًا يتحرك بنفسه لنفسه، من غير افتقار إلى غيره، كان أولى بالجواز، ولم يكن في ذاك محذور، إلا لزمهم فيما أثبتوه ما هو أشد منه، وسيأتي تمام كلامهم في ذلك، وقولهم: إن الجسم لا يجوز أن يتحرك بنفسه حركة لا نهاية لها.\nفهذا فصل، وهنا فصل ثان، وهو أنهم مع إثباتهم لكون الفعل معلولًا، إنما أثبتوه بكونه محتاجًا إلى معشوق يكون هو مبدأ الحركة الإرادية، من جهة كونه غاية لا فاعلًا، وليس في هذا ما يدل على أن الفلك له علة مبدعة فاعلة له، كما لا يخفى على عاقل.","vol":"9","page":277},{"text":"ثم ادعوا أن ذلك المعشوق الذي هو العلة الغائية لا يجوز أن يكون متحركًا، ولا له حركة أصلًا.\nومن هنا قالوا بقدم العالم، إذ كان حدوث المحدثات يقتضي حركة يحدث بها، فمنعوا حدوث الحوادث عن المعشوق الذي سموه المحرك الأول، لئلا يكون فيه تغير.\nوحدوث الحوادث عن علة لا تغير فيها ممتنع بصريح العقل.\nوكلامهم في ذلك في غاية التناقض.\nوهذا منتهى نظر القوم وعلمهم وحكمهم.\nفلما قال: فقد تبين من هذا أن كل جوهر إنساني معلول في جوهره ووجوده وبقائه للعلة التي هي المبدأ لحركة الجميع فهذا كلامهم.\nقلت وقد عرف أنه لم يبين، إن سلم له ما ذكره من المقدمات، إلا أنه لا بد للحركة من محرك، ولم يبين بعد أن المحرك لا يتحرك، ولا أن المحرك للأجسام أمر منفصل عنها.\nفقال في بيان ذلك: ولأنه ليس يلزم أن يكون كل عدم أقدم بالزمان من الوجود، فيما علة وجوده شيء غيره، ولا كل الأنظام أقدم من النظام، ولا كل بسيط أقدم من المركب، لأنه ليس كل ما كان تقدمه لغيره، فإن قوام غيره به وبسببه، أو وجود غيره عنه، وجب أن يكون متقدمه في الزمان، وكذلك ما يقول أرسطو طاليس: إن الأفضل في المبدأ الأول ما يوجد الأمر عليه، من أنه علة وجود كل موجود، وسبب بقاء كل باق منذ الأبد، من غير أن يكون إنما صار كذلك في زمان، وبعد أن لم يكن كذلك، إذ ليس موجود ولا شيء له بقاء إلا به.","vol":"9","page":278},{"text":"وقال: وذلك أنه لم يزل، ولا وجود ولا قوام للفلك ولسائر الأجسام الطبيعية إلا بالمبدأ الأول، يعني المحرك الأول، إذ صورة كل واحد منها هي حركته الخاصة به، وحركته الخاصة به هي المقومة لجوهره، التي بارتفاعها يرتفع وجوده.\nفإذن المحرك الأول علة وجود هذه الحركة.\nقال: فهذا هو الأفضل من أن تكون العلة الأولى علة وجود العالم في زمان.\nفيقال له: أنت لم تذكر إلا أنه لا وجود للجسم المتحرك إلا بحركته، وهذا إذا سلم لك لم يدل على أنه مبدع وفاعل له أصلًا، بل ولا يثبت أن له غاية منفصلة عنه، بل ادعيت ذلك دعوى.\nنعم: إذا ثبت أن الحركة إرادية فلا بد لها من مراد، أما أن كون المراد منفصلًا عن المتحرك أو غير منفصل، فهذا يحتاج إلى دليل ثان ولم تبينه، ثم إذا بينته يلزم افتقار المتحركات إليه، وكونه شرطًا في وجودها لا يقتضي كونه مبدعًا لها وفاعلًا لها، إذ مجرد العلة الغائية من هذه الجهة، لا تكون هي الفاعلة المبدعة بالضرورة وواتفاق العقلاء، وهم لم يدعوا ذلك.\nلكن لو قال قائل غيرهم بجواز أن يكون الأول غاية وفاعلًا، قلنا: نعم، لكن هذا ينقض ما بنوه من حيث يكون فاعلًا للحوادث مبدعًا لها، وهم يأبون ذلك، حيث يكون فيه جهتان: جهة كونه مرادًا محبوبًا، وجهة كونه فاعلًا مبدعًا.\nوهذا إذا قيل: إنه حق، أفسد أصولهم ومذهبهم.\nوالمسلمون لا ينكرون أن يكون الله رب كل شيء وإلهه، فهو من","vol":"9","page":279},{"text":"جهة كونه ربًا هو الخالق المبدع الفاعل، ومن جهة كونه إلهًا هو المعبود المألوه المحبوب.\nلكن هذا القول الذي يقوله المسلمون ينقض قولهم ويبطله، فثبت بطلان قولهم على ما ذكروه، وعلى ما يقوله المسلمون.\nفتبين أن قوله: إن الأفضل في الأول ما يوجد الأمر عليه من أنه علة وجود كل موجود كلام مبني على محض الدعوى والكذب.\nأما الدعوى: فإنه ادعى أن المتحرك لا بد له من معشوق منفصل.\nوأما الكذب: فقوله: إن ذلك هو العلة في وجود المتحرك، وإنما هو مجرد شرط، وغايته أن يكون جزءًا من أجزاء العلة في وجوده.\nفهذا إذا سلمت المقدمات كلها، وهو أن الفلك يتحرك بالإرادة، وأن المتحرك بالإرادة لا وجود له إلا بحركته، وأن حركته لا بد لها من معشوق منفصل -لم يثبت إلا مجرد كون ذلك شرطًا في وجوده، لا علة تامة لوجوده، فكيف إذا قيل: إن المقدمات الثلاث باطلة، كما هو مذكور في موضعه؟\nثم قال: فهذا هو الأفضل من أن تكون العلة الأولى علة وجود هذا العالم في زمان.\nقال: وكان يجب من هذا أن الأشياء الموجودة لم يكن لها بتة وجود ثم أخرجت إلى الوجود، فيلزم من ذلك أن يكون لوجود العالم علة أخرى مشاركة للعلة الأولى فيه، أو فوق العلة الأولى، لأنه إن لم يكن للعلة الأولى في إخراج العالم إلى الوجود أمر من الأمور، ولا ها هنا علة تعين، أو تدعو العلة الأولى إلى إخراج العالم إلى الوجود غير ذاتها، ولا علة ترتبها","vol":"9","page":280},{"text":"وتعوقها، فليس لتأخر وجود العالم عن وجود ذات العلة الأولى سبب يوجبه، فكيف يمكن أن يتأخر وجود زمانًا بلا نهاية، ثم يخرج إلى الوجود، كحال من كان نائمًا فانتبه؟.\nفيقال لهؤلاء الذين مثلهم، كما قال عبد الله بن عمر، لما سأله بعض الناس عن المحرم يقتل البعوض: انظروا إلى هؤلاء يسألون عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ!.\nوكما يقال عن بعض الناس إنه كان يزني بامرأة وهو صائم، فقال لها: غطي وجهك فقد كره العلماء القبلة للصائم.\nوكما يقال عن بعض النصارى، إذ قال لبعض المسلمين: أنتم تقولون: إن راعيًا هو رسول الله، فيقال له: أنتم تقولون: إن جنينًا في بطن أمه هو الله.\nونظائر هذه الأمثال كثيرة، التي ينكر فيها الرجل شيئًا، وقد التزم ما هو أولى بالإنكار منه.\nفإن هؤلاء قالوا: إذا كان العالم محدثا بعد أن لم يكن، لزم افتقار العالم إلى شيء غير العلة الأولى.\nوهم لم يذكروا أن العلة الأولى أبدعت العالم أصلًا، بل قولهم مضمونه: إن العالم أبدعه غيرها، أو هو واجب آخر بنفسه ليس هو مبدع، ولكن هو محتاج إليها احتياج المحب إلى محبوبه.\nوهم لم يثبتوا هذا الاحتياج إلا بمقدمات، إذا حقق الأمر عليهم فيها ظهر جهلهم وتناقضهم.\nفغاية ما أثبتوه ليس فيه أن العالم إبداع الأول أصلًا، مع أنهم ينكرون على من جعله محدثًا للعالم، لكون الحادث يفتقر إلى سبب حادث، فهل يكون أعظم تناقضًا من مثل هذا القول؟!","vol":"9","page":281},{"text":"ثم يقال: الأجسام المتحركة: إما أن تكون -أو شيء منها- واجب الوجود بذاته، وإما ألا تكون ولا شيء منها واجب الوجود بذاته.\nفإن كان منها شيء واجب الوجود بذاته، بطل ما أثبتوه من أن الواجب بنفسه، وهو العلة الأولى، لا يمكن أن يتحرك، إذ كان على هذا التقدير قد قيل: إن شيئًا واجبًا بنفسه هو متحرك.\nوعلى هذا التقدير فلا يبقى لهم طريق إلى إثبات محرك لا يتحرك إذا أمكن أن يكون الواجب بنفسه متحركًا.\nوإن لم يكن في الأجسام المتحركة ما هو واجب بنفسه، فقد ثبت أن الأفلاك المتحركة كلها ممكنة مفتقرة إلى واجب يكون فاعلًا مبدعًا لها، سواء قيل: إنها قديمة أو حادثة، فإن الممكن لا بد له من فاعل، سواء قيل بقدمه أو حدوثه، إذ كان لا يكون بنفسه.\nولو قيل: إنه لا فاعل له ولا مبدع، كان واجبًا بنفسه، فالشيء إما أن يكون وجوده بنفسه، وإما أن يكون وجوده بغيره.\nفالأول هو الممكن بنفسه، والثاني هو الواجب بنفسه.\nوقد نازعهم من نازعهم في أن الممكن لا يجوز أن يقارن وجود الواجب، بل لا بد من تأخره عنه.\nلكن ليس مقصودنا في هذا المقام منازعتهم في ذلك، بل نتكلم على تقدير ما يدعونه من أن الممكن يقارن وجوده وجود الواجب، مع كونه معلولًا موجبًا له صادرًا عنه، وهم يسمون الواجب علة ومبدعًا وفاعلًا، وقد يسمونه محدثًا، لكن هذه تسمية بعض من أظهر الإسلام منهم، لئلا","vol":"9","page":282},{"text":"يخالف المسلمين في الظاهر، كما فعل ذلك ابن سينا وغيره.\nلكن بكل حال لا بد للمكن الذي لا يوجد بنفسه من موجب يوجبه، بل يوجب صفاته وحركاته، لا يكفي في وجوده مجرد وجوده محبوبه، بل لا بد من موجب لذاته وصفاته، بل وموجب لنفس حبه.\nثم إذا قيل: إنه محب لشيء منفصل عنه، لزم احتياجه إلى المحبوب.\nوأما كون مجرد المحبوب هو المبدع له، الموجب لذاته وصفاته وأفعاله، من غير اقتضاء ولا إيجاب ولا إبداع من المحبوب، بل لمحض كونه محبوبًا -فهذا مما يعرف ببديهة العقل فساده.\nوهم، وكل عاقل، يفرق بين العلة الغائية والعلة الفاعلة، فالمحبوب يقتضي ثبوت العلة الغائية، ولا بد من علة فاعلية، فإن جعلوا المحبوب هو العلة الفاعلية، لزم كونه مبدعًا له، وهو المطلوب، وحينئذ يخاطبون على هذا التقدير بما يبين فساد قولهم.\nوإن لم يجعلوه مبدعًا له لم يكن لهم دليل على إثبات علة فاعلة لوجود العالم.\nوقيل لهم: افتقار الممكن إلى مبدع له ولصفته ولحركته، أبين من افتقاره إلى محبوب له.\nقال ثابت بن قرة: وأرسطو طاليس ينكر هذا الرأي المجدد.\nوالظن الذي يظنه كثير من الناس من أنه يلزم من رأى أرسطو: أن العالم أبدي، أن يكون غير معلول في جوهره لعلة خارجة عنه- ظن كاذب.\nفيقال له: الذين يظنون هذا يقولون: إن هذا لازم لأرسطو، لأنه لم يثبت أن العالم معلول بعلة فاعلة مبدعة له، وإن كان مقارنًا لها.\nبل إنما","vol":"9","page":283},{"text":"أثبت بما ادعاه من المقدمات أنه لا بد من محبوب يتحرك لأجله، وليس مجرد كون الشيء محبوبًا يوجب أن يكون علة فاعلة مبدعة لمحبة، فلهذا ألزموه ذلك.\nثم هذا اللازم له: إن اعتقده وإن لم يعتقده يقتضي بطلان قوله، لأن إذا كان العالم واجبًا بنفسه ليس له مبدع، مع كونه مفتقرًا إلى محبوب له، كما يقوله أرسطو، لزم كون الواجب بنفسه مفتقرًا إلى شيء منفصل عنه في بعض صفاته.\nوحينئذ فإذا قيل بأن الواجب المبدع للعالم مفتقر إلى شيء بعينه على إبداع العالم، لم يكن باطلًا على هذا القول الذي يلزم أرسطو.\nوأيضًا فعلى هذا التقدير إذا كان الواجب بنفسه متحركًا لغيره، فلأن يكون متحركًا لنفسه أولى وأحرى، وأرسطو أبطل كون الأول متحركًا بحجج تنقض مذهبه.\nقال ثابت: وأرسطو طاليس يقول: فإن كان الأمر كما يظن من رأى أن للعالم ابتداءً زمانيا، فما العلة التي أوجبت أو دعت إلى إخراج العالم إلى الوجود بعد أن لم يكن موجودًا زمانا بلا نهاية؟ وما هذه العلة الباعثة للعلة الأولى على ذلك؟ وما كانت العلة المرتبة؟.\nفيقال له: هذا كله يبين فساد قولك، فإنه يقال: إما أن يكون العالم واجب الوجود بنفسه، وإما أن يكون ممكنًا.\nفإن كان واجبًا بنفسه، فما العلة التي أوجبت أو دعت إلى إحداث ما فيه من الحوادث، وحركته المتحددة، وتحريكه لما يحركه؟ وما هذه العلة الباعثة للواجب بنفسه على","vol":"9","page":284},{"text":"ذلك؟ وما كانت العلة المرتبة له عن إحداث الحوادث المتأخرة؟ فإنه لا يزال تحدث فيه أمور بعد أمور، فما الموجب لتأخر هذه الحوادث بعد أن لم تكن حادثة؟\nفأي شيء أجاب به عن ذلك كان جوابًا له.\nفإن قال: ليستكمل الشروط التي بها تتم الحوادث فقد جوز أن يكون فعل الواجب الوجود لا يتم إلا بشروط تحدث، وحينئذ فيجوز أن يقال: إن الموجب لتأخر فعله للعالم لتتم شروط إحداثه للعالم، إذ كان فعل الواجب بنفسه، على هذا التقدير، قد يتوقف على الشروط التي بها يحدث.\nوإن قال: إن العالم ممكن.\nقيل له: فلا بد له من واجب فعله.\nوحينئذ فقد فعله على الوجه الذي هو عليه من تأخر الحوادث، فما الذي أوجب للفاعل أن يؤخر ما يحدث من الحوادث؟ وما الذي دعاه إلى إخراج الحوادث إلى الوجود بعد أن لم تكن؟ وما العلة الباعثة للفاعل إلى ذلك؟\nوأيضًا فيقال لهم: إن كان ممكنًا صادرًا عن الواجب، فما الذي أوجب الأول أن يفعله؟ وما الذي دعاه إلى ذلك؟\nفإن قالوا: مجرد ذاته المجردة أوجبت ذلك.\nقيل: فإذا كانت موجبة لما يصدر عنها، لا يقف شيء من فعلها على غير الذات المجردة، وجب اقتران كل ما صدر عنها بها، ووجب اقتران الصادر عن الصادر به، فحينئذ لا يتأخر شيء عن العالم، بل يكون كله","vol":"9","page":285},{"text":"بجميع أجزائه قديمًا ملازمًا للذات المجردة، وهو خلاف الحس والمشاهدة.\nوأيضًا فيقال له: فعل الأول إما أن يقف على داع، وإما أن لا يقف على داع.\nفإن وقف على داع، قيل لك: ما الداعي الموجب لإبداعه للعالم على ما هو عليه من الأمور المختلفة والحادثة؟ وإن لم يقف على داع جاز أن يحدث ما حدث بلا داع، ولم يجب أن يكون لفعله علة.\nقال ثابت: ويلزم أهل هذا الرأي أن يكون في المبدأ الأقصى الذي عنده يتناهى الأبد في ابتداء كل فعل ما هو بالقوة، وما بالقوة ليس يخرجه ما هو له بالقوة بغير علة داخلة عليه من خارج يصير معلولًا لها في تلك الجهة، لأنه إن كان ليس لإخراج ما هو له بالقوة إلى الفعل سبب غير ذاته، فيجب أن يكون وجوب ذلك الأمر بالفعل مع وجود تلك الذات المخرجة له، وذلك الشيء غير متأخر عن وجودها، وإن كان له سبب غير ذاته، فإذن تكون العلة الأولى والمبدأ الأول ليس بمبدأ أول على الحقيقة، لأنه يحتاج حينئذ إن كانت تلك حاله إلى مبدأ آخر.\nوأيضًا فيلزم جوهر العلة الأولى، وإن كان لها ما هو بالقوة حينًا لم يخرج إلى الفعل حينًا تغير.\nوهذا أمر قد أضرب عنه سائر القدماء، فينبغي أن يسلم لأرسطو طاليس أن العلة الأولى على غاية ما يمكن من التمام والكمال.\nوكما أنه ليس يمكن منه في مادة من المواد أن تؤخرها الطبيعة لحظة من غير أن يعمل منها أجود ما ينعمل من مثلها، ما لم يعتور ذلك شيء من خارج، كذلك يرى أرسطو طاليس أن الأمر واجب في جملة أمر العالم، أي في وجود جملته، إذ كان إمكانه لم يزل، والإمكان له بمنزلة المادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>الرد عليه من وجوه. الوجه الأول</span>\nالرد عليه من وجوه.\nالوجه الأول\nفيقال له: جواب هذا من وجوه.","vol":"9","page":286},{"text":"أن يقال: خروج ما بالقوة إلى الفعل: إما أن يفتقر إلى علة من خارج وإما أن لا يفتقر.\nفإن لم يفتقر بطل هذا الكلام.\nوإن افتقر، فإما أن يفتقر إلى علة خارجة فاعلة، أو علة غائية، أو كلاهما.\nوالافتقار إلى علة غائية وحدها غير كاف، لأن ما بالقوة إذا لم يخرج إلى الفعل إلا بعلة من خارج، فلا بد أن يكون علة لوجود كونه فاعلًا، وإلا مجرد المحبوب بدون ما به يفعل المحب مطلوبه، لا يوجب وجود الفعل.\nولهذا إذا كان المحب غير قادر على الفعل.\nلم يتحرك إلى المحبوب، وتحركه إلى المحبوب هو ممكن ليس بممتنع ولا واجب بنفسه، والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح تام يستلزم وجود الممكن، فلا بد لفاعلية الممكن من مرجح تام الفاعلية، وذلك هو الفعل، إذ مجرد الغاية ليس مرجحًا تامًا.\nوإن افتقر خروج ما بالقوة إلى الفعل إلى علة من خارج، علة فاعلة أو علة فاعلة وغائية.\nقيل له: فحركة الجوهر الجسماني حينئذ يفتقر إلى فاعل خارج عنها.\nوحينئذ فذاك الفاعل لم يكن فاعلًا لتلك الفاعلية في الأزل، إذ لو كان كذلك لزم وجود جميع الحركات والحوادث في الأزل، لوجود فاعلها التام، فتعين أنه صار فاعلًا لتلك الحوادث بعد أن لم يكن فاعلًا.\nفيلزم حينئذ إذا جعل الممكن مفتقرًا إلى علة خارجة، أن تكون العلة صارت علة لفاعليته بعد أن لم تكن علة.\nوهذا قد يستدل به على العلية مطلقًا، سواء جعلت فاعلية أو غائية.\nفإنه يقال: كل ما حدث من الحوادث فإنه يمتنع وجود علته التامة في","vol":"9","page":287},{"text":"الأزل، فإذن قد حدثت عليته -علية الفاعل والغاية- بعد أن لم تكن، فيجب أن يكون الأول قد صار علة فاعلية وغائية بعد أن لم يكن لكل ما يحدث على قلولكم، وهذا يبطل ما ذكرتموه فيه.\nثم يقال: إذا كان هذا جائزًا فيه، جاز أن يكون حدوث الأفلاك لحدوث علية حدوثها، وأن تكون قبلها حوادث قائمة به أو منفصلة عنه متعاقبة، ليس فيها ما هو قديم بعينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: لم قلت: إن ما هو بالقوة لا يخرجه فاعله بغير علة منفصلة؟ قوله: لأنه إن لم يكن لإخراجه سبب غير ذاته فيجب أن يكون مقارنًا للذات، وإن كان له سبب غير ذاته، لم تكن العلة الأولى مبدأ أولًا على الحقيقة.\nفيقال له: وأنت لم تجعل الأول مبدأً لوجود ما سواه، بمعني أنه فاعل له مبدع، وإنما جعلته مبدأً بمعنى أنه محبوب معشوق.\nومجرد كونه محبوبًا معشوقًا لا يوجب وجود المحب وذاته وصفاته وأفعاله.\nفليس الأول على ما ذكروه وحده مبدأ، بل ما ذكرته أبعد عن كونه مبدأً، لأن كونه فاعلًا يتوقف فعله على شيء من غير أقرب إلى كونه مبدأً، من كونه ليس إلا مجرد كونه محبوبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: ما تعني بقولك: إن كان ليس لإخراجه سبب غير ذاته؟ أتعني به ذاتًا مجردة عن فعل يقوم بها، أم ذاتًا موصوفة بفعل يقوم بها؟","vol":"9","page":288},{"text":"فإن عنيت الأول، كان اللازم أن الذات المجردة عن الفعل ليست مبدأً أول، ولا علة أولى.\nوهم يلتزمون هذا، فإن الذات المجردة من الفعل لا حقيقة لها عندهم، وهم يمنعون أن يكون الأول كذلك.\nوإن عنيت الثاني، لم يلزم أن يكون المبدأ الأول بمبدأ أول، لأنه إذا كان مبدأً بما هو عليه من صفاته وأفعاله التي لا يحتاج فيها إلى غيره، كان هو المبدأ الأول من غير احتياج إلى غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: العالم إن كان واجب الوجود بنفسه مع كونه مفتقرًا إلى محبوب، كان واجب الوجود معلولًا من بعض الجهات، فجاز حينئذ أن يكون المحبوب الأول، مع وجوب وجوده بنفسه، من خارج ما به يصير فاعلًا، فإن العالم حينئذ واجب الوجود، وله من خارج ما به يصير فاعلًا.\nوإن كان ممكن الوجود بنفسه، لم يوجد إلا بمبدع فاعل يبدعه، فالإبداع فعل من المبدع وصنع وأنت لم تجعل الأول إلا محبوبًا فقط.\nوأيضًا فإذا كان الأول فاعلًا مبدعًا للعالم، بما فيه من الأمور المختلفة المحدثة، امتنع أن يكون صانعًا بالفعل لها في الأزل، لأن ذلك يستلزم وجود كل من المحدثات في الأزل وهو مكابرة للحس.\nفيلزم أنه كان صانعًا بالقوة، ثم صار صانعًا بالفعل، من غير سبب خارج عنه، إذ الخارج عنه كله على هذا التقدير ممكن مفعول له، ففعله له لو توقف على تأثير فيه لزم الدور.","vol":"9","page":289},{"text":"ومن تدبر هذه الوجوه وما يناسبها، تبين له فساد قول هؤلاء في رب العالمين، وأن الحق ليس إلا ما جاء عن المرسلين بالعقل الصريح المبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-974>الرد على كلام آخر لثابت بن قرة من وجوه</span>\nوأما قوله: وأيضًا فيلزم جوهر العلة الأولى تغير، وهذا أضرب عنه القدماء.\nفجوابه من وجوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>الوجه الأول</span>\nأن صدور التغير عن غير المتغير إما أن يكون ممكنًا، وإما أن يكون ممتنعًا.\nفإن كان ممكنًا، بطلت هذه الحجة.\nثم يجوز أن يقال: كان بحيث لا يصدر عنه شيء، ثم صدر عنه شيء من غير تغير، كما يقول ذلك كثير من أهل النظر.\nوإن كان ممتنعًا.\nقيل له: فالعالم المتغير: إما أن يكون صادرًا عنه، وإما أن لا يكون.\nفإن كان صادرًا عنه، لزم أن يكون متغيرًا.\nوإن لم يكن صادرًا عنه، فهو إما واجب بنفسه وإما ممكن.\nفإن كان واجبًا بنفسه، وهو مع ذلك متغير، فقد لزم أن يكون الواجب بنفسه متغيرًا.\nوإن كان ممكنًا بنفسه، لزم أن يكون الممكن قد وجد بلا موجب.\nوهذا مع واتفاق العقلاء على فساده، فهو معلوم الفساد بالضرورة.\nثم من جوز أن يوجد الممكن بلا فاعل، فلأن يجوز تغير الواجب أولى وأحرى، لأن هذا فيه مصير ما ليس بشيء شيئًا من غير فاعل، فلأن يصير شيئًا بفاعل متغير أولى وأحرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>الوجه الثاني</span>\nقولك: هذا أمر أضرب عنه سائر القدماء لو كان","vol":"9","page":290},{"text":"هذا النقل حقًا لم ينفعك، لأنه لا حجة في إضراب من ليس بمعصوم.\nوأنت لو احتج عليك محتج بنصوص الأنبياء، وهو ممن يعتقد عصمتهم، وقد قام الدليل عنده على ذلك، لم تقبل حجته، فلأن لا يقبل منك قول قوم توافقه أنت على عدم عصمتهم أولى وأحرى.\nفكيف وهذا النقل ليس صحيحًا؟\nبل كثير من القدماء ومن المتأخرين جوزوا أن تقوم بالأول أمور يشاؤها ويقدر عليها، بل صرحوا بأنه متحرك، وأنه تقوم به إرادات حادثة وعلوم حادثة وغير ذلك، كما تقدم.\nفإن لم يبطل قولهم بحجة عقلية لم يكن ما ذكرته حجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: ما تعني بالتغير؟ أتعني به استحالته كاستحالة الجسم من صورة إلى صورة؟ أو تعني به كونه يفعل ما لم يكن فاعلًا له؟\nفإن عنيت الأول، منعت المقدمة الثانية.\nفإن المتحركات التي يخرج منها ما بالقوة إلى الفعل كالأفلاك، لا تستحيل صورتها بذلك.\nوإن عنيت الثاني، قيل لك: هذا لا يسمى تغيرًا، أو لا نسميه تغيرًا.\nوإذا سميته تغيرًا، لم يكن في مجرد تسميتك له ولا تسميتنا له -إذا وافقناك على التسمية- ما يمنع جوازه.\nفإن مجرد الألفاظ لا تثبت بها المعاني العقلية، فلم قلت: إن هذا المعنى ممتنع؟\nبل هذا هو نفس المتنازع فيه، لكن بدلت العبارة عنه.\nأفبأن","vol":"9","page":291},{"text":"بدلت العبارة عنه صادرت عليه وجعلته مقدمة في إثبات نفسه؟ ونحن لا نعني بالتغير إلا كونه يفعل ما لم يكن فاعلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>الوجه الرابع</span>\nأن يقال لك: نحن نشاهد حدوث الحوادث، وأنت تسمي ذلك إخراج ما بالقوة إلى الفعل، فلا بد حينئذ في حدوث الحوادث من إخراج ما بالقوة إلى الفعل، فمحدثها أخرج ما بالقوة إلى الفعل، والمحدث لإحداثه الذي جعله يخرج ما بالقوة إلى الفعل كذلك، وهلم جرًا.\nفإن قدرت مع هذا محدثًا لفاعليته، غير مخرج ما بالقوة إلى الفعل، بطلت حجتك.\nوإن جعلت الأول أخرج ما بالقوة إلى الفعل، بطل أيضًا دليلك.\nوإن ادعيت أن بعض الفاعلين يخرج ما بالقوة إلى ما بالفعل دون الآخر، بطل دليلك، فهو باطل على كل تقدير.\nوذلك أنه يلزمه أحد أمرين، كلاهما يبطل قوله.\nفإنه إن أثبت فاعلًا يخرج ما بالقوة إلى الفعل، من غير سبب من خارج، أمكن أن يكون الأول كذلك، فبطل قوله.\nوإن لم يجوز أن يكون فاعلًا يخرج ما بالقوة إلى الفعل إلا بسبب من خارج، لزمه أن يكون كل فاعل للحوادث لم يحدث فاعليته إلا بسبب أخرج ما بالقوة إلى الفعل: فإن كان الأول كذلك، لزم التسلسل الممتنع.\nوإن لم يكن كذلك، كان الأول مخرجًا لما بالقوة إلى الفعل، من غير سبب من خارج، وذلك يبطل قوله.","vol":"9","page":292},{"text":"قال: فينبغي أن يسلم لأرسطو طاليس أن العلة الأولى على غاية ما يمكن من التمام والكمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>الرد على كلام آخر لثابت بن قرة</span>\nفيقال له: أولًا: أرسطو لم يثبت على أولى مبدعة للعالم، ولا فاعلة له، ولا علة فاعلة له.\nوإنما أثبت علة غائية له، ولم يقم على ذلك دليلًا.\nفهو مع أنه لم يذكر إلا جزء علة لم يقم عليه دليلًا.\nفأي تمام وكمال أثبته للعلة الأولى؟!\nوأما أهل الإثبات فيقولون: نحن نثبت للأول غاية ما يمكن من التمام والكمال، بما نثبته له من صفات الكمال وأفعاله ﷾، فنحن أحق بوصفه بالكمال، من وجوه لا تحصر.\nوإذا قال القائل: فلم تأخر ما تأخر من مفعولاته؟\nقلنا: هو لازم على القولين، فلا يختص بجوابه.\nثم يقال: الموجب لذلك ما تقول أنت في نظيره في تأخر الحوادث، مثل استجماع الشروط التي بها يصلح كون الحادث مفعولًا، أو بها يمكن كونه مفعولًا، فإن عدمه قبل ذلك قد يكون لعدم الإمكان، وقد يكون لعدم الحكمة الموجبة تأخره، إذ لا بد في الفعل من القدرة التامة والإرادة التامة المستلزمة للحكمة.\nوأما قوله: كما أنه ليس يمكن أن تؤخر الطبيعة فعلها في المادة القابلة إلا لعائق، فكذلك الأمر في العالم إذا كان إمكانه لم يزل.\nوالإمكان له بمنزلة المادة.","vol":"9","page":293},{"text":"فيقال: أولًا أنت لم تثبت له فعلًا ولا إبداعًا، بل الطبيعة عندك تفعل.\nوالأول لم يثبت إلا كونه محبوبًا للتشبه به، وأثبت ذلك بلا دليل.\nويقال لك: ثانيًا: إن كان مجرد الإمكان موجبًا لكون الممكن مقارنًا للواجب، لزم أن يكون كل ما يمكن وجوده أزليًا.\nوهذا مكابرة للحس والعقل.\nفإن قلت: إن بعض الممكنات توقف على شروط، أو يكون له مانع.\nقيل لك: فحينئذ ما المانع أن يكون إبداع الأول للعل متوقفًا على شروط، أو له مانع، مع كون الأول لم يزل يفعل أفعالًا قائمة بنفسه، أو مفعولات منفصلة عنه، كما يقوله أساطين أصحابك من الفلاسفة المتقدمين على أرسطو أو غيرهم؟\nويقال لك: ثالثًا: إن كان العالم واجبًا لنفسه، فقد تأخر كثير من أفعاله، فيلزم أن يتأخر ما يتأخر من فعل الواجب بنفسه، وإن كان ممكنًا بنفسه، ففاعله قد أخر كثيرًا مما فيه من الأفعال.\nوعلى كل تقدير فقد تأخر عن الواجب بنفسه ما تأخر من مفعولاته، فعلم أنه لا يلزم مقارنة مفعولاته كلها له، وإذا جاز تأخر ما يتأخر من مفعولاته، فلم لا يجوز أن تكون الأفلاك من ذلك المتأخر؟\nقال: إلا أن قومًا يرون أنه يجب من هذا -أعني من وجوب وجود العالم مع العلة الأولى- أن لا يكون صنع إرادي للعلة الأولى في وجود","vol":"9","page":294},{"text":"العالم، كما لا صنع لها في وجود جوهرها، إذ كان وجود العالم غير ممكن تأخره عن وجود جوهر العلة الأولى، فيكون وجوده لازمًا اتباعه لوجود العلة الأولى، فتكون العلة الأولى علة طبيعية للعالم ومتممة له، فيكون القياس في ذلك كالقياس فيما يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته، إذ وجود ذلك مع وجود جوهر الفلك، لا سيما وأرسطو طاليس يقول: إن المحرك الأول هو علة حركة كل ما في الكون بالتشوق.\nفالأولى على ظاهر الأمر أن يكون الشيء المتشوق إليه تشوق بجهة طبيعته لا بإرادته، لأنه قد يمكن أن يكون المعشوق المتشوق إليه نائمًا أو غير ذي إرادة، وهو يحرك المشتاق إليه والعاشق له، إلا أنه ينبغي أن يترك أمر العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها، على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه.\nفإذن ليس يؤثر جوهر هذه العلة أثرًا ولا يفعل فعلًا منقلبًا عن قصدها وإرادتها، ولا دون إرادتها، إذ ليس في هذه الذات نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج، ولا فوق جوهرها أمر تقتبس منه ازدياد في شيء من حاله، ولا يعرض لها أمر تحتاج إلى استدفاعه.\nفجوهرها إذن ليس فيه شوق إلى شيء، ولا منافرة لشيء، ولا قبول لتغيير، ولا لحدوث شأن متجدد له.\nفليس يوجد إذن أمر يحدث هذه الذات بالطبع وبغير إرادة، وليس يوجد إذن أمر يدعو هذه الذات في حال أو شأن، ليس هي المبدأ الأول له، والعلة فيه.\nوبالجملة فكل ما كان له ما هو الطبع على الجهة الطبيعية التي","vol":"9","page":295},{"text":"ينحوها، فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا تملكها إرادته، والمشتاق معلول من جهة شوقه للشيء المشوق له، والشيء المشوق له مبدأ له في ذلك الشوق، ومن جهة أنه هو له علة تمامية من جهة من الجهات.\nوليس يليق هذا الأمر البتة بالمبدأ الأول، ولكنه مبدأ لكل طبيعة ولكل شوق ولكل حركة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>فساد كلام آخر له من وجوه. الوجه الأول</span>\nفساد كلام آخر له من وجوه.\nالوجه الأول\nهذا كلامه ولقائل أن يقول: هذا الكلام قد كشف فيه قوله ومذهبه، وقد تبين في ذلك من التناقض والفساد ما يطول ذكره بالوصف والتعداد.\nوذلك من وجوه:\nقول أرسطو: إن المحرك الأول هو علة كل ما في الكون بالتشوق، والمتشوق إليه إنما تشوق بجهة طبيعته لا إرادته، ولأنه قد يكون المعشوق المتشوق إليه نائما أو غير ذي إرادة، وهو يحرك المشتاق إليه والعاشق له، إلا أنه ينبغي أن يترك أمر العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها، على أفضل ما يمكن أن يوجد شيء عليه، فإذن ليس يؤثر أثرًا، ولا يفعل فعلًا، لا عن إرادتها، ولا بدون إرادتها إلى آخر كلامه.\nفيقال له: قد صرحتم في كلامكم بأن الأول ليس له فعل بإرادة، ولا بدون إرادة، ولا تأثير في العالم أصلًا إلا من جهة كونه معشوقًا متشوقًا إليه، والمعشوق المتشوق إليه لا يجب أن يكون شاعرًا بالعاشق، ولا مريدًا له، ولا قادرًا على فعل يفعله به، بل الجمادات تحب ويشتاق إليه، كما","vol":"9","page":296},{"text":"يشتاق الجائع إلى الطعام، والعطشان إلى الشراب، والبردان إلى الثياب، والضاحي في الشمس إلى الظلال.\nثم إنكم مع هذا لم تذكروا على ذلك دليلًا صحيحًا، ولكن نحن نخاطبكم بما أقررتم به.\nفيقال: إذا كان بهذه المثابة، لم يكن علة للعالم، ولا مبدأ له، ولا فاعلًا له، ولا مؤثرًا فيه أثرًا، فبطل قولكم: إنه علة العلل، وإنه المبدأ الأول.\nقولكم: إنه علة طبيعية للعالم ومتممة له.\nغاية ما في الباب أن العالم يكون محتاجًا إليه، من كونه مشتاقًا إليه، والشيء المشتاق إليه لا يجب أن يكون هو المبدع المشتاق ولا الفاعل له، ولا يكون مؤثرًا فيه، كما اعترفتم به، وكما هو معلوم لكل عاقل.\nفإن كون الشيء علة غائية، لا يستلزم أن يكون على فاعلية، لا سيما وإنما هو علية من جهة أن الفلك يحب التشبه به، فهذا مع ما فيه من جحد وجود واجب الوجود المبدع للعالم، فيه من تناقض قولكم ما قد تبين.\nوسنبين إن شاء الله فرقهم بين العلة الأولى وبين العالم القديم بأنه جسم، وأن الجسم لا تكون فيه قوة غير متناهية، وما ذكروه في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: هذا القول الذي قلتموه يبطل حجتكم على قدم العالم أيضًا، فإنه إذا لم يكن مؤثرًا في العالم وعلة له، ومبدأ ومحركًا له، إلا من جهة كونه محبوبًا شائقًا معشوقًا، أمكن تأخر وجود العالم عن وجوده، فإن الشيء المشتاق إليه قد يتأخر عنه ما يشتاقه، والشيء","vol":"9","page":297},{"text":"المشتاق إليه هو مستلزم لوجود المشتاق، بل الأمر بالعكس فالمشتاق إليه غني عن المشتاق، والمشتاق محتاج إلى المشتاق إليه.\nوحينئذ فيكم وجود الأول المشتاق إليه، بدون وجود العالم المشتاق، ثم بعد هذا يوجد العالم المشتاق، ولا يقدح ذلك في كمال المشتاق إليه.\nفإن قلتم: فما الموجب لوجود العالم بعد هذا؟\nقيل لكم: هو الموجب لوجوده قبل هذا على أصلكم، فإنكم لم تثبتوا للعالم مبدعًا فاعلًا، وحينئذ فلا فرق بين تقدم وجوده وبين تأخره، إلا أن تقولوا، إنه واجب الوجود بنفسه.\nوإذا قلتم: إن العالم مع احتياجه إلى المعشوق الغني عنه واجب الوجود بنفسه، كان قولكم أعظم تناقضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>الوجه الثالث</span>\nونحن نبي ذلك بالوجه الثالث: فنقول: إذا أثبتم للعالم وعلته المعشوقة له، التي يجب التشبه بها، وتتحرك لاستخراج ما فيه من الأيون والأوضاع، لأن ذلك غاية التشبه بها.\nفإما أن تقولوا: هذا واجب الوجود بنفسه، أو تقولوا: إن أحدهما ممكن بنفسه، لا يوجد إلا بالواجب بنفسه.\nفإن قلتم بالأول، ثبت أن العالم المحتاج إلى محبوبه واجب الوجود بنفسه، مع كونه معلولًا من هذه الجهة، وكونه ذي إرادة وشوق، وكونه يؤثر آثارًا ويفعل أفعالًا بالإرادة.","vol":"9","page":298},{"text":"وقد قلتم: إن هذا لو كان في الأول لكان نقصًا يحتاج فيه إلى تمام من خارج، فقد أثبتم في الواجب بنفسه نقصًا يحتاج فيه إلى تمام من الخارج، فإن كان هذا جائزًا في الواجب بنفسه، لم يمتنع هذا في الأول المعشوق، بل جاز مع وجوبه بنفسه أن يكون أيضًا عاشقًا مريدًا مؤثرًا فاعلًا، فيه على أصلكم نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج.\nوإذا كان هذا غير ممتنع في الواجب بنفسه، بطل ما ذكرتموه من امتناع ذلك عليه.\nوأيضًا فإذا جاز ذلك عليه، لم يكن أحدهما بكونه عاشقًا والآخر معشوقًا أولى من العكس، بل يمكن أن يكون كلاهما محبًا للآخر مشتاقًا إليه.\nوبتقدير أن يكون هو المحب للعالم المريد له، يكون هو المحدث لما فيه من الحركات.\nثم على هذا التقدير لا يجب أن تكون الأفلاك هي الواجبة بنفسها، بل يمكن أن يقال هناك واجب بنفسه غيرها، ثم إن أحد الواجبين أحدث الأفلاك لما حدث له من الشوق، كما تقولون فيما يحدث بحركة الفلك.\nوفي الجملة إذا قالوا: إن العالم واجب الوجود بنفسه، نقضوا كل ما ذكره في المبدأ الأول، ولم يكن لهم حجة على الطبيعية الذين ينكرون الأول.\nوالطبيعة الذين يقولون: العالم واجب بنفسه، قولهم أفسد من قول هؤلاء الإلهيين منهم كلهم، كما قد بين فساد قولهم في غير هذا الموضع.","vol":"9","page":299},{"text":"لكن فساد أقوالهم يظهر من وجه آخر، من غير التزام صحة قول الإلهيين بل قول كلا الطائفتين باطل متناقض، يعلم بطلانه وتناقضه بصريح العقل.\nوإن قال هؤلاء الإلهيون: إن العالم ممكن الوجود بنفسه، فلا بد أن يكون هناك واجب، هو علة فاعلة له، لا يكفي في وجوده ما هو مشتاق إليه، فإن ما لا وجود له من نفسه، ليس له من نفسه لا صفة ولا شوق ولا حركة ولا شيء من الأشياء، فلا بد لكم من إثبات مبدع للممكن، قبل إثبات شوقه إلى غيره، ثم يبقى النظر بعد ذلك في قدمه وحدوثه نظرًا ثانيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: قولهم أولًا: إن قومًا يرون أنه يجب من هذا، أي من وجوب وجود العالم مع العلة الأولى، ألا يكون صنع إرادي للعلة الأولى في وجود العالم، كما لا صنع لها في وجود جوهرها، إذا كان وجود العالم غير ممكن تأخره عن وجود العلة الأولى.... إلى آخره.\nفيقال لكم: إرادة العلة الأولى إما أن يستلزم تأخر فعلها للعالم أو يجوز مع ذلك تقدم فعلها للعالم، فإن كانت الإرادة تستلزم تأخر المراد، لزم تأخر العالم المشتاق صاحب الإرادة والشوق، فإن العالم عندكم قديم له إرادة وشوق قديم، فإن كان القديم لا يكون له شوق وإرادة بطل قولكم بقدم العالم، مع القول بشوقه.","vol":"9","page":300},{"text":"وإن كان القديم يمكن أن يكون له إرادة وشوق، أمكن أن يكون الأول له إرادة وشوق مع قدمه، وأن يكون صانعًا للعالم صنعًا إراديًا، وهذا أيضًا يبطل قولكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: القديم: إما أن يجوز أن يكون له إرادة، وإما ألا يجوز.\nفإن لم يجز، امتنع كون العالم قديمًا مريدًا.\nوحينئذ فلا يبقى لكم حجة على إثبات المبدأ الأول، فإنكم إنما أثبتموه بأنه، معشوق للعالم المتحرك بالإرادة مع قدم العالم.\nفإذا امتنع كون القديم مريدًا، لم يلزم أن يكون هناك معشوق قديم، فلا يبقى دليل على ثبوته.\nوإن جاز أن يكون القديم مريدًا، جاز كون الأول مريدًا، وبطل قولكم: إنه لا صنع إرادي للعلة الأولى.\nفأنتم بين أمرين: إما سلب الإرادة عن العالم القديم، وإما إثباتها للأول القديم.\nوأيهما قلتم بطل قولكم ببطل قولكم، وسنتكم إن شاء الله على فرقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>الوجه السادس</span>\nبل يقال في الوجه السادس: إنكم لو أثبتم الإرادة للأول القديم، وسلبتموها عن الفلك، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الملل، كان أقرب إلى المعقول من إثباتها للفلك، ونفيها عن العلة الأولى، فإن صريح العقل يعلم أن العلة والمبدأ الأول أولى أن يكون مريدًا من المعلول الثاني، فإن الفعل إن لم يستلزم إرادة، لم تستلزم حركة الفلك إرادة، وإن استلزم إرادة، فالعلة الفاعلة أولى بالإرادة من المعلول المفعول.\nألا ترى أن المعلولات قد تكون جامدة، كالعناصر والنباتات التي لا إرادة لها؟.","vol":"9","page":301},{"text":"يبين ذلك أن الحركات ثلاثة: الطبيعية والقسرية والإرادية.\nفالقسرية تابعة للقاسر، والطبيعية لا تكون إلا إذا خرج الجسم عن مركزه، فيميل بطبعه إلى مركزه، فكلاهما عارضة، وإنما الحركة الأصلية هي الإرادية.\nوإذا كان كذلك فالمعلول المفعول يحتاج إلى إرادة فاعلة، أعظم من حاجته إلى كونه هو مريدًا، فإنه إذا كانت جميع الحركات مستندة إلى الإرادة، فمن المعلوم أن احتياجها إلى إرادة الفاعل، أعظم من احتياجها إلى إرادة المفعول.\nفإن قالوا: الفلك عندنا ليس بمعلول عن واجب مبدع، بل هو قديم واجب بنفسه.\nكان ما يلزمهم على هذا التقدير، مثل جعل الواجب بنفسه جسمًا متحيزًا تحله الحوادث، مفتقرًا إلى علة يتشبه بها، وسائر اللوازم أعظم مما فروا منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>الوجه السابع</span>\nأن يقال: الممكن لا يوجد إلا بفاعل، ويمكن وجوده بدون كونه مشتاقًا، فوجوده مشروط بالفاعل له، ليس مشروطًا بكونه مشتاقًا، فكيف يجوز إثبات ما لا يحتاج الممكن في وجوده إليه، وإلغاء ما لا يكون موجودًا إلا بوجوده؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>الوجه الثامن</span>\nأن يقال: قولكم: فتكون العلة الأولى علة طبيعية للعالم ومتممة له، ويكون القياس في ذلك كالقياس فيما يفعله الفلك، ويؤثره بطبيعته، أو وجود ذلك مع وجود جوهر الفلك، لا سيما","vol":"9","page":302},{"text":"وأرسطو يقول: إن المتحرك الأول إنما يحرك كل ما في الكون بالشوق، وهو شوق المتحرك إليه إلى آخره.\nفيقال: هذا كلام متهافت متناقض، وذلك أن ما يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته، هو عندكم مريد له، مع أن وجوده مع وجود الفلك، وقد شبهتم فعل الأول بفعل الفلك، ثم قلتم إن الأول ليس له إرادة ولا تأثير، فهذا التمثيل يناقض هذا التفريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>الوجه التاسع</span>\nأن يقال: الفلك إما أن يكون فاعلًا بالإرادة، وإما ألا يكون.\nفإن كان الأول، وهو قولكم: ووجود فعله مع وجوده، لزم أن يكون الفعل الإرادي يجوز مساوقته للفاعل، وألا يتأخر عنه.\nوهذا يبطل قلوكم: إنه يجب من وجوب الفلك مع العلة الأولى أن يكون لا صنع إرادي للعلة الأولى في وجود العالم فإنكم حينئذ أثبتم فاعلًا فعلًا إراديًا، مع كون فعله موجودًا معه.\nوأما قولكم: كما لا صنع لها في وجود جوهرها فهذا تمثيل ساقط إلى غاية، فإن الواجب بنفسه لا يكون فاعلًا لنفسه، وأما معلوله فلا بد أن يكون فاعلًا له.\nفكيف يقال: لا يفعل معلوله، كما لا يفعل نفسه؟\nوإن لم يكن الفلك فاعلًا بالإرادة، بطل كونه مشتاقًا عاشقًا، وبطل ثبوت المبدأ الأول، وحينئذ فيبطل ما بنيتم عليه ثبوت الأول وقدم العالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>الوجه العاشر</span>\nقولكم: ينبغي أن ينزل أمر العلة الأولى في جوهرها","vol":"9","page":303},{"text":"وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه كلام حق، لكن أنتم من أبعد الناس عنه، فإنكم جعلتم أمر العلة الأولى من أنقص ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه، بل جعلتموه أنقص من كل موجود شبيهًا بالمعدوم، فإن الموجودات أقسام: أعلاها الذي يفعل غيره ولا ينفعل عن غيره.\nوهذا هو الذي يجب أن يكون عليه المبدأ الأول.\nوالقسم الثاني: الذي يفعل وينفعل، كالإنسان.\nوثالثها: الذي ينفعل ولا يفعل كالجماد.\nوأما ما لا يفعل وال ينفعل فهذا لا يكون إلا معدومًا.\nوأنتم جعلتم الأول لا يفعل شيئًا ولا ينفعل، فإنكم قد قلتم: إنه لا يؤثر أثرًا ولا يفعل فعلًا، لا عن إرادة ولا دون الإرادة، وقلتم أيضًا، إنه لا ينفعل عن غيره، وهذا حال المعدوم.\nووصفهم له بأنه معشوق لا يفيد، فإن المحبوب المعشوق من الموجودات لا بد أن يكون فاعلًا أو منفعلًا.\nوأما ما لا يفعل ولا ينفعل فلا يحب ولا يحب، ولا حقيقة له.\nفوصفتم الواجب الوجود المبدع لكل ما سواه بما هو أنقص من صفات سائر الموجودات، ولا يتصف به إلا المعدومات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>الوجه الحادي عشر</span>\nأنكم قلتم: إن المحرك الأول إنما يحرك الفلك، لكون الفلك مشتاقًا إليه أي إلى التشبه به.\nوقلتم: إن المشتاق إليه إنما تحرك بجهة طبعية لا إرادية، لأنه قد يمكن أن يكون المعشوق المتشوق إليه نائمًا أو غير ذي إرادة، وهو يحرك المشتاق إليه","vol":"9","page":304},{"text":"والعاشق له، إلا أنه ينبغي أن يترك أمر العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه.\nوأردتم تنزيهه أن يشبه بالنائم ونحوه، وأنتم وصفتموه بدون صفة النائم.\nفإن المحبوب الذي لم يشعر بمحبه لنومه يمكن أن يتنبه فيشعر به، ويمكن أن يحب محبه.\nومن المعلوم أن المحبوب الذي يمكن أن يعلم بمحبه، وأن يحبه، أكمل من النائم الذي لا يعلم به ولا يحبه.\nوأنتم قد قلتم: إنه لا يمكن أن يكون منه محبة لمحبه، ولا أثر، ولا فعل من الأفعال.\nوقال أرسطو وأكثركم: إنه لا شعور له بمحبة، بل قد يقولون: إنه لا شعور له بنفسه أيضًا.\nفهل هذا إلا وصف له بدون صفة النائم ونحوه من الناقصين؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>الوجه الثاني عشر</span>\nأن يقال: إذا نزل أمر الأول على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه، فمن المعلوم أن الموجود إذا انقسم إلى حي وميت، فالحي أكمل من الميت، وإذا قسم إلى ما يقبل الاتصاف بالحياة والموت وما لا يقبل، فالذي يمكن اتصافه بذلك كالحيوان، أكمل ممن لا يمكن اتصافه بذلك كالجماد.\nوإذا قسم إلى عالم وجاهل، وما لا يقبل لا هذا ولا هذا، وقادر وعاجز، وما لا يقبل لا هذا ولا هذا، كان ما يقبل واحدًا منهما، أكمل مما لا يقبل، وما كان عالمًا قادرًا أكمل مما كان جاهلًا عاجزًا.","vol":"9","page":305},{"text":"وإذا قسم إلى ما يكون فاعلًا بالإرادة، وما يفعل إرادة، وما لا يفعل لا بهذا ولا بهذا، كان ما يفعل بالإرادة أكمل مما يفعل بدون إرادة، وما يفعل بدون إرادة أكمل ممن لا فعل له، وأنتم جعلتموه لا يفعل لا بإرادة ولا بدون إرادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>الوجه الثالث عشر</span>\nقولكم: فإذن لا يؤثر هذه العلة أثرًا، ولا يفعل فعلًا منقلبًا عن إرادتها وقصدها، ولا دون إرادتها، إذ ليس في هذه الذات نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج، ولا فوق جوهرها أمر يقتبس منه ازديادًا في شيء من حاله إلى آخره.\nفيقال لكم: إذا قدر ذات لها فعل وتأثير بالإرادة، وذات ليس لها فعل ولا تأثير، لا بإرادة ولا بدونها، شهد صريح العقل بأن الأول أكمل.\nولهذا كان الحيوان أكمل من الجماد.\nوقلتم أنتم: إن حركة الفلك إرادية، وإن ذلك أكمل من أن تكون حركته غير إرادية.\nوإذا قدر مع هذا أن المتحرك بالإرادة محتاج إلى تمام من خارج، وهو متحرك لطلب ذلك التمام، فهو أكمل من الذي لا يقبل التمام كالجماد، فإذا كان الأول عندكم لا شعور له ولا إرادة ولا فعل بالإرادة ولا يمكن أن يكون له شيء من ذلك، كان المتحرك بالإرادة لطلب تمامه أكمل من هذا الناقص المسلوب صفات الكمال، الذي لا يمكن اتصافه به، فالعميان والعرجان والصم والبكم العمي أكمل من هذا الأول الذي فرضتموه، والفلك أكمل منه بكثير، وفيما ذكرتموه من التناقض وغاية الفساد، ما لا يحصيه إلا رب العباد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>الوجه الرابع عشر</span>\nأن يقال: العالم: إما أن يكون واجبًا بنفسه","vol":"9","page":306},{"text":"وإما أن يكون ممكنًا.\nفإن كان ممكنًا، لم يوجد إلا بواجب يبدعه ويفعله، فيلزم أن يكون للأول فعل وتأثير، وذلك مناقض ما ذكرتموه.\nثم إذا قدر من يفعل بإرادة ومن يفعل بلا إرادة، فالفاعل بالإرادة أكمل، فيلزم أن يكون فاعلًا له بالإرادة، حيث سلمتم أنه يجب أن ينزل أمره في جوهره وسائر أموره، على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه، وإن كان العالم واجب بنفسه، مع كونه عندكم مفتقرًا إلى الأول، افتقار الشيء إلى من يتشبه به، ويحركه بالإرادة حركه يحصل بها تمامه -أمكن أن يكون واجب الوجود يتحرك حركة إرادية، يحتاج فيها إلى تمام من خارج.\nفثبت أنه على تقدير إمكان العالم بنفسه، ووجوبه بنفسه، يلزم أن يكون الواجب بنفسه له فعل وتأثير، وذلك ينقض ما ذكرتموه، وإن وصفه بذلك أولى من وصفه بكونه لا فعل له ولا إرادة ولا تأثير، ولا يمكن اتصافه بشيء من صفات الكمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>الوجه الخامس عشر</span>\nأن يقال: أنتم فررتم من إثبات نوع من النقص له، فأثبتم له من النقائص ما يكون أنقص به من جميع الموجودات.\nفإنكم فررتم من كونه يفعل بإرادة وبغير إرادة، لأن ذلك بزعمكم يستلزم نقصًا يحتاج فيه إلى تمام من خارج.\nفيقال: إذا قدر أنه لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة، ولا فعل لا بإرادة ولا غير إرادة، ولا يؤثر شيئًا أصلًا، ولا يتأثر عن شيء -كان ما في الموجود أكمل منه، فهذا منتهى كل نقص، ومن كان فيه نقص يمكنه إتمامه من خارج، كان خيرًا من العدم، ومن لا يمكنه إتمام نقصه.","vol":"9","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-995>الوجه السادس عشر</span>\nأن يقال: ما هو النقص الذي نزهتموه عنه؟ فإن النقص لا يعقل إلا عدم كمال، أو وجود مناف لكمال.\nفعدم العلم والحياة والقدرة يسمى نقصًا، ووجود الصم والبكم والخرس المنافي لهذه الصفات يسمى نقصًا، ثم ما كان قابلًا للاتصاف بصفات الكمال، أكمل ممن لا يقبلها.\nفإذا كان عندكم لا متصفًا بها ولا قابلًا للاتصاف بها، كان هذا غاية ما يعقل من النقص، فما النقص الذي نزهتموه عنه؟\nفإن قالوا: نزهنا عن طلب تمامه من خارج، فإن كون تمامه لا يحصل إلا بسبب من خارج نقص.\nفيقال لهم: هذا باطل من وجوه:\nأحدها: أن هذا إن كان نقصًا، فما وصفتموه به من النقائص أعظم من هذا وأكثر.\nالثاني: أن يقال: فكون تمامه ممكنًا وهو طالب له، أكمل من كونه لا يقبل التمام ولا يطلبه.\nالثالث: ولم قلتم: إن هذا نقص؟ فإن النقص إنما يكون نقصًا إذا عدم ما ينبغي وجوده أو ما يمكن وجوده، فإذا قدر أمر لا يمكن وجوده في الأزل، أو لا يصلح وجوده في الأزل، فلم قلتم: إن عدم هذا نقص؟\nالرابع: أن يقال: ظنكم أن تمامه يحتاج إلى سبب منفصل غلط، كما قد بسط في موضع آخر، فليس هو محتاجًا في شيء من أفعاله، فضلًا عن صفاته وذاته، إلى سبب خارج عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>الوجه السابع عشر</span>\nأن يقال: لم قلتم: إن الأول إذا كان فاعلًا مؤثرًا","vol":"9","page":308},{"text":"بالإرادة، لزم أن يكون فيه نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج؟ فإن هذا إنما يلزم لو كان المحرك له شيئًا منفصلًا عنه.\nأما إذا لم يكن مبدأ فعله إلا منه، لم يلزم أن يكون محتاجًا إلى تمام من خارج.\nوأنتم لم تقيموا دليلًا على أن كل فاعل بالإرادة لا يكون مبدأ فعله إلا بسبب من خارج، بل ادعيتم هذا دعوى مجردة.\nومن هنا يتبين فساد أصل كلامهم.\nفنقول في:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>الوجه الثامن عشر</span>\nأنتم لما ذكرتم أن حركة الأفلاك إرادية قلتم: إن المتحرك بالإرادة لا يكون إلا بمحبوب منفصل عنه، ثم إنكم قلتم: الأول لا يتحرك بالإرادة، لئلا يكون له محبوب منفصل فنحتاج إليه، ولم تذكروا دليلًا على أن كل متحرك بالإرادة يجب أن يكون مفتقرًا إلى محبوب منفصل، بل ذكرتم هذا دعوى مجردة بنيتم عليها إثبات الأول، وبنيتم عليها امتناع كون الأول مؤثرًا ويفعل بإرادة أو غير إرادة، وإذا لم يفعل بإرادة ولا غير إرادة امتنع وجود الممكنات، فامتنعت حركتها بالإرادة، فامتنع احتياجها إلى معشوق، فبطل دليلكم على إثبات الأول، فكان نفس دعواكم التي بنيتم عليها إثبات الأول وسلب أفعاله، ولم تقيموا عليها دليلًا، هي بعينها تستلزم عدم دليلكم على ثبوت الأول، فتبين أنه ليس في كلامكم لا إثبات للأول، ولا نفي لشيء عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>الوجه التاسع عشر</span>\nأن يقال: لم قلتم: إن كل فاعل بالإرادة أو كل متحرك، بالإرادة يجب أن يكون محتاجًا إلى مراد منفصل عنه غني عنه؟ ولم","vol":"9","page":309},{"text":"تذكروا على هذا دليلًا.\nويقال لكم: لم لا يجوز أن يكون هو المراد المحبوب، فيكون محبًا لنفسه، فهو المحب وهو المحبوب؟ أو يكون مريدًا محتاجًا لما هو مفعول له، فيكون هو مراده، فلا يكون في ذلك احتياجه إلى غيره؟\nوأنتم تقولون ما هو موجود في كتبكم: إن الأول عاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ، ومبتهج ومبتهج به، فإذا جاز عندكم أن يكون محبًا محبوبًا، مريدًا مرادًا، فلم لا يجوز أن يكون إذا فعل بالمحبة والإرادة، هو المحبوب المراد؟\nوعلى اصطلاحكم: هو العاشق المعشوق؟ وعلى هذا التقدير يبطل أصلًا كلامكم، ويمكن وصفه بصفات الكمال وبالأفعال الكاملة الإرادية، التي لا يفتقر فيها إلى غيره، ولا يكون فيه نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>الوجه العشرون</span>\nأنكم تقولون: إن العالي لا يفعل لأجل السافل، وإن حركة الفلك الإرادية لا يجوز أن تكون لأجل السفليات، لكن لزم حصول ما حصل عن حركته الإرادية بالقصد الثاني.\nوإنما مقصوده بحركته الإرادية التشبه بمحبوبه الأعلى.\nوإذا كان الأمر كذلك، فلم لا يجوز أن يكون الأول هو المريد والمراد، والمحبوب والمحب؟ وهو لا يريد شيئًا لأجل شيء سواه، ولكن محبته لنفسه وإرادته لها، استلزم وجود المفعولات، كما قلتموه فيما صدر عن الأفلاك.\nوإذا قيل: هو فاعل باختياره وإرادته، فعلًا يستلزم وجود المعلولات، كان كما قلتم مثل ذلك في حركة الفلك، فهذا القول جاز على","vol":"9","page":310},{"text":"أصولكم، وهو أحق بالجواز إن كانت أصولكم صحيحة -مما قلتموه فيه من وصفه بغاية النقص، فإذا وصفتموه بهذا كنتم قد وصفتموه بصفات الكمال، مع رعاية أصولكم التي اعتقدتم صحتها، ولم يكن في هذا محذور، إلا كان في نفيه من المحذور ما هو أعظم منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>الوجه الواحد والعشرون</span>\nأن يقال: قولكم: فجوهرها ليس فيه شوق إلى شيء، ولا منافرة لشيء مضمونه أنها لا تحب شيئًا ولا تبغضه، فلم قلتم ذلك؟\nفإن قلتم: إن المحب المبغض لا يحب إلا ما يحتاج إليه من غيره، ولا يبغض إلا ما يحتاج إلى دفعه عن نفسه.\nقيل لكم: ولم قلتم ذلك، والفلك عندكم يحب بل يعشق؟ وإذا كان يحب شيئًا فإنه يبغض زواله، ومع هذا فهو عندكم لا يخاف من شيء منفصل، ولا يحتاج إلى دفع ضرر عن نفسه، بل ولا يجوز عليه الفساد والانحلال، وهو مع هذا عاشق محب، طالب مشتاق، فلا يلزم من كونه مشتاقًا، أن يكون من يعرض له أمر يحتاج إلى استدفاعه.\nوأما كون الحب يوجب أن يكون فوقه جوهر آخر يقتبس منه، فهذا إنما يلزم إذا لم يكن قادرًا على حصول محبوبه.\nفأما إذا قدر أنه ليس في ذلك حاجة إلى ما هو غني عنه، لم يكن في ذلك محذور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>الوجه الثاني العشرون</span>\nأن يقال: قولكم: فجوهرها إذن ليس فيه شوق إلى شيء، ولا منافرة لشيء، ولا قبول لتغيير، ولا لحدوث","vol":"9","page":311},{"text":"شأن متجددة أمر لم يذكروا عليه حجة عقلية، إلا ما ذكرتموه من أن هذه الذات ليس فيها نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج، ولا فوقها ما تزداد منه، ولا يعرض لها ما يحتاج دفعه.\nفيقال لكم: الجوهر المتحرك أهو محتاج إلى شيء من خارج، وفوقه ما يزداد منه، ويعرض له ما يحتاج إليه في دفعه، أم ليس كذلك؟\nفإن قلتم: إنه بهذه الصفة وهو متحرك، لم يكن في ثبوت هذه الصفات ما يمنع كون الموصوف متحركًا، فيجوز حينئذ على الأول أن يكون متحركًا قابلًا لقيام الأمور الاختيارية به، كما يقبله الجوهر المتحرك، إذ كان كلاهما مشتركًا في هذه الصفات.\nوإن قلتم: ليس كذلك، وإن الجوهر المتحرك يعرض له ما يدفعه عن نفسه.\nقيل لكم: ليس هذا قولكم: وبتقدير أن يعرض له، فليس فوقه ما يدفع هذا عنه، إذ عندكم ليس فوقه فاعل، إنما فوقه محبوب ليس بفاعل ولا مؤثر: لا بإرادة ولا بدون إرادة.\nوكذلك إن قلتم: إنه يحتاج إلى تمام من خارج، أو فوقه جوهر يقتبس منه زيادة.\nقيل لكم: فمن الذي يفيده الزيادة ويزيل عنه الحاجة غيره؟\nفإن قلتم: الأول.\nفالأول عندكم ليس يؤثر أثرًا، ولا يفعل فعلًا: لا عن إرادة ولا عن غير إرادة.\nوكونه محبوبًا لا يقتضي أنه يفعل بالمحب فعلًا","vol":"9","page":312},{"text":"يزداد به، إذ كان الفاعل للحب في المحبوب المحرك له إلى المحبوب ليس نفس المحبوب، إذ كل عاقل يعلم أن الخبز إذا أحبه الجائع لم يفعل حركته ولا قصده، كذلك المعشوق الذي لا يشعر بعاشقه، ليس منه فعل ولا حركة يزيد بها المحب شيئًا، وإنما يضاف الفعل إليه كما يضاف إلى الجماد.\nكما يقال: أهلك الناس الدرهم والدينار.\nويقال: قتلني حب المال.\nويقال للذهب: قاتول.\nويقال للدنيا: غرارة خداعة مكارة، ونحو ذلك مما يضاف إلى ما تحبه النفوس وتهواه، من غير فعل منه ولا قصد، فإنما يضاف الفعل إليه لأنه كان بسببه، لا أنه هو المحدث لذلك الفعل ولا الفاعل له، ولا المبدع له، وهذا متفق عليه بين العقلاء.\nوإذا كان كذلك فليس في الجوهر الجسماني الفلكي إلا من جنس ما جعلتموه في الأول، وهو غني كغنى الأول، ومع هذا فقد جاز عليه الحركة وقيام الحوادث به، فكذلك في الأول.\nوإذا جاز أن يقال: إن الفلك يتحرك بنفسه، فلم لا يجوز أن يقال: إنه يشتاق إلى نفسه.\nوإذا قيل: إن الأول هو محبوب مشتاق إليه، فلم لا يجوز أن يكون محبًا لنفسه، وحركته من المحبة لنفسه؟\nوإذا قلتم: إلى أي شيء يتحرك؟\nقيل لكم: والفلك إلى شيء يتحرك؟\nفإذا قلتم: لإخراج ما لا يمكن وجوده دفعةً عن الأيون والأوضاع.\nقيل لكم: ولم لا يجوز على هذا أن تقولوا: إن الأول يتحرك لإخراج","vol":"9","page":313},{"text":"ما لا يمكن وجوده دفعةً من أحواله وشؤونه، ثم الحوادث المنفصلة تابعة لذلك كما قلتم مثل ذلك في الفلك؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>الوجه الثالث العشرون</span>\nأن يقال: قولكم ليس فيه شوق إلى شيء ولا منافرة لشيء: أتريدون به أنه ليس فيه حب لشيء أصلًا: لا لنفسه ولا لغيره؟ ولا بغض لشيء من الأشياء؟ وسميتم الحب الباعث على الفعل شوقًا؟ أم تريدون به ليس فيه شوق إلى شيء مستغن عنه كما قلتموه في الفلك؟\nفإن كان مرادكم الثاني: لم يضر هذا، مع أنكم لم تقيموا على هذا دليلًا.\nولو قيل لكم: بل يجوز أن يكون مشتاقًا إلى غيره، وغيره مشتاق إليه -لم يمكنكم الجواب، لأنكم إن قلتم: إن الفلك ممكن بنفسه، لزم أن يكون الأول فاعلًا له، ولزم أن يكون كالفلك، وهو عندكم لا يفعل ولا يؤثر، وإن كان الفلك واجبًا، كان الواجب موصوفًا بالشوق إلى غيره.\nوأيضًا فأنتم لم تذكروا دليلًا على ثبوته، فضلًا عن غناه، إذ دليلكم في ثبوته مبني على أن المتحرك بالإرادة لا تكون حركته إلا عن حب لغيره، وهذا لم تقيموا عليه دليلًا، وهو لا يتم حتى يمتنع كون الأول فاعلًا بالإرادة، فإذًا لا يمكنكم ثبوته حتى يمتنع كونه فاعلًا بالإرادة، ولا يمتنع كونه فاعلًا بالإرادة حتى يعلم ثبوته، فإذًا لا يثبت لا هذا ولا هذا.\nوإن كان مرادكم الأول، فيقال لكم: من أين علمتم أنه لا يكون محبًا لنفسه ولا لغيره؟","vol":"9","page":314},{"text":"فإن قلتم: إن المحب لغيره ناقص يحتاج إلى الغير.\nكان جوابكم من أربعة أوجه:\nأحدها: أن يقال: لم لا يجوز أن يكون محبًا لنفسه، ثم محبته لغيره تبعًا؟ كما تقولون في حب الفلك وإرادته بالقصد الأول والقصد الثاني.\nالثاني: أن يقال: فلم لا يجوز أن يكون محبًا لغيره، الذي هو مفعول مصنوع له؟ وإذا كان مريدًا كما هو مفعول مصنوع له، وهو ممكن، لم يكن في ذلك إرادته ومحبته إلا لمفعولاته ومبتدعاته، التي هي فقيرة إليه من كل وجه، فليس في هذا افتقار إلى شيء هو مستغن عنه بوجه من الوجوه.\nومعلوم أن هذا خير من قولكم: إن الفلك لا يحتاج إليه إلا من جهة كونه محبوبًا، فإن ذلك في إثبات فقر الفلك إليه من كل وجه، وهذا أبلغ في الكمال.\nالثالث: أن يقال: ولو فرض محبًا لغيره مريدًا لغيره، وذلك الغير أيضًا محتاج إليه، لكونه لا يقوم إلا به، كان غاية ما في هذا أن يكون قوام كل منهما بالآخر ومعلوم أن هذا، وإن كان المسلمون ينزهون الله عنه، فهو خير من قولكم المتضمن أن الفلك ليس له مبدع فاعل، مع كونه محتاجًا إلى محبوبه، لأن هذا يتضمن شيئين، كل منهما فاعل له، وأحدهما محب للآخر، أقرب إلى العدل والإمكان، إن كان ذلك ممكنًا، وإلا فهو أقرب إلى الامتناع، لأن كلا القولين يتضمن إثبات شيئين لا فاعل لهما، وأحدهما يتضمن أن المحب أحدهما والآخر محبوب، والقول الثاني يتضمن أن كلاهما محب محبوب.","vol":"9","page":315},{"text":"الوجه الرابع: أن يقال: المحب المريد لأمور منفصلة عنه، إذا كان قادرًا عليها، وهو يفعلها بحسب محبته وإرادته من غير مانع.\nفلم قلتم: إن هذا نقص؟ أو ليس الموصوف بهذا أكمل من الذي لا يحب شيئًا ولا يريده ولا يقدر عليه؟ وإذا شبه الأول بالحيوان، كان الثاني مشبهًا بالجماد، والجماد أنقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>الوجه الرابع العشرون</span>\nأن يقال: إذا قدر موجودان: أحدهما محب مريد يفعل ما يريده وهو قادر على ذلك، والثاني لا يحب شيئًا ولا يريده ولا يقدر على شيء محبوب مراد، لكن غيره يحبه -كان إجماع العقلاء أن الأول أكمل من الثاني، فإن الثاني شبيه بالخبز والماء واللباس، والمساكن التي يحبها الناس ويريدونها، والأول شبه بالناس الذين يحبون ذلك.\nومعلوم أن الثاني أنقص من الأول، والأول أقرب إلى الكمال.\nفهؤلاء فروا بزعمهم مما توهموه نقصا، فوقعوا فيما هو أعظم نقصًا بلا ريب.\nوإيضاح هذا أن يقال: إذا قسمنا الموجودات إلى قسمين: حي وميت، وعالم وجاهل، وقادر وعاجز، وقادر على الفعل وغير قادر عليه، بل قادر على الفعل والحركة بإرادته ومحبته، ومن لا إرادة له ولا قدرة له، أو لا فعل له ولا حركة إلى ما يريده، ونحو ذلك- كان الأول هو الموصوف بصفات الكمال دون الثاني.\nوأما مجرد كون الشيء مرادًا محبوبا، فليس بصفة كمال، إلا أن يكون محبوبًا لنفسه مرادًا لذاته.\nوهؤلاء سلبوا الرب جميع صفات الكمال، ووصفوه بالنقائص، ولم يثبتوا له شيئًا من الكمال، إلا مجرد كونه","vol":"9","page":316},{"text":"محبوبًا، ولم يقيموا حجة على ذلك، ولا على أنه محبوب لنفسه، فكان ما وصفوه به غاية النقص، بل العدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>بقية كلام ثابت بن قرة ورد ابن تيمية عليه</span>\nقال ثابت: فليس يوجد إذن أمر يجتذب هذه الذات بالطبع وبغير إرادة، وليس يوجد إذن أمر يدعو هذه الذات إلى حال أو شأن ليس هي المبدأ الأول له والعلة فيه.\nفيقال لهم: أولًا: لم تقيموا دليلًا على شيء من ذلك.\nفإنكم لم تجعلوها فاعلًا لشيء ولا مؤثرًا فيه أصلًا، فليست مبدأً لشيء من الأشياء ولا علة له، إلا من كونها محبوبة فقط، وليس في هذه الجهة أنها تحدث شيئًا، ولا أنها تبدع شيئًا.\nوإذا كان كذلك فما المانع أن يكون غيرها جاذبًا لها وداعيًا لها إلى شيء؟ وما المانع أن تكون هي محبة لغيرها؟ وأنتم لم تذكروا على امتناع ذلك حجة أصلًا.\nوالمسلمون، وغيرهم من أهل الملل، إذا نزهوا الله عن الحاجة إلى غيره، فهم يثبتون أنه رب غيره ومليكه وخالقه.\nوأنتم لم تثبتوا أنه رب كل ما سواه ومليكه وخالقه.\nوحينئذ فلا دليل لكم على انتفاء الحاجة عنه، لا سيما مع أنه يلزمكم أن تجعلوا العالم واجب الوجود بنفسه مع فقره إليه، فيكون الواجب بنفسه فقيرًا إلى غيره، أو تجعلوه ممكنًا لا بد له من فاعل، فيكون الأول مبدعًا فاعلًا لغيره، والفاعل، كما ذكروه، يستلزم أن يكون له فعل وإرادة، وهذا نقيض قولهم.","vol":"9","page":317},{"text":"ويقال لهم: ثانيًا: لم لا يجوز أن يكون مفعولها المحتاج إليها هو الداعي الجاذب؟ وليس في هذا افتقار إلى ما هو مستغن عنها، وأنتم لم تقيموا دليلًا على انتفاء ذلك.\nويقال لهم: ثالثًا: لم لا يجوز أن يكون هو المبدأ لما يفعله، والداعي منه لا من غيره، وهو المحب لنفسه؟ وقد ذكر أئمتكم في كتبهم أنه عاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ به.\nقال: وبالجملة فكل ما كان له ما هو بالطبع، على الجهة الطبيعية التي يمحوها، فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع، إلى حال لا تملكها إرادته، والمشتاق معلول من جهة شوقه للشيء المشوق إليه مبدأ له في ذلك الشوق، ومن جهة أي هو له علة تمامية من جهة من الجهات.\nوليس يليق هذا الأمر البتة بالمبدأ الأول.\nولكنه مبدأ لكل طبيعة ولكل شوق ولكل حركة.\nفيقال له: الكلام على هذا من وجوه:\nالأول: قولكم: إن الأول مبدأ لكل طبيعة وكل شوق وكل حركة، كلام مناقض لما ذكرتموه، فإنكم لم تجعلوه إلا محبوبًا فقط، لا فاعلًا مبدعًا، ولا علة فاعلة، ومجرد كون الشيء محبوبًا لا يوجب أن يفعل شيئًا في غيره.\nوقد علم الفرق بين العلة الفاعلة والغائية.\nوالثاني: قولكم: إن المشتاق إليه علة للمشتاق.\nفيقال لكم: ولم يمتنع أن يكون محبًا لنفسه؟ فهو المحب المحبوب.","vol":"9","page":318},{"text":"الثالث: أن يقال: ما المانع أن يكون محبًا مريدًا لما هو مفعول مصنوع له؟ وليس في هذا كونه معلولًا لغيره، لأن ذلك الغير هو معلوله من كل وجه، مفعول له بكل طريق، محتاج إليه بكل سبب.\nوليس في حب الشيء وإرادته لمثل ذلك نقص، بل هذا من الكمال.\nفإن من أراد ما هو مفعول له معلول له، وهو قادر على ذلك المراد المحبوب، كان هذا غاية الكمال، بخلاف من لا يفعل شيئًا منفصلًا عنه، ولا يريده، ولا يقدر عليه، بل ولا يفعل فعلًا قائمًا بنفسه، بل هو كالجماد الذي ليس له صفة كمال، بل كالمعدوم.\nالرابع: قولكم: وليس يليق هذا البتة بالمبدأ الأول كلام بلا برهان، وأنتم تدعون البرهان والحجة -وقد ذكر هذا غيركم- لم ترضوا أن تجعلوا هذا خطابة، بل جعلتموه دون الخطابة، وأنتم تجعلونه عمدة في مثل هذا الأمر العظيم بلا حجة أصلًا، مع أنكم لم تثبتوا أن الأول مبدأ ولا فاعل أصلًا، إلا بجهة كونه محبوبًا، مع أنكم لم تقيموا على ذلك دليلًا.\nالخامس: قوله: كل ما كان ما هو له بالطبع من الجهة التي ينحوها، فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا تملكها إرادته.\nفيقال لهم: هذه قضية كلية لم يذكروا عليها دليلًا، وغاية ما يستدلون به أن يقولوا: وجدنا المتحركات بالإرادة كذلك الحيوان.\nفيقال لهم: وكذلك وجدتم ذلك ممكنًا مفعولًا مصنوعًا، مفتقرًا إلى","vol":"9","page":319},{"text":"فاعل مبدع، فقولوا: إن الأول ممكن مفعول مصنوع مفتقر إلى فاعل مبدع.\nفإن كان الدليل قد أثبت موجودًا واجبًا بنفسه لا يفتقر إلى غيره، فإما أن يكون ذلك هو الفلك، أو أمرًا فوق الفلك، فإن كان هو الفلك، وهو مشتاق إلى حال تملكها إرادته، بطل نفيكم لهذا عن الواجب بنفسه.\nوإن كان الواجب بنفسه أمرًا فوق الفلك، كان هو الفاعل للفلك المبدع له.\nوحينئذ فالفلك وما فيه محتاج إليه من كل وجه، فليس في الوجود ما هو خارج عن ملكه، حتى يقال: إنه مشتاق إلى ما تملكه إرادته.\nالسادس: أن هذا الكلام إنما يصح أن لو كان فيه الوجود ما لا تملكه إرادة الأول.\nفأما إذا كان كل ما سواه كائنًا بإرادته ومشيئته، فليس في الوجود شيء لا تملكه إرادته.\nوأنتم لم تقيموا دليلًا على امتناع إرادته، وإذا كانت إرادته ممكنة على هذا الوجه، كما يقول المسلمون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن -لم يمنع أن يكون مريدًا على هذا الوجه.\nالسابع: أن يقال: كونه يفعل بالطبع، أو نحو ذلك، ليس من عبارة المسلمين.\nفإذا كانوا يسمون كل ما يفعل فعلًا قائمًا بنفسه متحركًا بالطبع، لم ننازعهم في المعنى.\nلكن نقول: لم قلتم: إن من كان فاعلًا فعلًا يقوم به بإرادته مشتاق إلى حال لا يملكها؟","vol":"9","page":320},{"text":"فإذا سميتم كل ما كان كذلك فاعلًا بالطبع، فلم قلتم: إن كل ما كان كذلك مشتاق إلى حال لا يملكها؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>فصل. عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nفصل.\nعود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه\nثم قال ابن رشد: فإن قيل: فإذ قد تبين أن هذه الطرق كلها ليست واحدة منها هي الطريقة الشرعية التي دعا الشرع منها جميع الناس على اختلاف فطرهم إلى الإقرار بوجود الباري، فما هي الطريق الشرعية التي نبه الكتاب عليها وكان يعتمدها الصحابة؟\nقلنا: الطرق الشرعية التي نبه الكتاب عليها، ودعا الكل من بابها، إذا استقرئ الكتاب، وجدت تنحصر في جنسين: أحدهما طرق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجله، وتسمى هذه دليل العناية.","vol":"9","page":321},{"text":"والطريق الثانية: ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات، مثل اختراع الحياة في الجماد، والإدراكات الخمسة والعقل، ولنسم هذا دليل الاختراع.\nأما الطريق الأولى فتبنى على أصلين: أحدهما: أن جميع الموجودات التي ها هنا موافقة لوجود الإنسان.\nوالأصل الثاني: أن هذه الموافقة هي ضرورة من قبل فاعل قاصد لذك مريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق، فأما كونها موافقة لوجود الإنسان، فيحصل اليقين بذلك، بدليل موافقة الليل والنهار، والشمس والقمر، لوجود الإنسان، وكذلك موافقة الأزمنة الأربعة له، والمكان الذي هو فيه أيضًا وهو الأرض.\nوكذلك أيضًا يظهر موافقة كثير من الحيوان له، والنبات والجمادات، وجزيئات كثيرة: مثل الأمطار، والأنهار، والبحار، وما تحمله","vol":"9","page":322},{"text":"الأرض والماء والهواء والنار.\nوكذلك أيضًا تظهر العناية في أعضاء الإنسان وأعضاء الحيوان، أعني كونها موافقة لحياته ووجوده.\nوبالجملة فمعرفة منافع الموجودات داخلة في هذه الجنس.\nولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن صانع جميع الموجودات.\nقال: وأما دلالة الاختراع، فيدخل فيها وجود الحيوان كله، ووجود النبات، ووجود السموات.\nوهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في فطر جميع الناس.\nأحدهما: أن هذه الموجودات مخترعة، وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات.\nكما قال تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ الآية [الحج: ٧٣]، فإنا نرى أجسامًا جمادية ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعًا أن ها هنا موجدًا للحياة ومنعمًا بها، وهو الله ﵎.\nوأما السموات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة","vol":"9","page":323},{"text":"بالعناية بما هو ها هنا، ومسخرة لنا، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة.\nقلت: هذا يبين بأن حركات الأفلاك ليست من قبل أنفسها، بل من محرك منفصل عنها، حتى يكون ذلك المحرك لها هو الآمر المسخر.\nوهذا يتبين بوجوه مبسوطة في غير هذا الموضع، مثل أن يبين المحرك من جهة الفاعل والسبب، ومن جهة المقصود والغاية، أي أنها لا بد أن تقصد بحركاتها شيئًا منفصلًا عنها، مثل ما يقول المسلمون وغيرهم من أهل الملل: إنها عابدة لله تعالى، ويقول المتفلسفة -كأرسطو وأتباعه-: إنها تقصد التشبه بالإله على قدر الطاقة.\nوعلى القولين فتكون حركتها من جنس حركة المحب إلى محبوبه، والطالب إلى مطلوبه، وما كان له مراد منفصل عنه مستغن عنه -فهو محتاج إلى ما هو مستغن عنه، ومن احتاج إلى ما هو مستغن عنه لم يكن غنيًا بنفسه، بل يكون مفتقرًا إلى ما هو منفصل عنه، وهذا لا يكون واجب الوجود بنفسه، بل يكون ممكنًا عبدًا فقيرًا محتاجًا، فتكون السموات مفتقرة ممكنة ليست بواجبة.\nوالوجه الثاني: أن كل فلك فإنه يحركه غيره من الأفلاك المنفصلة عنه، فتكون حركته من غيره، والفلك المحيط بها المحرك لها لا يحرك ولا يؤثر في غيره، إلا بمعاونة غيره من الأمور المنفصلة عنه، فليس هو وحده المحرك","vol":"9","page":324},{"text":"لسائر أنواع حركاتها، بل يجب أن يكون المحرك غيره، والمتحركات المنفصلة عنه ليست منه وحده، بل منه ومن غيره، فليس فيها ما هو مستقل بالتحريك، وما كان مفتقرًا إلى غيره لم يكن واجبًا بنفسه.\nفلا بد من محرك منفصل عنها.\nومثل أن يقال: ليس شيء منها مستقلًا بمصالح السفليات والآثار الحادثة فيها، بل إنما يحصل ذلك بأسباب منها اشتراكها، ومنها أمور موجودة في السفليات ليست من واحد منها، فكل واحد منها لا بد له من شريك معاون، له مانع يعوقه عن مقتضاه، فلا يتم أمره إلا بمشارك غني عنه، وانتفاء مانع معارض له، فيمتنع أن يكون مبدعًا لشريكه الغني عنه، ولمانعه المضاد له، وأن يكون ما يحصل من المصالح التي في العالم السفلي بمجرد قصده وفعله، فوجب أن يكون هناك ما يوجب فعله وحركته من غيره، وذلك هو الأمر والتسخير.\nلأن الحركة إن كانت قسرية فلها قاسر.\nوإن كانت طبيعية فالطبعية لا تكون إلا إذا خرجت بالعين من محلها، فهي مقسورة على الخروج.\nوإن كانت إرادية فالمريد لآثار لا يستقل بها ولا يحصل إلا بمشاركة غيره، ويمتنع بمعارضة غيره له فيها، هو مفتقر في مقصوده إلى غيره.\nويمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه، لأن الواجب بنفسه لا يكون مفتقرًا إلى غيره المستغني عنه بوجه من الوجوه، إذ لو افتقر إلى غيره بوجه من الوجوه، لم يكن من ذلك الوجه غنيًا عن الغير، بل مفتقرًا إليه.","vol":"9","page":325},{"text":"ولا يتم ذلك الوجه إلا بذلك الغير المستغني عنه.\nوالمريد لأمر إذا لم يكن قادرًا على تحصيل مراده كان عاجزًا، وكان فقيرًا إلى ما به يحصل مراده والمفتقر إلى ما يعجز عنه لا يكون واجبًا بنفسه، ولا يكون كماله حاصلًا به، بل بما هو مستغن عنه.\nفهذه الأمور وغيرها مما يستدل به على هذا المطلوب.\nقال: وأما الأصل الثاني فهو أن كل مخترع فله مخترع، فيصح من هذين الأصلين أن للوجود فاعلًا مخترعًا له.\nوفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات، ولذلك كان واجبًا على من أراد معرفة الله حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع.\nوإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء﴾ [الأعراف: ١٨٥] .\nوكذلك أيضًا من تتبع معنى الحكمة في موجود، أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق والغاية المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم.\nفهذان الدليلان هما دليلا الشرع.\nوأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع","vol":"9","page":326},{"text":"سبحانه في الكتاب العزيز هي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة فذلك بين لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى.\nوذلك أن الآيات التي في الكتاب العزيز في هذا المعنى إذا تصفحت وجدت على ثلاثة أنواع:\nإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية، وإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع، وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعًا.\nفأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فقط، فمثل قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال أوتادا﴾ [النبأ: ٦-٧] إلى قوله: ﴿وجنات ألفافا﴾ [النبأ: ١٦] .\nومثل قوله تعالى: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا﴾ [الفرقان: ٦١]، إلى قوله: ﴿أو أراد شكورا﴾ [الفرقان: ٦٢] .","vol":"9","page":327},{"text":"ومثل قوله: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه﴾ الآيات [عبس: ٢٤] .\nومثل هذا كثير في القرآن.\nوأما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط، فمثل قوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق﴾ [الطارق: ٦] .\nومثل قوله: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ [الغاشية: ١٧] الآية.\nومثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا﴾ [الحج: ٧٣] .\nومن هذا قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﵇: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا﴾ [الأنعام: ٧٩]، إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى.\nوأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضًا، بل هي الأكثر، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من","vol":"9","page":328},{"text":"قبلكم﴾ [البقرة: ٢١]، إلى قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٢] .\nوذلك أن قوله: ﴿الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١]، تنبيه على دلالة الاختراع، وقوله: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء﴾ [البقرة: ٢٢]، تنبيه على دلالة العناية.\nومثله قوله: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون﴾ [يس: ٣٣] .\nوقوله: ﴿ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ [آل عمران: ١٩١] .\nوأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى يوجد فيها النوعان من الأدلة.\nقال: فهذه الطريق هي الصراط المستقيم، التي دعا الله الناس منه إلى معرفة وجوده، ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى.","vol":"9","page":329},{"text":"وإلى هذا الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الإشارة بقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم﴾ إلى قوله: ﴿قالوا بلى شهدنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] .\nولهذا يجب على كل من كان وكده طاعة الله تعالى، في الإيمان به وامتثال ما جاءت به رسله، أن يسلك هذه الطريقة، حتى يكون من العلماء الذي يشهدون لله بربوبيته، مع شهادته لنفسه وشهادة ملائكته له.\nكما قال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: ١٨] .\nقال: ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين عليه هو التسبيح المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤] .\nقلت: في هذه الآية وآية أخذ الميثاق من الكلام ما ليس هذا موضعه.\nوكذلك دعواه انحصار الطريق في هذين النوعين.","vol":"9","page":330},{"text":"وقوله: إن في الآيات ما يدل على العناية دون الاختراع وغير ذلك -كلام ليس هذا موضعه، بل كل ما دل على العناية دل على الاختراع، ولكن المقصود هنا حكاية ما ذكره.\nقال: فقد بان من هذه الأدلة على وجود الصانع منحصرة في هذين الجنسين: دلالة العناية، ودلالة الاختراع.\nقال: وبين أن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما: طريقة الخواص، ويعنى بالخواص العلماء، وطريقة الجمهور.\nوإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفضيل: أعني أن الجمهور يقتصرون من معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس.\nوأما العلماء فيزيدون إلى ما يدركون من هذه الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان، أعني من العناية والاختراع، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع أعضاء الإنسان والحيوان، هو قريب من عشرة آلاف منفعة.","vol":"9","page":331},{"text":"قال: وإذا كان هذا هكذا فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والفلسفية الحكمية، وهي التي جاءت بها الرسل، ونزلت بها الكتب، والعلماء ليسوا يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط، بل من قبل التعمق في معرفة الشيء الواجب بنفسه، فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات، مثالهم في النظر إلى المصنوعات، التي ليس عندهم علم بصنعها، فإنهم إنما يعرفون من أمرها أنها مصنوعات فقط، وأن لها صانعًا موجودًا.\nومثلا العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عنده ببعض صنعها وبوجه الحكمة فيها، ولا شك أن من حاله من العلم بالمصنوعات هذه الحال، فهو أعلم بالصانع من جهة ما هو صانع، من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط.\nوأما مثال الدهرية في هذا الذين جحدوا الصانع ﷾، فمثال من أحس مصنوعات فلم يعرف أنها مصنوعات، بل ينسب ما","vol":"9","page":332},{"text":"رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته.\nقلت: فهذا الرجل مع أنه من أعيان الفلاسفة المعظمين لطريقتهم، المعتنين بطريقة الفلاسفة المشائين، كأرسطو وأتباعه، يبين أن الأدلة العقلية الدالة على إثبات الصانع مستغنية عما أحدثه المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم، من طريقة الأعراض ونحوها، وأن الطرق الشرعية التي جاء بها القرآن هي طرق برهانية تفيد العلم للعامة وللخاصة، والخاصة عنده يدخل فيهم الفلاسفة، والطرق التي لأولئك، هي مع طولها وصعوبتها، لا تفيد العلم لا للعامة ولا للخاصة.\nهذا مع أنه يقدر القرآن قدره، ولم يستوعب أنواع الطرق التي في القرآن، فإن القرآن قد اشتمل على بيان المطالب الإلهية بأنواع من الطرق وأكمل الطرق، كما قد بسط في موضعه.\nوالذي قاله من أن هذه الطرق المعتزلية، كطريقة الأعراض المبنية على امتناع حوادث لا أول لها، لم يبعث الرسول بدعوة الخلق إليها، ولا كان سلف الأمة يتوسلون بها إلى معرفة الله -هو أمر معلوم بالاضطرار لكل من كان عالمًا بأحوال الرسول ﷺ، وأصحابه والسلف، ولكل من تدبر القرآن والحديث.\nوكل متكلم فاضل، كالأشعري وغيره، يعلم ذلك، كما تقدم كلام الأشعري.\nوأما كون هذه الطرق المعتزلية -كطريقة الأعراض والتركيب والاختصاص- هي برهانية أو ليست برهانية، وهي تفيد العلم أو لا","vol":"9","page":333},{"text":"تفيده، فهذا مما يعلم بنظر العقل الصريح، فمن كان ذكيًا طالبًا للحق، عرف الحق في ذلك.\nولنا مقصودان: أحدهما: أن ما به يعلم ثبوت الصانع وصدق رسوله، لا يتوقف على هذه الطرق المعتزلية الجهمية.\nوهذه الطرق هي التي يقال: إنها عارضت الأدلة الشرعية، ويقال: إن القدح فيها قدح في أصل الشرع، فإذا تبين أنها ليست أصلًا للعلم بالشرع كما أنها ليست أصلًا لثبوته في نفسه بالاتفاق، بطل قول من يزعم أن القدح في هذه العقليات قدح في أصل الشرع، وهو المطلوب.\nوالمقصود الثاني أن هذه العقليات المعارضات للشرع باطلة في نفسها، وإن لم نقل إنها أصل للعلم به، وقد ذكرنا من قدح فضلاء أهل الكلام والفلسفة فيها بالأدلة العقلية ما يحصل هذا المقصود.\nفمن كان له نظر ثاقب في هذه الأمور عرف حقيقة الأمر، ومن كان لا يفهم بعض الدقيق من كلامهم، كفاه أن يعلم أن هؤلاء النظار يقدح بعضهم في أدلة بعض، وأنهم لم يتفقوا على مقدمتين عقليتين، ولا مقدمات ولا مقدمة واحدة يمكن أن يستنتج منها دليل عقلي، يصلح لمعارضة أخبار الرسول ﷺ، بل إن اتفقوا على مطلوب، كاتفاق طائفة من أهل الكلام وطائفة من أهل الفلسفة على نفي العلو مثلًا -فهؤلاء يثبتون ذلك وينفقون التجسيم بدليل الأعراض، والآخرون يطعنون في هذا الدليل ويثبتون فساده في العقل، وهؤلاء يثبتون ذلك بدليل نفي التركيب العقلي، وأولئك يثبتون فساد هؤلاء، فصار هذا بمنزلة من ادعى حقًا وأقام عليه بينتين، وعلى بينة تقدح في الأخرى، وتقول:","vol":"9","page":334},{"text":"إنها كاذبة فيما شهدت به، وتبدي ما يفسد شهادتها، وأنها غير صادقة، فلا يمكن ثبوت الحق بذلك، لأنا إن صدقنا كلًا منهما فيما شهدت به من الحق، وفي فسق أولئك الشهود لزم أن لا تقبل شهادة أولئك الشهود، فلا تقبل شهادة لا هؤلاء ولا هؤلاء، فلا يثبت الحق.\nوإن عينا إحدى البينتين بالقبول، أو قبلنا شهادتهما في الحق دون جرح الأخرى، كان تحكمًا.\nمع أنه ما من مطلوب من المطالب إلا وقد تنازع فيه أهل الكلام والفلسفة جميعًا، فأهل الفلسفة متنازعون في الجهة وحلول الحوادث، وأهل الكلام متنازعون أيضًا في ذلك.\nوالمثبتون من هؤلاء وهؤلاء يقدحون في أدلة النفاة بالقوادح العقلية.\nوأهل السنة، وإن كانوا يعرفون بعقولهم من المعاني الصحيحة نقيض ما يقول النفاة، فلا يعبرون عن صفات الله بعبارات مجملة مبتدعة، ولا يطلقون القول بأن الله جسم، وأنه تحله الحوادث، وأنه مركب، ولا نحو ذلك.\nولا يطلقون من نفي ذلك ما يتناول نفي ما أثبته الرسول ودلت العقول عليه، بل يفسرون المجملات، ويوضحون المشكلات، ويبينون المحتملات، ويتبعون الآيات البينات، ويعلمون موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح.\nوهؤلاء المتفلسفة، مثل هذا الرجل وأمثاله، وإن وافقوا النفاة في الباطن في بعض ما نفوه، فهم معترفون بأن الشرع لم يرد بذلك، ومبطلون","vol":"9","page":335},{"text":"لأدلة إخوانهم النفاة، ثم يذكرون من أدلة النفي ما هو أضعف وأفسد مما ضعفوه وأفسدوه.\nونحن نذكر كلامه في ذلك، وذلك أنه لما تكلم على الطريق العقلية الشرعية في إثبات الصانع، تكلم أيضًا على إثبات التوحيد والصفات الثبوتية والسلبية والأفعال..\nفقال: القول في الوحدانية: فإن قيل: إذا كانت هذه الطريقة هي الطريقة الشرعية في معرفة وجود الصانع سبحانه، فما طريقة معرفة وحدانيته الشرعية أيضًا، وهو معرفة أنه لا إله إلا هو، فإن هذا النفي هو معنىً زائد على الإيجاب الذي تضمنته هذه الكلمة، والإيجاب قد ثبت من القول المتقدم، فبماذا يصح النفي؟\nقلنا: أما نفي الألوهية عما سواه، فإن طريق الشرع في ذلك هي الطريق التي نص الله عليها في كتابه.","vol":"9","page":336},{"text":"وذلك في ثلاث آيات: إحداها قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .\nوالثانية قوله: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون﴾ [المؤمنون: ٩١] .\nوالثالثة قوله: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] .\nفأما الآية الأولى فدلالتها مغروزة في الفطر بالطبع، وذلك أنه من المعلوم بنفسه أنه إذا كان ملكان كل واحد منهما فعله فعل صاحبه، أه ليس يمكن أن يكون عن تدبيرهما مدينة واحدة، لأنه ليس يكون عن فاعلين من نوع واحد فعل واحد، فيجب ضرورة إن فعلا معًا أن تفسد المدينة الواحدة، إلا أن يكون أحدهما يفعل ويبقى الآخر عطلًا، وذلك منتف في صفة الإلهية، فإنه متى اجتمع فعلان من نوع واحد على محل واحد، فسد المحل ضرورة، أو تمانع الفعل، فإن الفعل الواحد لا يصدر إلا عن واحد.\nفهذا معنى قوله سبحانه: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .","vol":"9","page":337},{"text":"قلت: المعلوم بنفسه أنه لا يكون المفعول الواحد بعينه فعلًا لفاعلين على سبيل الاستقلال ولا التعاون، ولا يكون المعلول الواحد بالعين معلولًا لعلتين مستقلتين ولا متشاركتين، وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء بعد تصوره، فإنه إذا كان أحدهما مستقلًا به، لزم أن يحصل جميع المفعول المعلول به وحده، فلو قدر أن الآخر كذلك، للزم أن يكون كل منهما فعله كله وحده، وفعله له وحده ينفي أن يكون له شريك فيه، فضلًا عن آخر مستقل، فيلزم الجمع بين النقيضين: إثبات استقال أحدهما ونفي استقلاله، وإثبات تفرده به ونفي تفرده به، وهذا جمع بين النقيضين.\nومن المعلوم بنفسه أن عين المفعول، الذي يفعله فاعل، لا يشركه فيه غيره، كما لا يستقل به، فإنه لو شرك فيه غيره، لم يكن مفعوله، بل كان بعضه مفعوله، وكان مفعولًا له ولغيره، فيمتنع وقوع الاشتراك فيما هو مفعول لواحد.\nولهذا كان المعقول من الاشتراك هو التعاون، بأن يفعل كل منهما غير ما يفعله الآخر، كالمتعاونين على البناء: هذا ينقل اللبن، وهذا يضعه.\nأو على حمل الخشبة: هذا يحمل جانبًا، وهذا يحمل جانبًا.\nوالمخلوقات جميعها يعاون بعضها بعضًا في الأفعال، فليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول ينفرد به، بل لا بد له من مشارك معاون مستغن عنه، ثم مع احتياجه إلى المشارك، له من يعارضه ويعوقه عن الفعل، فلا بد له من مانع يمنع التعارض المعوق.","vol":"9","page":338},{"text":"وهذا في كل ما يقال إنه مؤثر واحد يصدر عنه وحده شيء أصلًا.\nفلا واحد يفعل وحده إلا الله سبحانه.\nوهذا مما يبين ضلال هؤلاء المتفلسفة القائلين بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد.\nوجعلوا هذه قضية كلية ليدرجوا فيها واجب الوجود.\nويقولوا: لم يصدر عنه إلا واحد بسيط، وهو ما يسمونه العقل.\nفإن هذا القول، وإن كان فساده معلومًا من وجوه كثيرة، لكن المقصود هنا أن هذه القضية الكلية لا تصدق في موضع واحد غير محل النزاع.\nومحل النزاع علم فيه أن الفاعل واحد، لكن لم يعلم فيه أنه لا يفعل إلا واحدًا.\nوأيضًا فالوحدانية التي يستحق الرب أن يوصف بها، ليست هي الوحدة التي يدعونها، فإن تلك الوحدة التي يدعونها لا تصدق إلا على الممتنع الذي لا يمكن وجوده إلا في الذهن لا في الخارج، إذ يثبتون وجودًا مطلقًا أو مشروطًا بسلب الأمور الثبوتية أو الثبوتية والعدمية.\nوهذا لا يكون إلا في الأذهان، كما قد قرروا ذلك في منطقهم، وهو معلوم بصريح العقل، وقد بين هذا في موضعه.\nوالمقصود هنا أنهم لا يعلمون واحدًا يصدر عنه شيء غير الله تعالى.\nفإذا قالوا: الشمس يصدر عنها الشعاع، فالشعاع لا يحصل إلا مع وجود جسم قابل له ينعكس عليه الشعاع، فصار لوجوده سببان: الشمس،","vol":"9","page":339},{"text":"والجسم المقابل لها.\nثم له مانع، وهو الحجب التي تحول بين الشمس وبين ما يقبل الشعاع.\nوهكذا النور الخارج من السراج، ونحوه من النيران، لا يحصل إلا بالنار، وبجسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وارتفاع الحجب الحائلة بينهما.\nوكذلك تسخين النار، وتبريد الماء، وما يحصل بالخبز والماء من شبع وري، وسائر الآثار الحاصلة بالأغذية والأدوية وغير ذلك، فإنه لا بد من النار، ومن جسم يقبل أثرها، وإلا فالياقوت والسمندل ونحو ذلك لا تحرقه النار.\nوكذلك الغذاء لا ينفع إلا بقوة قابلة لأثره في الجسم، وأمثال ذلك كثيرة.\nوكذلك الفاعل المختار كالإنسان، فإن حركته الحاصلة باختياره، لا تحصل إلا بقوة من أعضائه يحتاج إليها، وليس هو الفاعل لأعضائه ولا لقواها، فهو محتاج في فعله إلى أسباب خارجة عن قدرته، وقد يحصل في بدنه من العوائق ما يعوقه عن الحركة.\nهذا فعله في نفسه، فأما الأمور المنفصلة عنه التي يقال: إنها متولدة عن فعله، فمن الناس من يقول: ليست مفعولة له بحال، بل هي مفعولة لله تعالى، كما يقول ذلك كثير من متكلمي المثبتين للقدر.\nومنهم من يقول.\nبل هو مفعول له على طريق التولد، كما يقوله من يقوله من المعتزلة ويحكى عن بعضهم: أنه قال: لا فاعل لها بحال.\nوحقيقة الأمر أن تلك قد اشترك فيها الإنسان والسبب المنفصل","vol":"9","page":340},{"text":"عنه، فإنه إذا ضرب بحجر فقد فعل الحذف، ووصول الحجر إلى منتهاه حصل بهذا السبب، وبسبب آخر من الحجر والهواء.\nوكذلك الشبع والري حصل بسبب أكله وشربه، الذي هو فعله، وبسبب ما في الطعام والشراب من قوة التغذية، وما في بدنه من قوة القبول لذلك، والله خالق هذا كله.\nوهذا مما يبين أنه ليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول أصلًا، فالقلب الذي هو ملك البدن، وإن كان منه تصدر الإرادات المحركة للأعضاء، فلا يستقبل بتحريك، إلا بمشاركة الأعضاء وقواها كما تقدم.\nوولاة الأمور، المدبرون للمدائن والجيوش، لا يستقل أحدهم بمفعول، إن لم يكن له من يعينه عليه، وإلا فقوله وعمله أعراض قائمة به لا تجاوزه، وكل ما يصدر خارجًا عنه فمتوقف على أسباب أخرى خارجة عن محل قدرته وفعله.\nوهذا كله مما يبين عجز كل مخلوق عن الاستقلال بمفعول ما، فلا يكون شيء من المخلوقات ربًا لشيء من المخلوقات ربًا لشيء من المخلوقات ربوبية مطلقة أصلًا، إذ رب الشيء من يربه مطلقًا من جميع جهاته، وليس هذا إلا لله رب العالمين.\nولهذا منع في شريعتنا من إضافة الرب إلى المكلفين، كما قال ﷺ: «لا يقل أحدكم: اسق ربك أطعم ربك» .","vol":"9","page":341},{"text":"بخلاف إضافته إلى غير المكلفين، كقول النبي ﷺ لمالك بن عوف الجشمي: «أرب إبل أنت أم رب شاء؟» وقولهم: رب الثوب والدار.\nفإنه ليس في هذه الإضافة ما يقتضي عبادة هذه الأمور لغير الله، فإن هذا لا يمكن فيها، فإن الله فطرها على أمر لا يتغير، بخلاف المكلفين، فإنهم يمكن أن يعبدوا غير الله، كما عبد المشركون به من الجن والإنس غيره، فمنع من الإضافة في حقهم تحقيقًا للتوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه.\nولهذا لم يكن شيء يستلزم جود المفعولات إلا مشيئة الله وحده، فما شاء الله كان، وإن لم يشأ ذلك غيره، وما لم يشأ لا يكون، ولو شاءه جميع الخلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>فصل. عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nفصل.\nعود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه\nوإذا عرف أنه ليس في المخلوقات ما هو مستقل بمفعول ولا معلول، فليس في المخلوقات ما هو رب لغيره أصلًا، بل فعل كل مخلوق له فيه شريك، وقد يكون له مانع، وهذا مما يدل على إثبات الصانع تعالى ووحدانيته، كما نبه عليه في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أنه من المعلوم بنفسه أنه لا يكون اثنان مستقلين بفعل، ولا يكون مفعول واحد قد فعله كل من الاثنين، ولا يكون نفس","vol":"9","page":342},{"text":"مفعول الفاعل الواحد قد شاركه فيه غيره، فحيث حصلت المشاركة لم يكن هناك مفعول واحد لفاعل واحد، فإن الوحدة تناقض الشركة، ومفعولات المخلوقات لا بد فيها من الاشتراك، لكن لا يفعل أحد الشريكين نفس فعل الآخر، فلا تفعل اليد ما تفعله العين، ولا يفعل الدماغ ما يفعله القلب، وإن كان كل منها مفتقرًا إلى غيره في فعله.\nفكذلك السفينة إذا كان فيها ربانان، أو كان للقرية رئيسان، أو للمدينة ملكان، لم يمكن أن يكون فعل هذا هو نفس فعل هذا، بل يفعل هذا شيئًا وهذا شيئًان وما يفعله كل منهما لا يفعله الآخر.\nفلهذا قال هذا الرجل: إنه ليس يكون عن فاعلين من نوع واحد فعل واحد، وقوله: من نوع واحد -إن كان زيادة إيضاح، وإلا فلا حاجة إليه، فإنه لا يمكن أن يكون عن فاعلين فعل واحد، سواء كان فعلهما نوعًا واحدًا أو نوعين مختلفين، بل الامتناع هنا أظهر.\nوقوله: متى اجتمع فعلان من نوع واحد على محل واحد فسد المحل ضرورة، أو تمانع الفاعل، فإن الفعل الواحد لا يصدر إلا عن فاعل واحد فحقيقته أن يقال: بل يمتنع الفعل والحال هذه، فلا يمكن وقوعه حتى يقال: إن المحل يفسد أو لا يفسد.\nولكن هو ظن -كما ظن من ظن من المتكلمين- أن الإله هو بمعنى الرب، وأن دلالة الآية على انتفاء إلهين إنما دلت به على انتفاء ربين فقط، وذلك يظهر بتقدير امتناع الفعل من ربين.","vol":"9","page":343},{"text":"وسنبين إن شاء الله أن الآية دلت على ما هو أكمل وأعظم من هذا، وأن إثبات ربين للعالم لم يذهب إليه أحد من بني آدم، ولا أثبت أحد إلهين متماثلين، ولا متساويين في الصفات ولا في الأفعال، ولا أثبت أحد قديمين متماثلين، ولا واجبي الوجود متماثلين.\nولكن الإشراك الذي وقع في العالم إنما وقع بجعل بعض المخلوقات مخلوقة لغير الله في الإلهية بعبادة غير الله تعالى، واتخاذ الوسائط ودعائها والتقرب إليها، كما فعل عباد الشمس والقمر والكواكب والأوثان، وعباد الأنبياء والملائكة أو تماثيلهم ونحو ذلك.\nفأما إثبات خالقين للعالم متماثلين فلم يذهب إليه أحد من الآدميين.\nوقد قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ [لقمان: ٢٥] .\nوقال تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩] .\nوقال: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: ١٠٦] .\nوالرسل دعوا الخلق إلى توحيد الإلهية، وذلك متضمن لتوحيد الربوبية.\nكما قال كل منهم لقومه: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٥٩] .","vol":"9","page":344},{"text":"وقال: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: ٤٥] .\nوقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥] .\nوقال: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦] .\nوإلا فمجرد توحيد الربوبية قد كان المشركون يقرون به، وذلك وحده لا ينفع.\nوهؤلاء الذين يريدون تقرير الربوبية من أهل الكلام والفلسفة، يظنون أن هذا هو غاية التوحيد، كما يظن ذلك من يظنه من الصوفية، الذين يظنون أن الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية.\nوهذا من أعظم ما وقع فيه هؤلاء وهؤلاء من الجهل بالتوحيد، الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب.\nفإن هذا التوحيد -الذي هو عندهم الغاية- قد كان مشركو العرب يقرون به، كما أخبر الله عنهم.\nولكن كثير من الطوائف قصر فيه، مع إثباته لأصله، كالقدرية الذين يخرجون أفعال الحيوان عن قدرة الله ومشيئته وخلقه، ولازم قولهم حدوث محدثات كثيرة بلا محدث.\nوأما الفلاسفة القائلون بقدم العالم، فلازم قولهم أن الحوادث جميعها ليس لها فاعل.\nثم هم يجعلون بعض مبدعات الرب هي الفاعلة لما سواه، كما يزعمون مثل ذلك في العقل.","vol":"9","page":345},{"text":"ومشركو العرب كانوا خيرًا في التوحيد من هؤلاء، فإن هؤلاء غايتهم أن يثبتوا أسبابًا لبعض الموجودات.\nلكن الأسباب لا تستقل، بل تفتقر إلى مشارك، وانتفاء معارض، وقد يثبتون أسبابًا وعللًا لا حقيقة لها، كالعقول التي يزعمون أنها أبدعت ما سواها.\nوأما المجوس الثنوية فهم أشهر الناس قولًا بإلهين، لكن القوم متفقون على أن الإله الخير المحمود هو النور الفاعل للخيرات، وأما الظلمة -التي هي فاعل الشرور- فلهم فيها قولان: أحدهما: أنه محدث حدث عن فكرة رديئة من النور.\nوعلى هذا فتكون الظلمة مفعولًا للنور.\nلكنهم جهال أرادوا تنزيه الرب عن فعل شر معين، فجعلوه فاعلًا لأصل الشر، ووصفوه بالفكرة الرديئة التي هي من أعظم النقائص، وجعلوها سببًا لحدوث أصل الشر.\nوالقول الآخر قولهم: إن الظلمة قديمة كالنور.\nفهؤلاء أثبتوا قديمين، لكن لم يجعلوها متماثلين ولا مشتركين في الفعل، بل يمدحون أحدهما ويذمون الآخر.\nولذلك من قال من الملاحدة كمحمد بن زكريا الرازي الطبيب","vol":"9","page":346},{"text":"وأمثاله الذين اتبعوا قول طائفة من الملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدماء الخمسة التي هي: واجب الوجود، والنفس، والهيولى، والدهر، والخلاء، وأن سبب حدوث العالم أن النفس تعلقت بالهيولى، فلم يمكن واجب الوجود أن يخلصها منها حتى تمتزج بالعالم، فتذوق ما فيه من الشرور.\nوسبب قوله هذا القول أنه كان يقول بحدوث العالم، وطولب بسبب حدوثه، فأثبت نوعًا من الحركات سماها الحركة الفلتية، وشبهها بالريح والصوت الذي يخرج من الإنسان بغير اختياره، وجعل عشق النفس للهيولى من هذا الباب، وظهر الناس جهله في إلحاده، فإن هذه الحركة على أي وجه كانت حادثة بعد أن لم تكن، فيسأل عن سبب حدوثها، كما يسأل عن سب حدوث حركة أخرى، فلم يتخلص بهذا الجهل من السؤال.\nوالمقصود أن كثيرًا من أهل الشرك والضلال قد يضيف وجود بعض الممكنات، أو حدوث بعض الحوادث، إلى غير الله.\nوكل من قال هذا لزمه حدوث الحادث بلا سبب.\nوهم مع شركهم، وما يلزمهم من نوع تعطيل في الربوبية، لا يثبتون مع الله شريكًا مساويًا له في أفعاله ولا في صفاته.","vol":"9","page":347},{"text":"وإما إثبات الأسباب التي لا تستقل بالأثر، بل تفتقر إلى مشارك معاون، وانتفاء معارض مانع، وجعلها مخلوقة لله -فهذا هو الواقع الذي أخبر به القرآن، ودل عليه العيان والبرهان.\nوهو من دلائل التوحيد وآياته، ليس من الشرك بسبيل، فإن ذلك مما يبين أنه ليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول من المفعولات.\nوالمقصود هنا أن هؤلاء اعتقدوا أن قوله: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، إنما يدل على نفي الشركة في الربوبية، وهو أنه ليس للعالم خالقان، ثم صار كل منهما يذكر طريقًا في ذلك.\nفهذا الفيلسوف ابن رشد قرر هذا التوحيد كما تقدم.\nقال: وأما قوله تعالى: ﴿إذا لذهب كل إله بما خلق﴾ [المؤمنون: ٩١]، فهذا رد منه على من يضع آلهة كثيرة مختلفة الأفعال، وذلك أنه يعقل في الآلهة المختلفة الأفعال، التي لا يكون بعضها مطيعًا لبعض، أن لا يكون عنها موجود واحد، بل موجودات كثيرة، فكان يكون العالم أكثر من واحد، وهو معنى قوله: ﴿إذا لذهب كل إله بما خلق﴾ [المؤمنون: ٩١]، ولما كان العالم واحدًا، وجب أن لا يكون موجودًا عن آلهة كثيرة متفننة الأفعال.\nقلت: لما قرر أولًا امتناع ربين فعلهما واحد، قرر امتناع أرباب تختلف","vol":"9","page":348},{"text":"أفعالهم، فإن اختلافهم الأفعال يمنع أن يكون المفعول واحدًا والعالم واحدًا.\nوكلامه في تفسير هذا الآية بهذا، من جنس كلامه في تفسير تلك الآية بذاك.\nقال: وأما قوله تعالى: ﴿لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء: ٤٢]، فهي كالآية الأولى، أعني أنه برهان على امتناع إلهين فعلهما واحد.\nومعنى هذه الآية: أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله قادرة على إيجاد العالم وخلقه، غير الإله الموجود، حتى تكون نسبته من هذا العالم نسبة الخالق له، لوجب أن يكون على العرش معه.\nفكان يوجد موجودان متماثلان ينتسبان إلى محل واحد نسبة واحدة، فإن المثلين لا ينتسبان إلى محل واحد نسبة واحدة، لأنه إذا اتحدت نسبته اتحد المنسوب، أعني أن يكونا بالمحل، وإن كان الأمر في نسبة الإله إلى العرش ضد هذه","vol":"9","page":349},{"text":"النسبة أعني أن العرش يقوم به، لا أنه يقوم بالعرش.\nولذلك قال: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] .\nقلت: قد سلك في هذه الآية هذا المسلك الذي ذكره.\nوالآية فيها قولان معروفان للمفسرين: أحدهما: أن قوله: ﴿لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء: ٤٢]، أي بالتقرب إليه والعبادة والسؤال له.\nوالثاني: بالممانعة والمغالبة.\nوالأول هو الصحيح، فإنه قال: ﴿لو كان معه آلهة كما يقولون﴾ [الإسراء: ٤٢]، وهم لم يكونوا يقولون: إن آلهتهم تمانعه وتغالبه.\nبخلاف قوله: ﴿وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١]، فهذا في الآلهة المنفية، ليس فيه أنها تعلوا على الله، وأن المشركين يقولون ذلك.\nوأيضًا فقوله: ﴿لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء: ٤٢]، يدل على ذلك، فإنه قال تعالى: ﴿إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا﴾ [المزمل: ١٩]، والمراد به اتخاذ السبيل إلى عبادته وطاعته، بخلاف العكس، فإنه قال: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ [النساء: ٤٣]، ولم يقل: إليهن سبيلًا.\nوأيضًا فاتخاذ السبيل إليه مأمور به، كقوله: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة: ٣٥]، وقوله: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه","vol":"9","page":350},{"text":"فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧] .\nفبين أن الذين يدعون من دون الله يطلبون إليه الوسيلة.\nفهذا مناسب لقوله: ﴿لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] .\nوليس المقصود هنا بسط الكلام على ذلك، إذ المقصود بيان ما ذكره في طرق المعتزلة ومن سلك سبيلهم من الأشعرية.\nقال: فهذا هو الدليل الذي بالطبع والشرع في معرفة الوحدانية.\nوإنما الفرق بين الجمهور وبين العلماء في هذا الدليل أن العلماء يعلمون من اتحاد العالم وكون أجزائه بعضها من أجل بعض، بمنزلة الجسد الواحد، أكثر مما يعلمه الجمهور من ذلك.\nولهذا المعنى الإشارة بقوله تعالى في آخر الآية: ﴿سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا * تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا﴾ [الإسراء: ٤٣-٤٤] .\nقال: وأما ما يتكلفه الأشعرية -يعني والمعتزلة- من","vol":"9","page":351},{"text":"الدليل الذي يستنبطونه من هذه الآية، وهو الذي يسمونه دليل التمانع، فشيء ليس يجري مجرى الأدلة الطبيعية ولا الشرعية.\nأما كونه ليس يجري مجرى الطبع، فلأن ما يقولون في ذلك ليس برهانًا، وأما كونه ليس شرعيًا لا يجري مجرى الشرع، فإن الجمهور لا يقدرون على فهم ما يقولون من ذلك، فضلًا عن أن يقع لهم به إقناع، وذلك أنهم قالوا: لو كانا اثنين فأكثر لجاز أن يختلفا، وإذا اختلفا لم يخل ذلك من ثلاثة أقسام لا رابع لها: إما أن يتم مرداهما جميعًا، وإما أن لا يتم مراد أحدهما ويتم مراد الآخر، وإما أن لا يتم مراد واحد منهما.\nقالوا: ويستحيل أن لا يتم مراد واحد منهما، لأنه لو كان الأمر كذلك، لكان العالم لا موجودًا ولا معدومًا.\nويستحيل أن يتم مرادهما جميعًا، لأنه كان يكون العالم موجودًا معدومًا معًا.\nفلم يبق إلا أن يتم مراد أحدهما، ويبطل مراد الآخر.\nوالذي بطلت إرادته عاجز، والعاجز ليس بإله.","vol":"9","page":352},{"text":"قال: ووجه الضعف في هذا الدليل أنه كما يجوز في العقل أن يختلفا، قياسًا على المريدين في الشاهد، كذلك يجوز أن يتفقا، وهو الأليق بالإلهية من الاختلاف.\nوإذا اتفقا على صناعة العالم، كانا مثل الصانعين: اتفقا على صنع مصنوع ما.\nوإذا كان هذا هكذا، فلا بد أن يقال: إن أفعالهم -ولو اتفقا- كان تتعاوق لورودهما على محل واحد، إلا أن يقول قائل: ولعل هذا يفعل بعضًا والآخر بعضًا، أو لعلهما يفعلان على المداولة، إلا أنه هذا التشكيك لا يليق بالجمهور.\nوالجواب في هذا لمن يشكك من الجدليين في هذا المعنى: أن الذي يقدر على اختراع البعض يقدر على اختراع الكل، فيعود الأمر إلى قدرتهما على كل شيء، فإما أن يتفقا وإما أن يختلفا، وكيفما كان يتعاوق الكل.","vol":"9","page":353},{"text":"وأما التداول، فهو نقص في حق كل واحد منهما.\nوالأشبه أن لو كانا اثنين أن يكون العالم اثنين.\nفإذًا العالم واحد، فالفاعل واحد.\nفإن الفعل الواحد إنما يوجد عن واحد، فإذا ليس ينبغي أن يفهم من قوله: ﴿ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١]، من جهة اختلاف الأفعال فقط، بل من جهة اتفاقهما، فإن الأفعال المتفقة تتعاوق في ورودها على المحل الواحد، كما تتعاوق الأفعال المختلفة.\nقال: وهذا هو الفرق بين ما فهمناه نحن من الآية، وما فهمه المتكلمون، وإن كان قد يوجد في كلام أبي المعالي إشارة إلى هذا الذي قلناه.\nقلت: بل الذي ذكره النظار عن المتكلمين، الذي سموه دليل التمانع، برهان تام على مقصودهم.\nوهو امتناع صدور العالم عن اثنين وإن كان هذا هو توحيد الربوبية.\nوالقرآن يبين توحدي الإلهية وتوحيد الربوبية.\nلكن المقصود هنا أن اعتراض هذا على دليل نظار المتكلمين هو اعتراض مشهور، قد ذكره غيره، وظنوا أنه اعتراض قادح في الدلالة، كما ذكر ذلك الآمدي وغيره.\nوحتى ظن بعض الناس أن التوحيد إنما يعرف بالسمع.\nوليس الأمر كما ظنه هؤلاء، بل هو برهان صحيح عقلي.\nكما قدره","vol":"9","page":354},{"text":"فحول النظار، وكما بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع، وأفردت مصنفًا للتوحيد.\nوذلك أن هؤلاء النظار قالوا: إذا قدر ربان متماثلان فإنه يجوز اختلافهما، فيريد أحدهما أن يفعل ضد مراد الآخر، وحينئذ: إما أن يحصل مراد أحدهما، أو كلاهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما.\nوالأقسام الثلاثة باطلة، فيلزم انتفاء الملزوم.\nأما الأول: فلأنه لو وجد مرادهما للزم اجتماع الضدين، وأن يكون الشيء الواحد حيًا ميتًا، متحركًا ساكنًا، قادرًا عاجزًا، إذا أراد أحدهما أحد الضدين وأراد الآخر الضد الآخر.\nوأما الثاني: فلأنه إذا لم يحصل مراد واحد منهما، لزم عجز كل منهما، وذلك يناقض الربوبية.\nوأيضًا فإذا كان المحل لا يخلو من أحدهما، لزم ارتفاع القسمين المتقابلين، كالحركة والسكون، والحياة والموت، فيما لا يخلو عن أحدهما.\nوإن نفذ مراد أحدهما دون الآخر، كان النافذ مراده هو الرب القادر، والآخر عاجزًا ليس برب، فلا يكونان متماثلين.","vol":"9","page":355},{"text":"فلما قيل لهم: هذا إنما يلزم إذا اختلفت إرادتهما، فيجوز اتفاق إرادتهما.\nأجابوا بأنه إذا اتفقا في الآخرة امتنع أن يكون نفس ما فعله أحدهما نفس مفعول الآخر، فإن استقلال أحدهما بالفعل والمفعول، يمنع استقلال الآخر به، بل لا بد أن يكون مفعول هذا متميزًا عن مفعول هذا.\nوهذا معنى قوله تعالى: ﴿إذا لذهب كل إله بما خلق﴾ [المؤمنون: ٩١] .\nوهذا ممتنع، فإن العالم مرتبط بعضه ببعض ارتباطًا يوجب أن الفاعل هذا ليس هو مستغنيًا عن فاعل الآخر، لا حتياج بعض أجزاء العالم إلى بعض.\nوأيضًا فلا بد أن يعلو بعضهم على بعض، فإن ما ذكرناه من جواز تمانعهما، إنما هو مبني على جواز اختلاف إرادتهما.\nوذلك أمر لازم من لوازم كون كل منهما قادرًا، فإنهما إذا كانا قادرين، لزم جواز اختلاف الإرادة.\nوإن قدر أنه لا يجوز اختلاف الإرادة، بل يجب اتفاق الإرادة، كان ذلك أبلغ في دلالته على نفي قدرة كل واحد منهما، فإنه إذا لم يجز أن يريد أحدهما ويفعل إلا ما يريده لآخر ويفعله، لزم أن لا يكون واحد منهما قادرًا، إلا إذا جعله الآخر قادرًا، ولزم أن لا يقدر أحدهما إلا إذا لم يقدر الآخر.","vol":"9","page":356},{"text":"وعلى التقديرين يلزم أن لا يكون واحد منهما قادرًا، فإنه إذا لم يمكنه أن يريد ويفعل، إلا ما يريده الآخر ويفعله، والآخر كذلك، وليس فوقهما أحد يجعلهما قادرين مريدين، لم يكن هذا قادرًا مريدًا، حتى يكون الآخر قادرًا مريدًا.\nوحينئذ فإن كان كل منهما جعل الآخر قادرًا مريدًا، كان هذا دورًا قبليًا، وهو دور في الفاعلين والعلل.\nكما لو قيل: لا يوجد هذا حتى يوجده هذا، ولا يوجد هذا حتى يوجده الآخر، فإن هذا محال ممتنع في صريح العقل، ولم ينازع العقلاء في امتناع ذلك، وهذا يسمى الدور القبلي.\nبخلاف ما إذا قيل: لا يكون هذا إلا مع هذا، ولا هذا إلا مع هذا، كالأمور المتلازمة، فإن هذا يسمى الدور المعي الاقتراني.\nوذلك جائز، كما إذا قيل: ذات الرب لا تكون إلا مع صفاته اللازمة لها، وصفاته اللازمة لها لا تكون إلا مع ذاته، وقيل: لا تكون حياته إلا مع علمه، ولا علمه وحياته إلا مع قدرته، ونحو ذلك.\nفتبين أنه يمتنع أن تكون قدرة كل منهما مستفادة من قدرة الآخر.\nوإن قيل: بل كل منهما قادر مريد، من غير أن يستفيد أحدهما ذلك من الآخر.\nوهو دور معي لا قبلي، كان هذا أيضًا باطلًا.\nفإنه حينئذ يجب أن تكون قدرة كل منهما من لوازم ذاته، فلزم أن صانع العالم لا بد أن يكون قادرًا، قدرة لا يحتاج فيها إلى غيره، بل تكون من لوازم ذاته، وهذا حق.","vol":"9","page":357},{"text":"وحينئذ فإذا قدر ربان، لزم أن يكون كل منهما قادرًا قدرة لازمة لذاته، لا يحتاج فيها إلى غيره، فيكون الفعل بتلك القدرة ممكنًا، فيلزم أن يكون الرب قادرًا متمكنًا من الفعل بمجرد قدرته، لا يحتاج في ذلك إلى غيره.\nوحينئذ فيمتنع وجد ربين: كل منهما كذلك، لأنه إذا كان كل منهما قادرًا بنفسه على الفعل، أمكنه أن يفعل دون الآخر، وأمكن الآخر أن يفعل دونه، وهذا ممتنع، فإنه إذا فعل أحدهما شيئًا، امتنع أن يكون الآخر فاعلًا له، أو شريكًا فيه، مع استقلال الأول بفعله، فيلزم عجز كل منهما عما يفعله الآخر، ويلزم أنه لا يمكنه الفعل إن لم يمكنه الآخر منه، فلا يفعله هو، فيلزم أن يكون كل منهما عاجزًا غير قادر على الفعل.\nوقد تبين أنه لا بد أن يكون كل منهما قادرًا على الفعل، فيلزم الجمع بين النقيضين، ويلزم أيضًا أنه لا يكون هذا قادرًا إلا إذ كان الآخر غير قادر، فيلزم أن يكون كل منهما قادرًا غير قادر، وهذا جمع ثان بين النقيضين.\nفتبين أن الخالق لا بد أن يكون قادرًا بنفسه على الاستقلال بالفعل.\nوهذا وحده برهان كاف.\nوحينئذ فلا بد أن يكون أحدهما أقدر من الآخر، فيلزم علو بعضهم على بعض.","vol":"9","page":358},{"text":"ولهذا بين الله تعالى في كتابه: أن كل واحد من ذهاب كل إله بما خلق، ومن علو بعضهم على بعض، برهان قاض بأنه ليس مع الله إله.\nكما قال تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١] .\nفجعل هنا لازمين، كل منهما يدل على انتفاء الملزوم.\nأحدهما قوله: ﴿إذا لذهب كل إله بما خلق﴾ فإن الإله لا بد أن يكون قادرًا مستقلًا بالقدرة على الفعل، لا يحتاج في كونه قادرًا إلى غيره، كما تقدم من أنه لو كانت قدرة أحدهما يحتاج فيها إلى من يجعله قادرًا، كان ذلك ممتنعًا.\nفإن الذي يجعله قادرًا: إن كان مخلوقًا له، فهو الذي جعل المخلوق قادرًا، فلو كان المخلوق هو الذي جعله قادرًا، كان هذا دورًا ممتنعًا، كما يمتنع أن يكون المخلوق خالقًا للخالق.\nوإن كان قديمًا واجبًا بنفسه مثله.\nكان القول في قدرته كالقول في قدرة الآخر.\nفإن كانت قدرته من لوازم ذاته، لا يحتاج فيها إلى غيره، ثبت المدعى.\nوإن كان يحتاج فيها إلى غيره، لم يكن قادرًا حتى يجعله ذلك الآخر قادرًا، وهذا دور ممتنع، كما يمتنع أن لا يكون أحدهما موجودًا أو عالمًا حتى يجعله الآخر موجودًا وعالمًا، فإنه حينئذ يكون كونه موجودًا وقادرًا وعالمًا، مستفادًا من الآخر ومفعولًا له، فلا يكون هذا حتى يكونه هذا، ولا يكون هذا حتى يكونه هذا.\nفلا يكون هذا ولا هذا.","vol":"9","page":359},{"text":"وهذا أعظم امتناعًا من أن يقال: لا يكون الشيء حتى يكون نفسه، فإنه ذلك يقتضي كون نفسه فاعلة لنفسه ومتقدمة عليها.\nوهذا وإن كان ممتنعًا في صريح العقل، فكونه فاعلًا لفاعل نفسه، ومتقدمًا على المتقدم على نفسه، أبلغ في الامتناع.\nفإذا كان يمتنع أن لا يكون الواحد قادرًا، حتى جعل نفسه قادرًا، فكون كل منهما لا يكون قادرًا، حتى يجعله الآخر قادرًا -أولى بالامتناع.\nوذلك أنه لا يجعل نفسه قادرًا حتى يكون هو قادرًا، فيلزم أن يكون حينئذ قادرًا غير قادر.\nوكذلك يلزم إذا لم يكن أحدهما قادرًا ألا يجعل الآخر، أن يكون كل منهما قادرًا غير قادر مرتين: حين جعل مجعوله قادرًا، وحين جعله مجعوله قادرًا.\nولما كان هذا من المعالم البديهية الضرورية لمن تصوره، لم يحتج إلى تقرير، وإذا كان ذلك الإله لا بد أن يكون قادرًا على الاستقلال بالفعل، فاستقلاله بالفعل يمنع أن يكون غيره فاعلًا له ومشاركًا له فيه، فيلزم أن ينفرد كل إله بما خلق، ولا يحتاج فيه إلى غيره.\nوحينئذ يلزم أن لا يحتاج مخلوق هذا إلى مخلوق هذا، لأن ذلك يوجب حاجة كل منهما إلى الآخر، وأنه لا يقدر أن يفعل إلا مع فعل الآخر، ويكون فعل كل منهما مستلزمًا لفعل الآخر ملزومًا له، والملزوم لا يوجد","vol":"9","page":360},{"text":"بدون لازمه، فيلزم العجز عن الانفراد بالفعل، وذلك بنفي القدرة التي هي من لوازم الربوبية.\nوأما البرهان الثاني: وهو لزوم علو بعضهم على بعض، وذلك بمنع إلهية المغلوب فإنه يمتنع أن يقدر أحدهما على عين مقدور الآخر، لأن ذلك يستلزم أن يكون ما فعله أحدهما يقدر الآخر أن يفعله، مع كونه فعل الأول.\nويمتنع أن يكون كل منهما لا يقدر إلا إذا مكنه الآخر وأقدره، فإن ذلك يستلزم أن لا يكون أحدهما قادرًا، فيمتنع أن يكون كل منهما قادرًا على الاستقلال، ويمتنع أن يكونا قادرين على مفعول واحد، فيلزم حينئذ أن لا يوجد مفعول واحد، لا بطريق استقلال أحدهما، ولا بطريق اشتراكهما فيه، وذلك يمنع أن يكون أحدهما قادرًا.\nوكذلك يمتنع أن يكونا متماثلين في القدرة، فإنه إن أمكن كل منهما منع الآخر من الفعل، لزم امتناع الفعل، وانتفاء القدرة عن كل منهما.\nوإن لم يمكنه ذلك، لزم أن لا يكون قادرًا على ما يقدر عليه الآخر، إذا لو كان قادرًا عليه، لأمكنه فعله.\nوذلك ممتنع.\nوإذا لم يكن قادرًا على ما يقدر عليه الآخر، لم تكن قدرته مثل قدرته، فإن المثلين هما اللذان يسد أحدهما مسد الآخر، ويقوم مقامه.\nوإذا امتنع تماثل القدرتين، وجب كون أحدهما أقدر من الآخر، وحينئذ فالأقدر الأقوى يغلب الأضعف.\nوهذا معنى قوله: ﴿ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١] .","vol":"9","page":361},{"text":"فإن قيل: قد أوردوا هنا سؤالًا معروفًا، أورده الآمدي وغيره، وذكروا أنه لا جواب عنه.\nوهو أنه يجوز أن يكون كل منهما قادرًا، بشرط أن لا يفعل الآخر معه.\nولا يقدح ذلك في القدرة كما يكون هو قادرًا على أحد الضدين، بشرط عدم الآخر.\nفإن اجتماع الضدين محال، فالقدرة على فعل أحدهما ينافي القدرة على فعل الآخر معه، ولا ينافي القدرة على فعل الآخر حال عدمه.\nبل كل من الضدين مقدور بشرط عدم الآخر، وهو مقدور على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع، فكذلك يقال في القادرين: كل منهما قادر على الفعل المعين، حال عدم قدرة الآخر عليه.\nقيل: هذا تشبيه باطل.\nوذلك أن القادر على الضدين يفعل كل منهما بمشيئته.\nوإذا فعل أحدهما لم يكن عاجزًا عن فعل الآخر، لكنه قادر عليه إن اختاره والجمع بينهما ممتنع لذاته، ليس بشيء.\nوذلك لا ينافي القدرة بوجه من الوجوه، فإن الفاعل لأحد الضدين يختار هذا دون ذاك، فلم يكن عدمه إلا لكونه لم يرده، لا لأن غيره منعه منه.\nولا أن قدرته عاجزة عنه إذا أراد أن يفعله، بخلاف القادر إذا قيل: إنه لا يمكنه الفعل إلا إذا أمكنه غيره، ولم يرد أن يفعل معه، ولو أراد الآخر أن يفعل ما فعله، لم يقدر أن يفعله هو، فإنه حينئذ لا يكون قادرًا بنفسه، بل يكون غير قادرًا حتى يمكنه الآخر، ويمتنع من أن يفعل ما يفعله.\nومما يوضح هذا أن الخالق لا بد أن يكون قادرًا، وأن يكون قادرًا بنفسه، لا بقدرة استفادها من غيره، ويمتنع أن يكون معه آخر قادر","vol":"9","page":362},{"text":"بنفسه، فإن القادر لا بد أن يقدر أن يفعل وحده مفعولًا لا يشركه فيه غيره، فإنه إذا كان لا يقدر إن لم يعاونه غيره، لم يكن قادرًا بنفسه، بل كان تمام قدرته من ذلك المعنى له.\nويمتنع أن يكون كل منهما لا يكون قادرًا إلا بإعانة الآخر، فإن هذا بدون إعانة الآخر ليس بقادر، وهذا بدون إعانة الآخر ليس بقادر، فليس واحد منهما قادرًا بنفسه، ومن لم يكن قادرًا بنفسه امتنع أن يجعل غيره قادرًا، فإنه إذا لم يكن القادر قادرًا بنفسه، امتنع أن يجعل غيره قادرًا بطريق الأولى، فلو لم يكن الوجود من هو قادر بنفسه، بمعنى أنه قادر على أن يستقل بالفعل، فيفعل وحده من غير شريك ومعين، لم يكن في الوجود حادث، لامتناع وجود الحوادث بدون القادر بنفسه.\nوالحوادث مشهودة دلت على وجود القادر بنفسه، ويمتنع أن يكون في الوجود قادران على الاستقلال بالفعل، بحيث يكون كل منهما مستقلًا بالفعل وحده، فإنه إذا قدر ذلك، فحال ما يفعل أحدهما الفعل، يمتنع أن يكون الآخر قادرًا على ذلك الفعل بعينه، فاعلًا له وحده، فإنه إذا فعله أحدهما وحده، لم يكن له شريك، فضلًا عن أن يفعله غيره مستقلًا، فتبين أنه حال ما يكون الشيء مقدورًا لقادر مستقل، أو مفعولًا لفاعل مستقل، لا يكون مقدورًا ولا مفعولًا لآخر مستقل.\nفتبين أن ما يقدر عليه يفعله القادر المستقل، يمتنع أن يقدر عليه غيره ويفعله غيره، بل يكون هذا عاجزًا عما يفعله هذا، ولا يكون هذا قادرًا","vol":"9","page":363},{"text":"إلا إذا مكنه الآخر وخلاه يفعله، فلا يكون واحد منهما قادرًا حتى يجعله الآخر قادرًا، فلا يكون واحد منهما قادرًا.\nفتبين امتناع وجود قادرين مستقلين، وتبين امتناع وجود الفعل بدون قادر مستقل، أنه لا يكفي وجود قادر غير مستقل، ولا يجوز وجود قادرين مستقلين، فعلم أن القادر على الخلق واحد، لا يجوز أن يكون اثنان قادرين على الخلق، سواء اتفقا أو اختلفا، وهو المطلوب.\nوهذا أمر مستقر في فطر بني آدم وعقولهم، وإن تنوعت العبارات عنه، وإن كان قد يحتاج إذا تغيرت فطرة أحدهم باشتباه الألفاظ والمعاني إلى بسط وإيضاح، فإنهم يعلمون أنه لا يجتمع ملكان متساويان في القدرة والملك.\nإن لم يكن ملك هذا منفصلًا عن ملك هذا، وإلا فإذا كان أحدهما يتصرف فيما يتصرف فيه الآخر، امتنع أن يكون كل منهما قادرًا مالكًا لما يقدر عليه الآخر ويملكه، لأنه يجب حينئذ أن يكون كل منهما قادرًا على ما يقدر عليه الآخر، بل فاعلًا مدبرًا لما يفعله الآخر ويدبره، وذلك ممتنع، فإن قدرة أحدهما على الشيء وفعله له، يمنع أن يكون الآخر قادرًا عليه وفاعلًا له، إلا في حال عدم قدرة الآخر وفعله، فيمكن أن يفعله هذا إذا لم يفعله هذا، ويقدر أحدهما على فعله إذا لم يفعله الآخر.\nفأما حال فعل الآخر له، فيمتنع أن يكون الآخر فاعلًا له إذا أراد فعله، وإذا امتنع كون أحدهما فاعلًا له إذا أراده، امتنع كونه قادرًا عليه، فإن كونه قادرًا عليه، مع امتناع فعل له إذا أراده، جمع بين النقيضين، فإن القادر هو الذي يقدر على الشيء إذا أراد فعله، فإذا كان","vol":"9","page":364},{"text":"لا يقدر عليه إذا أراده، لم يكن قادرًا عليه، فامتنع أن يكون الشيء قادرًا على فعل ما يفعله غيره، حال كون الآخر فاعلًا له، ومفعول أحدهما مقدور له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>فصل. عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nفصل.\nعود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه\nوإذا كان حينئذ يمتنع كون الآخر فاعلًا له، وذلك يمنع كونه قادرًا عليه، امتنع أن يكونا قادرين على مقدور واحد في حال واحدة، وفاعلين لمفعول واحد في حال واحد، بل لا يقدر أحدهما على الفعل إلا إذا تركه الآخر يفعله، وسكت عن فعله استقلالًا ومشاركة، ولو أراد الآخر أن يفعله، كان الآخر غير قادرًا على فعله، فصار المانع لأحدهما من القدرة على الفعل والاستقلال به، كون الآخر قادرًا عليه فاعلًا له.\nوذلك يوجب بطلان الربين من وجوه:\nمنها: أن الممنوع الذي منعه غيره لا يكون قادرًا، بخلاف من لم يفعل الفعل لكونه هو لم يرده، فإن هذا لا يمنع قدرته على الآخر.\nفإذا كان الرجل قادرًا على القيام والقعود فاختار أحدهما بدلًا عن الآخر، لم يكن عدم الآخر لعجزه عنه، بل لأنه لم يرده، وهو لا يريد اجتماعهما في حال واحدة، لأن ذلك ممتنع لنفسه، لا لكونه غير قادر، أو لكونه عاجزًا عنه، فإن الممتنع بذاته ليس بشيء يتصور وقوعه.\nولهذا اتفق النظار على أنه ليس بشيء، فلا يدخل في قوله: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ٢٠]، بخلاف من كان لا يقدر أن يفعل فعلًا لأن غيره فعله، فإنه حينئذ يكون غير قادر على أن يفعل مفعول ذلك ولو أراده.","vol":"9","page":365},{"text":"ولهذا كان أحد الملكين غير قادر على أن يكون ملكًا مع ملك غيره، بل إنما يكون ملكًا مع انتفاء ملك غيره.\nوأيضًا فإنه إذا كان أحدهما قادرًا، ولم يمنعه أن يكون قادرًا فاعلًا للفعل إلا كون الآخر قادرًا عليه فاعلًا له، لزم أن يكون كل منهما ممنوعًا حال ما هو مانع، وقادرًا حال ما هو غير قادر، فإن أحدهما حينئذ لا يمنعه من الفعل المعين كون الآخر قادرًا عليه فاعلًا له، وذلك لا يكون قادرًا فاعلًا، إلا إذا لم يكن ممنوعًا، ولا يكون ممنوعًا إلا إذا كان المانع قادرًا، فيلزم ألا يكون هذا قادرًا إلا إذا كان غير قادر، ولا ممنوعًا إلا إذا كان غير ممنوع، ولا فاعلًا إلا إذا كان غير فاعل، وذلك جمع بين النقيضين.\nوهذا كله بين في فطر الناس، فإنه يعلمون أن من كان أميرًا أو متوليًا على فعل، أو إمامًا لقوم، أو قاعدًا في مكان، لم يقدر غيره أن يكون أميرًا، أو متوليًا أو إمامًا، أو فاعلًا، حال كون الآخر أميرًا، أو متوليًا، أو إمامًا، أو قاعدًا.\nفتبين أن القادر على الفعل لا يقدر حال فعل الآخر له، ولا حال قدرة الآخر عليه.\nأما قدرته حال فعل الآخر، فظاهر الامتناع.\nوأما حال قدرة الآخر، فلا يمكن أن يفعله، إلا إذا سكت الآخر عن فعله، وتركه وحده يفعل، وأما حال فعل الآخر فلا يكون قادرًا.\nفتبين أن اجتماع قادرين بأنفسهما ممتنع لذاته في فطر جميع الناس","vol":"9","page":366},{"text":"وحينئذ فالقادر بنفسه هو واحد، فيجب أن يكون الإله العالي الغالب وما سواه مقهور مغلوب.\nوحينئذ فلا يكون الواحد قادرًا إلا إذا كان الآخر غير قادر، فإن كلًا منهم قادر حال عدم قدرة الآخر، فلا يكون أحدهما قادرًا إلا مع كون الآخر غير قادر، وكل منهما قدرته من لوازم ذاته إن كان قادرًا، فيلزم من ذلك أن يكون كل منهما لا يزال قادرًا غير قادر، فيلزم الجمع بين النقيضين.\nوكذلك إذا قيل: لا يكون أحدهما قادرًا إلا إذا جعله الآخر قادرًا، أو مكنه الآخر، وامتنع من منعه، فإنه يلزم ألا يكون واحد منهما قادرًا للدور الممتنع، وهو قد جعل فاعلًا، فيلزم اجتماع النقيضين، فيلزم ألا يكون واحد منهما قادرًا، مع وجوب كون الخالق قادرًا، ويلزم أن يكون كلًا منهما غير قادر مع كونه قادرًا.\nوهذا كله من الممتنع بصريح العقل، وهو لازم من إثبات ربين قديمين واجبين بأنفسهما، فدل على امتناع ذلك.\nوسواء قدر اتفاقهما على الفعل أو اختلافهما فيه، فنفس كونهما قديمين واجبين قادرين ممتنع، ونفس كونهما غير قادرين ممتنع، ونفس اجتماع القدرة وعدمها ممتنع، ونفس اتفاقهما على مفعول واحد يستقل به كل منهما ممتنع، ونفس الاشتراك بأن يفعل هذا بعضه وهذا بعضه ممتنع.\nوحينئذ فلا بد أن يكون أحدهما هو القادر أو الأقدار، فيعلو بعضهم","vol":"9","page":367},{"text":"على بعض، ولا بد إذا كانا قادرين من أن يذهب كل إله بما خلق، فإن العالي هو الإله المعبود، فلا يكون معه إله، بل يكون ما يقال إنه إله مملوكه وعابده.\nوهم مقرون بذلك، لكن بين لهم فساد عبادة المخلوق والعابد لغيره.\nكما قال: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] .\nوقال: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧] .\nفإنه سبحانه ينهي عن الشرك الواقع، وهو اتخاذ ما سواه إلهًا، وإن كان المشركون مقرين بأنه إله مخلوق عابد للإله الأعظم ولهذا يقول: ﴿لو كان معه آلهة كما يقولون﴾ [الإسراء: ٤٢] .\nوبين أيضًا امتناع أن يكون معه إله غني عنه بقوله: ﴿ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١]، وبقوله: ﴿لذهب كل إله بما خلق﴾ [المؤمنون: ٩١]، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد ذكرها العلماء في كتبهم.\nوكذلك ما ذكره هذا الفيلسوف ذكره غير واحد من النظار، وذكروا أنه بتقدير الاتفاق يمتنع أن يكون مفعول أحدهما هو مفعول الآخر، والمفعول الواحد لا يكون مفعولًا لفاعلين باتفاق العقلاء.\nلكن التقدير","vol":"9","page":368},{"text":"الذي يحتاج إلى نفيه تقدير التعاون، كما ذكر من فعل هذا البعض وهذا البعض، وما ذكره من أن التداول نقص هو موجود في التبعيض، فإن الشريكين قد يتهابان بالمكان وقد يتهابان بالزمان.\nوهذا التقدير قد أبطلوه بوجوه:\nمنها: أن هذا نقص في حق كل واحد منهما ينافي الإلهية.\nومنها: أن كلًا منهما إن لم يكن قادرًا على الاستقلال كان عاجزًا، وإن كان قادرًا عليه -وهو لا يمكنه مع معاونة الآخر كان ممنوعًا من مقدوره، وهو مثل العجز وأشد.\nوكذلك إن لم يكن قادرًا على خلاف مراد الآخر كان عاجزًا، وإن كان قادرًا ولم يفعل إلا ما يوافق الآخر، فإن كان الفعل الآخر ممكنًا لا مانع له من غيره أمكن تقديره، ويعود دليل التمنع، وإن لم يكن ممكنًا، لزم تعجيزه، ومنعه بغيره.\nوبالجملة فالدلائل العقلية على هذا متعددة، وإن كان من الناس من يزعم أن دليل ذلك هو السمع، لكن هذا المطلوب الذي أثبتوه هو متفق عليه بين العقلاء.\nومقصود القرآن توحيد الإلهية، وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس.\nولهذا قال تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فلم يقل: لو كان فيهما إلهان، بل المقدر آلهة غير الإله","vol":"9","page":369},{"text":"المعلوم أنه إله، فإنه لم ينازع أحد في أن الله إله حق، وإنما نازعوا هل يتخذ غيره إلهًا مع كونه مملوكًا له؟.\nولهذا قال: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم﴾ [الروم: ٢٨] .\nوقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] .\nوقال: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون * وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: ٤٣-٤٥]، وقد بسط الكلام على هذا في موضعه.\nوالمقصود هنا ما ذكره هذا.\nقال: ويدلك على أن الدليل الذي فهمه المتكلمون من الآية ليس هو الدليل الذي تضمنته الآية: أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم، غير المحال الذي أفضى إليه الدليل المذكور في الآية.\nوذلك أن المحال الذي أفضى إليه الدليل الذي زعموا أنه دليل الآية، هو أكثر من محال واحد، إذ قسموا الأمر إلى ثلاثة أقسام، وليس في الآية تقسيم.\nفدليلهم الذي","vol":"9","page":370},{"text":"استعملوه هو الذي يعرفه أهل المنطق بالشرطي المنفصل، ويعرفونه هم في صناعتهم بدليل السبر والتقسيم.\nوالدليل الذي هو الآية هو الذي يعرف في صناعة المنطق بالشرطي المتصل، وهو غير المنفصل.\nومن نظر فيه أدنى نظر في تلك الصناعة تبين له الفرق بين الدليلين.\nوأيضًا فإن المحالات التي أفضى إليها دليلهم غير المحال الذي أفضى إليه دليل الكتاب، وذلك أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم هو أن يكون العالم: إما لا موجودًا ولا معدومًا، وإما أن يكون موجودًا ومعدومًا، وإن أن يكون الإله عاجزًا مغلوبًا.\nوهذه مستحيلات دائمة الاستحالة أكثر من واحد.\nوالمحال الذي أفضى إليه دليل الكتاب ليس مستحيلًا على الدوام، وإنما علقت الاستحالة فيه في وقت مخصوص، وهو أن يوجد العالم فاسدًا في وقت الوجود، فكأنه قال: (لو كان فيهما آلهة إلا الله) لوجد العالم فاسدًا في الآن، ثم استثنى أنه غير فاسد، فوجب ألا يكون هناك إله إلا واحد.\nقلت: الفساد المذكور في الآية لم يوقت بوقت مخصوص، والفساد ليس هو امتناع الوجود الذي يقدر عند تمانع الفاعلين، إذا أراد أحدهما شيئًا وأراد الآخر نقيضه، ولا هو أيضًا امتناع الفعل الذي يقدر عن كون المفعول الواحد لفاعلين، فإن هذا كله يقتضي عدم الوجود.","vol":"9","page":371},{"text":"وأما الفساد فهو ضد الصلاح، كما قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ [البقرة: ١١] .\nوقال تعالى: ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [الأعراف: ١٤٢] .\nوقال: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ [الأعراف: ٥٦] .\nوقال: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة ٢٠٥] .\nوقال: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾ [المائدة: ٣٢] .\nوقالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [البقرة: ٣٠] .\nوقال تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾ [المائدة: ٣٣] .\nوقال: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون﴾ [المؤمنون ٧١] .\nوجماع الصلاح اللآدميين هو طاعة الله ورسوله، وهو فعل ما ينفعهم وترك ما يضرهم، والفساد بالعكس.\nفصلاح الشيء هو حصول كماله الذي به تحصل سعادته.\nوفساده بالعكس،.\nوالخلق صلاحهم وسعادتهم","vol":"9","page":372},{"text":"في أن يكون الله هو معبودهم، الذي تنتهي إليه محبتهم وإرادتهم، ويكون ذلك غاية الغايات، ونهاية النهايات.\nولهذا كان كل عمل يعمل لغير الله لا ينفع صاحبه بل قد يضره، وكانت أعمال الذي كفروا: ﴿كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء﴾ [إبراهيم: ١٨] .\nقال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] .\nفعبادته هي الغاية التي فيها صلاحهم، فإن الإنسان حارث همام.\nكما قال النبي ﷺ: «أصدق الأسماء الحارث وهمام» والحارث هو الكاسب، والهمام هو الذي يكثر الهم، الذي هو أول الإرادة، فالإنسان متحرك بالإرادة، وكل مريد لا بد له من مراد.\nوالذي يجب أن يكون هو المراد المقصود بالحركات هو الله، فصلاح النفوس وسعادتها وكمالها في ذلك، وهكذا العالم العلوي أيضًا.\nوالحركات ثلاثة، طبيعية، وقسرية، وإرادية.\nلأن الحركة: إما أن يكون مبدأها من المتحرك، وإما من غيره.\nفما كان مبدؤها من غيره فهي القسرية الكرهية، وما كان مبدؤها من المتحرك، فإن كان على شعور منه فهي الإرادية، وإلا فهي الطبيعية.\nوالطبيعية لا تعرف إلا إذا خرج المطبوع عن مركزه، كصعود الحجر","vol":"9","page":373},{"text":"والماء إلى فوق، ففي طبعه الهوي والنزول، فهي تابعة للقسرية، فكل من الطبيعية والقسرية تابعة لغيرها.\nفمبدأ الحركات كلها هي الإرادية، وكل إرادة لا يكون الله هو المراد المقصود بالقصد الأول بها، كانت ضارة لصاحبها مفسدة له، غير نافعة ولا مصلحة له.\nوليس ما يستحق أن يكون هو المحبوب لذاته، المراد لذاته، المطلوب لذاته، المعبود لذاته: إلا الله.\nكما أنه ليس ما هو بنفسه مبدع خالق إلا الله، فكما أنه لا رب غيره، فلا إله إلا هو، فليس في المخلوقات ما يستقل بإبداع شيء حتى يكون ربًا له، ولكن ثم أسباب متعاونة ولها فاعل هو سببها.\nوكذلك ليس في المخلوقات ما هو مستحق لأن يكون المستقل بأن يكون هو المعبود المقصود المراد بجميع الأعمال، بل إذا استحق أن يحب ويراد، فإنما يراد لغيره، وله ما شاركه في أن يحب معه، وكلاهما يجب أن يحب لله، لا يحب واحد منهما لذاته، إذ ليست ذاته هي التي يحصل بها كمال النفوس وصلاحها وانتفاعها، إذا كانت هي الغاية المطلوبة.\nوالله فطر عباده على ذلك، وهو أعظم من كونه فطرهم على حب الأغذية التي تصلحهم، فإذا تناولوا غيرها أفسدتهم، فإن ذلك وإن كان كذلك، ففي الممكن أن يجعل في غير ذلك ما يغذيهم.\nوأما كون الفطرة يمكن أن تصلح على عبادة غير الله، فهذا ممتنع لذاته كما يمتنع لذاته","vol":"9","page":374},{"text":"أن يكون للعالم مبدع غير الله.\nقال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ [الروم: ٣٠] .\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» .\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» .\nوالفطر تعرف هذا أعظم مما تعرف ما يلائمها من الطعام والشراب، لكن قد يحصل للفطرة نوع فساد، ففسد إدراكها، كما يفسد إدراكها إذا وجدت الحلو مرًا، وهذا هو أعرف المعروف الذي أمر الله الرسل أن تأمر به، والشرك أنكر المنكر الذي أمرهم بالنهي عنه، والشرك لا يغفره الله، فإنه فساد لا يقبل الصلاح.\nولهذا وجب التفريق بين الحب مع الله، والحب لله، فالأول شرك.\nوالثاني إيمان.\nقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، فليس لأحد أن يحب شيئًا مع الله.","vol":"9","page":375},{"text":"وأما الحب لله، فقال تعالى: ﴿أحب إليكم من الله ورسوله﴾ [التوبة: ٢٤] .\nوقال ﷺ في الصحيح: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواه، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار» .\nوفي الحديث: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، ومن أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان» .\nوهذا حقيقة قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩] .\nوفي الصحيح عن النبي ﷺ: «يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري، فأنا منه بريء، وهو كله للذي أشرك» .\nفمكان الفعل الواحد ممتنع أن يكون من فاعلين مستقلين، فيمتنع أن يكون المرادين مستقلين بالإرادة، فإن كون هذا مستقلًا بكونه هو المراد المحبوب، يناقض كون الآخر كذلك، ومتى لم يكن المراد مستقلًا","vol":"9","page":376},{"text":"بالإرادة، لم يكن هو المراد، بل بعض المراد وما كان بعض المراد لم يحصل به صلاح النفوس، وهو المراد الذي لا يصلح المتحرك بالإرادة إلا به، فمن أراد غير الله بعلمه امتنع أن يكون الله مراده بعمله، ومن لم يكن الله هو مراده، لم يحصل صلاحه، بل كان الحاصل فساده بالشرك لا يغفر، بخلاف ما دونه.\nوأفضل الكلام قول: لا إله إلا الله.\nوالإله هو الذي يستحق أن تألهه القلوب بالحب والتعظيم، والإجلال والإكرام، والخوف والرجاء، فهو بمعنى المألوه، وهو المعبود الذي يستحق أن يكون كذلك.\nولكن أهل الكلام الذي ظنوا أن التوحيد هو مجرد توحيد الربوبية، فهو التصديق بأن الله وحده خالق الأشياء، اعتقدوا أن الإله بمعنى الآله: اسم فاعل، وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع، كما يقول الأشعري وغيره، ممن يجعلون أخص وصف الإله القدرة على الاختراع.\nومن قال: إن أخص وصف الإله هو القدم، كما يقوله من يقوله من المعتزلة، قال ما يناسب ذلك في الإلهية، وهكذا غيرهم، وقد بسط الكلام على هذا في موضعه.\nوالمقصود هنا التنبيه على هذه الأمور، وأن هؤلاء غلطوا في معرفة حقيقة التوحيد، وفي الطرق التي بينها القرآن، فظنوا أنه مجرد اعتقاد أن العالم له صانع واحد.\nومنهم من ضم إلى ذلك نفي الصفات أو بعضها، فجعل نفي ذلك داخلًا في مسمى التوحيد.\nوإدخال هذا في مسمى التوحيد ضلال عظيم.","vol":"9","page":377},{"text":"وأما الأول، فلا ريب أنه من التوحيد الواجب، وهو الإقرار بأن خالق العالم واحد، لكنه هو بعض الواجب وليس هو الواجب الذي به يخرج الإنسان من الإشراك إلى التوحيد، بل المشركون الذي سماهم الله ورسوله مشركين، وأخبر الرسل أن الله لا يغفر لهم، كانوا مقرين بأن خالق كل شيء.\nفهذا أصل عظيم يجب على كل أحد أن يعرفه، فإنه به يعرف التوحيد، الذي هو رأس الدين وأصله.\nوهولاء قصروا في معرفة التوحيد، ثم أخذوا يثبتون ذلك بأدلة، وهي، وإن كانت صحيحة، فلم تنازع في هذا التوحيد أمة من الأمم، وليس الطرق المذكورة في القرآن هي طرقهم، كما أنه ليس مقصود القرآن هو مجرد ما عرفوه من التوحيد.\nقال ابن رشد: فقد تبين من هذا القول الطرق التي دعا الشرع من قبلها الناس إلى الإقرار بوجود الباري تعالى، ونفي الإلهية عما سواه، وهما المعنيان اللذان تضمنتها كلمة التوحيد: أعني لا إله إلا الله، فمن نطق بهذه الكلمة، وصدق بهذين المعنيين اللذين تضمنتهما بهذه الطرق التي وصفنا، فهو المسلم الحقيقي الذي عقيدته العقيدة","vol":"9","page":378},{"text":"الإسلامية، ومن لم تكن عقيدته مبنية على هذه الأدلة، وإن صدق بهذه الكلمة، فهو مسلم مع المسلم الحقيقي باشتراك الاسم.\nثم تكلم على الصفات الثبوتية فقال: الفصل الثالث في الصفات: أما الأوصاف التي صرح الكتاب العزيز بوصف الصانع لوجود العالم بها، فهي أوصاف الكمال الموجودة للإنسان، وهي سبعة: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.\nأما العلم فقد نبه الكتاب على وجه الدلالة عليه، في قوله تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] .\nووجه الدلالة: أن المصنوع يدل من جهة الترتيب الذي في أجزائه، أعني كون صنع بعضها من أجل بعض، ومن جهة موافقة جميعها للمنفعة المقصودة لذلك المصنوع، أنه لم يحدث عن صانع هو طبيعة، وإنما وجدت عن صانع رتب ما قبل الغاية لأجل الغاية فوجب أن يكون عالمًا به.\nمثال ذلك: إن الإنسان إذا نظر إلى البيت فأدرك أن الأساس إنما","vol":"9","page":379},{"text":"صنع من أجل الحائط وأن الحائط من أجل السقف -تبين أن البيت إنما وجد عن فاعل عالم بصناعة البناء، وهذه الصفة هي صفة قديمة، إذ كان لا يجوز عليه أن يتصف بها وقتًا ما.\nلكن ليس ينبغي أن نتعمق في هذا فنقول ما يقوله المتكلمون: إنه يعلم المحدث في وقت حدوثه بعلم قديم، فإنه يلزم على هذا أن يكون العلم بالمحدث في وقت وجوده وعدمه علمًا واحدًا.\nوهذا أمر غير معقول، إذ كان العلم واجبًا أن يكون تابعًا للموجود.\nولما كان الموجود تارة يوجد فعلًا، وتارة يوجد قوة، وجب أن يكون العلم بالوجودين مختلفًا، إذ كان في وقت وجوده بالقوة غير وقت وجوده بالفعل.\nوهذا -يعني قول المتكلمين- شيء لم يصرح الشرع به، بل الذي صرح به خلافه، وهو أنه يعلم المحدثات حين حدوثها.\nكما قال تعالى: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] .","vol":"9","page":380},{"text":"فينبغي أن يوضع في الشرع أنه عالم بالشيء قبل أن يكون على أنه سيكون وعالم بالشيء إذا كان على أنه قد كان، وعالم بما تلف أنه تلف في وقت تلافه.\nوهذا هو الذي تقتضيه أصول الشرع.\nوإنما كان هكذا لأن الجمهور لا يفهمون من العالم في الشاهد غير هذا المعنى، وليس عند المتكلمين برهان يوجب أن يكون بغير هذه الصفة، إلا أنهم يقولون: إن العلم المتغير بتغير المعلومات الموجودات هو محدث، والباري تعالى لا يقوم به حادث، لأن ما ينفك عن الحوادث، زعموا أنه حادث.\nقال: والذي يقال للخواص: إن العلم القديم لا يشبه علم","vol":"9","page":381},{"text":"الإنسان المحدث، فالذي يدركه الإنسان من تغاير العلم المحدث بالماضي والمستقبل والحاضر هو شيء يخص العلم المحدث وأما العلم القديم فيجب فيه اتحاد هذه العلوم، لأن انتفاء العلم عنه بما يحدثه من هذه الموجودات الثلاثة محال، فقد وقع اليقين بعلمه سبحانه بها، وانتفى التكييف، إذ التكييف يوجب تشبيه العلم القديم بالمحدث.\nقلت: هذا الكلام من جنس ما حكاه عن المتكلمين، فإنه إذا اتحد في العلم القديم العلم بالماضي والحاضر والمستقبل، ولم يكن هذا مغايرًا لهذا، كان العلم بالموجود حال وجوده وحال عدمه واحدًا، وهذا مناقض لما تقدم من قوله، يجب أن يكون العلم بالموجودين مختلفًا.\nغاية ما في هذا الباب أن هذا الرجل يقول: إن عدم التغاير هو ثابت في العلم القديم دون المحدث.\nولا ريب أن أولئك المتكلمين يقولون هذا، ولكن يقولون: ولو فرض بقاء العلم الحادث لكان حكمه حكم القديم، ويقولون: إن هذا من باب حدوث النسب والإضافات، التي لا توحب حدوث المنسوب المضاف، كالتيامن والتياسر.\nوهكذا هذا يقول: إنما تتجدد النسب والإضافات، وقد ذكر ذلك في مقالة له في العلم، لكن المتكلمون خير منه، لأنهم يقولون بعلمها","vol":"9","page":382},{"text":"بعد وجودها: إما بعلم زائد عند بعضهم، وإما بذلك الأول عند بعضهم.\nوأما هذا فلا يثبت إلا العلم الذي هو سبب وجودهما.\nكما سيأتي كلامه.\nوهذا عندهم حكم يعم الواجب والقديم.\nوهذا يقول: بل ذلك حكم يخص المحدث.\nوهو لم يأت على الفرق بحجة إلا مجرد الدعوى.\nوقد بين ذلك في كلام أفرده في مسألة العلم، وأراد أن ينتصر بذلك للفلاسفة الذين قيل عنهم: إنهم يقولون: إنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي، فذكر أنهم يقولون: إنه يعلم الجزئيات، لكن على هذا الوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>كلام ابن رشد في ضميمة في مسألة العلم القديم ورد ابن تيمية عليه</span>\nفقال لمن راسله: لما فقتم بجودة ذهنكم، وكرم طبعكم، كثيرًا ممن يتعاطى هذه العلوم، وانتهى نظركم السديد إلى أن وقفتم على الشك العارض في العلم القديم، مع كونه متعلقًا بالأشياء المحدثة، وجب علينا لمكان الحق، ولمكان إزالة الشك والشبهة عنكم، أن تحل هذا الشك بعد أن نقول في تقريره، فإن لم يعرف الربط لم يقدر على","vol":"9","page":383},{"text":"الحل والشك يلزم هكذا إن كانت الأشياء كلها في علم الله تعالى قبل أن تكون، فهل هي في علمه في حال كونها كما كانت عليه قبل أن توجد؟.\nفإن قلنا: إنها في علم الله تعالى في حال وجودها على غير ما كانت عليه في علمه قبل أن توجد، لزم أن يكون العلم القديم متغيرًا، وأن تكون إذا خرجت من العدم إلى الوجود، فقد حدث هناك علم زائد، وذلك مستحيل على العلم القديم.\nوإن قلنا: إن العلم القديم فيها واحد في الحالين.\nقيل: فهل هي في نفسها -أعني الموجودات الحادثة قبل أن توجد- كما هي حين وجدت؟ فيجب أن يقال: ليست في نفسها قبل أن توجد كما هي حين وجدت، وإلا كان المعدوم والموجود واحدًا.\nفإذا سلم الخصم هذا، قيل له: أفليس العلم الحقيقي هو معرفة الوجود على ما هو عليه؟.","vol":"9","page":384},{"text":"فإذا قال: نعم.\nقيل: فيجب على هذا إذا اختلف الشيء في نفسه، أن يكون العلم به يختلف، وإلا فقد علم على غير ما هو عليه، فإذًا يجب أحد الأمرين: إما أن يختلف العلم القديم في نفسه، أو تكون الحودث غير معلومة، وكلا الأمرين مستحيل عليه سبحانه.\nويؤكد هذا الشك ما يظهر من حال الإنسان، أعني من تعلق علمه بالأشياء المعدومة على تقدير الوجود، وتعلق علمه بها إذا وجدت، فإنه من البين بنفسه أن العلمين يتغايران، وإلا كان جاهلًا بوجودهما في الوقت الذي وجدت فيه، وليس ينجي من هذا ما جرت به عادة المتكلمين في الجواب عن هذا، بأنه سبحانه يعلم الأشياء قبل كونها، على ما تكون عليه في كونها، من زمان ومكان، وغير ذلك من الصفة المختصة به بوجود موجود.\nفإنه يقال لهم: إذا وجدت فهل حدث هنالك تغير أو لم يحدث، وهو خروج الشيء من العدم إلى الوجود؟","vol":"9","page":385},{"text":"فإن قالوا: لم يحدث، فقد كابروا.\nوإن قالوا: حدث هنالك تغير.\nقيل لهم: فهل حدوث هذا التغير معلوم للقديم أم لا؟ فيلزم الشك المتقدم.\nوبالجملة فيعسر أن ستصور أن العلم بالشيء قبل أن يوجد، وأن العلم به بعد أن وجد علم واحد بعينه.\nفهذا هو تقرير هذا الشك.\nقال: وقد رام الإمام أبو حامد الغزالي حل هذا الشك في كتابه الموسوم بـ تهافت الفلاسفة بشيء ليس فيه منتفع.\nوذلك أنه قال قولًا معناه هذا، وهو أنه زعم أن العلم والمعلوم من المضاف، وكما أنه قد يتغير أحد المتضايفين ولا يتغير هذا الآخر في نفسه، كذلك يشبه أن يعرض للأشياء في علم الله ﷾، أعني أن تتغير في أنفسها، ولا يتغير علمه ﷾ بها.","vol":"9","page":386},{"text":"ومثال ذلك في المضاف: أنه قد تكون الاسطوانة الواحدة يمنة زيد ثم تعود يسرته، وزيد بعد لم يتغير في نفسه.\nقال: وليس هذا بصادق، فإن الإضافة قد تغيرت في نفسها، وذلك أن الإضافة التي كانت يمنة قد عادت يسرة، وإنما الذي لم يتغير موضع الإضافة، أعني الحامل لها الذي هو زيد.\nوإن كان كذلك، وكان العلم هو نفس إضافة، فقد يجب أن يتغير عند تغير المعلوم كما تتغير الإضافة: إضافته الاسطوانة إلى زيد عند تغيرها في نفسها، وذلك أنها عادت يسرة بعد أن كانت يمنة.\nقال: والذي ينحل به هذا الشك عندنا، هو أن يعرف أن الحال في العلم القديم مع الموجود بخلاف الحال في العلم المحدث مع","vol":"9","page":387},{"text":"الموجود، وذلك أو وجد الموجود هو علة وسبب لعلمنا، والعلم القديم هو علة وسبب للموجود، فلو كان إذا وجد الموجود بعد أن لم يوجد فقد حدث في العلم القديم علم زائد كما يحدث ذلك في العلم المحدث، للزم أن يكون العلم القديم معلولًا للموجود لا علة له، فإذًا وجب أن لا يحدث هنالك تغير، كما يحدث في العلم المحدث.\nوأنما أتى هذا الغلط من قياس العلم القديم على العلم المحدث، وهو قياس الغائب على الشاهد، وقد عرف فساد هذا القياس.\nوكما لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعول له، أعني تغيرًا لم يكن قبل ذلك، كذلك لا يحدث في العلم القديم تغير عند حدوث مفعوله عنه.\nفإذًا قد انحل هذا الشك، ولم يلزمنا أنه إذا لم يحدث هنالك تغير، أعني في العلم القديم، فليس يعلم الموجود في حين حدوثه على ما هو عليه، وإنما لزم أنه لا يعلمه بعلم محدث، بل لا يعلمه إلا بعلم قديم، كما ظن أنه لازم من ذلك القول، لأن حدوث التغير في","vol":"9","page":388},{"text":"العلم عندنا بتغير الموجود إنما هو شرط في العلم المعلول عن الموجود، وهو العلم المحدث.\nفإذًا العلم القديم إنما يتعلق بالموجود على صفة غير الصفة التي يتعلق بها العلم المحدث، لا أنه غير متعلق أصلًا، كما حكى عن الفلاسفة أنهم لموضع هذا الشك قالوا: إنه لا يعلم الجزئيات.\nولي الأمر كما توهم عليهم، بل يرون أنه لا يعلم الجزئيات بالعلم المحدث الذي من شرطه الحدوث بحدوثها، ويعلمها بالعلم القديم الذي ليس من شرطه الحدوث بحدوثها، إذا كان علة لها لا معلولًا عنها، كالحال في العلم المحدث.\nوهذا هو غاية التنزيه الذي يجب أن يعترف به، فإنه إذًا قد اضطر البرهان إلى أنه عالم بالأشياء من جهة أن صدورها عنه، إنما هو من جهة أنه عالم، لا من جهة أنه موجود فقط، أو موجود بصفة كذا، بل من جهة أنه عالم.\nكما قال تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] .\nوقد اضطر البرهان إلى أنه غير عالم بها بعلم هو على صفة العلم","vol":"9","page":389},{"text":"بالمحدث، فواجب أن يكون هناك بالموجودات علم آخر لا يكيف، وهو العلم القديم.\nقال: وكيف يمكن أن يتصور أن المشائين من الحكماء يرون أن العلم القديم لا يحيط بالجزئيات، وهم يرون أنه سبب الإنذار في المنامات والوحي وغير ذلك من أنواع الإلهامات.\nقال: فهذا ما ظهر لنا في وجه هذا الشك، وهو أمر لا مرية فيه ولا شك.\nقلت: لقائل أن يقول: ليس فيما ذكره جواب، وذلك أن تفريقه بين العلم القديم والعلم المحدث، بأن ذلك سبب للوجود، وهذا سبب عنه -هو قول تقوله طائفة من الفلسفة، وقد عارضهم طائفة من المتكلمين، فزعموا أن ليس في العلم ما هو سبب لوجود الموجود، بل العلم يطابق المعلوم على ما هو عليه، فلا يكسبه صفة، ولا يكتسب عنه صفة.\nوأولئك يقولون: علمه فعل، وهؤلاء يمنعون ذلك.\nوالتحقيق أن كلًا من العلمين: علم الخالق وعلم المخلوق، ينقسم إلى ما يكون له تأثير في وجود معلومه، وإلى ما لا يكون كذلك، فما لا يكون كذلك علم الله بنفسه سبحانه، فإن هذا العلم ليس سببًا لهذا الموجود، فلا يجوز إطلاق القول بأن ذلك العلم سبب للوجود مطلقًا.","vol":"9","page":390},{"text":"وكذلك علمنا بمخلوقات الله التي لا أثر لنا فيها كالسماوات.\nوأما الثاني فعلم الله بمخلوقاته، فإن خلق المخلوقات مشروط بالعلم بها.\nكما قال: ﴿ألا يعلم من خلق﴾ [الملك: ١٤]، فالعلم بها شرط في وجودها، لكن ليس هو وحده العلة في وجودها، بل لا بد من القدرة والمشيئة.\nومن هنا ضل هؤلاء المتفلسفة، فجعلوا مجرد العلم بنظام المخلوقات موجبًا لوجوده، ولم يجعلوا للقدرة والمشيئة أثرًا، مع أن تأثير القدرة والمشيئة في ذلك أظهر من تأثير العلم، مع أنهم متناقضون في ذلك، فإنهم قد يثبتون العناية والمشيئة تارة وينفوها تارة.\nوعلم العبد بما يريد فعله من أفعاله، هو أيضًا شرط في وجود المعلوم، فهذا العلم بهذا المحدث شرط في حصوله، والمعلوم تابع للعلم المحدث هنا، فليس وجود كل معلوم لنا هو علة وسببًا لعلمنا مطلقًا، بل يفرق في ذلك بين العلم النظري والعلم العملي، فبطل هذا الفرق.\nثم يقال أيضًا: لا ريب أن الفاعل إذا أراد أن يفعل أمرًا، فعلم ما يريد أن يفعل، لم يكن هذا هو العلم بأن سيكون، فإنه ليس كل من تصور ما يريد أن يفعل يعلم أن سيكون ما يريده، بل الواحد منا يتصور أشياء يريدها ولا يعلم أنها تكون، بل لا تكون، ثم إذا علم العالم أن الشيء سيكون ثم كان، علم أنه قد كان.\nفهنا في حقنا ثلاثة علوم، وهو إنما ذكر في حق الله العلم المشروط في الفعل، وهو الذي لا يكون المريد مريدًا حتى يحصل ذلك، فإن الإرادة مشروطة بتصور المراد.","vol":"9","page":391},{"text":"أما العلم بأن سيكون المراد، فهذا لا يثبت بمجرد ما ذكره، فإن هذا علم خبري، وذاك علم طلبي، ثم إذا ثبت هذا العلم جاء الشك، وهو أنه هل يكون هذا العلم هو نفس العلم بوقوعه إذا وقع أم لا؟\nوالمتكلمون تكلموا في هذين العلمين، وأرادوا جعل أحدهما هو الآخر، فكانوا أقرب إلى الصواب ممن جعل العلم بما يريده هو العلم بأن سيكون المراد، وذلك هو العلم بأن قد كان.\nفتبين أن طريقة المتكلمين أقل إشكالًا، وأقرب إلى الصواب.\nوأيضًا فيقال له: العالم بما يريد أن يفعل إذا فعله علم أنه سيكون، ثم علم أن قد كان، لم يخرج بذلك عن أن يكون العلم القديم شرطًا في وجود المعلوم، وهو من تمام علة وجوده، إذا كانت نفسه مستلزمة لعلمه بالموجود بشرط فعله لها، كما في سمعه وبصره، لم يكن شيء من أحواله معلولًا لغيره.\nفقوله: يلزم أن يكون العلم القديم معلولًا للوجود لا علة له -ليس بلازم.\nوأما ما ذكره من نفي التغير، فهو قد طعن في دليل المتكلمين على نفيه، ولم يذكر هو دليلًا على نفيه، فبقي نفيه له بلا حجة أصلًا، إلا قوله: يلزم أن يكون العلم القديم معلولًا للوجود لا علةً له، وليس هذا بصحيح، فإنه بتقدير تجدد علم ثان، لا يخرج العلم الذي به كان الفاعل فاعلًا عن أن يكون علة.\nوأيضًا فعلم الله لازم لذاته، وهو الذي فعل الموجودات.\nفإذا قيل","vol":"9","page":392},{"text":"إن ذاته أوجبت له هذا العلم، بشرط فعله ما فعل، لم يكن ذلك موجبًا لافتقاره في العلم إلى غيره.\nوقوله: إنما أتى هذا من قياس الغائب على الشاهد.\nفيقال: جميع ما تذكره أنت وأصحابك والمتكلمون في هذا الباب، لا بد فيه من مقدمة كلية تتناول الغائب والشاهد، ولولا ما يوجد في الشاهد من ذلك، لما تصور من الغائب شيء أصلًا، فضلًا عن معرفة حكمه، فإن أبطلت هذا بطل جميع كلامكم.\nوأما قوله: كما لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعول له، كذلك في العلم عند حدوث مفعوله.\nفيقال له: أنت قد أبطلت دليل المتكلمين على هذا الأصل الذي قاسوا عليه، ولم تذكر لك عليه دليلًا، فإن أولئك بنوه على أن ما لا يسبق الحوادث حادث، وهذا ثبت بطلانه، فيجوز عندك أن تقوم الحوادث بالقديم، وإذا كان كذلك، لم يمتنع عندك أن يتجدد للفاعل القديم عند فعله حال من الأحوال، بل أنت قد بينت في غير موضع أنه لا يعقل صدور الحوادث عن المحدث بدون هذا.\nوأما قوله: لا يلزمنا إذا لم يحدث هناك تغير أن لا يعلم الموجود في حين حدوثه على ما هو عليه.\nفيقال: هذا لك ألزم منه للمتكلمين، لأنك ألزمتهم أن العلم بأن ما سيكون قد كان، ومعلوم أن العلم بما نريد أن نفعل، ليس هو العلم بأن سيكون، ولا بأن قد كان.","vol":"9","page":393},{"text":"فإن نفيت علمه بأن ستكون الموجودات قبل وجودها، وعلمه بأن قد كانت بعد وجودها -كان هذا أعظم عليك.\nوإن جعلت ذلك هو نفس علمه بما يريد فعله، كان جعلهم العلم بالشيء قبل كونه واحدًا أقرب إلى العقل.\nوأما قوله: حدوث التغير في العلم عندما يتغير الموجود، هو شرط في العلم المعلول عن الموجود، وهو المحدث.\nفيقال له: هذا ضعيف لوجهين:\nأحدهما: أن ما ذكرته من الدليل لا يفرق.\nالثاني: أنه يلزم علم العبد بما يريد أن يفعله، فإنه متقدم على المعلوم به الموجود، وهو متغير، فليس هو معلولًا عن الموجود، فتبين أن كونه سببًا في الوجود أو تابعًا له، لا يمنع ما ذكر من التغير.\nوعلم الرب ﵎ لا يجوز أن يكون مستفادًا من شيء من الموجودات، فإن علمه من لوازم ذاته، فعلم العبد يفتقر إلى سبب يحدثه، وإلى المعلوم، الذي هو الرب تعالى، أو بعض مخلوقاته، وعلم الرب لازم له، من جهة أن نفسه مستلزمة للعلم، والمعلوم: إما نفسه المقدسة، وإما معلوماته التي علمها قبل خلقها.\nوهذه المسألة: مسألة تعلق صفاته بالمخلوقات بعد وجودها، تعلق العلم والسمع والبصر ونحو ذلك، هي مسألة كبيرة.\nوالناس متفقون على تجدد نسب وإضافات لا تقوم بذات الرب،","vol":"9","page":394},{"text":"وتنازعوا فيما يقوم بذات الرب، وهذا كما تنازعوا في الاستواء ونحوه: هل هو مفعول للرب يحدثه في المخلوقات من غير قيام أمر به؟ أم يقوم به أمر؟ على القولين\nفالكلابية والمعتزلة ينفون أن يقوم بالرب شيء من ذلك.\nوأكثر أهل الحديث، وكثير من أهل الكلام يجوزون ذلك.\nوأما النسب والإضافات فتتجدد باتفاقهم.\nوابن عقيل يسمي هذه النسب والإضافات الأحوال، ولعله سماها بذلك، كما يسمى غيره كونه عالمًا وقادرًا حالًا معللة بالعلم والقدرة، كما هي طريقة القاضي أبي بكر، ومن وافقه كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهما.\nوهؤلاء يقولون -تبعًا لأبي هاشم- إن الحال لا موجودة ولا معدومة، وكذلك هذه النسب والإضافات على قولهم.\nأو أن يكون ابن عقيل شبه ذلك بالأحوال التي يثبتها أبو هاشم، ويجعلها لا موجودةً ولا معدومةً، كذلك هذه النسب والإضافات.\nولأهل الحديث والتفسير والكلام وغيرهم من الكلام في هذه المسألة ما هو معروف.\nولهذا صار طائفة من أهل الكلام، كهشام بن الحكم، والجهم، وأبي الحسين البصري، والرازي، وغيرهم -إلى إثبات أمور متجددة.\nوالكلام على هذا متعلق بما ذكره الله في القرآن في غير موضع.\nكقوله: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ [البقرة: ١٤٣] .","vol":"9","page":395},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٢] .\nوقوله: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء﴾ [آل عمران: ١٤٠] .\nوقوله: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] إلى قوله: ﴿فبإذن الله وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا﴾ [آل عمران: ١٦٥-١٦٦] الآية.\nوقوله: ﴿ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ [الكهف: ١٢] .\nوقوله: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ إلى قوله: ﴿وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين﴾ [العنكبوت: ٣-١١] .\nوغير ذلك في كتاب الله.\nهذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها، على أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون.\nوقد نص الأئمة على أن من أنكر العلم القديم فهو كافر.\nومن هؤلاء غلاة القدرية، الذين ينكرون علمه بأفعال العباد قبل أن يعملوها، والقائلون بالبداء من الرافضة ونحوهم.","vol":"9","page":396},{"text":"وإنما المسألة الدقيقة أنه عند وجود المسموع والمرئي والمعلوم، إذا سمعه ورآه علمه موجودًا فهل هذا عين ما كان موجودًا قبل وجود ذلك؟ أو هناك معنى زائد؟\nوأما قول من قال من الفلاسفة: إنه لا يعلم إلا الكليات، فهذا من أخبث الأقوال وشرها، ولهذا لم يقل به أحد من طوائف الملة.\nوهؤلاء شر من المنكرين لعلم القديم، من القدرية وغيرهم.\nوأما ما ذكره من أن الفلاسفة لا يقولون: إنه لا يعلم الجزئيات، بل يرون أنه لا يعلمها بالعلم المحدث، وإنكاره أن يكون المشاؤون من الفلاسفة ينكرون علمه بجزيئات العالم، فهذا يدل على فرط تعصبه لهؤلاء الفلاسفة بالباطل، وعدم معرفته بحقيقة مذهبهم، فإنه دائمًا يتعصب لأرسطو، صاحب التعاليم المنطقية والإلهية.\nوكلامه في مسألة العلم معروف مذكور في كتابه ما بعد الطبيعة، وقد ذكر بألفاظه أبو البركات صاحب المعتبر وغيره، ورد ذلك عليه أبو البركات، مع تعظيمه له.","vol":"9","page":397},{"text":"وأرسطو ينكر علم الرب بشيء من الحوادث مطلقًا.\nوكلامه في ذلك وحججه من أفسد الكلام كما سنذكره إن شاء الله.\nولكن ابن سينا وأمثاله زعموا أنه إنما يعلم الكليات والجزئيات: يعلمها على وجه كلي.\nوهؤلاء فروا من وقوع التغير في علمه.\nوأما من قبل أرسطو من المشائين، فلا ريب أن في كلامهم ما هو خير وأقرب إلى الأنبياء من كلام أرسطو.\nولهذا نقل عنهم أنهم كانوا يقولون بحدوث الأفلاك، وأن أرسطو أول من قال بقدمها من المشائين.\nوأما احتجاجه على إثبات علم الرب بالجزئيات بالإنذارات والمنامات، فاستدلال ضعيف، فإن ابن سينا وأمثاله يدعون أن ما يحصل للنفوس البشرية من العلم والإنذارات والمنامات، إنما هو فيض العقل الفعال والنفس الفلكية، وإذا أرادوا أن يجمعوا بين الشريعة والفلسفة، قالوا: إن النفس الفلكية هي اللوح المحفوظ، كما يوجد مثل ذلك في كلام أبي حامد في كتاب الإحياء والمضنون وغير ذلك من كتبه.\nوكما يوجد في كلام من سلك سبيله من الشيوخ المتفلسفة المتصوفة، يذكرون اللوح المحفوظ، ومرادهم به النفس الفلكية، ويدعون أن العارف قد يقرأ ما في اللوح المحفوظ ويعلم ما فيه.\nومن علم دين الإسلام، الذي بعث الله به رسله، علم أن هذا من أبعد الأمور عن دين الإسلام، كما قد بسط في موضع آخر، إذ تنزيهه هنا للفلاسفة المشائين عن أن يكون هذا كلامهم، هو تعصب جسيم منه لهم.","vol":"9","page":398},{"text":"وهذا نظر سيء في نقل أقوال الناس، وليس تحقيق هذا من غرضنا هنا.\nوالفلاسفة طوائف متفرقون لا يجمعهم قول ولا مذهب، بل هم مختلفون أكثر من إاتلاف فرق اليهود والنصارى والمجوس.\nوكلام المشائين في الإلهيات كلام قليل الفائدة، وكثير منه بلا حجة.\nوالنقل المذكور موجود في كتب المتبعين لهم كابن سينا وأضرابه.\nوقد نظرت فيما نقل عنهم من الأقوال في العلم فوجدتها عدة مقالات، لكن من الناس من يحكي عنهم قولين أو ثلاثة، ومن الناس من لا يحكي إلا قولًا واحدًا.\nوقد وجدت أربعة مقالات منقولة عنهم صريحًا في كتب متعددة.\nفنقل طائفة عنهم.\nك الشهرستاني وغيره في العلم ثلاث مقالات.\nقالوا: ذهب قدماء الفلاسفة إلى أنه عالم بذاته فقط، ثم من ضرورة علمه بذاته يلزم منه الموجودات، وهي غير معلومة عنده، أي لا صورة لها عنده على التفصيل والإجمال\nوذهب قوم منهم إلى أنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات.\nوذهب قوم إلى أنه يعلم الكلي والجزئي جميعًا، على وجه لا يتطرق إلى علمه نقص وقصور.","vol":"9","page":399},{"text":"فهذا القول الثالث هو شبيه بالقول الذي اختاره ابن رشد.\nوأما القول الثاني والأول فهما اللذان حكاهما الغزالي عن الفلاسفة.\nقال: منهم من قال: لا يعلم إلا ذاته، ومنهم من يسلم أنه يعلم غير ذاته.\nقال: وهو الذي اختاره ابن سينا، فإنه زعم أنه يعلم الأشياء كلها بنوع كلي، لا يدخل تحت الزمان، ولا يعلم الجزئيات التي يوجب تجدد الإحاطة بها تغيرًا في ذات العالم.\nوذكر الغزالي أنهم اتفقوا على أنه لا يعلم الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن، وما كان، ويكون\nقال: فمن ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه، لا يخفى فساد هذا من مذهبه، ومن ذهب منهم إلى أنه يعلم غيره، كما اختاره ابن سينا، فقد زعم أنه يعلم الأشياء علمًا كليًا، لا يدخل تحت الزمان، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن، ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي.\nقلت: ول أبي البركات صاحب المعتبر مقالة في العلم رد فيها على أرسطو.\nونصر فيها أنه يعلم الكليات والجزئيات.","vol":"9","page":400},{"text":"وما ذكره ابن رشد عنهم من أنهم يرون أن العلم سبب الإنذار بالجزئيات.\nفيقال: أما الفلسفة الموجودة في كتب ابن سينا وأمثاله، ففيها أن ذلك من العقل الفعال والنفس الفلكية، وعندهم ذلك هو المنذر بذلك، ويسمون ذلك اللوح المحفوظ، ومن ذلك ينزل عندهم الوحي على الأنبياء، ومن ذلك كلم موسى.\nوكثير من المتصوفة الذين سلكوا مسلكهم قد دخل ذلك في كلامهم.\nفإن كان فريق غير هؤلاء المتفلسفة يجعله ذلك من علم الله، فلا ريب أن من جعل الله منذرًا لعباده بالجزئيات، لزم أن يكون عالمًا بها، فإن الإعلام بالشيء فرع على العلم به، وهذا ما يثبت القول الثالث المحكي عنهم.\nوذكر أبو البركات في معتبره الأقوال الثلاثة: قول من قال: لا يعلم إلا ذاته، وذكره عن أرسطو، وذكر ألفاظه.\nوابن رشد هو يعظم أرسطو إلى الغاية، وهو من أعظم الفلاسفة عنده، فكيف ينفي هذا القول عنهم؟!\nوذكر أبو البركات قول ابن سينا، وذكر عنهم القول الثالث، وهو أنه يعرف ذاته وسائر مخلوقاته في سائر الأوقات، على اختلاف الحالات، مما هو كائن، وما هو آت.\nوهذا القول ينزع إلى قولين: أحدهما: القول الذي اختاره ابن رشد، الذي قربه من التغير، ولم يجب عنه، والثاني التزام هذا اللازم، وبيان أنه ليس بمحذور.\nوهذا قد اختاره أبو البركات، كما يختاره طوائف من","vol":"9","page":401},{"text":"المتكلمين كأبي الحسين والرازي وغيرهما، وكما هو معنى ما دل عليه الكتاب والسنة، وذكره أئمة السنة.\nفصارت الأقوال للفلاسفة في علم الله أربعة أقوال، بل خمسة، بل ستة، بل سبعة.\nوأكثر من ذلك القول الذي ذكره ابن سينا، والقول الذي اختاره ابن رشد، والقول الذي اختاره أبو البركات.\nوهذان القولان هما القولان اللذان يقولهما نظار المسلمين.\nوقول أرسطو وابن سينا، فلا يمكن أن يقولهما مسلم.\nولهذا كان ذلك مما كفرهم به الغزالي وغيره، فضلًا عن أئمة المسلمين، ك مالك والشافعي وأحمد، فإنهم كفروا غلاة القدرية، الذين أنكروا علمه بالأفعال الجزئية قبل وجودها، فكيف من أنكر علمه بالجزئيات كلها قبل وجودها وبعد وجودها؟!\nول السهروردي المقتول قول آخر سنحكيه بعد إن شاء الله.\nوكذلك ل الطوسي قول قريب منه، مضمونه أن العلم ليس صفة له، بل هو نفس المعلومات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>كلام ابن ملكا في المعتبر عن مسألة عدم الله وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nقال أبو البركات: فأما معرفته وعلمه فقد اختلف فيه كثير من العلماء، من المحدثين والقدماء، يعني علماء النظار من الفلاسفة، لا يعني به أتباع الأنبياء.\nقال: فقال قوم منهم: إنه لا يعرف ولا يعلم سوى ذاته، وصفاته التي له بذاته.\nوقال آخرون: بل يعرف ذاته وسائر مخلوقاته، في","vol":"9","page":402},{"text":"سائر الأوقات، على اختلاف الحالات، فيما هو كائن، وفيما هو آت.\nوقال آخرون: بل يعرف ذاته بذاته، والصفات الكلية من مخلوقاته، والذات الدائمة الوجود من معلولاته، ولا يعرف الجزئيات، ولا يعلم الكليات الفاسدات المتغيرات المستحيلات، ولا شيئًا من الحوادث من الأفعال والذات.\nقال: واشتهر القول بين المتفلسفة من القدماء بالمذهب الأول، أعني تنزيه الذات فقط، وبين المحدثين القول الثالث: وهو معرفة الكليات.\nوضعفت بينهم حجج القائلين بمعرفة الجزئيات، لتدقيق النظر، وتقرير أصول لم تحرر، وافقهم عليها السامعون، فألزمهم بتصديقهم من حيث لا يشعرون.\nقال: ونحن الآن نقتص مذاهب الذين يقولون بأنه تعالى لا يعرف الجزئيات وحججهم، ثم نشرع في اعتبارها والنظر فيها، وفي مذهب القائلين بخلافها، ونجري على العادة في توفية كل مذهب حجته،","vol":"9","page":403},{"text":"مما قيل، ومما لم يقل، حتى ينتهي النظر إلى الحجة التي لا مرد لها، ولا حجة تبطلها، فنعرف الحق فيها.\nثم قال: الفصل الرابع عشر: في شرح كلام من قال: إن الله لا يحيط علمًا بالموجودات.\nقال أرسطو طاليس ما هذه حكايته فيما بعد الطبيعة: فأما على أية جهة هو المبدأ الأول، ففيه صعوبة.\nفإنه إن كان عقلًا وهو لا يعقل، كالعالم النائم، فهذا محال.\nوإن عقل أفترى عقله في الحقيقة لشيء غيره؟ وليس جوهره معقوله، لكن فيه قوة على ذلك، وبحسب هذا لا يكون جوهرًا، فإن كان هذا الجوهر بهذه الصفة، أعني أنه عقل، فليس يخلو أن يكون عاقلًا لذاته أو لشيء آخر.\nفإن كان عاقلًا لشيء آخر، فلا يخلو أن يكون عقله دائمًا لشيء واحد أو لأشياء كثيرة.\nفإن كان معقوله لأشياء كثيرة، فمعقوله على هذا منفصل، عنه فيكون كماله إذن لا في أن يعقل ذاته، لكن في عقل شيء آخر، أي شيء كان.\nإلا أنه من المحال أن يكون كماله بعقل غيره، إذ كان جوهرًا في","vol":"9","page":404},{"text":"الغاية من الإلهية والكرامة والعقل، فلا يتغير.\nوالتغير فيه انتقال إلى الأنقص، وهذا هو حركة ما، فيكون هذا العقل ليس عقلًا بالفعل، لكن بالقوة.\nوإن كان هكذا، فلا محالة أنه يلزمه الكلال والتعب في إيصال للمعقولات، ومن بعد فإنه يصير فاضلًا بغيره، كالعقل في المعقولات، فيكون ذلك العقل في نفسه ناقصًا، ويكمل بمعقولاته.\nوإن كان هذا هكذا، فيجب أن يهرب من هذا الاعتقاد، وإن لا يبصر بعض الأشياء أفضل من أن يبصرها، فكمال ذلك العقل، إذ كان أفضل الكمالات، يجب أن يكون بذاته لها، فإنها أفضل الموجودات وأكملها وأشرف المعقولات.\nوهذا يوجد هكذا دائمًا، دون تعرف أو حسن أو رأي أو فكر.\nفهذا ظاهر جدًا، فإنه إن كان معقول هذا العقل غيره، فإما أن يكون شيئًا واحدًا دائمًا، أو يكون علمه بما يعلمه واحدًا بعد آخر.\nوهذه الأمور بالهيولى غير الصورة، فأما في الأمور العقلية، فطبيعة الأمر وكونه معقولًا شيء واحد، فليس العقل فيها شيئًا غير المعقول.","vol":"9","page":405},{"text":"وبالجملة فجميع الأشياء العرية عن الهيولى، فمعنى العقل والمعقول فيها واحد.\nقلت: وقد صنف أبو البركات مقالة في العلم ذكر فيها نحو ما ذكره في المعتبر وقال: هذا القول هو الذي نقل عن أرسطو طاليس في مقالة اللام من كتابه المعروف بـ ما بعد الطبيعة، وقد تداولته العقلاء، وتصرفت فيه العقول، وأكثر فيه المفسرون.\nوالغرض منه ظاهر، وهو إجلال المبدأ الأول عن أن يكون له كمال بغيره، فيكون بذاته ناقصًا بالقياس إلى ذلك الكمال، وتكون له غيرية بإدراك الأبصار، وتغير بإدراك المتغيرات، وتعب باتصال إدراكها وازدحامها، وخروجه من القوة إلى الفعل فيفعلها.\nقال: وإذا كان هذا مفهوم الكلام قد لاح عن كثب، فلا حاجة إلى التطويل.\nوهذا قول إذا تتبع بطريقة النظر المحض، لم يثبت له قدم فيه وساق كلامه عليه.\nقال أبو البركات في المعتبر: وقد كان أرسطو قال قبل هذا ما قصد به أن ينفي عنه أن تتجدد له الأحوال، ويمنع به تغيره من حال إلى حال، حتى يحكم بذلك في العلوم والمعارف.\nقال: وليس يمكن في العلة الأولى أن تنفعل، وجميع هذه هي","vol":"9","page":406},{"text":"حركات توجد بآخرة بعد الحركة المكانية، وجميع هذه هي بينة على هيئة على هذه الصفة.\nثم ذكر عبارة ابن سينا في هذه المسألة كما سنذكره.\nوكلام أرسطو فيه أربعة أمور:\nأحدها: أن العلم بالغير يوجب كونه كاملًا بغيره، فأن لا يبصر بعض الأشياء أولى من أن يبصرها.\nالثاني: أن علمه بالمتغيرات يوجب تعبه وكلاله.\nالثالث: أن هذا نوع من الحركة يستلزم تقدم الحركة المكانية.\nالرابع: أن علمه الأشياء نوع حركة يوجب كثرة العلوم، فيكون هو لها كالهيولى للصورة.\nومدار الحجج على أن العلم يوجب الكثرة والتغير والاستكمال بالمعلوم.\nقال أبو البركات: الفصل الخامس عشر: في اعتبار الحجج المنقولة عن أرسطو طاليس: أما قول أرسطو بأن تعقله للغير كمال يوجب له نقصًا باعتبار لا كونه، فيرد بأن يقال فيه على طريق الجدال الذي يلزمه الإذعان له، وهو أن يقال: إنك تعرفه مبدأ أولًا، وخالق","vol":"9","page":407},{"text":"الكل، فنقول في خلقه مثلما قلت في تعقله.\nفإن قلت: الخلق لزم عن ذاته.\nقلنا: والتعقل لزم عن ذاته.\nوإن قلت: إن ذلك يمنعه عنه، حتى لا يجعل له به كمالًا، أعني كونه يعقل الأشياء.\nقلنا: فامنع هذا أيضًا، أعني كونه يخلق الأشياء، حتى لا يكون له به كمال، فيما لا يخلق لا يكون خالق المخلوقات ومبدأً أول لها، كما أنه بما لا يعقل لا يكون عاقل المعقولات، ولو بما لا يعقل واحدًا منها، مثلما لا يخلق واحدًا منها، فإن الذي لزم في علم المعلوم، يلزم مثله في خلق المخلوقات أو إبداع المبدع، فإنه بقياس لا وجوده عنه ليس بخالق ولا مبدع، فإن لم يوجب هذا نقصًا، لم يوجب ذاك.\nوإن أوجب ذاك، فقد أوجب هذا، وإجلاله عن ذلك، كإجلاله عن هذا، وقدرته على هذا، كقدرته على ذاك، فلم نزهته عن ذاك، ولم تنزهه عن هذا؟ ولم خشيت عليه التعب في أن يعقل، ولم تخشه عليه في أن يفعل؟.","vol":"9","page":408},{"text":"قال: فهذا جواب كاف في رده على مذهب المجادلة.\nقلت: قوله على مذهب المجادلة -يعني المعارضة والنقض- التي تبطل حجة المستدل، وتبين أنها فاسدة وإن لم يعلم حلها، وذلك أن ما ذكره في العلم يلزم مثله بطريق الأولى في الفعل، فإنه من المعلوم بصريح العقل أن كون الشيء مفعولًا دون كونه معلومًا، فإن المفعولات دون الفاعل، وليس كل معلوم دون العالم، فالإنسان يعلم ما هو أكمل منه، ولا يفعل ما هو أكمل منه.\nفالمفعول يجب أن يكون دون الفاعل، ويجب أن يكون الفاعل أكمل من المفعول، ولا يجب مثل ذلك في العالم والمعلوم، بل يجوز أن يعلم العالم ما هو أكمل منه، وما لا يفتقر إليه بوجه من الوجوه.\nوأما مفعوله فهو مفتقر إليه.\nفإذا لم يكن كون الأشياء مفعولة له، مما يوجب نقصًا له وكمالًا بها، فأن لا يوجب كونها معلومة له نقصًا له وكمالًا بها بطريق الأولى، إذ كونها مفعولة أنقص لها من كونها معلومة له، فإذا كانت فاعليته لا تتم إلا بها، ولم يكن ذلك نقصًا، فأن لا تكون عالميته التي لا يتم إلا بها نقصًا بطريق الأولى.\nوذلك من وجوه:\nأحدها: أن كونها مفعولة أنقص لها من كونها معلومة.\nالثاني: أن لزوم الفعل له أولى بأن يجعل نقصًا من لزوم العلم له.\nالثالث: أن استلزام الفاعلية المفعول أولى من استلزم العالمية لوجود","vol":"9","page":409},{"text":"المعلوم، فإن العالم قد يعلم المعلوم معدومًا، ويعلمه ممتنعًا، ويعلمه قبل وجوده.\nوأما الفعل فلا يكون إلا لما يوجد بالفعل، لا لما يكون معدومًا مع وجود الفعل.\nوحينئذ فتوقف كونه فاعلًا على وجودها أولى من توقف كونه عالمًا على وجودها.\nالرابع: أنه إذا قيل: فعله لها لا يوجب احتياجه إليها، بل هي المحتاجة إليه من كل وجه، وكماله بفعله الذي هو من ذاته لا منها.\nقيل: وعلمه بها لا يوجب حاجته إليها بوجه، بل العالم أغنى عن المعلوم من الفاعل إلى المفعول، إذ لا يعقل في الشاهد فاعل إلا وهو محتاج إلى فعل، بل ومفعوله، ويوجد عالم لا يفتقر إلى معلوماته، بل ولا إلى علمه بكثير من المعلومات، وإن كان علمه بها صفة كمال، وجوده أكمل منه.\nوإذا قدر أن بعض الأفعال لا يحتاج إليه بل هو صفة كمال.\nقيل: الفعل الاختياري لا يكون إلا بإرادة، وحاجة الإنسان إلى وجود كل مراد مطلقًا، أعظم من حاجته إلى العلم بما يعلمه مطلقًا، تعلق النفوس بمراداتها، أعظم من تعلقها بمعلوماتها.\nولهذا يقول بعض الناس ويحكونه عن علي: قيمة كل امرئ ما يحسن ولا يصح هذا عن علي.\nويقول أهل المعرفة: قيمة كل امرئ ما يطلب.\nفكمال النفوس ونقصها بمرادها، أعظم من كمالها ونقصها بمعلومها.\nبل نفس العلم بأي معلوم كان لا يوجب لها نقصًا، وأما إرادة بعض","vol":"9","page":410},{"text":"الأشياء فيوجب لها نقصًا، فإذا كان فعله لكل ما في الوجود لا يوجب له نقصًا، فكيف بعلمه بذلك؟ وإذا كان فعله لها لا يوجب كونه محتاجًا إليها مستكملًا بها، فكيف يوجب ذلك علمه بها؟\nونحن نعلم أن كون الفاعل لا يفعل بعض الأشياء أكمل من فعلها، وأما كونه لا يعلمها، فلا يعقل كونه نقصًا، إلا إذا اقترن بالعلم ما يذم، لا أن نفس العلم يذم، فإذا كان فعله لبعض الموجودات ليس أكمل من فعله لها كلها، ولم يكن أن لا يفعلها أكمل من أن يفعلها، فكيف يكون أن لا يبصرها أفضل من أن يبصرها؟\nوإذ قيل: هو فاعل لبعضها بتوسط بعض.\nقيل: كيفما قدرت وجود الفعل ونفي كونه نقصًا، كان تقدير وجود العلم ونفي كونه نقصًا أولى وأحرى.\nفإن قلت: فعله للمفعول الأول لازم لذاته وهلم جرًا، ولا يكون نقصًا.\nقيل: إن قدر أن هناك معلولًا أول يلزمه، فإن علمه بنفسه إذا كان يستلزم علمه بالمعلول الأول ولوازمه، لم يكن نقصًا بطريق الأولى.\nوإذا قيل: إن في التعقلات تعبًا.\nقيل: من لم يتعب بالفعل، فأن لا يتعب بالعلم بطري الأولى، فكيف يعقل فاعل يفعل دائمًا ولا يتعب بالفعل؟ فأن لا يتعب بالعلم بطريق الأولى.\nفكيف يعقل فاعل يفعل دائمًا ولا يتعب بالفعل، ولكن يتعب","vol":"9","page":411},{"text":"بعلمه بالمفعول مع كونه عقلًا؟ والعقل الذي هو العلم أولى به من الفعل.\nوهم يعلمون -وكل عاقل- أن نفس الإنسان لا يتعب بالعلم، كما يتعب بالفعل.\nوكذلك بدنه إذا قدر فعل لا يكون استحالة وتغيرًا، فلأن يقدر علم به لا يكون استحالة وتغيرًا بطريق الأولى.\nوإذا قدر فعل لا يوجب حركة مكانية، فالعلم به أن لا يوجب ذلك أولى وأحرى.\nففي الجملة كل ما توهم المتوهم أنه نقص في العلم، مثل كونه استكمالًا بالغير، أو كونه تغيرًا، أو كونه متعبًا، مثله في فعل ذلك لغير المعلوم بطريق الأولى.\nوإذا كان الفعل لا نقص فيه بل هو كمال، فكذلك للعلم وللغير المذكور، هو مفعوله ومخلوقه الذي هو أبدعه.\nفإذا قيل: إن كماله به، فليس كماله إلا بنفسه، إذ هو المبدع له، فلم تفتقر نفسه إلى غير نفسه، ونحن نعقل أن ما هو غني عنا علمنا به أكمل من أن لا نعلمه وإن كان غنيًا عنا، فلو قدر أن في الوجود ما ليس مفعولًا له، كان أن يعلمه أكمل من أن لا يعلمه، فكيف إذا كان هو مفعوله؟\nوهل يقال: إن من علم الأشياء بعلوم متجددة، بل علمها بعد وجودها، أنقص ممن لا يعلمها بحال، فكيف يكون من لا يعلمها قبل وجودها وبعد وجودها؟\nولو سمى مسم العلم بالمتغيرات تغيرًا وحركة واستكمالًا بالغير، ومهما سماه من ذلك، فإذا قيس من يعلم الإشياء إلى من لا يعلمها، كان الأول أكمل بكل حال.","vol":"9","page":412},{"text":"ولهذا كان الإنسان القابل للعلم أكمل من الجماد، وإن كان في علمه من التغير والحركة ما ليس في الجماد.\nوأيضًا فمن يكون حيًا حساسًا يقدر على الحركة، أكمل ممن لا يكون كذلك.\nوكلما كانت صفات الكمال أكمل، كان الموصوف أكمل، فإن الإنسان أكمل من الحيوان البهيم، والحيوان أكمل من الجماد، وإن قدر أن علمه وفعله مستلزم للحركة، بل للحركة المكانية، فهو أكمل ممن لا علم له ولا يتحرك بإرادته، فالمتحرك بإرادته أكمل ممن لا يمكنه الحركة البتة.\nهذا هو المعقول في الموجودات.\nوكلما تدبر الإنسان، ونظر في الأدلة المعقولة، تبين له أن ما ذكره عن أرسطو من الحجج لنفي العلم من أفسد الحجج، بل هي الغاية في الفساد، وهي مبنية على مقدمتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>ما ذكره ابن ملكا عن أرسطو من الحجج لنفي العلم باطل من وجوه</span>\nإحداهما: إن العلم يستلزم أمورًا.\nوالثانية: أنه يجب نفي تلك الأمور لكونها نقصًا.\nوهذا باطل من وجوه:\nمنها: المعارضة بما تقدم.\nومنها: أن نفي العلم أعظم نقصًا من تلك اللوازم، فلو قدر أنها تتضمن ما يسمونه نقصًا، لكان ما يتضمنه نفي العلم من النقص أعظم، فلا يجوز التزام أعظم النقصين حذرًا من أدناهما، إذا قدر أن كلاهما قد جعله هؤلاء نقصًا.","vol":"9","page":413},{"text":"ومنها: أن ما ذكره من المقدمة الأولى اللزومية مما ينازعهم فيه كثير من الناس.\nومنها: أن كون تلك اللوازم نقصًا مما ينازع فيه كثير من الناس.\nومنها: أنه يستفصل عن الحدود المذكورة في المقدمتين، فإنها ألفاظ مجملة، وحينئذ فلا بد من منع الملزوم، أو انتفاء اللازم، فإما أن لا يسلم ما ذكروه عن اللزوم، وإما أن لا يسلم ما ذكروه من انتفاء اللازم.\nومنها: بيان أن لوازم العلم كلها كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه.\nومنها: أن ما ذكره مبني على وجوب ثبوت الكلام للرب تعالى وتنزيهه عن النقص، وهذا حق كما قررناه في غير موضع، وبينا أن الكمال الممكن وجوده، الذي لا نقص فيه بوجه، يجب إثباته لله تعالى، وأن العلم من أعظم الكمالات الذي لا نقص فيه بوجه، وقد وجد العلم في الوجود، فثبوته له أولى من ثبوته لغيره، وأن العلم من حيث هو علم لا يستلزم نقصًا أصلًا، ولكن النفوس الظالمة إذا علمت بعض الأشياء فقد تستعين بالعلم على الظلم، والنفوس الجاهلة به إذا عرفت بعض الحقائق، فقد يضرها معرفة تلك الحقائق، فيحصل الضرر لما في النفوس من الشر.\nأما المقدس المنزه عن كل عيب، فعلمه من تمام كماله، وهو مما يحمد به ويثنى به عليه، لا يستلزم الذم والنقص بوجه من الوجوه، فكيف إذا علم وجود العالم وامتناع وجوده بدون العلم وامتناع كونه فاعلًا لشيء إلا مع علمه به؟ إلى غير ذلك من الدلائل البرهانية المثبتة لوجوب كونه تعالى عليمًا بكل شيء.","vol":"9","page":414},{"text":"لكن نحن في هذا المقام في أبطال شبه النفاة، لا في بيان حجج المثبتين.\nوما ذكره أبو البركات في المعارضة بالفعل في غاية الحسن، فإن من لا يلزمه تعب ولا نقص في خلق المخلوقات، فأن لا يلزمه ذلك في علمه بها أولى وأحرى.\nوهذا مما يبين أن قول اليهود، الذين وصفوه بالتعب لما خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأنه استراح بعد ذلك -أقرب إلى المعقول من قول أرسطو وأتباعه، الذين يقولون: لو كان عالمًا بهذا لتعب، لكن هذه المعارضة مبنية على أنه علة فاعلة للعالم، سواء قيل: إنه فاعل له بالإرادة، أو موجب له بذاته بلا إرادة.\nوكونه مبدأً للعالم هو مما اتفق عليه الأمم من الأولين والآخرين، ووافقهم على ذلك أئمة أتباع المشائين، كابن سينا وأمثاله.\nوأما أرسطو فليس في كلامه إلا أنه علة غائية، بمعنى أن الفلك يتحرك للتشبه به، ليس فيه أنه مبدع للعالم.\nوهذا، وإن كان في غاية الجهل والكفر، فكلامه في علمه مني على هذا.\nوإبطال كلامه في العلم ممكن، مع تقدير هذا الأصل الفاسد أيضًا من وجوه.\nفإن حقيقة قول أرسطو وأتباعه: إن الرب ليس بخالق ولا عالم.\nوأول ما أنزل الله على رسوله ﷺ ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق: ١-٥] .","vol":"9","page":415},{"text":"وكذلك قوله: ﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى﴾ [الأعلى: ١-٣] .\nوقوله موسى لفرعون: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠]، وأمثال ذلك.\nوهؤلاء عندهم لم يخلق شيئًا، ولم يعلم أحدًا، بل هو في نفسه ليس بعالم، فكيف يعلم غيره ويهديه؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>بقية كلام ابن ملكا في المعتبر وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nقال أبو البركات: فأما الجواب النظري البرهاني، فهو أن نقول: ليس كماله بفعله، بل فعله بكماله وعن كماله، ومن فعله عقله، فعقله عن كماله الذاتي، الذي لا وجه لتصور النقص فيه ولا القول به، فإن النقص في ذات المبدأ الأول غير متصور لأنه واحد، والنقص إنما يتصور في موضع الزيادة والنقصان، والزيادة والنقصان معًا إنما هي من صفات الكثرة والغيرية، حيث تتصور في الكثرة قلة، وفي الزيادة نقصان، كل واحد بقياس الآخر.\nفأما حيث لا كثرة ولا غيرية بل وحدة محضة، فلا يتصور نقص.\nوكيف والنقص من الصفات الإضافية، حيث يقال: نقص كذا، كما يقال: زاد كذا؟\nفالنقص المتصور في الذات الأحدية، أي نقص يكون؟ ونقص ماذا","vol":"9","page":416},{"text":"يكون؟ وكيف يتصور؟ لا أقول: كيف يقال؟ فإن القائل قد يقول ما لا يتصوره، لكن العالم لا يعلم ما لا يتصوره إثباتًا ولا نفيًا.\nفإن قيل: إن النقص ها هنا متصور بقياس ذاته، وهو أن لا يعقل كذا لولا كذا المعقول، أي لا يعقل لولا المعقول.\nقلنا: إن الكمال الذي له ليس هو بأن يعقل كل موجود، بل كونه بحيث يعقل كل موجود، فإن كان المعقول موجودًا عقله، وإن فرض غير موجود، لزمه فرض أن لا يعقله، لا لأنه لا يعقله، أي لا يقدر على عقله، بل النقص من جانب العدم المفروض، فكماله وقدرته له بذاته، ويلزم عنهما ما له بالقياس إلى موجوداته، فما كمل بإيجاد مخلوقاته، بل وجدت مخلوقاته عن كماله.\nوليس هذا القول في المبدأ الأول فقط، بل وفينا أيضًا، فإنا لسنا نكمل بكل معقول، بل إنما كمالنا بقدرتنا على أن نعقله وإنما نكمل بما نعقله بالفعل، حيث نعقل بالفعل معقولات أشرف منا، وذلك نوع آخر من الكمال، فإن العقل له بذاته الكمال، الذي هو قدرته على أن يعقل، وله بأن يعقل، وذلك أمر له من ذاته: عقل بالفعل أم لم يعقل.\nوله كمال عرضي إضافي اكتسابي، بما يعقل معقولات هي أشرف","vol":"9","page":417},{"text":"منه، وذلك ليس للأول، إذ ليس أشرف منه في الموجودات، حتى يشرف ويكمل بعقله له، وليس إذا ارتفع هذا عنها ارتفع ذاك، فإن ذاك هو الأول، والذي بالذات -أعني كونه بحيث يعقل، وقدرته على أن يعقل -فهو كماله الذاتي الذي به شرف وجل وعلا عما لا يعقل.\nوالآخر هو الثاني.\nوالذي بالعرض، أعني كماله بمعقولاته وشرفه بها، فإن كوننا بحيث نعقل ما نعقله، شرف لنا وكمال، بالقياس إلى ما ليس له ذلك.\nوكثير من المعقولات التي نعقلها لا نشرف بها، وليس الشرف الحاصل من الفعل، هو الشرف الذي بالقدرة، فإن الذي بالقدرة قبل الفعل ومعه وبعده، والذي بالفعل يحصل مع الفعل وبه وبعده، ولا يكون قبله، فما شرف الله بمخلوقاته، بل خلق بشرفه، أعني: ما خلق فشرف، بل شرف فخلق، وكذلك ما علم فكمل، بل كمل فعلم.\nقلت: ملخص هذا أن الكمال هو الذي يجب له أزلًا وأبدًا، وهو لازم لا يتجدد منه شيء، وهو كونه بحيث يفعل ويعقل، لا نفس وجود الفعل المعين والعلم المعين، وهذا هو القدرة على الفعل والعقل، وهذا له بذاته لا يتوقف على شيء من الموجودات.\nولهذا قال: إن النقص غير متصور في الذات الواحدة، فإن النقص يستلزم التعدد، ولا تعدد هناك.\nلكن قد يقال على هذا: إنه، وإن كان الذات واحدة، فإذا كانت الصفات متعددة، كالقدرة والعلم، أمكن تقدير أحدهما دون الآخر، فالكمال هو بوجود الجميع، والنقص معقول بعدم بعض ذلك.","vol":"9","page":418},{"text":"لكن ما قاله لازم لمن ينفي الصفات من الجهمية والفلاسفة، ويقدر ذاتًا لا صفة لها، أو وجودًا مطلقًا لا يختص بأمر، فهذا لا يعقل فيه كمال ولا نقص.\nوأرسطو من نفاة الصفات، وقد قدر أنه يكمل تارة ولا يكمل أخرى، وجعل أحد الأمرين أكمل له من الآخر.\nوأصحاب أرسطو يقولون: هذا إنما يمكن تقديره في الأمور الإضافية والسلبية.\nفيقال لهم: أما الإضافات فإنها تتجدد عندكم.\nفإن قلتم: إنها كمال.\nلزم أن يتجدد له الكمال، وهو خلاف أصلكم.\nوإن قلتم: ليست بكمال.\nبطل تقدير الكمال لامتناع تقدير النقصان.\nولكن قد يقال: تقدير النقصان في الواحد المسلوب الصفات غير متصور، كما قال أبو البركات.\nلكن يمكن تقدير كمال منتظر ونفيه، وهو الذي نفاه أرسطو.\nوأبو البركات جعل الكمال في نفس القدرة اللازمة له، لا فيما ينتظر.\nلكن أبو البركات من مثبتة الصفات، فما ذكره، وهو أن عدم إمكان النقص في الواحد من كل وجه، تقريرًا لامتناع النقص عليه، وامتناعه بوجه كماله، فيكون فعله عن كماله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>الرد على أرسطو من وجوه أخرى غير ما ذكره ابن ملكا. الوجه الأول</span>\nالرد على أرسطو من وجوه أخرى غير ما ذكره ابن ملكا.\nالوجه الأول\nويقال: يمكن الجواب عن شبهة أرسطو من وجوه أخر غير ما ذكره أبو البركات.\nأن يقال: العلم لازم لذاته أزلًا وأبدًا، ليس شيئًا متجددًا، فلا يحتاج أن يقال: كماله في أن يقدر على العقل، كما قال أبو البركات.","vol":"9","page":419},{"text":"بل نفس العقل، الذي هو العلم في لغة المسلمين، أمر لازم لذاته، كما قال أبو البركات في القدرة.\nوحينئذ فليس كماله بغيره، بل بعلمه الذي هو من لوازم ذاته، الذل لم يزل ولا يزال، كما أن كماله بقدرته كذلك.\nوكون العلم متعلقًا بغيره، مثل كون القدرة متعلقة بغيره.\nوكما أن القدرة صفة كمال، لا يقدح فيها أنه لا بد لها من مقدور، فالعلم كذلك وأولى، لأنه يتعلق بنفسه ويتعلق بغيره، والقدرة لا تكون قدرةً إلا على غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1013>الوجه الثاني</span>\nأن ما ذكرناه من أن الأعيان الذين يتعلق بهم العلم والقدرة هم مخلوقاته، الذين لم يشركه أحد في خلقهم، وهم كلهم محتاجون إليه لا إلى غيره، فما في الوجود إلا نفسه ومخلوقاته، التي لا وجود لها إلا بنفسه، فلم يكن تعلق صفاته بمخلوقاته، بأعظم من تعلق ذاته بهم، وكما أن تعلق ذاته بهم هو من كماله لا من نقصه، فتعلق علمه وقدرته بهم كذلك، ومعلوم أن وجود ذاته دون لوازم ذاته ممتنع باتفاق العقلاء، فيمتنع عند المسلمين وجوده بدون علمه وقدرته.\nوجماهير المسلمين يقولون: إن إرادته من لوازم ذاته، سواء قالوا: إنها واحدة بالعين أو متعددة.\nوإذا كانت إرادته من لوازم ذاته، فيمتنع وجوده بدون وجود مراداته، التي هي مخلوقاته، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\nوالمتفلسفة يقولون: إن وجوده بدون وجود معلولاته ممتنع، ومع هذا","vol":"9","page":420},{"text":"فلم يكن كونه ملزومًا لغيره نقصًا، فكيف يكون كون علمه ملزومًا للمعلوم نقصًا، مع أنه هو خالق المعلومات؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>الوجه الثالث</span>\nجواب من يقول: إنه يعلم الأشياء كلها بعلم قديم أزلي، وأنه لا يتجدد عند تجدد المعلومات إلا تعلق العلم بها، كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام، ومن اتبعهم من الفقهاء، فهؤلاء يقولون: إن العلم لا يقف على شيء أصلًا، بل هو حاصل أزلًا وأبدًا على وجه واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>الوجه الرابع</span>\nجواب من يقول: إنه يعلم الشيء موجودًا بعد أن علمه معدومًا، وأن هذا الثاني فيه زيادة على الأول، فهؤلاء يقولون: لم يحصل المعلوم والعلم الثاني إلا بقدرته ومشيئته، فما استفاد شيئًا من غيره، ولا كمل بغير نفسه.\nويقولون: إن ما لا يكون إلا بمشيئته وقدرته، يمتنع وجوده في الأزل، ووجوده بقدرته ومشيئته أكمل من عدم وجوده، فوجوده على هذه الحال هو غاية الكمال، وعدم هذا الكمال هو النقص الذي يجب تنزيهه عنه، فإنه كمال ممكن الوجود لا نقص فيه، وكل ما كان كذلك كان واجبًا له، إذ لو لم يكن واجبًا له، لكان: إما ممتنعًا -وهو خلاف الفرض- أو ممكنًا، وحينئذ فالمقتضى له هو ذاته بلوازمها، وقد وجد ذلك، فيجب وجوده، وإلا فيكون ممتنعًا.\nوهو خلاف الفرض.\nوبهذين الجوابين يزول ما يقدح به كلام أبو البركات، حيث جعل العقل بالفعل ليس كمالًا، وإنما الكمال في القدرة عليه، ولم يجعل الكمال إلا في عقل الأفضل لا الأدنى، فإن هذا مما نازع فيه.\nويقال: ما كان كمالًا، إذا كان بالقوة فهو إذا صار بالفعل أكمل","vol":"9","page":421},{"text":"وأكمل، فكيف تكون القدرة على الفعل والعقل للأشياء الخسيسة كمالًا؟ ولا يكون خروج القوة في الفعل، ونفس فعلها وعقلها كمالًا؟\nولكن يقال: ما كان يمتنع وجوده أزليًا، ولا يمكن أن يوجد إلا حادثًا، ليس الكمال إلا في إحداثه، ولا في فعله في الأزل، وإذا قدر أن علمه موجود لا يمكن تحققه إلا بعد وجوده، كان أن يعلم موجودًا بعد وجوده، أكمل من أن لا يعلم موجودًا، وإن علم أنه سيوجد.\nوأما قول أبي البركات: ما كمل بفعله وعقله، بل فعل وعقل بكماله فهو صحيح، إذا أريد بالكمال ما هو أزلي للذات، لا يمكن تجدد شيء من أفراده، كما لا يتجدد نوعه.\nوأما إذا أريد بالكمال ما يتضمن جميع ما يمكن وجوده من الكمال على الوجه الذي يمكن.\nفيقال: كماله بنفسه وذاته، ونفسه تتضمن ما يقوم به من صفاته وأفعاله، فلم يكمل بشيء مباين له.\nوما كان داخلًا في مسمى اسمه فليس هو مباينًا له، ولا يطلق القول عليه بأنه مغاير له.\nوحينئذ فكماله بذلك مثل كماله بذاته وصفاته اللازمة، وما كان حدوثه حيث تقتضي الحكمة حدوثه على الوجه الممكن، فهو كمال في ذلك الوقت، لا كمال في غيره، وذلك إنما حصل بنفسه ولها، لم يحصل بغيره ولا لغيره.\nوعلى هذا فإذا قيل: لو عقل لكمل له.","vol":"9","page":422},{"text":"يقال: إن أردت بقولك: كمل به، إن ذلك بغير أعطاه الكمال، فذلك باطل.\nوإن أردت أنه لولا ذلك الغير لما وجد العلم به، فيقال: نعم.\nوهذا لا يضر لوجوه.\nأحدها: أنه هو الذي أوجد ذلك الغير، وبقدرته ومشيئته وجد وهو ولوازمه، فلم يكن ما حصل له حاصلًا إلا به وحده.\nالثاني: أنه لو قدر موجودًا بغيره، لكان أن يعلمه أكمل من أن لا يعلمه.\nالثالث: إذا كان العلم بالغير مشروطًا بالغير، ولولا الغير لما حصل، والغير حاصل على التقديرين: علم أو لم يعلم، فوجود الغير -مع فوت الكمال الذي يمكن معه- هو النقص، إذ النقص هو فوت ما يمكن وجوده، لا ما لا يمكن، والعلم صفة كمال، والعلم بكل شيء ممكن، فوجود هذا كمال، وعدمه نقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>عود لكلام ابن ملكا في المعتبر وتعليق ابن تيمية</span>\nقال أبو البركات: فأما القول بإيجاب الغيرية فيه، بإدراك الأغيار، والكثرة بكثرة المدركات -فجوابه المحقق: أنه لا يتكثر بذلك تكثرًا في ذاته، بل في إضافاته ومناسباته، وتلك مما لا تعيد الكثرة على هويته وذاته ولا الوحدة التي أوجبت له وجوب وجوده بذاته.\nومبدئيته الأولى التي بها عرفناه، وبحسبها أوجبنا له ما أوجبنا، وسلبنا عنه","vol":"9","page":423},{"text":"ما سلبنا، هي وحدة مدركاته ونسبته وإضافاته، بل إنما هي وحدة حقيقيته وذاته وهويته.\nولا تعتقدن أن الوحدة المقولة في صفات واجب الوجود بذاته، قيلت على طريق التنزيه، بل لزمت بالبرهان عن مبدئيته الأولى، ووجوب وجوده بذاته، والذي لزم عن ذلك لم يلزم إلا في حقيقته وذاته، لا في مدركاته ومضافاته، فأما أن يتغير بإدراك المتغيرات، فذلك أمر إضافي، لا معنى في نفس الذات، وذلك مما لا تبطله الحجة، ولم يمنعه برهان، ونفيه من طريق التنزيه والإجلال لا وجه له، بل التنزيه من هذا التنزيه والإجلال من هذا الإجلال أولى.\nقلت: أرسطو إنما اعتمد على نفي التغير إذا علم شيئًا بعد شيء، فأما كثرة المعلومات مع قدم العلم فلم يتعرض له، وكأنه عنده غير ممكن.\nقال أبو البركات: فأما الذي قيل في منع التغير مطلقًا، حتى يمنع التغير في المعارف والعلوم، فهو غير لازم في التغير مطلقًا، بل هو غير لازم البتة، وإن لزم كان لزومه في بعض تغيرات الأجسام، مثل الحرارة والبرودة، في بعض الأوقات، لا في كل حال ووقت، ولا يلزم مثل ذلك في النفوس التي تخصها المعرفة والعلم دون الأجسام، فإنه يقول: إن","vol":"9","page":424},{"text":"كل تغير وانفعال فإنه يلزم أن يتحرك قبل ذلك المتغير حركة مكانية.\nقال أبو البركات: وهذا محال، فإن النفوس تتجدد لها المعارف والعلوم، من غير أن تتحرك في المكان على رأيه، فإنه لا يعتقد فيها أنها تكون في مكان البتة، فكيف أن تتحرك فيه؟ وإنما ذلك للأجسام في بعض الذوات والأحوال، كالتسخن والتبرد، ولا يلزم فيها أبدًا، فإن الحجر الكبير يسخن ولا يصعد، ويبرد ولا يهبط، بل ولا يتحرك من مكانه، وإنما ذلك مما يصعد بالبخار من الماء، ويدخن من الأرض من الأجزاء التي هي كالهباء، دون غيرها من الأحجار الكبار الصلبة، التي تحمى حتى تصير بحيث تحرق وهي في مكانها لا تتحرك.\nوالماء يسخن سخونة كثيرة وهو في مكانه لا يتبخر، وإنما تتبخر منه بعض الأجزاء، ثم تكون الحركة المكانية بعد الاستحالة لا قبلها، كما قال: إن جميع هذه هي حركات توجد بأخرة بعد الحركة المكانية.","vol":"9","page":425},{"text":"وفيما عدا ذلك فقد يسود الجسم ويبين، وهو في مكانه لم يتحرك، ولا يتحرك قبل الاستحالة ولا بعدها، فما لزم هذا في كل جسم، بل في بعض الأجسام، ولا في كل حال ووقت، بل في بعض الأحوال والأوقات، ولا كان ذلك على طريق التقدم كما قال، بل على طريق التبع.\nولو لزم في التغيرات الجسمانية لما لزم في التغيرات النفسانية، ولو لزم في التغيرات النفسانية أيضًا، لما لزم انتقال الحكم فيه إلى المتغيرات في المعارف والعلوم، والعزائم والإرادات.\nفالحكم الجزئي لا يلزم كليًا، ولا يتعدى من البعض إلى البعض، وإلا لكانت الأشياء كلها على حال واحدة.\nوهو قدم هذا على كلامه في العلم، حتى يجري عليه الحكم في المعرفة والعلم، فاعتبر بهذا، فإن استقصى لهذا القول البحث أمكن أن يرجع إلى أصل، ويصح على وجه، لكنه مع ذلك لا ينتصر به القول، الذي أبطلوا به معرفة الله وعلمه بالحوادث.\nفأما الأصل الذي يرجع إليه باستقصاء النظر في التأويل له، فهو أن يقال: إن الشيء إذا تسخن بعد برده، أو تبرد بعد سخونة، وتبيض","vol":"9","page":426},{"text":"بعد سواد، وتسود بعد بياض، بسبب يقرب منه بعد بعد يؤثر فيه، ذلك إما بحركته إلى السبب، وإما بحركة السبب إليه، فإن الماء يسخن بعد ما كان باردًا بحرارة النار مثلًا التي يقرب منها، إما بحركة النار إليه، أو بحركته هو إليها.\nكذلك المبيض بعد اسوداده، يتحرك إلى المسود، أو يتحرك المسود إليه، فتتقدم الحركة المكانية بهذا البيان سائر الحركات، وتتقدم الدورية المستمرة الدائمة، على المستقيمة المنقطعة ذات البداية والنهاية المحدودتين، فهكذا يصح أن يقال: تتقدم الحركة الدورية على سائر الحركات والتغيرات، فيصح ذلك في الأجسام الداخلة تحت الكون والفساد، بالتغيرات المحدودة في التكيفيات المبصرة والملموسة، والأشكال والمقادير وما يتبعها ويتعلق بها، فأما في النفوس والعقول، وفي الله تعالى، فلا يلزم شيء من ذلك بهذا البيان.\nقال: وأعجب من هذا قوله بأنه يتعب، حيث قال: وإذا كان هذا هكذا لا محالة إنه يلزمه الكلال والتعب من اتصال المعقولات، وهو القائل في كتاب السماء إنها لا تتعب بدوام حركتها","vol":"9","page":427},{"text":"المتصلة، لأن طبعها لا يخالف إرادتها، فجعل علة التعب هناك مخالفة الطبيعة للإرادة، وها هنا كثرة الأفعال واتصالها، وكثرة الخروج من القوة إلى الفعل.\nوالقوة قوتان: استعداد، وقدرة.\nوالاستعداد إذا كمل بالخروج إلى الفعل صار قدرة، ثم عن القدرة تصدر الأفعال، والتي بمعنى الاستعداد نقص يفتقر إلى كمال، والأخرى كمال تصدر عنه الأفعال.\nفهذه القوة من قبيل القدرة الدائمة القارة على حد لا ينقص ولا يزيد، وليست بمعنى الاستعداد الذي يخرج إلى الكمال.\nولو كانت من هذا القبيل لما جاز أن يحكم عليها بالتعب الكلال، بل باللذة والكمال، فإن ما بالقوة يشتاق إلى كماله الذي بالفعل، ومن قبله تكون اللذة والسعادة.\nوالكلال والتعب إنما يعرضان لنا لا من جهة اتصال أفعالنا، ولا من جهة ازدحامها، بل من جهة تحريك أعضائنا وأرواحنا بتقبلنا وتفكرنا، حركةً تخالف مقتضى الطبيعة التي في جوهرنا، كما نفاه عن السماء.\nوليس ذلك في جهة الخلاف، فإن القوى المتقاومة قد تتقاوم مدة","vol":"9","page":428},{"text":"فلا يعرض لها تعب، كما لو فرضت مغناطيس علق حديدًا زمانًا، فإنه لا يتعب ولا تضعف تلك القوة الجاذبة، ولا يبطل ذلك التعلق ما لم يتجدد أمر من خارج، بل لأن الحركة تحل جوهر الروح منا، أعني من أعضائنا، لتركيبها من لطيف وكثيف.\nواللطيف عرضة للانحلال، والحركة تسبب ذلك له، فإذا انحلت الروح التي بها تعلق القوة المحركة، ضعفت القوة المحركة فينا، وعجزت فيها تعبًا وكلالًا.\nوذلك إنما ارتفع عن السماء لارتفاع التركيب والانحلال، لا لأن الطبيعة لا تضاد الإرادة فيها أو تضادها، فإن ذلك هو سبب بعيد للتعب والكلال، والقريب هو ما ذكرناه.\nفإذا ارتفع عن السماء لذلك، فلم بالحري أن يرتفع عن سماء السماء، وبسيط البسائط الوحداني الذات؟\nقال: فأما قوله: فإن لا يبصر بعض الأشياء أفضل من أن يبصرها -فهو أشبه ما قاله من الحجج، وأقربها إلى التروج والقبول قبل التأمل، وإنما ذلك يكون بالقياس إلينا على ضيق وسعنا وزماننا، فيصح أن يقال: إن اشتغالنا بإبصار الأفضل أولى منه بالأخس، فأما إذا","vol":"9","page":429},{"text":"كان الوسع بحيث لا يشغل فيه إدراك الأخس، ولا يعوق عن إدراك الأفضل، فلا.\nثم هذا الخسيس إنما هو خسيس بالقياس إلينا أيضًا وفي أشياء مباينة لطباعنا، منافرة لحواسنا، لا على الإطلاق.\nوبالقياس إلى كل خساس، فإن طعم العذرة في فم الخنزير، كطعم العسل في فم الإنسان، وإذا نظرت إلى الكل لم تجد فيه خسيسًا تعر معرفته أو يضر علمه، أو يكون لا إدراكه أولى من إدراكه، لا في الروحانيات ولا في الجسمانيات، لا في السماويات ولا في الأرضيات، كيف وما في الأرض وتحت السماء ليس غير الاستقصات الكائنة، وما يتولد عنها بامتزاجها! وليس في الممتزج منها سواها إلا قوىً سماوية، وما منها ما يضر إدراكه أو تعر معرفته، اللهم إلا لشخص ينافيه ويضاده لا على الإطلاق، ومن علا عن المضادة والمباينة، فلا يكون ذلك بالقياس إلا مكروهًا.\nفالله تعالى وملائكته أجل من أن ينالهم الأذى بضد أو مباين، من","vol":"9","page":430},{"text":"لون أو طعم أو رائحة، فكيف وما في الوجود إلا ما صدر عنه تعالى، ومما عنه، وهو عنه الحقيقة؟ فما لا يأنف منه أن يخلقه ويوجده، لا يأنف منه أن يدركه، وما لم يعره في أن فعله لا يعره في أن علمه، ولا له كيفية تناسبه، من لون أو طعم أو رائحة فيؤثرها، وأخرى تباينه فيكرهها فلم ننتفع الآن بالقضية المشنعة، أعني القائلة: فأن لا يبصر بعض الأشياء أفضل من أن يبصرها.\nثم الإبصار، إن كان عن عجز وضيق وسع، فليس بأفضل من الإبصار، وإن كان من نوع الالتفات والتقزز، فذلك من المنافي والمؤذي، وقد قلنا فيه.\nقال: وأما قوله: فكمال ذلك العقل، إذ كان أفضل الكمالات، يجب أن يكون بذاته، فإنها أفضل الموجودات وأكملها، وأشرف المعقولات -فقول صادق صحيح، على الوجه الذي قلناه، لا على الوجه","vol":"9","page":431},{"text":"الذي يقصده من أن كماله بفعله الذي هو بعقل ذاته، إذ قد سلم أن ذاته في غاية الكمال والشرف والجلال، فليس كمالها بفعل من الأفعال: لا بعقل ذاته، ولا بعقل غيرها، بل تعقلها لذاتها فعل شريف كامل، صدر عن شرف الذات وكمالها، فكان كمال الفعل لكمال الذات، لا كمال الذات لكمال الفعل، وقد سبق هذا.\nقال: وأما قوله: وهذا يوجد هكذا دائمًا، من دون تعرف أو حس أو رأي أو تفكر -فهذا ظاهر جدًا، فإن الإدراك والتعقل التام للأمر القديم الدائم، من العاقل التام القديم الدائم، تام قديم دائم لا محالة.\nوقوله: فإنه إن كان معقول هذا العقل غيره، فإما أن يكون شيئًا واحدًا دائمًا، وإما أن يكون علمه بما يعلمه واحدًا بعد آخر -فجوابه أن يعقل ذاته ويعقل غيره، فيعقل الدائمات دائمًا، ويعقل المتجددات عقلًا قديمًا دائمًا، من حيث قدمها النوعي والمادي، والذي من جهة العلل الفاعلية والغائية، فتعقلها في تغيرها، على وفق تغيرها.\nولا يكون ذلك التغير فيه، بل فيها، وهو يعقلها كلها على ما هي عليه، كما نعقل نحن بعضها فنعلم عينها وأنها ستكون، ومساوقتها وأنها","vol":"9","page":432},{"text":"كائنة، ومعدومها بعد كونه، وأنه كان لا يضيق وسعه عن ذلك، ولا يتغير به، ولا ينتقص، ولا يكمل، بل هو له كما يشاء، وعلى وفق قدرته وإرادته في خلقه، لا يمتنع ذلك بحجة، لا من جهة التعجيز، لأنه مردود بدليل الخلق.\nفقدرته على الخلق دليل قدرته على العلم، إذ هو خالق الكل، والخلق أكبر في القدرة من العلم.\nوإذا لم يصح التعجيز في الخلق، فهو بأن لا يصح في العلم أولى وأحرى، وكيف وأكثرهم يقولون: إن علم الله هو قدرته، وقدرته وسعت كل شيء خلقًا، فلا عجب أن يسع كل شيء علمًا؟ ولا بدليل التنزيه، فإنه لا تعره ولا تضره معرفته بشيء من خلقه، ولا ضد له فيه ولا مباين، وليس به كماله، بل هو بكماله على ما قيل.\nهذا، مع أن في الجواب مساعدة ما، وإلا فلو فرضنا أن له به كمالًا على ما قيل، لم يكن له في ذلك نقص، لأن الكل منه وعنه، وكماله بما منه وعنه، فهو كماله بذاته في الحقيقة.\nوالقول بأنه لولا أشياء غيره لم يكن بحال كذا من الكمال، إنما كان يكون له وجه، لو كانت تلك الأمور ليست منه وعنه، فأما وهي منه فلا يضر، لأنه كأنه قال: لولاه -أعني لولا ذاته- لم يكن بحال كذا، لأن","vol":"9","page":433},{"text":"الرفع في الفرض إنما يقع من جهة العلة الأولى، التي لا يرتفع المعلول إلا بارتفاعها.\nقلت: فهذا من كلام أبي البركات على قول أرسطو، وهو أقرب إلى تحرير النقل وجودة البحث في هذا الباب من ابن رشد، وابن رشد أقرب إلى جودة القول في ذلك من ابن سينا، مع غلوه في تعظيم أرسطو وشيعته.","vol":"9","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>فصل. باقي كلام ابن ملكا في المعتبر وتعليق ابن تيمية</span>\nفصل.\nباقي كلام ابن ملكا في المعتبر وتعليق ابن تيمية\nقال أبو البركات بعد أن فرغ من حكاية حجة أرسطو: فأما قول التابعين في هذه المسألة، والمشيدين لما قيل فيها، والمستفيدين بحججها وبراهينها، فأقصى ما وقفنا عليه منه، وأجمعه لما تبدد في غيره، وهو ما قال الشيخ الرئيس، وهذه عبارته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>نقل ابن ملكا لكلام ابن سينا في النجاة</span>\nقال: وليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء، وإلا فذاته إما متقومة بما تعقل فيكون متقومًا بالأشياء، وإما عارض لها أن تعقل، فلا تكون واجبة الوجود من كل جهة، وذلك محال.\nإذ لا يكون لولا أمور من خارج لم يكن هو بحال ويكون له","vol":"10","page":3},{"text":"حال لا تلزم عن ذاته بل عن غيره، فيكون لغيره فيه تأثير والأصول السالفة تبطل هذا، ولأنه كما سنبين مبدأ كل موجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها والكائنة الفاسدة بأنواعها أولا، ويتوسط ذلك بأشخاصها.\nقال: ولا يجوز أن يكون عاقلًا لهذه المتغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة، وتارة أنها معدومة غير موجودة، ولكل واحد من","vol":"10","page":4},{"text":"الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير الذات.\nقال: ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة، وبما يتبعها مما لا يتشخص، فلم تعقل بما هي فاسدة، وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة لم تكن معقولة، بل محسوسة أو متخيلة.\nقال: ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية، فإنما ندركها بآلة متجزئة، وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له، فكذلك إثبات كثير من التعلقات، بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وهذا من العجائب.\nقلت: تقسيم ابن سينا صفاته إلى مقومة للذات وعرضية، بناءً","vol":"10","page":5},{"text":"على أصلهم الفاسد في المنطق: من أن الصفات اللازمة للموصوف تنقسم إلى ما تكون مقومة للذات داخلة فيها، يقولون: هي أجزاء للذات سابقة لها سبقًا عقليًا، وإلى ما تكون خارجة عن الذات عارضة لها بعد تحققها، وإن كانت لازمة لها بوسط أو بغير وسط.\nوهذا التقسيم قد بين فساده في غير هذا الموضع، وبين أن الصفات اللازمة للموصوف لا يجوز تقسيمها إلى هذين القسمين، ولا يجوز جعل الذات مركبة من أحد الصنفين دون الآخر، بل لا يجوز جعل الذات مركبة أصلًا منها، إلا أن يعنى بالتركيب اتصاف الذات بها وقيامها بالذات، أو لزوم الذات لها، ونحو ذلك مما تشترك فيه جميع الصفات اللازمة للموصوف.\nفأما جعل بعضها داخلًا في حقيقة الموصوف الثابتة في الخارج، وبعضها خارج عن حقيقته الثابتة في الخارج -فكلام في غاية الفساد، وغايتهم أن يجعلوا ذلك تركبًا مما يتصوره المتصور من صفات الموصوف، وهذا أمر يزيد وينقص، ويدخل في المتصور ويخرج منه بحسب تصور المتصور، لا بحسب الحقيقة الثابتة في الخارج، وإن ادعوا أن الحقيقة من حيث هي هي مركبة من ذلك، وأن تلك الحقيقة لا تحقق لها إلا في الأذهان لا في","vol":"10","page":6},{"text":"الأعيان، كما يقوله من يقوله منهم، كان هذا من أدل الأشياء على فساد قولهم وضلالهم في تصورهم.\nقال أبو البركات: فهذا ما قاله الشيخ الرئيس.\nقال: فقوله: إنه إذا عقل الأشياء من الأشياء كان على أحد وجهين: أحدهما: أن تتقوم ذاته بما تعقل، أو يكون عارضًا لها أن تعقل، وأنه على كلا الوجهين لا يكون واجب الوجود من جميع جهاته.\nجوابه: أما في التقويم فالفرض فيه محال، لأن العاقل لا يتقوم بما يعقله، لأن يعقل هو يفعل، ويفعل: إنما يكون بعد أن توجد بعدية بالذات، فكيف يتقوم الوجود بما هو بعد الوجود بالذات؟.\nوأما كونها عارضًا لها أن تعقل، وإلزامه منه أنه لا يكون واجب الوجود من جميع جهاته، فكأنه من مدح الشعراء، أو من","vol":"10","page":7},{"text":"كلام محسني الألفاظ بالتخيلات من الخطب والمدائح، وإلا فما معنى: من جميع جهاته؟\nفإن كونه مبدأ أولًا، بل كونه مبدأ مطلقًا يلزم فيه ما لزم في هذا، وهو أنه: إما أن يتقوم بكونه مبدأً أولًا، أو يكون ذلك عارضًا له، فلا يكون واجد الوجود من جميع جهاته، أي لا يكون واجب الوجود في كونه مبدأ أولًا لزيد وعمرو وغيرهما من الموجودات.\nوالذي ألزمنا البرهان أنه واجب الوجود بذاته، فأما هذا من جميع جهاته إن كان من جهات وجوده فذلك، وأما في إضافاته ومناسباته فلا، إذ بطل بما قيل.\nقلت: وهذا الذي قاله أبو البركات ردًا على ابن سينا قد صرح به ابن سينا في موضع آخر يناقض ما قاله هنا، فإنه قال في كتابه المسمى بـ الشفاء في مسألة العلم: ولا تبالي أن تكون ذاته مأخوذة مع إضافة ما ممكنة الوجود، فإنها من حيث هي علة لوجود زيد، ليست بواجبة الوجود، بل من حيث ذاتها.\nوهذا يوافق ما قاله أبو البركات.","vol":"10","page":8},{"text":"قال أبو البركات: فإما أن لا يكون مبدأ أولًا، وإما أن لا يكون واجب الوجود من جميع جهاته، أعني من جهة إضافاته إلى ما وجوده بعد وجوده بالذات.\nوأما قوله: لولا أمور من خارج لم يكن هو بحال كذا، فكذلك لولا المخلوقات لم يكن مبدأً أولًا، لكن ليس ذلك بمحال، وقد رد على طريقي المساعدة والمخالفة.\nوأما قوله: وتكون له حال لا تلزم عن ذاته، بل عن غيره، فقول باطل، وذلك أن العلم إضافة لزمت عن ذاته بالنسبة إلى مخلوقاته، ومخلوقاته لزمت عن ذاته، ولازم لازم الذات لازم الذات، فما لزمت عن غيره كما قيل.\nولو لزمت لما لزم المحال، وإلا فبأي حجة تلزم؟.\nوهم فلم يوردوا على ذلك حجة، بل أوردوه كالبين بنفسه، وليس ببين، بل مردود وباطل على ما قيل.\nوأما قوله: فيكون لغيره فيه تأثير، أما في وجوده ووجوب وجوده فلا، وأما في إضافته ونسبه، فأي أصول أبطلته ما بطل ولا يبطل، وإنما تمت المغالطة بلفظ التأثير حيث يتوهمه السامع متأثرًا مستحيلًا، وليس العلم استحالة على ما علمت.","vol":"10","page":9},{"text":"وأما قوله: ولأنه كما سنبين مبدأ كل موجود، فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها، والكائنة الفاسدة بأنواعها أولًا وبتوسط ذلك لأشخاصها -فهو حق وغير مردود، فإنه يعقل ويدرك، على كل وجه من وجوه العقل، وجهة من جهات الإدراك، فهو سميع بصير، وبالجملة مدرك عالم حكيم، مقدر مدبر، يسع كل شيء علمًا: غيبًا وشهادة، قبل، ومع، وبعد.\nوأما قوله: ولا يجوز أن يكون عاقلًا لهذه المتغيرات مع تغيرها، حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة، وتارة أنها معدومة غير موجودة، ولكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير الذات -فقد أجبنا عنه في جواب كلام أرسطو طاليس ولم يبعد، فتحسن إعادته.\nوأما قوله: ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة، وبما يتبعها مما لا يتشخص، فلم تعقل بما هي فاسدة، وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة لم تكن معقولة، بل محسوسة أو متخيلة- ففيه الكلام.\nوقد سلف في علم النفس، وما رد","vol":"10","page":10},{"text":"عليه في قوله: إن الصور الجسمانية والأشكال الوضعية لا تدركها إلا قوة جسمانية.\nوأعاد أبو البركات مناقضته في ذلك.\nقلت: ما ذكره أبو البركات من أن العاقل لا يتقوم بما يعقله، وأن فرض ذلك محال، لأن كونه يعقل تابع لذاته، وهو بعده بعدية بالذات، فكيف يتقوم الوجود بما هو بعد الوجود بالذات؟ فهذا كلام صحيح، وهو مطرد في جميع الصفات اللازمة للموصوف: أن ذاته لا تتقوم بشيء منها، ولا تكون صفة الموصوف جزءًا مقومًا متقدمًا عليه بالذات، إذا كانت الصفة تابعة للموصوف، فهي إلى أن تكون بعده بالذات أولى من أن تكون قبله بالذات.\nفإن قدر أن هنا ترتيبًا عقليًا تكون فيه الصفة الذاتية قبل الموصوف أو بعده، فإنها لا تكون إلا بعده.\nوإن قيل: لا ترتيب هنا أصلًا، بل كلاهما ملازم للآخر مقترن به.\nلم يتقدم أحدهما الآخر، وليس بينهما ترتيب عقلي، كما ليس بينهما ترتيب زماني، فليس أحدهما قبل الآخر، بل الموصوف وصفته اللازمة له موجودان معًا، لم يسبق أحدهما الآخر، سواء","vol":"10","page":11},{"text":"قدر أن الموصوف قديم أزلي واجب بنفسه، وصفته لازمة له، أو قدر أنه محدث مخلوق وصفته لازمة له.\nوقد تكلمنا على هذا لما تكلمنا على ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الصفة الذاتية المقومة الداخلة في الماهية، والصفة اللازمة للماهية، والصفة التي يزعمون أنها لازمة لوجودها، وكلاهما خارج عن الماهية.\nوذكرنا ما ذكروه من الفرق بين اللازم الداخل، واللازم الخارج، واعترافهم بانتفاء ما ذكروه من الفرق، واعتراض بعضهم على بعض في هذا المقام، وبيان أن ما ذكروه من الفرق لا يعود إلى فرق حقيقي موجود في الخارج، ولا معقول في الذهن، إلا إذا جعل الذاتي ما هو لازم للذات المفروضة في الذهن.\nفأما إذا تصورنا شيئًا وعبرنا عنه، فمن الصفات ما هو داخل في معلومنا ومذكورنا بالذات، ومنه ما هو داخل بالعرض، وهو اللازم الخارج.\nوهذا كما يقولونه في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على جميع المعنى الذي عناه المتكلم.\nودلالة التضمن دلالة اللفظ على ما هو داخل في ذلك المعنى، ودلالة الالتزام دلالة اللفظ على ما هو لازم لذلك المعنى خارج عن مفهوم اللفظ.\nفدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على جميع هذه الماهية التي عناها المتكلم بلفظه، وهو دلالة على تمام الماهية.\nوذلك المدلول","vol":"10","page":12},{"text":"عليه بالمطابقة هو مقول في جواب ما هو، إذا قيل ما هو بحسب الاسم.\nوإذا سئل عما هو المراد بهذا اللفظ، ذكر مجموع ما دل عليه بالمطابقة، فالمدلول فهو خارج عن حقيقته، عرض لازم له، فهذا تقسيم معقول، ولكنه يعود إلى قصد المتكلم ومراده باللفظ.\nوأما كون الموجود في الخارج تنقسم صفاته اللازمة له التي لا يكون موجودًا إلا بها: إلى ما هو داخل في حقيقته مقوم لها متقدم عليها بالذات، وإلى ما تكون خارجة عن حقيقته عرضى لها، فهذا باطل عند جماهير العقلاء من متكلمي أهل الإسلام وغيرهم.\nوقد بينا فساد ذلك في مواضع، وكذلك بين فساده غير واحد من أهل الكلام والفلاسفة، وتكلمنا على ما ذكره ابن سينا في الإشارات وغيرها، وبينا تناقضه وتناقض غيره في الفرق بين الذاتيات والعرضيات اللازمة إذا جعلا لازمين للحقائق الموجودة في الخارج، وما ذكره في مسألة العلم مبني على ذلك الأصل الفاسد، حيث قال: لو كان واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء، لكانت ذاته: إما متقومة بما تعقل، فيكون متقومًا بالأشياء، وإما عارضًا لها أن تعقل، فلا تكون واجبة الوجود من جميع الجهات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>كلام ابن سينا باطل من وجوه. الوجه الأول</span>\nكلام ابن سينا باطل من وجوه.\nالوجه الأول\nثم نقول: هذا الكلام باطل من وجوه:","vol":"10","page":13},{"text":"ما ذكرناه من نفي تقوم شيء بصفته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>الوجه الثاني</span>\nأن يقال: إذا قدر تقوم الموصوف بصفته، فهو متقوم بنفس علمه بالأشياء، أو بنفس الأشياء المعلومة.\nوالثاني باطل وهو إنما ذكر الثاني حيث قال: فذاته متقومة بما يعقل.\nوهذا باطل، فإنا إذا قدرنا العالم متقومًا بعلمه، فليس المقوم له المعلوم، إنما المقوم له علمه بالمعلوم، والمعلوم قد يكون منفصلًا عنه، فلا يكون قائمًا به، فضلًا عن كونه لازمًا له: لا ذاتيًا ولا عرضيًا، فكيف يكون مقومًا له؟.\nوإن قال قائل: يعني بالتقوم أنه لولا المعلوم لما كان العلم.\nقيل له: هذا ليس مراده، ولو كان مراده لكان باطلًا، لأنه على هذا التقدير لا يكون العلم إلا مقومًا، فلا يقال: إما أن يكون مقومًا، وإما أن يكون عارضًا.\nوهو قد جعل هذا أحد القسمين.\nوأيضًا فإنه على هذا التقدير يكون هذا سؤال الاستكمال بالمعلوم الذي ذكره أرسطو، وقد عرف جوابه من عدة أوجه.\nأحدها: أن ذلك الغير هو مفعوله، فلم يحتج إلى غيره بوجه من الوجوه.\nالثاني: أنه لو قدر وجود موجود مستغن عنه، كان أن يعلمه أكمل من أن لا يعلمه، فإن العلم صفة كمال، والملك والبشر إذا علموا ما هو مستغن عنهم، كان أكمل لهم من أن لا يعلموه.","vol":"10","page":14},{"text":"الثالث: أنه لو قدر موجود غيره واجب بنفسه، أو موجود عن ذلك الواجب بنفسه، وذات العالم هي التي اقتضت العلم به -لكان هذا كمالًا له على هذا التقدير، لم يكن هذا مما ينفيه وجوب وجوده.\nالرابع: أن هذا وإن قدر أنه استكمال بالغير، فلا دليل لهم على نفيه، لا من جهة الوجوب، ولا من جهة استحقاق الكمال.\nولا من غير ذلك، بل الأدلة تقتضي ثبوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>الوجه الثالث</span>\nعن شبهة ابن سينا أن يقال: قوله: ليس يجوز أن يعقل الأشياء من الأشياء، وإلا فذاته إما متقومة بما تعقل، فيكون متقومًا بالأشياء، وإما عارضًا لها أن تقعل، فلا تكون واجبة الوجود من كل وجه.\nيقال له: قولك: يعقل الأشياء من الأشياء أتريد به أن الأشياء تجعله عاقلًا، فتعلمه العلم بها؟ أم تريد أن علمه بالأشياء لا يكون إلا مع تحقق المعلوم؟ أم تعني به أن علمه بالأشياء يكون بعد وجود المعلوم؟.\nأما الأول فلا يقوله مسلم، بل المسلمون متفقون على أن الله مستغن عما سواه في علمه بالأشياء في غير ذلك، بل هو المعلم لكل من علم سواه من علمه.\nوقد قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] .","vol":"10","page":15},{"text":"وقال: ﴿علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق: ٤-٥] .\nوقال: ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] .\nوقال: ﴿الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى﴾ [الأعلى: ٢-٣] .\nوقال: ﴿الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان﴾ [الرحمن: ١-٤] .\nوقال: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣] .\nوقال: ﴿وعلمناه من لدنا علما﴾ [الكهف: ٦٥] .\nوقال: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب﴾ [البقرة: ٢٨٢] .\nوقال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ إلى قول الملائكة: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ [البقرة: ٣١-٣٢] .\nوقال: ﴿تعلمونهن مما علمكم الله﴾ [المائدة: ٤] .\nوإن أراد بعقله الأشياء من الأشياء: أنه لا يكون عالمًا إلا مع تحقق معلوم بعلم، فهذا حق.\nلكن لا يمكن ثبوت إلا كذلك، وإلا فإذا قدر علم لا يطابق معلومه كان جهلًا لا علمًا وحينئذ الأمر إلى سؤال الاستكمال، وقد تقدم.","vol":"10","page":16},{"text":"وإن أراد بذلك أنه يعلم الأشياء بعد وجودها، فلا ريب أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، ثم إذا كان: فهل يتجدد له علم آخر؟ أم علمه به معدومًا هو علمه به موجودًا؟ هذا فيه نزاع بين النظار، وأي القولين كان صحيحًا حصل به الجواب.\nوإذا قال قائل: القول الأول هو الذي يدل عليه صريح المعقول، والثاني باطل، والإشكال يلزم على الأول.\nقيل له: وإذا كان هو الذي يدل عليه صريح المعقول، فهو الذي يدل عليه صحيح المنقول، وعليه دل القرآن في أكثر من عشرة مواضع، وهو الذي جاءت به الآثار عن السلف.\nوما أورد عليه من الإشكال، فهو باطل كما قد بين في موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>الوجه الرابع</span>\nأن يقال: قوله: إما متقومة بما يعقل وإما عارض لها إن يعقل.\nيقال له: بعد أن ذكرنا أن هذا التقسيم باطل، أي تقسيم الصفة اللازمة إلى مقوم وعارض باطل، وأن علمه لازم لذاته.\nهب أن الأمر كذلك، فلم قلت: إن العلم لا يكون ذاتيًا على اصطلاحكم؟.\nفإذا قال: يلزم من ذلك أن يكون مركبًا من الصفات الذاتية والمركب مفتقر إلى جزئه.","vol":"10","page":17},{"text":"قيل: هذا أصل حجتكم على نفي الصفات، وقد بين فساده من غير وجه.\nوهذه الحجة لا تختص العلم، بل ينفون بها جميع الصفات، وهي من أفسد الحجج، كما قد بين غير مرة، وإن كانت قد أشكلت على طوائف من النظار، وقادتهم إلى أقوال من أقوال أهل النار، وقد تبين فسادها من جهة أن هذا ليس بتركيب في الحقيقة، بل هو اتصاف ذات بصفات لازمة لها، وأن لفظ الجزء ليس المراد به اجتماع بعد افتراق، ولا إمكان افتراق ولا انفصال شيء من شيء، وإنما المراد به ثبوت معان متعددة، وهذا مورد النزاع، ولا دليل على نفيه، بل على ثبوته.\nولفظ الافتقار يراد به التلازم، وهو هنا حق لا محذور فيه.\nويراد به افتقار المعلول غلى علة فاعلة، وهو باطل.\nوإذا أريد به افتقار الصفة إلى محلها، ويسمونه هم افتقار المعلول إلى علة قابلة، فهذا لا محذور فيه.\nولفظ الغيرين يراد به المتباينان، وهو هنا ممتنع.\nويراد به ما يمكن العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر، وهو حق.\nوثبوت هذا الغير لا بد منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>الوجه الخامس</span>\nأن يقال: هب أن هذه الصفة عرضية باصطلاحكم.\nفيقال له: إذا كان العلم لازمًا لذاته، أو لوجود لذاته، إن قدر أن الوجود زائد على الذات، لم يكن ثبوت لوازمه مفتقرًا إلى غيره، فلم يكن هذا منافيًا لوجوب الموجود من جميع","vol":"10","page":18},{"text":"جهاته، فإن المحذور إنما يحصل لو كان حصول العلم ليس من لوازم ذاته، بل حصل بسبب غيره، فيكون ثبوت الصفة مفتقرًا إلى ذلك الغير.\nأما إذا كان علمه من لوازم ذاته، كان واجبًا بوجود ذاته.\nوهم يقولون: هو واجب بذاته، مع كونه مستلزمًا للمفعولات المنفصلة، ولم يقدح كونها لازمة له في وجوب ذاته، فإن لا يقدح لزوم علمه له بطريق الأولى والأحرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>الوجه السادس</span>\nأن يقال: لنظار المسلمين في علم الرب قولان: أحدهما: أن علمه واحد بالعين، يعلم به جميع المعلومات أزلًا وأبدًا.\nوعلى هذا التقدير فهو واجب الوجود بصفاته أزلًا وأبدًا فليس علمه متوقفًا على وجود شيء من المعلومات، بل إذا وجدت تعلقت المعلومات به.\nلكن قد يقول أكثر العقلاء من الفلاسفة وغيرهم، إن هذا لا يمكن، بل علمه بهذا غير علمه بهذا.\nفيقال: القول الثاني: إن علمه واحد بالنوع، وإنه يتعدد بتعدد المعلومات، وعلى هذا القول فهل يكون علمه بأن قد كان الشيء هو نفس علمه بأن سيكون؟ على قولين.\nومن النظار من قال: العلم إضافة محضة، وأن ذات الرب مقتضية لها بشرط المضاف.\nوسنبين إن شاء الله ما هو الصواب في هذا الباب.","vol":"10","page":19},{"text":"وعلى كل تقدير فذاته هي الموجبة لكونه عالمًا، لا أن شيئًا من الموجودات جعله عالمًا، وإن كان العلم بأن قد كان، مشروطًا بوجود المعلوم، كما أن رؤيته وسمعه مشروط بوجود المرئي والمسموع، فذاك لا يمنع وجوب وجوده بنفسه أزلًا وأبدًا، ولكن عروض هذا السمع والرؤية والعلم بأن قد كان، نظير عروض الإضافات له، وقد ثبت بصريح العقل واتفاق العقلاء وجوب تجدد الإضافات له.\nوإذا قيل: الإضافة ليست وجودية، والعلم والسمع والبصر أمور وجودية.\nكان الجواب على هذا القول إلغاء هذا الفرق، كما قد قرر في موضعه.\nومعلوم أن كون الرب بكل شيء عليمًا، هو أظهر في الأدلة الشرعية والعقلية من كونه لا تقوم به الأمور المتجددة، فلو قدر أن لهذا أدلة تعارض تلك، وكان ثبوت العلم مستلزمًا لثبوت الأمور المتجددة للزوم القول بثبوت العلم، فإن ثبوت العلم حق، ولازم الحق حق، فكيف إذا كان ما يمنع الأمور المتجددة إنما هو من أضعف الأدلة؟\nأما المتفلسفة فلا يمكنهم أن يقولوا: قيام الحوادث به يستلزم حدوثه، فإن القديم عندهم تحله الحوادث.\nوإنما ظن من ظن منهم أن قيام ذلك يمنع وجوب وجوده، وهو غلط ظاهر، فإنه لا","vol":"10","page":20},{"text":"يمنع وجوب وجوده المعلوم الذي قام عليه الدليل، وإنما يمنع ما يختلف في وجوب الوجود، حيث ظنوا أن واجب الوجود لا يفعل شيئًا باختياره، ولا يقوم به شيء باختياره وذلك خطأ محض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>الوجه السابع</span>\nويظهر هذا بالوجه السابع وهو أن يقال: قول القائل: أنه واجب الوجود من جميع جهاته -إذا أريد به: أنه لا يقبل العدم بوجه من الوجوه، فهذا حق، فإنه لا يقبل العدم بوجه من الوجوه.\nوإن أراد به أن كل ما ثبت له من الأحوال فهو واجب الوجود، بمعنى أنه نفسه مقتض لذلك، لا يحتاج في ثبوته له إلى غيره، فهذا أيضًا حق.\nفإن كل ما ثبت للرب تعالى من الصفات والأفعال، فلا يحتاج فيه إلى غيره، بل هو الموجب لذلك، لكن ما كان لا يمكن وجوده إلا باختياره من الأفعال ولوازم الأفعال، فهذا يمتنع كونه بعينه أزليًا، بل يجب تأخره، سواء قيل: إنه عالم بذاته.\nأو قيل: إنه منفصل عنه.\nوهو الموجب له عند وجوده، لا موجب له في غيره.\nوإن قيل: واجب الوجود من جميع جهاته، بمعنى أنه لا يجوز أن يتأخر عنه شيء مما يضاف إليه، بل كل ذلك يجب أن يكون أزليًا -فهذا باطل لا دليل عليه، بل الدليل يدل على نقيضه، فإنا نشاهد المحدثات دائمًا وهي حادثة عنه، سواء قيل: إنها حدثت بواسطة أو بلا واسطة، وحدوثها يستلزم حدوث ما به صارت محدثة، وإلا فإذا قدر حال الذات قبلها وبعدها سواء.","vol":"10","page":21},{"text":"قيل: حدوث الحوادث ترجيح بلا مرجح، وإذا أمكن أن يحدث من غير تجدد أمر يقوم بالفاعل، بل نفس الخلق يكون نسبة وإضافة، أمكن أن لا يتجدد إلا تعلق العلم القديم بالمعلوم، ولا يتجدد إلا نسبة وإضافة بقدر ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>الوجه الثامن</span>\nوهو أن يقال: لا ريب في تجدد المفعولات شيئًا بعد شيء، فليس كونه محدثًا للحادث المعين بالفعل أمرًا لازمًا لذاته، بل صار محدثًا له بعد أن لم يكن، وهذا خروج لهذه الفاعلية عن القوة إلى الفعل.\nفإما أن يكون كونه فاعلًا إضافة محضة، ولم يقم بذاته فعل يكون به فاعلًا، كما يقوله من يقول: الخلق هو المخلوق.\nوإما أن يقال: بل كونه فاعلًا أمر وجودي يقوم بنفسه، والخلق غير المخلوق، كما هو قول الجمهور من أهل السنة وغيرهم.\nفإن قيل بالأول، فمعلوم أنه إذا قيل: إن كونه فاعلًا أمر إضافي، أمكن أن يقال: كونه عالمًا أمر إضافي.\nثم للناس على هذا التقدير في الفاعلية قولان: منهم من يقول المكونات حادثة بتكوين قديم، وإما عند وجود المكون فلا يحدث شيء.\nومنهم من يقول: ليست الفاعلية إلا إضافة محضة أزلًا وأبدًا.\nفعلى هذا القول يمكن أن يقال في العلم كذلك.","vol":"10","page":22},{"text":"وعلى الآخر يمكن أن يقال: بل العلم قديم العين، ولكن تتجدد له الإضافات، كما يقوله ابن كلاب.\nوهؤلاء جعلوا العلم ثابتًا في الأزل دون التكوين، فإذا ثبت أن كونه فاعلًا لا يقتضي تكوينًا قائمًا بذاته، مع تجدد التكوينات الإضافية.\nفهؤلاء إذا أثبتوا علمًا قديمًا، وقالوا بتجدد تعلقاته، كانوا أبعد عن الامتناع.\nوأما من جعل الفاعلية أمرًا قائمًا بالفاعل، وقال: إنه يتجدد عند تجدد المفعولات، فإنه إذا قال بتجدد عالمية بعد وجود المعلوم، مع قوله: إنه علم ما سيكون قبل أن يكون، كان اقتضاء ذاته لهذه العالمية كاقتضائها لتلك الفاعلية، وإذا كان واجب الوجود مع تلك الفاعلية فكذلك مع هذه العالمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>الوجه التاسع</span>\nأنه إذا قدر واجب الوجود يقدر على الأفعال الحادثة شيئًا فشيئًا، وقدر آخر لا يمكنه إحداث شيء -قضى صريح العقل أن من أمكنه الإحداث شيئًا بعد شيء، هو أكمل ممن لا يمكنه إحداث شيء.\nوإذا قال القائل: هذا كان فيه شيء بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا شيئًا فشيئًا، وذاك كله بالفعل ليس فيه شيء بالقوة.\nقيل له: كل ما لهذا بالفعل هو للآخر، فإن ذاته وصفاته التي يمكن قدمها لازمة له.\nوأما الحوادث التي لا يمكن وجودها إلا شيئًا فشيئًا، فهذا يمتنع أن تكون بالفعل قديمة أزلية، فلا تكون بالفعل","vol":"10","page":23},{"text":"في الأزل، بل لا يمكن أن تكون إلا بالقوة، ثم تخرج إلى الفعل بحسب الإمكان شيئًا فشيئًا.\nوإذا لم يمتز من قدر عدم هذه له بوصف كمال بل المتصف بها أكمل.\nكان نفى هذه عن واجب الوجود نفي صفة كمال لا إثبات كمال له.\nوهؤلاء النفاة المعطلة من الجهمية والمتفلسفة والباطنية يظنون أن ما نفوه عن الرب هو كمال له وهو تعظيم له، وذلك من جهلهم بل إثبات ما نفوه هو الكمال الذي يكون مثبته معظمًا للرب.\nولكن هم في ذلك نظير إخوانهم من معطلة النبوات، الذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، وقالوا: الله أعظم من أن يرسل رسولًا من البشر.\nقال تعالى: ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾ [يونس: ٢] .\nأو لم يعلموا أن إرسال رسول من البشر يبلغهم رسالات ربهم ويهديهم إلى صراط مستقيم، أبلغ في قدرة الرب ورحمته بعباده، وإحسانه إليهم، وأعظم إثباته للكمال من كون ذلك عنه ممكن له ومن امتناعه عن فعله؟.\nوكذلك كونه يخلق الأشياء شيء بعد شيء أبلغ من كونه لا يمكنه إحداث شيء، بل عند كثير من الناس -أو أكثرهم- كونه يخلق أكمل من كونه لا يخلق.\nكما قال تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النحل: ١٧] .","vol":"10","page":24},{"text":"وحينئذ فإذا قيل: جنس الفعل لازم، وإنما الحادث أعيانه.\nكان أن يقال: جنس العلم لازم بطريق الأولى والأحرى.\nبل إذا قيل: جنس الخلق حادث.\nأمكن أن يقال: نفس العلم لازم، سواء قيل بحدوث شيء معين عند وجود المعلومات، أم لا.\nفذاك أبعد عن منافاة وجوب الوجود، من كونه فاعلًا لما لم يكن فاعلًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>الوجه العاشر</span>\nقوله: إذ يكون لولا أمور من خارج، لم يكن هو بحال.\nيقال له: الضمير في هو: إن كان عائدًا إلى الله، كان معنى الكلام: لولا تلك الأمور الخارجة لم يكن هو تقدير ارتفاع اللازم يوجب ارتفاع الملزوم، لكن ارتفاع اللازم محال.\nوهم يقولون لو ارتفع المعلول لارتفعت العلة، فليس في هذا محذور.\nوإن كان الضمير عائدًا إلى العلم، أي: لولا المعلوم لم يكن العلم، فهذا أولى أن لا يكون ممتنعًا.\nوإنما حصلت الشبهة أن قول القائل: لولا أمور من خارج لم يكن هو، يحتمل شيئين:\nأحدهما أن تلك الأمور فاعلة له أو جزء من الفاعل، أو","vol":"10","page":25},{"text":"هو محتاج إليها بوجه من الوجوه، وهذا باطل.\nوالثاني: أن تكون تلك الأمور لازمة لإرادته اللازمة له، أو لغير ذلك من لوازم اللوازم.\nوعلى هذا فهي المخلوقة المحتاجة إليه من كل وجه.\nفإذا قيل: لولا تلك الأمور لم يكن.\nكان معناه أنه إذا قدر ارتفاعها لزم ارتفاع ملزومها، وهذا فرض محال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>الوجه الحادي عشر</span>\nقوله: ويكون له حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره، فيكون لغير فيه تأثير الأمور السالفة تبطل هذا.\nفيقال: ذلك الحال إذا قدر تجدده بعد الحادث، فإنه لا يلزم عن نفسه، فإن العلم أو غيره مما يقوم بنفسه إنما هو لازم عن ذاته لا عن غيره.\nلكن لزومه عن نفسه قد يقال: إنه يكون عند إحداثه لتلك المحدثات، على قول من يقول بذلك.\nوأي محذور في هذا؟ فإن هذا لا ينافي وجوب وجوده بنفسه.\nهذا لو كان ذلك الغير مخلوقًا لغيره، فكيف وهو مخلوق له؟ فكلاهما لازم عنه ما قام به وما انفصل عنه، وليس لغيره فيه تأثير، إذ كانت نفسه هي الموجبة للجميع.\nولا ريب أن العباد يدعون الله فيجيبهم، ويطيعونه فيرضى عنهم، ويعصونه فيغضب عليهم، ويفرح بتوبة التائب، كما دلت على ذلك النصوص.","vol":"10","page":26},{"text":"وهو سبحانه الخالق لكل ما سواه، فليس في الوجود ما يؤثر فيه سبحانه.\nوهذا على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر، القائلين بأنه خالق كل شيء.\nوأما على قول القدرية، الذين يقولون بحدوث حوادث بدون خلقه وإرادته، فإنهم، وإن كانوا ضالين، فهؤلاء الفلاسفة النفاة لعلمه أضل منهم.\nوهم على قولين: منهم من يقول بتجدد أحوال له، ومنهم من ينفي ذلك.\nفمن أثبت ذلك قال لهؤلاء -كما قال لهم أبو البركات - فما الدليل على أنه لا يحصل به حال من الأحوال بسبب هؤلاء؟ ولم قلتم: إن ذلك ينافي وجوب وجوده؟.\nوهؤلاء يقولون: أفعال العباد توجب له داعيًا إلى الثواب والعقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>الوجه الثاني عشر</span>\nقوله: وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له، فكذلك إثبات كثير من التعلقات.\nفيقال له: إن أردت بالأفاعيل ما وجد، فليس في إثبات فعله للموجودات نقص له.\nكيف، وهو فاعل لها بالاتفاق؟ سواء كان فاعلًا لبعضها بوسط أو بغير وسط.\nوإذا كان فاعلًا لها على وجه التفصيل، فيجب أن يكون عالمًا بها على وجه التفصيل.\nومعلوم أنه إذا لم يلحقه بفعلها نقص، فأن لا يلحقه بعلمها نقص بطريق الأولى.\nفإن علم العالم بما لا يفعله لا نقص فيه، وإن","vol":"10","page":27},{"text":"كان المعلوم خسيسًا، فكيف علمه بما فعله؟ وإذا كانت لا توجد إلا مفصلة معينة، فيجب أن يعلم كذلك، وإلا لم يعلم على ما هي عليه.\nوإن عنى بقوله: إن كثيرًا من الأفاعيل لواجب الوجود نقص ما لم يفعله فقياس هذا أن يقول: علمه بما لم يفعله نقص، وليس الكلام فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1032>الوجه الثالث عشر</span>\nأن يقال: أهل الأرض من المسلمين وغيرهم لهم في تنزيه الرب عن بعض الأفعال قولان مشهوران.\nفطائفة تقول: ليس في فعله لشيء من الممكنات نقص، والظلم لا حقيقة له إلا ما هو ممتنع، بل كل ممكن ففعله جائز عليه، وإن لم يفعله فلعدم مشيئته له، لا لكونه نقصًا.\nوهذا قول الجهمية والأشعرية، وطوائف من الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة، وأهل الحديث والصوفية، وغيرهم.\nوعلى هذا لا يسلم هؤلاء أن إثبات شيء من الأفعال لواجب الوجود نقص، وإذا منعوا هذا في الفعل، ففي العلم أولى وأحرى.\nوالقول الثاني: قول من يقول: بل هو منزه عن بعض الأفعال المقدورة.\nوهذا قول أكثر الناس من المثبتين للقدر، كالكرامية، وغيرهم من المعتزلة، وغيرهم نفاة القدر.\nوهو قول كثير من أهل المذاهب الأربعة، وأهل الحديث، والصوفية والعامة وغيرهم.\nوعلى هذا القول فلا نسلم أن ما ينزه عن أن يفعله يجب أن يتنزه","vol":"10","page":28},{"text":"عن علمه به، فإن العلم يتعلق بالواجب والممكن، والممتنع والموجود والمعدوم، وأما الفعل فلا يتعلق إلا بما يراد، ولا يراد إلا ما هو ممكن في نفسه، وما تكون إرادته حكمةً على قول هؤلاء.\nومعلوم أن الواحد من الناس يحمد بأنه لا يفعل القبيح، ولا يحمد بأن لا يعلمه، ويعلم حسن فعله ويعلم قبحه، ولم يقل أحد قط: إن علمنا بقصص المكذبين للرسل وما فعلوه من السيئات نقص، كما أن تلك الأفعال نقص، بل المعرفة بالخير والشر من صفات الكمال.\nوإن قيل: مراده أن العلم يلزم منه التغير أو التكثر.\nفيقال له: معلوم أن هذا اللازم لفعله المتكثرات والمتغيرات ألزم، فإن فعله للمتكثرات والمتغيرات يلزم منه قيام معان في ذاته، فليس ذلك نقصًا، ولا يكون في علمه بها مع هذه اللوازم نقص.\nوإن قيل: بل فعله للمتغيرات والمتكثرات لا يلزم منه قيام معان متكثرة متغيرة في ذاته.\nفيقال: إن كان هذا حقًا، فعلمه بها أولى أن لا يلزم منه قيام معان متكثرة متغيرة، فإنه من المعلوم بصريح العقل أن اقتضاء الأفعال المتكثرة والمتغيرة للتعدد والتجدد في الذات الفاعلة، أولى من اقتضاء المعلومات المتكثرة والمتغيرة للتعدد والتجدد في الذات","vol":"10","page":29},{"text":"العالمة، فإن كل عاقل لفعل محكم عالم به، وليس كل علام به فاعلًا له.\nوهؤلاء، وإن كانوا قد قالوا في فعله أقوالًا باطلة، لظنهم أنه لا يصدر عنه ابتداءً إلا واحد بشرط، فقد لزمهم أن يجعلوا كل شيء مفعول له بوسط أو بغير وسط، فكان الواجب أن يقولوا: إنه علام بكل شيء جرى، كما هو فاعل لكل شيء جرى، إذ الكليات لا توجد في الأعيان إلا جزئية معينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>الوجه الرابع عشر</span>\nقوله: بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وهذا من العجائب.\nفيقال: إن عنيت أنه لا يعزب عنه من حيث هو كلي، فهل في هذا ما يقتضي أنه يعلم شيئًا من الجزئيات؟ فإن العلم بالكلي من حيث هو كلي، لا يوجب علمًا بشيء من المعينات الموجودة، فمن علم أن كل إنسان حيوان، لم يوجب ذلك أن يعلم إنسانًا بعينه، ولا شيئًا من تعيناته، ولا عدد الأناسي، بل ولا يعلم حيوانًا بعينه.\nوإن عنيت أنه لا يعزب عنه شيء من المعينات، فهذا مع قولك: إنما يعقلها على وجه كلي، باطل.","vol":"10","page":30},{"text":"وقد قال قبل هذا: إن الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة، وبما يتبعها مما لا يتشخص، فلم تعقل بما هي فاسدة، وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة، لم تكن معقولة، بل محسوسة أو متخيلة.\nفقد ذكر أنها إذا عقلت بالماهية المجردة وما يتبعها، فلم تعقل عينها المعينة، وإن عقلت معينة فهي محسوسة لا معقولة، فالمعينات عنده لا تكون إلا محسوسة لا معقولة، وعنده لا توصف بالحس، فكيف يقول: إنه لا يعزب شيء شخصي مع قوله: إنه لا يعلم شيئًا عن المشخصات المتغيرة؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>الوجه الخامس عشر</span>\nأنه قال: فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها، والكائنة الفاسدة بأنواعها أولًا، ويتوسط ذلك في أشخاصها.\nفقد أثبت هنا أنه يعلم الموجودات التامة بأعيانها، وذلك كالأفلاك والكواكب، مع ما يثبتونه من العقول والنفوس.\nثم قال: وإن عقلت الفاسدات بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة، لم تكن معقولة، بل محسوسة أو متخيلة.","vol":"10","page":31},{"text":"وقد قال: إنه يعقلها بأعيانها.\nفسمى العلم بالأجسام المعينة تارة عقلًا، وتارة قال: هو حس أو تخيل، ليس بعقل.\nوأثبت أنه يعلمها تارة، ونفى ذلك أخرى، لكونه حسًا لا عقلًا.\nوليس الكلام هنا في إدراكها متغيرة أو غير متغيرة، بل في إدراك الأجسام المعينة هل يعلمها معينة أم لا؟ وهل ذلك عقل أو حس؟ فقد أثبت أنه يعقلها، وعلل غيرها بعلة تقتضي أنه لا يعقلها، وهذا تناقض بين.\nولا ريب أن كلامه هنا إنما ينفي كونه يعلمها متغيرة، لئلا يكون متغير الذات.\nثم يعلل ذلك بأنه لا يعلم الحسيات.\nلكنه في موضع آخر قال: إن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما يدركها المدرك بآله متجزئة، وإن مدرك الجزئيات لا يكون عقلًا بل قوة جسمانية.\nوهنا قد ذكر أن واجب الوجود الجسمانيات التامة بأعيانها، فيلزم أحد الأمرين.\nإما أنه جسم يدركها بقوة جسمانية، وإما أنه لا يدركها كما قاله أرسطو.\nوإما أن تكون الأجسام تدرك بقوة غير جمسانية، كما قاله أبو البركات، وقد ناقضه أبو البركات في هذا الفصل، وسنذكر إن شاء الله كلامهما.\nفكلام ابن سينا في العلم متناقض، فإنه يثبت أنه يعلم الموجودات التامة بأعيانها، وهذا يناقض جميع ما ذكره في نفي","vol":"10","page":32},{"text":"العلم، أو حصول التغير.\nولم يذكر على نفي كونه عالمًا بالجزئيات إلا حصول التغير.\nوأما التعدد فقد التزمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>الوجه السادس عشر</span>\nفيقال: الوجه السادس عشر: أن يقال: ابن سينا يثبت علمه بأعيان الباقيات مع كثرتها، كما سنذكر لفظه إن شاء الله.\nوما ذكره من الحجة على نفي علمه بالمتغيرات، مثل كونه إما متقوم وإما عارض لها أن تعقل فلا تكون واجبة الوجود من كل جهة.\nوقوله: تكون حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره، ونحو ذلك -يلزم من العلم بأعيان الباقيات وأنواع المتغيرات، كما يلزم في المتغيرات، وإنما يختص بالمتغيرات بحدوث شيء آخر، وذاك ليس عنده ما ينفيه بخصوصه، فإنه يجوز في القديم أن تحله الحوادث، وإنما منع حلول الحوادث به لكونه يمنع قيام الصفات، أو أن يقول بما ذكر عن أرسطو من أن ذلك يوجب تعبه وكلاله، وكل ذلك فضيحة من الفضائح، ما يظن بأضعف الناس عقلًا أن يقول بمثل ذلك.\nولولا أن هذا نقل أصحابهم عنهم في كتبهم المتواترة عنهم عندهم، لاستبعد الإنسان أن يقول معروف بالعقل مثل هذا الهذيان.\nوهذه ألفاظ ابن سينا في الإشارات بعد أن قرر بطلان قول من يقول باتحاد العاقل والمعقول: فيظهر لك من هذا أن كل","vol":"10","page":33},{"text":"ما يعقل بأنه ذات موجودة، تتقرر فيها القضايا العقلية تقرير شيء في شيء آخر.\nقال: تنبيه: الصورة العقلية قد يجوز، بوجه ما، أن تستفاد من الصور الخارجية.\nمثلًا كما تستفيد صورة السماء من السماء.\nوقد يجوز أن تسبق الصورة الأولى إلى القوة العاقلة، ثم يصير لها وجود من خارج مثلما تعقل شكلًا ثم تجعله موجودًا.\nويجب أن يكون بما يعقل واجب الوجود من الكل على الوجه الثاني.\nثم قال: تنبيه: كل واحد من الوجهين قد يجوز أن يحصل من سبب عقلي متصور لوجود الصورة في الأعيان أو غير موجودها بعد، في جوهر قابل للصور المعقولة.\nويجوز أن يكون للجوهر العقلي من ذاته لا من غيره.\nولولا ذلك لذهبت العقول المفارقة إلى غير النهاية.\nوواجب الوجود يجب أن يكون له ذلك من ذاته.","vol":"10","page":34},{"text":"قلت: فقد بين أن علم الرب هو من نفسه لا من غيره، وأن علمه بالمعقولات ليس مستفادًا بها بل علمه بها سبب لوجودها، وحينئذ فلا يكون علمه مفتقرًا إلى معلومه، بل معلومه مفتقرًا إلى علمه، سواء كان المعلوم متغيرًا أو غير متغير.\nثم قال: إشارة: واجب الوجود يجب أن يعقل ذاته بذاته على ما حقق، ويعقل ما بعده، من حيث هو علة لما بعده ومنه وجوده، ويعقل سائر الأشياء من حيث حدثها في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولًا وعرضًا.\nثم قال: إشارة: إدراك الأول للأشياء من ذاته في ذاته، هو أفضل أنحاء كون الشيء مدركًا ومدركًا، ويتلوه إدراك الجواهر العقلية اللازمة للأول بإشراق الأول، ولما بعده منه من ذاته، وبعدهما الإدراكات النفسانية التي هي نقش ورسم، عن طابع عقلي متبدد المبادئ والمناسب.\nثم قال: وهم وتنبيه: ولعلك تقول: إن كانت المعقولات لا تتحد بالعاقل، ولا بعضها مع بعض، لما ذكرت.\nثم سلمت أن","vol":"10","page":35},{"text":"الواجب الوجود يعقل كل شيء، فليس واحدًا حقًا، بل هناك كثرة فنقول: إنه لما كان تعقل ذاته بذاته، لم يلزم قيوميته عقلًا بذاته لذاته أن يعقل الكثرة، جاءت الكثرة لازمة متأخرة، لا داخلة في الذات مقومة بها، وجاءت أيضًا على ترتيب وكثرة اللوازم من الذات مباينة، أو غير مباينة، لا تثلم الوحدة.\nوالأول تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية، وكثرة سلوب، وبسبب ذلك كثرة أسماء، لكن لا تأثير لذلك في وحدانية ذاته.\nقلت: فقال: هذا الكلام صريح في ثبوت صفات الله قائمة به ليس إضافية ولا سلوب، كما قال: تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب.\nوهذا مما اعترف به الشارحون لكلامه، المنتصرون له وغير المنتصرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1036>كلام الرازي في \"شرح الإشارات</span>\"\nكلام الرازي في شرح الإشارات\nقال الرازي في شرحه: أقول هذا سؤال جيد، وتقديره: أنك إذا قلت: الله يعلم جميع الماهيات، والعلم عبارة عن حصول صورة المعلوم عند العالم، فقد حصل في ذاته صور المعلومات بأسرها، ثم زعمت أن العالم لا يتحد بالعلم، فلزم أن تكون ذات","vol":"10","page":36},{"text":"الله محلًا لتلك الصورة الكثيرة، الغير المتناهية.\nقال: وحاصل جوابه أنه التزم ذلك، وبين أنه لا يلزم منه محذور، لأن الدلالة إنما دلت على تنزيه ذات الله عن الكثرة.\nفأما أنه لا يكون في لوازمه كثرة، فذلك مما لم يثبت بالدلالة أصلًا.\nوقد بينا أن علمه بالأشياء من لوازم علمه بذاته، فتكون الكثرة الحاصلة بسبب علمه بالأشياء كثرة في لوازم ذاته، وكثرة اللوازم لا توجب الكثرة في الملزوم، فإن الوحدة التي هي أبعد الأشياء عن طبائع الكثرة، يلزمها لوازم غير متناهية، من كونها نصفًا للإثنين، وثلثًا للثلاثة.\nوربعًا للأربعة، وهلم جرًا، إلى ما لا نهاية له.\nثم قال بعد ذلك: فالأول تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب، وبسبب ذلك كثرة أسماء، لكن لا تأثير لذلك في وحدانيته ذاته.\nقال الرازي: وأقول: إن هذا الكلام يدل على رجوع الشيخ عن مذهب الفلاسفة في مسألتين من أمهات المسائل: أحدهما: أن المشهور من قولهم إن البسيط لا يكون قابلًا وفاعلًا.\nوهنا اعترف","vol":"10","page":37},{"text":"بأن المؤثر في تلك الصور العقلية ذاته، والقابل لها أيضًا ذاته.\nفالبسيط هناك فاعل وقابل.\nوثانيتهما: أن المشهور من مذهبهم أنه ليس لله من الصفات إلا السلوب والإضافات.\nوهاهنا اعترف أن لله كثرة لوازم إضافية وغير إضافية، وكثرة سلوب، فأثبت لله صفات ثبوتية غير إضافية، وكيف يمكنه أن لا يعرف بذلك؟ وعنده أن الله عالم بالماهيات، والعلم بالأشياء عنده عبارة عن حصول صورة في العالم، وتلك الصورة ليست مجرد إضافات، لأن مذهبه أن الصورة الحاصلة عند العقل مساوية لماهية المعقول، والمساوي للجواهر والكميات والكيفيات في تمام ماهيتها كيف يكون مجرد إضافات؟\nفظهر أن الفلاسفة لا يمكنهم ادعاء تنزه الله عن الصفات الحقيقية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>كلام الآمدي</span>\nوكذلك الآمدي قال: واعلم أن من أثبت لواجب الوجود من الفلاسفة علمًا، وفسر العلم بانطباع صورة المعلوم في النفس، فقد أثبت لواجب الوجود صفة وجودية زائدة على ذاته، وناقض أصله في نفي الصفات الوجودية الزائدة لذات واجب الوجود","vol":"10","page":38},{"text":"ضرورة، لأن انطباع صورة المعلوم في النفس أمر وجودي زائد على الذات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>كلام الطوسي في \"شرح الإشارات</span>\"\nكلام الطوسي في شرح الإشارات\nثم إن الطوسي في شرحه قرر ما ذكره الرازي وزاد عليه، هذا مع كثرة مناقضته للرازي وحرصه على ذلك وعلى نصر ابن سينا، ومع هذا فلما شرح هذا الفصل قال: تقرير الوهم أن يقال: إنك ذكرت أن المعقولات لا تتحد بالعاقل، ولا بعضها ببعض، بل هي صور متباينة منفردة في جوهر العاقل، وذكرت أن الأول الواجب يعقل كل شيء، فإذن معقولاته صور متباينة متقررة في ذاته.\nويلزمك على ذلك أن لا تكون ذات الأول الواجب واحدًا حقًا.\nبل تكون مشتملة على كثرة.\nقال: وتقرير التنبيه أن يقال: إن الأول لما عقل ذاته بذاته، وكانت ذاته علة للكثرة، لزمه تعقل الكثرة بسبب تعقله لذاته بذاته، فتعقله للكثرة لازم معلوم له، فصور الكثرة، التي هي معقولاته، هي معلولاته ولوازمه، مترتبة ترتب المعلولات، فهي متأخرة عن حقيقة ذاته تأخر المعلول عن العلة.\nوذاته ليست بمتقومة بها، ولا بغيرها، بل هي واحدة.\nوتكثر اللوازم والمعلولات لا ينافي وحدة علمها","vol":"10","page":39},{"text":"الملزومة إياها، سواء كانت تلك اللوازم متقررة في ذات العلة أو مباينة لها، فإذن تقرر الكثرة المعلولة في ذات الواحد القائم بذاته، المتقدم عليها بالعلية والوجود، لا يقتضي تكثره.\nوالحاصل أن الواجب واحد، ووحدته لا تزول بكثرة الصور المعقولة المقررة فيه.\nقال: فهذا تقرير التنبيه.\nوباقي الفصل ظاهر.\nقال: ولا شك في أن القول بتقرر لوازم الأول في ذاته قول بكون الشيء الواحد فاعلًا وقابلًا معًا، وقول بكون الأول موصوفًا بصفات غير إضافية ولا سلبية على ما ذكره الفاضل الشارح.\nيعني الرازي.\nوقول بكونه محلًا لمعلولاته الممكنة المتكثرة، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، وقول بأن معلوله الأول غير مباين لذاته، وبأنه تعالى لا يوجد شيئًا مما يباينه بذاته، بل بتوسط الأمور الحالة","vol":"10","page":40},{"text":"فيه، إلى غير ذلك مما يخالف الظاهر من مذاهب الحكماء والقدماء، القائلين بنفي العلم عنه تعالى.\nوأفلاطن القائل بقيام الصور المعقولة بذاتها، والمشاؤون القائلون باتحاد العاقل بالمعقول، إنما ارتكبوا تلك المحالات حذرًا من التزام هذه المعاني.\nقال: ولولا أني اشترطت على نفسي في صدر هذه المقالات أني لا أتعرض لذكر ما أعتمده فيما أجده مخالفًا لما أعتقده لبينت وجه التقصي عن هذه المضايق وغيرها بيانًا شافيًا لكن الشرط أملك.\nومع ذلك فلا أجد في نفسي رخصة أن لا أشير في هذا الموضع إلى شيء من ذلك أصلًا، فأشرت إليه إشارة خفيفة، يلوح الحق منها لمن هو ميسر لذلك.\nقال: فأقول: العاقل، كما لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته التي بها هو هو.\nفلا يحتاج أيضًا في إدراك ما يصدر عن ذاته لذاته إلى صورة غير صورة ذلك الصادر التي بها هو هو.\nواعتبر في نفسك: أنك تعقل شيئًا بصورة تتصورها أو تستحضرها، فهي صادرة عنك، لا بانفرادك مطلقًا، بل بمشاركة","vol":"10","page":41},{"text":"ما من غيرك، ومع ذلك فأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها، بل كما تعقل ذلك الشيء بها، كذلك تعقلها أيضًا بنفسها، من غير أن تتضاعف الصور فيك.\nبل ربما تتضاعف اعتباراتك المتعلقة بذاتك وبتلك الصورة فقط على سبيل التركب.\nوإذا كان حالك مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك لك هذه الحال، فما ظنك بحال العاقل مع ما يصدر عنه لذاته من غير مداخلة غيره فيه؟.\nقال: ولا تظنن أن كونك محلًا لتلك الصورة شرط في تعقلك إياها، فإنك تعقل ذاتك، مع كونك لست بمحل لها، بل إنما كان كونك محلًا لتلك الصورة، شرطًا في حصول تلك الصورة، الذي هو شرط تعقلك إياها، فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر، غير الحلول فيك، حصل التعقل من غير حلول فيك.\nومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولًا لغيره، ليس دون حصول الشيء لقابله، فإذن المعلولات الذاتية","vol":"10","page":42},{"text":"للعاقل الفاعل لذاته، حاصلة من غير أن تحل فيه، فهو عاقل إياها، من غير أن تكون هي حالة فيه.\nوإذ تقدم هذا فأقول: قد علمت أن الأول عاقل لذاته، من غير تغاير بين ذاته وبين عقله لذاته في الوجود، إلا في اعتبار المعتبرين على ما مر.\nوحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول، فإذا حكمت بكون العلتين: أعني ذاته، وعقله لذاته، شيئًا واحدًا في الوجود من غير تغاير، فاحكم بكون المعلولين أيضًا: أعني المعلول الأول وعقل الأول له، شيئًا واحدًا في الوجود من غير تغاير يقتضي كون أحدهما مباينًا للأول، والثاني متقررًا فيه.\nوكما حكمت بكون التغاير في العلتين اعتبارًا محضًا، فاحكم بكونه في المعلولين كذلك.\nفإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الأول إياه، من غير احتياج إلى صورة مستأنفة تحل ذات الأول تعالى عن ذلك.\nثم لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلولات لها، بحصول صور فيها، وهي تعقل الأول الواجب، ولا موجود إلا وهو معلول للأول الواجب، كانت جميع صور الموجودات الكلية والجزئية على ما هي عليه في الوجود حاصلة فيها.","vol":"10","page":43},{"text":"والأول الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور، لا بصور غيرها، بل بأعيان تلك الجواهر والصور، وكذلك الوجود على ما هو عليه، فإذن لا يعزب عنه مثقال ذرة، من غير لزوم محال من المحالات المذكورة.\nقال: فهذا أصل إن حققته وبسطته انكشفت لك كيفية إحاطته تعالى بجميع الأشياء الكلية والجزئية، إن شاء الله تعالى.\nو﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ [المائدة: ٥٤] .\nولولا أن تلخيص هذا البحث على هذا الوجه الشافي يستدعي كلامًا بسيطًا، لا يليق أن نورد أمثاله على سبيل الحشو، لذكرت ما فيه كفاية، لكن الاقتصار هنا على هذا الإيماء أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>الرد على كلام الطوسي من وجوه</span>\nقلت: فليتدبر العاقل الذي هداه الله تعالى وفهمه ما جاءت به الرسل، وما قاله غيرهم، كلام هذا الذي هو رئيس طائفته في وقته، وما قرر به كلام سلفه الملحدين في علم الله تعالى، لما كان ابن سينا -وهو أفضل متأخريهم- قد قال في ذلك بعض الحق الذي يقتضيه العقل الصريح، مع موافقته للنقل الصحيح، فأراد هذا الطوسي أن يرد ما قاله ابن سينا من الحق انتصارًا لطائفته الملاحدة، فقال في الكلام الذي عظم قدره وتبجح به، ما يظهر","vol":"10","page":44},{"text":"لمن فهمه أنه من أفسد أقوال الآدميين، وأشبه الأشياء بأقوال المجانين.\nولا ريب أن هذه عقول كادها باريها، لما ألحدت في صفات الله تعالى، وأرادت نصر التعطيل، وقعت في هذا الجهل الطويل.\nفجعل نفس الحقائق، المعلومة الموجودة المباينة للعالم، هي نفس علم العالم بها، ولا ريب أن هذا أفسد من قول من جعل العلم نفس العالم، كما يقوله طائفة من النفاة، كابن رشد ونحوه وقول أبي الهذيل خير منه.\nولا ريب أن من جعل نفس المخلوقات نفس علم الخالق بها.\nفقد أتى من السفسطة بما هو من أعظم الأشياء فرية على الخالق تعالى وعلى مخلوقاته، وما هو من أظهر الأقوال فسادًا عند كل من تدبره.\nوالحمد لله الذي جعل أقوال الملحدين يظهر فسادها لكل ذي عقل، كما علم إلحادهم كل ذي دين، هذا مع تعظيم أتباعهم لهم، ونسبتهم لهذا ونحوه إلى التحقيق في المعارف الحكمية، والعلوم الإلهية.\nثم إن هذه اللوازم الظاهرة لفساد بناها على مقدمة ستسلفها ممن سلمها له من أشباهه.\nوأقرب الأشياء شبهًا بهذا القول، قول أهل الوحدة، الذين يقولون: وجود المخلوق عين وجود الخالق.","vol":"10","page":45},{"text":"فإن أولئك جعلوا الوجودين وجودًا واحدًا، وهذا جعل نفس علم الخالق ووجود المخلوق شيئًا واحدًا، فتلك وحدة في وجوده، وهذه وحدة في علمه، مع وجود المخلوقات.\nولا ريب أن قول النصارى بالاتحاد والحلول، أقرب إلى المعقول من قول هؤلاء، فإن أولئك يجعلون الكلمة.\nالتي هي عندهم جوهر قد تجدد له اتحاد بالمسيح، وهؤلاء جعلوا نفس علمه اللازم له، الذي لم يزل ولا يزال، هو نفس المخلوقات كلها.\nونحن نبين فساد مقدماته التي استسلفها، وفساد نتائجه التي استنتجها.\nأما قوله: العاقل، كما لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته التي بها هو هو.\nفلا يحتاج أيضًا في إدراك ما يصدر عن ذاته بذاته إلى صورة غير صورة تلك الصادر التي بها هو هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>الوجه الأول</span>\nفيقال: كلا المقدمتين ممنوع، فلا نسلم أنه لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته، ولا نسلم أنه إذا كان كذلك لا يحتاج في إدراك ما يصدر عنه إلى صورة غير صورة الصادرة عنه.\nوالمقدمة الأولى له فيها سلف، وعليها بنى طائفة من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، كالسهروردي المقتول، كلامهم في مسألة","vol":"10","page":46},{"text":"العلم، وإن كان جماهير العقلاء من بني آدم يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة.\nحتى قال الرازي: وأعلم أنه لولا ولوع الناس بكل كلام هائل لا يخلصون حقيقته، لما احتيج إلى الكلام على قولهم: إن الشيء الأحدى الذات عقل وعاقل ومعقول، من غير تعدد صفاته.\nوأما هذه الثانية فما علمت له فيها سلفًا.\nفنقول في الأولى التي ذهب إليها بعض سلفه، لم قلت: إن العالم إذا علم نفسه، لم يكن علمه بنفسه إلا مجرد نفسه؟ وما الدليل على ذلك؟ وهل هذه إلا مجرد الدعوى؟\nثم إنها دعوى معلومة الفساد بالضرورة وبالأدلة، فإن الإنسان حاله قبل أن يعرف نفسه، خلاف حاله إذا عرفها: يعلم أنه حصل له علم لم يكن، مع أن نفسه لم تزل، ويعلم أنه إذا قال: علمت نفسي، كان في هذا زائد على قوله: كانت نفسي.\nوإذا قال: علمي بنفسي موجود، علم أن هذا زائد على قوله: نفسي موجودة.\nوقوله: علمت نفسي، كقوله: أحببت نفسي، وظلمت نفسي، ورأيت نفسي، فهل يكون حبه لها وظلمه لها ورؤيته لها هو ذاتها؟!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>الوجه الثاني</span>\nومن الأقوال المشهورة عند الناس: من عرف نفسه عرف ربه، فلو كانت معرفته بنفسه هو نفسه، لكان كل أحد عارفًا بنفسه وبربه.","vol":"10","page":47},{"text":"ثم إن العاقل يتبين له كل وقت من أحوال نفسه، ما لم يكن متبينًا له قبل ذلك، فيزداد عقلًا ومعرفة وتبينًا لنفسه.\nويجد ذلك فيه وجودًا ضروريًا، كما يجد علومه الضرورية، فكيف يكون علمه بنفسه ليس فيه زيادة على مجرد نفسه، التي كانت قبل العلم بها؟.\nوقول القائل: العاقل لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته التي بها هو.\nيقال له: من المعلوم بالضرورة أن إدراك ذاته ليس هو عين ذاته، بل إذا قدر ذاته بدون إدراكها، وقدر ذاته مع إدراكها، كان إدراكها قدرًا زائدًا على ذاته بدون إدراكها، وهذا الإدراك غير الذات الخلية عن إدراك، فهذا معلوم بالحس والضرورة.\nثم إن كان القائل ممن يقول: الإدراك هو انطباع صورة المعقول في العاقل، أو يقول: الإدراك هو نفس تلك الصورة، أو هو إدراك تلك الصورة، أو يقول: ليس هناك صورة، بل الإدراك علم بالمدرك بلا صورة، أو يقول: هو نسبة بين المدرك والمدرك بلا صورة، فأي قول في هذه الأقوال قاله، فلا بد له أن يجعل الإدراك ليس هو المدرك، فليس العلم هو نفس المعلوم، كما أنه","vol":"10","page":48},{"text":"ليس هو العالم، بل يعقل بالضرورة الفرق بين العالم والمعلوم والعلم، كما يعقل الفرق بين المريد والمراد والإرادة، والمرئي والرائي والرؤية، والمسموع والسامع والسمع، والمحبوب والمحب والمحبة.\nلكن إن كان الواحد هو العالم والمعلوم، والمحب والمحبوب، بحيث يقال: إنه يعرف نفسه، ويحب نفسه، فهنا، مع كونها العالم والمعلوم، والمحب والمحبوب، فليس علمها بنفسها وحبها نفسها هو ذات نفسها، بل يمكن تقديرها غير عالمه بنفسها ولا محبة لنفسها، ويمكن تقديرها مع علمها وحبها.\nويعلم أنه مع تقديرها الوجود، هناك أمر موجود زائد على تقدير العدم، هذا مع أن جهة كونه عالمًا غير جهة كونه معلومًا، وإن كانت الذات واحدة.\nوأما نفس العلم فليس هو لا ذات العالم ولا ذات المعلوم.\nوقول القائل: الشيء لا يضاف إلى نفسه، كلام مجمل.\nفإن عنى به أنه لا يضاف في اللفظ، فهذا ليس بحثًا عقليًا، مع أنه ممنوع، فإنه قال: نفسه وذاته، وليس الكلام في هذه.\nوإن أراد بذلك ما نحن فيه، وهو أن ذاته لا تتعلق بها الصفات الثبوتية الإضافية، كالعلم والحب والظلم، فلا يكون عالمًا بنفسه ولا محبًا لها، ولا ظالمًا لها- فهذا مكابرة.\nثم لو قدر أن إدراكه لذاته ليس فيه صورة عقلية غير صورة ذاته التي بها هو، فلم قلت: إنه يلزم مثل ذلك في إدراك كل","vol":"10","page":49},{"text":"شيء؟ والذين فرقوا قالوا: ذاته لا تضاف إلى ذاته، وهذا الفرق منتف فيما سواهما.\nقالوا: ليس بينه وبين ذاته واسطة أقرب من ذاته إلى ذاته وهذا منتف فيما سوى ذاته.\nوقالوا: العلم هو العالم وليس هو المعلوم، فعلمه بذاته هو نفس ذاته، بخلاف علمه بغيره.\nوبالجملة فهم قد ذكروا فروقًا، إن كانت صحيحة بطل الجمع، وإن كانت باطلة منع الحكم في الأصل.\nأما كون الحكم في الأصل يوجد مسلمًا، مع قياس العلم بما سواه على العلم بنفسه، في أن كل عالم بمعلوم هو نفس المعلوم، وليس هناك علم زائد على المعلوم- فهذا مردود بصريح العقل، ومجرد تصوره التام كاف في العلم بفساده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>الوجه الثالث</span>\nأن يقال: قوله: فلا يحتاج في إدراك ما يصدر عن ذاته بذاته، إلى صورة غير صورة ذلك الصادر، التي بها هو هو قضية معلومة الفساد بالضرورة، فإن الإنسان يجد من نفسه أنه إذا أراد أن تصدر عنه صورة خارجية، من قول أو فعل، فإنه يتصور في ذهنه ما يريد أن يظهره قبل أن يظهره، ويميز بين الصورة التي في ذهنه، وبين ما يظهره بقوله وفعله.","vol":"10","page":50},{"text":"والفلاسفة، مع سائر العقلاء، متفقون على هذا، ويقولون: أول الفعلة آخر العمل، وأول البغية آخر الدرك، ويقولون: العلة الغائية هي أول في التصور آخر في الوجود.\nوجمهور العقلاء يقولون: السابق هو تصور العلة الغائية وإرادتها.\nوأما ابن سينا ونحوه من الفلاسفة فيقولون: بل نفس العلة هي السابقة في الذهن.\nويقولون: العلة الغائية علة فاعلية للعلة الفاعلية.\nوجمهور العقلاء لا يجعلونها علة فاعلية، بل يقولون: تصور الفاعل لها، وإرادته لها، به صار فاعلًا، فلولا تصور الغاية والإرادة لها لما كان فاعلًا، فتصورها وإرادتها شرط في كون الفاعل فاعلًا، وهي مقدمة في التصور والإرادة، وإن تأخرت في الوجود.\nففي الجملة العاقل الفاعل فعلًا باختياره، يتصور ما يريد أن يفعله في نفسه، ثم يوجده في الخارج، فتلك الصورة الموجودة في الخارج بفعله، ليست هي الصورة المعقولة في ذهنه، كمن أراد أن يصنع شكلًا مثلثًا أو مربعًا، أو يصنف خطبة، أو يبني دارًا، أو يغرس شجرًا أو يسافر إلى مدينة، فإنه يتصور ما يريده ابتداءً، فتكون له صورة عقلية في نفسه، قبل صورته التي توجد في الخارج، وهو معنى قولهم: أول البغية آخر الدرك، أي أول ما تبغيه فتريده وتطلبه، هو آخر ما تدركه وتناله.","vol":"10","page":51},{"text":"وهذا العلم، هو العلم الفعلي المشروط في الفعل، وعلم الرب عندهم فعلي، فكيف يكون نفس علمه به، هو نفس المعلوم الذي أبدعه في الخارج؟ وهل يقول هذا من يتصور ما يقول؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>الوجه الرابع</span>\nقوله: واعتبر من نفسك أنك تعقل شيئًا بصورة تتصورها أو تستحضرها، فهي صادرة عنك، لا بانفرادك مطلقًا، بل بمشاركة ما من غيرك، ومع ذلك فأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها، بل، كما تعقل ذلك الشيء بها، كذلك تعقلها بنفسها، من غير أن تتضاعف الصور فيك.\nإلى قوله: وإذا كان حالك مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك هذه الحال، فما ظنك بحال العاقل، مع ما يصدر عنه لذاته من غير مداخلة غيره فيه؟.\nفيقال له: هذا تلبيس لا يروج إلا على جاهل أو متجاهل، فإن هنا أمرين: أحدهما: الشيء الموجود في الخارج، وهذا هو الذي يقال: إن تعقله ارتسام صورته في العالم.\nوالثاني: نفس الصورة العلمية التي في العاقل المطابقة لهذا المعلوم، فهذه الصورة لم يقل أحد: إنها تفتقر إلى صورة أخرى، فإن هذه هي العلم.\nوهم قالوا: إن العلم صورة مطابقة للمعلوم.\nوالعلم من حيث هو علم لا يجب أن تكون له صورة غير نفسه في العقل تطابقه،","vol":"10","page":52},{"text":"اللهم إلا إذا قيل: إن ذلك العلم صار معلومًا، فتكون له صورة من حيث هو معلوم، لا من حيث هو علم.\nوقوله: إنك تعقل شيئًا بصورة تتصورها وتستحضرها، فهي صادرة عنك، وأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها، بل كما تعقل ذلك الشيء بها، كذلك تعقلها أيضًا بنفسها.\nفيقال: قوله: صادرة عنك إنما تعرف فيما يفعله الإنسان.\nأما حصول الصورة العلمية في نفسه، فهذا قد يكون ضروريًا حصل بغير فعل منه، وإن كان نظريًا فهو ضروري بعد وجود سببه.\nولهذا من يقول: المتولدات ليست مكتسبة، يجعل جمهورهم العلوم كلها ضرورية، كما قال أبو المعالي: والمختار عندنا أن العلوم كلها ضرورية.\nوحينئذ فلا تكون تلك الصورة العقلية صادرة عنه، بل هي حاصلة في ذاته بغير اختياره.\nوعلم الرب القديم اللازم لذاته، كعلمه بنفسه، لا يقال: إنه صادر عنه ولا مفعول له، بل هو كحياته.\nولكن ما يتجدد من سمع وبصر وعلم بالكائن كائنًا، فهذا من أثبته فإنه يمكن أن يجعله صادرًا عنه.\nوأما علمه بالأشياء التي يريد أن يفعلها قبل فعلها، فهذا للناس فيه كلام بحسب تنازعهم في هذا الأصل.\nوعلى كل قول، وبكل تقدير، ليست صورة المعلوم التي خلقها","vol":"10","page":53},{"text":"وأبدعها هي نفس علمه به، وإذا سمي العلم صورة عقلية، فليس هذا هو ذاك.\nوإذا قيل: إن عقل العاقل للصورة الموجودة، لا يكون إلا بصورة عقلية، لم نقل: إن الصورة العقلية لها صورة أخرى.\nولكن للناس هنا نزاع.\nوهو أن العلم بالعلم هل يحصل بالعلم أم لا بد من علم ثان؟ وكذلك العلم الثاني هل يفتقر إلى ثالث؟ فمن أثبت ذاك بطلت الحجة على قوله.\nومن نفي ذاك، قال: العلم يعلم به غيره، فلأن يعلم هو بنفسه بطريق الأولى، كالنور الذي يرى به غيره، ويرى هو بنفسه، فلا يلزم إذا احتاج ما ليس بعلم إلى صورة عقلية، أن يحتاج نفس العلم إلى صورة عقلية غير العلم، بل من علم شيئًا علمًا تامًا، علم أنه عالم.\nومن نصر القول الأول يقول: قد يعلم المعلوم ويذهل عن كونه عالمًا به.\nفإن قيل: هذا لا يتصور في حق الله تعالى، فإنه يعلم المخلوقات، ويعلم أنه عالم بها، فإذا كان العلم بكونه عالمًا، ليس هو العلم بالمعلوم المنفصل، لزم وجود علوم لا تتناهى.\nوهذا هو الذي احتج به الطوسي.\nفيقال: علمه بنفسه يوجب كونه عالمًا بصفاتها، ومن صفاتها كونه عالمًا بهذا وهذا، فعلمه بنفسه يتضمن العلم بكونه عالمًا بالمعلومات، وهذا العلم ليس هو العلم بالمعلومات المخلوقات، لكن هو مستلزم له، فعلمه تعالى بنفسه مستلزم للعلم بجميع صفاته، يمتنع وجود أحدهما دون الآخر،","vol":"10","page":54},{"text":"فليس هناك علمان متباينان، بخلاف علمه ومخلوقه المعلوم، فإن هذا مباين لهذا.\nوالعلم محله نفسه المقدسة، والمخلوق ليس بمباين له، فكيف يكون هو إياه؟ وهو سبحانه يعلم الشيء قبل وجوده، فيكون العلم به موجودًا، والمعلوم لم يوجد بعد.\nوهذا بخلاف علمه، وعلمه بعلمه.\nفإنه يمتنع وجود أحدهما دون الآخر، فيمكن أن يقال: علمه بنفسه يتضمن العلم بعلمه، فلا يوجد بدونه، كما يوجد علمه بالمخلوقات قبل وجود المخلوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>الوجه الخامس</span>\nقوله: بل ربما تتضاعف اعتباراتك المتعلقة بذاتك، وبتلك الصورة فقط، على سبيل التركب.\nفيقال: تضاعف هذا الاعتبار هو الذي يريده من يقول بتضاعف الصور، فإن مقصودهم أن العلم بالعلم بالشيء ليس هو العلم بالشيء.\nثم كون العلم صورة المعلوم في العالم، أو إدراك الصورة، أو إدراكه بلا صورة، أو نسبة، أو غير ذلك- نزاع في حقيقة العلم.\nوالمقصود هنا أن علم العالم بالمعلوم ليس هو المعلوم، وهو يريد أن يقرر أن العلم بالمعلوم عين المعلوم، كما أن العلم بالعلم بالمعلوم هو نفس العلم المعلوم.\nوجوابه إما بالمنع، وإما بالفرق.","vol":"10","page":55},{"text":"فإن كان العلم بالعلم زائدًا على العلم، منع الحكم في الأصل.\nوإن لم يكن زائدًا، فالفرق حاصل.\nوهو يريد التسوية بين العلم بالعلم وبين العلم بالمعلوم.\nونقول: إذا كان ذاك المعلوم هو نفس العلم، فكل معلوم نفس العلم.\nوكلا المقدمتين ممنوعة، ولقد قرر أنه لم تنحل هذه الشبهة، فنحن نعلم علمًا ضروريًا أن هذا سفسطة، وأن من جعل نفس المعلوم الموجود المخلوق، هو نفس علم العالم به، فهو مكابر جاحد للخالق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>الوجه السادس</span>\nقوله: ولا تظنن أن كونك محلًا لتلك الصورة شرط في تعقلك إياها، فإنك تعقل ذاتك مع أنك لست بمحل لها، بل إنسا كان كونك محلًا لتلك الصورة شرطًا في حصول تلك الصورة لك، الذي هو شرط في تعقلك إياها، فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر، غير الحلول فيك، حصل التعقل من غير حلول.\nفيقال: هنا صورتان: الصورة الموجودة في الخارج، والصورة المعقولة المطابقة لتلك المسماة بالعلم.\nفإن أريد أن كونه محلًا للصورة العقلية.\nليس شرطًا في تعقل","vol":"10","page":56},{"text":"الصورة العقلية.\nفهذا باطل.\nفإن تعقلها لا يكون إلا بحصولها له، والصورة العقلية لا تحصل له إلا إذا قامت به، بل الصورة العقلية لا تكون إلا حالة في الإنسان، لا تكون حاصلة له بدون الحلول أبدًا.\nوكذلك كل عالم لا بد أن يكون العلم قائمًا به، وحصول العلم للعالم بدون قيامه به ممتنع، فإن العلم لا يقوم بنفسه، ولو قدر قيامه بنفسه لم تختص به ذات دون ذات، فلا تكون الذات عالمة علمًا، إن لم يكن ذلك العلم قائمًا بها.\nوهذا مما رد به على جهم حيث قال: إن الرب عالم بعلم لا يقوم به، لامتناع قيام الصفات به.\nكما رد به على البصريين من المعتزلة قولهم: مريد بإرادة لا تقوم به.\nوقول هذا الطوسي شر من قول جهم، فإن جهمًا، وإن قال: إنه عالم بعلم لا يقوم به- فالعلم عنده ليس هو المعلوم.\nوهذا يجعله عالمًا بعلم منفصل عنه، ويجعل العلم هو المعلوم.\nفإن حقيقة قول النفاة للصفات من الفلاسفة، من جنس قول النفاة لها من الجهمية، فيشتركان في التعطيل، ويفترقان في مسائل الحدوث والقدم.\nولهذا وصى ابن سينا بملازمة قول النفاة للصفات، فإن القول بالحدوث ممتنع على أصلهم، فالنفي حجة له عليهم، بخلاف مثبتة","vol":"10","page":57},{"text":"الصفات، فإن فساد قول الدهرية على قولهم ظاهر.\nوإن أراد أن تعقل الموجود في الخارج ليس مشروطًا بحصول الصورة العقلية، فقد اعترف هو بثبوت الصورة العقلية، وادعى أنها صورة المفعول.\nثم نقول: مقصودنا لا يتوقف إلا على إثبات علم قائم بالعالم، سواء سمي صورة عقلية أو لم يسم، فعقل الوجود في الخارج لا يكون إلا إذا قام بالعاقل عقل له، وذلك العقل ليس هو العقل الموجود في الخارج المباين للعاقل.\nوإذا سمي ذلك العقل صورة عقلية، وقيل: إن التعقل ليس مشروطًا بها، كان معناه أن وجود العلم ليس مشروطًا بوجود العلم.\nومعلوم أن الشيء لا يثبت بدون لازمه، فكيف يثبت الشيء مع انتفائه؟ وهل هذا إلا جمع بين النقيضين: وجوده وعدمه؟\nوحينئذ فكون العالم محلًا للعلم شرط في حصول العلم، فإن حصول العلم للعالم بدون اتصافه به وقيامه به ممتنع.\nفلا يكون العقل، الذي هو العلم، حاصلًا للعاقل، إلا إذا كان العاقل، الذي هو العالم، محلًا لذلك العقل الذي هو العلم، كما أن المحب لا يكون محبًا، إلا إذا كانت المحبة قائمة به، وكذلك في الإرادة والكلام وسائر الصفات.\nوهذا أصل مطرد لأهل السنة: أن الصفة إذا قامت بمحل، عاد حكمها على ذلك المحل، ولم يتصف بتلك الصفة غير ذلك المحل.","vol":"10","page":58},{"text":"ولهذا قالوا: لو كان كلام الله مخلوقًا، لكان المتكلم به هو المحل الذي خلق فيه.\nوطرد أئمتهم وجمهورهم هذا في الصفات الفعلية.\nوآخرون، كالأشعري ونحوه، فرقوا بينهما فرقًا، كانوا به متناقضين عند جمهور الناس من المثبتة والنفاة.\nوأما من يقول: عالم لا بعلم يقوم به، ومريد لا بإرادة تقوم به، ومتكلم لا بكلام يقوم به- فهذا كلام الجهمية النفاة، ومن وافقهم من المعتزلة.\nوهذا الطوسي وأمثاله هم الجهمية النفاة المتفلسفة الملاحدة.\nوهو في التعطيل شر من المعتزلة وغيرهم.\nوكذلك ابن سينا وأمثاله هم من أتباع الملاحدة النفاة.\nوكان هذا الطوسي من أعوان الملاحدة الذين بالألموت، ثم صار من أعوان المشركين الترك، لما استولوا على البلاد.\nوكذلك ابن سينا، وقد ذكر سيرته، فيما ذكره عنه أصحابه، فذكر أن أباه كان بلخيًا وأنه تزوج بقرية من قرى بخارى، في أيام نوح بن منصور، بامرأة منها فولد بها، وأنهم انتقلوا إلى بخارى.","vol":"10","page":59},{"text":"قال: وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين ومقدمهم، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم.\nوكذلك أخي.\nوكانا ربما تذاكروا ذلك بينهم، وأنا أسمعهم، وأدرك ما يقولونه، وابتدأوا يدعونني إليه، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند.\nثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتلي، وكان يدعي الفلسفة، وأنزله أبي دارنا.\nرجاء تعلمي منه.\nثم ذكر قراءته عليه المنطق وإقليدس والمجسطي.\nومعلوم عند كل من عرف دين الإسلام أن المصريين -بني عبيد الباطنية- كالحاكم وأمثاله، الذين هم سادة أهل بيته، من أعظم الناس نفاقًا وإلحادًا في الإسلام، وأبعد الناس عن الرسول ﷺ نسبًا ودينًا، بل وأبعد الناس عن صريح المعقول وصحيح المنقول، فليس لهم سمع ولا عقل.","vol":"10","page":60},{"text":"وقولهم في الصفات صريح قول جهم، بل وشرًا منه، وزادوا عليه من التكذيب بالحق والبعث والشرائع ما لم يقله الجهم، تلقيًا عن سلفهم الدهرية، وأخذوا ما نطق به الرسول في الإيمان بالله واليوم الآخر والشرائع، فجعلوا لها بواطن يعلم علماء المسلمين بالاضطرار أنها مخالفة لدين الرسول ﷺ.\nفأصحاب الإشارات، هم من جنس هؤلاء، لكن يتفاوتون في التكذيب والإلحاد.\nوأما قوله: فإنك تعقل ذاتك ولست بمحل لها.\nفيقال: ليس من شرط الموجود المعلوم أن يكون هو نفسه حالًا في العالم، بل أن يكون العلم به حالًا في العالم، ومن عرف نفسه فلابد أن يقوم في نفسه علم بنفسه، فيكون العلم بنفسه حالًا في نفسه، لا أن تكون نفسه حالة في نفسه، ولكن هو يريد أن يسوي بين العلم والمعلوم، فيجعل ما لا يشترط في المعلوم لا يشترط في العلم، ويجعل العلم نفس المعلوم، وهذا باطل كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>الوجه السابع</span>\nقوله: بل إنما كان كونك محلًا لتلك الصورة، شرطًا في حصول تلك الصورة لك، الذي هو شرط في تعقلك إياها، فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر غير الحلول فيك، حصل التعقل من غير حلول فيك.\nهذا كلام متناقض، فإن كونه محلًا لتلك الصورة: إذا كان","vol":"10","page":61},{"text":"شرطًا في حصول تلك الصورة، امتنع وجود المشروط بدون شرطه فلا تحصل الصورة له إلا بحلولها فيه، لأن الحلول شرط فيها، فدعواه بعد هذا أنه يمكن حصولها له بدون الحلول، جمع بين النقيضين.\nوكان ينبغي أن يقول: إنما كان كونك محلًا للصورة سببًا في حصولها لك، والحصول يحصل بهذا السبب تارة وبغيره أخرى.\nومع هذا فلو قال ذلك كان باطلًا أيضًا، لكن هو يعلم أن هذا الحلول شرط في تعقل العبد، وإنما يدعي أنه ليس بشرط في علم الرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>الوجه الثامن</span>\nأن يقال: حصول العلم للعالم بدون قيامه به ممتنع، فإذا كانت الصورة العقلية هي العلم، أو كان العلم مستلزمًا لها لا يوجد إلا بوجودها لكونها شرطًا فيه، امتنع حصول العلم، وحصول الصورة العقلية، التي هي العلم، أو شرطه أو لازمه، للعالم بدون حلولها فيه، كما يمتنع مثل ذلك في سائر صفات الحي، فيمتنع أن يحصل له علم أو قدرة، أو حب أو بغض، أو رضى أو سخط، أو فرح أو ألم أو لذة، أو غير ذلك من صفات الحي، بدون حلول ذلك في الحي، ولا يحصل ذلك له إلا بحلوله فيه، لا مع وجوده مباينًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>الوجه التاسع</span>\nأن يقال: مراده بالصورة الحاصلة بلا حلول: إن كان هو مجرد الصورة الموجودة، وهو لم يرد ذلك، كان","vol":"10","page":62},{"text":"حقيقته أن العلم يحصل بمجرد وجود المعلوم، فلا يكون هنا علم قائم بالعالم ولا صورة عقلية، وهذا مع ظهور فساده، فهو يسلم بطلانه، في العبد، ويقول: إن كونه محلًا لتلك الصورة، شرط في حصول تلك الصورة، الذي هو شرط في تعقله إياها، فيجعل الحلول شرطًا في الحصول، الذي هو شرط في التعقل، ويثبت الصورة العقلية القائمة بقلب الإنسان، فيمتنع أن يريد بالصورة الحاصلة بلا حلول، الصورة العقلية الحاصلة للإنسان.\nوإن أراد بذلك الصورة الموجودة، فلا ريب أنها تحصل من غير حلول، بل الحلول فيها ممتنع.\nلكن يقال: ليس في مجرد حصولها للإنسان، ما يوجب أن يكون الإنسان عاقلًا لها، إذا لم يكن في نفسه علم بها، بل الحصول الخالي عما يقوم بالعالم من العلم، ليس معه علم ضرورة، فإن ادعى حصول الصورة العقلية بلا حلول فيمتنع، وإن ادعى حصول الصورة الموجودة بلا حلول فهو ممكن، لكن وجود العلم بمجرد ذلك من غير شعور يقوم بالشاعر بها ممتنع.\nوهذا أمر معلوم بالضرورة واتفاق العقلاء، لكن هؤلاء القوم يدعون أن علم الله بالأشياء بلا علم يقوم به، ويسمونه عاقلًا، ويفرقون بين عقل وعقل، مع جعل العقل جنسًا واحدًا، وهو تناقض بين، وقول بلا علم، بل مما يعلم بطلانه.","vol":"10","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1049>الوجه العاشر</span>\nأن يقال: قوله: فإذا حصلت تلك الصورة بوجه آخر غير الحلول فيك، حصل التعقل من غير حلول فيك.\nومعلوم أن حصول الشيء لفاعله، في كونه حصولًا لغيره، ليس دون حصول الشيء لقابله.\nفيقال: حصول الشيء لغيره بدون حلول فيه لفظ مجمل.\nقد يراد به حصوله في ملكه، وقد يراد به حصوله عنده وفي يده.\nوقد يراد به حصوله لينتفع به بوجه معاونًا له ومشاركًا.\nفإنه يقال لك: هذا المال، وهذه الدار، وهذا المملوك.\nويقال: حصل لك هذا لتستعيره أو تستأجره.\nوقد يقال: حصلت لك هذه المرأة لتتزوجها، وهذا الرفيق أو الشريك لترافقه وتشاركه، وحصل لك هذا المعلم لتتعلم منه، وحصل لك هذا العدو في يديك وقبضتك، وأمثال ذلك.\nومعلوم أنه ليس في هذه الأنواع من الحصول، ما يوجب أن يكون هذا الحصول موجبًا للعلم بدون شعور يقوم بالعالم، بل إن لم يقم بالحي شعور قائم بنفسه بما حصل له، وإلا لم يكن شاعرًا بها.\nوالشعور أول درجات العلم والعقل، فمن لم يكن شاعرًا بالشيء كيف يكون عالمًا به وعاقلًا له؟.","vol":"10","page":64},{"text":"فقوله: إذا حصلت تلك الصورة بوجه غير الحلول فيك، حصل التعقل من غير حلول فيك.\nكلام لا دليل عليه، وهو باطل.\nويكفيه المنع المجرد، وهو أن يقال: لا نسلم أن الحصول الخالي عن حلول، يكون تعقلًا من غير حلول، أو يوجب التعقل من غير حلول.\nونعني بالحلول ما بيناه من حلول نفس الشعور بالشاعر، سواء كان هناك صورة عقلية أو لم يكن، فكيف وقد رأينا الحصول من غير شعور لا يكون علمًا في عامة أنواع الحصول؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>الوجه الحادي عشر</span>\nقوله: ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولًا لغيره، ليس دون حصول الشيء لقابله، فإذن المعلولات الذاتية للعاقل الفاعل لذاته، حاصلة من غير أن تحل فيه، فهو عاقل إياها من غير أن تكون هي حالة فيه.\nيقال له: لا ريب أن كونها مفعولة مخلوقة فيه، مغاير لكونها قائمة به، لكن يجب أن نعرف أنه لم يقل عاقل: إن العلم بالمخلوقات يقتضي حلول المخلوقات بذات الخالق، كما أن خلقه لها نفس إبداع ذواتها، فلم يقل عاقل: إن الذي هو مخلوق مفعول، هو نفس الذي هو حال مقبول، حتى نفرق بينهما، بأن أحدهما","vol":"10","page":65},{"text":"حصول للفاعل، والآخر حصول للقابل، بل الحاصل للفاعل هو نفس الأشياء المخلوقة، كالسماوات والأرض وما بينهما.\nوأما القبول القائم بالقابل، فهو العلم بها، الذي يسمونه صورة عقلية، لا نفسها الموجودة.\nولا يقول عاقل يتصور ما يقول: إن العلم حصول نفس الموجودات في العالم، فإن كل عاقل يعلم أنه إذا علم النار والشمس والقمر، لم تكن هذه الحقائق في نفسه، وإن قدر أن أحدًا قال ذلك، أو قال: إن الحاصل في نفسه مثل حقائقها الموجودة في الخارج في الحد والحقيقة، حتى يقول: إن من علم الشمس صار في نفسه شمسًا مساوية في الحد والحقيقة للشمس التي في السماء، ومن علم النار حصل في نفسه نار مساوية في الحقيقة للنار التي تحرق فهذا القول ظاهر الفساد.\nوإنما الذي قد يقال: إنه تحصل صورة عقلية تطابق تلك الحقيقة، مطابقة ما في النفس لما في الخارج.\nولهذا يمثلون ذلك بمطابقة الوجه لما في المرآة.\nفنقول: حصول الصورة العلمية في العالم، كحصول الصورة المرئية في المرآة، أو في الماء، ونحو ذلك.\nومعلوم أنه لم تحل في المرآة والماء نفس الشمس والوجه، ولا ما يساويهما في الحد والحقيقة، ولكن صورة تحكيهما، وليست هذه الصورة كالصورة التي تحصل في الشمع والطين من طبع الخاتم والرسم، فإن تلك عرض منقوش حل في جسم يشبه الآخر، بخلاف ما في المرآة فإنه","vol":"10","page":66},{"text":"عرض، والشمس والوجه جسم، وكذلك العلم الذي في القلب، والمعلوم القائم بنفسه، كالسماء والأرض جواهر، فليس هذا مثل هذا.\nوبالجملة فنحن ليس غرضنا في هذا المقام إلا إثبات قيام العلم بالعالم، فإنه أمر موضع الكلام فيه، إذ كل أحد يميز بين شعوره بالشيء، وعدم شعوره به.\nأما كون ذلك بانطباع صورة عقلية مطابقة أو مشابهة، أو غير ذلك- فليس هذا موضع الكلام فيه، إذ المقصود هنا أن ذلك العلم هو المسمى بالصورة العقلية، وهو حال في العالم.\nوليس هذا هو الصورة الموجودة في الخارج، ولا فاعل هذا فاعل ذاك، ولا قابل هذا هو قابل ذاك، فإن العلم بقلبه -قلب العالم- فهو صفة قائمة بالعالم، وفاعله هو ما أحدثه فيه.\nوعلم الله القديم اللازم لذاته قائم به، وليس له فاعل، وإن كان له موصوف به يسمى محلًا ويسمى قابلًا.\nوأما الصورة الموجودة في الخارج، فالله سبحانه خالقها.\nوالإنسان قد يكون له فعل في بعض الصور، ومحلها -إن كانت عرضًا- الجسم الذي قامت به، كما أن محل الصياغة هو الذهب والفضة، ومحل النجارة هو الخشب، ومحل صورة الدرهم والدينار والخاتم هو الذهب والفضة، ومحل الخياطة الثوب، ومحل النساجة الغزل، وأمثال ذلك.","vol":"10","page":67},{"text":"فقول القائل: حصول الشيء لفاعله غير حصوله لقابله يقتضي أن الشيء الحاصل للفاعل، هو الشيء الحاصل للقابل، وإنما اختلف الحصولان.\nوليس كذلك، فإن حصول الشيء لفاعله هو حصول نفسه المخلوقة الموجودة، كحصول العالمين لرب العالمين، فإن كل المخلوقات حاصلة له، حصول المفعول لفاعله، بل حصولًا لا يماثله فيه أحد، فإن أحدًا لا يخلق كخلقه.\nوأما حصول المقبول لقابله.\nفإنما المراد به هنا حصول العلم بهذه المخلوقات للعالم بها، فإن العلم يحصل له حصول المقبول لقابله، لا يراد به أنها نفسها حصلت له حصول المقبول لقابله، بحيث حلت فيه، وكان محلًا لها، فهذا هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>الوجه الثاني عشر</span>\nأن يقال: وإذا كان هذا الحصول غير هذا الحصول، فأي مقصود يحصل لك بذلك؟ وأي دليل في ذلك على أن المعلولات -التي هي المخلوقات- إذا كانت حاصلة للخالق الذي خلقها، من غير أن يقوم به شعور بها أصلًا، بل ذاته مع عدم العلم بها، كذاته مع وجود العلم بها، فيكون عالمًا بها من غير حلول شيء فيه؟.\nوقوله: فهو عاقل إياها، من غير أن تكون حالةً فيه.\nيقال له: لم يشترط أحد حلول ذواتها فيه، فإن كان هذا الشخص رد قول من أدخل فيه ما يماثلها في الحد والحقيقة، فنحن نساعده على ذلك، ولا حاجة إلى ما ذكره.","vol":"10","page":68},{"text":"ولم يقل أحد من المسلمين: إن الله لا يعلم المخلوقات، حتى تحل في ذاته، أو يحل في ذاته ما هو مماثل في الحقيقة لهذه المخلوقات.\nفإن كان في سلفه الملاحدة من قال نحو هذا، فدونه وإياه.\nوأما سلفنا المسلمون فلم يقل أحد منهم شيئًا من هذا.\nوإن أراد بقوله: من غير أن تكون حالة فيه من غير أن يقوم به علم بها، بل يكون حال ذاته مع العلم بها، كحالها إذا قدر عدم العلم بها، فهذا باطل معلوم الفساد بالضرورة، وإذا أثبت علمًا بجميع المخلوقات، يتصف به الرب، غير المخلوقات المعلومة، حصل المقصود في هذا المقام، ويبقى المقام في تفصيل ذلك له مقام آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>الوجه الثالث عشر</span>\nقوله: وإذ تقدم هذا، فأقول: قد علمت أن الأول عاقل لذاته، من غير تغاير بين ذاته، وبين عقله لذاته في الوجود، لا في اعتبار المعتبرين على ما مر، وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله المعلول الأول.\nفإذا حكمت بكون العلتين: أعني ذاته، وعقله لذاته، شيئًا واحدًا في الوجود من غير تغاير، فاحكم بكون المعلولين أيضًا: أعني المعلول الأول وعقل الأول له، شيئًا واحدًا في الوجود من غير تغاير يقتضي كون أحدهما مباينًا للأول، والثاني متقررًا فيه.\nوكما حكمت بكون التغاير في العلتين اعتبارًا محضًا، فاحكم بكونه في المعلولين كذلك.","vol":"10","page":69},{"text":"فيقال: كلا المقدمتين ممنوعة باطلة: التلازمية والاستثنائية، المشبه والمشبه به، الأصل والفرع.\nأما قوله: حكمت بكون ذاته وعقله لذاته شيئًا واحدًا في الوجود فهذا لم يحكم به أحد من مثبتة الصفات، الذين هم سلف الأمة وأئمتها وجماهيرها، على تنوع أصنافهم، فلم يقل منهم أحد: إن علمه بنفسه هو عين نفسه، وإنما يحكي ما يشبه هذا عن المعطلة الجهمية من أهل الكلام والفلسفة، كابن رشد ونحوه، بل علمه بنفسه في كونه ليس هو نفسه، كعلمه بسائر المعلومات، فليس العلم نفس العالم عند أحد من أهل الإثبات للصفات.\nولكن هل يقال: إنه غيره؟ هذا فيه نزاع لفظي.\nمنهم من يقول: إن علمه غيره.\nومنهم من يقول: لا هو هو، ولا هو غيره.\nومنهم من يقول: لا نقول: لا هو هو، ولا هو غيره فأنفيهما جميعًا، بل أقول: ليس هو إياه منفردًا، وأقول: ليس هو غيره مفردًا.\nولا أجمع بينهما فأقول: لا هو هو، ولا هو غيره.\nوأما السلف والأئمة، كـ أحمد بن حنبل وغيره، فلم يقولوا شيئًا من ذلك، بل امتنعوا من إطلاق القول بأنه غيره، كما لم يطلقوا أنه هو، ولم يقولوا: إنه لا هو هو، ولا غيره، فينفوهما جميعًا: لا مجتمعين ولا منفردين، بل منعوا من إطلاق لفظ الغير، لأن لفظ الغير مجمل، يراد به المباين، ويراد به ما ليس هو إياه.","vol":"10","page":70},{"text":"والجهمي إذا سأل أحدهم عن القرآن: أهو الله أو غيره؟ فإن قال: هو غيره.\nقال: كل ما هو غير الله مخلوق.\nولهذا لما سألوا الإمام أحمد في المحنة عن القرآن: أهو الله أو غيره؟ وإذا كان غيره كان مخلوقًا- عارضهم بالعلم فسكتوا.\nوقد تكلم على لفظ الغير في الرد على الجهمية.\nوالقول الذي قبله قول الأشعري وطائفة، والذي قبلهما قول القاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى وطائفة، والأول قول الكرامية وطائفة.\nومما يدل على قول الأئمة أن النبي ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» .\nوثبت عنه الحلف بعزة الله، والحلف بقوله: لعمر الله، فلو كان الحلف بصفاته حلفًا بغير الله لم يجز، فعلم أن الحالف بهما لم يحلف بغير الله، ولكن هو حالف بالله بطريق اللزوم، لأن الحلف بالصفة اللازمة، حلف بالموصوف ﷾.","vol":"10","page":71},{"text":"وقول القائل: الصفات زائدة على الذات ليس كقوله: صفات الله زائدة على الله، لأن مسمى اسم الله يدخل في صفاته، فإذا قال: الله دخل فيه صفاته، فإذا قال: هي غيره أوهم مباينةً لله لم تدخل في اسمه.\nوأما لفظ الذات فقد يراد بها الذات التي يقدر أنها مجردة عن الصفات، والصفات زائدة على لفظ الذات.\nولفظ الغيرين يراد بهما ما جاز مفارقة أحدهما الآخر، وعلى هذا فالصفة ليست مغايرة للموصوف.\nويراد بهما ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر، وعلى هذا فالصفة غير الموصوف، والعلم غير العالم.\nوهذا هو لغة هؤلاء فنخاطبهم بلغتهم.\nفإذا قال: الأول عاقل لذاته، من غير تغاير بين ذاته، وبين عقله لذاته في الوجود.\nقيل: هذا ممنوع، بل عقله لذاته ليس هو ذاته، بل هو مفهوم مغاير لمفهوم الذات، وإن كانا متلازمين.\nواعتبار المعتبرين: إن كان مطابقًا للحقيقة، وإلا كان خطأً.\nوكون الشيء لا يتميز عن الشيء من وجه، لا يقتضي أنه لا يتميز عنه من وجه آخر، فالطعم لا يتميز عن اللون باللمس، ولكن يتميز أحدهما عن الآخر بالرؤية والذوق، فلو قدرنا عدم القوة المميزة لم يمتنع الامتياز في نفس الأمر.\nوكذلك إذا قدرنا صفة لازمة لموصوفها، لم نشعر بأحدهما","vol":"10","page":72},{"text":"منفكًا عن الآخر، لم يدل ذلك على أنهما شيء واحد في نفس الأمر.\nوكذلك الصفات العامة والخاصة في الموصوف الواحد، مثل كون الإنسان حيوانًا وناطقًا، وكون الجسم جسمًا ونباتًا، وكون اللون سوادًا وبياضًا، وإن لم يتميز هذا من هذا ببعض أنواع الإدراك، فإنه يتميز بنوع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>الوجه الرابع عشر</span>\nقوله: وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول، فإذا حكمت بكون العلتين: أعني ذاته وعقله لذاته، شيئًا واحدًا في الوجود من غير تغاير، فاحكم بكون المعلولين شيئًا واحدًا.\nفيقال: أما كون ذاته علة، فمعناه أنها مبدعة فاعلة لمفعولها.\nوأما كون عقله لذاته علة لعقله، فليس معناه أن عقل ذاته أبدع عقل مفعوله، بل معناه أن عقله لذاته مستلزم لعقله لمفعوله، فإن كونه فاعلًا له من لوازم ذاته، والعلم التام بالملزوم يقتضي العلم بلوازمه، فكونه هنا علة بمعنى كونه ملزومًا، وهناك بمعنى كونه فاعلًا.\nولفظ العلة فيه اشتراك كثير بحسب اصطلاحات الناس، ينبغي لمن خاطب به أن يعرف مقصود المخاطب به.\nفقد رأيت من","vol":"10","page":73},{"text":"غلط الناس بسبب اشتراك هذا اللفظ، لتعدد الاصطلاحات فيه، ما لا يمكن إحصاؤه ها هنا.\nوإذا كان كذلك، لم يلزم من كون ذاته الفاعلة وعلمه بنفسه شيئًا واحدًا -إذا قدر أن الأمر كذلك- أن يكون مخلوقه المباين له، وعلمه بهذا المخلوق، شيئًا واحدًا، لأن المخلوق مباين له، وعلم الخالق صفة للخالق قائمة به، فلم يكن العلم قائمًا بالمخلوق، كما كان عقله لذاته قائما بذاته.\nوهناك إنما جعل من جعل عقله عين ذاته، لكون العلم هو العالم عندهم، لا لكون العلم هو المعلوم عندهم.\nلكن هناك كان ذات العلم والمعلوم واحدة، ولم يبق إلا العلم، وعندهم العلم ليس بزائد على الذات، فقالوا: ذاته وعقله لذاته شيء واحد.\nوأما هنا: فالعالم مباين للمعلوم، والعلم صفة للعالم قائمة به، ليس صفة للمعلوم قائمة به، فلم يكن جعل المخلوق الذي يسمونه المعلول الأول، وعلم الخالق به، شيئًا واحدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>الوجه الخامس عشر</span>\nأن يقال بأن العلم بالمخلوق ليس هو المخلوق علم ضروري، لا يمكن دفعه بالشبهات، بل القدح فيه سفسطة.\nفإن كان من لوازم هذا كون علمه بنفسه ليس هو نفسه، فلازم الحق حق، والتزام هذا هو من التزام كون المخلوق هو نفس علم الخالق، وإن لم يكن من لوازم هذا كون علمه بنفسه هو نفسه، فقد بطلت الحجة.","vol":"10","page":74},{"text":"وهذا بين جدًا إذا تصور الإنسان نتيجة مقدماته.\nوهو قوله: فإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الأول إياه.\nفهل يقول هذا من يتصور ما يقول؟ ويقول مع ذلك: إن الله أبدع شيئًا من الأشياء، فيقول: إن نفس مبدعه المفعول المصنوع المخلوق المباين له هو نفس علمه.\nوطرد هذا أن تكون السموات والأرض هي نفس علمه بالسموات والأرض، والإنسان هو علم الله بالإنسان.\nوالإنسان مولود كان في بطن أمه، فيكون علم الله مولودًا كان في بطن أمه.\nفهل قالت النصارى مثل هذا القول الباطل؟!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>الوجه السادس عشر</span>\nقوله: فإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الأول إياه، من غير احتياج إلى صورة مستأنفة تحل ذات الأول، تعالى عن ذلك.\nفيقال له: ليس كل أحد يقول: إنه يحتاج إلى صورة مستأنفة، بل من يقول: إنه يعلم الأشياء قبل وقوعها، وأن علمه بها بعد الوجود هو ذلك الأول، لا يقول: إنه تكون هناك صورة مستأنفة.\nفهؤلاء لا يلزمهم ما ذكرت.\nفإن قلت: قول هؤلاء ضعيف، لأن العلم بأن الشيء سيكون، ليس هو العلم بأن قد كان.","vol":"10","page":75},{"text":"قلت لك: معلوم أن قولك: إن نفس علم الخالق هو نفس المخلوق، أشد امتناعًا في العقل من هذا، فعجل العلم بأن سيكون هو العلم بأن قد كان، إن كان باطلًا، فهو أقرب إلى العقل من جعل العلم نفس المخلوق.\nوإذا كان أقرب إلى العقل، كان التزامه -إن كان تجدد العلم محذورًا- أولى من التزام ذاك، وإن لم يكن محذورًا، التزم ذاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>الوجه السابع عشر</span>\nأن يقال: لم قلت إن استئناف علم يحل ذات الأول بعد وجود المخلوق محال؟.\nوقولك: إنه يتعالى عن ذلك، فلا ريب أنه يتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nومنازعك يقول: إنك أنت الظالم المفتري على الله، الذي سلبته صفات الكمال، ووصفته بصفة الجهل، وقلت فيه المحال، وألحدت في أسمائه وآياته إلحاد طائفتك الضلال.\nوأما أهل الإثبات فوصفوه بصفات الكمال، ووافقوا صريح المنقول عن الأنبياء والمرسلين، وما فطر الله عليه عباده أجمعين، وما دلت عليه صرائح عقول الآدميين، ووصفوا ربهم بأنه يسمع كلامهم، ويرى أعيانهم، ويسمع سرهم ونجواهم.\nوأنت وصفت رب العالمين بنقيض ذلك، ولم تجعل له علمًا سوى المخلوقات.\nوالمخلوقات ليست علمًا باتفاق أهل الفطر السليمات، فتعالى الملك الحق عن قولك، وقول أمثالك المفترين الملحدين، أعداء الأنبياء، شياطين الإنس، الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.","vol":"10","page":76},{"text":"وأنت فليس لك دليل أصلًا ينفي ذلك، فإن قيام ما يتعلق بمشيئته وقدرته بذاته، لا دليل لك على نفيه، إلا ما تنفي به الصفات، كما نفيت العلم.\nومعلوم أن هذا من أفسد أقوال الآدميين.\nوغاية ما تقوله أنت وأصحابك: إن ذلك يستلزم التكثر والتغير، وهما لفظان مجملان، فذاك لا يستلزم تكثر الآلهة، بل الرب إله واحد، وإنما يستلزم تكثر علمه وكلماته، وهذا حق، وهو من أعظم كمالاته.\nوأما التغير، فليس المراد به استحالته، وإنما المراد أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، ويحدث الحوادث بقدرته ومشيئته.\nومعلوم أن من كان قادرًا على أن يفعل بمشيئته وقدرته ما شاء كان، أكمل ممن لا يقدر على فعل يختاره يفعل به المخلوقات، ولا كلام يتكلم به بمشيئته، ولا يرضى على من أطاعه، ولا يغضب على من عصاه.\nوهم يعلمون أن الفعل الاختياري القائم بالفاعل صفة كمال، بل الحركة عندهم صفة كمال، فبأي دليل ينفون ذلك، مع تجويزهم حوادث لا أول لها، بل إيجابهم لذلك؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>الوجه الثامن عشر</span>\nقوله: ثم لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلولات لها، بحصول صور فيها، وهي تعقل الأول","vol":"10","page":77},{"text":"الواجب، ولا موجود إلا وهو معلول للأول الواجب، كانت جميع صور الموجودات الكلية والجزئية على ما هي عليه في الوجود حاصلة فيها.\nفيقال: مضمون هذا الكلام أن الجواهر العقلية لما عقلت الأول، لزم أن تعقل كل شيء، لأن ما سواه معلول له، وأن تكون جميع صور الوجود حاصلة فيها.\nوفي هذا الكلام من الباطل أنواع:\nمنها أن يقال: ومن أين لكم أن مخلوق الرب يعلمه علمًا تامًا، بحيث لا يخفى عليه من أحوال الرب شيء؟ بل يعلم الرب، كما يعلم نفسه، حتى يكون علمه بالرب متضمنًا للعلم بكل موجود؟ وما الدليل على هذا، والكتب الإلهية والدلائل العقلية تناقض ذلك؟.\nقال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] .\nوقال عن الملائكة: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ [البقرة: ٣٢] .","vol":"10","page":78},{"text":"وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾ [الأنبياء: ٢٦-٢٨] .\nوقال: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض﴾ [الأعراف: ١٨٧]: أي خفي علمها على أهل السماوات والأرض.\nوقال تعالى: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها﴾ [طه: ١٥]، أي أخفيها من نفسي، فكيف أطلعكم عليها؟.\nوقال: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥] .\nوقال عن الملائكة: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ [مريم: ٦٤] .\nوقال: ﴿إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما﴾ [طه: ٩٨]، إلى قوله: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا * يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما﴾ [طه: ١٠٨-١١٠] .","vol":"10","page":79},{"text":"ومنها أن الأول الواجب لم يثبتوا له علمًا محققًا بجزئيات المخلوقات، بل ولا بكلياتها، فكيف يستفاد من العلم بنفسه العلم بتفاصيلها، وهو عندهم لا يعلم تفاصيلها؟ فإذا لم يستفد العلم بتفاصيلها إلا من العلم به لكونه مبدأً امتنع ذلك.\nومنها أن يقال: حصول جميع صور الموجودات الجزئية والكلية على ما هي عليه: إن كان صفة الكمال، فالرب أحق بها من مخلوقاته.\nوإن كان صفة نقص، فلا موجب لوصف العقول بها.\nفإن قلتم: أثبتناها للعقول لتعلم جميع الأشياء.\nقيل: إن كان العلم بجميع الأشياء يمكن بدون حصول صورها في العالم، أمكن ذلك في العقل، كما أمكن في الأول.\nوإن لم يمكن ذلك، وجب إثباتها للأول، وكان أحق بذلك من مفعوله.\nفإن الأول إذا كان علمه بالمخلوق نفس المخلوق، كان علم العقل به يفيده العلم بالمخلوق، من غير قيام صورة المخلوق عنده، بل يكفيه ارتسام صورة المخلوق.\nومنها: أن يقال: إذا كان العقل المعلول إنما يستفيد علمه بالموجودات من علمه بالأول، وهي ليست متصورة في ذات الأول، فكيف يتصور في ذات العقل ما لم يتصور في ذات معلومة؟ وكيف يكون الفرع أكمل من أصله؟.\nفإن قيل: علمه بالأول ومعلولاته يوجب الارتسام، فاستفاد ذلك من علمه بوجوده، لا من علمه بعلمه.","vol":"10","page":80},{"text":"قيل: إذا كان هذا صفة كمال، فالأول أحق به، وإن كان نقصًا وجب تنزيه العقل عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>الوجه التاسع عشر</span>\nقوله: والأول الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور، لا بصور غيرها، بل بأعيان تلك الجواهر والصور، وكذلك الوجود على ما هو عليه، فإذن لا يعزب عنه مثقال ذرة، من غير لزوم محال من المحالات المذكورة.\nفيقال له: ما هي الصورة التي يعقلها مع الجواهر؟ أهي صورة عقلية قائمة به؟ فهذا عندك باطل، وليس عندك إلا الموجودات.\nأم صور أخرى منفصلة عنه مقارنة للموجودات، فيكون علمه بها خارجًا عن ذاته مقارنًا لها؟ وهذا أيضًا باطل كما تقدم.\nأم تعني بالصور الماهيات التي تدعي أنت وسلفك أنها ماهيات غير مجعولة مقارنة للموجودات؟ فتلك لم تذكرها، وكيف نعلمها وهي عندك غير مجعولة له، حتى يكون جعله لها يوجب العلم بها كما ذكرت؟ ولم يرد شيئًا من ذلك، وإنما أراد بالصور: الصور العقلية القائمة بالجواهر، أي تعقل الجواهر، وتعقل عقلها للموجودات.\nومن جملة عقلها للموجودات عقلها له، فهو يعلم علمها له ولكل شيء، وهو نفسه ليس له علم عنده إلا وجود المخلوقات.\nفهل هذا القول إلا من أعظم الأقوال فسادًا في العقل والدين؟.","vol":"10","page":81},{"text":"ثم قوله: يعقل تلك الجواهر بأعيان تلك الجواهر من العجب، فإنه ليس عنده موجود إلا تلك الجواهر، فما العقل الذي يكون به؟ أهو عقل يتصف به؟ فعنده لا يتصف بعقل يقوم به، بل عقله نفس مخلوقاته.\nفحقيقة قوله: إنه يعقل تلك الجواهر التي هي عقله، وهي معقوله، ليس له عقل يقوم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>الوجه العشرون</span>\nأن يقال: حقيقة القول هذا الرجل، هو قول غلاة النفاة للعلم من سلفه، وهو أن الخالق تعالى لا يعلم شيئًا: لا نفسه ولا غيره، فإن العلم لا يكون إلا بقيام صفة به، وإذا كان قيام الصفات به ممتنعًا عندهم، امتنع كونه عالمًا بنفسه وبغيره فهذا حقيقة ما قاله.\nوأما كون المخلوقات هي العلم، فكلام لا حقيقة له، وإن كان يظن من يجهل معناه أن فيه إثباتًا لعلم الله، فمن تصوره حق التصور علم أنه ليس فيه إثبات لعلم الله، وعلم بذلك أن ابن سينا وابن رشد وأبا البركات ونحوهم من الفلاسفة أقرب إلى صحيح المنقول وصريح المعقول، من النفاة الملحدين الذين قالوا في علم الله مثل هذا الافتراء.\nومعلوم أنه إنما دعاهم إلى ذلك القول بنفي الصفات، والأحوال الاختيارية التي تقوم بذات الله، وظنهم أن ذلك مستلزم للكثرة التي يجب نفيها، ومستلزم لتغير الأحوال الذي يجب نفيه.","vol":"10","page":82},{"text":"ونفي هذين هو الذي أوقع نفاة العلم في نفيه، فإنهم رأوا إثبات العلم لا يمكن إلا مع إثبات الصفات اللازمة والأحوال العارضة، وظنوا وجوب نفي هذين.\nوإذا كان العلم مستلزمًا لهذين، فلازم الحق حق، لا سيما ومهما قدر من توهم تنزيه وتعظيم في نفي لوازم العلم -لأن ثبوت العلم مستلزم ما يظن نقصًا من تجسيم وحلول حوادث وغير ذلك- فنفي العلم فيه من النقص والعيب ما هو أحق بتنزيه عنه من لوازم العلم، ونفي ما يناقض العلم هو أولى بالنفي، من نفي لوازم العلم.\nوالأدلة العقلية الصريحة، مع النقلية الصحيحة، إنما تدل على إثبات العلم ولوازمه، لا يدل شيء منها على نقيض ذلك، بل كل ما يظن من لوازم العلم أنه منفي بدليل العقل، يوجب ثبوته لا نفيه، ولكن هم استسلفوا مقدمات باطلة ظنوها عقلية، واحتاجوا إلى القول بلوازمها، فألجأهم ذلك إلى الأقوال الباطلة المخالفة لصريح العقول وصحيح المنقول، مع أنها من أعظم الفرية على رب العالمين، وأعظم الجهل بما هو عليه سبحانه من نعوت الكمال.\nدع ما في ذلك من تكذيب رسله، والإلحاد في أسمائه وآياته.\nوالمقدمات الفاسدة التي بنوا عليها أقوالهم هي نفيهم صفاته سبحانه، وظنهم أنه لا تقوم به المعاني، وإن كانت قديمة النوع أو العين، ولهذا كان من تكلم منهم مع التزام هذا الأصل، فكلامه ظاهر البطلان، مع ما فيه من التناقض.","vol":"10","page":83},{"text":"وقد تكلم في ذلك السهروردي المقتول صاحب التلويحات وحكمة الإشراق وغيرهما، مع تألهه على طريقتهم، ومع أنه في حكمة الإشراق سلك طريقًا لم يقلد فيها المشائين، بل بين فساد أقوالهم فيها في مواضع، وكان كلامه في مواضع متعددة خيرًا من كلامهم، وإن كانت سمة الإلحاد تتناولهم كلهم.\nفالمقصود بيان الحق، وإذا كان بعضهم ينازع بعضًا ويرد عليه، وكان أحدهما أقرب إلى الحق في ذلك الموضع من الآخر، كان بيان رد بعضهم على بعض بما قاله من الباطل مما يؤيد الله به الحق.\nفرد عليهم دعواهم أن العقول عشرة.\nوهؤلاء المتأخرون يقولون: إنها الملائكة بلسان أهل الملل، ويسميها صاحب حكمة الإشراق الأنوار، ويقول: إن قدماء الفلاسفة وفلاسفة الفرس والهند يقولون: هي كثيرة أكثر مما أثبته المشاؤون، مع أنا قد بينا في غير هذا الموضع أن ما أثبته المشاؤون من العقول لا حقيقة له في الخارج البتة، وإنما الحق ما أثبته الله ورسوله من الملائكة التي أخبرت بها الأنبياء، ودلت عليها الدلائل العقلية.\nوالمقصود هنا مسألة العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>كلام السهرودي في حكمة الإشراق</span>\nقال السهروردي: فصل لما تبين أن الإبصار","vol":"10","page":84},{"text":"ليس من شرطه انطباع شبح أو خروج شيء، بل كفى عدم الحجاب بين الباصر والمبصر، فنور الأنوار ظاهر لذاته فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، لا يحجبه شيء عن شيء، فعلمه وبصره واحد، ونوره قدرته، إذ النور مباين لذاته.\nقال: والمشاؤون وأتباعهم قالوا: علم واجب الوجود ليس بزائد عليه، بل هو عدم غيبته من ذاته المجردة عن المادة.\nوقالوا: وجود الأشياء عن علمه بها.\nقال: فيقال لهم: إن علم لزم من العلم شيء، فيقدم العلم على الأشياء وعلى عدم الغيبة، فإن عدم الغيبة عن الأشياء يكون بعد تحققها، فكما أن معلوله غير ذاته فالعلم بمعلوله غير العلم بذاته.","vol":"10","page":85},{"text":"قال: وأما ما يقال: إن علمه بلازمه منطو في علمه بذاته، فكلام لاطائل تحته، فإن علمه سلبي عنده، فكيف يندرج العلم بالأشياء في السلب؟ والتجرد عن المادة سلبي، وعدم الغيبة أيضًا سلبي، فإن عدم الغيبة لا يجوز أن يعني به الحضور، إذ الشيء لا يحضر عند ذاته، فإن الذي حضر غير من يكون عنده الحضور، فلا يقال إلا في شيئين -بل أعم، فكيف يندرج العلم بالغير في السلب؟ ثم الضاحكية غير الإنسانية، فالعلم بها غير العلم بالإنسانية، والضاحكية علمها عندنا ما انطوى في الإنسانية، فإنها ما دلت مطابقةً أو تضمنًا عليها، بل دلالةً خارجية، فإذًا الضاحكية التي احتجنا في العلم بها غلى صورة أخرى، ودون تلك الصورة إنما هي معلومة لنا بالقوة.\nقال: وما ضربوه من المثال في الفرق بين العلم التفصيلي","vol":"10","page":86},{"text":"بمسائل، وبين العلم بالقوة بها، كمسائل ذكرت، فوجد الإنسان من نفسه ملكةً وقدرة على الجواب لهذه المسائل المذكورة فهذه القوة أقرب مما كانت قبل السؤال، فإن القوة مراتب، ولا يكون عالمًا بجواب كل واحدة على الخصوص ما لم يكن عنده صورة كل واحد، وواجب الوجود منزه عن هذه الأشياء.\nثم إذا كان ج غير باء فسلب باء كيف يكون علمًا بهما، وعنايةً بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام، وإن كان علمه بالأشياء هو العلم المتقدم؟.\nقال: فإذًا الحق في العلم هو قاعدة الإشراق، وهو أن علمه بذاته هو كونه نورًا لذاته وظاهرًا لذاته، وعلمه بالأشياء كونها ظاهرةً له، إما أنفسها أو متعلقاتها التي هي مواضع الشعور","vol":"10","page":87},{"text":"المستمر للمدبرات العلوية.\nوذلك إضافة، وعدم الحجاب سلبي.\nقال: والذي يدل على أن هذا القدر كاف، هو أن الإبصار إنما كان بمجرد إضافة ظهور الشيء للمبصر.\nمع عدم الحجاب.\nفإضافته إلى كل ظاهر له إبصار إدراك له، وتعدد الإضافات العقلية لا يوجب تكثرًا في ذاته.\nقال: وأما العناية فلا حاصل لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>الرد عليه</span>\nفيقال: قد بين هو بطلان قولهم، وما أختاره هو أيضًا باطل، فإن قوله: علمه بذاته كونه نورًا لذاته وظاهرًا لذاته، علمه بالأشياء كونها ظاهرة له، وذلك إضافة، وعدم الحجاب أمر سلبي.\nيقال له: هذا الذي أبنته من الظهور والإضافة ورفع الحجاب هو عدم محض، أو يتضمن أمرًا ثبوتيًا، فإن كان عدمًا محضًا لم يكن هناك علم أصلًا، فإنا نعلم بصريح العقل أن علم العالم بالمعلومات ليس عدمًا محضًا، بل نعلم أن قولنا: لا يعلم هو العدم، فنعلم أن نفي العلم عدم، وإثباته وجود.","vol":"10","page":88},{"text":"ومما يبين ذلك أن ثبوت العلم ونفيه يتناقضان، فإن كان ثبوته عدمًا، فنفيه ثبوت، فيلزم إذا قيل: لا يعلم أن نكون أثبتنا شيئًا.\nومعلوم أن هذا قلب للحقائق.\nوأما قوله: والذي يدل على أن هذا القدر كاف، هو أن الإبصار إنما كان بمجرد إضافة ظهور الشيء للمبصر، مع عدم الحجاب.\nفيقال: إن ادعيت أن الإبصار الذي هو ظهور المبصر للبصر إضافة هي عدم محض، كان القول في هذه المقدمة كالقول في الدعوى.\nفإن الإنسان يحس من نفسه عند الرؤية أمرًا وجوديًا مخالفًا لحالة عدم الرؤية، كما يجد من نفسه ذلك في العلم.\nفدعوى كون الرؤية أمرًا عدميًا، مثل دعوى كون العلم أمرًا عدميًا، ومضمون الأمرين أن الحس والعقل أمر عدمي، وأن مشاهدة المحسوسات والعلم بالمعقولات أمر عدمي.\nومعلوم أن من لم يشهد شيئًا ولم يعلمه، فقد عدم الرؤية والعلم، فإن كان بعد الرؤية والعلم لم يحصل له إلا عدم، فلا فرق بين أن يرى ويعلم، وبين أن لا يرى ولا يعلم.\nوهذا تسوية بين الأعمى والبصير، العالم والجاهل.","vol":"10","page":89},{"text":"وأصدق الكلام كلام الله الذي قال: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ [فاطر: ١٩] وقال: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩] .\nومعلوم بصرائح المعقول أن البصير أكمل من الأعمى، والعالم أكمل من الجاهل.\nومعلم هؤلاء أرسطو زعم أنه سبحانه أن لا يعلم ولا يبصر أفضل في حقه من أن يعلم ويبصر.\nوهؤلاء الذي خالفوا معلمهم واستقبحوا له هذا القول، وأثبتوا له أمرًا حال الرؤية والعلم يمتاز به عن حاله إذا لم ير ولم يعلم، فذاك فضل الجاهل الأعمى على العالم المبصر، وهؤلاء يلزمهم التسوية بينهما.\nوأيضًا فيقال له: قولك: علمه بذاته كونه نورًا لذاته، وظاهرًا لذاته، وعلمه بالأشياء كونها ظاهرة له إن أردت بقولك: كونه نورًا لذاته، وظاهرًا لذاته أي كونه مرئيًا لذاته، ومعلومًا لذاته -كان حقيقة الكلام: علمه بذاته كونه معلومًا لذاته.\nوهذا أمر معلوم، ليس فيه قدر زائد على ما دل عليه قولنا: هو عالم بذاته.\nوإن أردت بذلك: أن علمه بذاته كونه في نفسه بحيث يظهر لذاته نورًا يتجلى لذاته -كان المعنى.\nأن علمه بذاته معناه: أن","vol":"10","page":90},{"text":"ذاته متصفة بما يجب لأجله أن يظهر لذاته، فهي متصفة بما يوجب أن تكون معلومة له ظاهرة.\nوكذلك إن أردت أنها متصفة بما يوجب أن تكون عالمة ظاهرًا لها غيرها.\nوكذلك إن فسر بما يوجب كونها عالمة معلومة، فسواء فسر ذلك بنفس كونه عالمًا أو معلومًا أو مجموعهما، أو رائيًا أو مجموعهما، إنما يوجب أحد هذه الأمور الستة.\nفهذا كله لا يمنع كون العلم صفة ثبوتية، ولا يقتضي أن العلم مجرد نسبة عدمية، بل إذا فسره بمجرد أمر عدمي، كان هذا بمنزلة القول الذي رده، وهو قولهم: إنه ليس بزائد عليه، بل هو عدم غيبته عن ذاته المجردة عن المادة، فإذا كان يجعل الظهور الذي أثتبه أمرًا عدميًا، فهو بمعنى عدم الغيبة الذي أثبتوه.\nوأكثر ما يقال إنهم جعلوا العلم نفس عدم الغيبة، وأنا أجعله نسبة تستلزم عدم الغيبة، فهم فسروه بعدم الغيبة، وأنا أفسره بالنسبة.\nفيقال له: هذه النسبة: إن لم تكن موجودة فهي من جنس عدم الغيبة.\nويقال للجميع: عدم الغيبة يكون معه علم بنفسه، أو مجرد عدم الغيبة عن نفسه هو العلم؟.\nفإذا قالوا بالأول، أصابوا، وهو قول الرسل.\nوإن قالوا: بل نفس عدم الغيبة هو نفص العلم، كان هذا معلوم البطلان، فإنه ما","vol":"10","page":91},{"text":"من موجود من الموجودات إلا وليس هو غائبًا عن نفسه، مع كونه كثير منها ليس عالمًا بنفسه، فعلم أن حقيقة العلم أمر مغاير لحقيقة عدم الغيبة.\nوإن قالوا: إنما قلنا: هو عدم غيبته عن ذاته المجردة قيل: الجواب من وجوه:\nأحدها: أن حقيقةالعلم: إن كان هو عدم الغيبة لم يختلف ذلك بمعلوم ومعلوم.\nفإن العلم يتعلق بكل معلوم، وكل شيء يمكن أن يكون معلومًا، وهو غير غائب عن ذاته، فيجب أن يكون كل شيء معلومًا لنفسه، ويكون علمه بنفسه أولى من علم غيره به، لكون عدم غيبته عن نفسه أولى من عدم غيبته عن غيره.\nالثاني: أن الشيء كما لا يغيب عن نفسه قد لا يغيب عن غيره، فإن كان العلم عدم الغيبة، فكل ما كان حاضرًا لشيء يجب أن يكون عالمًا به.\nالثالث: أن يقال: عدم غيبته عن ذاته المجردة، ما تعنون بقولكم: المجردة؟ إن أردتم ذاته المعقولة أو المعلومة، أو التي يمكن أن تعقل أو تعلم، ونحو ذلك من العبارات الدالة على كونه عالمًا أو معلومًا، أو يمكن كونه عالمًا أو معلومًا ...\nكان معنى الكلام: أنه عدم الغيبة عن ذاته التي هي عالمة أو معلومة أو يمكن أن تكون كذلك.\nومعلوم أن هذا أيضًا عدم، فكل ما كانت ذاته عالمة ومعلومة،","vol":"10","page":92},{"text":"إذا لم تغب ذاته عن ذاته، كان عالمًا بها.\nوأما إن أمكن أحدهما دون الآخر لم يجب ذلك، وإن أمكنا معًا، فعدم الغيبة يستلزم العلم، وعدم الغيبة مستلزم للعلم، لا أنه نفس العلم.\nوإن قال: أعني بالمجردة أنها ليست جسمًا ولا مدبرة لجسم.\nفيقال: أولًا: هذا بناء على ثبوت مجردات بهذا الوصف.\nوجمهور العقلاء ينكرون هذا -حتى من يعظم هؤلاء الفلاسفة المشائين: أرسطو وأتباعه، لما تأملوا كلامهم في العقول والنفوس وجدوه باطلًا -إما أن يقولوا: ليس قائمًا بنفسه إلاالجسم، كما يقوله ابن حزم وغيره.\nوإما أن يقولوا: الفرق بين النفس والعقل، ليس إلا فرقًا عارضًا، كنفس الإنسان، التي هي حال مقارنتها للبدن: نفس، وحال مفارقتها: عقل، كما يقوله أبو البركات وغيره.\nوإما أن يقولوا: هذه العقول، التي يثبتها هؤلاء المتفلسفة، لا تزيد على العقل، الذي هو عرض قائم بعاقل.\nوإثبات عقل، هو قائم بنفسه ليس جسمًا، هو باطل.\nوهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر.\nوالمقصود أن لفظ التجريد فيه إجمال.\nوإذا فسروه فقد يفسرونه بما يعلم بطلانه، أو بما لا دليل على صحته.\nالوجه الرابع: أن يقال: هب أنه ثبت التجريد بالمعنى الذي","vol":"10","page":93},{"text":"يدعونه، لكن شعور الشيء بنفسه ليس مشروطًا بكونه مجردًا، ولا مجرد كونه مجردًا موجب للعلم بنفسه، فإنه إن قدر أن المجرد ليس بحي، لم يكن شاعرًا، فضلًا عن أن يعلم أنه عالم.\nوإذا قيل: كل مجرد حي.\nقيل: فلا بد أن يقال هذا بالدليل، فإن هذا ليس معلومًا بنفسه.\nوأيضًا فكل حي شاعر، سواء قيل: إنه مجرد، أو قيل: إنه ليس بمجرد.\nفبدن الإنسان يشعر بأمور كثيرة، مع كونه جسمًا غير مجرد عن المادة على اصطلاحهم.\nوأما ما اعترض به على قولهم: إن وجوده بالأشياء عن علمه بها، وأن هذا يوجب كون الأشياء معلومة له قبل وجودها، فتكون ثابتة في علمه، وهي أشياء في علمه، فيلزم كون علمه أمرًا ثبوتيًا، ويلزم التعدد في علمه -فاعتراض متوجه.\nوكذلك إذا فسروا العلم بعدم الغيبة عنها، فعدم الغيبة لا يكون إلا بعد تحققها، فيلزم أن يكون عالمًا بها بعد تحققها، وأن ذلك مغاير لعلمه بها قبل وجودها، فإن ذلك العلم سبب وجودها بخلاف الثاني.\nوكذلك قوله: كما أن معلوله غير ذاته، فالعلم به غير العلم بذاته.\nوهذا لازم، لأنهم إنما نفوا كون العلم ثبوتيًا لما يستلزم من تكثر العلوم وتغيرها، إذ كان العلم بهذا غير العلم بهذا.","vol":"10","page":94},{"text":"وإذا قالوا: إنه يعلم معلوله، ويعلم نفسه، لزم أن يكون هذا العلم ليس هذا العلم.\nوأما قولهم: إن علمه بالمعلول يندرج في علمه بالعلة، فقد رده بأمور:\nأحدها: أن العلم عندهم سلبي، وكذلك التجرد عن المادة، وكذلك عدم الغيبة.\nوالسلب لا يتضمن العلم بالأشياء، وهذا الذي قاله صحيح، مع ما تقدم من أن ذلك السبب ليس هو علمًا، فلا هو علم، ولا متضمن لعلم.\nوإذا قدر أن ذلك السلب علم، كان تقديرًا باطلًا.\nوحينئذ فهل يقال: إنه يتضمن غيره من السلوب.\nهذا مما قد ينازعونه فيه.\nولكن له أن يقول: إن السلب إنما يتضمن غيره غذا كان أعم منه.\nوليس هنا سلب عام ليتضمن سلبًا خاصًا، بل السلب عندهم نفي معنى زائد على نفسه، أو نفي المادة عنه، أو نفي الغيبة عنه، وكل هذا سلب خاص لا يتضمن سلبًا عامًا.\nالأمر الثاني: أنه قد بين لهم أن المندرج في غيره هو ما يدل عليه بالتضمن لا بالالتزام، فالدال على غيره بالالتزام لا بالتضمن لا يكون مشتملًا عليه، ولا يكون الثاني مندرجًا فيه.\nومثل ذلك اللوازم الخارجة عن الماهية على أصلهم، كالضاحكية.\nفإن الإنسانية ما انطوت على الضاحكية ولا انطوى علم الضاحكية في علم الإنسانية، فإنها ما دلت عليها مطابقةً ولا تضمنًا، بل دلالة","vol":"10","page":95},{"text":"خارجية، فإن هذه اللوازم التي احتجنا في العلم بها غلى صورة أخرى، إنما هي معلومة لنا بالقوة لا بالفعل.\nفإذا جعلوا علمه بمفعولاته كذلك، لزم أن يكون عالمًا بها بالقوة لا بالفعل.\nوهم قد يضربون لقولهم مثالًا، وهو العلم بالأشياء جملة، مع العلم بها تفصيلًا، فإن العلم بالمفصل يندرج في العلم بالمجمل.\nوإن كان العلم بالمجمل متضمن تلك التفاصيل، وشبهوا ذلك بمن سئل عن مسائل، فقد يستحضر العلم بجوابها مفصلًا، وقد يجد من نفسه علمًا بجوابها مجملًا، لم يستحضر العلم بجوابها مفصلًا، وقد يجل من نفسه علمًا بجوابها مجملًا، لم يستحضر تفصيله فيما بعد، فأجاب بأن هذا علم بالقوة، والقوة مراتب، فهو بعد السؤال حصل له من القوة على الجواب، أعظم مما كان حاصلًا قبله.\nوأما العلم بجواب كل مسألة بخصوصها، فلا يحصل إن لم يكن عنده صورة العلم بجواب كل واحدة.\nثم ادعى الأصل الذي شاركهم فيه وهو قوله: وواجب الوجود منزه عن ذلك بناءً على أنه عندهم لا تقوم به المعاني والصفات المتعددة ومن هذا الأصل منشأ ضلالهم.\nقال: وإذا كان أحد الشيئين غير الآخر، فكيف يكون سلب أحدهما علمًا بهما، وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام؟ وذلك أنهم يقولون: هو وجود مجرد عن المادة، والمجردات غير الماديات، فكيف يكون سلب المادة علمًا بالمجرد","vol":"10","page":96},{"text":"والمادة، وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام؟ كيف وهم يقولون: إنه وجود مشروط بسلب كلام ثبوتي، فهو وجود بسلب كل ما يعرف من الحقائق، وتلك الحقائق مغايرة له، فكيف يكون سلبها عنه علمًا به وبها؟ وعناية بكيفية ما يجب أن تكون الحقائق معه عليه؟.\nفحقيقة قولهم: إنهم جعلوا العلم به، والعلم بكل واحد واحد من المخلوقات، وعنايته بالمخلوقات المتضمنة لإرادته وحكمته، التي باعتبارها انتظمت المخلوقات -جعلوا هذا كله أمرًا سلبيًا، وهو التجرد، أو عدم الغيبة، أو العقل الذي ليس بمعنىً زائد على ذاته، وهو عندهم وجود مقيد بسلب جميع الحقائق عنه، وهذا مما يعلم بصريح العقل بطلانه في الخارج.\nفإن الموجودين لا يكون المميز بينهما عدمًا محضًا، ولو قدر ثبوت هذا لكان كل موجود خيرًا منه، لأنه امتاز بوصف ثبوتي.\nومن قال من متأخريهم: له وجود خاص غير هذا الوجود، فلم يعرف حقيقة قولهم.\nفإن الوجود الخاص إن امتاز بأمر وجودي، فليس هو قولهم.\nوإن لم يميز إلا بالسلب، فيكون هذا هو الموجود، قد شارك الموجودات في مسمى الوجود، وامتاز عنه بالسلب، فتكون سائر الموجودات خيرًا منه، لو كان له وجود.\nوبيان بطلان أقوالهم النافية للصفات يطول، وإنما القصد هنا إبطال بعضهم لقول بعض، فإن هذا يؤنس نفوسًا كثيرة، قد تتوهم أنه ليس الأمر كذلك.","vol":"10","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1062>فصل. تابع كلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى</span>\nفصل.\nتابع كلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى\nقال ابن سينا في تمام مسألة العلم: ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة لمحسوس، وكل صورة خيالية، فإنما ندركها بآلة متجزئة.\nفيقال له: هذا إن كان حقًا، فهو منتقض على أصلك بعلمه بالأفلاك والكواكب، فإنها محسوسة، وعندك أنه يعلمها بأعيانها.\nوقد قال في بيان أن كل صورة لمحسوس وكل صورة خيالية، فإنما ندركها بآلة متجزئة، وأن مدرك الجزئيات لا يكون عقلًا بل قوة جسمانية: أما المدرك من الصور الجزئية، كما تدركه الحواس الظاهرة على هيئة غير تامة التجريد والتعرية","vol":"10","page":98},{"text":"عن المادة ولا نجرده أصلًا عن علائق المادة.\nفالأمر فيه واضح سهل.\nوذلك لأن هذه الصور إنما تدرك ما دامت المواد موجودة حاضرة، والجمس الحاضر الموجود إنما يكون موجودًا حاضرًا عند جسم.\nوليس يكون حاضرًا عند ما ليس بجسم، فإنه لا نسبة له غلى قوة تفرده من جهة الحضور والغيبة،، فإن الشيء الذي ليس في مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنه، بل الحضور لا يقع إلا مع وضع وقرب أو بعد للحاضر عند المحضور، وهذا لا يمكن إذا كان الحاضر جسمًا، إلا أن يكون المحضور جسمًا او في المحضور، وهذا لا يمكن إذا كان الحاضر جسمًا، إلا أن يكون المحضور جسمًا أو في جسم.\nقال: وأما المدرك للصور الجزئية على تجريد تام من المادة، وعدم تجريد البتة من العلائق كالخيال، فهو لا يتخيل إلا أن ترتسم الصورة الخيالية فيه في جسم ارتسامًا مشتركًا بينه وبين الجسم.\nقال: ولتفرض الصورة المرتسمة في الخيال: صورة","vol":"10","page":99},{"text":"زيد على شكله وتخطيطه، ووضع أعضائه بعضها عند بعض، فنقول: إن تلك الأجزاء والجهات من أعضائه يجب أن ترتسم في جسم، وتختلف جهات تلك الصورة في جهات ذلك الجسم وأجزاؤها في أجزائه.\nقال: ولننقل صورة زيد غلى صورة مربع.\nثم فرض مربعين متساويين من كل جهة، وقرر أنه لا يمتاز أحدهما عن الآخر إلا بمحله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>معارضة ابن ملكا لابن سينا</span>\nوقد اعترض عليه أبو البركات بما مضمونه أن الأجسام المرئية والمتخيلة كثيرة، ومحل ذلك في الجسم لا يكون أكثر من مجموع جسم الإنسان، وجسم الإنسان لا يسع مقادير هذه الأجسام.\nقال أبو البركات: أول المعارضة أن نناقض فنقول وندعي نقيض المسألة المصدر بها، وهو أن مدرك الجزئيات فينا من المبصرات والمسموعات وسائر المحسوسات ليس بقوة","vol":"10","page":100},{"text":"جسمانية ...\nوإذا ثبت في هذه التي هي الأظهر، صار بطلانه في النقيض الأخفى والأضعف يقينًا.\nقال: وذلك أن القوة الجسمانية فينا لا يكون محلها أكبر من جسم الإنسان الواحد بجملته.\nوقد قالوا: إنه جزء صغير من أجزائه، حيث جعلوا محل القوة الخيالية جزءًا من جوهر الدماغ، الذي في البطن المقدم من الرأس، أو جزءًا من الروح الدماغي، وهو الذي يختص بهذا الجزء منه.\nونحن فندرك من المتخيلات ونتصور من الموجودات الجزئية أشياء كثيرة محفوظة في أذهاننا وملحوظة، بها يكون الواحد منها أضعافًا كثيرة لجسمنا بأسره، فكيف للجزء المذكورة من بعض أجزائه.\n\nقال: وهو فقد طلب في احتجاحه الأخير جسمًا يتخيل به السواد والبياض، ليثبت كلًا منهما في جزء منه، غير الجزء الذي أثبت فيه الآخر، فكيف أعرض عن المقدار؟ ونحن إنما ندرك الألوان في الأجسام مع مقاديرها، حتى غذا رأيناها مرة أخرى","vol":"10","page":101},{"text":"على قدر مخالف عرفنا أنها زادت أو نقصت، فلو لم نكن أدركنا المقدار الأول لما حفظناه، ولو لم نحفظه لم نعرف الزيادة والنقصان.\nهذا في شخص واحد في تمثله وتخيله، فكيف في أشخاص كثيرة جدًا نحفظها بأشكالها وصورها، ومقاديرها وأوضاعها، لا تسعها خزانة من خزائن تسع عدة من أشخاص الناس؟ بل ولا بلدة من أكبر البلدان؟ فإن من جملة ما نحفظه في ذلك صورة بلدة مع مقدارها الكبير، وأوضاع أجزائها، حتى لو صغرت أو كبرت عن ذلك، شعرنا بموضع الزيادة والنقصان مقيسًا إلى ما استثبتناه وحفظناه.\nقال: ففي هذا كفاية لمن تأمله بذهن سليم ونظر ثابت.\nقال: وأما ما قاله من أن المدرك بالحواس الظاهرة فالأمر فيه سهل واضح، لأن هذه الصورة إنما تدرك ما دامت المواد حاضرة موجودة، والجسم الحاضر الموجود إنما يكون حاضرًا موجودًا عند جسم، وليس يكون حاضرًا عند ما ليس بجسم، فإنه لا نسبة للجسم إلى قوة مفردة من جهة الحضور والغيبة، فإن الشيء الذي ليس في مكان، لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنه.","vol":"10","page":102},{"text":"قال: وأعجب ما في هذا القول استسهاله، أذ قال: إن الأمر فيه واضح سهل، ولو كان هذا القول حقًا على ما قيل، لبطلت علائق النفوس الناطقة بالأبدان، فإنها ينسب إليها بفي، ومع، وعند، ومقارنة، ومفارقة، وغيبة، وحضور، كما ينسب المدرك غلى مدركه.\nثم لو كان هذا حقًا، لما أدركنا بعقولنا معنى شيء مما ندركه بحواسنا البتة، فإن رأيه هو أن البصر يرفع صورة المبصر غلى الخيال، وهو جسماني، فالعقل إن أدركها في الخيال فقد أدركها جسمانية أيضًا، وإن إدركها قوة جسمانية في الخيال، نقلها إلى قوة أخرى، فأدركها العقل فيها -كان القول كذلك أيضًا، ولو كانت الوسائط ما كانت، إذ كان أو لما يلقاها إما أن يلقاها في قوة جسمانية، فيكون حكمها حكم الأولى، وإما أن يلقاها في قوة مجردة، فحكمها حكم العقل.\nفإن قيل: إن العقل لا يدركها في القوة الجسمانية، بل يرفعها إليه، وينتزعها منه، أو يجردها، فكل تلك العبارات","vol":"10","page":103},{"text":"المقولة تقتضي لقاءً من الرافع للمرفوع إليه، وحضورًا من المرفوع عند الرافع، وكذلك من المنتزع عند المنتزع منه، والمجرد عند المجرد عنه.\nفلولا نسبة لقاء وحضور، وما شئت سمه للنفس إلى البدن، لما كان آلة لها، وإلى المدركات لما أدركها، ولو لم يدركها لما عقلها كليةً ولا جزئية، وكيف والشيء المدرك واحد في معناه، والكلية تعرض له بعد كونه مدركًا باعتبار ونسبة وإضافة، بالمشابهة والمماثلة إلى كثيرين، وهو هو بعينه؟ وإذا اعتبر من حيث هو لم يكن كليًا ولا جزئيًا، وإنما يدرك من حيث هو موجود، لا من حيث هو كلي ولا جزئي، وتعرض له الكلية والجزئية في الذهن بعد إدراكه، فمدرك الكلي هو مدرك الجزئي لا محالة، لأن الكلي هو الجزئي في ذاته ومعناه، لا في نسبه وإضافاته التي صار بها كليًا وجزئيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>تعليق ابن تيمية</span>\nفيقال: ما ذكره أبو البركات يدل على تناقض ابن سينا، حيث زعم أنه ما ليس في مكان، لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنه، وذكر أن الأمر في ذلك واضح سهل، فإن هذا مناقض لقوله: إن النفس ليست جسمًا، مع أن الجسم حاضر عندها، لكن هذا التناقض يدل على بطلان أحد قوليه: إما قوله: إن النفس ليس جسمًا، وإما قوله:","vol":"10","page":104},{"text":"ما ليس في مكان لا يكون للمكان إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنه.\nولا يلزم من ذلك أن تكون هذه القضية هي الكاذبة، بل قد تكون الكاذبة قوله: إن النفس ليس إلا جسمًا.\nونظير هذا التناقض قوله: إن واجب الوجود يعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها، فيعقل الموجودات التامة بأعيانها، والكائنة الفاسدة بأنواعها ويتوسط ذلك أشخاصها، فإنه إذا كان واجب الوجود يعقل الأفلاك بأعيانها وهي أجسام، وقد قال: إن الجسم لا يرتسم إلا في جسم لزم أن يكون جسمًا.\nومع قوله: ما ليس في مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنده.\nومع قوله: الجسم الحاضر الموجود، إنما يكون حاضرًا موجودًا عند جسم، وليس يكون حاضرًا عند ما ليس بجسم.\nفهذه الأقوال إذا ضم بعضها إلى بعض، لزم أن يكون واجب الوجود على قوله جسمًا، وأن تكون النفس على أقواله أيضًا جسمًا.\nوما ذكره أبو البركات إنما هو إلزام لابن سينا بطريق المناقضة، وليس فيه ما يدل على بطلان ما ذكره من الإدراك، وإنما احتج أبو البركات على بطلان ذلك بأن المدركات كبار، والمدرك إذا كان جسمًا أو قوة في جسم فهو صغير لا يسعها.","vol":"10","page":105},{"text":"وهذه حجة ضعيفة، فإن القائلين بارتسام المدرك في المدرك لا يقولون: إن المرتسم فيه مساو في المقدار للموجود في الخارج، كما أنهم لا يقولون: إن المرتسم حقيقته مساوية لحقيقة الموجود في الخارج.\nوإنما هذا من جنس اعتراض الرازي عليهم، بأنه لو كان من أدرك النار وجب أن يسخن، ومن أدرك الثلج وجب أن يبرد، ومن أدرك الرحى وجب أن يدور، ونحو ذلك مما لا يقوله عاقل.\nولهذا صاروا يتعجبون، بل يسخرون ممن يورد عليهم مثل هذا، وهم يشبهون تمثل المدركات في المدرك بتمثل المرئيات في المرآة.\nومعلوم أن ما في المرآة ليس مماثلًا في الحقيقة والمقدار للموجود في الخارج.\nأما حقيقته، فلأن غايته أن يكون عرضًا في المرآة، والمرئي الخارج يكون جسمًا موجودًا، كالسماء والشمس والإنسان، وغير ذلك مما يرى في المرآة.\nوكذلك الإدراك، فإنه عرض قائم بالمدرك.\nوالمدرك نفسه يكون عينًا قائمة بنفسها، سواء كان مرئيًا أو معلومًا بالقلب.\nوأما قدره، فلأن مقدار المرئي يختلف باختلاف المرآة، فإذا","vol":"10","page":106},{"text":"كانت كبيرة رئي كبيرًا، وإذا كانت صغيرة رئي صغيرًا، وهو على التقديرين يشبه الصورة الموجودة في الخارج.\nفكذلك إذا قيل: إن المدرك يتمثل في المدرك، لم يلزم أن يكون قدره في المدرك مثل قدره في نفسه.\nولهذا يقال: للشيء وجود في الأعيان، وفي الأذهان، وفي اللسان، وفي البنان، ووجود عيني، وعلمي ولفظي، ورسمي.\nومعلوم أن مطابقة العلمي للعيني، هي مطابقة العلم للمعلوم، ليس كمطابقة الموجود في الخارج لمماثله الموجود في الخارج.\nفإن هذا لا يقوله عاقل، بل العاقل يجد تفرقة ضرورية بين ما تمثله في نفسه، وبين الحقائق الموجودة في الخارج.\nومن أظهر ذلك الخيال، فإنه يتخيل ما رآه بعد مغيبه عنه، وفي حال تغميض عينيه ونومه، ويعلم قطعًا أنه خياله ومثاله، وأنه مشابه له، ويعلم قطعًا أن ذلك المثال في الباطن لا في الخارج، سواء قيل: إنه منطبع في النفس، أو في جزء من البدن، أو فيهما، وسواء قيل: إن النفس تدركه، أو قيل: إن المدرك له هو البدن.\nفعلى كل تقدير يعلم الناس فرقًا ضروريًا بين حقيقة ذلك المثال، وبين حقيقة الموجود في الخارج، وأنه لا يماثله: لا في ذاته، ولا","vol":"10","page":107},{"text":"صفاته، ولا مقداره، ولكن يشابهه ويحكيه نوع مشابهة وحكاية، والمشابهة من وجه لا تقتضي المماثلة في الذات والصفات والمقدار.\nوهذا المثال الإدراكي لا يمتنع في اجتماع ما هما ضدان في الخارج، بل يجتمع فيه مثال السواد والبياض، ويجتمع فيه المثلان كالسوادين، ويجتمع فيه مثال وجود الشيء وعدمه، فيجتمع فيه تقدير الوجود والعدم، لا يمتنع فيه اجتماع مثالي النقيضين، كما امتنع اجتماع النقيضين في الخارج، ويتمثل فيه الموجود والمعدوم والممتنع، وما له وجود في الخارج، وما ليس وجود في الخارج.\nفهو أوسع بهذا الاعتبار من الوجود الخارجي.\nلكن تلك الأمور مثل خيالية، ليست حقائق موجوده في أنفسها.\nوقد يشتبه على بعض الناس ما يتخيله فيه، فيظنه موجودًا في الخارج، وطائفة من فلاسفة الصوفية، كابن عربي، يسمي هذا أرض الحقيقة، ويذكر فيه من العوالم وأنواعها وأقدارها ما يطول وصفه.\nوذلك أن الخيال لا حد له، بل تخيلات النفوس لما ليس له وجود في الخارج، أعظم من أن تحصر.\nفهؤلاء الضالون قالوا: هذا أرض الحقيقة، وهو عالم الخيال.\nوقد يشتبه على بعضهم فيظنه في الخارج، ويتخيل لهم فيه مدائن ورجال عوالم، كما يتخيل للنائم.\nويتخيل لأحدهم أنه صار إلهًا ونبيًا، أو أنه المهدي، أو خاتم الأولياء، غلى غير ذلك مما يطول","vol":"10","page":108},{"text":"وصفه، ويعرض للممرورين وغيرهم من التخيلات الباطلة ما يطول وصفه.\nومن قال من المتفلسفة: إن النفس ليست جسمًا، وأنكر معاد البدن، فمنهم من يقول: إن من النفوس من يتعلق بجزء من الفلك، فيتخيل فيه ما يتنعم فيه تنعمًا خياليًا، وأن ذلك يقوم مقام اللذة الحسية، وقد يقال: إنه أعظم منها، كما ذكر ذلك ابن سينا.\nفقول هؤلاء من جنس حقيقة أولئك الذي جعلوا عالم الخيال هو أرض الحقيقة.\nونحن لا ننكر وجود الخيالات، فإن هذا لا ينكره عاقل، لكن ننكر تعظيمها وتسويتها بالذات الحقيقية، أو أن ما وعد الله به عباده المؤمنين من هذا الجنس.\nوالمقصود هنا أن الصور الخيالية لا ينكرها أحد، ولا يقول أحد: إنها مماثلة في الحقيقة والصفات والمقدار للموجودات في الأعيان، سواء كانت تلك الخيالات هو خيال تلك الموجودات أو غيرها.\nفقد تبين أن ما ذكره ابن سينا وغيره من الفلاسفة وقرروه بالأدلة العقلية، ليس منافيًا لعلم الله بالجزئيات، بل فيه ما هو دليل على ذلك.\nولكن غاية ما فيه تناقضهم، حيث يثبتون الشيء دون لوازمه، كما أثبت ابن سينا علمه بأعيان الموجودات التامة، وبأنواع المتغيرات دون التغير في العلم.","vol":"10","page":109},{"text":"وأدلته الصحيحة توجب علمه بالمتغيرات، وأنه يعلم الكليات والجزئيات، كما سنذكر ألفاظه.\nوكذلك أبو البركات أثبت علمه بالكليات والجزئيات والمتغيرات، لكنه قال في القدر وفي علمه بما لا يتناهى قولًا منكرًا، سنذكره إن شاء الله.\nوكل من قال في مسألة العلم قولًا يخالف النصوص النبوية، من أهل الكلام والفلسفة، فلا بد أن يكون قوله مناقضًا لأصوله الصحيحة، مخالفًا لصريح المعقول.\nولهذا كثر اضطراب هؤلاء في مسألة العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>فصل. عود لكلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى</span>\nفصل.\nعود لكلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى\nقد تقدم ما ذكرناه من أقوال ابن سينا في تقرير أنه سبحانه عالم بمفعولاته، حيث قال: واجب الوجود يجب أن يعقل ذاته بذاته على ما حقق، ويعقل ما بعده، من حيث هو علة لما بعده، ومنه وجوده، ويعقل سائر الأشياء من حيث وجوبها في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولًا وعرضًا.\nفقد ذكر هنا أن علمه بنفسه يستلزم علمه بمفعولاته، وأما تقرير كونه عالمًا بنفسه، فسيجيء إن شاء الله تعالى.","vol":"10","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1066>كلام الطوسي في شرح كلام ابن سينا</span>\nقال الطوسي في شرح هذا الفصل: لما تقرر أن علم الأول تعالى فعلي ذاتي، أشار إلى إحاطته بجميع الموجودات.\nفذكر أنه يعقل ذاته بذاته، لكونه عاقلًا لذاته، معقولًا لذاته، على ما تحقق قبل ذلك، ويعقل ما بعده، يعني المعلول الأول، من حيث هو علة لما بعده.\nوالعلم التام بالعلة التامة يقتضي العلم بالمعلول، فإن العلم بالعلة التامة لا يتم من غير العلم بكونها مستلزمة لجميع ما يلزمها لذاتها.\nوهذا العلم يتضمن العلم بلوازمها، التي منها معلولاتها الواجبة بوجوبها.\nويعقل سائر الأشياء التي بعد المعلول الأول، من حيث وقوعها في سلسلة المعلولية النازلة من عنده، إما طولًا: كسلسلة المعلومات المترتبة المنتهية إليه في ذلك الترتيب.\nأو عرضًا: كسلسلة الحوادث التي لا تنتهي في ذلك الترتيب إليه، لكنها تنتهي إليه من جهة كون الجميع ممكنة محتاجة إليه، وهو احتياج عرضي، تتساوى جميع آحاد السلسلة فيه، بالنسبة إليه تعالى.\nقلت: أما قوله: لما تقرر أن علم الأول تعالى فعلي إشارة إلى إحاطته بجميع الموجودات، فذكر أنه يعقل ذاته بذاته ويعقل ما بعده.","vol":"10","page":111},{"text":"فيقال: علمه بذاته لا يمكن أن يكون فعليًا، وإنما يكون فعليًا علمه بخلقه.\nفإن علمه له تأثير في فعل خلقه، وليس له تأثير في وجود نفسه، وهذا مما لا ينازع فيه عاقل فهمه، ولعله ما أراد إلا هذا.\nفإن القدرية من أهل الكلام يقولون: العلم تابع للمعلوم، مطابق له، لا يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة.\nوكثير من المتفلسفة يقولون: علم الرب فعلي، وقد يجعلون نفس علمه إبداعه.\nوقد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر، وبينا أن العلم نوعان: علم العالم بما يريد أن يفعله، فهذا علم فعلي، هو شرط في وجود المعلوم، إذ وجود المعلوم بدونه ممتنع.\nومذهب أهل السنة أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، فعلمه فعلي لجميع المخلوقات بهذا الاعتبار، لا باعتبار أن مجرد العلم هو الإبداع، من غير قدرة وإرادة، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة، فإن هذا باطل، كما قد بين في موضعه.\nوالقدرية عندهم أن الله يخلق أفعال العباد، فعلمه بها علم بأمر أجنبي منه، فلهذا لا يجعلون علمه بالمخلوقات فعليًا، لكن علمه بمخلوقاته لا ينازعون فيه.\nوأما علم العالم بما ليس علمه به شرطًا في وجوده، كعلمنا بالله وملائكته وأنبيائه وسمواته وأرضه، فهذا علم تابع للمعلوم، مطابق له، ليس فعليًا بوجه من الوجوه.\nوعلم الرب بنفسه من هذا الباب.\nلكن إذا سمي علميًا انفعاليًا فلا بأس، فإنه علم حادث.\nوأما علم الرب تعالى فإنه من لوازم نفسه المقدسة","vol":"10","page":112},{"text":"لم يحدث، فليس انفعاليًا بهذا الاعتبار، لكنه مطابق للمعلوم موافق له، فعلمه تابع لنفسه، ومخلوقاته تابعة لعلمه.\nوالمقصود هنا أنه إذا كان عالمًا بنفسه لزم أن يكون عالمًا بخلقه، وهذه قضية صحيحة، ويمكن تقريرها بطرق:\nأحدها: أنه لا يكون عالمًا بنفسه علمًا تامًا إلا إذا كان عالمًا بلوازمها، والخلق من لوازم مشيئته، التي هي من لوازم نفسه، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومشيئته من لوازم نفسه.\nوالفلاسفة يعبرون عن أصلهم بقولهم: إنه علة تامة، والعلم بالعلة التامة يقتضي العلم بالمعلول.\nومن سلم منهم أنه يفعل باختياره وسماه مع ذلك علة فالنزاع معه لفظي، والمعنى صحيح، فإنه حينئذ مع قدرته على الشيء إذا شاءه وجب وجوده، فما شاء كان، فهو بمشيئته وقدرته موجب لوجود ما شاءه، والعلم بالموجب التام يوجب العلم بموجبه.\nوأما من لم يسلم أنه يفعل باختياره، فهذا القول باطل من جهة نفيه لاختياره، لا من جهة أن كونه فاعلًا يوجب العلم بالمفعول، فإذا قدر أنه فاعل على هذا الوجه، كان علمه بنفسه يوجب علمه بمفعولاته، لأن العلم بالموجب التام يوجب العلم بالموجب.\nففي الجملة لا يكون عالمًا بنفسه إن لم يكن عالمًا بلوازمها، وقدرته وإرادته من لوازمها، ومراده من لوازم الإرادة.\nفالمفعولات لازمة","vol":"10","page":113},{"text":"للإرادة اللازمة لذاته، ولازم اللازم لازم.\nومجرد النظر إلى كونه مستلزمًا لمفعوله يوجب العلم.\nمع قطع النظر عن توسط الإرادة، لكن هي ثابتة في نفس الأمر، وإن لم يستحضر المستدل ثبوتها.\nوهذا الدليل يستقيم على أصول أهل السنة الذين يقولون: إرادته من صفاته التي هي من لوازم ذاته.\nوأما القدرية الذين ينكرون قيام إرادة به فينفونها، أو يقولون: أحدث إرادة لا في محل، فهؤلاء لا يسلكون هذه الطريق.\nوهذا الدليل مأخوذ من معنى قوله: ﴿ألا يعلم من خلق﴾ [الملك: ١٤] .\nودلالة الآية تقرر بطريق ثان، وهو أن يقال: خلق الخالق مشروط بتصوره للمخلوق قبل أن يخلقه، فإن الخلق إنما يخلق بالإرادة، والإرادة مشروطة بالعلم، فإرادة ما لا يشعر به محال.\nوإذا كان إنما يخلق بإرادته، وإنما يريد ما يصوره، لزم من ذلك أن يعلم كل ما خلقه.\nوهذه الطريقة هي طريقة مشهورة لنظار المسلمين، والقرآن قد دل عليها، والعقل الصريح يدرك صحتها، وطرد هذه الدلالة على أصول أهل السنة أن من سوى الله لا يخلق شيئًا، لأنه لا يحيط علمًا بجزيئات أفعاله، فلا يكون خالقًا لها، وإن كان شاعرًا بها من بعض الوجوه، ومريدًا لها من بعض الوجوه، فهو فاعل لها من ذلك الوجه.\nوهذه الطريقة هي الطريقة التي سلكها الأشعري في كون العبد ليس خالقًا لفعل نفسه.","vol":"10","page":114},{"text":"قال: لو كان خالقًا لها لكان محيطًا بتفاصيلها، واللازم منتف.\nلكن الأشعري وطائفة فرضوا الكلام في العاقل الذي يفعل مع الغفلة.\nوطائفة أخرى قالوا: لا يحتاج إلى فرض في العاقل، بل كل فاعل من الآدميين لا يحيط علمًا بتفاصيل أفعاله، لكنه يشعر بها من حيث الجملة.\nولهذا كان العبد لا يريد شيئًا إلا بعد شعوره به، فهو يتصور المراد تصورًا مجملًا، وإن لم يكن مفصلًا.\nوهذا مما علم به الناس أن الفاعل المريد لا بد أن يتصور المراد.\nوإن لم تكن إرادتهم مثل إرادة الرب، ولا علمهم كعلمه، كما أنهم يعلمون أن العبد فاعل لأفعاله وإن لم يكن خالقًا لها.\nوهذا القول الوسط، وهو إثبات كون الرب خالقًا لكل شيء، ومع كون أفعال العباد مخلوقة له، ومع كونها أفعالًا للعباد أيضًا، وأن قدرة العباد لها تأثير فيه، كتأثير الأسباب في مسبباتها، وأن الله خالق كل شيء بما خلقه من الأسباب، وليس شيء من الأسباب مستقلًا بالفعل، بل هو محتاج إلى أسباب أخر تعاونه، وإلى دفع موانع تعارضه، ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله كان وإن لم يشأ العباد، وما لم يشأ لم يكن ولو شاء العباد.\nوهذا الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهورها.\nوليس المقصود هنا الكلام في مسائل القدر، وإنما المقصود الكلام في تحقيق علم الله.\nالطريق الثالث الذي به نعلم أن علمه بنفسه يوجب علمه بمخلوقاته، أن يقال: كل ما كان من صفات الرب وأفعاله، فليس هو","vol":"10","page":115},{"text":"موقوفًا على شيء سواه، فلا شريك له بوجه من الوجوه، فهو نفسه موجب تام لجميع صفاته، وهو بصفاته موجب لجميع مفعولاته، فإذا كان عالمًا بنفسه، لم يكن أن يكون عالمًا بذاته دون صفاته، فإن ذلك ليس علمًا بنفسه، فإن الذات المجردة عن الصفات ليست ذاته، ولا وجود لها، وإذا علم صفاته لزم من ذلك علمه بأفعاله، وإلا لم يكن عالمًا بصفاته، لأنه إذا علم أنه خالق للعالم، لم يعلم كونه خالقه، إن لم يعلم العالم، وإلا فالعلم بكونه خالقًا للعالم، مع عدم العلم بالعالم، بمنزلة كونه خالقًا للعالم بدون وجود العالم، وهذا ممتنع فذاك ممتنع.\nولو قدر نفي الصفات فالعلم بكونه خالقًا للعالم يوجب العلم بالعالم.\nوهم يعبرون عن ذلك بكونه علةً ومبدأً، ونحو ذلك من العبارات التي يشترك فيها هم والمسلمون.\nوكونه مبدعًا وفاعلًا، فالعلم بنفسه يوجب العلم بكونه فاعلًا، وإلا لم يكن عالمًا بنفسه.\nوالعلم بكونه فاعلًا يوجب العلم بالمفعول، كما أن يحقق ذاته تحقق كونه فاعلًا، لأن وجود ذاته الفاعلة للعالم، بدون كونها فاعلة ممتنع، ووجود فعلها بدون العالم ممتنع.\nوكون الفعل قديم العين أو النوع أو حادثهما مسألة أخرى، وكون العلم قديمًا أو حادثًا، واحدًا أو متعددًا، فالمقصود هنا إثبات أنه عالم بكل موجود، إذ كل موجود مفعوله، وهذا يتناول علمه بكل موجود، وكل موجود جزئي، فهو يقتضي علمه بكل جزئي.","vol":"10","page":116},{"text":"قال تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٣-١٤] .\nوقد استدل طوائف من أهل السنة بهذه الآية على أنه خالق أقوال العباد وما في صدورهم.\nوهذه الآية تدل على كونه عالمًا بالجزئيات من طرق:\nأحدها: من جهة كون الخلق يستلزم العلم بالمخلوق.\nوالثاني: من جهة كونه في نفسه لطيفًا خبيرًا، وذلك يوجب علمه بدقيق الأشياء وحفيها.\nثم يقال: اللطيف الخبير علمه بنفسه أولى من علمه بغيره، وعلمه بنفسه، مستلزم لعلمه بلوازم ذاته، كما تقدم.\nفقد تضمن الآية هذه الطرق الثلاثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>اعتراض الرازي على ابن سينا</span>\nوقد اعترض الرازي على ما قرره ابن سينا، من كون علمه بذاته يستلزم علمه بمفعولاته.\nفقال في شرحه: كنا قد بينا في الأبواب السالفة أنه علام بذاته وبسائر المعلومات، والآن نريد أن نبحث عن كيفية حصول تلك العالمية له فنقول:\nقد بينا قبل هذا الفصل أن علمه بالأشياء لا بد وأن يكون","vol":"10","page":117},{"text":"حاصلًا له لذاته.\nفنقول: إنه يجب أن يعلم ذاته بذاته، ثم إذا علم ذاته، فذاته علة لما بعده، يجب أن يعلم من ذاته كونه علة لما بعده، فإذا علم ذاته علم لا محالة معلوله.\nثم يلزم من علمه بمعلوله، علمه بسائر المعلولات النازلة من عنده طولًا وعرضًا.\nوأما طولًا فكالعقول التي كل واحد منها علة للعقل الذي تحته، وأما عرضًا فكما إذا صدر شيئان أو أكثر عن علة واحدة، كما يقال: إنه يصدر عن كل عقل: عقل، ونفس، وفلك، معًا.\nقال: ولقائل أن يقول: لم قلتم: إن علمه بذاته يقتضي علمه بمعلوله؟ بيناه: أنكم إما أن تقولوا: إن علمه بذاته من حيث إنها تلك الذات المخصوصة علة لعمله بمعلوله، أو تقولوا إن علمه بذاته، من حيث إنها علة لذلك المعلول، يقتضي وجوده بذلك المعلول، والأول ممنوع، فلم قلتم: إن علمه بذاته المخصوصة -التي من جملة لواحقها واعتباراتها كونها علة لذلك المعلول-","vol":"10","page":118},{"text":"يقتضي العلم بذلك المعلول؟.\nوظاهر أن هذه المقدمة ليست بدهية، بل لا بد فيها من الدلالة، وأنتم ما ذكرتم الدلالة عليها.\nوأما الثاني فباطل، لأن علمه بأن ذاته علة للشيء الفلاني، علم بإضافة مخصوصة بين ذاته وبين ذلك الشيء، والعلم بإضافة أمر إلى أمر مسبوق بالعلم بكل واحد من المضافين، فلو كان العلم بذلك المعلول مستفادًا من العلم بتلك الإضافة، لزم الدور، وأنه محال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>تعليق ابن تيمية</span>\nقلت: فيقال في الجواب عما ذكره الرازي.\nقوله: إن قلتم: إن علمه بذاته من حيث إنها تلك الذات المخصوصة علة لعلمه بمعلومه، فهو ممنوع، وهذه المقدمة ليست بدهية فلا بد لها من الدليل.\nفيقال: هي بعد التصور التام بديهية، وبدون التصور التام تفتقر إلى بيان.\nوذلك لأن العلم بذاته المخصوصة، لا يكون علمًا بها إلا مع العلم بلوازمها التي تلزم الذات بنفسها، ولا تفتقر في لزومها إلى سبب منفصل، فإن هذه اللوازم هي عند نظار المسلمين كلها صفات ذاتية، فإنهم لا يفرقون في الصفات اللازمة للموصوف بين الذاتي المقوم والعرضي الخارج، بل الجميع عندهم ذاتي، بمعنى أنه لازم لذات الموصوف، لا تتحقق الذات إلا بتحققه.","vol":"10","page":119},{"text":"وأما كون بعض الصفات داخلة في الذات، وبعضها خارجًا، فإن أريد بذلك أن بعضها داخل فيما يتصور الذهن وينطق به اللسان، فهذا حق.\nولكن يعود الدخول والخروج إلى ما يدخل في علمه وكلامه، وما يخرج عن ذلك.\nوإن أريد بذلك أن نفس الموجود في الخارج: بعض صفاته اللازمة داخل في حقيقته، وبعضها خارج عنه، فهذا باطل، كما قد بسط.\nوأما على طريقة المنطقيين، فالصفات اللازمة: إما ذاتية يتعذر معرفة الموصوف بدونها، وإما لازمة لماهيته، أو لازمة لوجوده، وهذه اللوازم لا بد لها من لازم بغير وسط، لئلا يلزم التسلسل، كما قرر ذلك ابن سينا في الإشارات، واللازم بوسط هو اللازم بتوسط دليل، لا بتوسط علة مبنية له، فجميع اللوازم للذات بغير توسط شيء في الخارج.\nهذا مراده.\nوإن أريد بذلك أن من اللوازم شيئًا يلزم توسط في الخارج، فذلك الوسط لازم لآخر بنفسه، فلا بد على كل تقدير من لازم بنفسه، وللازم لازم، وهلم جرًا.\nوحينئذ فإذا عرف نفسه، التي لها لوازم لا توجد إلا بها، فيلزم من معرفته بها معرفته بلوازمها، كما يلزم من وجودها وجود لوازمها، وإلا لم تكن المعرفة معرفة بها، فكما أن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع،","vol":"10","page":120},{"text":"فالمعرفة به بدون معرفة لازمة ممتنعة، وإنما تقع الشبهة في هذا الموضع، لظن الظان أن التصور الناقص معرفة به، وليس كذلك، فإن الشعور مراتب، وقد يشعر الإنسان بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه، ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض.\nونحن لا نعرف شيئًا من الأشياء على الوجه التام، بل لو علمنا شيئًا على الوجه التام، لعلمنا لوازمه ولوازم لوازمه، فلا يكون علمنا بشيء من الأشياء مماثلًا لعلم الرب.\nولهذا لما تكلم الناس في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، فاعتبر بعضهم اللزوم مطلقًا، واعتبر بعضهم اللزوم الذهني، قالوا: لأن اللزوم الخارجي لا نهاية له، لأن للازم لازمًا، وللازم لازمًا فلفظ البيت إذا جل على الحيطان والأرض والسقف بالمطابقة، وعلى بعض ذلك بالتضمن، فهو مستلزم للأساس، ولأساس الأساس وللصانع، ولأب الصانع، ولأب أبيه، ولصانع الآلات، وأمور أخر، فيجب اعتبار اللزوم الذهني.\nفيقال لهم: اللزوم الذهني ليس له ضابط، فإنه قد يخطر لهذا من اللوازم، ما لا يخطر لهذا.\nفإن قلتم: كل ما خطر للمستمع لزومه، فقد دل اللفظ عليه باللزوم، وإلا فلا.\nقيل لهم: فحينئذ يخطر له لزوم هذا، ثم لزوم هذا ويلزم ما ذكرتم من التسلسل، فلا فرق.","vol":"10","page":121},{"text":"وحينئذ فالتحقيق أن كلا اللزومين معتبر، فاللزوم الخارجي ثابت في نفس الأمر.\nوأما معرفة المستمع به فموقوف على شعوره باللزوم، فمهما شعر به من اللوازم، استدل عليه باللزوم.\nوليس لذلك حد، بل كل ملزوم فهو دليل على لازمه لمن شعر بالتلازم.\nوهذا هو الدليل، فالدليل أبدًا مستلزم للمدلول من غير عكس، وليس المراد بدلالة الالتزام أن المتكلم قصد أن يدل المستمع بها، فإن هذا لا ضابط له، بل المراد أن المستمع يستدل هو بثبوت معنى اللفظ على ثبوت لوازمه، وهي دلالة عقلية، تابعة للدلالة الإرادية، وجعلت من دلالة اللفظ لأنه دل على التلازم، بتوسط دلالته على الملزوم.\nوفي الجملة، فكل دليل في الوجود هو ملزوم للمدلول عليه، ولا يكون الدليل إلا ملزومًا، ولا يكون ملزوم إلا دليلًا، فكون الشيء دليلًا وملزومًا أمران متلازمان، وسواء سمي ذلك برهانا أو حجة أو أمارة أو غير ذلك.\nوأما كونه علة، فأخص من كونه دليلًا، فكل علة فهي دليل على المعلول، وليس كل دليل علة.\nولهذا كان قياس الدلالة أعم من قياس العلة، وإن كان قياس العلة أشرف، لأنه يفيد السبب العلمي والعيني، وقياس الدلالة إنما يفيد السبب العلمي.\nولهذا يعظمون برهان اللمية على برهان الإنية، ويقولون: برهان لم أشرف من برهان إن.","vol":"10","page":122},{"text":"فمن كان علمه أكمل العلوم، وقد علم علة كل موجود، كيف لا يكون عالمًا بأكمل دليل يدل على كل موجود؟.\nولو قدر أن الواحد منا يعلم الرب على ما هو عليه، لكان عليمًا بكل شيء، لكن قوانا تعجز عن ذلك.\nوأما هو سبحانه فهو يعلم نفسه، وهي ملزمة لكل موجود، وخالقة لكل شيء، وموجبة بمشيئتها وقدرتها لكل شيء، وبلغتهم: هي علة لكل شيء.\nوهو سبحانه الدليل والبرهان على كل شيء من هذه الجهة، ومن جهة أنه يدل عباده بإعلامه وهدايته وكلامه، فإذا كان هو سبحانه عالمًا بنفسه، المستلزمة لك شيء، التي هي دليل على كل شيء، وموجبة لكل شيء، وباصطلاحهم: علة لكل شيء -وجب أن يكون عالمًا بكل شيء، وإلا لم يكن عالمًا بنفسه، بل كان عالمًا ببعض أحوال نفسه، والتقدير أنه عالم بنفسه.\nثم يقال: الموجب لعلمه بنفسه، يوجب علمه بجميع أحوال نفسه، كما سيأتي تقريره.\nويمتنع أن يخص علمه ببعض أحوال نفسه، إذ لا موجب للتخصيص، بل الموجب للتعميم قائم.\nوإذا كان عالمًا بجميع أحوال نفسه، وجب ضرورة أن يعلم لوازمها.\nواعلم أن المقصود هنا: أن علمه بنفسه يستلزم علمه بخلقه، ويمتنع وجوده بدونه، كما يستلزم العلم بالدليل على الوجه التام العلم بالمدلول عليه، ويمتنع وجوده دونه.\nوأما كون العلم بنفسه أوجب ذلك، وكان علة في وجوده -فهذا،","vol":"10","page":123},{"text":"وإن كان المتفلسف قد يقوله، فلا حاجة بنا إليه، بل لا يجوز أن يقال ذلك، كما لا يجوز أن يقال: علمه بالدليل سبب لعلمه بالمدلول على، فإن علمه سبحانه ليس باستدلالي، بحيث يستفيد العلم بهذا من العلم بهذا، سواء كان الدليل علة، أو لم يكن.\nبل هذا مما يطعن به في كلام بعض هؤلاء المتفلسفة، الذين جعلوا علمه من هذا الباب، فإن علمه سبحانه من لوازم نفسه، ونفسه المقدسة مستوجبة للعلم بكل شيء.\nكما دل عليه قوله تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]، فإنه في نفسه لطيف خبير، يمتنع أن يخفى عليه شيء.\nلكن المقصود هنا أن علمه بنفسه مستلزم لعلمه بخلقه، فيمتنع أن يكون عالمًا بنفسه علمًا تامًا بدون علمه بخلقه.\nوحينئذ فنحن نستدل بعلمه بنفسه على أنه عالم بخلقه، كما نستدل بكل ملزوم على لازمه، وإن كان هو سبحانه لا يحتاج إلى شيء من الاستدلالات.\nولهذا كان من القضايا الصادقة قول القائل: العلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب، أي العلم بالسبب التام، وهو العلة التامة، فإذا علمنا أن الخشبة وقع فيها نار لا تطفأ، علمنا أنها تحترق.\nوهو سبحانه رب كل شيء ومليكه، وهو بمشيئته وقدرته موجب لكل موجود.\nفعلمه بنفسه يستلزم علمه بمخلوقاته، أعظم من استلزام","vol":"10","page":124},{"text":"علم كل عالم بكل علة لكل معلول، فإنه ما من علة تفرض لمعلول، وموجب مقدر لموجب، إلا وهو سبحانه في فعله وإيجابه، أكمل من ذلك في إيجابه واقتضائه.\nوما من عالم يفرض علمه بعلة، إلا وعلم الرب بنفسه أكمل من علم كل عالم بتلك العلة، فإن علم كل حي بنفسه، أكمل من علمه بغيره، فكيف بعلم رب العالمين بنفسه؟!.\nوحينئذ فالعلم بهذا الدليل يستلزم العلم بمدلوله، أعظم من استلزام كل علم بكل دليل لكل مدلول، وعلمه بنفسه بكون هذا الموجب، أو العلة أو المبدأ أو السبب، يوجب العلم بموجبه ومعلوله، أكمل من علم كل عالم بكل موجب وعلة.\nوكلما تدبر العاقل هذه المعاني ولوازمها، تبين له أن كون علمه بنفسه يستلزم علمه بمخلوقه عند التصور التام هي من أعظم البديهيات، وعند النظر والاستدلال هي من أعظم القضايا التي تقوم عليها الأدلة النظرية.\nومما يبين ذلك أنه إذا كان عالمًا بنفسه، فإن قيل: هو يفعل المخلوقات ولا يشعر بأنه يفعل، فهذا يمتنع أن يكون شاعرًا بنفسه، فإنه ما من عالم بنفسه يقدر أنه يفعل شيئًا، إلا ولا بد أن يعلم أنه يفعله، بل لا بد أن يتصور مفعوله مع غفلته عن نفسه، فكيف مع علمه بنفسه؟.\nفهو يجب أن يعلم مفعوله من جهة علمه بنفسه، ومن جهة أنه يفعله بإرادته، كما تقدم التنبيه على الطريقين، بل العالم بنفسه لو حصل لنفسه حال من غيره لعلم به، وإلا لم يكن عالمًا بها، فكيف إذا كانت فاعلة؟!.","vol":"10","page":125},{"text":"وأما قول الرازي على التقدير الثاني: إن قلتم: إن علمه بذاته، من حيث إنها علة لذلك المعلول، يقتضي علمه بذلك المعلول، لأن علمه بأن ذاته علة للشيء الفلاني، علم بإضافة مخصوصة بين ذاته وبين ذلك الشيء، والعلم بالإضافة مسبوق بالعلم بالمضافين، فلو كان المعلول مستفادًا من العلم بتلك الإضافة، لزم الدور.\nفيقال له: العلم بالإضافة مشروط بالعلم بالمضافين، ولا يجب أن يكون العلم بالمضافين متقدمًا عليه تقدمًا زمانيًا، بل لا يكون عالمًا بالإضافة، إلا مع تصور المضاف والمضاف إليه.\nثم إذا كان المضاف هو العلة للمضاف إليه، أمكن أن يكون العلم بها، من جهة إنها علة لذلك المعلول، مستلزمًا للعلم بذلك المعلول.\nوالعلم بأنها علة للمعلول يتضمن ثلاثة أشياء: العلم بها، وهي المضاف الذي هو علة، والعلم بالمعلول، وهو المضاف الذي هو معلول.\nوالعلم بالعلية، وهي الإضافة.\nوالثلاثة متلازمة، لا يجب أن يتقدم بعضها على بعض بالزمان، ولا نقول: إن العلم ببعضها يستفاد من العلم ببعض، كما ذكره.\nفإن الرب لا يحتاج أن يستدل بشيء من معلوماته على بعض، وإنما يحتاج إلى ذلك من لا يكون عالمًا بالمدلول، حتى يدله عليه الدلي.\nوأما هو فعلمه من لوازم نفسه المقدسة.","vol":"10","page":126},{"text":"ولكن المقصود أن علمه بنفسه وبمخلوقاته متلازمان، يمتنع ثبوت العلم بنفسه دون العلم بخلقه، كما يمتنع ثبوت العلم بخلقه بدون العلم بنفسه.\nوالرازي لعله رد ما قد يضاف إلى ابن سينا وحزبه، من أن علمه بنفسه هو الذي أوجب علمه بخلقه، وكان ذلك العلم علة لهذا العلم، كعلمنا نحن بالدليل الذي يوجب حكمنا بالمدلول عليه.\nوما ذكره يدل على فساد قول هؤلاء، فإنه إذا قيل: إن علمه بكونه علة للمعلول، هو الموجب لعلمه بالمعلول، لزم الدور، كما ذكر، فإنه لا يعلم كونه علة للمعلول، حتى يعلم المعلول، كما ذكره من أن العلم بالإضافة مشروط بالعلم بالمضافين، فلا تعلم أن هذا علة لذاك، حتى تعلم هذا وذاك، فلو كان علمك بذاك، مستفادًا من علمك بهذه الإضافة، لزم الدور.\nونحن قد بينا فساد هذا، وقلنا: المراد إن علمه بهذا يستلزم علمه بهذا، أي يمتنع تحقق هذا العلم بدون هذا العلم، وإن لم يكن أحدهما هو العلة للآخر.\nكما يمتنع تحقق إرادته دون علمه، وعلمه دون قدرته، وسائر صفاته المتلازمة، ويمتنع تحقق ذاته دون صفاته، وصفاته دون ذاته، فكل منها يستلزم الآخر، فيستدل بثبوت واحد منها على ثبوت سائرها، إذا عرف بلازمها، وإن لم يجعل هذا هو العلة في وجود هذا.\nونحن مقصودنا بيان ما دل على أن الله بكل شيء عليم، وبيان ما ذكره ابن سينا، وغيره من الفلاسفة والمتكلمين، مما يدل على ذلك،","vol":"10","page":127},{"text":"وإن كان قد يكون فيما يقوله الواحد من هؤلاء باطل، وقد يكون قصر في بيان الحق، وقد يجتمع الأمران.\nفنحن نستدل بعلمه بذاته، على أنه لا بد أن يعلم مخلوقاته، لما بينهما من التلازم، الدال على أن ثبوت أحدهما يستلزم ثبوت الآخر، لا نحتاج أن نجعل علمه بهذا هو الموجب لهذا.\nفإن قيل: فبتقدير أن لا يكون موجبًا، فليس معكم ما يدل على أن علمه بذاته يستلزم علمه بمخلوقاته، كما أنا إذا قدرنا أن علم أحدنا بالملزوم ليس موجبًا لعلمه باللازم، لم يكن معنا ما يدل على أنه عالم باللازم.\nقيل: بل كون أحد العلمين مستلزمًا للآخر ثابت، وإن لم يكن أحدهما موجبًا للآخر، فإن الملزوم أعم من أن يكون علة أو غير علة.\nوإذا قدر أنه ليس علة، لم يمتنع أن يكون ملزومًا.\nوإذا كان في بعض الناس ملزومًا وعلة، لم يجب أن يكون في كل عالم ملزومًا وعلة، إلا إذا لم يكن للعالم طريق إلى العلم باللازم، سوى عمله بعلته.\nوهذا باطل في حق الله، ولا يمكن دعواه، فلا يمكن أحدًا أن يدعي أن الله لا يمكن أن يعلم شيئًا من الموجودات إلا لعلمه بعلته، إذ لا دليل على هذا النفي.\nوإذا قدر أن ذاته مستلزمة لنفسها أن تعلم كل شيء لا يخفى عليها شيء، أوجب ذلك أن لعلم كل شيء.","vol":"10","page":128},{"text":"وإن قدر أنه غير مفعول له، كما يعلم المعدومات والممتنعات التي ليست مفعولة، وكما يعلم المقدرات.\nكقوله: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقوله: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .\nوإن كان وجود إله غيره ممتنعًا، فعلمه سبحانه بما يعلمه، ليس من شرطه كونه مفعولًا له، بل كونه مفعولًا له، دليل على أنه يعلمه والدليل لا ينعكس.\nوكذلك علمه بنفسه مستلزم لعلمه بمخلوقاته، وإن لم يكن علمه بنفسه علة لعلمه بمخلوقاته.\nفينبغي تدبر هذه المعاني الشريفة، فإنه يبين كثرة الطرق البرهانية الدالة على علمه سبحانه، بخلاف من يقول: لا يمكننا إثبات علمه إلا بطريق الإرادة ونحو ذلك.\nوهكذا كلما كان الناس أحوج إلى معرفة الشيء، فإن الله يوسع عليهم دلائل معرفته، كدلائل معرفة نفسه، ودلائل نبوة رسوله، ودلائل ثبوت قدرته وعلمه، وغير ذلك، فإنها دلائل كثيرة قطعية، وإن كان من الناس من قد يضيق عليه ما وسعه الله على من هداه، كما أن من الناس من يعرض له شك وسفسطة في بعض الحسيات والعقليات، التي لا يشك فيها جماهير الناس.\nوالمقصود هنا أنا نحن أخرجنا الله من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا فنفتقر في حصول العلم لنا إلى أسباب غير أنفسنا.\nومن الأشياء ما نعلمها","vol":"10","page":129},{"text":"بمشاعرنا بلا دليل، ومنها ما نفتقر في العلم به إلى دليل، فلا نكون عالمين به حتى نعلم الدليل، الذي يستلزم في علمنا به علمنا بالمدلول عليه.\nوالرب تعالى علمه من لوازم نفسه المقدسة، وكذلك قدرته، لم يستفد شيئًا من صفاته المقدسة من غيره، ولم يحتج إلى سواه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن كل ما سواه.\nوإذا قدر أن علمه بالملزوم شرط في علمه باللازم، كما أن وجود الملزوم شرط في وجود اللازم، وإبداعه للملزوم شرط في إبداعه للازم، كما أن خلقه للأب من حيث هو أب شرط من خلق الابن، فالابن لا يكون ابنًا إن لم يكن له أب، فلا بد في خلق الابن من خلق الأب قبله.\nفهو سبحانه خالق الملزوم واللازم، وعالم بالملزوم واللازم، وكل ما سواه هو مما خلقه بمشيئته وقدرته، فليس مفتقرًا في شيء من الأمور إلى شيء سواه.\nوقول القائل: علمه بهذا شرط في علمه بهذا معناه أنه لا يوجد علمه بهذا، إلا مع وجود علمه بهذا، ليس المراد به: أنه يكون العلم بأحدهما متقدمًا موجودًا، مع عدم العلم الآخر، فإن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط، بل لا بد من وجوده معه بخلاف العلة.\nفإذا قيل: ليس علمه بهذا علة لهذا، وإنه لم يستفد علمه بهذا من علمه بهذا، ولا استدل على هذا بهذا، لم يكن في هذا نفي كون أحد","vol":"10","page":130},{"text":"العلمين شرطًا في الآخر، أي ملزومًا له، بل ولا نفي كون كل منهما شرطًا في الآخر وملازمًا له، كما أن العلم والقدرة أو الإرادة، كل منهما لا يوجد إلا مع الآخر، وهو ملازم له، فوجوده شرط في وجوده بهذا الاعتبار، وإن لم يكن أحدهما علة لوجود الآخر.\nوكذلك علمه بنفسه المقدسة، هو مستلزم لعلمه بمخلوقاته، وشرط في علمه بها، فلا يكون عالمًا بمخلوقاته، إلا وهو عالم بنفسه، وإن لم يكن علمه بنفسه هو العلة لعلمه بمخلوقاته، ولم يكن هو محتاجًا أن يستدل بعلمه بنفسه على علمه بمخلوقاته، بل نفس ذاته المقدسة اقتضت العلم بهذا وبهذا.\nوإن كان أحد الأمرين شرطًا في الآخر، فكونه شرطًا في الآخر، غير كونه علة، فإن الشرط لا يجب أن يتقدم على المشروط، والعلة يجب تقدمها على المعلول.\nوالشرط لا يوجب المشروط، والعلة توجب المعلول.\nفما علمه من مخلوقاته، فعلمه به مشروط بعلمه بنفسه، ويلزم من علمه بنفسه علمه به، ويلزم من علمه به علمه لنفسه، وإن لم يكن أحد العلمين يجب أن يقدم على الآخر، ولا يكون هو العلة في وجود الآخر، ولا يحتاج أن يستدل بأحد المعلومين على الآخر.\nفلهذا كان علمه بأنه خالق يستلزم العلم بالمخلوقات من وجهين:","vol":"10","page":131},{"text":"من جهة أن علمه بأنه خالق لا يكون إلا مع علمه بالمخلوقات، لأن العلم بالإضافة يتضمن العلم بالمتضايفين.\nومن جهة أنه عالم بنفسه علمًا تامًا.\nوكونه خالقًا من صفات نفسه، فلا يكون عالمًا بنفسه علمًا تامًا، إلا مع علمه بأنه خالق، ولا يكون عالمًا بأنه خالق، إلا مع علمه بالمخلوقات.\nومما ينبغي أن يعرف أن كلًا من المتلازمين يلزم من وجوده وجود الآخر، فكل منهما يصلح في حقنا أن نستدل به على الآخر، فنستدل على هذا بذاك تارة، ونستدل بذاك على هذا تارة.\nإما أن نستدل على المجهول منهما بالمعلوم، أو نستدل بالمعلوم على المعلوم، لبيان أنه دليل عليه أيضًا، ولتقوية العلم، ولحصوله في النفس تارة بهذا الدليل، وتارة بهذا، إذا عزب عنها علمه بالآخر، فإن النفس قد تعلم الشيء ثم يعزب عنها، فإذا كثرت الأدلة، كان كل منها يقتضي العلم به، إذا قدر عزوب غيره من الأدلة.\nولهذا جاز تعدد الأدلة الكثيرة على المدلول الواحد، وكل ما يصلح أن يستدل به على غيره، فإن علم الرب به يستلزم علمه بالمدلول عليه، لامتناع العلم التام بالملزوم.\nبدون العلم باللازم، وإن كان هو سبحانه لا يحتاج أن يستدل بالعلم بأحدهما على العلم بالآخر، فهذا هذا.\nومرادنا بيان ما يذكره الناس من الدلالة على الحق، فإن قصروا في بيان الدليل تممناه، وإن قالوا بخلاف موجبه من وجه آخر أبطلناه.","vol":"10","page":132},{"text":"وهذه حال ابن سينا وأمثاله في تقرير علم الله تعالى، فإن كلامه في العلم فيه تقصير عظيم من وجهين: من جهة تقصيره في بيان ما ذكره من الحق، ومن جهة ما ذكره من الباطل، فإنه ذكر حقًا، وذكر ما يستدل به عليه، لكنه لم يعرف البيان حقه، من جهة أنه لم يعط الدليل حقه في التزام ما يلزمه، ومن جهة أن بعض المقدمات قد تقصر في بيانها، وإلا فالمادة التي سلكها في الدلالة مادة جيدة مستقيمة، إذا أعطيت حقها كانت مما تبين أن الله بكل شيء عليم من الجزئيات والكليات.\nولهذا كان الذين قدحوا في دلالة ابن سينا، كالغزالي والشهرستاني والرازي، إنما يقدحون بكونه لم يقرر مقدماته، أو بكونه لم يقل بموجبها، ولم يلتزم لوازمها، بل تناقض، فيوردون عليه سؤال الممانعة والمعارضة: المنع لكونه لم يقرره، والمعارضة لكونه ناقض موجبها.\nوهذان السؤالان إذا توجها، فإنما يدلان على قصور ابن سينا، لا على قصور مادة الدليل الذي استدل به، بل هو من أحسن المواد، وهو مما يعلم به أن الله بكل شيء عليم: بالكليات والجزئيات.\nونحن نذكر من كلامهم ما يبين ما ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nقال الغزالي: مسألة في تعجيز من يرى منهم أن الأول يعلم غيره، ويعلم الأجناس والأنواع بنوع كلي.","vol":"10","page":133},{"text":"فنقول: أما المسلمون -يعني المتكلمين الذي هم يذبون عنده عن المسلمين- لما انحصر عندهم الموجود في حادث وقديم، ولم يكن عندهم قديم إلا الله وصفاته، وكان ما عداه حادثًا من جهته بإرادته، حصلت عندهم مقدمة ضرورية في علمه، فإن المراد بالضرورة لا بد أن يكون معلومًا للمريد، فبنوا عليه أن الكل معلوم له، لأن الكل مراد له وحادث بإرادته، ولا كائن إلا وهو حادث بإرادته، ولم يبق إلا ذاته.\nومهما ثبت أنه مريد عالم بما أراده، فهو حي بالضرورة، وكل حي يعرف غيره، فهو بأن يعرف ذاته أولى، فصار الكل عندهم معلومًا لله، وعرفوه بهذا الطريق، بعد أن بان لهم أنه مريد لإحداث العالم.\nفأما أنتم إذا زعمتم أن العالم قديم لم يحدث بإرادته، فمن أين عرفتم أنه يعرف غير ذاته، فلا بد من الدليل عليه.\nقال: وحاصل ما ذكره ابن سينا في تحقيق ذلك، في أدراج كلامه، يرجع إلى فنين.","vol":"10","page":134},{"text":"قلت: ما ذكره الغزالي من الاستدلال بالإحداث على العلم، طريق صحيح يوصل إلى تقرير أنه بكل شيء عليم.\nلكن الطرق إلى ذلك كثيرة متعددة، لم تنحصر في هذه الطريق، لا سيما إذا أريد تقرير حدوث العالم بحدوث الأجسام، وامتناع حوادث لا أول لها، كما سلكه.\nفإن هذه الطريق مبتدعة في الإسلام باتفاق علماء الإسلام، وهي باطلة عند أئمة الإسلام وجمهور العقلاء، والعلم بكون الرب مريدًا لا يقف على هذه الطريق، بل ولا على العلم بحدوث الأجسام، بل يكفي في ذلك مجرد العلم بأنه فاعل، حتى أن كثيرًا من الفلاسفة القائلين بقدم العالم، يقول: إنه مريد، وإنه عالم بالجزئيات، كما ذهب إلى ذلك من ذهب إليه من الفلاسفة، وهو الذي نصره أبو البركات، فهؤلاء يثبتون العلم بطريق الإرادة.\nوأما المسلمون، الذين يقولون: إن كل ما سوى الله مخلوق، فأئمتهم وجمهورهم لا يثبتون ذلك بامتناع حوادث لا أول لها، كما سلكه الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم، بل هذا من الكلام المذموم عند السلف والأئمة.\nوأيضًا فالرب إذا عرف أنه علام بمخلوقاته، لأنه خلقهم بإرادته، علم أنه إذا كان عالمًا بكل ما سواه، فعلمه بنفسه أولى، فإن هذه المقدمة لا تحتاج إلى توسيط كونه حيًا، وإن كان ذلك طريقًا صحيحًا، وإن كانت الحياة شرطًا في كونه عالمًا، لكن ليس كل ما كان شرطًا في الوجود، كان العلم به شرطًا في الاستدلال، فإنه من علم أن الله يعلم كل ما سواه، ثم نظر: هل يعلم نفسه أم لا؟ علم أن علمه بنفسه أولى من","vol":"10","page":135},{"text":"علمه بكل ما سواه، قبل أن يستشعر أنه حي، وأن كل حي يعرف غيره، فهو بأن يعرف نفسه أولى.\nبل إذا كانت هذه القضية بينة، وهو أن كل حي عرف غيره، فهو بأن يعرف ذاته أولى، قضية بينة بنفسها، فهي بينة وإن لم يذكر فيها كونه حيًا، إذ علم الإنسان بهذه الأولوية غير مشروط بهذا، وإن كانت الحياة شرطًا في كل علم.\nكما أنا إذا علمنا أنه مريد، علمنا أنه عالم بما أراده، وإن لم يخطر بقلوبنا أنه حي، وإن كانت الحياة شرطًا في العلم والإرادة، فالعلم باستلزام علمه بغيره لعلمه بنفسه، لا يقف على العلم بهذه المقدمة، وإن كانت هذه المقدمة تفيد هذا المطلوب أيضًا.\nوأيضًا فعلم المسلمين بأن الله بكل شيء عليم، له طرق غير الاستدلال بالإرادة، كما هو مذكور في موضعه.\nوالمقصود كلامه على ما ذكره ابن سينا.\nقال: وحاصل ما ذكره يرجع إلى فنين: الأول: أنه عقل محض، وكل ما هو عقل محض فجميع المعقولات مكشوفة له.\nإلى أن قال: وإن عنيت بأنه عقل: أنه يعقل نفسه، فربما","vol":"10","page":136},{"text":"يسلم لك إخوانك من الفلاسفة ذلك، ولكن يرجع حاصله إلى أن ما يعقل نفسه يعقل غيره.\nفيقال: ولم ادعيت هذا، وليس ذلك بضروري، وقد انفرد به ابن سينا عن سائر الفلاسفة، فكيف تدعيه ضروريًا؟ وإن كان نظريًا فما البرهان عليه؟.\nإلى أن قال: الفن الثاني: قوله: إنا وإن لم نقل: إن الأول مريد للإحداث، ولا إن الكل حادث حدوثًا زمانيًا، فإنا نقول: إنه فعله وقد وجد منه، إلا أنه لم يزل بصفة الفاعلية، فلم يزل فاعلًا، فلا نفارق غيرنا إلا في هذا المقدار، وأما في أصل الفعل فلا.\nوإذا وجب كون الفاعل عالمًا -بالاتفاق- بفعله، فالكل عندنا من فعله.\nقال أبو حامد: والجواب من وجهين:\nأحدهما: أن الفعل قسمان: إرادي: كفعل الحيوان والإنسان.\nوطبيعي: كفعل الشمس في الإضاءة، والنار في التسخين، والماء في التبريد.\nوإنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي، كما في الصناعات","vol":"10","page":137},{"text":"البشرية.\nفأما في الفعل الطبيعي فلا.\nوعندكم أن الله فعل العالم بطريق اللزوم عن ذاته بالطبع والاضطرار، لا بطريق الإرادة والاختيار، بل لزم الكل ذاته، كما يلزم النور الشمس.\nوكما لا قدرة للشمس على كف النور، ولا النار على كف التسخين، فلا قدرة للأول على الكف عن أفعاله، تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا.\nقال: وهذا النمط، وإن تجوز بتسميته فعلًا، فلا يقتضي علمًا للفاعل أصلًا.\nفإن قيل: بين الأمرين فرق، وهو أن صدور الكل عن ذاته بسبب علمه بالكل، فتمثل النظام الكلي هو سبب فيضان الكل، ولا مبدأ له سوى العلم بالكل، والعلم بالكل عين ذاته، فلو لم يكن له علم بالكل لما وجد منه الكل، بخلاف النور من الشمس.\nقلنا: وفي هذا خالفك إخوانك، فإنهم قالوا: ذاته ذات يلزم منها وجود الكل على ترتيبه بالطبع والاضطرار، لا من حيث هو عالم","vol":"10","page":138},{"text":"بها، فما المحيل لهذا المذهب مهما وافقتهم على نفي الإرادة؟.\nوكما لم يشترط علم الشمس بالنور للزوم النور، بل يتبعها النور ضرورة، فليقدر ذلك في الأول، ولا مانع منه.\nالوجه الثاني: هو أنه إن سلم أن صدور الشيء من الفاعل، يقتضي العلم أيضًا بالصادر، فعندهم فعل الله واحد، وهو المعلول الأول، الذي هو عقل بيسط، فينبغي أن لا يكون عالمًا إلا به، والمعلول الأول يكون أيضًا عالمًا بما صدر منه فقط، فإن الكل لم يوجد من الله دفعة.\nبل بالوسط والتولد واللزوم، فالذي يصدر مما يصدر منه لم ينبغ أن يكون معلومًا له، ولم يصدر منه إلا شيء واحد، بل هذا لا يلزم في الفعل الإرادي، فكيف في الطبيعي؟ فإن حركة الحجر من فوق جبل قد تكون بتحريك إرادي يوجب العلم بأصل الحركة، ولا يوجب العلم بما يتولد منه بوساطته، من مصادمته وكسر غيره، فهذا أيضًا لا جواب له عنه.","vol":"10","page":139},{"text":"قال: فإن قيل: فلو قضينا بأنه لا يعرف إلا نفسه، لكان ذلك في غاية الشناعة، فإن غيره يعرف نفسه ويعرفه ويعرف غيره، فكيف يكون في الشرف فوقه؟ وكيف يكون المعلول أشرف من العلة؟.\nقلنا: فهذه الشناعة لازمة من مقال الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدوث العالم، فيجب ارتكابها كما ارتكبت سائر الفلاسفة له، ولا بد من ترك الفلسفة والإعتراف بأن العالم حادث بالإرادة.\nثم يقال: بم تنكرون ...\nإلى آخره.\nقلت: ما ذكره أبو حامد من منازعة إخوانه الفلاسفة، في أن العلم بنفسه يستلزم العلم بمفعولاته، تقدم بيانه له.\nوكون ابن سينا خالفهم في هذا، هو من محاسنه وفضائله، التي علم فيها ببعض الحق، والحجة معه عليهم، كما أن أبا البركات كان أكثر إحسانًا منه في هذا الباب.\nفكل من أعطى الأدلة حقها، وعرف من الحق ما لم يعرفه غيره، كان ذلك مما يفضل به ويمدح، وهو لم يقل: إن عقله لنفسه مستلزم لغيره، بل قال: يستلزم عقله لمفعولاته، كما تقدم.","vol":"10","page":140},{"text":"والأصول العقلية التي يوافقونه على صحتها، توجب موافقتهم له في هذا الموضع، كما تقدم.\nهذا لو كان الفلاسفة ينفون الإرادة، وليس كذلك.\nبل بينهم من يصرح بثبوتها، وهو القول الذي نصره أبو البركات منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>كلام ابن رشد في تهافت التهافت وتعليق ابن تيمية عليه</span>\nومنهم من يحكي إثبات الإرادة عنهم مطلقًا، كما اختاره ابن رشد عنهم، فإنه قال في تهافت التهافت: استفتح أبو حامد هذا الفصل بأن حكى عن الفلاسفة شيئًا شنيعًا، وهو أن الباري ليس له إرادة، لا في الحادث، ولا في الكل، لكون فعله صادرًا عن ذاته ضرورة، كصدور الضوء من الشمس.\nثم يحكي عنهم أنهم قالوا: من كونه فاعلًا يلزم أن يكون عالمًا.\nقال: والفلاسفة ليس ينفون الإرادة عن الباري تعالى، ولا يثبتون له الإرادة البشرية، لأن البشرية إنما هي لوجود نقص في المريد، وانفعال عن المراد.\nفإذا وجد المراد له تم النقص، وارتفع ذلك الانفعال المسمى إرادة.\nوإنما يثبتون له من معنى الإرادة أن","vol":"10","page":141},{"text":"الأفعال الصادرة عنه هي صادرة عن علم، وكل ما صدر عن علم وحكمة، فهو صادر بإرادة الفاعل، لا ضروريًا طبيعيًا، إذ ليس عن طبيعة العلم صدور الفعل عنه، كما حكى هو عن الفلاسفة، لأنا إذا قلنا: يعلم الضدين، لزم أن يصدر عن الضدان معًا، وذلك محال.\nفصدور أحد الضدين عنه، يدل على صفة زائدة على العلم، وهي الإرادة.\nوهكذا ينبغي أن يفهم ثبوت الإرادة في الأول عند الفلاسفة، فهو عندهم: عالم مريد عن علمه ضرورة.\nوقال ابن رشد أيضًا: وأما قول أبي حامد: إن الفعل قسمان: إما طبيعي وإما إرادي -فباطل.\nبل فعله عند الفلاسفة: لا طبيعي بوجه من الوجوه، ولا إرادي بإطلاق.\nبل إرادي منزه عن النقص الموجود في إرادة الإنسان.\nوكذلك اسم الإرادة مقول عليهما باشتراك الاسم.\nكما أن اسم العلم كذلك على العلمين: القديم والحادث، فإن الإرادة في الحيوان والإنسان انفعال لاحق له عن المراد، فهي معلولة عنه.","vol":"10","page":142},{"text":"هذا هو المفهوم من إرادة الإنسان، والباري سبحانه منزه عن أن يكون فيه صفة معلولة، فلا يفهم من معنى الإرادة إلا صدور الفعل مقترنًا بالعلم، وأن العلم، كما قلناه، يتعلق بالضدين، ففي العلم الأول، بوجه ما، علم بالضدين، ففعله أحد الضدين دليل على أن هنا صفة أخرى، وهي التي تسمى إرادة.\nقلت: ابن رشد يتعصب للفلاسفة، فحكايته عنهم أنهم يقولون: إنه مريد، كحكايته عنهم إنهم يقولون: إنه عالم بالمخلوقات.\nولا ريب أن كلاهما قول طائفة منهم.\nوأما نقل ذلك عن جملتهم، أو المشائين جملة، فغلط ظاهر.\nولكن الذي انتصر لثبوت هذا وهذا انتصارًا ظاهرًا أبو البركات ونحوه، وابن رشد وهو إثبات ذلك دونه، وابن سينا دونهما.\nولا ريب أن كلام أرسطو في الإلهيات كلام قليل، وفيه خطأ كثير، بخلاف كلامه في الطبيعيات فإنه كثير، وصوابه فيه كثير.\nوهؤلاء المتأخرون وسعوا القول في الإلهيات، وكان صوابهم فيها أكثر من صواب أوليهم لما اتصل إليهم من كلام أهل الملل وأتباع الرسل، وعقول هؤلاء وأنظارهم في الإلهيات، فإن بين كلام هؤلاء في الإلهيات وكلام أرسطو وأمثاله تفاوتًا كثيرًا.","vol":"10","page":143},{"text":"والمقصود أن ما ذكره أبو حامد من أنه إنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي فكلام صحيح، وهذا يدل على أن الفعل إذا كان إراديًا، لزم كون الفاعل عالمًا بفعله، فنستدل بكونه مريدًا على كونه عالمًا، وهو استدلال صحيح، ويقتضي أنه إذا قدر نفي اللازم، وهو العلم، انتفت الإرادة، وهو أيضًا صحيح.\nوكذلك ما ذكره من أن العلم لا يلزم إلا في الفعل الإرادي، لا في الفعل الطبيعي الذي ليس بإرادي، فإذا قدر فعل ليس بإرادي، لم يلزم كون الفاعل عالمًا، هو كلام صحيح.\nوعلى هذا فإذا قدر أن الفاعل عالم، لزم أن يكون الفعل إراديًا، لأن الفعل الإرادي مستلزم للعلم، وغير الإرادي مستلزم لنفيه، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وإذا ثبت الملزوم ثبت اللازم.\nفالإرادة ملزومة للعلم، والعلم لازم لها، ونفي الإرادة ملزوم لنفي العلم، ونفي العلم ملزوم لنفي الإرادة.\nفإذا قدر ثبوت العلم، لزم انتفاء نقيضه، وهو نفي العلم، ولازم نقيضه، وهو انتفاء الإرادة، وإذا انتفى هذا الانتفاء، ثبت نقيضه، وهو الإرادة.\nوإيضاحه أن العلم لازم للإرادة، كما ذكروا أن كل مريد فهو عالم، فما ليس بعالم ليس بمريد، وهذا الذي يسمونه عكس النقيض، فإن العلم لازم للإرادة، فإذا انتفى هذا اللازم، وهو العلم، انتفى الملزوم، وهو الإرادة.","vol":"10","page":144},{"text":"وذكروا أن الفعل الذي ليس بإرادي مستلزم لنفي العلم، فإذا انتفت الإرادة في الفعل، لزم نفي العلم، فإذا انتفى هذا اللازم، وهو نفي العلم، انتفى ملزومه وهو انتفاء الإرادة، فحصلت الإرادة، فصار يلزم من ثبوت العلم في الفعل ثبوت الإرادة، ومن نفيه نفيها، ومن ثبوتها ثبوته، ومن انتفائها انتفاؤه.\nوهذا بين، إذ كان كل فعل بالإرادة فمعه العلم.\nولك فعل ليس بإرادة فلا علم معه، فينعكس كل منهما عكس النقيض.\nفيقال: كل ما ليس معه علم فليس معه إرادة، وكل ما معه علم فمعه إرادة، فهذا يفيد أنه يلزم في الفعل من ثبوت كل واحد من العلم والإرادة ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه، وهذا حق، وهو يدل على فساد قول من أثبت العلم ونفى الإرادة، وهم بعض الفلاسفة وبعض المعتزلة.\nولكن ليس في هذا ما يدل على فساد الطريق التي سلكها ابن سينا في إثبات العلم، فإنه إذا استدل على كونه عالمًا بمخلوقاته: بأن الفاعل يجب أن يكون عالمًا بفعله، وبأن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها- كان دليلًا صحيحًا، كما تقدم تقريره، وإن لم يذكر في الدليل كونه فاعلًا بالإرادة، فإن هذا شرط في كونه فاعلًا، كما أن كونه حيًا شرط في كونه فاعلًا، وكما أن كونه عالمًا شرط في كونه مريدًا.\nوالدليل قد يدل على ثبوت المشروط قبل أن يعلم شرطه، ثم بعد ذلك قد يعلم بشرطه وقد لا يعلم، كما يدل الدليل على كونه فاعلًا بالاختيار، وشرط الفاعل بالاختيار أن يكون عالمًا.\nثم إذا علم أنه فاعل","vol":"10","page":145},{"text":"بالإرادة علم بعد ذلك أنه عالم، وقد يعلم العالم أنه مريد ولا يخطر بقلبه أنه عالم، فليس كما من علم من البشر شيئًا علم لوازمه، لقصور علم البشر، بخلاف علم الخالق الذي علمه تام، فلا يعلم الملزوم إلا ويعلم لازمه كما تقدم.\nوإذا كان كذلك، فالصواب في هذا الباب أن يقرر ما ذكره ابن سينا، من الطريق الدال على كونه عالمًا بالمخلوقات، فإنها طريق صحيحة لا تتوقف على ما ذكروه.\nولكن يقال له: هذه الطريق تستلزم كونه مريدًا، فإثباتك لفاعل عالم بمفعولاته بدون الإرادة تناقض.\nوموجب الدليل شيء، وفساد الدليل شيء آخر.\nفمطالبته بموجب دليله الصحيح هو الصواب، دون القدح في دليله الصحيح.\nوأما ما ذكره عن إخوانه المنازعين له في العلم، حيث قالوا: ذاته ذات يلزم منها وجود الكل بالطبع والاضطرار، لا من حيث إنه عالم بها.\nوقوله: فما المحيل لهذا المذهب، مهما وافقهم على نفي الإرادة؟.\nفيقال له: المحيل لهذا المذهب ما تقدم من أن علمه بنفسه يوجب علمه بمخلوقاته.\nوالكلام في هذا المقام بعد تقرير أنه عالم نفسه.\nفمن قال: إنه عالم بنفسه دون مخلوقاته، كان قوله باطلًا.\nوأما تقرير كونه عالمًا بنفسه، فهذا مذكور في موضعه.","vol":"10","page":146},{"text":"وبهذا يظهر الجواب عن الفاعل بالطبع، كالنار والماء، فإن ذاك إنما قيل: ليس بعالم بفعله، لكونه ليس عالمًا بنفسه.\nولم يقل عاقل: إن ذلك الفاعل عالم بنفسه دون فعله، كما لم يقل عاقل: إنه عالم بفعله دون نفسه، إذ كان العلم بكل منهما يستلزم العلم بالآخر.\nوأما تمثيل ذلك بنور الشمس، فعنه جوابان.\nأحدهما: أن الشمس علة تامة فاعلة للنور.\nبل هي شرط في فيضانه، وفيضانه مشروط بوجود جسم ينعكس عليه شعاعها، والأول سبحانه هو وحدة مبدع لكل ما سواه.\nالثاني: أن الشمس إن قيل: إنها عالمة بنفسها، وقيل مع ذلك: إنها مبدعة للشعاع، لم نسلم أنها لا تعلم الشعاع، لكن الشأن في تينك المقدمتين.\nوأما قوله: مهما وافقهم لازم له.\nفيقال: بل الصواب أن يقال: إثباتك العلم مع نفي الإرادة تناقض يلزمه منه خطؤك: إما في إثبات العلم وإما في نفي الإرادة.\nوحينئذ فيقال: هؤلاء نفوا العلم والإرادة، وأنت أثبت العلم دون الإرادة، وهما متلازمان، فيلزم خطؤك: إما في إثبات العلم، وإما في نفي الإرادة.\nوحينئذ فيقول: أدلتي المذكورة على ثبوت العلم صحيحة توجب","vol":"10","page":147},{"text":"ثبوت العلم، وإذا كان ذلك مستلزمًا للإرادة، كان خطئي في نفي الإرادة، فهذا هو الصواب، دون أن يقال: كما وافقتهم على الخطأ في نفي الإرادة، فوافقهم على الخطأ في نفي العلم.\nوأما قوله في الوجه الثاني: إن فعل الله واحد، وهو المعلول الأول فينبغي أن لا يكون عالمًا إلا به.\nفيقال: إذا ثبت أن علمه بنفسه يستلزم علمه بمفعولاته، وجميع الممكنات مفعولة، لزم أن يعلمها كلها.\nوأما قولهم: إنه أول ما أبدع العقل الأول، فكلامهم في هذا خطأ في بيان فعله، لا خطأ في إثبات وجوب كونه عالمًا بمفعولاته، ولا ريب أن قولهم في صدور الأفعال منه خطأ، لكن لا يلزم من الخطأ في ذلك الخطأ فيما به قررت كونه عالمًا بمفعولاته.\nثم يقال: ولا يلزم أيضًا على أصلهم أنه لا يعلم إلا العقل الأول، بل يلزم علمه بكل شيء.\nوذلك لأنهم تارة يقولون: صدر عنه عقل، وبتوسطه عقل ونفس وفلك، وتارة يجعلون الثاني صادرًا عن الأول، وتارة يجعلون الأول شرطًا، وتارة يجعلونه مبدعًا للثاني.\nومنهم من يقول بلزوم جملة الفلك له.\nوعلى كل تقدير فلا ريب أن علمه بالملزوم علمًا تامًا يستلزم علمه باللازم.\nوكذلك العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول، كما تقدم.","vol":"10","page":148},{"text":"فأقصى ما يقدر أن الأول كان علة للثاني، فإذا كان عالمًا بالأول علمًا تامًا، لزم أن يعلم لوازمه، التي منها علمه بفعله للثاني، كما تقدم.\nفعلى كل تقدير لا يكون قول من سلبه العلم خيرًا من قول من أثبته.\nوبهذا أجابه ابن رشد، فقال: الجواب عن هذا أن الفاعل الذي هو في غاية العلم يعلم ما صدر عما صدر منه، وما صدر من ذلك الصادر، إلى آخر ما صدر.\nفإن كان الأول في غاية العلم، فيجب أن يكون عالمًا بكل ما صدر عنه، بوساطة أو بغير وساطة.\nوليس يلزم منه أن يكون علمه من جنس علمنا، لأن علمنا ناقص ومتأخر عن المعلوم.\nومن فر من شناعة القول بأنه لا يعلم إلا نفسك، فهو معذور في هذا الفرار.\nوقوله: إن هذه الشناعة لازمة في مقال الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدث العالم، فيجب ارتكابهما كما ارتكب سائر","vol":"10","page":149},{"text":"الفلاسفة.\nولا بد من ترك الفلسفة، والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة.\nفيقال: إذا كان هذا لازمًا لمن نفي الإرادة والحدوث، فيجب إثبات الإرادة والحدوث.\nفإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، لا يجب إذا ترك بعض الحق أن يترك سائره، بل يجب الاعتراف به كله، وإلا فالاعتراف ببعضه خير من جحده كله.\nوقد تقدم تحقيق الأمر في تلازم العلم والإرادة.\nقال أبو حامد: ثم يقال: بم تنكر على من قال من الفلاسفة: إن ذلك يعني العلم ليس بزيادة شرف، فإن العلم إنما احتاج إليه غيره ليستفيد كمالًا، فإنه في ذاته قاصر، فشرف بالمعقولات إما ليطلع على مصالحه في العواقب في الدنيا والآخرة، وإما لتكمل ذاته المظلمة الناقضة، وكذلك سائر المخلوقات.\nوأما ذات الله فمستغنيه عن التكميل، بل لو قدر له علم يكمل به،","vol":"10","page":150},{"text":"لكانت ذاته من حيث ذاته ناقصة.\nوهذا كما قلت في السمع والبصر، وفي العلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان، فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه عنه، وأن المتغيرات الداخلة في الزمان، المنقسمة إلى ما كان ويكون لا يعرفها الأول، لأن ذلك يوجب تغيرًا في ذاته وتأثيرًا.\nولم يكن في سلب ذلك عنه نقصان، بل هو كمال، وإنما النقصان من الحواس والحاجة إليها، ولولا نقصان الآدمي لما احتاج إلى حواس لتحرسه عما يتعرض للتغير به.\nوكذلك العلم بالحوادث الجزئية: زعمتم أنه نقصان، فإذا كنا نعرف الحوادث كلها، وندرك المحسوسات كلها، والأول لا يعرف شيئًا من الجزئيات، ولا يدرك شيئًا من المحسوسات، ولا يكون ذلك نقصانًا، فالعلم بالكليات العقلية أيضًا يجوز أن يثبت لغيره، ولا يثبت له، ولا يكون فيه نقصان، وهذا لا مخرج عنه.","vol":"10","page":151},{"text":"فيقال: هذا الكلام متوجه على سبيل الإلزام والمعارضة، يظهر به تناقض من أثبت له علمًا بمعلوم دون آخر، كابن سينا وأمثاله، فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما فر منه فيما نفاه، فإن كان ذلك حقًا، فيلزم أن لا يعلم شيئًا ولا نفسه، وإن لم يكن حقًا، فيلزم أن يعلم كل شيء.\nولا ريب أن هذا هو الصواب، فهو يقول لهم: إن العلم: إن كان صفة كمال وشرف، فمعلوم أن علمه بكل شيء أكمل من علمه ببعض الأشياء، وإن لم يكن صفة كمال، فلا يثبت شيء منه.\nواستشهد على ذلك بأنكم نفيتم عنه السمع والبصر والعلم بالمتغيرات، فإن كان نفي ذلك نقصًا، فقد وصفتموه بالنقص، وإن لم يكن نقصًا، لم يكن نفي غيره نقصًا.\nوابن سينا يفرق بين علمه بالثابتات، وبين علمه بالمتغيرات، لئلا يلزم تغيره بتغير العلم.\nوقد بين أبو حامد بعد هذا أنه لا محذور في علمه بالمتغيرات، بل يلزمه إثبات العلم بذلك، فإثبات العلم مطلقًا هو الواجب دون نفيه، وكل ما لزم من إثبات العلم، فلا محذور فيه أصلًا، بل غايته ترجع إلى مسألة نفي الصفات والأفعال والاختيارات، فليس لهم في نفي العلم إلا ما ينشأ عن هذين السلبين.\nوقد بين فساد قول النفاة للصفات والأمور القائمة بذاته الاختياريات.\nوإذا كان علمه سبحانه بكل شيء مستلزمًا لثبوت هذين الأصلين، كان ذلك مما يدل على صحتهما، كما دل على ذلك","vol":"10","page":152},{"text":"سائر الأدلة الشرعية والعقلية، فإن ثبوت العلم بكل شيء، مما هو معلوم بالاضطرار من دين المرسلين، ومما هو ثابت بقواطع البراهين.\nفإذا كان مستلزمًا لإبطال هذين الأصلين، اللذين هما من البدع التي أحدثها الجهمية، كان هذا من الأدلة الدالة على اتفاق الحق وتناسبه، وتصديق ما جاء به الرسول، وموافقته لصريح العقل، وأنه لا اختلاف فيما جاء من عند الله، بخلاف الأقوال المخالفة لذلك، فإنها كلها متناقضة.\nوتدبر حجج النفاة، فإنها كلها من أسقط الحجج، كالقول الذي يقوله بعض الفلاسفة: إن العلم ليس بزيادة شرف، فلا يكون من يعلم أشرف ممن لا يعلم، ويقول: إنه إذا كان عالمًا فقد جعل ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره.\nأما الأول فمن القضايا البديهية المستقرة في الفطر: أن الذي يعلم أكمل من الذي لا يعلم، كما أن الذي يقدر أكمل من الذي لا يقدر.\nولهذا يذكر سبحانه هذه القضية بخطاب استفهام الإنكار الذي يبين أنها مستقرة في الفطر، وأن النافي لها قال قولًا منكرًا في الفطرة.\nكقوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩]، فإنه يدل على أنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، ويدل على أن التسوية منكرة في الفطر، تنكر على من سوى بينهما.\nكقوله تعالى: ﴿قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ [الأنعام: ١٤٣] .","vol":"10","page":153},{"text":"وقوله: ﴿قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩] .\nوقوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢] .\nوقوله: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] .\nوكذلك قوله: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم﴾ [النحل: ٧٥-٧٦] .\nوقوله: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النحل: ١٧] .\nوقوله: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى﴾ [يونس: ٣٥] .\nوكما أنه سبحانه في القرآن يبين أن العالم القادر الذي يخلق ويأمر بالعدل أكمل من غيره، وأن هذا التفضيل مستقر في الفطر، والتسوية من منكرات العقول التي تنكرها القلوب بفطرتها، وهي من المقدمات البديهية المستقرة فيها، فكذلك يبين أن العادم لصفات الكمال ناقص،","vol":"10","page":154},{"text":"لا يمكن أن يكون ربًا ولا معبودًا، ويبين أن العلم بذلك فطري مستقر في القلوب.\nكقوله تعالى عن الخليل: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ [مريم: ٤٢] .\nوقوله تعالى: ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين﴾ [الأعراف: ١٤٨] .\nوقوله: ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا﴾ [طه: ٨٩] .\nوقوله: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢٠-٢١] .\nوقوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] .\nوقوله عن الخليل: ﴿أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٥-٩٦] .\nوقوله أيضًا: ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون﴾ [الشعراء: ٧٢-٧٣] .\nوقوله: ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ [الأنبياء: ٦٦-٦٧] .\nوأمثال ذلك كثير.","vol":"10","page":155},{"text":"والمقصود هنا أن كون العلم صفة كمال، وكون العالم أكمل من الذي لا يعلم، كون عدم العلم نقصًا- هو من أبين القضايا البديهية المستقرة في فطر بني آدم.\nوأما قول القائل: إن العلم إنما احتاج إليه غير الله ليستفيد كمالًا: إما ليطلع على مصالحه، وإما لتكميل ذاته المظلمة.\nفيقال له: هذا بعينه دليل على أن الذوات لا تكمل إلا بالعلم، من جهة أنها لا تقدر أن تفعل ما تصلح إلا به، ومن جهة أنها بدونه مظلمة.\nوالرب فاعل لكل شيء، وفاعل لكل فاعل، فهو أحق بأن يكون عالمًا من كل فاعل، وذاته أكمل الذوات، فهي أحق بأن يكون لها غاية الكمال، وأن تكون برية من كل نص.\nوقول القائل: ذات الله مستغنية عن التكميل.\nكلمة حق، فإنه مستغنية عن أن يكملها أحد سواها، لكن ما هي ذات الله المستغنية عن التكميل: أهي ذات مسلوبة العلم وغيره من صفات الكمال، فلا تعلم ولا تسمع ولا تبصر؟ أم هي الذات المتصفة بهذه الصفات؟.\nأما الأول، فلا حقيقة لتلك الذات ولا وجود لها، فضلًا عن أن يقال: ذات الله، فإن ذاتًا لا تتصف بشيء من الصفات، إنما تعقل في الأذهان لا في الأعيان، وذاتًا لا تتصف بصفات الكمال","vol":"10","page":156},{"text":"ليست خالق المخلوقات ولا وجود لها، ولو قدر وجودها فهي من أنقص الذوات، بل كل حيوان أكمل منها، فإنا نعلم بصريح المعقول أن الحي أكمل مما ليس بحي، والعالم أكمل مما ليس بعالم، والقادر أكمل مما ليس بقادر.\nوقول القائل: لو قدر له ما يكمل به لكانت ذاته من حيث ذاته ناقصة قول باطل من وجوه.\nأحدها: أن ذاته المجردة عن الصفات لا حقيقة لها، أو نقول: لا نعلم ثبوتها، أو نعلم أن الذات المجردة عن الكمال معدومة.\nولفظ ذات لفظ مولد، وهو تأنيث ذو، ومعنى ذات: أي ذات علم، وذات قدرة، وذات حياة.\nفتقدير ذات بلا صفات، تقدير المضاف المستلزم للإضافة بدون الإضافة.\nولهذا أنكر طائفة من أهل العربية كابن برهان والجوليقي النطق بهذا اللفظ، وقالوا: هذا مؤنث، والرب لا يجري عليه إسم مؤنث، ولكن الذين أطلقوه عنوا به نفسا ذات علم، أو حقيقة ذات علم.\nوفي الجملة فتقدير الذات ذاتًا مجردة عن الصفات، هو الذي أوقعه في هذه الخيالات الفاسدة.","vol":"10","page":157},{"text":"وقوله: الذات من حيث ذاته: إن أراد به أن الذات من حيث هي لا صفة لها، فهذه لا وجود لها، فصلًا عن أن تكون كاملة.\nوإن أراد من حيث حقيقتها الموجودة، فهي من تلك الجهة لا تكون إلا متصفة بصفات الكمال.\nقوله: وهذا كما قلت في السمع والبصر والعلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان، فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه عنه إلى قوله: وهذا لا مخرج منه.\nفيقال: لا ريب أنه لا مخرج لابن سينا من هذا الإلزام، فإنه إذا لم يكن عنده عدم العلم بالجزئيات نقصًا، كذلك عدم العلم بالكليات.\nوإن قال: عدم علمه بها كمال، أمكن منازعوه أن يقولوا: نفي علمه بالثابتات كمال.\nوإذا قال: أنا نفيت عنه، لأن إثباته يفضي إلى التغير.\nقالوا له: ونحن نفينا ذاك لأنه يفضي إلى التكثر.\nفإذا قال: ذاك التكثر ليس بممتنع.\nقيل له: وهذا التغير ليس بممتنع.\nوذاك أنه جعل التكثر في الإضافات، فإن كان هذا حقًا، أمكن أن يقال بالتغير في نفس الإضافات.","vol":"10","page":158},{"text":"وذلك أنه إن قال: إن نفس العلم إضافة، فالتكثر والتجدد في العلم إضافة.\nوإن قال: بل هو صفة مضافة، والتكثر في المعلوم لا في العلم، بل يعلم بعلم واحد جميع المعلومات، كما يقوله ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما.\nقيل له: والتغير في المعلوم لا في العلم، لأن العلم واحد لا يتعدد، فضلًا عن أن يتغير.\nوإن قال: هذا باطل، فإن العلم بأن سيكون الشيء، ليس هو العلم بأن قال قد كان.\nقيل له: وكذلك العلم بالسماء، ليس هو العلم بالأرض.\nوأنت تقول أبلغ من ذلك، تقول: ليس العلم إلا العالم، بل تقول: العلم والعالم شيء واحد.\nومعلوم أن هذا القول أبعد عن المعقول، من قول من قال: العلم بالمعلومات شيء واحد.\nفإن هذا يقول: إن العلم ليس هو العالم ولا هو المعلوم، بل هو صفة للعالم.\nولا ريب أن ابن سينا يتناقض في هذه المواضع.\nفتارة يجعل العلم زائدًا على الذات العالمة، وتارة لا يقول بذلك.\nأبت\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>كلام ابن سينا في الإشارات ورد ابن تيمية عليه</span>\nفإنه قال: لما رد على من قال باتحاد العاقل بالمعقول: فيظهر","vol":"10","page":159},{"text":"لك من هذا أن كل ما يعقل، فإنه ذات موجود، تتقرر فيها الجلايا العقلية، تقرير شيء في شيء آخر\nفصرح بأنه يتقرر في ذات العاقل الجلايا العقلية تقرير شيء في شيء آخر، وهذا خلاف قول: العاقل والمعقول والعقل شيء واحد.\nوالمقصود قبول ما يقوله من الحق، وهو ما أثبته من كون الرب عالمًا بالأعيان الثابتة، وبيان صحة حجته على ذلك.\nوأما ما نفاه من علمه بالجزئيات، فحجته على نفيه ضعيفة.\nوقد بين أبو حامد وأبو البركات وغيرهما، أنه يلزمهم القول بعلمه بالجزئيات، وبينوا فساد ما نفوا به ذلك.\nقال ابن سينا: إشارة: الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل الكليات، من حيث تجب بأسبابها، منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه يتخصص به، كالكسوف الجزئي، فإنه قد يعقل وقوعه بسبب توافق أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها، ويعقلها كما يعقل الجزئيات، وذلك غير الإدراك الجزئي الزماني لها، الذي يحكم أنه","vol":"10","page":160},{"text":"وقع الآن، وهو قبله، أو يقع بعده، بل مثل أن نعقل أن كسوفًا جزئيًا يعرض عند حصول القمر، وهو جزئي ما، وقت كذا، وهو جزئي ما في مقابلة كذا.\nثم ربما وقع ذلك الكسوف، ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع، أو لم يقع.\nوإن كان معقولًا له على النحو الأول، لأن هذا إدراك آخر جزئي، يحدث مع حدوث المدرك، ويزول مع زواله.\nوذلك الأول يكون ثابتًا الدهر كله، وإن كان علمًا بجزئي، وهو أن العاقل يعقل أن بين كون القمر في موضع كذا، وبين كونه في موضع كذا، يكون كسوف معين في وقت من زمان أول الحالين محدود.\nعقله ذلك أمر ثابت قبل الكسوف ومعه وبعده.\nهذا لفظه.\nقلت: وهذا الذي ذكره إنما يتأتى في الأمور الدائمة عنده، كالشمس والقمر والكواكب والأفلاك، فإنه يعلمها بأعيانه، فإنها دائمة.\nوأما الأمور المتجددة، مثل حركاتها، ومثل الكسوف والخسوف، والإهلال والإبدار، ومثل أشخاص الناس والحيوان، فهذه لا يتصور أن يعقلها إلا على وجه كلي، مثل أن يعلم أنه في كل شهر يحصل إهلال وإبدار، وفي كل سنة يحصل صيف وشتاء.\nفأما العلم بإهلال معين","vol":"10","page":161},{"text":"وإبدار معين وكسوف معين، فهذا جزئي حادث كائن بعد أن لم يكن زائل بعد ما كان، فإن علمه بعينه لزم ما حذروه من التغير في علمه، فإنه إذا علمه قبل وجوده، علمه معدومًا سيوجد، ثم إذا وجد علمه موجودًا.\nثم إذا زال علمه معدومًا قد كان، وهذا الذي فروا منه.\nولو علم الجزئيات بأعيانها بعلم ثابت، لزم وجود ما لا نهاية له من المعقولات دائمًا في ذاته.\nوأما قوله: مثل أن يعقل أن كسوفًا جزئيًا يعرض عند حصول القمر، وهو جزئي وقت كذا، وهو جزئي في مقابلة كذا، ثم ربما وقع ذاك الكسوف ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع، وإن كان معقولًا له على النحو الأول، لأن هذا إدراك آخر جزئي، يحدث مع حدوث المدرك، ويزول مع زواله، وذلك الأول يكون ثابتًا الدهر كله، وإن كان عالمًا بجزئي.\nفيقال: هذا الكسوف المعلوم أهو كسوف واحد بالعين أم بالنوع؟ فالأول أن يعلم أن الشمس تكسف في برج الحمل في السنة الفلانية سنة الطوفان.\nوالثاني أن يعقل أنها كلها إن حصلت في برج كذا على وجه كذا كسفت.\nفإن قيل: إنه كسوف معين، فهذا إذا كان عقله ثابتًا أبدًا، يكون","vol":"10","page":162},{"text":"قد عقل قبل وجوده.\nوحينئذ يكون معدومًا لا موجودًا، والعلم بأنه موجود جهل، والعلم بأن سيوجد هو الذي فروا منه.\nوإن قالوا: نعلم أنه إذا حصل الشيء المعين الجزئي حصل الكسوف، وإن لم نعلم متى يحصل ذاك.\nقيل: فمثل هذا لا يكون إلا إذا كان المعلوم كليًا، وهو أن نعلم أنه إذا حصل ذلك الأمر المعين على الوجه المعين حصل الكسوف، وهذا العلم كلي لا جزئي.\nففي الجملة الجزئي لا يكون جزئيًا إلا إذا انحصر شخصه ومنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وهذا إذا لم يكن أمرًا ثابتًا، بل أمرًا حادثًا، فلا يعلم على وجهه إن لم يعلم وقته المعين.\nوحينئذ فيكون العلم به قبل وقته، وإلا فإذا علم أنه متى حصل كذا على وجه كذا حصل الكسوف، فهذا كلي.\nوإن علم أنه لا بد أن يحصل، فإنه كلي من حيث الزمان، فإن تصوره لا يمنع اشتراك الأزمنة فيه، فلم يعلم إلا على وجه كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.\nوقولهم مع هذا: إنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض، مغالطة بل لم يعلم شيئًا من الأمور المعينة الحادثة البتة، بل هو عازب عنه، لا يدري أكان أم لم يكن، فإن نفس تصور الكلي من","vol":"10","page":163},{"text":"حيث هو كلي، لا يفيد تصور المعينات، والوجود ليس فيه إلا المعينات، فلا يكون تصور شيئًا من المعينات الحادثة.\nl أمر أمر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>كلام الطوسي في شرح الإشارات ورد ابن تيمية عليه</span>\nوقد بين ذلك شارحو كلامه فقال الطوسي: يريد التفرقة بين إدراك الجزئيات على وجه كلي لا يمكن أن يتغير، وبين إدراكها على وجه جزئي يتغير بتغيرها، ليبين أن الأول تعالى، بل كل عاقل، فهو إنما يدرك الجزئيات من حيث هو عاقل على الوجه الأول دون الثاني.\nوإدراكها على الوجه الثاني لا يحصل إلا بالإحسان أو التخيل، أو ما يجري مجراهما من الآلات الجسمانية.\nقال: وقبل تقرير ذلك نقول: كلية الإدراك وجزئيته تتعلقان بكلية التصورات الواقعة فيه وجزئيتها.\nفلا تدخل التصديقات في ذلك يعني بذلك أن التصديق إنما يكون كليًا أو جزئيًا باعتبار ما فيه من التصور: هل هو جزئي أو كلي؟.\nقال: فإن قولنا: هذا الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت، جزئي.\nوقولنا: الإنسان يقول القول في وقت، كلي.\nولم يتغير فيهما إلا حال الإنسان، والقول، والوقت، والجزئية بالكلية.","vol":"10","page":164},{"text":"ولقائل أن يقول: بل نفس النسبة لا تكون جزئية وكلية، فإنه إذا قيل: هذا الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت كان الجميع جزئيًا.\nوإذا قيل: يقول أقوالًا حسنة، أو يقول هذا القول دائمًا، كان الثاني كليًا، فإن تصوره لا يمنع من وقوع الشركة فيه.\nفإن قلت: المحمول، الذي هو خير المبتدأ عن أحدهما، قول معين، وفي الآخر قول مطلق، فالجزئية والكلية إنما وقعا في التصورين.\nقيل إن أريد ذلك لم يكن لنا تصديق غير التصورات، فلا حاجة إلى نفي الكلية عنه.\nولكن المعروف أن هذا القول هو الخبر المحمول على المبتدأ المخبر به عنه، وهو قول معين جزئي، ونسبته إليه هو التصديق المغاير للتصورين، فإن التصديق يراد به الجملة كلها، فيكون التصور بعضه بعينه، ويراد به النسبة الحكمية، فيكون التصور شرطًا فيه.\nوإذا أريد به هذا فنسبة القول المعين إلى المعين تصديق، فإن عنيت النسبة من جميع الوجوه، بحيث يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها، فهي جزئية، وإن لم يمنع ذلك فهي كلية.\nمثل كونه يقوله دائمًا، أو الإخبار عنه بأنه يقوله في وقت ما، فإن هذا لا يمنع كونه يقوله في هذا الوقت وفي غيره، بل لا يمنع أن يقوله بالعربية وبالعجمية، فهو كلي بالنسبة إلى العربية والعجمية.\nوبالجملة فما لم يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فهو كلي، سواء كان احتمال الشركة لدخوله أشخاصًا أو أزمنة أو أمكنة أو لغات أو غير","vol":"10","page":165},{"text":"ذلك من الأمور، وهذا مما يبين أنه من لم يقل أن الرب يعلم الجزئيات، فإنه يلزمه أن لا يعلم شيئًا من الموجودات، فإنه ما من موجود إلا وهو متميز عن غيره بحيث يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.\nولهذا لم يمنع ابن سينا كونه يعلم الجزيئات الثابتة الدائمة على أصله، كالسموات والنجوم، وإنما منع علمه بالمتغيرات، فرارًا من قيام الحوادث به، مع أن أساطين من أساطين الفلاسفة، ومن وافقهم من المتأخرين، يقولون: إنه تقوم به الحوادث، ولا حجة له على نفي ذلك أصلًا، إلا ما ينفي به قيام الصفات، وإثباته للعلم يستلزم إثبات الصفات كما تقدم بيانه، فعلم أن إثباته للعلم بالكليات دون الجزئيات في غاية التناقض.\nقال الطوسي: وكل جزئي يتعلق به حكم فله طبيعة توجد في شخصه، وما تصير تلك الطبيعة جزئية لا يدركها العقل، ولا يتناولها البرهان والحد، بسبب انضياف معنى الإشارة الحسية إليها، وما يجري مجراها من المخصصات، التي لا سبيل إلى إدراكها إلا بالحس وما يجري مجراه، فإن أخذت تلك الطبيعة مجردة عن تلك المخصصات، صارت كلية يدركها العقل، ويتناولها البرهان والحد،","vol":"10","page":166},{"text":"وكان الحكم المتعلق بها -حين كونها جزئية- باقيًا بحاله، اللهم إلا أن يكون الحكم متعلقًا بالأمور المخصصة من حيث هي مخصصة.\nقال: وإذا ثبت هذا فنقول: كل من أدرك علل الكائنات، من حيث إنها طبائع.\nيعني طبائع كلية وأدراك أحوالها الجزئية وأحكامها، كتلاقيها وتباينها، وتماسها وتباعدها، وتركبها وتحللها، من حيث هي متعلقة بتلك الطبائع، وأدرك الأمور التي تحدث: معها وبعدها وقبلها، من حيث يكون الجميع واقعًا في أوقات يتحدد بعضها ببعض، على وجه لا يفوقه شيء أصلًا، فقد حصل عنده صورة العالم منطبقة على جميع كلياته وجزئياته الثابتة، والمتجددة المنصرفة، الخاصة بوقت دون وقت، كما عليه الوجود، غير مغادر إياها بشيء، وتكون تلك الصورة بعينها منطبقة على عوالم أخر، لو حصلت في الوجود، مثل هذا العالم بعينه، فتكون صورة كلية منطبقة على الجزئيات الحادثة في أزمنتها، غير متغيرة بتغيرها.\nهكذا يكون إدراك الجزئيات على الوجه الكلي.\nفيقال: فعلى هذا التقدير لا يكون الرب عالمًا بشيء من هذه الأمور","vol":"10","page":167},{"text":"الموجودة، ولا فاعلًا لها، إذا كان علمه بها هو إبداعه لها، فإن العلم بالجزئيات، على هذا الوجه الكلي، لا يتضمن العلم بشيء من المعينات، ولا يكفي هذا العلم في وجودها، فضلًا عن أن يكون هو إيجادها.\nفإنا إذا علمنا أن بني آدم لا بد أن تحصل لهم شهوة الأكل فيأكلون، وإذا أكلوا فلا بد أن تحصل لهم فضلة فيتغوطون، ولا بد أن تحصل لهم شهوة النكاح فيجامعون، ولا بد أن يحصل إنزال وحبل، فتحبل النساء ويلدن، ولا بد أن يموتوا -كان هذا علمًا كليًا يتضمن أنه لا بد من وجود أكل وتخل، ونكاح وإنزال، وحبل وولادة وموت، بحيث لو قيل: إن في الآدميين من لا يموت، أو من لا يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك- كان ذلك العلم الكلي مناقضًا لهذا القول.\nولو قيل: إنه لم يبق من ينكح ويحبل، ويلد ويموت، كان ذلك العلم الكلي دافعًا لهذا القول، كما إذا علمنا أن نبيًا لا يخبر إلا بالصدق، وعلمنا أنه أخبر بأخبار لا نعرف أعيانها -علمنا أنها كلها صادقة، ولم يكن في مجرد هذا العلم الكلي علم شيء منها.\nوإذا علمنا أن كل دليل شرعي دل على الإيجاب أو التحريم، وجب إثبات موجبه من الإيجاب أو التحريم، كان هذا علمًا كليًا، ولم يكن فيه علم بشيء من أعيان الأدلة الشرعية، ولا بالأحكام المعينة الشرعية.","vol":"10","page":168},{"text":"وإذا علمنا أن الإهلال لا يكون إلا في أول الشهر، والإبدار لا يكون إلا في وسطه، وأن كسوف الشمس لا يكون إلا عند الإجتماع قبل الإهلال، وخسوف القمر لا يكون إلا في الليالي البيض في الإبدار -لم يكن في مجرد هذا العلم ما يوجب أن يعلم: هل الهلال طالع في هذا الوقت أم لا؟ وهل هو مبدر أم لا؟ وهل هو خسوف أم كسوف أم لا؟\nوكذلك إذا علمنا أن الشمس تدور ما بين رأس السرطان والجدي، لا يصعد هذا غاية صعودها، وهذا غاية هبوطها، وفي صعودها يكون الصيف، وفي هبوطها يكون الشتاء، ونحن لا نعلم هل هذا الوقت صيف أو شتاء، وهل هي صاعدة أو هابطة -لم يكن في هذا العلم الكلي ما يفيد معرفة ما وجد في الخارج من أحوالها، لكن فيه أنها لا تخرج عن هذا القانون الكلي، وهكذا سائر العلوم الكلية.\nلكن العلم بجميع حوادث الوجود على الوجه الكلي، أعم من العلم ببعض حوادثه.\nومع ذلك فليس في ذلك علم بشيء من الموجودات الحادثة.\nوأيضًا فمجرد هذا العلم الكلي لا يكفي في وجود المعينات، فالمعين لا يوجد إلا بتصور معين وإرادة معينة، وإلا فمن أراد أن يكرم الأبرار، ويعاقب الفجار، ويقبل شهادة العدول، ويرد شهادة أهل الزور، وهو لا يعرف أعيان هؤلاء وهؤلاء -لم يمكنه فعل شيء من ذلك الأمر الكلي الذي عزم.","vol":"10","page":169},{"text":"ومن أراد أن يأكل طعامًا، ويلبس ثوبًا، وليس له قصد من طعام بعينه، وثوب بعينه، إن لم يحصل له طعام معين، وثوب معين، بحيث تكون له إرادة معينة وتصور معين -امتنع أن يأكل ويلبس، لكن قد يكون قصده للمعين، هو لكونه هو الميسور المقدرور عليه، ولو حصل غيره لقام مقامه، ليس له إرادة في أحدهما دون الآخر، إلا لكونه هو الذي تيسر وقدر عليه، فهنا يكون سبب تعين الإرادة هي القدرة.\nوكذلك من قصده أن يعطي الزكاة للأنواع الكلية التي ذكرها الله في كتابه، وليس له غرض في شخص بعينه، فهو يعطي من علم أنه منهم، ومن أمكنه أعطاه.\nومن أراد شخصًا معينًا، فلا يتعين حتى يحصل له تصور معين وإرادة معينة، لكن التعين يكون لأجل علمه المعين وقدرته المعينة، لا لكون إرادته الأولى دعته إلى أداء الزكاة وصرفها في الأنواع المذكورة في القرآن -فكانت إرادته لمعين.\nوكذلك من قصده أن يتطهر كما أمره الله، فهو يقصد الطهارة بماء، أي ماء كان، وهذه إرادة كلية، ثم لا يمكنه أن يتطهر إلا بماء معين، يتصور تصورًا معينًا، ويريد التطهر به إرادة معينة.\nوكذلك من قصده أن يعتق رقبة وجبت عليه في كفارة، وكذلك من غرضه أن يزوج وليته من كفو، ومن قصده أن يشتري طعامًا من","vol":"10","page":170},{"text":"شخص، وكذلك من غرضه أن يستفتي من يفتيه بحكم الله، ومن غرضه أن يحاكم خصمه إلى من يحكم بينهما بالحق، وأمثال ذلك.\nفهؤلاء قصدهم ابتدأ أمرًا مطلقًا كليًا، ليس غرضهم شخصًا بعينه، لكن لا يحصل مقصودهم إلا إذا قصدوا شيئًا معينًا، وإلا فما دامت ليس معهم إلا الإرادة المطلقة، لا يفعلون شيئًا، إذ المطلق لا وجود له في الأعيان، فلا يمكن وجود كلي في الخارج مع كونه كليًا قط، فمن لم يعلم إلا الكليات، لم يمكنه أن يفعل شيئًا قط، ولا يكون عالمًا بشيء من الموجودات، فإن الموجودات في الخارج ليس فيها كلي.\nفعلى قول هؤلاء لم يعلم الله شيئًا من الموجودات، بل ولا فعل شيئًا من الموجودات.\nوهذا أمر قطعي لا حيلة فيه، كلما تدبره العاقل تبين له فساد هذا القول.\nوما استثناه ابن سينا من كونه يعلم الموجودات الثابتة بأعيانها، لا يصح استثناؤها، فإن تلك أيضًا حادثة على القول الحق، ويلحقها التغير كما يلحق غيرها، فيجب أذا لم يعلم إلا الكليات أن لا يعلمها، وعلى قول أولهم إنها أزلية أبدية، فهي مستلزمة للتغيرات، أما الأجسام فإنها لا تزال متحركة، وأما المعقول فلا حقيقة لها، وبتقدير ثبوتها فإنها علل الأجسام المتغيرة عندهم.\nوقد تقدم أصله: أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول، فالعلم بالعلل إنما يوجب العلم بمعلولها، والعلة أوجبت معلولات جزئية متغيرة،","vol":"10","page":171},{"text":"فيجب أن يعلم عليتها على هذا الوجه.\nوحينئذ فيلزم أن يعلم المتغيرات متغيرة، لا يكون علمها على وجه كلي كما ذكروه.\nومما يوضح هذا أن الشرائع جاءت بالأحكام الكلية، مثل إيجاب الزكوات، وتحريم البنات والأخوات، ولا يمكن أمر أحد بما أمره الله به، ونهيه عما نهاه الله عنه، إن لم يعلم دخوله في تلك الأنواع الكلية، وإلا فمجرد العلم بها، لا يمكن معه فعل مأمور ولا ترك محظور، إلا بعلم معين، بأن هذا المأمور داخل فيما أمر الله به، وهذا المحظور داخل فيما نهى الله عنه.\nوهذا الذي يسمى تحقيق المناط.\nإذا تبين هذا، فقول القائل: كل من أدرك علل الكائنات، من حيث إنها طبائع إلى آخره.\nيقال له: أتريد أنه أدركها كلية، مثل أن يدرك أن في العالم حارًا وباردًا، وأنهما يلتقيان على وجه كذا؟ أو تريد أنها إدراك الطبائع الموجودة المعينة؟.\nفإن أردت الأول، لم يكن في العلم بذلك علم بشيء من الموجودات.\nوإن أردت الثاني، فإنه يلزم من العلم بها، العلم بلوازمها، كما تقدم من أن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها، فيلزم من ذلك أن يعلم جميع معلولاتها ولوازمها.\nوليس في المعينات إلا ما هو معلولها","vol":"10","page":172},{"text":"ولوازمها، فيلزم العلم بكل شيء جزئي على سبيل التعيين، ويلزم العلم بطوله وعرضه وعمقه وقدره، سواء كان من الكل المتصل أو المنفصل.\nولهذا كان قول المرسلين: إن الله أحصى كل شيء عددًا، فهو يعلم أوزان الجبال، ودورات الزمان، وأمواج البحار، وقطرات المطر، وأنفاس بني آدم: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] .\nيبين هذا أنه قد تقدم أن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها، وهي الموجب، والرب سبحانه هو موجب بمشيئته وقدرته لكل ما يشاؤه.\nوهم يسمونه علة، وهو إنما يوجد شيئًا معينًا، لا يوجد شيئًا كليًا، إذ الخارج ليس فيه شيء كلي، فيجب أن يكون عالمًا بكل شيء جزئي، كما انه خالق لكل شيء جزئي.\nوإن كان له علم عام كلي بالأمور الكلية، فلا منافاة بين هذا وهذا، بل مخلوقه له بالكلي والجزئيات، فالخالق أولى بذلك.\nوقوله: إن إدراكها على هذا الوجه إنما يحصل بالإحساس أو التخيل.\nفيقال لهم: لا ريب أن الله سميع بصير، يسمع ويرى، ﷾.\nوقد روى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول﴾ [البقرة: ١٤٣]، ونحو ذلك.\nقال: إلا","vol":"10","page":173},{"text":"لنرى.\nففسر العلم المقرون بالوجود بالرؤية، فإن المعدوم لا يرى، بخلاف الموجود، وإن كانت الرؤية تتضمن علمًا آخر.\nوقال الطوسي في شرح كلام ابن سينا: قوله: الأشياء الجزئية قد تعقل، كما تعقل الكليات، إشارة إلى إدراكها من حيث هي طبائع مجردة عن المخصصات المذكورة، وقيدها بقوله: من حيث تجب بأسبابها ليكون الإدراك لتلك الأشياء، مع كونه كليًا يقينيًا، غير ظني.\nثم قال: منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه: أي منسوبة إلى مبدأ، طبيعته النوعية موجودة في شخصه ذلك، لا أنها غير موجودة في غير ذلك الشخص، بل مع تجويز أنها موجودة في غيره.\nوالمراد أن تلك الأشياء إنما تجب بأسبابها، من حيث هي طبائع أيضًا.\nثم قال: تتخصص به أي تتخصص تلك الجزيئات بطبيعة ذلك المبدأ، وإنما نسبها إلى مبدأ كذلك، لأن الجزئي، من حيث هو","vol":"10","page":174},{"text":"جزئي، لا يكون معلولًا لطبيعة غير جزئية، ولا الطبيعة علة له من حيث هو كذلك.\nقال: وقوله: إن العاقل لأن بين كون القمر في موضع كذا إلى آخره، معناه: أن من يعقل أن بين كون القمر في أول الحمل مثلًا، وبين كونه في أول الثور يكون كسوف معين في وقت محدود من زمانه كونه في أول الحمل، كالوقت الذي سار فيه القمر من أول الحمل عشر درجات، فإنما يكون تعقل ذلك العاقل لهذه الأمور أمرًا ثابتًا قبل وقت الكسوف ومعه وبعده.\nفيقال له: هذا الذي تصور هذا الكسوف تصور أنه يكون في عام معين، أو تصوره مطلقًا، كتصوره أنه إذا كان في عشر درجات من الحمل، مع أمور أخرى، يكون كسوف.\nفإن كان الأول، فذاك كسوف جزئي معين.\nوتصوره يكون قبله ومعه وبعده.\nوإن كان الثاني، فهذا يكون محققًا تارة، ومقدرًا أخرى.\nأما المقدور، فأن يعلم أنه كلما حصل القمر في موضع كذا، والشمس في موضع كذا، حال القمر بين نور الشمس وبين الناس فانكسفت.\nولكن هذا ليس فيه علم بوقوعه لا مطلقًا ولا معينًا.","vol":"10","page":175},{"text":"والثاني أن يعلم أنه لا بد أن تقع هذه المحاذاة بين الأرض والقمر والشمس، وإنما تقع إذا كان كذا.\nفهذا علم كلي، لا يعلم به شيء من الكسوف الموجود.\nثم يقال: والعلم بهذا ممتنع، إن لم يعلم الكسوفات الجزئية.\nوذلك أن أسباب الكسوفات حركات أجسام معينة في أوقات محدودة.\nوالعلم بمجموع ذلك يوجب العلم بكل كسوف جزئي، والعلم به قبل وقوعه ومع وقوعه وبعد وقوعه، فلا يتصور مع العلم بأسباب الحوادث، أن يعلم علم كلي، إلا وتعلم الجزيئات الواقعة، وإلا فلا يكون العلم بجميع الأسباب حاصلًا.\nولهذا لما كنا لا نعلم عامة الأسباب لم نعلم ما يكون، وإذا علمنا أسباب شيء، علمنا وقوعه قبل وقوعه ومعه وبعده، كمن علم أنه سيبعث محمد ﷺ، وأنه يبعث إذا كانت أمور، فإذا علم أنها لم تكن، علم أنه لم يبعث، وإن علم أنها كانت، علم أنه بعث.\nوكثير مما يتكلم فيه الناس من مقدمة المعرفة، يكونون قد علموا جزء السبب، ولم يعلموا تمام السبب، ولا علموا مانعه، فيصيبون أحيانًا، ويكون خطأهم أكثر من صوابهم، لأن ما فاتهم من العلم بتمام السبب والموانع أكثر مما علموه.\nوقد تقدم قول ابن سينا: قد تعقل الكليات من حيث تجب بأسبابها منسوبة إلى مبدأ نوعه من يخصه يتخصص به.\nوقد قال في شرحه: أي تتخصص تلك الجزيئات بطبيعة ذلك","vol":"10","page":176},{"text":"المبدأ، وإنما نسبها إلى مبدأ كذلك، لأن الجزئي من حيث هو جزئي لا يكون معلولًا لطبيعة غير جزئية.\nفيقال: هذا الكلام بين في أنها لا تعقل على هذا الوجه إلا جزئية لا كلية، لأنها إذا عقلت من حيث يجب بسببها المعين الجزئي، لزم أن تعقل جزئية.\nوأما إذا عقلت من حيث تجب بسبب كلي عقلت كلية، لكن رب العالمين هو واحد معين، ليس أمرًا مطلقًا كليًا، فهو يعلم نفسه علمًا معينًا، يمنع من وقوع الشركة فيه، لا يعلمها علمًا كليًا، لا يمنع من وقوع الشركة فيه.\nوحينئذ فيعلم كل ما صدر عنه على هذا الوجه، وقوله: انحصر نوعه في شخصه دليل على ذلك.\nوقول الطوسي: قوله: منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه أي منسوبة إلى مبدأ طبيعته النوعية موجودة في شخصه، ذلك لأنها غير موجودة في غير ذلك الشخص، بل مع تجويز أنها موجودة في غيره، إنما تستقيم في طبائع المخلوقات.\nوأما الخالق تعالى فلا يجوز أن تكون صفته ثابتة لغيره.\nوالكلام إنما هو في أن علمه بنفسه يوجب العلم بالمخلوقات، وبه تجب الممكنات، وليس في الأسباب ما يوجب شيئًا من الممكنات، إلا وهو ﷾، وكل ما سواه فإنما يوجب بشركة من غيره، وهو سبحانه لا شريك له.\nثم كيف يتخصص بالمبدأ إن لم يكن مختصًا، كما تقدم؟.\nففي الجملة كل حجة يذكرونها هم أو غيرهم -على علمه بشيء من الأشياء، يدل على علمه بالجزئيات.","vol":"10","page":177},{"text":"وقول القائل: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات، كلام متناقض، يستلزم أنه لم يخلق شيئًا ولا يعلم شيئًا من الموجودات.\nوقوله مع ذلك إنه: لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، تلبيس منه، كقولهم: العالم محدث، يريدون به أنه معلول مع قدمه، وإلا فكل ذرة من ذرات المحدثات عازبة عنه عندهم.\nوكونها تجب وصف كلي باق أزلًا وأبدًا، لا يوجب العلم بها كما ذكروه.\nومضمون كلامه أنه يعلم ولا يعلم، فهو كلام متناقض.\nثم الأدلة الدالة على علمه تستلزم علمه بالجزئيات، وليس لابن سينا ما يبطل ذلك، إلا كون ذلك يفضي إلى تغير العلم، لكونه يعلم أن سيكون الشيء، ثم يعلم أنه قد كان، وهذا إن أبطله من جهة أنه نقص في العلم فهو باطل، فإن هذا هو علم للشيء على ما هو عليه، فإنه علمه معدومًا لما كان موجودًا، وعلم أنه سيوجد، ثم لما وجد علمه موجودًا، ثم إذا عدم بعد ذلك علم أن قد كان ثم عدم.\nفهذا هو العلم المطابق للمعلوم، وما سوى ذلك فهو جهل لا علم وإن أنكره من جهة أنه يحدث تحول العلم بتحول المعلوم، وأن ذلك تغير -فقد عرف قول المانعين من هذا الأصل، وأنه في غاية الضعف والفساد، مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، لا سيما ومن منع ذلك، من الجهمية ومن اتبعهم، إنما منعوه لاعتقادهم أن ذلك ينافي القدم.\nوابن سينا وإخوانه يجوزون قيام الحوادث بالقديم، فلا حجة لابن سينا وأتباعه في منعه، إلا حجتهم في نفي الصفات.\nوإثبات العلم","vol":"10","page":178},{"text":"بالمعلومات المفصلة الثابتة بأعيانها، مستلزم لثبوت الصفات كما تقدم بيانه وإقرار أصحابه بذلك، وحينئذ فلا حجة لهم في نفي ذلك أصلًا.\nوالله تعالى قد أخبر في كتابه بعلمه بما سيكون، كالأمور التي أخبر بها قبل كونها، فعلم أنه يعلم الأشياء قبل وجودها، وأخبر أنه إذا وجدت علمها أيضًا.\nكقوله: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ [البقرة: ١٤٣] .\nوفي القرآن من هذا بضعة عشر موضعًا.\nوقد روي عن ابن عباس وغيره: إلا لنرى.\nوقال طائفة من المفسرين: إلا لنعلمه موجودًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>رد الغزالي على الفلاسفة في تهافت الفلاسفة وتعليق ابن تيمية</span>\nونحن نذكر كلام أبي حامد عليهم قال: مسألة في إبطال قولهم: إن الله -تعالى عن قولهم- لا يعلم الجزيئات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ويكون.\nقال: وقد اتفقوا على ذلك.\nقلت: يعني اتفاق من عرف قوله منهم، وهم الذين ذكرهم ابن سينا، وإلا فأبوا البركات قد حكى عنهم قولين، واختار هو أنه يعلم الجزئيات.\nقال أبو حامد: فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه،","vol":"10","page":179},{"text":"فلا يخفى هذا من مذهبه.\nومن ذهب منهم إلى أنه يعلم غيره، وهو الذي اختاره ابن سينا، فقد زعم أنه يعلم الأشياء علمًا كليًا، لا يدخل تحت الزمان، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن، ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي.\nفلا بد أولًا من فهم مذهبهم، ثم الاشتغال بالاعتراض، ونبين هذا بمثال، وهو أن الشمس مثلًا تنكسف بعد أن لم تكن منكسفة ثم تنجلي، فتحصل له ثلاثة أحوال: أعني للكسوف حال هو فيها معدوم منتظر الوجود، أي سيكون.\nوحال هو فيها موجود، أي هو كائن.\nوحال ثالثة هو فيها معدوم، ولكنه كان من قبل.\nولنا بإزاء هذه الأحوال ثلاثة علوم مختلفة، فإنا نعلم أولًا: أن الكسوف معدوم وسيكون، وثانيًا: أنه كائن، وثالثًا: أنه كان، وليس كائنًا الآن.\nوهذه العلوم الثلاثة متعددة ومختلفة، وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات العالمة، فإنه لو علم بعد الانجلاء أن الكسوف موجود الآن كما","vol":"10","page":180},{"text":"كان قبل، كان جهلًا لا علمًا.\nولو علم عند وجوده أنه معدوم كان جاهلًا، فبعض هذه لا يقوم مقام بعض.\nفزعموا أن الله تعالى لا يختلف حاله في هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يؤدي إلى التغير، وما لم يختلف حاله لم يتصور أن يعلم هذه الأمور الثلاثة، فإن العلم يتبع المعلوم، فإذا تغير المعلوم تغير العلم، وإذا تغير العلم فقد تغير العالم لا محالة، والتغير على الله محال.\nومع هذا زعم أنه يعلم الكسوف، وجميع صفاته وعوارضه، ولكن علمًا يتصف به في الأزل والأبد، لا يختلف.\nمثل أن يعلم مثلًا أن الشمس موجودة، وأن القمر موجود، وأنهما حصلا منه بوساطة الملائكة التي سموها باصطلاحهم عقولًا مجردة، ويعلم أنها تتحرك حركات دورية ويعلم أن بين فلكيهما تقاطعًا على نقطتين: هما الرأس والذنب، وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال في العقدتين فتنكسف الشمس، إذ يحول جرم القمر بينها وبين أعين الناظرين، وتستتر الشمس عن الأعين، وأنه إذا جاوز العقدة مثلًا","vol":"10","page":181},{"text":"بمقدار كذا، وهو سنة مثلًا، فإنه تنكسف مثلًا، وأن ذلك الانكساف يكون في جميعها أو ثلثها أو نصفها، وإنه يمكث ساعة أو ساعتين، وهكذا إلى جميع أحوال الكسوف وعوارضه، فلا يعزب عن علمه شيء.\nولكن علمه بهذا قبل الكسوف، وحال الكسوف، وبعد الانجلاء، على وتيرة واحدة، لا يختلف ولا يوجب تغيرًا في ذاته، وكذا علمه بجميع الحوادث، فإنها إنما تحدث بأسباب، وتلك الأسباب لها أسباب أخرى، إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية السماوية، وسبب الحركة الدورية نفس السماوات.\nوسبب تحريك النفس الشوق إلى التشبه بالله والملائكة المقربين، والكل معلوم له، أي ينكشف له انكشافًا واحدًا متناسبًا، لا يؤثر فيه الزمان.\nومع هذا فحال الكسوف لا يقال: إنه يعلم أن الكسوف موجود الآن، ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن، وكل ما يجب في","vol":"10","page":182},{"text":"معرفته الإضافة إلى الزمان، فلا يتصور أن يعلمه، لأنه يوجب التغير.\nوهذا فيما ينقسم بالزمان.\nوكذا مذهبهم فيما ينقسم بالمادة والمكان، كأشخاص الناس والحيوانات، فإنهم يقولون: لا يعلم عوارض زيد وعمرو وخالد، وإنما يعلم الإنسان المطلق بعلم كلي، ويعلم عوارضه وخواصه، وأنه ينبغي أن يكون بدنه مركبًا من أعضاء: بعضها للبطش، وبعضها للمشي، وبعضها للإدراك، وبعضها زوج، وبعضها فرد، وأن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه، وهلم جرًا، إلى كل صفة في داخل الآدمي وباطنه، وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه، حتى لا يعزب عن علمه شيء، ويعلمه كليًا.\nفأما شخص زيد، فإنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل، فإن عماد التمييز الإشارة إلى جهة معينة، والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية، والمكان الكلي.\nفأما قولنا: هذا وهذا، فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس، بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة، وذلك يستحيل في حقه.","vol":"10","page":183},{"text":"قال الغزالي: وهذه قاعدة اعتقدوها واستأصلوا بها الشرائع بالكلية، إذ مضمونها أن زيدًا مثلًا، لو أطاع الله أو عصاه، لم يكن الله عالمًا بما يتجدد من أحواله، لأنه لا يعرف زيدًا بعينه، فإنه شخص، وأفعاله حادثة بعد أن لم تكن، وإذا لم يعرف الشخص لم يعرف أحواله وأفعاله، بل لا يعلم كفر زيد ولا إسلامه، وإنما يعلم كفر الإنسان وإسلامه مطلقًا كليًا، لا مخصوصًا بالأشخاص، بل يلزم أن يقال: تحدى محمد ﷺ بالنبوة.\nوهو لم يعرف في تلك الحال أنه تحدى بها، وكذلك الحال مع كل نبي معين، وإنه إنما يعلم أن من الناس من يتحدى بالنبوة، وأن صفة أولئك كذا وكذا.\nفأما النبي المعين بشخصه فلا يعرفه، فإن ذلك يعرف بالحس، والأحوال الصادرة منه لا يعرفها، لأنها أحوال تنقسم بانقسام الزمان من شخص معين، ويوجب إدراكها على اختلافها تغيرًا.\nقال: فهذا ما أردنا أن نذكر من نقل مذهبهم أولًا، ومن","vol":"10","page":184},{"text":"تفهمه ثانيًا، ثم نبين ما فيه من القبائح اللازمة عليه ثالثًا.\nقلت: قبائح مذهبهم أعظم وأكثر مما ذكره أبو حامد من وجوه كثيرة.\nومضمون حجتهم أن علم الرب بأحوال عباده يستلزم تنوع علمه بهم لتنوع المعلوم، وأن ذلك تغير يمتنع على الله، ولم يقيموا على امتناع مثل هذا المعنى حجة صحيحة: لا شرعية ولا عقلية.\nولفظ التغير فيه إجمال، كما ذكرناه في غير هذا الموضع.\nوالتغير الممتنع ما يكون فيه استحالة تتضمن نقصًا.\nوأما ما ذكره من كون العلم يطابق المعلوم، فيتنوع بتنوع حاله فهو صفة كمال، وإلا كان العلم جهلًا.\nوأما إذا سموا هذا تغيرًا وادعوا أن ما دخل في هذا الاسم وجب نفيه، فهو كتسميتهم إثبات الصفات تركيبًا، ودعواهم أن ما يدخل في ذلك يجب نفيه.\nوالحجج العقلية إنما تعتبر فيها المعاني لا الألفاظ.\nوالحجج السمعية يعتبر فيها كلام المعصوم.\nوليس في كلام الله ورسوله، ولا الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ما ينفي هذا المعنى الذي سموه تركيبًا وتغيرًا، بل النصوص المتواترة التي جاءت بها الأنبياء عن الله، كلها تدل على إثبات ما نفوه من هذه المعاني، ولو لم يكن إلا إثبات علمه بكل شيء علمًا مفصلًا.","vol":"10","page":185},{"text":"وهذا القرآن فيه من إخبار الله بالأمور المفصلة عن الشخص المعين، وكلامه المعين، وفعله المعين، وثوابه وعقابه المعين، مثل قصة آدم، ونوح، وهود، وصالح، وموسى، وغيرهم.\nما يبين أنهم من أعظم الناس تكذيبًا لرسل الله تعالى.\nوكذلك أخباره عن أحوال محمد ﷺ، وما جرى ببدر، وأحد، والأحزاب، والخندق، والحديبية، وغير ذلك من الأمور الجزئية أقوالًا وأفعالًا.\nوأخباره أنه يعلم السر وأخفى، وأنه عليم بذات الصدور، وأنه يعلم ما تنقص الأرض من الموتى وعنده كتاب حفيظ، وأنه يعلم ما في السموات والأرض، وأن ذلك في كتاب.\nوأنه ما: ﴿تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] .\nوأنه يعلم ما: ﴿تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار*عالم الغيب والشهادة﴾ [الرعد: ٨-٩] .\nوأنه: ﴿عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام﴾ [لقمان: ٣٤] .\nوأنه: ﴿قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾ [الأنعام: ٢] .\nوأنه: ﴿يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ [النحل: ٢٣] .\nوأنه: ﴿أعلم بما يقولون﴾ [طه: ١٠٤] .\nإلى أمثال ذلك مما يطول ذكره في كتاب الله تعالى.","vol":"10","page":186},{"text":"ثم من أعظم الضلال والجهل أن ينفي النافي علم رب العالمين.\nبمخلوقه، لكون ذلك يستلزم ما يسمونه تغيرًا وحلول حوادث.\nثم نفي هذا المعنى لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، وإنما يوافقهم عليه الجهمية.\nومن تلقاه عن الجهمية من الكلابية ونحوهم، فلا يقر بنفي ذلك إلا من هو من أهل الكلام المبتدع المذموم المحدث في الإسلام، ومن تلقاه عنهم جهلًا بحقيقته ولوازمه.\nوإذا كان علم الرب مستلزمًا لهذا، كان هذا من أعظم البراهين على ثبوته، وخطأ من نفاه شرعًا وعقلًا، فإنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول إثبات العلم بكل شيء من الأعيان.\nفإذا تبين بصريح العقل أن ذلك يستلزم قيام هذه المعاني بالرب، لزم القول بذلك، كيف والقرآن قد دل على أنه يعلم الشيء بعد كونه، مع علمه بأن سيكون، في بعض عشرة آية، وقد ثبت بالدلائل اليقينية أنه يعلم كل ما فعله، وأنه بكل شيء عليم.\nوهو مقتضى حجتهم.\nوأما زعمهم مع هذا أنه يعلم الكسوف، وجميع صفاته وعوارضه.\nفيقال لهم: إن كان لا يعلم إلا كسوفًا كليًا، لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فهو لم يعلم شيئًا من الكسوفات الموجودة.\nوإن علم الكسوف الموجود، فكل منها جزئي فلا يتصور أن يعلم الكسوف، إلا مع علمه بالكسوفات الجزئية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>كلام ابن سينا باطل من وجوه. الوجه الأول</span>\nكلام ابن سينا باطل من وجوه.\nالوجه الأول\nوهذا الذي قاله باطل من وجوه: من جهة دعواه أنه مع علمه بالعلة التامة لوجود كل موجود، لا يعلم شيئًا من المعلولات الحادثة،","vol":"10","page":187},{"text":"وإنما يعلم أمرًا كليًا لم يحدث، ولا علة لوجوده، فإن الكليات لا يوجد شيء منها إلا معينًا، فالعلة الموجبة له لا توجب إلا معينًا جزئيًا، فمن لم يعلمه معينًا جزئيًا، لم يعلم معلول العلة التامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>الوجه الثاني</span>\nمن جهة دعواه أنه إذا علم الكسوف على الوجه الكلي، علم جميع صفاته وعوارضه، وعلى هذا فيعلم وجود الإنسان علمًا كليًا، مع علمه بجميع صفاته وعوارضه، وهذا باطل.\nفإن الصفات والعوارض التي يتصف بها الإنسان وتعرض له، لا يشترك فيها الإنسان، بل ما من إنسان إلا وله صفات وعوارض لا يشركه فيها غيره، كالسحنة والنغمة، فلا يشرك اثنان في سحنة ولا نغمة.\nوهذا من دلائل ربوبيته، وأنه بكل شيء عليم، فيمتنع أن يعلم جميع ما يتصف به الإنسان ويعرض له علمًا كليًا، وكثير من ذلك، بل أكثره، علم يختص بالواحد من الناس، جزئي لا يشركه فيه غيره، وإن كان الناس يشتركون في أن لهذا رأسًا، ولهذا رأسًا، ولهذا قلبًا وكبدًا، ولهذا قلبًا وكبدًا، ولهذا وجهًا، ولهذا وجهًا، فما من شيئين من ذلك يستويان من كل وجه، بل لكل من ذلك صفة تخصه.\nفكيف يتصور أن يعلم تلك الخصائص من لا يعلم إلا الكليات المشتركة التي لا اختصاص فيها؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>الوجه الثالث</span>\nأن هذه الجهات الحادثة من لوازم العلل التي يعلمها علمًا تامًا.\nفكيف يتصور مع علمه بالعلة التامة علمًا تامًا، أن لا يعلم لوازمها؟! وكل حادث بعينه هو من لوازمها، فأحد الأمرين لازم:","vol":"10","page":188},{"text":"إما أن العلم بالعلة التامة لا يستلزم العلم بالمعلول، وإلا فلا يكون عالمًا علمًا تامًا بالعلة التامة.\nوكلا المقدمتين يسلمون صحتها، فكيف يجوز أن يسلم هاتين المقدمتين، اللتين يقوم عليهما البرهان اليقيني، من ينازع في نتيجتهما اللازمة عنهما بالضرورة؟! وهل هذا إلا جهل بموجب البرهان القياسي في ذلك الذي هم دائمًا يقررونه مادة وصورة؟!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>الوجه الرابع</span>\nأنهم يقولون: إن جميع الحوادث مستندة إلى حركة النفس الفلكية.\nويقولون: إن النفس الفلكية تعلم جزيئات حركات الفلك.\nبل ادعى ابن سينا ومن اتبعه أنها تعلم جميع الحوادث لعلمها بأسبابها، لأن سببها هو الحركة الفلكية، والنفس الفلكية تعلم ذلك، فتعلم المعلولات المسببة عنها.\nوزعموا أن هذه النفس هي اللوح المحفوظ، التي أخبرت به الأنبياء، وأن المكاشفات التي تحصل في النوم واليقظة للأنبياء وغيرهم، هي لاتصال نفوسهم بهذه النفس الفلكية.\nوأبو حامد ذكر هذا المعنى موافقة لهم في طائفة من كتبه، واتبعه على ذلك طائفة من المتصوفة، وصاروا يدعون الأخذ من اللوح المحفوظ.\nومنهم من يعرف مرادهم باللوح المحفوظ، ومنهم من لا يعرف ذلك، كما وقع ذلك في كلام غير واحد من متأخري الصوفية أتباع أبي حامد والمتفلسفة.\nهذا مع أن حركة الفلك ليست هي العلة التامة في حدوث الحوادث، بل يفيض من العقل الفعال ما يفيض من الصور، عند استعداد القوابل بحسب الحركة الفلكية.\nفهل ما يقوله هؤلاء في علم الرب وعلم النفس الفلكية التي ادعوا أنها اللوح المحفوظ إلا من أعظم الأقوال","vol":"10","page":189},{"text":"تناقضًا؟! حيث جعلوا ما هو بزعمهم جزءًا لسبب للحوادث.\nفادعوا أن العلم به يوجب العلم بجميع الحوادث الجزئية، ثم العلة التامة عندهم لكل شيء من حادث وغيره، قالوا: إن العلم التام به لا يوجب العلم بكل حادث، وهم في النفس الفلكية محتاجون بعد إثباتها إلى كون حركة الفلك سببًا لحدوث شيء.\nوهذا إذا سلم أو قامت عليه حجة لا يمكن أن يدعى أنه علة تامة باتفاقهم، مع اتفاق أهل الملل.\nفكيف يجعلون العلم بما ليس بعلة تامة للحوادث موجبًا للعلم بجزئياتها؟ ويقولون: العلم التام بما هو علة لها لا يوجب العلم بها؟.\nثم إذا كانت حركة الفلك صادرة عن الرب بوسط أو بغير وسط، وهو يعلم نفسه ويعلم مفعولاته ولوازمها ولوزام لوازمها، وذلك كله من مفعولاته بوسط أو بغير وسط، فإما أن يعلمها مفصلة معينة، أو لا يعلمها مفصلة.\nفإن علمها مفصلة، علم لوازمها، فعلم جميع الحوادث مفصلة معينة.\nوإن لم يعلمها مفصلة، فلا ريب أن علمه بحركات الفلك أولى من علم النفس الفلكية بكل ما يحدث في الأرض.\nفإن هذه أكثر اختلافًا من حركات الفلك.\nفالعلم بتلك أقرب إلى العلم الكلي، وهو سبحانه أكمل في خلقه لها، ولو بواسطة من إحداث النفس الفلكية لحوادث الأرض.\nثم علم النفس الفلكية بالحركات: إما كمال وإما نقص، فإن كان نقصًا فينبغي تنزيه العالم العلوي منه، وإن كان كمالًا فخالقها أحق بذلك منها.\nثم تلك الحركات وتصورات النفس وإرادتها جميعها مفعولة","vol":"10","page":190},{"text":"للرب ومعلولة له على اصطلاحهم، وهو الخالق لها.\nوالعلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول، فيجب علمه بها، وإذا علمها وهي سبب الحوادث-وجب علمه بالحوادث.\nودعواهم مع عدم علمه بالجزئيات أنه يعلم كل صفة في داخل الآدمي وباطنه، وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه، حتى لا يعزب عن علمه شيء، ويعلمه كليًا-دعوى اثنان في أمر موجود في الخارج، بل ولا يتماثل شيئان من كل وجه، وإن كانا يتشابهان من بعض الوجوه.\nفالعلم بما يتشابه فيه الناس علم ببعض صفاتهم الكلية، ليس ذلك علمًا بجميع صفات كل واحد منهم، ولا صفة كل واحد وعوارضه تماثل الآخر من كل وجه، حتى يكون العلم بالقدر المشترك علمًا كليًا يتناولهما، بل لكل واحد خصائص لا يشاركه فيها غيره.\nوالعلم بالقدر المشترك لا يتناول شيئًا من تلك الخصائص.\nوالإنسان الموجود إنما كان هو الإنسان الموجود بخصائصه، لا بالقدر المشترك بينه وبين غيره.\nبل ذلك القدر المشترك إنما يكون في العلم، لا يكون في الوجود.\nفمن لم يعلم إلا الكلي -وهو القدر المشترك- لم يعلم شيئًا من الموجودات البتة.\nوإنما ننتفع نحن بالعلم الكلي في الأمور","vol":"10","page":191},{"text":"الموجودة، إذا أدرجنا الموجودات في الأمر الكلي، كما في علم الشرع والطب وغير ذلك.\nفعلم الطبيب بأن السقمونيا تستخرج الصفراء، وأن الدم يستخرج بالفصد والحجامة، لا يوجب علمًا بما ينتفع به الناس، إن لم يعلم أن هذا به صفراء، وهذا قد زاد به الدم.\nفإذا علم المعينات مع الكليات انتفع بعلمه، وأمكن أن يكون له تأثير في الوجود، ويصير علمًا فعليًا، أي هو شرط في الفعل.\nفأما العلم الكلي بدون العلم بالجزيئات التي يفعلها الفاعل، فلا يكون علمًا فعليًا، ولا يؤثر في وجود شيء ولا في فعله.\nوبهذا يتبين أن قولهم: إن علم الرب تعالى فعلي، مع إخراج الجزئيات الموجودة عنه تناقض يعرفه من تصور القولين.\nوعامة أقوال القوم متناقضة، لكن ضلالهم في مسألة العلم عظيم جدًا، وهو من أقبح الكفر وأعظمه منافاة لصريح المعقول، وما فطر الله عليه عباده.\nوقوله: إن شخص زيد إنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل، فإن عماد التمييز الإشارة إلى جهة معينة، والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان الكلي.\nفأما قولنا: هذا وهذا، فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس، بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة.","vol":"10","page":192},{"text":"فيقال لهم: من الذي فرق في حق الخالق تعالى بين الحس والعقل حتى وصفه بالعقل دون الحس؟ فإن كنتم تحتجون بالمعقولات التي تعرفونها، فهي تبطل هذا الفرق.\nوإن كنتم تعتصمون بالشرع، فهو لم يطلق عليه اسم العقل ولا الحس، لكن قال: لفظ العلم والسمع والبصر، وبين أنه بكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، والسمع والبصر هو مما يريدونه بلفظ الحس.\nفإن قلتم: أن علمه بالجزئيات المشخصة لا يمكن إلا مع رؤيته لها.\nفلا محذور في إثبات رؤيته لكل مخلوق.\nوإذا قلتم: هذه المحسوسات في جهة، والإحساس بها يقتضي كونها بجهة من الحاس على قرب أو بعد.\nفهذا يناسب قولكم: إن ماليس في مكان ليس له نسبة إلى المكان.\nوحينئذ فيقال: أنتم تعلمون أن النفس لها تعلق للشعور والتدبير بالبدن الجزئي.\nفإن ذلك يستلزم أن يكون الذي يحس البدن جسمًا، فالنفس جسم، وتدبير رب العالمين لمخلوقاته أعظم من تدبير النفس للبدن.\nفإن النفس ليست مستقلة بتدبيره، بل لها شركاء في قوى طبيعة وأسباب خارجية.\nوأما رب العالمين فلا شريك له في تدبير مخلوقاته، فيكون علمه بهم ورؤيته لهم أعظم من علم النفس ببدنها وإدراكها له، سواء سمي هذا وهذا حسًا أو لم يسم.\nوما شاركتم فيه الجهمية من النفي لا ينفعكم، وإنما تنفعكم الأدلة","vol":"10","page":193},{"text":"الصحيحة أو الشرعية.\nوقد قدمنا غير مرة أنه ليس لكم دليل ينفي ما سميتموه تركيبًا عن واجب الوجود، ولا ما ينفي الصفات، حتى أن الغزالي، مع نفيه لكون الرب جسمًا، بين أنه لا دليل لكم على ذلك.\nوأنتم تقولون: لا دليل لنفاة المتكلمين على نفي ذلك، كما قد حكي ذلك عن الفريقين في موضعه، وبين ما ذكر في حجج الفريقين من الفساد العقلي والابتداع الشرعي.\nوأيضًا فإذا كان لا يعلم إلا الأمور الكلية الأزلية الأبدية التي لا تقبل التغير، فيجب أن لا يعلم أحدًا من الأنبياء والرسل، ولا شيئًا مما أمروا به الناس، فإنه ليس شيء من ذلك أزليًا أبديًا، بل يجب أن لا يعرف وجود بني آدم ولا غيرهم من الحيوانات، إلا إذا ثبت أن وجود لك لازم لوجود الأفلاك.\nومعلوم أنهم ليس لهم دليل على قدم نوع من المركبات، لا الإنسان ولا غيره من الحيوانات، وإن اعتقدوا قدم الأفلاك فإن حدوث الحوادث السفلية هو عن حركات الأفلاك.\nوالحركات متنوعة، وتحدث فيها أشكال غريبة، فيجوز أن يكون حدوث ما حدث من الأنواع بسبب بعض الأشكال التي حدثت، ولهذا يجوز عندهم تحول المعمور من الربع الشمالي إلى الجنوبي، وغير ذلك من التغيرات العظيمة، ويجب أن لا يكون له علم بالطوفانات العامة، كطوفان نوح وغيره، لأنه من هذا الباب، بل يجب أن لا يكون عالمًا بشيء من أحوال الأفلاك وغيرها، ما لم يثبت أن ذلك بعينه قديم أزلي.\nوهم لا دليل لهم على قدم شيء من العالم، وإنما حججهم تدل","vol":"10","page":194},{"text":"على قدم نوع فعله، لا على قدم شيء بعينه من المفعولات، وقد قامت الأدلة على أن كل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وإن قيل: إنه لم يزل متكلمًا فاعلًا.\nوعلى هذا التقدير فلا يكون عالمًا بشيء من مخلوقاته، إذ كلها حادثة، وهم لا يعلمون شيئًا من المحدثات، ويجب أن لا يكون عالمًا بما يتكلم به وما يفعله، مع قيام الدليل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، بل ولازم هذا القول أنه لم يفعل شيئًا، فإنه لا يفعل إلا بمشيئته، ولا يشاء إلا مع علمه بما يشاؤه، فإذا قدر أنه لم يعلم الفعل المعين والمفعول المعين، لزم أنه لم يفعل شيئًا، ولزم أن كل من فعل بقدرته ومشيئته كان أكمل منه، لأنه فعل بعلم وقدرة ومشيئة، وهذا في صريح العقل أكمل ممن لا يفعل شيئًا، أو ممن يفعل بلا قدرة ولا مشيئة ولا علم.\nوأيضًا فإنما يجوز أن يعلم المفعولات على وجه كلي أزلي أبدي لا يتغير، أن لو كانت المخلوقات مخلوقة على هذا الوجه، ولو كان كذلك لزم أن لا يكون في العالم شيء من الحوادث، لأن حدوث الحادث بعد أن لم يكن إنما يكون عن حدوث تمام علته، وحدوث تمام العلة لا بد له من سبب حادث، وهو تمام علته التامة، حتى ينتهي الأمر إليه تعالى، فلا بد أن يحدث ما يكون تمام العلة التامة لحدوث الحوادث، فإن قدر أنه لم يعلم إلا الأمر القديم الأزلي الأبدي، امتنع أن يحدث شيئًا","vol":"10","page":195},{"text":"لوجهين: أحدهما: أن الحادث لا يحدث عن قديم أزلي أبدي بدون حادث.\nوهذا أصلهم الذي يقولون به.\nثم نقول: إن جاز حدوث الحادث عن القديم، جاز أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلًا، ولزم حينئذ علمه بالمحدثات.\nوإن لم يجز ذلك امتنع أن يحدث عن العلة القديمة التامة شيء من الحوادث، فلا يحدث في العالم شيء.\nوإذا بطل كون العالم مخلوقًا عن علة أزلية لم يحدث عنها، لزم أن الحوادث حدثت عند كمال الموجب لحدوثها، وذلك بحدوث تمام الموجب لحدوثه، وذلك يرجع إلى أمور قائمة به متعلقة بمشيئته وقدرته، وحينئذ فيجب علمه بها، لأنه من لوازم نفسه، ولامتناع وجودها بدون العلم بها.\nوأيضًا فلأن الحوادث إنما هي صادرة عنه، سواء صدرت بوسط أو بغير وسط، فإن لم يكن عالمًا بها على الوجه الذي حدثت عليه، لم يكن عالمًا بعلتها التامة المستلزمة لحدوثها، لأن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول، فإذا قدر عدم العلم بالمعلول، لزم عدم العلم بالعلة التامة، وإذا امتنع العلم بالعلة التامة، لزم أن ينتفي العلم بعلة العلة، حتى يلزم عدم علمه التام بنفسه.\nوإذا قدر عالمًا بنفسه، لزم علمه بكل حادث على الوجه الذي حدث عليه، ولزم علمه بكل جزئي، لأنه هو الفاعل له على هذا الوجه، وإن كان بطريق اللزوم، فإن علمه بالملزوم كفعله للملزوم، والعلم التام بالملزوم يوجب العلم بلوازمه، كما تقدم بيانه.","vol":"10","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1078>كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن صفة الإرادة ورد ابن تيمية عليه</span>\nقال ابن رشد: وأما صفة الإرادة فظاهر اتصافه بها، إذ كان من شرط صدور الشيء عن الفاعل العالم أن يكون مريدًا له، وكذلك من شرطه أن يكون قادرًا.\nفأما أن يقال: إنه مريد للأمور المحدثة بإرادة قديمة فبدعة، وشيء لا يعقله العلماء، ولا يقنع الجمهور، الذين بلغوا رتبة الجدل، بل ينبغي أن يقال: إنه مريد لكون الشيء في وقت كونه، وغير مريد لكونه في غير وقت كونه، كما قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠]، فإنه ليس عند الجمهور شيء يضطرهم إلى أن يقولوا: إنه مريد للمحدثات بإرادة قديمة، إلا ما توهمه المتكلمون من أن الذي تقوم به الحوادث حادث.\nوقد تبين من قولنا: إن الحوادث التي توجب الحدوث للمحل","vol":"10","page":197},{"text":"الذي تقوم به، هي الحوادث التي تغير جوهر الشيء، وأما تحقيق إرادة الإله فمن علم الخواص الخاص بهم، فهؤلاء أرادوا أن يفهموا الناس من الإرادة معنى غير المفهوم من معنى الإرادة المعروفة المفهومة، التي صرح بها الشرع، وهو معنى لا يفهمه الجمهور، ولا تكيفه العقول، وجعلوا ذلك أصلًا من أصول الشريعة، وكفروا من لم يقل به.\nوإنما طور العلماء في هذا المقام أن يقوم البرهان عندهم أن هناك إرادة غير مكيفة لا يقال عنها: إنها إرادة قديمة يلزم عنها حادث، ولا إرادة حادثة، مثل التي في الشاهد، بل هي إرادة العقول الإنسانية مقصرة عن تكييفها، كما هي مقصرة عن تكييف سائر الصفات التي وصف بها نفسه، لأنها متى كيفت أشبهت الصفات المكيفة المحدثة، فوجب أن يصدق بجميعها بالدلائل البرهانية بلا كيف.\nقلت: أما كونها إرادة ليست مثل إرادة الخلق، فهذا لا بد منه فيها وفي سائر الصفات.\nهذا لا يختص بالإرادة، كما أن الرب نفسه ليس كمثله شيء، فصفاته كذاته.\nلكن مجرد نفي هذا لا ينازعه فيه أحد، ومضمون كلامه الوقف عن الكلام في قدمها وحدوثها، لا بيان حل الشبهة، كما فعل في مسألة العلم.","vol":"10","page":198},{"text":"والفلاسفة الدهرية حائرون في هذا الموضع.\nومن يتكلم فيها تناقض كلامه، لفساد الأصل الذي يبنون عليه، وهو صدور الحوادث عن علة موجبة لمعلولها بوسط أو بغير وسط، فإن هذا ممتنع، بل هو جمع بين النقيضين، لأن العلة التامة لا يتخلف عنها شيء من موجبها، ولا موجب موجبها، والحوادث متأخرة، فلا يكون من موجبها ولا موجب موجبها، فجعلها من موجبها أو موجب موجبها تناقض.\nفإذا كانوا حائرين في أصل صدور الحوادث عنه، فكيف في إرادته لها وعلمه بها؟.\nوما ذكره من أن نفاة المتكلمين لا دليل عندهم إلا ما ذكر من أن الذي تقوم به الحوادث حادث، وما ذكره من إبطال دليلهم على ذلك، هو له ألزم.\nفإن الفلاسفة يقيموا على ذلك دليلًا بحال، إلا ما ينفي الصفات مطلقًا.\nوقولهم في ذلك باطل متناقض إلى الغاية، كما قد بين في موضعه.\nوكلامه يتضمن إثبات الصفات.\nفإذا كان من أصلهم أن القديم قد يقوم به الحادث، مع أنه تقوم الصفات بالواجب القديم، كان ما ألزمه لنفاة المتكلمين له ألزم.\nقال: فإن قيل: فصفة الكلام من أين تثبت له؟\nقلنا: تثبت له من قيام الصفة العلم به، وصفة القدرة على الاختراع.\nفإن الكلام ليس شيئًا أكثر من أن يفعل المتكلم فعلًا يدل","vol":"10","page":199},{"text":"عند المخاطب على العلم الذي في نفسه، ويصير المخاطب بحيث ينكشف له ذلك العلم الذي في نفسه.\nوذلك فعل من جملة أفعال الفاعل.\nقلت: الكلام ليس هو من نفس التكليم، فليس كل متكلم مخاطبًا لغيره، والنظر أولًا في إثبات كونه متكلمًا، ثم في إثبات كونه مكلمًا لغيره، وما ذكره إنما هو في إثبات كونه مكلمًا لغيره.\nثم إنه لم يذكر إلا مجرد الإعلام والإفهام والدلالة بأي طريق كان.\nوما يسمى إعلامًا وإفهامًا.\nويسمى تكليمًا مع الإطلاق أو التقييد درجات.\nكما قال تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١]، فالتكلم من وراء حجاب كما كلم موسى، وبإرسال ملك كما أرسل جبريل بالقرآن، أعظم من مجرد الإيحاء.\nكما قال: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧] .\nوقال: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي﴾ [المائدة: ١١١] .\nولا ريب أن الدلالة على مراتب: أحدها: أن يدل الدليل بغير شعور منه ولا قصد، فهذا الذي يسمى لسان الحال، وكل ما يسمى دليلًا فيسمى بهذا الإعتبار شاهدًا ومعرفًا وقائلًا، كما قال:","vol":"10","page":200},{"text":"امتلأ الحوض وقال قطني\nقطني رويدًا قد ملأت بطني\nوقالت: انساع بطنه.\nوقال الحائط للوتد: لم تشقني؟.\nولا يجوز أن يجعل تكليم الله من هذا الباب عند المسلمين، وقد يجعل تكليمه من هذا الباب من يقول: إنه لا يعلم الجزئيات.\nوالدرجة الثانية: أن يكون الدال عالمًا بالمدلول عليه، لكنه لم يقصد إفهام مخاطب، ولكن حاله دل المستدل على ما علمه، كالأصوات التي تدل بالطبع، مثل البكاء والضحك ونحوهما، فإنها تدل على ما يعلمه المرء من نفسه، مثل الحزن والفرح وكذلك صفرة الوجل وحمرة الخجل تدل على ما يعلمه المرء من فزعه وحيائه، وإن لم يقصد الإعلام بذلك.\nومن هذا الباب قول الشاعر:\nتحدثني العينان ما القلب كاتم ... ولا خير في الشحناء والنظر الشزر\nوقول الآخر:\nوالعين تعلم من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها\nومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [محمد: ٣٠]، فهو يعلم من السيماء","vol":"10","page":201},{"text":"ومن لحن القول ما لم يقصدوا الإعلام به.\nوتكليم الله عند المسلمين لا يجوز أن يكون من هذا الباب، اللهم إلا عند القدرية، الذين يقولون: إن ما يحدث من علم العبد قد يحدث بدون إرادة الله.\nوالدرجة الثالثة: الدلالة التي يقصدها الدال: فمنها: الإعلام بغير خطاب مسموع، كمن يعلم لغيره علامات تدله على ما يريد، وكإشارة الأخرس، ونحو ذلك.\nفالله تعالى قد يعلم عباده بأنواع كثيرة من الدلائل والإعلام.\nوهذا هو الذي أثبته المذكور.\nولكن لازم هذا أن يكون كل من علم علمًا فقد كلمه الله، فإنه قد نصب دليلًا أيعرفه بذلك، والله عالم به، وهو مريد لما وقع.\nولهذا قال: وقد يكون من تكليم الله ما يلقيه إلى العلماء بواسطة البراهين لكن من الناس من يستشعر أن الله هداه إلى ذلك وعلمه إياه، بما نصبه من الأدلة.\nومن الناس من قد يعرض عن ذلك، ولا ينظر إلا إلى ما دله، وقد يقع بنفس الإنسان من ذلك مالا يعرف عليه دليلًا معينًا.\nومعلوم أن جعل كلام الله ليس إلا من هذا النوع خطأ، بل هذا النوع ليس هو الإيحاء المذكور في القرآن، فإن ذاك إيحاء بما يؤمر به.","vol":"10","page":202},{"text":"كما قال تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي﴾ [المائدة: ١١١] .\nوقال: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧] .\nبل إيحاء النحل ليس مقتصرًا على هذا، فإن ذاك أيضًا إيحاء بما يريد أن يفعل، وهذا ليس فيه إلا مجرد الإعلام.\nوالتكليم للغير قد يكون مجرد إخبار له وإعلام، وقد يكون طلبًا منه لفعل أو لترك: إما لمصلحته، وإما لمجرد إرادة الأمر.\nوهذا النوع من التكلم مستلزم للأول، والأول لا يستلزم هذا، فليس كل من أعلم بشيء أمر بشيء، وكل من أمر بشيء فقد أعلم بالمأمور به، وهو لم يذكر إلا مجرد الإعلام، فاقتصر على أدنى نوعي التعليم في آخر درجات التكليم.\nوهذا الذي ذكره غاية ما يثبته القائلون بقدم العالم من المتفلسفة والصابئة ونحوهم.\nوالذين يقولون: إن الله يتكلم بكلام مخلوق يخلقه في غيره، خير من هؤلاء.\nوهذا الدرجة أرفع من درجة مجرد الإعلام مع قصده العلم، لأن هذا إعلام بكلام منظوم مسموع، وهذا أبلغ من إعلام بمجرد ما يقع في النفس، فإذا كان من لم يثبت لله كلامًا إلا كلامًا مخلوقًا في غيره، مع أنه حروف منظومة، من أضل الناس عند سلف الأمة وأئمتها، فكيف من لم يثبت إلا مجرد الإعلام؟!.\nوأهل السنة لا ينازعون في أن مثل هذا الإعلام واقع من جهة الله","vol":"10","page":203},{"text":"تعالى، ولكن يقولون: ليس كلامه وتكليمه هو هذا فقط، بل هذا يحصل لعموم الخلق.\nوأما تكليمه من وراء حجاب، أو بإرسال رسول، فهذا مخصوص بالأنبياء.\nوهؤلاء المتفلسفة يجعلون النبوة من جنس ما يحصل لعلماء الفلاسفة الكاملين عندهم.\nومن هذا صار كثير من متصوفة الفلاسفة يطمعون في النبوة، أو فيما هو أعلى منها عندهم، كما حدثونا عن السهروردي المقتول أنه كان يقول: لا أموت حتى يقال لي: قم فأنذر.\nوكذلك ابن سبعين كان يقول: لقد زرب ابن آمنة حيث قال: لا نبي بعدي.\nوابن عربي صاحب الفتوحات المكية كان يتكلم في خاتم الأولياء، ويقول: إنه أعلم بالله من خاتم الأنبياء، وإن الأنبياء جميعهم يستفيدون العلم بالله من جهة هذا المسمى بخاتم الأولياء، والعلم بالله عندهم هو القول بوحدة الوجود، كما قد عرف من قول هؤلاء ويقول:\nمقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي","vol":"10","page":204},{"text":"ويقول: إن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحى به إلى الرسول.\nوهذا على أصل هؤلاء الفلاسفة الملاحدة، الذين يجعلون الملائكة ما يتمثل في نفس النبي من الصور الخيالية النورانية، وكلام الله ما يحصل في نفسه من ذلك.\nفالنبي عندهم يأخذ عن هذه الأمثلة الخيالية في نفسه الدالة على العلم العقلي، والولي يأخذ العلم العقلي المجرد.\nولهذا يجعلون تكليم الله لأحدهم أفضل من تكليمه لموسى بن عمران، لأن موسى كلم عندهم بحجاب الحرف والصوف، أي بخطاب كان في نفسه، ليس خارجًا عن نفسه.\nويقول بعضهم كلم من سماء عقله، وأحدهم يكلم بدون هذا الحجاب، وهو إلهامه المعاني المجردة في نفسه.\nوصاحب خلع النعلين وأمثاله يسلكون هذا المسلك.\nوهؤلاء أخذوا من مشكاة الأنوار التي بناها واضعها على قانون الفلاسفة، وجعل تكليم الله لموسى من جنس ما يلهمه النفوس من العلوم.","vol":"10","page":205},{"text":"ولما كان ابن رشد هذا يعتقد في الباطن ما يعتقده من مقالات المتفلسفة، كانت غايته فيما أثبته من كلام الله، هو من جنس الإعلام العام، الذي يشترك فيه نوع الإنسان.\nولهذا كانت اليهود والنصارى أعظم إيمانًا بالله وأنبيائه ودينه وبالآخرة من الفلاسفة، لكن في اليهود والنصارى من يسلك مسلك هؤلاء المتفلسفة، فيجتمع فيه الضلالان.\nواليهود والنصارى آمنوا ببعض ما أنزل الله وكفروا ببعض.\nكما قال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا﴾ [النساء: ١٥٠-١٥١] .\nلكن أولئك آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض، وهؤلاء المتفلسفة قد يقرون بجميع الأنبياء والكتب، لكن هم في إيمانهم بجنس الأنبياء والكتب، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، فخيارهم يؤمنون بدرجة من درجات إعلام الله وإيحائه إلى عباده، كما ذكر ابن سينا وابن رشد وأمثالهما، ولا يؤمنون بما فوق ذلك.\nوكذلك فيما أخبرت به الرسل من الغيب: يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.\nوكذلك فيما أمروا به، فهم يؤمنون ببعض نوع الرسالة ويكفرون ببعض.\nولهذا قد يكون اليهود والنصارى خيرًا منهم، وقد يكون خيارهم أقرب إلى الإسلام من اليهود والنصارى من بعض الوجوه، ويكونون","vol":"10","page":206},{"text":"من هذا الوجه خيرًا من اليهود والنصارى.\nومعلوم أن المنافقين الداخلين في الإسلام فيهم من هو شر من اليهود والنصارى، وفيهم من يكون نفاقه أخف من كفر اليهود والنصارى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>تابع كلام ابن رشد عن صفة الكلام ورد ابن تيمية عليه</span>\nقال ابن رشد: وإذا كان المخلوق الذي ليس بفاعل حقيقي -أعني الإنسان- يقدر على هذا الفعل من جهة ما هو عالم قادر، فإنه بالحري أن يكون ذلك واجبًا في الفاعل الحقيقي.\nقال: ولهذا الفعل شرط آخر في الشاهد، وهو أن يكون بواسطة، وهو اللفظ.\nوإذا كان هذا هكذا، وجب أن يكون الفعل من الله تعالى، في نفس من اصطفى من عباده، بواسطة ما، إلا أنه ليس يجب أن يكون لفظًا، ولا بد مخلوقًا له، بل قد يكون بواسطة ملك، وقدي كون وحيًا، أي يغير لفظ يخلقه، بل يفعل فعلًا في السامع ينكشف له به ذلك المعنى.\nوقد يكون بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع المستمع المختص بكلامه.\nوإلى هذه الأطوار الثلاثة الإشارة بقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من","vol":"10","page":207},{"text":"وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١] .\nفالوحي هو وقوع ذلك المعنى في نفس الموحى إليه بغير واسطة لفظ يخلقه، بل بانكشاف ذلك المعنى له بفعل يفعله في نفس المخاطب.\nكما قال تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ٩-١٠] .\nوقوله: ﴿من وراء حجاب﴾ هو الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها في سمع الذي اصطفاه بكلامه، وهذا هو كلام حقيقي، وهو الذي خص الله به موسى، ولذلك قال: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤] .\nوأما قوله: ﴿أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه﴾ [الشورى: ٥١]، فهذا هو القسم الثالث، وهو الذي يكون بواسطة الملك.\nقال: وقد يكون من كلام الله ما يلقيه إلى العلماء، والذين هم ورثة الأنبياء، بواسطة البراهين.","vol":"10","page":208},{"text":"قلت: هذا كله على أصله إخوانه الفلاسفة كما تقدم.\nوهؤلاء في الحقيقة لم يثبتوا لله كلامًا ولا تكليمًا هو أمر ونهي، وإنما أثبتوا مجرد العلم والإعلام.\nوقوله: ولهذا الفعل شرط في الشاهد -وهو اللفظ- فيجب أن يكون من الله بواسطة، وهو الملك، أو جعل العبد عالمًا بذلك، أو لفظ يخلقه في سمع المستمع فهذا شر من قول المعتزلة، الذين يقولون: كلام الله مخلوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>كلام ابن رشد السابق خطأ من عدة وجوه</span>\nوهو متضمن لعدة وجوه من الخطأ: منها: أن الملك إذا كان واسطة رسول إلى من أرسل إليه، كما أن البشر أيضًا رسول، ومثل هذه الواسطة قد تكون من العبد أيضًا، فإنه قد يرسل رسولًا، كما يكتب كتابًا، والرسول مبلغ لكلام المرسل، فلا بد من إثبات كلام يبلغه الرسول.\nوالرسول قد يبلغ لفظ المرسل، وقد يبلغ معناه بعبارة أخرى، وقد يفهم مراده بطريق آخر فيبلغه عنه، فهذا كله يقع في البشر، كما يقع تكليم بعضهم لبعض باللفظ، فلا يجعل هذا من الله نوعًا من الأنواع القائمة مقام اللفظ من البشر، فإن البشر تجمع بين النوعين: بين اللفظ وبين هذا، فكان الواجب أن يجعل هذا من الله قائمًا مقام الإرسال من البشر، لا مقام اللفظ.\nوأيضًا فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها لا تقوم مقام اللفظ من البشر.\nأما إحداث الفهم في العبد، فهذا مفعول من مفعولات الله","vol":"10","page":209},{"text":"كسائر مفعولاته، فجعل العبد يعلم بمنزلة جعله يسمع ويبصر، ويقدر ويعمل.\nومعلوم أن هذا لا يقدر عليه غير الله، وهو مع هذا متناول لجميع الحيوان.\nقال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى* الذي خلق فسوى* والذي قدر فهدى﴾ [الأعلى: ١-٣] .\nوقال موسى: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] .\nفهل يكون كل من جعله الله يعلم ما لم يكن يعلم يكون قد كلمه الله؟\nوأيضًا فهذا ليس نظير خطاب الإنسان بلفظه، ولا هذا واسطة في هذا التكليم، بل هذا هو نفس الواسطة.\nوهو يثبت أمرين: أحدهما: فعل من الله هو التكليم.\nوالثاني واسطة أخرى غير الفعل.\nوذلك لا يصلح لأمرين: أحدهما: أن الفعل غير المفعول، كما أقر بذلك غير مرة.\nوهنا لا يثبت لله فعلًا غير ما حدث في نفس الملهم.\nالثاني: أنه ليس هناك واسطة غير هذا الحادث، فنفس كون العبد يعلم هو التكليم عنده، وهو مفعول الحق.\nوإذا قدر قبل هذا العلم خلق استعداد في العبد، وإثبات شروط، وإزالة موانع، فتلك هي شروط العلم، كالنظر والاستدلال فيما يحصل بذلك.\nوأما قوله: بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع المستمع المختص بكلامه.\nفيقال له: هذا اللفظ: إن كان موجودًا في شيء خارج عن المستمع، فهو قول المعتزلة، الذين يقولون: إن الله كلم موسى بكلام مخلوق في غيره.","vol":"10","page":210},{"text":"وهو لم يرد هذا، بل قوله وقول أصحابه شر من هذا.\nوإن أراد ما هو مدلول لفظه وقول أصحابه، وهو أنه خلق لفظًا في نفس موسى سمعه موسى من غير أن يكون له وجود في الخارج، فهذا من جنس ما يسمعه النائم في نفس من الأصوات، وما يقع لأرباب الرياضيات من الأصوات التي يسمعونها في أنفسهم.\nولا ريب أن إحداث المعاني العقلية المجردة في نفس الإنسان أكمل من إحداث هذه في نفسه، فيكون تكليمه لموسى أنقص من إيحائه إلى سائر النبيين، والله قد فضل موسى بالتكليم، وعلم ذلك بالضرورة من دين المسلمين واليهود والنصارى.\nقال تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا* ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٣-١٦٤] .\nوقال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله﴾ [البقرة: ٢٥٣] .\nوقال: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾ إلى قوله: ﴿قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ [الأعراف: ١٤٣-١٤٤] .\nوقال: ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا﴾ [مريم: ٥٢] .","vol":"10","page":211},{"text":"وقال: ﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين﴾ [القصص: ٣٠] .\nوقال: ﴿هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى﴾ [النازعات: ١٥-١٦] .\nوما ذكروه من حدوث أصوات في نفس الإنسان يسمعها: إما يقظة وإما منامًا، يحصل لآحاد الناس في كثير من الأوقات، وسمع الإنسان للهواتف في نفسه أكثر من أن يحصى، فإن كان تكليم موسى من هذا الجنس، فآحاد الناس شركاؤه في هذا، فكيف بالأنبياء، فكيف بالمرسلين؟!.\nومعلوم أن الله خص موسى بالتكليم تخصيصًا لم يشركه فيه: لا نوح، ولا إبراهيم، ولا عيسى، ولا نحوهم من النبيين.\nوقوله: إن ذلك الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها في سمع الذي اصطفاه بكلامه، وهذا هو كلام حقيقي، وهو الذي خص به موسى كلام باطل، فإن هذا ليس بالتكليم الحقيقي الذي خص به موسى، بل ليس هو التكليم الحقيقي عند أحد من الأمم.\nولا يعقل أحد في التكليم هذا، وإنما هذا من جنس المنامات، وغايته أن يكون من جنس الإيحاء.\nوالإنسان قد يرى في منامه أن الله خاطبه بكلام كثير يسمعه، فإن كان هذا كلام حقيقي لله، فما أكثر","vol":"10","page":212},{"text":"الكلام الحقيقي لله، وما أكثر تكليمه بكلام حقيقي لآحاد الناس! كما كلم موسى بن عمران النجي المقرب المخصوص بالتكليم.\nوأيضًا قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١]، يقتضي أن التكليم من وراء حجاب نوع غير الوحي، وأن المكلم بذلك محجوب أن يرى الله، لأن التكليم المسموع قد يكون مع رؤية المستمع للمتكلم، وقد يكون مع كونه محجوبًا عنه، بخلاف الوحي، فإنه يقع في قلبه، فلا يحتاج أن يجعل نوعين.\nولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان»، فلو كان الكلام المسموع هو شيئًا قائمًا بالمستمع، لا وجود له في الخارج، لكان من جنس الوحي الذي لا يحسن أن يقال معه: من وراء حجاب، فإن صاحب هذا لم يسمع شيئًا منفصلًا عنه، يمكن مشاهدة المتكلم به تارة، وحجب المستمع عنه أخرى.\nوالكلام على هذا مبسوط في موضعه.\nوالمقصود هنا التنبيه على ما تعرف به الأقوال الموافقة للقرآن والمخالفة له، فإن هذا الباب خاض فيه طوائف من الناس.\nوأكثر الناس يسمعون كلام هذا وهذا، ولا يعرفون حقائق الأقوال ومراتبها في القرب من الحق والبعد منه.","vol":"10","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1081>تابع كلام ابن رشد عن صفة الكلام ورد ابن تيمية عليه</span>\nقال ابن رشد: وقد يكون من كلام الله ما يلقيه إلى العلماء الذين هم ورثة الأنبياء بواسطة البراهين، وبهذه الجهة صح عند العلماء أن القرآن كلام الله.\nأعني أن القرآن تضمن براهين عجزت العقول البشرية عنها، فوجب أن يكون فاعلها هو الله.\nوفاعل البرهان عند الناظر فيه مقطوع عنده أن فاعل ذلك متكلم.\nقلت: هذا بناه على ما تقدم من أن التكليم ليس إلا مجرد الإعلام، فما علمه العالم بالدليل هو من هذا النمط وهذا مما يبين ضلاله، فإنه من المعلوم بالإضرار أن تكليم الله لأنبيائه بالوحي الذي يخصهم أمر لا يحصل للعلماء، ما ذكره في القرآن مضمونه أن القرآن فيه من البراهين ما تعجز عنه العقول، فوجب أن يكون مفعولًا لله على زعمه.\nوهو، والمعتزلة، يقولون: إنه مفعول أحدثه في شيء منفصل عن الرسول وعن جبريل، وهؤلاء عندهم لا يكون إحداثه إلا في نفس الرسول أو جبريل، عند من يسلم أن جبريل ملك منفصل عن النبي قائم بنفسه، وهذا لا يقوله إلا من قرب إلى الإسلام منهم، وأئمتهم لا يقولون ذلك، ولا يعرفون جبريل إلا ما في نفس النبي من الخيال أو","vol":"10","page":214},{"text":"العقل الفعال.\nفقول المعتزلة خير من قول هؤلاء بكثير.\nويقال له: القرآن إذا تضمن براهين عجزت العقول عنها، فمن أين وجب أن يكون مفعولًا لله؟ وما المانع من أن يكون كلامًا يتكلم الله به؟ هذا لا مانع منه إلا ما يقوله نفاة الصفات، وأنتم قولكم في إثباتها ونفيها متناقض، تثبتونها تارة وتنفونها أخرى، ولا دليل لكم على النفي إلا ما قد عرف فساده، والأدلة اليقينية توجب إثباتها، أو ما يقوله من ينفي أفعاله، وما يقوم به من الأمور التي يختارها ويقدر عليها، كالتكليم مثلًا، وأنتم قد بينتم فساد هذه الحجة التي استدل بها نفاة ذلك.\nقال: فقد تبين لك أن القرآن -الذي هو كلام الله- قديم، وأن اللفظ الدال عليه مخلوق له ﷾ لا للبشر.\nفيقال له: ليس فيما ذكرته ما يقتضي أن القرآن -الذي هو كلام الله- قديم، فإن غاية ما ذكرته أن يكون القديم هو العلم، والقرآن ليس هو مجرد العلم: لا حروفه ولا معانيه.\nأما حروفه، فظاهر.\nوأما معانيه، فإن معاني الكلام نوعان: إنشاء وإخبار.\nفأما الإنشاء ففيه الأمر والنهي، المتضمن للطلب أو للإرادة، التي بمعنى المحبة.\nونحو ذلك.\nوأما الخبر فهل معناه من جنس العلم، أو حقيقة أخرى غير العلم؟ ففيه قولان معروفان.\nفإذا لم يكن في كلامك ما يمكن أن يكون قديمًا غير العلم، لم يكن","vol":"10","page":215},{"text":"معنى القرآن عندك قديمًا، ولكن بعض معناه.\nثم الكلام في تعدد هذه المعاني واتحادها، وتعدد العلم والإرادة واتحاد ذلك لم يتكلم هو فيه، وقد ذكر في غير هذا الموضع.\nوكذلك يقال له: ليس فيما ذكرته أن اللفظ الدال عليه مخلوق له سبحانه لا لبشر، فإنك لم تذكر إلا مجرد دعوى: أنه يسمع ألفاظًا في نفسه، ولم تقم دليلًا على ذلك.\nولو قدر أن مثال ذلك يسمى كلام الله، كان قول القائل: إن القرآن من هذا الباب -دعوى تفتقر إلى دليل، وهو لم يذكر دليلًا على ذلك، ولا دليل له إلا ما قد اعترف هو بضعفه، كدليل ابن سينا على نفي الصفات، ودليل المعتزلة والأشعرية على أن ما لم يسبق الحوادث فهو حادث، أو دليل المعتزلة على نفي الصفات، وهو أضعف من ذلك.\nفهذا مجموع ما ذكره، هو وأمثاله في كتبهم، وهي ترجع إلى دليل الحوادث والتعدد والاختصاص، ليس لهم رابع.\nثم يقال له: بتقدير تسليم ما قدمته، قولك في القرآن باطل، وذلك لأنه لا يمكنك أن تقول فيه ما قلته في تكليم موسى، فإن موسى كلمه الله تكليمًا، فزعمت أنت وأمثالك من الملاحدة أن معنى ذلك خلق كلام مسموع في مسامع موسى، كما زعم المعتزلة - الذين هم خير منكم - أن ذلك كلام مسموع خلقه في جسم من الأجسام فسمعه","vol":"10","page":216},{"text":"موسى، وأما القرآن فنزل به جبريل إلى محمد ﷺ، لم يكلم الله به محمدًا بلا واسطة.\nوإذا كان جبريل نزل به من الله، وأنتم تقولون ليس هنا جبريل منفصل عن النبي، وإنما جبريل ما يتخيل في نفسه من الصور النورانية التي تخاطبه، وحينئذ فيكون من خلق في نفسه هذه الأصوات ابتداءً قد كلمه الله تكليمًا، ومن خلقت فيه بواسطة هذه الصورة نزل جبريل بها، فيكون ما يحصل لآحاد الناس من الأصوات التي يسمعها في نفسه أعظم من القرآن، وهي بأن تكون كلام الله أحق من القرآن، وتكون التوراة أعظم من القرآن.\nوقد علم بالاضطرار من دين المسلمين أن جبريل ملك حي متكلم، كان ينزل على النبي ﷺ بالوحي، ليس هو مجرد ما يتخيل في نفسه.\nقال تعالى: ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين﴾ إلى قوله: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ [التكوير: ١٩-٢٣]، فأخبر أنه رسول كريم، ذو قوة عند ذي العرش، وأنه مطاع هناك أمين.\nومن المعلوم أن ما في نفوس البشر من الصور لا يوصف بهذا وقال تعالى: ﴿علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى *","vol":"10","page":217},{"text":"ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ٥-١٨]، فأخبر أن معلمه معلم شديد القوى، وأنه ذو مرة.\nوالناس قد تنازعوا في المرئي مرتين، فقال ابن مسعود وعائشة وغيرهما: هو جبريل، رآه على صورته التي خلق عليها مرتين، كما ثبت ذلك في الصحيح عنه ﷺ.\nوقال ابن عباس وغيره: رأى ربه بفؤاده مرتين.\nومن المعلوم أنه إذا كان المرئي جبريل، وأنه الذي رآه عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأموى، وأنه استوى وهو بالأفق الأعلى -امتنع أن يكون جبريل ما في نفسه.\nوإن كان المرئي هو الله، فهو أعظم.\nومن هؤلاء من يقول: جبريل هو العقل الفعال، ويقول: ليس بضنين: أي ببخيل، لأنه فياض.\nوهذا جهل، لأن قراءة الأكثرين: بظنين، أي بمتهم.\nوهو المناسب، أي ما هو بمتهم على ما غاب عنا، بل هو أمين في إخباره بالغيب.\nوإذا قيل: ضنين، بمعنى بخيل، كان ذلك وصفًا له بأنه لا ينجل بعلم الغيب، بل يبين الحق.\nولهذا قال: على الغيب بظنين.","vol":"10","page":218},{"text":"وما يزعمونه من العقل الفعال هو عندهم تفيض منه جميع الأمور المشاهدة، فليس هنا غيب وشهادة.\nثم من المعلوم بالاضرار من دين المسلمين أن جبريل لم يبدع الأرض والجبال، والهواء والسحاب، والحيوان والمعدن والنبات.\nوهم يزعمون أن هذا العقل الفعال أبدع كل ما تحت فلك القمر.\nوقد بسط الكلام على هذا، وبين أن الملائكة التي وصفها الله في كتابه لا يصح أن تكون هي ما يذكرونه من العقول والنفوس بوجوه كثيرة.\nقال: وبهذا باين لفظ القرآن الألفاظ التي ينطق بها في غير القرآن، أعني أن هذه الألفاظ هي فعل لنا بإذن الله.\nوألفاظ القرآن هي خلق الله، ومن لم يفهم هذا على هذا الوجه لم يفهم هذه الصورة، ولا فهم كيف يقال في القرآن: إنه كلام الله.\nفيقال له: كلا ما يحدثه الله تعالى في نفوس الآدميين من الحروف والأصوات التي يتخيلونها في المنام واليقظة، هي على قولكم بمنزلة القرآن في أنها خلق الله.\nومن المعلوم أن الألفاظ التي يؤلفها الفضلاء خير من أكثر الألفاظ التي يتخيلها أكثر الناس في المنام واليقظة، فأي فضيلة للقرآن بهذا الإعتبار؟!.\nقال: ومن نظر إلى اللفظ دون المعنى، قال: إن القرآن","vol":"10","page":219},{"text":"مخلوق.\nومن نظر إلى المعنى الذي يدل عليه اللفظ، قال: إنه غير مخلوق.\nوالحق هو الجمع بينهما.\nقال: والأشعرية قد نفوا أن يكون المتكلم فعل الكلام، لأنهم تخيلوا أنهم إذا سلم، هذا الأصل، وجب أن يعترفوا أن الله فاعل لكلامه، ولما اعتقدوا أن المتكلم هو الذي يقوم الكلام بذاته، ظنوا أنه يلزمهم عن هذين الأصلين أن يكون الله فاعلًا للكلام في ذاته، فتكون ذاته محلًا للحوادث، فقالوا: المتكلم ليس فاعلًا للكلام، وإنما هي صفة قديمة لذاته كالعلم وغير ذلك، وهذا يصدق على كلام النفس، ويكذب على الكلام الذي يدل على ما في النفس، وهو اللفظ.\nوالمعتزلة لما ظنوا أن الكلام هو ما فعله المتكلم، قالوا: إن الكلام هو اللفظ فقط.\nولهذا قال هؤلاء: إن اللفظ مخلوق.\nواللفظ عند هؤلاء من حيث هو فعل، فليس من شرطه أن يقوم بفاعله، والأشعرية تتمسك بأن من شرطه أن يقوم بالمتكلم، وهذا صحيح في الشاهد في الكلامين معًا: أعني كلام النفس، واللفظ الدال عليه.\nوأما في الخالق فكلام النفس هو الذي قام به، فأما الدال عليه فلم يقم به سبحانه.","vol":"10","page":220},{"text":"والأشعرية لما شرطت بإطلاق أن يكون الكلام قائمًا بالمتكلم، أنكرت أن يكون المتكلم فاعلًا للكلام على الإطلاق، والمعتزلة لما شرطت أن يكون المتكلم فاعلًا للكلام بإطلاق أنكروا كلام النفس.\nوفي قول كل واحدة من الطائفتين جزء من الحق وجزء من الباطل، على ما لاح لك من قولنا.\nفيقال له: ليس فيما ذكرته قول الأشعرية ولا قول المعتزلة ولا جمعًا بينهما وبل هو قول المتفلسفة والصابئة، الذين هم شر من اليهود والنصارى.\nوذلك أن المعتزلة، وإن قالت: إن الكلام مفعول للرب، فإنها لا تجعلها محدثًا في نفس المتكلم، بل يقولون: إنه مفعول في جسم منفصل عن المستمع، وهو آية من آيات الله التي يخلقها، ومن قال بقولك كفرته المعتزلة.\nوأما الأشعرية فهم، وإن قالوا: إنه معنى قائم بنفس المتكلم، فلا يجعلونه مجرد العلم، بل الكلام عندهم صفة ليست هي العلم ولا الإرادة، والكلام يكون خبرًا ويكون أمرًا.\nوالناس وإن خالفوهم في هذا المعنى، وقالوا لا يعقل إلا العلم","vol":"10","page":221},{"text":"والإرادة، وضايقوهم في جعل المعنى الواحد يكون أمرًا وخبرًا، حتى احتاج بعضهم إلى أن جعل الكلام كله بمعنى الخبر، والخبر مع المخبر كالعلم مع المعلوم، وقد يضطرون إلى أن يفسروا معنى الخبر بالعلم لعدم الفرق -فهذه لوازم المذهب الذي قد يستدل بها، إن كانت لازمة، على فساده، وليس كل من قال قولًا يلتزم بوازمه.\nوالناس لهم في الكلام ثلاثة أقوال: هل هو اسم اللفظ والمعنى جميعًا؟ كما هو قول الأكثرين، أم للفظ فقد بشرط دلالته على المعنى؟ كقول المعتزلة وكثير من غيرهم، أو للمعنى المدلول عليه باللفظ، كقول الكلابية؟ ومن متأخريهم من جعله مشتركًا بينهما اشتراكًا لفظيًا.\nوأما المتكلم ففيه أيضًا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من فعل الكلام، ولو في غيره، كما يقوله المعتزلة.\nوالثاني: من قام به الكلام، وإن لم يفعله، ولم يكن مقدورًا مرادًا له، كما يقوله الكلابيه.\nوالثالث: من جمع الوصفين، فقام به الكلام وكان قادرًا عليه.\nولا ريب أن جمهور الأمم يقولون: لا يكون متكلمًا إلا من قام به الكلام، كما لا يكون متحركًا إلا من قامت به الحركة، ولا عالمًا إلا من قام به العلم، ونحو ذلك.\nلكن الكلابية اعتقدوا أنه لا تقوم به الحوادث، فامتنع لهذا عندهم أن يكون الكلام مقدورًا له مرادًا.\nقالوا: لأن المقدور المراد حادث لا يكون صفة لازمة له.\nوأنت قد بينت فساد هذا الأصل، فكان يلزمك على أصلك أن تجوز قيام ذلك به، فإنه لا دليل لك على نفيه، إلا ما تنفى به سائر","vol":"10","page":222},{"text":"الصفات.\nوأنت تعترف بأن حدوث الحوادث بدون ذلك مما يتعرى ويتعذر بعقله.\nوكذلك ما ذكرته عن المعتزلة من أن اللفظ عندهم فعل، وليس من شرطه أن يقوم بفاعله، وأنت مقر بالفرق بين الفعل والمفعول، وأنه لا يعقل مفعول بدون فعل.\nوهذا مما أوردته على أبي حامد في تهافت التهافت، وقلت: إن حدوث العالم بدون إحداث يكون هو فعل والحادث هو المفعول محال.\nوقد أبطلت أصل المعتزلة في أن ما تقوم به الحوادث فهو حادث، فكان يلزمك أن تثبت فعلًا قائمًا بالفاعل: إما قديمًا، وإما حادثًا، ويكون الكلام قائمًا بالمتكلم، وهو فعل له.\nفكيف وأنت وأصحابك لم تثبتوا كلامًا لله إلا ما كان في نفوس البشر؟ فالمعتزلة خير منكم.\nوإذا قلت: نحن نثبت المعنى أنه قديم بخلاف المعتزلة.\nقيل لك: المعتزلة أيضًا تقر بأن الله عليم بكل شيء، أعظم مما تقرون أنتم به.\nوالمعتزلة لا تنكر هذا المعنى، وهم، وإن كانوا متناقضين في إثبات الصفات ونفيها، فلا ريب أن قولهم أقرب إلى إثبات الصفات من قول أصحابك.\nفما جعلته أنت قديمًا يمكنهم جعله قديمًا.\nوأعظم ما شنع الناس به في الصفات على المعتزلة قول رئيسهم أبي الهذيل، قوله: إن الله عالم بعلم هو ذاته.\nوليست ذاته علمًا.\nوأنت تقول: إن العلم هو العالم، بل تقولون: إن العلم والعالم","vol":"10","page":223},{"text":"والمعلوم، والعشق والعاشق والمعشوق، والعقل والعاقل والمعقول -شيء واحد.\nفقولكم أشد نفيًا وتناقضًا من قولهم، وهم إلى إطلاق القول بأن معنى القرآن قديم ولفظه مخلوق أقرب منكم، فما في قولهم من باطل إلا وفي قولكم أفسد منه، ولا في قولكم حق إلا وفي قولهم أكمل منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن صفتي السمع والبصر ورد ابن تيمية</span>\nقال ابن رشد: وأما صفة السمع والبصر فإنما أثبتهما الشرع لله ﵎ من قبل أن السمع والبصر يختصان بمعان مدركة في الموجودات، ليس يدركها العقل.\nولما كان الصانع من شرطه أن يكون مدركًا لكل ما في المصنوع، وجب أن يكون له هذان الإدراكان، فواجب أن يكون عالمًا بمدركان البصر، وعالمًا بمدركات السمع، إذ هي مصنوعات له، وهذه كلها منبهة على وجودها للخالق سبحانه في الشرع، من جهة تنبيهه على وجوب العلم به.\nوبالجملة، فما يدل عليه اسم الإله واسم المعبود يقتضي أن يكون مدركًا لجميع الإدراكات، لأنه من العبث أن يعبد الإنسان ما لا يدرك أنه عابد له.","vol":"10","page":224},{"text":"كما قال تعالى: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ [مريم: ٤٢] .\nوقال: ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم﴾ [الأنبياء: ٦٦] .\nفهذا القدر، مما يوصف الله به ويسمى به، هو القدر الذي قصد الشرع أن يعلمه الجمهور، لا غير ذلك.\nقلت: السمع والبصر ليسا مجرد علم بالمسموع والمرئي، وإن استلزما ذلك، على ما هو المعروف من قول أئمة السنة.\nوالقصد الذي عرفه الشرع أكثر من هذه الصفات.\nولكن لما أراد صاحب هذا الكلام أن يبين الطرق الشرعية لإثبات ما أثبته المتكلمون من الصفات، تبعهم في هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>رد ابن رشد على أقوال الأشاعرة والمعتزلة في مسألة الصفات ورد ابن تيمية</span>\nقال: ومن البدع التي حدثت في هذا الباب سؤال في الصفات: هل هي الذات أو زائدة على الذات؟ ثم هل هي صفة نفسية أو صفة معنوية؟.\nويعني بالنفسية التي توصف بها الذات لنفسها، لا لقيام معنى","vol":"10","page":225},{"text":"فيها زائد على الذات، مثل قولنا: واحد قديم.\nوالمعنوية التي توصف بها الذات لقيام معنى فيها، فإن الأشعرية يقولون: إن هذه الصفات هي صفات معنوية، وإنها زائدة على الذات، فيقولون: إنه عالم بعلم زائد على ذاته، وحي بحياة زائدة على ذاته، كالحال في الشاهد.\nويلزمهم على هذا أن يكون الخالق جسمًا، لأنه يكون هناك صفة وموصوف، وحامل ومحمول، وهذه هي حال الجسم.\nوذلك أن الذات لا بد أن يقولوا: إنها قائمة بذاتها، والصفات قائمة بها، أو يقولوا: إن كل واحد منها قائم بنفسه، أو يقولوا: إن الذات تقوم بالصفات، فإن قالوا: إن كل واحد منهما قائم بنفسه، فالآلهة كثيرة.\nوهذا قول النصارى الذين زعموا أن الأقاليم ثلاثة: أقنوم الوجود والحياة والعلم.\nوقد قال تعالى في هؤلاء: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٢]، وإن قالوا: أحدهما قائم بنفسه، والآخر قائم","vol":"10","page":226},{"text":"به، فقد أوجبوا أن يكون جوهرًا وعرضًا، لأن الجوهر هو القائم بذاته، والعرض هو القائم بغيره، والمؤلف من جوهر وعرض جسم ضرورة.\nوكذلك قول المعتزلة في هذا الجواب.\nأن الذات والصفات شيء واحد هو أمر بعيد من المعارف الأول، بل يظن أنه مضاد لها، وذلك أنه يظن أن من المعارف الأول أن العلم يجب أن يكون غير العالم، وأنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم، إلا لو جاز أن يكون أحد المتضايفين، مثل أن يكون الأب والابن معًا واحدًا بعينه، فهذا تعليم بعيد عن أفهام الجمهور، والتصريح به بدعة، وهو أن يضلل الجمهور أحرى منه أن يرشدهم.\nوليس عند المعتزلة برهان على وجوب هذا في الأول سبحانه، إذ ليس عندهم برهان، ولا عند المتكلمين على الجسمية أو نفي الجسمية عنه برهان، فإن نفي الجسمية عنه انبنى على وجوب الحدوث للجسم بما هو جسم.","vol":"10","page":227},{"text":"وقال: وقد بينا في صدر هذا الكتاب أنه ليس عندهم برهان على ذلك، وأن الذين عندهم برهان على ذلك هم العلماء.\nومن هذا الموضع زل النصارى، وذلك أنهم اعتقدوا كثرة الأوصاف، واعتقدوا أنها جواهر لا قائمة بغيرها، بل قائمة بنفسها كالذات، واعتقدوا أن الصفات التي بهذه الحال هما صفتان: العلم، والحياة.\nقالوا: فالإله واحد من جهة، ثلاثة من جهة، يريدون أنه ثلاثة من جهة أنه موجود وحي وعالم، وواحد من جهة أن مجموعها شيء واحد.\nفهنا ثلاثة مذاهب: مذهب من رأى أنه نفس الذات ولا كثرة هنالك.\nمذهب من رأى الكثرة، وهؤلاء قسمان: منهم من جعل الكثرة كثرةً قائمةً بذاتها.\nومنهم من جعلها كثرةً قائمةً بغيرها.\nوهذا كله بعيد عن مقصد الشرع.\nوإذا كان هذا هكذا، فالذي ينبغي أن يعلم الجمهور من أمر هذه الصفات هو ما صرح به الشرع فقط، وهو الاعتراف بوجودها دون","vol":"10","page":228},{"text":"تفصيل الأمر فيها، فإنه ليس يمكن عند الجمهور أن يحصل في هذا يقين أصلًا.\nوأعني هنا بالجمهور كل من لم يعن بالصنائع البرهانية.\nوسواء كان قد حصلت له صناعة الكلام أو لم تحصل له، فإنه ليس في قوة صناعة الكلام الوقوف على هذا القدر من المعرفة، إذ أعلى مراتب صناعة الكلام أن يكون حكمة جدلية لا برهانية، وليس في قوة صناعة الجدل الوقوف على الحق في هذا.\nفقد تبين من هذا القول القدر الذي صرح به للجمهور من المعرفة في هذا، والطرق التي سلكت بهم في ذلك، وأن الطرق التي سلكوا بالناس في هذه الأشياء، وزعموا أنها من أصل الشرع، ليست من أصل الشرع، بل هي مسكوت عنها في الشرع.\nقلت: مقصود بهذا الكلام يبين أن طرق إخوانه الفلاسفة في نفي الصفات هي البرهانية، دون طرق غيرهم.\nوليس الأمر كما زعمه، بل ما سلكه إخونه في نفي الصفات أضعف بكثير مما سلكه المعتزلة، مع أن","vol":"10","page":229},{"text":"كليهما فاسد، كما قد بين في موضعه.\nوقول القائل: إن الشرع لم يصرح بإثبات الصفات من أبين الخطأ، فإن الله تعالى قال: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ [البقرة: ٢٥٥] .\nوقال: ﴿أنزله بعلمه﴾ [النساء: ١٦٦] .\nوقال: ﴿فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله﴾ [هود: ١٤] .\nوقال: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ [فاطر: ١١]، [فصلت: ٤٧] في موضعين.\nوقال: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨] .\nوقال: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة﴾ [فصلت: ١٥] .\nوقال: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ [الذاريات: ٤٧] .\nوفي الحديث الصحيح: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك» .\nوقال تعالى عن الملائكة: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾ [غافر: ٧] .","vol":"10","page":230},{"text":"وقال: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ [الأعراف: ١٥٦] .\nوقال: ﴿وسع كل شيء علما﴾ [طه: ٩٨]، وقال: ﴿ولتصنع على عيني﴾ [طه: ٣٩]، وأمثال ذلك في الكتاب والسنة كثير.\nومن المعلوم بالضرورة أن العلم ليس هو نفس العالم، والمضاف هنا ليس هو المضاف إليه، وأن أسماء الله الحسنى، مثل: العليم، والحي، والقدير، والرحيم، ونحو ذلك- هي، وإن كانت أسماء لله تدل على نفسه المقدسة، فليس ما دل عليه الحي من الحيوة، هو ما دل عليه عليم من العلم، وما دل عليه قدير من القدرة، وما دل عليه رحيم من الرحة.\nفمن قال: إن هذه الأسماء الحسنى لا تدل على هذه المعاني، فهو مكابر للغة التي نزل بها القرآن، فإن الأسماء التي تسميها النحاة: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المعدولة عنها كفعيل وغيره -هي أسماء مشتقة تتضمن المصادر، بخلاف: رجل، وفرس.\nومن جعل العالم لا يدل على علم، والقادر لا يدل على القدرة، فهو بمنزلة من قال: المصلي لا يدل على الصلاة، والقائم لا يدل على القيام، والصائم لا يدل على الصيام، وأمثال ذلك.\nوأما سؤال السائل: إن هذه الصفات: هل هي الذات أو غيرها؟ وهل هي الذات أو زائدة عليها؟.","vol":"10","page":231},{"text":"فالجواب المرضي عند الأئمة: أن لا يطلق القول بأنها هي الذات ولا بأنها غيرها، ولا بأنها الذات ولا بأنها زائدة عليها، ولا ينفي الأمران، فيقال: لا هي الذات ولا غيرها، حتى يكون قسمًا ثالثًا، ليست هي الذات ولا هي غيرها.\nفإن هذا يقوله طائفة من متكلمة الصفاتية، من أصحاب أحمد وغيره، كما يقوله من يقوله من أصحاب الأشعري.\nوالصوب المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة: أنه لا يطلق لا هذا ولا هذا، لأن لفظ الغير فيه إجمال واشتراك.\nفقد يراد بالغيرين ما جاز مفارقة أحدهما أحأالآخر، أو مباينته له، فلا تكون الصفة اللازمة للموصوف غيرًا له.\nوقد يراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر، فيكون غيرًا له.\nوكذلك لفظ: الزيادة على الذات، فإن الذات يراد بها الذات المجردة عن الصفات، فالصفات زائدة على هذا الذات.\nلكن هذه الذات عند أهل الإثبات لا حقيقة لها في الخارج، وإنما تقدر في الذهن تقديرًا، وإنما يعتقد ثبوتها في الخارج نفاة الصفات.\nفالمثبتون إذا قالوا: الصفات زائدة على الذات، لم يقولوا: إن في الخارج ذاتًا مجردة تزاد عليها الصفات، بل أثبتوا الصفات زائدة على ما أثبته النفاة، فزادوا عليها في الإثبات.","vol":"10","page":232},{"text":"وقد يراد بالذات نفس الله سبحانه، وصفاته داخلة في مسمى أسمائه، ليست زائدة على مسمى أسمائه الحسنى.\nولا يمكن وجود ذات غيره مجردة عن الصفات، حتى يقال: إن صفاته زائدة عليها، فضلًا عن وجوده سبحانه مجردًا عن صفات الكمال كلها.\nوصفاته اللازمة له كلها نفسية، بمعنى أنها داخلة في مسمى أسمائه، لا يفتقر إلى أمور مباينة له، وهي لازمة لنفسه لا يوجد بدونها، ولا يمكن وجوده منفكًا عنها.\nوإذا قيل: هو عالم بعلم، قادر بقدرة، فليس هناك حقيقة قائمة بنفسها يمكن وجودها بدون العلم والقدرة، بل لا يمكن أن تكون إلا عالمةً قادرة، وإن كنا نحن قد نعلم وجودها قبل أن نعلم أنها عالمة.\nوما ذكره من التمثيل بالواحد والقديم فيه نزاع، فإن الصفاتية متنازعون في القديم والباقي: هل هو قديم باق ببقاء، كما يقوله ابن كلاب؟ أو قديم بنفسه باق ببقاء، كما يقوله الأشعري، ومن وافقه كأبي علي بن أبي موسى؟ أو قديم بنفسه باق بنفسه، كما يقوله القاضي أبو بكر ومن وافقه، كالقاضي أبي يعلى؟.\nوأما أن الأشعرية يقولون في العلم ونحوه: إن هذه الصفات هي صفات معنوية، وإنها زائدة على الذات.\nفيقال: مقصودهم في الأصل إثبات هذه الصفات، وإبطال قول: من قال عالم بلا علم، وقادر بلا قدرة.\nأو قال: إن ذاته علم وقدرة.","vol":"10","page":233},{"text":"والأشعرية هم في إثبات هذه الصفات، مع سائر أهل السنة، والجماعة، لم ينازعهم في إثبات الصفات إلا من هو -عند السلف والأئمة- من أعظم الناس ضلالًا، كالجهمية والمعتزلة.\nوإذا قالوا: هو عالم بالعلم، وقادر بالقدرة، لم يريدوا بذلك أن هنا ذاتًا منفصلة عنه، صار بها عالمًا قادرًا، كما يظنه بعض الغالطين عليهم، فإن هذا لم يقله أحد من عقلاء بني آدم فيما نعلم، ولكن بعضهم، وهم مثبتة الحال، كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما، يقولون: إن له صفة هي العلم أوجبت كونه عالمًا، وكونه عالمًا حال معللة بالعلم.\nوأما جمهورهم، وهم نفاة الحال، فيقولون: علمه هو كونه عالمًا، وقدرته هو كونه قادرًا، ليس هناك أمران، ولا علة ولا معلول.\nوهذا قول الأكثرين: الأشعري وغيره.\nوالمنازع لهم من المعتزلة والفلاسفة يقر بما يوجب موافقتهم، فإنهم يقرون بأن كونه عالمًا ليس هو كونه قادرًا.\nوهذا معنى العلم والقدرة عند أولئك، كما قد بسط في موضعه.\nفالنفاة للصفات، من المعتزلة وغيرهم، يقولون: إنه عالم وإنه قادر.\nومنهم من يثبت العالمية والقادرية، ويسمي ذلك حالًا.\nوهذا يستلزم عند التحقيق قول مثبتة الصفات.\nوكذلك الفلاسفة قولهم يستلزم قول مثبتة الصفات، وإن نفوها تناقضوا.\nوأما إطلاق المطلق لفظ الزيادة على الذات، فقد تقدم أن هذا الإطلاق كإطلاق المطلق: أن الصفات لا هي الذات ولا هي غيرها.\nوهذا يطلقه هؤلاء وغيرهم.","vol":"10","page":234},{"text":"وأئمة السلف، وابن كلاب، وأمثاله من أئمة الأشعرية، لا يطلقون لا هذا ولا هذا.\nوكانوا إذا قالا للسلف: القرآن هو الله أو غير الله؟ لم يطلق الأئمة لا هذا ولا هذا، لما في إطلاق كل منهما من إبهام معنى فاسد، وليس ذلك إثباتًا لقسم ثالث، ليس هو الموصوف ولا غيره، بل يفصل اللفظ المجمل، كما فعل السلف نظير ذلك في لفظ الحيز وأمثاله.\nوأما قولهم: يلزم الأشعرية على هذا أن يكون الخالق جسمًا، لأنه يكون هناك صفة وموصوف، وحامل ومحمول.\nفيقال له: وهكذا يلزم من قال: إنها عالم قادر.\nومن قال: إنه يعلم ويقدر.\nفمن أثبت لله الأسماء الحسنى وأحكامها، لزمه ما يلزم من أثبت الصفات.\nفالاسم المشتق يدل على المصدر وعلى الفعل، وخبر المخبر بذلك وحكمه يقتضي ثبوت ذلك في نفس الأمر.\nويقال له: كل ما تلزم به الأشعرية وأمثالهم في إثبات الصفات، يلزمونك إياها في كل ما نفيته.\nفإذا قلت: الموصوف بالصفة لا يكون إلا جسمًا.\nقالوا: والمسمى بالحي العالم القادر لا يكون إلا جسمًا، والمخبر عنه بأنه يعلم ويقدر لا يكون إلا جسمًا، والموصوف يقول القائل: هو عالم قادر لا يكون إلا جسمًا.\nفإن أمكنك أن تثبت هذا لغير جسم، أمكنهم ذلك.\nوإن لم يمكنهم لم يمكنك.\nفهذا السؤال لازم لجميع الناس كما يلزم الأشعرية وغيرهم.","vol":"10","page":235},{"text":"وأيضًا فهذا إلزام جدلي لا علمي.\nوذلك أن نفاة الجسم من أهل الكلام، كالمعتزلة والأشعرية، يقولون: إنما نفيناه للدليل الدال على حدوث الجسم، وأنت قد بينت أنه دليل باطل، ونحن أثبتنا الصفات مع ذلك.\nفإذا قلت: الجمع بينهما خطأ، فإن إثبات الصفات يستلزم التجسيم.\nقالوا لك: ليس خطؤنا في إثبات الصفات بأولى من خطأنا في نفي التجسيم.\nبل أنت تقول: إنا مخطئون في نفي التجسيم.\nولم تقم دليلًا على خطأنا في نفي الصفات.\nفإن كنا مخطئين في نفي التجسيم عينًا، لزم إثبات الصفات بلا محذور.\nوإن قدر الخطأ في أحدهما بغير تعيين، لم يتعين الخطأ في نفي الصفات إلا بدليل.\nوأيضًا فأنت تقول: إن الشرع لم يصرح بنفي التجسيم، وإن التصريح به بدعة.\nوالشرع قد صرح بإثبات الصفات، فكيف تعيبنا بإثبات ما أثبته الشرع، لكونه مستلزمًا لإثبات ما لم ينفه الشرع؟.\nومن المعلوم أن الشرع إذا أثبت شيئًا له لوازم، لم يكن إثبات ذلك بدعة.\nوتلك اللوازم، إن كانت ثابتة في نفس الأمر، فلازم الحق حق.\nوإن لم تكن لازمة، فلا محذور.\nفإن قيل: أنا أقيم دليلًا عقليًا على نفي الجسم غير دليلكم.\nكان لهم عن ذلك أجوبة: أحدها: أن يقولوا: فأنت قد أثبت أنه عالم قادر، فإن أمكنك مع ذلك أن تقول: إنه ليس بجسم، أمكنا أن","vol":"10","page":236},{"text":"نقول: عالم بعلم، قادر بقدرة، وليس بجسم.\nوإن لم يمكنك هذا استوينا نحن وأنت.\nففي الجملة ورود هذا السؤال علينا ورود واحد.\nالثاني: أن يقولوا: دليلنا على نفي الجسم أقوى من دليلك، كما بين ذلك الغزالي وغيره، وبينوا أن الفلاسفة عاجزون على إقامة الدليل على أنه ليس بجسم.\nالثالث: أن يقولوا: أدلة إثبات الصفات أقوى من أدلة نفي الجسم، فإن أمكن الجمع بينهما، وإلا لم يجز نفي ما هو معلوم ثابت، خوفًا من لزوم ما ليس دليل انتفائه كدليل ثبوت ذلك، فكيف إذا كانت أدلة النفي باطلة، وأدلة الإثبات للصفات ولوازمها حق لا محيد عنه؟.\nوأما التقسيم الذي ذكرته، فلا ريب أن أهل الإثبات لا يقولون: إن الصفات قائمة بنفسها، بل هي قائمة بالموصوف.\nوأما ما ذكره عن النصارى، فليس هذا موضع بسطه، فإن قول النصارى مضطرب متناقض، فإنهم لا يثبتون ثلاثة جواهر قائمة بأنفسها، ولا يجعلون الأقانيم كالصفة من كل وجه، فإنهم يقولون: المتحد بالمسيح هو أقنوم الكلمة، فإن جعلوا الكلمة هي الذات الموصوفة، لزم أن يكون المسيح هو الأب، وهم ينكرون ذلك.\nوإن جعلوه صفة الذات لزمهم أن لا يكون المسيح إلهًا خالقًا رازقًا، لأن الصفة ليست إلهًا خالقًا رازقًا.\nوأيضًا فالصفة لا تفارق الموصوف.\nوهم يقولون: المسيح إله حق، من إله حق، من جوهر أبيه.","vol":"10","page":237},{"text":"وأما استدلاله بقوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٢]، فهذا يسلكه طائفة من الناس، ويقولون قوله تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ [المائدة: ١٧]، إشارة إلى أحد أقوالهم الثلاثة، وهو قول اليعاقبة القائلين بأن اللاهوت والناسوت صارا جوهرًا واحدًا، كالماء واللبن.\nوقوله: ﴿وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، إشارة إلى قول الملكية.\nوقوله: ﴿ثالث ثلاثة﴾ إشارة إلى قول النسطورية الذين يقولون بالحلول، وهو قولهم بالأقانيم الثلاثة.\nوليس الأمر كما قال هؤلاء، بل ما ذكره الله تعالى هو قول النصارى جملة.\nفإنهم يقولون: إنه الله باعتبار، وإنه ابن الله باعتبار آخر.\nوقوله: ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ بدليل: المراد به قوله: ﴿يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦]، فعبدوا معه المسيح وأمه، فصار ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار.\nوأما قوله عن الأشعرية: إذا قالوا الموصوف قائم بنفسه، والصفة قائمة به، فقد أوجبوا جوهرًا وعرضًا -فهذا من جنس إلزامه لهم أن يكون جسمًا.\nفيقولون له: هذا يلزمك إذا قلت: هو حي عالم قادر، فإن الحي العالم القادر قائم بذاته، فإن كان كل قائم بذاته جوهرًا، فهو جوهر، وإلا بطل إلزامك.","vol":"10","page":238},{"text":"وإيضًا فلو لو يوصف بذلك، لكان في نفس الأمر إما قائمًا بنفسه، وإما قائمًا بغيره، إذ فرض موجود ليس قائمًا بنفسه ولا بغيره ممتنع.\nفإن كان كل قائم بنفسه ولا بغيره ممتنع فإن كان كل قائم بنفسه هو جوهر، لزمك أن يكون جوهرًا.\nثم يقال: من المعلوم أن للناس في مسمى الجوهر والعرض اصطلاحات.\nمنهم من يسمى كل قائم بنفسه جوهرًا، كما يقول ذلك طوائف من المسلمين والنصارى والفلاسفة.\nوهؤلاء يسمونه جوهرًا.\nومنهم من لا يطلق الجوهر إلا على المتحيز، ويقول: إنه ليس بمتحيز، فلا يكون جوهرًا، كما يقول ذلك من يقوله من متكلمي المسلمين واليهود والفلاسفة.\nومن الفلاسفة من يقول بإثبات جواهر غير متحيزة، لكن يقول: الجوهر هو ما إذا وجد وجد لا في موضوع، وهذا لا يصلح إلا لما يجوز وجوده، لا لما يجب وجوده.\nوبالجملة فالنزاع في هذا الباب لفظي، ليس هو معنى عقليًا.\nوالشريعة لم تتعرض لهذا الاسم وأمثاله، لا بنفي ولا بإثبات، فليس له في الشريعة ذكر، حتى يحتاج أن ينظر في معناه.\nوالنظر العقلي إنما يكون في المعاني لا في مجرد الاصطلاحات، فلم يبق فيه بحث علمي: لا شرعي ولا عقلي.\nوهذا لم يذكر دليلًا عقليًا على نفي الجوهر، فصار قد ألزمهم لوازم، ولم يذكر دليلًا على بطلانها.\nفيجيبونه بالجواب المركب، وهو أن هذا إما أن يكون لازمًا لإثبات","vol":"10","page":239},{"text":"الصفات، أو ليس بلازم.\nفإن لم يكن لازمًا، بطلت المقدمة الأولى.\nوإن كان لازمًا، منعت المقدمة الثانية، فإن لازم الحق حق..\nوليس التزام مسمى هذا الاسم أبعد في الشرع والعقل من نفي الصفات، بل نفي الصفات أبعد في الشرع والنقل من إثبات مسمى هذا الاسم، فلا يجوز التزام نفي الصفات، الذي فيه مناقضة الأدلة الشرعية والعقلية، حذرًا من التزام مسمى هذا الاسم، الذي لا يقوم على نفيه من الدليل شيء من أدلة إثبات الصفات، مع أنه لم يذكر على ذلك دليلًا أصلًا، وهو قد بين فساد أدلة النفاة لذلك من أهل الكلام.\nوأما قول القائل: الذات والصفات شيء واحد فإن أراد به أن الصفات ليست مباينة للموصوف، فصحيح.\nوإن أراد أن نفس الذات هي نفس الصفات، فهذه مكابرة.\nوهذا القائل.\nوإخوانه، يقولون بذلك، وقد صرح هو بأن العلم نفس العالم، وهذا غاية المناقضة لصريح المعقول.\nوقوله: إنه بعيد من المعارف الأول، أنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم فهذا قاله بناءً على ما يراه أن هذا حق في نفس الأمر.","vol":"10","page":240},{"text":"والصواب أن هذا ممتنع في صريح العقل، معلوم علمًا يقينيًا أن العلم ليس هو نفس العالم، ومن قال هذا فقد أتى بغاية السفسطة، وجحد العلم الضروري.\nوأما قوله: ليس عند المعتزلة برهان على وجوب هذا في الأول -وهو أن تكون الذات والصفات شيئًا واحدًا- ولا عند المتكلمين برهان على نفي الجسمية، وإنما برهان ذلك عند العلماء الذين هم الفلاسفة عنده.\nفيقال: لا ريب عند كل من له عقل أن ما يذكره الفلاسفة في نفي ذلك أفسد في العقل الصريح مما يذكره المتكلمون.\nوأنت قد أفسدت طريقة ابن سينا، ولم تعتمد في ذلك إلا على إثبات النفس، وهو أنها ليست بجسم، فيلزم أن يكون الباري كذلك.\nومن المعلوم أن الأدلة النافية لهذا عن النفس: إن كانت صحيحة، فهي على نفي ذلك عن الرب أولى، وإن لم تكن صحيحة بطل قولك.\nومن المعلوم أن أدلة نفي الجسم عن النفس أضعف بكثير من نفي ذلك عن واجب الوجود.\nفكيف يكون الأضعف حجة على الأقوى؟!.\nوقد تكلم على فساد.\nما ذكروه في النفس في غير هذا الموضع.\nوأما ما ذكره من أنه لا يمكن أن يكون بهذا النفي يقين إلا عند من عني بالصناعة البرهانية -يعني طريقته الفلسفية- وقوله: إن صناعة الكلام جدلية لا برهانية.","vol":"10","page":241},{"text":"فهذا كما يقال في المثل السائر: رمتني بدائها وانسلت، ولا يستريب عاقل نظر في كلام الفلاسفة في الإلهيات، ونظر في كلام أي صنف قدر من أصناف اليهود والنصارى فضلًا عن أصناف المتكلمين من المسلمين، أن ما يقوله هؤلاء في الإلهيات أكمل وأصح في العقل مما يقوله المتفلسفة، وأن ما يقولونه في الإلهيات قليل جدًا، وهو مع قلته فأدلة المتكلمين خير من أدلتهم بكثير.\nوهذه طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود وصفاته، لا تفيده إلا ما لا نزاع فيه، وهو وجود واجب الوجود.\nوأما كونه مغايرًا للأفلاك، فإنما بناه على نفي الصفات، وهو مع فساده فدليلهم على نفيه أضعف من دليل المعتزلة.\nفهم مع مشاركتهم للمعتزلة في النفي، لا يستدلون إلا بما هو أضعف من دليلهم.\nوأما هذا الرجل فإنه تارة يأخذ طريقة متلقاة من الشرع، وتارة طريقة متلقاة عن المتكلمين، وتارة يقول ما يظن أنه قول الفلاسفة، لم يحك عن الفلاسفة في الإلهيات طريقة إقناعية، فضلًا عن طريقة برهانية.\nوإذا قدر أنه عنى بالبرهان القياس العقلي المنطقي، فمن المعلوم أن صورة القياس لا تفيد العلم بمواده.\nوالبرهان إنما يكون برهانه بمواده اليقينية، وإلا فصورته أمر سهل بقدر عليه عامة الناس.\nوأهل الكلام لا ينازعون في الصورة الصحيحة.\nوهب أن الإنسان عنده ميزان، فإذا لم يكن معه ما يزن به، كان من معه مال لم يزنه،","vol":"10","page":242},{"text":"أعني من هذا.\nهذا بتقدير أن يكون ما ذكروه في المنطق صحيحًا، فكيف وفيه من الفساد والتناقض ما هو مذكور في موضعه؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن التنزيه ورد ابن تيمية عليه</span>\nقال: الفصل الرابع: في معرفة التنزيه.\nقال: وإذ قد تقرر من هذه المناهج التي سلكها الشرع في تعليم الناس: أولًا: وجود الباري سبحانه، والطرق التي سلكها في نفي الشريك عنه ثانيًا، والتي سلكها ثالثًا في معرفة صفاته، والقدر الذي صرح به من ذلك في جنس جنس من هذه الأجناس، وهو القدر الذي إذا زيد فيه أو نقص أو حرف أو أول، لم تحصل به السعادة المشتركة للجميع، فقد بقي علينا أن نعرف أية الطرق التي سلكها بالناس في تنزيه الخالق سبحانه عن النقائص، ومقدار ما صرح به من ذلك، والسبب الذي من قبله اقتصر بهم على ذلك المقدار.\nثم نذكر بعد ذلك الطرق التي سلك بالناس في معرفة","vol":"10","page":243},{"text":"أفعاله، والقدر الذي سلك بهم من ذلك، فإذا تم لنا ذلك فقد استوفينا غرضنا الذي قصدناه.\nقال: فنقول: أما معرفة هذا الجنس الذي هو التنزيه والتقديس، فقد صرح به أيضًا في غير ما آية من الكتاب العزيز، فأبينها في ذلك وأتمها قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧] .\nوالآية الأولى هي نتيجة هذه والثانية برهان، أعني أن قوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧]، هو برهان قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وذلك أنه من المغروز في فطر الجميع أن الخالق يجب أن يكون: إما على غير صفة الذي لا يخلق شيئًا، أو على صفة غير شبيهة بصفة الذي لا يخلق شيئًا، وإلا كان من يخلق ليس","vol":"10","page":244},{"text":"بخالق فإذا أضيف إلى هذا الأصل أن المخلوق ليس بخالق يلزم من ذلك أن تكون صفات المخلوق: إما منتفية عن الخالق، أو موجودة فيه على غير الجهة التي هي عليها في المخلوق.\nقلت: صفات النقص يجب تنزيهه عنها مطلقًا، وصفات الكمال تثبت له على وجه لا يماثله فيها مخلوق.\nقال: وإنما قلنا على غير الجهة، لأن من الصفات التي في الخالق صفات استدللنا على وجودها بالصفات التي هي لأشرف المخلوقات هنا، وهو الإنسان، مثل إثبات العلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام وغير ذلك.\nقال: وهذا معنى قوله ﵇: إن الله خلق آدم على صورته.\nقال: وإذا تقرر أن الشرع قد صرح بنفس المماثلة بين الخالق والمخلوق، وصرح بالبرهان الموجب لذلك، وكان نفي المماثلة يفهم منه","vol":"10","page":245},{"text":"شيئان: أحدهما: أن يعدم الخالق كثيرًا من صفات المخلوق، والثاني: أن توجد فيه صفات المخلوق على وجه أتم وأفضل بما لا يتناهى في العقل، فلينظر ما صرح به الشرع من هذين الصنفين، وما سكت عنه، وما السبب الحكمي في سكوته.\nقلت: ونفي المماثلة قد يتضمن إثبات صفات الكمال للخالق، لا يثبت للمخلوق منها شيء، فكما أن في صفات المخلوق ما لا يثبت للخالق، فكذلك في صفات الخالق ما لا يثبت للمخلوق.\nلكن هذا الضرب لا يمكن الناس معرفته في الدنيا، فلهذا لم يذكر.\nقال: فنقول: أما ما صرح به الشرع من نفي صفات المخلوق عنه، فما كان ظاهرًا من أمره أنه من صفات النقائص، فمنها الموت، كما قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨] .\nومنها النوم وما دونه مما يقتضي الغفلة والسهو عن الإدراكات والحفظ للموجودات، وذلك مصرح به في قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] .\nومنها النسيان والخطأ، كما قال تعالى: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ [طه: ٥٢] .","vol":"10","page":246},{"text":"والوقوف على انتقاء هذه النقائض هو قريب من العلم الضروري.\nوذلك أن ما كان قريبًا من هذه من العلم الضروري، فهو الذي صرح الشرع بنفيه عنه ﷾، وأما ما كان بعيدًا من المعارف الأولى الضرورية، فإنما نبه عليه بأن عرف أنه من علم الأقل من الناس، كما قال في غير ما آية من الكتاب العزيز: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: ٣٠]: مثل قوله: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧] .\nومثل قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: ٣٠] .\nقال: فإن قيل: فما الدليل على انتفاء هذه النقائض عنه، أعني: الدليل الشرعي؟ قلنا: الدليل عليه ما يظهر من أن","vol":"10","page":247},{"text":"الموجودات محفوظة لا يتخللها اختلال ولا فساد، ولو كان الخالق يدركه خطأ أو غفلة، أو سهو أو نسيان لاختلت الموجودات.\nوقد نبه سبحانه على هذا المعنى في غير ما آية من كتابه.\nفقال تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾ [فاطر: ٤١]، قال تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] .\nقال: فإن قيل: فما تقولون في صفة الجسمية: هل هي من الصفات التي صرح الشرع بنفيها عن الخالق تعالى؟ أم هي من المسكوت عنها؟ أو أنه لم يصرح بنفيها ولا إثباتها، ولكن صرح بأمور تلزم -يعني الجسمية في بادي الرأي منها- فنقول: إنه من البين من أمر هذه الصفة أنها من الصفات المسكوت عنها، وهي إلى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها، وذلك أن الشرع","vol":"10","page":248},{"text":"قد صرح بالوجه واليدين في غير آية من كتابه، وهذه الآيات قد توهم أن الجسمية هي له من الصفات التي فضل فيها الخالق المخلوق، كما فضله في صفة القدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات، التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق، إلا أنها في الخالق أتم وجودًا.\nولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقد في الخالق أنه جسم لا يشبه الأجسام، وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن تبعهم.\nوهؤلاء أيضًا قد ضلوا إذ صرحوا بما ليس حقًا في نفسه، وما يوهم أيضًا التشابه بين الخالق والمخلوق.\nوإنما صرح الشرع بأشياء توهمها لا يصر، فتوهمها من كان من الناس لا يقدر أن يتصور موجودًا ليس بجسم، ولا أيضًا إذا سمع تلك الأشياء خيف عليه أن يتطرق ذهنه إلى القول بالجسمية.\nوهذه هي حال جمهور الناس، لأن الذين يتطرق لهم من ذلك إثبات الجسمية هم قليل من الناس، وهؤلاء ففرضهم الوقوف على الدلائل التي توجب نفي الجسمية.","vol":"10","page":249},{"text":"قلت: ولقائل أن يقول: أما قوله: صار كثير من أهل الإسلام يقولون: إنه جسم لا يشبه الأجسام فهذا صحيح.\nوأما قوله: وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن اتبعهم.\nفيقال له: ليس في الحنابلة من أطلق لفظ الجسم، لكن نفاة الصفاة يسمون كل من أثبتها مجسمًا بطريق اللزوم، إذا كانوا يقولون: إن الصفة لا تقوم إلا بجسم، وذلك لأنهم اصطلحوا في معنى الجسم على غير المعنى المعروف في اللغة، فإن الجسم في اللغة هو البدن، وهؤلاء يسمون كل ما يشار إليه جسمًا، فلزم -على قولهم- أن يكون ما جاء به الكتاب والسنة، وما فطر الله عليه عباده، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها تجسيمًا.\nوهذا لا يختص طائفة: لا الحنابلة ولا غيرهم، بل يطلقون لفظ المجسمة والمشبهة على أتباع السلف كلهم، حتى يقولوا في كتبهم: ومنهم طائفة يقال لهم المالكية ينتسبون إلى مالك بن أنس، ومنهم طائفة يقال لهم الشافعية ينتسبون إلى الشافعي.\nلكن لما جرت محنة الجهمية نفاة الصفات وسموا من أثبتها مجسمًا في عهد الإمام أحمد، وقالوا: إن القرآن مخلوق، وحقيقة ذلك أن الله لم يتكلم بشيء، وقالوا: إنه لا يرى، ونحو ذلك -قام أحمد بن حنبل من إظهار السنة والصفات، وإثبات ما جاء في الكتاب والسنة من هذا الباب بما لم يحتج إليه غيره من الأئمة، وظهر ذلك في جميع أهل السنة","vol":"10","page":250},{"text":"والحديث من جميع الطوائف، وصاروا متفقين على تعظيم أحمد وجعله إمامًا للسنة، فصار يظهر في أصحابه من الإثبات ما لا يظهر في غيرهم، بسبب كثرة نصوصهم في هذا الباب.\nوالنفاة يسمون المثبتة مجسمة ومشبهة.\nوصاحب هذا الكتاب يجعل مثبتة الصفات -من الأشعرية ونحوهم- مشبهة، وأنه يلزمهم التركيب، والتركيب أصل للتجسيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>كلام ابن رشد في تهافت التهافت في نفي الصفات ورد ابن تيمية عليه</span>\nمثل قوله في كتابه الذي سماه تهافت التهافت فإنه قال: وأيضًا فالذي يلزم الأشعرية للتجسيم من المحال أكثر من الذي يلزم مقدماتهم، التي منها صاروا إلى التجسيم، وذلك أنه إن كان مبدأ الموجودات ذاتًا ذات حياة وعلم وقدرة وإرادة، وكانت هذه الصفات زائدة على الذات، وتلك الذات غير جسمانية، فليس بين النفس وهذا الموجود فرق، إلا أن النفس هي في جسم، وهذا الموجود هو نفس ليس في جسم، وما كان بهذه الصفة فهو ضرورة مركب من ذات وصفات، وكل مركب فهو محتاج ضرورة إلى مركب، إذ ليس يمكن أن يوجد شيء مركب في ذاته، كما أنه ليس يمكن أن يوجد متكون من ذاته، لأن التكوين -الذي هو فعل المكون- ليس هو شيئًا غير تركيب المتكون، والمكون ليس شيئًا غير المركب.","vol":"10","page":251},{"text":"وبالجملة فكما أن لكل مفعول فاعلًا، كذلك لكل مركب مركبًا فاعلًا، لأن التركيب شرط في وجود المركب ولا يمكن أن يكون الشيء هو علة في شرط وجوده، لأنه كان يلزم أن يكون الشيء علة نفسه.\nولذلك كانت المعتزلة في وضعهم هذه الصفات في المبدأ الأول -راجعة إلى الذات، لا زائدة عليها، على نحو ما يوجد عليه كثير من الصفات الذاتية لكثير من الموجودات، مثل كون الشيء موجودًا وواحدًا وأليًا وغير ذلك- أقرب إلى الحق من الأشعرية.\nقال: ومذهب الفلاسفة في المبدأ الأول هو قريب من مذهب المعتزلة.\nفيقال له: قولك: ليس بين النفس وبين هذا الموجود فرق، إلا من جهة أنها في جسم خطأ محض.\nوذلك أن اتفاق الشيئين في بعض الصفات لا يوجب تماثلهما في الحقيقة، إذ لو كان كذلك لكانت المختلفات متماثلات، فإن السواد مخالف للبياض، وهو يشاركه في كون كل منهما لونًا وعرضًا وقائمًا بغيره.\nوأيضًا فمحققو الفلاسفة توافق على أن الأجسام ليست متماثلة، مع اشتراكها في التحيز، وقبول الأعراض، وغير ذلك من الأحكام.\nوالحيوان الصغير الحي، مثل البعوض والبق والذباب، ليس مثلًا للإنسان ولا للملك ولا للجني، وإن كان كل منهما حيًا قادرًا شاعرًا متحركًا بالإرادة.","vol":"10","page":252},{"text":"والفلك عندهم حي ناطق، وليس مثل بدن الإنسان، الذي هو حي ناطق.\nوقوله: هذا على الضرورة مركب من ذات وصفات.\nإن أراد به أن ذات موصوفة بصفات لازمة لها، فهذا حق، وهم لا يسمون هذا تركيبًا، فإذا سماه تركيبًا لم تكن هذه التسمية حجة له على ما نفاه، لأن الذي نفاه بالدليل هو ما كان مركبًا، وهو الذي جعله غيره مركبًا، أو ما كان متركبًا بنفسه، أي كانت أجزاؤه متفرقة فتركبت، بحيث يصير مركبًا بعد أن لم يكن.\nومعلوم أن ما تركب بعد افتراقه، لم يكن تركبه بنفسه، كما ذكره في المتكون، فإن ما تكون بعد أن لم يكن متكونًا، لم يكن تكونه بنفسه.\nوكما قال: كما أن لكل مفعول فعلًا، فإن لكل مركب مركبًا فهذا إنما يعقل فيما ركبه غيره، أو ما كان مفرقًا فركب، كما أن المفعول لا يعقل أن له فاعلًا، إلا إذا فعله غيره، أو كان حادثًا، فلا بد للحادث من محدث.\nأما ما كان واجبًا بنفسه قديمًا أزليًا مستلزمًا لصفات لازمة له، فهذا لم يركبه أحد، ولا كان مفترقًا فتركب.\nفمن أين يجب أن يحتاج هذا إلى مركب؟ وكيف يصح تمثيل هذا بالمتكون والمفعول اللذين كل منهما محتاج إلى غيره، بل هو حادث يفتقر إلى محدث؟.\nوليس المعنى الذي سماه مركبًا إلا موصوفًا بصفة لازمة له، فلو قال: كل متصف فلا بد له من واصف، أي ممن يجعل الصفة قائمة","vol":"10","page":253},{"text":"بمحلها، ما كان مبطلًا، فإن المتصف بالصفة إذا كان قديمًا أزليًا واجبًا بنفسه، كيف يجب هذا فيه؟\nثم هؤلاء الفلاسفة يقولون: إن الأفلاك قديمة أزلية.\nوهذا الرجل لا يسميها مركبة، ويبطل قول من يقول: هي مركبة من الهيولى والصورة، وقول من يقول: هي ممكنة، ومع هذا فهي جسم قائم به صفات وحركات.\nفإذا كانت هذه لم تحتج عنده إلى ما يحتاج إليه المتكون، فكيف يحتاج إلى ذلك ما هو واجب بنفسه؟.\nوقوله: لأن التركيب شرط في وجود المركب معناه أن لزوم الصفة للموصوف، أو أن التلازم الذي بين الأمور المتعددة في الواجب، شرط في وجودها، وهذا صحيح.\nلكن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط، بل تجوز مقارنته له، وإذا كان الواجب الوجود واجبًا بنفسه المتضمنة لصفاته، وكل من صفاته لا يوجد إلا مع الأخرى، ولا توجد الذات إلا بالصفات، ولا الصفات إلا بالذات كان هذا هو حقيقة الاشتراط، ولم يلزم من ذلك أن يكون المتصف بهذه الصفات هو علة فاعلة لما هو من لوازم وجوده، ولما لا يوجد إلا معه، وهو الشرط في وجوده.\nوإن عنى بالعلة أعم من ذلك، حتى جعل الشرط علة، كان حقيقة قوله: لا يكون الشيء شرطًا في شرط وجوده.\nوهذا ليس بصحيح، بل يجوز أن يكون كل من الشيئين شرطًا في وجود الآخر،","vol":"10","page":254},{"text":"وإن لم يكن علة فاعلة للآخر.\nوهذا هو الدور المعي الاقتراني، وهو جائز، بخلاف الدور المعي القبلي، فإنه ممتنع.\nوهذا موجود في عامة الأمور، فالأمور المتلازمة كل منها شرط في الآخر، فكل من الشرطين شرط في وجوده.\nوغاية ذلك أن يكون الشيء شرطًا في وجود نفسه، أي لا توجد نفسه إلا إذا وجدت نفسه.\nوهذا كلام صحيح، بخلاف ما إذا كانت نفسه فاعلة لنفسه.\nفإن هذا ممتنع، فكل واحد من الأبوة والبنوة شرط في وجود الآخر.\nوكل واحد من العلو والسفل شرط في وجود الآخر.\nوكل واحد من التحيز والمتحيز شرط في الآخر.\nوكل واحد من الماء والنار وطبيعته الخاصة به شرط في الآخر، ونظائر هذا كثيرة.\nفكون إحدى الصفتين مشروطة بالأخرى، والذات مشروطة بصفاتها اللازمة، والصفات مشروطة بالذات، بحيث يمتنع تحقق شيء من ذلك إلا مع تحقق الآخر، وبحيث يلزم من ثبوت كل من ذلك ثبوت الآخر، هو معنى كون كل من ذلك شرطًا في الآخر، وهو شرط في شرط نفسه ووجوده.\nوهؤلاء من أصول ضلالهم ما في لفظ العلة من الإجمال، فإن لفظ العلة كثيرًا ما يريدون به ما لا يكون الشيء إلا به، فتدخل في ذلك العلة الفاعلة، والقابلة، والمادة، والصورة.\nوكثيرًا ما يريدون بذلك الفاعل فقط.\nوهو المفهوم من لفظ","vol":"10","page":255},{"text":"العلة.\nوبحوثهم في مسألة واجب الوجود عامتها مبنية على هذا التلبيس، فإن الممكن الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده، لا بد له من واجب يكون موجودًا بنفسه، لا بموجد أوجده.\nفهذا هو معنى واجب الوجود الذي دلت عليه الممكنات، وهم يريدون أن يجعلوه وجودًا مطلقًا ليس له نعت ولا صفة ولا حقيقة غير الوجود المطلق، لأن الوجود الواجب يكون معلولًا لتلك الحقيقة، فلا يكون واجبًا.\nولفظ المعلول مجمل، فإنهم يوهمون أنه يكون مفعولًا لها، وهي علة فاعلة له.\nومعلوم أن هذا ممتنع في الوجود الواجب، لكن الحقيقة الواجبة إذا قدر أن لها وجودًا يقوم بها، لم يلزم في ذلك الوجود إلا أن يكون له محل، وهو الحقيقة التي يقوم بها الوجود، وذلك الذي يسمونه العلة القابلة.\nومعلوم أن الدليل إنما أثبت موجودًا ليس له موجد، لم يثبت دليلهم موجودًا لا يكون وجوده قائمًا بحقيقة، إن كان من الوجود ما هو قائم بحقيقة.\nوهذا على قول من يقول: وجود كل شيء زائد على حقيقته، كما يقول ذلك طائفة من متكلمي المعتزلة وغيرهم، وإلا فالصواب عند أهل السنة والجماعة أن وجود كل شيء -وهو الوجود الذي في الخارج- هو عين حقيقته الموجودة في الخارج، فكل موجود فله حقيقة مختصة به في الخارج عن الذهن، والوجود الذي يشار إليه في الخارج هو تلك الحقيقة نفسها، لا وجود آخر قائم بها.","vol":"10","page":256},{"text":"فإذا قال أهل السنة: إن وجود الخالق عين حقيقته، أرادوا به إبطال قول أبي هاشم ومن وافقه من المعتزلة، ولم يريدوا بذلك قول ابن سينا وإخوانه من الفلاسفة: إن الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق، أو مطلق لا بشرط، فإن هذا القول أعظم فسادًا من قول أبي هاشم بكثير.\nبل هذا القول يعلم من تصوره بصريح العقل أن ما ذكروه يكون في الأذهان لا في الأعيان.\nوالمطلق بشرط الإطلاق قد سلموا في منطقهم أنه لا يكون إلا في الأذهان، والمطلق لا بشرط يسلمون أنه لا يوجد في الخارج مجردًا عن الأعيان.\nوقد تقدم ما ذكره هو من أنه ألزم الأشعرية أن يكونوا مجسمة، والحنابلة فيهم ما في بقية الطوائف، منهم من هو على طريقة الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة، لا يطلقون هذا اللفظ على الله لا نفيًا ولا إثباتًا، بل يقولون: إن إثباته بدعة، كما أن نفيه بدعة.\nومما أنكر أحمد وغيره على الجهمية نفي هذا اللفظ، وامتنع من الموافقة على نفيه، كما هو ممتنع عن إطلاق إثباته.\nكذلك جرى في مناظرته لأبي عيسى برغوث وغيره من نفاة الصفات في مسألة القرآن، في محنته المشهورة، لما ألزمه بأن القول بأن","vol":"10","page":257},{"text":"القرآن غير مخلوق مستلزم أن يكون الله جسمًا، فأجابه أحمد بأنه لا يدري ما يريد القائل بهذا القول فلا يوافقه عليه، بل يعلم أنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.\nوذلك أن أهل الكلام الذين تنازعوا في إثبات الجسم ونفيه، كالهشامية والكرامية ونحوهم ممن أثبته، وكالجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن نفاه، قد يدخل كل منهم في ذلك ما يخالف النصوص، فمن المثبتة من يدخل في ذلك ما يجب تنزيه الله عنه من صفات النقص ومن مماثلته بالمخلوقات.\nوالنفاة يدخلون في ذلك ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال.\nومن الحنابلة من يصرح بنفيه، كـ أبي الحسن التميمي وأهل بيته، والقاضي أبي يعلى وأتباعه، وغيرهم ممن سلك مسلك ابن كلاب والأشعري في ذلك.\nومنهم من يسلك مسلك المعتزلة كانتـ ابن عقيل، وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي، وغيرهم.\nوالذين لا يثبتونه أو ينفونه يصرح كثير منهم بتكفير المجسمة، فمنهم من يقول: من قال: هو جسم فقد كفر، ومن قال: ليس بجسم فقد ابتدع.\nومنهم من يصوب من قال: ليس بجسم، ويكفر من يقول بالتجسيم.\nوقد حكى الأشعري في المقالات النفي عن أهل السنة والحديث، كما حكي عنهم أشياء بموجب ما اعتقده هو من مذهبهم.\nوالسلف والأئمة وأهل الحديث والسنة المحضة من جميع الطوائف لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله.\nوالألفاظ","vol":"10","page":258},{"text":"المجملة المبتدعة لا يثبتونها ولا ينفونها إلا بتبيان معانيها، فما كان من معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان مخالفًا لذلك نفوه، فلا يطلقون: هو جسم ولا جوهر، ولا يقولون: ليس بجسم ولا جوهر، كما لا يطلقون إثبات لفظ الحيز ولا ينفونه.\nوأما قول هذا القائل: فتوهمها من كان من الناس لا يقدر أن يتصور موجودًا ليس بجسم، ولا أيضًا خيف عليه أن يتطرق ذهنه إلى القول بالجسمية، وهذه هي حال جمهور الناس.\nفهذا كلام متناقض، فإنه إذا كان أكثر الناس لا يقدرون أن يتصوروا موجودًا ليس بجسم، فإنهم قطعًا تتطرق أذهانهم - عند سماع هذه الأمور- إلى إثبات الجسمية.\nفقوله بعد ذلك: إن الذين يتطرق إلى أذهانهم من ذلك إثبات الجسمية قليل من الناس يناقض ما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية</span>\nقال: وقد كان الواجب عندي في هذه الصفة قبل أن تصرح الفرق الضالة بإثباتها يجرى فيها على منهاج الشرع، ولا يصرح فيها بنفي ولا إثبات، ويجاب من سأل عن ذلك من الجمهور بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] .","vol":"10","page":259},{"text":"وينهى عن هذا السؤال.\nوذلك لثلاثة معان: أحدها: أن إدراك هذا المعنى -أعني أنه ليس بجسم الذي هو الحق، ليس قريبًا من المعروف بنفسه برتبة واحدة، ولا رتبتين، ولا ثلاث.\nوأنت تتبين ذلك من الطرق التي سلكها المتكلمون في ذلك، فإنهم قالوا: إن الدليل على أنه ليس بجسم: أنه قد تبين أن كل جسم محدث، وإذا سئلوا عن الطريق التي يوقف منها على أن كل جسم محدث، سلكوا في ذلك الطريق التي ذكرنا من حدوث الأعراض، وأنا ما لا يعرى عن الحوادث حادث، وقد تبين لك من قولنا أن هذه الطريقة ليس برهانية، ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور أن يصلوا إليها، فإن ما يضعه هؤلاء القوم من أنه سبحانه ذات وصفات زائدة على الذات، يوجبون بذلك أنه جسم، أكثر مما ينفون عنه الجسمية بدليل انتفاء الحدوث عنه، فهذا","vol":"10","page":260},{"text":"هو السبب الأول في أن لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم بين.\nقال: فلذلك أضرب الإمام المهدي عن هذا الدليل، إذ كان لا يرضى الخواص ولا يقنع الجمهور، وسلك طريقًا عجيبًا مشتركًا للصنفين جميعًا.\nوهذا من خواصه في العلم، لا يعلم أحد ممن سلكه قبل ذلك، وهو طريق إثبات المثلية بين الأجسام، التي هي المساواة في جميع الخواص، فخاصة في تماثل قوتها في التناهي، أعني كل جسم قوته متناهية، وفي تماثلها في التركيب، وذلك أن من هاتين الجهتين افتقرت الأجسام إلى الفاعل.\nأما افتقارها من جهة التركيب، فلأن كل مركب جائز، وكل جائز مفتقر إلى الفاعل.\nوأما افتقارها إلى الفاعل من جهة تناهي قوتها، فلأن كل متناهي القوة، إن لم يقدر الفاعل الموت له تناهت قوته وفسد، ولم يمكن فيه أن يبقى طرفة عين.\nوهو معنى قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، فأنى بهذا الترياق الأعظم لهذا الداء العضال!.\nقلت: ولقائل أن يقول: إن كان هذا المعلوم حقًا، فيمتنع أنه لم يعلمه أحد قبل ابن التومرت ممن هو أعلم بالله وأفضل منه.\nوإذا كانت تلك الطريق باطلة، وهذا هو الطريق ولم يسلكه غيره، فلا يعلمه أحد قبله.\nوهكذا كل من سلك طريقًا في النفي زعم أنه لم يسلكه غيره، فإنه يوجب أن ذلك لم يعلم قبله، فلا يكون من تقدم من خيار هذه الأمة","vol":"10","page":261},{"text":"معتقدين لهذا النفي، ولو كان حقًا لاعتقدوه، فما ذكره من المدح يعود بنقيض مقصوده.\nوأيضًا فيقال: القول بتماثل الأجسام والاستدلال بذلك طريق معروفة سلكها المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم.\nوالأشعري في كتاب الإبانة يقتضي كلامه أنه خالفهم فيها، فليست طريقًا غريبة.\nوأيضًا فإنه لم يذكر دليلًا على تماثلها أصلًا.\nوأما ما ذكره من التركيب وتناهي القوة، فإن صح كان دليلًا بنفسه.\nفإنه سبحانه غني عن كل ما سواه، فلا يجوز أن يفتقر إلى فاعل بالضرورة باتفاق العقلاء.\nوأيضًا فإنه لم يذكر دليلًا على تركيب الجسم وتناهي قوته.\nوالمنازع ينفي كلًا من الأمرين، كما قد ذكر في موضعه.\nوأعجب من ذلك تفسير قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، بهذا المعنى، فإن فساد هذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان.\nقال: وأما السبب الثاني، فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل والمحسوس، وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم.\nفإذا قيل لهم: إن ها هنا موجودًا ليس بجسم ارتفع عنهم التخيل، فصار عندهم من قبيل المعدوم، ولا سيما إذا قيل: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا أسفل.\nولهذا اعتقدت الطائفة التي","vol":"10","page":262},{"text":"أثبتت الجسمية في الطائفة التي نفتها عنه سبحانه أنه ملشية واعتقدت التي نفتها في المثبتة أنها مكثرة.\nقال: وأما السبب الثالث فهو أنه إذا صرح بنفي الجسمية، عرضت من الشرع شكوك كثيرة مما يقال في المعاد وغير ذلك.\nفمنها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي جاءت بها السنة الثابتة، وذلك أن الذين صرحوا بنفيها -أعني الجسمية- فرقتان: المعتزلة والأشعرية.\nفأما المعتزلة فدعاهم هذا الاعتقاد إلى نفي الرؤية.\nوأما الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين، فعسر ذلك عليهم، ولجأوا في الجمع إلى أقاويل سوفسطائية سنرشد إلى الوهن الذي فيها عند الكلام في الرؤية.\nومنها أنه يوجب انتفاء الجهة في بادي الرأي عن الخالق سبحانه أنه ليس بجسم، فترجع الشريعة متشابهة.\nوذلك أن بعث الأنبياء انبنى على","vol":"10","page":263},{"text":"أن الوحي نازل عليهم من السماء، وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه، أعني أن الكتاب العزيز نزل من السماء.\nكما قال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣]، وانبنى نزول الوحي من السماء على أن الله في السماء.\nوكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها، كما قال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج: ٤] .\nوبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة، على ما سنذكره بعد عند التكلم في الجهة.\nومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية وجب التصريح بنفي الحركة، وإذا صرح بنفي هذا عسر تصور ما جاء في صفة الحشر من أن الباري سبحانه يطلع إلى أهل الحشر، وأنه الذي يلي حسابهم كما قال ﵎: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢] .","vol":"10","page":264},{"text":"وكذلك يصعب تأويل حديث النزول المشهور، وإن كان التأويل أقرب إليه منه إلى أمر الحشر، مع أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع.\nفيجب أن لا يصرح للجمهور بما يؤول عندهم إلى إبطال هذه الظواهر، فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو إذا حملت على ظاهرها.\nوأما إذا أولت، فإنه يعود الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة، فتموت الشريعة كلها، وتبطل الحكمة المقصودة منها.\nوإما أن يقال في هذه كلها: إنها من المتشابهات، فيعود الشرع كله من المتشابه، مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء كلها تجدها غير برهانية، بل الظواهر الشرعية أقنع منها، أعني أن التصديق بها أكثر.\nوأنت تتبين ذلك من قولنا في البرهان الله تعالى بنوا عليه نفي الجسمية، وكذلك تتبين ذلك في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجهة، على ما سنقوله بعد.","vol":"10","page":265},{"text":"قال: وقد يدلك على أن الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور، أنه لمكان انتفاء هذه الصفة عن النفس، أعني الجسمية، لم يصرح الشرع للجمهور بما هي النفس، فقال في الكتاب العزيز: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وذلك أنه يعسر قيام البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم، ولو كان انتفاء هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور لاكتفى بذلك الخليل في محاجة الكافر حين قال له: ﴿ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] الآية، لأنه كان يكتفي بأن يقول له: أنت جسم، والله تعالى ليس بجسم، لأن كل جسم محدث، كما يقول الأشعرية.\nوكذلك كان يكتفي بذلك موسى ﵇ عند محاجة فرعون في دعوى الإلهية.\nوكذلك كان يكتفي المصطفى ﷺ في أمر الدجال في إرشاد المؤمنين إلى كذب ما يدعيه من الربوبية من","vol":"10","page":266},{"text":"أنه جسم والله تعالى ليس بجسم.\nبل قال ﵇: إن ربكم ليس بأعور، واكتفى بالدلالة على كذبه بوجود هذه الصفة الناقصة.\nالتي ينتفي عند كل أحد وجودها ببديهة العقل في الباري سبحانه.\nوكذلك كان يكتفي بنفي الجسمية في عجل بني إسرائيل.\nفهذه كلها -كما تراه- بدع حادثة في الإسلام، هي السبب فيما عرض فيه من الفرق التي أنبأ المصطفى ﷺ أنه ستفترق أمته إليها.\nفإن قال قائل: فإذا لم يصرح الشرع للجمهور بأنه جسم ولا بأنه غير جسم، فما عسى أن يجابوا في جواب ما هو؟ فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان، وليس يقدر أن ينفك عنه.\nولذلك ليس يقنع الجمهور أن يقال لهم في موجود وقع الاعتراف به: لا ماهية له، لأن ما لا ماهية له لا ذات له.\nقلنا: الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع، فيقال لهم:","vol":"10","page":267},{"text":"إنه نور، فإنه الوصف الذي وصف الله به نفسه في كتابه، على جهة ما يوصف الشيء بالصفة التي هي ذاته، فقال تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره﴾ الآية [النور: ٣٥]، وبهذا الوصف وصفه النبي ﷺ في الحديث الثابت عنه فإذا جاء أنه قيل له ﵇: هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه.\nوفي حديث الإسراء أنه لما قرب ﷺ من سدرة المنتهى غشي السدرة من النور ما حجب بصره من النظر إليها أو إليه.","vol":"10","page":268},{"text":"وفي كتاب مسلم: إن لله حجابًا من نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.\nقال: وفي بعض روايات الحديث: سبعين حجابًا من نور.\nفينبغي أن يعلم أن هذا المثال هو شديد المناسبة للخالق سبحانه لأنه يجتمع فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه، وكذلك الإفهام، مع أنه ليس بجسم، والموجود عند الجمهور إنما هو المحسوس، والمعدوم عندهم هو غير المحسوس.\nوالنور لما كان هو أشرف المحسوسات، وجب أن يمثل لهم به أشرف الموجودات.","vol":"10","page":269},{"text":"فيقال: هذا الرجل يرى رأي ابن سينا ونحوه من المتفلسفة والباطنية، الذين يقولون: إن الرسل أظهرت للناس في الإيمان بالله واليوم الآخر خلاف ما هو الأمر عليه في نفسه، لينتفع الجمهور بذلك، إذ كانت الحقيقة لو أظهرت لهم لما فهم منها إلا التعطيل، فخيلوا ومثلوا لهم ما يناسب الحقيقة نوع مناسبة، على وجه ينتفعون به.\nوأبو حامد في مواضع يرى هذا الرأي، ونهيه عن التأويل في إلجام العوام والتفرقة بين الإيمان والزندقة مبني على هذا الأصل، وهؤلاء يرون إقرار النصوص على ظواهرها هو المصلحة التي يجب حمل الناس عليها، مع اعتقادهم أن الأنبياء لم يبينوا الحق، ولم يورثوا علمًا ينبغي للعلماء معرفته، وإنما المورث عندهم للعلم الحقيقي هم الجهمية والدهرية، ونحوهم من حزب التعطيل والجحود.\nوما ذكره هذا في النور أخذه من مشكاة أبي حامد وقد دخل معهم في هذا طوائف ممن راج عليهم هذا الإلحاد في أسماء الله وآياته، من أعيان الفقهاء والعباد.\nوكل من اعتقد نفي ما أثبته الرسول حصل في نوع من الإلحاد بحسب ذلك، وهؤلاء كثيرون في المتأخرين، قليلون في السلف.\nومن تدبر كلام كثير من مفسري القرآن، وشارحي الحديث، ومصنفي العقائد النافية والكلام، وجد فيه من هذا ما يتبين له به حقيقة الأمر.\nوقوله في النور: إنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه وكذلك","vol":"10","page":270},{"text":"الأفهام، مع أنه ليس بجسم تناقض من وجهين: أحدهما: أن المحسوس الذي يحسه الناس ليس إلا جسمًا أو عرضًا في جسم.\nوالثاني: أن النور الذي يعرفونه ليس إلا جسمًا أو عرضًا في جسم، وذلك كنور المصابيح ونحوها.\nفإنه إما أن يراد به نفس النور الخارج من ذبالة المصباح فذلك نار، والنار جسم.\nوإما أن يراد به ما يصير على ما يلاقيه من الأرض والجدران والهواء من الضوء، فذلك عرض قائم بغيره.\nوكذلك الشمس والقمر، إن أريد بالنور نفس ذات واحد منهما، كقوله: ﴿جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ [يونس: ٥]، فالقمر جسم.\nوإن أريد بالنور ما على الأرض والهواء من ضوء ذلك، فذلك عرض، فلا يعرف الناس نورًا إلا هذا وهذا.\nوأيضًا فإذا كان السؤال بما هو طبيعي للإنسان لا يقدر أن ينفك عنه، ولا يقنع الإقناع في جواب هذا السؤال بعد الاعتراف بوجود المسؤول عنه، بأن يقال: لا ماهية له لأن ما لا ماهية له لا ذات له، فلا يقع الإقناع بجواب ليس مطابقًا للحقيقة.\nوبتقدير أن لا يكون هو في نفسه نورًا، يكون الجواب غير مطابق للحقيقة.\nوحينئذ فالجواب المطابق للحق، مع الإعراض عن ذكر الحقيقة، أحسن من هذا، كما تقوله طائفة من الناس في جواب موسى لفرعون لما سأله بقوله: ﴿وما رب العالمين * قال رب السماوات","vol":"10","page":271},{"text":"والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ [الشعراء ٢٣-٢٤] .\nقالوا: لما سأله عن الماهية، والمسؤول عنه لا ماهية له، عدل إلى ما يصلح الجواب به.\nفقول هؤلاء، مع أنه خطأ، أقرب من أن يجاب عن الماهية بما ليس مطابقًا للحق.\nوإنما كان قول هؤلاء خطأ، لأن فرعون لم يسأل موسى سؤال مستفهم طالب للعلم بماهية المسؤول عنه، حتى يجاب جواب المستفهم السائل، كما ذكره الناس في جواب السؤال بما هو.\nولكن هذا استفهام إنكار ونفي وجحود للمسؤول عنه، فإن فرعون كان مظهرًا لجحد الصانع.\nولهذا قال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ [غافر: ٣٦-٣٧]، تكلم بما هو جحد ونفي وإنكار لمسمى رب العالمين.\nفقال: ﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣] .\nكما لو ادعى على أحد مدع أن هذا ولدك أو شريكك في المال، أو أعطاك هذا المال، ونحو ذلك.\nفقال: من هو ولدي؟ ومن هو شريكي؟ ومن هو الذي أعطاني؟ فإنه يقول ذلك على سبيل الإنكار والجحد، لا على سبيل الاستعلام والاستفهام.\nفإذا كان منكرًا للحق أجيب بما يقيم الحجة عليه، فيقال له: هذا الذي ولدته امرأتك فلانة، أو الذي اشتريت أنت وهو المال الفلاني، أو هو","vol":"10","page":272},{"text":"الذي أقررت له بذلك، وأشهدت به عليك فلانًا وفلانًا، ونحو ذلك.\nولهذا أجابه موسى بما فيه تقرير لما أنكره وتثبيت له، فقال: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ [الشعراء: ٢٤]، وقال ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ [الشعراء: ٢٦]، وذلك لأن العلم بثبوت هذا الرب أمر مستقر في الفطر، مغروز في القلوب.\nيبين هذا أن السؤال عن ماهية الشيء الثابتة في الخارج يكون بعد الاعتراف بوجوده.\nأما ما يكون مجحودًا منتفيًا في نفس الأمر، فلا ماهية له في الخارج حتى يسأل عنها، ولكن قد يسأل المسؤول عن تصوير ما يقوله، وإن لم تكن له حقيقته في الخارج.\nأما إذا ادعى شيئًا في الخارج، والمدعي ينكر وجوده، فإنه لا يطلب منه أن يعرفه ماهية ما لا حقيقة له، بل يسأله على طريق إنكار ذلك، لا على طريق الاستعلام عن ذلك.\nوإذا كان المسؤول عنه مما لا وجود له طولب بتمييزه وتعريفه، حتى يبين له أنه لا وجود له، وأنك تدعي ثبوت ما ليس بثابت، كما يقال لمن يدعي أن هنا جبلًا من ياقوت أو بحرًا من زئبق، أين هو؟ وكيف هو؟ وكما يقال لمن يدعي وجود المنتظر المعصوم الداخل إلى سرداب سامرًا: بماذا يعرف؟ وكم كان عمره حين دخل؟ وماذا الذي يمنعه من الظهور؟ ونحو ذلك من المسائل التي يبين بها عدم المسؤول عنه، أو عدم ما أثبته المسؤول له.","vol":"10","page":273},{"text":"وهذا في القرآن كثير، كقوله تعالى: ﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها﴾ [الأعراف: ١٩٥] .\nوقوله تعالى: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾ [يونس: ١٨] .\nوقوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى﴾ [النجم: ١٩-٢١]\nومنه قولهم: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾ [الفرقان: ٤١] .\nوقول الكفار: ﴿أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أو آباؤنا الأولون﴾ [الصافات: ١٦-١٧] .\nوإذا كان المسؤول عنه موجودًا، كان الجواب بما يدل على وجوده.\nفلهذا أجاب موسى للمنكرين بما يدل على إثبات الصانع سبحانه، فإن افتقار السماوات والأرض وما بينهما، والمشرق والمغرب، والموجودين وآثارهم، إلى الصانع، واستقرار ذلك في فطرهم -أمر لا يمكن إنكاره إلا عنادًا.\nكما قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ [النمل: ١٤] .\nوذكر موسى ﵇ السماوات والأرض، والليل والنهار، والأولين والآخرين، فذكر الأعلى والأسفل، والمتيامن والمتياسر، والمتقدم والمتأخر.\nوهذه هي الجهات الست للإنسان، وذكر التقدم","vol":"10","page":274},{"text":"والتأخر بالزمان، بعد أن ذكر التقدم والتأخر بالمكان، فإن المكان دخل في السماوات والأرض، والمشرق والمغرب.\nوذكر موسى خلق الإنسان، بعد أن ذكر الخلق العام.\nكما في قوله: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق﴾ [العلق: ١-٢] .\nوكما في قوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت: ٥٣] .\nفإذا كان المسؤول عنه بما هو، لا بد أن تكون له ذات هي ماهيته، كان الجواب عنها بما يمكن من التعريف، فإن أمكن أن يعرف بعينه قيل: هذا هو، أو هو فلان ابن فلان، ونحو ذلك مما يميزه عند السائل، ويوجب معرفته بعينه بالإحساس، لكن معرفة عينه لم تحصل هنا بمجرد كلام المتكلم، بل بالإحساس به، وإن لم يمكن معرفته بعينه عرف بنظيره، ولا يكون له نظير من كل وجه، فإنه لو كان نظير من كل وجه، لم يكن المجهول إلا عينه.\nوإذا كان المطلوب معرفة عينه لم يحصل الجواب بالنظير، وإنما يعرف بالنظير نوعه، فلا يجاب بالنظير، إلا إذا كان السؤال عن معرفة نوعه.\nوحينئذ فتحصل المعرفة به بحسب مماثلة ذلك النظير له، لأجل القدر المشترك الذي بين المتماثلين.\nكمن سئل عن الخمر، فقال: شراب مسكر فلا بد أن يكون السائل يعرف الشرب ويعرف السكر، ولكن لم يعرف نوع سكر الخمر، بل عرف مثلًا سكر الغضب والعشق والحزن، وعرف زوال العقل","vol":"10","page":275},{"text":"بالجنون والبنج، فلو سأل عن السكر، قيل له: لذة مع زوال الحزن.\nفقولنا: لذة، يخرج سكر الغضب والحزن، فإنه ألم، بخلاف سكر العشق.\nولكن ليس هذا مثل هذا، فلا يمكن تعريفه ذلك إلا بالقدر المشترك بين هذه اللذة وسائر اللذات، وبالقدر المشترك بين زوال العقل بهذا السبب وغيره من الأسباب.\nثم إذا انضم إلى ذلك أنه شراب يميز المسؤول عنه عن غيره.\nولهذا كان حقيقة الأمر أن الحدود المقولة في جواب ما هو إنما يحصل التمييز بين المحدود وغيره.\nوأما نفس تصور حقيقته، فذاك لا يحصل بالقول والكلام، لا على وجه التحديد ولا غيره، بل بإدراك النفس المحدودة.\nفالسائل إذ سأل عن الرب ما هو، أمكن أن يجاب بأجوبة تميزه عما سواه سبحانه، بحيث لا يشركه غيره في الجواب، ويمكن أن يذكر من الأمور المشتركة بحسب إدراك السائل ما يحصل به من المعرفة ما يشاء الله.\nوأما معرفة كنه الذات، فذاك لا يمكن بمجرد الكلام، ليس لأنه لا كنه لها، لكن لأن تعريف كنه الأمور لا يمكن بمجرد العبارات.\nفإذا قيل: هو نور، لم يمنع هذا أن تكون حقيقته نورًا.\nكما إذا قيل: هو حي، أو عالم أو قادر، أو موجود.\nلكن ليس هو مثل شيء من الأنوار المخلوقة، كما أنه ليس مثل شيء من الأحياء العالمين المخلوقين، ولا شيء من الموجودات المخلوقة.","vol":"10","page":276},{"text":"ولكن لولا القدر المشترك لما كان في الكلام فائدة.\nثم القدر المميز يحصل بالإضافة، فيعلم أنه نور ليس كالأنوار، موجود ليس كالموجودين، حي لا كالأحياء.\nوهذا الجواب هو جواب أهل التحقيق من المثبتين الذين ينفون علم العباد بماهيته وكيفيته، ويقولون: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال.\nويقولون: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.\nويقولون: حجب الخلق عن معرفة ماهيته، ونحو ذلك.\nوأما من نفى ثبوت هذه الأمور في نفس الأمر، فقال: لا ماهية له فتجري في مقال، ولا كيفية له فتخطر ببال.\nكما يقول ذلك من يقول من المعتزلة، ومن اتبعهم من الأشعرية، وغيرهم من أصحاب الفقهاء الأربعة- فهؤلاء هم الذين خرجوا عن الجواب الطبيعي، وأرادوا تغيير الفطرة الإنسانية، كما غيروا النصوص الشرعية.\nوإنما الكمال بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة.\nوالرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها، لا بتغيير الفطرة وتحويلها.\nومن المعلوم أنه لا يمكن أن يجاب عن سؤال السائل بما هو، بما يجاب إذا سئل عن الأنواع، فإن الله لا مثل له سبحانه.\nوإذا كان المخلوق الذي انحصر نوعه في شخصه، كالشمس مثلًا لا يمكن ذلك فيها، فالخالق سبحانه أولى بذلك.\nوإذا كان تعريف عين الشيء لا يمكن إلا بمعرفته أو معرفة نظيره،","vol":"10","page":277},{"text":"والله لا نظير له، امتنع أن يعرف إلا بما تعرف به الأعيان من المعارف الخاصة بالمعروف باطنًا وظاهرًا، كما يهدي إليه به عباده المؤمنين من الإيمان به في الدنيا، وكما يتجلى لهم في الدار الآخرة.\nوهذه المعرفة تطابق ما سمعوه، مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، فيتطابق الإيمان والقرآن، ويتوافق البرهان والعيان.\nوالله سبحانه فطر عباده على الإقرار به فطرة تختص به، ليست كلية مشتركة بينه وبين غيره، كما جعل في الإبصار قوة ترى بها الشمس بخصوصها، لا تعرف الشمس معرفة مشتركة.\nكما يقال في حدها: كوكب يطلع نهارًا.\nبل معرفة الناس للشمس أعظم من معرفتهم لغيرها من أعيان الكواكب ولنوع الكواكب، لو كانت الشمس من نوع الكواكب، فكيف إذا لم تكن من نوعها؟.\nولهذا كانت الدلائل على الخالق آيات له.\nوالآية تختص بما في آية عليه، ليست قياسًا كليًا يدل على معنى مشترك عام، بل تدل على معين موجود متميز عن غيره.\nوالأدلة القياسية الكلية التي يخصها باسم البرهان أهل المنطق ونحوهم، لا تدل إلا على أمر كلي.\nكقولنا: الإنسان محدث، وكل محدث فله محدث: ينتظم قضيتين كليتين.\nفقول القائل: الإنسان محدث، يعم كل إنسان، وعلمه بحدوث الإنسان المعين كعلمه بحدوث الإنسان الآخر، ليس علمه بهذه القضية الكلية أكمل من علمه بالواحد المعين، إلا أنه قد يجهل الإنسان حكم المعين، فيستدل عليه بنظيره.","vol":"10","page":278},{"text":"وكذلك قول القائل: كل محدث فله محدث، فما من محدث يعلم حدوثه إلا وهو يعلم أنه له محدثًا، كما أنه يعلم أن المحدث الآخر محدثًا، ثم إذا علم أن للمحدث محدثًا، فهذا علم مطلق كلي، ليس فيه معرفة بمعين، وليس هذا معرفة بالله تعالى.\nوأما الآية فهي مختصة به، لا يشركه فيها غيره، فالإنسان، وغيره من الآيات تدل على عينه نفسه، لا تدل على نوع مطلق، إذ الدليل مستلزم للمدلول، وهذه الأدلة مستلزمة لعينه لافتقارها إليه، ليست مستلزمة لأمر مطلق كلي، إذا المطلق الكلي لا وجود له في الخارج.\nلكن المستدل قد لا يعلم ابتداء استلزامها لنفسه، بل يعرف المشترك أولًا، ثم المختص ثانيًا، كمن يرى شخصًا من بعيد، فيعلم أنه جسم، ثم يراه متحركًا إليه، فيعلم أنه حيوان، ثم يراه منتصبًا، فيعلم أنه إنسان، ثم يراه فيعلم أنه زيد مثلًا، فكان علمه بعينه بحسب أدلته.\nوالرب تعالى متميز عن غيره بجميع خصائصه.\nوالناس تكلموا في أخص وصفه.\nفقال من قال من المعتزلة: هو القدم.\nوقال الأشعري وغيره: هو القدرة على الاختراع.\nوقال من قال من الفلاسفة: هو وجوب الوجود.\nوالتحقيق أن كل وصف من هذه الأوصاف فهو من خواصه.\nومن خواصه أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم.\nوكل اسم لا يسمى به غيره: كالله، والقديم الأزلي، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، ونحو ذلك -فمعناه من خصائصه.","vol":"10","page":279},{"text":"والاسم الذي يسمى به غيره، وهو عند الإطلاق ينصرف إليه: كالملك، والعزيز، والحليم- يختص بكماله وإطلاقه، فلا يشركه في ذلك غيره.\nوالاسم الذي يسمى به غيره ولا ينصرف إطلاقه إليه: كالموجود، والمتكلم، والمريد - يختص أيضًا بكماله، وإن لم يختص بإطلاقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية</span>\nومن المعلوم أن الأسماء التي يختص بها بكل حال، أو عند الإطلاق، أو تنصرف إليه بالنية يجب أن يعلم المتكلم بها اختصاصه بها، وإلا لم يخصه بها، وتخصيصه بها مستلزم لمعرفة ما يختص به ويمتاز به غيره، فلا بد أن يكون في القلوب من المعرفة ما تختص به، ويمتاز به عن غيره.\nوهذه المعرفة لا تكون بقياس كلي مدلوله معنى كلي، إذ الكلي لا تخصيص فيه، بل قد يحصل عن قياسين، مثل أن يعلم أن كل محدث له محدث، وأن المحدث للمحدثات ليس هو شيئًا من هذا العالم، ولا يكون اثنين، فيعلم أنه واحد خارج عن العالم، ومع هذا فإشارة القلوب إلى عينه خارجة عن موجب قياس الكلي.\nوهكذا سائر المعلومات لا يمكن أن تعلم بمجرد القياس الكلي غير معينة في الخارج، وقد بسط الكلام على هذا في موضعه.\nولهذا إذا ذكر الله توجهت القلوب إليه سبحانه، لما في الفطرة من معرفته أبلغ مما توجه إلى معين غيره إذا ذكر.\nفإذا قيل: الشمس -أو","vol":"10","page":280},{"text":"الهلال- توجهت القلوب إلى ما عرفته من ذلك.\nوتوجهها إلى ما عرفته من الخالق أكمل.\nوهذا أمر مغروز فيها، وقد فطرت عليه.\nوآياته دوال وشواهد، وهي كما قال تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ [ق: ٧]، فهي تبصر الجاهل، وتذكر الغافل.\nقال ابن رشد: وههنا سبب آخر وجب أن يسمى به نورًا.\nوذلك أن حال وجوده من عقول العلماء الراسخين في العلم عند النظر إليه بالعقل هي حال الإبصار عند النظر إلى الشمس، بل حال عيون الخفافيش، فكان هذا الصنف لائقًا عند الصنفين من الناس.\nقلت: ولقائل أن يقول: هذا الكلام يناسب حال أهل الحيرة والضلال، الذين حارت عقولهم فيه فلم تعرفه، كما يحار البصر في الشمس فلا يراها، فقد مثله بالنور عند الجمهور، لكونه هو الذي يرى، وعند العلماء لكونه لا يرى، فاقتضى هذا أن الجمهور لهم به معرفة، وأن العلماء لا يعرفونه.\nوهذا حقيقة كلام هؤلاء، فإنهم يجعلون ما أظهره الله من أسمائه وصفاته لتعريف الجمهور، إذ لا يمكن إلا ذلك.\nوهو عندهم في","vol":"10","page":281},{"text":"الباطن ليس كذلك، بل موصوف بالسلوب التي لا يحصل منها إلا الجهل والحيرة والضلالة.\nومنتهاهم أن يثبتوا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في الذهن لا في الخارج.\nوهذا منتهى هؤلاء المتفلسفة، ومن سلك سبيلهم من المتصوفة: أهل الوحدة والحلول والاتحاد، ومن ضاهاهم من أصناف أهل الإلحاد.\nوأصل ضلال هؤلاء أنهم لم يثبتوا وجودًا للرب مباينًا للمخلوقات، متميزًا عنها، بل اعتقدوا أن هذا منتف، لكونه يقتضي ما هو منتف عندهم من التحيز والجهة.\nقال: وأيضًا فإن الله ﵎، لما كان سبب الموجودات وسبب إدراكنا لها، وكان النور مع الألوان هذه صفته، أعني أنه سبب وجود الألوان بالفعل وسبب رؤيتنا لها، فبالحق ما سمى الله نفسه نورًا.\nوإذا قيل: إنه نور، لم يعرض شك في الرؤية التي جاءت في المعاد.\nقلت: هذا الرجل سلك مسلك صاحب مشكاة الأنوار، فإن ذلك الكتاب موضوع على قواعد هؤلاء المتفلسفة.\nوابن رشد هذا يمدح","vol":"10","page":282},{"text":"كلامه في مشكاة الأنوار وما كان مثله مما وافق فيه الفلاسفة.\nوالمسلمون يقدحون في كلامه الذي وافق فيه الفلاسفة، ويمدحون من كلامه ما وافق فيه المسلمين وناقض به الفلاسفة، فما يمدحه به أهل العلم والإيمان، يذمه به هذا وأمثاله، وينشد:\nيومًا يمان إذا ما جئت ذا يمن ... وإن لقيت معديًا فعدنان\nوما يمدحه به أهل العلم والإيمان، يذمه به هؤلاء، وقد ذكر في مشكاة الأنوار ما يناسب ما ذكره هذا في النور.\nومن هنا دخل الملحدون من الاتحادية، الذين قالوا بوحدة الوجود، وقالوا: إن الخلق مجال ومظاهر، لأن وجود الحق ظهر فيها وتجلى، فجعلوا نفس وجوده هو نفس ظهوره وتجليه.\nومن المعلوم أن الشيء يكون موجودًا في نفسه ثم يظهر ويتجلى تارة، ويحتجب أخرى، سواء كان تجليه لوجود سبب الرؤية في الرائي، كالأعمى إذا صار بصيرًا، أو لزوال المانع في الظاهر، كالحجب المانعة.\nأو لهما جميعًا.\nوهؤلاء جعلوا وجود الحق في المخلوقات، هو نفس ظهوره وتجليه فيها.\nوسموها مجالي ومظاهر، وذلك أن حقيقة قولهم: إنه ليس موجودًا في الخارج، ولكنهم يظنون أنهم يعتقدونه موجودًا في الخارج،","vol":"10","page":283},{"text":"فإذا شاهدوا الوجود الساري في الكائنات، ظهر لهم هذا الوجود وهم يظنونه الله، فسموها مظاهر ومجالي، لأنها أظهرت لهم ما ظنوا أنه الله.\nولو أنهم جعلوها آيات أظهرت لهم وبينت ما دلت عليه من وجوه، وعلمه وقدرته ورحمته وحكمته، مع علمهم بأن وجوده مباين لوجودها -لكانوا مهتدين.\nوما ذكره هذا الرجل موافقًا فيه لصاحب المشكاة أن النور سبب وجود الألوان، وسبب إدراكنا لها، كما أن الله سبب وجود الموجودات، وسبب معرفتنا بها -ليس بمستقيم، فإن الألوان موجودة في نفسها، سواء أدركناها أو لم ندركها، وهي في نفسها مستغنية عن النور، ولكن النور شرط في إدراكنا لها، لا في وجودها.\nوليس المخلوق مع الخالق كذلك، بل الخالق هو المبدع لأعيان الموجودات، وليس هو معها كالشرط مع المشروط، ونحو ذلك مما يقتضيه كلام هذا الرجل في تهافت التهافت وكلام أمثاله من هؤلاء المتفلسفة الاتحادية وغيرهم، الذين يجعلونه مع الموجودات كالمادة مع الصورة، وكالصورة مع المادة، كالكلي مع الجزئي، كالجنس مع النوع، أو النوع مع الشخص، ونحو ذلك من التمثلات التي يقتضي أنه مفتقر إليها، وهي مفتقرة إليه، وكل منهما مع الآخر، كالشرط مع المشروط، كما قد صرح بذلك صاحب الفصوص وغيره.\nبل هو سبحانه الغني بنفسه عن كل ما سواه من كل وجه، وكل ما","vol":"10","page":284},{"text":"سواه مفتقر إليه من كل وجه، وليس شيء أفقر إلى شيء من المخلوق إلى الخالق، ولا شيء أغنى عن شيء من الخالق عن المخلوق، ولا يشبه فقر الخلق إليه وغناه عنهم شيء من أنواع الفقر والغنى.\nوإذا قلنا: كالمفعول مع الفاعل، والمصنوع مع الصانع، والمبدع مع المبدع، أو كالمعلول مع العلة، والموجب مع الموجب، ونحو ذلك -فكل ذلك تقريب فيه قصور وتقصير منا، إذ ليس في الموجودات ما هو مع غيره كالمخلوق مع الخالق، ولا في الوجود مفعول له فاعل واحد له يستغني به، ولا معلول له علة واحدة تستغني به في الوجود.\nبل كل ما في الوجود مما يظن أنه مفعول أو معلول لشيء من المخلوقات، فإن غايته إذا كان فاعلًا وعلةً، أن يكون محتاجًا إليه من وجه دون وجه.\nوهو محتاج إلى غيره من وجه آخر، وهو فاعل وعلة له من وجه دون وجه.\nوأما أن يكون في الموجودات ما هو مفتقر إلى فاعل أو علة، كافتقار المخلوقات إلى الخالق فلا.\nوهذا من أسباب ضلال هؤلاء، فإنهم ضلوا في قياسهم الخالق، الذي ليس كمثله شيء، على المخلوقات، فيجعلون حال المخلوقات معه، كحال مفعولات العباد معهم، لا سيما وفيهم من يكون قوله شرًا من ذلك.\nومن هذا الباب قول من جعل المعدوم شيئًا ثابتًا في الخارج،","vol":"10","page":285},{"text":"مستغنيًا عن الخالق، ومن جعل الماهيات غير الأعيان الموجودة، فإذا ضم إلى أحد هذين القولين أن يجعل الوجود واحدًا، والوجود الواجب هو الممكن -لزم أن يكون كل من وجود الأعيان وثبوتها مفتقرًا إلى الآخر، وأن يكون الوجود الواجب مفتقرًا إلى الذوات المستغنية عنه، كما يقوله صاحب الفصوص.\nأو أن يكون وجود الأعيان، الذي هو الوجود الواجب عند هؤلاء، مفتقرًا إلى الماهيات المستغنية عنه، كما يقوله آخرون منهم.\nويقول ابن سبعين وأمثاله: هو في كل شيء بصورة ذلك الشيء، فهو في الماء ماء، وفي النار نور، وفي الحلو حلو، وفي المر مر.\nوقد وقع نوع من الحلول والاتحاد في كلام غير واحد من شيوخ الصوفية.\nولهذا كان الأئمة منهم، ك الجنيد وأمثاله، يتكلمون بالمباينة، كقول الجنيد: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم.\nوفي كلام الشاذلي، والحرالي، بل وابن برجان، بل وأبي طالب وغيرهم من","vol":"10","page":286},{"text":"ذلك ما يعرفه من فهم حقيقة الحق، وفهم مقاصد الخلق.\nولهذا كان الناس يصفون السالمية بالحلول، فإن أبا طالب من أصحاب أبي الحسن ابن سالم، صاحب سهل بن عبد الله التستري.\nوالناس في هذه المسألة على أربعة أقوال:\nمنهم من يقول بالحلول والاتحاد فقط، كقول صاحب الفصوص وأمثاله.\nومنهم من يثبت العلو ونوعًا من الحلول، وهو الذي يضاف إلى السالمية، أو بعضهم.\nوفي كلام أبي طالب وغيره ما قد يقال: إنه يدل على ذلك.\nومنهم من لا يثبت لا مباينة ولا حلولًا ولا اتحادًا، كقول المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم.\nوالقول الرابع إثبات مباينة الخلق للمخلوق بلا حلول.\nوهذا قول سلف الأمة وأئمتها.\nوكل من وقع بنوع من الحلول لزم افتقار الخالق إلى غيره واستغناء غيره عنه، فإن الحال في غيره إن لم يكن محتاجًا إليه بوجه من الوجوه امتنع الحلول، سواء قيل: إن الحال قائم بنفسه أو بغيره.\nفإن قال الحلولي: أنا أثبت حلولًا لا كحلول الأجسام ولا الأعراض، وحينئذ فلا يلزم افتقاره فيه إلى غيره.","vol":"10","page":287},{"text":"قيل: هذا لا حقيقة له، وهو كقول من قال: أثبت قيامه بغيره من غير احتياج إلى ذلك المحل الذي من شأنه أن يقوم ما قام فيه، لأن قيامه بالغير ليس كقيام الأجسام والأعراض، وأثبته في غيره لا مماسًا له ولا مباينًا له.\nلكن هذا الجواب يصح من أهل السنة الذين ينكرون وجود موجود لا مباين للعالم ولا داخل فيه.\nوأما من أثبت هذا، فإنه لا يمكنه إبطال قول الحلولية، فإنهم يقولون: كما أثبت موجودًا لا داخل العالم ولا خارجه فأثبته حالًا في الموجودات من غير أن يكون مفتقرًا إليها.\nفإذا قال: هذا لا يعقل.\nقيل: وذاك لا يعقل، بلا تصديق العقل بوجود موجود في العالم غير مفتقر إليه، أقرب من تصديقه بوجود موجود لا داخل العالم ولا مباين له.\nولهذا كان انقياد القلوب إلى قول الحلولية أقرب من انقيادهم إلى قول نفاة الأمرين.\nوجمهور الجهمية وعبادهم وصوفيتهم إنما يتكلمون بالحلول.\nوإلا فالنفي العام لا تقبله غالب العقول، وإنما يقوله من يقوله من متكلمتهم.\nوهؤلاء يخضعون لأرباب الأحوال والعبادات والمعارف من الجهمية الحلولية، ولا يمكنهم الإنكار عليهم بحجة ظاهرة، ويد مبسوطة، بل إما أن يكونوا مقصرين معهم في الحجة، وإما أن يكونوا مقهورين معهم بالحال والعبادة والمعرفة، لأن أولئك في قلوبهم تأله ووجد","vol":"10","page":288},{"text":"وذوق، وهؤلاء بطالون قساة القلوب، لأن القلب لا يتوجه بالقصد والعبادة إلى العدم والنفي، وإنما يتوجه إلى أمر موجود.\nولهذا كانت الجهمية النفاة داخلين في نوع من الشرك، إذ كل معطل مشرك، وليس كل مشرك معطلًا.\nوالجهمية قولهم مستلزم للتعطيل، ففيهم شرك.\nوقد يكون الشرك فيمن ليس منهم، إذ إخلاص الدين لله مستلزم لإثباته، وليس إثباته مستلزمًا للإخلاص، فمن أثبت شيئًا من الحقائق مستغنيًا عن الله كاستغناء الألوان في أنفسها عن النور، أمكنه أن يقول: هو بالنسبة إلى تلك الأمور كالنور بالنسبة إلى اللون، إذ قد تظهر به تلك الأمور، كما ظهر اللون لنا بالنور.\nقال ابن رشد: فقد تبين لك من هذا القول الاعتقاد الأول الذي في هذه الشريعة، في هذه الصفة، يعني الجسمية، وما حدث في ذلك من البدعة.\nقال: وإنما سكت الشرع عن هذه الصفة لأنه لا يعترف بموجود في الغائب أنه ليس بجسم إلا من أدرك برهانًا: أن في الشاهد موجودًا بهذه الصفة، وهي النفس.\nولما كان الوقوف على معرفة هذا","vol":"10","page":289},{"text":"المعنى من النفس مما لا يمكن الجمهور، لم يمكن فيهم أن يعقلوا وجود موجود ليس بجسم.\nفلما حجبوا عن معرفة النفس، علمنا أنهم حجبوا عن معرفة هذا المعنى من الباري تعالى.\nقلت: ولقائل أن يقول: هو قد بين فساد طرق نفاة الجسم من المتكلمين، وكذلك بين فساد طريقة ابن سينا وغيره من الفلاسفة، وذكر أنه لا يمكن الاعتراف بوجود موجود في الغائب ليس بجسم، إلا من علم بالبرهان أن النفس ليست بجسم.\nوحينئذ فيقال له: هذا أضعف من كلام المتكلمين ومن كلام الفلاسفة من وجهين: أحدهما: أن الأدلة الدالة على كون النفس ليست الجسم الإصطلاحي، وهو ما يمكن الإشارة إليه، وكونها لا توصف بحركة ولا سكون، ولا تقرب من شيء ولا تبعد عنه، ولا تصعد ولا تعرج ولا تهبط، ونحو ذلك مما يقوله فيها هؤلاء الفلاسفة -أضعف من أدلة نفي ذلك عن الباري، فإذا كانت تلك فاسدة فهذه أولى.\nوالثاني: أن يقال: هب أنه يثبت أن النفس لا يمكن الإشارة إليها، أو أن المخلوقات ما لا يمكن الإشارة إليها، فمن أين يجب أن يكون الخالق كذلك؟ غاية ما يثبت به: أن العقل لا يحيل ذلك، لكن عدم استحالته في العقل لا يقتضي ثبوته في نفس الأمر، بل ولا إمكانه في نفس الأمر.","vol":"10","page":290},{"text":"فإذا لم يكن ثم دليل عقلي ينفي الجسمية عن الباري، كما قد بينته، لم يكن في نفي ذلك عن النفس دليل على أن الباري كذلك، اللهم إلا أن يثبت أن هذا الجنس أشرف من غيره.\nفيقال: الباري أحق بصفة الكمال من النفس، لكن كون الشيء لا يشار إليه أمر سلبي، والسلب المحض ليس صفة مدح ولا كمال، إلا أن يتضمن أمرًا وجوديًا.\nوليس في كون الشيء لا يشار إليه ما يستلزم أمرًا وجوديًا، كما أنه ليس في كونه لا يرى ما يستلزم أمرًا وجوديًا، كما أن نفي الرؤية عن بعض المخلوقات لا يستلزم نفيها عن الباري تعالى.\nوأيضًا فيقال: من المعلوم أن اتصاف الموصوف بكونه حيًا عليمًا قديرًا، أكمل من اتصافه بكونه لا يشار إليه.\nثم أنتم تفرون من إثبات صفات الكمال للرب في نفس الأمر، لما في ذلك من التشبيه، فإذا شبهتموه بالمخلوق فيما دون صفات الكمال من الصفات السلبية، كان هذا أقرب إلى التشبيه الباطل ووصفه بالنقائص، ولكن هذه سنة معلومة للجهمية: يسلبون عن ربهم صفات الكمال فرارًا من التشبيه بالكامل من الموجودات، ويصفون بالسلوب المتضمنة صفات النقص التي يشبهونه فيها بالجمادات والمعدومات والممتنعات، فإن العدم علم لا يشار إليه، كما أنه لا يرى، وكل ما يوصف به العدم المحض لم يكن كمالًا، بل هو إلى النقص أقرب.\nوأما ما ذكره من سكوت الشريعة عن النفس.","vol":"10","page":291},{"text":"فيقال له: الكتاب -والسنة- مملوء بإثبات صفات النفس الدالة على أنه يشار إليها، وأنها بحكم اصطلاحهم -جسم، فإنه أخبر بقبضها ورجوعها وصعودها، ودخولها في عباده، ودخولها جنته، ودخولها البدن وخروجها منه، وعروجها إلى السماء، وأنها في حواصل طير خضر، وأمثال ذلك من الصفات التي تقولون أنتم: إنها لا تكون إلا لجسم.\nوأما لفظ الجسم فهو في اللغة بمعنى البدن، أو بمعنى غلظه وكثافته.\nكما قال: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ [البقرة: ٢٤٧] .\nوقال: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾ [المنافقون: ٤] .\nويقال: لهذا الثوب جسم أي غلظ وكثافة.\nوهذه المعاني منتفية عن الروح، فلم يصلح أن يعبر عنها في لغة العرب بلفظ الجسم، بل الناس يقولون: الجسم والروح، فيجعلون مسمى الأجسام غير مسمى الأرواح.\nوإذا كان من الأعيان القائمة بنفسها الموصوفة بالصعود والعروج، والدخول والخروج، ونحو ذلك مما لا يسمى في اللغة جسمًا، لم يجب أن يسمى كل ما قام بنفسه جسمًا في لغتهم.\nوأما في اصطلاحكم، فالجسم عندكم هو ما أمكن الإشارة إليه.\nوما وصف بصعود أو هبوط فهو عندكم جسم، وما قامت به الصفات فهو عندكم جسم.\nفعلى اصطلاحكم يجب أن تكون الروح جسمًا، وليس في عدم إخبار الشارع بذلك حجة لكم.","vol":"10","page":292},{"text":"والناس قد تنازعوا في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح﴾ [الإسراء: ٨٥]: هل المراد به روح ابن آدم، أو ملك من الملائكة، أو غير ذلك؟ على قولين مشهورين.\nوبتقدير أن يكون المراد روح الإنسان، فالنص لم يخبر بكيفيتها، لأن الإخبار بالكيفية إنما يكون فيما له نظير يماثله، وليست الروح من جنس ما نشهده من الأعيان، فلا يمكن تعريفنا بكيفيتها، وإن كانت لها كيفية في نفسها.\nثم يقال لهذا الذي أحال على ما قالوه في النفس: من المعلوم أن أعظم برهان لهم في أن النفس ليست جسمًا: قولهم: إن العلم يحل فيها، فلو كانت جسمًا لا تقسم الحال فيها بانقسامها، فإن الجسم منقسم، والعلم لا ينقسم ولا بعض له.\nوقد يفرضون ذلك في العلم بما لا ينقسم، كالعلم بالكليات والمجردات وواجب الوجود.\nوالعلم بالمعلوم الواحد لا ينقسم، إذ العلم يتبع المعلوم، فإذا لم يكن المعلوم منقسمًا، لم يكن العلم منقسمًا، فلم يكن محل العلم منقسمًا، فلا يكون جسمًا.\nهذا أعظم ما عندهم من البراهين.\nوقد اضطرب الناس في جوابه، كما قد بسط في غير هذا الموضع.\nلكن نقول هنا: جوابه من وجوه:\nأحدها: أن يقال: قيام العلم بالنفس كقيام الحياة والقدرة والإرادة، والحب والبغض، وسائر الأعراض المشروطة بالحياة.\nوهم يسلمون أن هذه الصفات تقوم بالجسم، فما كان جوابًا عن قيام هذه الصفات بالنفس، كان جوابًا عن قيام العلم.","vol":"10","page":293},{"text":"الثاني: ما عارضهم به صاحب التهافت وغيره.\nوقالوا: هذا باطل عليكم بالقوة الوهمية التي تدرك في المحسوس ما ليس بمحسوس، كإدراك القوة التي في الشاة عداوة الذئب، فإنها في حكم شيء واحد لا يتصور تقسيمه، إذ ليس للعداوة بعض حتى يقدر إدراك بعضه وزوال بعضه، وقد حصل إدراكها في قوة جسمانية عندكم، فإن نفس البهائم منطبعة في الأجسام لا تبقى بعد الموت، وقد اتفقوا عليه، فإن أمكنهم أن يتكلفوا تقدير الانقسام في المدركات بالحواس الخمس، وبالحس المشترك، وبالقوة الحافظة للصور، فلا يمكنهم تقدير الانقسام في هذه المعاني التي ليس من شرطها أن تكون في مادة.\nوأورد على نفسه سؤالًا، فقال: هذه مناقضة في العقليات، إذ العقليات لا تنتقض، فإنه مهما لم يقدروا على الشك في المقدمتين، وهو أن العلم الواحد لا ينقسم، وأن ما لا ينقسم لا يقوم بجسم منقسم -لم يمكنهم الشك في النتيجة.\nوأجاب بأن المقصود بيان تهافتهم وتناقضهم وقد حصل، إذ انتقض أحد الأمرين: إما ما ذكروه في النفس الناطقة، أو ما ذكروه في القوة الوهمية.\nالجواب الثالث: أن يقال: ما تعنون بقولكم: العلم لا ينقسم، ومحله إذا كان جسمًا ينقسم؟ إن عنيتم بالانقسام إمكان تغريقه، فلم قلتم: إن كل جسم يمكن تغريقه؟ وبتقدير أن يكون ممكنًا في نفسه، فلم قلتم: إنه إذا قسم لا تبقى النفس نفسًا ولا روحًا، وإن بقيت أجزاؤها متفرقة؟.\nوكذلك يقال في العلم والقدرة والحياة وسائر الأعراض القائمة","vol":"10","page":294},{"text":"بالنفس: هي لا تبقى بعد تفرق النفس، فقيامها بالنفس مشروط ببقاء النفس.\nفإذا قدر أنه فرقت لم تكن باقية، فلا تقوم بها الأعراض، وهذا كقيام الأعراض بالبدن، فإن قيام الحياة والحس والحركة ببعض البدن، قد يكون مشروطًا بقيامه بالبعض الآخر، فإذا قطعت بعض الأوصال فارقت الحياة والقدرة والحس لمحل آخر.\nفما المانع من أن يكون قيام العلم وغيره من الأعراض مشروطًا بأن لا تفرق ولا تفسد إن كانت قابلة للتفريق؟.\nالجواب الرابع: قولكم: العلم الواحد بالمعلوم الواحد الذي لا ينقسم: ما تعنون بالمعلوم الواحد الذي لا ينقسم؟ إن عنيتم به العقول المجردة، فتلك إثباتها فرع على إثبات النفس.\nوكذلك واجب الوجود قد قلتم: إنه لا يمكن نفي ذلك عنه، إلا بعد نفي ذلك عن الجسم، فلو نفي ذلك عن النفس بناء على نفيه عنه، لزم الدور.\nوهب أن منكم من لا يقول ذلك، فالمنازع لا يسلم ثبوت شيء من الموجودات على الوجه الذي تدعونه من أنه لا يشار إليه ولا إلى محله.\nوأما الكليات فتلك ليس لها في الخارج معلوم ثابت لا ينقسم، وإنما هذا على زعم من يضن أن الكليات موجودة كلية في الخارج، وهو معلوم الفساد بالضرورة، وهو من أصول ضلالهم في المنطق والإلهيات.\nوإنما هي في الذهن.\nوالكلي هو العام، واللفظ العام والمعنى العام يقوم بالجسم، كما يقوم اللفظ العام باللسان، وكما يقوم الشك المطلق والجسم المطلق واللون","vol":"10","page":295},{"text":"المطلق في الخيال.\nوهذه كليات، وأفرادها موجودة في الخارج وهي تقوم بالجسم عندهم.\nالجواب الخامس: أن يقال: سريان العرض في محله بحسب محله.\nومن المحال أن يقبل التفريق وتتفرق أعراضه مع بقائها، كما أن السواد والبياض القائم بالجسم يتفرق بتفرق محله، كالنور إذا قطع.\nومن المحال ما إذا فرق زالت أعراضه.\nكالأشكال القائمة بالمشكل، فإذا فرق زال ذلك الشكل، فالاستدارة والتثليث والتربيع القائم بالجسم لا يبقى إذا فرق فأخرج عن ذلك الشكل إلى غيره.\nوقد تكون الحياة والحس والحركة الإرادية، والعلم والقدرة، وغير ذلك مشروطًا بالشكل الخاص، أو غير ذلك من الأعراض.\nومن المحال ما لا يعقل تفريقه.\nومن قال: إن النفس جسم لا يلتزم إمكان تفريقها، وأنها مركبة من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة، إلا إذا كان من القائلين بذلك.\nوقد عرف أن جمهور الناس لا يقولون لا بهذا ولا بهذا، بل كثير من الطوائف النظار - أو أكثرهم - كالهشامية، والنجارية، والضرارية، والكلابية، وطائفة من الكرامية.\nوإنما ادعى أنها مركبة من الجواهر المفردة من ادعاء من المعتزلة والأشعرية، ومن وافقهم من الكرامية وغيرهم.\nوأما القول بتركبة من المادة والصورة، فقول بعض الفلاسفة.\nفهؤلاء إذا قالوا: إن النفس ليست جسمًا، فقد أصابوا من وجه","vol":"10","page":296},{"text":"وأخطأوا من وجه.\nأصابوا من حيث نفوا عنها هذا التركب والتبعيض والانقسام، وأخطأوا من حيث ادعوا ثبوت ذلك في كل ما يشار إليه، وكل ما يمكن الإحساس به ورؤيته.\nفإنهم لما زعموا أن كل ما يمكن الإشارة الحسية إليه فهو جسم، وكل جسم فهو مركب بهذا الاعتبار- لزمهم أن تكون النفس بحيث لا يشار إليها إشارة حسية.\nومن المعلوم أن بدنها جسم معين محسوس، وأنها هي التي ترى المعينات وتشمها وتذوقها وتسمعها بتوسط البدن، فإذا كانت يشار إلى المعينات المحسوسة إشارة حسية تميز بها بين محسوس ومحسوس، وتتعلق ببدن معين مخصوص- لم تكن نسبتها إلى جميع الأبدان والأجسام واحدة.\nوإذا قيل: هي تتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصريف.\nقيل: المدبر المصرف لغيره: إن كان تدبيره بعينه، فلا بد من إحساسه.\nوإما إن كان يدبره تدبيرًا مطلقًا كليًا، مثلما يأمر الإنسان أتباعه أو أجناده بأمر عام، من غير قصد شخص معين منهم- فهذا لا يفتقر إلى الإحساس بآحادهم.\nأما إذا أمر واحدًا بعينه، فلا بد من امتيازه عن غيره.\nوتمييز الأعيان بعضها عن بعض إنما هو بالحس الباطن أو الظاهر، ليس بمجرد العقل الكلي.\nفإذا كانت تشير إلى المعينات من الأجسام المحسوسة، أشارت إليها الأجسام المعينة، فإن الإشارة الحسية مشتركة، فما أشير إليه إشارة حسية، أمكن أن يشير إشارة حسية، وما لا فلا.","vol":"10","page":297},{"text":"يبين هذا أن البدن والنفس يؤثر كل منها في الآخر، والنفس إذا أحبت ورضيت وفرحت وحزنت، أثر ذلك في البدن، والبدن إذا سخن أو برد، أو جاع أو شبع، أثر ذلك في النفس، فالتأثير مشترك.\nوإذا كان البدن جسمًا معينًا يؤثر فيها دون غيرها من الأنفس، فلا بد أن يشير إليها ويعينها دون غيرها من الأنفس، وإشارة البدن لا تكون إلا إشارة حسية.\nوالكلام على هذا مبسوط في موضعه.\nقال ابن رشد: وأما ما حصله الإمام المهدي يعني محمد بن التومرت الذي ادعى أنه المهدي المبشر به، وأقام الملك المعروف بملك الموحدين، وكان كثير من مصنفي العلم في مملكة أتباعه يراعون ذكره وأقواله، حتى يذكروا اسمه بعد اسم النبي ﷺ، لأنه دعا الناس إلى أقواله بالسيف، واستحل دماء من خالفه فيما ذكره من التوحيد وإمامته وغير ذلك، وكأصول التوحيد الذي هو توحيد الجهمية نفاة الصفات، وكان يقول بالوجود المطلق، وعلى منواله نسج ابن سبعين وأمثاله في التوحيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية</span>\nقال ابن رشد: وأما ما حصله الإمام المهدي من","vol":"10","page":298},{"text":"التصريح بنفي الجسمية، فهو الواجب بحسب زمانه، وذلك أن الناس لما اجترأوا على الشرع، وسألوا عما لم يسأل عنه الصحابة، وهل هو جسم أم ليس بجسم؟ إذ هذا السؤال موجود في فطر الناس بالطبع، واشتهر هذا السؤال وفشا في الناس، وكان السبب فيه سؤال من دعي إلى الدخول في الإسلام من سائر الأمم الذين اعتادوا النظر، لم يكن بد لأهل الإسلام من الجواب في ذلك فأجاب بعضهم في ذلك بجواب خطأ، وهو أنه جسم، وأجاب بعضهم بأنه ليس بجسم، وهو الجواب الصواب، وكثر الاختلاف بينهم ووقع الشك والحيرة، وكفر بعضهم بعضا.\nقال: ولما كانت خاصة الإمام المهدي رفع الاختلاف بين الناس، أتى مقررًا لنفي الجسمية عنه سبحانه، كفر المثبت","vol":"10","page":299},{"text":"للجسمية، وهو شيء جرى من فعله في الشرع في وقته -وبحسب الناس الذين وجد فيهم- مجرى التتميم والتبيين، والله يختص بفضله من يشاء.\nقلت: ولقائل أن يقول: في هذا الكلام من المداهنة والمصانعة لأتباع ابن التومرت ما لا يخفى.\nوالمقصود العلمي أن يقال: هذا باطل من وجوه:\nأحدها: أنه قد أسلم على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأمم، ودعي إلى الإسلام من أصناف الأمم، من لا يوجد بعدهم مثلهم في الحذق والنظر، فإن الصحابة دعوا أكمل الأمم: العرب، والعبرانيين، والروم، والفرس، ومن دخل في هؤلاء من القبط والنبط، وفتحوا أوسط الأرض، وكل من دعي -أو أسلم- بعد هؤلاء، كالترك، والديلم، والبرير، والحبشة، وغيرهم، فإنهم دون هؤلاء في الفضل.\nومن المعلوم أن فلسفة اليونان والهند ونحوهم كانت موجودة إذ ذاك كوجودها اليوم وأكثر، إذ كانت اليونان موجودين قبل مبعث المسيح، وكان أرسطوا وملكه الإسكندر بن فليبس قبل المسيح بنحو","vol":"10","page":300},{"text":"ثلاثمائة سنة، وآخر ملوكهم بطليموس، الذي دخل النصارى عليهم.\nثم من نظر في أخبار الأمم الذين لم يكن لهم كتاب كالروم واليونان ونحوهم، علم أن النصارى أكمل منهم في الإلهيات، وأفضل وأعلم منهم وأعقل، وإنما كان يكون حذق تلك الأمم في غير العلوم الإلهية، كالطب والحساب والهيئة ونحو ذلك.\nوأعظم اشتغالهم بالهيئة إنما كان لأجل الشرك والسحر ودعوة الكواكب والأوثان من دون الله، فإنهم يقولون: إنهم يستخرجون قوى الأفلاك ويمزجون بين القوة الفعالة السماوية والقوى المنفعلة الأرضية.\nولهذا يوجد في بلادهم من الطلاسم ونحوها ما هو معروف بأرض مصر والشام والجزيرة وغيرها.\nفدعوى المدعي أن الناس احتاجوا، فيمن يدعونه إلى الإسلام، إلى تغيير الأصول الشرعية، التي لم يحتج الصحابة إلى تغييرها -دعوى باطلة.\nالوجه الثاني: أن يقال: القرآن فيه بيان الوجوب عن هذا السؤال، وسائر ما يسأل عنه، لكن يريد الذي يجيب بما في القرآن والسنة أن يعرف معاني القرآن والسنة، ويعرف معاني كلام السائل، فإن الناس لهم عبارات يعبرون بها عن معانيهم غير العبارات التي في الكتاب والسنة، كما لأمة لسان غير لسان العرب.\nفالمجيب بما جاء به الرسول يحتاج إلى أن يعرف معنى العبارتين: العبارة التي خاطب بها الرسول، والعبارة التي وقع بها السؤال.","vol":"10","page":301},{"text":"ثم هذه العبارات قد تكون غريبة غير معناها، وقد لا يكون معناها مغيرًا، وقد لا تكون غريبة.\nفلفظ الهيولى ونحوها من كلام الفلاسفة ليس غريبًا في لغتهم، معناه مثل معنى المحل والموضع ونحو ذلك.\nولفظ العقل والمادة ونحوهما في كلامهم غير معناه عن معناه في لغة العرب، فإنهم يعنون بالعقل جوهرًا قائمًا بنفسه.\nوالعقل في لغة العرب عرض هو علم أو عمل بالعلم، وغريزة تقتضي ذلك.\nوالمادة من جنس الهيولى عندهم.\nوكذلك لفظ الجسم والجوهر والعرض والتحيز والانقسام والتركيب: معانيها في اصطلاح النظار غير معانيها في لغة العرب.\nلكن هذه الألفاظ لم تستعمل في القرآن في الأمور الإلهية.\nوكذلك غير طائفة من أهل الكلام والفلسفة لفظ التوحيد والإيمان والسنة والشريعة ونحو ذلك من الألفاظ المستعملة في الأمور الإلهية.\nوالمقصود هنا أن السائل إذا سأل عن الأمور الدينية بألفاظ ليست مأثورة عن الرسول في ذلك، مثل سؤاله بلفظ: الجهة، والحيز، والجسم، والجوهر، والمركب، والمنقسم، ونحو ذلك- نظرنا إلى معنى لفظه، فأثبتنا المعنى الذي أثبته الله ونفينا المعنى الذي نفاه الله.\nثم إن كان التعبير عن ذلك بعبارته سائغًا في الشرع، وإلا عبر بعبارة تسوغ في الشرع.\nوإذا كانت عبارته تحتمل حقًا وباطلًا، منع من إطلاقها نفيًا وإثباتًا.","vol":"10","page":302},{"text":"ولفظ الجسم والجوهر ونحوهما من هذا الباب.\nفإذا قال السائل: هل الله جسم أم ليس بجسم؟ لم نقل: إن جواب هذا السؤال ليس في الكتاب والسنة، مع قول القائل: إن هذا السؤال موجود في فطر الناس بالطبع.\nوالله تعالى يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] .\nوقال: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ [التوبة: ١١٥] .\nوقال: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: ٨٩] .\nوقال: ﴿ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ [يوسف: ١١١] .\nوقال: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٦] .\nوقال: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ [الأعراف: ٣] .","vol":"10","page":303},{"text":"وقال: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣] .\nوقال: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ [المائدة: ١٥-١٦] .\nوقال: ﴿الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ [إبراهيم: ١] .\nوقال: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ [العنكبوت: ٥١] .\nوقال: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف: ١٥٧] .\nومثل هذا في القرآن كثير، مما يبين الله فيه أن كتابه مبين للدين كله، موضح لسبيل الهدى، كاف لمن اتبعه، لا يحتاج معه إلى غيره، يجب اتباعه دون اتباع غيره من السبل.\nوقد «كان النبي ﷺ يقول في خطبته إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» .\nوكان يقول: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من","vol":"10","page":304},{"text":"بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»، وفي لفظ: «وكل محدثة بدعة» .\nوكان يقول: «تركتكم على البيضاء: ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» .\nوكان يقول: «ما أمركم الله بشيء إلا أمرتكم به، ولا نهاكم الله عن شيء إلا نهيتكم عنه» .\nوقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله ﷺ، وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا.\nومثل هذا كثير.\nفكيف يكون هذا- مع هذا البيان والهدى - ليس فيما جاء به جواب عن هذه المسألة، ولا بيان الحق فيها من الباطل، والهدى من الضلال؟! بل كيف يمكن أن يسكت عن بيان الأمر، ولو لم يسأله الناس؟!.","vol":"10","page":305},{"text":"واعتقاد الحق واجب فيها: إما على العامة والخاصة، وإما على الخاصة دون الأمة، لا سيما مع كثرة النصوص المشعرة بأحد قسمي السؤال.\nوإنما يقول: إن جواب هذا السؤال وأمثاله ليس في الكتاب والسنة، الذين يعرضون عن طلب الهدى من الكتاب والسنة، ثم يتكلم كل منهم برأيه ما يخالف الكتاب والسنة، ثم يتأول آيات الكتاب على مقتضى رأيه، فيجعل أحدهم ما وضعه برأيه هو أصول الدين الذي يجب اتباعه، ويتأول القرآن والسنة على وفق ذلك، فيتفرقون ويختلفون.\nكما قال فيهم الإمام أحمد: هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب.\nولو اعتصموا بالكتاب والسنة لاتفقوا، كما اتفق أهل السنة والحديث.\nفإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم.\nولهذا لم يقل أحد منهم: إن الله جسم، ولا قال: إن الله ليس بجسم، بل أنكروا النفي لما ابتدعته الجهمية، من المعتزلة وغيرهم، وأنكروا ما نفته الجهمية من الصفات، مع إنكارهم على من شبه صفاته بصفات خلقه، مع أن إنكارهم كان على الجهمية المعطلة أعظم منه على المشبهة، لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه.\nكما قيل: المعطل يعبد عدمًا، والمشبه يعبد صنمًا.\nومن يعبد إلهًا موجودًا موصوفًا بما يعتقده هو من صفات الكمال، وإن كان مخطئًا في ذلك، خير ممن لا يعبد شيئًا، أو يعبد من لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات.","vol":"10","page":306},{"text":"ونفاة الصفات، وإن كانوا لا يعتقدون أن ذلك متضمن لنفي الذات، لكنه لازم لهم لا محالة، لكنهم متناقضون.\nولهذا لا يوجد فيهم إلا من فيه نوع من الشرك، ولا بد من ذلك لنقص توحيدهم الذي به يتخلصون من الشرك.\nوالمقصود أن يقال: جواب هذا السؤال في الشريعة.\nوذلك أن يقال: إن الله قد بين ما هو ثابت له من الصفات وما هو منزه عنه، وأثبت لنفسه صفات الكمال، ونفى عنه صفات النقص.\nفيقال لمن سأل بلفظ الجسم: ما تعني بقولك؟ أتعني بذلك أنه من جنس شيء من المخلوقات؟ فإن عنيت ذلك فالله تعالى قد بين في كتابه أنه لا مثل له، ولا كفو له، ولا ند له، وقال: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧] .\nفالقرآن يدل على أن الله لا يماثله شيء: لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله: فإن كنت تريد بلفظ الجسم ما يتضمن مماثلة الله لشيء من المخلوقات، فالله منزه عن ذلك، وجوابك في القرآن والسنة.\nوإذا كان الله ليس من جنس الماء والهواء، ولا الروح المنفوخة فينا، ولا من جنس الملائكة، ولا الأفلاك، فلأن لا يكون من جنس بدن الإنسان ولحمه وعصبه وعظامه، ويده ورجله ووجهه، وغير ذلك من أعضائه وأبعاضه، أولى وأحرى.\nفهذا الضرب ونحوه، مما قد يسمى تشبيهًا وتجسيمًا، كله","vol":"10","page":307},{"text":"منتف في كتاب الله، وليس في كتاب الله آية واحد تدل، لا نصًا ولا ظاهرًا، على إثبات شيء من ذلك لله، فإن الله إنما أثبت له صفات مضافةً إليه.\nكقوله: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] و: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة﴾ [الذاريات: ٥٨] .\nو: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]، ﴿ويبقى وجه ربك﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧]، كما قال: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة: ١١٦] .\nومعلوم أن نفس الله، التي هي ذاته المقدسة الموصوفة بصفات الكمال، ليست مثل نفس أحد من المخلوقين.\nوقد ذهب طائفة من المنتسبين إلى السنة، من أهل الحديث وغيرهم، وفيهم طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، إلى أن النفس صفة من الصفات.\nوالصواب أنها ليست صفة، بل نفس الله هي ذاته سبحانه، والموصوفة بصفاته سبحانه، وذلك لأنه بإضافته إليه قطع المشاركة.\nفكذلك لما أضاف إليه علمه وقوته، ووجهه ويديه، وغير ذلك، قطع بإضافته إليه المشاركة.\nفامتنع أن شيئًا من ذلك من جنس صفات المخلوقين، كما امتنع أن تكون ذاته من جنس ذوات المخلوقين.","vol":"10","page":308},{"text":"ولهذا اتفق السلف والأئمة على الإنكار على المشبهة، الذين يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي.\nوإن عنيت بلفظ الجسم الموصوف بالصفات، القائم بنفسه، المباين لغيره، الذي يمكن أن يشار إليه، وترفع إليه الأيدي -فلا ريب أن القرآن قد أخبر أن الله له العلم والقوة والرحمة، والوجه واليدان، وغير ذلك، وأخبر أنه إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، وأنه: ﴿خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ [الفرقان: ٥٩]، وأنه: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج: ٤] .\nفالقرآن مملوء من بيان علوه على خلقه، والصعود إليه، والنزول منه، ومن عنده، وإثبات علمه ورحمته، وغير ذلك من صفاته.\nوإذا سميت ما هو كذلك جسمًا، وسئلت: هل هم جسم؟ كان الجواب أن المعنى الذي سئلت عنه وأردته بهذا اللفظ قد بينه الله وأثبته في كتابه.\nوأما إطلاق لفظ الجسم على الله، فهو كإطلاق الفلاسفة لفظ","vol":"10","page":309},{"text":"العقل ونحو ذلك.\nوهذه العبارات في لغة العرب تتضمن معاني ناقصة ينزه الله عنها.\nفالعقل هو المصدر الذي هو عرض، والله سبحانه منزه عن ما هو فوق ذلك، بل نفس تسميته عاقلًا ليس معروفًا في شرع المسلمين.\nفقد تبين أن ما يعني بلفظ الجسم من تمثيل الله بخلقه ووصفه بالنقائص، فقد بين الله في كتابه أنه منزه عنه، وما يعني به من إثبات أنه قائم بنفسه، مباين لخلقه، عال عليهم، يرفعون إليه أيديهم عند الدعاء، ويعرج إليه بنبيه ليلة الإسراء -موصوف بصفات الكمال، منزه عما يستلزم العدم والإبطال- فقد بين الله في كتابه إثباته لنفسه، فلا يقال: إنه ليس في القرآن جواب هذا السؤال.\nفإذا قال القائل بعد هذا: الجسم هو المؤلف أو المركب، فلا يكون جسمًا، ونحو ذلك.\nقيل له: لا ريب أن الله سبحانه غني عن كل ما سواه، لا يجوز أن يقال: إنه مفتقر إلى غيره في شيء فضلًا عن أن يقال: ركبه مركب، أو ألفه مؤلف.\nوالله قد أخبر في القرآن بمعناه.\nوكذلك لا يجوز أن نظن أنه كان مفرقًا فاجتمع، أو أنه يتفرق، أو نحو ذلك مما ينافي صمديته وكماله في وقت من الأوقات.\nوإذا قال قائل: الجسم هو القائم بنفسه، أو المشار إليه، فيكون جسمًا.\nقيل له: لا ريب أن الله قائم بنفسه، وأنه ترفع الأيدي إليه،","vol":"10","page":310},{"text":"ويشار إليه.\nكما أشار النبي ﷺ عشية عرفة بإصبعه إليه وجعل يقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد.\nوقال: إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا.\nوقال: إشارة الرجل بإصبعه في الصلاة مقمعة للشيطان.\nوهو إشارة إلى التوحيد.\nويقال لذلك:\nأنت تقول: الجسم هو المركب، وهذا يقول: هو القائم بنفسه، وأنتما متفقان على أن الله تعالى لا يتفرق ولا يركبه أحد، وعلى أنه قائم بنفسه، فإن تنازعتما في كونه فوق العرش، وأن القرآن نزل منه، والملائكة تعرج إليه -فالصواب مع المثبت، وإن تنازعتما في كون استوائه على العرش مثل استواء المخلوق، أو في كونه مفتقرًا إلى العرش، ونحو ذلك مما يتضمن وصفه بالنقص أو تمثيله بالخلق- فالصواب مع النافي.\nوكذلك إن تنازعتم في إثبات علمه ورحتمه وقوته، فالصواب مع المثبت.\nوإن تنازعتم في أنه: هل صفاته ذوات قائمة بنفسها، كما قد يحكى عن النصارى، فالصواب مع النافي.\nفإن قال القائل: الأجسام المتماثلة، فإذا قلنا: هو جسم، لزم أن","vol":"10","page":311},{"text":"يكون مثلًا لغيره، بخلاف ما إذا قيل: حي وحي، وعليم وعليم، وقدير وقدير، فإذا هذا اتفاق في الصفات لا يقتضي التماثل في الذوات، فمن قال: هو جسم لا كالأجسام -كان مشبهًا، بخلاف من قال: حي لا كالأحياء.\nوهذا السؤال يقوله من يقوله من أصحاب الأشعري، ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.\nفيقال: إذا كان المخاطب لك ينفي أن يكون مماثلًا لغيره، وينفي التشبيه كما ننفيه، وأنت وهو قد تنازعتم في مسمى اسم من الأسماء: هل هو مماثل لغيره أو لا؟ كان ذلك نزاعًا لفظيًا ونزاعًا عقليًا، ليس ذلك نزاعًا في أمر ديني، ولو تركوا الكلام في هذا، لم يضر ذلك الدين شيئًا، ويمكن كلًا منهما أن يعبر مقصوده الديني بما لا نزاع فيه، فيبقى هذا التمثيل بألفاظ ومعان لا نزاع فيها، ويثبت هذا قيام الرب بنفسه، ومباينته لخلقه، وعلوه على عرشه، بألفاظ ومعان لا نزاع فيها، من غير احتياج واحد منهما إلى التكلم بلفظ الجسم نفيًا ولا إثباتًا.\nفإن قلتم: نزاعنا في شيء آخر، وهو أن يسمى جسمًا: هل هو مركب من الجواهر المفردة؟ أو من المادة والصورة؟ أم هو واحد لا تركيب فيه؟ فمن قال بالأول لم يجز أن يسميه جسمًا.\nومن قال بالثاني سماه جسمًا.\nقيل: هذا نزاع لا يتعلق بالدين، فإن اللفظ إنما يكون البحث عن","vol":"10","page":312},{"text":"معناه من الدين الواجب إذا جاء في الكتاب والسنة وكلام أهل الإجماع.\nفإن معرفة مراد الله ومراد رسوله ومراد أهل الإجماع واجب، لأن قول الله ورسوله وقول أهل الإجماع قول معصوم عن الخطأ يجب اتباعه.\nفاللفظ الوارد في ذلك إن لم يعرف معناه لم يعرف ما أرادوا، ولهذا كان الواجب أن كل لفظ جاء في كلام المعصوم وجب علينا التصديق به، وإن لم يعرف معناه.\nوما جاء في كلام غير المعصوم لم يجب علينا إثباته ولا نفيه حتى يعرف معناه.\nفإن كان مما أثبته المعصوم أثبتناه، وإن كان مما نفاه نفيناه.\nولفظ الجسم في حق الله، وفي الأدلة الدالة عليه، لم يرد في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا كلام أحد من السلف والأئمة.\nفما منهم أحد قال: إن الله جسم، أو جوهر، أو ليس بجسم ولا جوهر.\nولا قال: إنه لا يعرف إلا بطريقة الأجسام والأعراض، بل ولا استدل أحد منهم على معرفة الله بشيء من هذه الطرق: لا طريقة التركيب ولا طريقة الأعراض والحوادث، ولا طريقة الاختصاص.\nوإذا كان كذلك، فالمتنازعون في مسمى الجسم، متنازعون في أمر ليس من الدين: لا من أحكامه، ولا دلائله.\nوهكذا نزاعهم في مسمى العرض، وأمثال ذلك.\nبخلاف نزاعهم في إثبات المعنى المراد بلفظ الجسم ونفيه.\nفإن هذا يتعلق بالدين، فما كان من الدين فقد بينه الله في كتابه وسنة رسوله، بخلاف ما لم يكن كذلك.\nفإن قيل: فلا بد من فصل النزاع بين كل اثنين في الدين.","vol":"10","page":313},{"text":"قيل: فصل النزاع قد يكون بوجهين: أحدهما: نهي كل منهما عن منازعة الآخر بهذا، إذ هو نزاع فيما لا فائدة فيه.\nكما لو تنازع اثنان في لون كلب أصحاب الكهف، ومقدار السفينة، والبعض من البقرة الذي أمر الله بالضرب به، إن قدر أنه كان معينًا، مع أن ظاهر القرآن يدل على أنه مطلق لا معين، وفي أمثال ذلك من الأمور التي لا فائدة فيها، وقد لا يكون إلى معرفتها سبيل -فمثل هذا ينهي كل منهم عن منازعة الآخر فيه، بل ينهي عن أن يقول ما لا يعلم.\nوالثاني أن يفصل النزاع ببيان الخطأ من الصواب.\nوحينئذ فإذا فصل النزاع بين المتنازعين في الجسم، قيل: النزاع على وجهين: لفظي، ومعنوي.\nفإن كنتم تتنازعون في مسمى الجسم في اللغة، فليس مسماه ما قلته أنت من أن كل قائم بنفسه أو مشار إليه يسمى جسمًا، ولا ما قلته أنت من أن الجسم في اللغة هو المركب من أجزاء، فإن الهواء أو نحوه عنده مركب، والعرب لا تسميه جسمًا، وهو مشار إليه قائم بنفسه، والعرب لا تسميه جسمًا.\nفقول كل واحد منكما غير موافق للغة العرب.\nوغايته أن يكون اصطلاحًا منكم على معنى، كسائر الألفاظ الاصطلاحية، فيكون نزاعهم كتنازع الفقهاء في لفظ الفرض هل هو مرادف للواجب","vol":"10","page":314},{"text":"أو أوكد منه؟ ولفظ السنة هل يدخل فيه الواجب أو لا يدخل؟ ومثل هذه المنازعات اللفظية الكثيرة.\nوهذه بمنزلة اللغات والعادات في العبادات، قد تحمد أو تذم بحسب الشرع تارة وبحسب اللغة أخرى، وقد لا تحمد ولا تذم.\nوإن كان نزاعكم في معنى عقلي، وهو أن العين التي اتفقتم على تسميتها جسمًا بحسب اصطلاحكم، وهي ما يشار إليه بقول أحدكما: إنها مركبة من أجزاء مفردة، أو المادة والصورة، والآخر ينكر ذلك -فهذا يمكن فصل النزاع بينكم، إذا كان النزاع معنويًا، بالأدلة العقلية تارة، وبغيرها أخرى.\nولكن مثل هذه المسائل لا يحتاج إليها الدين، كما لا يحتاج إلى مسائل الهيئة والتشريح، وإن كان العلم بها مما ينتفع به في الدين، كما ينتفع بالحساب والطب، وكما ينتفع بمسائل النحو واللغة، ونحو ذلك.\nومن هذا الباب ما ذكره من تماثل الأجسام، وتناهي قواها، وأنها مركبة مفتقرة إلى مركب -فإن هذه المسائل مما تنازع فيها العقلاء، مع اتفاق المسلمين على أن الله ليس له مثل ولا تنتهي قوته، وأنه غير مفتقر إلى غيره.\nفالمعنى الذي يرده النافي بلفظ الجسم يوافقه المثبت عليه.\nوإذا تنازعوا بعد هذا لم يكن نزاعهم إلا لفظيًا، وليس لإطلاق لفظ واحد منهما أصل في الشرع: لا هذا ولا هذا.\nفالشرع لم يسكت عن المعنى الذي يجب نفيه، الذي ينفيه النافي بلفظ الجسم، بل نفاه الشرع","vol":"10","page":315},{"text":"فلا يقال: إن الشرع سكت عما يحتاج إلى معرفته من معنى الجسم نفيًا وإثباتًا.\nثم إذا كان المعنى الذي يريده النافي يمكنه نفيه بالشرع وبالعقل، بدون إطلاقه لفظ متنازع في أحكام معناه، كان نفي ذلك المعنى بما ينفيه من الأدلة الشرعية والعقلية، التي لا يمكن النزاع فيها، هو المشروع، دون بقية معان متنازع فيها هي طويلة متعبة بلا نزاع، وقد تكون مع ذلك باطلة.\nومن المعلوم أن من ترك سلك الطريق المستقيم الذي يوصله إلى مكة، وسلك طريقًا بعيدة لغير مصلحة راجحة، كان تاركًا لما يؤمر به، فاعلًا لما لا فائدة فيه، أو ما ينهى عنه، إذا كانت تلك الطريق موصلة إلى المقصود.\nفأما مع الاسترابة في كونها موصلة أو مهلكة، فإنه لا يجوز سلوكها.\nوهذه الطرق التي يسلكها نفاة الجسم وأمثالهم، أحسن أحوالها أن تكون عوجًا طويلة، قد تهلك، وقد توصل، إذ لو كانت مستقيمة موصلة، لم يعدل عنها السلف، فكيف إذا تيقن أنها مهلكة؟!.\nولا ريب أن الذين يعارضون الكتاب والسنة إنما يعارضونها بطرق هؤلاء، فهم يعرضون عن كتاب الله في أول سلوكهم، ويعارضونه في منتهى سلوكهم.\nوقال قال تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا","vol":"10","page":316},{"text":"يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٤] .\nفقد بين ان حذاق الفلاسفة أيضًا يثبتون أن التصديق بما جاء به الشارع لا يتوقف على شيء من الطرق الكلامية المحدثة، ولا شيء من طرقهم الفلسفية.\nوإنما غايتهم أن يقولوا: إن الطرق الفلسفية تفيد علمًا لبعض الناس، ليس مما يجب ولا يستحب لجمهور الناس، وأن ذلك العلم الخاص يخالف بعض الظاهر المعروف عند الجمهور.\nونحن نقبل من كلامهم ما أقاموا عليه الحجة الصحيحة، سواء كانت شرعية أو عقلية.\nفأما إذا قالوا ما نعلم بطلانه رددناه.\nوقد نبهنا على أن قولهم فيما يدعون الاختصاص به من علم الباطن، أضعف بكثير من قول من بينوا فساد قوله من المعتزلة والأشعرية.\nوقد تبين لك أن الطوائف التي في كلامها ما يعارضون به كلام الشارع من العقليات، سواء عارضوا به في الظاهر والباطن، كل منهم يقول جمهور العقلاء: إن عقلياته تلك باطلة ويبينون فساد عقلياته بالعقليات الصحيحة الصريحة التي لا يمكن ردها.\nوهذا مما ينصر الله به رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا، فإن الله تعالى إذا أقام لكل طائفة تعارض الرسول من جنسها من يبين فساد قولها المعارض له، ويكشف جهلها وتناقضها -كان بمنزلة أن يقيم لكل طائفة تزيد محاربته من جنسها من يحاربها بالسلاح.\nثم المؤمن المجاهد يمكنه جهاد هؤلاء، كما يمكنه جهاد هؤلاء، ويمكنه أن يستعين بما فعلته","vol":"10","page":317},{"text":"كل طائفة بالأخرى، فإذا أغارت طائفة على أخرى وهزمتها، أتاها من الناحية الأخرى ففتح بلادها، وإن كان هو لم يستعن بأولئك ابتداء، لكن الله يسر بما فيه الهدى والنصر لعباده المؤمنين، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.\nوهذا آخر الكتاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.\nفرغ من نسخه العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير، يوسف بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور المقدسي، يوم السبت، أذان العصر ...\nثامن عشر المحرم، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، ببستان الأعز.\nرحم الله كاتبه، ولمن قرا فيه، ودعا له بالمغفرة، ولجميع المسلمين، وصلى الله على النبي محمد وآله.\nبلغ مقابلة بحسب الإمكان على نسخه قوبلت على أصل المصنف ﵁، وهي المنقول منها، وتكلمت مقابلة جميع الكتاب بحمد الله وعونه، بعد أذان العصر، يوم السبت ثامن عشر المحرم، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، أحسن الله خاتمتها، في خير وعافية، بمنه وكرمه.\nوكان ذلك بالمكان الذي فرغ من نسخه فيه.","vol":"10","page":318},{"text":"أنهي جميع هذا الكتاب نظرًا من أوله إلى آخره ...\nفي مجالس عديدة، وأزمان مديدة، مطالعة تحقيق، وبحث وتدقيق، كان آخرها في أواخر شعبان المبارك، من شهور سنة خمسين وسبعمائة.\nقال وكتبه عبد العزيز بن يحيى بن عبد المنعم بن محمد بن روح المضوي المدني، نفعه الله بالعلم، وزينه بالتقى والحلم.","vol":"10","page":319}]}