{"ً":{"ٌ":21517,"ٍ":"التعليقات السنية على العقيدة الواسطية - فيصل آل مبارك ١","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/التعليقات السنية على العقيدة الواسطية - آل مبارك - ت الشايع - ط الصميعي","files":["70546.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التعليقات السنية على العقيدة الواسطية\nالمؤلف: فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (ت ١٣٧٦هـ)\nتحقيق: عبد الإله بن عثمان الشَّايع\nالناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nعدد الصفحات: ١٢٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1226,"ٕ":1,"ٖ":1770155553,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"أهمية الكتاب","level":1,"page":1},{"title":"ترجمة المؤلف","level":1,"page":3},{"title":"اعتقاد الفرقة الناجية","level":1,"page":4},{"title":"الجمع بين النفي والإثبات في وصفه تعالى","level":1,"page":6},{"title":"تفسير سورة الإخلاص","level":1,"page":7},{"title":"تفسير آية الكرسي","level":1,"page":8},{"title":"إحاطة علمه بجميع مخلوقاته","level":1,"page":9},{"title":"إثبات السمع والبصر لله سبحانه","level":1,"page":11},{"title":"إثبات المشيئة والإرادة لله سبحانه","level":1,"page":13},{"title":"إثبات محبة الله ومودته لأوليائه على ما يليق بجلاله","level":1,"page":14},{"title":"إثبات اتصافه بالرحمة والمغفرة سبحانه","level":1,"page":16},{"title":"ذكر رضى الله وغضبه وسخطه وكراهيته وأنه متصف بذلك","level":1,"page":18},{"title":"ذكر مجيء الله لفصل القضاء بين عباده على ما يليق بجلاله","level":1,"page":20},{"title":"إثبات الوجه لله سبحانه","level":1,"page":23},{"title":"إثبات اليدين لله تعالى","level":1,"page":23},{"title":"إثبات العينين لله تعالى","level":1,"page":23},{"title":"إثبات السمع والبصر لله سبحانه","level":1,"page":26},{"title":"إثبات المكر والكيد لله تعالى على ما يليق به","level":1,"page":30},{"title":"وصف الله بالعفو والمغفرة والرحمة والعزة والقدرة","level":1,"page":33},{"title":"إثبات الاسم لله ونفي المثل عنه","level":1,"page":35},{"title":"نفي الشريك عن الله تعالى","level":1,"page":39},{"title":"إثبات استواء الله على عرشه","level":1,"page":45},{"title":"إثبات علو الله على مخلوقاته","level":1,"page":51},{"title":"إثبات معية الله لخلقه","level":1,"page":54},{"title":"إثبات الكلام لله تعالى","level":1,"page":60},{"title":"إثبات تنزيل القرآن من الله تعالى","level":1,"page":72},{"title":"إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة","level":1,"page":75},{"title":"إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه","level":1,"page":80},{"title":"إثبات معية الله تعالى لخلقه وأنها لا تنافي علوه فوق عرشه","level":1,"page":82},{"title":"إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة","level":1,"page":82},{"title":"موقف أهل السنة من الأحاديث التي فيها إثبات الصفة الربانية","level":1,"page":83},{"title":"مكانة أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة","level":1,"page":83},{"title":"وجوب الإيمان باستواء الله على عرشه وعلوه على خلقه ومعيته لخلقه وأنه لا تنافي بينهما","level":1,"page":87},{"title":"وجوب الإيمان بقرب الله من خلقه وأن ذلك لا ينافي علوه وفوقيته","level":1,"page":87},{"title":"وجوب الإيمان بأن القرآن كلام الله حقيقه","level":1,"page":88},{"title":"وجوب الإيمان برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ومواضع الرؤية","level":1,"page":88},{"title":"ما يدخل في الإيمان باليوم الآخر","level":1,"page":89},{"title":"حوض النبي - ﷺ - ومكانه وصفاته","level":1,"page":90},{"title":"الصراط: معناه ومكانه وصفة مرور الناس عليه","level":1,"page":90},{"title":"القنطرة بين الجنة والنار","level":1,"page":90},{"title":"شفاعات النبي - ﷺ -","level":1,"page":90},{"title":"إخراج الله بعض العصاة من النار برحمته وبغير شفاعة","level":1,"page":91},{"title":"الإيمان بالقدر ومراتب القدر","level":1,"page":91},{"title":"حقيقة الإيمان وحكم مرتكب الكبيرة","level":1,"page":94},{"title":"الواجب نحو الصحابة وذكر فضائلهم","level":1,"page":95},{"title":"منزلة أهل البيت النبوي عند أهل السنة والجماعة","level":1,"page":96},{"title":"تبرؤ أهل السنة والجماعة مما يقوله أهل البدع والضلالة في حق الصحابة وآل البيت","level":1,"page":97},{"title":"موقف أهل السنة والجماعة من كرامات الأولياء","level":1,"page":98},{"title":"صفات أهل السنة والجماعة","level":1,"page":99},{"title":"بيان مكملات العقيدة من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي يتحلى بها أهل السنة","level":1,"page":100},{"title":"معنى الأبدال","level":1,"page":101}],"ٛ":{"1,18":1,"1,19":2,"1,25":4,"1,26":5,"1,27":6,"1,28":7,"1,29":8,"1,30":9,"1,31":10,"1,32":11,"1,33":12,"1,34":13,"1,35":14,"1,36":15,"1,37":16,"1,38":17,"1,39":18,"1,40":19,"1,41":20,"1,42":21,"1,43":22,"1,44":23,"1,45":24,"1,46":25,"1,47":26,"1,48":27,"1,49":28,"1,50":29,"1,51":30,"1,52":31,"1,53":32,"1,54":33,"1,55":34,"1,56":35,"1,57":36,"1,58":37,"1,59":38,"1,60":39,"1,61":40,"1,62":41,"1,63":42,"1,64":43,"1,65":44,"1,66":45,"1,67":46,"1,68":47,"1,69":48,"1,70":49,"1,71":50,"1,72":51,"1,73":52,"1,74":53,"1,75":54,"1,76":55,"1,77":56,"1,78":57,"1,79":58,"1,80":59,"1,81":60,"1,82":61,"1,83":62,"1,84":63,"1,85":64,"1,86":65,"1,87":66,"1,88":67,"1,89":68,"1,90":69,"1,91":70,"1,92":71,"1,93":72,"1,94":73,"1,95":74,"1,96":75,"1,97":76,"1,98":77,"1,99":78,"1,100":79,"1,103":80,"1,104":81,"1,105":82,"1,106":83,"1,107":84,"1,108":85,"1,109":86,"1,110":87,"1,111":88,"1,112":89,"1,113":90,"1,114":91,"1,115":92,"1,116":93,"1,117":94,"1,118":95,"1,119":96,"1,120":97,"1,121":98,"1,122":99,"1,123":100,"1,124":101,"1,125":102,"1,126":103,"1,127":104},"ٜ":{"1":[18,127]},"ٝ":["1,18","1,19",null,"1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"4":[3],"6":[4],"7":[5],"8":[6],"9":[7],"11":[8],"13":[9],"14":[10],"16":[11],"18":[12],"20":[13],"23":[14,15,16],"26":[17],"30":[18],"33":[19],"35":[20],"39":[21],"45":[22],"51":[23],"54":[24],"60":[25],"72":[26],"75":[27],"80":[28],"82":[29,30],"83":[31,32],"87":[33,34],"88":[35,36],"89":[37],"90":[38,39,40,41],"91":[42,43],"94":[44],"95":[45],"96":[46],"97":[47],"98":[48],"99":[49],"100":[50],"101":[51]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"تَألِيْفُ\nالشَّيْخِ العَلاَّمَةِ فَيْصَلْ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ آل مُبَارَك\nت ١٣٧٦ هـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>أهمية الكتاب</span>\nلعلَّ هذا الكتاب: (التَّعلِيقَاتُ السَّنِيَّة على العَقِيَدة الوَاسِطِيَّة) - كما يظهر لي - هو أول تعليق على (العقيدة الواسطية) وهناك شرح للواسطية لعالم معاصر للشيخ فيصل ومتوفٍ في نفس العام الذي توفي فيه الشيخ فيصل، ألا وهو العلاَّمة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀، وشرحه هو المعروف بـ (التعليقات المنيفة على ما في الواسطية من المباحث الشريفة)، وقد ألَّفه الشيخ السعدي عام١٣٧٢هـ.\nإلاَّ أن كتابنا هذا فيما يظهر - أُلِّف تأليفاَ من هذا التاريخ، إذ أنَّ الشيخ فيصل ﵀ وهو المتوفى عام ١٣٧٦هـ قد اهتمَّ في أُخريات حياته بـ (الروض المربع) فشرَحَه في كتابه (المرتع المشبع) في أربعة مجلدات ضخمة وكان تأليفه لهذا الكتاب قبل عام ١٣٧١ هـ كما يدل على ذلك رسالة من الشيخ عبد الرحمن بن سعدي إلى الشيخ فيصل - رحمهما الله - بتاريخ الأول من رجب من عام ١٣٧١ هـ، ثمَّ شرحه الشيخ فيصل \" المرتع المشبع \" بكتابه (مجمع الجواد) وهو","vol":"1","page":18},{"text":"كتاب ضخم وصلنا منه شرح كتاب البيوع في مجلد كبير، ممَّا يدلُّ على تقدُّم تأليف الشيخ فيصل ﵀ لشرح الواسطيَّة.\nلا سيَّما إذا علمنا أن الشيخ فيصل أدرج شرحه على الواسطية في موسوعته المسمَّاة بـ (زبدة الكلام في الأصول والآداب والأحكام) وفيه عدَّة مؤلفاتٍ له، وجُلُّها من أقدم مؤلفاته، والله أعلم.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ترجمة المؤلف</span>\nهو الشيخ فيصل بن عبد العزيز بن فيصل بن حمد المبارك المحدث الفقيه الأصولي المفسِّر النحوي الفرضي، العالم العامل الزاهد الورع، ولد ﵀ في حريملاء عام ١٣١٣هـ، وطلب العلم على علماء حريملاء في وقته، ومنهم جدِّه لأُّمِّه الشيخ العالم ناصر بن محمد الراشد، وعمِّه العلاَّمة الشيخ محمد بن فيصل المبارك.\nثمَّ طلب العلم على علماء الرياض فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف مفتي الديار النجدية، والعلاَّمة سعد بن حمد بن عتيق محدِّث الديار النجدية، وأجازه الشيخ سعد في التفسير، وكذلك أجازه في تدريس أمهات كتب الحديث ومذهب الإمام أحمد، وأجازه الشيخ عبد العزيز النمر إجازة الفتوى عام ١٣٣٣ هـ، وهو في العشرين من عمره، وأخذ علم النحو عن سيبويه عصره الشيخ حمد بن فارس، وعلم الفرائض عن أفرض أهل زمانه الشيخ عبد الله بن راشد الجلعود، وغيرهم من أفذاذ العلماء ﵏ أجمعين.\nله عِدَّة مؤلفات في جميع العلوم الشرعيَّة - تصل إلى أكثر من ثلاثين مؤلفًا، فمن كتبه المطبوعة:\n١. ... توفيق الرحمن في دروس القرآن.\n٢. ... السبيكة الذهبية في علم الفرائض.\n٣. ... كلمات السداد على متن الزاد في علم الفقه\n٤. ... خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام في علم الحديث\n٥. ... تطريز رياض الصالحين في علم الحديث.\n٦. ... مفاتيح العربية شرح الآجرُّوميَّة في علم النحو.\nوله ﵀ الكثير من المؤلفات التي لم تطبع بعد.\n\nولي القضاء في عِدَّة بلدان، كان آخِرها منطقة الجوف، والتي توفي بها عام ١٣٧٦هـ، عن ثلاثةٍ وستين عامًا قضاها في الجهاد، وفي العلم والتعليم والتصنيف ﵀. (١)\n_________\n(١) انظر في مصادر ترجمة الشيخ فيصل ﵀:\n(علماء نجد خلال ثمانية قرون) للشيخ عبد الله البسام ﵀ (٥/٣٩٢-٤٠٢) .\nوالأعلام للزركلي: (٥/١٦٨) .\nو(مشاهير علماء نجد) للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ.\nو(العلامة المحقق والسلفي المدقق: الشيخ فيصل المبارك) لفيصل بن عبد العزيز البديوي.\nو(المتدارك من تاريخ الشيخ فيصل بن عبد العزيز المبارك) لكاتب هذه الأسطر.","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. وأَشْهَدُ أَن لاَّ إلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ إِقْرَارًا بِهِ وَتَوْحِيدًا. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ - وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تسليمًا مَزِيدًا.\nأَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا<span data-type=\"title\" id=toc-3> اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ </span>الْمَنْصُورَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ: أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: وَهُوَ الإِيمانُ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، والإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خِيْرِهِ وَشَرِّهِ.\nهذا الكتاب هو العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم ابن تيميّة الحرَّاني شيخ الإسلام والمسلمين وقامع أهل البدع والملحدين، ولد سنة إحدى وستين وستمائة، وتوفي سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة رحمه الله تعالى.\nقوله: (أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة) يشير إلى قوله - ﷺ -: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمَّة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاَّ واحدة)، قالوا من هي يا رسول الله، قال مَنْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)،","vol":"1","page":25},{"text":"وقوله - ﷺ -: (لا تزال طائفة من أمَّتي على الحق منصورة لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎) .\nقوله: (وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره) يشير إلى ما وقع في حديث سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإسلام والإيمان والإحسان، وفيه قال - أي: جبريل - فأخبرني عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه)، قال: صدقت، وقال النبي - ﷺ - في آخره -: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) .","vol":"1","page":26},{"text":"وَمِنَ الإيمَانِ بِاللهِ: الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتِابِهِ الْعَزِيزِ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ - ﷺ - مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلاَ تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ.\nبَلْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .\nفَلاَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلاَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَلاَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وآيَاتِهِ، وَلاَ يُكَيِّفُونَ وَلاَ يُمَثِّلُونَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ.\nلأَنَّهُ سُبْحَانَهُ: لاَ سَمِيَّ لَهُ، وَلاَ كُفْءَ لَهُ، وَلاَ نِدَّ لهُ.\nولاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ ﷾.\nفَإنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَأَصْدَقُ قِيلًا، وَأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ. ثُمَّ رُسُلُه صَادِقُونَ مُصَدَّقُون؛ بِخِلاَفِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لاَ يَعْلَمُونَ.\nوَلِهَذَا قَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠: ١٨٢] . فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَسَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ؛ لِسَلاَمَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ.\nوَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيما وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بينَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ.\nفَلاَ عُدُولَ لأَهْلِ السُّنَّةٌ وَالْجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ؛ فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ والصَالِحِينَ.\nوَقَدْ دَخَلَ فِي هِذِهِ الْجُمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الإِخْلاَصِ الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، حَيثُ يَقُولُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١: ٤]\nوَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتِابِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن","vol":"1","page":27},{"text":"ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ علْمِهِ إلاَّ بمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .\nقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أي هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير، لأنَّه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قال ابن عباس يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، وعنه أيضًا الصمد الذي لا جوف له، وقاله كثيرٌ من المفسِّرين.\n﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: ليس له ولدٌ ولا والدٌ ولا صاحبةٌ، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وعن أبي بن كعب ﵁ أن المشركين قالوا للنبي - ﷺ - انسب لنا ربَّك فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ رواه أحمد وغيره.\nقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي هو المتفرِّد بالإلهِيَّة.\n﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحي الذي لا يموت، ومعنى القيوم أي: القائم على","vol":"1","page":28},{"text":"كلِّ شيء، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيٌّ عنها.\n﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ أي نعاس ولا نوم، ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ملكًا وخلقًا.\nوَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [الحديد: ٣] .\nوَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] .\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ بأمره.\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا والآخرة.\n﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يحيطون بشيءٍ من علم الغيب إلاَّ بما شاء أن يطلعهم عليه ممَّا أخبر به الرسل.\n﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ﴾ أي: ملأ وأحاط، قال ابن عباس: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدِّرُ أحدٌ قدره.\n﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: لا يثقله ولا يشُقُّ عليه.\n﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ قال البغوي: وهو العليُّ الرفيع فوق خلقه، والمتعالي عن الأشباه والأنداد. العظيم: الكبير الذي لا أعظم منه.","vol":"1","page":29},{"text":"قوله تعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ﴾ أي الذي ليس قبله شيء.\n﴿وَالآخِرَ﴾ الذي ليس بعده شيء. ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ الذي ليس فوقه شيء.\n﴿وَالْبَاطِنُ﴾ الذي ليس دونه شيء.\n﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ظاهره وباطنه وأوله وآخره.\nفي هامش الصفحة التي فيها آية الكرسي مقابل السطر الذي فيه قوله ﷿ ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ كتب الشيخ أي لا يكرثُه ولا يثقِله ثم رمز لها بالتصحيح (صح) .\nقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ أي فإنَّه حقيقٌ بالتوكل عليه، لأنَّه باقٍ على الأبد، والحياة صفةٌ لله تعالى.\nوَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢] . ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير﴾ [سبأ: ١] . ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢] . ﴿وَعِندَه مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾ [الأنعام: ٥٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِه﴾ [فصلت: ٤٧] .\nقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ﴾ أي: يدخُلُ فيها من الماء والأموات وغير ذلك.\n﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات وغيره، والأموات إذا حُشِروا.\n﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الملائكة والأمطار وغير ذلك.","vol":"1","page":30},{"text":"﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الملائكة والأعمال الصالحة وغير ذلك.\nقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ مفاتح الغيب: خزائنه.\nوعن ابن عمر ﵁ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمهنَّ إلاَّ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾) رواه البخاري.\n﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾ أي ويعلم الحركات حتى من الجمادات.\n﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يعني: مكتوبٌ في اللوح المحفوظ.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ﴾ أي هو عالمٌ بذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء.\nوَقَوْلُهُ: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .\nوَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] .\nقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، وأوَّل الآية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾، فالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى، قال قتادة: (في كل أرضٍ من أرضه وسماءٍ من سمائه، خلقٌ من خلقه، وأمرٌ من أمره، وقضاءٌ من قضائه، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فلا يخفى عليه شيء.","vol":"1","page":31},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ أي: الرزاق لجميع خلقه، وهو القوي المقتدر المبالغ في القوة والقدرة.\nقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لأنًَّه الفرد الصمد الذي لا نظير له ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ردٌّ للتعطيل، فتضَمَّنَت (الآية) إثباتًا لصفات الكمال لله تعالى، ونفيَ التشبيهِ عنه ﵎.\nقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وأوَّلُ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: سميعًا لأقوالكم بصيرًا بأفعالكم.","vol":"1","page":32},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] .\nوعن أبي هريرة ﵁ أنَّه قرأ هذه الآية ويضع إبهامه على إذنه والتي تليها على عينه ويقول: (هكذا سمعت رسول الله - ﷺ - يقرؤها ويضع إصبعيه) رواه أبو داود وغيره، ومعنى ذلك إثبات السمع والبصر حقيقةً لا تشبيه السمع بالسمع والبصر بالبصر، فكما أنَّ ذاته لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ﴾ أي هي بمشيئة الله إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها.\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وأول الآية قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ أي كل ذلك عن قضاء الله وقدره، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فيوفق من يشاء فضلًا، ويخذل من يشاء عدلًا.\nقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلاَّ ما كان منها وحشيًا فإنَّه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أي: هو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه.\nوَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [الأنعام: ١٢٥] .\nوَقَوْلُهُ: ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] . ﴿وَأَقْسِطُوا إِنّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَْ﴾ [الحجرات: ٩] . ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] .\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ أي: يفتح قلبه","vol":"1","page":33},{"text":"وينوره حتى يقبل الإسلام ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أي لا يتسع لشيء من الهدى ولا يخلُصُ إليه ما ينفعه من الإيمان، وليس للخير فيه منفذٌ، ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ أي يشُقُّ عليه الإيمانُ كما يشقُّ عليه صعود السماء ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .","vol":"1","page":34},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ الإحسان: هو أعلى مقامات الطاعة، قال ابن جرير: (يعني جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من معاصي، ومن الإنفاق في سبيلي، وعَودِ القوي منكم على الضعيف ذي الخلة فإنِّي أحب المحسنين في ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أي: اعدلوا في الحكم في الفئتين المتقاتلتين.\nإن الله يحب المقسطين﴾، وفي الحديث عن النبي - ﷺ -: (إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين،","vol":"1","page":35},{"text":"الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) رواه مسلم.\nقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: متى استقاموا على العهد فاستقيموا لهم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] .\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قال ابن كثير: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي: من الذنب وإن تكرر غشيانه. ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهى عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن كثير: أي يحصلُ لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إيَّاه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء والحكماء: (ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ) . ثم قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنَّه كاذبٌ في نفس الأمر. قال الحسن البصري: (زعم قومٌ أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية.\nقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فيه إثبات صفة محبة الله تعالى لعباده على ما يليق بجلاله. قال الحسن: علم الله ﵎ أن قومًا","vol":"1","page":36},{"text":"يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم - ﷺ - فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ روى أحمد وغيره عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفُّوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال) .\nوَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] . ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] . ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] . ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ [الأعراف: ١٥٦] . ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] .\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ قال ابن كثير: أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه، ولو كان الذنب من أي شيءٍ كان.\nوالودود: قال ابن عباس وغيره: هو الحبيب.\nقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الحديث: \" أن عيسى ﵇ قال للمعلم؟ الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة \".\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ وأول الآية: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأحوالهم ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ .","vol":"1","page":37},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره وكان بالمؤمنين به ورسوله ذا رحمة أن يعذبهم وهم له مطيعون، ولأمره متبعون. ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ .\nقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: عمَّت كلَّ شيء، قال الحسن: وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصَّة.\nقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال ابن كثير: أي: أوجبها على نفسه الكريمة؛ تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا.\n﴿ِوَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] . ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] .\nقَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] . ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] . وَقَولُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨] .\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: الغفور لذنوب من تاب وأناب من عباده حتى من الشرك، الرحيم بمن آمن به وأطاعه.\nقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: فسيرحم كِبَري وضَعفي، ووجدي بولدي، وأرجو من الله أن يردَّه علي، ويجمع شملي به، إنه أرحم الراحمين، فهو أرحم لعباده من كلِّ أحد.","vol":"1","page":38},{"text":"قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ﷿: رضي الله عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له ما وعدوه، من العمل بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ يقول: ورضوا هم عن الله تعالى في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه، فيما أمرهم ونهاهم من جزيل ثوابه ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ أي: عامدًا قتله ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بقتله إياه متعمدًا ﴿وَلَعَنَهُ﴾ أبعده عن رحمته وأخزاه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن فعل مثل هذا الذنب العظيم.\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ من طاعة الشيطان ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ من طاعة الرحمن ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ لأنها عُمِلت في غير مرضاته.\n﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ مقْتًا عندَ اللَّهِ أن تقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] .\nَقَولُهُ: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] . ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ ربِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] .\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ بعاجل العذاب ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .","vol":"1","page":39},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: منعهم وحبسهم عن الخروج ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ .\nقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ قال البغوي: أي: عظم ذلك في المقت والبغض عند الله، أي، أنَّ الله يبغض بغضًا شديدًا أن تقولوا ما لا تفعلون، أي: أن تعِدوا من أنفسكم شيئًا ثم لم تفوا به.\nوقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا اصدقوا الله ورسوله، ﴿لِمَ تَقُولُونَ﴾ القول الذي لا تُصدِّقونه بالعمل، فأعمالكم مخالِفة أقوالَكم ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ يقول: عظُم مقتا [عند ربكم قولكم ما لا تفعلون] .","vol":"1","page":40},{"text":"وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ قال ابن كثير: يقول تعالى مهددًاُ الكافرين: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ يعني: يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ .\n﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١: ٢٢] . ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .\nقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ﴾ قال ابن جرير: (يقول جلَّ ثناؤه هل ينظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت، فتقبض أرواحهم، أو أن يأتيهم ربك - يا محمد - للقضاء بين خلقه في موقف القيامة، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ﴾ يقول: أو أن يأتيهم بعض آيات ربك، وذلك - فيما قال بعض أهل التأويل -: طلوع الشمس من مغربها.\nقوله تعالى: ﴿كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ قال ابن كثير: أي: وطِّئت ومُهِّدت وسُوِّيت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم، و﴿جَاء","vol":"1","page":41},{"text":"َ رَبُّكَ﴾ يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق - صلوات الله وسلامه عليه - فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفِّعه الله تعالى في ذلك -وهي أول الشفاعات-، وهي المقام المحمود، فيجيء الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا.\nقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ قال ابن جرير: وتأويل الكلام: ويوم تشقق السماء عن الغمام، وقيل أن ذلك غمام أبيض مثل الغمام الذي ظُلِّل على بني إسرائيل، ثم ذكر عن مجاهد قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ قال: هو الذي قال: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل. قال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه\n.........................................................................\nغمامٌ زعموا في الجنة. وذكر بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: يهبط الله حين يهبط، بينه وبين خلقه سبعون [ألف] حجاب منها النور والظلمة والماء، فيضرب الماء في تلك صوتًا تنخلع له القلوب.\nوعن عكرمة في قوله: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة حوله. وعن ابن عباس قال: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس، وهو يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل","vol":"1","page":42},{"text":"الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا. فيقولون: لم يجئ وهو آتٍ، ثم تشقق السماء الثانية، ثم سماءٌ سماءٌ، على قدر ذلك من التضعيف، إلى السماء السابعة، فينزل منها من الملائكة أكثر من جميع من نزل من السماوات، ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون، ثم يأتي ربنا ﵎ في حملة العرش الثمانية، بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة، وبين فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة، قال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه، وكل ملك منهم واضع رأسه بين يديه يقول: سبحان الملك القدوس، وعلى رؤوسهم شيء مبسوط كأنه القَباءُ، والعرش فوق ذلك، ثم وقف. انتهى.\nقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره (١) إلاَّ الله تعالى ورسوله.\n_________\n(١) أي: تفسير هيئة الصفة وكيفيتها، بل نفوض الكيفية إلى علم الله ﷿، أمَّا الصفة فإنَّ مذهب السلف إثبات صفات الله ﷿، وإثبات معناها، وتفويض الكيفية إلى علم الله ﷿، لأن الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، ولله ﷿ المثل الأعلى.","vol":"1","page":43},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾، وقبلها ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: كل من على ظهر الأرض من جن وإنس فإنه هالك، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ .\nوَقَوْلُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤] .\n﴿ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ من نعت الوجه، فلذلك رفع ﴿ذُو﴾ . وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله بالياء - ﴿ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ - على أنه من نعت الرب وصفته، قال ابن عباس: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ ذو العظمة والكبرياء.\nقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ أي: كل شيء هالكٌ إلاَّ هو، قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات إلاَّ من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا.","vol":"1","page":44},{"text":"وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية بأنه ذو الجلال والإكرام.\nقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى: قال الله لإبليس، إذ لم يسجدْ لآدمَ وخالفَ أمرَه: يا ﴿إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ يقول: أيُّ شيءٍ منعك من السجود ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يقول: لخلق يدي. يخبر تعالى ذكره بذلك، أنه خلق آدم بيده، ثم ساق بسنده عن ابن عمر: خلق الله أربعةً بيده: العرش، وعدن، والقلم، وآدم. ثم قال لكل شيءٍ: كن فكان.\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: ليس يعنون بذلك أنَّ يدَ الله موثقة، ولكنهم يقولون أنه بخيل أمسكَ ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\nوقال الضحاك: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ يقولون: إنه بخيل ليس بجواد. قال الله: ﴿غُلَّتْ\nوَقَولُهُ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] . ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٣: ١٤] . ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] .\nأَيْدِيهِمْ﴾ أمسِكت أيديهم عن النفقة والخير، ثم قال يعني نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وقال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، يقول لا تمسك يدك عن النفقة، قال البغوي: ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقال النبي - ﷺ -: \" كلتا يديه يمين\". والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان","vol":"1","page":45},{"text":"والتسليم، وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: أمرُّوها كما جاءت بلا كيف.\nقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ يا محمد الذي حكم به عليك، وامض لأمره ونهيه وبلِّغ رسالاته ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ يقول جلَّ ثناؤه: فإنك بمرأى منا نراك ونرى عملَك، ونحن نحوطُك ونحفظُك فلا يصِلُ إليك من أرادك بسوء من المشركين.\nقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن كثير: أي: تجري بأمرنا وبمرأى منا ونحو حفظنا وكلاءتنا ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: جزاءً لهم على كفرهم بالله وانتصارًا لنوحٍ ﵇.\nقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي: بمرأى مني. قال قتادة: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ هو غذاؤه، ولتغذُ على عيني. قال ابن كثير: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ أي: عند عدوك جعلته يحبك. قال سلمة بن كهيل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال: حببتك إلى عبادي. ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ قال أبو عمران الجوني: تُربى بعين الله. وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ بحيث أرى.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، وغذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة. انتهى.","vol":"1","page":46},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] . وَقَوْلُهُ:\n﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] . وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]\nقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ عن عائشة ﵂ قالت: الحمدلله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي - ﷺ - تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول؛ فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية. رواه أحمد وغيره.\nقال ابن جرير: يقول تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ يا محمد، ﴿قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقول وتشتكي المجادلةُ - ما لديها من الهم بظهار زوجها منها - إلى الله، وتسأله الفرج. ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ يعني: تحاور رسول الله - ﷺ - والمجادِلة خولة بنت ثعلبة ﴿أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله سميع لما يتجاوبانه ويتحاورانه، وغير","vol":"1","page":47},{"text":"ذلك من كلام خلقه، بصير يما يعملون ويعمل جميع عباده.\nقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربُّك فسأل عبادَه القرض، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية.\nقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ قال البغوي: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما يُسِرّونه\n﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧: ٢١٩]\nعن غيرهم ويتناجونه بينهم، ﴿بَلَى﴾ نسمع ذلك ونعلم، ﴿وَرُسُلُنَا﴾ أيضًا من الملائكة يعني الحفظة ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ .\nقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه، لست بغافل عنكما فلا تهتما.\nوقال ابن جرير: يقول الله تعالى ذكره: قال الله لموسى وهرون ﴿لا تَخَافَا﴾ فرعون، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ أعِينكما عليه، وأبصركما ﴿اسْمَعُ﴾ ما يجري بينكما وبينه، فأُفهِمُكما ما تحاورانه به، ﴿وَارَى﴾ ما تفعلان ويفعل، لا يخفى علي من ذلك شيء.","vol":"1","page":48},{"text":"قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ألم يعلم أبوجهل إذ ينهى محمدًا عن عبادة ربه والصلاة له، بأنَّ الله يراه، فيخاف سطوتَه وعقابَه.\nوقال ابن كثير: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ أي: أمَا علِمَ هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتمًَّ الجزاء.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، قال ابن جرير: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى صلاتك، ويرى ﴿تَقَلُّبَكَ﴾ في المؤتمين بك فيها بين قيام وركوع وسجود وجلوس ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ تلاوتك يا محمد، وذكرك في صلاتك ما تتلو وتذكر، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما تعمل فيها ويعمل فيها من يتقلب فيها معك، مُؤتَمًا بك، يقول: فرتِّل فيها القرآن، وأقم حدودها فإنك بمرأى من ربك ومسمع.\n﴿وَقُل اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَال﴾ [الرعد: ١٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]،\nقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين اعترفوا لك بذنوبهم من المتخلفين عن الجهاد معك، ﴿اعْمَلُوا﴾ بما يرضيه من طاعته وأداء فرائضه، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ يقول: فسيرى اللهُ إن عملتم عملكم، ويراه رسوله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ في الدنيا ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ يوم القيامة إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم فلا يخفى عليه شيء من باطن","vol":"1","page":49},{"text":"أموركم وظواهرها ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقول: فيخبركم بما كنتم تعملون، وما منه خالصًا وما منه رياءً، وما منه طاعةً وما منه معصيةً، فيجازيكم على ذلك كله جزاءكم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.","vol":"1","page":50},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: يَشُكُّون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ .\nقال ابن جرير: شديدةٌ مما حلتُه في عقوبة من طغى عليه وعتَا، وتمادى في كفره.\nوهذه الآية شبيهةٌ بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١] وعن علي ﵁: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ.\nوقال مجاهد شديد القوة.\nقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ قال ابن","vol":"1","page":51},{"text":"جرير: يعني بذلك جل ثناؤه: ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل، وهم الذين ذكر الله أن عيسى أحَسَّ منهم الكفر.\nوقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥: ١٦] .\nوكان مكرهم الذي وصفهم الله به مواطأة بعضهم بعضًا على الفتك بعيسى وقتله.\nقال: وأما مكر الله بهم فإنَّه -فيما ذكر السُدِّي-: إلقاؤُه شَبَهَ عيسى على بعض أتباعه، حتى قتله الماكرون بعيسى، وهم يحسبونه عيسى، وقد رفع الله ﷿ عيسى قبل ذلك ... إلى أن قال: وقد يحتمل أن يكون معنى مكر الله بهم استدراجه إياهم، ليبلُغَ الكتاب أجله.\nوقال البغوي: المكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة، ومن الله استدراج العبد وأخذه بغتةً من حيث لا يعلم، كما قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] .\nقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح؛ بمصيرهم إليه ليلًا ليقتلوه وأهله، وصالح لا يشعر بذلك ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ يقول: فأخذناهم بعقوبتنا إياهم وتعجيل العذاب لهم، و﴿هُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بمكرنا.\nوقد بينَّا فيما مضى معنى مكر الله بمن مكر به، وما وجه ذلك، وأنَّه أخذُهُ من أخذَهُ منهم على غِرَّةٍ، أو استدراجُه من استدرجَ منهم على كفرِه","vol":"1","page":52},{"text":"به ومعصيتِه إيَّاه، ثمَّ إحلالهُ العقوبةَ على غِرَّةٍ وغفلةٍ.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦] قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المكذبين بالله ورسوله والوعد والوعيد يمكرون مكرًا، وقوله: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ يقول وأمكر مكرًا، ومكره جلَّ ثناؤه بهم إملاؤه إياهم على معصيتهم وكفرهم به.\nوقَوْلُهُ: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] .\nوقال البغوي: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ يخافون النبي - ﷺ - ويظهرون ما هم على خلافه، ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ وكيد الله استدرجه إياهم من حيث لا يعلمون.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، قال ابن جرير: يعني بذلك جلَّ ثناؤه ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أيها الناس ﴿خَيْرَا﴾ يقول: إن تقولوا جميلًا من القول لمن أحسن إليكم، فتُظهروا ذلك شكرًا منكم له على ما كان منه من حَسَنٍ إليكم، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يقول: أو تتركوا إظهار ذلك فلا تُبدوه، ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ يقول: أو تصفحوا لمن أساء إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنتُ لكم أن تجهروا له به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ يقول: لم يزل ذا عفوٍ عن خلقه، يصفح لهم عمَّن عصاه، وخالف أمره، ﴿قَدِيرًا﴾ يقول: ذا قدرةٍ على الانتقام منهم، وإنما يعني بذلك: أن الله لم يزل ذا عفوٍ عن عباده مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إياه، يقول: فاعفوا أنتم أيضًا أيها الناس عمن أتى إليكم ظلمًا، ولا","vol":"1","page":53},{"text":"تجهروا له بالسوء من القول إلاَّ من ظُلم.\nوقال ابن كثير: وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أي: إن تُظهروا أيها الناس خيرًا أو أخفيتموه، أو عفوتم عمَّن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربِّكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإنَّ من صفاته تعالى أن يعفوَ عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ولهذا وردَ في الأثر: أنَّ حملة العرش يُسبِّحون الله فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك، ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد مقدرتك. وفي الحديث الصحيح: \"ما نقص مالٌ من صدقةٍ، ولا زادَ الله عبدًا بعفوٍ إلاَّ عزًا ومن تواضع لله رفعه\".\n﴿ِوَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] .\nوَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] .\nقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، وأول الآية ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ أي: لا يحلف، ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ .\nقال ابن جرير: يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا﴾ عمَّا كان منهم إليهم من جُرم،","vol":"1","page":54},{"text":"وذلك كجُرمِ مِسطحٍ إلى أبي بكر، في إشاعته على ابنته عائشة ما أشاع من الإفك، ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ يقول: وليتركوا عقوبته على ذلك بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثل الذي كانوا لهم عليه من الإفضال عليهم، ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يقول: ألا تحبون أن يستر الله عليكم ذنوبكم، بإفضالكم عليهم، فيترك عقوبتكم عليها ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوب من أطاعه، واتبع أمره ﴿رَّحِيمِ﴾ بهم أن يعذبهم مع اتباعهم أمره وطاعتهم إياه على ما كانت لهم من زلة وهفوة، قد استغفروه منها، وتابوا إليه من فعلها.","vol":"1","page":55},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يقول هؤلاء المنافقون الذي وصف صفتهم قبلُ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ فيها، ويعني بالأعز الأشد والأقوى، قال الله جل ثناءه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ يعني: الشدة والقوة، ﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك.\nقال البغوي: فعزة الله قهره من دونه، وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم.\nوَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] .\nوَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] .\nقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قال إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ أي: بقدرتك وسلطانك وقهرك من دونك من خلقك، ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول: لأضِلَّنَّ بني آدم أجمعين، ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ يقول: إلا مَنْ أخلصته منهم لعبادتك، وعَصَمتَه من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلًا، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه.","vol":"1","page":56},{"text":"وذكر بسنده عن قتادة قال: علِمَ عدوُّ الله أنه ليست له عزَّة.\nقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: تبارك ذكرُ ربك يا محمد، ﴿ذِي الْجَلالِ﴾ يعني: ذي العظمة، ﴿وَالإكْرَامِ﴾ يعني: ومن له الإكرام من جميع خلقه.\nوذكر بسنده عن ابن عباس: قوله: ﴿ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ يقول ذو العظمة والكبرياء.\nوقال ابن كثير: أي: هو أهلٌ أن يُجَلَّ فلا يُعصَى، وأن يُكرمَ فيُعبد، ويُشكَر ولا يُكفَر، وأن يُذكرَ فلا يُنسى، وفي الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام \".\nوفي الحديث الآخر أن رسول الله - ﷺ - كان إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثًا وقال: \" اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام \".\nقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال ابن جرير: وقوله ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ يقول: فالزم طاعته، وذل لأمره ونهيه، ﴿وَاصْطَبِرْ","vol":"1","page":57},{"text":"لِعِبَادَتِهِ﴾ . يقول: واصبر نفسك على النفوذ لأمره ونهيه، والعمل بطاعته، تفز برضاه عنك، فإنه الإله الذي لا مثل له ولا عِدْلَ ولا شبيه في جُوده وكرمه وفضله، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ .\n﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] .\nيقول: هل تعلمُ يا محمد لربك هذا الذي أمرناك بعبادته، والصبر على طاعته مِثْلًا في كرمه وجوده، فتعبده رجاء فضله وطوله دونه؟ كلا، ما ذلك بموجود.\nوذكر بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال: شبيهًا.\nقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ قال أبو العالية: لم يكن له شبيهٌ ولا عِدلٌ وليس كمثله شيء.\nقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن جرير: الأندادُ جمعُ نِدِّ، والنِّدُّ: العِدْلُ والمِثْلُ.\nوذكر بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: أشباهًا.\nوعن قتادة في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض، ثم تجعلون له أندادًا.\nوقال البغوي: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أمثالًا تعبدونهم كعبادة الله.","vol":"1","page":58},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قال ابن كثير: يذكر تعالى حال المشركين في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له أندادًا، أي: أمثالًا ونظراء، يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند، ولا شريك له.","vol":"1","page":59},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه\n..........................................................................\nمحمد - ﷺ - ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيكون مربوبًا لا ربًا؛ لأن رب الأرباب لا ينبغي أن يكون له ولد، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ عاجزًا ذا حاجةٍ إلى معونة غيره ضعيفًا، ولا يكون إلها من يكون محتاجًا إلى مُعين على ما حاول، ولم يكنْ منفردًا بالملك والسلطان، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ يقول: ولم يكن له حليفٌ حالفَه من الذُّلِّ الذي به؛ لأن من كان ذا حاجة إلى نُصرة غيره، فذليل مهين، ولا يكون من كان","vol":"1","page":60},{"text":"ذليلًا مهينًا يحتاج إلى ناصر إلهًا يطاع، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ يقول: وعظِّم ربك يا محمد بما أمرناك أن تعظمه به من قول وفعل، وأطعه فيما أمرك ونهاك.\nوقال ابن كثير: لمَّا أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى، نزَّه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: ليس بذليل فيحتاج أن يكون له ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له.\nقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لم يحالف أحدًا، ولم يبتغ نصرة أحد.\n﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظِّمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا.\nقال ابن جرير: حدثني يونس: أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ الله ولدًا. وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ .\n﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] قَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١: ٢]،","vol":"1","page":61},{"text":"قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يسجد له ما في السماوات السبع، وما في الأرض من خلقه ويعظمه.\nوقوله ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾: يقول تعالى ذكره: له ملك السماوات والأرض، وسلطانه ماضٍ قضاؤه في ذلك كله، نافذ فيه أمره.\nوقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ يقول: وله حَمْدُ كل ما فيها من خلقٍ؛ لأن جميع مَنْ في ذلك من الخلقٍ لا يعرفون الخيرَ إلا منه وليس لهم رازقٌ سواه، فله حمدُ جميعهم.\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقول: وهو على كل شيء ذو قدرة، يقول: يخلق ما يشاء، ويميت من يشاء، ويغني من أراد، ويفقر من يشاء، ويعز من يشاء. ويذل من يشاء، ولا يتعذر عليه شيءٌ أراده؛ لأنه ذو القدرة التامة التي لا يُعجزُه معها شيء.\nقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: تبارك تفاعل من البركة، وهو كقول القائل: تقدَّس ربنا. فقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يقول: تبارك الذي نزل الفصل بين الحق والباطل فصلًا بعد فصل، وسورةً بعد سورة. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد - ﷺ - ليكون محمدٌ لجميع الجن والإنس الذين بعثه الله إليهم داعيًا إليه.","vol":"1","page":62},{"text":"﴿نَذِيرًا﴾ يعني منذرًا ينذرهم عقابه ويخوفهم عذابه، إن لم يوحدوه، ويخلصوا له العبادة، ويخلعوا كل ما دونه من الآلهة والأوثان.\n.........................................................................\n﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ الذي له سلطان السموات والأرض يُنفذ في جميعها أمره وقضاءه، ويُمضي في كلها أحكامه، يقول: فحق على من كان كذلك أن يطيعه أهل مملكته، ومن في سلطانه، ولا يعصوه. يقول: فلا تعصوا نذيري إليكم أيها الناس واتبعوه، واعملوا بما جاءكم به من الحق. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ يقول تكذيبًا لمن أضاف إليه الولدَ، وقال: الملائكة بنات الله: ما اتخذ الذي نزَّل الفرقان على عبده ولدًا، فمن أضاف إليه ولدًا فقد كذب وافترى على ربه.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ يقول تكذيبًا لمن يُضيف الألوهية إلى الأصنام ويعبدها من دون الله من مشركي العرب - ويقول في تلبيته: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك -: كذب قائلوا هذا القول، ما كان لله من شريكٍ في مُلكه وسلطانه فيصلح أن يُعبد من دونه، يقول تعالى ذكره: فأفردوا أيها الناس لربكم - الذي نزل الفرقان على عبده محمد نبيه - ﷺ - الألوهية، وأخلصوا له العبادة دون كل ما تعبدونه من دونه من الآلهة والأصنام والملائكة والجن والإنس؛ فإن كل ذلك خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله الذي هو مالك جميع ذلك.","vol":"1","page":63},{"text":"وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وخلق الذي نزَّل على محمد الفرقان كلَّ شيء، فالأشياء كلها خلقه وملكه، وعلى المماليك طاعة مالكهم وخدمة سيدهم دون غيره، يقول: وأنا خالقكم ومالِكُكم، فأخلصوا لي العبادة دون غيري.\nوقوله: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ يقول: فسوَّى كلَّ ما خلق، وهيَّأه لما يصلح له فلا خلل فيه ولا تفاوت.\nوَقَوْلُهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] . ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢]، ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] . ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .\nقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ أي لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي لغلب بعضهم بعضًا كالعادة بين الملوك، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من الولد والشريك، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ما غاب عن خلقه وما رأوه.\n﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: فارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء المشركين، ووصفِهِم إياه بما يصفون.\nقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول: فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه؛ فإنه لا مِْثلَ له ولا شِبه، فإنه أحدٌ صمدٌ، لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد.","vol":"1","page":64},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما يمثِّلون ويضربون من الأمثال، وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ صواب ذلك من خطئه.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ ما تزايد قبحه من الكبائر، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ جهرها وسرها. ﴿وَالإثْمَ﴾ كل ذنب. ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: الظلم.","vol":"1","page":65},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . فِي [سَبْعَةِ] مَوَاضِعَ: فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ؛ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .\nوَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [يونس: ٣] .\n﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ برهانًا، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ بالافتراء عليه، والكذب من دعوى أنَّ له ولدًا، ونحو ذلك مما لا علم لكم به.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن سيدكم ومصلح أموركم أيها الناس، هو المعبود الذي له العبادة من كل شيء. ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وذلك يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة.\nوقال ابن كثير: أما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي، والثوري والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا","vol":"1","page":66},{"text":"تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبِّهين منفيٌ عن الله، فإن الله لا يشبهه شيءٌ من خلقه، و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نُعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شَبَّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر.\nوليس في ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى. انتهى.\nوَقَالَ فَي سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] . وَقَالَ فِي سُورَةِ طَهَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اْستَوَى﴾ [طه: ٥] . وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] . وَقَالَ فِي سُورَةِ آلم السَّجْدَةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] . وَقَالَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] .\nوقال البغوي: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: استقر، وقال أبو عبيدة: صعد، وأوَّلت المعتزلة الاستواءَ بالاستيلاء، فأمَّا أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله ﷿.\nوسأل رجلٌ مالكَ بن أنس عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليًّا وعلاه الرحضاء (١) ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالًاّ، فأمر به فأخرج.\n_________\n(١) أي: يكلون العلم بكيفية ذلك، أمَّا العلم بمعنى الصفة نفسها فكما قال مالك ﵀: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول.","vol":"1","page":67},{"text":"وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهات: أمرُّها كما جاءت بلا كيف. انتهى.\nوقال في \"جامع البيان\": أجمع السلف على أن استواءه على العرش صفةٌ له بلا كيف، نؤمن به، ونكِلْ العلم إلى الله تعالى.\n..........................................................................\nقوله تعالى سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ الذي له عبادة كل شيء، لا تنبغي العبادة إلا له، هو الذي خلق السماوات السبع، والأرضين السبع في ستة أيام، وانفرد بخلقها بغير شريك ولا ظهير، ثم استوى على عرشه مُدبِّرًا للأمور، وقاضيًا في خلقه ما أحب، لا يضادُّه في قضائه أحد، ولا يتعقَّب تدبيره متعقِّب، ولا يدخُل أموره خللٌ.\nوقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خَلَق السماوات والأرض في ستة أيام، قيل: كهذه الأيام، وقيل كل يومٍ كألف سنة ممَّا تعدُّون. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، والعرش أعظم المخلوقات وسقفها.","vol":"1","page":68},{"text":"قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: الله -يا محمد- الذي رفع السماوات السبع بغير عمدٍ ترونها، فجعلها للأرض سقفًا مسموكًا ... إلى أن قال: وأمَّا قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فإنه يعني: عَلاَ عليه.\nوقال ابن كثير: يخبر تعالى عن كمال قدرته، وعظيم سلطانه: أنه الذي بإذنه وأمره رفع السماوات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره، رفعها عن الأرض بُعدًا لا تنال، ولا يدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطةٌ بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعةٌ عليها من كل جانب على السواء، وبُعدُ ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام.\nوسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام وسُمْكها خمسمائة عام، وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ الآية.\n..........................................................................\nوفي الحديث: \" ما السماوات السبع وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرضٍ فلاة والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك","vol":"1","page":69},{"text":"الفلاة\"، وفي رواية: \"والعرش لا يقدر قدره إلا الله ﷿ \".\nوجاء عن بعض السلف أن بُعْدَ ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبُعدَ ما بين قطبيه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتةٍ حمراء.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تقدَّم تفسيره في سورة الأعراف، وأنَّه يُمَرُّ كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل.\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا. وقال ابن كثير وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾: تقدَّمَ الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأنًَّ المسلك الأسلم في ذلك طريقةُ السلف: إمرارُ ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف، ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل.\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قيل: كان ابتداء ذلك يوم الأحد، والفراغ يوم الجمعة، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ وعلا عليه، وذلك يوم السبت فيما قيل.","vol":"1","page":70},{"text":"وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ يقول: فاسأل يا محمد بالرحمن خبيرًا بخلقه، فإنه خالق كل شيء، ولا يخفى عليه ما خلقه.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: هو الذي أنشأ السماوات السبع والأرضين، فدبَّرهنَّ وما فيهنَّ، ثم استوى على عرشه، فارتفع عليه وعلا.","vol":"1","page":71},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . ﴿بَل\nرَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه﴾ [النساء: ١٥٨] . ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] . ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦: ٣٧]\nقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قال ابن جرير: يعني بذلك جلَّ ثناؤه، ومكر الله بالقوم الذين حاولوا قتل عيسى مع كفرهم بالله، وتكذيبهم عيسى فيما أتاهم به من عند ربهم، إذ قال الله جل ثناؤه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فـ (إن) صلة من قوله ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ يعني: ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فتوفاه الله ورفعه إليه.\nوقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي رفعي إياك إلى السماء. قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ قال ابن جرير: يعني بل رفعَ اللهُ المسيحَ إليه، يقول: لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكنَّ الله رفعه إليه، فطهَّره من الذين كفروا.\nقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال ابن","vol":"1","page":72},{"text":"جرير: يقول تعالى ذكره إلى الله يصعد ذكر العبد إياه، وثناؤه عليه، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ يقول: ويرفع ذكر العبد ربه إليه العمل الصالح، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه، والانتهاء إلى ما أمره به.\nثم ذكر بسنده عن عبد الله قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده، الحمد لله، لا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن مَلَك فجعلهن تحت جناحيه، ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الرحمن، ثم قرأ عبد الله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ .\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لما وعظه المؤمنُ من آلِهِ بما وعظه به، وزجره عن قتل موسى نبي الله،\nوَقَوْلُهُ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾\n[الملك: ١٦] . ﴿أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧] . ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] .\nوحذره من بأس الله على قيله (اقتله) ما حذره لوزيره هامان وزير السوء: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾ يعني: بناءً.\n﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾: لعلي أبلغ من أسباب السموات أسبابًا أتسبَّبُ بها إلى رؤية إله موسى.\nوقوله: ﴿وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يقول: وإني لأظن موسى كاذبًا فيما يقول ويدَّعي من أن له في السماء ربًا أرسله إلينا.","vol":"1","page":73},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أيها [الناس] الكافرون ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ يقول: فإذا الأرض تذهب بكم وتجيء وتضطرب، ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وهو الله ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ يقول: فستعلمون أيها الكفرة كيف عاقبةُ نذيري لكم، إذ كذبتم به، ورددتموه على رسولي.\nوقال البغوي: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس: أي عذاب من في السماء إن عصيتموه.","vol":"1","page":74},{"text":"قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .\nوَقَوْلُهُ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ\nسَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] .\nقال ابن جرير: وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ يقول تعالى ذكره مخبرًا عن صفته وأنه لا يخفى عليه خافية من خلقه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ﴾ من خلقه، يعني بقوله: ﴿يَلِجَ﴾ يدخل، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ منهم، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى الأرض من شيء قط، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فيصعد إليها من الأرض، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ يقول: وهو شاهدكم أيها الناس، أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سماواته السبع، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يقول: والله بأعمالكم التي تعملونها من حسن وسيء، وطاعة ومعصية، ذو بصر، وهو لها محصٍ ليجازيَ المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء","vol":"1","page":75},{"text":"بإساءته يوم تجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون.\nقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وأول الآية ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فترى أن الله يعلم ما في السماوات والأرض من شيء، لا يخفى عليه صغير ذلك وكبيره. يقول جل ثناؤه: فكيف يخفى على من كانت هذه صفته أعمال هؤلاء الكافرين وعصيانهم ربهم.\nثم وصفهم -جلَّ ثناؤه- قُربَه من عباده وسماعَه نجواهم، وما يكتمونه الناس من أحاديثهم، فيتحدثون سرًا بينهم، فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ من خلقه ﴿إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعلم سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ يقول: ولا يكون نجوى خمسةٍ، إلا هو سادسهم كذلك،\n﴿ِلاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] .، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ\nوَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .\n﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾ يقول: ولا أقل من ثلاثة، ﴿وَلا أَكْثَرَ﴾ من خمسة، ﴿إِلا هُوَ مَعَهُمْ﴾ إذا تناجوا، ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ يقول: في أي موضع ومكان كانوا.\nوعنى بقوله: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني: أنه شاهدهم بعلمه وهو على عرشه.\nثم ساق بسنده عن الضحاك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ إلى","vol":"1","page":76},{"text":"قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾ قال: هو فوق العرش وعلمه معهم ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .\nوقال ابن كثير: وحكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معيَّة علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذٌ فيهم، فهو ﷾ مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء، قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم.\nقوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ قال ابن جرير: يقول إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنُ﴾، وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله - ﷺ -: \" لا تحزن إن الله معنا، والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا، ولن يصلوا إلينا \".\nقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قد تقدمت هذه الآية في الآيات التي فيها إثبات السمع والبصر، والمراد بها هنا إثبات المعيَّة الخاصة.\nقال ابن كثير: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي لا تخافا من فرعون، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليَّ من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي؛ فلا يتكلم ولا يتنفس","vol":"1","page":77},{"text":"ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونظري وتأييدي.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول\n﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] . ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ\nغَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] .\nتعالى ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ يا محمد ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله في محارمه فاجتنبوها وخافوا عقابه عليها، فأحجموا عنه التقدم عليها، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ يقول: وهو مع الذين يُحسنون رعاية فرائضه، والقيام بحقوقه ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه.\nوقال ابن كثير: وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته، وهذه معيَّة خاصَّة، كقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، وقوله لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقول النبي - ﷺ - للصديق وهما في الغار: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ .\nوأمَّا المعيَّة العامَّة فبالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ الآية.","vol":"1","page":78},{"text":"ومعنى ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: تركوا المحرمات، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء يحفظهم ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيدهم، ويُظفِرُهم على أعدائهم ومخالفيهم.\nقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ قال ابن جرير: ﴿وَاصْبِرُوا﴾ يقول: اصبروا مع النبي - ﷺ - عند لقاء عدوكم، ولا تنهزموا عنه وتتركونه، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يقول: اصبروا فإني معكم.\nوأورد البغوي في تفسير هذه الآية حديث: \"لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا\" الحديث.\nقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾\nوَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] . ﴿وَمَنْ\nأَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]\nقال ابن جرير على قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ الآية، تأويل الكلام: قال الذين يوقنون بالمعاد ويصدِّقون بالمرجع إلى الله للذين قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ يعني بـ ﴿كَمَ﴾ كثيرًا غلبت فئة قليلة فئة كثيرة ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يعني بقضاء الله وقدره، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يقول: مع الحابسين أنفسهم على رضاه وطاعته، يعني والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله، وغير ذلك من طاعته، وظهورهم ونصرهم على","vol":"1","page":79},{"text":"أعدائه الصادين عن سبيله المخالفين منهاج دينه، وكذلك يقال لمعين الرجل على غيره: هو معه. بمعنى: هو معه بالعون والنصرة.","vol":"1","page":80},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، وأول الآية ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، قال ابن جرير: يعني بذلك فاعلموا حقيقة ما أخبرتكم من الخبر، فإني جامعكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب، والثواب والعقاب يقينًا، فلا تَشُكّوا في صحته، ولا تمتروا في حقيقته، فإن قولي الصدق الذي لا كذب فيه، ووعدي الصدق الذي لا خُلْفَ فيه. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، يقول: وأي ناطقٍ صدق من الله حديثًا، وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعًا، أو يدفع به عنها ضرًا، والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع، فغير جائز أن يكون منه كذب؛ لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع، ولا دفع ضر عن نفسه، أو دفع ضر عنها سواه تعالى ذكره، فيجوز أن يكون له في استحالة الكذب منه نظير، ومن أصدق من الله حديثًا وخبرًا.","vol":"1","page":81},{"text":"وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي لا أحد أصدق منه في حديث وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾، قال ابن جرير يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾\n﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦] . ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا\n..........................................................................\nوَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] .\nأيها الناس، ﴿مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ أي لا أحد أصدق منه قيلًا، فكيف تتركون العمل بما وعدكم على العمل به ربكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، وتكفرون به، وتخافون أمره، وأنتم تعلمون أنه لا أحد أصدق منه قيلًا، وتعملون بما يأمركم به الشيطان رجاء لإدراك ما يعدكم من عداته الكاذبة وأمانيه الباطلة، وقد علمتم أن عِداتِه غرور لا صحة لها، ولا حقيقة، وتتحذونه وليًا من دون الله، وتتركون أن تطيعوا الله فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فتكونوا له أولياء، ومعنى القيل والقول واحد.\nوقال ابن كثير: \" ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ أي: لا أحد أصدق منه قولًا أي خبرًا، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، وكان النبي - ﷺ - يقول في خطبته: \" إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار \".\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ...، قال ابن جرير: يقول","vol":"1","page":82},{"text":"تعالى ذكره: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ فيقول: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ إذ قال الله ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقيل: إن الله قال هذا القول لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا. وساق بسنده عن السُدِّي قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم إليه، قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله عن قوله فقال: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .\nوعن ابن جريج ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، وأقر له بالعبودية على نفسه، فعلم من كان يقول في عيسى ما يقول أنه إنما كان كان باطلًا.\n..........................................................................\nوقال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الآيات: هذا أيضًا مما يخاطب الله به عبدَه ورسولَه عيسى ابن مريم ﵇، قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وهذا","vol":"1","page":83},{"text":"تهديدٌ للنصارى وتوبيخٌ وتقريع على رؤوس الأشهاد. هكذا قاله قتادة وغيره.\nقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وكملت كلمة ربك، يعني القرآن، سمّاه كلمةً كما تقول العربُ للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر: هذه كلمة فلان.\n[﴿صِدْقًا وَعَدْلا﴾ يقول: كملت كلمة ربك من الصدق والعدل، والصدق والعدل نُصبا على التفسير للكلمة] كما يقال عندي عشرون درهمًا.\n﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ يقول: لا مغيِّر لما أخبر في كتبه أنه كائن من وقوعه في حينه وأجله الذي أخبر الله أنه واقعٌ فيه، وذلك نظير قوله جل ثناؤه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ .\nوقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم، يقول: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحقٌّ لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة.","vol":"1","page":84},{"text":"﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقال البغوي: قوله ﷿: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قرأ أهل الكوفة ويعقوب ﴿كَلِمَتُ﴾ على التوحيد، وقرأ آخرون: ﴿كَلِمَاتٍ﴾ بالجمع والمراد بالكلمات أمره ونهيه، ووعده ووعيده. ﴿صِدْقًا وَعَدْلا﴾، أي صدقًا في الوعد\n﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾\n[البقرة: ٢٥٣] . ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . ﴿َنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] .\nوالوعيد، وعدلًا في الأمر والنهي، قال قتادة ومقاتل: صدقًا فيما وعد، وعدلًا فيما حكم، ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: لا رادَّ لقضائه ولا مغيِّر لحكمه، ولا خُلف لوعده، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قيل: أراد بالكلمات القرآن ﴿لا مبدل له﴾ يريد لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون. انتهى.\nقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: قال ابن جرير: يعني بذلك جل ثناؤه: وخاطب الله بكلامه موسى خطابًا. وساق بسنده عن نوح بن أبي مريم، وسُئل: كيف كلم الله موسى تكليمًا؟ قال: مشافهة. وقال ابن كثير: قوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهذا تشريفٌ لموسى ﵇ بهذه الصفة، ولهذا يقال له الكليم.","vol":"1","page":85},{"text":"وقال صاحب \" الوجيز \": أخبر الله بأنه شرَّف موسى بكلامه وأكَّده بالمصدر دلالةً على وقوع الفعل على حقيقته لا على المجاز.\nقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الذين قصَّ الله قَصَصَهم في هذه السورة؛ كموسى بن عمران، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وشمويل، وداود، وسائر من ذكر نبأهم في هذه السورة. يقول تعالى ذكره: \"هؤلاء رسُلي فضلت بعضهم على بعض، والذي كلَّمته منهم موسى - ﷺ -، ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة\". وساق بسنده عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ قال: يقول: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ منهم من كلم الله، ورفع بعضهم على بعض درجات، يقول: كلَّم الله موسى، وأرسل محمدًا إلى الناس كافةً.\n..........................................................................\nوقال البغوي: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي: كلمه الله تعالى، يعني موسى ﵇، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ درجات﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -، وما أوتي نبيٌّ آيةً إلا أوتي نبينا مثل تلك الآية، وفُضِّل على غيره بآيات مثل: انشقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع على مفارقته، وتسليم الحجر والشجر عليه، وكلام البهائم والشهادة برسالته، ونبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تُحصى، وأظهرها","vol":"1","page":86},{"text":"القرآن الذي أعجز أهل السماء والأرض على الإتيان بمثله. انتهى.\nقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الجبل، ويعني بالأيمن يمين موسى؛ لأن الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال قام عن يمين القبلة وعن شمالها.\nوقوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ يقول تعالى ذكره: وأدنيناه مُناجيًا كما يقال: فلان نديم فلان ومُنادِمه، وجليس فلان ومُجالسُه، وذُكر أن الله جل ثناؤه أدناه حتى سمع صريف القلم.\nثم ساق بسنده عن ابن عباس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدنِيَ حتى سمع صريف القلم. وقال ابن كثير: وقوله ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ [أي: الجبل، ﴿الأيْمَنِ﴾] أي: الجانب الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة فرآها تلوح فقصدها فوجدها في جانب الطور الأيمن من غربيه عند شاطئ الوادي، فكلَّمه اللهُ تعالى وناداه وقرَّبه فناجاه.\nقال ابن عباس: أُدني حتى سمع صريف القلم، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم، يعنون صريف القلم بكتابة التوراة، وقال السدي ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدخل في","vol":"1","page":87},{"text":"السماء فكُلِّم، وعن مجاهد نحوه.\nوقال البغوي: قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ يعني يمين موسى.\nوَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:\n١٠]، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَة﴾ [الأعراف: ٢٢] . وَقَوْلُه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] .\nوالطور: جبل بين مصر ومدين، ويقال اسمه الزبير، وذلك حين أقبل من مدين ورأى النار فنودي: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ أي: مناجيًا، فالنجي المناجي، كما يقال: جليس ونديم، قال ابن عباس: معناه قرَّبه فكلَّمه، ومعنى التقريب إسماعه كلامه، وقيل: رفعه الحجب حتى سمع صريف القلم. انتهى.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى بن عمران ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: الكافرين ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ عقاب الله على كفرهم به.\nقوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ونادى آدم وحواءَ ربُّهما: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ عن أكل ثمرة الشجرة التي أكلتما ثمرها، وأعلمكما أن إبليس لكما عدوٌ مبين، يقول: قد أبان عداوته لكما بترك السجود لآدم حسدًا وبغيًا.\nوعن ابن عباس قال: لما أكل آدم من الشجرة قيل له: أكلتَ من الشجرة","vol":"1","page":88},{"text":"التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني. قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كُرهًا ولا تضعُ إلا كُرهًا. قال: فرنَّت حواءُ عند ذلك، فقيل لها: الرنَّةُ عليك وعلى ولدك.\nوعن أُبيّ بن كعب قال: كان آدم رجلًا طُوالًا كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع فيه من الخطيئة بدت له عورته عند ذلك وكان لا يراها، فانطلق هاربًا في الجنة، فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة. فقال لها: أرسليني. فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه ﷿: يا آدم أمنِّي تفر؟ قال: يا رب إني استحييتك.\nقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ . قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ويوم ينادي الله هؤلاء المشركين فيقول لهم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾\n﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾\n[التوبة: ٦] . ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] . ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] .\nفيما أرسلناهم به إليكم، من دعائكم إلى توحيدنا، والبراءة من الأوثان والأصنام، ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .\nقال مجاهد: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ﴾ قال: الحُجَجُ. يعني الحُجَّة.","vol":"1","page":89},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك يا محمد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم أحدٌ ليسمع كلام الله منك، وهو القرآن الذي أنزله الله عليك ﴿فَأَجِرْهُ﴾ يقول: فأمِّنه ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وتتلوه عليه ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يقول: ثم رُدَّه بعد سماعه كلام الله - إن هو أبى أن يُسلم، ولم يتعظ بما تلوتَه عليه من كلام الله فيؤمَّن إلى ﴿مَأْمَنَهُ﴾ يقول: إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك حتى يلحق بداره وقومه من المشركين.\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي: ينقاد لكم بالطاعة، هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه؛ ثم قست قلوبهم من بعد ذلك ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ","vol":"1","page":90},{"text":"يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: يتأوَّلونه على غير تأويله، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله.\nقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: سيقول يا محمد المخلفون في أهليهم عن صحبتك إذا سرتَ معتمرًا تريد بيت الله الحرام، إذا انطلقت أنت ومن\n﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] .\nوَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] .\nصَحِبك في سفرك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغنيمة لتأخذوها -وذلك ما كان الله وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر-: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خيبر فنشهد معكم قتال أهلها.\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ يقول: يريدون أن يُغيِّروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية؛ وذلك أن الله جعل غنائم خيبر لهم، ووعدهم ذلك عوضًا من غنائم أهل مكة، إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم يصيبوا منهم شيئًا.\nوقوله: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: قل لهؤلاء المخلَّفين عن المسير معك يا محمد: لن تتبعونا إلى خيبر إذا أردنا المسير إليهم من قتالهم، ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ . يقول: هكذا قال الله لنا من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستم ممن شهدها، فليس لكم أن تتبعونا إلى","vol":"1","page":91},{"text":"خيبر؛ لأن غنيمتها لغيركم.\nقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب ربك هذا، ولا تتركن تلاوته واتباع ما فيه من أمر الله ونهيه، والعمل بحلاله وحرامه فتكون من الهالكين، وذلك أن مصير من خالفه، وترك اتباعه يوم القيامة إلى جهنم، ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ يقول: لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنزلها عليك، أهل، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك.\nوقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ يقول: إن أنت يا محمد لم تتلُ ما أوحي إليك من كتاب ربك فإنه لا ملجأ لك من الله.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن الذي أنزلته إليك يا محمد، يقص على بني إسرائيل الحق في أكثر الأشياء التي اختلفوا فيها.\n﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] . ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ\nعَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]،\nوذلك كالذي اختلفوا فيه من أمر عيسى، فقالت اليهود فيه ما قالت، وقالت النصارى فيه ما قالت، وتبرَّأ لاختلافهم فيه هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، وغير ذلك من الأمور التي اختلفوا فيها، فقال جل ثناؤه لهم: إن هذا القرآن يقص عليكم الحق فيما اختلفتم، فاتبعوه، وأقرُّوا لما فيه، فإنه يقص عليكم بالحق، ويهديكم إلى سبيل الرشاد.","vol":"1","page":92},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ وهذا القرآن الذي أنزلناه إلى نبينا محمد - ﷺ - ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ يقول: فاجعلوه إمامًا تتبعونه وتعملون بما فيه أيها الناس، ﴿وَاتَّقُوا﴾ يقول: واحذروا الله في أنفسكم أن تضيعوا العمل بما فيه، وتتعدوا حدوده، وتستحلوا محارمه.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول: لتُرحموا؛ فتنجوا من عذاب الله وأليم عقابه.\nوقال ابن كثير: في الدعوة إلى اتباع القرآن، يرغَِّب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل الله المتين.\nقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، قال ابن جرير: يقول جل ثناؤه ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى","vol":"1","page":93},{"text":"جَبَلٍ﴾ وهو حجر ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾ يا محمد ﴿خَاشِعَا﴾ يقول: متذلِّلًا ﴿مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على قساوته، حذرًا من أن لا يؤدِّي حقَّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أُنزل على ابن آدم، وهو بحقِّه مستخفّ، وعنه وعمَّا فيه من العبر والذكر مُعرض، كأن لم يسمعها، كأنَّ في أذنيه وقرًا، وساق بسنده عن ابن عباس من قوله ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال: يقول: لو\n﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ\nأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] . ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .\nأني أنزلتُ هذا القرآن على جبل حمَّلتُه إياه، تصدَّع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله ﷿ الناسَ إذا أُنزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشُّع. قال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره وإذا نسخنا حكم آية، فأبدلنا مكانه حُكمَ أُخرى، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ . يقول: والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدِّل ويغيِّر من أحكامه، ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ . يقول: قال المشركون بالله المكذِّبون لرسولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿مُفْتَرِ﴾ أي: مكذب، تخرصُ بتقوُّل الباطل على الله، يقول الله تعالى: بل أكثر هولاء القائلين لك يا محمد: إنما أنت مفترٍ. جُهَّالٌ بأن الذي تأتيهم به من عند الله، ناسخه ومنسوخه، لا يعلمون حقيقة صحته.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ","vol":"1","page":94},{"text":"آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿قُلُ﴾ يا محمد للقائلين لك ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾، فيما تتلو عليهم من آي كتابنا، ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ يقول: قل جاء به جبريل من عند ربي بالحق.\nوقوله ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ يقول تعالى ذكره: قل نزَّل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه روح القدس عليَّ من ربي، تثبيتًا للمؤمنين، وتقوية لإيمانهم، ليزدادوا بتصديقهم لناسخه ومنسوخه إيمانًا لإيمانهم، وهدىً لهم من الضلالة، وبشرى للمسلمين الذين استسلموا لأمر الله، وانقادوا لأمره ونهيه، وما أنزله في آي كتابه، فأقرُّوا بكلِّ ذلك، وصدقوا به قولًا وعملًا.\n﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يعَلِّمَهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ\nأَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .\nوَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢: ٢٣]\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ولقد نعلم أن هؤلاء المشركين يقولون - جهلًا منهم -: إنما يعلّم محمدًا هذا الذي يتلوه بشرٌ من بني آدم، وما هو من عند الله، يقول الله تعالى ذكره مكذِّبهم في قيلهم ذلك: ألا تعلمون كذب ما تقولون؟ إن لسان الذي تلحدون إليه أعجمي، يقول: تميلون إليه بأنه يعلم محمدًا أعجمي. وذلك أنهم فيما ذُكِر كانوا يزعمون أن الذي يُعلّم محمدًا هذا القرآن عبدٌ رومي، فلذلك قال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وهذا القرآن لسانٌ عربيٌ مبين.","vol":"1","page":95},{"text":"قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿نَاضِرَةٌ﴾ يقول: حسنة جميلةٌ من النعيم، يقال من ذلك: نَضُرَ وجهُ فلان، إذا حَسُنَ من النعمة، ونضَّر اللهُ وجهه إذا حسَّنه كذلك.\nوساق بسنده عن الحسن في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال: حسنة، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضُرَ وهي تنظر إلى الخالق.\nوعن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه ألفي سنة \"،قال: \"وإنَّ أفضلهم منزلة لمن ينظرُ في وجه الله كلَّ يومٍ مرَّتين \" قال: ثمَّ تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: بالبياض والصفاء، قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: \" تنظر كلَّ يومٍ في وجه الله ﷿ \".\nوقال ابن كثير: وقد ثبتت رؤية المؤمن لله ﷿ في الدار الآخرة في","vol":"1","page":96},{"text":"الأحاديث من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة في الصحيحين: أنَّ ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال: \"هل تُضارُّون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحابة؟ \" قالوا: لا. قال: \"فإنَّكم ترون ربكم كذلك \".\nوفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" جنَّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنَّتان من فضة آنيتهما وما فيهما، ومابين القوم وبين أن ينظروا إلى الله ﷿ إلاَّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن\".\nقوله تعالى: ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ على السرر في الحجال من اللؤلؤ والياقوت، ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعيم والحبور في الجنات.\nوقال على قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ وذلك يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بالله في الدنيا ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ فيها ﴿يَضْحَكُونَ﴾، ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ يقول: على سررهم التي في الحجال ينظرون إليهم وهم في الجنة، والكفار","vol":"1","page":97},{"text":"في النار يُعذَّبون.\nوقال في قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أي: محجوبون عن رؤيته وعن كرامته.\nوقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضلٌ عميم ﴿عَلَى الأرَائِكِ﴾ وهي: السرر تحت الحجال، ﴿يُنْظَرُونَ﴾، قيل: معناه: ينظرون في\n..........................................................................\nملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد، وقيل: معناه ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إلى الله ﷿.\nوهذا مقابل لما وصف به أولئك الفجار: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله ﷿ وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدم في حديث ابن عمر: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاهم لمن ينظر إلى الله ﷿ في اليوم مرتين \".\nوقال أيضًا: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي: في مقابل ما ضحك بهم أولئك ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي: إلى الله ﷿، في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون، ليسوا بضالين؛ بل هم من أولياء الله المقربين،","vol":"1","page":98},{"text":"ينظرون إلى ربهم في دار كرامته.\nقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله ﷿، وهذا قول أبي بكر الصديق وغيره من السلف والخلف.\nقال ابن جرير: إن الله ﵎ وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إياه الجنَّة، وأن يبيِّض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها، ومن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غُرفًا من لآلئ، وأن يزيدهم غفرانًا ورضوانًا، كل ذلك من زيادات عطاءِ اللهِ إياهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته.\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال ابن جرير: وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ يقول: لهؤلاء المتقين ما يُريدون في هذه الجنة التي أُزلفت لهم من كل ما تشتهيه نفوسهم وتلذُّه أعينهم، وقوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ يقول: وعندنا لهم\n..........................................................................\nعلى ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جلَّ ثناؤه صفتها مزيدٌ يزيدهم إيَّاه، وقيل إن ذلك المزيد النظر إلى الله جل ثناؤه.\nذكرُ من قال ذلك: حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي قال: حدثنا قرة بن عيسى قال: حدثنا النضر بن عربي عن جده عن أنس: \" إن الله ﷿","vol":"1","page":99},{"text":"إذا أسكن أهلَ الجنةِ الجنة وأهلَ النارِ النارَ، هبط إلى مرج من الجنة أفيح، فمدَّ بينه وبين خلقه حُجُبًا من لؤلؤ، وحُجُبًا من نور، ثم وضعت منابر النور، وسُرُر النور، وكراسي النور، ثم أُذِن لرجلٍ على الله ﷿.. إلى أن قال: ثم ناداهم الرب ﷿ من وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا وفكهوا وكُسُوا وطيبوا، وعزَّتي لأتجليَنَّ لهم حتى ينظروا إليّ. فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد. قال: فتجلَّى لهم الرب ﷿ ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إليَّ فقد رضيت عنكم \" الحديث.\nفَصْلٌ: ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرآنَ\nوتُبَيِّنُهُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ، وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ - ﷿ - مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا كَذَلِك. َ\nفَمِنْ ذَلِكَ: مِثْلُ قَوْلِهِ - ﷺ-: (يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَقَوْلُهُ - ﷺ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهُ الْمُؤْمِنِ التَّائِبِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَقَوْلُهُ: - ﷺ: (يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ؛ كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَقَوْلُهُ: (عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ خَيْرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزَلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ) . حَدِيثٌ حَسَنٌ.\nوَقَوْلُهُ - ﷺ: (لا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا رِجْلَهُ [وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهَا قَدَمَهُ] فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، فَتَقُولُ: قَط قَط) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَقَوْلُهُ: (يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادِي بِصَوتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلَى النَّارِ) . مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ) .\nوقال البغوي: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾، وذلك أنهم يسألون الله تعالى حتى تنتهي مسألتهم فيعطون ما شاؤوا، ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه، وهو قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، يعني الزيادة لهم في النعيم مما لم يخطر ببالهم.\nوقال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله الكريم.","vol":"1","page":100},{"text":"وَقَوْلُهُ فِي رُقْيَةِ الْمَرِيضِ: (رَبَّنَا اللهَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ اجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجِعِ؛ فَيَبْرَأَ) . حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُ، وَقَوْلُهُ: (أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ (حَدِيثٌ صَحِيحٌ.\nقال البغوي في \"شرح السنَّة\": القَدم والرِجْل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله المنزَّهة عن التكييف والتشبيه، وكذلك كلُّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب والسنَة كاليد والإصبع وغيرها، فالإيمان بها فرضٌ، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي يسلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطِّل، والمكيِّف مشبِّه، تعالى الله عن ذلك علوًَّا كبيرًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . انتهى.\nوقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، ومالك، والثوري، والليث بن سعد، عن الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف.\nوقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون الشبيه لو قيل له يدٌ كيدٍ وسمعٌ كسمعٍ.\nوقال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ولم يكيِّفوا شيئًا منها، وأمَّا الجهمية والمعتزلة والخوارج فقالوا: من أقرَّ بها فهو مشبِّه؛ فسمَّاهم من أقرَّ بها معطِّلة. انتهى، والله ﷾ أعلم.\nقال البخاري: باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، قال أبو العالية: استوى إلى السماء: ارتفع فسوَّاهنَّ: خلقهنَّ. وقال مجاهد: استوى: علا على العرش.\nوَقَوْلُهُ: (وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) . حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَقَوْلُهُ لُلْجَارِيَةِ: (أَيْنَ اللهُ؟) . قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: (مَنْ أَنَا؟) . قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: (أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nقال الحافظ: وقد نقل أبو إسماعيل الهروي في كتاب \" الفاروق \" بسنده","vol":"1","page":103},{"text":"إلى داود بن علي بن خلف قال: كنا عند أبي عبد الله ابن الأعرابي - يعني محمد بن زياد اللغوي - فقال له رجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: هو على العرش كما أخبر. فقال: يا أبا عبد الله، إنما معناه استولى. فقال: اسكت، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضادٌّ. وقال غيره: لوكان بمعنى استولى لم يختص بالعرش لأنه غالبٌ على جميع المخلوقات.\nونقل محيي السنة البغوي في \" تفسيره \" عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن معناه: ارتفع. وقال أبو عبيد والفرَّاء وغيرهما بنحوه.\nوأخرج أبو القاسم اللالكائي في \" كتاب السنة \" من طريق الحسن البصري عن أمِّه عن أمِّ سلمة أنها قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.\nوأخرج البيهقي بسندٍ جيد عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله على عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. انتهى.\nوقال في \" شرح الطحاوية \": \" روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه \" الفاروق \" بسنده إلى مطيع البلخي: أنه سأل أبا حنيفة عمَّن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض! فقال: قد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعرشه فوق سبع سمواته. قلت: فإن قال: إنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر.","vol":"1","page":104},{"text":"وَقَوْلُهُ: (أَفْضَلُ الإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ) . حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَوْلُهُ: (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاةِ؛ فَلاَ يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ -ﷺ-: (اللهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ) . رِوَايَةُ مُسْلِمٌ. وَقَوْلُهُ -ﷺ- لَمَّا رَفَعَ الصَّحَابَةُ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ: (أَيُّهَا النَّاسُ! أرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا. إِنَّ الَّذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nقَوْلُهُ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن لاَّ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا؛ فَافْعَلُوا) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nإِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رِسُولُ اللهِ -ﷺ- عَن رَّبِهِ بِمَا","vol":"1","page":105},{"text":"يُخْبِرُ بِهِ؛ فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ كَمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ؛ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ؛ بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الأُمَّةِ؛ كَمَا أَنَّ الأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الأُمَمِ؛ فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللهِ ﷾ بَيْنَ أهْلِ التَّعْطِيلِ الْجَهْمِيَّةِ، وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ الْمُشَبِّهَة؛ ِ وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ اللهِ بَيْنَ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ. وَفِي بَابِ وَعِيدِ اللهِ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ والْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغِيْرِهِمْ. وَفِي بَابِ أَسْمَاءِ الإِيمَانِ والدِّينِ بَيْنَ الْحَرُورِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ. وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بَيْنَ الرَّافِضَةِ والْخَوَارِجِ.\nقال في \"فتح الباري\" في أول كتاب التوحيد: قال ابن حزم في كتاب \"الملل والنحل\"\n..........................................................................\nفِرَق المقرّين بملة الإسلام خمس \"، أهل السنة، ثم المعتزلة، ومنهم القدرية، ثم المرجئة ومنهم الجهمية والكرَّامية، ثم الرافضة ومنهم الشيعة، ثم الخوارج ومنهم الأزارقة والإباضية، ثم افترقوا فرقًا كثيرة، فأكثر افتراق أهل السنة في الفروع، وأما في الاعتقاد ففي نُبَذٍ يسيرة، وأما الباقون ففي مقالاتهم ما يخالف أهل السنة الخلاف البعيد والقريب.\nفأقرب فرق المرجئة من قال: الإيمان التصديق بالقلب واللسان فقط، وليست العبادة من الإيمان، وأبعدهم الجهميَّة القائلون بأن الإيمان عقدٌ بالقلب فقط وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه وعبد الوثن من غير تقية، والكُرَّامية القائلون بأن الإيمان قولٌ باللسان فقط وإن اعتقد الكفر بقلبه ... -وساق الكلام على بقية الفرق، ثم قال -: ... فأمَّا المرجئة فعمدتهم","vol":"1","page":106},{"text":"الكلام في الإيمان والكفر فمن قال: إن العبادة من الإيمان، وأنه يزيد وينقص ولا يكفِّر مؤمنًا بذنب، ولا يقول أنه يخلد في النار فليس مرجئًا، ولو وافقهم في بقية مقالاتهم.\nوأما المعتزلة فعمدتهم الكلام في الوعد والوعيد والقدر، فمن قال: القرآن ليس بمخلوق، وأثبت القدر ورؤية الله تعالى في القيامة، وأثبت صفاته الواردة في الكتاب والسنة، وأن صاحب الكبائر لا يخرج بذلك عن الإيمان فليس بمعتزلي، ولو وافقهم في سائر مقالاتهم.. -وساق بقية ذلك إلى أن قال - ... وأما الكلام فيما يوصف الله به فمشترك بين الفرق الخمس من مثبتٍ لها ونافٍ، فرأس النفاة المعتزلة والجهمية فقد بالغوا في ذلك حتى كادوا يعطِّلون، ورأس المثبتة مقاتل بن سليمان ومن تبعه من الرافضة والكُرَّامية فإنهم بالغوا في ذلك حتى شبهوا الله تعالى بخلقه تعالى الله سبحانه عن أقوالهم علوًّا كبيرًا، ونظير هذا التباين قول الجهمية أن العبد لا قدرة له أصلًا، وقول القدرية أنه يخلق فعل نفسه. انتهى.\nوقال القرطبي في شرح حديث \"أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصِم \": هذا الشخص\n..........................................................................\nالذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، وردِّه بالأوجه الفاسدة، والشُّبه الموهمة، وأشدُّ ذلك الخصومة في أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلِّمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وسلف أُمّته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة،","vol":"1","page":107},{"text":"وقوانين جدليّة، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء سُوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ بسببها على الآخذ فيها شُبَه ربما يعجز عنها، وشكوكٌ يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالمٍ بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصلٍ عنها لا يدرك حقيقة علمها، ثمَّ إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها البُله ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيُّز الجواهر والألوان والأحوال، فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفة الله تعالى ... -إلى أن قال -: ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات، ومن توقف في هذا فليعلم أنه إذا كان عجز عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدركُ به، فهو عن إدراك غيره أعجز، وغاية علم العالم أن يقطع بوجود فاعل لهذه المصنوعات منزَّهٌ عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال، متى ثبت النقل عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وسكتنا عما عداه، كما هو طريق السلف، وما عداه لا يأمن صاحبه من الزلل، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والشافعي، وقد قطع بعض الأئمة بأن الصحابة لم يخوضوا في الجوهر والعَرَض وما يتعلق بذلك من مباحث المتكلمين، فمن رغب عن طريقهم فكفاه ضلالًا -قال-: وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وبعضهم إلى الإلحاد، وبعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبُّهم حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما","vol":"1","page":108},{"text":"يدرك ما في نصوص الشارع من الحِكم التي استأثر بها، وقد رجع كثيرٌ من أئمتهم عن طريقهم، حتى جاء عن إمام الحرمين أنه قال: ركبتُ البحر الأعظم، وغصتُ في كلِّ شيءٍ نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارًا من التقليد، والآن فقد رجعتُ واعتقدتُ مذهب السلف. انتهى.","vol":"1","page":109},{"text":"فَصْلٌ: وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الإِيمَانُ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَتَوَاتَرَ عَن رَّسُولِهِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ؛ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، عَلَى عَرْشِهِ، عَلِيٌّ عَلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا، يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ؛ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] .\nوَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] . أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ؛ فَإِنَّ هَذَا لاَ تُوجِبُهُ، اللُّغَةُ، بَلِ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرُ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ، مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْهِم إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَّعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ. وَكُلُّ هَذَا الْكَلامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ - مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ مَعَنَا - حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، لاَ يَحْتَاجُ إَلَى تَحْرِيفٍ، وَلَكِنْ يُصَانُ عَنِ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ؛ مِثْلِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿فِي السَّمَاء﴾ . أَنَّ السَّمَاءَ تُظِلُّهُ أَوْ تُقِلُّهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالإِيمَانِ؛ فَإنَّ اللهَ قَدْ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُوَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ؛ إلاَّ بِإِذْنِهِ، وَمَنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ.\nفَصْلٌ: وَقَد دَّخَلَ فِي ذَلِكَ الإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ؛ كَمَا جَمَعَ بينَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. . .﴾ [البقرة: ١٨٦] . الآيَة، وَقَوْلِهِ - ﷺ:","vol":"1","page":110},{"text":"(إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى\nأَحَدِكُم مِّن عُنقِ رَاحِلَتِهِ) . وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتِابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لاَ يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّه، قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ.\nوَمِنَ الإِيمَانِ باللهِ وَكُتُبِهِ الإيمانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللهِ، مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - هُوَ كَلامُ اللهِ حَقِيقَةً، لاَ كَلامَ غَيْرِهِ. وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللهِ، أَوْ عِبَارَةٌ؛ بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْكَلاَمَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لاَ إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا. وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُرُوفُهُ، ومَعَانِيهِ؛ لَيْسَ كَلامُ اللهِ الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي، وَلاَ الْمَعَانِيَ دُونَ الْحُرُوفِ.\nوَقَد دَّخَلَ أيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الإِيمَانِ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَبِمَلاَئِكَتَهِ وَبِرُسُلِهِ: الإيمَانُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ بِهَا سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لاَ يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ. يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهَ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ؛ كَمَا يَشَاءُ اللهُ تَعَالَى.\nفَصْلٌ: وَمِنَ الإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الآخِرِ الإيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ... -ﷺ- مِمَّا يَكُونُ","vol":"1","page":111},{"text":"بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ. فَأَمَّا الْفِتْنَةُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يُمْتَحَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَيُقَالُ للرِّجُلِ: مَن رَّبُكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَن نَّبِيُّك؟\nفيُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ،\nفَيَقُولُ الْمؤْمِنُ: رَبِّيَ اللهُ، وَالإِسْلاَمُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - نَبِيِّي. وَأَمَّا الْمُرْتَابُ؛ فَيَقُولُ: هَاه هَاه؛ لاَ أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ؛ إلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ؛ لَصُعِقَ. ثُمَّ بَعْدَ هّذِهِ الْفِتْنَةِ إمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ، إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرى، فَتُعَادُ الأَرْوَاحُ إِلَى الأجْسَادِ.\nوَتَقُومُ الْقِيَامَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهُ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ. فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، وَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ. فَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَاد، ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢: ١٠٣] . وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَّراءِ ظَهْرِهِ؛ كَمَا قَالَ ﷾: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣: ١٤] .\nوَيُحَاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.","vol":"1","page":112},{"text":"وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لاَ حَسَنَاتَ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا.\nوَفِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ الْحَوضُ الْمَوْرُودُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- ماؤُه أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، طُولُهُ\nشَهْرٌ، وَعَرْضُهُ شَهْرٌ، مَن يَّشْرَبُ مِنْهُ شَرْبَةً؛ لاَ يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.\nوَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالرِّيحِ، ومِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْفَرَسِ الْجَوَادِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَرِكَابِ الإِبِلِ، ومِنْهُم مَن يَعْدُو عَدْوًا، وَمِنْهُم مَن يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُم مَن يَزْحَفُ زَحْفًا، وَمَنْهُم مَن يُخْطَفُ خَطْفًا وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ؛ فَإِنَّ الْجِسرَ عَلَيْهِ كَلاَلِيبُ تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِم، فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ. فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصَّ لِبَعْضِهِم مِن بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ.\nوَأَوَّلُ مَن يَسْتَفْتِحُ بَابَ الْجَنَّةِ النبي مُحَمَّدٌ -ﷺ - وَأَوَّلُ مَن يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ الأُمَمِ أُمَّتُهُ.\nوَلَه -ﷺ- فِي الْقِيَامَةِ ثَلاثُ شَفَاعَاتٍ: أَمَّا الشَّفَاعَةُ الأُوْلَى؛ فَيَشفَعُ فَي أَهْلِ الْمَوْقِفِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ","vol":"1","page":113},{"text":"يَتَرَاجَعَ الأَنْبِيَاءُ؛ آدَمُ، وَنُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَنِ الشَّفَاعَةِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ. وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ أَن يَدْخُلُوا الْجَنَّة. وَهَاتَانَ الشَّفَاعَتَانِ خَاصَّتَانِ لَهُ. وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ؛ فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ لَهُ وَلِسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ أَن لاَّ يَدْخُلَهَا، وَيَشْفَعُ فِيمَنْ دَخَلَهَا أَن يَخْرُجَ مِنْهَا. وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ أَقْوَامًا بِغِيرِ شَفَاعَةٍ؛ بَلْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَيَبْقَى فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ عَمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، فَيُنْشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ.\nوَأَصْنَافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّارُ الآخِرَةُ مِنَ الْحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَتَفَاصِيلُ ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالآثَارِ مِنَ الْعِلْمِ الْمَأْثُورِ عَنِ الأَنْبِيَاءِ، وَفِي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْفِي وَيَكْفِي، فَمَنِ ابْتَغَاهُ وَجَدَهُ.\nوَتُؤْمِنُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. وَالإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَينِ؛ كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ. فَالدَّرَجَةُ الأُولَى: الإيمَانُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِيمٌ بِالْخَلْق، ِ وَهُمْ عَامِلُونَ بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَعَلِمَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِم مِّنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالأَرْزَاقِ وَالآجَالِ، ثُمَّ كَتَبَ اللهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ. فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ","vol":"1","page":114},{"text":"الْقِيَامَةِ. فَمَا أَصَابَ الإِنْسَانَ لَمْ يَكُن لِّيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُن لِّيُصِيبَهُ، جَفَّتِ الأَقْلاَمُ، وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَم تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وَقَال: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] . وَهَذَا التَّقْدِيرُ التَّابِعُ لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا: فَقَدْ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا شَاءَ. وَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الْجَنِينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأْرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ. . وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَهَذَا التَّقْدِيرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلاةُ الْقَدَرِيَّةِ قَدِيمًا، وَمُنْكِرُهُ الْيَوْمَ قَلِيلٌ.\nوَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَهِيَ مَشِيئَةُ اللهِ النَّافِذَةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وَهُوَ:\nالإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ حَرَكَةٍ وَلاَ سُكُونٍ؛ إلاَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، لاَ يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لاَ يُرِيدُ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، مَا مِنْ مَخْلُوقٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ إلاَّ اللهُ خَالِقُهُ سُبْحَانَهُ، لا خَالِقَ غَيْرُهُ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ. وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ، وَيَرْضَى عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَلا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، وَلاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ","vol":"1","page":115},{"text":"الْفَاسِقِينَ، وَلاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهُ الْكُفْرَ، وَلاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ.\nوَالْعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً، وَاللَّهُ خَلَقَ أفْعَالَهُم. وَالْعَبْدُ هُوَ: الْمُؤْمِنُ، وَالْكَافِرُ، وَالْبَرُّ، وَالْفَاجِرُ، وَالْمُصَلِّي، وَالصَّائِمُ. وِلِلْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَهُمْ إِرَادَةٌ، وَاللهُ خَالِقُهُمْ وَقُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] . ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٢] . وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الْقَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ: (مَجُوسَِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَيَغْلُو فِيهَا قَومٌ مِنْ أَهْلِ الإثْبَاتِ، حَتَّى سَلَبُوا الْعَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ، وَيُخرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ حُكْمَهَا وَمَصَالِحَهَا.","vol":"1","page":116},{"text":"فَصْلٌ: وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الدِّينَ وَالإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، قَوْلٌ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ. وَأَنَّ الإيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ.\nوَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ؛ كَمَا\nيَفْعَلُهُ الْخَوَارَجُ؛ بَلِ الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَقَالَ: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] . ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] .\nوَلاَ يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ اسْمِ الإيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلاَ يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّار؛ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ. بَلِ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإيمَان؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وَقَدْ لاَ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ الْمُطْلَقِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، وَقَوْلُهُ: - ﷺ: (لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نَهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) . وَيَقُولُونَ: هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الإِيمَانِ، أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ،","vol":"1","page":117},{"text":"فَلاَ يُعْطَى الاسْمَ الْمُطْلَقَ، وَلاَ يُسْلَبُ مُطْلَقَ الاسْمِ.\nفَصْلٌ: وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ سَلاَمَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ\nلأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ\nرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وَطَاعَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ: (لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهُ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ) . وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسَّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ.\nوَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ - وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ - وَقَاتَلَ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلَ. وَيُقَدِّمُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الأَنْصَارِ. وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ قَالَ لأَهْلِ بَدْرٍ - وَكَانُوا ثَلاثَ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَر ـ: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُم. فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) . وَبِأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ؛ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - بَلْ لَقَدْ رَضَيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِ ماِئَة. وَيَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- كَالْعَشَرَةِ، وَثَابِتِ بْنِ قِيْسِ بنِ شَمَّاسٍ، وَغَيْرِهِم مِّنَ الصَّحَابَةِ.\nوَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-","vol":"1","page":118},{"text":"وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ. وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ، وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃؛ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثَارُ، وَكَمَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانُ فِي الْبَيْعَةِ. مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - ﵄ - بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ: وَسَكَتُوا، أَوْ رَبَّعُوا بِعَلِيٍّ، وَقَدَّم قَوْمٌ عَلِيًّا، وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا. لَكِنِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ، ثُمَّ عَلِيٍّ. وَإِنْ كَانَتْ هَذِه الْمَسْأَلَةُ - مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - لَيْسَتْ مِنَ الأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ\nأَهْلِ السُّنَّةِ. لَكِنِ الَّتِي يُضَلَّلُ فِيهَا: مَسْأَلَةُ الْخِلاَفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ. وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلاَفَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلاءِ؛ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ.\nوَيُحِبُّونَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ، وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) . وَقَالَ أَيْضًا لِلْعَبَّاسِ عَمِّه - وَقَدِ اشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ - فَقَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ؛ للهِ وَلِقَرَابَتِي) . وَقَالَ: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ","vol":"1","page":119},{"text":"كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) .\nوَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُؤْمِنُونَ بَأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الآخِرَةِ: خُصُوصًا خَدِيجَةَ ﵂ أُمَّ أَكْثَرِ أَوْلاَدِهِ، وَأَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَاَضَدَهُ عَلَى أَمْرِه، وَكَانَ لَهَا مِنْهُ الْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ. وَالصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ ﵂، الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: (فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) .\nوَيَتَبَرَّؤُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ. وَطَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ. وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمَنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ\nفِيهِ مَعْذُورُونَ: إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ. وَهُم مَّعَ ذَلِكَ لاَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ؛ بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَةِ. وَلَهُم مِّنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ - إِنْ صَدَرَ - حَتَّى إنَّهُمْ يُغْفَرُ لَهُم مِّنَ السَّيِّئَاتِ مَا لاَ يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لأَنَّ لَهُم مِّنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَأَنَّ الْمُدَّ","vol":"1","page":120},{"text":"مِنْ أَحَدِهِمْ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّن بَعْدَهُمْ. ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ، أَوْ أَتَى بَحَسَنَاتٍ تَمْحُوهُ، أَو غُفِرَ لَهُ؛ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّذِي هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ، أَوْ ابْتُلِيَ بِبَلاَءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ؛ فَكَيْفَ الأُمُورُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ: إنْ أَصَابُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَالْخَطَأُ مغْفُورٌ. ثُمَّ إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْرٌ مَغْفُورٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ الْقَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ؛ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَرَسُولِهِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَمَن نَّظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ؛ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خِيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ؛ لاَ كَانَ وَلا يَكُونُ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُمُ الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ.\nوَمِنْ أُصًولِ أَهْلِ السُّنَّةِ: التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتَ الأَوْلِيَاءِ\nوَمَا يُجْرِي اللهُ عَلَى أَيْدِيهِم مِّنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ فِي أَنْوَاعِ الْعُلُومِ\nوَالْمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ، كالْمَأْثُورِ عَنْ سَالِفِ الأُمَمِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرُونِ الأُمَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.","vol":"1","page":121},{"text":"فَصْلٌ: ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللهِ\n- ﷺ - بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَيثُ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيْينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) . وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الْكَلامِ كَلامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَيُؤْثِرُونَ كَلاَمَ اللهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كَلامِ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ. وَلِهَذَا سُمُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَسُمُّوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ؛ لأَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ الاِجْتِمَاعُ، وَضِدُّهَا الْفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ قَدْ صَارَ اسْمًا لِنَفْسِ الْقَوْمِ الْمُجْتَمِعِينَ. وَالإِجِمَاعُ هُوَ الأَصْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدينِ. وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِه الأُصُولِ الثَّلاثَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ. وَالإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ إِذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الاخْتِلاَفُ، وَانْتَشَرَ فِي الأُمَّةِ.\nفَصْلٌ: ثُمَّ هُم مَّعَ هّذِهِ الأُصُولِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ\nعَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ:","vol":"1","page":122},{"text":"وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالْجُمَعِ\nوَالأَعْيَادِ مَعَ الأُمَرَاءِ أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا، وَيُحَافِظُونَ عَلَى الْجَمَاعَاتِ. وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ للأُمَّةِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ - ﷺ -: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ؛ يَشُدُّ بَعْضَهُ بَعْضًا)، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوْلِهِ - ﷺ -: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بُالْحُمَّى وَالسَّهَرِ) . وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلاءِ، وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَالرِّضَا بِمُرِّ الْقَضَاءِ. وَيَدْعُونَ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ - ﷺ -: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) . وَيَنْدُبُونَ إِلَى أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ. وَيَأْمُرُونَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالإِحْسِانِ إلَى الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ. وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْفَخْرِ، وَالْخُيَلاءِ، وَالْبَغْيِ، وَالاسْتِطَالَةِ عَلَى الْخَلْقِ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَيَأْمُرُونَ بِمَعَالِي الأَخْلاَقِ، َوَيَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسَاِفِهَا. وَكُلُّ مَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّمَا هُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَطَرِيقَتُهُمْ هِيَ دِينُ الإسْلاَمِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ.","vol":"1","page":123},{"text":"لَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّ أُمَّتُهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ كُلُّهَا فِي النَّار؛ إلاَّ وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ. وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَومَ وَأَصْحَابِي)، صَارَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِالإسْلامِ الْمَحْضِ الْخَالِصِ عَنِ الشَّوْبِ هُمُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\nوَفِيهِمُ الصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحُونَ، وَمِنْهُمُ أَعْلامُ الْهُدَى،\nوَمَصَابِيحُ الدُّجَى، أُولو الْمَنَاقِبِ الْمَأْثُورَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِيهِمُ الأَبْدَالُ، وَفِيهِمُ أَئِمَّةُ الدِّينِ، الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ، وَهُمُ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورَةً، لاَ يَضُرُّهُم مَّنْ خَالَفَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَذَلَهُمْ؛ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ وَأَنْ لاَ يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِن لَّدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الوَهَّابُ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\nوَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.\nقوله: \"وفيهم الأبدال \" أي: العلماء الزهَّاد. قال في \" النهاية \": في حديث علي - ﵁ -: \" الأبدال بالشام \" هم الأولياء والعُبَّاد، والواحد: بدْل وبَدَل، سُمُّوا بذلك لأنهم كلما مات واحدٌ منهم أُبدِل بآخر.","vol":"1","page":124},{"text":"وقال في \" القاموس \": والأبدالُ: قومٌ بهم يُقيمُ اللهُ ﷿ الأرض، وهم سبعون، أربعون بالشام، وثلاثون بغيرها، لا يموت أحدهم إلا قام مكانه آخر من سائر الناس.\nوقال شيخ الإسلام ﵀: أمَّا الأبدال فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب - ﵁ - مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - أنه قال: \" إن فيهم - يعني أهل الشام - الأبدال الأربعين، كلَّما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلًا \" وهذا الجنس ونحوه من علم الدين قد التبس عند أكثر المتأخرين حقه بباطله - ولا بد أن يقيم الله فيهم من تقوم به الحجة خلفًا عن الرسل ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فيحقُّ الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون-، وليس من شرط أولياء الله أهل الإيمان والتقوى ومن يدخل فيهم من السابقين المقرَّبين لزوم مكان واحد في جميع الأزمنة، ولا تعيين العدد -\n..........................................................................\nإلى أن قال - فأما الحديث المرفوع فالأشبه أنه ليس من كلام النبي - ﷺ -، فإنَّ الإيمان كان بالحجاز واليمن قبل فتوح الشام، وكانت الشام والعراق دار كفر، ثم لما كان في خلافة علي - ﵁ - قد ثبت عنه","vol":"1","page":125},{"text":"﵇ أنه قال: \" تمرق مارقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق \" فكان عليٌّ وأصحابه أولى بالحق ممن قاتلهم من أهل الشام، فكيف يعتقد مع هذا أن الأبدال الذين هم أفضل الخلق كانوا في أهل الشام؟ هذا باطل قطعًا، وإن كان قد ورد في الشام وأهله فضائل معروفة، فقد جعل الله لكل شيء قدرًا.\nوالكلام يجب أن يكون بالعلم والقسط فمن تكلم بغير علم دخل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ومن يتكلم بقِسطٍ وعدلٍ دخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ .\nوالذين تكلموا باسم البدل فسَّروه بمعانٍ منها: أنهم أبدال الأنبياء، ومنها أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلًا، ومنها أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بحسنات، وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر ولا بأهل بقعة من الأرض.\nفالغرض أن هذه الأسماء تارة تفسر بمعانٍ باطلة مثل قولهم: إن الأبدال الأربعين رجال الغيب بجبل لبنان. انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":126},{"text":"والمقصود أن لفظة الأبدال يراد بها حق وباطل: فمراد شيخ الإسلام وغيره من العلماء: أنهم العلماء العاملون الداعون إلى دين الله المتبعون لسنة رسول الله - ﷺ -، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .\nوأما الجهال وأهل الغلو فمرادهم أن أهل الأرض يطلبون منهم أن يقضوا حوائجهم، ويكشفوا ضُرَّهم، ويشفعوا لهم عند ربهم وهذا هو دين المشركين الذي أُنزِلت الكتب وأُرسلت الرسلُ للنهي عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾\nوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قل إنِّي نُهيتُ أن أعبدَ الذين تدعون من دون الله لمَّا جاءني اليبينات من ربي وأُمٍرْتُ أن أسلِمَ لربِّ العالمين﴾\nوقال تعالى ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ .","vol":"1","page":127}]}