{"ً":{"ٌ":21526,"ٍ":"أصلح الأديان للإنسانية عقيدة وشريعة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الدعوة وأحوال المسلمين/أصلح الأديان للإنسانية عقيدة وشريعة - عطار","files":["112404.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أصلح الأديان للإنسانية عقيدة وشريعة\nالمؤلف: أحمد بن عبد الغفور عطار (ت ١٤١١هـ)\nالناشر: غير معروف\nسنة النشر: ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م\nمكة المكرَّمة (حرسها الله تعالى)\nعدد الصفحات: ١٢٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1314,"ٕ":39,"ٖ":1770155574,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"أي الأديان أصلح للإنسانية عقيدة وشريعة","level":1,"page":2},{"title":"الشيوعية","level":1,"page":4},{"title":"البراهيمية","level":1,"page":7},{"title":"الجينية","level":1,"page":13},{"title":"البوذية","level":1,"page":17},{"title":"الهندوكية","level":1,"page":27},{"title":"ديانات الصين","level":1,"page":30},{"title":"الكنفوشية","level":1,"page":31},{"title":"الطاوية","level":1,"page":35},{"title":"الشنتو","level":1,"page":38},{"title":"بوذية الصين","level":1,"page":39},{"title":"ديانات فارس والعراق وسوريا","level":1,"page":40},{"title":"ديانة موسى","level":1,"page":42},{"title":"الديانة المسيحية","level":1,"page":57},{"title":"توحيد الإسلام وتوحيد اليهودية","level":1,"page":65},{"title":"الثالوث في المسيحية والديانات الوثنية","level":1,"page":66},{"title":"الإسلام","level":1,"page":73}],"ٛ":{"1,19":1,"1,20":2,"1,21":3,"1,22":4,"1,23":5,"1,24":6,"1,25":7,"1,26":8,"1,27":9,"1,28":10,"1,29":11,"1,30":12,"1,31":13,"1,32":14,"1,33":15,"1,34":16,"1,35":17,"1,36":18,"1,37":19,"1,38":20,"1,39":21,"1,40":22,"1,41":23,"1,42":24,"1,43":25,"1,44":26,"1,45":27,"1,46":28,"1,47":29,"1,48":30,"1,49":31,"1,50":32,"1,51":33,"1,52":34,"1,53":35,"1,54":36,"1,55":37,"1,56":38,"1,57":39,"1,58":40,"1,59":41,"1,60":42,"1,61":43,"1,62":44,"1,63":45,"1,64":46,"1,65":47,"1,66":48,"1,67":49,"1,68":50,"1,69":51,"1,70":52,"1,71":53,"1,72":54,"1,73":55,"1,74":56,"1,75":57,"1,76":58,"1,77":59,"1,78":60,"1,79":61,"1,80":62,"1,81":63,"1,82":64,"1,83":65,"1,84":66,"1,85":67,"1,86":68,"1,87":69,"1,88":70,"1,89":71,"1,90":72,"1,91":73,"1,92":74,"1,93":75,"1,94":76,"1,95":77,"1,96":78,"1,97":79,"1,98":80,"1,99":81,"1,100":82,"1,101":83,"1,102":84,"1,103":85,"1,104":86,"1,105":87,"1,106":88,"1,107":89,"1,108":90,"1,109":91,"1,110":92,"1,111":93,"1,112":94,"1,113":95,"1,114":96,"1,115":97,"1,116":98,"1,117":99,"1,118":100,"1,119":101,"1,120":102,"1,121":103,"1,122":104},"ٜ":{"1":[19,122]},"ٝ":["1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"7":[3],"13":[4],"17":[5],"27":[6],"30":[7],"31":[8],"35":[9],"38":[10],"39":[11],"40":[12],"42":[13],"57":[14],"65":[15],"66":[16],"73":[17]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالكتاب: أصلح الأديان للإنسانية عقيدة وشريعة\nالمؤلف: أحمد عبد الغفور عَطار\nالناشر: غير معروف\nسنة النشر: ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م\nمكة المكرَّمة (حرسها الله تعالى)\nعدد الأجزاء ١\nتنبيه:\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nمصدر الكتاب نسخة مصورة قام الشيخ الجليل نافع - جزاه الله خيرا - بتحويلها\nوقام الفقير إلى عفو ربه الكريم القدير بتصويبه\nوالحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>أيُّ الأديان أصلح للإنسانية عقيدة وشريعة</span>\nواقع الوجود الإنساني يثبت أن الإسلام دين الإنسانية\nعقيدة وشريعة، فمنذ ظهوره حتى اليوم وإلى قيام الساعة\nوهو خير دين وأكمله، ولهذا جعله الله خاتم الأديان كما\nجعل الرسول الذي بعثه به خير الرسل وأفضلهم وخاتمهم،\nفلا دين غير الإسلام، ولا نبي بعد محمدٍ عليه الصلاة\nوالسلام.\nوبراهين ذلك واضحة بشرط أن يكون العقل الذي\nيتلمسها عقلًا مجردًا عن الهوى، منزهًا عن المواريث التي\nتؤثر فيه.\nوأكتب هذا وأنا مجرد عن الهوى، ومنزّه عن المواريث\nالتي تؤثر في عقلي، وأحب أن يكون لي دين من هذه\nالأديان التي بين أيدينا، على أن يكون دينًا صحيحًا يحوي\nالعقيدة والسلوك والعاملة، يحوي المسجد والسوق والآداب","vol":"1","page":20},{"text":"والأخلاق الفاضلة، ويستقبل الحياة بالتفاؤل والابتسام،\nولا يتجهم لها ولا يتشاءم، ويسيطر على الحياة والوجود\nكليهما.\nوبين يديّ حشدٌ من الديانات والمذاهب الاجتماعية، فما\nالدين أو المذهب الذي يختاره العقل السليم والضمير\nالصالح؟.\nوطبيعي أن يبهون الدين المختار حاويًا العقيدة\nوالشريعة، لأن دين الإنسانية يجب أن يجتمع له ما يحتاج\nإليه الإنسان في داخل نفسه وخارجها، حتى يكون صالحًا\nللإنسانية كلها، لأنه لا يصلح لها دين يغفل أحدهما،\nبل لا بد أن يجتمع له الدين والدنيا.\nوعلى هذا نعرض للمذاهب والأديان المعروفة قديمًا\nوالقائمة في العالم اليوم لنختار منها الدين الصالح للإنسانية\nفي كل العصور القادمة.\nوطبيعي ألا نعرض من المذاهب والأديان إلا ما كان\nمتبوعًا من فريق كبير من بني الإنسان أو كان متبوعًا في\nعصر من العصور السالفة، إذ من الجائز أن يكون في ديانة\nمندثرة أو مذهب اجتماعي مبتغانا.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الشيوعية</span>\nوبين أيدينا وفي عصرنا الذي نعيش فيه مذهب\nاجتماعي هو المذهب الماركسي أو الشيوعي الذي سيطر على\nشعوب كثيرة يبعد مجموع أفرادها أكثر من بليون.\nفهل تصلح الشيوعية أن تكون دين الإنسانية عقيدة\nوشريعة؟.\nالشيوعية، آخر مذهب اجتماعي، له حكم وسلطان ودولة\nعظمى، ويدين به مئات الملايين من البشر، وتعترف بأن\nمذهبها مبني على الإلحاد والكفر وإنكار وجود الله.\nوعندما تنكر الشيوعية وجود الله تعلن هذا الجحود\nوتفاخر به، وتحارب كل دين ومعتقد، وتبذل النكيثة في\nسبيل إحلال الإلحاد محل الاعتقاد الديني، وتنشر الكفر\nوالإلحاد، وتعاقب على التدين، وتحْرم المتدينين من\nحقوقهم المدنية، بل تحرمهم من الحقوق الطبيعية.\nفهل يصلح مذهب ينكر وجود الخالق لأن يكون\nمذهب الإنسانية وهو خِلْو من العقيدة الدينية؟ طبيعبى\nأن يكون الجواب: لا يصلح، لأنه خلو من الروح كله.\nإن الدين أو المذهب الذي يصلح للإنسانية كلها يجب","vol":"1","page":22},{"text":"أن يحوي الشريعة والعقيدة معًا، ويجب أن تكون العقيدة\nصحيحة وسليمة، والشريعة خيِّرة وصالحة، وقد جاهرت\nالشيوعية بالكفر والإلحاد والدعوة إليهما ونشرهما، ومحاربة\nكل الأديان والمتدينين.\nوأي دين أو مذهب يخلو من المعتقد الديني لا يصلح\nلأن يكون للإنسانية، بل لا يصلح للحكم والسيادة، لأن\nالشيوعية فرضت نفسها بالقوة والإرهاب والحديد والنار،\nوإذا انحسرت عن بلد فإنه يعود إلى طبيعته متدينًا.\nوإذا تركنا العقيدة ورضينا بالشريعة من الشيوعية\nفهل تصلح لأن تكون شريعة متبعة للإنسانية أو لأمة أو\nمجتمع؟.\nإن أعظم مزية للإنسان الحرية: حرية المعتقد، وحرية\nالفكر والرأي والقول والحركة، فهل نجد هذه الحريات في\nكنف الشيوعية؟.\nيجيب الواقع وهو نفسه البرهان القاطع، وجوابه:\nلا وجود لأي ضرب من هذه الحريات، وأقرب مثال:\nالسياحة، فنحن نجد كل أبناء البلدان الحرة لا ينقطعون\nْعن السفر بالملايين، ولا نجد بينهم من الكتلة الشيوعية\nغير الجواسيس والموظفين.","vol":"1","page":23},{"text":"والبلدان المقدسة كالقدس ومكة والمدينة تزدحم\nبقاصديهن على مدار أيام السنة من جميع أقطار العالم،\nفأبناء الديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام لا\nتنقطع سيولهم الغزيرة المتدفقة عن المقدس الشريف،\nوأبناء الإسلام من كل بلدان الأرض يهرعون بمئات\nالألوف إلى مكة المكرمة - حرسها الله - للحج والعمرة،\nوإلى المدينة المنورة زادها الله شرفًا وتعظيمًا للزيارة.\nوليس بين الملايين من الحجاج والعُمّار والزوار من\nدول الكتلة الشيوعية أحد، مع أن القاصدين منها قبل\nالشيوعية كانوا بعشرات الألوف.\nولا وجود للفرد في الشيوعية، فهي تحتم ذوبانه في\nالمجموع، ولهذا لا نجد فيها فردًا مستقلًا ولا حرًا، فقد\nذوَّبته تذويبًا.\nوالمذهب الذي يخلو من الروح خلوًا تامًا، ولا إله لديه\nغير المادة، وبناؤه كله قائم على أساس العنف العنيف لا\nيمكن أن يكون مذهبًا موصوفًا بالصحة والسلامة، بل هو\nمذهب العاهات والآثام، ومذهب كهذا لا يصلح لأن\nيكون مذهب الإنسانية، لأنه خال منها، ولأنه لا وجود\nلصفة إنسانية فيه.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>البراهيمية</span>\nوإذا عدنا إلى الوراء لنختار من الأديان دينًا وجدنا\nفي الهند (البراهمية\". وغيرها من مئات الديانات، وقد\nسبقت دياناتٌ الديانةَ البراهمية، مثل الفيدية التي سبقتها\nديانات، وكانت الديانات في الهند تتعايش فيما يشبه\nالسلام، ومن الديانات الكبيرة في القارة الهندية: البراهمية\nالتي ما تزال حتى اليوم، ولعل أتباعها يزيدون على ثلاثمائة\nمليون.\nوالبراهمية منسوبة إلى براهما، وقد كان - كما تذكر\nالبراهمية - عدمٌ ولا وجود، ثم كان البدء بوجود ماء\nوعماء، ثم طفت على سطح الماء بيضة ذهبية احتوت سر\nالوجود، فخرج براهما من هذه البيضة، براهما الإله\nالأعظم الذي خلق الكون، وعُمْر براهما\n١٥٥.٥٢٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ سنة.\nومن معاني البراهما: الانقطاع عن الدنيا إلى العبادة\nوالفناء فيها، والصلاة، وهو أحد الثالوث المقدس المكون\nمن براهما نفسه ومن فشنو وسيفا.\nوبراهما روح العالم غير المُحَسُّ به، وخالق الكون\nابتداء، وبدأت منه الآلهة، وإليه تعود، لأنه مُوجدها،","vol":"1","page":25},{"text":"والروح الإنسانية شعلة من نيرانه المقدسة، وهو نفسه بدء\nالخليقة.\nونسي القائلون بذلك أنما الماء سابق في الوجود لبراهما،\nكما أن البيضة الذهبية سابقة على وجوده، أو ظاهرة على\nخروجه منها، وعلى هذا نفَوْا عنه صفة القِدم كما نفَوْا عنه\nصفة، (الأول\" ونفوا عنه أيضًا صفة \" الآخر \" والخلود\nالسرمدي الأبدي الذي لا نهاية له، وزعموا أنه هو\n\" أجنا \" إلهة النار المقدسة، لأنهم رأوه صاحب النيران\nالمقدسة.\nوفشنو ثاني الثالوث الإلهي، وموصوف بأنه الباقي\nوالحافظ، ولئن كان يأتي بعد براهما فإن فشنو قد زاحمه\nوانتزع منه صفة الخالق بعد أن سقطت هيبته التي انتهت\nبانتهاء بدء الخلق الذي تمَّ على يديه، وانتقل منه إلى\nفشنو \"عملية \" الخلق الثاني فالثالث وما بعد، وهو حافظ\nالخلق ورازقه.\nوالإله سيفا ثالث الثالوث، وموصوف بأنه المبيد\nالمفني، وانتهى به الأمر أن صار موصوفًا بالإله العظيم.\nوعندما انتقلت الديانة الهندية من الفيدية ذات\nالثالوث إلى البراهمية ذات الثالوث أيضًا أصبحت قائمة","vol":"1","page":26},{"text":"على المعرفة والفهم والبصيرة والإدراك والنطق، واقتضى\nهذا التطور نشوء طبقة من الفقهاء والكهان تقاسموا\nمعرفة الأسرار وتفسير النصوص ورعاية آداب الديانة،\nوطبيعي أن تكون هي وحدها الطبقة الأولى العليا، وفي\nوقت متأخر عن نشوئها أطلق لفظ البراهما على كل فرد\nفيها.\nويوصف براهما بأنه الإله الواحد، خالق الخلق، ولكن\nهذه الوحدانية لفظ يعطل معناه وجود فشنو وسيفا،\nأحدهما انتزع من براهما القدرة على الخلق الذي أعقب\nبدء الخليقة وهو فشنو، والآخر سيفا موصوف بالخالق\nالأعظم، وبذلك جرّد هذان الإلهان الإله الأول الأكبر من\nأعظم صفاته ومزاياه.\nومن عقائد البراهمية التناسخ ووحدة الوجود، وكانت\nهذه العقائد موجودة فيما سبق من الديانات مثل الفيدية،\nولهذا لا فناء للنفس أو الروح، لأنها عندما تكون مذنبة لا\nتموت بموت صاحبها، بل تنتقل من جسد إلى جسد، وليس\nحتما انتقالها إلى جسد آدمي، بل يجوز انتقالها إلى حيوان\nأو نبات، وهذا هو عقاب الذنب، فإذا صَفَتْ الروح\nسواء من أول مفارقتها صاحبها أو بعد التناسخ المتكرر\nتندمج في الكل الذي لا يفنى، وهذا هو الثواب، وذلك","vol":"1","page":27},{"text":"لاندماجه في \" النرفانا \" حيث تتساوى أرواح البشر\nوأرواح الآلهة لتبقى في حالة الاندماج إلى ما لا نهاية.\nوليس للنرفانا حقيقة ووجود إلا بالإسم، فهي أقرب\nإلى أن تكون \"لا شيء \"\nهذه البراهمية من ناحية العقيدة، ولم نُرد أن ندخل\nبالقارئ في متاهاتها التي تنتهي بالسير إلى عالم الوهم غير\nالمحدود.\nأما الشريعة في البراهمية فتتلخص في كلمات، إنها\nانصراف عن الواقعِ وعزوف عن الدنيا.\nوبدأ ظهور البراهمية في الفترة التي تقع بين القرن\nالثامن والقرن السادس قبل الميلاد، وهناك ديانات\nسبقتها بآلاف السنين، وأخذت الديانات البدائية تتدرج\nحتى انتهت إلى الفيدية فالبراهمية فغيرها، وليس هذا\nبالنسبة لكل الديانات البدائية، بل لما تطور منها، مع\nبقاء كثير منها على ماكان عليه من البدائية.\nومع أن بضع مئات الملايين في القارة الهندية ما تزال\nتدين بالبراهمية فإنها لا تصلح لأن تكون ديانة الإنسانية\nلا من ناحية العقيدة التي تسيطر عليها الأساطير\nوالأوهام، ولا من ناحية الشريعة التى تمحو في النفس","vol":"1","page":28},{"text":"الإنسانية دوافع العمل من أجل تعمير الأرض والتمتع\nبطيبات الحياة، وتدفع بها إلى الإخلاد إلى الجمود\nوالخمول.\nالبراهمية لا تصلح للإنسانية شريعة، لأن أتباعها\nأنفسهم قرّروا فقدان صلاحها قبل غيرهم، فاستبدلوا بها\nقوانين الغرب وما وضع فقهاؤهم من قوانين.\nوالإنسان المتطور المتقدم حضاريًا لا تطيب له ديانة\nتُميت فيه دوافع العمل والكفاح، وتجعل عالم الغيب أو\nالآخرة عالمًا لا وجود له إلا في ضباب الأوهام.\nوإذا كانت البراهمية غير صالحة لأن تكون دين\nالإنسانية شريعة وعقيدة فإن بالقارة الهندية ديانات\nأخرى مثل الجينية والبوذية نكتفي بهما عن سواهما، لأنهما\nأكبر من غيرهما.\nوخرج في الهند نفسها ومن أهلها على الفيدية\nوالبراهمية علماء وفقهاء كفروا بهما أشد الكفر، ونالوهما\nبالنقد والتجريح، بل اتهموا الديانتين الكبيرتين حتى بلغ\nبهم السخرية بالكهنة البراهميين أن شبهوهم بالكلاب،","vol":"1","page":29},{"text":"يأخذ كل كلب بأسنانه ذيل أخيه في خط طويل هاتفًا:\nلنأكل ولنشرب.\nوفي بعض الأسفار إنكار لوجود الإله، وجحود بكل\nما في الديانة البراهمية، وإتهام لمؤلفي اليوبانيشاد بانهم\nمرضى وحمقى ومهووسون.\nوكان هناك فلاسفة ملحدون أعلنوا كفرهم\nبالديانتين، وجاهروا بكفرهم وإلحادهم، وسخروا بهما أشد\nالسخرية، كما كان هناك فلاسفة مشّاءون يتنقلون من غابة\nإلى غابة، ومن بلد إلى بلد وهم يعلنون الحرب على\nالديانتين في عنف وضراوة، ووجدوا معجبين ومريدين\nوتلامذة وأتباعًا وقفوا معهم على نقيض التزهيد\nوالتشاؤم، وأخذوا بالدعوة إلى انتهاب اللذات، وانتهاز\nكل فرصة تتاح فيها المتعة واللذة، فما مضى لن يعود،\nوليس هناك وحدة وجود، بل لا وجود لبراهما نفسه.\nوبلغ الإلحاد والكفر بآلهة الديانتين حدًا قصيًا من\nقبل هؤلاء الكافرين بها حتى قال بعضهم: لا فرق في","vol":"1","page":30},{"text":"الحقيقة بين فشنو وأي كلب من الكلاب.\nوتقوَّضت دولة الإيمان بالديانتين وآلهتهما في نفوس\nملايين من المؤمنين، وكثر عدد من كفروا بهم، وبلغَ الملايين،\nوانتصر الملاحدة انتصارًا مؤزَّرًا في مجال الفكر والمنطق\nوالمادية حتى أن الديانتين اللتين جاءتا بعد الديانتين\nالسابقتين قد خلتا من الإله ومن الطقوس الدينية التي\nابتدعها الكهان.\nوهاتان الديانتان الملحدتان هما<span data-type=\"title\" id=toc-4> الجينية </span>والبوذية\nاللتان كانتا من ثمار الحرب التي شنها الملاحدة على\nالديانتين السابقتين.\n***\nالجينية\nوتنتسب الجينية إلى جينا بمعنى القهار، وسميت\nالديانةُ \" الجينية \" لأن مؤسسها الأول قهر نفسه فأطلق\nعليها ذلك الاسم، واسم المؤسس فارذامانا\n\"المعروف بلقب ماهافيرا \" بمعنى البطل العظيم،\nوهو الاسم الذي خلعه عليه أتباعه المخلصون.\nوعاش ماهافيرا ما بين ٥٩٩ - ٥٢٧ قبل الميلاد،","vol":"1","page":31},{"text":"وقيل: ما بين سنة ٥٤٩ - ٤٧٧ ق. م، وعاش منعمًا مترفًا\nفي ثراء أبيه ومجده حتى فجع في والديه اللذين آثرا\nالانتحار جوعًا، إذ كانا ينتميان إلى عقيدة تحبب\nالانتحار الذي يحسب فيها نعمة لا تعد لها الحياة التي هي\nلعنة في معتقدهم.\nوخرج الابن حاقدا على المجد والثراء والنعيم والمسرة\nإذ رأى غاية والديه الأليمة فتنكر للحياة نفسها، وارتدى\nالقشف والجوع والحرمان، وأخذ يتجول في إقليم البنغال\nينشد تطهير النفس وصفاء الروح ثلاث عشرة سنة حتى\nانتهى إلى قهر نوازع نفسه، وسلطان شهواته وغرائزه.\nوأعجب به الناس، ورأوْا (جينا\" أي القهار بين\nأيديهم يُبعث من جديد لينقذ الهند التي غرقت في أوحال\nاللذات والآثام، واعتقدوا أنه \"الماهافيرا\" المنتظر بُعث\nلينقذ الغرقى ويهدي الضالين، فالتفَّت الجماهير حوله\nواتخذوه زعيمهم ورمزهم، وأطلقوا على مبادئه \" الجينية \"\nنسبة إلى \"جينا\" بمعنى القهار.\nبل ليست \"الجينية \" مبادئ وإنما ديانة، ولهذا رضي\nأتباع ماهافيرا أن يحيَوْا حياة غاية في القَشَف والقسوة\nوالحرمان وتعذيب الجسمم والروح إلى حد لم يعرف في أي\nدين.","vol":"1","page":32},{"text":"فالجينية تحرم كل متعة ولذة وسرور، فأكل اللحم\nحرام، وقتل كل ذي روح حرام، وكما الحرام إيذاء أي\nكائن، سواء أكان إنسانًا أم حيوانًا أم نباتًا أم جمادًا،\nوالزواج حرام، لأنه متعة، والمتعة محرمة، والإعجاب\nبالجمال أو حبه حرام.\nوأسرف أتباع الديانة الجينية في الزهد وحرمان\nالنفس من كل شيء يبعث اللذة أو الراحة النفسية أو\nالبدنية، ويجب على الجيني أن يكون أكبر من الألم\nوالضيق، فلا يتبرَّم بألم الجوع والظمأ والبرد والحر، وألا\nيضيق أو يتضايق بلذع الحشرات، وألا يشعر بالخزي أو\nالعار أو الخجل من العري، ولا يتبرم من النوم على\nالأرض دون فراش، فحرام النوم على فراش.\nومن الفرائض ألا يشعر بالأسى على نعيم فقده، لأنه لا\nأسف ولا حزن على حرام متروك.\nويأخذ الجيني نفسه بالقسوة التي لا قسوة بعدها، فعلى\nالجيني أن يضع على لهب سراجه حاجزًا يمنع اقتحام فراش\nأو حشرة لئلا تحترق، ومن الفرائض ألا تدخل في فمه أو\nأنفه حشرة، فهو - لهذا - يحمل بيده مروحة يذود عنهما\nالحشرات والهوامّ، ومن تلك الفرائض ألا يطأ حشرة عمدًا\nأو غير عمد، بل لا يجوز أن يدعسها وهو لا يعلم، ولهذا","vol":"1","page":33},{"text":"يحمل بيده مكنسة حين يمشي يكنس ما بين يديه حتى لا\nتقع قدمه على حشرة فيقتلها أو يؤذيها.\nوفرض على الجيني ألا يبكي أو يشكو أو يتأوه إذا\nأصيب بما يؤلمه، بل يجب ألا يشعر بضيق من أي أذى أو\nمصاب.\nويجب أن يتخلّق بالأخلاق الحسنة، ويتنزه عن كل\nالآثام صغيرها وكبيرها.\nوعندما يستطيع الجيني أن يخضع لدينه اثني عشر عامًا\nيتبع ما رَسَم فإنه يصل إلى الدرجة العليا التي تمكنه من\nقتل نفسه، فإذا استطاع أن يتنعم بالانتحار جوعًا مثل\nما فعل والدا الماهافيرا فقد أدرك النعيم.\nوقد فارق كثير من زعماء الجينية الحياة على هذا\nالنحو، وما يزالون حتى أيامنا هذه ينعمون بهذا الانتحار،\nويبلغ عدد الجينيين حوالى المليونين في القارة الهندية.\nولا وجود في الديانة الجينية لإله، فعى لاهوت بلا إله\nولعل فيما ذكرناه في الجينية يغني عن المزيد، لأن أي\nإنسان في الوجود كله من غير هؤلاء ذوي الفجائع","vol":"1","page":34},{"text":"والعاهات والمصائب يرضى بأن يدخل في الجينية، ولم يؤثَر\nأن أحدًا من أي بلد في العالم رضي بها دينا غير أناس من\nالهند.\nفالجينية لا تصلح لأن تكون دين الإنسانية عقيدة\nوشريعة، بل لا تصلح لأن تكون دينًا على الإطلاق لغير\nأولئك القوم.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>البوذية</span>\nوالبوذية من أديان الهند، وهي كالجينية ديانة ملحدة،\nلا وجود فيها لإله ولاهوتها بغير إله.\nوالبوذية منسوبة إلى بوذا المولود سنة ٥٦٨ قبل\nالميلاد بشمال الهند من إقليم نيبال من أب حاكم، وذكروا له\nمن الخوارق في حمله ومولده الشيء الكثير، كما ذكروا أن\nوالدته توفيت بعد ولادته بسبعة أيام لئلا تعيش فتحمل\nغيره.\nواسم بوذا هو سدذارتا، ومعناه: الذي حقق أمله،\nوأما بوذا فمعناه: المستنير، وكانت له وهو أميرٌ ابن ملك\nألقاب، وعاش كأمثاله غارقًا في المتع والنعيم والجواهر","vol":"1","page":35},{"text":"والذهب والترف حتى بلغ التاسعة والعشرين حيث تغير\nمجرى حياته، فقد رأى ذات مرة مريضًا وذات مرة ميتا،\nوأخرى شيخًا فانيًا فتأثر بما رأى، وساوره شعور لا يخلو\nمن التجديف.\nوذات ليلة قرر أن يبحث عن الحقيقة فغادر القصر\nمودِّعًا زوجه وولده، وعاش بين النساك حتى صار من\nأئمتهم، ودرس أسفار الفيدا واليوبانيشاد، وغرق في\nالنسك والقشَف والتأمل، وانتهى إلى أعلى المراتب بين\nالنساك حتى صار مرشدهم، ودرس البراهمية وأطلع على\nأسرارها، ولكنه لم يجد بها ما يرجو، ولم تبح له بسرِّ\nالوجود والحياة، فانصرف إلى غارٍ بالبنغال، وقسا على\nنفسه أشد القسوة، وتقلب في أشد ضروب الزهد والحرمان\nوإذلال الجسد وإرهاق النفس، وتبعه خمسة من النساك\nجعلوه إمامهم، وقضوا ست سنوات أشرفوا في نهايتها على\nالتلف وكادوا يهلكون.\nوذاع صيت بوذا في الآفاق وهو على حاله حتى انتهى\nبه تعذيب الجسد وإرهاق النفس إلى حد السكون التام، لا\nيتحرك، فكانت الطيور تقف عليه آمنة وكأنها تقف على\nعود ثابت، بل كانت الوحوش تتحرك خلفه مطمئنة لا\nتقربه بسوء، وعاش على ذلك ست سنوات دراكًا ومعه","vol":"1","page":36},{"text":"خمسة النساك، إلا أنه صحا من سكونه ومن الحياة التي\nحييها على جديد من الأمر، فقد أحس أن التجربة التي\nخاضها لم تحقق مأمله، وصمم على الانتقال إلى حياة غير\nالحياة السابقة، وحدَّث زملاءه الخمسة، فلم يستطيعوا ثَنْيَه\nعن عزيمته فأخفقوا، فاتهموه بالردة والمروق، فاعتزلوه\nوتركوه وغادروا المكان إلى مرج الغزال في مدينة بنارس.\nأما بوذا فكان قد استرد بعض قواه ونشاطه، وانتقل\nإلى شجرة جلس تحتها متربعًا، ضامًّا يديه وفخذيه وساقيه،\nوعزم ألا يبارح مكانه ولا يفك حبوته ولو نخرت عظامه\nوجف جلده أو يتنزل عليه نور الحكمة والمعرفة.\nوما كاد سنا الفجر يشرق حتى أشرق معه نور الحقيقة\nوالمعرفة وأضاء قلبه وأدرك ما كان يرجو، أدرك أن\nالماضي والحاضر والمستقبل كلٌّ لا يتجزأ، ويصف سر\nالحياة والموت، ورحلة الروح في مختلف الأجساد حتى\nتصعد إلى \" النرفانا \" حيث العدم العام وفناء النفس، وهما\nالسكينة والفناء، إنه وجود يفنى في وجود، مثل فناء\nألوان الطيف الشمسي في البياض الناصع الذي لا لون له،\nولا يمكن الوصول إلى النرفانا إلا بعد صفاء النفس\nوالفضاء في عالم الحس، أما تعذيب النفس والجسد\nوالعبادة الظاهرة فليس ذلك بسبيل إلى النرفانا.","vol":"1","page":37},{"text":"لقد هبطت عليه (الاستنارة\" فكان بوذا، وكثر\nأتباعه، ومضى إلى مرج الغزال ببنارس يريد زملاءه\nالخمسة الذين ما كادوا يرونه حتى عزموا فيما بينهم أن\nيقاطعوه، وألا يكلموه، وما كاد يصل إليهم حتى هبوا\nلاستقباله، فقد محت هيبته عزيمتهم المصممة، واحتفَوا\nبه، وأخذوا منه أول درس، فإذا النور يشرق في قلوبهم\nويفيض على وجوههم مسرة.\nوبعد هذا التحول في حياة بوذا، كانت الديانة البوذية\nوقوامها: أن براهما نفسه الإله الأعظم عند البراهمية\nيصيبه التغير والفناء، مثله مثل أي كائن، وجحِدت\nالفكرة القائلة: إن براهما يستمد وجوده من ذاته، كما\nتنفي البوذية عن براهما أنه كائن روحي منزه بن شوائب\nالمادة، وتجحد أنه مصدر المعرفة والإلهام، ولا تؤمن بوجود\nالآلهة، وتنفي عنها ما يعتقده فيها عبَّادها.\nوتعتقد البوذية بالتناسخ، وهو عندها وعند أصحاب\nالبراهمية التي تعتقده قصاص، لأن النفس الشر يرة لا\nتمضى إلى النرفانا لتفنى فيه، فلا ولادة) وإنما تمضى إلى\nالتناسخ الذي هو عقوبة الروح الشريرة الق تولد من\nجديد لتحل في كائن آخر قد يكون إنساناَ أو حيوانًا أو\nنباتا أو جمادا، وهكذا كلما مات الجسد الذي حلت فيه","vol":"1","page":38},{"text":"الروح حتى إذا طهرت صعدت إلى النرفانا.\nوعقيدة التناسخ مردها كلما نرى إلى كفر تلك\nالديانات بالبعث، أو خلوها منه وعدم تصورها للبعث\nوالنشور، وترى أن الجزاء عقابًا أو ثوابًا حتم لضمان\nالعدل، فلا يصح أن يتساوى المذنب والصالح، فلا بد من\nأن ينال الشرير أو الخيِّر الجزاء، ولهذا اخترعوا التناسخ\nلمن استحق العقاب، والنرفانا لمن استحق الثواب.\nفالعقيدة في البوذية - كما مر - ليست عقيدة بالمعنى\nالمعروف من كلمة العقيدة، لأن فكرة اللَه معدومة فيها،\nفهي لاهوت من غير إله، وخَلْق بدون خالق.\nووجود (الكارما) أو (النرفانا) لا يودع في البوذية\nالعقيدة التي انتفت بانتفاء الألوهية والإله منها.\nوالبوذية تعترف بالواقع والمادة، ولكنها لا تحارب\nالمؤمنين بالآلهة، وهي مثل الجينية ثي الإلحاد.\nأما من ناحية الشريعة فكل ما جاء في البوذية آداب\nوأخلاق حسنة، أوامر ونواهِ تدعو إلى العمل الصالح\nوالقول الصادق، عمل الخير للناس، وكف الأذى عنهم،\nوالبعد عن تعذيب الجسد وإيلامه، والتنزه عن الكذب\nوالفسق والباطل كله، والتمسك بالحلال الصرف.","vol":"1","page":39},{"text":"وفي البوذية آداب مرعية وأخلاق فاضلة هي مواريث\nالفطرة التي فطر الله الناس عليها، وتوجزها وصاياها\nالعشر التي جاءت في كتاب من كتبها المقدسة وهو كتاب\n\"سوتابيتاكا\" الذي يضم مجموعة من خطب بوذا مكونة\nمن خمسة فصول.\nوخمس الوصايا الأولى موجهة للعامة والخمس الأخرى\nللخاصة، - أي الكهان - والخمس الأولى هن:\nأولا - لا تزهق روح أحد.\nثانيا - لا تكذب، ولا تقل غير الحق.\nثالثا - لا تأخذ مالًا حرامًا (رشوة أو سرقة)\nرابعا - لا تتناول مسكرًا.\nخامسا - لا تُقِمْ أي صلة جنسية محرمة (لا تَزْن) .\nأما الخمس التي اختص بهن الكهنة فهن:\nأولا - لا تأكل في الليل طعامًا غير ناضج.\nثانيا - لا تحضر حفلة رقص أوغناء أو تمثيل.\nثالثا - لا تتزين بأي من أنواع الزينة، ولا تستعمل أي\nعطر أو طيب.\nرابعا - لا تتخذ أي فراش وثير.\nخامسا - لا تقبل من أحد ذهبًا أو فضة.\nأما الخطايا التي يجب أن يتجنبها الإنسان فعشر، وهي","vol":"1","page":40},{"text":"الأغلال التي تمعه من الصعود إلى النرفانا، والخطايا العشر.\nهي:\n١ - الشهوة\n٢ - الجهل.\n٣ - سوء النية.\n٤ - الغرور.\n٥ - الشك.\n٦ - الوهم.\n٧ - دنس القلب.\n٨ - الكبرياء.\n٩ - الأنانية.\n١٠ - الشر.\nوعندما يستطيع الإنسان التزام الوصايا العشر وحَطْم\nالأغلال العثحر وأضاف إليها خصالًا عشرًا كان من\nالسعداء الأخيار، وهم الذين يصعدون إلى النرفانا أو\nيمضون إليه، وتلك الخصال العثحر هي:\n١ - السخاء والجود.\n٣ - العفو والحلم.\n٣ - العفة المطلقة.\n٤ - التخلص من العودة إلى الحياة.","vol":"1","page":41},{"text":"٥ - الخلق الفاضل مع التفكير في العواقب.\n٦ - القوة في دفع النفس إلى التسامي.\n٧ - حسن القول ولينه.\n٨ - حسن معاشرة الإخوان وإيثارهم على نفسه.\n٩ - الإعراض عن الناس والتوجه إلى الحق.\n. ا - بذل النفس في سبيل الحق مع الشوق إلى البذل.\nومع أن بوذا وصَّى ونصح وشجع على الزهد فإنه لم\nيتجهم للنعيم، فقد جاءه غني واسع الغنى يستمْتيه: أنزوله\nعن ثروته وجاهه وسلطانه أفضل أم عيشة الزهاد\nالناسكين الذين تجردوا من الدنيا واتخذوا فراشهم الأرض\nوغطاءهم السماء؟ فأجابه: \" في وسع كل إنسان أن يتقلب في\nنعيم الحياة الفاضلة إذا عف قلبه ولسانه ويده، وإن من لم\nيستعبده الشغف إلى الثروة والحرص والكنز إذا ملكها\nوأنفقها في وجوه البر والخير والصلاح فإنه يكون نعمة\nوخيرًا وبركة على مواطنيه \".\nومما لا شك فيه أن بوذا من الناحية الإنسانية إنسان\nكبير قلَّ في الناس من يدانيه إنسانية، ومن الناحية\nالاجتماعية مصلح اجتماعي أراد الخير وعمل على صلاح\nالمجتمع ونقائه، وكان هو نفسه آية في حسن السلوك، أما\nمن ناحية العقيدة فقد انتهى إلى الإلحاد، فما آمن ببراهما","vol":"1","page":42},{"text":"وغيره من آلهة الناس، بل كفر بها.\nوأثَّر بوذا بشخصيته وخلائقه ووصاياه ودعوته في\nكثير من الشعوب والمجتمعات والأفراد منذ وجوده حتى\nاليوم، فهو في الهندوكية - وهي الديانة البراهمية - من\nالأخيار، بل رفعته إلى مقام الأعلياء النوادر الألىْ حلت\nفيهم روح الإله \" فشنو \" الإله المنقذ في الديانة البراهمية،\nوفيها الأقنوم الثاني من الثالوث البراهمي المقدس، وعدَّه\nبعض القديسين المسيحيين النصارى قديسًا عظيما.\nوقال فيه شوبنهاور الفيلسوف الألاني في كتابه \" العالم\nإرادة وفكرة: \" إن للبوذية المكانة السامية بين\nالأديان \".\nهذه خلاصة وافية عن بوذا والبوذية عرضناها في\nأمانة، ولم نُبد فيها رأي الإسلام وإن كان الإسلام يقدر\nحق القدر من أحب مكارم الأخلاق، واتصف بها دون\nالنظر إلى دينه، فقد كانت ابنة حاتم الطائي الجواد\nالأريحي العربي الذي ذهب مثلًا في الكرم في أسر المسلمين\nفطلب رسول الله ﷺ إطلاقها من الأسر\nوقال ما معناه: \" كان أبوها يحب مكارم الأخلاق \".\nفهل تصلح البوذية لأن تكون دين الإنسانية؟","vol":"1","page":43},{"text":"إن دين الإنسانية يجب أن يجتمع له المعتقد والشريعة، وطبيعي أن\nيكون المعتقد سليمًا والشريعة إنسانية صالحة.\nوما ثم شك عندنا أن في البوذية من مكارم الأخلاق\nطائفة صالحة تعد من ذخائر الإنسانية بأوامرها ونواهيها.\nومع وجود مكارم الأخلاق في البوذية فإنها لم تستوف\nما يجب أن يكون فيها من شرائع وقوانين لضمان العدل\nوالأمن بين الناس، وذلك نقص كبير.\nوليست مجتمعات العصر الحديث كالمجتمعات السابقة\nالساذجة أو التي كان كل مجتمع منها مقصورًا على نفسه،\nولم تكن مصالح الأمم متشابكة، ولهذا لا تصلح البوذية\nلأن تكون دين الإنسانية شريعة وعقيدة، لأنها خالية من\nوجود إله حق أو غير حق، وشريعتها مقصورة على آداب\nوأخلاق لا تتسع للمعاملات وغيرها.\nومع أن البوذية هندية الأصل فإن عددهم في الهند لا\nيعدو بضعة عشر مليونًا أكثرهم من بورما وسيلان، وهي\nشائعة في غير الهند، مثل الصين، حيث صار بوذا نفسه\nإلهًا معبودًا لدى الصينيين وأهل بورما والأقطار غير\nالهندية.\nصار بوذا لدى هؤلاء إلها ذا أقانيم ثلاثة، يرمزون","vol":"1","page":44},{"text":"إليها بهذه الأحرف: ا. و. م، ويسمون بوذا \" فو \" ورأيتا\nله في تايبيه عاصمة تايوان (فرموزه) تمثالًا من الذهب\nومعبدًا آية في هندسة البناء والفن والجمال.\n***\nولعل فيما ذكرنا من ديانات الهند غناء، فهي أعظمها\nوأكثرها أتباعًا أو بروزًا، وما عداها يسري عليه ما سرى\nعلى ما هو أعظم من ديانات الهند التي صرفنا عنها النظر\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الهندوكية</span>\nوأما الهندوكية فهي البراهمية، ولها كتاب مقدس\nيسمى \" منوسمرتي\"، يحوي قانون الهندوكية في\nالعبادات والمعاملات والأخلاق والحدود والعقوبات\nالمختلفة والحقوق وغيرها.","vol":"1","page":45},{"text":"وفي \" منوسمرتي \" أشياء كثيرة حسنة وصالحة لأن يحكم\nبها، وفيها من الآداب المرعية الطيبة وقواعد السلوك\nالحسن والأصول شيء كثير يصلح لكل العصور، وفيها من\nالأحكام الشرعية ما هو صالح بالنسبة للعصور التي وضعت\nفيها وما بعدها.\nولكن \" منوسمرتي \" من ناحية العقيدة يحوي ما يدل\nعلى أساطير وخرافات ووثنيات وشركيات، ويذكر المترجم\nلفظ الجلالة ترجمة لكلمة \" الإله \" الأعظم عند الهندوكية،\nوما أحسب أنهم يريدون، (الله\" ﷻ، فصفات الإله\nالأعظم لا تمت كلها إلى الوحدانية كما نفهمها، ففي تلك\nالصفات ما لا يتفق مع كمال الله ﵎، فالهندوكية\nتقرر تعدد الآلهة، وهم لديها كثير، ولكن (برماتما\" سيِّد\nكل الآلهة، ويصفه الترجم بأنه واجب الوجود، وهو\nوصف لا يصلح لغير الله ﷻ، فالإله الهندوكي\nالأعظم برماتا يحويه زمان ومكان وبدء ونهاية، ففى ترجمة\nالمترجم في أول الكتاب تحت عنوان \" خلقة العالم \" هذه\nالعبارات (ص ١٠ - ١١): * ثم بدا له أن يخلق المخلوقات\nمن جسمه، فخلق - أولًا - الماء بالفكر، ثم ألقى فيه\nبذرته \".\nو\"فصارت هذه البذرة بيضة ذهبية لها لمعان","vol":"1","page":46},{"text":"كالشمس، وانبعث منها برماتما نفسه في صورة برهما\nجد العالم كله.\nو\" إن الذات الأولى التي خلقها برماتما الباطن الأبدي\nالذي هو حق وغير حق معًا هي برهما \".\nو\"أقام برهما في هذه البيضة سنة كاملة إلخ \".\nوالإله الأعظم (برماتما) هو برهما، وكان في البيضة\nوسبقه الماء في الوجود.\nوهذه الصفات لا يمكن أن يوصف بها الله سبحانه\nوتعالى، وإله الهندوكية - التي هي البرهمية نفسها - المسمى\nبرماتما أو برهما إله وثني.\nوعلى أي حال ما قلناه في البرهمية هو قولنا في\nالهندوكية، لأنهما ديانة واحدة، ومع وجود \" منوسمرتي \"\nفهي لا تصلح لأن تكون دينْ الإنسانية عقيدة وشريعة،\nلأن العقيدة وثنية، ولأنه لا وجود فيها لليوم الآخر،\nوالنرفانا عدم أسطوري، والشريعة وثنية، وإن كان بها من\nالآداب والأحكام ما هو إنساني، وتلك هي الحصة\nالإنسانية المشتركة بين الديانات الوثنية والديانات السماوية\nالصحيحة.\nفشريعة الهندوكية غير صالحة وإن معتنقيها أدركوا","vol":"1","page":47},{"text":"ذلك فلم يُحكِّموها في دنياهم ومعاملاتهم، وإذا كان أهلها لم\nيحكِّموها فذلك هو الدليل على أنها غير صالحة للإنسانية.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ديانات الصين</span>\nوللصين ديانات لا تخرج عن ديانات البدائيين، فقد\nعبدوا الأسلاف، ومظاهر الطبيعة، كما عبدوا الطواطم.\nوعبدوا الشمس والقمر والنجوم والمطر والرياح والأرض\nوالسماء باعتبارها آلهة أخلصوا لها العبادة.\nوأكبر الآلهة عندهم السماء (شانج - تي) فالسماء الإله\nالأعظم، ومدبر الأكوان، ومصرف أمور العباد، وواهب\nالرزق، ومصدر الخير الذي ينالهم،\nوالسماء - عندهم - جوهر، وهي عليم قادر فعال لا يريد،\nولا رادَّ لإرادته.\nولكن عبادة الأسلاف تسير في خط واحد مع عبادة\nالسماء، والصيني كالهندي عميق التدين، ولكنه يفترق عن\nالهندي أن الصيني إيجابي والهندي سلبي، الصيني يُقبل\nعلى الحياة إقبالًا، ولا يزهد فيها، وإنما يزهد في الشر، ولا\nيحرِّم على نفسه الأطايب، ويكره العزلة ولا يطيقها،","vol":"1","page":48},{"text":"فيربط نفسه بالناس، كما يربط نفسه بالماضي والحاضر\nوالمستقبل، أما الهندي فزاهد في الحياة والناس والشر.\nالصيني عميق التدين، ولا يحمله عمق تدينه على\nالإيمان بآلهته في كل أحواله، وما دامت أموره تسير وفق\nهواه ورغباته تتحقق فإيمانه بالآلهة قوي، فإذا خاب أمله\nأو أخفق مسعاه فإنه يعرف حقيقة هؤلاء الآلهة وحقيقة\nالمادة التي صُنعوا منها، ومهما اشتدت مصائبه فلا يُجدِّف،\nوإنما يداهن الأديان كلها، أفلا يجوز أن يكون بين الآلهة\nالكثيرة إله حق؟ فالاحتياط ضرورة، وليُرْض رجال كل\nدين بقليل مما عنده.\nلا يهم الصيني غير أمر معاشه، فهو يشغل نفسه به، أما\nالآلهة فيدعها للكهنة، فهم أولى بها منه وأعرف، وما ثم ما\nيمنعه من \"التعبد والإيمان ما دام للعبادة متسع من وقته.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الكنفوشية</span>\nولم يدَّع صيني النبوة والرسالة، وإنما قام في\nالصين معلِّمون ومصلحون وهداة ودعاة، وكنفوشيوس\nحكيم الصين الأكبر لم يكن إلا معلمًا ومرشدًا وحبهبهًا، ونجح\nفي دعوته نجاحًا عظيمًا.\nولعل كنفوشيوس الصيني الفاذ الذي يذكر على ألسنة","vol":"1","page":49},{"text":"أكثر الصينيين حتى اليوم وفيهم أبناء الديانات الأخرى\nمنهم، والجميع يقدُرونه، لأنه حكيم ومصلح، ولم يكن من\nالكهنة واللاهوتيين، بل لم يكن من رجال الدين، وإنما\nكان أديبًا وداعية مصلحا.\nوعرف الصين حكماء ومصلحين ومعلمين قبل\nكنفوشيوس، ولكنه وحده الذي ذاع اسمه ورجح بمن\nسبقوه، لأنه أراد الخير للناس كما، متخذا أسلوب الحكمة\nوالموعظة الحسنة، بعيدًا عن تعقيد الفلاسفة والكهان،\nمبتعدا عما وراء الطبيعة والميتافيزيقيات.\nوولد في اليوم الثامن والعشرين من شهر سبتمبر سنة\n٥٥١ قبل الميلاد بمدينة \" شوفو، بمقاطعة \"لو \" المعروفة\nفي أيامنا هذه باسم \"شانتونج\" وهو من قبيلة \"كونج\"،\nويتكون اسمه من مقاطع ثلاثة: كونج - فو - تسى، وتسى\nمعناه: المعلم أو الحكيم، وهو سليل فرع ملكي، وعند\nمولده كان أبوه في السبعين، ومات عندما بلغ ابنه الثالثة،\nونسجت أساطير حول مولده.\nوعاش فقيرًا، وتزوج في التاسعة عشرة من عمره،\nواضطر أن يتقلب في عديد من الأعمال ليكسب رزقه\nورزق أسرته، فعمل راعيا وبستانيًا وخازن بضائع.","vol":"1","page":50},{"text":"ولما بلغ الثانية والعشرين اتخذ التعليم مهنة له، ويعلم\nالطلاب تلقاء أجرة يدفعونها، أما الفقراء فما كان يأخذ\nمنهم أجرا، وكان يدرِّس الأدب والتاريخ والموسيقى،\nوبيَّنَ سببا اختياره قائلًا: الأدب يهذب خلق الإنسان،\nوالتاريخ يزوده بالعظة والاعتبار، والموسيقى تعطر\nحياته.\nوانضم إلى طلبته أميران، ثم اصطحباه إلى العاصمة،\nفوجد الفرصة مهيأة له لينمي معارفه من مكتبة القصر،\nفتزود منها، وتضلع مما تحوي من المعارف الإنسانية،\nواستمتع بموسيقى القصر.\nولقي في العاصمة \" لاوتسى \" المعلم أو الحكيم \" لاو \"\nالذي كان أكبر حكماء عصره، ولم يرحب بكنفوشيوس،\nولكن كونفوشيوس غادره وهو سعيد، لأن ما سمع منه\nاعتبره نصحًا ثمينًا أفاد منه في حياته.\nوكان يلقي درسه ارتجالًا، ولا يدوّن شيئًا، وكذلك\nكان حتى آخر حياته، وكان يستلهم الأحداث والحوادث في\nدروسه وعظاته، فرأى ذات مرة امرأة تبكي على قبر ضم\nزوجها ووالده وابنها، فدهش فقالت له: إن المكان كثير\nالنمور وقد افترستهم، فقال لها: وما يجبرك على السكن مع","vol":"1","page":51},{"text":"النمور ولا تمضين إلى مكان آمن لا نمور فيه؟\nفقالت له: ولكنّ حاكمه عادل.\nفنظر إلى تلامذته وكانوا كثيرين وقال لهم: اعلموا أن\nالحاكم الظالم أشد من النمور فتكًا، ويستطيع الإنسان أن\nيجد الأمن في غابة الوحوش ويفتقده في ظل الحكومة\nالظالمة، فيصبر على الوحوش ولا يقدر أن يصبر على الظلم.\nوتولى في بعض فترات حياته مناصب رفيعة، منها\nالقضاء، فإذا المدينة تنعم في أمن ومحبة وسلام، لأن العدل\nسيطر عليها، ثم تولى وزراة الأشغال فأحال المدينة إلى\nجنة، وزاد عمرانها وحضارتها، ثم تولى وزِارة العدل التي\nكانت تسمى وزارة الجرائم، فإذا الجريمة تمَّحِي.\nثم ترك الأعمال الحكومية زاهدًا فيها، وتفرغ للتعليم\nوالموعظة، حتى إذا تجاوز السبعين فجع في ابنه ثم في أحد\nمريديه ثم في تلميذ من أحب تلامذته فبلغ به الألم والأسى\nأقصى المدى وقال: ما للسماء تحاربني، والسماء: الإله\nالأعظم.\nوليست الكنفوشية ديانة، بل هي في أساسها وصايا\nوعظات وآداب وأخلاق، وتتسم بالوضوح والسهولة،","vol":"1","page":52},{"text":"فليس فيها تعقيد أهل الفلسفة، كما خلت من الجدل\nوجفاف العلوم.\nومن أصول العقائد المقررة في البوذية الإيمان بالسماء\nعلى اعتبارها الإله الأعظم (شانج - تي) والاعتراف بعبادة\nالأسلاف، ولم تأت الكنفوشية لاقتلاع الجذور السلفية.\nوليست السماء هذه التي يعرفها الناس، وإنما هي\n(الشانج تي\" بمعنى الإرادة أو القوة العليا المسيطرة على\nالعالم.\nوبعد موت كونفوشيوس صارت الكنفوشية ديانة\nعندما تحول كونفوشيوس إلى إله ندٍّ للسماء، وصار يعبد\nعبادة لا تخرج عن عبادة الأسلاف في الديانات الوثنية.\nوتعنى الكنفوشية بالواقع والإنسان، وشغلت الصينيين\nعن الغيب والسحر والمجهول، والبعد عن الزهد والانقباض\nوالتشاؤم، فهي من الديانات التي تقوم على البساطة\nوالتفاؤل.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الطاوية</span>\nوسبقت الديانة الطاويةُ الديانةَ الكنفوشيةَ، وتنسب\nإلى تاوته جنج ومعناه: كتاب الطريقة والفضيلة،","vol":"1","page":53},{"text":"والطريقة هنا ليست بمعانيها المعروفة في العربية، وإنما\nمعناها: الإله، ومن صفاته: ليست بصورة ولا صوت،\nووجوده سابق وجود غيره، وهو أصل كل الوجودات،\nوروحه سارية فيها، وبقاؤه أبدي لا يفنى.\nوصبغة الطاوية حلولية، وتؤلِّه مظاهر الطبيعة\nوتعبدها، كما تعبد الأسلاف، وفي الطاوية فانٍ وباقٍ،\nفالفاني الإنسان، والباقي غير الفاني، وعندما يرتقي الفاني\nبالحرفة التامة يمكنه الاتحاد مع الباقي والاندماج فيه،\nوعندئذ يصل إلى حال \" الأثيرية \" التي تشبه (النرفانا\"\nفي البرهمية.\nوالانتقال إلى حال \"الأثيرية\"، صعود إلى حيث تنعدم\nفيه معرفة الماضي والحاضر، و\" إلى حيث \" هذه موضع\nغير مادي ولا محسوس وغير معروف، ولكنها موضع ينتهي\nإليه الإنسان بعد اجتيازه مرحلة الترقي إلى المعرفة الحق\nومعاناة الشعور بالاتحاد في الباقي، وبعد ذلك يصل إلى\n(الأثيرية\" عن طريق المعرفة الكاملة حيث ينتقل إلى\n\" إلى حيث \" حيث لا يوجد موت ولا حياة، وتسمى هذه\nالحالة الأثيرية نيبان التي تشبه \" النرفانا \"\nالهندية، ونيبان هي مرحلة الراحة الأبدية.\nويذكر البحاثة دوان في كتابه:\n(خرافات التوراة وما يماثلها في الديانات الأخرى)","vol":"1","page":54},{"text":"أن الطاوية تثليث، وهذا قوله: \" إن الطاويين يعبدون إلهًا مثلث\nالأقانيم، وأساس الفلسفة الطاوية أن \" طاو \"، هو العقل\nالأول الأزلي، انبثق منه واحد، ومن هذا انبثق ثالث\nكان مصدر كل شيء \".\nولم تنتشر الطاوية في الصين انتشار الكنفوشية وغيرها\nلما فيها من التعقيد والأسرار والكهانة، ولكن ما تزال\nقائمة حتى اليوم، وقد رأيت بعض معابد الطاوية في تايوان\n(فرموزه) عندما زرتها سنة ١٣٨٢ هـ (١٩٦٢ م) وأشهر\nمعبد طاوي رأيته معبد \" شهنان، قرب (تايبيه\" عاصمة\nالصين الوطنية، ويضم المعبد تمثال \"لو - تونغ - ين \"\nحيث تقمصته روح إله الطاوية كما يزعمون.\nوكل ديانات الصين غير صالحة لأن تكون دينًا للإنسانية\nجمعاء، فعقيدتها وثنية، والوثنية لا تصلح للإنسانية دينًا،\nوليس بديانات الصين شريعة تصلح لغير الزمن الذي كانت\nفيه، وقد اندثرت من الوجود، فقد استبدلت بها الصين\nالشيوعية المذهب الشيوعي، والصين الوطنية شريعة الغرب.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الشنتو</span>\nوديانة اليابان المسماة \" الشنتو \" مقصورة على التوجه\nإلى الأسلاف والإمبراطور الماضي بالعبادة والتقديس، وما\nعدا هذا التوجه فهي خلو من الفرائض والطقوس وآداب\nالسلوك والشريعة، وليس بها عالم الغيب، ولهذا كله خلت\nمن الكهنة ورجال الدين.\nوفي الشنتو عبادة الشمس، فهي آلهة لدى اليابانيينْ،\nوتسمى \" أميتراسو - أو ميكامي \"\nالمعبودة حتى اليوم، وهي أعظم الآلهة اليابانية، وهيكلها\nالأعظم الأقدس في \" إيزي \" وبه مرآة يزعمون أنها أهدتها\nللأمبراطور جمو، أول إمبراطور لليابان في القرن السابع\nللميلاد.\nويعتقدون أن الأمبراطور ابن السماء، لأنه سليل\nالآلهة، بل سليل الإلهة الشمس، وكلمة \" ميكادو \" التي\nيوصف بها الإمبراطور تؤدي معنى \" الباب المجيد \".\nومن عقيدتهم أن إلهتهم الكبرى الشمس مسبوقة في\nالوجود بآلهة تعد بالألوف، وتتكون من المخلوقات العلوية\nوالسفلية، ومن الأرواح والملائكة، ومن الجن والشياطين\nومظاهر الطبيعة، ولكن الإلهة الشسم انتصرت عليهم في\nحرب ضروس.\nومع هذا الاعتقاد يعتقدون أن خالق الخلق غيرها،","vol":"1","page":56},{"text":"وهو إله السماء المسمى عندهم \"أساناجي - نوميكوتو\"\nالذي خلق الخلق بمعونة أخته \"أسانامي - نوميكوتو\"\nالتي تزوجها فكانت ثمرة زواجهما جزائر اليابان، وسكانها\nمن لقاح بذور الآلهة فهم نسلها.\nووفدت إلى اليابان من الصين البوذية في سنة ٥٣٢ م\nفلم تُستَقْبَل في أول الأمر بحفاوة، لأنها جاءت إليهم بعظمة\nوترف وأبهة وزينة لا عهد لهم بها، ورأوا معابدها آية في\nالجمال والروعة والفخارة.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>بوذية الصين</span>\nولكنها عندما تركت موطنها صار بوذا نفسه إلهًا معبودًا،\nحتى صار الإله الأكبر، تتبعه بوذات صغيرة هي آلهة أيضًا\nفي عقائد عُبّادها.\nهذه ديانات الصين والتبت وكوريا والهند، فهل\nتصلح لأن تكون دينَ الإنسانية عقيدة وشريعة؟.\nإنها خالية من العقيدة الدينية إلا من عقائد بدائية، ثم\nتحولت إلى شيء من العقائد على أيدي الأتباع، وسواء\nأكانت عقيدة أم لم تكن فهي لا تصلح للإنسانية، لأنها\nتفتقر إلى الأركان التى يجب أن تكون في العقائد حتى\nتقوم على أسس راسخة، وهي بعد ذلك وقبله وثنية، وهى","vol":"1","page":57},{"text":"في طبيعتها الأولى دين تسول وزهد وخمول وعزوف عن\nالحياة وانصراف عن الكفاح، وفي طبيعتها الأخرى دين\nيقبل بمعتنقه على الحياة بروح التفاؤل والكفاح دون أن\nيفرض عليه من العبادات فروضًا يثاب على فعلها ويعاقب\nعلى تركها.\nأما الشريعة التي تنظم أمور الحياة وتصرِّفها وتنظم\nمعاملة الناس وتحكمهم حكمًا يضمن الأمن والعدل\nوالحقوق فلا وجود لها في هذه الديانات، فلهذا نفتقد فيها\nالصلاح لأن تكون دين الإنسانية عقيدة وشريعة.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ديانات فارس والعراق وسوريا</span>\nوظهرت ديانات في فارس والعراق وسوريا مثل\nالمجوسية (الزراد شتية) في فارس، ومثل الديانات السومرية\nوالبابلية والآشورية في العراق، والفينيقية والآرامية في\nسوريا، وكلها ديانات وثنية، وقد انقرضت بعقائدها\nوشرائعها، وانقراضها برهان على فقدانها الصلاح للحياة\nوإن كانت الزرادشتية قائمة حق الآن في حدود ضيقة،\nومقصورة على أتباعها الذين لا يُذكرون لا هُم ولا ديانتهم.\nوهذه الديانات التي نقرضت وماتت وزالت عن\nالوجود ومثلها ديانات مصر وديانات التوحيد الحق مثل","vol":"1","page":58},{"text":"ديانة نوح وديانة إبراهيم لا تصلح لأن يكون دين منها دين\nالإنسانية كلها، لأنها لو صلحت لبقيت، ولو بقيت لما\nصلحت لأن تكون دينَ الإنسانية عقيدة وشريعة، لأن ما\nفي ديانات التوحيد - غير الإسلام - لا تصلح شرائعها\nللإنسانية كلها في حاضرها ومستقبلها مع كمال العقيدة\nفيها، لأن الدين الذي يُرَشَّح لأن يكون دين الإنسانية\nجمعاء يجب أن تتوافر له مع العقيدة الصحيحة شريعة\nصالحة لكل زمان ومكان.\n***\nوتقوم على الأرض ثلاث ديانات سماوية هن: الموسوية،\nوالمسيحية، والإسلام، فأي منها الدين الصالح لحكم\nالإنسانية في الحاضر والمستقبل بعد أن ظهر أنه كل\nالديانات غير صالحة.\nأي ديانة من هذه الديانات الثلاث المرشحةُ للعالم؟\nآليهودية؟ آلسيحية؟ آلإسلام؟ وأي منهن الديانة الصالحة\nللإنسانية مدى الدهر؟\nهذا ما سنبحثه والله الموفق.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>ديانة موسى</span>\nالموسوية ديانة موسى، وهي ديانة سماوية صحيحة،\nأرسله الله بها إلى بني إسرائيل وفرعون، وكانت ديانة\nصالحة لقوم موسى، وانتهت بعد موسى إلى من خلفوه من\nاليهود فحرّفوها.\nوعلى أي حال لم يدَّع اليهود أن ديانتهم دين\nالإنسانية، بل أعلنوا أن ربهم \"يهوه \"، خاص بهم وحدهم،\nوديانتهم خاصة بهم لا يشركهم فيها غيرهم، ويحرِّمون على\nغيرهم دخولها.\nونحن نرى أن اليهودية ديانة شاذة لا تصلح لغير\nاليهود، وربهم يهوه مثل ديانتهم.\nوكل أتباع الديانات الصحيحة والباطلة ينزهون\nآلهتهم على قدر عقولهم وثقافتهم، والمؤمنون الصادقون\nينزهون الله الحق تنزيها مطلقًا، ويؤمنون بأن كل رسل الله\nمعصومون، إلا اليهود فإنهم يثبتون لربهم النقائص\nوالمعايب، ويتهمون الرسل الكرام رسلهم زورا وبهتانًا بما\nلو اتهمَ به الأراذل لحط منهم.\nوما نحن بحاجة إلى بحث اليهودية لنرى أهي صالحة\nلأن تكون دين الإنسانية عقيدة وشريعة بعد أن حكم","vol":"1","page":60},{"text":"اليهود أنفسهم، إذ قرروا أن اليهودية ديانة مغلقة عليهم،\nفربهم (يهوه\" خاص بهم، ولا يشركهم غير يهودي فيه،\nوكذلك دينهم.\nوحسب حكمهم وحكم الناس لا تصلح اليهودية لأن\nتكون دين الإنسانية عقيدة وشريعة، والإنسانية نفسها\nتؤيدهم في هذا الحكم، وما أيدتهم قط ولا تؤيدهم في غير\nهذا الحكم.\nومع هذا نرى من الخير عرض اليهودية عقيدة وشريعة\nتبيينًا لخطرها على الأديان وبني الإنسان طرًا حتى\nيستعدوا لدرئه.\nويرى اليهود أنفسهم موحدين، لأن إلههم \" يهوه \"\nواحد، فديانتهم - على هذا - ديانة توحيد.\nويحسبون أن عترافهم بآلهة الآخرين أو وجود آلهة\nلغيرهم لا ينقض التوحيد ووحدانية إلههم، لأنهم لا\nيعترفون بإنسانية بني الإنسان جميعا، فما الناس عندهم إلا\n\" قوييم \" كل الناس قوييم، ومعناه عند اليهود: البهائم\nوالخنازير والمرتدون والوثنيون والأنجاس والخونة والفساق\nإلخ.\nوالقوييم \" حيوانات \" ووثنيون، ويدعي اليهود أنهم","vol":"1","page":61},{"text":"هم البشر، وغيرهم ليسوا ببشر، بل حيوانات، ورسلهم مثلهم وما داموا وثنيين فإلههم إله وثني، وما دامواكذلك فدياناتهم وثنية\nوما دام غير اليهود بهذه الصفات التي يصفونهم بها فلا\nضرورة لهم إلى رسل وشرائع، لأن \" البهائم \" ليست في\nحاجة إلى ذلك.\nولما كان البشر بهائم فاليهود وحدهم البشر، فشريعتهم\nلهم وحدهم، ولا تصلح شريعة البشر للبهائم.\nوتأييدًا لما ذكرناه نستشهد بنصوص من توراة اليهود\nومن تلمودهم المقدس لديهم أكثر من قداسة التوراة،\nمبتدئين بعقيدتهم في الإله إلههم المعبود.\nفي \" سفر التكوين \"، أول أسفار التوراة بالإصحاح\nالثالث في الحوار الذي دار بين الله وآدم وحواء: \" وسمعا\nصوت الرب الإله ماشيًا في الجنة \".\nوفي الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين في قصة\nإبراهيم عندما زاره الله ومعه ملكان في صور رجال\nثلاثة: \" وظهر له الرب عند بلوطات ممرا \" إلى أن يقول:\n\" وإذ كان هو واقفًا لديهم تحت الشجرة أكلوا \".","vol":"1","page":62},{"text":"وفي سفر التكوين أيضًا بالإصحاح الثاني والعشرين\nقصة يعقوب عندما جاءه الله في صورة رجل وتصارعا من\nالليل إلى الفجر: \" فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان\nحتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حُقَّ\nفخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه وقال:\nأطلقني لأنه قد طلع الفجر \".\nوفي سفر الخروج ٢٢/٥ - ٣٣ يوجّه موسى إلى الله\nاللوم والتأنيب: \" لماذا أسات إلى هذا الشعب؟ لماذا\nأرسلتني فإنه منذ دخلتُ إلى فرعون لأتكلم باسمك أساء\nإلي هذا الشعب وأنت لم تخلص شعبك\".\nوفي سفر الخروج ٣/١٥ يصف موسى ربه قائلًا:\n\" الرب رجل الحرب\".\nويبدو إله العبرانيين لهم في صورة عمود سحاب نهارًا\nوعمود نار ليلًا كما يذكر سفر الخروج (٢٢/١٣) .\nويصف سفر الخروج ١٠/١٥ و٣٥ رب إسرائيل\nبارتكاب الخطأ، وبشعوره بخطئه، وبندمه عليه: \" وكان\nكلام الرب إلى صموئيل قائلًا: ندمتُ على أني جعلت شاول\nملكًا، والرب ندم، لأنه مَلَّك شاول على إسرائيل \".\nوفي سفر الخروج ٧/٣٢ - ١٤ حوار بين موسى","vol":"1","page":63},{"text":"والرب، فيقول الرب لموسى: \" اتركني ليحمى غضبي عليهم\nوأفنيهم\" فيتضرع موسى إليه قائلًا: \" لماذا يا رب يحمى\nغضبك على شعبك الذي أخرجته من أرض مصر بقوة\nعظيمة ويد شديدة؟ لماذا يتكلم المصريون قائلين: أخرجهم\nبخبث ليقتلهم في الجبال، ويفنيهم على وجه الأرض، ارجع\nعن حموِّ غضبك، واندم على الشرِّ بشعبك \".\nوعندما يقرر إله إسرائيل ضرب المصريين يخشى أن\nيغلط فتقع ضربته على أحد من شعبه فيأمرهم أن يضع\nكل منهم علامة اتفق معهم عليها وقال لهم - كما يذكر سفر\nالخروج ١٢/١٢ - ١٣ و٢١ - ٢٣: \" إني أجتاز في أرض\nمصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس\nوالبهائم، وأضع أحكامًا بكل آلهة المصريين، أنا الرب،\nويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى\nالدم وأعبر عنكم، فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين\nأضرب أرض مصر\".\nويحدد لهم إلههم الموضع الذي يلطخونه بالدم حتى لا\nيغلط قائلًا \"ويأخذون الدم ويجعلونه على القائمتين\nوالعتبة العليا إلخ \".","vol":"1","page":64},{"text":"ويأمرهم ربهم بسلب المصريين وسرقة أموالهم كما يذكر\nالإصحاح الثالث من سفر الخروج قائلًا:، \"وأعطي نعمة\nلهذا الشعب في عيون المصريين فيكون حينا تمضون أنكم لا\nتمضون فارغين، بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة\nبيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهبًا وثيابًا وتضعونها على بنيكم\nوبناتكم فتسلبون المصريين \".\nويعترف سفر الخروج ٣٥/١٢ - ٢٦ بتنفيذ عملية\nالسرقة والسلب قائلًا: \" طلبوا من المصريين أمتعة فضة\nوأمتعة ذهبًا وثيابًا، وأعطى الرب نعمة في عيون المصريين\nحتى أعاروهم فسلبوا المصريين \".\nوفي صموئيل الأول ٣/١٥ يأمرهم ربهم قائلًا: \" اقتل\nرجلًا وامرأة، وطفلًا ورضيعا، بقرًا وغنمًا، جملًا وحمارًا \".\nوفي سفر العدد ٧/٣١ - ١٨: \"تجندوا على مديان كما\nأمر الرب وقتلوا كل ذكر، وملوك مديان قتلوهم فوق\nقتلاهم ... وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم،\nونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم، وأحرقوا\nجميع موَنهم بمساكنهم \".\nوفي سفرْ التثنية ٣٢/٢ - ٣٥ و٣/٣ - ٦: * وأخذنا\nكل مدنه ... وحرَّمنا من كل مدينة الرجال والنساء","vol":"1","page":65},{"text":"والأطفال، لم نُبْقِ شاردًا ... فدفع الرب إلهنا إلى عوج\nملك باشان وجميع قومه، فضربناه حتى لم يبق له شارد،\nوأخذنا كل مدنه ... ستون مدينة ... فحرمناها كما فعلنا\nبسيحون ملك حشبون، محرمين كل مدينة الرجال والنساء\nوالأطفال \".\nهذه نتف من أسفار اليهودية تصور إلهها الذي أمر\nأتباعه اليهود بقنل الأطفال والرضّع والشيوخ والنساء،\nوفي صموئيل الأولى وغيره قتلوا رجال الدين المنقطعين\nللعبادة، وأبادوا كل شيء: الناس والحيوان والمدن\nوالقرى، وتفتخر الديانة اليهودية بتحريم المدن،\nوالتحريم: القتل الذي لا يبقي ولا يذر في اصطلاح\nالتوراة، وتفننوا في القتل والإحراق إلى حد لا حدَّ\nبعده.\nوإله اليهود \" يهوه \" كما تصوره التوراة \" رجل\nحرب\" ومتعطش للدماء، ويتلذذ برائحة الشواء،\nويتجسد ويشكل بأشكال الرجال، ويأكل ويشرب،\nوبشكل عمود سحاب وعمود نار، ويأمر بالاحتيال\nوالسرقة والنهب والقتل والإبادة، حتى الأطفال والرضّع\nلم ينجوا من \" يهوه \" وبطشه.\nوإذا كان إلههم \" يهوه \" على هذه الصورة فإن رسلهم","vol":"1","page":66},{"text":"ابتداء من أبي الأنبياء ابراهيم إلى موسى وهارون\nمطعونون في كتبهم المقدسة في شرفهم وكراماتهم وأخلاقهم\nودينهم، ويتهمون بعضهم بالزنا، حتى أن داود زنا بزوجة\nالمجاهد أوريا الحثي، ولما أراد ربهم الانتقام من داود سلّط\nابنه أبشالوم يزني بنساء أبيه على مشهد من بني إسرائيل،\nبل يعاقب \" يهوه \" رب اليهود على الزنا بزنا أبشع: زنا\nالمحارم.\nويكمل التلمود أو يضيف إلى التوراة ما فاتها ذكره،\nفيأمر التلمود كتابهم الأكثر قداسة من التوراة بأن يسرفوا\nفي الشر والعدوان على كل البشر دون استثناء، وها هي\nذي فقرات من التلمود:\n\"اليهود بشر لهم إنسانيتهم، أما الشعوب والأمم\nالأخرى فهي حيوانات \".\n\"اليهود من جوهر الله، كما أن الولد من جوهر أبيه \".\n\"لولا اليهود لامتنعت البركة عن الأرض، وانقطع\nالمطر، واحتجبت الشمس، لذلك لا تستطيع شعوب\nالأرض الحياة بغير اليهود \".\nويتفق التلمود مع التوراة في اختصاص الشعب","vol":"1","page":67},{"text":"اليهودي باختياره وحده، لأنه من جوهر الله.\nوإذا كانت التوراة تجعل \"يهوه \" الإله المسيطر الذي\nله الأمر والنهي والحكم فإن التلمود قد هبط به ورفع عليه\nأفرادًا من اليهود هم الحاخامون، وحكم التلمود على\nالتوراة بالهبوط عنه، وانتزع منها القداسة وعلو المرتبة،\nوها هي ذي فقرات من التلمود الأصيل:\nفي سفر روبين ٢١ حرف ب من التلمود:\n\"احذر يا بني، يقول الحاخام رابا: واتبع التلمود لا التوراة،\nفالتوراة تتضمن أحكامًا لا تستوجب مخالفتها الموت، وأما\nمن يخالف حرفًا مما - جاء في التلمود فالقتل عقابه، ومن\nيهزأ بكلمة من كلمات التلمود يغمس في الغائط، ويساق\nفيه حيًا إلى أن يموت فيه \".\nوفي سفر مجيلا ٢١ من التلمود منتصبًا على قدميه \".\nالتلمود: \" إن الله يدرس وفي سفر بيراشون ٧ حرف أ: \" دخلتُ قدس الأقداس فرأيت الله جالسًا على كرسي مرتفع فقال لي: باركني يا بني،\nوإذ باركته شكرني وسلم وانصرف \".\nوفي سفر بابانيرا ٧٥ حرف أ: \" الحاخامون يصبحون\nجميعًا آلهة، وُيدْعَوْن يَهْوَهْ أي الله \".","vol":"1","page":68},{"text":"وفي سفر مويدقنان ١ حرف أ: \"للحاخامين السيادة\nعلى الله، وعليه إجراء ما يرغبون فيه \".\nوفي سفر بابامزيا ٨٦ حرف أ: \" إذا احتدم الخلاف\nبين الحاخامين والله فالحق مع الحاخامين \".\nفيهوه الذي كان له التفرد بين الآلهة قد هبطت\nمكانته إلى حد ارتفاع الحاخامين عليه في المكانة، فكل\nمنهم يهوه، ويهوه خاضع لهم، وينفذ الأمر الذي يريدون،\nوإذا اختلف معهم فالحق معهم وليس معه، بل صرح سفر\nمويدقنان من التلمود أن للحاخامين السيادة على يهوه\nإلههم المعبود.\nوعقب دة اليهود التي جاءت في التوراة والتلمود\nوأسفارهم المقدسة فى \" الله \" عقيدة شاذة ومفرقة في\nالوثنية، وللقارئ أن بحكم عليها من أصح النصوص التي\nجاءت في كتبهم المقدسة.\nوأما عقيدتهم في - رسلهم فقد أشرنا إليها، وكلهم طعين\nمن قبلهم طعنًا يسقط العدالة والشرف والإنسانية\nوالكرامة والنبوة.\nوأما عقيدتهم في المسيح ﵊ وفي أمه\nالصديقة الطاهرة ﵍ فشيء لا يتصوره عقل","vol":"1","page":69},{"text":"ولا يقبله ويشمئز منه ويأباه ويحتقره.\nونعود إلى التلمود الذي يقف ربهم منتصبًا على قدميه\nليدرسه كما يدعون أو يدعي تلمودهم نفسه لنستشهد به،\nفهو الشاهد الذي لا يكذب عليهم.\nيقول التلمود في يسوع (عيسى) ما نصه: \"يسوع\nالناصري (أي عيسى ﵊) ابن غير\nشرعي، حملته أمه وهي حائض سفاحًا من العسكري\nباندارا، وهو كذاب، ومجنون، ومضلِّل، وساحر،\nومشعوذ، ووثني، ومخبول \".\nومات يسوع كبهيمة، ودفن في كومة قذر \".\nوإذا كانت عقيدة اليهود كما يفصح عنها تلمودهم في\nالمسيح ﵊ فإن عقيدة اليهود في الديانة\nالمسيحية وفي الأناجيل ورجال الدين المسيحي وفي\nالراهبات والمسيحيين غاية في النكر والباطل، وها هي\nذي فقرات من تلمودهم:\n\" الديانة المسيحية ديانة غريبة وثنية، وهي كالمرأة\nالنجسة، تلوث كل من يتصل بها \".\nويقول التلمود عن الأناجيل؟ إنها سجلات الشر،\nوالصلوات المسيحية خطايا وآثام، وأعياد المسيحيين كارثة","vol":"1","page":70},{"text":"وهلاك وأيام الشيطان.\nويصف التلمود الكنائس بأن الكنيسة بيت الباطل،\nوبيت الوثنية، وبيت الشيطان، وقاذورات.\nويزخر التلمود بشتم المسيح والأناجيل والكنائس\nوالمسيحيين جميعها، ومما جاء فيه:\nْ\"أتباع يسوع يُطْرَحون بعيداَ كما تُطرَح خِرَق حيض\nالمرأة \".\nو\" كل المسيحيين عبدة أوثان، وثنيون، قتلة، فسقة،\nإنهم \" حيوانات \" قذرة، إنهم كالغائط، إنهم بهائم، حمير،\nخنازير، كلاب، بل أسوأ من الكلاب، يتناسلون بطريقة\nأحط من البهائم\".\nو\" الوثنيون (المسيحيون) يُوَسِّخون العالم، لأن\nأرواحهم خرجت من الشق النجس\".\nو\" من الشق النجس تخرج أرواح المسيحيين \".\nو\"القديسون المسيحيون مخنثون، والقديسات مومسات \".\nوالعذراء ﵍ مدعُوَّة من قبل اليهود في","vol":"1","page":71},{"text":"التلمود بكلمة شاريا، ومعناها في الألمانية: غائط. رَوْث.\nويقول التلمود ما نصه الحرفي مترجمًا بدقة:\n\"يسوع الناصري في لجج الجحيم بين القار والنار، وحملته أمه من\n\" باندارا \" العسكري سفاحًا، والكنائس المسيحية\nقاذورات، وأساقفتها كلاب نابحة، وقتل المسيحي فريضة\nعلى اليهود، والعهد مع المسيحي ليس عهدًا ملزمًا يجب\nالوفاء به، وفرض على اليهودي لعن رؤساء المسيحية \".\nومن نصوص التلمود فيما يتصل بالإنسانية والأخلاق\nوالتعامل فيما بين الناس ما نضيفه إلى ما مضى مما جاء في\nالتلمود والتوراة، تكملة للصورة الحقيقية للعقيدة\nاليهودية، وها هي ذي فقرات من التلمود ومثلها فيه\nكثير:\n\" الرحمة محرمة على الوثني \" والوثنيَ كما هو معروف\nعند اليهودي وكتبه المقدسة غير اليهودي.\nو\" إذا وجدت أجنبيًا في حفرة فسدَّها بحجر\" وهذا\nليمنع أي أمل في نجاته.\nو\"استيلاء اليهود على ما يملكه القوييم حق، وعمل\nتصحبه المسرة الدائمة \".","vol":"1","page":72},{"text":"و\"كل ما في ملك القوييم إنما هو حق اليهودي \".\nو\" ملعونة كل الشعوب، ومبارك شعب اليهود \".\nو\" إذا أحرق يهودي معبدًا للقوييم أو دمَّره فذلك\nعمل صالح، وأعظم من هذا فريضة مقدسة على كل يهودي\nأن يقوّض كل معبد للقوييم من أساسه ويلعنه \".\nو\"كل النساء غير اليهوديات مومسات\".\nو\"من قتل غير يهودي فقد قدم قربانا للرب\".\nو\" إن الرابي صموئيل كان رأيه أن سرقة الأجانب\nحلال، وقد اشترى هو نفسه من أجنبي آنية من الذهب\nكان يظنها الأجنبي نحاسا ودفع له ثمنها أربعة دراهم، وهو\nثمن بخس، وسرق درهمًا من البائع \".\nوالأوامر والنواهي التي نجدها في الديانات حتى\nالوثنية أوامر ونواه يقصد منها الخير، مثل: أكرم\nالضيف، وساعد المحتاج، وابذل الخير إلخ، ومثل: لا\nتسرق، ولا تزن إلخ ولكن التلمود حوَّلها من استقامتها\nإلى الاعوجاج، ومن صلاحها إلى الفساد، فصارت الأوامر\nهكذا: أكرم الضيف إذا كان يهوديًا، أما إذا كان غير\nيهودي فلا، وساعد المحتاج إذا كان يهوديًا، فإذا كان غير\nيهودي فلا، وابذل الخير لأخيك اليهودي، وإذا كان غير","vol":"1","page":73},{"text":"يهودي فقدم له الشر.\nوأما النواهي فصارت في التلمود هكذا: لا تسرق من\nيهودي، أما غير اليهودي فاسرقه، ولك بذلك المثوبة، ولا\nتزن بيهودية، أما بغير اليهودية فحلال.\nوديانة هذه عقيدتها وشريعتها غاية في الهدم والباطل،\nوما نقول بصلاحها ولو لفريق من الناس، لأنها وباء يجب\nالتخلص منه، لأن خطر الوباء على غير المصاب.\nولم يدَّع اليهود أن ديانتهم صالحة للإنسانية، وإنما\nقصروها على أنفسهم، وحجروها عن غيرهم، لأنهم مؤمنون\nبأن ديانتهم خاصة بهم وهي لا تصلح، لأنها - كما\nقلنا - وباء غاية في الخبث والشر، ويجب كفاح الوباء\nوحصره ثم القضاء عليه إنقاذًا للإنسانية كيلا تصاب به،\nوتحيا آمنة مطمئنة تنعم بالأمن والصحة والسلامة.\nوما أفضنا في الحديث في الديانة اليهودية إلا لنظهر\nللعالم خطرها على الإنسانية كلها، وعجيب من المسيحيين\nودولهم تأييد اليهودية، ومدُّها بكل أسباب القوة\nوالسيطرة مع أن اليهودية أعدى أعداء المسيح\nوالمسيحيين.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الديانة المسيحية</span>\nوأما الديانة المسيحية فإن المسيح ﵊\nمبعوث إلى اليهود، وقد حدد هو نفسه رسالته ومن بعث\nإليهم، فهو عبراني مبعوث إلى اليهود دون غيرهم.\nولا شك أن المسيح من خير البشر خُلُقًا، وندر فيهم\nمثله، ونحن المسلمين لا نقول: إنه يهودي، وإن كان رسولًا\nإلى اليهود، وقد أخرجه الله منهم برسالته.\nومنذ بدأت العقيدة اليهودية وهي عقيدة خاصة كما\nتقول التوراة وكل أسفار اليهود المقدسة، فهي وقف على\nالعبرانيين محصورة فيهم وحدهم، وأخذت على مر السنين\nتضيق بمن أرسلت إليهم حتى انحصرت في داود الذي لم\nيستطع مؤلفو قاموس الكتاب المقدس - إخفاء ما في\nضمائرهم فذكروا في شيء من الخجل قصته مع امرأة\nأوريا الحثي.\nوفي أسفار اليهود المقدسة أن المخلِّص الذي سيكون\nعلى يديه خلاص اليهود سيكون من نسل داود، وما يزال\nاليهود حتى هذا اليوم يحلمون بما كان آباؤهم منذ ألفي\nسنة يحلمون به، فقد جاء في خاتمة بروتوكولات مشيخة\nصهيون وهو البروتوكول الرابع والعشرين: \" هأنذا مفصح","vol":"1","page":75},{"text":"لكم اليوم عن الأسلوب الذي نغرس فيه أصول سلالة\nالملك داود لتستمر إلى آخر الدهر\".\nومنذ ألفي سنة كان اليهود ينتظرون المخلِّص من نسل\nداود، بل كان اليهود ينتظرونه قبل الميلاد بقرون، ولما\nظهر لهم من نسل داود المخلص يسوع دعاهم إلى الحق فلم\nيؤمنوا به.\nوتختلف الديانات الثلاث في تحديد شخصية المسيح،\nفاليهودية تكفر به، وتعده خارجًا عليها، والمسيحية الأولى\nكان قوامها تصحيح اليهودية حتى تطورت المسيحية تطورًا\nخطيرًا بعد بولس، ثم أخذ التطور أو التغير حتى صار\nالمسيح الله الابن، وافترقتْ فرقًا.\nأما الإسلام فيعترف بأن المسيح رسول الله حقا، وأمه\nصدّيقة عذراء، ودعوته توحيد محض، وليس في البشر\nوغيرهم من الخلق - وإن كان رسولًا أو ملَكًا - شيء من\nالألوهية، لأن التفرقة بين الخالق والمخلوق في كل شيء\nأمر طبيعي، فلا المخلوق يصعد إلى عرش الخالق ليكون\nشريكه، ولا الخالق العظيم بنازل إلى درجة المخلوق، لأن","vol":"1","page":76},{"text":"ذلك غير متفق مع كمال الله المطلق.\nفالله ﷻ وتباركت أسماؤه واحد أحد صمد، لم\nيلد ولم يولد، ولم يكن له كفُوا أحد.\nفعيسى في الإسلام عبد الله ورسوله، واختيار الله إياه\nبالرسالة جعله من ذوي العصمة.\nهذا قول الإسلام في عيسى، وهو قول يتفرد به عن\nاليهودية والمسيحية.\nوبعثة المسيح تأتي في إبّانها، فقد قضت اليهودية على\nديانة موسى بالجمود والجحود، وصار المسئولون عنها من\nالكهان غرقى في المادة، فبعث الله عيسى ليعيد إلى\nاليهودية ما أفقده إياها حاخاموها، فهو مبعوث إلى\nاليهود دون غيرهم، والبرهان على ذلك أن فلسطين في\nعهده كانت تابعة للرومان، وفيها رومان وفلسطينيون،\nوذوو ديانات مختلفة، فلم يتجه إليهم بالدعوة، وإنما قصرها\nعلى اليهود، وهو نفسه ﵇ قد حدد من أُرسل\nإليهم.\nففى إنجيل متى ٢١/١٥ - ٣٨: \"ثم خرج يسوع من\nهناك وانصرف إلى نواحي صور وصيدا، وإذا امرأة\nكنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة:","vol":"1","page":77},{"text":"ارحمني يا سيد، يا بن داود، ابنتي مجنونة جدًا، فلم يجبها\nبكلمة، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين: اصرفها لأنها\nتصيح وراءنا، فأجاب وقال: لم أرسل إلاَّ إلى خراف بيت\nإسرائيل الضالة، فأتت وسجدت له قائلة: يا سيد، أعِنِّي،\nفأجاب وقال: ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح\nللكلاب، فقالت: نعم، يا سيد، والكلاب أيضًا تأكل من\nالفتات الذي يسقط من مائدة أربابها، حينئذٍ أجاب يسوع\nوقال لها: يا امرأة، عظيمٌ إيمانك، ليكن لك كما تريدين،\nفشُفيت ابنتها من تلك الساعة\".\nففي هذه الفقرة يحدد المسيح رسالته، ولم يجب المرأة\nالمستغيثة، لأنها كنعانية، وهو لم يرسل إلى الكنعانيين،\nولما ألح تلامذته عليه واستغاثت المرأة امتنع عن إغاثتها،\nوحدد من أرسل إليهم، واعتذر عن أن يجيبها إلى طلبها،\nفلما أعادت سؤاله أعاد عليها امتناعه بجواب آخر حيث\nضرب لها المثل بخبز البنين لا يصح أن يعطيه غيرهم،\nوشبههم بالكلاب، فردت عليه ردًا أرضته به عندما\nذكرت له أن للكلاب نصيبًا في الفتات الساقط من الخبز\nمن أربابها، فأعجبه ردها، وأثنى على عظيمِ إيمانها،\nوأجابها وشفى لها ابنتها.\nوفي إنجيلي متى ١٠/ ٥ - ٦: \"هؤلاء الاثنا عشر","vol":"1","page":78},{"text":"أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلًا: إلى طريق أمم لا تمضوا،\nوإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى\nخراف بيت إسرائيل الضالة \".\nفالمسيح يحدد من يدعوهم، ويمنع تلامذته من دعوة غير\nاليهود، وليس استجابة المسيح للكنعانية بناقضة رسالته\nالخاصة، لأنه ليس من الحتم ألا تصيب الكلابُ من\nالفتات، ولم يدع الكنعانية إلى اتباعه بعد أن رأت\nالمعجزة وشفيت ابنتها، ولو دعاها لأجابته، ولكنه لم\nيدعها، لأنه يعرف أن رسالته خاصة باليهود.\nوظن بعض الباحثين أن مثل المسيح الذي ضربه\nبوليمة العرس التي لم يلبها المدعوون، وأمر الداعي عبيده\nبجمع من يجدوهم في الطريق من غير أولئك الداعين برهان\nعلى شمول الدعوة غير اليهود، لأن حضور الوليمة كانوا\nمن غيرهم.\nوالمثل الذي ضربه المسيح لم يكن لرسالته ولا ينطبق\nعليها، وقد جاء المثل في إنجيل متى ٢٢/ ١ - ١٤:\n\"وجعل يسوع يكلمهم أيضًا بأمثال قائلًا: يشبه ملكوت\nالسماوات إنسانًا ملكًا صنع عرسًا لابنه، وأرسل عبيده\nليدعوا المدعويين إلى العرس فلم يريدوا أن يأتوا، فأرسل","vol":"1","page":79},{"text":"أيضاٌ عبيدًا آخرين قائلًا: هو ذا غدائي أعددته، ثيراني\nومسمناتي قد ذبحت، وكل شيء مُعَدٌّ، تعالوا إلى العرس،\nولكنهم تهاونوا ومضوا، واحد إلى حقله، وآخر إلى\nتجارته، والباقون أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم، فلما\nسمع الملك غضب وأرسل جنوده وأهلَكَ أولئك القاتلين\nوأحرق مدينتهم، ثم قال لعبيده: أما العرس فمستعد،\nوأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين، فاذهبوا إلى مفارق\nالطرق، وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس، فخرج\nأولئك العبيد إلى الطرق، وجعوا كل الذين وجدوهم\nأشرارًا وصالحين، فامتلأ العرس، الخ \".\nوليس في هذا المثل الذي ضربه المسيح برهان على أن\nالمسيح نفسه هو المرسل إلى غير اليهود، فالمقصود بالملك\nالداعي هو الله الذي أرسل عبيده - أي رسله - فلم\nيستجب المدعوون للدعوة، فأعاد بعث عبيد غير الأولين\nفقتلهم المدعوون، فأرسل جنوده وهم غير العبيد،\nينتقمون للقتلى، وبعد ذلك أرسل عبيده إلى مفارق\nالطرق فجمعوا الناس وامتلأ بهم العرس.\nفهو من المرسلين في الدفعة الثانية، فقتلهم المدعوون،\nوقد قتل اليهود المسيح - كما زعموا هم والمسيحيون في\nأسفارهم المقدسة - فانتقم الله بقتلهم.","vol":"1","page":80},{"text":"وقد انتهت رسالة المسيح ومن أرسل إليهم بقتلهم\nوإحراق مدينتهم جزاءً وفاقًا على قتلهم الرسل.\nولن يترك الله الناس بدون رسل فأرسل رسوله محمدًا\n﵊ إلى الأمم، وليس لأمة خاصة، ودليل\nذلك جَمْعُ من في مفارق الطرق، وهم من مختلف الأمم.\nوسواء أكان المسيح رسولًا إلى اليهود أم إليهم وإلى\nغيرهم فإن شيئًا من فقدان صلاح المسيحية لأن تكون دين\nالإنسانية عقيدة وشريعة لن يتغير.\nفالمسيح لم يبعث ليغيّر شريعة قومه اليهود، بل جاءهم\nليكمل، وها هو ذا متى يقول في إنجيله (٥/ ١٧ - ١٨) على\nلسان المسيح: \"لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو\nالأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمل، فإني الحق أقول\nلكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو\nنقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل \".\nوشريعة اليهود التي جاء المسيح لتأييدها وإكمالها لا\nتصلح لأن تكون شريعة الإنسانية، كما أن عقيدتهم غير\nصالحة لها، فاليهود احتكروا إلههم كما احتكرهم، فيهوه\nإله اليهود الخاص لا يشركه فيه غيرهم، وكذلك شريعتهم\nوقْف عليهم دون سواهم.","vol":"1","page":81},{"text":"فالديانة اليهودية بعقيدتها وشريعتها لا تصلح لأن\nتكون دين الإنسانية.\nوالمسيحية التي لم تأت لنقض ناموس موسى خالية من\nالشريعة، لأنه لا شريعة لها، فشريعتها هي شريعة موسى،\nوهذه - كما قلنا - غير صالحة للبشرية لا عقيدة ولا شريعة.\n\"**\nلم يبقَ من كل الديانات غير دين الإسلام، فهل يصلح\nلأن يكون دين الإنسانية عقيدة وشريعة؟\nوإذا كان صالحًا فما برهان صلاحه؟.\nيقول الله ﵎ في رسول الإسلام محمد عليه\nالصلاة والسلام: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) .\nومعنى \" خاتم النبيين \": آخرهم، وزعم بعض الناس\nأن المقصود بخاتم النبيين زينتهم، وقصدوا نفي الختام\nبمحمد ﷺ، وهو افتراء على القرآن، لأن\nمن نزل عليه قال: \" لا نييَّ بعدي\" وفهم الصحابة من لغة","vol":"1","page":82},{"text":"القرآن ومن نبيِّهم المصطفى أن الخاتم هنا بمعنى الختم، ختم\nالله بنبيه محمد رسالات السماء، فلا نبي بعده، ولا رسول\nيعقبه.\nوأيَّد الواقعُ ذلك، فلم يظهر أنبياء، وإن ظهر بعض\nمدعي النبوة الذين ظهر كذبهم، واعترفوا هم أنفسهم\nبذلك.\nوالإسلام خاتم الأديان، وناسخ كل دين سبقه، فلا\nيقبل من أحد بعد ظهور محمد ﷺ أن يتعبد\nالله بغير دين الإسلام.\nوعقيدة الإسلام توحيد حق، وتنزيه مطلق للخالق ﷿، لا شريك له، ولا ولد، ولا صاحبة، ولا ند، ولا مثل.\nوهذا تنزيه وتوحيد لا نجدهما في كل الديانات القائمة،\nأما الديانات السماوية: ديانة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى\nفهي في حقيقتها ديانات توحيد، مثلها مثل الإسلام في العقيدة.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>توحيد الإسلام وتوحيد اليهودية</span>\nوتوحيد الإسلام والديانات السماوية غير المحرَّفة توحيد","vol":"1","page":83},{"text":"صحيح، لا يعترف بكل الآلهة التي اخترعها البشر، لأنها\nآلهة باطلة، فتوحيد اليهودية ليس توحيدًا صحيحًا\nمطلقًا، وإنما هو توحيد بالنسبة لليهود وحدهم، فإلههم\nيهوه واحد، ووحدانيته تأتي من تخصيصهم إياه بالاعتراف\nوالعبادة، فهو ربهم الذي احتكروه لأنفسهم لا يشاركهم فيه\nغيرهم، ويهوه لا يعترف بشعب سوى شعبه المختار الذي\nاحتكره لنفسه، أما الشعوب الأخرى فلهم آلهتهم، ولا\nشأن لليهود بهذه الآلهة.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الثالوث في المسيحية والديانات الوثنية</span>\nوثالوث المسيحية: الله الآب، والله الابن، والله روح\nالقدس، وهو اعتراف بالشرك، وقد سبقته ديانات أقوام\nتقوم على الثالوث، مثل: البرهمية التي تقوم على ثلاثة\nأقانيم: براهما، وفشتو، وسيفا.\nونجد الثالوث نفسه في ديانات بابل وآشور ومصر\nوغيرها، بل نجد الثالوث المسيحي كما هو بأسمائه وأقانيمه\nفي ديانة المكسيك الوثنية، وقد اكتشف قسيس مسيحي\nعندما دخل المسيحيون المكسيك ثالوت المكسيك.\nيقول اللورد \"كنجسبرو\" في كتابه \" الآثار المكسيكية القديمة\"","vol":"1","page":84},{"text":"المجلد الخامس صفحة ١٦٤:\n\"والمكسيكيون يعبدون إلها مثلث الأقانيم ... ولا\nعُيِّن برتولوميو مطرانًا سنة ١٤٤٥ أرسل القس فرنسيس\nهَرْمنديز إلى الكسيك ليبشِّر بين الهندوس بالديانة\nالمسيحية، وكان هذا القس يجيد لغتهم، وبعد مضي سنة\nمن ذهابه أرسل إلى المطران برتولوميو رسالة قال له فيها:\n\"إن الهندوس يؤمنون بإلهٍ في السماء مثلث الأقانيم، وهو\nالله الآب، والله الابن، والله روح المقدس، والثلأاة إله\nواحد، واسم الآب: بزونا، واسم الابن: باكاب؟ وهومولود\nمن عذراء، واسم الروح المقدس: نايكيهيا \".\nويقول كنجسبرو في الصفحة السابقة نفسها: \" ويعبدون\nإلها اسمه \" تنكاتنكا \" يقولون عنه: إنه واحد وثلاثة\nأقانيم \".\nويقول العلامة نايت في كتابه، (اللغة الرمزية\nللفنون القديمة والأساطير \" صفحة ١٦٩: \"وسكان","vol":"1","page":85},{"text":"جزائر الأقيانوس عبدوا إلهًا مثلث الأقانيم، ويقولون:\nالإله الآب، والإله الابن، والإله روح المقدس، ويصورون\nروح المقدس على هيئة طير \".\nوهناك عشرات القبائل الوثنية يؤمنون بإله مثلث\nالأقانيم، وهذه القبائل في آسيا وأوربا وإفريقيا وأمريكا.\nوقد سبق الثالوثُ في عشرات الديانات الوثنية\nالثالوثَ المسيحي، وكل ما في المسيحية من عبادات\nوطقوس وشعائر موجوده في الديانات الوثنية التي\nسبقتها، وصفات المسيح كما ترويها الأناجيل والمصادر\nالمسيحية موجودة في تلك الديانات التي نجد فيها أيضًا اسم\nأم المسيح نفسه وصفاتها.\nوفي كتاب \" أساطير التوراة وما يماثلها في الديانات\nالأخرى \" الذي ألفه العالم المسيحي الكبير \"دوان \" ذكْرٌ\nمفصل لأساطير التوراة والأناجيل التي سبق وجودها في\nالديانات الوثنية، وافتتح \" دوان \" كتابه بآية من القرآن\nالكريم وهي: (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) . واستشهاده بالآية الكريمة رد على من اعتقدوا التثليث.\nوذكر \" دوان \" في كتابه وجود الثالوث في ديانات","vol":"1","page":86},{"text":"الهند والصين ومصر وبابل وغيرها في تفصيل أثبت فيه\nأن ثالوث المسيحية مسبوق بثالوث الديانات الوثنية التي\nسبقتها.\nوعشرات من علماء المسيحية وأقطابها مثل \"دوان \"\nذكروا سَبْق الوثنيات القديمة المسيحية في الثالوث، مما\nيثبت أن المسيحية أخذت عقيدة الثالوث من تلك\nالديانات.\nوهؤلاء العلماء المسيحيون غير متهمين، ولكنهم\nذكروا ما هو حق، وأرادوا أن يثبتوا أن المسيحية التي\nتصورها الأسفار المقدسة لديهم إنما هي ديانة وثنية\nمقتبسة من الوثنيات القديمة.\nوكل صغيرة وكبيرة في المسيحية مأخوذة من الديانات\nالوثنية القديمة، وانقلبت المسيحية من توحيد حق إِلى دين\nوثني محض، وما يعرف بالمسيحية ليس الدين الحق الذي\nجاء به عيسى من عند الله، وإنما هو دين كوَّنه بولس الذي\nنقض المسيحية نقضًا، ثم هدمه من جاءوا بعده هدما،\nويعترف أكابر الباحثين من علماء المسيحية وكتَّابها\nوفلاسفتها ورجال الدين البرزين بما حلَّ بالمسيحية من تغير\nشامل، كما يعترفون بما دخل فيها من الوثنية.\nيقول الكاتب المشهور جورج برناردشو: \" إن القس","vol":"1","page":87},{"text":"الشهير \" دين إنج \" قال: لقد شوه بولس تعاليم راعينا حتى\nلكأنه صلبه مقلوبًا برأسه إلى أسفل \".\nويقول العالم البريطاني المعروف ويلز: \" أوتي بولس\nقوة عقلية عظيمة، كما كان شديد الاهتمام بحركات عصره\nالدينية، فكان على علم واسع باليهودية وبديانة مترا وديانة\nالاسكندرية، فنقل إلى المسيحية كثيرًا من معتقداتهم\nومصطلحاتهم، ولم يهتم بما جاء به عيسى من فكرة ملكوت\nالسماوات \".\nويقول \"بيري\" في كتابه \"ديانات العالم \":\n\" بعد صلب المسيح ذاب أتباعه واختفت دعوته،\nولم يعد أحد يسمع شيئًا عن هذه الدعوة \".\nويقول: \"كان عيسى يهوديًا، وقد ظل كذلك أبدًا،\nولكن بولس كوَّن المسيحية على حساب عيسى، فبولس في\nالحقيقة مؤسس المسيحية، وقد أدخل بولس على ديانته\nبعض تعاليم اليهود ليجذب إليها عامتهم، كما أدخل صورًا\nمن فلسفة الإغريق ليجذب أتباعًا له من اليونان، فبدأ\nيذيع أن عيسى منقذ ومخلّص وسيد استطاع الجنس\nالبشري بوساطته أن ينال النجاة، وهذه الاصطلاحات\nالتي قال بها بولس كانت مشهورة عند كثير من الفرق،","vol":"1","page":88},{"text":"فانحاز أتباعها إلى ديانة بولس، وعمد - إرضاء لمثقفي\nاليونان - إلى أن يستعير من فلاسفة اليونان وبخاصة\nالفيلسوف فيلون اتصال الإله بالأرض عن طريق الكلمة\nأو ابن الإله \".\nوهناك فلاسفة مسيحيون وكتاب وأدباء وشعراء\nوأساتيذ جامعات ذهبوا إلى ما ذهب إليه شو وإنج وويلز\nوبيري، وقرروا جميعًا أن المسيحية ليست ديانة عيسى،\nوإنما هي ديانة بولس لفَّقَها من مختلف الديانات الوثنية\nوالفلسفات في عصره.\nوإذا كان القدماء من المسيحيين قد اختدعوا بديانة\nبولس على أنها مسيحية المسيح فإن اختداع المسيحيين في\nالقرن العشرين مثار عجب ودهشة؟ فالتقدم الحضاري لم\nيُعينهم على فهم الحقيقة التي كشفها لهم أقطاب المسيحية\nالمعاصرون.\nوسواء لدينا إذا كانت المسيحية ديانة عيسى أم\nاختراع بولس، فالحكم واحد لن يتغير، فالمسيحية التي\nتصورها أسفارهم المقدسة قد حبسها المسيحيون في\nالكنيسة، ولا شأن لها بنظام البشر ومعاملاتهم، وقديمًا\nنسبوا إلى المسيح أنه قال: أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله،","vol":"1","page":89},{"text":"وهو حكم على المسيحية بالعزلة التامة عن الحياة\nوالسوق.\nوهم أنفسهم قد حكموا على فقدانها الصلاح لأن تكون\nدين الإنسانية جمعاء، ونحن نوافقهم على هذا الحكم ونزيد\nفنقول: إن المسيحية لا تصلح لأن تكون دين الإنسانية\nعقيدة وشريعة، لأن العقيدة المسيحية تحولت على يد بولس\nإلى ديانة وثنية ملفقة من وثنيات وفلسفات مختلفة.\nولا تصلح للبشرية ديانة وثنية تقوم على الشرك، بل\nلا بد للديانة التي يُراد لها أن تكون للبشرية كلها أن\nتكون ديانة صحيحة تقوم على إفراد الله بالعبادة، وأن\nتحوي مع العقيدة شريعة فاضلة كاملة تنتظم كل بني\nالإنسان في حاضره ومستقبله.\nوبعد هذه الرحلة في عالم الديانات ننتهي إلى الحكم\nبفقدانها الصلاح لأن يكون دين منها صالحًا لأن يكون\nدين البشرية كلها، لأن واقع تلك الديانات هو الحَكم\nالعدل عليها بفقدانا الصلاح، بل إن أهل كل ديانة قائمة\nقد حكموا عليها بذلك، فهم أنفسهم يؤمنون أن دياناتهم\nخالية من الشريعة فأوجدوا لهم شرائع حكَّموها في حياتهم\nومعاملاتهم.\n* * *","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الإسلام</span>\nولم يبق من كل الديانات غير دين الإسلام، وسنبحث\nأمره كما فعلنا مع غيره لنرى أهو صالح لأن يكون دين\nالإنسانية؟.\nالقرآن الكريم كتاب الإسلام المقدس يذكر أن دين\nكل رسل الله الكرام عليهم - الصلاة والسلام هو الإسلام،\nولكن دين محمد هو الذي عرف به، فإذا أطلق الإسلام\nعرف به دين محمد ﵊.\nووحي الله ﵎ يشمل القرآن الكريم\nوالحديث النبوي، والقرآن كلام الله الحق، نزل به الروح\nالأمين جبريل ﵇ على رسول الإسلام محمد صلى\nالله عليه وسلم، وكل ما جاء في القرآن حق، والحديث\nالنبوي الشريف كلام محمد، وكله حق، مثله مثل القرآن،\nلأن كل محمدًا لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى كما\nقال الله ﷾ في محكم كتابه.\nوقد قال الله ﷻ في محكم كتابه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)\nوقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) .\nوقد جاءت الآيات البينات المحكمات في كتاب الله","vol":"1","page":91},{"text":"تشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وأن الله وملائكته يصلون\nعليه، والمؤمنون مأمورون بالصلاة على محمد، وأن محمدا\nرسول الله إلى الناس كافة، وأنه رحمة للعالمين، وأنه بشر\nيختلف عليه ما يختلف على بني الإنسان من صحة ومرض،\nوشبع وجوع، وري وظمأ، ومسرة واكتئاب، ولكنه معصوم\nعصمه الله، فلا يصدر منه ما لا يتفق مع العصمة، ولم\nيصدر منه قط لا قبلَ النبوة ولا بعدها قول أو فعل غير\nمتفق مع العصمة.\nوالرسل الكبار المعروفون بأولي العزم خمسة هم: نوح،\nوإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وتواريخ حياتهم غير\nمعروفة بالدقة والتفصيل إلا محمد، وقبورهم مجهولة إلا قبر\nمحمد، أما عيسى فقد توفاه الله ورفعه إليه.\nوخير مصدر وأصدقه لسيَرهم ما جاء في كتاب الله\nوسنة رسوله، والرسول المعروف كل سيرته وتاريخ حياته\nبالدقة والتفصيل اللذين لم يُعرفا لبشر غير رسول الإسلام\nوسيرته.\nوقد كان لإبراهيم صحف، ولموسى التوراة، ولعيسى\nالإنجيل، ولكن إنجيل عيسى قد فقد بعد حياته، وليس له\nوجود منذ عصر المسيحية الأول، فقد ذكر رسولهم بولس\nفقدانه، وتوراة موسى مفقودة، والتوراة الموجودة إنما\n_________\nالمراد وفاة النوم كما في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ) .\nوقوله (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) .\nوالله أعلم.","vol":"1","page":92},{"text":"كتبت بعد موت موسى بثمانية قرون، فهو على التحقيق\nليست التوراة المنزلة من الله على موسى، وصحف إبراهيم\nغير موجودة وغير معروفة بعد وفاته.\nوالكتاب الوحيد الباقي بنصه هو القرآن الكريم،\nفقد استظهره كلّه بعضُ الصحابة في عصر رسول الله صلى\nالله عليه وسلم، وتلقاه عنه صحابته الذين أورثوا تلقيه\nمن عاصرهم، وأخذ القرآن يتنقل من قبيل إلى قبيل\nبالتلقي، فالتواتر ثابت، وكلما جاء جيل كثر حفاظه، وفي\nعالمنا اليوم مئات الآلاف من المسلمين يستظهروه كله\nاستتظهارًا محكمًا، وما من مسلمٍ على وجه الأرض إلا وهو\nيستظهر بعض سوره، بل نجد من غير المسلمين من\nيستظهرونه.\nوبلغت الدقة القصوى والعناية البالغة بنص القرآن\nإلى حد العامة الأميين بَلْهَ العالِمين، ولو أن قارئا غلط في\nحرف أو كلمة من سورة من السور التي بحفظها كل مسلم\nعلى وجه الأرض لرده العامة إلى الصواب.\nفسورة الفانخة بحفظها كل مسلم، وكذلك سورة\nالإخلاص، فإذا قرأ قارئ قول الله تعالى: (الْحَمدُ لِلَّهِ\nرَبِّ الْعَالَمِينَ) بضم الباء من \" رَبِّ \" أو فتحها أو بكسر\nاللام من \" العالَمِين \" لرده إلى الصواب آلاف العامة الأميين.","vol":"1","page":93},{"text":"فإذا بلغت المحافظة على النص هذا - المبلغ فإن مما لا\nريب فيه أن يكون القرآن الكريم محروسًا من قبل الله\nالذي وعد بحفظه ثم من قبل المسلمين جميعًا.\nفالكتاب الوحيد المحفوظ الباقي بنصه المنزل من الله\nهو القرآن، أما غيره من الكتب السماوية الأخرى فقد\nاختفت من الوجود لتخلي الأرض لكتاب الله الخالد الذي\nختمت به الكتب السماوية كما ختم بمحمد - ﷺ - رسالات السماء،\nوكما ختم بالإسلام دين الله، فلا كتاب بعد القرآن، ولا نبي\nبعد محمد - ﷺ -، ولا دين غير الإسلام.\nوالقرآن موجود بين أيدي العالم، حوى كل العقيدة\nالصحيحة التي لا مجال لإضافة جديدة تضاف إليها، وحوى\nمن الشريعة الأصول السليمة التي تصلح للإنسان في كل\nزمان ومكان، مع ترك باب الاجتهاد مفتوحًا لإضافات\nجديدة.\nفما كان محرمًا ممنوعًا جاء النص به واضحًا وصريحًا،\nوما سوى الحرام حلال لا يحتاج كله إلا نص، لأن\nالاستثناء هو الذي بحاجة إلى النص.\nأما محمد رسول الإسلام فكإخوته رسل الله الكرام،","vol":"1","page":94},{"text":"يتفق معهم في رسالة التوحيد، ويختلف عنهم في التشريع\nاختلافًا كبيرًا، فشرائع من سبقوه من الرسل كانت صالحة\nلأقوامهم في تلك العصور الضيقة المحدودة، وليست صالحة\nبمجموعها لغيرهم في عصورهم وفي غير عصورهم، ولهذا لم\nيُبْعثْ رسول إلا إلى قومه دون غيرهم.\nفعيسى ﵊ بعث إلى قومه اليهود،\nفبلَّغهم الرسالة ولم يتجاوزهم إلى غيرهم، مع أن غير\nاليهود من رومان وعرب وغيرهم كانوا يقطنون معهم.\nأما محمد - ﷺ - فقد ختم الله به الرسل\nوختم بدينه - وهو الإسلام - كل الديانات،\nكما ختم بالقرآن الذي أنزله على محمد الكتب،\nفلا كتاب بعده أو معه، ولا رسول مع محمد ولا\nبعده، ولا دين مع الإسلام أو بعده، ولن يقبل الله دينًا غير\nالإسلام، ولا رسولًا غير محمد، ولا كتابًا غير القرآن.\nفرسول الإسلام محمد رسول إلى كل البشر منذ بعثته\nحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وبراهين عموم رسالته\nأنها لم تتكرر، وهذا مصداق من مصادق نبوته، وأن محمدًا\nنفسه وجه الدعوة إلى كل البشر، وكتاب الله ذكر في غير\nموضع هذا العموم بحيث لم تقتصر الرسالة على الإنس\nوحدهم بل شملت الجن أيضًا، بل جعل الله رسالة محمد","vol":"1","page":95},{"text":"رحمة للعالمين فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) .\nوكانت بعثةمحمد - ﷺ - ورسالته\nرحمة للعالمين حقا وصدقًا، فمن أمارات هذه الرحمة\nأن أمم الرسل السابقين تحدّوا رسلهم،\nفذهبت كل أمة بعذاب، فقوم نوح أغرقهم\nالطوفان، وقوم لوط دمرهم الله تدميرا بأن جعل عالي\nأرضهم سافلها، وقوم صالح أخذتهم الرجفة فكانوا في\nدارهم - جاثمين، وهكذا كان غيرهم من أقوام المرسلين.\nوأقوام محمد كانوا أشد ممن سبقوا عتوًا واستكبارًا على\nالحق، فما دعا على قوم منهم كما فعل نوح إذ استنزل من\nالله العذابْ على قومه إلا المؤمنين، وكلما أسرف أقوام محمد\nفي الكفر والعناد والتحدي اتسع لهم قلبه بالرحمة فدعا لهم\nبالهداية.\nوهذا طبيعي من نبي الهدى والرحمة ورسول الإنسانية،\nلأن كل من في الأرض من البشر أمته، وليس\nبطبيعي أن يدعو عليهم فيبيد كلَّ من أرسل إليهم، ومحمد\nمدرك أن الله لم يخلق الإنس والجن إلا لعبادته:\n(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) .\nفإذا لم يكن مبعثه رحمة لقضى عليهم،","vol":"1","page":96},{"text":"وتقضي الرحمة بأن يدعو لهم بالهداية لا عليهم بالويل والثبور،\nفتبقى الأرض عامرة بعباد الله.\nونخلص مما سبق أن القرآن للإنسانية عقيدة وشريعة،\nومحمد ﵊ والإسلام للإنسانية عقيدة\nوشريعة.\nفالله في الإسلام غيره في الديانات الوثنية وفي اليهودية\nوفي المسيحية، ففي الوثنية جعلوا الله ﷻ وثنًا،\nوتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nأما في اليهودية فجعلوا الله ﵎ \" يهوه \"\nووصفوه بصفات البشر، يأكل ويشرب، ويتشكل بأشكال\nشتى، جعلوه يبدو في صورة الإنسان! وفي صورة سحابة،\nوفي هيئة عمود دخان، وجعلوه يتصارع مع داود،\nومتعطشًا للدماء، ويبتهج لرائحة الشواء، وتعالى الله عن\nكل ذلك علوًا كبيرًا.\nو\"يهوه\" إله اليهود إله قبلي خاص باليهود، وهم\nعباده، ويحرمون على ربهم أن يكون لغيرهم، وربهم لا يبرّ\nغير أتباعه، فهو ليس برب الناس جميعًا.\nوالمسيحيون يؤمنون بأسفار العهد القديم وبكل ما جاء\nفيها، وأضافوا إلى إيمانهم بتلك الأسفار إيمانهم بأسفار","vol":"1","page":97},{"text":"العهد الجديد، مع أن اليهود لا يؤمنون بها، بل يكفرون\nبها وبالمسيح أشد الكفر - كما مر الذكر بالتفصيل فيما سبق\nمن الصفحات - وأضاف المسيحيون إلى إيمانهم بالعهد\nالقديم والجديد إيمانهم بأن عيسى إله فزعموا الله الآب،\nوالله الابن - ويقصدون عيسى - والله روح المقدس،\nوعبدوهم من دون الله.\nوالتثليث - كما مر الذكر - موجود في كثير من\nالديانات الوثنية، وفي بعضها موجود بالتقسيم المسيحي\nوبالأسماء الواردة فيه، وصفات الثالوث سبق المسيحية َ\nورودها في تلك الديانات.\nفالله في المسيحية ثلاثة، وجعلوها ديانة مركبة معقدة،\nوجعلوا في المسيح طبيعة الله وصفاته، وأضافوا إليه من\nالوثنيات صفات حتى أغرقوا في الوثنية.\nأما الله في الإسلام فهو واحد أحد، وليس بربِّ أمة\nدون أمة، أو عصر دون عصر، بل هو رب العالمين، رب\nالكون كله، رب كل شيء، كامل في صفاته وذاته،\nوليس له شريك ولا ند ولا شبيه ولا زوجة ولا ولد، لأن\nوجود هؤلاء يقضي على الكمال المطلق الذي تفرد به الله\nﷻ، وتنزه عن النقص كله.","vol":"1","page":98},{"text":"وقد مر بالقارئ في هذا الفصل مفهوم \" الله \" في كل\nالديانات، وقد انحطوا بهذا المفهوم إلى الحضيض على\nتفاوت لا يقضي على إجماعهم في هذا المفهوم الخاطئ، وإن\nكانت تبعة هذا العصر المتقدم المتحضر الذي وصل إلى\nآفاق جدِّ بعيدة أعظم من تبعة أولئك البدائيين.\nوإذا كان عذر أولئك البدائيين الجهل المطبق الذي\nورثه من جاءوا بعدهم فما عذر أبناء هذا العصر الذين لم\nيتقدموا خطوة عن أولئك البدائيين في العقيدة، بل\nتجاوزوهم في الجهالة عندما أعطُوا الهدى فأبوه وطعنوه.\nونقرر ونحن على ثقة واطمئنان لا حدَّ لهما أن الإسلام\nأصلح الديانات القائمة والمندثرة منذ كان للإنسان دين،\nنعم، الإسلام أصلح الديانات للإنسانية كلها من ناحية\nالعقيدة التامة الكاملة المنزهة عن الشرك والوثنية.\nأما من ناحية الشريعة فلا نريد أن نصدر للإسلام\nالحكم قبل أن نفحص شريعته ونضعها في الميزان.\nوما دمنا مؤمنين حق الإيمان بوحدانية الله وبأنه\nخالق الكون كله، فإن من البديهي أن نؤمن بأن الله جل\nجلاله أعلم بعباده وأعلم بما هو صالح لهم وبما هو غير صالح.\nوما دمنا مؤمنين بذلك فطبيعي أن نؤمن بأن ما شرع","vol":"1","page":99},{"text":"الله لعباده خير من شريعة البشر.\nوكل ما كبر عقل الإنسان واتسعت آفاق علمه وثقافته\nازداد إيمانًا بنقصه وجهله، وما يبلغ الغرور بإنسان إلى أن\nيدعي الكمال لنفسه، فأصحاب أكبر العقول في العالم\nوأعظم الناس ثقافة يعرفون أكثر من غيرهم أنهم ناقصون،\nومهما بلغوا من العلم فهم يعلمون أن ما علموا لا يذكر\nبجانب ما لم يعلموا، فإذا فتح أمامهم باب من العلم أدركوا\nأن ما أغلق من أبوابه كثير.\nفهذا الإنسان الكبير بعلمه ومعرفته وإدراكه وعقله\nناقص، وهو مؤمن بذلك أشد الإيمان، وطبيعي أن يكون\nما يصدر عن الناقص موصوفًا بالنقص، واستدراك العلماء\nبعضهم على بعض برهان النقص الذي يعترفون به.\nفإذا شرع الإنسان الناقص شرعًا كان ناقصًا، وهذا ما\nنشهده في كل شريعة يشرعها، وتبدل الشرائع الوضعية\nبحسب الزمان والمكان وتقدم الإنسان وتأخره برهان على\nأن الناقص يلد الناقص.\nفشريعة البشر التي يضعونها شريعة ناقصة، ومنذ وضع\nالإنسان الشرائع وهي خاضعة للتغيير الدائم المطرد.\nأما شريعة الله فكاملة، لأن الله كامل، وإذا كانت","vol":"1","page":100},{"text":"شريعة قوم نوح غير صالحة لقوم إبراهيم أو محمد فليس\nلنقص في الشريعة التي شرعها الله، فإذا لم يصلح ثوب زيد\nلعمرو فليس سببه نقص أو عيب في الثوب المفصل لزيد،\nفهو تام بالنسبة له، وصالح له أتم الصلاح، لأنه مفصل على\nقَدِّه، وكذلك شريعة قوم نوح صالحة لهم وحدهم، لأنها\nمفصلة عليهم، فهي تامة لهم.\nفإذا جاء قوم غير قوم نوح أعطاهم الله شرعًا يسعهم\nويصلح لهم، وهكذا الأمر بالنسبة للأقوام الآخرين.\nفلما أراد الله أن يبعث إلى الناس كافة رسولًا أرسل\nلهم معه شريعة من عنده، ولما كان هذا الرسول الكريم آخر\nرسله زوده بشريعة كاملة غير قابلة في أصولها إلى إضافة\nجديدة، لأن الكامل يأبى الإضافة، وإلا لما كان كاملًا.\nومن أظهر الفوارق البينة بين شريعة الله وشريعة\nالبشر أن شريعة الله هي التي تنشئُ مجتمعها، أما شريعة\nالبشر فإن مجتمع البشر هو الذي ينشئُ شريعته، وشتان\nما بينهما، وما أعظم الفارق بين الشرعين.\nفشريعة الإسلام شرعها الله، فهي لا تتغير، لأن من\nأبدعها لا يتغير، فهي ثابتة، وليس كل ثبات جمودًا،\nوثبات الشمس أو الأرض ليس بجمود، والثبات هنا بقاء","vol":"1","page":101},{"text":"الشمس أو الأرض على حالها وطبيعتها.\nويدرك الإسلام أن جديدًا كثيرًا من الأحكام\nوالأشياء سيجدُّ على البشرية فوضع الأصول التي لا يعتريها\nالتغيير، ووضع لا يجدُّ قواعد وأصولًا، وجعل باب\nالاجتهاد مفتوحًا على الدوام، فيضع الإنسان للجديد ما\nيناسبه ويصلح له، دون أن يكون هذا الجديد الموضوع من\nقبل الفكر الإنساني الطُّلعة العبقري إضافة إلى الأصول\nالثابتة، بل هو فرع يصدر عنها، وموصول بها.\nقد تحتاج المدينة إلى طريق تمهده، فتدعو الحاجة\nعندما تتسع المدينة وتكبر إلى مدِّ الطريق، وقد يكون ما\nيضاف إلى الطربق القديم أكثر طولًا وعرضًا، وما يسمى\nهذا الجديد المضاف بديلًا عنه ولا نقصًا فيه، لأنه مدٌّ\nاقتضته الحاجة، كذلك الجديد من الأحكام.\nوأصول الشريعة الإسلامية تفتح الباب لاستقبال كل\nجديد، وسيرى القارئ في الفصل المعقود بعنوان\n\" وفاء الفقه الإسلامي لهذا العصر وكل عصر \"\nمصداق ذلك.\nوصلاح الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان أمر\nأثبته الواقع، فقد صلُحت لحكم الحجاز وجزيرة العرب،\nولما اتسع الفتح الإسلامي ثبت صلاحها لأعظم الأقطار","vol":"1","page":102},{"text":"حضارة وعلمًا وثقافة، فقد طبقت في مصر والشام وبيزنطة\nوفارس والهند والصين واندنوسيا وأفغانستان وشمال\nأفريقيا وقبرص وأسبانيا تطبيقًا تامًا، وحققت العدالة في\nهذا العالم، ورضي بها الناس، لأن مقصد الإسلام من\nشريعته ضمان الأمن من كل مخافة، والعدل في الأحكام\nوالمعاملات.\nوعدل الإسلام غير مقصور على المسلمين وحدهم، بل\nيشمل غير المسلمين، وكل الناس في شرعه سواء، فيحرم\nالإسلام ظلم أي أحد، يحرم أن يُظْلَم أبناء الديانات\nالأخرى.\nيقول رسول الإسلام محمد ﵊: \" مَنْ\nآذى ذمِّيًا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة \".\nويقول ﷺ:\n\"من أمَّنَ رجلًا على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرًا\".\nوهذا الوعيد موجه إلى المسلم إذا قتل غير مسلم،\nفرسول الله خصم المسلم إذا آذى أي أحد من أبناء\nالديانات الأخرى، ويا ويل من كان محمد - ﷺ - خصمه في يوم الحساب، فإذا أمَّنَ مسلم كافرًا تم قتله فمحمد - ﷺ -","vol":"1","page":103},{"text":"بريء من هذا القاتل المسلم، وإن جهنم مثوى مَنْ\nبرئ منه محمد - ﷺ -.\nوإنسانية الإسلام ليست وقفًا على المسلم وحده، ولا على\nالإنسان أيًا كان دينه وجنسه ولغته ووطنه وحسب، بل\nاتسعت للحيوان أيضًا.\nومعروف عداء اليهود لرسول الإسلام، ومع هذا اتسع\nقلبه بالرحمة حتى وسعهم، فقد مرت به - ﷺ -\nجنازة يهودي فوقف لها، فظن صحابته أنه لا يعلم فقالوا\nله: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي، فأجابهم: \" أوليس\nنفسًا\"؟.\nوهذه الإنسانية نفتقدها في جميع الديانات دون\nاستثناء، فما أثر عن أحد يحترم احترامًا صادقًا أعداء\nدينه ونفسه، ولكن الإسلام في شخص رسوله - ﷺ - وقف لجنازة يهودي.\nبل بلغت الإنسانية في الإسلام أعلى مرتبة فيها، فقد\nكان مشركو مكة شديدي الحقد على رسول الإسلام،\nوأرادوا قتله، وحاولوا اغتياله، ولو ظفروا به لمزقوه إرْبًا\nإرْبا، وقد خططوا لاغتياله وتمزيقه، ولكن الله أنجاه.\nقيل له: يا رسول الله، ادع على المشركين، فقال:","vol":"1","page":104},{"text":"\" إني لم أبعث لعَّانًا، وإنما بعثت رحمة \".\nإن رسول الإسلام أبى أن يدعو على المشركين، لأنه\nمبعوث رحمة لا عذاب، ومحمد نفسه رحمة، والرحمة لا تطرد\nالرحمة، بل تجتذبها وتنميها، وكذلك كان.\nوبلغت الرحمة في الإسلام ورسوله أعلى ذراها عندما\nاتسعت للحيوان الأعجم، فقد ذكر رسول الله محمد - ﷺ - أن أمرأة مومسًا دخلت الجنة في كلب، فقد رأت كلبًا يلهث\nمن العطش، فنزعت خفها ودلّته في البئر ونزعت به الماء\nوسقته، فغفر الله لها (١) .\nوذكر رسول الإسلام في حديث له أن امرأة دخلت\nالنار في هرة حبستها، لم تطعمها هي ولم تَدَعْها تأكل من\nخشاش الأرض فماتت، فأدخلها الله النار.\nبل انتهى الإسلام ورسوله إلى الذروة العليا من\nالإنسانية، فقد نهى عن سب الحيوان، وشدد النهي عن\nلعنه، وزجر امرأة لعنت دابتها زجرا شديدًا لأنها لعنت\nدابتها، ومنعها عن ركوبها.\nوقد أُثرت عن رسول الإسلام مئات الحوادث في هذا\nالسبيل، ويكفي أن الله ﷻ قال في رسول الإسلام:\n_________\n(١) نص الحديث في البخاري:\n٣٠٧٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁\nعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَالَ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ\".","vol":"1","page":105},{"text":"(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ويدخل في العالمين:\nالحيوان، والنبات.\nوأنَّى اتجه الإنسان وجد إنسانية الإسلام، وجدها في\nكل دقيق وجليل منه، فقد ظهر الإسلام في بيئة قائمة على\nالعصبية والقومية، وكان لهما مطلق السلطان، وكان للدم\nوالنسب أعظم شأن، ومحمد نفسه من أعظم نسب، وبلغ\nبالعرب التعصب إلى حد إطلاقه على كل أجناس البشر\nالعجم يقابل العرب، تقريرًا منهم بهبوط غيرهم وعلوهم\nوحدهم.\nوكان بوسع رسول الإسلام أن ينتفع بهذه العصبية في\nنصر دعوته، ولكنه لا يتخذ ما حُرِّم وسيلة إلى غايته، لأن\nالغاية الشريفة تحتم أن تكون الوسيلة شريفة، ولهذا جابه\nمن أول دعوته العصبية والقومية، لأن الإسلام لم يكن\nدينًا لقوم، بل دين الإنسانية كلها، وليس فيه فخر\nبالأنساب، ولا مجد بالدم، بل الفخر كله للعمل الإنساني\nالصالح الذي تلخصه كلمة التقوى، فقال الله في محكم\nكتابه: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) .\nوقال رسول الله - ﷺ -:\n\" ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى\".","vol":"1","page":106},{"text":"وارتفع العِبِدَّى إلى أعلى ذروة في الإسلام بالتقوى،\nوهبط السادة ذوو النسب الأرفع إلى الحضيض لبُعدهم عن\nالتقوى، فصعد بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب\nالرومي إلى مكانة عليا حتى وضعهم رسول الإسلام في صفه\nفقال: \" السُّبَّاق في الإسلام أربعة: أنا سابق العرب، وبلال\nسابق الحبشة، وسلمان سابق الفرس، وصهيب سابق الروم \".\nوالمساواة في الحقوق والواجبات مضمونة، فلا تمييز بين\nالناس بسبب المال والجاه والنسب والعلم، فالتكاليف\nواحدة، والحقوق واحدة، والتفضيل موجود، ولكنه ليس\nبسبب المال، وإنما يفضل الغني إذا وسع بماله الفقراء،\nودرجة أهل العلم أعلى إذا نفعوا بعلمهم.\nوإذا كانت المساواة مقررة في الإسلام فإن المفاضلة\nمعترف بها في رحابه، ولا تكون إلا بسبب الخير، فصاحب\nالخير الأكثر أفضل من صاحب الخير الأقل.\nوالحرية حق طبيعي للإنسان، فلا يستعبدْ أحد أحدا،\nوالملك والسوقة سواء في الحرية والحقوق والواجبات، وإن\nكان نصيب الملك والأعلياء من التبعة أكبر، لأنهم أقدر\nعلى فعل الخير.","vol":"1","page":107},{"text":"ورفع الإسلام شأن المرأة، فهي فيه شقيقة الرجل،\nوالرجل شقيق المرأة، وكرَّمها وعظمها، فهي ترث\nوتورِّث، ومن حقها أن تملك مثل الرجل، والفروض\nعليهما واحدة.\nوعندما ننادي بصلاح الإسلام لأن يكون دين\nالإنسانية كلها يفزع الملايين ومئات الملايين من تحكم\nالإسلام، وبين مئات الملايين من الفزعين عشرات الملايين\nمن المسلمين، وسبب فزعهم أن الإسلام يحرِّم عليهم أمورًا\nاستطابوها وتعودوها، فهم لا يوافقون على تحكيم الإسلام.\nومئات الملايين من غير المسلمين وعشرات الملايين من\nالمسلمين سواء في معارضة تحكيم الإسلام، وسواء في\nالاحتيال على القوانين الوضعية مما يدل على عدم رضاهم\nعنها.\nوسنبسط القول بعض البسط في فصل\n\" انحسار تطبيق شريعة الإسلام في أقطار العرب والمسلمين \".\nوأيًا كان الأمر فالدين الوحيد الصالح لأن يكون دين\nالإنسانية كلها هو الإسلام وحده دون سائر الأديان، لأنه\nالدين الذي يحوي أصح عقيدة على الإطلاق، وأفضل\nشريعة دون استثناء، والبراهين على ذلك كثيرة في هذا\nالفصل وغيره من فصول الكتاب.","vol":"1","page":108},{"text":"وقد صدق الله إذ قال: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) .\nولو ترك الإنسان لفطرته في اخنيار الدين الذي\nيرتضيه من بين هذه الديانات لما اختار منها إلا الإسلام،\nلأنه يحوي خير عقيدة تُنزِّه الله تنزيها مطلقًا، وتعترف\nبوحدانيته، وتفرده بالعبادة كلها، وتنفي الشريك، وتؤمن\nحق الإيمان به وبكتبه ورسله وبالبعت وبالقضاء خيره\nوشره.\nوإلى جانب العقيدة يحوي خير شريعة يتساوى بين\nيديها كل الناس: الرسل والملوك والعلماء والسوقة، لا تمييز\nلأحدٍ على أحد إلا بالتقوى التي تحوي كل معاني الخير\nوالصلاح.\nوصرْحُ الإسلام يقوم على ثلات قواعد:\nالأولى - الإيمان الحق بالله وجودًا، وصرف كل أنواع\nالعبادة له وحده، ليس كمثله شيء، ولا شريك له ولا ولد\nولا زوجة.\n(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) .","vol":"1","page":109},{"text":"(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) .\nالثانية - الأمر بالمعروف، والمعروف كل ما هو خير\nوصالح، وهو على أربعة ضروب:\nأ - معروف فرض عين على كل إنسان ذكر أو أنثى،\nكالصلاة والزكاة وحج بيت الله الحرام.\nب - معروف يُعْرَف بفرض الكفاية، وهو ما يكفي\nالقيام به من قبل طائفة من المسلمين، فإن لم يقوموا به\nجميعًا ارتقى إلى فرض العين، مثل: تعلم العلوم والمهن\nوالصناعات، ويجب على المجتمع المسلم أن يتعلم كل العلوم،\nفإذا خلا من علم أو مهنة أو صناعة صار وجودها\nفرض عين، فإذا خلا المجتمع من علم الفيزياء كان المجتمع\nناقصًا، وإكمال هذا النقص فرض عليه، فإذا تعلمه واحد\nأو أكثر سقط عن الآخرين.\nج - معروف يستحب عمله، وهو دون فرض العين\nوإن كان بعض المستحب يدخل في فروض الكفاية مثل","vol":"1","page":110},{"text":"إماطة الأذى عن الطريق، والنظافة، وتأمين مصالح\nالناس.\nأما المستحبُّ فيتمثل في الآداب العامة مثل إفشاء\nالسلام، وتلبية الدعوات، وعيادة المريض، وزيارة الأهل\nوالأحباب، ومساعدة المحتاج، وإقراض المعسر.\nد - معروف مباح لا إكراه فيه، ومن القواعد الكلية\nفي شرعة الإسلام أن كل شيء مباح إلا ما استُثْنِيَ حظرُه\nبنص صحيح صريح، وهو ما جاء الشر ع بتحريمه كالزنا\nوالربا والسرقة والظلم والأذى والاحتكار.\nالثالثة - النهي عن المنكر، والمنكر كل قول أو فعل\nتأباه النفس السليمة، فمن المنكر ما هو محرم فعله وقوله\nتحريمًا شديدا، فمن القول: القذف وشهادة الزور والهزء\nوالغيبة، ومن الفعل كل ما نهى الله عنه كالمحرمات.\nوهناك منكر لا يرقى إلى درجة التحريم، وهو ما لا\nيتفق مع أدب اللياقة مثل ترك نظافة الجسد واللبس\nوالظهر، والغلظة والفظاظة في مخاطبة الناس، واحترام\nالكبير، والرحمة بالصغير وما أشبه هذه الخلائق من\nالآداب المرعية.\nوهذه القواعد الثلاث تدخل فيها كل أمور الحياة","vol":"1","page":111},{"text":"الإنسانية دون استثناء، فما من خليقة طيبة فاضلة إلا\nوشرع الله في الإسلام يقضي بوجودها، وما من خليقة\nكريهة إلا ودين الإسلام يقضي بالتنزه عنها، لأن المفروض\nفي المجتمع المسلم أن يكون مجتمعا فاضلًا.\nوليس هذا بمستحيل أو عسير، فقد رأينا مجتمع\nالإسلام في عصر رسول الإسلام - ﷺ -\nوصحابته الكرام فاضلًا كريما، كل من فيه إخوة\nيحب بعضهم بعضًا، وتطهَّرَ من كل الموبقات والأحقاد\nتطهرًا تامًا، لم يحقد فيه المعسر على الموسر، ولا الفقير على الغني،\nولا المعدم الذي لا يجد قوت يومه على صاحب الملايين،\nلأنه يعلم أن بر \" المليونير \" إن فاته وصل إلى غيره،\nوليس فرضًا أن يسع الغني بماله كل الفقراء،\nوإنما حسب المعدم أن مئات من أمثاله نعموا بمال الغني.\nورسول الإسلام نفسه كان يجوع وبين يديه أموال\nأصحابه الأثرياء، لا يمد إليها أو إليهم يده، بل يصبر، ولو\nأخذ منهم حُرَّ أموالهم أو أكثره أو كله لشعروا بالسعادة،\nومع هذا كفَّ عنهم يده ولسانه.\nوقد فرض على الأغنياء في أموالهم حقًا للمحرومين\nوالسائلين، وقد أدَّوه على خير وجه، وأدَّوا أكثر منه","vol":"1","page":112},{"text":"بالهبات والصدقات، وشاركوا بأموالهم في تجهيز الجيوش\nوتأمين المصالح العامة.\nوالمجتمع الإسلامي كامل كمال الإسلام، وكل شيء فيه\nموزون بميزان القسط لا خسران فيه ولا تطفيف، ولهذا\nاختفى فيه من الآفات الاجتماعية ما كان سائدًا في المجتمع\nالجاهلي، اختفى منه الربا والزنا الرسمي والغش\nوالاحتكار وكل آفة كانت تجرح سلامة المجتمع الفاضل\nوطبيعي أن يكون المجتمع المسلم إسلامًا صحيحًا مجتمعًا\nفاضلًا، لأنه مبني على أسس الفضيلة والحق والخير\nوالصلاح والجمال.\nوقُوامُ هذه الأسس دستور الإسلام وأصوله وإنسانيته\nالتي تفصح عنها هذه الأعمدة التي تعد دستور الإسلام\nالذي نصَّ عليه القرآن الكريم والحديث النبوي، وهو\nدستور صالح لهذا العصر وكل عصر ولكل المجتمعات\nالمتقدمة وغير المتقدمة، وها هو ذا دستور الإسلام مقتبس\nمن الكتاب والسنة:\n* الإيمان بوجود الله ووحدانيته وبكتبه وبرسله\nوباليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره، وبرسالة محمد عليه\nالصلاة والسلام.","vol":"1","page":113},{"text":"الإيمان بأن الإسلام خاتم الأديان وناسخ ما سبقه\nمنها.\n* التحرر من عبادة أيٍّ من خلق الله الذي لا شريك\n* الإيمان بالفرائض الدينية وأداؤها كالصّوم والصّلاة.\n* الحرية حق طبيعي للإنسان، وكذلك العلم والصحة\nوالعمل والعيش.\n* البيعة ضرورة لتكون ولاية الحاكم صحيحة بدون\nإكراه.\n* وجوب كون الحاكم مثلًا عاليًا في الصلاح وصحة\nالمَلَكات وحسن الأخلاق.\n* طاعة ولي الأمر فرض، ونازعها خارج على الأمة.\n* الحاكم مقيَّد في حكمه وسلوكه ومعاملة الناس بشرع الله.\n* عزل الحاكم المجاهر بمعصية الله، فإذا أحل حرامًا\nصحب العزل تتويبه، فإذا أصر على إحلال الحرام صار\nمرتدًا، وحكمه القتل.\n* لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\n* العدل أساس الحكم.\n* إن الله حرم الظلم على نفسه فهو حرام على الناس فيما بينهم.","vol":"1","page":114},{"text":"* إعلان الحرب المقدسة وإقرار السِّلم وإجراء الصلح\nمن حق الأمة.\n* الدولة مسئولة عن كفالة الأفراد والجماعات وضمان\nالحريات والأمن والمعاش، وإقامة الحدود، وحماية المجتمع\nوحراسته.\n* مال الإنسان وعرضه ودمه حرام ومحمي ومضمون،\nولمنزله حرمة، ولما يملك عصمة.\n* كل نشاط في سبيل الحق والخير والعدل والإنسانية\nمطلق لا حجر عليه.\n* تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود من حق الحاكم ونوابه\nوعماله، وذلك فرض لا يمكن إسقاطه أو تعطيله، وإذا دعا\nسبب لوقف التنفيذ في الحدود لضرورة كوجود المسلمين في\nميدان حرب أو في أرض العدو أو لشبهة من الشبهات\nفذلك ليس تعطيلًا، وإنما وقف للتنفيذ رعاية للمصلحة.\n* وجوب وجود طائفة من الأمة للأمر بالمعروف\nوالنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات.\n* كل مَنْ في مجتمع الإسلام مسئول بحسب مكانته\nوقدرته، فالحاكم مسئول، والمحكوم مسئول، والرجل\nمسئول، والمرأة مسئولة.\n* تحريم الاحتكار وجعل الثروة دولة بين الأغنياء،\nوتحريم الربح والبيع والشراء بغير شروط الحق والعدل","vol":"1","page":115},{"text":"التي تحفظ للحلال قدسيته، فلا غرر ولا غش ولا خداع ولا\nتدليس ولا رشوة ولا ربا.\n* للمجتمع حق في مال الغني وقدرة القادر.\n* الميراث حق لا يجوز حرمان صاحب حق منه.\n* الملكية الخاصة حق بشرط الحق وهو أن يكون التملك صحيحًا مشروعًا.\n* من حق أولياء الأمر فرض \"الضرائب \" لمصلحة\nالأمة، ويحرم فرضها للمصلحة الشخصية أو إلحاق الضرر.\n* كل ما كان عدلًا في ظاهرة وباطنه ووسيلته وغايته\nوعواقبه ونتائجه فهو من الإسلام، لأن الله ﷿ يأمر\nبه وقد قال في كتابه العزيز: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)\nوالعدل: كل ما كان فيه الخير والصلاح.\n* الثواب والعقاب حق وواجب.\n* الناس سواء في الحقوق والواجبات والحدود والفرائض.\n* لا رهبانية في الإسلام ولا كهنوت، فكل مسلم رجل دين\n* باب الاجتهاد مفتوح دائمًا، ومقاصد الشريعة تبيح\nكل جديد لم ينص عليه ما دام حقًا وعدلًا ومتفقًا مع هذه\nالمقاصد الحسنة.\nهذا ملخص دستور الإسلام مصدره القرآن الكريم","vol":"1","page":116},{"text":"والسنة الغراء، وليس بدعًا بين الدساتير التي يراد منها\nصلاح المجتمع وحمايته وحراسته وبناؤه على أسس القيم\nالرفيعة.\nومزية دستور الإسلام دون كل دساتير العالم أنه\nنظيف وطاهر وإنساني في ظاهره وباطنه، وما يستطيع\nأحدٌ أن يشكَّ في صلاحه لكل مجتمع في كلِّ عصر، فكل\nهذه المبادئ بلغت في الإنسانية والكمال المرتبة التي لا\nيصل إليها غيرها.\nوليس من المستطاع إضافة أي جديد إلى نصوص\nدستور الإسلام التي جاءت في الكتاب والسنة.\nوهذا ينتقل بنا إلى تقرير حقيقة أخرى وهي أنه\nليس في المستطاع إضافة جديد إلى رسالة محمد عليه الصلاة\nوالسلام سواء في مجال العقيدة أم في مجال الشريعة.\nومن هنا يثبت أن رسالة محمد - ﷺ -\nخاتمة الرسالات، وأن كل محمدًا خاتم الرسل جميعًا،\nوأن الإسلام خاتم الأديان.\nوما دام الإسلام دينًا كاملًا عفيدة وشريعة فالكمال\nيقتضي أن يكون الختام لا يعقبه ما هو خير منه، لأنه لا\nوجود لخير من الكامل، ولا مثله؛ لأنه تكرار لا حاجة\nإليه، ولا أقل منه، لأن الناقص حينئذ يكون عبثًا،","vol":"1","page":117},{"text":"وتعالى الله عن العبث.\nوما دام كمال الإسلام أمرًا واقعًا مشهودًا فمن البديهي\nأنه لا يمكن الاستدراك عليه أو إضافة جديد إلى أصوله،\nأما الفروع فلا حجر في الإسلام على الوضع والإضافة من\nقبل المجتهدين الصالحين المتبحِّرين في العلم الموصوفين\nبالنزاهة والعدالة والتدين والصلاح الذين هم صفوة الأمة.\nوترك الإسلام باب الاجتهاد مفتوحًا وأبواب الفروع\nمفتحة لأنه مدرك أن التقدم البشري يقضي بذلك، ولا\nتثريب ولا ضير على الأصول أن تنبت منه الفروع جديدة.\nومن تمام بحثنا ختمه ببعض الآيات والأحاديث التي\nتثبت للإسلام إنسانيته الخالدة التي نفتقدها في جميع\nالأديان، ومن هذه الآيات قول الله ﵎:\n(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)","vol":"1","page":118},{"text":"وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) .\nوأما الأحاديث التي تكلم بها رسول الإسلام محمد - ﷺ -","vol":"1","page":119},{"text":"فهذه طائفة منها:\n\" مثَل المؤمن كمثل النخلة إن أكلتْ أكلت طيبًا، وإن\nوضعت وضعت طيبًا، وإن وقعت على عود نَخِر لم تكسره \".\nو\" ليس المؤمن بالطعَّان ولا الفاحش ولا البذيء \".\nو\" رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس \".\nو\"رأس العقل بعد الإيمان بالله الحياءُ وحسنُ الخلق\".\nو\"مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسنْ إلى\nجاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرمْ ضيفه،\nومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيرًا أو ليسكتْ \".\nو\"مثَل المؤمن مثل السبيكة الذهب، إن نفحْت عليها احمرَّت،\nوإن وُزِنتْ لم تنقص \".\nو\"ملعونٌ من ضارَّ مؤمنًا أو مكر به\".\nو\" مِنْ أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن \".\nو\"مِنْ سعادة المرء حسن الخلق، ومن شقاوته سوء الخلق \".","vol":"1","page":120},{"text":"و\" مَنْ آذى مسلمًا فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى الله \".\nو\"مَنْ آذى ذميًا فأنا خصمه، ومَنْ كنت خصمه خصمتُه يوم القيامة \".\nو\"مَن أمَّن رجلًا على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتولُ كافرًا\".\nو\"مَن أتاه أخوه متنصِّلًا فليقبل ذلك منه محقًا أو مبطلًا،\nفإن لم يفعل لم يَردْ عليّ الحوضَ \".\nو\"مَنْ أخاف مؤمنأ كان حقًا على الله ألا يؤمّنه من إفزاع يوم القيامة \".\nو\" مَنْ أرضى سلطانًا بما يسخط الله خرج من دين الله \".\nو\"مَنْ بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه \".\nو\"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم\nفأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، ولْيحدَّ\nأحدكم شفرته، ولْيُرحْ ذبيحته \".\nو\"دَخلتْ امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم\nتدَعْها تأكل من خَشاش الأرض \".","vol":"1","page":121},{"text":"و\"غُفِر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس رَكِيٍّ\nيلهث كاد يقتله العطش فنزعت خفها فأوثقته بخمارها\nفنزعت له من الماء فغُفر لها بذلك\".\nو\"أيها الناس، ألا إن ربكم لواحد، وإن أباكم\nواحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأحمر على\nأسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى \".\nهذه الآيات والأحاديث توجز الإسلام عقيدة وشريعة\nوآدابًا وسلوكًا واجتماعًا، وما من إنسان سليم الفطرة أيًا\nكان دينه وجنسه إلا وهو يقرر معنا أن الدين الذي يحوي\nكل ذلك هو دين الإنسانية، وأن المجتمع الذي يبنيه هذا\nالدين هو المجتمع الأفضل الأمثل دون مراء أو خلاف.\nوليس هذا المجتمع حلمًا يطيف بالذهن أو طوبى من\nطوبيات الخيال، فقد عرف العالم في عهد رسول الإسلام\nوصحابته الكرام هذا المجتمع.\nوما دام الواقع قد أثبت وجوده بحيث تم تطبيق المثال\nعلى الواقع، والواجب على الممكن فقد صار الخيال\nواقعًا عاشه الملايين، وما يزال يعيشه أفراد من البشر في\nعصرنا الذي تيسرت فيه أسباب التحقيق والتطبيق\nوالإمكان إِذا اتُّبع الإسلام حق الاتباع.","vol":"1","page":122}]}