{"ً":{"ٌ":21529,"ٍ":"المهذب في علم أصول الفقه المقارن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"أصول الفقه والقواعد الفقهية/المهذب في علم أصول الفقه المقارن - النملة - ط الرشد 1 - 5","files":["40485.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ\n(تحريرٌ لمسائِلِه ودراستها دراسةً نظريَّةً تطبيقيَّةً)\nالمؤلف: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة [ت ١٤٣٥ هـ]\nدار النشر: مكتبة الرشد - الرياض\nالطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\nعدد الأجزاء: ٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nتنبيه:\nتوجد بالنسخة الورقية للكتاب أخطاء وتصحيفات في الآيات القرآنية فاقت الحصر قمت بتصويبها بحمد الله وتوفيقه، وأرجو ممن له صلة بدار نشر هذا الكتاب أن يتكرم بمراسلتهم لتصويب الآيات الكريمة.\nوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1313,"ٕ":11,"ٖ":1770155573,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1","2","3","4","5"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الباب الأول في المقدمات","level":1,"page":10},{"title":"الفصل الأول في مقدمة في مبادئ علم أصول الفقه","level":2,"page":11},{"title":"المبحث الأول في تعريف أصول الفقه","level":3,"page":12},{"title":"المطلب الأول في تعريف الأصول","level":4,"page":13},{"title":"المطلب الثاني في تعريف الفقه","level":4,"page":17},{"title":"المطلب الثالث في تعريف أصول الفقه","level":4,"page":31},{"title":"المبحث الثالث في الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية","level":3,"page":37},{"title":"المبحث الرابع في موضوع أصول الفقه","level":3,"page":40},{"title":"المبحث الخامس في حكم تعلم أصول الفقه","level":3,"page":43},{"title":"المبحث السادس في فوائد علم أصول الفقه","level":3,"page":44},{"title":"المبحث السابع الشبه التي أثيرت حول علم أصول الفقه وأجوبتها","level":3,"page":47},{"title":"المبحث الثامن هل يقدم تعلم أصول الفقه أم تعلم الفقه؟","level":3,"page":55},{"title":"المبحث التاسع في بيان المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه","level":3,"page":57},{"title":"المبحث العاشر في نشأة علم أصول الفقه","level":3,"page":59},{"title":"المبحث الحادي عشر طرق التأليف في أصول الفقه وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقة","level":3,"page":61},{"title":"الفصل الثاني مقدمة في المصطلحات التي يحتاج إليها دارس علم أصول الفقه","level":2,"page":68},{"title":"المبحث الأول في بيان التصور والتصديق","level":3,"page":69},{"title":"المبحث الثاني في بيان كيف أن الحد والبرهان هما الآلة التي بها تدرك العلوم","level":3,"page":74},{"title":"المبحث الثالث في الحد وأقسامه","level":3,"page":75},{"title":"المطلب الأول في تعريف الحد، وبيان أقسامه، وسبب ذلك","level":4,"page":76},{"title":"المطلب الثاني في الحد الحقيقي وشروطه وأقسامه","level":4,"page":78},{"title":"المطلب الثالث الحد الرسمي، وشروطه، وأقسامه","level":4,"page":84},{"title":"المطلب الرابع الحد اللفظي، وشرطه","level":4,"page":88},{"title":"المبحث الرابع في البرهان وما يتعلق به","level":3,"page":89},{"title":"المطلب الأول في تعريف البرهان","level":4,"page":90},{"title":"المطلب الثاني مم يتكون البرهان؟","level":4,"page":91},{"title":"المطلب الثالث في وجه لزوم النتيجة من المقدمتين","level":4,"page":92},{"title":"المطلب الرابع هل تسمية البرهان بالقياس تسمية حقيقية؟","level":4,"page":94},{"title":"المطلب الخامس كيف يتطرق الخلل إلى البرهان؟","level":4,"page":95},{"title":"المطلب السادس في أسباب مخالفة نظم البرهان","level":4,"page":97},{"title":"المطلب السابع في أقسام البرهان","level":4,"page":99},{"title":"المطلب الثامن في اليقين ومداركه","level":4,"page":100},{"title":"المطلب التاسع في الاستقراء","level":4,"page":106},{"title":"المطلب العاشر في التمثيل","level":4,"page":108},{"title":"المبحث الخامس في الألفاظ","level":3,"page":110},{"title":"المبحث السادس في المعاني وأقسامها","level":3,"page":111},{"title":"المبحث السابع في تأليف مفردات المعاني","level":3,"page":114},{"title":"الباب الثاني الحكم الشرعي، والتكليف به","level":1,"page":118},{"title":"الفصل الأول في حقيقة الحكم الشرعي وما يتعلق بها","level":2,"page":119},{"title":"المبحث الأول في تعريف الحكم الشرعي","level":3,"page":120},{"title":"المبحث الثاني في إطلاق الحكم الشرعي بين الأصوليين والفقهاء","level":3,"page":125},{"title":"المبحث الثالث هل ينقسم الحكم الشرعي إلى تكليفي ووضعي؟","level":3,"page":127},{"title":"الفصل الثاني في الحكم التكليفي وأنواعه","level":2,"page":129},{"title":"المبحث الأول في اختلاف العلماء في التعبير عن أقسام الحكم التكليفي","level":3,"page":130},{"title":"المبحث الثاني في بيان سبب انحصار الحكم التكليفي","level":3,"page":132},{"title":"المبحث الثالت في بيان الحكمة من تنوع الأحكام التكليفية إلى واجب ومندوب، ومباح، ومكروه، وحرام","level":3,"page":134},{"title":"المبحث الرابع في أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية","level":3,"page":135},{"title":"المبحث الخامس في بيان الأحكام التكليفية الخمسة عند الجمهور بالتفصيل","level":3,"page":136},{"title":"المطلب الأول في الواجب","level":4,"page":137},{"title":"المطلب الثاني في المندوب","level":4,"page":223},{"title":"المطلب الثالث في المباح","level":4,"page":246},{"title":"المطلب الرابع في المكروه","level":4,"page":270},{"title":"المطلب الخامس الحرام","level":4,"page":282},{"title":"الفصل الثالث في التكليف وشروطه","level":2,"page":301},{"title":"المبحث الأول في حقيقة التكليف","level":3,"page":302},{"title":"المبحث الثاني في شروط التكليف","level":3,"page":303},{"title":"الفصل الرابع في الحكم الوضعي وأنواعه","level":2,"page":360},{"title":"المبحث الأول في تعريف الحكم الوضعي","level":3,"page":361},{"title":"المبحث الثاني في الفروق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي","level":3,"page":363},{"title":"المبحث الثالث في بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب الوضع وقد ينفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف","level":3,"page":366},{"title":"المبحث الرابع في أنواع الحكم الوضعي","level":3,"page":368},{"title":"المطلب الأول في السبب","level":4,"page":369},{"title":"المطلب الثاني في الشرط","level":4,"page":411},{"title":"المطلب الثالث في المانع","level":4,"page":418},{"title":"المطلب الرابع في العزيمة والرخصة","level":4,"page":425},{"title":"الباب الثالث في أدلة الأحكام الشرعية","level":1,"page":442},{"title":"المطلب الأول في تعريف الدليل","level":2,"page":444},{"title":"المطلب الثاني في هل الدليل شامل للقطعي والظني؟","level":3,"page":446},{"title":"الفصل الأول في الأدلة المتفق عليها إجمالا","level":2,"page":448},{"title":"المبحث الأول في الدليل الأول من الأدلة المتفق عليها إجمالا وهو: الكتاب","level":3,"page":449},{"title":"المطلب الأول في تعريف القرآن","level":4,"page":450},{"title":"المطلب الثاني في القراءة الشاذة \" غير المتواترة \"","level":4,"page":452},{"title":"المطلب الثالث في وجود المجاز في القرآن","level":4,"page":459},{"title":"المطلب الرابع في هل يوجد في القرآن ألفاظ بغير العربية؟","level":4,"page":467},{"title":"المطلب الخامس في المحكم والمتشابه","level":4,"page":472},{"title":"المطلب السادس هل يوجد في القرآن مشترك لفظي؟","level":4,"page":487},{"title":"المطلب السابع في النسخ","level":4,"page":491},{"title":"المبحث الثاني في الدليل الثاني من الأدلة المتفق عليها إجمالا وهو: السنة","level":3,"page":595},{"title":"المطلب الأول في تعريف السنة","level":4,"page":596},{"title":"المطلب الثاني في حجية السنة","level":4,"page":602},{"title":"المطلب الثالث في تعريف الخبر، وإطلاقاته، والفرق بينه وبين الإنشاء، وأقسامه","level":4,"page":605},{"title":"المطلب الرابع في خبر المتواتر","level":4,"page":611},{"title":"المطلب الخامس في خبر الواحد","level":4,"page":633},{"title":"المبحث الثالث في الدليل الثالث من الأدلة المتفق عليها إجمالا وهو: الإجماع","level":3,"page":800},{"title":"المطلب الأول في تعريف الإجماع","level":4,"page":801},{"title":"المطلب الثاني في إمكان الإجماع","level":4,"page":804},{"title":"المطلب الثالث في العلم بالإجماع والاطلاع عليه","level":4,"page":806},{"title":"المطلب الرابع في حجية الإجماع","level":4,"page":809},{"title":"المطلب الخامس في شروط الإجماع","level":4,"page":824},{"title":"المطلب السادس في أقسام الإجماع","level":4,"page":871},{"title":"المطلب السابع في الإجماعات الخاصة","level":4,"page":898},{"title":"المبحث الرابع في الدليل الرابع - من الأدلة المتفق علها إجمالا - وهو: القياس","level":3,"page":908},{"title":"الفصل الثاني في الأدلة المختلف فيها","level":2,"page":909},{"title":"المبحث الأول في الدليل الأول - من الأدلة - المختلف فيها - الاستصحاب -","level":3,"page":910},{"title":"المبحث الثاني الدليل الثاني - من الأدلة المختلف فيها - شرع من قبلنا","level":3,"page":923},{"title":"المبحث الثالث في الدليل الثالث من الأدلة المختلف فيها قول الصحابي","level":3,"page":932},{"title":"المبحث الرابع في الدليل الرابع - من الأدلة المختلف فيها - الاستحسان","level":3,"page":942},{"title":"المبحث الخامس في الدليل الخامس - من الأدلة المختلف فيها - وهو: المصلحة المرسلة","level":3,"page":954},{"title":"المبحث السادس في الدليل السادس - من الأدلة المختلف فيها - سد الذرائع","level":3,"page":967},{"title":"المبحث السابع في الدليل السابع - من الأدلة المختلف فيها - وهو: العرف","level":3,"page":971},{"title":"المبحث الثامن في الدليل الثامن - من الأدلة المختلف فيها - - الاستقراء -","level":3,"page":976},{"title":"الباب الرابع في الألفاظ ودلالتها على الأحكام","level":1,"page":980},{"title":"الفصل الأول في اللغات","level":2,"page":981},{"title":"المبحث الأول في تعريف اللغات، واللفظ، والكلام، والنطق والقول، وسبب وضع اللغات","level":3,"page":982},{"title":"المبحث الثاني في دلالة اللفظ على معناه هل هي بالوضع أو لمناسبة طبيعية بين اللفظ والمعنى؟","level":3,"page":984},{"title":"المبحث الثالث في مبدأ اللغات أي: هل اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟","level":3,"page":986},{"title":"المبحث الرابع في هل يجري القياس في اللغة؟","level":3,"page":994},{"title":"الفصل الثاني في الدلالة وتقسيم اللفظ","level":2,"page":999},{"title":"المبحث الأول في تعريف الدلالة وأقسامها","level":3,"page":1000},{"title":"المطلب الأول تعريف الدلالة","level":4,"page":1001},{"title":"المطلب الثاني أقسام الدلالة","level":4,"page":1002},{"title":"المطلب الثالث تعريف الدلالة اللفظية الوضعية","level":4,"page":1004},{"title":"المبحث الثاني في تقسيم اللفظ","level":3,"page":1007},{"title":"المطلب الأول في تقسيم اللفظ باعتبار الإفراد والتركيب","level":4,"page":1008},{"title":"المطلب الثاني في تقسيم اللفظ المفرد","level":4,"page":1009},{"title":"المطلب الثالث في تقسيم المركب","level":4,"page":1022},{"title":"الفصل الثالث في الاشتقاق","level":2,"page":1024},{"title":"المبحث الأول في تعريف الاشتقاق","level":3,"page":1025},{"title":"المبحث الثاني أركان الاشتقاق","level":3,"page":1026},{"title":"المبحث الثالث هل يشترط كون المشتق حقيقة: دوام أصله وهو: بقاء المشتق منه؟","level":3,"page":1028},{"title":"الفصل الرابع في الاشتراك","level":2,"page":1030},{"title":"المبحث الأول تعريفه","level":3,"page":1031},{"title":"المبحث الثاني هل المشترك ممكن وثابت وواقع في اللغة؟","level":3,"page":1032},{"title":"المبحث الثالث أقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته","level":3,"page":1035},{"title":"المبحث الرابع هل يصح استعمال المشترك في كل معانيه إذا أمكن الجمع بينها؟","level":3,"page":1037},{"title":"المبحث الخامس بيان أن الاشتراك خلاف الأصل","level":3,"page":1046},{"title":"المبحث السادس حالات اللفظ المشترك عند وجود القرينة أو عدمه","level":3,"page":1049},{"title":"المبحث السابع الفرق بين المشترك والمتواطئ","level":3,"page":1051},{"title":"المبحث الثامن الفرق بين المشترك والمتواطئ والمشكك","level":3,"page":1052},{"title":"الفصل الخامس في الترادف","level":2,"page":1056},{"title":"المبحث الأول تعريف الترادف","level":3,"page":1057},{"title":"المبحث الثاني حكم الترادف","level":3,"page":1059},{"title":"المبحث الثالث أسباب الترادف","level":3,"page":1061},{"title":"المبحث الرابع شرط الترادف","level":3,"page":1062},{"title":"المبحث الخامس بيان أن الترادف خلاف الأصل","level":3,"page":1063},{"title":"المبحث السادس هل يجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر؟","level":3,"page":1064},{"title":"الفصل السادس في التأكيد والتابع","level":2,"page":1067},{"title":"المبحث الأول في التأكيد","level":3,"page":1068},{"title":"المطلب الأول تعريف التأكيد","level":4,"page":1069},{"title":"المطلب الثاني الفرق بينه وبين المترادف","level":4,"page":1069},{"title":"المطلب الثالث حكم التأكيد","level":4,"page":1070},{"title":"المطلب الرابع أقسام التأكيد","level":4,"page":1071},{"title":"المبحث الثاني في التابع","level":3,"page":1072},{"title":"المطلب الأول تعريف التابع","level":4,"page":1073},{"title":"المطلب الثاني الفرق بين التابع وبين المترادف","level":4,"page":1073},{"title":"المطلب الثالث بيان وجه الاتفاق بين التابع والتأكيد","level":4,"page":1074},{"title":"الفصل السابع في الحقيقة والمجاز","level":2,"page":1075},{"title":"المبحث الأول في الحقيقة","level":3,"page":1076},{"title":"المطلب الأول تعريف الحقيقة","level":4,"page":1077},{"title":"المطلب الثاني أقسام الحقيقة","level":4,"page":1078},{"title":"المبحث الثاني في المجاز","level":3,"page":1088},{"title":"المطلب الأول في تعريف المجاز","level":4,"page":1089},{"title":"المطلب الثاني هل المجاز واقع في اللغة؟","level":4,"page":1091},{"title":"المطلب الثالث أنواع العلاقة في المجاز","level":4,"page":1093},{"title":"المطلب الرابع هل النقصان يعتبر من المجاز؟","level":4,"page":1097},{"title":"المطلب الخامس أسباب العدول إلى المجاز","level":4,"page":1098},{"title":"المطلب السادس بيان أن الحقيقة لا تستلزم المجاز","level":4,"page":1100},{"title":"المطلب السابع هل المجاز يستلزم الحقيقة؟","level":4,"page":1101},{"title":"المطلب الثامن اللفظ الذي يكون حقيقة ومجازا والذي لا يكون","level":4,"page":1102},{"title":"المطلب التاسع بيان أن المجاز خلاف الأصل","level":4,"page":1103},{"title":"المطلب العاشر طرق معرفة الحقيقة من المجاز","level":4,"page":1104},{"title":"المطلب الحادي عشر بيان أنه إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز فإنه يحمل على الحقيقة","level":4,"page":1106},{"title":"المطلب الثاني عشر بيان أنه إذا غلب المجاز في الاستعمال فإن اللفظ يحمل عليه","level":4,"page":1107},{"title":"الفصل الثامن في تعارض ما يخل بالفهم","level":2,"page":1108},{"title":"الفصل التاسع في النص، والظاهر، والمجمل وما يتعلق بها","level":2,"page":1115},{"title":"المبحث الأول في النص","level":3,"page":1118},{"title":"المطلب الأول تعريف النص","level":4,"page":1119},{"title":"المطلب الثاني حكم إطلاق النص على الظاهر","level":4,"page":1121},{"title":"المطلب الثالث حكم النص","level":4,"page":1122},{"title":"المبحث الثاني في الظاهر","level":3,"page":1123},{"title":"المطلب الأول تعريف الظاهر","level":4,"page":1124},{"title":"المطلب الثاني حكم الظاهر","level":4,"page":1125},{"title":"المطلب الثالث في التأويل","level":4,"page":1126},{"title":"المبحث الثالث في المجمل","level":3,"page":1140},{"title":"المطلب الأول تعريف المجمل","level":4,"page":1141},{"title":"المطلب الثاني أسباب الإجمال","level":4,"page":1142},{"title":"المطلب الثالث دخول الإجمال في الأفعال","level":4,"page":1144},{"title":"المطلب الرابع حكم المجمل","level":4,"page":1145},{"title":"المطلب الخامس نصوص اختلف في كونها مجملة","level":4,"page":1146},{"title":"المطلب السادس هل يجوز بقاء المجمل بدون بيان بعد وفاة - ﷺ -؟","level":4,"page":1160},{"title":"المطلب السابع في المبين - بفتح الياء - والمبين - بكسرها - والبيان","level":4,"page":1162},{"title":"الفصل العاشر في حروف المعاني","level":2,"page":1196},{"title":"المبحث الأول في \" الواو \"","level":3,"page":1197},{"title":"المبحث الثاني حرف \" الفاء \"","level":3,"page":1203},{"title":"المبحث الثالث حرف \" ثم \" بضم الثاء وفتح الميم مع تشديدها","level":3,"page":1207},{"title":"المبحث الرابع حرف \" أو \" - بفتح الهمزة وتسكين الواو -","level":3,"page":1209},{"title":"المبحث الخامس حرف \" الباء \"","level":3,"page":1212},{"title":"المبحث السادس حرف \" اللام \" الجارة","level":3,"page":1215},{"title":"المبحث السابع في حرف \" في \"","level":3,"page":1218},{"title":"المبحث الثامن في حرف \" من \"","level":3,"page":1219},{"title":"الفصل الحادي عشر في الأوامر والنواهي","level":2,"page":1221},{"title":"المبحث الأول في الأمر","level":3,"page":1223},{"title":"المطلب الأول في تعريف الأمر","level":4,"page":1225},{"title":"المطلب الثاني هل تشتراط إرادة الآمر المأمور به","level":4,"page":1227},{"title":"المطلب الثالث هل للأمر صيغة موضوعة في اللغة؟","level":4,"page":1232},{"title":"المطلب الرابع هل الأمر حقيقة في الفعل؟","level":4,"page":1240},{"title":"المطلب الخامس فيما تستعمل فيه صيغة الأمر - وهي: \" افعل \" -","level":4,"page":1243},{"title":"المطلب السادس فيما تقتضيه صيغة الأمر - وهي: \" افعل \" - حقيقة إذا تجردت عن القرائن","level":4,"page":1248},{"title":"المطلب السابع هل اقتضاء الفعل للوجوب ثبت عن طريق الشرع أو غير ذلك الطريق؟","level":4,"page":1270},{"title":"المطلب الثامن بيان نوع القرينة التي تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره","level":4,"page":1272},{"title":"المطلب التاسع إذا ورد الأمر بعد النهي ماذا يقتضي؟","level":4,"page":1275},{"title":"المطلب العاشر الأمر المطلق هل يقتضي فعل المأمور به مرة واحدة أو التكرار؟","level":4,"page":1281},{"title":"المطلب الحادي عشر الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرار الشرط أو الصفة أو لا؟","level":4,"page":1290},{"title":"المطلب الثاني عشر إذا كرر لفظ الأمر بشيء واحد مثل: \" صل ركعتين صل ركعتين \" فهل يقتضي التكرار؟","level":4,"page":1295},{"title":"المطلب الثالث عشر الأمر المطلق هل يقتضي فعل المأمور به على الفور أو لا يقتضي ذلك؟","level":4,"page":1298},{"title":"المطلب الرابع عشر هل يسقط الواجب المؤقت بفوات وقته؟","level":4,"page":1308},{"title":"المطلب الخامس عشر امتثال الأمر هل يحصل به الإجزاء ويسقط القضاء؟","level":2,"page":1312},{"title":"المطلب السادس عشر الأمر بالأمر بالشيء هل يكون أمرا بذلك الشيء أو لا؟","level":3,"page":1316},{"title":"المطلب السابع عشر هل أمر النبي - ﷺ - المطلق أمر لأمته وأمر الأمة المطلق هو أمر للنبي - ﷺ -، وأمر واحد من الصحابة هو أمر لغيره؟","level":4,"page":1320},{"title":"المطلب الثامن عشر تعلق الأمر بالمعدوم","level":4,"page":1329},{"title":"المطلب التاسع عشر هل يجوز الأمر من الله تعالى بما يعلم أن المكلف لا يتمكن من فعله؟","level":4,"page":1335},{"title":"المبحث الثاني في النهي","level":3,"page":1338},{"title":"المطلب الأول في تعريف النهي","level":4,"page":1339},{"title":"المطلب الثاني هل للنهي صيغة موضوعة في اللغة؟","level":4,"page":1341},{"title":"المطلب الثالث في ما تستعمل فيه صيغة \" لا تفعل \"","level":4,"page":1344},{"title":"المطلب الرابع فيما تقتضيه صيغة النهي وهي: \" لا تفعل \"","level":4,"page":1345},{"title":"المطلب الخامس إذا ورد النهي بعد الأمر فماذا يقتضي؟","level":4,"page":1349},{"title":"المطلب السادس هل النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار؟","level":4,"page":1352},{"title":"المطلب السابع أحوال المنهي عنه","level":4,"page":1355},{"title":"المطلب الثامن هل النهي عن الشيء أمر بضده؟","level":4,"page":1356},{"title":"المطلب التاسع هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه أو لا؟","level":4,"page":1358},{"title":"الفصل الثاني عشر في العموم والخصوص","level":2,"page":1366},{"title":"المبحث الأول في العموم","level":3,"page":1367},{"title":"المطلب الأول تعريف العام","level":4,"page":1369},{"title":"المطلب الثاني بيان أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة","level":4,"page":1373},{"title":"المطلب الثالث هل العموم من عوارض المعاني حقيقة أو لا؟","level":4,"page":1374},{"title":"المطلب الرابع أقسام العام","level":4,"page":1377},{"title":"المطلب الخامس هل للعموم صيغة في اللغة موضوعة له؟","level":4,"page":1379},{"title":"المطلب السادس في صيغ العموم","level":4,"page":1396},{"title":"المطلب السابع الجمع المنكر هل يفيد العموم إذا لم يقع في سياق النفي؟","level":4,"page":1416},{"title":"المطلب الثامن هل نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة بينهما من كل الوجوه؟","level":4,"page":1418},{"title":"المطلب التاسع الفعل المتعدي إلى مفعول هل له عموم بالنسبة إلى مفعولاته أو لا؟","level":4,"page":1421},{"title":"المطلب العاشر دلالة العام هل هي ظثية أو قطعية؟","level":4,"page":1424},{"title":"المطلب الحادي عشر أقل الجمع ما هو؟","level":4,"page":1426},{"title":"المطلب الثاني عشر هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟","level":4,"page":1442},{"title":"المطلب الثالث عشر حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد العموم؟","level":4,"page":1450},{"title":"المطلب الرابع عشر حكاية الراوي لفعل النبي - ﷺ - بلفظ \"كان \" هل يفيد العموم؛ وأن هذا الفعل يتكرر منه - ﷺ -، أو لا؟","level":4,"page":1454},{"title":"المطلب الخامس عشر هل يدخل العبد في الخطاب المضاف إلى الناس والمؤمنين، والأمة، والمسلمين؟","level":4,"page":1456},{"title":"المطلب السادس عشر الجمع الذي فيه علامة التذكير هل يتناول النساء؟","level":4,"page":1461},{"title":"المطلب السابع عشر العام بعد التخصيص هل هو حقيقة في الباقي أو يكون مجازا؟","level":4,"page":1468},{"title":"المطلب الثامن عشر هل العام المخصوص حجة في الباقي؟","level":4,"page":1472},{"title":"المطلب التاسع عشر هل يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد؟","level":4,"page":1477},{"title":"المطلب العشرون المخاطب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم خطابه؟","level":4,"page":1481},{"title":"المطلب الواحد والعشرون هل يجب اعتقاد عموم اللفظ قبل البحث عن المخصص؟","level":4,"page":1486},{"title":"المطلب الثاني والعشرون الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع هل يقتضي العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؟","level":4,"page":1493},{"title":"المطلب الثالث والعشرون هل المفهوم له عموم؟","level":4,"page":1495},{"title":"المطلب الرابع والعشرون ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال هل ينزل منزلة العموم في المقال؟","level":4,"page":1498},{"title":"المبحث الثاني في الخصوص","level":3,"page":1501},{"title":"المطلب الأول تعريف التخصيص","level":4,"page":1502},{"title":"المطلب الثاني هل يجوز تخصيص العموم؟","level":4,"page":1503},{"title":"المطلب الثالث في مخصصات العموم المنفصلة","level":4,"page":1506},{"title":"المطلب الرابع في المخصصات المتصلة","level":4,"page":1553},{"title":"الفصل الثالث عشر المطلق والمقيد","level":2,"page":1600},{"title":"المبحث الأول تعريف المطلق","level":3,"page":1601},{"title":"المبحث الثاني في أي شيء يكون المطلق؛ والأمثلة على ذلك","level":3,"page":1602},{"title":"المبحث الثالث تعريف المقيد","level":3,"page":1603},{"title":"المبحث الرابع على أي شيء يطلق المقيد؟","level":3,"page":1604},{"title":"المبحث الخامس مقيدات المطلق","level":3,"page":1605},{"title":"المبحث السادس إذا اجتمع مطلق ومقيد فهل يحمل المطلق على المقيد أو لا؟","level":3,"page":1606},{"title":"المبحث السابع إذا ورد لفظ مطلق، ثم قيده مرة، ثم قيده مرة ثانية بخلاف التقييد الأول، فما الحكم؟","level":3,"page":1613},{"title":"الفصل الرابع عشر في المنطوق والمفهوم","level":2,"page":1615},{"title":"المبحث الأول في المنطوق","level":3,"page":1616},{"title":"المطلب الأول تعريف المنطوق","level":4,"page":1617},{"title":"المطلب الثاني أقسام المنطوق","level":4,"page":1618},{"title":"المطلب الثالث أقسام المنطوق غير الصريح","level":4,"page":1620},{"title":"المبحث الثاني في المفهوم","level":3,"page":1632},{"title":"المطلب الأول تعريف المفهوم، وبيان قسميه","level":4,"page":1633},{"title":"المطلب الثاني في مفهوم الموافقة","level":4,"page":1634},{"title":"المطلب الثالث في مفهوم المخالفة","level":4,"page":1655},{"title":"الباب الخامس في القياس","level":1,"page":1697},{"title":"الفصل الأول في تعريف القياس","level":2,"page":1700},{"title":"المبحث الأول في تعريف القياس لغة","level":3,"page":1701},{"title":"المطلب الأول فيما يطلق عليه لفظ \" القياس \" لغة","level":4,"page":1702},{"title":"المطلب الثاني في خلاف العلماء في لفظ \" القياس \" هل هو حقيقة في هذين المعنيين، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟","level":4,"page":1703},{"title":"المبحث الثاني في تعريف القياس اصطلاحا","level":3,"page":1707},{"title":"المطلب الأول هل يمكن تحديد القياس بحد حقيقي؟","level":4,"page":1708},{"title":"المطلب الثاني هل القياس دليل مستقل أو هو من فعل المجتهد؟","level":4,"page":1710},{"title":"المطلب الثالث تعريف القياس المختار، وبيانه بالشرح والأمثلة","level":4,"page":1715},{"title":"الفصل الثاني في حجية القياس، أو التعبد بالقياس","level":2,"page":1720},{"title":"المبحث الأول في بيان معنى الحجية، والتعبد","level":3,"page":1721},{"title":"المبحث الثاني تحرير محل النزع","level":3,"page":1722},{"title":"المبحث الثالث هل القياس حجة؛ أي: هل يجوز التعبد بالقياس ويكون دليلا من الأدلة على إثبات الأحكام أو لا؟","level":3,"page":1727},{"title":"المبحث الرابع النص على علة الحكم هل هو أمر بالقياس أو لا؟","level":3,"page":1795},{"title":"المبحث الخامس هل التنصيص على العلة يوجب الإلحاق عن طريق القياس، أو عن طريق اللفظ والعموم؟","level":3,"page":1802},{"title":"المبحث السابع في ما يجري فيه القياس وما لا يجري فيه","level":3,"page":1810},{"title":"المطلب الأول في القياس في العقوبات","level":4,"page":1811},{"title":"المطلب الثاني القياس في المقدرات","level":4,"page":1816},{"title":"المطلب الثالث القياس في الأبدال","level":4,"page":1819},{"title":"المطلب الرابع في القياس في الرخص","level":4,"page":1821},{"title":"المطلب الخامس القياس في الأسباب والشروط والموانع","level":4,"page":1824},{"title":"المطلب السادس القياس في العبادات وما يتعلق بها","level":4,"page":1829},{"title":"المطلب السابع القياس في العاديات","level":4,"page":1831},{"title":"المطلب الثامن القياس في العقليات","level":4,"page":1833},{"title":"المطلب التاسع في القياس في كل الأحكام","level":4,"page":1835},{"title":"المطلب العاشر في القياس في الأمور التي لا يراد بها العمل","level":4,"page":1838},{"title":"المبحث الثامن هل القياس من الدين؟","level":3,"page":1839},{"title":"الفصل الثالث في أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها","level":2,"page":1841},{"title":"المطلب الأول تعريف الركن","level":3,"page":1843},{"title":"المطلب الثاني في بيان أركان القياس إجمالا","level":4,"page":1844},{"title":"المطلب الثالث في بيان أسباب عدم ذكر حكم الفرع من أركان القياس","level":4,"page":1845},{"title":"المبحث الأول في الأصل وحكمه وشروطهما وما يتعلق بهما","level":3,"page":1847},{"title":"المطلب الأول في بيان المراد بالأصل","level":4,"page":1849},{"title":"المطلب الثاني في بيان المراد بحكم الأصل","level":4,"page":1851},{"title":"المطلب الثالث هل حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالنص أو بالعلة؟","level":4,"page":1852},{"title":"المطلب الرابع في اشتراط كون حكم الأصل حكما شرعيا عمليا","level":4,"page":1855},{"title":"المطلب الخامس اشتراط كون حكم الأصل حكما ثابتا مستمرا","level":4,"page":1856},{"title":"المطلب السادس اشتراط كون حكم الأصل معقول المعنى","level":4,"page":1857},{"title":"المطلب السابع اشتراط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولا بعمومه حكم الفرع","level":4,"page":1858},{"title":"المطلب الثامن هل يثشترط قيام دليل على جواز القياس على الأصل؟","level":4,"page":1859},{"title":"المطلب التاسع هل يشترط في الأصل أن يكون قد انعقد الإجماع على أن حكمه معلل، أو أن تثبت علته بالنص؟","level":4,"page":1861},{"title":"المطلب العاشر هل يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين؟","level":4,"page":1863},{"title":"المطلب الحادي عشر اشتراط كون حكم الأصل معللا بعلة معينة","level":4,"page":1865},{"title":"المطلب الثاني عشر بيان أن حكم الأصل إذا كان ثابتا بنص فإنه يجوز القياس عليه؛","level":4,"page":1866},{"title":"المطلب الثالث عشر حكم القياس على أصل ثبت عن طريق الإجماع","level":4,"page":1867},{"title":"المطلب الرابع عشر هل يشترط في حكم الأصل المقاس عليه أن تجمع عليه كل الأمة، أو يكفي اتفاق الخصمين؟","level":4,"page":1869},{"title":"المطلب الخامس عشر حكم القياس على الأصل الثابت عن طريق القياس","level":4,"page":1871},{"title":"المطلب السادس عشر إذا كان حكم الأصل منصوصا عليه وقد اختلف فيه بين الخصمين فهل يجوز القياس عليه؟","level":4,"page":1873},{"title":"المطلب السابع عشر هل يقاس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة القياس؟","level":4,"page":1876},{"title":"المبحث الثاني في الفرع وشروطه وما يتعلق به","level":3,"page":1881},{"title":"المطلب الأول بيان المراد بالفرع","level":4,"page":1882},{"title":"المطلب الثاني اشتراط كون العلة الموجودة في الفرع مثل علة حكم الأصل من غير تفاوت واختلاف","level":4,"page":1884},{"title":"المطلب الثالث اشتراط عدم كون حكم الفرع منصوصا عليه أو مجمعا عليه","level":4,"page":1885},{"title":"المطلب الرابع اشتراط كون الحكم في الفرع مماثلا لحكم الأصل في عينه، أو جنسه","level":4,"page":1886},{"title":"المطلب الخامس اشتراط عدم تقدم حكم الفرع على حكم الأصل","level":4,"page":1887},{"title":"المطلب السادس هل يشترط أن تكون العلة في الفرع معلومة قطعا؟","level":4,"page":1888},{"title":"المطلب السابع هل يشترط في حكم الفرع: أن يكون مما ثبت بالنص جملة؟","level":4,"page":1889},{"title":"المبحث الثالث في العلة وشروطها وما يتعلق بها","level":3,"page":1891},{"title":"المطلب الأول في تعريف العلة لغة، وأسمائها","level":4,"page":1893},{"title":"المطلب الثاني في تعريف العلة اصطلاحا","level":4,"page":1894},{"title":"المطلب الثالث في تقسيمات العلة","level":4,"page":1898},{"title":"المطلب الرابع في طرق ثبوت العلة \" مسالك العلة \"","level":4,"page":1903},{"title":"المطلب الخامس هل يشترط أن تكون العلة مناسبة أي: مشتملة على حكمة قصدها الشارع من تشريعه للحكم؟","level":4,"page":1975},{"title":"المطلب السادس هل يشترط أن تكون العلة ظاهرة جلية أو يجوز التعليل بالوصف الجلي والخفي؟","level":4,"page":1978},{"title":"المطلب السابع حكم التعليل بالحكم الشرعي هل يجوز أن يكون الوصف المعلل به حكما شرعيا؟","level":4,"page":1980},{"title":"المطلب الثامن بيان أن العلة يشترط فيها أن لا تخالف نصا أو إجماعا","level":4,"page":1984},{"title":"المطلب التاسع حكم التعليل بالحكمة","level":4,"page":1985},{"title":"المطلب العاشر هل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي وتعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، وتعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي، وتعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي؟","level":4,"page":1992},{"title":"المطلب الحادي عشر حكم التعليل بالوصف المركب","level":4,"page":1996},{"title":"المطلب الثاني عشر حكم تعليل الحكم بأكثر من علة \" تعدد العلل \"","level":4,"page":2001},{"title":"المطلب الثالث عشر حكم تعليل حكمين أو أحكام بعلة واحدة","level":4,"page":2007},{"title":"المطلب الرابع عشر هل الطرد دليل على صحة العلة؟","level":4,"page":2009},{"title":"المطلب الخامس عشر في بيان أنه يشترط في الوصف المستنبط المعلل به أن لا يرجع على الأصل بإبطاله","level":4,"page":2013},{"title":"المطلب السادس عشر حكم التعليل بالاسم المجرد","level":4,"page":2014},{"title":"المطلب السابع عشر حكم التعليل بالوصف العرفي","level":4,"page":2017},{"title":"المطلب الثامن عشر هل يجوز التعليل بالعلة القاصرة؟","level":4,"page":2018},{"title":"المطلب التاسع عشر بيان أنه يشترط في العلة التي عللنا بها: أن لا تكون معارضة بعلة أخرى تقتضي إبطالها","level":4,"page":2023},{"title":"المطلب العشرون تخصيص العلة","level":4,"page":2025},{"title":"الفصل الرابع في قوادح القياس ومبطلاته","level":2,"page":2030},{"title":"المبحث الأول في سؤال الاستفسار","level":3,"page":2032},{"title":"المطلب الأول بيان المراد بسؤال الاستفسار","level":4,"page":2033},{"title":"المطلب الثاني كيفية الجواب عن الاستفسار","level":4,"page":2034},{"title":"المبحث الثاني في قادح منع الحكم في الأصل","level":3,"page":2039},{"title":"المطلب الأول في بيان قادح منع الحكم في الأصل","level":4,"page":2040},{"title":"المطلب الثاني كيفية الجواب عن منع الحكم في الأصل","level":4,"page":2041},{"title":"المبحث الثالث في قادح منع وجود الوصف في الأصل","level":3,"page":2046},{"title":"المطلب الأول في بيان منع وجود الوصف في الأصل","level":4,"page":2047},{"title":"المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الأصل","level":4,"page":2048},{"title":"المبحث الرابع في قادح منع وجود الوصف في الفرع","level":3,"page":2050},{"title":"المطلب الأول بيان قادح منع وجود الوصف في الفرع","level":4,"page":2051},{"title":"المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الفرع","level":4,"page":2052},{"title":"المبحث الخامس في قادح منع الوصف في الأصل والفرع معا","level":3,"page":2054},{"title":"المطلب الأول في بيان المراد من منع الوصف في الأصل والفرع","level":4,"page":2055},{"title":"المطلب الثاني في كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الفرع والأصل","level":4,"page":2056},{"title":"المبحث السادس في قادح منع كون الوصف علة","level":3,"page":2058},{"title":"المطلب الأول في بيان المراد منه","level":4,"page":2059},{"title":"المطلب الثاني حجيته","level":4,"page":2060},{"title":"المطلب الثالث كيفية الجواب عن قادح منع كون الوصف علة","level":4,"page":2062},{"title":"المبحث السابع في قادح التقسيم","level":3,"page":2066},{"title":"المطلب الأول في بيان المراد منه","level":4,"page":2067},{"title":"المطلب الثاني حجيته","level":4,"page":2068},{"title":"المطلب الثالث شروط التقسيم","level":4,"page":2069},{"title":"المطلب الرابع في بيان الفرق بين التقسيم والاستفسار","level":4,"page":2072},{"title":"المطلب الخامس في كيفية الجواب عن هذا القادح","level":4,"page":2073},{"title":"المبحث الثامن في قادح النقض","level":3,"page":2075},{"title":"المطلب الأول في بيان المراد بالنقض، وأهميته","level":4,"page":2076},{"title":"المطلب الثاني حجيته","level":4,"page":2077},{"title":"المطلب الرابع الحالات التي يرد عليها النقض وحكم كل حالة","level":4,"page":2079},{"title":"المطلب الرابع هل على المستدل أن يحترز عن النقض في قياسه؟","level":4,"page":2081},{"title":"المطلب الخامس بيان كيفية جواب المستدل عن هذا القادح","level":4,"page":2082},{"title":"المبحث التاسع في قادح التركيب","level":3,"page":2087},{"title":"المطلب الأول بيان المراد منه","level":4,"page":2088},{"title":"المطلب الثاني أقسام قادح التركيب","level":4,"page":2089},{"title":"المطلب الثالث حجية التركيب","level":4,"page":2091},{"title":"المطلب الرابع كيفية الجواب عن قادح التركيب","level":4,"page":2092},{"title":"المبحث العاشر في قادح فساد الوضع","level":3,"page":2093},{"title":"المطلب الأول بيان المراد من قادح فساد الوضع وأقسامه","level":4,"page":2094},{"title":"المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح فساد الوضع","level":4,"page":2097},{"title":"المبحث الحادي عشر في قادح فساد الاعتبار","level":3,"page":2099},{"title":"المطلب الأول بيان المراد من قادح فساد الاعتبار","level":4,"page":2100},{"title":"المطلب الثاني كيفية الجواب عن هذا القادح","level":4,"page":2101},{"title":"المطلب الثالث الفرق بين قادح فساد الاعتبار وقادح فساد الوضع","level":4,"page":2104},{"title":"المبحث الثاني عشر في قادح المعارضة في الأصل","level":3,"page":2105},{"title":"المطلب الأول بيان المراد من قادح المعارضة في الأصل","level":4,"page":2106},{"title":"المطلب الثاني بيان أنواع المعارضة في الأصل","level":4,"page":2107},{"title":"المطلب الثالث في حجية قادح المعارضة في الأصل","level":4,"page":2109},{"title":"المطلب الرابع بيان أن المعترض لا يحتاج إلى دليل يشهد لوصفه الذي اعترض به","level":4,"page":2111},{"title":"المطلب الخامس بيان أنه على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي اعترض به عن الفرع","level":4,"page":2112},{"title":"المطلب السادس بيان كيفية الجواب عن قادح المعارضة في الأصل","level":4,"page":2113},{"title":"المبحث الثالث عشر في قادح المعارضة في الفرع","level":3,"page":2115},{"title":"المطلب الأول في بيان المراد منه، وبيان أقسامه","level":4,"page":2116},{"title":"المطلب الثاني بيان حجيته","level":4,"page":2118},{"title":"المطلب الثالث في بيان كيفية الجواب عن قادح المعارضة في الفرع","level":4,"page":2119},{"title":"المبحث الرابع عشر في قادح عدم التأثير","level":3,"page":2120},{"title":"المطلب الأول بيان المراد من قادح عدم التأثير","level":4,"page":2121},{"title":"المطلب الثاني بيان أن هذا القادح خاص بقياس المعنى إذا كانت علته مستنبطة","level":4,"page":2122},{"title":"المطلب الثالث أقسام عدم التأثير","level":4,"page":2123},{"title":"المطلب الرابع كيفية الجواب عن قادح عدم التأثير","level":4,"page":2126},{"title":"المطلب الخامس بيان سبب إفراد هذا القادح في هذا المبحث","level":4,"page":2129},{"title":"المبحث الخامس عشر في قادح الكسر","level":3,"page":2130},{"title":"المطلب الأول بيان المراد من قادح الكسر","level":4,"page":2131},{"title":"المطلب الثاني بيان حجية قادح الكسر","level":4,"page":2133},{"title":"المطلب الثالث في بيان كيفية الجواب عن قادح الكسر","level":4,"page":2134},{"title":"المبحث السادس عشر في قادح القلب","level":3,"page":2136},{"title":"المطلب الأول المراد من قادح القلب","level":4,"page":2137},{"title":"المطلب الثاني في بيان حجيته، وأنه معارضة","level":4,"page":2138},{"title":"المطلب الثالث في بيان أنواعه","level":4,"page":2140},{"title":"المطلب الرابع في بيان كيفية الجواب عن قادح القلب","level":4,"page":2144},{"title":"المبحث السابع عشر في قادح القول بالموجب","level":3,"page":2147},{"title":"المطلب الأول بيان المراد من قادح القول بالموجب - بفتح الجيم -","level":4,"page":2148},{"title":"المطلب الثاني أنواعه، وبيان كيفية الجواب عن كل نوع","level":4,"page":2149},{"title":"المطلب الثالث في بيان أنه لا يجوز للمعترض تغيير كلام المستدل","level":4,"page":2152},{"title":"الباب السادس في الاجتهاد والتقليد","level":1,"page":2153},{"title":"الفصل الأول في الاجتهاد","level":2,"page":2154},{"title":"المبحث الأول في تعريف الاجتهاد","level":3,"page":2156},{"title":"المبحث الثاني مجالات الاجتهاد ومواضعه","level":3,"page":2159},{"title":"المبحث الثالث شروط المجتهد","level":3,"page":2161},{"title":"المبحث الرابع حكم الاجتهاد","level":3,"page":2166},{"title":"المبحث الخامس هل يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف دقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب؟","level":3,"page":2168},{"title":"المبحث السادس هل يجوز الاجتهاد في زمان - ﷺ -؟","level":3,"page":2172},{"title":"المبحث السابع هل يجوز للنبي - ﷺ - الاجتهاد؟","level":3,"page":2176},{"title":"المبحث الثامن هل وقع الاجتهاد من النبي - ﷺ -؟","level":3,"page":2181},{"title":"المبحث التاسع هل يجوز الخطأ في اجتهاد - ﷺ -؟","level":3,"page":2185},{"title":"المبحث العاشر هل كل مجتهد مصيب في الفروع أو المصيب واحد؟","level":3,"page":2188},{"title":"المبحث الحادي عشر هل كل مجتهد مصيب في أصول الدين أو المصيب واحد؟","level":3,"page":2199},{"title":"المبحث الثاني عشر إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز عن الترجيح وتحير فماذا يفعل؟","level":3,"page":2201},{"title":"المبحث الثالث عشر هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين في وقت واحد؟","level":3,"page":2207},{"title":"المبحث الرابع عشر المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم كلها حاصلة عنده، وعنده القدرة على الاجتهاد فهل يجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين؟","level":3,"page":2210},{"title":"المبحث الخامس عشر إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة قد ذكرها ووجدنا تلك العلة في مسائل أخرى فما الحكم؟","level":3,"page":2215},{"title":"المبحث السادس عشر إذا نص المجتهد على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر علة ذلك الحكم، ووجدنا مسألة أخرى تشبهها شبها","level":3,"page":2216},{"title":"المبحث السابع عشر إذا نص المجتهد في مسألة على حكم ونص على مسألة أخرى تشبهها على حكم آخر فهل يجوز نقل حكم إحداهما وجعله في المسألة الأخرى أو لا؟","level":3,"page":2218},{"title":"المبحث الثامن عشر إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة روايتان مختلفتان وصح هذا النقل عنه","level":3,"page":2221},{"title":"الفصل الثاني في التقليد","level":2,"page":2224},{"title":"المبحث الأول تعريف التقليد","level":3,"page":2225},{"title":"المبحث الثاني هل يجوز التقليد في أصول الدين؟","level":3,"page":2227},{"title":"المبحث الثالث هل يجوز التقليد في الفروع؟","level":3,"page":2230},{"title":"المبحث الرابع بيان طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه","level":3,"page":2234},{"title":"المبحث الخامس مجهول الحال هل يجوز تقليده؟","level":3,"page":2235},{"title":"المبحث السادس إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر فأيهم الذي يستفتيه العامي؟","level":3,"page":2237},{"title":"المبحث السابع إذا سأل العامي مجتهدين عن حكم حادثته فحكم أحدهما بأنه يجوز فيها كذا، وحكم الآخر بأنه لا يجوز فيها كذا","level":3,"page":2240},{"title":"المبحث الثامن إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد أصدرا فتواهما في جميع الأحوال","level":3,"page":2243},{"title":"الباب السابع في التعارض والجمع والترجيح","level":1,"page":2245},{"title":"الفصل الأول في التعارض","level":2,"page":2246},{"title":"المبحث الأول تعريف التعارض","level":3,"page":2247},{"title":"المبحث الثاني شروط التعارض","level":3,"page":2248},{"title":"المبحث الثالث إذا ثبت تعارض دليلين فهل يقدم الجمع أو الترجيح؟","level":3,"page":2250},{"title":"الفصل الثاني في الجمع","level":2,"page":2253},{"title":"المبحث الأول تعريف الجمع بين الأدلة المتعارضة","level":3,"page":2254},{"title":"المبحث الثاني شروط الجمع بين الأدلة المتعارضة","level":3,"page":2255},{"title":"الفصل الثالث في الترجيح","level":2,"page":2256},{"title":"المبحث الأول تعريف الترجيح","level":3,"page":2257},{"title":"المبحث الثالث شروط الترجيح بين الدليلين","level":3,"page":2258},{"title":"المبحث الرابع هل الترجيح لا يوجد إلا إذا وجد التعارض أم الترجيح لا يكون بين المتعارضين؟","level":3,"page":2259},{"title":"المبحث الخامس هل يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين أو لا؟","level":3,"page":2260},{"title":"المبحث السادس في حكم العمل بالراجح من الدليلين","level":3,"page":2262},{"title":"المبحث السابع هل يجوز الترجيح بكثرة الأدلة؟","level":3,"page":2265},{"title":"المبحث الثامن في طرق الترجيح بين الأدلة","level":3,"page":2268},{"title":"المطلب الأول في طرق الترجيح بين منقولين","level":4,"page":2269},{"title":"المطلب الثاني في طرق الترجيح بين معقولين","level":4,"page":2293},{"title":"المطلب الثالث في طرق الترجيح بين منقول ومعقول","level":4,"page":2300}],"ٛ":{"المقدمة,5":1,"المقدمة,7":2,"المقدمة,8":3,"المقدمة,9":4,"المقدمة,10":5,"المقدمة,11":6,"المقدمة,12":7,"المقدمة,13":8,"المقدمة,14":9,"1,5":10,"1,7":11,"1,9":12,"1,11":13,"1,12":14,"1,13":15,"1,14":16,"1,15":17,"1,16":18,"1,17":19,"1,18":20,"1,19":21,"1,20":22,"1,21":23,"1,22":24,"1,23":25,"1,24":26,"1,25":27,"1,26":28,"1,27":29,"1,28":30,"1,29":31,"1,30":32,"1,31":33,"1,32":34,"1,33":35,"1,34":36,"1,35":37,"1,36":38,"1,37":39,"1,38":40,"1,39":41,"1,40":42,"1,41":43,"1,42":44,"1,43":45,"1,44":46,"1,45":47,"1,46":48,"1,47":49,"1,48":50,"1,49":51,"1,50":52,"1,51":53,"1,52":54,"1,53":55,"1,54":56,"1,55":57,"1,56":58,"1,57":59,"1,58":60,"1,59":61,"1,60":62,"1,61":63,"1,62":64,"1,63":65,"1,64":66,"1,65":67,"1,67":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,91":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,123":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,135":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,168":160,"1,169":161,"1,170":162,"1,171":163,"1,172":164,"1,173":165,"1,174":166,"1,175":167,"1,176":168,"1,177":169,"1,178":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,206":198,"1,207":199,"1,208":200,"1,209":201,"1,210":202,"1,211":203,"1,212":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,233":224,"1,234":225,"1,235":226,"1,236":227,"1,237":228,"1,238":229,"1,239":230,"1,240":231,"1,241":232,"1,242":233,"1,243":234,"1,244":235,"1,245":236,"1,246":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,250":241,"1,251":242,"1,252":243,"1,253":244,"1,254":245,"1,255":246,"1,257":247,"1,258":248,"1,259":249,"1,260":250,"1,261":251,"1,262":252,"1,263":253,"1,264":254,"1,265":255,"1,266":256,"1,267":257,"1,268":258,"1,269":259,"1,270":260,"1,271":261,"1,272":262,"1,273":263,"1,274":264,"1,275":265,"1,276":266,"1,277":267,"1,278":268,"1,279":269,"1,281":270,"1,283":271,"1,284":272,"1,285":273,"1,286":274,"1,287":275,"1,288":276,"1,289":277,"1,290":278,"1,291":279,"1,292":280,"1,293":281,"1,295":282,"1,297":283,"1,298":284,"1,299":285,"1,300":286,"1,301":287,"1,302":288,"1,303":289,"1,304":290,"1,305":291,"1,306":292,"1,307":293,"1,308":294,"1,309":295,"1,310":296,"1,311":297,"1,312":298,"1,313":299,"1,314":300,"1,315":301,"1,317":302,"1,319":303,"1,321":304,"1,323":305,"1,324":306,"1,325":307,"1,326":308,"1,327":309,"1,328":310,"1,329":311,"1,330":312,"1,331":313,"1,332":314,"1,333":315,"1,334":316,"1,335":317,"1,336":318,"1,337":319,"1,338":320,"1,339":321,"1,340":322,"1,341":323,"1,342":324,"1,343":325,"1,344":326,"1,345":327,"1,346":328,"1,347":329,"1,348":330,"1,349":331,"1,350":332,"1,351":333,"1,352":334,"1,353":335,"1,354":336,"1,355":337,"1,356":338,"1,357":339,"1,358":340,"1,359":341,"1,360":342,"1,361":343,"1,362":344,"1,363":345,"1,364":346,"1,365":347,"1,366":348,"1,367":349,"1,368":350,"1,369":351,"1,370":352,"1,371":353,"1,372":354,"1,373":355,"1,374":356,"1,375":357,"1,376":358,"1,377":359,"1,379":360,"1,381":361,"1,382":362,"1,383":363,"1,384":364,"1,385":365,"1,386":366,"1,387":367,"1,388":368,"1,389":369,"1,390":370,"1,391":371,"1,392":372,"1,393":373,"1,394":374,"1,395":375,"1,396":376,"1,397":377,"1,398":378,"1,399":379,"1,400":380,"1,401":381,"1,402":382,"1,403":383,"1,404":384,"1,405":385,"1,406":386,"1,407":387,"1,408":388,"1,409":389,"1,410":390,"1,411":391,"1,412":392,"1,413":393,"1,414":394,"1,415":395,"1,416":396,"1,417":397,"1,418":398,"1,419":399,"1,420":400,"1,421":401,"1,422":402,"1,423":403,"1,424":404,"1,425":405,"1,426":406,"1,427":407,"1,428":408,"1,429":409,"1,430":410,"1,431":411,"1,433":412,"1,434":413,"1,435":414,"1,436":415,"1,437":416,"1,438":417,"1,439":418,"1,441":419,"1,442":420,"1,443":421,"1,444":422,"1,445":423,"1,446":424,"1,447":425,"1,449":426,"1,450":427,"1,451":428,"1,452":429,"1,453":430,"1,454":431,"1,455":432,"1,456":433,"1,457":434,"1,458":435,"1,459":436,"1,460":437,"1,461":438,"1,462":439,"1,463":440,"2,464":441,"2,465":442,"2,467":443,"2,469":444,"2,470":445,"2,471":446,"2,472":447,"2,473":448,"2,475":449,"2,477":450,"2,478":451,"2,479":452,"2,481":453,"2,482":454,"2,483":455,"2,484":456,"2,485":457,"2,486":458,"2,487":459,"2,489":460,"2,490":461,"2,491":462,"2,492":463,"2,493":464,"2,494":465,"2,495":466,"2,497":467,"2,498":468,"2,499":469,"2,500":470,"2,501":471,"2,503":472,"2,505":473,"2,506":474,"2,507":475,"2,508":476,"2,509":477,"2,510":478,"2,511":479,"2,512":480,"2,513":481,"2,514":482,"2,515":483,"2,516":484,"2,517":485,"2,518":486,"2,519":487,"2,520":488,"2,521":489,"2,522":490,"2,523":491,"2,524":492,"2,525":493,"2,527":494,"2,528":495,"2,529":496,"2,530":497,"2,531":498,"2,532":499,"2,533":500,"2,534":501,"2,535":502,"2,536":503,"2,537":504,"2,538":505,"2,539":506,"2,540":507,"2,541":508,"2,542":509,"2,543":510,"2,544":511,"2,545":512,"2,546":513,"2,547":514,"2,548":515,"2,549":516,"2,550":517,"2,551":518,"2,552":519,"2,553":520,"2,554":521,"2,555":522,"2,556":523,"2,557":524,"2,558":525,"2,559":526,"2,560":527,"2,561":528,"2,562":529,"2,563":530,"2,564":531,"2,565":532,"2,566":533,"2,567":534,"2,568":535,"2,569":536,"2,570":537,"2,571":538,"2,572":539,"2,573":540,"2,574":541,"2,575":542,"2,576":543,"2,577":544,"2,578":545,"2,579":546,"2,580":547,"2,581":548,"2,582":549,"2,583":550,"2,584":551,"2,585":552,"2,586":553,"2,587":554,"2,588":555,"2,589":556,"2,590":557,"2,591":558,"2,592":559,"2,593":560,"2,594":561,"2,595":562,"2,596":563,"2,597":564,"2,598":565,"2,599":566,"2,600":567,"2,601":568,"2,602":569,"2,603":570,"2,604":571,"2,605":572,"2,606":573,"2,607":574,"2,608":575,"2,609":576,"2,610":577,"2,611":578,"2,612":579,"2,613":580,"2,614":581,"2,615":582,"2,616":583,"2,617":584,"2,618":585,"2,619":586,"2,620":587,"2,621":588,"2,622":589,"2,623":590,"2,624":591,"2,625":592,"2,626":593,"2,627":594,"2,629":595,"2,631":596,"2,633":597,"2,634":598,"2,635":599,"2,636":600,"2,637":601,"2,638":602,"2,639":603,"2,640":604,"2,641":605,"2,643":606,"2,644":607,"2,645":608,"2,646":609,"2,647":610,"2,649":611,"2,651":612,"2,652":613,"2,653":614,"2,654":615,"2,655":616,"2,656":617,"2,657":618,"2,658":619,"2,659":620,"2,660":621,"2,661":622,"2,662":623,"2,663":624,"2,664":625,"2,665":626,"2,666":627,"2,667":628,"2,668":629,"2,669":630,"2,670":631,"2,671":632,"2,673":633,"2,674":634,"2,675":635,"2,676":636,"2,677":637,"2,678":638,"2,679":639,"2,680":640,"2,681":641,"2,682":642,"2,683":643,"2,684":644,"2,685":645,"2,686":646,"2,687":647,"2,688":648,"2,689":649,"2,690":650,"2,691":651,"2,692":652,"2,693":653,"2,694":654,"2,695":655,"2,696":656,"2,697":657,"2,698":658,"2,699":659,"2,700":660,"2,701":661,"2,702":662,"2,703":663,"2,704":664,"2,705":665,"2,706":666,"2,707":667,"2,708":668,"2,709":669,"2,710":670,"2,711":671,"2,712":672,"2,713":673,"2,714":674,"2,715":675,"2,716":676,"2,717":677,"2,718":678,"2,719":679,"2,720":680,"2,721":681,"2,722":682,"2,723":683,"2,724":684,"2,725":685,"2,726":686,"2,727":687,"2,728":688,"2,729":689,"2,730":690,"2,731":691,"2,732":692,"2,733":693,"2,734":694,"2,735":695,"2,736":696,"2,737":697,"2,738":698,"2,739":699,"2,740":700,"2,741":701,"2,742":702,"2,743":703,"2,744":704,"2,745":705,"2,746":706,"2,747":707,"2,748":708,"2,749":709,"2,750":710,"2,751":711,"2,752":712,"2,753":713,"2,754":714,"2,755":715,"2,756":716,"2,757":717,"2,758":718,"2,759":719,"2,760":720,"2,761":721,"2,762":722,"2,763":723,"2,764":724,"2,765":725,"2,766":726,"2,767":727,"2,768":728,"2,769":729,"2,770":730,"2,771":731,"2,772":732,"2,773":733,"2,774":734,"2,775":735,"2,776":736,"2,777":737,"2,778":738,"2,779":739,"2,780":740,"2,781":741,"2,782":742,"2,783":743,"2,784":744,"2,785":745,"2,786":746,"2,787":747,"2,788":748,"2,789":749,"2,790":750,"2,791":751,"2,792":752,"2,793":753,"2,794":754,"2,795":755,"2,796":756,"2,797":757,"2,798":758,"2,799":759,"2,800":760,"2,801":761,"2,802":762,"2,803":763,"2,804":764,"2,805":765,"2,806":766,"2,807":767,"2,808":768,"2,809":769,"2,810":770,"2,811":771,"2,812":772,"2,813":773,"2,814":774,"2,815":775,"2,816":776,"2,817":777,"2,818":778,"2,819":779,"2,820":780,"2,821":781,"2,822":782,"2,823":783,"2,824":784,"2,825":785,"2,826":786,"2,827":787,"2,828":788,"2,829":789,"2,830":790,"2,831":791,"2,832":792,"2,833":793,"2,834":794,"2,835":795,"2,836":796,"2,837":797,"2,838":798,"2,839":799,"2,841":800,"2,843":801,"2,845":802,"2,846":803,"2,847":804,"2,848":805,"2,849":806,"2,850":807,"2,851":808,"2,852":809,"2,853":810,"2,854":811,"2,855":812,"2,856":813,"2,857":814,"2,858":815,"2,859":816,"2,860":817,"2,861":818,"2,862":819,"2,863":820,"2,864":821,"2,865":822,"2,866":823,"2,867":824,"2,868":825,"2,869":826,"2,870":827,"2,871":828,"2,872":829,"2,873":830,"2,874":831,"2,875":832,"2,876":833,"2,877":834,"2,878":835,"2,879":836,"2,880":837,"2,881":838,"2,882":839,"2,883":840,"2,884":841,"2,885":842,"2,886":843,"2,887":844,"2,888":845,"2,889":846,"2,890":847,"2,891":848,"2,892":849,"2,893":850,"2,894":851,"2,895":852,"2,896":853,"2,897":854,"2,898":855,"2,899":856,"2,900":857,"2,901":858,"2,902":859,"2,903":860,"2,904":861,"2,905":862,"2,906":863,"2,907":864,"2,908":865,"2,909":866,"2,910":867,"2,911":868,"2,912":869,"2,913":870,"2,915":871,"2,917":872,"2,919":873,"2,920":874,"2,921":875,"2,922":876,"2,923":877,"2,924":878,"2,925":879,"2,926":880,"2,927":881,"2,928":882,"2,929":883,"2,930":884,"2,931":885,"2,932":886,"2,933":887,"2,934":888,"2,935":889,"2,936":890,"2,937":891,"2,938":892,"2,939":893,"2,940":894,"2,941":895,"2,942":896,"2,943":897,"2,945":898,"2,947":899,"2,948":900,"2,949":901,"2,950":902,"2,951":903,"2,952":904,"2,953":905,"2,954":906,"2,955":907,"2,956":908,"3,957":909,"3,959":910,"3,960":911,"3,961":912,"3,962":913,"3,963":914,"3,964":915,"3,965":916,"3,966":917,"3,967":918,"3,968":919,"3,969":920,"3,970":921,"3,971":922,"3,972":923,"3,973":924,"3,974":925,"3,975":926,"3,976":927,"3,977":928,"3,978":929,"3,979":930,"3,980":931,"3,981":932,"3,982":933,"3,983":934,"3,984":935,"3,985":936,"3,986":937,"3,987":938,"3,988":939,"3,989":940,"3,990":941,"3,991":942,"3,992":943,"3,993":944,"3,994":945,"3,995":946,"3,996":947,"3,997":948,"3,998":949,"3,999":950,"3,1000":951,"3,1001":952,"3,1002":953,"3,1003":954,"3,1004":955,"3,1005":956,"3,1006":957,"3,1007":958,"3,1008":959,"3,1009":960,"3,1010":961,"3,1011":962,"3,1012":963,"3,1013":964,"3,1014":965,"3,1015":966,"3,1016":967,"3,1017":968,"3,1018":969,"3,1019":970,"3,1020":971,"3,1021":972,"3,1022":973,"3,1023":974,"3,1024":975,"3,1025":976,"3,1026":977,"3,1027":978,"3,1028":979,"3,1029":980,"3,1031":981,"3,1033":982,"3,1034":983,"3,1035":984,"3,1036":985,"3,1037":986,"3,1038":987,"3,1039":988,"3,1040":989,"3,1041":990,"3,1042":991,"3,1043":992,"3,1044":993,"3,1045":994,"3,1046":995,"3,1047":996,"3,1048":997,"3,1049":998,"3,1051":999,"3,1053":1000,"3,1055":1001,"3,1056":1002,"3,1057":1003,"3,1059":1004,"3,1061":1005,"3,1062":1006,"3,1063":1007,"3,1065":1008,"3,1067":1009,"3,1069":1010,"3,1070":1011,"3,1071":1012,"3,1072":1013,"3,1073":1014,"3,1074":1015,"3,1075":1016,"3,1076":1017,"3,1077":1018,"3,1078":1019,"3,1079":1020,"3,1080":1021,"3,1081":1022,"3,1082":1023,"3,1083":1024,"3,1085":1025,"3,1086":1026,"3,1087":1027,"3,1088":1028,"3,1089":1029,"3,1091":1030,"3,1093":1031,"3,1094":1032,"3,1095":1033,"3,1096":1034,"3,1097":1035,"3,1098":1036,"3,1099":1037,"3,1100":1038,"3,1101":1039,"3,1102":1040,"3,1103":1041,"3,1104":1042,"3,1105":1043,"3,1106":1044,"3,1107":1045,"3,1108":1046,"3,1109":1047,"3,1110":1048,"3,1111":1049,"3,1112":1050,"3,1113":1051,"3,1114":1052,"3,1115":1053,"3,1116":1054,"3,1117":1055,"3,1119":1056,"3,1121":1057,"3,1122":1058,"3,1123":1059,"3,1124":1060,"3,1125":1061,"3,1126":1062,"3,1127":1063,"3,1128":1064,"3,1129":1065,"3,1130":1066,"3,1131":1067,"3,1133":1068,"3,1135":1069,"3,1136":1070,"3,1137":1071,"3,1139":1072,"3,1141":1073,"3,1142":1074,"3,1143":1075,"3,1145":1076,"3,1147":1077,"3,1148":1078,"3,1149":1079,"3,1150":1080,"3,1151":1081,"3,1152":1082,"3,1153":1083,"3,1154":1084,"3,1155":1085,"3,1156":1086,"3,1157":1087,"3,1159":1088,"3,1161":1089,"3,1162":1090,"3,1163":1091,"3,1164":1092,"3,1165":1093,"3,1166":1094,"3,1167":1095,"3,1168":1096,"3,1169":1097,"3,1170":1098,"3,1171":1099,"3,1172":1100,"3,1173":1101,"3,1174":1102,"3,1175":1103,"3,1176":1104,"3,1177":1105,"3,1178":1106,"3,1179":1107,"3,1181":1108,"3,1182":1109,"3,1183":1110,"3,1184":1111,"3,1185":1112,"3,1186":1113,"3,1187":1114,"3,1189":1115,"3,1191":1116,"3,1192":1117,"3,1193":1118,"3,1195":1119,"3,1196":1120,"3,1197":1121,"3,1198":1122,"3,1199":1123,"3,1201":1124,"3,1202":1125,"3,1203":1126,"3,1205":1127,"3,1206":1128,"3,1207":1129,"3,1208":1130,"3,1209":1131,"3,1210":1132,"3,1211":1133,"3,1212":1134,"3,1213":1135,"3,1214":1136,"3,1215":1137,"3,1216":1138,"3,1217":1139,"3,1219":1140,"3,1221":1141,"3,1222":1142,"3,1223":1143,"3,1224":1144,"3,1225":1145,"3,1226":1146,"3,1227":1147,"3,1228":1148,"3,1229":1149,"3,1230":1150,"3,1231":1151,"3,1232":1152,"3,1233":1153,"3,1234":1154,"3,1235":1155,"3,1236":1156,"3,1237":1157,"3,1238":1158,"3,1239":1159,"3,1240":1160,"3,1241":1161,"3,1243":1162,"3,1245":1163,"3,1246":1164,"3,1247":1165,"3,1248":1166,"3,1249":1167,"3,1250":1168,"3,1251":1169,"3,1252":1170,"3,1253":1171,"3,1254":1172,"3,1255":1173,"3,1256":1174,"3,1257":1175,"3,1258":1176,"3,1259":1177,"3,1260":1178,"3,1261":1179,"3,1262":1180,"3,1263":1181,"3,1264":1182,"3,1265":1183,"3,1266":1184,"3,1267":1185,"3,1268":1186,"3,1269":1187,"3,1270":1188,"3,1271":1189,"3,1272":1190,"3,1273":1191,"3,1274":1192,"3,1275":1193,"3,1276":1194,"3,1277":1195,"3,1279":1196,"3,1281":1197,"3,1282":1198,"3,1283":1199,"3,1284":1200,"3,1285":1201,"3,1286":1202,"3,1287":1203,"3,1288":1204,"3,1289":1205,"3,1290":1206,"3,1291":1207,"3,1292":1208,"3,1293":1209,"3,1294":1210,"3,1295":1211,"3,1296":1212,"3,1297":1213,"3,1298":1214,"3,1299":1215,"3,1300":1216,"3,1301":1217,"3,1302":1218,"3,1303":1219,"3,1304":1220,"3,1305":1221,"3,1307":1222,"3,1309":1223,"3,1310":1224,"3,1311":1225,"3,1312":1226,"3,1313":1227,"3,1314":1228,"3,1315":1229,"3,1316":1230,"3,1317":1231,"3,1318":1232,"3,1319":1233,"3,1320":1234,"3,1321":1235,"3,1322":1236,"3,1323":1237,"3,1324":1238,"3,1325":1239,"3,1326":1240,"3,1327":1241,"3,1328":1242,"3,1329":1243,"3,1330":1244,"3,1331":1245,"3,1332":1246,"3,1333":1247,"3,1334":1248,"3,1335":1249,"3,1336":1250,"3,1337":1251,"3,1338":1252,"3,1339":1253,"3,1340":1254,"3,1341":1255,"3,1342":1256,"3,1343":1257,"3,1344":1258,"3,1345":1259,"3,1346":1260,"3,1347":1261,"3,1348":1262,"3,1349":1263,"3,1350":1264,"3,1351":1265,"3,1352":1266,"3,1353":1267,"3,1354":1268,"3,1355":1269,"3,1356":1270,"3,1357":1271,"3,1358":1272,"3,1359":1273,"3,1360":1274,"3,1361":1275,"3,1362":1276,"3,1363":1277,"3,1364":1278,"3,1365":1279,"3,1366":1280,"3,1367":1281,"3,1368":1282,"3,1369":1283,"3,1370":1284,"3,1371":1285,"3,1372":1286,"3,1373":1287,"3,1374":1288,"3,1375":1289,"3,1376":1290,"3,1377":1291,"3,1378":1292,"3,1379":1293,"3,1380":1294,"3,1381":1295,"3,1382":1296,"3,1383":1297,"3,1384":1298,"3,1385":1299,"3,1386":1300,"3,1387":1301,"3,1388":1302,"3,1389":1303,"3,1390":1304,"3,1391":1305,"3,1392":1306,"3,1393":1307,"3,1394":1308,"3,1395":1309,"3,1396":1310,"3,1397":1311,"3,1398":1312,"3,1399":1313,"3,1400":1314,"3,1401":1315,"3,1402":1316,"3,1403":1317,"3,1404":1318,"3,1405":1319,"3,1406":1320,"3,1407":1321,"3,1408":1322,"3,1409":1323,"3,1410":1324,"3,1411":1325,"3,1412":1326,"3,1413":1327,"3,1414":1328,"3,1415":1329,"3,1416":1330,"3,1417":1331,"3,1418":1332,"3,1419":1333,"3,1420":1334,"3,1421":1335,"3,1422":1336,"3,1423":1337,"3,1425":1338,"3,1427":1339,"3,1428":1340,"3,1429":1341,"3,1430":1342,"3,1431":1343,"3,1432":1344,"3,1433":1345,"3,1434":1346,"3,1435":1347,"3,1436":1348,"3,1437":1349,"3,1438":1350,"3,1439":1351,"3,1440":1352,"3,1441":1353,"3,1442":1354,"3,1443":1355,"3,1444":1356,"3,1445":1357,"3,1446":1358,"3,1447":1359,"3,1448":1360,"3,1449":1361,"3,1450":1362,"3,1451":1363,"3,1452":1364,"3,1453":1365,"4,1455":1366,"4,1457":1367,"4,1458":1368,"4,1459":1369,"4,1460":1370,"4,1461":1371,"4,1462":1372,"4,1463":1373,"4,1464":1374,"4,1465":1375,"4,1466":1376,"4,1467":1377,"4,1468":1378,"4,1469":1379,"4,1470":1380,"4,1471":1381,"4,1472":1382,"4,1473":1383,"4,1474":1384,"4,1475":1385,"4,1476":1386,"4,1477":1387,"4,1478":1388,"4,1479":1389,"4,1480":1390,"4,1481":1391,"4,1482":1392,"4,1483":1393,"4,1484":1394,"4,1485":1395,"4,1487":1396,"4,1488":1397,"4,1489":1398,"4,1490":1399,"4,1491":1400,"4,1492":1401,"4,1493":1402,"4,1494":1403,"4,1495":1404,"4,1496":1405,"4,1497":1406,"4,1498":1407,"4,1499":1408,"4,1500":1409,"4,1501":1410,"4,1502":1411,"4,1503":1412,"4,1504":1413,"4,1505":1414,"4,1506":1415,"4,1507":1416,"4,1508":1417,"4,1509":1418,"4,1510":1419,"4,1511":1420,"4,1512":1421,"4,1513":1422,"4,1514":1423,"4,1515":1424,"4,1516":1425,"4,1517":1426,"4,1518":1427,"4,1519":1428,"4,1520":1429,"4,1521":1430,"4,1522":1431,"4,1523":1432,"4,1524":1433,"4,1525":1434,"4,1526":1435,"4,1527":1436,"4,1528":1437,"4,1529":1438,"4,1530":1439,"4,1531":1440,"4,1532":1441,"4,1533":1442,"4,1534":1443,"4,1535":1444,"4,1536":1445,"4,1537":1446,"4,1538":1447,"4,1539":1448,"4,1540":1449,"4,1541":1450,"4,1542":1451,"4,1543":1452,"4,1544":1453,"4,1545":1454,"4,1546":1455,"4,1547":1456,"4,1548":1457,"4,1549":1458,"4,1550":1459,"4,1551":1460,"4,1552":1461,"4,1553":1462,"4,1554":1463,"4,1555":1464,"4,1556":1465,"4,1557":1466,"4,1558":1467,"4,1559":1468,"4,1560":1469,"4,1561":1470,"4,1562":1471,"4,1563":1472,"4,1564":1473,"4,1565":1474,"4,1566":1475,"4,1567":1476,"4,1568":1477,"4,1569":1478,"4,1570":1479,"4,1571":1480,"4,1572":1481,"4,1573":1482,"4,1574":1483,"4,1575":1484,"4,1576":1485,"4,1577":1486,"4,1578":1487,"4,1579":1488,"4,1580":1489,"4,1581":1490,"4,1582":1491,"4,1583":1492,"4,1584":1493,"4,1585":1494,"4,1586":1495,"4,1587":1496,"4,1588":1497,"4,1589":1498,"4,1590":1499,"4,1591":1500,"4,1593":1501,"4,1595":1502,"4,1596":1503,"4,1597":1504,"4,1598":1505,"4,1599":1506,"4,1600":1507,"4,1601":1508,"4,1602":1509,"4,1603":1510,"4,1604":1511,"4,1605":1512,"4,1606":1513,"4,1607":1514,"4,1608":1515,"4,1609":1516,"4,1610":1517,"4,1611":1518,"4,1612":1519,"4,1613":1520,"4,1614":1521,"4,1615":1522,"4,1616":1523,"4,1617":1524,"4,1618":1525,"4,1619":1526,"4,1620":1527,"4,1621":1528,"4,1622":1529,"4,1623":1530,"4,1624":1531,"4,1625":1532,"4,1626":1533,"4,1627":1534,"4,1628":1535,"4,1629":1536,"4,1630":1537,"4,1631":1538,"4,1632":1539,"4,1633":1540,"4,1634":1541,"4,1635":1542,"4,1636":1543,"4,1637":1544,"4,1638":1545,"4,1639":1546,"4,1640":1547,"4,1641":1548,"4,1642":1549,"4,1643":1550,"4,1644":1551,"4,1645":1552,"4,1647":1553,"4,1649":1554,"4,1651":1555,"4,1652":1556,"4,1653":1557,"4,1654":1558,"4,1655":1559,"4,1657":1560,"4,1659":1561,"4,1660":1562,"4,1661":1563,"4,1663":1564,"4,1664":1565,"4,1665":1566,"4,1667":1567,"4,1668":1568,"4,1669":1569,"4,1670":1570,"4,1671":1571,"4,1672":1572,"4,1673":1573,"4,1674":1574,"4,1675":1575,"4,1676":1576,"4,1677":1577,"4,1678":1578,"4,1679":1579,"4,1680":1580,"4,1681":1581,"4,1682":1582,"4,1683":1583,"4,1684":1584,"4,1685":1585,"4,1686":1586,"4,1687":1587,"4,1688":1588,"4,1689":1589,"4,1690":1590,"4,1691":1591,"4,1692":1592,"4,1693":1593,"4,1694":1594,"4,1695":1595,"4,1696":1596,"4,1697":1597,"4,1698":1598,"4,1699":1599,"4,1701":1600,"4,1703":1601,"4,1704":1602,"4,1705":1603,"4,1706":1604,"4,1707":1605,"4,1708":1606,"4,1709":1607,"4,1710":1608,"4,1711":1609,"4,1712":1610,"4,1713":1611,"4,1714":1612,"4,1715":1613,"4,1716":1614,"4,1717":1615,"4,1719":1616,"4,1721":1617,"4,1722":1618,"4,1723":1619,"4,1724":1620,"4,1725":1621,"4,1727":1622,"4,1728":1623,"4,1729":1624,"4,1730":1625,"4,1731":1626,"4,1732":1627,"4,1733":1628,"4,1734":1629,"4,1735":1630,"4,1736":1631,"4,1737":1632,"4,1739":1633,"4,1741":1634,"4,1743":1635,"4,1744":1636,"4,1745":1637,"4,1746":1638,"4,1747":1639,"4,1748":1640,"4,1749":1641,"4,1750":1642,"4,1751":1643,"4,1752":1644,"4,1753":1645,"4,1754":1646,"4,1755":1647,"4,1756":1648,"4,1757":1649,"4,1758":1650,"4,1759":1651,"4,1760":1652,"4,1761":1653,"4,1762":1654,"4,1763":1655,"4,1765":1656,"4,1766":1657,"4,1767":1658,"4,1768":1659,"4,1769":1660,"4,1770":1661,"4,1771":1662,"4,1772":1663,"4,1773":1664,"4,1774":1665,"4,1775":1666,"4,1776":1667,"4,1777":1668,"4,1778":1669,"4,1779":1670,"4,1780":1671,"4,1781":1672,"4,1782":1673,"4,1783":1674,"4,1784":1675,"4,1785":1676,"4,1786":1677,"4,1787":1678,"4,1788":1679,"4,1789":1680,"4,1790":1681,"4,1791":1682,"4,1792":1683,"4,1793":1684,"4,1794":1685,"4,1795":1686,"4,1796":1687,"4,1797":1688,"4,1798":1689,"4,1799":1690,"4,1800":1691,"4,1801":1692,"4,1802":1693,"4,1803":1694,"4,1804":1695,"4,1805":1696,"4,1807":1697,"4,1809":1698,"4,1810":1699,"4,1811":1700,"4,1813":1701,"4,1815":1702,"4,1816":1703,"4,1817":1704,"4,1818":1705,"4,1819":1706,"4,1821":1707,"4,1823":1708,"4,1824":1709,"4,1825":1710,"4,1826":1711,"4,1827":1712,"4,1828":1713,"4,1829":1714,"4,1830":1715,"4,1831":1716,"4,1832":1717,"4,1833":1718,"4,1834":1719,"4,1835":1720,"4,1837":1721,"4,1838":1722,"4,1839":1723,"4,1840":1724,"4,1841":1725,"4,1842":1726,"4,1843":1727,"4,1844":1728,"4,1845":1729,"4,1846":1730,"4,1847":1731,"4,1848":1732,"4,1849":1733,"4,1850":1734,"4,1851":1735,"4,1852":1736,"4,1853":1737,"4,1854":1738,"4,1855":1739,"4,1856":1740,"4,1857":1741,"4,1858":1742,"4,1859":1743,"4,1860":1744,"4,1861":1745,"4,1862":1746,"4,1863":1747,"4,1864":1748,"4,1865":1749,"4,1866":1750,"4,1867":1751,"4,1868":1752,"4,1869":1753,"4,1870":1754,"4,1871":1755,"4,1872":1756,"4,1873":1757,"4,1874":1758,"4,1875":1759,"4,1876":1760,"4,1877":1761,"4,1878":1762,"4,1879":1763,"4,1880":1764,"4,1881":1765,"4,1882":1766,"4,1883":1767,"4,1884":1768,"4,1885":1769,"4,1886":1770,"4,1887":1771,"4,1888":1772,"4,1889":1773,"4,1890":1774,"4,1891":1775,"4,1892":1776,"4,1893":1777,"4,1894":1778,"4,1895":1779,"4,1896":1780,"4,1897":1781,"4,1898":1782,"4,1899":1783,"4,1900":1784,"4,1901":1785,"4,1902":1786,"4,1903":1787,"4,1904":1788,"4,1905":1789,"4,1906":1790,"4,1907":1791,"4,1908":1792,"4,1909":1793,"4,1910":1794,"4,1911":1795,"4,1912":1796,"4,1913":1797,"4,1914":1798,"4,1915":1799,"4,1916":1800,"4,1917":1801,"4,1918":1802,"4,1919":1803,"4,1920":1804,"4,1921":1805,"4,1922":1806,"4,1923":1807,"4,1924":1808,"4,1925":1809,"4,1927":1810,"4,1929":1811,"4,1930":1812,"4,1931":1813,"4,1932":1814,"4,1933":1815,"4,1934":1816,"4,1935":1817,"4,1936":1818,"4,1937":1819,"4,1938":1820,"4,1939":1821,"4,1940":1822,"4,1941":1823,"4,1942":1824,"4,1943":1825,"4,1944":1826,"4,1945":1827,"4,1946":1828,"4,1947":1829,"4,1948":1830,"4,1949":1831,"4,1950":1832,"4,1951":1833,"4,1952":1834,"4,1953":1835,"4,1954":1836,"4,1955":1837,"4,1956":1838,"4,1957":1839,"4,1958":1840,"5,1959":1841,"5,1961":1842,"5,1963":1843,"5,1964":1844,"5,1965":1845,"5,1966":1846,"5,1967":1847,"5,1968":1848,"5,1969":1849,"5,1970":1850,"5,1971":1851,"5,1972":1852,"5,1973":1853,"5,1974":1854,"5,1975":1855,"5,1976":1856,"5,1977":1857,"5,1978":1858,"5,1979":1859,"5,1980":1860,"5,1981":1861,"5,1982":1862,"5,1983":1863,"5,1984":1864,"5,1985":1865,"5,1986":1866,"5,1987":1867,"5,1988":1868,"5,1989":1869,"5,1990":1870,"5,1991":1871,"5,1992":1872,"5,1993":1873,"5,1994":1874,"5,1995":1875,"5,1996":1876,"5,1997":1877,"5,1998":1878,"5,1999":1879,"5,2000":1880,"5,2001":1881,"5,2003":1882,"5,2004":1883,"5,2005":1884,"5,2006":1885,"5,2007":1886,"5,2008":1887,"5,2009":1888,"5,2010":1889,"5,2011":1890,"5,2013":1891,"5,2014":1892,"5,2015":1893,"5,2016":1894,"5,2017":1895,"5,2018":1896,"5,2019":1897,"5,2020":1898,"5,2021":1899,"5,2022":1900,"5,2023":1901,"5,2024":1902,"5,2025":1903,"5,2026":1904,"5,2027":1905,"5,2028":1906,"5,2029":1907,"5,2030":1908,"5,2031":1909,"5,2033":1910,"5,2035":1911,"5,2037":1912,"5,2038":1913,"5,2039":1914,"5,2040":1915,"5,2041":1916,"5,2042":1917,"5,2043":1918,"5,2044":1919,"5,2045":1920,"5,2046":1921,"5,2047":1922,"5,2048":1923,"5,2049":1924,"5,2050":1925,"5,2051":1926,"5,2052":1927,"5,2053":1928,"5,2055":1929,"5,2056":1930,"5,2057":1931,"5,2058":1932,"5,2059":1933,"5,2060":1934,"5,2061":1935,"5,2062":1936,"5,2063":1937,"5,2064":1938,"5,2065":1939,"5,2067":1940,"5,2068":1941,"5,2069":1942,"5,2070":1943,"5,2071":1944,"5,2072":1945,"5,2073":1946,"5,2074":1947,"5,2075":1948,"5,2076":1949,"5,2077":1950,"5,2079":1951,"5,2080":1952,"5,2081":1953,"5,2082":1954,"5,2083":1955,"5,2084":1956,"5,2085":1957,"5,2086":1958,"5,2087":1959,"5,2089":1960,"5,2090":1961,"5,2091":1962,"5,2092":1963,"5,2093":1964,"5,2095":1965,"5,2097":1966,"5,2098":1967,"5,2099":1968,"5,2100":1969,"5,2101":1970,"5,2102":1971,"5,2103":1972,"5,2104":1973,"5,2105":1974,"5,2106":1975,"5,2107":1976,"5,2108":1977,"5,2109":1978,"5,2110":1979,"5,2111":1980,"5,2112":1981,"5,2113":1982,"5,2114":1983,"5,2115":1984,"5,2116":1985,"5,2117":1986,"5,2118":1987,"5,2119":1988,"5,2120":1989,"5,2121":1990,"5,2122":1991,"5,2123":1992,"5,2124":1993,"5,2125":1994,"5,2126":1995,"5,2127":1996,"5,2128":1997,"5,2129":1998,"5,2130":1999,"5,2131":2000,"5,2132":2001,"5,2133":2002,"5,2134":2003,"5,2135":2004,"5,2136":2005,"5,2137":2006,"5,2138":2007,"5,2139":2008,"5,2140":2009,"5,2141":2010,"5,2142":2011,"5,2143":2012,"5,2144":2013,"5,2145":2014,"5,2146":2015,"5,2147":2016,"5,2148":2017,"5,2149":2018,"5,2150":2019,"5,2151":2020,"5,2152":2021,"5,2153":2022,"5,2154":2023,"5,2155":2024,"5,2156":2025,"5,2157":2026,"5,2158":2027,"5,2159":2028,"5,2160":2029,"5,2161":2030,"5,2162":2031,"5,2163":2032,"5,2165":2033,"5,2166":2034,"5,2167":2035,"5,2168":2036,"5,2169":2037,"5,2170":2038,"5,2171":2039,"5,2173":2040,"5,2174":2041,"5,2175":2042,"5,2176":2043,"5,2177":2044,"5,2178":2045,"5,2179":2046,"5,2181":2047,"5,2182":2048,"5,2183":2049,"5,2185":2050,"5,2187":2051,"5,2188":2052,"5,2189":2053,"5,2191":2054,"5,2193":2055,"5,2194":2056,"5,2195":2057,"5,2197":2058,"5,2199":2059,"5,2200":2060,"5,2201":2061,"5,2202":2062,"5,2203":2063,"5,2204":2064,"5,2205":2065,"5,2207":2066,"5,2209":2067,"5,2210":2068,"5,2211":2069,"5,2212":2070,"5,2213":2071,"5,2214":2072,"5,2215":2073,"5,2216":2074,"5,2217":2075,"5,2219":2076,"5,2220":2077,"5,2221":2078,"5,2222":2079,"5,2223":2080,"5,2224":2081,"5,2225":2082,"5,2226":2083,"5,2227":2084,"5,2228":2085,"5,2229":2086,"5,2231":2087,"5,2233":2088,"5,2234":2089,"5,2235":2090,"5,2236":2091,"5,2237":2092,"5,2239":2093,"5,2241":2094,"5,2242":2095,"5,2243":2096,"5,2244":2097,"5,2245":2098,"5,2247":2099,"5,2249":2100,"5,2250":2101,"5,2251":2102,"5,2252":2103,"5,2253":2104,"5,2255":2105,"5,2257":2106,"5,2258":2107,"5,2259":2108,"5,2260":2109,"5,2261":2110,"5,2262":2111,"5,2263":2112,"5,2264":2113,"5,2265":2114,"5,2267":2115,"5,2269":2116,"5,2270":2117,"5,2271":2118,"5,2272":2119,"5,2273":2120,"5,2275":2121,"5,2276":2122,"5,2277":2123,"5,2278":2124,"5,2279":2125,"5,2280":2126,"5,2281":2127,"5,2282":2128,"5,2283":2129,"5,2285":2130,"5,2287":2131,"5,2288":2132,"5,2289":2133,"5,2290":2134,"5,2291":2135,"5,2293":2136,"5,2295":2137,"5,2296":2138,"5,2297":2139,"5,2298":2140,"5,2299":2141,"5,2300":2142,"5,2301":2143,"5,2302":2144,"5,2303":2145,"5,2304":2146,"5,2305":2147,"5,2307":2148,"5,2308":2149,"5,2309":2150,"5,2310":2151,"5,2311":2152,"5,2313":2153,"5,2315":2154,"5,2316":2155,"5,2317":2156,"5,2318":2157,"5,2319":2158,"5,2320":2159,"5,2321":2160,"5,2322":2161,"5,2323":2162,"5,2324":2163,"5,2325":2164,"5,2326":2165,"5,2327":2166,"5,2328":2167,"5,2329":2168,"5,2330":2169,"5,2331":2170,"5,2332":2171,"5,2333":2172,"5,2334":2173,"5,2335":2174,"5,2336":2175,"5,2337":2176,"5,2338":2177,"5,2339":2178,"5,2340":2179,"5,2341":2180,"5,2342":2181,"5,2343":2182,"5,2344":2183,"5,2345":2184,"5,2346":2185,"5,2347":2186,"5,2348":2187,"5,2349":2188,"5,2350":2189,"5,2351":2190,"5,2352":2191,"5,2353":2192,"5,2354":2193,"5,2355":2194,"5,2356":2195,"5,2357":2196,"5,2358":2197,"5,2359":2198,"5,2360":2199,"5,2361":2200,"5,2362":2201,"5,2363":2202,"5,2364":2203,"5,2365":2204,"5,2366":2205,"5,2367":2206,"5,2368":2207,"5,2369":2208,"5,2370":2209,"5,2371":2210,"5,2372":2211,"5,2373":2212,"5,2374":2213,"5,2375":2214,"5,2376":2215,"5,2377":2216,"5,2378":2217,"5,2379":2218,"5,2380":2219,"5,2381":2220,"5,2382":2221,"5,2383":2222,"5,2384":2223,"5,2385":2224,"5,2387":2225,"5,2388":2226,"5,2389":2227,"5,2390":2228,"5,2391":2229,"5,2392":2230,"5,2393":2231,"5,2394":2232,"5,2395":2233,"5,2396":2234,"5,2397":2235,"5,2398":2236,"5,2399":2237,"5,2400":2238,"5,2401":2239,"5,2402":2240,"5,2403":2241,"5,2404":2242,"5,2405":2243,"5,2406":2244,"5,2407":2245,"5,2409":2246,"5,2411":2247,"5,2412":2248,"5,2413":2249,"5,2414":2250,"5,2415":2251,"5,2416":2252,"5,2417":2253,"5,2419":2254,"5,2420":2255,"5,2421":2256,"5,2423":2257,"5,2424":2258,"5,2425":2259,"5,2426":2260,"5,2427":2261,"5,2428":2262,"5,2429":2263,"5,2430":2264,"5,2431":2265,"5,2432":2266,"5,2433":2267,"5,2435":2268,"5,2437":2269,"5,2438":2270,"5,2439":2271,"5,2440":2272,"5,2441":2273,"5,2442":2274,"5,2443":2275,"5,2444":2276,"5,2445":2277,"5,2446":2278,"5,2447":2279,"5,2448":2280,"5,2449":2281,"5,2450":2282,"5,2451":2283,"5,2452":2284,"5,2453":2285,"5,2454":2286,"5,2455":2287,"5,2456":2288,"5,2457":2289,"5,2458":2290,"5,2459":2291,"5,2460":2292,"5,2461":2293,"5,2463":2294,"5,2464":2295,"5,2465":2296,"5,2466":2297,"5,2467":2298,"5,2468":2299,"5,2469":2300,"5,2470":2301,"5,2471":2302,"5,2472":2303},"ٜ":{"المقدمة":[5,14],"1":[5,463],"2":[464,956],"3":[957,1453],"4":[1455,1958],"5":[1959,2472]},"ٝ":["المقدمة,5","المقدمة,7","المقدمة,8","المقدمة,9","المقدمة,10","المقدمة,11","المقدمة,12","المقدمة,13","المقدمة,14","1,5","1,7","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,67","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,91","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,123","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,135","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,281","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,295","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,317","1,319","1,321","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,379","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","2,464","2,465","2,467","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,475","2,477","2,478","2,479","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,503","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,629","2,631","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,649","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,841","2,843","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,915","2,917","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,945","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","3,957","3,959","3,960","3,961","3,962","3,963","3,964","3,965","3,966","3,967","3,968","3,969","3,970","3,971","3,972","3,973","3,974","3,975","3,976","3,977","3,978","3,979","3,980","3,981","3,982","3,983","3,984","3,985","3,986","3,987","3,988","3,989","3,990","3,991","3,992","3,993","3,994","3,995","3,996","3,997","3,998","3,999","3,1000","3,1001","3,1002","3,1003","3,1004","3,1005","3,1006","3,1007","3,1008","3,1009","3,1010","3,1011","3,1012","3,1013","3,1014","3,1015","3,1016","3,1017","3,1018","3,1019","3,1020","3,1021","3,1022","3,1023","3,1024","3,1025","3,1026","3,1027","3,1028","3,1029","3,1031","3,1033","3,1034","3,1035","3,1036","3,1037","3,1038","3,1039","3,1040","3,1041","3,1042","3,1043","3,1044","3,1045","3,1046","3,1047","3,1048","3,1049","3,1051","3,1053","3,1055","3,1056","3,1057","3,1059","3,1061","3,1062","3,1063","3,1065","3,1067","3,1069","3,1070","3,1071","3,1072","3,1073","3,1074","3,1075","3,1076","3,1077","3,1078","3,1079","3,1080","3,1081","3,1082","3,1083","3,1085","3,1086","3,1087","3,1088","3,1089","3,1091","3,1093","3,1094","3,1095","3,1096","3,1097","3,1098","3,1099","3,1100","3,1101","3,1102","3,1103","3,1104","3,1105","3,1106","3,1107","3,1108","3,1109","3,1110","3,1111","3,1112","3,1113","3,1114","3,1115","3,1116","3,1117","3,1119","3,1121","3,1122","3,1123","3,1124","3,1125","3,1126","3,1127","3,1128","3,1129","3,1130","3,1131","3,1133","3,1135","3,1136","3,1137","3,1139","3,1141","3,1142","3,1143","3,1145","3,1147","3,1148","3,1149","3,1150","3,1151","3,1152","3,1153","3,1154","3,1155","3,1156","3,1157","3,1159","3,1161","3,1162","3,1163","3,1164","3,1165","3,1166","3,1167","3,1168","3,1169","3,1170","3,1171","3,1172","3,1173","3,1174","3,1175","3,1176","3,1177","3,1178","3,1179","3,1181","3,1182","3,1183","3,1184","3,1185","3,1186","3,1187","3,1189","3,1191","3,1192","3,1193","3,1195","3,1196","3,1197","3,1198","3,1199","3,1201","3,1202","3,1203","3,1205","3,1206","3,1207","3,1208","3,1209","3,1210","3,1211","3,1212","3,1213","3,1214","3,1215","3,1216","3,1217","3,1219","3,1221","3,1222","3,1223","3,1224","3,1225","3,1226","3,1227","3,1228","3,1229","3,1230","3,1231","3,1232","3,1233","3,1234","3,1235","3,1236","3,1237","3,1238","3,1239","3,1240","3,1241","3,1243","3,1245","3,1246","3,1247","3,1248","3,1249","3,1250","3,1251","3,1252","3,1253","3,1254","3,1255","3,1256","3,1257","3,1258","3,1259","3,1260","3,1261","3,1262","3,1263","3,1264","3,1265","3,1266","3,1267","3,1268","3,1269","3,1270","3,1271","3,1272","3,1273","3,1274","3,1275","3,1276","3,1277","3,1279","3,1281","3,1282","3,1283","3,1284","3,1285","3,1286","3,1287","3,1288","3,1289","3,1290","3,1291","3,1292","3,1293","3,1294","3,1295","3,1296","3,1297","3,1298","3,1299","3,1300","3,1301","3,1302","3,1303","3,1304","3,1305","3,1307","3,1309","3,1310","3,1311","3,1312","3,1313","3,1314","3,1315","3,1316","3,1317","3,1318","3,1319","3,1320","3,1321","3,1322","3,1323","3,1324","3,1325","3,1326","3,1327","3,1328","3,1329","3,1330","3,1331","3,1332","3,1333","3,1334","3,1335","3,1336","3,1337","3,1338","3,1339","3,1340","3,1341","3,1342","3,1343","3,1344","3,1345","3,1346","3,1347","3,1348","3,1349","3,1350","3,1351","3,1352","3,1353","3,1354","3,1355","3,1356","3,1357","3,1358","3,1359","3,1360","3,1361","3,1362","3,1363","3,1364","3,1365","3,1366","3,1367","3,1368","3,1369","3,1370","3,1371","3,1372","3,1373","3,1374","3,1375","3,1376","3,1377","3,1378","3,1379","3,1380","3,1381","3,1382","3,1383","3,1384","3,1385","3,1386","3,1387","3,1388","3,1389","3,1390","3,1391","3,1392","3,1393","3,1394","3,1395","3,1396","3,1397","3,1398","3,1399","3,1400","3,1401","3,1402","3,1403","3,1404","3,1405","3,1406","3,1407","3,1408","3,1409","3,1410","3,1411","3,1412","3,1413","3,1414","3,1415","3,1416","3,1417","3,1418","3,1419","3,1420","3,1421","3,1422","3,1423","3,1425","3,1427","3,1428","3,1429","3,1430","3,1431","3,1432","3,1433","3,1434","3,1435","3,1436","3,1437","3,1438","3,1439","3,1440","3,1441","3,1442","3,1443","3,1444","3,1445","3,1446","3,1447","3,1448","3,1449","3,1450","3,1451","3,1452","3,1453","4,1455","4,1457","4,1458","4,1459","4,1460","4,1461","4,1462","4,1463","4,1464","4,1465","4,1466","4,1467","4,1468","4,1469","4,1470","4,1471","4,1472","4,1473","4,1474","4,1475","4,1476","4,1477","4,1478","4,1479","4,1480","4,1481","4,1482","4,1483","4,1484","4,1485","4,1487","4,1488","4,1489","4,1490","4,1491","4,1492","4,1493","4,1494","4,1495","4,1496","4,1497","4,1498","4,1499","4,1500","4,1501","4,1502","4,1503","4,1504","4,1505","4,1506","4,1507","4,1508","4,1509","4,1510","4,1511","4,1512","4,1513","4,1514","4,1515","4,1516","4,1517","4,1518","4,1519","4,1520","4,1521","4,1522","4,1523","4,1524","4,1525","4,1526","4,1527","4,1528","4,1529","4,1530","4,1531","4,1532","4,1533","4,1534","4,1535","4,1536","4,1537","4,1538","4,1539","4,1540","4,1541","4,1542","4,1543","4,1544","4,1545","4,1546","4,1547","4,1548","4,1549","4,1550","4,1551","4,1552","4,1553","4,1554","4,1555","4,1556","4,1557","4,1558","4,1559","4,1560","4,1561","4,1562","4,1563","4,1564","4,1565","4,1566","4,1567","4,1568","4,1569","4,1570","4,1571","4,1572","4,1573","4,1574","4,1575","4,1576","4,1577","4,1578","4,1579","4,1580","4,1581","4,1582","4,1583","4,1584","4,1585","4,1586","4,1587","4,1588","4,1589","4,1590","4,1591","4,1593","4,1595","4,1596","4,1597","4,1598","4,1599","4,1600","4,1601","4,1602","4,1603","4,1604","4,1605","4,1606","4,1607","4,1608","4,1609","4,1610","4,1611","4,1612","4,1613","4,1614","4,1615","4,1616","4,1617","4,1618","4,1619","4,1620","4,1621","4,1622","4,1623","4,1624","4,1625","4,1626","4,1627","4,1628","4,1629","4,1630","4,1631","4,1632","4,1633","4,1634","4,1635","4,1636","4,1637","4,1638","4,1639","4,1640","4,1641","4,1642","4,1643","4,1644","4,1645","4,1647","4,1649","4,1651","4,1652","4,1653","4,1654","4,1655","4,1657","4,1659","4,1660","4,1661","4,1663","4,1664","4,1665","4,1667","4,1668","4,1669","4,1670","4,1671","4,1672","4,1673","4,1674","4,1675","4,1676","4,1677","4,1678","4,1679","4,1680","4,1681","4,1682","4,1683","4,1684","4,1685","4,1686","4,1687","4,1688","4,1689","4,1690","4,1691","4,1692","4,1693","4,1694","4,1695","4,1696","4,1697","4,1698","4,1699","4,1701","4,1703","4,1704","4,1705","4,1706","4,1707","4,1708","4,1709","4,1710","4,1711","4,1712","4,1713","4,1714","4,1715","4,1716","4,1717","4,1719","4,1721","4,1722","4,1723","4,1724","4,1725","4,1727","4,1728","4,1729","4,1730","4,1731","4,1732","4,1733","4,1734","4,1735","4,1736","4,1737","4,1739","4,1741","4,1743","4,1744","4,1745","4,1746","4,1747","4,1748","4,1749","4,1750","4,1751","4,1752","4,1753","4,1754","4,1755","4,1756","4,1757","4,1758","4,1759","4,1760","4,1761","4,1762","4,1763","4,1765","4,1766","4,1767","4,1768","4,1769","4,1770","4,1771","4,1772","4,1773","4,1774","4,1775","4,1776","4,1777","4,1778","4,1779","4,1780","4,1781","4,1782","4,1783","4,1784","4,1785","4,1786","4,1787","4,1788","4,1789","4,1790","4,1791","4,1792","4,1793","4,1794","4,1795","4,1796","4,1797","4,1798","4,1799","4,1800","4,1801","4,1802","4,1803","4,1804","4,1805","4,1807","4,1809","4,1810","4,1811","4,1813","4,1815","4,1816","4,1817","4,1818","4,1819","4,1821","4,1823","4,1824","4,1825","4,1826","4,1827","4,1828","4,1829","4,1830","4,1831","4,1832","4,1833","4,1834","4,1835","4,1837","4,1838","4,1839","4,1840","4,1841","4,1842","4,1843","4,1844","4,1845","4,1846","4,1847","4,1848","4,1849","4,1850","4,1851","4,1852","4,1853","4,1854","4,1855","4,1856","4,1857","4,1858","4,1859","4,1860","4,1861","4,1862","4,1863","4,1864","4,1865","4,1866","4,1867","4,1868","4,1869","4,1870","4,1871","4,1872","4,1873","4,1874","4,1875","4,1876","4,1877","4,1878","4,1879","4,1880","4,1881","4,1882","4,1883","4,1884","4,1885","4,1886","4,1887","4,1888","4,1889","4,1890","4,1891","4,1892","4,1893","4,1894","4,1895","4,1896","4,1897","4,1898","4,1899","4,1900","4,1901","4,1902","4,1903","4,1904","4,1905","4,1906","4,1907","4,1908","4,1909","4,1910","4,1911","4,1912","4,1913","4,1914","4,1915","4,1916","4,1917","4,1918","4,1919","4,1920","4,1921","4,1922","4,1923","4,1924","4,1925","4,1927","4,1929","4,1930","4,1931","4,1932","4,1933","4,1934","4,1935","4,1936","4,1937","4,1938","4,1939","4,1940","4,1941","4,1942","4,1943","4,1944","4,1945","4,1946","4,1947","4,1948","4,1949","4,1950","4,1951","4,1952","4,1953","4,1954","4,1955","4,1956","4,1957","4,1958","5,1959","5,1961","5,1963","5,1964","5,1965","5,1966","5,1967","5,1968","5,1969","5,1970","5,1971","5,1972","5,1973","5,1974","5,1975","5,1976","5,1977","5,1978","5,1979","5,1980","5,1981","5,1982","5,1983","5,1984","5,1985","5,1986","5,1987","5,1988","5,1989","5,1990","5,1991","5,1992","5,1993","5,1994","5,1995","5,1996","5,1997","5,1998","5,1999","5,2000","5,2001","5,2003","5,2004","5,2005","5,2006","5,2007","5,2008","5,2009","5,2010","5,2011","5,2013","5,2014","5,2015","5,2016","5,2017","5,2018","5,2019","5,2020","5,2021","5,2022","5,2023","5,2024","5,2025","5,2026","5,2027","5,2028","5,2029","5,2030","5,2031","5,2033","5,2035","5,2037","5,2038","5,2039","5,2040","5,2041","5,2042","5,2043","5,2044","5,2045","5,2046","5,2047","5,2048","5,2049","5,2050","5,2051","5,2052","5,2053","5,2055","5,2056","5,2057","5,2058","5,2059","5,2060","5,2061","5,2062","5,2063","5,2064","5,2065","5,2067","5,2068","5,2069","5,2070","5,2071","5,2072","5,2073","5,2074","5,2075","5,2076","5,2077","5,2079","5,2080","5,2081","5,2082","5,2083","5,2084","5,2085","5,2086","5,2087","5,2089","5,2090","5,2091","5,2092","5,2093","5,2095","5,2097","5,2098","5,2099","5,2100","5,2101","5,2102","5,2103","5,2104","5,2105","5,2106","5,2107","5,2108","5,2109","5,2110","5,2111","5,2112","5,2113","5,2114","5,2115","5,2116","5,2117","5,2118","5,2119","5,2120","5,2121","5,2122","5,2123","5,2124","5,2125","5,2126","5,2127","5,2128","5,2129","5,2130","5,2131","5,2132","5,2133","5,2134","5,2135","5,2136","5,2137","5,2138","5,2139","5,2140","5,2141","5,2142","5,2143","5,2144","5,2145","5,2146","5,2147","5,2148","5,2149","5,2150","5,2151","5,2152","5,2153","5,2154","5,2155","5,2156","5,2157","5,2158","5,2159","5,2160","5,2161","5,2162","5,2163","5,2165","5,2166","5,2167","5,2168","5,2169","5,2170","5,2171","5,2173","5,2174","5,2175","5,2176","5,2177","5,2178","5,2179","5,2181","5,2182","5,2183","5,2185","5,2187","5,2188","5,2189","5,2191","5,2193","5,2194","5,2195","5,2197","5,2199","5,2200","5,2201","5,2202","5,2203","5,2204","5,2205","5,2207","5,2209","5,2210","5,2211","5,2212","5,2213","5,2214","5,2215","5,2216","5,2217","5,2219","5,2220","5,2221","5,2222","5,2223","5,2224","5,2225","5,2226","5,2227","5,2228","5,2229","5,2231","5,2233","5,2234","5,2235","5,2236","5,2237","5,2239","5,2241","5,2242","5,2243","5,2244","5,2245","5,2247","5,2249","5,2250","5,2251","5,2252","5,2253","5,2255","5,2257","5,2258","5,2259","5,2260","5,2261","5,2262","5,2263","5,2264","5,2265","5,2267","5,2269","5,2270","5,2271","5,2272","5,2273","5,2275","5,2276","5,2277","5,2278","5,2279","5,2280","5,2281","5,2282","5,2283","5,2285","5,2287","5,2288","5,2289","5,2290","5,2291","5,2293","5,2295","5,2296","5,2297","5,2298","5,2299","5,2300","5,2301","5,2302","5,2303","5,2304","5,2305","5,2307","5,2308","5,2309","5,2310","5,2311","5,2313","5,2315","5,2316","5,2317","5,2318","5,2319","5,2320","5,2321","5,2322","5,2323","5,2324","5,2325","5,2326","5,2327","5,2328","5,2329","5,2330","5,2331","5,2332","5,2333","5,2334","5,2335","5,2336","5,2337","5,2338","5,2339","5,2340","5,2341","5,2342","5,2343","5,2344","5,2345","5,2346","5,2347","5,2348","5,2349","5,2350","5,2351","5,2352","5,2353","5,2354","5,2355","5,2356","5,2357","5,2358","5,2359","5,2360","5,2361","5,2362","5,2363","5,2364","5,2365","5,2366","5,2367","5,2368","5,2369","5,2370","5,2371","5,2372","5,2373","5,2374","5,2375","5,2376","5,2377","5,2378","5,2379","5,2380","5,2381","5,2382","5,2383","5,2384","5,2385","5,2387","5,2388","5,2389","5,2390","5,2391","5,2392","5,2393","5,2394","5,2395","5,2396","5,2397","5,2398","5,2399","5,2400","5,2401","5,2402","5,2403","5,2404","5,2405","5,2406","5,2407","5,2409","5,2411","5,2412","5,2413","5,2414","5,2415","5,2416","5,2417","5,2419","5,2420","5,2421","5,2423","5,2424","5,2425","5,2426","5,2427","5,2428","5,2429","5,2430","5,2431","5,2432","5,2433","5,2435","5,2437","5,2438","5,2439","5,2440","5,2441","5,2442","5,2443","5,2444","5,2445","5,2446","5,2447","5,2448","5,2449","5,2450","5,2451","5,2452","5,2453","5,2454","5,2455","5,2456","5,2457","5,2458","5,2459","5,2460","5,2461","5,2463","5,2464","5,2465","5,2466","5,2467","5,2468","5,2469","5,2470","5,2471","5,2472"],"ٞ":{"2":[1],"10":[2],"11":[3],"12":[4],"13":[5],"17":[6],"31":[7],"37":[8],"40":[9],"43":[10],"44":[11],"47":[12],"55":[13],"57":[14],"59":[15],"61":[16],"68":[17],"69":[18],"74":[19],"75":[20],"76":[21],"78":[22],"84":[23],"88":[24],"89":[25],"90":[26],"91":[27],"92":[28],"94":[29],"95":[30],"97":[31],"99":[32],"100":[33],"106":[34],"108":[35],"110":[36],"111":[37],"114":[38],"118":[39],"119":[40],"120":[41],"125":[42],"127":[43],"129":[44],"130":[45],"132":[46],"134":[47],"135":[48],"136":[49],"137":[50],"223":[51],"246":[52],"270":[53],"282":[54],"301":[55],"302":[56],"303":[57],"360":[58],"361":[59],"363":[60],"366":[61],"368":[62],"369":[63],"411":[64],"418":[65],"425":[66],"442":[67],"444":[68],"446":[69],"448":[70],"449":[71],"450":[72],"452":[73],"459":[74],"467":[75],"472":[76],"487":[77],"491":[78],"595":[79],"596":[80],"602":[81],"605":[82],"611":[83],"633":[84],"800":[85],"801":[86],"804":[87],"806":[88],"809":[89],"824":[90],"871":[91],"898":[92],"908":[93],"909":[94],"910":[95],"923":[96],"932":[97],"942":[98],"954":[99],"967":[100],"971":[101],"976":[102],"980":[103],"981":[104],"982":[105],"984":[106],"986":[107],"994":[108],"999":[109],"1000":[110],"1001":[111],"1002":[112],"1004":[113],"1007":[114],"1008":[115],"1009":[116],"1022":[117],"1024":[118],"1025":[119],"1026":[120],"1028":[121],"1030":[122],"1031":[123],"1032":[124],"1035":[125],"1037":[126],"1046":[127],"1049":[128],"1051":[129],"1052":[130],"1056":[131],"1057":[132],"1059":[133],"1061":[134],"1062":[135],"1063":[136],"1064":[137],"1067":[138],"1068":[139],"1069":[140,141],"1070":[142],"1071":[143],"1072":[144],"1073":[145,146],"1074":[147],"1075":[148],"1076":[149],"1077":[150],"1078":[151],"1088":[152],"1089":[153],"1091":[154],"1093":[155],"1097":[156],"1098":[157],"1100":[158],"1101":[159],"1102":[160],"1103":[161],"1104":[162],"1106":[163],"1107":[164],"1108":[165],"1115":[166],"1118":[167],"1119":[168],"1121":[169],"1122":[170],"1123":[171],"1124":[172],"1125":[173],"1126":[174],"1140":[175],"1141":[176],"1142":[177],"1144":[178],"1145":[179],"1146":[180],"1160":[181],"1162":[182],"1196":[183],"1197":[184],"1203":[185],"1207":[186],"1209":[187],"1212":[188],"1215":[189],"1218":[190],"1219":[191],"1221":[192],"1223":[193],"1225":[194],"1227":[195],"1232":[196],"1240":[197],"1243":[198],"1248":[199],"1270":[200],"1272":[201],"1275":[202],"1281":[203],"1290":[204],"1295":[205],"1298":[206],"1308":[207],"1312":[208],"1316":[209],"1320":[210],"1329":[211],"1335":[212],"1338":[213],"1339":[214],"1341":[215],"1344":[216],"1345":[217],"1349":[218],"1352":[219],"1355":[220],"1356":[221],"1358":[222],"1366":[223],"1367":[224],"1369":[225],"1373":[226],"1374":[227],"1377":[228],"1379":[229],"1396":[230],"1416":[231],"1418":[232],"1421":[233],"1424":[234],"1426":[235],"1442":[236],"1450":[237],"1454":[238],"1456":[239],"1461":[240],"1468":[241],"1472":[242],"1477":[243],"1481":[244],"1486":[245],"1493":[246],"1495":[247],"1498":[248],"1501":[249],"1502":[250],"1503":[251],"1506":[252],"1553":[253],"1600":[254],"1601":[255],"1602":[256],"1603":[257],"1604":[258],"1605":[259],"1606":[260],"1613":[261],"1615":[262],"1616":[263],"1617":[264],"1618":[265],"1620":[266],"1632":[267],"1633":[268],"1634":[269],"1655":[270],"1697":[271],"1700":[272],"1701":[273],"1702":[274],"1703":[275],"1707":[276],"1708":[277],"1710":[278],"1715":[279],"1720":[280],"1721":[281],"1722":[282],"1727":[283],"1795":[284],"1802":[285],"1810":[286],"1811":[287],"1816":[288],"1819":[289],"1821":[290],"1824":[291],"1829":[292],"1831":[293],"1833":[294],"1835":[295],"1838":[296],"1839":[297],"1841":[298],"1843":[299],"1844":[300],"1845":[301],"1847":[302],"1849":[303],"1851":[304],"1852":[305],"1855":[306],"1856":[307],"1857":[308],"1858":[309],"1859":[310],"1861":[311],"1863":[312],"1865":[313],"1866":[314],"1867":[315],"1869":[316],"1871":[317],"1873":[318],"1876":[319],"1881":[320],"1882":[321],"1884":[322],"1885":[323],"1886":[324],"1887":[325],"1888":[326],"1889":[327],"1891":[328],"1893":[329],"1894":[330],"1898":[331],"1903":[332],"1975":[333],"1978":[334],"1980":[335],"1984":[336],"1985":[337],"1992":[338],"1996":[339],"2001":[340],"2007":[341],"2009":[342],"2013":[343],"2014":[344],"2017":[345],"2018":[346],"2023":[347],"2025":[348],"2030":[349],"2032":[350],"2033":[351],"2034":[352],"2039":[353],"2040":[354],"2041":[355],"2046":[356],"2047":[357],"2048":[358],"2050":[359],"2051":[360],"2052":[361],"2054":[362],"2055":[363],"2056":[364],"2058":[365],"2059":[366],"2060":[367],"2062":[368],"2066":[369],"2067":[370],"2068":[371],"2069":[372],"2072":[373],"2073":[374],"2075":[375],"2076":[376],"2077":[377],"2079":[378],"2081":[379],"2082":[380],"2087":[381],"2088":[382],"2089":[383],"2091":[384],"2092":[385],"2093":[386],"2094":[387],"2097":[388],"2099":[389],"2100":[390],"2101":[391],"2104":[392],"2105":[393],"2106":[394],"2107":[395],"2109":[396],"2111":[397],"2112":[398],"2113":[399],"2115":[400],"2116":[401],"2118":[402],"2119":[403],"2120":[404],"2121":[405],"2122":[406],"2123":[407],"2126":[408],"2129":[409],"2130":[410],"2131":[411],"2133":[412],"2134":[413],"2136":[414],"2137":[415],"2138":[416],"2140":[417],"2144":[418],"2147":[419],"2148":[420],"2149":[421],"2152":[422],"2153":[423],"2154":[424],"2156":[425],"2159":[426],"2161":[427],"2166":[428],"2168":[429],"2172":[430],"2176":[431],"2181":[432],"2185":[433],"2188":[434],"2199":[435],"2201":[436],"2207":[437],"2210":[438],"2215":[439],"2216":[440],"2218":[441],"2221":[442],"2224":[443],"2225":[444],"2227":[445],"2230":[446],"2234":[447],"2235":[448],"2237":[449],"2240":[450],"2243":[451],"2245":[452],"2246":[453],"2247":[454],"2248":[455],"2250":[456],"2253":[457],"2254":[458],"2255":[459],"2256":[460],"2257":[461],"2258":[462],"2259":[463],"2260":[464],"2262":[465],"2265":[466],"2268":[467],"2269":[468],"2293":[469],"2300":[470]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالكتاب: الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ\n(تحريرٌ لمسائِلِه ودراستها دراسةً نظريَّةً تطبيقيَّةً)\nالمؤلف: د. عبد الكريم بن علي بن محمد النملة\nدار النشر: مكتبة الرشد - الرياض\nالطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\nعدد الأجزاء: ٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\n_________\nتنبيه:\nتوجد بالنسخة الورقية للكتاب أخطاء وتصحيفات في الآيات القرآنية فاقت الحصر قمت بتصويبها بحمد الله وتوفيقه، وأرجو ممن له صلة بدار نشر هذا الكتاب أن يتكرم بمراسلتهم لتصويب الآيات الكريمة.\nوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، حمدًا يليق بجلاله وعظمته، وأشكره شكرًا\nيوافي نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، ﷾ لا أحصي\nثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، مبدع البدائع، وشارع الشرائع.\nوأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة أرجو أن يكفر\nبها عنا سيئات أعمالنا، ويرفع بها درجاتنا، وينجينا بها من صغير\nالموبقات وكبيرها.\nوأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وخاتم الأنبياء\nوالمرسلين، العبد المرتضى، والنبي المجتبى، والرسول المصطفى،\nالمرسل بالبراهين الساطعة، والآيات الدامغة، والبينات الواضحة\nصلى اللَّه عليه، وعلى آله وسلم تسليما كثيرًا، ورضي اللَّه عن\nصحبه الهداة الأعلام الذين بذلوا النفس والنفيس، لإعلاء كلمة اللَّه.\nأما بعد: فإن أقوى المهمات بعد الإيمان بالله: طلب العلم،\nحيث إن العلم ميراث النبوة كما قال - ﷺ -: \"إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر \".\nوقوله - ﷺ -: \"العلماء ورثة الأنبياء \"، ومما يؤكد ذلك أنه سبحانه\nقد جعل العلماء في درجة الأنبياء في الدعوة إلى اللَّه، فقال\nسبحانه: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ مهه، فإنه هنا قد جعل\nولاية الإنذار والدعوة للفقهاء، وهذه درجة الأنبياء قد تركوها ميراثا\nللعلماء.\nوالعلم علمان: \" علم التوحيد \"، و\" علم الفقه \".\nأما علم التوحيد فالأصل فيه التمسك بما جاء في الكتاب والسُّنَّة","vol":"المقدمة","page":7},{"text":"ومجانبة الهوى والبدع، كما كان عليه الصحابة - ﵃ -\nوالتابعون والسلف الصالح.\nأما علم الفقه: فهو الخير الكثير، وهو الحكمة التي ذكرها الله\nتعالى بقوله: (من يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا)،\nوروي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: \" الحكمة: معرفة\nالأحكام من الحلال والحرام \".\nفدرجة العلم هي النهاية في القوة والخيرية، وهو ما أراده الرسول\n- ﷺ - بقوله: \" من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين \"، وقوله: \"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا \".\nلذلك تجد الصحابة - ﵃ - قد حرصوا على طلب\nالعلم لما علموا درجته العليا ومنزلته الكبرى، وقصصهم في طلبه\nوالحرص عليه لا تخفى على ذي لب، لا سيما حرص ابن عباس\nوابن عمر وغيرهما.\nوعلم الفقه - وهو: معرفة الحلال والحرام من الأحكام -\nلا يمكن إلا بعد معرفة أدلة الأحكام، ومعرفة أدلة الأحكام وما يتعلق\nبها هو علم أصول الفقه، فيكون علم أصول الفقه هو أصل لذلك\nالخير الموجود في الفقه.\nفبفضله - أي: علم أصول الفقه - يتعلم الفقيه المناهج والأسس\nوالطرق التي يستطيع عن طريقها استنباط الأحكام الفقهية للحوادث\nالمتجددة.\nوبفضله - أيضًا - يعرف المكلَّف العلَل والحِكَم التي من أجلها\nشرعت الأحكام الشرعية؛ ليعبد اللَّه تعالى على بصيرة.","vol":"المقدمة","page":8},{"text":"وبفضله - أيضًا - يستطيع طالب العلم تخريج المسائل والفروع\nعلى قواعد إمامه.\nوبفضله - أيضًا - يستطيع الداعية إلى اللَّه تعالئ: أن يدعو إلى الله\nوإلى دينه بناء على أسس ومناهج وطرق يستطيع بها أن يقنع الآخرين.\nوبفضله - أيضًا - يستطيع أن يبين لأعداء الإسلام: أن الإسلام\nصالح لكل زمان ومكان، وأنه لا يوجد أي حادثة إلا ولها حكم\nشرعي في الإسلام، بعكس ما كان يصوره أعداء الإسلام من أن\nالإسلام قاصر وعاجز عن حل القضايا المتجددة، قاتل اللَّه من قال\nذلك، ولعن من نصر هذا القول وأبعده من رحمته.\nوبفضله - أيضًا - يستطيع أن يفسر الشخص القرآن، ويشرح\nالأحاديث، خيث إنه لا يمكنه معرفة دلالة النصوص، وكونها دلَّت\nبالمنطوق أو المفهوم، أو الإشارة، أو العبارة، أو الاقتضاء، أو\nالإيماء إلا بمعرفة أصول الفقه.\nوبفضله - أيضًا - يعرف من يريد كتابة أي بحث من البحوث\nالعلمية كيفية كتابة ذلك البحث؛ حيث إن علم أصول الفقه قد جمع\nبين النقل والعقل، فمن تعمق فيه: عرف طريقة إيراد المسألة،\nوتصويرها؛ والاستدلال عليها، وطريقة الاعتراض، والجواب،\nوالمناقشة بأسلوب مبني على أسس ومناهج وطرق يندر أن تجدها في\nغير هذا العلم.\nفالمتعلم لهذا العلم - وهو أصول الفقه - والمدقق فيه يدرك من\nالمنافع الشرعية، والأحكام الفقهية، والفوائد والمقاصد العامة ما لا\nيحصى.","vol":"المقدمة","page":9},{"text":"فيكون هذا العلم أجل العلوم قدرًا، وأعظمها نفعًا، وأعمها\nفائدة، وأكثرها أهمية، وأعلاها شرفًا، وأميزها ذكرًا، وذلك لما\nيتعلق به من مصالح العباد في المعاش والمعاد.\nومع هذا النفع، وعلو المرتبة والرفعة، والأهمية لهذا العلم قد\nترك تعلمه كثير من طلاب العلم؛ لأسباب كثيرة، وقد يكون من\nأهمها: عدم معرفتهم لهذا الفضل والنفع العظيم لهذا العلم.\nومنها: عدم فهمهم لهذا العلم، بسبب صعوبة عباراته، وقلة\nتطبيقاته، وأمثلته الفرعية.\nومنها: عدم إدراكهم للغرض والقصد الذي من أجله يُدرَس هذا\nالعلم.\nفسألني بعض طلاب العلم أن أضع كتابًا أجمع فيه جميع مسائل\nأصول الفقه مع شرحها، وبيانها، والاهتمام بتصويرها بالأمثلة\nبأسلوب عصري مفهوم، دون تعصب لمذهب أو رأي معين،\nفأجبتهم على ذلك، امتثالًا لأمر اللَّه تعالى بالتبيين للناس، وكشف\nالشبه والإلباس، ونظرًا لشوقي لتحصيل الفضائل والتجنب عن\nالرذائل، ورغبة في الأجر، والمثوبة.\nومما جعلني أقوم بهذا المصنف - أيضًا - ما يلي:\nأولًا: تيسير وتسهيل علم أصول الفقه لهؤلاء الطلاب، ولغيرهم\nبأسلوب عصري مفهوم.\nثانيًا: تكثير طرق الخير ونشره، لأنه كلما كثر التأليف كثرت\nطرق تعلمه.\nثالثًا: تكثير المتعلمين والطالبين، فإن لكل جديد لذة.","vol":"المقدمة","page":10},{"text":"رابعًا: التشبه بالسلف الصالح، وهم الراسخون بالعلم؛ حيث\nروى ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \" بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له، واجعل رزقي تحت ظل رمحي، واجعل الذل والصغار على من خالف\nأمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم \".\nفلهذه الأسباب ولغيرها قمت بتأليف هذا الكتاب، وجعلته ميسرًا\nجامعًا، نقَّحت وهذَّبت فيه كثيرًا من كلام علماء الأصول في كتبهم.\nوجعلته في سبعة أبواب هي كما يلي:\nالباب الأول: في المقدمات.\nالباب الثاني: في الحكم الشرعي والتكليف به.\nالباب الثالث: في أدلة الأحكام الشرعية.\nالباب الرابع: في الألفاظ ودلالتها على الأحكام.\nالباب الخامس: في القياس.\nالباب السادس: في الاجتهاد والتقليد.\nالباب السابع: في التعارض والجمع والترجيح.\nوقد تكلمت في هذا الكتاب سالكًا المنهج الآتي:\nأولًا: جمعت كل مسائل أصول الفقه، فلم أترك أيَّ مسألة فيها\nفائدة لطالب العلم إلا وذكرتها في هذا الكتاب.\nثانيا: هذَّبت هذه المسائل ورتبتها ونظمتها ونقحتها وانتقيتها\nفجعلت هذا الكتاب يتكون من سبعة أبواب، وكل باب يتكون من\nعدة فصول، وكل فصل يتكون من عدة مباحث، وكل مبحث","vol":"المقدمة","page":11},{"text":"يتكون من عدة مطالب، وكل مطلب يتكون من عدة مسائل، وكل\nمسألة تتكون من عدة نقاط؛ تسهيلًا لطالب العلم؛ حيث إنه لا\nفائدة من كتاب لم يرتب وينظم.\nثالثًا: لا أقتصر بذكر المسألة فقط، بل أقوم بشرحها وتصوير\nالمراد منها، وبيان الجزئية التي اختلف العلماء حولها.\nرابعًا: أذكر المذاهب في المسألة، بادئًا بالمذهب الراجح عندي،\nوذكر الأدلة على ذلك، وأذكر ما وجه إلى كل دليل من اعتراضات\n- إن وجدت - ثم أجيب عن كل اعتراض بعد ذكره مباشرة، ثم\nأذكر المذاهب الأخرى، مع أدلة كل مذهب، وأجيب عن كل دليل\nبعد ذكره مباشرة.\nخامسًا: إذا انتهيت من ذكر المذاهب في المسألة الواحدة، أذكر\nنوع الخلاف فيها: هل هو خلاف لفظي، أو معنوي؟\nفإن كان لفظيًا أبين دليل ذلك، وإن كان معنويًا أبين دليل ذلك،\nمع ذكر بعض الآثار لهذا الخلاف، وإن كان الخلاف قد اختلف فيه\nفقال بعض العلماء: إنه لفظي، وقال آخرون: إنه معنوي، أذكر\nالقولين، مع دليل كل منهما، ثم أبين ما هو الراجح عندي، مع\nالجواب عن القول المرجوح.\nسادسًا: أُعرِّف المصطلحات الأصولية تعريفًا لغويًا، وتعريفًا\nاصطلاحيًا، ذاكرًا في ذلك أقرب التعريفات إلى الصواب.\nسابعًا: أذكر أهم الأدلة للمذهب المختار، وإذا وجدت بعض\nالاعتراضات على بعض الأدلة: أذكر أقواها، ثم أذكر أهم الأجوبة\nعن كل اعتراض وأقواها، وكذلك أذكر أهم وأقوى أدلة المذهب\nالمخالف، وأهم الأجوبة عنها.","vol":"المقدمة","page":12},{"text":"ثامنًا: قمت بالتحقق من نسبة الأقوال والمذاهب والآراء.\nتاسعًا: أستدل على إثبات القواعد الأصولية بإجماع الصحابة،\nفإن لم أجد: أستدل بالنصوص من الكتاب والسُّنَّة - هذا غالبًا،\nوفي بعض القواعد الأصولية أستدل بالنص قبل إجماع الصحابة -\nفإن لم أجد إجماعا ولا نصًا: فإني أستدل بمعقول النصوص، فإن\nلم أجد: فإني أستدل بالقياس، فإن لم أجد: فإني أستدل بالأدلة\nالصحيحة الأخرى عندي دون تعصب لمذهب معين.\nعاشرًا: قد أطلت بشرح وبيان بعض المسائل والقواعد، والأدلة؟\nنظرًا لأهميتها، وحاجة الطلاب إلى بيانها.\nحادي عشر: ترجمت كلام علماء السلف في أصول الفقه\nوجعلته في هذا الكتاب بأسلوب عصري مفهوم.\nثاني عشر: رجعت في وضع هذا الكتاب إلى أهم كتب أصول\nالفقه عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، سواء كانت\nقديمة أم حديثة.\nثالث عشر: قد نهجت في هذا الكتاب بالمنهج الوسط، دون\nالتطويل الممل، أو الاقتصار المجحف المخل.\nهذا وقد سميته: \" المهذَّب في علم أصول الفقه المقارن - تحرير\nلمسائله، ودراستها دراسة نظرية تطبيقية \".\nحيث إني قد هذبت فيه مسائل أصول الفقه، وانتقيتها، وخلصتها\nمن كل ما علق بها مما لا يفيد طالب العلم، وعالجتها معالجة تذهب\nصعوبتها من نفوس الطلاب إن شاء اللَّه، بحيث يستطيع كل طالب\nفهمها بيسر وسهولة، وهذا هو أصل التهذيب، وهو - كما ورد في","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"لسان العرب -: تنقية الحنظل من شحمه، ومعالجة حبه حتى\nتذهب مرارته، ويطيب لآكله.\nأرجو أن يكون كما سميته.\nوأخيرًا: فإن هذا هو جهد من هو معرض للخطأ والصواب:\nفإن وفقت فمن اللَّه تعالى، وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن\nالشيطان، وأستغفر اللَّه.\nوأيضًا: أنا لا أدعي أني أصبت في كل ما كتبت؛ لأني أقطع\nويقطع غيري بأن أي مصنِّف وكاتب مهما بلغ من القدرة والجهد الذي\nبذله فيما كتب لا بد أن يكون في عمله نقص، وذلك لأن النقص\nوالخطأ والسهو من طبيعة البشر، حيث إن الكمال لله وحده\nلا شريك له.\nولكن يكفيني أني لم أقصد بهذا المصنَّف إلا نفع طلاب العلم\nوإعانتهم على فهم مسائل أصول الفقه.\nوأسأله سبحانه أن ينفع بهذا الكتاب مؤلفه، وقارئه والناظر فيه،\nوجميع المسلمين بمنِّه وكرمه، وأن يجعل عملنا في هذا المؤلَّف وفي\nغيره صالحًا لوجهه خالصًا، ويجعل سعينَا مقرِّبًا إليه، مبلِّغًا إلى\nرضوانه، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله\nوصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nكتبه\nأ. د / عبد الكريم بن علي بن محمد النملة\nالأستاذ بقسم أصول الفقه، بكلية الشريعة بالرياض\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول في المقدمات</span>\nويشتمل على فصلين:\nالفصل الأول: مقدمة في مبادئ علم أصول الفقه.\nالفصل الثاني: مقدمة في المصطلحات التي يحتاج\nإليها دارس علم أصول الفقه.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول في مقدمة في مبادئ علم أصول الفقه</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: تعريف أصول الفقه.\nالمبحث الثاني: الفرق بين أصول الفقه والفقه.\nالمبحث الثالث: الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية.\nالمبحث الرابع: في موضوع أصول الفقه.\nالمبحث الخامس: في حكم تعلم أصول الفقه.\nالمبحث السادس: في فوائد علم أصول الفقه.\nالمبحث السابع: الشبه التي أثيرت حول علم أصول الفقه وأجوبتها.\nالمبحث الثامن: هل يقدم تعلم أصول الفقه أو تعلم الفقه؟\nالمبحث التاسع: بيان المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه.\nالمبحث العاشر: نشأة علم أصول الفقه.\nالمبحث الحادي عشر: طرق التأليف في علم أصول الفقه، وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقة.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول في تعريف أصول الفقه</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريف أصول.\nالمطلب الثاني: تعريف الفقه.\nالمطلب الثالث: تعريف أصول الفقه.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المطلب الأول في تعريف الأصول</span>\nأولا - تعريف الأصول لغة:\nالأصول: جمع أصل، والأصل في اللغة يطلق على إطلاقات\nكثيرة، من أهمها:\nالإطلاق الأول: أنه يطلق على ما يبتني عليه غيره، ذهب إلى ذلك\nكثير من الأصوليين، كأبي الخطاب، وأبي الحسين البصري،\nوالإيجي، والشوكاني.\nوهو الصحيح عندي، لأمور ثلاثة:\nأولها: أن الأصل - في حقيقته اللغوية - هو: أسفل الشيء،\nوأساسه، ولا شك أن أسفل الشيء، وأساسه هو الذي يعتمد عليه\nفي البناء.\nثانيها: شموله وعمومه لكل ما ذكره العلماء من تعريفات.\nثالثها: أنه موافق لتعريف الأصل في الاصطلاح؛ حيث إنه\nالدليل، والدليل يعتمد عليه الحكم، ويبنى عليه؛ إذ لا حكم بلا\nدليل يعتمد عليه.\nالإطلاق الثاني: أن الأصل: ما منه الشيء، ذهب إلى ذلك تاج\nالدين الأرموي، وصفي الدين الهندي.","vol":"1","page":11},{"text":"الإطلاق الثالث: الأصل: ما يتفرع عنه غيره، وهو مذهب\nالقفال الشاشي.\nالإطلاق الرابع: الأصل هو: المحتاج إليه، وهو مذهب فخر الدين الرازي، وسراج الدين الأرموي.\nالإطلاق الخامس: الأصل هو: ما يستند ذلك الشيء إليه، وهو\nما ذهب إليه الآمدي.\nوهذه التعريفات - عند التحقيق - لا تعارض بينها؛ حيث إن\nبعض العلماء عرفوا الأصل بتعريف عام وشامل كالإطلاق الأول،\nوالبعض الآخر عرَّفوا الأصل بتعريف خاص وبمعنى جزئي، فمن\nالممكن أن تدخل الجزئيات ضمن التعريفات ذات المعنى الشمولي؛ الهدف هو: تعريف الأصل بمعناه الشامل الذي تدخل فيه كل\nالجزئيات، لذلك رجحت الإطلاق الأول للأصل، وهو: أن\nالأصل: ما يبتني عليه غيره.\nاعتراض على ذلك:\nاعترض بعضهم قائلًا: إنه معروف أن الوالد أصل للولد، ولكن\nلا يقال: \" الولد بني على الوالد \"، بل الذي يقال: \" إنه فرعه \"،\nولو كان الأصل يطلق لغة على ما يبنى عليه غيره لما امتنع ذلك.\nجوابه:\nنقول في الجواب عنه: إنه لا مانع لغة من أن يقال: إن الولد بني\nعلى الوالد إذا لاحظنا المعنى وهو: أن الولد أساسه الوالد، وهو\nأصله.","vol":"1","page":12},{"text":"ثانيًا - تعريف الأصول اصطلاحا:\nالأصل في الاصطلاح يطلق على معان، من أهمها:\nأولها: أن الأصل: الدليل. كقولنا: \" الأصل في التيمم:\nالكتاب، والأصل في المسح على الخفين: السُّنَّة \" أي: دليل ثبوت\nالتيمم من الكتاب، ودليل ثبوت المسح من السُّنَّة.\nوهو: المراد من الأصل في علم أصول الفقه عندي؛ لمناسبته\nوموافقته لما قلناه من أن الأصل لغة يطلق على ما يبتني عليه غيره،\nفالدليل يبنى عليه الحكم، فأصول الفقه: أدلته.\nوالدليل عام وشامل لجميع الأدلة المتفق عليها، والأدلة المختلف\nفيها، والقواعد الأصولية مثل: \" العبرة بعموم اللفظ \"، و\" أن\nالأمر المطلق للوجوب \"، و\" النهي المطلق للتحريم \".\nاعتراض على ذلك:\nقال بعضهم: لا نُسَلِّمُ أنه يطلق على القواعد الأصولية أدلة،\nلذلك قال: أحسن عبارة في تعريف الأصل في الاصطلاح هي:\n\"ما يبتني عليه غيره \"، حتى تدخل الأدلة والقواعد، حيث تبنى على\nهذه الأدلة وتلك القواعد الأحكام، فيكون تعريفه اصطلاحًا هو\nتعريفه لغة.\nجوابه:\nأقول - في الجواب عنه -: إنه لا داعي لهذا التكلُّف، لأنه\nيطلق على القواعد أدلة، وهذا ما ثبت بالاستقراء والتتبع لكتب\nالفقه؛ حيث إن الفقهاء يستدلون بالقواعد الأصولية، ويسمون تلك\nالقواعد أدلة.","vol":"1","page":13},{"text":"ثانيها: يطلق الأصل ويراد به القاعدة الكلية المستمرة بقولهم:\n\"تحمل العاقلة للدية خلاف الأصل \"، و\" الأصل أن النص مقدم\nعلى الظاهر \"، و\" الأصل: أن العموم يعمل بعمومه حتى يرد ما\nيخصصه \".\nثالثها: يطلق الأصل ويراد به الرجحان كقولهم: \" الأصل في\nالكلام الحقيقة \" أي: الراجح عند السامع هو المعنى الحقيقي، دون\nالمعنى المجازي.\nرابعها: يطلق الأصل ويراد به المستصحب كقولهم: \" الأصل في\nالأشياء الإباحة \"، أي: نستصحب الإباحة الثابتة في الأشياء حتى\nيأتي ما يحرم، وقولهم: \" الأصل في الإنسان البراءة \" أي: أن\nالإنسان بريء حتى تثبت إدانته بدليل.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الثاني في تعريف الفقه</span>\nأولًا - تعريف الفقه لغة:\nعرف الفقه لغة بعدَّة تعريفات، من أهمها:\nالأول: الفقه هو: الفهم مطلقًا.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالآمدي، والباجي، وابن\nعقيل، والإسنوي، وصفي الدين الهندي، والشوكاني.\nوهو الصحيح عندي؛ لأنه ثبت بعد تتبع واستقراء النصوص\nالشرعية أن لفظ \" الفقه \" ورد بمعنى الفهم من ذلك: قوله تعالى:\n(فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا) أي: لا يكادون\nيفهمون.\nومن ذلك قوله تعالى: (واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي)\nأي: يفهموا قولي.\nومنه قوله تعالى: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرًا مما تقول) أي:\nما نفهم كثيرًا من قولك، ومنه قوله ﵊: \" نضَّر\nالله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما وعاها، فرب حامل فقه\nإلى من هو أفقه منه \".\nوقلنا: الفهم مطلقًا أي: سواء كان عالِمًا أو لا، وسواء فهم","vol":"1","page":15},{"text":"الغرض من خطاب الشخص، أو فعله، أو إشارته، أو إيمائه، أو\nغير ذلك.\nالثاني: أن الفقه لغة هو: العلم، أي: إذا كان الشخص عالماَ\nبأشياء لا يعلمها غيره من الناس فهو الفقيه، وإن لم يفهم ما يعلمه،\nذهب إلى ذلك ابن فارس في \" المجمل \"، وإمام الحرمين في\n\"البرهان \"، وأبو يعلى في \" العدة \"، والكيا الهراسي.\nالثالث: الفقه لغة هو: العلم والفهم معًا، يقال: فلان يفقه\nالخير والشر، و\" يفقه الكلام \" أي: يعلمه ويفهمه، ذهب إلى\nذلك الغزالي في \" المستصفى \"، والآمدي فى \" منتهى السول \"،\nوابن سيده في \" المحكم \".\nالجواب عنهما:\nأقول - في الجواب عنهما -: إن هذين التعريفين يدخلان ضمن\nالتعريف الأول \" حيث إن المراد بالفهم مطلقًا هو: معرفة الشيء،\nومعرفة الشيء بالقلب هو: العلم به.\nالرابع: الفقه لغة هو: إدراك الأشياء الدقيقة.\nذهب إلى ذلك أبو إسحاق الشيرازي في \" شرح اللمع \"، يقال:\n\" فقهت كلامك \" أي: أدركت دقائقه، ويقال: \" فلان فقيه في\nالخير وفقيه في الشر \" إذا كان يدقق النظر في ذلك، لكن لا يقال:\n\" فقهت أن السماء فوقي والأرض تحتي، وأن الماء رطب، والتراب\nيابس \".\nوكان الشعراء يُسمَّون في الجاهلية فقهاء \" لإدراكهم المعاني الدقيقة\nفي أشعارهم، وتعبيرهم بها.","vol":"1","page":16},{"text":"جوابه:\nأقول - في الجواب عنه -: إن هذا من تعريفات الفقه اصطلاحًا؟\nوذلك لأنه لم يرد في كلام أهل اللغة.\nوإذا كان هذا من تعريفات الفقه اصطلاحا، فإنه تعريف ضعيف؟\nلأنه يفضي ويؤدي إلى أن من علم الأشياء الظاهرة مثل ما علم من\nالدين بالضرورة، ككون الصلاة واجبة، والزنا حرام، ونحو ذلك\nمن الأحكام الفقهية لا يُسمى فقيهًا. وليس كذلك؛ حيث إن كل\nعالم بالأحكام عامة عن طريق الاستنباط يُسمَّى فقيهًا - وسيأتي بيان\nهذَا إن شاء اللَّه.\nالخامس: الفقه لغة: فهم غرض المتكلم من كلامه.\nذهب إلى ذلك أبو الحسين البصري في \" المعتمد \"، وفخر الدين\nالرازي في \" المحصول \".\nجوابه:\nأقول - في الجواب عنه -: إن هذا التعريف للفقه بعيد؛ لأمرين:\nأولهما: أنه مخالف لما نقل عن أهل اللغة؛ حيث إنه نقل عنهم:\nأن الفقه هو مطلق الفهم.\nثانيهما: أن ما قيل في هذا التعريف هو تقييد للمطلق،\nوتخصيص للعام بدون مقيد، وبدون مخصص.\nثانيا - تعريف الفقه اصطلاحًا:\n١ - الفقه في اصطلاح الفقهاء هو: حفظ طائفة من مسائل\nالأحكام الشرعية العملية الواردة في الكتاب والسُّنَّة، وما استنبط\nمنهما، سواء كان قد حفظها مع أدلتها، أو مجردًا عنها.","vol":"1","page":17},{"text":"أو تقول: إن الفقه في اصطلاح الفقهاء هو: مجموع الأحكام\nوالمسائل التي نزل بها الوحي، والتي استنبطها المجتهدون، أو أفتى\nبها أهل الفتوى، أو توصل إليها أهل التخريج، وبعض ما يحتاج\nإليه من مسائل الحساب التي ألحقت بالوصايا والمواريث.\nفاسم الفقيه عند الفقهاء لا يختص بالمجتهد - كما هو عند\nالأصوليين - بل يشمله ويشمل غيره من المشتغلين في هذه المسائل.\n٢ - أما الفقه في اصطلاح الأصوليين فهو: \" العلم بالأحكام\nالشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية \".\nشرح التعريف، وبيان محترزاته:\nقولنا: \" العلم \" هو: مطلق الإدراك الشامل للقطع والظن.\nأي: مطلق إدراك الحكم، سواء كان عن دليل قطعي، أو عن\nدليل ظني راجح، فيكون المراد بالعلم هو: ما علمناه بالشرع إما\nبيقين أو غالب الظن.\nهذا هو القول الحق \" لأن الأحكام الفقهية منها ما هو قطعي،\nومنها ما هو ظني، فحمل الفقه على واحد منهما ليس بسديد.\nوالمقصود بالظن - هنا - هو ظن المجتهد الذي توفرت فيه شروط\nالاجتهاد، وليس ظن كل أحد من العوام، أو طلاب العلم الذين\nلم يبلغوا درجة الاجتهاد.\nوبقولنا: إن العلم هو مطلق الإدراك الشامل للقطع والظن،\nنسلم من اعتراض أبي بكر الباقلاني المشهور وهو: أنه قال: إنكم\nعرفتم الفقه بأنه \" العلم بالأحكام.. \"، والعلم معناه: الإدراك\nالجازم المطابق للواقع عن دليل قطعي؛ الأحكام الفقهية لم تثبت","vol":"1","page":18},{"text":"عن طريق أدلة قطعية، بل إن الأقل من تلك الأحكام ثبت عن دليل\nقطعي، وغالب الأحكام الفقهية ثبتت عن أدلة ظنية، فإدخال لفظ\n\"العلم \" في تعريف الفقه مع أن الفقه من باب الظنون باطل.\nوإليك بيان كيف كان الفقه ظنيًا:\nالفقه من باب الظنون؛ لأنه مستفاد من الأدلة الظنية، وإليك بيان\nذلك:\nالأدلة تنقسم إلى قسمين: \" أدلة متفق عليها \"، و\" أدلة مختلف\nفيها\".\nوالمتفق عليها من حيث الجملة: \" الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع،\nوالقياس \":\nأما القياس: فإنه لا يفيد إلا الظن، وهو واضح.\nوأما الإجماع: فإنه يتنوع إلى نوعين:\nالنوع الأول: الإجماع السكوتي، وهو لا يفيد إلا الظن، سواء\nنقل إلينا عن طريق التواتر، أو الآحاد.\nالنوع الثاني: الإجماع الصريح فيه تفصيل:\nإن نقل إلينا بطريق الآحاد، فهو لا يفيد إلا الظن.\nوإن نقل إلينا بطريق التواتر، فهو يفيد القطع، لكنه في غاية البعد.\nأما السُّنَّة، ففيها تفصيل:\nإن نقلت الأحاديث عن طريق الآحاد، وهذا أكثر السُّنَّة، فلا\nيفيد إلا الظن، سواء كانت دلالته قطعية أو ظنية.\nوإن نقلت الأحاديث عن طريق التواتر - وهو قليل جدًا - ففيه\nتفصيل:","vol":"1","page":19},{"text":"إن كانت دلالة الحديث على المعنى قطعية، فيفيد القطع، وهو\nقليل، وإن كانت دلالة الحديث على المعنى ظنية، فلا يفيد إلا الظن.\nوأما الكتاب، ففيه تفصيل:\nإن كانت دلالة الآية على الحكم دلالة ظهية، فلا تفيد إلا الظن.\nوإن كانت دلالة الآية على الحكم دلالة قطعية، فإنها تفيد القطع.\nوما هو مقطوع الدلالة من الكتاب والسُّنَّة المتواترة، يكون من\nضروريات الدين.\nأما الأدلة المختلف فيها كالمصالح، والاستصحاب، والعرف،\nوسد الذرائع، وقول الصحابي، وشرَع من قبلنا، والاستحسان،\nفإنها لا تفيد إلا الظن عند القائلين بها.\nإذًا يكون غالب الأحكام الفقهية ثابتة عن طريق أدلة ظنية، فيكون\nالفقه ظنيًا على الغالب، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال:\nإن الفقه هو \" العلم بالأحكام.. \"، بل يقال: \" إن الفقه: الظن\nبالأحكام الشرعية.. \"، فإيراد العلم مكان الظن يكون إيرادًا لضد\nالشيء مكانه في التعريف، فيكون التعريف باطلًا.\nهذا هو اعتراض الباقلاني المشهور.\nوبتفسيرنا \" العلم \" بأنه مطلق الإدراك، ومطلق الإدراك يشمل\nالقطع والظن، نسلم من هذا الاعتراض للباقلاني.\nقولنا: \" بالأحكام \"، الباء متعلقة بمحذوف تقديره: \" المتعلق\"\nويكون الكلام بعد التقدير: \" العلم المتعلق بالأحكام الشرعية \".\nوالمراد بتعلق العلم بالأحكام: التصديق بكيفية تعلقها بأفعال\nالمكلفين، كأن تعلم - مثلًا - أن الوجوب ثابت للصلاة، وأن الزنا\nمحرم.","vol":"1","page":20},{"text":"والأحكام جمع \" حكم \"، والحكم يطلق على إطلاقات كثيرة\nتختلف باختلاف الاصطلاحات، وهي كما يلي:\nالاصطلاح الأول: أن الحكم يطلق على إدراك الوقوع أو عدم\nالوقوع، أي: إدراك أن النسبة واقعة أو ليست واقعة، وهذا\nاصطلاح المناطقة.\nجوابه:\nأقول - في الجواب عنه -: إنه لا يصح أن يراد بالحكم هنا هذا\nالإطلاق؛ لأن العلم هو: الإدراك - كما سبق ذكره - فإذا كان\nالحكم هو الإدراك فيكون التقدير: الفقه هو: إدراك الإدراك للوقوع،\nأو عدم الوقوع، وهو معنى فاسد.\nالاصطلاح الثاني: أن الحكم هو: خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل\nالمكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وهذا اصطلاح الأصوليين.\nجوابه -:\nأقول - في الجواب عنه -: إنه لا يصح أن يراد بالحكم هنا هذا\nالإطلاق \" لأن ذلك يجعل قيد: \" الشرعية \" الوارد في تعريف الفقه\nلغوًا لا فائدة فيه، حيث إن الحكم بهذا الإطلاق لا يكون إلا\nشرعيًا، فيترتب على ذلك حصول التكرار.\nالاصطلاح الثالث: أن الحكم هو: إسناد أمر إلى أمر آخر\nإيجابًا، أو سلبًا، أو هو ثبوت شيء لشيء آخر، أو نفيه عنه،\nوهو اصطلاح اللغويين.\nوهذا هو المراد بالحكم هنا عندي، لأمرين:\nأولهما: لعمومه وشموله.","vol":"1","page":21},{"text":"ثانيهما: أن الإطلاقات والاصطلاحات الأخرى ثبت عدم صحتها.\nوالحكم على هذا الإطلاق منقسم إلى ما يلي:\nالحكم الشرعي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من الشارع\nنحو: الصلاة واجبة.\nالحكم العقلي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من العقل نحو:\nالخمسة نصف العشرة.\nالحكم الحسي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من الحواس\nالخمس نحو: الثلج بارد.\nالحكم التجريبي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من التجربة\nنحو: الإهليلج مسهل.\nالحكم الوضعي الاصطلاحي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة\nمن الوضع اللغوي كالحكم بأن الفاعل مرفوع، والمفعول به\nمنصوب.\nوقولنا: \" بالأحكام \" دخلت \" أل \" على الأحكام، وهي هنا\nتكون للعموم، فتعم شيئين:\nأولهما: العلم بالأحكام بالفعل.\nثانيهما: العلم بالأحكام بالقوة.\nأي: لا يراد من العلم بجميع الأحكام: معرفتها جميعها\nبالفعل، بمعنى: أن يعرف حكم كل مسألة يسأل عنها، ولا يجهل\nشيئًا من الأحكام.\nبل المراد من العلم بالأحكام ومعرفتها: العلم ببعضها بالفعل،\nوالعلم بالباقي بالقوة، بحيث تكون عنده القدرة على تحصيلها","vol":"1","page":22},{"text":"بالأخذ في أسباب الحصول، وهو ما يعرف بالملكة والتهيؤ، ولا شك\nأن كل مجتهد عنده القدرة والملكة التي يستطيع بها استنباط الحكم\nواستخراجه إذا لزم الأمر وحدثت حادثة تقتضي ذلك.\nفيسمى فقيهًا نظرًا لوجود الملكة عنده، فيكون عالمًا ببعض\nالأحكام بالفعل، والبعض الآخر بالقوة والاستعداد.\nوقلنا ذلك لأن \" أل \" الداخلة على \" الحكم \": لا يصح أن تكون\nللعهد؛ لأنه لم يتقدم للحكم ذكر حتى تكون للعهد الذكري، ولا\nيوجد بين المعرف والمخاطب معرفة وعهد حتى تكون للعهد الذهني.\nولا يصح أن تكون \" أل \" للجنس؛ لأن أقل جنس الجمع ثلاثة،\nفيلزم من ذلك أن يسمى العامي فقيهًا إذا عرف ثلاث مسائل بأدلتها؟\nلصدق اسم الفقيه عليه، وليس كذلك.\nولا يصح أن تكون \" أل \" لمطلق الحقيقة -؛ لأنه يلزم من ذلك أن\nمن عرف حكمًا واحدًا بدليله يكون فقيهًا، وليس كذلك.\nولا يصح أن يكون \" أل \" لاستغراق الجنس؛ لأنه يلزم من كونها\nلاستغراق الجنس أن الشخص لا يُسمَّى فقيهًا إلا إذا علم جميع\nالأحكام الشرعية الفرعية، فمن لم يعلمها كلها: فإنه يخرج من\nزمرة الفقهاء، وهذا باطل؛ لأن الأئمة الأربعة وغيرهم من الفقهاء\nكانوا لا يعلمون كل الأحكام، إذ ما من إمام إلا وقد خفي عليه\nبعض الأحكام، فقد ذكر الهيثم بن جميل عن الإمام مالك أنه سئل\nعن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: \" لا\nأدري \".\nوذكر أبو القاسم بن يوسفما الحسني الحنفي: أن الإمام أبا حنيفة\nقال في ثمان مسائل: \" لا أدري \".","vol":"1","page":23},{"text":"وذكر ابن جماعة: أن محمد بن الحكم سأل الإمام الشافعي عن\nالمتعة: أكان فيها طلاق، أو ميراث، أو نفقة؟ فقال: \" والله ما\nندري \".\nوذكر الأثرم: أنه كان يسمع الإمام أحمد يكثر من قول: \" لا أدري \".\nوالأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى.\nقولنا: \" الشرعية \" أي: يجب أن تكون تلك الأحكام شرعية،\nأي. مستفادة من الأدلة الشرعية، سواء كانت تلك الأدلة متفق\nعليها، أو مختلف فيها.\nفلفظ \" الشرعية \" أخرج الأحكام المستفادة من العقل، أو من\nالحس، أو من الوضع اللغوي، أو من التجرية.\nقولنا: \" العملية \": يبين أن الأحكام الشرعية ينبغي أن يكون فيها\nعمل جوارح كالصلاة، والزكاة، والحج، والمعاملات، والجنايات\nونحو ذلك.\nوليس المراد بـ \" العملية \" هو: أن جميع الأفعال هي عملية\nوأفعال، بل المراد: أن أكثرها فعلي وعملي، لا كلها، وذلك\nلوجود بعض الأحكام الفقهية الكائنة بالقلب دون عمل الجوارح؛ الفقيه كما يكون فقيهًا بالعلم بوجوب الصلاة والصيام والحج،\nكذلك يكون فقيهًا بالعنم بوجوب النية، والإخلاص، وتحريم الرياء\nوالحسد، وأمور كثيرة لا توجد إلا بالقلب، فيدخل عمل الجوارح،\nوعمل القلب، وما هو وسيلة إلى العمل كعلم أصول الفقه.\nوخرج بكلمة \" العملية \" الأحكام الشرعية العقائدية، وهو علم","vol":"1","page":24},{"text":"التوحيد، كالعلم بأن اللَّه واحد سميع بصير، فهذا ليس من الفقه\nفي شيء.\nاعتراض:\nاعترض بعضهم كالإسنوي على هذا قائلًا: إن هذا تناقض،\nحيث أدخلتم في لفظ \" العملية \" عمل القلب كوجوب النية، ولم\nتدخلوا علم التوحيد فإنه عمل قلب أيضًا.\nجوابه:\nإن عمل القلب كوجوب النية، والإخلاص، وتحريم الرياء،\nوالحسد، والحقد، ونحو ذلك تشبه عمل الجوارح أكثر من شبهها\nبالاعتقاد \" لكونها تظهر على المتصف بها ولو بعد حين، فألحقناها\nبعمل الجوارح لكثرة شبهها به، فلو جالست شخصًا حاقدًا، أو\nحاسدًا، أو لا إخلاص عنده، فإنك ستعلم ذلك عنه من خلال\nعمله وتصرفاته، ولكنك لن تعلم أن جليسك هذا أشعري، أو\nمعتزلي من أي عمل عمله، لأنه بينه وبين اللَّه.\nاعتراض آخر:\nذكر بعض العلماء كفخر الدين الرازي وتلميذه تاج الدين الأرموي:\nأن كلمة: \" العملية \" خرج بها - أيضًا - أصول الفقه، لأن العلم\nبكون الإجماع وخبر الواحد والقياس حُجَّة - مثلًا - ليس علماَ\nبكيفية عمل.\nجوابه:\nأقول - في الجواب عنه -: هذا ليس بصحيح، فلا يخرج\nبكلمة \" العملية \" علم أصول الفقه، بل يدخل - كما سبق أن","vol":"1","page":25},{"text":"قلناه -؛ لأن هذه القواعد - ككون الإجماع والقياس وخبر الواحد\nحُجَّة - هي وسيلة إلى العمل، فالغاية المطلوبة منها العمل،\nوالموضوع عمل من أعمال المكلفين، وتلك هي مسائل المكلفين.\nأي: أن حكم الشرع بكون الإجماع والقياس وخبر الواحد حُجَّة\nمعناه: أن نتعبد ونعمل بالحكم الذي يثبت عن طريق تلك الأدلة،\nويجب العمل بمقتضاه، والإفتاء بموجبه.\nقولنا: \" المكتسب من الأدلة \": لفظ \" المكتسب \" مرفوع،\nحيث إنه وصف للعلم، أي: أن هذا العلم بالأحكام الشرعية\nالعملية مأخوذ بسبب النظر بالأدلة واستنباط الأحكام منها، فأي\nشخص حصل على العلم بالأحكام بدون النظر بالأدلة لا يسمى فقيهًا\nمهما كان.\nوعلى هذا خرج بهذه الكلمة - أعني: \" المكتسب من الأدلة \" -\nما يلي:\n١ - علم اللَّه تعالى؛ لأنه لا يوصف بأنه أخذ من أدلة، حيث إنه\nأزلي غير مكتسب.\n٢ - علم الأنبياء ﵈ بالأحكام من غير اجتهاد، حيث\nيتلقى ذلك عن طريق الوحي.\nأما علم الأنبياء والرُّسُل الحاصل عن اجتهاد ونظر، فهو علم\nمكتسب، لذلك يوصف بأنه فقيه في هذا الذي اجتهد فيه.\n٣ - علم الملائكة؛ لأنه مأخوذ من اللوح المحفوظ.\n٤ - علم المقلد الذي لم يجتهد في تحصيل واستنباط أي حكم من\nالأحكام من أدلتها، بل أخذ الحكم عن المجتهد، فمعرفته ببعض\nالأحكام ليست حاصلة عن دليل أصلًا لا إجمالي، ولا تفصيلي.","vol":"1","page":26},{"text":"وقولنا: \" التفصيلية \" أي: آحاد الأدلة، بحيث يدل كل دليل\nبعينه على حكم معين مثل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)،\nوقوله: (ولا تقربوا الزنا) .\nوقد جيء بلفظ \" التفصيلية \" لإخراج الأدلة الإجمالية الكلية\nكمطلق الأمر، ومطلق النهي، والإجماع، والقياس، وقول\nالصحابي ونحو ذلك، فالبحث عن هذه الأدلة الإجمالية من عمل\nوشأن الأصولي.\nوتعريف الفقه - السابق - يبين ويوضح أن أيَّ حكم شرعي عملي\nأخذه هذا الشخص من دليل تفصيلي، فإنه يُسمَّى فقيهًا، سواء كان\nظاهرًا جليًا، أو كان غامضًا خفيًا.\nاعتراض:\nاعترض فخر الدين الرازي على ذلك قائلًا: إذا كان الحكم\nمعلومًا من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة، ووجوب الصوم،\nوغيرهما مما يعرف من أدلة ظاهرة جلية، فإن العارف لذلك لا\nيسمى فقيهًا، حيث إنه أخذ ذلك من غير نظر واستدلال.\nجوابه:\nأقول - في الجواب عنه -: ماذا يعني فخر الدين بالضرورة؟\nإن كان يعني بها: أن كل من تصور الدين الذي جاء به نبينا\nمحمد - ﷺ - حصل له العلم الضروري بوجوب الصلاة، ووجوب الصوم ونحوهما، فليس كذلك، لأنه في ابتداء الإسلام لم يكن\nالأمر كذلك، فإن الفقه كان حاصلًا بها للصحابة - رضي الله\nعنهم - ولم تكن ضرورية - حينئذٍ - وفقه الصحابة يجب أن يتناوله\nحد الفقه.","vol":"1","page":27},{"text":"وإن أراد بها: بعد اشتهار الإسلام وانتشاره، فإن أكثر الأحكام\nكذلك تحريم الزنا، والغصب، والسرقة، والربا، ونحوها،\nفلو خرجت هذه الأحكام وما شابهها مما اشتهر وعرفه أكثر الناس\nلخرج أكثر الفقه عن أن يسمى فقهًا؛ لأن هذه المسائل هي المسائل\nالأصلية في الفقه، وغيرها يتفرع عنها.\nوبهذا يتبين: أن الفقيه هو العالم الذي علم الأحكام الشرعية\nالعملية المكتسب والمأخوذ من الأدلة التفصيلية، ولا يمكن أن يكون\nكذلك إلا إذا توفرت فيه شروط المجتهد.\nفمن حفظ المسائل الفقهية المدونة في كتب الفقه على مذهب\nواحد، أو على المذاهب الأربعة بأدلتها، فلا يُسمَّى فقيها، ولكن\nيُسمَّى ناقل للفقه عن غيره، ولو كان حافظًا للقرآن والسُّنَّة. والله\nأعلم.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الثالث في تعريف أصول الفقه</span>\nلما عرفت تعريف الأصول، وتعريف الفقه، سأبين الآن تعريف\nأصول الفقه، فأقول:\nلقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف أصول الفقه، ولكن\nأقربها إلى الصحة هو: معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة\nمنها وحال المستفيد.\nشرح التعريف:\nالمراد بالمعرفة: العلم والتصديق، دون التصور، حيث إن المعرفة\nتعلقت بالنسبة، ولم تتعلق بالمفرد.\nوالمعرفة جنس دخل فيها معرفة الأدلة، ومعرفة الأحكام.\nوالأدلة جمع \" دليل \"، والدليل لغة هو: المرشد إلى المطلوب،\nسواء كان حسيا، أو معنويا.\nوهو في الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى\nمطلوب خبري.\nوهو شامل للدليل القطعي المفيد للقطع، وشامل للدليل الظني\nالمفيد للظن عندنا.\nمثال القطعي: الدلالة على حدوث العالم، فتقول: العالم\nمتغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث.","vol":"1","page":29},{"text":"ومثال الظني: الغيم الذي إذا نظرنا إليه فإنه يوصلنا إلى وقوع\nالمطر.\nاعتراض:\nلم يسلم ذلك أبو الحسين البصري، وفخر الدين الرازي،\nوالآمدي، بل قالوا: إن الدليل لا يستعمل إلا فيما يؤدي إلى العلم\nأما ما يؤدي إلى الظن فلا يسمى دليلًا، وإنما يسمى أمارة.\nجوابه:\nهذا غير صحيح؛ لأمور ثلاثة:\nأولها: أن أهل اللغة لم يفرقوا في التسمية بين ما يؤدي إلى العلم\nأو الظن، فلم يكن لهذا الفرق وجه.\nتانيها: أن أهل الشريعة لم يفرقوا بينهما في الاعتقاد والعمل.\nثالثها:. أن الدليل هو المرشد إلى المطلوب، والدليل الظني\nمرشد إلى المطلوب، فوجب أن يكون دليلًا كالموجب للعلم.\nوالمقصود من معرفة أدلة الفقه: معرفة الأدلة وأحوالها المتعلقة بها\nمثل: أن يعرف أن الأمر يقتضي الوجوب عند الإطلاق، وأن\nالإجماع يفيد القطع، أو الظن، وأن القياس يفيد الحكم الظني\nوهكذا.\nوليس المراد من معرفة الأدلة هو: تصورها كأن يعرف: أن\nالكتاب هو: اللفظ المنزل على محمد - ﷺ - المتعبد بتلاوته، وأن السُّنَّة هي: ما صدر عن النبي - ﷺ -، وأن الإجماع هو: اتفاق مجتهدي أُمَّة محمد، فهذه كلها تصورات - فقط - وهي من مقاصد علم الأصول.","vol":"1","page":30},{"text":"وليس المراد من معرفة الأدلة: حفظها؛ لأن حفظ الأدلة ليست\nمن الأصول في شيء.\nوالمقصود بالأدلة هنا: الأدلة المتفق عليها، والمختلف فيها،\nوالقواعد الكلية، ولو لم نحمل الأدلة على ذلك لخرج كثير من\nمسائل أصول الفقه عن الحد كقاعدة: \" العبرة بعموم اللفظ \"،\nو\"الأمر المطلق يقتضي الوجوب \"، ونحو ذلك.\nومن قال بأن القواعد الكلية لا تسمى أدلة: عرف أصول الفقه\nبأنه: \" القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من\nالأدلة \"، ولكن ما أثبتناه هو الأصح، كما سبق بيانه.\nوأضفنا الأدلة إلى الفقه؛ لإخراج معرفة أدلة غير الفقه، كصرفه\nأدلة التوحيد مثلًا، فإن ذلك ليس من الأصول.\nوقولنا: \" إجمالًا \" هو حال من \" دلائل \"؛ لأن المراد هو:\nالمعرفة التفصيلية للأدلة الإجمالية؛ حيث إن الأدلة نوعان \" كلية\nوإجمالية \"، و\" جزئية \".\nفمعرفة أن الإجماع حُجَّة، والقياس حُجَّة، والنهي يقتضي\nالتحريم تعتبر أدلة إجمالية؛ لأنها لا تدل على حكم معين.\nأما الأدلة الجزئية: فهي التي تدل على حكم معين في حالة معينة\nفقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا)، والإجماع على أن الخالة ترث،\nوقياس الجد على ابن الابن، ولا نكاح إلا بولي، هذه كلها أحكام\nجزئية؛ لأن كلًّا منها يستفاد منه حكم معين.\nفالأصولي يبحت عن أحوال الأدلة الكلية، ولا يبحث فيه عن\nالأدلة الجزئية؛ لأمرين:\nأولهما: أن الأدلة الجزئية غير محصورة.","vol":"1","page":31},{"text":"ثانيهما: أن الأدلة الجزئية داخلة تحت الأدلة الكلية، فالباحث عن\nأحوال الأدلة الكلية يبحث عن الأدلة الجزئية بطريق التبع، وإذا\nتعرض الأصولي لدليل جزئي فهو عن طريق ضرب المثال.\nوقوله: \" إجمالًا \" قيد أخرج علم الخلاف؛ لأن المقصود منه\nمعرفة أدلة الفقه التفصيلية لا لأجل أن يستفيد منها الأحكام، بل\nلتكون سلاحا يدافع به كل مناظر عن وجهة نظر إمامه، وهذا لا\nيدخل في أصول الفقه.\nوقولنا: \" وكيفية الاستفادة منها \" معطوف على \" دلائل \" أي:\nمعرفة الدلائل، ومعرفة كيفية الاستفادة من تلك الدلائل.\nأي: أن الأصول جث فيه عن الأحوال التي تعترض للأدلة،\nوكيف نستفيد الحكم من تلك، فلا بد في ذلك من معرفة التعارض\nبين الأدلة، وكيفية فك هذا التعارض، والترجيح بينها، وذلك لأن\nالغرض من البحث عن أحوال الأدلة إنما هو التوصل إلى استنباط\nالأحكام الشرعية من الأدلة، ومعروف أن الأدلة المفيدة للأحكام\nظنية، فهي قابلة للتعارض.\nوعند التعارض لا بد في استفادة الحكم من دليله من الترجيح بينه\nوبين معارضه.\nلذلك لا بد من معرفة متى تتعارض الأدلة، وإذا تعارضت فبأي\nشيء يكون الترجيح؟\nوكذلك لا بد أن يعرف أنه لا تعارض بين دليلين قطعيين، وبين\nقاطع وظني، وإذا تعارضت الأدلة الظنية فهناك مرجحات كثيرة،\nبعضها يرجع إلى راوي الخبر، وبعضها يرجع إلى نفس النص،\nوبعضها يرجع إلى أمور أخرى، فلا بد أن يعرف ذلك كله.","vol":"1","page":32},{"text":"ولذلك يرجح الخبر الذي رواته أكثر على من قلَّت رواته \" لأن\nاحتمال الكذب والغلط على الأقل أقرب، ويرجح خبر صاحب\nالواقعة على خبر غيره، فرجح العلماء خبر عائشة: \" إذا التقى\nالختانان وجب الغسل، فعلته أنا والرسول \" على خبر ابن عباس:\n\"الماء من الماء \"، ونحو ذلك، كما سيأتي تفصيله في الباب السابع.\nوقولنا: \" وحال المستفيد \" معطوف على دلائل، فيكون التقدير:\n\" ومعرفة حال المستفيد \"، والمستفيد هو طالب الحكم من الدليل،\nوهو المجتهد، فيكون المراد بالمستفيد هو المجتهد.\nوالمقصود: أن من مواضع أصول الفقه هو البحث عن حال\nالمجتهد والشروط التي يجب أن تتوفر فيه.\nوإنما كان البحث عن حال المجتهد من أصول الفقه، لأننا قلنا فيما\nسبق: فائدة البحث عن أحوال الأدلة إنما هو لأجل أن يتوصل بها\nإلى استنباط الأحكام من الأدلة، ومعروف أن الأدلة ظنية.\nومعروف أنه لا يوجد بين الدليل الظني ومدلوله ارتباط عقلي \"\nلأنه يجوز أن لا يدل الدليل عليه، فكان لا بد من رابط يربط بينهما\nوالرابط هو: الاجتهاد، فلذلك بحث في الأصول عن الاجتهاد،\nوذكر فيه الشروط التي يجب توافرها في المجتهد.\nوإذا علمت أن المراد بالمستفيد هو المجتهد، فإن المقلد لا يدخل هنا\nفالمقلد وشروطه وبحثه ليس من علم الأصول، وإنما ذكر ذلك\nاستطرادًا لذكر المجتهد.","vol":"1","page":33},{"text":"المبحت الثاني في الفرق بين الأصول والفقه\nبعد ما تبينت لنا حقيقة الفقه، وأصولى الفقه: ظهر لنا الفرق\nبينهما، ولعلي ألخص ذلك وأبين وظيفة الفقيه ووظيفة الأصولي فيما\nيلي، فأقول:\nإن أصول الفقه يكون في البحث عن أدلة الفقه الإجمالية بالتفصيل.\nأما الفقه فهو يبحث في العلم بالأحكام الشرعية العملية المأخوذة\nوالمستنبطة من أدلتها التفصيلية.\nوعلى هذا تكون وظيفة الفقيه هي: أن يأخذ هذه القواعد والأدلة\nالإجمالية التي أغناه عن التوصل إليها الأصولي، ويطبقها على\nالجزئيات.\nأو أقول بعبارة أخرى: إن أصول الفقه عبارة عن المناهج والأسس\nالتي تبين الطريق وتوضحه للفقيه، الذي يجب عليه أن يلتزمه في\nاستخراج الأحكام من أدلتها، فيرتب الأصولي تلك الأدلة فيقدم\nالكتاب على السُّنَّة، والسُّنَّة على الإجماع، وهكذا.\nأما الفقه: فهو عبارة عن استخراج الأحكام من الأدلة مع التقيد\nبتلك المناهج.\nوأن مثل علم الأصولى بالنسبة للفقه كمثل علم المنطق بالنسبة لسائر\nالعلوم الفلسفية، فهو ميزان يضبط العقل ويمنعه من الخطأ في الفكر.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثالث في الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية</span>\nتبيَّن - فيما سبق - وجود ارتباط وثيق بين أصول الفقه، والفقه،\nوهذا لا يعني أنهما علم واحد، بل إن كلًّا منهما علم مستقل بحد\nذاته، ولكل منهما قواعده، ونظرًا إلى أنه قد تختلط القواعد\nالأصولية بالقواعد الفقهية عند بعض طلاب العلم - حيث إن لكل\nمنهما قواعد تندرج تحتها جزئيات - ذكرتُ هذه الفروق بينهما وهي:\nالفرق الأول: أن القواعد الأصولية عبارة عن المسائل التي تشملها\nأنواع من الأدلة التفصيلية يمكن استنباط التشريع منها.\nأما القواعد الفقهية: فهي عبارة عن المسائل التي تندرج تحتها\nأحكام الفقه، ليصل المجتهد إليها بناء على تلك القضايا المبينة في\nأصول الفقه، ويلجأ الفقيه إلى تلك القواعد الفقهية تيسيرًا له في\nعرض الأحكام، فهو - مثلًا - إذا قال: \" إن العبرة في العقود\nبالمقاصد والمعاني \" أغناه عن أن يقول في كل جزئية: \" البيع منعقد\nبلفظ كذا \"، وأن يقول: \" الإجارة تنعقد بلفظ كذا \".\nالفرق الثاني: أن القواعد الأصولية كلية تنطبق على جميع\nجزئياتها وموضوعاتها، فكل نهي مطلق - مثلًا - للتحريم، وكل\nأمر مطلق للوجوب.","vol":"1","page":35},{"text":"أما القواعد الفقهية فإنها أغلبية، يكون الحكم فيها على أغلب\nالجزئيات.\nالفرق الثالث: أن القواعد الأصولية وسيلة لاستنباط الأحكام\nالشرعية العملية.\nأما القواعد الفقهية فهي مجموعة من الأحكام المتشابهة التي ترجع\nإلى عِلَّة واحدة تجمعها، أو ضابط فقهي يحيط بها، والغرض من\nذلك هو: تسهيل المسائل الفقهية وتقريبها.\nالفرق الرابع: أن القواعد الأصولية ضابط وميزان لاستنباط\nالأحكام الفقهية، ويُبين الاستنباط الصحيح من غيره، فهو بالنسبة\nلعلم الفقه كعلم المنطق يضبط سائر العلوم الفلسفية، وكعلم النحو\nيضبط النطق والكتابة بخلاف القواعد الفقهية.\nالفرق الخامس: أن القواعد الأصولية قد وجدت قبل الفروع؟\nحيث إنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط.\nأما القواعد الفقهية فإنها قد وجدت بعد وجود الفروع.\nهذه أهم الفروق بينهما.\nوإليك أهم كتب القواعد الفقهية على المذاهب الأربعة:\n١ - الأشباه والنظائر لابن السبكي تاج الدين (ت ٧٧١ هـ):\n\"المذهب الشافعي \".\n٢ - الأشباه والنظائر لابن الوكيل (ت ٧١٦ هـ): \" المذهب\nالشافعي \".\n٣ - الأشباه والنظائر للسيوطى (ت ٩١١ هـ): \" المذهب\nالشافعي \".","vol":"1","page":36},{"text":"٤ - الأشباه والنظائر لابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ): \" المذهب\nالشافعي \".\n٥ - الأشباه والنظائر لابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ): \" المذهب\nالحنفي \".\n٦ - تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي (تْ ٤٣ هـ): \" المذهب\nالحنفي \".\n٧ - شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقاء: \" المذهب الحنفي \".\n٨ - الفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية لابن حمزة (ت\n١٣٠٥ هـ): \" المذهب الحنفي \".\n٩ - الفروق للقرافي (ت ٦٨٢ هـ): \" المذهب المالكي \".\nْا - القواعد لابن رجب (ت ٧٩٥ هـ): \" المذهب الحنبلي \".\n١١ - القواعد للمقَّري (ت ٧٥٨ هـ): \" المذهب المالكي \".\n١٢ - القواعد النورانية الفقهية لابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): \"المذهب\nالحنبلي \".\n١٣ - قواعد مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد\nلأحمد القاري (ت - ١٣٥٨ هـ) .\n١٤ - المجموع المذهب في قواعد المذهب للعلائي (ت ٧٦١ هـ) .\n١٥ - المنثور في القواعد للزركشي (ت ٧٩٤ هـ) .","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الرابع في موضوع أصول الفقه</span>\nلقد اختلف في موضوع علم أصول الفقه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن موضوع أصول الفقه هو: الأدلة الإجمالية،\nوهو مذهب الجمهور، أي: أن موضوع علم أصول الفقه هو:\nالأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية العملية، وأقسامها، واختلاف\nمراتبها، وكيفية استثمار الأحكام الشرعية منها على وجه كلي، وهو\nالصحيح عندي، لأن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة وثمرة الشىء\nتابعة له.\nفالأصولي يبحث في حجية الأدلة الإجمالية، ثم يبحث عن\nالعوارض اللاحقة لهذه الأدلة من كونها عامة، أو خاصة، أو مطلقة\nأو مقيدة، أو مجملة، أو مبينة، أو ظاهرة، أو نصًا، أو منطوقًا،\nأو مفهومًا، وكون اللفظ أمرًا، أو نهيًا، ومعرفة هذه الأمور هي\nمسائل أصول الفقه.\nفمثلًا الكتاب، وهو دليل سمعي كلي لم ترد نصوصه على حَالة\nواحدة، بل منها ما هو بصيغة الأمر، أو النهي، أو العام، أو\nالخاص -، أو المطلق، أو المقيد إلى آخره، فهذه الأمور - وهي:\nالأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل، والمطلق والمقيد،\nوغيرها، تعتبر من أنواع الدليل الشرعي العام الذي هو الكتاب،","vol":"1","page":38},{"text":"فيبحث الأصولي هذه الأمور وما تفيده، فبعد بحثه وتمحيصه يتوصل\nإلى أن الأمر يفيد الفور أو التكرار، ويتوصل إلى أن النهي يفيد\nالتحريم، وأن العام يدل دلالة ظنية، وهكذا.\nفهذه كلها وجوه الاستدلال بالكتاب، والدليل واحد، وهو نفس\nالكتاب.\nْوالفقيه يأخذ الدليل الإجمالي، أو القاعدة الكلية التي توصل\nإليها الأصولي، فيجعلها مقدمة كبرى، بعد أن يقدم لها بمقدمة\nصغرى موضوعها جزئي من جزئيات تلك القاعدة، ودليل تفصيل\nيعرفه الفقيه، كالأمر بالصلاة في قوله تعالى: (أقيموا الصلاة)\nفيكون عندنا مقدمتان ونتيجة:\nالمقدمة الصغرى: الصلاة مأمور بها في قوله تعالى: (وأقيموا\nالصلاة)، وهذا دليل تفصيلي.\nالمقدمة الكبرى: وكل مأمور به - إذا تجرد عن القرائن - فهو\nواجب، وهذه قاعدة أصولية، أو دليل كلي إجمالي.\nفتكون النتيجة: الصلاة واجبة.\nالمذهب الثاني: أن موضوع علم أصول الفقه هو: الأدلة\nوالأحكام معًا، وذهب إلى ذلك بعض العلماء كصدر الشريعة،\nوسعد الدين التفتازاني، وبعض العلماء.\nوقالوا: إنه يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الشرعية،\nوهي: إثباتها للأحكام، وعن العوارض الذاتية للأحكام وهي:\nثبوتها بتلك الأدلة، وعلَّلوا قولهم هذا: بأنه لما كانت بعض مباحث\nالأصول ناشئة عن الأدلة كالعموم والخصوص والاشتراك، وبعضها\nناشئًا عن الأحكام ككون الحكم متعلقًا بفعل هو عبادة أو معاملة،","vol":"1","page":39},{"text":"ولا رجحان لأحدهما على الآخر، فالحكم على أحدهما بأنه\nموضوع، وعلى الآخر بأنه تابع تحبهم وهو باطل.\nجوابه:\nأقول - في الجواب عنه -: إن موضوع أصول الفقه هو: الأدلة\nالإجمالية، وغير الأدلة يأتي بالتبع، ولا تحكم في ذلك \" لأنه كما\nقلنا: إن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء تابعة له.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي، لأن كلًّا من الفريقين قد ذكر الأدلة والأحكام\nوبحثهما في أصول الفقه، ولكن أصحاب المذهب الأول قد بحثوا\nالأحكام على أنها تابعة، وأصحاب المذهب الثاني قد بحثوها على\nأنها أصلية.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الخامس في حكم تعلم أصول الفقه</span>\nإن تعلم أصول الفقه يختلف باختلاف المتعلمين، فإن كان\nالشخص - يهيئ نفسه للوصول إلى درجة الاجتهاد في هذه الشريعة\nالإسلامية، ويريد رفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن غيره، فإن\nتعلم أصول الفقه بالنسبة إليه فرض عين، لأنه لا يمكن له أن يتوصل\nإلى درجة الاجتهاد بدون تعلمه، بل هو أهم العلوم التي يجب\nتحصيلها والوقوف عليها حتى يكون مجتهدًا وقادرًا على استنباط\nالأحكام الشرعية من أدلتها.\nأما إن كان الشخص طالبًا للعلم بصورة عامة، فإن تعلم أصول\nالفقه فرض كفاية، شأنه شأن أي علم يجب أن يقوم به البعض.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث السادس في فوائد علم أصول الفقه</span>\nلقد بيَنت في مقدمتي لهذا الكتاب فضل علم أصول الفقه،\nوأهميته، ومنزلته من بين العلوم، وهذا المبحث يزيد من أهميته\nوفضله، حيث إن الأهمية والفضل لا يتضحان لعلم من العلوم إلا\nإذا كان له فوائد عظيمة، لذلك عقدت هذا المبحث لبيان ماله من\nفوائد، وإليك بيان تلك الفوائد:\nالفائدة الأولى: إنه يُبين المناهج والأسس والطرق التي يستطيع\nالفقيه عن طريقها استنباط الأحكام الفقهية للحوادث المتجددة، فإن\nالمجتهد إذا كان عالمًا بتلك الطرق - من أدلة إجمالية وقواعد\nأصولية - فإنه يستطيعَ إيجاد حكم لأي حادثة تحدث. وهذا موضوع\nأصول الفقه، وقد سبق بيان ذلك.\nالفائدة الثانية: إن طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد،\nيستفيد من دراسة أصول الفقه، حيث يجعله على بينة مما فعله إمامه\nعند استنباطه للأحكام، فمتى ما وقف ذلك الطالب للعلم على\nطرق الأئمة، وأصولهم، وما ذهب إليه كل منهم من إثبات تلك\nالقاعدة، أو نفيها، فإنه تطمأن نفسه إلى مدرك ذلك الإمام الذي\nقلَّده في عين ذلك الحكم أو ذاك، فهذا يجعله يمتثل عن اقتناع،\nوهذا يفضي إلى أن يكون عنده القدرة التي تمكنه من الدفاع عن وجهة\nنظر إمامه.","vol":"1","page":42},{"text":"الفائدة الثالثة: أن العارف بأصل هذا الإمام في هذا الحكم أعظم\nأجرًا من الشخص الذي يأتي بالعبادة لفتوى إمامه أنها واجبة أو\nسُنَّة، ولا يعرف الأصل الذي اعتمد عليه في هذه الفتوى.\nالفائدة الرابعة: أن العارف بالقواعد الأصولية يستطيع أن يُخرِّج\nالمسائل والفروع غير المنصوص عليها على قواعد إمامه.\nالفائدة الخامسة: أن العارف بتلك القواعد الأصولية يستطيع أن\nيدعو إلى الله تعالى وإلى دينه، بناء على أسس ومناهج وطرق\nيستطيع بها أن يقنع الخصم بما يريد أن يدعوه إليه.\nالفائدة السادسة: أن العارف بتلك القواعد يستطيع أن يُبيِّن لأعداء\nالإسلام أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه موجد لكل\nحادثة حكمًا شرعيًا، وأنه لا يمكن أن توجد حادثة إلا ولها حكم\nشرعي في الإسلام، بعكس ما كان يصوره أعداء الإسلام من أن\nالإسلام قاصر عن حل القضايا المتجددة. قاتلهم الله.\nالفائدة السابعة: أن أهل اللغة يستفيدون من تعلم علم أصول\nالفقه \" حيث إن أهل اللغة يبحثون عن اشتقاقات الكلمة، وهل هي\nنقلية أو قياسية، أما أهل الأصول فإنهم يبحثون عن معاني تلك\nالألفاظ، لذلك تجد الأصوليين قد توصلوا إلى نتائج لم يتوصل\nإليها اللغويون وذلك بسبب جمعهم بين معرفة اللغة ومعرفة الشريعة.،\nلذلك تجد أكثر أهل اللغة لهم إلمام في علم أصول الفقه.\nالفائدة الثامنة: أن المتخصص بعلم التفسير وعلم الحديث محتاج\nإلى دراسة علم أصول الفقه، حيث إنه يبين دلالات الألفاظ، وهل\nتدل على الحكم بالمنطوق أو بالمفهوم، أو بعبارة النص، أو بإشارته،\nأو بدلالته، أو باقتضائه، ونحو ذلك، لذلك تجد أكثر المفسرين\nوالشارحين للأحاديث هم من الأصوليين.","vol":"1","page":43},{"text":"الفائدة التاسعة: أن كل شخص يريد كتابة أيَّ بحث من البحوث\nالعلمية محتاج إلى معرفة علم أصول الفقه، ذلك لأن علم أصول\nالفقه قد جمع بين النقل والعقل، ومن تعمق فيه عرف طريقة إيراد\nالمسألة، وتصويرها والاستدلال عليها، والاعتراض على بعض\nالأدلة، والجواب عن تلك الاعتراضات بأسلوب مبني على أسس\nومناهج وطرق يندر أن تجدها في غير هذا العلم.\nالفائدة العاشرة: أن كل شخصٍ يريد أن يتخصص بالإعلام محتاج\nإلى معرفة أصول الفقه، وذلك لأن علم أصول الفقه قد اعتنى عناية\nفائقة ومميزة في الأخبار، وكيف أنها تنقسم إلى متواتر، وآحاد،\nومشهور، وكيف العمل عند تعارض تلك الأخبار، وطريقة\nالترجيح فيما بينها، واعتنى - أيضًا - في بيان أنه عند إعلان الأخبار\nلا بد من مراعاة مصالح الناس وأعرافهم.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث السابع الشبه التي أثيرت حول علم أصول الفقه وأجوبتها</span>\nمع تلك الفوائد التي ذكرتها لأصول الفقه، فإنه لم يسلم من\nبعض الاعتراضات التي وجهت إليه، والشبه التي أثيرت حوله،\nوإليك بيان أهمها، والأجوبة عنها فأقول:\nالشبهة الأولى:\nورد عن بعض الناس أنهم ذمّوا علم أصول الفقه، وحقَّروه في\nنفوس طلاب العلم، وذكروا أنه لا فائدة منه لا في الدنيا ولا في\nالآخرة.\nجوابها:\nيجاب عنها: بأن سبب ذمهم لهذا العلم وتحقيرهم له هو:\nجهلهم بهذا العلم، وعدم قدرتهم على فهمه بالتفصيل، وقديما\nقيل: \" من جهل شيئًا عاداه \".\nإذ كيف يذمون علما هو من أهم شروط الاجتهاد؛ حيث إنه إذا\nلم يتعلمه الفقيه بالتفصيل، فإنه لن يتوصل إلى درجة الاجتهاد،\nولا يمكنه - بأي حال - استنباط حكم شرعي من دليل، بل لو لم\nيعرف القياس - فقط - لانتفت عنه صفة الفقه، كما قال الإمام\nالشافعي: \" من لم يعرف القياس فليس بفقيه \"، وكما قال الإمام\nأحمد: \" لا يستغني أحد عن القياس \"؟!","vol":"1","page":45},{"text":"وكيف يذمون علما هو أهم علوم الشريعة؟؛ لأنه لولا علم\nأصول الفقه لم يثبت من الشريعة لا قليل ولا كثير، بيانه:\nإن كل حكم شرعي لا بد له من سبب موضوع، ودليل يدل عليه\nوعلى سببه، فإذا ألغينا أصول الفقه: ألغينا الأدلة، فلا يبقى لنا\nحكم ولا سبب، حيث إن إثبات الشرع بغير أدلته وقواعده وبمجرد\nالهوى خلاف الإجماع.\nالشبهة الثانية:\nأن هذا العلم لم يكن في عهد النبي - ﷺ -، ولا عهد الصحابة، ولا عهد التابعين لهم، فهو علم مبتدع، وما كان كذلك، فلا نفع فيه.\nجوابها:\nيجاب عنها بأن الصحابة رضوان اللَّه عليهم في عهده - ﷺ - وبعد عهده، وكذلك التابعين كانوا يتخاطبون بأن هذه الآية ناسخة لتلك\nالآية، وأن تلك الحادثة مشابهة لتلك الحادثة المنصوص على حكمها،\nوأن هذا خبر واحد يستدل به على إثبات حكم شرعي، وأن هذا\nقول صحابي في مسألة \" ما \"، وأن هذه مصلحة ينبغي أن تراعى،\nونحو ذلك، وهذه هي موضوعات أصول الفقه، فأصول الفقه\nموجود عندهم، وإن لم يسموا ذلك بالمصطلحات الموجودة الآن،\nوعلى هذا لا يكون علما مبتدعا.\nالشبهة الثالثة:\nأنكم جعلتم علم أصول الفقه أهم شرط من شروط الاجتهاد،\nفلا يمكن لأي شخص أن يبلغ درجة الاجتهاد إلا إذا كان عارفا مدققا\nفي أصول الفقه، كيف يستقيم ذلك، وقد كان الصحابة - ﵃ -","vol":"1","page":46},{"text":"وأتباعهم من كبار المجتهدين، ولم يكن هذا العلم\nموجودًا حتى جاء الإمام الشافعي وصنَّف فيه، وسمَّاه بهذا الاسم؟\nجوابها:\nيجاب عنها بأن الصحابة - ﵃ - وأتباعهم من كبار\nالتابعين كانوا من أعلم الخلق بالعلوم التي يتهذب بها الذهن،\nويستقيم بها اللسان كأصول الفقه، وعلم العربية، فالله ﷿\nالذي اختارهم ليكونوا أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -، قال رسول اللَّه - ﷺ -: \"إن اللَّه اختارني واختار لي أصحابًا وأصهارًا \"، فلم يقع عليهم الاختيار، إلا لأنهم خير من غيرهم في كل الأمور.، فهم الذين بذلوا النفس والنفيس من أجل نصرة اللَّه ورسوله، وهم الذين حملوا الشريعة إلى من بعدهم حتى وصلت إلينا.\nولذلك كانوا أفهم الخلق بدلالات الألفاظ، والصحيح من الأدلة\nمن الفاسد، وكانوا عالمين بالقواعد الشرعية، ومقاصد الشريعة،\nمتتبعين لها، محيطين بها، وكانوا متمرسين على ذلك، وهذه\nالممارسة أكسبتهم قوة يفهمون من خلالها مراد الشارع، وما يصلح\nمن الأدلة، وما لا يصلح، وعرفوا كل ذلك بسبب مشاهدتهم نزول\nالوحي، وسماعهم الحديث من فيِّ النبي - ﷺ -، ومن كانت تلك صفاتهم فإنهم عارفون لكل ما يبحث في علم أصول الفقه، وإن لم\nيسموه بهذا الاسم.\nولكن بعد ذهابهم قد فسدت الألسن، وتغيرت المفهوم، وكثرت\nالحوادث التي تحتاج إلى المجتهد لاستنباط أحكام شرعية لتلك\nالحوادث، فالشخص الذي يريد بلوغ درجة الاجتهاد لاستنباط أحكام\nشرعية لتلك الحوادث من الكتاب والسُّنَّة يحتاج إلى قواعد يستند","vol":"1","page":47},{"text":"إليها؛ ليكون أخذه منهما صحيحًا، فوضع الإمام الشافعي قواعد\nلذلك وجمعها في علم مستقل، وسماه بأصول الفقه، وهي تسمية\nصحيحة مطابقة لمسماها، والمقصود: أدلة الفقه والقواعد التي يستند\nإليها الفقيه، إذا أراد استنباط حكم شرعي من دليل تفصيلي.\nالشبهة الرابعة:\nأن هذا العلم لا يُتعلَّم - لقصد صحيح، بل يُتعلَّم للرياء والسمعة.\nجوابها:\nيجاب عنها بأن هذا غير صحيح جملة وتفصيلًا، حيث إنا بينا\nالقصد من تعلم أصول الفقه، وهو معرفة كيفية استنباط الأحكام\nالشرعية من الأدلة.\nوكل شخص سيحاسب عن قصده في تعلم أيِّ علم من العلوم.\nالشبهة الخامسة:\nأن هذا العلم يتعلم للتغالب والجدال والمناظرة، لا لقصد صحيح.\nجوابها:\nيجاب عنها بأن الجدال الموجود في أصول الفقه وسيلة إلى الحق،\nوإذا كان الجدال بهذه الصفة لا يعاب به، ولا تنقص قيمته من أجله،\nحيث إن الجدال الحق من شأن اللَّه تعالى، وشأن خاصته من رسله\nوأنبيائه.\nفقد أقام اللَّه سبحانه الحجج وعامل عباده بالمناظرة، فقال: (لئلا\nيكون للناس على الله حجة بعد الرسل)، وقال: (فللَّه الحجة\nالبالغة فلو شاء لهداكم أجمعين)، وقال لملائكته: (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض) .","vol":"1","page":48},{"text":"وذلك لما قالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) .\nوتناظرت الملائكة، قال تعالى: (ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون)، وتجادلت الأنبياء فيما بينهم، فقد روى أبو هريرة - ﵁ -: أنه احتج آدم وموسى، فقال موسى:\nيا آدم، أنت أبونا، أخرجتنا من الجنَّة، فقال له آدم: أنت موسى\nاصطفاك اللَّه بكلامه، أتلومني على أمر قدره اللَّه عليّ قبل أن يخلقني\nبأربعين سنة، فقال النبي - ﷺ -: \"فحج آدم موسى، فحج آدم موسى\".\nوجادلت الأنبياء أممها وحاجتها، قال تعالى: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا)، وقال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا\nبالتي هي أحسن)، وقال: (وجادلهم بالتي هي أحسن) .\nوالجدال كالسيف.\nفالسيف ذو حدين: ممدوح، ومذموم.\nفإن السيف يمدح إذا استعمل في الجهاد في سبيل اللَّه.\nويكون مذمومًا إذا استعمل في قطع الطريق، وإخافة المسلمين.\nفالسيف في نفسه آلة لا تمدح ولا تذم، وإنما الذم والمدح حسب\nالاستعمال.\nفكذلك الجدال في نفسه لا يذم ولا يمدح، وإنما المدح والذم\nحسب الاستعمال.\nفمن استعمل الجدال في صرف الحق إلى الباطل، فهو مذموم.\nومن استعمل الجدال للوصول إلى الحق الذي أمر اللَّه به، فهو","vol":"1","page":49},{"text":"ممدوح، والجدال الذي جاء به أصول الفقه استعمل للوصول به إلى\nالحق، فيكون على هذا ممدوحا.\nالشبهة السادسة:\nأن أصول الفقه ما هو إلا نبذ قد جمعت من علوم شتى، حيث\nإن بعضه مأخوذ من اللغة، كالكلام عن الأمر والنهي، والعام\nوالخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل، والمبين، والمنطوق،\nوالمفهوم، والحقيقة، والمجاز، ونحو ذلك.\nوبعضه مأخوذ من النحو كالكلام عن حروف المعاني، والكلام\nعن الاستثناء، ونحو ذلك.\nوبعضه مأخوذ من القرآن وعلومه، كالكلام عن مباحث النسخ،\nوالقراءة الشاذة، ووجود المجاز في القرآن -، وهل فيه ألفاظ بغير\nالعربية، والمحكم والمتشابه، ونحو ذلك.\nوبعضه مأخوذ من السُّنَّة، كالكلام عن الآحاد والمتواتر،\nوالمشهور، وحجية كل نوع، وشروط الراوي المتفق عليها والمختلف\nفيها.\nوبعضه مأخوذ من أصول الدين وعلم الكلام، كالكلام عن\nالحكم الشرعي وأقسامه، وأفعال النبي - ﷺ -، والتأسي به، وتكليف ما لا يطاق، وتكليف المعدوم، وشرط الإرادة في الأمر، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومسألة شكر المنعم، ونحو ذلك.\nوبعضه مأخوذ من علم الفقه وعلم الجدل، كالكلام عن القياس،\nوقوادح العِلَّة، والتعارض والترجيح.\nوهكذا علمت أن علم أصول الفقه ما هو إلا نبذ قد جمعت من","vol":"1","page":50},{"text":"تلك العلوم، فمن أراد أن يتعلم تلك المباحث فليتعلمها من تلك\nالعلوم، دون الرجوع إلى علم أصول الفقه، وبهذا لو جرد الذي\nينفرد به أصول الفقه ما كان إلا شيئًا يسيرًا جدًا، فتصير فائدة أصول\nالفقه قليلة جدًا بعكس ما كنت قد صورته لنا من أن له فوائد كثيرة.\nجوابها:\nأجيب عنها بأنه لا ينكر أن علم أصول الفقه قد استمد من تلك\nالعلوم التي ذكرتموها.\nولكن اهتم الأصوليون بتلك المباحث ودرسوها دراسة تختلف عن\nدراستها لو أخذت من تلك العلوم مباشرة، فقد دقق الأصوليون في\nفهم أشياء لم يصل إليها المتخصصون بتلك العلوم.\nفمثلًا: توصل الأصوليون إلى فهم أشياء من كلام العرب لم\nيصل إليها النحاة ولا اللغويون، فالنظر في كلام العرب متشعب،\nفكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، واشتقاقاتها، دون\nالمعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي المتعمق بالعلوم الشرعية\nوقواعده، فلقد توصل الأصوليون إلى أحكام في الاستثناء، لم\nيتوصل إليها النحاة في كتبهم،\nكذلك صيغة \" افعل \" أو صيغة \"لا تفعل \"،\nودلالة الأولى على الوجوب، ودلالة الثانية على التحريم،\nوغير ذلك من الاستعمالات لو بحثت عن ذلك في كتب\nاللغة لم تجد شيئًا من ذلك.\nفالأصوليون يبحثون فيما أخذوه من تلك العلوم - وهي علم اللغة\nوالنحو، وأصو ل الدين، والقرآن، والسُّنَّة، والفقه، والجدل -","vol":"1","page":51},{"text":"بحثًا خاصًا في جهة الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية الفقهية،\nوأحوال تلك الأدلة.\nفنظرة الأصولي إلى ما أخذه من تلك العلوم تختلف عن نظرة\nالمتخصصين بتلك العلوم.\nوبهذا لا يمكن أن يتعلم طالب العلم مباحث الأصوليين بالرجوع\nإلى تلك العلوم، دون الرجوع إلى ما وضع في علم أصول الفقه.\nفثبت بذلك أن أصول الفقه فيه ما لا يوجد في غيره.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثامن هل يُقدَّم تعلُّم أصول الفقه أم تعلُّم الفقه</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن تعلُّم أصول الفقه يقدم على تعلم الفقه.\nذهب إلى ذلك أبو إسحاق الشيرازي في \" شرح اللمع \"، وابن\nبرهان في \" الوصول \"، وابن عقيل في \" الواضح \"، وأبو بكر\nالقفال الشاشي، وغيرهم.\nوهو الصحيح عندي، وذلك ليكون المتعلم على ثقة مما يدخل\nفيه، ويكون قادرًا على فهم مرامي جزئيات الفقه، فالفروع لا تدرك\nإلا بأصولها، والنتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم\nبمقدماتها، وعلى هذا: ينبغي أن تحفظ الأدلة، وتحكم الأصول،\nثم حينئذِ تبنى عليها الفروع، لذلك تجد بعض الفقهاء من المالكية\nوغيرهم يَجعلون القواعد الأصولية كمقدمة لكتبهم الفقهية.\nالمذهب الثاني: أن تعلُّم الفقه والفروع يُقدم على تعلُّم الأصول.\nذهب إلى ذلك أبو يعلى في \" العدة \"، وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nإن من لم يعتد طرق الفروع والتصرف فيها لا يمكنه الوقوف على\nما يبتغى بهذه الأصول من الاستدلال، والتصرف في وجوه القياس.\nأي: أنه بتعلُّم الفروع تحصل الدربة والملكة التي تجعله يستفيد من\nتلك الأصول والقواعد استفادة صحيحة.","vol":"1","page":53},{"text":"جوابه:\nيُجاب عنه: بأنه يمكنه الوقوف على المقصود بتلك القواعد\nالأصولية بمجرد ضرب مثال أو مثالين من الفقه.\nوالحاصل: أنه إذا أتقن علم أصول الفقه أمكنه التوصل إلى\nالأحكام بصورة صحيحة، قال العكبري: \" أبلغ ما يتوصل به إلى\nإحكام الأحكام أصول الفقه وطرف من أصول الدين \".\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ حيث إنه لا تأثير لذلك الخلاف في الأصول\nولا في الفروع.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث التاسع في بيان المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه</span>\nأصول الفقه قد استمد مادته من مصادر كثيرة - وقد سبق بيان\nذلك في الشبهة السادسة - ولكن هنا سأحصر تلك المصادر، وأُبيِّن\nسبب استمداده من كل علم، فأقول:\nاستمد أصول الفقه مادته من مصادر كثيرة، وأهمها ثلاثة:\nالمصدر الأول: أصول الدين.\nالمصدر الثاني: علم اللغة العربية.\nالمصدر الثالث: الأحكام الشرعية.\nأما أصول الدين - وهو علم الكلام -: فإن علم أصول الفقه قد\nاستمد منه: مسائل، من أهمها: مسألة الحاكم، والتحسين\nوالتقبيح العقليين، والتكليف بما لا يطاق، وتكليف المعدوم،\nوحكم الأشياء قبل البعثة، والمجتهد يخطئ ويصيب، وخلو الزمان\nمن مجتهد، وشكر المنعم، وبعض مسائل النسخ، وشرط الإرادة\nفي الأمر، ونحو ذلك.\nوسبب استمداده من أصول الدين وهو علم الكلام هو: توقف\nالأدلة الشرعية على معرفة البارئ، وصدق رسول اللَّه - ﷺ - المبلغ عنه\nفيما قال لتعلم حجيتها وإفادتها للأحكام الشرعبة.\nأما اللغة العربية: فإن علم أصول الفقه قد استمد منها مسائل،","vol":"1","page":55},{"text":"ومنها: - الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد،\nومعاني الحروف، والمجمل والمبين، والحقيقة والمجاز، والاستثناء،\nوالمنطوق، والمفهوم، والإشا رة، والتنبيه، والاقتضاء، والإيماء،\nونحو ذلك.\nوسبب استمداده من اللغة العربية هو: أن كتاب اللَّه وسُنَّة رسوله\nقد نزلا بلغة العرب، فيحتاج إلى معرفة قدر كبير من اللغة العربية\nيستطيع بسببها معرفة دلالة الأدلة وفهمها وإدراك معانيها.\nفلا يمكنه فهم دلالات الألفاظ من الكتاب والسُّنَّة، والأقوال\nالمنقولة عن مجتهدي الأُمَّة، وأقوال السَّلَف والخلف إلا إذا كان فاهما\nللغة العربية، واستعمالاتها.\nوأما الأحكام الشرعية، فإن علم أصول الفقه قد استمد منه\nبسبب: أن المقصود والغرض من هذا العلم هو - إثبات الأحكام\nالفرعية، فلا بد للأصولي أن يعرف قدرًا ليس بالقليل من الفقه\nوالأحكام الشرعية، ليتمكن عن طريق معرفته تلك من إيضاح\nالمسائل، وضرب أمثلة لتصوير القاعدة الأصولية، وليتأهل بالبحث\nفيها للنظر والاستدلال.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث العاشر في نشأة علم أصول الفقه</span>\nكان الصحابة - ﵃ - في زمن - ﷺ - إذا حدثت حادثة أخذوا حكمها من الوحي، سواء كان مباشرًا وهو القرآن، أو\nغير مباشر وهو السُّنَّة، فكانوا يلجأون في هذا كله إلى النبي - ﷺ -.\nفلما توفي النبي - ﷺ - كان الصحابة - ﵃ - يأخذون حكم أي حادثة من الكتاب، فإن لم يجدوا حكمها فيه، أخذوه من السُّنَّة، فإذا لم يجدوا في السُّنَّة، اجتهدوا وبحثوا عن الأشباه\nوالأمثال، - ومعرفة العلل الشرعية، فيقيسون ما لم يكن بما كان،\nويجتهدون في معرفة المقاصد والمصالح، ونحو ذلك، ويحرصون\nكل الحرص على الأخذ برأي الجماعة.\nوسار التابعون - ﵏ - على هذا المنهج، وزاد بعضهم\nأصلًا آخر، وهو الرجوع إلى فتاوى الصحابة - ﵃ -.\nفكثر الاجتهاد، وكثرت طرقه، وتعددت وجوهه، فبعضهم\nيكتفي بظاهر النص، وبعضهم لا يكتفي بذلك، بل يغوص على\nالمعاني، فيرى أن أكثر الأحكام معللة، ثم يبنون على هذه العلل\nالأحكام وجودًا وعدمًا.\nفلما جاء عصر الأئمة المجتهدين: أصبح لكل إمام قواعد قد\nاعتمدها في الفتوى والاجتهاد.","vol":"1","page":57},{"text":"وهذه القواعد موجودة ومنتشرة في مواضع مختلفة في كتبهم وكتب\nتلاميذهم، وقد راعى هؤلاء الأئمة المجتهدون هذه القواعد في معرفة\nالأحكام الشرعية، وكيفية استنباطها من أدلتها التفصيلية، ومن\nهؤلاء الإمام الشافعي - ﵀ - الذي وضع قواعده التي\nاعتمدها في كتاب سمّاه بـ \" الرسالة \"، والإمام الشافعي لم يضع\nالقواعد الأصولية - كلها - في هذا الكتاب، ولكنه بهذا العمل\nلفت أنظار العلماء من الباحثين المدققين إلى متابعة التدقيق، والبحث\nوالترتيب حتى أصبح علم أصول الفقه علما مستقلًا رتبت أبوابه،\nوحررت أكثر مسائله، وجمعت مباحثه، وألَّفت فيه المؤلفات\nوالمصنفات على اختلاف في الطرق التي اتبعوها في التأليف\nوالتصنيف.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الحادي عشر طرق التأليف في أصول الفقه وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقة</span>\nالعلماء والباحثون في أصول الفقه اختلفوا في الطرق التي اتبعوها\nفي التأليف والتصنيف في أصول الفقه، فنشأ عن ذلك كثير من\nالطرق هي كما يلي:\nالطريقة الأولى: طريقة الحنفية.\nالطريقة الثانية: طريقة الجمهور.\nالطريقة الثالثة: الجمع بين الطريقتين.\nالطريقة الرابعة: طريقة تخريج الفروع على الأصول.\nالطريقة الخامسة: طريقة عرض أصول الفقه من خلال المقاصد، والمفهوم العام.\nوإليك بيان ذلك:\nأما الطريقة الأولى - وهي: طريقة الحنفية - فإنها تتميز بأمرين:\nأولهما: أنها تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من\nالفروع عن أئمتهم.\nثانيهما: أنها تغوص على النكت الفقهية.\nوسميت هذه الطريقة بطريقة \" الفقهاء \"؛ لأنها أمس بالفقه،\nوأليق بالفروع، وسبب ذلك: أن تلك القواعد قد أخذت من\nالفروع؛ ذلك لأن الحنفية المتأخرين لاحظوا واستقرأوا وتتبعوا الفتاوى","vol":"1","page":59},{"text":"الصادرة عن أئمتهم المتقدمين، فعمدوا إلى تلك الفتاوى والفروع\nواستخلصوا منها القواعد والضوابط، وجعلوها أصولا لمذهبهم\nلتكون لهم سلاحا في مقام الجدل والمناظرة.\nوقد ألِّف على هذه الطريقة كتب كثيرة، ومنها:\n١ - مآخذ الشرائع لأبي منصور الماتريدي.\n٢ - رسالة في الأصول لأبي الحسن الكرخي.\n٣ - الفصول في الأصول لأبي بكر الجصاص.\n٤ - تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي.\n٥ - أصول البزدوي، مطبوع مع كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري.\n٦ - مسائل الخلاف لأبي عبد اللَّه الصيمري.\n٧ - أصول السرخسي لأبي بكر السرخسي.\n٨ - ميزان الأصول لأبي بكر السمرقندي.\n٩ - المنار لأبي البركات عبد اللَّه النسفي.\nوذكرت جانبا من تلك الطريقة في كتابي: \" طرق دلالة الألفاظ\nعلى الأحكام عند الحنفية وأثرها الفقهي \".\nأما الطريقة الثانية - وهي طريقة الجمهور - فإنها تتميز بما يلي:\nأولًا: أنها اهتمت بتحرير المسائل، وتقرير القواعد على المبادئ\nالمنطقية.\nثانيا: الميل الشديد إلى الاستدلال العقلي.\nثالثًا: البسط في الجدل والمناظرات.","vol":"1","page":60},{"text":"رابعًا: تجريد المسائل الأصولية عن الفروع الفقهية، وقد أشبهت\nبذلك طريقة أهل الكلام، لذلك سميت طريقتهم بطرياقة المتكلمين.\nوهذه الطريقة قد سار عليها علماء الشافعية، والمالكية، والحنابلة،\nوالظاهرية، والمعتزلة، وذلك من حيث الترتيب والتنظيم.\nوإليك ذكر بعض الكتب التي أُلِّفت على هذه الطريقة، ولقد\nرتبت ذلك على المذاهب:\nأولًا: بعض الكتب المؤلَّفة على المذهب المالكي على حسب مذهب\nالمؤلف:\n١ - التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد للقاضي أبي بكر\nالباقلاني.\n٢ - إحكام الفصول في أحكام الأصول، والإشارة، والحدود -\nكلها لأبي الوليد الباجي.\n٣ - منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب،\nوقد اختصر هذا الكتاب بكتاب سمَّاه: \" مختصر المنتهى \".\nوشرح هذا المختصر كثير من العلماء، ومنهم:\n(أ) عضد الدين الإيجي، شرحه بكتاب سمَّاه: \" شرح\nالمختصر\".\n(ب) ابن السبكي تاج الدين شرحه بكتاب سمَّاه: \" رفع\nالحاجب عن مختصر ابن الحاجب \".\n(ج) شمس الدين الأصفهاني (ت ٧٤٩ هـ) شرحه بكتاب\nسمَّاه: \" بيان المختصر \".\n٤ - الضياء اللامع شرح جمع الجوامع لحلولو المالكي، حققته\nوطبع بعض المجلدات منه.","vol":"1","page":61},{"text":"٥ - شرح تنقيح الفصول لشهاب الدين القرافي.\n٦ - نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي، وقد قمت بتحقيق\nجزء منه، ولم يطبع.\n٧ - شرح البرهان للمازري.\nثانيا: بعض الكتب المؤلَّفة على المذهب الشافعي على حسب مذهب\nالمؤلف:\n١ - الرسالة للإمام الشافعي، وقد شرح هذه الرسالة الإمام\nالصيرفي، والقفال الشاشي الكبير، وأبو محمد الجويني، وغيرهم.\n٢ - اللمع، وشرح اللمع، والتبصرة لأبي إسحاق الشيرازي.\n٣ - البرهان، والتلخيص، والورقات لإمام الحرمين.\n٤ - قواطع الأدلة لابن السمعاني.\n٥ - المستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل وأساس القياس\nللغزالي.\n٦ - الوصول إلى الأصول لابن برهان.\n٧ - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي.\n٨ - المحصول للرازي، وقد شرحه كل من القرافي في \" نفائس\nالأصول \"، وشمس الدين الأصفهاني (ت ٦٨٨ هـ) في:\n\"الكاشف عن المحصول \".\nواختصره كل من:\nتاج الدين الأرموي في كتاب سمَّاه: \" الحاصل من المحصول \".\nسراج الدين الأرموي في كتاب سمَّاه: \"التحصيل من المحصول \".\nالنقشواني في كتاب سمَّاه: \" تلخيص المحصول \".\nالتبريزي في كتاب سماه: \" تنقيح المحصول \".","vol":"1","page":62},{"text":"٩ - منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، وشرحه كثير\nمن العلماء، ومنهم:\nشمس الدين الأصفهاني شرحه بكتاب سمَّاه: \" شرح منهاج\nالبيضاوي \"، وقد حققته وطبع بمجلدين.\nالإسنوي شرحه في كتاب سمَّاه: \" نهاية السول \".\nابن السبكي شرحه في كتاب سمَّاه: \" الإبهاج في شرح المنهاج \".\nالبدخشي شرحه في كتاب سمَّاه: \" مناهج العقول \".\n١٠ - البحر المحيط للزركشي.\nثالثًا: بعض الكتب المؤلَّفة على المذهب الحنبلي - على حسب\nمذهب المؤلف:\n١ - العدة لأبي يعلى.\n٢ - التمهيد لأبي الخطاب.\n٣ - الواضح لابن عقيل.\n٤ - روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة، وقد قمتُ بتحقيقه،\nوطبع بثلاثة مجلدات.\n٥ - شرح الكوكب المنير لابن النجار.\n٦ - إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر، قمتُ بتأليفه وطبع\nفي ثمان مجلدات.\nرابعا: الكتب المؤلفة على المذهب الظاهري:\n١ - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم.\n٢ - النبذ لابن حزم.\nخامسا: الكتب المؤلفة على المذهب المعتزلي:\n١ - العمد للقاضي عبد الجبار بن أحمد.","vol":"1","page":63},{"text":"٢ - المعتمد لأبي الحسين البصري.\n٣ - شرح العمد لأبي الحسين البصري.\nأما الطريقة الثالثة - وهي الجمع بين طريقة الحنفية وطريقة الجمهور -\nفقد حقق من جمع بين الطريقتين القواعد الأصولية، وأثبتها بالأدلة\nالنقلية والعقلية، وطبقوها في الفروع الفقهية، فجاءت مؤلفاتهم\nمفيدة في خدمة الفقه، وتمحيص الأدلة، وكتب في هذه الطريقة\nجمع من علماء الجمهور، وعلماء الحنفية، ومن أهم كتبهم ما يلي:\n١ - بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والأحكام للساعاني.\n٢ - تنقيح أصول الفقه، وشرحه التوضيح لصدر الشريعة، وقد\nشرحه التفتازاني في كتاب سمَّاه: \" التلويح \".\n٣ - جمع الجوامع لتاج ابن السبكي، وقد شرحه كثيرون،\nومنهم:\n(أ) جلال الدين المحلي شرحه بكتاب سمَّاه: \" شرح جمع\nالجوامع \".\n(ب) الزركشي شرحه بكتاب سمَّاه: \" تشنيف المسامع \".\n(ب) حلولو المالكي شرحه بكتاب سمَّاه: \" الضياء اللامع \"،\nوقد حققته.\n٤ - التحرير لكمال الدين ابن الهمام، وقد شرحه كثيرون،\nومنهم:\nأمير الحاج شرحه بكتاب سمَّاه: \" التقرير والتحبير \".\nأمير بادشاه شرحه بكتاب سماه: \" تيسير التحرير \".","vol":"1","page":64},{"text":"٥ - مسلم الثبوت لمحب الدين بن عبد الشكور الحنفي، وقد\nشرحه الأنصاري في كتاب سمَّاه: \" فواتح الرحموت \".\n٦ - كتابي هذا، فإنه يعتبر من هذه الطريقة، وهو \" المهذب في\nعلم أصول الفقه المقارن \".\nأما الطريقة الرابعة - وهي طريقة تخريج الفروع على الأصول -\nفهي تتميز بذكر خلاف الأصوليين في المسألة، مع الإشارة إلى بعض\nأدلة الفِرَق المختلفة، ثم ذكر عدد من المسائل الفقهية المتأثرة بهذا\nالخلاف، والغاية منها هو: ربط الفروع بالأصول، ولا يذكر في\nالكتب المؤلَّفة على هذه الطريقة إلا المسائل التى اختلف العلماء فيها،\nوالخلاف فيها معنوي له ثمرة، أما إذا كان الخلاف لفظيا فلا يرد\nفيها، لذلك صنَّفت كتابا ذكرت فيه المسائل التي جاء الخلاف فيها\nلفظيا، وقد طبع في مجلدين.\nوقد أُلِّف على هذه الطريقة - وهي الطريقة الرابعة - مؤلفات\nكثيرة، ومنها:\n١ - تخريج الفروع على الأصول للزنجاني \" شافعي \".\n٢ - مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للتلمساني\n\"مالكي \".\n٣ - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي \"شافعي \".\n٤ - القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام \" حنبلي \".\nأما الطريقة الخامسة - وهي طريقة عرض أصول الفقه من خلال\nالمقاصد - فلم تسلك هذه الطريقة مسلك المتقدمين، وهي: ذكر\nالقواعد تحت عناوين وأبواب معينة، بل سلكت طريقة أخرى وهي:\nعرض أصول الفقه من خلال مقاصد الشريعة، والمفهوم العام الكلي\nللتكليف، وقد ألَّف على هذه الطريقة أبو إسحاق الشاطبي المالكي\nكتابه: \" الموافقات في أصول الشريعة \".","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الفصل الثاني مقدمة في المصطلحات التي يحتاج إليها دارس علم أصول الفقه</span>\nويشتمل على مباحث:\nالمبحث الأول: بيان التصوُّر والتصديق.\nالمبحث الثاني: بيان كيف أن الحد والبرهان هما الآلة التي بها\nتدرك العلوم.\nالمبحث الثالث: في الحد وأقسامه.\nالمبحث الرابع: في البرهان وما يتعلق به.\nالمبحث الخامس: في الألفاظ.\nالمبحث السادس: في المعاني وأقسامها.\nالمبحث السابع: في تأليف مفْردات المعاني.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الأول في بيان التصوّر والتصديق</span>\nاعلم إنه لا يمكن أن تحيط بعلم شيء من الأشياء أو أمر من الأمور\nإلا إذا عرفت مفرداته أولًا، ثم عرفت وأدركت نسبة تلك المفردات\nبعضها إلى بعض.\nفيكون إدراك العلوم على ضربين هما: \" التصوُّر \" و\" التصديق \".\nفأما الضرب الأول وهو التصوُّر فهو علم الذوات المفردة - فقط -\nكأن تعلم معنى \" العالم \"، ومعنى \" الحادث \"، ومعنى \"الجسم \"،\nومعنى \" القديم \"، ومعنى \" الحركة \"، نعلم معاني تلك الكلمات،\nونفهمها كل واحدة على حدة بدون إضافتها إلى غيرها، وهذا يُسمَّى\nبالتصوّر.\nأي: إدراك وفهم وعلم ماهية الشيء بلا حكم عليها بنفي أو\nإثبات، فلم يحصل سوى صورة الشيء في الذهن - فقط -.\nوالتصور لا يمكن أن يدخله التصديق أو التكذيب، لأمرين:\nأولهما: أن إدراك الذوات المفردة وعلمها فقط هو: إدراك لماهية\nالشيء بلا حكم عليها بنفي أو إثبات، فأين الذي يُصدَّق أو يُكذَّب؟\nتانيهما: أن التصديق والتكذيب لا يتطرق إلا إلى الخبر، والذوات\nالمفردة، مثل: \" العالم \"، و\" الإنسان \"، و\" السماء \"، ليست","vol":"1","page":69},{"text":"أخبارًا؛ لأن أقل ما يتركب منه الخبر مفردان ينسب أحدهما إلى\nالآخر.\nفالتصوُّر هو: إدراك الحقائق مجردة عن الأحكام.\nوهذه تسمية أهل المنطق، لذلك عرفه ابن سيناء بقوله: \" هو\nالعلم الأول، ويكتسب بالحد وما يجري مجراه مثل تصورنا ماهية\nالشيء \"، وعرَّفه ابن رشد: \" بأنه العلم بماذا يدل عليه اسم\nالشيء\".\nوسمي - تصورًا؛ لأنه لم يحصل سوى صورة الشيء في الذهن.\nويسميه النحاة: مفردًا.\nأقسام التصوُّر:\n* والتصؤُر - وهو إدراك وفهم المفردات وحدها - قسمان:\nالقسم الأول: أَوَّلي: وهو: ما يُفهم معناه من غير بحث أو\nطلب، وهو المُسمَّى بـ \" الضروري \"، وهو الذي لا يحتاج إلى\nإدراكه وفهمه ومعرفته إلى تأمل ونظر، مثل: لفظ \" الموجود \"،\nفإن كل شخص يعلم ضرورة أن هذا الشيء موجود وليس بمعدوم،\nوكذلك الحرارة، والبرودة، والبياض، والسواد، ونحو ذلك من\nالمفردات التي تدرك وتعلم بمجرد الحس.\nالقسم الثاني: مطلوب، وهو: ما لا يفهم معناه إلا ببحث\nوطلب، وهو المُسمَّى بـ \" النظري \"، وهو الذي يحتاج لمعرفة وفهم\nمعناه إلى تأمل ونظر، حيث إن الاسم يدل على أمر مجمل غير\nمفصل أو مفسر، فيطلب تفسيره بالحد والبيان، مثل: إدراك معنى\n\" العقل \" و\" الجوهر \".","vol":"1","page":70},{"text":"وأما الضرب الثاني وهو التصديق فهو: علم نسبة المفردات\nبعضها إلى بعض بالنفي، أو الإثبات، فمثال نسبة مفرد إلى مفرد\nآخر بالنفي قولك: \" الجسم ليس بمتحرك \"، و\" العالم ليس\nبحادث \".\nومثال نسبة مفرد إلى مفرد آخر بالإثبات قولك: \" الجسم متحرك \"\nوقولك: \" العالم حادث \" و\" زيد كاتب \".\nوهذا يمكن أن يتطرق إليه التصديق والتكذيب؛ لأن فيه نسبة شيء\nإلى شيء آخر، وهذا لا يكون إلا من مفردين، فيكون الأول وصفا\nوالآخر موصوفًا، فإذا نسب الوصف إلى الموصوف بإثبات أو نفي،\nكأن تقول: \" العالم حادث \"، و\" الجسم متحرك \"، أو تقول:\n\"العالم ليس بحادث \"، فإن هذا قابل للصدق والكذب.\nأي: أن هذه النسبة قد تكون صحيحة، فيكون صادقا، وقد\nتكون غير صحيحة فيكون كاذبا.\nوالتصديق هو: إدراك نسبة حكمية بين الحقائق بالإيجاب أو النفي.\nوهذه تسمية أهل المنطق، لذلك عرَّفه ابن رشد بأنه: \" العلم بأن\nالشيء موجود أو غير موجود \".\nوسمي تصديقًا؛ لأن فيه حكمًا قد يصدق فيه، أو يكذب.\nفإن قلت: لماذا سموه بالتصديق مع احتمال الكذب؟\nقلت: سمي بأشرف لازمي الحكم في النسبة.\nويسميه النحاة: \" جملة \".\nوكل علم يتطرق إليه التصديق، فمن ضرورته ولازمه أن يتقدم\nعليه معرفتان:","vol":"1","page":71},{"text":"الأولى: معرفة المفرد - فقط - وهو معرفة البسيط - مثل:\n\" العالم \"، و\" الحادث \".\nالثانية: معرفة نسبة ذلك المفرد إلى مفرد آخر - وهو معرفة\nالمركب - مثل: \" العالم حادث \".\nفلا يمكن للشخص أن يعرف المركب من مفردين إلا إذا عرف\nالمفردين واحدًا واحدًا، فمن لا يفهم معنى \" العالم \" بمفرده\nويتصوره، ولا يعرف معنى \" الحادث \" بمفرده ويتصوره، فكيف\nيعرف أن \" العالم حادث \"؟\nفكل تصديق متضمن لعدة تصورات: تصوُّر المحكوم عليه،\nوتصوُّر المحكوم به، وتصوّر نسبة أحدهما إلى الآخر، فالحكم\nيكون تصورًا رابعًا، لأنه تصور تلك النسبة هل هي موجبة أو\nتصورها منفية.\nفمثلًا: إذا قلنا: \" زيد قائم \"، فقد اشتمل قولنا هذا على\nتصورات أربعة:\n١ - تصوُّر المو ضوع وهو \" زيد \".\n٢ - تصوُّر المحمول وهو \" قائم \".\n٣ - تصور النسبة بينهما وهو \" تعلق المحمول بالموضوع \" أي:\nتصور قيام زيد.\n٤ - تصور وقوع القيام من زيد.\nفالتصديق هو: التصوُّرات الأربعة عند الرازي، وعلى هذا يكون\nالتصديق مركبًا من الحكم والتصورات الثلاث باعتبارها أجزاء له.","vol":"1","page":72},{"text":"أما عند الحكماء، فإن التصور الرابع يسمى تصديقا، والثلاثة\nقبله شروط له.\nأقسام التصديق:\nكما انقسم التصوُّر إلى قسمين: أَوَّلي، ومطلوب، كذلك\nالتصديق وهو معرفة وإدراك نسبة المفردات بعضها إلى بعض - ينقسم\nإلى قسمين:\nالقسم الأول: أوَّلي: وهو الذي يفهم معناه من غير نظر ولا\nبحث، وهو المُسمَّى بـ \" الضروري \"، وهو ما يدركه الإنسان\nبالضرورة بدون تأمل وطلب مثل: إدراك وقوع النسبة في قولنا:\n\"الخمسة نصف العشرة \"، و\" الواحد نصف الاثنين \"، و\" السماء\nفوقنا \"، و\" النار محرقة \"، و\" الثلج بارد \"، ونحو ذلك مما\nيتوصل إليه الإنسان بدون أي تفكير.\nالقسم الثاني: مطلوب، وهو الذي لا يفهم معناه، ولا يدرك\nإلا ببحث وطلب واستدلال، وهو المُسمَّى بـ \" النظري \"، أي:\nالذي يحتاج إلى نظر وتأمل وتفكير، مثل: إدراك وقوع النسبة في\nقولنا: \" الواحد نصف سدس الاثني عشر \"، وإدراك النسبة في\nقولنا: \" العالم حادث \"، ونحو ذلك مما لا يتوصل إليه الشخص\nإلا بعد تفكير دقيق وتأمل طويل.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الثاني في بيان كيف أن الحد والبرهان هما الآلة التي بها تدرك العلوم</span>\nلقد علمنا في المبحث الأول أن إدراك العلوم على ضربين:\nالتصوُّر وهو: إدراك المفردات، والتصديق وهو: إدراك النسبة بين\nتلك المفردات.\nوعلمنا - أيضًا - أن كلًّا منهما ينقسم إلى أوَّلي، ومطلوب.\nإذا علمت ذلك فاعلم أن المطلوب، وهو الذي لا يعرف إلا\nبطلب وبحث ونظر من التصوُّر لا يمكن أن يعرف ويفهم إلا بالحد.\nوكذا المطلوب من التصديق لا يمكن أن يفهم إلا بالبرهان.\nفالحد والبرهان هما الالة التي بها تفهم وتدرك سائر العلوم\nالمطلوبة.\nفمثال التصوُّر: أن يسمع الإنسان اسما لا يفهم معناه، كمن\nقال: \" ما العقار؟ \"، فتقول له: هو الخمر، فإن لم يفهمه باسمه\nيفهم بحده، فيقال له: \" الخمر هو: شراب معتصر من العنب\nمسكر \"، فيحصل بذلك علم تصوري بذات الخمر.\nومثال التصديق: أن يجهل الإنسان أن للعالم صانعا، فيقول:\nهل للعالم صانع؛ فتقول له: نعم للعالَم صانع، وتُبيِّن ذلك\nبالحُجة والبرهان والأدلة التي لا تقبل الشك.\nولذلك كان لا بد من بيان الحد وما يتعلق به، والبرهان وما يتعلق\nبه في المباحث التالية.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث الثالث في الحد وأقسامه</span>\nويشتمل على أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف الحد لغة واصطلاحا، وبيان أقسامه.\nالمطلب الثاني: الحد الحقيقي وشروطه، وأقسامه.\nالمطلب الثالث: الحد الرسمي وشروطه، وأقسامه.\nالمطلب الرابع: الحد اللفظي وشروطه.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المطلب الأول في تعريف الحد، وبيان أقسامه، وسبب ذلك</span>\nأولًا: الحد لغة هو:\nالمنع، ومنه سمي البواب حدادًا؛ لأنه يمنع من دخول الدار،\nوسميت بعض العقوبات حدودًا؛ لأنها تمنع من العود إلى المعصية،\nوسمي التعريف حدًا؛ لأنه يمنع غير أفراد المعرف من الدخول،\nويمنع أفراد المعرف من الخروج.\nثانيا: الحد اصطلاحا:\nهو الوصف المحيط: لموصوفه المميز له عن غيره.\nففائدة الحد هي: التمييز بين المحدود وبين غيره.\nثالثا: أقسام الحد:\nينقسم الحد إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الحد الحقيقي.\nالقسم الثاني: الحد الرسمي.\nالقسم الثالث: الحد اللفظي.\nرابعا: سبب هذا التقسيم:\nالسبب في هذا التقسيم: أنه إما أن يكون الحد بحسب اللفظ، أو\nبحسب المعنى.","vol":"1","page":77},{"text":"أما الأول - وهو: الحد بحسب اللفظ - فهو الحد اللفظي.\nوأما الثاني - وهو: الحد بحسب المعنى - فلا يخلو:\nإما أن يكون الحد مشتملًا على جميع الذاتيات أو لا.\nفإن اشتمل على جميع الذاتيات فهو الحد الحقيقي؛ حيث إنه يفيد\nجميع حقائق الذاتيات.\nوإن لم يشتمل على ذلك: فهو الحد الرسمي.\nوسيأتي بيان كل حد وشروطه بالتفصيل إن شاء اللَّه.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلب الثاني في الحد الحقيقي وشروطه وأقسامه</span>\nأولًا: تعريف الحد الحقيقي:\nالحد الحقيقي هو: هو الذي ينبى عن جميع ذاتياته الكلية المركبة.\nشرح التعريف:\nمعنى هذا الحد: أن الحد الحقيقي معرِّف دال على جميع الذاتيات\nالكلية.\nفقوله: \"هو الذي ينبى\" جنس في التعريف يشمل الحقيقي وغيره.\nوقوله: \" جميع ذاتياته \": أخرج التعريف بالعرضيات، وببعض\nالذاتيات.\nوقوله: \" الكلية \": أخرج العينات والمشخصات، حيث إنها\nذاتية للشخص من حيث هو شخص، لكن لا يحد بها؛ لأن الحد\nللكليات، لا للمشخصات.\nوقوله: \" المركبة \": أخرج الذاتيات التي لم يعتبر تركيبها على\nوجه تحصل لها صورة وحدانية مطابقة للمحدود، فإنها لا تسمى\nحدًا حقيقيًا.\nولا يورد في الحد الحقيقي إلا الصفات الذاتية، دون الصفات\nاللازمة والعرضية، ولكي نعرف ذلك لا بد من بيان الفرق","vol":"1","page":79},{"text":"بين الصفات الذاتية، والصفات اللازمة، والصفات العرضية،\nفأقول:\nالوصف الذاتي هو: الوصف الداخل في حقيقة الشيء الموصوف\nدخولًا لا يمكن أن يتصور شخص فهم معنى ذلك الشيء بدون فهم\nذلك الشيء.\nمثال ذلك: \" الجسمية للشجر \"، فإن من فهم الشجر فقد فهم\n- لا محالة - جسمًا مخصوصًا معينًا، فتكون الجسمية داخلة في\nذات الشجرية دخولًا به قوامها في الوجود.\nوالعقل لو قدر عدم الجسمية لبطل وجود الشجر، وكذلك لو\nقدر العقل خروج الجسمية عن الذهن: لبطل فهم الشجر، فلا بد\nللحاد والمعرف أن يعرف أن الجسمية صفة ذاتية للمعرف الذي هو:\nالشجرة - هنا - فمن أراد أن يحد الشجرة أو أي نبات آخر فلا بد\nأن يقول: \" إنه جسم نام \".\nوالأوصاف الذاتية هي تورد في الحد الحقيقي إيرادًا أوليًا، وذلك\nلأنه يتصور بها كنه حقيقة الشيء وماهيته، لذلك ذكرناه أولًا.\nأما الوصف اللازم فهو: الذي لا يفارق الذات، لكن لا يتوقف\nعليه فهم حقيقة ذات الشيء.\nمثال ذلك: \" الظل لشخص الفرس عند طلوع الشمس \"،\nفالظل أمر لازم لا يمكن أن يفارق الفرس، ولكنه ليس بذاتى، وإنما\nهو تابع للذات ولازم له، فحقيقة الفرس قد تفهم ولو لم يفهم\nالظل ما هو؛ فالغافل عن وقوع الظل يمكنه أن يفهم الفرس، بل\nيفهم الجسم الذي هو أعم، وإن لم يخطر بباله ظله، وكذلك يقال\nفي ظل الشجر.","vol":"1","page":80},{"text":"بيان وجه الاتفاق ووجه الاختلاف بين الوصف الذاتي والوصف اللازم:\nأما وجه الاتفاق بينهما فهو في استحالة المفارقة للذات.\nأما وجه الاختلاف بينهما فهو أن الوصف الذاتي لا يمكن أن يفهم\nالمعنى دون فهم ذلك الوصف أبدًا.\nبخلاف الوصف اللازم، فإنه يمكن أن يفهم المعنى دون فهمه.\nأما الوصف العارض فهو مأخوذ من عرض له الشيء إذا التصق به\nزمانًا ثم انفصل عنه، ومنه عوارض الأهلية كالنوم، والسهو،\nتعترض الإنسان ثم تزول وتفارق.\nفالوصف العارض هو: ما ليس من ضرورته ملازمة الذات، بل\nيتصور الشخص أن يفارق هذا الوصف تلك الذات.\nوهذا الوصف العارض إما أن يكون وقته قصيرًا كحمرة الخجل،\nفإن هذه الحمرة الناتجة عن الخجل وصف عارض يزول سريعًا بعد\nزوال مسببه، وهو الخجل.\nوإما أن يكون وقته طويلًا مثل الصبا، والشباب، والكهولة، فإن\nهذه صفات عرضية لمراحل عمر الإنسان تزول ولكن ببطء.\nوهذا بيان الفرق بين الأوصاف الذاتية، واللازمة، والعارضة،\nولا بد للذي نصب نفسه لبيان الحد الحقيقي أن يعرف الفرق بينها.\nأقسام الأوصاف الذاتية:\nتنقسم الأوصاف الذاتية إلى قسمين: \" جنس \"، و\" فصل \":\nأما الجنس فهو: اسم دال على كثيرين مختلفين بالأنواع\nكالحيوان، فإنه مشترك بين \" الإنسان \" و\" الفرس \" و\" الأسد \".","vol":"1","page":81},{"text":"وقولنا: \" مختلفين بالأنواع \" أي: أن الجنس يشمل عددًا من\nالأنواع يختلف كل نوع عن الآخر بالحد، فحد الإنسان: حيوان\nناطق، وحد الفرس: حيوان غير ناطق.\nأما الفصل فهو: ما يفصل المحدود والمعرَّف عما شاركه في\nالجنس وميزه عن غيره.\nفمثلًا نقول في حد الإنسان: \" حيوان \"، فإن هذا الحد يشمل\nالإنسان والحيوان كالفرس، ولكن إذا أضيف إلى كلمة \" حيوان \"\nكلمة أخرى وهي: \" الناطق \"، فإنه بهذا يفصل الإنسان عن الحيوان\nويميز بذلك عن غيره مما يشاركه في جنسه.\nثانيًا: شروط الحد الحقيقي:\nيشترط للحد الحقيقي شروط، من أهمها:\nالشرط الأول: أن تذكر جميع ذاتيات الشيء المطلوب تحديده،\nوإن كانت كثيرة، وذلك ليحصل البيان الكامل للماهية.\nالشرط الثاني: أن تذكر جميع الذاتيات مرتبة، بحيث يقدم\nالأعم على الأخص، فيقدم ذكر الجنس على الفصل، فتقول في\nحد الخمر: \" شراب مسكر \"، ولا تقول: \" مسكر شراب \"،\nوتقول في حد النبات: \" جسم نام \"، ولا تقول: \" نام جسم \"\nفتقدم العام على الخاص.\nالشرط الثالث: أن الحاد والمعرف للحد الحقيقي يشترط عليه أن\nيكون ذا بصيرة بالفرق بين الصفات الذاتية، واللازمة، والعرضية\n- كما سبق بيانه -.\nولا يشترط للحاد والمعرف للحد الرسمي واللفظي ذلك، وذلك","vol":"1","page":82},{"text":"لأن الحد الرسمي الأمر فيه سهل، والمؤنة فيه قليلة؛ حيث إن طالبه\nقانع بالجمع والمنع بأي لفظ كان.\nأما الحد اللفظي فإنه يتعلق بنفس اللفظة وشرحها.\nواشترطنا ذلك في الحد الحقيقي، لأنه أصعب الحدود؛ حيث إنه\nيذكر فيه كمال المعاني التي بها قوام ماهية الشيء.\nالشرط الرابع: أن تذكر في الحد الحقيقي الجنس القريب - إن\nوجد - وذلك لكونه أدل على الماهية، ولا تذكر معه الجنس البعيد\nفتكون مكررًا، ولا تقتصر على البعيد فتكون مبعدًا، فتقول مثلًا -\nإذا سئلت عن حد الخمر -: \" شراب مسكر \"، لكن لا تذكر مع\nالجنس القريب البعيد فلا تقول - مثلًا - في ذلك المثال: \" جسم\nمسكر مأخوذ من العنب \".\nالشرط الخامس: أن تحترز من إضافة الفصل إلى الجنس، فلا\nتقل في حد الخمر: \" مسكر الشراب \"، فلا يكون - حينئذٍ - الحد\nحقيقيًا، بل يكون حدًا لفظيًا.\nالشرط السادس: أن تحترز أن تجعل بدل الجنس شيئًا كان في\nالماضي، ثم عدم الآن، فتقول لمن سألك عن حد الرماد: \"خشب\nمحترق \"، فهذا الجواب ليس بصحيح؛ لأن الجنس وهو \" الخشب \"\nلا يوجد بل صار رمادًا، ومعروف أن الرماد ليس بخشب.\nثالثا؛ أقسام الحد الحقيقي:\nالحد الحقيقي ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: حقيقي تام وهو: ما يتركب من الجنس والفصل\nالقريبين.","vol":"1","page":83},{"text":"مثل: أن يسألك شخص عن الإنسان، فتقول له: \" حيوان ناطق \"\nفالجنس القريب هو: \" الحيوان \"، والفصل القريب هو: \"الناطق \".\nوسمي بالتام لذكر جميع الذاتيات فيه.\nالقسم الثاني: حقيقي ناقص وهو: ما يكون بالفصل القريب\nوحده، أو بالفصل القريب، وبالجنس البعيد، فله صورتان:\nالصورة الأولى: إن ورد الحد من المجيب بفصل قريب - فقط -\nفهذا يُسمَّى حدًا حقيقيًا ناقصًا، مثاله أن يقال: ما الإنسان؛ فيقول\nالمجيب في حده: \" هو الناطق \".\nالصورة الثانية: إن ورد الحد من المجيب بفصل قريب مع جنس\nبعيد فيُسمَى هذا - أيضًا - حدًا حقيقيًا ناقصًا، مثاله: أن يقال: ما\nالإنسان؛ فيقول المجيب: \" هو جسم ناطق \"، فالجنس البعيد هو:\n\" الجسم \"، والفصل القريب هو: \" الناطق \".\nوسمي بالناقص لعدم ذكر جميع الذاتيات فيه.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب الثالث الحد الرسمي، وشروطه، وأقسامه</span>\nأولًا: تعريف الحد الرسمي:\nالحد الرسمي هو: ما أنبأ عن الشيء بلازم له.\nأي: أن الحد الرسمي هو: معرِّف أنبأ عن الشيء بلازم من\nلوازمه، وخاصية من خصوصياته لا يوجد في غيره.\nمثاله: لو طلب تحديد الخمر، فإن المجيب يقول في ذلك: \"هو\nمائع يقذف بالزبد يستحيل إلى الحموضة \".\nثانيًا: شروط الحد الرسمي:\nلكي يكون الحد الرسمي صحيحًا لا بد أن تتوفر فيه الشروط\nالتالية:\nالشرط الأول: أن يكون الحدُّ مطَّردًا ومنعكسًا.\nوالطرد لغة هو: الإبعاد، واصطلاحًا هو: استلزام من جانب\nالوجود والثبوت، أي: إذا وجد الحد وجد الحدود، وهو: معنى\nكونه \" مانعًا \".\nوالعكس لغة هو: قلب الشيء ورد أعلاه إلى أسفله،\nواصطلاحًا هو: استلزام من جانب العدم، أي: إذا عدم الحد عدم\nالمحدود، وهو معنى كونه جامعًا.\nالحاصل: أن الحد يجب أن يكون مطابقًا للمحدود في العموم","vol":"1","page":85},{"text":"والخصوص، فيكون جامعًا لأفراد المعرف، بحيث لا يخرج عنه أي\nفرد، ويكون مانعًا من دخول غيره فيه، وهو: المراد بالاطراد\nوالانعكاس.\nالشرط الثاني: أن يكون هذا اللازم الذي عرَّفنا به ذلك الشيء\nمن اللوازم الظاهرة المعروفة، فلا يجوز تحديد شيء بلازم غير\nمعروف، كأن يقول قائل: ما الأسد؛ فيقول المجيب هو: \" سبع\nأبخر \" ليتميز بالبخر عن الكلب، فالبخر من خواص الأسد ولوازمه\nلكن هذا اللازم - وهو البخر - غير معروف وغير مشهور عنه،\nفلذلك لا يصلح أن يكون حدًا، فلو قيل في الجواب: \" هو سبع\nشجاع عريض الأعالي \"، لكانت هذه اللوازم والأعراض أقرب إلى\nالمقصود؛ لأنها معروفة مشهورة عنه.\nالشرط الثالث: أن يوجز الحادُّ في الحدِّ على حسب الاستطاعة.\nأي: أن يقتصر على ما هو أشد مناسبة للغرض.\nفإن لزم الأمر أن يطيل الحاد عبارات الحد، وذكر ما يبين المحدود\nفلا ضير في ذلك، ولا ينبغي أن ينكر عليه ذلك؛ لأنه أراد بهذه\nالإطالة الكشف عن حقيقة المحدود.\nالشرط الرابع: أن يأتي الحاد بلفظ صريح واضح، ويبتعد عن\nالكنايات؛ لأن الكنايات أمر لا يطلع السائل عليه، فلا يحصل له\nالبيان، فيقع الخلل في التعريف والحد.\nالشرط الخامس: ألا يحد شيئًا بأخفى منه، كأن يحد \" البقلة\nالحمقاء \" بقوله: \" هي العرفج \"، فهذا غير سديد؛ لأن البقلة\nالحمقاء هي أشهر عند السامع من العرفج.\nالشرط السادس: ألا يحد شيئًا بما يساويه في الخفاء والظهور،","vol":"1","page":86},{"text":"فلا يقول في حد الزوج مثلًا: هو عدد يزيد على الفرد بواحد،\nفهنا عرَّف الزوج بالفرد الزائد على الواحد، وهما متساويان عند\nالتحقيق في الظهور والخفاء.\nالشرط السابع: ألا يحد شيئًا بألفاظ مجازية، أو بألفاظ مشتركة؛ الحد مميز للمحدود، ولا يمكن أن يحصل التميز مع الألفاظ\nالمشتركة؛ لأن الاشتراك مخل بفهم المعنى المقصود، وكذلك لا\nيحصل التميز مع الألفاظ المجازية؛ حيث إن الغالب تبادر المعاني\nالحقيقية إلى الفهم دون المجازية.\nالشرط الثامن: ألا يحد شيئًا بنفي ضده، فلا يقول في حد\nالزوج: هو ما ليس بفرد، أو يقول في حد الفرد: هو ما ليس\nبزوج؛ لأنه يلزم منه الدور؛ حيث إنه عرَّف الشيء بنفسه، فلم\nيحصل بذلك بيان ولا توضيح ولا شرح؛ لأن مهمة الحاد هي:\nتبيين المحدود وتوضيحه للسائل.\nثالثًا: أقسام الحد الرسمي:\nالحد الرسمي ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: الحد الرسمي التام وهو: ما كان بالجنس القريب\nوالخاصة كقول السائل: ما الإنسان؛ فيقول المجيب: \" حيوان\nضاحك \"، فالجنس القريب هو الحيوان، والخاصة هو الضاحك.\nوسمي تامًا لاشتماله على الجنس القريب وعلى الخاصة المميزة\nللشيء من غيره.\nالقسم الثاني: الحد الرسمي الناقص وهو: ما كان بالجنس\nالبعيد، والخاصة كقول السائل: ما الإنسان؛ فيقول المجيب هو:","vol":"1","page":87},{"text":"جسم ضاحك \"، فالجنس البعيد هو: \" الجسم \"، والخاصة هو:\n\" الضاحك \".\nوالحد الرسمي إذا عرف بالخاصة - فقط - فإنه يَكون حدًا رسميًا\nناقصًا، كقول السائل: ما الإنسان؛ فيقول المجيب هو:\n\"الضاحك \".\nوسمي ناقصًا؛ لنقصان بعض أجزاء الرسم التام عنه.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الرابع الحد اللفظي، وشرطه</span>\nأولًا: الحد اللفظي هو:\nشرح اللفظ بمرادف له أظهر وأشهر عند السائل من المسؤول عنه.\nفمثلًا يسأل سائل ويقول: ما الخندريس؛ فيقول المجيب والحاد:\n\" هو الخمر \"، ويسأل ويقول: ما الليث؛ فيقول المجيب: \" هو\nالأسد \".\nثانيا: شرط الحد اللفظي:\nيشترط للحد اللفظي: أن يكون اللفظ الذي يأتي به المجيب أظهر\nوأشهر من اللفظ المسؤول عنه كما مثلنا.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الرابع في البرهان وما يتعلق به</span>\nعرفنا فيما سبق أن المطلوب من التصوُّر - وهو: إدراك المفردات -\nلا يعلم إلا بالحد، وأن المطلوب من التصديق - وهو: إدراك النسبة\nبين تلك المفردات - لا يفهم إلا بالبرهان والحُجَّة.\nوقد بيَّنا الحد وأقسامه، وشروط كل قسم.\nوالآن سنتكلم عن البرهان؛ لأنه هو الذي يتوصل به إلى العلوم\nالتصديقية التي تطلب بالنظر، وذلك في المطالب الآتية:\nالمطلب الأول: تعريف البرهان.\nالمطلب الثاني: مم يتكون البرهان؟\nالمطلب الثالث: وجه لزوم النتيجة من المقدمتين.\nالمطلب الرابع: هل تسمية البرهان بالقياس تسمية حقيقية؟\nالمطلب الخامس: كيف يتطرق الخلل إلى البرهان؟\nالمطلب السادس: أسباب مخالفة نظم البرهان.\nالمطلب السابع: أقسام البرهان.\nالمطلب الثامن: في اليقين ومداركه.\nالمطلب التاسع: في الاستقراء\nالمطلب العاشر: في التمثيل.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الأول في تعريف البرهان</span>\nالبرهان هو: قول مؤلف من قضايا يلزم عنها لذاتها قول آخر.\nمثال ذلك: أن تقول في بيان البرهان على أن \" العالَم حادث \":\nالعالَم متغير، وكل متغير حادث، إذن: العالَم حادث.\nفعندنا مقدمتان: \" مقدمة صغرى \"، و\" مقدمة كبرى \"،\nو\"نتيجة\".\nأما المقدمة الصغرى فهي: العالَم متغير.\nأما المقدمة الكبرى فهي: كل متغير حادث.\nأما النتيجة فهي: العالَم حادث.\nويسمى ذلك بالنتيجة والرأي الذي هو مطلوب الناظر بالنظر.\nوالأقاويل أو القضايا إذا وضعت في البرهان لاقتباس المطلوب منها\nتسمى مقدمات.\nوالمقدمات قد تكون عقلية كما سبق.\nوقد تكون سمعية، أو بعضها سمعي، فإن السمع يفيد اليقين\nكخبر رسول اللَّه - ﷺ -، والإجماع.\nولا تستغرب من جعلنا البرهان يتكون من مقدمتين - وذلك في\nالمثال - مع أننا عرفنا البرهان بأنه قول مؤلف من قضايا وأقاويل..\nوالسبب في ذلك: أن المراد بالقضايا والأقاويل عند أهل المنطق: ما\nفوق القول الواحد، أو القضية الواحدة، بناء على أن أقل الجمع\nعند المناطقة اثنان.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الثاني مم يتكون البرهان</span>؟\nالبرهان يتكون من مقدمتين، أي: علمين يتطرق إليهما التصديق\nوالتكذيب، وأقل ما تحصل منه المقدمة: معرفتان توضع إحداهما\nمخبرًا عنها، والأخرى خبرًا ووصفًا.\nفيكون البرهان - على هذا - منقسمًا إلى مقدمتين تنقسم إلى\nمعرفتين تنسب إحداهما إلى الأخرى، وكل مفرد فهو معنى ويدل\nعليه لا محالة بلفظ معين، فيجب أن ينظر في المعاني المفردة\nوأقسامها، ثم ينظر في الألفاظ المفردة ووجوه دلالتها، ثم إذا فهمنا\nاللفظ مفردًا والمعنى مفردًا أَلَّفنا بذلك معنيين، وجعلناهما مقدمة،\nوننظر في حكم المقدمة وشروطها، ثم نجمع مقدمتين ونصوغ منهما\nبرهانًا، وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة. وهذا هو الطريق الحق\nلمعرفة البرهان.\nيقول التفتازاني في حاشيته: \" القياس المنتج لمطلوب واحد لا\nيكون مؤلفا بحكم الاستقراء الصحيح إلا من مقدمتين لا أزيد ولا\nأنقص، لكن ذلك القياس قد تفتقر مقدمتاه، أو إحداهما إلى\nالكسب بقياس آخر، كذلك إلى أن ينتهي إلى المبادئ المسلَّمة أو\nالبديهية، فيكون هناك قياسات مترتبة محصلة للقياس المنتج المطلوب.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الثالث في وجه لزوم النتيجة من المقدمتين</span>\nإن كل مفردين جمعتهما القوة المفكرة، ونسبت إحداهما إلى\nالآخر، إما بإثبات مثل: \" النبيذ حرام \" أو \" النبيذ مسكر \"، وإما\nبنفي مثل: \" النبيذ ليس بمسكر \"، وعرضت ذلك على العقل لم\nيخل العقل فيه من أحد أمرين: إما أن يصدِّق به، أو يمتنع عن\nالتصديق.\nفإن صدَّق العقل فهو الأوَّلي والضروري المعلوم بغير واسطة،\n- ويقال لذلك: إنه معلوم بغير نظر ودليل وطلب.\nوإن لم يُصدِّق فلا بدَّ من واسطة للتصديق، وتلك الواسطة هي\nالتي تنسب إلى الحكم فيكون خبرًا عنها وحكما لها، وتنسب إلى\nالمحكوم عليه فتجعل خبرًا عنه، فيُصدِّق، فيلزم من ذلك بالضرورة\nالتصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم عليه، بيان ذلك:\nلو أنا قلنا للعقل: احكم على النبيذ بالحرام، فإنه يقول: لا\nأدري ولا يصدق به، فعلمنا من ذلك: أنه لا يلتقي في الذهن طرفا\nهذه القضية وهما: \" الحرام \" و\" النبيذ \"، فلا بد من طلب واسطة\nربما صدَّق العقل بوجودها في \" النبيذ \"، وصدَّق بوجود وصف\nالحرام لتلك الواسطة فيلزمه التصديق بالمطلوب.","vol":"1","page":95},{"text":"فيقال للعقل: هل النبيذ مسكر؛ فيقول: نعم، وقال: نعم؛ كونه مسكرًا ثبت عن طريق التجربة.\nثم يقال له: هل المسكر حرام؛ فيقول: نعم، وقال: نعم؟\nلأنه علم كون المسكر حرامًا عن طريق السمع.\nفإذا صدَّق العقل بهاتين المقدمتين: لزم التصديق بالثالث ضرورة\nوهو: أن النبيذ حرام، فيلزم العقل التصديق بذلك ويذعن للتصديق","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب الرابع هل تسمية البرهان بالقياس تسمية حقيقية</span>؟\nأقول: إن تسمية المناطقة للبرهان المتكون من مقدمتين ونتيجة\nبالقياس، جاء عن طريق التجوز، وذلك لأن القياس في أصول\nالوضع اللغوي هو: تقدير شيء بشيء آخر، كتقدير الثوب بالذراع.\nأما هنا، فإن حاصله راجع إلى إدراج خصوص تحت عموم،\nوهذا ليس بقياس، إذ ليس فيه تقدير ولا حمل، بل فيه إدراج،\nبيان ذلك:\nأن المقدمة الكبرى عموم، والمقدمة الصغرى خصوص، وقلنا\nذلك لأن الحكم في الكبرى على جميع ما صدق عليه الأوسط،\nفيتناول الأصغر وغيره، والحكم في الصغرى مخصوص بالأصغر\nفقط، وإذا كان الأمر كذلك وجب إدراج الأصغر تحت الأوسط في\nالحكم بالأكبر على جميع ما صدق عليه الأوسط؛ لأن الأصغر من\nجملتها، فيلتقي بالضرورة موضوع الصغرى - أعني الأصغر -\nومحمول الكبرى - أعني الأكبر - إما إيجابا إن كانت الكبرى\nموجبة، أو سلبا إن كانت الكبرى سالبة.\nمثال الموجبة قولنا: \" الوضوء عبادة، وكل عبادة تصح بنية \"،\nفإنه ينتج: أن الوضوء يصح بنية.\nمثال السالبة قولنا: \" النبيذ مسكر، ولا شيء من المسكر ليس\nبحلال \"، فإنه ينتج منه: أن النبيذ ليس بحلال.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المطلب الخامس كيف يتطرق الخلل إلى البرهان</span>؟\nيتطرق الخلل إلى البرهان من ثلاث جهات:\nالجهة الأولى: من جهة نفس المقدمات؛ لأنها قد تكون خالية من\nشروطها.\nالجهة الثانية: من جهة كيفية الترتيب والتركيب والنظم، ولو\nكانت المقدمات صحيحة يقينية.\nالجهة الثالثة: من جهة نفس المقدمات، والكيفية والترتيب\nوالتركيب جميعًا.\nوإليك بيان ذلك بمثال من المحسوس، وهو البيت المبني، فإنه\nيتطرق إليه الخلل من ثلاث جهات:\nالأولى: أنه قد يختل بسبب وجد في هيئة التأليف، وذلك بأن\nتكون الحيطان معوجة، أو يكون السقف منخفضًا إلى موضع قريب\nمن الأرض، فيكون البيت فاسدًا وإن كانت الأحجار والجذوع متينة\nوصحيحة.\nالثانية: أنه قد يختل بسبب رخاوة في الأصل والأساس، وذلك\nبأن يكون البيت صحيحا من حيث الصورة في ترتيبها وهندستها،\nووضع حيطانها، وسقفها، ولكن يكون الخلل بسبب رخاوة في","vol":"1","page":98},{"text":"الجذوع وتشعب في اللبنات، فيكون البيت فاسدًا من حيث الأساس،\nوإن كانت الصورة صحيحة.\nالثالثة: أنه قد يختل البيت بالسببين السابقين معًا، فيكون الخلل\nبسبب التأليف، وبسبب رخاوة في الأساس.\nفكذلك هنا، فإن الخلل إما أن يكون في هيئة تركيبه، وإما أن\nيكون في الأصل الذي يرد عليه التركيب، وإما أن يكون فيهما معًا.\nفمن يريد بناء بيت سالم من أي خلل فعليه أولًا: بإعداد الآلات\nالمفردة التي يتكون منها البناء كالجذوع، واللبن، والطين،\nوالسعف، والجريد، ونحو ذلك، ثم إذا أراد أن يكون لبنا صالحًا\nللبناء عليه بإعداد مفرداته وهي: الماء، والتبن، والطين، والقالب\nالذي يضرب به اللبن.\nفلا بد من أن يبتدئ أولًا بالأجزاء المفردة فيركبها، ثم يركب\nالمركب، وهكذا إلى آخر العمل.\nإذا عرفت ذلك في هذا المثال، فإن طالب البرهان كذلك ولا\nفرق، فإنه له أن ينظر أولًا إلى الأجزاء المفردة من نظم وصورة، ثم\nينظر ثانيًا إلى المقدمات التي فيها النظم.\nتنبيه: للبرهان أضرب وأقسام قد تكلمت عنها في كتابي \" إتحاف\nذوي البصائر بشرح روضة الناظر \" بالتفصيل، فإن شئت ارجع إليه\nفي ذلك.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المطلب السادس في أسباب مخالفة نظم البرهان</span>\nلا بد في كل برهان أن يتكون من مقدمتين لتحصل منهما نتيجة،\nوإذا ذكر أحد شيئًا يخالف ذلك النظم، فإنه يرجع إلى أسباب هي\nكما يلي:\nالسبب الأول: قصور في علم المناظر بتمام نظم البرهان.\nالسبب الثانى: إهمال المناظر لإحدى المقدمتين، لكونها واضحة\nومعلومًا بها، وأكثر ما يفعل ذلك الفقهاء في المحاورات الفقهية\nاختصارًا.\nومثال ذلك: قولنا: \" الوضوء يحتاج إلى النية؛ لأن كل عبادة\nتحتاج إلى النية \"، فهنا حذفت الصغرى وهي قولنا: \" الوضوء\nعبادة \"؛ حيث إن تمام النظم أن يقال: \" كل عبادة تحتاج إلى النية،\nوالوضوء عبادة يلزم أن الوضوء يحتاج إلى النية \"، فحذفت\nالصغرى، وذلك لاشتهارها ووضوحها.\nمثال آخر: قولنا: \" هذا يجب رجمه؛ لأنه زنا وهو محصن \"\nفهنا حذفت الكبرى لوضوحها والعلم بها، وتمام القياس أن يقال:\n\" كل من زنا وهو محصن فعليه الرجم، وهذا زنا وهو محصن،\nفيلزم وجوب الرجم عليه \".\nوحذف إحدى المقدمتين لاشتهارها ووضوحها قد ورد في القرآن","vol":"1","page":100},{"text":"الكريم، من ذلك قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا اللَّه لفسدتا)\nوينبغي أن يضم إليها: \" ومعلوم أنهما لم تفسدا \"، وترك ذلك\nللعلم به - ووضوحه.\nالسبب الثالث: أن يهمل المناظر إحدى المقدمتين للتلبيس على\nالخصم، وذلك يكون بترك المقدمة التي يعسر إثباتها ويندر أمثالها،\nأو ينازعه الخصم في تلك المقدمة، وذلك استغفالًا للخصم، فخشي\nالمستدل أن يصرح بتلك المقدمة فيتنبه ذهن خصمه فينازعه فيها.\nمثال ذلك: قولك: \" فلان خائن في حقك \"، فيقول خصمك:\nولِمَ؟ فتقول: \" لأنه كان يناجي عدوك \"، وتمامه: أن يقال: \"كل\nمن يناجي العدو فهو عدو، وهذا يناجي العدو، فهو إذًا عدو \"،\nلكن لو صرح به لتنبه ذهن الخصم بأن مناجاة العدو لا يلزم منها\nالخيانة، فقد يحتمل أنه أراد بمناجاته نصيحته، أو غير ذلك.\nمثال آخر: قولهم: \" نكاح الشغار فاسد، لأنه منهي عنه \"،\nوتمامه أن يقال: \" كل منهي عنه فهو فاسد، والشغار منهي عنه،\nفهو إذًا فاسد \"، ولكن لو صرح المستدل بهذه المقدمة الكبرى لتنبه\nالخصم لها؛ لأنها موضع النزاع.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المطلب السابع في أقسام البرهان</span>\nالبرهان ينقسم إلى قسمين:\n\" برهان دلالة \"، و\" برهان علَّة \".\nأما برهان الدلالة فهو: أن يكون الأمر المتكرر في المقدمتين معلولًا\nومسببًا، فإن العِلَّة والمعلول يتلازمان.\nأما برهان العلَّة فهو: أن يكون المكرر - وهو الحد الأوسط - عِلَّة\nوسببًا.\nفإن استدللت بالعِلَّة على المعلول: فالبرهان برهان عِلَّة.\nوإن استدللت بالمعلول على العلَّة أو استدللت بأحد المعلولين على\nالآخر، فهو برهان دلالة.\nمثال برهان العلَّة: أن تستدل بالغيم على المطر، وأن تستدل\nبالأكل الكثير علىَ الشبع فيقال: \" من أكل كثيرًا فهو شبعان، وزيد\nقد أكل كثيرًا، فهو إذن شبعان \".\nومثال برهان الدلالة: أن تستدل بالشبع على الأكل الكثير،\nفتقول: إن كل شبعان قد أكل كثيرًا وزيد شبعان، إذًا قد أكل كثيرًا.\nومثال الاستدلال بأحد المعلولين على الآخر أن تقول: كل من\nصح طلاقه صح ظهاره، والذمي يصح طلاقه فيصح ظهاره.\nتنبيه: اعلم أن جميع استدلالات الفراسة من قبيل الاستدلال\nبإحدى النتيجتين على الأخرى.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المطلب الثامن في اليقين ومداركه</span>\nالبرهان: ما كانت مواده يقينية، وهي التي يجب قبولها بديهيًا\nكانت أو نظرية تنتهي إلى البديهيات، وسواء كانت تلك المقدمات\nعقلية أو سمعية، فإن السمع يفيد اليقين كأن يكون خبر من يمتنع عليه\nالكذب كخبر اللَّه تعالى، وخبر رسوله - ﷺ -، وكذلك الإجماع.\nوإليك بيان حقيقة اليقين، والأشياء التي تفيد اليقين، فأقول:\nأولًا: اليقين لغة هو: العلم الذي لا شك فيه.\nواليقين اصطلاحًا هو: اعتقاد الشيء بأنه كذا، مع اعتقاد أنه لا\nيمكن إلا كذا مطابقًا للواقع غير ممكن الزوال.\nثانيًا: الأشياء التي تفيد اليقين أو مداركه، أو أصول اليقينيات\n- كما يسميها بعضهم - هي كما يلي:\nالأول: الأوليات، وهي قضايا يجزم العقل بها بمجرد التصوُّر،\nولا يحتاج إلى واسطة مثل: علمك بأن الواحد نصف الاثنين، وأن\nالكل أعظم من الجزء، وأن النقيضين إذا صدق أحدهما كذب الآخر.\nالثاني: المحسوسات الظاهرة، وهي القضايا التي يحكم بها\nبواسطة الحواس الخمس وهي: السمع، والبصر، والشم،\nواللمس، والذوق، مثل: النار حارة، وهذا الجبل كبير، ورائحة\nهذا طيبة، وطعم هذا حلو، وهكذا.","vol":"1","page":103},{"text":"الثالث: المشاهدات الباطنة، وهي قضايا يحكم بها بواسطة\nالقوى الباطنة، ولا تحتاج إلى العقل، ولا إلى الحس، مثل:\nعلمك جوع نفسك، وشعورك بالألم، والعطش، ونحو ذلك.\nوالفرق بين هذا وبين المدرك الأول - وهو الأوليات -: أن المدرك\nالأول لا تدركه الصبيان ولا البهائم ولا المجانين؛ لأن الأوليات قضايا\nحصلت بمجرد العقل، والعقل مفقود بالنسبة لهؤلاء.\nأما هذا المدرك وهو: المشاهدات الباطنة، فإن البهائم، والصبيان\nوالمجانين تدركه؛ لأن تلك الأحوال وهي الجوع، والعطش، لا\nتفتقر إلى عقل.\nالرابع: التجريبيات، أو اطراد العادات، وهي القضايا التي\nيحكم بها بواسطة تكرار المشاهدة، وهي لا تخلو عن قياس خفي\nمع تكرار المشاهدة، وهو أن تعلم أن الوقوع المتكرر على نهج واحد\nلا يكون اتفاقًا.\nمثل: حكمنا بأن الإهليلج مسهل، فإنه بعد التجارب وتكرار\nالاستعمال لهذا الدواء حكمنا بأنه مسهل، وحكمنا بأن الحجر هاو\nإلى أسفل، وحكمنا بأن النار صاعدة إلى فوق، وهذه الأحكام\nوالمعلومات يقينية عند من جربها من الناس.\nالخامس: المتواترات، وهي: قضايا حكم بها بواسطة إخبار\nجماعة يستحيل عقلًا وعادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، مثل:\nحكمنا بوجود مكة، والمدينة، والهند، وغيرها من البلدان.\nفالمستفاد من تلك المدارك الخمسة يصلح لصناعة البرهان.","vol":"1","page":104},{"text":"ثالثأ: بيان أمور توهم بعضهم أنها من مدارك اليقين، وليست منها:\nما سبق هي مدارك اليقين التي تصلح لمقدمات البراهين، وهناك\nأمور توهم بعضهم أنها من مدارك اليقين وليست منها، وهما:\n١ - الوهميات\n٢ - المشهورات.\nأما الوهميات فهي: قضايا الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون\nمشارًا إلى جهته، وأن موجودًا لا متصلًا، ولا منفصلًا، ولا\nخارجًا، ولا داخلًا محال، لأن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات\nالست خالية عنه محال، وهذا عمل قوة في التجويف الأوسط من\nالدماغ، وتسمى وهمية شأنها ملازمة المحسوسات، ومتابعتها\nوالتصرف فيها.\nوهذه القضايا الوهمية مع أنها كاذبة فهي لا تتميز عن الأوليات\nالقطعية.\nمثل قولك: لا يكون شخص في مكانين، بل تشهد به أول\nالفطرة، كما تشهد بالأوليات القطعية، وليس كل ما تشهد به\nالفطرة قطعًا هو صادق، بل الصادق هو ما تشهد به قوة العقل\nالصحيح فقط.\nأما المشهورات فهي آراء محمودة توجب التصديق بها، إما بشهادة\nالكل، أو بشهادة الأكثر، أو بشهادة جماهير من الأفاضل مثل:\n\"الكذب قبيح \"، و\" كفران المنعم قبيح \"، و\" شكر المنعم حسن \"\nو\" إنقاذ الذين شارفوا على الهلاك حسن \"، و\" إيلام البريء قبيح \"\nوهذه الأحكام قد تكون صادقة، وقد تكون كاذبة، فلا يعول عليها\n- في مقدمات البراهين، لأنها لم تكن من مدارك اليقين.\nوإنما انغرس قبولها في النفس بأسباب كثيرة تعرض من أول الصبا،","vol":"1","page":105},{"text":"وذلك بأن تكرر على الصبي، ويكلف اعتقادها، ويحسن ذلك عنده\nوربما يحمل على اعتقادها حب التسالم وطيب المعاشرة، وربما تنشأ\nمن الحنان ورقة القلب والطبع، فترى أقوامًا يصدِّقون بأن ذبح البهائم\nقبيح حتى وصل بهم الأمر إلى الامتناع عن أكل لحومها، وربما يحيل\nعلى التصديق بها الاستقراء والتتبع الكثير، وربما كانت القضية\nصادقة، ولكن بشرط دقيق لا يتفطن الذهن لذلك الشرط، ويستمر\nعلى تكرير التصديق، فيرسخ في نفسه كمن يقول - مثلًا -:\n\"التواتر لا يفيد العلم \"، وعلّل ذلك بقوله: \" إن خبر كل واحد\nمن المخبرين لا يفيد العلم، فخبر الجميع لا يفيد العلم؛ لأنه لا\nيزيد على الآحاد \"، وهذا معروف غلطه؛ لأن كل واحد لا يفيد\nخبره العلم بشرط الانفراد، وعند التواتر فات هذا الشرط، فهذا\nالقائل: ذهل وغفل عن هذا الشرط، وذلك لدقته، فصدَّق به\nمطلقًا واعتقده.\nفالمستفاد من الوهميات لا يصلح لصناعة البرهان، والمشهورات\nتصلح للفقهيات الظنية، والأقيسة الجدلية، ولا تصلح لأن تكون\nمقدمات للبراهين.\nرابعًا: أضداد اليقين:\nلما عرفنا فيما سبق اليقين وهو: العلم القطعي بالأشياء التي لا\nتحتمل النقيض، أو ما قطعت به النفس، وعرفنا مداركه، وما لا\nيفيده: كان لا بد لنا أن نعرف أضداد اليقين؛ ليعرف اليقين أكثر\nوالفرق بينه وبين غيره، فأقول:\nأضداد اليقين هي: \" الظن \"،. و\" الشك \"، و\" الوهم \"،\nو\"السهو\"، و\" الجهل \"، وإليك بيانها:\n١ - الظن هو: ترجيح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من\nغير قطع، وقيل: تجويز أمرين، أحدهما أقوى من الآخر.","vol":"1","page":106},{"text":"والظن طريق للحكم إذا كان عن أمارة قد اقتضت الظن، ولهذا\nوجب العمل بجميع الأدلة المظنونة، ويجب العمل بشهادة الشهادين\nوبخبر المقوِّمين للشيء، سواء كانت تلك الأحكام مبنية على أدلة\nظنية أو أمارة صحيحة.\nويطلق العلم على الظن والعكس.\nفمثال إطلاق العلم على الظن: قوله تعالى: (فإن علمتموهن\nمؤمنات)، فهنا عبَّر بالعلم عن الظن؛ لأن العلم القطعي في\nذلك لا سبيل إليه.\nومثال إطلاق الظن على العلم: قوله تعالى: (الذين يظنون\nأنهم ملاقوا ربهم) أي: يعلمون.\n٢ - الشك هو: التردد في أمرين متقابلين، لا ترجيح لوقوع\nأحدهما على الآخر في النفس، وقيل: هو: تجويز أمرين لا مزية\nلأحدهما على الآخر.\nوالشك ليس بطريق للحكم في الشرع، وبناء على ذلك يجب\nاستصحاب الحال السابق مثل: الشك في الحدث بعد الطهارة،\nوالشك بالطلاق بعد النكاح، لأن الظاهر بقاء ذلك، وعدم حدوث\nالمشكوك فيه.\n٣ - الوهم هو: الطرف المرجوح فهو المقابل للظن.\n٤ - السهو هو: الذهول عن المعلوم.\n٥ - الجهل هو: اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو عليه، وهو ضد العلم.","vol":"1","page":107},{"text":"وهو قسمان:\nالقسم الأول: جهل بسيط وهو: انتفاء إدراك الشىء بالكلية،\nأي: عدم العلم مطلقا.\nالقسم الثاني: جهل مركب وهو: تصور الشيء على غير هيئته.\nوسمي مركبًا، لأنه مركب من أمرين، أولهما: عدم العلم\nبالشيء، ثانيهما: الاعتقاد الذي هو غير مطابق لما في الخارج.\nفمثلًا: إذا سئل إنسان وقيل له: إذا أكل مسلم ناسيًا في رمضان\nفهل يفسد صومه أو لا؟\nفإن قال: نعم يفسد صومه، وعليه القضاء، فهو جاهل مركب.\nأما إذا قال: لا أعلم، فإنه يكون جاهلًا بسيطًا.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المطلب التاسع في الاستقراء</span>\nأولًا: حقيقة الاستقراء:\nوهو لغة: التتبع.\nوفي الاصطلاح هو: عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم\nبحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات.\nوقيل: هو: الحكم على كلي لوجوده في أكثر جزئياته.\nوقيل: \" في أكثر جزئياته \"؛ لأن الحكم لو كان في جميع\nجزئياته لم يكن استقراء، بل يكون قياسا مقسمًا.\nوسمي ذلك استقراء؛ لأن مقدماته لا تحصل إلا بتتبع الجزئيات.\nثانيا: أقسام الاستقراء:\nينقسم الاستقراء إلى قسمين:\nالقسم الأول: استقراء تام، وهو الذي يشمل جميع الجزئيات،\nفهذا يفيد اليقين وهو صالح لأن يكون مقدمة من مقدمات البرهان\nمثل: قولنا: \"كل حيوان يموت \".\nالقسم الثاني: استقراء ناقص، وهو الذي يشمل أغلب وأكثر\nالجزئيات، وهو لا يفيد إلا الظن، وهذا لا يصلح أن يكون من","vol":"1","page":109},{"text":"مقدمات البرهان مثل قولنا: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند\nالمضغ؛ لأن الإنسان والبهائم والسباع كذلك.\nفهذا استقراء ناقص مختل؛ حيث إنه يوجد بعض الجزئيات يكون\nحكمه مخالفا لما استقرئ وتتبع، فلا يعمه الحكم وهو: التمساح،\nفإنه يحرك فكه الأعلى عند المضغ.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المطلب العاشر في التمثيل</span>\nأولًا: بيان حقيقة التمثيل:\nالتمثيل لغة: مصدر مثل الشيء بالشيء إذا شبهه به.\nوهو في الاصطلاح: إثبات حكم في جزئي معين لوجوده في\nجزئي آخر لأمر مشترك بينهما.\nمثل: قولنا: النبيذ حرام كالخمر بجامع الإسكار بينهما.\nويسمى الأول فرعًا، والثانى أصلًا، ويسمى الأمر المشترك بينهما\nجامعًا وعلة.\nثانيًا: طَرق إثبات علية الأمر المشترك:\nلإثبات علية الأمر المشترك طرق عند المناطقة، والمشهور منها\nطريقان:\nالطريق الأول: الدوران، ويسمى الطرد والعكس، وهو: أن\nيدور الحكم مع العلَّة والمعنى المشترك وجودًا وعدمًا، ففي المثال\nالسابق نقول: إذًا وجد الإسكار في النبيذ فإنه يوجد الحكم وهو\nالتحريم، وإن عدم الإسكار عدم التحريم، وهكذا.\nالطريق الثاني: السبر والتقسيم وهو: أن يعد ويذكر أوصاف\nالأصل، وتحصر، ثم يثبت - بعد الاختبار والسبر - أن ما عدا\nالمعنى المشترك غير صالح لاقتضاء الحكم لوجود تلك الأوصاف في\nمحل آخر مع تخلف الحكم عنه، ولا بد في ذلك من استعانة بنص\nأو إجماع.","vol":"1","page":111},{"text":"فإن كان هذا الحصر والإبطال قطعيين أفاد القطع واليقين، وإن كانا\nظنيين أفادا الظن.\nثالثًا: حكم التمثيل:\nالتمثيل حُجَّة ظنية عند جمهور المناطقة.\nوذهب ابن سينا إلى أنه حُجَّة ضعيفة.\nوهذا ليس بصحيح، فالتمثيل حُجَّة ظنية قوية؛ لأن إفادة الدليل\nاليقين أو الظن راجعة إلى المقدمات التي تألف منها لا إلى صورته،\nفالمقدمات إن كانت يقينية أفادت اليقين، وإن كانت المقدمات ظنية\nأفادت الظن.\nرابعًا: هل التمثيل هو القياس والشمول أم لا؟\nاختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن القياس هو التمثيل، وهو مذهب كثير من\nالأصوليين.\nالمذهب الثاني: أن القياس هو الشمول، وهو مذهب المناطقة.\nالمذهب الثالث: أن كلًّا من التمثيل والشمول يسمى قياسًا،\nذهب إلى هذا أكثر الفقهاء والمتكلمين.\nوهو الصحيح؛ لأن قياس الشمول مبناه على اشتراك الأفراد في\nالحكم وشموله لها، وقياس التمثيل مبناه على اشتراك الأصل والفرع\nفي الحكم.\nويمكن رد كل من القياسين إلى الآخر مثل: النبيذ حرام كالخمر\nبجامع الإسكار، وترده إلى الشمول فتقول: النبيذ مسكر، وكل\nمسكر حرام ينتج: أن النبيذ حرام.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الخامس في الألفاظ</span>\nاللفظ هو: صوت معتمد على بعض مخارج الحروف.\nوينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: اللفظ المفرد، وهو: الذي لا يدل جزؤه على\nجزء معناه: إذا جعل علمًا للشيء مثل: \" زيد \"، و\" عبد اللَّه \"\nعلمًا، وهو أنواع كثيرة.\nالقسم الثاني: اللفظ المركب، وهو: الذي يدل جزؤه على جزء\nمعناه مثل: \" زيد قائم \"، و\" قام زيد \" و\" غلام زيد \"، و\"الحيوان\nالناطق \"، وهو أنواع أيضا.\nوسيأتي - إن شاء اللَّه - تفصيل ذلك - في الباب الرابع الذي هو\nفي الألفاظ ودلالتها على الأحكام، فلا داعي لأن أفصل بها هنا مع\nأن التفصيل فيها في مكانها أولى وأكثر فائدة.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث السادس في المعاني وأقسامها</span>\nلما بيَّنا اللفظ، شرعنا في ذكر المعاني والنظر فيها، من حيث إنها\nثابتة في نفسها، وإن كان يدل عليها بالألفاظ؛ لأنه لا يمكن تعريف\nالمعاني إلا بذكر الألفاظ، فأقول:\nأولًا: تعريف المعاني:\nالمعاني هي: الصورة الذهنية من حيث إنه وضعت بإزائها الألفاظ\nوالصورة الحاصلة في العقل، فمن حيث إنها تقصد باللفظ سميت معنى.\nثانيًا: أقسام المعاني باعتبار أسبابها المدركة:\nالمعاني التي ندركها ونحيط بها ثلاثة أقسام، هي كما يلي:\nالقسم الأول: معاني محسوسة، وهي المعاني التي ندركها\nونعلمها عن طريق الحواس الخمس، كالألوان، ومعرفة الأشكال،\nوالمقادير، وذلك بحاسة البصر، وكالأصوات بحاسة السمع،\nوكالطعوم بحاسة الذوق، والروائح بحاسة الشم، والخشونة\nواللين، والصلابة والبرودة والحرارة والرطوبة واليبوسة بحاسة اللمس.\nالقسم الثاني: معاني متخيَّلة، وهي: القوة تتصرف في الصور\nالمحسوسة والمعاني الجزئية المنتزعة منها.\nمثاله: أنك لما أبصرت البلح وعرفت أن لونه أحمر بقيت تلك","vol":"1","page":114},{"text":"الصورة في دماغك، كأنك تنظر إليها وإن كان البلح غائبًا، فلو ذكر\nذلك البلح - فيما بعد - فإنك تستحضر تلك الصورة من ذهنك\nودماغك، وتقول: إن لونه أحمر وإن كان غائبا عنك، لأن صورته\nفي دماغك، فإنك تتخيله، لذلك سمي معنى متخيلًا.\nكذلك لما لمست الثلج لأول مرة ووجدته باردًا، فإنك لو سئلت\nعنه - فيما بعد - لقلت: إن الثلج بارد وإن كان غائبا عنك،\nوهكذا.\nوهذه القوة - وهي قوة التخيل - لا ينفرد بها الإنسان، بل يشترك\nمعه فيها الحيوان.\nأي: كما أنه يوصف الإنسان بأنه يتخيل الأشياء في الدماغ كذلك\nالبهائم تتخيل ولا فرق، فمثلًا: تجد \" الفرس \" إذا أكل شعيرًا مرة،\nثم رآه مرة ثانية في يوم آخر فإنك تجده يتحرك نحوه، ويحاول أن\nيقترب منه، وذلك لأنه تذكر صورته وطعمه الذي حفظه له دماغه\nوخياله، فلو كانت الصورة لم تثبت في خياله لما بادر إليه وتحرك\nنحوه، وكذلك جميع الحيوانات إذا رأت طعامها الذي يقدم إليها،\nبل إن بعض الحيوانات إذا رأت من يعطيها طعامها المحبب لديها\nرفعت أصواتها، واقتربت منه، وما ذلك إلا لأنها تخيلت اللذة\nالتي توجد في تلك الأطعمة التي يقدمها لها ذلك الشخص.\nالقسم الثالث: المعاني المعقولة، وهي: التي ندركها عن طريق\nالعقل الذي هو: الآلة التي ندرك بها الأشياء ونميز بعضها عن بعض.\nوالعقل غريزة، وليس مكتسبًا، خلقه اللَّه تعالى في الإنسان\nتشريفًا له يباين ويفارق به البهيمة، ويستعد به لقبول العلم، وتدبير\nالصنائع الفكرية.","vol":"1","page":115},{"text":"وهذا خاص بالإنسان.\nوالعقل محله القلب وهو: مذهب الإمام مالك، والشافعي،\nوالأطباء، وكثير من العلماء وهو الحق عندي لأمرين:\nأولهما: قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب)\nفعبَّر - هنا - عن العقل بالقلب؛ لأنه محله.\nثانيهما: قوله تعالى: (فتكون لهم قلوب يعقلون بها)، فلو\nلم يكن العقل موجودًا في القلب لما وصف بذلك حقيقة؛ لأن\nالأصل إضافة كل عضو إليه لما يصلح له، فلا يمكن أن توصف الأذن\nبأنه يشم بها أو يرى بها.\nوقيل: إن محل العقل هو الدماغ، وهو مذهب أبي حنيفة.\nوقبل غير ذلك.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث السابع في تأليف مفردات المعاني</span>\nلما فرغنا من الكلام عن مجرد اللفظ، والكلام عن مجرد المعنى،\nلا بد من الكلام عن تأليف مفردات المعاني على وجه يتطرق إليه\nالتصديق والتكذيب، كقولنا: \" العالَم حادث \"، و\" زيد ليس\nبكاتب \"، فإن هذا راجع إلى تأليف القوة المفكرة المؤلَّفة بين معرفتين\nلذاتين مفردتين بنسبة إحداهما إلى الأخرى بنفي أو إثبات.\nفمثال نسبة المفرد إلى مفرد آخر في الإثبات: \" العالَم حادث \"،\nو\" زيد كاتب \"، ومثال نسبة المفرد إلى مفرد آخر في النفي: \"العالَم\nليس بقديم \"، و\" زيد ليس بكاتب \".\nفعندنا جملة من جزأين، واختلف في تسميتهما على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن اسم الأول - وهو زيد - مبتدأ، واسم الآخر\n- وهو كاتب - خبر، وهذا مذهب النحويين.\nالمذهب الثاني: أن اسم الأول - وهو زيد -: محكوم عليه،\nواسم الثاني - وهو كاتب -: حكم، وهذا مذهب الفقهاء؛ حيث\nإن زيدًا محكوم عليه بحكم، وهو كونه كاتبا.\nالمذهب الثالث: إن اسم الأول - وهو زيد - موصوف، واسم\nالثاني - وهو كاتب - صفة، وهذا مذهب المتكلمين، حيث إن\nزيدًا موصوفًا بالكتابة.","vol":"1","page":117},{"text":"المذهب الرابع: أن اسم الأول - وهو زيد - موضوع، واسم\nالثاني - وهو كاتب - محمول، وهذا اصطلاح المناطقة؛ لأن\nالأول وضع ليحكم عليه، والثاني سمي محمولًا لحمله على\nالموضوع.\nوسمى المجموع من الاسم الأول والثاني: قضية.\nوالقضية قسمان: \" قضية شرطية \"، و\" قضية حملية \".\nأما القضية الشرطية - وهو القسم الأول - فهي: أن ينحل\nطرفاها إلى جملتين، لو أزيلت من بينهما أداة الربط في المتصلة،\nوأداة المناداة في المنفصلة.\nويكون الحكم في الشرطية معلقًا نحو: إن كانت الشمس طالعة\nكان النهار موجودًا.\nأما القضية الحملية - وهو القسم الثاني - فهي: ما يحكم فيها\nبثبوت شيء لشيء، أو نفيه عنه نحو: \" زيد كاتب \"، و\" زيد\nليس بقائم \".\nوضابطها: أن ينحل طرفاها إلى مفردين، أو ما في حكم\nالمفردين، ولا يكون الحكم فيها معلقًا على شيء.\nوأجزاء الحملية ثلاثة:\nالأول: المحكوم عليه والمسند إليه، ويسمى موضوعا اصطلاحًا؟\nلأنه وضع ليحكم عليه.\nالثاني: المحكوم به، والمسند، وسمّي المحمول اصطلاحًا لحمله\nعلى الموضوع.\nالثالث: النسبة الواقعة بين الموضوع والمحمول، ويسمى اللفظ","vol":"1","page":118},{"text":"الدال عليها رابطة، لدلالته على النسبة الرابطة بين الطرفين، وهذه\nالرابطة تحذف كثيرًا عند العرب.\nفإن قلت: ما الحمل؟\nأقول: الحمل هو: اتحاد المتغايرين مفهومًا بحسب الوجود مثل:\n\" زيد كاتب \"، فإن مفهوم \" زيد \" مغاير لمفهوم \" كاتب \"،\nولكنهما شيء واحد في الوجود.\nوالحمل نوعان:\n١ - حمل بالمواطأة، وهو ما كان بلا واسطة مثل: \"زيد كاتب \".\n٢ - حمل بالاشتقاق، وهو: ما كان بواسطة حروف وهي:\n\"في \"، أو \" اللام \"، أو \" ذو \"، فتقول: \" محمد في الدار \"،\nو\" الكتاب محمد \"، و\" زيد ذو مال \".\nأقسام القضية الحملية باعتبار الموضوع:\nتنقسم القضية الحملية بهذا الاعتبار إلى أربع قضايا:\nالأولى: قضية في عين وهي: المخصوصة، وهي: ما موضوعها\nجزئي معين، وتسمى شخصية، لأن موضوعها شخصي معين مثل:\n\" زيد عالِم \".\nالثانية: قضية مطلقة، وتسمى: \" مطلقة خاصة \"، وتسمى\nجزئية محصورة، وهي: ما ليس موضوعها جزئيًا معينا وبين جزئيته\nمثل: \" بعض الناس عالم \".\nالثالثة: قضية عامة، وتسمى \" قضية كلية \"، وتسمى \" مطلقة\nعامة \"، وهي: ما ليس موضوعها جزئيًا وبيَّن كليته مثل: \" كل\nسواد لون \".","vol":"1","page":119},{"text":"الرابعة: قضية مهملة وهي: ما كان الحكم فيها على الأفراد مع\nإهمال بيان كمية الأفراد، مثل قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر) .\nوقد تكلمت عن سبب انحصار القضية الحملية في تلك القضايا\nالأربع في كتابي \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \" فارجع\nإليه إن شئت.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الباب الثاني الحكم الشرعي، والتكليف به</span>\nويشتمل على الفصول التالية:\nالفصل الأول: في حقيقة الحكم الشرعي وما يتعلق بها.\nالفصل الثاني: في الحكم التكليفي وأقسامه.\nالفصل الثالث: في التكليف وشروطه.\nالفصل الرابع: في الحكم الوضعي وأنواعه.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الفصل الأول في حقيقة الحكم الشرعي وما يتعلق بها</span>\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: في تعريف الحكم الشرعي\nالمبحث الثاني: في إطلاق الحكم الشرعي بين الأصوليين\nوالفقهاء.\nالمبحث الثالث: هل ينقسم الحكم الشرعي إلى قسمين:\n\" تكليفي ووضعي \"","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الأول في تعريف الحكم الشرعي</span>\nأولًا: الحكم لغة هو:\nالقضاء والفصل لمنع العدوان، ومنه قوله تعالى: (لتحكم بين\nالناس بما أراك الله)، وقوله: (فاحكم بين الناس بالحق) .\nيقال: \" حكمت عليه بكذا \" إذا منعته من خلافه، فلم يقدر على\nالخروج من ذلك، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من\nأخلاق الأراذل.\nوهذا موافق للحكم الشرعي؛ فإنه إذا قيل: \" حكم اللَّه في\nالمسألة الوجوب \"، فإن المراد من ذلك: أنه سبحانه قضى فيها\nبالوجوب، ومنع المكلف من مخالفته.\nثانيًا: الحكم اصطلاحًا هو:\nخطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء، أو التخيير أو\nالوضع.\nشرح التعريف:\nقولنا: \" خطاب \" الخطاب هو: توجيه اللفظ المفيد إلى الغير،\nبحيث يسمعه ويفهمه.\nوقيل: إن الخطاب هو: الكلام المقصود منه إفهام من هو متهيء للفهم.","vol":"1","page":125},{"text":"وهو جنس في التعريف يشمل كل خطاب، سواء كان المخاطِب\nالله أو غيره.\nقولنا: \" خطاب اللَّه تعالى \" إضافة الخطاب إلى اللَّه، أخرج\nخطاب غيره من الإنس والجن والملائكة، فإن خطاباتهم لا تسمى\nحكمًا؛ حيث لا حكم إلا للشارع.\nوالمراد بخطاب اللَّه تعالى: كلام اللَّه اللفظي، وليس الكلام\nالنفسي؛ لأن الكلام اللفظي هو المبحوث عنه في الأصول إجمالًا،\nوفي الفقه تفصيلًا.\nوجميع الأحكام من اللَّه تعالى، سواء كانت ثابتة بالقرآن، أو\nالسُّنَّة، أو الإجماع، أو القياس، أو أي دليل ثبت شرعًا، فإن\nكل هذه المصادر راجعة - في الحقيقة - إلى اللَّه تعالى.\nقولنا: \" المتعلِّق \" أي: المرتبط، والمراد به: الذي من شأنه أن\nيتعلق، من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه.\nوالمقصود: أنه يشترط في خطاب اللَّه تعالى أن يكون مرتبطًا بفعل\nمن أفعال المكلف على وجه يبين صفة الفعل من كونه مطلوبًا فعله\nكالصلاة، والزكاة، ووجوب الغرامات على المتلف، ونحو ذلك،\nأو كونه مطلوبًا تركه كالزنا والسرقة ونحو ذلك.\nقولنا: \" بفعل \" الفعل لغة: ما يقابل القول والاعتقاد والنية.\nولكنه في العرف يطلق على كل ما صدر عن المكلف، وتتعلق به\nقدرته من قول، أو فعل، أو نية، وهو المراد بفعل المكلف هنا.\nفيكون المقصود بالفعل هنا هو جنس الفعل، سواء كان واحدًا،\nأو متعددًا، ويشمل القلوب والجوارح، سواء منها العبادات، أو\nالمعاملات، أو الأخلاق، فإنها جميعًا تتعلق بها الأحكام الشرعية.","vol":"1","page":126},{"text":"فالفعل هنا عام لأفعال الجوارح كوجوب الصلاة والحج والصوم،\nولأفعال اللسان كتحريم النميمة والغيبة، ولأفعال القلوب كوجوب\nالنية والقصد.\nوقولنا: \" بفعل المكلف \": أخرج الأحكام العقائدية، لأن\nالمعرف إنما هو الحكم الشرعي العملي، وليس المعرف مطلق الحكم\nالشرعي.\nوالمراد بالمكلف هو: البالغ العاقل، غير الملجأ، الذي يفهم\nالخطاب، ولم يحل دون تكليفه أي حائل.\nوعبَّرنا بالمكلف، ولم نقل: \" بأفعال المكلفين \" - كما ذكر ذلك\nبعض الأصوليين - وذلك ليشمل الأحكام المتعلقة بفعل مكلف واحد\nخاصة به مثل الأحكام الخاصة بالنبي - ﷺ -، كتزويجه بأكثر من أربع،\nومثل الحكم الخاص بخزيمة بن ثابت الأنصاري، حيث بيَّن النبي\n- ﷺ - أن شهادته تكفي عن شهادة رجلين، ومثل الحكم الخاص بأبي بردة، حيث بيَّن النبي - ﷺ - أن العناق - وهي الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول - تجزئ في الأضحية عنه ولا تجزئ عن غيره.\nوقولنا: \" بفعل المكلف \": أخرج الخطابات الواردة من اللَّه التي\nلا تتعلق بفعل المكلف، وهي:\n١ - الخطاب المتعلق بذاته سبحانه، كقوله تعالى: (شهد الله أنه\nلا إله إلا هو) .\n٢ - الخطاب المتعلق بصفته سبحانه، كقوله: (الله لا إله إلا هو\nالحي القيوم) .\n٣ - الخطاب المتعلق بفعله سبحانه، كقوله: (الله خالق كل شيء) .","vol":"1","page":127},{"text":"٤ - الخطاب المتعلق بالجمادات، كقوله: (ويوم نسير الجبال) .\n٥ - الخطاب المتعلق بالحيوانات، كقوله: (يا جبال أوبي معه والطير) .\n٦ - الخطاب المتعلق بذات المكلفين، كقوله: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) .\nفهذه خطابات، ولكنها لا تتعلَّق بفعل المكلَّف.\nقولنا: \" بالاقتضاء \": الجار والمجرور هنا متعلقان بقوله:\n\"المتعلِّق \".\nوالاقتضاء هو: الطلب، والطلب قسمان: طلب فعل، وطلب\nترك.\nوكل واحد منهما ينقسم إلى قسمين: \" جازم \"، و\" غير جازم \".\nفإن كان طلب الفعل طلبًا جازمًا فهو: الإيجاب.\nوإن كان طلب الفعل طلبًا غير جازم فهو: الندب.\nوإن كان طلب الترك طلبًا جازمًا فهو: التحريم.\nوإن كان طلب الترك طلبًا غير جازم فهو: الكراهية.\nقولنا: \" أو التخيير \" معناه: استواء الطرفين، أي: لا يوجد\nفيه طلب فعل، ولاطلب ترك.\nفعبارة: \" بالاقتضاء أو التخيير \" شملت الأحكام التكليفية الخمسة\n- الواجب، والمند وب، والحرام، والكرا هة، والمباح -.\nوسيأتي بيانها بالتفصيل إن شاء اللَّه تعالى.","vol":"1","page":128},{"text":"فبان أنه يشترط في خطاب اللَّه المتعلق بالمكلف أن يكون متضمنًا\nلطلب فعل أو ترك، أو فيه تخيير.\nأما إذا لم يوجد فيه ذلك فليس بحكم شرعي مثل قوله تعالى:\n(والله خلقكم وما تعملون)، وقوله: (وهم من بعد غلبهم\nسيغلبون)، وذلك لأنه لم يفهم منه طلب فعل، ولا طلب ترك\nمن المكلف، ولم يفهم منه - أيضا - تخيير بين فعل وترك، فهو\nإعلام وإخبار - فقط -.\nقولنا -: \" أو الوضع \" الوضع هو: الجعل.\nوقد وردت لفظة: \" أو \" للتنويع والتقسيم، والمراد: أن الحكم\nالشرعي ينقسم إلى قسمين: \" حكم تكليفي \"، و\" حكم وضعي \".\nأي: أنه أتى بهذه الكلمة - وهي: \" أو الوضع \" -، لإدخال\nأقسام خطاب الوضع من السببية، والشرطية، والمانعية، والصحة\nوالفساد، وذلك لأنها أحكام شرعية لم تثبت إلا عن طريق الشرع،\nوليس فيها طلب ولا تخيير.\nوعلى هذا: خطاب الشرع إما أن يكون متعلقا بالاقتضاء أو\nالتخيير، أو لا يكون.\nفإن كان متعلقًا بأحدهما: فهو الحكم التكليفي.\nوإن لم يتعلق بواحد منهما فهو الحكم الوضعي.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث الثاني في إطلاق الحكم الشرعي بين الأصوليين والفقهاء</span>\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الحكم الشرعي هو: خطاب اللَّه - تعالى -\nالمتعلق بفعل المكلف اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا.\nوهذا مذهب الأصوليين - كما سبق بيانه -.\nوالأصوليون وإن اختلفوا في تعريفاتهم، فإنهم يجتمعون على\nشيء واحد وهو: كون الحكم عَلَمًا على نفس خطاب الشارع الذي\nيطلب من المكلف فعل شيء، أو كفه عنه، أو يخيره بينهما،\nويجعل الشيء سببًا، أو شرطًا، أو مانعًا، أو صحة، أو فاسدًا،\nونحو ذلك مما يدخل تحت خطاب الوضع.\nفالإيجاب هو نفس قوله: \" افعل \" مثل قوله تعالى:\n(أقم الصلاة لدلوك الشمس)، والتحريم هو نفس قوله: \" لا تفعل \"\nمثل قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق) .\nفالأصوليون نظروا إلى ذات الحكم، وهو خطاب الشرع\nبالتحريم، أو الإيجاب، أو الندب، أو الكراهة، أو الإباحة.\nالمذهب الثاني: أن الحكم الشرعي هو: ما ثبت بالخطاب\nالشرعي، أي: أثره المترتب عليه، لا نفس النص الشرعي، وهو\nمذهب الفقهاء.","vol":"1","page":130},{"text":"فالحكم عند هؤلاء هو: أثر خطاب اللَّه المتعلق بفعل المكلف\nاقتضاء، أو تخييرًا، أو وضعًا.\nفالفقهاء نظروا إليه من ناحية تعلقه بفعل المكلف.\nفمثلًا: وجوب الصلاة أثر لخطاب الشارع، وهو قوله تعالى:\n(أقيموا الصلاة)، وحرمة الزنا أثر ترتب على قوله تعالى:\n(ولا تقربوا الزنا) .\nفالوجوب والحرمة ونحوهما هو: الحكم عند الفقهاء، وهو: ما\nثبت بالخطاب واقتضاء النص.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف بين الأصوليين والفقهاء خلاف لفظي، حيث إنه راجع\nإلى تفسير وبيان المراد من الحكم الشرعي والنظر إليه.\nفمن نظر إلى الحكم الشرعي على أنه له مصدر يصدر عنه، وهو\nالله تعالى: عرَّفه بأنه خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين\nبالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع، وهو مذهب الأصوليين.\nومن نظر إلى الحكم الشرعي على أن له محلًا يتعلق به، وهي\nالأفعال التي تصدر من المكلفين، ويكون الحكم وصفًا شرعيًا عرَّفه\nبأنه: ما ثبت بالخطاب الشرعي، أو الصفة التي هي أثر ذلك\nالخطاب من الشارع، وهو مذهب الفقهاء.\nفالخطاب وما ترتب عليه متلازمان.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الثالث هل ينقسم الحكم الشرعي إلى تكليفي ووضعي</span>؟\nلقد اختلف العلماء على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين هما:\n\"حكم تكليفي \"، و\" حكم وضعي \".\nذهب إلى ذلك كثير من الأصوليين.\nوهو الصحيح عندي، لذلك عرَّفنا الحكم الشرعي بما يعم\nالقسمين فقلنا: \" هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاء\nأو تخييرًا أو وضعًا، وبيَّنا أثناء شرحنا للتعريف أن أنواع الحكم\nالوضعي كالسببية، والشرطية، والمانعية - وغيرها مما سيأتي ذكره -\nلم تستفد إلا من الشرع، لذلك كانت أحكامًا شرعية، ولا يوجد\nفيها طلب ولا تخيير، فلزم ذكر قيد: \" أو الوضع \"، ليكون\nالتعريف شاملًا لجميع أفراد المحدود.\nالمذهب الثاني: أن الحكم الشرعي قسم واحد هو: الحكم التكليفي.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء كالبيضاوي وغيره.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل هؤلاء على ذلك بقولهم: إنه لا معنى لموجبية الدلوك\n- مثلًا - إلا طلب الفعل عنده، ولا معنى لمانعية الحيض إلا حرمة\nالصلاة معه، ولا معنى لصحة البيع إلا إباحة الانتفاع بالمبيع، فتكون\nأنواع خطاب الوضع داخلة تحت الاقتضاء والتخيير.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأمرين:","vol":"1","page":132},{"text":"أولهما: أن المفهوم من الحكم الوضعي غير المفهوم من الحكم\nالتكليفي.\nفالمفهوم من الحكم الوضعي هو: تعلُّق شيء بشيء آخر، وربطه\nبه، مثل: الربط بين الوجوب على الشخص وبين الوقت، فيكون\nدخول الوقت سببًا لوجوب الصلاة على هذا الشخص.\nوهذا بخلاف المفهوم من الحكم التكليفي، فهما مفهومان متغايران.\nثانيهما: أن لزوم أحدهما للآخر في بعض الصور لا يدل على\nاتحادهما في جميع الصور بدليل الفروق التي أوجدها بعض العلماء بين\nالحكم التكليفي والوضعي، وسأذكرها فيما بعد بالتفصيل إن شاء اللَّه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف بين المذهبين خلاف لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على\nإقرار الأحكام الوضعية كالسبب والشرط والمانع وغيرها - مما سيأتي -\nولم ينكرها أحد من الفريقين؛ حيث إنها أحكام شرعية متعارف\nعليها؛ لأنها لم تصح إلا بوضع الشارع لها، مثلها مثل الأحكام\nالتكليفية ولا فرق بينها، لكن أصحاب المذهب الثاني أدخلوها ضمن\nالحكم التكليفي، وأصحاب المذهب الأول أفردوها بالذكر.\nوالخلاصة:\nأن الحكم الشرعي يتنوع إلى نوعين هما:\nالنوع الأول: الحكم التكليفي، وهو: خطاب اللَّه - تعالى -\nالمتعلِّق بفعل المكلف بالاقتضاء والتخيير.\nالنوع الثاني: الحكم الوضعي، وهو: خطاب اللَّه المتعلِّق بجعل\nشيء سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه ... إلخ.\nوسيأتي بيان أقسام كل واحد من النوعين إن شاء اللَّه.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الفصل الثاني في الحكم التكليفي وأنواعه</span>\nويشتمل على خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: في اختلاف العلماء في التعبير عن أقسام\nالحكم التكليفي.\nالمبحث الثاني: في بيان السبب في انحصار الحكم التكليفي\nفي أقسام خمسة.\nالمبحث الثالث: في بيان الحكمة من تنوع الأحكام التكليفية.\nالبحث الرابع: في أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية.\nالبحث الخامس: في بيان الأحكام التكليفية الخمسة عند\nالجمهور بالتفصيل.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الأول في اختلاف العلماء في التعبير عن أقسام الحكم التكليفي</span>\nأقسام الحكم التكليفي عند الجمهور خمسة، واختلف العلماء في\nالتعبير عنها على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يُعبَّر عن أقسام الحكم التكليفي بـ \"الوجوب \"،\nو\" الندب \"، و\" الإباحة \"، و\" التحريم \"، و\" الكراهة \".\nالمذهب الثاني: أنه يُعبَّر عن تلك الأقسام بـ \" الواجب \"،\nو\" المندوب \"، و\" المباح \"، و\" الحرام \"، و\" المكروه \".\nوالأوْلى في التعبير هو الأول؛ وذلك لأن \" الواجب \" - مثلًا -\nليس حكمًا، وإنما هو فعل مكلف تعلق به الإيجاب، فهو من\nمتعلقات الحكم وليس من أقسامه.\nكذلك المندوب ليس حكمًا، وإنما هو فعل مكلَّف تعلَّق به الندب\nفهو من متعلقات الحكم، وليس من أقسامه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي؛ لاتفاق الفريقين على المعنى\nوالمراد، ولكن جاء هذا الاختلاف في الإطلاق بسبب ما لاحظه كل\nفريق.\nفمن لاحظ اعتبار المصدر المنبثق عنه: سمَّاه \" إيجابا \".","vol":"1","page":137},{"text":"ومن لاحظ اعتبار تعلقه بفعل المكلف: سمَّاه \" واجبًا \".\nفهما متحدان ذاتًا، مختلفان اعتبارًا.\nفالفعل الذي تعلق به الإيجاب يسمَّى واجبًا.\nوالفعل الذي تعلق به الندب يسمَّى مندوبًا.\nوالفعل الذي تعلقت به الإباحة يسمَّى مباحًا.\nوالفعل الذي تعلقت به الكراهة يُسمَّى مكروهًا.\nوالفعل الذي تعلق به التحريم يسمَّى حرامًا.\nقال عضد الدين: \" الحكم الشرعي هو نفس خطاب اللَّه - تعالى -\nوهو إذا نُسب إلى الحكم سُمِّي إيجابا، وإذا نُسب إلى ما فيه الحكم\nسُمَي وجوبًا، وهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار \".","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الثاني في بيان سبب انحصار الحكم التكليفي</span>\nفي أقسام خمسة عند الجمهور\nالسبب في ذلك أن خطاب الشرع التكليفي يتنوع إلى ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: أن يكون خطاب الشرع قد اقتضى الفعل من المكلف\nوطلبه منه.\nالنوع الثاني: أن يكون خطاب الشرع قد اقتضى الترك من المكلف\nوطلبه منه.\nالنوع الثالث: أن يكون خطاب الشرع قد خيَّر المكلف بين الفعل\nوالترك.\nأما النوع الأول: وهو اقتضاء الفعل - فهو ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما أمر الشارع به واقترن بهذا الأمر ما يدل على\nعدم العقاب إذا ترك المكلف فعل المأمور به، فهذا هو الندب،\nكقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا)، فهذا أمر بإعتاق\nالعبيد الذين فيهم خير للإسلام والمسلمين، وهو للندب، لا للوجوب؟\nلأنه اقترن به ما يدل على عدم العقاب على ترك الإعتاق، حيث، إن\nبعض الصحابة - ﵃ - لم يعتقوا ما عندهم من عبيد\nوإن كان فيهم صلاح، ولم ينكر عليهم النبي - ﷺ - ذلك فالقرينة الصارفة هي: السُّنَّة التقريرية.\nالقسم الثاني: ما أمر الشارع به، ولم يقترن بهذا الأمر ما يدل","vol":"1","page":139},{"text":"على عدم العقاب إذا ترك المكلف فعل المأمور به، فهذا هو الإيجاب\nكقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) .\nأما النوع الثاني - وهو اقتضاء الترك - فهو ينقسم إلى قسمين - أيضًا -:\nالقسم الأول: ما نهى عنه الشارع واقترن بهذا النهي ما يدل على\nعدم العقاب إذا فعل المكلف ما نهي عنه، فهذا هو الكراهة مثل نهيه\n- ﷺ - عن تشبيك الأصابع بعد الوضوء للصلاة.\nفهذا - النهي للكراهة؛ لأنه اقترن به ما يدل على عدم العقاب إذا\nفعل المنهي عليه؛ حيث روي: أن النبي - ﷺ - قد شبَّك بين أصابعه وهو في انتظار الصلاة.\nالقسم الثاني: ما نهى عنه الشارع ولم يقترن بهذا النهي ما يدل\nعلى عدم العقاب إذا فعل المكلف ما نهي عنه، فهذا هو \" الحرام \"\nكقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) .\nأما النوع الثالث - وهو: ما خُيَر المكلف فيه بين الفعل والترك\n- فهذا قسم واحد، وهو: \" الإباحة \"، مثل ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال - حينما سئل عن الوضوء من لحوم الغنم -: \" إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ \".","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الثالت في بيان الحكمة من تنوع الأحكام التكليفية إلى واجب\nومندوب، ومباح، ومكروه، وحرام</span>\nلقد تنوعت الأحكام التكليفية لحكم كثيرة، ومنها:\nالحكمة الأولى: رفع الحرج والشقة عن المكلفين، بيان ذلك:\nأن الأحكام التكليفية وضعت لمصلحة العباد، فلو قصر تلك\nلتكاليف على الوجوب والتحريم - فقط - للزم من ذلك الحرج\nوالتضييق عليهم، فبعض العبيد قد لا يستطيع امتثال جميع الأوامر\nوالنواهي، ففتح اللَّه ﷿ باب المباحات، والمندوبات،\nوالمكروهات، تخفيفًا عليهم، وذلك لعلمه - سبحانه - أن العبد\nفيه ضعف من فعل الواجبات، وترك المحرمات.\nالحكمة الثانية: الابتلاء والامتحان من اللَّه تعالى للمكلفين، وبيان\nذلك:\nأن امتثال الواجبات، واجتناب الحرمات أقرب إلى النفس\nالضعيفة التي تخاف العقاب، دون رغبة في زيادة الثواب.\nلكن إذا قوي إيمان العبد، وعرف أن هذه الأحكام التكليفية\n- جميعها - إنما شرعت لمصلحته، وهي السبيل لسعادته في الدنيا\nوالآخرة، فإنه لا يرضى أن يقف عند حدود الواجب، بل يتعداه\nإلى فعل المندوبات والفضائل، ليتقرب إلى اللَّه تعالى بذلك، كما\nورد في الحديث القدسي: \" وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل\nحتى أحبه.. \"، وكذلك لا يرضى هذا العبد أن يقتصر على\nاجتناب المحرمات، بل يتعدَّى ذلك فيجتنب المكروهات.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث الرابع في أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية</span>\nما سبق هي أقسام الحكم التكليفي عند الجمهور.\nأما عند الحنفية، فإن أقسام الحكم التكليفي عندهم سبعة، وهي:\n\" الفرض \"، و\" الإيجاب \"، و\" الكراهة التحريمية \"، و\" الحرام \"\nو\" الكراهة التنزيهية \"، و\" الندب \"، و\" الإباحة \".\nوسبب تفريقهم بين \" الفرض \" و\" الإيجاب \": أنهم يقسمون\nطلب الفعل على سبيل الجزم إلى قسمين:\nالأول: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي،\nوهذا يسمونه \" فرضا \".\nالثاني: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني، وهذا\nيسمونه \" الواجب \".\nوسبب تفريقهم بين \" الحرام \"، و\" الكراهة التحريمية \": أنهم\nيقسمون طلب الترك على سبيل الجزم إلى قسمين:\nالأول: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي،\nوهذا يسمونه حراما.\nالثاني: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني،\nوهذا يسمونه \" كراهة تحريم \".","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الخامس في بيان الأحكام التكليفية الخمسة عند الجمهور بالتفصيل</span>\nويشتمل على خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: في الواجب.\nالمطلب الثاني: في المندوب.\nالمطلب الثالث: في المباح.\nالمطلب الرابع: في المكروه.\nالمطلب الخامس: في الحرام.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المطلب الأول في الواجب</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: تعريف الواجب:\nأولًا: الواجب لغة.\nثانيًا: الواجب اصطلاحًا.\nالمسألة الثانية: هل يوجد فرق بين الواجب والفرض؟\nالمسألة الثالثة: صيغ الواجب.\nالمسألة الرابعة: تقسيمات الواجب.\nالمسألة اتامسة: الواجب المعين والواجب المخير:\nأولًا: تعريفهما والأمثلة عليهما، وبيان حكمهما.\nثانيًا: هل الخطاب في الواجب المخير متعلق بواحد مبهم، أو أنه\nمتعلق بكل فرد من الأفراد المخير بينها؟\nثالثًا: شروط الواجب المخير.\nرابعا: هل يجوز الجمع بين الأمور المخير بينها؟\nالمسألة السادسة: الواجب غير المؤقت:\nأولًا: بيانه والأمثلة عليه.\nثانية: متى يتضيق الوقت في هذا الواجب؟\nثالثا: هل يعصي بالموت - هنا -.","vol":"1","page":145},{"text":"المسألة السابعة: الواجب المضيق والواجب الموسع:\nأولًا: أقسام الوقت الذي حدده الشارع.\nثانيًا: تعريف الواجب المضيق، والواجب الموسع مع الأمثلة عليهما.\nتالثًا: الواجب الموسع هل هو ثابت.\nرابعًا: في بيان فرق منكري الواجب الموسع ودليل كل فرقة مع\nالجواب عنه.\nخامسًا: الاختلاف في اشتراط العزم.\nسادسًا: حالات تأخير الواجب الموسع إلى آخر وقته.\nسابعًا: إذا فعل المكلف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه\nلا يعيش إليه، فهل هذا الفعل أداء أو قضاء.\nثامنًا: متى يتضيق الوقت في الواجب الموسع؟\nالمسألة الثامنة: الواجب المحدد، والواجب غير المحدد:\nأولًا: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وحكمهما.\nثانيًا: حكم الزيادة على أقل الواجب.\nالمسألة التاسعة: الواجب العيني، والواجب الكفائي:\nأولًا: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وسبب التسمية بذلك.\nثانيًا: متى يتحول الواجب الكفائي إلى واجب عيني؟\nتالقًا: شروط فرض الكفاية.\nرابعًا: هل فرض الكفاية أفضل من فرض العين؟\nخامسًا: في بيان أن فرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه.\nسادسًا: من هو المخاطب بفرض الكفاية؟\nالمسألة العاشرة: ما لا يتم الواجب إلا به، هل هو واجب.","vol":"1","page":146},{"text":"المسألة الأولى: في حقيقة الواجب:\nأولًا: الواجب لغة:\nالواجب لغة هو: الساقط، يقال: \" وجب الحائط \": إذا سقط\nويقال: \" وجب الميت \" إذا سقط ومات، ومنه قوله تعالى:\n(فإذا وجبت جنوبها) أي: سقطت على الأرض.\nومعنى الوجوب لغة: السقوط، حيث إنا نتخيل الحكم أو الشيء\nالواجب جزمًا سقط، أي: وقع على المكلف من اللَّه تعالى.\nويطلق الواجب على اللازم والثابت، يقال: \" وجب الشيء \"\nأي: لزم.\nثانيًا: الواجب اصطلاحا:\nهو: \" ما ذُمَ تاركه شرعًا مطلقًا \".\nشرح التعريف وبيان محترازته:\nقولنا: \" ما \" موصولة بمعنى \" الذي \"، وهو صفة لموصوف\nمحذوف تقديره \" الفعل \"، لأن الواجب هو: الفعل الذي تعلق\nبه الإيجاب، والمقصود: \" فعل المكلف \".\nو\" ما \" التي تعود إلى \" فعل المكلف \" جنس في التعريف يشمل\nالواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح.\nقولنا: \" ذم \" الذام هو الشارع، والمراد بالذم: اللوم والاستنقاص.\nوهو قيد في التعريف أخرج المندوب، لأن المندوب لا ذم على\nتركه.","vol":"1","page":147},{"text":"وأخرج المكروه، لأن المكروه لا ذم على فعله، وأخرج المباح،\nلأن المباح لا ذم على تركه، ولا على فعله.\nوعبَّرنا بلفظ: \" ذم \" - على أنه فعل ماض -، لأن هذه المذام\nقد وقعت، ووردت فى الكتاب والسُّنَّة.\nولو ذكرنا اللفظة \" ذم \" بلفظ \" يُذَم \" - فعل مضارع - لأشعر\nبأن تلك المذام لم تقع.\nقولنا: \" تاركه \" اسم فاعل مشتق من الترك، وقد أخرج بهذا\nاللفظ \" المحرم \"، لأن المحرم يذم على فعله، لا على تركه.\nقولنا: \" شرعًا \" منصوب على التمييز، فيفيد أن الذام هو\nالشارع فقط، أي: أن الذم يعرف من جهة الشرع، لا من جهة\nالعقل، خلافًا لما زعمه أكثر المعتزلة في قولهم: \" التحسين والتقبيح\nالعقليين \".\nوالمراد: ما ورد ذمه في كتاب اللَّه، وسُنَّة رسوله، وإجماع\nالأُمَّة.\nقولنا: \" مطلقا \": قيد في التعريف يفيد أن الذي يترك الواجب\nمطلقًا هو الذي يذم.\nأما من تركه؛ لأنه سيقضيه في آخر الوقت، أو من تركه ليقضي\nنوعا آخر مثله، أو من تركه، لأن بعض المسلمين فعله، فإن هذا لا\nيذم.\nوقلت ذلك؛ لأن من أقسام الواجب: \" الواجب الموسع \"،\nو\"الواجب المخير \"، و\" الواجب الكفائي \".\nفالواجب الموسع هو: ما كان فيه الوقت أزيد من الفعل كالصلاة.","vol":"1","page":148},{"text":"والواجب المخير هو: ما صح للمكلف أن يفعل أي فرد من أفراده\nالتي حصل فيها التخيير كخصال الكفارة في اليمين وهي: الإطعام،\nأو الكسوة، أو الإعتاق.\nوالواجب الكفائي هو: ما سقط بفعل بعض المكلفين كصلاة\nالجنازة.\nفترك الواجب الموسع يوجب الذم إذا ترك في جميع الوقت، ولا\nيوجب الذم إذا ترك في بعض الوقت، وعزم على فعله في آخر\nوترك الواجب المخير يوجب الذم، إذا ترك جميع الخصال، ولا\nيوجب الذم إذا ترك خصلة من الخصال المخير بينها، وعزم على فعل\nالخصلة الأخرى.\nوترك الواجب الكفائي يوجب الذم إذا تركه جميع المكلفين.\nولا يوجب الذم إذا ترك من البعض وفعل من البعض الآخر.\nوهناك تفصيلات واعتراضات على هذا التعريف ذكرتها مع\nالأجوبة عنها في كتابي \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \"،\nو\" الواجب الموسع عند الأصوليين \" فراجعهما إن شئت.\nالمسألة الثانية: هل يوجد فرق بين \" الواجب \" و\" الفرض \"؟\nاتفق العلماء - من حيث اللغة - على: أن مفهوم هذين اللفظين\n- الفرض والواجب - مختلف، ومعناهما متباين:\nفالفرض لغة: التقدير والحز والقطع.\nوالواجب لغة: الساقط، والثابت.","vol":"1","page":149},{"text":"أما من جهة الشرع، فقد اختلف العلماء في الفرض والواجب\nهل هما مترادفان، أو مختلفان على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الفرض والواجب غير مترادفين، بل يدلان\nعلى معنيين مختلفين.\nذهب إلى ذلك الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو\nاختيار القاضي أبي يعلى، وأبي إسحاق بن شاقلا، والحلواني،\nوحكاه ابن عقيل عن كثير من الحنابلة.\nوهذا هو الصحيح عندي فيكون الفرض: اسم لما ثبت وجوبه\nبطريق مقطوع به، أي: أن الفرض: ما ثبت حكمه بدليل قطعي\nمثل: الآية التي قطع بدلالتها على الحكم، والحديث المتواتر الذي\nقطع بدلالته على الحكم، والإجماع الصريح الذي نقل إلينا نقلًا\nمتواترًا.\nوالواجب هو: اسم لما ثبت من طريق غير مقطوع به، أي: أن\nالواجب: ما ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد، والقياس،\nوالإجماع السكوتي،. ودلالات الألفاظ الظنية.\nوقد صححته؛ لأدلة، من أهمها:\nالدليل الأول: أن هناك فرقا بين الفرض والواجب عند أهل اللغة.\nفالفرض في اللغة: الحز في الشيء والتأثير فيه.\nأما الوجوب فهو في اللغة: السقوط.\nفإذا ثبت هذا: فالتأثير آكد من السقوط؛ لأن الشيء قد يسقط\nولا يؤثر.\nفكل من الفرض والواجب لازم، إلا أن تأثير الفرضية أكثر من","vol":"1","page":150},{"text":"تأثير الوجوب، ومنه سمي الحز في الخشبة فرضًا لبقاء أثره على كل\nحال، وسمي السقوط على الأرض وجوبًا؛ لأنه قد لا يبقى أثره في\nالباقي.\nوإذا كان الأمر كذلك: وجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم\nكما اختص بقوة في اللغة؛ حملًا للمقتضيات الشرعية على\nمقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير.\nالدليل الثاني: أن العلماء قد اتفقوا على أن الدليل القطعي ثبوتًا،\nودلالة يفيد علمًا أقوى مما يفيده الدليل الظني ثبوتًا ودلالة، وبناء\nعلى ذلك لا بد من التفريق بين الحكم الثابت بدليل قطعي، لإفادته\nعلمًا يقينيًا، وبين الثابت بدليل ظني المفيد ظنًا قويًا، فيطلق على\nالثابت بالأول اسم \" الفرض \"، ويطلق على الثابت بالثاني اسم\n\"الواجب \" وذلك من أجل تسهيل التمييز بينهما لتصبح دلالة كل\nاسم على نوعه أدق وأوضح دون حاجة إلى قرائن.\nولو لم يعتبر هذا التفريق لزم رفع الدليل المظنون إلى رتبة المقطوع\nمن جهة، وحط الدليل المقطوع به إلى رتبة المظنون من جهة أخرى.\nالدليل الثالث: أن وجود التفاوت بينهما في الآثار والأحكام\nيجعلنا نخص كل نوع باسم، بيان ذلك:\nأن حكم الفرض يكفر جاحده، ويفسق تاركه بلا عذر.\nأما حكم الواجب فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا استخف به\nأما إذا تأول فلا.\nوإن الحج يشتمل على فروض، وواجبات، وأن الفرض لا يتم\nالنسك إلا به، والواجب يجبر بدم.","vol":"1","page":151},{"text":"وأن الصلاة مشتملة على فروض وواجبات، والفروض هي:\nالأركان.\nوأن الواجب يجبر إذا ترك نسيانًا بسجود السهو، والفرض لا يقبل\nالجبر..\nأي: أن المكلف إذا ترك فرضًا كالركوع أو السجود بطلت صلاته،\nولا يسقط في عمد ولا سهو، ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة، أما إذا\nترك واجبًا فإن صلاته صحيحة، ولكنها ناقصة.\nالدليل الرابع: أن هناك فرقًا بين الفرض والواجب في عادة أهل\nالشرع، فتجدهم يفرقون بين الفرض والواجب في التعبير عن\nالأحكام الشرعية، فيقولون - مثلًا -: في الديون والشفعة:\nواجبات، ولا يقولون: إنها فروض، وبقول القائل منهم:\n\"أوجبت على نفسي \"، ولا يقول: \" فرضت على نفسي \"، فبان:\nأن معنى اللفظين مختلف في عادة أهل الشرع.\nالدليل الخامس: أن هناك فرقًا بينهما عن طريق العقل، حيث\nإن كل عاقل يجد في عقله أن صلاة الظهر آكد من الصلاة المنذورة،\nوالزكاة آكد من النذر في الصدقة، وإن كانتا لازمتين.\nوإذا كانت هذه الأمور يجدها كل عاقل في نفسه، فإنه ينبغي أن\nيفرق ما هو آكد عما هو دونه باسم يعرف به، فيجعل اسم الفرض\nعبارة عما كان في أعلى المراتب من الوجوب، ويجعل اسم\nالواجب عبارة عما كان دونه، فرقًا بين الاثنين.\nالمذهب الثاني: أن الفرض والواجب مترادفان، أي: أنهما اسمان\nلمسمى واحد، ولفظان يطلقان على مدلول واحد، وهو: الفعل\nالذي ذم تاركه شرعًا مطلقًا، أو هو: طلب الشارع المقتضي","vol":"1","page":152},{"text":"فعل المكلف طلبًا جازمًا، سواء كان هذا الطلب بدليل ظني، أو\nقطعي.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قالوا فيه: إن اختلاف أسباب الوجوب، وقوة\nبعضها على بعض لا يوجب اختلاف الشيئين في أنفسهما، بدليل:\nأن النفل قد ثبت بأخبار متواترة، وثبت بأخبار الآحاد، والكل\nمتساو، فكذلك الفرض قد ثبت بأخبار متواترة، وأخبار آحاد،\nوالكل متساو.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن قوة بعض أسباب\nالوجوب على بعضها الآخر توجب اختلافهما في أنفسهما؛ لأن ما\nكان معلومًا أنه مراد اللَّه - تعالى - قطعًا، فإنه مخالف لما كان\nمظنونًا، وكذلك ما يكفر جاحده مخالف لما لا يستحق هذه الصفة،\nومتى ما اختلفت الأشياء في أنفسها وأحكامها اختلفت الأسامي التي\nتستعمل فيها، لاختلاف ما يستفاد بالعبارة منها.\nالدليل الثاني: أنهما متساويان في الحد؛ حيث إن حد الواجب\n- وهو: ما ذم تاركه شرعًا مطلقًا - ينطبق على الفرض تمامًا، ولا\nفرق، فإذا كانا متساويين في هذا لم يكن لأحدهما مزية على الآخر،\nكما أن الندب والنفل لما كان معناهما واحدًا - وهو: ما يحمد فاعله\nولا يذم تاركه - لم يكن لأحدهما مزية على الآخر.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الفرض وإن ساوى","vol":"1","page":153},{"text":"الواجب في ذم وعقاب تارك الفعل، فقد خالفه من وجه آخر،\nوهو: أن ثبوته من طريق مقطوع به، فهذه المخالفة منعت من\nالمساواة في التسمية، قياسًا على الندب والمباح، فإنهما تساويا في\nسقوط الذم عن التارك لهما، واختلفا في التسمية، وذلك نظرًا\nلاختلافهما من وجه آخر، وهو: أن الندب يحمد فاعله ويثاب،\nوالمباح لا يحمد فاعله ولا يثاب.\nفكذلك هنا، فإن الفرض والواجب وإن تساويا في الحد، فإنهما\nاختلفا من وجه آخر، وهو طريق الثبوت، فالواجب ثبت عن\nطريق مظنون، والفرض ثبت عن طريق مقطوع به، فلزم أن يختلفا\nفي التسمية.\nبيان نوع الخلاف:\nإن الخلاف في هذه المسألة قد اختلف العلماء فيه على قولين:\nالقول الأول: إن الخلاف معنوي له ثمرة، فقد رتب أصحاب\nالمذهب الأول - وعلى رأسهم الحنفية - على الحكم بفرضية الشيء:\nكفر جاحده، وعدم إمكان جبره، أما الحكم بوجوب الشيء فلا\nيكفر جاحده، ويمكن جبره، وكذلك قالوا: إن قراءة القرآن في\nالصلاة فرض، لثبوته بدليل قطعي، وهو قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)، أما قراءة الفاتحة في الصلاة فهي واجبة، لثبوت\nذلك بالدليل الظني، وهو خبر الواحد الذي رواه عبادة بن الصامت:\nأن النبي - ﷺ - قال: \" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب \".\nالقول الثاني: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له، لأنه لا نزاع بين\nأصحاب المذهبين في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من\nالتكاليف إلى قطعي وظني، ولا نزاع بينهم - أيضا - على تسمية\nالظني واجبًا.","vol":"1","page":154},{"text":"ولكن النزاع حصل في القطعي، فأصحاب المذهب الثاني يسمونه\n\" فرضًا \"، و\" واجبًا \" بطريق الترادف.\nوأصحاب المذهب الأول - وعلى رأسهم الحنفية - يسمونه باسم\n\"الفرض \"، وذلك مما لا يضر أصحاب المذهب الثاني، فليسم كل\nفريق بما شاء، وهو مجرد اصطلاح.\nوالراجح عندي التفصيل:\nفإن نظر إلى الأمر وأنه حقيقة للوجوب بمعنى الطلب الجازم بقطع\nالنظر عن كون الدليل قطعيًا أو ظنيًا، فإن الخلاف يكون لفظيًا.\nوإن نظر إلى أحكام كل منهما وما يفيده، فإن الخلاف يكون\nمعنويًا؛ فإن أصحاب المذهب الأول - وعلى رأسهم الحنفية - قد\nذكروا أحكامًا شرعية وفرَّقوا بينها وبين الأحكام الأخرى، وكان\nسبب هذا التفريق هو تفريقهم بين \" الفرض \" و\" الواجب \".\nوقد بسطت القول في ذلك في كتابي: \" إتحاف ذوي البصائر\nبشرح روضة الناظر \"، و\" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \"،\nفارجع إليهما إن شئت.\nالمسألة الثالثة: في صيغ الواجب:\nالصيغ التي تدل على الواجب هي ما يلي:\nالأولى: فعل الأمر، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وآتوا الز اة) .\nالثانية: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله تعالى:\n(وليطوفوا بالبيت العتيق) .","vol":"1","page":155},{"text":"الثالثة: اسم فعل الأمر، كقوله تعالى: (عليكم أنفسكم) .\nالرابعة: المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى:\n(فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) .\nالخامسة: التصريح من الشارع بلفظ الأمر، كقوله تعالى:\n(إن اللَّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) .\nالسادسة: التصريح بلفظ الإيجاب أو الفرض، أو الكتب،\nكقوله تعالى: (فريضة من الله)، وقوله: (كتب عليكم القصاص) .\nالسابعة: كل أسلوب في لغة العرب يفيد الوجوب، كقوله\nتعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) .\nالثامنة: ترتيب الذم والعقاب على الترك، كقوله تعالى:\n(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .\nالمسألة الر ابعة: تقسيمات الواجب:\nالواجب ينقسم بالنظر إلى اعتبارات مختلفة إلى أربعة تقسيمات:\nالتقسيم الأول:\nالواجب باعتبار ذاته - أي: بحسب الفعل المكلف به - ينقسم\nإلى قسمين:\nالقسم الأول: \" الواجب المعيَّن \".","vol":"1","page":156},{"text":"القسم الثاني: \" الواجب المخيَّر \".\nفالواجب المعيَّن، مأخوذ من التعيين، وهو: التخصيص،\nفيكون الواجب المخصَّص.\nوهو في الاصطلاح: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا بعينه،\nدون تخيير بينه وبين غيره.\nأي: أنه الذي تعين المطلوب به بشيء واحد لا خيار للمكلف في\nنوعه، فلا يمكن أن تبرأ ذمته - وهو المطالب به - إلا إذا فعله بعينه.\nومن أمثلته: الصلوات المفروضة، وصيام رمضان، والزكاة،\nوالحج، وأداء الديون، والوفاء بالعهد، أو نذر عتق هذا العبد،\nونحو ذلك.\nوأما الواجب المخيَّر فهو لغة من التخيير وهو: التفويض.\nيقال: \" خيرته بين الشيئين \" إذا فوضت إليه الاختيار.\nوالمراد بالواجب المخيَّر هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا لا\nبعينه، بل خيَّر في فعله بين أفراده المحصورة المعينة.\nأي: أنه الذي لم يتعين المطلوب به بشيء واحد، وإنما كان له\nأفراد، وخيَّر المكلف فيه بأن يأتي بما شاء منها.\nمثاله: كفارة اليمين؛ حيث إن الشارع قد طلب من المكلف أن\nيكفر عن يمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي:\n\" الإطعام \" أو \" الكسوة \" أو \" الإعتاق \".\nومثل التخيير في فدية الأذى الوارد في قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) .","vol":"1","page":157},{"text":"والمكلف إذا فعل واحدًا من الأفراد المعين بينها، فإن ذمته تبرأ،\nفإن تركها جميعًا أثم بذلك، ويسميه بعضهم بـ \" الواجب المبهم \".\nالتقسيم الثاني:\nالواجب باعتبار وقته وزمن أدائه ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول؛ الواجب غير المؤقت، وهو \" الواجب المطلق \".\nالقسم الثاني: الواجب المؤقت.\nأما الواجب المطلق فهو: لغة: مأخوذ من الإطلاق وهو:\nالتخلية والإرسال، والترك، يقال: \" أطلقت الأسير \": إذا حللت\nأسره وأخليت سبيله، ويقال: \" أطلقت القول \": إذا أرسلته من\nغير تقييد ولا شرط.\nوالمراد بالواجب المطلق هو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من\nالمكلف طلبا جازما، ولم يحدد وقتا معينًا لأدائه وإيقاعه فيه.\nومن أمثلته: كفارة اليمين؛ حيث إنها واجبة مطلقة.\nوأما الواجب المؤقت: فهو الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من\nالمكلف طلبا جازما وحدد له وقتا معينا لأدائه وإيقاعه فيه.\nوهو نوعان:\nالنوع الأول: الواجب المضيَّق، من ضاق يضيق ضيقا: خلاف\nاتسع، يقال: \" ضاق الرجل فهو مضيق عليه \": إذا ضاق عليه\nمعاشه ورزقه، بحيث يكفي يومه فقط بدون زيادة -\nوالواجب المضيَّق اصطلاحًا: هو الفعل الذي طلبه الشارع من\nالمكلف طلبا جازما محدِّدًا وقت وزمن أدائه، بحيث يسعه وحده،\nولا يسع غيره من جنسه.","vol":"1","page":158},{"text":"أو تقول: إن المراد منه: ما ألزم الشارع المكلف بفعله في وقت\nمساو لوقت أدائه بلا زيادة ولا نقصان، ويطلق عليه الحنفية اسم\n\"المعيار\".\nمثل: صيام يوم من رمضان، فالشارع ألزم المكلف الذي لا عذر\nله صيام ذلك اليوم، واليوم يبدأ من الفجر الصادق إلى غروب\nالشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده لا يتسع لفعل شيء\nآخر معه.\nولا يصح فعله قبل دخول وقته، وإذا فعله بعد خروج وقته يكون\nفعله هذا قضاء، ولا يمكن أن يقع معه في وقته غيره من جنسه.\nويمثل له الشافعية بوقت صلاة المغرب على القول الجديد؛ إنه\nليس لها إلا وقت واحد، وهو بمقدار ما يتطهر، ويستر العورة،\nويؤذن، ويقيم الصلاة، ويدخل فيها، فإن أخَّر الدخول عن هذا\nالوقت أثم.\nالنوع الثاني - من نوعي الواجب المؤقَّت: \" الواجب الموسَّع \".\nوالتوسيع لغة: بخلاف التضييق، يقال: \" استوسع الشيء \":\nوجده واسعا.\nوالمراد بالواجب الموسَّع هو: الفعل الذي يكون وقته واسعًا لأدائه\nوأداء غيره من جنسه.\nوالمراد بالواجب الموسَّع: هو الفعل الذي طلب الشارع من\nالمكلف إيقاعه وأداءه طلبًا جازمًا في وقت يسعه ويسع غيره من جنسه.\nكالصلوات الخمس، فصلاة الظهر مثلًا واجب موسَّع؛ حيث إنه","vol":"1","page":159},{"text":"يجوز أن يصلي المكلف في أول الوقت، أو في وسطه، أو في\nآخره.\nالتقسيم الثالث:\nالواجب باعتبار تحديد الشارع للمكلَّف فيه وعدم تحديده\nينقسم إلى قسمين.\nالقسم الأول: الواجب المحدَّد.\nالقسم الثاني: الواجب غير المحدَّد.\nأما الواجب المحدَّد فهو مأخوذ من الحد، وهو الفصل والمنع،\nيقال: \" حدَّ بين الشيئين \" أي: فصل بينهما.\nفالتحديد يكون هو: الفصل بين أشياء بفاصل.\nفالمراد بالواجب المحدَّد هو: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا\nوقد حدَّده الشارع، وقدَّره بمقدار معيَّن وفصله عن غيره.\nمثل: الصلوات الخمس، فقد حُدِّدت كل صلاة بركعات محددة.\nومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر إذا كان محددًا.\nوغسل الرجلين، واليدين، ونحو ذلك.\nوأما الواجب غير المحدد فهو: الذي لم يعيِّن له الشارع مقدارًا\nمعينًا، بل طلبه بغير تحديد.\nمثل: الطمأنينة في الركوع والسجود.\nالتقسيم الرابع:\nالواجب باعتبار فاعله، أي: باعتبار المخاطبين به ينقسم إلى قسمين:","vol":"1","page":160},{"text":"القسبم الأول: \" الواجب العيني \".\nالقسم الثاني: \" الواجب الكفائي \"..\nفالواجب العيني هو: ما يتحتم أداؤه على مكلف بعينه.\nأو هو: ما طلب الشارع حصوله من كل واحد من المكلفين مثل:\nالصلاة، والصيام، والحج، ونحو ذلك.\nوسُمِّي بالواجب العيني، لأن الفعل الذي تعلَّق به الإِيجاب\nمنسوب إلى العين والذات باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة.\nفهذا الواجب يلزم الإتيان به من كل واحد من المكلفين بعينه،\nبحيث لا تبرأ ذمته إلا بفعله.\nأما الواجب الكفائى فهو: ما يتحتم أداؤه على جماعة من\nالمكلفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد\nأُدِّي الواجب وسقط الإثم والحرج عن الباقين.\nمثل: الجهاد في سبيل اللَّه إن لم يكن النفير عامًا، والصلاة على\nالميت، وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، ونحو ذلك.\nوسُمِّي بالواجب الكفائي، لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من\nحيث إن فعله من أي فاعل سقط طلبه عن الآخرين، فالقصد من\nالوجوب الكفائي هو: وقوع الفعل نفسه؛ لما يترتب عليه من جلب\nمصلحة، أو رد مفسدة بصرف النظر عمن يقع منه ذلك الفعل.\nوسيأتي - إن شاء اللَّه - البيان التفصيلي لهذه التقسيمات في\nالمسائل الآتية:\nالمسألة الخامسة: الواجب المعيَّن، والواجب المخيَّر:\nأولًا: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وبيان حكمهما:","vol":"1","page":161},{"text":"الواجب المعيَّن - كما سبق بيانه - هو: ما طلبه الشارع بعينه،\nدون تخيير بينه وبين غيره كالصلوات الخمس، والصيام، والزكاة،\nونحو ذلك.\nوهذا النوع أكثر الواجبات.\nوحكمه: عدم براءة ذمة المكلَّف إلا إذا فعله بعينه.\nأما الواجب المخيَّر - أو المبهم - فهو ما طلبه الشارع لا بعينه،\nبل خيَّر الشارع في فعله بين أفراده المعينة المحصورة.\nأو هو: الذي لم يتعيَّن المطلوب به بشيء واحد، وإنما كان له\nأفراد، وخيَّر المكلَّف فيه بأن يأتي بأي منها.\nمثل كفارة اليمين، فقد طلب الشارع من المكلَّف أن يكفِّر عن\nيمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي: \" الإطعام \"،\nأو \" الكسوةً \"، أو \" العتق \"، قال تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) .\nومثل: تخيير الإمام في حكم الأسرى بين المن والفداء، قال\nتعالى: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) .\nومثل: التخيير في جزاء الصيد الوارد في قوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)\nومثل التخيير في فدية الأذى الوارد في قوله تعالى: (فمن كان\nمنكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) .\nوحكم الواجب المخيَّر: أن المكلف تبرأ ذمته بفعل أي واحد من\nأفراده فإن تركها جميعًا أثم.","vol":"1","page":162},{"text":"ثانيًا: هل الخطاب في الواجب المخير متعلق بواحد مبهم أو أنه\nمتعلق بكل الأفراد المخير بينها؟\nاعلم أن الخطاب الطالب للفعل طلبًا جازمًا - وهو ما يعرف\nبالإيجاب - قد يتعلَّق بفعل معين كالخطاب الطالب للصلاة،\nوالطالب للزكاة، وهو المسمى بالواجب المعين.\nوقد يتعلق بفعل مبهم من أمور معيَّنة كالخطاب المتعلِّق بكفارة\nاليمين، وهو المسمَّى بالواجب المخيَّر.\nفأما الواجب المعيَّن: فلا شك في أن الخطاب المتعلِّق به يقتضي\nإيجاب ذلك المعين بعينه من صلاة، وصيام وزكاة، وقد أجمع\nالعلماء على ذلك.\nأما الواجب المخيَّر فقد اختلف العلماء فيه.\nأي: اختلف العلماء في الخطاب الوارد في الواجب المخيَّر أين\nيتعلق؟\nأو تقول: هل الخطاب في الواجب المخير متعلق بواحد مبهم من\nالأمور المخير بينها، أو أنه متعلق بكل فرد من أفراده؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الخطاب في الواجب المخيَّر إنما يتعلَّق بواحد\nمبهم من الأمور المخير بينها.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء من الفقهاء والأصوليين، ونقل\nالقاضي أبو بكر الباقلاني إجماع سلف الأُمَّة وأئمة الفقهاء عليه.\nوهو الصحيح عندي، وعلى هذا فالمكلَّف مخير في تحقيق\nالخطاب في أي فرد من هذه الأفراد المعينة المخيَّر بينها، فأيُّ فردٍ فعله","vol":"1","page":163},{"text":"المكلَّف منها يسقط ما وجب عليه، فمثلًا في كفارة اليمين: لو فعل\n\" الإطعام \" سقطت عنه \" الكسوة \" و\" العتق \"، ولو فعل \"الكسوة\"\nسقط عنه الإطعام، والعتق، ولو فعل العتق سقط الإطعام والكسوة،\nوهكذا، فالواجب منها واحد لا بعينه، أي: متعلق الإيجاب\nوالخطاب هو الواحد لا بعينه، ويتعين ذلك الواحد بالفعل.\nفلا يوصف كل واحد من الأمور المخير بينها بأنه واجب بخصوصه.\nبل يصح أن يوصف بأنه واجب من حيث إن الواجب يتحقق فيه.\nوقد اخترته للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن العقل لا يمنع منه: فلو أن السيد قال لعبده:\n\"أمرتك أن تخيط هذا القميص في هذا اليوم، أو تبني هذا الحائط\nفي هذا اليوم أيهما فعلت اكتفيت به، وأثبتك عليه، وإن تركت\nالجميع عاقبتك، وأنا لا أوجب الخياطة والبناء معًا عليك، بل\nأوجب أحدهما لا بعينه أيهما شئت \": كان هذا القول معقولًا.\nفلا يمكن أن يقال: إن السيد لم يوجب على العبد شيئًا، وذلك\nلأن السيد صرح بعقاب العبد لو ترك الكل.\nولا يمكن أن يقال فيه: إن السيد أوجب على العبد فعل الخياطة\nوالبناء معًا في اليوم نفسه، لأن السيد صرح بنقيض ذلك.\nولا يمكن أن يقال فيه: إن السيد أوجب على العبد واحدًا معينا،\nلأن السيد صرَّح بلفظة \" أو \" المفيدة للتخيير.\nوإذا بطلت هذه الأمور الثلاثة: لم يبق إلا أن يقال: المأمور به\nواحد لا بعينه: إما الخياطة، أو البناء، أيهما فعل فإنه سينال\nالثواب من السيد.","vol":"1","page":164},{"text":"الدليل الثاني: العقل لا يمنع من جهة أخرى، حيث لا يمتنع عقلًا\nأن يتعلق غرض السيد بفعل واحد غير معين، لأن كلًّا من فعل\nالخياطة، أو فعل البناء يفي بهذا الغرض، وهو: طاعة السيد وعدم\nمخالفته، فأي واحد منهما فعله العبد، فإنه يكون قد سلم من\nالعقاب، وفاز بالثواب بسبب فعله، فإذا كان الأمر كذلك، فلا\nمانع من أن يطلب السيد من العبد ما يفي بغرضه، وهو: فعل شيء\nغير معن - فقط - ويكون التعيين - حينئذ - زيادة وفضلة لا يتعلق\nبها غرض السيد، فلا يطلبه من العبد.\nفينتج: أن إيجاب واحد غير معين من أمور محصورة لا مانع منه\nعقلًا.\nالدليل الثالث: الوقوع، حيث وقع التخيير بين أمور في الشرع\nكما ورد في كفارة اليمين؛ حيث قال لعالى: (فكفارته إطعام\nعشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير\nرقبة) .\nوفي جزاء الصيد على المحرم؛ حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)\nوفي تخيير الشارع للإمام بين المن والفداء؛ حيث قال تعالى:\n(فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) .\nوفي تخيير الشارع للحاج في فدية حلق الرأس لعذر؛ حيث قال\nتعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)، وقال - ﷺ - في كعب بن عجرة -:","vol":"1","page":165},{"text":"\" احلق رأسك، وانسك نسيكة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة\nمساكين \".\nوفي وجوب تزويج المرأة المستحقة للنكاح من أحد الكفؤين\nالخاطبين.\nوفي وجوب عقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين لها.\nفعندنا ثلاثة احتمالات في هذه الأمثلة هي كما يلي:\nالأول: إما أن يقال في هذه الأمثلة الستة: إن المراد وجوب جميع\nالمخيَّر بينها.\nالثاني: إما أن يقال: إن المراد وجوب واحد بعينه.\nالثالث: إما أن يقال: إن المراد وجوب واحد لا بعينه.\nأما الأول - وهو: أن المراد وجوب جميع المخيَّر بينها - فهو\nباطل؛ لأنه لو كان التخيير يوجب تعلُّق الوجوب بالجميع لترتب\nعلى ذلك ما - يلي:\n١ - لزوم أن جميع خصال كفارة اليمين واجبة، وهذا خلاف\nالإجماع.\n٢ - ولزم - أيضًا -: الجمع بين جزاء الصيد، وهذا مخالف\nللصحيح من أقوال العلماء.\n٣ - ولزم - أيضا -: الجمع بين المن والفداء بالنسبة للأسرى،\nوهذا ظاهر البطلان.\n٤ - ولزم - أيضا -: الجمع بين الصيام، والصدقة، والنسك\nفي فدية الأذى، وهو خلاف الإجماع.","vol":"1","page":166},{"text":"٥ - ولزم - أيضًا -: تزويج المرأة من الكفؤين الخاطبين معا،\nوهذا خلاف الإجماع.\n٦ - ولزم - أيضا -: عقد الإمامة للرجلين الصالحين لها - معًا -\nوهذا باطل، لأنه يؤدي إلى الفساد.\nأما الثاني - وهو: أن المراد وجوب واحد بعينه - فهذا باطل\n- أيضًا -، لأن الشارع صرح بلفظة \" أو \" المفيدة للتخيير.\nفمثلًا: لو كان التخيير يوجب خصلة معينة من خصال كفارة\nاليمين، أو يوجب تزويج واحد بخصوصه، أو عقد الإمامة لواحد\nمعين، لامتنع التخيير، وهذا باطل؛ ضرورة تحقق التخيير بكلمة\n\"أو\"، فيلزم من ذلك بطلان وجوب واحد بعينه.\nأي: أن التخيير لو كان موجبًا لوجوب واحد بعينه، لكان موجبًا\nلنقيضه، لأن التخيير ينافي التعيين، حيث إن التخيير يجوِّز ترك\nالمعين، والتعيين لا يجوّزه فاختلفا.\nولا بطل الاحتمال الأول - وهو: أن المراد وجوب الجميع -\nوبطل الثاني - وهو: أن المراد وجوب واحد بعينه - صح الثالث -\nوهو: أن المراد وجوب واحد لا بعينه - أي: أن الخطاب متعلق\nبواحد لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف، فإذا فعل المكلَّف أحد الأفراد\nالمخيَّر بينها كان هو الواجب عليه، ويسقط عنه الباقي.\nالمذهب الثاني: أن الخطاب في الواجب المخيَّر متعلِّق بكل فرد من\nأفراده المحصورة، أي: أن جميع الأشياء المأمور بها في الواجب\nالمخير واجبة على طريق التخيير، ولم يتعلق الإيجاب بواحدٍ مبهم.\nذهب إلى ذلك جمهور المعتزلة، وعلى رأسهم الجبائيان: أبو\nعليّ وابنه أبو هاشم، ونسب إلى ابن خويز منداد من المالكية.","vol":"1","page":167},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه يستحيل اجتماع الوجوب مع التخيير؛ لأن\nالتخيير ينافي الوجوب؛ لأن معنى وجوب الجميع: أنه لا تبرأ ذمة\nالمكلَّف إلا بفعل الجميع، ومقتضى التخيير: أن الذمة تبرأ بفعل أيها\nشاء، وهما لا يجتمعان، فيلزم أن الجميع واجب على التخيير.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن هذا الدليل لكم منقوض\nبخصال كفارة اليمين، والأمثلة التي ذكرناها سابقا.\nفالله ﷿ يعلم الأشياء على ما هي عليه، فيعلم الواجب\nالذي ليس بمعيَّن غير معيَّن، وإذا أتى بها المكلَّف كلها سقط الفرض\nبالأمر الذهني.\nالدليل الثاني: أنه يستحيل التكليف بواحد مبهم؛ لأنه مجهول،\nوالتكليف بالجهول محال، فيلزم التكليف بكل - واحد من هذه الأمور.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عن ذلك -: إن الواحد المبهم ليس\nمجهولا؛ لأن الواجب المخيَّر هو: القدر المشترك الذي يتحقق\nحصوله بحصول جزء من جزئيات المخيَّر فيه، وحينئذ لا تكون هناك\nجهالة.\nالدليل الثالث: قياس الواجب المخيَّر على الواجب الكفائي،\nبيان ذلك:\nإنه كما أن الوجوب في الواجب الكفائي على الجميع ويسقط بفعل\nبعضهم، فكذلك في الواجب المخيَّر نقول بوجوب الجميع، فإذا\nفعل واحدًا سقط الباقي.","vol":"1","page":168},{"text":"جوابه:\nيمكن أن يجاب - عنه - ويقال: إن هذا القياس فاسد؛ لأمرين:\nالأول: أنه قياس مع النص؛ حيث وردت نصوص شرعية تفيد\nوجوب واحد من عدة أمور كخصال كفارة اليمين، والتخيير في\nالأسرى، والتخيير في جزاء الصيد، والتخيير في فدية الأذى،\nونحو ذلك مما سبق.\nالأمر الثاني: أنه قياس مع الفارق، وذلك لأن تأثيم الواحد\nالمبهم في الواجب الكفائي بعيد، أما التأثيم بترك واحد مبهم في\nالواجب المخيَّر فهو قريب وممكن.\nالمذهب الثالث: أن الخطاب في الواجب المخيَّر متعلِّق بواحد معيَّن\nعند اللَّه، غير معيَّن عند المكلَّف، إلا أن اللَّه تعالى علم أن المكلَّف\nلا يختار إلا ذلك الذي هو واجب عليه، واختياره معرِّف لنا أنه\nالواجب في حقه.\nوهذا المذهب يطلق عليه قول التراجم، لأن الأشاعرة ينسبونه إلى\nالمعتزلة، والمعتزلة ينسبونه إلى الأشاعرة.\nفكل فريق يرجم به الآخر ويتبرأ منه.\nوالصواب: أنه لا يُعرَف قائلُه.\nوإنما نشأ من مبالغة المعتزلة في الرَّد على الأشاعرة في أسباب تعلُّق\nالوجوب بالجميع - كما ذكر تاج الدين ابن السبكي في الإبهاج،\nوذكر أن رواية الأشاعرة له عن المعتزلة لا وجه له، وذلك لأن هذا\nالمذهب ينافي قواعد المعتزلة، ومنها: إيجاب الأصلح على الله\nتعالى، وعدم تكليف ما لا يطاق.","vol":"1","page":169},{"text":"جوابه:\nهذا المذهب فاسد، لأمرين:\nأولهما: أن التخيير معناه: أن الشرع جوَّز للمكلَّف ترك كل\nواحد من المخيَّر بينها بشرط الإتيان بالآخر، وكونه واجبًا على التعيين\nعند اللَّه يقتضي: أنه تعالى لم يجوِّز لنا تركه ألبتة، والجمع بين\nالترك وعدم جواز الترك تناقض.\nأي: أنه لو خير اللَّه - تعالى - بينه وبين غيره مع أنه جعله\nواجبًا على التعيين لكان قد جمع بين جواز الترك وبين المنع منه،\nوهذا تناقض ظاهر.\nثانيهما: أن القول بأن الواجب معيَّن عند اللَّه، وليس معينًا عند\nالمكلَّف يجعل الواجب غير معلوم عند المكلف فلا يمكنه فعله، لجهله\nفإذا كُلِّف به - مع ذلك -: كان تكليفًا بما لا يطاق، وقد اتفق\nالعلماء على أن التكليف بما لا يطاق غير واقع، وإن اختلفوا في\nجوازه عقلًا - كما سيأتي إن شاء اللَّه -.\nوقد ورد الخطاب بأمور معينة قد عطف بعضها على بعض بما يفيد\nالتخيير، وذلك في كفارة اليمين - وغير ذلك من الأمثلة - فالقول\nبعدم تعيين الواجب للمكلف يلزمه وقوع تكليف ما لا يطاق، فيكون\nباطلًا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة قد اختلف فيه على قولين:\nالقول الأول: أن الخلاف لفظي لا ثمرة له، ولا يترتب عليه أيُّ","vol":"1","page":170},{"text":"أثر، لأن الفريقين قد اتفقا على أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها،\nولا يجوز تركه كذلك.\nواتفقا - أيضًا - على أنه إذا أتى بواحد منها كفى ذلك في سقوط\nالتكليف، وإذا كان الأمر كذلك فلا فرق في العمل.\nالقول الثاني: إن الخلاف معنوي، وقد أثر في بعض المسائل\nالفقهية ومنها:\n١ - إذا طلَّق إحدى زوجتيه، أو أعتق أحد عبديه.\nفعلى المذهب الأول: لا يقع الطلاق؛ لأن الواجب مبهم،\nفالطلاق وقع مبهمًا، فلا يقع إلا عند التعيين.\nوعلى المذهب الثاني: فإن الطلاق وقع على كل واحدة.\n٢ - إذا ترك جميع خصال الكفارة - وقلنا: للإمام المطالبة\nبالكفارات - فعلى المذهب الأول: يجبر الإمام هذا المكلف على\nفعل واحدة منها من غير تعيين.\nوعلى المذهب الثاني: يجبر على فعل واحدة منها بعينها.\nالقول الثالث: التفصيل.\nقال أصحاب هذا القول: إن كون الخلاف لفظيا، أو معنويا\nراجع إلى تفسير مراد جمهور المعتزلة في قولهم: \" إن الخطاب في\nالواجب المخيَّر متعلِّق بكل فرد من أفراده \".\nفمن قال: إن جمهور المعتزلة أرادوا بتعلُّقه بكل الأفراد: أنه لا\nيجوز تركها - كلها -، وإذا فعل المكلَّف جميعها أثيب ثواب واجب\nواحد، وإذا تركها كلها عوقب عقاب ترك واجب واحد، وإذا فعل\nواحدًا منها يكون قد فعل ما وجب عليه: فإن الخلاف لفظي عنده.","vol":"1","page":171},{"text":"أي: من فسَّر قول جمهور المعتزلة بهذا: فإن قولهم يكون موافقًا\nلقول جمهور العلماء في المعنى والمراد، فبكون الخلاف في اللفظ،\nوهذا تفسير بعض العلماء كإمام الحرمين، وأبي الحسين البصري،\nوالبيضاوي.\nأما من قال: إن جمهور المعتزلة أرادوا بتعلُّقه بكل الأفراد: أنه إذا\nفعل الأمور كلها، فإنه يثاب عليها ثواب واجبات، هاذا تركها كلها\nعوقب عليها عقاب تارك واجبات، وإذا فعل واحدًا منها سقط عنه\nغيره: فإن الخلاف معنوي عنده.\nأي: من فسَّر قول جمهور المعتزلة بهذا: فإن الخلاف يكون\nمعنويًا، لأن مقصودهم يكون مختلفا عن مقصود جمهور العلماء.\nوهذا تفسير بعض العلماء كابن فورك، والغزالي، وأبي الطيب\nالطبري، وابن التلمساني، والتبريزي.\nوالراجح عندي هو القول الأول - وهو: أن الخلاف لفظي لا\nثمرة له؛ حيث إن مراد جمهور المعتزلة هو نفسه ما يريده جمهور\nالعلماء ولا فرق، لأن المعتزلة لا يخالفون في أمور ثلاثة:\n١ - أنه لا يجب الإتيان بجميع الخصال المخيَّر بينها.\n٢ - أن من أتى بواحدة منها فقد برأت ذمته.\n٣ - أنه لا يقع التخيير بين الواجب وغيره من مباح ومندوب.\nوهذا هو قول جمهور العلماء، إذًا: لا خلاف في الحقيقة.\nوأبو الحسين قد صرَّح بذلك في \" المعتمد \"، وهو الذي ينبغي أن\nيعتمد في بيان مراد أصحابه المعتزلة، لأنه أعرف بمقاصدهم.\nوصرَّح بذلك - أيضًا - المحققون الأصوليون ممن تصدى لتفسير","vol":"1","page":172},{"text":"كلام المعتزلة، وممن التقى ببعضهم كأبي يعلى الحنبلي في \" العدة \"،\nوإمام الحرمين في \" البرهان \"، وفخر الدين الرازي في \" المحصول \"\nوابن برهان في \" الوصول \".\nوأما ما ذكر من فروع فقهية، فإن هذا ألزمهم إياه بعض العلماء؟\nلقولهم: \" إن الكل واجب \"، ولم يكن هذا هو نفس قول المعتزلة.\nولقد أطلت الكلام في بيان نوع الخلاف في هذه المسألة في كتابي\n\" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \"، فإن شئت فارجع إليه.\nسؤال: إذا كان الخلاف لفظيًا، فإنه يكون مقصد المعتزلة هو نفسه\nمقصد جمهور العلماء، فلماذا عبَّر جمهور المعتزلة بتعبير يخالف ما\nعبَّر به جمهور العلماء؟\nجوابه:\nأقول - في الجواب عن ذلك -: إن جمهور المعتزلة وصفوا\nالجميع بالوجوب - وهو تعبير يخالف ما ذكره جمهور العلماء -\nفرارًا من التسوية بين الواجب وغير الواجب؛ بناء على قاعدتهم في\n\" التحسين والتقبيح العقليين \"، و\" إيجاب الأصلح على اللَّه \"؟\nحيث قالوا: إن الحكم على الشيء يتبع حسنه أو قبحه، فإيجاب\nشيء \" ما \" تابع لحسنه الخاص به، فلو كان الواجب واحدًا لا بعينه،\nوالباقي غير واجب لخلا الباقي عن المقتضي للوجوب، وأصبح\nالتخيير بين ما هو واجب، وما ليس بواجب، وهذا لا يقول به\nأحد، فلا بد من أن يكون واحد لخصوصه مشتملًا على صفة تقتضي\nوجوبه، وحينئذٍ يوصف كل منها بالوجوب والتخيير.\nأما نحن فلا نقول بالتحسين والتقبيح العقليين ولا إيجاب الأصلح\nعلى اللَّه، فلا مانع - عندنا - من إطلاق الوجوب على واحد منها لا\nبعينه.","vol":"1","page":173},{"text":"ثالثًا: شروط الواجب المخير:\nإذا علمنا - في المسألة السابقة - أن الخطاب في الواجب المخيَّر\nمتعلِّق بواحدٍ غير معيَّن، ويتعين بفعل المكلَّف، فهو مخير بين أمور\nمحصورة، فمتى ما فعل واحدًا فإنه هو الواجب في حقه، وهذا\nهو التخيير.\nولكن ليس كل تخيير يصح، بل إن التخيير الصحيح له شروط\nلا يصح إلا بها، هي كما يلي:\nالشرط الأول: أن تكون الأشياء المخير بينها معلومة للمخاطب\nومحصورة ومعينة حتى يحيط بها المكلَّف ويوازن بينها، ويرى ما هو\nالأصلح، فيختاره ويقوم به.\nالشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المخير بينها في الرتبة.\nأي: تكون متساوية في الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، فلا\nيجوز التخيير بين واجب ومندوب، ولا بين واجب ومباح، ونحو\nذلك؛ فإن التخيير بين الوجوب وتركه يرفع الوجوب.\nولهذا لما استدل داود الظاهري على وجوب النكاح بقوله تعالى:\n(فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ): ردَّه العلماء؛ لأن قوله\nتعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) فيه تخيير بين النكاح وبين ملك\nاليمين، ومعروف أن ملك اليمين لا يجب إجماعا، فلذلك امتنع\nالتخيير بين النكاح وملك اليمين.\nالشرط الثالث: أن تكون الأشياء المخير بينها متميزة للمكلَّف،\nأي: أن يتميز بعض الأشياء عن بعض، فلا يجوز التخيير بين\nمتساويين من جميع الوجوه لا يتميز أحدها عن الآخر بوصف، كما","vol":"1","page":174},{"text":"لو خيّر بين أن يصلي أربع ركعات وبين أن يصلي أربع ركعات مع\nتساويهما في جميع الصفات.\nالشرط الرابع: أن يتعلَّق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح\nالتخييربين شيء يستطيعه، وشيء لا يستطيعه.\nالشرط الخامس: أن يكون وقت المخيَّر بينها واحدًا \" حيث يتأتى\nالإتيان بكل واحد منهما في وقت واحد، بدلًا عن التغاير، فإنه لو\nذكر للمكلَّف فعلان مؤقتان بوقتين مختلفين: فإن ذلك لا يكون\nتخييرًا؛ فإنه في وقت الإمكان من فعل الأول لا يتمكن من الفعل\nالثاني، وفي الوقت الثاني لا يتمكن من الأول، فلا يتحقق وصف\nالتخيير أصلًا، وإنما يتحقق ذلك في شيئين يجوز ثبوت أحدهما بدلًا\nعن الثاني مع تقدير اتحاد الوقت. نُسب هذا الشرط إلى القاضي\nأبي بكر الباقلاني.\nقلت: وهذا الشرط باطل من جهة العقل، ومن جهة الشرع.\nأما بطلانه من جهة العقل فلأن السيد لو قال لعبده: \" عليك\nخياطة هذا الثوب يوم السبت، أو بناء هذا الجدار يوم الأحد،\nأيهما فعلت: أثبتك، وإن تركت الجميع عاقبتك \" كان هذا القول\nمعقولًا.\nأما بطلانه من جهة الشرع فلأن الشرع ورد فيه التخيير بين شيئين\nفي وقتين مختلفين، وهو أن المسافر سفر طاعة، فإنه يخير بين أن\nيصوم وأن يفطر ثم يصوم في وقت آخر.\nرابعا: هل يجوز الجمع بين الأمور المخيَّر بينها؟\nالأمور المعينة المحصورة المخيَّر بينها قد يحرم على المكلف الجمع\nبينها، وقد يباح الجمع بينها، وقد يندب الجمع بينها.","vol":"1","page":175},{"text":"فمثال الأول: وهو: ما يحرم فيه الجمع بين الأمور المخير بينها:\nتزويج المرأة من كفؤين متساويين معًا، وكذا مبايعة إمامين للأمة.\nومثال الثاني: وهو: ما يباح فيه الجمع بين الأمور المخير بينها:\nستر العورة بثوب بعد سترها بثوب آخر، فستر العورة واجب،\nوالمكلف مخير بسترها بأي ثوب شاء متى تعددت عنده الثياب،\nويباح له سترها بأكثر من ثوب واحد، فيكون الجمع بين الأثواب في\nالستر مباحًا.\nومثال الثالث: وهو ما يندب فيه الجمع بين الأمور المخير بينها:\nخصال كفارة اليمين، فإننا نعلم أن الخطاب قد تعلَّق بها على سبيل\nالتخيير بينها، والواجب يسقط بفعل واحد منها، ولكن يندب له\nالجمع بين \" الإطعام \" و\" الكسوة \" و\" العتق \" زيادة له في الثواب.\nلكن هنا سؤال وهو: أن المكلَّف إذا جمع بين تلك الخصال -\nوهي: الإطعام، والكسوة، والعتق - فثواب الواجب هل يكون\nعلى أعلاها أو على أدناها، وما زاد نافلة، وكذلك إذا ترك الجميع\nهل يأثم بترك أدناها، أو أعلاها؟\nجوابه:\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب، إليك أهمها:\nالمذهب الأول: أنه إذا فعل الجميع أثيب ثواب أعلاها، والباقي\nندب، وثواب الواجب أكثر من ثواب الندب، فانصرف الواجب\nإلى أعلاها، تكثيرًا لثوابه.\nوإذا ترك فعل الجميع عوقب على أدناها \" ليقل وباله ووزره.\nدهب إلى ذلك ابن برهان، وابن السمعاني، وهو قول للباقلاني.","vol":"1","page":176},{"text":"المذهب الثاني: أنه إذا فعل الجميع، فإن الذي يقع واجبًا هو\nالعتق، فإنه أعظم ثوابًا؛ لأنه أنفع وأشق على النفوس، وهو\nمحكي عن القاضي الباقلاني.\nالمذهب الثالث: أنه يثاب ثواب الواجب على أدناها؛ لأنه لو\nاقتصر عليه أجزأه، ويثاب على ما زاد ثواب التطوع.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي، حيث إن العمل لا يختلف باختلاف هذه\nالمذاهب.\nالمسألة السادسة: الواجب غير المؤقت:\nأولًا: بيانه، والأمثلة عليه:\nالفعل الواجب على المكلَّف قد يحدد الشارع وقتًا معينا لإيقاعه فيه.\nوقد لا يحدد الشارع لفعله وقتًا معينًا.\nفالأولى - وهو الذي حدد الشارع له وقتًا معينًا لأدائه وإيقاعه فيه\nيُسمَّى \" واجبًا محددًا \" أو \" واجبًا مؤقتًا \".\nوسيأتي بيانه بالتفصيل.\nأما الثاني، وهو: الذي لم يحدد الشارع وقتًا معينًا لفعله، فإنه\nيُسمَى واجبًا مطلقًا، أو \" واجبًا غير مؤقت \".\nأي: أنه الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلَّف طلبًا جازمًا،\nولم يحدد وقتًا معينًا لأدائه وإيقاعه فيه.\nمثل: كفارة اليمين، حيث إنها واجبة مطلقة، أي: أن الشارع\nلم يحدد وقتًا معينًا يجب على المكلَّف أن يؤديها فيه، بل أطلقها\nوترك تحديد وقتها للمكلَّف.","vol":"1","page":177},{"text":"كذلك الوفاء بالنذر، فإن الوفاء واجب مطلق، حيث لم يحدد\nالشارع وقت هذا الوفاء، بل تركه لاختيار المكلَّف.\nوكذلك الحج عند بعض العلماء، وقضاء العبادات التي فاتت من\nغير تقصير من المكلَّف، فإن جميع ذلك تجب في جميع العمر،\nوليست نهايته معلومة للمكلَّف.\nثانيًا: متى يتضيق الوقت - هنا -؟\nيتضيق الوقت إذا غلب على ظن المكلَّف عدم البقاء إلى آخر\nالوقت، فيجب عليه - حينئذ - أن يفعل ذلك الواجب قبل ذلك\nالوقت الذي غلب على ظنه عدم البقاء إليه، لأنه لا يمكن أن يؤخر\nالفعل مطلقًا، لأنه يقتضي أن لا يكون واجبًا.\nفلا بد من تأخير الفعل إلى زمن معين لا يجوز التأخير عنه، ولا\nيمكن ذلك إلا إذا عين هذا الزمن بعلامة أو أمارة، ولا يوجد معين\nلذلك سوى أن يغلب على ظنه عدم البقاء إلى آخر الوقت.\nوبناء على هذا فإن المكلف يعصي في هذا بمجرد التأخير عن وقت\nيظن عدم بقاءه بعده.\nثالثًا: هل يعصي بالموت هنا؟\nإذا لم يغلب على ظنه الموت في وقت محدَّد، ثم أخَّر فعله بدون\nعذر، فمات فهل يعصي؟\nاخنلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن المكلَّف إذا أخَّر الواجب غير المؤقت حتى مات\nمع قدرته على فعله في حياته، فإنه يعصي.\nذهب إلى ذلك أكثر العلماء.\nوهو الصحيح عندي \" لأن المكلَّف كان يمكنه المبادرة، وفعل","vol":"1","page":178},{"text":"الواجب أثناء حياته فلم يفعل، فالتمكن موجود، والوجوب محقق\nمع التمكن فيعصي.\nالمذهب الثاني: أنه لا يعصي، وهو مذهب بعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لما أخر فعل الواجب غير المحدد فإنه قد فعل ما\nله فعله.\nذكر ابن السمعاني: أن هذا كان ينتظر تضييق الوقت غير المحدد\nعليه بغلبة الظن، وذلك أمر معهود بيِّن في غالب أحوال الناس،\nفإن اخترمته المنية من قبل أن يبلغ المعهود: لم يكن عليه عتب ولم\nيعص، لأنه كان على عزم إذا تضيق لا يؤخر.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا المكلف قد ترك واجبًا عليه إلى أن مات مع\nقدرته على فعله قبل موته، فلا يوجد له عذر، فيكون عاصيًا.\nأما ما اعتاده الناس فلا يلزمنا.\nالدليل الثاني: القياس على الواجب الموسَّع، بيانه:\nأنه كما أن مؤخر الصلاة عن أول وقتها إلى آخر وقتها في الواجب\nالموسع لا يعصي لو مات قبل الفعل، فكذلك مؤخر الواجب المطلق\nلا يعصي لو مات قبل الفعل.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن هذا قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق.\nووجه الفرق: أن وقت الواجب الموسَّع قصير، أما وقت\nالواجب المطلق فهو طويل، لأنه العمر كله كما سبق.\nالمذهب الثالث: التفريق بين الشيخ والشاب.","vol":"1","page":179},{"text":"فالشيخ الكبير يعصي إذا أخَّر ثم مات.\nأما الشاب فلا يعصي إذا أخَّر ثم مات.\nوهو اختيار الغزالي.\nوفسَّر بعض العلماء التأخير المستنكر ببلوغه نحوًا من خمسين، أو\nستين، لأن العمر في الأغلب من الناس ستون لقوله - ﷺ -: \"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين \".\nجوابه:\nيجاب عنه بأن هذا لا ضابط له، فقد يكون الشيخ أكثر صحة من\nالشاب، وكم من شيخ قد ورث بعض أولاده، أو كلهم.\nفإن قيل: إن هذا المذهب ورد على الأغلب في أحوال الناس.\nقلت: هذا صحيح، ولكن مذهبنا - وهو المذهب الأول - أقوى\nمنه، لما قلناه من الاستدلال، ولما فيه من الاحتياط. والله أعلم.\nالمسألة السابعة: الواجب المضيًّق، والواجب الموسَّع:\nأولًا: أقسام الوقت الذي حدده الشارع:\nالفعل الواجب على المكلَّف قد لا يحدد الشارع وقتا معينًا لإيقاعه\nفيه، وقد يحدد الشارع لفعله وقتا معينا.\nفالأول - وهو الذي لم يحدد الشارع له وقتا معينا لأدائه وإيقاعه\nفيه -: يُسمَّى واجبًا مطلقا مثل كفارات الأيمان، وقضاء ما فاته من\nصيام رمضان عند الحنفية، والواجب بالنذر المطلق - وقد سبق بيانه.\nوالثاني - وهو الذي حدد الشارع له وقتا معينا لأدائه فيه - يسمى\nواجبا مؤقتًا.","vol":"1","page":180},{"text":"والوقت الذي حدًّده الشارع لإيقاع وأداء الواجب فيه ينقسم إلى\nثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: أن يكون وقت الفعل أنقص من الفعل، بحيث إن\nالوقت لا يمكن إيقاع الفعل كله فيه، فهذا لا يجوز التكليف به؟\nلأنه تكليف بما لا يطاق، إلا إذا كان القصد من التكليف بالفعل في\nهذا الوقت الناقص هو: ابتداء الفعل فيه، ثم إكماله بعد هذا\nالوقت، بحيث إذا لم يبتد الفعل في هذا الوقت يكون قضاؤه واجبا\nعليه، فالتكليف به من هذه الناحية جائز عقلًا، وواقع شرعا، فإن\nالصبي إذا بلغ وقد بقى من الوقت ما يسع ركعة، والمجنون إذا أفاق\nمن جنونه وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة، والحائض إذا انقطع\nحيضها وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة، فإن هؤلاء الثلاثة تجب\nعليهم الصلاة، فإذا لم يبتدئها كل منهم في الوقت الباقي وجب\nعليهم القضاء.\nالقسم الثاني: أن يكون وقت الفعل مساويا له، أي: أن يكون\nالوقت الذي حدَّده الشارع لفعل الواجب فيه على قدر الفعل،\nبحيث لا يزيد عن الفعل، ولا ينقص عنه كصوم رمضان، ويُسمَّى\nهذا ب \" الواجب المضيَّق \".\nالقسم الثالث: أن يكون وقت الفعل أزيد من الفعل، بحيث إن\nالوقت يسع الفعل عدة مرات، وهذا الذي يُسمَّى بـ \" الواجب\nالموسَّع \".\nونظرًا لعدم وقوع التكليف في القسم الأول، فإنه لم يبق إلا\nالقسمان: \" الثاني \": وهو الواجب المضيق، والثالث: وهو\nالواجب الموسَّع.","vol":"1","page":181},{"text":"ثانيًا: تعريف الواجب المضيق والواجب الموسع مع الأمثلة عليهما:\nالواجب المضيق - كما قلنا فيما سبق -: ما كان وقته يسعه ولا\nيسع غيره من جنسه.\nأي: هو: ما ألزم الشارع المكلف بفعله في وقت مساو لوقت\nأدائه وإيقاعه بلا زيادة أو نقصان مثل صيام يوم من رمضان، فالشارع\nألزم المكلف الذي لا عذر له بصيامه، واليوم يبدأ من الفجر الصادق\nإلى غروب الشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده لا يتسع\nلفعل شيء آخر معه، ويكون الفعل باطلًا لو فعله قبل الوقت،\nويكون قضاء لو فعل بعد الوقت لعذر، ولا يقع معه في وقته غيره\nمن جنسه.\nوالواجب المضيَّق اتفق العلماء على ثبوته.\nأما الواجب الموسع فهو: ما كان وقته واسعا لأدائه وأداء غيره من\nجنسه.\nأي: هو: \" الفعل الذي طلب الشارع من المكلف إيقاعه وأداءه\nطلبا جازما في وقت يسعه ويسع غيره من جنسه \" مثل: صلاة\nالظهر، فإن الشارع قد ألزم المكلف بفعلها في وقت محدد يزيد عن\nوقت أدائها بحيث يمكن فعلها، وفعل غيرها من جنسها في ذلك\nالوقت.\nثالثا: الواجب الموسع هل هو ثابت؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك الواجب الموسع هل هو ثابت أو لا:\nعلى مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الواجب الموسع ثابت، ويكون وقت أداء\nالواجب الموسع هو جميع الوقت.","vol":"1","page":182},{"text":"أي: أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في أيِّ\nجزء من أجزاء وقته على حسب اختيار المكلف.\nفيكون المكلف مخيرًا في أن يوقع الفعل في أول الوقت، أو في\nوسطه، أو في آخره.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهذا هو الصحيح، للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) .\nوجه الدلالة: أن هذا الأمر عام يتناول جميع أجزاء الوقت\nالمذكور من غير إشعار بالتخصيص ببعض أجزائه.\nفليس المراد من الأمر تطبيق أول فعل الصلاة فى أول الوقت وآخر\nالفعل في آخر الوقت؛ لأن هذا خلاف الإجماع.\nوليس المراد من الأمر: إقامة الصلاة في كل وقت من أوقاته، فلا\nيخلو جزء من الوقت من الصلاة، فهذا - أيضًا - خلاف الإجماع.\nوليس المراد من الأمر: تعيين جزء من الوقت لاختصاصه بوقوع\nالواجب فيه؛ لأن اللفظ الوارد في الآية عام، ولا يوجد مخصص.\nفلم يبق إلا أن يكون المراد من الأمر هو: أن كل جزء من الوقت\nصالح لوقوع الواجب فيه باختيار المكلف، ضرورة امتناع قسم آخر.\nالدليل الثاني: أن جبريل - ﵇ - قد صلى بالنبي - ﷺ - أول الوقت وآخره، ثم قال له - بعد ذلك -: \" يا محمد: هذا\nوقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين \"،\nوفى رواية: \"الوقت ما بينهما \".","vol":"1","page":183},{"text":"وجه الدلالة: أن اللَّه - تعالى - حينما فرض الصلاة أتى جبريل\n- علمه السلام - إلى النبي - ﷺ - ليعلمه أوقاتها وأفعالها، فصلى به مرة في أول وقتها، وصلى به مرة أخرى في آخر وقتها، فقال\n- حينئذ -: \" الوقت ما بين هذين \"، وهذا يفيد تخيير المكلَّف في\nأداء الصلاة في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد لها، أي: أن\nالإيجاب يتناول جميع أجزاء الوقت، وليس تعيين بعض أجزاء\nالوقت للوجوب بأوْلى من تعيين البعض الآخر.\nالدليل الثالث: العقل دلَّ على ثبوت الواجب الموسَّع، بيانه:\nأن السيد لو قال لعبده: \" قد أوجبت عليك بناء هذا الجدار في\nهذا اليوم في أي جزء منه، إن شئت في أوله، أو في وسطه، أو\nفي آخره، فمهما فعلت: تكون قد امتثلت أمري، وإن لم تفعل:\nتكون قد خالفت أمري \" كان هذا الكلام معقولًا، ولا يمكن أن\nيقدح في صحته أحد.\nفلا يمكن أن يقال: إن السيد لم يوجب على العبد شيئًا؛ لأن\nالعبارة واضحة أنه أوجب عليه فعل شيء.\nولا يمكن أن يقال: إن السيد قد أوجب على العبد بناء الجدار في\nوقت واحد فقط فضيق عليه، لأنه صرح بالتوسع، حيث قال له:\n\" إن شئت في أوله، أو في وسطه، أو في آخره \".\nفلم يبق إلا أنه أوجب عليه بناء الجدار في ذلك اليوم ووسع عليه\nفي هذا الإيجاب بدليل لفظه في المثال، مما يدل على تخييره في\nالوقت.\nالدليل الرابع: قياس الواجب الموسع على الواجب المخير، بيانه:","vol":"1","page":184},{"text":"كما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير كخصال\nكفارة اليمين - إما الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق - كذلك\nيجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة، فإن\nالصلاة في أول الوقت كالصلاة في وسطه، والصلاة في آخره، ولا\nفرق بينها في سقوط الغرض وحصول المصلحة.\nالمذهب الثاني: إنكار الواجب الموسَّع.\nأي: عدم وجود واجب موسع في الشريعة، بل إن الإيجاب\nمتعلِّق في وقت معين، وهو أول الوقت، أو آخره - كما سيأتي\nتفصيل الخلاف فيه:\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن التوسع ينافي ويناقض\nالوجوب.\nأي: أن الوجوب مع التوسعة يتنافيان؛ لأن الواجب لا يجوز\nتركه، وهذا يجوز تركه عن الوقت الذي وصفتموه بالوجوب فيه،\nوهو أول الوقت وآخره، فلا يكون للواجب الموسع حقيقة.\nقال ابن العربي في \" المحصول \" - مبينا ذلك -: \" إن جواز\nالتأخير مع خيرة المكلَّف بين الفعل والترك يضاد الوجوب \".\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أننا لم نجوِّز ترك الفعل في أول الوقت مطلقا،\nبل جوَّزنا ترك الفعل في أول الوقت بشرط العزم على الفعل في آخر\nالوقت.\nالجواب الثاني: أن جواز التأخير إنما يضاد الواجب المضيَّق، أما","vol":"1","page":185},{"text":"الواجب الموسع فلا، لأنه يجوز ترك فعل الواجب الموسع في أول\nوقته، وفعله في وسطه، أو في آخره، حيث إنه مخير بين أجزاء\nالوقت الموسع، قياسا على الواجب المخير، بيان ذلك:\nأن الواجب الموسع يرجع - في حقيقته - إلى الواجب المخير\n- كما قلنا سابقًا -، لأن الفعل واجب الأداء في وقت \" ما \": إما\nفي أوله، أو وسطه، أو آخره، فجرى ذلك مجرى قولنا في\nالواجب المخير: \" إن الواجب إما هذا أو ذاك \".\nفكما أنا نصف الخصال بالوجوب على معنى: أنه لا يجوز\nالإخلال بجميعها، ولا يجب الإتيان بها جميعًا، وإنما تجب خصلة\nواحدة غير معينة، فكذلك هنا: يجب على المكلف أن يفعل ما\nوجب عليه في أي وقت شاء من هذا الوقت المحدَّد: إما في أوله،\nأو في وسطه، أو في آخره، ونحن لم نوجب الفعل في أول\nالوقت بخصوصه حتى يورد علينا جواز إخراجه عنه، بل خيَّرناه بينه\nوبين ما بعده.\nرابعًا: فرق منكري الواجب الموسع، وأدلة كل فرقة مع الجواب\nعنها:\nإن المنكرين للواجب الموسع قد اتفقوا على إنكاره، ولكنهم\nاختلفوا - فيما بينهم - في أي جزء من الوقت يتعلق الإيجاب؟\nعلى فِرَق:\nالفرقة الأولى قالت: إن الوجوب متعلِّق بأول الوقت.\nأي: أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في\nالجزء الأول من أجزاء الوقت، فإذا مضى من الوقت ما يسع الفعل\nولم يفعل المكلف الواجب فيه، وفعله في غيره من أجزاء الوقت:\nكان هذا الفعل قضاء، لا أداء.","vol":"1","page":186},{"text":"نسب هذا إلى بعض الشافعية، وإلى بعض المتكلمين:\nقلت: لقد بيَّنت في كتابي \" الواجب الموسع عند الأصوليين \" أن\nكثيرًا من الشافعية قد أنكروا أن يكون هذا في مذهبهم، وذكرت أن\nالشافعية قد اختلفوا في السبب الذي من أجله عزي هذا إلى\nمذهبهم، وأطلت الكلام عن هذا، وحققت القول فيه، فارجع إليه\nإن شئت.\nأدلة هذه الفرقة على أن الوجوب متعلق بأول الوقت:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة\nعرضها كعرض السماء والأرض)، وقوله: (فاستبقوا الخيرات)، وقوله: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه قد أمرنا في هذه الآيات بالاستباق إلى الخير،\nوالمسارعة إليه، ولا شك أن فعل الواجب في وقته مسارعة واستباق\nإلى الخير، فمن أخَّره عن أول وقته يكون مخالفًا لذلك الأمر.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عن ذلك بأن تلك الآيات الدالة على الاستباق\nوالمسارعة لا دلالة فيها على المطلوب، وذلك لأن دلالتها على\nالمسارعة والاستباق إلى أسباب المغفرة ثبت عن طريق الاقتضاء،\nوالمقتضى لا عموم له.\nولئن سلمنا أن للمقتضى عموما، فإننا لا نسلِّم أن هذا الأمر\nللوجوب، بل هو للندب؛ لأمرين:\nأولهما: الإجماع على ذلك.","vol":"1","page":187},{"text":"ثانيهما: أنه لو كان للوجوب للزم منه تخصيصات لا حصر لها،\nوهو خلاف الأصل.\nوإذا ثبت ذلك لم تكن الآيات دالة على اختصاص الوجوب بأول\nالوقت، بحيث لا يجوز التأخير عنه، بل يجوز التأخير عنه بشرط\nالعزم على فعله في آخر الوقت، ونحن نقول به.\nالدليل الثاني: أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\" الصلاة في أول الوقت رضوان، وفي آخره عفو اللَّه \".\nوجه الدلالة: أن هذا النص اقتضى أن فعل الصلاة في آخر\nالوقت معصية تتطلب العفو، ولو كان المكلَّف مخيرًا بأي جزء من\nهذه الأجزاء وقع الفعل فيه: لما كان تأخيره للواجب عن أول الوقت\nموجبًا للعفو والغفران، لأن العفو إنما يكون عن ذنب أو معصية،\nوبذلك يكون الحديث دالًا على أن وقت الفعل هو الجزء الأول منه،\nوما بعده وقت لقضائه.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا الحديث فيه يعقوب بن الوليد، وهذا قد\nكذَّبه الإمام أحمد، وسائر الحُفَّاظ، وقال ابن حبان: \" ما رواه إلا\nيعقوب، وكان يضع الحديث على الثقات \"، وأخرجه الدارقطني\nبسند ضعيف.\nفإذا ثبت ذلك فلا يصح الاحتجاج بالحديث على إثبات قاعدة\nأصولية كهذه، وهي: \" أن الوجوب متعلق بأول الوقت \".\nالجواب الثاني: على فرض صحة الحديث، فإنه يفيد الترغيب","vol":"1","page":188},{"text":"في المبادرة لأداء الصلاة في أول وقتها، فيكون المراد بالعفو هنا: هو\nالعفو عن تقصير المكلَّف عن الأداء الأفضل للواجب.\nالدليل الثالث: إن أوقات الصلوات أسباب، والأصل ترتب\nالمسببات على أسبابها، فإذا وجد السبب يجب أن يوجد المسبَّب\nفورًا، فيتعلَّق الوجوب بما تحققت به سببيته، وهو أول الوقت،\nوحينئذٍ الواقع بعد ذلك قضاء سدَّ مسدَّ الأداء.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: إن هذا الكلام لا ينافي مذهبنا وهو: ثبوت\nالواجب الموسع، وذلك لأننا رتبنا الوجوب على أول الوقت، أي:\nيبدأ فعل الواجب من أول الوقت إلى آخر الوقت، وهذا هو مذهبنا.\nالجواب الثاني: أن قولكم: \" إن الواقع بعد أول الوقت قضاء\nسد مسد الأداء \" مخالف للإجماع، قال الآمدي في الإحكام:\n\"الإجماع منعقد على أن ما يفعل بعد ذلك الوقت ليس بقضاء، ولا\nيصح بنية القضاء \".\nالفرقة الثانية قالت: إن الوجوب متعلِّق بآخر الوقت.\nأي: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في الجزء الأخير من أجزاء\nالوقت، ويكون أوله سببًا للوجوب.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وهم بعض مشائخ العراق من\nالحنفية.\nأدلة هذه الفرقة:\nالدليل الأول: أن حقيقة الواجب هو: ما ذم تاركه، أو ما","vol":"1","page":189},{"text":"يعاقب على تركه، ومعروف أن الصلاة يعاقب على تركها إذا أضيفت\nإلى آخر وقتها؛ لأنه لو تركها خرج الوقت وعليه القضاء، ويكون\nعاصيًا بذلك؛ لأنه أخرج الصلاة عن وقتها بالعمد، ونتيجة لذلك\nتكون الصلاة إذا أضيفت إلى آخر وقتها واجبة؛ لأنه يعاقب على\nتركها، ولكن إذا أضيفت إلى أول وقتها، أو وسطه، فإن المكلف\nمخير بين فعلها؛ تركها، وإن فعلها فهو أفضل، وهذا هو حد\nالندب؛ لأنه يجوز تركه، وكل ما جاز تركه في وقت فليس بواجب\nفيه، وإذا ثبت أنه غير واجب في أول الوقت، ولا في وسطه فهو\nواجب في آخره؛ لعدم جواز تركه، وإلا لكان لها وقت آخر غير\nالمضروب لها.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن أقسام الفعل ثلاثة:\nالقسم الأولى: فعل لا يعاقب على تركه مطلقًا، وهو المندوب.\nالقسم الثاني: فعل يعاقب على تركه مطلقًا، وهو الواجب\nالمضيق.\nالقسم الثالث: فعل يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع\nالوقت - أوله، وأوسطه، وآخره - ولا يعاقب على تركه بالإضافة\nإلى بعض أجزاء الوقت، وهذا القسم الثالث لا يمكن أن نسميه\nمندوبًا؛ لأن المندوب لا يعاقب تاركه مطلقًا، ولا يمكن أن نسميه\nواجبًا مضيقًا؛ لأن الواجب المضيق يعاقب تاركه مطلقًا.\nإذن: هذا القسم يحتاج إلى اسم يُسمَّى به غير \" الواجب المضيق \"\nوغير \" المندوب \"، وأحسن عبارة تقال فيه هي: \"الواجب الموسَّع \"،\nفإن قلتم: لماذا سميتموه بهذا الاسم؟","vol":"1","page":190},{"text":"قلنا: سميناه واجبا؛ لأن المكلَّف يعاقب على تركه بالجملة.\nوسميناه \" موسَّعًا \"؛ لحصول التوسعة في وقته عن قدر فعله،\nويجوز للمكلَّف تأخيره إلى آخر وقته.\nاعتراض على هذا الجواب:\nلقد اعترض بعضهم على ذلك الجواب بقوله: إن القسم الثالث\nوهو الذي سميتموه بالواجب الموسَّع هو في حقيقته داخل ضمن\nالواجب المضيق والمندوب، بيان ذلك:\nأن المكلف إذا فعل الصلاة في أول وقتها، فهذا الفعل يكون\nمندوبًا، لأنه يجوز للمكلف ترك الفعل، وما يجوز تركه فهو الندب.\nوإن فعل المكلف الصلاة في آخر الوقت، فإن هذا الفعل يكون\nواجبًا مضيقًا؛ لأنه لا يجوز له ترك الفعل، وما لا يجوز تركه فهو\nالواجب المضيق.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن قولكم في حدِّ الندب:\n\" إنه ما يجوز تركه \" ليس بصحيح، بل إن الصحيح في حد الندب:\n\" أنه ما يجوز تركه مطلقا \" أي: من غير شرط.\nأما القسم الثالث - وهو ما سميناه بـ \" الواجب الموسَّع - فهو\n\"الذي لا يجوز تركه مطلقا \" أي: هو \" الذي يجوز تركه بشرط \".\nوهذا الشرط: إما الفعل في أول الوقت، أو العزم على الفعل\nفي آخر الوقت.\nأي: يجوز للمكلف أن يترك الفعل في أول الوقت بشرط\nأن يفعل بعده مباشرة، أو أن يعزم على الفعل في آخر الوقت،","vol":"1","page":191},{"text":"لكن لا يجوز له ترك الفعل مطلقا، بخلاف المندوب فإنه يجوز تركه\nمطلقا.\nاعتراض على هذا الجواب:\nلقد اعترض بعضهم على هذا الجواب قائلًا: إنكم قلتم: إن\nالعزم هو بدل عن الصلاة في أول وقتها، وهذا غير مسلَّم؛ لأمرين:\nالأول: أنه معروف أن البدل يكون نائبا عن المبدل، والعزم\n- فقط - لا يكفي عن الفعل.\nالثاني: أن الأبدال لا يجوز إثباتها من غير دلالة عليها.\nجوابه:\nيجاب عن الأول: بأن العزم ليس بدلا عن أصل الوجوب ونفس\nالفعل، بل هو بدل عن تقديم الفعل فقط، وما دام الأمر كذلك،\nفإن العزم يصلح أن يكون بدلا، والفعل لم يتغير سواء وقع في أول\nالوقت، أو في آخره بدليل: تساوي الثواب والأجر.\nويجاب عن الثاني: بأن الدليل على أن العزم هو بدل: القياس\nعلى الواجب المخيَّر، فكما أنه لا يجوز ترك أي خصلة من خصال\nالواجب المخيَّر إلا بشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز أن\nيترك الفعل في أول الوقت - في الواجب الموسع - إلا بشرط العزم\nعلى فعله في الجزء الأوسط، أو الأخير.\nالدليل الثاني - من أدلة القائلين: إن الوجوب متعلق بآخر\nالوقت -: أن الإجماع قد انعقد على أنه لا يجوز تأخيرها عن آخر\nالوقت من غير عذر، وذلك يدل على أنها واجبة فيه، لا في أول\nالوقت، وحينئذ يحتمل أن يكون فعلها في أول الوقت ندبا يسقط\nالفرض عنده، أو يكون فعلها كالزكاة المعجلة.","vol":"1","page":192},{"text":"جوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن ذلك يدل على أنه وقتها\nالمضيق، ولا يدل على أنها غير واجبة في غيره بصفة التوسع؛ لأن\nكون الشيء واجبا بصفة التضييق في وقت لا يدل على أنه غير واجب\nفي غيره على وجه التوسع..\nأما قولكم: \" يحتمل أن يكون فعله ندبا في أول الوقت يسقط\nالفرض عنده \"، فهذا باطل؛ لأمرين:\nأولهما: أنه لو أدى الفرض بنية الندب لم يقع الوقع إجماعا.\nثانيهما: أن سقوط الفرض عند أداء الندب بعينه لم يعهد مثله في\nالشرع.\nأما قولكم: \" أو يكون فعلها كالزكاة المعجَّلة \" فهو باطل\n- أيضا -؛ لأن قياس الصلاة في أول وقتها على تعجيل الزكاة قياس\nفاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، بيان ذلك:\nأن تعجيل الزكاة لم يحصل بحكم الأمر المقتضي للوجوب، وإنما\nحصل بحكم الأمر المقتضي للرخصة وهو: ما ورد أن العبَّاس\n- ﵁ - سأل النبي - ﷺ - في تعجيل الزكاة قبل أن تحل فرخص له في ذلك.\nبخلاف الصلاة؛ فإنها تفعل في أول الوقت بالأمر الذي تفعل في\nآخره، فالنية واحدة في الصلاة سواء صلاها في أول الوقت، أو\nصلاها في آخره، ولم يفرق أحد من السلف بين النيتين.\nأما الزكاة فإنها تجب قبل حولان الحول بنية التعجيل حسب الأمر\nالمقتضي للرخصة - فقط -، أما لو أخرها بعد كمال الحول، فإنها\nتجب بنية الأمر المقتضي لوجوب الزكاة، وفرق بين النيتين.","vol":"1","page":193},{"text":"اختلاف القائلين بهذا المذهب في تقدير وقت الوجوب:\nلقد اختلف القائلون: إن الوجوب متعلِّق بآخر الوقت في تقدير\nوقت الوجوب على قولين:\nالقول الأول: إن الوقت هو ما يسع جملة الصلاة، وينقضي\nبانقضائها، وهو قول الإمام زفر، وجماعة من الحنفية.\nالقول الثاني: إن الوقت هو ما يسع تكبيرة الإحرام.\nاختلاف القائلين بهذا المذهب فيما إذا أوقع المكلف الفعل في غير\nالجزء الأخير.\nلقد اختلف القائلون: إن الوجوب متعلِّق في آخر الوقت في\nمسألة وهي: إذا أوقع المكلَّف الفعل في أول أو وسط الوقت ما\nحكمه؛ على قولين:\nالقول الأول: أن الفعل يقع نفلًا يسقط به الفرض.\nحكى هذا عن بعض مشائخ الحنفية العراقيين.\nدليل هذا القول:\nاستدل أصحاب هذا القول بأنه لو كان الفعل واجبًا في أول\nالوقت: لما جاز تأخيره عنه إلا إلى بدل، وقد جاز تأخيره عنه بغير\nبدل، فثبت أنه فيه نفل.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إنا لا نُسَلِّمُ أنه يجوز تركه بغير بدل، فقد\nذهب أكثر المثبتين للواجب الموسع إلى أنه لا يجوز ترك الفعل في\nأول الوقت إلا إذا كان عازمًا على فعله في آخر الوقت، وهذا هو\nالبدل.\nالقول الثاني: أن المكلَّف إذا أدَّى الفعل في أول الوقت فهو","vol":"1","page":194},{"text":"موقوف، فإذا جاء آخر الوقت، وهو على صفة التكليف - بأن كان\nعاقلًا مسلما خاليا من الموانع - كان ما فعله في أول الوقت واجبا،\nوإن جاء آخر الوقت، وقد زالت عنه صفة التكليف - بأن جن، أو\nنزل بامرأة حيض، أو نحو ذلك -: كان الفعل الذي فعله في أول\nالوقت نفلًا.\nونسب هذا إلى الكرخي، ويسمى هذاب \" المراعاة \".\nوذكرِ بعض العلماء كالزركشي في \" تشنيف المسامع \": أن\nالكرخي قال ذلك فرارًا مما ورد على أصحابه الحنفية من تعلق\nالوجوب بآخر الوقت من إجزاء النفل عن الفرض، فاختار هذه الطريقة.\nجوابه:\nأقول - في الجواب عنه -: إن هذا المذهب ضعيف؛ لأن كون\nالفعل حالة الإيقاع لا يوصف بكونه فرضا ولا نفلًا خلاف القواعد\nالشرعية.\nثم كيف ينوي هذه الصلاة؛ فهذا القول خلاف الإجماع؛ حيث\nأجمع السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت، ومات في\nأثنائه أنه أدى فرض اللَّه، وأثيب ثواب الواجب كما حكى ذلك\nالآمدي في الإحكام.\nالفرقة الثالثة قالت: إن الوجوب يتعلق بالجزء الذي يتصل به\nالأداء، وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا يفضل عنه.\nوبعضهم عبَّر عنه بقوله: \" إذا اختار وقتا تعيَّن إلى أن يضيق\nفيتعين بالتضييق \".\nحكي هذا عن أبي الحسن الكرخي وبعض العلماء.","vol":"1","page":195},{"text":"دليل هذه الفرقة:\nاستدل هؤلاء على ذلك: بأن سبب الوجوب كل واحد من أجزاء\nالوقت بطريق البدلية إن اتصل به الأداء، وإلا فآخره، إذ يستحيل أن\nيكون جميع الوقت سببًا وإلا لزم الوجوب بعده.\nوكذا يستحيل أن يكون أوله سببًا، أو آخره، لاستحالة تأخر\nالمسبَّب عن السبب وتقدمه عليه؛ إذ يجوز الأداء في آخر الوقت،\nولا يأثم به، ويجوز الأداء - أيضًا - في أوله، فلم يبق السببِ إلا\nالجزء الذي اتصل الأداء به، أو آخره.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه - ماذا يراد بعبارة -: \" إن الوجوب يتعلَّق\nبالجزء الذي يتصل به الأداء \"؟\nإن كان المراد منها: أن وقته بطريق البدلية، أي: أن الأمر يقتضي\nإيقاع الفعل في أحد أجزاء الوقت، لا بعينه، فإذا اتصل الفعل\nبأحد أجزائه تبينا سقوط الفرض به، فهذا صحيح، وهو الذي نقول\nبه \" حيث إنا قلنا - فيما سبق -: إن حاصل الواجب الموسع يرجع\nفي الحقيقة إلى الواجب المخيَّر.\nوإن كان المراد منها: أنا نتبين عند الأداء أن ذلك وقته، وإن ما\nسوى ذلك لم يكن وقته: فهذا غير صحيح، وذلك لمخالفته الأدلة\nالصحيحة على أن الوقت موسع، أوله، ووسطه، وآخره، وقد سبق.\nوإن كان المرإد منها غير ذلك فلا بدَّ من التصريح بذلك حتى يمكن\nأن نقبله، أو نرده بالأدلة.\nوأما قولهم - في الاستدلال -: \" أول وقته لا يجوز أن يكون","vol":"1","page":196},{"text":"سببًا للوجوب وإلا لزم تأخر المسبَّب عن السبب \": فيمكن أن يجاب\nعنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، فإن أول الوقت سبب للوجوب على وجه\nالتوسع، وقد تحقق ذلك معه، فلا يلزم تراخي المسبب،\nوالاستدلال بجواز التأخير على عدم الوجوب باطل.\nتنبيه: هناك فرق - من فرق منكري الواجب الموسَّع - قد تركت\nذكرها، لأحد أمرين:\nإما لأنها متداخلة مع المذاهب السابقة.\nوإما لضعفها الشديد.\nوقد ذكرت ذلك بإسهاب وأدلة كل فرقة مع الجواب عن ذلك في\nكتابي: \" الواجب الموسع عند الأصوليين \"، فارجع إليه إن شئت.\nبيان نوع الخلاف:\nلبيان ذلك لا بد من التفصيل الآتي:\nالخلاف الأول: الخلاف بين الجمهور - وهم المثبتون للواجب\nالموسع - وبين الفرقة الأولى - وهم بعض السافعية القائلين: إن\nالوجوب متعلِّق بأول الوقت - هذا الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأن\nالقائلين بأن الوجوب متعلِّق بأول الوقت يجوِّزون فعله في وسط وآخر\nالوقت، ويقولون: إنه قضاء سدَّ مسدَّ الأداء، وهذا متفق في المعنى\nمع مذهب جمهور الأصوليين والفقهاء المثبتين للواجب الموسَّع.\nالخلاف الثاني: الخلاف بين الجمهور - وهم المثبتون للواجب\nالموسع - وبين الفرقة الثانية - وهم بعض الحنفية القائلين: إن\nالوجوب متعلِّق بآخر الوقت - هذا الخلاف اختلف فيه على قولين:\nالقول الأول: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له، وذلك لأن القائلين:","vol":"1","page":197},{"text":"إن الوجوب متعلق بآخر الوقت يجوِّزون فعله في أول الوقت، وإنما\nالخلاف في تسميته واجبًا.\nالقول الثاني: إن الخلاف معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية:\nْوهذا هو الصحيح عندي، لأنه بعد استقراء وتتبع بعض المسائل\nالفقهية وجد أنها تأثرت بهذا الخلاف، وإليك بعض المسائل في ذلك:\n١ - إذا صلى الصبي في أول الوقت، ثم بلغ قبل انقضاء الوقت\nالموسع فهل تجزئه تلك الصلاة، ولا إعادة عليه أم ماذا؟\nاختُلِف في ذلك:\nفعلى مذهب الجمهور - وهم المثبتون للواجب الموسع - فإن\nصلاته التي صلاها في أول الوقت تجزئه، ولا يلزمه إعادتها،\nوقالوا - في تعليل ذلك -: إن الوجوب متعلّق في أول الوقت كما\nهو متعلّق في آخر الوقت، وهذا الصبي قد بلغ قبل انقضاء زمن\nالوجوب، فلا إعادة عليه، كما لو بلغ بعد انقضاء الوقت.\nوعلى مذهب بعض الحنفية - وهم القائلون: إن الوجوب متعلِّق\nفي آخر الوقت - فإن صلاته لا تجزئه، فيلزمه إعادتها، وقالوا - في\nتعليل ذلك -: إن الوجوب يثبت بآخر الوقت، وقد صار فيه أهلًا\nللوجوب، حيث إنه بلغ فيه، فبان: أن ما أداه أولًا لم يكن في وقته.\n٢ - إذا سافر في أول الوقت، أو حاضت المرأة بعد دخول\nالوقت، ومضى مقدار الفعل من الزمان فهل يجب الإتمام على\nالمسافر، أو القضاء على الحائض؟\nاختُلِف في ذلك:\nفعلى مذهب الجمهور: يجب الإتمام على المسافر، والقضاء على\nالحائض؛ لأن كلًّا من المسافر والحائض قد أدرك وقت الوجوب.","vol":"1","page":198},{"text":"أما على مذهب بعض الحنفية - وهم القائلون: إن الوجوب\nمتعلِّق بآخر الوقت - فإنه لا يجب الإتمام على المسافر، ولا القضاء\nعلى الحائض، لأن الوجوب لم يتحقق في أول الوقت.\nالخلاف الثالث: الخلاف بين الجمهور - وهم المثبتون للواجب\nالموسع - وبين الفرقة الثالثة - وهم الذين قالوا: إن الوجوب يتعلَّق\nبالجزء الذي يتصل به الأداء وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا\nيفصل عنه - خلاف لفظي إن أرادوا من قولهم: \" إن وقته المعيَّن هو\nما اتصل به الأداء \": أن ذلك وقته بطريق البدلية.\nوقد بيَّنت ذلك هناك.\nلكن إن أرادوا بتلك العبارة: أنا نتبين عند الأداء أن ذلك وقته،\nوأن ما سوى ذلك لم يكن وقته، فالخلاف بينهم وبين الجمهور\nمعنوي؛ وذلك لمخالفته مقصود الجمهور المثبتين للواجب الموسع.\nوقد بيَّنت ذلك بصورة أوسع في كتابي: \" الواجب الموسع عند\nالأصوليين \"، وكتابي: \" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \"،\nفارجع إليهما إن شئت.\nخامسا: الاختلاف في اشتراط العزم:\nلما رجحنا في المسألة السابقة مذهب الجمهور، وهم المثبتون\nللواجب الموسع بالأدلة، اختلف هؤلاء - فيما بينهم - في مسألة\nوهي: إذا لم يفعل المكلف الفعل في أول وقته، وأراد فعله في آخر\nالوقت، فهل يشترط العزم على ذلك أو لا؟\nاختُلِف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: يشترط العزم.","vol":"1","page":199},{"text":"أي: أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في أي\nجزء من أجزاء الوقت، فالمكلف مخير في أن يوقع الفعل في أول\nالوقت، أو في وسطه، أو في آخره، ولكن لا يجوز ترك الفعل\nفي أول الوقت إلا بشرط العزم على فعله في وسط أو آخر الوقت،\nفإن جاء آخر الوقت وهو لم يفعل الواجب فحينئذ تعيَّن فعله.\nذهب إلى ذلك أكثر المثبتين للواجب الموسع.\nوهو الصحيح؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: القياس على الواجب المخيَّر، بيانه:\nأنه لا يجوز للمكلف ترك أي خصلة من خصال الواجب المخيَّر إلا\nبشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز أن يترك الفعل في\nالجزء الأول من الوقت في الواجب الموسع إلا بشرط العزم على فعله\nفي الجزء الأوسط، أو الأخير من الوقت.\nالدليل الثاني: أن وجوب العزم تابع لبقاء الفعل في الذمة،\nولازم لكل من عليه التكليف دخل وقته أو لم يدخل؛ لأنه إذا لم\nيعزم على الفعل مع التذكر، فقد عزم على الترك، وهو معصية،\nوترك المعصية واجب، إذن: العزم واجب.\nالدليل الثالث: أن العزم لا بد منه إذا ترك فعلًا واجبا عليه مريدًا\nعمله في آخر وقته، فلذلك أوجب العلماء على المسافر إذا أراد أن\nيجمع الظهر مع العصر جمع تأخير: أن يعزم على فعل صلاة الظهر\nمع العصر، وإن لم يعزم فيكون تاركًا للصلاة - ضرورة - وهو\nحرام.\nكذلك المديون لا يجب عليه الأداء في وقت معين -","vol":"1","page":200},{"text":"ما لم يشترط - ولكن يجب عليه العزم على أدائه، وإن لم يعزم على ذلك\nفقد فعل محرَّمًا.\nومثل ذلك الواجب الموسع إذا ترك فعله في أول وقته، فيجب\nعليه أن يعزم على فعله في آخر وقته، وإلا كان تاركًا للفعل مطلقًا،\nوهذا لا يجوز.\nالدليل الرابع: أن القائل بأنه يجوز تأخير الفعل بدون بدل وهو\nالعزم يقال له: \" لما لم يفعل المكلف الواجب في أول الوقت ما هي\nنيته؛ \".\nفإن قال: \" لا نية له \"، فهذا غير صحيح؛ لأنه لا بد لكل\nعبادة من نية.\nوإن قال: \" إن له نية وهي: أن يعمله فيما بعد \": نقول: هذا\nهو العزم على الفعل، وهو المطلوب.\nالمذهب الثاني: لا يشترط العزم.\nأي: يجوز للمكلف تأخير الفعل في الواجب الموسع إلى وسط\nالوقت، أو إلى آخره مطلقا، أي: بدون بدل، وذلك إلى أن\nيتضيق الوقت بحيث إنه لو لم يشتغل به لخرج بعضه عن الوقت،\nفإنه لا يجوز له التأخير إذ ذاك، أو يغلب على ظنه أنه لو لم يشتغل\nبه في هذا الجزء لفاته في الجزء الثاني من الوقت.\nذهب إلى ذلك بعض الأصوليين ومنهم الغزالي في \" المنخول \"،\nوإمام الحرمين في \" البرهان \"، وأبو الحسين البصري في \" المعتمد \"،\nوفخر الدين الرازي في \" المحصول \"، وأبو الخطاب في \" التمهيد\"،\nوالبيضاوي في \" المنهاج \"، وابن السبكي في \" جمع الجوامع \"\nو\" الإبهاج \"، وغيرهم.","vol":"1","page":201},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن المكلَّف الذي أخر الفعل الواجب في وقته\nالموسع إلى آخر الوقت لو غفل عن العزم ومات: لم يكن عاصيا،\nفلو كان العزم واجبا لعصى بموته وهو تارك له؛ لأن تارك الواجب\nعاص.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك: بأنه لم يعض لما ترك الواجب هنا؛ لأنه\nغافل، والغافل غير مكلَّف؛ لأنه لا يفهم خطاب الشارع حال\nغفلته، فيكون معذورًا بالغفلة، ولذلك لم يعص.\nالدليل الثاني: لو كان العزم على الفعل في آخر الوقت بدلا عن\nالفعل في أول الوقت: لوجب أن يكون بدلا عن أصل الواجب\nحتى لا يجب عليه الفعل، ولما لم يجز أن يكون العزم على الفعل\nبدلا عن أصل الوجوب لم يجز أن يكون بدلا عن الفعل في أول الوقت.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك: بأن العزم على الفعل ليس بدلا عن الفعل\nمطلقا، وإنما هو بدل عن الفعل في الجزء الذي لم يفعل فيه إلى أن\nيبقى من الوقت ما يسع الفعل، وحينئذ يكون الفعل هو المتيقن على\nالمكلف، وذلك مثل التيمم في الطهارة ينتصب بدلا عن الوضوء في\nاستباحة الصلاة، ولا ينتصب بدلا عنه في رفع الحدث.\nالدليل الثالث: أن العزم على الفعل بدل عن الصلاة في أول\nالوقت، ومعروف أن البدل هو: ما يفعل لتعذر المبدل منه، وفعل\nالصلاة في أول الوقت ليس بمتعذر، فلا يكون له بدل.","vol":"1","page":202},{"text":"جوابه:\nيقال في الجواب عنه: إنه وقع في الشريعة حالات يؤتي فيها\nبالبدل مع أن المبدل ليس بمتعذر على المكلَّف أن يأتي به، تيسيرًا\nوتسهيلًا على المكلفين.\nمن أمثلة ذلك: المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين،\nوكذلك المسح على العمامة بدل عن مسح الرأس، فهذه يجوز فعلها\nمع القدرة على المبدل، وهذا كله من باب الرخص والتسهيل على\nالمكلفين، والواجب الموسع وسع اللَّه وقت أدائه من باب التيسير\nوالتسهيل.\nثم إن العزم على الفعل ليس بدلًا عن نفس الصلاة، بل هو بدل\nعن تقديم فعلها - فقط -.\nالدليل الرابع: أن قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى\nغسق الليل)، وقول جبريل ﵇ للنبي - ﷺ -: \"الوقت ما بين هذين \"، وكذلك جميع النصوص الواردة في المواقيت يفهم\nمنها: أن الصلاة واجبة في هذا الوقت المحدد، وليس فيها أي\nتعرض لوجوب العزم على الفعل في آخر الوقت إذا ترك فعل\nالصلاة في أول الوقت، فإيجاب العزم - حينئذ - يكون زيادة على\nالنص لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يجوز التكليف به.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا الدليل لكم يفهم منه. أنكم تطالبوننا\nبالاستدلال على اشتراط العزم على الفعل إذا لم يفعل الواجب\nالموسَّع في أول الوقت، والمطالبة بالدليل ليست بدليل.","vol":"1","page":203},{"text":"وعلى فرض أن المطالبة بالدليل دليل، فإننا قد أثبتنا أدلة قوية على\nاشتراط العزم.\nالجواب الثاني: أنا نوافقكم على أن النصوص السابقة لم تتعرض\nصراحة لاشتراط العزم على فعل الصلاة في آخر الوقت إن لم تفعل\nفي أول الوقت، لكن فهم من تلك النصوص: أن الصلاة الواجبة\nلا تتم ولا تصح إلا بأحد شيئين:\nإما فعلها في أول الوقت.\nأو العزم على فعلها في آخر الوقت.\nولا ثالث لهما.\nوإذا كانت الصلاة لا تتم إلا بذلك - وهو قد ترك الفعل في أول\nالؤقت - فيكون العزم واجبًا؛ بناء على القاعدة الأصولية المعروفة:\n\" ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب \".\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف بين المشترطين للعزم وغير المشترطين خلاف لفظي، لاتفاق\nالفريقين على أن المكلَّف لا يترك الفعل في أول الوقت إلا إذا كان\nعازما على الفعل في آخر الوقت، وإن لم يصرح أصحاب المذهب\nالثاني - وهم المانعون من اشتراط العزم - بذلك؛ لأن وجوب العزم\nتابع لبقاء الفعل في الذمة ولازم لكل من عليه التكليف دخل وقته أو\nلم يدخل، وذلك لأنه إذا لم يعزم على الفعل مع التذكر، فقد عزم\nعلى الترك، وهو معصية، وترك المعصية واجب.\nفأي مكلف عاقل يفهم الخطاب لا يمكن - بأي حال من الأحوال -\nأن يترك الفعل في أول وقته مطلقًا، بل تركه، وهو ينوي أن يعمله","vol":"1","page":204},{"text":"في وقت آخر، وهو آخر وقت الوجوب، حيث إنه لو أخَّره عن\nذلك الوقت المحدَّد شرعًا من غير عذر فإنه يأثم، ويجب عليه\nالقضاء، وهذا متفق عليه بين الفريقين فكان الخلاف في الاصطلاح\nواللفظ.\nسادسا: حالات تأخير الواجب الموسع إلى آخر وقته:\nقلنا - فيما سبق -: إن المكلَّف إذا لم يفعل الواجب الموسع في\nأول وقته، وأراد تأخيره إلى آخر وقته، فلا يجوز ذلك التأخير إلا\nإذا كان عازمًا على فعله في آخر وقته.\nلكن هذا التأخير ليس مطلقًا، بل له حالات تختلف باختلاف\nظن المكلَّف، وضيق الوقت، ولكل حالة حكم خاص بها، وإليك\nبيان ذلك:\nالحالة الأولى: لو أخَّر المكلف الفعل - في الواجب الموسع -\nعن أول الوقت مع أنه غلب على ظنه عدم البقاء إلى آخر الوقت:\nفإنه يكون عاصيًا بترك الفعل في أول الوقت، وإن لم يمت، لأنه قد\nتضيَّق الوقت بناء على ظنه الغالب، وترك الواجب في وقته المضيق\nبلا عذر عصيان، هذا بالاتفاق.\nالحالة الثانية: لو أخَّر المكلَّف الفعل حتى ضاق الوقت عن فعله،\nثم مات ولم يبق إلا الوقت الذي يتسع لأقل من أربع ركعات: فإنه\nيموت عاصيًا، لأنه لا يجوز تأخير الفعل عن هذا الوقت.\nالحالة الثالثة: إذا أخر المكلَّف الفعل في الواجب الموسَّع عن أول\nالوقت مع غلبة ظن السلامة، فمات فجأة أثناء الوقت الموسع، مثل\nلو مات بعد زوال الشمس، وقد بقي من وقت الظهر ما يتسع لفعلها","vol":"1","page":205},{"text":"وأكثر ولم يصلها، فاختلف العلماء المثبتون للواجب الموسع في\nعصيانه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لم يمت عاصيا.\nذهب إلى ذلك أكثر المثبتين للواجب الموسَّع.\nوهو الصحيح؛ وذلك لأن الواجب الموسَّع يجوز تركه في أول\nالوقت ليعمله في آخر وقته المحدَّد، وقد جاز الترك مع عدم علمه\nبالعاقبة، وإذا كان تركه في أول الوقت ليفعله في آخر وقته جائزًا،\nفكيف يعصى؟!.\nالمذهب الثاني: أنه يموت عاصيا.\nذهب إلى ذلك إمام الحرمين، وأبو الخطاب، والمجد ابن تيمية.\nدليل هذا المذهب:\nاحتج أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يجوز له تأخير الفعل\nمن أول الوقت إلى آخره بشرط سلامة العاقبة، وهو: أنه يبقى إلى\nآخر الوقت فيفعل الواجب.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أنه نقل عن السلف أنهم أجمعوا على عدم\nعصيان من مات في أثناء الوقت، وهو لم يفعل الواجب الموسع؟\nإذ يعلم من عادتهم بالضرورة أنهم ما كانوا يؤثمون من مات فجأة في\nأثناء الوقت إذا كان عازما مصمما على الامتثال.\nوإذا ثبت الإجماع على هذا، فالقول بأنهم يعصون قول مخالف\nللإجماع فلا يجوز.\nالجواب الثاني: أن هذا الشرط لا يسلَّم لكم؛ لأن العاقبة مستورة","vol":"1","page":206},{"text":"عن المكلف، وهي تعتبر من المغيبات التي لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى -\nفاشتراط مثل ذلك الشرط يفضي إلى المحال، وما أفضى إلى المحال\nفهو محال؛ لأن سلامة العاقبة غيب لا يعلمه إلا اللَّه ﷿،\nولم نكلف علمه، ولا بناء الأحكام عليه، لأننا لا نعلم حقيقة هل\nيبقى المكلَّف حيًا إلى آخر الوقت، فيفعل الواجب أو لا؟\nواعلم: أنه لا يجوز للمكلف العزم على تأخير الفعل إلا إلى\nزمن يغلب على ظنه السلامة، والبقاء إليه، والعيش فيه كمن أخَّر\nفعل الصلاة عن أول وقتها إلى آخر وقتها، ومثل الشاب، أو الشيخ\nالصحيح الذي لا يشكو من علَّة إذا أخَّر قضاء رمضان إلى شعبان،\nوالشاب الصحيح إذا أخَّر أداءَ الحج إلى سنة، أو سنتين - على رأي\nمن قال بأن الحج من أمثلة الواجب الموسَّع -.\nفالظن - إذن - يختلف باختلاف الأحوال وقوى الرجال.\nفإذا غلب على ظنه السلامة والبقاء إلى الزمن الذي يريد أن يوقع\nالفعل فيه: جاز له تأخير الواجب الموسَّع إليه بمقتضى ذلك الظن\nالغالب للبقاء.\nوإذا غلب على ظنه عدم البقاء إلى الزمن الذي يريد أن يوقع\nالفعل فيه: وجب الإتيان بالفعل قبل ذلك الزمن الذي لا يستطيع\nأداء الفعل فيه، لأن الظن - هنا - مناط التعبد، فإن عزم على\nتأخير الفعل مع ظنه الغالب في عدم السلامة والبقاء إليه: عصى\nبمجرد هذا التأخير، لأنه أخَّر الواجب عن وقته مع القدرة على فعله\nمع الظن الغالب من عدم البقاء.\nفمثلًا لو عزم المريض المشرف على الهلاك على تأخير قضاء الصوم\nشهرًا، أو عزم الشيخ الهرم الضعيف على التأخير، وغلب على","vol":"1","page":207},{"text":"ظنهما أنهما لا يعيشان إلى تلك المدة: عصيا بهذا التأخير؛ قياسًا\nعلى الشخص الذي عنده وديعة وظن ظنًا غالبًا بأن النار ستأتي عليها\nفتحرقها، ومع ذلك لم يزلها من هذا المكان الخطر فهنا يضمنها؟\nلأنه فرط في هذه الوديعة.\nفكذا هنا يعصي ويأثم؛ لأنه أخَّر أداء الواجب إلى آخر وقته مع\nظنه الغالب بأنه لا يبقى إلى ذلك الوقت؛ حيث فرط في الوقت\nالذي تضيق بسبب ظنه.\nسابعًا: إذا فعل المكلَّف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا\nيعيش إليه، فهل هذا الفعل أداء أو قضاء؟\nالمكلف إذا غلب على ظنه أنه لن يبقى إلى آخر الوقت في\nالواجب الموسَّع، ومع ذلك أخَّره فإنه يعصي بذلك التأخير، لأنه\nترك العمل بالظن الراجح، وعمل بالظن المرجوح، وهذا لا\nيجوز؛ لما فيه من التفريط.\nلكن لو حصل من المكلَّف أنه أخَّر الواجب الموسع إلى آخر وقته\nمع أنه غلب على ظنه عدم البقاء إلى ذلك الوقت، ثم بأن له خطأ\nظنه فبقي - أي: لم يمت - وفعل ذلك الواجب في وقته المحدد له\nشرعًا فهل يكون ذلك الفعل قضاء أو أداء؟\nفمثلًا: لو أخَّر فعل الصلاة إلى آخر وقتها، مع غلبة ظنه أنه لا\nيعيش إلى آخر الوقت، ولكنه عاش وفعل الصلاة في آخر الوقت،\nفهل يكون هذا الفعل أداء أو قضاء؟\nاختلف المثبتون للواجب الموسَّع\nفي ذلكْ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الفعل أداء، ولا يكون قضاء.","vol":"1","page":208},{"text":"ذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالغزالي، وابن السبكي.\nوهو الصحيح؛ لدليلين:\nأولهما: أن الفعل قد وقع في وقته المحدد له شرعا، وهذه حقيقة\nالأداء.\nثانيهما: أنه بأن خطأ ظنه، ولا عبرة بالظن الذي بأن خطؤه.\nالمذهب الثاني: أن الفعل قضاء، ولا يكون أداءً.\nنسب هذا المذهب إلى القاضي أبي بكر الباقلاني.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل لهذا بأن المكلف لا غلب على ظنه أنه يموت قبل فعله صار\nمضيقا في حقه بمقتضى ظنه ذلك، وصار كأن آخر. وقته هو: أول\nالوقت الذي ظن أنه يموت فيه، فصار فعله له بعد ذلك خارجا عن\nالوقت المضيق، أشبه ما لو فعله بعد خروج الوقت الأصلي المقدر له شرعا.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن جميع الوقت كان وقتا للأداء قبل ظن المكلف\nتضييقه بالموت، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا المكلَّف قد\nأوقع الفعل أولًا في وقته المحدد شرعا، وهذا هو الأداء حقيقة،\nوالظن لا يغير شيئًا في ذلك، إنما أثر الظن في تأثيمه بالتأخير بدون\nعزم، ولا يلزم من تأثيمه بالتأخير مخالفة الأصل المذكور، وهو\nبقاء الوقت الأصلي وقتا للأداء في وقته.\nالجواب الثاني: أن قول القاضي: \" إن هذا الفعل قضاء \"","vol":"1","page":209},{"text":"يلزم منه أن يوقعه بنية القضاء، وهذا بعيد \" لأن وقت الأداء لا زال باقيًا،\nولا قضاء في وقت الأداء \" لأن القضاء والأداء متنافيان، كل واحد\nمنهما له وقت يخالف الآخر.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي \" لأنه كما هو واضح قد وقع\nالخلاف في التسمية، وقيل غير ذلك.\nثامنًا: متى يتضيق الوقت في الواجب الموسع؟\nهذا سبقت الإشارة إليه، ولكن لا بدَّ من ذكره هنا، تذكيرًا\nبذلك وحصرًا له، ولبيان متى يعصى؟ فأقول:\nيضيق الوقت في الواجب الموسَّع بطريقين:\nالطريق الأول: بالانتهاء إلى آخر الوقت، بحيث لا ينفصل زمانه عنه.\nوبناء على ذلك فإن المكلَّف يعصي بخروج وقته.\nالطريق الثاني: بغلبة الظن بعدم البقاء إلى آخر الوقت، فإنه\nمهما غلب ذلك على ظنه فإنه يجب عليه الفعل، كما لو كانت المرأة\nتعرف أن الحيض يأتيها في ساعة معينة من الوقت، فيتضيق الوقت\nعليها، فيجب عليها الفعل قبل ذلك الوقت.\nوبناء على ذلك: فإن المكلف يعصي إذا أخَّره عن ذلك الوقت\nالذي ظن أنه لا يبقى إليه.\nالمسألة الثامنة: الواجب المحدَّد، والواجَب غير المحدَّد:\nأولًا: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وحكمهما:\nالواجب ينقسم بالنظر إلى تقديره وتحديده وعدم ذلك إلى قسمين:\nالقسم الأول: \" واجب محدَّد \".","vol":"1","page":210},{"text":"القسم الثاني: \" واجب غير محدَّد \".\nأما القسم الأول - وهو: الواجب المحدَّد - فهو: الفعل الذي\nطلبه الشارع طلبًا جازمًا، وقد حدَّده الشارع وقدَّره بمقدار معيَّن،\nوفصله عن غيره، مثل: الصلوات الخمس، فقد حُدِّدت كل صلاة\nبركعات محدَّدة، ومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر لمن\nحدده، وغسل الوجه، وغسل الرجلين واليدين، ونحو ذلك.\nفحكم هذا القسم: أن لا يفعل المكلَّف شيئًا زائدًا على الفعل\nالمحدَّد والمعيَّن، وإذا توقف وجوده، أو العلم بوجوده على شيء:\nيكون ما توقف عليه واجبًا، لأنه لا تبرأ الذمة إلا بأدائه بمقداره الذي\nقدَّره الشارع، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nأما القسم الثاني - وهو: الواجب غير المحدَّد - فهو: الذي لم\nيحدده ولم يقدره الشارع بقدر معين مثل: الطمأنينة في الركوع،\nوالطمأنينة في السجود، ومدة القيام، ومدة القعود، وذلك في\nالصلاة، حيث وجبت الطمأنينة في الركوع والسجود، ولكن لم\nيقدر الشارع مدة هذه الطمأنينة، كذلك أوجب الشارع فيها القيام\nوالقعود مدة من الزمن، ولكن لم يحدد ولم يعين الشارع هذه المدة.\nفحكم هذا القسم: أن المكلف يستطيع أن يزيد على أقل\nالواجب، بحيث تكون هذه الزيادة لا تنفصل عن حقيقة الواجب\nمثل: الزيادة في الطمأنينة في الركوع والسجود، والزيادة في مدة\nالقيام، وفي مدة القعود.\nثانيًا: حكم الزيادة على أقل الواجب:\nهذه الزيادة التي يزيدها المكلَّف على أقل الواجب\nهل هي واجبة أو هي مندوبة؟\nاختلف العلماء على مذهبين:","vol":"1","page":211},{"text":"المذهب الأول: أن تلك الزيادة مندوبة.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالغزالي، وفخر الدين الرازي،\nوالبيضاوي، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الشيرازي،\nوأبي عبد اللَّه الجرجاني، وأبي يعلى الحنبلي، وأبي الخطاب.\nوهو الراجح عندي؛ لدليلين:\nأولهما: أن الواجب هو: الذي لا يجوز تركه إلا بشرط البدل\nوهو: العزم على الفعل في آخر الوقت في الواجب الموسَّع، أو\nفعل غيره من الخصال المخير بينها في الواجب المخير، وهذه الزيادة\nفي الطمأنينة - مثلًا - على أقل الواجب يجوز تركها بلا شرط ولا\nبدل، وهذا هو حد الندب، فتكون تلك الزيادة مندوبة.\nثانيهما: أن من فعل من الأمور به ما يقع عليه الاسم، فإنه\nيحسن أن يخبر عن نفسه، ويقول: \" فعلت ما أمرت به \"، ولو\nكان اللفظ يتناول أكثر من ذلك لما حسن الإخبار عن نفسه بذلك.\nالمذهب الثاني: أن الزيادة على أقل الواجب تكون واجبة.\nأي: أن الزيادة على أقل ما يطلق عليه الاسم واجبة فيكون الفعل\nجميعه واجب.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية، ونسب إلى الكرخي منهم.\nدليل هذا المذهب:\nإن نسبة الواجب وما زاد عليه إلى الأمر نسبة واحدة، والأمر في\nنفسه أمر واحد لا يتجزأ، وهو أمر إيجاب، والواجب وما زاد عليه\nلا يتميز أحدهما عن الآخر بشيء، فإذا فعل المكلَّف الواجب وما\nزاد عليه يوصف بأنه ممتثل، والامتثال واجب فيكون الواجب وما زاد\nعليه واجبًا.","vol":"1","page":212},{"text":"جوابه:\nيقال في الجواب عنه: إما أن تتميز الزيادة، أو لا تتميز.\nفإن تميزت الزيادة عن الواجب الذي تناوله الاسم، أي: تميز\nأحدها عن الآخر ببعض التميز فلا نسلم أن نسبة الواجب وما زاد\nعليه إلى الأمر نسبة واحدة، بل الواجب نسبته إلى الأمر بالوجوب،\nونسبة الزيادة إلى الأمر بالندبية.\nولا نسلم - أيضا - أن الأمر في نفسه واحد لم يتجزأ، بل الأمر\nواحد من حيث اللفظ، أما من حيث حقيقته فهو أمران: أحدهما:\nجازم بالنسبة إلى الواجب، والآخر: غير جازم بالنسبة إلى الزيادة.\nأما إذا لم تتميز الزيادة - أي: لم يتميز الواجب وما زاد عليه -:\nفيحتمل أن يكون بعضه واجبا وبعضه ندبا؛ قياسا على من دفع دينارًا\nعن زكاة عشرين دينارًا، فيكون نصف الدينار عن العشرين،\nوالنصف الآخر قد دفعه ندبا وصدقة.\nبيان نوع هذا الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي له أثره؛ حيث ترتب على هذا\nالخلاف اختلاف في بعض المسائل الفقهية، ومنها:\n١ - أنه إذا مسح رأسه كله دفعة واحدة - وقلنا: إن الواجب\nمسح قدر الناصية - فالواجب هو: قدر الناصية، والزائد ندب على\nالمذهب الأول، أما على المذهب الثاني: فكله واجب.\n٢ - أنه لو كان عنده خمس من الإبل فعجل زكاتها، وأخرج\nبعيرًا - وقلنا بالإجزاء - فهل كله واجب، أو بعضه هو الواجب؟\nاختلف في ذلك والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة الأصولية.","vol":"1","page":213},{"text":"٣ - أنه إذا زاد في مبيت ليلة مزدلفة الواجبة لحظة من النصف\nالثاني، فإن الزيادة نافلة؛ بناء على المذهب الأول، أما على\nالمذهب الثاني، فالكل واجب.\n٤ - أنه إذا وقف بعرفات زيادة على قدر الواجب، فالزيادة نفل\nبناء على المذهب الأول، أما على المذهب الثاني فالكل واجب.\nالمسألة التاسعة: الواجب العيني، والواجب الكفائي:\nأولًا: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وسبب تسميتهما بذلك:\nالواجب ينقسم باعتبار فاعله إلى قسمين:\nالقسم الأول: الواجب العيني.\nالقسم الثاني: الواجب الكفائي.\nأما القسم الأول - وهو: الواجب العيني - فهو: ما يتحتم أداؤه\nعلى مكلَّف بعينه.\nأو هو: ما طلب حصوله من كل واحد من المكلفين كالصلاة،\nوالصيام والحج، ونحو ذلك.\nوسمي بالواجب العيني؛ لأن الفعل الذي تعلق به الإيجاب\nمنسوب إلى العين والذات باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة.\nوحكمه: لزوم الإتيان به من كل واحد بعينه، بحيث لا تبرأ ذمته\nإلا بفعله.\nأما القسم الثاني - وهو: الواجب الكفائي - فهو: ما يتحتم\nأداؤه على جماعة من المكلفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام","vol":"1","page":214},{"text":"به بعض المكلَّفين فقد أدِّي الواجب، وسقط الإثم والحرج عن الباقين\nمثل: الجهاد في سبيل اللَّه إن لم يكن النفير عامًا، والصلاة على\nالميت وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، وإنقاذ الغريق، ونحو ذلك.\nوسمي بالواجب الكفائي؛ لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من\nحيث إن فعله من أي فاعل أسقط طلبه عن الآخرين.\nوحكمه: أنه إذا قام به من يكفي من المكلَّفين سقط عن الباقين.\nوإذا لم يؤده أحد لحق الإثم جميع المكلَّفين.\nفالقصد من الفعل الكفائي: هو وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه\nمن جلب مصلحة، أو دفع مفسدة بقطع النظر عمن يقع منه.\nثانيًا: متى يتحوَّل الواجب الكفائي إلى واجب عيني؟\nعرفنا - فيما سبق - أن المقصود من الواجب الكفائي هو: وقوع\nالفعل لما يترتب عليه من جلب المصلحة أو دفع المفسدة، دون النظر\nإلى فاعله، ولكن قد تطرأ بعض الأحوال التي تجعله واجبًا عينيًا،\nوذلك مثل:\n١ - أن يأمر الإمام شخصًا بتجهيز ميت تعين عليه، وليس له\nاستنابة غيره.\n٢ - أنه لو رأى شخص غريقًا، وكان بإمكانه إنقاذه أصبح إنقاذه\nواجبًا عينيًا عليه.\n٣ - لو دخل الكفار ديار المسلمين، ولم يتمكن الجند صدهم\nتعين على كل مسلم مكلَّف قادر أن يساهم بما يستطيعه حتى يتحقق\nصد العدو.\n٤ - إذا غلب على ظن المكلَّف أن غيره لم يقم بالواجب\nالكفائي، وهو قادر على القيام به أصبح هذا الواجب في حقة عينيًا.","vol":"1","page":215},{"text":"ثالثًا: شروط فرض الكفاية:\nالذي يوصف بأنه فرض كفاية له شرطان:\nالشرط الأول: أن يكون فيه مصلحة شرعية، أو هو وسيلة\nلمصلحة شرعية.\nمثال المصالح الشرعية: ضبط أصول الفقه، وفروعه، والكتاب،\nوالسُّنَّة، والإجماع، والقياس، وأنواع الأدلة، وأن يوصلها كل\nقرن إلى من بعده، ومناظرة الملحدين والطاعنين في الدين الإسلامي،\nوضبط أصول الدين، وتعليم القرآن، والفروع الشرعية للطلاب،\nوالنحو، واللغة، وكل ما يتعلق بالكتاب والسُّنَّة.\nومثال الوسائل إلى المصالح الشرعية: الصنائع والحرف التي لا\nيستغنى عنها الناس، فيجب أن تخرج لكل حرفة طائفة من الناس،\nفإذا كان لهم في ذلك نية حسنة أثيبوا ثواب الواجب، وإن لم يكن\nلهم نية فلا ثواب لهم، وليس كل واجب يثاب عليه.\nالشرط الثاني: أن يكون مما لا تتكرر مصلحته بتكرر وجوده، مثل:\nإنقاذ الغريق، فإنه إذا رفعه واحد من البحر، ثم نزل آخر بعده لم\nيحصل بنزوله مصلحة، وكذلك إطعام الجوعان، وإكساء العريان،\nفهذا ونحوه يجب على الكفاية، ويسقط عن الآخرين نفيًا للتعب.\nرابعًا: هل فرض الكفاية أفضل من فرض العين؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن فرض العين مفروض حقًا للنفس، فهو أهم","vol":"1","page":216},{"text":"عندها من فرض الكفاية وأكثر مشقة، بخلاف فرض الكفاية، فإنه\nمفروض حقا للكافة، والأمر إذا عم خف، وإذا خص ثقل.\nالمذهب الثاني: أن فرض الكفاية أفضل من فرض العين.\nذهب إلى هذا أبو محمد الجويني، ونسبه إلى الإمام الشافعي.\nدليل هذا المذهب:\nأنه في فرض الكفاية يسقط الفرض عن نفسه وعن غيره، فهو أكثر\nفي الأجر، أما في فرض العين فإنه يسقط الفرض عن نفسه - فقط -.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا ليس بصحيح؛ لأن القيام بفرض العين أكثر\nفي الأجر والثواب؛ لأنه أشق من فرض الكفاية، والأجر على قدر\nالمشقة.\nأما نسبته إلى الإمام الشافعي فليس بصحيح، - فإن الشافعي مع\nأصحاب المذهب الأول، ودل على ذلك قوله في \" الأم \": \" قطع\nالطواف المفروض لصلاة الجنازة، أو الرواتب مكروه؛ إذ لا يحسن\nترك فرض العين لفرض الكفاية \".\nوذكر الغزالي في \" إحياء علوم الدين \" - مؤيدا المذهب الأول -:\nأن من عليه فرض عين فاشتغل بفرض كفاية، وزعم أن مقصوده\nالحق: فهو كذاب، ومثاله: من ترك الصلاة، واشتغل في تحصيل\nالثياب ونسجها قصدًا لستر العورات.\nخامسا: في بيان أن فرض الكفاية لا يلزم بالشروع:\nالصحيح: أن فرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه إلا في حالتين:\nأولهما: في الجهاد في سببيل اللَّه؛ لأنه إذا شرع في الجهاد ثم","vol":"1","page":217},{"text":"ترك الصف، ففي ذلك كسر لقلوب الجند، وعدم حثهم على\nالقتال.\nثانيهما: في الصلاة على الجنازة؛ لأنه إذا شرع في الصلاة على\nالجنازة، فإنه يلزمه الإتمام، لأن الانسحاب من ذلك فيه هتك لحرمة\nالميت كمن قام من مجلس مسلم بدون إذنه.\nسادساَّ: من هو المخاطب بفرض الكفاية؟\nاختُلِف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المخاطب بفرض الكفاية هو الكل، أي:\nموجه إلى جميع المكلَّفين، وفعل بعضهم هذا الواجب مسقط للطلب\nمنهم.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لاتفاق العلماء على ترتيب الإثم على الجميع إذا\nلم يقم به أحد، فتأثيم الجميع موصما لتكليفهم جميعًا، لأنه لا\nيمكن أن يؤاخذ الإنسان على شيء لم يكلفه، فدل على أن وجوبه\nعلى الجميع.\nالمذهب الثاني: أن المخاطب بفرض الكفاية هو: بعض المكلفين\n- فقط -.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء كتاج الدين ابن السبكي في \" جمع الجوامع \".\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قياس الإبهام في المكلَّف على الإبهام في المكلَّف به.\nبيانه: كما جاز التكليف بأمر مبهم في الواجب المخيَّر، فكذلك","vol":"1","page":218},{"text":"يجوز تكليف بعض مبهم من الجماعة، وذلك لحصول المصلحة\nالمطلوبة في ذلك.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا القياس غير صحيح، لأنه قياس مع النص،\nحيث وردت نصوص دلت على تكليف الجميع دون البعض، كما في\nقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله)، وقوله: (يا أيها الذين\nآمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)، فهذه الخطابات وردت في\nالقتال، وهي تعم كل الأفراد بدليل واو الجماعة واسم الموصول\nاللذين يفيدان العموم، مع الاتفاق على أن القتال فرض كفاية، فإن\nهذا التعميم في الآيات بتوجيه الخطاب إلى مجموع المسلمين دليل\nعلى أن الواجب الكفائي مطلوب من الجميع.\nالدليل الثاني: أن سقوط الواجب الكفائي بفعل بعض المكلَّفين\nدليل على توجيه الخطاب فيه إلى بعض المكلَّفين، لا كلهم، لأن\nالأصل عدم سقوط الشيء إلا بفعل من وجب عليه، وما دام أن\nالاتفاق قد وقع على سقوطه بفعل بعض المكلَّفين، فيكون الواجب\nموجها إلى هذا البعض فقط.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الواجب قد سقط عن الجميع بفعل بعضهم لا\nلأن هؤلاء البعض قد طلب منهم الواجب فقط، وإنما سقط الواجب\nعن الجميع بفعل البعض، لأن المقصود في الواجب الكفائي هو:\nفعل الواجب وإيقاعه بقطع النظر عن الفاعل - كما قلنا سابقا -،\nفإذا كان الفعل قد حصل فقد حصلت المصلحة التي من أجلها صدر\nالأمر من الشارع، وبعد ذلك يكون بقاء الوجوب على الباقين","vol":"1","page":219},{"text":"تحصيلًا للحاصل، كما لو أوجب أداء دين على كفيلين، فأدى\nأحدهما الدين كله، فإنه يسقط أداء هذا الواجب عن الكفيل الآخر،\nفكذا هنا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ لأن الحكم لا يتغير\nسواء كان المخاطب به هو الكل، أو البعض؛ حيث إنه إذا قام به\nمن يكفي سقط عن الباقين.\n***\nالمسألة العاشرة: ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب؟\nهذه المسألة تسمى تارة بهذا الاسم، وتسمى تارة بـ \" مقدمة\nالواجب \"، وتارة تسمى بـ \" الوسيلة \" أو \" وسيلة الواجب \"\nأو \"ما لا يتم الأمر إلا به يكون مأمورًا به \".\nتحرير محل النزاع في هذه المسألة:\nأقول في ذلك: إن الذي يتوقف عليه الواجب قسمان:\nالقسم الأول: ما يتوقف عليه في وجوبه.\nالقسم الثاني: ما يتوقف عليه في وقوعه.\nأما القسم الأول - وهو: ما يتوقف عليه وجوب الواجب - فهذا\nالقسم لا يجب إجماعا سواء كان سببا أو شرطا، أو انتفاء مانع.\nفبلوغ النصاب - مثلًا - سبب يتوقف عليه وجوب الزكاة، فلا\nيجب على أحد تحصيله حتى تجب الزكاة عليه.\nوالزوجات والمماليك سبب وجوب النفقات، فلا يجب تحصيلها\nحتى تجب تلك النفقات.","vol":"1","page":220},{"text":"والإقامة شرط وجوب الصوم، فلا يجب على أحد أن يقيم في\nبلد ويترك السفر حتى يجب عليه الصوم.\nوالدين مانع من الزكاة، فلا يجب على أحد أن يوفي دينه حتى\nتجب الزكاة.\nأما القسم الثاني - وهو: ما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد تقرر\nالوجوب - فهو يتنوع إلى نوعين:\nالنوع الأول: ما يكون غير مقدور للمكلف، أي: أن يكون ما\nلا يتم الواجب إلا به غير مقدور للمكلف كالقدرة على الفعل،\nواليد في الكتابة، والرجل للمشي، وحضور الإمام والعدد الكامل\nللجمعة، فهذا النوع لا يجب إجماعًا؛ لأنه ليس بقدرة المكلف ولا\nطاقته تحصيل ذلك، بل عدم تلك الأمور يمنع الوجوب.\nالنوع الثاني: ما يكون مقدورًا للمكلَّف، أي: أن يكون ما لا\nيتم الواجب إلا به مقدورًا للمكلَّف، ويجب فيستطيع فعله واختياره.\nوهذا النوع - وهو المقدور عليه - له أربع حالات:\nالحالة الأولى: أن يكون إيجاب الواجب مقيَّدًا بحصول المقدور\nعليه، وورد صريحًا كقولك لغيرك: \" إن ملكت النصاب فزك \" أو\nتقول: \" إن توضأت فصل \"، فهذا واجب مقيَّد بحصول السبب،\nأو الشرط، وقد حصل الاتفاق على أن كلًّا من السبب والشرط في\n- هذه الحالة - لا يجب بوجوب الواجب، بل الواجب نفسه لا\nيجب إلا بعد حصول السبب والشرط.\nالحالة الثانية: أن يُصرح بعدم إيجابه، كأن يقول: \" صل، ولا\nأوجب عليك الوضوء \"، فهنا: ما لا يتم الواجب إلا به لا يجب\nبالاتفاق؛ عملًا بموجب التصريح.","vol":"1","page":221},{"text":"الحالة الثالثة: أن يُصرح بوجوبه كأن يقول: \" صل، وأوجب\nعليك الوضوء \"، فهنا: ما لا يتم الواجب إلا به واجب اتفاقًا؟\nعملًا بموجب التصريح.\nالحالة الرابعة: ألا يصرح الشارع بإيجابه ولا عدم إيجابه، ولا\nيقيده بشيء، بل يأتي اللفظ مطلقًا مثل وجوب غسل الوجه، هل\nيوجب غسل جزء من الرأس ليتحقق غسل الوجه؛ ومثل وجوب\nصوم اليوم هل يجب تبعًا لذلك صوم جزء من الليل ليتحقق من\nصوم اليوم؛ فهذا هو المحل الذي تنازع فيه العلماء.\nأي: هل ما لا يتم الواجب إلا به واجب؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\n* المذهب الأول: أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب مطلقا.\nأي: سواء كان سببًا شرعيًا مثل: الصيغة للعتق الواجب.\nأو سببًا عقليًا مثل: النظر المحصل للعلم الواجب.\nأو سببًا عاديًا مثل: حز الرقبة بالنسبة إلى القتل.\nأو شرطًا شرعيًا مثل: الوضوء للصلاة.\nأو شرطًا عقليًا مثل: ترك أضداد المأمور به.\nأو شرطًا عاديًا مثل: غسل جزء من الرأس مع الوجه ليتحقق\nغسل كل الوجه، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.\nوهذا هو الصحيح عندي، لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد منه في الواجب،\nوما لا بد منه في الواجب يكون واجبًا.","vol":"1","page":222},{"text":"فعندنا مقدمتان:\nالأولى: أن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد منه في الواجب.\nالثانية: أن ما لا بد منه في الواجب يكون واجبًا.\nدليل المقدمة الأولى: أن ما لا بد منه في الشيء الواجب لا يكمل\nذلك الشيء الواجب إلا به.\nدليل المقدمة الثانية: أن ما لا بد منه المكمل للواجب لازم،\nواللازم واجب، فما لا بد منه واجب.\nفنتج من المقدمتين: أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب.\nالدليل الثاني: أن الواقع المحسوس يشهد لذلك، فإن السيد لو\nقال لعبده: \" ائتني بماء \"، ولا يوجد الماء إلا في البئر، فإنه لا\nيمكن أن يحضر الماء لسيده إلا بسحب الماء من البئر برشاء ودلو،\nفيلزمه - حينئذٍ - إحضار الرشاء والدلو ليسحب بهما الماء، وذلك\nليفعل ما أمره به سيده إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه - مع\nالقدرة - وإلا لاستحق العقوبة من السيد.\nفلذلك لزمه ووجب عليه إحضار السبب \" وهو الرشاء والدلو \"\nالذي بواسطتهما يمكنه تنفيذ أمر سيده، وهو جلب الماء؛ لأنه لا\nيمكن إحضار الماء إلا بهما، فلذلك وجبا.\nفنتج أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nتنبيه:\nاختلف الجمهور - وهم أصحاب المذهب الأول - في وجوب ما لا\nيتم الواجب إلا به - وهي مقدمة الواجب -\nهل هو متلقى من نفس الصيغة الموجبة للواجب، أو متلقى من دلالتها؟","vol":"1","page":223},{"text":"اختلف هؤلاء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن وجوب ما لا يتم الواجب إلا به أخذ من نفس\nالصيغة الموجبة للواجب المطلق.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء كما ذكره ابن السمعاني في\n\" القواطع \".\nالقول الثاني: أن وجوب ما لا يتم الواجب إلا به أخذ من دلالة\nالصيغة، أي: أن وجوب مقدمة الواجب دلَّت عليها الصيغة من\nحيث المعنى.\nوهذا هو الصواب؛ لأن الدلالة اللفظية: ما كان مسموعا في\nاللفظ، ولا شك أن لكل من الشرط والسبب لفظا يخصه، ولم\nيسمع ذلك، فوجب أن تكون دلالته من حيث المعنى.\nالمذهب الثاني: أن ما لا يتم الواجب إلا به ليس بواجب مطلقا.\nذهب إلى ذلك بعض الشافعية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الخطاب لم يتعرض لإيجاب هذه الأشياء، وأن\nهذه الشرائط لها صيغ بخصوصها، واختلاف الصيغ يدل على\nاختلاف المصوغ له.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إن هذا الدليل لكم يدل على أنكم تقولون\nبأن لفظ الصيغة لا يدل على وجوب المقدمة، وإنما وجوب المقدمة\nدل عليه معنى الصيغة، وهذا ما نقوله.\nالدليل الثاني: أنه لو وجب ما يتوقف عليه الواجب للزم تعقل","vol":"1","page":224},{"text":"الموجب له، لأن الإيجاب بدون التعقل غير معقول، والتالي باطل\nوذلك لأن كثيرًا ما نؤمر بأشياء ونغفل عن مقدماتها.\nجوابه:\nيقال في الجواب: إنا نمنع لزوم التعقل هنا، وإنما يلزم فيما إذا\nكان الأمر بالمقدمة صريحًا، ولكن مقدمة الواجب هنا صارت: واجبة\nعندنا عن طريق دلالة الصيغة عليها من حيث المعنى.\n- المذهب الثالث: إن كانت المقدمة شرطا شرعيا فتجب، وإن لا\nفلا.\nذهب إلى ذلك إمام الحرمين، وابن القشيري، وابن برهان،\nوابن الحاجب.\nدليل هذا المذهب:\nأن الشرط الشرعي إنما عرفت شرطيته من الشارع، فعدم إيجابه\nبالخطاب الموجب للمشروط يوجب غفلة المكلف عنه، وعدم التفاته\nإليه، وذلك موجب لتركه، وتركه يؤدي إلى بطلان المشروط، فلزم\nمن ذلك: أن يكون الخطاب الموجب للمشروط موجبًا له.\nبخلاف غير الشرعي، فإن شرطيته عرفت من غير الشرع كالعقل\nوالعادة.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إن هذا التفريق بين الشرط وغيره لا داعي\nله؛ لأن كلًّا من الشروط والأسباب الشرعية وغير الشرعية يفهم\nوجوبها من صيغة الخطاب الموجب للواجب عن طريق المعنى.\nالمذهب الرابع: إن كانت مقدمة الواجب سببًا، فتجب وإلا فلا.","vol":"1","page":225},{"text":"اختاره صاحب المصادر.\nأي: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب سببه\nفقط، سواء كان هذا السبب شرعيا، أو غير شرعي، وأما الشرط\nفلا يدل الخطاب على إيجابه مطلقا.\nدليل هذا المذهب:\nأن ارتباط الشيء بسببه أقوى من ارتباطه بشرطه؛ لأنه معروف:\nأن السبب يؤثر بطرفي الوجود والعدم، والشرط إنما يؤثر بطرف\nالعدم خاصة.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إنه لا داعي ولا مبرر لهذا التفريق بين\nالسبب والشرط، لأن كلًّا منهما يفهم وجوبه من صيغة الخطاب\nالموجب للواجب عن طريق المعنى.\n- المذهب الخامس: الفرق بين الملازم في الذهن، وغير الملازم.\nفإن كانت مقدمة الواجب قد لازمت الذهن حال استماع المكلف\nللأمر، وعلم أن الإتيان بالمأمور به ممتنع بدون الإتيان بتلك المقدمة،\nفهي واجبة.\nأما إذا كانت مقدمة الواجب غير ملازمة للذهن، بل لم نعلم بها\nإلا عن طريق العقل والشرع، فلا يكون الأمر واجبا من تلك\nالصيغة، بل واجب من المركب من الأمر والعقل.\nذهب إلى هذا بعض المتأخرين، كما قال ذلك الزركشي.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه - كما قلنا فيما سبق -: إن هذا التفريق","vol":"1","page":226},{"text":"لا داعي له؛ لأنه متى ما علمنا بالمقدمة، سواء عن طريق الذهن، أو\nعن طريق الخطاب الآمر بالواجب، فإنها تكون تلك المقدمة واجبة.\n- المذهب السادس: التوقف.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه يحتمل أن يكون الخطاب الآمر بالواجب الأصلي آمرًا بشرط\nتحصيل المقدمة، ويحتمل غير ذلك والاحتمالان متساويان، فوجب التوقف.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إنه لا داعي لهذا التوقف مع وضوح أدلتنا\nعلى وجوب المقدمة - وهو المذهب الأول - لأن الخطاب الآمر\nبالواجب الأصلي هو أمر بتحصيل المقدمة عن طريق معنى الصيغة.\nبيان نوع هذا الخلاف:\nهذا فيه تفصيل، إليك بيانه:\nالخلاف الأول: الخلاف بين الجمهور القائلين بوجوب المقدمة\nمطلقا، وبين أصحاب المذهب الثاني القائلين بعدم الوجوب مطلقا،\nهذا الخلاف اختُلِف فيه على قولين:\nالقول الأول: أن الخلاف لفظي.\nوهو الصحيح عندي؛ لأن أصحاب المذهبين قد اتفقا على أن\nالمقدمة واجبة، دلَّ على ذلك استقراء وتتبع كلام أصحاب المذهب\nالثاني؛ حيث إنه يفهم من كلامهم في تقرير مذهبهم أنهم ينكرون\nوجوب المقدمة من نفس الصيغة الموجبة للواجب المطلق، ولكن لا\nينكرون وجوب المقدمة من دلالة اللفظ بالتضمن أو الالتزام.","vol":"1","page":227},{"text":"أي: من أنكر إيجاب المقدمة مطلقا لكون الأمر ساكتًا عنها، إنما\nأراد أن الأمر لم يتناولها لفظة، ولم ينكر أنها تجب تبعا، وهذا\nموافق لمذهب الجمهور بأن المقدمة واجبة مطلقا؛ حيث إنهم أرادوا به\nأن المقدمة تجب تبعا للواجب الأصلي، ولم يقولوا: إنها تجب\nبالأمر الدال على الواجب صراحة، فكان كل فريق موافقا للآخر في\nالمعنى والمراد، فكان الخلاف لفظيا.\nالقول الثاني: إن الخلاف معنوي له فائدة.\nواختلف أصحاب هذا القول - فيما بينهم - في هذه الفائدة، هل\nهي في الآخرة، أو في الدنيا؟ على رأيين:\nالرأي الأول: أن فائدة الخلاف في الآخرة فقط وهي: تعلق\nالثواب والعقاب، أي: إذا فعل المكلف الواجب ومقدمته، فهل\nنقول: يثاب ثوابين: ثواب على الواجب، وثواب على المقدمة؟\nوإذا تركهما هل يعاقب عقابين: عقاب على الواجب، وعقاب على\nالمقدمة؟\nاختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في تلك المسألة\nالأصولية.\nالرأي الثاني: أن فائدة الخلاف في الدنيا؛ حيث إنه يترتب على\nهذا الخلاف في هذه القاعدة، اختلاف في عدد كثير من المسائل\nالفقهية، فقالوا على لزوم المقدمة وهو رأي الجمهور الأحكام التالية:\n١ - أنه إذا اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا معًا، ووجب الكف\nعنهما، وكذا إذا اشتبهت الميتة بمذكاة.\n٢ - إذا نسي صلاة من الخمس ولم يعلم بها لزمه أن يصلي جميع\nالخمس، لتحقق براءة الذمة.","vol":"1","page":228},{"text":"٣ - إذا خفي عليه موضع النجاسة من الثوب، أو البدن وجب\nغسله كله.\n٤ - إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار وجب غسل الجميع\nوتكفينهم، والصلاة عليهم.\n٥ - إذا اشتبهت عليه الثياب النجسة بالطاهرة لزمه أن يصلي بعدد\nالنجس، ويزيد صلاة أخرى لتحقق الصلاة بثوب طاهر.\nالجواب عن تلك الأمثلة:\nيجاب عن ذلك بأن تلك الأمثلة لا تمنع من القول بأن الخلاف\nلفظي، وذلك لأن أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن\nالمقدمة لا تجب مطلقا - لا يخالفون في ذلك، فقد وافقوا الجمهور\nعليها، لكنهم وافقوهم عليها عن طريق التبع، أي: أنها وجبت\nبسبب دلالة الصيغة، لا بنفس الصيغة الدالة على وجوب الواجب\nالمطلق.\nالخلاف الثاني: الخلاف بين الجمهور وبين أصحاب المذهب\nالثالث والرابع، وهم المفرقون بين السبب والشرط، أو بين الشرط\nالشرعي وغيره هو: خلاف لفظي - أيضا -؛ لأنه لا يستلزم الفرق\nالذي ذكروه اختلافا بينهما في الأحكام الفقهية.\nالخلاف الثالث: الخلاف بين الجمهور وبين أصحاب المذهب\nالخامس وهم القائلون بالفرق بين الملازم في الذهن فيجب، وبين\nغير الملازم فلا يجب هو: خلاف لفظي - أيضا -؛ لاتفاق\nالفريقين على أن المقدمة واجبة، وهو عند الجمهور واضح.\nأما عند أصحاب المذهب الخامس، فالمقدمة إما واجبة، بالصيغة","vol":"1","page":229},{"text":"نفسها التي أوجبت الواجب المطلق، حيث قالوا: إن المكلَّف حال\nاستماع صيغة الأمر يعلم أن الإتيان بالمأمور ممتنع بدون الإتيان بتلك\nالمقدمة.\nوإما إنها واجبة بدلالة صيغة الأمر، لا بالصيغة نفسها، حيث\nقالوا: فلا تكون المقدمة واجبة من تلك الصيغة، بل من المركب من\nالأمر والعقل، وهذا هو مقتضى مذهب الجمهور ومقصودهم من\nمذهبهم.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المطلب الثاني في المندوب</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: مناسبة ذكر المندوب هنا.\nالمسألة الثانية: في حقيقة المندوب:\nأولًا: تعريف المندوب لغة.\nثانيًا: تعريفه اصطلاحًا.\nالمسألة الثالثة: في صيغ المندوب وأساليبه.\nالمسألة الرابعة: في الاختلاف في أسماء المندوب هل هي مترادفة أو لا؟\nالمسألة الخامسة: هل المندوب مأمور به حقيقة؟\nالمسألة السادسة: هل يعتبر المندوب من أحكام التكليف؟\nالمسألة السابعة: هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟","vol":"1","page":231},{"text":"المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المندوب هنا:\nلقد ذكرنا المندوب بعد الواجب مباشرة: لاشتراكهما في طلب\nالفعل؛ وأن كلًّا منهما يثاب على فعله، وإن كان ثواب الواجب\nأعظم من ثواب المندوب.\nوبعض الأصوليين يذكرون الحرام بعد الواجب مباشرة، ويذكرون\nالمندوب قبل المكروه، ولعل علتهم في ذلك: أن كلًّا من الواجب\nوالحرام يشتركان في صيغة واحدة، والمندوب والمكروه يشتركان في\nصيغة واحدة.\nفالواجب والحرام يشتركان في الطلب الجازم، سواء كان طلب\nفعل أو ترك.\nوالمندوب والمكروه يشتركان في الطلب غير الجازم، سواء كان\nطلب فعل أو طلب ترك.\nوالأوْلى ما ذكرناه؛ لأن أثر الطلب أو الترك أقوى من أثر الجزم\nوعدمه.\nالمسألة الثانية: حقيقة المندوب:\nأولًا: المندوب لغة مأخوذ من الندب وهو: الدعاء إلى أمر مهم،\nيقال: \" ندبته \" أي: دعيته إلى شيء مهم، ولم يرد عن العرب إلا\nلذلك كما قال قريط العنبري:\nلا يسألون أخاهم حين يندبهم للنائبات على ما قال برهانا\nوالنائبة هي: المصيبة العظيمة.","vol":"1","page":233},{"text":"فهذا الشاعر قد دعا بني مازن من تميم لنجدته وإعانته على\nاسترجاع إبله ممن أخذها، فقاموا بذلك، واسترجاع الإبل من\nالأعداء ليس بالأمر الهين، فيثبت: أن الندب هو الدعاء إلى فعل\nأمر مهم، أما الدعاء إلى فعل أمر غير مهم، فلا يسمى ندبًا.\nثانيًا: المندوب اصطلاحا:\nأقرب التعريفات إلى الصحة عندي هو: المطلوب فعله شرعًا من\nغير ذم على تركه مطلقًا.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: \" المطلوب فعله \" أخرج الحرام؛ لأنه مطلوب تركه،\n- وأخرج المكروه؛ لأنه مطلوب تركه - أيضًا -، وأخرج المباح؛ لأنه\nلم يطلب تركه ولا فعله.\nقولنا: \" شرعًا \" أخرج المطلوب فعله من غير طريق الشرع.\nقولنا: \" من غير ذم على تركه \" أخرج الواجب؛ لأنه مطلوب\nفعله، ويذم على تركه مطلقا.\nقولنا: \" مطلقا \" لبيان أنه يجوز ترك المندوب مطلقًا، أي: بلا بدل.\nوأخرج بلفظ \" مطلقًا \" الواجب الموسَّع، والواجب المخير،\nوالواجب الكفائي؛ لأن هذه الواجبات الثلاثة يجوز تركها، لكن\nبشرط البدل.\nفالواجب الموسَّع يجوز تركه في أول الوقت بشرط العزم على\nفعله في آخر الوقت.","vol":"1","page":234},{"text":"والواجب المخيَّر يجوز فيه ترك أيِّ خصلة بشرط العزم على فعل\nالخصلة الأخرى من بين المخيَّر بينها.\nوالواجب الكفائي يجوز للمكلَّف ترك الواجب بشرط علمه بأن\nغيره قد فعله.\nأما المندوب فيجوز تركه بلا بدل ولا شرط.\nالمسألة الثالثة: في صيغ المندوب وأساليبه:\nالمندوب ليس له صيغة معينة، بل له صيغ مختلفة تدل عليه وهي:\nالصيغة الأولى: الأمر الصريح إذا وجدت قرينة تصرفه من\nالوجوب إلى الندب، مثل قوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا)، فهذا الأمر للندب وليس للوجوب، والقرينة الصارفة هي:\nالسُّنَّة التقريرية؛ حيث إنه لما نزلت هذه الآية لم يكاتب بعض\nالصحابة عبيدهم الذين بين أيديهم، ولم ينكر عليهم النبي - ﷺ -.\nالصيغة الثانية: التصريح بأن ذلك سُنَّة، كقوله - ﷺ - في قيام رمضان - في رواية -: \" وسننت لكم قيامه \".\nالصيغة الثالثة: التصريح بالأفضلية الوارد من الشارع، ومنه قوله\n- في غسل الجمعة -: \" ومن اغتسل فالغسل أفضل \".\nالصيغة الرابعة: كل عبارة تدل على الترغيب، ومنه قوله - عليه\nالسلام - لبريرة - حيث أعتقت وفارقت زوجها مغيثا وكان رقيقا -:\n\" لو راجعتيه \".","vol":"1","page":235},{"text":"المسألة الرابعة: الاختلاف في أسماء المندوب هل هي مترادفة أو لا؟\nالمندوب له أسماء كثيرة، فهل تلك الأسماء مترادفة أو مختلفة؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المندوب، والمستحب، والتطوع، والسُّنَّة،\nوالإحسان، والمرغب فيه أسماء مترادفة؛ لأنها أسماء لمعنى واحد،\nوهو: المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقا، أو هو:\nالفعل المطلوب طلبًا غير جازم.\nالمذهب الثاني: أن تلك الأسماء غير مترادفة.\nوهو: اختيار بعض الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الشافعية،\nوبعض الحنابلة.\nواختلف أصحاب هذا المذهب في التفريق بينها على أقوال:\nالقول الأول: إنه يوجد فرق بين السُّنَّة، والمستحب، والتطوع،\nفالسُنَّة: ما فعله النبي - ﷺ - وواظب عليه، والمستحب: هو ما فعله النبي - ﷺ - ولم يواظب عليه، بل فعله مرة أو مرتين.\nأما التطوع: فهو الذي لم يفعله النبي - ﷺ -، بل أنشأه المكلَّف من نفسه واختاره، ذهب إلى ذلك بعض العلماء كالقاضي حسين،\nوالبغوي.\nالقول الثاني: أن لفظ \" السُنَّة \" يختص بالعرف بالمندوب بدليل\nقولهم: \" هذا واجب أو سُنَّة \".\nالقول الثالت: أن لفظ \" السُّنَّة \" غير مرادف للمندوب، بل\nيتناول كل ما علم أو ظن ندبيته أو وجوبه بقوله أو فعله ﵇،\nولذلك قال - ﷺ -: \"الختان سُنَّة للرجال ومكرمة للنساء \"،","vol":"1","page":236},{"text":"وقال: \" النكاح من سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني \".\nقال صفي الدين الهندي في \" نهاية الوصول \":\nوليس المراد منه النكاح المندوب فقط، بل المراد منه إما النكاح\nالواجب، أو المطلق الذي هو قدر مشترك بين الواجب والمندوب،\nأو العموم ليتناول جميع أفراده.\nالقول الرابع: إن النفل والتطوع لفظان مترادفان، وهما ما سوى\nالفرائض والسنن، أما المستحب ونحو ذلك فأنواع لهما.\nالقول الخامس: إن السُّنَّة ترتب كالرواتب مع الفرائض، والنفل\nوالندب: ما زاد على ذلك.\nالقول السادس: إن النفل قريب من الندب، إلا أنه دونه في الرتبة.\nالقول السابع: إن السُّنَّة: ما ارتفعت رتبته في الأمر، وبالغ\nالشرع في التحضيض عليه، أما ما كان في أول هذه المراتب فهو\nتطوع ونافلة، أما ما كان متوسطا بين هذين فهو فضيلة ومرغب فيه.\nالقول الثامن: إن السُّنَّة: مما صلاهما - ﷺ - في جماعة وداوم عليها، والفضيلة: ما دخل في الصلاة وليس من أصل نفسها\nكسجود التلاوة.\nبيان نوع الخلاف:\nهذا الخلاف بين أصحاب المذهب الأول وأصحاب المذهب الثاني\nعلى اختلاف أقوالهم خلاف لفظي راجع إلى اللفظ والتسمية؛ لأن\nحاصله أن كلًّا من تلك الأقسام، كما أنها تسمى بأسمائها المذكورة،\nهل تسمى بغير تلك الأسماء؟\nفعلى المذهب الأول، فإنه يُسمَّى كل منها باسم الآخر، أي:","vol":"1","page":237},{"text":"يصدق على كل من الأقسام أنه مرغب فيه من الشارع، ومطلوب\nفعله.\nأما على المذهب الثاني: فإنه لا يسمى كل واحد من الأسماء\nباسم الآخر، أي: لا يصدق على كل من الأقسام اسم الآخر،\nبل لكل اسم واصطلاح خاص به، فالخلاف في إطلاق الاسم فقط.\n***\nالمسألة الخامسة: هل المندوب مأمور به حقيقة؟\nلا خلاف ولا نزاع في أن المندوب تتعلق به صيغة الأمر \" افعل \"،\nوتستعمل فيه.\nولكن الخلاف في -: هل المندوب مأمور به حقيقة؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة.\nذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، وأحمد، وأكثر أتباعهما،\nواختاره المحققون من الحنفية، وهو وجه عند المالكية.\nوهذا هو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على وجه\nالاستعلاء.\nوالاستدعاء هو: الطلب، والمندوب مستدعى ومطلوب، وبناء\nعلى ذلك فإن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما دخل الواجب؟\nلاشتراكهما في شيء واحد وهو: أن كلًّا منهما مستدعى ومطلوب،\nفهذا يصدق عليهما.\nأي: كما أن \" الإنسان \" و\" الفرس \" يصدق عليهما اسم واحد،","vol":"1","page":238},{"text":"وهو: \" الحيوان \"؛ إلا أن الأول حيوان ناطق، والثاني حيوان غير\nناطق، فكذلك الواجب والمندوب يصدق عليهما اسم واحد، وهو:\nأن كلًّا منهما مأمور به حقيقة إلا أن الأمر بالواجب أمر جازم،\nوالأمر بالمندوب أمر غير جازم.\nالدليل الثاني: أنه قد شاع وذاع بين الفقهاء وأهل اللغة أن الأمر\nينقسم إلى قسمين: \" أمر إيجاب \" و\" أمر ندب واستحباب \"،\nوحيث إن مورد القسمة مشترك بين القسمين بالضرورة، فإنه يثبت:\nأن المندوب مأمور به حقيقة كالواجب.\nالدليل الثالث: أن اللَّه ﷾ قد أطلق الأمر على\nالمندوب في الكتاب، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون المندوب\nمأمورًا به حقيقة.\nمن ذلك: قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى)، فهنا قد أمر اللَّه تعالى بأشياء، منها: ما هو\nواجب، كالأمر بالعدل، ومنها ما هو مندوب إليه كالأمر بالإحسان،\nوإعطاء ذي القربى، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الأمر يطلق\nعلى المندوب، كما يطلق على الواجب سواء بسواء، وهذا يقتضي\nأن المندوب مأمور به حقيقة كالواجب.\nومن ذلك قوله تعالى: (وأمر بالمعروف)، فهنا قد أمر الله\nتعالى بالمعروف، والمعروف عام لدخول أل الاستغراقية عليه، فهو\nيشمل الطاعات الواجبة، والطاعات المندوبة، وهذا يدل على أن\nالأمر يطلق على المندوب حقيقة كما يطلق على الواجب ولا فرق.\nومن ذلك ما قالته أم عطية - ﵂ -: \"أمرنا - ﷺ - أن نخرج في العيدين العواتق \"، ومعروف أنه ليس إخراجهن واجبًا.","vol":"1","page":239},{"text":"ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم: \" أن النبي - ﷺ - أمر بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم،\nونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام \" فإن هذه الأمور\nفيها ما هو واجب، وفيها ما هو مندوب إليه، ومع ذلك قد وحَّد\nالشارع الأمر، مما يدل على أن الأمر قد استعمل في المندوب،\nوالأصل في الاستعمال الحقيقة، فثبت أن المندوب مأمور به حقيقة.\nالدليل الرابع: أن المندوب طاعة، وكل ما هو طاعة فهو مأمور به\nحقيقة، فالمندوب مأمور به حقيقة.\nدليل المقدمة الصغرى - وهي: أن المندوب طاعة -:\nإجماع العلماء على أن المندوب طاعة.\nدليل المقدمة الكبرى - وهي: أن كل ما هو طاعة فهو مأمور به\nحقيقة -: أن الطاعة تقابل المعصية، والمعصية مخالفة الأمر،\nفالطاعة: امتثال الأمر.\nفتكون النتيجة: أن المندوب مأمور به حقيقة.\nاعتراض على هذا:\nقال معترض على الدليل الرابع: إن كون المندوب طاعة لا يدل\nعلى أنه مأمور به؛ لأن الطاعة ليست من خصائص الأمر.\nجوابه:\nيقال في الجواب عن ذلك: إن الطاعة والمعصية مقرونتان بالأمر\nمن حيث الامتثال والمخالفة، فيكونان من خصائصه، ويؤيد ما قلناه\nنصوص قد وردت:\nمنها: قوله تعالى: (أفعصيت أمري)، وقوله: (ويفعلون ما يؤمرون) .","vol":"1","page":240},{"text":"ومن ذلك: قول حصين بن منذر ليزيد بن المهلَّب - شعرًا -:\nأمرتك أمرًا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادمَا\nفما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالماَ\nومن ذلك قول العرب - نثرًا -: \" فلان مطاع الأمر \"، و\" فلان\nمعصي الأمر \"، وقولهم: \" أمر فأطيع \"، وقولهم: \"أمر فعصي \".\nالمذهب الثاني: أن المندوب غير مأمور به حقيقة، وإنما اعتبر\nمأمورًا به عن طريق المجاز.\nذهب إلى ذلك: أبو الحسن الكرخي، والجصاص، وأبو بكر\nالشاشي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو حامد الإسفراييني، وفخر\nالدين الرازي، وعبد الرحمن الحلواني، ونقل عن أكثر الشافعية،\nوهو وجه للمالكية، واختاره إلكيا الهراسي، وأستحسنه ابن\nالسمعاني، وصحَّحه ابن العربي.\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه حذَّرنا من مخالفة أمره، وتوعَد من يخالف\nذلك الأمر بالعقاب - وهو الفتنة والعذاب -، فلو كان المندوب\nمأمورًا به حقيقة لحذَّرنا اللَّه سبحانه من مخالفته، ولكن لم يصدر\nأيّ تحذير من مخالفة المندوب؛ حيث إنه يثاب على فعله، ولا\nيعاقب على تركه، فينتج أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه؛ إنا نسلِّم أن الأمر - هنا - يقتضي الوجوب","vol":"1","page":241},{"text":"حيث إن اللَّه تعالى توعَّد من يخالف أمره بالعقاب، ولكن يجوز\nصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب بصارف، فإذا صرف الأمر\nمن كونه يقتضي الوجوب إلى كونه يقتضى الندب، فإن ذلك لا\nيخرج الأمر عن تسميته أمرًا، فثبت: أن الأمر يطلق على المندوب\nحقيقة كالواجب بدليل: اشتراكهما في التسمية.\nالدليل الثاني: قوله - ﷺ -: \" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة \".\nوجه الدلالة: أن \" لولا \" تفيد انتفاء شىء لوجود غيره، والمراد\nهنا: انتفاء الأمر لوجود المشقة.\nفلو كان المندوب مأمورًا به حقيقة، لكان السواك مأمورًا به،\nولكن الصادق المصدوق نفى الأمر عن السواك من أجل المشقة التي\nستلحق الأمة لو أمر به، والمشقة لا تلحق إلا فيما يجب فعله،\nفثبت أن المندوب غير مأمور به حقيقة.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إن المنفي هنا هو الأمر الجازم الذي يقتضي\nالوجوب، ويكون تقدير الكلام: \" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم\nأمر إيجاب وإلزام \"، بدليل: أنه امتنع منه لأجل المشقة، والمشقة\nإنما تلحق فيما يلزم فعله.\nوإذا ثبت أن المنفي هو الأمر الجازم: ثبت أن الأمر غير الجازم لم\nينفه الرسول - ﷺ -، وهو الدال على المندوب، فنتج من ذلك: أن المندوب مأمور به حقيقة بقطع النظر عن كونه جازمًا أو غير جازم.\nالدليل الثالث: أنه يفهم من صيغة الأمر أنها تقتضي إيقاع الفعل","vol":"1","page":242},{"text":"اقتضاء جازما لا تخيير فيه؛ حيث إن تاركه يعاقب، بخلاف\nالمندوب، فإن فيه نوع تخيير، وهو: إن شاء المكلَّف فعل المندوب\nوله ثواب، وإن شاء ترك ولا عقاب عليه، ولو كان المندوب مأمورًا\nبه حقيقة لما وقع التخيير فيه، فثبت أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة\nلثبوت التخيير فيه.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الأمر ليس فيه تخيير، بل يقع\nالتخيير فيه بدليل \" الواجب الموسَّع \"، حيث خيَّر الشارع المكلَّف\nبين أن يوقع الفعل في أول الوقت، أو وسطه، أو آخره، وبدليل\n\"الواجب المخيَّر \"، حيث خيَّر الشارع المكلَّف بين أن يفعل إحدى\nخصال الكفارة.\nالجواب الثاني: سلمنا لكم قولكم: \" إن الأمر لا تخيير فيه \"،\nولكن لا نُسَلِّمُ أن المندوب فيه تخيير؛ لأن فعل المندوب أرجح من\nتركه.\nأما التخيير فهو عبارة عن كون فعل الشيء وتركه سواء لا يرجح\nأحدهما على الآخر كالفعل والترك بالنسبة للمباح، فثبت أن المندوب\nلا تخيير فيه، فشارك الواجب في عدم التخيير، فثبتت مشاركته في\nكونه مأمورًا به حقيقة، فنتج: أن المندوب مأمور به حقيقة.\nالدليل الرابع: لو كان المندوب مأمورًا به لسمى تاركه عاصيا،\nولجاز أن يقال لمن ترك قيام الليل، وصيام التطوع، وصلاة النفل،\nوصدقات التطوع، وإماطة الأذى عن الطريق: \" عصيت أمر اللَّه \"،","vol":"1","page":243},{"text":"كما يقال في الواجب، ولما لم يجز أن يوصف تارك المندوب\nبالعصيان دلَّ على أن المندوب غير مأمور به حقيقة.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إن تارك المندوب لم يسم عاصيًا بسبب أن\nالعصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، فلو سمي تارك\nالمندوب عاصيًا لالتبس مع الواجب، لذلك أسقط اللَّه تعالى الذم\nعن تارك المندوب.\nبيان نوع هذا الخلاف:\nلقد اختلف في هذا الخلاف على قولين:\nالقول الأول: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له.\nوهذا هو الصحيح عندي؛ لأن المندوب مطلوب فعله باتفاق\nأصحاب المذهبين، فلم يبق إلا في إطلاق اسم الأمر على المندوب\nحقيقة، أو مجازًا.\nالقول الثاني: إن الخلاف معنوي، قد ترتب عليه بعض الآثار\nوالفوائد، منها:\n١ - أنه إذا ورد لفظ الأمر، ودل دليل على أنه لم يرد به\nالوجوب، فإنه يحمل على الندب، دون الحاجة إلى دليل، وذلك\nبناء على المذهب الأول؛ حيث إن اللفظ عندهم له حقيقتان.\nأما على المذهب الثاني: فإنه لا يحمل الأمر على الندب إلا بدليل\nوذلك لأن حمل اللفظ على المجاز لا يجوز إلا بدلالة؛ لجواز كون\nالأمر للإباحة.\n٢ - أنه إذا قال الراوي: \" أمرنا \"، أو \"أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - بكذا \"","vol":"1","page":244},{"text":"فعلى المذهب الأول: يكون الأمر مترددًا بين إرادة الوجوب\nوالندب، فيكون الأمر مجملًا بينهما ولا بد من دليل يرجح المقصود.\nأما على المذهب الثاني: فإن الأمر يكون للوجوب، وهو ظاهر\nفيه حتى يقوم دليل على خلافه.\n***\nالمسألة السادسة: هل يعتبر المندوب من أحكام التكليف؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المندوب من الأحكام التكليفية.\nوهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبي بكر\nالباقلاني، وابن عقيل، وابن قاضي الجبل، وابن قدامة، والطوفي.\nوهو الصحيح عندي؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، وفعل\nالمندوب رغبة في الثواب واحتياطا للدين فيه مشقة، وتركه فيه مشقة\nعلى المكلف القوي الإيمان؛ نظرًا لفوات الثواب الجزيل بفعله،\nوربما كان ذلك أشق عليه من الفعل.\nالدليل الثاني: أن تخصيص الفعل بوعد الثواب يحث العاقل على\nالفعل، وهذا من الكلفة.\nفإن قال معترض: إن المندوب غير ملجا لذلك الفعل بالإكراه\nالشرعي، والمشقة إنما تنشا عن الإلجاء، والمختار لا مشقة فيه.\nفإنا نقول له: إن هذا الاعتراض يناسب المعنى اللغوي للتكليف","vol":"1","page":245},{"text":"الذي هو: إلزام ما فيه كلفة وهي: المشقة، ولا يناسب المعنى\nالشرعي للتكليف وهو: \" الخطاب بأمر أو نهي \"، كما سيأتي.\nالدليل الثالث: أن التكليف من الشارع هو: طلب ما فيه كلفة\nومشقة، إلا أن ذلك قد يكون بإلزام وذاك هو الإيجاب، وقد لا\nيكون بإلزام وذاك هو المندوب، فهما قد طلبهما الشارع، ولم يخير\nفي فعلهما أو تركهما، وهما في فعلهما مشقة وكلفة، إلا أنهما\nيختلفان في الترك، فترك الواجب يزيد في المشقة؛ لأن التارك\nيعاقب، أما ترك المندوب فلا مشقة فيه؛ لأنه لا عقاب عليه، فتبقى\nالمشقة في المندوب في الفعل فقط.\nالمذهب الثاني: أن المندوب ليس من الأحكام التكليفية.\nذهب إلى ذلك: إمام الحرمين، وابن برهان، والآمدي، وابن\nالحاجب، والقرافي، وتاج الدين ابن السبكي، ونسبه بعضهم إلى\nالأكثرين.\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة،\nوالمندوب لا كلفة ولا مشقة فيه، بل هو مساو للمباح في التخيير بين\nالفعل والترك من غير حرج مع زيادة الثواب على الفعل.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إن قياسكم المندوب على المباح قياس فاسد؟\nلأنه قياس مع الفارق، حيث إنه يوجد فرق بين المندوب والمباح من\nوجوه:\nالوجه الأول: أن المندوب مطلوب فعله، أما المباح فهو مخير بين\nالفعل والترك.","vol":"1","page":246},{"text":"الوجه الثاني: أن المندوب يثاب المكلَّف على فعله، أما المباح فإن\nالمكلَّف إذا فعله فإنه لا يثاب.\nالوجه الثالث: أن العقل والشرع يمنعان من ترك المندوبات\nاستصلاحًا ونظرًا، لا عزمًا وجزمًا، بخلاف المباحات، فإن العقل\nوالشرع لا يمنعان من تركها.\nالدليل الثاني: أن المندوب في سعة من تركه، ولا تكليف في السعة.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن كون الشارع قد\nجوَّز ترك المندوب لا يعني أنه لم يكلف به، بل كلف به إلا أن ذلك\nالتكليف ليس بإلزام على فعله، - وإلا كان واجبًا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ حيث إنه راجع إلى\nتفسير التكليف ما هو؟\nفمن فسر التكليف بأنه \" الخطاب بأمر أو نهي \"، أو \" الأمر بما\nفيه كلفة، أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة \":\nقال: المندوب من التكليف.\nومن فسَّر التكليف بأنه: \" إلزام ما فيه كلفة \": قال: المندوب\nليس من التكليف؛ لأنه لا إلزام في طلب المندوب.\nفيكون أصحاب المذهبين متفقين على أن المندوب مطلوب فعله،\nإلا أن أحدهما نفى عنه اسم التكليف؛ نظرًا لعدم الإلزام في طلبه،","vol":"1","page":247},{"text":"والآخر - وهو الذي اخترناه - أثبت له اسم التكليف؛ لوجود\nالمشقة والكلفة في طلبه كما قلنا.\n***\nالمسألة السابعة: هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المندوب لا يلزم بالشروع فيه، أى: لا يصير\nالمندوب واجبًا بالشروع فيه مطلقًا.\nأي: أن المكلف إذا شرع بمندوب، فإنه يجوز له تركه متى ما\nشاء، فهو مخير بين قطعه وإتمامه، لكن يستحب له الإتمام؛ لما فيه\nمن الثواب، فإن قطعه فلا إثم ولا قضاء عليه.\nهذا في غير نفل الحج والعمرة، - حيث يجب فيهما الإتمام، أما\nغيرهما فلا يجب عليه الإتمام - كما قلنا -.\nذهب إلى ذلك: الإمام أحمد في رواية عنه، والشافعية، والحنابلة.\nوهو الصحيح عندي؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: قوله - ﷺ -:\n\"الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر \"،\nفأجاز - هنا - قطع صيام النفل بدون إثم ولا قضاء، فيدل على أن المندوب لا يلزم بالشروع فيه.\nالدليل الثاني: ما روي: \" أن - ﷺ - كان ينوي صوم التطوع ثم يفطر \"، وهو واضح في الدلالة على أن المندوب لا يلزم في\nالشروع فيه.\nالدليل الثالث: أن عائشة - ﵂ - قالت: قال لي","vol":"1","page":248},{"text":"رسول اللَّه - ﷺ - ذات يوم: \" يا عائشة، هل عندكم شيء؟ \"، فقلت: يا رسول اللَّه - ﷺ - ما عندنا شيء، قال: \" فإني صائم \"\nقالت: فخرج رسول اللَّه - ﷺ - فأهديت لنا هدية، ثم عاد فقلت: قد خبأت لك شيئًا، قال: \" ما هو؟ \"\nقلت: حيس، قال: \"هاتيه \"، فجئت به فأكل، ثم قال: \" كنت أصبحت صائما \".\nوجه الدلالة: أنه لو كان الإتمام واجبا لفعله النبي @س)، ولكنه\nقطعه ولم يتمه، فدل ذلك على عدم لزوم الإتمام.\nالدليل الرابع: إجماع الصحابة السكوتي دلَّ على ذلك؛ حيث\nإن أبا الدرداء، وأبا طلحة، وأبا هريرة، وابن عباس، وحذيفة،\nكانوا يصومون تطوعا، ثم يقطعون ذلك من غير نكير من بقية\nالصحابة، فصار بمثابة الإجماع السكوتي على أن النفل لا يلزم\nبالشروع فيه، فلو أنكر عليهم بعض الصحابة في ذلك لنقل إلينا كما\nنقل إلينا غيره.\nالدليل الخامس: قول الصحابي وفعله دلَّ على ذلك، حيث إن\nالبيهقي وعبد الرزاق أخرجا عن ابن عمر وابن عباس أنهما أصبحا\nصائمين، ثم أفطرا، وقال ابن عمر: لا بأس به ما لم يكن نذرًا أو\nقضاء رمضان.\nوقال ابن عباس: إذا صام الرجل تطوعا، ثم شاء أن يقطعه قطعه،\nوإذا دخل في صلاة تطوعا، ثم شاء أن يقطعها قطعها.\nالدليل السادس: آخر النفل من جنس أوله ولا فرق بينهما.\nفكما أنه مخير في الابتداء بين أن يسُرع فيه وبين أن لا يشرع فيه؟\nلكونه نفلًا، فكذلك يكون مخيرًا في الانتهاء، وإذا ترك الإتمام فإنما\nترك أداء النفل، وذلك لا يلزمه شيئًا.","vol":"1","page":249},{"text":"المذهب الثاني: أن المندوب يلزم بالشروع فيه، فإذا شرع المكلف\nفي أداء المندوب، فإنه يجب عليه المضي فيه وإتمامه.\nذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وأكثر المالكية على تفصيل في ذلك:\nفالحنفية ذهبوا إلى أن المكلف إذا شرع في أداء النفل، فيجب عليه\nالإتمام، فإن خرج منه لعذر: لزمه القضاء، ولا إثم عليه، وإن\nخرج منه لغير عذر: لزمه القضاء وعليه الإثم.\nهذا في جميع المندوبات.\nأما المالكية، فقد ذهبوا إلى أنه يجب عليه الإتمام إذا شرع في\nالمندوب، فإن خرج منه بغير عذر فعليه القضاء فقط، وإن خرج\nبعذر فلا قضاء عليه. هذا في سبعة من المندوبات - عندهم - وهي:\n\"الحج المندوب \"، و\" العمرة المندوبة \" - وهذا بالاتفاق بين\nالعلماء - و\" طواف التطوع \"، و\" الصلاة المندوبة \"، و\"الصوم\nالمندوب \"، و\" الائتمام: فمن صلى في جماعة امتنع أن يفارق\nالإمام \"، و\" الاعتكاف: فمن نوى اعتكاف عشرة أيام وجب عليه\nإكمالها إذا شرع فيها \".\nأما ما عدا ذلك من المندوبات - فيجوز - عند المالكية - أن يقطعه\nإذا دخل فيه.\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nاستدل هؤلاء على أن المكلَّف إذا شرع في المندوب أو النفل، فإنه\nيجب عليه إتمامه، ولا يجوز قطعه بأدلة، هي كما يلي:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) .\nوجه الدلالة؛ أن اللَّه نهى عن إبطال الأعمال مطلقا، وهذا يعم","vol":"1","page":250},{"text":"الأعمال الواجبة والأعمال المندوبة، والنهي المطلق يفيد التحريم،\nفيكون الإبطال حرام، وترك الحرام واجب، فيكون إتمام ما شرعنا\nفيه واجبا، سواء كان واجبا أصلًا أم مندوبًا.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بأجوبة:\nالجواب الأول: أن النهي هنا يحمل على التنزيه، لا على\nالتحريم، والذي صرفه إلى التنزيه الأحاديث السابقة التي ذكرناها\nضمن أدلة المذهب الأول؛ حيث إنها خاصة، والآية عامة، وإذا\nتعارض العام مع الخاص قدم الخاص؛ جمعًا بين الدليلين، وبناء\nعلى هذا يكون النهي الوارد في الآية للتنزيه.\nوإذا ثبت هذا، فإنه يجوز لمن شرع في النفل أن يقطعه مطلقًا.\nالجواب الثاني: على فرض أن النهي في الآية للتحريم، وليس\nللتنزيه، فإن الآية خاصة في إبطال الأعمال بالردة بدليل الآية التي\nقبلها، وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) .\nالجواب الثالث: على فرض أن النهي في الآية للتحريم، وليس\nللتنزيه، فإن الآية خاصة في إبطال الأعمال بالرياء، وهو رأي ابن\nعباس، وابن جريج، ومقاتل، كما نقله بعض المفسِّرين\nكالزمخشري، والقرطبي، ونقله ابن عبد البر عن أهل السنة.\nالدليل الثاني: أن أعرابيًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله\n- ٢٥١ -","vol":"1","page":251},{"text":"الله، ماذا فرض اللَّه عليّ من الصلاة؛ قال: \" خمس صلوات في\nاليوم والليلة \"، قال: هل عليّ غيرهن؟ قال: \" لا، إلا أن\nتطوع \".\nوجه الدلالة: أنك إن دخلت في التطوع فإنه يلزمك إتمامه، وإن\nكان في الأصل هو تطوع، ولا يلزم المكلَّف فعله، لكن لزم بسبب\nدخولك فيه.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إن الاستثناء في قوله: \" إلا أن تطوع \"\nمنقطع، أي: أنه لا علاقة له بما تقدم بدليل: أن النبي - ﷺ - قد أبطل تطوعه بفطره بعد نية الصوم، وبدليل حديث عائشة: أن النبي - ﷺ - لما أكل مما أهدي إليه قال: \" كنت أصبحت صائمًا \"، وبدليل: أن كبار الصحابة كانوا يقطعون صيام النفل من غير نكير.\nالدليل الثالث: أنه روي: أن عائشة ﵂ قالت:\nأصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدى لنا حيس فأفطرنا،\nثم سألنا رسول اللَّه - ﷺ - فقال: \" اقضيا يومًا مكانه \".\nوجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - لما أوجب أن تقضي عائشة وحفصة يومًا مكان اليوم الذي أفطرتا فيه، فإنه يشير إلى أن المندوب يلزم بالشروع فيه.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الحديث مرسل، وضعيف، كما قال كثير من\nعلماء الحديث، وذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في \" فتح الباري \"،","vol":"1","page":252},{"text":"وقال عنه الترمذي: \" فيه مقال \"، وقال عنه أبو داود: \" لا يثبت \"\nوإذا كان كذلك فلا يستطيع أن يقوى على معارضة الأحاديث\nالصحيحة التي أثبتت أن المندوب لا يلزم بالشروع.\nالجواب الثاني: على فرض ثبوت هذا الحديث، فإن الأمر في\nقوله: \" اقضيا \" يحمل على الندب، لا على الوجوب، والقرينة\nالصارفة هي الأحاديث التي ذكرناها في المذهب الأول.\nالدليل الرابع: أن النفل يلزم بالشروع؛ قياسًا على النفل المنذور،\nفكما أن النفل المنذور صار لله - تعالى - تسمية بمنزلة الوعد، فهو\nأدنى حالًا مما صار لله تعالى فعلًا وهو المؤدى.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع\nالفارق؛ حيث إنا نتكلم عن النفل المطلق، وهذا بخلاف النفل\nالمنذور، فإنه قد قيد بالنذر، حيث أوجب الناذر على نفسه ذلك.\nالدليل الخامس: أن نفل الحج ونفل العمرة يجب بالشروع فيهما،\nفكذلك أيُّ نفل يشرع فيه يجب إتمامه، ولا فرق، والجامع: أن\nكلًا من الحج والعمرة وغيرهما يطلق عليه اسم \" النفل \".\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إن قياسكم النفل المطلق على نفل الحج\nوالعمرة قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن نفل الحج\nوالعمرة يفارق نفل غيرهما من وجهين:\nالوجه الأول: أن النية في نفل الحج والعمرة لا تختلف عن النية\nفي فرضهما، فهي في كل منهما قصد التلبس بالحج والعمرة، وهذا","vol":"1","page":253},{"text":"ليس متحققًا في غيرهما من النوافل؛ حيث إن نية النفل غير نية الفرض.\nالوجه الثاني: أنه تجب الكفارة فيهما بالجماع، كما تجب في\nفرضهما، بخلاف وجوب الكفارة بالإفطار في الصيام، فإنها تجب\nفي الفرض، دون النوافل.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي، حيث أثَّر في بعض المسائل\nالفقهية، وهي أنه إذا دخل في نافلة من النوافل، سواء كانت في\nالصوم، أو الصلاة، فإنه عند أصحاب المذهب الأول - وهو\nالمختار -: يجوز له قطع ذلك بعذر أو بدون عذر، ولا شيء عليه.\nأما عند المالكية من أصحاب المذهب الثاني، فإنه إذا قطع ما دخل\nفيه من النافلة، فإنه ينظر:\nإن كان قطعها بعذر فلا قضاء عليه.\nوإن كان قطعها بلا عذر فعليه القضاء.\nأما عند الحنفية من أصحاب المذهب الثاني، فإنه إذا قطع ما دخل\nفيه من النافلة فإنه ينظر:\nإن كان قد قطع النافلة بعذر فعليه القضاء، ولا إثم عليه.\nوإن كان قد قطع النافلة بغير عذر فعليه القضاء، وعليه الإثم.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المطلب الثالث في المباح</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى: في مناسبة ذكر المباح هنا.\nالمسألة الثانية: في حقيقة المباح:\nأولًا: المباح لغة.\nثانيًا: المباح اصطلاحا.\nالمسألة الئالثة: في صيغ المباح.\nالمسألة الرابعة: هل المباح من الشرع؟\nالمسألة الخامسة: حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع\nبحكمها.\nالمسألة السادسة: المباح هل هو مأمور به؟\nالمسألة السابعة: هل الإباحة تكليف؟\nالمسألة الثامنة: هل المباح من جنس الواجب؟\nالمسألة التاسعة: هل يُسمَّى المباح حسنا؟","vol":"1","page":255},{"text":"المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المباح هنا:\nمناسبة ذكره بعد الواجب والمندوب هي: أن هذه الثلاثة تشترك\nفي فعل المكلف الذي تعلَّق به الحكم الشرعي، لا في تركه.\nالمسألة الثانية: في بيان حقيقة المباح:\nأولًا: المباح لغة:\nالمباح: اسم مفعول مشتق من الإباحة، وهو يطلق على الإظهار\nوالإعلان، يقال: \" باح بسره \" أي: أظهره وأعلنه.\nويطلق ويراد به: الإطلاق والإذن، يقال: \" أباح الأكل من\nبستانه \" أي: أذن بالأكل منه، وهذا هو أقرب المعاني لمراد\nالأصوليين من المباح.\nثانيا: المباح اصطلاحا:\nالمباح هو: ما أذن اللَّه - تعالى - للمكلفين في فعله وتركه مطلقًا\nمن غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته.\nشرح التعريف، وبيان محترزاته:\nقولنا: \" ما \" للجنس، ويقصد بها الفعل، أو الشيء، ويدخل\nفي ذلك الأحكام التكليفية - كلها - الواجب، والمندوب، والمباح،\nوالمكروه، والحرام.\nوقولنا: \" أذن اللَّه تعالى \" أي: صدر هذا من اللَّه وهو الشارع\nالحكيم.\nوقد احترزنا بذلك من أفعال اللَّه، حيث قيل: إنها خالية من","vol":"1","page":257},{"text":"الثواب والعقاب، ومع ذلك فهي ليست مباحة، فذكرنا هذا القيد؟\nلإخراج هذا الزعم؛ لأن الإذن صدر من اللَّه للمكلفين.\nوقولنا: \" للمكلفين \" جمع مكلف، والمكلف هو: البالغ\nالعاقل الذي يفهم الخطاب الشرعي.\nوخرج بهذا: الصبي والمجنون، والساهي والنائم، والبهيمة،\nفأفعال هؤلاء ليست مباحة؛ لعدم التكليف في حقهم.\nوقولنا: \" في فعله وتركه مطلقا \" أي: من غير بدل.\nوخرج بهذا: \" الواجب الموسَّع \"، و\" الواجب المخير\"؛ حيث\nإن المكلف مخير بين أن يفعل هذه الخصلة أو تلك من غير ذم ولا\nمدح في تركها:\nفالمكلف مخيَّر بين أن يفعل الصلاة في أول وقتها، أو يفعلها في\nوسط وقتها، أو يفعلها في آخر وقتها، لكن هذا مشروط بأن لا\nيترك الصلاة في أول وقتها، إلا إذا كان عازما على فعلها في وسط\nأو آخر وقتها.\nوكذلك في الواجب المخيَّر: لا يترك خصلة إلا إذا كان عازما على\nفعل الخصلة الأخرى، من خصال كفارة اليمين - مثلًا -.\nفذكرنا في التعريف \" مطلقا \" لإخراج ذلك، أي: أن الترك في\nالمباح يكون مطلقا غير مشروط.\nقولنا: \" من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه \" معناه: أن التارك\nلا يُذَم، ولا يُمدح، والفاعل لا يُذم ولا يُمدح، فالفعل والترك\n- وهما الطرفان - متساويان عند الشارع.\nوهذا القيد أخرج الأحكام التكليفية الأربعة وهي:","vol":"1","page":258},{"text":"١ - \" الواجب \" لأنه يتعلق بفعله مدح، وبتركه ذم.\n٢ - \" المندوب \" لأنه يتعلق بفعله مدح، ولا ذم في تركه.\n٣ - \" الحرام \" لأنه يتعلق بتركه مدح، وبفعله ذم.\n٤ - \" المكروه \" لأنه يتعلق بتركه مدح، ولا يتعلق بفعله ذم.\nقولنا: \" لذاته \" أي: تارك المباح وفاعله لا يذم ولا يمدح لذات\nالمباح من غير اعتبارات أخرى.\nفخرج بهذا: المباح الذي يترك به واجبًا، وأخرج المباح الذي\nيستعين به على واجب.\nوهناك تعريفات أخرى للمباح قد تعرضت لبعضها في كتابي\n\"إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر\".\nالمسألة الثالثة: في صيغ المباح:\nهناك صيغ تستعمل في الإباحة هي كما يلي:\nالأولى: \" الإحلال \" أو \" أحل \"، ومنه قوله تعالى:\n(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)، وقوله: (وأحل لكم ما\nوراء ذلكم) .\nالثانية: \" لا جناح \"، ومنه قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)، وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .\nالثالثة: \" لا حرج \"، ومنه قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ \"،\nوقوله - ﷺ -: \"افعل ولا حرج \".","vol":"1","page":259},{"text":"الرابعة: صيغة الأمر التي صرفت من اقتضائها للوجوب والندب\nإلى الإباحة بسبب قرينة اقترنت بها، ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)، فهذا الأمر بالانتشار هو\nللإباحة، والقرينة التي صرفت الأمر إلى الإباحة هي: منع الفعل\nقبل ذلك في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)،\nحيث إنه كان الانتشار لطلب الرزق ممنوعًا إذا نودي للصلاة، ثم\nأباحه بعد الصلاة.\nالمسألة الرابعة: هل المباح من الشرع؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المباح من الشرع، أي: أنه حكم شرعي،\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الراجح؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن الإباحة: تخيير بين الفعل والترك، وهو\nمتوقف في وجوده على الشرع كبقية الأحكام الشرعية، فتكون\nالإباحة حكمًا شرعيًا.\nفهذا الدليل قائم على القياس، وهو قياس الإباحة على بقية\nالأحكام الشرعية، كالواجب والمندوب بجامع: أن كلًّا منها متوقف\nفي وجوده على الشرع.\nالدليل الثاني: الأفعال ثلاثة أقسام:\nقسم صرَّح الشرع فيه بالتخيير بين فعله وتركه، فقال: \" إن شئتم\nفافعلوه وإن شئتم فاتركوه \"، فهذا خطاب من الشارع صريح وهو\nحكم شرعي.","vol":"1","page":260},{"text":"وقسم لم يرد من الشارع خطاب فيه بالتخيير، ولكن دلَّ دليل\nالسمع على نفي الحرج من فعله وتركه، فهذا عرف بدليل السمع،\nولولا وجود هذا الدليل الشرعي لعرف بدليل العقل نفي الحرج عنه،\nحيث يبقيه على النفي الأصلي، فاجتمع في هذا القسم دليل السمع\nوالعقل.\nوقسم لم يرد فيه خطاب صريح، ولا دليل من الشرع، أي: أن\nهذا القسم لم يتعرض الشرع له لا بصريح لفظ الشارع، ولا هو\nمفهوم من دليل من أدلة السمع، فهذا يجري فيه احتمالان:\nالأول: أنه يحتمل أن يقال: لا حكم له؛ لأنه لم يرد فيه\nخطاب صريح من الشرع، ولم يرد فيه دليل شرعي.\nوهذا الاحتمال بعيد جدًا؛ لأنه لا توجد حادثة إلا ولها حكم\nشرعي.\nالثاني: أنه يحتمل أن يقال: قد دلَّ السمع - بصورة عامة -\nعلى أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا ترك، فالمكلف مخير فيه\nأو بانعقاد الإجماع على ذلك، وهذا الدليل يعم جميع الأفعال التي\nلا نهاية لها.\nوعلى هذا لا يبقى فعل إلا وقد دلَّ عليه من جهة الشرع فتكون\nإباحته من الشرع.\nالمذهب الثاني: أن الإباحة ليست بحكم شرعي.\nذهب إلى ذلك بعض المعتزلة واحتجوا على ذلك بقولهم: إنه لا\nمعنى للمباح إلا انتفاء الحرج من فعله وتركه، وهذا ثابت قبل ورود\nالشرع، وهو مستمر بعده، وعلى هذا لا يكون حكمًا شرعيًا.","vol":"1","page":261},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nلقد بيَّنت في كتابي \" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \"، وفي\nكتابي \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \": أن الخلاف في\nهذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ ودليل ذلك:\nأنه إن أراد أصحاب المذهب الثاني بالمباح: ما لا حرج في فعله\nولا في تركه لا غير، أو أرادوا بالحكم الشرعي الحكم الذي يخالف\nحكم العقل الذي كان ثابتا قبله: فالمباح ليس حكما شرعيا.\nوإن أرادوا بالمباح: ما أُعلم فاعله أو دُل بطريق شرعي على أنه لا\nحرج في فعله أو تركه، أو أرادوا بالحكم الشرعي خطاب اللَّه المتعلق\nبأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير: فالمباح حكم شرعي؛ وذلك\nلأن الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالتخيير أعم من أن يكون ذلك\nعلى وجه التقرير، أو على وجه التغير.\nفلم تتوارد أقوال أصحاب المذهبين على محل واحد، فلا خلاف\nفي المعنى.\nالمسألة الخامسة: حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود\nالشرع بحكمها:\nلقد اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب:\nالمذهب الأول: الإباحة أي: أن الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل\nورود الشرع بحكمها:. مباحة: إن شاء المكلف انتفع بها واستعملها،\nوإن شاء تركها لا ذم ولا مدح لفاعلها ولا لتاركها.\nذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض الحنابلة كأبي الحسين التميمي","vol":"1","page":262},{"text":"وأبي الخطاب، وبعض المالكية كأبي الفرج، وبعض الشافعية\nكالأستاذ أبي إسحاق، وأبي العباس ين سريج، وأبي حامد\nالمروزي، وبعض المعتزلة كأبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم.\nوهذا هو الراجح عندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) .\nوجه الاستدلال: أن هذه الآية دلَّت على إباحة الأشياء وجواز\nالانتفاع بها، حتى يرد دليل يغيِّر ذلك، ويؤيد ذلك قوله تعالى:\n(اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) .\nفهو سبحانه أتى بلفظ \" لكم \" وكررها ليبين لنا - في موطن\nالامتنان علينا - أنه خلق لنا ما في الأرض وسخره لنا، واللام في\nقوله \" لكم \" في الآيتين للاختصاص أو الملك - وهو تمليك مجازي\nوليس بحقيقي -؛ لأن المالك الحقيقي هو اللَّه ﷿ - فإذا كان\nالله - تعالى - قد خصَّنا بهذه الأشياء وملكنا إياها فلا بد أن نتحصل\nعلى فائدة الملك، وهي: الانتفاع بها.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ...) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه جعل - في هذه الآية - الإباحة أصلًا في\nهذه الأشياء إلا ما استثني من ذلك.\nالدليل الثالث: قوله تعالى:","vol":"1","page":263},{"text":"(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، وقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) .\nوجه الدلالة: أن هاتين الآيتين جعلتا الإباحة أصلًا في هذه\nالأشياء إلا ما صرَّح اللَّه ﷿ بتحريمه.\nالدليل الرابع: أن النبي - ﷺ - سئل عن السمن والجبن والفراء فقال: \" الحلال ما أحل اللَّه في كتابه، والحرام ما حِرَّم اللَّه في\nكتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه \".\nوجه الدلالة: أن الأشياء المسكوت عنها قد عفى اللَّه لمن فعلها\nولمن تركها، وهذا هو معنى الإباحة.\nالدليل الخامس: قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه بين أنه لا يجوز لأي شخص أن\nيحرم شيئًا قد أخرجه لعباده دون دليل صادر عنه سبحانه.\nفهذه النصوص الشرعية دلت بعمومها على أن حكم الأفعال\nوالأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها هو: الإباحة.\nتنبيه: لقد استدل القائلون بالإباحة بأدلة عقلية، ولكن تلك\nالأدلة ضعيفة، وقد أجبت عنها واعترضت عليها في كتابي \" إتحاف\nذوي البصائر بشرح روضة الناظر \"، فإن شئت فارجع إليه.\nالمذهب الثاني: الوقف، أي: أن الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل\nورود الشرع بحكمها: لا حكم لها..\nذهب إلى ذلك: بعض الحنفية، وابن الحاجب، والغزالي،\nوفخر الدين الرازي، والآمدي، وأبو بكر الصيرفي، وأبو علي","vol":"1","page":264},{"text":"الطبري، وأبو الحسن الأشعري، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو\nالحسن الخرزي الحنبلي، وعامة أهل الظاهر، وكثير من أهل العلم.\nتنبيه: لقد اختلف في تفسير المراد بالوقف هنا:\nفبيَّن بعض الأصوليين أن المراد بالوقف هنا: أن الحكم متوقف\nعلى ورود الشرع بحكم تلك الأفعال، ولا حكم لهذه الأشياء في\nالحال؛ لأن الحكم موقوف على ورود الشرع، ولم يرد الشرع بذلك،\nوليس المراد: عدم العلم، فلا يدري أهي محظورة أم مباحة؟\nوهذا تفسير الغزالي، والآمدي، وعضد الدين الإيجي.\nأما ناصر الدين البيضاوي، فقد فسَّر الوقف بأنه عدم العلم.\nأي: أن هذه الأشياء لها حكم، ولكن لم نعلم ما هو.\nوأشار فخر الدين الرازي إلى هذين التفسيرين.\nوالصواب عندي: أن التفسيرين صالحان؛ لأن الشخص إذا لم\nيعلم هذا الشيء، فإما أنه لم يعلمه؛ لعدم ورود الشرع بذلك،\nفلا حكم عنده في الحال.\nوإما أنه لم يعلمه؛ لأنه ورد في الشرع، ولكن هذا الشخص لم\nيعلمه هو في الحال.\nفهنا يتوقف في هذا حتى يرد عليه الشرع بذلك.\nأي: أن الشرع لم يرد بالحكم بالنسبة لهذا الشخص الجاهل.\nدليل أصحاب هذا المذهب:\nأصحاب المذهب الثاني وهم القائلون بالتوقف استدلوا بقولهم:\nإن المباح: ما أذن فيه صاحب الشرع، والمحظور: ما حرَّمه صاحب\nالشرع.","vol":"1","page":265},{"text":"فإذا لم نجد ورود الشرع في عين بحظر، ولا إباحة، فليس أمامنا\nإلا التوقف؛ لأن طريق الإباحة الإذن ولم يوجد، وطريق التحريم\nالمنع ولم يوجد، والعقل لا مدخل له في الأحكام الشرعية، فلا\nيحرم شيئًا ولا يبيحه بمجرد استحسانه أو استقباحه، فنتوقف فيها\nحتى يرد الشرع ببيان حكمها.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أنا نسلم بأن العقل لا يحظر شيئًا ولا يبيحه بعد\nورود الشرع، وخلافنا في هذه المسألة قبل ورود الشرع، ولا يمنع أن\nنقول: إنه قبل ورود الشرع يمكن للعقل أن يحظر ويبيح إلى أن يرد\nالشرع ويمنع ذلك.\nالجواب الثاني: أنه يمكن معرفة حكم تلك الأشياء قبل ورود\nالشرع عن طريق آخر، وهو: الشرائع السابقة؛ إذ لا يخلو زمن\nمن شرع.\nفإذا ثبت ذلك فليس للعقل مدخل في التحريم والإباحة، بل\nيكون ذلك للشرائع.\nوهذا الجواب أقوى من الأول، والله أعلم.\nالمذهب الثالث: الحظر والتحريم، أي: أن الأفعال والأعيان\nالمنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها: محرمة.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وابن أبي هريرة، وأبو بكر\nالأبهري، والحسن بن حامد، وتلميذه أبو يعلى، والحلواني.","vol":"1","page":266},{"text":"أدلة أصحاب هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بأدلة، من أهمها:\nالدليل الأول: أن هذه الأعيان ملك لله تعالى، لأنه خلقها\nوأنشأها، والانتفاع بملك الغير بغير إذنه قبيح فلا يجوز، قياسًا على\nملك المخلوق، فكما لا يجوز التصرف في ملك الإنسان بغير إذنه،\nفكذلك لا يجوز التصرف والانتفاع بما خلقه اللَّه تعالى بغير إذنه،\nوهو لم يأذن، فيبقى على التحريم.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن قياسكم الخالق على\nالمخلوق قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الخالق لا يتضرر\nإذا انتفعنا بما خلقه وما ملكه، وأما المخلوق فإنه يتضرر إذا انتفعنا\nبأملاكه، بيان ذلك:\nأن العادة تقضي: أن التصرف في ملك الغير من المخلوقين بغير\nإذنه يقبح إذا كان هذا الغير يتضرر ويتأثر كمن أكل من طعام غيره،\nأو شرب من شرابه، فإنهما يؤثران في الطعام والشراب.\nأما إذا كان ذلك الغير لا يتضرر ولا يتأثر فلا يقبح التصرف في\nملكه بغير إذنه عادة، كمن نظر إلى مرآة غيره، أو من استظل بجدار\nغيره؛ حيث إن هذه الأمور وما شابهها لا يؤدي إلى استهلاك أو\nضرر المرآة، أو الجدار.\nفإذا ثبت أن الشيء الذي لا يتضرر به المالك من الآدميين يقبح أن\nيمنع من الانتفاع به، فيجب أن لا يمنع الانتفاع بشيء من الأعيان التي\nيملكها اللَّه ﷿ - وكل شيء ملكه ﷾ -؛ لأنه لا\nضرر على اللَّه تعالى في الانتفاع بشيء من ذلك.","vol":"1","page":267},{"text":"الدليل الثاني: أن أخذنا بالحظر والتحرير أحوط وأبعد عن الخطر.\nبيان ذلك: أن تلك الأعيان والأفعال يحتمل أن يكون الانتفاع بها\nمباحًا، فلا يأثم المكلف بذلك، ويحتمل أن يكون الانتفاع بها\nحرامًا، فيأثم المكلَّف على ذلك، ويترتب على ذلك ضرر عليه.\nوبناء على هذين الاحتمالين، فإننا إذا - أقدمنا على الانتفاع بهذه\nالأشياء لم نأمن العقوبة من اللَّه تعالى؛ لاحتمال كونه حرامًا.\nوإذا تركنا ذلك: سلمنا من ذلك الاحتمال.\nفكان القول بالحظر والتحريم أحوط وأبعد عن الخطر؛ لأن فعل\nالحرام يعاقب عليه مطلقًا، أما ترك المباح فهو جائز.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن قولكم هذا لو كان\nصحيحًا في إثبات الحظر والتحريم لجاز أن يجعل هذا الدليل طريقاَ\nفي إيجاب بعض العبادات كالصوم والصلاة قبل ورود الشرع بإيجابهما\nخوفًا من أن تكون واجبة، فيقال: لا نأمن من العقاب على تركها،\nفيجب أن يكون ذلك واجبًا قبل ورود الشرع بإيجابهما، ولما لم يصح\nهذا بالإجماع - حيث إننا لم نعلم إيجاب الصلاة والصوم إلا بعد\nورود الشرع بذلك -: لم يصح ما ذكروه؛ لعدم اطراده.\nبيان نوع هذا الخلاف:\nلبيان نوع الخلاف في هذه المسألة لا بد من التفصيل الآتي:\nأولًا: الخلاف بين المذهب الأولى - وهو الإباحة - والثاني - وهو\nالوقف - خلاف لفظي، بيان ذلك:\nإن القائل بالوقف هو موافق في الحقيقة للقائل بالإباحة؛ حيث إن","vol":"1","page":268},{"text":"مراد القائلين بالوقف هو: أنه لا يثاب على الامتناع منه، ولا يأثم\nبفعله، وهذا هو حقيقة الإباحة.\nأي: أنه لا عقاب على أحد في ما يفعله، ولا ثواب في شيء\nيفعله، ولا وجوب بشيء من الأشياء حتى يرد الشرع به، وهذا هو\nحد الإباحة.\nومراد القائلين بالإباحة: أنه لا حرج في الفعل والترك، وهذا هو\nالوقف؛ لأن المتوقف يقول: لا حكم لهذا الشيء فيعمل كيفما شاء.\nفلا خلاف حقيقي بين القائلين بالإباحة والقائلين بالتوقف، وهو\nاختيار إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وأبي يعلى الحنبلي.\nثانيًا: يرى بعض العلماء كابن عقيل، وشمس الدين الأبياري:\nأن الوقف موافق للحظر، فيكون الخلاف بين القائلين بالوقف،\nوالقائلين بالحظر خلافا لفظيا، وهذا هو الصحيح، بيان ذلك:\nأن المتوقفين لم يتوقفوا في التصرف في هذه الأشياء، ولم ينتفعوا\nبها إلا لأنهم حرموها على أنفسهم؛ حيث لا يوجد دليل من\nالشرع، ولا من العقل يفيد الإذن في الانتفاع بها، وهو معنى قول\nالقائلين بالحظر والتحريم كما يستفاد ذلك من أدلة الفريقين.\nثالثًا: أن الخلاف بين أصحاب المذهب الأول وهم القائلون\nبالإباحة، وبين أصحاب المذهبين الثاني والثالث خلاف معنوي له\nثمرة، بيان ذلك:\nأن الشيء الذي سكت عن حكمه الشارع، فلم يوجد له في\nالشرع لا نفي ولا إثبات، أو وُجد دليلان متعارضان متكافئان فيه","vol":"1","page":269},{"text":"اختلف العلماء فيه، ويرجع كل واحد من العلماء في ذلك إلى أصله\nقبل الشرع، ويستصحب ذلك الأصل إلى ما بعد ورود الشرع.\nفالقائلون بأن الأصل في الأشياء قبل الشرع الإباحة يقولون: إن\nحكم هذا الشيء الذي سكت عنه الشرع الإباحة؛ استصحابا\nللإباحة السابقة قبل الشرع، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى\nيأتي دليل يغير الحالة.\nوالقائلون بأن الأصل في الأشياء قبل الشرع الحظر يقولون: إن\nحكم هذا الشيء الذي سكت عنه الشرع: الحظر والتحريم؟\nاستصحابا للحال السابقة قبل الشرع.\nوبناء على ذلك فقد اختلف العلماء في الحيوان المشكل أمره\nكالزرافة، والحشرات، والنبات المجهول تسميته، حيث إن هذه\nالأشياء لم يأت الشارع بحكمها.\nفالقائلون بالإباحة قالوا: إن تلك الأشياء على الإباحة فيجوز\nأكلها.\nوالقائلون بالحظر قالوا: إن تلك الأشياء محرمة، فلا يجوز أكلها\nوالله أعلم.\n***\nالمسألة السادسة: المباح هل هو مأمور به؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المباح غير مأمور به من حيث هو مباح.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأنه يعلم كل عاقل من نفسه الفرق بين أن يأذن","vol":"1","page":270},{"text":"الله تعالى لعبده في الفعل وبين أن يأمره به ويقتضيه منه، وأنه إن أذن\nله فليس بمقتض له.\nوبهذا تبين لك الفرق بين معمى \" الأمر \"، ومعنى \" الإباحة \".\nفمعنى الأمر: اقتضاء الفعل من المأمور به، والمطالبة به، والنهي\nعن تركه، ومعمى الإباحة: الإذن في الفعل والترك، أي: تعليق\nالفعل المباح بمشيئة المأذون له في الفعل، وإطلاق ذلك له.\nوإذا ثبت الفرق بين ما يقتضيه الأمر، وما تقتضيه الإباحة: لزم\nمن ذلك أن المباح غير مأمور به.\nتنبيه: إن ورد واستعمل وأطلق لفظ الأمر على المباح فإن هذا\nالاستعمال والإطلاق ليس على الحقيقة، وذلك لأن الاسم الحقيقي\nللمباح هو: المأذون فيه، ويجوز إطلاق عليه اسم الأمر مجازًا من\nإطلاق اللازم على الملزوم، لأنه يلزم من خطاب اللَّه - تعالى -\nبالتخيير فيه كونه مأمورًا باعتبار أصل الخطاب، كما أن الرجل\nالشجاع يطلق عليه اسم \" أسد \" مجازًا لقرينة، مع أنه اسم حقيقي\nلذلك الحيوان المفترس، كذلك هنا.\nالمذهب الثاني: أن المباح مأمور به.\nوينسب إلى الكعبي، وأبي الفرج المالكي، وأبي بكر الدقاق.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن فعل المباح لا يتحقق إلا\nبترك حرام، وترك الحرام مأمور به، وعلى هذا: يكون المباح مأمور\nبه، بيان ذلك:\nأنه لا يمكن التلبس بفعل مباح إلا ويستلزم ذلك ترك محرم، بل\nقد يستلزم ترك محرمات.","vol":"1","page":271},{"text":"فمثلًا: السكوت المباح يترك به الكفر والقذف والكذب،\nوالسكون المباح يترك به الزنا والسرقة وترك الكفر، والقذف، والكذب، والزنا، والسرقة مأمور به،\nولا يمكن ترك هذه الأمور إلا بالسكوت والسكون، فيكونان مأمورًا\nبهما.\nوعلى هذا يكون السكون المباح، والسكوت المباح مأمورًا بهما.\nفينتج: أن المباح مأمور به.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عن قولهم في استدلالهم -: إننا لو\nسلكنا هذا المنهج فإنه يلزم أن المباح يكون واجبا؛ لأن ترك الحرام\nواجب؛ حيث إن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب، فيكون\nالسكوت عن الكذب - مثلًا - واجب؛ لأنه لا يتم ترك الكذب إلا\nبالسكوت عنه فيصبح واجبا.\nويلزم - أيضا -: أن يكون المندوب واجبا؛ حيث إنه يترك به\nالحرام، فمثلًا المشتغل في السواك قد يترك به شرب الخمر، فيكون\nالمندوب واجبا، لأنه ترك به حراما، وهو شرب الخمر.\nويلزم - أيضا - أن يكون الحرام واجبا؛ حيث يُترك به حرام\nآخر، فمثلًا: المشتغل بالسرقة فإنه - وهو في تلك الحالة - يِترك به\nالزنا فتكون - بناء على ذلك المسلك - السرقة واجبة؛ لأنه ترك بها\nحراما آخر وهو الزنا، وهكذا.\nهذه الأمور وغيرها تلزم لو سلكنا ونهجنا ذلك المسلك الذي سار\nعليه الكعبي في استدلاله على أن المباح مأمور به.","vol":"1","page":272},{"text":"وهي باطلة - كلها -؛ لأمرين:\nأولهما: أنه نتج - كما سبق - من تلك الإلزامات: أن يكون\nالمباح واجبا، والحرام واجبا، والمندوب واجبا، ونحو ذلك، وهذا\nتناقض ظاهر في الشريعة، وهو لا يجوز عقلًا فضلًا على أنه لا\nيجوز شرعا.\nثانيهما: أن كون المباح واجبا يقتضي كون أفعال المكلفين التي\nتتعلق بها الأحكام أربعة؛ ضرورة كون المباح واجبا - حينئذٍ - وهو\nخلاف الإجماع.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف بين أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور القائلون: إن\nالمباح غير مأمور به، وبين أصحاب المذهب الثاني - وهم الكعبي\nوأتباعه القائلون: إن المباح مأمور به، هو خلاف لفظي؛ لاتفاق\nأصحاب المذهبين في المعنى؛ حيث إننا لو تدبرنا ودققنا فيما استدل\nبه الكعبي وأتباعه، لوجدنا أن ظاهر كلام الكعبي يدل دلالة واضحة\nعلى أن المباح غير مأمور به من جهة ذاته، فلم يخالف غيره من\nالجمهور في ذلك، ويدل على أن المباح مأمور به من حيث ما عرض\nله من تحقق ترك الحرام وغيره، ولا يخالفه الجمهور في ذلك؟\nحيث إن صيرورة المباح مأمور به لعارض مما اتفق عليه.\nوالخلاصة: أن الكعبي لا ينكر المباح، ولا يقول: إن المباح\nمأمور به من حيث ذاته، وهو: المخير بين فعله وتركه، وإنما\nيقول - كما نقله عنه كثير من الأصوليين -: إن المباح مأمور به من\nحيث ما لزم عليه من ترك للحرام؛ لأن ترك الحرام واجب، وما لا\nيتم الواجب إلا به فهو واجب، وإذا لم يتم ترك الحرام إلا بفعل","vol":"1","page":273},{"text":"المباح، فالمباح واجمما، وهو إنما يصفه بالوجوب أثناء فعله، أما\nقبل الفعل فيجوز للمكلَّف - عنده - أن يفعله ويفعل غيره من أقسام\nالحكم مما يتعلق به ترك الحرام.\nويلزمه - على هذا - أن يصف جميع الأحكام بالوجوب من\nحيث ما يلزم عليها من ترك للحرام، ويلزم - أيضًا - من ذلك أن\nيصف الحرام نفسه بالوجوب من حيث لزم عليه من ترك لحرام أعظم\nمنه، وكذا يقال في بقية الأقسام.\nوعلى هذا: فهو يقول في المباح: هو مباح من حيث هو مخير\nبين فعله وتركه، واجب من حيث ما لزم عليه من ترك للحرام.\nوهذا ما نقله عنه أكثر الأصوليين، والجميع يسلِّم له ذلك، فظهر\nأن الخلاف لفظي، وأن من نسب إليه إنكار المباح لم يحرر مذهبه.\nوقد تكلمت عن ذلك في كتاب \" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \"،\nوكتاب \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \".\nالمسألة السابعة: هل الإباحة تكليف؟\nاختلف العلماء في الإباحة هل تدخل تحت التكليف أو لا؟\nعلى مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الإباحة ليست تكليفًا.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة\nبصيغة الأمر أو النهي، والإباحة - كما هو معروف - ليس فيها\nمشقة جازمة كمشقة الوجوب والتحريم، ولا مشقة غير جازمة","vol":"1","page":274},{"text":"كمشقة الندب والكراهة، وهي: مشقة فوات الفضيلة، بل إن\nالمكلَّف في المباح يخير بين الفعل والترك مطلقًا، وهذا لا تكليف\nفيه، وبناء على ذلك فلا تكليف في المباح.\nالمذهب الثاني: أن الإباحة تدخل تحت التكليف.\nذهب إلى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، واستدل بقوله:\nإن التكليف هو: وجوب اعتقاد إباحته، وأنه من الشرع، فيكون\nالمباح يكلف به من حيث وجوب اعتقاده.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عما قاله الأستاذ في استدلاله بأن يقال: إننا لو\nقلنا مثل ذلك للزم أن نقول مثله في جميع الأحكام الشرعية؛ لأنه لا\nفرق بين المباح، والحرام، والمندوب، والمكروه في وجوب اعتقاد\nالحكم من إباحة، أو حرمة، أو ندبية، أو كراهة، والكلام ليس\nفي هذا الاعتقاد فإنه لا يسمى مباحًا، وإنما الكلام في نفس الفعل\nالذي تعلقت به الإباحة كالأكل والشرب.\nسبب وضع المباح ضمن الأحكام التكليفية:\nقد يقول قائل: إذا كان المباح لا يدخل في التكليف كما رجحت\nذلك، وأجبت عن دليل من قال بأنه من التكليف، فلماذا اعتبر من\nأقسام الأحكام التكليفية الخمسة؟\nأقول - في الجواب عن ذلك -: إن المباح صار من أقسام\nالأحكام التكليفية الخمسة؛ لأنه يختص بالمكلفين.\nأي: أن الإباحة والتخيير لا يكون إلا ممن يصح إلزامه بالفعل أو\nالترك، أما الناسي، والنائم، والمجنون، والصبي، ومن في","vol":"1","page":275},{"text":"حكمهم فلا إباحة في حقهم، فهذا معنى جعل المباح من أقسام\nالأحكام التكليفية الخمسة، لا بمعنى أن المباح مكلف به.\nبيان نوع الخلاف في هذه المسألة:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لعدم وروده على محل واحد،\nفالنزاع راجع إلى الاختلاف في تفسير لفظ \"التكليف \".\nفمن فسَّر \" التكليف \" بأنه طلب ما فيه مشقة وكلفة بصيغة الأمر أو\nالنهي قال: إن المباح ليس مكلفًا به، وهو مذهبنا -.\nومن فسَّر \" التكليف \" بأنه: وجوب اعتقاد إباحته، وأنه من\nالشرع قال: إن المباح مكلف به، وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق.\nأو تقول في الدليل على كون الخلاف لفظيًا: إن أبا إسحاق أراد\nبقوله: المباح مكلف به: أنه يجب اعتقاد إباحته، فلم يثبته بالنسبة\nإلى أصل الفعل، بل بالنسبة إلى وجوب اعتقاد كونه مباحًا،\nوالوجوب من خطاب التكليف.\nوالجمهور لا يخالفونه في كون المباح من التكليف بهذا الاعتبار،\nوهو لا يخالفهم في أن المباح ليس من التكليف باعتبار الفعل والترك.\nفالخلاف لم يرد على محل واحد، فكان الخلاف لفظيا.\nالمسألة الثامنة: هل المباح من جنس الواجب؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المباح ليس بجنس للواجب ولا هو داخل فيه.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.","vol":"1","page":276},{"text":"وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه يوجد فرق بين الواجب والمباح في الحقيقة،\nفالمباح مطلق الفعل ومطلق الترك، أي: لا فرق بين الترك والفعل.\nأما الواجب فغير مطلق الترك - كما سبق بيان ذلك من خلال\nتعريفهما -.\nالدليل الثاني: أن المباح لو كان جنسًا للواجب: لوجب صدقه\nعليه كصدق الحيوان على الإنسان.\nالمذهب الثاني: أن المباح من جنس الواجب، أي: أن المباح\nيدخل في مسمى الواجب.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء واحتجوا بقولهم: إن المباح هو:\nالمأذون في فعله، وهذا المعنى متحقق في الواجب، والزيادة التي\nاختص بها الواجب غير نافية للاشتراك.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عن ذلك -: إن كلًّا من المباح\nوالواجب يختلف عن الآخر، فالمباح مأذون في فعله، ومأذون في\nتركه بخلاف الواجب - فإنه وإن كان مأذونًا في فعله - كما أشرتم -\nفإنه غير مأذون في تركه فافترقا.\nبيان نوع الخلاف في هذه المسألة:\nإن الخلاف في هذه المسألة - شلاف لفظي؛ راجع إلى تفسير\n\"المباح \" ما هو؟:","vol":"1","page":277},{"text":"فمن فسَّر المباح بأنه المأذون - فقط - فلا شك أن هذا مشترك بين\nالواجب وغيره، فيكون المباح جنسًا للواجب.\nومن فسَّر المباح بأنه المأذون فيه مع عدم المنع من الترك، فلا شك\nأن المباح يكون نوعًا مباينًا للواجب، فلم يكن جنسًا له.\nأو تقول - في بيان الدليل على كون الخلاف لفظيًا -: إن من\nقال بأن المباح جنس للواجب عني بالمباح الذي هو بمعنى: \" الجائز \"\nالذي لا يمتنع شرعًا، فلا شك: أن ذلك يشمل الواجب والمندوب\nوالمباح والمكروه.\nومن قال: إن المباح ليس بجنس للواجب، فإنه عني بالمباح:\nالمباح الذي هو: ما خيَّر الشارع بين فعله وتركه.\nالمسألة التاسعة هل يسمى المباح حسنا؟\nأجمعوا على أن المباح لا يُسمَّى قبيحًا.\nواختلفوا: هل يُسمَّى حسنًا أو لا؟ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المباح يُسمَّى حسنًا، وهو الصحيح؛ لأن\nالشارع رفع الحرج عن فعله، وكل ما رفع الحرج عن فعله فإنه يكون\nحسنًا، فالمباح يكون حسنًا.\nالمذهب الثاني: أن المباح لا يُسمَّى حسنًا، لأنه لا يستحق فاعله\nالمدح والثناء.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي، راجع إلى بيان المراد","vol":"1","page":278},{"text":"بـ \"الحسن \"، فإن كان المراد من \" الحسن \" كل ما رفع الشارع الحرج\nعن فعله، سواء كان على فعله ثواب أو لم يكن، فإن المباح يكون\nحسنًا.\nوإن كان المراد بـ \" الحسن \": ما يستحق فاعله الثناء والمدح\nوالثواب، فإن المباح لا يكون حسنًا، والله أعلم.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المطلب الرابع في المكروه</span>\nويشتمل على مسائل:\nالمسألة الأولى: في مناسبة ذكر المكروه هنا.\nالمسألة الثانية: في حقيقة المكروه.\nأولًا: المكروه لغة.\nثانيًا: المكروه اصطلاحا.\nالمسألة الثالثة: في صيغ المكروه.\nالمسألة الرابعة: فيما يطلق عليه المكروه.\nالمسألة الخامسة: في إطلاق \" المكروه \" بين الجمهور والحنفية.\nالمسألة السادسة: هل المكروه منهي عنه حقيقة؟\nالمسألة السابعة: في حكم المكروه.\nالمسألة الثامنة: هل الأمر المطلق يتناول المكروه؟\nالمسألة التاسعة: هل المكروه من التكليف؟","vol":"1","page":281},{"text":"المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المكروه هنا:\nلقد ذكرنا المكروه هنا؛ لأمرين:\nالأول: أنه بعد ذكر المأذون في فعله - وهو الواجب والمندوب،\nوالمباح لا بد أن نذكر الممنوع من فعله.\nالثاني: أنه يشترك مع الحرام - الذي سيأتي ذكره - فيما يلي:\n١ - أن كلًّا من المكروه والحرام مطلوب تركه، لكن الحرام طُلب\nتركه طلبًا جازمًا، والمكروه طُلِب تركه طلبًا غير جازم.\n٢ - أن كلًّا من المكروه والحرام منهي عنه، لكن المكروه منهي عنه\nنهيًا غير جازم، والحرام منهي عنه نهيًا جازمًا.\nالمسألة الثانية: في حقيقة المكروه:\nأولًا: المكروه لغة:\nالمكروه لغة: ضد المحبوب، تقول: \" كرهت الشيء \" إذا لم تحبه.\nوقيل: المكروه مأخوذ لغة من الكريهة، وهي الشدة في الحرب،\nومنه سمي يوم الحرب: \" يوم الكريهة \".\nوالكره - بضم الكاف -: المشقة كما نقله الجوهري في الصحاح\nعن الفراء.\nوعلى هذا يكون المكروه هو: ما نفر عنه الشرع والطبع؛ لأن\nالطبع والشرع لا ينفران إلا عن شدة ومشقة تلحق بالمكلف.","vol":"1","page":283},{"text":"ثانيا: المكروه اصطلاحا:\nالمكروه هو: \" ما تركه خير من فعله ولا عقاب في فعله \".\nشرح التعريف، وبيان محترزاته:\nقولنا: \" ما \" جنس في التعريف شمل كل متعلقات الحكم\nالتكليفي الخمسة؛ لأن المراد بها فعل المكلف.\nقولنا: \" تركه خير من فعله \" قيد أخرج الأحكام التكليفية الثلاثة\nوهي: \" الواجب، والمندوب، والمباح \"، وبيان ذلك:\nأن الواجب خرج، لأن فعله \"خير من تركه، وفي تركه عقاب.\nوأما المندوب فقد خرج، لأن فعله خير لحصول الثواب، ولا\nعقاب في تركه.\nوأما المباح فقد خرج، لأن فعله وتركه سواء، فلا يوصف\nأحدهما بالخيرية.\nوقولنا: \" ولا عقاب في فعله \" أخرج الحرام \" لأن الحرام تركه\nخير من فعله، وفي فعله عقاب.\nالمسألة الثالثة: في صيغ المكروه:\nالصيغ التي تستعمل وتدل على الكراهة هي كما يلي:\nالأولى: لفظة \" كره \" وما يشتق منها، ومنه ما روي عن النبي\n- ﷺ - أنه قال: \" إن اللَّه كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال \".\nالثانية: لفظة \" بغض \" وما يشتق منها، ومنه قوله عليه الصلاة\nوالسلام: \" أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق \".","vol":"1","page":284},{"text":"الثالثة: لفظة النهي: \" لا تفعل \" إذا احتفت بها قرينة تصرفها\nعن التحريم إلى الكراهة مثل قوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)، فإن النهي في قوله: \" لا تسألوا \" للكراهة،\nوليس للتحريم، وقد صُرِف النهي عن التحريم إلى الكراهة بسبب\nقرينة صارفة، وهي آخر الآية، وهي قوله تعالى: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)،\nفالسؤال عما لا يعرف ليس بحرام.\nوهناك صيغ غير ما ذكرنا للكراهة تعرف من سياق الكلام.\nالمسألة الرابعة: ما يطلق عليه المكروه:\nاختلف في إطلاقات المكروه على ما يلي:\nفبعض العلماء يطلق لفظ \" مكروه \"، ويريد به الحرام والمحظور،\nوقد روي هذا الإطلاق عن الإمام مالك، والشافعي، وأحمد\n- ﵏ جميعًا - وهو غالب في عبارة المتقدمين، وذلك تورعًا\nمنهم وحذرًا من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى:\n(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ)،\nفكرهوا - لذلك - إطلاق لفظ التحريم.\nوبيَّن ابن القيم في \" أعلام الموقعين \" بأن هذا كان من أسباب غلط\nكثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم، حيث تورع الأئمة\nعن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ \" الكراهة \"، فنفى\nالمتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة.","vol":"1","page":285},{"text":"وبعضهم يطلق لفظ \" مكروه \" على ما نهي عنه نهيًا تنزيهيًا، وهو\nالذي عرفناه هنا.\nوإذا أطلق لفظ \" مكروه \" انصرف إلى هذا، وهو المكروه كراهة\nتنزيه، وهو الذي نحن بصدده - الآن -؛ لأن كلًّا من الأحكام\nالأربعة خص باسم غلب عليه كالواجب، والمندوب، والمباح،\nوالحرام، فاقتضى ذلك اختصاص \" المكروه \" باسم غالب عليه كغيره\nمن الأحكام، ويكون هذا الاسم هو \" المكروه \".\nوبعضهم يطلقه ويريد به: ما وقعت الشبهة في تحريمه وإن كان\nغالب الظن حله، كأكل لحم الضبع.\nوبعضهم يطلقه ويريد به ترك ما مصلحته راجحة كترك المندوبات.\nبيان نوع الخلاف:\nهذا الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي؛ لأن الإطلاقات السابقة\nاختلفت باختلاف مراد كل مطلق من إطلاقه، فلم يرد الخلاف على\nموضع واحد\nفمن أطلق الإطلاق الأول - وهو أنه مراد به الحرام - حدَّه بحد\nالحرام.\nومن أطلق الإطلاق الثاني - وهو ما نهي عنه نهي تنزيه - حدَّه\nبالنهي عنه الذي لا ذم على فعله - وهو الموضوع الذي نحن بصدده\nالآن.\nومن أطلق الإطلاق الثالث - وهو: ما وقعت الشبهة في تحريمه -\nحدَّه بأنه الذي فيه شبهة وتردد.","vol":"1","page":286},{"text":"ومن أطلق الإطلاق الرابع - وهو: ما أريد به ترك ما مصلحته\nراجحة - حده بترك الأولى.\nالمسألة الخامسة: إطلاق \" المكروه \" بين الجمهور والحنفية:\nالجمهور إذا أطلقوا لفظ \" مكروه \" انصرف إلى المكروه كراهة\nتنزيهية - وهو الذي عرفناه فيما سبق - وذلك لأنهم لا يسمون بهذا\nالاسم غيره، وإن كانوا لا يخالفون في جواز إطلاقه على الحرام\n- كما سبق في المسألة الرابعة -.\nأما الحنفية، فإنهم إذا أطلقوا لفظ \" المكروه \" انصرف هذا اللفظ\nغالبًا إلى المكروه تحريمًا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا يترتب عليه آثار؛ حيث\nإنه راجع إلى اصطلاح كل من الفريقين، ولا مشاحة في الاصطلاح.\nالمسألة السادسة: هل المكروه منهي عنه حقيقة؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المكروه منهي عنه حقيقة.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء.\nوهو الصواب؛ للأدلة الآتية:\n- الدليل الأول: أن استعمال المنهي في المكروه قد شاع في لسان\nاللغة والشرع، والأصل في الاستعمال الحقيقة، ولا يوجد شيء\nيمنع من ذلك.","vol":"1","page":287},{"text":"الدليل الثاني: أن كلمة \" النهي \" تطلق على ما كان النهي فيه\nلحرمته كما تطلق على ما كان النهي فيه لكراهته وعدم استحسانه،\nولا فرق بينهما إلا في العقاب على فعل الحرام، دون المكروه.\nالمذهب الثاني: أن المكروه منهي عنه مجازًا، وليس حقيقة.\nوهو لبعض العلماء مستدلين بقوله تعالى: (وما نهاكم عنه فانتهوا) .\nوجه الدلالة: أن هذا النص يقتضي أن الانتهاء لازم عن المنهي\nعنه، وترك المكروه غير لازم، فكان المكروه - منهيا عنه مجازًا لا\nحقيقة، أي: لو كان المكروه منهيًا عنه حقيقة للزم من ذلك الانتهاء\nعن فعله، وإن لم ننته حلَّ العقاب، ولكن حقيقة المكروه أنه طلب\nالانتهاء عنه، ولكن لو فعلناه لما كان علينا عقاب، إذن يكون النهي\nعنه نهيا مجازًا، لا حقيقة.\nجوابه:\nيمكن أن يقال في الجواب عنه: إننا نظرنا إلى غير ما نظرتم إليه،\nفنحن نظرنا إلى إطلاق لفظ النهي على المكروه، وأنتم نظرتم إلى\nحكمه، ففرق بينهما.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا يترتب عليه أي أثر؟\nوذلك لاتفاقنا مع أصحاب المذهب الثاني على أن المكروه مطلوب\nترك فعله وإن كان طلبا غير جازم.","vol":"1","page":288},{"text":"المسألة السابعة: في حكم المكروه:\nإن المكلف يثاب في ترك المكروه امتثالًا، وإذا فعله فلا يعاقب على\nفعله، ولكن يقال عنه بأنه مخالف. قال القاري في \" فتح العناية\":\n\" إنما يكون - فعله لوثة مخالفة في صحيفة الإنسان \".\nالمسألة الثامنة: هل الأمر المطلق يتناول المكروه:\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الأمر المطلق لا يتناول المكروه.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجرجاني، والإمام مالك، وبعض\nالمالكية كابن خويز منداد، وأكثر الشافعية، والحنابلة.\nوهو الراجح عندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن المكروه - كما سبق - منهي عنه نهيًا غير\nجازم، والنهي يقتضي ترك الفعل، أما الأمر فإنه يقتضي إيجاد الفعل،\nفيلزم من ذلك أن الأمر والنهي متضادان، وإذا كانا متضادين فإنه لا\nيمكن أن يطلب ترك الشيء في حين أنه يطلب فعله.\nأي: يستحيل أن يكون الشيء مأمورًا به منهيا عنه في آن واحد،\nفينتج: أن المكروه لا يتناوله الأمر المطلق.\nالدليل الثاني: أنه إذا كان المباح ليس مأمورًا به - كما سبق بيانه -\nمع أنه ليس منهيا عنه، فمن باب أوْلى أن المكروه لا يدخل تحت\nالأمر المطلق؛ لأنه منهي عنه.\nالدليل الثالث: أنه يوجد تنافي بين حقيقة الأمر، وحقيقة المكروه","vol":"1","page":289},{"text":"فالأمر هو: استدعاء وطلب، والمأمور به مستدعى ومطلوب فعله\nكالواجب والمندوب.\nأما المكروه فهو مطلوب الترك، إذن: ليس مستدعى ولا مطلوبًا\nفعله، فيكون المكروه منهيًا عنه.\nالمذهب الثاني: أن الأمر المطلق يتناول المكروه.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجصاص، وبعض المالكية،\nوبعض الحنابلة.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه يجوز أداء صلاة عصر يومه بعد تغير الشمس،\nفهو مأمور به شرعًا، وهو مكروه.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الكراهة ليست في صلاة\nالعصر، بل إن سبب الكراهة هو: التشبه بعباد الشمس.\nالدليل الثاني: أن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق)، يتناول طواف المحدث، وهو صحيح عند الحنفية، وهو مكروه.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الكراهة ليست في\nالطواف، لأنه تعظيم للبيت، بل الكراهة لوصف في الطائف،\nوهو المحدث، والحدث ليس من الطواف.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة في كثير من المسائل\nالفقهية، ومنها:","vol":"1","page":290},{"text":"١ - لو طاف مكلف على غير طهارة، أو طاف منكوسا وهو -\nالمقلوب الذي رجلاه إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل \"، فهل يدخل\nفي الأمر الوارد في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) .\nاختلف العلماء في ذلك، وكان سبب اختلافهم هو: اختلافهم\nفي المسألة السابقة:\nفأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا\nيتناول المكروه - ذهبوا إلى عدم دخول تلك الصورة المؤداة في الأمر،\nولو فعل لا يكون مجزئًا بسبب: أن المكروه لا يدخل في مطلق الأمر.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق\nيتناول المكروه - فقد ذهبوا إلى أن ذلك الفعل بتلك الصورة المؤداة\nيدخل في الأمر، وإن كان حكمه مكروهًا إلا أنه يجزي عن الطواف.\n٢ - لو توضأ مكلف وضوءًا منكسًا دون ترتيب، فهل يدخل في\nمطلق الأمر بالوضوء ويجزئ عنه؟\nاختلف العلماء في ذلك، وسبب اختلافهم هو اختلافهم في\nالمسألة السابقة.\nفأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا\nيتناول المكروه - ذهبوا إلى أن الوضوء المنكس لا يدخل في مطلق\nالأمر بالوضوء، وأنه إذا وقع مثل ذلك لا يجزئ.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق\nيتناول المكروه - فقد ذهبوا إلى أن الوضوء المتكس يدخل في مطلق\nالأمر بالوضوء، وأنه إذا وقع مثل ذلك فإنه يجزئ.","vol":"1","page":291},{"text":"المسألة التاسعة: هل المكروه من التكليف؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المكروه ليس من التكليف.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة،\nوالمكروه لا كلفة ولا مشقة فيه - كما اتضح ذلك من بيان حقيقة\nالمكروه السابق في المسألة الثانية، ومن بيان حكم المكروه السابق في\nالمسألة السابعة -.\nحيث بيَّنا: أن المكلَّف إذا ترك الفعل المكروه فله أجر وثواب،\nوإن لم يتركه فلا إثم عليه، وهذا لا مشقة ولا كلفة فيه، بخلاف\nالواجب والحرام، فالمشقة والكلفة فيهما واضحة؛ حيث إن المكلَّف\nإن فعل الواجب فله أجر، وإن تركه فعليه إثم، وإن ترك الحرام فله\nأجر، وإن فعله فعليه إثم، وكل ذلك للابتلاء.\nالمذهب الثاني: أن المكروه من التكليف.\nذهب إلى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وبعض الشافعية\nوبعض الحنابلة.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل هؤلاء بقولهم: إن المكروه لا يخلو من مشقة وكلفة،\nفشمله معنى التكليف.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إننا لو رجعنا إلى حقيقة\nالمكروه لوجدنا أنه لا مشقة حقيقية فيه، ولا إلزام في ترك الفعل.","vol":"1","page":292},{"text":"تنبيه: إنني صححت في كتابي \" إتحاف ذوي البصائر \" أن المكروه\nمن التكليف، ولكني في كتابي الآخر وهو: \" الخلاف اللفظي عند\nالأصوليين \" صححت: أن المكروه ليس من التكليف، وكذا في هذا\nالكتاب.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا ثمرة له راجع إلى تفسير\nالتكليف ما هو.\nفمن فسَّر التكليف بأنه: إلزام ما فيه كلفة، قال: المكروه ليس\nمن التكليف، لأنه لا إلزام في المكروه.\nومن فسَّر التكليف بأنه الأمر بما فيه كلفة، أو النهي عما في\nالامتناع عنه كلفة، أو هو الخطاب بأمر أو نهي: قال: المكروه من\nالتكليف.\nإذن: أصحاب المذهبين قد اتفقوا على المعنى وهو: أن المكروه\nمطلوب تركه إلا أن أصحاب المذهب الأول وهم الجمهور رفع عنه\nاسم التكليف، نظرًا لعدم الإلزام في طلب الترك، أما أصحاب\nالمذهب الثاني أثبتوا له اسم التكليف لوجود الكلفة والمشقة في طلب\nالترك.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المطلب الخامس الحرام</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: في مناسبة وضع الحرام هنا.\nالمسألة الثانية: في حقيقة الحرام:\nأولًا: الحرام لغة.\nثانيًا: الحرام اصطلاحا.\nالمسألة الثالثة: في صيغ الحرام.\nالمسألة الرابعة: هل يجوز أن يكون الواحد بالنوع حراما واجبًا؟\nالمسألة الخامسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حرامًا واجبا من\nجهة واحدة؟\nالمسألة السادسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حرامًا واجبا من\nجهتين؟\nالمسألة السابعة: في مقدمة الحرام.\nالمسألة الثامنة: في الحرام المخيَّر.\nالمسألة التاسعة: هل الأمر بالشيء المعيَّن نهي عن ضدِّه؟","vol":"1","page":295},{"text":"المسألة الأولى: مناسبة وضع الحرام هنا:\nمناسبة وضع الحرام بعد المكروه هي: أنهما يشتركان في شيء\nواحد وهو: أن كلًّا منهما مطلوب تركه، لكن المكروه مطلوب تركه\nطلبًا غير جازم، والحرام مطلوب تركه طلبًا جازمًا.\nالمسألة الثانية: في حقيقة الحرام:\nأولًا: الحرام لغة:\nالممنوع، يقال: \" حرمه الشيء \": إذا منعه إياه، ومنه قوله\nتعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي: حرمناه رضاعهن\nومنعناه منهن.\nثانيا: المحرم اصطلاحا:\nهو: ما ذُمَّ شرعًا فاعله.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: \" ما \" جنس في التعريف، والمراد منه: \" الفعل \"،\nوالتقدير: \" الفعل الذي يذم شرعًا فاعله \"، والمقصود: فعل\nالمكلَّف.\nودخل في ذلك كل أقسام الحكم التكليفي وهي: الواجب،\nوالمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام.\nقولنا: \" ذُمَّ \" الذم هو: الاستنقاص من الشارع الذي يصل إلى\nحدِّ العقاب، وهو قيد في التعريف، أخرج المندوب، والمكروه،\nوالمباح، بيان ذلك:\nأنه أخرج المندوب؛ لأن المندوب لا ذم على تركه.","vol":"1","page":297},{"text":"وأنه أخرج المكروه؛ لأن المكروه لا ذم على فعله.\nوأنه أخرج المباح؛ لأن المباح لا ذم على فعله ولا على تركه.\nقولنا: \" شرعا \" قيد في التعريف لبيان أن الذم المعتبر هو الذم\nالوارد من الشارع فقط، بخلاف ما تقوله المعتزلة من أن العقل يذم\nويقبح، ويمدح ويحسن.\nقولنا: \" فاعله \" أخرج الواجب؛ لأنه الواجب يذم على تركه.\nوالمراد بالفعل هو: كل ما يصدر من الشخص، وذلك يشمل\nفعل الجوارح كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، ويشمل\nالأقوال المحرمة كالكذب، والنميمة، والغيبة، ويشمل الأعمال\nالقلبية المحرمة كالحقد، والحسد، والنفاق.\n***\nالمسألة الثالثة: في صيغ الحرام:\nالحرام له صيغ وأساليب، ومنها:\nالأولى: لفظة \" التحريم \" ومشتقاتها، مثل قوله تعالى:\n(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) .\nالثانية: صيغة النهي المطلق، مثل قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) .\nالثالثة: التصريح بعدم الحل، مثل قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا)، وقوله ﵊:\n\" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث \".","vol":"1","page":298},{"text":"الرابعة: أن يذكر الشارع فعلًا ثم يرتب عليه عقوبة، فهذا يدل\nعلى أن الفعل حرام، ومنه قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .\nالخامسة: صيغة الأمر التي تطلب الترك والمنع من الفعل، كقوله\nتعالى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)، وقوله: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)، فإن هذه الصيغة تعتبر من أساليب النهي؛ ترجيحًا لجانب\nالمعنى على جانب اللفظ؛ حيث إن معنى هذه الأوامر: النهي.\nوبعضهم اعتبرها من أساليب الأمر؛ حيث إنها تفيد الطلب بصيغة\nالأمر.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في الصيغة الخامسة خلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأن المعنى\n- وهو الحكم الشرعي - متفق عليه، وهو - هنا - تحريم قول\nالزور وتحريم الربا.\nلكن بعضهم عبَر عنه بالأمر باجتناب قول الزور، والأمر بترك\nالربا.\nوبعضهم عبَّر عنه بالنهي عن الزور والربا، فكان الخلاف في\nالتعبير فقط.\nالمسألة الرابعة: هل يجوز أن يكون الواحد بالنوع (١) حرامًا واجبًا؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\n_________\n(١) إليك بيان الواحد بالجنس، والواحد بالنوع، والواحد بالعين؛ لأن هذه المسألة والمسألتين\nالآتيتين لها صلة بذلك فأقول:\nالواحد بالجنس هو لفظ واحد دلَّ على جنس كالحيوان، وهو شامل للواحد بالنوع\nكالإنسان، والواحد بالعين كزيد.\nوالواحد بالنوع هو لفظ واحد دلَّ على نوع كالإنسان، وهو شامل للواحد بالعين كزيد.\nأما الواحد بالعين فهو لفظ واحد دلَّ مفهومه على شخص معين كزيد.","vol":"1","page":299},{"text":"المذهب الأول: يجوز أن يكون الواحد بالنوع واجبا وحراما طاعة\nومعصية.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح، وذلك بالإضافة والاعتبار\nوالنسبة.\nفيكون الواحد بالنوع واجبا وحراما باعتبار أشخاصه أي: واجب\nباعتبار بعض الأشخاص، وحرام باعتبار بعض الأشخاص الآخرين.\nفاختلاف الإضافات والاعتبارات والنسب والصفات جعل الواحد\nبالنوع يكون واجبا باعتبار -، وحراما باعتبار.\nمثال ذلك: \" السجود \" هو واحد بالنوع، فمنه: سجود واجب\nوهو السجود لله تعالى، ومنه سجود حرام، وهو: السجود لغير\nالله تعالى.\nفهذا السجود واحد بالنوع، أي: نوع من الأفعال وأشخاص\nكثيرة، فيجوز أن ينقسم إلى \" واجب \" و\" حرام \"، ولا تناقض في\nذلك؛ وذلك نظرًا لتغايرهما بالشخصية، فيكون بعض أفراده واجبا\nكالسجود لله تعالى، وبعضها حراما كالسجود للصنم، قال تعالى\n- في ذلك -: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) .\nالمذهب الثاني: لا يجوز أن يكون الواحد بالنوع واجبا حراما.\nذهب إلى ذلك بعض المعتزلة، منهم: أبو هاشم الجبائي.","vol":"1","page":300},{"text":"دليل هذا المذهب:\nقد استدل هؤلاء بقولهم: إننا لو قلنا بجواز كون الواحد بالنوع\nواجبا حراما للزم من ذلك التناقض، وذلك لأن السجود نوع واحد\nمأمور به، فيستحيل أن يكون منهيًا عنه.\nأي: أن السجود واجب يستحيل أن يكون محرما.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن ذلك غير صحيح، لأنه\nإذا تغاير متعلق الأمر والنهي لا يوجد تناقض، فيكون الواحد بالنوع\n- وهو هنا السجود - واجبا باعتبار، وحراما باعتبار آخر، فلا\nتناقض فالسجود للصنم غير السجود لله تعالى، بدليل: أن المأمور\nبه ليس هو النهي عنه في قوله تعالى: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) .\nوقد انعقد الإجماع على أن الساجد للصنم والشمس عاص بنفس\nالسجود والقصد جميعًا، وأن الساجد لله تعالى مطيع بالسجود\nوالقصد جميعًا.\nإذًا: لا تضاد في كون الواحد بالنوع واجبًا حراما، إنما التضاد\nيكون في الواحد بالشخص.\nالمسألة الخامسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حرامًا\nواجبا من جهة واحدة؟\nأقول: يستحيل ويمتنع أن يكون الواحد بالعين حراما واجبا طاعة\nومعصية من جهة واحدة، كما لو قال: \" صل صلاة الظهر ولا\nتصل صلاة الظهر \"، أو قال: \" اعتق هذا العبد لا تعتق هذا العبد\"\nوهو يشير إلى واحد معين.","vol":"1","page":301},{"text":"وقلنا: إن ذلك مستحيل؛ لتضادهما وتنافيهما وتناقضهما، وهو\nمن باب تكليف ما لا يطاق، وهو لا يجوز كما سبق؛ لقوله\nتعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .\n***\nالمسألة المسادسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حرامًا\nواجبًا من جهتين؟\nمثل: الصلاة في الدار المغصوبة، أي: صلاة زيد في دار\nمغصوبة من عمرو؛ حيث إن حركة زيد في الصلاة فعل واحد بعينه.\nاختلف العلماء في صحة تلك الصلاة على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز أن يكون الواحد بالعين حراما واجبا من\nجهتين، وعليه فتصح الصلاة في الدار المغصوبة.\nذهب إلى ذلك: أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، وهو قول الإمام\nمالك، وبعض الحنابلة كأبي بكر الخلال، وابن عقيك.\nوهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه لا مانع من صحة الصلاة، وإن أوقعت في\nمكان مغصوب؛ لأن فعل الصلاة في مكان مغصوب هو فعل واحد\nله جهتان متغايرتان:\nإحدى الجهتين مطلوب الفعل - وهو الصلاة والأمر بها -.\nوالجهة الأخرى مطلوب الترك - وهو الصلاة في الدار المغصوبة.\nفإذا كان للفعل الواحد جهتان متغايرتان، فيجوز أن يكون مطلوب\nالفعل من إحدى الجهتين مطلوب الترك، ولا مانع من الصحة -","vol":"1","page":302},{"text":"والحالة هذه - ولا يقع في ذلك محال، ولكن المحال إذا كان الشيء\nمطلوب الفعل ومطلوب الترك من جهة واحدة.\nولعلي أبين ذلك أكثر فأقول: إن الفعل - وهو الصلاة - مطلوب\nالفعل، ومن حيث إن المكان المصلى فيه مغصوب: مطلوب الترك.\nفيكون متعلق الأمر والنهي غير متحد.\nأي: أن الصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها - بقطع النظر عما\nيلحقها من مكان أو غيره -، والغصب من حيث هو غصب منهي\nعنه - بقطع النظر عما يلابسه من أفعال الصلاة.\nوعلى هذا: تكون الصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب\nمعقول بدون الصلاة، فيمكن وجود أحدهما بدون الآخر \" قياسا\nعلى من صلى ولم يغصب، أو غصب ولم يصل، فكما أن من\nصلى ولم يغصب له أجر، ومن غصب ولم يصل عليه الإثم،\nفكذا هاهنا، فإذا جمع المكلَّف بين الصلاة والغصب - أي: صلى\nفي مكان مغصوب - لم يخرجهما عن حكمهما في حال انفرادهما\nوهو الأمر بالصلاة وكونها طاعة، والنهي عن الغصب وكونه\nمعصية، فيجب أن يثبت للصلاة والغصب ما يثبت لهما منفردين،\nفالجمع بينهما لا يقلب حقيقتهما في أنفسهما.\nاعتراض:\nإن اعترض معترض قائلًا: إن قولكم هذا يلزم منه صحة صوم\nيوم النحر؛ لأن الصوم من حيث هو صوم مطلوب، وإنما المنهي\nعنه إيقاعه في هذا الزمن المنهي عن الصوم فيه، وأنتم تقولون: إنه\nلا يصح صوم يوم النحر، وهذا تناقض.\nجوابه:\nأقول - في الجواب عن ذلك -: إن هذا الإلزام صحيح،","vol":"1","page":303},{"text":"فلو لم يرد نص في النهي عن صوم يوم النحر لصح صيام يوم النحر،\nويأثم بإيقاعه في هذا اليوم المنهي عن الصيام فيه، كما قلنا في\nالصلاة في الدار المغصوبة، ولكن الذي منعنا هو النص كما سبق.\nالدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: \" خط هذا الثوب ولا\nتدخل هذه الدار، فإن امتثلت أعتقتك، وإن دخلت الدار عاقبتك \"\nفخاط الثوب في تلك الدار المنهي عن دخولها، فإن العبد يعتبر\nمطيعا لسيده من جهة، وعاصيا من جهة أخرى، فيحسن من السيد\nعتقه ومعاقبته؛ نظرًا للجهتين، حيث كان العبد مطيعا من جهة امتثال\nأمر سيده - وهو: خياطة الئوب - فيستحق العتق من السيد على\nذلك، وكان عاصيا من جهة دخوله للدار المنهي عن دخولها،\nفيستحق العقوبة.\nوإذا ثبت ذلك هنا، فكذلك الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأن\nالمكلَّف جمع بين الصلاة وكونها في الدار المغصوبة، كما جمع بين\nخياطة الثوب ودخول الدار المنهي عنها.\nالدليل الثالث: لو أن مسلما رمى سهما واحدًا إلى كافر فمرق\nالسهم من الكافر وأصاب مسلمًا فقتله: فيثاب من جهة، ويعاقب\nمن جهة أخرى.\nبثاب ويملك سلب الكافر من جهة قتله كافرا محاربا لإعلاء كلمة\nالله، وقد أمره اللَّه تعالى بذلك، ويستحق سلب هذا الكافر الذي\nقتله.\nويعاقب هذا المسلم الرامي للسهم؛ لأنه قتل مسلما، وقد نهى\nالله سبحانه عن قتله، فيدفع الدية، لأنه قتل خطأ.\nفهذا فعل واحد عوقب وأثيب عليه، وذلك لتضمنه الأمر والنهي","vol":"1","page":304},{"text":"من جهتين مختلفتين، فهو مأمور به من جهة قتل الكافر المحارب،\nوهو منهي عنه من جهة قتل المسلم من غير قصد.\nفإذا ثبت ذلك فالصلاة في الدار المغصوبة مثله؛ لأن المكلَّف جمع\nبين الصلاة وكونها في الدار المغصوبة، كما جمع بين قتل الكافر\nالمأمور به وقتل المسلم المنهي عنه.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يكون الواحد بالعين حراما واجبا\nمن جهتين، وعليه: فالصلاة في الدار المغصوبة لا تصح.\nذهب إلى ذلك الإمام مالك في رواية عنه، وهو وجه لأصحاب\nالشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره أكثر الحنابلة، وهو\nمذهب أهل الظاهر والزيدية، وبعض المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل هؤلاء بقولهم: إن الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل\nالمكلَّف، لا بما ليس من فعله، والأفعال الموجودة من المصلي في\nالدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه، وهو عاصٍ بها، آثم\nبفعلها، وليس له من الأفعال غير ما صدر عنه، فلا يتصور أن\nتكون طاعة ولا يثاب عليها متقربا بها إلى اللَّه - تعالى -؛ لأن\nالحرام لا يكون واجبا، والمعصية لا تكون طاعة مثابا عليها، ولا\nتكون متقربا بها مع أن التقرب والنية شرط في صحة الصلاة.\nجوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن المحكوم بأنه حرام ليس\nهو ذات الفعل من حيث هو فعل، ولكن حكم عليه بالحرمة من\nجهة كونه غصبا، وإذا كان الأمر هكذا فلا يلزم منه امتناع الحكم\nعليه بالوجوب من جهة كونه صلاة؛ ضرورة اختلاف الجهتين.\nتنبيهان:\nالأول: لم أستدل على المذهب الذي اخترته - وهو: أن الصلاة","vol":"1","page":305},{"text":"في الدار المغصوبة صحيحة - بما تناقله الأصوليون وهو: أن السلف\n- ﵏ - لم يكونوا يأمرون من تاب من الظلمة بقضاء\nالصلوات التي أدوها في الأماكن التي غصبوها، وهذا يدل على أنها\nصحيحة، ولو لم تكن صحيحة لأمروهم بقضاءها.\nفلم أذكر ذلك؛ لأمرين:\nأولهما: أن حقيقة الإجماع الصريح لم توجد؛ حيث إنه لم ينقل\nعن السلف أنهم اتفقوا على أن الظلمة تسقط عنهم الصلوات التي\nأدوها في أماكن مغصوبة لا عن طريق التواتر، ولا عن طريق\nالآحاد، وعدم النقل عن السلف لا يعتبر نقل الاتفاق، فمن زعم\nالإجماع بعد ذلك فهو جاهل بحقيقته.\nثانيهما: إن زعموا: أن ذلك جاء عن طريق الإجماع السكوتي،\nفهذا - أيضا - لا تقوم الحجة به لهم؛ حيث إنه معروف أن الإجماع\nالسكوتي لا يعتبر إجماعا ولا حجة عند بعض العلماء.\nوأيضا روي عن الإمام أحمد: أنه يبطل الصلاة في الدار المغصوبة\n- وهي رواية مشهورة عنه - وهو إمام النقل، وأعلم بأحوال\nالسلف، فمخالفته تنقض الإجماع.\nالتنبيه الثاني: قد ذكر بعض العلماء مذهبًا ثالثا في المسألة وهو:\nأن الصلاة في الدار المغصوبة ليست صحيحة، ولكن يسقط الطلب\nعندها لا بها، وهو منسوب للقاضي أبي بكر الباقلاني.\nولقد ذكرت في \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \" دليل\nهذا المذهب، وبيَّنا أنه قريب من المذهب القائل: إن الصلاة في\nالدار المغضوبة لا تصح، فراجعه من هناك.","vol":"1","page":306},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف بين المذهبين الأول والثاني خلاف معنوي، وهو واضح؟\nحيث إن من صحح الصلاة في الدار المغصوبة لم يأمر من فعلها على\nهذه الصفة بالقضاء، ومن لم يصححها فإنه يأمر من فعلها في دار\nمغصوبة بالقضاء.\n***\nالمسألة السابعة: في مقدمة الحرام:\nمقدمة الحرام تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: ما كان من أجزاء الحرام فهذا محرم بالتأكيد، مثاله:\nالإيلاج والإخراج في عملية الزنا، فإنه لا فرق - هنا - بين المقدمة\nوالحرام، فإن حكمهما واحد؛ حيث إنه لا فرق بين أن يقول\nالشارع: \" لا تزن \" أو أن يقول: \" لا تولج \".\nالثاني: ما كان من أسباب الحرام فهذا حرام مثل: محادثة\nالأجنبيات بشهوة \" لأن ذلك سبب في الوقوع في الزنا.\nالثالث: ما كان من ضرورات الحرام مثل: اختلاط أخته بعدد من\nالأجنبيات عنه في بلدة صغيرة، وعسر تمييزها من بينهن، فهنا يحرم\nنكاح الجميع ضرورة، حتى لا يوصل به هذا إلى نكاح أخته.\nالمسألة الثامنة: في الحرام المخيَّر:\nالحرام المعيَّن معروف وهو الثابت بالإجماع، وهو الذي تعين\nالمنهي عنه بشيء واحد كتحريم شرب الخمر، والزنا، والربا،\nونحو ذلك.","vol":"1","page":307},{"text":"أما الحرام المخيَّر وهو الذي لم يتعين المنهي عنه بشيء واحد، بل\nتعلق النهي بأشياء متعدِّدة ومحصورة، فهل يجوز ذلك؟\nأي: هل يجوز أن يحرم واحدًا لا بعينه؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز أن يُحرم واحدًا لا بعينه.\nذهب إلى ذلك الآمدي، وابن الحاجب، وأكثر الفقهاء.\nوهو الحق عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلًا أن يقول الشارع: \" لا تكلم زيدًا\nأو. عمرأ، وقد حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم\nعليك كلام الجميع، ولا واحدًا بعينه \"، فهذا كلام معقول، ولا\nيلزم من تصوره محال.\nالدليل الثاني: الوقوع الشرعي، ومنه: تحركيم إحدى الأختين لا\nبعينها، وكذلك لو أسلم وتحته أكثر من أربع نساء، فإنه ممنوع مما\nزاد عن الأربع من غير تعيين.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز تحريم واحد لا بعينه.\nذهب إلى ذلك أكثر المعتزلة، وبعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن النهي عن الشيء قبيح، فإذا نهي عن أحدهما\nلا بعينه ثبت القبح لكل منهما، فيمتنعان جميعًا.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك: بأن قولكم هذا مبني على قاعدة \" التحسين\nوالتقبيح العقليين \"، ونحن لا نوافقكم عليها جملة وتفصيلًا.","vol":"1","page":308},{"text":"الدليل الثاني: أن التحريم ينافي التخيير، فمعنى كونه محرمًا:\nأنه لا يجوز فعله، ومعنى كونه مخيرًا: أنه يجوز فعله وتركه.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك: بأن اللَّه ﷿ يعلم الأشياء على ما هي\nعليه، فيعلم الحرام الذي ليس بمعين غير معين، وإذا أتى بها المكلَّف\nكلها سقط العقاب عنه.\nالدليل الثالث: أن حرف \" أو \" إذا ورد في النهي اقتضى الجمع\nدون التخيير، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)، فالشارع نهى عن الطاعة لكل منهما.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك: بأن الترك في الآية قد تعلق بمفهوم أحدهما،\nفلذلك أفاد التعميم.\nالمسألة التاسعة: هل الأمر بالشيء المعين نهي عن ضده؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الأمر بالشيء المعيَّن نهي عن ضدِّ ذلك الشيء\nالمعيَّن من جهة المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد.\nذهب إلى ذلك: الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة، ومالك، والشافعي -\nوأكثر أتباعهم، وهو رواية عن الإمام أحمد وكثير من أتباعه،\nواختاره فخر الدين الرازي وأكثر أتباعه، والقاضي عبد الجبار بن\nأحمد، والكعبي، وأبو الحسين البصري.\nوهو الصحيح عندي، فعلى هذا يكون الأمر بالصلاة: نهي في","vol":"1","page":309},{"text":"المعنى عن الأكل والشرب والنوم، والأمر بالجلوس في البيت يكون\nنهيًا في المعنى عن الجلوس في الطريق وغير ذلك من المواضع التي\nيضاد الجلوس فيها الجلوس في البيت.\nولقد صحَّحته للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه لا يمكن أن نتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك\nضده، فوجب أن يكون الأمر به نهيًا عن ضده، فلو قال - مثلًا -:\n\" قم \" لا يمكنه فعل القيام إلا بترك القعود، فوجب أن يكون نهيًا\nعن القعود، والاضطجاع، والركوع، ونحو ذلك، قياسا على\nالأمر بالصلاة لما لم يمكنه فعل الصلاة إلا بتقديم الطهارة كان الأمر\nبالصلاة أمرًا بالطهارة، وجلب الماء، وتوفير كل الأسباب التي\nيتوصل بها إلى صحة الصلاة، فكذا هاهنا.\nالدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: \" قم \" فقعد حسن ذمه\nوتوبيخه على القعود، فيقول له: \" لِمَ قعدت؛ \"، ولو لم يكن\nالأمر بالقيام اقتضى النهي عن القعود: لما حسن توبيخه وذمه على\nالقعود.\nالدليل الثالث: أن من أذن لغيره في دخول الدار ثم قال له:\n\"اخرج \" تضمن هذا القول منعه من القيام فيها، واللفظ إنما هو أمر\nبالخروج، وقد عقل منه المنع من المقام الذي هو ضده.\nالمذهب الثاني: أن الأمر بالشيء هو بعينه طلب ترك الضد، فهو\nطلب واحد: بالإضافة إلى جانب الفعل: أمر، وبالإضافة إلى\nجانب الترك: نهي.\nفالسكون هو عين ترك الحركة، وطلب السكون هو عين طلب","vol":"1","page":310},{"text":"ترك الحركة، فالأمر بالسكون طلب واحد، هو بالإضافة إلى\nالسكون أمر، وبالإضافة إلى الحركة نهي.\nذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني في أول أقواله، وتبعه\nعلى ذلك بعض المتكلمين.\nوبنى هؤلاء مذهبهم على أساس أن الأمر لا صيغة له، وإنما هو\nمعنى قائم بالنفس، فالأمر - عندهم - هو نفس النهي من هذا\nالوجه، فاتصافه بكونه أمرًا ونهيا كاتصاف الكون الواحد بكونه قريبا\nمن شيء بعيدًا من شيء آخر.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عنه بأن يقال: إن مذهبكم هذا مبني على أن الأمر\nبالشيء نهي عن ضده من طريق اللفظ، وهذا غير صحيح؛ لأن\nالعرب فرقت بين لفظ الأمر، ولفظ النهي، فجعلت لفظ الأمر\nموضوعا للإيقاع والحث على الفعل، ولفظ النهي لنفي الفعل،\nوطلب الترك، فلم يجز أن يجعل أحدهما للآخر كما لا يجوز ذلك\nفي الخبر.\nالمذهب الثالث: أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده: لا بمعنى\nأنه عينه، ولا بمعنى أنه يتضمنه، ولا بمعنى أنه يلازمه.\nذهب إلى ذلك بعض الشافعية كالغزالي، وروي عن القاضي أبي\nبكر الباقلاني، وجمهور المعتزلة.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن صيغة الأمر تختلف عن صيغة النهي، فصيغة\nالأمر \" افعل \" وصيغة النهي \" لا تفعل \"، فلا يجوز أن تكون صيغة\nأحدهما مقتضية للآخر.","vol":"1","page":311},{"text":"جوابه:\nيمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إنما لا يجوز ذلك ويمتنع لو\nجعلنا الأمر بالشيء نهيًا عن ضده من طريق اللفظ، فيكون اختلاف\nصيغتهما مانعا لكون أحدهما مقتضيا للآخر، لكنا نقول: إن الأمر\nبالشيء يقتضي النهي عن ضده من طريق المعنى - كما سبق بيانه -.\nالدليل الثاني: أن النهي عن الشيء لا يقتضي الأمر بضده،\nفكذلك الأمر بالشيء وجب أن لا يكون مقتضيا للنهي عن ضده.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عنه: بأنا لا نسلِّم ذلك، بل: إن النهي عن\nالشيء يقتضي الأمر بضده، فإن كان له ضد واحد كالنهي عن صوم\nيوم النحر: فإنه يقتضي الأمر بضده وهو الإفطار، وإن كان له\nأضداد كالزنا فإنه يقتضي الأمر بضد من أضداده، لأنه بفعل ضد\nواحد يترك المنهي عنه، وهو أن يشتغل عنه بأكل أو شرب أو نوم أو\nنحو ذلك من الأعمال، فإنه يصير بفعله لأحد تلك الأمور تاركا\nللزنا.\nالدليل الثالث: أن الأمر بالشيء قد يكون غافلًا وذاهلًا عن\nضده، والنهي عن الشيء مشروط بالشعور بالمنهي عنه، فكيف يكون\nالآمر طالبا ما هو غافل عنه؛ وإذا كان الآمر لم يغفل عن ضد\nالشيء المأمور به: فإن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده من حيث\nذات الأمر، بل يكون الأمر نهيا عن ضده من باب ما لا يتم الواجب\nإلا به فهو واجب.\nجوابه:\nيمكن أن نجيب عنه بجوابين:","vol":"1","page":312},{"text":"الجواب الأول: لا نسلِّم أنه يصح منه إيجاب الشيء عند الغفلة\nعن الإخلال به؛ لأن الأمر المقتضي إيجاب شيء مركب من قيدين:\n\" إيجاب الفعل \"، و\" المنع من الترك \"، فالمتصور للإيجاب متصور\nللمنع من الترك، فيكون - بذلك - متصورًا للترك لا محالة.\nالجواب الثاني: سلَّمنا أن الضد قد يكون مغفولًا عنه، ولا يمنع\nذلك من أن يكون الضد منهيًا عنه؛ قياسا على مقدمة الصلاة، فإن\nالأمر بالصلاة أمر بمقدمتها، وإن كان مقدمتها قد تكون مغفولًا عنها،\nفكذلك هنا.\nبيان نوع الخلاف:\nأولًا: الخلاف بين أصحاب المذهب الأول والثاني خلاف لفظي؟\nلاتفاق الفريقين على أن الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه، لكن أصحاب\nالمذهب الأول يقولون: إنه نهي عن ضده من جهة المعنى،\nوأصحاب المذهب الثاني يقولون: إنه نهي عن ضده من جهة اللفظ.\nثانيًا: الخلاف بين أصحاب المذهب الأول وأصحاب المذهب\nالثالث خلاف معنوي، قد أثر في كثير من المسائل الفقهية، ومنها:\n١ - إذا قال لزوجته: \" إن خالفت نهيي فأنت طالق \" ثم قال\nلها: \" قومي \" فقعدت، فإن العلماء اختلفوا في ذلك، وكان\nسبب خلافهم هو خلافهم في هذه القاعدة.\nفقال بعض العلماء: إنها تطلق؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده.\nوقال آخرون: إنها لا تطلق بنإء على أن الأمر بالشيء ليس نهيا\nعن ضده.\n٢ - إذا سجد على مكان نجس فما حكم صلاته؛","vol":"1","page":313},{"text":"اختلف في ذلك:\nفذهب أكثر العلماء إلى أن صلاته باطلة، فيجب أن يعيدها كلها؟\nلأنه مأمور بالسجود على مكان طاهر، والأمر بالشيء نهي عن\nضده، فالسجود على مكان نجس منهي عنه، فوجب أن تبطل\nصلاته؛ لفعله ما نهي عنه.\nوذهب بعض العلماء إلى أنه يؤمر بإعادة السجود على مكان طاهر\nويجزئه؛ لأن المأمور به السجود على مكان طاهر، وقد أتى به، أما\nالسجود على مكان نجس فليس بمنهي عنه، لأن الأمر بالشيء ليس\nنهيا عن ضده.\nوإن أردت الزيادة من هذه الأمثلة فراجع كتابي \" إتحاف ذوي\nالبصائر \".\nتنبيه: الحرام عند الجمهور يشمل ما ثبت النهي عنه بدليل\nقطعي، وما ثبت النهي عنه بدليل ظني، فلم يُفرق بينهما، وقد\nتكلمنا عنه فيما سبق.\nأما الحنفية فإنهم يفرقون بين ما ثبت بدليل قطعي، وما ثبت بدليل\nظني.\nفسموا الثابت بدليل قطعي بالحرام.\nوسموا الثابت بدليل ظني بالمكروه تحريما.\nوفرقوا بين \" الحرام \" و\" المكروه تحريما \" بفروق، من أهمها:\nالأول: أن من أنكر الحرام الثابت بدليل قطعي اعتبر كافرًا، أما\nمنكر المكروه تحريما، فإنه يعتبر فاسقا.\nالثاني: أن العقاب في ارتكاب الحرام أشد من العقاب في ارتكاب\nالمكروه تحريما.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفصل الثالث في التكليف وشروطه</span>\nويشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: حقيقة التكليف:\nأولًا: التكليف لغة\nثانيًا: التكليف اصطلاحًا.\nالمبحث الثاني: في شروط التكليف.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الأول في حقيقة التكليف</span>\nأولًا: التكليف لغة:\nيرجع إلى أصل الكلمة، حيث تتكون من ثلاثة أحرف وهي:\n\"الكاف، واللام، والفاء \"، وهذا الأصل يدل على إيلاع بالشيء،\nوتعلق به مع شغل القلب.\nوهو مأخوذ من الكلفة وهي: المشقة.\nويطلق التكليف على الأمر بما يشق عليك، فهو إذًا: الأمر بما فيه\nكلفة.\nثانيًا: التكليف اصطلاحًا هو:\nالخطاب بأمر أو نهي.\nوقيل: إلزام ما فيه كلفة.\nولهذا الاختلاف في تعريف التكليف اصطلاحًا أثره الواضح.\nفمن عرَّفه بالأول - وهو الخطاب بأمر أو نهي - أدخل المندوب\nوالمكروه ضمن الأحكام التكليفية، لأن المندوب مأمور به، والمكروه\nمنهي عنه.\nومن عرَّفه بالثاني - وهو: إلزام ما فيه كلفة - لم يدخل المندوب\nتحت الأحكام التكليفية؛ لأنه لا إلزام في فعل المندوب، ولا إلزام\nفي ترك المكروه، وقد سبق بيان ذلك.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الثاني في شروط التكليف</span>\nشروط التكليف تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: شروط ترجع إلى المكلَّف وهو المحكوم عليه.\nالقسم الثاني: شروط ترجع إلى الفعل المكلَّف به، وهو المحكوم فيه.","vol":"1","page":319},{"text":"القسم الأول في شروط المكلَّف\nويشتمل على مسائل.\nالمسألة الأولى: بيان شروط المكلف.\nالمسألة الثانية: تكليف الجن.\nالمسألة الثالثة: هل الصبي غير المميز مكلَّف؟\nالمسألة الرابعة: الصبي المميز هل هو مكلَّف؟\nالمسألة الخامسة: المجنون المميز هل هو مكلَّف؟\nالمسألة السادسة: المعتوه هل هو مكلَّف؟\nالمسألة السابعة: هل الناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى عليه مكلفون؟\nالمسألة الثامنة: هل السكران مكلف؟\nالمسألة التاسعة: تكليف المكره.\nالمسألة العاشرة: تكليف الكفار بفروع الإسلام.","vol":"1","page":321},{"text":"المسألة الأولى: بيان شروط المكلَّف:\nالشرط الأول: أن يكون بالغًا.\nالشرط الثاني: أن يكون عاقلًا.\nالشرط الثالث: أن يكون فاهمًا للخطاب.\nفإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة في شخص أصبح هذا الشخص\nمكلَّفًا بأحكام الشرع.\nوالبلوغ: هو الوصول إلى الحدِّ الذي إذا وصله الشخص فإنه\nتحسب له الحسنات، وتحسب عليه السيئات.\nوالبلوغ يكون إما باستكمال خمس عشرة سنة، أو بالاحتلام\n- وهو إنزال المني -، أو بإنبات شعر من قبل، هذا بالنسبة للذكر.\nأما الأنثى فيعرف بلوغها بأحد الأمور التي تخص الذكر، وتزيد\nأمرًا رابعًا وهو: الحيض.\nوالمقصود بالعقل: آلة التمييز والإدراك.\nوالفهم هو: جودة الذهن من جهة تهيئته لاقتناص كل ما يرد عليه\nمن المطالب.\nوالمراد بالخطاب: هو خطاب الشارع، سواء كان أمرًا أو نهيًا أو\nتخييرًا.\nوفرَّقنا بين اشتراط البلوغ، واشتراط العقل مع أن بعض العلماء\nقد جعلوا البلوغ يدخل ضمن اشتراط العقل، وقالوا: إن البلوغ\nوضعه الشارع حدًا للعقل الذي يتفاوت الناس فيه، لكننا فرَّقنا بينهما","vol":"1","page":323},{"text":"وأفردناه عن شرط العقل، لاختلاف حكم الصبي عن المجنون\nوغيره، وذلك لأن اشتراط البلوغ أخرج الصبي، واشتراط العقل\nأخرج المجنون.\nوفرقنا بين اشتراط العقل واشتراط الفهم، مع أن بعض العلماء لم\nيُفرِّقوا بينهما؛ لأنا أردنا بالعاقل ما يخالف المجنون، وأردنا بالفاهم\nما يخالف النائم والغافل والساهي.\nالحاصل: أنه يشترط في الشخص المراد تكليفه: أن يكون قدى\nوصل إلى الحدِّ الذي نعرف بواسطته خروجه عن مرحلة الصبا، وأن\nيتوفر فيه العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، والطيب والخبيث،\nوأن يتوفر فيه الفهم الذي يستطيع به أن يدرك المراد والمطلوب من ذلك\nالخطاب الموجه إليه، ويفهم كيفية امتثاله، ويفهم المقصود من\nالتكليف حتى تصح النية، حيث لا عمل إلا بنية.\n***\nالمسألة الثانية: تكليف الجن:\nالجني البالغ، العاقل، الذي يفهم الخطاب هل هو مكلَّف أو لا؟\nأقول: إن الجن مكلَّفون بفروع الشريعة كأصولها، لما يلي من\nالأدلة:\nالأول: قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .\nالثاني: قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) .\nالثالث: قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) .\nالرابع: الإجماع، حيث أجمع العلماء على أن النبي - ﷺ - أرسل","vol":"1","page":324},{"text":"بالقرآن إلى الإنس والجن، وجميع أوامره ونواهيه تتوجه إليهما،\nوهي تشمل الأوامر والنواهي في الأصول والفروع.\nلكن تكليفهم يختلف عن تكليف الإنس؛ لأن طبيعة كل واحد\nتختلف محن طبيعة الآخر، فالجن يخالفون بالحد والحقيقة الإنس،\nوإذا خالفوهم في ذلك فبالضرورة يخالفونهم في بعض التكاليف.\nفمثلًا: الجني يقصد البيت الحرام للحج طائرًا؛ لأنه قد أعطي\nقوة الطيران في الهواء، أما الإنسان فلا يخاطب بذلك لعدم وجود\nتلك القوة عنده.\nولقد نقل بعض العلماء كابن نجيم في الأشباه والنظائر أحكاما\nخاصة تتعلق بالجن ومنها: هل تصح الصلاة خلفه، ونحو ذلك.\n***\nالمسألة الثالثة: هل الصبي غير المميز مكلَّف؟\nالصبي غير المميز هو: الذي لا يميز ولا يفرق بين الأشياء، فلا\nيميز بين الحق والباطل، وبين الطيب والخبيث، وبين الجيد والرديء.\nومدته سبع سنوات، وهو من ولادته إلى تمامه سبع سنوات من\nعمره، والسبب في هذا التحديد ما رواه ابن عمر - رضي الله\nعنهما - أن النبي - ﷺ - قال:\n\" مروا أولادكم لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرَّقوا بينهما في المضاجع \"، فقد أمر الشارع - هنا -\nالولي بأن يأمر الصبي البالغ سبع سنوات بالصلاة للتمرين والتدريب،\nويفهم منه أن الصبي غير البالغ هذا السن لا يؤمر ولا ينهى؛ لأنه لا\nيفرق بين الأمور.\nوهذا الصبي قد اختلف في تكليفه على مذهبين:","vol":"1","page":325},{"text":"المذهب الأول: أن الصبي غير المميز غير مكلَّف.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق عندي الذي لا يجوز\nغيره؛ وذلك لأن الذي لا يفهم الخطاب الوارد من الشارع لا يتصور\nمنه قصد مقتضاه، والصبي غير المميز لا يفهم شيئًا من الخطابات،\nفلذلك سقطت عنه المطالبة بمقتضى ذلك الخطاب، بيان ذلك:\nأن المقصود والغرض من تكليف الشارع لعباده بالتكاليف الشرعية\nهو: أن يمتثلوا بفعل المأمور به وترك المنهي عنه؛ لتحقيق امتحان الله\nللمكلَّف، ولا يصح ذلك الامتثال وتلك الطاعة إلا بوجود النية\nوالقصد، ولا تصح النية إلا بوجود شرطها وهو: أن يعلم المكلَّف\nبالفعل المكلَّف به، وكيفية امتثاله، والمقصود منه، وأن يعلم من هو\nالمكلِّف - بكسر اللام - وغرضه من هذا التكليف وما يتعلق بذلك\nمن رغبة ورهبة، ووعد ووعيد، وهذه الأمور لا يمكن أن يدرك\nحقائقها الصبي غير المميز، فلذلك رفع التكليف عنه.\nفعدم معرفته لتلك الأمور وعدم فهمه للخطابات قد منع من\nتكليفه، فلا يمكن تكليفه مع قيام المانع، وهذا ينزل منزلة تكليف\nالمقعد بالقيام وذلك مستحيل.\nالمذهب الثاني: أن الصبي غير المميز مكلَّف.\nذهب إلى ذلك بعض الناس كما نقل ذلك أبو البركات ابن تيمية\nفي \" المسودة \".\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الصبي قد وجه إليه الخطاب بدفع الزكاة من\nماله إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، ودفع أروش الجنايات،","vol":"1","page":326},{"text":"وقيم المتلفات، وهذا تكليف من جهة الشرع، فلو كان غير مكلَّف\nلما لزمه دفع تلك الواجبات من ماله، فلما لزم ذلك دلَّ على تكليفه.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إن وجوب تلك الواجبات عليه ليس من\nباب خطاب التكليف، وإنما هو من باب خطاب الوضع؛ حيث إنه\nمن قبيل ربط الأحكام بأسبابها، فالشرع وضع أسبابا تقتضي أحكاما\nتترتب عليها، تحقيقا للعدل في خلقه، ومراعاة لمصالحهم تفضلًا منه\nسبحانه، فهذه لا تكليف فيها.\nفبلوغ المال النصاب سبب لوجوب الزكاة في هذا المال، بعد\nحولان الحول عليه سواء كان مالكه صبيا أو بالغا.\nفإذا بلغ ذلك المال النصاب وحال عليه الحول، فقد وجب في ذمة\nالصبي إخراج الزكاة.\nكذلك الإتلاف سبب لوجوب قيمة المتلَف - بفتح اللام - على\nالمتلف بقطع النظر عن المتلف - بكسر اللام - أي: سواء كان صغيرًا\nأو كبيرًا.\nكذلك إذا جرح الصبي شخصا بجرح صغير: فإن هذا سبب\nلإخراج أرش هذا الجرح من مال الجارح، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا.\nالخلاصة: أن بلوغ المال النصاب، ونفس الإتلاف، والجنايات\nبالجراح أسباب لثبوت حقوق في ذمة الصبي.\nولكون اللَّه سبحانه قد حفظ للناس حقوقهم، ونظرًا لأن حكمته\nاقتضت عدم ظلم الفقير، وظلم الآخرين، فإن هذه الأسباب تكون","vol":"1","page":327},{"text":"خطابات لولي الصبي، أو الوصي عليه، بحيث يخرج هذه الحقوق\nمن ماله من زكاة، وقيم متلف، وأرش جناية.\nوإن لم يمكن ذلك فإن بلوغ النصاب والإتلاف والجنايات تكون\nأسبابًا لخطاب الصبي بعد بلوغه؛ لتمكنه في تلك الحال من فهم\nالخطاب.\nأي: إما أن يتوجه الخطاب بتلك الأسباب في الحال إلى الولي أو\nالوصي.\nأو يتوجه في المآل؛ لأن مآل الصبي هو البلوغ،\nالدليل الثاني: أن الزكاة، وقيمة المتلف، وأرش الجناية تثبت في\nذمة الصبي، وهذا يفيد أنه مكلَّف، إذ لو كان غير مكلَّف لما ثبت\nفي ذمته شيء.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إن ثبوت تلك الأحكام في ذمة الصبي ليس\nبسبب كونه مكلفًا، بل إن الصبي صار أهلًا لثبوت الأحكام في ذمته\nبسبب توفر صفة الإنسانية فيه التي بها يكون مستعدًا لقبول قوة العقل\nالذي بواسطته يستطيع فهم التكليف، وذلك بعد البلوغ.\nفصفة الإنسانية الموجودة في الصبى هى التى جعلته أهلًا للتكليف\nبالقوة لا بالفعل.\nبخلاف البهيمة، فلا يمكن أن يكون لها أهلية فهم الخطاب ولا\nالتكليف لا بالقوة ولا بالفعل؛ لعدم صفة الإنسانية فيها، فلذلك لا\nتثبت في ذمتها الأحكام، ولم تهيا لذلك.\nومما يؤيد ذلك: القياس على النطفة في الرحم، فإنه يثبت لها","vol":"1","page":328},{"text":"الملك بالإرث والوصية مع أن الحياة التي هي شرط الإنسانية والتي\nتثبت بها الملكية مفقودة، وليست موجودة بالفعل، ولكن هذه\nالنطفة تملك بالقوة؛ لأن مصير هذه النطفة - غالبا - إلى الحياة،\nفلذلك صلح أن تملك تلك النطفة، ولكن هذا الملك بالقوة لا بالفعل.\nفكذلك الصبي مصيره إلى العقل والبلوغ وفهم الخطاب، فصلح\nلأن يثبت في ذمته بعض الأحكام من إخراج الزكاة، ودفع قيمة\nالمتلفات ونحو ذلك، والجامع: أن كلًا منهما لا يستطيع التصرف في\nالحال فيما يملكه.\n***\nالمسألة الرابعة: الصبي المميز هل هو مكلَّف؟\nالصبي المميز هو: من تجاوز سن السابعة من عمره - وقيل: هو\nمن تجاوز سن السادسة - وهو يدرك حقائق الأمور ويميز بين الأفعال\nوالأقوال، والجيد والرديء، والحق والباطل.\nفهو في هذه الحالة قد توفر فيه العقل، وفهم خطاب الشارع فهل\nهو مكلَّف؟\nاختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه غير مكلف مطلقا.\nوهو قول جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن كون الصبي\nالمميز عاقلًا يفهم الخطاب ويميز بين حقائق الأمور جعل تكليفه\nممكن، لكن الشارع وضع وحط عنه التكليف؛ رفعا للحرج؟\nحيث إن العقل والفهم يتزايدان تزايدًا غير واضح، فلا يعلم هو\nبنفسه ولا غيره ذلك التزايد، فلا يمكن الوقوف على أول وقت فهم\nفيه خطاب الشارع، وأول وقت عرف حقيقة المرسل - بكسر السين -","vol":"1","page":329},{"text":"والمرسَل - بفتح السين -، والغرض من إرسال الرسل، فنظرًا\nلعدم معرفة ذلك بالتحديد، جعل الشارع وقتًا محددًا للتكليف، ألا\nوهو: البلوغ، فهو علامة واضحة جلية لظهور العقل وفهم الخطاب\nعلى الغالب، لقوله - ﷺ -:\n\"رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ ... \".\nوالبلوغ يكون إما باستكمال خمس عشرة سنة، أو بالاحتلام، أو\nبإنبات شعر من قبل، وتزيد الأنثى بخروج الحيض.\nفوضع الشارع ضابطًا يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله وهو\n\" البلوغ \"، ولهذا فإن أكثر الأحكام تتعلق به.\nقال بعض العلماء: كأن الشارع لم يلزم الصبي قضايا التكليف؟\nلأمرين:\nأولهما: أن الصبي مظنة الغباوة، وضعف العقل، فلا يستقل\nبأعباء التكليف.\nثانيهما: أنه عري عن البلية العظمى، وهي الشهوة.\nالمذهب الثاني: أن الصبي المميز مكلف مطلقًا.\nوهو رواية عن الإمام أحمد.\nدليل هذا المذهب:\nأن الصبي المميز عاقل، يفهم خطاب الشرع، مميز بين الأقوال\nوالأفعال، ويميز بين الخير والشر، والجيد والرديء، والحق\nوالباطل، وما دام الأمر كذلك فما المانع من تكليفه، وقد توفر فيه\nالشروط التي تشترط في البالغ وهو العقل والفهم؛","vol":"1","page":330},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأنا لا نعلم متى فهم وأدرك وعقل حتى يكلف\nبالتكاليف الشرعية ويطالب بها، وذلك لأن نمو العقل وتزايد الفهم\nوتطوره خفي عنا، ويصعب علينا - إن لم يستحيل - الوقوف على\nالحدِّ الذي به يمكن أن نحكم عليه بأنه عاقل وفاهم للخطاب.\nثم إن الصبيان يختلفون باختلاف تنشأتهم، وبيماتهم، ومعاملتهم،\nونحو ذلك، وقد يكون عقل وفهم هذا الصبي يختلف عن عقل\nوفهم صبي آخر، مما يلزم منه اختلاف الحكم باختلاف الصبيان.\nفسدًا لذلك ورفعا للحرج: بيَّن الشارع علامة لا نختلف عند\nوجودها وهي: \" البلوغ \"، فإذا بلغ الشخص كان مكلَّفا، أما قبل\nالبلوغ فلا يمكن تكليفه.\nالمذهب الثالث: الفرق بين الصبي المميز البالغ عشر سنين وبين\nالصبي المميز غير البالغ عشر سنين.\nفالبالغ عشر سنين يكلف بالصلاة، أما من هو أقل من ذلك فلا\nيكلف، ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وابن سريج من\nالشافعية.\nدليل هذا المذهب:\nقوله - ﷺ -:\n\"مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر\".\nوجه الاستدلال: أن الصبي المميز مأمور بالصلاة ومعاقب على\nتركها، وهذا يدل على تكليفه، ولو لم يكن مكلَّفا لما ضُرِب على\nتركها.","vol":"1","page":331},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأن الأمر بصلاة الصبي المميز والأمر بضربه ليس من\nجهة الشارع، وإنما هو من جهة الولي، والعبارة تدل على ذلك\nحيث قال: \" مروا ... وأضربوهم \" يعني: أيها الأولياء مروا\nأولادكم، واضربوهم ...، وقلنا ذلك لأن الصبي يفهم خطاب\nالولي، ويخاف ضربه، فصار أهلًا لذلك، ولكنه لا يفهم خطاب\nالشارع أصلًا، ولا يفهم عقابه، فالصبي مأمور ومعاقب من قبل\nالولي.\nثم الأمر والضرب هنا: للتأديب والتهذيب.\nالمسألة الخامسة: المجنون هل هو مكلَّف؟\nالمجنون مأخوذ لغة من جن يجن: إذا استتر، ويقال: جن\nيجن، جنًا، وجنونًا، ومجنة، أي: زال عقله، ومنه قوله\nتعالى: (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)، والجنون معناه: زوال العقل، أو فساد فيه.\nوالجنون اصطلاحًا هو: اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة\nوالقبيحة المدركة للعواقب، بأن لا يظهر آثارها وتتعطل أفعالها.\nوهو نوعان: \" جنون أصلي \"، و\" جنون عارض \".\nأما الجنون الأصلي فهو: أن يولد الإنسان فاقد العقل، ويستمر\nعلى ذلك.\nأما الجنون العارض فهو: أن يبلغ الإنسان سليم العقل، كامل\nالفهم، ثم يطرأ له الجنون.\nوالمجنون اختلف في تكليفه على مذهبين:","vol":"1","page":332},{"text":"المذهب الأول: أنه غير مكلَّف مطلقًا.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق: لعدم فهمه للخطابات الواردة من الشارع، وعدم\nإدراكه وعلمه للفعل المكلَّف به، وكيفية امتثاله، وعدم وجود النية\nوالقصد منه، وهو يصدق عليه الدليل الدال على عدم تكليف الصبي\nغير المميز.\nالمذهب الثاني: أنه مكلَّف مطلقًا.\nذهب إلى ذلك بعض الناس كما حكى ذلك ابن تيمية في \" المسوَّدة \".\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الجنون قد وجه إليه الخطاب بدفع الزكاة،\nودفع قيمة المتلف، ودفع أروش الجنايات، ولو لم يكن مكلَّفا لما\nوجه إليه خطاب، ولما أخذت تلك الحقوق من ماله.\nجوابه:\nقد سبق الجواب عنه، وهو جوابنا عن الدليل الأول من أدلة\nالقائلين: إن الصبي غير المميز مكلَّف.\nالدليل الثاني: أن الزكاة، وقيمة المتلفات، وأرش الجناية قد\nثبتت في ذمة المجنون، وهذا يفيد أنه مكلَّف، إذ لو لم يكن مكلَّفاَ\nلما ثبت في ذمته شيء.\nجوابه:\nقد سبق الجواب عنه، وهو جوابنا عن الدليل الثاني من أدلة\nالقائلين بأن الصبي غير المميز مكلَّف.","vol":"1","page":333},{"text":"المذهب الثالث: الفرق بين المجنون المطبق، والمجنون غير المطبق،\nفالمجنون المطبق - وهو الذي لا يفيق - غير مكلف مطلقًا.\nأما المجنون غير المطبق - وهو الذي يفيق أحيانًا - فهذا مكلَّف،\nوقد حُمِل على هذا المذهب ما روي عن الإمام أحمد: أن المجنون\nيقضي الصلاة والصوم.\nدليل أصحاب هذا المذهب:\nأن دليل عدم تكليف المجنون المطبق هو دليل الجمهور في المذهب\nالأول.\nأما دليل تكليف المجنون غير المطبق فهو: أنه يعقل ويفهم خطاب\nالشارع في إفاقته، فينبغي تكليفه بناء على ذلك.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بأن إفاقته ليست واضحة جلية حتى نكلفه أثناء\nتلك الإفاقة، فلا يمكننا الوقوف على أول وقت الإفاقة وأول وقت\nفهمه للخطاب، ونظرًا لعدم معوفتنا لذلك بالتحديد فإنه يستحيل\nتكليفه.\n***\nالمسألة السادسة: هل المعتوه مكلَّف؟\nالمعتوه لغة مأخوذ من العته، وهو نقص العقل من غير جنون.\nوهو في الاصطلاح: آفة ناشئة عن الذات توجب خللًا في العقل\nفيصير صاحبه مختلط الكلام، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء،\nوبعضه كلام المجانين.","vol":"1","page":334},{"text":"وقلنا بأنه: \" آفة ناشئة عن الذات \" لإخراج الآفة الناشئة بسبب\nعارض كالمخدرات والخمور وغيرها.\nالفرق بين المجنون والعتوه:\nيوجد بين المجنون والمعتوه فروق إليك أهمها:\nالفرق الأول: أن المعتوه له عقل ولكنه ضعيف عن إدراك وفهم\nالخطاب، أما المجنون فإنه لا عقل له.\nالفرق الثاني: أن المعتوه قد يكون مميزا، وقد يكون غير مميز،\nبخلاف المجنون، فلا يكون مميزا أبدًا.\nالفرق الثالث: المعتوه لا يصاحبه تهيج واضطراب، بخلاف\nالمجنون فقد يصاحبه تهيج واضطراب.\nفالمعتوه الذي يفهم خطاب الشارع - هل هو مكلف؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه غير مكلَّف مطلقا.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ قياسا على المجنون،\nوعلى الصبي غير المميز، والجامع: ضعف العقل عن إدراك حقائق\nالأمور، وعن فهم خطابات الشارع على ما هي عليه.\nالمذهب الثاني: أنه مكلَّف مطلقًا.\nذهب إلى ذلك بعض الناس.\nدليل هذا المذهب:\nاستدلوا بنفس الأدلة التي استدل بها القائلون: إن الصبي والمجنون\nمكلَّفان من حيث وجوب دفع الزكاة، وقيمة المتلفات، وأروش\nالجنايات عليه، ومن وجوب ذلك في ذمته.","vol":"1","page":335},{"text":"جوابه:\nالجواب عن ذلك هو نفس ما أجبنا به عن الدليلين السابقين،\nفاستحضرهما من هناك.\nالمذهب الثالث: الفرق بين العبادات وغيرها.\nفالمعتوه تجب عليه العبادات ويكلف بها دون غيرها من الأحكام.\nذهب إلى ذلك أبو زيد الدبوسي من الحنفية.\nدليله: الاحتياط، حيث إن العبادات يحتاط لها أكثر من غيرها.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا غير صحيح، لأن العبادات لازمة في حق\nمن يفهم الخطاب عند سماعه به وتوجيهه إليه، والمعتوه لا يفهم\nالخطاب، فاختل شرط المكلف وهو: \" فهم الخطاب \"، وإذا\nاختل شرط من شروط المكلف فإنه لا تكليف مطلقا.\nوبناء عليه لا تجب العبادات ولا غيرها من الأحكام الشرعية.\nالمسألة السابعة: هل الناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى\nعليه مكلَّفون؟\nالناسي مأخوذ من النسيان - بكسر النون وسكون السين - وهو:\nضد الذكر والحفظ، هذا لغة.\nوهو اصطلاحًا: عاهة تنشأ عن اضطراب أو عطب في المخ، أو\nعن اضطراب شديد في الحياة العقلية يسببه القلق والصراع النفسي.\nوقيل: معنى يعتري الإنسان بدون اختياره، فيوجد الغفلة عن\nالحفظ.","vol":"1","page":336},{"text":"وقيل: هو عدم استحضار الشيء في وقت الحاجة إليه.\nأما السهو: فهو أخف من النسيان؛ لأن النسيان هو: زوال\nالصورة عن المدركة والحافظة معًا، فيحتاج - حينئذٍ - إلى سبب\nجديد بخلاف السهو، فإنه زوال الصورة عن المدركة مع بقائها في\nالحافظة، فيتنبه بأدنى تنبه.\nأما الغفلة فهي قريبة من السهو.\nأما النوم فهو لغة: السكون، والهدوء، والكساد.\nوهو اصطلاحًا: فترة طبيعية تحدث بالإنسان بلا اختيار منه، وتمنع\nالحواس الظاهرة والباطنة عن العمل مع سلامتها، وتمنع استعمال\nالعقل مع قيامه.\nأما المغمى عليه فهو في اللغة: فقد الحس والحركة.\nوهو في الاصطلاح: فتور يزيل القوى ويعجز ذو العقل عن\nاستعماله فترة مع قيامه حقيقة.\nإذا عرفت ذلك فهل هؤلاء مكلَّفون؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الغافل والناسي والساهي والنائم والمغمى عليه\nغير مكلَّفين حال الغفلة، والنسيان، والسهو، والنوم، والإغماء.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن هؤلاء وهم في حالتهم تلك قد فقدوا شرط\nالتكليف وهو: الفهم، فالغافل في حالة غفلته، والناسي في حالة\nنسيانه، والساهي في حالة سهوه، والنائم في حالة نومه، والمغمى\nعليه في حالة الإغماء لا يدركون معنى الخطاب، فكيف يخاطبون","vol":"1","page":337},{"text":"ويقال للواحد منهم \" افهم \" مع أن الفهم منعدم وهم في حالتهم\nتلك؛ فلو كلفوا الامتثال وهم لا يفهمون الخطاب لكان تكليفاَ\nبالمحال.\nالمذهب الثاني: أن الغافل، والناسي، والساهي، والنائم،\nوالمغمى عليه مكلّفون مطلقا.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: إن تكليف هؤلاء بالإتيان بالفعل امتثالًا هو تكليف\nبما لا يطاق، والتكليف بما لا يطاق جائز، فتكليفهم جائز.\nجوابه:\nيقال في الجواب عنه: إنا لا نُسَلِّمُ لكم جواز تكليف ما لا يطاق\nلقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وقوله: (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، ولأن الأمر استدعاء وطلب، والطلب\nيستدعي مطلوبًا وينبغي أن يكون مفهومًا.\nولو فرضنا - مع الفرض الممتنع -: أن تكليف ما لا يطاق جائز -\nوهو رأي كثير من العلماء - فإنهم أجازوه إذا أمكن أن يكون له فائدة\nاختبار اللَّه تعالى للعبد هل يأخذ في مقدمات ما كلف به؟\nوالغافل، والساهي، والناسي، والنائم، والمغمى عليه،\nلا يمكنهم الامتثال بما كلَّفوا به - ولا بمقدماته - وهم في حالتهم تلك\n- فكان - تكليفهم محالًا.\nالدليل الثاني: إن هؤلاء لو أتلفوا شيئًا - وهم في حالة الغفلة،\nوالسهو، والنسيان، والنوم، والإغماء، لوجب ضمان المتلف","vol":"1","page":338},{"text":"ودفع قيمته، والوجوب من الأحكام التكليفية، وهذا دليل على\nتكليفهم، إذ لو لم يكونوا مكلَّفين لما وجب عليهم شيء ولما لزمتهم\nتلك الحقوق.\nجوابه:\nيجاب عنه: إن إلزامهم بدفع قيمة ما أتلفوه ليس من باب \"الحكم\nالتكليفي \"، وإنما هو من باب \" الحكم الوضعي \"؛ لأنه من قبيل\nربط الأحكام بأسبابها.\nأي: أن السبب وجد وهو الإتلاف، فلا بد من وجود المسبب\nوهو الحكم، وهو - هنا - دفع قيمة المتلف بقطع النظر عن كونه\nغافلًا، أو ساهيًا، أو ناسيًا، أو نائمًا، أو مغمًا عليه، أو كونه\nغير ذلك.\nالمسألة الثامنة: هل السكران مكلَّف؟\nالسكران مأخوذ لغة من السكر، وهو في اللغة: غيبوبة العقل\nواختلاطه.\nوهو في الاصطلاح: حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من\nالأبخرة التصاعدة من الخمر، وما يقوم مقامها، فيتعطل معه عقله،\nفلا يميز بين الحسن والقبيح.\nفمن هذه حالته هل هو مكلَّف؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه غير مكلَّف مطلقًا.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.","vol":"1","page":339},{"text":"وهو الصحيح؛ لأن السكران في حالة سكره لا يفهم الخطاب،\nفكيف يوجه إليه خطاب لا يفهمه، ويقال له: \" افهم \"؛ فهو زائل\nالعقل كالمجنون، والصبي غير المميز.\nفلو طلب منه امتثال ما يقتضيه الخطاب - وهو في حالته تلك -:\nلكان ذلك تكليفًا بما لا يطاق؛ حيث وجه إليه خطاب وهو لا يفهم\nالمقصود منه، وطلب منه امتثاله، وهذا محال.\nالمذهب الثاني: أن السكران مكلَّف مطلقًا.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء من الحنفية والشافعية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن السكران لو أتلف شيئًا، - لوجب عليه دفع قيمة\nالمتلف، ولو طلق السكران لوقع طلاقه، وهذا يدل على أنه مكلَّف،\nولو لم يكن مكلَّفا لما لزمه دفع قيمة المتلف، ووقوع الطلاق منه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن إلزامه بدفع قيمة ما أتلفه، ووقوع طلاقه وهو\nفي حالة سكره من باب الحكم الوضعي، وليس من باب الحكم\nالتكليفي، فهو من قبيل ربط الأحكام بأسبابها، وقد سبق.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه - هنا - قد وجَّه الخطاب إلى\nالسكران، فلو لم يكن السكران مكلَّفا لما صح توجيه الخطاب إليه.","vol":"1","page":340},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأن استدلالكم بتلك الآية على أن السكران مكلَّف\nغير صحيح، لوجهين:\nالوجه الأول: أنا لا نُسَلِّمُ بأن الآية خطاب للسكران، بل هي\nخطاب للصحابة - ﵃ - في ابتداء الإسلام قبل أن يحرم\nالخمر، حيث إن الصحابة خوطبوا في حال الصحو بأن لا تقربوا\nالصلاة وأنتم سكارى، وليس الخطاب موجَّه إليهم في حال السكر،\nفقوله: (وأنتم سكارى) جملة حالية من قوله: (لا تقربوا)،\nفالسكر متعلق بقربان الصلاة، لا بخطاب اللَّه تعالى للمصلين.\nوالتقدير: أيها المؤمنون، لا تقربوا الصلاة وأنتم في حالة سكر\nحتى لا يأتي عليكم وقت الصلاة وأنتم لا تعلمون ما تقولون فيها،\nفتختلط عليكم صلاتكم نتيجة لتأثير الخمر عليكم، فكأنه قال:\n\"استمروا على الصحو حتى تدخلوا الصلاة وتفرغوا منها \".\nقياسًا على قولك - ناصحًا غيرك -: \" لا تقرب التهجد وأنت\nشبعان \" أي: استمر على خفة البدن، ولا تشبع حتى إذا أتى وقت\nالتهجد تقوم به بكل خفة ونشاط.\nفكذا هنا كأنه قال: \" لا تقرب الصلاة وأنت سكران \" أي:\nاستمر على الصحو، وعدم تناولك للمسكر حتى إذا أتى وقت\nالصلاة تقوم بها وأنت تعلم ما تقول.\nالوجه الثاني: سلمنا أن تلك الآية خطاب للسكران، لكن\nالسكران عندنا قسمان:\nالقسم الأول: سكران زال عقله كليًا، فهذا لا يفهم شيئًا.","vol":"1","page":341},{"text":"القسم الثاني: سكران لم يزل عقله، بل هو في مبادئ الطرب\nوالنشاط، فهذا يفهم الخطاب.\nفالآية خطاب للقسم الثاني، أي: خطاب لمن وجد منه مبادئ\nالنشاط والطرب، وما زال عقله موجودًا، قال أبو إسحاق في\n\"شرح اللمع \": \" خطاب لمن شرب ولم يبلغ قدر السكر \".\nبيان نوع الخلاف في تلك المسائل الست السابقة.\nالخلاف في تكليف المجنون، والصبي، والغافل، والساهي،\nوالناسي، والنائم، والمغمى عليه، والسكران، والمعتوه، هذا\nالخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأنه راجع إلى مقصد ومراد كل من\nالطرفين المختلفين في كل مسألة.\nفمن قال: إن هؤلاء غير مكلَّفين: أراد أنهم ليسوا مخاطبين ولا\nمكلَّفين حال عدم فهمهم خطاب التكليف؛ لاستحالة ذلك وهم في\nتلك الحالة.\nومن قال بأنهم مكلَّفون: أرادوا أنهم مكلَّفون حكمًا، أي:\nتجري عليهم أحكام المكلَّفين، ولكن هذا الجريان جاء من باب الحكم\nالوضعي، لا من باب الحكم التكليفي، أي: من باب ربط\nالأسباب بمسبباتها، وهذا متفق عليه، فلم يكن هناك خلاف حقيقي.\nالمسألة التاسعة: تكليف المكره:\nقد يوجد شخص بالغ، وعاقل، ويفهم الخطاب، ولكنه أكره\nعلى فعل محرم، أو ترك واجب، فهل يعاقب على فعل المحرم،\nوعلى ترك الواجب؛","vol":"1","page":342},{"text":"أي: هل هو مكلَّف؟\nأقول: المكره نوعان:\nالنوع الأول: مكره ملجأ، وهو: من حمل على أمر يكرهه ولا\nيرضاه، ولا تتعلق به قدرته واختياره كمن ألقي من شاهق على\nمسلم فقتله، أو من ربط بحبل وحمل على مسلم فقتله، أو ألقي\nعلى مال فأتلفه، فهذا غير مكلَّف اتفاقًا، لأنه مسلوب القدرة غير\nمختار كالآلة.\nأي: لا اختيار له في ذلك، ولا هو بفاعل له، وإنما هو آلة\nكالسكين في يد القاطع، وكحركة المرتعش.\nالنوع الثاني: مكره غير ملجأ وهو: من حمل على أمر يكرهه،\nولا يرضاه، ولكن تتعلق به قدرته، واختياره، وإرادته كمن قيل\nله: \" اقتل أخاك المسلم وإلا قتلناك \"، أو قيل لمسلم: \" اقطع يد\nفلان المسلم وإلا قطعنا يدك \"، فهذا قد اختلف العلماء في تكليفه\nعلى مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه مكلَّف.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن شروط التكليف قد توفرت، فيه، وهي:\nالبلوغ، والعقل، وفهم الخطاب، فما المانع من تكليفه؟\nأي: أن المكره قد بلغ الحد الذي يمكن أن نكلفه عنده بالتكاليف،\nوهو عاقل يفرق بين الحق والباطل والمحرم وغيره، وهو فاهم\nلخطابات الشارع يفرق بين ما يقتضي التحريم، وما يقتضي الوجوب،\nوأنه يلزم من ترك الواجب وفعل الحرام: العقاب، وهو أيضا قادر","vol":"1","page":343},{"text":"على إيقاع ما أمر به وعدم إيقاعه، فهو مختار في الإقدام،\nوالانكفاف، وينسب إليه الفعل حقيقة.\nإذن: المكره مكلَّف كغير المكره ولا فرق بجامع: توفر جميع\nشروط التكليف إضافة إلى توفر القدرة وكمال البدن والذمة، ومجرد\nالإكراه ليس سببًا لإسقاط الخطاب عن المكره بأي حال من الأحوال.\nالمذهب الثاني: أن المكره غير الملجأ غير مكلَّف.\nذهب إلى ذلك جمهور المعتزلة، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن المكره قد أتى بالفعل المكره عليه بدافع الإكراه\nلا غير، وهذا يقدح في قدرته على الامتثال؛ لأن الامتثال لا يكون\nإلا بأن يأتي المكلَّف بالفعل اختيارًا قاصدًا الطاعة لأمر الشارع، وهنا\nلم يفعل المكره الشيء الذي أكره عليه إلا من أجل استجابة أمر المكره\nلا من أجل استجابة أمر الشارع.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بأنا لا نُسَلِّمُ أن الإكراه ينافي القدرة، ويتعارض\nمعها، بل إن المكره قادر على فعل ما أكره عليه، وقادر - أيضا -\nعلى ترك فعله، ولهذا أجمع العلماء على أنه إذا أكره المسلم على\nقتل أخيه المسلم، فإنه يحرم ذلك عليه، فالمكره بالقتل مأمور\nباجتناب ذلك القتل، وإن فعل ما أكره عليه فإنه يأثم بلا خلاف.\nوإذا كان المكره مأمورًا بذلك ويأثم إذا فعل: فيلزم من ذلك:","vol":"1","page":344},{"text":"أن المكره مكلَّف، إذ لو لم يكن التكليف ثابتًا في حقه: لما أمر\nبالكف عن القتل، ولما أثم بفعل القتل.\nالدليل الثاني. أن من شرط الأمر بفعل \" ما \" أن يثاب المأمور\nعليه، وإلا امتنع التكليف به، والمكره إن أتى بالفعل لداعي الإكراه\n- فقط - فإنه لا يثاب عليه فيمتنع تكليفه به.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن المكلَّف إذا فعل ما أُكرِه عليه وهو موافق للشرع،\nوقصد ونوى أنه فعله لطاعة اللَّه، لا لطاعة المكرِه - بكسر الراء -\nفإنه يثاب، فيكون ظاهر فعله أنه طاعة للمكرِه - بكسر الراء -،\nوباطنه أنه فعله طاعة لله، وكل فعل قصد به طاعة اللَّه فله ثواب.\nالدليل الثالث: أنه حال مباشرة المكرَه للفعل المكره عليه يمتنع\nتكليفه بتركه، لأنه يلزم منه الجمع بين الفعل والترك في آنٍ واحد،\nوهو جمع بين النقيضين، وهو ممنوع.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه لا يمنع التكليف بنقيض المكرَه عليه قبل الإقدام\nعلى فعل المكره عليه ومباشرته، لأنه لا يلزم من هذا الجمع بين\nالنقيضين \" لعدم اتحاد الزمن.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي له أثره في كثير من مسائل الفروع،\nومنها:\n١ - أن المكرَه إذا قتل من يرث منه، فهل يمنع من ذلك الميراث؟\nاختلف على قولين:\nالأول: أنه يمنع من ذلك الميراث، وهو الصحيح؛ لأنه مكلَّف\nقادر على الامتناع.","vol":"1","page":345},{"text":"الثاني: لا يمنع من الميراث، بل يرث؛ لأنه غير مكلَّف،\nفالإكراه سلب منه الاختيار والقدرة.\n٢ - أنه إذا أكره على الوطء قبل التحلل الأول.\nفعلى المذهب الأول - وهو تكليف المكرَه -: يفسد حجه.\nوعلى المذهب الثاني - وهو عدم تكليف المكرَه -: لا يفسد.\n٣ - إذا أكره المسلم على طلاق زوجته، فهل يقع طلاقه؟\nعلى قولين:\nالقول الأول: إن طلاقه يقع؛ لأنه مكلَّف يتحمل مسؤولية ما\nتلَّفظ به، والمكره عندما نطق بلفظة الطلاق نطق بها وهو مختار\nوقاصد، كل ما هنالك أنه غير راض عن هذا التصرف.\nالقول الثاني: عدم وقوع طلاقه؛ لكونه غير قاصد وقوع الطلاق،\nإنما الذي قصده هو دفع الأذى والضرر عن نفسه.\nالمسألة العاشرة: تكليف الكفار بفروع الإسلام:\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: لا خلاف بين العلماء في أن الكفار مكلَّفون بالإيمان، أي:\nمكلَّفون بأصول الشريعة، وأن تركهم لهذه الأصول يوجب تخليدهم\nفي النار، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) .\nثانيًا: ولا خلاف بين العلماء في أن الكفار مكلَّفون. بالمعاملات\nكالبيع، والشراء، والرهن، والإجارة.","vol":"1","page":346},{"text":"ثالثا: ولا خلاف بين العلماء في أن الكفار مكلَّفون بالعقوبات\nكالحدود والقصاص.\nوبعض العلماء يعبر عما سبق بقوله: أجمع العلماء على أن\nالكفار مخاطبون بخطاب الوضع مثل اعتبار جناياتهم سببا في وجوب\nعقوباتهم عليهم، ولذلك تقام عليهم الحدود عند تقرر أسبابها،\nكما يعتبر وقوع عقودهم على الأوضاع الشرعية سببا لترتب آثارها\nعليهم كالبيع، والنكاح، ونحوهما، كما يعتبر الإتلاف منهم سببا\nلوجوب الضمان عليهم.\nوالسبب في تكليفهم بالمعاملات: أن المعاملات قصد بها الحياة\nالدنيا، فالكفار بها أنسب؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة.\nوالسبب في تكليفهم بالعقوبات: أن العقوبات قصد بها الزجر\nعن ارتكاب أسبابها، والكفار أحق بالزجر وأوْلى به من المؤمنين.\nرابعا: أن ما عدا ما ذكرنا من فروع الشريعة كالصلاة، والصوم،\nوالحج، والزكاة، وإيقاع طلاقه، وعتقه، وظهاره، وإلزامه\nبالكفارات، ونحو ذلك، فقد اختلف العلماء هل الكفار مكلَّفون\nبها أو لا؟\nأي: إذا أمر الشارع بفعل شيء أو نهى عن فعل شيء،\nواستعمل لفظا شاملًا وعاما، فهل يدخل الكفار في هذا الخطاب\nفيكونون مكلَّفين بما كلِّف به المؤمنون؟\nاختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنهم مكلَّفون بفروع الشريعة مطلقا،\nأي: بالأوامر والنواهي.\nذهب إلى ذلك: الإمام مالك، وهو ظاهر مذهب الشافعي،","vol":"1","page":347},{"text":"وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره كثير من المالكية، والشافعية،\nوالحنابلة، وعامة أهل الحديث، وبعض الحنفية كالكرخي،\nوالجصاص، وهو مذهب أكثر المعتزلة.\nوهو الصحيح عندي؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أنه لو لم يوجد في الكافر غير فقد شرط العبادة\nوهما الشهادتان، فإن فقد شرط العبادة مع القدرة عليه لا يمنع من\nتوجه الخطاب بها.\nيدل على ذلك: المحدَث فإنه فقد فيه شرط الصلاة، ولم يمنع\nذلك من وجوب الصلاة عليه وإلزامه بها بسبب قدرته على تحصيل\nالشرط، كذلك الكافر فإنه قادر على تحصيل شرط العبادة وهو:\nالإيمان.\nبيان ذلك: أن المحدث - وهو في حال حدثه ونجاسته - يؤمر\nبالصلاة بشرط تقديم الوضوء، كذلك الكافر - وهو في حال كفره -\nيؤمر بالصلاة وغيرها من العبادات بشرط تقديم الشهادتين، ولا فرق\nبينهما، والجامع: أن كلًّا منهما لا يصح منه العمل وهو في حالته\nتلك: فإذا أمر المسلم بالصلاة - وهو محدث - فإنه يكون مأمورًا\nبالشيء الذي لا تتحقق صحة الصلاة إلا به وهو الطهارة من باب:\nما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كذلك الكافر يؤمر بالصلاة\nوالزكاة والصوم، وغيرها، ومعروف أنه لا تتحقق صحة الصلاِة\nوغيرها من العبادات إلا بتقديم الشهادتين، إذًا هو من باب ما لا يتم\nالواجب إلا به فهو واجب.\nما اعترض به على ذلك الدليل:\nالاعتراض الأول: لا نُسَلِّمُ الحكم في المقيس عليه؛ حيث إن","vol":"1","page":348},{"text":"المسلم المحدث - وهو المقيس عليه - لا يؤمر بالصلاة مباشرة، بل\nإنه يؤمر بالوضوء، فإذا توضأ أمر بالصلاة، بدليل: أن المحدث -\nحال حدثه - لا يتصور أن يؤمر بالصلاة؛ لأنه حال حدثه لا يمكن\nأن يمتثل الصلاة، بل يكون عاجزًا عن إيقاعها؛ لذلك قلنا: إنه يؤمر\nبالوضوء والتطهر، فإذا تطهر أمر - حينئذٍ - بالصلاة.\nجوابه:\nيجاب عنه بأنا لو سلمنا لكم أن المحدث يؤمر بالوضوء، فإذا\nتوضأ أمر بالصلاة: للزم كما ذلك أمران باطلان:\nأولهما: أن المحدث لو ترك الصلاة طول عمره، فإنه لا يعاقب\nعلى تركها، بل يعاقب على ترك الوضوء - فقط -؛ لأنه ليس\nمأمورًا بغيره، ثم إذا فعله أمر بالصلاة، وهذا باطل؛ لأنه خلاف\nالإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن المحدث لو ترك الصلاة فإنه\nيعاقب على ترك الصلاة، ولا يعاقب على ترك الوضوء.\nثانيهما: أنه يلزم - على كلام المعترض -: أن المحدث إذا توضأ\nلا يصح أمره بالصلاة بعد ذلك، بل يؤمر بعد الوضوء بتكبيرة\nالإحرام، فيشترط تقديمها، بل يؤمر بهمزة التكبيرة، ثم الكاف،\nوهكذا، وكذلك السعي إلى الجمعة ينبغي أن لا يتوجه الأمر به إلا\nبالخطوة الأولى، ثم بالثانية وهكذا، وهذا لم يقل به أحد.\nالاعتراض الثاني: أن قياسكم الكفر على الحدث من المسلم قياس\nفاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، بيانه:\nأن المعنى في الحدث لا ينافي فعل الصلاة، ولهذا تصح صلاة\nالمتيمم وهو محدث، والكفر ينافي الصلاة بكل حال.","vol":"1","page":349},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأن قياسنا الكفر على الحدث قياس صحيح، وذلك\nلأن الحدث ينافي فعل الصلاة مع القدرة على الماء، ولا يمنع توجه\nالخطاب إلى المحدث وهو في تلك الحال، فكذلك الكفر ينافي فعل\nالصلاة، ولكن لا يمنع من توجه الخطاب إليه، وهو في تلك الحال.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .\nوجه الدلالة: أن لفظ \" الناس \" اسم - جنس معرف بأل\nالاستغراقية، فيشمل جميع الناس، والكفار من جملة الناس،\nفيدخلون في هذا الخطاب، ولا مانع من دخولهم تحت الخطاب \"\nلأنه لو وجد مانع لكان إما عقليًا، وإما شرعيًا.\nولا يوجد مانع عقلي من دخول الكافر؛ لأن المانع العقلي هو:\nفقد التمكن من الفعل، والكافر يمكنه أن يحج بأن يقدم قبله الإيمان،\nكما أن المسلم المحدث يوصف بالتمكن من الصلاة بأن يقدم عليها\nالطهارة.\nولا يوجد مانع شرعي \" لأنه لو وجد لعرفناه عند الطلب.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر عنهم أنهم إنما عاقبهم يوم\nالقيامة، وسئلوا عما عاقبهم لأجله، فاعترفوا بأنهم عوقبوا على\nترك إقامة الصلاة، وإطعام الطعام، فدل على أن الخطاب متوجه","vol":"1","page":350},{"text":"إليهم بالعبادات، وأنهم يعاقبون على تركها، فيعذبون على تركها\nجميعًا، فدل ذلك على تكليفهم.\nما اعترض به على ذلك:\nالاعتراض الأول قيل فيه: إن هذه حكاية قول الكفار، فلا يكون حُجَّة.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الأمة أجمعت على أن اللَّه تعالى ذكر ذلك في\nمعرض التصديق لهم، وبه يحصل التحذير للمؤمنين من مواقعة ذلك.\nالجواب الثاني: أن اللَّه تعالى لما حكى عن الكفار تعليلهم دخول\nالنار بترك الصلاة: وجب أن يكون ذلك صدقًا.\nولا يمكن أن يكون ذلك كذبًا؛ لأمور:\nالأمر الأول: أنه لو كان كذبا لا حصل تحذير المؤمنين من مواقعة\nذلك.\nالأمر الثاني: أنه لو كان كذبًا لم يكن في رواية ذلك فائدة،\nوكلام اللَّه متى أمكن حمله على ما هو أكثر فائدة وجب ذلك.\nالأمر الثالث: أنه لو كان كذبًا: لما صح أن يعطف عليه قوله\nتعالى: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)، فهنا عطف عليه ما ثبت عليه\nالعذاب - وهو التكذيب بيوم الدين - فثبت: أن اللَّه عذَّبهم لأنهم\nتركوا فرعًا من فروع الشريعة وهي الصلاة، وإطعام الطعام،\nوالخوض.\nالاعتراض الثاني: قوله: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ...) إلخ،","vol":"1","page":351},{"text":"معناه: لم نك ممن يعتقد الصلاة، وإطعام الطعام - وهو الزكاة -\nلتركهم المِلَّة والدخول في الإسلام، وعندنا يستحقون العقاب على\nترك ذلك.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالأول: هذا خلاف الظاهر؛ لأن الظاهر يقتضي تعلق العقاب\nبترك نفس الصلاة دون اعتقادها؛ حيث إن اللفظ حقيقة في فعل\nالصلاة، فمن حمل ذلك على الاعتقاد فقد عدل باللفظ عن الحقيقة\nإلى المجاز، وهذا لا يجوز إلا بقرينة.\nالجواب الثاني: أن العقوبة وجبت على ترك الاعتقاد بقوله تعالى:\n(وكنا نكذب بيوم الدين)، فلهذا يجب حمل الصلاة والإطعام\nعلى مقتضاه الحقيقي، لئلا يكون هناك تكرار وإعادة.\nالاعتراض الثالث: يحتمل أن معنى قوله تعالى: (لم نك من\nالمصلين) أي: لم نك من المؤمنين، لما روي أن النبي - ﷺ - قال: \"نهيت عن قتل المصلين \" أي: المؤمنين.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا محتمل، لكن الظاهر لا يترك إلا بدليل،\nولا دليل على أن المراد من المصلين: هم المؤمنون.\nالاعتراض الرابع: سلمنا لكم أن التعذيب على ترك الصلاة،\nفيجوز أن يكون قوله تعالى: (لم نك من المصلين) إخبارًا عن قوم\nكانوا أسلموا وارتدوا بعد إسلامهم، ولم يصلوا حال إسلامهم،\nلأن قوله: (لم نك من المصلين) لا يفيد أنهم لم يصلوا في جميع\nالزمان الماضي.","vol":"1","page":352},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأن قوله تعالى: (لم نك من المصلين) هو جواب\nالمجرمين المذكورين في قوله تعالى - قبل ذلك -: (يتسائلون عن\nالمجرمين)، وذلك عام في كل مجرم مرتد وغير مرتد.\nالدليل الرابع - من أدلتنا على أن الكافر مكلَّف مطلقًا -: قوله\nتعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) .\nوجه الدلالة: أن هذا عام في حق المسلمين والكفار، فلا يخرج\nالكافر إلا بدليل، ولا يوجد دليل على ذلك، والكفر ليس برخصة\nمسقطة للخطاب عن الكافر.\nالدليل الخامس: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) .\nوجه الدلالة: أن هذا نص في مضاعفة عذاب من جمع بين هذه\nالمحظورات، وهي الكفر، والقتل، والزنا، وهذا يدل على أن\nالزنا والقتل يدخلان فيه، فثبت كون ذلك محظورًا عليه، مما يقتضي\nأن الكافر مخاطب ومكلَّف بفروع الشريعة.\nالدليل السادس: قوله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذم - هنا - الكفار لتركهم الصلاة،\nوهي من فروع الشريعة، مما يدل على أن الكفار مكلَّفون بالفروع.\nالاعتراض على ذلك:\nقال المعترض: إن المراد بذلك ترك الاعتقاد، دون الفروع.","vol":"1","page":353},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأن هذا لا يصح؛ لأنه قدم على التكذيب الصلاة،\nوهي فرع من فروع الشريعة، فدل ذلك على أن المراد الفعل دون\nالاعتقاد.\nالدليل السابع: قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعَّد المشركين على شركهم، وعلى\nترك إيتاء الزكاة، فدل ذلك على أنهم مخاطبون بالإيمان، ومخاطبون\nبإيتاء الزكاة؛ لأنه لا يتوعد على ترك ما لا يجب على الإنسان، ولا\nيخاطب به، فدل ذلك على أن الكفار مكلَّفون بالفروع.\nالدليل الثامن: إن صلاح الخطاب للكفار في اللغة كصلاحه\nللمسلمين، فوجب أن يدخلوا تحته كما دخل المسلمون ولا فرق،\nفإذا قال تعالى: (يا بني آدم)، و(يا أولي الأبصار)، و(لله\nعلى الناس حج البيت)، و(أقيموا الصلاة وَآتُوا الزَّكَاةَ)، فإنهم\nيدخلون حيث إنهم من جملة بني آدم، ومن أولي الأبصار، ومن\nالناس، فينتج أنهم مكلَّفون بالفروع.\nالدليل التاسع: أن الإجماع منعقد على أن الكافر معاقب على\nقتل الأنبياء، وتكذيب الرسُل، كما يعاقب على الكفر بالله تعالى.\nالمذهب الثاني: أن الكفار غير مكلَّفين بفروع الشريعة مطلقا،\nأي: ليسوا بمخاطبين في الأوامر والنواهي.\nذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وهو قول للإمام\nالشافعي، وهو مذهب ابن خويز منداد من المالكية، وهو اختيار أبي\nحامد الإسفراييني من الشافعية، وهو مذهب كثير من الحنفية.","vol":"1","page":354},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه يستحيل من الكافر فعل الشرعيات عبادة وقربة\nفي حال كفره، فإذا كلف - مع ذلك - بالشرعيات، فإن هذا\nتكليف بما لا يطاق، قياسًا على المريض العاجز عن القيام لا يكلف\nأن يصلي قائمًا، وقياسًا على الحائض لا تكلف أن تصلي مع حيضها.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن المستحيل هو: تكليف الكافر بفعل الشرعيات\nعبادة وقربة مع عدم استطاعته على فعلها، وهذا لم يكلف به.\nولكن لا يستحيل تكليفه بفعل الفروع ما دام أنه باستطاعته فعلها،\nوذلك بأن يقدم الإيمان، ثم يفعل ما أمر به، قياسا على المحدث فقد\nكلف بالصلاة لا مع حدثه، ولكن بأن يقدم عليها الطهارة ثم يفعل\nالصلاة.\nأما قياسكم الكافر على العاجز عن القيام، وعلى الحائض فإنه\nقياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، وذلك لأن الحائض والعاجز لا\nيمكنهما إزالة الحيض والعجز بخلاف الكافر، فإنه يمكنه إزالة كفره\nبأن يشهد الشهادتين ثم يفعل الفروع.\nالدليل الثاني: أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ - لما بعثه إلى اليمن -:\n\"أدعهم إلى شهادة أنْ لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه.، فإن هم\nأطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات كل يوم\nوليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة\nفي أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم \".\nوجه الاستدلال: أن الرسول - ﷺ - أمر معاذًا أن يدعوهم أولًا إلى","vol":"1","page":355},{"text":"الإيمان، فلو كان الخطاب يتوجه إليهم بغير ذلك الأمر لأمره أن\nيدعوهم إليه.\nويفهم من هذا: أنهم إن لم يمتثلوا لا يدعوهم إلى الصلاة ولا\nإلى الزكاة، وهذا يؤدي إلى أنهم غير مكلفين بها عند كفرهم؛ إذ\nلو كانوا مكلَّفين بها حال كفرهم كما هم مكلَّفون بها حال إسلامهم\nلأمرهم بها، وإن لم يجيبوه إلى الإيمان؛ لأنهم مكلَّفون بكل من\nالإيمان والفروع استقلالا.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الحديث لو دلَّ على ما تقولون للزم منه أن\nيكون الحديث دالًا على أنه لا يؤمر الشخص بالزكاة إلا إذا أجابه إلى\nالصلاة، ويكون هناك ترتيب في الدعوة بين الصلاة والزكاة ولم يقل\nبه أحد.\nوإنما الغرض من الحديث هو التسهيل في الدعوة، ومراعاة أحسن\nالطرق فيها، ومعروف أن من شأن من لم يجب الداعي إلى الإيمان\nأنه لا يجيبه إلى غيره من الفروع، فتكون دعوته إلى الفروع عبثا.\nالجواب الثاني: أن الحديث دلَّ على أن الكافر غير مكلَّف مطلقا\nبطريق المفهوم المخالف، والآيات السابقة التي استدللنا بها على أن\nالكافر مكلَّف مطلقا دلَّت على ذلك بالمنطوق، والمفهوم لا يقوى\nعلى معارضة المنطوق.\nالدليل الثالث: أن النبي - ﷺ - لما دعا قيصر وكسرى وكتب إليهما في ذلك لم يدعهما إلا إلى التوحيد، ولم يدعهما إلى غيره؛ إذ","vol":"1","page":356},{"text":"لم يذكر في ذلك الكتاب الفروع الفقهية، فدلَّ ذلك على أنهم غير\nمكلَّفين بالفروع.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن - ﷺ - لم يذكر في كتابه شيئًا من التكاليف الفرعية؛ لأنه لا يصح فعل أيِّ عبادةٍ وهما في حالة الكفر،\nفدعاهما إلى ما يصح فعله وهو التوحيد.\nالدليل الرابع: لو صح تكليفهم بالفروع لصحت منهم إذا أدوها،\nلموافقة الأمر، ولكنها لا تصح منهم وهم على حالة الكفر.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن المحدث مأمور بالصلاة لكن بشرط الطهارة.\nفكذلك الكافر مأمور بالفروع لكن بشرط الإيمان، بيانه:\nأن المحدث مأمور بالشرط - وهو الطهارة - ومأمور بفعل الصلاة\nبعد حصول الشرط، فهو مأمور بهما في الحال، كذلك في مسألتنا\nإذا كان مأمورًا بالشرط ومأمورًا بالفعل بعد حصول الشرط: وجب\nأن يكون مأمورًا بهما، لأنه لا مانع من الأمر بهما في هذه الحال.\nالدليل الخامس: ْ أن الكفر يمنع صحة العبادة، ويمنع قضائها في\nالثاني، فصار كالجنون.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن قياسكم الكفر على الجنون قياس فاسد؛ لأنه\nقياس مع الفارق؛ حيث إن الكافر عاقل يفهم الخطاب، أما المجنون\nفلا يدرك شيئًا من ذلك.","vol":"1","page":357},{"text":"الدليل السادس: أن الصلاة لو وجبت على الكافر لوجبت عليه\nإما حال الكفر، أو بعده.\nوالأول - وهو وجوبها حال الكفر - باطل؛ لأن الإتيان بالصلاة\nفي حال الكفر ممتنع، حيث يستحيل الجمع بين فعله للصلاة وبين\nكفره، فكيف يجب على الكافر ما يستحيل أن يمتثله؛ هذا ممتنع،\nوالممتنع لا يؤمر به.\nوأما الثاني - وهو: وجوب قضاء الصلاة بعد الكفر، أي: بعد\nإسلامه - فهذا باطل - أيضا -، لإجماع العلماء على عدم أمر\nالكافر عندما يسلم بقضاء ما فاته من الصلاة في زمن كفره.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن المستحيل والممتنع هو تكليف الكافر بفعل الصلاة\nوغيرها من العبادات مع عدم قدرته على - فعلها، ولكن لا يمتنع\nتكليفه بفعل الصلاة بشرط تقديم الإيمان؛ لاستطاعته فعل ذلك.\nوأما عدم أمر الكافر عندما يسلم بقضاء ما فاته من الصلوات في\nزمن كفره، فقد أجمع العلماء عليه، لأمرين:\nأولهما: قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، وكذا قوله ﵊:\n\" أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله \".\nفهنا جعل الإسلام مسقطا لما قد سلف، أي: يقطع ما قبله من\nأحكام الكفر حتى كأن الكافر بعد إسلامه لم يصدر منه معصية لله\nتعالى أصلًا، وفي هذا ملحظ للشارع قد اهتم به، وهو تيسير","vol":"1","page":358},{"text":"الدخول في الإسلام عليهم، وتحبيبه عندهم وتحسينه في أنظار\nالكفار، إذ أن الكافر لو أراد الإسلام - وهو شيخ كبير أو هو في\nمنتصف العمر - وهو يعلم بأنه سيقضي ما فاته من العبادات من\nصلاة وصيام وزكاة لنفر عن الدخول في الإسلام، ولكن إذا علم أنه\nإذا أسلم فإنه لا يطالب بشيء من ذلك سهل عليه الدخول فيه.\nأما حقوق الآدميين فلا يسقطها الإسلام؛ تحقيقا للعدل العام.\nثانيهما: أنه كان يسلم عند - ﷺ - الجم الغفير من الكفار، ولم ينقل إلينا أنه أمر أحدًا بأن يقضي ما فاته من صلاة ونحوها من\nالعبادات.\nالمذهب الثالث: أن الكفار مكلَّفون ومخاطبون بالنواهي، دون\nالأوامر، أي: أنهم مكلَّفون بأن ينتهوا عن المنهي عنه مثل: الزنا،\nوالقتل، والسرقة، ونحوها، فإن فعل أحد الكفار واحدًا من تلك\nالأمور فإنه يعاقب كالمسلم، أما الأمور بها كالصلاة والصوم والزكاة\nوالحج ونحوها، فلا يكلفون بها فلا يعاقبون على تركها.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لا يمكن الجمع بين الإتيان بالمأمور به كالصلاة،\nوبين كفره، وقد سبق بيانه والجواب عنه.\nأما الانتهاء عن الشيء فإنه يمكن وهو في حالة كفره؛ حيث لا\nيشترط في الانتهاء عن المنهيات التقرب، بل يكتفى بالكف عنه،\nفجاز التكليف بالمنهيات، بخلاف المأمور بها فإنه يشترط فيها التقرب\nفلا تصح من الكافر.","vol":"1","page":359},{"text":"جوابه:\nيجاب: بأن الفرق الذي ذكرتموه بين المأمور به، والمنهي عنه\nباطل.\nبيانه: أنه يقال لهم: إن عنيتم بقولكم: \" إنه يمكنه الانتهاء عن\nالمنهيات، ولا يمكنه الإتيان بالمأمورات \": أنه يتمكن من تركها من\nغير اعتبار النية، فهو أيضًا متمكن من فعل المأمورات من غير اعتبار\nالنية.\nوإن عنيتم به: أنه متمكن من الانتهاء عن المنهيات لغرض امتثال\nقول الشارع، فهذا متعذر حال عدم الإيمان.\nفعلمنا من ذلك استواء المأمور والمنهي، من حيث إن الإتيان بهما\nمن جهة الصورة لا يتوقف على الإيمان، وأن الإتيان بهما لغرض\nامتثال حكم الشارع يتوقف في كليهما على الإيمان.\nالدليل الثاني: أن العقوبات تقع عليهم في فعل المنهيات، دون\nترك المأمورات، دلَّ على ذلك: أنهم يعاقبون على ترك الإيمان\nبالقتل، والسبي، وأخذ الجزية، ويحد في الزنا والقذف والسرقة،\nولا يؤمر بقضاء شيء من العبادات إذا أسلم، وإن فعلها في كفره لم\nتصح منه.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن يقال.\nأولًا: أما وقوع العقوبات عليهم وتمثيلكم على ذلك بأنه إذا ترك\nالإيمان يعاقب بالسبي، والقتل، وأخذ الجزية، وأنه يحد في الزنا،\nوالقذف، والسرقة، فإن هذا ليس في محل النزاع؛ حيث إننا بيَّنا","vol":"1","page":360},{"text":"- فيما سبق - أن الكفار مخاطبون بالإيمان والعقوبات والمعاملات\nباتفاق العلماء.\nثانيًا: أما عدم وجوب قضاء شيء من العبادات إذا أسلم فقد بيَّنا\n- فيما سبق - أن سقوط القضاء عنهم كان لسببين:\nالأول: أن - ﷺ - لم يأمر من أسلم من الكفار بقضاء ما فاتهم مع كثرتهم.\nالثاني: قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، وقوله - ﷺ -: \"أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله \".\nثالثًا: أما عدم صحتها إذا فعلها في حال كفر: فلأن المانع من\nالصحة موجود، وهو الكفر، لكن يستطيع أن يزيل هذا المانع\nوذلك بالإيمان، فإذا فعلها بعد تقديم الإيمان تكون تلك الأفعال\nصحيحة، وسبق بيان ذلك.\nالمذهب الرابع: أنهم مكلَّفون بالأوامر فقط، دون النواهي،\nحكى هذا المذهب الزركشي في \" البحر المحيط \"، ولم ينسبه إلى\nقائل، ولم أجد دليللً عليه.\nجوابه:\nهذا ضعيف؛ لأمرين:\nالأول: أنه لا دليل على هذا التفريق، وما لا دليل عليه فلا\nيلتفت إليه.\nالثاني: أن هذا المذهب يرده ما حكيناه من الإجماع على أن\nخطاب الزواجر من الزنا والقذف يتوجه على الكافر والمسلم معًا.\nوترده - أيضًا - النصوص التي سقناها - في المذهب الأول -\nعلى أن الكافر مكلَّف مطلقا.","vol":"1","page":361},{"text":"المذهب الخامس: أنهم مكلَّفون بالفروع جميعًا إلا الجهاد في سبيل\nالله، ذكر هذا المذهب إمام الحرمين في \" النهاية \"، والقرافي في\n\"تنقيح الفصول \"، والإسنوي في \" التمهيد \"، ولم ينسبوه إلى أحد.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بما استدل به أصحاب المذهب الأول\nعى أن الكافر مخاطب بجميع الفروع، ولكنهم استثنوا الجهاد؟\nلأنه يمتنع أن يقاتل الكفار أنفسهم.\nجوابه:\nيجاب عنه بأنه لا فائدة من هذا الاستثناء؛ لأنه لا يتصور الجهاد\nمنه، ولو حصل بعد الإيمان لخرج عن محل النزاع.\nالمذهب السادس: الفرق بين الكافر المرتد فيكلف بالفروع، وبين\nالكافر الأصلي فلا يكلف.\nحكى هذا المذهب عبد الوهاب المالكي في \" الملخص \"،\nوالقرافي في \" شرح تنقيح الفصول \"، وابن السبكي في \" جمع الجوامع \".\nدليل أصحاب هذا المذهب:\nأن الكافر المرتد ملتزم بأحكام الإسلام، ومنها قضاء ما فاته في\nالردة من العبادات، بخلاف الكافر الأصلي فإنه غير ملتزم.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن العبادات وترك المحظورات لازمة للكافر مطلقا:\n\"المرتد \"، و\" الأصلي \" ولا فرق بينهما؛ لأن كلًّا منهما يطلق عليه\nاسم \" كافر \" لغة.\nوكذا الآيات السابقة التي ذكرناها في المذهب الأول لم تفرق\nبينهما، فهذا التفريق زيادة لا دليل عليها.","vol":"1","page":362},{"text":"المذهب السابع: التفريق بين الكافر الحربي فلا يكلف، والكافر\nغير الحربي فيكلف.\nحكى هذا المذهب الزركشي في \" البحر الحيط \".\nدليل أصحاب هذا المذهب:\nأن غير الحربي ملتزم بأحكام الإسلام بعقد الذمة فله ما للمسلمين،\nوعليه ما عليهم.\nأما الكافر الحربي فنظرًا لكونه غير ملتزم، ولم يعقد معه عقد فإنه\nلم يلتزم بشيء فلا يكلف بالفروع.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن الأدلة النقلية التي ذكرناها في المذهب الأول قد\nصرحت بأن الكافر مكلَّف مطلقًا، ولم تفرق بين الكافر الحربي،\nوغير الحربي، وهذا التفريق بينهما زيادة بدون دليل.\nالمذهب الثامن: التوقف في المسألة.\nحكى هذا المذهب أبو حامد الإسفراييني عن أبي الحسن الأشعري،\nوحكاه سليم الرازي في \" التقريب \"، ولم ينسبه إلى أحد.\nدليل أصحاب هذا المذهب:\nأنه لم يصح دليل على تكليفهم، ولم يصح دليل على عدم\nتكليفهم فتوقفوا.\nجوابه:\nيجاب عنه بأنه لا داعي لهذا التوقف مع ما أثبتناه من الأدلة القوية\nعلى أن الكفار مكلَّفون بالفروع مطلقًا، وضعف أدلة المذاهب الأخرى.\nثم إن التوقف لا يعتبر مذهبا يعمل به لذلك يسقط.","vol":"1","page":363},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nاختلف العلماء في هذا الخلاف في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن الخلاف معنوي له ثمرة، وافترق أصحاب هذا\nالقول إلى فريقين:\nالفريق الأول قالوا: إن لهذا الخلاف أثرًا في الآخرة فقط، دون الدنيا.\nذهب إلى ذلك كثير من الأصوليين.\nدليل هذا الفريق:\nأن الكافر في حال كفره لا يمكنه فعل المأمورات، ولا يطالب\nبفعلها، ولا يقضي ما فاته منها، إذن لا خلاف في العمل، وإنما\nفائدة القول بأنهم مخاطبون بفروع الإسلام كثرة عقابهم في الآخرة.\nالفريق الثاني قالوا: إن لهذا الخلاف أثرًا في الدنيا والآخرة،\nوإليك بيان ذلك:\nأما أثر الخلاف في الآخرة فهو كثرة عقابهم في الآخرة، أي: أن\nالكفار يعذبون على ترك الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج،\nوعلى شرب الخمر، والزنا، والسرقة، وغيرها من الفروع الفقهية\nزيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعًا، لا\nعلى الكفر وحده.\nأما أثر الخلاف في الدنيا، فقد. وردت بعض المسائل الفقهية قد\nاختلف العلماء فيها، وكان سبب هذا الخلاف: هو الخلاف في\nتكليف الكفار بالفروع، ومنها:","vol":"1","page":364},{"text":"١ - أن الكافر إذا زنى فهل يجب عليه الحد؟\nاختلف فيه على رأيين\nالرأي الأول: وجوب إقامة الحد عليه؛ لأن الكفار مكلَّفون\nبالفروع.\nالرأي الثاني: عدم وجوب إقامة الحد عليه؛ لأن الكفار غير\nمكلَّفين بالفروع.\n٢ - إذا نذر الكافر عبادة فهو صحيح، وهل يلزمه الوفاء به إذا أسلم؟\nاختلف فيه على رأيين:\nالرأي الأول: أنه يلزمه الوفاء به؛ لأنه مكلَّف بالفروع.\nالرأي الثاني: أنه لا يلزمه الوفاء به؛ لأنه غير مكلَّف بالفروع.\n٣ - هل يجوز للكافر لبس الحرير؟\nاختلف على رأيين:\nالرأي الأول: لا يجوز له ذلك؛ لأن الكافر مكلَّف بالفروع.\nالرأي الثاني: يجوز له ذلك؛ لأن الكافر غير مكلَّف بالفروع.\nالقول الثاني: إن الخلاف لفظي.\nوهو الصواب، لأنه لا خلاف في مخاطبة الكفار بخطاب الوضع\nأي: لا خلاف في مخاطبتهم بخطاب المعاملات، والعقوبات.\nولا خلاف في أنه لا يطلب منهم إيقاع العبادات كالصلاة،\nوالصيام وهم في حال الكفر، وأنه لا يصح منها شيء.\nولا خلاف في أنهم لا يؤمرون بقضائها بعد الإسلام.\nولا خلاف في أنه يجب عليهم اعتقاد وجوبها، وأنهم معاقبون\nعلى ذلك.","vol":"1","page":365},{"text":"وإنما الخلاف في مقدار العقاب في الآخرة هل يعاقبون على الكفر\nفقط، أو يعاقبون عليه وعلى ترك أداء الفروع.\nفظهر بهذا أن الخلاف في هذه المسألة لفظي لا أثر له في حق\nالتكليف في الدنيا؛ حيث إن الخلاف فيها لا يتعلق بالحكم الناجز في\nالدنيا الذي هو محل بحث الأصولي والفقيه، فحال الكافر في\nالدنيا لا تتغير سواء قلنا بالتكليف أو لم نقل.\nالجواب عما ذكره أصحاب القول الأول:\nأما ما ذكره أصحاب القول الأول من زيادة العقاب على القول\nبتكليفهم، فهذا أمره إلى اللَّه تعالى فهو أعلم به.\nأما ما ذكروه من الآثار المترتبة على الخلاف في تكليف الكفار في\nالدنيا فلا نسلمها، وذلك لأنه ظهر - بعد تدبرها - أنها ليست في\nمحل النزاع؛ فأكثرها يدور حول الحكم الوضعي، ولا خلاف في\nأن الكفار مخاطبون بخطاب الوضع، وبعضها ثبتت عليهم بسب\nأدلة أخرى.\nوقد أفردت لهذا المسألة مصنَّفا خاصًا بها وسمَّيته: \" الإلمام في\nمسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام \"، وقد فصَّلت في بيان نوع\nالخلاف في كتابي الآخر: \" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \"،\nفارجع إليهما إن شئت فهما مطبوعان.","vol":"1","page":366},{"text":"القسم الثاني شروط الفعل المكلف به\nمعروف أنه لا تكليف إلا بفعل، والمقصود بالفعل المكلَّف فيه:\nهو الفعل الذي تعلَّق خطاب الشارع به اقتضاء أو تخييرًا.\nوالفعل يطلق على الفعل الذي أمر به الشارع وطلب أداءه كالصلاة\nوالصيام، ويطلق على الفعل المنهي عنه، وهو الذي طلب الشارع\nالكف عنه.\nوهناك يفروط لا بدَّ منها في الفعل المكلَّف فيه هي كما يلي:\nالشرط الأول: أن يكون الفعل المطلوب معلوما للمكلَّف.\nأي: أن يعلم المكلَّف حقيقة الفعل الذي كلَّفه الشارع بأن يعمله\nويؤديه، وذلك من أجل أن يتصور هذا الفعل الأمور به؛ إذ لا يعقل\nالتكليف بشيء مجهول الذات، فالصلاة - مثلًا - يجب أن يعلم\nحقيقتها وطريقتها وشروطها، وأركانها وواجباتها، ونحو ذلك مما\nيتعلق بها، كذلك الزكاة يجب أن يعلم حقيقتها وطريقتها، وعلى\nمن تجب، ولمن تجب، وهكذا، فإن المكلَّف لو لم يعلم حقيقة\nالفعل المكلَّف به من الأفعال لم يصح منه الفعل؛ لعدم وقوعه على\nما يريده اللَّه تعالى.\nالشرط الثاني: أن يعلم المكلَّف أن هذا الفعل مأمور به من قبل الله\n- تعالى -؛ لأنه إذا علم ذلك تصور منه قصد الطاعة والامتثال","vol":"1","page":367},{"text":"بفعله، لأن الطاعة: موافقة الأمر، والامتثال: جعل الأمر مثالاَ\nيتبع مقتضاه.\nلكن إذا لم يتصور من المكلَّف قصد الطاعة لله تعالى بهذا الفعل،\nفلا يكفي مجرد حصول الفعل منه من غير قصد ولا نية لامتثال أمر\nالله تعالى بفعله لقوله - ﷺ -: \"إنما الأعمالى بالنيات \"، فالعمل الخالي عن النية قد يوجد، ولكن لا يصح إلا بالنية وقصد التقرب\nإلى اللَّه به.\nوهذا الشرط يخص الفعل الذي يجب قصد الطاعة والتقرب فيه\nإلى اللَّه تعالى مثل الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، وغير\nذلك.\nأما ما لا يجب قصد الطاعة فيه مثل: رد المغصوب، وتأدية\nالديون، فإنه يكفي فيه مجرد حصول الفعل منه، وهو نفس الرد،\nونفس التأدية.\nالشرط الثالث: أن يكون حاصلًا بكسب المكلَّف.\nفلا يصح تكليف المسلم بما لا يحصل بكسبه، فلا يصح تكليفه\nبكسب غيره؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)،\nوقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) .\nهذا هو المذهب الأولى في المسألة.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز تكليف المسلم بكسب غيره،\nومن ذلك: التزام العاقلة خطأ غيرها.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن التزام العاقلة ليس من باب التكليف بفعل الغير،","vol":"1","page":368},{"text":"وإنما هو من باب خطاب الوضع، أي هو: من باب ربط الحكم\nبسببه، فجناية الشخص سبب في دية العاقلة؛ لأن المصلحة اقتضت \"\nذلك..\nالشرط الرابع: أن يكون الفعل معدومًا.\nأي: أن يكون الفعل الذي طلب من المكلَّف فعله معدومًا، أي:\nلم يوجد، فمثلًا: يؤمر المسلم بصلاة الظهر قبل الزوال، فصلاة\nالظهر فعل أمر الشارع بفعلها قبل وجودها، وكذا يؤمر الإنسان\nبخياطة ثوب معدوم، فإن هذا الأمر صحيح؛ لأن كلًّا من صلاة\nالظهر والثوب لم يوجد قبل الأمر.\nأما ما هو موجود فيستحيل وقوعه من المكلَّف، فلا يحسن عقلًا\nالأمر بفعل شيء موجود، وهذا عند جمهور العلماء وهو الصحيح،\nلوجهين:\nالوجه الأول: أن يجاد الشيء الموجود تحصيل حاصل، لا يرد به\nالشرع، فهو مستحيل كاستحالة الجمع بين الضدين، وجعل الجسم\nفي مكانين في وقت واحد.\nالوجه الثاني: أنه لا يحسن أن يؤمر من هو قائم بالقيام، ومن\nهو يكتب بالكتابة؛ لوجود القيام، والكتابة قبل الأمر، فكذلك هنا.\nهذا هو المذهب الأول في المسألة.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز الأمر بفعل شيء موجود.\nذهب إلى ذلك بعض المتكلمين.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لو لم يصح الأمر بفعل الموجود للزم من ذلك أمران:","vol":"1","page":369},{"text":"أولهما: أنه لا يصح ذم الكافر على كفره - الذي هو فيه في\nالحال -، لأنه لا يصح أمره بتركه لكون الأمر موجودًا.\nثانيهما: يوجب أن لا يكون المؤمن مأمورًا بالإيمان؛ لأن ما وجد\nمنه لا يصح الأمر به وهو على هذه الصفة.\nجوابه:\nيجاب عنه ت بأن الكافر إنما يستحق الذم على فعله من اعتقاد\nالكفر والبقاء عليه، فهذا ليس فيه دلالة على كونه مأمورًا بما قد وجد\nمنه.\nوأما أمر المؤمن بالإيمان فليس المقصود منه الأمر الحقيقي، وإنما\nالمراد بالأمر هنا هو: طلب الاستمرار على الإيمان، والله أعلم.\nالشرط الخامس: أن يكون الفعل مقدورًا للمكلَّف.\nفلا يجوز تكليف ما لا يطاق، بل لا بد أن يكون الفعل يستطيع\nالمكلَّف فعله والقدرة عليه، فإن كان محالًا كالجمع بين الضدين،\nوقلب الأجناس، وإعدام القديم، وإيجاد الموجود، ونحو ذلك،\nفلا يجوز التكليف به.\nذهب إلى ذلك الغزالي، وأبو حامد الإسفراييني، وإمام الحرمين\nوأبو بكر الصيرفي، وابن قدامة، وكثير من العلماء، وهو الصحيح\nعندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)،\nوقوله: (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه صرح في هاتين الآيتين على اشتراط\nالقدرة من المكلَّف فيما يكلف به من الأفعال، وهذا يدل دلالة","vol":"1","page":370},{"text":"واضحة على أن تكليف ما لا يطاق غير جائز، فلا يكلف اللَّه العباد\nعملًا من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلَّف، وفي\nمقتضى إدراكه.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .\nوجه الدلالة: أن التكليف بما لا يطاق فيه حرج واضح للمكلَّفين،\nوالله ﷿ - هنا - نفى أن يكلف أي إنسان بشيء فيه حرج عليه،\nقال بعض العلماء: \" وأي حرج فوق التكليف بما لا يطاق \"،\nوقال الآمدي في \" الإحكام \": \" ولا حرج أشد من التكليف بما لا\nيطاق \".\nالدليل الثالث: قوله - ﷺ -:\n\"دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم \".\nوجه الاستدلال: أن الناس إنما كلَّفوا فيما يستطيعون من الفعل،\nفثبت أن تكليف ما لا يطاق لا يجوز.\nالدليل الرابع: أن المحال - وهو: ما لا يطيقه المكلَّف لا تتصور\nفيه الطاعة فلا يتصور استدعاء وطلب المحال من المكلَّف؛ قياسًا على\nأنه يستحيل من العاقل أن يطلب من الشجرة أن تخيط له ثوبًا.\nأي: كما أنه يستحيل أن يطلب العاقل من الشجرة الخياطة؟\nلعدم تصور الطاعة منها، فكذلك يستحيل طلب المحال من المكلف\n- وهو الذي لا يستطيع أن يفعله -؛ لعدم تصور الطاعة في ذلك:\nالدليل الخامس: أن اشتراط كون الفعل ممكنا ومستطاعا أوْلى من","vol":"1","page":371},{"text":"اشتراط كون المكلَّف عاقلًا فاهما للخطاب، ومن اشتراط كون الفعل\nمعدومًا؛ وذلك لأن الفعل المكلَّف به ممكن إيقاعه من غير العاقل،\nوممكن إيقاعه من غير الفاهم، وممكن إيجاده مرة أخرى، أو يوقع\nما يماثله، ولكن يستحيل أن يوقع المكلَّف المحال، فكيف يطلب - من\nالمكلَّف إيقاعه، فثبت أن تكليف ما لا يطاق لا يجوز.\nتنبيه: المعتزلة يوافقوننا على أن تكليف ما لا يطاق لا يجوز.\nوقد استدلوا ببعض الأدلة السابقة، وأضافوا إليها دليلًا قويا\nعندهم وهو قولهم: إن تكليف ما لا يطاق قبيح عقلًا، والله\nسبحانه لا يكلف بالقبيح استنادًا إلى قاعدتهم وهي: \" التحسين\nوالتقبيح العقليين \".\nهذا هو المذهب الأول في المسألة.\nالمذهب الثاني - في المسألة -: أنه يجوز تكليف ما لا يطاق.\nذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني، ونسب إلى أبي الحسن\nالأشعري، واختاره فخر الدين الرازي، وذهب إليه كثير من العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) .\nوجه الاستدلال: أن هذا تكليف بالسجود مع عدم الاستطاعة،\nوهو يدل على جواز تكليف ما لا يطاق.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن هذا لا يصح أن يحتج به على ما نحن فيه، وإنما\nيصح الاحتجاج به أن لو أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة بمعنى","vol":"1","page":372},{"text":"التكليف، وليس كذلك للإجماع على أن الدار الآخرة إنما هي دار\nمجازاة، لا دار تكليف.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) .\nوجه الاستدلال: أن هؤلاء سألوا اللَّه دفع ما لا يطيقون، ولو لم\nيَكن تكليف ما لا يطاق جائزًا لما سألوا دفعه، ولا أقرهم عليه،\nفلما سألوا دفعه، وحصل الإقرار على ذلك: دلَّ على جوازه.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nأولهما: أن المراد بما لا يطاق في الآية هو: الشاق الذي يثقل\nعلى الإنسان، وعلى هذا فهم سألوا اللَّه دفع ما فيه مشقة على\nالنفس بحيث يؤدي إلى هلاكها، وهذا متعارف عليه في اللغة،\nفيقول الشخص لما يشق عليه: \" لا أطيقه \".\nثانيهما: سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق، لكن هذه الآية معارضة بما\nاستدللنا به على عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وهو قوله تعالى:\n(لا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها)، وقوله: (وما جعل عليكم في\nالدين من حرج)، وقوله: (لا نكلف نفسا إلا وسعها)، فإن\nهذه الآيات قد صرحت في عدم جواز تكليف ما لا يطاق،\nأما ما ذكرتموه من قوله تعالى: (ولا تحملنا ما لاطاقة لنا به)، فهي\nليست صريحة في جواز تكليف ما لا يطاق، لأنه يتطرق إليها عدة\nاحتمالات:\nومنها: ما قلناه في الجواب الأول.\nومنها: أن سؤال دفع ما لا يطاق حكاية حال الداعين، ولا حُجَّة","vol":"1","page":373},{"text":"ومعلوم أن الصريح مقدم على غير الصريح.\nالدليل الثالث: أن اللَّه ﷿ كلَّف أبا جهل بالإيمان، وأمره\nبه، ومن الإيمان تصديق اللَّه تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر\nالله عن أبي جهل أنه لا يؤمن، فقد صار مكلَّفا بأنه لا يؤمن،\nومكلَّفا بأنه يؤمن، وهذا هو التكليف بالجمع بين الضدين وهو\nمحال، فجاز تكليف ما لا يطاق.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن تكليف أبي جهل غير مستحيل؛ لأمور ثلاثة:\nالأول: أن الأدلة النقلية والعقلية على صدق ما جاء النبي - ﷺ - منصوبة، وموجودة وظاهرة لا لبس فيها.\nالثاني أن أبا جهل له عقل حاضر، وفهم للخطاب.\nالثالث: أن أبا جهل يستطيع أن يفعل ما كلف به من غير أن يمنعه\nأحد فهو من - رؤساء الكفار.\nوهذه الأمور جعلت تكليف أبي جهل غير مستحيل، وممكن أن\nيؤمن، لكن علم اللَّه تعالى في علمه الأزلي أن يترك أبو جهل ما\nيقدر عليه، وهو: \" ما كلف به من الإيمان \"، وذلك حسدًا\nللرسول - ﷺ - وعنادًا، وإذا علم اللَّه سبحانه أنه لا يؤمن صار عدم إيمانه معلوما، فلن يؤمن أبدًا؛ لأن العلم يتبع المعلوم المقرر، ولا يمكن أن يغيره بأي حال.\nمما يؤيد ذلك: أن اللَّه تعالى قادر على أن يقيم القيامة في وقتنا\nهذا، وإن أخبر أنه لا يقيمها الآن - حيث جعل لها علامات -\nويترك إقامتها مع القدرة على ذلك، وخلاف خبره سبحانه مستحيل.","vol":"1","page":374},{"text":"ولكن هذه الاستحالة لا ترجع إلى نفس الشيء، بل مستحيل\nلغيره، فلا يؤثر فيه.\nالدليل الرابع: إن تكليف ما لا يطاق لا يستحيل من حيث صيغته،\nحيث وردت صيغته في قوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين)،\nوقوله: (قل كونوا حجارة أو حديدًا)، وقوله: (كن فيكون)،\nفإن هذه أوامر ظاهرها أنها مخاطبة للمكلَّفين بأن يكونوا قردة، أو\nحجارة، أو أى شيء آخر، وهذا لا يستطيع المكلَّف فعله، فهذا\nتكليف ما لا يطاق.\nجوابه:\nيجاب عنه بأنه ليس في تلك النصوص أوامر؛ حيث إن تلك\nالأوامر ليست حقيقية، إذ ليس فيها مطالب.\nفالمراد من قوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين): التكوين من\nأجل إظهار القدرة لله تعالى، وقيل: إن هذا للسخرية منهم.\nوالمراد من قوله تعالى: (قل كونوا حجارة أو حديدًا) التعجيز؟\nحيث أراد اللَّه تعالى أن يظهر قدرته عليهم وأن يعجزهم.\nوالمراد من قوله تعالى: (كن فيكون)، إظهار القدرة عليهم،\nلا بمعنى أنه طلب من المعدوم بأن يكون نفسه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي لا أثر له في الفروع، حيث لا\nوقوع لها في الفروع، وإن كان لها أثر في أصول الدين في مسألة\n\"الاستطاعة \"، وفي مسألة \" القدر \"، فإن شئت فارجع إلى ذلك\nفي كتب العقيدة فهو مبسوط هناك.","vol":"1","page":375},{"text":"الشرط السادس: أن يكون - التكليف بفعل.\nاعلم أن متعلق التكليف هو الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا\nفعلًا، فلا يكلف إلا بفعل، ولا يطلب من المكلف إلا فعل.\nوالتكليف في الأمر تكليف بفعل بالاتفاق؛ لأن مقتضاه: إيجاد\nالفعل المأمور به كالصلاة والزكاة والحج.\nأما التكليف في النهي فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن التكليف في النهي تكليف بفعل.\nهذا مذهب جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن المكلف به في النهي هو كف النفس عن\nالفعل، لا نفي الفعل؛ حيث إن كف النفس عن المنهي عنه فعل،\nفمثلًا: الأمر بالصوم أمر بكف النفمس عن الفطر، والكف فعل\nالإنسان وهو داخل تحت كسبه يؤجر عليه، وكذلك لما نهى عن\nشرب الخمر، والسرقة، والزنا، فإنه اقتضى التلبس بضد من\nأضداده، وهو: الترك، فيكون الترك داخلًا تحت كسب المكلف\nفيثاب عليه، فالترك. - في الحقيقة - فعل، لكونه ضد الحال التي\nهو عليها.\nالمذهب الثاني: أن التكليف في النهي ليس تكليفا بفعل.\nذهب إلى ذلك كثير من المعتزلة، وعلى رأسهم أبو هاشم.\nدليل هذا المذهب:\nاحتجوا - على ذلك بقولهم -: إن النهي عن الشيء معناه:\nطلب تركه.\nوالترك نفي محض لا يدخل تحت التكليف، ولا يدخل تحت","vol":"1","page":376},{"text":"كسب العبد، فلا يثاب عليه، فلا يسمى الكف عن الفعل فعلًا إلا\nأن يتناول التلبس بضد من أضداده، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه\nيثاب على ذلك الضد المتلبِّس به، لا على مجرد الترك والكفِّ فقط.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الترك ليس نفيا للفعل، وإنما هو فعل، فترك\nالشيء هو: الأعراض البدني أو القلبي عنه، والأعراض فعل،\nفمن ترك الزنا فقد أعرض عنه، وذلك الأعراض فعل، وهو من\nكسب العبد، ويثاب عليه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ لاتفاق أصحاب\nالمذهبين على المعنى والحكم وهو: وجوب الانتهاء عما نهى اللَّه عنه\nسواء كان ذلك الانتهاء عن طريق فعل الضد وكف النفس، أو عن\nطريق الإبقاء على العدم الأصلي من غير تغيير، فالخلاف كان في\nالعبارة والاصطلاح.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الفصل الرابع في الحكم الوضعي وأنواعه</span>\nلقد سبق بيان أن الحكم الشرعي يتنوع إلى نوعين:\nالأول: الحكم التكليفي.\nالثاني: الحكم الوضعي.\nأما الحكم التكليفي فقد سبق الكلام عنه بالتفصيل.\nأما الحكم الوضعي فهو موضوع هذا الفصل، ويشتمل الكلام\nعنه على أربعة مباثحط:\nالمبحث الأول: تعريف الحكم الوضعي.\nالمبحث الثاني: الفرق بين الحكم الوضعي، والحكم التكليفي.\nالمبحث الثالث: بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب\nالوضع، وقد ينفرد خطاب الوضع.\nالمبحث الرابع: أنواع الحكم الوضعي.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث الأول في تعريف الحكم الوضعي</span>\nالحكم قد سبق بيانه.\nوالوضع لغة يطلق على الولادة يقال: \" وضعت المرأة حملها \" إذا\nولدته، ويطلق على الإسقاط يقال: \" وضعت عنك الدين \" إذا\nأسقطته، ويطلق على الترك يقال: \" وضعت الشيء بين يديه \" إذا\nتركته.\nأما الحكم الوضعي في الاصطلاح فهو: خطاب اللَّه - تعالى -\nالمتعلِّق بجعل الشيء سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه،\nأو كون الفعل رخصة، أو عزيمة.\nومعناه:\nأن الشارع وضع وشرع أمورًا سميت أسبابًا وشروطًا وموانع،\nونحو ذلك تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي،\nوذلك لأن الأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي بوجود\nالموانع، أو انتفاء الأسباب والشروط.\nفالحكم الوضعي هو الوصف المتعلِّق بالحكم التكليفي، وهذا\nالوصف إما أن يكون سببا كأوقات الصلاة؛ حيث إنها سبب\nلوجوبها على المكلف، وبلوغ النصاب للمال، حيث إنه سبب في","vol":"1","page":381},{"text":"وجوب الزكاة، أو يكون شرطا كالطهارة في الصلاة، أو يكون\nمانعًا كالنجاسة تمنع من صحتها، أو يكون الفعل الواقع من المكلف\nصحيحًا يترتب عليه حكمه، أو ذلك الفعل فاسدًا لا يترتب عليه\nشيء، أو يكون ذلك الفعل رخصة كأكل الميتة عند الاضطرار، أو\nيكون الفعل عزيمة كالعبادات الخمس.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الثاني في الفروق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي</span>\nقد يلتبس على بعض الناس الحكم التكليفي مع الحكم الوضعي\nلذلك سأبين الفروق المهمة بينهما فأقول:\nالفرق الأول: من حيث الحد والحقيقة، فحقيقة الحكم الوضعي\nتختلف عن حقيقة الحكم التكليفي، فالخطاب في الحكم الوضعي:\nخطاب إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه، وربط فيه بين\nأمرين، بحيث يكون أحدهما سببًا للآخر، أو شرطا له.\nبخلاف الخطاب في الحكم التكليفي، فإنه خطاب طلب الفعل،\nأو طلب الترك، أو التخيير بينهما، فخطاب التكليف هو: طلب\nأداء ما تقرر بالأسباب والشروط.\nالفرق الثاني: يختلفان من حيث اشتراط قدرة المكلف وعدمها،\nفالحكم التكليفي يشترط فيه أن يستطيع المكلف فعله، فلا يجوز\nالتكليف بما لا يطاق مطلقا.\nبخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك: فقد يكون مقدورًا\nللمكلف، وقد يكون غير مقدور للمكلف.\nفمن أمثلة ما يقدر المكلف على فعله وتركه: السرقة التي هي\nسبب في قطع اليد، كذلك صيغ العقود والتصرفات الشرعية، فإنها\nأسباب داخلة تحت تصرف المكلَّف وقدرته، فهو يستطيع أن يسرق","vol":"1","page":383},{"text":"فيكون سببا في قطع يده، ويستطيع ترك السرقة، ويستطيع أن يعقد\nالعقد فيكون سببا في الملك، ويستطيع ترك ذلك العقد.\nومن أمثلة ما لا يقدر المكلف عليه: دلوك الشمس الذي هو سبب\nلوجوب الصلاة، وحولان الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة،\nوالأبوة التي هي مانعة من وجوب القصاص من الوالد لولده.\nفهذه أسباب وشروط وموانع ليست في مقدور المكلف، بل هي\nخارجة عن قدرته.\nالفرق الثالث: أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف الذي\nتوفرت فيه شروط التكليف وهي: البلوغ، والعقل، والفهم،\nبخلاف الحكم الوضعي، فإنه يتعلق بفعل المكلف وغير المكلف\nكالصبي والمجنون والنائم والناسي والساهي والغافل والسكران والمعتوه\nونحوهم، فإن هؤلاء يضمنون - مثلًا - ما يتلفونه؛ لكون الحكم\nالوضعي قد وجد وهو: السبب، وهو الإتلاف.\nالفرق الرابع: أن الحكم التكليفي يتعلق بالكسب والمباشرة للفعل\nمن الشخص نفسه، فالمكلف إذا عمل عملًا موافقا لأمر الشارع فإنه\nيؤجر عليه، أما إذا عمل عملًا مخالفا لذلك الأمر، فإنه يعاقب\nعليه.\nبخلاف الحكم الوضعي، فقد يعاقب أشخاصا بفعل غيرهم،\nولهذا وجبت الدية على العاقلة، فوجوب الدية عليهم ليس من باب\nالتكليف؛ لاستحالة التكليف بفعل الغير، بل إنها وجبت لأن فعل\nالغير سبب لثبوت هذا الحق عليهم..\nالفرق الخامس: أن الفعل في الحكم الوضعي قد يكون مقدوراَ\nللمكلف، ولكنه لا يؤمر به كالنصاب للزكاة، فإنه لا يؤمر الإنسان","vol":"1","page":384},{"text":"بتحصيل النصاب لتجب عليه الزكاة، ولا يؤمر بالإقامة في رمضان\nليجب عليه الصوم إذا عرض له ما يقتضي السفر.\nبخلاف الحكم التكليفي فلا بد من كون الفعل مقدورًا للمكلَّف\nوداخلًا تحت إمكانه، وإذا أمر بحكم تكليفي فهو أمر بكل ما يجعل\nفعله المأمور به صحيحا كالطهارة للصلاة، وإذا نهي عن فعل فإنه\nنهي عن كل ما يؤدي إليه.\nالفرق السادس: أن الحكم التكليفي يشترط فيه أن يكون معلومة\nللمكلَّف وأن يعلم أن التكليف به صادر من اللَّه تعالى حتى يصح منه\nالقصد والنية.\nبخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه علم المكلَّف، ولذلك\nيرث الإنسان بدون علمه، وتحل المرأة بعقد أبيها عليها، وتحرم\nبطلاق زوجها لها وإن كانت لا تعلم، كذلك لو أتلف النائم أو\nالناسي، أو - الساهي، أو الغافل شيئًا، أو رمى إنسان في ملكه\nفأصاب إنسانا، فإن هؤلاء يضمنون وإن كانوا لا يعلمون.\nواستثنى العلماء من ذلك أمرين:\nأولهما: أسباب العقوبات التي هي الجنايات كالقتل الموجب\nللقصاص، فإنه يشترط فيه العلم والقصد، ولذلك لا يجب\nالقصاص على المخطى لعدم العلم، وكذا حد الزاني لا يجب في\nالشبهة لعدم العلم.\nْئانيهما: أسباب انتقال الأملاك في المنافع والأعيان، كالبيع، والهبة،\nوالإجارة، ونحو ذلك من العقود، فإنه يشترط في ذلك العلم،\nفلو تلفظ بلفظ ناقل للملك وهو لا يعلم مقتضاه: لم يلزمه شيء.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثالث في بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب\nالوضع وقد ينفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف</span>\nفمن أمثلة اجتماعهما: الزنا، له حكمان:\nحكم تكليفي باعتبار أنه حرام.\nوحكم وضعي باعتبار أنه سبب للحد.\nوكذا السرقة من جهة أنها محرمة هي خطاب تكليف، ومن جهة\nأنها سبب للقطع هي خطاب وضع.\nفكل ما وجد فيه أحد أحكام التكليف الخمسة، وكان من جهة\nأخرى ناشئًا عن سبب، أو متوقفًا على شرط، أو غير ذلك من\nمتعلقات خطاب الوضع، فهو مما يجتمع فيه الأمران، فالإيمان\nواجب وهو سبب لعصمة الدم والمال، والإحرام واجب عند بعض\nالعلماء وهو مانع من فعل المحظورات فيه.\nومن أمثلة انفراد خطاب الوضع: زوال الشمس، وحلول شهر\nرمضان، وحولان الحول في الزكاة، فهذه الأمور هي أوقات محدَّدة\nلا قدرة للمكلف على تحصيلها، فإنها من خطاب الوضع، وليست\nمن خطاب التكليف؛ إذ - ليس فيها أمر، ولا نهي، ولا إذن، أما\nما يترتب على هذه الأشياء من أداء الصلاة والصوم والزكاة، فإنه\nشيء آخر غيرها.","vol":"1","page":386},{"text":"ولا يتصور انفراد الحكم التكليفي؛ لأنه لا تكليفِ إلا وله سبب أو\nشرط، أو مانع.\nوبذلك يكون خطاب الوضع أعم من خطاب التكليف، إذ لا\nيوجد تكليف إلا ومعه وضع، دون العكس، بينما قد يوجد خطاب\nالوضع حيث لا تكليف، وذلك مثل الأمثلة السابقة، ولزوم قيمة\nالمتلفات، وأروش الجنايات، والزكاة على الصبي والمجنون.","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الرابع في أنواع الحكم الوضعي</span>\nلقد اختلف في أنواع الحكم الوضعي، والسبب في هذا الاختلاف:\nأن بعض العلماء أفرد كل وصف يصلح أن يكون حكما وضعيا\nوجعله نوعا خاصا فقال: إن أنواعه هي: السبب، والشرط، -\nوالمانع، والعِلَّة، والصحة، والفساد، والعزيمة، والرخصة،\nوالأداء، والإعادة، والقضاء، والتقديرات الشرعية، والحجاج.\nوبعضهم أدخل بعضها في بعض وهكذا.\nوالحق عندي: أن أنواع الحكم الوضعي خمسة فقط وهي:\n\" السبب \"، و\" الشرط \"، و\" المانع \"، و\" العزيمة \"، و\" الرخصة \".\nأما العلَّة، والصحة، والفساد، والتقديرات الشرعية، والحجاج،\nوالأداء، والإعادة، والقضاء، فهي تدخل ضمن السبب، ولا\nتخرج عنه، وسأبين ذلك - إن شاء اللَّه - في موضعه:\nوللكلام عن هذه الأنواع لا بد من عقد المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في السبب.\nالمطلب الثاني: في الشرط.\nالمطلب الثالث: في المانع.\nالمطلب الرابع: في العزيمة والرخصة.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المطلب الأول في السبب</span>\nويشتمل على مسائل:\nالمسألة الأولى: في حقيقة السبب:\nأولًا: السبب لغة.\nثانيا: السبب اصطلاحا.\nالمسألة الثانية: في تقسيمات السبب.\nالمسألة الثالثة: في إطلاقات السبب عند الفقهاء.\nالمسألة الرابعة: في العلَّة:\nأولًا: العِلَّة لغة.\nثانيا: العِلَّة اصطلاحًا.\nثالثا: هل يوجد فرق بين السبب والعِلَّة؟\nالمسألة الخامسة: الصحة والفساد:\nأولًا: الصحة والفساد لغة.\nثانيًا: الصحة والفساد اصطلاحًا.\nثالثا: هل الصحة والفساد من الأحكام الشرعية،\nأو هما من الأحكام العقلية؟","vol":"1","page":389},{"text":"رابعًا: هل الصحة والفساد من الأحكام الوضعية،\nأو هما من الأحكام التكليفية؛؟\nخامسًا: المقصود بالصحة في العبادات.\nسادسًا: المقصود بالصحة في المعاملات.\nسابعًا: هل الفاسد والباطل مترادفان؟\nالمسألة السادسة: التقديرات الشرعية والحجاج.\nالمسألة السابعة: الأداء والإعادة والقضاء:\nأولًا: تعريف الأداء.\nثانيا: تعريف الإعادة.\nثالثًا: تعريف القضاء.\nرابعًا: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فافطروا، فلما انقضى رمضان صاموا تلك الأيام التي\nأفطروها، فهل يسمى فعلهم هذا قضاء أو أداء؟\nخامسا: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب؟\nسادسًا: الدليل الموجب للقضاء.","vol":"1","page":390},{"text":"المسألة الأولى: حقيقة السبب:\nأولًا: السبب في اللغة هو:\nكل ما يتوصل به إلى مقصود \" ما \" لذلك تسمى الطريق،\nوالحبل، والباب أسبابا؛ لأن الطريق موصل إلى المكان المقصود،\nوالحبل موصل إلى الماء ونحوه، والباب موصل إلى داخل البيت.\nثانيا: السبب في الاصطلاح:\nلقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف السبب، وأقرب\nتعريفات السبب إلى الصحة وأبعدها عن الخطأ هو: \" ما يلزم من\nوجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته \".\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nالسبب هو وصف ظاهر منضبط جعله الشارع علامة على الحكم،\nوربط وجود الحكم بوجوده، وعدم الحكم بعدمه، فيلزم من وجود\nالسبب وجود الحكم، ويلزم من عدم السبب عدم الحكم، كدخول\nالوقت، وبلوغ النصاب، فيلزم من وجود دخول الوقت وجوب\nالصلاة، ويلزم من عدم دخول الوقت عدم وجوب الصلاة، ويلزم\nمن وجود بلوغ النصاب وجوب الزكاة، ويلزم من عدم البلوغ عدم\nوجوب الزكاة، وهكذا.\nوقولنا: \" ما يلزم من وجوده الوجود \" أخرج الشرط؛ لأن\nالشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم كالطهارة فإنها شرط\nلصحة الصلاة، ولكن قد توجد الطهارة ومع ذلك لا يلزم صحة\nالصلاة؛ لاحتمال عدم دخول الوقت، أما السبب فيلزم من وجود","vol":"1","page":391},{"text":"دخول الوقت وجوب الصلاة طى هذا المكلف الذي دخل عليه\nالوقت، ويلزم من وجود السرقة: وجود الحكم وهو قطع اليد.\nوخرج بهذه العبارة أيضا المانع؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم.\nوخرج المانع - أيضًا - من قولنا: \" ولا يلزم من عدمه العدم \"،\nلأن المانع لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم مثل \" الذين \" يلزم من\nوجوده عدم الزكاة، ولكن لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، فلو\nلم يكن على المسلم دين فلا يلزم من ذلك وجوب الزكاة عليه؟\nلاحتمال فقره مع عدم الدين، ولا يلزم عدم وجوب الزكاة؟\nلاحتمال أن يكون عنده نصاب قد حال عليه الحول فتلزمه الزكاة.\nوقولنا: \" لذاته \" أي: لذات السبب، وأخرجنا به ما لو قارن\nالسبب فقدان شرط، أو وجود مانع مثل: أن يملك النصاب، لكن\nلم يدر عليه الحول، فهنا لا تجب عليه الزكاة لا لأن ذات السبب لم\nيتوفر، بل توفر ووجد، ولكن انتفى الشرط وهو حولان الحول،\nكذلك لو ملك النصاب وحال عليه الحول، لكن عليه دين، فهذا لا\nتجب عليه الزكاة مع توفر السبب.\nفهنا لا يلزم من وجود السبب وجود الحكم، ولكن لا لذاته،\nبل لأمر خارج عنه وهو انتفاء الشرط، أو وجود مانع.\n***\nالمسألة الثانية: في تقسيمات السبب:\nالسبب ينقسم بالنظر إلى اعتبارات وجهات مختلفة إلى خمسة\nتقسيمات:","vol":"1","page":392},{"text":"التقسيم الأول: باعتبار قدرة المكلف:\nينقسم السبب بهذا الاعتبار إلى قسمين: \" سبب مقدور عليه \"،\nو\" سبب غير مقدور عليه \".\nأما القسم الأول - وهو: السبب المقدور عليه - فهو: ما كان\nداخلًا تحت كسب المكلف وطاقته.، بحيث يستطيع فعله أو تركه\nكالقتل، والسرقة، وشرب الخمر بالنسبة لما يترتب عليها - من\nالعقوبات، وكذا عقد البيع؛ لانتقال الملك وحل الانتفاع، وكذا:\nعقد النكاح لحل الاستمتاع.\nفهذه يجتمع فيها خطاب التكليف والوضع، كما قلنا سابقا.\nأما القسم الثاني - وهو: السبب غير المقدور عليه - فهو: ما لم\nيكن من كسبه ولا دخل له في تحصيله، أو عدم تحصيله مثل: زوال\nالشمس، أو غروبها، سبب لوجوب الصلوات، والموت سبب\nلانتقال الملك، فهذه الأمور لا يتعلق بها خطاب تكليف؛ لأن\nالتكليف لا يكون إلا بمقدور، كما قلنا سابقا.\nالتقسيم الثاني: باعتبار المشروعية:\nينقسم السبب بهذا الاعتبار إلى قسمين: \" سبب مشروع \"،\nو\"سبب غير مشروع \".\nأما القسم الأول - وهو: السبب المشروع - فهو: ما كان سببا\nللمصلحة أصالة، وإن كان مؤديا إلى بعض المفاسد تبعا مثل: الأمر\nبالمعروف والنهي عن المنكر، وكالجهاد في سبيل اللَّه، فإنهما سببان\nلإقامة الدين، وإعلاء كلمة اللَّه، وإظهار شعائر الإسلام، وإن أدى\nفي الطريق إلى نوع من المفاسد كإتلاف نفس، وإضاعة أموال، كذا\nإقامة الحدود والقصاص سبب للمصلحة أصالة.","vol":"1","page":393},{"text":"أما القسم الثاني - وهو: السبب غير المشروع - فهو: ما كان\nسببا للمفسدة أصالة، وإن ترتب عليه نوع من المصلحة تبعا مثل:\nالقتل، فإنه سبب غير مشروع، وإن ترتب عليه بعض المصالح\nكميراث ورثة المقتول.\nالئقسيم الثالث: باعتبار المناسبة:\nينقسم السبب باعتبار المناسبة للحكم وعدم ذلك إلى قسمين:\n\" سبب مناسب للحكم \"، و\" سبب غير مناسب للحكم \".\nأما القسم الأول - وهو: السبب المناسب للحكم - فهو: الذي\nيترتب على شرع الحكم عنده تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة يدركها\nالعقل مثل: السرقة بالنسبة لعقوبة القطع، حيث إنها تحقق مصلحة\nحفظ الأموال وتدفع مفسدة ضياعها، وكذا عقوبة الزنا، فإنها تحقق\nمصلحة حفظ الأنساب والأعراض، وكذا الإسكار لتحريم الخمر،\nفإن الإسكار - يتضمن ضياع العقول فنهى عن شرب الخمر لمصلحة،\nوهي حفظ العقول.\nأما القسم الثاني - وهو: السبب غير المناسب - فهو: الذي لا\nيترتب على شرع الحكم عنده تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة، مثل\nدلوك الشمس، فهو سبب لوجوب الظهر، وشهود الشهر بالنسبة\nلوجوب صومه.\nالتقسيم الرابع: باعتبار مصدره:\nالسبب ينقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: \" سبب شرعي \"،\nو\" سبب عقلي \"، و\" سبب عادي \".\nأما القسم الأول - وهو: السبب الشرعي - فهو: ما كان","vol":"1","page":394},{"text":"مستمدًا من الشرع فقط كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة، وبلوغ\nالنصاب بالنسبة لوجوب الزكاة.\nأما القسم الثاني - وهو: السبب العقلي - فهو: ما كان مستمدًا\nمن العقل، ولم يكن ثابتًا عن طريق الشرع كوجود النقيض، فإنه\nسبب في انعدام نقيضه عقلًا، لعدم اجتماع النقيضين كالموت سبب\nلعدم الحياة، وهكذا.\nأما القسم الثالث - وهو: السبب العادي - فهو: ما كان\nمستمدًا من العادة الألوفة المتكرر وقوعها كالذبح، فإنه عادة يتسبب\nفي إزهاق الروح في العادة.\nوالمراد بالسبب في الحكم الوضعي هو السبب الشرعي فقط.\nالتقسيم الخامس: باعتبار ذاته:\nينقسم السبب بهذا الاعتبار إلى قسمين: \" سبب قولي \"،\nو\"سبب فعلي \".\nأما القسم الأول - وهو: السبب القولي - فهو: ما كان عماده\nالقول كصيغ العقود مثلًا من بيع، وشراء، وهبة، وصدقة، وصيغ\nالتصرفات كالطلاق، والعتاق، والظهار، والرجعة، والنكاح.\nوأما القسم الثاني - وهو: السبب الفعلي - فهو: ما كان ناشئاَ\nعن الفعل كالقتل، وشرب الخمر، والسرقة، وإحياء الموات،\nونحو ذلك.\nفإن قلت: هل يوجد فرق بين السبب القولي والفعلي؟\nأقول: نعم بينهما فرق في الحكم؛ حيث إن الأسباب القولية لا\nتصح من السفيه، والمحجور عليه، أما الأسباب الفعلية فإنها تصح","vol":"1","page":395},{"text":"منه، فمثلًا: لو وطأ المحجور عليه أمته فإنها تصير أم ولد، كذلك\nلو احتطب، أو اصطاد، أو قتل، أو سرق، أو نحو ذلك فإنه\nيترتب على تلك الأسباب آثارها.\nبخلاف ما لو أعتق عبده، وكذا لو اشترى، أو وهب، أو باع،\nأو تصدق، ونحو ذلك من الأسباب القولية، فإنه لا يترتب عليها\nأثر.\nوتعليل ذلك: أن أقواله يمكن إلغاؤها - كما قال ابن القيم في\n\"بدائع الفوائد \" -: فإنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء، وأما\nالأفعال فإنها إذا وقعت فلا يمكن إلغاؤها؛ فلا يمكن أن يقال لمن\nسرق، أو قتل، أو وطأ أمَته وولدت، أو أتلف: إنه لم يسرق،\nولم يقتل، ولم يستولد له ولد، ولم يتلف شيئًا، وقد وجدت منه\nهذه الأفعال فأجرى ذلك مجرى المأذون له في صحة أفعاله.\nالتقسيم السادس: باعتبار اقتران السبب بالحكم وعدم ذلك:\nالسبب ينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: \" سبب متقدم على\nالحكم \"، و\" سبب مقترن به \".\nأما القسم الأول - وهو: السبب المتقدم على الحكم - فهو:\nالأصل، وهو أكثر الأحكام مثل الأسباب الموجبة للصلوات،\nوالزكاة، والحج، والبيع، والنكاح.\nأما القسم الثاني - وهو: السبب المقارن للحكم - فهو: يقع\nكثيرًا في الشريعة مثل: شرب الخمر، والزنا، والسرقة، وقطع\nالطريق، ومثل: قتل الكافر في الحرب، فإنه سبب لاستحقاق سلبه\nفورًا، ومثل إحياء الموات، فانه سبب فوري للملك وهكذا.","vol":"1","page":396},{"text":"المسألة الثالثة: في إطلاقات السبب عند الفقهاء:\nالأصول لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدًا له ومحققاَ\nللاجتهاد فيه، وإذا كان كذلك، فالتوقع أن يكون الفقهاء تابعين\nللأصوليين في اعتبار حقيقة السبب.\nلكن الواقع من الفقهاء غير ذلك فهم في كتب الفروع يطلقون\nلفظ \" السبب \" على عدة أمور قد تبدو مخالفة لما اصطلح عليه\nالأصوليون في مفهوم السبب، لذلك أتيت بهذه المسألة تنبيهًا على\nذلك فأقول: إن الفقهاء يطلقون لفظ \" السبب \" على أربعة إطلاقات\nهي كما يلي:\nالإطلاق الأول: أنهم يطلقونه في مقابل المباشرة فقالوا: لو حفر\nزيد بئرًا، ثم جاء عمرو ودفع محمدًا في البئر، فتردى فيها، فهلك\nمحمد، فإن الحافر - وهو زيد - صاحب سبب، والمردي - وهو\nعمرو - صاحب علَّة، لأن الهلاك بالتردية، لا بالحفر، ولكن وقع\nذلك عند وجود البَئر فسموا الحافر سببًا، والدافع مباشرًا، وكذلك\nلو ألقى شخص شخصًا آخر من شاهق فتلقاه آخر بسيف، فإن\nالضمان على المتلقي بالسيف لأنه مباشر، وهناك أمثلة كثيرة على هذا\nتجدها مبسوطة في قواعد ابن رجب، والأشباه والنظائر للسيوطي\nوغيرهما.\nالإطلاق الثاني: أنهم يطلقونه على عِلَّة العلَّة، حيث سمّوا الرمي\nسببًا للقتل من جهة: أنه سبب للعلَّة، فَكان على التحقيق عِلَّة\nالعلَّة، لأنه علَّة للإصابة، والإصابةَ عِلَّة لزهوق النفس، ولكن لما\nحصل الموت بالإصابة التوسطة بين الرمي والزهوق لا بالرمي كان\nالرمي شبيهًا بالسبب في وضع اللسان وهو: ما كان مفضيًا إلى\nالشيء وطريقًا إليه فسمَّوه سببًا لذلك.","vol":"1","page":397},{"text":"وحكم هذا السبب حكم العلَّة من كل وجه، فيضاف أثر الفعل\nإليه؛ لأنه لما أضيفت العلَّة إليه كان بمنزلتها، ولهذا سمي \" علَّة\nالعِلَّة \"، ويسميه الحنفية السبب في معنى العِلَّة \".\nالإطلاق الثالث: أنهم يطلقونه على العِلَّة الشرعية بدون شرطها\nكملك النصاب دون حولان الحول، فإنَّ ملك النصاب سبب في\nوجوب الزكاة، لكنه لا بد من حولان الحول في وجوبها، فيطلق\nالسبب على ملك النصاب دون حولان الحول مع أنه لا بد منهما في\nالوجوب.\nوكذا اليمين دون الحنث فإنها سبب في وجوب الكفارة، لكنه\nلابد من الحنث في وجوب الكفارة، فيطلق السبب على اليمين دون\nالحنث مع أنه لا بد منهما في الوجوب.\nويراد بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه كما يقال: \" نصاب\nالزكاة \"، و\" كفارة اليمين \".\nويسميه الحنفية بالسبب المجازي.\nالإطلاق الرابع: أطلقوه على العلَّة الشرعية الكاملة التي توجب\nالحكم وهي: المجموع المركب من مقتضي الحكم - وهو المعنى\nالطالب له - وشرطه وانتفاء المانع، ووجود الأهل - وهو المخاطب\nبه - ووجود المحل - وهو: ما يتعلَّق به الحكم - فالسبب - على\nهذا - بمعنى العلة يقال: \" سبب الحكم كذا \"، والمراد بذلك علته.\nووجه إطلاق السبب على العِلَّة الشرعية الكاملة: أن العلَّة في\nمعنى العلامة المظهرة للحكم؛ إذ أنها لا توجب الحكم لذاتهًا، بل\nبإيجاب اللَّه تعالى لها فأشبهت السبب من هذه الناحية.","vol":"1","page":398},{"text":"والخلاصة: أن الإطلاق الأول المراد به إيجاد الشرط؛ لأن حفر\nالبئر شرط لوقوع الهلاك؛ لكونه إزالة للمانع؛ إذ لولا الحفر\nلاستمسكت الأرض ولم يقع الهلاك، فيكون المراد بالمباشرة هنا:\nإيجاد العِلَّة، وبالتسبب إيجاد الشرط، وهكذا.\nأما الإطلاقات الثلاثة الباقية فهي تنتظم في سلك العِلَّة؛ فالرمي\nعِلَّة العلَّة؛ لكونه علَّة للإصابة، والإصابة علَّة للزهوقَ، والنصاب\nبدون الحول عِلَّة، وَلكن تخلَّف شرطها، والإطلاق الرابع أطلقوه\nعلى العِلَّة الكاملة.\n***\nالمسألة الرابعة: العِلَّة:\nنظرًا إلى أن العلَّة تعتبر قسما من أقسام السبب، فقد جعلناها من\nمسائل السبب، وإليك بيانها فأقول:\nأولًا: العِلَّة لغة:\nتطلق على إطلاقات، ولكن أقربها إلى الصحة هو: أنها بمعنى\nالأمر المغير للشيء، ومنه سمي المرض عِلَّة؛ لأن حالة المريض تتغير\nبه من الصحة والقوة والنشاط إلى المرض والضعف والسقم.\nوهذا أنسب التعاريف اللغوية للعلَّة؛ لتناسبه مع المعنى\nالاصطلاحي وهو: التغيير، فكما يتغير الَجسم حالة حصول العلَّة،\nوهي المرض من القوة إلى الضعف، فكذلك إذا وجدت العِلًّة في\nالمحل، فإنها تغير حكمه مما كان عليه في الأول.\nثانيا: العلة اصطلاحا:\nلقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف العِلَّة:","vol":"1","page":399},{"text":"فقيل: إن العِلَّة هي: المعرِّف للحكم.\nوهو تعريف فخر الدين الرازي، والبيضاوي، وكثير من العلماء.\nوقيل: إن العِلَّة: المؤثر أو الموجب للأحكام بجعل اللَّه تعالى.\nذهب إلى ذلك الغزالي، وأكثر الحنفية.\nوقيل: إن العِلَّة: الباعث على الحكم.\nذهب إلى ذلك ابن الحاجب والآمدي.\nبيان نوع الخلاف:\nالحق: أن الخلاف بين تلك الأقوال الثلاثة خلاف لفظي - كما\nذكرت ذلك في كتابي \" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \"، فهو\nراجع إلى تفسير كل أصحاب مذهب لما قالوه.\nفكل أصحاب مذهب نظروا إلى جهة معينة غير ما نظر إليها\nالآخر، ففسَّر العِلَّة باعتبار تلك الجهة.\nفمن قال بأن العِلَّة: المعرِّف للحكم: نظر إلى أن الحكم يضاف\nإليها، فيقال: وجب القصاص للقتل، ووجب القطع للسرقة، وهكذا.\nومن قال بأن العلَّة: المؤثر أو الموجب للأحكام بجعل اللَّه لها:\nيرى أن العِلَّة تستلزمَ الحكم استلزاما عاديا بجعل اللَّه تعالى، أي:\nأن كلًّا منَ الوصف والحكم من اللَّه، وقد جرت العادة بأنه متى ما\nوجد السبب وجد المسبب.\nومن قال بأن العلَّة: الباعث على الحكم: يرى أنها لا بدَّ وأن\nتكون مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع.\nوأصحاب هذه الأقوال متفقون على أن الموجب للحكم - حقيقة\nهو اللَّه ت تعالى - وهو: المؤثر الحقيقي وحده، دون العلل والأسباب.","vol":"1","page":400},{"text":"واتفقوا على أن اللَّه حكم بوجوب ذلك الأثر بذلك الأمر وناطه\nبه، ورتبه عليه.\nواتفقوا - أيضًا - على أن الأحكام معللة بمصالح العباد، وإن\nاختلفت العبارات في مؤدى ذلك حسب ما يؤدي إليه التصور، ويدل\nعلى ذلك: أن الكل يقول بالقياس. فالخلاف - إذًا - في العبارة\n- فقط - دون المعنى.\nثالثًا: هل يوجد فرق بين السبب والعِلَّة؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن العِلَّة تعتبر من أقسام السبب.\nوهو من التقسيم الثالث من تقسيمات السبب السابقة، وعلى هذا\nفإن السبب يكون أعم من العِلَّة.\nوهذا مذهب أكثر العلماء.\nوهذا هو الصحيح عندي، ولهذا جعلتها من مسائل السبب،\nوإليك بيان ذلك:\nأن السبب ينقسم إلى قسمين: \" سبب معقول المعنى \"، و\" سبب\nغير معقول المعنى \".\nفإن كان الأول - أي: كان السبب مما يدرك العقل ارتباط الحكم\nبه -: كان سببًا وعلَّة كقطع يد السارق، فإن السرقة تسمى سببا\nوعلَّة للقطع، وكذًا: السفر المبيح للفطر، فإن السفر يُسمَّى سببا\nوعِلَّة لإباحة الفطر.\nوإن كان الثاني - أي: إن كان السبب مما لا يدرك العقل ارتباط\nالحكم به -: فإنه يسمى سببا لا عِلَّة، مثل: دخول الوقت،\nوشهود الشهر.\nفدخول الوقت يسمى سببًا لوجوب الصلاة، ولا يسمى عِلَّة \"","vol":"1","page":401},{"text":"لعدم إدراكنا للمناسبة بين دخول الوقت ووجوب هذه الصلاة بعينها،\nكذلك شهود شهر رمضان يسمى سببا لوجوب الصوم، ولا يسمى\nعِلَّة؛ لعدم إدراكنا للمناسبة بين شهود الشهر ووجوب رمضان.\nفالسبب - على ذلك - يشمل الوصف المناسب وغير المناسب،\nفيكون أعم من العِلَّة.\nالمذهب الثاني: أن السبب والعِلَّة متفقان، وهما اسمان لمسمى\nواحد.\nهذا مذهب بعض العلماء.\nواحتجوا بقولهم: إننا لما دققنا النظر فيهما وجدنا أوجه التشابه\nبينهما واضحة، وهي كما يلي:\nالوجه الأول: أن كلًّا منهما ينبني عليه الحكم ويرتبط به وجودًا\nوعدمًا.\nالوجه الثاني: أن كلًّا منهما أمارة وعلامة على وجود الحكم.\nالوجه الثالث: أن للشارع حكمة في ربط الحكم بكل واحد منهما\nوإضافته إليه، وبنائه عليه.\nفإذا كان الأمر كذلك، فإن معناهما واحد، فالسفر يطلق عليه\nسبب، ويطلق عليه عِلَّة لإباحة الفطر، ودخول الوقت سبب وعلَّة\nعلى وجوب الصلاة.\nفأصحاب هذا المذهب: جعلوا السبب مرادفا للعلَّة، واسما من\nأسمائه التي تطلق عليه دون فرق بينهما.\nالمذهب الثالث: أن السبب والعِلَّة متغايران تمام التغاير، فهما\nوصفان متباينان.","vol":"1","page":402},{"text":"ذهب إلى ذلك الحنفية؛ حيث عرفوا السبب بأنه: \" ما يكون\nطريقا إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود، ولا\nيعقل فيه معاني العلل \".\nفهنا قد صرَّحوا بأن السبب لا يضاف إليه وجود الحكم،\nولا يعقل فيه معنى التعليل، بخلاف العِلَّة، فإنه يضاف إليها الحكم\nأصالة عندهم، ويكون بين هذا الوصف الذي ورد مع الحكم وبين\nالحكم مناسبة ظاهرة.\nإذن: لا يطلق أحدهما على الآخر - عند الحنفية - إلا مجازًا -.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي في هذه المسألة، لا يترتب عليه أي أثر، وذلك\nلأنا عرفنا أن كثيرًا من العلماء يقسمون السبب إلى قسمين: \" سبب\nمناسب للحكم \" و\" سبب غير مناسب للحكم \"، وبهذا التقسيم\nتلتقي المفاهيم، ويتحد المدلول لدى الجميع.\nالمسألة الخامسة: الصحة والفساد:\nنظرًا لكون الصحة والفساد يدخلان في السبب من جهة: أن\nالفعل إذا استوفى أركانه وشروطه، فإن هذا سبب لصحته عند الله\nوترتب آثاره عليه، وأن الفعل إذا لم يستوف أركانه أو شروطه، فإن\nهذا سبب لفساده وعدم ترتب آثاره عليه، أقول: نظرًا لذلك فإنا\nجعلناهما من مسائل السبب، وإليك بيانهما فأقول:\nأولًا: الصحة والفساد لغة:\nالصحة لغة: خلاف السقم، وهي: عبارة عن السلامة وعدم","vol":"1","page":403},{"text":"الاختلال، فيقال: \" صح فلان من عِلَّته \"، أي: أصبح لا سقم\nفيه.\nوالفساد لغة: عبارة عن تغير الشيء عن الحالة السليمة إلى حالة\nسقيمة، والمفسدة نقيض المصلحة.\nثانيا: الصحة والفساد اصطلاحا:\nالصحة في الاصطلاح هي: موافقة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع.\nوالمقصود بالوجهين: \" موافقة الشرع \"، و\" مخالفته \".\nومعناه واضح وهو: أن الصحة هي: صفة للفعل الذي يقع\nموافقا للشرع؛ نظرًا لاستجماعه ما يعتبر فيه شرعا من الشروط\nوالأركان، وانتفاء الموانع.\nوأما الفساد فهو عكس الصحة، فيكون هو: مخالفة الفعل ذي\nالوجهين لأمر الشارع.\nفيكون الفساد: صفة للفعل الذي يقع مخالفا للشرع؛ نظرًا لعدم\nاستجماعه ما يعتبر فيه شرعا من الشروط والأركان، أو وجود مانع.\nفالصلاة فعل يوصف بأنه صحيح إذا وافق أمر الشارع بأن يكون\nمستجمعا للشروط والأركان التي وضعها الشارع، مع عدم المانع،\nوفعل الصلاة يوصف بأنه فاسد إذا لم يوافق أمر الشارع بأن تخلف\nركن أو شرط، أو وجد مانع.\nثالثا: هل الصحة والفساد من الأحكام الشرعية أو هما من الأحكام\nالعقلية؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:","vol":"1","page":404},{"text":"المذهب الأول: أنهما من الأحكام الشرعية.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن معرفة اشتجماع الفعل لشروطه وأركانه،\nوارتفاع موانعه موقوفة على معرفة الركن، والشرط، والمانع،\nومعرفة هذه الأمور الثلاثة موقوفة على خطاب الشارع اتفاقا، فتكون\nالصحة والفساد لا يعرفان إلا من طريق الشرع.\nالمذهب الثاني: أن الصحة والفساد من الأحكام العقلية:\nذهب إلى ذلك ابن الحاجب، والعضد، وبعض العلماء.\nدليل أصحاب هذا المذهب:\nاستدل هؤلاء بقولهم: إن كون الفعل موافقا لأمر الشارع، أو\nمخالفا له، وكون ما فعل تمام الواجب حتى يكون مسقطا للقضاء،\nأو عدم كونه كذلك لا يحتاج إلى توقيف من الشارع، بل يعرف\nذلك بمجرد العقل، فهو ككونه مؤديا للصلاة أو تاركا لها سواء\nبسواء، فلا يكون حصوله في نفسه ولا حكمنا به شرعيا، بل عقلي\nمجرد.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بأن الصحة والفساد والحكم بهما أمور شرعية،\nوكون الفعل مسقطا للقضاء، أو موافقا للشرع هو من فعل الله\nتعالى، وتصييره إياه سببا لذلك، فما الموافقة، ولا الإسقاط\nبعقليين، لأن للشرع مدخلا فيهما، ولو لم تكن الصحة شرعية لم\nيصح أن يقضي القاضي بها عند اجتماع شرائطها، لكنه يقضي بها\nبالإجماع، فدل على أنها شرعية؛ لأنه لا مدخل للأقضية في","vol":"1","page":405},{"text":"العقليات، وليس للقاضي أن يحكم إلا بما يصح أن يكون حكما من\nالشارع.\nبيان فوع الخلاف:\nالخلاف بين أصحاب المذهبين لفظي، لأن كلًّا من الفريقين أقر\nالصحة والفساد، لكن أصحاب المذهب الأول أقروهما على أنهما\nحكمان شرعيان، والآخرون أقروهما على أنهما حكمان عقليان.\nرابعًا: هل الصحة والفساد من الأحكام الوضعية، أو من التكليفية؟\nاختلف القائلون بأن الصحة والفساد من الأحكام الشرعية - فيما\nبينهم -: هل هما من الأحكام الوضعية، أو هما من الأحكام\nالتكليفية على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنهما من الأحكام الوضعية.\nوهو ما ذهب إليه كثير من العلماء كالغزالي، والآمدي،\nوالإسنوي، والشاطبي، وابن السبكي، والزركشي، والفتوحي\nالحنبلي.\nوهو الصحيح؛ لأمرين:\nأولهما: أن الصحة والفساد قد ثبت أنهما من الأحكام الشرعية\n- كما سبق -.\nوالحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين فقط: \" حكم تكليفي \"،\nو\"حكم وضعي \".\nولا يمكن أن يكونا من الحكم التكليفي؛ لأنه بعد النظر في\nالصحة والفساد تبين عدم وجود اقتضاء ولا تخيير فيهما، حيث إن","vol":"1","page":406},{"text":"الحكم بصحة العبادة وبطلانها، والحكم بصحة المعاملة وبطلانها لا\nيفهم منه اقتضاء ولاتخيير.\nفلم يبق إلا أن الصحة والفساد من الحكم الوضعي.\nثانيهما: أن الفعل إذا توفرت فيه جميع أركانه وشروطه، فإنه\nيوصف عند الشارع بالصحة، وما يتبع ذلك من الآثار المترتبة عليه،\nوالفعل إذا لم يستوف أركانه وشروطه، فإنه يوصف بالفساد وعدم\nترتب آثاره عليه، وهذه المعاني تدخل في خطاب الوضع حقيقة؟\nلأنها تكون بذلك من معاني السبب، والسبب حكم وضعي،\nووصف بعض الأصوليين كالغزالي في \" المستصفى \" السبب بالصحة\nوالفساد، فثبت بذلك: أن الصحة والفساد من أحكام الشرع\nالوضعية، وهذا هو الذي جعلنا نبحث الصحة والفساد ضمن مسائل\nالسبب.\nالمذهب الثاني: أن الصحة والفساد من الأحكام التكليفية:\nذهب إلى ذلك فخر الدين الرازي وكثير من أتباعه، والبيضاوي.\nدليل أصحاب هذا المذهب:\nأن الصحة والفساد يرجعان - في الحقيقة - إلى خطاب التكليف،\nولا يخرجان عن مضمونه ومدلوله؛ حيث إن معنى صحة الشيء:\nإباحة الانتفاع به، ومعنى الفساد: حرمة الانتفاع به والإباحة والحرمة\nمن الأحكام التكليفية.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن إرجاع الصحة والفساد إلى الحكم التكليفي أمر فيه\nعسر وتكلف لا يخفى، فهو لا يساعد عليه اللفظ، ولا ينتظمه\nالمعنى.","vol":"1","page":407},{"text":"أما قولهم: إن الصحة هي إباحة الانتفاع فمنقوض - كما قال\nالإسنوي في \" نهاية السول \" - بالمبيع إذا كان الخيار فيه للبائع، فإنه\nصحيح، ولا يباح للمشتري الانتفاع به.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن كلًّا من أصحاب المذهبين أقر\nبالصحة والفساد وبحثهما على أنهما من الأحكام الشرعية، لكن\nأصحاب المذهب الأول جعلوهما داخلين ضمن الأحكام الوضعية،\nوأصحاب المذهب الثاني جعلوهما داخلين ضمن الأحكام التكليفية،\nوتابعين لتلك الأحكام، وهذا مجرد اختلاف في التعبير والمنهج فقط\nولا أثر له في الفروع.\nخامسا: المقصود بالصحة في العبادات:\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الصحة في العبادات هي: إسقاط القضاء.\nأي: أن الصحة في العبادات: ما وافق الأمر، وأجزأ، وأسقط\nالقضاء.\nفمعنى سقوط القضاء: عدم المطالبة بالفعل مرة ثانية؛ بناء على\nالمطلب الأول كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها،\nفعدم وجوب قضائها هو: صحتها.\nهذا ما ذهب إليه الفقهاء.\nوهو الصحيح؛ لأنه موافق للغة؛ فإن الآنية إذا كانت صحيحة\nمن جميع الجهات، فإن العرب تسميها صحيحة، وإذا كانت\nصحيحة من جميع الجهات إلا من جهة واحدة، فإن العرب","vol":"1","page":408},{"text":"لا تسميها صحيحة، وهذه الصلاة - مثلًا - قد تطرق إليها الخلل من\nجهة ذكر الحدث، فلا تكون صحيحة كالآنية المكسورة من جهة.\nالمذهب الثاني: أن الصحة في العبادات هي موافقة الأمر الشرعي\nفي ظن المكلف، لا في الواقع، سواء وجب القضاء، أو لم\nيجب، وعليه فكل من أمر بعبادة فوافق الأمر بفعلها بأن أتى بها على\nالوجه الذي أمر به، فإنه يكون قد أتى بها صحيحة، وإن اختل\nشرط من شروطها، أو وجد مانع.\nذهب إلى ذلك المتكلمون، وقالوا: إن صلاة من ظن أنه متطهر\nصحيحة عند المتكلمين، وذلك لأن المعتبر في الموافقة للأمر شرعًا هو\nحصول الظن - فقط -؛ لأنه هو الذي في وسع المكلَّف.\nأما على مذهب الفقهاء، فإن تلك الصلاة غيو صحيحة؛ لكونها\nلم تسقط القضاء؛ لاحتمال ظهور بطلان الظن فيجب القضاء.\nوكذلك فاقد الطهورين إذا صلى على حسب حاله على الوجه\nالذي أمر به في ذلك الوقت، فإن صلاته صحيحة عند المتكلمين؟\nلأنه موافق للأمر الشرعي، وهي فاسدة عند الفقهاء؛ لأن شرط\nالصلاة عند الفقهاء الطهارة ولم توجد في نفس الأمر.\nجواب الفقهاء عما قاله المتكلمون:\nقال الفقهاء: إن مذهب المتكلمين باطل؛ لأنه لو كانت الصحة\nهي موافقة الأمر - فقط - لكان الحج الفاسد صحيحا؛ لأنه مأمور\nبإتمامه، والمضي - فيه، فالمتمم له موافق للأمر بإتمامه، فيجب أن\nيكون صحيحًا على زعمكم، لكنه فاسد بالاتفاق.\nاعتراض المتكلمين على ذلك الجواب:\nقال المتكلمون: لا نُسَلِّمُ أن الحج الفاسد قد وقع على موافقة","vol":"1","page":409},{"text":"الأمر، بل إنه وقع على مخالفته، حيث فعل فيه ما أفسده، وحينئذ\nفانتفاء صحته، إنما هو لانتفاء موافقته للأمر، وأما كون المفسد له\nمأمورًا بإتمامه، فلا يلزم منه أن يكون امتثاله الأمر يوجب الصحة؛ الأمر بإتمامه طرأ على الأمر الأول؛ حفظًا لحرمة الوقت من\nالهتك بعد انعقاد الإحرام، أو أنه عقوبة للمفسد له على إفساده بمنعه\nمن التخفيف عليه، ومعارضته له بنقيض قصده؛ قياسًا على من وطأ\nامرأته في نهار رمضان، فإنه مأمور بالإمساك بقية يومه مع وجوب\nالقضاء والكفارة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة قد اختلف فيه على قولين:\nالقول الأول: إن الخلاف لفظي.\nوهذا هو الصحيح عندي؛ حيث إنه بعد التحقيق والتدقيق قد\nثبت أنه لا يترتب على هذا الخلاف أي أثر، لأن أصحاب المذهبين\nقد اتفقوا على الأحكام: فالمصلي الذي ظن نفسه أنه متطهر، ثم\nتبين بعد فراغه أنه لم يكن متطهرًا اتفقوا على أنه موافق لأمر الله\n- تعالى - واتفقوا - أيضا - على أنه مثاب على فعله؛ لقصده امتثال\nأمر اللَّه تعالى.\nواتفقوا - أيضًا - على أنه لا يجب على المصلي القضاء إذا لم\nيطلع على الحدث، واتفقوا على أنه يجب عليه القضاء إذا اطلع على\nالحدث.\nفالفقهاء والمتكلمون يقولون بوجوب إعادة الصلاة على من صلى\nظانًا أنه متطهر، فبان خلافه، ولكنهما، يختلفان في وصف هذه\nالصلاة قبل إعادتها.","vol":"1","page":410},{"text":"فالفقهاء يقولون: إنها لا توصف بالصحة؛ لأنها لم تسقط\nالقضاء؛ لأن المكلف لا يزال مطالبا بفعلها مرة ثانية.\nوالمتكلمون يقولون: إنها توصف بالصحة؛ نظرًا لموافقتها لأمر\nالشارع، وذلك لأن الشرع قد أمر المصلي أن يصلي بطهارة متيقنة،\nأو مظنونة، وقد جعل ذلك على حسب حاله، لذا قالوا: إنها\nتوصف بالصحة نظرًا لهذه الموافقة، وقالوا: أما إعادتها فقد جاء\nمن أمر آخر وهو: تبين الخطأ في الظن.\nالقول الثاني: أن الخلاف معنوي؛ حيث قال أصحاب هذا القول:\nإن الخلاف قد ترتب عليه آثار في بعض المسائل الفقهية، ومنها:\n١ - صلاة من ظن نفسه أنه متطهر ثم تبين بعد فراغه أنه لم يكن\nمتطهرًا.\nفعلى المذهب الأول وهو مذهب الفقهاء: الصلاة غير صحيحة؟\nلكونها لم تسقط القضاء.\nوعلى المذهب الثاني - وهو مذهب المتكلمين: فإن الصلاة\nصحيحة؛ لأن المعتبر في الموافقة للأمر شرعا هو حصول الظن؟\nحيث إنه هو الذي في وسع المكلَّف.\n٢ - صلاة فاقد الطهورين - الماء والتراب - إذا صلى على حسب\nحاله غير صحيحة عند الفقهاء، وعليه إعادتها مرة ثانية إذا وجد ماء\nأو ترابة على الأرجح، أما عند المتكلمين فصلاته صحيحة.\nجوابه:\nقلت: ما رتبه أصحاب القول الثاني من المسائل الفقهية للدلالة\nعلى أن الخلاف معنوي غير مسلم؛ حيث إن الفقهاء والمتكلمين\nاتفقوا على أن المصلي وهو قد ظن نفسه أنه متطهر، فبان أنه غير\nمتطهر يجب عليه القضاء.","vol":"1","page":411},{"text":"والقائلون: إن المتكلمين لا يوجبون القضاء بنو ذلك على فهمهم\nمن تصريح المتكلمين بالصحة في صلاة من ظن الطهارة، وهو\nمحدث.\nوهذا البناء غير صحيح؛ لأنه لا يلزم من وصف المتكلمين للصلاة\nبالصحة أنهم لا يوجبون قضاءها، فإنه لا تلازم بين الوصف\nبالصحة وسقوط القضاء، فليس كل صحيح يسقط، فالمتكلمون\n- أنفسهم - صرحوا بوجوب القضاء، ولكن بأمر جديد، وهو تبين\nخطأ الظن، ويؤيد ذلك: أن صلاة المتيمم لبرد، أو في الحضر\nموصوفة بالصحة، ومع ذلك يجب قضاؤها.\nوهذا الكلام يجاب به عن كل مثال ذكره أصحاب القول الثاني\nلبيان أن الخلاف معنوي.\nأما المثال الثاني - وهو مثال فاقد الطهورين، فالكل قد اتفقوا\nعلى أنها غير موافقة لأمر الشارع بالصلاة بالوضوء، أو التيمم.\nولكن من قال: إنها صحيحة - وهم المتكلمون - أرادوا أنه مأمور\nبها تشبيهًا بالمصلين احترامًا للوقت.\nومن قال: إنها باطلة أراد أنها غير موافقة لأمر الشارع بالصلاة مع\nالوضوء عند القدرة على الماء أو التيمم عند العجز، فهي باتفاق غير\nمسقطة للقضاء.\nسادسا: المقصود من الصحة في المعاملات:\nالصحة في المعاملات: ترتب أحكامها المقصودة عليها، وذلك\nلأن العقد لم يوضع إلا من أجل إفادة مقصوده، كملك المبيع،\nوملك البضع في النكاح، فإذا أفاد مقصوده فهو صحيح، وحصول","vol":"1","page":412},{"text":"مقصوده هو: ترتب آثار حكمه عليه؛ لأن العقد مؤثر لحكمه\nوموجب له، وإن لم يكن الأمر كذلك فهو فاسد.\nإذن يكون الفاسد من العقود: كون الشيء لا يترتب عليه أثره\nالمطلوب منه؛ لوجود خلل في ركنه أو شرطه كبيع المجنون، أو بيع\nالمعدوم، أو بيع الميتة، فكل عقد أو تصرف يفقد ركنًا أو شرطًا،\nفهو فاسد باطل لا يترتب عليه أثره الشرعي من حل، أو ملك، أو\nانتفاع.\nفالخلاصة: أن الصحيح هو الذي له ثمرة من حل أو ملك أو\nانتفاع.\nوالفاسد أو الباطل هو الذي لم يثمر شيئًا ولا يترتب عليه أثر\nشرعي من حل، أو ملك، أو انتفاع.\nسابعا: هل الفاسد والباطل مترادفان؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنهما مترادفان.\nذهب إلى ذلك الجمهور.\nوهو الصحيح؛ لأن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، يقال:\n\" بطل الشيء \": إذا فسد وسقط حكمه، فإذا لم يفرق بينهما لغة،\nفوجب عدم التفريق بينهما في الشرع؛ حملًا للمقتضيات الشرعية\nعلى مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير.\nوعلى هذا: فتعريف الباطل هو نفس تعريف الفاسد السابق\nالذكر، فالباطل والفاسد اسمان لمسمى واحد، ولفظان مترادفان،\nفكل فاسد باطل، وكل باطل فاسد، ومعناهما اصطلاحًا:\n\" مخالفة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع \".","vol":"1","page":413},{"text":"فيكون الفساد والبطلان في العبادات: مخالفة أمر الشارع، أو\nعدم سقوط القضاء بالفعل كالصلاة التي تخلف فيها شرط أو ركن،\nأو وجد مانع فإنها باطلة وفاسدة.\nوالفساد والبطلان في عقود المعاملات هو: تخلف الأحكام عنها\nوخروجها عن كونها أسبابا مفيدة للأحكام كالعقد الذي لم يستجمع\nشروطه وأركانه، فإنه باطل وفاسد، لكونه غير مثمر، ولا يمكن أن\nتترتب عليه آثاره، أي: أنه غير محصل شرعا للأملاك واستباحة\nالأبضاع، وجواز الانتفاعات، ونحو ذلك.\nفلا فرق بين الباطل والفاسد مطلقا عندنا.\nالمذهب الثاني: التفصيل:\nأما في باب العبادات وباب النكاح من العقود، فإن الفاسد\nوالباطل مترادفان.\nأما في باب المعاملات، فإنه يوجد فرق بين الباطل والفاسد.\nهذا ما ذهب إليه الحنفية.\nأي: أن الحنفية قدْ أثبتوا فرقًا بين الباطل والفاسد في المعاملات،\nحيث رتبوا على العقود الفاسدة بعض الآثار الشرعية، وجعلوا\nالفاسد مرتبة متوسطة بين الصحيح والباطل، فهو قسم ثالث مغاير\n- عندهم - للصحيح والباطل، فقالوا:\nالصحيح هو؛ ما كان مشروعا بأصله ووصفه جميعًا، أي: ما\nاستجمع أركانه وشروطه، بحيمسا يكون معتبرًا شرعًا كالبيع الصحيح.\nوالباطل هو: ما لم يكن مشروعًا بأصله، ولا بوصفه.\nأي: ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة، وذلك","vol":"1","page":414},{"text":"إما لانعدام معنى التصرف كبيع الدم والميتة، وإما لانعدام أهلية\nالتصرف كما في بيع الصبي والمجنون.\nوالفاسد: ما كان مشروعًا بأصله غير مشروع بوصفه كبيع الدرهم\nبالدرهمين، فإنه مشروع بأصله من حيث إنه بيع ولا خلل في ركنه،\nولا في محله، ولكنه غير مشروع بوصفه، وهو: الفضل؛ لأنه\nزيادة في غير مقابل، فكان فاسدًا، لا باطلًا، لملازمته للزيادة وهي\nغير مشروعة، ولكن لو حذفت تلك الزيادة لصح البيع ولم يحتج\nإلى عقد جديد.\nدليل هذا المذهب:\nالعلَّة التي جعلت الحنفية يفرقون بين الفاسد والباطل في باب\nالمعاملاَت خاصة هي: أنه لما كان المقصود من العبادات هو التعبد\n- فقط -، وهو لا يكون إلا بالامتثال والطاعة، فإن المخالفة فيها\nتكون مفوتة للمقصود، فلا يظهر وجه للتفرقة بين باطل وفاسد فيها،\nفذمة المكلف لا تبرأ بصلاة فاسدة، كما لا تبرأ بصلاة باطلة.\nأما المعاملات فإنه لما كان المقصود منها أولًا وبالذات هو مصالح\nالعباد الدنيوية، فإن المجال مفتوح فيها، وتحققها في نفسها ممكن\nحتى مع وجود خلل في وصفها، فلا تنعدم بالكلية إلا إذا كان الخلل\nفيها راجعًا إلى الحقيقة والماهية.\nفجعلوا الباطل فيما إذا كان الخلل فيه راجعًا إلى أركان العقد، أو\nإلى العاقدين، أو إلى محل العقد، كما في بيع الملاقيح - وهي ما\nفي بطون الحوامل من الأجنة - وكما في بيع المضامين - وهي ما في\nأصلاب الفحول من الماء، فإن بيع الحمل وحده، أو الماء وهو في\nصلب الفحل غير مشروع ألبتة، وليس امتناعه لأمر عارض، فكان\nباطلًا لذلك.","vol":"1","page":415},{"text":"وجعلوا الفاسد فيما إذا كان الخلل فيه راجعًا إلى أوصاف العقد\nالخارجية، لا إلى أركانه، وذلك كما في بيع الدرهم بالدرهمين؟\nحيث إن الدراهم في ذاتها قابلة للبيع، وإنما امتنع هذا البيع، نظرًا\nلاشتمال أحد الجانبين فيه بالزيادة، فهو مشروع من حيث إنه بيع،\nوممنوع من حيث انعقاد الربا، ولذلك قالوا: لو حذفنا تلك الزيادة\n- وهي الدرهم - لصح البيع.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: إنا لا نُسَلِّمُ تفسير الحنفية للفاسد - وهو: ما كان\nمشروعًا بأصله غير مشروع بوصفه -؛ لأن كل ممنوع بوصفه، فهو\nبلا شك ممنوع بأصله، حيث إنه لا يثمر ولا يترتب عليه آثار.\nفإذا كان الفاسد لا يثمر، والباطل لا يثمر - أيضًا - فهما\nمتساويان ولا فرق بينهما.\nالجواب الثاني: أن هذا التفريق بين الفاسد والباطل غير مسلم من\nجهة النقل، بيان ذلك:\nأن مقتضى هذا التفريق هو: أن يكون الفاسد هو: الموجود على\nنوع من الخلل، والباطل هو الذي لا تثبت حقيقته بوجه، وقد\nسمى اللَّه تعالى الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسدًا، حيث\nقال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)، فسمى السموات\nوالأرض فاسدة على تقدير الشريك ووجوده، ودليل التمانع يقتضي\nأن العالم على تقدير الشريك ووجوده يستحيل وجوده لحصول التمانع\nلا أنه يكون موجودًا على نوع من الخلل، فقد سمى اللَّه تعالى\n- هذا - الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسدًا.","vol":"1","page":416},{"text":"فالذي لا تثبت حقيقته بوجه يطلق على الفاسد والباطل فلم يكن\n- على هذا - بينهما فرق.\nبيان نوع الخلاف:\nالحنفية لما فرَّقوا بين الباطل والفاسد بنوا على هذا التفريق فروعا\nفقهية، ومنها:\n١ - أن الشخص لو باع دارًا بشرط عدم سكناها، أو بيعها، فإن\nهذا البيع فاسد؛ لأجل الشرط المخالف لمقتضى العقد، وهو غير\nباطل؛ لأن البيع مشروع في أصله، ولا خلل في أركانه، وإنما لحقه\nالفساد من جهة الوصف، وهو اشتماله على الشرط الفاسد.\n٢ - بيع الدرهم بالدرهمين فاسد؛ لأنه مشروع من حيث كونه\nبيعا، ولكنه ممنوع من اتصافه بالربا المنهي عنه.\nوقالوا: إن النهي هذا قد ورد لمعنى في غير البيع، وهو الفضل\nالخالي عن العوض، فلا ينعدم بذلك أصل المشروعية، فكان\nفاسدًا، لا باطلًا.\nجوابه:\nقلت: بعد التحقيق والتدقيق ثبت أنه مع تفريع الحنفية على هذا\nالتفريق بين الباطل والفاسد، فإن خلافهم مع الجمهور - وهو\nمذهبنا - خلاف لفظي لا يترتب عليه آثار؛ فتفريق الحنفية بين الباطل\nوالفاسد في بعض الأحكام لا يعني أن الخلاف بينهم وبين الجمهور\nمعنوي؛ بل هو لفظي؛ لأن منشأ التفرقة في الأحكام ليس هو\nالتفرقة في التسمية، وإنما منشأه عندهم: كون النهي واردًا عن الفعل\nلأصله، أو لوصفه، فما ورد النهي عنه لأصله لم يصح بحال.\nوما ورد النهي عنه لوصفه يمكن أن يصح إذا زال هذا الوصف.","vol":"1","page":417},{"text":"فلما اختلفت الأحكام - عندهم - رأوا أن يميزوا بينهما،\nفاصطلحوا على تسمية أحدهما بالباطل، وتسمية الآخر بالفاسد،\nإذن اختلاف التسمية نشأ عن اختلاف الأحكام.\nالمسألة السادسة: التقديرات الشرعية، والحجاج:\nهذان النوعان من أنواع الحكم الوضعي داخلان ضمن السبب،\nبيان ذلك:\nأن التقديرات الشرعية هي: إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو\nإعطاء المعدوم حكم الموجود.\nمثال الأول - وهو: إعطاء الموجود حكم المعدوم -: الماء في\nحق المريض والخائف.\nومثال الثاني - وهو: إعطاء المعدوم حكم الموجود -: المقتول\nخطأ تورث عنه ديته، حيث إنها لا تملك إلا بعد موته، وهي ليست\nفي ملكه قبل موته، فيُقدر دخوله في ملكه قبل موته حتى تنتقل إلى\nورثته، فقدرنا المعدوم - هنا - موجودًا للضرورة.\nوأما الحجاج فهي التي يستند إليها القضاة في الأحكام كالشهود،\nوالإقرار، واليمين مع النكول، أو مع الشاهد الواحد، فإذا نهضت\nتلك الحُجَّة عند القاضي وجب عليه الحكم.\nوهذا لو دققت النظر فيه لوجدته يرجع إلى السبب؛ لأن هذه\nالتقديرات وهذه الحجاج إنما نشأت عن أسبابها، فكانت من قبيل\nالأسباب.","vol":"1","page":418},{"text":"المسألة السابعة: الأداء، والإعادة، والقضاء:\nبعض العلماء جعل تلك الأمور تقسيمًا للحكم باعتبار متعلِّقة،\nوهو: الفعل؛ لأن هذه الأمور أقسام للفعل الذي تعلق به الحكم.\nوجعلها فريق آخر من أنواع الحكم الوضعي.\nوالحق: أنها داخلة ضمن السبب؛ لأن دخول الوقت سبب\nللأداء، وخروجه سبب للقضاء، وبطلان الفعل سبب للإعادة.\nإذا علمت ذلك فاعلم أن العبادة إما أن يكون لها وقت معين أو لا.\nأما العبادة التي لم يُعيَن الشارع لها وقتًا، فإما أن يكون لها سبب أو لا.\nفالعبادة التي لم يعين الشارع لها وقتًا، والتي لها سبب كسجود\nالسهو سببها قراءة آية السجدة، والتي لا سبب لها، كفعل بعض\nالأذكار المطلقة، فهذه العبادة لا توصف بأداء ولا بقضاء.\nوأما العبادة التي عين الشارع لها وقتا محددًا، فهي إما أن تقع\nقبل وقتها القدر شرعًا، أو في وقتها، أو بعد وقتها.\nفإن وقعت قبل وقتها المقدر شرعا، حيث جوَّزه الشارع: فهو\nتعجيل مثل إخراج الزكاة قبل تمام الحول، وإخراج زكاة الفطر في\nأول شهر رمضان، فهذا الإخراج للزكاة يُسمَّى تعجيلًا؛ لأن وقت\nإخراج الزكاة لا يكون إلا بعد مرور الحول، وإخراج زكاة الفطر\nيكون في آخر ليلة منه.\nأما العبادة التي تقع في وقتها القدر شرعا دون أن تسبق بأداء مختل\nفهو أداء.","vol":"1","page":419},{"text":"أما العبادة التي تقع في وقتها المقدر شرعًا، ولكن سبقت بأداء\nمختل فهو إعادة.\nوإن فعلت العبادة بعد وقتها المقدر شرعا فهو القضاء.\nوإليك بيان حقيقة كل واحد من تلك الأقسام:\nأولًا: تعريف الأداء:\nالأداء هو: ما فعل أولًا في وقته المقدَّر له شرعًا.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: \" ما فعل \" جنس يشمل الثلاثة كلها: الأداء، والإعادة،\nوالقضاء.\nقولنا: \" أولًا \" أخرج الإعادة؛ لأنها تفعل ثانيًا لخلل في الأول.\nقولنا: \" في وقته المقدر له \" أخرج أمرين:\nأولهما: القضاء؛ حيث إنه يفعل بعد الوقت المقدر.\nثانيهما: ما لم يقدر له وقت كالنوافل المطلقة، والأمر بالمعروف\nوالنهي عن المنكر، فلا يوصف ذلك بأداء ولا قضاء، ولا إعادة.\nقولنا: \" شرعًا \" أي: يجب أن يكون التعيين والتحديد صادرًا\nمن الشارع، وخرج بهذا القيد: ما فعل في وقته المقدر له عقلًا كما\nلو قضى الدين عند المطالبة به، فإنه فعل في وقته المقدر له، وهو:\nما يتسع له، ولكن هذا التقدير ليس بالشرع، بل بالعقل، وكذلك\nالزكاة لو قدَّر الإمام شهرًا معيَّنًا مثلًا لإخراجها فيه، - فهو توقيت\nعقلي، لا شرعي.\nسؤال: هل يشترط وقوع جميع الفعل في وقته المحدد حتى يكون\nأداء؟","vol":"1","page":420},{"text":"جوابه: لا يشترط هذا، بل لو وقع بعضه في وقته القدر شرعاَ\nكركعة من الصلاة مثلًا، فالصحيح أن الجميع أداء؛ لأن الركعة من\nالصلاة مشتملة على معظم وغالب ما بعدها، فهو تكرار لها،\nفيكون تابعا لها.\nأما إذا أدرك أقل من الركعة، فالكل يكون قضاء عند الجمهور،\nكما ذكره النووي في \"\"روضة الطالبين \".\nوبعض العلماء يقول: إنه إذا أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يخرج\nالوقت، فإن الصلاة تكون أداء، وهذا رأي الحنفية، وكثير من\nالحنابلة.\nثانيا: تعريف الإعادة:\nالإعادة هي: ما فعل ثانيا في وقت الأداء لخلل في الأول.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: \" مما فعل \": جنس يشمل الأداء، والإعادة، والقضاء.\nقولنا: \" ثانيًا \": أخرج الأداء؛ لأنه يفعل أولًا.\nقولنا: \" في وقت الأداء \": أخرج القضاء؛ لأنه يفعل بعد\nخروج وقت الأداء.\nقولنا: \" لخلل في الأول \": أخرج ما يفعل ثانيًا، لكن بدون\nخلل في الأول كالمنفرد إذا صلى مرة ثانية مع الجماعة، فإن صلاته\nالأولى ليس فيها خلل، فلا توصف الثانية بالإعادة شرعا، بل هي\nأداء كالأولى.\nوعلى هذا فالإعادة قسم من الأداء، وليست قسيما له؛ لأن الأداء\nفي الحقيقة اسم لما يقع في الوقت المحدد شرعًا مطلقا، سواء كان","vol":"1","page":421},{"text":"سابقًا أو مسبوقًا، أو منفردًا، فإن سبق بأداء مختل سمي إعادة،\nوعلى ذلك فكل إعادة أداء، دون العكس.\nفيكون فعل العبادة إما أن يكون في وقته المحدد شرعا أو لا.\nفإن كان في وقته المجدد شرعًا فهو أداء، أو إعادة.\nوإن لم يقع في وقته، بل بعد خروج الوقت فهو قضاء.\nثالثا: تعريف القضاء:\nالقضاء: ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعا مطلقًا.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: \" ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعًا \": أخرج الأداء\nوالإعادة، لأنهما يفعلان في وقتهما المحدد شرعا كما سبق.\nقولنا: \" مطلقا \" فيه بيان: أن اسم القضاء مخصوص بفعل\nالعبادة بعد فوات وقته المحدد له شرعًا مطلقًا، أي: سواء كان فوات\nالوقت لعذر، أو لغير عذر، فإنه لا فرق في تأخير الواجب عن\nوقت الأداء بين أن يكون التأخير بعذر أو لغير عذر، وسواء كان\nالتأخير مع التمكن من الفعل كالمسافر والمريض يستطيع الصوم مع\nالسفر والمرض.\nأو كان مع عدم التمكن من فعله، إما لمانع شرعي كما في الحيض\nوالنفاس، لعدم صحة الفعل شرعًا، أو لمانع عقلي كنوم، أو\nسهو، أو إغماء، فإنه لا يمكن عقلًا أداء الصلاة من النائم والساهي،\nوالمغمى عليه \" لأنها تفتقر إلى النية والقصد، وذلك محال مع وجود\nالنوم والإغماء والسهو.","vol":"1","page":422},{"text":"رابعا: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف أو مرض آخر في رمضان\nفأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فهل يسمى\nفعلهم هذا قضاء أوأداء؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يُسمى قضاء.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الصحيح؛ لأمرين:\nأولهما: إجماع العلماء على أنه إذا صام المسافر والمريض والحائض\nبعد زوال عذرهم، فإنه تجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء،\nوأي شيء وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء؛ لأنه لو كان أداء لما جاز\nأن ينووا القضاء؛ لأنهم - حينئذ - ينوون غير الواجب عليهم.\nثانيهما: أنه روي عن عائشة - ﵂ - أنها قالت:\n\"كنا نحيض على عهد رسول اللَّه - ﷺ - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة \".\nوجه الدلالة: أن عائشة - هنا - سمَّت فعل الصوم - بعد انتهاء\nالشهر، وبعد زوال الحيض - قضاء، فلو كان أداءً لما سمته باسم\nالقضاء، والآمر هو النبي - ﷺ -، وإذا اشتهر بهذه التسمية فلا يمكن أن يطلق عليه بأنه أداء.\nالمذهب الثاني: أن الحائض إذا فاتها أيام من رمضان، فإنه يجب\nعليها أن تصومها بعد رمضان، وصيامها هذا لا يُسمَّى قضاء، وإنما\nيُسمَّى أداءً.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لا يجب على الحائض صيام رمضان حال حيضها، بل إن","vol":"1","page":423},{"text":"صومها وهي في تلك الحال حرام، ومعلوم: أن فعل الحرام معصية،\nولا يمكن أن تؤمر أن تفعل ما تعصى في فعله، ولو ماتت قبل أن\nتتمكن من صيام تلك الأيام التي تركتها لا تكون عاصية بالإجماع.\nفلما لم تتمكن الحائض من أن توقع الصيام في وقته المقدَّر شرعا\nللعذر - وهو الحيض - فإن فعْلها فيما بعد هو نفس الأداء الذي لم\nتتمكن من فعله، وعلى هذا فلا يمكن أن يُسمَّى قضاء.\nجوابه:\nيجاب عنه بما ورد عن عائشة - ﵂ - من أنها سمَّت\nفعل الصوم - بعد انتهاء رمضان - قضاء، كما سبق.\nوالقضاء لا يمكن أن يطلق عليه أداء ولا العكس.\nأما عدم وجوب الأداء أثناء الحيض فلأن التكليف تشريف، وعبادة\nلله ﷾، ويمتنع ذلك مع حالتها المستقذرة تلك، والشيء\nالذي لم يجب هو الأداء، أما جعل ذلك في الذمة، فهو واجب لا\nشك فيه.\nأما عدم العصيان إذا تركت الصيام حال الحيض وماتت: فهذا\nمرجعه إلى كونها غير مكلفة بفعل الصيام أداء؛ للعذر وهو:\n\"الحيض \"، فإذا زال رجع إليها التكليف، لكن تبقى ذمتها مشغولة\nحتى تفعل ما وجب عليها قضاء.\nالمذهب الثالث: أن المسافر والمريض لا يلزمهما الصوم في شهر\nرمضان، وإذا كان الصيام في الشهر لا يلزمهما، ولا يجب عليهما\nحال السفر وحال المرض، ثم فعلا الصيام بعد رمضان سمي ذلك\nالفعل أداء، وليس بقضاء.","vol":"1","page":424},{"text":"ومستند عدم وجوب الصيام على المسافر قوله - ﷺ -:\n\" ليس من البر الصيام في السفر \"،\nومستند عدم وجوب الصيام على المريض:\nوجود المشقة التي تحصل له عند صومه، والمشقة تجلب التيسير.\nوكذا أجمع العلماء على أن من أخر رمضان لسفر أو لمرض من\nغير تفريط، ثم مات - بعد ذلك - وقبل القضاء، فإنه لا يكون\nعاصيًا لتأخيره.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن العلماء قد أجمعوا على أنه إذا صام المسافر والمريض\nبعد زوال عذرهما، فإنه تجب عليهما نية القضاء؛ لا نية الأداء،\nوما وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء، ولو كان أداء كما زعم\nأصحاب هذا المذهب لما نووا القضاء؛ لأن حقيقة الأداء غير حقيقة\nالقضاء، ولأنه يلزم من ذلك أنهم ينوون غير الواجب عليهم.\nأما عدم لزوم الصوم أثناء العذر وهو السفر والمرض، فقد ثبت\nنظرًا لحالتهما فلا يطلب أداء الصوم وهما في حالتهما تلك، لكن\nتبقى ذمتهما مشغولة بالواجب فلا تبرأ إلا بالقضاء؛ لخروج وقت\nالأداء.\nأما عدم العصيان لما تركا الصيام حال السفر والمرض، فهذا\nمرجعه إلى أنهما غير مكلَّفين بفعل الصيام أداءً؛ لعذر السفر\nوالمرض، وهو من باب الرخص والتيسير ورفع الحرج عن الأمة،\nلكن تبقى ذمتهما مشغولة حتى يفعلا ما وجب عليهما قضاء.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي - في هذه المسألة - كما هو واضح؛ حيث إن","vol":"1","page":425},{"text":"أصحاب المذاهب اتفقوا على أن الحائض والمريض والمسافر إذا أفطروا\nفي نهار رمضان لعذر الحيض والمرض والسفر، فإنه يجب عليهم\nصيام تلك الأيام التي تركوها بعد انتهاء شهر رمضان، ولكن\nاختلفوا في تسمية هذا الفعل، فالجمهور يسمونه قضاء؛ لانطباق\nحقيقة القضاء عليه، وأصحاب المذهبين الأخيرين يسمونه أداء،\nفصار الخلاف في التسمية والتعبير فقط.\nخامسًا: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب؟\nاتفق العلماء على أن الأداء والإعادة يتعلقان بالمندوب،\nواختلفوا في القضاء هل يتعلق بالمندوب؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن القضاء يتعلق بالمندوب إذا كان له وقت معين؟\nبخلاف المندوب المطلق، فلا يتعلق به الأداء، ولا الإعادة، ولا\nالقضاء.\nهذا مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح، وبناء عليه: فإنه إذا\nفات المندوب المؤقت: فإنه يقضى مطلقا، كما قال العلماء: إن\nقضاء السنة سُنَّة كما أن قضاء الواجب واجب، والقضاء في رتبة\nالمقضي.\nدليل ذلك: القياس على الواجب؛ إذ لا فرق بينهما من هذه\nالناحية، ويشملهما حد القضاء.\nالمذهب الثاني: أن القضاء لا يتعلَّق بالمندوب.\nذهب إلى ذلك الحنفية، وقالوا: يقصر القضاء على الواجب\nفقط؛ تنزيلًا عن درجة الواجب بسبب: أن طلبه غير جازم.\nواستثنى بعض علماء الحنفية من هذه القاعدة: قضاء السُّنة إذا","vol":"1","page":426},{"text":"كانت شديدة التأكد بشروط، فقالوا في فروعهم: إذا فات المصلي\nسُنَّة الصبح مع فرضها، فإنه يسن له قضاؤها، بخلاف ما إذا فاتته\nالسُّنَّة دون الفرض فلا قضاء لها.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف - هنا - لفظي؛ للاتفاق على أن المندوب إذا لم يقضه\nالمكلف فإنه لا تنشغل الذمة فيه، ولا يطالب به؛ لأن حقيقة المندوب\n- كما سبق -: عدم العقاب على تركه.\nسادسًا: الدليل الموجب للقضاء:\nاختلف العلماء في الدليل الموجب للقضاء هل هو أمر جديد،\nودليل مبتدأ، أو هو الأمر الأول الموجب للأداء ينسحب مع الواجب\nويلازمه في الوقت وبعده؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول، فالدليل\nالذي أوجب الأداء هو ما أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى نص\nجديد.\nذهب إلى ذلك عامة الحنفية والمالكية، وكثير من الشافعية،\nوجمهور أهل الحديث.\nوهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن الأداء قد كان واجبا مستحقا على المكلَّف في\nالوقت المحدد شرعًا، وقد علمنا من قواعد الشرع بالاستقراء أن\nالواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالأداء، أو بإسقاط من له الحق،\nأو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما\nيسقط الواحب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب، لا يزول هذا\nالشغل إلا بمزيل له، وهو أحد الأمور الثلاثة السابقة - فقط -.","vol":"1","page":427},{"text":"الدليل الثاني: القياس على الدين، بيان ذلك:\nأن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدين لا يسقط\nبترك تأديته في أجله المعين، فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته\nالمعين، فإنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه، ويكون ذلك مستفادًا من\nالأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة.\nالمذهب الثاني: أن وجوب القضاء ثابت بأمر جديد، ودليل مبتدأ.\nذهب إلى ذلك أكثر المتكلمين.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لو وجب بالأمر الأول لاقتضاه ذلك الأمر،\nولكان أداءً لا قضاء.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن ذلك ممنوع؛ لأنه إذا فات الوقت بقي الواجب مع\nنقص الواجب فيه، وهو الوقت المحدد، فكان إيقاعه بعد الوقت\nقضاء، لا أداءً.\nالدليل الثاني: قياس الزمان على المكان، بيانه:\nأن الأمر لو علق بمكان معين كالأمر بالحج علق بمكان معين،\nوهي المناسك المعروفة، فإذا تعذر فعله بهذا المكان وتلك المناسك،\nفلا يجوز فعله بمكان آخر.\nكذلك الأمر إذا علق بوقت معيَّن، وتعذَّر فعله بهذا الوقت فإنه\nيسقط الأمر الأول، ويحتاج إلى أمر آخر.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن قياسكم الزمان على المكان قياس فاسد؛ لأنه","vol":"1","page":428},{"text":"قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين تعلق الأمر بزمان، وبين\nتعلقه بمكان من وجهين:\nأولهما: أنْ الزمان يتعلق بعضه ببعض، حيث إن الزمان الثاني\nتابع للأول، فالواجب الذي لم يفعل في الزمان الأول؛ فإنه\nينسحب هذا الوجوب إلى الزمان الثاني، ثم الثالث، وهكذا،\nولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه ولو في آخر العمر.\nبخلاف المكان، فإنه لا ينسحب إلى مكان آخر، وما يجوز فعله\nفي مكان قد لا يجوز فعله في مكان آخر.\nثانيهما: أن المكان لا يفوت، فيمكن الفعل فيه، ولا يعدل إلى\nغيره، بخلاف الزمان، فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره.\nالدليل الثالث: قياس ما بعد الوقت على ما قبل الوقت، بيانه:\nإنه كما أنه لا يجب الفعل قبل الوقت؛ لعدم تناول الأمر إياه،\nكذلك أن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر، فلا يجب فيه الفعل،\nويحتاج إلى أمر جديد.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن هذا القياس قياس فاسد؛ لأن الكلام في الواجب،\nولا وجوب قبل الوقت.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة، وهي: جواز\nالاستدلال بالأوامر في أداء العبادة على قضائها بناء على المذهب\nالأول.\nوعدم جواز ذلك بناء على المذهب الثاني.","vol":"1","page":429},{"text":"ومن وجب عليه صوم يوم بعينه لأجل نذره فلم يصمه، أو أفسده\nهل يجب عليه القضاء أو لا؟\nفبناء على المذهب الأول - وهو: أن القضاء بالأمر الأول - فإنه\nيجب القضاء بذلك الأمر، وهو الصحيح.\nوبناء على المذهب الثاني - وهو: أن القضاء يحتاج إلى أمر\nجديد - فإنه لا يجب عليه القضاء؛ لأنه لا يوجد أمر جديد.\nوأيضا من ترك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها\nبالأمر الأول، وهو الصحيح.\nواختلف أصحاب المذهب الثاني على قولين:\nالقول الأول: أنه لا قضاء عليه؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر\nجديد، ولا يوجد أمر.\nالقول الثاني: أنه يلزمه قضاء تلك الصلاة بعد خروج وقتها،\nلورود الأمر الجديد، وهو قوله - ﷺ -:\n\"فدين اللَّه أحق أن يقضى\".\nوبعضهم قال: يجب عليه القضاء بأمر جديد وهو: القياس على\nالنائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المطلب الثاني في الشرط</span>\nويشتمل على ما يلي:\nالمسألة الأولى: في حقيقة الشرط.\nالمسألة الثانية: تقسيمات الشرط.\nالمسألة الثالثة: الفروق بين الشرط والسبب.","vol":"1","page":431},{"text":"المسألة الأولى: في حقيقة الشرط:\nأولًا: الشرط لغة هو:\nإلزام شيء والتزامه في البيع، وجمعه شروط وشرائط.\nوالشرط - بتحريك الراء -: العلامة، ومنه قوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) .\nوالأصوليون يقولون: إن الشرط في اللغة بمعنى العلامة - مطلقًا -\nوهذا فيه تساهل؛ حيث إن الذي هو بمعنى العلامة هو: الشرَط\n- بفتح الراء - وليس الشرط الذي هو بتسكين الراء، والذي يعنينا\nهو الشرط - بتسكين - الراء - وهو الذي بمعنى الإلزام.\nثانيا: الشرط في الاصطلاح هو:\nهو: \" ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا\nعدم لذاته \".\nفمثلًا: الطهارة، فإنه يلزم من عدم الشرط وهو الطهارة عدم\nالحكم، وهو صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط وهو\nالطهارة وجود الحكم، وهي صحة الصلاة، فقد توجد الطهارة\nويصلي، ولكن قبل دخول الوقت، فهنا لا تصح الصلاة، وقد\nتوجد الطهارة ويصلي بعد دخول الوقت بدون مانع فتصح الصلاة.\nبيان محترزات التعريف:\nقولنا: \" ما يلزم من عدمه العدم \": أخرج المانع؛ لأن المانع لا\nيلزم من عدمه شيء، كالدين في الزكاة، فقد تجب الزكاة مع انتفاء المانع\nلوجود الغنى، وقد لا تجب مع انتفاء المانع لعدم بلوغ المال النصاب.","vol":"1","page":433},{"text":"قولنا: \" ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم \": أخرج السبب؛ السبب يلزم من وجوده الوجود، وأخرج المانع، لأن المانع يلزم\nمن وجوده العدم.\nقولنا: \" لذاته \": احترزنا به عن مقارنة الشرط وجود السبب،\nفيلزم الوجود، أو مقارنة قيام المانع، فيلزم عدم الوجود، لكن لا\nلذاته، بل لأمر آخر خارجي، وهو مقارنة السبب، أو قيام المانع.\nفمثلًا: تمام الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة،\nولا يلزم من وجوفى هـ وجوب الزكاة \" لاحتمال عدم بلوغ النصاب،\nولا يلزم عدم وجوبها \" لاحتمال بلوغ المال النصاب.\nأما إذا قارن الشرط وجود السبب، فإنه يلزم وجوب الزكاة،\nولكن لا لذات الشرط، بل لوجود السبب.\nوإذا كان عليه دين مع تمام الحول، فإنه يلزم منه عدم وجوب\nالزكاة، ولكن العدم ثبت نظرًا لقيام المانع، لا لذات الشرط.\nالمسألة الثانية: تقسيمات الشرط:\nالشرط ينقسم إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وإليك بيان\nذلك:\nالتقسيم الأول: ينقسم الشرط باعتبار وصفه إلى أربعة أقسام:\n\" شرط عقلي \"، و\" شرط عادي \"، و\" شرط لغوي \"،\nو\"شرط شرعي \".\nأما القسم الأول - وهو: الشرط العقلي - فهو: ما لا يوجد\nالمشروط ولا يمكن عقلًا بدونه مثل اشتراط الحياة للعلم، فإن العقل","vol":"1","page":434},{"text":"يحكم بأن العلم لا يوجد بدون حياة، فإذا انتفت الحياة انتفى العلم،\nولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم.\nومثل: اشتراط الفهم في التكليف، فإن العقل يحكم بأن\nالتكليف لا يوجد بدون فهم الخطاب، فإذا انتفى الفهم انتفى\nالتكليف.\nأما القسم الثاني - وهو: الشرط العادي - فهو: ما يكون شرطاَ\nعادة مثل: نصب السلم لصعود السطح، فإن العادة تقضي بأنه لا\nيمكن صعود السطح إلا بوجود السلم، أو نحوه مما يقوم مقامه.\nأما القسم الثالث - وهو الشرط اللغوي - فهو: ما يذكر بصيغة\nالتعليق مثل: \" إن \"، أو إحدى أخواتها مثل: قول الزوج لزوجته:\n\" إن دخلت الدار فأنت طالق \"، فأهل اللغة وضعوا هذا التركيب\nليدل على أن ما دخلت عليه أداة الشرط هو: الشرط، والآخر\nالمعلَّق عليه هو: الجزاء.\nوهذا ما ذهب إليه كثير من الأصوليين.\nوذهب بعض العلماء كابن القيم، والقرافي، وابن السبكي،\nوالزركشي، وابن القشيري، وابن الحاجب إلى أن الشروط اللغوية\nمن قبيل الأسباب، لا من قبيل الشروط، وذلك لأنه يتحقق فيها\nتعريف السبب؛ حيث يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها\nالعدم، ففي المثال السابق يلزم من دخول الزوجة الطلاق، ويلزم من\nعدم الدخول عدم الطلاق.\nأما القسم الرابع - وهو: الشرط الشرعي -: فهو: ما جعله\nالشارع شرطا لبعض الأحكام كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة، فإن","vol":"1","page":435},{"text":"هذا الشرط لم نعرفه من العقل، أو اللغة، أو العادة، وإنما الشارع\nهو الذي حكم بأن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة.\nوهذا الشرط هو المقصود في الأصل - كما ذكر الشاطبي - فإن\nحدث التعرض لشرط من الشروط السابقة - كالشرط العقلي\nواللغوي والعادي - فمن حيث تعلق به حكم شرعي في خطاب\nالوضع، أو خطاب التكليف، ويصير إذ ذاك شرعيا بهذا الاعتبار\nفيدخل تحت قسم الشرط الشرعي.\nأنواع الشرط الشرعي:\nالشرط الشرعي أنواع: \" شرط وجوب \"، و\" شرط صحة \"،.\nو\" شرط أداء \" -\nفشرط الوجوب هو: ما يصير الإنسان به مكلَّفًا كالنقاء من الحيض\nوالنفاس، فإنه شرط في وجوب الصلاة، وبلوغ الدعوة إلى\nشخص؛ حيث إنه شرط في وجوب الإيمان عليه.\nوشرط الصحة هو: ما جعل وجوده سببًا في حصول الاعتداد\nبالفعل وصحته مثل: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القِبْلة.\nوشرط الأداء هو: حصول شرط الوجوب مع التمكن من إيقاع\nالفعل، فيخرج بذلك الغافل، والنائم، والساهي، ونحوهم،\nفإنهم غير مكلَّفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهم.\nالتقسيم الثاني: ينقسم الشرط باعتبار قصد الشارع له وعدم ذلك\nإلى قسمين:\nالقسم الأول: ما قصده الشارع قصدًا واضحا.\nالقسم الثاني: ما ليس للشارع قصد في تحصيله.\nأما القسم الأول - وهو: ما قصده الشارع قصدًا واضحا - فهو","vol":"1","page":436},{"text":"الذي يرجع إلى خطاب التكليف، وهو إما أن يكون مأمورًا بتحصيله\nكالطهارة للصلاة، واستقبال القِبْلة.\nوإما أن يكون منهيًا عن تحصيله كنكاح المحلل في مراجعة الزوجة\nلزوجها الأول.\nأما القسم الثاني - وهو: ما ليس للشارع قصد في تحصيله - فهو\nالذي يرجع إلى خطاب الوضع كالحول في الزكاة، فإن إبقاء\nالنصاب حتى يكمل الحول حتى تجب الزكاة ليس بمطلوب الفعل،\nولا هو مطلوب الترك.\nالتقسيم الثالث: ينقسم الشرط باعتبار مصدره إلى قسمين:\n\"شرط شرعي \"، و\" شرط جعلي \".\nأما الشرط الفسرعي فهو: ما كان مصدر اشتراطه الشارع، وهو\nالراد من الشرط عند الإطلاق؛ حيث إنه هو المقابل للسبب والمانع،\nومنها: الطهارة لصحة الصلاة، وحولان الحول للزكاة، والإحصان\nفي الرجم.\nأما الشرط الجعلي فهو: ما كان مصدر اشتراطه المكلف؛ حيث\nيعتبره ويعلق عليه تصرفاته ومعاملاته، كالاشتراط في البيوع،\nوالنكاح، والطلاق، والعتق.\nوالشروط الجعلية مقيدة بحدود شرعية معينة، فليس للشخص أن\nيشترط ما شاء لما شاء.\nفالشروط المعتبرة والتي سمح للمكلَّف أن يشترطها هي: كل ما\nجاء مكملًا لحكمة المشروط، بحيث لا ينافيها بحال من الأحوال،\nوهي الشروط الموافقة لمقتضى مشروطاتها في العقود والتصرفات","vol":"1","page":437},{"text":"الشرعية، بحيث لا تخالفها ولا تنفي مضمونها مثل: اشتراط\nالرهن، أو الكفيل بالدين، واشتراط الصيام في الاعتكاف،\nواشتراط الكفاءة في النكاح، واشتراط الحرز في السرقة، ونحو\nذلك، فإن هذه الشروط صحيحة؛ لما فيها من الموافقة الشرعية.\nوأما الشروط التي لا تلائم مقصود المشروط ولا مكملًا لحكمته،\nبل جاء على الضد من ذلك فهي لا تعتبر شرعًا، أي: أن الشروط\nالتي تخالف مقتضى المشروطات في العقود والتصرفات الشرعية\nوتناقض مدلولاتها تعتبر شروطًا فاسدة، كما إذا اشترط الزوج أن لا\nينفق على زوجته، أو اشترط في عقد البيع عدم الانتفاع بالمبيع.\nالمسألة الثالثة: الفروق بين الشرط والسبب:\nيوجد بين الشرط والسبب فروق، من أهمها:\nالفرق الأول: أن الشرط مقارن للحكم غير مفارق له، بخلاف\nالسبب، فلا تلزم فيه المقارنة فقد يقع تأخير حكم الشيء عن سببه.\nالفرق الثاني: أن الشرط يؤثر في الحكم من جهة العدم فقط،\nبخلاف السبب، فإنه يؤثر في الحكم من جهة الوجود والعدم، كما\nسبق في تعريف كل واحد منهما.\nالفرق الثالث: أن الشرط ليس فيه مناسبة في نفسه، بخلاف\nالسبب، فإنه مناسب في ذاته، فمثلًا النصاب فإنه سبب في وجوب\nالزكاة، وهو مشتمل على الغنى في ذاته، بخلاف مرور الحول فإنه\nليس فيه مناسبة في نفسه، وإنما هو مكمل لحكمة الغنى في النصاب،\nوذلك بالتمكين من تنمية المال في جميع الحول.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المطلب الثالث في المانع</span>\nويشتمل على مسألتين هما:\nالمسألة الأولى: في حقيقة المانع.\nالمسألة الثانية: في تقسيمات المانع.","vol":"1","page":439},{"text":"المسألة الأولى: حقيقة المانع\nأولًا: المانع لغة هو:\nالحائل بين الشيئين، يقال: \" منعه الأمر \"، و\" منعته منه \"،\nفهو ممنوع أي: محروم، والمانع: اسم فاعل من المنع ضد الإعطاء.\nثانيا: المانع في الاصطلاح هو:\n\" ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم\nلذاته \".\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nالدَّين - مثلًا -: يلزم من وجوده عدم وجود الحكم - وهو:\nوجوب الزكاة -، ولا يلزم من عدم الدين وجود الحكم - وهو:\nوجوب الزكاة - ولا عدم وجوده: فقد يكون الشخص غير المدين\nغنيا يملك النصاب مع حولان الحول، فهنا يوجد الحكم - وهو:\nوجوب الزكاة -، وقد يكون الشخص غير المدين فقيرًا لم يبلغ المال\nالذي عنده النصاب، فهنا لا يوجد الحكم - وهو وجوب الزكاة -.\nفقولنا: \" ما يلزم من وجوده العدم \": أخرج السبب؛ لأن\nالسبب يلزم من وجوده وجود الحكم، وأخرج الشرط؛ لأن الشرط\nلا يلزم من وجوده وجود ولا عدم - كما سبق بيانه -.\nوقولنا: \" ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم \": أخرج الشرط -\nأيضًا - لأن الشرط يلزم من عدمه عدم الحكم.\nوقولنا: \" لذاته \" للاحتراز عن مقارنة عدم المانع لوجود سبب\nآخر، فإنه يلزم الوجود، ولكن لا لعدم المانع، وإنما لوجود","vol":"1","page":441},{"text":"السبب الآخر، مثل: المرتد القاتل لولده، فإن هذا يقتل بالردة وإن\nلم يقتل قصاصًا، لأن المانع إنما منع أحد السببين - فقط - وهو:\nالقصاص، وقد حصل القتل بسبب آخر، وهو: الردة.\nالمسألة الثانية: تقسيمات المانع:\nينقسم المانع إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة، إليك بيان ذلك:\nالتقسيم الأول: المانع ينقسم من حيث ارتباطه بالحكم إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما يمكن اجتماعه مع الطلب.\nالقسم الثاني: ما لا يمكن اجتماعه مع الطلب أصلًا.\nأما القسم الأول - وهو ما يمكن اجتماعه مع الطلب - فهو نوعان:\nالنوع الأول: ما يرفع أصل الطلب شرعًا، وإن أمكن حصوله\nمعه عقلًا مثل الحيض بالنسبة للصلاة، حيث إنه يمكن اجتماع الحيض\nمع الطلب - وهو طلب الصلاة - عن طريق العقل، ولكن الشارع\nاعتبره مانعًا من أصل الطلب بهذه العبادة، ولو صلت الحائض لا\nتصح الصلاة منها، بل تأثم بفعل الصلاة.\nالنوع الثاني: ما لا يرفع أصل الطلب، ولكنه يمنع اللزوم فيه،\nويحوله من طلب جازم إلى مخير، وهذا النوع شيئان:\nأولهما: ما يكون منع اللزوم فيه بمعنى التخيير، وذلك كالرق\nوالأنوثة بالنسبة لصلاة الجماعة، والعيدين، حيث إن الرق والأنوثة\nلا يرفعان أصل الطلب بهذه العبادة \" حيث لو وقعت تلك الصلاة\nمنهما لصحت، ولكنهما يرفعان اللزوم والانحتام في هذا الطلب.\nثانيهما: ما كان منع اللزوم له بمعنى رفع الإثم والمؤاخذة من","vol":"1","page":442},{"text":"المخالف للأمر كالسفر بالنسبة لقصر الصلاة، وترك الجمعة،\nوالصيام، فإن السفر لا يرفع أصل الطلب في هذه العبادات، وإنما\nيرفع اللزوم فيها فقط، ولذلك فلو فعلها المسافر لصحت منه وأجزأته\nولكنه لا حرج عليه في تركها.\nويقال هذا في كل سبب من أسباب الرخص، فكل واحد من\nأسباب الرخص يعتبر مانعًا من اللزوم والحتم، فلا حرج على من\nترك العزيمة للأخذ بالرخصة، هذا القسم الأول.\nأما القسم الثاني - وهو: ما لا يمكن اجتماعه مع الطلب أصلًا -\nفهو ما يمنع من أصل الطلب جملة عقلًا وشرعًا مثل زوال العقل\nبنوم، أو إغماء، أو غفلة، أو جنون، أو نحو ذلك، فإن زوال\nالعقل يمنع مطالبة النائم، أو المغمى عليه.، أو المجنون بالفعل؟\nلأمرين:\nأولهما: أنهم لا يفهمون الخطاب، والفهم شرط مهم من شروط\nالتكليف.\nثانيهما: أن خطاب الشارع إلزام والتزام، ومن زال عقله لا يمكن\nإلزامه، فلا يتأتى بالنسبة إليه التزام كما لا يمكن ذلك في البهائم\nوالجمادات.\nالتقسيم الثاني: المانع ينقسم باعتبار ما يمنعه من حكم أو سبب\nإِلى قسمين: \" مانع الحكم \"، و\" مانع السبب \".\nأما القسم الأول - وهو: مانع الحكم - فهو: كل وصف\nوجودي ظاهر منضبط لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع تحقق\nالسبب مثل: الحيض فإنه مانع من وجوب الصلاة مع تحقق السبب","vol":"1","page":443},{"text":"وهو: دخول الوقت، فهنا: ترتب على وجود المانع عدم ترتب\nالمسبب على سببه.\nومثل: الأبوة في منع القصاص من والد لولده، فالحكم الذي\nهو القصاص قد وجد سببه وهو: القتل العمد العدوان، وكون\nالقاتل أبًا للمقتول منع من القصاص؛ لأن الزجر المقصود بشرعية\nالقصاص يعارض حال الأبوة المقتضي للعطف والحنان، بحيث يمنع\nذلك من التفكير في القتل إلا في النادر اليسير، فليس بحاجة إلى\nالعقوبة الزاجرة في مثل تلك الحالة النادرة.\nأنواع مانع الحكم:\nيتنوع مانع الحكم إلى أنواع ثلاثة هي:\nالنوع الأول: مانع يمنع ابتداء الحكم - فقط - دون استمراره مثل:\nالإسلام، فإنه يمنع ابتداء السبي، لا يمنع استمراره، فلو أسلم بعد\nأن صار مملوكًا فلا ينقطع عنه الرق، وكذا: الحج، فإنه يمنع ابتداء\nالنكاح حال الإحرام، ولكنه لا يمنع من الدوام على نكاح قبله.\nالنوع الثاني: مانع يمنع دوام الحكم واستمراره - فقط - دون\nابتداء الحكم مثل الطلاق، فإنه يمنع من الدوام على النكاح الأول،\nولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح ثاني.\nالنوع الثالث: مانع يمنع ابتداء الحكم، ويمنع - أيضًا - استمراره\nمثل: الرضاع، فإنه يمنع ابتداء النكاح على امرأة هي أخته من\nالرضاع، كما يمنع استمراره إذا طرأ عليه، وكذلك: \" الحدث \"\nفإنه يمنع انعقاد العبادة ابتداء، كما يمنع استمرار صحتها إذا طرأ عليها.\nوأما القسم الثاني - وهو: مانع السبب - فهو: كل وصف\nيقتضي وجوده حكمة تخل بحكمة السبب.","vol":"1","page":444},{"text":"مثل الدين في باب الزكاة، حيث إنه مانع - عندنا - من وجوب\nالزكاة، لأن السبب في وجوب الزكاة هو بلوغ النصاب، حيث إنه\nيفيد غنى من يملك هذا النصاب، فطلب منه مواساة الفقراء من فضل\nذلك المال، وهذه هي الحكمة، ولكن الدين في المال لم يدع فضلًا\nيواسي به الفقير، لأن النصاب هذا قد صار مشغولا بحقوق\nالغرماء، فهنا قد أخل الدين بحكمة السبب؛ لأنه ليس مع الدين\nاستغناء، والإخلال بالحكمة يسقط العلية وهي: الزكاة.\nأي: أن حكمة الدين هي براءة الذمة، وهي لا شك مخلة\nبحكمة النصاب التي هي مواساة الفقراء، فكانت رعاية براءة الذمة\nأوْلى من رعاية مواساة الفقراء، لأمرين:\nأولهما: أن فيها البداية بالنفس، وهي ألزم ما يكون.\nئانيهما: أنه إذا ازدحم حقان على مال واحد قدم أقواهما، ولا\nشك أن حق الغرماء أقوى من حق الفقراء، حيث إن المستحق إذا\nتعين ترجح على مستحق لم يتعين.\nوذهب بعض الشافعية إلى أن الدين لا يمنع من الزكاة لاستغنائه بما\nفي يده، وتعلق الدين بذمته.\nالتقسيم الثالث: المانع ينقسم من حيث ارتباطه بخطاب الشارع\nإلى قسمين: \" ما يكون داخلًا تحت خطاب التكليف \"، و\" ما\nيكون داخلًا تحت خطاب الوضع \".\nأما القسم الأول - وهو: ما يكون داخلًا تحت خطاب التكليف -\nفهو: يشمل المأمور به، والمنهي عنه، والمخير فيه والمأذون فيه،\nمثال المأمور به: الإسلام، حيث إنه مأمور به، وهو المانع من\nانتهاك حرمة الدم والعرض إلا بحقهما.","vol":"1","page":445},{"text":"ومثال المنهي عنه: الكفر، فإنه مانع من صحة العبادات.\nومثال المخير فيه: الاستدانة التي هي مانعة من انتهاض سبب\nوجوب الزكاة، وإن كان النصاب موجودًا.\nأما القسم الثاني - وهو: ما يكون داخلًا تحت خطاب الوضع -\nفهو: الذي ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع، ولا\nفي عدم تحصيله، فإن الشخص المدين ليس مخاطبا برفع الدين عن\nنفسه إذا كان عنده نصاب لتجب الزكاة عليه، كما أن مالك النصاب\nغير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه زكاة النصاب؛ لأن المانع\nمن خطاب الوضع، فلا يكون مأمورًا به ولا منهيا عنه.","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المطلب الرابع في العزيمة والرخصة</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: في تعريف العزيمة.\nالمسألة الثانية: في تعريف الرخصة.\nالمسألة الثالثة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي،\nأو من أقسام الحكم الوضعي؟\nالمسألة الرابعة: في أقسام الرخصة.\nالمسألة الخامسة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟\nالمسألة السادسة: حكم الرخصة.","vol":"1","page":447},{"text":"المسألة الأولى: في تعريف العزيمة:\nأولًا: العزيمة لغة:\nمشتقة من العزم، وهو القصد المؤكد، ومنه قوله تعالى\n(فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)، أي: قصدًا بليغا متأكدًا في العصيان.\nوعزائم اللَّه: فرائضه التي أوجبها اللَّه وأمرنا بها.\nوأولوا العزم من الرسل: هم الذين عزموا على إمضاء أمر الله\nفيما عهد إليهم، وسموا بذلك لتأكد قصدهم في طلب الحق.\nثانيا: تعريف العزيمة اصطلاحا هو:\n\" الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح \"،\nوهو أقرب تعريفات العلماء للعزيمة إلى الصواب.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: \" الحكم الثابت \": أخرج الحكم غير الثابت كالمنسوخ،\nفلا يسمى عزيمة؛ حيث إنه لم يبق مشروعا أصلًا.\nوهذه العبارة وهي: \" الحكم الثابت \" عام وشامل لجميع الأحكام\nالتكليفية؛ لأن كلًّا منها حكم ثابت.\nقولنا: \" بدليل شرعي \": أخرج ما ثبت بدليل عقلي، فإن ذلك\nلا يستعمل فيه العزيمة.\nقولنا: \" خال عن معارض \": أخرج ما ثبت بدليل شرعي،\nولكنه معارض بدليل مساو، أو دليل راجح؛ لأنه إن كان المعارض\nمساويا لزم الوقف، وحينئذِ يجب طلب المرجح الخارجي.","vol":"1","page":449},{"text":"وإن كان المعارض راجحًا، فإنه يجب العمل بمقتضاه، وتنتفي\nالعزيمة.\nقولنا: \" راجح \": أخرج الرخصة؛ لأن الرخصة حكم ثابت\nعلى خلاف الدليل لمعارض راجح وهو العذر - فمثلًا: \" تحريم\nالميتة \" حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، فإذا وجدت\nالمخمصة حصل المخالف لدليل التحريم، وهو قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)،\nوهو راجح على دليل التحريم، وهو قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)،\nوذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن\nمصلحة إحياء النفس، والمحافظة عليها مقدمة على مفسدة الميتة وما\nفيها من الخبث.\n***\nالمسألة الثانية: في تعريف الرخصة:\nأولًا: الرخصة لغة:\nمشتقة من الرخص، وهو: اليسر والسهولة، يقال: \" رخص\nلنا الشرع في كذا \": إذا يسَّره وسهَّله علينا، وهو - أيضا - مشتق\nمن اللين والمسامحة.\nثانيا: الرخصة اصطلاحا هي:\nالحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.\nوهذا التعريف هو ما اخترته في كتابي: \" الرخص الشرعية\nوإثباتها بالقياس \" من أكثر من عشرة تعريفات له.","vol":"1","page":450},{"text":"شرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنما: \" الحكم \": جنس يشمل العزيمة والرخصة.\nقولنا: \" الثابت \": يوضح أنه لا بد من دليل على الرخصة،\nفإن لم تثبت الرخصة بدليل لم يجز الإقدام والعمل بها، وإلا لزم\nترك العمل بالدليل السالم عن المعارض، وهذا باطل.\nقولنا: \" على خلاف الدليل \": يشمل الدليل الخاص، وهو ما\nيقتضي الحرمة والوجوب والندب، كما يشمل الدليل العام كدليل\nالأصل في نحو قولهم: \" الأصل كذا \"، والأصل من الأدلة\nالشرعية.\nوهذه العبارة - أعني: \" على خلاف الدليل - أخرجت أمورا\nهي:\nالأول: العزيمة؛ لأنها على وفق الدليل، لا على خلافه.\nالثاني: الأحكام الثابتة على وفقِ الدليل مثل إباحة الأكل والشرب\nوالنوم، حيث إنه لم يوجد دليل على منع هذه الأشياء حتى تكون\nإباحتها ثابتة على خلافه، فلا تكون رخصة وإن وجد فيها نوع من\nاليسر والسهولة.\nالثالث: الحكم الثابت بدليل ناسخ لحكم ثبت بمنسوخ، لأن\nالمنسوخ لا يسمى دليلًا مثل: إيجاب ثبات الواحد من المسلمين أمام\nاثنين من الكفار في الحرب، فإنه ثبت بقوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ)،\nوهذا الدليل ناسخ لوجوب ثبات الواحد أمام العشرة،\nفإيجاب ثبات الواحد أمام الاثنين لا يعتبر رخصة؛ لأنه لم يثبت\nعلى خلاف الدليل.","vol":"1","page":451},{"text":"الرابع: الحكم الثابت بدليل راجح في مقابلة حكم ثبت بمرجوح،\nفإن المرجوح لا يسمى دليلًا، وحينئذ فالحكم الثابت بالدليل الراجح\nلا يسمى رخصة؛ لأنه لم يثبت على خلاف الدليل.\nالخامس: الأحكام التي كانت على الأمم السابقة ثم وضعت عنا\nكالإصر - وهو: الحمل الثقيل الذي يأصر صاحبه فيلاقي في تحمله\nأشد المشقة - وكالأغلال - وهي: الأعمال الشاقة المغلظة - فإن هذا\nالوضع لا يسمى رخصة حقيقية؛ لأنها لم تخالف دليلًا من الأدلة،\nوإن كان بعضهم يسميها رخصة مجازية؛ لما في ذلك من التخفيف\nواليسر عند مقارنة حالنا بحالهم، كما قال الخبازي، والنسفي،\nوقد تكلمت عن هذا بتوسع في كتابي: \" إتحاف ذوي البصائر بشرح\nروضة الناظر \"، و\" الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس \" فارجع\nإليهما إن شئت.\nقولنا: \" لعذر \": المراد بالعذر: المشقة الشاملة للضرورة والحاجة.\nأي: أن العذر يشمل الاضطرار من أكل الميتة ونحوها، ويشمل\nأحكام السفر والمرض ونحوه، وكذلك بعض أنواع العقود من\nالسلم، والمساقاة، والإجارة، والقراض، والعرايا، ونحو ذلك مما\nيخالف القياس والقواعد المقررة.\nواشترط الشاطبي للعذر أن يكون شاقًا، حيث قال في تعريفه:\n\" الرخصة: ما شرع بعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع\nمع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه \".\nوالحق أن هذا الشرط غير صحيح؛ لأننا لو اشترطناه في العذر\nللزم من ذلك خروج أكثر الرخص التي كانت كالسلم، والمساقاة،\nوالقراض.","vol":"1","page":452},{"text":"والمانع الشرعي لا يدخل في العذر كالحيض والنفاس؛ لأن\nالمشروعية لا تتحقق معه، ومن هنا لا يسمى إسقاط الصلاة عن\nالحائض والنفساء رخصة؛ لأنهما مانعان من المشروعية كما قلنا في\nمبحث المانع.\n***\nالمسألة الثالثة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي\nأو من أقسام الحكم الوضعي؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنهما من أقسام الحكم الوضعي.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالآمدي، والغزالي،\nوالشاطبي، وابن قدامة، والأنصاري.\nوهو الصحيح عندي؛ لأمرين:\nأولهما: أن الرخصة في حقيقة أمرها هي وضع الشارع وصفا\nمعينًا سببا في التخفيف، والعزيمة هي: اعتبار مجاري العادات سبباَ\nللأخذ بالأحكام الأصلية العامة، والسبب حكم وضعي.\nثانيهما: أن اعتبار كل من السفر والمرض والضرورة أو غيرها\nأسبابا للترخص، أو مانعة من التكليف بحكم العزيمة، كل ذلك\n- لو فكرنا فيه - لوجدنا أنه لا طلب فيه ولا تخيير، بل فيه وضع\nوجعل واعتبار، وهذه كلها أحكام وضعية، وكانت من أحكام\nالحكم الوضعي.\nالمذهب الثاني: أن العزيمة والرخصة من أقسام الحكم التكليفي.","vol":"1","page":453},{"text":"ذهب إلى ذلك ابن الحاجب، وتاج الدين ابن السبكي، والعضد\nوالزركشي.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن العزيمة والرخصة\nيرجعان في الحقيقة إلى الاقتضاء والتخيير، فالعزيمة تحمل معنى\nالاقتضاء، والرخصة تحمل معنى التخيير، فهما من صفات الأحكام\nالتكليفية.\nأي: أن كلًّا من تلك الأحكام إما أن يكون عزيمة ومطلوبا، وإما\nأن يكون رخصة ومخيرًا، ولا يخرجان عن ذلك فكانا من الأحكام\nالتكليفية؛ لكونهما اسمين لما طلبه الشارع، أو أباحه على وجه\nالعموم، والطلب والإباحة حكم تكليفي.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن التصاق الرخصة والعزيمة بالحكم الوضعي أقوى\nمن التصاقهما بالحكم التكليفي، وهذا لا يخفى على المدقق في\nحقيقتهما، بيان ذلك:\nأن الرخصة ترجع في الحقيقة إلى جعل الأحوال الطارئة غير\nالاعتيادية أسبابًا للتخفيف عن المكلَّفين؛ لأن الحكم المشروع فيها هو\nجعل الضرورة أو الإكراه سببا في إباحة المحظور، وطروء العذر سببا\nفي التخفيف بترك الواجب، وهكذا فإن ذلك وأمثاله - في الحقيقة -\nهي وضع أسباب لمسببات، والسبب من أنواع الحكم الوضعي.\nوإذا دققت في العزيمة وجدتها ترجع إلى جعل الشارع الأحوال\nالعادية للمكلفين سببًا لبقاء الأحكام الأصلية واستمرارها في حقهم.","vol":"1","page":454},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي يرجع إلى النظر إلى كل من\nالرخصة والعزيمة، فاختلف الفريقان بحسب هذا النظر.\nفمن نظر إلى أن كلًّا من الرخصة والعزيمة متصفة بالوجوب، أو\nالندب، أو الإباحة، وأنه يوجد في العزيمة معنى الاقتضاء، ويوجد\nفي الرخصة معنى التخيير، فإنه عدهما من الأحكام التكليفية.\nومن نظر إلى أن الرخصة - في الحقيقة - هي وضع الشارع وصفاَ\nمعينًا سببًا في التخفيف، وأن العزيمة - في الحقيقة - هي: جعل\nالشارع الأحوال العادية للمكلفين سببا لبقاء الأحكام الأصلية\nواستمرارها في حقهم، فإنه عدَّهما من الأحكام التكليفية؛ لأنه\nاعتبر السبب، والسبب من الأحكام الوضعية.\nفاختلفت أنظار كل من الفريقين لاختلاف المنظور إليه، فكان هذا\nالخلاف خلافا لفظيا. في المسألة الرابعة: في أقسام الرخصة:\nالرخصة تنقسم إلى عدة أقسام هي كما يلي:\nالقسم الأول: رخصة واجبة، أي: يجب الأخذ بالرخصة، فإن\nامتنع عن ذلك، ثم مات، أو لحقه ضرر، فإنه يأثم بذلك، ومن\nأمثلة ذلك:\n١ - أكل الميتة للمضطر، وقلنا ذلك؛ لأنه حكم ثابت على\nخلاف الدليل وهو قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) لعذر،\nوهو الاضطرار.\n- ٤٥٥ -","vol":"1","page":455},{"text":"٢ - شرب الخمر لمن غص بلقمة، وخشي علي نفسه الهلاك،\nولم يجد ما يسيغها إلا به، وقلنا ذلك لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) .\nوجه الدلالة: أنه لو لم يدفع هذه الغصة بجرعة من الخمر، ثم\nمات، لكان قاتلًا لنفسه، لذلك يجب عليه شرب الخمر لإساغة\nهذه اللقمة؛ إبقاء لحياته.\n٣ - التيمم للمريض، أو الذي به جراحة مع القدرة على\nاستعمال الماء، وقلنا ذلك لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)،\nوقوله: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، حيث إن المريض، أو\nمن به جراحة لو استعمل الماء لكان مؤديا بنفسه إلى التهلكة؛ لأنه\nيحتمل احتمالًا راجحًا أن المرض يتزايد، والجراحة تتسع باستعماله\nلهذا الماء، فلذلك أوجبنا عليه التيمم إبقاء على نفسه.\nالقسم الثاني: رخصة مندوبة، أي: إن أخذ بتلك الرخصة فله\nأجر.\nومن أمثلة ذلك:\n١ - قصر الصلاة الرباعية للمسافر، وقلنا ذلك لقوله - ﷺ -:\n\"صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته \".\n٢ - الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر، فإنه رخصة مندوبة،\nوقلنا ذلك لورود الأمر به مع ذكر العلَّة، وهي: أن شدة الحر من\nفيح جهنم، حيث قال - ﷺ -:\n\"ابردوًا فإن شدة الحر من فيح جهنم \".\nالقسم الثالث: رخصة مباحة، ومن أمثلة ذلك:\n١ - العرايا، وهي: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله","vol":"1","page":456},{"text":"من التمر خرصًا فيما دون خمسة أوسق، فالقياس: عدم جواز مثل\nهذا البيع؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص الشارع في\nالعرايا للحاجة إليها.\n٢ - السلم وهو: اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلًا،\nوفي المثمن آجلًا، فالقياس: عدم جواز ذلك؛ لأنه بيع معدومِ،\nوبيع المعدوم منهي عنه؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص\nالشارع في السلم لحاجة الناس إليه.\n٣ - الإجارة، وهي: تمليك المنافع بعوض، والأصل: عدم\nجواز الإجارة؛ لما فيها من الغرر والجهالة، ولكن رخص الشارع\nفي الإجارة لحاجة الناس.\n٤ - التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره على ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان،\nفإن هذا يعتبر من الرخص المباحة؛ حيث إن الدليل على وجوب\nالإيمان قائم، وحرمة التلفظ بالكفر قائمة، وإنما أبيح التلفظ بكلمة\nالكفر حالة الإكراه - فقط - مراعاة لحق نفسه؛ حيث يفوت ذلك\nالحق عند الامتناع صورة ومعنى بتخريب بدنه، وإزهاق روحه، ثم\nإن إجراء كلمة الكفر على اللسان لا يوجب خللًا في الإسلام؛ لأن\nبقاء الإسلام ببقاء العقيدة، وأنها لا تفوت بهذا.\nلكن لو صبر وامتنع عن التلفظ بكلمة الكفر فإنه يكون آخذًا\nبالعزيمة وهو أفضل؛ حيث إنه إذا صبر وبذل نفسه في دين اللَّه وقتل\nوهو صابر محتسب، فإن فعله هذا أفضل وأوْلى، يدل على ذلك ما\nورد من أن مسيلمة الكذاب قال لرجل مسلم: أتشهد أن محمدًا\nرسول اللَّه؛ قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول اللَّه؛ قال: لا\nأدري ما تقول فقتله، وقال لآخر: أتشهد أن محمدًا رسول اللَّه؛","vol":"1","page":457},{"text":"قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول اللَّه؛ قال: نعم، فخلى\nسبيله، فبلغ ذلك رسول اللَّه - ﷺ - فقال: \" أما الأول فقد أتاه اللَّه أجره مرتين، وأما الآخر فقد أخذ برخصة اللَّه فلا إثم عليه \".\n٥ - رؤية الطبيب لعورة الرجل أو المرأة عند الحاجة.\nفالدليل قائم على تحريم النظر إلى عورة المرأة والرجل، ولكن إذا\nاحتاج أي واحد منهما إلى طبيب لمعالجة، أو ولادة، فقد أبيح ذلك\nرخصة، رفعًا للضرر الذي يلحقهما إذا لم يتم معالجتهما.\n٦ - الجمع بين الصلاتين في السفر، فهذا من الرخص المباحة،\nلأن النبي - ﷺ - جمع في سفره إلى تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جميعًا.\n٧ - تعجيل الزكاة قبل تمام الحول؛ حيث رخص الرسول - ﷺ - للعباس - ﵁ - في تعجيل الزكاة قبل أن تحل.\n٨ - النظر إلى المخطوبة؛ حيث ثبت أن النبي - ﷺ - قال للمغيرة ابن شعبة - لما علم أنه خطب امرأة -:\n\" انظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما \".\nالقسم الرابع: رخصة خلاف أَوْلى، أي: أن ترك الأخذ\nبالرخصة أوْلى وأفضل من فجلها، ومن أمثلة ذلك:\n١ - الإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا\nيتضرر به، وقلنا: إنه رخصة خلاف الأولى؛ لقوله تعالى: (وأن\nتصوموا خير لكم)، ولما روي عن أنس، وعثمان بن أبي العاص\nالثقفي - ﵄ - أنهما قالا: \" الصوم في السفر أفضل\nلمن قدر عليه \".","vol":"1","page":458},{"text":"٢ - التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره عليه قد سبق أن ذلك خلاف\nالأولى، لأن الأولى والأفضل عدم التلفظ بكلمة الكفر.\n٣ - المسح على الخفين، رخصة خلاف الأوْلى؛ لأن الأَوْلى\nوالأفضل غسل الرجلين.\nالقسم الخامس: الرخصة المكروهة، ومن أمثلته:\n١ - السفر للترخص فقط، أي: يسافر لأجل أن يفطر أو يقصر،\nوليس له غرض إلا ذلك، فهذا له أن يفطر ويقصر رخصة، ولكن\nهذه الرخصة مكروهة، لأنه ضيع وقته بلا فائدة.\n٢ - غسل الخف بدلًا من مسحه، فهذا يعتبر من الرخص\nالمكروهة؛ لأنه قد يفسد ماله، ومع ذلك فهو مجزئ؛ لأنه مسح\nوهذه الأقسام، والأمثلة التي أوردتها عليها خالف فيها بعض\nالعلماء، وذكروا أدلة على مخالفتهم، وأجبت عنها، فراجع ذلك\n- إن شئت - مع تفصيلات أخرى في كتابي: \" الرخص الشرعية\nوإثباتها بالقياس \".\nكوفي بئرث\nالمسألة الخامسة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الأفضل الأخذ بالعزيمة وترجيحها.\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن العزيمة هي الأصل المقطوع به،\nالذي لا يختلف فيه، أما الرخصة فسببها ظني وهو: المشقة؟\nحيث إن مقدار","vol":"1","page":459},{"text":"المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت\nبحسب الأشخاص والأحوال.\nالدليل الثاني: أن العزيمة عامة وشاملة لجميع المكلَّفين، أما\nالرخصة فهي خاصة لبعض المكلَّفين؛ حيث إنها ترجع إلى حالة\nجزئية بحسب بعض المكلَّفين، ممن له عذر، أو بحسب بعض\nالأحوال والأوقات.\nالدليل الثالث: أن الأخذ بالرخص قد يصبح ذريعة ووسيلة إلى\nانحلاك العزائم في التعبد، بخلاف الأخذ بالعزائم فإنه يعوِّد على\nالثبات في التعبد والأخذ بالحزم في الأمور.\nالمذهب الثاني: أن الأفضل الأخذ بالرخصة.\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الرخصة مقطوع بها، أما وجود الظن في سببها\nفلا يؤثر؛ لأن الشارع أوجب العمل بالظن كما أوجب العمل\nبالقطع.\nالدليل الثاني: أن النصوص الدالة على رفع الحرج عن هذه الأمة\nقد بلغت درجة القطع مثل قوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)، وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)،\nوثبت أن النبي - ﷺ - لم يُخَيَّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، فالشارع الحكيم قد قصد السهولة واليسر على المكلَّفين مما يدل على أن الأخذ بالرخصة مقدم على الأخذ بالعزيمة.\nالدليل الثالث: أن ترك الترخص مع وجود السبب قد يؤدي إلى\nالانقطاع عن العمل والسآمة والملل، والتنفير عن الدخول في العبادة","vol":"1","page":460},{"text":"وترك الدوام عليها؛ وقد حذر الرسول - ﷺ - من ترك الترخص في نصوص كثيرة منها: قوله:\n\" خذوا من العمل ما تطيقون، فإن اللَّه لن يمل حتى تملوا \"،\nونهى رسول اللَّه عن صوم الوصال، وعن الصيام في السفر.\nهذه أهم أدلة الفريقين.\nبيان القول الحق:\nوالحق عندي - والله أعلم -: أنه لا تفضل الرخصة على\nالعزيمة، ولا العزيمة على الرخصة؛ وذلك لأن سبب الرخصة وهو\nالعذر - من مشقة، وحاجة، وضرورة - لا ضابط له معين واضح\nجلي يتساوى فيه جميع المكلَّفين، فالعذر من مشقة وحاجة وضرورة\nأمر إضافي نسبي، لا أصلي، فكل مكلف فقيه نفسه في الأخذ بها\nما لم يجد مانعا شرعيا يمنعه عن الأخذ بها، وهو داخل تحت قاعدة\n\" المشقة تجلب التيسير \"، فالمشقة والكلفة التي يجدها المكلف عن\nالإتيان بالحكم الشرعي الأصلي تكون سببًا شرعيا للتخفيف والتسهيل.\nوهو أيضًا داخل في معنى قاعدة: \" إذا ضاق الأمر اتسع \"\nقال ابن أبي هريرة: \" وضعت الأشياء في الأصول على أنها إذا ضاقت\nاتسعت، وإذا اتسعت ضاقت \"، فالحركة القليلة في الصلاة لما\nاضطر إليها المكلف ويجد مشقة في تركها قد سومح فيها، والحركة\nالكثيرة فيها لما لم تكن به حاجة لم يسامح بها، وكذا قليل دم\nالبراغيث يسامح به، دون كثيره.\nوقلنا: إن كل مكلَّف يعتبر فقيه نفسه، هذا من حيث الجملة؛ العذر من مشقة، أو ضرورة، أو حاجة تختلف بحسب الأزمان\nوالأعمال، وقوة العزائم وضعفها، وليس كل الناس في تحمل\nالمشاق على حد سواء، فمثلًا: لو أصاب \" زيدًا \" من المكلَّفين","vol":"1","page":461},{"text":"مرض قد يتحمله دون حاجته إلى الأخذ بالترخيص، بينما لو أصاب\nنفس المرض \" عمرًا \"، فقد لا يتحمله فتكون الرخصة مشروعة\nبالنسبة لعمرو، دون \" زيد \".\nوكذلك من كان من المضطرين معتاد على الصبر على الجوع، ولا\nتختل حالته بسببه، فإنه لا يرخص له في أكل الميتة، بخلاف\nالشخص الذي لا يستطيع الصبر على الجوع، فهذا يرخص له في\nأكل الميتة؛ لأنه يخشى عليه من الهلاك، أو إلحاق ضرر به.\nفعرفنا أن سبب الرخصة وهو العذر من مشقة، وضرر، وحاجة\nليس له ضابط معين، بل هو أمر إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب،\nفهو راجع إلى تقدير المشقة والحرج الذي يحصل للمكلف وإلى\nاجتهاده في ذلك بحسب طاقته الخاصة.\nثم إنه ينبغي للمكلَّف أن يحتاط في اجتناب الرخص على حسب\nالإمكان، بحيث لا يفعل شيئًا مرخصا فيه إلا بعد التأكد التام أنه\nمضطر إليه.\nأما تتبع الرخص لغرض التخفيف والتهرب عن كامل التكاليف\nفهذا غير جائز.\n***\nالمسألة السادسة: حكم الرخصة:\nالرخصة قد تكون مباحة، وقد تكون واجبة، وقد تكون مندوبة،\nوقد سبق بيان ذلك في أقسام الرخصة، وهذا مذهب الجمهور.\nولكن الشاطبي - ﵀ - ذكر أن حكمها: الإباحة مطلقا،\nمستدلا على ذلك بما يلي:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)، وقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) .","vol":"1","page":462},{"text":"حيث إن هاتين الآيتين وغيرهما مما في معناهما قد دلَّت على رفع الإثم والحرج، ولم يرد فيها أمر يقتضي الإقدام على الرخصة، بل الذي ورد نفي الإثم والمؤاخذة على من ترك العزيمة.\nالدليل الثاني: أن الرخص لو كانت مأمورًا بها لكانت عزائم\nلا رخصا، وإذا ثبت ذلك ظهر أن الجمع بين الأمر والرخصة جمع بين\nمتنافيين.\nالدليل الثالث: أن الرخصة لغة التيسير والسهولة، ولا يستقيم\nذلك إلا إذا كان حكم الرخصة الإباحة لا غير.\nبيان نوع الخلاف:\nقلت: وفهم بعض الباحثين مما ذكره الشاطبي أن رأيه يخالف رأي\nالجمهور غير صحيح؛ لأن رأيه يطابق ما ذكره الجمهور تمام المطابقة؟\nحيث إن الجمهور أيضا يقولون بأن حكم الرخصة هو: الإباحة\nمطلقا؛ لأن معناها التيسير والسهولة، وذلك بحصول الجواز للفعل\nأو الترك، يرخص في الحرام بالإذن في فعله، وبالواجب بالإذن في\nتركه، أما وصف الرخصة بالوجوب أو الندب أو غيرهما، فإنه أمر\nزائد على معنى الرخصة، حيث يؤخذ من أدلة أخرى، ولهذا اقتصر\nالكتاب العزيز على مجرد نفي الإثم والجناح، فعلمنا من ذلك الجواز\nفقط، وقد صرَّح بذلك كثير من العلماء كالغزالي، وتاج الدين ابن\nالسبكي، والزركشي، والآمدي، وقد درست هذه المسألة في\nكتابي: \" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \"، فارجع إليه إن شئت.\n-------------\nهذا آخر المجلد الأول من كتاب \" المهذب في علم أصول الفقه المقارن \"\nلفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة\nحفظه الله ونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الثاني إن شاء الله\nوأوله: \" أدلة الأحكام الشرعية \"، وهو الباب الثالث","vol":"1","page":463},{"text":"المجلد الثاني","vol":"2","page":464},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الباب الثالث في أدلة الأحكام الشرعية</span>\nإن الأحكام الشرعية السابقة - من وجوب، وندب، وإباحة،\nوكراهة، وتحريم، وسبب، وشرط، ومانع،، وصحة وفساد، وعزيمة،\nورخصة، وأداء، وإعادة، وقضاء - لا يمكن أن تثبت ويعمل بها إلا\nبدليل شرعي متفق عليه إجمالًا، أو مختلف فيه، لذلك عقدنا هذا\nالباب بعد ذكرنا للأحكام الشرعية: التكليفية والوضعية من باب ذكر\nالأثر، ثم ذكر المؤثر.\nوللكلام عن الأدلة الشرعية بالتفصيل لا بد من عقد تمهيد، وفصلين:\nأما التمهيد فهو في تعريف الدليل، وشموله للقطعي والظني.\nأما الفصلان فهما:\nالفصل الأول: في الأدلة المتفق عليها إجمالًا.\nالفصل الثاني: في الأدلة المختلف فيها.","vol":"2","page":465},{"text":"التمهيد في تعريف الدليل، وشموله للقطعي والظني\nويشتمل على المطلبين التاليين:\nالمطلب الأول: تعريف الدليل.\nالمطلب الثاني: هل الدليل شامل للقطعي والظني؛","vol":"2","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المطلب الأول في تعريف الدليل</span>\nأولًا: الدليل لغة هو:\nالمرشد إلى المطلوب، ومنه: دليل القافلة، حيث إنه مرشدهم\nإلى الطريق، وهو عام للناصب، والذاكر، وما به الإرشاد.\nثانيا: الدليل اصطلاحا هو:\nما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nالمراد بقولنا: \" ما \" اسم موصول، وهو راجع إلى شيء،\nوالتقدير: \" الشيء الذي يمكن التوصل بصحيح النظر فيه.. \".\nوأتى بلفظ: \" ما يمكن التوصل \" للاحتراز عن التوصل بالفعل.\nأى: أن ذكر الإمكَان في التعريف للتنبيه على أن الدليل من حيث\nهو دليل لا يعتبر فيه التوصل بالفعل، بل يكفي إمكان التوصل.\nفالدليل هو الذي يصح أن يستدل به، ويسترشد به، ويتوصل به\nإلى المطلوب، وإن لم يتوصل به أحد، ولو كان اللَّه ﷿ خلق\nجمادًا، ولم يستدل به أحد على أن له محدثا: لكان دليلًا وإن لم\nيستدل به أحد، فالآية والحديث تسمى أدلة وإن لم يستدل بهما\nأحد، فالدليل دليل لنفسه وإن لم يستدل به.","vol":"2","page":469},{"text":"ولو قلنا: \" ما توصلنا بصحيح النظر فيه إلى مطلوب \" للزم من\nذلك خروج كل دليل لم ينظر فيه أحد.\nوالمراد بقولنا: \" بصحيح النظر \": بيان وجه دلالة هذا الدليل\nعلى المدلول.\nوالنظر هو: الفكر في حال المنظور فيه.\nوخرج بهذه العبارة: النظر الفاسد؛ لأن النظر الفاسد لا يمكن أن\nيتوصل به إلى مطلوب خبري؛ لأنه لا يصلح أن يكون آلة للتوصل\nإلى شيء.\nوقولنا: \" مطلوب خبري \" أي: ما يخبر به، وهو التصديق،\nفيكون المطلوب التصوري خارجا عن هذا التعريف مثل: الأحوال\nالشارحة، والحدود، والرسوم.\nوالمراد بالوصول إلى ذلك المطلوب الخبري: علمه، أو ظنه.\nفعلى هذا: يكون الدليل عامًا وشاملًا لما يفيد القطع، والظن.","vol":"2","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المطلب الثاني في هل الدليل شامل للقطعي والظني</span>؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الدليل عام وشامل لما يفيد القطع، ولما يفيد\nالظن.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء.\nوهو الصحيح عندي؛ لذلك عرفنا الدليل بما يعم القطعي والظني\nكما سبق.\nودل على ذلك أمور ثلاثة:\nالأول: أن حقيقة الدليل هي: ما أرشد إلى الشيء المطلوب،\nوإذا كان الأمر كذلك فقد يرشدك مرة إلى العلم، ومرة إلى الظن،\nوعلى هذا فيستحق اسم الدليل في الحالين.\nالثاني: أن اللَّه ﷿ قد أوجب العمل بما يفيد الظن كما\nأوجب العمل بما يفيد القطع، ولم يفرق بينهما في ذلك، فلزم أن\nيكون ما يفيد الظن دليلًا، كالذي يفيد القطع.\nالثالث: أن العرب لم تفرق - في كلامها - بين ما يوجب العلم\nوبين ما يوجب الظن في إطلاق اسم الدليل، فلزم من ذلك التسوية\nبينهما.","vol":"2","page":471},{"text":"المذهب الثاني: أن الدليل اسم خاص لما يفيد القطع، أما ما يفيد\nالظن فيسمى أمارة.\nوذهب إلى ذلك كثير من العلماء، ومنهم: الغزالي، والآمدي،\nوفخر الدين الرازي، والقرافي، وابن عقيل، والطوفي.\nوقالوا: إن هذا اصطلاح لنا لإعطاء كل لفظ ما يفيده، ولا\nمشاحة ولا حجر في الاصطلاح، ولا يلزم من كون العرب\nلا تعرفه: منعه عرفًا.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا الاصطلاح لكم في التفريق بينهما منع منه\nأمور:\nأولها: أننا لما نظرنا إلى حقيقة الدليل وجدنا أنها لم تفرق بينهما.\nثانيهما: أن الشارع لم يفرق بينهما في العمل.\nثالثها: أن العرب لم تفرق بينهما في كلامها.\nالجواب الثاني: أن هذا الاصطلاح في التفريق بينهما يمكن أن يقبل\nلو كان معمولًا به، ولكن - بعد تتبع واستقراء - كتب أصحاب\nالمذهب الثاني وجدناهم لا يلتزمون بهذا الاصطلاح، حيث إنهم\nيسمون ما يفيد الظن دليلًا، ولا يفرقون بينه وبين ما يفيد القطع في\nالإطلاق.\nولهذا قلت في كتابي \" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \": إن\nالخلاف لفظي لا ثمرة له.\nتنبيه: الدليل يطلق على البرهان، والأمارة، والآية، والحُجَّة،\nوالبيِّنة؛ لأنها - كلها - ترشدنا إلى مطلوب خبري.","vol":"2","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الفصل الأول في الأدلة المتفق عليها إجمالًاَ</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: في الدليل الأول وهو: القرآن.\nالمبحث الثاني: في الدليل الثاني وهو: السُّنَّة.\nالمبحث الثالث.: في الدليل الثالث وهو: الإجماع.\nالمبحث الرابع: في الدليل الرابع وهو: القياس","vol":"2","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الأول في الدليل الأول من الأدلة المتفق عليها إجمالًا وهو: الكتاب</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريف القرآن.\nالمطلب الثاني: في القراءة غير المتواترة \" الشاذة \".\nالمطلب الثالث: وجود المجاز في القرآن.\nالمطلب الرابع: هل يوجد في القرآن ألفاظ بغير العربية؟\nالمطلب الخامس: في المحكم والمتشابه.\nالمطلب السادس: هل يوجد في القرآن مشترك لفظي؟\nالمطلب السابع: في النسخ.","vol":"2","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المطلب الأول في تعريف القرآن</span>\nأولًا: القرآن لغة:\nمصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، قال الشاعر:\nضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يُقطع الليل تسبيحا وقرآنا\nأي: يقطع الليل قراءة للقرآن.\nوقال تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) أي:\nقراءة الفجر.\nويُسمَّى المقروء قراءة عند العرب من باب تسمية المفعول باسم\nالمصدر كتسميتهم المشروب شربا، والمكتوب كتابا، وهكذا.\nثم اشتهر الاستعمال في هذا واقترن به العرف الشرعي، فصار\nالقرآن اسما لكلام اللَّه ﷿.\nثانيا: القرآن اصطلاحًا هو:\n\" الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه، أو أقل منها المتعبد بتلاوتها،.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: \" الكلام \" جنس يشمل كل كلام سواء كان من اللَّه، أو\nمن البشر، وسواء كان عربيا كالقرآن، أو أعجميا كالتوراة،\nوالإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم.","vol":"2","page":477},{"text":"قولنا: \" المنزل \" أي: الذي أنزله اللَّه تعالى على نبيه بألفاظه\nومعانيه، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) .\nوخرج بلفظ: \" المنزل \" كلام البشر؛ حيث إنه لم ينزل.\nقولنا: \" للإعجاز \" قيد أخرج الأحاديث كلها، سواء كانت\nأحاديث قدسية، أو أحاديث نبوية، وخرج به - أيضا - التوراة،\nوالإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، فإن هذه لم يقصد منها\nالإعجاز.\nوالإعجاز هو: قصد إظهار صدق دعوى النبي - ﷺ - الرسالة عن اللَّه تعالى.\nقولنا: \" بسورة منه، أو أقل منها \" لبيان أن أي سورة من سور\nالقرآن ولو كانت قصيرة، كسورة الإخلاص، أو أقل منها يحصل\nبها الإعجاز، فلا يستطيع أحد مهما كان من الذكاء والفطنة\nوالفصاحة والبلاغة أن يأتي بمثلها.\nقولنا: \" المتعبَّد بتلاوته \" قيد لإخراج الآيات المنسوخة اللفظ سواء\nبقي حكمها أم لا، فهذه لا تعطى حكم القرآن.","vol":"2","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المطلب الثاني في القراءة الشاذة \" غير المتواترة </span>\"\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: في بيان القراءة المتواترة وغير المتواترة \"الشاذة\"\nالمسألة الثانية: أمثلة للقراءة غير المتواترة.\nالمسألة الثالثة: هل القراءة غير المتواترة حُجَّة؟\nالمسألة الرابعة: هل تصح الصلاة بالقراءة الشاذة؟","vol":"2","page":479},{"text":"المسألة الأولى: في بيان القراءة المتواترة وغير المتواترة \"الشاذة \":\nالقراءة المتواترة هي: كل قراءة ساعدها خط المصحف، مع\nصحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب.\nفلا بد أن تجتمع في القراءة تلك الشروط الثلاثة الواردة في\nالتعريف، فإذا اختل أحد هذه الشروط الثلاثة، فإن القراءة تكون\nغير متواترة، وهي: الشاذة.\nوالقراءة المتواترة هي: قراءة السبعة وهم: \" نافع بن عبد الرحمن\nالليثي المدني \"، و\" عبد اللَّه بن كثير المكي \"، و\" زيان بن العلاء،\nأبو عمرو البصري \"، و\" عبد اللَّه بن عامر الشامي اليحصبي \"،\nو\"عاصم بن أبي النجود الكوفي \"، و\" حمزة بن حبيب بن عمارة\nالزيات الكوفي \"، و\" علي بن حمزة الكسائي النحوي \".\nوكذلك قراءة الثلاثة على الصحيح وهم: \" يعقوب بن إسحاق\nالحضرمي \"، و\" خلف بن هشام بن ثعلب الأسدي \"،\nو(أبو جعفر يزيد بن القعقاع \".\n***\nالمسألة الثانية: أمثلة للقراءة غير المتواترة، وهي: الشاذة:\n١ - قراءة عائشة وحفصة - ﵄ -\n: \" حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر \".\n٢ - قراءة ابن عباس - ﵄ -\n: \" لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج \".\n٣ - قراءة ابن عباس - ﵄ -\n: \" وأيقن أنه الفراق \".","vol":"2","page":481},{"text":"٤ - قراءة ابن مسعود - ﵁ -\nفاقطعوا أيمانهما \".\n٥ - قراءة ابن مسعود - ﵁ -\nمتتابعات \".\n٦ - قراءة أُبي بن كعب - ﵁ -\nنسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فيهن \".\n٧ - قراءة أُبي بن كعب - ﵁ -\nمتتابعات \".\n: \" والسارق والسارقة\n: \" فصيام ثلاثة أيام\n: \" اللذين يؤلون من\n: \" فعدة من أيام أخر\n***\nالمسألة الثالثة: هل القراءة غير المتواترة حُجَّة؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن القراءة غير المتواترة - الشاذة - حُجَّة، أي:\nأنها تؤثر في الأحكام الفقهية نفيًا وإثباتا.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء، ومنهم الإمام أبو حنيفة،\nوالإمام الشافعي في قول له، والإمام أحمد في رواية مشهورة عنه.\nوهذا هو الصحيح عندي؛ لأن الناقل للقراءة الشاذة - وهو\nالصحابي - أخبر أنه سمع ذلك من النبي - ﷺ - فالمنقول لا يخرج عن أمرين:\nأولهما: إما أن يكون قرآنا.\nثانيهما: إما أن يكون خبرًا عن - ﷺ -.\nفإن كان الأول - وهو كونه قرآنا - فيجب العمل به؛ لوجوب\nالعمل بكل ما جاء في القرآن الكريم.","vol":"2","page":482},{"text":"وإن كان الثاني - وهو كونه خبرًا عن النبي - ﷺ - فيجب العمل به - أيضا - لأن خبر الواحد العدل الثقة قد اتفق العلماء على العمل\nفالمنقول - على التقديرين - يجب العمل به، وكل ما وجب\nالعمل به فهو حُجَّة.\nالمذهب الثاني: أن القراءة غير المتواترة ليست بحُجَّة، أي: لا\nتؤثر في الأحكام الفقهية.\nذهب إلى ذلك: الإمام مالك في رواية مشهورة عنه، وهو ظاهر\nمذهب الشافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو الذي صححه\nالآمدي، وابن الحاجب، وابن السمعاني، والنووي.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل هؤلاء بقولهم: إن الناقل للقراءة الشاذة لا يخلو من أمرين:\nأولهما: إما أن ينقلها على أنها من القرآن.\nثانيهما: أو أنه ينقلها على أنها ليست من القرآن.\nفإن كان الأول - وهو أنه نقلها على أنها من القرآن - فهذا باطل؛ اللَّه - تعالى - قد كلَّف رسوله أن يبلِّغ القرآن مجموعة من الأُمَّة\nتقوم الحُجَّة بقولهم، ويحصل بخبرهم العلم القطعي، فليس للنبي\n- ﷺ - أن يناجي بأي آية من القرآن واحدًا من الأُمة.\nفإذا ثبت ذلك: فإن ما نقله هذا الواحد يكون خطأ وباطلًا؛ نظرًا\nلوروده عن واحد، وعلى هذا فلا يحتج به.\nوإن كان الثاني - وهو أنه نقلها على أنها ليست من القرآن -\nفيحتمل في ذلك احتمالين هما:\nالاحتمال الأول: أنه قد أورد هذا المنقول في معرض البيان لما","vol":"2","page":483},{"text":"اعتقده مذهبا، فقد يكون اعتقد التتابع - مثلًا - حملًا لهذا المطلق\nفي كفارة اليمين على المقيد بالتتابع في الظهار.\nالاحتمال الثاني: أن يكون قد أورد هذا المنقول استنادًا إلى خبر قد\nسمعه من النبي - ﷺ -.\nوإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.\nجوابه:\nنجيب عن ذلك: بأن الاحتمال الأول - وهو كونه نقل ذلك بيانا\nلمذهبه الخاص - بعيد جدًا؛ لأن الصحابة الذين بذلوا النفس\nوالنفيس لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، والذين اختارهم اللَّه لصحبة نبيه،\nولحمل هذه الشريعة إلى من بعدهم لا يظن بواحد منهم أن يجعل\nرأيه ومذهبه الخاص به قرآنا، أو أنه يلبس فى ذلك، فهذا الاحتمال\nباطل لا شك في ذلك.\nفإذا بطل هذا الاحتمال: تعين الاحتمال الثانى وهو: أن هذا\nالناقل قد أورد هذا المنقول استنادًا إلى خبر سمعه من النبي - ﷺ -، والخبر يجب العمل به.\nبيان نوع هذا الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة خلاف معنوي؛ لأنه أثر في بعض المسائل\nالفقهية، ومنها:\n١ - هل يجب التتابع في صيام كفارة اليمين؟\nأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن القراءة الشاذة\nحُجَّة - قالوا: إنه يجب التتابع مستدلين بقراءة ابن مسعود - رضي\nالله عنه -: \" فصيام ثلاثة أيام متتابعات \".","vol":"2","page":484},{"text":"أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن القراءة الشاذة\nليست بحُجَّة - فقالوا: لا يجب التتابع.\n٢ - هل النفقة تجب على كل ذي رحم محرم؟\nأصحاب المذهب الأول قالوا: إن النفقة تجب على كل ذي رحم\nمحرم محتجين بقراءة ابن مسعود - ﵁ -: \" وعلى\nالوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك \".\nأما أصحاب المذهب الثاني فقالوا: إن النفقة لا تجب إلا على\nالوالدين والمولودين.\n***\nالمسألة الرابعة: هل تصح الصلاة بالقراءة الشاذة؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنها لا تصح الصلاة بالقراءة الشاذة.\nوهو مذهب كثير من العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بقرآن، والقرآن لا يكون\nإلا متواترًا، وهذه القراءة لم يثبت أنها قرآن، وهي خارجة عن\nالوجه الذي ثبت به القرآن، فلا تصح القراءة بها.\nالمذهب الثاني: أنه تصح الصلاة بالقراءة الشاذة.\nذهب إلى ذلك أبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين للإمام مالك\nوأحمد.\nواستدل هؤلاء بقولهم: إن الصحابة كانوا يقرأون بهذه الحروف\nفي الصلاة، وكان بعضهم يصلي خلف أصحاب هذه القراءات.","vol":"2","page":485},{"text":"جوابه:\nنجيب عن ذلك بأن هذه دعوى تحتاج إلى دليل جزئي، وعلى\nفرض ثبوت ذلك فقد يكون ذلك قد ثبت ذلك قبل العرضة الأخيرة،\nوقبل إجماع الصحابة على المصحف العثماني، فيكون ذلك منسوخاَ\nإما بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني.","vol":"2","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المطلب الثالث في وجود المجاز في القرآن</span>\nويشتمل على مسألتين هما:\nالمسألة الأولى: في بيان الحقيقة والمجاز.\nالمسألة الثانية: خلاف العلماء في القرآن هل يوجد فيه مجاز؟","vol":"2","page":487},{"text":"المسألة الأولى: بيان الحقيقة والمجاز:\nالحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلًا كقولك: \"رأيت\nأسدًا \"، فإن الذهن ينصرف إلى أن لفظ \" الأسد \" المقصود به:\nالحيوان المفترس.\nوالمجاز هو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أصلًا لقرينة\nكقولك: \" رأيت أسدًا يخطب \"، فإن الذهن ينصرف إلى أن لفظ\n\" الأسد \" المقصود به: الرجل الشجاع، وذلك بسبب القرينة،\nوهي كونه يخطب.\nوسيأتي الكلام عن الحقيقة والمجاز بالتفصيل في الفصل السابع من\nالباب الرابع الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام.\n***\nالمسألة الثانية: خلاف العلماء في القرآن هل يوجد فيه مجاز\nأو لا؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن في القرآن مجازًا كما فيه حقيقة.\nذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية صحيحة عنه، وهو مذهب\nجمهور العلماء.\nوهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن القرآن عربي نزل بلغة العرب، قال تعالى:\n(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)، وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)، ولغة\nالعرب يدخلها المجاز، فيكون القرآن قد اشتمل على المجاز؛ لأنه\nنزل بلغتهم.","vol":"2","page":489},{"text":"والدليل على أن لغة العرب يدخلها المجاز هو: وقوعه فيها،\nفاستعمل العرب لفظ \" الأسد \" للرجل الشجاع، و\" الحمار \"\nللرجل البليد، و\" البحر \" للرجل العالم، وقولهم: \" قامت\nالحرب على ساق \"، وقال الشاعر:\nأشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي\nفهنا نسب الشاعر فعل الشيب، والإفناء إلى تعاقب الأيام\nوالليالي، وهذا لا شك في أنه مجاز.\nوالأمثلة على ورود المجاز في لغة العرب كثيرة لا تكاد تحصى.\nما اعترض به على هذا الدليل:\nلقد اعترض على هذا الدليل باعتراضين:\nالاعتراض الأول: أن العرب عبروا عن الرجل الشجاع بالأسد،\nوعن البليد بالحمار، ولكن هذا التعبير حقيقي.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا لا يصح؛ لأنه لو كان حقيقة فيه: لكان إذا\nقال: \" رأيت حمارًا \" أنه لا يسبق إلى فهمه الحمار المعهود، بل\nالذي يسبق إلى الفهم: الرجل البليد والحمار المعهود معا.، فلما\nسبق فهمه إلى الحيوان البهيم دلَّ على أنه مجاز في الرجل البليد،\nوأيضا: أنه لما احتاج إلى قرينة دلَّ على أنه مجاز؛ لأن الحقيقة تفهم\nبدون قرينة.\nالاعتراض الثاني: الحقيقة قد عمَّت جميع الأشياء، فلا نحتاج\nإلى المجاز، فلم يعبر به القرآن؛ لأنه لا يفيد، وبالتالي يكون\nعبثًا.","vol":"2","page":490},{"text":"جوابه:\nنجيب عنه بأنا لا نُسَلِّمُ بأن المجاز لا فائدة فيه، بل فيه فوائد\nكثير:، ومنها:\n١ - أن الكلام بالمجاز أبلغ وأفصح من الكلام بالحقيقة أحيانًا،\nفمثلًا لو قال: \" هذا بحر \" يريد مدح آخر، أبلغ وأفصح من قوله:\n\" هذا رجل عالم بجميع العلوم \".\n٢ - أن الكلام في المجاز يفيد الاختصار في الكلام، فمثلًا لو\nقال: \" هذا الرجل أسد \" أخصر من قوله: \" هذا الرجل يشبه\nالأسد في الشجاعة \".\nوكذلك إذا أراد أن يصف نفسه يقول: \" سل عني سيفي \"، ولا\nيقول: \"سل عني عليًا كيف فعلت وقتلت \"، ولهذا قال تعالى:\n(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، ولم يقل: \" واسأل أهل القرية \" مع أنه هو\nالمقصود، وذلك لاختصار الكلام.\n٣ - أن الكلام في المجاز فيه تجنب ذكر ما يقبح ذكره كلفظ\n\"الخراءة \"، فإنه حقيقة في الخارج المعتاد من الإنسان، فعدل عنه\nالشارع إلى ذكر الغائط، أو قضاء الحاجة وهي مجاز.\nونحو ذلك مما سيأتي ذكره في أسباب العدول إلى المجاز، وذلك\nفي المطلب الخامس من المبحث الثاني من الفصل السابع من الباب\nالرابع.\nالدليل الثاني: أن المجاز وقع وورد في القرآن، بحيث يذكر\nالشيء بخلاف ما وضع له، وهو إما زيادة، أو نقصان، أو\nاستعارة، أو تقديم، أو تأخير، من ذلك:\n١ - قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فإن المراد: واسأل أهل\nالقرية؛ لامتناع توجيه السؤال إلى نفس القرية.","vol":"2","page":491},{"text":"اعتراض على هذا:\nاعترض أحدهم فقال: يجوز أن يأذن اللَّه تعالى للقرية أن تجيبهم.\nجوابه:\nنجيب عن ذلك: بأن اللَّه لم يخرج ذلك مخرج المعجزة، وإنما\nأخرجه مخرج الخبر، وكل موضع في القرآن ذكر قرية فالمراد به أهل\nالقرية، مما يدل على ذلك قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)،\nومعروف أن نفس القرية ما عتت عن أمر ربها، وأنها لا تحاسب\nحسابًا شديدًا، ولا تعذب، وإنما المراد أهل القرية.\n٢ - من ذلك قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ)،\nومعلوم أن الذل ليس له جناح حقيقة، فاستعاره له.\n٣ - ومن ذلك قوله تعالى: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)،\nومعروف أن الجدار لا إرادة له؛ لأن الإرادة يوصف بها من كان له\nشعور، فاستعار الإرادة للجدار، وأريد به الميل القائم بالجدار.\n٤ - ومن ذلك قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)\nوالغائط - حقيقة - يطلق على المنخفض من الأرض، وسمي ما يخرج من\nالإنسان من الأذى بالمكان استعارة.\n٥ - ومن ذلك قوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) والرأس لا يشتعل.\n٦ - ومن ذلك قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) والمقصود:\nحب العجل.\n٧ - ومن ذلك قوله: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)\nومعروف أن الأصنام نفسها لا تضل أحدًا.","vol":"2","page":492},{"text":"اعتراض على ذلك:\nاعترض بعضهم على ذلك بقوله: إنا نسلم أن الله قد استعمل في\nتلك الآيات اللفظ في غير ما وضع له، ولكن لا نسميه مجازًا،\nوإنما زيادة، ونقصان، واستعارة، وتقديم، وتأخير.\nجوابه:\nنجيب عنه بأنا نسميه مجازًا؛ لصدق تعريف المجاز عليه، وأنتم لا\nتسمونه بذلك، وتسمونه باسم آخر، فيكون الخلاف في التسمية\nواللفظ - فقط - فلا خلاف بيننا وبينكم إذن.\nالمذهب الثاني: أنه لا يوجد في القرآن مجاز، بل كله حقيقه.\nوهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره بعض الحنابلة كأبي الحسن\nالتميمي، وابن حامد، وبعض أهل الظاهر، والروافض.\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن القرآن حق، والحق لا يكون إلا حقيقة، فلا\nيدخله المجاز.\nجوابه:\nنقول - في الجواب عنه -: لا نُسَلِّمُ لكم ذلك فقد يكون باطلًا،\nويكون حقيقة مثل: أن فرعون أخبر اللَّه تعالى عنه في القرآن قائلًا:\n(وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب)،\nومعلوم أن هذا باطل وإن كان حقيقة.\nوقد يكون حقًا ولا يكون حقيقة مثل ما قال - ﷺ -:\n\"يا أنجشة رفقًا بالقوارير \" يقصد النساء، ومعروف أن كلام - ﷺ - حق، لكن ليس هو حقيقة؛ لأن القوارير هي غير النساء.","vol":"2","page":493},{"text":"الدليل الثاني: أنه لو كان في القرآن مجاز: لجاز أن يسمى الله\nتعالى متجوزًا أو مستعيرًا، فلما لم يجز أن يُسمَّى به: دلَّ على أن\nالقرآن لا يوجد فيه مجاز.\nجوابه:\nنجيب عنه: بأن أسماء اللَّه تعالى تثبت توقيفا، ولم تثبت اشتقاقا.\nالدليل الثالث: أن المجاز فيه إيهام، فهو لا يفصح عن المراد فيقع\nفيه الإشكال والإلباس، والقرآن لا يجوز أن يكون فيه تلبيس؛ لأن\nالله وصفه بأنه بيان، حيث قال: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .\nجوابه:\nنجيب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن التعبير بالمجاز يكون إلباسا لو لم توجد فرينة\nتدل على المراد، لكن توجد قرينة في المجاز تدل على المراد، فدل\nعلى أنه ليس فيه تلبيس.\nالجواب الثاني: أن القرآن ليس كله بيانا، بل بعضه، والبعض\nالآخر يحتاج إلى بيان كالمتشابه، والمجمل، ونحو ذلك، ويدل\nعلى ذلك قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)،\nفلو كان جميعه بيانًا لما احتاج إلى مبين.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي يرجع إلى تفسير الحقيقة ما\nهي.\nفإن كان المراد بها الحق، فقد أجمع العلماء على أنه لا مجاز في","vol":"2","page":494},{"text":"القرآن؛ لأن المجاز مقابل الحقيقة، والحقيقة هي: الحق، فيكون\nالمقابل هو الباطل، وهذا نقطع بأنه لا يوجد في القرآن.\nوإن كان المراد بالحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلًا، فإنه\nيوجد في القرآن مجاز؛ لأن المجاز مقابل الحقيقة، والحقيقة هي\nاللفظ المستعمل فيما وضع له أصلًا، فيكون مقابله - وهو المجاز -\nهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وهذا يجيز القول بأن\nالقرآن مشتمل عليه؛ لأنه وقع فيه كما سبق في الآيات، ومنهم من\nسماه بغير هذا الاسم، وهو المجاز، فيكون نزاع في عبارة،\nأما المعنى فهو متفق عليه فيكون الخلاف لفظيا.","vol":"2","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المطلب الرابع في هل يوجد في القرآن ألفاظ بغير العربية</span>؟\nاتفق العلماء على وجود أسماء غير عربية في القرآن مثل:\n\"إسرائيل \"، و\" جبريل \"، و\" عمران \"، و\" إبراهيم \"، و\" لوط \"،\nو\"نوح \".\nواتفق العلماء على أن الكلام المركب على أساليب غير العرب لا\nيوجد في القرآن.\nولكنهم اختلفوا في الألفاظ بغير العربية هل توجد في القرآن؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يوجد في القرآن لفظ بغير العربية.\nذهب إلى ذلك: أبو بكر الباقلاني، وابن جرير الطبري، وأبو\nعبيدة - معمر بن المثنى -، والباجي، وأبو يعلى، وأبو الخطاب،\nونسب إلى عامة الفقهاء والمتكلمين.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن اللَّه تعالى وصف القرآن بأنه عربي محض في\nآيات كثيرة، منها قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)، وقوله:\n(وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا)، وقوله: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) .","vol":"2","page":497},{"text":"وقوله: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)، فلو كان فيه بعض\nألفاظ بغير العربية لما وصفه بأنه عربي.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه صرح بأنه لا يوجد في القرآن لفظ بغير\nالعربية، فمعنى الآية: إنا جعلنا القرآن كله عربيا، لأنا لو جعلناه\nأعجميا لقامت حُجَّة الكفار علينا، وقالوا: كيف يأتي قرآن\nأعجمي، ونبي عربي؟! ولذلك أنزلناه عربيا محضا، لنقطع عليهم\nقولهم هذا، فثبت أنه عربي محض لتقوم الحُجَّة به، ولئلا يتجه\nلهم إنكاره.\nالدليل الثالث: أن اللَّه تعالى أنزل هذا القرآن لبيان الأحكام\nالشرعية.\nولبيان إعجازه لهم في أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة\nواحدة، قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِ)، وقال: (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ)، وقال: (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ)، فقد تحداهم\nبذلك وبأقل من ذلك، ويمتنع أن يتحداهم بما ليس من لسانهم ولا\nيتقنونه؛ لأن هذا تكليف ما لا يطاق، كما لا يمكن أن يقال\nلعجمي: \" هات مثل المعلقات السبع \"، أو مثل واحدة منها، أو\nنحو ذلك.\nكذلك هنا: لا يمكن أن يتحداهم إذا كان بألفاظ ليست عربية،\nحيث إنه يمكن لأي واحد منهم أن يقول: \" ليس هذا بلغة لنا،\nوعجزنا عن الإتيان بمثله لا يدل على إعجازك وصدق نبوتك \".","vol":"2","page":498},{"text":"فثبت بهذا: أن القرآن عربي محض لا يوجد فيه ألفاظ بغير\nالعربية، لأنه لو لم يكن كذلك لما صح هذا التحدي.\nالمذهب الثاني: أن القرآن فيه ألفاظ بغير العربية.\nذهب إلى ذلك ابن عباس وعكرمة - ﵃ -،\nومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وهو اختيار ابن الحاجب،\nوابن عبد الشكور.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل هؤلاء بالوقوع، حيث قالوا: إنه ثبت بعد التتبع للقرآن\nوجود بعض الألفاظ فيه بغير العربية مثل: (ناشئة الليل)،\nحبشية، و(مشكاة) هندية، و(إستبرق) فارسية، روي ذلك\nعن بعض الصحابة كابن عباس وعكرمة.\nجوابه:\nنجيب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن كل ما ذكرتموه قد جاء بلغة أعجمية\nبل بلغة عربية.\nفلا نسلم أن (ناشئة الليل) حبشية، بل هي عربية، حيث إن\nالمراد: ساعات. الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم،\nفالتأنيث للفظ ساعة؛ لأن كل ساعة تحدث، وقيل: إن ناشئة الليل\nهي: قيام الليل، قال ابن مسعود: الحبشة يقولون: نشأ أي:\nقام، فلعله أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة\nغالبة عليهم.\nولا نسلم - أيضًا - أن (المشكاة) هندية، بل هي عربية،","vol":"2","page":499},{"text":"حيث إن معناها: الكوة، وهي من كلام العرب، يدل على ذلك\nأن الأنصاري وهو هندي أنكر كون المشكاة هندية، فقال في \" فواتح\nالرحموت \": \" ثم كون المشكاة هندية غير ظاهر، فإن البراهمة\nالعارفين بأنحاء الهند لا يعرفونه \".\nالجواب الثاني: أن تلك الألفاظ جاءت بلغة العرب، ووافق\nوجود مثلها في كلام العجم، كما توافق اللسانان في كثير من\nالألفاظ، فمثلًا تقول العرب: \" سراج \" وهو بالفارسية: \" جراع \"\nوتقول العرب: \" سماء \"، وهو في العبرانية: \" شما \"، وتقول:\n\" سروال \" وهو بالفارسية: \" شروال \"، وهكذا.\nبيان القول الحق:\nالقول الحق عندي هو ما قاله أبو عبيد - القاسم بن سلام\nالبغدادي - كما ورد في \" الصاحبي \"، و\" معترك الأقران \"،\nو\"الإتقان في علوم القرآن \"، و\" المزهر \" - وهو:\nإن هذه الألفاظ التي ذكرها أصحاب المذهب الثاني أصولها أعجمية، لكن العرب استعملتها، فعربت بألسنتها، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى\nألفاظها فهي عربية بهذا الوجه.\nوالسبب في ذلك: أن العرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها\nيقومون بتجارات إلى البلدان العجمية التي حولهم كرحلتي الصيف\nوالشتاء الخاصة بقريش ونحوها، فأخذ العرب من العجم بعض\nألفاظهم، وغيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف\nثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت\nمجرى اللغة العربية، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها\nالقرآن.","vol":"2","page":500},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن كل فريق نظر إلى اعتبار.\nفأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: لا يوجد في القرآن\nلفظ بغير العربية - نظروا إلى ما يستعمله العرب من الألفاظ المشتهر\nبينهم، سواء كانت ألفاظًا عربية محضة، أو كانت ألفاظًا معربة\nبالاستعمال.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: يوجد في القرآن\nألفاظ بغير العربية - فإنهم نظروا إلى أصول الألفاظ المعربة\nبالاستعمال.\nوأيضًا لاتفاق أصحاب المذهبين على استواء أخذ الأحكام من\nألفاظ القرآن الكريم، سواء كانت ألفاظًا عربية ابتداء، أو كانت\nألفاظا معربة بالاستعمال.","vol":"2","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المطلب الخامس في المحكم والمتشابه</span>\nويشتمل على ما يلي:\nالمسألة الأولى: هل القرآن يشتمل على المحكم والمتشابه؟\nالمسألة الثانية: تعريف المحكم والمتشابه لغة.\nالمسألة الثالثة: المراد من المحكم والمتشابه اصطلاحًا.\nالمسألة الرابعة: هل يمكن إدراك علم المتشابه؟","vol":"2","page":503},{"text":"المسألة الأولى: هل القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه؟\nاختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن القرآن مشتمل لما هو محكم، وما هو متشابه.\nوهذا مذهب الجمهور من العلماء.\nوهو الصحيح عندي؛ لدليلين:\nأولهما: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ\nمُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .\nثانيهما: الوقوع؛ حيث وقع في القرآن ما هو محكم وعرفنا\nمعناه، وما هو متشابه لم نعلم معناه.\nالمذهب الثاني: أن القرآن كله محكم، ولا يوجد فيه متشابه.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nقوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ)، حيث صرح بأن جميع\nآيات القرآن محكم، ولا توجد أيُّ آية متشابهة.\nجوابه:\nنجيب عنه بأن المقصود بالآية: أن الكتاب قد أحكمت آياته في\nنظمها، ووضعها، وفصاحتها، وبلاغتها، وجزالة ألفاظها حتى\nبلغ حد الإعجاز، بحيث لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يأتي بمثل\nآية منه، ونحن لا نبحث في ذلك.\nالمذهب الثالث: أن القرآن كله متشابه، ولا يوجد فيه محكم.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.","vol":"2","page":505},{"text":"دليل هذا المذهب:\nقوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا)، حيث إن\nهذه الآية دلت على أن الكتاب كله متشابه، ولا يوجد فيه محكم.\nجوابه:\nنجيب عنه بأن المقصود بالآية: أن الكتاب متشابه أي: أن بعضه\nيصدق بعضه الآخر، وذلك لتشابه معانيه، فهو غير متناقض.\nوهذا لا نبحث فيه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف بين المذاهب لفظي، لأنه اتضح خلال عرض أدلة المذهب\nالثاني والثالث أنهم تكلموا وبحثوا في أمور ليس لها صلة فيما نحن\nفيه، فهم في الحقيقة لم يخالفوا فيما نحن فيه.\n***\nالمسألة الثانية: تعريف المحكم والمتشابه لغة:\nأولًا: المحكم لغة: المتقن، يقال: \" أحكمت الشيء أحكمه\nإحكامًا \": إذا أتقنته، فكان في غاية ما يبتغي من الحكمة، ومنه:\n\" بناء محكم \" أي: متقن وثابت يبعد انهدامه.\nوهذا هو أقرب المعاني اللغوية لمقصود الأصوليين للمحكم هنا.\nوقيل: المحكم هو: الرد والمنع، يقال: \" أحكمت \" أي:\nرددت ومنعت، وسمي الحاكم حاكمًا: لمنعه الظالم من الظلم،\nوسمي لجام الفرس حكمة؛ لأنه يمنع الفرس من الاضطراب.\nثانيا: المتشابه لغة: الملتبس بغيره، مأخوذ من الشَّبه - بفتح الشين\nوالباء - والشبيه هو: ما بينه وبين غيره أمر مشترك فيشتبه ويلتبس به.","vol":"2","page":506},{"text":"المسألة الثالثة: المراد من المحكم والمتشابه اصطلاحا:\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن المتشابه هو: ما ورد من صفات اللَّه تعالى في\nالقرآن مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله وتفسيره،\nوالتصديق بأنه لا يعلم تأويله إلا اللَّه تعالى كوصفه سبحانه بالاستواء\nالوارد في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، واليد\nالوارد في قوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، واليدين الوارد في قوله:\n(بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، والعين الوارد في قوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)،\nوالوجه الوارد في قوله: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)، وغير ذلك من\nالصفات التي اتفق السلف على إقرارها، وإمرارها على ما هي عليه،\nوترك تأويلها كما قال الإمام مالك - ﵀ - لما سئل عن\nالاستواء الوارد في الآية السابقة -: الاستواء معلوم، والكيف\nمجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فلا يتعرض لهذه\nالصفات بتأويل، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف.\nأما المحكم فهو ما أمكن معرفة المراد بظاهره، أو بدلالة تكشف\nعنه، أو بأي طريق من طرق المعرفة.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء.\nوهو الصحيح عندي، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه ذم المبتغين لتأويل المتشابه ووصفهم بأنهم","vol":"2","page":507},{"text":"يبتغون الفتنة، وسماهم أهل زيغ، ولا يذم إلا على تأويل الصفات\nكما أجمع على ذلك السلف - ﵏ -.\nفلو كان المقصود بالمتشابه غير ذلك لما ذم اللَّه المبتغين لتأويله.\nالمذهب الثاني: أن المحكم هو: الذي اتضح معناه للعلماء\nوغيرهم من طلاب العلم.\nوالمتشابه هو: ما علمه العلماء المحققون المدققون، وغمض على\nغير العلماء كالآيات التي ظاهرها التعارض.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء كابن عقيل.\nومثَّل أصحاب هذا المذهب ببعض الآيات التي ظاهرها التعارض،\nإليك إياها مع الجواب عنها:\n١ - قالوا: إن قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) يعارض\nقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الآية الأولى تحمل على التوحيد بدليل قوله\nتعالى بعدها: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، أما الآية الثانية\nفإنها تحمل على أعمال وأفعال الجوارح.\n٢ - قالوا: إن قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا)\nيعارض قوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) .\nجوابه:\nيجاب عليه بأن المراد بالآية الأولى: لا تكسب شرًا ولا إثما،\nفاقتصر في هذه الآية على الشر، بخلاف الآية الثانية؛ حيث ذكر\nفيها الشر والخير معا، وذكر ما يميز بينهما.","vol":"2","page":508},{"text":"٣ - قالوا: إن قوله تعالى: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة)\nيعارض قوله: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) .\nجوابه:\nيجاب عنه بأنه لا تنافي بين الآيتين؛ حيث إن اللَّه تعالى نفى أن\nيكلمهم في الآية الأولى كلام التلطف والإكرام، وأثبت سؤالهم في\nالآية الثانية سؤال التوبيخ والإهانة.\n٤ - قالوا: إن قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)\nيعارض قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) .\nجوابه:\nيجاب عنه بأن المراد بالعدل في الآية الأولى: العدل بين الزوجات\nفي توفية حقوقهن المادية والزمانية، وهذا ممكن الوقوع وعدمه،\nوالمراد بالآية الثانية: الميل القلبي، فالزوج الذي له زوجتان فأكثر لا\nيملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض.\n٥ - قالوا: إن قوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون) يعارض\nقوله: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا)،\nوقوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) .\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنهم لا ينطقون بحجة نافعة ومفيدة، ومن نطق بما\nلا ينفع ولا يفيد فكأنه ما نطق،\nقال الحسن - ﵏ -: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون.\nفهنا قد علم العلماء ما غمض على غيرهم، وفسَّروا ذلك\nالتعارض لغير العالمين، وذلك بواسطة الأدلة والبراهين، فهؤلاء","vol":"2","page":509},{"text":"يُمدحون، ولا يُذمون؛ لأن فعلهم هذا هو الطريق لمعرفة الأحكام،\nوبيان أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والرد\nعلى أعداء الإسلام القائلين: إن القرآن فيه تناقض.\nالمذهب الثالث: أن المحكم هو: الواضح الجلي الذي لا يحتاج\nإلى غيره لبيانه وتفسيره كالنصوص، والظواهر؛ حيث إن ذلك في\nغاية الإحكام والإتقان.\nأما المتشابه فهو المجمل الذي لا يفهم منه عند الإطلاق معنى معين\nفهو يحتاج - لمعرفة معناه - إلى تأمل، وتفكر، وتدبر، وقرائن\nتبينه وتزيل إشكاله.\nذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، والقاضي أبو يعلى،\nوتلميذه أبو الخطاب، وصحَّحه أبو إسحاق الشيرازي.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل هؤلاء بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه - تعالى - سمى المحكمات أم الكتاب،\nوأم الشيء أصله الذي لم يتقدمه غيره كما قال الجوهري، فاقتضى\nذلك أن المحكم ما كان أصلًا بنفسه المستغني عن غيره، فلا يحتاج\nإلى بيان.\nأما المتشابه فهو ما خالف ذلك وهو: المفتقر إلى بيان، وهو\nالمجمل ونحوه مما لم يتضح معناه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن المجتهد إذا شرع في تأوبل المجمل وغيره مما لم يتضح معناه،","vol":"2","page":510},{"text":"ورجح - بالأدلة - أن يكون المقصود بذلك اللفظ هو\nذلك المعنى، وذلك الحكم فإنه يمدح، ولا يذم؛ لأن تأويله وفعله\nهذا طريق إلى معرفة الأحكام وتوضيحها للناس، وتمييز الحلال من\nالحرام لهم، والعلماء قديمًا وحديثًا اهتموا ببيان المراد من اللفظ\nالمجمل، فلو كان من المتشابه لما تعرضوا لذلك؛ لأنهم أعلم الخلق\nبالنواهي الشرعية.\nالمذهب الرابع: أن المحكم: ما عرف معناه وتفسيره، والمتشابه\nهو: الذي لم نعلم معناه كالحروف المقطعة في أوائل السور مثل:\n\"ألم \"، و\" ص \"، و\" المص \"، و\" ن \"، و\" حم \"، ونحو ذلك\nمما لم يكن لأحد إلى علمه إلى سبيل مما استأثر اللَّه بعلمه دون خلقه.\nروي ذلك عن جابر بن عبد اللَّه، وبعض التابعين كالشعبي،\nوسفيان الثوري، ووصفه القرطبي بأنه أحسن - ما قيل في المتشابه.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن اللَّه تعالى ذم من يتعرض لتأويل المتشابه - وذلك\nفي آية آل عمران السابقة - ولا يمكن أن يُذم من تعرض لبيان الحروف\nالمقطعة في أوائل السور، ويتلَمَّس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي\nتتخرج عليها، والعلماء قد تعرضوا لذلك، واجتهدوا لبيأن معانيها،\nواختلفوا في ذلك على أقوال:\nفقيل: إن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسماء اللَّه،\nفالكاف من \" كاف \"، والهاء من \" هاد \"، والعين من \" عليم \"،\nوالصاد من \" صادق \" من قوله تعالى: (كهيعص) .\nوقيل: إنها ذكرت كناية عن سائر حروف المعجم التي لا يخرج","vol":"2","page":511},{"text":"عنها جميع كلام العرب، تنبيهًا على أنه ليس يخاطبهم إلا بلغتهم\nوحروفهم.\nوقيل: إن اللَّه تعالى أنزل هذه الأحرف مثل: \" الم \"،\nو\"كهعص \"، و\" ص \"، وغيرها إبطالا لحساب اليهود، فإنهم\nكانوا يحسبون هذه الأحرف حالة نزولها، ويردونها إلى حساب\nالجمل، ويقولون: إن منتهى دولة الإسلام كذا، فأنزل اللَّه هذه\nالأحرف تخبيطًا للحساب عليهم.\nوقيل: إن تلك الحروف اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه\nمنها.\nوقيل: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها، وحذفت بقيتها،\nفالألف من \" اللَّه \"، واللام من \" جبريل \"، والميم من \" محمد\n- ﷺ - \"، وقيل غير ذلك\nفلو كانت تلك الحروف المقطعة هي المتشابه، لما حرص العلماء\nعلى بيان المراد منها، وتفسيرها؛ لأن العلماء يخشون اللَّه تعالى\nويخافونه أكثر من غيرهم، فلما تعرضوا لبيان المراد من تلك الحروف\nاتضح أنها ليست من المتشابه الذي توعد اللَّه من يتعرض لتأويلها.\nالمذهب الخامس: المحكم هو: الوعد والوعيد، والحلال\nوالحرام، والأمر والنهي، والمتشابه هو: القصص والأمثال.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء، كما أورده السيوطي في \"الإتقان\".\nدليل هذا المذهب:\nأن المحكم: ما استفيد الحكم منه، والوعد والوعيد ونحوه - مما\nذكر - نستفيد الحكم منه، والمتشابه: ما لا يفيد حكما، وهذا حال\nالقصص والأمثال.","vol":"2","page":512},{"text":"جوابه:\nنجيب عنه: بأن مَنْ بيَّن أحكاما شرعية مأخوذة من تلك القصص\nوالأمثال، فإنه يُمدح، ولا يُذم كمن استدل بقصة يوسف عليه\nالسلام على مشروعية الجعالة، وذلك من قوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ)، وكمن استدل بقصة موسى مع شعيب\n﵉ على جواز جعل المنفعة مهرًا، وذلك من قوله تعالى:\n(إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) .\nوهناك مذاهب أخرى في ذلك قد ذكرتها في كتابي \" إتحاف ذوي\nالبصائر بشرح روضة الناظر \"، فارجع إليه إن شئت.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ لأن كل أصحاب مذهب امتنع عن التعرض\nللمتشابه بحسب اصطلاحهم؛ لئلا يكون داخلًا تحت الذم الذي\nتوعد اللَّه به من تعرض للمتشابه بالتأويل.\n***\nالمسألة الرابعة: هل يمكن إدراك علم المتشابه؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المتشابه لا يمكن إدراكه، ولا يعلم تأويله إلا\nالله تعالى.\nذهب إلى ذلك كثير من الصحابة والتابعين، وهو مذهب جمهور\nالعلماء.\nوهو الصحيح؛ لقوله تعالى:","vol":"2","page":513},{"text":"(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .\nوجه الدلالة: أن الوقف الصحيح على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، والواو في قوله: (والراسخون) للابتداء والاستئناف، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا اللَّه تعالى، ولا يعلم غيره ذلك وإن كان من الراسخين في العلم.\nالأدلة على ذلك:\nلقد دلَّ على أن الوقف الصحيح على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) ما يلي\nمن الأدلة:\nالدليل الأول: لفظ الآية ومعناها دلا على أن الوقف الصحيح\nعلى قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، وإليك بيان ذلك:\nأما الدليل من لفظ الآية على أن الوقف الصحيح على قوله:\n(إِلَّا اللَّهُ) فهو: أن اللَّه تعالى لو أراد عطف الراسخين على لفظ\nالجلالة وهو \" اللَّه \" ﷾ لقال: \" ويقولون آمنا به \" بزيادة\n\" واو \"، حيث إن جملة (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في\nالعلم) تكون جملة واحدة، ولفظ \" يقولون \" مستأنفة، فكان لابد\nمن الواو، ولكنه لم يقل: \" ويقولون \" -، بل قال: \" يقولون \"\nبدون \" واو \" مما يدل على أن عبارة (يقولون آمنا به) مرتبطة بما\nقبلها، وليس لها إلا أن تكون خبر عن مبتدأ.، وهو (الراسخون)\nفينتج من ذلك أن \" الواو \" في قوله (والراسخون) للابتداء\nوالاستئناف، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الوقف يكون على قوله:\n(إِلَّا اللَّهُ) .","vol":"2","page":514},{"text":"أما. الدليل ممت معنى الآية على أن الوقف الصحيح على قوله\nتحالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، فمن وجوه هي كما يلي:\nالوجه الأول: أن اللَّه - في الآية - قد ذم مبتغي تأويل المتشابه\nوالمتبعين لذلك؛ حيث إنهم وصفوا بزيغ القلوب، وابتغاء الفتنة،\nولو كان تأويل المتشابه معلومًا للراسخين في العلم: لكان مبتغي\nتأويله ممدوحًا غير مذموم، فلما ذم اللَّه تعالى مبتغي التأويل: عرفنا\nأن سبب ذلك الذم هو: كونه يزاحم اللَّه فيما استأثر بعلمه، فينتج\nمن ذلك: أن اللَّه هو المتفرد بعلم المتشابه، لا يشاركه فيه أحد،\nوهذا يثبت المطلوب، وهو: أن الوقف على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) .\nالوجه الثاني: أن لفظة \" أما \" تأتي في اللغة لتفصيل الجمل،\nفلابد أن يكون في سياقها قسمان، وهذان القسمان إما أن يصرح\nبهما، أو يصرح بأحدهما، ويفهم الآخر تقديرًا.\nمثال الأول: قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) .\nومثال الثاني - وهو ما صرح بأحد القسمين دون الآخر - قوله\nتعالى: (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ)، ولم يذكر القسم الثاني لدلالة المذكور عليه، فكأنه\nقال: وأما من لم يؤمن ولم يعمل صالحًا فلا يكون من المفلحين.\nوالآية التي نحن بصددها من هذا القسم؛ حيث قال تعالى:\n(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، فهذا تمام القسم الأول، وذكْر هذا\nالقسم يدل دلالة واضحة على أن هناك قسمًا آخر يخالفون من ذكروا\nفي هذا القسم - وهو القسم الثاني للفظة: \" أما \" تقديرة: وأما","vol":"2","page":515},{"text":"غيرهم فيؤمنون بالتشابه ويقومون بتفويض معناه إلى اللَّه تعالى، دل\nعلى ذلك قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، فكأنه قال: \" وأما الراسخون في العلم فيقولون \"، ولو\nكان الراسخون في العلم يعلمون ويفهمون تأويل المتشابه لما خالفوا\nالقسم الأول في ابتغاء التأويل ولكانوا قسمًا واحدًا.\nالخلاصة: أن اللَّه تعالى قسمهم إلى قسمين: قسم اتبع ما تشابه\nمن الكتاب يبتغون تأويله، فذمهم اللَّه تعالى، وقسم آمنوا بالمتشابه\nوفوضوا معرفته إلى اللَّه، وأن ما يعلم تأويل المتشابه إلا هو سبحانه\nوتعالى، فهؤلاء مدحهم، وهذا يدل على أن الوقف على قوله:\n(إِلَّا اللَّهُ) .\nالوجه الثالث: قول الراسخين في العلم: (آمنا به) يدل دلالة\nواضحة على أنهم فوضوا علم المتشابه إلى اللَّه تعالى، وسلموا ذلك\nإليه سبحانه، وبينوا أن ذلك من علم الغيب الذي استأثر اللَّه بعلمه،\nفيدل ذلك على أن الراسخين في العلم لم يدركوا معنى المتشابه،\nفمعنى قوله: (آمنا به) أي: صدقنا به؛ لأن الإيمان هو التصديق،\nولم يقل: والراسخون في العلم يقولون: علمنا به.\nالوجه الرابع: قول الراسخين في العلم: (كل من عند ربنا)\nبعد قولهم: (آمنا به)؛ حيث إن ذلك يقوي ذلك التفويض،\nوالتسليم لأمره وإن لم يعلموا معناه.\nوالمراد من ذلك: أن الراسخين في العلم قالوا: إن المحكم الذي\nأدركنا معناه، وفهمنا المراد منه، والمتشابه الذي لم نفهم معناه، ولم\nندرك المراد منه كلاهما من عند اللَّه، فنحن نؤمن بهما معًا، دون أن","vol":"2","page":516},{"text":"نفرق بين ما علمنا وبين ما لم نعلم، إلا أن المحكم نؤمن به عن فهم\nوإدراك المراد، أما التشابه فإنا نؤمن به عن تفويض وتسليم.\nالدليل الثاني - من الأدلة على أن الوقف الصحيح على قوله:\n(إلا الله) - ما روي عن بعض الصحابة من القراءات التي تدل على\nأن الوقف الصحيح على قوله: (إلا الله)؛ حيث روي عن ابن\nعباس أنه قرأ: \" وما يعلم تأويله إلا اللَّه ويقول الراسخون في العلم\nآمنا به \"، وروي عن أبي أنه قرأ: \" ويقول الراسخون في العلم آمنا\nبه \"، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: \" إن تأويله إلا عند الله\nوالراسخون يقولون \".\nوهذه الروايات عن هؤلاء الصحابة إن ثبتت أنها قراءة فهي حُجَّة -\nكما قلنا فيما سبق - وإن لم تثبت قراءة فهي خبر، وإن لم يثبت\nذلك فهي تفسير من صحابي فيقبل؛ حيث إن كلامه يقدم - في\nالشرع - على من هو دونه؛ لأن الصحابة شاهدوا التنزيل،\nوحضروا النبي - ﷺ - فهم أعلم من غيرهم في ذلك.\nالمذهب الثاني: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه،\nويدركون معناه.\nروي ذلك عن مجاهد والضحاك، وذهب إليه أبو إسحاق\nالشيرازي، والمعتزلة، وأبو الحسن الأشعري، والآمدي، والنووي،\nوابن الحاجب.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا\nالله والراسخون في العلم يقولون)، حيث قالوا: إن \" الواو \" في\nقوله: (والراسخون) عاطفة، فعلى هذا يكون الراسخون في\nالعلم يعلمون تأويله؛ إذ لو كان الراسخون في العلم لا يعلمون","vol":"2","page":517},{"text":"المتشابه لما كان لهم على العامة فضيلة ومزية؛ لأن كلًّا من الراسخين\nفي العلم والعامة يقولون: (آمنا به) .\nجوابه:\nنجيب عن ذلك بأن اللَّه تعالى قد جعل للراسخين في العلم فضيلة\nومزية عن طريق علمهم بالآيات المحكمة، وفهمهم لها وبيانها للناس،\nوتوضيح ما التبس منها لهم، ولهم أجر على ذلك كما هو معلوم،\nثم إن الراسخين في العلم قد علموا ما ورد عن اللَّه ﷾،\nدون الوقوف على كنه ذاته وصفاته، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم\nمن الراسخين في العلم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي؛ وذلك لأن هذا الخلاف راجع إلى\nمقصد، ومراد كل من الطرفين، فأصحاب المذهب الأول - وهم\nالقائلون: إن الراسخين في العلم لا يعلمون المتشابه - أرادوا بذلك:\nأنهم لا يعلمون حقيقة المتشابه، وإنما ذلك إلى اللَّه تعالى.\nوأصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إنهم يعلمون تأويل\nالمتشابه - أرادوا بذلك أنهم يعلمون ظاهره، ولا يعلمون حقيقته.\nفالاتفاق حاصل على أن الراسخين في العلم لا يعلمون حقيقة\nالمتشابه؛ لأن علم ذلك قد استأثر اللَّه به.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" وكلا القولين حق، فمن قال:\nلا يعلم تأويله إلا اللَّه فمراده: ما يؤول إليه الكلام من الحقائق التي\nلا يعلمها إلا اللَّه، ومن قال: إن الراسخين في العلم يعلمون\nالتأويل فالمراد به: تفسير القرآن الذي بيَّنه الرسول والصحابة \".","vol":"2","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المطلب السادس هل يوجد في القرآن مشترك لفظي</span>؟\nاللفظ المشترك هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعًا\nأولًا، وسيأتي إن شاء اللَّه بيان ذلك مع ذكر مسائله في الفصل الرابع\nمن الباب الرابع الذي هو في \" الألفاظ ودلالتها على الأحكام \"\nوبما أني - الآن - أتكلم عن القرآن وما يخصه من مباحث، فإنه\nلزامًا عليّ أن أبين هذا الموضوع، وهو: هل يوجد في القرآن\nمشترك لفظي؛ فأقول:\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يوجد في القرآن مشترك لفظي.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن القرآن نزل بلغة العرب، قال تعالى: (بلسان\nعربي مبين)، ولغة العرب يرد فيها المشترك، فيكون القرآن قد\nاشتمل على المشترك؛ لأنه نزل بلغتهم.\nوالدليل على أن لغة العرب يرد فيها المشترك: التردد في المراد من\nلفظ \" القرء \"، و\" العين \"، و\" الشفق \"، و\" الجون \"،\nو\"الجلل \"، وإذا تردد الذهن بين معنيين فهو علامة الاشتراك، فمثلًا:\nأطلق أهل اللغة: \" القرء \" على الطهر والحيض وهما ضدان، فدل\nعلى وقوع الاشتراك في اللغة.","vol":"2","page":519},{"text":"الدليل الثاني: أن المشترك اللفظي قد وقع في القرآن، بحيث يرد\nاللفظ فيه فيتردد الذهن بين معنيين له أو أكثر.\nومن ذلك قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)،\nوالقرء يصلح للطهر والحيض.\nفجاء لفظ \" القرء \" بمعنى الطهر فى قول الأعشى:\nأفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا\nمورثة عزًا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا\nأي: ضيع أطهارهن في غزواته، فالقرء هنا: الطهر.\nوجاء لفظ \" القرء \" بمعنى: الحيض في قول الشاعر:\nيا رب ذي طعن علي فارض ... له قروء كقروء الحائض\nأي: أنه لما طعن كان له دم كدم الحائض.\nوبسبب هذا اللفظ المشترك اختلف العلماء في عدة المطلقة الحائض\nعلى رأيين:\nالرأي الأول: أن عدتها ثلاث حيضات؛ استنادًا إلى أن المراد بالقرء\nالوارد في الآية هو: الحيض.\nالرأي الثاني: أن عدتها ثلاثة أطهار؛ استنادًا إلى أن المراد بالقرء\nالوارد في الآية هو: الطهر.\nواستدل كل فريق من العلماء بأدلة قد ذكرت أكثرها في \" إتحاف\nذوي البصائر بشرح روضة الناظر \"، فراجعه من هناك.\nومن ذلك - أي: من الألفاظ المشتركة الواردة في القرآن - قوله\nتعالى: (والليل إذا عسعس)، فإن لفظ \" عسعس \" يأتي بمعنى\n\"أقبل \"، و\" أدبر \" على سبيل الاشتراك ذكره الجوهري في الصحاح.","vol":"2","page":520},{"text":"اعتراض على ذلك:\nاعترض معترض قائلًا: إن القرء ليس مشتركًا بين \" الطهر \"،\nو\"الحيض \"، بل هو موضوع للقدر المشترك بينهما، واختلف في\nتعيين ذلك المشترك على أقوال.\nأولها: أنه \" الجمع \" من قول القائل: \" قريت الماء في\nالحوض \": إذا جمعته فيه، والدم يجتمع في زمن الطهر في الجسد،\nوفي زمن الحيض في الرحم.\nثانيها: أنه الانتقال، فالانتقال يُسمَّى قرءًا لغة، فالحائض تنتقل\nمن الطهر للحيض، وتنتقل من الحيض للطهر.\nثالثها: أنه الزمان تقول العرب: \" جاءت الريح لقرئها \" أي:\nلزمانها، والحيض له زمان، والطهر له زمان، فسميا قرءًا لذلك.\nوكذلك قالوا: إن لفط \" عسعس \" ليس مشتركا، بل هو\nمتواطئ، نظرًا للقدر المشترك بينهما، وهو: اختلاط الظلام بالضياء.\nوفعلوا ذلك في كل مشترك فردوا ذلك إلى التواطؤ، أو الحقيقة\nوالمجاز.\nجوابه:\nنجيب عن ذلك الاعتراض: بأن هذه التأويلات يمكن أن تسوغ\nوتقبل لو امتنع ثبوت المشترك في اللغة، ولكن الحقيقة: أن لفظ\n\"القرء \" ولفظ \" عسعس \" من الألفاظ المشتركة، وهذا ثابت في\nاللغة كما سبق بيان ذلك، وهذه التأويلات التي ذكرها المانعون من\nثبوت المشترك متكلَّفة، وليس لأحد أن يتعسف التأويل.","vol":"2","page":521},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يوجد في القرآن مشترك.\nنسب هذا المذهب إلى داود الظاهري.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل من ذهب إلى هذا المذهب بقوله: إن المشترك لو وقع في\nالقرآن لوقع إما مبيَّنًا بأن يذكر معه قرينة تفيد المعنى المراد من المعاني\nكما يقال - مثلًا -: \" ثلاثة قروء وهي الأطهار \": فيلزم التطويل\nبغير فائدة \" لأنه يمكن أن يعبر عن ذلك المعنى بلفظ مفرد وضع له\nفقط.\nوإما أن يقع المشترك غير مبيَّن فيكون غير مفيد - حيث إنه لم\nيحصل المقصود وهو: الفهم التفصيلي - وغير المفيد لا يقع به\nالخطاب، ولو وقع لكان عبثًا، والله ﷿ منزه عن العبث.\nجوابه:\nنجيب عنه: بأنا لا نسلِّم أنه إذا وقع غير مبيَّن لم يكن مفيدًا،\nوإنما يلزم ذلك أن لو كانت الفائدة منحصرة في الفهم التفصيلي وهو:\nممنوع، وذلك لأن غير المبيَّن في القرآن مفيد، وهو إما أن يقع في\nالأحكام، أو يقع في غير الأحكام.\nفإن وقع في الأحكام ففائدته الاستعداد للامتثال إذا بين.\nوإن وقع في غير الأحكام ففائدته مثل الفائدة في أسماء الأجناس\nوهو الفهم الإجمالي.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي \" لأنه راجع إلى اصطلاح كل من\nالفريقين.","vol":"2","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المطلب السابع في النسخ</span>\nالنسخ يلحق الكتاب والسُّنَّة معًا، ولكن جعلناه من مباحث القرآن؟\nلأنه أخص به بسبب إشكاله وغموضه بالنسبة إليه.\nوقد شمل الكلام عن النسخ المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: تعريفه لغة.\nالمسألة الثانية: هل النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، أو العكس؟\nالمسألة الثالثة: تعريف النسخ اصطلاحًا، واختلاف العلماء هل هو\nرفع أو بيان؟\nالمسألة الرابعة: شروط النسخ.\nالمسألة الخامسة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص.\nالمسألة السادسة: الفروق بين النسخ والتخصيص.\nالمسألة السابعة: هل النسخ جائز عقلًا؟\nالمسألة التامنة: هل النسخ جائز شرعا؟\nالمسألة التاسعة: حكمة النسخ.\nالمسألة العاشرة: بيان أن النسخ قليل في الشريعة.","vol":"2","page":523},{"text":"المسألة الحادية عشرة: الأحكام التي يتناولها النسخ، والأحكام التي لا\nيتناولها.\nالمسألة الثانية عشرة: هل يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها وبالعكس\nونسخهما معا؟\nالمسألة الثالثة عشرة: النسخ قبل التمكن من الفعل.\nالمسألة الرابعة عشرة: الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟\nالمسألة الخامسة عشرة: نسخ جزء من أجزاء العبادة، أو شرط من\nشروطها.\nالمسألة السادسة عشرة: نسخ الحكم إلى غير بدل.\nالمسألة السابعة عشرة: النسخ با لأخف، والمساوي، والأثقل.\nالمسألة الثامنة عشرة: إذا بلغ الناسخ النبي - ﷺ - ولم يبلغ بعض الأمة فهل يثبت في حق من لم يبلغهم ذلك الناسخ؟\nالمسألة التاسعة عشرة: نسخ القرآن بالقرآن.\nالمسألة العشرون: نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة.\nالمسألة الحادية والعشرون: نسخ يسُنَّة الآحاد بسُنَّة الآحاد.\nالمسألة الثانية والعشرون: نسخ يسُنَّة الآحاد بالسُّنَّة المتواترة.\nالمسألة الثالثة والعشرون: نسخ السُنَّة بالقرآن.\nالمسألة الرابعة والعشرون: نسخ القرآن بالسُّئة المتواترة.\nالمسألة الخامسة والعشرون: هل يجوز نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة\nبخبر الواحد؟","vol":"2","page":524},{"text":"المسألة السادسة والعشرون: هل يكون الإجماع منسوخا؟\nالمسألة السابعة والعشرون: هل يكون الإجماع ناسخا؟\nالمسألة الثامنة والعشرون: هل يكون القياس منسوخا وناسخا؟\nالمسألة التاسعة والعشرون: إذا نسخ حكم الأصل فهل ينسحْ حكم\nالفرع تبعا لذلك؟\nالمسألة الثلاثون: مفهوم الموافقة هل يقع ناسخا ومنسوخا؟\nالمسألة الواحدة والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يفع منسوخا؟\nالمسألة الثانية والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يقع ناسخا؟\nالمسألة الثالثة والثلاثون: كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ.","vol":"2","page":525},{"text":"المسألة الأولى: تعريف النسخ لغة:\nالنسخ لغة يطلق على إطلاقين هما:\nالإطلاق الأول: يطلق ويراد به الإزالة والرفع، ومنه قولهم:\n\"نسخت الشمس الظل \"، أي: أزالته ورفعته، وهذا مثال النسخ\nإلى بدل.\nومنه أيضًا قولهم: \" نسخت الريح الأثر \" أي: رفع الريح آثار\nالقوم وأزالتها، وهذا مثال النسخ إلى غير بدل.\nالإطلاق الثاني: النسخ يطلق ويراد به لغة النقل مع بقاء الأول،\nومنه قولهم: \" نسخت الكتاب \" أي: نقلت ما فيه، مع بقاء\nالأصل.\n***\nالمسألة الثانية: هل النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل أو العكس؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن النسخ يطلق على الإزالة والنقل حقيقة\nبالاشتراك المعنوي.\nذهب إلى ذلك ابن المنير في \" شرح البرهان \".\nبيان الاشتراك المعنوي هنا:\nأن بين نسخ الشمس الظل ونسخ الكتاب قدرًا مشتركًا، وهو:\nالرفع؛ حيث إن الرفع في نسخ الظل واضح؛ لأنه زال بضده.","vol":"2","page":527},{"text":"أما الرفع في نسخ الكتاب فهو مقدر؛ حيث إن الكلام المنقول\nبالكتابة لم يكن مستفادًا إلا من الأصل، فكان للأصل بالإفادة\nخصوصية، فإذا نسخت الأصل ارتفعت تلك الخصوصية، وارتفاع\nالأصل والخصوصية سواء في مسمى الرفع.\nوهذا المذهب هو الحق عندي، لسلامته من المجاز، ومن\nالاشتراك اللفظي اللذين هما على خلاف الأصل، بيان ذلك:\nأن المجاز خلاف الأصل، لأنه يحتاج إلى قرينة عند استعمال\nالمعنى المجازي تمنع من استعماله في المعنى الحقيقي، بينما الحقيقة لا\nتحتاج إليها، لأن الأصل في الكلام الحقيقة.\nكذلك الاشتراك اللفظي خلاف الأصل، لأن الأصل عدم تعدد\nالوضع، ولأن الاشتراك اللفظي يحتاج إلى قرينة ترجح أحد معنييه.\nفيكون النسخ يطلق على الإزالة والنقل حقيقة بالاشتراك المعنوي،\nلأنه لا يحتاج إلى قرينة، فإذا دار اللفظ بين الاشتراك اللفظي\nوالاشتراك المعنوي قدم الاشتراك المعنوي، لأنه هو الأصل، لأن\nالأصل عدم تعدد الوضع ولعدم احتياجه إلى قرينة، وإذا دار اللفظ\nبين الحقيقة والمجاز قدمت الحقيقة، لأنها هي الأصل، والمجاز\nخلاف الاءصل.\nالمذهب الثاني: أن النسخ يطلق حقيقة على الإزالة، ويطلق على\nالنقل مجازًا.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء، ومنهم: فخر الدين الرازي،\nوالبرماوي وغيرهما.\nدليل هذا المذهب:\nأن النسخ مستعمل في إطلاقين هما: \"الإزالة\" و\" النقل \"،","vol":"2","page":528},{"text":"ولا ثالث لهما، فإذا كان إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم:\n\"نسخت الكتاب \" مجازًا؛ لأن ما في الكتاب لم ينقل حقيقة، بل\nنقل مجازًا: لزم أن يكون حقيقة في الإزالة؛ لأنه إذا بطل كونه\nحقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في الآخر.\nالمذهب الثالث: أن النسخ يطلق عليهما حقيقة بالاشتراك اللفظي.\nذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، والقاضي\nعبد الوهاب المالكي.\nدليل هذا المذهب:\nأن النسخ استعمل في الإزالة والنقل، وأطلق عليهما معا في لسان\nالعرب، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وليس أحدهما بأوْلى من\nالآخر.\nالجواب عن المذهبين السابقين:\nنجيب عنهما: بأن المجاز والاشتراك اللفظى خلاف الأصل - كما\nبينا فيما سبق - فلا يقاوم ذلك الاشتراك المعنوي؛ لأنه موافق\nللأصل، وقد سبق بيان ذلك.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ لعدم تأثيره في الفروع الفقهية.\n***\nالمسألة الثالثة: تعريف النسخ اصطلاحا، واختلاف العلماء\nهل هو رفع أو بيان؟\nلقد ذكر العلماء تعريفات للنسخ، ومن أهمها:","vol":"2","page":529},{"text":"التعريف الأول: أنه: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متأخر عنه.\nاختار ذلك: القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وأبو إسحاق الشيرازي، والآمدي، وابن الحاجب، والتبريزي.\nوهو الحق عندي؛ لكونه جامعًا مانعًا، وإليك بيان وشرح ذلك:\nإن هناك حكمًا قد ثبت بخطاب شرعي متقدم، فجاء خطاب آخر\nمن الشارع - فجأة - وهو متأخر عن الأول فرفع ذلك الحكم مثل:\nأن اللَّه تعالى حكم بأن عدة المتوفى عنها زوجها حول كامل، وذلك\nبخطاب شرعي وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) بعد ذلك بزمن\nرفع هذا الحكم بخطاب متأخر عنه، وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .\nفالرفع هو إزالة ذلك الحكم على وجه لولا هذا الرفع لبقي الحكم\nثاشًا مستمرًا يعمل به.\nفالنسخ - إذن - قطع لدوام الحكم فجأة، لا بيان انتهاء مدته.\nوهناك فرق بين قطع دوام الحكم، وبين انتهاء المدة، يتبين ذلك\nالفرق إذا فرقنا بين فسخ الإجارة، وانقضاء مدتها، بيان ذلك:\nالإجارة هي: عقد على منفعة لسنة كاملة - مثلًا - فإذا رفعت\nالإجارة بالفسخ، فإن ذلك يغاير زوالها بانقضاء مدتها؛ لأن فسخ\nالإجارة: قطع لدوامها لسبب خفي عن المتعاقدين عند ابتداء العقد.\nأما إنقضاء مدة الإجارة فهو ارتفاع حكمها لسبب قد علمه","vol":"2","page":530},{"text":"المتعاقدان عند ابتداء العقد وهو: \" انقضاء الأجل \"، وهو انتهاء\nالسنة.\nفلو استأجر منزلًا لسنة كاملة، فإن المستأجر والمؤجر يعلمان - عند\nابتداء العقد - أنه عند انتهاء السنة سيرتفع حكم الإجارة، ولو انهدم\nالمنزل في أثناء السنة فإن للمستأجر الفسخ مع عدم علمه عند ابتداء\nالعقد بانهدام المنزل.\nفكذلك يقاس على ذلك نسخ الحكم، وهو قطع دوام الحكم،\nلا بيان انتهائه.\nفنسخ الحكم فجأة مثل فسخ الإجارة.\nأما انتهاء مدة الحكم فإنه لا يسمى نسخا، كما أن انقضاء مدة\nالإجارة لا يسمى فسخا.\nولقد عبرنا بلفظ \" الثابت \" لبيان أنه يشترط في الحكم الأول أن\nيكون ثابتا، لأن ما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه؛ لأنه أصلا لم\nتنشغل الذمة به.\nولقد عبرنا بلفظ \" الخطاب \" ولم نعبر بلفظ \" النص \"؛ لأن لفظ\n\" الخطاب \" شامل للفظ، والفحوى، والمفهوم؛ لأن النسخ يجوز\nبجميع ذلك.\nوعبرنا بلفظ \" رفع الحكم \" ولم نعبر بعبارة: \" رفع الأمر والنهي \"\nوذلك ليتناول الأمر والنهي والخبر، وجميع أنواع الحكم من واجب\nومندوب ومكروه ومباح وحرام، فإن جميع ذلك قد ينسخ.\nوقد قيدنا التعريف بالخطاب المتقدم؛ لبيان أنه إذا زال حكم العقل\nبإيجاب العبادات ابتداء كالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، فإن هذا","vol":"2","page":531},{"text":"لا يسمى نسخًا؛ لأن الحكم المرفوع - وهو حكم العقل، أو حكم\nالنفي الأصلي - لم يكن ثابتا بخطاب من الشارع متقدم، بل هو\nثابت بالأصل؛ لأن الأصل براءة الذمة.\nوقيدنا التعريف بالخطاب المتأخر للاحتراز من زوال الحكم بدون\nخطاب كالموت والجنون؛ لأنه من المعلوم: أن من مات أو جن فإن\nالتكاليف ترتفع عنه، ولا يسمى ذلك نسخًا؛ لأن رفع الحكم عنهما\nلم يكن بخطاب، بل بسبب الموت والجنون.\nوقلنا: \" بخطاب متأخر عنه \" لبيان أنه يشترط: تأخر الخطاب\nالثاني - وهو الناسخ - عن الخطاب الأول المثبت للحكم الأول\nالمنسوخ.\nواشتراط التأخر - هنا - لإخراج المخصِّصات المتصلة، كالشرط،\nوالغاية، والاستثناء.\nمثال الشرط قولك: \" أنت طالق إن دخلت الدار \"، فإن قولك:\n\" إن دخلت الدار \" شرط قد رفع حكم عموم وقوع الطلاق الذي\nدلَّ عليه قوله: \" أنت طالق \"، وهذا لا يسمى نسخا وإن كان رفعا\nلحكم بخطاب؛ لأن الخطاب غير متأخر.\nومثال الغاية قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، فإن\nمجيء الليل لا يكون نسخًا للصوم؛ لأنه وإن كان رفعًا لحكم\nبخطاب إلا أن هذا الخطاب غير متأخر، بل هو متصل، فهو قد\nانتهى بانتهاء غاية الحكم وانقضاء وقته.\nومثال الاستثناء قولك: \" أنت طالق ثلاثا إلا واحدة \"، فإن هذا\nالاستثناء قد رفع عموم الطلاق الثلاث حتى ردَّه إلى اثنتين، فهذا","vol":"2","page":532},{"text":"رفع لحكم بخطاب، ولكن لا يسمى نسخًا؛ لأن الخطاب غير\nمتأخر عنه، بل هو متصل.\nالحاصل: أنه يكون الخطاب الرافع ناسخا إذا ورد هذا الرافع بعد\nأن ثبت الحكم المراد نسخه واستقر، بحيث يدوم لولا هذا الرافع.\nأما إذا اتصل الرافع بالمنسوخ، فإنه يكون بيانا وإتمامًا لمعنى\nالكلام.\nاعتراض على هذا التعريف:\nقال كثير من المعتزلة: إن تحديد النسخ بـ \" الرفع \" لا يصح؟\nلأدلة هي كما يلي:\nالدليل الأول: قالوا: إن النسخ بمعنى الرفع يدل على البَداء -\nوهو: الظهور بعد أن لم يكن - والبَداء محال في حق اللَّه تعالى؟\nحيث إننا لو قلنا به في حق اللَّه تعالى فإنه يلزم منه: أن اللَّه لما حكم\nبشيء بدا له وظهر له - فيما بعد - أن هذا الحكم خطأ ثم ندم عليه\nوهذا محال في حق اللَّه تعالى.\nجوابه:\nنجيب عنه بثلاثة أجوبة هي كما يلي:\nالجواب الأول: أنا نقطع بعدم لزوم البَداء من رفع الحكم،\nوذلك لأنا نقطع بكمال علم اللَّه تعالى، والبَداء ينافي كمال العلم؟\nلأنه يستلزم الجهل المحض، لأن البَداء - كما قلنا - هو: ظهور\nالشيء بعد أن كان خافيًا.\nالجواب الثاني: نحن لا نقول: إن اللَّه تعالى كان قد خفي عليه\nشيء في الأول وظهر في الثاني، وإنما نقول: إنه خاطب بهذا","vol":"2","page":533},{"text":"الخطاب وهو يعلم بأنه سيسقطه عن العباد بعد مدة من الزمان، فهو\nسبحانه علم أن مصلحة العباد تقتضي هذا الحكم في هذا الزمان بعينه\nوهو مفسدة لهم في زمن ثاني، فلما انتهى الزمن الأول رفع ذلك\nالحكم عنهم، وهذا ليس ببداء.\nالجواب الثالث: أن اللَّه سبحانه خلق الخلق على صفات مختلفة،\nفخلق الإنسان على صفة ثم نقله إلى صفة أخرى؛ حيث إنه خلقه\nطفلًا ثم رجلًا ثم شيبة، فإذا كان يفعل ذلك وهو لا يسمى بَداءً،\nفإن ما نحن فيه مثله، حيث إنه أنزل علينا حكما فعملنا به مدة، ثم\nنقلنا إلى حكم آخر فلا يسمى ذلك بَداء.\nالدليل الثاني: قالوا: إن خطاب اللَّه تعالى قديم، والقديم لا\nيصح رفعه، لأن الرفع نقل وإزالة وتغيير، وكل ذلك محال على\nالقديم.\nجوابه:\nنجيب عنه: بأنه ليس معنى النسخ رفع الخطاب نفسه، بل المراد\nبالنسخ: رفع وقطع تعفُق الخطاب بالمكلَّف؛ قياسا على المكلف إذا\nطرأ عليه طارئ مثل: أن يصاب بجنون، فإن تعلق الخطاب بهذا\nالمكلف يزول بسبب هذا الطارئ، ثم إذا زال الجنون وأصبح قادرًا\nعلى القيام بما كلف به عاد إليه تعلق الخطاب به، فالخطاب نفسه لم\nيتغير، حيث إنه باق على ما هو عليه من حيث ذاته، فالجنون\n- مثلًا - سبب من جهة المخاطب بقطع تعلق الخطاب عنه.\nفكذلك النسخ سبب من جهة المخاطب بقطع تعلُّق الخطاب بهؤلاء\nالمكلَّفين.\nالدليل الثالث: قالوا: إن تحديد النسخ بالرفع يؤدي إلى تناقض","vol":"2","page":534},{"text":"الله في أحكامه، حيث إنه من جهة إثبات الحكم فإنه قد أمر به وأراد\nوجوده وشرعه، ومن جهة رفع الحكم فإنه قد نهى عنه، ولم يرد\nوجوده ولا شرعه.\nفلزم من ذلك: أن يكون الحكم الواحد مرادًا وغير مراد ولا معنى\nللتناقض إلا هذا.\nجوابه:\nنجيب عنه: بأن هذا مبني على أن الأمر مشروط بالإرادة وهذا\nباطل؛ لأن الأمر - عندنا - يفارق الإرادة بدليل: أن اللَّه - تعالى -\nقد أمر إبراهيم - ﵇ - بذبح ولده ولم يرده منه، وأمر\nإبليس بالسجود ولم يرده منه؛ لأنه لو أراد ذلك لوقع؛ فإن الله\nتعالى فعال لما يريد.\nفالله تعالى قد يأمر بالشيء ولا يريد وقوع ووجود المأمور به، فلا\nتناقض بين الأمر بالشيء وكونه غير مراد الوقوع والوجود.\nالدليل الرابع: قالوا: إن الحكم المنسوخ إنما أثبته اللَّه تعالى لحسنه\nوصلاحيته للمكلَّفين فيمتنع رفعه، لأن رفعه - بالنهي عنه - يلزم منه\nأن ينقلب الحسن قبيحا، لأنه لولا قبحه وعدم صلاحيته لما رفع.\nجوابه:\nنجيب عنه بجوابين:\nأولهما: أن هذا مبني على قاعدة وهي: \" التحسين والتقبيح\nالعقليين \" وهي باطلة عندنا، لأن العقل لا مدخل له في الشرعيات،\nفالشارع هو اللَّه تعالى، فما أمر به يكون حسنا، وما نهى عنه يكون\nقبيحًا.","vol":"2","page":535},{"text":"ثانيهما: أن الشيء قد يكون حسنا في وقت، وقبيحًا في وقت\nآخر، فإذا أمر اللَّه تعالى في هذا الوقت بحكم فإنه يكون حسنا وفيه\nمصلحة للعباد، وإذا نهى عنه في وقت آخر يكون قبيحًا وفيه مفسدة\nعلى العباد، وهذا ليس فيه انقلاب الحسن إلى القبيح لمن دقق فيه.\nالتعريف الثاني: أن النسخ: النص الدال على انتهاء أمد الحكم\nالشرعي مع التأخير عن مورده.\nاختاره: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين، وفخر\nالدين الرازي، والقرافي، وجماعة من المعتزلة، ونسب إلى الفقهاء.\nشرح التعريف:\nإن الحكم المنسوخ مغيا بغاية معينة ينتهي إليها، وله مدة معلومة\nمحدودة، فإذا جاءت تلك الغاية ينتهي العمل به بذاته، والنسخ\nكشف هذا الانتهاء.\nفأصحاب هذا التعريف يجعلون النسخ بيانا، أي: أن الخطاب\nالثاني بين وكشف أن الأزمنة بعده لم يكن ثبوت الحكم فيها مرادًا من\nالخطاب الأول، كما أن التخصيص في الأعيان كذلك.\nسبب اختيار هؤلاء لهذا التعريف:\nإن هؤلاء اختاروا هذا التعريف وعدلوا عن التعريف الأول لسبب\nوهو: أن الحكم راجع إلى كلام اللَّه - تعالى - وهو قديم،\nوالقديم لا يرفع ولا يزال.\nجوابه:\nنجيب عنه بأن المرفوع ليس نفس الخطاب، بل إن المرفوع هو\nتعلق الخطاب بالمكلف فقط، وقد بيَّنا ذلك فيما سبق.","vol":"2","page":536},{"text":"* ما يمكن الاعتراض به على هذا التعريف:\nيعترض على هذا التعريف بما يلي:\nالاعتراض الأول: أن هذا التعريف قد جعل النسخ تخصيصا\nزمانيًا.\nأي: أن الخطاب الثاني قد كشف وبيَّن أن الأزمنة بعده لم يكن\nثبوت الحكم فيها مرادًا من الخطاب الأول، كما أن التخصيص في\nالأعيان كذلك، ومعلوم أن النسخ يختلف عن التخصيص كما سيأتي\nبيان ذلك إن شاء اللَّه.\nالاعتراض الثاني: أن التعريف غير جامع لأفراد المعرف؛ لأنه لا\nيشمل \" النسخ قبل التمكن من الفعل والامتثال \"؛ لعدم دخول وقته؟\nحيث إن عبارة: \" ... الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي \"\nتشعر بأن الحكم الذي بين أمده قد دخل وقت العمل به، فيكون\nالفعل الذي لم يدخل وقت العمل به غير داخل في التعريف.\nومقتضى هذا: أن النسخ قبل التمكن من الفعل غير جائز، وهذا\nمخالف للقول الحق، وهو جواز النسخ قبل التمكن من الفعل\nووقوعه كنسخ أمر إبراهيم - ﵇ - بذبح ابنه، ونسخ\nالخمسين صلاة، كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى.\nبيان نوع الخلاف في هذا:\nأصحاب التعريف الأول قالوا: إن النسخ رفع، وأصحاب\nالتعريف الثاني قالوا: إن النسخ بيان فما نوع هذا الخلاف؟\nأقول - في الجواب عن ذلك -: إن الخلاف لفظي؛ لاتفاق\nالفريقين على أن الحكم الأول له انعدام، وتحقق انعدامه لانعدام\nمتعلقه، لا لانعدام ذات الحكم.","vol":"2","page":537},{"text":"ولاتفاق الفريقين - أيضًا - على أن الحكم المتأخر اللاحق لا بد أن\nيكون منافيًا للأول؛ وأن وجوده يتحقق عدم الأول.\nولاتفاق الفريقين - أيضًا - على أنه ليس كل الأحكام مؤقتة في\nعلم اللَّه، وأنه ليس كل الأحكام مؤبدة، فلا يمكن لأحد الفريقين:\nأن يجزم بأنها مؤبدة، أو مؤقتة مطلقًا؛ فلا يستطيع أحد أن يقول:\nإن الخطاب المطلق في علمه تعالى كان مقيدًا بالدوام، أو يقول:\nكان ذلك الخطاب مخصصا ببعض الأزمنة.\nثم إن أصحاب التعريف الثاني - وهم القائلون: إن النسخ بيان -\nقد جوَّزوا نسخ الحكم المؤقت قبل مجيء وقته - كما سيأتي بيانه -\nوهذا لا يمكن إلا إذا كان رفعًا.\nفالحكم الشرعي له عمر عند اللَّه تعالى مقدّر، وأجل معين،\nوالله تعالى يعلم هذا الأجل، فإذا جاء ذلك الأجل أنزل حكما\nاَخر، وارتفع الحكم الأول، فالحكم المنسوخ قد مات بأجله، وذلك\nبإماتة اللَّه تعالى له، وبيان وظهور الإماتة ليس إلا بهذا الرفع.\nفيكون في حق صاحب الشرع بيان محض لمدة الحكم المطلق الذي\nكان معلومًا عند اللَّه تعالى، إلا أنه أطلقه، فصار ظاهر البقاء في\nحق البشر، فكان تبديلًا - في حقنا، بيانا في حق الشارع.\nأو تقول - في تعليل كون الخلاف لفظيا -: إن القائلين بأن\nالنسخ رفع يثبتون معه بيانا، وأن القائلين بأن النسخ بيان يثبتون معه\nرفعًا؛ وذلك لأن القائلين بأنه بيان لا ينازعون في أن الحكم المنسوخ\nكان قبل النسخ ثابتا، وهو بعد النسخ غير ثابت، وإنما أنكروا رفعا\nيناقض الإثبات ويجامعه.\nوالقائلون بأن النسخ رفع لا ينازعون في أن المكلَّفين كانوا على","vol":"2","page":538},{"text":"ظن بأن الحكم لا ينسخ بناء على أن الغالب في الأحكام القرار وعدم\nالنسخ، ثم تبيَّن لهم بالنسخ أن اللَّه - تعالى - أراد من الأول نسخه\nفي الزمان المخصوص؛ لأن الإرادة قديمة ولا بد منها اتفاقا، فالتقى\nالمذهبان.\n***\nالمسألة الرابعة: شروط النسخ:\nلعله قد اتضح لك من شرحنا للتعريف الأول وهو الذي اخترناه\nالشروط التي ينبغي أن تتوفر في النسخ، وإليك أهمها:\nالشرط الأول: أن يكون الحكم المنسوخ قد ثبت بخطاب متقدم.\nأما الحكم الثابت بدليل العقل أو البراءة كان يتعارف الناس على\nشيء فيفعلونه كاستباحتهم الخمر في أول الإسلام على عادة كانت\nلهم فرفع ذلك، فإن ذلك ليس بنسخ؛ لأنه لم يثبت بخطاب متقدم.\nالشرط الثاني: أن يكون الحكم المنسوخ مطلقا لم يُحدد بمدة\nمعلومة، فيأتي الناسخ فجأةً دون انتظار من المكلَّفين.\nالشرط الثالث: أن يكون الناسخ خطابا شرعيا، فإن ارتفع الحكم\nبموت المكلَّف، أو جنونه، أو غير ذلك من عوارض الأهلية فليس\nهذا بنسخ، وإنما سقط التكليف بسبب ذلك العارض.\nالشرط الرابع: أن يكون الناسخ منفصلًا عن المنسوخ متأخر عنه،\nفإن كان النص قد اقترن بعضه ببعض كالشرط، والغاية، والاستثناء،\nفليس بنسخ؛ حيث يكون تخصيصا.\nوهناك شروط مختلف فيها سنذكرها أثناء بحث المسائل التفصيلية\nللنسخ.","vol":"2","page":539},{"text":"المسألة الخامسة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص:\nالنسخ قد سبق تعريفه وهو: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم،\nبخطاب متأخر عنه.\nأما التخصيص فهو: \" قصر اللفظ مطلقا على بعض مسماه \"،\nأو تقول: \" هو قصر العام على بعض مسمياته \"، أو هو: إخراج ما\nتناوله الخطاب عنه \".\nفإذا دققنا النظر في تعريف النسخ وتعريف التخصيص، فإنا نجد\nأنهما يشتركان ويتفقان في أن كل واحد منهما يوجب إخراج بعض ما\nتناوله اللفظ لغة، أي: أن كلًّا منهما فيه قصر للحكم على بعض\nمشتملاته إلا أن النسخ: قصر للحكم على بعض الأزمان،\nوالتخصيص: قصر للحكم على بعض أفراده.\n***\nالمسألة السادسة: الفروق بين النسخ والتخصيص:\nمع اتفاقهما - فيما سبق - إلا أن بينهما فروقا هي كما يلي:\nالفرق الأول: أن التخصيص يبين أن ما خرج عن العموم - وهو\nالمخصوص - لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه الدلالة عليه.\nبخلاف النسخ، فإنه يدل على أن ما خرج - وهو المنسوخ - لم\nيرد التكليف به، وإن كان قد أراد بلفظه الدلالة عليه.\nالفرق الثاني: أن النسخ يشترط فيه أن يكون الناسخ متأخرًا عن\nالمنسوخ بخلاف التخصيص، فلا يشترط ذلك فيه: فيجوز أن يكون\nالمخصِّص مقترنا مع العام كالتخصيص بالصفة، والشرط، والغاية،\nوالاستثناء، ويجوز أن يكون المخصِّص متأخرًا عن العام.","vol":"2","page":540},{"text":"الفرق الثالث: أن التخصيص لا يدخل ولا يرد على الأمر بمأمور\nواحد مثل: \" أكرم زيدًا \"؛ لأنه لا يكون إلا من متعدد.\nبخلاف النسخ، فإنه يجوز وروده على الأمر بمأمور واحد كما\nنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام.\nالفرق الرابع: أن التخصيص تبقى معه دلالة اللفظ العام على ما\nتحته حقيقة على رأي الجمهور، أو مجازًا على رأي أبي ثور وعيسى\nابن أبان فيما عدا الصورة المخصَّصة، بخلاف النسخ فلا يبقى معه\nدلالة اللفظ على ما تحته.\nأي: أن العام يبقى حُجَّة فيما بقي بعد التخصيص، فلا يخرج\nالعام عن الاحتجاج به مطلقا في مستقل الزمان، فإنه يبقى معمولًا\nبه فيما عدا الصورة المخصوصة.\nأما النسخ فإنه يبطل الدليل المنسوخ حكمه عن العمل به في\nمستقبل الزمان بالكلية، وذلك عندما يرد النسخ على الأمر بمأمور\nواحد.\nالفرق الخامس: أنه لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى،\nويجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى.\nالفرق السادس: أن التخصيص لا يكون إلا لبعض أفراد العام.\nأما النسخ فقد يرفع جميع أفراد العام، وقد يرفع بعض أفراده.\nالفرق السابع: أن التخصيص لا يرد إلا على العام.\nبخلاف النسخ، فإنه يرد على العام والخاص.\nالفرق الثامن: أن التخصيص يجوز بالأدلة النقلية كالكتاب","vol":"2","page":541},{"text":"والسُّنَّة، ويجوز بالأدلة العقلية كالقياس، ويجوز بالقرائن الحالية،\nوالقرائن المقالية.\nبخلاف النسخ، فإنه لا يجوز إلا بالأدلة النقلية كالكتاب والسُّنَّة.\nالفرق التاسع: أن العام المقطوع بدليله يجوز أن يُخصص بمقطوع\nمثله، ويجوز أن يخصص بمظنون كالقياس، وخبر الواحد ونحوهما\nمن الأدلة المخصصة.\nبخلاف النسخ، فإن الحكم المقطوع بدليله لا ينسخ إلا بقاطع مثله.\n***\nالمسألة السابعة هل النسخ جائز عقلًا؟\nالنسخ جائز عقلًا للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنا نعلم بصحة تحريك الجسم بعد تسكينه، وتفريقه\nبعد جمعه، وإماتته بعد إحيائه.، وليس في الأمر بالشيء بعد النهي\nعنه إلا ما في تحريك الجسم بعد تسكينه، وتبييضه بعد تسويده وإذا\nكان ذلك كله من جملة الجائز، وجب أن يكون الأمر بالشيء بعد\nالنهي عنه من جملة الجائز، وهذا هو النسخ.\nالدليل الثاني: أنا نعلم اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان، فلا\nيمتنع أن يأمر اللَّه - تعالى - بالفعل في زمان لعلمه - سبحانه - أن\nالعباد لهم مصلحة فيه في هذا الزمن، ثم ينهاهم عنه ويحرمه عليهم\nفي زمن آخر لعلمه - سبحانه - أن العباد لو عملوا بذلك الفعل في\nهذا الزمن الثاني لترتب عليه مفسدة، كما يفعل الطبيب بالمريض؟\nحيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في\nزمن آخر بسبب اختلاف المصلحة.","vol":"2","page":542},{"text":"الدليل الثالث: أنه لا يمتنع عقلًا أن يأمر اللَّه تعالى بالشيء ثم\nينسخه، سواء نسخ قبل الفعل، أو بعده للامتحان والابتلاء، فمن\nفعل الشيء قبل نسخه، أو عزم على فعله، أو استعد للامتثال، أو\nظهرت عليه أي علامة تدل على استعداده لامتثال ذلك الأمر قبل أن\nينسخ: فإنه يثاب.\nومن لم يمتثل، ولم تظهر عليه أيُّ علامة للامتثال فإنه يأثم.\nالدليل الرابع: أنه إذا جاز أن يطلق الأمر ثم يسقطه بالعجز\nوالمرض جاز أن يطلق الأمر ويسقطه بخطاب آخر.\nالدليل الخامس: أنه إذا جاز أن يخلق اللَّه - تعالى - خلقا على\nصفة، ثم بنقله إلى صفة أخرى: مثل أن يخلقه طفلًا، ثم ينقله\nإلى الشباب، ثم إلى الكهولة، ثم إلى الشيخوخة، ثم إلى الوت\nمن غير اختيار للعبد، ولم يكن ذلك قبيحا في شرع ولا عقل،\nفوجب أن يجوز - هنا - أن يكلف اللَّه خلقه بعبادة ثم ينقلهم عنها.\nالمسألة الثامنة: هل النسخ جائز شرعًا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن النسخ جائز شرعا.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة، فقد أجمعوا على أن شريعة\nمحمد - ﷺ - ناسخة لجميع الشرائع السابقة إما بالكلية، وإما فيما","vol":"2","page":543},{"text":"يخالفها فيه، فالأحكام التي كانت عليهم لا تلزمنا، ولسنا مطالبين\nبها إذا لم يرد بها شرعنا.\nالدليل الثاني: وقوع النسخ في الشريعة، والوقوع دليل الجواز:\nفقد وقع في شريعتنا نسخ بعض الأحكام بعد ثبوتها، ومنها:\n١ - أنه نسخ وجوب التربص حولًا كاملًا عن المتوفى عنها زوجها\nبالتربص أربعة أشهر وعشرًا، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)، ثم\nقال: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .\n٢ - أنه نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة،\nقال اللَّه تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)، وقال: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .\n٣ - أنه نسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان.\n٤ - أنه نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة، فقال تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) نسخ ذلك بقوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) .\nوهناك أمثلة كثيرة ستأتي أثناء كلامنا عن بقية مسائل النسخ.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بيَّن أنه إذا نسخ آية أورد مكانها آية\nأخرى، وكلام اللَّه صدق، فالنسخ جائز.\nوسبب نزول الآية يؤيد ذلك: حيث إن سببها هو: أن اليهود\nعابوا على رسول اللَّه - ﷺ - تحوله عن بيت المقدس إلى البيت الحرام،","vol":"2","page":544},{"text":"وقالوا: إن محمدًا يأمر بالشيء ثم ينهى عنه، فأنزل اللَّه تعالى تلك\nالآية ردًا عليهم، فهذا يدل دلالة واضحة على جواز النسخ؛ لأنها\nردت عليهم في شيء عابوه قد وقع فعلًا.\nما اعترض به على الاستدلال بهذه الآية:\nالاعتراض الأول: أن المراد من النسخ - في هذه الآية -:\nالإزالة، ونسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ.\nجوابه:\nيجاب عنه بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، لأنه معلوم أن القرآن كله خير من\nغير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح\nالمحفوظ، وكتابة آية أخرى بدلها: لما تحقق هذا الوصف - وهي\nالخيرية بالنسبة لنا - وإنما تتحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى\nأحكام الآيات المرفوعة عنا والموضوعة علينا من حيث إن بعض\nالأحكام قد يكون أخف من بعض فيما يرجع إلى تحمل المشقة، أو\nأن ثواب البعض أجزل من ثواب البعض الآخر من الأحكام - على\nخلاف بين العلماء - فوجب حمل النسخ على أحكام الآيات\nالموجودة في المصحف لا على ما ذكره المعترض.\nالاعتراض الثاني: أنه ليس المراد من الآية النسخ، وإنما المراد\nالتخصيص.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن هذا غير صحيح لأمرين:\nأولهما: أن لفظ الآية هو: \" ما ننسخ \"، والنسخ غير التخصيص،\nفكل واحد منهما له مفهوم يخالف الآخر كما سبق بيان ذلك.","vol":"2","page":545},{"text":"ثانيهما: أن التخصيص لا يستدعي بدلًا مثله، أو خيرًا منه، وإنما\nالتخصيص بيان للكلام.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) .\nوجه الدلالة: أن التبديل عام وشامل للرفع والإثبات، والمرفوع\nإما تلاوة، وإما حكم، وكيفما كان فهو نسخ.\nالمذهب الثاني: أن النسخ ممتنع شرعًا.\nنسب هذا المذهب إلى أبي مسلم الأصفهاني - محمد بن بحر\nالمتوفى عام ٤٢٢ هـ.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل على ذلك بقوله تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) .\nوجه الاستدلال: أن النسخ باطل؛ لأن فيه إلغاء للحكم\nالمنسوخ، فلو وقع في القرآن لأتاه الباطل، وفى ذلك تكذيب لخبر\nالله تعالى، والكذب محال في خبره.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن الآية لا تدل على أن النسخ ممتنع؛ لأمرين:\nأولهما: أن معنى الآية: أنه لم يتقدم على القرآن من كتب اللَّه ما\nيبطله، ولا يأتي من بعده من كتب اللَّه ما يبطله، وهذا ليس فيه\nمعارضة في أنه ينسخ بعضه بعضًا.\nثانيهما: أن النسخ إبطال، وليس بباطل؛ لأن الباطل ضد\nالحق، والنسخ حق، فهو إبطال العمل بالحكم المنسوخ.","vol":"2","page":546},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nابن دقيق العيد، وابن السمعاني، وابن الحاجب، وتاج الدين\nابن السبكي، وغيرهم ممن تعرضوا لذلك يذكرون أن الخلاف بين\nالجمهور وأبي مسلم الأصفهاني لفظي.\nوالقول الحق عندي التفصيل، وبيانه:\nأن العلماء الذين بلغهم مذهب أبي مسلم اختلفوا في مراده على\nأقوال:\nفقيل: إنه لا ينكر حقيقة النسخ، لكن لا يسميه بهذا الاسم،\nبل يسميه تخصيصا زمنيا.\nوقيل: إنه ينكره، وهو باطل عنده، وقيل: ينكره في شريعة\nواحدة - فقط -، وقيل: ينكره في القرآن خاصة.\nوالراجح عندي هو الأول - وهو: أنه يسميه تخصيصا زمنيا -\nلأمرين:\nأولهما: أنه لا يتصور من مسلم إنكار النسخ؛ لأن النسخ من\nضروريات هذه الشريعة؛ إذ هو ثابت وواقع.\nثانيهما: أن أبا مسلم مؤمن بنبوة محمد - ﷺ -، ومقر بأن التعبد بشرع من قبله من الأنبياء السابقين إنما هو مغيًّا إلى حين ظهور نبينا\nمحمد - ﷺ -، وعند ظهوره - ﷺ - زال التعبد بشرع من قبله لانتهاء الغاية، ولو لم يقر بذلك لانتفت عنه صفة الإسلام.\nوإذا كان يسميه تخصيصا فالخلاف لفظي؛ لأن النسخ تخصيص\nفي أزمان الخكم، ومعروف أن تخصيص الأزمان كتخصيص\nالأشخاص، فمعنى النسخ وحقيقته قد اتقق عليه بين الجمهور وأبي مسلم.","vol":"2","page":547},{"text":"لكن الجمهور يسمونه نسخا، وأبا مسلم يسميه تخصيصا،\nفكل منسوخ عنده فيها مغيًّا عنده في علم اللَّه تعالى إلى ورود ناسخه\nكالمغيا في اللفظ، فنشأ من هذا تسمية النسخ تخصيصا، والغاية من\nالمخصصات المعروفة، إذن الخلاف في العبارة والاصطلاح، فيكون\nالخلاف لفظيًا.\nأما على قول من قال: \" إن النسخ باطل عنده، وهو ينكره\nحقيقة \"، أو من قال: \" إنه ينكره في شريعة واحدة \"، أو من\nقال: \" ينكره في القرآن خاصة \"، فالخلاف يكون معنويًا، إذ يترتب\nعليه آثار كثيرة، حيث يلزم منه إنكار كثير من الآيات الناسخة.\nتنبيه: بعض الأصوليين ذكروا أن من المنكرين للنسخ بعض فرق\nمن اليهود، وهي ثلاث فرق هي كما يلي:\nالشمعونية - نسبة إلى شمعون بن يعقوب - ينكرون النسخ عقلًا\nوشرعًا.\nالعنانية - نسبة إلى عنان بن داود - ينكرون النسخ سمعا، وجوازه\nعقلًا.\nالعيسوية - نسبة إلى أبي عيسى: إسحاق بن يعقوب الأصفهاني -\nيجوزونه عقلًا، وسمعًا، ولكن شريعة محمد - ﷺ - عندهم ليست ناسخة لشريعة موسى ﵇.\nهذه الفرق الثلاثة لهم أدلة على ما ذهبوا إليه، ولقد ذكرت ذلك\nبالتفصيل، والأجوبة عن كل دليل من أدلتهم في كتابي: \" إتحاف\nذوي البصائر بشرح روضة الناظر \"، فارجع إليه إن شئت.\nولم أذكر ذلك هنا لأني توصلت أخيرًا إلى أن حكاية خلاف","vol":"2","page":548},{"text":"اليهود في كتب أصول الفقه لا يليق؛ لأن الكلام في أصول الفقه\nفيما هو مقرر في الإسلام، وفي اختلاف فرق الإسلام مما يؤثر\nخلافهم في عمل المكلف، أما أقوال الكفار فلا يعتد بها في\nالإسلام، وموضع حكاية خلاف الكفار، وشبههم والرد عليها هو\nأصول الدين.\n***\nالمسألة التاسعة: حكمة النسخ:\nعندنا نوعان من النسخ هما:\nأولهما: نسخ الإسلام لما سبقه من الأديان.\nثانيهما: نسخ بعض الأحكام ببعض في الإسلام.\nأما الأول - وهو: نسخ الإسلام لجميع الشرائع السابقة - فله\nحِكَمٌ ومنها:\nالحكمة الأولى: أن الأعمال البدنية إذا واظب عليها الخلف عن\nالسلف صارت كالعادة عند الخلق، وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها،\nومنعهم ذلك الظن من الوصول إلى المقصود، وهو معرفة الله\nوتمجيده، فإذا غيرت تلك الأعمال إلى أعمال أخرى، وتبين أن\nالمقصود من تلك الأعمال رعاية أحوال القلب، والأرواح في المعرفة\nوالمحبة: انقطعت تلك الظنون والأوهام عن الاشتغال بالصور\nوالظواهر إلى علام السرائر.\nالحكمة الثانية: أن الخلق طبعوا على الملالة من الاستمرار على\nنوع من أنواع العبادة، فوضع في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا\nفي أدائها.","vol":"2","page":549},{"text":"الحكمة الثالثة: أن النوع الإنساني يتقلب كما يتقلب الطفل في\nمراحل مختلفة، ولكل مرحلة حال تناسبها، فالبشر أول عهدهم\nفي الوجود كانوا كالوليد في السذاجة والجهالة والبساطة، ثم بدأ\nالتطور شيئًا فشيئًا، وفي أثناء هذا التطور مرَّتْ عليهم أعراض متباينة\nومتفاوتة، فاقتضى ذلك وجود شرائع مختلفة لهم، فلما نضج هذا\nالعالم واستوى جاء هذا الدين الحنيف خاتما للأديان كلها، ومتممًا\nللشرائع، وجامعًا لمصالح العباد والبلاد، فهو بحق دين عام وخالد\nإلى قيام الساعة.\nأما النوع الثاني - وهو: نسخ بعض الأحكام ببعض في شريعتنا -\nفله حِكَم، ومنها:\nالحكمة الأولى: تهيئة نفوس الناس إلى تقبل الحكم الأخير، بيان\nذلك:\nأن الناس قبل مجيء الإسلام في جاهلية تعمها الفوضى، وعدم\nالانضباط بأنظمة وأحكام وقيود، فاقتضت حكمة الشارع ألا ينقلهم\nدفعة واحدة إلى ما يستقر عليه التشريع آخر الأمر، بل إن اللَّه تعالى\nسلك بهم طريق التدريج في التشريع من الأخف إلى الأشد، من\nأجل أن تتهيأ نفوسهم إلى تقبل حكمه النهائي، فيأتي ذلك الحكم\nوهم على أتم الاستعداد لتقبله والعمل به؛ إذ لو ألزمهم بالأحكام\nالنهائية من أول وهلة لأدى ذلك إلى تنفيرهم عن الإسلام، والقضاء\nعلى الإسلام في مهده.\nومن أمثلة ذلك: تشريع الصلاة، فقد شرعت الصلاة أولًا\nركعتين في الغداة، وركعتين في العشي، ثم شرعت خمسا ركعتين\nركعتين عدا المغرب فقد كانت ثلاثا، ثم أقرت تلك الصلاة في\nالسفر، وزيد في الحضر، فجعلت أربعًا في الظهر والعصر والعشاء.","vol":"2","page":550},{"text":"مثال آخر: تحريم الخمر، فإنه سبحانه بيَّن أولًا ما في الخمر من\nالإثم والنفع، وإن إثمه أكبر من نفعه، ثم منع - ثانيا - الصلاة في\nحالة السكر، ثم حرَّم الخمر في جميع الأوقات.\nمثال ثالث: تحريم الربا: فقد بيَّن - أولًا - ما في الصدقة من\nالخير بخلاف الربا، فإنه لا يربو عند اللَّه، ثم بيَّن ثانيا: أن الربا\nكان سببًا في تحريم بعض الطيبات على اليهود، ثم نهى - ثالثا -\nعن أكل الربا أضعافًا مضاعفة وهو ما كان شائعًا بين أهل الجاهلية،\nثم جاء - رابعًا - التحريم العام الذي لم يختلف فيه.\nمثال رابع: عقوبة الزنا جعله الشارع - أولًا - الإيذاء بالقول\nللرجال، والحبس في البيوت للنساء، ثم نسخ ذلك إلى الجلد لغير\nالمحصن، والتغريب والرجم للمحصن.\nالحكمة الثانية: استمالة القلوب إلى اعتناق الإسلام كما في مسألة\nالقبلة.\nبيان ذلك: أن الشارع الحكيم لم يشأ أن يفاجئ أهل الكتاب من\nاليهود الذين كانوا في المدينة بخلاف ما عهدوه من أنبيائهم من الصلاة\nإلى بيت المقدس، فجاء الأمر بالصلاة نحو بيت المقدس؛ لبيان أن\nوجهة الرُّسُل واحدة، وأنه لا يخالف الأنبياء السابقين، وما ذلك إلا\nلاستمالة قلوبهم إلى هذا الدين، فلما نسخ ذلك وأمر بالتوجه إلى\nالكعبة لم يستغرب ذلك أكثرهم.\nالحكمة التالثة: الابتداء والامتحان، وهذا في النسخ من الأشد\nإلى الأخف، ليظهر المؤمن الحق فيفوز، وليظهر المنافق فيهلك،\nوليميز اللَّه الخبيث من الطيب.\nومن أمثلة ذلك: أن اللَّه أمر إبراهيم - ﵇ - بذبخ ابنه ثم نسخ ذلك.","vol":"2","page":551},{"text":"مثال آخر: نسخ وجوب التربص حولًا كاملًا عن المتوفى عنها\nزوجها بالتربص أربعة أشهر وعشرًا.\nمثال ثالث: نسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي\n- ﷺ -.\nمثال رابع: أنه نسخ ثبات الواحد للعشرة.\n***\nالمسألة العاشرة: بيان أن النسخ قليل في الشريعة:\nالنسخ في الكتاب والسُّنَّة قليل؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن الشريعة الإسلامية مبنية على إرساء القواعد\nالكلية والمبادئ العامة في الدين، وحفظ الضروريات، والحاجيات،\nوالتحسينيات، وكل ذلك لم ينسخ منه شيء، بل أتى بتقوية تلك\nالقواعد، وتحصينها، فلم يتناول النسخ القواعد الكلية والقواعد\nالعامة.\nالدليل الثاني: أن تحريم ما هو مباح بحكم الأصل ليس بنسخ\nكالخمر والربا، فإن تحريمهما بعد ما كانا على حكم الأصل لا يعد\nنسخًا لحكم الإباحة الأصلية، وكذلك رفع براءة الذمة بدليل يثبت\nحكمًا لا يعتبر نسخًا.\nالدليل الثالث: أن غالب ما ادعي فيه النسخ وجدته قد تنازع\nالعلماء فيه؛ لأنه يقبل الاحتمال والتأويل والجمع بين الدليلين على\nوجه من كون الثاني بيانًا لمجمل، أو تخصيصا لعموم، أو تقييدًا\nلمطلق.، ونحو ذلك.\nالدليل الرابع: أن ثبوت الأحكام على المكلَّف مؤكد، فادعاء","vol":"2","page":552},{"text":"النسخ فيها لا يكون إلا بأمر مؤكد ومحقق؛ لأن ثبوتها أولًا محقق،\nفرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق.\n***\nالمسألة الحادية عشرة: الأحكام التي يتناولها النسخ، والأحكام\nالتي لا يتناولها:\nبعد تتبع واستقراء الأحكام المنسوخة وجد أن النسخ يتناول الأحكام\nالشرعية الجزئية التكليفية الفرعية العملية التي تحتمل كونها مشروعة،\nأو غير مشروعة في نفسها في زمن النبوة، أي: أن مصلحتها تتغير\nفتكون في وقت نافعة، وفي وقت ضارة ومفسدة على ما يعلمه الله\nسبحانه.\nوعلى هذا، فإن النسخ لم يتناول - واقعا - الأحكام التالية:\n١ - الأحكام الأصلية المتعلقة بأصول الدين والعقائد كالإيمان بالله\nوملائكته، وكتبه، ورسله، والقَدَر خيره وشره، فهذه لا تقبل\nالتغيير والتبديل بأي حال من الأحوال.\n٢ - الأحكام العامة والقواعد الكلية كالأمر بالمعروف والنهي عن\nالمنكر، ولا ضرر ولا ضرار، وكل عمل ليس عليه أمرنا فهو باطل،\nوالبينة على المدعي واليمين على من أنكر، فهذه لا يمكن رفعها؛ مصالحها ظاهرة.\n٣ - الأحكام التي لا تحتمل عدم المشروعية كأمهات الأخلاق،\nوالفضائل كالعدل، والصدق، والأمانة، وبر الوالدين، والوفاء\nبالعهد، ونحو ذلك، فإن هذه لا تنسخ؛ لأن مصلحة التخلق بها\nأمر ظاهر، وحسنها لا يتغير بتغير الأزمان، ولا يختلف الأشخاص\nوالاءكل م فيها.","vol":"2","page":553},{"text":"٤ - الأحكام التي لا تحتمل المشروعية كأمهات الرذائل: كالكفر،\nوالكذب، والظلم، والخيانة، والغدر، وعقوق الوالدين، وعدم\nالإخلاص، ونحو ذلك، فهذه لا تنسخ؛ لأن قبحها لا يتغير بمرور\nالزمن، ولأن المفسدة التي تنال العباد في الأخذ بها ظاهرة.\n٥ - الأحكام المؤقتة، فهذه لا يدخلها النسخ؛ لأن التوقيت بيان\nانتهاء مدة الحكم كالصيام إلى غروب الشمس.\n٦ - الأحكام التي لم يثبت نسخها في عصر الرسالة صراحة، أو\nضمنًا، فإن تلك الأحكام مؤبدة لا تحتمل النسخ؛ لأنه لا نسخ إلا\nبوحي، ولا وحي إلا بنبي، ولا نبي بعده - ﷺ -.\n٧ - الأحكام التي ارتبط بها ما ينافي النسخ كالتأبيد مثل: الجهاد\nماضٍ إلى يوم القيامة، وتحريم زوجاته - ﷺ -، وذلك لأن تأبيد الحكم يقتضي حسنه على الدوام، والنسخ ينافي ذلك، هذا على حسب الواقع.\nالمسألة الثانية عشرة: هل يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها،\nوبالعكس، ونسخهما معا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها، ويجوز\nنسخ حكمها دون لفظها، ويجوز نسخهما معًا.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن العقل لا يمنع من جواز نسخ لفظ الآية دون","vol":"2","page":554},{"text":"حكمها ونسخ حكمها دون لفظها، ونسخهما معًا، وذلك لأن الآية\nيتعلق بها أحكام هي كما يلي:\n\" أن تلاوة لفظ الآية يثاب عليها بالإجماع \".\nو\" أن كتابة الآية في القرآن حكم من أحكامها \".\nو\" أن انعقاد الصلاة بتلك الآية يعتبر حكمًا من أحكامها \".\nوأن ما دلت عليه الآية من وجوب أو تحريم، أو ندب، أو\nكراهة، أو إباحة مما يتعلق بالمكلَّف يعتبر - أيضًا - حكمًا من\nأحكامها.\nفإذا ثبت أنه يتعلَّق بالآية أحكام جاز أن يكون إثبات التلاوة\nوالحكم معًا فيه مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت آخر، وجاز أن\nلا يكون إثبات أحدهما مصلحة مطلقًا، وجاز أن يكون إثبات\nأحدهما مصلحة في وقت دون وقت.\nوبناء على ذلك جاز عقلًا رفع الحكم والتلاوة معًا، أو رفع\nالحكم دون التلاوة، أو رفع التلاوة دون الحكم، فلا تلازم بينها؟\nلأنها كلها أحكام شرعية، وكل حكم قابل للنسخ.\nالدليل الثاني: الوقوع فقد وقع نسخ الحكم والتلاوة معًا، ونسخ\nالحكم وبقاء التلاوة، ونسخ التلاوة وبقاء الحكم، والوقوع دليل\nالجواز، وإليك أمثلة على ذلك:\nمثال نسخ التلاوة والحكم: ما روي عن عائشة - ﵂ -\nأنها قالت: \" كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات\nيحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول اللَّه - ﷺ - وهن فيما يقرأ من القرآن \"، فكانت العشر منسوخة الحكم والتلاوة معًا بخمس رضعات.","vol":"2","page":555},{"text":"والمراد من الحديث: أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله حتى\nإنه - ﷺ - توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنأ متلوًا؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى.\nمثال نسخ الحبهم وبقاء التلاوة: نسخ حكم آية الاعتداد بالحول\nالثابت بقوله تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) بالاعتداد أربعة\nأشهر وعشرًا الثابت بقوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .\nمثال آخر - لما سبق -: أن الحكم الذي يعمل به في أول الإسلام\nهو أن المكلف الذي يطيق الصيام يجوز له ترك الصيام، وتكون\nالفدية واجبة عليه، قال تعالى في ذلك: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، فقد نسخ ذلك الحكم - مع بقاء تلاوة الآية -\nبقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) .\nمثال نسخ التلاوة وبقاء الحكم: ما رواه عمر بن الخطاب - رضي\nالله عنه - أنه فيما أنزل: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة\nنكالا من الله والله عزيز حكيم\".\nفهذا يثبت الرجم، فنسخت هذه الآية وبقي حكمها وهو: الرجم للمحصن.\nالمذهب الثاني: لا يجوز نسخ لفظ الآية، ويبقى حكمها.\nذهب إلى ذلك بعض المعتزلة.\nأدلة هذا المذهب:\nلقد استدل أصحاب هذا المذهب بدليلين هما:\nالدليل الأول: قالوا فيه: إن نسخ لفظ الآية وبقاء ما أفادته من","vol":"2","page":556},{"text":"الأحكام يضيع فائدة إنزال القرآن؛ لأنَّ فائدة إنزاله هي: إفادة\nالأحكام، وما دامت الأحكام تستفاد بدونه، فلا فائدة من إنزاله،\nفامتنع بقاء الحكم ونسخ لفظ الآية.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك،، لأن فائدة إنزال القرآن ليست\nمحصورة في إفادة الأحكام، فالفائدة كما تكون في إفادة الأحكام\nتكون - أيضًا - للإعجاز، وزيادة الثواب بتلاوته، والإعجاز\nوالثواب قد حصلا من الآية قبل نسخ تلاوتها.\nالدليل الثاني: قالوا فيه: إن فائدة بقاء لفظ الآية هي: تلاوتها\nوالثواب على ذلك، فرفعها حرمان للعباد من هذا الثواب، والله\nسبحانه لا يحرم عباده من شيء فيه مصلحة لهم، فكيف يقال:\nيجوز رفعها؟!\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه لا يمتنع عقلًا أن يكون مقصود الشارع من إنزال\nالآية هو تعريف العباد بالحكم دون تلاوة الآية، فلما نزلت تلك الآية\nبلفظ معين وعرف العباد عن طريق ذلك اللفظ الحكم الشرعي المراد\n- وهو مثلًا: رجم الزاني المحصن - رفع لفظ الآية وانتهت. مهمته،\nوبقي الحكم المستفاد من تلك الآية ليعمل به.\nالمذهب الثالث: لا يجوز نسخ الحكم، وبقاء التلاوة.\nنسب هذا إلى طائفة شاذة من المعتزلة.\nدليل هذا المذهب:\nلقد استدلوا على ذلك بقولهم: إن بقاء لفظ الآية، ونسخ الحكم","vol":"2","page":557},{"text":"يوهم أن الحكم باق؛ نظرًا لبقاء دليله وهي الآية - وفي ذلك إيقاع\nالمكلَّف في الجهل والحيرة، وهو قبيح من الشارع، والشارع منزه\nعن ذلك: فامتنع لذلك بقاء لفظ الآية، ونسخ الحكم الذي أفاده.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا الكلام مبني على قاعدة \" التحسين والتقبيح\nالعقليين \"، ونحن لا نقول بها.\nوعلى فرض أن ذلك الكلام غير مبني على تلك القاعدة فإنا نقول\n- في الجواب عنه -: إن الآية إنما تكون دليلًا إذا لم يرفع حكمها،\nفيقال: إن تلك الآية دئَت على ذلك الحكم المعمول به، أما إذا رفع\nوأزيل حكم تلك الآية فإنها لا تبقى دليلًا على شيء.\nأي: أن الآية إنما تدل على الحكم بشرط: عدم نسخ حكمها،\nوإذا انتفى هذا الشرط، ونسخ حكمها فلا تسمى دليلًا؛ لأن الدليل\nهو: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، والآية\nالمنسوخ حكمها لا يتوصل بها إلى شيء، إذن لا تسمى دليلًا فيبطل\nما ذكرتم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي لا ثمرة له في الفروع الفقهية؛ لأن عمل المكلَّف\nلم يختلف باختلاف تلك المذاهب.\nالمسألة الثالثة عشرة: هل يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من\nفعله وامتثاله؟\nإذا ورد الناسخ بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه العبادة،","vol":"2","page":558},{"text":"أو بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه بعصها، فإن هذا قد اتفق\nالعلماء على جواز النسخ؛ لأن شرط الأمر حاصل وهو: التمكن\nمن الفعل.\nأما إن ورد الأمر بفعل الشيء قبل وقته، ثم نسخ قبل دخول\nالوقت، أو بعده، ولكن قبل التمكن من فعل ذلك الأمر، فإن\nهذا هو المختلف فيه؛ حيث اختلف العلماء في نسخ الأمر بفعل\nشيء قبل التمكن من امتثاله على مذهبين:\nالمذهب الأول: يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من فعله، فيجوز\nأن يقول الشارع - مثلًا - في رمضان: \" حجوا في هذه السنة \"،\nثم يقول قبل ابتداء الحج: \" لا تحجوا \".\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن النسخ قبل التمكن من الفعل رفع لتكليف قد\nثبت على المكلَّف، فكان نسخا، ولا يترتب على ذلك محال ولا\nبَداء، فيجوز أن يأمر اللَّه - تعالى - زيدًا بفعل في يوم الأحد -\nمثلًا -، ويمنعه منه بمانع عائق له قبل يوم الأحد، فيكون زيد مأمورًا\nبالفعل في الغد بشرط انتفاء المانع، وإذا جاز الأمر بشرط انتفاء\nالمانع: جاز الأمر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ ولا فرق.\nالدليل الثاني: أنه لو قال تعالى: \" واصلوا الفعل سنة \"، ثم\nنسخه بعد مضي شهر: جاز ذلك، وإن كان ذلك نسخا قبل وقت\nالفعل في بقية السنة.\nاعتراض على ذلك:\nقال معترض على هذا الدليل: إن نسخه يدل على أنه لم يرد","vol":"2","page":559},{"text":"السنة كلها، وإنما أراد الشهر، فصار ذلك بيانا للمراد بخلاف نسخ\nالكل قبل وقت فعله؛ لأنه يكون قد نسخ ما تناوله الأمر وذلك بَداء.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن العبارة: \" واصلوا الفعل سنة \"، والسنة لا يعبر\nبها عن الشهر لا حقيقة ولا مجازًا، بل هي عبارة عن اثني عشر\nشهرًا، فنسخه قبل ذلك هو النسخ قبل الوقت.\nالدليل الثالث: الوقوع، بيان ذلك:\nأن اللَّه أمر إبراهيم - ﵇ - بذبح ابنه فقال سبحانه:\n(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) .، ثم نسخ ذلك قبل التمكن من الذبح فقال: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)، فقد وقع - هنا - النسخ قبل التمكن من الفعل، والوقوع دليل الجواز.\nوهناك وجوه قد دلَّت على أن إبراهيم قد أمر بالذبح هي كما يلي:\nالوجه الأول: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى)، فقال تعالى - حكاية عن ابن إبراهيم -: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) .\nفإن قول الابن - يدل على أن هناك أمرًا بالذبح صدر من اللَّه إلى\nإبراهيم؛ لأن معنى قوله: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ): افعل ما أمرت به،\nويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد، وإخراجه إلى الصحراء،\nوأخذ آلات الذبح، وترويع الولد، فإن ذلك كله محرم من غير أمر\nمن اللَّه تعالى، ولا إذن منه سبحانه.","vol":"2","page":560},{"text":"الوجه الثاني: قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ)، فلو\nلم يكن الدبح مأمورًا به حقيقة لما كان هناك بلاء وامتحان عظيم.\nأي: لو كان المأمور به مقدمات الذبح من أخذ الولد إلى\nالصحراء، واستصحاب المدية والحبل، ونحو ذلك مما يلزم في\nالذبح لما كان هناك بلاء مبين؛ لأنه يسهل على النفس فعل المقدمات\nما دامت النتيجة مأمونة وبعيدة عن الخطر.\nالوجه الثالث: قوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)، فإن\nالفداء هو البدل، والذي يصلح أن يكون الفداء بدلًا عنه هو الذبح،\nفكان الذبح مأمورًا به حقيقة.\nوهناك وجهان دلا على أن أمر إبراهيم بالذبح قد نسخ قبل التمكن\nمن الذبح هما:\nالوجه الأول: أنه لو لم ينسخ لذبح إبراهيم ابنه، ولكنه لم\nيذبحه، فدل على أنه نسخ الأمر قبل التمكن من فعله.\nالوجه الثاني: أنه لو نسخ بعد التمكن من الفعل ولم يفعل:\nلكان ذلك تقصيرًا من إبراهيم - ﵇ - في امتثال ما طلب\nمنه، والتقصير ليس من شأن الأنبياء - ﵈ -؛ حيث إنه\nمعروف عنهم المبادرة في امتثال ما أمروا به، ولو كان وجوبه موسعا\nعليهم.\n* ما اعترض به على الدليل الثالث - وهو الاستدلال بتلك الآية -:\nلقد اعترض أصحاب المذهب الثاني - الذي سيأتي - على\nالاستدلال بتلك الآية بعدة اعتراضات، إليك إياها مع أجوبتها.\nالاعتراض الأول: أن ذلك الأمر ورد في المنام، وما ورد في المنام","vol":"2","page":561},{"text":"لا أصل له، ولا يصلح أن يكون مستندًا، فلا يعتمد عليه، ولا\nيثبت به الأمر.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أنه منام؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أنه لو كان مناما وخيالا، لا وحيا، لما جاز\nلإبراهيم ﵇ قصد الذبح المحرم، والتل للجبين، ولما سماه\nالله - تعالى - بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء.\nالأمر الثاني: قوله تعالى: (افعل ما تؤمر) فلو لم يؤمر\nإبراهيم - ﵇ - حقيقة كان ذلك كذبًا.\nالجواب الثاني: سلمنا أنه منام، لكن ما يراه الأنبياء - عليهم\nالسلام - في مناماتهم فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي يجب\nالعمل به، وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام، وقد ثبت أن وحي\nنبينا - ﷺ - كان ستة أشهر بالمنام، فقد قالت عائشة - ﵂ -: \" أول ما ابتدئ به رسول اللَّه - ﷺ - من النبوة الرؤيا الصادقة كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح \".\nوعلى هذا: يكون ما ورد في منام إبراهيم - ﵇ - من\nالأمر بذبح ابنه له أصل ومستند، فيجب العمل به.\nالاعتراض الثاني: لا نُسَلِّمُ أن إبراهيم - ﵇ - قد أمر\nبالذبح حقيقة، بل قد كلف بالعزم على الفعل فقط، لابتلاء صبره،\nفيكون القصد من الأمر هو العزم على الفعل، وذلك بلاء عظيم،\nوالفداء إنما كان عما يتوقعه إبراهيم من الأمر بالذبح، لا عن نفس","vol":"2","page":562},{"text":"وقوع الأمر بالذبح، أو بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء،\nوأخذ المدية، والحبل، والتل للجبين، ونظرا لاستشعار إبراهيم أنه\nمأمور بالذبح قال تعالى: (قد صدقت الرؤيا) .\nجوابه:\nيجاب عنه بأن هذا فاسد لوجوه:\nالوجه الأول: أن إبراهيم لو كان مأمورًا بالعزم على الذبح فقط،\nدون فعل الذبح نفسه: لما سماه بلاء مبينًا، ولما احتاج إلى الفداء،\nولما قال الذبيح: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين)، يؤيد ذلك\nقوله تعالى: (قد صدقت الرؤيا)، أي: إنك عملت في\nالمقدمات عمل مصدق لرؤيا فعلية.\nالوجه الثاني: أن حمل الأمر على العزم على خلاف قوله تعالى:\n(إني أرى في المنام أني أذبحك) فصرح - هنا - بالذبح،\nومعروف أن العزم لا يسمى ذبحا، فهذا فيه حمل شيء على غير\nمحمله.\nالوجه الثالث: أن العزم على الفعل لا يجب إذا لم يُعتقد وجوب\nالمعزوم عليه، فلو لم يكن المعزوم عليه - وهو الذبح - واجبًا:\nلكان إبراهيم - ﵇ - أَوْلى بمعرفة عدم الوجوب من ذلك\nالمعترض، أي: أنه لو لم يجب على إبراهيم الفعل - وهو الذبح\nحقيقة - لم يصح منه العزم على فعله على سبيل الوجوب.\nقال تعالى مؤيدًا لذلك: (إني أرى في المنام أني أذبحك)،\nفقال تعالى - حكاية عن ابنه -: (افعل ما تؤمر) يعني الذبح الحقيقي.","vol":"2","page":563},{"text":"ويؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى: (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) استسلاما لفعل\nالذبح، لا للعزم.\nالاعتراض الثالث: أن إبراهيم لم يؤمر بنفس الذبح وحقيقته،\nوإنما أمر بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء، وأخذ المدية،\nوالحبل، والاضطجاع، والتل للجبين، ونحو ذلك من لوازم\nالذبح، دون الذبح نفسه.\nوسمينا مقدمات الذبح ذبحًا؛ لأن مقدمة الشيء قد تسمى باسم\nذلك الشيء، فتسمى \" النائحة \" باكية؛ لأنها تفعل مقدمات البكاء،\nوكذلك يُسمى المريض الذي يخاف عليه الهلاك: ميتا، وذلك\nلحصول مقدمات الموت.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن هذا فاسد؛ لوجوه:\nالوجه الأول: أن الله تعالى قال - حكاية عن ولد إبراهيم -:\n(ستجدني إن شاء الله من الصابرين)، ومعلوم أن مقدمات الذبح لا\nتفتقر إلى الصبر؛ لأنه أمر سهل يتلاعب به الصبيان.\nالوجه الثاني: أن اللَّه تعالى قال: (إن هذا لهو البلاء المبين)،\nفلو كان المأمور به مقدمات الذبح فقط: لما كان فيه بلاء واختبار\nمبين، فلا يعطى هذا التفخيم، والمأمور به سهل، وهو مقدمات\nالذبح.\nالوجه الثالث: أن اللَّه سبحانه أمر بالذبح نفسه، فقال تعالى:\n(يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك)، ولم يرد ذكر المقدمات،\nوالمقدمات لا تسمى ذبحًا في لغة العرب؛ لأن الذبح لغة هو:","vol":"2","page":564},{"text":"الشق والفتح، وفي الاصطلاح هو: عبارة عن قطع مكان\nمخصوص تبطل معه الحياة.\nوعلى هذا يكون: حمل الأمر بالذبح على المقدمات حمل بلا\nدليل، فثبت: أن المأمور به هو الذبح الحقيقي.\nالوجه الرابع: أن اللَّه تعالى قال: (وفديناه بذبح عظيم)، ولو\nكان إبراهيم - ﵇ - قد فعل المأمور به من مقدمات الذبح\n- كما زعمتم - لما احتاج إلى الفداء، وذلك لأن الفداء لا يكون مع\nالامتثال للأمر؛ حيث إنه لا يجمع بين البدل والمبدل.\nالوجه الخامس؛ أن زعمكم إن إبراهيم قد أمر بمقدمات الذبح،\nدون الذبح نفسه خلاف إجماع السلف - كما قال الباجي في إحكام\nالفصول - حيث إن السلف - ﵏ - فسَّروا ما ورد في الآية\nبأن إبراهيم قد أمر بنفس الذبح.\nوبهذه الوجوه بطل ما زعمتم، وهو: أن المأمور به مقدمات\nالذبح.\nالاعتراض الرابع: أنا نسلم أن إبراهيم - ﵇ - قد أمر\nبالذبح الحقيقي، ولكن الشارع قد منعه من إنفاذه وإيقاعه بأن جعل\nعلى عنق ابنه صفيحة من نحاس مانعة من الذبح والقطع، فلم ينسخ\nالأمر، ولكن الشارع منع من تنفيذه، وهذا قد جعل التكليف\nبالذبح يرتفع وينقطع، لكون إبراهيم أصبح معذورًا؛ لعدم\nاستطاعته القطع والذبح، والمعذور لا تكليف عليه.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:","vol":"2","page":565},{"text":"الجواب الأول: أن قلب عنق ولد إبراهيم - ﵇ - حديدًا\nلو حصل ووقع لنقل إلينا نقلًا متواترًا، ولاشتهر؛ لكونه من\nالمعجزات العظيمة، لكنه لم ينقل نقلًا متواترًا، ولا آحادًا، فما\nزعمتموه يحتاج إلى دليل.\nالجواب الثاني: أنه إن كان هذا الاعتراض صادرًا من بعض المعتزلة\nفإنه متناقض مع قولهم: \" لا يجوز تكليف ما لا يطاق \"؛ حيث إن\nالله إذا علم أنه سيقلب عنقه حديدًا يكون الشارع قد أمر بما يعلم\nامتناع وقوعه، وهذا تكليف ما لا يطاق، وتكليف ما لا يطاق لا\nيجوز.\nكذلك ثبت عند المعتزلة أن الشارع لا يأمر إلا بما فيه مصلحة\nللمكلَّف، ولا يجوز عندهم أن يمنع الشارع المكلَّف ما فيه مصلحة،\nوالكلام الوارد في هذا الاعتراض مناقض لهذه القاعدة عندهم.\nالاعتراض الخامس: لا نُسَلِّمُ أن إبراهيم - عليه السلانم - قد أمر\nبالذبح، وإنما أخبر أنه سيؤمر في المستقبل يدل على ذلك قوله تعالى\n- حكاية عن الابن -: (يا أبت افعل ما تؤمر)، فلفظ \" تؤمر \"\nهو للاستقبال، فلو كان قد أمر بالماضي لقال: \" افعل ما أمرت به \"\nولكنه لم يقل ذلك؛ بل عبر بلفظ يدل على الاستقبال.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الله سبحانه قد أمر إبراهيم - ﵇ - في\nالماضي، وحصل الأمر ثم نسخ قبل التمكن من فعله، فالمراد من\nقوله تعالى: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ): افعل ما أمرت به في السابق،\nوالتعبير باللفظ الدال على الاستقبال والمراد به الماضي اقد وقع في\nالكتاب، وكلام العرب، فمن أمثلة وقوعه في الكتاب قوله تعالى:","vol":"2","page":566},{"text":"(إني أرى سبع بقرات سمان)، والمراد: إني رأيت،\nوقوله تعالى: (إني أراني أعصر خمرًا)، والمراد: إني رأيت.\nومن أمثلة وقوعه في لسان العرب قول ضمرة بن جابر:\nوإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يُدعى جندب\nفهنا عبر بالمستقبل وهو لفظ \" أدعى \"، ولفظ \" يدعى \"،\nوالمراد: \" إني دعيت \"، و\" دعي جندب \" في الماضي.\nوما نحن فيه من ذلك، والمراد: افعل ما أمرت به في السابق،\nوحملناه على ذلك؛ لأنه لا يمكن حمله على الاستقبال؛ لأنه لو\nكان الشارع قد أراد أنه سيأمر إبراهيم - ﵇ - في المستقبل؟\nلوجد ذلك الأمر قطعا؛ لئلا يكون خلفا وكذبا في الكلام، والله\nمنزه عن ذلك؛ حيث إنه صادق لا خلف في خبره ﷾،\nفلما لم يوجد الأمر في المستقبل عرفنا أن المراد بقوله: (ما تؤمر):\nما أمر به في الماضي.\nالاعتراض السادس: نُسلِّم أن إبراهيم كان قد أمر بذبح ابنه حقيقة\nونسلم أنه وقع منه الذبح وحصل، ولكن كلما قطع جزءًا من رقبة\nابنه عاد ملتحما، وكلما قطع موضعا التحم الموضع الأول، وهكذا\nحتى التأم الجرح كأن لم يكن، ويدل على ذلك قوله تعالى:\n(قد صدقت الرؤيا)، والمراد: إنك يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا\nفامتثلت ما أمرت به، ولو لم يذبح لما كان مصدقا للرؤيا، وإذا كان\nما أمر به من الذبح قد وقع، ولكنه التحم، فلا نسخ قبل التمكن\nمن الفعل.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بأن هذا الاعتراض باطل، لوجوه:","vol":"2","page":567},{"text":"الوجه الأول: أنه لو كان إبراهيم كلما قطع جزءًا التحم - كما\nزعمتم - لنقل إلينا نقلًا متواترًا؛ لأنه لا يمكن ترك نقله؛ لكونه من\nالمعجزات والآيات الباهرة التي لا يمكن تركها، لكن ذلك لم ينقل\nمتواترًا ولا آحادًا، ولم يسمع به قبل أن يأتي هذا المعترض، فثبت\nأنه لا سند له.\nواستدلال المعترض بقوله تعالى: (قد صدقت الرؤيا) على ما\nزعم غير صحيح؛ وذلك لأن المراد بالتصديق هنا: هو التصديق\nبالقلب؛ لأن حقيقة التصديق يكون في القلب، دون تحقيق الفعل،\nفكأن اللَّه تعالى قال: إنك يا إبراهيم لما صدقت وآمنت واعتقدت\nوجوبه وعزمت على فعله وعملت في مقدماته عمل مصدق جزيناك\nكما نجزي المحسنين الصادقين، فنسخنا عنك فعل الذبح وتحقيقه بذبح\nكبش، فالتصديق يختلف عن التحقيق والامتثال والعمل وإيقاع ما أمر\nالوجه الثاني: أن قول المعترض هذا يخالف قوله تعالى:\n(فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ)،\nفهنا نودي إبراهيم، فلو كان قد ذبح والتحم محل الذبح كما زعم المعترض: لقال: \"فلما أنفد الأمر \"، أو لقال: \" فلما ذبح \"، ونحو ذلك من\nالعبارات التي تدل على أنه امتثل للأمر، ولكن اللَّه سبحانه لم يأت\nبشيء من ذلك، بل أتى بتلك الآية مما يدل على أنه نسخ قبل\nالفعل.\nالوجه الثالث: أن قول المعترض يخالف ظاهر قوله تعالى:\n(وفديناه بذبح عظيم)، فلو كان إبراهيم - ﵇ - قد ذبح\nحقيقة والتجم محل الذبح لما احتاج إلى الفداء، لأنه لا معنى للفداء","vol":"2","page":568},{"text":"مع تنفيذ الذبح، أي: أن الفداء بدل عن الذبح، فلا يمكن أن\nيؤتى بالبدل مع فعل المبدل.\nالدليل الرابع - من الأدلة على جواز نسخ الشيء قبل التمكن من\nالامتثال - قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما\nأحب، وظاهر هذا: جواز النسخ في عموم الأحوال، سواء بعد\nالتمكن من الفعل أو قبل التمكن.\nالدليل الخامس: ما رواه أبو هريرة: أن النبي - ﷺ - بعثه في بعث وقال: \" إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار \"، ثم قال حين\nأردنا الخروج: \" إن النار لا يعذب بها إلا اللَّه وإن وجدتموهما فاقتلوهما \".\nالدليل السادس: ما أخرجه البخاري ومسلم: أن النبي - ﷺ - أمر بكسر قدور من لحم حمر إنسية فقال رجل: أو نغسلها؛ فقال:\n\" اغسلوها \".\nما سبق هو المذهب الأول، وهو جواز نسخ الشيء قبل التمكن\nمن الفعل وأدلته.\nالمذهب الثاني: لا يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله وامتثاله.\nذهب إلى ذلك المعتزلة، واختاره أبو بكر الصيرفي، وهو مذهب\nبعض الحنفية كالكرخي، والجصاص، والماتريدي، والدبوسي،\nوهو اختيار أبي الحسن التميمي من الحنابلة، ونسبه الفخر الرازي إلى\nالفقهاء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قالوا فيه: إن الأمر بالشيء يدل على حسنه وكونه","vol":"2","page":569},{"text":"مصلحة، والنهي عنه يدل على قبحه وكونه مفسدة، فإذا أمر بالحج\nفي رمضان - مثلًا - دلَّ ذلك على حسن الحج وكونه مصلحة للعباد،\nفإذا نهى عن إيقاع الحج وقال في أول شهر ذي الحجة: \"لا تحجوا\"\nدلَّ ذلك على قبح الحج وكونه مفسدة، والفعل الواحد في حالة\nواحدة لا يكون مصلحة مفسدة بالإضافة إلى شخص واحد.\nفنتج أن نسخ الشيء قبل التمكن من فعله يفضي إلى أن يكون\nالشيء الواحد على وجه واحد مأمورًا به ومنهيا عنه، حسنا قبيحا،\nمصلحة مفسدة، وهذا هو التناقض.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه لا يمتنع أن يكون الأمر بالفعل يدل على حسنه\nبشرط: أن لا ينهى عنه، والنهي عنه يدل على قبحه بشرط: أن لا\nيؤمر به، فيجوز أن يجعل بقاء حكمه واستمراره شرطا في الأمر\nفيقول الشارع: \"افعل ما أمرناك به إن لم يأت نهي يزيل أمرنا عنك \".\nاعتراض على ذلك:\nاعترض بعضهم على هذا الجواب بقوله: إن اللَّه تعالى إذا علم أنه\nسينهى عنه، فما معنى أمره بالشرط الذي يعلم انتفاءه قطعة فيما\nبعد، أي: ما الفائدة من أمره به وهو عالم بأنه سينسخه؟\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن فائدة ذلك: امتحان وابتلاء المأمور، فإن عزم\nعلى الفعل، واشتغل بالاستعداد لامتثال الأمر فإنه يثاب، أما إن لم\nيعزم على الفعل، ولم يشتغل بالاستعداد للامتثال فإنه يعاقب،\nوهذا من حكم النسخ التي ذكرناها فيما سبق.","vol":"2","page":570},{"text":"ثم كيف ينكر المعترض ذلك مع أنه يجوز الوعد والوعيد من\nالعالم بعواقب الأمور بالشرط؟!، فإن اللَّه تعالى وعد على الطاعة\nبالثواب بشرط عدم ما يحبط تلك الطاعة كالردة مثلًا، وتوعَّد\nسبحانه على فعل المعصية بالعقاب بشرط خلو تلك المعصية عما\nيكفرها من توبة، والله سبحانه عالم بعاقبة أمر من يموت على الردة،\nأو التوبة، ثم شرط ذلك في وعده ووعيده.\nإذا ثبت ذلك فلا يستحيل أن يشرط الشارع في أمره ونهيه،\nوتكون شرطيته بالنسبة إلى العبد الجاهل بعاقبة الأمر، فكأنه قال:\n\"أثبتك على طاعتك ما لم تحبطها بالردة \"، وهو سبحانه عالم بأنه\nسيحبط أو لا يحبط، فإذا جاز ذلك بلا خلاف: جاز أن يقول:\n\"أمرتك بشرط البقاء والقدرة، وبشرط أن لا أنسخ عنك ذلك الأمر\".\nالدليل الثاني: قالوا فيه: إنه لو جاز أن يرد الأمر بشيء في وقت\nثم يرد النهي عن فعله في ذلك الوقت: للزم من ذلك أن يكون\nالشخص الواحد بالفعل الواحد في الوقت الواحد مأمورا منهيا،\nوذلك محال على اللَّه تعالى؛ لأنه أمر بالشيء ونهي عنه في وقت واحد.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن ذلك يكون محالا إذا كان الغرض من الأمر هو:\nحصول الفعل، أما إذا كان الغرض والمقصود هو: ابتلاء المأمور\nوامتحانه، فيجوز ولا مانع من ذلك؛ فإن السيد قد يقول لعبده:\n\"اذهب غدًا إلى موضع كذا راجلًا حافيا \"، وهو لا يريد الفعل،\nبل يريد امتحانه ورياضته مع ما علمه بأنه سيرفع عنه غدًا ذلك قبل\nفعله.","vol":"2","page":571},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له في الفروع؛ لأن الخلاف\nراجع إلى المراد من حكمة التكليف.\nفمن قال: إن حكمة التكليف هي: امتثال وإيقاع ما كلف به من\nالمكلف، وكذلك من حكم التكليف ابتلاء وامتحان المكلف - وهو\nقول أصحاب المذهب الأول وهو الصحيح - قال: يجوز نسخ\nالشيء قبل التمكن قبل فعله.\nوعلى هذا: فالمنسوخ بعد التمكن من الفعل حكمته الامتثال،\nوقد حصل.\nوالمنسوخ قبل التمكن من فعله حكمته الامتحان والابتلاء، وقد\nحصل قبل النسخ.\nأما من قال: إن حكمة التكليف هي الامتثال والإيقاع فقط - وهو\nقول أصحاب المذهب الثاني -: قال: لا يجوز نسخ الشيء قبل\nالتمكن من فعله؛ حيث لم تحصل الحكمة من التكليف وهي الامتثال.\n***\nالمسألة الرابعة عشرة: الزيادة على النص هل هي نسخ؟\nتنقسم الزيادة على النص باعتبار تعلُّقها بالمزيد عليه وعدم ذلك إلى\nأربعة أقسام:\nالقسم الأول: زيادة مستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلق به، وليست\nمن جنسه.\nالقسم الثاني: زيادة مستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلق به، وهي\nمن جنس المزيد عليه.","vol":"2","page":572},{"text":"القسم الثالث: زيادة غير مستقلة وتتعلق بالمزيد عليه تعلق الجزء\nبالكل.\nالقسم الرابع: زيادة غير مستقلة وتتعلق بالمزيد عليه تعلق الشرط\nبالمشروط.\nوالسبب في هذا التقسيم: أن الزيادة على النص إما أن تكون\nمستقلة أو غير مستقلة.\nوالمستقلة إما أن تكون من جنس المزيد عليه أو لا.\nوغير المستقلة إما أن تكون جزءًا من المزيد عليه، أو شرطا للمزيد\nعليه.\nوإليك بيان كل قسم من تلك الأقسام والأمثلة عليه وحكمه.\nالقسم الأول: الزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلَّق به،\nوليست من جنس المزيد عليه.\nمثالها: أن يوجب اللَّه تعالى الصلاة ثم يوجب - بعد ذلك -\nالصوم، والمزيد عليه وهو الصلاة مستقل تماما عن الزيادة وهي:\nالصوم، وهما جنسان مختلفان - كما هو ظاهر -.\nحكم هذه الزيادة:\nهذه الزيادة ليست نسخا باتفاق العلماء؛ لأن حقيقة النسخ لم\nتتحقق هنا؛ حيث قلنا: إن النسخ: رفع الحكم، وهنا لم يرتفع\nالحكم وهو - وجوب الصلاة مثلًا - ولم يتبدل ويتغير بالزيادة - وهو\nالصوم -.\nأي: بقي حكم المزيد عليه - وهو الصلاة - بعد الزيادة كما كان\nثابتًا قبلها.","vol":"2","page":573},{"text":"فهذه الزيادة ليست بنسخ لما تقدمها من العبادات بالإجماع؛ لعدم\nالتنافي.\nالقسم الثاني: الزيادة المستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلَّق به، وهي\nمن جنس المزيد عليه.\nمثل: زيادة صلاة على الصلوات الخمس.\nحكم ذلك:\nلقد اختلف العلماء في هذه الزيادة هل هي نسخ أو لا؛ على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أن تلك الزيادة ليست بنسخ.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن تلك الزيادة لم ترفع حكما شرعيًا، فلم\nتوجد حقيقة النسخ، حيث إن المزيد عليه باقِ بعد الزيادة، كما كان\nقبل الزيادة مثل: الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه ولا\nفرق، فكما أن وجوب الصلاة لم يتغير بزيادة الصوم، فكذلك\nالحال بالنسبة لزيادة صلاة على صلاة أخرى ولا فرق.\nالمذهب الثاني: أن تلك الزيادة تكون نسخا لحكم المزيد عليه.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية العراقيين.\nدليل هذا المذهب:\nأن حقيقة النسخ وهو: \" رفع الحكم \" قد وجدت، فكان نسخا.\nبيان ذلك:\nأن زيادة صلاة على الصلوات الخمس يغيِّر الصلاة الوسطى فيرتفع","vol":"2","page":574},{"text":"وجوبها الستفاد من قوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) .\nفوسطية الصلاة متوقفة على العدد المفرد - وهو الخمس هنا -\nلكي يكون عدد ما قبلها كعدد ما بعدها، فإذا زيدت صلاة سادسة\nفإنها ترفع كون الوسطى وسطى وتغيره، فتتبدل الوسطية بالنسبة لها\nإلى غيرها فتزيل وترفع الحكم وهو: وجوب المحافظة على الصلاة\nالوسطى المستفاد من الأمر بها في الآية السابقة.\nإذن: هذه الزيادة رفعت حكما شرعيًا، وهذا هو معنى النسخ.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الزيادة المستقلة التي هي من جنس المزيد عليه\nمثل الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه ولا فرق.\nفلو كانت زيادة صلاة سادسة نسخا للزم أن تكون زيادة العبادة\nالمستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه نسخا؛ لأنها تجعل العبادة\nالأخيرة غير أخيرة فتغير صفتها، وتتساوى مع السادسة في هذا\nالتعبير، فلما لم تجعل هذه نسخا بالإجماع، يلزم أن لا تجعل الزيادة\nالمستقلة التي من جنس المزيد عليه نسخا.\nالجواب الثاني: أن زيادة صلاة سادسة على الخمس - لا تزيل\nالمحافظة على الوسطى؛ لأن وجوب المحافظة قد تعلق بمسمَّى\nالوسطى عند نزول الآية، وهذا المسمى لما صدق: لا تؤثر عليه هذه\nالزيادة.\nالقسم الثالث: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلَّق\nالجزء بالكل.","vol":"2","page":575},{"text":"أي: أن هذه الزيادة غير مستقلة عن المزيد عليه، فتتعلق به بأن\nتكون جزءًا من المزيد عليه.\nمثال ذلك: زيادة تغريب عام على جلد مائة في حد الزاني\nالبكر، حيث أصبح جزءًا من الحد، فأصبح حد الزاني البكر بعد\nالزيادة مكونا من جزأين:\nأولهما: جلد مائة جلدة، وهو الوارد في نص القرآن الكريم.\nثانيهما: تغريب عام، وهو الوارد في نص السُّنَّة.\nمثال آخر: زيادة عشرين جلدة على ثمانين جلدة، وذلك في حد\nالقذف.\nبيانه: أن حد القذف هو: ثمانون جلدة - كما هو معلوم، فإذا\nزيد - على سبيل الافتراض - عشرون جلدة، فإنه يصبح جزءًا من\nالحد، فأصبح حد القذف بعد الزيادة مكونا من جزأين:\nأولهما: ثمانون جلدة، وهو الوارد في نص القرآن.\nثانيهما: عشرون جلدة، وهي زيادة مفترضة.\nحكم ذلك:\nلقد اختلف العلماء في هذه الزيادة هل هي نسخ أو لا؛ على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أن تلك الزيادة ليست بنسخ.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لأن حقيقة النسخ وهي: رفع الحكم وتبديله\nلم توجد عند تلك الزيادة، بل إن هذه الزيادة تقرير للحكم المزيد","vol":"2","page":576},{"text":"عليه، وتثبيت له، لأن ضم شيء إلى شيء آخر يثبت المضموم إليه\nويُقوره؛ نظرًا إلى أن الانضمام صفة لا بد لها من محل تقوم به،\nولهذا نرى حكم المزيد عليه ثابتا لم يتغير ولم يتبدل ولم يرتفع بعد\nإلحاق الزيادة به، فكان ثابتا بعد الزيادة، كما كان ثابتا قبل الزيادة؟\nقياسا على الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه بجامع\nعدم التغير في كل.\nفمثلًا: بعد زيادة \" التغريب \" وإلحاقه بـ \" الجلد مائة \" لم تخرج\nتلك الزيادة الجلد عن كونه واجبا، بل استمر على هذا الحكم بعد\nإلحاق الزيادة - وهي التغريب - به كما كان واجبا قبله، وذلك مثل:\nإيجاب الصوم بعد إيجابه للصلاة لم يخرج الصلاة عن كونها فرضًا،\nبل ظلت فرضًا بعد الصيام كما كانت قبله، كل ما في الأمر أنه\nأضاف إليه زيادة.\nكما لو أن إنسانا معه كيس فيه ريالات فأضاف إليها ريالا لا يقال:\nإنه رفع وأزال ما في الكيس، بل يقال: أضاف إليه زيادة، كذا لو\nكتب كتابا، ثم كتب في حاشيته زيادة معلومات أو تعليقات لا يقال:\nنسخ ما في الكتاب ورفعه، بل يقال: إنه أضاف إليه زيادة وهكذا.\nفكذلك هنا لم يكن في زيادة التغريب على الجلد مائة رفع ولا\nإزالة، فاستعمال لفظ النسخ فيه محال.\nالمذهب الثاني: أن تلك الزيادة نسخ.\nذهب إلى ذلك الحنفية كما صرح بذلك أبو عبد اللَّه الصيمري،\nوأبو بكر الرازي، والسرخسي، وعبد العزيز البخاري، والأنصاري.\nدليل هذا المذهب:\nلقد استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن جلد مائة في حد","vol":"2","page":577},{"text":"الزاني البكر كان هو الحد الكامل، ويجوز الاختصار عليه؛ لقوله\nتعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)،\nفلما جاءت السُّنَّة بزيادة التغريب، وذلك بحديث عبادة بن الصامت:\n\" البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام \": رفعت هذه الزيادة ذلك\nالحكم، وهو: \" صفة الكمال والاقتصار على جلد مائة \"، وأصبح\nالحد بعد الزيادة: \" الجلد والتغريب \"، فتكون صفة الكمال قد\nرفعت، والاقتصار على الجلد قد رفع، والرفع هو النسخ.\nجوابه:\nإن رفع صفة الكمال بالزيادة، ورفع الاقتصار على المائة لم\nيتحقق به النسخ، بيان ذلك:\nأن صفة الكمال إذا ارتفعت بالزيادة لا يتحقق النسخ؛ لأن صفة\nالكمال لا يندرج ضمن أقسام الأحكام الشرعي، فليس مقصودًا،\nبل المقصود هو وجوب الحد - الذي هو مائة جلدة - والوجوب لم\nيرتفع، بل هو باق على حاله، وهو كل الواجب، فلما زيد\n\"التغريب \" لم يتغير، بل هناك واجب قد أضيف إليه.\nيؤيد ذلك: أن الشارع لما أوجب الصلاة فقط كانت هي كل\nالواجب على المكلف، فلما أوجب الصوم بعد ذلك: خرجت\nالصلاة عن كونها هي كل الواجب، بل صار الواجب الصلاة\nوالصوم، وليس ذلك بنسخ باتفاق العلماء.\nفكذلك هنا يقال: إن جلد مائة هو الواجب الكامل على الزاني\nالبكر، فلما زيد \" التغريب \": خرج \" جلد مائة \" عن كونه هو كل\nالواجب، بل صار الواجب: الجلد والتغريب، فلا يسمى ذلك\nنسخًا.","vol":"2","page":578},{"text":"وأيضًا: رفع الاقتصار على مائة جلدة لا يحقق النسخ؛ لان\nمنطوق النص هو قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) لا يدل على هذا الاقتصار، أي: لا يستفاد\nالاقتصار من هذا المنطوق؛ وذلك لأن وجوب الشيء لا ينفي وجوب\nغيره، فإيجاب الحد - وهو جلد مائة - لا ينفي أن يوجب الشارع\nغيره زيادة عليه.\nوإنما الاقتصار على الحد المذكور في الآية يستفاد من مفهوم المخالفة\nللنص القرآني، والحنفية لا يحتجون بمفهوم المخالفة.\nثم اعلم: أن الاقتصار على الحد المذكور قد فُهِم من النص\nالقرآني والمفهوم يجوز أن يرفع بخبر الواحد وهو: حديث عبادة بن\nالصامت، ورفع المفهوم لا يُسمى نسخا.\nالقسم الرابع: الزيادة غير المستقلة التي تتعلَّق بالمزيد عليه تعلُّق\nالشرط بالشروط.\nأي: تكون الزيادة شرطا للمزيد عليه، فإذا فقد المزيد عليه هذه\nالزيادة - وهو الشرط - يكون وجوده وعدمه واحدًا.\nمن أمثلة ذلك: زيادة النية في الطهارة؛ حيث إن الشارع أمر\nبالطهارة مطلقًا، ثم زيد شرط النية لها.\nوأيضًا: زيادة الطهارة في الطواف؛ حيث إن الشارع أمر\nبالطواف مطلقا، ثم زيد شرط الطهارة له، وكذا زيادة اشتراط\nالطهارة على وجوب الصلاة.\nحكم ذلك:\nلقد اختلف العلماء في هذه الزيادة هل هي نسخ أو لا؛ على\nمذهبين:","vol":"2","page":579},{"text":"المذهب الأول: أن تلك الزيادة ليست بنسخ.\nوهو مذهب الجمهور.\nوهو الصحيح، لأن حقيقة النسخ وهي: رفع الحكم لم توجد\nهنا، بيان ذلك:\nأن قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) - مثلًا - اقتضى أمرين:\nأحدهما: \" وجوب الصلاة،.\nوالثاني: \" الإجزاء \"، حيث يجوز على هذا اللفظ الصلاة بدون\nطهارة.\nفلما جاءت الزيادة - وهي اشتراط الطهارة للصلاة - فالوجوب\nلم يرتفع بها، بل هو باق على حاله بعد الزيادة وقبلها؛ حيث بقي\nالأمر به.\nوأما الإجزاء فهو الذي ارتفع بهذه الزيادة؛ حيث أصبحت الصلاة\nلا تجزئ إلا بطهارة، فهنا ارتفع الإجزاء فقط، وارتفاع الإجزاء فقط\nجعل المرتفع بعض ما تناوله واقتضاه اللفظ الذي هو قوله تعالى:\n(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وهذا يسمى تخصيصا، لا نسخا.\nالمذهب الثاني: أن تلك الزيادة نسخ.\nذهب إلى ذلك: الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي.\nدليل هذا المذهب:\nاستدلوا على ذلك بقولهم: إنه كان حكم المزيد عليه الإجزاء\nوالصحة بدون تلك الزيادة، فلما جاءت الزيادة ارتفع ذلك الحكم،\nفاصبح المزيد عليه لا يجزئ، ولا يصح إلا بتلك الزيادة، والرفع\nنسخ.","vol":"2","page":580},{"text":"فمثلًا: كانت الصلاة تجزئ وتصح بدون طهارة، فلما زيد\nاشتراط الطهارة: أصبحت الصلاة لا تجزي، ولا تصح لوحدها،\nبل لا بد من الطهارة، فرفع إجزاء الصلاة لوحدها، والرفع نسخ.\nكذلك: الطهارة كانت تجزئ بدون النية، فلما زيد عليها اشتراط\nالنية أصبحت الطهارة لا تصح إلا بنية، فأمر الشارع بالطهارة مع\nالنية، وهذا هو الرفع؛ حيث رفع إجزاء الطهارة لوحدها،\nوأصبحت لا تجزئ إلا بنية، والرفع نسخ.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن ما ذكرتموه صحيح لو أن الإجزاء استقر وثبت أولًا،\nثم وردت الزيادة بعده؛ لأن من شرط النسخ: تأخر الناسخ عن\nالمنسوخ، وهنا لم يتحقق ذلك الشرط؛ لأنه يحتمل أن تكون الزيادة\nقد ثبتت وهي مقارنة للفظ المزيد عليه.\nوعلى هذا: يكون إدعاؤكم استقرار الإجزاء، ثم ورود الزيادة\nبعد ذلك هو دعوى يحتاج إلى دليل، ولا دليل عندكم، فثبت أن\nتلك الزيادة ليست بنسخ.\nالخلاصة:\nيتلخص مما سبق من أقسام الزيادة على النص: أن الجمهور\nيقولون: إن الزيادة ليست بنسخ في جميعها.\nوأن الحنفية يقولون: إن الزيادة نسخ.\nبيان نوع الخلاف في تلك الأقسام:\nالخلاف في تلك الأقسام معنوي، قد أثر في إثبات تلك الزيادة\nبما لا يجوز النسخ به كخبر الواحد، أو القياس.","vol":"2","page":581},{"text":"فبناء على المذهب الثاني - وهو مذهب الحنفية - وهو الذي يرى\nأن الزيادة نسخ، فإنه لا تثبت تلك الزيادة بخبر الواحد أو القياس؛ كلًّا منهما لا ينسخ المتواتر كزيادة \" تغريب عام \"، فهذا خبر\nواحد لذلك رده أبو حنيفة؛ لأنه زيادة عما في القرآن؛ لأن القرآن\nلا يوجد فيه إلا الجلد، وذلك في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)، والقرآن متواتر لا ينسخه خبر آحاد.\nأما على المذهب الأول - وهو مذهب الجمهور وهو الذي يرى:\nأن الزيادة ليست بنسخ - فإن تلك الزيادة ثابتة عندهم وإن كان ثبوتها\nبخبر الواحد، فقبلوها، لذلك زادوا على حد الجلد التغريب.\nكذلك لم يئبت عند أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية -\nوجوب قراءة الفاتحة الئابت بقوله - ﷺ -:\n\" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب \".\nلأنه خبر واحد، فقالوا: إن قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)،\nيفيد افتراض مطلق القراءة لما تيسر من أي سورة كانت، فجعل الفاتحة ركنا نسخ لهذا القاطع بخبر الواحد فلا يجوز.\nأما على المذهب الأول - وهم الجمهور القائلون: إن الزيادة\nليست بنسخ - فإنهم قبلوا تلك الزيادة وهي ثابتة عندهم، فلا صلاة\nلمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.\nكذلك لم يثبت عند أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية\nالقائلون: إن الزيادة نسخ - اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في كفارة\nالظهار؛ لأن المثبت لذلك هو القياس على كفارة القتل؛ حيث\nاشترط في كفارة القتل في عتق الرقبة الإيمان بقوله تعالى:","vol":"2","page":582},{"text":"(فتحرير رقبة مؤمنة)، والقياس لا يقوى على نسخ ما في القرآن؛ حيث إن\nالثابت في كفارة الظهار في القرآن هو قوله تعالى: (فتحرير رقبة)\nبدون اشتراط الإيمان.\nأما على المذهب الأول - وهو مذهب الجمهور - فإنهم قبلوا تلك\nالزيادة وهي ثابتة عندهم، وزادوا ذلك الشرط، فاشترطوا: أن\nتكون الرقبة مؤمنة؛ لأن الزيادة على النص ليست بنسخ عندهم.\nتنبيه: لا بد أن تعلم أن الحنفية قد ردوا أخبارًا كثيرة بسبب تمسكهم\nبهذا الأصل وهو: \" أن الزيادة على النص نسخ \"؛ لأنه اقتضى\nزيادة على القرآن، والزيادة نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر\nالواحد.\nالمسألة الخامسة عشرة: نسخ جزء العبادة أو شرطها:\nأي: نسخ جزء العبادة أو شرط من شروطها هل هو نسخ لجملة\nالعبادة؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن نسخ جزء من أجزاء العبادة أو شرط من\nشروطها ليس بنسخ للعبادة كلها.\nذهب إلى ذلك الجمهور من العلماء.\nوهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن حقيقة النسخ هو: الرفع والإزالة، وهذه\nالحقيقة قد تناولت \" الجزء \"، و\" الشرط \" المنسوخ فقط،","vol":"2","page":583},{"text":"أما ما عدا. ذلك فلم تتناوله تلك الحقيقة؛ حيث إنه باق على حاله لم يتبدل\nولم يتغير.\nالدليل الثاني: الوقوع: فقد وقع أن نسخ الشارع شرط عبادة من\nالعبادات، ولم تكن تلك العبادة قد نسخت بانكلية مثل: استقبال\nبيت المقدس الذي هو شرط لصحة الصلاة، فقد نسخ هذا الشرط،\nولم يكن نسخه نسخًا لحكم الصلاة، بل هي باقية بحالها لم تتغير،\nوإنما التغير قد تناول شرطها فقط.\nوأيضًا: فقد نسخ عشر رضعات بخمس، ونسخ هذا الجزء\n- وهو الخمس - لم يكن نسخًا لكل العشر.\nالدليل الثالث: قياس النسخ على التخصيص، فكما أن\nالتخصيص لا يكون تخصيصًا للجميع، فكذلك نسخ بعض العبادة\nلا يكون نسخًا لجميعها.\nالدليل الرابع: أن نقص الجزء أو الشرط لم يرفع حكم تلك\nالعبادة من الوجوب أو الندب أو غيرهما، فلا يكون نسخا؛ وذلك\nلأن النسخ هو رفع الحكم الشرعي.\nالمذهب الثاني: أن نسخ جزء العبادة أو شرطها نسخ للعبادة\nجملتها.\nذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، وبعض\nالمتكلمين.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن نقص جزء من أجزاء\nالعبادة، أو إلغاء شرط من شروطها يرفع حرمة فعلها بدون ذلك","vol":"2","page":584},{"text":"الجزء أو الشرط، ويبيح الفعل بدونهما، والحرمة حكم شرعي،\nفيكون رفعه نسخ؛ لأن حقيقة النسخ قد وجدت.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن وجوب العبادة بعد نقص الجزء، أو إلغاء الشرط\nلم يتغير ولم يرفع، بل إنه عين وجوبها قبل النقص وإلغاء الشرط،\nفالحكم الثابت للعبادة حال النسخ هو الوجوب، ولم يرفع، إذن\nلم توجد حقيقة النسخ وهي: رفع الحكم، وإذا لم توجد فلا نسخ.\nكمن أخذ ريالًا من كيس فيه عشرة ريالات، فإن الباقي بعد نقص\nالريال باق على حاله لم يرفع، ولم يتأثر بشيء.\nالمسألة السادسة عشرة: نسخ الحكم إلى غير بدل:\nلقد اختلف العلماء في نسخ الحكم، هل يجوز إلى غير بدل أو لا؟\nعلى مذهبين:\nالمذهب الأول: يجوز نسخ الحكم من غير أن يأتي ببدل عنه.\nوهذا مذهب الجمهور.\nوهو الصحيح لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن حقيقة النسخ هي: الرفع والإزالة، ورفع\nالشيء يتحقق في نفسه، وإن لم يثبت له خلف وبدل، فليس في\nحقيقة النسخ تعرض للخلف والبدل.\nالدليل الثاني: أنه لا يمتنع عقلًا أن تكون المصلحة في نسخ الحكم\nدون وضع بدل عنه، أي: أن اللَّه تعالى علم أن نسخ هذا الحكم\nمصلحة، ولا مصلحة في إثبات بدل له.","vol":"2","page":585},{"text":"الدليل الثالث: أن نسخ الحكم بلا بدل قد وقع، والوقوع دليل\nالجواز.\nفمن أمثلة ذلك: أن تقديم الصدقة بين يدي المناجاة لرسول الله\n- ﷺ - كان واجبًا؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً)، ثم نسخ ذلك بقوله\nتعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ...) .\nوكان هذا النسخ بلا بدل.\nومن ذلك أيضًا: أن الشارع نهى عن ادخار لحوم الأضاحي، ثم\nنسخ ذلك بلا بدل؛ حيث قال - ﷺ -:\n\"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة، أما الآن فكلوا، وتصدقوا، وادخروا\".\nومن ذلك أيضًا: أن اللَّه تعالى أوجب على الصائم في أول\nالإسلام أن يمسك بعد الفطر في أول الليل، فلو نام قبل الفطر، ثم\nاستيقظ ليلًا حرم عليه الطعام والشراب، ثم نسخ تحريم الأكل\nوالشرب في الليالي إلى غير بدل.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز نسخ الحكم إلى غير بدل.\nذهب إلى ذلك أكثر المعتزلة، وبعض أهل الظاهر.\nأدلة هذا المذهب:\nاستدلوا على ذلك بأدلة ومنها:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير\nمنها أو مثلها) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه لا ينسخ شيئًا من الأحكام إلا","vol":"2","page":586},{"text":"إذا وضع مكانه بدلًا عنه خيرًا منه أو مثله، وخبر اللَّه تعالى صدق،\nفالخلف في خبره محال.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أنه ليس في الآية ما يدل على أنه لا بد من\nالبدل، بل إن الآية تدل على أن البدل الثابت خير من المبدل إن ثبت\nالبدل، فهو كقول السيد لعبده: \" لا آخذ منك ثوبا وأعطيك بدله\nإلا إذا كان البدل خيرًا من الأول \"، فهذا اللفظ لا يدل على وجوب\nالبدل، ولكنه يدل على أن البدل إذا وقع فلا بد أن يكون خيرًا.\nالجواب الثاني: أن الآية وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر.\nأي: أنه يدل على نسخ لفظ الآية؛ لأن الآية حقيقة فيها،\nوالأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون على ذلك معنى الآية: لا\nيوجد هنا نسخ لآية من الآيات القرآنية إلا أتينا بآية أخرى بدلها،\nوليس هذا هو المطلوب، وإنما المطلوب هو نسخ الأحكام، والآية\nلا تفيد ذلك.\nالجواب الثالث: أن الآية تصلح أن تكون حُجَّة لنا، بيان ذلك:\nأن رفع الحكم إلى غير بدل قد يكون خيرًا من المبدل؛ لما في ذلك\nمن رفع المشقة عن المكلف، ولكونه لو وجد في الوقت الثاني\n- الذي نسخ فيه - لكان فيه مفسدة على العباد والبلاد.\nالدليل الثاني قالوا فيه: إنما قلنا: إن النسخ لا يكون إلا إلى\nبدل؛ لأنه أمر يلزم في كل حكم رفع، وذلك لأن الحكم إذا رفع","vol":"2","page":587},{"text":"عاد الأمر إلى ما كان عليه من حكم العقل، فمثلًا: إذا رفع تحريم\nالخمر عاد إلى ما كان عليه قبل التحريم، وهو محرم بحكم العقل.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن هذا غير صحيح، لأن العقل لا مدخل له في\nالشرعيات، فليس له أن يحرم أو يبيح، وهذا من كلام المعتزلة بناء\nعلى قاعدتهم: \" التحسين والتقبيح العقليين \"، ونحن لا نقول بها.\n***\nالمسألة السابعة عشرة: النسخ بالأخف، والمساوي، والأثقل:\nنسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ قد اتفق على جوازه كنسخ\nعدة المتوفى عنها من الحول إلى أربعة أشهر وعشر أيام.\nنسخ الحكم ببدل مثله في التخفيف والتثقيل والتشديد كنسخ\nاستقبال بيت المقدس بالكعبة، قدْ اتفق على جوازه.\nنسخ الحكم ببدل أثقل منه قد اختلف فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل.\nوهو مذهب الجمهور.\nوهو الحق، لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلًا أن تكون المصلحة في نسخ الحكم\nمن الأخف إلى الأثقل، وهذه المصلحة هي التدرج والترقي من\nالأحكام الخفيفة إلى الأحكام الثقيلة والشديدة: فالناس حديثو عهد\nبكفر، فلو نزلت الأحكام الثقيلة في أول الأمر لنفر أكثر من دخل\nفي الإسلام عنه، ولكن اللَّه عَزَّ وجَكَّ رأى أن المصلحة تقتضي","vol":"2","page":588},{"text":"التدرج بهم في الأحكام؛ لتلافي ذلك: فينزل اللَّه الأحكام الخفيفة\nفي أول الأمر حتى تتمرن النفوس عليها وتتهيأ لقبول غيرها مما هو\nمثلها وأثقل منها كما حصل في ابتداء التكاليف الشرعية كتحريم\nالخمر، وتحريم الربا.\nالدليل الثاني: الوقوع؛ حيث وقع نسخ الحكم. من الأخف إلى\nالأثقل، والوقوع دليل الجواز.\nفمن أمثلة ذلك: أنه كان في أول الإسلام يجوز تأخير الصلاة في\nحالة الخوف إلى وقت آخر أكثر أمنا، ونسخ ذلك إلى وجوب\nالإتيان بها في حالة الخوف قال تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ..)، ولا شك أن الصلاة حالة الخوف أشد.\nمثال آخر: أن اللَّه تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الإسلام\nمخيرًا بينه وبين الفداء بالمال الثابت بقوله تعالى: (وعلى الذين\nيطيقونه فدية طعام مسكين)، ثم نسخ ذلك بتعيين الصيام فقط\nبقوله تعالى: (فمن شهد الشهر فليصمه)، ومعلوم أن تعيين\nالصيام أشد.\nمثال ثالث: أن الصحابة - ﵃ - أمروا في أول\nالإسلام بترك القتال والإعراض عن ذلك، قال تعالى: (فأعرض\nعنهم)، (وأعرض عن المشركين)، ثم نسخ ذلك بإيجاب\nالجهاد في سبيل اللَّه، ومعلوم أن وجوب الجهاد أثقل من عدمه.\nالدليل الثالث: أنه إذا جاز أن لا يكلف اللَّه عباده ابتداء، ثم\nيكلفهم العبادات الشاقة جاز أن ينتقل من الأخف إلى الأثقل، ولا\nفرق بينهما لمن تدبر.","vol":"2","page":589},{"text":"المذهب الثاني: لا يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل.\nذهب إلى ذلك بعض الظاهرية كأبي بكر بن داود، ونسب إلى\nكل الظاهرية، ونسب إلى بعض الشافعية.\nأدلة هذا المذهب:\nلقد استدل هؤلاء بأدلة، ومنها:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم\nالعسر) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نفى إرادة العسر، والعسر هو الأشق\nوالأثقل، إذن اللَّه لا ينقل العباد من حكم أخف إلى حكم أثقل؛ فيه عسرًا عليهم ومشقة، فلو قلنا: إنه ينسخ من الأخف إلى\nالأثقل لكان ذلك تكذيبًا لخبر الصادق.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أن الآية وردت في صورة خاصة؛ حيث وردت\nفي سياق تخفيف الصوم عن المريض والمسافر، والخاص لا يستدل به\nلإثبات قاعدة أصولية تعم كثيرًا من الأحكام.\nالجواب الثاني: على فرض أنها عامة، فإنا نحملها على ما فيه\nاليسر والعسر بالنظر إلى المال، ولا يخفى أن التكليف بما هو أشق\nفي الدنيا إذا كان ثوابه المآلي أكثر وأدفع للعقاب: أنه يسر، لا عسر.\nالجواب الثالث: أنه لو صح أن اللَّه لا يريد العسر لما كلف الخلق\nبعبادة فيها مشقة، وهذا لا يقوله أحد.","vol":"2","page":590},{"text":"الدليل الثاني: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .\nوجه الدلالة: أنه ليس المراد منه أن يأتي بخير من الآية في نفسها؛ القرآن كله خير، وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا،\nومعروف أن الأصعب والأشق والأثقل ليس خيرًا من الأخف\nوالأسهل، وليس مثلًا له، وعليه: فلا يجوز نسخ الحكم من\nالأخف إلى الأثقل.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن ظاهر هذه الآية أنه نسخ التلاوة، وقد يجوز\nأن يكون ثوابه أكثر، وقد ورد التفضيل في ثواب القرآن.\nالجواب الثاني: أن الخير المذكور في الآية هو ما كان خيرًا في\nالدين، ولعل الأصعب في العبادات هو الخير في الدين من الأخف؛ ثوابه أكثر، أخرج البخاري أن النبي - ﷺ - قال لعائشة - ﵂ -.ْ: \" ثوابك على قدر نصبك \".\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه يضع عنهم الثقل الذي حمله\nللأمم قبلهم، فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه: كان تكذيبا لخبره\nتعالى وهو محال.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه لا يلزم من وضع الإصر والثقل الذي كان على\nمن قبلنا امتناع ورود نسخ الأخف بالأثقل في شرعنا.","vol":"2","page":591},{"text":"الدليل الرابع: أن اللَّه سبحانه أخبر عن نفسه بأنه رؤوف رحيم\nبعباده بقوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)، وغيرها من\nالآيات، وخبر اللَّه تعالى صدق لا شك في ذلك، ونسخ الحكم من\nالأخف إلى الأثقل ينافي تلك الرحمة والرأفة مما يؤدي إلى أن يكون\nخبر اللَّه كذبًا، وهذا محال.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن كون اللَّه تعالى يتصف بالرحمة والرأفة لا يمنع\nمن نسخ الشيء من الأخف إلى الأثقل؛ قياسًا على التكاليف ابتداء،\nوقياسًا على تسليط الأمراض أو الفقر، وغير ذلك من أنواع المؤذيات،\nبيان ذلك:\nأن اللَّه تعالى قد كلَّف عباده ابتداء بإقامة العبادات الشاقة الشديدة\n- بعد أن لم يكونوا مكفَفين بشيء -، وهو مع ذلك متصف\nبالرحمة والرأفة، فإذا جاز ذلك: جاز أن ينقل الحكم من الأخف -\nإلى الأثقل، ولا فرق بينهما في المعنى.\nوكذلك: اللَّه تعالى قد سلَّط بعض الأمراض والفقر، والهموم\nوالغموم، وغير ذلك من أثواع العذاب والمؤذيات على بعض\nالمؤمنين، ومع ذلك فهو رحيم رؤوف بهم، وإنما يصيبهم بما ذكر\nابتلاء وامتحانا لهم، وتكفيرًا لذنوب قد اقترفوها في دنياهم، فهو\nسبحانه لا يصيب أيَّ عبد من عبيده بأيِّ مصيبة إلا وفيها مصلحة له،\nفأمر المؤمن كله خير إن أصابته سراء شكر وفيه أجر، وإن أصابته\nضراء صبر وفيه أجر.\nكذلك هنا ينسخ الحكم من الأخف \"إلى الأثقل ابتلاء وامتحانا\nللمكلَّفين، ولمصالح يعلمها اللَّه تعالى.","vol":"2","page":592},{"text":"الدليل الخامس قالوا فيه: إن النسخ والتخفيف والحط بمعنى\nواحد، فلو قال قائل: \" خففت عليك ولكن إلى شيء هو أثقل \":\nكان تناقضا، فكذلك إذا قال: \" نسخت إلى ما هو أثقل \".\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، فإن النسخ ليس بمعنى التخفيف\nوالحط في اللغة، بل النسخ لغة: هو الرفع والإزالة.\n***\nالمسألة الثامنة عشرة: إذا بلغ الناسخ النبي - ﷺ - ولم يبلغ بعض الأمَّة، فهل يثبت في حق من لم يبلغهم ذلك الناسخ؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يكون نسخا في حق من لم يبلغه، أي:\nأن الحكم الأول لم يرتفع في حق من لم يبلغه الناسخ، ولا يلزمه\nالعمل بالناسخ، فلا يأثم إذا لم يعمل به.\nهذا هو ظاهر كلام الإمام أحمد، واختاره أكثر الحنفية،\nوالمعتزلة، ورجحه إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وابن\nالحاجب، والقاضي أبو يعلى الحنبلي، وغيرهم.\nوهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: ما رواه ابن عمر - ﵄ - أنه قال:\n\"بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول\nالله قد أنزل عليه الليلة، وقدْ أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها،\nوكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة \".\nوجه الاستدلال: أن أهل قباء قد اعتدوا بما مضى من صلاة","vol":"2","page":593},{"text":"الصبح فلم يقضوها، ولو كان النسخ ثبت في حقهم لأمروا\nبالقضاء، فلما لم يؤمروا بالقضاء: دلَّ على أن النسخ لم يكن ثبت\nفي حقهم.\nالدليل الثاني: أن الخطاب الناسخ غير لازم للمكلَّف قبل تبليغه\nبه لا نصًا ولا حكمًا.\nأما النص فقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .\nوأما الحكم فهو: أن المكلَّف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ\nعلى وجهها قبل بلوغه بالناسخ: لكان آثما عاصيا غير خارج به عن\nالعهدة، كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ النسخ إليه، ولو كان\nمخاطبًا بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيا بفعل ما خوطب\nالمذهب الثاني: أنه يكون نسخا في حق من لم يبلغه.\nذهب إلى ذلك بعض الشافعية.\nأدلة هذا المذهب:\nلقد استدل هؤلاء بأدلة هي كما يلي:\nالمدليل الأول: القياس على الوكيل إذا عزله الموكل، بيان ذلك:\nلو وكل شخص وكيلًا في بيع سلعة، ثم عزل الموكل ذلك\nالوكيل فإنه ينعزل، وإن لم يعلم الوكيل بذلك العزل، فإن باع\nسلعة بطل ذلك البيع، ويبطل أي تصرف من الوكيل بعد عزل\nالموكل له، وإن لم يعلم الوكيل بذلك، فكذا الناسخ يُبطل العمل\nبالمنسوخ وإن لم يعلم المكلف.","vol":"2","page":594},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأن هذا قياس فاسد؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أنه قياس على أصل قد اختلف فيه؛ حيث إنه لم\nيتفق على أن الوكيل ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل، بل قد\nاختلف فيه على رأيين:\nالرأي الأول: أنه ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل، فلا\nتصح جميع تصرفات الوكيل بعد العزل وإن لم يعلم به.\nالرأي الثاني: أن الوكيل لا ينعزل إلا بعد علمه فيصح بيعه\nوجميع تصرفاته، وكذلك إن مات الموكل ولم يعلم الوكيل.\nوإذا كان الأمر كذلك فلا يصح القياس.\nالأمر الثاني: أنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين عزل\nالوكيل مع عدم علمه، وثبوت حكم الناسخ على المكلف مع عدم\nعلم المكلف، وهو: أن أوامر اللَّه - تعالى - ونواهيه مقرونة\nبالثواب والعقاب فاعتبر فيها علم المأمور به والمنهي عنه، بخلاف\nالإذن في التصرف والرجوع فيه، فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب.\nالدليل الثاني: أن الحكم المنسوخ يرفع اتفاقا بعد علم المكلف\nبالنسخ، فرفعه إما أن يكون بعلم المكلف، أو يكون بالنسخ.\nلا يمكن أن يرفع بعلم المكلف؛ لأن العلم لا دخل له في ثبوت\nالنسخ.\nفلم يبق إلا أن يرفع بالنسخ وهو الصحيح، فثبت - بهذا - أن\nالنسخ متحقق قبل علم المكلف، فيكون نسخا في حق من لم يبلغه\nوهو المطلوب.","vol":"2","page":595},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأن الرفع بالنسخ مشروط بعلم المكلَّف به، وللشروط\nلا يتحقق بدون شرطه.\nبيان نوع الخلاف:\nإنَّ الخلاف لفظي في هذه المسألة، حيث إنه راجع إلى المراد من\nثبوت النسخ في حق من لم يبلغه الناسخ: فإن أريد بثبوت النسخ\nفي حق من لم يبلغه الخبر: أنه يجب عليه الأخذ بحكم الناسخ قبل\nالعمل به فهو إلزام بالمحال وتكليف بما لا يطاق عند الفريقين.\nوإن أريد أنه إذا بلغه الناسخ يلزمه تدارك ما مضى فهذا مما لا امتناع فيه.\n***\nالمسألة التاسعة عشرة: نسخ القرآن بالقرآن:\nنسني القرآن بالقرآن جائز بالإجماع، للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير\nمنها أو مثلها)، وهو صريح في ذلك.\nالدليل الثاني: وقوعه، والوقوع يدل على الجواز: فقد وقع\nنسخ القرآن بالقرآن كثيرًا، من ذلك نسخ عدة المتوفى عنها من سنة\nكاملة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، قال تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)، ثم - نسخ ذلك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)،\nونسخ الفداء","vol":"2","page":596},{"text":"بالمال عن الصيام، قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام\nمسكين)، فنسخ ذلك بقوله: (فمن شهد الشهر فليصمه) .\nالدليل الثالث: الاتحاد في الرتبة من حيث السند؛ حيث إن كلًا\nمنهما قطعي الثبوت. -\n***\nالمسألة العشرون: نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة:\nهذا جائز بالاتفاق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلًا أن ينسخ الحكم الثابت بالتواتر\nبمتواتر مثله.\nالدليل الثاني: القياس على القرآن، فكما أنه يجوز نسخ القرآن\nبالقرآن كذلك يجوز نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة بجامع: أن\nكلًا منهما قطعي الثبوت.\nالدليل الثالث: الاتحاد في الرتبة؛ حيث إن الناسخ والمنسوخ\nيتفقان في أن كلًّا منهما قطعي اكشبوت.\nالمسألة الحادية والعشرون: نسخ سُنَّة الآحاد بسُنَّة الآحاد:\nهذا جائز بالاتفاق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: وقوعه، والوقوع دليل الجواز، من ذلك:\nما رواه بريدة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها \"،\nومن ذلك ما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال - في شارب الخمر -: \" إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه \"","vol":"2","page":597},{"text":"، فأتي رسول اللَّه - ﷺ - بسكران في الرابعة فخلَّى\nسبيله.\nالدليل الثاني: الاتحاد في الرتبة، حيث إن الناسخ والمنسوخ\nيتحدان في أن كلًّا منهما ظني الثبوت.\n***\nالمسألة الثانية والعشرون: نسخ سُنَّة الآحاد بالسُّنَّة المتواترة:\nهذا جائز بالاتفاق؛ لأن التواتر يفيد العلم، ويقطع العذر،\nوالآحاد يفيد الظن، ونسخ الشيء بما هو أقوى وأعلى منه جائز،\nولكنه لم يقع.\nالمسألة الثالثة والعشرون: نسخ السُّنَّة بالقرآن:\nهذا قد اختلف فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز نسخ السُّنَّة بالقرآن مطلقا.\nذهب إلى ذلك الجمهور.\nوهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن القرآن والسُّنَّة وحي من اللَّه تعالى، - قال تعالى\nفي ذلك: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، غير أن\nالكتاب متعبد بتلاوته، بخلاف السُّنَّة، ونسخ حكم أحد الوحيين\nبالآخر غير ممتنع عقلًا، ولهذا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل\nالقرآن ناسخا للسُّنَّة لما لزم عنه محال عقلًا، فدلَّ على الجواز\nالعقلي.","vol":"2","page":598},{"text":"الدليل الثاني: وقوعه، والوقوع يدل على الجواز، فلو لم يكن\nجائزًا لما وقع، فقد وقع في الشرع أن القرآن نسخ السُّنَّة، من ذلك:\n١ - أنه نسخ تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسُّنَّة؛ حيث\nروى أبو سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - أخَّر الصلاة يوم الخندق: الظهر والعصر والمغرب حتى بعد المغرب بهوي من الليل فصلاها، ثم نسخ ذلك بالقرآن وهو قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم\nالصلاة) .\n٢ - أنه نسخ الصلاة على المنافقين، فقد روى عمر بن الخطاب:\nأن النبي - ﷺ - صلى على عبد اللَّه بن أبي بن سلول المنافق، فعارضه عمر - ﵁ - فقال رسول الله - ﷺ -: \"أخَّر عني يا عمر إني خيرت فاخترت قد قيل لي: \" استغفر لهم \" لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت \" -\nقال الراوي: فصلى عليه، ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه،\nقال: فعجبت من جرأتي على رسول اللَّه، والله ورسوله أعلم،\nقال: فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزل قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)، فما صلى رسول اللَّه - ﷺ - على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه اللَّه تعالى، فهذا نسخ السُّنَّة بالقرآن.\n٣ - أنه نسخ القبْلة إلى بيت المقدس الثابتة بالسُّنَّة بالقرآن؛ حيث\nإن النبي - ﷺ - لما قدمَ المدينة صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .\nولا يمكن أن يقال: إن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما\nبالقرآن، وهو قوله تعالى: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)؛ لأن هذه الآية فيها\nتخيير بين بيت المقدس وغيره من الجهات، والمنسوخ إنما هو وجوب\nالتوجه إليه عينًا، وذلك غير معلوم من القرآن.","vol":"2","page":599},{"text":"اعتراض على هذا الدليل:\nقال المعترض: لعل هذه الأحكام كانت ثابتة بقرآن نسخ تلاوته،\nوبقى حكمه، فيكون نسخ القرآن بالقرآن، أو لعل تلك الأحكام قد\nثبتت بالسُّنَّة، ونسخت بالسُّنَّة، فيكون من قبيل نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة\nوهذا متفق عليه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ لكم ذلك؛ لأمرين:\nأولهما: أنه لا دليل عند المعترض على أن تلك الصور من باب\nنسخ القرآن بالقرآن، أو من باب نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة، ونحن قد\nتمسكنا بالأصل، وهو عدم الدليل على ذلك - بعد البحث التام -.\nثانيهما: أنه لو قبل مثل هذه الاحتمالات لاقتضى أن لا يتعين\nناسخ ولا منسوخ؛ حيث إنه سيقال في كل ناسخ: إنه ليس بناسخ\nبل غيره، ويقال في كل منسوخ: إنه ليس بمنسوخ بل غيره، وهذا\nخلاف الإجماع، بل لما ثبت ناسخ علم تأخره عن منسوخ إلا إذا\nقيل: \" هذا ناسخ وذلك منسوخ \"، وهو خلاف ما قاله العلماء.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز نسخ السُّنَّة بالقرآن.\nنسب هذا إلى الإمام الشافعي - ﵀ -.\nأدلة هذا المذهب:\nاستدل أصحاب. هذا المذهب بما يلي:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .\nوجه الاستدلال: أن الآية دلَّت على أن السُّنَّة بيان للقرآن،","vol":"2","page":600},{"text":"والناسخ بيان للمنسوخ، فلو كان القرآن ناسخا للسُّنَّة لكان القرآن\nبيانًا للسُّنَّة، وسيأتي أن السُّنَّة بيان للقرآن، فيلزم من ذلك أن كل\nواحد منهما بيان للآخر، وهذا دور، والدوبى باطل، فامتنع أن\nيكون القرآن ناسخًا للسُّنَّة.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الشارع لما جعل السُّنَّة بيانًا للقرآن نبَّه بذلك على\nأن القرآن أَوْلى أن يكون بيانا للسُّنَّة؛ لأنه أعلى منها، أي: إذا جاز\nأن يبين الأعلى بالأدنى، فجواز تبيين الأدنى بالأعلى أوْلى.\nالدليل الثاني: قالوا: إنه لو نسخت السُّنَّة بالقرآن للزم تنفير\nالناس عن النبي - ﷺ - وعن طاعته؛ لإيهامهم أن اللَّه - تعالى - لم يرض السُّنَّة التي أتى بها النبي - ﷺ -، وذلك مناقض لمقصود البعثة، ولقوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) .\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه لو امتنع نسخ السُّنَّة بالقرآن للإيهام أن اللَّه لم\nيرض عن تلك السُّنَّة، وهذا يؤدي إلى تنفير الناس عن طاعة\nالرسول - ﷺ - كما زعمتم: لامتنع نسخ القرآن بالقرآن، والسُّنَّة بالسُّنَّة، وهو خلاف \" الإجماع، حيث إنه قد اتفق على جواز نسخ\nالقرآن بالقرآن، والسُّنَّة بالسُّنّة - كما سبق ذكره -.\nالجواب الثاني: أن ما قلتموه في دليلكم إنما يصح أن لو كانت\nالسئُنَّة من عند رسول اللَّه - ﷺ - من تلقاء نفسه، وليس كذلك، بل إنما السُّنَّة وحي قال تعالى في ذلك: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) .","vol":"2","page":601},{"text":"الدليل الثالث لهم قالوا فيه: إن القرآن والسُّنَّة جنسان مختلفان\nمن الأدلة، فلم يجز نسخ أحدهما بالآخر.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن النسخ في الأصل لم يمتنع لكونهما جنسين، وإنما\nامتنع؛ لأن أحدهما فرع للآخر، وأن أحدهما أدنى، فلم يجز نسخ\nالأصل بفرعه، ولا نسخ الأعلى بالأدنى، وهذا لم يكن في مسألتنا؟\nلأننا لم ننسخ الأعلى بما هو دونه، وإنما ننسخ الأدنى بما هو أعلى\nمنه، ولا مانع من ذلك.\nتئبيه: لقد قلت: إن المذهب الثاني قد نسب إلى الإمام\nالشافعي، وقد كثر كلام العلماء حول هذه النسبة، وقد حققت ذلك\nفي كتابي \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \"، فارجع إليه\nإن شئت.\n***\nالمسألة الر ابعة والعشرون: نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة:\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها: مذهبان:\nالمذهب الأول: أن نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة جائز عقلًا وشرعا.\nوهو مذهب الحنفية، والمالكية، وعامة المتكلمين، وأهل الظاهر،\nوهو مذهب الإمام أحمد في رواية عنه وبعض الحنابلة، وهو - اختيار\nأكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم.\nوهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة لا يستحيل عقلًا،\nفالناسخ - في الحقيقة - هو الله ﷿، كل ما في الأمر أنه","vol":"2","page":602},{"text":"سبحانه أنزل الناسخ على النبي - ﷺ - بوحي غير نظم القرآن، وإذا كان المنسوخ - وهو القرآن - والناسخ - وهي السُّنَّة - من اللَّه تعالى فما المانع من نسخ أحدهما للآخر؟\nاعتراض على ذلك:\nقال معترض على هذا الدليل: قد ينسخ النبي - ﷺ - الآية اجتهادًا منه، فإن هذا ليس من اللَّه تعالى.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن يقال: إن جوز للنبي - ﷺ - النسخ بالاجتهاد فهو من عند اللَّه - أيضا -، فالله هو الذي أذن له بالاجتهاد في هذا الأمر، فثبت المطلوب، وهو: أن الكل من اللَّه تعالى.\nالدليل الثاني: أن القرآن والسُّنَّة لا فرق بينهما من حيث السند،\nفكل واحد منهما متواتر، ولا فرق بينهما من حيث المصدر - كما\nقلنا سابقا -.\nوإذا كان كل واحد منهما قطعي الثبوت، ومصدره من اللَّه تعالى،\nفإن كل واحد منهما يقوى على نسخ الآخر.\nالدليل الثالث: أن النسخ تعريف بانقضاء مدة العبادة، وإعلام\nسقوط مثل ما كان واجبا بالمنسوخ وارتفاعه فيما يستقبل من الزمان،\nوالمعرفة بذلك تقع بالسُّنَّة كما تقع بالقرآن.\nالدليل الرابع: الوقوع، فقد وقع في الشريعة نسخ القرآن بالممئُنَّة\nالمتواترة، والوقوع دليل الجواز، من ذلك:\nأن الوصية كانت واجبة للوالدين والأقربين بقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)، فنسخ ذلك بقوله - ﷺ -: \"فلا وصية لوارث\".","vol":"2","page":603},{"text":"اعتراض على ذلك:\nلقد اعترض على ذلك الدليل باعتراضين:\nالاعتراض الأول: أن الوصية للوالدين والأقربين لم تنسخ بقوله\n- ﵇ -: \" لا وصية لوارث \"، بل إنها نسخت بآية المواريث، وبيان سهام الوالدلين والأقربين، وأشار النبي - ﷺ - إلى ذلك بقوله: \" إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث \".\nجوابه:\nيجاب عن هذا الاعتراض بأنه يمكن الجمع بين هذا الحديث وآية\nالمواريث التي هي قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، حيث إن الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب.\nالاعتراض الثاني:\nإن الوصية للوالدين الثابتة بالآية لا يمكن أن تنسخ بالحديث وهو:\n\" لا وصية لوارث \"؛ لأن الحديث خبر آحاد، وليس بمتواتر،\nوخبر الواحد لا يقوى على نسخ ما ثبت بالقرآن.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الحديث في قوة المتواتر؛ لأن المتواتر نوعان:\nمتواتر من حيث السند، ومتواتر من حيث ظهور العمل به من غير\nنكير، فإن ظهوره يغني الناس عن روايته، والحديث الذي معنا من\nالنوع الثاني، حيث إن ظهور العمل به من العدول من أئمة الفتوى\nبلا منازع، فإنه يجوز النسخ به.\nالمذهب الثاني: أن نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة جائز عقلًا، ولا يجوز شرعا.","vol":"2","page":604},{"text":"ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، وأحمد في رواية عنه، وبعض\nالحنابلة، واختاره أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو منصور البغدادي،\nوالقلانسي، والحارث المحاسبي.\nأدلة هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب على جواز نسخ القرآن بالسُّنَّة\nالمتواترة عقلًا بالأدلة الثلاثة الأولى التي استدل بها أصحاب المذهب\nالأول.\nواستدل أصحاب هذا المذهب على عدم جواز نسخ القرآن بالسُّنَّة\nالمتواتر شرعا بما يلي:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه جعل البدل خيرًا من المنسوخ أؤ مثلًا له،\nوالسُّنَّة ليست خيرًا من القرآن ولا مساوية له في الخيرية، فلا تكون\nبدلًا عن الكتاب ولا ناسخة له.\nوكذلك: أخبر اللَّه تعالى أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منه،\nوذلك يفيد أنه يأت بما هو من جنسه، فكان الناسخ للقرآن هو القرآن\nلا السُّنَّة.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن المراد بالخيرية والمثلية الواردة في الآية: الخيرية\nوالمثلية في الحكم لا في اللفظ، ولا شك أن الخكم الثابت بالسُّنَّة قد\nيكون أنفع للمكلف من الحكم المنسوخ.\nثم اعلم بأن السُّنَّة كالقرآن ولا فرق بينهما، حيث إن كلًّا منهما","vol":"2","page":605},{"text":"من عند اللَّه ﷾، كل ما في الأمر أن القرآن معجز\nومتعبد بتلاوته، والسُنَّة ليست كذلك.\nفإذا علمت أن الكل من عند اللَّه، وأن المصدر واحد، وكل\nمنهما قطعي الثبوت، فإنه ثبت أن الآية ليس فيها ما يدل على أن\nالسُّنَة لا تنسخ القرآن.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .\nوجه الدلالة: أن المراد بما نزل هو القرآن، والمراد من الذكر هو\nالسُّنَة، وقد جعل اللَّه السُّنَّة مبينة لكل القرآن؛ لأن \" ما \" للعموم،\nفلو كانت السُّنَّة ناسخة للقرآن للزم أن تكون رافعة للقرآن، لا مبينة\nله؛ لأن النسخ رفع لا بيان، وذلك يخالف ما دلت عليه الآية.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن النسخ نوع من البيان؛ لأنه بيان انتهاء الحكم\nالشرعي بطريق شرعي متراخ عنه، وما دام النسخ بيانا، وقد جعلت\nالسثُنَة مبينة للقرآن، فإنه يجوز نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة، ولا\nمانع من ذلك.\n***\nالمسألة الخامسة والعشرون: هل يجوز نسخ القرآن والسّنَّة\nالمتواترة بخبر الواحد؟\nفي ذلك تفصيل:\n. أما نسخ القرآن والسُنَّة المتواترة بخبر الواحد عقلًا فهو جائز\nباتفاق العلماء المعتدّ بأقوالهم، وذلك لأنه لا يمتنع عقلًا أن يأتي","vol":"2","page":606},{"text":"الشارع بخبر الواحد، ويقول: إنه ناسخ للحكم الفلاني الذي ثبت\nبالتواتر، فإن اللَّه ينزل ما يشاء ويفعل ما يريد، فلا يلزم من جوازه\nمحال.\nأما نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد شرعا، فقد اختلف\nالعلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: لا يجوز نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد\nشرعًا، وهو مذهب الجمهور من العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأنه بعد تتبع الأدلة واستقرائها لم نجد فيها أن\nمتواترًا قد نسخه خبر واحد، وهذا يدل على عدم الوقوع، وماذا كان\nالأمر كذلك فإنه يدل على عدم الجواز.\nالمذهب الثاني: يجوز نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد\nشرعا.\nذهب إلى ذلك بعض أهل الظاهر كداود، وابن حزم، وبعض\nالعلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: الوقوع، حيث إنه قد وقع أن القرآن والسُنَّة\nالمتواترة قد نُسخا بخبر الواحد، بيان ذلك:\nأولًا: أنه ثبت: أن رجلًا جاء إلى أهل قباء وهم يصلون العصر\nنحو بيت المقدس، فقال: أشهد أني صليت مع رسول الله - ﷺ - نحو الكعبة فانحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة.\nفالتوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسُّنَّة المتواترة لأهل قباء","vol":"2","page":607},{"text":"وغيرهم، فنسخ ذلك بخبر الواحد؛ إذ قبلوا كلامه، وتحولوا نحو\nالمسجد الحرام، وعلى هذا يكون خبر الواحد قد نسخ المتواتر.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن محل النزاع هو وقوع نسخ المتواتر بخبر الواحد\nالمجرد عن القرائن المفيدة للعلم، أما في هذه القصة فإنه يحتمل أن\nيكون قد انضم إليه ما يفيد العلم كقربهم من مسجد رسول اللَّه - ﷺ - وسماعهم لضجة الخلق في ذلك.\nثانيا: قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)، حيث نسخ\nذلك بخبر الواحد وهو: \" أن النبي - ﷺ - نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها \".\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الحديث مخصص للآية، وليس بناسخ لها؛ النص يقتضي أن يكون كل ما عدا المذكورات حلالا، فأخرج\nعنه هذا الحديث بعضه فيكون تخصيصا لا نسخا.\nويمكن أن يكون نسخًا لو أثبت المستدلون: أن الخبر ورد بعد\nالعمل بمقتضى الآية، فحينئذ يكون نسخا؛ إذ لا يجوز تأخير بيان\nالمخصص عن وقت العمل.\nثالثا: أنه ثبت بالتواتر أن الرسول - ﷺ - كان يرسل الآحاد من الصحابة - ﵃ - إلى البلدان والنواحي لتبليغ الأحكام، وتبليغ الناسخ والمنسوخ، ولولا قبول خبر الواحد في ذلك: لما كان قبوله واجبًا.","vol":"2","page":608},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا يجوز فيما يجوز فيه خبر الواحد، كان\nينسخ ما ثبت بخبر الواحد، أما ما لا يجوز فيه فلا، مثل مسألتنا\nوهي: نسخ المتواتر بالآحاد، ومن ادعى أن خبر الواحد قد نسخ\nمتواترًا فعليه الإثبات.\nالدليل الثاني: أن خبر الواحد ينسخ المتواتر من القرآن والسُّنَّة؟\nقياسًا على التخصيص به، بيان ذلك:\nأنه كما يجوز تخصيص المتواتر من الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر\nالواحد، كذلك يجوز نسخ المتواتر من الكتاب والسُّنَّة المتواترة\nبخبر الواحد؛ إذ لا فرق بينهما، والجامع: رفع الضرر المظنون.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن\nالتخصيص: بيان وجمع بين الدليلين، أما النسخ فهو: إبطال ورفع\nوإزالة كما تقدم.\nالدليل الثالث: أن خبر الواحد دليل من أدلة الشرع، فإذا صار\nمعارضًا لحكم المتواتر وجب تقديم المتأخر؛ قياسًا على سائر الأدلة.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؟\nلوجود الفرق بين المتواتر والاَحاد، فالمتواتر مقطوع في سنده،\nوالآحاد مظنون في سنده، فهذا الفرق مانع من ترجيح خبر الواحد.","vol":"2","page":609},{"text":"المسألة السادسة والعشرون: هل الإجماع يكون منسوخا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الإجماع لا يكون منسوخا.\nوهو مذهب الجمهور.\nوهو الصواب؛ لأن ما وجد من الإجماع بعد رسول الله - ﷺ - وانتهاء زمن الوحي لو نسخ حكمه فإما أن ينسخ بنص، أو إجماع،\nأو قياس.\nأما الأول - وهو كون الإجماع منسوخا بنص - فهو باطل؛ لأن\nالناسخ لا بد أن يكون متأخرًا عن المنسوخ، ومعلوم أن النص متقدم\nعلى الإجماع.\nوقلنا: إن النص متقدم على الإجماع؛ لأن النصوص تتلقى من\nالنبي - ﷺ -، والإجماع لا ينعقد في زمنه - ﷺ -؛ لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد، وإن وافقهم كان قوله هو الحُجَّة؛ لاستقلاله بإفادة الحكم، فإذا ثبت أن النص متقدم على الإجماع، فلا يمكن أن يكون النص ناسخًا للإجماع؛ لأن المتقدم لا ينسخ المتأخر.\nأما الثاني - وهو كون الإجماع منسوخا بإجماع آخر - فلا يصح\n- أيضا -؛ لأنه يستحيل انعقاده على خلاف إجماع آخر؛ إذ لو\nانعقد لكان أحد الإجماعين خطأ؛ لأن الأول إن لم يكن عن دليل\nفهو خطأ، وإن كان عن دليل كان الثاني خطأ؛ لوقوعه على خلاف\nالدليل.\nأما الثالث - وهو كون الإجماع منسوخا بقياس - فهو باطل\n- أيضا -؛ لأن القياس لا يكون على خلاف الإجماع؛ لأنه يشترط","vol":"2","page":610},{"text":"في القياس: أن لا يكون مخالفا لنص أو إجماع، فعند مخالفة\nالإجماع للقياس: يكون القياس باطلًا فلا يكون حُجَّة، وعليه فلا\nيصح أن يكون ناسخا للإجماع.\nاعتراض على ذلك:\nاعترض معترض قائلًا: إنه يُتصور أن يكون الإجماع منسوخًا،\nبيان ذلك:\nأنه يمكن أن يكون الإجماع قد انعقد في زمن، ثم بعد ذلك ظهر\nللمجمعين خبر كان قد خفي عليهم، ولم يعلموا به أثناء إجماعهم،\nهذا الخبر الذي ظفروا به هو أقوى من مستندهم في ذلك الإجماع،\nفيكون - على هذا - هذا الخبر ناسخا للإجماع.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا باطل؛ لأن المنسوخ يكون هو النص الذي\nكان مستند الإجماع، ولا يمكن أن يكون المنسوخ هو الإجماع؛ لأن\nالإجماع بطل من أصله بظهور ذلك النص، لا أن الإجماع يكون\nمرفوعا بعد استقراره.\nالمذهب الثاني: أن الإجماع يكون منسوخا.\nذهب إلى ذلك طائفة من العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن العلماء المعتد بأقوالهم إذا اختلفوا في مسألة على قولين: فإن\nالمكلَّف مخير في العمل بكل واحد من القولين، إذا أجمع علماء\nالأُمَّة على هذين القولين؛ إذ لا ثالث لهما، فإذا أجمع العلماء -\nبعد ذلك - على أحد القولين: لم يجز العمل بالقول الآخر،","vol":"2","page":611},{"text":"وحينئذ يكون الإجماع الثاني ناسخا لما دلَّ عليه الإجماع الأول من\nجواز العمل بكل واحد من القولين، وبذلك يكون الإجماع الثاني\nناسخًا للإجماع الأول، فصح بذلك أن يكون الإجماع منسوخا.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن علماء الأُمَّة إنما جوَّزوا للمكلف الأخذ بأي واحد\nمن القولين بشرط: أن لا يحصل الإجماع على أحد القولين، فكان\nالإجماع الأول مشروطا بهذا الشرط، فإذا وجد الإجماع الثاني فقد\nزال شرط الإجماع الأول، فانتفى الإجماع الأول بسبب انتفاء\nشرطه، لا لكون الثاني قد نسخه.\n***\nالمسألة السابعة والعشرون: هل يكون الإجماع ناسخا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأولي: أن الإجماع لا يكون ناسخا، أي: أن الإجماع\nلاينسخ به.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الصحيح؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن المنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصا، أو\nإجماعًا، أو قياسا.\nأما الأول - وهو كون المنسوخ بالإجماع نصا - فهذا باطل؟\nلاستحالة انعقاد الإجماع على خلاف ذلك النص؛ لأن الإجماع\nلابد له من مستند فلا يخلو: إما أن يطلع المجمعون على هذا النص\nأو لا.\nفإن لم يطلعوا عليه: كان إجماعهم باطلًا؛ لوجود ما يخالفه.","vol":"2","page":612},{"text":"وإن اطلعوا عليه وأجمعوا على خلافه:. دلَّ على أن هذا النص\nمرجوح، وما استندوا إليه في إجماعهم راجح، فيكون - بذلك -\nالناسخ للنص هو النص الذي استندوا إليه، فثبت: أن ذلك من\nباب نسخ النص بالنص، لا من باب نسخ النص بالإجماع.\nوأما الثاني - وهو كون المنسوخ بالإجماع إجماعا آخر - فهو\nباطل؛ لأن الإجماع لا ينعقد على خلاف إجماع آخر - كما سبق\nذكره -.\nوأما الثالث - وهو كون المنسوخ بالإجماع قياسا - فهو باطل\n- أيضًا - لأن من شرط حجية القياس والعمل به: عدم مخالفته\nللإجماع، فإذا انعقد الإجماع على خلاف القياس: زال القياس\nلزوال شرطه، وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخًا.\nالدليل الثاني: أن الإجماع إنما يكون حُجَّة بعد عهد الرسول - ﷺ -،\nوالنسخ إنما يكون في زمن رسول اللَّه - ﷺ -،\nوعلى هذا يستحيل اجتماعهما.\nالمذهب الثاني: أن الإجماع يكون ناسخ@.\nذهب إلى ذلك بعض المعتزلة، وعيسى بن أبان من الحنفية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة قد سقط بإجماع\nالصحابة، فهذا يدل على أن الإجماع يكون ناسخا.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن سقوط سهم المؤلفة قلوبهم ليس من باب النسخ،\nبل هو من باب انتهاء الحكم لانتهاء عِلَّته المقررة، وهي: تحبيب","vol":"2","page":613},{"text":"الإسلام في نفوس حديثي العهد بالإسلام لإعزاز الإسلام، فلما\nحصلت العزة للإسلام في عهد الصحابة سقط سهم المؤلفة قلوبهم،\nوليس انتهاء الحكم لانتهاء علته نسخا.\nالدليل الثاني: كما أن الإجماع مخصص للعام كذلك يصح أن\nيكون ناسخا ولا فرق.\nجوابه:\nيجاب عنه بأنه ليس كل ما يُخصص به ينسخ به، فدليل العقل\nيجوز التخصيص به ولا يجوز النسخ به، ثم إن قياسكم النسخ على\nالتخصيص قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن، النسخ رفع\nللحكم بالكلية بخلاف التخصيص؛ فإنه قصر للحكم على بعض\nأفراده، وبذلك لا يمنع أن يكون الإجماع مخصصا، بخلاف النسخ،\nفقد وجد فيه ما يمنع من كون الإجماع ناسخا وهي أدلتنا السابقة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين متفقون على أنه لا\nإجماع في حياة النبي - ﷺ -، ولا نص بعد وفاته، فيحمل كلام أصحاب المذهب الثاني على أن مرادهم: النسخ بالدليل الذي هو\nمستند الإجماع، وهذا لا خلاف فيه.\n***\nالمسألة الثامنة والعشرون: هل يكون القياس منسوخا وناسخا؟\nلقد كثر كلام العلماء حول هذه المسألة وكثرت المذاهب فيها،\nولكن الأصح عندي ما ذهب إليه ناصر الدين البيضاوي، والإسنوي\nوكثير من العلماء وهو:\nأن القياس يُنسخ بقياسٍ أجلى وأظهر وأقوى منه، فمثلًا نص","vol":"2","page":614},{"text":"الشارع على تحريم بيع البر بالبر متفاضلًا، فقسنا عليه السفرجل لعلَّة\nجمعت بينهما، وقلنا: لا يجوز بيع السفرجل بالسفرجل متفاضَلًا\nقياسا على بيع البر بالبر، ثم نص - أيضًا - على إباحة التفاضل في\nالموز، وكان مشتملًا على علَّة أقوى من العِلَّة التي في الأول، فإن\nهذا يقتضي إلحالق السفرجلَ بالموز، ويكونَ بيع السفرجل بالسفرجل\nجائزًا كالموز، فإن القياس هنا يكون ناسخا للقياس الأول.\nوإنما حصرنا ناسخ القياس في قياس أقوى وأجلى منه؛ لأنه لا\nينسخ بنص ولا إجماع، ولا بقياس مساوي، ولا بقياس أخفى وأدنى\nمنه.\nأما كونه لا ينسخ بالنص ولا بالإجماع؛ لأن شرط العمل\nبالقياس: ألا يوجد ما يخالفه من نص أو إجماع، فإذا وجد ما\nيخالفه من نص أو إجماع، فقد بطل العمل به، أي: زال القياس\nبزوال شرطه.\nأما كونه لا ينسخ بالقياس المساوي فلأن ذلك يؤدي إلى ترجيح\nأحد المتساويين على الآخر بدون مرجح وهو باطل.\nأما كونه لا ينسخ بالقياس الأخفى والأدنى منه، فلأن ذلك يؤدي\nإلى العمل بالمرجوح وترك العمل بالراجح وهو باطل.\nفثبت أن القياس ينسخ بالقياس الأقوى فقط.\nوعلى ذلك فالقياس الأقوى والأجلى ناسخ للقياس الأضعف\nوالأخفى.\nفيكون القياس ناسخًا ومنسوخا.","vol":"2","page":615},{"text":"المسألة التاسعة والعشرون: إذا نسخ حكم الأصل فهل ينسخ\nتبعا لذلك حكم الفرع؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه إذا نسخ حكم الأصل في القياس، فإن حكم\nالفرع ينسخ تبعًا له مطلقًا، أي: سواء كان القياس قطعيًا أو ظنيًا،\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن حكم الفرع قد ثبت بالعلَّة التي اعتبرت\nلحكم الأصل، فإذا نسخ حكم الأصل فقد زال اعتبار أي عِلَّة لهذا\nالحكم، ومتى زال اعتبار العلَّة فقد زال اعتبار الحكم الذي ثبت بها،\nوبذلك يكون رفع حكم الأصل مستلزما لرفع حكم الفرع.\nفمثلًا: قال - ﷺ - للأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان:\n\"اعتق رقبة\"، فإن هذا يفيد أن المجامع في نهار رمضان عليه الكفارة،\nوعلَّة ذلك: إفساد اليصوم المحترم - عند بعضهم - فألحق به الأكل\nعمَدًا في نهار رمضان، نظرًا لوجود العِلَّة فيه، فالكفارة في الأكل\nفي نهار رمضان ثابتة بالقياس؛ بناء على تلك العلَّة، فإذا فرضنا أن\nالشارع نسخ هذا الحديث وبنسخه ينسخ الحكمَ الذي اشتمل عليه\nوهو: وجوب الكفارة في الجماع في نهار رمضان: فإن حكم الفرع\n- وهو وجوب. الكفارة في الأكل - يرتفع تبعًا لذلك؛ لأن العلَّة\nوهي: انتهاك حرمة رمضان قد زال اعتبارها بسبب رفع حكم الأصل\nالذي استنبطت منه.\nالمذهب الثاني: أنه إذا نسخ حكم الأصل، فإن حكم الفرع\nالثابت بعلته لا يرتفع، أي: لا يرتفع حكم الفرع بارتفاع حكم\nالأصل.","vol":"2","page":616},{"text":"ذهب إلى ذلك بعض الأصوليين.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الفرع تابع لدلالة حكم\nالأصل، ولم يتبع حكم الأصل، وعلى هذا: فلا يلزم من انتفاء\nحكم الأصل بالنسخ انتفاء دلالته، فلم يحدث شيء إلا انتفاء حكم\nالأصل، أما دلالته فباقية كما هي فيبقى معها حكم الفرع.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنا لا نسلِّم بأنه لم يحدث شيء إلا انتفاء حكم\nالأصل، بل ثبت انتفاء العلَّة التي استنبطت من حكم الأصل، وهو\nملزوم لانتفاء حكم الأصلَ؛ حيث إن السبب في وجود العِلَّة التي\nأوجدت الحكم في الفرع هو وجود حكم الأصل، فلما انتفى حكم\nالأصل، انتفت تلك العِلَّة المستنبطة منه، وبانتفائها انتفى ما تعلق بها\nوهو: حكم الفرع.\nتنبيه: نسب أبو يعلى، وأبو الخطاب، وأبو إسحاق الشيرازي،\nوصفي الدين الهندي المذهب الثاني إلى كل الحنفية، ونسبه الآمدي،\nوابن قدامة إلى بعض الحنفية، وهذه النسبة فيها تساهل؛ حيث\nأنكرها ابن عبد الشكور، والأنصاري، والكمال بن الهمام من\nالحنفية.\nالمسألة الثلاثون: مفهوم الموافقة هل يقع ناسخًا ومنسوخا؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن مفهوم الوافقة يقع ناسخًا ومنسوخًا.","vol":"2","page":617},{"text":"ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لأن مفهوم الموافقة كالنص المنطوق به، فكما\nيجوز نسخ النص، والنسخ به، فكذلك يجوز نسخ المفهوم الموافق\nوالنسخ به ولا فرق، بل قد يكون المفهوم الموافق أقوى من المنطوق\nبه، فمثلًا قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) دلَّ بمنطوقه على\nتحريم التأفيف، ودل بمفهومه الموافق على تحريم الضرب والشتم\nوالقتل والسب، أي: إذا حرم مجرد التأفيف فمن باب أوْلى أن\nيحرم الضرب والشتم؛ لأنه أشد في الإيذاء.\nالمذهب الثاني: أن مفهوم الموافقة لا يقع ناسخا ولا منسوخا.\nذهب إلى ذلك بعض الشافعية.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن مفهوم المواققة قياس\nجلي، وانقياس لا ينسخ ولا يُنسخ به، بيانه:\nأن قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) دلَّ بمفهومه على تحريم\nالضرب والشتم، والقتل للوالدين، فلم ينطق بذلك، ولم يكن\nفي ذلك صيغة الضرب والشتم والقتل، وإنما المنطوق به التأفيف\nفألحق به الضرب والشتم بجامع الأذى في كل، وهذا هو القياس،\nوالقياس لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\n- الجواب الأول: أن تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى ثبت","vol":"2","page":618},{"text":"نطقا، لا قياسًا، فصح نسخه، ويدل على أنه ثبت نطقا قولهم:\nهذا مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه.\nالجواب الثاني: أن من سمى هذا قياسا من الشافعية صرَّحوا بأنه\nقياس جلي يجري مجرى النطق في الدلالة، ونحن سميناه بمفهوم\nالموافقة، أو التنبيه، أو دلالة النص عند الحنفية، وهذا اختلاف في\nالتسمية لا يضر ما دام أن المعنى متفق عليه.\nالجواب الثالث: على فرض أنه قياس، فإن هذا لا يمنع أن يكون\nناسخًا ومنسوخًا؛ لأننا بينا فيما سبق أن القياس يكون ناسخاَ\nومنسوخًا، وذلك في المسألة الثامنة والعشرون.\nالمسألة الواحدة والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يقع منسوخًا؟\nالحق: أن مفهوم المخالفة يأتي منسوخًا، أي: يجوز نسخ حكم\nالمسكوت الذي هو مخالف للمذكور مع نسخ الأصل ودونه.\nأما نسخ المفهوم المخالف مع أصله فهو واضح، حيث إنه إذا نسخ\nالأصل وهو النص ينسخ معه جميع ما يفهم منه.\nأما نسخ المفهوم المخالف مع بقاء أصله فمثاله: ما روي عن النبي\n- ﷺ - أنه قال: \" الماء من الماء \"،\nفقد نسخ مفهومه بما روته عائشة - ﵂ - أنه - ﷺ - قال: \" إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل \"،\nوبقي أصله وهو: وجوب الغسل بالإنزال.\n***\nالمسألة الثانية والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يأتي ناسخا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:","vol":"2","page":619},{"text":"المذهب الأول: أن مفهوم المخالفة لا يكون ناسخا.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن النص أقوى منه، فمفهوم المخالفة يضعف\nعن مقاومة النص.\nالمذهب الثاني: يكون مفهوم المخالفة ناسخا.\nذهب إلى ذلك بعض الشافعية كأبي إسحاق الشيرازي.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن مفهوم المخالفة في معنى\nالنص، فكما أن النص يأتي ناسخًا، فكذلك مفهوم المخالفة ولا فرق.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن قياس مفهوم المخالفة على النص قياس فاسد؟\nلأنه قياس مع الفارق، فالنص دلالته قطعية على المدلول: أما دلالة\nمفهوم المخالفة فليست كذلك، لذلك منع الحنفية من الاحتجاج\nبمفهوم المخالفة على تفصيل سيأتي، أما الاحتجاج بالنص فلم يمنع\nمنه أحد.\nالمذهب الثالث: التفريق بين المفاهيم:\nفإن كان مفهوم المخالفة من المفاهيم القوية كمفهوم الصفة،\nومفهوم الشرط ونحوهما، فيجوز أن يكون ناسخًا؛ لأنه قريب من\nالمنطوق، وإن كان من المفاهيم الضعيفة كمفهوم العدد واللقب\nونحوهما، فلا يجوز أن يكون ناسخا؛ نظرًا لضعفه وعجزه عن\nمقاومة النص.","vol":"2","page":620},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأن مفهوم المخالفة لا يكون ناسخا - كما قلنا في\nمذهبنا - ولا يمكن أن يكون مفهوم المخالفة قريبا من النص في\nالدلالة، وهذا التفريق بين المفاهيم لا دليل عليه.\nالمسألة الثالثة والثلاثون: كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ:\nأولًا: لا يعرف الناسخ من المنسوخ عن طريق العقل، ولا عن\nطريق القياس، لأمور:\nالأول: أن النسخ إما رفع الحكم الشرعي، أو بيان مدة انتهاء\nالعمل به، وكل واحد منهما لا سبيل للعقل إلى معرفته، ولا\nمدخل له فيه.\nالثاني: أنه لو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل للزم\nأن يكون له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام بدون النقل، وليس\nكذلك.\nالثالث: أن النسخ لا يكون إلا بتأخر الناسخ عن زمن المنسوخ،\nولا مدخل للعقل ولا القياس في معرفة المتقدم والمتأخر.\nثانيًا: يعرف الناسخ من المنسوخ عن طريق النقل المجرد، ويعتبر\nلصحة النسخ أن يتأخر ناسخ عن منسوخ وإن لم يتأخر لا يصدق\nعليه اسم ناسخ.\nثالثًا: طرق معرفة الناسخ من المنسوخ المتفق عليها.\nالطريق الأول: أن يعلم من اللفظ - النطق - تقدم أحد الحكمين\nعلى الآخر، فيكون المتقدم منسوخا، والمتأخر ناسخا.","vol":"2","page":621},{"text":"والمراد بالتقدم: التقدم في التنزيل، لا التقدم في التلاوة، كما\nقال الماوردي.\nمن أمثلة ذلك:\n١ - قوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)\nهذا اللفظ يفيد أنه نسخ عنهم أن يصابر كل واحد لعشرة إلى أن\nيصابر الواحد منهم للاثنين فقط.\n٢ - قوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) يفيد نسخ الإمساك بعد الفطر.\n٣ - قوله - ﷺ -: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة \".\n٤ - قوله - ﷺ -: \"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا\".\n٥ - قوله - ﷺ -: \"إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب \".\nالطريق الثاني: أن يذكر الراوي - صراحة - وقت وتاريخ سماعه\nذلك النص مِنَ النبي - ﷺ - فيقول: \" سمعت عام الفتح كذا \"، ونحو ذلك، فيكون المنسوخ هو الذي تقدم على ذلك التأريخ.\nويمثلون لهذا الطريق بما رواه شداد بن أوس أن النبى - ﷺ - قال: \"أفطر الحاجم والمحجوم \"، حيث إنه منسوخ بما رواه ابن عباس:\n\"أن النبي - ﷺ - احتجم وهو محرم صائم \"، فإن ابن عباس إنما صحبه محرمًا في حجة الوداع عام عشر، وفي بعض طرق حديث شداد أن ذلك كان في زمن الفتح، وذلك في سنة ثمان.","vol":"2","page":622},{"text":"الطريق الثالث: أن تجمع الأمة أو الصحابة - ﵃ -\nعلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر، لا أن الإجماع هو\nالناسخ.\nمثل: نسخ رمضان لصيام يوم عاشوراء، ونسخ الزكاة لسائر\nالحقوق المالية، فإن الصحابة اتفقت على ترك استعمالهم هذا، فدل\nعدولهم عنه على نسخه.\nالطريق الرابع: أن يخبر الراوي عن الناسخ والنسوخ، ويفهم\nمن كلامه صراحة مثل: قول بعض الرواة: \" رخص لنا رسول\nالله - ﷺ - في المتعة ثلاثا، ثم نهانا عنها \".\n٢ - ما رواه عليٌّ ﵁ أنه قال: \" أمرنا النبي - ﷺ - بالقيام للجنازة ثم قعد \".\nالطريق الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين لم يصحب النبي\n- ﷺ - إلا في أول الإسلام ثم انقطع، وأن راوي الخبر الآخر أسلم في آخر حياة النبي - ﷺ -، فيكون نقل الثاني هو الناسخ، وما نقله الأول هو المنسوخ.\nمثاله: ما رواه طلق بن عليّ: أن - ﷺ - سئل عن الوضوء من مس الذكر فقال: \" هل هو إلا بضعة منك \".\nفهذا الخبر يفيد عدم وجوب الوضوء من مس الذكر، فهذا\nمخالف لما رواه أبو هريرة: أنه - ﷺ - قال:\n\" من مس ذكره فليتوضأ\"\nحيث إنه يفيد وجوب الوضوء من مس الذكر.\nوعلم أن حديث أبي هريرة متأخر عن حديث طلق؛ لأن أبا هريرة\nأسلم في آخر حياة النبي - ﷺ -، وبعد وفاة طلق بن علي، وبناء على ذلك: يكون حديث أبي هريرة ناسخا لحديث طلق.","vol":"2","page":623},{"text":"رابعا: طرق معرفة الناسخ من المنسوخ المختلف فيها:\nالطريق الأول: قول الصحابي: \" هذا الخبر منسوخ \"، أو\nقوله: \" كان الحكم كذا ثم نسخ \"، أو نحو ذلك هل يثبت به\nالنسخ؛ لقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يثبت النسخ بهذا الطريق.\nذهب إلى ذلك الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن قول الصحابي\nهذا يحتمل أن يكون قد صدر عن اجتهاد، فيظن غير الناسخ ناسخا\nوأن غير الرافع رافعًا، فلا يمكن أن نترك ما تيقنا من ثبوته وهو خبر\nالرسول - ﷺ - من أجل كلام يدخله الاحتمال قد يصدق، وقد لا يصدق.\nثم إن قول الصحابي اختلف في حجيته، وقول الرسول - ﷺ - حجة إجماعًا، فلا نترك الحُجة إجماعًا وقطعا بالمختلف في حجيته؟\nحيث إن قول الصحابي لا يسلم على سل حال، بل لا بد من النظر\nفيه والتأكد منه، ولهذا لما نقل عن طائفة من الصحابة قولهم:\n\"نسخ السح بآية الوضوء التي نزلت في المائدة \"، لم نسلم ذلك،\nبل أجمعنا على أن هذه الآية غير ناسخة لها؛ لأنه ليس في الآية ما\nيدل على النسخ.\nالمذهب الثاني: أنه يثبت النسخ بهذا الطريق.\nذهب إلى ذلك الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nأن الصحابي العدل الثقة إذا قال: إن هذا الخبر منسوخ، فإنه لم\nيقله إلا عن علم بالتأريخ والتعارض؛ فإن المراد عنده معلوم بمشاهدة","vol":"2","page":624},{"text":"القرائن، فحكمه بالنسخ عن بصيرة، والصحابي غير متهم،\nفوجب الرجوع إلى ما قاله وقبوله كما يقبل منه الخبر الذي رواه عن\nالنبي - ﷺ -.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هناك فرقًا بين روايته لخبر عن رسول اللَّه - ﷺ - وبين دعواه للنسخ، وهو: أننا قبلنا روايته للخبر وعملنا به نظرًا\nلثبوت عدالته والوثوق به، وكونه قد شاهد التنزيل؛ ولأن الشريعة\nتؤخذ عن طريقه، فلو أننا لم نقبل الأخبار التي ينقلها عن النبي - ﷺ - لما ثبت في الشريعة شيء.\nأما دعوى النسخ فهو متعلق بالاجتهاد والنظر، وهو في ذلك غير\nمعصوم، فلو وجب قبول قوله في ذلك لوجب قبول قوله في مسائل\nالاجتهاد - كلها - وهذا ليس بصحيح.\nالطريق الثاني: كون أحد النصين المتعارضين مثبتا في المصحف\nبعد النص الآخر، هل يثبت به النسخ؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المتأخر في الترتيب لا ينسخ المتقدم في الإثبات\nفي المصحف، وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن ترتيب\nالآيات في المصحف ليس على ترتيب النزول، بل قد يكون المتقدم\nفي الترتيب متأخرًا في النزول كما في آيتي عدة المتوفى عنها زوجها\nفقد قال تعالى في سورة البقرة، الآية الرابعة والثلاثين بعد المائتين:\n(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)، وقال في الآية الأربعين بعد المائتين من نفس السورة:\n(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)","vol":"2","page":625},{"text":"فإن الآية الناسخة هي الأولى مع تقدمها في\nالمصحف عن الآية المنسوخة.\nالمذهب الثاني: أن المتأخر في الترتيب والإثبات في المصحف\nناسخ للمتقدم في ذلك، ذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن تأخر النص في ترتيب المصحف دليل على تأخره في النزول،\nوالمتأخر في النزول ينسخ المتقدم.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن هذا ليس على إطلاقه، بل قد يكون المتقدم في\nترتيب المصحف متقدمًا في النزول، والمتأخر في الترتيب متأخرًا في\nالنزول، وقد يكون المتقدم في الترتيب متأخرًا في النزول كما مثلنا.\nالطريق الثالث: كون أحد النصين المتعارضين موافقا للبراءة\nالأصلية والآخر مخالفًا لها، هل يثبت به النسخ؛ لقد اختلف في\nذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن هذا الطريق لا يثبت به النسخ.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن جعل أحد النصين\nبعينه متقدمًا والآخر بعينه متأخرًا ليس بأولى من العكس؛ لعدم\nوجود المرجح الصحيح، والموافقة والمخالفة للبراءة لا تصلح أن\nتكون مرجحًا.\nالمذهب الثاني: أن هذا الطريق يثبت به النسخ.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن النص الموافق للبراءة متأخر عن النص المخالف لها لكونه مفيدًا","vol":"2","page":626},{"text":"فائدة جديدة، وهي رجوع الفعل إلى البراءة الأصلية بعد نسخ الحكم\nالذي شرع بعدها ولو جعل متقدما على النص الآخر لم يكن مفيدًا\nفائدة جديدة، لأن البراءة الأصلية مستفادة قبله، ومتى جعل الموافق\nمتأخرًا كان ناسخا للنص المتقدم.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الموافق للبراءة الأصلية، كما أنه قد يأتي بفائدة\nجديدة عند تأخره - وهي: رجوع الفعل إلى البراءة الأصلية -\nكذلك قد يأتي عند تقدمه بفائدة جليلة وهي: أن الشرع جاء موافقاَ\nللعقل وغير مخالف له.\nالطريق الرابع: كون الراوي لأحد الخبرين المتعارضين أصغر سناَ\nمن الراوي الآخر، أو متأخرًا في الإسلام، هل يثبت بذلك النسخ؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يثبت به النسخ.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لجواز أن يكون الراوي\nالأصغر سنا قد روى عمن هو أكبر منه، ولجواز أن يكون الراوي\nالمتأخر إسلامًا قد روى عمن تقدمه في الإسلام؛ فنظرًا إلى هذا\nالاحتمال القوي، فإن هذا الطريق لا يثبت به النسخ.\nالمذهب الثاني: أنه يثبت به النسخ.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الخبر الذي رواه الأصغر، أو المتأخر في الإسلام يكون ناسخاَ\nللخبر الآخر، لأن الظاهر أنه متأخر في الزمن عن الخبر الآخر،\nوالظاهر يرجح على غيره.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا الظاهر الذي استندتم إليه ليس بأولى من\nالاحتمال الذي ذكرنا في دليلنا.","vol":"2","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المبحث الثاني في الدليل الثاني من الأدلة المتفق عليها إجمالًا وهو: السُّنَّة</span>\nوهو يشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في تعريف السُّنَّة.\nالمطلب الثاني: في حجية السُّنَّة.\nالمطلب الثالث: في تعريف الخبر، وإطلاقاته، والفرق بينه\nوبين الإنشاء وأقسامه.\nالمطلب الرابع: في خبر المتواتر.\nالمطلب الخامس: في خبر الواحد.","vol":"2","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المطلب الأول في تعريف السُّنَّة</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة.\nالمسألة الثانية: تعريف السُّنَّة عند الأصوليين.\nالمسألة الثالثة: تعريف السُّنَّة عند غير الأصوليين.\nالمسألة الرابعة: بيان السبب في الاختلاف في تعريف السُّنَّة.","vol":"2","page":631},{"text":"المسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة:\nالسئُنَّة لغة: الطريقة مطلقا سواء كانت حسنة أو قبيحة وسيئة،\nومنه قوله - ﷺ -:\n\"من سن سُنَّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة،\nومن سنَّ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة \".\nهذا هو الراجح من أقوال أهل اللغة؛ لورودها كثيرًا في ذلك.\nوأما ما ذكره الأزهري من أن السُّنَّة تطلق على الطريقة المحمودة\nالمستقيمة بدليل قولهم: \" فلان من أهل السُّنَّة \" أي: من أهل\nالطريقة المستقيمة المحمودة: فإن هذا لا يسلم له؛ لأن هذا تخصيص\nوتقييد بدون مخصص أو مقيد، وأما قولهم: \" فلان من أهل\n- السُّنَّة\"، فهو استعمال في عرف أهل الشريعة، وليس إطلاقا\nلغويا، والمراد بالسُّنَّة في هذا القول هو: ما يقابل البدعة.\nوتطلق السُّنَّة لغة على الشريعة، ومنه قوله تعالى: (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) أي: شريعة اللَّه قد اقتضت في الكفار أنه\nلا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب كما ذكر القرطبي، وابن منظور.\nوتطلق السُّنَّة لغة على الدوام، فتأتي بمعنى الدوام، ومنه\nقولهم: \" سننت الماء \" إذا واليت في صبه، ويراد بذلك الأمر الذي\nيداوم عليه، نقل ذلك عن الكسائي، وإلكيا الهراسي.\nوتطلق السُّنَّة لغة على المثال المتبع، ومنه قول النابغة الذبياني:\nأبوه قبله وأبو أبيه ... بنو مجد الحياة على إمام\nأي: على مثال، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري.","vol":"2","page":633},{"text":"وتطلق السُّنَّة لغة على الطبيعة، ومنه قول الأعشى:\nكريم شمائله من بني ... معاوية الأكرمين السُّنَن\nأي: الأكرمين الطبائع.\n***\nالمسألة الثانية: تعريف السُّنَّة عند الأصوليين:\nالسُّنَّة في الاصطلاح هي: ما صدر عن النبي - ﷺ - غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير مما يخص الأحكام التشريعية.\nشرح التعربف، وليان محترزاته:\nقولنا: \" ما \" جنس شامل لما صدر عن النبي - ﷺ - وما صدر عن غيره، وهو اسم موصول، تقدير الكلام: \" الذي يصدر \".\nقولنا: \" صدر عن النبي - ﷺ - \" جنس يدخل فيه: كل ما ألقاه النبي - ﷺ - على أصحابه، وأظهره لهم سواء كان قرآنا أو سُنَّة، أو كان مما يخص الأحكام الشرعية أو لا.\nوذكرنا هذه العبارة؛ لإخراج ما يلي:\nأولًا: ما صدر عنه - ﷺ - قبل البعثة، فإن كل شيء صدر عنه قبلها لا يسمى سُنَّة؛ وذلك لأنه - ﷺ - حينها - ليس بنبي ولا رسول.\nثانيا: ما صدر عن الرسل والأنبياء الذين أتوا قبله.\nثالثا: ما صدر عن الصحابة ﵃ وغيرهم.\nقولنا: \" غير القرآن \" خرج به القرآن؛ لأنه كلام اللَّه - تعالى -\nتلاه النبي - ﷺ - على جماعة تقوم الحُجَّة بقولهم.\nويدخل بهذه العبارة: الحديث القدسي فإنه - مع كونه قد أنزل","vol":"2","page":634},{"text":"لفظِه - ليس بمعجز، ولا متعبد بتلاوته فليس بقرآن، وإنما هو\nسُنَّة.\nوبعض الأصوليين عئر بقوله: \" غير الوحى \" بدلًا عن عبارة:\n\"غير القرآن \"، وهذا فيه تساهل؛ حيث إن السُّنَّة وحي باطني لكنها\nلا تتلى ولا يتعبد بتلاوتها.\nقولنا: \" من قول \": بيان لقولنا: \" ما صدر \"، والمراد: ما\nتلفظ به - ﷺ - مما يتعلق بتشريع الأحكام،\nوأكثر السُّنَّة هي أقوال كقوله: \" لا وصية لوارث \"،\nوقوله: \" كنت نهيتكم عن زيارة القبور ... \".\nوالقول يشمل الكتابة مثل أمره - ﷺ - عليًّا - ﵁ - بالكتابة يوم الحديبية.\nقولنا: \" أو فعل \" الفعل هو: ما يفعل بالجوارح، والمراد: ما\nفعله النبي - ﷺ - مما يتعلق بتشريع الأحكام كحجه - ﵇ -، وصلاته، ورفع يديه عند افتتاح الصلاة، ونحو ذلك.\nوالفعل تدخل فيه الإشارة كإشارته بأن الشهر يكون هكذا وهكذا.\nويدخل فيه - أيضًا - الهئمُ؛ حيث إن الهم من أفعال القلوب،\nفلا يهمُّ - ﷺ - على فعل شيء إلا وهو مشروع؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات، كهمِّه ﵇ في جعل أسفل الرداء أعلاه في\nالاستسقاء، فثقل عليه فتركه.\nويدخل في الفعل - أيضًا - جميع أفعاله القلبية كالاعتقادات\nوالإرادات، فهذه وإن كانت ليست أفعالًا حقيقية، لكنها قد تعد\nأفعالًا، لاتصالها بالأفعال.","vol":"2","page":635},{"text":"قولنا: \" أو تقرير \" المراد منه: أن يفعل أو يقال شيء بحضرته\n- ﷺ - أو بغيبته، وعلم به - من غير كافر - وأقره عليه وسكت عن إنكاره، كقول أنس - ﵁ -: \" كنا نصلي على عهد رسول اللَّه - ﷺ - ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقيل له: أكان رسول اللَّه يراكم؛ قال: نعم رآنا، فلم يأمرنا ولم ينهنا.\nبعض الأصوليين لم يذكر قيد \" أو تقرير \"؛ لأنه يدخل في\nالفعل؛ حيث إن التقرير كف عن الإنكار، والكف فعل.\nوهذا فيه نظر؛ لأن التقرير يشمل الفعل والقول كما سبق في\nتعريفه.\n***\nالمسألة الثالثة: المراد بالسُّنَّة عند غير الأصوليين:\nتطلق السُّنَّة في الاصطلاح الشرعي على معان أخرى غير إطلاق\nالأصوليين.\nفتطلق السنَّة عند المحدثين على: ما أثر عن النبي - ﷺ - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خُلقية، أو صفة خَلقية، أو سيرة.\nفلم يقصر المحدثون السنَّة على إفادة الحكم الشرعي، بل توسعوا\nفي الإطلاق، بخلاف الأصوليين، فإنهم قصروها على ما يفيد\nحكما شرعيا - فقط -.\nوتطلق السُنَّة عند الفقهاء على ما يقابل الواجب، فالسُنَّة عندهم\nهي: كل ما يتقرب به إلى اللَّه - تعالى - من العبادات مما يثاب على\nفعله ولا يعاقب على تركه، فيشمل ذلك: النافلة، والمندوب،\nوالتطوع، والمستحب، والطاعة، والقربة، والإحسان، والمرغب\nفيه، والفضيلة.","vol":"2","page":636},{"text":"وتطلق السُّنَّة عند أهل الكلام على ما يقابل البدعة يقال: \" فلان\nمن أهل السُّنَّة \" إذا كان عمله على وفق ما كان عليه الرسول - ﷺ - وأصحابه، ويقال: \" فلان على بدعة \"\nإذا عمل على خلاف ذلك.\nوتطلق السُّنَّة على ما عمل عليه الصحابة - ﵃ -\nسواء وجد ذلك في الكتاب، أو السُّنَّة، أو كان اجتهادًا منهم بدليل\nقوله - ﷺ -:\n\"عليكم بسنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي \".\nومنه قول علي - ﵁ -: \" جلد النبي - ﷺ - أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة \".\n***\nالمسألة الرابعة: بيان السبب في الاختلاف في تعريف السُّنَّة:\nإن سبب هذا الاختلاف فيما تطلق عليه السُّنَّة يرجع إلى الغرض\nالذي يعتني به كل فريق.\nفغرض الأصوليين هو: إثبات وبيان أدلة الأحكام إجمالًا،\nفنظروا إلى السُّنَّة من هذا المنطلق، فاعتنوا بالأقوال، والأفعال،\nوالتقريرات التي تكون أدلة إجمالية للأحكام الفقهية.\nوغرض المحدثين هو: نقل كل ما جاء عن النبي - ﷺ -، سواء كان مما يخص الأحكام أو لا، وبيان أنه - ﷺ - هو الهادي والأسوة للأُمَّة؛ لذلك تجدهم نقلوا كل ما يتصل به - ﷺ - من سيرة، وخلق، وأخبار، وأقوال، وأفعال، ونحو ذلك.\nوغرض الفقهاء هو: إثبات أدلة الأحكام تفصيلًا، لذلك تجدهم\nاهتموا بدلالة أقواله وأفعاله، وتقريراته على الأحكام الجزئية الخاصة\nبالمكلَّف من ندب، ووجوب، وتحريم، وإباحة، ونحو ذلك.","vol":"2","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المطلب الثاني في حجية السُّنَّة</span>\nالسُّنَّة حُجَّة يجب قبولها والعمل بها، كما يجب قبول القرآن\nوالعمل به.\nودلَّ على ذلك أدلة كثيرة منها:\nالدليل الأول: الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول - ﷺ -، كقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)،\nوقوله:\n(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، ونحو ذلك، فإن اللَّه تعالى في\nتلك الآيات قد أمر بطاعة رسوله - ﷺ -\nوالأمر إذا تجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، فيلزم من ذلك قبول كل ما يأتي به، فتكون السُّنَّة حُجَّة.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، فقد أخبرنا اللَّه تعالى - هنا - أن كل ما ينطق به\nهذا الرسول ليس من عند نفسه، بل هو وحي يوحى إليه، فالسُّنَة\nوحي كالقرآن، ولا فرق سوى أن القرآن يتعبد بتلاوته، ومعجز في\nألفاظه.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فحذرَ اللَّه تعالى من\nمخالفة الرسول - ﷺ -، فلزم من ذلك: وجوب موافقة الرسول - ﷺ -","vol":"2","page":638},{"text":"ومتابعته في كل ما يصدر عنه؛ لأن المخالفة حرام، وترك الحرام\nواجب، فترك المخالفة واجب، فيكون اتباع الرسول واجبا.\nالدليل الرابع: الآيات الدالة على أن الرسول - ﷺ - مبين للقرآن وشارح له شرحًا وبيانا معتبرًا عند اللَّه، كقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)،\nوقوله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .\nالدليل الخامس: الآيات الدالة على وجوب الإيمان به - ﷺ -، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)،\nوقوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا)،\nوالإيمان هو: التصديق برسالته وبجميع ما جاء به، وأن عدم اتباعه والعمل بما صدر عنه والرضا بحكمه يتنافى مع حقيقة الإيمان.\nالدليل السادس: الآيات الدالة على وجوب اتباعه في جميع ما\nصدر عنه، والدالة على أن اتباعه لازم لمحبة اللَّه تعالى،\nكقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)،\nوعلامة حبهم له: اتباعهم لسُنّته - ﷺ.\nالدليل السابع: أن ورود القرآن على وفق ما جاء به الرسول - ﷺ - منزل منزلة قول اللَّه تعالى له:\n\" لقد صدقت فيما أخبرت به عني \".\nالدليل الثامن: الإجماع؛ حيث أجمع المسلمون منذ بعثة النبي\n- ﷺ - إلى يومنا هذأ على أن كل ما صدر عن النبي - ﷺ - من أقوال وأفعال وتقريرات حُجَّة يجب العمل به.\nالدليل التاسع: أن رسول اللَّه - ﷺ -\nمعصوم من تعمُّد ما يخل بالتبليغ إجماعًا، ومعصوم من المعاصي التي تخل بالتبليغ، ثبت","vol":"2","page":639},{"text":"ذلك بالقرآن؛ إذ لو لم يكن معصوما لما أمر اللَّه تعالى بطاعته في\nكل ما يأتي به، وحذَّر من مخالفته.\nوذلك يستلزم أن كل خبر يأتي به صادق مطابق لما عند اللَّه تعالى\nإجماعًا، فيجب التمسك به والعمل به.\nفإن قلت: ما معنى: \" معصوم \"؟\nقلت: المعصوم مأخوذ من العصمة، والعصمة لغة: المنع\nوالحفظ والوقاية، يقال: \" هذا طعام يعصم \" أي: يمنع من الجوع.\nوالعصمة في الاصطلاح: سلب قدرة المعصوم على المعصية، فلا\nيمكنه فعلها؛ لأن اللَّه سلب قدرته عليها.\nالدليل العاشر: الضرورة اقتضت أن تكون السُّنَّة حُجَّة، وذلك\nلأنه لا يمكن - بأي حال - العمل بالقرآن وحده؛ حيث إن القرآن\nيشتمل على المبهم والمشكل والمجمل، فلا يمكن أن نعرف المراد من\nذلك إلا عن طريق السُنَّة - فمثلًا قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، أو قوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)،\nوقوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)، وغيرها\nمن الآيات، فلا يمكن أن تعرف كيفية الحج، وكيفية الصلاة،\nوكيفية الزكاة، إلا عن طريق السُّنَّة ا، فلو لم تكن السُّنَّة حُجَّة\nلتعطلت أكثر الأحكام الشرعية، وهذا لا يمكن.","vol":"2","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المطلب الثالث في تعريف الخبر، وإطلاقاته، والفرق بينه\nوبين الإنشاء، وأقسامه</span>\nويشتمل على مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف الخبر لغة واصطلاحا.\nالمسألة الثانية: بيان السبب في عدم تعريف بعض العلماء للخبر.\nالمسألة الثالثة: في إطلاقات الخبر.\nالمسألة الرابعة: الفرق بين الخبر والإنشاء.\nالمسألة الخامسة: أقسام الخبر.","vol":"2","page":641},{"text":"المسألة الأولى: تعريف الخبر لغة واصطلاحًا:\nأولًا: الخبر لغة مشتق من الخبار - بفتح الخاء والباء - وهي:\nالأرض الرخوة، والعلاقة بين ذلك، وبين الخبر: أن الخبر يثير\nالفائدة، كما أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الغبار.\nثانيًا: الخبر اصطلاحا هو: القول الذي يتطرق إليه التصديق، أو\nالتكذيب.\nشرح التعريف:\nقلنا: \" القول \" مع أنه قد يستعمل في غير القول؛ لأن القول\nهو الأكثر في الاستعمال، ويتطرق إلى غير القول التصديق أو\nالتكذيب، لكنه مجازًا كالإيماء والإشارة، كأن تسأل بعض الطلاب\nوتقول: هل نجحت؛ فيشير بيده، أو يومى برأسه، ويفهمنا أن\n\"لا\" أو \"نعم\".\nقولنا: \" يتطرق إليه \" أي: يحتمل، فهو: يحتمل دخول\nالتصديق والتكذيب.\nقولنا: \" التصديق أو التكذيب \" أخرج الإنشاء؛ لأنه لا يحتمل\nصدقا ولا كذبا كالأوامر والنواهي.\nوالتصديق مأخوذ من الصدق وهو: الإخبار بالشيء على ما هو\nوالتكذيب مأخوذ من الكذب وهو: الإخبار بالشيء على خلاف\nما هو به.\nوعبرنا بقولنا: \" التصديق أو التكذيب \" بخلاف ما عبر به بعضهم","vol":"2","page":643},{"text":"وهو: \" التصديق والتكذيب \"؛ لأن الخبر الواحد لا يدخله التصديق\nوالتكذيب معًا، بل إما أن يكون الخبر صدقا، أو كذبًا.\nومعروف أن كلام الله ورسوله - ﷺ - لا يدخله الكذب أصلًا، والخبر عن المحالات لا يدخله الصدق أصلًا، كأن يقول القائل:\n\"الاثنين أكثر من الأربعة \"، فهذا كذب ظاهر.\n***\nالمسألة الثانية: بيان السبب في عدم تعريف بعض العلماء للخبر:\nمذهب الجمهور أن الخبر يُحَدُّ ويعرف كغيره، وهو الذي نذهب\nإليه، وقد سبق - تعريفنا له.\nأما بعض العلماء فقد ذهبوا إلى أن الخبر لا يُحَدُّ ولا يُعَرَّف،\nكالوجود والعدم، واختلف أصحاب هذا المذهب في السبب الذي\nجعلهم يقولون بعدم تحديده:\nفمنهم من زعم بأنه لا يُحد ولا يُعرَّف الخبر بسبب عسره، وأنه لا\nيسلم من توجيه الاعتراضات والإشكالات عليه، كما قيل في العلم.\nومنهم من زعم أن الخبر لا يُحدُّ بسبب أنه غني عن التحديد،\nفكل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر، ويُميزه عن\nالموضع الذي يحسن فيه الأمر والنهي، فهذا متصوَّر بديهيا، وهو ما\nذهب إليه فخر الدين الرازي وبعض أتباعه.\nوالحق أن الخبر يحد كغيره من المصطلحات، وما قاله المخالفون\nفلا يسلم؛ لعدم الدليل عليه.","vol":"2","page":644},{"text":"المسألة الثالثة: في إطلاقات الخبر:\nيطلق الخبر في اصطلاح العلماء على إطلاقات:\nالإطلاق الأول: يطلق على المحتمل للتصديق والتكذيب المقابل\nللإنشاء، وهو اصطلاح الأصوليين وأهل اللغة كما سبق.\nالإطلاق الثاني: يطلق على ما هو أعم من الإنشاء والطلب،\nوهذا إطلاق المحدثين كقولهم: \" أخبار الرسول - ﷺ - \" مع أن هذه الأخبار مشتملة على الأوامر والنواهي.\nوسبب هذا الإطلاق: أن حاصل الأوامر والنواهي آيل إلى الخبر،\nفالمأمور به والمنهي عنه في حكم المخبر عنهما؛ وذلك لأن الرسول\n- ﷺ - ليس آمرًا ولا ناهيًا على سبيل الاستقلال،\nوإنما الآمر والناهي حقًا هو اللَّه ﷿، وصيغ الأمر منه - ﷺ - في حكم الإخبار عن اللَّه.\nالإطلاق الثالث: يطلق الخبر على ما يقابل المبتدأ، وهذا إطلاق\nالنحاة.\nالإطلاق الرابع: يطلق الخبر على القضية، وهو إطلاق أهل\nالمنطق، وسميت بذلك لما فيها من القضاء بشيء على شيء.\n***\nالمسألة الرابعة: الفرق بين الخبر والإنشاء:\nلقد سبق بيان حقيقة الخبر.\nأما الإنشاء فهو: القول الذي يوجد به مدلوله في نفس الأمر،\nوهو متعلق بمعدوم مستقبل.","vol":"2","page":645},{"text":"وسمي بذلك؛ لأنك أنشأته وابتكرته من غير أن يكون موجوداَ\nقبل ذلك في الخارج.\nوهو يكون بالأمر والنهي، والدعاء، والترجي، والتمني،\nوالشرط والجزاء، والوعد والوعيد، والإباحة، والتحضيض.\nفإذا عرفت الخبر والإنشاء، فقد بانت لك الفروق بينهما والتي من\nأهمها:\nالفرق الأول: أن الخبر يحتمل للتصديق والتكذيب، أما الإنشاء،\nفهو لا يحتمل ذلك.\nالفرق الثاني: أن الإنشاء سبب لمدلوله، أما الخبر فليس سببا\nلمدلوله.\nالفرق الثالث: أن الإنشاء يتبعه مدلوله، أما الخبر فهو تابع\nللمخبر عنه في أي زمان كان.\n***\nالمسألة الخامسة: أقسام الخبر من حيث سنده:\nالخبر من حيث سنده ينقسم إلى قسمين:\nالفسم الأول: الخبر المتواتر.\nالقسم الثاني: الخبر الآحاد.\nفالمتواتر مأخوذ من التواتر وهو لغة: تعاقب أشياء واحدًا بعد\nواحد بينهما مهلة، ومنه قوله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا)\nأى: رسولا بعد رسول بمهلة، والمهلة: الفترة التي توجد بينهما.\nوالمتواتر في اصطلاح الاصوليين هو: خبر عدد يمتنع معه لكثرته\nالتواطؤ على الكذب.","vol":"2","page":646},{"text":"شرح التعريف:\nقولنا: \" خبر \" جنس يشمل المتواتر والآحاد.\nقولنا: \" عدد يمتنع معه لكثرته التواطؤ على الكذب \" معناه: أن\nالمتواتر: خبر عدد من المخبرين يمتنع تواطؤهم وتوافقهم على\nالكذب؛ نظرًا لكثرة هؤلاء المخبرين.\nوهذه العبارة أخرجت خبر الآحاد؛ لأنه لا يمتنع التواطؤ على\nالكذب؛ لأن احتماله قوي.\nأما الآحاد فهو جمع أحد، قياسا على \" أبطال \" جمع بطل،\nوهمزة أحد أصلها واو، حيث كانت: \" واحد \"، فأبدلت بهمزة\nفصارت \" أحد \" أي: واحد، ويطلق عليه خبر الواحد.\nوهو في الاصطلاح: ما كان من الأخبار غير منتهٍ إلى حدِّ التواتر.\nأو تقول: هو خبر واحد، أو عدد لا يمتنع معه التواطؤ على\nالكذب.\nأما قول بعض العلماء في تعريفه: إن خبر الواحد هو: ما أفاد\nالظن فهو غير صحيح؛ لأنه غير مانع من دخول غيره، فالقياس\nيدخل فيه، حيث إنه يفيد الظن، وليس هو خبر الواحد، وغير\nمنعكس؛ حيث إن الواحد إذا أخبر بخبر، ولم يفد الظن، فإنه\nيُسمَّى خبر واحد وإن لم يفد الظن.\nونظرًا لأهمية هذين القسمين وهما: المتواتر والآحاد، حيث إن\nدراسة السُّنَّة تدور حولهما، فقد اهتم بهما العلماء من أصوليين،\nوفقهاء ومحدثين اهتمامًا بليغًا، مما ستجده في المطالب التالية.","vol":"2","page":647},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المطلب الرابع في خبر المتواتر</span>\nويشتمل على مسائل:\nالمسألة الأولى: هل المتواتر يفيد العلم؟\nالمسألة الثانية: هل العلم الحاصل بالمتواتر ضروري أو نظري؟\nالمسألة الثالثة: في شروط المتواتر المتفق عليها.\nالمسألة الرابعة: هل يشترط في المتواتر عدد محصور؟\nالمسألة الخامسة: هل يشترط في المتواتر أن يكون المخبرون مسلمين\nوعدولا؟\nالمسألة السادسة: هل يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم\nعدد، ولا يحويهم بلد؟\nالمسألة السابعة: هل يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم وأوطانهم\nوأديانهم؟\nالمسألة الثامنة: هل يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين؟\nالمسألة التاسعة: العدد المفيد للعلم في التواتر هل هو واحد في كل\nالوقائع والأشخاص، أو يختلف باختلاف الوقائع والأشخاص، والقرائن؟\nالمسألة العاشرة: حكم كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله.","vol":"2","page":649},{"text":"المسألة الأولى: هل المتواتر يفيد العلم؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني بالمخبر عنه.\nذهب إلى ذلك العلماء المعتد بأقوالهم.\nوهذا هو الحق؛ لأن الواقع يشهد لذلك؛ حيث إنه حصل لنا\nالعلم اليقيني بما أخبرنا عنه عن طريق متواتر، فقد حصل لنا العلم\nبوجود بعض البلدان البعيدة كالصين، والهند، ونحوهما، وكذلك\nحصل لنا العلم بالأنبياء السابقين، والعلماء، والسلاطين، والوقائع\nوالغزوات، ونحو ذلك، وسبب حصول العلم بذلك هو أننا أخبرنا\nعن ذلك بأخبار متواترة؛ حيث إننا لم نشاهد ذلك.\nأي: إنا وجدنا أنفسنا عالمة بذلك كله كما نجدها عالمة بما نشاهده\nوما نحس به، ومن أنكر ذلك فقد أنكر ما قطع به، فيكون معاندًا\nومكابرًا، والمعاند والمكابر لا يعتد بقوله.\nفثبت أن المتواتر يفيد العلم، وإذا كان كذلك فيجب تصديق خبر\nالمتواتر بدون قرائن.\nوهذا كله يفارق خبر الآحاد، فإنه لا يعلم صدقه إلا بقرائن،\nكما سيأتي.\nالمذهب الثاني: أن المتواتر لا يفيد العلم، بل يفيد الظن.\nذهب إلى ذلك السُّمَنية - بضم السين مع تشديدها وفتح الميم -\nنسبة إلى بلد في الهند اسمه \" سومانا \"، وكانوا من عبدة صنم\nاسمه \" سومانات \"، وذهب إلى ذلك - أيضًا - البراهمة - وهم\nمن منكري الرسالة.","vol":"2","page":651},{"text":"دليل هذا المذهب:\nلقد استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لا سبيل لإدراك\nعلم من العلوم إلا طريق الحواس الخمس - وهي: السمع،\nوالبصر، واللمس، والشم، والذوق - والمتواتر ليس منها، فلا\nيفيد العلم إلا إذا انضم إليه بعض القرائن، أما الخبر المتواتر بمجرده\nفلا يفيد العلم.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا باطل من وجهين هما:\nالوجه الأول: أن حصركم مدركات العلوم بالحواس الخمس فقط\nمنتقض بالأمور التي تدرك بالعقل المحض، كعلمنا بأن الاثنين نصف\nالأربعة، وعلمنا بأن الضدين - كالسواد والبياض - يستحيل\nاجتماعهما.\nومنتقض أيضا بالمشاهدات الباطنة مثل علم الإنسان بجوع نفسه.\nومنتقض أيضًا بالتجريبيات وهي: اطراد العادات مثل كون النار\nمحرقة.\nوإذا ثبت أن هناك طرقًا تفيد العلم - غير الحواس الخمس - فإنه\nيبطل حصركم مدركات العلوم بالحواس الخمس فقط.\nالوجه الثاني: أنكم قلتم: إن العلوم لا تدرك إلا عن طريق\nالحواس الخمس - فقط - فمن أين علمتم ذلك؟ ولا علم لكم\nبذلك إلا عن طريق العقل.\nأي: أنكم حصرتم إدراك العلوم بهذه الخمس عن طريق العقل،\nوهنا قد أقررتم بطريق - وهو العقل - تدرك به العلوم غير الحواس","vol":"2","page":652},{"text":"الخمس، فثبت أن هناك طرقا أخرى تدرك بها العلوم غير الحواس\nالخمس.\nبيان نؤع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لأن السُّمَنية ومن وافقهم لا ينكرون وقوع\nالعلم من المتواتر في الجملة، لكنهم لم يضيفوا وقوعه إلى مجرد\nالخبر، بل إلى قرينة، ووقوع العلم عن القرائن لا ينكره عاقل.\n***\nالمسألة الثانية: هل العلم الحاصل بالمتواتر ضروري أو نظري؟\nلقد اختلف أصحاب المذهب الأول - من المسألة السابقة، وهم\nالقائلون: إن المتواتر يفيد العلم فيما بينهم - في هذا العلم الذي\nأفاده المتواتر هل هو علم ضروري أوَّلي قد حصل للسامع بلا نظر\nواستدلال، أو هو نظري لم يحصل إلا بعد اكتساب واستدلال؟\nاختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن العلم الحاصل بالمتواتر ضروري.\nذهب إلى ذلك الجمهور.\nوهو المختار عندي؛ فالعلم الحاصل بالمتواتر قد علمناه. بالضرورة\nمن غير نظر ولا استدلال، فيضطر العقل إلى تصديقه، والعمل\nبمقتضاه بدون حاجة إلى دليل أو قرينة.\nوالمراد بالعلم الضروري هو: ما يعلمه المكلف ويلزمه - من غير\nنظر واستدلال - لزومًا لا يمكنه دفعه عن نفسه بشك ولا شبهة،\nكالعلم الحاصل بما تواترت به الأخبار من ذكر الأمم السالفة والبلاد\nالنائية، والعلم الحاصل بالحواس الخمس، والعلم الحاصل","vol":"2","page":653},{"text":"بالمشاهدات الباطنة، كالعلم بجوع نفسه وعطشه، ونحو ذلك ولا\nفرق بينها.\nثبت ذلك بأدلة هي كما يلي:\nالدليل الأول: أنه لو كان العلم الحاصل عن التواتر نظريا لم يقع\nإلا لمن هو من أهل النظر والاستدلال والاكتساب كالعلماء، وللزم\nاختلاف الناس فيه \" فعلمه بعضهم وجهله آخرون بسبب اختلافهم في\nالنظر والأدلة.\nلكن لما وقع العلم الحاصل من المتواقي لغير أهل النظر والاستدلال\nكالعوام، والصبيان، والنساء، كما وقع لأهل النظر، واشترك\nالجميع في ذلك، ثبت أن العلم الحاصل عن المتواتر ليس نظريا،\nفثبت أنه ضروري.\nالدليل الثاني: أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة\nوالبلاد النائية - التي لم يدخلها - عند سماعه لخبر المتواتر بها، مع\nأنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر.\nفعلمنا بذلك أن العقل مضطر إلى التصديق بما ينقل إلينا بخبر\nالمتواتر، ولو كان العلم من المتواتر قد حصل عن طريق النظر: لما\nاضطررنا إلى العلم به إلا بعد النظر والاستدلال والقرائن.\nالمذهب الثاني: أن العببم الحاصل بالمتواتر نظري.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء كأبي بكر الدقاق، وابن القطان،\nوأبي الحسين البصري، وأبي القاسم الكعبي، وأبي الخطاب الحنبلي\nإلا أن الأخير لم ينص عليه في \" التمهيد \"، لكنه نصره بالأدلة\nوأجاب عن أدلة أصحاب المذهب الأول.","vol":"2","page":654},{"text":"دليل هذا المذهب:\nاستدل على هذا المذهب بأنه لو كان العلم الحاصل من المتواتر\nضروريًا لما احتاج إلى النظر، ولكنه احتاج إلى النظر، فيكون نظريا.\nويدل على ذلك: أن خبر المتواتر لم يفد العلم بنفسه، بل حصل\nهذا العلم بواسطة مقدمتين هما:\nالمقدمة الأولى: أن هؤلاء المخبرين مع اختلاف أحوالهم، وتباين\nأغراضهم، وكثرتهم لا يجمعهم على الكذب جامع، ويستحيل\nعادة تواطؤهم على الكذب.\nالمقدمة الثانية: أن هؤلاء قد اتفقوا عن الإخبار عن واقعة واحدة\nكوجود الهند مثلًا.\nفالعلم بصدق الخبر المتواتر قد توصلنا إليه عن طريق مجموع\nهاتين المقدمتين.\nفيقال مثلًا: وجود الهند قد أخبر به جمع يمتنع تواطؤهم على\nالكذب عادة، وكل ما أخبر به جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب،\nفهو معلوم، فوجود الهند معلوم، وهذا هو العلم النظري؛ حيث\nنظرنا في هاتين المقدمتين واستدللنا بهما على ثبوت العلم بوجود\nالهند.\nوهاتان المقدمتان تشعر النفس بهما وإن لم يكونا بلفظ منظوم.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا ضعيف، لأن المقدمات التي يتوقف حصول\nهذا العلم على النظر فعها حاصلة في أوائل الفطرة، وهذا لا يحتاج\nإلى كبير تأمل وفكر، ومثل ذلك لا يسمى نظريًا؛ لأن النظري هو\nالذي يتوقف على أهلية النظر، وليس هذا من هذا الباب.","vol":"2","page":655},{"text":"المذهب الثالث: أن العلم الحاصل بالمتواتر بين النظري وبين\nالضروري، فهو أقوى من النظري المكتسب، وليس في قوة\nالضروري.\nقاله أبو الفضل الخوارزمي.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا المذهب لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا\nيعتمد عليه، وليس بشيء.\nالمذهب الرابع: التوقف في المسألة.\nوهو رأي الشريف المرتضى، والآمدي.\nوسبب توقفهما: ضعف أدلة أصحاب المذهبين، فكل دليل من\nأدلة الفريقين قد اعترض عليه باعتراض قوي عندهما.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن التوقف ليس مذهبًا معتبرًا.\nوعلى فرض أنه يعتبر مذهبا: فإنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة\nأدلة أصحاب المذهب الأولى - وهو المختار - والاعتراضات التي\nذكرها الآمدي في \" الإحكام \" لا تقوى على إبطال تلك الأدلة.\nبيان نوع هذا الخلاف:\nإن المذهبين الثالث والرابع لا يعتبران؛ لما سبق، فينحصر الخلاف\nفي المذهبين الأولى والثاني، والخلاف بينهما لفظي لا ثمرة له؛ لأن\nأصحاب المذهبين قد اتفقا على النتيجة، ولكنهما اختلفا في الطريق\nإليها، فأصحاب المذهب الأول وهم القائلون: إن العلم الحاصل\nبالمتواتر ضروري لا ينازعون في توقفه على النظر في المقدمات","vol":"2","page":656},{"text":"المذكورة، وأصحاب المذهب الثاني وهم القائلون: إن العلم\nالحاصل بالتواتر نظري لا ينازعون في أن العقل يضطر إلى التصديق\nإليه، وإذا وافق كل فريق ما يقوله الفريق الآخر في حكم هذا العلم\nوَصفيه لم يبق النزاع بينهما إلا في اللفظ.\n***\nالمسألة الثالثة: في شروط المتواتر المتفق عليها:\nإن هناك شروطًا قد اشترطت لخبر التواتر حتى يكون مفيدًا للعلم،\nوإليك الشروط المتفق عليها:\nالشرط الأول: أن يكون المخبرون عالمين بما أخبروا به، أي: قد\nعلموه ضرورة عن طريق إحدى الحواس الخمس كان يقولون: \"رأينا\nالهند \"، أو \" سمعنا قيصر يقول \"، أو \" لمسنا الثلج فوجدناه باردا\"\nأو نحو ذلك.\nدليل هذا الشرط: أن ما لا يكون كذلك، فإنه يحتمل أن يدخله\nعدة احتمالات من غلط، أو سهو، أو غفلة، فلا يحصل به\nالعلم، كذلك لو تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه عن طريق\nالنظر والاستدلال، فإنه لا يحصل العلم لنا بتلك الأخبار؛ - لأن\nالعلم قد حصل لنا بالطريق الذي حصل لهم من النظر والاستدلال.\nفمثلًا لو أخبرنا العدد الكثير بأن الأنبياء صادقون، فإنه لا يحصل\nلنا العلم بهذا عن طريق خبرهم، بل إنه حصل لنا العلم بذلك عن\nطريق النظر والاستدلال، فننظر ونستنبط مثل المخبرين، بخلاف ما\nلو أخبرونا عن شيء محسوس، فإنه لا يمكننا أن نشاهد الهند، أو\nنلمس الثلج إذا كنا لا نعرف ذلك وليس ببلادنا.\nالشرط الثاني: أن يكون حال وعدد من نقل عن الأولين كحال","vol":"2","page":657},{"text":"وعدد الأوَّلين الذين شاهدوا المخبر عنه، أو سمعوه، وكذلك مثل\nهؤلاء الطبقة التي تليها، وهكذا حتى ينتهي الخبر إلينا، فكل طبقة\nيشترط فيها شروط التواتر.\nدليل هذا الشرط: أن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه،\nفلابد من توفر شروط التواتر فيه، فإن نقل الخلف عن السلف ذلك\nالخبر وتوالت الأعصار، ولم تكن الشروط قائمة في كل عصر: لم\nيحصل العلم بصدقهم؛ لعدم استواء طرفا الخبر ووشطه في كمال\nالعدد والصفة.\nالشرط الثالث: أن لا يكون السامع عالمًا بما أخبر به اضطرارًا.\nدليله: أن تحصيل الحاصل محال، وتحصيل مثل الحاصل - أيضًا -\nمحال؛ حيث إن العلم الضروري يستحيل أن يصير أقوى مما كان.\nالشرط الرابع: أن يكون السامع للخبر من أهل العلم غير\nالمتشددين أو المتساهلين.\nدليله: أنه يستحيل حصول العلم من غير متأهل له.\nتنبيه: هذه شروط الخبر المتواتر المتفق عليها، وهناك شروط له\nمختلف فيها ستعرفها فيما يلي من المسائل.\nالمسألة الرابعة: هل يشترط في المتواتر عدد محصور؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط في التواتر عدد محصور.\nفحصول العلم بالخبر المتواتر ليس له عدد محصور، بل متى ما\nحصل العلم بخبر المخبرين المجرد عن القرائن: علمنا أن الخبر بلغ","vol":"2","page":658},{"text":"التواتر، وإذا لم يحصل لنا العلم بى خبر المخبرين: علمنا أن الخبر لم\nيبلغ حدَّ التواتر.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لأنه لا يمكن معرفة العدد بالتحديد الذي\nحصل علمنا عنده بوجود بلد لم نشاهده، أو بوجود الأنبياء، أو\nالأئمة الأربعة، فلا سبيل واضح جلي نسلكه ونعرف به العدد\n- بالتحديد - فهذا عسير جدًا؛ وإنما السبيل إلى معرفة كون هذا الخبر\nمتواترًا هو حصول العلم بالخبر، فالعلم يتزايد تزايدًا خفي التدريج\nفهو يشبه تزايد عقل الصبي، فإذا لا نعرف متى بدأ الصبي يعقل\nويميز بين الخير والشر؛ لذلك لا يكلف الصبي العاقل حتى يبلغ،\nويشبه أيضًا تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال.\nفكذلك الخبر، فإن الأول يحرك. الخبر، والثاني يؤكده، والثالث\nكذلك، وهكذا، فإنه لا زال يتزايد تأكيد الخبر حتى يصبح التصديق\nبه ضروريا لا يمكن الشك فيه، ولكن لا يمكننا أن نعرف بالتحديد\nالعدد الذي لما بلغه المخبرون أصبح الخبر متواترًا.\nوالسبب في ذلك هو: قصور القوة البشرية عن إدراك ذلك، فلا\nيمكن لأي عاقل - مهما كان - أن يدرك متى بالتحديد حصل العلم\nبخبر مخبرين كثيرين عن شيء معين، بل يحصل لنا العلم بخبر\nالمتواتر، وإن كنا لا نقف على أول عدد أفاده، كما نعلم حصول\nالشبع عن طريق الأكل وإن كنا لا نقف على آخر لقمة تسببت في\nهذا الشبع، وكما نعلم حصول الري عن طريق شرب الماء، وإن\nكنا لا نقف على آخر جرعة تسببت في هذا الري، وهكذا.\nالمذهب الثاني: أنه يشترط في التواتر عدد محصور ومعروف.","vol":"2","page":659},{"text":"ذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nوالقائلون بهذا الشرط اختلفوا في تحديد العدد على أقوال:\nفقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر اثنين؛ قياسًا على الشهادة.\nوقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر أربعة؛ قياسًا على أعلى\nالشهادات كالزنى.\nوقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر خمسة؛ قياسا على أولي العزم\nمن الرُّسُل وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد\n- عليهم أفضل الصلاة والتسليم -.\nوقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر عشرة؛ لأن العشرة مما فوق\nجمع كثرة.\nوقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر اثني عشر؛ قياسًا على نقباء بني\nإسرائيل، لقوله تعالى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) .\nوقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر عشرين؛ لقوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ)، فأوجب الجهاد على\nالعشرين، وإنما خصهم بذلك؛ لأنهم إذا أخبروا حصل العلم\nبصدقهم.\nوقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر أربعين؛ قياسًا على من تنعقد\nبهم الجمعة.\nوقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر سبعين؛ لقوله تعالى:\n(واختار موسى قومه سبعين رجلًا)، وإنما خصَّهم بذلك لحصول\nالعلم بما يخبرون به.","vol":"2","page":660},{"text":"وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر ثلاثمائة وثلاثة عشر؛ قياسًا على\nعدد أهل بدر.\nوقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر ألف وخمسمائة، وهم عدد بيعة\nالرضوان.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا المذهب ظاهر الفساد؛ لأمرين:\nأولهما: أن تعارض أقوالهم في تحديد العدد واختلافهم دليل\nظاهر على فساده.\nثانيهما: أنه لا دليل صحيح على هذا المذهب، وما ذكروه من\nالأدلة على تلك الأقوال لم تبن على شيء سوى قياسات واعتبارات\nبعيدة كل البعد عما نحن فيه، فلا تُسلَّم لهم.\nالمسألة الخامسة: هل يشترط في المتواتر أن يكون المخبرون\nمسلمين وعدولًا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين\nولا عدولًا، فيقع العلم بالتواتر، سواء كان المخبرون مسلمين، أو\nكفارًا، أو عدولًا، أو فساقًا، لا فرق بينهم.\nوهذا مذهب جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن الخبر المتواتر يفضي إلى العلم بالمخبر عنه،\nوسبب إفضائه إلى العلم هو: كثرة المخبرين الذين لا يتصور أن\nيجتمعوا على الكذب في الخبر، أو يتواطؤا عليه، وإذا كان الأمر","vol":"2","page":661},{"text":"كذلك فإنه يمكننا أن نستفيد العلم بأخبار الكفار - كما لو أخبروا عن\nموقعة وقعت في السوق - كما يمكن أن نستفيد العلم بأخبار\nالمسلمين، ولا فرق بجامع: الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب،\nفكثرة المخبرين جعلته في مرتبة قوية في إفادته للعلم، فلا يحتاج إلى\nشيء يقويه كالإسلام والعدالة.\nالمذهب الثاني: أنه يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين\nوعدولًا، فلا يقبل من الكفار، ولا من الفساق.\nذهب إلى ذلك بعض الشافعية كعبد اللَّه بن عبدان ذكره في كتابه\n\" الشرائط \".\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الكفر عرضة للكذب والتحريف، والإسلام\nوالعدالة ضابطان للصدق والتأكد من الأخبار.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن الكثرة هي المانعة من التواطؤ على الكذب،\nفلذلك نستفيد العلم بأخبار العدد الكثير، ولا فرق فى ذلك بين\nالمسلمين والكفار.\nولذلك لما لم يكن في خبر الواحد كثرة اشترطنا الإسلام\nوالعدالة؛ لأن العدد القليل الذي لم يبلغ حدَّ التواتر لو أخبر عن\nشيء فإنه لا يفيد العلم؛ لأنه يمبهن تواطؤهم على الكذب.\nالدليل الثاني لهم قالوا فيه: إن المسلمين اختصوا بدلالة الإجماع\nعلى القطع، فوجب أن يختصوا بالمتواتر.","vol":"2","page":662},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأن قياسكم المتواتر على الإجماع قياس فاسد؛ لأنه\nقياس مع الفارق.\nبيانه: أنه اختص علماء المسلمين بالاحتجاج بالإجماع للأدلة\nالشرعية السمعية، دون الأدلة العقلية، أما الخبر المتواتر فيقع به\nالعلم؛ لما سبق ذكره من أنه لا يمكن فيه الكذب، ولا يصح التواطؤ\nعليه، وهذا موجود في الكفار كما هو موجود في المسلمين.\nالمذهب الثالث: الفرق بين أن يطول الزمان فيمكن حصول\nالتواطؤ على الكذب فيعتبر الإسلام، وبين ألا يطول الزمان فلا\nيعتبر الإسلام، إذ لا يمكن حصول التواطؤ على الكذب.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا التفريق لا دليل عليه؛ حيث إن الكثرة هي\nالمانعة من حصول التواطؤ على الكذب، سواء طال الزمان أم لا.\nالمذهب الرابع: الفرق بين ما طريقه الديانات فلا مدخل للكفار\nفيه، لأنه لا يؤمن جانبهم في ذلك، وبين ما طريقه الأقاليم وما أشبه\nذلك، فيدخل فيه الكفار، كما يدخل المسلمون.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن العلم قد حصل من المتواتر بسبب الكثرة المانعة\nمن الكذب بالشرط الذي قلناه وهو: استحالة تواطؤهم على\nالكذب، فإذا وجد هذا الشرط، فإن الخبر يفيد العلم، سواء\nكانت هذه الكثرة كفارًا أو مسلمين، لا فرق بينهم في ذلك، وسواء\nكان الخبر عن ديانات أو عن أقاليم أو بلدان أو حوادث لا فرق.","vol":"2","page":663},{"text":"أما إذا لم يوجد ذلك الشرط - وهو: أن يستحيل تواطؤهم على\nالكذب - فإن الخبر لا يفيد العلم مطلقا، سواء كانوا مسلمين أو\nكفارًا، وسواء كانوا قد أخبروا عن ديانات، أو عن غير ذلك.\nالمسألة السادسة: هل يشترط في المتواتر كون المخبرين لا\nيحصرهم عدد ولا يحويهم بلد؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط في المتواتر كون المخبرين لا\nيحصرهم عدد ولا يحويهم بلد، ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق؛ لأن الواقع يدل على ذلك، فلو أخبرنا المصلون في\nجامع واحد من جوامع الرياض - مثلًا - عن وقوع حادثة في\nالمسجد كسقوط الإمام من المنبر، فإنه يحصل العلم بخبرهم مع أنهم\nمحصورون بدليل أن المسجد قد حواهم، فإذا حصل العلم بخبر\nهؤلاء مع حصرهم وكون المسجد قد حواهم، فمن باب أَوْلى أن\nيحصل العلم بخبر أهل بلد لو أخبروا عن وقوع شيء.\nالمذهب الثاني: أنه يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم\nعدد ولا يحويهم بلد، ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء، واختاره فخر\nالإسلام البزدوي.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بأنه اشترط ذلك للتأكد من صحة\nالخبر؛ لأنه كلما كثر العدد كلما كان الخبر أقوى. وأصح.","vol":"2","page":664},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأنه إذا حصل العلم بالمخبر عنه: كان الخبر متواترًا\nمطلقا، سواء كانوا معروفين العدد، أم لا، أو يحويهم بلد أم لا،\nفنستدل بحصول العلم على كمال العدد.\nالمسألة السابعة: هل يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم،\nوأوطانهم، وأديانهم؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك في المخبرين.\nذهب إلى ذلك الجمهور، وهو الحق؛ لأن الواقع يدل عليه،\nفمثلًا لو أن قبيلة من القبائل المتفقة في الدين والنسب، والوطن،\nأخبروا عن واقعة وقعت في ناحيتهم، فإنه يحصل العلم بخبرهم\nضرورة.\nالمذهب الثاني: أنه يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم،\nوأوطانهم، وأديانهم.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه يشترط ذلك لتندفع التهمة بصورة آكد.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب يكفي عن\nهذا الشرط.","vol":"2","page":665},{"text":"المسألة الثامنة: هل يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن الواقع يدل على عدم\nاشتراط ذلك، فمثلًا لو أخبر أهل بلد من بلدان الكفار على الإخبار\nعن حصول فتنة: لحصل العلم بخبرهم مع كونهم كفارًا فضلًا عن\nكون الإمام المعصوم ليس فيهم.\nالمذهب الثاني: أنه يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين.\nدليل هذا المذهب:\nأنه اشترط ذلك حتى لا يتفقوا على الكذب، فالمعصوم هو المانع\nمن اتفاقهم على الكذب.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا لو كان شرطا صحيحا، فإن العلم قد\nحصل بخبر الإمام المعصوم بالنسبة لمن سمعه، لا بخبر التواتر.\n***\nالمسألة التاسعة: العدد المفيد للعلم في التواتر هل هو واحد في كل الوقائع والأشخاص، أو يختلف باختلاف الوقائع والأشخاص والقرائن؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: الفرق بين ما احتفت به قرائن، وبين الخبر\nالمجرد، بيانه:\nإن كان العلم الحاصل بالتواتر قد اقترنت به قرائن تدل على","vol":"2","page":666},{"text":"صدقه: فيجوز أن تختلف الوقائع فيه والأشخاص؛ لاختلاف\nالهيئات المقارنة للخبر الموجبة لتعريف متعلقه، ولاختلاف أحوال\nالمخبرين في اطلاعهم على قرائن التعريف، ولاختلاف إدراك\nالمستمعين؛ لتفاوت الأذهان والقرائح، ولاختلاف الوقائع على\nعظمها وحقارتها.\nوإن كان العلم الحاصل بالتواتر لم تقترن به قرائن، بل حصل من\nنفس خبر ذلك العدد المجرد: فإنه لا يتصور أن يختلف في الوقائع\nوالأشخاص.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن مجرد الإخبار\nيجوز أن يورث العلم عند كثرة المخبرين، وإن لم توجد قرائن،\nوكذلك مجرد القرائن قد تورث العلم، وإن لم يوجد إخبار، فلا\nيبعد أن تنضم القرائن إلى الإخبار، فتقوم بعض القرائن مقام بعض\nالعدد من المخبرين.\nومثال الخبر بدون قرائن: أنه لو أن عشرة أشخاص قد أخبروا زيدًا\nومحمدًا بأن بكرًا قد نجح، فإنه يحصل العلم بهذا العدد عند الاثنين\nمعا على السواء؛ لعدم وجود قرينة عند أحدهما دون الآخر.\nومثال الخبر المقترن بقرينة: لو أخبر واحد محمدأ وزيدًا بأن بكرأ\nقد مات، وكان محمد يعلم - قبل الإخبار - بأن بكرًا مريض دون\nزيد، فإنا نعلم بأن محمدًا قد حصل له العلم الموجب للتصديق،\nوسبب ذلك: هذه القرينة، وهي: علمه بمرض بكر، ولم يحصل\nذلك لزيد.\nوأيضا: فإنا نرى الصبي - الذي لم يتجاوز السنتين - يرضع من\nثدي المرأة الشابة، فيحصل لنا العلم بأن اللبن قد وصل إلى معدة","vol":"2","page":667},{"text":"هذا الصبي وإن لم نشاهد اللبن في الثدي، ولم نشاهده عند خروجه،\nولم نشاهده في المعدة؛ لأنه مستور، لكن قطعنا بوصول اللبن إلى\nمعدة ذلك الصبي بسبب قرائن هي كما يلي: \" حركة حلق الصبي\nأثناء امتصاصه للبن \"، و\" أن المرأة الشابة لا يخلو ثديها من لبن \"،\nو\" أن هذا الثدي فيه ثقب يخرج منه اللبن \"، و\" أن الصبي فيه القوة\nعلى الامتصاص \"، و\" أن الصبي قد سكت عن البكاء بعد ذلك\nالامتصاص مع أنه لم يتناول طعاما آخر \".\nهذه قرائن قد حصل لنا العلم القطعي عن طريقها مجتمعة على أن\nذلك اللبن قد وصل إلى معدة ذلك الصبي، وإن لم نشاهده، لكن\nلو انفردت قرينة واحدة كحركة حلق الصبي، فإنا لا نحكم بوصول\nاللبن إلى معدته؛ لأنه قد يوجد سبب آخر لهذه الحركة غير\nالامتصاص.\nالمذهب الثاني: أن الخبر المفيد للعلم في واقعة يفيده في كل\nواقعة، وإذا حصل العلم لشخص فلا بد أن يحصل لكل شخص\nيشاركه في السماع، ولا يتصور أن تختلف فيه الوقائع والأشخاص\nبسبب وجود قرائن ودلائل، فلا يلتفت إلى تلك القرائن، ولا\nيجعل لها أثرًا في تصديق الخبر.\nذهب إلى ذلك أبو بكر الباقلاني، وأبو الحسين البصري.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن حكم المتماثلين واحد،\nفلو أن مائة شخص أخبروا محمدًا بأن زيدًا قد قتل وحصل العلم\nبخبرهم وجب أن يفيد عليا خبر مائة شخص بأن صالحا قد قتل؟\nوذلك لاستواء الوقائع والأشخاص في ذلك.","vol":"2","page":668},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا صحيح إذا كان الخبر مجردًا عن القرائن،\nفإنا نوافقكم بأن ما حضَل العلم في واقعة فإنه يفيده في كل واقعة،\nوما حصَّله لشخص فإنه يحصتَله لكل شخصٍ يشاركه في السماع،\nولا يمكن أن يختلف، وبينا ذلك.\nلكن إذا كان الخبر قد احتف به قرائن وعلم بها بعض السامعين\nللخبر دون بعض، فإنا لا نُسَلِّمُ لكم ذلك كما بينا فيما سبق.\nالمسألة العاشرة: حكم كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله:\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز على أهل التواتر، والجماعة العظيمة\nأن يكتموا ما يحتاج الخلق إلى نقله ومعرفته.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن كتمان ما\nيحتاج إلى نقله ومعرفته قبيح، وهو في القبح بمثابة الكذب - وهو:\nالإخبار عن الشيء بخلاف الواقع - والكذب محال على أهل\nالتواتر والجماعة العظيمة؛ لاستحالة تواطؤ أهل التواتر على الكذب.\nفلما لم يجز على أهل التواتر الكذب: كذلك لم يجز أن\nيجتمعوا على كتمان نقل ما يحتاج الناس إلى نقله ومعرفته، ولا\nيجوز أن يتواطؤ عليه.\nيؤيد ذلك: أنه لو حدث في الجامع وقت الصلاة حادثة عظيمة\nتظهر لجميع من حضر لم يجز أن يترك نقلها جميع من حضر، كما\nلا يجوز أن يخبر عنها جميعهم بالكذب.","vol":"2","page":669},{"text":"المذهب الثاني: أنه يجوز كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله\nومعرفته.\nذهب إلى ذلك الإمامية - من الشيعة - وعلى هذا المذهب بنوا\nكلامهم في ترك الصحابة، نقل النص على خلافة عليّ - رضي الله\nعنه - وإمامته بعد النبي - ﷺ -، ويقولون: إن الصحابة قد تواطئوا على ترك نقل ذلك النص وهم من أهل التواتر.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه يجوز أن تترك الجماعة نقل الشيء تقية، أو\nخوف فتنة، فلذا جاز لهؤلاء كتمان ما يحتاج إلى نقله.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا كله لا يجوز، إذ لو جاز ذلك لجاز أن\nيكذبوا ولا فرق؛ لأنهما سواء في القبح.\nالدليل الثاني: الواقع دلَّ على ذلك، وهو من وجهين:\nأولهما: أن النصارى لم تنقل كلام عيسى - ﵇ - وهو\nفي المهد، في حين أنهم نقلوا إحياءه للموتى وإبراءه الأكمه والأبرص.\nثانيهما: أن الصحابة - ﵃ - قد تركت نقل القِران\nوالإفراد في الحج حتى اختلفوا بعد ذلك، فنقلوا.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن يقال:\nأما الوجه الأول فيجاب عنه: بأن كلام المسيح في المهد لم ينقل؟\nلأنه كان ووقع منه قبل ظهوره، وقبل نبوته، وقبل أن يتبعوه،","vol":"2","page":670},{"text":"والذي ينقل كلامه ويعتبر ويعتد به في الأحكام الشرعية هو الذي\nثبتت نبوته.\nفإن اعترض معترض على ذلك - كالطوفي وغيره - قائلًا: إن\nكلامه في المهد كان من خوارق العادات قبل نبوته والدواعي تتوفر\nعلى نقل مثله عادة.\nفإنا نقول - في الجواب عنه -: إن كلام الشخص قبل نبوته قد\nينقله بعض الخبرين، لكن لا يُهتم بنقله كالاهتمام بنقل كلامه بعد\nالنبوة؛ لأن كلامه بعد النبوة يعتبر من التشريع، أما كلامه قبل ذلك\nفلا يعتبر من التشريع.\nأما الوجه الثاني فيجاب عنه: بأن الصحابة - ﵃ -\nلم يتركوا نقل القِران والإفراد في الحج، بل نقلوه وذكروه، لكن\nاختلفوا في النقل، نظرًا لاختلافهم في السماع، فبعضهم سمعه\nيلبي بالحج والعمرة، وبعضهم سمعه يلبي بالحج فقط، - فنقل كل\nواحد ما سمع.","vol":"2","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المطلب الخامس في خبر الواحد</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: خبر الواحد هل يفيد العلم؟\nالمسألة الثانية: تعريف المستفيض والمشهور وهل هما داخلان ضمن\nخبر الواحد؟\nالمسألة الثالثة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به عقلًا.\nالمسألة الرابعة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به سمعا.\nالمسألة الخامسة: هل يشترط لقبول الخبر أن يرويه اثنان؟\nالمسألة السادسة: هل يشترط في الرواية في الزنا أربعة رواة؟\nالمسألة السابعة: في حقيقة الصحابي، وطرق معرفته، وثبوت عدالته.\nأولًا: حقيقة الصحابي.\nثانيا: طرق معرفته.\nثالثًا: ثبوت عدالته.\nالمسألة الثامنة: شروط الراوي غير الصحابي.\nالمسألة التاسعة: شروط ظن بعضهم أنها تشترط في الراوي، وهي\nليست كذلك.","vol":"2","page":673},{"text":"المسألة العاشرة: حكم رواية الكافر المأوِّل.\nالمسألة الحادية عشرة: حكم رواية الفاسق المأولّ.\nالمسألة الثانية عشرة: إذا سمع الصبي الخبر، وأداه بعد البلوغ فهل\nيقبل؟\nْالمسألة الثالثة عشرة: حكم رواية مجهول الحال في العدالة.\nالمسألة الرابعة عشرة: في تعديل الراوي وتجريحه:\nأولًا: بيان حقيقة التعديل والتجريح.\nثانيا: الأمور التي يحصل بها تعديل الراوي.\nثالثا: رواية العدل عن غيره هل تعتبر تعديلًا له؟\nرابعا: الاستفاضة هل تعتبر في التعديل؟\nخامسا: ترك الحكم بشهادة الراوي هل يعتبر جرحا للراوي؟\nسادسًا: هل يشترط العدد في التعديل والتجريح؟\nسابعا: حكم تعديل العبد للراوي.\nثامنا: حكم تعديل المرأة للراوي.\nتاسعا: الجارح والمعدل هل يقبل قولهما بدون ذكر سبب التعله يل والجرح؟\nعاشرًا: الحكم إذا ذكر اسم شخص متردد بين مجروح ومعدل.\nحادي عشر: الحكم إذا كان للراوي اسمان، أو اختلف في اسمه.","vol":"2","page":674},{"text":"ثاني عشر: إذا تعارض الجرح والتعديل فأيهما المقدم؟\nثالث عشر: الحكم إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين.\nالمسألة الخامسة عشرة: حكم رواية الحدود بالقذف.\nالمسألة السادسة عشرة: في كيفية ألفاظ الراوي في نقل الخبر:\nالقسم الأول: كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الخبر.\nأولًا: الحكم إذا قال الصحابي: \" سمعت النبي\nيقول، أو حدَّثني، أو أخبرني، أو شافهني \".\nثانيا: إذا قال الصحابي: \" قال رسول الله، أو\nأخبر، أو حدث \" فما الحكم؟\nثالثا: إذا قال الصحابي: \" أمر رسول الله، أو\nنهى، أو حرم، أو أباح، أو فرض \"، فما\nالحكم؟\nرابعا: قول الصحابى: \" أمرنا بكذا، أو نهينا\nعن كذا \" ما حكمه؟\nخامسا: قول الصحابي: \" من السُّنَّة كذا \" أو\n\" السُّنَّة جارية بكذا \" ما حكمه؟\nسادسا: قول - الصحابي: \" عن - ﷺ - \" ما حكمه؟\nسابعا: قول الصحابي: \" كلنا نفعل، أو كانوا\nيفعلون \" ما حكمه؟","vol":"2","page":675},{"text":"ثامنًا: قول الصحابي: \" كانوا يفعلون \" هل\nيفيد حكاية الإجماع؟\nالقسم الثاني: كيفية ألفاظ الراوي غير\nالصحابي في نقل الخبر:\nأولًا: قراءة الشيخ على الراوي عنه وهو يسمع.\nثانيًا: الصيغ التي يتلفظ بها الراوي إذا أراد أن\nيحدث بما سمعه من شيخه فيما سبق.\nثالثا: أيهما أقوى: قراءة الشيخ على الراوي\nأم العكس أم ماذا؟\nرابعا: قراءة الراوي على الشيخ وهو يسمع،\nثم قال الشيخ: نعم، هل تجوز الرواية عنه؟\nخامسًا: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو\nيسمع، ثم قال الراوي للشيغ: هل سمعت أيها\nالشيخ؛ فسكت الشيخ فهل تجوز الرواية عنه؟\nسادسًا: الصيغ التي يتلفظ بها الراوي عندما\nيريد أن يحدث بما قرأه على شيخه.\nسابعا: إذا قرأ الراوي على الشيخ فهل يجوز\nأن يقول: \" أخبرنا \"، و\" حدثنا \" مطلقا بدون\nعبارة. \" قراءة عليه \"؟\nثامنا: إذا قال الشيخ: \" حدَّثنا \" فهل يجوز\nللراوي أن يبدل ذلك بلفظ \" أخبرنا \" أو بالعكس؟","vol":"2","page":676},{"text":"تاسعا: إذا قال الشيخ: \"حدَّثنا \" أو \" أخبرنا \"\nفهل يجوز أن يبدل الراوي ذلك إلى لفط \"سمعت \"؟\nعاشرًا: حقيقة الإجازة أو صورة المناولة، وصيغة الراوي فيهما.\nحادي عشر: بيان أن المناولة قسم من أقسام الإجازة.\nثاني عشر: حكم الرواية بالإجازة والمناولة.\nثالث عشر: أنواع الإجازة.\nرابع عشر: إذا قال الراوي المجاز: \" حدثني\nفلان \" أو \" أخبرني فلان \" وأطلق ولم يقيد ذلك بلفظ: \" إجازة \"،\nفهل هذا يجوز؟\nخامس عشر: هل تجوز الإجازة للصبي والمجنون، والكافر، والفاسق؟\nسادس عشر: إذا قال الشيخ: \" خذ هذا\nالكتاب وهو مسموعي \"، ولم يقل: \"إروه عني\"، فهل تجوز الرواية بذلك؟\nسابع عشر: حقيقة الوجادة، وهل تجوز الرواية بها؛ وما هي صيغتها؟\nثامن عشر: إذا قال الشيخ: \" هذا خطي \" فهل يقبل قوله،\nوهل يروى عنه؟\nتاسع عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب","vol":"2","page":677},{"text":"ووجده ولم يذكر سماعه، ولا قراءته، لكن\nغلب على ظنه سماعه كلما يراه من خطه الذي\nتوثق منه، فهل يجوز له روايته والعمل به؟\nعشرون: إذا شك في سماع حديث من شيخه، فهل يجوز روايته عنه؟\nواحد وعشرون: إذا شك في سماع حديث، والتبس عليه مع غيره فما الحكم؟\nتاني وعشرون: ما الحكم إذا غلب على ظنه في\nحديث أنه مسموع من شيخه؟\nثالث وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ\nالحديث إنكارًا صريحًا؟\nرابع وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ\nالحديث إنكارًا غير صريح وهو التوقف؟\nالمسألة السابعة عشر: زيادة الثقة في الحديث هل تقبل؟\nالمسألة الثامنة عشرة: مخالفة الراوي للحديث الذي رواه.\nالمسألة التاسعة عشرة: مخالفة أكثر الأمة لخبر الواحد.\nالمسألة العشرون: خبر الواحد إذا خالف القياس.\nالمسألة الواحدة والعشرون: خبر الواحد فيما تعم به البلوى.\nالمسألة الثانية والعشرون: خبر الواحد في الحدود وما يسقط بالشبهات.\nالمسألة الثالثة والعشرون: حكم رواية الحديث بالمعنى.\nالمسألة الرابعة والعشرون: حذف بعض الحديث.","vol":"2","page":678},{"text":"المسألة الخامسة والعشرون: حكم مرسل الصحابي.\nالمسألة السادسة والعشرون: حكم مرسل غير الصحابي.\nالمسألة السابعة والعشرون: الحكم إذا تعارض المرسل مع المسند.\nالمسألة الثامنة والعشرون: أفعال الرسول - ﷺ - وأحكامها.\nأولًا: أفعاله الجبلِّية.\nثانيًا: أفعاله التي صدرت منه على وفق العادات.\nثالثًا: أفعاله التي لم يتبين أمرها ولا يعلم هل هي قربة أو عادة.\nرابعًا: أفعاله لبيان مجمل، أو لتقييد مطلق.\nخامسًا: الفعل الخاص به - ﷺ -.\nسادسا: إذا فعل فعلًا لا يوصف بما سبق فما حكم التأسي به؟\nالمسألة التاسعة والعشرون: تقرير النبي - ﷺ -:\nأولًا: بيان تعريفه.\nثانيا: حجيته.\nثالثًا: أنواع الإقرار.\nالمسألة الثلاثون: تقسيمات السُّنَّة:\nأولًا: أقسام السُّنَّة من حيث حقيقتها:\n١ - قولية\n٢ - فعلية\n٣ - تقريرية.","vol":"2","page":679},{"text":"ثانيا: أقسام السُنَّة من حيث السند:\n١ - متواتر\n٢ - آحاد.\nثالثًا: أقسام السُنَّة من حيث الصحة وعدمها:\n١ - الحديث الصحيح، تعريفه، أنواعه، حجيته.\n٢ - الحديث الحسن، تعريفه، أنواعه، حجيته.\n٣ - الحديث الضعيف، تعريفه، حجيته.","vol":"2","page":680},{"text":"المسألة الأولى: خبر الواحد هل يفيد العلم؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن خبر الواحد لا يفيد العلم، بل يفيد الظن.\nذهب إلى ذلك الجمهور من العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من\nالأدلة:\nالدليل الأول: أنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم لكان العلم\nحاصلًا بخبر الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم من غير حاجة إلى إظهار\nالمعجزات والأدلة على صدقهم، فلما أخبروا عن نبوتهم وأظهروا\nالمعجزات الدالة على ذلك: ثبت أن خبر الواحد بمجرده لا يفيد\nالعلم.\nالدليل الثاني: أنه لو كان خبر الواحد مفيدًا للعلم لوجب على\nالقاضي أن يصدق المدعي على غيره من غير بينة؛ لأن العلم يحصل\nبقوله، فلما ثبت أنه لا يصدق إلا ببينة ثبت أن خبر الواحد بمجرده\nلا يفيد العلم.\nالدليل الثالث: أنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم لما احتيج إلى\nعدد من الشهود - اثنين فأكثر -، بل كان الشاهد الواحد يكفي،\nولما كان الأمر بخلاف ذلك وأنه احتيج إلى عدد من الشهود دلَّ على\nأن خبر الواحد بمجرده لا يفيد العلم.\nالدليل الرابع: أنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم لجاز لخبر\nالواحد أن ينسخ القرآن والسُنَّة المتواترة؛ لأنه يكون حينئذٍ - في\nقوتهما فيقوى على نسخهما، ولكن لما لم يجز نسخ خبر الواحد","vol":"2","page":681},{"text":"للقرآن والممئُنَّة المتواترة - كما سبق بيانه - دلَّ على أن مرتبته أضعف\nمن مرتبتهما، فدلَّ على أنه لا يفيد العلم مثلهما، بل يفيد الظن.\nالمذهب الثاني: أن خبر الواحد يفيد العلم.\nذهب إلى ذلك كثير من أهل الظاهر كداود الظاهري، والحسين\nالكرابيسي، والحارث المحاسبي، وابن حزم، واختاره بن خويز\nمنداد من المالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nدليل أصحاب هذا المذهب:\nلقد استدل لهذا المذهب بقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، وقوله: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، ثم أمرثا\nبالعمل بخبر الواحد، وهذا الأمر يدل على أن خبر الواحد يفيد\nالعلم.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن وجوب العمل بخبر الواحد لا يدل على أنه يفيد\nالعلم؛ إذ لو كان لا يفيد العلم لم نعمل به هذا غير مراد، وإنما\nالعمل بخبر الواحد لا يقف على كونه مفيدًا للعلم، وإنما وجب\nالعمل بغلبة الظن كما وجب العمل بالقياس، وكما وجب العمل\nبقول الشاهدين، وكما وجب العمل بقول المفتي.\nالمذهب الثالث: أن خبر الواحد مفيد للعلم إذا كان في رؤية الله\nتعالى وما ماثلها ممن توفرت فيه أمور ثلاثة: كثرة رواته، وتلقي\nالأُمَّة له بالقبول، ودلالة القرائن على صدق راويه.\nوهذا رواية عن الإمام أحمد.","vol":"2","page":682},{"text":"المذهب الرابع: أن خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن\nتؤيده، وتدل على صدقه، وهي كما يلي:\n١ - أن يروي خبر الواحد راوي متصف بالعدالة، والثقة، والإتقان.\n٢ - أن ينقل الخبر من طرق متساوية بحيث لا تختلف.\n٣ - أن تتلقاه الأُمَّة بالقبول.\n٤ - أن لا ينكره أحد ممن يعتد بقوله.\nفإذا توفرت هذه الأمور في خبر الواحد فإنه - حينئد - يفيد العلم.\nالجواب عن هذين المذهبين:\nيجاب عنهما بأن هذين المذهبين - الثالث والرابع - لا يدخلان\nفي محل النزاع؛ لأن النزاع في خبر الواحد المجرَّد عن القرائن التي\nتدل على صدقه، أما خبر الواحد الذي احتفت به قرائن دلت على\nصدقه، فإنه يفيد العلم بإجماع العلماء المعتد بأقوالهم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذاهب على أنه\nيجب العمل بخبر الواحد، سواء أفاد العلم أو الظن، وهذا هو\nالذي يهم الأصولي؛ حيث إنه يبحث في الأحكام الناجزة وهي\nأحكام الدنيا، والله أعلم.","vol":"2","page":683},{"text":"المسألة الثانية: تعريف المستفيض والمشهور وهل هما داخلان\nضمن خبر الواحد؟\nالمستفيض هو: ما نقله جماعة تزيد على الثلاثة، فلا بد أن يكون\nالرواة أربعة فصاعدًا، وهو مذهب جمهور الأصوليين.\nوقيل: إن المستفيض هو الشائع بين الناس، وقد صدر عن أصل.\nولا فرق بين المستفيض والمشهور.\nوقيل: بل بينهما فرق وهو: أن المستفيض: ما سبق بيانه،\nوالمشهور هو: ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث.\nوالمستفيض والمشهور داخلان ضمن الآحاد؛ لأن خبر الواحد\nينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما لا يفيد الظن أصلًا وهو: ما تقابلت فيه\nالاحتمالات على السواء.\nوالقسم الثاني: ما يفيد الظن وهو: ترجيح أحد الاحتمالين\nالممكنين على الآخر في النفس من غير قطع سواء أخبر نقله واحد\nفقط، أو نقله الثلاثة والأربعة، وهذا مذهب جمهور الأصوليين\nوهو الحق.\nوقيل: إن المستفيض والمشهور في مرتبة متوسطة بين المتواتر\nوالآحاد. نقل هذا عن الأستاذين: أبي إسحاق الإسفراييني، وأبي\nمنصور، لذلك قال بعض العلماء: إن ضابطه: أن ينقله عدد كثير\nيربو على الآحاد، وينحط عن عدد المتواتر.\nوقيل: إن المستفيض بمعنى المتواتر.\nوقيل: إن المستفيض في رتبة أعلى من المتواتر.\nوالصحيح ما قلناه وهو: أن المستفيض والمشهور بمعنى واحد.","vol":"2","page":684},{"text":"وأنهما داخلان ضمن الآحاد، ولا يخرجان عنه؛ لأنه لا يفيد إلا الظن.\nالمسألة الثالثة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به عقلًا:\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يجوز التعبُّد بخبر الواحد وقبوله عقلًا.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء، أي: أن العقل أجاز قبول خبر\nالواحد والعمل به.\nوهو الحق؛ لأن جواز التعبد بخبر الواحد لا يفضي إلى اجتماع\nالضدين، ولا يفضي إلى أن يكون الواحد أكثر من الاثنين، ولا\nيناقض مصلحة عقلية، فجاز القضاء بتجويزه.\nالمذهب الثاني: أنه يجب التعبُّد بخبر الواحد عقلًا، أي: أن\nالعقل أوجب علينا قبول خبر الواحد والعمل به.\nذهب إلى ذلك بعض المتكلمين.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الحوادث والوقائع الجديدة كثيرة، فلو لم نتعبد\nبخبر الواحد ونعمل به: للزم من ذلك تعطيل وخلو تلك الحوادث\nوالوقائع عن الأحكام الشرعية، لأمرين: أولهما: ندرة الأدلة\nالقواطع، وثانيهما: قلة مدارك اليقين كالأوليات، وهي العقليات\nالمحضة كعلم الإنسان باستحالة اجتماع الضدين، والمشاهدات كعلم\nالإنسان بجوع نفسه، والمحسوسات الظاهرة وهي الحواس الخمس،\nوالمتواترات.","vol":"2","page":685},{"text":"ولكن بتعبدنا بخبر الواحد وعملنا به يلزم منه إيجاد أحكام شرعية\nلكثير من الحوادث المتجددة.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن هذا لا يسلَّم، أي: لا يلزم من عدم التعبد بخبر\nالواحد والعمل به تعطيل الحوادث بلا أحكام؛ وذلك لأن المجتهد إذا\nلم يجد حكمًا للحوادث المتجددة من القواطع، فإنه لا يتركها بلا\nحكم، بل يستصحب حال البراءة الأصلية فيها حتى يأتي دليل قاطع\nيغير الحالة.\nالدليل الثاني قالوا فيه: إن النبي - ﷺ - قد بعث إلى جميع الناس، ولا يمكنه مشافهة جميعهم، ولا إبلاغهم بالتواتر، فلم يبق إلا\nالآحاد لإبلاغهم بالرسالة، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب التعبد به\nعقلًا؛ إذ لا طريق غيره.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن النبي - ﷺ - غير مكلَّف بإبلاغ الجميع عن طريق الإيجاب، بل إنه أرسل إلى الناس كافة وكلف بأن يبلغ من يقدر\nعليه، ويستطيع تبليغه، فليقتصر على ذلك، فليس تبليغ الجميع\nواجبًا.\nالدليل الثالث: أن الواحد إذا أخبرنا بأن اللَّه أمر بكذا، أو رسوله\nأمر بكذا، فإنا نحتمل صدقه، وإذا احتملنا صدقه، فإنه يجب\nالعمل به احتياطًا لأنفسنا، إذ لو لم نعمل بذلك للزم مخالفة أمر\nظننا وجوده.","vol":"2","page":686},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأنا لا نسلِّم ذلك؛ لوجوه:\nالوجه الأول: أن خبره يحتمل الكذب - أيضًا - فربما يكون عملنا\nبخلاف الواجب.\nالوجه الثاني: إذا كان مستند العمل هو احتمال صدقه - فقط -\nفإنه يلزم من ذلك وجوب العمل بخبر الكافر والفاسق؛ لأن صدقه\nمحتمل.\nالوجه الثالث: أن براءة الذمة معلومة بالعقل والنفي الأصلي، فلا\nترفع بمجرد ظن لا دليل عليه.\nالمذهب الثالث: لا يجوز التعبد بخبر الواحد عقلًا.\nذهب إلى ذلك الجبَّائي، وابن علية، وأبو بكر بن الأصم،\nوطائفة من المتكلمين.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن خبر الواحد يحتمل أن\nيكون صدقًا، ويحتمل أن يكون كذبًا، والاحتمالان متساويان،\nوهذا هو الشك - الذي هو تساوي الطرفين - فإذا عملنا بخبر\nالواحد المحتمل لهذين الاحتمالين على التساوي نكون قد عملنا\nبالشك، والشك يؤدي إلى الجهل؛ حيث إننا إذا شككنا في شيء\nنكون قد جهلنا المراد به، فنكون قد أقدمنا على العمل بالجهل،\nويقبح أن نحيل الخلق أن يعملوا بالمجهولات، فيكون العمل بالجهل\nقبيح، والعقل لا يجيز القبيح.","vol":"2","page":687},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بوجهين:\nالوجه الأول: أن هذا الدليل مبني على قاعدة وهي: \" التحسين\nوالتقبيح العقليين \"، وهي صحيحة عند المعتزلة؛ حيث زعموا أن\nإحالة الأحكام على ما يجوز كذبه قبيح، وأن اللَّه لا بد أن يفعل\nكذا؛ لأنه حسن، وهذه القاعدة باطلة عندنا.\nالوجه الثاني: لا نسلِّم أن العمل بخبر الواحد هو عمل بالشك\nالمؤدي إلى الجهل، بل إن العمل بخبر الواحد عمل بالظن؛ حيث\nإن خبر الواحد يحتمل الصدق، ويحتمل الكذب، ولكن احتماله\nللصدق أرجح، والظن غير الشك؛ لأن الظن هو ترجيح أحد\nالطرفين، والشك هو تساويهما، وأيضًا: الظن يجب العمل به،\nأما الشك فلا يعمل به.\nثم إننا لا نعمل بظن كل أحد، بل إننا لا نعمل إلا بظن المجتهد\nالذي بلغ درجة الاجتهاد، أما من لم يبلغ ذلك فلا يعمل بظنه مهما\nكان.\nاعتراض على ذلك:\nاعترض معترض قائلًا: إن الظن - أيضًا - لا يعمل به؛ لوجود\nاحتمال كذبه.\nجوابه:\nفإنا نجيب عن ذلك: بأن هناك أمورًا كثيرة قد أفادت الظن، ومع\nذلك قد تعبدنا اللَّه بأحكامها وعمل بها منها: أنه يجب العمل\nبالشهادة مع أنها تفيد الظن ط ومنها: أنه يجب العمل بالفتوى مع\nأن المفتي واحد، ولم يفد إلا الظن، ومنها: أنه إذا اشتبهت عليه\nالقِبْلة في سفر وحضرت الصلاة: فإنه يجتهد في اتجاه القِبْلة ويصلي،","vol":"2","page":688},{"text":"وهذا كله ظني، فإذا كان الأمر كذلك في هذه الصور، فما المانع\nمن التعبد بخبر الواحد وإن كان لا يفيد إلا الظن.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي؛ إذ لا يترتب عليه عمل.\n***\nالمسألة الرابعة: حكم التعبد بخبر الواحد سمعا والعمل به:\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز التعبد بخبر الواحد سمعا والعمل به.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: إجماع الصحابي السكوتي، بيان ذلك:\nأنه ثبت في وقائع وحوادث - لا يمكن حصرها - قد اشتهرت\nونقلت عن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - أنهم عملوا بخبر الواحد\nبدون نكير، مما يدل على إجماعهم على ذلك.\nوكل واقعة لم تتواتر، ولكن بمجموع تلك الوقائع والحوادث قد\nحصل لنا العلم بأنهم اتفقوا على العمل به، وإليك بعضا منها:\n١ - أن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة قد شهدا عند أبي بكر\n- ﵃ - أن الرسول - ﷺ - قد أعطى الجدة السدس فقبل منهما وعمل به، مع أن ذلك لم يبلغ حد التواتر.\n٢ - أن حمل بن مالك قال: \" كنت بين امرأتين فضربت\nإحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول اللَّه - ﷺ - في","vol":"2","page":689},{"text":"جنينها بغرة عبد أو أَمَة، وأن تقتل \"، فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب - ﵁ - وكان يسأل عن إملاص المرأة - قبل منه وقال: \" اللَّه أكبر\nلو لم أسمع بهذا لقضينا بغيره \"، فقبل منه هذا الخبر وعمل به مع\nأنه خبر واحد.\n٣ - أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان يقول: الدية\nللعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا، فقال له الضحاك بن\nسفيان الكلابي: كتب إليّ النبي - ﷺ - أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها أشيم فقبل منه ذلك وعمل به مع أنه خبر واحد.\n٤ - أن عمر كان لا يأخذ الجزية من المجوس حتى حدَّثه عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللّ - ﷺ - قال: \" سنوا بهم سُنَّة أهل\nالكتاب \"، فقبل عمر ذلك وعمل به وبدأ يأخذ من المجوس الجزية\nمع أنه خبر واحد.\n٥ - أنه لما اختلف بعض المهاجرين والأنصار - ﵃ -\nفي الذي يوجب الغسل سألوا عائشة - ﵂ - فقالت:\nقال رسول اللَّه - ﷺ -: \"إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل \"،\nفقبل الصحابة وعملوا به مع أنه خبر واحد.\n٦ - أنه لما كان أهل قباء يصلون إذ جاءهم آت فقال: \" إن رسول\nالله - ﷺ - قد أنزل عليه الليلة وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة \".\nفقبل هؤلاء خبر الواحد وعملوا به من غير نكير.\n٧ - أن ابن عباس - ﵄ - كان يذهب إلى أن الربا\nالمحرم هو ربا النسيئة فقط، ثم حكي عنه أنه رجع، وذهب إلى\nتحريم؛ كلٍّ من ربا النسيئة وربا الفضل، ولا يفرق بينهما أخذًا بخبر","vol":"2","page":690},{"text":"أبي سعيد الخدري في الصرف وهو: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: \" لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض \"\nأي: لا تفضلوا، فأخذ بخبر الواحد وعمل به.\n٨ - قال ابن عمر - ﵄ -: \" كنا نخابر أربعين سنة\nلا نرى بذلك بأسًا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي - ﷺ - نهى عن المخابرة \"، فهنا قد أخذ بخبر الواحد وعمل به.\nوغير ذلك من الأخبار مما لا يحصى، حيث رجعوا إلى عائشة،\nوأم سلمة، وحفصة، وميمونة، وزيد، وأسامة، وأبي الدرداء،\nوغيرهم من الرجال والنساء، والعبيد والموالي، مما يدل دلالة\nواضحة على أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد ويعملون به.\nوهذه الأخبار وإن لم تتواتر آحادها، إلا أنها بمجموعها أفادتنا\nعلمًا يقينيًا لا يقبل الشك: أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد\nويعملون به، ويتركون ما خالفه، دون نكير من أحد، إذ لو وجد\nإنكار لبلغنا كما بلغتنا تلك الأخبار، مما يدل على إجماع الصحابة\nعلى العمل بخبر الواحد.\nالاعتراض على هذا الدليل:\nأنه يحتمل أن الصحابة - ﵃ - لم يعملوا بتلك الأخبار\nالآحادية بمجردها، وإنما عملوا بها بسبب قرائن اقترنت بها، ونظرًا\nإلى هذا الاحتمال الذي تطرق إلى هذا الدليل، فإنه يبطل به الاستدلال.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الصحابة - ﵃ - قد عملوا بمجرد\nخبر الواحد دون قرائن، دلَّ على ذلك أمران:","vol":"2","page":691},{"text":"أولهما: أن بعض الصحابة قد صرح بأنه لم يعمل إلا بمجرد\nالخبر فقط من ذلك:\n(أ) أن عمر - ﵁ - قال في خبر حمل بن مالك في\nإسقاط الجنين: \" لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره \".\n(ب) أنه لما اختلف الصحابة في الغسل من الجنابة رجعوا إلى\nقول عائشة بمفرده وهو: \" إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل \".\n(ب) قول ابن عمر - ﵄ -: \" كنا نخابر أربعين\nسنة حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي - ﷺ - قد نهى عنها \".\nهذه النقول تدل على أنهم قد عملوا بمجرد خبر الواحد دون قرائن.\nثانيهما: أنه لو كان هناك قرائن اقترنت بالخبر بسببها عملوا بذلك\nالخبر: لنقلت إلينا كما نقل الخبر، وبلغتنا كما بلغنا الخبر، فلما أنه\nبلغنا الخبر، ولم يبلغنا شيء من القرائن دلَّ على أن الصحابة قد\nعملوا بالخبر فقط، فأصبح كلامكم مجرد احتمال لا دليل عليه،\nوما لا دليل عليه لا يلتفت إليه.\nالجواب الثاني: أن قولكم: \" إن الصحابة لم يعملوا بخبر\nالواحد بمجرده، بل عملوا به بسبب قرينة أوجبت العمل به \"، يلزم\nمنه أن الصحابة لم يعملوا بأي آية من الكتاب، أو أي حديث متواتر\nإلا بسبب قرينة أوجبت العمل بهما، وأنه لو لم توجد هذه القرينة\nلم يعملوا بالكتاب، ولا بالسُّنَّة المتواترة، وهذا باطل قطعًا،\nلأمرين:\nأولهما: أن الصحابة قد ثبت عنهم أنهم عملوا بظواهر الآيات\nوالأحاديث المتواترة بدون قرائن.","vol":"2","page":692},{"text":"ثانيهما: أن تقدير قرينة في الآية والمتواتر يؤدي إلى إبطال أدلة\nالشريعة عن العمل، وبالتالي يؤدي إلى تعطيل الشريعة كلها؟\nحيث يلزم منه: أنه لا يعمل بأي دليل إلا بقرينة، إذن لا حاجة إلى\nالأدلة؛ لأن العمل كان بسبب القرينة.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد شرط في التبين والتثبت: كون\nالمخبر فاسقًا، فبان من هذا أن خبر العدل يقبل بدون تثبت؛ لأنه لو\nكانت حالة الفاسق والعدل سواء لم يكن لذكر الفسق معنى.\nاعتراض على هذا الدليل:\nأن هذه الآية نزلت في حالة خاصة، فلا تصلح للاستدلال بها\nعلى إثبات قاعدة عامة وهي: \" حجية خبر الواحد \"، حيث إنها\nنزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حينما بعثه النبي - ﷺ - جابيًا للزكاة، فعاد وأخبر أن الذين بعثه إليهم أرادوا قتله، فهم النبي - ﷺ - أن يغزوهم، فنزلت تلك الآية لتخبره أنه غير عدل.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذه الآية تصلح للاستدلال بها من وجهين:\nالوجه الأول: أن النبي - ﷺ - قد قبل خبره لذلك هم بغزوهم لولا أن الوحي قد نبهه، فدل على أن خبر الواحد مقبول ويعمل به.\nالوجه الثاني: أن الآية وإن كانت قد نزلت بسبب خاص فإنها\nتصلح للاستدلال بها على إثبات ما نحن فيه؛ لأن اللفظ أعم من\nسببه فلا يقتصر عليه؛ حيث إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص\nالسبب، كما سيأتي تفصيله في باب العموم.","vol":"2","page":693},{"text":"الدليل الثالث: أن النبي - ﷺ - كان يبعث آحاد الصحابة إلى البلاد النائية ليعلمهم الأحكام الشرعية: مثل ما بعث مصعب بن عمير إلى المدينة، وعتاب بن أسيد إلى مكة، وعليًا ومعاذا إلى اليمن، وابن\nحزم إلى نجران، وبعث سعاته لجباية الصدقات، وتعليم أرباب\nالأموال ما يجب عليهم من الزكاة، فكان السامعين يقبلون ذلك بلا\nتردد، فثبت أن خبرهم - وإن كانوا آحادًا - مقبول؛ إذ لو كان قول\nالواحد غير مقبول لما بعثهم النبي - ﷺ -، ولما قبل السامعون لهم الأحكام التي جاءوا بها من النبي - ﷺ - إلا بعد التأكد والتثبت.\nالدليل الرابع: قياس الرواية على الفتوى، بيان ذلك:\nأن المفتي إذا أفتى شخصًا بحكم شرعي، فإنه يجب على المستفتي\nأن يصدق ذلك المفتي ويعمل بفتواه، مع أن ذلك المفتي ربما يخبر عن\nظنه، فإذا كان الأمر كذلك في الفتوى فإنه إذا أخبر هذا المفتي بخبر\nسمعه، فكذلك يجب قبول خبزه وتصديقه، ولا فرق بينهما،\nوالجامع: أن كلًّا منهما يجوز عليه الغلط، أي: يجوز الغلط على\nالمفتي كما يجوز على الراوي، بل الغلط على المفتي أقرب منه على\nالراوي \" لأن الفتوى لا تجوز إلا إذا سمع المفتي دليل ذلك الحكم،\nوعرف كيفية الاستدلال به، وذلك دقيق، أما الرواية فلا تحتاج إلا\nإلى السماع، فثبت أنه إذا كانت الفتوى مقبولة من الواحد، فمن\nباب أوْلى أن تكون الرواية مقبولة.\nما اعترض به على هذا الدليل:\nالاعتراض الأول: أن هذا الدليل مبني على القياس، والقياس لا\nيفيد إلا الظن، والظن لا يثبت به أصل حجية خبر الواحد والعمل","vol":"2","page":694},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأن:\nقياس الرواية على الفتوى قياس يفيد القطع؛ لأن الفرع - وهي\nالرواية - أَوْلى بالحكم من الأصل - وهي الفتوى - أي: أنه إذا\nكانت الفتوى مقبولة وهي من واحد، فمن باب أوْلى أن يقبل الخبر\nإذا رواه واحد؛ لأن الغلط في الفتوى أقرب من الغلط في الرواية\nكما قلنا سابقًا.\nوإذا لم يسلم أنه قياس أولى، فإنه قياس مساوي، أي: أن الفرع\nمساوي للأصل ولا فرق بينهما؛ حيث إنه لا فرق بين المفتي الذي\nيخبر عن ظن نفسه، والراوي الذي يروي عن قول غيره.\nفإذا كان القياس أولى، أو مساويًا، فإنه يكون قطعيا، وإذا كان\nقطعيًا فإنه تثبت به قاعدة أصولية كحجية خبر الواحد.\nالاعتراض الثاني: أن قياسكم الرواية على الفتوى قياس فاسد؟\nلأنه قياس مع الفارق؛ ووجه الفرق بين الرواية والفتوى هو: أن\nالعمل بالفتوى ضروري؛ لأن تكليف العامي الاجتهاد في كل حادثة\nلا يمكن، فاضطر إلى تقليد المفتي، أما العمل بخبر الواحد فغير\nضروري؛ لأنا إن وجدنا في المسألة دليلًا قاطعًا عملنا به، وإن لم\nنجد عملنا بالبراءة الأصلية.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن قياسنا الرواية على الفتوى قياس صحيح؛ لأن\nالعمل بالفتوى غير ضروري مثل العمل بخبر الواحد ولا فرق؟\nفالعامي - أيضًا - يرجع إلى البراءة الأصلية، ويستصحب حال الحكم\nالسابق الذي يعرفه إذا لم يجد مفتيًا، أو وجد ولكن لم يثق به.","vol":"2","page":695},{"text":"الدليل الخامس: قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك:\nإذا وجب العمل بشهادة الشاهدين العدلين، فيجب العمل بخبر\nالعدلين عن الرسول - ﷺ -، ولا فرق بينهما، والجامع: أن كلًّا منهما يفيد الظن.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز التعثد بخبر الواحد سمعا، أي:\nلا يجوز العمل بخبر الواحد.\nنسب ذلك إلى محمد بن داود الظاهري، ومحمد بن إسحاق\nالقاساني الظاهري، وبعض الرافضة.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) .\nوجه الدلالة: أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وقد نهانا الله\nتعالى عن اتباع الظن؛ لأنه لا يغني عن الحق شيئًا.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن اللَّه قد ذم من اتبع مجرد ظنه من غير دليل،\nونحن لا نتبع خبر الواحد بالظن، بل بالدليل الموجب للعلم.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)،\nوقوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) .\nوجه الدلالة: أن العمل بخبر الواحد اقتضاء لما لا نعلم، وقول\nبما لا نعلم؛ لأنه موقوف على الظن.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنا لم نتبع خبر الواحد ونعمل به إلا بعد أن ثبتت","vol":"2","page":696},{"text":"الأدلة الدالة على وجوب العمل به، وهي الأدلة الخمسة السابقة،\nوكذلك لم نقل إلا ما علمناه.\nالدليل الثالث: أن المخبر الواحد يجوز أن يكذب، أو يغلط،\nفإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز العمل بخبره.\nجوابه:\nيجاب عنه بأنه إذا كان ما ذكرتموه هو عِلَّة عدم العمل بخبر\nالواحد، فإنه يلزم منه عدم قبول خبر الشاهدين في الحقوق، وعدم\nقبول فتوى المفتي، وعدم قبول رسول المفتي، وعدم قبول قول\nالطبيب في المرض، وعدم قبول الخبر عن الطريق؛ لأنه يجوز\nعليهم الكذب والغلط، وهذا غير صحيح؛ لأنا عملنا بتلك الأخبار\nويجب العمل بها، فإذا عملنا بها مع جواز الكذب والغلط، فإنه\nيجوز العمل بخبر الواحد ولا فرق.\nالدليل الرابع: أن من ادَّعى أنه نبي، وخوَّفنا من مخالفته، لا\nيلزمنا قبول قوله من غير حُجَّة، فكذلك من أخبرنا بأحكام الشرع\nبخبر الواحد لا نقبله ولا فرق.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق من\nوجهين:\nالوجه الأول: أنه لم يدل دليل واحد على قبول مدعي النبوة،\nبخلاف خبر الواحد فقد دلَّت أدلة كثيرة على قبول قوله والعمل به.\nالوجه الثاني: أن النبوة من الرياسات العظيمة التي تحبها النفوس،\nويحمل عليها حب التعظيم، فلا يقبل قول المدعي لها بغير دليل،","vol":"2","page":697},{"text":"يؤيد ذلك أنا لا نقبل قول من ادَّعى مالًا لنفسه من غير دليل، وتقبل\nشهادته لغيره، أما المخبر بخبر واحد فهو لا يضيف إلى نفسه شيئًا،\nوإنما ينقله عن النبي - ﷺ - فيقبل.\nالدليل الخامس: أنه لا طريق لقبول شيء والعمل به إلا طريق\nالشرع، ونحن لما استقرأنا الشرع وتتبعناه لم نجد أي دليل منه يدل\nعلى قبول خبر الواحد، ولو كان قبول خبر الواحد جائزًا لوجدنا\nذلك في الشرع كما وجدنا الدليل على قبول الشاهدين في الحقوق،\nوهو قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم)، ووجدنا\nالدليل على قبول قول المفتي، وهو قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) .\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ لكم ذلك، بل لما تتبعنا الشرع وجدنا\nأدلة كثيرة دلَّت دلالة واضحة على قبول خبر الواحد، وهي الأدلة\nالخمسة السابقة التي ذكرناها.\nالمسألة الخامسة: هل يشترط لقبول الخبر أن يرويه اثنان؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين هما:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك، بل يقبل الخبر وإن كان راويه\nواحدًا.\nوهو مذهب الجمهور.\nوهو الحق: لما سبق من الأدلة على قبول خبر الواحد فقط؟\nحيث إن النبي - ﷺ - كان يبعث آحاد الصحابة إلى القبائل والبلدان","vol":"2","page":698},{"text":"النائية للإخبار عن الأحكام الشرعية والناسخ والمنسوخ، وكان\nالصحابة - ﵃ - وغيرهم يقبلون خبر الواحد منهم\nويعملون به، كما قبلوا خبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس،\nوخبر عائشة في الغسل، وخبر رافع بن خديج في المخابرة.\nالمذهب الثاني. أنه يشترط لقبول الخبر أن يرويه عدلان عن النبي\n- ﷺ -، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان عدلان، أما إذا رواه واحد لم يجز العمل به إلا بأحد شروط، منها: أن يعضده ظاهر، أو\nعمل بعض الصحابة، أو اجتهاد، أو يكون منتشرًا.\nذهب إلى ذلك أبو علي الجبائي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قياس الرواية على الشهادة، بيانه:\nأن الشهادة لا يقبل فيها إلا قول اثنين، فكذلك الرواية ينبغي أن لا\nيقبل فيها إلا رواية اثنين ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما إخبار\nعن الغير، فالشهادة هي شهادة على الغير، والرواية هي رواية عن\nالغير، وهناك جامع آخر وهو: أن كلًّا منهما يعمل به، فإذا اتفقت\nالرواية مع الشهادة في هذين الأمرين وهما: \" الإخبار عن الغير \"\nو\" جواز العمل بهما \"، فلماذا يفرق بينهما في العدد، بحيث\nيشترط العدد في الشهادة دون الرواية؟!\nفثبت أن الرواية مثل الشهادة في اشتراط العدد ولا فرق.\nجوابه.\nيجاب عنه: بأن قياس الرواية على الشهادة قياس فاسد؛ لأنه\nقياس مع الفارق؛ حيث إن الرواية تفارق الشهادة من وجوه:","vol":"2","page":699},{"text":"أولها: أن الشهادة إخبار بلفظ خاص عن خاص علمه مختص\nبمعين يمكن الترافع فيه عند الحكام، أما الرواية فهو إخبار عن أمر\nعام لا يختص بشخص معين من الأُمَّة، فلا ترافع فيه عند الحكام.\nثانيها: أن الشهادة لا تقبل من النساء إلا إذا كان معهن رجل إلا\nما خصصه الشارع، أما الرواية فإنها تقبل من النساء فقبلت من\nعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وغيرهن.\nثالثها: أنه لا تسمع شهادة الفرع مع القدرة على شهادة الأصل،\nأما الرواية فبخلاف ذلك: فقد كان الصحابة يروي بعضهم عن بعض\nمع القدرة على مراجعة النبي - ﷺ -، ولهذا كان يلزمهم قبول أقوال وروايات آحاد رسله وسعاته من غير مراجعة.\nالدليل الثاني: أن - ﷺ - لم يقبل قول ذي اليدين في الصلاة حتى قال لأبي بكر وعمر: \" أحق ما يقول ذو اليدين؛ \" فقالا:\nنعم، وهذا واضح.\nجوابه:\nيجاب عنه: أنه لم يقبل قول واحد في السهو؛ لأن هذا القول\nمساو لظنه، فليس أحدهما بأوْلى من الآخر، فأراد أن توجد قرينة\nترجِّح قول ذلك الواحد، فلما شهد معه أبو بكر وعمر قبل قول\nالواحد؛ لأنه صار أقوى من ظنه.\nالدليل الثالث: أن أبا بكر - ﵁ - لم يقبل قول المغيرة\nابن شعبة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة، وأن\nعمر - ﵁ - لم يقبل خبر أبي موسى في الاستئذان حتى\nشهد معه أبو سعيد الخدري، فهذا يدل على أنه لا يقبل خبر الواحد\nفقط وإن كان ثقة.","vol":"2","page":700},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأننا نقبل خبر الواحد إذا غلب على ظننا أن الراوي\nقد توفرتْ فيه شروط الرواية، أما إذا لم يغلب على ظننا ذلك فلا\nيقبل، بل لا بد من التأكد والاستظهار، وهنا ربما أن أبا بكر وعمر\nلم يغلب على ظنهما أن أبا موسى والمغيرة قد توفرت فيهما شروط\nالراوي، فطلبا من يشهد معهما للتأكد وللاستظهار، ولهذا إذا لم\nيتقوى في قلب الحاكم قول الشاهدين فإنه يجب عليه أن يلتمس\nشاهدًا ثالثًا.\n***\nالمسألة السادسة: هل يشترط في الرواية في الزنا أربعة رواة؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الرواية في الزنا لا يشترط فيها أن يكون الرواة\nأربعة، بل يكفي واحد كغير الرواية في الزنا ولا فرق.\nذهب إلى ذلك الجمهور.\nوهو الحق؛ لعموم أدلة قبول خبر الواحد السابقة الذكر وهي:\nإجماع الصحابة، وبعث - ﷺ - آحاد الصحابة إلى البلدان النائية، وقياس الرواية على الفتوى وغيرها، حيث دلَّت على أن خبر الواحد\nالثقة يقبل مطلقًا سواء في الزنا أو في غيره.\nالمذهب الثاني: أن الرواية في الزنا يشترط فيها كون الرواة أربعة،\nأى: أنه لا يقبل في الزنا إلا خبر أربعة.\nذهب إلى ذلك أبو علي الجبائي.","vol":"2","page":701},{"text":"دليل هذا المذهب:\nاستدل على ذلك بقياس الرواية في الزنا على الشهادة فيه، بيانه:\nأنه كما يشترط في الشهادة في الزنا أربعة شهود، فكذلك يشترط\nفي الرواية فيه أربعة رواة ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما ينبغي\nالاحتراز والحذر منه، وأن الخطأ والغلط فيهما أعظم من غيرهما.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن قياس الرواية على الشهادة قياس فاسد، لأنه قياس\nمع الفارق، حيث إن الشهادة تفارق الرواية من وجوه ذكرنا ثلاثة\nمنها في المسألة السابقة، ونزيد هنا أمرًا رابعًا وهو: أن الشهادة ينبغي\nأن يحتاط فيها، لذلك اشترط العلماء فيها العدد بخلاف الرواية.\nالمسألة السابعة: في حقيقة الصحابي، وطرق معرفته، وثبوت\nعدالته:\nويتبين ذلك فيما يلي:\nأولًا: حقيقة الصحابي:\nأقرب تعريفات الصحابي إلى الصحة هو: من رأى النبي - ﷺ - مؤمنًا به، واختص به اختصاص المصحوب، متبعًا إياه مدة يثبت\nمعها إطلاق صاحب عليه عرفا بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة، سواء\nروى عنه أو لم يرو عنه.\nوهذا هو تعريف جمهور الأصوليين وأكثر العلماء، وقد صوَّبته،\nلأنَّ شهود التنزيل، والاطلاع على أسباب ورود الأحكام، ومعرفة","vol":"2","page":702},{"text":"التأويل، ومقاصد الشريعة لا يمكن إلا باختصاص مصاحبة، وكثرة\nمجالسة.\nوهناك تعريفات أخرى للصحابي لعلي أشير إليها هنا فأقول:\nقيل: إن الصحابي هو: من أدرك زمن - ﷺ - مؤمنا به وإن لم يره.\nوقيل: هو: من رأى النبي - ﷺ - ولو ساعة من نهار وهو مسلم عاقل بالغ.\nوقيل: هو: من صحب النبي - ﷺ - سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين.\nوقيل: هو: من رأى النبي - ﷺ - مؤمنًا به، وصاحبه ولو ساعة سواء روى عنه، أو لم يرو عنه، وسواء اختص به اختصاص\nالمصحوب أو لم يختص به.\nوقيل: هو: من صحب النبي - ﷺ - وطالت صحبته، ولازمه، وأخذ عنه العلم، وروى عنه.\nوقيل: هو: من صحب النبي - ﷺ - مدة قدرها ستة أشهر فصاعدًا.\nوهذه التعريفات للصحابي قد ذكرتها، ناسبًا كل تعريف إلى قائله\nذاكرًا دليل كل قول، وقد اعترضت على تلك التعريفات وبيَّنت\nأسباب اختياري للتعريف الأول الذي صحَّحته وذلك في كتابي\n\"مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف دراسة نظرية تطبيقية \"\nفارجع إليه إن شئت فهو مطبوع متداول، ولا داعي لأن أكرر ما\nذكرناه هناك في هذا المقام.","vol":"2","page":703},{"text":"بيان ثمرة الخلاف في تعريف الصحابي:\nإن الخلاف في تعريف الصحابي له ثمرة، حيث إنه من دخل\nضمن الصحابة - باعتبار كل قول من الأقوال السابقة - فإنه تثبت له\nأمور وصفات هي كما يلي:\n١ - ثبوت عدالته، فلا يحتاج إلى تزكية.\n٢ - تفسيق من سبه.\n٣ - قبول مراسيله.\n٤ - حجية قوله وفتواه وفعله عند كثير من العلماء.\n٥ - أنه إذا خالف الحديث النبوي الشريف، فإن مخالفته معتبرة،\nويسقط الاحتجاج بالحديث عند بعض العلماء.\nوهذا الأمر الخامس هو الذي دعاني لتأليف كتابي السابق الذكر وهو:\n\" مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف، دراسة نظرية تطبيقية\".\nأما من خرج من الصحابة - باعتبار كل قول من الأقوال السابقة -\nفلا تكون تلك الصفات والميزات ثابتة له.\nثانيا: طرق معرفة الصحابي:\nالطريق الأول: أن يخبر الشخص عن نفسه بأنه صحابي بأن\nيقول: \" أنا صحبت النبي - ﷺ - \"، فإذا قال ذلك العدل الثقة المعاصر للنبي - ﷺ - فإنه يكون صحابيا؛ لأنه ثقة عدل مقبول في ذلك كروايته، ولم يرد عن واحد من الصحابة رد قوله.\nالاعتراض على هذا:\nقال قائل: إن هذا الطريق لا يصلح لإثبات الصحبة؛ لأن قوله:","vol":"2","page":704},{"text":"\" أنا صحابي \" يعتبر شهادة لنفسه، وشهادة الشخص لنفسه لا تقبل،\nإذن لا يقبل قوله؛ لأنه متهم بتحصيل منصب الصحبة لنفسه.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك: بأن هذا الشخص الذي قال: \" أنا صحابي \"\nموصوف بالعدالة والثقة، في حين أنه معاصر للنبي - ﷺ -، فلذلك نرجح صدقه، وإذا ترجح صدق شخص، فيجب قبول قوله بأنه\nصحابي كما وجب قبول روايته عن النبي - ﷺ -، ولا فرق بجامع: عدم جواز الكذب في كليهما، وعلى هذا: تكون التهمة بعيدة.\nالطريق الثاني: النقل المتواتر؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة قد\nعلمنا أنهم صحابة عن طريق التواتر كالخلفاء الأربعة، وزوجاته - ﷺ - والمهاجرين والأنصار، ويشمل المشهورين كرواة الأحاديث،\nوالقادة، والقضاة الذين لم يحصل الاختلاف فيهم.\nالطريق الثالث: أن يخبر الواحد ممن ثبتت صحبته: أن فلانًا من\nالصحابة، فإذا أخبر بذلك يكون ذلك الشخص المخبر عنه صحابيا؛ الصحابي عدل، فيقبل ما يأتي به كروايته.\nاعتراض على هذا:\nقال قائل: إن هذا الطريق لا يصلح لإثبات الصحبة؛ لأن\nالشخص لا تثبت له الصحبة بقول الواحد؛ حيث يترتب على قوله\nثبوت كل ما يأتي به من أحاديث، وإنما يثبت بما يوجب العلم\nضرورة أو اكتسابًا.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الصحابي قد ثبتت عدالته، ومن ثبتت عدالته","vol":"2","page":705},{"text":"فإن كل ما يأتي به فهو مقبول من أقوال، وأخبار، فكما يقبل كل\nخبر يأتي به، فكذلك يقبل خبره عن غيره بأنه صحابي ولا فرق:\nبجامع: عدم جواز الكذب في كليهما.\nالطريق الرابع: أن يقول المسلم الذي ثبتت عدالته: \" كنت أنا\nوفلان من الصحابة عند النبي - ﷺ - \".\nالطريق الخامس: أن يقول المسلم الذي ثبتت عدالته: \" دخلنا\nعلى النبي - ﷺ - \".\nثالثًا: ثبوت عدالة الصحابي:\nالصحابة كلهم عدول، دلَّ على ذلك ما يلي:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (لقد رضى اللَّه عن المؤمنين) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد صرَّح - هنا - بأنه قد رضي عن\nالصحابة، ومن ﵁ فقد اتصف بالعدالة، حيث إنه لا\nيرضى عن الفاسق.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين\nوالأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃) .\nوجه الدلالة كسابقه.\nالدليل الثالث: ما رواه عمران بن الحصين أن النبي - ﷺ - قال: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم \".\nوجه الدلالة: أنه وصف الصحابة بأنهم خير القرون، ولو لم\nيكونوا عدولًا لما وصفهم بهذا الوصف - وهو الخيرية -؛ لأن\nالفساق لا خير فيهم.\nالدليل الرابع: ما رواه أبو سعيد الخدري: أن النبي - ﷺ - قال:","vol":"2","page":706},{"text":"\"لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مد\nأحدهم ولا نصيفه \".\nوجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - قد نهى عن سب الصحابة وبين فضلهم، ولا يكون ذلك إلا لمن اتصف بالتقوى والمروءة، وهذه هي العدالة، فلو كانوا فساقًا أو واحدًا منهم لما نهى عن سبهم جميعًا \"\nلأن الفساق لا خير فيهم.\nاعتراض على ما سبق من الأدلة:\nلقد اعترض بعضهم قائلًا: إن تلك النصوص من الكتاب والسُّنَّة\nلم تصرح بعدالة الصحابة، وكل ما فيها بيان فضلهم - فقط -،\nوبيان الفضل لا يدل على تعديلهم.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه إذا كان التعديل يحصل بقول واحد أو اثنين من\nالناس مع عدم عصمتهما، وعدم علمهما إلا ببعض الظواهر،\nفكيف بتعديل علام الغيوب، وتعديل رسوله الكريم الذي لا ينطق\nعن الهوى؟! لا شك أن تعديل علام الغيوب الذي لا يعزب عن\nعلمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء مع استحالة الكذب عليه،\nوتعديل رسوله المعصوم عن الخطأ والكذب: هو التعديل الحق الذي\nيجب الأخذ به.\nالدليل الخامس: أن عدالتهم ثبتت من العقل السليم، بيان ذلك:\nأن تواتر واشتهار طاعتهم المطلقة لله ولرسوله، وبذل النفس\nوالنفيس، وقتالهم للآباء، والأبناء، والأقرباء، والأهل في سبيل\nإعلاء كلمة اللَّه، واشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم في","vol":"2","page":707},{"text":"الله لومة لائم، كل ذلك يقطع بالحكم بصلاحهم وأنهم آمنوا\nوصدقوا باطنًا وظاهرًا، وكل ذلك قد نفى فسقهم، ومن انتفى\nفسقه، وظفر صلاحه فهو العدل.\nوالمراد بعدالة الصحابة هو: ليس ثبوت العصمة لهم، واستحالة\nالمعصية، وإنما المراد بعدالتهم هو: قبول رواياتهم من غير تكلف في\nأن يبحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا من يثبت عليه\nارتكاب قادح، ولم يثبت والحمد لله، فنحن نستصحب ما كانوا\nعليه في زمن النبي - ﷺ - من التقوى والمروءة حتى يثبت خلافه.\nثمرة ذكر عدالة الصحابة:\nإنه يتخرج عليه أنه إذا قال العدل في الإسناد: \" عن رجل من\nأصحاب رسول اللَّه - ﷺ - \": كان حُجَّة، ولا تضر الجهالة به؛ نظرًا لثبوت عدالتهم.\nهذا هو الحق؛ لأن من توفرت فيه شروط الرواية التي ستأتي\nوهي: - الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة - إذا روى\nخبرًا فإنه يغلب عندنا ظن صدقه، فيكون خبره حُجَّة.\nوذهب بعض العلماء - كأبي زيد الدبوسي - إلى أن العدل إذا\nقال: \" عن رجل من الصحابة \" لا يكون حُجَّة إلا بأحد الشروط\nالتالية:\nإما أن يعمل السلف بهذا الخبر الذي يرويه.\nأو ينتشر الخبر بين السلف، ويسكتوا عن ردة.\nفإن لم ينتشر فإن وافق القياس: عمل به، وإلا: فلا.","vol":"2","page":708},{"text":"جوابه:\nيجاب عن ذلك بأنا لو قلنا بأنه لا يقبل خبره إلا بأحد تلك\nالشروط، فلا داعي لاشتراط العدالة في الراوي؛ ولكن إذا توفر\nفي الراوي هذا الشرط - وهو العدالة - قد كفانا عن البحث عما\nيقوي الحديث.\n***\nالمسألة الثامنة: في شروط الراوي غير الصحابي:\nالراوي الصحابي يقبل خبره؛ لثبوت عدالته كما سبق بيان ذلك،\nأما الراوي غير الصحابي فلا يقبل خبره إلا إذا توفر فيه شروط هي\nكما يلي:\nالشرط الأول: أن يكون الراوي مسلما.\nفلا تقبل رواية الكافر في أمور الإسلام؛ لأن الكافر متهم بالدين\nغير مؤتمن على أي خبر يخص الشريعة الإسلامية، فخصومته\nللمسلمين وعداوته لهم في الدين يحمله على الكيد لهم والحرص\nعلى التدليس والتلبيس عليهم في دينهم؛ لأنه إنما أبغضهم من أجله،\nفهو لا يتحرج من الكذب على الرسول وتحريف دينه؛ ليبين للغير أن\nهذا الدين الإسلامي أضعف وأقل شأنا مما هو عليه، لذلك ليس من\nاللائق لمن عنده ولو ذرة من الحكمة والسياسة أن يقبل أيَّ شيء من\nالكافر مما يخص الأحكام الشرعية.\nالشرط الثاني: أن يكون الراوي بالغا.\nوهو من احتلم، أو أنبت من قبل، أو بلغ خمسة عشر سنة، أو\nجاء المرأة الحيض.","vol":"2","page":709},{"text":"أما الصبي - مطلقًا - المميز أو غير المميز - فلا تقبل روايته؟\nلأدلة ثلاثة هي كما يلي:\nالأول: أن الصبي لا يعرف اللَّه تعالى، وإذا كان كذلك فلا\nيخاف عقاب من لا يعرفه، ولا يرجو ثواب من يجهله، فيكون\nالصبي لا رغبة له في الصدق، ولا يوجد شيء يجعله يتجنب\nالكذب، فينتج عدم الثقة بخبره، فلا يقبل.\nالثاني: أن الصبي إذا أقر بشيء على نفسه فإنه لا يقبل، فإذا كان\nلا يقبل منه هذا مع أنه خاص بنفسه، فإنه من باب أوْلى أن لا يقبل\nخبره عن غيره.\nاعتراض على هذا:\nلقد اعترض بعضهم قائلًا: إن هذا الدليل مبني على القياس،\nوهو غير صحيح، وذلك لأن الأصل المقاس عليه لا نسلِّمه؛ حيث\nإن الصبي يقبل إذا أخبر عن نفسه، فإنه إذا أخبر أنه متطهر: قبل\nخبره، ويصح الاقتداء به في الصلاة.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه لا يلزم من قبول قوله في التطهر: قبول روايته،\nوذلك لأن الاحتياط والتحفظ في الرواية أشد منه في الاقتداء به في\nالصلاة، ولهذا صح الاقتداء بالفاسق عند ظن طهارته، ولا تقبل\nروايته وإن ظن صدقه.\nالثالث: قياس الصبي على الفاسق، بيانه:\nإذا كان الفاسق لأ تقبل روايته مع أنه يخاف اللَّه أحيانًا، فمن باب\nأَوْلى أن لا تقبل رواية الصبي؛ لأنه لا يخاف اللَّه تعالى في جميع\nالأوقات؛ حيث لا يعرف اللَّه حتى يخافه.","vol":"2","page":710},{"text":"الشرط التالث: أن يكون الراوي عاقلًا.\nفلا تقبل رواية المجنون مطلقًا - أي سواء كان جنونه مطبقًا أو لا -.\nواشترط كونه عاقلًا؛ لأمور ثلاثة هي:\nالأول: ليعلم بهذا العقل ما ينقل كيف هو.\nالثاني: ليميز بهذا العقل بين خبر الرسول - ﷺ - وخبر غيره.\nالثالث: ليعلم بهذا العقل قبح الكذب، وحسن الصدق.\nالشرط الرابع: أن يكون الراوي عدلًا.\nوالعدالة هي: هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة\nالتقوى والمروءة، حتى تحصل ثقة النفس بصدقه، ويتحقق ذلك\nباجتناب جميع الكبائر وهي: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حق،\nوقذف المحصن، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل\nمال اليتيم، وعقوق الوالدين، والإلحاد بالبيت الحرام، والغيبة\nوالنميمة على الراجح، وشهادة الزور.\nوباجتناب بعض الصغائر مما يدل فعله على نقص الدين وعدم\nالترفع عن الكذب مثل: التطفيف بحبة، وسرقة لقمة، ونحو ذلك.\nوباجتناب بعض المباحات التي يدل فعلها على نقص المروءة،\nودناءة الهمة مثل: الأكل في السوق، والإفراط في المزاح، والبول\nفي الشارع، وصحبة الأراذل، ونحو ذلك.\nوالضابط في ذلك: ظهور أمارة الصدق، وعدم ظهور أمارة\nالكذب، وهذا يختلف باختلاف المجتهدين.\nوعلى هذا لا تقبل رواية الفاسق، وقد أجمع العلماء على ذلك؟\nلدليلين:","vol":"2","page":711},{"text":"الدليل الأول: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد نهانا عن قبول ص الفاسق\nوالعمل به إلا بعد التثنت والتأكد من صحته، فلو كان خبر الفاسق\nمقبولًا لما أمرنا بالتثبت عن خبره.\nالدليل الثاني: أن الشخص إذا ثبت أنه فاسق، فإنه لا يتقي الله\nولا يخافه ولا يخشى عقابه، ولا يرجو ثوابه، - فهو - بهذا - لا\nنستبعد عنه الكذب، فلا نثق بقوله وخبره، والخبر الذي لا نثق به لا\nيقبل.\nولا بد من الكشف عن سبب التفسيق ليظهر إن كان يصلح سببا\nلذلك أو لا، كما سيأتي بيان ذلك في الجرح والتعديل إن شاء اللَّه.\nالشرط الخامس: أن يكون الراوي ضابطًا.\nأي: أن يكون الراوي يحفظ الخبر بإتقان دون تغيير أو تبديل.\nواشترط كونه ضابطًا لأنه إذا لم يضبط فإنه ينتج ما يلي:\nالأول: أنه يغير لفظ الخبر ومعناه، فيتغير بسبب ذلك الحكم\nالشرعي.\nالثاني: أنه يسقط من الخبر ما يحتاج إليه للاستدلال به على حكم\nمن الأحكام.\nالثالث: أنه يضيف إلى الخبر ما يفسد الاستدلال به.\nفإذا كان كذلك فلا تحصل الثقة بقوله ولا بخبره، وإن توفرت فيه\nالشروط السابقة وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والعدالة.\nولا يشترط - هنا - القطع بضبطه وإتقانه لما حفظه، بل المشترط:","vol":"2","page":712},{"text":"أن يكون ضبطه لما سمعه أرجح من عدم ضبطه، وذكره له أرجح من\nسهوه وغفلته مما يحصل غلبة الظن بصدقه فيما يرويه.\nأما إذا تساوى ضبطه مع عدمه، أو كان محدم ضبطه أرجح فلا\nتكون روايته مقبولة، لعدم حصول الظن بصدقه.\nأما إن جهل حاله في ذلك: فلا بد من اختباره وامتحانه.\nالمسألة التاسعة: شروط ظَنَّ بعضهم أنها تشترط في الراوي\nوهي ليست كذلك:\nلما ذكرنا الشروط المعتبرة في الراوي وهي: الإسلام، والتكليف،\nوالعدالة، والضبط: كان لا بد أن أذكر أن بعض العلماء ذكروا أشياء\nظنوا أنها تشترط وهي ليست كذلك، وفيما يلي بيانها:\nأولًا: اشترط بعض أهل الحديث كون الراوي معروف ومشهور\nالنسب.\nوهذا الشرط ليس بصحيح فيقبل خبر من توفرت فيه الشروط\nالأربعة السابقة، سواء عرفنا نسبه أو لم نعرف ذلك.\nدليل ذلك: أن العدالة هي السبب لعدم الكذب، وهي السبب\nلغلبة الظن بالصدق، فإذا توفرت العدالة في الراوي مع الإسلام\nوالضبط والتكليف: غلب على ظننا أنه صادق، وبناء عليه تقبل\nروايته، سواء علمنا نسبه أو لا، فليست معرفة النسب تفيد شيئًا،\nفلذلك لا ينظر إلى وجودها ولا إلى عدمها.\nثانيًا: اشترط بعض العلماء: كون الراوي فقيهًا مطلقًا.\nوقال آخرون: يشترط فقه الراوي إذا خالف خبره القياس.","vol":"2","page":713},{"text":"وهذا الشرط ليس بصحيح فيقبل خبر المسلم المكلف الضابط\nالعدل، سواء كان فقيهًا أو لا؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أوجب أن نتبين في حالة الفسق،\nوبناء عليه: لا يجب التبين في غير الفاسق سواء كان فقيهًا أو غير\nفقيه.\nالدليل الثاني: ما رواه زيد بن ثابت أن النبي - ﷺ - قال: \" نضر اللَّه امرءًا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه\nغير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه \".\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - دعا لمن سمع الحديث، وأداه كما سمعه دون تعديل ولا تبديل، سواء كان فقيهًا أو غير فقيه.\nالدليل الثالث: أن الاعتماد على خبر النبي - ﷺ -، فإذا أخبرنا العدل بذلك، فإن الظاهر منه أنه لا يروي إلا ما ثبت عنده على\nالوجه الذي سمعه، وخبر العدل يفيد الصدقَ، فوجب العمل به؛ العمل بالظن ؤاجب، وهذا مطلقًا سواء كان هذا الراوي العدل\nفقيهًا أو لا.\nثالثًا: اشترط بعضهم في الراوي: كثرة مجالسته للعلماء.\nوهذا الشرط ليس بصحيح؛ لأن بعض الصحابة - رضي الله\nعنهم - قد قبلوا رواية بعض الأعراب، والأعرابي - بحكم كثرة\nتنقله وترحاله - لا يجالس العلماء، فلم يفرقوا بين الراوي المكثر\nلمجالسة العلماء وبين غيره إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة\nالذكر.","vol":"2","page":714},{"text":"رابعًا: اشترط بعضهم في الراوي: كثرة روايته للأحاديث.\nوهذا الشرط ليس بصحيح؛ لأن بعض الصحابة - رضي الله\nعنهم - قد قبلوا خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثًا واحدًا\n- فقط - فلم يفرقوا بين من يروي حديثًا واحدًا، وبين من يروي\nالأحاديث الكثيرة إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة الذكر.\nخامسًا: اشترط بعضهم في الراوي: أن يكون الراوي مشاهدًا\nحال السماع منه.\nوهذا الشرط ليس بصحيح؛ فتقبل الرواية بشرط أن تتوفر شروط\nالراوي السابقة - وهي: الإسلام، والتكليف، والعدالة،\nوالضبط - وله آلة الأداء، وهذا مطلقًا أي: سواء رأى المخبر أو لم\nيره بشرط معرفته لصوته.\nدليل ذلك: إجماع الصحابة على قبول رواية عائشة - رضي الله\nعنها - فقد كانوا يسمعون حديثها وخبرها من ستر؛ اعتمادًا على\nصوتها، بدون رؤية شخصها، فهم في تلك الحالة كالعميان بالنسبة\nلعائشة.\nسادسًا: اشترط بعضهم: كون الراوي عالمًا باللغة العربية.\nوهذا الشرط ليس بصحيح، فيقبل خبر من توفرت فيه الشروط\nالسابقة مطلقًا، سواء كان عارفًا باللغة العربية أو لا.\nدليل ذلك أن جهله بمعنى الكلام لا يمنع من ضبطه للحديث،\nولهذا يمكنه حفظ القرآن الكريم وإن لم يعرف معناه.\nسابعًا: اشترط بعضهم: أن يكون الراوي ذكرًا.\nوهذا الشرط ليس بصحيح، فتقبل رواية كل من توفرت فيه","vol":"2","page":715},{"text":"الشروط السابقة - الإسلام، والتكليف، والعدالة، والضبط -\nسواء كان ذكرًا، أو أنثى، أو خنثى بدون فرق.\nدل على ذلك الأدلة التالية:\nالدليل الأول: الوقوع، حيث إن الصحابة - ﵃ -\nقد قبلوا أخبار وأقوال عائشة، وحفصة، وأم سلمة - رضي الله\nعنهن أجمعين - ولم ينكر ذلك أحد، إذ لو وقع الإنكار لبلغنا،\nولم يبلغنا شيء من ذلك، فصار إجماعًا منهم على قبول روياتهن.\nالدليل الثاني: أن النساء في الشهادة فوق الأعمى، وقد قبلت\nرواية الأعمى، فالمرأة أَوْلى.\nالدليل الثالث: أنه لو كان نقص الأنوثة مانعًا للمرأة من قبول\nروايتها لم يقبل قولها في الفتوى، ولكن قولها يقبل في الفتوى،\nفيقبل خبرها في الرواية قياسًا عليه.\nثامنًا: اشتراط بعض العلماء عدم القرابة، وعدم العداوة، قياسًا\nعلى الشهادة.\nوهذا الشرط ليس بصحيح، بل تجوز رواية الولد بما يعود منفعته\nإلى والده، ويجوز العكس، ويجوز أن يروي خبرًا يضر بعدوه،\nوينفعه مطلقًا.\nأي: لا يشترط في الرواية عدم القرابة بين الراوي وبين من ينفعه\nمضمون الحديث الذي رواه، ولا تشترط في الرواية عدم العداوة بين\nالراوي وبين من يضره مضمون الحديث الذي رواه، بل تقبل رواية\nكل واحد إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة.\nدليل ذلك: أن الرواية تختلف عن الشهادة، ووجه الاختلاف:\nأن حكم الرواية عام، وأن الشهادة خاصة، بيان ذلك:","vol":"2","page":716},{"text":"أن الحديث عام في حق الكل يلزم الراوي، والمروي له،\nوغيرهما، فلا يختص بواحد معين، فالتهمة معدومة حتى تكون\nالعداوة، أو القرابة، أو الصداقة مؤثرة فيه بنفي أو إثبات، بخلاف\nالشهادة، فإنها مختصة بالمشهود له أو عليه نفعا أو ضرًا.\n***\nالمسألة العاشرة: حكم رواية الكافر المتأوِّل:\nالكافر الخارج عن الإسلام كاليهودي، والنصراني، لا تقبل\nروايته، وقد سبق بيان ذلك:\nأما الكافر المتأوِّل، وهو المسلم الذي فعل بدعة كفَّره بها أهل\nالسُّنَّة والجماعة، وهو يعلم بهذا التكفير أو لا يعلم، فهل هذا تقبل\nروايته إذا توفرت فيه شروط الراوي؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: التفصيل بين من يدعو لبدعته، فلا يقبل خبره،\nوبين من لم يدع إلى بدعته فيقبل.\nذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وكثير من العلماء.\nوهو الحق عندي، فلا يقبل خبر من يدعو إلى بدعته؛ لأنه لا\nيؤمن أن يضع حديثا يوافق تلك البدعة ويقويها، فأثر ذلك في صدقه.\nويقبل خبر من لا يدعو إلى بدعته - التي كفر بسببها -؛ لأن\nالراوي الذي توفرت فيه شروط الرواية الذي أخطأ بتأويل: قد أمن\nجانبه، وهذا يقوي الظن لصدقه، وإذا ثبت ذلك، فإن خبره\nمقبول.","vol":"2","page":717},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يقبل خبر الكافر المتأوِّل مطلقًا أي: سواء\nكان داعية أو لا.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن علماء الأُمَّة قد أجمعت\nعلى ردِّ خبر الكافر، ولا فرق بين كافر وكافر، فإن الكافر الذي لم\nيؤمن بنبينا محمد - ﷺ - كاليهودي والنصراني أيضًا متأوِّل، فهو لا يعلم أنه كافر، بل يزعم أنه هو الذي على حق وغيره على باطل،\nوأما الذي ليس بمتأول وهو: المعاند بلسانه بعد معرفته للحق بقلبه،\nفذلك مما يندر وجوده.\nوتورع الكافر المتأول عن الكذب كتورع النصراني واليهودي بلا\nفرق، فلا يقبل أي خبر يأتي به أي واحد منهما.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن العلماء قد أجمعوا على ردِّ خبر من كفر لا\nبتأويل، بل ابتغى غير الإسلام دينًا، أما المتمسك بالإسلام، ولكن\nفعل بدعة كُفِّر من أجلها - فقط - وثبت أنه لا يدعو إلى بدعته ولا\nينشرها، وتوفرت فيه شروط الراوي السابقة، فإن هذا معظم للدين\nالإسلامي، ممتنع عن المعصية، فهذا يؤمن جانبه، وإذا أمن جانبه\nترجح صدقه، وإذا ترجح صدقه قبل خبره فيما لا. يخص بدعته.\nفبان أن هذا يفارق الكافر بنبينا محمد - ﷺ - كاليهودي والنصراني؛ حيث إن هذا يحتقر الدين الإسلامي ويعتقد بطلانه، فالحكمة\nوالسياسة تمنع قبول أي شيء منه، كما بيَّنا فيما سبق.","vol":"2","page":718},{"text":"المسألة الحادية عشرة: حكم رواية الفاسق المتأوِّل:\nلقد سبق بيان أن الفاسق بعمل الجوارح لا تقبل روايته،\nأما الفاسق المتأول، وهو الذي فعل بدعة فسِّق بسببها، وقد يعلم بذلك\nالتفسيق، وقد لا يعلم، فهل هذا تقبل روايته إذا توفرت فيه شروط\nالراوي؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: التفصيل بين من يدعو إلى بدعته فلا يقبل، وبين\nمن لا يدعو إلى بدعته فيقبل.\nذهب إلى ذلك أكثر العلماء.\nوهو الحق، فلا يُقبل خبر من يدعو إلى بدعته، لأنه لا يؤمن أن\nيضع خبرًا يوافق تلك البدعة، فأثرت تلك الريبة في صدقه،\nفترجح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من الأخبار.\nويُقبل خبر من لا يدعو إلى بدعته - التي فسِّق بسببها -؛ لأمرين:\nأولهما: أن الراوي الذي توفرت فيه شروط الراوي الذي أخطأ\nبتأويل، إذا كان لا يجوِّز الكذب، وهو يعتقد أنه على حق قد أمن\nجانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه فيقبل خبره.\nثانيهما: أن السلف من الصحابة والتابعين وقع بينهم اختلاف في\nكثير من المسائل، وكل واحد يعتقد أنه على حق وغيره على خطأ،\nومع ذلك قبل بعضهم أخبار بعض.\nالمذهب الثاني: أن الفاسق المتأول لا يقبل خبره مطلقًا.","vol":"2","page":719},{"text":"ذهب إلى ذلك الإمام مالك، والباقلاني، والآمدي، وكثير من\nالمعتزلة.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقياس الفاسق المتأول على الفاسق\nغير المتأول، وهو الفاسق بأفعال الجوارح، بيانه:\nأنه لا فرق بين فسق وفسق، فإن خبر من فسَق بأفعال الجوارح قد\nرُدَّ لأجل الفسق، وقد وجد سبب الرد هذا في الفسق في الاعتقاد.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا القياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق،\nووجه الفرق: أنا لم نقبل خبر من فسق بأفعال الجوارح \" لأن هذا\nالفاسق يفعل المعصية، وهو يعلم أنه فسق بسببها، ومن يفعل ذلك،\nفإنه يوصف بالاستهتار وعدم المبالاة في الدين، وهذا لا يؤمن أن\nيقدم على الكذب، فأثر ذلك في قوة الظن بصدقه.\nأما الفاسق المتأول، فإنه أوَّل ما هو عليه من بدعة وهو يظن أنه\nعلى حق، في حين أنه لا يجوِّز الكذب، فلهذا قوي الظن بصدقه،\nفقبل خبره.\nالمسألة الثانية عشرة: إذا سمع الصبي الخبر، وأدَّاه بعد البلوغ\nفهل يقبل؟\nلقد سبق بيان أن الصبي إذا سمع الخبر قبل البلوغ، وأدى ما\nسمعه قبل البلوغ - أيضًا - فإنه لا يقبل خبره مطلقًا.","vol":"2","page":720},{"text":"أما إذا سمع الخبر وهو صبي وتحمَّله قبل البلوغ، وكان مميزًا\nضابطًا لذلك الخبر، لكنه لم يؤده ولم يخبر به إلا بعد البلوغ\nوظهور رشده في دينه، فإن خبره مقبول؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة والسلف على قبول أخبار وروايات\nأصاغر الصحابة - وهم الذين توفي النبي - ﷺ - وهم لم يبلغوا - كابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن جعفر، والنعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين،\nوغيرهم من أحداث الصحابة - ﵃ أجمعين - فقُبل منهم\nكل خبر يروونه من غير تفريق بين ما تحملوه في حالة الصبا، وما\nتحملوه بعد البلوغ.\nالدليل الثاني: أن السلف والخلف قد درجوا على إحضار الصبيان\nمجالس سماع الأحاديمث والأخبار، ولو كان خبر الصبي غير مقبول\nإذا أداه وهو بالغ لما كان لإحضاره في هذه المجالس وهو صبي فائدة،\nفثبت أن فائدة إحضارهم لصبيانهم - تلك المجالس هي: قبول تلك\nالأخبار اِذا أدوها بعد البلوغ.\nالدليل الثالث: قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك:\nأنه مع أن العلماء يحترزون في الشهادة أكثر من الرواية، فقد\nأجمعوا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ إذا شهد به\nبعد البلوغ، فإنه مقبول، فالرواية أَوْلى بالقبول، أي: إذا جاز أن\nيتحمل الشهادة صبيًا، ويشهد بها بعد البلوغ، فمن باب أَوْلى جواز\nتحمل الرواية في حالة الصبا وأداءها بعد البلوغ؛ لأن الشهادة يحترز\nمنها أكثر من غيرها.","vol":"2","page":721},{"text":"المسألة الثالثة عشرة: حكم رواية مجهول الحال في العدالة:\nإذا روى لنا شخص حديثًا وهو مجهول الحال عندنا في الشروط\nالثلاثة وهي: الإسلام، والتكليف، والضبط، أي: لا نعرف أنه\nمسلم أو كافر، ولا نعلم عنه أنه مكلف أو غير مكلف، ولا نعلم\nعنه أنه يضبط أو لا، فإن هذا لا نقبل حديثه ولا نعمل به.\nأما إذا كنا نعلم أنه مسلم، ومكلَّف، وضابط، ولكننا لا نعلم\nهل هو عدل أو فاسق؛ فقد اختلف العلماء في قبول خبره على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أن خبر مجهول الحال في العدالة غير مقبول.\nوهو مذهب الجمهور.\nوهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قياس مجهول الحال في العدالة على مجهول الحال\nفي الإسلام والتكليف والضبط، بيان ذلك:\nأننا إذا شككنا في الشخص هل هو مسلم أو لا، أو هل هو\nمكلف أو لا، أو هل هو ضابط أو لا، فإن خبره لا يقبل بالاتفاق،\nفكذلك إذا شككنا في الشخص هل هو عدل أو فاسق لا تقبل\nروايته وخبره، ولا فرق، والجامع: أنه لم يثبت شرط قبول\nالرواية، وإذا تخلف الشرط، فلا بد أن يتخلف المشروط، وهو\nالقبول كالطهارة في الصلاة إذا لم توجد الطهارة فإن الصلاة لا\nتصح، كذلك هنا.\nالدليل الثاني: أن هناك ثلاثة أشخاص: \" عدل \"، و\" فاسق \"\nو\" مجهول الحال \"، أما العدل فقد ثبت أنه مقبول الرواية،","vol":"2","page":722},{"text":"أما الفاسق فقد ثبت أنه غير مقبول الرواية، أما مجهول الحال - وهو\nالذي لم نعرف عنه عدالة ولا فسقًا - فلم يثبت أنه عدل، ولم يثبت\nأنه في معنى العدل حتى يقاس على العدل، فإذا كان مجهول الحال\nليس بعدل، ولا هو في معنى العدل، فقد انتفى فيه شرط من أهم\nشروط الراوي، وهو: \" العدالة \"، وإذا انتفى الشرط فقد انتفى\nالمشروط - وهو قبول روايته - فثبت أنه غير مقبول الرواية.\nالدليل الثالث: قياس مجهول العدالة في الرواية على مجهول\nالعدالة في الفتوى، بيان ذلك: أن المفتي إذا بلغ درجة الاجتهاد\nوشُك في عدالته، أي: لا يعلم هل هو عدل أم فاسق؛ فإن هذا\nالشك منع من قبول فتواه.\nفكذلك الراوي الذي شك السامع في حاله، فلم تثبت عنده\nعدالته ولا فسقه، يجب أن يكون هذا الشك مانعًا من قبول روايته\nوخبره، والجامع: أن كلا منهما يحكي حكمًا شرعيًا يعمل به، إلا\nأن المفتي يحكيه عن اجتهاد نفسه واستنتاجه من الأدلة المعتبرة،\nوالراوي يحكي ذلك الحكم عن غيره بصورة خبر.\nالدليل الرابع: قياس مجهول العدالة في الرواية على مسألة\nالشهادة على الشهادة، بيان ذلك:\nأنه لا تقبل شهادة الفرع - وهو زيد مثلًا - إلا إذا عيَّن زيد شاهد\nالأصل - وهو عمرو مثلًا - وعرَّفه إن كان الحاكم يجهل عمرو.\nفهنا: يجب تعيين والتعريف بشاهد الأصل.\nفلو كان قول مجهول الحال مقبولًا فلأي غرض وجب تعيين شاهد\nالأصل والتعريف به؛","vol":"2","page":723},{"text":"ولا جواب عن ذلك إلا أن يقال: لم يجب تعيين شاهد الأضل\nإلا للتأكد من عدالته، فإن كان عدلًا قبلت شهادته، وإن كان فاسقاَ\nأو مجهولاَ رُدَّت شهادته، وبناء عليه لا تقبل شهادة الفرع.\nفكذلك مجهول العدالة في الرواية لا يقبل خبره حتى نتأكد من\nعدالته قياسًا على مجهول الحال في مسألة الشهادة على الشهادة.\nالمذهب الثاني: أن خبر مجهول الحال في العدالة يقبل.\nذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض الشافعية كابن فورك،\nوسليم الرازي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن ابن عباس - ﵄ - روى أن أعرابياَ\nجاء إلى النبي - ﷺ -، فقال: رأيت الهلال قال: \" أتشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنَّ محمدًا عبده ورسوله \"؛ فقال: نعم، قال: \" يا بلال،\nأذن في الناس فليصوموا غدًا \".\nوجه الدلالة: أن - ﷺ - قبل شهادة هذا الأعرابي في رؤية\nهلال شهر رمضان، وهو لا يعرف عنه إلا كونه مسلمًا، ولم يعلم\nمنه عدالة ولا فسقًا، فإذا قبل شهادته فمن باب أَوْلى أن يقبل خبره؟\nنظرًا لأنه يحترز بالشهادة أكثر من الرواية.\nجوابه:\nيجاب عنه بأنكم لم تثبتوا دليلًا على أن النبي - ﷺ - قد قبل شهادة ذلك الأعرابي، وهو لا يعلم عن عدالته شيئًا، فقولكم هذا مجرد\nدعوى لا دليل عليها.","vol":"2","page":724},{"text":"بل إن الظاهر أن - ﷺ - لم يقبل شهادته إلا لكونه عدلًا؟\nلوجهين:\nالوجه الأول: أن الصحابة كلهم عدول بتعديل اللَّه لهم، حيث\nقال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)، وبتعديل رسوله - ﷺ -، حيث قال: \" إن اللَّه اختارني واختار لي أصحابًا وأصهارًا \"، ونحو ذلك من النصوص، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل.\nفلذلك لا يشك بعدالة أي صحابي.\nالوجه الثاني: أن زمن - ﷺ - كانت الخيانات قليلة، والخبث والكذب نادرًا، والقلوب صافية، فكان الظاهر من المسلمين\nالعدالة، فلذلك قبل شهادته، فأما في زماننا فقد كثرت فيه الخيانات\nمن المسلمين، فليس الظاهر من السلم كونه عدلًا.\nوبذلك ثبت أن - ﷺ - لم يقبل خبر مجهول الحال في العدالة، وإنما قبله؛ لأن ظاهره العدالة.\nالدليل الثاني: اتفق الصحابة - ﵃ - على قبول\nروايات وأخبار العبيد، والنساء، والأعراب؛ مع أنه لا يعرف عنهم\nإلا الإسلام فقط، ولم ينقل أن أحدًا من الصحابة أنكر قول أو خبر\nأيّ واحد من هؤلاء، فصار إجماعا سكوتيا.\nجوابه:\nيجاب عنهم بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ هذا على إطلاقه، فإن الصحابة - رضي\nالله عنهم - كانوا يقبلون رواية العبيد، والنساء، والأعراب الذين\nكانوا يعرفونهم بالعدالة والضبط والثقة كزوجات النبي - ﷺ -، وزوجات أصحابه، وإمائهم، وعبيدهم، وبعض الأعراب.","vol":"2","page":725},{"text":"أما الذين لا يعرفون عنهم شيئًا، فقد ثبت أنهم لا يقبلون منهم\nشيئًا من الأخبار، كما رد عمر بن الخطاب - ﵁ - خبر\nفاطمة بنت قيس في السكنى والنفقة، وكما رد عليّ - رضي الله\nعنه - خبر معقل بن سنان الأشجعي في المفوضة، وكان - أي:\nعليّ بن أبي طالب - إذا روى له أحد خبرًا يستحلفه إلا أبا بكر،\nفإنه إذا حدَّثه لا يستحلفه لكونه عدلًا عنده.\nالجواب الثاني: سلمنا أن الصحابة كانوا يقبلون روايات العبيد،\nوالنساء، والأعراب مطلقًا؛ وذلك لأن كل من عاش في عصر النبي\n- ﷺ - ورآه، وهو مؤمن به فهو صحابي، والصحابة كلهم عدول، فثبت أنه قبلت أخبارهم لكونهم عدولًا، لا لكونهم مجهولين.\nالدليل الثالث: أن المسلم مجهول العدالة إذا أخبر بخبر يخص\nأحكامًا شرعية معينة: فإنه يقبل خبره كأن يخبر بأن هذا الماء طاهر،\nأو يخبر بأنه نجس، أو أخبر بأنه متطهر، أو أخبر بأن هذه الجارية\nالتي عرضها للبيع ملكه، وأنها خالية عن زوج، فإنه يقبل خبره في\nتلك الحالات فيترتب على ذلك أحكام شرعية: فيجوز - بناء على\nالقبول - في الحالة الأولى: صحة الوضوء من الماء الذي أخبر بأنه\nطاهر، ويجوز - في الحالة الثانية - اللجوء إلى التيمم وترك الماء\nالذي أخبر بأنه نجس، ويجوز - في الحالة الثالثة - كونه إمامًا لغيره\nويحل وطء الجارية التي أخبر أنها ملكه وأنها خالية عن زوج في\nالحالة الرابعة.\nفإذا قبلت منه هذه الأخبار السابقة في الأحكام الشرعية، فما\nالمانع من قبول قوله فيما يرويه عن غيره؛ إذ لا فرق بينهما،\nوالجامع: أن الكل يعمل به.","vol":"2","page":726},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأن قياس الرواية على ما ذكرتموه من الصور قياس\nفاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الرواية عن النبي\n- ﷺ - أعلى رتبة، وأشرف منصبًا، وأعم خطرًا من الأخبار فيما ذكرتموه من الصور، فلا يلزم من القبول مع الجهل بحال الراوي\nوالمخبر فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما.\nالمسألة الرابعة عشرة: في تعديل الراوي وتجريحه:\nلقد بيَّنا فيما سبق أن العدالة من أهم شروط الراوي، وبيَّنا حقيقة\nالعدالة، وفي هذه المسألة سنبين حقيقة التعديل والتجريح، والأمور\nالتي يحصل بها التعديل، وهل يشترط العدد فيه، وحكم تعديل\nالعبد والمرأة، وذكر سبب التعديل والجرح، ونحو ذلك مما يتعلق\nبالتعديل والتجريح فأقول:\nأولًا: بيان حقيقة التعديل والتجريح:\nالتعديل هو: أن يوصف المسلم المكلَّف الضابط بملازمة التقوى\nوالمروءة، فينسب إليه فعل الخير والعفة، والتدين بفعل الواجبات،\nوترك المحرمات، والشبهات، وكل شيء يجعلنا نحكم بأن هذا\nالشخص يتحرى الصدق، ويتجنب الكذب مما يؤدي بنا إلى قبول\nقوله شرعًا.\nأما التجريح فهو ضد التعديل، أي: أن ينسب إلى ذلك\nالشخص ما يرد لأجله قول من فعل معصية، أو ارتكاب ذنب،\nونحو ذلك مما يخل بالعدالة مما يجعلنا نظن ظنًا غالبا بأن هذا\nالشخص لا يتحرى الصدق.","vol":"2","page":727},{"text":"ثانيا: الأمور التي يحصل بها تعديل الراوي هي كما يلي:\nالأمر الأول: التعديل بالحكم بشهادته إذا علمنا أنه حكم بتلك\nالشهادة.\nفإذا حكم الحاكم العدل بشهادة الراوي فإنه يدل على أن هذا\nالراوي عدل عنده.\nوهذا الأمر هو أقوى الأمور التي يحصل بها تعديل الراوي، لذا\nقدمناه على التزكية والتعديل بالقول؛ لأن الحكم بشهادته استلزم\nالقول وتضمنه، أما التعديل بالقول - وهو قوله: هو عدل رضي\nكما سيأتي - فهو قول مجرد لم يتضمن الحكم بشهادته، فيكون\nالحكم بشهادته قولًا وزيادة.\nالأمر الثاني: التعديل بالقول، وهو على مراتب:\nالمرتبة الأولى: أن يقول المعدِّل: \" عدل رضي \" مع ذكر السبب.\nالمرتبة الثانية: أن يقول المعدِّل: \" عدل رضي \" مع عدم ذكر\nالسبب.\nوهذه المرتبة - أعني الثانية - تتفاوت في القوة، فأعلاها قوة: أن\nيكرر اللفظ فيقول: \" هو عدل عدل \"، أو \" ثقة ثقة \"، أو \" ثقة\nعدل \"، أو \" ثقة ثبت \"، أو \" ثقة حُجَّة \"، أو \" ثقة حافظ \"،\nأو \" ثقة ضابط \".\nوأدناها: أن يذكر اللفظ بدون تكرار فيقول: \" هو عدل \"، أو\n\"ثقة\".\nالمرتبة الثالثة: أن يقول المعدِّل: \" هو صدوق \"، أو \" مأمون \"،\nأو \" خيار \".","vol":"2","page":728},{"text":"المرتبة الرابعة: أن يقول المعدِّل: \" محله الصدق \"، أو \" رووا\nعنه \"، أو \" صالح الحديث \"، أو \" حسن الحديث \"، أو \" أرجو\nأن ليس به بأس \"، ونحو ذلك.\nالأمر الثالث: أن يعمل العدل الثقة بخبر ذلك الشخص، فهذا\nيعتبر تعديلًا لذلك الشخص بشرط: أن نعلم يقينًا أن العدل لم يعمل\nإلا بخبر ذلك الشخص.\nأي: أن نعلم أنه لا مستند للعمل إلا ذلك الخبر الذي رواه ذلك\nالشخص، فهذا يعتبر تعديلًا لذلك الشخص، لأن عمله بخبر ذلك\nالشخص يدل على ثبوت عدالة ذلك الشخص، فلو لم يدل على\nثبوت عدالته عند العامل - وهو الثقة العدل - للزم من ذلك أن\nيكون ذلك العامل قد عمل بذلك الخبر بدون ثبوت عدالة المروي عنه\nعنده، ولو ثبت ذلك - وهو: أنه عمل بذلك الخبر بدون ثبوت\nعدالة المروي عنه عنده - لثبت فسق ذلك العامل؛ لأنه عمل بخبر\nمن لم تثبت عدالته عنده، وفي ذلك تلبيس وتدليس على الأُمَّة \"\nحيث إن عمله بذلك الخبر يوهم بعدالة المروي عنه، والحقيقة ليست\nكذلك.\nأما إذا انتفى الشرط بأن لم نعلم يقينًا - أن ذلك العدل الثقة لا مستند\nله في العمل إلا ذلك الخبر، فإن العمل بذلك الخبر لا يكون تعديلًا\nللمروي عنه؛ لاحتمال أن يكون قد عمل به احتياطًا، أو أنه عمل\nبدليل آخر وافق روايته، وإذا تطرق الاحتمال يبطل الجزم.\nهذا هو الحق.\nوبعض العلماء لا يرى ذلك الشرط، فقال: إن عمل العدل الثقة","vol":"2","page":729},{"text":"بخبر شخص يعتبر تعديلًا لذلك الشخص مطلقًا؛ لأنه لم يعمل\nبذلك الخبر عند رواية الراوي له إلا لكون الراوي عنده عدلًا.\nوبعض العلماء ذهبوا إلى أن عمل العدل الثقة بخبر شخص لا\nيعتبر تعديلًا لذلك الشخص مطلقًا؛ لوجود الاحتمال.\nوالحق هو ما قلناه؛ لما ذكرنا من التعليل، وفيه الجواب عما ذكره\nالآخرون.\nثالثًا: رواية العدل عن غيره هل تعتبر تعديلًا له؟\nلقد اختلف العلماء على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن رواية العدل عن غيره لا تعتبر تعديلًا لذلك\nالغير مطلقًا.\nذهب إلى ذلك الماوردي، والروياني، وأبو الحسين القطان،\nوصحَّحه ابن الصلاح، والقاضي أبو بكر، وابن حزم، والخطيب\nالبغدادي، وهو مذهب أكثر أهل الحديث وأكثر الشافعية والمالكية،\nوهو رواية عن الإمام أحمد.\nوهو الصحيح عندي؛ لأمرين:\nأولهما: أن بعض الأئمة قد رووا عن العدل وغير العدل، وإذا\nكان الأمر كذلك فقد وجد الاحتمال - وهو احتمال أن يكون عدلًا أو\nغير عدل - وليس أحدهما أَوْلى من الآخر، فيجب التوقف فيه حتى\nيأتي دليل وقرينة تبين عدالة المروي عنه.\nثانيهما: أنه قد يكون هذا الشخص عدلًا عند الراوي، وليس\nعدلًا عند غيره، فيجب التأكد.\nالمذهب الثاني: أن رواية العدل عن غيره تعديل لذلك الغير مطلقًا.","vol":"2","page":730},{"text":"ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، واختاره أبو يعلى في\n\" العدة \"، وتلميذه أبو الخطاب في \" التمهيد \"، وهو مذهب بعض\nالشافعية.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن العدل يتحرج أن يُحدِّث\nعمن يعلم كذبه أو فسقه؛ لأن ذلك يفضي إلى الكذب على رسول اللَّه - ﷺ -، فلما حدَّث عنه وروى عنه ظهر لنا أنه قد عرف عدالته.\nجوابه.\nيجاب عنه: بأن هذا المحدث عنه يجوز أن يكون عدلًا وعند غيره\nليس بعدل، أو مجهول الحال، وهو لا يجيز الرواية عن مجهول\nالحال.\nالمذهب الثالث: التفصيل: بيانه:\nإن عرفنًا أدن من عادة هذا الراوي العدل الثقة أنه لا يروي إلا عن\nعدل: إما بصريح قوله بأنه لا يروي إلا عن عدل، وإما لمعرفتنا من\nمذهبه أنه لا يجوز الرواية إلا عن العدل: فإن روايته عن ذلك\nالشخص تعتبر تعديلًا لذلك الشخص.\nأما إذا عرفنا أن من عادة هذا العدل الثقة أنه يروي عن العدل،\nوعن غير العدل، فلا تعتبر روايته تعديلًا للشخص المروي عنه.\nذهب إلى ذلك كثير من الشافعية كالغزالي، والرازي،\nوالآمدي، والهندي، وبعض المالكية كابن الحاجب، والمازري،\nوبعض الحنفية كابن الهمام، وابن عبد الشكور، وبعض الحنابلة\nكابن قدامة.","vol":"2","page":731},{"text":"جوابه:\nيجاب عن هذا بأن يقال: يجوز أن يكون هذا الشخص المروي\nعنه عدلًا عند هذا الراوي، وليس عدلًا عند غيره، أو هو مجهول\nالحال، وهو لا يجيز الرواية عن مجهول الحال.\nرابعًا: الاستفاضة هل تعتبر في التعديل؟\nإذا اشتهر شخص بين طائفة من الناس بالعدالة والثقة، وشاع\nالثناء عليه بينهم فهل يعتبر ذلك تعديلًا له؟\nالحق عندي: أن الاستفاضة لا تكون من الأمور التي يحصل بها\nالتعديل؛ لأن الشخص قد شاع عنه أنه عدل وثقة، وما أشاع ذلك\nإلا أنصاره وأتباعه، ومن لهم فيه مصلحة، فإذا تحققنا من الأمر\nودققنا فيه بأن خلاف ذلك، لذلك يقتصر في التعديل على الأمور\nالثلاثة التي يحصل التعديل بها وقد سبقت؛ لما فيها من الاحتياط.\nوذهب بعض العلماء: إلى أن الاستفاضة تعتبر في التعديل.\nنسب هذا إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، وقال ابن الصلاح:\nهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي.\nدليل هذا: أن العلم بذلك من الاستفاضة أقوى من تعديل واحد\nواثنين يجوز عليهما الكذب.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن تعديل الشخص الواحد الموصوف بالعدالة والثقة\nأقوى من تعديل طائفة كثيرة لم يوصفوا بالعدالة، أو قد يكونوا\nمجهولين الحال.","vol":"2","page":732},{"text":"خامسا: ترك الحكم بشهادة الراوي هل يعتبر جرحا للراوي؟\nلقد قلنا: إن الحاكم العدل إذا حكم بشهادة الراوي، فإنه يدل\nعلى أن الراوي عدل عنده، لكن إذا لم يحكم الحاكم بشهادة\nالراوي - ولم يعمل بها، فهل هذا يعتبر جرحًا للراوي فلا تقبل\nروايته؟\nالحق: أن هذا لا يعتبر جرحًا في الراوي، فلا يلزم من عدم\nقبول شهادته عدم قبول روايته؛ لأن الحاكم قد يتوقف في الحكم\nبشهادة الراوي لأسباب غير الجرح، وذلك لأن الشهادة والرواية\nتشتركان في شروط الراوي الأربعة السابقة الذكر - وهي: الإسلام،\nوالتكليف، والعدالة، والضبط -.\nوانفردت الشهادة في أمور - غير معتبرة في الرواية - منها: عدم\nالقرابة، والحرية، والذكورية، والبصر، والعدد، والعداوة،\nوالصداقة، فهذه تؤثر في الشهادة، ولا تؤثر في الرواية، لذلك\nتقبل رواية القريب بما ينفع قريبه، وتقبل رواية العبد والمرأة إلى غير\nذلك - كما سبق بيانه -.\nفهنا يحتمل أن الحاكم العدل ترك الحكم بشهادته لسبب غير الفسق\nكعداوة، أو تهمة قرابة، أو صداقة، فيكون ترك شهادة الراوي\nلواحدٍ من تلك الاحتمالات، لا لانتفاء العدالة، إذن: لا يحكم\nعليه بالجرح والتفسيق مع وجود تلك الاحتمالات.\nسادسًا: هل يشترط العدد في التعديل والتجريح؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط العدد في التعديل والتجريح، بل","vol":"2","page":733},{"text":"يكفي في مسائل الجرح والتعديل واحد ليس من عادته أن يتساهل في\nالتعديل أو يبالغ في الجرح، فلو عدَّل شخص عارف بأمور التعديل\nراويًا من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونقبل رواية الراوي المعدَّل،\nوكذا لو جرح شخص عارف بأمور الجرح راويًا من الرواة، فإنا\nنسمع منه ذلك ونرد رواية ذلك الراوي المجرح.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الصحيح عندي؛ لأن العدالة شرط من شروط قبول الرواية،\nوالشرط لا يزيد في إثباته على مشروطه، أي: أن شرط الشيء لا\nيزيد على أصله، ومعروف أن الأصل - وهو الرواية - يكفي فيه\nواحد، فتعديل الراوي وتجريحه تبع للرواية وفرع لها؛ لأنه إنما يراد\nلأجلها، فإذا كانت الرواية يكفي فيها راو واحد، فكذا ما هو تبع\nوفرع لها.\nفلو قلنا: تقبل رواية الواحد، ولا يكفي في تعديله وتجريحه إلا\nاثنان لزاد الفرع على أصله، وزيادة الفرع على الأصل مخالف\nلقواعد الشريعة.\nففي هذا: قياس التعديل والجرح على الرواية، وهو واضح.\nالمذهب الثاني: أن العدد مشترط في التعديل والتجريح.\nذهب إلى ذلك ابن حمدان من الحنابلة، وأكثر فقهاء المدينة كما\nحكاه عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني.\nدليل هذا المذهب:\nلقد استدل أصحاب هذا المذهب بقياس التعديل والتجريح على\nالشهادة؛ وذلك لأنه يشترط في تعديل الشاهد أو جرحه اثنان،","vol":"2","page":734},{"text":"فكذلك الرواية يشترط في تعديل الراوي أو جرحه اثنان، فكان\nالعدد معتبرًا فيهما معًا.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا قياس مع الفارق فلا يصح، وذلك لافتراق\nأصل الشهادة عن أصل الجرح والتعديل، بيان ذلك:\nأنه لا يقبل في تعديل الشاهد، أو جرحه إلا اثنان، ولا يكتفى\nبواحد، وذلك لأن الأصل - وهي الشهادة - يشترط فيه اثنان،\nفالفرع مثل ذلك يشترط فيه اثنان.\nأما الرواية فتختلف عن ذلك فيقبل في تعديل الراوي أو جرحه\nواحد، وذلك لأن الأصل - وهي الرواية - لا يشترط العدد فيه\nفيكفي فيه واحد، فالفرع - وهو جرح الراوي أو تعديله - مثل ذلك\nلا يشترط.\nأي: كما أن العدد لا يشترط في قبول الخبر، فلا يشترط في\nجرح وتعديل راوي الخبر.\nالمذهب الثالث: الفرق بين تعديل الراوي فيقبل من واحد، وبين\nتجريحه فلا يقبل إلا من اثنين.\nنسب هذا إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، واختاره بعض الحنفية،\nومنهم الكمال بن الهمام.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا التفريق بينهما لا دليل عليه صحيح، وما لا\nدليل عليه فلا يعوَّل عليه، ثم إنه لا فرق بينهما فيما يؤول إليه الأمر.","vol":"2","page":735},{"text":"سابعًا: حكم تعديل العبد للراوي:\nالحق: أن تعديل العبد للراوي مقبول، وبناء على ذلك تقبل\nرواية من عدَّله ذلك العبد؛ قياسًا على روايته للخبر، بيانه:\nأنه كما أن رواية العبد للخبر مقبولة، فكذلك تعديله لراوي الخبر\nمقبول، ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما خبر يجب فيه الصدق.\nثامنًا: حكم تعديل المرأة للراوي:\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن تعديل المرأة للراوي مقبول.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق، لدليلين:\nالدليل الأول: أن النبي - ﷺ - سأل بريرة - ﵂ - عن حال عائشة أم المؤمنين - في قصة الإفك - حيث قال النبي - ﷺ - لبريرة: \" هل علمت على عائشة شيئًا يريبك؛ أو رأيت شيئًا تكرهينه؟\n\" قالت: أحمي سمعي وبصري، عائشة أطيب من طيب الذهب.\nوجه الدلالة: أنه لو لم يكن تعديل المرأة مقبولًا لما سأل الرسول\n- ﷺ - بريرة عن عائشة، وهذه هي فائدة سؤاله، ولو لم نقل ذلك لكان سؤاله لا فائدة فيه ويكون لغوًا، وهذا لا يمكن.\nالدليل الثاني: القياس على روايتها للخبر، بيانه:\nأنه كما أن رواية المرأة للخبر مقبولة، فكذلك تعديلها لراوي الخبر\nمقبول، ولا فرق بينهما، والجامع: أن كلًّا منهما خبر يجب فيه\nالصدق.\nالمذهب الثاني: أن تعديل المرأة للراوي لا يقبل.","vol":"2","page":736},{"text":"حكي هذا المذهب عن كثير من فقهاء المدينة.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بالقياس على الشهادة، بيان ذلك:\nأنه كما أن تعديل المرأة وتزكيتها للشاهد لا يقبل، فكذلك تعديلها\nللراوي لا يقبل ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما خبر يجب فيه الصدق.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، بيانه:\nأنه لا يقبل تعديل المرأة للشاهد، وذلك لأن الأصل - وهي\nالشهادة - لا تقبل فيها المرأة، فالفرع - وهو تعديل الشاهد - مثله.\nأما الرواية فبخلاف ذلك: فيقبل تعديل المرأة للراوي، وذلك لأن\nالأصل - وهي الرواية - يقبل فيه رواية المرأة، والفرع - وهو تعديل\nالراوي - مثله.\nتاسعًا: الجارح والمعدِّل هل يلزمهما ذكر سبب التعديل والجرح؟\nلقد اختلف العلماء في هذا على مذاهب:\nالمذهب الأول: يلزم الجارح والعدل ذكر سبب التعديل والجرح.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nوهذا هو الحق: فيجب بيان سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل\nلا يكون محصلًا للثقة بالعدالة؛ لأن العادة قد جرت بتسارع الناس\nإلى ذلك بناء على الظاهر، وكم من شخص قد خدعنا بمظهره،\nحيث يظهر الصلاح والتقى، فإذا دققنا في شأنه وحالته وجدناه على","vol":"2","page":737},{"text":"خلاف ظاهره، فمثلًا: بعض الناس تجده يحافظ على الصلوات\nوعلى مظهره الإسلامي، ولكنه يتساهل في كسب ماله، فلا يأخذه\nمن طرقه التي أحلها اللَّه تعالى، وبعضهم يظهر الصلاح لطائفة من\nالعلماء \" نظرًا لطمعه في منصب أو جاه، بينما يحتقر آخرين،\nكذلك تجد أناسًا يتساهلون في تعديل شخص، بينما يتشدَّدون في\nتعديل شخص آخر، وهكذا والأمثلة على ذلك كثيرة، فيجب أن\nيبين المعدِّل سبب تعديله للشحخص، فإن كانت صحيحة ويعدل بها:\nوافقناه، وإن كانت غير صحيحة: بيَّنا وجه الخطأ فيها \" قياسًا على\nالاستدلال على المذاهب، فإن المجتهد تجده يأخذ بمذهب معين، ثم\nيقيم أدلة على ذلك، وتجد المجتهد الآخر يخالفه ويبين أدلته على\nذلك، فلو ذكر كل واحد منهما مذهبه بدون ذكر أدلة لما قبل.\nوقلنا: جب بيان سبب الجرح \" لاختلاف الناس فيما يجرح به،\nفلعل الجارح اعتقد شيئًا جارحًا، وغيره لا يراه جارحًا: فتجد\nشحخصًا يرد الخبر بسبب تدليس الراوي، وتجد آخر يرد الخبر بسبب\nفسق اعتقاد الراوي، وتجد ثالثًا يرد الخبر بسبب تعبير الراوي بالعنعنة\nوتجد رابعًا يرد الخبر بسبب إسباله لثوبه وإزاره، وتجد خامسًا يرد\nالخبر بسبب كذب الراوي مرة واحدة في العمر، وكل ما سبق فيه\nنظر هل يجرح به ويفسق أم لا؟\nوقد ثبت عن بعض العلماء أنه ردَّ تجريح بعض العلماء الآخرين،\nوإليك بعض الأمثلة.\n١ - ذهب الخطيب في الكفاية: أن الإمام الشافعي إنما أوجب\nالكشف عن ذلك \" لأنه بلغه أن إنسانًا جرح رجلًا فسئل عما جرحه\nبه، فقال: رأيته يبول قائمًا، فقيل له: ما في ذلك ما يوجب","vol":"2","page":738},{"text":"جرحه؛ فقال: لأنه يقع الرشش عليه، وعلى ثوبه، ثم يصلي،\nفقيل له: رأيته يصلي كذلك؛، فقال: لا، فهذا جرح بالتأويل،\nوالعالم لا يجرح أحدًا بهذا.\n٢ - أنه قيل لشعبة: لِمَ تركت حديث فلان؟\nقال: رأيته يركض على برذونه فتركته،\nومن العلوم: أن هذا ليس بجرح موجب لتركه.\n٣ - أن شعبة أتى النهال بن عمرو فسمع صوت الطنبور من بيته\nفتركه، فقال له تلميذه وهب بن جرير: فهلا سألت؛ عسى أن لا\nيعلم هو.\nقال السخاوي - في شرح الألفية -: قال شيخنا -\nيقصد ابن حجر -: \" وهذا اعتراض صحيح، فإن هذا لا يوجب\nقدحًا في النهال \".\n٤ - أن الحكم بن عتبة سئل مرة: لِمَ لم ترو عن راذان؛ فقال:\nكان كثير الكلام.\nوهناك أمثلة كثيرة لكون بعض العلماء يجرحون بعض الأشخاص،\nفإذا سئلوا عن السبب اتضح أن السبب الذي جرح به لا يصلح\nلتجريح الراوي.\nفبان: أن الحق أنه لا بد من ذكر سبب التعديل والجرح حتى يسبر\nويختبر، فإن كان صالحًا قبلناه، وإن كان غير ذلك رددناه.\nالمذهب الثاني: أنه لا يلزم الجارح والمعدل ذكر سبب الجرح\nوالتعديل، فيقبل قولهما بدون ذكر السبب.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء، ومنهم القاضي أبو بكر.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنا نكتفي ببصيرة المعدل","vol":"2","page":739},{"text":"والجارح، فهما عارفان بالأمور التي يُعدَّل بها، وبالأمور التي يجرح\nجوابه:\nيجاب عنه: بما قلناه فيما سبق من أن بعض المعدلين قد ينخدعون\nفي المظاهر، وقد يكون مظهر الشخص يختلف عن باطنه، وهذا قد\nكثر في الأزمنة المتأخرة.\nولا يكتفي ببصيرة الجارح؛ لاختلاف الناس فيما يجرح به، فقد\nيعتقد الجارح شيئًا جارحًا، وهو في الحقيقة ليس كذلك، وقد بيَّناه\nفيما سبق.\nالمذهب الثالث: أنه لا يلزم الجارح ذكر سبب الجرح، فيقبل قوله\nبدون ذكر السبب؛ لأن مطلق الجرح مبطل للثقة.\nأما المعدل فيلزمه ذكر سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل لا تحصل\nبه الثقة، نظرًا لتسارع الناس إلى الظاهر - كما سبق بيانه -.\nجوابه:\nيجاب عنه بأنه لا فرق بين التعديل والجرح، بل إن ذكر سبب\nالجرح أَولى؛ لاختلاف الناس فيما يجرح به أكثر من اختلافهم فيما\nيعدل به.\nالمذهب الرابع: - عكس الثالث - وهو: أنه لا يلزم المعدل ذكر\nسبب التعديل، فيقبل قوله بدون ذكر السبب؛ لكثرة أسباب التعديل\nفيشق ذكرها.\nأما الجارح فيلزمه ذكر سبب الجرح لنرى فيه، وذلك لاختلاف\nالناس في سبب الجرح - كما سبق -.","vol":"2","page":740},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأنكم فرقتم بين متماثلين، ثم إنا لا نجد تلك الشقة\nالتي تكون في ذكر أسباب التعديل.\nالمذهب الخامس: أن ذكر السبب وعدم ذكره يختلف باختلاف\nالعدلين والمزكين والمجروحين، فإن كان عالما بأسباب الجرح والتعديل\nاكتفينا بإطلاقه فيهما، وإن لم يكن عارفًا فلا بد من ذكر سبب\nالتعديل والجرح لنرى فيهما.\nذهب إلى ذلك كثير من الشافعية.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن علمنا بأن هذا الشخص عالم بأسباب الجرح\nوالتعديل، أو غير عالم لا يمكن؛ لأن بعض الناس قد يذَعي\nمعرفته بذلك، فإذا دققنا فيه وجدناه غير عارف، أو أنه يجعل أسبابا\nتعدل وتجرح ويدعي بأنها هي الأسباب الحقيقية، بينما الأمر غير\nذلك فلا ضابط لذلك.\nلذلك اضطررنا إلى الأخذ بالمذهب الأول وهو: أن يبين العدل\nوالمجرح سبب الجرح والتعديل مطلقًا، سواء كان عارفا لأسباب\nالتعديل والجرح أو ليس كذلك؛ لأمرين:\nأولهما: أن أسباب التعديل والجرح لا ضابط لها.\nثانيهما: الاحتياط للشريعة، والابتعاد عن ظلم الآخرين.\nعاشرًا: الحكم إذا ذكر اسم شخص متردد بين مجروح ومعدَّل:\nإذا ذكر اسم راوي الحديث، وهذا الاسم معدَّل، ولكنه اشتبه\nباسم رجل آخر مجروح، فإن خبره لا يقبل؛ نظرًا للاشتباه بالاسم","vol":"2","page":741},{"text":"الثاني؛ وذلك لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح، فلا تقبل\nروايته، بل يتوقف حتى يعلم هل هو المجروح أو غيره، ويفعل\nالمدلسون ذلك أحيانًا: يذكرودن الراوي الضعيف باسم يشاركه فيه راو\nتقة.\nحادي عشر: الحكم إذا كان للراوي اسمان، أو اختلف في اسمه:\nإذا كان للراوي اسمان، وهو بأحدهما أشهر: فإنه تجوز الرواية\nعنه بواسطة الاسم المشهور؛ لأنه عُرِف به.\nوإذا اختلف في اسم الراوي، وله كنية أو لقب يعرف به، فلا\nيرد بذلك خبره ولا روايته، لأنه عرف بتلك الكنية واللقب، وخرج\nعن الجهالة.\nثاني عشر: إذا تعارض الجرح والتعديل فأيهما المقدم:\nهذا له ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: إذا جرح عمرو الراوي، وعدَّله زيد، ولم يذكر\nكل واحد منهما سبب ذلك: فإنه يقدم قول الجارح، ويرد خبر ذلك\nالراوي؛ لأن الجرح تضمن زيادة لم يعرفها المعدل، ولم ينف\nالمعدل هذا الجرح، لامتناع الشهادة على النفي، ولأن الجارح مصدق\nللمعدل فيما يخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه - أي الجارح - يخبر\nعن أمر باطن خفي عن المعدل.\nوهذا على رأي من يجوز قبول قول الجارح والمعدل بدون ذكر\nالسبب.\nوقد أجبنا عنه فيما سبق.\nالحالة الثانية: إذا جرح عمرو الراوي، وعدله زيد، وذكر","vol":"2","page":742},{"text":"الجارح سبب الجرح بأن يقول: \" رأيته وقد قتل فلانًا \" فلا يخلو من\nأمرين:\nالأول: إما أن لا يتعرض المعدل لنفي ذلك.\nالثاني: أن يتعرض المعدل لنفيه.\nفإن كان الأول - وهو: عدم تعرض المعدل لنفي ذلك - فإنه\nيقدم قول الجارح؛ لأن قوله تضمن زيادة لم يعرفها المعدل ولم ينفها\n- كما سبق -.\nوإن كان الثاني - وهو: تعرض المعدل لنفي ذلك - بأن قال\nالمعدل: \" رأيت فلانًا المدعى قتله حيًا بعد ذلك \"، فهاهنا يتعارضان\nويصح ترجيح أحدهما على الآخر بشدة التورع، والتحفظ، وزيادة\nالبصيرة، ونحو ذلك.\nالحالة الثالثة: إذا ورد التجريح والتعديل من واحد، أي: أن\nزيدًا جرح عمرًا وعدَّله، ففيه تفصيل:\nفإن علمنا التأخر من المتقدم من الجرح والتعديل، فإنا نعمل\nبالمتأخر، لكونه نسخ المتقدم.\nوإن لم نعلم المتأخر من المتقدم، فإنا نتوقف حتى يثبت جرحه أو\nتعديله.\nثالث عشر: الحكم إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين:\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يقدم الجرح على التعديل وإن كثر عدد المعدلين.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.","vol":"2","page":743},{"text":"وهو الحق، لأن سبب تقدم الجرح هو اطلاع الجارح على زيادة\nفي العلم عن الراوي قد خفيت على المعدل؛ لأن المعدلين وإن كثروا\nليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك\nلكانت شهادة باطلة على نفي، فلا ينتفي ذلك العلم الذي أخبر به\nالجارحون بسبب كثرة عدد المعدلين، فلا يلتفت إلى الكثرة مع وجود\nزيادة في الجرح.\nالمذهب الثاني: أنه يقدم التعديل.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن كثرة المعدلين تقوي\nحالهم، وقلة الجارحين تضعف قولهم، فالكثرة تقدم على القلة؛\nحيث إن الكثرة تقوي الظن، والظن إذا قوي وجب العمل به.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن المعدلين مهما كثروا، فإنه قد خفيت عليهم\nالزيادة في العلم التي أتى بها المجرح، وهم - أي: العدلون - لم\nينفوا تلك الزيادة التي ذكرها المجرح، فلا يلتفت إلى الكثرة مع\nوجود زيادة في الجرح كما قلنا.\n***\nالمسألة الخامسة عشرة: حكم رواية المحدود بالقذف:\nإذا قذف مكلف آخر بالزنا وحدَّه الإمام حدَّ القذف فهل روايته\nمقبولة؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب:","vol":"2","page":744},{"text":"المذهب الأول: أن روايته مقبولة، أي: نقبل خبره بشرط: أن\nيكون قد أخرج القول بالقذف مخرج الشهادة، أما إن أخرج القول\nمخرج القذف فلا تقبل إلا إذا ثبتت توبته.\nوهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: الوقوع، فقد ورد أن أبا بكرة - نفيع بن الحارث\nابن كلدة الثقفي - قد شهد - هو واثنان معه - على المغيرة بن شعبة\nبالزنا، ولم تتم الشهادة فجلده عمر ثمانين جلدة حد القذف، ومع\nذلك فقد قبل أهل الحديث ما رواه من الأحاديث، وقد ورد في\nكتاب \" الخلاصة \" أن لأبي بكرة مائة واثنين وثلاثين حديثًا، اتفق\nالبخاري ومسلم على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم\nبأخرى، روى عنه أولاده عبد الرحمن، وعبد العزيز، وعبيد اللَّه،\nومسلم، وجماعة.\nالدليل الثاني. أن الشاهد العدل يغلب على الظن صدقه، ولكن\nلم يكمل العدد في الشهادة على الزنا؛ ونقصان عدد الشهادة لم\nيكن من جهته ولا من فعله، وبناء على نقص الشهادة أقام الإمام\nالحد على هؤلاء الذين لم تكتمل شهادتهم، وذلك لا يقدح بعدالة\nالمحدود بالقذف؛ لأنه - كما قلنا - لا دخل له فيما حصل من\nنقصان العدد في الشهادة، فلا مانع من قبوله روايته.\nالمذهب الثاني: أن المحدود في القذف تقبل روايته مطلقًا، سواء\nكان قوله بلفظ الشهادة أو لا.\nذهب إلى ذلك جمهور الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل هؤلاء على ذلك: بأن هذا المحدود قد توفرت فيه شروط","vol":"2","page":745},{"text":"الراوي، وهي: الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة، فما\nالمانع من قبول روايته؟\nيجاب عنه: بأنا قبلنا خبر المحدود بالقذف إذا كان بلفظ الشهادة\nلما ذكرناه من الدليلين السابقين، ولما ذكرتم من اجتماع شروط\nالراوي فيه.\nولم نقبل خبر المحدود بالقذف إذا كان بلفظ القذف؛ لأنه قد فسق\nبهذا، فإن تاب توبة نصوحًا قبلنا خبره؛ لأنه يلحق بالأول ولا فرق.\nالمذهب الثالث: أن المحدود في القذف لا تقبل روايته مطلقًا،\nأي: سواء كان قوله بلفظ الشهادة أو لا.\nنسب هذا إلى أبي حنيفة، ونفى هذه النسبة بعض الحنفية كابن\nالهمام في \" التحرير \".\nدليل هذا المذهب:\nاستدل لهذا المذهب بأن القاذف بالزنا الذي لم تتم شهادته قد\nاتهم بالكذب، ولذلك حدَّه الإمام حدَّ القذف، ويبقى هذا الاتهام\nبعد الحد، ومع بقاء ذلك لايقبل منه شيء.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن ترجيح صدقه ممكن، نظرًا لتوفر شروط الراوي\nالأربعة فيه، أما عدم إكمال العدد في الشهادة على الزنا فلم يكن\nمن فعله، ولذلك أقام الإمام عليه حد القذف، وهذا لا يقدح في\nعدالته فلا مانع من قبول روايته.","vol":"2","page":746},{"text":"المسألة السادسة عشرة: في كيفية ألفاظ الراوي في نقل الخبر:\nالراوي للخبر إما أن يكون صحابيًا، أو غير صحابي.\nفالصحابي إذا نقل خبرًا عن النبي - ﷺ -، فإنه ينقله بألفاظ وطرق وكيفيات، وكذلك غير الصحابي، لذلك قسمت الكلام عن هذه المسألة إلى قسمين:\nالقسم الأول: في كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الخبر.\nالقسم الثاني: في كيفية ألفاظ غير الصحابي في نقل الخبر.\nوإليك بيان ذلك فأقول:\nالقسم الأول: كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الخبر وتتبين فيما يلي:\nأولًا: الحكم إذا قال الصحابي: \" سمعت النبي يقول، أو\nأخبرني، أو حدَّثني، أو شافهني \":\nإذا قال الصحابي: \" سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول كذا \"، أو قال: \" أخبرني رسول اللَّه بكذا \"، أو قال: \" حدَّثني بكذا \"، أو\nقال: \" شافهني بكذا \"، فإن هذا خبر عن رسول اللَّه - ﷺ - يجب قبوله والعمل به بإجماع العلماء؛ لصراحته في أنه لا يوجد واسطة بين الصحابي وبين رسول اللَّه - ﷺ -، فلا يتطرق إلى هذه الرواية أيُّ احتمال.\nثانيًا: إذا قال الصحابي: \" قال رسول اللَّه - ﷺ -، أو: \" أخبر رسول اللَّه \"، أو: \" حدَّث رسول اللَّه \"، فما الحكم؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنا نحكم بأنه سمعه من النبي - ﷺ -، فيكون حُجَّة كقوله: \" سمعت - ﷺ - يقول كذا \".","vol":"2","page":747},{"text":"ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي:\nالدليل الأول: أن الظاهر من حال الصحابي أنه إذا قال: \" قال\nرسول اللَّه - ﷺ -، فإنه لا يقول ذلك إلا وقد سمعه من النبي - ﷺ -؛ إذ لا يمكن أن يجزم بذلك إذًا إلا عن سماع؛ حيث إن الظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة العربية وطرق استعمالاتها المتأكد من أن هذه الشريعة سيعمل بها إلى قيام الساعة: أنه لا يأتي بلفظ يوهم معنى ويريد غيره.\nبخلاف غير الصحابي إذا قال ذلك، فإن قرينة حاله تدل على أنه\nلم يسمع من النبي - ﷺ -.\nالدليل الثاني: اتفاق السلف على أن الخبر إذا نقل على هذه الصفة\n- وهي قول الصحابي: \" قال رسول اللَّه كذا \" - فإنهم لم يفهموا\nمن ذلك إلا السماع من النبي - ﷺ - مباشرة، فلذلك اتفقوا على قبوله.\nالمذهب الثاني: أنه لا يحكم بأنه إذا قال: \" قال رسول اللَّه - ﷺ - كذا \" أنه قد سمعه عن النبي - ﷺ - مباشرة بل هو متردد بين أن يكون سمعه عن النبي - ﷺ - وبين أن يكون قد سمعه من غيره.\nذهبِ إلى ذلك أبو الخطاب الحنبلي، ونسبه الآمدي، وأبو يعلى\nإلى القاضي أبي بكر الباقلاني، وهذه النسبة إلى الباقلاني قد أنكرها\nالزركشي في البحر المحيط، وأكد أن القاضي الباقلاني مع الجمهور.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم:\nإن صيغة: \" قال رسول اللَّه \" أعم من صيغة: \" سمعت رسول\nالله \"، وذلك لأن قوله: \" قال رسول اللَّه \" يعم ما سمعه من النبي - ﷺ -","vol":"2","page":748},{"text":"مباشرة، ويعم ما حكاه له صحابي آخر عن النبي - ﷺ - أما قوله: \" سمعت النبي - ﷺ - \"، فهو خاص بالأصل وهو: ما سمعه من النبي - ﷺ - مباشرة.\nويدل على عموم الصيغة الأولى: أنه وقع من بعض الصحابة\n- ﵃ - أنهم يعبرون بها - أي: بقولهم: \" قال رسول\nالله \" - عما سمعوه من النبي - ﷺ - مباشرة وهذا كثير، ويعبرون بهذه الصيغة عما سمعوه من صحابة آخرين، فلما استكشفوا وروجعوا بيَّنوا وقالوا: لم نسمعه من النبي - ﷺ - مباشرة، بل حدَّثنا به فلان عن النبي - ﷺ - من ذلك ما نقل عن ابن عباس - ﵄ -\nأنه كان يقول: قال النبي - ﷺ -: \" لا ربا إلا في النسيئة \"، فلما سئل عنه قال: حدثني أسامة بن زيد أن النبي - ﷺ - قال: \" الربا في النسيئة \"، وكذلك أبو هريرة كان يقول: قال رسول اللَّه - ﷺ -:\n\"من أصبح جنبًا فلا صوم له \"، فلما بينت عائشة - رضي الله\nعنها - أن النبي - ﷺ - كان يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم، قال أبو هريرة: لم أسمعه من النبي - ﷺ -، وإنما سمعته من الفضل بن العباس.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nأولها: أن نقل الصحابي الحديث عن غيره من الصحابة ثبت في\nوقائع قليلة، والوقائع القليلة لا يثبت بها قاعدة أصولية، بخلاف\nنقل الصحابي الحديث عن النبي - ﷺ -.\nثانيها: أنه لو فرض أن الصحابي قال: \" قال رسول اللَّه - ﷺ - \" وهو لم يسمعه مباشرة من النبي - ﷺ -، بل سمعه من بعض الصحابة،","vol":"2","page":749},{"text":"فإن هذا يصبح مرسل صحابي، ومرسل الصحابي حُجَّة بإجماع\nالعلماء المعتد بأقوالهم، فيكون لا فرق بينه وبين قوله: \" سمعت\nرسول اللَّه يقول \".\nثالثها: أنه على فرض أن الصحابي قد سمعه من غير النبي - ﷺ -، فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي - ﷺ -؛ لأن الصحابة كلهم عدول كما سبق بيانه.\nثالثًا: إذا قال الصحابي: \" أمر رسول اللَّه - ﷺ - بكذا \"، أو \"نهى عن كذا \"، أو \" حرم كذا \"، أو \" أباح كذا \"، أو \" فرض\nكذا \"، أو \" يأمر بكذا \"، أو \" ينهي عن كذا \"، فما الحكم؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه حُجَّة، وأن الحكم يثبت بذلك، ويحكم به\nبالأمر والنهي.\nهذا ما ذهب إليه الجمهور.\nوهو الحق، لدليلين:\nالدليل الأول: أن بعض الصحابة - ﵃ - كان ينقل\nالحديث بمثل تلك الألفاظ - نهى رسول اللَّه أو أمر ... إلخ - وكان\nالصحابة الآخرون يقبلون هذا، ويعولون عليه، ويحتجون به من\nغير نكير، ولا يمكن لمن اختارهم اللَّه لصحبة نبيه - ﷺ - أن يعولوا ويعتمدوا على شيء لا تقوم به الحُجَّة، فكان ذلك إجماعا سكوتيا\nعلى ذلك.\nمن ذلك ما قاله بعض الصحابة: إن رسول اللَّه - ﷺ - أمر بالمضمضة والاستنشاق، وأمر ألا توصل صلاة بأخرى، وفرض زكاة","vol":"2","page":750},{"text":"الفطر صاعًا من تمر..، وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى\nالصلاة، وأمر برجم ماعز، والغامدية، ونهى عن المخابرة، ونهى\nعن الوصال، ونهى عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى،\nونهى عن الضرر والضرار، ونهى عن قراءة القرآن في الركوع\nوالسجود، والأمثلة على ذلك كثير.\nالدليل الثاني: أن الظاهر من حال الصحابي وهو المشهود له\nبالعدالة، ومعرفته بأوضاع اللغة وطرق استعمالاتها: أن لا يطلق\nذلك اللفظ - وهو أمر رسول اللَّه - ﷺ -، أو نهى، أو فرض ... إلخ - إلا إذا كان متيقنًا وعالمًا تمام العلم أن النبي - ﷺ - أمر بذلك أو نهى حقيقة، بحيث سمعه يقول: \" أمرتكم بكذا \"، أو يقول: \"افعلوا كذا \"، أو يقول: \" نهيتكم عن كذا \"، أو يقول:\n\" لا تفعلوا كذا \"، وينظم إلى ذلك من القرائن ما يدل كونه أمرًا، أو\nيدرك ضرورة قصده الأمر أو النهي، أو نحو ذلك مما ذكر.\nوذلك نفيًا للتدليس والتلبيس عن الصحابي بنقل ما يوجب على سامعه\nاعتقاد الأمر والنهي فيما لا يعتقده أمرًا أو نهيًا.\nالمذهب الثاني: أن الصحابي إذا قال: \" أمر رسول اللَّه أو نهى ... إلخ \"، فإن هذا لا يثبت به الحكم، ولا يحكم به بالأمر\nوالنهي، وأنه لا حُجَّة فيه ما لم ينقل لفظ رسول اللَّه - ﷺ -.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء، وحكاه الجزري من الظاهرية عن\nداود الظاهري\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الحُجَّة بلفظ الرسول\n- ﷺ -، وقول الصحابي: \" أمر رسول اللَّه، أو نهى ... إلخ \"","vol":"2","page":751},{"text":"لا يدل على وجود الأمر والنهي حقيقة، وذلك لأنه يتطرق إليه\nاحتمالان:\nالاحتمال الأول: أن هذا التعبير ليس نصا صريحًا في سماعه من\nالرسول - ﷺ - مباشرة، بل يحتمل أن يقول الصحابي:\n\" أمر رسول اللَّه - ﷺ - أو نهى \" اعتمادًا على ما بلغه تواترًا، أو بلغه بلسان يثق بقوله.\nالاحتمال الثاني: أن العلماء اختلفوا في صيغ ومعاني الأوامر،\nفمنهم من قال: الأمر المطلق للوجوب، ومنهم من قال: هو\nللندب، ومنهم من قال: للإباحة.\nوكذلك اختلفوا في صيغ ومعاني النواهي، فمنهم من قال:\nالنهي المطلق يقتضي التحريم، ومنهم من قال: هو للكراهة.\nفإذا كان كذلك فربما ظن الصحابي الراوي واعتقد ما ليس بأمر\nأمرًا، وما ليس بنهي نهيًا، أي: سمع الصحابي الراوي صيغة\nاعتقد أنها أمر أو نهي، وليست كذلك حقيقة مما يسبب اللبس في\nأوامر الشريعة ونواهيها.\nونظرًا لهذين الاحتمالين قلنا: إنه لا يحكم به بالأمر والنهي.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الاحتمال الأول مسلَّم وقد يقع، ولكنه لا يمنع\nمن قبول قول الصحابي: \" أمر رسول اللَّه أو نهى \" فهو حُجَّة،\nوكأنه سمعه من النبي - ﷺ - مباشرة؛ لأنه مرسل صحابي، ومرسل الصحابي مقبول بإجماع العلماء المعتد بأقوالهم، فلا فرق بينه وبين\nقوله: \" قال رسول اللَّه \"، أو \" سمعت رسول اللَّه \".","vol":"2","page":752},{"text":"أما الاحتمال الثاني - وهو أنه قد يعتقد ما ليس بأمر أمرًا، وما\nليس بنهي نهيًا - فإنه يجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الغلط والوهم من الصحابة بعيد جدًا، نظرًا\nلمعرفتهم الدقيقة باللغة العربية وطرق استعمالاتها وأساليبها،\nومعرفتهم يعموم وشمول هذه الشريعة لهم ولغيرهم ممن سيأتي\nبعدهم إلى قيام الساعة - فلا يمكن - والأمر كذلك - أن يتساهلوا\nبهذا لعلمهم بأن فيه تدليسًا وتلبيسًا على الأُمة، وهذا مستحيل على\nالصحابة المشهود لهم بالعدالة من قِبَل اللَّه ورسوله.\nلذلك يجب علينا حمل ظاهر أقوالهم وأفعالهم على أنها سليمة\nوصحيحة وموافقة لما أمر به رسول اللَّه ونهى عنه - مهما أمكن -.\nالجواب الثاني: وقولكم - في الاحتمال الثاني - يمكن أن يصح\nلو كان الاختلاف في صيغ الأوامر والنواهي مبنيا على اختلاف\nالصحابة فيها.\nولكن لم يثبت شيء من ذلك، فلم يرد عن الصحابة - رضوان\nالله عليهم - أنهم اختلفوا في تلك الصيغ واقتضائها، إذ لو كان\nهناك اختلاف في ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا اختلافهم في بعض\nالأحكام الفقهية كاختلاف ابن عباس مع زيد بن ثابت في مسألة الجد\nوالأخوة، واختلاف عائشة مع ابن عمر في نقض شعر المرأة في\nالاغتسال من الجنابة، واختلاف عليّ وعثمان في الجمع بين الأختين\nالأمتين، واختلاف عليّ مع عمر في بيع أمهات الأولاد، واختلاف\nعلي مع ابن مسعود في المفوضة، واختلافهم في العول، وغير ذلك\nمن المسائل الفقهية التي نقلت إلينا.\nثم اعلم أنه ليس من ضرورة اختلاف العلماء في زمن من","vol":"2","page":753},{"text":"الأزمان - بعد الصحابة - في مسألة معينة أن يكون هذا الاختلاف مبنيا\nعلى اختلاف الصحابة بدليل: أن علماء السلف والخلف اختلفوا في\nكثير من المسانل الأصولية والفقهية في حين أنه لم يرد عن الصحابة\nأنهم اختلفوا في أي منها.\nالمذهب الثالث: التفصيل، وبيانه:\nإن كان الصحابي القائل لذلك من أهل المعرفة باللغة وطرق\nاستعمالاتها وأساليبها، فإن هذا يجعل قوله: \" أمر رسول اللَّه - ﷺ - أو نهى رسول اللَّه \" مثل نقله لفظة الأمر حقيقة، وذلك نظرًا لتلك المعرفة.\nأما إن كان الصحابي غير ذلك، فإنه يجوز عليه احتمال أنه يجعل\nما ليس بأمر أمرًا وما ليس بنهي نهيًا، وذلك لجهله باللغة العربية\nوطرق استعمالاتها.\nحكى هذا المذهب كل من القاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن العدل الثقة إذا نقل شيئًا مطلقًا، فإنا نحمله على\nأرجح محامله، إلا إن وجد ما يعارض ذلك، فلا يتعرض لتقرير\nوجوه البطلان فيه، يؤيد ذلك: أن الشخص إذا شهد على بيع أو\nإجارة، أو غيرهما من العقود فإنا لا نكلفه أن ينعت لنا وجه الصحة\nفيما يشهد عليه، بل يكتفي بإطلاقه القول، وكذا هنا.\nوالصحابي الذي ليس من أهل المعرفة باللغة - إن وجد - لا يمكن\nأن يعبر بمثل هذا ويقول: \" أمر رسول اللَّه أو نهى \" إلا إذا كان","vol":"2","page":754},{"text":"متأكدًا من أن ذلك أمر حقيقة، وإن شك في ذلك فإنه يسكت نظرًا\nلعدالته.\nالمذهب الرابع: التوقف، وهو الذي يفهم من كلام الإمام الرازي\nفي \" المحصول \"، وهو الذي حكاه إمام الحرمين عن بعض الظاهرية\nفي \" التلخيص \"، وذلك لتعارض الأدلة.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة أدلتنا على أنه\nيحكم به.\nرابعًا: قول الصحابي: \" أُمِرْنا بكذا \"، أو \" نُهينا عن كذا \"،\nأو \" أوجب علينا كذا \"، أو \" حُرِّم علينا كذا \"، أو \" أُبيح لنا كذا\"\nونحو ذلك من الفعل المبني للمجهول، ما حكمه؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الصحابي إذا قال ذلك، فإنه يفيد أن الآمر\nوالناهي هو الرسول - ﷺ -، ولا يحمل على غير ذلك.\nوهذا هو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الصحيح، لدليلين:\nالدليل الأول: أن مراد الصحابي وغرضه من نقله لهذا الخبر بهذه\nالصيغة - وهي أمرنا أو نهينا - هو الاحتجاج به لإثبات الأحكام\nالشرعية، فيجب حمل الأمر على أنه صدر ممن يحتج بقوله وهو\nالرسول - ﷺ -، ولا يحمل على أنه صدر ممن لا يحتج بقوله من الأئمة والولاة والعلماء.\nالدليل الثاني: أن الواقع يشهد لذلك، حيث إنه من المعروف أن","vol":"2","page":755},{"text":"من يتبع رئيسًا أو أميرًا إذا قال: \" أمرنا بكذا \"، أو \" نهينا عن\nكذا\"، وأطلق ذلك فإنه يفهم منه أن الآمر هو ذلك الرئيس أو الأمير،\nفكذلك الصحابة بالنسبة للنبي - ﷺ - مثل ذلك ولا فرق، فإنه إذا قال الصحابي: \" أمرنا \"، أو \" نهينا \"، فإنه لا يفهم من ذلك إلا أن الآمر والناهي هو النبي - ﷺ -.\nالمذهب الثاني: أن قول الصحابي: \" أمرنا. \"، أو \" نهينا \" - وما\nذكر هنا - لا يفيد هذا أن الآمر هو الرسول - ﷺ -، ولا يضاف إليه، وبالتالي لا يكون حُجَّة.\nذهب إلى ذلك أبو الحسين الكرخي، والسرخسي، والجصاص،\nوأبو بكر الصيرفي، والإسماعيلي، وإمام الحرمين، وأكثر مالكية\nبغداد.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن قول الصحابي ذلك\nليس بنص صريح في النقل بل يتطرق إليه ثلاثة احتمالات هي كما يلي:\nالاحتمال الأول: أن قوله: \" أمرنا أو نهينا \" لا يفيد أنه سمعه من\nالنبي - ﷺ - مباشرة - فقط -، بل قد يحتمل أنه قال ذلك اعتمادًا على ما بلغه بالتواتر، أو بلغه على لسان شخص يثق به.\nالاحتمال الثاني: أن الصحابي ربما توهم ما ليس بأمر أمرًا، وما\nليس بنهي نهيًا.\nالاحتمال الثالث: أنه يحتمل أن يكون الآمر غير النبي - ﷺ - من الأئمة والعلماء بدليل قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)","vol":"2","page":756},{"text":"، فهنا أمر اللَّه ﷿ باتباع أمره، وأمر\nرسوله، وأمر العلماء، والخلفاء، والسلاطين المحكمين لشرع اللَّه.\nوعلى هذا يكون ذلك مترددًا بين كونه مضافًا إلى النبي - ﷺ -، وبين كونه مضافًا إلى الأئمة والعلماء، وإذا احتمل هذا وذاك فلا يكون مضافا إلى النبي - ﷺ -، بل ولا يكون حُجَّة.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك: بأن الاحتمال الأول، والاحتمال الثاني\nباطلان؛ لما سبق من الدليل والتعليل.\nأما الاحتمال الثالث - وهو قولهم: يحتمل أن الآمر غير النبي\n- ﷺ - من العلماء والولاة - فيجاب عنه بأن الصحابي إذا قال: \" أمرنا أو نهينا \"، وأطلق، فإنا لا نعقل من هذا الإطلاق سوى أن الآمر والناهي هو الرسول - ﷺ - دون غيره؛ لأن الآمر والناهي حقيقة هو اللَّه تعالى، ويبلغنا بذلك رسوله - ﷺ -، فإذا قال الصحابي: \" أمرنا أو نهينا \" انصرف إلى الحقيقة، ولا يقال: إن الآمر والناهي غيره إلا بقرينة، كما لو قال مثلًا: \" هذا الفعل طاعة \"، فإنه لا يعقل أحد إلا طاعة اللَّه تعالى وطاعة رسوله.\nأما الآية، وهي قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، فإنه يحتمل أن يكون المراد بها: أطيعوا أولي الأمر فيما نقلوه من أمري، وما أخبروا به عن الرسول - ﷺ -، كما\nقال أبو يعلى الحنبلي.\nالمذهب الثالث: التفصيل، بيانه:\nإن كان الصحابي القائل: \" أمرنا ونهينا \" من أكابر الصحابة","vol":"2","page":757},{"text":"وعلمائهم كالخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن\nثابت، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس،\nوغيرهم ممن يكثر مجالسة النبي - ﷺ -، فإنه يغلب على الظن أن الآمر والناهي هو الرسول - ﷺ -، حيث إن كثرة ملازمة النبي - ﷺ - تجعلنا\nنكاد نجزم بأنه لا آمر ولا ناهي إلا هو - ﷺ -، واحتمال أن الآمر والناهي غيره احتمال بعيد جدًا.\nأما إذا كان الصحابي لم يكثر ملازمة النبي - ﷺ - كمن يفد إلى النبي - ﷺ - ثم يعود، أو من تأخر إسلامه والتحق به في آخر سنة عاشها النبي - ﷺ -، فإن احتمال كون الآمر والناهي غير النبي - ﷺ - احتمال قوي.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا التفريق بين الصحابة لا دليل عليه،\nفالصحابي الذي شهد له اللَّه ﷿، وشهد له الرسول - ﷺ - بالعدالة إذا نقل شيئًا وأطلق قائلًا: \" أمرنا ونهينا \"، فإنا لا نحمله\nإلا على أمر من له الأمر الحقيقي، وهو اللَّه تعالى الذي بلغنا به\nرسوله - ﷺ -، ولا نحمله على أمر غيره إلا بقرينة، وهذا الكلام ينطبق على جميع الصحابة.\nتنبيه: ولا فرق عندنا بين قول الصحابي وقول التابعي: \" أمرنا\nونهينا \"، فالآمر والناهي هو الرسول - ﷺ -.\nخامسًا: قول الصحابي: \" من السُّنَّة كذا \"، أو \" السُّنَّة جارية\nبكذا \"، أو \" مضت السُّنَّة بكذا \"، ما حكمه؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:","vol":"2","page":758},{"text":"المذهب الأول: أنه لا يفهم من ذلك إلا سُنَّة النبي - ﷺ -، فيحمل عليه دون غيره.\nهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء.\nوهو الحق عندي، لدليلين هما:\nالدليل الأول: أن غرض الصحابي ومراده من روايته لذلك أن\nيعلمنا الشرع، فيجب حمل قوله: \" من السُّنَّة كذا \" - وغيرها من\nالصيغ الأخرى مما في معناها - على أنه صادر منِ الشرع، وهو\nسُنَّة النبي - ﷺ -.\nالدليل الثاني: أن كلمة \"؛ السنَّة\" إذا أطقت في أحكام الشرع،\nفإن المقصود بها ما سَنَّه رسول اللَّه - ﷺ -، فإذا أطلق وجب رجوع ذلك إليه، لأنه إذا أريد بها سُنَّة غيره فإن لا تطلق، بل تضاف إلى صاحبها، يؤيد ذلك: ما انتشر على ألسنة جميع العلماء، وهو\nقولهم: \" عليكم بالقرآن والسُّنَّة \"، فلا يعقل من ذلك إلا اتباع\nالنبي - ﷺ -، دون غيره.\nالمذهب الثاني: أن قول الصحابي: \" من السُّنَّة كذا \".. إلخ\nلا يحمل على سُنة رسول اللَّه - ﷺ -.\nوهو مذهب بعض العلماء، ونسبه الآمدي إلى الكرخي، ونسبه\nالزركشي إلى الصيرفي.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن اسم \" السُّنَّة \" متردد\nبين سُنَّة النبي - ﷺ - وبين سُنَّة الخلفاء الراشدين؛ حيث قال - ﷺ -:\n\"عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين \"،\nوقال عليّ بن أبي طالب:","vol":"2","page":759},{"text":"\" جلد رسول اللَّه - ﷺ - في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سُنَّة \".\nفإذا كان اللفظ متردد بين احتمالين فلا يكون صرفه إلى أحدهما\nدون الآخر أَوْلى من العكس.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا لا يعارض ما ذهبنا إليه، بيان ذلك:\nأننا قلنا: إن لفظ \" السُّنَّة \" إذا أطلق فلا يتبادر إلى الذهن من\nهذا الإطلاق شرعًا إلا سُنَّة رسول اللَّه - ﷺ - دون غيره، أما إذا وجدت قرينة، فإنا نحمل لفظ \" السُّنَّة \" على ما دلَّت عليه تلك\nالقرينة.\nوأما قوله - ﷺ -: \" عليكم بسُنَتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين \"، فإنه يحمل على سُنَّة رسول اللَّه - ﷺ -، فكأنه قال: عليكم بما سمعتموه مني، وبما حدَّثكم به خلفائي عني.\nوكذلك قول عليّ يحمل على سُنَّته - ﷺ -؛ لأن الزيادة حد، وقد ثبت الحد بالسُّنَّة.\nتنبيه: ولا فرق عندنا بين قول الصحابي وقول التابعي:\n\" من السُّنَّة كذا \"، فإنه يحمل على سُنَّة رسول اللَّه - ﷺ -؛ لأنه لا يمكن لأي عالم من التابعين أو غيرهم، ممن ثبتت عدالته أن يقول ذلك، ويطلق إلا وهو يريد سُنَّة رسول اللَّه - ﷺ -، حيث هو الذي تجب طاعته.\nوقيل: لا يحمل على سُنَّة رسول اللَّه - ﷺ -؛ لتطرق احتمال أن يقصد التابعي سُنَّة الصحابة، والجواب عن ذلك كما سبق.","vol":"2","page":760},{"text":"وقيل: الفرق بين قول سعيد بن المسيب فيحمل على سُنَّة رسول\nالله - ﷺ -، نظرًا لثبوت ذلك عنه، وبين قول غيره فيتطرق إليه الاحتمال، والجواب عنه: أن العدل الثقة لا يمكن أن يقول ذلك إلا إذا كان قاصدًا سُنَّة من تقوم الحُجَّة بقوله وهو النبي - ﷺ -، ولا فرق بين عالِم وعالِم في ذلك.\nسادسًا: قول الصحابي: \" عن النبي - ﷺ - \" ما حكمه؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه ظاهر في أن الصحابي قد سمعه من النبي - ﷺ - وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن الصحابي لا يمكن أن يطلق\nذلك إلا لأنه سمعه حقيقة من النبي - ﷺ -، حيث إن عدالته تمنعه من إطلاق ذلك إذا لم يسمعه من النبي - ﷺ -، أو شك في ذلك، وقد سبق بيان ذلك.\nالمذهب الثاني: أنه لا يحمل على أنه سمعه من النبي - ﷺ -، بل قد يكون سمعه من غيره بالتواتر أو ممن يثق بقوله، ونظرًا لهذا\nالاحتمال، فإنه لا يحكم بأنه سمعه من النبي - ﷺ -، فلا يكون حُجَّة حتى يثبت بالقرائن على أنه سمعه عن النبي - ﷺ -.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا الاحتمال وارد، ولكنه لا يمنع من قبول\nقول الصحابي: \" عن النبي \"، فهو حُجَّة فكانه سمعه من النبي\n- ﷺ -، وذلك لأنه مرسل صحابيْ، ومرسل الصحابي حُجَّة بإجماع العلماء المعتد بأقوالهم، إذن لا فرق بينه وبين قوله:\n\" قال رسول اللَّه \".","vol":"2","page":761},{"text":"المذهب الثالث: التوقف في ذلك حتى يأتي دليل يرجح أحد\nالأمرين، وهو اختيار فخر الدين الرازي فى \" المحصول \"، وذلك\nنظرًا لتعارض أدلة أصحاب المذهبين السابقين، وضعف كل منهما.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة الدليل على أنه\nظاهر في أنه سمعه من النبي - ﷺ -، وضعف دليل أصحاب المذهب الثاني.\nسابعًا: قول الصحابي: \" كنا نفعل أو كانوا يفعلون \" ما حكمه؟\nفيه تفصيل وهو كما يلي:\nإذا قال الصحابي: \" كنا نفعل أو كانوا يفعلون \"، وأطلق فإنه\nلا يكون كالمستند فلا يكون حُجَّة اتفاقًا؛ لأن الحُجَّة في إقراره - ﷺ -، والإقرار هنا منتف في غير عهده، فيحتمل أنه رأي جماعة.\nأما إذا قال الصحابي: \" كنا نفعل فى عهد الرسول - ﷺ -، أو كانوا يفعلون في عهد النبي - ﷺ -، فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه كالمسند، فهو حُجَّة.\nوهذا هو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن الصحابي ذكر ذلك في معرض الاحتجاج\nلإثبات حكم من الأحكام يدل على أنه أراد ما علمه النبي - ﷺ - وسكت عنه، ولم يتبين أنه دليل، فأراد الصحابي أن يبين لنا ذلك\nليكون دليلًا شرعيا يستدل به في الأحكام الشرعية، ولا يكون كذلك\nإلا وقد علمه الرسول - ﷺ -، فلم ينكره.","vol":"2","page":762},{"text":"الدليل الثاني: أن الظاهر من حال الصحابة أنهم لا يقدمون على\nأمر من أمور الدين، والنبي - ﷺ - بين أظهرهم إلا إذا كان عالِمًا به فيكون من السُّنَّة التقريرية.\nالمذهب الثاني: أن هذا التعبير لا يكون كالمسند، فلا يكون حُجَّة.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن يكون\nالصحابة يفعلون ما لا يعلمه الرسول - ﷺ -.\nيؤيد ذلك الاحتمال: ما روي أن زيد بن ثابت كان يحدث الناس\nبأن الرجل إذا جامع ولم ينزل فلا غسل عليه، فسأله عمر عن ذلك\nقال: حدَّثني أعمامي: \" أبي بن كعب \"، و\" أبو أيوب \"،\nو\"رفاعة\"، وكان رفاعة عند عمر فقال رفاعة لعمر: \" قد كنا نفعله\nعلى عهد رسول اللَّه \"، فقال عمر: ورسول اللَّه - ﷺ - يعلم؛ قال: لا علم له، فجمع عمر المهاجرين والأنصار فأشاروا إليه: أن لا غسل في ذلك، إلا عليًا ومعاذًا قالا: إذا جاوز الختان، فقد وجب\nالغسل، قال عمر: لا أسمع برجل يفعل ذلك إلا أوجعته، فهذه\nالقصة تدل على أن الصحابة كانوا يفعلون أشياء لا يعلمها النبي - ﷺ -.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا الاحتمال - وهو كون الصحابة يفعلون ما لا\nيعلمه - ﷺ - في عهده - لا دليل عليه، والاحتمال الذي لا دليل عليه لا يلتفت إليه.\nأما القصة التي ذكروها فيمكن أن يجاب عنها بأن نقول: إنه في","vol":"2","page":763},{"text":"أول الإسلام كان التقاء الختانين لا يوجب الغسل، ثم نسخ ذلك،\nفعلم ذلك قوم، ولم يعلمه آخرون، فكان من لم يعلم النسخ\nمستمرًا على ذلك الحكم الذي كان في صدر الإسلام حتى تبين لهم\nخبر عائشة - ﵂ - والعمل على حكم سابق جائز إذا لم\nيعلم الناسخ، أما الإقدام على ابتداء فعل يتعلق بالدين من غير\nاستئذان الرسول - ﷺ -، فلا يظن بالصحابة فعله.\nثامنًا: قول الصحابي: \" كانوا يفعلون كذا \" هل يفيد حكاية الإجماع؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يفيد حكاية الإجماع، أي: أن الصحابي\nيكون بتلك الصيغة قد نقل لنا الإجماع على هذا الفعل.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لأن اللفظ - في قوله: كانوا يفعلون كذا -\nيدل دلالة واضحة على أن الصحابي يحكي هذا الفعل عن الجميع؛\nلأنه قال ذلك في معرض الاحتجاج به على حكم معين، فيجب أن\nيحمل على من قولهم حُجَّة، وهو الإجماع.\nفلو كان الصحابي الراوي يحكي ذلك عن واحد منهم، أو عن\nطائفة: لما قاله في معرض إقامة الحجة على حكم معين؛ لأن قول\nالبعض لا حُجَّة فيه.\nالمذهب الثاني: أنه لا يفيد حكاية الإجماع، أي: أنه لا يفيد\nإضافة الفعل المحكي عن الصحابة إلى جميعهم ما لم يصرح\nالصحابي الراوي بنقل الإجماع عن أهله.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.","vol":"2","page":764},{"text":"دليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لو كان ذلك مستندا إلى\nفعل الجميع، لكان إجماعا، ونظرًا لأنه يسوغ مخالفته عن طريق\nالاجتهاد دلَّ على عوده على البعض دون الجميع.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن سبب تسويغ الاجتهاد فيه هو: أن إضافة ذلك\nإلى الجميع وقع ظنا، لا قطعا، كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه\nالواحد من الألفاظ القاطعة في الدلالة عن النبي - ﷺ - لما كان طريق اتباعه ظنيا، وإن كان لا يسوغ فيه الاجتهاد إذا ثبت بطريق القطع.\nالقسم الثاني - من قسمي كيفية ألفاظ الراوي في نقل الخبر - هو:\nكيفية ألفاظ الراوي غير الصحابي في نقل الخبر، وتتبين فيما يلي:\nأولًا: قراءة الشيخ على الراوي عنه وهو يسمع، سواء كانت\nقراءته إملاء من مكتوب، أو من حفظه، فتجوز الرواية عنه مع\nالعمل بذلك بالاتفاق.\nثانيًا: الصيغ التي يتلفظ الراوي إذا أراد أن يُحدِّث بما سمعه من\nشيخه فيما سبق، فيهاتفصيل:\n١ - إن قصد الشيخ إسماع الراوي خاصة فإن الراوي يقول:\n\"حدَّثني فلان \"، أو \" أخبرني فلان \".\n٢ - إن قصد الشيخ إسماع الراوي مع. غيره فإنه يقول: \" حدثنا\nفلان \"، و\" أخبرنا فلان \".\n٣ - إن لم يقصد الشيخ إسماع الراوي منفردًا ولا مع جماعة،","vol":"2","page":765},{"text":"فلا يقول الصيغ السابقة، بل يقول: \" سمعته يقول كذا \"، أو\n\"يخبر بكذا \"، أو \" قال فلان كذا \"، أو \" سمعته يحدث بكذا \".\nثالثًا: أيهما أقوى: قراءة الشيخ على الراوي أم العكس، أم\nماذا؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن قراءة الشيخ على الراوي أقوى من قراءة\nالراوي على الشيخ، وهو مذهب الجمهور.\nوهو الحق، لدليلين:\nالدليل الأول: أنه طريق رسول اللَّه - ﷺ -؛ فإنه الذي كان يحدث أصحابه كما نقلوه عنه.\nالدليل الثاني: أن قراءة الشيخ على الراوي أبعد عن الخطأ والسهو\nوالغلط؛ لكونه يقرأ ما تحقق منه، فيكون أحق فيما هو المقصود،\nوهو تحمل الأمانة بصفة تامة.\nالمذهب الثاني: العكس، وهو: أن قراءة الراوي على الشيخ\nأقوى.\nذهب إلى ذلك أبو حنيفة كما نقله عنه السرخسي، وحكاه ابن\nالصلاح عن ابن أبي ذؤيب.\nدليل هذا المذهب:\nأن عناية الطلب أشد عادة؛ لأنه إذا قرأ الراوي على الشيخ كانت\nالمحافظة من الطرفين، وإذا قرأ الشيخ لا تكون المحافظة إلا منه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا لا يسلَّم؛ فإن قراءة الشيخ على إلراوي","vol":"2","page":766},{"text":"أقوى من العكس؛ لما قلناه، والراوي المستمع لقراءة الشيخ أحرص\nعلى استماع كل ما يقوله شيخه، وكل منهما قد توفرت فيه شروط\nالراوي - الإسلام والتكليف والضبط والعدالة -.\nالمذهب الثاني: هما سواء.\nذهب إلى ذلك الإمام مالك فيما نقله عنه ابن الصلاح، واختاره\nابن الساعاتي.\nدليل هذا المذهب:\nأن الذي يقرأ كتابًا ويسهو لا فرق فيه بين القارئ والسامع؛ نظرًا\nلمساواة من يتكلم أو يستمع فيستفهم فيقول: نعم.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه لا يسلم تساوي القارئ والمستمع، فإن الشيخ\nإذا قرأ مع تثبت ودقة في حين أن الراوي قد اتصف بشدة الطلب\nيكون هذا أقوى وأصح.\nرابعًا: قراءة الراوي \" التلميذ \" على الشيخ وهو يسمع، فيقول\nالراوي للشيخ - بعد الفراغ من القراءة -: هل سمعت أيها الشيخ؛\nفيقول الشيخ: نعم، أو يقول الشيخ: \" الأمر كما قرئ عليّ \"،\nفتجوز الرواية عنه، مع العمل بذلك بالاتفاق.\nخامسًا: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو يسمع، ثم قال الراوي\nللشيخ: هل سمعت أيها الشيخ؛ فسكت الشيخ، فهل تجوز\nالرواية عنه؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه تجوز الرواية عنه، ويجب العمل به.","vol":"2","page":767},{"text":"وهذا هو مذهب جمهور العلماء بشرط: أن لا يوجد لدى الشيخ\nأي مانع من الإنكار إذا أخطأ الراوي في القراءة.\nوهو الحق؛ لأنه لو لم يكن ما قرأه الراوي صحيحا كله لما سكت\nالشيخ، بل لاعترض على الخطأ منه، ولكن سكوت الشيخ وعدم\nاعتراضه دليل واضح على أن كل ما قرأه وما ذكره الراوي صحيح،\nوما دام أنه صحيح فيجب العمل به.\nأي: لو لم تكن قراءة الراوي على الشيخ صحيحة لكان سكوت\nالشيخ عَن الإنكار مع القدرة عليه فسقا؛ لما فيه من إيهام صحة ما\nليس بصحيح، وذلك بعيد جدًا عن العدل الثقة.\nأما إذا غلب على ظننا بأنه يوجد لدى الشيخ مانع من الإنكار\nكغفلة فيه، أو قلة مبالاة، أو نوم، أو إكراه على السكوت، ففي\nهذه الحالة لا يكتفى بسكوته، بل لا بد من - نطقه بقوله: \" نعم \" أو\nنحو ذلك مما يدل على موافقته على صحة ما قرئ عليه.\nالمذهب الثاني: أنه لا تجوز الرواية عنه، ولا العمل به.\nذهب إلى ذلك بعض الظاهرية.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن سكوت الشيخ لا يكفي\nفي الدلالة على صحة ما قرأه، فقد يكون غافلًا، أو مكرها، أو\nنحو ذلك، فلا بد من نطقه بأن يقول: \" نعم \".\nجوابه:\nيجاب عنه: باننا لما قلنا: إن سكوت الشيخ إذا قرأ عليه الراوي\nوقال له: هل سمعت أيها الشيخ يدل على صحة ما قرأه عليه،","vol":"2","page":768},{"text":"فتجوز الرواية عنه، ويجب العمل به، فإننا لم نقل ذلك مطلقا،\nبل اشترطنا: أن لا يكون عند الشيخ أيُّ مانع من الإنكار - إذا أخطأ\nالراوي في القراءة - كما بينا فيما سبق، فلذلك لا يصح ذلك\nالاحتمال الذين ذكرتموه.\nسادسا: الصيغ التي يتلفظ بها الراوي عندما يريد التحدث بما قرأه\nعلى شيخه هي: أن يقول: \" أنبأنا فلان قراءة عليه \"، أو يقول:\n\"حدَّثنا فلان قراءة عليه \"، أو يقول: \" أخبرنا فلان قراءة عليه \"،\nوهذا متفق عليه؛ لتصريحه بهذه الرتبة.\nسابعًا: إذا قرأ الراوي على الشيخ، فهل يجوز أن يقول:\n\"أخبرنا\"، أو \" حدَّثنا \" مطلقًا، أي: بدون عبارة: \" قراءة عليه \"؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، بل لا بد أن يقول:\n\" أخبرنا أو حدَّثنا قراءة عليه \".\nذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وعبد اللَّه بن المبارك،\nوالإمام مسلم، والنسائي، وإلغزالي، - وأبو إسحاق الشيرازي،\nوالآمدي، وأبو الحسين البصري، وهو مذهب كثير من العلماء.\nوهو الحق عندي؛ قياسا على أنه لا يجوز لمن قرأ على الشيخ أن\nيقول: \" سمعت من فلان كذا \"، والجامع: أن ظاهر هذه العبارة،\nوقول التلميذ في هذه المسألة: \" حدَّثنا أو أخبرنا \" مطلقا: يقتضي:\nأن الشيخ هو الذي تولى القراءة بنفسه، وهذا ليس بصحيح؛ حيث\nإن حقيقة الأمر أن الراوي هو الذي تولى القراءة على الشيخ، فترك\nعبارة: \" قراءة عليه \" يوهم السماع من لفظ الشيخ، وهذا كذب\nفي الرواية.","vol":"2","page":769},{"text":"المذهب الثاني: أنه يجوز ذلك، فيقول: \" أخبرنا وحدَّثنا \" في\nهذه المسألة بدون ذكر عبارة: \" قراءة عليه \".\nذهب إلى ذلك الإمام أبو حنيفة، ومالك، ومحمد بن الحسن،\nوأبو يوسف، والإمام أحمد في رواية أخرى عنه، والبخاري،\nوسفيان بن عيينة، وأبو يعلى، وأبو بكر عبد العزيز، ومعظم\nالحجازيين والكوفيين.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بالقياس على الشهادة، بيان ذلك:\nأن الراوي إذا قرأ على الشيخ، فلما فرغ قال له: هل سمعت\nأيها الشيخ؛ فقال: \" نعم \"، أو سكت - مع عدم المانع من\nالنطق -: كان هذا يعتبر إقرارًا من الشيخ أن قراءة الراوي عليه\nصحيحة، فكأنه بذلك قال له: \" نعم قراءتك صحيحة \"،\nوالجواب بلفظ: \" نعم \" خبر؛ قياسا على الشهادة، فلو قال\nشخص لعمرو: \" هل لزيد عليك خمسة ريالات؛ \"، فقال\nعمرو: نعم: كان للشاهد عليه أن يقول: \" أشهدني على نفسه\nبخمسة ريالات \" قال ذلك مع أنه لا يوجد إلا لفظ \" نعم \"،\nفكذلك في الرواية فإذا قال الشيخ: \" نعم \"، فإنه يكون.\nتقدير الكلام: \" نعم أخبرني بأني رويت له كذا \".\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nْالجواب الأول: أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛\nحيث إنه يوجد فرق بين الشهادة والرواية، كما سبق بيانه.","vol":"2","page":770},{"text":"الجواب الثاني: أن هذا الدليل لا يمنع من إيهام السماع من لفظ\nالشيخ، فيكون احتمال السماع من الشيخ قويًا؛ لذلك لا بد من\nذكر عبارة \" قراءة عليه \" منعا من ذلك الإيهام.\nالمذهب الثالث: التفصيل؛ بيانه:\nأنه يجوز أن يقول الراوي - وهو القارئ على الشيخ -: \"أخبرنا\nفلان بكذا \" مطلقا، أي: بدون ذكر لفظ \" قراءة عليه \"، ولا\nيجوز أن يقول: \" حدثنا فلان كذا \" مطلقًا، بل لا بد أن يقيد ذلك\nبقوله: \" قراءة عليه \" ذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب: بوجود الفرق بين \" أخبرنا \"،\nو\"حدَّثنا \"، وهو: أن الإخبار يستعمل في كل ما يتضمن الإعلام،\nأما التحديث فإنه لا يستعمل إلا فيما سمع من فيه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن بعض أهل الحديث قد اصطلح على التفريق\nبينهما بما ذكرزم، وهذا لا يلزمنا؛ لأن معنى \" حدَّثنا \"، و\" أخبرنا\"\nمتحد في اللغة؛ ذلك لأنه مشتق من الخبر والحديث وهي واحدة.\nثامنًا: إذا قال الشيخ: \" حدَّثنا \" فهل يجوز للراوي أن يبدل\nذلك بلفظ: \" أخبرنا \"، أو العكس؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز ذلك، فيجوز أن يقول الشيخ:\n\"حدَّثنا \"، ثم يقول الراوي القارئ عليه: \" أخبرنا \"، ويجوز\n-","vol":"2","page":771},{"text":"العكس، وهو أن يقول الشيخ: \" أخبرنا \"، فيقول الراوي القارئ\nعليه: \" حدَّثنا\".\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nوهو الحق: لما سبق من أن معنى \" حدَّثنا \" و\" أخبرنا \" متحد في\nاللغة؛ لاشتقاقه من الخبر والحديث، وهي واحدة.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز ذلك.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن يكون الشيخ\nمن الذين لا يرون التسوية بين \" أخبرنا \"، و\" حدَّثنا \"، فيكون\nكذباَعليه.\nجوابه:\nيجاب عنه بما سبق، وهو أن تفريقه بينهما لا يلزمنا ما دامت اللغة\nلم تفرق بينهما، فالمرجع في ذلك إلى لسان العرب.\nتاسعًا: إذا قال الشيخ \" حدَّثنا \"، أو \" أخبرنا \"، فهل يجوز\nللراوي أن يبدل ذلك بلفظ: \" سمعت فلانا \"؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك.\nوهو مذهب الجمهور.\nوهو الحق؛ لأن لفظ \" سمعت \" مشعر بأن شيخه هو الذي تولى\nالقراءة بنفسه، أي: هو الذي نطق، وهذا خلاف الحقيقة؛ لأن","vol":"2","page":772},{"text":"الحقيقة أن الراوي هو الذي قرأ على الشيخ، فقال الشيخ: نعم،\nأو سكت، وإذا كان مخالفًا لحقيقة الأمر الواقع فهو كذب.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز ذلك إذا علمنا بصريح قوله، أو بقرينة\nحاله أنه يريد بقوله: \" وهو سمعت فلانًا \" - القراءة على الشيخ\nدون سماع حديثه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا متفق عليه، وإنما الخلاف فيما إذا قال:\n\"سمعت فلانًا \"، وهو في الحقيقة قد قرأ على الشيخ، ولم يسمع\nمنه.\nعاشرًا: حقيقة الإجازة أن يقول الشيخ للراوي عنه: \" أجزت لك\nأن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي \"، وعند ذلك يجب\nالاحتياط في تعيين المسموع.\nوحقيقة المناولة أن يقول الشيخ للراوي عنه: \" خذ هذا الكتاب\nفأروه عني \"، أو يقول: \" خذ هذا وحدث به عني فقد سمعته من\nفلان \"، وهو اصطلاح قد اتفق عليه أهل الحديث؛ حيث إن\nأحدهم يناول الآخر كتابا فيقول: \" اروه عني \".\nوصيغة الراوي أن يقول: حدَّثني فلان إجازة \"، أو \" أخبرني\nفلان إجازة \".\nحادي عشر: بيان أن المناولة قسم من أقسام الإجازة.\nالحق أن المناولة تعتبر قسما من أقسام الإجازة، فالمناولة لا تخرج\nعن الإجازة؛ لأن الشيخ لو اقتصر على مجرد المناولة، وهو:\nاعطاؤه الكتاب دون اللفظ - أي: لم يقل له: \" اروه عني \" -","vol":"2","page":773},{"text":"لم تجز الرواية مطلقًا، أما لو اقتصر الشيخ على مجرد اللفظ - وهو\nقوله له: \" اروه عني \" - دون أن يناوله كتابا بيده فإنه يكفي ويغني،\nوتجوز الرواية بذلك؛ لأن الإذن إنما يستفاد من اللفظ، لا من إعطائه\nالكتاب، فبان أنه لا معنى للمناولة بدون إجازة، وحينئذ تعتبر\nالمناولة نوعًا من أنواع الإجازة.\nثاني عشر: حكم الرواية بالإجازة والمناولة.\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:\nالمذهب الأول: أنه تجوز الرواية بهما.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء، ومنهم: مالك، والشافعي،\nوأحمد.\nوهذا هو الحق؛ لدليلين هما:\nالدليل الأول: أن الطريق - وهو قول الراوي: حدثنا فلان عن\nفلان - إنما هو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، ومعرفة صحة\nالحديث حاصلة بالإجازة والمناولة؛ لأن المجيز عدل ثقة، والظاهر\nأنه لم يجز إلا ما علم صحته، وإلا كان بإجازته رواية ما لم يروه\nفاسقًا، وهو لا يمكن في العدل، وإذا علمت الرواية، أو ظننت\nبإجازته جازت الرواية عنه.\nالدليل الثاني: قياس الإجازة والمناولة على الراوي إذا قرأ على\nالشيخ، بيانه:\nأن الشيخ - وهو المجيز - إذا قال للراوي: \" هذا كتاب مسموعي\nفاروه عني \"، يكون ذلك بمنزلة ما إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو\nساكت، ولا فرق بينهما بجامع: أن الشيخ فيهما لم يتكلم بما في\nداخل الكتاب ومسموعاته.","vol":"2","page":774},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا تجوز الرواية بالإجازة والمناولة.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالقاضي حسين،\nوالماوردي، والروياني، وبعض الظاهرية كابن حزم، وبعض أهل\nالحديث كشعبة بن الحجاج، وأبي زرعة، وإبراهيم الحربي من\nأصحاب الإمام أحمد.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الشهادة على الشهادة لا\nتجوز بالإجازة والمناولة، فيقاس عليها الأخبار، فلا تجوز بالمناولة\nوالإجازة، ولا فرق بينهما.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن قياس الرواية على الشهادة قياس غير صحيح؛\nلأنه قياس مع الفارق، حيث إن الشهادة تفارق الرواية في أمور\nكثيرة، ومنها: أن شاهد الفرع لا يقبل مع وجود شاهد الأصل\nبخلاف الرواية، فإن رواية الراوي تقبل مع وجود شيخه الذي أخبر\nبهذا الخبر.\nثالث عشر: أنواع الإجازة:\nتتنوع الإجازة إلى أنواع:\nالنوع الأول: الإجازة بمعين لمعين مثل أن يقول الشيخ:\n\" قد أجزت لك الكتاب الفلاني \"، وهذا النوع أعلى أنواع الإجازة.\nالنوع الثاني: الإجازة لمعين في غير معين مثل أن يقول الشيخ:\n\"قد أجزت لك جميع مسموعاتي \"، وهذا يجوز عند الجمهور.\nالنوع الثالث: إجازة معين لمعين بوصف العموم مثل أن يقول:","vol":"2","page":775},{"text":"\"أجزت للمسلمين، أو لمن أدرك حياتي الكتاب الفلاني \"، وهذا\nجائز لمن كان موجودًا من المسلمين عند الإجازة.\nالنوع الرابع: إجازة المجاز مثل أن يقول الشيخ: \" أجزت لك\nما أجيز لي روايته \".\nالنوع الخامس: الإذن في الإجازة مثل أن يقول الشيخ: \" أذنت\nلك أن تجيز عني من شئت \".\nرابع عشر: إذا قال الراوي المجاز: \" حدَّثني فلان \"، أو قال:\n\" أخبرني فلان \" وأطلق، ولم يقيد ذلك بلفظ \" إجازة \"، فهل هذا\nيجوز؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، بل لا بد أن يقول: \" حدَّثني\nفلان إجازة \"، أو يقول: \" أخبرني فلان إجازة \".\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي، لأنه لو قال الراوي المجاز: \" حدَّثني فلان \"،\nأو أخبرني فلان \" بدون لفظ \" إجازة \" لأوهم ذلك أن الرواية\nبالتحديث على الحقيقة والسماع \" لأنها الأصل المتبادر إلى الذهن،\nومنعًا لهذا الوهم، قلنا: لا بد من ذكر لفظ \" إجازة \".\nالمذهب الثاني: أنه يجوز للراوي المجاز أن يقول: \" حدَّثنى \"،\nأو \" أخبرني \" بدوق ذكر لفظ \" إجازة \".\nذهب إلى ذلك الإمام مالك وأهل المدينة، وبعض الحنفية\nكالجصاص، والبزدوي، والدبوسي، وابن عبد الشكور.","vol":"2","page":776},{"text":"دليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقياس الإجازة والمناولة على السماع\nحيث قالوا: إن الإجازة والمناولة بمعنى إسماع الشيخ وقراءة الراوي\nعليه، فكأن الشيخ لا قال للراوي عنه: \" أجزت لك أن تروي عني\nهذا الكتاب \" أن الراوي قرأه عليه ولا فرق.\nجوابه:\nيجاب عن هذا بأن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛\nلأن الراوي المجاز لم يسمع من الشيخ شيئًا، ولم يقرأ على الشيخ\nشيئًا في الحقيقة، بل أعطاه كتابًا وقال: \" أجزت لك أن تروي عني\nهذا الكتاب \"، وليس في ذلك ما يفيد أنه سمع منه، أو قرأ عليه،\nفكيف يجعل في مرتبة السماع؟!\nخامس عشر: هل تجوز الإجازة للصبي والمجنون، والكافر والفا سق؟\nالحق: أنه تجوز الإجازة لهؤلاء، وذلك ليروي الصبي ما أجيز به\nإذا بلغ، ويروي المجنون ما أجيز به إذا عقل، ويروي الكافر ما أجيز\nبه إذا أسلم، ويروي الفاسق ما أجيز به إذا صلح وثبتت عدالته.\nسادس عشر: إذا قال الشيخ: \" - خذ هذا الكتاب وهو مسموعي \"\nولم يقل: \" اروه عني \" فهل تجوز الرواية عنه؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا تجوز الرواية عنه مطلقًا.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لدليلين:","vol":"2","page":777},{"text":"الدليل الأول: أن جواز الرواية يستفاد من عبارة: \" اروه عني \"\nفهذه العبارة علامة على الإذن، وما دام أن هذه العبارة لم ترد من\nالشيخ - وهو المجيز - فهو لم يأذن بالرواية عنه؛ لأنه ليس في\nالكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه، ولا على صحة\nالحديث نفسه، فيحتمل - احتمالًا قويًا - أن الشيخ لم يقل: \" اروه\nعني \" نظرًا لكونه يعرف أن في هذا الكتاب أو بعضه خللًا قد منع من\nإذنه لروايته عنه، فلم يجوز ذلك، فامتنع من قوله: \" اروه عني \".\nالدليل الثاني: قياس المناولة على الشهادة، بيان ذلك:\nإن الشاهد لو قال: \" عندي شهادة بكذا \"، ولم يقل: \" أذنت\nلك أن تشهد على شهادتي \" لا يجوز - حينئذٍ أن يشهد بها،\nفكذلك الرواية إذا قال الشيخ: \" هذا مسموعي \"، ولم يقل:\n\"اروه عني \"، فإنه لا يجوز أن يروي هذا الكتاب، ولا فرق بينهما\nفي ذلك.\nالمذهب الثاني: أنه إذا قال الشيخ: \" خذ هذا الكتاب \"، أو\nقال: \" هذا سماعي \"، ولم يقل: \" اروه عني \"، فإنه يجوز\nللراوي أن يرويه عنه.\nذهب إلى ذلك ابن الصباغ الشافعي وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الشيخ لو علم أن في\nبعض مروياته الموجودة، في الكتاب الذي ناوله الراوي خللًا لما قال\nللراوي: \" خذ هذا الكتاب أو هذا مسموعي \"؛ لأنه يكون بهذا\nالقول قد غش المسلمين ودلس عليهم.","vol":"2","page":778},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأن الإنسان قد يوجد منه تساهل في إلقاء الكلام،\nولكن عندما يكون هذا الكلام يترتب عليه عمل في الشريعة يتوقف\nعن ذلك.\nفلا يمتنع أن يقول الشيخ للراوي: \" خذ سماعي \"، أو أن\nيقول: \" هذا سماعي \"، ليروي عنه، ولكن بشرط أن يتحقق حال\nروايته له فيما بعد، فإذا تحقق من ذلك وقال له: \" اروه عني \" فإنه\nحينئذٍ يجوز للراوي أن يروي عنه، أما قبل أن يتلفظ بذلك فلا يجوز.\nسابع عشر: حقيقة الوجادة هي: ما أخذ من العلم من صحيفة\nمن غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة، وهي عند الحدثين: أن\nيجد الراوي شيئًا من الأحاديث مكتوبًا بخط الشيخ الذي يعرفه ويثق\nبأنه خطه حيًا كان الكاتب أو ميتًا.\nولا تجوز الرواية هنا، فلا يجوز أن يقول: \" حدَّثني، أو حدَّثنا،\nأو أخبرني، أو أخبرنا فلان إجازة ولا غيرها \"؛ لأن روايته بذلك\nشهادة عليه بأنه قاله، وهذا ليس بصحيح، فيكون كذبًا.\nولكن الشخص إذا وجد صحيفة مكتوبة بخط شيخه له أن يقول:\n\" رأيت مكتوبًا في كتاب بخطٍ ظننت أنه خط فلان \" يقول ذلك؛\nلأن الخط قد يشبه الخط.\nثامن عشر: إذا قال الشيخ: \" هذا خطي \" يقبل قوله، ولكن لا\nيروى عنه ما لم يأذن بروايته عنه بصريح قوله بأن يقول: \" اروه عني \"\n- كما سبق - أو يكون الإذن بقريتة حاله في الجلوس لرواية الحديث.\nتاسع عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب ووجده، ولم يذكر","vol":"2","page":779},{"text":"سماعه، ولا قراءته، لكن غلب على ظنه سماعه كما يراه من خطه\nالذي توثق منه، فهل يجوز له روايته والعمل به؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز له روايته، والعمل به.\nذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، كما نسبه إليه الآمدي في\n\"الإحكام \"، والإمام أحمد كما ذكر ذلك أبو يعلى في \" العدة \"،\nوأبو الخطاب في \" التمهيد \"، واختاره أبو يوسف، ومحمد بن\nالحسن، كما ذكر ذلك السرخسي في \" أصوله \".\nوهذا هو الصحيح عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: رجوع الصحابة إلى كتب النبي - ﷺ - والعمل عليها، فقد كان الصحابة - رضوان اللَّه عنهم - يعتمدون على كتب النبي - ﷺ - التي ينقلها آحاد الصحابة، وكانوا يعملون بها مثل عملهم على كتب الصدقات، وعملهم على كتاب عمرو بن حزم، وهو الكتاب الذي كتبه النبي - ﷺ - في - الديات، وبعث به إلى أهل نجران، ثم رواه الناس عن آل عمرو بن حزم من بعده، كما ذكر ذلك النسائي، والدارقطني، فهذا من أدل الدليل على الرجوع إلى الخط والكتاب.\nالدليل الثاني: أن الرواية قد بني أمرها على حسن الظن،\nوغلبته، والمسامحة، ومراعاة الظاهر من الحال، ألا ترى أن الرواية\nتقبل من العبيد والنساء، ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، كل ذلك\nدل على خفتها، فإذا وجد الراوي سماعه، وغلب على ظنه أنه\nسمعه كما يراه من خطه الذي توثق منه، فإنه تجوز الرواية بذلك،\nوالعمل به.","vol":"2","page":780},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يرويه، ولا يعمل به إلا أن يذكر\nسماعه.\nذهب إلى ذلك أبو حنيفة، كما ذكر ذلك السرخسي في \" أصوله \"\nوتبعه على ذلك بعض الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقياس الرواية على الشهادة، بيان\nذلك:\nكما أنه لم يجز أن تؤدى الشهادة معتمدًا على خطه - ولم يذكر\nشهادته - فكذلك الخبر لا يجوز أن يرويه معتمدًا على خطه إذا لم\nيذكر سماعه؛ والجامع: أن كل واحد منهما يحتاج فيه إلى معرفة\nالمخبر عنه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن دليلكم مبني على قياس الرواية على الشهادة؛\nولا نسلم هذا القياس ولا يصح؛ لأمرين هما:\nالأمر الأول: أنكم قستم على شيء لم يتفق عليه الخصمان؛\nحيث إن المقاس عليه وهي - الشهادة - يجوز - فيها - أن يشهد إذا\nعرف خطه، ولم يخرج عن يده، وإن لم يذكر شهادته هذا عند\nبعض العلماء، ومنهم الإمام أحمد.\nفإذا كان هذا يجوز في الشهادة فمن باب أوْلى جوازه في الرواية؛\nحيث إن الشهادة آكد من الرواية، فحينئذ إذا وجد سماعه في كتاب\nبخطه الذي يثق به، فإنه يجوز أن يرويه وإن لم يذكر سماعه.\nالأمر الثاني: على فرض أن المقاس عليه متفق عليه وهو:","vol":"2","page":781},{"text":"أنه لا يشهد إذا عرف خطه، فإن قياسكم فاسد أيضًا؛ لأنه قياس مع\nالفارق \" حيث إنه اعتبر. في الشهادة من الاحتياط والتأكد ما لم يعتبر\nمثله في الرواية كما سبق.\nعشرون: إذا شك في سماع حديث من شيخه، فهل يجوز روايته عنه؟\nإن الراوي إذا شك في سماع حديث واحد من شيخه وتردد فيه:\nهل سمعه منه أو لا؛ فإنه لا يجوز له أن يرويه عنه، فلو وجد في\nمسموعاته عن الزهري - محمد بن مسلم المدني - حديثًا معينا شك\nأنه سمعه من الزهري أم لا؛ لم يجز أن يرويه عنه ويقول: \"سمعت\nالزهري \"، ولا يقول: \" قال الزهري \"، ولا يقول: \" أخبرنا أو\nحدَّثنا الزهري \"، أو نحو ذلك.\nدليل ذلك: أن روايته عنه، وقوله: \" قال فلان \"، أو \"سمعت\nفلانًا \"، أو نحو ذلك يعتبر شهادة عليه، والشهادة لا بد فيها من\nالجزم والعزم والعلم \" حيث لا شهادة مع التردد والشك، ولا يوجد\nعلم مؤكد، - بل شك في سماعه، فلا يجوز أن ينسبه إليه مع هذا\nالشك، فلعله سمعه من غيره، فهو كمن سمع إقرارًا ولم يعلم أن\nالمقر زيد، أو عمرو، فلا يجوز أن يجزم أنه زيد كما لا يجوز أن\nيجزم أنه عمرو.\nواحد وعشرون: إذا شك في سماع حديث والتبس عليه مع غيره\nفما الحكم؟\nإن الراوي إذا روى كتابًا عنْ بعض المحدثين فيه مائة حديث\n- مثلًا - وشك في سماع حديث واحد منها، ولم يستطع أن يعين هذا","vol":"2","page":782},{"text":"الحديث ولا تميزه من مسموعاته والتبس عليه، فالحكم والحالة هذه\nأنه لا يجوز أن يروي شيئًا من جميع تلك الأحاديث المائة.\nدليل ذلك: أن الرواية عنه تعتبر شهادة عليه، والشهادة لا تجوز\nمع الشك والتردد، فهنا ما من حَديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي\nلم يسمعه من شيخه، فلذلك يتركها جميعها احتياطا.\nثاني والعشرون: ما الحكم إذا غلب على ظنه في حديث أنه\nمسموع من شيخه؛\nإذا غلب على ظن الراوي أن حديثًا قد سمعه من شيخه - ولكنه\nلم يقطع بذلك، فهل يجوز أن يرويه أو لا؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: يجوز أن يرويه.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق؛ لأن الراوي العدل الثقة إذا غلب على ظنه وجود\nشيء فهو صدق يجب العمل على مقتضاه في حين أنه لا معارض\nلذلك، وغالب الأحكام مبناها على غلبة الظن، وهذا منها: فإن\nالراوي العدل الثقة قد غلب على ظنه أنه سمع الحديث من شيخه،\nفعليه أن يعمل بذلك فيرويه؛ عملًا بغلبة الظن.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يرويه، أي: لا يجوز للراوي أن\nيروي حديثًا قد غلب على ظنه أنه سمعه من شيخه، بل لا بد من\nالجزم في ذلك وإلا يتوقف.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء، ومنهم الغزالي في \" المستصفى\".","vol":"2","page":783},{"text":"دليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقياس الرواية على الشهادة، بيانه:\nأن الشهادة لا بد فيها من العلم والجزم، فالشاهد يجب عليه أن\nيتأكد ويتحقق؛ لأن تكليفه أن لا يشهد إلا على المعلوم، وكذلك\nالراوي لا سبيل إلى معرفة صدق الشيخ، ولكن له طريق إلى معرفة\nقوله بالسماع، فإذا لم يتحقق ويتأكد من السماع، فلا يروي.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nأولهما: أن هذا قياس للرواية على الشهادة، وهو قياس فاسد؛\nلأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشهادة يحتاط فيها، ويحترز منها ويتأكد\nمنها، ويعتبر فيها أشياء لا تعتبر في الرواية كما سبق.\nثانيهما: أننا قلنا إذا غلب على ظن الراوي: أن هذا الحديث قد\nسمعه من شيخه بأمارات وقرائن، فإنه يجوز أن يرويه ويعمل به؛\nلأنه إذا غلب على ظنه فإنه يكون راجحًا، والعمل بالراجح متعين،\nوجل الأحكام الشرعية مبنية على الظنون، ولو قصرنا ذلك على\nالقطع، لانتفت أكثر الأدلة مما يؤدي إلى تعطيل أكثر الحوادث بلا\nأحكام.\nثالث وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ الحديث إنكارًا صريحًا؟\nإذا أنكر الشيخ العدلى الحديث الذي رواه عنه الفرع - وهو الراوي\nالفرع - إنكار جحود وتكذيب للفرع بصورة صريحة كقوله - مثلًا -:\n\" كذب عليَّ \"، أو \" ما رويت له قط \": فالحكم هنا: أن الحديث\nلا يقبل، فيمتنع العمل بهذا الحديث اتفاقًا.","vol":"2","page":784},{"text":"دليل ذلك: أن كل واحد منهما - أعني: الشيخ والفرع الراوي\nعنه - موصوف بالعدالة والثقة، وكل منهما مكذب للآخر فيما\nيدعيه، فلا بد أن يكون أحدهما - غير معين - كاذب، وهذا\nموجب للقدح في الحديث.\nلكن ذلك لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين؛ لأنه وقع\nالشك في كذبه، والأصل العدالة، وهي متيقنة، فلا يترك اليقين\nبالشك.\nوفائدة ذلك: تظهر في قبول رواية كل واحد منهما في غير ذلك\nالحديث الذي أنكره الشيخ، هذا إذا كان الإنكار صريحًا.\nرابع وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ الحديث إنكارًا غير\nصريح وهو التوقف؟\nإذا أنكر الشيخ الحديث إنكارًا غير صريح بأن يقول - مثلًا -:\n\"لست أذكر ذلك الحديث \"، أو نحو ذلك: فقد اختلف العلماء هل\nيقدح ذلك الإنكار في الحديث فلا يقبل، أو لا يقدح فيقبل؛ على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يقدح في الحديث، بل يقبل ويُعمل به.\nذهب إلى دلك الإمام مالك، والشافعي، وأحمد في رواية عنه،\nوجمهور العلماء، وبعض الحنفية كمحمد بن الحسن.\nوهو الصحيح عندي، لدليلين:\nالدليل الأول: أن الراوي - وهو الفرع - موصوف بالعدالة\nوالثقة، وقد روى هذا الحديث، وقد جزم بهذه الرواية عن الشيخ\nفي حين أن الشيخ لم يكذبه، ولم ينكر حديثه على وجه العزم، بل","vol":"2","page":785},{"text":"كل ما قاله: \" لست أذكره \"، وهذا لا يفيد إنكاره بصراحة، فهذا\nكله يقتضي ترجيح صدق الراوي - وهو الفرع -، وإذا كان صادقا\nفيجب قبول الحديث الذي رواه والعمل به.\nأما قول الشيخ، فإنه يحمل على أنه قد نسي هذا الحديث، لأن\nالنسيان غالب على الإنسان، ولا يمكن لأي شخص أن يتذكر كل ما\nحفظ في عمره في لحظة واحدة.\nالدليل الثاني. ما ثبت في سن أبي داود عن ربيعة بن أبي عبد\nالرحمن - ربيعة الرأي - عن سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة:\nأن النبي - ﷺ - قضى باليمن مع الشاهد، فذكر ذلك لسهيل فقال:\n\"أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه، ولا أحفظه،\nفلم ينكره أحد من التابعين، فكان ذلك إجماعًا على قبول الحديث\nوالعمل به، إذا رواه الراوي وإن لم يذكره الشيخ.\nما وجه إلى هذا الدليل من الاعترضات:\nالاعتراض الأول: قال المعترض فيه: إن هذه القصة لا حُجَّة\nفيها، لاحتمال أن سهيلًا قد ذكر الرواية لما روى ربيعة عنه، ومع\nالذكر فالرواية تكون مقبولة.\nجوابه:\nيجاب عنه بأن النص الذي ذكره أبو داود في سننه يُضعِّف هذا\nالاعتراض، حيث قال سهيل: \" أخبرني ربيعة أني حدَّثته إياه \" فلو\nصح ما قاله ذلك المعترض - وهو أن سهيلًا قد تذكر - لما ذكر\nربيعة، إذ لا حاجة إلى ذلك، ولروى سهيل عن شيخه مباشرة كما\nلو نسي ثم تذكر بنفسه، ولكنه ذكر ربيعة، فهذا يقوي ما قلناه.\nالاعتراض الثاني: قال المعترض: إنكم قلتم بأن التابعين قد","vol":"2","page":786},{"text":"أجمعوا على جواز مثل ذلك، ولا نسلم ذلك الإجماع؛ إذ لا دليل\nعليه، وعلى فرض صحة الإجماع، فإنه لا يلزم منه وجوب العمل\nبالحديث إذا أنكره الشيخ إنكار توقف؛ حيث إن سهيلًا لم ينقل ذلك\nعن طريق تصحيح روايته، وإنما كان يقوله على طريق حكاية الواقعة\nبزعمه، وهذا لا يدل على وجوب العمل، وإنما يدل على جواز\nقول الأصل بعد النسيان: \" حدثني الفرع عني \"، وهذا لا يلزم منه\nوجوب العمل ولا جوازه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن إجماع التابعين صحيح؛ لأنه لم ينكر أحد على\nسهيل فيما قاله؛ إذ لو وجد إنكار لنقل، ولكن لم ينقل شيء من\nذلك فيعتبر ذلك إجماعًا سكوتيًا، وبناء على هذا الإجماع فإنه يلزم\nالعمل بمقتضى الخبر.\nالمذهب الثاني: أن إنكار الشيخ للحديث إنكارًا غير صريح يقدح\nفي الحديث فلا يقبل.\nذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، ومنهم أبو الحسن الكرخي،\nوالجصاص، وأبو زيد الدبوسي، وأبو عبد اللَّه الصيمري،\nوالبزدوي، والنسفي، وهو ظاهر كلام السرخسي في أصوله،\nونسبه إلى أبي حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذ. االمذهب بقياس الرواية على الشهادة، بيان\nذلك:\nأنه لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين، فإذا نسي شاهدا","vol":"2","page":787},{"text":"الأصل الشهادة وقالا: لا نذكر ولا نحفظ شيئًا: ففي هذه الحالة لا\nيجوز للحاكم العمل بشهادة شاهدي الفرع، فكذلك هنا في\nالرواية، فإن الأصل - وهو الشيخ المروي عنه - لم يصدِّق الفرع -\nوهو الراوي عنه، وإنما توقف في ذلك ونسي ما رواه الفرع عنه،\nفلا يجوز العمل بروايته عنه بجامع: الفرعية والنسيان في كل منهما.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنكم قستم الرواية على الشهادة في ذلك، وهذا\nالقياس فاسد؛ لأن قياس مع الفارق؛ حيث إنا بينا - فيما سبق -\nأن الشهادة تفارق الرواية وتختلف عنها في أمور كثيرة؛ فباب الشهادة\nأضيق من باب الرواية وأغلظ حكمًا، وقد اعتبر في الشهادة من\nالاحتياط والشروط والقيود ما لم يعتبر في الرواية، فكيف يقاس\nأحدهما على الآخر مع الاعتراف بتلك الفروق.\nومن هذه الفروق بينهما - مما يخص الموضوع الذي نحن\nبصدده -: أن شهادة الفرع - وهو الذي شهد على شهادة الأصل - لا\nتسمع مع وجود شاهد الأصل والقدرة على سماع الشهادة منه مباشرة\nعلى مذهب جمهور العلماء.\nبخلاف الرواية: فإن رواية الفرع تسمع وتقبل ويعمل بها مع\nالقدرة على السماع من الأصل وهو الشيخ.\nدل على ذلك ما يلي:\n١ - أن النبي - ﷺ - كان يرسل رسله وسعاته أفرادًا وجماعات إلى القبائل، وأطراف البلدان، فيخبرون المسلمين في هذه البلدان بما جد من الأحكام الشرعية، فكان هؤلاء يسمعون ذلك ويلزمون أنفسهم","vol":"2","page":788},{"text":"بالعمل بتلك الأعمال أخذًا من هؤلاء الرواة، ولا يرجعون إلى النبي\n- ﷺ - مع استطاعتهم على الرجوع إليه.\n٢ - أن أهل قباء تحولوا من التوجه إلى بيت المقدس إلى الكعبة\nبقول واحد، ولم يرجعوا إلى النبي - ﷺ - مع استطاعتهم على ذلك.\n٣ - أنه كان أبو طلحة، وأبو عبيدة، وأبي بن كعب يشربون\nالخمر - قبل أن تحرم - فجاء آتٍ، وقال لهم: إن الخمرة قد\nحرمت، فقبلوا ذلك منه، فأمروا أنسًا بإراقة ما في الجرار من الخمر\nفهؤلاء عملوا بهذا الخمر، دون مراجعة النبي - ﷺ - مع القدرة على ذلك.\nفهذه أدلة على أن رواية الفرع تسمع ويعمل بها مع القدرة على\nسماع رواية الأصل.\nأما الشهادة على الشهادة فلا تسمع شهادة الفرع مع القدرة على\nسماع شهادة الأصل.\nفإذا افترقا في ذلك، فإنهما كذلك يفترقان في هذه المسألة،\nوهي: أن شاهد الأصل إذا نسي الشهادة، فإنه لا يجوز العمل\nبشهادة شاهد الفرع.\nبخلاف الرواية، فإن راوي الأصل - وهو الشيخ - إذا نسي\nالرواية فإنه يجوز للراوي - وهو الفرع - أن يروي وتقبل روايته،\nوذلك لأن الرواية يتوسع فيها أكثر من الشهادة كما سبق بيانه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، وهو واضح.","vol":"2","page":789},{"text":"المسألة السابعة عشرة: زيادة الثقة في الحديث هل تقبل؟\nالمسألة تحتاج إلى تفصيل:\nأولًا: إن كانت الزيادة مخالفة للمزيد عليه، بحيث لا يمكن\nالجمع بينهما: كانا متعارضين، ولا يمكن أن نرجح أحدهما إلا\nبمرجح خارجي.\nثانيًا: وإن كانت الزيادة غير مخالفة للمزيد عليه، بل موافقة\nمثل: \" ما روي أن - ﷺ - دخل الكعبة فصلى بين العمودين\nاليمانيين \" وما روي: \" أن النبي - ﷺ - دخل الكعبة وكبر، ولم يصل فيها \"، فهنا لا تنافي بين الروايتين، وفي ذلك تفصيل كما يلي:\n١ - إن علم تعدد المجلس: قبلت الزيادة اتفاقًا؛ لأنه لا يمتنع أن\nيذكر النبي - ﷺ - الزيادة في مجلس، ويتركها في مجلس آخر، فيكون راوي الزيادة قد حضر المجلس الذي ذكرت فيه تلك الزيادة،\nأما الآخر فلم يحضر ذلك المجلس.\n٢ - إن لم نعلم ذلك، أي: جهلنا أن المجلس متعدد، أو\nمتحد، فإنا نقبل تلك الزيادة؛ لأن ذاكر تلك الزيادة قد توفرت فيه\nشروط الراوي، ومنها: العدالة والثقة، فيترجح صدقه، وإذا\nترجح صدقه وجب قبول قوله، والمعارض له لم ينف احتمال تعدد\nالمجلس.\n٣ - إن علمنا أن المجلس واحد ففيه تفصيل:\n(أ) فإن كان الذي نقل الزيادة واحدًا، والذي نقل الخبر بدون\nزيادة جماعة، لا يجوز في العادة ذهولهم عما ضبطه الراوي الواحد\nوانفرد به: فإن الزيادة - حينئذٍ - لا تقبل؛ وذلك لأن تطرق الخطأ","vol":"2","page":790},{"text":"والسهو والغفلة إلى الواحد فيما نقله من الزيادة أقرب من تطرق ذلك\nإلى هؤلاء الجماعة.\n(ب) أما إن كان الذي نقل تلك الزيادة واحد، والذي نقل الخبر\nبدون زيادة واحد أيضًا، ففيه تفصيل:\nإن كان ناقل الزيادة أشهر ممن لم ينقل الزيادة بالحفظ والضبط\nوالعدالة والثقة، فإن الزيادة تقبل لتلك الشهرة بالأوصاف السابقة.\nوإن كان العكس فالعكس، أي: إن كان الذي لم ينقل الزيادة\nأشهر ممن نقل الزيادة بالحفظ والضبط والثقة والعدالة: لم تقبل تلك\nالزيادة.\nأما إن تساويا في جميع تلك الأوصاف، أي: أن ناقل الزيادة\nقد تساوى مع من لم ينقل الزيادة في الحفظ والضبط والعدالة وجميع\nشروط الراوي، فهذا هو الذي اختلف فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن تلك الزيادة تقبل مطلقا، سواء كانت تلك\nالزيادة معنوية كما سبق، أو لفظية، كما روي: أن النبي - ﷺ - قال في رواية: \" إذا قال الإمام: سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد \"، وروي عنه أنه قال: \" ربنا لك الحمد \" بحذف الواو.\nوهذا هو الحق عندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن العدل الثقة لو انفرد بنقل حديث لقبل،\nفكذلك لو انفرد بزيادة ولا فرق بجامع: رواية العدل الثقة الجازم\nلكل منهما.\nالدليل الثاني: أن من أتى بالزيادة قد وصف بالعدالة والثقة، وقد\nجزم بتلك الزيادة، ولم يوجد له مخالف، فهذا يغلب صدقه على","vol":"2","page":791},{"text":"كذبه، وإذا غلب صدقه فلا يجوز تكذيبه، وإذا لم يجز تكذيبه\nفيجب قبول ما أتى به من الزيادة.\nالدليل الثالث: أن انفراد الثقة العدل بحفظ زيادة في الحديث غير\nممتنع عقلًا ولا شرعا؛ لأنه ممكن وواقع - كما سبق - وما دام أنه\nيمكن رواية الزيادة، فإنه يجب قبولها؛ نظرًا لورودها من شخص قد\nاتفق على قبول كل ما رواه.\nالمذهب الثاني: أن تلك الزيادة لا تقبل.\nذهَب إلى ذلك بعض الظاهرية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه يبعد انفراد هذا الراوي بحفظ تلك الزيادة مع\nإصغاء الآخر للحديث واستماعه له مع اتحادهما بالثقة والعدالة\nوالضبط والحفظ، فتكون هذه الزيادة قد توهمها من أتى بها فلا\nتقبل.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك: بأن الراوي قد قطع بسماع تلك الزيادة،\nوالآخر ما قطع بنفيها، وكون ذلك الراوي لم ينقل تلك الزيادة التي\nتفرد بها ذلك الراوي، فلاحتمالات كثيرة.\nمنها: كون راوي الزيادة قد. حضر جميع المجلس، بينما الذي لم\nيرو الزيادة قد دخل في أثناء المجلس، ففاته ما قيل في أوله.\nومنها: أن راوي الزيادة قد حضر جميع المجلس، وسمع كل ما\nقيل فيه، أما الذي لم يورد الزيادة، فإنه حضر أول المجلس، ثم\nخرج في آخره لشيء أوجب خروجه وقيامه.","vol":"2","page":792},{"text":"ومنها: أن راوي الزيادة قد حضر جميع المجلس، وسمع كل ما\nقيل فيه، أما الآخر وهو الذي لم ترد الزيادة في حديثه، فإنه عرض\nله في أثناء المجلس ما يزعجه ويدهشه عن الإصغاء لكلام الشيخ.\nومنها: أن الذي لم يرو الزيادة قد نسيها، بينما حفظها الآخر.\nوغير ذلك من الاحتمالات، وإذا تطرقت هذه الاحتمالات فلا\nيبعد انفراد هذا الراوي بحفظ زيادة.\nالدليل الثاني: أنه قد جرت عادة الراوي بتفسير الحديث، فيزيد\nلفظًا من أجل ذلك، فربما ظنها من سمع منهم أنها من قول النبي\n- ﷺ - فيرويها، وليست من قوله.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا بعيد جدًا، لأن العدل الثقة الضابط المثبت\nيظهر من حاله أنه لا يدرج في كلام النبي - ﷺ - ما ليس فيه لما فيه من التدليس والتلبيس.\nولو قبلنا مثل هذا الاحتمال فما من حديث إلا ويمكن أن يتطرق\nإليه مثل ذلك الاحتمال، مما يؤدي إلى الشك في جميع الأحاديث\nأن فيها زيادات، وهذا يبطلها كلها - وهذا لا يمكن -.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي له أثره في الأحكام الفقهية، وهو واضح،\nفعلى مذهبنا وهو المذهب الأول، فإنه يؤخذ، ويعمل بما دلَّ عليه\nالخبر، وما دلت عليه الزيادة، وعلى المذهب الثاني فإنه يعمل بما دل\nعليه الخبر فقط، ولا يعمل بما دلت عليه الزيادة.","vol":"2","page":793},{"text":"المسألة الثامنة عشرة: مخالفة الراوي للحديث الذي رواه:\nإذا روى الراوي العدل حديثا، وروي عنه: أنه قد عمل بخلافه،\nفهل نعمل بالحديث، ونترك عمله المخالف له أو نترك الحديث ونعمل\nبما رآه وعمل به؟\nالحق أن في ذلك تفصيلًا هو كما يلي:\nأولًا: إن علمنا مأخذه ودليله على مخالفته للحديث الذي رواه،\nوكان هذا المأخذ وهذا الدليل مما يوجب حمل الحديث على ما ذهب\nإليه وجب اتباع ذلك الدليل، وترك الحديث لأجل ذلك الدليل\nالذي أوجب مخالفته، لا لأن الراوي عمل به؛ لأنه ليس عمل أحد\nالمجتهدين حُجَّة على المجتهد الآخر.\nثانيًا: إن جهلنا مأخذه ودليل الراوي على مخالفة الحديث الذي\nرواه، فقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنة يجب العمل بالحديث، وترك عمل الراوي\nمطلقا.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن الراوي قد توفرت فيه شروط الرواية، وقد\nجزم بروايته للحديث عن النبي - ﷺ -، وهذا هو الأصل في وجوب العمل بالحديث.\nأما عمل الصحابي بخلاف ما روى فيتطرق إليه عدة احتمالات:\nومنها: احتمال أنه قد نسى الحديث، ومنها: احتمال أنه قد\nحمل الحديث على أحد محامله وقد أخطأ فيه، ومنها: أنه قد اطلع","vol":"2","page":794},{"text":"على وجود ناسخ للحديث، وقد يكون ناسخا في ظنه، ولا يكون\nناسخًا عند غيره من المجتهدين، ومنها: احتمال أنه خالفه لدليل\nأقوى من الحديث وقد أخطأ فيه، أو هو مما يقول به دون غيره مق\nالمجتهدين كما فعل الإمام مالك، حيث ترك حديث خيار المجلس؟\nلأنه خالف إجماع أهل المدينة، وإذا تردد عمل الراوي بين تلك\nالاحتمالات، فلا يترك ما جزم به، وهو ثبوت الحديث عن النبي\n- ﷺ - من أجل شيء دخله الشك والاحتمال.\nالدليل الثاني: أن قول الرسول - ﷺ - حُجَّة، وقول الراوي أو عمله ليس بحُجَّة، وبناءعلى ذلك لا يقدم ما ليس بحُجَّة على ما\nهو حُجة.\nالمذهب الثاني: أنه يقدم عمل الراوي، ويترك الحديث الذي رواه.\nذهب إلى ذلك كثير من الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الراوي قد ترك العمل\nبالحديث إما لأمر أوجب الترك، أو فعل ذلك تحكمًا.\nفإن فعل ذلك تحكمًا فهذا باطل؛ لأن عدالته تمنع من ذلك.\nفلم يبق إلا الأول وهو: أنه قد ترك العمل بالحديث لأمر أوجب\nالترك، فيجب متابعته في ذلك؛ لأن حسن الظن بالراوي يقتضي\nتقديم ما فعله على ما رواه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا الأمر الذي اقتضى ترك العمل بالحديث قد","vol":"2","page":795},{"text":"يكون ثابتًا عنده بالاجتهاد كما قلنا في الاحتمالات السابقة، وما ثبت\nعنده قد يكون غير ثابت عند غيره من المجتهدين، فما ظهر في نظره\nلا يكون حُجَّة على غيره، وإذا احتمل هذا وهذا فلا يترك النص\nالذي لا احتمال فيه لأمر محتمل.\nويدل على حسن الظن بالراوي المخالف لروايته: أننا قد عملنا\nبالحديث الذي خالفه؛ إذ لو كنا نسيء الظن به لما علمنا بروايته\nأصلًا، أما عمله الذي خالف به ما رواه فلا نعمل به؛ نظرًا لما يعتريه\nمن الاحتمالات التي ذكرنا بعضها.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي له أثره في بعض المسائل الفقهية\nومنها:\n١ - هل يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا أو ثلاثا؛ على\nقولين:\nالقول الأول: أنه يجب غسل الإناء من ذلك سبع مرات لحديث\nأبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قال: \" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ... \"، وهذا هو قول أصحاب المذهب الأول السابق وهم الجمهور.\nالقول الثاني: أن الواجب غسل الإناء من ذلك ثلاث مرات؛\nلأن أبا هريرة قد خالف ما رواه وغسل ثلاثا، وهو قول أكثر الحنفية.\n٢ - هل يشترط الولي في النكاح؟\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يشترط الولي في النكاح.\nوهو مذهب أصحاب المذهب الأول السابق في المسألة مستدلين","vol":"2","page":796},{"text":"بحديث عائشة وهو: أنه - ﷺ - قال: \" أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل.. \".\nالقول الثاني: أنه لا يشترط الولي في النكاح.\nوهو قول أصحاب المذهب الثاني، وهم أكثر الحنفية مستدلين بأن\nعائشة قد زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن بدون إذنه على المنذر بن\nالزبير، وبهذا خالفت ما روته، وبهذا يسقط الاستدلال بذلك\nالحديث.\nوقد بحثت هذه المسألة بالتفصيل في كتاب سميته \" مخالفة\nالصحابي للحديث النبوي الشريف \" قد طبع في مجلد فارجع إليه إن شئت.\n***\nالمسألة التاسعة عشرة: مخالفة أكثر الأمة لخبر الواحد:\nالحق: أنه إذا عمل أكثر الأمة بما يخالف حديثا من الأحاديث،\nفإنه يعمل بالحديث، ويترك عمل الأكثر؛ لأن عمل أكثر الأمة حجة\nظنية، وخبر الواحد وإن كان يفيد الظن في سنده إلا أننا نرجح\nالعمل به؛ لأن الراوي العدل قد جزم بسنده إلى النبي - ﷺ -، فيكون قولا للنبي - ﷺ -، وقوله حُجَّة فيعمل به لذلك.\n***\nالمسألة العشرون: خبر الواحد إذا خالف القياس:\nلقد اختلف في ذلك على ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه إذا تعارض خبر الواحد مع القياس، فإنه يقدم\nخبر الواحد مطلقا.","vol":"2","page":797},{"text":"ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق \" للأدلة التالية:\nالدليل الأول: حديث معاذ، وهو أنه لما بعثه إلى اليمن قال له:\n\" بِمَ تقضي؛ \" قال: بكتاب الله، قال: \" فإن لم تجد؟ \"\nقال: بسُنة رسول اللَّه - ﷺ -، قال: \" فإن لم تجد؟\n\" قال: أجتهد رأيي ولا آلوا، فصوبه النبي - ﷺ -.\nوجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - أقر معاذًا على تقديم السُّنَّة على العمل بالاجتهاد الذي يعتبر القياس نوعا من أنواعه من غير تفريق بين السُّنَّة المتواترة والسنَّة الآحادية، وهذا يفيد تقديم الخبر على القياس\nإذا تعارضا.\nالدليل الثاني: إجماع الصحابة السكوتي على تقدرم خبر الواحد\nعلى القياس.\nبيان ذلك: أن بعض الصحابة كانوا إذا حدثت حادثة فإنهم\nيبحثون عن حكمها في كتاب اللَّه، فإن لم يجدوا فيه، بحثوا عنه\nفي السُّنَّة، فإن لم يجدوا حكمها اجتهدوا بأنواع الاجتهادات،\nومنها: القياس، فكانوا لا يستدلون بقياس ولا بغيره من أنواع\nالاجتهادات إلا إذا لم يجدوا نصا، كان هذا فعل بعضهم، ولم\nينكر عليهم أحد؛ إذ لو أنكر لبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من\nذلك، فكان إجماعا سكوتيا، والأمثلة على ذلك كثيرة.\nومنها: أن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب قضى\nبالإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر،\nوفي التي تفي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست، فحكم بذلك لما\nعرف أن النبي - ﷺ - قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة","vol":"2","page":798},{"text":"أطراف مختلفة الجمال والمنافع، فحكم لكل واحد من الأطراف\nبقدره من دية الكف، وهذا يعتبر قياسا على الخبر، ووافقه من سمع\nمن الصحابة على ذلك، فلما علم بكتاب عمرو بن حزم في\nالديات، حيث إن النبي - ﷺ - قال فيه:\n\" وفي كل إصبع مما هنا لك عشر من الإبل \"\nرجع إليه هو ومن وافقه من الصحابة.\nومنها: أنه كان عمر بن الخطاب لا يورث المرأة من دية زوجها\nاجتهادًا؛ لأن الميراث يثبت بملكه قبل الموت، وهو لا يملك الدية\nقبله، فلما علم بخبر الضحاك بن سفيان وهو: أنه كتب إليه النبي\n- ﷺ -: \"أن أرث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها \" رجع إليه، وعمل به دون إنكار من الصحابة، فهذا يدل على أن خبر الواحد مقدم على الاجتهاد مطلقًا، سواء كان قياسا أم لا.\nالدليل الثالث: أن خبر الواحد قول للمعصوم، وهو - ﷺ - وكلامه، أما القياس فإنه اجتهاد المجتهد واستنباطه، وإذا تعارض\nكلام المعصوم، وكلام غيره، فإنه يقدم كلام المعصوم؛ لأنه يثير\nغلبة الظن بصورة أبلغ وأقوى من كلام غيره، فخبر الواحد أغلب\nعلى الظن من القياس، فيجب تقديمه عليه.\nالمذهب الثاني: أن القياس يقدم على خبر الواحد مطلقا.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء من الحنفية والمالكية.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن القياس أقوى من خبر\nالواحد؛ لأن الاحتمالات تتطرق إلى الخبر أكثر من تطرقها إلى\nالقياس، بيان ذلك:","vol":"2","page":799},{"text":"أن خبر الواحد يحتمل فسق أحد الرواة، ويحتمل ذهول أحد\nالرواة وغفلته وسهوه، ويحتمل الخبر النسخ والتجوز والإضمار، أما\nالقياس فلا يحتمل شيئًا من ذلك، وغير المحتمل يقدم على المحتمل،\nفيقدم القياس على الخبر.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أننا بينا أن الراوي المقبول خبره يشترط فيه أربعة\nشروط هي: (لإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة، فهذه\nالاحتمالات بعيدة جدًا إذا توفرت هذه الشروط حقيقة في ذلك\nالراوي.\nالجواب الثاني: أن هذه الاحتمالات كما تتطرق إلى الخبر تتطرق\n- أيضًا - إلى القياس إذا كان أصله خبرًا.\nالمذهب الثالث: التفصيل بين الرواة.\nفإن كان الراوي فقيها كالخلفاء الأربعة، والعبادلة، وزيد بن\nثابت، ومعاذ، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري،\nفإن خبره يقدم على القياس إذا عارضه.\nوإن كان الراوي غير فقيه كأبي هريرة، وأنس، وسلمان، وبلال،\nفإن القياس يقدم على خبره إذا تعارضا، وهذا عند الضرورة.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن الراوي نقل\nالحديث بالمعنى على حسب فهمه وأخطأ في ذلك، ولم يدرك مراد","vol":"2","page":800},{"text":"النبي - ﷺ -، فلهذا كان مخالفا للقياس من كل وجه، فلهذه الضرورة\nيترك الحديث ويعمل بالقياس.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه هذا التفريق بين الرواة لا دليل صحيح عليه،\nوما لا دليل عليه فلا يعتد به.\nوما ذكرتموه من احتمال أن الراوي نقل الحديث بالمعنى وأخطأ فيه،\nوأنه لم يدرك مقصود النبي - ﷺ -، فهذا بعيد جدا مع ظهور عدالة الراوي، لا سيما الصحابة الذين قد عدلهم اللَّه ورسوله - كما سبق بيانه -.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي، وقد أثر في كثير من مسائل الفقه\nومنها:\n١ - إذا مات زوج عن امرأته بعد العقد وقبل الدخول، فهل لها\nالمهر أو لا؟\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن لها مهر مثلها.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء مستدلين بما روي عن ابن مسعود\nأنه سئل عن هذه المسألة فقال: أرى أن لها مهر مثيلاتها وعليها العدة\nولها الميراث، فقال معقل بن سنان الأشجعي: أشهد أنك قضيت\nفيها بقضاء رسول اللَّه - ﷺ - في بروع بنت واشق من جماعتنا.\nالقول الثاني: أنه لا مهر لها.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء، ومنهم الإمام مالك ورد الحديث","vol":"2","page":801},{"text":"بأنه مخالف للقياس، وذلك لأن المهر عوض عن الاستمتاع بالبضع،\nفلما لم يقبض المعوض - وهو البضع - لم يجب العوض؛ قياسا\nعلى البيع.\n٢ - هل يجب القضاء على من أكل أو شرب ناسيًا؟\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا قضاء عليه.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء مستدلين بقوله - ﷺ -:\n\"من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه اللَّه وسقاه \".\nالقول الثاني: أنه يجب القضاء عليه.\nذهب إلى ذلك بعض المالكية، ولم يعملوا بالحديث؛ لأنه على\nخلاف القياس، فإن الصوم قد فات ركنه، وهو من باب المأمورات،\nوالقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثر في طلب المأمورات.\n***\nالمسألة الواحدة والعشرون: خبر الواحد فيما تعم به البلوى:\nالمراد بذلك: أن يرد خبر واحد ويدل على حكم شرعي يحتاج\nكل أحد من المكلَّفين إلى معرفته مع كثرة تكرره ووقوعه، كان يتعلق\nبأحكام الوضوء، أو الصلاة، ونحو ذلك مما تشتد حاجة المكلَّفين\nإلى معرفة حكمه مثل: قوله - ﷺ -:\n\"من مس ذكره فليتوضأ \"، ونحوه.\nفإذا روى واحد خبرًا تعم به البلوى هل يقبل؟\nاختلف في ذلك عاى مذهبين:\nالمذهب الأول: أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول.","vol":"2","page":802},{"text":"ذهب إلى ذلك الجمهور من العلماء.\nوهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة السكوتي على ذلك: فقد قبل\nالصحابة - ﵃ - خبر الواحد فيما تعم به البلوى\nوعملوا به دون أن ينكر ذلك أحد منهم؛ إذ لو وقع إنكار لبلغنا\nولكن لم يبلغنا شيء من ذلك، فيكون إجماعًا سكوتيا، ومن أمثلة\nذلك ما يلي:\n١ - أنهم قبلوا خبر عائشة وهو:\n\" إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل \".\n٢ - أنهم قبلوا خبر رافع بن خديج: \" أن النبي - ﷺ - نهى عن المخابرة \".\n٣ - أنهم قبلوا خبر الغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في إعطاء\nالجدة السدس.\nفهنا كل واحد من هذه الأحاديث مما تعم به البلوى، وانفرد\nبروايته واحد، ومع ذلك فقد قبلها الصحابة وعملوا بها دون نكير.\nالدليل الثاني: أن هذا الراوي لهذا الخبر فيما تعم به البلوى عدل\nثقة قد جزم بتلك الرواية، فهذا يغلب على الظن صدقه، وإذا كان\nكذلك فيجب تصديقه؛ لأن العمل بالغالب واجب، فيقبل خبره؛\nقياسًا على خبر الواحد فيما لا تعم به البلوى.\nالمذهب الثاني: أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى لا يقبل، ولا\nيعمل به.\nذهب إلى ذلك جمهور الحنفية وعلى رأسهم: أبو الحسن الكرخي","vol":"2","page":803},{"text":"وعيسى بن أبان، والجصاص، وبعض المالكية كمحمد بن خويز\nمنداد، نقله عنه الباجي في \" إحكام الفصول \"، واختاره أبو\nالعباس بن سريج من الشافعية، كما نقله عنه صاحب الكبريت\nالأحمر.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول قالوا فيه: إن الدواعي متوفرة على نقل خبر الواحد\nفيما تعم به البلوى على سبيل الشهرة والاستفاضة، نظرًا لحاجة\nعموم المكلَّفين إليه، وكثرة سؤالهم واستفسارهم عنه، وإذا كثر\nالسؤال كثر الجواب، وإذا كثر الجواب كثر ناقليه من الرواة، فيبعد\nكل البعد أن يخفى حكم ما يقع للمكلفين بكثرة، فإذا لم يروه - مع\nذلك - إلا واحد وانفرد به دلَّ على كذبه، وأنه لا أصل له كانفراد\nالواحد بنقل قتل أمير البلد في السوق بمشهد من الخلق.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنه إنما يلزم توفر الدواعي على نقله أن لو كان لا\nطريق إلى إثباته سوى النقل المتواتر، وأما إذا كان طريق معرفة ذلك\nإنما هو الظن، فخبر الواحد يكفي فيه، ولهذا يجوز إثبات ما تعم\nبه البلوى بالقياس اتفاقًا.\nولا نسلم ما قلتموه من أنه يلزم من كثرة الاستفسارات والأسئلة\nوالأجوبة عنها أن يكثر النقل، بل إنه يجوز أن تكثر الأجوبة، ولا\nيكثر الناقلون، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: شروط البيع،\nوشروط النكاح، والأذان والإقامة، فإنها نقلت وثبتت بخبر الواحد\nوهي مما يفعل في كل يوم، ولم ينقل نقلًا عاما، والسبب في","vol":"2","page":804},{"text":"ذلك: انشغال الصحابة بأمورهم الخاصة والعامة وانشغالهم بالجهاد،\nوإذا كان هذا جائزًا فإنه يجوز كثرة الأجوبة دون كثرة الناقلين.\nالدليل الثاني قالوا فيه: إن ما تعم البلوى به كخروج النجاسة من\nالسبيلين يوجد كثيرًا، ويتكرر في كل وقت، فيجب على النبي - ﷺ - إشاعته، وأن لا يقتصر على مخاطبة الآحاد به، بل يلقيه على عدد التواتر مبالغة في إشاعته؛ لأن عدم إشاعته يؤدي إلى إخفاء بعض\nالأحكام الشرعية، وإبطال صلاة أكثر الخلق وهم لا يشعرون، ولما\nكان هذا الخبر مما تعم به البلوى لم ينقله إلا الواحد، فإن هذا مما\nيثير الشك في ثبوته، والحديث المشكوك في ثبوته لا يقبل.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن ما ذكرتموه إنما يصح أن لو كان الرسول - ﷺ - قد كلَّفه الّه تحالى بإشاعة الأحكام على لسان أهل التواتر، وهذا غير مسلم، فليس من شرط الخبر الذي تعم به البلوى أو غيره أن يشيعه\nالرسول - ﷺ -، بل الحق في ذلك: أن النبي - ﷺ - مكلَّف بإشاعة بعض الأحكام، ورد الخلق في بعضها الآخر إلى خبر الواحد؛ لأن مصلحة الخلق اقتضت ذلك؛ قياسًا على حديث الأشياء الستة، فقد بين فيه: أنه لا يجوز الربا في البر - فقط - فقاس العلماء عليه كل المطعومات بجامع: الطعم في كل، وكان يسهل على النبي - ﷺ - الذي أوتي جوامع الكلم أن يقول: \" حرمت الربا في المكيل أو في المطعوم \" حتى يستغنى عن الاستنباط والقياس على الأشياء الستة،\nوما فعل ذلك إلا لمصلحة أرادها الشارع، كذلك يقال هنا: من\nالجائز أن تقتضي مصلحة الخلق ردهم فيما تعم به البلوى إلى خبر\nالواحد.","vol":"2","page":805},{"text":"- أما ما ذكروه من أنه يلزم من عدم إشاعته إبطال صلاة أكثر الخلق،\nفإن هذا غير صحيح؛ لأنه لا يلزم العمل بأي خبر إلا بشرط بلوغ\nذلك الخبر إليهم، فمثلًا: من لم يبلغه حديث الوضوء من مس\nالذكر، فإنه غير ثابت في حقه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية\nومنها: -\n١ - هل ترفع اليدان عند الركوع والرفع منه؟\nاختلف في ذلك\nعلى قولين:\nالقول الأول: إن المصلي يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه\nكما يفعل ذلك عند تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الجمهور مستدلين\nبحديث ابن عمر أنه قال: \" كان النبي - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع\nالله لمن حمده.. \".\nالقول الثاني: إن المصلي لا يرفع يديه عند الركوع ولا عند الرفع\nمنه.\nذهب إلى ذلك الحنفية وبعض العلماء من غيرهم مستدلين بحديث\nابن مسعود أنه قال: \" لأصلين لكم صلاة رسول اللَّه - ﷺ -، فصلى فلم يرفع يديه إلا مرد واحدة \"، ولم يعمل هؤلاء بحديث ابن عمر مع أنه في الصحيحين؛ لأنه من باب ما تعم به البلوى، فكان من\nحقه أن يشتهر ولم يشتهر.\n٢ - هل مس الذكر باليد ينقض الوضوء؟\nاختلف في ذلك على قولين:","vol":"2","page":806},{"text":"القول الأول: أن مس الذكر ينقض الوضوء، وهو مذهب\nالجمهور وقد استدلوا بحديث بسرة بنت صفوان: أن النبي - ﷺ - قال: \" من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ \".\nالقول الثاني: أن مس الذكر غير ناقض للوضوء، وهو مذهب\nأكثر الحنفية، وقد استدلوا بحديث قيس بن طلق عن أبيه طلق بن\nعليّ أنه سأل - ﷺ - عن الوضوء من مس الذكر، فقال \" لا، هل هو إلا بضعة منك \"، ولم يأخذوا بحديث بسرة، لأنه خبر\nواحد فيما تعم به البلوى.\nالمسألة الثانية والعشرون: خبر الواحد في الحدود وما يسقط بالشبهات:\nخبر الواحد إذا ورد بإيجاب حد أو نحوه مما تسقطه الشبهة، فهل\nيقبل ذلك الخبر، ويثبت به أصل الحد والعقوبة؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن خبر الواحد الوارد بإثبات حد، أو ما يجري\nمجراه مما تسقطه الشبهة يقبل مطلقًا.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قياس خبر الواحد في الحدود على خبر الواحد في\nغير ذلك، بيانه:\nأنه كما وجب قبول خبر الواحد فى غير الحد من سائر الأحكام\nالشرعية، فإنه يجب قبول خبر الواحد في الحدود وما يجري مجراها","vol":"2","page":807},{"text":"مما تسقطه الشبهة، ولا فرق بينها، والجامع: أن الراوي في ذلك\nكله عدل ثقة جازم في الرواية، ولم يعارضه مثله.\nالدليل الثاني: أن أدلة حجية خبر الواحد عامة لجميع أخبار\nالآحاد، فلم تفرق بين ما ورد بإثبات حد، أو بغير ذلك، ولا\nيوجد دليل صحيح على التفريق بينهما.\nالدليل الثالث: قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك:\nأن شهادة الشهود توجب غلبة الظن، والاحتمال فيها متطرق،\nومع ذلك تثبت بها - أي بالشهادة - الحدود وما يجري مجراها مما\nتسقطه الشبهة، فإذا كان الأمر كذلك في الشهادة وهي آكد، فمن\nباب أَوْلى قبول خبر الواحد الوارد في إثبات الحدود، قياسًا عليها،\nولا فرق بينهما، والجامع: إفادة الظن، وتطرق الاحتمال لكل\nمنهما.\nالمذهب الثاني: أنه لا يقبل خبر الواحد الوارد بإثبات الحدود،\nوما يجري مجراها مما تسقطه الشبهة.\nحكي هذا عن أبي الحسن الكرخي، واختاره أبو عبد اللَّه البصري،\nوالسمرقندي في \" ميزان الأصول \"، وهو ظاهر كلام أبي عبد الله\nالصيمري في \" مسائل الخلاف \"، والبزدوي في \" أصوله \"،\nوالسرخسي في \" أصوله \".\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن خبر الواحد لا يفيد إلا\nالظن، فهو غير مقطوع في صحته، فصار فيه شبهة الغلط، وشبهة\nالكذب، فلم يثبت كونه خبرًا عن النبي - ﷺ - بطريق القطع، بل إن","vol":"2","page":808},{"text":"الشبهة والحدود وضعت أصلًا على أنها تسقط بالشبهات؛ لما روي\nعن النبي - ﷺ - أنه قال: \" ادرأوا الحدود بالشبهات \"، فعلى هذا: لا يجوز إثبات الحدود وما يجري مجراها بخبر الواحد؛ نظرًا لتطرق الشبهة إلى ذلك.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بما يلي:\n١ - قولكم: \" إن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وما دام كذلك\nففيه شبهة الغلط والكذب \" ظاهر البطلان؛ لأن الحدود تثبت بما لا\nيفيد إلا الظن مثل \" الشهادة \" - كما سبق -، ومثل \" القياس \"\nفهو لا يفيد إلا الظن ومع ذلك فإن الحد يثبت به.\n٢ - استدلالكم بحديث: \" ادرأوا الحدود بالشبهات \"\nلا نسلمه؛ لوجهين:\nالوجه الأول: أن لفظ \" الشبهة \"، أو \" الشبهات \" لم يرد في\nالحديث، والحديث الذي روته عائشة - ﵂ - ورد\nبلفظ: \" ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم \" - أخرجه الحاكم في\n\" المستدرك \" وقال \" صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي\nفي \" مختصره \"، فقال: فيه يزيد بن زياد - وهو من رواة الحديث -\nقال فيه النسائي: متروك، وأخرجه الدارقطني والبيهقي في \"سننهما\"\nمرفوعًا، وقال البيهقي: الموقوف أقرب إلى الصواب، وللحديث\nطريق آخر عن عليّ - ﵁ - مرفوعًا بنفس اللفظ السابق.\nقال الزيلعي في \" نصب الراية \" - لما ذكر ما سبق -: \" ولكن في\nإسناده رجل ضعيف \".\nالوجه الثاني: على فرض صحته، وعلى فرض ورود لفظ","vol":"2","page":809},{"text":"\"الشبهة أو الشبهات \" في الحديث، فإن المراد بالشبهة هنا هي:\nالشبهة في الفاعل كأن يكون جاهلًا للتحريم، أو زائل العقل، أو\nالشبهة في الفعل، كأن يطأ امرأة يظنها زوجته، أو أمَته، أو الشبهة\nفي المفعول به، كأن تكون الموطوءة أَمَة ابنه، أو أمَة مشتركة.\nفتكون الشبهة - على هذا - في نفس السبب، لا في المثبت.\nإذن لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على ما ذهبوا إليه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية،\nفأصحاب المذهب الثاني لا يعملون بخبر الواحد الوارد بإثبات حد\nبمجرده، بل يشترطون أن يؤيد بدليل آخر.\nأما أصحاب المذهب الأول: فإنهم يعملون بخبر الواحد الوارد\nبإثبات حدود وما أشبه ذلك بمجرده.\nالمسألة الثالثة والعشرون: حكم رواية الحديث بالمعنى:\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه تجوز رواية الحديث بالمعنى.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء.\nوهو الحق، ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل بشروط هي كما\nيلي:.\nالشرط الأول: أن يكون الراوي مسلما مكلفا، ضابطا عدلا -\nوهو شروط الراوي السابقة الذكر - مع معرفته بدلالات الألفاظ،","vol":"2","page":810},{"text":"وصيغ الخطابات وأساليبها واستعمالاتها، بأن يكون مفرقا بين أقسام\nالمنطوق، والمفهوم، ومفرقًا بين عبارة النص، وإشارته، ودلالته،\nواقتضائه، ومفرقًا بين المحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر\nوالعام والأعم، واشترطنا ذلك حتى تكون روايته لمعنى الحديث\nمساوية للأصل في الجلاء والخفاء، فإن كان جاهلًا بذلك فلا تجوز\nله رواية الحديث بالمعنى.\nالشرط الثاني: أن يبدل لفظة بما يرادفها، ولم يختلف الناس في\nهذا الترادف كأن يبدل لفظ \" الجلوس \" بلفظ \" القعود \"، ويبدل\nلفظ \" الصب \" بلفظ \" الإراقة \"، ولفظ \" الاستطاعة \" بلفظ\n\"القدرة\"، ونحو ذلك مما لا يتطرق إليه تفاوت الاستنباط والفهم بين\nالناس، أما إذا تفاوتت أنظار المجتهدين في هذا اللفظ، فلا يجوز\nقطعًا إبداله بلفظ آخر.\nالشرط الثالث: أن لا يكون اللفظ في الحديث من باب المتشابه\nكأحاديث الصفات، فإن كان من هذا الباب فلا يجوز نقلها بالمعنى،\nلأن الذي يحتمله ما أطلقه النبي - ﷺ - من وجوه التأويل لا ندري أن غيره من الألفاظ يساويه أم لا.\nالشرط الرابع: أن لا يكون اللفظ الوارد في الحديث مما تعبدنا\nبلفظه، فإن كان مما تعبدنا بلفظه كألفاظ \" التشهد \" والأذان،\nوالتكبير، فهذا لا يجوز نقله بالمعنى.\nالشرط الخامس: أن لا يكون الحديث من جوامع الكلم، فإن\nكان منها كقوله - ﷺ -: \"العجماء جبار \"،\nوقوله: \" البينة على المدعي \"، وقوله: \" لا ضرر ولا ضرار \"،\nوقوله: \" الخراج بالضمان \"،\nفلا تجوز رواية ذلك بالمعنى، أي: لا بد من نقلها\nبلفظها؛ لأنه لا يمكن درك جميع معاني جوامع الكلم.","vol":"2","page":811},{"text":"فإذا توفرت هذه الشروط فإنه تجوز رواية الحديث بالمعنى عندنا ولا\nمانع؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: القياس على ترجمة السُّنَّة بلغة العجم، بيانه:\nأنه يجوز شرح ونقل الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال\nلفظة عربية بلفظة أعجمية تساويها وترادفها، فإنه يجوز إبدال لفظة\nعربية بلفظة عربية أخرى ترادفها بجامع: استبدال لفظة بما يرادفها\nدون زيادة ولا نقصان.\nبل إن إبدال لفظة عربية بأخرى عربية ترادفها أَوْلى من إبدال لفظة\nعربية بلفظة أعجمية؛ لأن اللسان متحد في إبدال لفظة عربية بلفظة\nعربية، بخلاف إبدال لفظة عربية بعجمية، فإن اللسان مختلف.\nالدليل الثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الصحابة - ﵃ -\nالذين رووا عن رسول اللَّه - ﷺ - هذه الأخبار ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، وما كانوا يكررون عليها في ذلك المجلس، بل كما\nسمعوها تركوها، وما ذكروها إلا بعد الأعصار والسنين، وذلك\nيغلِّب على الظن أنه يتعذر روايتها على تلك الألفاظ التي سمعوها\nمن النبي - ﷺ -\nالدليل الثالث: الوقوع من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم -\nبيان ذلك:\nأن - ﷺ - كان يقيم الخطب في الجمع،\nوفي بعض الوقائع يتكلم بكلام طويل فيه الأوامر والنواهي، والمواعظ والإرشادات التي تهم المسلمين، وقد رواها بعض الصحابة بألفاظ تختلف عن ألفاظ البعض الآخر، مع أن المقصود واحد، ولم ينكر ذلك أحد، إذ لو","vol":"2","page":812},{"text":"كان هناك إنكار لنقل وبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك مما يدل\nعلى أن نقل الحديث بالمعنى جائز.\nالدليل الرابع: أن النبي - ﷺ - كان يبعث سفراءه ورسله إلى الروم، والفرس، وأطراف البلاد، والقبائل، وكان هؤلاء يبلغون أوامر\nالنبي - ﷺ - ونواهيه، وكل ما يقولونه بلغة المبعوثين إليهم بدون إنكار من النبي - ﷺ -؛ لأنه يعلم أن لغته تختلف عن لغة هؤلاء، فكان هذا إقرار منه على جواز نقل الحديث بالمعنى.\nالمذهب الثاني: أنه لا تجوز رواية الحديث بالمعنى مطلقا، بل\nالواجب نقل الحديث بلفظه وصورته.\nذهب إلى ذلك أكثر الظاهرية، وبعض متأخري أهل الحديث،\nوبعض الفقهاء كمحمد بن سيرين.\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nالدليل الأول: ما رواه زيد بن ثابت: أن النبي - ﷺ - قال: \" نضر اللَّه امرءًا سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه \"،\nفإن هذا نص في عدم جواز رواية الحديث بالمعنى، حيث إن قوله: \" فوعاها\nفأداها كما سمعها \" يدل على ذلك دلالة صريحة.\nجوابه:\nيجاب عن الاستدلال بهذا الحديث بأن الحديث حُجَّة مؤيدة لمذهبنا\n- وهو جواز رواية الحديث بالمعنى - وذلك من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أن الظاهر أن الحديث المروي حديث واحد، ولم\nيتكرر منه - ﷺ -؛ لأن الأصل عدم التكرار، ومع ذلك فقد روي نفس","vol":"2","page":813},{"text":"الحديث بألفاظ مختلفة، فإنه قد روي بلفظ: \" نضر اللَّه امرءًا \"،\nوروي بلفظ: \" رحم اللَّه امرءًا \"، وروي بلفظ: \" فرب حامل فقه\nغير فقيه \"، وروي بلفظ: \" ورب حامل فقه لا فقه له \"، وكلها\nبمعنى واحد، فهذا يدل على جواز رواية الحديث بالمعنى.\nالوجه الثاني: أن الرسول - ﷺ - قد ذكر علَّة المنع من رواية الحديث بالمعنى وهي: اختلاف الناس في الفقه والفهم، لأنه هو المؤثر في اختلاف المعنى، فيكون المراد بذلك على طريق الاحتياط في حق من\nلا يفهم المعنى خوفًا من أن يبدله بما ليس في معناه، ونحن قد\nاشترطنا لرواية الحديث بالمعنى شروطًا، منها: أن يكون الراوي عالما\nمفرقًا بين صيغ الخطابات ودقائق الألفاظ ودلالتها، فإن لم يكن\nكذلك فلا تجوز رواية الحديث بالمعنى.\nالوجه الثالث: أن من نقل معنى لفظ الحديث، دون زيادة: ولا\nنقصان، فقد أدى الحديث كما سمعه، ولا يمكن أن يقال عنه: إنه\nكذب في الحديث، يؤيد ذلك: أن المترجم والشاهد يقال له: أدى\nما سمع، وكذلك من بلغ إنسانًا رسالة فحفظ معناها يقال له: أدى\nما سمع.\nوهكذا بأن لك أن الحديث يدل على ما ذهبنا إليه، وهو جواز\nرواية الحديث بالمعنى.\nالدليل الثاني: قياس الحديث على القرآن وكلمات الأذان،\nوالتشهد، والتكبير.\nبيان ذلك: أن حديث النبي - ﷺ - قول: \" قد تعبدنا باتباعه \" فلا يجوز تبديله بغيره كالقرآن، وكلمات الأذان، كالتشهد، والتكبير.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا قياس مع الفارق فلا يصح، وذلك لأن","vol":"2","page":814},{"text":"المقصود من ألفاظ القرآن الكريم الإعجاز، فتغييره مما يخرجه عن\nذلك الإعجاز لا يجوز، بخلاف الحديث؛ حيث إن المقصود منه\nالمعنى دون اللفظ.\nأما كلمات الأذان والتشهد والتكبير، فالمقصود منها إنما هو التعبد\nبها، وذلك لا يحصل إلا بألفاظها، دون معانيها، وقد بينا ذلك في\nالشرط الرابع، بخلاف الحديث، فالمقصود المعنى دون اللفظ.\nالمسألة الرابعة والعشرون: حذف بعض الحديث:\nإذا سمع الراوي خبرًا وأراد نقل بعضه وحذف بعضه، فالحكم في\nذلك فيه تفصيل:\nأولًا: إن كان الحديث قد تضمن أحكامًا يتعلق بعضها ببعض كأن\nيكون مشتملًا على ذكر شرط، أو استثناء، أو غاية، فلا يجوز\nللراوي أن يحذف شيئًا منه؛ لأن فيه تغييرًا للحكم وتبديلًا للشرع.\nمثال الشرط: قوله ﵊: \" من قاء أو رعف أو\nأمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة \".\nومثال الاستثناء: قوله ﵊: \" لا تبيعوا البر\nبالبر ... إلا سواء بسواء مثلًا بمثل \".\nومثال الغاية: \" نهيه - ﷺ - عن بيع الثمار حتى تزهى \"، فهذه الأحاديث لا يجوز حذف بعضها.\nثانيا: إن كان الحديث قد تضمَّن أحكاما لا يتعلق بعضها ببعض،\nفإن الأفضل نقل الحديث بتمامه.\nولكن يجوز حذف بعضه عند الحاجة؛ قياسا على الأخبار المتعددة","vol":"2","page":815},{"text":"بيان ذلك: أن من حفظ أخبارًا متعددة، فله رواية بعضها وترك\nبعضها الآخر عند الحاجة، فإذًا هذا جائزًا، فهذا مثله ولا فرق\nبجامع: أنه نقل ما يتم المعنى به.\nمثال ذلك: قوله - ﷺ -: \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم \"،\nفهنا يجوز حذف بعض هذا الحديث للاستدلال به على حكم معين.\n***\nالمسألة الخامسة والعشرون: حكم مرسل الصحابي:\nالمقصود بذلك: أن يروى الصحابي حديثا عن - ﷺ - وهو لم يسمعه منه شفاها، بل سمعه من صحابي آخر.\nوسمي مرسلًا نظرًا لعدم تقييده بذكر الواسطة بين الراوي\nوالرسول - ﷺ -.\nواختلف العلماء في قبول مرسل الصحابي على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن مرسل الصحابي مقبول مطلقا، أي: سواء\nعرفنا أنه لا يروي إلا عن عدل أو لم نعرف بذلك، وسواء صرَّح\nبذلك، أو لم يصرح.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: الإجماع؛ حيث وقع أن الصحابة - رضي الله\nعنهم - كانوا يرسلون الأحاديث، بدون نكير من أحد، إذ لو كان\nهناك إنكار لبلغنا، وما دام أنه لم يبلغنا شيء من ذلك، فإنه يدل\nدلالة واضحة على إجماعهم على قبول مرسل الصحابي مطلقا،\nفأكثر روايات الصحابة - سواء كانوا صغارًا أم كبارا - عن - ﷺ -","vol":"2","page":816},{"text":"لم يسمعوها من النبي - ﷺ - مباشرة، بل بواسطة صحابي آخر، فتكون مراسيل، أيَّد ذلك أمران:\nالأمر الأول: ما ذكره الخطيب البغدادي في \" الكفاية \": أن\nالبراء بن عازب بن الحارث الأنصاري قال: \" ليس كلنا سمع\nحديث رسول اللَّه - ﷺ -، كانت لنا صنيعة وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون - يومئذٍ - فيحدث الشاهد الغائب \"،\nوهذا نص فيما نحن فيه.\nالأمر الثاني: أنه وقع من بعض الصحابة أنه كان يروي الحديث\nعن النبي - ﷺ -، وكأنه سمعه منه مباشرة، فإذا استكشف وسئل عنه بين أنه لم يسمعه من النبي - ﷺ - مباشرة، بل سمعه من صحابي آخر، ومن أمثلة ذلك:\nالمثال الأول: أن ابن عباس - ﵄ - روى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" لا ربا إلا في النسيئة \"،\nولما أخبره أبو سعيد الخدري بحديثه في الربا، قال ابن عباس:\n\" ما سمعته من النبي - ﷺ -، وإنما حدثني به أسامة بن زيد\nالمثال الثاني: أن ابن عباس - ﵄ - روى أنْ النبي - ﷺ - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فلما سئل عنه أسنده إلى الفضل بن عباس.\nالمثال الثالث: أن أبا هريرة - ﵁ - روى - عن النبي\n- ﷺ - أنه قال: \" من أصبح جنبًا فلا صوم له \"، فلما أخبر أن عائشة أنكرت ذلك وقالت: كان النبي - ﷺ - يصبح جنبا ويتم صومه، ذكر أن الفضل بن عباس هو الذي حدَّثه بهذا الحديث.\nالمثال الرابع: أن ابن عمر - ﵄ - روى: أن النبي","vol":"2","page":817},{"text":"- ﷺ - قال: \" من صلى على جنازة فله قيراط \"، وأسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة.\nالدليل الثاني: أن الأُمَّة قد أجمعت على قبول كل ما رواه عبد الله\nابن عباس - ﵄ - مع إكثاره في الرواية، وهو لم\nيسمع أكثر الأحاديث التي يرويها من النبي - ﷺ - مباشرة؛ لأن النبي - ﷺ - توفي وابن عباس لم يبلغ الثالثة عشرة من عمره، بل سمعها وأخذها من كبار الصحابة.\nوكذلك غير ابن عباس من صغار الصحابة كعبد الله بن جعفر بن\nأبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير، والحسن\nوالحسين ابني عليّ بن أبي طالب، وغيرهم، فقد كان الصحابة\nوغيرهم من التابعين يقبلون ما يروون مع علمهم بأن أكثر ما رووه لم\nيسمعوه من النبي - ﷺ - مباشرة، بل من كبار الصحابة، حيث كان هؤلاء يحرصون كل الحرص على إحضار صغارهم أماكن اجتماعاتهِم ليرووا عنهم، ولما روى هؤلاء - أعني صغار الصحابة - قبلت الأُمَّة كل رواياتهم، ولم ينكر أحد شيئًا من ذلك، ولو وقع إنكار لنقل\nإلينا، ولكن لم يثبت شيء من ذلك، فثبت أنه يجب قبول مرسل\nالصحابي مطلقا.\nالمذهب الثاني: أن مرسل الصحابي لا يقبل إلا بشرط معرفتنا:\nأن من عادة هذا الصحابي أنه لا يروي إلا عن صحابي آخر.\nذهمب إلى ذلك قوم وصفهم بعض العلماء بانهم شواذ.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن عدالة الصحابي معلومة\nوثابتة، ولا نتهمه في ذلك، فلم يكن السبب في عدم قبولنا لمرسله","vol":"2","page":818},{"text":"هو الشك في ذلك، ولكن لم نقبل مرسله لسبب آخر وهو:\nاحتمال أن يروي عن شخص لم تثبت صحبته، أو عن تابعي لم\nتثبت عدالته.\nوهذا الاحتمال هو الذي سبب هذا التوقف حتى يأتي ما ينفي ذلك.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن الظاهر من حال الصحابي أنه لا يروي الحديث\nإلا عن شخص قد ثبتت صحبته، وقد سمع النبي - ﷺ -، فاحتمال الرواية من غير الصحابي احتمال بعيد، وتصور مجرد عن الدليل، والاحتمال المجرد عن الدليل لا يعتمد عليه.\nالجواب الثاني: على فرض أن الصحابة قد روى عن بعض\nالتابعين فإنا نجزم بأنه لا يروي إلا عن من ثبتت عدالته لديه،\nواحتمال أن الصحابي قد يروي عمن لم تثبت عدالته هذا احتمال\nبعيد جدًا، وتصور غير واقع، ولا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا\nيعول عليه؛ ذلك لأن الصحابة - ﵃ - قد اختارهم الله\n﷿ لصحبة نبيه - ﷺ -، وقد عدلهم اللَّه في كتابه وسُنَّة رسوله، فمن كانت هذه صفته يستحيل أن يرووا عن غير العدل الثقة؛ لأن هذا فيه تلبيس وتدليس على الأُمَّة، وهذا يستحيل في حقهم.\nتنبيه: قال أبو الخطاب في \" التمهيد \"، وعبد العزيز البخاري\nفي \" كشف الأسرار \": إن مراسيل الصحابة مقبولة بالإجماع.\nقلت: هذا ليس بصحيح، بل الصحيح: أن قبول مراسيل","vol":"2","page":819},{"text":"الصحابة هو مذهب الجمهور، كما قلنا - هنا -؛ لأن هناك فرقة\nمن الناس قد خالفت في ذلك، ومع ذلك فلا إجماع.\nاعتراض على ذلك:\nقال معترض على ذلك: إن الفرقة المخالفة فرقة شاذة لا يُعتد\nبقولها، فلا يؤثر بإجماع العلماء.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن العلماء قد اعتدوا بخلاف تلك الفرقة، وسردوا\nأدلتهم، وأجابوا عنها، ولو لم يعتد بخلاف تلك الفرقة لما ردوا\nعليهم ولما أبطلوا مذهبهم بالأدلة.\nالمسألة السادسة والعشرون: حكم مرسل غير الصحابي:\nوالمراد به: أن يقول الراوي العدل الثقة المتحرز لدينه الذي لم\nيدرك النبي - ﷺ -: \"قال رسول اللَّه - ﷺ - كذا \".\nأو يقول الراوي الذي لم يدرك أبا هريرة: \" قال أبو هريرة كذا\".\nهذا تعريف المرسل عند الفقهاء وأكثر الأصوليين، وهو الحق؛\nلأنه أعم من غيره.\nأما عند المحدثين وبعض العلماء من غيرهم، فالمرسل هو: قول\nالتابعي: قال رسول اللَّه - ﷺ -.\nواختلف العلماء في قبول مرسل غير الصحابي على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يقبل مطلقا، وهو مذهب جمهور العلماء،\nوهو رواية عن الإمام أحمد، وهو الحق؛ للأدلة التالية:","vol":"2","page":820},{"text":"الدليل الأول: أن الظاهر من حال الراوي العدل الثقة أنه لا يجوز\nلنفسه أن يروي حديثا عن النبي - ﷺ - إلا إذا علم، أو غلب على ظنه أن النبي - ﷺ - قد قاله فعلًا، وهذا لا يكون إلا إذا كانت عدالة الشيخ الذي روى له الحديث قد ثبتت واستقرت عند ذلك الراوي الذي أرسل هذا الحديث؛ لأنه يبعد أن يظن ذلك الراوي عدم صدوره عن النبي - ﷺ -، ومع ذلك يرويه؛ لأن ذلك كذب مسقط لعدالته، وإذا كان الأمر كذلك فيجب قبول ما ينسبه إلى النبي - ﷺ -.\nالدليل الثاني: أن من عادة الراوي العدل أن لا يرسل الحديث إلا\nإذا تيقن من ثبوت هذا الحديث، فإذا شك فيه فإنه لا يرسله، بل\nيذكر الشيخ الذي حدثه به؛ لتكون العهدة على ذلك الشيخ، وهذه\nعادة مستمرة لهم، يؤيد ذلك ما ذكره ابن عبد البر في \" التمهيد \"\nعن إبراهيم النخعي أنه قال: \" إذا رويت عن عبد اللَّه - يقصد ابن\nمسعود - فقد حدَّثني واحد، وإذا أرسلت فقد حدَّثني جماعة عنه \"،\nفإذا كانت هذه عادتهم - وهي: أنهم لا يرسلون إلا ما ثبت\nعندهم - فيكون الحديث المرسل ثابتًا، والثابت يقبل ويعمل به.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) .\nوجه الدلالة: أن هذه الآية أوجبت على الطائفة إذا رجعت إلى\nقومها أن تنذرهم، ولم تفرق الآية في الإنذار بين ما أرسلوه وما\nأسندوه، فهذا يدل على قبول الحديث المرسل كما يقبل الحديث\nالمسند ولا فرق.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) .","vol":"2","page":821},{"text":"وجه الدلالة: أن الآية أوجبت التبين والتثبت إذا جاء فاسق بنبأ\nوخبر، فإن كان غير فاسق - وهو العدل - وجب قبول خبره\nمطلقًا، أي: سواء كان مسندًا أو مرسلًا.\nالمذهب الثاني: أن الحديث المرسل يقبل إذا كان مرسله في\nالعصور الثلاثة: عصر الصحابة،، وعصر التابعين، وعصر تابعي\nالتابعين، ولا يقبل في غيرها إلا من أئمة النقل، وهو مذهب بعض\nالحنفية كعيسى بن أبان.\nدليل هذا المذهب: قوله - ﷺ -:\n\"خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم \".\nوجه الدلالة: أن - ﷺ - قد شهد لأصحاب تلك القرون\nبالعدالة، وذلك يوجب صدقهم، فيجب قبول قولهم وخبرهم\nمطلقًا، سواء كان مرسلًا أو مسندًا.\nوقالوا: إنا نقبل الحديث المرسل من غير تلك العصور بشرط كون\nالمرسل - بكسر السين - واحدًا من أئمة النقل؛ لأن أئمة النقل قد\nعرفوا بالبحث والاطلاع على أحوال الرواة، فإذا أرسلوا فذلك\nلمعرفة من أرسلوا عنه معرفة توجب حد اطمئنان النفس إلى صدقه،\nبخلاف غيرهم، فلا يقبل منهم شيئًا إلا إذا تعين اسمه، فنبحث عنه.\nجوابه:\nيجاب عنه بأنكم فرقتم بين أئمة النقل وغيرهم، وهذه التفرقة لا\nتفيد إذا تحققت في الراوي العدالة والثقة وبقية شروط الراوي\nالسابقة، أي: أن الراوي إذا توفرت فيه شروط الرواية - وهي\nالإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة - فإنا نقبل خبره سواء","vol":"2","page":822},{"text":"كان مرسلًا أو مسند، وسواء كان من أئمة النقل أو من غيرهم،\nوسواء كان من العصور الثلاثة أو لا.\nالمذهب الثالث: أن الحديث المرسل يقبل من أئمة النقل فقط،\nدون غيرهم، وهو اختيار ابن الحاجب.\nدليل هذا المذهب: أن إرسال أئمة النقل من النابعين كان مشهورًا\nمقبولًا، ولم ينكره أحد كإرسال سعيد بن المسيب، والشعبي،\nوالنخعي، وغيرهم، فكان إجماعًا على قبول مرسل أئمة النقل.\nجوابه:\nيجاب غنه: بأنه لا وجه للتفرقة بين أئمة النقل وغيرهم؛ لأن\nالراوي إذا كان عدلًا، فإنه يرجح جانب الصدق على جانب الكذب،\nوإن لم يكن من أئمة النقل كما قلنا في جواب دليل أصحاب المذهب\nالثاني.\nالمذهب الرابع: أن المرسل يقبل إذا توفر فيه أحد الأمور التالية:\n١ - أن يكون قد أسنده غير مرسله.\n٢ - أن يكون قد أرسله آخر يروي عن غير شيوخ الأول.\n٣ - أن يعضده قول صحابي.\n٤ - أن يعضده قول أكثر العلماء.\n٥ - أن يعرف من حمال الذي أرسله أنه لا يرسل عمن فيه جهالة\nأو غيرها، وأنه لا يرسل إلا عمن يقبل قوله كمراسيل سعيد بن\nالمسيب.\nفإن انضم إلى الحديث المرسل أحد هذه الأمور قبل، وإلا: فلا.","vol":"2","page":823},{"text":"ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي - ﵀ -، واختاره بعض\nالشافعية كفخر الدين الرازي، وناصر الدين البيضاوي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الراوي لا يقبل خبره إلا إذا كان عدلًا، ومن\nأرسل عنه الراوي لم نعرف عدالته، فلا موجب لقبول خبره.\nوقلنا: إن المرسل عنه غير معروف العدالة، لعدم معرفة اسم\nالمرسل عنه.\nوقلنا: إن المرسل يقبل عند انضمام واحد من تلك الأمور السابقة\nإليه، لأن الواحد من تلك الأمور يغلِّب جانب الصدق على جانب\nالكذب، وبذلك يقبل.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنه إذا لم يذكره أنا نجهل عدالته،\nوذلك لأنا بينا - فيما سبق - أن الراوي لو لم تصح وتثبت عنده\nعدالة شيخه الذي حذَثه لا يمكن أن يروي عنه فيلزم الناس تحكما\nبقول فاسق أو مجهول، وهذا ينافي عدالته، فثبت بهذا أنه لا يروي\nإلا عن عدل.\nالجواب الثاني: أن رواية الراوي عمن أرسل عنه تعتببر تعديلًا له؛\nلأن المرسل لو روى عن غير عدل ولم يبين لنا حاله كان غاشا\nومدلسًا على الأمة، وتسقط عدالته بذلك، وما دامت الرواية عنه\nتعديلًا له وجب قبول خبره؛ نظرًا لتوفر العدالة المقتضية للقبول.\nالدليل الثاني: أن شاهدي الفرع إذا كانا عدلين لم يجز أن يشهدا","vol":"2","page":824},{"text":"على شاهدي الأصل من غير ذكرهما، كذلك هنا في الخبر لا يمكن\nأن نقبل حديثا رواه عدل إلا إذا عين الشيخ المروي عنه، ولا فرق\nبينهما، والجامع: أن العدالة معتبرة في كل واحد منهما.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن قياس الرواية على الشهادة قياس مع الفارق فلا\nيصح؛ حيث توجد فروق بينهما، ومنها:\n١ - أن الشهادة آكد من الرواية - كما سبق بيانه -.\n٢ - أن الشهادة تجب باللفظ ولا تقبل بالمعنى، بخلاف الرواية\nفتجوز بالمعنى - كما سبق -.\n٣ - أن الشهادة يشترط فيها العدد، بخلاف الرواية فلا يشترط\nفيها ذلك.\n٤ - أنه يشترط في الشهادة الذكورية، أما الرواية فلا.\n٥ - أنه يشترط في الشهادة الحرية، بخلاف الرواية.\n٦ - أنه في الشهادة لا تسمع شهادة الفرع إلا بعد العجز عن\nسماع شهادة الأصل، أما في الرواية فيجوز ذلك.\n٧ - أن شهود الفرع لا يشهدون إلا بعد أن يحمِّلهم شهود الأصل\nتلك الشهادة، فيقولوا: \" اشهدوا على شهادتنا \"، بخلاف الرواية،\nفإن الراوي يروي الخبر من غير أن يقول له: \" ارو عني ذلك \".\nوإذا اعترفتم بتلك الفروق بين الشهادة والرواية، فلا يصح قياسكم\nالرواية على الشهادة.\nالمذهب الخامس: أن مرسل غير الصحابي لا يقبل مطلقا.","vol":"2","page":825},{"text":"وهو ما ذهب إليه الظاهرية، ونسبه ابن عبد البر إلى أصحاب\nالحديث، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nأدلة هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بالدليلين السابقين اللذين استدل بهما\nأصحاب المذهب الرابع، وقد سبق الجواب عنهما.\nوزادوا دليلًا ثالثًا وهو: أنه لو جاز العمل بالحديث المرسل لم\nيكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن عدالتهم فائدة ولا معنى؛ حيث\nإن الناس قد تكلفوا حفظ الأسانيد في باب الأخبار، وضبطها، فلو\nلم يكن لذلك فائدة - وهي الاطلاع على عدالة جميع رواة\nالحديث -: لما اشتغلوا به، نظرًا لتساوي الإسناد والإرسال.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن ذكر أسماء الرواة له فائدتان، هما:\nالأولى: أن المخبر قد يشتبه عليه حال من يخبره، فلا يقدم على\nتعديله ولا على تجريحه، فيذكره ليتفحص فيه غيره.\nالفائدة الثانية. الاحتياط لنفسه، أي: أن الراوي يذكر من يخبر\nعنه؛ لا لأنه شك في عدالته، بل يذكره مع أنه يعدله ليتمكن\nالسامع من الاطلاع على ذلك الراوي، فقد يكون عدلًا عند من\nذكره، بينما يكون مجروحًا عند غيره، فيذكره الراوي احتياطا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي، لأن أصحاب المذاهب قد\nاتفقوا على أن مرسل العدل الثقة مقبول، وعلى أن مرسل غير العدل\nغير مقبول.","vol":"2","page":826},{"text":"فلو دققت النظر في أدلة أصحاب المذاهب لوجدت أنهم يعنون\nبالمرسل المقبول هو مرسل العدل الثقة، ويكنون بالرسل غير المقبول\nهو مرسل من لم تثبت عدالته.\nدلطَّ على ذلك كلام المحققين الأصوليين كأبي الوليد الباجي في\n\"الإحكام \"، والجصاص في \" أصوله \"، وأبي يعلى الحنبلي في\n\"العدة\"، وابن عقيل في \" الواضح \"، وشيخ الإسلام ابن تيمية في\n\" المسودة \"، والأنصاري في \" فواتح الرحموت \".\nوهو الحق عندي: فمن قال بقبول الحديث المرسل يحمل على ما\nإذا كان المرسل - بكسر السين - من أولئك العلماء العدول الثقات\nالماهرين بمعرفة شرائط قبول الرواية، الذين يعرف من حالهم أنهم لا\nيرسلون إلا عمن يقبل حديثه.\nأما من قال بعدم قبول الحديث المرسل، فيحمل على موضع غلبة\nالريبة والشك في المرسِل - بكسر السين -.\nيؤيد ذلك: أن من قال بقبول المرسل - بشروط أو بعدم شروط -\nتراهم قد امتنعوا من قبول المراسيل إذا لم يكن المرسل من الأئمة\nالعدول الثقات، وذلك لغلبة الريبة والشك في المرسل.\nوأن من قال بعدم قبول المرسل تراهم قد قبلوا مراسيل التابعين\nكسعيد بن المسيب، وذلك لانتفاء غلبة الريبة في المرسل.\nفيكون الخلاف - بذلك - لم يتوارد على محل واحد، فيكون\nلفظيا.\nأما ما ذكره بعضهم من أن الخلاف له ثمرة وأثر في بعض الفروع\nالفقهية، وذكر عددًا من المسائل الفقهية التي تأثرت بهذا الخلاف،","vol":"2","page":827},{"text":"فهذا غير صحيح؛ لأنك لو دققت النظر لوجدت أن الذي قبل\nالحديث المرسل في تلك المسائل لم يقبله لكونه مرسلًا وإنما قبله؛\nلأنه غلب على ظنه صدق المرسل، أو لأن عمل الصحابة يوافقه،\nأو وافقه حديث آخر مسند، أو أنه لم ينكره أحد ممن يعتد بقوله، أو\nغير ذلك من الأدلة.\nوأن الذي لم يقبل الحديث المرسل لم يتركه، لكونه مرسلًا،\nوإنما تركه؛ لأنه شك في الراوي أو غير ذلك من الأدلة.\n***\nالمسألة السابعة والعشرون: الحكم إذا تعارض المرسل مع المسند:\nاختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يقدم المسند على المرسل.\nذهب إلى ذلك الإمام أحمد، وأكثر المالكية، وكثير من الحنفية.\nوهو الحق؛ لأن المسند قد اتفق على قبوله والاحتجاج به، أما\nالمرسل فقد اختلف فيه، فالمسند له مزية فضل لموضع الاتفاق،\nوسكون النفس إليه أكثر من المرسل، ولذلك يقدم المسند.\nالمذهب الثاني: أنه يقدم المرسل على المسند.\nذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وبعض المالكية.\nدليل هذا المذهب: أن من أسند فقد أحالك على البحث عن\nأحوال الرواة الذين سماهم لك، ومن أرسل من الأئمة حديثا مع\nتوفر شروط الراوي فيه، فقد قطع لك بصحة هذا الحديث وكفاك\nالنظر.","vol":"2","page":828},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ حيث إن المسند تطمئن النفس\nإليه، نظرًا لاطلاعنا على رواة الحديث وتأكدنا من عدالة كل راوٍ\nبأنفسنا، أما المرسل فلم نعلم عدالة الراوي الذي لم يذكر إلا من\nخلال الذي روى الحديث لنا، فيكون المسند أقوى.\nالمذهب الثالث: أنهما سواء في وجوب الاحتجاج.\nذهب إلى ذلك ابن جرير الطبري، والأبهري، وأبو الفرج المالكي.\nدليل هذا المذهب:\nأن السلف - ﵏ - قد أرسلوا، ووصلوا وأسندوا، ولم\nيعب واحد منهم على صاحبه شيئًا من ذلك، وعملوا بالجميع ولم\nيفرقوا بين مرسل ومسند.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنا معكم بأنه يجب العمل بالمرسل والمسند؛ إذ لا\nفرق بينهما في العمل، ولكن الخلاف فيما إذا تعارضا أيهما المقدم،\nفدليلكم ليس في محل النزاع.\nيؤيد ذلك: أن الدليل الظني والدليل القطعي كل واحد يجب\nالعمل به، ولكن إذا تعارضا، فإنه يقدم القطعي على الظني.\nالمذهب الرابع: التوقف، أي: إذا تعارض المسند مع المرسل،\nفإنا نتوقف ولا نرجح أحدهما على الآخر حتى يأتي دليل آخر يرجح\nأحدهما، وهو مذهب بعض العلماء.","vol":"2","page":829},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأنه لا فرق بينهما في القوة، والعمل، والاحتجاج، فليس\nأحدهما بأولى من الآخر.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ أنهما متساويان في القوة، حيث إنا بينا\nأن المسند أقوى من المرسل لذلك تسكن النفس إليه، واتفق العلماء\nعلى قبوله، أما المرسل فنظرًا لضعف سكون النفس إليه فقد اختلف\nالعلماء فيه كما سبق.\nالمسألة الثامنة والعشرون: أفعال النبي - ﷺ - وأحكامها:\nللكلام عنها لا بد من التفصيل الآتي:\nأولًا: أفعاله الجبلية:\nوهي ما جبل الإنسان عليها وما تشترك فيها نفوس الخلق، وما\nفطر اللَّه عليها البشر مما لا يملك الإنسان فيه حرية التصرف كالقيام،\nوالقعود، وهواجس النفس، وحركة اليد أثناء المشي، ونحو ذلك،\nفهذا لا أسوة فيه، ولا يتبع النبي في شيء منه.\nثانيا: أفعاله التي صدرت منه على وفق العادات:\nمثل أحواله في مأكله ومشربه، وملبسه، وتوسده يده إذا أراد\nالنوم، ولبس الأبيض. من الثياب، وطريقة مشيته، وطريقة كلامه،\nفهذا يباح منا ومنه - ﷺ -؛ لأنه لم يقصد به التشريع، ولم نتعبَّد به، ولم تقع تلك الأفعال على سبيل الطاعة.","vol":"2","page":830},{"text":"ثالثا: الأفعال التي لم يتبين أمرها، ولم يوجد دليل على وقوعها\nقربة، أو عادة:\nكجلوسه - ﷺ - للقيام إلى ثالثة من الصلاة الرباعية، والاضطجاع بعد الفجر، ومبيته بذي طوى، ونزوله بالأبطح، فقد اختلف\nالعلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يستحب للأُمَّة اتباع النبي - ﷺ - في هذه الأفعال، ويندب إلى ذلك، ولا يجب.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لعدم وجود الدليل\nالذي يدل على الوجوب، فيحمل على أن فعله أرجح من تركه،\nوهو الندب.\nالمذهب الثاني: أنه يجب اتباع الأُمَّة لذلك، إلا ما دلَّ الدليل\nعلى أنه خاص بالنبي - ﷺ -.\nوهو مذهب الإمام مالك فيما حكي عنه، وهو رواية عن الإمام\nأحمد، واختاره بعض الشافعية كأبي العباس ابن سريج، والأصطخري.\nدليل هذا المذهب:\nأن النبي - ﷺ - فعل تلك الأفعال على أنها واجبة عليه، فيجب علينا الاقتداء به فيها.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك لأمرين:\nأولهما: أنه لا يوجد دليل على أن النبي - ﷺ - قد فعلها وهي واجبة عليه.","vol":"2","page":831},{"text":"ثانيهما: لو سلمنا أنها واجبة عليه فلا يلزم أنها واجبة علينا؛\nلعدم الدليل على دخولنا فيه.\nالمذهب الثالث: التوقف في ذلك حتى يقوم دليل يطلب منا الفعل\nعلى الوجه المطلوب.\nوهو مذهب ابن فورك، وصحَّحه كثير من العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لما كان هذا الفعل يحتمل أن يكون للندب، ويحتمل أن يكون\nللوجوب، ويحتمل الإباحة، ويحتمل أن يكون من خصائصه: كان\nالتوقف متعينًا؛ لأن كل واحد منها ليس أَوْلى من الآخر.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الاحتمال الأول وهو كونه للندب هو الراجح؛\nلأن الدليل قد قواه وهو: أن فعله أرجح من تركه كما قلنا فيما\nسبق، أما الاحتمالات الثلاثة الأخرى فهي احتمالات بعيدة؛ لعدم\nوجود أدلة عليها، فيعمل على ما ترجح بالدليل.\nرابعًا: أفعاله التي فعلها لبيان مجمل، أو لتقييد مطلق:\nفإن هذا حكمه حكم المبين: فإن كان المبين واجبًا فهو واجب،\nوإن كان المبيَّن مندوبًا: فهو مندوب، وإنما كان كذلك؛ لأن البيان\nلا يتعدى رتبة المبين، ومتى تعداه لا يكون بيانًا له، ولأن البيان ما\nانطبق على المبين كالتفسير ينطبق على المفسر.\nخامسًا: الفعل الخاص به - ﷺ -:\nكالزواج بأكثر من أربع، وجواز زواجه بدون مهر، ونحو ذلك،\nفهذا خاص به، لا يفعله غيره، ولا يجوز أن نتأسى به في تلك الأفعال.","vol":"2","page":832},{"text":"سادسا: إذا فعل فعلًا لا يوصف بما سبق فما حكم التأسي به؟\nإذا فعل - ﷺ - فعلًا، وثبت أنه على وجه القربة، ولم يكن بيانا بالمجمل أو غيره، ولا قام الدليل على أنه من خواصه، وعلمنا\nصفته من الوجوب أو الندب، أو الإباحة، وذلك بنصه - ﷺ -، أو بغير ذلك من الأدلة، فهل نحن متعبدون بهذا الفعل والتأسي به في فعله، سواء كان واجبا، أو مندوبا، أو مباحًا؟\nاختلف في ذلك على مذاهب؛ ومن أهمها مذهبان:\nالمذهب الأول: أنا متعبدون بالتأسي به.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - فقد كانوا\nمجمعين على الرجوع إلى أفعاله - ﷺ - والتأسي بذلك - وهو أن يفعلوا مثل ما فعل - كرِجوعهم إلى تزويجه ليمونة وهو حرام،\nوفي تقبيله للحجر الأسود، وجواز تقبيله وهو صائم، ونحو ذلك.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) .\nوجه الدلالة: أنه جعل التأسي بالنبي - ﷺ - من لوازم رجاء اللَّه تعالى واليوم الآخر، ويلزم من عدم التأسي: عدم الملزوم، وهو:\nالرجاء لله واليوم الآخر، وذلك كفر كما هو واضح.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) .\nوجه الدلالة: أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة اللَّه الواجبة،\nفلو لم تكن المتابعة لازمة: للزم من عدمها عدم المحبة، وذلك حرام.","vol":"2","page":833},{"text":"المذهب الثاني: أنا لسنا متعبدين بالتأسي به مطلقا.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لما كان احتمال\nالخصوصية قائمًا في كل فعل مجرد، فلا يجوز التأسي به ومتابعته\nوأخذ الحكم منه؛ لاحتمال أن يكون مما يجوز له - ﷺ -، ويحرم على غيره، فيكون من اقتدى به قد فعل حرامًا.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن خصائصه التي ثبتت\nبأدلة صحيحة قليلة جدًا، وقد قدرت بخمس عشرة خاصة، بينما\nأكثر الأحكام ثبت الاشتراك فيها كأنواع العبادات، وأركانها،\nوشروطها، وأسبابها، وما يستحب فيها من الأفعال والهيئات،\nوكذلك الآداب والمعاملات التي ثبت الاشتراك فيها، فهذه تزيد\nأضعافًا مضاعفة عما ثبت الاختصاص به، فلا يجوز أن تمنع دلالة\nالفعل المجرد في حقنا من أجل الاحتمال الذي لم يرد إلا قليلًا،\nوهو كونه من خصائصه - ﷺ -.\nالمسألة التاسعة والعشرون: تقرير النبي - ﷺ -:\nويتبين ذلك فيما يلي:\nأولًا: تعريفه:\nتقرير النبي - ﷺ - هو: كف النبي - ﷺ - عن الإنكار على ما علم به من قول أو فعل، وستأتي الأمثلة على ذلك.","vol":"2","page":834},{"text":"ثانيًا: حجيته:\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن التقرير حُجَّة، وهو قسم من أقسام السُّنَّة\nالنبوية، وهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق، لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن النهي عن المنكر واجب، وتركه معصية،\nويتنزه عنها أهل التقى من الأُمَّة، فمن باب أوْلى أن يتنزه عنها\nالرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم؛ وهو أول المسلمين\nوأتقاهم لله، ولو جاز له ترك إنكار المنكر لجاز ذلك لأُمَّته.\nالدليل الثاني: أن اللَّه تعالى أرسل نبيه بشيرًا ونذيرًا يأمر بالمعروف\nوينهى عن المنكر، فلو سكت عما يفعل أمامه مما يخالف الشرع لم\nيكن ناهيًا عن المنكر.\nالدليل الثالث: إجماع الصحابة - رضوان اللَّه عنهم - فقد كانوا\nيحتجون بتقريره - ﷺ - على الجواز، بدون نكير من أحد منهم، ومن أمثلة ذلك:\n١ - قول أبي بن كعب: \" الصلاة في ثوب واحد سُنَّة كنا نفعله\nعلى عهد النبي - ﷺ -، ولا يعاب علينا \".\n٢ - أن أنس بن مالك سئل وهو غاد إلى عرفة: كيف كنتم\nتصنعون في هذا اليوم مع رسول اللَّه - ﷺ -؛ فقال:\n\" كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ \".\nالمذهب الثاني: أن التقرير من - ﷺ - ليس بحُجَّة في الشرع.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.","vol":"2","page":835},{"text":"دليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه من الجائز أنه سكت؛\nلأنه أنكر عليه مرة فلم ينفع فيه الإنكار، وعلم أن إنكاره عليه ثانيا لا\nيفيد، فلم يعاود، وأقره عليه كما أقر اليهود على معتقداتهم، وإذا\nكان الأمر كذلك فلا يصلح التقرير دليلًا على الجواز.\nجوابه: -\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا الدليل خارج عن محل النزاع، فهو\nخارج عن الإقرار الذي يحتج به؛ لأن شرطه: أن يكون المقر مسلمًا\nملتزمًا، واليهود والنصارى ليسوا كذلك، فكيف يترك المسلم الملتزم\nالمطيع المتتبع يفعل المنكر فلا ينهاه عنه.\nالجواب الثاني: على فرض أن الإقرار على مثل هذا جائز في\nبعض الأحوال، فإن هذا نادر جدًا، والنادر لا حكم له، والحكم\nللأعم الأغلب.\nثالثا: أنواع الإقرار:\nالتقرير على أنواع:\nالنوع الأول: الإقرار على الأقوال، ومثاله: أن ماعزًا اعترف\nبالزنا أمام النبي - ﷺ - ثلاثا، كل ذلك يرده، فقال له أبو بكر: إنك إن اعترفت الرابعة رجمك رسول اللَّه - ﷺ -.\nوهو على قسمين:\nالأول: ما يتعلق بالدين وأصوله وفروعه، وما ينبني عليه تشريع،\nفتقريره يدل على صحته.","vol":"2","page":836},{"text":"الثاني: ما كان قولًا يتعلق بالدنيا، والأمور المغيبة عنه، فالتقرير\nعليه لا يدل على صدق الخبر، وثبوت مدلوله كما في قصة المنافقين.\nالنوع الثاني: الإقرار على الأفعال، مثاله: إقراره - ﷺ - خالد بن الوليد على أكل لحم الضب، فهذا النوع يدل على أنه لا حرج في ذلك.\nالنوج الثالث: الإقرار على الترك، ومثاله: أن النبي - ﷺ - في حجة الوداع أمر أهل مكة بالإتمام، فقال: \" يا أهل مكة، أتموا\nصلاتكم فإنا قوم سفر \"، وأما ما بمِنَى وعرفة ومزدلفة، فلم ينقل\nأحد أنه أمرهم بذلك، فقال ابن تيمية: لو كان المكيون قد قاموا\nفأتموا الظهر والعصر والعشاء أربعا أربعا لما أهمل الصحابة نقل ذلك\nوهذا يدل على أنهم قصروا، ولم ينكر - ﷺ - عليهم، ورجح بهذا: أن للمكيين القصر بالمناسك بعذر النسك.\n***\nالمسألة الثلاثون: تقسيمات السُّنَّة:\nالسُّنَّة تنقسم إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة هي كما يلي:\nأولًا: تنقسم السُّنَّة من حيث حقيقتها إلى ثلاثة أقسام:\n١ - السُّنَّة القولية.\n٢ - السُّنَّة الفعلية.\n٣ - السُّنَّة التقريرية، وقد سبق الكلام عنها بالتفصيل.\nثانيا: تنقسم السُّنَّة من حيث السند إلى قسمين:\n١ - المتواتر.\n٢ - الآحاد.\nوالحنفية يجعلون قسما ثالثا بينهما هو: المشهور،\nوقد سبق الكلام عنها بالتفصيل.","vol":"2","page":837},{"text":"ثالثًا: تنقسم السُّنَّة من حيث الصحة وعدم ذلك إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الحديث الصحيح وهو: ما اتصل سنده بنقل\nالعدل الضابط ضبطًا تامًا عن مثله إلى نهاية السند من غير شذوذ ولا\nعلَّة قادحة.\nوهو نوعان:\n١ - الصحيح لذاته، وهو الذي عرفناه فيما سبق.\n٢ - الصحيح لغيره، وهو ما صحح لأمر أجنبي عنه؛ إذ لم\nيشتمل على صفات القبول على أعلاها كالحسن إذا روي من غير وجه.\nحجيته:\nاتفق العلماء على الاحتجاج به في الأحكام الشرعية.\nالقسم الثاني: الحديث الحسن، وهو: ما اتصل سنده بنقل\nالعدل الضابط ضبطًا غير تام عن مثله إلى منتهى السند من غير شذوذ\nولا عِلَّة قادحة.\nوهو نوعان:\n١ - حسن لذاته، وهو ما تقدم.\n٢ - حسن لغيره، ْ وهو: ما رواه ضعيف يكون ضعفه بغير كثرة\nالخطأ، وبغير اتصافه بالفسق، وأن يروي هذا الحديث راو آخر عن\nشيخ هذا الراوي الضعيف.\nحجيته:\nلقد اتفق العلماء على أن الحسن لذاته يحتج به، ولكنه دون\nالصحيح في الرتبة.","vol":"2","page":838},{"text":"وكذلك الحسن لغيره يحتج به بشرط: كثرة طرقه وتعددها.\nالقسم الثالث: الحديث الضعيف، وهو ما لم توجد فيه شروط\nالصحة، ولا شروط الحسن.\nحجيته:\nلقد اختلف العلماء في الاحتجاج بالحديث الضعيف.\nوالحق: أن الحديث الضعيف يحتج به في فضائل الأعمال\nوالترغيب والترهيب - ما لم يكن موضوعًا - ولا يحتج به إلا\nبشروط هي كما يلي:\nالشرط الأول: ألا يكون الضعف شديدًا، فيخرج عن هذا: من\nانفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه.\nالشرط الثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به.\nالشرط الثالث: ألا يعتقد - عند العمل به - ثبوته؛ لئلا ينسب\nإلى النبي - ﷺ - ما لم يقله، بل يعتقد الاحتياط.\nوأما الأحكام كالحلال، والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق،\nونحو ذلك، فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن فقط.","vol":"2","page":839},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المبحث الثالث في الدليل الثالث من الأدلة المتفق عليها إجمالًا وهو: الإجماع</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في تعريف الإجماع.\nالمطلب الثاني: في إمكان الإجماع.\nالمطلب الثالث: في العلم بالإجماع والاطلاع عليه.\nالمطلب الرابع: في حجية الإجماع.\nالمطلب الخامس: في شروط الإجماع.\nالمطلب السادس: أقسام الإجماع.\nالمطلب السابع: الإجماعات الخاصة.","vol":"2","page":841},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المطلب الأول في تعريف الإجماع</span>\nويشتمل على مسألتين:\nالمسألة الأولى: تعريفه لغة.\nالمسألة الثانية: تعريفه اصطلاحا.","vol":"2","page":843},{"text":"المسألة الأولى: في تعريفه لغة:\nالإجماع: لغة يطلق على إطلاقين:\nالأول: العزم المؤكد، ومنه قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)\nأي: اعزموا على أمركم، ومنه قوله - ﷺ -:\n\" لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل \"\nأي: يعزم عليه، ومنه قولهم: \" جمع أمره \" أي: عزم عليه.\nالثاني: الاتفاق، ومنه قولهم: \" أجمع المسلمون على كذا \"\nأي: اتفقوا، ومنه قوله - ﷺ -:\n\" لا تجتمع أمتي على ضلالة \" أي: لا تتفق.\nوهذا المعنى هو الذي يناسب المعنى الاصطلاحي للإجماع الذي\nسيأتي إن شاء اللَّه.\n***\nالمسألة الثانية: الإجماع اصطلاحا:\nالإجماع في اصطلاح أهل الشريعة هو: اتفاق مجتهدي العصر\nمن أُمَّة محمد - ﷺ - بعد وفاته على أي أمر كان من أمور الدين.\nشرح التعريف، وبيان محترزاته:\nقولنا: \" اتفاق \" المراد به: الاتحاد والاشتراك في الأقوال\nوالأفعال، والسكوت، والتقرير.\nقولنا: \" مجتهدي العصر \" المجتهد هو: كل من توفرت فيه\nشروط المجتهد، وهي كثيرة سيأتي التفصيل فيها إن شاء اللَّه.","vol":"2","page":845},{"text":"وخرج بذلك العوام، وطلاب العلم الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد.\nوعبَّرنا بذلك ليشمل جميع المجتهدين في عصر واحد، فلو\nتخلف واحد من المجتهدين فلا يسمى ذلك إجماعًا.\nأي: أن يتفق علماء العصر الذي حدثت فيه الحادثة التي تحتاج\nإلى النظر فيها، أما من بلغ درجة الاجتهاد بعد حدوث الحادثة،\nوالحكم عليها، فلا يعتبر من أهل ذلك العصر.\nقولنا: \" من أُمَة محمد - ﷺ - أخرج اتفاق المجتهدين من أتباع الشرائع السابقة كاليهود والنصارى وغيرهم، فلا يعتد بإجماعهم ولا\nخلافهم.\nقولنا: \" بعد وفاته \" أخرج اتفاق المجتهدين في حياة النبي - ﷺ -، فإن هذا لا يسمى إجماعًا؛ لأنه لا إجماع إلا بعد اجتهاد، ولا\nاجتهاد في حياة النبي - ﷺ -.\nقولنا. \" على أي أمر كان من أمور الدين \" لبيان أن الإجماع\nالشرعي يشترط أن يكون متعلقًا بحكم شرعي يهم المكلَّف.\nوخرج بذلك اتفاق المجتهدين على أمر ليس من أمور الدين\nكالاتفاق على بعض مسائل اللغة، أو الحساب، أو الأمور الدنيوية،\nونحو ذلك.","vol":"2","page":846},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المطلب الثاني في إمكان الإجماع</span>\nلا خلاف بين العلماء في إمكان الإجماع عقلًا؛ لأن اتفاق\nالمجتهدين في عصر على حكم لا يمتنع عقلًا، ولا خلاف في تصوره\nوإمكانه في ضروريات الأحكام.\nأما في غير ذلك وهو: الإجماع على الأحكام التي لا تكون\nمعلومة بالضرورة بأن كان الإجماع عن مستند ظني، فقد اختلف\nالعلماء في إمكانه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الإجماع ممكن، أي: إجماع المجتهدين من\nأُمَّة محمد - ﷺ - في عصر من العصور ممكن عادة.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: الوقوع، حيث إن الإجماع وقع فعلًا، ولا أدل\nعلى الإمكان من الوقوع، وأمثلة وقوع الإجماع كثيرة، ومنها:\n١ - الاجماع على حرمة شحم الخنزير كلحمه.\n٢ - الإجماع على حجب ابن الابن بالابن.\n٣ - الإجماع على تقديم الدَّين على الوصية.\n٤ - الإجماع على أنه لا زكاة في أعيان الشجر.\n٥ - الإجماع على أن الواجب في الغسل والمسح في الوضوء هو\nالفعل مرة واحدة.","vol":"2","page":847},{"text":"٦ - الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: لونه،\nأو طعمه، أو ريحه بنجاسة لا يجوز الوضوء منه.\nوغير ذلك من الأمثلة.\nفهذا دليل واضح على انعقاد الإجماع بالفعل فضلًا عن إمكانه.\nالدليل الثاني: أنه كما لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب،\nفكذلك لا يمتنع اتفاقهم على حكم معين لحادثة حدثت في عصرهم،\nولا فرق، والجامع: توافق الدواعي لكل منهما.\nالدليل الثالث: أن الأصل الإمكان، فيستمر هذا الأصل ويتمسك\nبه لعدم وجود ما يمنعنا من استصحابه.\nالمذهب الثاني: أن الإجماع مستحيل عادة، فهو غير ممكن.\nذهب إلى ذلك بعض النظامية، وبعض الشيعة، وبعض الخوارج.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن أهل الإجماع قد انتشروا\nفي مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الانتشار يمنع نقل الحكم إليهم\nعادة، وإذا امتنع نقل الحكم امتنع الاتفاق الذي هو وقوع تساويهم\nفي نقل الحكم إليهم.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن أهل الإجماع عدد قليل معروفون بأعيانهم،\nوهم المجتهدون، وعليه فيمكن أن ينقل الحكم إلى جميعهم، ولا\nيخفى على واحد من المجتهدين، ثم إن أهل الإجماع يكونون عادة\nأهل جد وبحث، وليسوا خاملين، فالمطلوب لا يخفى على الطالب\nالجاد، وإنما يمتنع ذلك لمن قعد في عقر داره لا يبحث ولا يطلب،\nوهذا قد ينزله عن درجة الاجتهاد.","vol":"2","page":848},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المطلب الثالث في العلم بالإجماع والاطلاع عليه</span>\nالاطلاع على الإجماع والعلم به يكون بأحد طريقين:\nأولهما: الأخبار والنقل إن كان الإجماع متقدما؛ لتعذر المشاهدة.\nثانيهما: المشافهة والمشاهدة إن كان الإجماع قد حصل في عصر\nالمجتهدين.\nووجه الحصر في هذين الطريقين.: أنه لا يمكن أن يعلم الإجماع\nبالعقل، ولا يمكن أن يعلم بخبر اللَّه تعالى ولا بخبر رسوله - ﷺ -، لتعذر ذلك، فتعين ما ذكرنا من الطريقين.\nواختلف العلماء القائلون بإمكان الإجماع ووقوعه، وهم الجمهور\nفي إمكان العلم به والاطلاع عليه على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يمكن العلم به والاطلاع عليه مطلقا في جميع\nالعصور.\nوهو مذهب الجمهور.\nوهو الحق، لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن أرباب العلوم غير الدينية قد تحقق الإجماع بينهم","vol":"2","page":849},{"text":"في كثير من الأحكام التي تخصهم فمثلهم الفقهاء، بل الفقهاء أوْلى\nلوجود الدافع الديني.\nالدليل الثاني: أن ضروريات المذاهب مقطوع بالإجماع عليها من\nالعوام وغيرهم، والعوام أكثر عددًا من غيرهم، وأقل نظرًا، وقد\nتحقق العلم منهم، فأوْلى أن يتحقق العلم بالإجماع من الفقهاء،\nوهم أقل عددًا، وأكثر نظرًا.\nالمذهب الثاني: أنه يمكن العلم به والاطلاع عليه في زمن الصحابة\nفقط.\nوهو مذهب بعض الشافعية كالأصفهاني، وبعض الإمامية، وأهل\nالظاهر.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لا يتعذر العلم\nبالإجماع في زمن الصحابة والاطلاع عليه، نظرًا لقلتهم،\nوحصرهم، واجتماعهم في الحجاز، ومن خرج منهم فيعرف\nمكانه، فيمكن الرجوع إليهم جميعًا، وعليه فيمكن معرفة ما اتفقوا\nعليه جميعًا، وما اختلفوا فيه.\nأما في غير الصحابة، فإن العلم بالإجماع متوقف على معرفة\nأعيان المجمعين، وما غلب على ظنهم، واتفاقهم عليه في وقت\nواحد، وهذه الأمور غير ممكنة إلا في زمن الصحابة فقط، أما في\nزمن غيرهم: فلا يمكن نظرًا لكثرتهم وتفرقهم.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن المجتهدين وإن كانوا كئيرين فإنه يمكن معرفة","vol":"2","page":850},{"text":"الإجماع بمشافهة بعضهم والنقل المتواتر عن الباقين بأن ينقل من أهل\nكل قطر من يحصل التواتر بقولهم عمن فيه من المجتهدين مذاهبهم،\nفيتضح إمكان الاطلاع على إجماع من عدا الصحابة.\nهذا على فرض أن المجتهدين في كل عصر كثيرون، ولكن الحق:\nأن الذين بلغوا درجة الاجتهاد في كل عصر هم فئة قليلة جدًا يمكن\nالعلم بهم، فهم من الشهرة بحيث لا يخفون على باحث فيمكن\nالعلم بأقوالهم ونقلها.\nالمذهبِ الثالث: أنه يمكن معرفة الإجماع والاطلاع عليه في\nالقرون الثلاثة الأولى، وهو اختيار بعض الحنفية، ومنهم الأنصاري.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن المجتهدين في هذه\nالعصور وهي القرون الثلاثة يمكن معرفتهم، فيسهل معرفة الإجماع\nفي هذه الأزمنة والاطلاع عليها.\nجوابه:\nيجاب عنه بالجواب السابق على دليل أصحاب المذهب الثاني.","vol":"2","page":851},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المطلب الرابع في حجية الإجماع</span>\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الإجماع حُجَّة.\nوهو مذهب جمهور العلماء المعتد بأقوالهم.\nوهو الحق، للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) .\nوجه الدلالة: أن معنى مشاقة الرسول - ﷺ -: منازعته، ومخالفة ما جاء به عن ربه، ومعنى سبيل المؤمنين: ما اختاروه لأنفسهم من\nقول أو فعل أو اعتقاد، وقد توعد اللَّه بالعقاب على متابعة غير سبيل\nالمؤمنين، وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين، وتحريم\nمخالفتهم، ولو لم تكن مخالفتهم حرامًا لما توعد عليه ولما حسن\nالجمع بينه وبين المحرم وهو: مشاقة الرسول - ﷺ - في الوعيد كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح.\nوبذلك يكون سبيل المؤمنين حُجَّة يجب اتباعه والعمل بمقتضاه.","vol":"2","page":852},{"text":"ما وجه إلى هذا الاستدلال من الاعتراضات:\nالاعتراض الأول: أن اللَّه تعالى إنما توعد على أمرين لا بد منهما\nمعًا، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر وهما:\n١ - مشاقة الرسول\n٢ - ترك اتباع سبيل المؤمنين، فيلحق الوعيد بالأمرين معًا،\nفثبت أنه لا يتعلق الوعيد بأحدهما على الانفراد، وبناء على ذلك:\nفلا يلحق الوعيد التارك لاتباع سبيل المؤمنين منفردًا؛ إذن: لا يجب\nاتباع الإجماع، لأنه لا وعيد عليه، فيكون الإجماع ليس بحُجَّة.\nجوابه:\nيجاب عنهْ بأن هناك قاعدة وهي: أن اللَّه تعالى إذا توعد على\nشيئين، فإن الوعيد يلحق بكل واحد منهما على انفراد واجتماع،\nلكن لا يجوز أن يلحق الوعيد بأحد الشيئين معينًا، والآخر لا يلحق\nبه الوعيد.\nيؤيد ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا)،\nفإن اللَّه لما جمع بين هذه الأفعال في الوعيد كان منصرفًا\nإلى كل واحد منها، فكذلك في هذه الآية وهي: \" ومن يشاقق\nالرسول.. \" قد جمع اللَّه بين هذين الفعلين، وهما: \" المشاقة،\nومتابعة غير سبيل المؤمنين \" فينصرف الوعيد إلى كل واحد منهما\nبانفراد، فلو لم يكن اتباع سبيل المؤمنين محرمًا بانفراده، فإنه لا\nيمكن أن يقرن بما هو محرم وهو: \" المشاقة \" كسائر المباحات، ألا\nترى أنه لا يجوز الجمع بين المحرم والمباح في باب الوعيد، فلا\nيجوز أن يقال: \" من زنا وشرب الماء عاقبته \"، وذلك لأن الزنا\nمحرم، وشرب الماء مباح.","vol":"2","page":853},{"text":"الاعتراض الثاني: أن اللَّه تعالى قد توعد على ترك سبيل المؤمنين\nفيما صاروا به مؤمنين وهو التوحيد، والتصديق، وفعل الإيمان.\nيؤيد ذلك: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) التي أتت بعد تلك الآية المستدل بها، ومعروف\nأن الشرك مقابل التوحيد، ويؤيد ذلك: سبب نزول هذه الآية،\nحيث إنه قيل: إن الآية نزلت في بشير بن أبيردتى المنافق لما سرق ثم\nرمى بذلك لبيد بن سهيل، ولما كشف أمره هرب إلى مكة، ولحق\nبالمشركين، فأنزل اللَّه تلك الآيات.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا حمل الآية على صورة واحدة، وهذا تأويل\nلا دليل عليه، والتأويل الذي لا دليل عليه باطل.\nالاعتراض الثالث: أن التوعد قد لحق جميع - المؤمنين إلى قيام\nالساعة، وأهل العصر ليسوا كل المؤمنين، ودليل ذلك: أن لفظ\n\"المؤمنين \" جمعٌ معرف بـ \" أل \"، فتكون عامة لجميع المؤمنين، وجميع\nالمؤمنين كل من آمن بالله إلى يوم القيامة، وذلك لا يدل على أن ما\nوجد من الإجماع في بعض الأعصار حُجَّة؛ لأمرين:\nأولهما: أن المجمعين - في عصر واحد هم بعض المؤمنين.\nثانيهما: أن المخالف في حجية الإجماع من جملة المؤمنين.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن المقصود بلفظ \" المؤمنين \" الوارد في الآية هم\nأهل العصر الذي حدثت فيه الحادثة - كما قلنا في تعريف الإجماع\nالسابق - فتحمل لفظة \" المؤمنين \" على ذلك.","vol":"2","page":854},{"text":"الاعتراض الرابع: أن حجية الإجماع مسألة علمية لا تفيد فيها إلا\nالأدلة القطعية، ودلالة الآية ظنية للاحقمالات التي ذكرت، فهي من\nقبيل الظاهر، فلا تثبت حجية الإجماع.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الآية وإن كانت ظنية الدلالة إلا أنها تثبت حجية\nالإجماع، ويكون حُجَّة ظنية كخبر الواحد هذا على قول.\nأما على القول بأن الإجماع حُجَّة قطعية فإنا نقول: إن هذه الآية\nوإن كانت ظنية فقد احتفت بقرائن صيرتها قطعية، والقرائن هي ما\nسيأتي من السُّنَّة.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد وصف الأُمَّة بأنهم أُمَّة وسطا،\nوالوسط: الخيار العدل، دلَّ على ذلك قوله تعالى:\n(قال أوسطهم ألم أقل لكم) أي: أعدلهم، فالله ﷿ عدلهم\nبقبول شهادتهم، ولما كان قول الشاهد حُجَّة، إذ لا معنى لقبول\nشهادته إلا كون قوله حُجَّة يجب العمل بمقتضاه، فيدل هذا على أن\nإجماع الأُمَّة يجب العمل بمقتضاه.\nوكون الوسط: العدل هو الذي ذكره الجوهري في الصحاح،\nوذكره القرطبي في تفسيره.\nالاعتراضات التي وجهت إلى الاستدلال بهذا الآية:\nالاعتراض الأول: لا نُسَلِّمُ أن العدالة تنافي الخطأ في الاجتهاد،\nبل إنما تنافي الكبائر، فاحتمال الخطأ في الكبائر باق.","vol":"2","page":855},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأن ما قلتم مسلم بالنسبة لتعديل الأُمَّة بعضها لبعض،\nوأما بالنسبة لتعديل اللَّه للأُمَّة فينافي الخطأ مطلقا؛ لأنه لم يعدلهم إلا\nلكونهم يصيبون الحق في الواقع مطلقًا لقبول شهادتهم، والشهادة\nإنما تقبل لموافقتها الصواب، فلزم أنهم معصومون عن الخطأ.\nالاعتراض الثاني: أن الآية قد قيدت عدالة الأُمَّة في يوم القيامة\nفقط؛ لأن التعديل من اللَّه للأُمَّة معلل بقبول شهادتها يوم القيامة\nعلى الأكل م السابقة، والعدالة تعتبر وقت أداء الشهادة وهو يوم القيامة.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن من دقق النظر في الآية فإنه يتبين له أن اللَّه قد ميَّز\nالأُمَّة الإسلامية على غيرها من الأمم السابقة بهذه الميزة المذكورة فيها،\nفلو جعلت عدالتها خاصة بيوم القيامة لما كانت لها ميزة على الأمم\nالسابقة؛ لأن الأمم جميعها يوم القيامة عدول فلا داعي لذكر هذا\nالأمر، يؤيد ذلك قوله: \" وجعلناكم \" بلفظ الماضي، ولم يقل\nسنجعلكم، فتكون العدالة محققة في الدنيا.\nالاعتراض الثالث: سلمنا أن العدالة لهم في الدنيا، ولكن\nالعدالة التي وردت في الآية إنما هي لجميع الأُمَّة، وعلى هذا فلا\nخصوصية للمجتهدين منهم، إذن: لا تثبت حجية الإجماع إلا\nبانتهاء الأُمَّة، وبانتهائها لا تحتاج إليه، فلا تصلح الآية للاستدلال\nبها على حجية الإجماع.\nجوابه:\nيجاب عنه: بانا بيَّنَّا أن المجتهدين هم الذين يعتبر قولهم فقط،\nوبيَّنا أن المقصود اجتهادهم في عصر من العصور، هذا كله سبق.","vol":"2","page":856},{"text":"ونزيد هنا: أن المقصود من حجية قولهم: العمل بمقتضاه،\nوليست الآخرة دار عمل، وإلا لقال تعالى: \" سنجعلكم \" فتعبيره\nبالماضي يدل على أن قولهم حُجَّة.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)\nوجه الاستدلال: أن اللَّه تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأُمَّة بأنهم\nيأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، وهذا يقتضي كون\nقولهم حقًا وصوابا في جميع الأحوال، والخيرية توجب حقيقة ما\nاجتمعوا عليه؛ لأنه لو لم يكن حقًا لكان ضلالًا، فإذا اجتمعوا\nعلى مشروعية شيء يكون ذلك الشيء معروفًا، وإذا اجتمعوا على\nعديِم مشروعية شيء يكون ذلك الشيء منكرًا، فيكون إجماعهم\nحُجة.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل\nالجزم، ومن أمر اللَّه بطاعته على سبيل الجزم لا بد أن يكون معصوما\nعن الخطأ؛ لأنه لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه\nعلى الخطأ يكون قد أمر اللَّه بطاعته، فيكون ذلك أمرًا بفعل ذلك\nالخطأ، فثبت أن أولي الأمر المذكورين في هذه الآية لا بد وأن يكونوا\nمعصومين.\nوهؤلاء المعصومون اما مجموع الأفة، أو بعضها، ولا ثالث\nلهما.","vol":"2","page":857},{"text":"لا يجوز أن يكونوا كل الأُمَّة، لأنا قد بيَّنا أن اللَّه قد أوجب طاعة\nأولي الأمر في هذه الآية، وهم أهل الحل والعقد من الأُمَّة وهم\nالمجتهدون؛ لأن إيجاب طاعتهم مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين\nعلى الوصول إليهم والاستفادة منهم؛ لأنه: \" لا يكلف اللَّه نفسا إلا\nوسعها \"، وهذا هو الراجح في المراد من \" أولي الأمر \".\nالدليل الخامس: من السُّنَّة:\n١ - قوله - ﷺ -: \" ... فمن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد \".\n٢ - قوله: \" لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتيهم أمر\nالله وهم ظاهرون \".\n٣ - قوله: \" فإن يد اللَّه على الجماعة، وإن الشيطان مع من\nفارق الجماعة يركض \".\n٤ - قوله: \" لا تجتمع أمتي على ضلالة، ويد اللَّه على الجماعة،\nومن شذ شذ في النار \"،\nوفي رواية: \" إن اللَّه لا يجمع هذه الأُمَّة على ضلالة أبدًا، وأن اللَّه مع الجماعة، فاتبعوا السواد الأعظم، فإن من شذ شذ في النار \"،\nوفي رواية: \" إن أُمَّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم \"،\nوفي رواية: \" سألت ربي أن لا تجتمع أُمَّتي على ضلالة فأعطانيها \".\n٥ - قوله: \" ومن فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه \".\n٦ - قوله: \" إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو\nعليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا تجتمعوا على ضلالة ...، إلخ.","vol":"2","page":858},{"text":"إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى كثرة، البالغة مبلغ التواتر\nالمعنوي، لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة والتابعين لم يدفعها\nأحد من أئمة النقل من سلف الأُمَّة وخلفها، بل هي مقبولة من\nالجميع -، ومعمول بها، ولم ينكوها أحد، ولم تزل الأُمَّة تحتج بها\nفي أصول الدين وفروعه.\nوجه الاستدلال من تلك الأحاديث على حجية الإجماع من\nطريقين:\nالطريق الأول: حصول العلم الضروري، فكل واحد من تلك\nالأحاديث وإن كان خبر واحد يجوز تطرق الاحتمال إليه، إلا أنه\nحصل لنا بمجموعها علما ضروريًا بأن النبي - ﷺ - قد عظم شأن هذه الأُمَّة وأخبر أنها معصومة عن الخطأ، كما علمنا بالضرورة شجاعة عليّ، وكرم حاتم، وإذا عصمت الأُمَّة عن الخطأ فيكون إجماعهم\nحُجَة؛ لأنه حق.\nالطريق الثاني: حصول العلم الاستدلالي، وذلك من وجهين:\nالوجه الأول: أن تلك الأحاديث الآحادية لم تزل ظاهرة مشهورة\nبين الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم، وقد تمسكوا بها فيما\nبينهم في إثبات الإجماع من غير خلاف فيها، ولم يزالوا على ذلك\nحتى وقت النظام وغيره من المخالفين، ويستحيل عادة توافق الأمم\nفي عصور مختلفة على التسليم لما لم تقم الحُجَّة بصحته مع اختلاف\nالطباع وتفاوت الأفهام والهمم والمذاهب والآراء.\nفهذا يدل على عدم اختلاف هؤلاء في استدلالهم بتلك الأحاديث\nعلى ثبوت الإجماع، وأنه حُجَّة.\nالوجه الثاني: أن الذين احتجوا بتلك الأخبار الآحادية أثبتوا بها","vol":"2","page":859},{"text":"أصلًا مقطوعا به، وهو الإجماع الذي يقدم على النص من الكتاب\nوالسنَّة، والعادة تحيل أن يسلم لخبر يرفع به النص إلا إذا كان مستندًا\nإلى مستند مقطوع به، وهو مجموع تلك الأخبار الآحادية؛ حيث\nأفادتنا العلم الضروري بأن الأُمَّة لا تجتمع على خطأ.\nالاعتراضات التي وجهت إلى هذا الاستدلال:\nالاعتراض الأول: أنه ربما خالف واحد وردها، ولكنه لم ينقل إلينا.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا خلاف العادة؛ لأن الإجماع من أعظم\nالأدلة، فلو خالف فيه أحد لاشتهر كما اشتهرت مخالفة الصحابة\nفي كثير من المسائل الفقهية.\nالاعتراض الثاني: يحتمل أنهم أثبتوا الإجماع بغير تلك الأخبار.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الظاهر أن الصحابة والتابعين قد تمسكوا بتلك\nالأخبار على إثبات الإجماع، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل.\nالاعتراض الثالث: أن هذا إثبات الإجماع بالإجماع؛ لأنكم\nاستدللتم بالإجماع على صحة الخبر، والخبر على صحة الإجماع،\nوهذا باطل.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، بل استدللنا على الإجماع بمجموع تلك\nالأخبار؛ بناء على أنها تفيد التواتر المعنوي، فيكون استدلالنا\nبالمتواتر وهو مقطوع به على إثبات الإجماع.","vol":"2","page":860},{"text":"المذهب الثاني: أن إجماع الصحابة حُجَّة فقط، أما إجماع غيرهم\nفليس بحجة.\nوهو مذهب كثير من الظاهرية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) .\nوجه الدلالة: أن الله قد أثنى على الصحابة في القرآن الكريم،\nوالثناء يدل على أن أقوالهم معتبرة، لصدقها يقينا، فدل على أن\nاجتماعهم حُجَّة.\nجوابه:\nيجاب عنه من وجهين:\nأحدهما: أن الآية ليست خاصة بالصحابة، بل هي شاملة لهم\nولغيرهم بدليل قوله: (والذين اتبعوهم)، فهذا شامل لجميع\nالمتبعين بإحسان من بعد الصحابة إلى آخر المسلمين، فيلزمهم أن\nتكون دالة أيضًا على حجية إجماع غيرهم لاشتراكهم جمبعا في المدح.\nثانيهما: إذا كان الثناء والمدح يدل على أن أقوال الممدوحين\nمعتبرة، فالله تعالى كما أثنى على الصحابة فقد أثنى على الأُمَّة\nالإسلامية بقوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم) أي:\nاختاركم لدينه ونصرته، وقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)\nأي: عدولًا، وقال: (كنتم خير أُمَّةٍ)، وغير ذلك من الآيات،\nفيدل على أن اللَّه قد أثنى على الأُمَّة - أيضًا - فيلزم أن الإجماع ليس\nخاصا بالصحابة، بل هو عام لكل عصر.","vol":"2","page":861},{"text":"الدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه حفظ القرآن بحفظ الصحابة له، ونقلهم\nإياه، وإجماعهم عليه، والآية تدل على صدق إجماعهم، فيكون حجة.\nجوابه:\nيجاب عنه: أن الآية عامة، فإنها كما دلَّت على صدق إجماع\nالصحابة دلَّت أيضًا على صدق إجماع من جاء بعد الصحابة، حيث\nإن من جاء بعد الصحابة من التابعين، وتابعيهم إلى يومنا هذا قد\nحفظوا ذلك القرآن وكتبوه وعملوا به.\nالدليل الثالث: قوله - ﷺ -:\n\" يأتي على الناس زمان فيغدو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول اللَّه - ﷺ -؛ فيقولون:\nنعم، فيفتح لهم، ثم يغدو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من\nرأى من صحب رسول اللَّه - ﷺ -؛ فيقولون: نعم، فيفتح لهم.. \"\nكذلك ما روي عن - ﷺ - أنه قال:\n\" إن اللَّه اختار أصحابي على العالمين سوي النبيين \"،\nونحو ذلك من الأحاديث.\nوجه الدلالة: أن الشارع قد أثنى على الصحابة بالعدالة، وأنهم\nاختارهم على العالمين، فدل على أنهم قد فضلوا على غيرهم، فدل\nعلى أن إجماعهم حُجَّة.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن غير الصحابة ممن جاء بعدهم قد وردت\nالأحاديث بعصمتهم عند الاتفاق وهي الأحاديث التي ذكرناها في","vol":"2","page":862},{"text":"استدلالنا على حجية الإجماع، فلا اختصاص للصحابة - رضي الله\nعنهم - بالإجماع.\nالمذهب الثالث: أن الإجماع ليس بحُجَّة مطلقا.\nوهو مذهب بعض الخوارج، وبعض النظامية، وبعض الشيعة.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول لهم قالوا فيه: إنه لا دليل على كون الإجماع حُجَّة،\nلا من جهة العقل، ولا من جهة النقل، فإذا لم يدل عليه شيء\nوجب القطع بنفي كونه حُجَّة؛ لعدم ما يدل عليه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ أنه لا دليل عليه، بل دلَّت الأدلة النقلية\nعلى أن الإجماع حُجَّة، وهي التي ذكرناها فيما سبق من الآيات\nوالأحاديث.\nفإن أنكر أحد بعضها، فلا يمكنه أن ينكرها جميعها، ومن أنكرها\nجميعا فهو معاند ومكابر، والمعاند لا يعتد بقوله.\nثم إن منكر ذلك جاء بعد تحقق الإجماع والاحتجاج به، فإنكاره\nمكابرة.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) .\nوجه الدلالة: أن الآية بيَّنت أنه إذا حدث تنازع في حكم حادثة\nفإنه يجب أن يؤخد حكمها من الكتاب والسُّنَّة فقط، والإجماع\nليس بكتاب ولا سُنَّة، فلا يصح حُجَّة..","vol":"2","page":863},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الحكم بالإجماع هو حكم بالكتاب والسُنَّة؛ لأن المجمعين لا بد أن يستندوا في اجتهادهم إلى نص الكتاب والسُنَّة\nأو ما فهم منهما.\nالجواب الثاني: أنه يجب أن نعمل بما جاء في الكتاب والسُنَّة،\nوقد جاءت آيات في الكتاب، وأحاديث في السُنَّة تدل على أن\nالإجماع حُجَّة فيجب أن نعمل بها.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)، وقوله: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) .\nوجه الدلالة: أن الآيتين تفيدان أن الكتاب قد ورد فيه حكم كل\nشيء، فلا حاجة إلى الإجماع، فالمرجع هو الكتاب والسُّنَّة، أما\nالإجماع فنظرًا لعدم الحاجة إليه فلا يصلح أن يكون مرجعا.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن الكتاب قد بين كل شيء ومما بيَّنه أن الإجماع\nحُجة، وذلك بالآيات التي ذكرناها ودلَّت على حجية الإجماع،\nوكذلك بيَّن أن السُّنَّة حُجَّة بقوله: (وما أتاكم الرسول فخذوه..)\nوغيرها، والسُّنَّة بيَّنت أن الإجماع حُجَّة بالأحاديث التي ذكرناها.\nالدليل الرابع: قوله - ﷺ - لمعاذ - لما بعثه إلى اليمن -: \" إذا عرض عليك قضاء فبِمَ تقضي؟\nقال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟\nقال: بسُنَة رسول اللَّه، قال: فإن لم تجد؟\nقال: أجتهد رأيى ولا آلو، فصوبه النبي - ﷺ - \".","vol":"2","page":864},{"text":"وجه الدلالة: أن معاذًا ذكر الأدلة المعمول بها، فأقره النبي - ﷺ -، ولم يذكر الإجماع معها، فهذا يدل على أنه ليس بدليل، إذ لو كان دليلًا لما تركه مع الحاجة إليه.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الإجماع لا يكون دليلًا في عصر النبي - ﷺ -، وبناء على ذلك فليس فيه تأخير عن وقت الحاجة.\nالجواب الثاني: أن الإجماع هو حكم بالكتاب والسُّنَّة ولا يخرج\nعنهما؛ لأن مستنده: إما الكتاب، أو السُّنَّة، أو شيء يقاس على\nما ثبت بهما.\nالدليل الخامس: قوله - ﷺ -: \"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ \".\nوجه الدلالة: أن هذا الحديث يدل على جواز خلو العصر عمن\nتقوم الحُجَّة بقوله.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا الحديث لا يدل على ما ذكرتم، بل إن ما\nدلَّ عليه الحديث هو: أن أهل الإسلام سيكونون هم الأقلين، لا أنه\nلا يبقى من تقوم به الحُجَّة.\nالدليل السادس: أن الإجماع لا يمكن في ذاته، ولا يمكن العلم\nبه، ولا يمكن نقله - وقد سبق ذلك -.\nجوابه:\nيجاب عنه: بانا قد أثبتنا فيما سبق أن الإجماع يمكن في ذاته،\nويمكن العلم به، ويمكن نقله.","vol":"2","page":865},{"text":"الدليل السابع: القياس على الأمم السابقة، فكما أنه لم يعتبر\nإجماع الأمم السابقة ولم يكن حُجَّة، فكذلك إجماع هذه الأُمَّة لا\nيكون حُجَّة ولا فرق.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن إجماعنا قد وردت الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على\nاعتباره، بخلاف إجماعهم فإنه لم ترد الأدلة على أنه حُجَّة، وهذا\nهو الفرق، إذن قياسكم لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق.","vol":"2","page":866},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الخامس في شروط الإجماع</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى: هل يشترط في أهل الإجماع بلوغ حد التواتر؟\nالمسألة الثانية: إذا لم يوجد في العمر إلا اثنان من المجتهدين فهل\nيعتبر اتفاقهما إجماعا؟\nالمسألة الثالثة: إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فهل يعتبر قوله\nإجماعا؟\nالمسألة الرابعة: هل يشترط في أهل الإجماع عدالة المجمعين؟\nالمسألة الخامسة: هل يعتد بقول الكافر المجتهد في الإجماع؟\nالمسألة السادسة: هل يعتبر قول العوام في الإجماع؟\nالمسألة السابعة: العالم بالفقه دون أصوله، والعالم باصول الفقه\nدون فزوعه هل يعتبر قولهما في الإجماع؟\nالمسألة الثامنة: هل يشترط انقراض العصر في صحة الإجماع؟\nالمسألة التاسعة: إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة قبل\nاتفاقهم فهل يعتد بقوله وفاقا وخلافا؟\nالمسألة العاشرة: هل يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين أو هل\nينعقد الإجماع بقول الأكثر؟","vol":"2","page":867},{"text":"المسألة الحادية عشرة: اتفاق الأكثر هل يكون حُجَّة يجب الأخد به؟\nالمسألة الثانية عشرة: هل يشترط في انعقاد الإجماع وحجيته أن يكون\nله مستند ودليل؟\nالمسألة الثالثة عشرة: الدليل القطعي هل يصلح أن يكون مستندًا\nللإجماع؟\nالمسألة الرابعة عشرة: الدليل الظني هل يصلح أن يكون مستندًا\nللإجماع؟\nالمسألة الخامسة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن خبر الواحد.\nالمسألة السادسة عشرة: لو ظهر خبر واحد موافق لمقتضى الإجماع\nفهل يجب تعيينه مستندًا للإجماع؟\nالمسألة السابعة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن القياس.\nالمسألة الثامنة عشرهْ: هل يشترط نقل الإجماع بالتواتر؟","vol":"2","page":868},{"text":"المسألة الأولى: هل يشترط في أهل الإجماع بلوغ حد التواتر؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط في حجية الإجماع أن يبلغ عدد\nالمجمعين حد التواتر.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لأن أدلة حجية الإجماع من الكتاب والسُّنَّة\nالسابقة الذكر وردت مطلقة، وبناء على ذلك فإنه مهما كان عدد\nالإجماع أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ \" المؤمنين \" ولفظ\n\"الأُمة\"، فإذا قالوا قولًا كانت الحُجَّة فى قولهم؛ لأن الأدلة السمعية\n- كما سبق - موجبة لعصمتهم عن الخطأ، فإذا لم يكن على وجه\nالأرض سوى هؤلاء البالغين درجة الاجتهاد فهم على الحق قطعا\n- مهما كانوا قلة أو كثرة - فيجب اتباعهم، صيانة لهم عن الاتفاق\nعلى الخطأ.\nالمذهب الثاني: أنه يشترط أن يبلغ عدد المجمعين حد التواتر.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليلِ هدا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الجمع الكثير لا يتصور\nتواطؤهم على الخطأ، لأن العادة تحيل تواطؤهم على الكذب، ولا\nتحكم العادة بالقطع في غيره.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن العدد الكثير إذا لم يكونوا كل المجتهدين فإنه","vol":"2","page":869},{"text":"لا يصدق عليهم أنهم كل الأُمَّة، ولم تثبت العصمة إلا للكل، ولا\nتلازم بين إحالة العادة تواطؤهم على الكذب، وبين إحالة تواطؤهم\nعلى الخطأ المستفاد من الإجماع، حيث لم يكونوا كل الأُمَّة، وإنما\nثبتت عصمتهم بشهادة النصوص، لا بالعادة، ولذلك وجب بهذه\nالنصوص أن تثبت العصمة للمجمعين، سواء بلغوا حد التواتر أو\nلا، نظرًا لثبوت الصفة فيهم متى كانوا كل المجتهدين.\n***\nالمسألة الثانية: إذا لم يوجد في العصر إلا اثنان من المجتهدين\nفهل يعتبر اتفاقهما إجماعا؟\nلقد اختلف في ذلك.\nوالحق: أن اتفاقهما يعتبر إجماعا؛ لدليلين:\nالأول: أن حقيقة الإجماع وحده يصدق عليهما، لأن الاتفاق أقل\nما يصدق باثنين.\nالثاني: أنه يصدق عليهما أنهما كل الأُمَّة، وكل المؤمنين الذين\nمعه يعتبرون في الإجماع.\nوعلى هذا، فإن اتفاقهما على حكم يصبح إجماعا لا يجوز لهما\nمخالفته، ولا لغيرهما ممن يأتي بعدهما.\n***\nالمسألة الثالثة: إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فهل\nيعتبر قوله إجماعا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن قول هذا الواحد لا يعتبر إجماعا، ولكنه يعتبر حُجة.\n-","vol":"2","page":870},{"text":"وهو مذهب ابن سريج، وهو قول كثير من العلماء.\nوهو الحق عندي؛ للأدلة التالية:\nالأول: أن الأدلة النقلية الدالة على عدم خروج الحق عن الأُمَّة\nتتناوله ويدخل ضمنها.\nالثاني: أن الأدلة على كون قوله حُجَّة عليه وعلى غيره من\nالعوام، كقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)\nتتناوله.\nالثالث: حفظ دين اللَّه حتى لا يخلو الزمن الذي وقعت فيه\nالحادثة من حكم فيها؛ لذلك يكون قوله حُجَّة على غيره ممن لم\nيبلغ الاجتهاد وليس إجماعًا؛ لأنه لا يصدق عليه تعريف الإجماع.\nالمذهب الثاني: أن قوله حُجَّة وإجماع.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه عند الانفراد يصدق عليه\nلفظ الأُمَّة؛ لقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أُمَّة)، فأطلق لفظ\n\"الأُمَّة \" عليه وهو واحد، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فكذلك\nأصبح المجتهد وحده أُمَّة، فتناولته الأدلة الدالة على عصمة الأُمَّة.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن إطلاق الأُمَّة على إبراهيم - ﵇ -\nمجاز؛ للقطع بأن إطلاقها على الجماعة حقيقة، والأصل عدم\nالاشتراك، ولا يلزم من إطلاقها على إبراهيم - نظرًا لتعظيمه -","vol":"2","page":871},{"text":"إطلاقها في حق غيره، لذلك فإن لفظ \" الأُمَّة \" لا تطلق على\nالواحد أبدًا.\nالمذهب الثالث: أنه لا يعتبر حُجَّة ولا إجماعا.\nوهو مذهب بعض الشافعية.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن العصمة عن الخطأ ثبتت\nلجماعة المجتهدين في العصر الواحد، وأقل ما يكون ذلك يتكون من\nاثنين فصاعدًا، وهذا منتف في الواحد؛ لأنه ليس له اجتماع،\nوليس هو بكل المؤمنين.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن هذا الدليل دلَّ على أن قول المجتهد الواحد لا\nيعتبر إجماعًا، ولكن هذا الدليل لم ينف كون قوله حُجَّة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ لأنه يترتب على المذهب الأول - وهو كون\nقوله حُجَّة وليس بإجماع -: أنه لا يمنع من رجوعه عن فتواه متى\nظهرت له الحُجَّة في غيره، ولا يمنع من مخالفة غيره له من\nالمجتهدين، سواء كان في عصره، أو بعد ذلك.\nولكن يجب على العوام أن يعملوا على ما أفتى به.\nويترتب على المذهب الثاني - وهو كون قوله حُجَّة وإجماعا - أنه\nلا يجوز له الرجوع عن قوله، لكونه إجماعا، ولا يجوز لمن جاء\nبعده أن يخالفه؛ لأن مخالفة الإجماع لا تجوز، سواء كان في\nعصره ممن بلغ درجة الاجتهاد، أو بعد عصره.","vol":"2","page":872},{"text":"أما على المذهب الثالث فلا يترتب عليه شيء إلا أنه يجب عليه أن\nيعمل باجتهاده، ويجب على مقلده أن يعمل على ذلك الاجتهاد.\nالمسألة الرابعة: هل يشترط في أهل الإجماع عدالة المجمعين؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:\nالمذهب الأول: أنه تشترط عدالة المجتهدين في الإجماع، فلا\nيقبل قول المجتهد الفاسق في الإجماع مطلقًا، سواء كان فسقه من\nجهة الاعتقاد، أو من جهة الفعل.\nوهو مذهب كثير من العلماء، ونسبه بعضهم إلى الجمهور.\nوهو الصحيح؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أُمَّة وسطا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل هذه الأمة شهداء على الناس،\nوحُجة عليهم فيما يشهدون به؛ لكونهم عدولًا، والوسط هو العدل\n- كما تقدم -، فلما لم يكن الفاسق متصفا بهذه الصفة - وهي\nالعدالة - لم يجز أن يكون من الشهداء على الناس، فلا يعتد بقوله\nفي الإجماع، ولا في الشهادة، ولا في الرواية؛ وذلك لاتهامه في\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب التوقف في أخبار غير العدل،\nواجتهاده إخبار بأن رأيه كذا، فوجب التوقف في قبوله، وإذا وجب\nالتوقف في قبول إخباره لم يحكم بقبول خبره.","vol":"2","page":873},{"text":"الدليل الثالث: أن الفاسق لا يقبل قوله ولا يقلد في فتوى وهو\nمنفرد، نظرًا لفسقه، واتهامه في الدين جعله غير مؤتمن فيقاس على\nذلك أنه لا يقبل قوله مع الجماعة ولا فرق \" حيث إن الاتهام في\nالدين لا زال موجودًا.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) .\nوجه الدلالة: أن سبيل أهل الفسق والضلال لم يكن سبيلًا للمؤمنين.\nالمذهب الثاني: أنه لا يشترط عدالة المجتهدين في الإجماع، أي:\nأنه يعتبر قول العدل والفاسق في الإجماع بشرط بلوغهم درجة\nالاجتهاد.\nوهو مذهب إمام الحرمين، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني،\nوالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والغزالي، والآمدي، وأبي الخطاب\nالحنبلي.\nدليل هذا المذهب: أن أدلة حجية الإجماع عامة، لم تشترط\nعدالة المجتهد، فالفاسق يدخل في عموم \" المؤمنين \"، وعموم\n\"الأُمَّة \"، فاشتراط العدالة في ذلك تخصيص بلا دليل،\nوالتخصيص الذي لا دليل عليه لا يقبل.\nجوابه:\nبأن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع السابقة ليست عامة، يدخل فيها\nكل أحد، بل هي مخصصة بأن المراد بالأُمَّة وبالمؤمنين هم العدول\nمنهم، وقد خصص ذلك أدلتنا الأربعة السابقة الذكر، ويضاف إلى\nذلك: أن هذا الفاسق يجوز أن يعصي فيما يعتد به فيه في الإجماع\nكما يعصي في غيره، وما دام أنه يجوز ذلك فلا يمكن الاعتداد به،\nوالاعتماد عليه في أمرٍ يهمُّ الإسلام والمسلمين حالًا ومستقبلًا.","vol":"2","page":874},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، ويتضح فيما إذا اتفق مجتهدو العصر إلا\nواحدًا قد خالف، فإنا ننظر في هذا الواحد: إن كان عدلًا فإنه لا\nينعقد الإجماع، لمخالفة واحد معتبر في الإجماع.\nوإن كان المخالف فاسقًا فإنه ينعقد الإجماع - بناء على المذهب\nالأول - لأن المخالفة ليس من أهل الإجماع، فينعقد الإجماع بدونه.\nأما على المذهب الثاني فإنه لا ينعقد الإجماع، لأن المخالف من\nأهل الإجماع، فلا ينعقد الإجماع لمخالفة واحد معتبر في الإجماع\nعندهم.\n***\nالمسألة الخامسة: هل يعتد بقول الكافر المجتهد في الإجماع؟\nلقد اختلف في ذلك.\nوالحق في ذلك: أن الكافر لا يعتد بقوله في الإجماع مطلقًا،\nأي: سواء كان كافرًا أصليًا - وهم اليهود والنصارى ونحوهم - أو\nكان كافرًا متأولًا - وهو الذي كفر بسبب بدعة، أو شبهة مثل\nالخوارج والجهمية ونحوهم -.\nوالدليل على ذلك:\nأنا لم نقبل قول الكافر الأصلي في الإجماع، لعدم دخوله في\nلفظ \" الأُمَّة \"، ولفظ: \" المؤمنين \".\nأما الكافر المتأول فلم نعتد بقوله في الإجماع؛ لأمرين:\nأولهما: القياس على الفاسق: فإذا لم نعتد بقول الفاسق في","vol":"2","page":875},{"text":"الإجماع، فمن باب أوْلى لا نعتد بقول الكافر المتأول؛ لأن الكفر\nفسق وزيادة.\nثانيهما: القياس على الكافر الأصلي بجامع: الكفر في كل\nمنهما، وإن لم يعلم هو كفر نفسه.\n***\nالمسألة السادسة: هل يعتبر قول العوام في الإجماع؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يعتبر قول العامي في الإجماع.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)،\nوقوله - ﷺ -: \" ألا سألوا إذا لم يعلموا فإن شفاء العي\nالسؤال \".\nوجه الدلالة: أن هذين النصين بينا أن العامي يلزمه المصير إلى\nأقوال العلماء، فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه.\nالدليل الثاني: أن المجتهدين من الأمَّة إنما كان قولهم حُجَّة؛ لأن\nقولهم مستند إلى دليل؛ لأنه لا يجوز إثبات الأحكام بلا دليل،\nوالعامي ليس أهلًا للاستدلال والنظر في الأدلة، فلا يكون قوله\nمعتبرًا لذلك.\nالدليل الثالث: القياس على الصبي \" المجنون: فكما أن الصبي\nوالمجنون لا يعتبر خلافهما ولا وفاقهما في الإجماع، فكذلك العامي\nولا فرق، والجامع: نقصان الأهلية في كل، فكيف يساوى مع\nكاملي الأهلية وهم المجتهدون.","vol":"2","page":876},{"text":"الدليل الرابع: أن الرسول - ﷺ - لما بين أن الأُمَّة معصومة عن الخطأ\nبالأحاديث السابقة الذكر، فإنه لم يفهم من ذلك إلا عصمة العلماء\nالمجتهدين الذين تتصور منهم إصابة الحكم الشرعي الصحيح؛ نظرًا\nلأهليتهم ومعرفتهم بالاستدلال، أما العامي، فلا نتصور ثبوت\nالعصمة في حقه؛ لأنه يقول الحكم بلا دليل.\nالمذهب الثاني: أن قول العامي معتبر في الإجماع، أي: أن\nموافقة العوام معتبرة في انعقاد الإجماع، وكذلك مخالفتهم.\nوهو ما اختاره بعض المتكلمين كما حكاه ابن الصباغ وابن برهان،\nونقله إمام الحرمين وابن السمعاني والصفي الهندي عن القاضي أبي\nبكر الباقلاني.\nدليل هذا المذهب: عموم لفظ \" المؤمنين \"، ولفظ \" الأُمَّة \"\nللعالم، والعامي، إذن اسم \" المؤمنين \"، و\" الأُمَّة \" يتناول\nالجميع، فلا يخرج العوام إلا بدليل، ولا دليل، وعلى ذلك يعتبر\nقول العامي كغيره من الأُمَّة في انعقاد الإجماع.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين.\nالجواب الأول: أن العوام وإن كانوا من الأُمَّة ومن المكلَّفين إلا\nأنهم ليسوا من أهل النظر، فأشبهوا غير المميزين في عدم الفهم،\nفهم مقلدون للمجتهدين الذين هم من أهل النظر، ولا يتصور\nعصمة الأُمَّة عن الخطأ إلا عصمة من يتصور منه الإصابة هو وحده أو\nمع غيره؛ لكونه أهلًا لها، فوجب أن يراد من الأدلة الدالة على\nعصمة الأُمَّة: عصمة مجتهديهم فقط، وهذا هو دليل إخراجهم من\nعموم تلك الألفاظ.","vol":"2","page":877},{"text":"الجواب الثاني: أن هذا المذهب - وهو أن قول العوام معتبر في\nالإجماع - يؤدي إلى تعطيل دليل يعتبر من أقوى الأدلة الشرعية\nوهو: الإجماع، وذلك من وجهين:\nأولهما: أنه لا يركن أن يتصور عاقل أن جميع الأُمَّة العلماء\nوالعوام يتفقون كلهم على قول واحد في حادثة واحدة.\nثانيهما: أنا لو فرضنا - مع الفرض الممتنع - تصور اجتماع\nجميع الأُمَّة على قول واحد في حادثة واحدة، فمن الذي يقوم بنقل\nهذا القول وجمعه من كل فرد من أفراد الأمَّة مع كثرة هؤلاء وتفرقهم\nفي مدن، وقرى، وبوادي، وهجر، ووديان العالم الإسلامي؛\nهذا مستحيل.\nبيان نوع هذا الخلاف:\nإن الخلاف في هذه المسألة لفظي من وجه، ومعنوي من وجه آخر.\nأما وجه كون الخلاف لفظيًا فهو أنه لم يؤثر في الفروع الفقهية،\nفمن قال: أجمعت الأُمَّة على كذا يريد: أجمع علماء الأُمَّة\nومجتهدوهم، ومن قال: أجمع العلماء على ذلك فقد صرح به.\nأما وجه كون الخلاف معنويًا فهو: أن هذا الخلاف قد أثر في\nمسألتين من مسائل أصول الفقه هما:\n١ - مسألة: \" هل فقدان أهلية الاجتهاد تخل بأهلية الإجماع؛ \"\nفأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون - إن العوام لا يعتبر قولهم\nفي الإجماع - قالوا: إن فقدان أهلية الاجتهاد تخل بالإجماع.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن العوام يعتبر","vol":"2","page":878},{"text":"قولهم فيه - فقد قالوا: إن فقدان أهلية الاجتهاد لا تخل بأهلية\nالإجماع.\n٢ - مسألة: \" قول الواحد إذا لم يكن في العصر سواه هل يكون إجماعًا \"؟ فمن قال: إن العوام يعتبر قولهم في الإجماع\n- وهم أصحاب المذهب الثاني - قال: إذا لم يوجد في العصر إلا\nمجتهد واحد فهم داخلون معه، فيكون إجماعا، وإلا: فلا؛ لأن\nالإجماع لا يصدق إلا من اثنين فصاعدًا، وقد سبق أن بيَّنا هذه\nالمسألة، وذكرت أن الحق هو: أن قول الواحد لا يكون إجماعًا إذا\nلم يوجد غيره في العصر، ولكنه يكون حُجَّة يجب على العوام\nاتباعه؛ لئلا يخلو العصر من حكم في الحادثة النازلة.\n***\nالمسألة السابعة: العالم بالفقه دون أصوله، والعالم بأصول\nالفقه دون فروعه هل يعتبر قولهما في الإجماع؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يعتبر قول العالم بأصول الفقه، دون الفقيه،\nولا يمكن أن ينعقد الإجماع بدون العالم بأصول الفقه.\nوهو ما ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وإمام\nالحرمين، وابن السبكي، والمحلي.\nوهو الحق عندي؛ لأن العالم بأصول الفقه قد توفر فيه آلة\nالاستنباط لمعرفة الحكم الشرعي لأي حادثة جديدة، وهو أقرب من\nغيره إلى الاجتهاد فيها؛ وذلك نظرًا لعلمه بمدارك الأحكام على\nاختلاف أقسامها، وكيفية دلالتها، وكيفية تلقي الأحكام من منطوقها","vol":"2","page":879},{"text":"ومفهومها ومعقولها، ونظرًا لعلمه الشامل الدقيق بالأصول التي\nيستدل بها المتفق عليها والمختلف فيها، وعلمه بمقاصد الشريعة،\nفمن هذه صفته، فهو ممن يستضاء برأيه، ويستشهد بهديه، وإذا كان\nكذلك فخلافه يشير إلى وجه من الرأي معتبر، وإذا ظهرت عِلَّة\nاعتباره في الخلاف انبنى عليه اعتبار الوفاق، فلا يشترط فيمن ينعَقد\nبه الإجماع حفظ الفروع يؤيد ذلك أمران:\nأولهما: أن بعض الصحابة كالعباس، وطلحة، والزبير، وسعد\nابن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح،\nونحوهم ممن لم يشتهروا بالفتوى كان يعتد بخلافهم ووفاقهم في\nانعقاد الإجماع، فلا ينعقد الإجماع بدونهم، وهم يتساوون مع أهل\nالفتوى من الصحابة المشهورين - كابن عباس، وابن عمر، ومعاذ،\nوزيد، والخلفاء الأربعة - فلم يفرق بين هؤلاء وأولئك في انعقاد\nالإجماع، مع أن الأوَّلين لم يكونوا من الحافظين للفروع، وما كان\nذلك إلا لأن الأولين أهل لفهم نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويعرفون\nطرق استنباط الأحكام منهما، ومن هذه صفته فلا يمكن أن ينعقد\nالإجماع بدونه.\nثانيهما: أن العالم بأصول الفقه يعتبر قوله في الإجماع، دون\nالفقيه، لأن الفقيه الحافظ للفروع يحتمل أن يفوته حفظ الجزئيات\nالدقيقة لمسائل الحيض، أو دقائق مسائل الوصايا، أو النفقات، أو\nالطلاق، أو الحدود، أو دقائق أي باب من أبواب الفقه، أما\nالأصولي فلا يحتمل، ذلك فيه؛ لأنه قد فهم القواعد الأصولية التي\nتندرج تلك الفروع تحتها.\nالمذهب الثاني: أنه يعتبر قول الفقيه في الإجماع، دون الأصولي.\nوهو مذهب بعض العلماء.","vol":"2","page":880},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن الفقيه عالم بجزئيات الفروع، وأنه يحفظها فهو أعلم بحكم\nالنازلة بقياسها على نازلة أخرى، فرأيه محتاج إليه في الإجماع،\nدون الأصولي الذي لا يحفظ تفاصيل الفروع.\nجوابه:\nإن احتمال فوات بعض الفروع والجزئيات على هذا الفقيه هو الذي\nمنعنا من قبول قوله في الإجماع، ثم إن القياس ودقائقه وشروطه\nمختص به الأصولي، والمسألة مفروضة في \" الفقيه الذي لا يعرف\nالأصول، والأصولي الذي لا يعرف الفقه \".\nالمذهب الثالث: أنهما يعتبران معا، فلا ينعقد الإجماع بدونهما،\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن كل واحد منهما قد توفرت فيه أهلية النظر، ولدخولهما في\nعموم لفظ \" الأُمَّة \"، و\" المؤمنين \".\nجوابه:\nإنا نسلم أنهما يدخلان في عموم \" الأُمَّة \"، و\" المؤمنين \" أيضا،\nولكن خصصنا ذلك بأن المقبول قوله من الأُمَّة والمؤمنين هم المجتهدون.\nوالأصولي وهو العالم بدقائق أصول الفقه قد بلغ درجة الاجتهاد\nبمعرفته بالقواعد الأصولية التي يندرج تحتها عدد لا يحصى من\nالجزئيات - كما فصلناه فيما سبق - فهو عنده أهلية النظر.\nأما الفقيه الذي لا يعلم أصول الفقه، فلا نسلم أن عنده أهلية\nالنظر؛ حيث إنه لا يمكنه الاستدلال على ما يقول لعدم معرفته لطرق","vol":"2","page":881},{"text":"الاستدلال التي هي وظيفة الأصولي، ومن لا يعرف الاستدلال فلا\nيمكن أن يقبل قوله.\nالمذهب الرابع: أنهما لا يعتبران معا، فيمكن انعقاد الإجماع\nبدونهما.\nوهو مذهب أكثر العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنهما ليسا من أهل النظر، ولم تتحقق الأهلية المعتبرة في أئمة\nأهل الحل والعقد من المجتهدين من الأئمة الأربعة، ومن سار على\nنهجهم ممن عرفوا الأصول والفروع معا.\nجوابه:\nإنا نسلم أن الفقيه لم تتحقق فيه الأهلية للنظر؛ لعدم علمه بطرق\nالاستدلال كما قلنا فيما سبق.\nأما العالم في أصول الفقه فلا نسلم لكم أنه لم تتحقق فيه أهلية\nالنظر، بل توفرت تلك الأهلية؛ نظرًا لمعرفته بطرق الاستدلال وهي\nالقواعد التي يندرج تحتها ما لا يحصى من الجزئيات - كما بيَّنا ذلك\nفيما سبق -.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي، حيث إنه قد أثر فى بعض المسائل،\nومنها:\n١ - قول الواحد إذا لم يكن في العصر سواه هل يكون إجماعا؟\nفمن قال يعتبر قول الفقيه والأصولي أو أحدهما في الإجماع - وهم\nأصحاب المذهب الأول والثاني والثالث -: قال: إذا لم يوجد في\nالعصر إلا مجتهد واحد فهما داخلان معه فيكون إجماعا.","vol":"2","page":882},{"text":"ومن قال لا يعتبر قولهما في الإجماع - وهم أصحاب المذهب\nالرابع - قال: إذا لم يوجد إلا مجتهد واحد في العصر، فلا\nيدخلان معه، فلا يكون إجماعًا؛ لأن الإجماع لا يصدق إلا من\nاثنين فصاعدًا.\n٢ - لو وجد في هذا العصر خمسة مجتهدين قد علموا الفروع\nوالأصول، ووجد معهم في هذا العصر عالم بأصول الفقه دون\nفروعه، وعالم بالفقه دون أصوله، واتفق الخمسة على حكم شرعي\nوخالف الفقيه، والأصولي.\nفعلى المذهب الرابع: يكون اتفاق الخمسة إجماعًا؛ لأن مخالفة\nالفقيه والأصولي لا تعتبر.\nوعلى المذهب الأول والثاني والثالث: لا يكون اتفاق الخمسة\nإجماغا؛ لأن مخالفة الفقيه والأصولي معتبرة أو أحدهما.\n٣ - لو اتفق هؤلاء الخمسة، وخالف الأصولي فقط.\nفعلى المذهب الأول والثالث لا يكون اتفاقهم إجماعًا؛ لأن\nمخالفة الأصولي معتبرة.\nوعلى المذهب الثاني والرابع: يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن\nمخالفة الأصولي عند أصحابه غير معتبرة.\n٤ - لو اتفق هؤلاء الخمسة وخالف الفقيه فقط.\nفعلى المذهب الأول والرابع: يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن مخالفة\nالفقيه غير معتبرة.\nوعلى المذهب الثاني والثالث: لا يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن\nمخالفة الفقيه معتبرة.","vol":"2","page":883},{"text":"المسألة الثامنة: هل يشترط انقراض العصر في صحة الإجماع؟\nالمراد من انقراض عصر المجمعين: موتهم جميعًا بعد اتفاقهم على\nالحكم في الحادثة التي نشأت في عصرهم.\nوقد اختلف العلماء في اعتبار هذا الشرط في انعقاد الإجماع على\nمذاهب:\nالمذهب الأول: أن انقراض أهل العصر - وهو موت جميع\nالمتفقين على الحكم - لا يشترط لصحة الإجماع مطلقا، أي: سواء\nكان صريحًا أو سكوتيًا، إجماع صحابة أو غيرهم.\nوهو مذهب جمهور انعلماء منهم الأئمة الثلاثة: \" أبو حنيفة،\nومالك، والشافعي \" وأكثر أتباعهم، وهو ورواية عن الإمام أحمد\nوبعض الحنابلة كأبي الخطاب وغيره، وهو اختيار بعض المعتزلة.\nوبناء على ذلك فإنه لو اتفق جميع مجتهدي الأُمَّة على حكم\nشرعي لمسألة معينة: ولو في لحظة واحدة مهما قصرت - انعقد\nالإجماع وأصبح حُجَّة تحرم مخالفته على المجمعين وعلى غيرهم.\nوهذا هو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن الأدلة من الكتاب والسُّنَّة التي ذكرناها في\nحجية الإجماع - توجب أن الإجماع حُجَّة بمجرد اتفاق مجتهدي\nالعصر الواحد ولو في لحظة؛ حيث إن الحجية تترتب على نفس\nالاتفاف؛ لأن الاتفاق مناط العصمة، فاشتراط انقراض العصر لا\nدليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به.\nالدليل الثاني: أن التابعين كانوا يحتجون بإجماع الصحابة في\nأواخر عصر الصحابة، فقد حكي عن الحسن البصري - ﵀ -","vol":"2","page":884},{"text":"أنه قد احتج بإجماع الصحابة وأنس بن مالك - ﵁ - كان\nحيًّا، وغيره فعل ذلك فقد زاحمهم كثير من التابعين، واحتجوا\nبإجماعهم وهم - أي: الصحابة بين أظهرهم - والاحتجاج\nبإجماعهم مع وجودهم قد وقع، ولم ينكره أحد، فعلم أن شرط\nالانقراض غير معتبر، فلو كان الانقراض شرطا لما احتج التابعون\nبإجماع الصحابة؛ لأنه لم يكن قد زم لفقد شرطه.\nالدليل الثالث: قياس الحكم الثابت بالإجماع على الحكم الثابت\nبالنص، فكما أن الحكم الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت،\nفكذلك الثابت بالإجماع ولا فرق.\nالدليل الرابع: أن اشتراط انقراض العصر يؤدي إلى تعذر الإجماع\nوعدم تحققه، وامتناع انعقاده مطلقا مع كونه حُجَّة متبعة، وكل شرط\nأدى إلى إبطال المشروط المتفق على تحققه كان باطلًا، بيان ذلك:\nأن من اشترط انقراض العصر في صحة الإجماع جوز من جاء من\nالتابعين - وهو من أهل الاجتهاد - مخالفة من أدركهم من\nالصحابة، وشرط في صحة إجماع الصحابة موافقة ذلك التابعي،\nوإذا صار التابعي من أهل الإجماع، فقد لا ينقرض عصرهم حتى\nيأتي تابع التابعي - وهو من أهل الاجتهاد - ويخالفهم، وهكذا\nإلى يوم القيامة، مما يؤدي إلى عدم تحقق الإجماع في عصر من\nالعصور، ولا يكون ثابتا.\nالمذهب الثاني: أن انقراض أهل العصر - وهو: موت جميع\nالمعتبرين في الإجماع - شرط لصحة انعقاد الإجماع مطلقا، أى:\nسواء كان صريحا أو سكوتيا، في عصر الصحابة أو غيرهم، أي:\nلا يسمى الاتفاق إجماعا إلا بعد موت المجمعين.","vol":"2","page":885},{"text":"وهو رواية ظاهرة للإمام أحمد، وهو اختيار بعض الشافعية كابن\nفورك، وسليم الرازي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذه ابن\nعقيل، والحلواني، وبعض المعتزلة، ورواية عن الخوارج.\nوبناء على هذا المذهب فلا تحرم مخالفتهم للإجماع في عصرهم،\nفيصح أن يرجع بعضهم، أو يرجعوا جميعًا عن الحكم، ولا يكون\nاتفاقهم إجماعا ولا حُجَّة إلا إذا ماتوا، وإذا أدركهم من جاء بعدهم\n- وبلغوا درجة الاجتهاد - وخالفوهم في ذلك الحكم فإنه يعتد\nبخلافهم.\nأدلة هذا المذهب؛\nالدليل الأول: أنه لو كان اتفاق المجتهدين حُجَّة قبل انقراض\nالعصر لامتنع رجوع المجتهد عن اجتهاده؛ إذا ظهر له أنه أخطأ فيه،\nوهذا مخالف لإجماع العلماء؛ حيث أجمعوا على وجوب رجوع\nالمجتهد عند ظهور الدليل الموجب لذلك، فبطل كون الاتفاق قبل\nالانقراض حُجَّة، وبناء على ذلك: وجب اشتراط الانقراض في\nالحجية.\nجوابه:\nإن العلماء قد أجمعوا على وجوب رجوع المجتهد عند ظهور\nموجبه إذا كان الاجتهاد انفراديًا، أما إذا كان الاجتهاد جماعيًا، فلا\nيجوز لأي مجتهد أن يرجع عن اجتهاده، ولو ظهر له موجب،\nفيكون هذا الموجب مؤول، أو منسوخ، فلم يكن موجبا للرجوع؛\nلأن الإجماع قاطع، فيدل على بطلان مقابله، أو تأويله.\nالدليل - الثاني: قياس الإجماع على السُّنَّة، بيان ذلك:\nإن وفاة - ﷺ - شرط في استقرار الحُجَّة فيما يقوله، فكذلك","vol":"2","page":886},{"text":"وفاة المجمعين - وهو: المراد بانقراض العصر - شرط في استقرار\nقول الجماعة وصحته.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن الأصل المقاس عليه لا نسلمه؛ فلا نسلم أن\nوفاة - ﷺ - شرط في حجية سُنَته، ولا في استقرارها، بل هي حُجَّة بمجرد ورودها، ولو لم تكن حُجَّة بمجرد ورودها لما وجبت\nطاعته فيها، والإجماع حاصل في طاعته - ﷺ -، وكذا يجب اعتقاد استقرار حجية السُّنَّة بمجرد ورودها حتى يظهر المغير، ولو لم يكن كذلك لارتفعت الثقة بالقرآن والسُّنَّة، وهذا باطل.\nالجواب الثاني: لو سلمنا أن الأصل المقاس عليه صحيح - وهو\nاشتراط وفاته في استقرار حجية السُّنَّة - فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه\nقياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين قول النبي - ﷺ - وبين إجماع الأُمَّة، وهو: أن قول - ﷺ - إنما لم يستقر قبل موته؛ لاحتمال نسخه وهو متوقع، وذلك إنما هو بالوحي القاطع، ورفع القاطع بالقاطع بطريق الوحي جائز في عهده - ﷺ -، بخلاف رفع حكم الإجماع القاطع بطريق الاجتهاد، فإنه لا ينسخ.\nالمذهب الثالث: أن انقراض المجمعين شرط في إجماع الصحابة\nفقط.\nوهو اختيار ابن جرير الطبري وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب: الوقوع؛ حيث وقع رجوع بعض الصحابة عن\nإجماع الصحابة في مسألة معينة، فلو لم يشترط انقراض عصر","vol":"2","page":887},{"text":"الصحابة لم يصح رجوع بعضهم؛ نظرًا لاستلزام الرجوع مخالفة\nالإجماع، وإليك بعض أمثلة رجوع بعض الصحابة.\nفمنها: أنه أجمع عمر وعليّ - ﵄ - على أن أم\nالولد لاتباع، ثم خالف علي هذا بعد وفاة عمر، ورأى أن يبعن،\nقال عليّ - ﵁ -: \" اجتمع رأي ورأي عمر في أمهات\nالأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن \"، فقال له عبيدة\nالسلماني: \" رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك \"،\nفهنا عليّ - ﵁ - أظهر الخلاف بعد الإجماع، وأقر عليه،\nفلو كان لا يشترط انقراض عصر الصحابة ما جاز له الخلاف، ولما\nأقر عليه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بانا لا نُسَلِّمُ بأن مخالفة عليّ - ﵁ -\nكان لإجماع سابق، حيث لم يتم إجماع في زمن عمر - على عدم\nبيع أم الولد - يدل على ذلك قول جابر: \" بعناهن على زمن النبي\n- ﷺ -، وأبي بكر، وشطر من زمن عمر \"،\nوهو قول ابن عباس، فهنا جابر وغيره قد خالفوا في ذلك.\nأما قول عبيدة السلماني: \" رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك\nوحدك \"، فلم يُرد به أن موافقة الجماعة إجماعا، وإنما أراد به: أن\nرأيك في زمان الألفة، والجماعة والاتفاق، والطاعة للإمام أحب\nإلينا من رأيك في الفتنة والفرقة.\nبيان نوع الخلاف في هذه المسألة:\nالخلاف هنا معنوي، يظهر أثره في أمرين هما:","vol":"2","page":888},{"text":"أولهما: هل يجوز رجوع المجمعين أو بعضهم عما أجمعوا عليه أو لا؟\nاختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة.\nفعلى المذهب الأول - وهو: أن انقراض العصر لا يشترط لصحة\nالإجماع مطلقًا -: لا تجوز مخالفة المجمعين لما أجمعوا عليه، ولا\nتجوز مخالفة بعضهم له أيضًا.\nأما على المذهب الثاني - وهو: أن الانقراض شرط لصحة\nالإجماع مطلقًا -: فإنه يجوز أن يرجع جميع المجتهدين المجمعين\nعن إجماعهم، ويجوز رجوع بعضهم، فيبطل إجماعهم.\nأما على المذهب الثالث - وهو: أن الانقراض شرط لصحة\nإجماع الصحابة - فإنه يجوز رجوع المجمعين الصحابة أو بعضهم،\nولا مانع من ذلك دون إثم، أما غير الصحابة فلا يجوز للمجمعين\nكلهم ولا لبعضهم الرجوع عن الإجماع.\nثانيهما: هل يُعتد بخلاف الناشئ إذا بلغ درجة الاجتهاد بعد أن\nأجمع العلماء على تلك المسألة وبعض المجمعين على قيد الحياة؛\nاختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة.\nفعلى المذهب الأول - وهو عدم اشتراط انقراض العصر لصحة\nالإجماع - مطلقًا، لا يعتد بخلاف ذلك الناشئ مطلقا، سواء كان\nمن الصحابة أو غيرهم.\nأما على المذهب الثاني - وهو: اشتراط انقراض العصر مطلقا -\nفإنه يُعتد بخلاف ذلك الناشئ مطلقا.\nأما على المذهب الثالث - وهو اشتراط الانقراض لصحة إجماع","vol":"2","page":889},{"text":"الصحابة - فإنه يُعتد بخلاف الناشئ التابعي البالغ درجة الاجتهاد في\nعصر الصحابة فقط، أما غير التابعي فلا يعتد بخلافه إذا بلغ درجة\nالاجتهاد بعد اتفاق علماء عصره.\n***\nالمسألة التاسعة: إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر\nالصحابة قبل اتفاقهم، فهل يُعتد بقوله وفاقًا وخلافًا؟\nلقد قلنا في المسألة السابقة: إنه لا يشترط انقراض عصر المجمعين\nمطلقًا، أي: سواء كانوا صحابة أو غير صحابة، وترتب على هذا\nالقول: إنه لا يُعتد بخلاف من خالفهم بعد انعقاد الإجماع منهم\nمطلقا، سواء كان تابعيًا بلغ درجة الاجتهاد في عصر الصحابة بعد\nإجماعهم أو لا.\nلكن هذه المسألة تختلف عن تلك فهي مفروضة فيمن بلغ درجة\nالاجتهاد من التابعين في عصر الصحابة، وقبل انعقاد إجماع\nالصحابة على مسألة معينة، فهل يُعتد بقوله وفاقا وخلافا أو لا؟\nعلى مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يُعتد بقوله.\nأي: إذا حضر المجتهد من التابعين مع الصحابة في وقت حدوث\nالحادثة فخالفهم، لم ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفتة، وتكون\nالمسألة مختلف فيها.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدلبل الأول: عموم الأدلة المثبتة لحجية الإجماع، وهي التي\nذكرناها من الآيات والأحاديث، فإنها دلَّت على أن المتبع هم كل","vol":"2","page":890},{"text":"المجتهدين من \" المؤمنين \" ومن \" الأمة \" الموجودين حين حدوث الحادثة في عصر واحد، وهذا الاسم - وهم المؤمنون والأمة - لا يصدق مع خروج التابعي المجتهد عن الصحابة، لأن التابعي المجتهد من الأمة ومن المؤمنين، فلو نظر الصحابة دون التابعي المجتهد في تلك المسألة وأجمعوا على حكمها، فإنه لا يقال: \" أجمع جميع مجتهدي أمة محمد - ﷺ - \"، فالحجة إجماع الكل، وما دام الأمر كذلك فإنه يعتد بقول التابعي مع الصحابة.\nالدليل الثاني: الوقوع، حيث إن بعض التابعين قد اجتهدوا وأفتوا في مسائل مع وجود بعض الصحابة، ولم ينكر الصحابة عليهم ذلك، ولو كان قول التابعي المجتهد مع وجود الصحابي باطلًا لما ساغ للصحابة تجويزه والأخذ به، والرجوع إليه، وإليك أمثلة على ذلك:\n١ - أن كبار أصحاب ابن مسعود - ﵁ - كعلقمة النخعي، والأسود النخعي، وغيرهما كانوا يفتون الناس مع وجود ابن مسعود وغيره من الصحابة بدون نكير.\n٢ - أن سعيد بن المسيب كان يفتي بالمدينة المنورة، وفيها خلق كثير من الصحابة، وكذلك فقهاء التابعين المعاصرين لبعض الصحابة يفعلون ذلك كسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري.\n٣ - أن أنسًا سُئل عن مسألة فقال: \" سلوا مولانا الحسن - يعني الحسن البصري - فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا.\n٤ - أن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب قد وليا شريحا بن الحارث التابعي القضاء وأمراه بالاجتهاد إن لم يجد حكم الحادثة في النص ولم يعترضا - أي: عمر وعليّ - على ما قضي به شريح فيما","vol":"2","page":891},{"text":"خالفهما فيه، وحكم على عليّ في خصومة عرضت له عنده على\nخلاف رأي عليّ، ولم ينكر عليه.\n٥ - أن رجلًا سأل ابن عمر عن فريضة، فقال: سل سعيد بن\nجبير، فإنه يعلم منها ما أعلم، ولكنه أحسب مني.\nوغير ذلك من الأمور التي دلَّت على أن الصحابة قد أجازوا\nوسوغوا للتابعين الاجتهاد معهم، وأخذ رأيهم، وكيف لا يعتبر\nقولهم، وقد أقر الصحابة لهم بالفضل والعلم والفهم للشريعة،\nولم ينكروا عليهم؟! ولو وجد إنكار لبلغنا، ولكن لم يصح شيء\nمن ذلك.\nالمذهب الثاني: أنه لا يُعتد بقول التابعي المجتهد مع الصحابة.\nأي:. أن الصحابي إذا بلغ درجة الاجتهاد وأدرك عصر الصحابة،\nفحدثت حادثة في ذلك العصر، فإنه لا يُعتدُّ بقوله: فإذا أجمع\nالصحابة على رأي في تلك الحادثة وخالفهم ذلك التابعي، فإنه\nينعقد الإجماع بدون النظر في مخالفة التابعي.\nوهو مذهب بعض المالكية كابن خويز منداد، وبعض الشافعية\nكابن برهان، وبعض الحنابلة كأبي يعلى.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الصحابة - ﵃ - قد تميزوا عن\nغيرهم بالصحبة، وهذا الوصف يقتضي أن الموصوف به قد شاهد\nالتنزيل، وعلم التأويل، وعلم الشرع من فيِّ النبي - ﷺ - مباشرة، وعرف مقاصد الشريعة، فإذا كان الصحابة يتميزون بذلك في حين أن هذه المميزات معدومة في التابعين، فإنه يتبين لك ان الحق معهم،","vol":"2","page":892},{"text":"ولا يكون مع مخالفهم، وأن مرتبة الصحابة بالنسبة للتابعين كمرتبة\nالعلماء مع العوام، فكما أن العامي لا يعتد بقوله في إجماع\nالعلماء، نظرًا لعدم العلم، فكذلك التابعي لا يعتد بخلافه في\nإجماع الصحابة، نظرًا لتلك المميزات التي تميز بها الصحابة.\nجوابه:\nإننا نسلم بأن الصحابة يفضلون على التابعين بفضيلة الصحبة،\nولكن فضيلة الصحبة لا تجعل الإجماع مختص بهم، وأنه لا يُعتد\nبقول غيرهم ممن عاصرهم من مجتهدي التابعين؛ وذلك لأن شرط\nالإجماع الأساسي هو: كون المجمعون قد بلغوا درجة الاجتهاد\nمطلقا، فكون الصحابة أعلم بالتأويل وأعرف بالمقاصد لا ينفي وجود\nمن يعلم ذلك من مجتهدي التابعين، إذن مجتهدو العصر الواحد قد\nتساووا في الاجتهاد، فيقبل قول كل واحد من المجتهدين سواء كان\nصحابيا أو غير صحابي.\nأما قولكم: إن الصحابة مع التابعين كالعلماء مع العامة، فهذا لا\nنسلمه لكم مطلقًا؛ لأن هذا القول مخالف للحقيقة، فقياس التابعين\nعلى العوام قياس فاسد؛ لأن مجتهدي التابعين قد وصلوا إلى درجة\nمن العلم والفقه والفهم قد تساوي ما علمه الصحابي إن لم تزد عليه.\nالدليل الثاني: الوقوع؛ حيث وقع إنكار بعض الصحابة على\nبعض التابعين ولو كان التابعي المجتهد يُعتد بخلافه مع الصحابة لما\nوقع هذا الإنكار، والإنكار ورد في قصة عائشة - ﵂ -\nمع أبي سلمة؛ حيث روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف\nأنه قال: كنا نتذاكر أنا، وابن عباس، وأبو هريرة في عدة المتوفى\nعنها زوجها، فقال ابن عباس: تعتد بأقصى الأجلين، فقلت: بل","vol":"2","page":893},{"text":"عدتها: أن تضع حملها، فأنكرت عائشة - ﵂ - على\nأبي سلمة ذلك، وقالت: مثلك مثل الفروج سمع الديكة تصيح\nفصاح لصياحها.\nوروى الإمام مالك في \" الموطأ \": أن عائشة قالت ذلك لأبي\nسلمة في الغسل من التقاء الختانين، قال أبو سلمة: سألت عائشة\nزوج النبي - ﷺ -: ما يوجب الغسل؛ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟:\nمثل الفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها، إذا\nجاوز الختان فقد وجب الغسل.\nفلو كان قول التابعي - وهو هنا أبو سلمة - معتبرا مع الصحابة:\nلما أنكرت عائشة على أبي سلمة مجاراته للصحابة، وكلامه واجتهاده\nمعهم، ولما زجرته عن ذلك، وهذا يدل على أنهم لم يسوغوا\nخلاف التابعين معهم.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن إنكار عائشة على أبي سلمة قد وقع، ولكن\nهذا الإنكار اجتهاد منها - ﵂ - خالفها فيه ابن عباس\nوأبو هريرة - ﵃ - حيث إن أبا سلمة لما قال - في\nالقصة السابقة -: \" وقلت: أنا عدتها أن تضع حملها \":\nقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم\nسلمة يسألها، قالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية، وهي حبلى\nفوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول اللَّه - ﷺ -.\nفهنا لم ينكر ابن عباس وأبو هريرة مخالفة أبي سلمة في هذه\nالمسألة، مما يدل على تسويغ بعض الصحابة لذلك، وعدم فعله ما","vol":"2","page":894},{"text":"ينكر عليه، لأنه مجتهد ناظر مجتهدين، إذن: إنكار عائشة على\nأبي سلمة يقابل بموافقة هذين الصحابيين، والوافقة مقدمة على\nالإنكار، فيثجت أن التابعي المجتهد يُعتد بقوله مع الصحابة.\nالجواب الثاني: أن إنكار عائشة لا يدل على مذهبكم وهو: أن\nالتابعي المجتهد لا يعتد بقوله في إجماع الصحابة؛ حيث إن إنكارها\nورد على شخص معين في قضية معينة، وهذا يحتمل احتمالين:\nالاحتمال الأول: أن عائشة قد أنكرت على أبي سلمة؛ لأنه\nيبلغ درجة الاجتهاد - من وجهة نظرها - ومن لم يبلغ درجة\nالاجتهاد فلا يؤخذ برأيه في المسائل الفقهية.\nالاحتمال الثاني: أن أبا سلمة قد يكون من البالغين درجة\nالاجتهاد، ولكن عائشة أنكرت عليه لعدم تأدبه مع ابن عباس حبر\nهذه الأُمَّة حال المناظرة من رفع صوت ونحوه، وقولها: \" يصيح \"\nيشعر بذلك، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، له أثره وهو واضح، فلو اتفق الصحابة\nعلى حكم معين وخالفهم تابعي مجتهد، فهل يكون الإجماع صحيحا؟\nاختلف في ذلك: والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة.\nفعلى المذهب الأول: لا يكون اتفاق الصحابة إجماعًا، بل\nتكون المسألة مختلف فيها، لأنه يُعتد بخلاف التابعي المجتهد مع\nالصحابة.\nوبناء على المذهب الثاني: يكون اتفاق الصحابة إجماعًا،","vol":"2","page":895},{"text":"ولا عبرة بخلاف التابعي، وتكون المسألة مجمعا عليها، لا تجوز\nمخالفته.\n***\nالمسألة العاشرة: هل يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين؟\nأو هل ينعقد الإجماع بقول الأكثر؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين، فلا\nينعقد الإجماع بقول أكثر العلماء، فلو اتفق علماء العصر على حكم\nحادثة إلا الواحد أو الاثنين منهم: لم ينعقد الإجماع.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن النصوص السابقة - وهي التي ذكرناها في\nحجية الإجماع - دلَّت على عصمة الأُمَّة عن الخطأ، ولفظ الأُمَّة إنما\nيُطلق حقيقة على جميع الأُمَّة، ولا يُطلق على أكثر الأُمَّة، وإن\nأطلق على أكثر الأُمَّة فإطلاق مجازي لا يصح إلا بقرينة، وحيث لا\nتوجد قرينة، فإنا نحمل لفظ \" الأُمَّة \" على كل الأُمَّة وجميعها،\nفينتج: أن العصمة عن الخطأ يكون بجميع الأُمَّة، أما أكثر الأُمَّة فلا\nعصمة لهم، ونظرًا إلى أنه لا عصمة لأكثر الأُمَّة، فلا ينعقد\nالإجماع باتفاقهم.\nالدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إنه قد وقع في زمن الصحابة اتفاق\nالأكثر منهم على حكم من الأحكام، ومخالفة الأقل، بل تفرد\nالواحد منهم برأيه في مسألة معينة مع اتفاق الأكثر على رأي آخر،\nفلو كان اتفاق الأكثر يعتبر إجماعًا للزم الأقل أو الواحد منهم أن","vol":"2","page":896},{"text":"يعمل بذلك الإجماع، ولأنكروا على ذلك المخالف مخالفة ذلك\nالإجماع، وعلى ذلك أمثلة:\n١ - مخالفة ابن عباس لاكثر الصحابة في مسألة الجد والإخوة،\nومسألة العول.\n٢ - مخالفة ابن مسعود لأكثر الصحابة في بعض مسائل الفرائض.\n٣ - مخالفة زيد بن أرقم لأكثر الصحابة في مسألة العينة.\nوغير ذلك من الأمثلةْ، ولم ينكر ذلك أحد منهم، ولو وجد\nإنكار لنقل وبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك.\nوما نقل من الإنكار على بعض الصحابة لم يكن إنكار تخطئة،\nوإنما هو إنكار في الدليل والمأخذ فقط، كما يجري ذلك مع مجتهد\nحينما يناظر مجتهدًا آخر.\nومما يؤيد أن اتفاق الأكثر لا يُسمَّى إجماعا: أن الرأي الذي ذكره\nالأقلون من الصحابة أو الواحد منهم بقي إلى زماننا هذا، وسمِّيت\nالمسألة خلافية، وربما كان الرأي الذي ذهب إليه الأقل منهم كان هو\nالمعمول به عند بعضهم، فلو كان ذلك مخالفًا للإجماع لما كان ذلك\nجائزًا.\nالمذهب الثاني: أنه لا يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين،\nفينعقد الإجماع بقول الأكثر، فلو اتفق علماء العصر على حكم\nمعين وخالفهم الواحد أو الاثنين منهم، فإنه ينعقد الإجماع.\nوهو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، وأبو بكر الجصاص، وأبو\nالحسن الخياط من المعتزلة، وابن حمدان من الحنابلة، وأبو محمد\nالجويني من الشافعية.","vol":"2","page":897},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: الوقوع: فإنه لما اتفق أكثر الأُمَّة على مبايعة \"أبي\nبكر - ﵁ - بالخلافة، انعقد الإجماع على ذلك،\nوخالف في ذلك بعض الصحابة كعليّ وغيره، فلو لم يكن اتفاق\nالأكثر إجماعًا لما كانت خلافة أبي بكر ثابتة بالإجماع.\nجوابه:\nلا نسلم ما ذكرتم، بل إن خلافة أبي بكر - ﵁ - قد\nاتفق عليها جميع الصحابة: فبعضهم نطق بالمبايعة، وبعضهم لم\nينكر ذلك، ولو أنكر لنقل، ولكن لم ينقل شيء من ذلك، وما\nقيل من مخالفة علي - ﵁ - في ذلك غير صحيح،\nولكنه تأخر في البيعة لعذر خاص به، فلما علم بتلك البيعة وافق\nوقال: \" رضيه رسول اللَّه - ﷺ - لديننا أفلا نرضاه لدنيانا! \".\nالدليل الثاني: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد أو الاثنين لما انعقد\nالإجماع أصلًا؛ لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين\nجوابه:\nإنه إذا اتفق جميع المجتهدين في العصر على حكم معين، فإن\nذلك يكون إجماعًا، ويحتج به، وتحرم مخالفته، واتفاق هؤلاء\nيعلم إما بصريح القول، أو بقرائن تدل على موافقته، وذلك ممكن\nكما سبق.\nأما إذا خالف واحد أو اثنان - ممن بلغوا درجة الاجتهاد - هؤلاء\nالأكثر، فإنه لا إجماع، بل تكون المسألة مختلف فيها - كما قلنا\nذلك فيما سبق.","vol":"2","page":898},{"text":"الدليل الثالث: أن الإجماع حُجَّة في العصر الذي هِم فيه،\nوذلك يقتضي أن يكون منهم مخالف ليكون ذلك الإجماع حُجَّة عليه.\nجوابه:\nأن الإجماعِ حُجَّة على من خالف منهم بعد انعقاد الوفاق في\nزمنهم، وحُجة على من يوجد بعدهم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي، وهو واضح، فلو اتفق أكثر\nعلماء العصر على حكم معين، وخالف واحد ممن بلغ درجة\nالاجتهاد، فهل يسمى هذا الاتفاق إجماعا أو لا؟\nفعلى المذهب الأول: لا يُسمَّى هذا الاتفاق إجماعا، فتجوز\nمخالفة الرأي الذي اتفق عليه الأكثر، ويتخير المكلَّف بين رأي\nالأكثر والاءقل.\nأما على المذهب الثاني، فإنه يسمى هذا الاتفاق إجماعا، فلا\nتجوز مخالفة الرأي الذي اتفق عليه الأكثر، ويلزم المكلَّف المقلد بما\nاتفق عليه الأكثر.\n***\nالمسألة الحادية عشرة: اتفاق الأكثر هل يكون حُجَّة يجب الأخذ به؟\nلقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المسألة السابقة - وهم\nالقائلون: إن اتفاق الأكثر لا يعتبو إجماعا - فيما بينهم هل يكون\nاتفاق الأكثر حُجَّة.\nوالحق: أن اتفاق أكثر العلماء ليس بحُجَّة، فيجوز مخالفة ما","vol":"2","page":899},{"text":"اتفق عليه الأكثر إذا ظهر الحق في غيره؛ لأن الحق قد يكون مع\nالأكثر، وقد يكون مع الأقل، والاحتمالان متساويان، فنتوقف في\nذلك حتى يظهر لنا دليل يرجح أحد هذين الاحتمالين.\nوالكثرة لا تتميز بشيء؛ لما تقدم من أن العصمة قد ثبتت للكل،\nلا للكثرة، وكثيرًا ما ظهر أن الحق في جانب قول الأقل.\n***\nالمسألة الثانية عشرة: هل يشترط في انعقاد الإجماع وحجيته\nأن يكون له مستند ودليل؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يشترط في الإجماع وحجيته أن يكون له مستند\nودليل ومأخذ يوجب ذلك الإجماع.\nوهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قياس علماء الأمَّة على النبي - ﷺ -، بيانه:\nأنه كما أن النبي - ﷺ - لا يقول شيئًا ولا يحكم بحكم إلا عن وحي، كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إن هو إلا وحي\nيوحى)، فكذلك علماء الأُمَّة يجب أن لا يجمعوا على حكم إلا\nعن مستند ودليل قد اعتمدوا عليه.\nالدليل الثاني: أن عدم المستند من دليل أو أمارة يحتمل عدم\nالوصول إلى الحق، مما يؤدي ويفضي إلى جواز الخطأ، فلذلك\nقلنا: لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند؛ سدا لهذا الاحتمال.\nالدليل الثالث: لو جاز انعقاد الإجماع من غير دليل لم يكن\nلاشتراط الاجتهاد فيمن يُعتدُّ به في الإجماع معنى؛ لأننا لم نشترط","vol":"2","page":900},{"text":"بلوغ درجة الاجتهاد لكل واحد من المجمعين إلا من أجل أن ينظر في\nالمسألة عن استدلال، وأن يعتمد فيما يقول على دليل وأمارة، ولو\nكان الإجماع ينعقد بلا مستند لدخل المجتهد وغير المجتهد.\nالمذهب الثاني: أنه لا يشترط في الإجماع أن يكون له مستند،\nفيجوز انعقاد الإجماع عن غير مستند، وذلك بأن يوفقهم اللَّه تعالى\nلاختيار الصواب من غير أن يكون لهم مستند أو دليل يستندون إليه،\nوهو مذهب طائفة شاذة، وقيل: إنه مذهب بعض أهل الأهواء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: الوقوع، فقد وقع الإجماع عن غير دليل وغير\nمستند، والوقوع دليل الجواز، وذلك كإجماع العلماء على جواز\nعقد الاستصناع، وأجرة الحمام، وبيع المعاطاة أو المراضاة.\nجوابه:\nلا نسلم أن هناك أحكامًا شرعية قد أجمع العلماء عليها بدون\nمستند.\nأما ما ذكرتموه من الأمثلة والصور، فلم يقع الإجماع عليها إلا\nعن دليل ومستند، وإليك بيان ذلك:\nأما عقد الاستصناع، فقد كان في زمن النبي - ﷺ -، ولم ينكره - مع علمه به - فكان ثبوته عن طريق السُّنَّة التقريرية.\nأما أجرة الحمام فهي مقدرة بالعادة والعرف، وهو دليل شرعي؛\nلقوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) .\nأما بيع المراضاة - وهو ما حصل بتراضي الجانبين - بلا لفظ -","vol":"2","page":901},{"text":"فلا نسلم أنه صحيح - بإجماع العلماء، بل خالف في ذلك الإمام\nالشافعي - ﵀ -.\nالدليل الثاني: لو لم ينعقد الإجماع إلا عن مستند ودليل، لكان\nذلك الدليل هو الحُجَّة في المسألة، فلا يكون للإجماع فائدة.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك، بل إن فائدة الإجماع هي: أنه يكفينا مؤنة\nالرجوع إلى أدلة المجمعين، وكيفية دلالة كل دليل على مدلوله ونحو\nذلك.\nفإذا قيل: إن العلماء أجمعوا على حكم تلك المسألة نكتفي\nبذلك، ولا نسأل عن أدلة المجمعين.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ لأنه لا يعمل بالإجماع الذي لا مستند له،\nوقيل: إن الخلاف لفظي؛ لعدم اختلاف عمل المكلف على المذهبين.\n***\nالمسألة الثالثة عشرة: الدليل القطعي هل يصلح أن يكون مستندًا للإجماع؟\nأصحاب المذهب الأول من المسألة السابقة - وهم القائلون: لا بد\nللإجماع من مستند - اختلفوا فيما بينهم في جواز كون الدليل\nالقطعي مستندًا للإجماع على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز أن يكون مستند الإجماع دليلًا قاطعًا من\nكتاب أو سُنَّة، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق لدليلين:\nالدليل الأول: أنه لا مانع من ذلك، فهو يكون من تضافر","vol":"2","page":902},{"text":"الأدلة؛ قياسًا على ثبوت الحكم الواحد بآيات متعددة، أو بالكتاب\nوالسُّنَّة المتواترة، كما هو واقع في الصلاة والزكاة وجميع أركان\nالإسلام، وما دام أنه لا يمتنع: إذن هو جائز.\nالدليل الثاني: الوقوع، فقد وقع من العلماء - أنهم يستدلون\nعلى بعض الأحكام الثابتة بالكتاب والسُّنَّة المتواترة بالإجماع مع أن\nمستند الإجماع آيات من الكتاب، وبعض الأحاديث المتواترة،\nفيقولون - مثلًا -: ثبت تحريم الأمهات والجدات والبنات بالكتاب\nوالسُّنَّة والإجماع، وهكذا، والوقوع دليل الجواز.\nالمذهب الثانى: أن الإجماع لا ينعقد عن الدليل القطعي من\nالكتاب، أو السُّنَّة المتواترة، أي: لا يكون مستند الإجماع دليلًا\nقطعيًا.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه إذا وجد الدليل القطعي من الكتاب، أو السُّنَّة المتواترة، فإنه\nلا يُحتاج إلى الإجماع، نظرًا لثبوت الحكم بهما، فلا فائدة - إذن -\nمن الإجماع.\nجوابه:\nلا نسلم أنه إذا دلَّ على الحكم دليل قطعي من الكتاب أو السُّنَّة\nالمتواترة، فإنه يصبح الإجماع لا فائدة فيه، بل فيه فائدة وهي: أن\nالمستدل بالإجماع لا يطالب بمستند سواه؛ وهذه الفائدة تكفي\nالمجتهدين مؤنة البحث عن مستند الإجماع من الأدلة القطعية،\nوكيفية دلالته، ثم إن الإجماع يكون من الأدلة القطعية مؤكدا لما\nأفادته من القطع.","vol":"2","page":903},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن الحكم واحد، ولكن\nأصحاب المذهب الأول قالوا: إنه ثبت بالإجماع المستند إلى أدلة\nقطعية، وأصحاب المذهب الثاني قالوا: إنه ثبت بذلك المستند\nالقطعي نفسه، لا بالإجماع.\nالمسألة الرابعة عشرة: الدليل الظني هل يصلح أن يكون مستندًا للإجماع؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الدليل الظني يصلح أن يكون مستندًا للإجماع،\nفيجوز انعقاد الإجماع عن أي دليل ظني.\nوهو مذهب الجمهور.\nوهو الحق، لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أنه لا مانع من انعقاد الإجماع عن دليل ظني؛\nقياسًا على انعقاد الإجماع عن دليل قطعي ولا فرق، والجامع: أن\nكلًا من الدليل القطعي والظنى يوجب العمل، ولذلك يستند إليهما\nالإجماع.\nالدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إن أكثر الإجماعات الموجودة لدينا\nقد ثبتث وانعقدت وهي مستندة إلى أدلة ظنية، كالعموم والظاهر\nوالمفاهيم، والقياس، وخبر الواحد، والوقوع دليل الجواز.\nالدليل الثالث: أن النصوص - السابقة الذكر - المثبتة لحجية\nالإجماع جاءت عامة، لم تفصل بين الإجماع المستند لدليل قطعي أو","vol":"2","page":904},{"text":"ظني، فلا يجوز اشتراط كون الدليل قطعيا؛ لأنه تقييد بلا دليل\nصحيح وهو باطل.\nالدليل الرابع: أنا وجدنا الخلق الكثير الزائد على عدد التواتر قد\nأجمعوا على أحكام باطلة لا تستند إلى دليل قطعي ولا ظني،\nفجواز انعقاد الإجماع عن الدليل الظني الظاهر أوْلى.\nالمذهب الثاني: أن الدليل الظني لا يصلح أن يكونا مستندًا\nللإجماع، فلا ينعقد الإجماع إلا عن دليل قطعي من كتاب أو سُنَّة\nمتواترة، وهو مذهب أكثر الظاهرية، وكثير من الشيعة، وابن جرير\nالطبري.\nدليل هذا المذهب:\nقالوا: إن الدليل الظني لا يوجب العلم القطعي، فلا يجوز أن\nيصدر عنه الإجماع؛ لأن الإجماع يوجب العلم القطعي، فالقطعي\nلا يثبته إلا القطعي، والظني لا يقوى على إثبات القطعي.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة.:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن الإجماع يكون قطعيا دائمًا، بل إن\nأكثر الإجماعات ظنية.\nالجواب الثاني: أن ما قلتموه في المستند الظني ينطبق تماما على\nالمستند القطعي؛ حيث إن المستند القطعي يحتمل النسخ، أو غيره،\nفالإجماع عليه قد رفع عنه هذا الاحتمال، ولم تقولوا: إن الإجماع\nحينئذ أقوى من مستنده فيمتنع، بل جوزتم الإجماع عنه.\nالجواب الثالث: الوقوع؛ حيث وقع أن أكثر الإجماعات قد","vol":"2","page":905},{"text":"استندت إلى دليل ظني - كما سبق ذكر ذلك - والوقوع هذا يخالف\nما ذكرتموه.\nبيان نوع الخلاف:\nيفهم من الخلاف السابق أنه معنوي إذا عرفنا مستند الإجماع، فإن\nكان مستند الإجماع قطعيًا، فاتفق أصحاب المذهبين على أنه يسمى\nإجماعًا تحرم مخالفته.\nأما إن كان مستند الإجماع ظنيًا، فعلى المذهب الأول: أنه يُسمَّى\nإجماعًا كالمستند على الدليل القطعي ولا فرق.\nأما على المذهب الثاني: فإنه لا يُسمى إجماعًا، نظرًا لاستناده\nإلى دليل لا يصلح مستندًا للإجماع، وعليه فإنه لا تحرم مخالفته.\nالمسألة الخامسة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن خبر الواحد:\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: جواز انعقاد الإجماع عن خبر واحد.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق \" لما يلي:\nالدليل الأول: أن النصوص المثبتة لحجية الإجماع قد وردت عامة\nوشاملة للإجماع المستند إلى قطعي، والمستند إلى دليل ظني، فلم\nتفرق بينهما، وما دام أن خبر الواحد يفيد الظن، فيكون صالحًا لأن\nيستند عليه الإجماع.\nالدليل الثاني: الوقوع؛ حيث ثبت أن أكثر الإجماعات مستندة\nإلى خبر واحد مثل:","vol":"2","page":906},{"text":"١ - الإجماع على وجوب الغسل من التقاء الختانين مع أن مستنده\nخبر عائشة - ﵂ -.\n٢ - إجماع العلماء على حرمة بيع الطعام قبل القبض مع أن\nمستنده خبر واحد، وهو حديث ابن عمر وهو أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:\n\" من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفية \"، ونحو ذلك،\nوالوقوع دليل الجواز.\nالمذهب الثاني: عدم جواز انعقاد الإجماع عن خبر الواحد.\nوهو مذهب أكثر الظاهرية، والشيعة، وابن جرير الطبري.\nدليل هذا المذهب:\nهو دليل أصحاب المذهب الثاني في المسألة السابقة، وقد سبق قريبًا.\nجوابه:\nقد سبق جوابه فراجعه من هناك.\nبيان نوع الخلاف:\nهو نفسه نوع الخلاف في المسألة السابقة.\nالمسألة السادسة عشرة: لو ظهر خبر واحد موافق لمقتضى\nالإجماع، فهل يجب تعيينه مستندا للإجماع أو لا؟\nاختلف أصحاب المذهب الأول من المسألة السابقة في هذه المسألة\nعلى مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجب تعيينه، فالحديث الذي وافقه حكم","vol":"2","page":907},{"text":"الإجماع يجوز أن يكون مسندًا للإجماع، ويجوز أن لا يكون هو\nمستند الإجماع، وهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق، لأن هذا الخبر يحتمل أن يكون هو المستند للإجماع،\nويحتمل أن يكون مستند الإجماع دليلًا آخر، ومع الاحتمال، فلا\nجزم.\nوإذا صح هذا الخبر كان دليلًا آخر للحكم المجمع عليه، ويجوز\nتوارد دليلين وأكثر على حكم واحد.\nالمذهب الثاني: أن الحديث الذي وقع الإجماع على مقتضاه يجب\nأن يتعين سندًا للإجماع، وهو اختيار أبي حنيفة، وحكي عن\nالشافعي، وهو مذهب بعض الأشاعرة.\nدليل هذا المذهب:\nقالوا: إن الإجماع لا بد له من مستند، وقد تيقنا صلاحية هذا\nالحديث لأن يكون مستندًا لذلك الإجماع؛ لأنه لم ينقل إلينا مستند\nلهذا الإجماع، فنتج من ذلك: تعين أن يكون الحديث المذكور\nمستندًا للإجماع، ولو لم نجعل ذلك مستندًا له لخلا الإجماع عن\nمستند، وهذا لا يجوز.\nجوابه:\nإن تيقن استناد الإجماع لذلك الخبر؛ نظرًا لموافقته له، وصلاحيته\nله هذا لا يسلَّم؛ لجواز أن يكون هناك خبر آخر، أو دليل آخر\nاستندوا إليه في إجماعهم ولم ينقل؛ استغناء بالإجماع عنه، ونظرًا\nلهذا الاحتمال فلا يمكن القطع والتيقن، بل ولا يغلب على الظن.","vol":"2","page":908},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي هنا؛ لأنه يترتب على المذهب الأول: أن\nالإجماع لا يصلح أن يكون دليلًا على صحة الخبر الذي وافقه؛ لأنا\nلم نجزم بأن العلماء أجمعوا على ذلك الحكم، وكان مستند ذلك\nالإجماع هو الخبر، فيطلب تصحيحه من جهة أخرى.\nويترتب على المذهب الثاني: أن ذلك الإجماع يصلح أن يكون\nدليلًا على صحة الخبر الذي وافقه.\n***\nالمسألة السابعة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن القياس:\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: جواز انعقاد الإجماع عن القياس.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق، للأدلة التالية:\nالدليل الأول: الوقوع، حيث وقع أن الصحابة والسلف قد\nأجمعوا على أحكام، وكان مستند ذلك الإجماع هو القياس مثل:\n١ - إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر، وكان مستند ذلك\nالقياس فقاسوا: الإمامة الكبرى - وهي الخلافة - على الإمامة\nالصغرى - وهي الإمامة في الصلاة.\n٢ - إجماعهم على تحريم شحم الخنزير؛ قياسًا على تحريم لحمه.\n٣ - إجماعهم على كتابة المصحف؛ قياسًا على حفظه في\nالصدور.\n٤ - إجماعهم على قتال مانعي الزكاة؛ قياسا على تارك الصلاة.","vol":"2","page":909},{"text":"وغير ذلك، والوقوع دليل الجواز.\nالدليل الثاني: القياس على خبر الواحد، بيانه:\nأنه يجوز أن يكون مستند الإجماع خبر واحد، فكذلك يجوز أن\nيكون مستند الإجماع القياس ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما يفيد\nالظن.\nالدليل الثالث: أنه لا يستحيل عقلًا، فلا يبعد اتفاق مجتهدي\nالأُمَّة على أن النبيذ في معنى الخمر، فيكون حكمهما واحدًا، وهو:\nالتحريم؛ لاتفاقهما في العِلَّة وهي الإسكار.\nالدليل الرابع: أن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع عامة وشاملة\nللإجماع المستند إلى دليل القطعي، والمستند إلى الظني، فلم تفرق\nبينهما، والقياس يفيد الظن، فهو يصلح أن يكون مستندًا للإجماع.\nالمذهب الثاني: الفرق بين أن يكون القياس جليا، فيصح أن يكون\nمستندًا، وبين أن يكون القياس خفيًا، فلا يصلح.\nوهو ما اختاره بعض الشافعية.\nدليل هذا المذهب:\nقالوا: إن القياس الجلي يفيد القطع، فيصلح أن يكون مستندًا\nللإجماع \" لأن الإجماع لا يستند إلا إلى قطعي، أما القياس الخفي\nفإنه يفيد الظن، والظن وأي دليل ظني لا يصلح أن يكون مستندًا\nللإجماع.\nجوابه:\nإن هذا التفريق لا دليل صحيح عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتمد\nعليه، ثم إنه مخالف لعموم الأدلة المثبتة لحجية الإجماع، حيث","vol":"2","page":910},{"text":"إنها شاملة للإجماع المستند لدليل قطعي، والدليل ظني ولم تفرق\nبينهما.\nالمذهب الثالث: أنه لا يجوز عقلًا انعقاد الإجماع، وهو مستند\nللقياس، وهو اختيار بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nقالوا: إن القياس تجوز مخالفته اتفاقًا، والإجماع لا تجوز\nمخالفته اتفاقا، فلو استند الإجماع إلى القياس، مع قولنا بأن\nالقياس تجوز مخالفته: للزم من ذلك جواز مخالفة الإجماع؛ لأن\nمخالفة الأصل - وهو القياس - تجوِّز مخالفة الفرع - وهو\nالإجماع -، وعلى هذا فتجوز مخالفة الإجماع باعتبار سنده وهذا\nباطل.\nجوابه:\nإن القياس تجوز مخالفته قبل الإجماع عليه، وأما بعد الإجماع\nعليه، فلا تجوز مخالفته؛ لظهور صحته من الإجماع عليه، فلا\nيصح قولكم: \" إن مخالفة الأصل تجوّز مخالفة الفرع \"؛ لأن\nالأصل أصبح غير جائز المخالفة بالإجماع عليه.\nالمذهب الرابع: أن انعقاد الإجماع عن القياس يجوز عقلًا،\nولكنه لم يقع، ونسب إلى بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nقالوا: إنه لا يمتنع عقلًا استناد الإجماع إلى القياس؛ لأنه لا\nيترتب على فرض وقوعه محال، وكل ما كان كذلك فهو جائز\nعقلًا، ولكن بعد تتبع واستقراء النصوص لم نجد إجماعا استند إلى\nقياس، فدل على عدم وقوعه.","vol":"2","page":911},{"text":"جوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ ما زعمتم من أنه لم يقع إجماع مستند إلى قياس، بل\nوقع، وهو كثير جدًا، وقد مثلنا لذلك فيما سبق، فيكون كلامكم\nإما مكابرة ومعاندة، أو أنه استقراء ناقص، وكلاهما لا يعتد به.\nبيان نوع الخلاف:\nهو نفس نوع الخلاف في مسألة: \" الدليل الظني هل يصلح أن\nيكون مستندًا للإجماع؟ \"، وهي المسألة الرابعة عشرة.\nالمسألة الثامنة عشرة: هل يُشترط نقل الإجماع بالتواتر؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط، فالإجماع يثبت بخبر الواحد،\nويكون الإجماع المنقول إلينا عن طريق الآحاد ظنيا، ويجب العمل\nوهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض المالكية كابن الحاجب،\nوجماعة من الشافعية.\nوهو الحق؛ لأن الآحاد إذا نقل الدليل الظني كخبر الواحد، فإنه\nيوجب العمل به اتفاقا، فنقل الدليل القطعي الدلالة بخبر الواحد\nأَوْلى بأن يوجب العمل؛ لأن الضرر في مخالفة المقطوع أكثر،\nواحتمال الغلط والخطأ في نقله أقل.\nالمذهب الثاني: أن الإجماع لا يثبت بخبر الواحد، بل يشترط فيه\nأن يكون منقولًا عن طريق التواتر، فالإجماع المنقول عن طريق\nالآحاد لا يوجب العمل.","vol":"2","page":912},{"text":"وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، وبعض\nالخوارج.\nدليل هذا المذهب:\nقالوا: إن الإجماع دليل قاطع يحكم به على الكتاب والسُّنَّة،\nوخبر الواحد دليل ظني، فكيف يثبت الدليل القطعي بالدليل الظني.\nجوابه:\nإن الإجماع مسألة شرعية طريقها طريق بقية المسائل المعمول بها\nالتي يكفي في ثبوتها الظن، فإذا غلب على الظن شيء: يجب\nالعمل به ما لم يمنع منه مانع، والإجماع هنا نقل إلينا بطريق يغلب\nعلى الظن ثبوته وهو خبر الواحد، فيكون ذلك الإجماع إجماعا\nظنيا؛ نظرًا لطريق ثبوته، وعلى ذلك يجب العمل به كنقل القراءة\nالشاذة، ونقل قول الرسول - ﷺ - بخبر الواحد.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، كما ظهر من المذهبين، حيث لو أجمع\nالعلماء على حكم معين، ونقل هذا الإجماع بخبر الواحد، فإنه\nيُعمل به عند أصحاب المذهب الأول، أما عند أصحاب المذهب\nالثاني فلا يعمل به، ولكني أستبعد ذلك عن أصحاب المذهب الثاني.","vol":"2","page":913},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المطلب السادس في أقسام الإجماع</span>\nينقسم الإجماع إلى قسمين:\nالقسم الأول: الإجماع القطعي.\nالقسم الثاني: الإجماع الظني.","vol":"2","page":915},{"text":"القسم الأول الإجماع القطعي\nوهو: أن يتوفر فيه ما يلي:\nأولًا: أن تتوفر جميع شروط الإجماع السابقة - على التفصيل\nالمذكور -.\nثانيا: أن يصرح كل واحد من المجتهدين بحكم المسألة، أو أن\nيصرح بعضهم، ويعمل البعض الآخر على وفق هذا القول المصرح\nثالثا: أن ينقل هذا القول وهذا التصريح إلينا نقلًا متواترًا.\nإذا توفرت هذه الأمور، فإن الإجماع يكون حُجَّة قاطعة.","vol":"2","page":917},{"text":"القسم الثاني\nالإجماع الظني\nوهو: ما اختل فيه أحد الأمور الثلاثة السابقة في القسم الأول،\nويشتمل الكلام عن هذا القسم على مسائل كثيرة، منها المسألة الثامنة\nعشرة - من مسائل شروط الإجماع - وهي: \" هل يشترط نقل\nالإجماع بالتواِتر؟ \" فإذا نقل الإجماع الصريح بالآحاد صار إجماعًا\nظنيًا، وقد بينت ذلك في موضعه، ومما يدخل في ذلك ما يلي من\nالمسائل:\nالمسألة الأولى: إذا اختلف الصحابة أو الأولون، على قولين،\nفأجمع التابعون أو المتأخرون، على أحدهما،\nفهل يكون ذلك إجماعًا؟\nالمسألة الثانية: هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف؟\nالمسألة الثالثة: إذا اختلف الصحابة على قولين، فهل يجوز لمن\nبعدهم إحداث قول ثالث؟\nالمسألة الرابعة: إذا استدل علماء العصر بدليل أو تأولوا تأويلًا، ولم\nيصرحوا بشيء فهل لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر؟\nالمسألة الخامسة: إذا لم يفرق علماء العصر بين مسألتين فهل لمن\nبعدهم التفريق بينهما؟\nالمسألة السادسة: هل يجوز وجود خبر أو دليل راجح، واتفق علماء\nالأمَّة على عدم العلم به؟","vol":"2","page":919},{"text":"المسألة السابعة: إذا قال بعض علماء العصر قولًا، وسكت الباقون\nسكوتا لا يفهم منه الرضا ولا السخط فهل يعتبر\nهذا إجماعا وحجة؟ \" الإجماع السكوتي \".\nالمسألة الثامنة: إذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في مسألة\nفهل يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب القائل بالأقل؟","vol":"2","page":920},{"text":"المسألة الأولى: إذا اختلف الصحابة أو الأولون على\nقولين، فأجمع التابعون أو المتأخرون، على أحدهما، فهل\nيكون ذلك إجماعا؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يكون إجماعًا، وبناء على ذلك فإنه تحرم\nمخالفته، مثل مسألة \" بيع أم الولد \"، فإن الصحابة اختلفوا فيها\nعلى قولين - الجواز وعدم الجواز - ثم اتفقوا على قول واحد وهو:\nعدم الجواز، فإن هذا يكون إجماعا تحرم مخالفته ويجب العمل به.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، والمعتزلة، وأكثر المالكية، وبعض\nالشافعية كأبي بكر القفال، وأبي إسحاق الشيرازي، وبعض الحنابلة\nكأبي الخطاب.\nوهو الحق عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن النصوص الدالة على حجية الإجماع - السابقة\nالذكر - تدل على حجية أيِّ إجماع من مجتهدي العصر سواء سبقه\nاختلاف في العصر الذي سبقه، أو لم يسبقه شيء، فاتفاق علماء\nالعصر المتأخر على أحد قولي علماء العصر المتقدم يعتبر سبيل المؤمنين\nفيجب اتباعه.\nالدليل الثاني: أن إجماع التابعين أو علماء العصر المتأخر، هو:\nاتفاق من أهل العصر على حكم فقهي معين، فلم يجز خلافه،\nكما لو اختلفوا - أنفسهم - في حكم معين في عصرهم، ثم اتفقوا\nعليه في عصرهم، فهو اتفاق عقيب اختلاف، فيقطع الاتفاق\nالاختلاف، فيكون إجماعا.","vol":"2","page":921},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يكون إجماعًا، أي: أن اتفاق التابعين\nعلى أحد قولي الصحابة لا يعتبر إجماعًا، ولا تحرم مخالفته، بل\nيجوز الأخذ بما اتفق عليه التابعون، ويجوز الأخذ بالقول الآخر\nللصحابة.\nوهو مذهب بعض الشافعية كإمام الحرمين، والغزالي،\nوالآمدي، والصيرفي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه أوجب الرد إلى اللَّه تعالى عند التنازع.\nفلو جوزنا انعقاد الإجماع الثاني: للزم الرد إلى الإجماع، وهو\nخلاف مقتضى الآية.\nجوابه:\nإن وجوب الرد إلى اللَّه تعالى مشروط بوجود التنازع، فإذا حصل\nالإجماع زال وجوب الرد إلى اللَّه لزوال شرطه وهو: التنازع، ثم\nإن الرد إلى الإجماع هو رد إلى اللَّه تعالى؛ لأن المجمعين اتفقوا\nعلى هذا الحكم أو ذاك استنادًا إلى كتاب اللَّه أو سُنَّة رسوله، أو\nالمفهوم منهما.\nالدليل الثاني: قوله - ﷺ -:\n\"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم \".\nوجه الدلالة: هذا الحديث دلَّ على أن كل واحد من الفريقين\nحجة، فلو أخذنا بأحد القولين دون الآخر لزم الترجيح من غير\nمرجح.","vol":"2","page":922},{"text":"جوابه:\nإن الخطاب الوارد في الحديث موجه إلى العوام الذين في\nعصرهم، ولا خلاف في جواز تقليدهم إياهم، وإنما النزاع في أن\nقول بعضهم هل يكون مانعًا من انعقاد الإجماع بعدهم، بخلاف ما\nقالوه؛ وما ذكرتموه في دليلكم لا يدل على ذلك.\nالدليل الثالث: أن اختلاف الصحابة على القولين هو إجماع على\nجواز الأخذ بأي قول كان، فلو انعقد الإجماع على أحد القولين\nفإنه يلزم من ذلك رفع الإجماع الأول.\nجوابه:\nلا نسلم أن اختلافهم على قولين هو إجماع على جواز الأخذ بأي\nقول كان؛ لأن كلًّا من الفريقين لا يجوز الأخذ إلا بقولهم فقط،\nدون قول الفريق الآخر.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي له أثره وهو واضح، فلو اتفق التابعون أو\nالمتأخرون على أحد قولي الصحابة أو المتقدمين، فإنه على المذهب\nالأول يكون إجماعا يأثم من خالفه، أما على المذهب الثاني فلا\nيكون إجماعا، فلا يأثم من خالفه؛ حيث يعتبر ترجيح لأحد\nالقولين فقط.\n***\nالمسألة الثانية: هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز اتفاق علماء العصر على حكم معين بعد\nاختلافهم في ذلك الحكم.","vol":"2","page":923},{"text":"وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأنه واقع، والوقوع\nدليل الجواز:\nفقد أجمعت الأُمَّة على خلافة أبي بكر - ﵁ - بعد\nالخلاف فيها.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز اتفاق علماء العصر على حكم بعد\nاختلافهم فيه.\nوهو مذهب أبي بكر الصيرفي وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن اختلاف الأُمَّة في الحكم إجماع منهم على جواز الأخذ بأي\nقول كان إذا أدَّى إليه اجتهاد مجتهد، فلو جاز الإجماع بعده امتنع\nالأخذ بغير ما أجمعوا عليه فيلزم منه: رفع ما أجمعوا عليه أولًا،\nوهو باطل.\nجوابه:\nإن الإجماع الأول كان مشروطا بعدم الاتفاق على واحد، فلما\nاتفقوا زال شرط الإجماع الأول، فزال الإجماع الأول بزوال\nشرطه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف كما هو واضح معنوي؛ حيث إنه لو اتفق العلماء بعد\nاختلافهم، فإنه يكون إجماعا تحرم مخالفته هذا بناء على المذهب\nالأول، أما على المذهب الثاني فإنه لا يكون إجماعًا، ولا ينطبق\nعليه شروط الإجماع، فتجوز مخالفته.","vol":"2","page":924},{"text":"المسألة الثالثة: إذا اختلف الصحابة على قولين، فهل يجوز\nلمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ أو تقول: إذا اختلف مجتهدو\nأهل عصر في حكم مسألة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم\nأحداث قول ثالث؟\nاختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن القول الثالث إن لزم منه رفع ما اتفقا عليه،\nفلا يجوز.\nوإن لم يلزم منه ذلك، فإنه يجوز إحداثه ويُعمل به.\nمثال الأول: \" الجد مع الأخ في الإرث \"\nاختلف في ذلك على قولين: \" قيل المال للجد \"، و\" قيل المال للجد والأخ يتقاسمانه \"\nفالقول بحرمان الجد قول ثالث خارق للإجماع فلا يجوز القول به.\nمثال الثاني: فسخ النكاح بالعيوب الخمسة - وهي: الجذام،\nوالجنون، والبرص، والرتق، والعنَّة - اختلف في ذلك على قولين:\n\" قيل: يفسخ بجميعها \"، و\"قيل: لا يفسخ بشيء منها \"،\nفالقول الثالث وهو: إنه يفسخ بالبعض دون البعض لا يرفع ما اتفق\nالفريقان عليه؛ لأنه يوافق في كل صورة قولًا، فيجوز ذلك.\nوهذا مذهب الإمام فخر الدين الرازي، والآمدي، وابن\nالحاجب، والبيضاوي، وروي عن الإمام الشافعي، وهو اختيار\nالقرافي، وتاج الدين ابن السبكي.\nوهو الحق عندي؛ لأن القول الثالث المحدث إذا كان رافعا لما\nاتفق عليه الأولون يكون إحداثه مخالفا للإجماع؛ لأن اختلاف\nالأولين يتضمن الإجماع على أن ما سواهما باطل، فمخالفة ذلك لا\nتجوز، ولذلك منعنا من إحداثه.","vol":"2","page":925},{"text":"أما إذا لم يكن ذلك القول الثالث المحدث رافعا لما اتفق عليه\nالأولون، فلا يكون إحداثه مخالفا للإجماع، فلا مانع منه،\nويجوز؛ لأن المسألة تكون اجتهادية؛ فالمحذور وهو مخالفة الإجماع\nلم يقع.\nالمذهب الثاني: أن إحداث قول ثالث لا يجوز مطلقا.\nوهو مذهب كثير من العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن اختلافهم على القولين اتفاق منهم على عدم\nالقول الثالث، فلم يجز إحداثه، وإلا لزم مخالفة الإجماع.\nجوابه:\nإن القول الثالث المحدث إن لم يرفع القولين، فلا يلزم منه\nمخالفة الإجماع، وإذا لم يخالف ما اتفق عليه، فلا مانع منه،\nكما قلنا فيما سبق.\nالدليل الثاني: لو جاز إحداث القول الثالث: للزم تخطئة\nالفريقين القائلين للقولين، وهم كل الأُمَّة، فيلزم من ذلك تخطئة\nكل الأُمَّة، وهو غير جائز.\nجوابه:\nإن الممتنع تخطئة كل الأُمَّة فيما اتفقوا عليه على قول واحد، أما\nما اختلفوا فيه فغير ممتنع، ونحن لما فصَّلنا في مذهبنا لم نخرج عن\nالقولين السابقين، لذلك لا يعتبر القول الثالث المحدث تخطئة مطلقا.\nالمذهب الثالث: أن إحداث قول ثالث يجوز مطلقا.\nوهو مذهب بعض الظاهريهّ، وبعض الشيعة.","vol":"2","page":926},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن اختلاف الأولين في الحكم دليل على أن المسألة اجتهادية،\nوالمسألة الاجتهادية لا يمنع النظر فيها، حيث لم يوجد فيها إجماع\nمن السابقين، والقول الثالث حدث عن اجتهاد فيجوز.\nجوابه:\nإن الذي منعنا من ذلك هو: قول يلزم منه إبطال ما اتفقوا عليه\nمن القولين كما في مسألة: \" الجد والأخ \"، وما اتفقوا عليه ليس\nمن صور الخلاف، فلا يجوز فيه الاجتهاد، فتسويغ المختلفين\nللاجتهاد في المسألة مقيد بأن لا يخرج الاجتهاد عن دائرة القولين\nالمتفق عليهما؛ لأن ما خرج عنهما باطل.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، وهو ظاهر من الأمثلة السابقة: فمن أحدث\nقولًا ثالثًا، فإنه على المذهب الأول يجوز الأخذ به بشرط: أن لا\nيلزم منه رفع القولين، فإن لزم منه رفع القولين، فلا يجوز الأخذ\nبه والعمل به.\nأما على المذهب الثاني: فإنه لا يجوز أخذ القول الثالث والعمل\nبه مطلقًا، سواء رفع القولين أم لا.\nأما على المذهب الثالث: فإنه يجوز أخذ القول الثالث والعمل به\nمطلقا، سواء كان رافعا للقولين أم لا.\n* * *","vol":"2","page":927},{"text":"المسألة الرابعة: إذا استدل علماء العصر بدليل أو تأولوا\nتأويلًا ولم يصرحوا بشيء، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل\nأو تأويل آخر؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر\nبشرط: أن لا يلزم من هذا الدليل أو التأويل القدح فيما أجمعوا\nعليه.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: القياس على الاستدلال على مسألة لم يسبق أن\nاستدل عليها، بيانه: أنه كما أنه يجوز الاستدلال على مسألة لم\nيسبق أن استدل عليها أو أُولت، كذلك هنا يجوز إحداث دليل أو\nتأويل آخر، والجامع: أنه لا يلزم من هذا الاستدلال قدح في\nإجماع قد سبق.\nالدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إنه ما زال علماء كل عصر\nيستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته، ولم\nينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعًا.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر\nمطلقًا.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) .","vol":"2","page":928},{"text":"وجه الدلالة: أن لفظ \" المعروف \" عرف بـ \" أل \" المستغرفة للجنس،\nأي: يأمرون بكل معروف، ولو كان الدليل أو التأويل الثاني معروفا\nلأمروا به، وحيث لم يأمروا به لم يكن معروفا، فكان منكرًا.\nجوابه:\nإن الآية مشتركة؛ حيث إن قوله: (وتنهون عن المنكر) يقتضي\nكونهم ناهين عن كل منكر لما ذكروه من لام الاستغراق، ولو كان\nالدليل أو التأويل الثاني منكرًا لنهوا عنه، ولم ينهوا عنه، فلا يكون\nمنكرًا.\nالدليل الثاني: قوله - ﷺ -:\n\" لا تجتمع أمتي على الخطأ \".\nوجه الدلالة: أن علماء الأُمَّة إذا ذهبوا عن الدليل والتأويل\nالثاني، فلا يكون ذهابهم عنه خطأ، ولو كان دليلًا أو تأويلًا\nصحيحا لكان الذهاب خطأ، وهو محال.\nجوابه:\nإن ذهاب علماء الأُمَّة عن الدليل أو التأويل الثاني مع صحته، إنما\nيكون خطأ أن لو لم يستغنوا عنه بدليلهم وتأويلهم الأول.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لأن اتفاق علماء الأُمَّة على الحكم يُسمى\nإجماعا عند أصحاب المذهبين، لكن أصحاب المذهب الأول استندوا\nعلى دليل واحد، أما أصحاب المذهب الثاني فقد جعلوا الإجماع\nهذا مستندًا إلى دليلين، أو تأويلين.","vol":"2","page":929},{"text":"المسألة الخامسة: إذا لم يفرق علماء العصر بين مسألتين، فهل\nلمن بعدهم التفريق بينهما؟\nاختلفت في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: التفصيل.\nإن كان علماء العصر قد نصوا على عدم الفرق بين المسألتين فهنا لا\nتجوز مخالفتهم، لأنهم أجمعوا على عدم الفرق، فالقائل بالفرق\nمخالف لذلك الإجماع، وهو حرام.\nأما إن كان علماء العصر لم ينصوا على عدم الفرق، فلا يخلو\nمن حالتين:\nالأولى: إن علمنا اتحاد المسألتين في الجامع كتوريث العمة\nوالخالة؛ حيث إن العلماء اتفقوا على أنه لا فرق بينهما في التوريث\nوعدمه بجامع كونهما من ذوي الأرحام: ففي هذه الحالة لا يجوز\nالفصل والتفريق بينهما؛ لأنه يلزم من التفريق بينهما رفع مجمع\nعليه.\nالثانية: إن لم نعلم اتحاد المسألتين في الجامع، فإنه يجوز الفصل\nبينهما؛ لأنه لايلزم من ذلك رفع شيء مجمع عليه.\nولو لم يجز - لمن بعدهم الفصل بين المسألتين في هذه الحالة -\nلوجب على من وافق مجتهدأ في حكم الدليل: أن يوافقه في جميع\nالأحكام، وهو باطل بالاتفاق؛ حيث إن من وافق الإمام أحمد،\nأو الشافعي - مثلًا - في مسألة لا تجب عليه موافقته في جميع\nالمسائل.\nوهذا المذهب هو اختيار كثير من العلماء منهم: أبو الوليد","vol":"2","page":930},{"text":"الباجي، والباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي، والإمام فخر الدين\nالرازي، وأبو الحسين البصري، وأبو الخطاب، وكثير من الحنابلة.\nوهذا هو الحق عندي؛ لما سبق من الدليل والتعليل.\nالمذهب الثاني: لا يجوز التفريق بينهما مطلقًا.\nوهو مذهب القاضي عبد الجبار، وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الأوَّلين اتفقوا على اتحادهما في الحكم، فلو قلنا بجواز\nالتفريق بينهما: لزم مخالفة الإجماع، وهذا باطل.\nجوابه:\nإن عنيتم بقولكم: \" اتحادهما \": أن العلماء نصُّوا على ذلك\nالاتحاد، فنحن معكم في أنه لا تجوز المخالفة في تلك الحالة.\nوإن عنيتم: أن فتواهم وافق في المسألتين من غير تعرض لشيء\nآخر: فلا نسلم أن لا تجوز مخالفتهم، وهو محل النزاع.\nالمذهب الثالث: أنه يجوز التفريق بينهما مطلقا.\nوهو مذهب أبي الطيب الطبري وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الإمام الثوري وهو سفيان بن سعيد بن مسروق، قال:\nالجماع ناسيا يفطر، والأكل ناسيًا لا يفطر، مع أن علماء الأُمَّة\nالذين قبله لم يفصلوا بينهما؛ لأنه قد جمعتهما طريقة واحدة.\nجوابه:\nإن هذا موافق لما قلناه - فيما سبق - في مذهبنا الأول، وهو","vol":"2","page":931},{"text":"التفصيل، لأن الأُمَّة - هنا - لم ينصوا على عدم الفرق بين المسألتين\nولم تتحد المسألتان بجامع معين، فجاز للثوري الفصل بينهما.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ لأنه بناء على المذهب الثاني يعتبر عدم\nالتفريق بين المسألتين إجماعًا لا تجوز مخالفته، فلا يجوز التفريق\nبينهما.\nأما على المذهب الثالث: فإن عدم التفريق بين المسألتين لا يعتبر\nإجماعًا وعليه فيجوز التفريق، ويقبل الاجتهاد كغيره من المسائل\nالاجتهادية.\nأما على المذهب الأول: ففيه التفصيل الذي قلناه.\nالمسألة السادسة: هل يجوز وجود خبر أو دليل راجح، واتفق\nعلماء الأمة على عدم العلم به؟\nفيه تفصيل:\nأولًا: إن كان عمل علماء الأمَّة موافق لمقتضى ذلك الخبر أو\nالدليل، ففيه مذهبان:\nالمذهب الأول: أنه يجوز ذلك، وهو مذهب بعض العلماء.\nوهو الصحيح \" لأن علماء الأُمَّة غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر\nلهم، ولم يبلغهم، فاتفاقهم واشتراكهم في عدم العلم لا يكون\nخطأ، لأن عدم العلم ليس من فعلهم، وذلك كعدم حكمهم في\nواقعة لم يحكموا فيها بشيء، فجاز لغيرهم أن يسعى في طلب ذلك\nالدليل أو الخبر ليعلم.","vol":"2","page":932},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يجوز ذلك، وهو لبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن علماء الأُمَّة لو اشتركوا في عدم العلم به: لكان ذلك سبيلًا\nلهم، ولوجب على غيرهم اتباعه وعدم تحصيل العلم به؛ لقوله\nتعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) .\nجوابه:\nإن عدم العلم لا يكون سبيلًا للمؤمنين؛ لأن السبيل: الذي\nيختاره الإنسان من قول أو فعل، وعدم علمهم لم يختاروه، فلا\nيكون سبيلًا لهم.\nبيان نوع الخلاف:\nيفهم من الخلاف هنا أنه لفظي؛ لأن العمل لا يختلف سواء علم\nبالدليل أو الخبر، أو لم يعلم بهما.\nثانيًا: أما إن كان عمل علماء الأُمَّة على خلاف الخبر أو الدليل،\nفهذا محال بالاتفاق؛ لأنه يلزم منه إجماع الأُمَّة على الخطأ، - وهذا\nمخالف للأدلة النقلية السابقة الذكر.\nالمسألة السابعة: إذا قال بعض علماء العصر قولًا وسكت\nالباقون، أو أعلن بعض المجتهدين قولًا وسكت بقية أهل العصر\nمن المجتهدين سكوتا لا يستدل منه على رضا ولا على سخط،\nفهل هذا يعتبر إجماعًا أو لا؟ \" الإجماع السكوتي \":\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها ثلاثة:\nالمذهب الأول: أنه يعتبر إجماعا وحُجَّة.","vol":"2","page":933},{"text":"ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه لو اشترط لانعقاد الإجماع أن ينص كل واحد\nمنهم على رأيه بصراحة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبدًا؛\nلأنه يتعذر اجتماع أهل كل عصر على قول يسمع منهم، والمتعذر\nمعفو عنه؛ ل قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)،\nوالمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويُسلِّم\nالباقون لهم، فثبت بذلك: أن سكوت الباقين دليل على أنهم\nموافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة، فكان إجماعًا وحُجَّة.\nالدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إن المجتهدين من التابعين إذا\nحدثت حادثة بينهم، ولم يجدوا حكمًا لها في نص، ووجدوا قولا\nفيها لصحابي، وعلموا أن هذا القول قد انتشر، وسكت بقية\nالصحابة عن الإنكار، فإن التابعين لا يجوزون العدول عن ذلك\nالقول، بل يعملون به؛ بناء على أنه قول قد أجمع عليه.\nالدليل الثالث: قياس المسائل الاجتهادية على المسائل الاعتقادية،\nبيان ذلك:\nأنه قد ثبت أن العلماء قد أجمعوا على أن السكوت معتبر في\nالمسائل الاعتقادية، أي: سكوت الساكت في العقيدة يدل على\nرضاه؛ لأنه لا يحل السكوت فيها على باطل، فيقاس عليها المسائل\nالاجتهادية، والجامع: أن الحق واحد، فلا يحل له السكوت في\nالأمور الاجتهادية إذا كان عنده بخلاف ما أعلن؛ لأن الساكت - عن\nالحق شيطان أخرس؛ لأن الحكم لو كان عنده بخلافه: لكان\nسكوته تركًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا بخلاف ما\nشهد اللَّه به لهذه الأمَّة من أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،","vol":"2","page":934},{"text":"فلو تصور منهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأدَّى ذلك إلى\nالخلف في كلامه ﷾، وهو محال، فوجب أن نحمل\nسكوت الساكت على أنه موافق لما أعلنه ذلك المجتهد، وهو الذي\nتدل عليه عدالته.\nالمذهب الثاني: أن ذلك ليس بإجماع ولا حُجَّة.\nوهو مذهب داود الظاهري، وابنه محمد، وابن حزم،\nوالمرتضى، وينسب إلى القاضي الباقلاني وعزاه للشافعي، وممن\nنسبه إلى الإمام الشافعي أيضًا كثير من الشافعية كالآمدي، وفخر\nالدين الرازي، وقال إمام الحرمين: إنه ظاهر مذهب الشافعي،\nواختاره الغزالي في \" المستصفى \"، والرازي في \" المحصول \"،\nوالبيضاوي في \" المنهاج \"، وغيرهم.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن مذهب المجتهد يعلم بقوله الصريح الذي لا\nيتطرق إليه أي احتمال، أما سكوت الساكت فإنه يحتمل أنه سكت\nلكونه راضيا بالحكم الذي أعلنه ذلك المجتهد.\nويحتمل أنه سكت، لأنه لم يجتهد في المسألة الحادثة، بل تركها.\nويحتمل أنه اجتهد فيها، ولكنه سكت؛ لأنه لم يتوصل إلى\nحكم معين فيها.\nويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم معين مخالف لرأي\nالمجتهد المعلن، ولكنه لم يظهره، تقية ومخافة.\nويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد\nالمعلن، ولكنه سكت لعارض طرأ عليه لم يظهره لنا.","vol":"2","page":935},{"text":"ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد\nالمعلن، ولكنه سكت، لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب.\nويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد\nالمعلن، ولكنه سكت، لأنه يرى أن قول ذلك المجتهد جائزًا، وإن\nلم يكن هو موافقًا عليه، بل كان يعتقد خطأه.\nوإذا كان السكوت يحتمل هذه الاحتمالات، فلا يدل السكوت\nعلى الرضا لا قطعًا، ولا ظاهرًا، وهو معنى قول الإمام الشافعي\n- ﵀ -: \" لا ينسب لساكت قول \"، وإذا كان الأمر كذلك\nفلا يكون سوتهم مع انتشار قول المجتهد المعلن له إجماعًا ولا حُجَّة.\nجوابه:\nإنه إذا سكت المجتهد بعد أن يعلن المجتهد الآخر رأيه مدة يستطيع\nمن خلالها التفكر في المسألة، فإن سكوته يدل على رضاه بذلك\nالرأي المعلن، فيكون إجماعًا وحُجَّة.\nأما الاحتمالات التي ذكرتموها فلا نسلمها، وإليك بيان ذلك:\nأما الاحتمال الأول - وهو أنه سكت لعدم اجتهاده في المسألة -\nفلا يقبل ولا يجوز؛ لأمرين:\nأولهما: أن عدم اجتهاد العالم في الحادثة خلاف عادة العلماء\nعند نزول الحوادث.\nثانيهما: أن عدم اجتهاد العالم في الحادثة يؤدي إلى خلو العصر\nمن حُجَّة اللَّه - تعالى -، لأنا إذا جوزنا أن يكون المجتهد المعلن\nلرأيه قد أخطأ، والمجتهد الساكت لم يجتهد فقد خلا العصر من\nحُجَّة، وقد قال - ﷺ -:\n\" لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يرد عليّ \".","vol":"2","page":936},{"text":"أما الاحتمال الثاني - وهو: أنه اجتهد، ولكن لم يتوصل فيها\nإلى حكم -.\nفهذا بعيد؛ لأمرين هما:\nالأمر الأول: أنه يبعد عدم وصول المجتهد إلى حكم معين في\nتلك الحادثة مع توفر الدواعي للاجتهاد، وظهور الدلائل.\nالأمر الثاني: أن احتمال عدم وصول المجتهد إلى حكم معين\nيؤدي إلى خلو العصر عن القائم بحُجَة اللَّه تعالى؛ لأنا إذا فرضنا\nأن يكون المجتهد المعلن لمذهبه قد أخطأ فيه، والجتهد الساكت لم\nيصلِ إلى حكم معين فيها، فإنه يخلو العصر عن قائم لله تعالى\nبحجته.\nأما الاحتمال الثالث - وهو: أنه لما توصل إلى حكم فيها لم\nيظهره تقية - فهو بعيد؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أنه عرف من عادة المجتهدين الذين يفعلون مثل ذلك\nأن يظهر قوله ورأيه عند ثقاته وخاصته، ثم بعد مدة قصيرة ينتشر\nالقول ويعرف.\nالأمر الثاني: أنه إذا سكت حتى ينقرض العصر، فإما أن يموت\nمن يتقيه، أو يموت هو قبل من يتقيه.\nفإن مات من يتقيه قبل الساكت، فيجب - حينئذ - على الساكت\nأن يظهر قوله ورأيه، كما قال ابن عباس - حين توفي عمر -: إن\nالمال لا يعول \"، فقيل له: لِمَ لم تقل ذلك في زمن عمر؛ فقال:\n\"هبته \".\nوإن مات الساكت قبل من يتقيه فينعقد الإجماع.","vol":"2","page":937},{"text":"أما الاحتمال الرابع - وهو: أنه لما توصل إلى حكم فيها لم\nيظهره لعارض - فهو بعيد - أيضًا -؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أن هذا خلاف الظاهر من عادة العلماء وأهل الحق.\nالأمر الثاني: أن سكوت المجتهد من أجل عارض غير معروف:\nيؤدي إلى خلو العصر عن قائم لله تعالى بحجته؛ لأن هذا المجتهد\nإذا سكت، وذاك المجتهد المعلن لرأيه قد أخطأ في رأيه، فإنه يخلو\nالعصر من حُجَّة.\nأما الاحتمال الخامس - وهو: أنه سكت؛ لاعتقاده أن كل\nمجتهد مصيب -.\nوالاحتمال السادس - وهو: أنه سكت؛ لأنه لا يرى الإنكار في\nالمجتهدات - فهما بعيدان - أيضا -؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أن من عادة من يعتقد أن كل مجتهد مصيب يأخذ\nبمذهب، ويخالف غيره فيه، ويناظر غيره، ويبين أن مذهبه هو\nالصحيح بخلاف مذهب غيره.\nالأمر الثاني: أن هذا لم يقع ولم يوجد في عصر الصحابة، ولم\nينقل إلينا أن واحدًا من الصحابة سكت عن الإنكار لهذين الفرضين،\nحيث إن الصحابة - ﵃ - ومن سار على نهجهم من\nالعلماء الذين سلكوا طريق النصح، وتركوا الغش كانوا ينكر\nبعضهم على بعض، ويتناظرون، ويتجادلون لتحقيق الحق، وإبطال\nالباطل كمناظرتهم في مسألة \" الجد والإخوة \" حتى أن ابن عباس\n- ﵁ - قال: \" ألا يتقي اللَّه زيد يجعل ابن الابن ابنا،\nولا يجعل أب الأب أبا \"، وقال معاذ لعمر - حين عزم على جلد\nالحامل -: \" إن جعل اللَّه لك على ظهرها سبيلًا، فما جعل الله","vol":"2","page":938},{"text":"لك على ما في بطنها سبيلًا \"، ومناقشاتهم في مسألة: \" العول \"،\nو\" التحريم \"، و\" دية الجنين \"، وغيرها لا تخفى على أحد، فكل\nهذا يدل دلالة واضحة على أن المجتهد لا يسكت عن شيء هو يعلم\nخلافه، بل. يبين رأيه فيها دون إلزام.\nفإذا كانت تلك الاحتمالات للسكوت بعيدة: فإن احتمال: أنه\nسكت لموافقته ورضاه للقول المعلن هو الأقرب للصواب، فيكون\nذلك إجماعا، وإذا كان إجماعًا فهو حُجَّة.\nالدليل الثاني: أنه لما قال ذو اليدين للنبي - ﷺ -: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه؟\nفنظر رسول اللَّه إلى أبي بكر وعمر - رضي اللَّه عن الجميع - وقال:\n\" أحقٌّ ما يقوله ذو اليدين؟ \".\nوجه الدلالة: أن السكوت لو كان دليلًا على الموافقة لاكتفى به\nرسول اللَّه - ﷺ -، ولما طلب من أبي بكر وعمر بيان ذلك بالنطق من غير حاجة، فدل ذلك على أن السكوت لا يدل على رضا الساكت، فلا يكون إجماعًا ولا حُجَّة.\nجوابه:\nإن أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة إنما سكتوا اكتفاء منهم\nبكلام ذي اليدين؛ نظرًا لكونهم مثله في عدم علمهم أيهما الذي\nوقع أهو قصر الصلاة، أو النسيان؛، فلما نفى رسول اللَّه - ﷺ - ذلك بقوله: \" كل ذلك لم يكن \"، وطلب منهما الجواب: كان لهم الكلام.\nالمذهب الثالث: أنه حُجَّة، وليس بإجماع.\nوهو مذهب أبي هاشم الجبائي، وصححه الصيرفي، واختاره\nالآمدي، وهو أحد القولين عن الإمام الشافعي.\n-","vol":"2","page":939},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن سكوت الباقين يدل دلالة ظاهرة على الموافقة فيكون قول ذلك\nالمجتهد المعلن مع سكوت الباقي من المجتهدين عن الإنكار - مع\nقدرتهم على ذلك - حُجَّة يجب العمل به كخبر الواحد والقياس.\nوإنما لم نقل إنه إجماع، لأن سكوت الباقي من المجتهدين يحتمل\nتلك الاحتمالات الستة السابقة الذكر فأثرت على وصوله إلى درجة\nالإجماع.\nجوابه:\nإن هناك قاعدة وهي: \" أن كل احتمال لا يُعضد بدليل صحيح\nفلا يُعتبر \"، والاحتمالات الستة السابقة الذكر قد بينا بُعْدَها، وعدم\nصحتها، فثبت من إبطالها: أن سكوتهم يدل على رضاهم بالقول\nالذي أعلنه ذلك المجتهد - لا سيَّما وأنه لا مانع من إعلان\nمخالفتهم - وإذا كان الأمر كذلك فيكون ذلك إجماعًا وحُجَّة.\nتنبيه: هناك مذهب رابع وهو: التفصيل بين الفتوى والحكم:\nفإن كان السكوت إثر فتوى مجتهد - فقط -: فهو إجماع؛ لعدم\nسلطته، وإن كان السكوت إثر حكم حاكم فليس بإجماع.\nوهناك مذهب خامس وهو: عكس الرابع.\nوهناك مذهب سادس، وهو: التفصيل بين ما يفوت استدراكه،\nوبين ما لا يفوت: فإن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم أو\nاستباحة فرج: كان سكوت الساكتين إجماعا، وإن وقع في غير\nذلك: كان سكوتهم حُجَّة فقط.","vol":"2","page":940},{"text":"الجواب عن ذلك:\nإن هذا التفريق لا دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به \"\nوذلك لما قلناه فيما سبق.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في كثير من الفروع الفقهية،\nحيث إنه لو أعلن مجتهد رأيه في مسألة معينة، ثم سكت بقية\nالمجتهدين - بدون عذر - ومضى وقت يمكنهم فيه النظر في المسألة،\nفإن هذا يدل على أنهم موافقون على ذلك الرأي المعلن، فيكون\nإجماعًا تحرم مخالفته، ولا يجوز الاجتهاد في تلك المسألة بعد\nذلك، حيث إن ذلك الرأي يكون ملزمًا للجميع، هذا بناء على\nالمذهب الأول.\nأما على المذهب الثاني، فتجوز مخالفة ذلك الرأي المعلن؛ لأنه\nاجتهاد فرد أو جماعة لم يجمع عليه، ويجوز الاجتهاد في تلك\nالمسألة، لأنه رأي غير ملزم لأحد من المجتهدين.\nأما على المذهب الثالث فهو حُجَّة يُقدَّم على غيره من الأدلة إذا\nعارضه، ولكنه غير ملزم، فإن وجد دليل أقوى منه: قدم عليه؛\nقياسًا على الاحتجاج بخبر الواحد والقياس.\nالمسألة الثامنة: إذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في\nمسألة، فهل يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب\nالقائل بالأقل؛ وهي \" الأخذ بأقل ما قيل \":\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:","vol":"2","page":941},{"text":"المذهب الأول: أنه لا يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب\nالقائل بالأقل، أي: الأخذ بأقل ما قيل ليس متمسكا بالإجماع.\nمثل اختلاف العلماء في دية الكتابي على ثلاثة أقوال هي:\n١ - \" أن ديته مثل دية المسلم \".\n٢ - أن ديته نصف دية المسلم.\n٣ - أن ديته ثلث دية المسلم، وهو مذهب الإمام الشافعي.\nفظن بعض الفقهاء أن الإمام الشافعي قال ذلك متمسكا في ذلك\nبإجماع الأقوال الثلاثة عليه.\nوهذا ليس بصحيح، أي: لا يصح أن يتمسك في إثبات أقل ما\nقيل بالإجماع.\nهذا ما ذهب إليه الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن أقل ما قيل -\nوهو: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم - قد اشتمل على أمرين:\nأولهما: إثبات الثلث، وثانيهما: نفي الزيادة.\nأما الأول - وهو إثبات الثلث - فهو مجمع عليه.\nوأما الثاني - وهو نفي الزيادة - فهو مختلف فيه؛ حيث إن\nأصحاب القولين: الأول والثاني قد زادوا دية الكتابي على الثلث،\nوأصحاب القول الثالث لم يزيدوا عن الثلث، فهنا وقع الخلاف،\nوبناء على هذا لا يكون الآخذ بأقل ما قيل قد تمسك بالإجماع، وإنما\nمتمسك بدليل آخر غير الإجماع، قال بعض العلماء: إنه\nالاستصحاب والبراءة الأصلية.\nالمذهب الثاني: أنه يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب\nالقائل بالأقل، أي: أن الآخذ بأقل ما قيل متمسك بالإجماع.","vol":"2","page":942},{"text":"وهو اختيار بعض الفقهاء.\nدليل ذلك:\nإن دية الكتابي إما مثل دية المسلم، أو نصفه، أو ثلثه بالإجماع،\nوالكامل والنصف مشتمل على الئلث، فالقول بالثلث ثابت بالإجماع.\nجوابه:\nأنا معكم أن الثلث مجمع عليه، ولكن نفي الزيادة على الثلث لم\nيكن مجمعا عليه، فالمجموع - من إثبات الثلث، ونفي الزيادة -\nلم يكن مجمعا عليه فلا تصح دعوى الإجماع.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث إن التمسك بأقل ما قيل قد انبنى عليه\nخلاف في بعض الفروع الفقهية ومنها دية الكتابي، جيث إن الإمام\nالشافعي لما قال: إن دية الكتابي: ثلث دية المسلم قد تمسك بالأخذ\nبأقل ما قيل، وهو المجمع عليه بين الأقوال الثلاثة السابقة الذكر في\nدية الكتابي.\nوكذلك فعل في دية المجوسي.","vol":"2","page":943},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المطلب السابع في الإجماعات الخاصة</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: اتفاق الخلفاء الأربعة هل هو حُجَّة؟\nالمسألة الثانية: إجماع أبي بكر وعمر هل هو حُجَّة؟\nالمسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة هل هو حُجَّة؟\nالمسألة الرابعة: إجماع أهل البيت والعترة هل هو حُجَّة؟","vol":"2","page":945},{"text":"المسألة الأولى: اتفاق الخلفاء الأربعة هل هو إجماع وحُجَّة؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن اتفاق الخلفاء الأربعة - وهم: أبو بكر،\nوعمر، وعثمان، وعلي - لا يعتبر إجماعا ولا حُجَّة.\nوهو مذهب كثير من العلماء، ونسب إلى الجمهور، وهو الحق؛ لأن الخلفاء الأربعة بعض الأُمَّة، والأدلة التي ذكرناها من الكتاب\nوالسُّنَّة قد دلَّت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت للأُمَّة كلها، لا\nبعضها، فلا تتناول تلك الأدلة الخلفاء الأربعة؛ لأنهم بعض الأُمَّة\nوبعض المؤمنين، وبناء على ذلك يكون اتفاق الخلفاء الأربعة ليس\nبإجماع يُحتج به على من خالفهم.\nالمذهب الثاني: أن اتفاق الخلفاء الأربعة يعتبر إجماعا يحتج به\nعلى من خالفهم.\nوهو مذهب أبي خازم من الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nدليل هذا المذهب:\nقوله - ﷺ -: \"عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ \".\nوجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - قد أوجب اتباع سُنَّتهم، كما أوجب اتباع سُنَّته، ومعروف أن المخالف لسُنَّته ﵇ لا يعتد بقوله، فكذلك المخالف لسُنَّتهم لا يعتد بقوله، وبناء على ذلك:\nيكون قولهم إجماعًا لا تجوز مخالفته.\nولذلك ردَّ القاضي أبو خازم مذهب زيد بن ثابت وهو: عدم","vol":"2","page":947},{"text":"توريث ذوي الأرحام، وقال: إن ذوي الأرحام أَوْلى من بيت المال\n- وذلك في عهد الخليفة المعتضد بالله المتوفى عام ٢٨٩ هـ - فلما\nقيل: إن هذه المسألة اختلف فيها الصحابة قال: لا أعد خلاف زيد\nخلافا على الخلفاء الأربعة.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أن الحديث عام في كل الخلفاء الراشدين، ولا\nدلالة فيه على الحصر في الخلفاء الأربعة.\nالجواب الثاني: على فرض أنه يدل على الحصر في الخلفاء\nالأربعة، فإنه معارض بحديث آخر وهو: ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم \"، وليس العمل بأحد الخبرين أوْلى من الآخر.\nالجواب الثالث: أن هذا الحديث المستدل به لا يدل بصراحة على\nأن اتفاق الخلفاء الأربعة إجماع وحُجَّة؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد:\nأن إجماع الخلفاء حُجَّة إذا لم يظهر خلاف ما قالوه في بقية\nالصحابة، وهذا لا يخالف فيه أحد؛ لأنه إجماع كل الصحابة.\nويحتمل أن يكون المراد به: الفتيا، وخصهم بالذكر لكونهم أعلم\nمن غيرهم في وقتهم، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به\nالاستدلال.\nثم إن الإمامة والخلافة لا تأثير لها في الإجماع، وإنما التأثير\nللاجتهاد والعلم، وغير الخلفاء في الاجتهاد مثلهم ولا فرق.","vol":"2","page":948},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث إنه إذا وجد حكم قد اتفق عليه الخلفاء\nالأربعة فقط، فإنه لا يكون إجماعا بناء على المذهب الأول،\nوبالتالي تجوز مخالفته، وتكون المسألة قابلة لاجتهاد المجتهدين.\nأما على المذهب الثاني فإنه يكون إجماعا، فتحرم مخالفته من\nقِبَل الصحابة ومن جاء بعدهم، لذلك لم يأخذ القاضي أبو خازم\nبرأي زيد في عدم توريث ذوي الأرحام؛ لأنه خالف رأي الخلفاء\nالأربعة.\n***\nالمسألة الثانية: إجماع أبي بكر وعمر هل هو حُجَّة؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن إجماعهما لا يعتبر حُجَّة.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما قلناه سابقا وهو: أن\nالنصوص من الكتاب والسُّنَّة تدل على حجية قول جميع الأُمَّة،\nوهؤلاء بعض الأُمَّة وبعض المؤمنين، فلا ينعقد الإجماع بهم.\nالمذهب الثاني: أن إجماعهما يعتبر حُجَّة.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nقوله - ﷺ -: \"اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر \".\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:","vol":"2","page":949},{"text":"الجواب الأول: أن الحديث لا يدل إلا على أن أبا بكر وعمر قد\nتوفر فيهما أهلية الاجتهاد مما يوجب اتباع المقلدين لهم، ولا يدل\nعلى أن إجماعهما حُجَّة.\nالجواب الثاني: أنه معارض بحديث آخر وهو: \" أصحابي\nكالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم \"، وليس العمل بأحدهما أوْلى من\nالعمل بالآخر.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، وهو مماثل لما قلناه في المسألة السابقة، حيث إنه\nلو وجد أن أبا بكر وعمر قد اتفقا على حكم معين، لنإنه تجوز\nمخالفته عند أصحات المذهب الأول؛ وتكون المسألة عندهم اجتهادية.\nأما عند أصحاب المذهب الثاني، فإن اتفاقهما يكون إجماعا\nوحُجة لا تجوز مخالفته من قِبَل الصحابة ومن جاء بعدهم.\n***\nالمسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة هل هو حُجَّة؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن إجماعهم وحدهم لا يكون حُجَّة على من\nخالفهم.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما ذكرنا في المسألتين\nالسابقتين وهو: أن أهل المدينة بعض الأُمَّة والأدلة التي ذكرناها من\nالكتاب والسُّنَّة قد دلَّت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت لجميع\nالأُمَّة، لا لبعضها، فلا تتناول تلك الإدلة أهل المدينة؛ لأنهم بعض\nالأُمَّة وبعض المؤمنين، وعليه: فلا يكون اتفاق أهل المدينة حُجَّة.","vol":"2","page":950},{"text":"المذهب الثاني: أن إجماع أهل المدينة حُجَّة.\nوهو مذهب الإمام مالك وجل أصحابه.\nدليل هذا المذهب:\nأن المدينة المنورة هي معدن العلم، ودار الهجرة، ومهبط الوحي،\nومستقر الإسلام، ومجمع الصحابة وأولادهم، ويوصف أهلها بأنهم\nشاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول - ﷺ - من غيرهم، فيستحيل - والأمر كذلك - اتفاق أهلها على خلاف الحق، أي: يجب أن لا يخرج الحق عن قول أهلها.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بأجوبة:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ قولكم: \" إن أهل المدينة أعلم من\nغيرهم \"؛ لأن كثيرًا ممن خرج من المدينة وسكن غيرها كان أعلم ممن\nبقي فيها، أو مثلهم كعليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن\nعباس -، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وأبي موسى الأشعري،\nوعمرو بن العاص، وغيرهم مما بلغ ثلاثمائة ونيف انتقلوا إلى\nالكوفة، والبصرة، والشام، والطائف، فكيف يعتبر إجماعا من\nأهل المدينة إذا خالف هؤلاء الذين خرجوا وهم أكثر علماء الصحابة،\nفكان لا ينعقد الإجماع بدون هؤلاء لما كانوا من سكان المدينة،\nفكيف ينعقد الإجماع بدونهم لما خرجوا منها، فالحُجة لا تختلف\nبالمكان والزمان كقول اللَّه تعالى، وكقول رسوله.\nالجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ قولكم: \" إن الحق يستحيل أن يخرج\nعنهم؛ لأن هذا القول تحكم لا دليل عليه؛ حيث إنه لا يستحيل","vol":"2","page":951},{"text":"أن يسمع رجل حديثًا من النبي - ﷺ -، ثم يسافر ويترك المدينة، قبل أن يعلم أحد من أهل المدينة بهذا الحديث، فهنا أمكن خروج الحق عنهم.\nالجواب الثالث: أن اشتمال المدينة على صفات موجبة لفضلها لا\nيدل على أن إجماع أهلها حُجَّة على غيرهم؛ لأن مكة أفضل منها\nومع فضلها لم يقل أحد بأن إجماع أهلها حُجَّة على مخالفيهم.\nوسبب ذلك: أن البقاع لا أثر لها في انعقاد الإجماع، وإنما\nالاعتبار في بلوغ هذا الشخص أو ذاك درجة الاجتهاد في أي زمان\nوأي مكان.\nتنبيه: اختلفت عبارات العلماء في ترجمة هذه المسألة، فمنهم\nمن ترجمها بما ذكرنا، ومنهم من ترجمها بقوله: \" عمل أهل\nالمدينة\"، ومنهم من عبَّر عنها بقوله: \" قول أهل المدينة \"،\nواختلف في مراد الإمام مالك، وبعضهم دافع عن الإمام مالك، وبعضهم\nأقر هذا القول له، وقد تكلمت عن بعض هذه الأمور في كتابي\n\"إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \"، وبعضها موسع في كتب\nكثيرة، وتحقيق ذلك ليس هذا مكانه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني إذا وجدوا أهل\nالمدينة قد اتفقوا على شيء، فإنهم يجعلون ذلك حُجَّة، ويعملون\nبه ويتركون ما عداه ممن خالفه، فبنى الإمام مالك على ذلك فروعا\nمنها: قوله في الحامل إذا رأت الدم فإنها تترك الصلاة، وذلك لأن\nالحامل تحيض، وحجته في ذلك إجماع أهل المدينة. وهذا مخالف","vol":"2","page":952},{"text":"لرأي الحنفية والحنابلة، وذلك لأن الحامل عندهم لا تحيض، فإذا\nرأت الحامل دمًا، فإنه دم استحاضة، لا يجوز ترك الصلاة لأجله.\nومنها: أن رأي الإمام مالك أن البكر يزوجها أبوها من غير\nاستئمار، واحتج بما كان عليه العمل في المدينة، وعلى ذلك الإمام\nالشافعي وأحمد، ولكن دليلهما ليس عمل أهل المدينة كما هو عند\nالإمام مالك، أما أبو حنيفة وأكثر الحنفية، فإنهم يذهبون إلى\nوجوب الاستئمار، وأنه شرط في صحة النكاح وهو الذي تميل إليه\nالنفس.\n***\nالمسألة الرابعة: إجماع أهل البيت والعترة هل هو حُجَّة؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن إجماعهم ليس بحُجَّة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما ذكرناه في المسائل\nالثلاث السابقة من أن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع من الكتاب والسُّنَّة\nلا تدل إلا على حجية قول جميع الأُمَّة، وهؤلاء بعض الأُمَّة وبعض\nالمؤمنين فلا ينعقد الإجماع بهم.\nالمذهب الثاني: أن إجماعهم حُجَّة.\nوهو ما ذهب إليه الشيعة الإمامية والزيدية، ويقصدون بأهل البيت\nوالعترة: عليّ بن أبي طالب وولديه: الحسن والحسين، وزوجته\nفاطمة - رضي اللَّه عن الجميع -.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)","vol":"2","page":953},{"text":"وجه الدلالة: أن الخطأ رجس، والرجس منفي عنهم، فيجب\nأن يكون أهل البيت مطهرين عنه، وإذا كان أهل البيت مطهرين عن\nالخطأ فيكون إجماعهم حُجَّة.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن المراد: الخطأ الاجتهادي؛ لأن الرجس\nلغة: القذر والعقاب والغضب، والخطأ الاجتهادي ليس منها.\nالجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن الآية خاصة بهؤلاء الأربعة - وهم:\nعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين - حيث إنه يحتمل احتمالًا\nقويًا أن المراد بأهل البيت هم زوجات الرسول - ﷺ -، كما يدل على ذلك سياق الآية، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.\nالدليل الثاني: قوله - ﷺ -: \"إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي \".\nوجه الدلالة: أن القرآن معصوم، وكذلك العترة: أهل البيت.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا خبر واحد، وخبر الواحد لا يعمل به\nعند الشيعة.\nالجواب الثاني: وعلى فرض جواز العمل به، فإن المراد منه: ما\nإن تمسكتم بإفاء حقوقهما، وحق القرآن الإيمان به والعمل بمقتضاه،\nوحق العترة تعظيمهم وصلتهم.","vol":"2","page":954},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، وهو واضح كما سبق أن قلنا في المسائل\nالثلاث السابقة؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني قد بنوا على إجماع\nأهل البيت فروعًا كثيرة، فإذا وجدوا اتفاق أهل البيت على حكم\nشرعي، فإنه يكون حُجَّة، ولا تجوز مخالفته بأي حال.\nأما عندنا - وأصحاب المذهب الأول - فإنه لا يعتبر إجماعا ولا\nحُجَّة لذلك تجوز مخالفته، وتكون المسألة اجتهادية.","vol":"2","page":955},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الرابع في الدليل الرابع - من الأدلة المتفق علها إجمالًاَ - وهو: القياس</span>\nوهو: إثبات مثل حكم الأصل للفرع لاشتراكهما في علَّة الحكم\nعند المثبت كقياس النبيذ على الخمر، وقياس الأرز والذرة على البر\nفي تحريم الربا، وسيأتي ذكره بالتفصيل في الباب الخامس؛ لأن\nمرتبته بعد الكتاب والسُّنَّة ودلالة ألفاظهما على الأحكام، لذلك\nقدمت عليه الباب الرابع الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام\nالشرعية.\nولكني أشرت إليه هنا؛ لأنه من الأدلة المتفق عليها إجمالًا.\nهذا آخر المجلد الثاني من كتاب: \" المهذب في علم أصول الفقه المقارن \"\nلفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة\nحفظه الله، ونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الثالث إن شاء الله\nوأوله \" الأدلة المختلف فيها \" وهو الفصل الثاني من الباب الثالث","vol":"2","page":956},{"text":"الجزء الثالث\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الفصل الثاني في الأدلة المختلف فيها</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: في الدليل الأول وهو: الاستصحاب.\nالمبحث الثاني: في الدليل الثاني وهو: شرع من قبلنا.\nالمبحث الثالث: في الدليل الثالث وهو: قول الصحابي.\nالمبحث الر ابع: في الدليل الرابع وهو: الاستحسان.\nالمبحث الخامس: في الدليل الخامس وهو: المصلحة المرسلة.\nالمبحث السادس: في الدليل السادس وهو: سد الذرائع.\nالمبحث السابع: في الدليل السابع وهو: العرف.\nالمبحث الثامن: في الدليل الثامن وهو: الاستقراء.","vol":"3","page":957},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المبحث الأول في الدليل الأول - من الأدلة - المختلف فيها\n- الاستصحاب </span>-\nتعريفه:\nالاستصحاب لغة: استفعال من الصحبة، وهي الملازمة، وكل\nشيء لازم شيئًا فقد استصحبه.\nوالاستصحاب اصطلاحًا هو: عبارة عن الحكم بثبوت أمر في\nالزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول؛ لفقدان ما يصلح\nللتغيير.\nأو تقول - بعبارة أخرى -: إنه استدامة إثبات ما كان ثابتا، أو\nنفي ما كان منفيًا حتى يقوم دليل على تغيير الحالة، أي: بقاء ما\nكان على ما كان نفيًا وإثباتًا حتى يثبت دليل يغير الحالة.\n***\nأنواعه:\nالاستصحاب يتنوع إلى خمسة أنواع هي كما يلي:\nالنوع الأول: استصحاب البراءة الأصلية.\nوهو: استصحاب العدم الأصلي المعلوم، وذلك كبراءة الذمة من\nالتكاليف حتى يقوم الدليل على التكليف بأمر من الأمور، فإذا لم\nيقم دليل: بقى ما كان على ما كان، وهو أن كل شيء مباح","vol":"3","page":959},{"text":"للإنسان؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما سبق أن ذكرناه في\n\"المباح \"، ويسميه بعضهم: \" عدم الدليل دليل على البراءة \".\nومن أمثلته من الشرع: أن لا ينتقض الوضوء بشيء يخرج من غير\nالسبيلين؛ لأن الأصل عدم النقض، فيستصحب هذا الأصل حتى\nيثبت الدليل خلافه، ولم يثبت، فيبقى على الأصل من عدم - النقض.\nمثال آخر: أن الوتر ليس بواجب، لأن طريق وجوبه الشرع،\nوقد طلب الدليل فلم يوجد، فعدم وجود الدليل على الوجوب\nدليل على عدم الوجوب، وأن الذمة بريئة منه، فهو إذن مندوب.\nالنوع الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى\nيثبت خلافه كالحل إن ثبت مرتبطًا بأمر ثابت، فإن ذلك يستمر حتى\nيقوم دليل يُغيِّر ذلك كاستصحاب الطهارة إذا شك في الحدث، فإن\nوصف الطهارة إذا ثبت وتأكدنا منها أبيحت الصلاة، فيستصحب هذا\nالحكم حتى يثبت خلافه وهو الحدث.\nومثل: الكفالة، فإنه وصف شرعي يستمر ثابتا حتى يؤدي\nالدين، أو يؤديه الأصيل، أو يبرئه المدين.\nومثل الحياة بالنسبة للمفقود، فإنها تستمر ثابتة حتى يقوم الدليل\nعلى خلاف ذلك.\nالنوع الثالث: استصحاب ما دلَّ الشرع على ثبوته واستمراره.\nمثل: انشغال الذمة بدفع قيمة الشيء المتلف وضمانه عند وجود\nسببه - وهو الإتلاف - فإن هذه الذمة تكون مشغولة ويستمر ذلك\nحتى يوجد ما يزيله، وهو: دفع قيمة المتلف، أو إسقاطه من قِبَل\nالمالك.","vol":"3","page":960},{"text":"مثال آخر: إن ملك الإنسان لأرض - بسبب عقد الشراء - يستمر\nحتى يوجد ما يزيله.\nالنوع الرابع: استصحاب حكم العموم والعمل به حتى يرد ما\nيخصص ذلك العموم، واستصحاب العمل بالنص حتى يرد ما\nينسخه.\nالنوع الخامس: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع.\nوهو: أن يجمع العلماء على حكم في حالة ثم تتغير صفة\nالمجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه، فيستدل من لم يغير الحكم\nباستصحاب الحال.\nمثاله: أنه انعقد الإجماع على صحة صلاة المتيمم الفاقد للماء،\nفإذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه، وبذلك لا تصح\nصلاته.\nلكن إذا لم يجد الماء قبل الدخول في الصلاة، ثم تيمم، ودخل\nفي الصلاة، فهل تصح صلاته استصحابا للأصل وهو: فقد الماء\nقبل الدخول في الصلاة، أم لا تصح الصلاة لتغير الحال الذي كان\nمن فقد الماء قبل الدخول في الصلاة إلى وجوده أثناء صلاته؟\nلقد اختلف في هذا النوع على قولين:\nالقول الأول: أن هذا النوع من الاستصحاب ليس بحُجَّة.\nوهو مذهب كثير من العلماء، منهم: الغزالي، والقاضي\nالباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن عقيل،\nوأبو الخطاب وشيخهما أبو يعلى، وأبو الطيب الطبري، وغيرهم.\nوهو الحق، لأن الإجماع كان قائما حالة فقد الماء على صحة","vol":"3","page":961},{"text":"الصلاة بالتيمم، لكن بشرط ألا تتغير حالة فقدان الماء بحالة وجود\nهذا الماء؛ لأن الحالة التي أجمعوا عليها تخالف الحالة الأخرى\nوليست مثلها، فالحالة التي انعقد عليها الإجماع كانت حالة عدم\nوجود، وهذه حالة وجود فاختلفا.\nالقول الثاني: أن هذا النوع من الاستصحاب حُجَّة.\nوهو مذهب ابن حامد، وابن شاقلا، والمزني، والصيرفي،\nوأبي ثور، وداود الظاهري، وابن سريج، وابن خيران، وأبي\nالحسين القطان.\nدليل هذا القول:\nأن المتيمم إذا رأى الماء أثناء الصلاة، فإنه يمضي في الصلاة؛ لأن\nالإجماع قد انعقد على صحة صلاته ودوامها بذلك التيمم، فطريان\nوجود الماء كطريان هبوب ريح، فنحن نستصحب دوام الصلاة\nالمجمع عليه إلى أن يثبت دليل يزيلنا عن هذا المستصحب.\nجوابه:\nإن هذا مخالف لحقيقة الاستصحاب وهي: بقاء ما كان على ما\nكان حتى يأتي دليل يغير الحالة.\nفالمجمع عليه هو: صحة الصلاة بالتيمم إذا استمر عدم وجود\nالماء من أول الصلاة إلى آخرها ولم يوجد مغير.\nولكن هنا قد وجد شيء مزيل لهذا وهو وجود الماء، وعلى هذا:\nفلا يبقى ما كان على ما كان، بل تغير من العدم إلى الوجود.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، فعلى المذهب الأول يجب قطع الصلاة،\nوإعادتها بعد الوضوء بالماء الذي رآه.","vol":"3","page":962},{"text":"أما على المذهب الثاني: فلا يجب قطع الصلاة، بل تجزئه وإن\nوجد الماء.\n***\nحجية الاستصحاب:\nلقد ثبت بعد الاستقراء والتتبع لكلام العلماء في كتب الأصول\nوالفقه أن النوع الرابع - وهو: استصحاب حكم العموم حتى يرد ما\nيخصِّصه، واستصحاب النص حتى يرد ما ينسخه - متفق عليه.\nأما النوع الخامس - وهو: استصحاب حكم الإجماع في محل\nالنزاع - فقد اختلف فيه وقد سبق.\nأما ما عدا ذلك من أنواع الاستصحاب فقد اختلف فيه على\nمذاهب:\nالمذهب الأول: أن الاستصحاب حُجَّة في ثبوت الأحكام وعدمها.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن استصحاب الحال يفيد ظن بقاء الحكم إلى\nالزمن الثاني، وكل ما أفاد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل\nبالظن الغالب متعين، فالاستصحاب يجب العمل به.\nالدليل الثاني: أن الإجماع منعقد على أنه لو شك في حصول\nالزوجية ابتداء حرم عليه الاستمتاع، ولو شك في خصول الطلاق\nمع سبق العقد جاز له الاستمتاع، وليس هناك من فرق بينهما، إلا\nأنْ الأول قد استصحب فيه الحالةْ الموجودة قبل الشك - وهي عدم\nالزوجية وحصول العقد -.\nأما الثاني، فقد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك - أيضا -","vol":"3","page":963},{"text":"وهي العقد عليها، فلو لم يعتبر الاستصحاب، وكان غير مفيد لظن\nالبقاء للزم استواء الحالين: التحريم والجواز، ولوجب أن يكون\nالحكم فيهما واحدًا، وهو: حرمة الوطء أو إباحته وهو باطل\nبالإجماع.\nالدليل الثالث: أن الحكم حين ثبت شرعا، فالظاهر دوامه لما\nتعلق به من المصالح الدينية والدنيوية، ولا تتغير المصلحة في زمان\nقريب، وإنما تحتمل التغيير عند تقادم العهد، فمتى طلب المجتهد\nالدليل المزيل ولم يظفر به، فالظاهر عدمه، وهذا نوع اجتهاد،\nوإذا كان البقاء ثابتًا بالاجتهاد، فلا يترك باجتهاد مثله بلا ترجيح.\nالمذهب الثاني: أنه ليس بحُجَّة مطلقًا، لا في ثبوت الأحكام ولا\nعدمها.\nوهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المعتزلة\nكأبي الحسين البصري، وجماعة من المتكلمين، والمشهور من\nالحنفية: أنه ليس بحُجَّة في الإثبات، وهو حُجَّة في النفي والعدم.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الأحكام الشرعية كالطهارة والحل لا تثبت إلا\nبدليل منصوب من قبل الشارع، وأدلة الشرع هي: الكتاب،\nوالسُّنَّة، والإجماع، والقياس إجماعا، فما لا يكون منها لا يكون\nدليلًا شرعيًا، والاستصحاب ليس بواحد منها، فلا يكون دليلًا\nشرعيًا يحتج به.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:","vol":"3","page":964},{"text":"الجواب الأول: أن الحكم الثابت بالاستصحاب: البقاء، والبقاء\nلا يكون حكمًا شرعيا، فلا يحتاج إلى دليل شرعي.\nالجواب الثاني: لو سلمنا أن البقاء حكم شرعي، فالاستصحاب\nدليل شرعي؛ لما بيناه من أنه يفيد الظن، وما يفيد الظن: يكون\nدليلًا شرعيا.\nالدليل الثاني: لا يوجد ظن في بقاء الشيء على ما كان مع جواز\nالقياس، فإنه يجوز أن يقع قياس بنفي حكم ما كان.\nجوابه:\nإنا نقول بأن الاستصحاب لا يستدل به ولا يفيد ظن الحكم عندنا\nإلا بعد استقراء الأدلة المتفق عليها وهي: الكتاب، والسّنَّة،\nوالإجماع، والقياس، وعدم وجدان ما يعارض الأصل.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي؛ حيث أثر في كثير من الفروع\nالفقهية، ومنها:\n١ - ما خرج من غير السبيلين هل ينقض الوضوء؟\nاختلف على قولين:\nالقول الأول: إنه لا ينقض الوضوء، واستدل أكثر أصحاب هذا\nالقول بالاستصحاب، حيث قالوا: إن الأصل عدم النقض،\nفيستصحب هذا الأصل حتى يثبت الدليل بخلافه.\nالقول الثاني: إنه ينقض الوضوء، ولم يستدل أصحاب هذا\nالقول بالاستصحاب، بل استدلوا بنصوص ثبتت عندهم،\nومنها: ما روي أن النبي - ﷺ -:\n\"الوضوء من كل دم سائل \".","vol":"3","page":965},{"text":"والمسألة فيها تفصيلات أخرى ليس هذا مكانه.\n٢ - المفقود هل يرث ويورث؟\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: إن المفقود يرث غيره ولا يورث؛ لأن المفقود قبل\nفقده كان حيًا، فيجب استصحاب حياته حتى يظهر خلافها، والحي\nيرث غيره، ولا يرثه غيره.\nالقول الثاني: إنه لا يرث ولا يورث؛ لأن كونه حيا قبل فقده لا\nيلزم حياته بعد فقده، فلا يثبت الإرث بذلك، وكذلك لا يورث؛\nلأن الأصل عدم الإرث، والعدم الأصلي لا يحتاج إلى الإرث.\n٣ - هل تجب الدية في الشعور؟\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: إنه لا تجب الدية في الشعر؛ لأن الأصل عدم\nوجوب الدية إلا بتفويت النفس، فيستصحب هذا الأصل حتى يأتي\nدليل بخلاف ذلك.\nالقول الثاني: إنه تجب الدية في الشعر؛ واستدل أصحاب هذا\nالقول بقياس الشعر على الأعضاء التي تجب في ذهابها الدية كالإذن\nبجامع: أن كل منها. فيه تفويه ت منفعة.\n***\nمسألة: النافي للحكم هل يلزمه الدليل؟\nإن هذا الموضوع له علاقة بدليل الاستصحاب؛ لأن بعض\nالمذاهب فيه قد استدل ببعض أنواع الاستصحاب، لذلك جعله\nالأصوليون هنا.\nولكي نبين ذلك نقول:\nلقد اتفق العلماء على أن المثبت للحكم يلزمه الدليل.","vol":"3","page":966},{"text":"ولكن اختلفوا فيما إذا نفى بعض المجتهدين حكما من الأحكام،\nفقال: هذا الحكم لا يثبت عندي فهل يطالب بدليل على هذا؛ على\nمذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يطالب بالدليل، ويلزم الدليل مطلقًا.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو: الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)\nوجه الدلالة: أن اليهود والنصارى لما نفوا وقالوا: لن يدخل\nالجنة إلا نحن: أمر اللَّه - تعالى - بأن يطالبهم بالدليل على هذا\nالنفي، وهذا يفيد أن النافي يلزمه الدليل.\nالدليل الثاني: أن نفي الحكم دعوى، والدعوى لا تثبت إلا\nبدليل.\nالدليل الثالث: أنه لو لم يلزم النافي الدليل للزم من ذلك: أن\nلا يطالب أحد بأي دليل على دعواه، مما يؤدي إلى دعوى أحكام\nبلا أدلة، بيان ذلك:\nأن المثبت للحكم يمكنه أن يعبر عن المقصود الذي يريد إثباته بعبارة\nنافية، فإذا أراد - مثلًا - إثبات أن فلانا قادر يقول - بدل ذلك -:\n\" فلان ليس بعاجز \"، فيستطيع كل مدع للعلم، وأهل الأهواء أن\nيدخلوا مع هذا الباب، فلا يذكروا أدلة على ما يقولون فتختل\nالشريعة، وإذا كان هذا يؤدي إلى عدم الاستدلال للأحكام فهو\nباطل \" لأن ما أدى إلى الباطل فهو باطل، فثبت: أنه لا بد للنافي\nللحكم من دليل سدًا لذلك.","vol":"3","page":967},{"text":"المذهب الثاني: أن النافي للحكم لا يلزمه الدليل مطلقا.\nوهو مذهب داود الظاهري، وبعض العلقاء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله - ﷺ -:\n\"البينة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر \".\nوجه الدلالة: أن الشارع جعل على المدعي البينة والدليل، ولم\nيجعل على المدعى عليه بينة، والسبب في ذلك: أن المدعي مثبت\nللحكم، والمدعي عليه ناف لذلك الحكم.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن المدعي عليه لا يطالب بالدليل،\nبل قد طالبه الشارع بالدليل، وقد ورد ذلك بنص الحديث، فألزم\nالشارع المنكر باليمين، واليمين دليل على نفيه، وإنما خص المدعي\nعليه - وهو النافي - باليمين؛ لأن معه ظاهرًا يدل على صدقه من\nبراءة الذمة إن كان المدعى عليه دينًا حتى يظهر ما يشغلها، ومن\nثبوت يده وتصرفه إن كان المدعى عليه عينًا.\nواحتمال الكذب في هذه اليمين لا يمنع ولا يبطل كونها دليلًا\nيستدل بها على نفي وإنكار هذه الدعوى؛ لأن الكذب يحتمل في\nقول الشاهدين أيضا.\nالجواب الثاني: سلمنا أن الشارع أسقط عن المنكر - وهو النافي -\nالدليل، ولكن لم يسقطه عنه؛ لأن النافي لا يلزمه الدليل، وإنما\nأسقطه عنه إن ادعى عليه عينا في يده بسبب وجود اليد على هذه","vol":"3","page":968},{"text":"العين وتصرفه المطلق فيها، فاليد دليل الملك،\nقال كثير من الفقهاء: \" وإذا لم يكن للمدير بيِّنة، فالعين للمدعى عليه مع اليمين؛ لأن الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه \".\nالدليل الثاني: أن الأصل هو النفي الأصلي، فالعدم والانتفاء\nثابت؛ لأنه الأصل، فكيف يكلف النافي للحكم بالإتيان بالدليل\nعلى هذا النفي وهو متعذر، فلا يمكن إقامة الدليل على براءة الذمة\nمن التكاليف؛ لأنها هي الأصل.\nجوابه:\nلا نسلم تعذر إقامة الدليل على النفي، بل يمكن إقامة الدليل على\nالنفي في الشرعيات والعقليات، بيان ذلك:\nأولًا: إن كان النزاع في الشرعيات فيمكن إقامة الدليل على نفي\nالحكم الشرعي من إجماع العلماء مثل: نفي وجوب صوم شوال،\nأو نفي وجوب صلاة الضحى، فهذا النفي دليله الإجماع.\nأو نفي الحكم لدليل من النص كقوله - ﷺ -:\n\" لا زكاة في الحلي \"\nفهذا النفي دليله السُّنَّة.\nأو نفي الحكم لدليل من مفهوم النص كقوله - ﷺ -:\n\"في سائمة الغنم الزكاة \"، فإن مفهومه هو: نفي الزكاة عن الغنم المعلوفة.\nأو نفي الحكم لدليل من القياس مثل: نفي وجوب الزكاة في\nالخضروات؛ قياسًا على الرمان والبطيخ.\nوإن عدمت الأدلة على نفي الحكم، فإنا نبحث عن مدارك\nالإثبات، فإذا لم نجد رجعنا إلى الاستصحاب للنفي الأصلي، وهو\nدليل عند عدم ورود السمع كما سبق أن ذكرناه.","vol":"3","page":969},{"text":"ثانيًا: أما إن كان النزاع في العقليات فيمكن إقامة الدليل على\nالحكم فيه فنقول في الاستدلال في ذلك: إن إثباتها يفضي إلى\nالمحال، وكل ما أفضى إلى المحال فهو محال.\nويمكن الدليل عليه بالقياس الشرطي، وهو طريق التلازم الذي\nسبق ذكره في المقدمة المنطقية، حيث إن كل إثبات له لوازم، فانتفاء\nاللازم يدل على انتفاء الملزوم مثل قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)، فانتفاء الفساد دليل على انتفاء إله ثان.\nالمذهب الثالث: التفصيل.\nوهو إن كان الحكم عقليًا فيلزم النافي له الدليل.\nوإن كان الحكم شرعيًا فلا يلزمه الدليل.\nحكى هذا المذهب القاضي أبو بكر، وابن فورك.\nجوابه:\nإن هذا التفصيل لا دليل عليه.\nثم إنا بينا فيما سبق أنه يمكن إقامة الدليل على النفي في\nالشرعيات، وفي العقليات بالأمثلة.\nالمذهب الرابع: التفصيل من وجه آخر، وهو:\nأن النافي إن ادعى أن نفي الحكم ثابت عنده بالضرورة، فإنه لا\nيطالب بالدليل؛ لأن عدالته توجب صدقه، والضروري شأنه أن لا\nيكون محل شبهة، وإن ادعى أنه ثابت عنده بالعلم النظري، أو\nبطريق الظن فإنه يطالب بالدليل، لأن النظري أو الظني قد يشتبه\nفيه، فالدليل يبين هل هو مثبت للعدم أو غير مثبمسا له لنزول\nالشبهة.","vol":"3","page":970},{"text":"جوابه:\nأن نفي الحكم إن كان ضروريا فإنه لا يطالب بالدليل؛ لأن\nالضرورة دليل، وهذا متفق عليه، وإنما الخلاف فيما إذا نفى حكما\nلم يستدلْ على نفيه بالضرورة، فأنتم متفقون معنا على أنه يلزمه\nالدليل، فالخلاف لفظي.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ حيث إن الفروع الفقهية لم تتأثر بهذا الخلاف.","vol":"3","page":971},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الثاني الدليل الثاني - من الأدلة المختلف فيها -\nشرع من قبلنا</span>\nتعريفه:\nالمراد به: ما نقل إلينا من أحكام تلك الشرائع التي كانوا مكلفين\nبها على أنها شرع لله تعالى.\nحجيته:\nما أورده اللَّه ﷿ في كتابه، أو أورده رسوله - ﷺ - في سُنَّته من القصص والأخبار والأحكام التي وردت في الشرائع السابقة من غير إنكار، ولم يدل دليل على أنها مشروعة في حقنا، ولم يدل\nدليل على أنها منسوخة عنا مثل قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)، فهل هذه الأحكام شرع لنا ملزمون بها أم لا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيكون حُجَّة.\nذهب إلى ذلك الحنفية، والمالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد،\nواختاروه أكثر الحنابلة، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة.\nالدليل الأول: قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)","vol":"3","page":972},{"text":"وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر النبي - ﷺ - باتباع جميع الأنبياء السابقين، فيكون هو متعبدًا بشرع من قبله، فيجب ذلك في كل ما\nثبت عنهم إلا ما قام الدليل على أنه منسوخ.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) .\nوجه الدلالة: أنه عئر بلفظ \"- يحكم بها النبيون \" بصيغة الجمع،\nفيعم جميع الأنبياء - ﵈ - ومحمد - ﷺ - من جملة الأنبياء فوجب عليه الحكم بالتوراة، فيكون متعبدًا بشرع من قبله.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) .\nوجه الدلالة: أن هذا يدل على أن شرع نبينا محمد - ﷺ - مثل شرع غيره من الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ولا فرق بينهم في أخذ الأحكام من جميع الشرائع السابقة.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بين أن من لم يحكم بما أنزل اللَّه فقد\nخرج عن الملَّة، والأحكام التي عمل بها النبيون السابقون هو مما\nأنزل اللَّه، فَيجب العمل بها.\nالدليل الخامس: قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر نبينا محمدًا - ﷺ - باتباع مِلَّة إبراهيم - ﵇ -، وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فيكون متعبدًا بشرع من قبله.","vol":"3","page":973},{"text":"اعتراض على تلك الأدلة الخمسة:\nقال المعترض: إن تلك الآيات الخمس لا تصلح للاستدلال بها\nعلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، لأن المراد من تلك الآيات إنما هو\nالتوحيد، والأصول الكلية المعلومة في أصول الدين، ودلالة الأدلة\nعلى وحدانيته وصفاته، ونحو ذلك، وهذه الأمور مشتركة بين\nجميع الشرائع، وأما الأحكام الفرعية فإن الشرائع فيها مختلفة، فلا\nيمكن اتباع الجميع فيها، خاصة أن فيها الناسخ والمنسوخ.\nجوابه:\nإن ألفاظ تلك الآيات عامة وشاملة لأصول الدين وفروعه، فيجب\nحملها على هذا العموم، ولا يجوز تخصيص لفظ إلا بدليل ولا\nدليل صحيح هنا، فينتج: أن شرع من قبلنا شرع لنا في الفروع\nوالأصول.\nونعمل بالحكم الناسخ منها، ونترك العمل بالحكم المنسوخ كما\nنفعل بشريعتنا.\nالدليل السادس: ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\" من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن اللَّه تعالى قال: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)\nوجه الدلالة: أن الآية خطاب مع موسى - ﵇ - فلو لم\nيكن نبينا محمد - ﷺ - متعبدًا بما كان عليه موسى - ﵇ - لما صح استدلاله بتلك الآية.\nالدليل السابع: أن اللَّه تعالى إذا شرع حكما شرعيا فى حق أُمَّة\nمن الأمم السابقة فإن هذا يدل على أمرين:","vol":"3","page":974},{"text":"أولهما: أن اللَّه سبحانه لم يشرعه إلا لأن مصلحة هذه الأُمَّة قد\nاقتضت هذا الحكم.\nثانيهما: أنه لم يشرعه إلا لأنه قد اعتبره لكل زمان، ولكل\nمكان، ولكل مكلَّف؛ حيث إنه شرع مطلق فيدخل فيه كل مكلَّف.\nونظرًا إلى هذين الأمرين فإن الحكم الذي أنزله اللَّه تعالى في أي\nشريعة يجب أن يستمر من حين نزوله إلى أن ينسخ، وبناء على ذلك\nفيجب العمل بما جاء في الشرائع السابقة حتى يرد دليل على نسخه\nوإبطاله، وليس في نفس بعثة النبي - ﷺ - ما يوجب نسخ الأحكام التي قبله؛ لأن النسخ إنما يكون عند التنافي، ولم يوجد تنافي فلا نسخ إذن، فيكون شرع من قبلنا شرع لنا.\nالمذهب الثاني: أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وليس بحُجَّة.\nوهو اختيار الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) .\nوجه الدلالة: أن معنى الشرعة: الشريعة، والمنهاج: الطريق\nالواضح، وهذا يقتضي أن يكون كل نبي داعيا إلى شريعته - فقط -؛\nلاختصاصه بها لا يشاركه في هذه الشريعة غيره من الأنبياء، فتكون\nكل أمَّة مختصة بالشريعة التي جاء بها نبيهم - فقط -.\nجوابه:\nإن الشريعتين قد تتشاركان في بعض الوجوه إلا أن هذه المشاركة لا\nتمنع من اختصاص كل نبي بشريعته، ونسبة هذه الشريعة إلى النبي","vol":"3","page":975},{"text":"المبعوث بها؛ لأن أكثر الشريعة قد أتى بها ذلك النبي، وقد تتفق في\nبعض الأحكام القليلة مع شريعة نبي آخر، فلا ينظر إلى هذا الأقل،\nوإنما الحكم للأكثر.\nمثل قولهم: \" لحية زيد سوداء \"، فهذا صحيح مع أن بها عددًا\nمن الشعيرات البيضاء، فأطلق عليها بأنها سوداء نظرًا إلى الأكثر.\nالدليل الثاني: أن النبي - ﷺ - لو كان متعبدًا بشرائع من قبله للزمه البحث عنها، والعمل بها، ولوجب ألا ينتظر الوحي ولا يتوقف\nفي حكم الظهار، واللعان، والمواريث؛ لأن هذه الحوادث\nأحكامها في التوراة ظاهرة، ولكنه - مع ذلك - لم يرجع إليها مما\nيدل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا.\nجوابه:\nإن تلك الشرائع السابقة لو كانت ثابتة بطريق يوثق به لرجع إليها\nالنبي - ﷺ -، ولكن الحق: أن تلك الشرائع السابقة لم تصلنا بطريق موثوق به، بل قد بُدِّلت، وغيِّرت، وقد أخبر اللَّه تعالى بذلك، ويستحيل خلاف خبر اللَّه تعالى.\nالدليل الثالث: أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا دليلًا من أدلة\nالأحكام التي يجب أن يرجع إليها لكان تعلمه، والاطلاع عليه،\nوحفظه، ونقله، والحرص على سنده، والاهتمام به فرضًا من\nفروض الكفاية كغيره من الأدلة الشرعية مثل القرآن والسُّنَّة.\nجوابه؛ هو نفس الجواب عن الدليل الثاني لهم؛ حيث يقال: إنه لو\nكانت تلك الشرائع السابقة قد وصلتنا بطريق موثوق به بدون تغيير\nولا تبديل لجاز أن نتعلمها ونهتم بها كما نهتم بأي دليل آخر.","vol":"3","page":976},{"text":"الدليل الرابع: أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا دليلًا من أدلة\nالأحكام لوجب على الصحابة - رضي اللَّه غنهم - أن يرجعوا إلى\nتلك الشرائع، ويبحثوا عنها، ويسألوا ناقليها عند حدوث الحوادث\nالمختلف فيها فيما بينهم مثل: مسألة الجد والإخوة، والعول،\nوالمشركة، وغيرها، ولكن الواقع يخالف ذلك، فلم يرجع أي\nواحد من الصحابة إلى شرع من قبلنا لمعرفة حكم شرعي مع إسلام\nكثير ممن يوثق به من اليهود والنصارى.\nجوابه:\nهو نفس الجواب السابق عن الدليل الثاني لهم؛ حيث يقال: إنه\nلو كانت تلك الشرائع السابقة قد وصلتنا بطريق يوثق به بدون تغيير\nلرجع إليها الصحابة.\nالدليل الخامس: أن - ﷺ - قد غضب لما رأى بيد عمر بن الخطاب قطعة من التوراة وقال: \" ما هذا؟ ألم آت بها بيضاء نقية؛\nلو أدركني موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي \".\nوجه الدلالة: أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا لما أنكر النبي - ﷺ - ذلك.\nجوابه:\nهو نفس الجواب السابق عن الدليل الثاني لهم؛ حيث يقال: إنه\nلو كانت تلك الشرائع السابقة وصلتنا سليمة بدون تحريف ولا تبديل\nلأقرَّه النبي - ﷺ -، ولكنه يعلم أن اليهود قد حرَّفوا ما جاء في التوراة، ولهذا أنكر عليه.\nالدليل السادس: أن النبي - ﷺ - قد صوَّب معاذًا لما ذكر أن الأدلة","vol":"3","page":977},{"text":"التي يجب أن يرجع إليها هي: الكتاب، والسُّنَّة، والاجتهاد،\nفلو كان شرع من قبلنا شرع لنا لذكر مع تلك الأدلة.\nجوابه:\nهو نفس الجواب السابق عن الدليل الثاني لهم؛ حيث إنه لو\nكانت تلك الشرائع السابقة غير محرفة لذكرت مع تلك الأدلة، ثم\nإن شرع من قبلنا نوع من أنواع الاجتهاد كالقياس، وقول الصحابي،\nوالمصلحة.\nالدليل السابع: قوله - ﷺ -:\n\"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود \".\nوجه الدلالة: أن هذا صريح في أن كل نبي يُبعث إلى قومه فقط،\nوشريعته اختصت بهم، ولو قلنا: إن شرعهم هو شرع لنا: للزم\nمن ذلك أنا نشاركهم في شرعهم، وهذا يناقض الاختصاص؛ حيث\nإن مشاركتنا لهم تمنع ذلك الاختصاص.\nجوابه:\nإن هذا لا يفيد أن كل نبي يختص شرعه قومه فقط - كما زعمتم -\nبل قد يبعث النبي - ﷺ - بشرع قد يشوبه شيء من شرع من قبله، أو بعض شرع من قبله، وهذا لا يمنع من ذلك الاختصاص، كما قلنا في جوابنا عن دليلكم الأول.\nالدليل الثامن: أن الأُمَّة قد أجمعت على أن هذه الشريعة هي\nشريعة رسول اللَّه - ﷺ - التي أوحى بها إليه اللَّه تعالى، فلو كان الرسول - ﷺ - متعبدًا باتباع شرع من قبله في الجملة لما نسب إليه شيء","vol":"3","page":978},{"text":"من شرعنا، ولكان مخبرًا عنها، وناقلًا لشرائع من قبله فقط، لا\nشارعًا لها ابتداء.\nجوابه:\nإن اللَّه تعالى إذا تعبد نبينا بشرع من قبلنا لم يكن في ذلك نقص،\nولا إقلال من منصبه، ولا جعله تابعًا لغيره؛ لأنه في ذلك قد أطاع\nالله، واتبعه، ولم يتبع غيره من الأنبياء السابقين.\nبيان نوع الخلاف:\nلقد اختلف في الخلاف في هذه المسألة هل هو لفظي أو معنوي؟\nعلى قولين:\nالقول الأول: أن الخلاف معنوي له ثمرة وهو الصواب؛ حيث\nإن أصحاب المذهب الأول قد استدلوا بشرع من قبلنا وجعلوه من\nأدلتهم في إثبات أحكام شرعية، منها:\nأنهم استدلوا به على قتل الرجل بالمرأة، حيث إن قوله تعالى:\n(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..) يدل على ذلك مع أنه\nخطاب من قبلنا.\nكذلك استدلوا به على جواز الجعالة - وهي: الإجارة على منفعة\nمظنون حصولها مثل مشارطة المعلم - على حذق المتعلم - وقالوا: إن\nقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير..) يدل على ذلك مع أنه\nوارد في شرع من قبلنا.\nوكذلك استدلوا به على ضمان ما تفسده الدواب المرسلة في\nالليل؛ حيث إن قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) والنفش عند أهل اللغة لا يكون إلا في الليل.","vol":"3","page":979},{"text":"أما أصحاب المذهب الثاني - وهو القائلون: إنه ليس بحجة -\nوإن كانت بعض تلك الأحكام جائزة عندهم إلا أنهم لم يستدلوا\nبشرع من قبلنا، بل استدلوا بأدلة أخرى.\nالقول الثاني: إن الخلاف لفظي، لا ثمرة له؛ حيث إنا نجد\nأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إنه حُجَّة - لا يحتجون به\nلوحده على إثبات حكم شرعي، بل يذكرونه مع عدد من الأدلة\nالشرعية الثابتة بشرعنا، فهو ليس العمدة عندهم في إثبات الحكم،\nفهم بذلك موافقون أصحاب المذهب الثاني في أنه ليس بحجة يعتمد\nعليه لوحده.\nجوابه:\nإنا نسلم أن أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن شرع مَن\nقبلنا حُجَّة - لا يستدلون به على إثبات الحكم لوحده، بل يعضدونه\nبأدلة أخرى ثابتة بشرعنا، ولكنهم اعتمدوه دليلًا معاضدًا ومقويا\nللأدلة الأخرى، ولو لم يوجد في المسألة إلا هو لاستدلوا به\nلوحده، ولكنهم يذكرونه مع غيره من باب تعاضد الأدلة كما يفعل\nكثير من المجتهدين حينما يريدون الاستدلال على حكم معين.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن شرع من قبلنا\nليس بشرع لنا - فإنهم لا يذكرونه مع الأدلة الثابتة بشرعنا، ولو لم\nيوجد إلا هو لما استدلوا به على إثبات حكم شرعي، فهذا هو\nالخلاف بين المذهبين، وما دام أنه وجد خلاف، إذن الخلاف معنوي.","vol":"3","page":980},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المبحث الثالث في الدليل الثالث من الأدلة المختلف فيها قول الصحابي</span>\nتعريفه:\nهو: ما نقل إلينا عن أحد أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - من فتوى، أو قضاء أو رأي أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص، ولم\nيحصل عليها إجماع.\nحجيته:\nأولًا: إذا قال الصحابي رأيا في مسألة مخالفا لرأي صحابي آخر،\nفليس بحُجَّة إجماعا.\nثانيا: إذا قال الصحابي قولا، ثم ثبت أنه رجع عنه فليس بحُجَّة\nإجماعًا.\nثالثا: إذا قال الصحابي قولًا ثم انتشر بين بقية الصحابة، ولم\nينكره أحد، فهذه حُجَّة لمن قال بأن الإجماع السكوتي حُجَّة، وقد\nسبق.\nرابعا: إذا قال الصحابي قولًا في مسألة اجتهادية ولم يتحقق فيه ما\nسبق فقد اختلف العلماء هل هو حُجَّة أو لا؛ على مذاهب: من\nأهمها ما يلي:","vol":"3","page":981},{"text":"المذهب الأول: أن قول الصحابي حُجَّة مطلقا، أي: سواء وافق\nالقياس، أو لم يوافقه، وسواء كان الصحابي من الخلفاء الراشدين،\nأو من غيرهم.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وكثير من\nالشافعية، وهو مذهب الإمام الشافعي في الجديد والقديم كما ثبت\nعنه في كثير من فروعه.\nوهو الحق عندي بشرط: أن يكون الصحابي المحتج بقوله وبفعله\nهو: الصحابي الذي عرفته فيما سبق، وذكرته في كتابي \" مخالفة\nالصحابي للحديث \"، وهو الذي لقي النبي - ﷺ -، واختص به اختصاص المصحوب متبعا إياه مدة يثبت معها إطلاق:\n\" صاحب فلان \" عليه عرفًا، بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة مثل: الخلفاء\nالأربعة، والعبادلة، وزوجات النبي - ﷺ -، ومعاذ، وزيد، وأنس، وأبي هريرة، ونحوهم ممن جمع إلى الإيمان والتصديق ملازمة النبي - ﷺ -، فوعوا أقواله، وشهدوا أفعاله، وعملوا على التأسي والاقتداء به، أما غير ذلك الصحابي - وهو من رأى النبي - ﷺ - مرة أو مرتين، فلا يمكن أن يحتج بقوله؛ لعدم ملازمته للنبي - ﷺ -، فلا يمكن أن يكون مثل هذا عالما يرجع إليه.\nوقد اخترت هذا؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)\nوجه الدلالة: أن هذا خطاب مع الصحابة بأن كل ما يأمرون به\nمعروف، والمعروف يجب القول به.\nالدليل الثاني: أن قول الصحابي إن كان صادرًا عن رأي واجتهاد،","vol":"3","page":982},{"text":"فإنه يرجح على اجتهاد التابعي ومن بعده، فرأيه أقرب إلى إصابة\nالحق وأبعد عن الخطأ، وذلك لأنه شاهد التنزيل، وحضر مع النبي\n- ﷺ -، وسمع كلامه مباشرة، وعرف طريقته في بيان الأحكام، ووقف من أحوال النبي - ﷺ - ومراده في كلامه على ما لم يقف عليه غيره مع اجتهاد وحرص على طلب الحِق، والقيام بما هو تثبيت لقوام الدين، مع فضل درجة ليست لغيرهم كما وردت الأخبار في ذلك كقوله - ﷺ -:\n\"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم \".\nكل ما سبق له أثره في جعل الصحابة أعلم بتأويل النصوص،\nوأعرف بمقاصد الشريعة، وبهذا ترجح رأي الصحابي على رأي\nغيره، فقوله أوْلى بالاتباع من قول غيره.\nالدليل الثالث: أن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه أحد\nكان حُجَّة، فكذلك يكون قوله حُجَّة مع عدم الانتشار كقول النبي\n- ﷺ - ولا فرق.\nالمذهب الثاني: أن قول الصحابي ليس بحُجَّة مطلقا.\nوهو مذهب كثير من الأشاعرة والمعتزلة، وبعض الحنفية كأبي\nالحسن الكرخي، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو القول الجديد\n- عن الإمام الشافعي، كما قال بعض الشافعية، ولكن الحق: أن\nمذهب الإمام الشافعي هو المذهب الأول، وقد حققت ذلك في\nكتابي \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \".\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الصحابي لم تثبت عصمته عن الخطأ والسهو\nوالغلط، فقد يجتهد في مسألة ويخطئ فيها، فإذا كان غير معصوم","vol":"3","page":983},{"text":"عن الخطأ فيكون قوله مترددًا بين الخطأ والصواب، ومحتملًا لهما،\nفكيف نأخذ به وهو كذلك؟!\nجوابه:\nإن عدم عصمة الصحابي عن الخطأ والسهو والغلط لا يمنع من\nاتباعه وتقليده، والاحتجاج بقوله، بدليل: أن المجتهد غير معصوم\nعن الخطأ والسهو، ويلزم العوام تقليده.\nالدليل الثاني: أن الصحابة - ﵃ - قد اختلفوا -\nفيما بينهم - في مسائل كثيرة، ومنها: مسألة \" الجد والإخوة\"،\nو\" العول \"، و\" التحريم \"، و\" بيع أمهات الأولاد \" وغيرها، وقد\nأجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة انجتهدين\nللآخر، فلم ينكر بعضهم على بعض تلك المخالفة، وهذا يدل على\nأن قول الصحابي ليس بحُجَّة؛ إذ لو كان حُجَّة للزم كل واحد منهم\nاتباع الآخر.\nجوابه:\nإن هذا الدليل ليس في محل النزاع؛ حيث قلنا - هناك -: إن\nقول الصحابي اذا كان مخالفا لراي صحابي آخر فليس بحُجَّة إجماعًا.\nالمذهب الثالث: أن الحُجَّة في قول أبي بكر، وعمر، وعثمان،\nوعلي - رضي اللَّه عن الجميع -.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nقوله - ﷺ -: \"عليكم بسُنَتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي \".\nوجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - أمر باتباع سُنَته وسُنَّة الخلفاء","vol":"3","page":984},{"text":"الراشدين - أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - وهو أمر مطلق،\nوالأمر المطلق يقتضي الوجوب، فاتباع أقوال الرسول - ﷺ - وأقوال الخلفاء الأربعة واجب، فيكون حُجَّة.\nجوابه:\nإن الأمر بسُنَّة الخلفاء الأربعة لا يدل على أن قول هؤلاء حُجَّة،\nبل إن تخصيص هؤلاء بالذكر يحتمل احتمالين هما:\nالاحتمال الأول: أنه أراد اتباع سيرتهم، وعدلهم، وسياستهم\nللرعية، والصبر على الدعوة، وتحمل الأذى، وإذا كان الأمر\nكذلك فإن جميع الصحابة يتميزون بذلك، فهم كغيرهم من الصحابة\nفي ذلك.\nالاحتمال الثاني: يحتمل أنه أراد أن قولهم حُجَّة.\nوإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال.\nالمذهب الرابع: أن قول أبي بكر حُجَّة، وقول عمر حُجَّة فقط\nدون غيرهما.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nقوله - ﷺ -:\n\"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر \".\nوجه الدلالة: كما سبق في الحديث السابق.\nجوابه:\nهو نفس الجواب عن دليل أصحاب المذهب الثالث.","vol":"3","page":985},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي له ثمرة؛ حيث إن من قال: إن قول\nالصحابي حُجَّة - وهو المذهب الأول - أضافوا هذا الدليل إلى\nأدلتهم؛ فاستدلوا به على إثبات أحكام شرعية لبعض الحوادث فقالوا\n- مثلًا -: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون مستدلين بقول عمر\n- ﵁ -: \" اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة \"،\nوبفعل عائشة - ﵂ - حيث كانت تلي يتيمًا اسمه عبد\nالرحمن بن القاسم فتخرج عنه وعن أخيه زكاة مالهما.\nوكذلك استدلوا بهذا الدليل - أعني قول الصحابي - على عدم\nوجوب الزكاة في الحلي؛ حيث إن ابن عمر كان لا يخرج على حلي\nبناته وجواريه الزكاة.\nكذلك استدلوا به على أن سجود التلاوة سُنَّة؛ حيث إن عمر بن\nالخطاب - ﵁ - قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة\nفنزل وسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في الجمعة الأخرى\nفاستعد الناس للسجود فقال: على رسلكم، إن اللَّه لم يكتبها علينا\nإلا أن نشاء فلم يسجد.\nكذلك استدلوا به على إثبات أحكام شرعية كثيرة.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن قول الصحابي\nليس بحُجَّة - فلم يجعلوا قول الصحابي أو مذهبه أو فعله من الأدلة\nالمعتبرة.\nفلم يوجبوا الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأنهم لم يأخذوا بما\nورد عن عمر، ولا بما ورد عن عائشة، وقالوا: إن الزكاة عبادة\nيشترط فيها التكليف.","vol":"3","page":986},{"text":"وأوجبوا الزكاة في الحلي، ولم يعملوا بما ورد عن ابن عمر،\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وبغير ذلك من الأدلة.\nوكذلك أوجبوا سجود التلاوة، ولم يعملوا بما ورد عن عمر،\nواستدلوا بما روي عن - ﷺ - أنه قال: \" السجدة على من سمعها وعلى من تلاها \".\nوعلى ذلك فقس قول أصحاب المذهب الثالث والرابع.\n***\nمسألة: إذا اختلف صحابيان في مسألة على قولين، فهل\nيجوز للمجتهد الأخذ بقول أحدهما بدون دليل؟\nسبق أن علمنا أن الصحابي إذا قال قولًا في مسألة اجتهادية ولم\nيخالف فيه قول صحابي آخر، ولم ينتشر في بقية الصحابة، فإن\nهذا القول يكون حُجَّة، وهو المذهب الأول الذي رجحناه.\nوعلى هذا يجوز العمل به بدون دليل يعضده.\nلكن إذا قال صحابي قولًا في مسألة، وخالفه صحابي آخر في\nنفس المسألة بقول آخر، فهل يجوز للمجتهد الأخذ بقول أحدهما\nبدون دليل؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل، بل\nلا بد من دليل، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن القولين لا يمكن أن يكونا خطأ، ولا يمكن أن\nيكونا صوابا، بل إن أحدهما صواب والآخر خطأ، ولا يمكن معرفة","vol":"3","page":987},{"text":"القول الصواب، والقول الخطأ إلا بدليل خارجي، إذن لا يمكن\nالأخذ بأحد القولين بلا دليل، بل لا بد من الدليل.\nالدليل الثاني: القياس على قول اللَّه تعالى، وقول الرسول - ﷺ -،\nبيان ذلك:\nأنه إذا تعارضت آيتان في نظر المجتهد، إحداهما تفيد الجواز،\nوالأخرى تفيد المنع، فإنه لا يمكن أن يرجح أحد الحكمين إلا بدليل\nومرجح خارجي، كذلك لو تعارض حديثان في نظر المجتهد، فلا\nيمكن أن يرجح أحدهما ويعمل به إلا بمرجح آخر ودليل خارجي.\nفإذا كان الأمر كذلك في الكتاب والسُّنَّة، فكذلك قول الصحابي\nإذا تعارض مع قول صحابي آخر: فإذا تعارض قول صحابي مع\nقول صحابي آخر في نظر المجتهد، فإنه لا يرجح أحدهما ويعمل به\nإلا بدليل خارجي عنهما.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل بشرط:\nأن يظهر هذا القول المأخوذ به، ولم ينكر منكر القائل به.\nوهو اختيار بعض الحنفية.\nأما بعض المتكلمين كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، فقد قالوا:\nإن كان هذان القولان قد حدثا للصحابة قبل وقوع الفرْقة بينهم،\nواختلاف الديار بهم: جاز الأخذ بقول أحدهما من غير اجتهاد في\nصحته، وإن كان قد حدث بعد وقوع الفرْقة بينهم لم يجز الأخذ إلا\nأن يدل دليل على صحته غير قول الصحابي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: الوقوع؛ حيث وقع أن امرأة غاب عنها زوجها،","vol":"3","page":988},{"text":"ثم جاء وهي حامل، فرفعها إلى عمر، فأمر برجمها، فقال معاذ:\nإن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فقال\nعمر: احبسوها حتى تضع، فوضعت غلاما له ثنيتان، فلما رآه\nأبوه قال: ابني، فبلغ ذلك عمر، فقال عمر: \" عجزت النساء أن\nيلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر \".\nوجه الدلالة: أن عمر رجع إلى قول معاذ - ﵄ -\nفي هذه القضية بدون أن يستعلم رأي غيره، مع وجود بعض الصحابة\nالذين هم من أهل الاجتهاد، فهذا يدل على جواز الأخذ بأحد قولي\nالصحابة بدون دليل.\nجوابه:\nإن عمر - ﵁ - قد أخذ بقول معاذ؛ لأنه ظهر له\nرجحان قول معاذ واجتهاده - لما ذكر أن ما في البطن لا ذنب له حتى\nتعاقبه، حيث إن العقوبة تخص المذنب فقط - فصار قول معاذ هو\nالحق - وذلك بالدليل، لا أنه رجع إلى قول معاذ تقليدًا بلا دليل،\nفعمر قد اتبع الدليل المرجح، ولم يتبع قول معاذ المجرد.\nالدليل الثاني: أن اختلاف الصحابة على قولين في مسألة معينة هو\nإجماع ضمني بينهم على صحة القولين، وهذا يجوز الأخذ بكل\nواحد منهما بلا دليل بالاتفاق.\nجوابه:\nإن اختلاف الصحابة على قولين لا يدل على ما ذكرتم، بل يدل\nعلى أنهم سوَّغوا وأجازوأ الأخذ بالأرجح منهما، ولا يمكن أن يتبين\nالراجح منهما إلا بالاجتهاد في القولين معا، ولا يمكن الاجتهاد إلا\nبالأدلة.","vol":"3","page":989},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه إذا اختلف صحابيان في مسألة\nمعينة: أحدهما قال: يجوز فيها كذا، والآخر قال: لا يجوز،\nولم يوجد دليل يرجح أحدهما على الآخر، فبناء على المذهب\nالأول فإنه لا يجوز الأخذ بالقولين معا ويتساقطا، ويجتهد في المسالة\nوكأنها حادثة جديدة.\nأما على المذهب الثاني: فإنه لا يجتهد في المسألة، بل يؤخذ\nبأحد القولين ويستدل به على المسألة.","vol":"3","page":990},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المبحث الرابع في الدليل الرابع - من الأدلة المختلف فيها - الاستحسان</span>\nتعريفه لغة:\nالاستحسان لغة: استفعال من الحسن، وهو: عدُّ الشيء\nواعتقاده حسنا، سواء كان حسيا كالثوب، أو معنويا كالرأي.\nولفظ \" الاستحسان \" يجوز استعماله بالاتفاق؛ لوروده في\nالكتاب كقوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)،\nوقوله: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)، ولوروده\nفي السُّنَّة كما روي عن النبي - ﷺ -:\n\"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن \"، ولأن هذا اللفظ يستعمله الفقهاء كثيرًا كقول الإمام الشافعي: \" أستحسن ترك شيء من نجوم الكتابة للمكاتب \".\nوكقول كثير منهم: \" استحسن شرب الماء من أيدي السقائين من غير\nتقدير في الماء وعوضه \".\nتعريفه اصطلاحا وحجيته:\nلقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف الاستحسان، إليك\nذكر أهم تلك التعريفات، وبيان المراد منه، وموقف العلماء في ذلك\nفأقول:\nالتعريف الأول: أن الاستحسان هو: العدول بحكم المسألة عن","vol":"3","page":991},{"text":"نظائرها لدليل خاص أقوى من الأول، وهذا هو تعريف جمهور\nالعلماء، وهو الحق، ومعناه:\nأن القياس يقتضي حكما عامًا في جميع المسائل، لكن خُصّصت\nمسألة وعُدل بها عن نظائرها وصار لها حكم خاص بها نظرًا لثبوت\nدليل قد خصصها وأخرجها عما يماثلها، وهذا الدليل هو أقوى من\nالمقتضي العموم في نظر المجتهد.\nوهذا القياس قد يكون هو القياس الأصولي، وقد يكون بمعنى\nالقاعدة، أو الأصل العام، أو بمعنى الدليل العام.\n***\nأنواع الاستحسان بناء على هذا التعريف:\nالاستحسان يتنوع - بناء على التعريف السابق - إلى أنواع خمسة:\nالنوع الأول: الاستحسان بالنص، وهو العدول عن حكم القياس\nفي مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب والسُّنَّة.\nمن أمثل ذلك:\n١ - أن القياس لا يجوِّز السلم؛ لأنه عقد على معدوم وقت\nالعقد، ولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو:\nالجواز، لدليل ثبت بالسُّنَة، وهو قول الراوي: \" ورخص بالسلم \"\nفتركنا القياس لهذا الخبر استحسانًا.\n٢ - إذا ضرب وجل جمطن امرأة فالقت جنينا ميتا، فحكم\nالقياس: أنه لا يجب شيء على الضارب؛ لأنه لم يتيقن بحياته،\nولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: أنه يجب على\nالضارب غرة، وهي: \" نصف عشر الدية \"؛ لدليل قوي ثبت في","vol":"3","page":992},{"text":"هذا، وهو قوله ﵇: \" في الجنين غرة عبد أو أمَة قيمته\nخمسمائة \"، فتركنا القياس لهذا الخبر استحسانا.\nالنوع الثاني: الاستحسان بالإجماع، وهو: العدول عن حكم\nالقياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع مثل: عقد\nالاستصناع - وهو: أن يتعاقد شخص مع صانع على أن يصنع شيئا\nله نظير - مبلغ معين بشروط معينة - فالقياس يقتضي عدم جواز مثل\nذلك العقد؛ لأنه بيع معدوم من كل وجه، لكن عدلنا عن هذا\nالحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز هذا العقد؛ نظرًا لتعامل الأُمَّة\nبه من غير نكير، فصار إجماعًا.\nالنوع الثالث: الاستحسان بالعرف والعادة، وهو: العدول عن\nحكم القياس في مسألة إلى حكم آخر يخالفه؛ نظرًا لجريان العرف\nبذلك، وعملًا بما اعتاده الناس، مثل لو قال شخص: \" والله لا\nأدخل بيتا \"، فالقياس يقتضي: أنه يحنث إذا دخل المسجد؛ لأنه\nيسمى بيتا لغة، ولكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو:\nعدم حنثه إذا دخل المسجد، لتعارف الناس على عدم إطلاق هذا\nاللفظ على المسجد.\nالنوع الرابع: الاستحسان بالضرورة، وهو: العدول عن حكم\nالقياس في مسألة إلى حكم آخر مخالف له ضرورة مثل: جواز\nالشهادة في النكاح والدخول، فالقياس يقتضي عدم جواز الشهادة\nفي النكاح والدخول؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة، وذلك\nبالعلم ولم يحصل في هذه الأمور، لكن عدل عن هذا الحكم إلى\nحكم آخر، وهو: جواز الشهادة في النكاح والدخول ضرورة؛\nلأنه لو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامح؛ لأدى إلى الحرج وتعطيل\nالأحكام.","vol":"3","page":993},{"text":"النوع الخامس: الاستحسان بالقياس الخفي، وهو: العدول عن\nحكم القياس الظاهر المتبادر فيها إلى حكم آخر بقياس آخر هو: أدق\nوأخفى من الأول، لكنه أقوى حُجَّة، وأسد نظرًا، وأصح استنتاجا\nمنه، مثل: عدم قطع يد من سرق من مدينه، بيان ذلك:\nأن من له على آخر دين حال من دراهم فسرق منه مثلها قبل أن\nيستوفيها فلا تقطع يده، أما إذا كان الدين مؤجلًا، فالقياس يقتضي\nقطع يده إذا سرق مثلها قبل حلول الأجل؛ لأنه لا يباح له أخذه قبل\nالأجل، لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: أن يده\nلا تقطع؛ لأن ثبوت الحق - وإن تأخرت المطالبة - يصير شبهة\nدارئة وإن كان لا يلزمه الإعطاء الآن، فعدم قطع اليد هنا ثبت\nاستحسانًا.\nبيان حجية الاستحسان بناء على هذا التعريف:\nالاستحسان بهذا المعنى حُجَّة باتفاق العلماء؛ حيث لم ينكره\nأحد، وإنما الخلاف في تسميته استحسانا، فبعضهم سماه بهذا الاسم\nوبعض آخر لم يسمه بذلك.\nوهو راجع إلى العمل بالدليل القوي الذي ترجح بذلك على ما\nهو أضعف منه، وهذا لا نزاع فيه.\nالتعريف الثاني: أن الاستحسان هو: ما يستحسنه المجتهد بعقله.\nوهو محكي عن أبي حنيفة - ﵀ -.\nوالمراد منه: ما سبق إلى الفهم العقلي، دون أن يكون له دليل\nشرعي يستند إليه من كتاب أو سُنة أو إجماع أو قياس، أو أي دليل\nآخر معتمد شرعا.","vol":"3","page":994},{"text":"بيان حجية الاستحسان بناء على هذا التعريف:\nهل الاستحسان حُجَّة بناء على هذا التعريف \" التعريف الثاني \"؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الاستحسان بهذا التعريف ليس بحُجَّة.\nوهو المذهب الحق عندي؛ لأدلة ثلاثة:\nالدليل الأول: حديث معاذ، وهو: أنه لما بعثه إلى اليمن قال\nله: \" إن عرض عليك قضاء فبمَ تقضي؟ \"\nقال: بكتاب الله،\nقال: فإن لم تجد؟ \"\nقال: بسُنَةَ رسول اللَّه،\nقال: \" فإن لم تجد؟ \"\nقال: اجتهد رأيي ولا آلو، فصوبه النبي - ﷺ -.\nوجه الدلالة: أن معاذًا ذكر الكتاب، والسُّنَّة، والاجتهاد، ولم\nيذكر الاستحسان، فأقره النبى - ﷺ - على ذلك، فالاستحسان ليس بدليل، فلا يعتبر.\nفإن قال قائل: إن الاجتهاد عام وشامل يضم القياس، والمصلحة\nوالاستحسان، فيدخل الاستحسان ضمن الأدلة.\nفإنا نقول - في الجواب عن ذلك -: إن المقصود بالاجتهاد هو\nالاجتهاد بالأدلة الشرعية، والاستحسان على تعريفكم إياه - وهو:\nما يستحسنه المجتهد بعقله - لا يدخل ضمن الأدلة المجتهد فيها؛\nلعدم استناده إلى الأدلة الشرعية.\nالدليل الثاني: أن الاستحسان بالتعريف الثاني - وهو: ما\nيستحسنه المجتهد بعقله - لا ضابط له، كما أنه ليس له مقاييس\nيقاس بها الحق من الباطل، فلو جاز لكل شخص أن يستحسن بعقله\nكيفما شاء؛ لأدى ذلك إلى وجود أحكام مختلفة في النارلة الواحدة\nلا ضابط لها، ولا معيار يبين الحق فيها.","vol":"3","page":995},{"text":"الدليل الثالث: أن الاستحسان بالتعريف الثاني - وهو: ما\nيستحسنه المجتهد بعقله - لو كان يصلح طريقا لإثبات الأحكام\nالشرعية لما احتيج إلى الأدلة الشرعية، وحفظها، والاهتمام بها،\nوالحرص عنى دراستها دراسة دقيقة متانية من الكتاب والسُّنَّة، ولما\nكان هناك فرق بين المجتهد العارف بتلك الأدلة، والعامي العاقل\nالذي لا يعرف شيئًا عن تلك الأدلة، ويلزم منه أيضا: عدم اشتراط\nأهلية النظر.\nالمذهب الثاني: أن الاستحسان بالتعريف الثاني حُجَّة.\nوهو مذهب أبي حنيفة، وتبعه أكثر الحنفية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) .\nوجه الدلالة: أن الآية وردت في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن\nالقول، والقرآن كله حسن، ثم أمر باتباع الأحسن، ولولا أن\nالاستحسان حُجَّة لما أورد ذلك.\nوكذلك قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه أمر باتباع أحسن مأ أنزل، فدل على ترك\nبعض، واتباع بعض بمجرد كونه أحسن، وهو: معنى الاستحسان،\nفدل على أن الاستحسان حُجَّة.\nجوابه:\nيجاب عنه باجوبة:\nالجواب الأول: أن اللفظ عام فيدخل \"فيه استحسان - العوام","vol":"3","page":996},{"text":"والصبيان، فيلزم من ذلك اتباع استحسانهم، وهذا باطل، ولا\nيقوله أحد، إذن الآيتان لا تصلحان للاستدلال بهما على حجية\nالاستحسان.\nالجواب الثاني: أن اتباع أحسن ما أنزل إلينا هو اتباع الأدلة،\nوهذا واجب، فبينوا أولًا أن هذا مما أنزل إلينا فضلًا عن أن يكون من\nأحسنه.\nالجواب الثالث: أنا نستحسن إبطال الاستحسان، وأن لا يكون\nلنا شرع سوى المصدق بالمعجزة، فليكن هذا حُجَّة عليهم.\nالدليل الثاني: أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\" ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن \".\nوجه الدلالة: أن هذا يدل على أن ما رآه الناس في عاداتهم ونظر\nعقولهم مستحسنا فهو حق؛ لأن الذي ليس بحق فليس بحسن عند\nالله تعالى، وما هو حق وحسن عند اللَّه فهو حُجَّة، ولولا أنه حُجَّة\nلما كان عند اللَّه حسنا.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن هذا الخبر مرفوع، بل هو موقوف\nعلى ابن مسعود كما قال الزيلعي في \" نصب الراية \"، والسخاوي\nفي \" المقاصد الحسنة \"، وغيرهما.\nالجواب الثاني: على فرض أن الحديث مرفوع، فإنه خبر واحد،\nوخبر الواحد لا تثبت به قاعدة أصولية مثل \" حجية الاستحسان \".\nالجواب الثالث: أن المراد به ما رآه جميع المسلمين؛ لأنه لا\nيخلو: إما أن يريد به جميع المسلمين، أو يريد به آحادهم.","vol":"3","page":997},{"text":"فإن كان الأول - وهو: أن المراد به جميع المسلمين - فهو\nصحيح؛ لأن الأُمَّة لا تجتمع على حسن شيء إلا عن دليل،\nوالإجماع حُجَّة، وهذا لا يخالف فيه أحد.\nوإن أراد به الآحاد من المسلمين لزم منه استحسان العوام والصبيان،\nوهذا لا يمكن.\nفإن قال قائل - معترضا -: إنا نقصد استحسان من هو أهل\nللنظر في الأدلة الشرعية، أما من ليس أهلًا للنظر كالصبيان والعوام\nفلا يقبل استحسانهم.\nفإنا نقول - في الجواب عنه -: إن المجتهد إذا استحسن الشيء\nوحكم به بعقله دون النظر إلى الأدلة الشرعية، فلا فائدة في اشتراط\nأهلية النظر في الأدلة؛ لأن الذي عنده الأهلية للنظر في الأدلة،\nولكنه لا ينظر هو مثل العامي والصبي الذي لا أهلية له أصلا في\nالنظر فيها سواء بسواء، فلا فرق بينهما، والجامع: الاستحسان\nبالعقل المجرد دون النظر في الأدلة الشرعية.\nالدليل الثالث: أن الأُمَّة قد استحسنت دخول الحمام من غير\nتقدير أجرة، ولا تقدير للماء المصبوب، ولا تقدير لمدة اللبث في\nالحمام، واستحسنت - أيضا - شرب الماء من أيدي السقائين من غير\nتقدير العوض، ولا سبب لعدم تقدير ذلك إلا أن التقدير في مثل\nهذه الأمور قبيح في العادة، فاستحسن الناس تركه، ووقع هذا\nدليل على جوازه.\nجوابه:\nيجاب عنه: بأن عدم تقدير أجرة دخول الحمام، وعدم تقدير","vol":"3","page":998},{"text":"الماء واللبث، وعدم تقدير العوض لمن شرب من أيدي السقائين\nيحتمل احتمالين:\nالاحتمال الأول: أنه يحتمل أن يكون سند ذلك السنة التقريرية؛\nحيث إن النبي - ﷺ - كان يرى الصحابة يفعلون ذلك ولا ينكر عليهم، وهذا من رخص الإسلام، وسبب هذه الرخصة هو: المشقة في تقدير الماء، والعوض؛ حيث إن الناس يختلفون في كمية الماء\nالمستعمل، وفي الوقت الذي يمكثون فيه بالحمام، ويختلفون في\nكمية الماء المشروب.\nالاحتمال الثاني: أنه يحتمل أن يكون سند ذلك: القياس؛ حيث\nإن داخل الحمام مستبيح، فإذا أتلف ماء حمامي فعليه ثمن المثل،\nوذلك لأن قرينة حاله تدل على طلب العوض فيما يبذله في الغالب،\nوما يبذله يكون ثمن المثل فيقبله الحمامي إن رضي به، وإن لم يرض\nبه: طالبه بالمزيد إن شاء، فليس هذا أمرا جديدا، ولكنه مقاس،\nوالقياس حُجَّة.\nوكذلك يقال في شارب الماء من السقاء، فإن عليه ثمن المثل،\nفإن رضي السقاء، وإلا طالبه بالمزيد إن شاء.\nفثبت إن عدم تقدير الماء والأجرة يثبت عن طريق السنة، أو\nالقياس، فقولكم: إنه ثبت عن طريق الاستحسان تحكم لا دليل\nعليه.\nالتعريف الثالث للاستحسان: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد\nيعسر عليه التعبير عنه.\nوهو لبعض الحنفية المتقدمين.","vol":"3","page":999},{"text":"ومرادهم من هذا: أن الاستحسان دليل يستدل به المجتهد، وهذا\nالدليل ينقدح في ذهن المجتهد لا يستطيع أن يظهره بعبارة أو لفظ.\nبيان فساد هذا الثعريف:\nأن هذا التعريف فاسد؛ لأن الدليل الذي لا يستطيع المجتهد أن\nيفصح عنه - ويظهره، ويعبر عنه بلفظ لا يعلم هل هو وهم توهم\nالمجتهد أنه دليل، أو ليس كذلك، فلا بد للمجتهد من إظهاره،\nوالتعبير عنه بلفظ مفهم حتى نسبره ونختبره بواسطة الأدلة الشرعية\nالأخرى، فإما أن نصححه، ويكون دليلًا معتبرًا، أو نبطله فلا\nيعتبر، أما الحكم بما لا يدرى ما هو فمن أين يعلم جوازه أبضرورة\nالعقل، أو نظره، أو بسمع متواتر أو آحاد، ولا وجه لدعوى شيء\nمن ذلك.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في الاستحسان خلاف لفظي، بيان ذلك:\nأن متأخري الحنفية لما رأوا هذا الإنكار الشديد على التعريف\nالثاني، والتعريف الثالث للاستحسان اللذين نقلا عن بعض الحنفية\nالمتقدمين حاولوا أن يصححوا هذين التعريفين بسبب استقرائهم\nوتتبعهم للفتاوى الصادرة عن أئمة الحنفية المتقدمين، فأتوا بتعريفات\nتناسب الاستحسان الذي كان يطبقه المتقدمون منهم.\nفقال أبو الحسن الكرخي: إن لفظ الاستحسان عندهم ينبئ عن\nترك حكم إلى حكم هو أوْلى منه، لولاه لكان الحكم الأول ثابتا.\nويقرب من ذلك قول بعض الحنفية: \" الاستحسان: ترك طريقة\nللحكم إلى أخرى أوْلى منها لولاها لوجب الثبات على الأولى \".","vol":"3","page":1000},{"text":"ويقرب منه - أيضًا - تعريف الجصاص له بقوله: \" بأنه ترك\nالقياس إلى ما هو أوْلى منه \"، وكذلك فعل الدبوسي، والسرخسي\nوغيرهما من أئمة الحنفية.\nثم جاءت الطبقة التي بعد هؤلاء من علماء الحنفية مثل الكمال بن\nالهمام وابن عبد الشكور فلاحظوا تعريفات المتقدمين للاستحسان،\nوتعريفات المتأخرين منهم له كالكرخي ومن معه، فجمعوا بينهما\nبقولهم: إن الاستحسان قسمان: \" عام \" و\" خاص \".\nأما العام فهو كل دليل في مقابلة القياس الظاهر يقتضي العدول\nعن القياس من نص، أو إجماع، أو ضرورة، أو غيرها.\nأما الخاص فهو القياس الخفي في مقابلة القياس الجلي.\nوإذا دققت في تعريفما الجمهور للاستحسان - وهو التعريف الأول\nله - وما ذكرناه من أنواع له، ودققت في كلام الحنفية المتقدمين،\nوما ذكره الحنفية المتأخرون من تعريفات وشروح وتفسيرات: لوجدت\nأن التعريف الأول - وهو: \" العدول بحكم المسألة عن نظائرها\nلدليل خاص أقوى من الأول \"، قد اتفق عليه الحنفية، والمالكية،\nوالشافعية، والحنابلة، إلا أن الحنفية قد عبروا عنه بلفظ يخالف تعبير\nالجمهور.\nومن تتبع واستقرأ ما ورد عن الحنفية من تعريفات، وشروح\nوتفسيرات وتطبيقات، لثبت أنهم لا يقولون بأن الاستحسان هو:\n\"ما يستحسنه المجتهد بعقله \"، ولا يقولون بأنه: \" دليل ينقدح في\nنفس المجتهد يعجز عن التعبير عنه \"، ولثبت أنهم يقولون: إن\nالاستحسان: العدول في الحكم عن دليل إلى دليل هو أقوى منه،\nوهذا مما لا ينكره الجمهور. فكان الخلاف لفظيًا.","vol":"3","page":1001},{"text":"وهذا ما أشار إليه ابن السمعاني - ﵀ -؛ فإنه حينما ذكر\nأن الخلاف في هذه المسألة لفظي: علل ذلك بأن تفسير الاستحسان\nبما يشنع عليهم - أي: على الحنفية - لا يقولون به، والذي يقولون\nبه أنه العدول في الحكم عن دليل إلى دليل هو أقوى منه، فهذا مما\nلا ننكره.","vol":"3","page":1002},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الخامس في الدليل الخامس - من الأدلة المختلف فيها -\nوهو: المصلحة المرسلة</span>\nتعريفها:\nالمصلحة لغة بمعنى: الصلاح، كالمنفعة بمعنى: النفع.\nالمصلحة اصطلاحا: هي المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده\nمن حفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، وأموالهم، ونسلهم،\nفكل ما يضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت\nهذه الأصول أو أحدها فهو مفسدة، ودفعها مصلحة.\nوالمنفعة تحصيلا أو إبقاء: فالمراد بالتحصيل: جلب اللذة مباشرة،\nوالمراد بالإبقاء: الحفاظ عليها بدفع المضرة، وأسبابها.\nوالمراد بالمرسلة: هي المطلقة، وهي التي لم يقيدها الشارع\nباعتبار ولا بإلغاء، أي: لم يرد دليل من أدلة الشرع يشهد\nبإبطالها، ولم يرد دليل من أدلة الشرع يعتبرها.\nفيكون تعريف المصلحة المرسلة هو: كل منفعة داخلة في مقاصد\nالشارع الخمسة السابقة الذكر، دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو\nالإلغاء.\nوبيانه:\nأن المصالح المرسلة هي التي لم يقم دليل من الشارع على اعتبارها","vol":"3","page":1003},{"text":"ولا على إلغائها، فإذا حدثت حادثة لم نجد حكمها في نص، ولا\nفي إجماع، ولا في قياس، ووجدنا فيها أمرا مناسبا لتشريع الحكم،\nأي: أن تشريع الحكم فيها من شأنه أن يدفع ضررا، أو يحقق نفعا،\nفهذا الأمر المناسب في هذه الحادثة يسمى المصلحة المرسلة.\n***\nتقسيمات المصالح:\nالتقسيم الأول: تنقسم المصالح باعتبار أهميتها إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الضروريات، وهي المصالح التي لا بد منها في\nقيام مصالح الدين والدنيا، وصيانة مقاصد الشريعة، بحيث إذا\nفقدت أو فقد بعضها، فإن الحياة تختل أو تفسد، وللمحافظة على\nالمصالح الضرورية شرع اللَّه حفظ الدين، والنفس، والعقل،\nوالنسب، والمال.\nفشرع لحفظ الدين: قتل الكافر المضل عن هذا الدين، وقتل\nالمرتد الداع إلى ردته، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، وشرع\nالجهاد.\nوشرع لحفظ النفس: عقوبة القصاص، وعقوبة الدية، ووجوب\nالأكل والشرب عند الضرورة ولو كان صائما، كذلك: شرع اللبس\nوالمسكن، مما يتوقف عليه بقاء الحياة وصون الأبدان من التلف، أو\nأي ضرر.\nوشرع لحفظ العقل: عقوبة شرب الخمر، ووجوب الأكل\nوالشرب الذين يتوقف عليهما بقاء العقل وسلامة فهمه.","vol":"3","page":1004},{"text":"وشرع لحفظ النسل والأنساب: عقوبة الزنا، وأحكام الحضانة،\nوالنفقات..\nوشرع لحفظ المال: عقوبة السرقة، والقواعد المنظمة للمعاملات\nالمختلفة بين الناس لصيانة الحقوق.\nولا يمكن - بأي حال - تفويت هذه الأصول الخمسة، فلا بد\nإذن من مراعاتها؛ لكون كل واحد منها يعتبر ركنا من الأركان التي\nلا تقوم الحياة البشرية إلا بها.\nالقسم الثاني: الحاجيات، وهي: المصالح والأعمال والتصرفات\nالتي لا تتوقف عليها الحياة واستمرارها، بل إذا تركناها لا تختل ولا\nتفسد الحياة الإنسانية، فالحياة تتحقق بدون تلك الحاجيات، ولكن\nمع الضيق.\nفهي أعمال وتصرفات شرعت لحاجة الناس إلى التوسعة، ورفع\nالضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة.\nمثل: التوسع في بعض المعاملات كالسلم، والمساقاة، والقصر\nفي السفر، والرخص المناطة في المرض، هذه الأمثلة في الأمور\nالعامة.\nومثال ذلك في الأمور الخاصة: تسليط الشارع الأب في تزويج\nالبنت الصغيرة من الكفء، فإن هذا لا ضرورة إليه؛ حيث إنه يمكن\n- استمرار الحياة بدون ذلك، ولكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح\nلتحصيل هذا الكفء خوفا من فواته؛ لأنه يحصل بحصوله نفع في\nالمستقبل والماَل، ويحصل بفواته بعض الضرر.\nالقسم الثالث: التحسينيات، وهي: المصالح والأعمال","vol":"3","page":1005},{"text":"والتصرفات التي لا تتوقف الحياة عليها، ولا تفسد ولا تختل،\nفالحياة تتحقق بدون تلك التحسينيات، وبدون أي ضيق فيها، فهي\nمن قبيل التزيين والتجمل والتيسير، ورعاية أحسن المناهج وأحسن\nالطرق للحياة، فتكون من قبيل استكمال ما يليق، والتنزه عما لا\nيليق من المدنسات التي تألفها العقول الراجحة.\nومن أمثلة ذلك: المنع من بيع الماء والكلأ، والمنع من بيع\nالنجاسات، والابتعاد عن الإسراف والتقتير، ومجانبة ما استخبث\nمن الطعام، وآداب الأكل والشرب، هذه أمثلته العامة.\nومن أمثلة ذلك في الأمور الخاصة: اشتراط الشارع للولي في\nالنكاح؛ صيانة للمرأة عن مباشرة عقد النكاح بنفسها؛ لأن المرأة لو\nباشرت عقد نكاحها: لكان ذلك مشعرًا بتوقانها إلى الرجال،\nوحبها لهم، ومشعرًا - أيضا - بقلة حيائها، وأنه لا مروءة لها،\nوهذا يقلل من قيمتها عند الخاطب، ونظرًا لذلك فقد مُنعت المرأة من\nعقد نكاحها بنفسها، وفوض ذلك إلى الولي؛ تزيينا للمرأة وتحسينا\nفي نظر الخاطب، وحملًا للخلق على أحسن المناهج، وأجمل\nالسير.\nويمكن أن يكون ذلك مثالا للحاجيات - أيضا - إذا قلنا: إن\nاشتراط الولي في النكاح كان لعلة أخرى وهي: أن رأي المرأة قاصر\nفي اختيار وانتقاء الأزواج، وأنها تغتر بالمظاهر، ونظرًا لذلك مُنعت\nمن مباشرة ذلك بنفسها، وفوض ذلك إلى الولي؛ لأن الولي أعلم\nبمعادن الرجال منها - ويستطيع - في الغالب - معرفة الصالح من\nغيره.","vol":"3","page":1006},{"text":"بيان أنه لا يجوز للمجتهد التمسك بالمصالح الحاجية والتحسينية\nإلا بدليل شرعي:\nهذا بالإجماع؛ لأنه لو جاز التمسك بالمصلحة الحاجية أو\nالتحسينية بدون دليل أو أصل شرعي: للزم من ذلك أمور باطلة،\nوهي كما يلي:\nالأمر الأول: أنه يلزم وضع الشرع بالرأي المجرد، وهذا باطل.\nالأمر الثاني: أنه لا يحتاج إلى بعثة الرُّسُل والأنبياء ليعلموا الناس\nشرع ربهم، ولكان الخلق يشرعون ما يريدون بعقولهم، فما يحسنه\nالعقل أثبتوه، وما قبحه العقل اجتنبوه، وهذا ظاهر البطلان؛ لأن\nالعقل لا مدخل له في الشرعيات.\nالأمر الثالث: أنه يلزم من ذلك: عدم الفرق بين المجتهد والعامي،\nوأن كل واحد منهما يساوي الآخر؛ لأن كل واحد منهما يعرف\nمصلحة نفسه فيما يقع موقع الحاجة والتحسين، وهذا باطل.\nالتقسيم الثاني: تنقسم المصالح من حيث اعتبار الشارع لها وعدم\nذلك إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: المصالح المعتبرة، وهي المصالح التي اعتبرها\nالشارع وأثبتها وشهد بذلك، وأقام دليلًا على رعايتها، فهذه\nالمصالح حُجَّة لا إشكال في صحتها، ويرجع حاصلها إلي القياس،\nفإن الشارع إذا نص على حكم في واقعة معينة، واستنبط المجتهد\nالعلَّة التي شرع الحكم لأجلها؛ لأن الأحكام الشرعية مصلحية،\nأي: أن اللَّه لا يشرع حكما إلا وفيه جلب مصلحة للعباد، أو دفع\nمضرة عنهم، فإنا إذا وجدنا واقعة أخرى وجدت فيها تلك العلَّة،\nفإنا نلحقها بالحكم الوارد في الواقعة الأولى؛ لأن المصلحة واحدة.\nفمثلًا قال - ﷺ -:\n\" لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان \".","vol":"3","page":1007},{"text":"فهنا: منع القاضي من القضاء في حالة الغضب، والعلَّة هي:\nاشتغال قلبه عن الفكر، والنظر في أدلة الخصمين، وتغيرَ طبعه عن\nالسكون والتلبث والاجتهاد، فيقاس على ذلك: كل ما يشغله عن\nالنظر في الدليل والحكم، وكل ما يغير طبعه مثل: كونه جائعا، أو\nحاقنا، أو خائفا.\nوهذا كله فيه مصلحة واضحة للخصمين.\nوالمصلحة المقصودة بهذا القياس تسمى: المصلحة المعتبرة من\nالشارع.\nالقسم الثاني: المصالح الملغاة، وهي المصالح التي شهد الشارع\nبردها وإلغائها، وعدم اعتبارها.\nفلو نص الشارع على حكم في واقعة لمصلحة استأثر بعلمها،\nوبدا لبعض الناس حكم فيها مغاير لحكم الشارع لمصلحة توهمها هذا\nالبعض، فتخيل أن ربط الحكم بذلك يحقق نفعا، أو يدفع ضررًا،\nفإن هذا الحكم مردود على من توهمه؛ لأن هذه المصلحة التي\nتوهمها قد ألغاها الشارع، ولم يلتفت إليها.\nمثال ذلك: أن الملك عبد الرحمن بن الحكم قد جامع جارية في\nنهار رمضان، وكرر ذلك في عدد من الأيام، وكان يكرر الإعتاق\n- تمشيا مع نص حديث الأعرابي - ولكن جاء الفقيه: يحيى بن\nيحى الليثي المالكي، فأفتى بأن عليه صوم ستين يوما كفارة، وعلل\nذلك بأن الكفارة قد وضعت للزجر والردع، فلو أوجبنا على هذا\nالملك العتق لسهل عليه الجماع في نهار رمضان مرة بعد أخرى - كما\nحصل منه - لذلك نوجب عليه الصيام زجرًا له، وظن أن في ذلك\nمصلحة.","vol":"3","page":1008},{"text":"لكن هذه المصلحة ملغاة؛ لأنها معارضة للنص الشرعي، وهو\nحديث الأعرابي؛ حيث إن الكفارة مرتبة على حسب الاستطاعة:\nفيجب عليه أولًا العتق، فإن لم يستطع فعليه صيام ستين يومًا، فإن\nلم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينا.\nالقسم الثالث: المصالح المرسلة، وهي المطلقة التي لم يقيدها\nالشارع باعتبار، ولا بإلغاء، وهذا القسم هو المراد بالمصلحة المرسلة\nاصطلاحا، وقد عرفنا ذلك.\nحجية المصلحة المرسلة:\nلقد بيَّنا أن المصلحة التي شهد لها الشرع بالاعتبار حُجَّة بالاتفاق؛\nوأن المصلحة التي شهد لها الشرع بالإلغاء ليست بحُجَّة بالاتفاق،\nوأن المصلحة الحاجية والتحسينية لا يمكن أن يتمسك بها في إثبات\nحكم إلا إذا كانت مستندة إلى دليل وأصل شرعي من الأصول المعتبرة\nوهذا بالإجماع أيضا.\nأما ما عدا ذلك وهي: المصلحة التي يراها المجتهد، ولم يرد\nدليل من أدلة الشرع يشهد لها، ولا دليل منه يلغيها، فهذه التي\nاختلف العلماء هل هي حُجَّة أو لا: على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن المصلحة المرسلة حُجَّة بشروط هي كما يلي:\nالشرط الأول: أن تكون المصلحة المرسلة ضرورية، وهو: ما\nيكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها.\nالشرط الثاني: أن تكون المصلحة كلية عامة حتى تعم الفائدة\nجميع المسلمين.\nالشرط الثالث: أن تلاءم تلك المصلحة مقاصد الشرع في الجملة،\nفلا تكون غريبة.","vol":"3","page":1009},{"text":"الشرط الرابع: أن تكون المصلحة المرسلة قطعية، أي: يقطع\nبوجودها، ولم يختلف في ذلك.\nوهو مذهب كثير من الأصوليين، وهو الحق عندي؛ للأدلة\nالتالية:\nالدليل الأول: الاستقراء والتتبع، بيان ذلك:\nأنا لما تتبعنا واستقرأنا النصوص من الكتاب والسُّنَّة، وقرائن\nالأحوال، والقواعد الشرعية المجمع عليها وجدنا الأدلة العديدة\nالمتضافرة على أن الشريعة الإسلامية قد راعت مصالح العباد؛ حيث\nإنها قائمة على أساس توفير السعادة لهم.\nفالأخذ بالمصالح المرسلة - بالشروط السابقة - هو الذي يتفق مع\nروح الشريعة الإسلامية التي جاءت برعاية مصالح العباد، فطلبت\nمنهم - أو أباحت لهم - كل ما يجلب لهم النفع، وحرمت عليهم\n- أو كرهت لهم - كل ما يجلب لهم مفسدة، أو ضررًا.\nالدليل الثاني: أنه لو لم نجعل المصلحة المرسلة دليلًا من الأدلة\nللزم من ذلك خلو كثير من الحوادث بلا أحكام، وذلك لقلة\nالأصول المعتمدة وندرتها، وكثرة الحوادث، فقد يطرأ للأمة اللاحقة\nطوارئ لم تطرأ للأُمَّة السابقة، وكذلك قد يؤدي تغير أخلاق الناس\nوأحوالهم إلى أن يصير مفسدة ما كان مصلحة، وقد يكون مصلحة\nفي مجتمع ما هو مفسدة في مجتمع آخر، فلو لم نجعل المصلحة\nحُجَّة لضاقت الشريعة عن مصالح الناس، وقصرت عن حاجاتهم،\nولم تصلح لمسايرة مختلف المجتمعات والأزمان والأحوال، وهذا\nخلاف القاعدة الشرعية المعروفة، وهي: أن الإسلام صالح لكل\nزمان ومكان.","vol":"3","page":1010},{"text":"الدليل الثالث: أن من تتبع الفتاوى الصادرة عن الصحابة\nواجتهاداتهم علم أنهم كانوا يراعون المصالح، وينظرون إلى المعاني\nالتي علموا أن القصد من الشريعة رعايتها، دون نكير من أحد فكان\nإجماعا.\nهذه الأدلة دلَّت على أن المصلحة حُجَّة، فإذا أضفنا إليها تلك\nالشروط فإنه يترجح اعتبارها على إلغائها، فيكون الاعتبار مظنونا،\nفيجب العمل به؛ لأن العمل بالظن واجب.\nالمذهب الثاني: أن المصلحة المرسلة حُجَّة مطلقا، وهو مذهب\nالإمام مالك.\nأدلة هذا المذهب:\nهي نفس أدلتتا في المذهب الأول، ولكن بدون إضافة تلك\nالشروط.\nجوابه:\nإنه لا يمكن الأخذ بالمصلحة المرسلة إلا بتلك الشروط التي ذكرناها\nفي المذهب الأول؛ لأنه بعد الاستقراء والتتبع لفتاوى الصحابة،\nومن جاء بعدهم من علماء الأمَّة وجدناهم يستدلون بالمصلحة، وهم\nقد راعوا تلك الشروط والقيود.\nوكذلك فإن تلك الأدلة دلَّت على حجية المصلحة المرسلة التي أخذ\nبها هؤلاء، حيث إنها منضبطة، ولم تدل على حجية المصلحة\nالمرسلة مطلقا؛ لأن هذا يؤدي إلى عدم انضباط من أخذ بها، مما\nيفتح مجال الأهواء والشهوات، فيقع في الزلل.\nالمذهب الثالث: أن المصلحة المرسلة ليست بحُجَّة مطلقا.","vol":"3","page":1011},{"text":"وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وبعض المتكلمين.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن المصالح إما أن تكون معتبرة، وإما أن تكون\nملغاة، والمصلحة المرسلة مترددة بينهما، وليس جعلها مع المعتبر\nبأوْلى من جعلها مع الملغى، فيمتنع الاحتجاج بها حتى يشهد لها\nشاهد يدل على أنها من قبيل المعتبر.\nجوابه:\nأنا لم نجعل المصلحة المرسلة مع المصالح المعتبرة مطلقا، وبدون\nأدلة، بل جعلناها مع المصالح المعتبرة وأنه يحتج بها بأدلة وبشروط\nقد رجحت اعتبارها على إلغائها، فيكون الاعتبار مظنونا، والعمل\nبالظن واجب.\nالدليل الثاني: أنا لم نعلم أن الشارع قد حافظ على تحصيل\nالمصلحة بأبلغ الطرق، فلم تشرع المثلة في القاتل عمدًا وعدوانا مع\nأن المصلحة تقتضيها؛ لأنها أبلغ في الزجر عن القتل ولم يشرع القتل\nفي السرقة، وشرب الخمر والقذف مع أن المصلحة تقتضيه؛ لأنه\nأبلغ في الزجر عن العود لمثله.\nفلو كانت المصلحة حجَّة لحافظ الشرع على تحصيلها بأبلغ الطرق،\nولكن لم يفعل شيئًا من ذلك، فلا تكون حجَّة.\nجوابه:\nإن المصلحة حُجَّة بالشروط والقيود السابقة الذكر في مذهبنا\nالأول، وما ذكرتم من الأمثلة وما بينتم فيها أن الشارع لم يحافظ\nعليها مع أنها أبلغ هذا لا يدخل في المصلحة المرسلة، بل إن كل ما","vol":"3","page":1012},{"text":"قلتم هو من المصالح الملغاة؛ حيث إنه قد نص على تلك الحدود،\nولا اجتهاد مع النص، أما لو لم ينص على شيء: فإن المصلحة\nتدخله ألا ترى أنه إذا رأى الحاكم أن يعزِّر بالقتل، فإنه يجوز له إذا\nرأى المصلحة في ذلك.\nالدليل الثالث: أن الحكم الشرعي هو: المستند إلى دليل، أو\nأي أصل شرعي كالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، ونحو\nذلك، فلو أثبت المجتهد حكما مستندًا إلى مصلحة بدون دليل\nشرعي: كان حكما بالعقل المجرد، ووضعا للشرع بالرأي والتشهي،\nوهذا ظاهر البطلان.\nجوابه:\nأنا قلنا بأن المصلحة المرسلة حُجَّة بسبب: أن هناك أدلة قد دلَّت\nعلى ذلك بصراحة، وقد ذكرناها، وتلك الأدلة وهي:\nاستقراء النصوص الشرعية، واستقراء فتاوى الصحابة وعلماء\nالأُمَّة، وكون أننا لو لم نحتج بالمصلحة لخلت كثير من الحوادث بلا\nأحكام.\nوهذه الأدلة شرعية قد أثبتنا عن طريقها كثيرًا من القواعد الأصولية\nكحجية القياس، ونجبر الواحد، وصيغ العموم، ونحو ذلك، فلو\nكانت تلك الأدلة لا تصلح لإثبات المصلحة والاحتجاج بها للزم أنها\nلا تصلح لإثبات أي قاعدة أصولية، وهذا باطل.\nثم إننا قد اشترطنا للعمل بالمصلحة شروطا تبين أن حكمنا\nبالمصلحة ليس حكمل بالعقل المجرد، ولا وضعا للشرع بالتشهي\nوالرأي، بل هو حكم بالشرع، ولا يخرج عن الشرع بأي حال.","vol":"3","page":1013},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة خلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب\nالأول والثاني جعلوا المصلحة المرسلة من أدلتهم المعتبرة إلا أن\nأصحاب المذهب الثاني قد توسعوا في الاستدلال بها بخلاف\nأصحاب المذهب الأول، فقد ضيقوا فيها على حسب تلك الشروط\nوالقيود - وهو ما رجحناه.\nأما أصحاب المذهب الثالث فلم يجعلوا المصلحة المرسلة من\nأدلتهم.\nوقد تأثر بذلك بعض الفروع الفقهية.\nفمثلًا: استدل المحتجون بها على قتل الجماعة بالواحد؛ حيث\nقالوا: إنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى إلى اتساع القتل به،\nفيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر، فاقتضت المصلحة قتلهم به.\nأما من لم يأخذ بالمصلحة فلم يرى ذلك، بل قال: لا تقتل\nالجمامحة بالواحد مستدلأ بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) حيث إنها دلَّت على أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس\nواحدة.\nكذلك استدل بالمصلحة الإمام مالك على أن المرأة البكر لا تغرب\nإذا زنت؛ لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، فإذا غربت بغير\nمحرم: كان ذلك إغراء لها بالفجور، وتضييع لها، وذلك ينافي\nقصد الشارع من وجوب الحد؛ لأنه ما شرع إلا زجرًا عن الزنا -.\nوإن غربت المرأة بمحرم أدى ذلك إلى عقاب من لم يجرم ومن لا\nذنب له، وإن كلفت أجرته، ففي ذلك زيادة على عقوبتها.","vol":"3","page":1014},{"text":"أما بعض العلماء، فلم يأخذ بالمصلحة هنا، وأوجب التغريب\nعلى المرأة كغيرها مستدلًا بعموم حديث عبادة:\n\" البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام \".\nتنبيه: الحق: أنه بعد تتبع واستقراء وتفقد كتب الفقه على\nالمذاهب الأربعة، فإنه ثبت أن جميع العلماء يستدلون بالمصالح\nالمرسلة، ولكن تختلف هذه المذاهب في التوسع والتضييق في الأخذ\nبها، فبعضهم اشترط للأخذ بها شروطا كما هو في المذهب الأول\nالذي قلناه، وبعضهم استدل بها مطلقا كما هو في المذهب الثاني،\nقال القرافي - ﵀ -: \" أما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها\nخاصة بنا، وإذا تفقدت وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا، وفرقوا بين\nالمسألتين لا يطلبون شاهدًا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا\nوفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة،\nفهي إذن في جميع المذاهب \".\nوقال ابن دقيق العيد: \" إنه لا يخلو أي مذهب من اعتباره في\nالجملة، ولكن الإمام مالك قد توسع في الأخذ بها، ويليه الإمام\nأحمد\".","vol":"3","page":1015},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المبحث السادس في الدليل السادس - من الأدلة المختلف فيها -\nسد الذرائع</span>\nتعريفه:\nالذرائع: جمع ذريعة، وهي لغة: كل ما يتخذ وسيلة وطريقًا\nإلى شيء غيره، وسدها: منعها، وحسم مادتها.\nوهي في الاصطلاح: كل وسيلة مباحة قصد التوصل بها إلى\nالمفسدة أو لم يقصد التوصل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالبًا،\nومفسدتها أرجح من مصلحتها.\nفسد الذرائع هو: حسم مادة وسائل الفساد بمنع هذه الوسائل\nودفعها.\nأو تقول هي: التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة.\nحجية سد الذرائع:\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن سد الذرائع حُجَّة يعمل به، ويستدل به على\nإثبات بعض الأحكام الشرعية.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد حرم سب الأصنام التي يعبدها","vol":"3","page":1016},{"text":"المشركون - مع كون السب حمية لله، وإهانة لأصنامهم - لكون\nذلك السب ذريعة إلى أن يسبوا اللَّه - تعالى -، وكانت مصلحة ترك\nمسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لأصنامهم، فلذلك أمرنا بترك\nيسب أصنامهم؛ لأنه يؤدي إلى سب اللَّه تعالى: وهذا هو سد\nالذرائع.\nالدليل الثاني: أنه أشير على - ﷺ - بقتل من ظهر نفاقه فقال:\n\" أخاف أن يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه \"، فلم يرغب\nالنبي - ﷺ - في قتل المنافقين مع قيام الداعي لذلك، وذلك سدًا للذرائع؛ حيث إنه سيقال: إن محمدًا بدأ يقتل أصحابه، فيوجب ذلك النفور عن الإسلام ممن دخل فيه، وممن لم يدخل فيه،\nومفسدة التنفير أعظم من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم\nمن مصلحة القتل.\nالدليل الثالث: إجماع الصحابة - ﵃ -؛ حيث إنه\nثبت في وقائع أنهم استدلوا بسد الذرائع، من ذلك: أن عمر بن\nالخطاب نهى عن الصلاة تحت شجرة بيعة الرضوان، ثم قطعها سدًا\nللذرائع؛ حتى لا يعود الناس إلى أعمال الجاهلية.\nوأن بعض الصحابة كعمر، وعليّ، وابن عباس أفتوا بقتل\nالجماعة بالواحد، وإنما فعلوا ذلك لئلا يكون عدم القصاص منهم\nذريعة إلى التعاون على سفك الدماء، كل ذلك فعلوه من غير نكير،\nفكان إجماعا.\nالمذهب الثاني: أن سد الذرائع ليس بحُجَّة.\nوهو لبعض الشافعية وبعض المتكلمين.","vol":"3","page":1017},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن الأدلة قد حُصرت في حديث معاذ وهي: الكتاب، والسُنَّة،\nوالإجماع المبني عليهما، والاجتهاد، ولا يصح من الاجتهاد إلا\nالقياس الذي يتضمن المصلحة، وهو مقاس على ما ثبت بالأصول\nالثلاثة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، أما سد الذرائع فلم يكن\nمع تلك الأدلة، إذن لا يحتج به.\nجوابه:\nإن الأخذ بسد الذرائع راجع إلى الأخذ بالمصلحة المرسلة - يؤيد\nذلك تعريفنا لسد الذرائع - والمصلحة المرسلة التي أخذنا بها هي\nالمصلحة الملائمة في الجملة لمقاصد الشارع - ولا تخرج عنها كما قلنا\nفي شروطها - هناك -، وإذا كان سد الذرائع لا تخرج عن مراعاة\nالمصلحة، والمصلحة حُجَّة، فإنه يجوز الأخذ بسد الذرائع.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه انبنى على الخلاف في اعتبار\nالذرائع والقول بسدها، وعدم اعتبارها، وعلى التوسع بالأخذ بها،\nوالتضييق في اعتبارها خلاف بين الفقهاء في كثير من الفروع الفقهية،\nومنها:\n١ - أن الإمام مالك قد استدل بسد الذرائع على أن الشخص لو\nمات وعليه زكاة لم يؤدها ولم يوص بإخراجها من الثلث، فإنه لا\nيلزم الورثة إخراجها عنه من تركته، لأنه لو ألزمنا الورثة بذلك\nلأدى ذلك بأن يترك الإنسان أداء زكاة ماله طول عمره اعتمادًا على أن\nالورثة سيخرجونها بعد موته، وربما يتخذ ذلك ذريعة للإضرار بهم.\nوخالف في ذلك الإمام أحمد والشافعي، حيث ذهبا إلى أنه يلزم\nالورثة إخراجها وإن لم يوص المورث بذلك؛ قياسا على دَين","vol":"3","page":1018},{"text":"الآدميين؛ حيث إن الزكاة حق مالي واجب، فلا تسقط بموت من\nهو عليه كالدَّين ولا فرق، ولم يأخذ بسد الذرائع؛ لأن القياس\nأقوى منه.\n٢ - أنه لو اشترك جماعة في الصيد، فإن الإمام مالك قال: إنه\nيجب على كل واحد منهم جزاء كامل، واستدل بسد الذرائع،\nحيث إنه إذا سقط جزاء جملة، ووجب جزاء واحد: كانت العقوبة\nسهلة، واتخذ ذلك ذريعة إلى قتل المحرم من الصيد؛ إذ يلجأ كل\nمن أراد ذلك وهو محرم إلى الاشتراك مع غيره؛ لتخفيف الجزاء عن\nنفسه.\nأما الإمام الشافعي وأحمد فقد ذهبا إلى أنه يجب جزاء واحد على\nالجميع مستدلين بقوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)،\nفأوجب اللَّه المثل، والجماعة قتلت صيدًا واحدًا، فيلزمهم مثله،\nوالزائد خارج عنه، فلا يجب، وهو - أيضا - مروي عن بعض\nالصحابة، فهذا الاستدلال هو مفهوم الآية، وعمل بعض الصحابة\nأقوى من الأخذ بسد الذرائع.\n٣ - أنه لو تزوج المريض مرض الموت، فإن النكاح غير صحيح\nعند الإمام مالك، واستدل بسد الذرائع، لأنه يتهم بقصد الإضرار\nبالورثة بإدخال وارث جديد فيمنع منه، حتى لا يتخذ ذريعة للتشفي\nمن الورثة، وإدخال الضرر عليهم.\nأما الإمام أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، فإنهم ذهبوا إلى أن\nالنكاح صحيح، إلا أنه يكون بمهر المثل فيما إذا أصدقها أكثر من مهر\nالمثل، واحتج هؤلاء بالقياس، حيث قاسوا النكاح على البيع\nوالشراء، فكما أن بيعه وشراءه صحيح، فكذلك نكاحه، وقوى\nبعضهم ذلك بفعل بعض الصحابة، فهذا أقوى من سد الذرائع.","vol":"3","page":1019},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>المبحث السابع في الدليل السابع - من الأدلة المختلف فيها -\nوهو: العرف</span>\nتعريفه:\nالعرف في اللغة: بمعنى المعرفة، وهو ضد النكرة، وهو: كل\nما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه.\nوالعرف في الاصطلاح: ما يتعارفه أكثر الناس، ويجري بينهم\nمن وسائل التعبير، وأساليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه\nمن الأعمال، ويعتادونه من شؤون المعاملات مما لم يوجد في نفيه،\nولا إثباته دليل شرعي.\n***\nتقسيمات العرف:\nينقسم العرف إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة من أهمها ما يلي:\nالتقسيم الأول: ينقسم العرف باعتبار من يصدر منه إلى ثلاثة\nأقسام:\nالقسم الأول: العرف العام، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس\nفي جميع البلدان مثل عقد الاستصناع في أحذية وألبسة، ونحو\nذلك.","vol":"3","page":1020},{"text":"القسم الثاني: العرف الخاص، وهو: ما تعارف عليه أكثر\nالناس في بعض البلدان مثل: إطلاق لفظ الدابة على الفرس عند\nأهل العراق، بينما ذلك يختلف في مصر.\nالقسم الثالث: العرف الشرعي، وهو: اللفظ الذي استعمله\nالشارع مريدًا منه معنى خاصا، مثل \" الصلاة \"، فإنها في الأصل:\nالدعاء، ولكن الشارع أراد بها شيئًا مخصوصا.\nالتقسيم الثاني: ينقسم العرف باعتبار سببه ومتعلقه إلى قسمين:\nالقسم الأول: العرف القولي وهو اللفظي، وهو: أن يتعارف\nأكثر الناس على إطلاق لفظ على معنى ليس موضوعا له بحيث يتبادر\nإلى الذهن عند سماعه من غير قرينة، ولا علاقة عقلية، مثل لفظ\n\"الدابة \"، فإنه في اللغة يطلق على كل ما يدب على الأرض، وقد\nخصصه بعضهم بالفرس، وبعضهم بالحمار.\nالقسم الثاني: العرف الفعلي، وهو: ما كان موضوعه بعض\nالأعمال التي اعتادها الناس في أفعالهم العادية، أو معاملاتهم،\nمثل: بيع المعاطاة - وهو: أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزًا\nفيعطيه ما يرضيه، فهذا بيع صحيح ثبت عن طريق العرف.\nحجية العرف:\nلقد اختلف في العرف على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن العرف حُجَّة، ودليل شرعي تثبت عن طريقه\nالأحكام الشرعية.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء.\nوهو الحق، ولكن ليس على إطلاقه، بل هو حُجَّة بشروط هي\nكما يلي:","vol":"3","page":1021},{"text":"الشرط الأول: أن يكون العرف عاما أو غالبا.\nالشرط الثاني: أن يكون العرف مطردًا أو أكثريا.\nالشرط الثالث: أن يكون العرف موجودًا عند إنشاء التصرف.\nالشرط الرابع: أن يكون العرف ملزما، أي: يتحتم العمل\nبمقتضاه في نظر الناس.\nالشرط الخامس: أن لا يعارضه تصريح بخلافه.\nالشرط السادس: أن لا يخالف العرف دليلًا شرعيا معتمدًا.\nفإن توفرت هذه الشروط في العرف كان حُجَّة، أما إن تخلفت أو\nتخلف واحد منها فلا يكون حُجَّة.\nوقلنا: إنه حُجَّة للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه بعد الاستقراء والتتبع لأحكام اللَّه ﷿\nوجدنا أنه سبحانه قد اعتبر العادات - التي هي وقوع المسببات عن\nأسبابها العادية - ورتب عليها أحكاما شرعية، فشرع القصاص\nوالنكاح والتجارة؛ لأنها أسباب للانكفاف عن القتل، وبقاء النسل،\nونماء المال عادة وعرفا.\nالدليل الثاني: أن ورود التكاليف بميزان واحد في الخلق يدل على\nأن الشارع اعتبر العادات والأعراف المطردة فيهم، ولو لم يعتبرها لما\nكان هناك مانع من اختلاف التشريع، واختلاف الخطاب.\nالمذهب الثاني: أن العرف ليس بحُجَّة، ولا يصلح أن يكون دليلًا\nتُبنى عليه الأحكام، وهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nهو نفس دليل القائلين: إن سد الذرائع ليس بحُجَّة، وهو أن","vol":"3","page":1022},{"text":"العرف ليس من الأدلة المعتمدة في حديث معاذ، فلا يكون دليلًا\nشرعا.\nجوابه:\nإن العرف راجع إلى الاستحسان الذي سبق حيث قلنا: إن جميع\nالأئمة قد أخذوا به على التعريف الأول الذي ذكرناه هناك، وهو:\nالعدول بحكم المسألة عن نظائرها\" لدليل خاص، وقلنا: إن من\nأنواعه: الاستحسان بالعرف والعادة، فإذا قلنا: إن الاستحسان\nحُجة فينبغي أن نقول: إن العرف حُجَّة ولا فرق بين الموضعين.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إن اعتبار العرف دليلًا شرعيا كان له\nأثره في بعض المسائل الفقهية، ومنها:\n١ - أن بيع المعاطاة - وهو: دفع ثمن المبيع للبائع وأخذ المبيع\nعن تراض بينهما، دون أن يتلفظ أحدهما بشيء - جائز عند أكثر\nالعلماء، ودليلهم: العرف؛ لأن البيع قد ورد الشرع بحله مطلقا،\nولم يشترط فيه شيء من الألفاظ، ولم يبين كيفيته، فيرجع ذلك\nإلى العرف.\nوخالف في ذلك الكثير من الشافعية، وقالوا: لا يجوز بيع\nالمعاطاة؛ لأن الشارع شرط الرضى لصحة البيع، وهو أمر خفي لا\nيعرف إلا بالإيجاب والقبول.\n٢ - أن الأجير الصانع لعمل ما يستحق أجرة المثل وإن لم تذكر\nالأجرة عند العقد إذا كان منتصبا للعمل، هذا عند الإمام أحمد","vol":"3","page":1023},{"text":"وأبي حنيفة مستدلين بالعرف؛ لأن العرف الجاري في هذا يقوم مقام القول\nعملًا بالقاعدة: \" المعروف عرفا كالمشروط شرطا \".\nبينما خالف بعض العلماء في ذلك وقالوا: لا يستحق الأجير شيئا\nإذا لم تذكر الأجرة عند العقد، ويعتبر متبرعا؛ لأن صاحب الثوب\nمثلًا لم يلتزم للصانع عوضا باللفظ.","vol":"3","page":1024},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المبحث الثامن في الدليل الثامن - من الأدلة المختلف فيها -\n- الاستقراء </span>-\nتعريفه:\nالاستقراء في اللغة: مأخوذ من قولهم: \" قرأت الشيء قرآنا \"\nأي: جمعته وضممت بعضه إلى بعض، وهو يرجع إلى التتبع،\nيقال: \" استقرأت الأشياء \" إذا تتبعت أفرادها.\nتعريفه في الاصطلاح:\nوهو في الاصطلاح: تصفح وتتبع الجزئيات ليحكم بحكمها على\nكلي يشملها.\nأو تقول هو: الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات على ثبوته في\nالأمر الكلي الجامع لتلك الجزلْيات.\nهذا عند المناطقة.\nأما الأصوليون فيعرفونه بأنه: تتبع الحكم في جزئياته على حالة\nيغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة.\n* * *\nأنواعه:\nالاستقراء نوعان:\nالنوع الأول: استقراء تام، وهو: ثبوت الحكم في كلية بواسطة\nإثباته بالتتبع والتصفح بجميع الجزئيات ما عدا صورة النزاع.","vol":"3","page":1025},{"text":"النوع الثاني: استقراء ناقص، وهو: ثبوت الحكم في كلية\nبواسطة إثباته بالتتبع والتصفح لأكثر الجزئيات ما عدا صورة النزاع.\nحجيته:\nالنوع الأول من نوعي الاستقراء، وهو الاستقراء التام اتفق\nالعلماء على حجيته؛ لكونه يفيد القطع؛ حيث إنه ثبت عن طريق\nاستقراء جميع الجزئيات.\nوأما النوع الثاني - وهو: الاستقراء الناقص - فقد اختلف العلماء\nفي حجيته على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه حُجَّة، أي: أن الاستقراء الناقص يفيد الحكم\nظنا.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن تصفح وتتبع أكثر\nالجزئيايت مع تماثلها في الأحكام يوجد ظنا غالبا بأن حكم ما بقي من\nالجزئيات - وهو قليل - كذلك؛ حيث إنه معلوم: أن القليل يلحق\nبالكثير الغالب والعمل بالظن الغالب واجب، لما روي عن النبي\n- ﷺ - أنه قال: \" نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر \"، وهذا وإن كان واردأ في صيغة الخبر، لكن المراد به الأمر، فالحديث أثبت أن العبرة بالظاهر، والظاهر هو: أن حكم الباقي الذي لم يتتبع ولم يستقرأ كحكم غيره مما تتبع واستقرئ، وعلى هذا يجب اعتبار\nالاستقراء حُجَّة عملًا بهذا الظاهر، فكان حجة يجب العمل به.\nوانما قلنا: إن الاستقراء الناقص يفيد الحكم ظنا، ولا يفيده قطعا؛\nلجواز أن يكون حكم ما لم يستقرأ بخلاف حكم ما استقرئ، فنظرًا\nإلى هذا الاحتمال الضعيف قلنا: إنه يفيد الحكم ظنا.","vol":"3","page":1026},{"text":"المذهب الثاني: أن الاستقراء ليس بحُجَّة، فلا يفيد الحكم قطعا\nولا ظنا، وهو مذهب فخر الدين الرازي وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه يجوز اختلاف الجزئيات في الأحكام، واستقراء بعض\nالجزئيات - وإن كثرت - وترك بعض الجزئيات الآخر يعتبر استقراء\nجزئي، لا يثبت ذلك الحكم في الباقي المتروك؛ نظرا لجواز أن\nيكون حكم الأجزاء التي لم تستقرأ مخالفا لما استقرئ، فينتج: أن\nالحكم على الباقي بواسطة هذا الاستقراء باطل.\nجوابه:\nإن هذا الاحتمال الذي ذكرتموه هو الذي جعلنا نقول: إن\nالاستقراء الناقص يفيد الحكم ظنا؛ إذ لولا هذا لقلنا: إنه يفيده\nقطعا، فالباقي الذي لم يستقرأ قليل، والذي تم استقراؤه كثير،\nوالقليل النادر ملحق بالغالب الكثير - كما قلنا - فهذا يوجد ظنا عند\nالمجتهد بأن حكم الباقي يماثل حكم ما استقرئ، فنحن نظرنا إليه من\nهذه الحيثية.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، حيث إنه انبنى على اعتماد الاستقراء وكونه\nحُجَّة خلاف في بعض الفروع، منها:\n١ - أن أكثر مدة النفاس ستون يوما، وهو مذهب الإمام الشافعي\nوكثير من أصحابه، ودليلهم: الاستقراء؛ حيث إنه قد وجد - بعد\nالاستقراء والتتبع - أن بعض النساء يرين النفاس هذه المدة،\nوالاعتماد في هذا الباب على الوجود.","vol":"3","page":1027},{"text":"وخالف في ذلك أبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وكثير من\nأتباعهم، فذهبوا إلى أن أكثر النفاس أربعون يوما، ولم يحتج\nهؤلاء بالاستقراء، بل احتجوا بما صح عن أم سلمة أنها قالت:\n\"كانت النفساء تجلس على عهد النبي - ﷺ - أربعين يوما وليلة \".\n٢ - أن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، وهو مذهب جمهور\nالعلماء، ودليلهم الاستقراء؛ حيث إنا نرجع فيما لم ينص على\nحكمه إلى الوجود، وقد وجد الحمل لأربع سنوات كنساء بني\nعجلان.\nوخالف في ذلك أبو حنيفة وكثير من أصحابه، حيث ذهبوا إلى\nأن أكثر مدة الحمل سنتان، وحجتهم قول الصحابي؛ حيث روي\nعن عائشة قولها: الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين، ولو\nفلكة مغزل.","vol":"3","page":1028},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الباب الرابع في الألفاظ ودلالتها على الأحكام</span>\nويشتمل على الفصول التالية:\nالفصل الأول: في اللغات.\nالفصل الثاني: في الدلالة، وتقسيم اللفظ.\nالفصل الثالث: في الاشتقاق.\nالفصل الرابع: في الاشتراك.\nالفصل الخامس: في الترادف.\nالفصل السادس: في التأكيد والتابع.\nالفصل السابع: في الحقيقة والمجاز.\nالفصل الثامن: في تعارض ما يخل بالفهم.\nالفصل التاسع: في النص، والظاهر، والمجمل، وما يتعلق بها.\nالفصل العاشر: في حروف المعاني.\nالفصل الحادي عشر: في الأمر والنهي.\nالفصل الثاني عشر: في العموم والخصوص.\nالفصل الثالث عشر: في المطلق والمقيد.\nالفصل الرابع عشر: في المنطوق والمفهوم.","vol":"3","page":1029},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>الفصل الأول في اللغات</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: في تعريف اللغة، واللفظ، والكلام، والنطق،\nوالقول، وسبب وضع اللغات.\nالمبحث الثاني: دلالة اللفظ على معناه هل هي بالوضع، أو لمناسبة\nطبيعية بين اللفظ والمعنى؟\nالمبحث الثالث: في مبدأ اللغات، أي: اللغات هل هي توقيفية أو\nاصطلاحية؟\nالمبحث الرابع: هل يجري القياس في اللغة؟","vol":"3","page":1031},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الأول في تعريف اللغات، واللفظ، والكلام، والنطق\nوالقول، وسبب وضع اللغات</span>\nأولًا: تعريف اللغات:\nاللغات جمع لغة، واللغة أصلها لغوة على وزن فعله، من\nلغوت إذا تكلمت.\nوهي: اسم لضرب مخصوص من ترتيب الحروف الدالة على\nالمعاني بحكم الوضع.\nوإنما شرطنا كونها حروفا ودلالتها بحكم الوضع؛ لأن هناك أمورا\nتدل على شيء ولا يسمى ذلك لغة؛ نظرًا لعدم وجود الحروف فيها\nكالضحك، فإنه يدل على الفرح، والبكاء يدل على الحزن،\nوصياح الديك يدل الدجاجة على استدعائها لالتقاط الحب، وكل\nذلك لا يُسمَّى لغة.\nواللغة العربية تختلف عن بقية اللغات من الإنجليزية، والهندية،\nوالتركية باختلاف ترتيب تلك الحروف؛ حيث إن أهل كل لغة رتبوا عين\nهذه الحروف، لكن ترتيبا مخالفا للآخر، وتركيبا مباينا لتركيب الآخر.\nثانيا: تعريف الكلام:\nالكلام مأخوذ من الكلم، وهو: الجرح الذي يؤثر في نفس\nالمجروح، ومن كلم غيره فقد أثر في قلبه بتفهيم غرضه ومقصده،\nفيسمى ذلك كلاما.\nثالثًا: تعريف اللفظ:\nاللفظ، أصله: الرمي لغة، يقال: \" لفظت الناقة \" إذا رمت ما\nفي فمها، فالواحد منا إذا تكلم فكأنه يرمي، فسمي قوله لفظا.","vol":"3","page":1033},{"text":"وهو في الاصطلاح: صوت معتمد على بعض مخارج الحروف؛ لأن\nالصوت كالشيء المرمي به؛ نظرًا لخروجه من الفهم، فهو ملفوظ.\nرابعا: تعريف النطق:\nالنطق: إحكام العبارة، سُمِّيت \" المنطَقَة \"، و\"المنطَق \"،\nو\"النِّطاق \" بذلك؛ لأنه حزام يشد به الرجل وسطه ويحكمه.\nخامسا: تعريف القول:\nالقول لغة: مجرد النطق، وهو في الاصطلاح: لفظ وضع\nلمعنى ذهني.\nوهو أخص من اللفظ؛ لأن اللفظ يشمل اللفظ المهمل، واللفظ المستعمل\nفالقول لما عرفناه بأنه وضع لمعنى أخرج المهمل؛ لأنه لا معنى له.\nسادسا: سبب وضع اللغات:\nلما خلق اللَّه ﷿ الإنسان الواحد، فإنه غير مستقل بمصالح\nمعاشه، فيحتاج إلى مشاركة شخص آخر من نوعه يجري بينهما\nتعارف وتعاون على جلب غذاء، ولباس، ومسكن، وصناعة،\nولا يمكن هذا من غير تفاهم بينهما، فاحتاجا إلى لغة يتفاهمان\nعليها، ويعرف كل واحد منهما غرض الآخر بواسطة هذه اللغة،\nفكان لا بد من لغة ولفظ.\nوقلنا ذلك؛ لأن اللفظ أفيد شيء من الأمور التي قد يتفاهم بها\nبعضهم كالمثال والإشارة، ذلك لعموم اللفظ؛ حيث يمكن أن يعبر\nباللفظ عن الشاهد، والغائب، والموجود، والمعدوم، والمحسوس،\nوالمعقول.\nأما الإشارة والمثال، فإنه لا يكون فيهما ذلك؛ حيث لا يمكن\nالإشارة إلى الغائب والمعقول، والمعدوم، وليس لكل شيء مثال.","vol":"3","page":1034},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث الثاني في دلالة اللفظ على معناه هل هي بالوضع\nأو لمناسبة طبيعية بين اللفظ والمعنى</span>؟\nلقد اتفق العلماء في أن الالفاظ المتداولة المستعملة في اللغة دالة\nعلى معانيها.\nولكن اختلفوا في هذه الدلالة - أي: دلالة اللفظ على المعنى -\nهل هي بالوضع أو لمناسبة بين اللفظ والمعنى؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن دلالة الألفاظ على معانيها بالوضع.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأنا نعلم أنه ليس بين اللفظ\nومعناه علاقة طبيعية تقتضي اختصاص ذلك اللفظ بذلك المعنى في\nالدلالة، ومما يؤيد ذلك: أن اللفظ الواحد قد يطلق على معنيين كل\nواحد منهما ضد للآخر وقد وقع، فلفظ \" الجون \" يطلق على\nالأسود والأبيض، ولفظ (القرء) يطلق على الحيض، والطهر،\nولفظ \" الجلل \" يطلق على الكبير والصغير.\nولو كان بين اللفظ ومعناه علاقة طبيعية لما جاز إطلاق اللفظ\nالواحد على إطلاق كل واحد منهما ضد الآخر؛ لأن اللفظ الواحد\nلا يكون مناسبا بطبعه لشيء ولضده.\nالمذهب الثاني: أن دلالة اللفظ على معناه؛ لمناسبة طبيعية بين\nاللفظ ومعناه.","vol":"3","page":1035},{"text":"وهو مذهب عبَّاد بن سليمان الصيمري المعتزلي (ت ٢٥٠ هـ) .\nدليل هذا المذهب:\nأنه لو لم يكن بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية لكان اختصاص\nاللفظ بالمعنى المخصوص من بين سائر الألفاظ، واختصاص المعنى\nالمخصوص بذلك اللفظ من بين سائر المعاني تخصيصا بلا مخصص.\nوهذا لا يجوز، لذلك لا بد أن تكون بين اللفظ والمعنى مناسبة\nطبيعية.\nجوابه:\nإن الواضع قد خصص بعض الألفاظ ببعض المعاني والمدلولات؛\nنظرًا إلى الإرادة المخصصة، فعلى هذا: يكون تخصيص اللفظ\nبمعناه، أو المعنى بذلك اللفظ بمخصص وهو: الإرادة فلم يصح ما\nقاله.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ حيث إنه لم تتأثر الأحكام الفقهية بذلك.","vol":"3","page":1036},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المبحث الثالث في مبدأ اللغات أي: هل اللغات توقيفية أو اصطلاحية</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يجوز أن تكون اللغات كلها توقيفية، ويجوز\nأن تكون كلها اصطلاحية، ويجوز أن يكون بعض هذه اللغات\nتوقيفي، وبعضها اصطلاحي، فإن جميع ذلك محتمل وممكن.\nذهب إلى ذلك القاضيان: أبو بكر الباقلاني، وأبو يعلى، وكثير\nمن أهل التحقيق.\nوهو الحق عندي؛ لأن الاستدلال على كونها توقيفية، أو\nاصطلاحية، أو احتمال الأمرين يكون إما عن طريق العقل، أو عن\nطريق الواقع.\nأما العقل، فإنه يجوز الأمور الثلاثة؛ حيث إن العقل متصور\nلجميع هذه الأمور، فهي ممكنة وليست ممتنعة، \" بحيث لو فرض\nوقوعه فإنه لا يلزم عنه محال لذاته، بيان ذلك:\nأن العقل يجوز كونها توقيفية؛ لأن اللَّه قادر على أن يخلق للناس\nالعلم بهذه الأسماء والألفاظ، ويسمعها بعضهم أو جميعهم،\nويخبرهم بأن هذه الأسماء قصدت للدلالة على مسمياتها ومعانيها.\nوالعقل - أيضا - يجوز كونها اصطلاحية، بأن واحدًا قد انبعثت","vol":"3","page":1037},{"text":"داعيته، أو جماعة انبعثت دواعيهم إلى وضع هذه الألفاظ بإزاء\nمعانيها، ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار كما يفعل\nالوالدان بالولد الرضيع.\nوالعقل - أيضا - يجوز كون بعضها توقيفي، وبعضها الآخر\nاصطلاحي؛ لأنه إذا أمكن كل واحد من القسمين أمكن التركيب\nمنهما جميعًا.\nأما الواقع عن هذه الأقسام فلا يمكن إلا ببرهان عقلي، أو نقل\nوسمع قاطع، وهذا باطل؛ لأن العقل لا مجال له في اللغات\nليستدل عليها به، ولعدم وجبرد النقل والسمع القاطع.\nفلم يبق إلا الظن، والظن داخل في جميع الأمور الثلاثة بالمساواة\n- وهي كونها توقيفية، وكونها اصطلاحية، وبعضها توقيفي وبعضها\nاصطلاحي - فلا يمكن ترجيح أحدها على الباقي؛ لانه ليس كل\nواحد منها بأوْلى من الآخر، فلم يحصل الجزم بواحد منها.\nالمذهب الثاني: أن اللغات توقيفية، أي: أن الواضع هو الله عَز\nوجَل، ووضعه متلقى من جهته إما بالوحي، أو بأن يخلق الله\nتعالى لواحد، أو لجماعة من الخلق العلم بأن هذه الألفاظ واللغات\nقصدت للدلالة على المعاني.\nوهو مذهب أبي الحسن الأشعري، والظاهرية، وأبي بكر بن\nفورك، وبعض المتكلمين، وبعض الفقهاء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) .\nوجه الدلالة: أن اللغات لو لم تكن توفيفية لكانت مصطلحة","vol":"3","page":1038},{"text":"ولا ثالث لهما، وإذا كانت اصطلاحية تكون بوضع آدم - ﵇ -\nوإذا كان كلذلك لم يحتج إلى تعليم من عند الله، ولكن هذه الآية\nدلَّت على أن آدم والملائكة لا يعلمون إلا بتعليم اللَّه تعالى، وأن الله\nقد علمهم جميع الأسماء، ثم تناقلت ذرية آدم تلك الأسماء، فلم\nيكونوا بحاجة إلى اصطلاح فقد أوقفوا عليها.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا الدليل ليس صريحا بأن اللغات توقيفية؛\nحيث إنه يتطرق إليه عدة احتمالات:\nالاحتمال الأول: أن المراد بالتعليم هو الإلهام، فيكون اللَّه قد\nألهم آدم الحاجة إلى الوضع، فوضع آدم اللغات بتدبيره وفكره،\nونسب ذلك إلى تعليم اللَّه تعالى؛ لأنه الهادي والمرشد والملهم\nومحرك الداعية.\nالاحتمال الثاني: أن المراد أنه علمه الأسماء الموجودة في زمان آدم\n- ﵇ - مثل: السماء، والأرض، والجنة، والنار دون\nالأسامي التي حدثت مسمياتها بعد آدم من الحرف والصناعات\nوالآلات.\nالجواب الثاني: أن المراد من الأسماء في الآية: سمات الأشياء\nوخصائصها مثل: أن يقال: إنه تعالى علم آدم أن الخيل تصلح للكر\nوالفر، وأن الجمل للحمل، فإن الاسم مأخوذ من السمة على رأي\nالكوفيين، أو مأخوذ من السمو على رأي البصريين وعلى التقديرين\nفكل ما يعرف ماهيته، ويكشف عن حقيقته كان اسما، وأما","vol":"3","page":1039},{"text":"تخصيص لفظ الاسم بهذه الألفاظ فهو عرف حادث، وهو عرف\nالنحاة.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه قد ذمهم على تسميتهم بعض الأشياء ببعض\nالأسماء من غير توقيف، فلو لم يكن ما جعل دالا على غيرها من\nالأسماء توقيفا لما صح الذم.\nجوابه:\nأن الذم للاعتقاد، أي: الذم لإطلاقهم لفظ \" الإله \" على\nالصنم مع اعتقاد تحقق مسمى الإلهية فيها، ولم يكن الذم لتسميتهم\nبأسمائها.\nالدليل الثالث: أنه لو كانت اللغات اصطلاحية لاحتاج في\nتعليمها إلى اصطلاح آخر ويتسلسل، أي: أن الاصطلاح لا يتم ولا\nيمكن إلا بواسطة خطابات يخاطب بعضهم بعضا بها، وهذا لا يمكن\nإلا عن طريق لفظ يعلمه كل واحد من هؤلاء المجتمعين قبل الاجتماع\nلوضع تلك الاصطلاحات، فلزم من ذلك التسلسل وهو ممتنع.\nجوابه:\nلا نسلم أن التعليم منحصر في الاصطلاح والتوقيف، بل التعليم\nيكون بالترديد والقرائن كتعليم الأبوين الأطفال لغتهما بالترديد\nوالقرائن.\nالمذهب الثالث: أن اللغات اصطلاحية.\nوهو مذهب أبي هاشم المعتزلي، وبعض المتكلمين.","vol":"3","page":1040},{"text":"دليل هذا المذهب:\nإنه لا يمكن للمخاطب، أو أي أحد من الناس أن يفهم التوقيف\nالوارد من اللَّه تعالى إلا إذا كان عارفا - من قبل - بلفظ صاحب\nالتوقيف باصطلاح سابق، فيكون الأصل الاصطلاح.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: هو نفس الجواب السابق عن الدليل الثالث من\nأدلة أصحاب المذهب الثاني.\nالجواب الثاني: أنه قد يخلق علم ضروري في عاقل بأنه تعالى\nألهم العاقل بأن واضعا وضع هذه الألفاظ بإزاء تلك المعاني.\nبيان نوع الخلاف:\nلقد اختلف في هذا الخلاف هل هو لفظي أو معنوي؛ على قولين:\nالقول الأول: أن الخلاف لفظي لا ثمرة له.\nوهو ما ذهب إليه الغزالي، والأبياري، وابن السبكي تاج\nالدين، وابن أبي شريف، وغيرهم.\nوهو الصحيح عندي؛ إذ لا يترتب، على هذا الخلاف معرفة عمل\nمن أعمال الشريعة، وذكرت هذه المسألة في كتب الأصول لأحد\nأمرين:\nأولهما: تكميل العلم بهذه الصناعة؛ لأن معظم النظر فيها يتعلق\nبدلالة الصيغ، أو جواز قلب ما لا تعلق له بالشرع فيها كتسمية\nالفرس ثورًا، والثور فرسا، ونحو ذلك.\n-","vol":"3","page":1041},{"text":"ثانيهما: أنها تجري مجرى الرياضيات التي يرتاض العلماء بالنظر\nفيها كمسائل الجبَر، فتكون من رياضيات أصول الفقه، بخلاف\nمسألة: الأمر للوجوب، أو النهي يقتضي الفساد فهي من ضروراته.\nالقول الثاني: أن الخلاف فيها معنوي له ثمرة وفائدة.\nذهب إلى ذلك الماوردي وبعض العلماء.\nولكن اختلف أصحاب هذا القول في نوع هذه الفائدة على آراء،\nإليك ذكرها مع الجواب عنها:\nالرأي الأول: أن فائدة الخلاف في هذه المسألة أن من قال\nبالتوقيف جعل التكليف مقارنا لكمال العقل، ومن قال بالاصطلاح\nأخر التكليف عن العقل مدة الاصطلاح على وضع الألفاظ لمعانيها.\nجوابه:\nإن هذا وإن تصوِّر عقلًا إلا أنه لا وقوع له في الفروع، إذ أن\nالفريقين متفقان في النهاية.\nالرأي الثاني: أن فائدة البحث في هذه المسألة: النظر في جواز\nقلب اللغة، فالقائلون بالتوقيف يمنعونه مطلقا، والقائلون\nبالاصطلاح يجوزونه إلا أن يمنع الشرع منه، ومتى لم يمنع كان\nللشيء اسمان، أحدهما متوقف عليه، والآخر متواضع عليه.\nجوابه:\nإن هذا لا تعلُّق له بالشرع.\nالرأي الثالث: أن فائدة الخلاف في هذه السألة: أنه يجوز\nالتعلق باللغة لإثبات حكم الشرع من غير رجوع إلى الشرع، وهو\nما ذهب إليه أكثر الحنفية وبنو عليه: أن حكم الرهن: الحبس؛ لأن","vol":"3","page":1042},{"text":"اللفظ ينبئ عنه، أما عند أكثر العلماء، فإنه لا يجوز التعلق باللغة\nلإثبات الحكم الشرعي، وهو الصحيح عندي؛ لأن الواضعين في\nالأصل كانوا جهالًا وضعوا عبارات لمعبرات، لا لمناسبات، ثم\nاستعملت وصارت لغة.\nجوابه:\nإن هذا لا يمكن تصوره؛ لأن الأحكام الشرعية لا تؤخذ إلا من\nالشرع فقط، أما اللغة فلا تفيد شيئًا قبل مجيء الشرع.\nالرأي الرابع: أن فائدة الخلاف في هذه المسألة أنه يتخرج عليها\nالخلاف في جريان القياس في اللغات المشتقة الصادرة عن معان\nمعقولة، فمن قال: إن اللغات توقيفية منع جريان القياس في\nاللغات؛ لأنه إذا كان الأصل لا يعلم إلا بتوقيف، فكذا ما في معناه.\nجوابه:\nلا نسلم أن البحث في مسألة \" هل يجري القياس في اللغة \"\nمتوقف، على مسألتنا هذه؛ لأنه يمكن أن يقال: إن الخمر إنما سميت\nخمرًا لمخامرتها العقول بأي طريق، سواء كان توقيفيا أم اصطلاحيا،\nفوجدنا الاسم دار مع المخامرة وجودًا وعدما، ثم وجدنا النبيذ\nكذلك هل يسمى خمرًا أو لا؟\nالرأي الخامس: أن فائدة الخلاف في هذه المسألة: أنه يتخرج\nعليه مسائل في الفقه، ومنها:\n١ - المسألة المعروفة بمهر السر والعلانية، وهي: ما إذا تزوج\nالرجل امرأة بألف، وكانا قد اصطلحا على تسمية الألف بالألفين،\nفهل الواجب ألف وهو ما يقتضيه الاصطلاح اللغوي، أو ألفان؛","vol":"3","page":1043},{"text":"نظرًا إلى ما يقتضيه الوضع الحادث؛ فيه خلاف، هذا الخلاف مبني\nعلى الخلاف في مسألتنا هذه.\n٢ - إذا تبايعا بالدنانير، وسميا ذلك بالدراهم هل يجوز؛ فيه\nخلاف، وهو مبني على الخلاف في هذه المسألة.\nجوابه:\nالحق: أنه لا يتخرج شيء من ذلك على هذه القاعدة كما قال ابن\nالسبكي، والسبب: أن مسألتنا التي نحن بصددها في أن اللغات\nهذه الواقعة بين أظهرنا هل هي بالاصطلاح أو التوقيف بصورة عامة،\nلا في شخص خاص اصطلح مع صاحبه على تغيير الشيء عن\nموضعه كتغيير الألف بالألفين، والدنانير بالدراهم.\nوهذه الفروع التي ذكرها أصحاب هذا الرأي - وهو الرأي\nالخامس - تتخرج على قاعدة أخرى وهي: \" الاصطلاح الخاص هل\nيرفع الاصطلاح العام أو لا؟ \"\nفيه خلاف، فالتبس على هؤلاء الأمر.","vol":"3","page":1044},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>المبحث الرابع في هل يجري القياس في اللغة</span>؟\nتحرير محل النزاع:\nأولًا: أسماء الأعلام كمحمد وزيد قد أجمع العلماء على أنه لا\nيجري القياس فيها؛ لأنها غير موضوعة لمعان موجبة لها، وليست\nمعقولة المعاني.\nثانيًا: أسماء الصفات كالعالم والقادر، فقد أجمع العلماء على\nأنه لا يجري القياس فيها؛ لأنها واجبة الاطراد؛ نظرًا إلى تحقق\nمعنى الاسم؛ لأن مسمى العالم - مثلًا - من قام به العلم، وهو\nمتحقق في حق كل من قام به العلم، فكان إطلاق اسم العالم عليه\nثابتا بالوضع، لا بالقياس؛ لأنه ليس قياس أحد الجزئين المتماثلين\nفي المسمى على الآخر أوْلى من العكس.\nثالثا: أسماء الأجناس والأنواع الموضوعة على مسمياتها مستلزمة\nلمعان في محالها وجودًا وعدمًا قد اختلف العلماء فيها هل يجري فيها\nالقياس؟\nمثل إطلاق اسم \" السارق \" على النباش بواسطة مشاركته\nللسارقين من الأحياء في أخذ المال على سبيل الحقيقة.\nومثل: إطلاق اسم \" الخمر \" على النبيذ بواسطة مشاركته\nللمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على العقل.","vol":"3","page":1045},{"text":"فهل يجوز إطلاق اسم \" السارق \" على \" النباش \" قياسا بعلة\nأخذ مال الغير بخفية، وهل يجوز إطلاق اسم \" الخمر \" على النبيذ\nقياسًا بعلة الإسكار والتخمير؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: يجوز إثبات اللغة بالقياس، فيجوز أن يُسمَّى\nالنباش سارقا، والنبيذ خمرًا.\nذهب إلى ذلك بعض المالكية كابن التمار، وأكثر الشافعية كابي\nإسحاق الشيرازي، وابن سريج، وابن أبي هريرة، وحكي أنه نص\nالإمام الشافعي، وهو قول أكثر علماء العربية كالمازني، وأبي علي\nالفارسي، وابن درستويه؛ وهو اختيار أكثر الحنابلة كالقاضي أبي\nيعلى، والقاضي يعقوب، وابن قدامة، وهو مذهب أكثر الفقهاء.\nوهو الراجح عندي لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول -: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .\nوجه الدلالة: أن الاعتبار رد الشيء إلى نظيره بضرب من الشبه،\nوهذا عام في إثبات الأحكام، وإثبات الأسماء.\nالدليل الثاني: أن الاسم يدور مع الوصف وجودًا وعدمًا - وهذا\nهو الدوران - والدوران يفيد ظن العلية، فيحصل بذلك ظن أدق\nالعلَّة لتلك التسمية هو ذلك الوصف، فأينما حصل ذلك الوصف\nحصَل ظن كونه مسمى بذلك الاسم، وحينئذ يلزم أن يثبت لتلك\nالمحال الأحكام المرتبة على ذلك الاسم، فالخمر دار مع الوصف\nوهو السكر وجودًا وعدما، أما وجودًا ففي صورة الخمر، وأما\nعدما ففي صورة الماء، فوجب أن يُسمى النبيذ أيضا خمرًا بالقياس.","vol":"3","page":1046},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يجوز إثبات اللغة بالقياس، فلا يجوز أن\nيُسمَّى النبيذ خمرًا.\nذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض المالكية كالباقلاني، وابن\nخويز منداد، وابن الحاجب، وكثير من الشافعية كالغزالي،\nوالآمدي، وإمام الحرمين، وإلكيا الطبري، وابن القشيري،\nواختاره بعض المتكلمين، وجماعة من أهل الأدب واللغة، وبعض\nالحنابلة كأبي الخطاب.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) .\nوجه الدلالة: أنها دلَّت على أنه تعالى علمه جميع الأسماء،\nوهذا يدل على أنها توقيفية، فيدل على عدم وجود اسم يفتقر فيه\nإلى القياس.\nجوابه:\nأنا قلنا في المسألة السابقة: إن هذه الآية ليست صريحة في دلالتها\nعلى ذلك، فيجوز أن يكون علمه البعض بالتوقيف، والبعض\nبالتنبيه والقياس، والجميع من علم اللَّه تعالى، كما أن الأحكام\nالشرعية معلومه من جهة اللَّه تعالى، وإن كنا نعرف بعضها بالنص،\nوبعضها بالاجتهاد، ويجوز أن يكون هذا خاصا في حق آدم - عليه\nالسلام -، ويجوز أن يكون قد علم الجميع بالتوقيف، ومن عداه\nيعرف ذلك مرة بالتوقيف ومرة بالقياس، كما أن جهات القبْلة قد\nتدرك حسًا، وقد تدرك اجتهادًا.\nالدليل الثاني: أن وضع اللغة على خلاف مقتضى القياس، بيان\nذلك:","vol":"3","page":1047},{"text":"أنا رأينا العرب يفرقون بين الشيئين المتفقين في الصفة الموضوعة\nلذلك، فيقولون للفرس الأبيض: \" أشهب \"، ولا يقولون ذلك\nللحمار الأبيض، ويقولون للفرس الأحمر الذي يميل إلى السمرة\n\"الكميت \"، والذي يميل للسواد: أدهم، ولا يطلقون ذلك على\nغيره.\nكذلك \" القارورة \" سميت بهذا الاسم؛ لأنه يستقر فيها الماء،\nوهذا المعنى وهو: استقرار الماء حاصل في الحياض والأنهار، ولا\nتسمى قارورة، كذلك \" الخمر \" سميت بهذا الاسم لمخامرتها\nالعقل، ثم المخامرة حاصلة في الأفيون والحشيش وغيرهما، ولا\nيسمى خمرًا.\nفيعلم من ذلك كله أن المرجع في اللغة إلى الوضع دون القياس.\nجوابه:\nإن غاية ما في هذا الدليل أنكم ذكرتم صورًا لا يجري فيها القياس\nوذلك لا يقدح في صحة العمل بالقياس في اللغة، كما أنه حصل\nفي أحكام الشرع أحكام لا يجري القياس فيها؛ لكونها تعبدية،\nولم يدل ذلك على المنع من القياس في الشرع.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي له أثره في بعض الأحكام الفقهية، ومنها:\n١ - أنه بناء على المذهب الأول - وهو جواز إثبات اللغة قياسا -\nقالوا: إذ النباش سارق، فيكون قطع يد النباش قد ثبت بالنص؛\nحيث يدخل في عموم قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .","vol":"3","page":1048},{"text":"أما على المذهب الثاني - وهو عدم جواز إثبات اللغة قياسا - فإن\nقطع يد النباش لم يثبت بالنص وهو دخوله في عموم قوله:\n(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) .\nوإنما ثبت قطع يده عن طريق القياس على السارق بجامع أخذ مال\nالغير خفية من حرز مثله.\n٢ - أنه بناء على المذهب الأول، فإن اللائط زان، فيكون\nوجوب الحد عليه ثبت بالنص، وهو قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) .\nأما على المذهب الثاني، فإن اللائط لا يُسمى زان، لذلك\nاختلف أصحاب هذا المذهب في عقوبة اللائط، فقال بعضهم: إن\nعقوبته القتل على كل حال مستندين إلى قوله - ﷺ -: \"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به \"،\nوقال آخرون: إن عقوبته التعزير على الفاعل والمفعول به؛ لامتناع قياس اللائط على الزاني.\nوقال فريق ثالث: إن عقوبته مثل عقوبة الزانى قياسا عليه، فإذا\nكان اللائط غير محصن يجلد ويغرب، وإذا كان محصنا يجلد\nويرجم قياسًا على الزاني.\n٣ - أنه بناء على المذهب الأول فإن النبيذ خمر، فيكون وجوب\nالحد على شارب النبيذ قد ثبت بالنص، وهو قوله تعالى: (إنما\nالخمر والميسر)، وقوله - ﷺ -:\n\"من شرب الخمر فاجلدوه \".\nأما على المذهب الثاني، فإن النبيذ لا يسمى خمرًا، فيكون\nوجوب الحد على شارب النبيذ قد ثبت بالقياس على الخمر.","vol":"3","page":1049},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>الفصل الثاني في الدلالة وتقسيم اللفظ</span>\nويشتمل على المبحثين التاليين:\nالمبحث الأول: في تعريف الدلالة وأقسامها.\nالمبحث الثاني: في تقسيم اللفظ.","vol":"3","page":1051},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المبحث الأول في تعريف الدلالة وأقسامها</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريف الدلالة.\nالمطلب الثاني: أقسام الدلالة.\nالمطلب الثالث: في تعريف الدلالة اللفظية الوضعية، وبيان\nأهميتها.","vol":"3","page":1053},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>المطلب الأول تعريف الدلالة</span>\nالدلالة لغة:\nمصدر دلَّ يدل دلالة بفتح الدال وهو أفصح، وروي بكسر الدال،\nوروي بضمها.\nوالجمع: أدلة، وأدلاء، والاسم: الدّلالة بالكسر، والفتح،\nوالدلولة، والدليلي، قال سيبويه - ﵀ -؛ والدليلي:\nعلمه بالدلالة ورسوخه فيها.\nوالدلالة في الاصطلاح هي:\nكون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.\nوهذا هو أصح التعريفات التي قيلت؛ لأنه يدل على أن هناك\nتلازما بين الدال والمدلول، بحيث إذا فهم الدال فهم المدلول.\nفالشيء الأول هو: الدال، والشيء الثاني هو المدلول، سواء\nكان هذا اللزوم عقليا أو عرفيا دائما أو غيره، وسواء كان كليا أو\nجزئيا.","vol":"3","page":1055},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المطلب الثاني أقسام الدلالة</span>\nالدال إما أن يكون لفظا أو غير لفظ، فتنقسم الدلالة - بهذا\nالاعتبار - إلى قسمين هما:\nالقسم الأول: دلالة لفظية..\nالقسم الثاني: دلالة غير لفظية.\nوكل من هذين القسمين ينقسم باعتبار إضافته إلى العقل والطبع\nوالوضع إلى ثلاثة أقسام هي كما يلي:\nالقسم الأول: دلالة عقلية، نسبة إلى العقل - والعقل هو: آلة\nالتمييز والإدراك التي بها تدرك الأشياء.\nوسميت بها؛ لأنه ليس للوضع والطبع مدخل فيها.\nالقسم الثاني: دلالة طبيعية، نسبة إلى الطبيعة، وهي لغة:\nالسجية، واصطلاحا: مبدأ الآثار المختصة بالشيء، سواء صدرت\nبشعور أم لا، وسميت بذلك؛ لدخول الطبع فيه دون العقل والوضع.\nالقسم الثالث: دلالة وضعية، نسبة إلى الوضع، وهو: جعل\nالشيء بإزاء آخر متى علم الأول علم الثاني، وسميت بذلك؛ لأن\nللوضع دخلًا تاما في الدلالة بجعل الجاعل.\nووجه انحصار الدلالة في هذه الأقسام الثلاثة هو: أن الدلالة إما\nأن تكون مقصودة للدال - وهي التي يسميها العلماء الدلالة الاختيارية\n- أو ليست مقصودة له.","vol":"3","page":1056},{"text":"فإن كانت مقصودة فهي الوضعية.\nوإن لم تكن مقصودة، فإما أن يمكن تخلفها، أو لا يمكن تخلفها.\nفإن أمكن تخلفها: فهي الطبيعية.\nوإن لم يكن تخلفها: فهي العقلية.\nفإذا ضممنا هذه الأقسام الثلاثة - السابقة الذكر - إلى كون الدلالة\nلفظية وغير لفظية: صارت الأقسام ستة هي كما يلي:\nالقسم الأول: دلالة عقلية غير لفظية كدلالة الدخان على النار،\nودلالة طول الثوب على طول صاحبه.\nالقسم الثاني: دلالة عقلية لفظية كدلالة الصوت على حياة صاحبه\nووجوده.\nالقسم الثالث: دلالة طبيعية غير لفظية كدلالة حمرة الوجه على\nالخجل، وصفرته على الخوف.\nالقسم الرابع: دلالة طبيعية لفظية كدلالة لفظ \" أخ \" على وجع\nالصدر ودلالة الأنين على التألم.\nالقسم الخامس: دلالة وضعية غير لفظية كدلالة الخطوط والعقود\nوالنصب والإشارات على أصحابها، ومنه: دلالة الخرائط الجغرافية\nعلى البلاد.\nالقسم السادس: دلالة لفظية وضعية، أي: مستندة إلى وجود\nاللفظ والوضع، وفيما يلي بيانها.","vol":"3","page":1057},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المطلب الثالث\nتعريف الدلالة اللفظية الوضعية</span>\nوبيان أهميتها\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: تعريف الوضع.\nالمسألة الثانية: تعريف الدلالة اللفظية الوضعية.\nالمسألة الثالثة: بيان أهمية الدلالة اللفظية الوضعية.","vol":"3","page":1059},{"text":"المسألة الأولى: في تعريف الوضع:\nأولًا: الوضع لغة:\nجعل اللفظ بإزاء المعنى، مثل: جعل لفظ \" زيد \" بإزاء جسمه،\nفالذي وضع لزيد اسمه يسمى واضعا، وجسمه يسمى موضوعا له،\nولفظ \" زيد \" يسمى موضوعا، وجعل الاسم بإزاء الجسم يسمى\nوضعا.\nثانيا: الوضع اصطلاحا هو:\nتخصيص شيء بشيء آخر متى أطلق الشيء الأول: فهم منه\nالشىء الثاني، والمراد بالإطلاق: الاستعمال وإرادة المعنى.\n***\nالمسألة الثانية: تعريف الدلالة اللفظية الوضعية:\nلقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف الدلالة اللفظية الوضعية،\nوالأَوْلى في تعريفها أن يقال: هي: كون اللفظ بحيث إذا أرسل\nفهم المعنى للعلم بوضعه.\nوقيل: هي: كون اللفظ إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عالما\nبالوضع.\nوقيل: هي: كون اللفظ بحيث إذا أطلق دلَّ.\nوقيل: هي: فهم السامع من الكلام تمام المسمى أو جزئه أو\nلازمه.\nوهي متقاربة، إلا أن الأول أعمها وأوضحها؛ حيث إن التعبير","vol":"3","page":1061},{"text":"بالإرسال أوْلى من التعبير بالإطلاق؛ لأن المتبادر من الإطلاق ما قرن\nبالإرادة، أما الإرسال فهو أعم منه؛ حيث إن اللفظ يدل على معناه\nإذا تلفظ به وإن لم يرد به المعنى.\n***\nالمسألة الثالثة: بيان أهمية الدلالة اللفظية الوضعية:\nإن الدلالة اللفظية الوضعية هي أهم أقسام الدلالات الستة - التي\nذكرناها سابقًا - ودلَّ على تلك الأهمية أمران:\nالأمر الأول: انضباطها، حيث إن الإنسان لما كانت طبيعته تقتضي\nالتمدن وهو الاجتماع مع بني نوعه لأجل مشاركتهم في العيش\nوإعلام أحدهم على ما في قلبه وضميره لصاحبه، والتفاهم مما\nيخص المآكل والمشارب، والمعاملات، والتعلم والتعليم؛ لذلك\nمست الحاجة إلى الدلالة اللفظية الوضعية للانضباط التي تتميز به،\nبخلاف الدلالة الطبيعية والعقلية، فإنهما غير منضبطتين؛ نظرًا\nلاختلافهما باختلاف الطبائع والعقول والأفهام.\nالأمر الثاني: أن تلك الدلالة - وهي الدلالة اللفظية الوضعية -\nعامة وشاملة لما يقصد إليه من المعاني؛ حيث إن النفع بها في التعبير\nيعم الموجودات والمعدومات في مجال التعلم والتعليم ونحوهما من\nمجالات الحياة المختلفة.\nوالخلاصة: أن الدلالة اللفظية الوضعية هي الوسيلة الأساسية في\nتعامل الناس مع بعضهم، وهي تؤدي من الأغراض والمقاصد ما لا\nتؤديه أي دلالة من الدلالات، وبذلك تكون تلك الدلالة أهم أنواع\nالدلالات، وأعمها نفعا في كسب العلوم.","vol":"3","page":1062},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>المبحث الثاني في تقسيم اللفظ</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تقسيم اللفظ باعتبار الإفراد والتركيب.\nالمطلب الثاني: تقسيم اللفظ المفرد.\nالمطلب الثالث: تقسيم اللفظ المركب.","vol":"3","page":1063},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الأول في تقسيم اللفظ باعتبار الإفراد والتركيب</span>\nاللفظ الموضوع ينقسم باعتبار الإفراد والتركيب إلى قسمين:\nالقسم الأول: اللفظ المركب وهو: أن يدل جزء اللفظ الموضوع\nعلى جزء معناه مثل: \" زيد قائم \"، و\" قام زيد \"، و\" غلام زيد \"\nو\" الحيوان الناطق \".\nالقسم الثاني: اللفظ المفرد وهو: أن لا يدل جزؤه على جزء\nمعناه إذا جعل عَلَما للشيء مثل: \" زيد \"، و\" عبد اللَّه \" عَلَما،\nو\" تأبط شرًا \"، فإن كلًّا منها مفرد؛ لأنه لم يدل جزؤه على جزء\nمعناه.","vol":"3","page":1065},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المطلب الثاني في تقسيم اللفظ المفرد</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: تقسيم اللفظ المفرد الموضوع لمعنى باعتبار دلالته\nبالمطابقة والتضمن والالتزام.\nالمسألة الثانية: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار خصوص المعنى وضمومه.\nالمسألة الثالثة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار استقلاله بمعناه أو لا.\nالمسألة الرابعة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار وحدته وتعدده، ووحدة\nالمعنى وتعدده.\nالمسألة الخامسة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار حال مدلوله.","vol":"3","page":1067},{"text":"المسألة الأولى: في تقسيم اللفظ المفرد الموضوع لمعنى باعتبار\nدلالته بالمطابقة والتضمن والالتزام:\nاللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له، أو على جزئه، أو على\nالخارج عن مسماه اللازم له في الذهن، وإليك بيان ما يخمتلك\nالأقسام فيما يلي:\nأولًا: بيان تلك الأقسام مع الأمثلة:\nالقسم الأول: اللفظ المفرد الدال على تمام المعنى الذي وضع له،\nوسمى بـ \" دلالة مطابقة \" مثل: دلالة لفظ \" الإنسان \" على الحيوان\nالناطق.\nوسميت بدلالة المطابقة لتطابق اللفظ والمعنى تمام التطابق كقولهم:\n\" طابق النعل النعل \" إذا توافقتا، فلا زيادة في اللفظ على المعنى\nفيكون مستدركا، ولا زيادة للمعنى على اللفظ فيكون قاصرًا،\nفالمفهوم من اللفظ هو نفس الموضوع له.\nالقسم الثاني: اللفظ المفرد الدال على جزء معناه الذي وضع له،\nوسمى بـ \" دلالة تضمن \" مثل: دلالة لفظ \" الإنسان \" على الحيوان\n- فقط -؛ حيث إن الحيوان جزء معنى الإنسان، أو دلالة لفظ\n\"الإنسان \" على الناطق - فقط - وهو جزء معناه.\nوسميت بدلالة التضمن؛ لأن اللفظ دلَّ على ما في ضمن المسمى.\nوهذه الدلالة لا تتحقق إلا في مثال له أجزاء كالأمثلة السابقة.\nالقسم الثالث: اللفظ المفرد الدال على أمر خارج عن معناه لازم\nله، وهذا يسمى \" دلالة التزام \" مثل دلالة لفظ \" الإنسان \" على\nالضحك، ولفظ \" الأسد \" على الشجاعة.","vol":"3","page":1069},{"text":"وسميت بدلالة الالتزام؛ لأن اللفظ دلَّ على معنى لازم للمعنى\nالذي وضع له اللفظ.\nويشترط في دلالة الالتزام: أن يكون اللازم ذهنيا، وهو اللازم\nالبين بالمعنى الأخص، وسمَّاها الغزالي في \" معيار العلم \" بدلالة\nالالتزام والاستتباع.\nوبعض العلماء يجعلون تلك الأقسام: أقساما للدلالة اللفظية\nالوضعية، وهو صحيح، ويصح أن تكون أقساما للفظ الدال\nبالوضع كما قلنا، والخلاف في هذا لا أثر له؛ لأن النتيجة واحدة.\nثانيًا: خلاف العلماء في هذه الدلالات هل هي لفظية أو عقلية؛\nعلى مذاهب:\nالمذهب الأول: أن دلالة المطابقة والتضمن والالتزام كلها لفظية\nعقلية، وهو مذهب بعض العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن دلالة\nالمطابقة مفهومة من الكلام، فاللفظ يدل على تمام المعنى، ودلالة\nالتضمن تفهم - أيضا - من اللفظ، فاللفظ يدل على جزء معناه،\nودلالة الالتزام مفهومة من اللفظ.\nفكل من الجزء واللازم متلقى من اللفظ وبواسطته.\nالمذهب الثاني: أن دلالة المطابقة والتضمن لفظيتان، ودلالة\nالالتزام عقلية، وهو مذهب الآمدي، وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب: أن دلالة المطابقة والتضمن لفظيتان؛ لما سبق\nمن المذهب الأول، وأن دلالة الالتزام عقلية؛ لأنها تفهم من اللفظ\nفهما عقليا.","vol":"3","page":1070},{"text":"جوابه:\nإن اللفظ هو الذي دلَّ على ذلك المعنى وإن كان بعيدًا، فهو من\nلوازمه الذي لا ينفك عنه، إذ لولا اللفظ لما فهمنا ذلك.\nالمذهب الثالث: أن دلالة المطابقة لفظية وضعية، وأما دلالة\nالتضمن والالتزام فهما عقليتان، وهو مذهب كثير من الشافعية كفخر\nالدين الرازي، وصفي الدين الهندي.\nدليل هذا المذهب: أن اللفظ إذا وضع للمسمى انتقل الذهن من\nالمسمى إلى لازمه، ولازمه إن كان داخلًا فهو التضمن وإن كان\nخارجًا فهو الالتزام.\nجوابه:\nنفس الجواب عن دليل المذهب الثاني.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأننا إذا نظرنا إلى أن الدلالات\nالثلاث إنما هي بتوسط وضع اللفظ للمسمى كانت كلها لفظية وضعية\nوهذا هو الذي نظرت إليه لما قلت: إنها كلها لفظية.\nوإذا نظرنا إلى أن فهم اللازم الداخل، أو الخارج إنما هو بواسطة\nالانتقال من المسمى إلى اللازم بقسميه، وهو أمر عقلي كانت المطابقة\nلفظية وضعية، والتضمن والالتزام عقليتان، وهو الذي نظر إليه فخر\nالدين الرازي والهندي.\nفالحاصل: أن فهم كل من الجزء واللازم متلقى من اللفظ\nوبواسطته اتفاقًا، وأن من جعل الدلالة عليهما عقلية أراد أن تلك\nالدلالة إنما كانت بطريق الانتقال من المسمى الأصلي إلى جزئه، أو","vol":"3","page":1071},{"text":"لازمه وهو عقلي، لا وضعي، وهو لا ينكر أنهما وضعيتان، أي:\nأنهما إنما يفهمان بواسطة اللفظ، ووضعه للمسمى الذي هو الكل أو\nالملزوم، فاتضج لك أن الخلاف لفظي.\n***\nالمسألة الثانية: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار خصوص المعنى\nوعمومه:\nينقسم اللفظ بالنسبة إلى خصوص المعنى وعمومه إلى قسمين:\nالقسم الأول: لفظ يدل على عين واحدة، ويسمى معينا، وخاصا.\nويعرف بأنه اللفظ الذي لا يمكن أن يكون مفهومه إلا ذلك الواحد\nالمعين كزيد، فإننا إذا سمعنا هذا اللفظ لا نفهم منه إلا ذلك الواحد\nالمعين الذي سمي به، كذلك قولنا: \" هذا الرجل \" يشير إلى رجل\nمعين.\nالقسم الثاني: لفظ يدل على أشياء كثيرة تتفق في معنى واحد،\nويسمى مطلقًا، ويعرف بأنه اللفظ الذي يتناول واحدًا لا بعينه.\nأو هو: اللفظ الذي لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الاشتراك في\nمعناه كقولنا: \" رجل \"، فإن هذا اللفظ يصدق على كل من تتوفر\nفيه صفة الرجولة، فلو قال السيد لعبده: \" أَكرمْ رجلًا،، فإن\nالعبد يختار أي واحد من الرجال فيكرمه.\nلكن لو أدخلت على لفظ \" رجل \" \" ال \" فقلت: \" الرجل \"\nفإن اللفظ يكون عاما يتناول جميع ما يقع عليه ذلك اللفظ.","vol":"3","page":1072},{"text":"المسألة الثالثة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار استقلاله بمعناه أو\nعدم ذلك:\nينقسم اللفظ بهذا الاعتبار إلى قسمين:\nالقسم الأول: اللفظ المفرد غير المستقل بمعناه والمفهوم، وهو:\nالحرف مثل: \" إن \"، و\" لا \"، و\" في \"، و\" على \"، ونحو\nذلك، فإن كلًّا من تلك الحروف لا يستقل بمعناه، أي: لا يفهم\nمعناه إلا باعتبار لفظ آخر دال على معنى هو متعلق معنى الحرف.\nالقسم الثاني: اللفظ المفرد المستقل بمعناه، أي: يفهم معناه الذي\nوضع اللفظ له بدون اعتبار لفظ آخر دال على معنى، وهذا القسم\nنوعان:\nالنوع الأول: أن يدل بهيئته العارضة له بحسب التصريف على\nأحد الأزمنة الثلاثة: \" الماضي \"، و\" المستقبل \"، و\" الحال \"،\nوهو: الفعل مثل: \" ضرب \"، و\" اضرب \"، و\" يضرب \".\nالنوع الثاني: أن لا يدل بهيئته على أحد الأزمنة وهو: الاسم\nوهو:\n١ - إما ألا يدل على زمان أصلًا مثل: \" السماء، و\" الأرض \"،\nو\" الرجل \".\n٢ - أو دلَّ ولكن لا بهيئته وهو:\n(أ) أن يكون مدلوله نفس الزمان مثل: \" اليوم \"، و\"الأمس \".\n(ب) أن يكون الزمان جزء مدلوله مثل: الصبوح، والغبوق.\nتقسيمات الاسم:\nالنوع الثاني وهو: الاسم ينقسم إلى \" كلي \"، و\" جزئي \".","vol":"3","page":1073},{"text":"فالكلي هو الذي لا يمنع نفس تصوره من اشتراك كثيرين فيه مثل\nالإنسان.\nوالجزئي هو الذي يمنع نفس تصوره من اشتراك كثيرين فيه مثل\n\"زيد\".\nأقسام الكلي:\nينقسم الكلي إلى \" متواطئ \"، و\" مشكك \".\n- فالمتواطئ هو الذي يحصل معناه في أفراده الذهنية أو الخارجية\nعلى السوية مثل: \" الإنسان \"، أو تقول: هو المستوي في الأفراد.\n- والمشكك هو: تفاوت الأفراد مثل \" البياض \" فإنه في الثلج\nأشد منه في العاج.\nوينقسم الكلي - أيضًا - إلى: \" اسم جنس \"، و\" مشتق \":\n- فاسم الجنس هو: أن يدل الاسم على ذات معينة مثل:\n\" الفرس \"، و\" الإنسان \".\nوالمشتق هو: دلالة إلاسم على ذي صفة معينة، دون خصوصية\nالماهية مثل: \" الفارس \"، و\" العالم \"، فإن هذا يدل على ذات\nمتصفة بالفروسية والعلم.\nأقسام الجزئي:\nالاسم الجزئي ينقسم إلى \" المستقل \"، و\" غير المستقل \".\nفالاسم الجزئي المستقل هو: العَلَم مثل: \" زيد \"، وهو الذي\nلا يحتاج إلى إضمار.\nوالاسم الجزئي غير المستقل هو: المضمر مثل: \" أنا \"، و\"أنت \"\nو\"هو\".","vol":"3","page":1074},{"text":"خلاف العلماء في المضمر هل هو جزئي أو كلي؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المضمر جزئي.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق عندي - كما جعلته هنا -،\nلأمرين:\nأولهما: أن الكلي نكرة، والمضمر أعرف المعارف فلا يكون كليا.\nثانيهما: أنه لو كان كليا لما دلَّ على الشخص، لأن الدال على\nالأعم غير دال على الأخص.\nالمذهب الثاني: أن المضمر كلي، وهو مذهب القرافي،\nوالأصفهاني وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب: أن لفظ \" أنا \"، و\" أنت \"، و\" هو \" صادق\nعلى ما لا يتناهى، فكيف يكون جزئيا؟!\nجوابه:\nلا نسلم لكم ذلك، بل هو صادق على ما يتناهى، وهو من\nيتكلم، أو من يُخاطب، أو المقصود بضمير الغائب.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على أن\nتلك الضمائر إنما تستعمل في الجزئيات، ومتى كان كذلك،\nفالأقرب أن تكون موضوعة لما تستعمل فيه، غاية الأمر: أن أحد\nالفريقين يجعل الاستعمال في الجزئي شرطا في الوضع، والفريق\nالآخر يجعل الجزئي الذي يستعمل فيه هو نفس الموضوع له، فلا\nخلاف في المعنى، فيكون الخلاف لفظيًا.","vol":"3","page":1075},{"text":"المسألة الرابعة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار وحدته وتعدُّده،\nووحدة المعنى وتعدّدِه:\nاللفظ والمعنى إما أن يتحدا، أو يتكثرا، أو يتكثر اللفظ ويتحد\nالمعنى، أو يتحد اللفظ ويتكثر المعنى، فهذه أربعة أقسام، ولكل\nقسم اسم معين، وإليك بيانها:\nالقسم الأول: أن يتحد اللفظ والمعنى، وهو: المنفرد، وسمي\nبذلك لانفراد لفظه بمعناه، وهو: إما كلي، أو جزئي، وقد سبق\nبيانه.\nالقسم الثاني: أن يتعدَّد اللفظ، ويتعدَّد المعنى، وهي: الألفاظ\nالمتباينة، وسميت بذلك؛ لأن كل واحد منها مباين للآخر، أي:\nمخالف له في معناه، وهو نوعان: \" المعاني المنفصلة \"، و\" المعاني\nالمتصلة\".\nفالمعاني المنفصلة مثل: الإنسان، والفرس، والسواد، والبياض.\nوالمعانى المتصلة باعتبارات هي كما يلي:\nالاعتبار الأول: اعتبار أن أحدهما جزء للآخر مثل: الحيوان\nوالفرس.\nالاعتبار الثاني: اعتبار أن أحدهما ذات والآخر صفة مثل:\n\"الإنسان \"، و\" الكاتب \".\nالاعتبار الثالث: اعتبار أن أحدهما صفة، والآخر صفة الصفة\nمثل: \" الناطق \"، و\" الفصيح \".\nالقسم الثالث: أن يتكثر اللفظ، ويتحد المعنى، ويُسمى\n\"المترادفة\" مثل: \" الإنسان والبشر \"، و\" الليث والأسد \".","vol":"3","page":1076},{"text":"القسم الرابع: أن يتحد اللفظ، ويتكثر المعنى - عكس الثالث -.\nوهذا نوعان:\nالنوع الأول: أن يوضع اللفظ لتلك المعاني وضعا أولًا، وهذا\nهو المشترك مثل: لفظ \" العين \" وضع للجارية، والباصرة،\nوالذهب بالوضع الأول.\nالنوع الثاني: أن يوضع اللفظ لأحد المعاني، ثم نقل إلى الثاني،\nوهذا فيه تفصيل:\nفإن وضع لأحد المعاني ثم نقل لغيره بدون علاقة، فإنه يُسمَّى\n\"المرتجل \"، وقد يطلق عليه - أيضا - \" المشترك \" مثل: \" جعفر \"\nالذي جعل عَلَمًا لشخص إنساني.\nوإن وضع لأحد المعاني ثم نقل إلى غيره لعلاقة واشتهر اللفظ في\nالثاني سمي اللفظ بالنسبة إلى المعنى الأول منقولًا عنه، ويسمى\nاللفظ بالنسبة إلى المعنى الثاني منقولًا إليه.\nثم المنقول هذا له أسماء هي كما يلي:\nالمنقول الشرعي: إن كان الناقل هو الشرع كالصلاة، فإنها في\nاللغة: الدعاء، ثم نقل الشرع ذلك إلى ذات الأركان لعلاقة.\nالمنقول العرفي: إن كان الناقل هو العرف العام مثل: \" الدابة \"\nفإنها اسم لما يدب على الأرض، ثم نقل ذلك العرف العام إلى ذات\nالحافر.\nالمنقول الاصطلاحي: إن كان الناقل هو العرف الخاص كاصطلاح\nأهل الأصول مثل: القياس، والقلب، والركن، واصطلاح أهل\nالنحو مثل: الرفع، والنصب.","vol":"3","page":1077},{"text":"هذا إن اشتهر في الثاني وأصبح مهجورًا في الأول.\nأما إن لم يشتهر في الثاني، ولم يكن مهجورًا في الأول، فإن\nاللفظ يسمى حقيقة بالنسبة إلى الأول، مجازًا بالنسبة إلى الثاني مثل:\n\" الأسد \" بالنسبة إلى الحيوان المفترس، والرجل الشجاع.\nبيان ما هو نص، وظاهر، ومجمل، ومؤول من الأقسام الأربعة\nالسابقة.\nاعلم أن الأقسام الثلاثة الأولى - متحد اللفظ والمعنى، ومتكثر\nاللفظ والمعنى، ومتكثر اللفظ متحد اللفظ - نصوص؛ وذلك لأن\nلكل واحد منها معنى معينًا متحدًا، وهو معنى النص، أو تقول:\nلاتحاد المعنى بدون احتمال الغير.\nوأما القسم الرابع - وهو: متحد اللفظ متكثر المعنى - فلا يخلو:\nإما أن تكون دلالته على كل واحد من معانيه الكثيرة على السوية،\nفهذا هو: المجمل مثل \" القرء \" بالنسبة إلى الطهر والحيض.\nوإن ترجح أحد المعاني دون الأخرى فهذا هو: الظاهر.\nوهو بالنسبة إلى المعنى الذي هو مرجوح الدلالة: مؤول.\nوهذا مثل \" المنقول \"، فإنه بالنسبة إلى المنقول إليه ظاهر،\nوبالنسبة إلى المنقول عنه مؤول.\nبيان وجه الاتفاق بين النص والظاهر ووجه الافتراق والقدر المشترك:\nالنص والظاهر يتفقان في رجحان الإفادة، ويفترقان في أن النص\nْراجح مانع من الغير -، أما الظاهر فهو راجح لا يمنع من الغير.\nوالقدر المشترك بينهما يُسمَّى بالمحكم، فالمحكم هو: \" ما يتضح\nمعناه\".","vol":"3","page":1078},{"text":"بيان وجه الاتفاق بين المجمل والمؤول ووجه الافتراق والقدر المشترك:\nالمجمل والمؤول يتفقان في عدم الرجحان، ويفترقان في أن المجمل\nوإن لم يكن راجحا فهو غير مرجوح، أما المؤول فإنه مع أنه غير\nراجح فهو مرجوح.\nوالقدر المشترك بينهما يُسمَّى بالمتشابه، فالمتشابه هو: \" ما لم\nيتضح معناه \".\nإذن: المحكم نوعان: \" النص \"، و\" الظاهر \".\nوالمتشابه نوعان: \" المجمل \"، و\" المؤول \".\n***\nالمسألة الخامسة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار حال مدلوله:\nمدلول اللفظ إما معنى، أو لفظ، والثاني - وهو: اللفظ -\nينقسم إلى المفرد، والمركب، وهذا القسمان - وهو المفرد والمركب -\nينقسم كل واحد منهما إلى مستعمل ومهمل، فهذه خمسة أقسام،\nإليك بيانها:\nالقسم الأول: لفظ مدلوله معنى مثل: \" الفرس \"، فإن مدلوله\nمعنى لا لفظ.\nالقسم الثاني: لفظ مدلوله لفظ مفرد مستعمل مثل: \" الكلمة \"،\nفإن مدلولها لفظ مستعمل وهو: الاسم، أو الفعل، أو الحرف\nمثل: \"زيد\".\nالقسم الثالث: لفظ مدلوله لفظ مفرد غير مستعمل مثل: أسماء\nالحروف، أي: حروف التهجي مثل: \" ألف \"، و\" باء \"، فإن","vol":"3","page":1079},{"text":"مدلولهما وهو: \" أ \" و\" ب \"، وهو لفظ مفرد مهمل، أي:\nليس له معنى.\nالقسم الرابع: لفظ مدلوله لفظ مركب مستعمل مثل: \" الخبر \"،\nفإنه لفظ مدلوله لفظ مركب مستعمل مثل: \" زيد قائم \".\nالقسم الخامس: لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل مثل: \" الهذيان \"\nفإنه لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل، والمقصود: ما يتلفظ به الهاذي\nمن ألفاظ غير مفيدة.","vol":"3","page":1080},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>المطلب الثالث في تقسيم المركب</span>\nالمراد من وضع اللفظ المركب: إفادته لمعناه.\nفاللفظ المركب ينقسم إلى \"قسمين:\nالقسم الأول: أن يكون اللفظ المركب مفيدًا بالذات طلبًا، وهو\nنوعان:\nالنوع الأول: أن يكون لطلب الماهية في الذهن وهذا هو:\nالاستفهام.\nالنوع الثاني: أن يكون لتحصيل الشيء في الخارج، وهذا فيه\nتفصيل:\n- فإن كان لتحصيل الفعل مع الاستعلاء فهو: أمر كقوله تعالى:\n(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)\n- وإن كان لكف النفس مع الاستعلاء فهو: نهي كقوله تعالى:\n(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله) .\nوالطلب مع التساوي: التماس كقول بعض الأصحاب لبعض:\n\"خذ الكتاب \".\nوالطلب مع التسفل: دعاء وسؤال كقولك: \" اللهم اغفر لي \".","vol":"3","page":1081},{"text":"القسم الثاني: أن يكون اللفظ المركب لا يفيد بالذات طلبا، وهذا\nنوعان:\nالنوع الأول: أن يحتمل التصديق والتكذيب وهذا هو: الخبر\nكقولك: \" قام زيد \".\nالنوع الثاني: أن لا يحتمل التصديق والتكذيب، وهذا هو التنبيه.\nويندرج في التنبيه: التمني كقوله تعالى: (يا ليت قومي يعلمون\nبما غفر لي ربي)، والترجي كقوله تعالى: (لعل اللَّه يحدث بعد\nذلك أمرًا)، والقسم كقوله: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)، والنداء\nكقوله: (يا نوح قد جادلتنا) .","vol":"3","page":1082},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>الفصل الثالث في الاشتقاق</span>\nويشتمل على المباحث الثالية:\nالمبحث الأول: تعريفه.\nالمبحث الثالث: أركان الاشتقاق.\nالمبحث الثالث: هل يشترط كون المشتق حقيقة: دوام أصله\nوهو: بقاء المشتق منه؟","vol":"3","page":1083},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبحث الأول في تعريف الاشتقاق</span>\nالاشتقاق هو: رد لفظ إلى لفظ آخر لموافقته له في حروفه\nالأصلية ومناسبته له في المعنى.\nبيان التعريف:\nقوله: \" رد لفظ إلى لفظ آخر \" إشارة إلى اشتراط التغاير في\nاللفظ، فخرجت الأسماء المشتركة.\nقوله: \" لموافقته له في حروفه \" للاحتراز عن الكلمات التي\nتوافق كلمة أخرى في معناه لا في حروفه مثل: \" الحبس \"،\nو\"المنع \"، و\" إنسان \"، و\" بشر \"، فإنه لا يقال: إن أحدهما مشتق\nمن الآخر.\nقوله: \" الأصلية \" إشارة إلى أن اشتراط الموافقة إنما هو في\nحروفه الأصلية - فقط - دون الحروف الزائدة، فمثلًا: \" دخل \"\nمشتق من \" الدخول \"، وإن لم يوافقه في الحرف الزائد، وهو:\n\"الواو \"، وكذا \" يدخل \" وإن لم يوافقه في الياء.\nقوله: \" ومناسبته له في المعنى \" للاحتراز عن الذي يوافقه في\nحروفه الأصلية، ولكن غير مناسب له في المعنى مثل \" الذهاب \" لا\nيقال: إنه مشتق من الذهب، فإنه يوافقه في حروفه الأصلية،\nولكن غير مناسب له في المعنى.","vol":"3","page":1085},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>المبحث الثاني أركان الاشتقاق</span>\nلا يتم الاشتقاق إلا بأركان أربعة هي كما يلي:\nالركن الأول: لفظ موضوع لمعنى، وهو المشتق منه.\nالركن الثاني: لفظ آخر له نسبة إلى اللفظ الأول، وهو المشتق.\nالركن الثالث: المشاركة بين الحروف الأصلية والمعنى.\nالركن الرابع: تغيير يلحق المشتق بزيادة أو نقصان، وهو خمسة\nعشر قسما هي كما يلي:\nالقسم الأول: زيادة حرف نحو: \" كاذب \" من \" الكذب \"\nزيدت الألف بعد الكاف.\nالثاني: زيادة الحركة مثل: \" نَصَر \" مشتق من \" النصر \" زيدت\nحركة الصاد.\nالثالث: زيادة الحركة والحرف جميعًا مثل \" ضارب \" مشتق من\n\"الضرب \" زيدت الألف بعد الضاد، وزيدت حركة الراء.\nالرابع: نقصان حرف مثل: \" خَفْ \" مشتق من \" الخوف \"\nنقصت الواو.\nالخامس: نقصان الحركة مثل: \" ضرْب \" من \" ضَرَب \" نقصت\nحركة الراء.\nالسادس: نقصان الحرف والحركة معا مثل \" غَلَى \" مشتق من\n\"الغَلَيان \".","vol":"3","page":1086},{"text":"السابع: زيادة الحرف ونقصانه مثل: \" مسلمات \" زيدت ألف\nوتاء الجمع، ونقصت تاء كانت في المفرد.\nالثامن: زيادة الحركة ونقصانها مثل: \" حذر \" مشتق من \"الحذَر\"\nزيدت كسرة الذال، ونقصت فتحتها.\nالتاممع: زيادة الحرف ونقصان الحركة مثل: \" عادّ \" بالتشديد مشتق\nمن \"العدد\" زيدت الألف بعد العين، ونقصت حركة الدال الأولى.\nالعاشر: عكس التاسع وهو: زيادة الحركة ونقصان الحرف مثل:\n\" خُذْ \" مشتق من \" الأخذ \" زيدت حركة \"الخاء\" ونقصت \"الألف \".\nالحادي عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه مثل:\n\"خاف \" مشتق من \" الخوف \"، فهنا زيدت حركة \" الفاء \"، وزيد\nحرف الألف ونقص حرف الواو.\nالثاني عشر: زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها مثل \"اضرب \"\nمشتق من \" الضرب \" زيد حرف \" الألف \" للوصل، وزيدت حركة\n\" الراء \"، ونقصت حركة الضاد.\nالثالث عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه مثل: \"كال \"\nمشتق من \" الكلال \" فهنا نقصت حركة اللام الأولى للإدغام، وزيد\nحرف الألف قبل \" اللام \" الأولى، ونقص حرف \" اللام \" الثانية.\nالرابع عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها مثل:\n\"صِل \" مشتق من \" الوصول \"، فهنا نقص حرف وهو \" الواو \"،\nوزيدت حركة وهي: كسر الصاد، ونقص حركة وهي: ضمة الصاد.\nالخامس عشر: زيادة الحرف والحركة ونقصان الحرف والحركة\nمثل: \" إرْم \" مشتق من \" الرمي \"، فهنا زيد حرف \" الألف \"،\nونقص حرف \" الياء \"، وزيد حركة \" الميم \"، ونقصت حركة الراء.","vol":"3","page":1087},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>المبحث الثالث هل يُشترط كون المشتق حقيقة: دوام أصله\nوهو: بقاء المشتق منه</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب ثلاثة:\nأصحها: أنه مشترط مطلقًا، أي: يشترط كون المشتق حقيقة\nدوام أصله، وهو: بقاء المشتق منه، وهو مذهب فخر الدين\nالرازي، والبيضاوي، وكثير من العلماء.\nدليل ذلك:\nأن المشتق يصدق نفيه عند زوال المشتق منه؛ لأنه بعد انقضاء\nالضرب يصدق عليه أنه ليس بضارب - في الحال، فيصدق أنه ليس\nبضارب؛ حيث: إن قولنا: \" ليس بضارب \" جزء لقولنا -: \" ليس\nبضارب في الحال \"، ومتى صدق الكل صدق الجزء، فيصدق أنه\nليس بضارب.\nوإذا صدق نفيه فلا يصدق إيجابه - وهو: أنه ضارب -؛ لأنهما\nمتناقضان، فإذا صدق أحد النقيضين لا يصدق الآخر.\nويُبنى على ذلك مسألة فقهية وهي: أنه إذا مات مفلس وعليه\nديون، ووجد بعض الغرماء ما باعه عليه بعينه في تركة هذا المفلس،\nفهل له الرجوع إليه؟\nفذهب أبو حنيفة، والحسن البصري، والنخعي إلى أنه ليس","vol":"3","page":1088},{"text":"للغريم الرجوع إليه، فلما اعترض عليهم بقوله - ﷺ -:\n\"فصاحب المتاع أحق بمتاعه \"\nقالوا: إن المراد بذلك هو: المعير، وعللوا ذلك\nبقولهم: إن من باع متاعه لا يسمى صاحب متاع بعد ما باع بناء على\nاشتراط بقاء المعنى في إطلاق اسم المشتق حقيقة.\nوذهب جمهور العلماء إلى أن له ذلك مستدلين بالحديث السابق،\nفهذا الشخص صاحب المتاع بناء على أن بقاء المعنى غير مشترط فى\nإطلاق المشتق.","vol":"3","page":1089},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الفصل الرابع في الاشتراك</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: تعريفه.\nالمبحث الثاني: هل المشترك ممكن وثابت وواقع في اللغة؟\nالمبحث الثالث: في أقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته.\nالمبحث الرابع: هل يصح استعمال المشترك في كل معانيه إذا\nأمكن الجمع بينها؟\nالمبحث الخامس: بيان أن الاشتراك خلاف الأصل.\nالمبحث السادس: حالات اللفظ المشترك عند وجود القرينة أو\nعدمها.\nالمبحث السابع: الفرق بين المشترك والمتوافى.\nالمبحث الثامن: الفرق بين المشترك والمتوافى والمشكك.\nخاتمه: في بيان الكلي، والكلية، والكل، والجزئي، والجزئية،\nوالجزء.","vol":"3","page":1091},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>المبحث الأول تعريفه</span>\nالاشتراك في اللغة مأخوذ من الشركة، شبهت اللفظة في اشتراك\nالمعاني فيها بالدار المشتركة بين الشركاء.\nواللفظ المشترك اصطلاحا هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين\nفأكثر وضعا.\nبيان التعريف:\nفعبارة: \" اللفظ \" جنس يشمل المشترك وغيره.\nوعبارة: \" الواحد الموضوع لمعنيين \" أخرجت اللفظ الواحد\nالموضوع لمعنى واحد مثل الألفاظ المتباينة، والمتواطئة، والمشككة؛\nلأنها لم - توضع لمعنيين، بل وضعت لمعنى واحد، وإن كان ذلك\nمشتركا بين الأفراد.\nوعبارة \" فأكثر \" أتى بها ليدخل الذي وضع لثلاث معان فأكثر\nكالعين.\nوعبارة: \" وضعا أولا \" أخرجت الألفاظ المنقولة والمجازية، فإنها\nوإن كانت موضوعة لعدة معان، ولكن لا وضعا أولا.\nفاللفظ المشترك هو لفظ يطلق على مسميين ومعنيين فكثر لا تشترك\nفي الحد والحقيقة.","vol":"3","page":1093},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المبحث الثاني هل المشترك ممكن وثابت وواقع في اللغة</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن المشترك ممكن وثابت في اللغة وواقع.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لقيام الدليل\nعلى إمكانه وجوازه، وقيام الدليل على وقوعه.\nأما الدليل على إمكانه وجوازه: أن المشترك يمكن أن يقع من\nواضعين بأن وضع أحدهما لفظا لمعنى، ثم وضع آخر ذلك اللفظ\nلمعنى آخر، كالعين مثلًا، فيمكن أن يكون أحدهما وضعه للجارية،\nوالآخر وضعه للناظرة والباصرة، ثم اشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين\nفي إفادة ذينك المعنيين.\nويمكن أن يقع من واضع واحد لغرض الإبهام؛ وذلك لأن\nالمقصود من الوضع قد يكون التصريح، وقد يكون الإبهام، حيث\nيستلزم التصريح مفسدة، وهي اطلاع الغير على أشياء لم يرد اطلاعه\nعليها، فوضعوا للأول - وهو المراد التصريح به - الألفاظ المفردة،\nووضعوا للثاني - وهو المراد إبهامه - الألفاظ المشتركة.\nوأما الدليل على وقوعه فهو: أن القرء \" يطلق علي \" الطهر \"\nو\" الحيض \"، فهو إما أن يكون متواطئا، أو يكون حقيقة في\nأحدهما مجازًا في الآخر، أو مشتركا.","vol":"3","page":1094},{"text":"أما الأول - وهو كونه متواطئا - فهو باطل؛ لأن شرط التواطؤ:\nاتحاد المعنى، وهاهنا ليس كذلك.\nأما الثاني - وهو كونه حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر - فهو\nباطل أيضا؛ لأنه لو كان كذلك لتبادر المعنى الحقيقي إلى الذهن،\nولكن الحق: أن الذهن - عند سماع هذا اللفظ مجردًا عن القرينة -\nيتردد بين \" الطهر \"، و\" الحيض \".\nفلم يبق إلا الثالث وهو: أنه مشترك؛ وذلك لتردد الذهن بين\nذينك المعنيين والتردد علامة الاشتراك.\nالمذهب الثاني: أن المشترك واجب، وهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن المعاني غير متناهية؛ لأن الأعداد أحد أنواع الموجودات وهي\nغير متناهية، والألفاظ متناهية؛ حيث إنها مركبة من الحروف المتناهية\nوالمركب من المتناهي متناه، فإذا وزعت المتناهية على المعاني غير\nالمتناهية لزم الاشتراك؛ حيث سيكون للفظ الواحد عدة معان\nبالضرورة.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن المعاني غير متناهية؛ لأن المراد\nبالمعاني الأجناس، وهي متناهية.\nسلمنا ذلك، لكن لا نُسَلِّمُ أن الألفاظ متناهية.\nالجواب الثاني: لو سلمنا المقدمتين فإنا نقول: إن المقصود\nبالوضع: ما حصل في العقل، وهو متناه، وهو لا يلزم الاشتراك.","vol":"3","page":1095},{"text":"المذهب الثالث: أن المشترك ممتنع وليس بواقع، وهو لبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن المشترك لا يفهم الغرض والمعنى المقصود من الواضع، وإذا\nكان كذلك فإنه يؤدي إلى المفسدة، وما كان مؤديا إلى المفسدة وجب\nأن لا يكون، فيكون المشترك - حينئذ - مفسدة فيمتنع وقوعه.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن اللفظ إذا كان مشتركا لم يفهم الخاطب الغرض والمقصود\nوالمعنى المراد من الواضع؛ لجواز أن يعرف مراد المتكلم بالقرائن.\nوإن سلمنا: أن اللفظ المشترك لا يفهم الغرض المراد، فلا نسلم\nأن المقصود من الوضع في جميع المواضع هو الفهم التفصيلي؛\nلجواز أن يكون التعريف الإجمالي مقصودًا في بعض الصور، كما\nفي أسماء الأجناس كالحيوان، والإنسان، فإنها تدل على ما وضعت\nله إجمالًا، ولا تدل على تفاصيل ما تحتها.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي في هذه المسألة؛ لاتفاق أصحاب المذاهب على أن\n\" القرء \" متردد بين \" الطهر \"، و\" الحيض \"، وهما ضدان.\nأما أصحاب المذهب الأول والثاني فواضح.\nأما أصحاب المذهب الثالث فقد يسمونه باسم آخر كالمشكل مثلًا.\nتنبيه: المشترك وافع في القرآن الكريم مثل: \" القرء \" و\"عسعس \"\nو\" الصريم \"، وواقع في السُّنَّة مثل ما روي: \" أن النبي - ﷺ - أقام العشاء حين غاب الشفق \"، والقرء، وعسعس، والصريم،\nوالشفق ألفاظ مشتركة، وقد سبق بيان ذلك في الباب الثاني وهو\nفي: أدلة الأحكام.","vol":"3","page":1096},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المبحث الثالث أقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته</span>\nالقسم الأول: اللفظ المشترك بين مسميات متضادة لا يمكن الجمع\nبينها، ولا الحمل عليها.\nمثل: \" القرء \" لفظ مشترك بين \" الطهر\"، و\" الحيض \"، وهما متضادان.\nمثال آخر: \" الجلل \" لفظ مشترك بين \" الكبير \" و\" الصغير\nوالهين \" وهما متضادان.\nمثال ثالث: \" الجون \" لفظ مشترك بين \" الأسود \" و\" الأبيض \"\nوهما متضادان.\nمثال رابع: \" الشفق \" لفظ مشترك بين \" البياض \" و\" الحمرة \"\nوهما متضادان.\nالقسم الثاني: اللفظ المشترك بين مسميات مختلفة - لا صلة لأحدها\nبالآخر.\nمثل: \" العين \" فإنها تطلق على معان كثيرة ومختلفة حقيقة،\nفتطلق على \" العين الباصرة \"، و\" عين الإرواء \"، و\" الشمس \"،\nو\" الذهب \"، وغيرها، فهذه المعاني اختلف بعضها عن بعض،\nولا يوجد أي صلة بين بعضها وبعضها الآخر.\nالقسم الثالث: اللفظ المشترك بين مسميات متناقضة مثل: إلى \"\nعلى رأي القائل: إنها مشركة بين إدخال الغاية وعدمه.","vol":"3","page":1097},{"text":"القسم الرابع: اللفظ المشترك بين الشيء ووصفه مثل لفظ (تأبط\nشرا)، وبين \"الفاعل \" و\" المفعول\" مثل: \" المختار \" يقال للذي\nاختار الثوب مختار، ويقال للثوب نفسه مختار أيضا.\nالقسم الخامس: اللفظ المشترك بين مسميين بينهما تعلق، وهذا\nنوعان:\nالنوع الأول: أن يكون أحد المعنيين جزءًا للآخر مثل: \" الممكن \"\nيطلق على العام والخاص، فإن الممكن العام - وهو سلب الضرورة\nعن أحد الطرفين - جزء للممكن الخاص - وهو: سلب الضرورة\nعن طرفي الحكم -.\nالنوع الثاني: أن يكون أحد المعنيين لازما للاخر مثل: \" الشمس \"\nفإنه يطلق على الكوكب، ويطلق على ضوء ذلك الكوكب،\nوالضوء - كما هو معلوم - لازم للكوكب.\nالقسم السادس: الاشتراك في التركيب مثل قوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، فإن الذي بيده عقدة النكاح مشترك\nبين الزوج، والولي.\nالقسم السابع: الاشتراك في الحرف مثل: (الواو) تكون\nللعطف، وللقسم، والابتداء، وحرف \" من \" تكون للتبعيض،\nوبيان الجنس، وحرف (الباء) تكون للاستعانة، والسببية.\n-","vol":"3","page":1098},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المبحث الرابع هل يصح استعمال المشترك في كل معانيه إذا أمكن الجمع بينها</span>؟\nاللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت واحد إذا كان مشتركا بين\nمعنيين كالعين للذهب، والجارية، والنكاح المطلق على العقد\nوالوطء، ولم تكن الفائدة فيهما واحدة هل يجوز أن يراد به كلا\nالمعنيين معا أو لا؟\nأي: هل يصح أن يستعمل المتكلم اللفظ الواحد في جميع معانيه\nدفعة واحدة على أن يكون كل معنى مقصودًا بالحكم في وقت واحد\nأو لا يصح ذلك؟\nاختلف في ذلك على مذاهب، أهمها:\nالمذهب الأول: أنه يصح ويجوز أن يراد باللفظ جميع معانيه إذا\nتجرد عن القرائن، وإطلاقه على جميع معانيه حقيقة مطلقا.\nذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، والباقلاني، والبيضاوي، وكثير\nمن العلماء، وهو الحق عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: الوقوع، والوقوع دليل الجواز، وقد وقع في\nالقرآن في موضعين:\nالموضع الأول: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) .","vol":"3","page":1099},{"text":"فالصلاة من اللَّه تعالى: الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة:\nالاستغفار، وهما معنيان متغايران، واستعمل لفظ \" الصلاة \" فيهما\nدفعة واحدة؛ حيث وقع الإخبار به، فدل ذلك على صحة استعمال\nالمشترك في كل معانيه في وقت واحد.\nما اعترض به على الاستدلال بهذه الآية:\nالاعتراض الأول: أن قوله تعالى: (يصلون) فيه ضميران:\nأحدهما عائد إلى اللَّه، والآخر عائد إلى الملائكة، وتعدد الضمائر\nبمنزلة تعدد الأفعال، فكأنه قال: \" إن اللَّه يصلي وملائكته تصلي \"\nفهو - إذن - بمثابة ذكر فعلين، ومسألتنا في استعمال اللفظة الواحدة\nفي معنيين، وليس في استعمال لفظين في معنيين، ذكر ذلك تاج\nالدين الأرموي.\nجوابه:\nإن الآية لم ينطق بها إلا بلفظ واحد هو: (يصلون)، فيكون\nاللفظ واحدًا، - ولكن معناه قد تعدد، وقد أريد به كل معانيه.\nالاعتراض الثاني: أن لفظ \" الصلاة \" مشترك بالاشتراك المعنوي،\nدون اللفظي، بيان ذلك:\nأن لفظ \" الصلاة \" مستعمل في القدر المشترك بين المغفرة\nوالاستغفار وهو: الاعتناء وإظهار شرف الرسول - ﷺ -، فيكون مشتركا معنويا، ولا يكون مشتركا لفظيا، ذكر ذلك الغزالي.\nجوابه:\nأن استعمال الصلاة في الاعتناء مجاز؛ لعدم تبادره إلى الذهن،\nوالأصل في الكلام الحقيقة، فالصلاة مشتركة بين المغفرة والاستغفار،","vol":"3","page":1100},{"text":"فيحمل عليهما مراعاة للمعنى الحقيقي، ولا يُعدل عنهما إلى المجاز\nإلا بقرينة، ولا قرينة.\nالاعتراض الثالث: أنه يجوز أن يكون قد حذف الخبر لوجود\nقرينة تدل عليه، كما في قول الشاعر:\nنحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف\nوالتقدير: أن اللَّه يصلي، وملائكته يصلون.\nجوابه:\nإن هذا فيه إضمار، والإضمار خلاف الأصل.\nالموضع الثاني: قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أسند السجود إلى المذكورين في\nالآية، وحقيقة \" سجود الناس \": وضع الجبهة على الأرض،\nوحقيقة سجود الدواب والشمس والقمر والنجوم هو: الخضوع\nوالخشوع؛ لأن السجود على الجبهة غير متصور منها، فاستعمل\n\"السجود\" في الآية في معنييه، إذن لفظ \" السجود \" مشترك لفظي\nبين الخشوع ووضع الجبهة.\nاعتراض على ذلك:\nقال بعض المعترضين - كتاج الدين الأرموي -: لا نُسَلِّمُ أنه\nاستعمل اللفظ الواحد في معنييه، بل المستعمل ألفاظ متعددة؛ لأن\nحرف العطف بمثابة تكرار العامل فيكون تقدير الآية: إن الله يسجد\nله من في السموات، ويسجد له من في الارض، وتسجد له","vol":"3","page":1101},{"text":"الشمس، ويسجد له القمر ... إلخ، فليس فيه إعمال للمشترك\nفي معنييه، بل يكون اللفظ متعددًا أريد بكل واحد معنى من المعاني،\nوهذا خارج عن محل النزاع.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن العاطف بمثابة العامل؛ لأن الثابت\nعند جمهور النحاة أن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف\nعليه، وبذلك يُساوَى الثاني بالأول إعرابا وحكما، والعامل في\nالثاني هو الأول بواسطة العاطف، فيكون مجموع الخضوع ووضع\nالجبهة مرادًا.\nالجواب الثاني: أنه لو سلمنا أن العاطف بمثابة العامل للزم من\nذلك أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو:\nوضع الجبهة على الأرض؛ لأنه مدلول الأول، وهو ظاهر البطلان؛\nلأنه لا يتحقق في الشمس ولا في القمر ونحوهما، فثبت ما قلناه.\nالدليل الثاني: أن كل عاقل يصح أن يقصد بقوله: \" لا تنكح ما\nنكح أبوك \" نهيه عن العقد وعن الوطء جميعًا من غير تكرار اللفظ،\nولا ينكر هذا إلا مكابر معاند، فثبت ما قلناه وهو: أنه يصح أن يراد\nباللفظ المشترك جميع معانيه.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز استعمال المشترك في جميع معانيه\nمطلقا.\nوهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحابه، كأبي الحسن الكرخي\nوبعض الشافعية كابن الصباغ، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب.","vol":"3","page":1102},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الإنسان يجد من نفسه تعذر استعمال اللفظ\nالمشترك في معنييه، ويجد تعذر استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه\nمعا، قياسًا على تعذر تعظيم زيد والاستخفاف به في آن واحد.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل، فإنه لا يمتنع\nتعظيم زيد والاستخفاف به في حال واحد، فإذا جاز ذلك: جاز\nاستعمال اللفظ في معنييه في حال واحد.\nالجواب الثاني: على فرض أن الحكم في الأصل - وهو المقاس\nعليه - صحيح، فإن قياسكم ما نحن فيه عليه قياس فاسد؛ لأنه\nقياس مع الفارق؛ لأن تعظيم زيد والاستخفاف به في آن واحد\nيختلف عن حمل اللفظ المشترك في معنييه، أو حمل اللفظ على\nحقيقته ومجازه، فالمتكلم يجوز أن يريد باللفظ المشترك معنييه معا،\nويجوز أن يريد المبنى الحقيقي والمجازي في خطابين في آن واحد،\nولكن لا يجوز أن يعظم زيدا ويستخف به بقولين في آن واحد؛\nحيث إن التعظيم ينبئ عن ارتفاع حال المعظم، أما الاستخفاف به،\nفإنه ينبئ عن انحطاط حاله، وليس كذلك ما نحن فيه، ثم لا نقول\nبحمل اللفظ المشترك إلا فيما أمكن الجمع فيه بين المعنيين مثل لفظ\n\" النكاح \"، فإنه يصح حمله على معنييه وهما: العقد والوطء،\nوذلك في قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) .\nالدليل الثاني: أنه لو جار حمل اللفظ على معنييه لجاز أن يراد\nبلفظ \" افعل \" الاباحة، والإيجاب، والندب، وكذلك لو جاز","vol":"3","page":1103},{"text":"حمل اللفظ المشترك على معنييه لجاز أن يريد بقوله: (اقتلوا\nالمشركين): المشركين والمؤمنين، وبقوله: (يا أيها الناس):\nالناس والبهائم.\nجوابه:\nأنا نقول: يحمل اللفظ على معنييه بشرط: إمكان الجمع بين\nالمعنيين وفي جميع الأمثلة السابقة التي ذكرتموها في دليلكم يمتنع\nالجمع؛ لوجود التضاد، كما أن لفظ \" الناس \" لا يجري على\nالبهائم، ولفظ \" المشركين \" لا يجري على المؤمنين؛ لعدم تصوره،\nلا حقيقة ولا مجازًا.\nالمذهب الثالث: التفصيل بين النفي والإثبات، بيانه:\nأنه يصح استعمال اللفظ المشترك في كل معانيه في النفي، سواء\nكان هذا اللفظ مفردًا أو غير مفرد، ولا يصح استعماله في الكل في\nالإثبات مطلقا، وهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن المشترك إذا وقع في النفي يكون عاما؛ لأنه يكون نكرة في\nسياق النفي وهي تعم، فإذا حلف لا يكلم مواليه: تناول الأعلى\nوالأسفل، وإذا قال: \" ليس عندي عين \"، وأراد نفي كل ما\nيصدق عليه عين صح ذلك، ولو قال: \" لا تعتدي بقرء \"، فإنه\nيحمل على معنييه الطهر والحيض، ولكن لو وقع ذلك في الإثبات\nفلا يجم؛ لأن النكرة في سياق الإثبات لا تعم، فلا يوجد ما\nيقتضي العموم، فلا تصح إرادته.\nجوابه:\nلا نسلم الفرق الذي ذكرتموه بين النفي والإثبات؛ حيث إن اللفظ","vol":"3","page":1104},{"text":"إذا وقع في النفي يكون مرادًا منه ما أريد به في الإثبات، فإن أريد به\nفي النفي جميع معانيه كان المراد به في الإثبات جميع معانيه ولا فرق\nبينهما.\nوأيضا: فإن النكرة في سياق النفي تعم في أفراد مدلول واحد،\nلا في أفراد المدلولات المختلفة.\nالمذهب الرابع: أنه يصح استعمال اللفظ المشترك في كل معانيه\nبشرط: أن يكون مثنى أو جمعا سواء وقع ذلك في سياق الإثبات\nأو النفي، ولا يصح استعماله في جميع معانيه إذا كان مفردًا، سواء\nكان واقعا في الإثبات أو النفي.\nدليل هذا المذهب:\nأن اللفظ المشترك إذا كان جمعا، فإنه يكون بمثابة تكرار المفرد\nوتعدده، ويكون كل لفظ من الألفاظ المفردة مرادًا به معنى من\nالمعاني، فالمثنى والجمع في حكم تعدد الأفراد، فقولك: \" ثلاث\nعيون \" في قوة قولك: عين، وعين، وعين، فكما يجوز أن تريد\nبالأولى العين الباصرة مثلًا، وبالثانية العين الجارية، وبالثالثة\nالذهب، فكذا في الجمع.\nجوابه:\nنسلم لكم أن الجمع بمثابة تكرار المفرد وتعدده، ولكن ذلك\nمشروط بأن تكون تلك المفردات متساوية في المعنى، فمثلًا إذا قيل:\n\" عندي عيون \" لزم أن تكون المفردات المجموعة من نوع واحد وهو\nالعيون الجارية، ولا يصح أن يكون مرادًا بعين: الذهب، وبأخرى\nالجارية، وبالثالثة الباصرة.","vol":"3","page":1105},{"text":"تنبيه: لقد قلت: إنه يصح أن يراد باللفظ جميع معانيه حقيقة،\nوهو المذهب الأول، وأقصد بذلك: أن اللفظ المشترك وضع في\nأصل اللغة ليدل على معانيه على البدل، فإذا وجدت قرينة تدل على\nالمعنى المراد باللفظ المشترك حمل عليه، وإن لم توجد قرينة تدل على\nالمعنى المراد: فلا يمتنع أن يراد باللفظ جميع معانيه الصالح لها مطلقا\nأي: سواء كان مفردًا أو مثنى، أو جمعًا، أو مثبتا، أو منفيا بشرط\n: إمكان الجمع بين معانيه.\nأما إذا لم يكن الجمع بين معانيه ممكنًا؛ نظرًا لتضادها، أو\nتناقضها، فلا يجوز حمله على معانيه المختلفة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية،\nومنها:\n١ - هل يقع طلاق المكره؟\nمن قال: يحمل اللفظ المشترك على معنييه معا ذهب إلى أنه لا\nيقع طلاق المكره مستدلين بقوله - ﷺ -:\n\" لا طلاق ولا عتاق في إغلاق \"\nحملًا للفظ \" إغلاق \" على معنييه وهما: \" الجنون والإكراه \"،\nوهو مذهب كثير من الفقهاء وهو الحق.\nأما من منع حمل اللفظ المشترك على معنييه فعندهم أن حكمه:\nالتوقف؛ لأنه مجمل، فلا يحمل اللفظ على معنييه ولا على\nأحدهما إلا بقرينة، ولذلك قالوا بوقوع طلاق المكره، وهم كثير من\nالحنفية.\n٢ - هل أولياء الدم يخيرون بين القصاص والدية في القتل العمد\nالعدوان؟","vol":"3","page":1106},{"text":"من حمل اللفظ المشترك على معنييه معا ذهب إلى أنهم يخيرون\nبينهما حملًا لكلمة \" سلطانا \" في قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) على معنييها وهما: القصاص والدية.\nأما من منع حمل اللفظ المشترك على معنييه، فإنهم ذهبوا إلى\nعدم التخيير، وحملوا لفظ \" سلطانا \" على القصاص فقط؛ لعدم\nجوار حمل اللفظ على معنييه معا.","vol":"3","page":1107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المبحث الخامس بيان أن الاشتراك خلاف الأصل</span>\nالاشتراك مرجوح عند السامع، أي: إذا دار اللفظ بين كونه\nمفردًا، وكونه مشتركا حمل على الانفراد دون الاشتراك، فالأصل\nفي كل لفظ أن يكون له معنى واحد فقط، أما أن يكون للفظ الواحد\nأكثر من معنى - وهو: المشترك - فهو خلاف الأصل.\nودلَّ على أن اللفظ الذي له معنى واحد راجح، وأن اللفظ الذي\nله أكثر من معنى مرجوح أدلة، من أهمها:\nالدليل الأول: الاستقراء والتتبع للألفاظ العربية أثبت أن أكثرها\nألفاظ منفردة ليس لها إلا معنى واحد، والكثرة تفيد الظن والرجحان\nفيكون اللفظ المنفرد بمعنى واحد أكثر وجودًا من اللفظ الدال على\nمعنيين فأكثر - وهو المشترك - فيكون مرجوحا؛ نظرًا لقلته.\nالدليل الثاني: لو كان الاشتراك راجحًا على انفراد اللفظ بمعنى\nواحد أو مساويا له للزم من ذلك أمران باطلان:\nأولهما: التسلسل وهو باطل.\nبيانه: أنه لا يمكن فهم المعنى من اللفظ إلا بعد الاستفسار من\nالمتكلم عما أراده من ذلك اللفظ المشترك؛ لاحتمال أن يكون قد أراد\nبذلك اللفظ معنى غير ذلك المعنى الذي فهمه السامع، وهذا\nالاستفسار لا يكفي؛ لأن المستفسر منه سيأتي بلفظ يحتاج - أيضا -\nإلى استفسار، وهكذا إلى ما لا نهاية له، وهذا تسلسل، والتسلسل","vol":"3","page":1108},{"text":"باطل، فهذا يدل على أن الاشتراك باطل، ونظرًا لذلك فإنه لا ينظر\nإلى هذا الاحتمال، ويفهم من اللفظ معناه بدون أي استفسار؛\nلكونه هو الراجح.\nثانيهما: عدم الاستدلال بنصوص الكتاب والسُّنَّة على ظن\nالحكم، وهو ظاهر - البطلان.\nبيانه: أنه لا يصح الاستدلال بالنصوص من الكتاب أو السُنَّة على\nالظن بالحكم المطلوب؛ وذلك لاحتمال أن يكون الشارع قد أراد من\nالنص معنى يخالف المعنى الذي فهمه السامع.\nوعدم الاستدلال بالنصوص على ظن الحكم باطل؛ لأنه يترتب\nعلى ذلك ذهاب الشريعة كلها؛ حيث إن هذين الأصلين - وهما\nالكتاب والسُّنَّة - يعتبران الدليلان الأصليان لإثبات الأحكام\nالشريعة، وغيرهما من الأدلة راجعة إليهما، وبذلك يكون الاشتراك\nمرجوحًا.\nالدليل الثالث: أن الاشتراك يؤدي إلى مفسدة ترجع إلى السامع،\nوهي: أن السامع قد لا يفهم المعنى المراد؛ لعدم القرينة الدالة عليه،\nولا يستفسر من المتكلم؛ لأمور هي:\n١ - هيبة المتكلم لعظمته،\n٢ - أن السامع يرى أن الاستفسار مشعر بجهله،\n٣ - أنه مصاب بمرض قد منعه من الاستفسار،\n٤ - أن وقته ضيق.\nفيفهم السامع ذلك اللفظ فهمًا غير صحيح، ثم يحكيه لغيره،\nثم غيره يحكيه لغيره وهكذا، وفي ذلك إفشاء للجهل وفساد كبير.\nالدليل الرابع: أن الكلام بالمشترك يؤدي إلى ضياع شيء كان\nينبغي المحافظة عليه: فقد يتكلم المتكلم بالمشترك ويعتمد على فهم\nالسامع، فيفهم السامع خلاف ما أراده، فيترتب. على هذا الخطأ في","vol":"3","page":1109},{"text":"الفهم ضياع أموال للمتكلم، فمثلًا لو قال السيد لعبده: \" أعط\nالفقير عينًا \" وهو يريد من العين: الماء، واعتقد في ذلك على فهم\nالعبد، فأعطى العبد الفقير ذهبا، فإن السيد يخسر ذلك المال،\nوهذا نتج عن الكلام باللفظ المشترك، فبان أن المشترك مرجوحا،\nفيكون خلاف الأصل.","vol":"3","page":1110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المبحث السادس حالات اللفظ المشترك عند وجود القرينة أو عدمه</span>\nهذا المبحث يعتبر تفريعًا على المبحث الرابع، وأبين ذلك فأقول:\nالحالة الأولى: إذا تجرد اللفظ المشترك عن القرائن العاملة، أو\nالملغية لكل المعاني، أو لبعضها، فإن هذا يكون مجملًا عند من منع\nاستعماله في كل معانيه، فلا يحمل على شيء من المعاني حتى تقوم\nالقرينة، أما عند من جوز استعماله في كل معانيه، فإنه لا يكون\nمجملًا، بل السامع يحمله على كل معانيه إذا أمكن الجمع بينها.\nالحالة الثانية: إذا وجدت قرينة رجحت أكثر من معنى، فإنه يكون\nمجملًا عند من منع استعماله في كل معانيه، وأما من جوز حمله\nعلى أكثر من معنى، فإنه يحمله على ما دلَّت عليه القرينة مثل:\n\"عندي عين صافية \"، فإنه يحمل على كل عين ما عدا عين\nالجاسوس؛ لأن الصفاء يشترك فيه ما عدا ذلك من المعاني:\nكالشمس، والذهب، والباصرة، والجارية.\nالحالة الثالثة: إذا وجدت قرينة تلغي بعض معانيه وتجعل ذلك\nالبعض غير مراد: فإن كان الباقي معنى واحدًا تعين حمله عليه، وإن\nكان أكثر فهو مجمل عند من منع استعماله في الكل، ويحمل على\nالمعاني الباقية بعد إلغاء البعض عند من جوز حمله على الجميع مثل:\n\" هذه عين ليست ذهبا ولا باصرة \".\nالحالة الرابعة: إذا وجدت قرينة تلغي كل معانيه، ففي هذه الحالة","vol":"3","page":1111},{"text":"لا يحمل على شيء من معانيه الحقيقية اتفاقا؛ لوجود القرينة المانعة،\nولكن يحمل اللفظ على مجازه، وحينئذٍ لا يخلو:\nإما أن يكون المجاز واحدًا، فإنه يُحمل عليه.\nوإما أن تكون المجازات متعددة، فلا يخلو.\nإما أن تتساوى تلك المجازات، ففي هذه الحالة يكون اللفظ\nمجملًا عند من منع حمل اللفظ على جميع معانيه، ويحمل على\nتلك المجازات جميعها عند من جوز استعماله في الكل.\nوإما أن لا تتساوى تلك المجازات، بل ترجح بعضها على البعض\nالآخر، فإن كان الراجح واحدًا فإنه يحمل عليه، وإن كان متعددًا\nفإنه يكون مجملًا عند من منع حمل اللفظ على جميع معانيه،\nويحمل على الكل عند من جوز حمل اللفظ على جميع معانيه.\nالحالة الخامسة: إذا وجدت قرينة تعين بعض معانيه، ففي هذه\nالحالة يجب حمله على ما دلت عليه القرينة مثل قوله تعالى: (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ)، فإنه يحمل على الماء.","vol":"3","page":1112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>المبحث السابع الفرق بين المشترك والمتواطئ</span>\nالمشترك قريب الشبه من المتواطئ إلى درجة أنه يعسر على الذهن\nالتفريق بينهما، قال الآمدي: \" قد يظن في أشياء أنها مشتركة وهي\nمتواطئة، وفي أشياء أنها متواطئة، وهي مشتركة \"، لذلك عقدت\nهذا المبحث لبيان الفرق بينهما فأقول:\nإن المشترك هو: اللفظ الواحد الذي يطلق على معنيين فكثر، لا\nتشترك في الحد والحقيقة مثل: \" العين \"، و\" القرء \"، كما سبق\nبيانه، ويشترط فيه حصر معانيه، وتغاير أفراده.\nأما المتواطئ فهو: الذي يحصل معناه في أفراده الذهنية أو\nالخارجية على السوية مثل \" الإنسان \"، أو هو: المستوي في الأفراد\nدون حصر.","vol":"3","page":1113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>المبحث الثامن الفرق بين المشترك والمتواطئ والمشكك</span>\nيقرب من المشترك والمتواطئ: المشكك.\nفالمشكك مشتق من الشك؛ لأنه يشك الناظر فيه هل هو مشترك\nأو متواطئ، فإن نظر إلى إطلاقه على المختلفات قال هو: مشترك\nكالعين والقرء.\nوإن نظر إلى أن مسماه واحد: قال: هو متواطئ، فجاء هذا\nالشك؛ لاستواء الأفراد في حصول معناه لها، وتفاوتها في مفهومه\nبالأولوية وغيرها، ولعلي أشرح ذلك قائلًا:\nإن الكلي إن تفاوتت أفراده بقلة وكثرة كنور الشمس والسراج، أو\nتفاوتت أفراده بشدة وضعف كبياض الثلج، وبياض العاج: فإن هذا\nمشكك؛ لأن الناظر يشك فيه هل هو من المتواطئ؛ لوجود الكلي\nفي أفراده والتساوي، أو مشترك لتغاير أفراده.\nوبناء على هذا يمكن أن نعرف المشكك بأنه: اللفظ الموضوع لمعنى\nكلي مختلف في محاله.\nوأتينا بعبارة: \" مختلف في محاله \" لإخراج المتواطئ؛ لأنه مستو\nفي محاله.\nأما قول بعضهم - كابن التلمساني - من أنه لا حقيقة للمشكك؛\nحيث إن ما به التفاوت إن دخل في التسمية فمشترك، وإلا","vol":"3","page":1114},{"text":"فمتواطئ، فإنا نجيب عنه بأن كلًّا من المتواطئ والمشكك موضوع\nللقدر المشترك، لكن:\nإن كان التفاوت بأمور من جنس المسمى: فمشكك مثل: نور\nالشمس والسراج.\nوإن كان بأمور خارجة عنه كالعلم، والجهل، والذكورة،\nوالأنوثة، فمتواطئ مثل: هذا إنسان عالِم، وهذا إنسان جاهل.","vol":"3","page":1115},{"text":"خاتمة في بيان الكلي، والكلية، والكل، والجزئي\nوالجزئية، والجزء\nلما عرفنا أن المتواطئ والمشكك قسمان للكلي باعتبار استواء أفراده\nفي معناه، وتفاوتها فيه: كان لا بد من بيان المراد من الكلي والفرق\nبينه وبين الجزئي، والكل، والكلية، والجزء، والجزئية، فأقول:\nالكلي هو: ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.\nأي: لا يكون معناه شخصا معينا، بل هو معنى عام يصدق على\nكثيرين كالإنسان، فإنه يصدق على زيد، وعمرو، وعلي، وبكر،\nوغيرهم مما لا يحصى، وهؤلاء الكثيرون هم أفراده وجزئياته.\nأما الجزئي فهو الذي يمنع تصوره من الشركة فيه.\nأي: ما كان معناه شخصا لا يصدق على كثيرين نحو: \" زيد \"،\nو\" عمرو \"، و\" هذا الرجل \".\nأما الكل فهو: الحكم على المجموع من حيث هو مجموع مثل\nقولنا: \" كل رجل يحمل الصخرة العظيمة \".\nوالفرق بين الكلي والكل هو: أن الكلي يجوز حمله على أفراده\nوجزئياته حمل مواطأة، كما يجوز تقسيمه إليها بأداة التقسيم.","vol":"3","page":1116},{"text":"مثاله: \" الحيوان \"، فيصح أن يقال: \" الإنسان حيوان \"،\nويقال: \" الفرس حيوان \"، ويقال: \" الحيوان إما إنسان أو فرس \".\nبخلاف \" الكل \"، فإنه لا يجوز حمله على أفراده حمل مواطأة،\nكما لا يجوز تقسيمه إليها بأداة التقسيم مثل: \" الشجرة \"، فلا\nيصح أن يقال: \" الأغصان شجرة \"، ولا يقال: \" الشجرة إما\nأغصان أو جذع \".\nوإنما يقال: \" ذات جذع وذات أغصان \".\nأما \" الكلية \" فهي: الحكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد مثل\nقولنا: \" كل رجل يشبعه رغيفان \".\nوالفرق بين \" الكل \"، و\" الكلية \" هو: أن \" الكل \" لا يتبع\nالحكم فيه كل فرد من أفراده، بل يكون الحكم على الكل بالحمل\nعلى مجموعه مثل المثال السابق، وهو: \" كل رجل يحمل الصخرة\nالعظيمة \"، فليس كل فرد محكوم عليه بأن يحمل تلك الصخرة،\nبل أن يجتمع كل الأفراد على تلك الصخرة يحملونها.\nبخلاف \" الكلية \"، فتبع الحكم فيها كل فرد من أفرادها مثل\nالمثال السابق وهو قولنا: \" كل رجل يشبعه رغيفان \" معناه: كل فرد\nمن الأفراد محكوم عليه بأنه يشبعه رغيفان.\nأما الجزء فهو: ما تركب منه ومن غيره \" كل \" مثاله: \" الخمسة\nمع العشرة \"، و\" الجذع بالنسبة للشجرة \".\nأما الجزئية فهي الحكم على بعض أفراد الحقيقة من غير تعيين مثل:\n\" بعض الحيوان إنسان \".","vol":"3","page":1117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الفصل الخامس في الترادف</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: تعريفه.\nالمبحث الثاني: حكم الترادف.\nالمبحث الثالث: أسباب الترادف.\nالمبحث الرابع: شرط الترادف.\nالمبحث الخامس: بيان أن الترادف خلاف الأصل.\nالمبحث السادس: هل يجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر؟","vol":"3","page":1119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>المبحث الأول تعريف الترادف</span>\nالترادف لغة: مأخوذ من الرديف، وهو: ركوب اثنين على دابة\nواحدة.\nوالترادف اصطلاحا هو: توالي الألفاظ المفردة الدالة على مسمى\nواحد باعتبار واحد مثل: \" البر والقمح \"، و\" جلس وقعد \".\nبيان التعريف والمحترزات:\nقوله: \" توالي الألفاظ \" معناه: تتابع الألفاظ، والمراد\nبالألفاظ: اثنان فأكثر، وهذا جنس في التعريف يتناول الترادف وغيره\nمن توالي الألفاظ المركبة، والمتباينة.\nقوله: \" المفردة \" أخرج توالي الألفاظ المركبة، أو المركبة مع\nالمفردة مثل: الحد مع المحدود كالإنسان، وحيوان ناطق، أو الحد\nمع الرسم كجسم ضاحك بالنسبة للإنسان، فذلك لا يكون مترادفا؛\nلاختصاص الترادف بالمفردات.\nقوله: \" الدالة \" أخرج الألفاظ المفردة المهملة كديز.\nقوله: \" على مسمى واحد \" أخرج الألفاظ المتباينة؛ لأنها ألفاظ\nمفردة يدل كل واحد منها على معنى يخالف ما دلَّ عليه اللفظ الآخر\nمثل: الإنسان، والفرس.\nقوله: \" باعتبار واحد \" أخرج أمرين:","vol":"3","page":1121},{"text":"أولهما: توالي الألفاظ المفردة المترادفة الدالة على مسمى واحد،\nلكن باعتبارين مثل: \" السيفْ \"، و\" الصارم \"، و، المهند \"،\nو\"الناطق \"، و\" الفصيح \"، فإن هذه ليست مترادفة، لاختلاف\nالمعنى.\nثانيهما: توالي لفظين مفردين دالين على مسمى واحد، لكن\nأحدهما بطريق الحقيقة، والآخر بطريق المجاز مثل؛ \" الأسد \"،\nو\" الشجاع \" بالنسبة للإنسان القوي، فإن الشجاع يدل عليه باعتبار\nالحقيقة، وأسد يدل عليه باعتبار المجاز.","vol":"3","page":1122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المبحث الثاني حكم الترادف</span>\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الترادف جائز عقلًا وواقع في اللغة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أنه لا يترتب على فرض وقوعه محال.\nالدليل الثاني: أنه واقع في اللغة، ووقوعه دليل جوازه؛ فإنه\nبعد الاستقراء والتتبع لألفاظ اللغة ثبت وجود الترادف فيها:\nإما بجسب اللغة مثل: \" الإنسان والبشر \".\nأو بحسب الشرع مثل: \" الفرض والواجب \" على رأي كثير من\nالعلماء.\nأو بحسب العرف مثل: \" الأسد والسبع \".\nأو بحسب لغتين مختلفتين مثل: \" الله، وخداي بالفارسية \".\nالمذهب الثاني: أن الترادف غير جائز:\nنسب هذا إلى ابن فارس وشيخه: ثعلب.\nدليل هذا المذهب:\nأنه يلزم من وقوع الترادف نقض الغرض من وضع الألفاظ،\nحيث إن الغرض هو تحصيل الفائدة بالمراد عند السامع، وهو قد\nحصل بأحد اللفظين، فاللفظ الآخر غير مفيد فائدة جديدة.","vol":"3","page":1123},{"text":"جوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن الألفاظ المترادفة محصورة فائدتها فيما ذكر، بل\nفيها فوائد منها: تكثير وسائل الإخبار عما في النفس، والتوسع في\nمجال النظم والقافية، وسيأتي بيان ذلك في أسباب الترادف.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لوجود الألفاظ المترادفة في اللغة، لكن\nالفريق الثاني لا يسميها بذلك، وقام بتأويلها بتأويلات فيها تعسف.","vol":"3","page":1124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المبحث الثالث\nأسباب الترادف</span>\nالسبب الأول: أن يصدر اللفظان المترادفان من واضعين، فيضع\nأحدهما لفظا لمعنى ويشتهر في قبيلة ذلك الواضع، ثم يضع\nالشخص الآخر لفظا آخر لذلك المعنى، ويشتهر ذلك في قبيلته، ثم\nاشتهر اللفظان ولم يتميزا، ولم يعين أي واضع، وهذا هو السبب\nالأكثري، كما ذكر فخر الدين الرازي.\nالسبب الثاني: أن يكون اللفظان المترادفان قد صدرا من واضع\nواحد، ويكون الهدف والقصد والغرض من وضعه للفظين لمعنى\nواحد فائدتين هما:\nالفائدة الأولى: تكثير وسائل الإخبار عما فى النفس، وتكثير\nالطرق إلى المطالب، فإن للمتكلم - حينئذٍ - استعمال أي لفظ\nشاء، وإذا عسر عليه النطق بأحد اللفظين فإنه يعبر عن المعنى المراد\nبلفظ آخر، فمثلًا يعبر من لا يستطيع النطق بالراء بالقمح بدلا عن\nالبر، كذلك إذا كان المعنى معروفا لديه، ولكن نسي اللفظة المعبرة\nعنه، فإنه يأتي بلفظة مرادفة لها.\nالفائدة الثانية: التوسع في مجال النظم - وهو: الكلام الموزون\nعلى أوزان العروض -، والنثر - وهو: الكلام غير الموزون -\nوالقافية - وهي: آخر كلمة في بيت الشعر - والتجنيس - وهو:\nاتفاق اللفظين من وجه من الوجوه، ويختلف معناهما -: مثل: لو\nقلت: \" اشتريت البر وأنفقته في البر \"، فإنه أحسن من قولك:\n\" اشتريت القمح وأنفقته في البر \" لفوات المجانسة، والحرص على\nالقلب مثل قوله تعالى: \" وربك فكبر \"، - فلو قيل: \" الله فكبر \"\nلذهب القلب، وهكذا سائر أصناف البديع.","vol":"3","page":1125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المبحث الرابع\nشرط الترادف</span>\nيشترط في اللفظين المترادفين: أن يدلان على المعنى دون زيادة\nأحدهما على الآخر مثل: \" الليث والأسد والغضنفر \"، ومثل:\n\"القمح والبر \"، و\" العقار والخمر \"، فإنه يطلق على كل واحد من\nتلك أنها مترادفة؛ حيث إن المفهوم من الاسمين واحد دون مزية\nأحدهما على الآخر بأي شيء.\nأما إذا كان أحد اللفظين يدل على المعنى مع زيادة لم يأت بها\nاللفظ الآخر، فإنه لا يكون هذان اللفظان مترادفين، وذلك\nلاختلافهما في المدلول والمفهوم، فمثلًا لفظ \" السيف \"، و\" المهند \"\nو\" الصارم \" قد تبدو للناظر أنها مترادفة، وهي في الحقيقة ليست\nكذلك، وذلك لأن مدلول ومفهوم \" المهند \" يخالف مفهوم \" السيف \"\nلوجود زيادة فيه دون السيف؛ حيث إنه يفهم منه نسبته إلى الهند،\nوكذلك \" الصارم \" يدل على السيف مع زيادة صفة الحدة وسرعة\nالقطع، فعرفت بذلك أن تلك الألفاظ ليست مترادفة؛ لانعدام\nشرط الترادف؛ حيث اختلفت في المدلول والمفهوم، فيكون كل\nلفظ من تلك الألفاظ له مدلوله ومفهومه الخاص، ولا تكون من\nالمترادفة، لذلك قلنا في التعريف: \" باعتبار واحد \".","vol":"3","page":1126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المبحث الخامس\nبيان أن الترادف خلاف الأصل</span>\nالأصل: أن لكل معنى لفظا واحدًا خاصا به، فيكون الترادف\nوهو - أن يكون للمعنى الواحد أكثر من لفظ - خلاف هذا الأصل.\nودلَّ على ذلك دليلان:\nالدليل الأول: أن الترادف يلزم منه تعريف المعرَّف.\nبيانه: أنا لما عرفنا المعنى بأحد اللفظين وحصل المقصود، فالأصل\nعدم الثاني؛ لعدم الحاجة إليه، ولأنه يلزم منه تعريف المعرف،\nفيكون تحصل حاصل وهو باطل.\nالدليل الثاني: أن الترادف موجب للمشقة؛ لأن الشخص إذا\nحفظ لفظا ظن أنه الطريق إلى المطلوب فقط، ولما كان لكل معنى\nلفظان فأكثر: فإنه يحتاج إلى حفظ كل لفظ يدل على ذلك المعنى،\nولا شك أن في ذلك مشقة، والأصل عدمها.","vol":"3","page":1127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>المبحث السادس هل يجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر</span>؟\nانفراد المترادفات يصح إقامة بعضها مكان بعض إجماعا، فيقام\nلفظ \" بر \" مكان لفظ \" قمح \"، و\" قعود \" مكان \" جلوس \"،\nوهكذا. ولكن الاختلاف إنما هو في حالة تركيب المترادفات، ففي ذلك\nمذاهب:\nْالمذهب الأول: أن ذلك يجوز في لغة واحدة، ولا يجوز من\nلغتين مختلفتين، وهو مذهب كثير من العلماء، ومنهم البيضاوي،\nوصفي الدين الهندي، وهو الحق؛ لأن وضع أحد المترادفين موضع\nالآخر من لغة واحدة لا يلزم منه الإخلال والإفساد للمعنى، أي:\nأن صحة التركيب وفساده متعلق بالمعنى دون اللفظ، فإذا صح المعنى\nلم يبق محذور؛ لأن كلا اللفظين معروف لأهل هذه اللغة، فكان\nذلك جائزًا.\nأما وضع أحد المترادفين موضع الآخر من لغتين فلا يجوز، فلا\nيصح \" خداي أكبر \" في موضع: \" اللَّه أكبر \"، وقلنا ذلك لأمرين:\nأولهما: أنه يلزم منه اختلاط اللغتين.\nثانيهما: أنه يلزم منه ضم مهمل إلى مستعمل؛ لأن اللفظ المرادف\nمن اللغة الأخرى يعتبر مهملًا بالنظر إلى أهل اللغة الأخرى الذين لا\nيفهمونه، فعلى هذا: يكون التخاطب به ممتنعا لذلك.","vol":"3","page":1128},{"text":"المذهب الثاني: أنه يجوز وضع أحد المترادفين مكان الآخر مطلقا.\nوهو مذهب ابن الحاجب، وهو مذهب كثير من الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nأن المقصود من التركيب: معناه، دون لفظه، وما دام أن المعنى\nلم يتغير في اللفظين، فلا مانع من وضع أحدهما مكان الآخر،\nسواء كان ذلك من لغة واحدة أو من لغتين، فلما انتفى المانع:\nوجب العمل بالمقتضى لسلامته عن المعارض.\nجوابه:\nأنا نوافقكم في أنه يجوز وضع أحد اللفظين مكان الآخر في لغة\nواحدة - كما ذكرنا - ولكن نمنع ذلك في لغتين، ويمنع ذلك أمران\nهما: اختلاط اللغتين، وضم مهمل إلى مستعمل، وقد سبق\nبيانهما.\nالمذهب الثالث: أنه لا يجوز وضع أحد المترادفين مكان الآخر\nمطلقًا.\nوهو مذهب فخر الدين الرازي وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لا فرق في كون اللفظ موضوعًا للمعنى باصطلاح لغة واحدة\nأو لغتين، فلو جاز إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر لجاز\nوضع قوله: \" خداي أكبر \" موضع \" اللَّه اكبر \"، ولكنه لا يجوز\nباتفاق، وهذا يتحقق في اللغة الواحدة، كما يتحقق في اللغتين.\nجوابه:\nأنه يوجد فرق بين أن يكون من لغة واحدة وبين أن يكون من","vol":"3","page":1129},{"text":"لغتين، فإذا كان وضع أحد المترادفين في لغة واحدة، فهذا جائز؛\nلعدم اختلاط اللغتين، ولعدم ضم مهمل إلى مستعمل، أما وضع\nأحد المترادفين من لغتين، فهذا لا يجوز لوجود الأمرين السابقين.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث أثر في مسألة أصولية وهي: هل يجوز\nنقل الحديث بالمعنى.\nفعلى المذهب الأول: يجوز نقل الحديث بالمعنى في لغة واحدة،\nدون اللغتين، وعلى المذهب الثاني: يجوز نقل الحديث في لغة\nواحدة ومن لغتين، ويلزم على المذهب الثالث: أنه لا يجوز نقل\nالحديث بالمعنى مطلقًا.","vol":"3","page":1130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الفصل السادس في التأكيد والتابع</span>\nقد يظن بعضهم أن التأكيد مع المؤكد، والتابع مع المتبوع مثل: \"جاء\nمحمد عينه \"، و\" عطشان بطشان \" من الألفاظ المترادفة؛ لأن كلًا\nمنهما لفظان مفردان يدلان على معنى واحد، ولكن الحقيقة أنه لا\nيوجد ترادف في مثل هذه الأمثلة، وسأبين ذلك بالتفصيل في المبحثين\nالتاليين:\nالمبحث الأول: في التأكيد.\nالمبحث الثاني: في التابع.","vol":"3","page":1131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المبحث الأول في التأكيد</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريف التأكيد.\nالمطلب الثاني: الفرق بينه وبين المترادف.\nالمطلب الثالث: حكم التأكيد.\nالمطلب الرابع: أقسام التأكيد.","vol":"3","page":1133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المطلب الأول\nتعريف التأكيد</span>\nالتأكيد لغة من باب التفعيل، وهو: التقوية.\nواصطلاحا هو: تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر مستقل بالإفادة.\nبيان التعريف:\nقوله: \" تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر \" يشمل التوكيد والتابع،\nوهو مخرج للمترادف؛ لأنه لا تقوية فيه.\nوقوله: \" مستقل بالإفادة \" أخرج التابع؛ لأن التابع لا يستقل\nبالإفادة، بل لا بد من المتبوع لكي يفيد.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>المطلب الثاني الفرق بينه وبين المترادف</span>\nلقد اتضح من التعريف السابق: \" أن اللفظ المؤكِّد - بكسر\nالكاف - يقوي اللفظ المؤكَّد - بفتح الكاف -، أما اللفظان\nالمترادفان فلا يقوى أحدهما الآخر؛ لأن اللفظ المترادف يدل على\nالذات، لا على التقوية.","vol":"3","page":1135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المطلب الثالث حكم التأكيد</span>\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن التوكيد جائز عقلًا وواقع في اللغة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لدليلين:\nالدليل الأول: أنه لا يترتب على فرض وقوعه محال.\nالدليل الثاني: أنه واقع في اللغة، والوقوع دليل الجواز، فإنه\nبعد الاستقراء والتتبع ثبت وجود الألفاظ المؤكدة لألفاظ أخرى،\nكقولنا: \" جاء زيد عينه \"، و\" جاء العلماء كلهم \"، ونحو ذلك.\nالمذهب الثاني: أن التأكيد غير جائز.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الأصل في الكلام التأسيس، والإفادة فائدة جديدة، والتأكيد\nلا يفيد فائدة جديدة، فاللفظ الأول قد أفاد الغرض، فالثاني لا\nداعي له، فلا يرد ذلك في كلام العرب.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ لكم أن اللفظ - المؤكد - لا يفيد، بل يفيد الاهتمام\nبالمتكلم عنه، ودفع توهم المجاز من اللفظ المؤكَّد، وتضييق توسع الفهم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا - لفظي؛ لوجود التوكيد في الكتاب والسُّنَّة واللغة،\nلكن الفريق الثاني يسمى ذلك باسم آخر.","vol":"3","page":1136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المطلب الرابع\nأقسام التأكيد</span>\nينقسم التأكيد إلى قسمين:\nالقسم الأول: أن يؤكد اللفظ بنفسه، وهو نوعان:\nالنوع الأول: تأكيد اللفظ بنفسه إذا كان مفردًا مثل: \" جاء محمد\nمحمد\".\nالنوع الثاني: تأكيد اللفط بنفسه إذا كان جملة كقوله - ﷺ -: \"والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشا \".\nالقسم الثاني: أن يؤكد اللفظ بغيره، وهو أنواع:\nالنوع الأول: أن يكون المؤكد مفردًا، فيؤكد بألفاظ معروفة مثل:\n\" النفس \"، و\" العين \"، فنقول: \" جاء زيد نفسه أو عينه \".\nالنوع الثاني: أن يكون المؤكد مثنى، فيؤكد بلفظ \" كلا \"،\nو\"كلتا\"، فتقول: \" جاء الرجلان كلاهما \"، و\" جاءت المرأتان\nكلتاهما\".\nالنوع الثالث: أن يكون المؤكد جمعا، فيؤكد بلفظ \" كل \"،\nو\"أجمعون \"، قال تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون)،\nويؤكد - أيضا - بلفظ \" أكتع \"، و\" أبتع \"، و\" أبصع \".","vol":"3","page":1137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المبحث الثاني في التابع</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريف التابع.\nالمطلب الثاني: الفرق بينه وبين المترادف.\nالمطلب الثالث: بيان وجه الاتفاق بين التابع والتأكيد ووجه الفرق\nبينهما.","vol":"3","page":1139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المطلب الأول\nتعريف التابع</span>\nالتابع في اللغة مشتق من \" تبع \" على وزن \" علم \"، وتابع\nالقوم هو الذي يمشي خلفهم، أو الذي يمضي معهم إذا مروا به.\nواصطلاحا هو: أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها أو رويها\nإشباعا أو تأكيدًا مثل: \" عطشان نطشان \"، و\" جائع نائع \"،\nو\"شذر مذر \"، و\" شيطان ليطان \"، و\" حياك الله وبياك \"،\nو\"حقير نقير \"، و\" خراب يباب \".\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>المطلب الثاني\nالفرق بين التابع وبين المترادف</span>\nالتابع - وهو اللفظ الذي بعد اللفظ الأول - لا يفيد شيئًا غير\nتقوية اللفظ الأول، فلا يفيد بدون المتبوع.\nأما اللفظان المترادفان، فإن كل واحد من المترادفين يفيد المعنى لو\nانفرد؛ لأنه مثل مرادفه في الرتبة.","vol":"3","page":1141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المطلب الثالث بيان وجه الاتفاق بين التابع والتأكيد</span>\nووجه الفرق بينهما\nوجه الاتفاق بينهما: أن كلًّا من التأكيد والمؤكد، والتابع مع\nالمتبوع لم يفد عين ما أفاده الآخر، وإنما أفاد تقوية المعنى - فقط -.\nووجه الفرق بينهما: أن التابع يشترط فيه: أن يكون على وزن\nمتبوعه مثل: \" عطشان نطشان \"، و\" جائع نائع \"، و\" حسن\nبسن \"، وغيرها من الأمثلة السابقة.\nأما التأكيد مع المؤكد فلا يشترط ذلك فيه مثل: \" جاء زيد نفسه\nأو عينه \".","vol":"3","page":1142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>الفصل السابع في الحقيقة والمجاز</span>\nويشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: الحقيقة.\nالمبحث الثاني: المجاز.","vol":"3","page":1143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المبحث الأول في الحقيقة</span>\nويشتمل على المطلبين التاليين:\nالمطلب الأول: تعريف الحقيقة.\nالمطلب الثاني: أقسام الحقيقة.","vol":"3","page":1145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المطلب الأول\nتعريف الحقيقة</span>\nأولًا: الحقيقة لغة على وزن فعيلة، مأخوذة من الحق، واشتقاقه\nمن الشيء المحقق، وهو المحكم، تقول: \" ثوب محقق النسج \"\nأي: محكم.\nثانيا: الحقيقة اصطلاحًا هي: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي.\nوإليك بيان هذا التعريف:\nقولنا: \" اللفظ \" جنس يشمل كل ما يتلفظ به مما يتكوَّن من\nحروف هجائية، سواء كان مستعملًا كزيد، أو مهملًا كديز، أو\nحقيقة، أو مجازًا.\nقولنا: \" المستعمل \" أخرج أمرين:\nأولهما: اللفظ المهمل كديز.\nثانيهما: اللفظ قبل الاستعمال؛ حيث إنه لا حقيقة ولا مجازًا.\nقولنا: \" في موضوعه الأصلي \" أخرج المجاز؛ لأنه لفظ يستعمل\nفي غير موضوعه الأصلي كلفظ \" الأسد \" يستعمل للرجل الشجاع.","vol":"3","page":1147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المطلب الثاني أقسام الحقيقة</span>\nتنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: حقيقة لغوية وضعية، وهي: الثابتة بالوضع.\nأي: أن يضع الواضع لفظا لمعنى إذا أطلق ذلك اللفظ فهم ذلك\nالمعنى الموضوع له مثل لفظ \" الأسد \" يفهم منه الحيوان المفترس، فلا\nينقدح في الذهن - عند إطلاقه - إلا هذا المعنى، فيكون حقيقة،\nوهذا هو المقصود بالحقيقة، وهي الأسبق إلى الذهن من الحقيقة\nالعرفية والشرعية.\n***\nالقسم الثاني: حقيقة عرفية، والكلام عنها يكون فيما يلي:\nأولًا: المقصود بالحقيقة العرفية هو: قول خص في العرف ببعض\nمسمياته وإن كان وضعها للجميع حقيقة، مثل: لفظ \" الدابة \"،\nفإن وضعها بأصل اللغة لكل ما يدب على الأرض من ذي حافر\nوغيره، ثم هجر هذا المعنى، وصار في العرف حقيقة للفرس،\nولكل ذات حافر.\nثانيا: بيان كيف يصير الاسم عرفيا؟\nيصير الاسم عرفيا باعتبارين هما:\nالاعتبار الأول: أن يكون للاسم معنيان فيستعمله أهل اللغة لمعنى\nواحد فقط دون الآخر، ويخصصونه به، ويعرف بينهم.","vol":"3","page":1148},{"text":"من أمثلة ذلك: المثال السابق وهو تخصيص \" الدابة \" في العرف\nللفرس ولكل ذات حافر، مع أنه في اللغة يطلق على كل ما يدب\nعلى الأرض.\nمثال آخر: اسم \" الفقيه \" قد خصص عرفا بالعالم ببعض\nالأحكام الفقهية الشرعية، مع أن كل من يفقه قول الآخر يسمى\nفقيها بالوضع اللغوي، قال تعالى في ذلك: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)\nالاعتبار الثاني: أن يشيع استعمال الاسم في غير ما وضع له\nأصلًا.\nأي: في غير موضوعه اللغوي، ويكون بين الاستعمال اللغوي\nوالاستعمال العرفي مناسبة، فيشيع هذا الاستعمال بين الناس،\nبحيث لا ينكره أحد.\nمن أمثلة ذلك: اسم \" الغائط \"، فإنه يطلق لغة على المطمئن\nوالمنخفض من الأرض، ثم استعمل عرفا في الخارج المستقذر من\nالإنسان، وهذا الاستعمال وإن كان مجازًا، إلا أنه اشتهر وشاع\nحتى صار هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، ونسي الأول.\nمثال آخر: اسم \" الراوية \" هو في أصل الوضع اللغوي يطلق\nعلى الجمل الذي يسقى عليه الماء، ثم استعمل في وعاء الماء،\nوتعارف الناس على هذا الاستعمال، وهذا الاستعمال وإن كان\nمجازًا إلا أنه اشتهر وشاع حتى صار هو المتبادر إلى الفهم عند إطلاق\nلفظ \" الراوية \"، ونسي المعنى الأول وهو الجمل الذي يسقى عليه\nالماء.","vol":"3","page":1149},{"text":"ثالثا: أنواع الحقيقة العرفية:\nالحقيقة العرفية نوعان:\nالنوع الأول: عرفية عامة، وهي التي لم تخصصها طائفة دون\nأخرى.\nوهي التي ذكرناها في الاعتبارين السابقين مع الأمثلة.\nالنوع الثاني: حقيقة عرفية خاصة وهي: ما خصته كل طائفة من\nالأسماء بشيء من مصطلحاتهم مثل: اسم \" النقض \"، و\" الكسر\"\nونحو ذلك من قوادح القياس في اصطلاح الأصوليين، ونحو ذلك\nمما اصطلح عليه أرباب كل فن.\n***\nالقسم الثالث: حقيقة شرعية:\nوهي: اللفظ المستعمل في الشريعة على غير ما كان عليه في وضع\nاللغة كالصلاة مثلًا، فإنها في اللغة: الدعاء، فاستعمل هذا اللفظ\nفي الشريعة على الأقوال والأفعال المخصوصة، فصارت حقيقة فيها.\nواختلف العلماء فيما استعمله الشارع من ألفاظ أهل اللغة مثل:\nلفظ \" الصلاة \"، و\" الصوم \"، و\" الزكاة)، و\" الحج \"، هل\nخرج به عن وضعهم أو لا؟ على مذاهب، من أهمها مذهبان:\nالمذهب الأول: أن الشارع نقل لفظ \" الصلاة \"، و\" الصوم \"،\nو\" الزكاة \"، و\" الحج \" عن مسمياتها ومعانيها اللغوية إلى معانٍ أخر\nبينها وبين تلك المسميات - بحسب اللغة - مناسبة معتبرة واشتهرت\nبعد أن كانت لغوية، فصارت حقائق شرعية.\nهذا مذهب جمهور العلماء.","vol":"3","page":1150},{"text":"فالصلاة في اللغة: الدعاء، والزكاة: النماء، والصوم:\nالإمساك، والحج: القصد، فنقل الشارع هذه الألفاظ من معانيها\nاللغوية السابقة واستعملها في معان أخر، وأعرض فيها عن الموضوع\nاللغوي، فوضع لفظ \" الصلاة \" على الأفعال والأقوال المخصوصة،\nووضع لفظ \" الزكاة \" على إخراج مقدار من المال وإعطائه إلى قوم\nآخرين بشروط خاصة، وكذا يقال في الصوم والحج.\nفالشارع نقل اللفظ من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي، وليس\nنقلًا مطلقا، بل مع وجود علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي،\nفمثل ما تصرف أهل العرف في بعض الألفاظ بنقلها عن معناها\nالموضوعة له أصلًا، فكذلك الألفاظ الشرعية خصصت لفظة\n\"الصلاة\"، واستعملت في دعاء مخصوص.\nوهذا هو الصحيح عندي، لدليلين:\nالدليل الأول: الاستقراء والتتبع للألفاظ الشرعية التي استعملها\nالشارع: فإن الشارع قد استعمل لفظ \" الحج \"، و\" الصوم \"،\nو\"الإيمان \"، و\" الزكاة \"، و\" الصلاة \" في معان لها علاقة بمعناها\nاللغوي - كما سبق بيانه - فهو ليس نقلًا كليا للفظ، بل يوجد\nارتباط بين المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي.\nالدليل الثاني: القياس على فعل أهل اللغة في الألفاظ العرفية\nكلفظ الدابة، حيث خصصوه في ذوات الأربع مع أنه يطلق لغة على\nكل ما يدب على الأرض، ولم ينكر أحد هذا التصرف، فكذلك\nفعل المشرع في لفظ \" الصوم \"، و\" الإيمان \" ونحوهما، والجامع:\nأن كلًّا من فعل أهل اللغة وفعل المشرع ليس فيه نقلًا كليا للفظ، بل\nيوجد علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي والعرفي.","vol":"3","page":1151},{"text":"المذهب الثاني: أن الشارع نقل لفظ \" الصلاة \"، و\" الصوم \"،\nو\" الزكاة \" عن معناها اللغوية إلى معان شرعية نقلًا كليا، أي:\nبدون أي علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فهي معان مبتكرة\nابتكرها المشرع، يجوز أن لا يلاحظ فيها المعنى اللغوي، وإذا حدث\nأن وجدت علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي: فهو اتفاقي،\nأي: بطريق الصدفة، وليس مقصودًا.\nذهب إلى ذلك المعتزلة والخوارج، وبعض الحنفية كالسرخسي،\nوالدبوسي، والبزدوي، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب.\nدليل هذا المذهب:\nأن الشارع قد نقل تلك الأسماء الشرعية، وتصرف بنقلها إلى\nمعان غير معانيها اللغوية: فالصلاة لغة هي الدعاء، واستعمل\nالشارع هذا اللفظ لمجموع الأفعال الشرعية كالركوع، والسجود،\nوالتسبيح، والتكبير، والنية، وغيرها، فاهل اللغة. لم يكونوا\nيعرفون هذه الصلاة ولا شروطها ولا أركانها، ثم صار اسم الصلاة\nاسما لمجموع هذه الأفعال.\nوكذلك لفظ \" الصوم \" هو لغة: الإمساك بصورة عامة، أي:\nسواء كان عن الأكل والشرب ليلًا أو نهارًا، أو عن الكلام، كما\nفي قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)،\nواستعمل الشارع هذا اللفظ لإمساك مخصوص.\nوكذلك لفظ \" الزكاة \" هو لغة: النماء، ثم جعله الشارع اسما\nلإخراج جزء من المال طهرة له.\nوكذلك \" الحج \" هو لغة: القصد مطلقا، ثم جعله الشارع","vol":"3","page":1152},{"text":"واستعمله في قصد مخصوص في أماكن مخصوصة في أزمنة\nمخصوصة.\nفالشرع تصرف في جميع تلك الألفاظ ونقلها إلى معان غير\nمعانيها اللغوية، حتى إنه لا يعقل من إطلاق اسم \" الصلاة \"، أو\n\"الصوم \"، أو \" الزكاة \"، أو \" الحج \" إلا الصلاة المخصوصة\nشرعًا، والزكاة المخصوصة شرعا، والصوم المخصوص شرعا،\nوالحج المخصوص شرعا، فيكون المشرع - بذلك - قد نقلها إلى\nاستعمال جديد.\nجوابه:\nنسلم أن الشارع قد تصرف في تلك الألفاظ، ونقلها إلى\nاستعمال جديد، وهذا من باب التجوز، فتكون تلك الألفاظ\nمجازات لغوية، والتجوز لا يكون إلا بعلاقة بين المعنى الأصلي\nوالمعنى الجديد، فالمشرع لما اختار لفظ \" الصلاة \" ليجعله دليلًا على\nالعبادة المعروفة إنما فعل ذلك لوجود علاقة بين معنى الصلاة لغة،\nومعناها شرعًا، لأن كلًّا منهما دعاء، فالصلاة في الشرع يوجد فيها\nحقيقة الدعاء، بل إن كل الصلاة دعاء؛ حيث إن الدعاء مخ العبادة.\nوكذلك لفظ \" الصوم \" إنما اختاره الشارع لوجود علاقة بين المعنى\nاللغوي له والمعنى الشرعي؛ لأن كلًّا منهما إمساك، وكذلك الزكاة،\nوكذلك الحج.\nوهكذا كل لفظ قد نقله الشارع من معناه اللغوي إلى معناه\nالشرعي نجد بين المعنيين نوعًا من الارتباط والعلاقة بينهما.\nالمذهب الثالث: أن الشارع لم ينقل تلك الألفاظ من اللغة إلى","vol":"3","page":1153},{"text":"الشرع، ولا يجوز ذلك، بل الاسم باق على ما كان عليه في\nاللغة، لكن الشرع ضم إليه أفعالًا، واشترط له شروطا، فمثلًا:\nالصلاة لغة: الدعاء، ولم ينقل الشارع ذلك اللفظ من معناه\nاللغوي إلى الشرعي، ولكن ضم إليه أفعالًا وأقوالًا لا بد منها،\nواشترط له شروطا لا تصح الصلاة إلا بها مثل: الركوع، والسجود،\nوالقيام، والجلوس، والذكر، وكذلك الصوم فهو لغة: الإمساك،\nثم زاده الشارع اشتراط النية، وهكذا.\nوهذا مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني، وكثير من الأشاعرة،\nوبعض الفقهاء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن اللَّه تعالى قد وصف القرآن بأنه عربي بقوله\nتعالى: (إنا جعلناه قرآنا عربيا)، وقوله: (بلسان عربي مبين)\nوظواهر هذه الآيات يوجب كون القرآن كله عربيا، مستعملًا فيما\nاستعملته العرب، وإلا كان خطابا لهم بغير لغتهم، وبذلك يبطل\nدعوى تصرف المشرع بنقل أسماء على غير إطلاق اللغة.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن اشتمال القرآن على ألفاظ شرعية قليلة لا\nيخرجه عن كونه عربيا، فالعبرة بالأعم الأغلب، ولذا لا يمتنع أن\nيقال: إن هذه اللحية سوداء وإن كان فيها بعض الشعيرات البيضاء.\nالجواب الثاني: أن استعمال الشرع لبعض هذه الألفاظ في غير ما\nوضعته له العرب لا يخرج القرآن عن كونه خطابا بلسان العرب:","vol":"3","page":1154},{"text":"فالعرب قد استعملت بعض الألفاظ في غير ما وضعت له، مثل\nاستعمالهم لفظ \" البحر \" للعالم، ولم يقل أحد: إن هذا إخراج\nللخطاب عن لغة العرب.\nالدليل الثاني: أنه لو كانت بعض الأسماء اللغوية قد نقلت إلى\nأحكام شرعية لوجب عليه - ﷺ - أن يوقف الأمَّة على نقل هذه الأسماء توقيفا تقوم به الحُجَّة على المكلَّفين ليقطع عذرهم، فيكون بطريق يفيد العلم الضروري أو النظري، وما دام أنه لم يثبت شيء من\nذلك، ولا أجمعت الأُمَّة عليه، ولا دلَّ العقل الجازم على ذلك،\nفيبقى على النفي الأصلي، فلم ينقل شيء من الاستعمال اللغوي إلى\nالاستعمال الشرعي.\nجوابه:\nإن النبي - ﷺ - قد بين بيانًا تاما المعاني التي نقلت الألفاظ إليها، فبيق المقصود بالصلاة: بصلاته - ﷺ - بأصحابه وقال: \" صلوا كما رأيتموني أصلي \"، وبين المقصود بالحج وقال:\n\" خذوا عني مناسككم \"،\nوبين تفاصيل ومقادير الزكاة وشروطها، وبين المراد بالإحسان، والإسلام، والإيمان بحديث جبريل - ﵇ -\nونقل هذه الألفاظ وما تدل عليه الصحابة - ﵃ -.\nبيان نوع هذا الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي له أثره في الفروع الفقهية؛ حيث إن الصلاة\nوالصوم والزكاة والحج إذا وجدت في كلام الشارع مجردة عن\nالقرينة، محتملة للمعنى اللغوي وللمعنى الشرعي، فعلى أيهما\nيحمل؛ فبناء على المذهب الأول والثاني - وهو: أن تلك الأسماء منقولة","vol":"3","page":1155},{"text":"من اللغة إلى الشرع - فإن تلك الأسماء تحمل على الحقيقة الشرعية،\nدون اللغوية، ويكون المعنى واضحا لا إجمال فيه، لأن العادة: أن\nكل متكلم يُحمل لفظه على عرفه، فتلك الألفاظ - أعني: الصوم،\nوالصلاة، والزكاة، والحج - تحمل على المقصود والمراد الشرعي،\nفنحمل لفظ \" الصلاة \" على الصلاة الشرعية، ولفظ \" الزكاة \" على\nالزكاة الشرعية وهكذا، ولا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل وقرينة\nوذلك لأن عرف الشارع جار على بيان الأحكام الشرعية، دون\nالحقائق اللغوية.\nأما على المذهب الثالث - وهو: أن تلك الأسماء باقية على\nدلالتها اللغوية، ولكن زاد عليها الشارع بعض الشروط والقيود - فإن\nتلك الأسماء تحمل على المعنى اللغوي، ولا يجوز العدول عنها إلى\nالشرعية إلا بقرينة، وهذا قياس هذا المذهب، وهو مذهب القاضي\nأبي بكر.\nولكن بعض العلماء نقل عنه أن هذه الألفاظ - أعني الصلاة\nوالزكاة ونحوها - مجملة، وهو مذهب بعض العلماء كالقاضي أبي\nيعلى، وبعض الشافعية، وبناء على القول بالإجمال تأثرت بعض\nالمسائل، ومن ذلك:\n١ - قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) اختلف في\nالمراد به هل هو المعنى الشرعي، أو المعنى اللغوي؟\nفذهب كثير من العلماء إلى أن المراد بالنكاح هنا هو: المعنى\nالشرعي، وهو: العقد؛ لأن النكاح حقيقة شرعية، ولفظ المشرع\nيجب أن يحمل على معناه الشرعي، ولذا فإنه لو زنى الأب بامرأة،\nفإن ذلك لا يوجب حرمة المصاهرة.","vol":"3","page":1156},{"text":"وذهب آخرون إلى أن المراد بالنكاح هنا هو المعنى اللغوي، وهو:\nالوطء، فيكون المعنى لا تطؤا ما وطأها الأب بزنى أو غيره، ولذا\nفإن من زنى بها الأب فهي موطوءة له.\n٢ - قوله - ﷺ -:\n\"توضئوا مما مست النار \"\nاختلف في المراد به، هل هو الوضوء الشرعي، أو الوضوء اللغوي؟\nفمنهم من قال: إنه يحمل على المعنى الشرعي؛ لأن حمل لفظ المشرع على عرفه أقوى، ومنهم من قال: يحمل على المعنى اللغوي، ومنهم من\nقال: إنه مجمل لوجود الاحتمالين، فلا يحمل إلا بقرينة.\n٣ - قوله - ﷺ -:\n\"الطواف بالبيت صلاة \"\nاختلف في ذلك هل المراد به: أن الطواف كالصلاة حكما في الافتقار للطهارة، فيكون المراد بالصلاة: الصلاة الشرعية، أو أن الطواف يشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة.","vol":"3","page":1157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>المبحث الثاني في المجاز</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريف المجاز.\nالمطلب الثاني: هل المجاز واقع في اللغة؟\nالمطلب الثالث: أنواع العلاقة في المجاز.\nالمطلب الرابع: هل النقصان يعتبر من المجاز؟\nالمطلب الخامس: أسباب العدول إلى المجاز.\nالمطلب السادس: بيان أن الحقيقة لا تستلزم المجاز.\nالمطلب السابع: هل المجاز يستلزم الحقيقة؟\nالمطلب الثامن: اللفظ الذي يكون حقيقة ومجازًا، والذي لا يكون.\nالمطلب التاسع: بيان أن المجاز خلاف الأصل.\nالمطلب العاشر: طرق معرفة الحقيقة من المجاز.\nالمطلب الحادي عشر: بيان أنه إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فإنه\nيُحمل على الحقيقة.\nالمطلب الثاني عشر: بيان أنه إذا غلب المجاز في الاستعمال، فإن\nاللفظ يُحمل عليه.","vol":"3","page":1159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>المطلب الأول\nفي تعريف المجاز</span>\nأولًا: المجاز لغة مأخوذ من الجواز، وهو: العبور والانتقال من\nموضع إلى موضع آخر، يقال: \" جزت المكان \" أي: عبرته\nوانتقلت منه إلى مكان آخر، فالمجاز هو اللفظ الجائز من شيء إلى\nشيء آخر تشبيها بالجسم المنتقل من موضع إلى آخر.\nثانيا: المجاز اصطلاحا هو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه\nالأصلي لعلاقة.\nبيان هذا التعريف:\nقولنا: \" اللفظ \": جنس يشمل المستعمل وغير المستعمل، وهو\nالمهمل.\nقولنا: \" المستعمل \" أخرج اللفظ المهمل.\nقولنا: \" في غير موضوعه الأصلي \" أخرج الحقيقة، فإن\nاستعمال اللفظ فيها فيما وضع له أصلًا كما سبق.\nقولنا: \" لعلاقة \" هذا بيان لشرط المجاز؛ حيث إن شرط المجاز\nالأساسي هو: وجود العلاقة وهي: المشابهة الحاصلة بين المعنى\nالأول والمعنى الثاني، بحيث ينتقل الذهن بواسطتها عن محل المجاز\nإلى الحقيقة، فيفهم المعنى المجازي باعتبار ثبوت الصفة له كإطلاق\n\"الأسد \" على الرجل الشجاع للاشتراك في صفة الشجاعة؛ إذ لها\nفيه ظهور ومزيد اختصاص، فينتقل - الذهن منه إلى هذه الصفة.","vol":"3","page":1161},{"text":"ولو لم توجد علاقة بين المعنيين لكان الوضع بالنسبة إلى المعنى\nالثاني أولى، فيكون حقيقة فيهما، ويكون اللفظ مشتركا، لا\nمجازًا.\nوسمي مجازًا؛ لأن أهل اللغة يجاوزون به عن أصل الوضع\nتوسعا منهم كتسمية الرجل الشجاع أسدًا، وتسمية البليد حمارًا،\nوهكذا.","vol":"3","page":1162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>المطلب الثاني هل المجاز واقع في اللغة</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المجاز واقع في اللغة العربية، وهو مذهب\nجمهور العلماء.\nوهو الحق؛ لأن اللغة العربية لغة فصيحة، والمجاز لا ينافي\nالفصاحة، بل ربما كان المجاز أبلغ من الحقيقة - كما سيأتي ذكره في\nأسباب العدول إلى المجاز - وقد ورد ووقع المجاز في لغة العرب\nكثيرًا -: فقد استعمل العرب لفظ \" الأسد \" للرجل الشجاع،\nوالحمار للرجل البليد، والبحر للعالم، وقولهم: \" قامت الحرب\nعلى ساق \"، وقال الصلتان العبدي:\nأشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي\nفإن هذا البيت قد جمع بين المجاز اللغوي، والمجاز العقلي؛\nحيث إن لفظ \" الصغير \" قد استعمل في غير ما وضع له؛ لأن المراد\nبه: الذي كان صغيرًا فهو مجاز مرسل باعتبار ما كان، وقد أسند\nالشاعر فيه الإشابة والإفناء إلى الزمن مع أن الذي يشيب ويفني هو\nالله تعالى، وبذلك يكون الفعل قد أسند إلى غير ما هو له لعلاقة\nالسببية باعتبار أن الزمن هو السبب في المشيب، والفناء، فكان\nمجازًا عقليًا.","vol":"3","page":1163},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا مجاز فى اللغة العربية، وهو مذهب\nالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.\nدليل هذا المذهب:\nأن المجاز فيه إلباس المقصود بغير المقصود، فلا يفهم السامع من\nاللفظ ما أراده المتكلم منه، وهذا ينافي المقصود من اللغة؛ لأن\nالمقصود منها: إفادة الألفاظ لما تستعمل فيه من المعاني، فيكون\nالمجاز ممنوعًا.\nوعليه: فلا يقع في اللغة.\nجوابه:\nأنا نقول: لا مجاز بلا قرينة صرفت اللفظ من الحقيقة إلى المجاز،\nأما مع وجود القرينة فلا إلباس ولا إيهام؛ لأن السامع يفهم المقصود\nمن اللفظ بواسطة تلك القرينة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لأن أبا إسحاق لا ينكر استعمال الأسد\nللشجاع، وأمثال ذلك، ولكنه يشترط في ذلك القرينة ويُسميه حقيقة.\nإذن الخلاف في التسمية والعبارة.","vol":"3","page":1164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>المطلب الثالث\nأنواع العلاقة في المجاز</span>\nلقد قلنا: إن شرط المجاز هو وجود العلاقة، وان لم توجد\nالعلاقة لجاز التجوز عن كل معنى لكل لفظ، ولكان ذلك\nالاستعمال ابتداء وضع آخر، ويكون اللفظ مشتركا لا مجازًا.\nوأنواع العلاقة كثيرة، وإليك أهمها:\nالنوع الأول: السببية، وهو إطلاق السبب على المسبب، وهو\nأقسام:\n١ - السبب القابلي: نحو قولهم: \" سال الوادي \"، والمراد:\nسال الماء في الوادي،، لكن لما كان الوادي سببا قابلًا لسيلان الماء فيه\nصار الماء من حيث القابلية كالمسبب له، فوضع لفظ الوادي موضعه.\n٢ - السبب الفاعلي كقولهم: \" نزل السحاب \" أي: المطر،\nفإن السحاب في العرف سبب فاعلي، لكن فاعليته باعتبار العادة،\nحيث إن الفاعل حقيقة هو اللَّه تعالى.\n٣ - السبب الصوري كتسمية اليد قدرة؛ حيث إن القدرة سبب\nصوري لليد، فإن اليد الخالية عن القدرة بمثابة ما لا وجود له بالفعل.\n٤ - السبب الغائي كتسمية العنب خمرًا، قال تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) .\nالنوع الثاني: المسببية، وهو؛ إطلاق المسبب على السبب،","vol":"3","page":1165},{"text":"كتسمية المرض الشديد بالموت، وذلك لأن المرض الشديد عادة يؤدي\nإلى الهلاك والموت.\nالئوع الثالث: المشابهة: بأن يسمى الشيء باسم مشابهه في صفة\nظاهرة مثل: تسمية الرجل الشجاع بالأسد، وسمّي المجاز الذي\nباعتبار المشابهة بالاستعارة؛ لأن الشجاع - مثلًا - لما أشبه الأسد في\nالمعنى أو الصورة استعرنا له اسمه، فكسوناه إياه.\nالنوع الرابع: المجاورة، بأن يسمى الشيء باسم مجاوره مثل:\nإطلاق \" الراوية \" على القربة، والراوية في الأصل اسم للجمل\nالذي يحمل تلك القربة، ولكنه أطلق على القربة لمجاورتها له.\nالئوع الخامس: المضادة بأن يسمى الشيء باسم ضده، كقوله\nتعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، فقد أطلق على الجزاء سيئة\nمع أنه عدل؛ لكونها ضدها.\nالنوع السادس: إطلاق اسم الشيء كله على ما أعد له مثل\nقولهم: \" الزوجة محللة \"، ومعروف أن المحلل هو وطئها فقط،\nأما قتلها أو تعذيبها فهو حرام.\nالئوع السابع: النقصان بأن يذكر المضاف إليه، ويراد به مجموع\nالمضاف مع المضاف إليه، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فإنه\nمجاز بالنقصان؛ لأن القرية موضوعة للمكان المخصوص، فأطلقت\nوأريد بها أهل القرية، فحذف المضاف - وهو أهل - وأقيم المضاف\nإليه - وهو القرية - مقامه.\nالنوع الثامن: الكلية بأن يطلق الجزء والمراد الكل مثل قولهم:\n\" أنا أملك رأسين من الغنم \"، فأطلق الجزء وهو: الرأس، وأراد\nجميع الجسم.","vol":"3","page":1166},{"text":"النوع التاسع: الجزئية بأن يطلق الكل والمراد الجزء، كقوله\nتعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم)، فقد أطلق الكل، وهي\nالأصابع على الجزء، وهو الأنامل منها فقط؛ لأن العادة أن الإنسان\nلا يدخل أصبعه في أذنه.\nالنوع العاشر: تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه مثل تسمية المعتق\nعبدًا باعتبار أنه كان كذلك، أو تسمية الآدمي مضغة.\nالنوع الحادي عشر: تسمية الشيء باعتبار ما سيكون عليه وما\nيؤول إليه مثل: تسمية الخمر في المدن بالمسكر، فإن الخمر في الذهن\nليس بمسكر، بل سيكون مسكرًا إذا شرب.\nالنوع الثاني عشر: التعلق، وهو التعلق الحاصل بين المصدر\nواسم المفعول واسم الفاعل، وإن كلًّا منها يطلق على الآخر مجازًا،\nوإليك بيانها.\n١ - إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقوله تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) أي: مخلو قة.\n٢ - إطلاق اسم المفعول على المصدر، كقوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: الفتنة.\n٣ - إطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول، كقوله تعالى: (من ماء دافق) أي: مدفوق.\n٤ - إطلاق اسم المفعول على اسم الفاعل، كقوله تعالى:\n(حجابا مستورًا) أي: ساترًا.\n٥ - إطلاق اسم الفاعل على المصدر، كقولنا: \" قم قائما \"\nأي: قياما.","vol":"3","page":1167},{"text":"٦ - إطلاق المصدر على اسم الفاعل، كقولناء: \" رجل عدل \"\nأي: عادل.\nالنوع الثالث عشر: إطلاق الأثر على المؤثر كتسمية ملك الموت:\nموتا.\nالنوع الرابع عشر: إطلاق المؤثر على الأثر، كقولك: \" ما أرى\nفي الوجود إلا اللَّه تعالى \" يريد آثاره والدلالة عليه في العالم.\nالنوع الخامس عشر: الملازمة، وهو قسمان:\n١ - إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كإطلاق \" المس \" على\nالجماع.\n٢ - إطلاق اسم الملزوم على اللازم، كقوله تعالى: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ) أي: يدل، والدلالة من لوازم الكلام.\nالنوع السادس عشر: البدل والمبدل منه، وهو قسمان:\n١ - إطلاق اسم البدل على المبدل كتسمية الدية بالدم، فكانوا\nيقولون: \" أكل فلان دم فلان \" أي: ديته.\n٢ - إطلاق اسم المبدل على البدل كتسمية الاداء بالقضاء في قوله\nتعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ) أي: أديتم.","vol":"3","page":1168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>المطلب الرابع\nهل النقصان يعتبر من المجاز</span>؟\nلقد سبق أن قلنا - في النوع السابع من أنواع العلاقة في المجاز:\nأن النقصان والحذف من اللفظ يعتبر من المجاز، كقوله تعالى:\n(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، والمراد: أهل القرية، وذلك لظهوره؛ حيث\nإن القرية لا يمكن أن تسأل، وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الحق\nلما قلناه.\nولكن بعض العلماء لم يسم ذلك مجازًا، وقال: لا نقول:\n\"أقيمت القرية مقام أهلها\"، بل حذف من الخطاب ذكر \" أهل \"\nلدلالة بقية الخطاب عليه، والإضمار والحذف ليس من المجاز؛ لأن\nالمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.\nجوابه:\nإن تعريف المجاز - وهو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له -\nمنطبق على الحذف والنقصان، فلفظ \" القرية \" استعمل في غير ما\nوضع له.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف - هنا - لفظي، للاتفاق على المعنى؛ حيث إن حاصل\nالخلاف: أن المضمر هل هو سبب التجوز، أو محل التجوز؟","vol":"3","page":1169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المطلب الخامس أسباب العدول إلى المجاز</span>\nإن عدول المتكلم في التعبير عن الحقيقة إلى المجاز له أسباب إليك\nأهمها:\nالسبب الأول: الحرص على بلاغة الكلام، فقد نقل بعض\nالعلماء عن أرباب البلاغة قولهم: إن المجاز في الاستعمال أبلغ من\nالحقيقة، وأنه يلطف الكلام، ويكسبه حلاوة، ويكسوه رشاقة،\nفمثلًا قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)، وقوله: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) لو استعملت الحقائق في هذه المواضع لم تعط\nما أُعطي المجاز من البلاغة.\nالسبب الثاني: تكثير الفصاحة؛ لأن فهم المعنى منه يتوقف على\nقرينة، وفي ذلك غموض يحوج إلى حركة الذهن، فيحصل من\nالفهم شبيه بلذة الكسب.\nالسبب الثالث: التعظيم والتبجيل مثل قولهم: \" سلام اللَّه على\nالحضرة العالية والمجلس الكريم \"، فيعدل عن اللقب الصريح إلى\nالمجاز تعظيما لحال المخاطب.\nالسبب الرابع: التنزه عن ذكر الحقيقة كما يعبرون عن قضاء الوطر\nمن النساء بالوطء، وكما يعبرون عن ذكر ما يخرج من الإنسان من\nالعذرة بالغائط، ونحو ذلك.\nالسبب الخامس: أن تكون لفظة الحقيقه ثقيلة على اللسان،","vol":"3","page":1170},{"text":"فيعدل عنها إلى ما هو أخف منها كما عدلوا عن لفظ \" الخنفقيق \"\nاسم للداهية.\nالسبب السادس: الحرص على الاختصار والإيجاز في الكلام\nكقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا)، وقولهم: \" رأيت أسدًا\nيخطب \".\nالسبب السابع: تفهيم المعقول في صورة المحسوس لتلطيف الكلام\nوزيادة الإيضاح، ويسمى استعارة تخيلية مثل قوله تعالى:\n(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) .\nالسبب الثامن: أن يكون لفظ المجاز أصلح للتعبير به عن الحقيقة\nمثل أن يكون المجاز أصلح للسجع ورعاية الوزن والقافية دون لفظ\nالحقيقة.","vol":"3","page":1171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المطلب السادس\nبيان أن الحقيقة لا تستلزم المجاز</span>\nلقد اتفق العلماء على أن الحقيقة لا تستلزم المجاز، أي: لا يلزم\nأن يكون لكل حقيقة مجاز؛ لأن كون اللفظ قد استعمل في ما وضع\nله لا يلزم منه أن يستعمل فيما عداه من المعاني، بل قد يكون له\nمعنى واحد فقط.","vol":"3","page":1172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المطلب السابع\nهل المجاز يستلزم الحقيقة</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن كل مجاز يستلزم وجود حقيقة في شيء آخر.\nوهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لأن المجاز فرع،\nوالحقيقة أصل، ومتى وجد الفرع لا بد أن يوجد الأصل.\nالمذهب الثاني: أن المجاز لا يستلزم الحقيقة.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن غاية المجاز أن يكون مستعملًا في غير ما وضع له أولًا، وما\nوضع له اللفظ أولًا ليس حقيقة ولا مجازًا، فلا مانع من أن يتجوز\nفي اللفظ قبل استعماله فيما وضع له أولًا.\nجوابه:\nإن هذا مخالف لحقيقة المجاز - كما سبق -: وهو اللفظ\nالمستعمل في ما وضع له ثانيًا، فهذا الحدُّ يدل على أن لهذا اللفظ\nاستعمالًا فيما وضع له أولًا، والمراد به الحقيقة، ويؤيد ذلك:\nاشتراط العلاقة في المجاز، ولولا تلك العلاقة بين المعنى الحقيقي\nوالمعنى المجازي لجاز التجوز عن كل معنى لكل لفظ، ولكان ذلك\nالاستعمال ابتداء وضع آخر، ويكون اللفظ مشتركا لا مجازًا،\nفكيف يكون هناك مجاز ولا حقيقة له.\nبيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي؛ حيث لم يتأثر في ذلك أي\nحكم شرعي.","vol":"3","page":1173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>المطلب الثامن اللفظ الذي يكون حقيقة ومجازًا والذي لا يكون</span>\nبيان ذلك:\nأولًا: اللفظ قد يكون حقيقة ومجازًا بالنسبة إلى المعنيين، فهذا\nظاهر كفظ \" الأسد \"، فإنه حقيقة بالنسبة إلى الحيوان المفترس،\nومجاز إلى الرجل الشجاع.\nثانيا: قد يكون اللفظ حقيقة ومجازًا بالنسبة إلى المعنى الواحد،\nولكن. باصطلاحين كلفظة \" الدابة \"، فإن استعمالها في الخيل\nوالحمار حقيقة عرفية ومجاز لغوي، واستعمالها في كل ما يدب\nعلى الأرض حقيقة لغوية، مجاز عرفي.\nثالثا: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازًا قبل الاستعمال؛ لأن\nالاستعمال جزء مفهوم كل من الحقيقة والمجاز، فاللفظ في الوضع\nالأول قبل الاستعمال لا يكون حقيقة ولا مجازًا.\nرابعا: الأعلام لا توصف بأنها حقيقة أو مجاز؛ لأنها منقولة عن\nالمعاني الأصلية، فلا تكون حقائق في المنقول إليها، ولأنها لم تنقل\nلعلاقة فلا تكون مجازًا.","vol":"3","page":1174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المطلب التاسع بيان أن المجاز خلاف الأصل</span>\nالأصل في الكلام الحقيقة.\nأما المجاز فهو خلاف الأصل؛ لأن المجاز فيه ما يلي:\nالأول: أن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول.\nالثاني: أن المجاز يحتاج إلى المناسبة بين الموضوع الأصلي\nوالمدلول المجازي، والنقل إلى المعنى الثاني.\nالثالث: أن المجاز مخل بالفهم، حيث لا قرينة، أو لم يتنبه\nللقرينة، أو تعدد مجازاته.\nأما الحقيقة فليست محتاجة إلا إلى الأمر الأول - وهو الوضع\nالأول -.\nومعلوم أن المفتقر إلى أمر واحد أغلب وجودًا وأرجح مما هو مفتقر\nإلى أمور كثيرة.","vol":"3","page":1175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المطلب العاشر طرق معرفة الحقيقة من المجاز</span>\nالطريق الأول: سبق الفهم، بيانه:\nأن اللفظ له معنيان فيسبق أحد المعنيين إلى فهم السامع من غير\nقرينة، أما المعنى الآخر فإنه لا يفهم ولا ينقدح في الذهن إلا بقرينة،\nفيكون اللفظ حقيقة في المعنى الذي تبادر إلى فهم السامع مطلقا،\nأي: بدون قرينة.\nالطريق الثاني: العراء عن القرينة، بيانه:\nأن أهل اللغة إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى من المعاني اقتصروا على\nعبارة مخصوصة، وإذا عبروا عنه بعبارة أخرى لم يقتصروا عليها،\nبل يذكرون معها قرينة، فيعلم أن العاري عن القرينة حقيقة؛ حيث\nإنه لو لم يتفرد في ذهنهم استحقاق تلك اللفظة لذلك المعنى لم\nيقتصروا عليه.\nالطريق الثالث: صحة الاشتقاق، بيانه:\nأن يكون أحد اللفظين يصح فيه الاشتقاق، والتصريف إلى\nالماضي، والمستقبل، واسم الفاعل، واسم المفعول، واللفظ الآخر\nلا يصح فيه ذلك، فيكون الأول هو الحقيقة، والآخر هو المجاز،\nوذلك لأن تصريف اللفظ يدل على قوته وأصالته، وعدم تصريفه\nيدل على ضعفه وفرعيته، فمثلًا لفظ \" الأمر \" يطلق على الطلب\nنحو: \" ادخل \"، ويطلق على الشأن والفعل كقوله تعالى:","vol":"3","page":1176},{"text":"(وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)، والمقصود شأن فرعون وفعله، فوجدنا العرب\nيصرفون اللفظ ويشتقون منه فيقولون: أمر، يأمر، أمرًا، فهو\nمأمور، وهو آمر، في حين أنهم لا يقولون ذلك في الأمر بمعنى\nالفعل، فلا يقولون فيه: أمر يأمر، أي: أن إطلاق الأمر على\nالفعل لا يشتق لمن قام به منه اسم الآمر، فدل ذلك على أن الأول\nحقيقة، والثاني مجاز.\nالطريق الرابع: صحة النفي في المجاز، بيانه:\nأنه يصح النفي في المجاز، فيصح أن يقال لمن سُمِّي من الناس\nحمارًا لبلادته: إنه ليس بحمار، ولكن لا يصح أن يقال: إنه ليس\nبإنسان في نفس الأمر؛ لأنه حقيقة فيه.\nالطريق الخامس: عدم الاطراد، بيانه:\nأن لا يكون اللفظ مطردًا في مدلوله مع عدم ورود المنع من أهل\nاللغة والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة،\nفهذا مجاز؛ لأنه لا يطرد، ولهذا لا يُسمَّى كل طويل من شجرة أو\nرمح وغير ذلك نخلة.\nالطريق السادس: إطلاق اللفظ على المستحيل، بيانه:\nأنه إذا أطلق على اللفظ بما يسحيل تعليقه به علم أنها في أصل\nاللغة غير موضوعة له أصلًا، فيعلم أنه مجاز فيه مثل قوله تعالى:\n(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فإن السؤال بالنسبة إلى القرية مستحيل عادة.","vol":"3","page":1177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>المطلب الحادي عشر بيان أنه إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز\nفإنه يحمل على الحقيقة</span>\nإذا دار اللفظ المتجرد عن القرائن بين الحقيقة والمجاز، فإنه يحمل\nعلى الحقيقة، ولا يمكن حمله على المجاز إلا إذا دلَّ دليل أو قرينة\nعلى أنه أريد به المجاز، ولا يمكن أن نجعل اللفظ مجملًا ومشتركا\nبين المعنيين، وهما الحقيقة والمجاز.\nأدلة ذلك وهو: حمل اللفظ على الحقيقة، ولا يكون مجملًا:\nالدليل الأول: أن واضع اللفظ للمعنى إنما وضعه ليكتفي به في\nالدلالة عليه، وليستعمل فيه دون غيره من المعاني، فكان الواضع\nقال: \" إذا سمعتموني أتلفظ بهذا اللفظ فاعلموا أني أعني به هذا\nالمعنى دون ما هو مجاز فيه \"، فيجب على السامع أن يحمل اللفظ\nعلى ما وضع له، وهو المعنى الحقيقي.\nالدليل الثاني: أننا لو رأينا كل لفظ احتمل أن يكون حقيقة وأن\nيكون مجازًا وجعلناه مجملًا للزم من ذلك أمران باطلان هما:\nالأمر الأول: بقاء كثير من ألفاظ الكتاب والسُّنَّة بدون أن يعمل\nبها، فأفضى إلى عدم الاستفادة منها، وذلك لأن حكم المجمل هو\nالتوقف حتى يأتي دليل يرجح أحد المعاني، وهذا يؤدي إلى تعطيل أكثر\nالنصوص بلا عمل، وهذا ظاهر البطلان، بل لا يقوله مسلم عاقل.\nالأمر الثاني: اختلال واضطراب مقصود الوضع اللغوي، أي:\nلا نفهم من أي لفظة أيَّ معنى مقصود، مما يؤدي إلى عدم تفاهم\nالناس في مخاطباتهم.","vol":"3","page":1178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المطلب الثاني عشر بيان أنه إذا غلب المجاز في الاستعمال\nفإن اللفظ يحمل عليه</span>\nلقد بيَّنا في المطلب السابق: أن اللفظ المجرد عن القرائن يحمل\nعلى المعنى الحقيقي، ولا يحمل على المجاز، ولا يكون مجملًا،\nلكن إذا غلب المجاز في الاستعمال، أي: تعارف الناس واعتادوا\nعلى التخاطب بالمجاز دون الحقيقة، وانتشر ذلك بينهم، فإن اللفظ\nيحمل على المجاز، وتكون الحقيقة - على ذلك - كالمتروكة المنسية\nالتي لا تنقدح في أذهان المتخاطبين.\nفلو قال شخص: \" رأيت راوية \"، فإنه ينقدح في أذهان الناس\nأن المقصود بذلك هو: وعاء الماء، ولا تنقدح في أذهانهم الحقيقة،\nوهو: الجمل الذي يستقى عليه.\nكذلك لو قال: \" رأيت غائطا \"، فإنه ينقدح في أذهان الناس\nذلك الشيء المستقذر الخارج من الإنسان، ولا تنقدح في أذهانهم\nالحقيقة وهو: المكان المطمئن المنخفض من الأرض.\nففي هذين المثالين صار الوضع الأول - وهو الحقيقة - منسيا\nمتروكا، والمجاز معروفا سابقا إلى الفهم، ولا يمكن صرفه إلى\nالحقيقة إلا بدليل.","vol":"3","page":1179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>الفصل الثامن في تعارض ما يخل بالفهم</span>\nالذي يخل بفهم السامع لما أراده المتكلم من اللفظ: أمور خمسة\nهي: الا شتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص.\nفإن تعارضت هذه الأمور الخمسة مع بعضها، فإنه لا بد من\nمعرفة الراجح من المرجوح، ولمعرفة ذلك فإن كل واحد يكون ما\nبعده أرجح منه، فيقدم عليه فتقول: النقل يقدم على الاشتراك،\nوالمجاز يقدم على النقل، والتخصيص يقدم على المجاز والإضمار،\nأما المجاز والإضمار إذا تعارضا فلا يقدم أحدهما على الآخر؛\nلتساويهما، ويكون اللفظ مجملًا.\nوإليك بيان ذلك على عشرة أوجه هي كما يلي:\nالوجه الأول: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والنقل - بأن كان\nاللفظ محتملًا لهما وادَّعى أحد الخصمين حمله على النقل، والآخر\nحمِله على الاشتراك: فالنقل أَوْلى بالتقديم؛ لأن المعنى في النقل\nمتعيِّن.\nبيان ذلك: أن لفظ \" الزكاة \" يحتمل أن يكون مشتركا بين\n\"النماء\" - وهو معناه اللغوي - و\" القدر المخرج من المال \" - وهو\nمعناه الشرعي -، ويحتمل أن يكون حقيقة في \" النماء \"، ثم نقل\nإلى القدر المخرج.","vol":"3","page":1181},{"text":"فالنقل هنا أوْلى؛ لأنه على تقدير النقل يكون اللفظ لحقيقة مفردة؛\nلأنه إن اشتهر النقل فالمراد المنقول إليه، وإن لم يشتهر فالمراد المنقول\nعنه فلا يوجد له إلا معنى واحد في الحالتين، أما على تقدير\nالاشتراك فليس كذلك؛ لأن اللفظ في حالة الاشتراك له معنيان\nفأكثر في وقت واحد، وما له معنى واحد - وهو النقل - أولى مما\nله معنيان - وهو الاشتراك.\nالوجه الثاني: إذا وقع التعارض بين \" الاشتراك \" و\" المجاز \":\nفالمجاز أَوْلى بالتقديم؛ لأمرين:\nأولهما: أن المجاز أكثر استعمالًا من الاشتراك، والكثرة أمارة\nالظن والرجحان.\nثانيهما: أنه على تقدير المجاز إن كان اللفظ مع القرينة: وجب\nحمله على المجاز، وإن كان مجردًا عنها: وجب حمله على\nالحقيقة، فهو مفيد على التقديرين، بخلاف الاشتراك فإنه إن تجرد\nاللفظ عن القرينة وجب التوقف؛ لاحتمال تنافي معاني المشترك، أو\nامتناع حمله على معنييه إذا لم يمكن الجمع بينها.\nمثاله: لفظ \" النكاح \" فنقول: \" موطوءة الأب بالزنا تحل للابن\nفيجوز أن يتزوجها \"؛ لقوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ)،\nوهي قد طابت للابن.\nفإن قال قائل: هذا معارض بقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ)، والنكاح حقيقة في الوطء.\nقلنا: لا نُسَلِّمُ، بل النكاح حقيقة في العقد في الشرع؛ لقوله\n- ﷺ -: \"النكاح من سنتي \"، وإذا كان حقيقة في العقد لا يكون حقيقة في الوطء، ولو كان حقيقة في العقد والوطء للزم الاشتراك","vol":"3","page":1182},{"text":"بينهما دون ترجيح، فكونه حقيقة في العقد مجازًا في الوطء، أو\nالعكس أوْلى، ويعمل على أحدهما، أوْلى من حمله على الاشتراك\nبينهما والتوقف عن العمل بهما.\nالوجه الثالث -: إذا وقع التعارض بين \" الاشتراك \"، و\" الإضمار\"\nفالإضمار أوْلى بالتقديم؛ لأن الإضمار يحتاج إلى القرينة في صورة\nواحدة، وهي صورة إرادة المعنى الإضماري، أما المشترك فإنه يحتاج\nإلى القرينة في صورتي كل واحد من معنييه، فيكون الاشتراك\nمرجوحًا؛ لأن الاحتياج فيه أكثر.\nمثاله: قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فإنه يحتمل أن يكون\nمشتركًا بين \" الموضع \" و\" الأهل \"، ويحتمل أن يكون للموضع\nوالأهل مضمر، فالإضمار أوْلى بالتقديم.\nالوجه الرابع: إذا وقع التعارض بين \" الاشتراك \" و\" التخصيص \"\nفإنه يقدم التخصيص؛ لأن التخصيص أوْلى من المجاز إذا تعارضا،\nلأن الباقي بعد التخصيص متعين، بخلاف المجاز فإنه ربما يتعدد\nالمجاز، فلم يتعين المجاز المقصود - كما سيأتي في الوجه التاسع -.\nوالمجاز أَوْلى من الاشتراك إذا تعارضا؛ لما سبق ذكره في الوجه\nالثاني.\nينتج: أن التخصيص أوْلى من الاشتراك.\nمثاله: قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) فالنكاح هنا\nيحتمل أن يكون مشتركًا بين \" الوطء \" و\" العقد \"، فعلى هذا:\nتكون موطوءة الأب مطلقًا محرمة على الأب.\nويحتمل أن يكون لفظ \" النكاح \" - هنا - موضوعًا للعقد - فقط -","vol":"3","page":1183},{"text":"وخص العقد الفاسد، فإن النكاح الفاسد لا يحرم، فالتخصيص\nأولى، وعلى هذا: لو نكح الأب نكاحا فاسدًا فللابن أن ينكح\nمنكوحته ولا تكون محرمة عليه.\nتنبيه: النسخ شبيه بالتخصيص؛ لأن \" النسخ \" تخصيص في\nالأزمان، فهل - على هذا - يقدم النسخ على الاشتراك؛ نظرًا\nلكون التخصيص مقدما على الاشتراك؟\nنقول - في الجواب عن ذلك -: إن النسخ لا يقدم على\nالاشتراك، بل إن الاشتراك هو المقدم عليه؛ لأن النسخ يلزم منه\nالإبطال بالكلية، أما الاشتراك فإنه يستلزم التأخير إلي وقت ظهور\nالقرينة، والتأخير أهون من الإبطال، فعلى هذا لو وقع التعارض\nبينهما لكان الاشتراك أوْلى.\nالوجه الخامس: إذا وقع التعارض بين \" النقل \" و\" المجاز \"،\nفإنه يقدم \" المجاز \"؛ لأنه يلزم من \" النقل \": أن يكون الوضع\nالأول - المنقول عنه - مهجورًا، وهو خلاف الأصل؛ لأن الأصل:\nالإعمال، لا الإهمال، والمجاز لا يستلزم ذلك، فيكون المجاز\nراجحا عليه.\nمثاله: \" الصلاة \"، فإنها مجاز في ذات الأركان - على قول -\nوهي منقولة من الدعاء إلى هذا المعنى - على قول آخر لبعض\nالعلماء.\nالوجه السادس: إذا وقع التعارض بين دؤ النقل \" و\" الإضمار \"،\nفإن الذي يقدم هو \" الإضمار \"؛ لأن \" الإضمار \" و\" المجاز \"\nمتساويان؛ نظرًا لاحتياج كل واحد إلى قرينة تصرف السامع عن فهم\nما يدل عليه اللفظ ظاهرًا - كما سيأتي في الوجه الثامن -.","vol":"3","page":1184},{"text":"والمجاز مقدم على النقل؛ لأن \" النقل \" يستلزم أن يكون الوضع\nالأول مهجورًا، وهو خلاف الأصل، والمجاز ليس كذلك - كما\nقلنا في الوجه الخامس -.\nفينتج: أن يكون الإضمار أوْلى من النقل؛ لأن المساوي للأولى\nأوْلى.\nمثل: قوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبَا)، فإنه سيقول قائل: إن\nالربا موضوع للزيادة والمفاضلة، ثم نقل إلى العقد المشتمل على\nالمفاضلة، وحينئذٍ لا يجوز بيع درهم بدرهمين.\nوسيقول قائل آخر: إن الربا موضوع للمفاضلة والزيادة، والأخذ\nمضمر، والتقدير: وحرم أخذ الربا، وحينئذ: يجوز بيع درهم\nبدرهمين، ويفيد - الملكية؛ لأن المحرم الأخذ لا البيع.\nالوجه السابع: إذا وقع التعارض بين \" النقل \" و\" التخصيص \"\nفإن التخصيص يقدم على النقل؛ لأن التخصيص أوْلى من المجاز؛\nلأن الباقي بعد التخصيص متعين، بخلاف المجاز؛ فانه قد يتعدد\n- كما سبق ذكره وكما سيأتي في الوجه التاسع -.\nوالمجاز أوْلى من الثقل - كما سبق بيانه في الوجه الخامس -.\nفينتج: أن التخصيص يقدم على النقل؛ لأن الراجح على الراجح\nراجح.\nمثاله: قوله تعالى: (وأحل الله البيع)، فانه يحتمل أن يكون\n\" البيع \" هو: البيع اللغوي - وهو مبادلة الشيء بالشيء مطلقا -\nثم خص عنه الفاسد؛ إذ البيع الفاسد غير حلال، ويحتمل أن\nيكون \" البيع \" قد نقل من المبادلة مطلقا إلى العقد المستجمع لشرائط\nالصحة.","vol":"3","page":1185},{"text":"الوجه الثامن: إذا وقع التعارض بين \" المجاز \" و\" الإضمار \"،:\nفإنهما مستويان؛ لأن كل واحد منهما يحتاج إلى قرينة تصرف السامع\nعن فهم ما يدل عليه ظاهر اللفظ، واستوائهما في احتمال وقوع\nالخفاء في تعيين المراد؛ فإنه كما يتوقع وقوع الخفاء في تعيين \" المجاز \"\nكذلك يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المضمر.\nمثاله: أن يقول السيد لعبده - الذي هو أصغر منه سنا -: \" هذا\nابني \"، فإنه يحتمل أن يكون قد عبر عن العتق بالبنوة مجازًا،\nفيعتق ذلك العبد بذلك اللفظ، ويحتمل أن يكون في الكلام إضمار\nويكون تقدير الكلام: \" هذا مثل ابني \" في العطف أو المحبة، فلا\nيعتق العبد بهذا.\nالوجه التاسع: إذا وقع التعارض بين \" المجاز \" و\" التخصيص \"،\nفإنه يقدم التخصيص؛ لأن الباقي بعد التخصيص متعين بخلاف\nالمجاز، فإنه قد لا يتعين المجاز المقصود، بيان ذلك:\nأنه عند التخصيص انعقد اللفظ دليلًا على جميع الأفراد، فإذا\nخرج بعض الأفراد بدليل: بقي اللفظ معتبرًا في الباقي من غير تأمل\nأو تفكر.\nأما في المجاز فإن اللفظ انعقد دليلًا على المدلول الحقيقي، فإذا\nانتفت الحقيقة بقرينة، افتقر صرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز إلى\nنوع تأمل وتفكر واستدلال؛ لأنه ربما تعدد المجاز، ولم يتعين\nالمقصود، فيكون التخصيص أبعد عن الاشتباه والشك، فيقدم على\nالمجاز.\nمثاله: قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فإنِه\nيحتمل أن يكون المراد التلفظ \" الذي هو المدلول الحقيقي - وهو:","vol":"3","page":1186},{"text":"التلفظ بذكر اسم الله تعالى - وعلى هذا خص منه الناسي، أي:\nالذي ترك فيه التلفظ بالنسيان، وعلى هذا يكون متروك التسمية عمدًا\nلا يؤكل، أما متروك التسمية نسيانا يؤكل، وهذا هو الصحيح.\nويحتمل أن يكون المراد به: لا تكلوا مما لم يذبح بأن مات حتف\nأنفه بطريق المجاز، وعلى هذا: فمتروك التسمية مطلقا يؤكل،\nوليس في الآية ما يدل على عدم جواز أكله، وهذا المجاز من باب\nإطلاق اسم المسبب - وهو ذكر اسم اللَّه تعالى - على السبب -\nوهو الذبح؛ حيث إن الذبح سبب ذكر اسم اللَّه تعالى.\nالوجه العاشر: إذا وقع التعارض بين \" الإضمار \" و\" التخصيص \"،\nفإن التخصيص هو المقدم؛ لأن \" التخصيص \" مقدم على \" المجاز \"\n- كما مضى في الوجه التاسع -، والمجاز والإضمار متساويان - كما\nمضى في الوجه الثامن - فينتج: أن \" التخصيص \" مقدم على\nالإضمار \".\nمثاله: قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)، فإنه يحتمل\nأن يكون خطابا عاما اختص بالورثة؛ إذ القاتل صار عدوأ للورثة،\nفإذا قتل ذلك القاتل بقيت الورثة سالمة وحية، ويحتمل أن يكون\nخطابا عاما والشرعية مضمرة، وتقدير الكلام: \" ولكم في شرعية\nالقصاص حياة \"، وذلك لأن الناس إذا علموا شرعية القصاص اندفع\nالقتل من بينهم، فمثلًا إذا هم شخص بالقتل فتذكر القصاص منه،\nفإنه يمتنع عن القتل، فتسبب ذلك في حياة نفسين.","vol":"3","page":1187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>الفصل التاسع في النص، والظاهر، والمجمل وما يتعلق بها</span>\nويشتمل على تمهيد وثلانة مباحث:\nأما التمهيد: فهو في بيان السبب في جمع هذه الأمور الثلانة،\nوالسبب في تقديم النص على الظاهر، والظاهر\nعلى المجمل.\nأما المبحث الأول: فهو في النص.\nأما المبحث الثاني: فهو في الظاهر.\nأما المبحث الثالث: فهو في المجمل.","vol":"3","page":1189},{"text":"التمهيد في بيان السبب في جمع هذه الأمور الثلاثة\nوالسبب في تقديم النص على الظاهر والظاهر على المجمل\nالسبب في ذلك هو:\nأن اللفظ إما أن يكون له معنى واحد فقط لا ينقدح في الذهن\nغيره، أو يكون له معنيان فأكثر.\nفإن كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحدًا - فقط - فهذا هو النص.\nوإن كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى نظرنا:\nإن ترجح أحد معنييه على الآخر فهو: الظاهر.\nوإن لم يترجح أحد معنييه - أي كانت متساوية - فهو: المجمل.\nوالسبب في تقديم النص على الظاهر: أن النص أقوى من الظاهر؛\nلأن النص لا يحتمل إلا معنى واحدًا، أما الظاهر فهو يحتمل معنيين\nهو في أحدهما أظهر.\nوالسبب في تقديم الظاهر على المجمل: أن الظاهر قريب من\nالنص من وجهين:","vol":"3","page":1191},{"text":"الأول: أن الظاهر يفهم منه معنى واحد، وإن احتمل معنى آخر\nلكنه مرجوح.\nالثاني: أن الظاهر يشارك النص في وجوب العمل بهما.\nأما المجمل فلا يفهم. منه معنى معين، ولا يجوز العمل به،\nفلذلك أُخِّر.\nوإليك بيان كل قسم فأقول:","vol":"3","page":1192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المبحث الأول في النص</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريفه.\nالمطلب الثاني: حكم إطلاق النص على الظاهر.\nالمطلب الثالث: حكم النص.","vol":"3","page":1193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المطلب الأول\nتعريف النص</span>\nأولًا: النص لغة هو: رفع الشيء إلى أقصى غاية له، ومنه: ما\nورد في الحديث: \" كان رسول اللَّه - ﷺ - يسير العنق فإذا وجد فجوة نص \" أي: رفع السير إلى غايته، ومنه ما قاله عمرو بن دينار: \"ما رأيت أنص للحديث من الزهري \" أي: أرفع وأسند.\nثانيا: النص اصطلاحا هو: اللفظ الذي يفيد معناه بنفسه من غير\nاحتمال.\nبيان التعريف:\nقولنا: \" اللفظ \" جنس يشمل النص والظاهر والمجمل.\nقولنا: \" الذي يفيد معناه بنفسه \": أخرج اللفظ المجمل؛ لأنه لا\nيفيد معنى من معانيه إلا إذا وجدت قرينة ترجح هذا المعنى.\nوخرج اللفظ الصالح للحقيقة والمجاز؛ لأنه لا يحمل على مجاره\nإلا بقرينة.\nفالمجمل والمجاز لا يحمل اللفظ عليهما إلا بانضمام غيره معه.\nأما هذا اللفظ فقد نص على معناه دون مساعدة.\nقولنا: \" من غير احتمال \" معناه: أن هذا اللفظ أفاد حكما\nومعنى واحدًا فقط من غير أن يتطرق اليه أيُّ احتمال آخر أصلًا.\nفخرج بذلك اللفظ الظاهر، فإنه قد أفاد معنى بنفسه، لكن مع\nاحتمال معنى آخر لأن كان ضعيفا.","vol":"3","page":1195},{"text":"مثل قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، فإن هذا اللفظ نص في\nالحكم، حيث إن مجموع ابثلاثة في الحج والسبعة إذا رجع هي\nعشرة فقط بدون زيادة أو نقصان، ومثل قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) نص في نفي التماثل بين البيع والربا، فكل ما\nكانت دلالته على معناه في هذه الدرجة سمي بالإضافة إلى معناه نصا\nفي طرفي الإثبات والنفي، أى: إثبات المسمى، ونفي ما لا ينطلق\nعليه الاسم.","vol":"3","page":1196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المطلب الثاني حكم إطلاق النص على الظاهر</span>\nلقد أطلق بعض العلماء - كالإمام الشافعي كما حكي عنه - اسم\nالنص على الظاهر، وهو: اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في\nأحدهما أظهر.\nوهذا لا مانع منه من جهة اللغة؛ وذلك لأن النص عند بعض أهل\nاللغة هو: الظهور، ومنه قول العرب: \" نصت الظبية رأسها \" إذا\nرفعته وأظهرته، ومنه تسمية الكرسي الذي تجلس عليه العروس:\nمنصة؛ لأنها تظهر عليه.\nولكن الأقرب إلى الصواب والأوجه هو: عدم إطلاق النص على\nالظاهر، فالنص له حدُّه الخاص به وهو: \" اللفظ الذي يفيد معناه\nبنفسه من غير احتمال \"، والظاهر - أيضا - له حده الذي سيأتي\nذكره.\nدليل ذلك:\nأننا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر للزم من ذلك أمران هما\nعلى خلاف الأصل:\nالأمر الأول: الترادف بيانه:\nأنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن لهذين اللفظين\nوهما: \" النص \" و\" الظاهر \" معنى واحد، وهو معنى الظاهر،","vol":"3","page":1197},{"text":"وهو: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر، وهذا هو الترادف\nالذي هو على خلاف الأصل.\nالأمر الثاني: الاشتراك، بيانه:\nأنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن الذي يحتمل معنيين\nهو في أحدهما أظهرْ هما: النص والظاهر، وهذا هو الاشتراك،\nوالاشتراك خلاف الأصل.\nوذلك لأن الأصل هو: أن يكون للفظ معنى واحد، وأن يكون\nللمعنى لفظ واحد.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>المطلب الثالث\nحكم النص</span>\nأن يصير المكلَّف إلى معناه، وأن يعمل بالحكم الذي دلَّ عليه ولا\nيتركه إلا إذا ثبت ناسخ له، فهنا يترك المنسوخ ويعمل بالناسخ.","vol":"3","page":1198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المبحث الثاني في الظاهر</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريفه.\nالمطلب الثاني: حكم الظاهر.\nالمطلب الثالث: في التأويل.","vol":"3","page":1199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المطلب الأول\nتعريف الظاهر</span>\nأولًا: الظاهر لغة: هو الشاخص المرتفع، والواضح المنكشف،\nويطلق لغة على خلاف الباطن، قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)\nثانيًا: الظاهر اصطلاحا: هو اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في\nأحدهما أظهر.\nمعناه إجمالًا:\nأن الظاهر هو: اللفظ الذي فهم منه السامع معنيين، ولكن رجح\nأحد هذين المعنيين، دون الآخر.\nمحترزات التعريف:\nقولنا: \" الذي يحتمل معنيين \" أخرج النص؛ حيث إن النص هو\nاللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فقط - كما سبق -.\nوقولنا: \" هو في أحدهما أظهر \" أخرج المجمل؛ لأن المجمل\nهو: اللفظ الذي. احتمل معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر، أي:\nاللفظ المتردد بين معنيين على السواء كالقرء.","vol":"3","page":1201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>المطلب الثاني\nحكم الظاهر</span>\nأن يصيرِ السامع إلى معناه الظاهر له، والراجح عنده، فيجب\nالعمل بما دلّ عليه من الأحكام، ولا يجوز ترك ذلك المعنى الراجح\nوالظاهر إلا إذا قام دليل صحيح على تأويله، أو تخصيصه، أو\nنسخه.","vol":"3","page":1202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>المطلب الثالث في التأويل</span>\nويشمل على مسائل:\nالمسألة الأولى: في مناسبة ذكره هنا.\nالمسألة الثانية: في تعريفه.\nالمسألة الثالثة: في أنواعه.\nالمسألة الرابعة: في شروط التأويل.\nالمسألة الخامسة: في أقسام دليل التأويل.\nالمسألة السادسة: حكم التأويل.\nالمسألة السابعة: في تطبيقات على التأويلات الصحيحة والمقبولة.\nالمسألة الثامنة: في تطبيقات على التأويلات الضعيفة والبعيدة.","vol":"3","page":1203},{"text":"المسألة الأولى: في مناسبة ذكر التأويل هنا:\nإننا قلنا في حكم الظاهر: إنه يجب العمل بالمعنى الظاهر\nوالراجح، ولا يجوز العمل بالمعنى المرجوح إلا بتأويل صحيح يسوغِّ\nترك المعنى الراجح والعمل بالمعنى المرجوح، وليس كل تأويل يقبل،\nبل إن التأويل له تعريف خاص، وشروط وتقييدات قد ذكرها العلماء\nلا بد من معرفتها لذلك عقدنا لبيان ذلك هذا المطلب.\n***\nالمسألة الثانية: في تعريف التأويل:\nأولًا: التأويل لغة مأخوذ من آل، يؤول، أي: رجع،\nوالتأويل آخر الأمر، وعاقبته، يقال: إلى أي شيء مآل هذا الأمر،\nأي: مصيره وعقباه، ويقال: تأول فلان الآية الفلانية، أي: نظر\nما يؤول إليه معناها.\nئانيا: التأويل اصطلاحا هو: حمل اللفظ على غير مدلوله\nالظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده.\nمعناه إجمالًا: أن يكون اللفظ يحتمل معنيين: معنى راجح،\nومعنى مرجوح، فثبت لدى المجتهد دليل يعضد ويقوي المعنى\nالمرجوح، فيحمل المجتهد اللفظ على المعنى المرجوح ويعمل بذلك،\nولا يعمل بالمعنى الذي دلَّ عليه الظاهر؛ لأنه صار مرجوحا، وهذا\nهو التأويل الصحيح.\nمحترزات التعريف:\nعبارة: \" حمل اللفظ على غير مدلوله، أخرجت اللفظ الذى\nيحمل على نفس مدلوله، فإن هذا لا يسمى تأويلًا.","vol":"3","page":1205},{"text":"وعبارة: \" الظاهر منه \" أخرجت اللفظ المشترك؛ حيث إنه يحمل\nعلى أحد معنييه، فإن هذا لا يسمى تاويلًا.\nوعبارة: \" مع احتماله له \" أخرجت اللفظ إذا صرف عن معناه\nالظاهر إلى معنى لا يحتمله أصلًا، فإن هذا لا يكون تأويلًا صحيحًا.\nوعبارة: \" بدليل يعضده \" أخرجت اللفظ الذي صرفناه عن معناه\nالظاهر إلى معنى مرجوح من غير دليل، فإن هذا لا يكون تأويلًا\nصحيحًا.\n***\nالمسألة الثالثة: في أنواعه:\nيتنوع التأويل إلى ثلاثة أنواع، ويختلف الدليل باختلاف النوع.\nالنوع الأول: التأويل القريب، وهو: ما إذا كان المعنى المأول\nإليه اللفظ قريبًا جدا، فهذا يكفيه أدنى دليل.\nمثاله: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)، فإن القيام إلى الصلاة - في هذه الآية -\nمصروف عن معناه الظاهر إلى معنى آخر قريب محتمل، وهو:\nالعزم على أداء الصلاة، أي: إذا عزمتم على أداء الصلاة، والذي\nرجح هذا الاحتمال: أن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلَّفين بعد\nالشروع في الصلاة؛ لأن الوضوء شرط لصحتها، والشرط يوجد\nقبل المشروط، وهو معنى قريب يتبادر فهمه إلى أي سامع.\nالنوع الثاني: التأويل البعيد، وهو ما إذا كان المعنى المأول إليه\nاللفظ بعيدًا جدًا، فهذا يحتاج إلى دليل في غاية القوة.\nمثاله: قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)","vol":"3","page":1206},{"text":"فقد أول بعضهم ذلك بأن المراد مسح الرجلين بدلا من\nغسلهما، وقد استدل هو على هذا التأويل بقراءة الجر في قوله:\n(وأرجلكم)، وأن ذلك كان عطفا على قوله: (برءوسكم)\nفقالوا ذلك نظرًا إلى تلك القراءة، ولكن ما ثبت من الأحاديث\nالصحيحة التي أمرت بغسل الرجلين وما ثبت في اللغة جعل هذا\nالتأويل بعيد جدًا، وستأتي أمثلة كثيرة على التأويلات البعيدة في\nالمسألة الثامنة إن شاء اللَّه.\nالنوع الثالث: وهو ما إذا كان المعنى المأول إليه متوسطا، فهذا\nيحتاج إلى دليل متوسط في القوة.\nفإن قلت: ما حدود هذه الأنواع، وكيف تُعلَم؟\nأقول: إن الفقيه المجتهد هو الذي يعين ذلك، فإن له دورًا وأثرًا\nكبيرًا في اعتبار هذه المراتب، وتوضيح حدودها.\nالمسألة الرابعة: في شروط التأويل:\nلا يقبل التأويل ويعمل به إلا إذا توفر فيه الشروط التالية:\nالشرط الأول: أن يكون المتأول من أهل الاجتهاد، واشترطنا\nذلك؛ لئلا يأتي من لا علم عنده - أو عنده ولكنه لم يبلغ درجة\nالاجتهاد - فيقوم بتأويل النصوص الشرعية على حسب علمه\nالقاصر، أو على الهوى والتشهي فيضل ويُضل.\nالشرط الثاني: أن يكون المعنى الذي أول إليه اللفظ من المعاني\nالتي يحتملها اللفظ بأن يكون اللفظ ظاهرًا فيما صرف عنه محتملاٌ لما\nصرف إليه.","vol":"3","page":1207},{"text":"الشرط الثالث: أن يقوم التأويل على دليل صحيح يدل دلالة\nواضحة وصريحة على صرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره.\nالشرط الرابع: أن يظهر المتأول ما اشترط في الثاني والثالث،\nأي: أن يذكر المتأول المعنى المرجوح الذي أول إليه اللفظ، وأن يذكر\nْالدليل الذي عضد ذلك المعنى المرجوح وقواه حتى قدم على الظاهر\nوالراجح، وإن لم يبين ذلك كان كل ما ادعاه مجرد دعوى لا يقبل.\n***\nالمسألة الخامسة: أقسام دليل التأويل:\nلقد قلنا في الشرط الثالث: أن يقوم التأويل على دليل صحيح\nيدل دلالة واضحة على صرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره، والدليل\nهذا على أقسام:\nالقسم الأول: نص ظاهر آخر.\nأي: أن الدليل الصارف عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح قد\nيكون نصا آخر.\nمثاله: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)، فإن لفظ\n\"الدم \" عام وشامل للدم المسفوح وغير المسفوح، وهو المعنى الظاهر\nمن اللفظ.\nولكن صرف هذا اللفظ من ظاهره وهو العموم بنص ظاهر آخر،\nوهو قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا)، فخصصت هذه الآية\nالثانية الآية الأولى، وذلك لأنها قد بيَّنت أن الدم المحرم هو الدم\nالمسفوح.","vol":"3","page":1208},{"text":"القسم الثاني: القرينة، أي: أن الدليل الصارف عن المعنى\nالظاهر إلى المعنى المرجوح قد يكون قرينة.\nوالقرينة نوعان:\nالنوع الأول: قرينة منفصلة مثل: المسلم من أهل الجهاد لو جاء\nبمشرك، فادَّعى المشرك أنه أمنه، وأنكر المسلم ذلك وادعى بأنه\nأسره، فهل يقبل قول المسلم أو الكافر؟\nاختلف في ذلك:\nفقيل: إنه يقبل قول المسلم على كل حال.\nوقيل: إنه لا يقبل إلا ببينة.\nوالصحيح: أن القول هو قول من ظاهر الحال صدقه، فإن كان\nالكافر أظهر قوة وبطشا وفروسية وإقداما من المسلم، فإنه يقبل قوله؛\nلأن هذه الصفات قرينة جعلتنا نقدم قوله، مع أن قول المسلم أرجح\nلعدالته وإسلامه، وقول الكافر مرجوح، لكن هذه القرينة المنفصلة\n- وهي الصفات التي اتصف بها الكافر - عضدت قول الكافر حتى\nصار أقوى من قول المسلم الراجح.\nالنوع الثاني: القرينة المتصلة بالظاهر المراد تأويله مثل: قول\nالإمام الشافعي: إن الواهب لا يحرم عليه الرجوع فيما وهب\nمستدلًا بظاهر قوله - ﷺ -:\n\"العائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه \"،\nحيث إن الكلب لم يحرم عليه الرجوع في قيئه،\nفالظاهر أن الواهب إذا رجع مثله في عدم التحريم؛ لأن الظاهر من\nالتشبيه استواء المشبه والمشبه به من كل وجه مع احتمال أن يفترقا من\nبعض الوجوه احتمالًا قويًا.\nفحينئذ ضعف جانب من قال بعدم جواز رجوع الواهب فيما","vol":"3","page":1209},{"text":"وهب - كالإمام أحمد - لأنه لم يبق معه إلا احتمال ضعيف قواه\nبالقرينة المتصلة بالنص الظاهر، وهي قوله - في أول الحديث -:\n\"ليس لنا مثل السوء.. العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في\nقيئه \"، وهو دليل قوي، وجعل ذلك مقدما على المثل المذكور،\nوهو دليل الاهتمام به، فأفاد ذلك لغة وعرفا: أن الرجوع في الهبة\nمثل السوء، وقد نفأه صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع\nيحرم إثباته، فلزم من ذلك عدم جواز الرجوع في الهبة.\nالقسم الثالث: القياس الصحيح الراجح، أي: أن الدليل\nالصارف عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح قد يكون قياسا راجحا\nمثل: أن الشارع ذكر في كفارة الظهار والصيام \" الإطعام \"، ولكنه\nلم يذكر تلك الكفارة في \" القتل الخطأ \"، وترك ذلك ظاهر في\nعدم وجوبه؛ لأنه لو كان واجبا لذكره، كما ذكر تحرير الرقبة،\nوالصيام، ويمكن إثبات الإطعام في كفارة القتل الخطأ؛ قياسا على\nإثباته في كفارة الظهار والصيام، والجامع: أن الكفارات حقوق لله\nتعالى، وحكم الامتثال واحد، فثبوت الإطعام في تلك الكفارات\nتنبيه على إثباته في كفارة القتل، هذا على مذهب من يرى جواز\nالقياس في الكفارات، وذكرت ذلك مفصلًا في كتابي \" إثبات\nالعقوبات بالقياس \".\nالقسم الرابع: حكمة التشريع، أي: أن الدليل الصارف عن\nالمعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح قد يكون حكمة التشريع والمقاصد\nالشرعية مثل: قوله - ﷺ -:\n\"في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة\"،\nفإن ظاهر هذا: أنه لا يجزئ عن الأربعين شاة إلا إخراج\nشاة بعينها، ولكن جمهور الحنفية قد أولو ذلك، وقالوا: يجوز\nإخراج قيمة الشاة ويجزئ ذلك، وعللوا ذلك بقولهم: إن حكمة","vol":"3","page":1210},{"text":"التشريع نفع الفقير، ونفع الفقير يتحقق بالقيمة، بل قد تكون القيمة\nأنفع للفقير من إعطائه عين الشاة.\n***\nالمسألة السادسة: حكم التأويل:\nالتأويل مقبول معمول به إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل العلماء\nفي كل عصر من عهد الصحابة - ﵃ - إلى زماننا هذا\nعاملين به من غير أن ينكر عليهم أحد.\n***\nالمسألة السابعة: تطبيقات على التأويلات الصحيحة والمقبولة:\nأمثلة ذلك كثيرة تكاد لا تحصى، ومنها:\nالمثال الأول: قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم)، فقد أوله العلماء إلى أن المراد: العزم على أداء\nالصلاة، وقد سبق بيانه.\nالمثال الثاني: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدم)، فقد\nأوله العلماء إلى أن المراد: الدم المسفوح فقط هو المحرم، وقد سبق\nبيانه.\nالمثال الثالث: قوله - ﷺ -:\n\"يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود \"،\nفقد أوله جمهور العلماء إلى أن مرور هذه المذكورات لا تبطل الصلاة،\nوقالوا: إن المراد بالقطع - هنا - نقص الصلاة\nلشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها، أي: أن المراد\nبالقطع عن الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها، لا أنها تفسد\nالصلاة، ومن الأدلة على هذا التأويل: أن ابن عباس - وهو أحد","vol":"3","page":1211},{"text":"رواة أحاديث قطع الصلاة بذلك - روي عنه أنه حمل ذلك على\nالكراهة.\nالمثال الرابع: قوله - ﷺ -:\n\"إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما \"،\nفقد أوَّله كثير من العلماء على أن معناه: أنه رجعت\nعليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره، فليس المراد ظاهره وهو: أنه\nيكفر؛ ودليل ذلك: أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا،\nوكذا قوله لأخيه: يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام.\nالمثال الخامس: قوله - ﷺ -:\n\" لا يدخل الجنة نمام \"،\nفقد تأوله كثير من العلماء إلى أن المراد: لا يدخل الجنة دخول الفائزين.\nالمسألة الثامنة: تطبيقات على التأويلات البعيدة والفاسد والضعيفة:\nإن التأويل يختلف باختلاف المجتهدين، فقد يقوم مجتهد بتأويل\nبعض النصوص ويصرفه عن معناه الظاهر إلى معنى له مرجوح،\nولكن تأويل هذا المجتهد، وإن كان ممكنًا ومحتملًا فقد تجتمع قرائن\nتدل على فساده، وإليك أمثلة على ذلك:\nالمثال الأول: قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) .\nفإن بعض الحنفية قد أولوا هذا إلى أن الخمس يعطى القريب\nالمحتاج، وعلى ذلك فإنه يحرم من ليس بمحتاج من ذوي القربى.\nوهذا التأويل بعيد جدًا؛ لأن الآية ظاهرة في إضافة الخمس إلى\nكل ذوي القربى بلام التمليك، فهم يستحقون الخمس بالقرابة فقط،","vol":"3","page":1212},{"text":"فتكون علَّة الاستحقاق هى: القرابة فقط؛ حيث إنها مناسبة\nللاستحقاق إظهارًا لشرفها، فتخصيص المأوِّل أن المستحق هو:\nالقريب المحتاج هذا تخصيص للعموم بلا دليل، وفيه ترك لما ظهر\nمن كون القرابة هي العِلَّة في الاستحقاق، ووضع الحاجة المسكوت\nعنها علَّة، وهذا بعيد جَدًا.\nالمثال الثاني: قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى\nالكعبين)، فقد أول بعضهم ذلك بأن المراد مسح الرجلين بدلًا من\nغسلهما، محتجًا بقراءة الجر في قوله: (وأرجلِكم) نظرًا لكونه\nمعطوفًا على قوله: (برءوسكم)، وهذا تأويل بعيد كما بيناه فيما\nسبق - في النوع الثاني من أنواع التأويل -.\nالمثال الثالث: قول النبي - ﷺ - لغيلان بن سلمة الثقفي - حيث أسلم على عشرة نسوة -:\n\" امسك أربعا وفارق من سواهن \".\nفقد أوَّل الحنفية ذلك بأن المراد: ابتدئ زواج أربع منهن إن كان\nالزواج بعقد واحد، وفارق سائرهن بأن لا تبتدئ العقد عليهن،\nوأمسك الأوائل منهن إن كان الزواج مرتبا بعقد لكل منهن، وفارق\nسائرهن، أي: الأواخر، فيكون الحكم عند الحنفية على هذا\nالتأويل: أنه إن نكحهن معًا فليس له إمساك واحدة منهن، وإن\nنكحهن متفرقات: فإنه يمسك أربعا من الأوائل، ودليلهم على هذا\nالتأويل: القياس؛ حيث قاسوا العقد على النسوة قبل الإسلام على\nالعقد عليهن بعد الإسلام، وأنه ليس بعض النسوة أوْلى بالإمساك من\nبعض.\nوهذا التأويل بعيد جدًا؛ لأن الحديث ظاهر في استدامه النكاح\nللأربع بدون عقد مطلقًا، ويتمسك بهذا الظاهر؛ حيث وجدت\nوجوه تدل على هذا الظاهر، وهي كما يلي:","vol":"3","page":1213},{"text":"الوجه الأول: أن المتبادر إلى الفهم من لفظ \" الإمساك \" إنما هو\nاستدامة عقد النكاح والاستمرار عليه، دون التجديد.\nالوجه الثاني: أن الشارع قد فوَّض الإمساك والفراق إلى خيرة\nالزوج، مما يدل على أن المراد الاستمرار في النكاح على ما هو\nعليه، فلو كان المراد هو: ابتداء النكاح - كما قالوا - لما جعل\nالاختيار كله لغيلان، لوقوع الفراق بنفس الإسلام، وتوقف النكاح\nعلى رضا الزوجة.\nالوجه الثالث: أن الظاهر من الزوج المأمور إنما هو امتثال أمر\nالنبي - ﷺ - بالإمساك، ولم ينقل أحد من الرواة تجديد النكاح في الصورة المذكورة.\nالوجه الرابع: أنه لو كان المراد هو: ابتداء النكاح - كما قالوا -\nلذكر شروط النكاح؛ لأن النبي - ﷺ - لا يؤخر البيان - عن وقت الحاجة؛ حيث إن غيلان جديد عهد بالإسلام في هذه القصة، فهو بحاجة إلى بيان شروط النكاح، وما يجوز وما لا يجوز فيه لا سيما في أمر\nفيه استحلال فروج، وضبط للأنساب، ولكنه لم يذكر شيئًا من\nذلك، مما يدل على أن المراد هو ما دلَّ عليه ظاهر الحديث وهو:\nاستدامة النكاح.\nفصار التمسك بظاهر الحديث - بعد توفر تلك الأوجه - أقوى من\nالتمسك بالتأويل المستدل عليه بالقياس الذي ذكره الحنفية.\nالمثال الرابع: قوله - ﷺ -\n\" لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل \"،\nفالظاهر من هذا: اشتراط النية لجميع أنواع الصوم: وهي\nصيام الفرض، وصيام القضاء، وصيام النذر، وصيام الكفارة،\nوصيام التطوع إلا أن صيام التطوع خرج بحديث عائشة - ﵂ - حيث قالت:","vol":"3","page":1214},{"text":"دخل عليّ رسول اللَّه - ﷺ - ذات يوم فقال: \" هل عندكم من شيء؟ \"\nفقلنا: لا، فقال: \" فإني إذن صائم \"، ثم أتانا يوما آخر فقلنا:\nيا رسول اللَّه، أهدي إلينا حيس، فقال: \" أرنيه فقد أصبحت\nصائمًا \" فأكل، فلا تشترط النية - لذلك - لصيام التطوع، هذا ما\nذهب إليه جمهور العلماء.\nولكن الحنفية أولوا ذلك وقالوا: إن المراد هو: اشتراط النية\nلصوم قضاء رمضان، وصوم النذر المطلق، وصوم الكفارة؛ نظرًا\nلكونها غير متعينة، فتحتاج إلى نية تعين ذلك، أما الصوم المعين\n- كصوم رمضان والنذر المعين، فلا تشترط فيه النية؛ لوجود التعيين.\nوهذا التأويل بعيد جدًا؛ لوجوه:\nالأول: أنه ورد في الحديث صيغة عموم وهي: النكرة في سياق\nالنفي، حيث قال: \" لا صيام \"، فهي عامة لكل صيام، وعلى\nهذا لا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على إخراجه كصيام التطوع.\nالثاني: أن المتبادر من لفظ \" صيام \"، إنما هو الصيام الأصلي\nالمتخاطب به في اللغات وهو الفرض، دون ما كان وجوبه بعارض\nووقوعه نادر، وهو القضاء والنذر المطلق.\nالثالث: أن حمل ذلك على صيام القضاء، والنذر المطلق وهو\nنادر، وإخراج الأصل الغالب يعتبر إلغازًا في القول، ولهذا فإن\nالسيد لو قال لعبده: \" من دخل داري من أقاربي فأكرمه \"، ثم\nأكرم العبد جميع أقاربه، فلامه السيد، وقال: إنما أردت أقاربي من\nالنسب، دون أقاربي من السبب، فإن هذا اللوم لا يقبل، ويكون\nتصرف العبد موافقًا للغة، فيكون كلام السيد منكرًا مستبعدًا.\nالمثال الخامس: قوله - ﷺ -:\n\"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل \".","vol":"3","page":1215},{"text":"فالظاهر من هذا النص هو: اشتراط الولي في النكاح مطلقا،\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nولكن الحنفية - وهم القائلون: إنه لا يشترط ذلك، فالمرأة تزوج\nنفسها - قد أوَّلوا هذا الحديث بأن المراد بالمرأة هنا: هي الأمة؛\nحيث إنه لا يجوز لها أن تزوج نفسها، بل أمرها بيد سيدها.\nفقيل لهم: إنه ورد في آخر الحديث عبارة: \" فلها المهر بما\nاستحل من فرجها \"، فهذه العبارة تبطل هذا التأويل؛ لأنه معلوم\nأن الأَمَة لا تملك شيئًا؛ لأنها وما تملك لسيدها.\nفقالوا: إذن يُحمل الحديث على المرأة المكاتبة - وهي التي اشترت\nنفسها من سيدها - وقالوا ذلك لأن المكاتبة فيها شوبا من الحرية،\nفيكون مهرها لها كالحرة، وشوبا من الرق فلا تستقل بتزويج نفسها.\nوهذا التأويل بعيد وضعيف جدًا للأوجه التالية:\nالوجه الأول: أن الحديث ورد فيه صيغة من صيغ العموم المتفق\nعليها، وهي: \" أي \" المؤكدة بـ \" ما \" مما يجعل العموم قويا،\nفيكون الولي مشترطا في النكاح في جميع نساء العالم - وهو\nالظاهر -، فكيف يحمل هذا العموم على النادر والشاذ من النساء،\nوهي المكاتبة؟!\nالوجه الثاني: أنه لم ينقل ألينا أن الصحابة أو واحدًا منهم، فهم\nمن هذا الحديث أن المقصود: المكاتبة فقط، ولو نقل لبلغنا، ولكن\nلم يصلنا شيء من ذلك مما يجعلنا نقطع بأن هذا الفهم شاذ.\nالوجه الثالث: أن فهم اشتراط الولي لجميع النساء من هذا\nالحديث هو الموافق للغة العربية، أما فهم أن المراد من هذا الحديث","vol":"3","page":1216},{"text":"هي: المكاتبة فقط، فهو فهم شاذ، ويوصف هذا بالجهل باللغة\nالعربية.\nفلو قال رجل لغيره: \" أيما امرأة رأيتها اليوم فأعطها درهما \"،\nفإن كل أحد يفهم أن المراد جميع النساء بدون استثناء، ولا يفهم أن\nالمراد هي: المكاتبة فقط.\nولو قال المتكلم: \" أردت بذلك الكلام المكاتبة \" لنسب إلى\nالجهل باللغة العربية، وأنه اصطلح على ذلك بنفسه دون غيره.\nولو أخرج المكاتبة عن ذلك، فلما سئل عن ذلك قال: \" ما\nخطرت ببالي \" لا يمكن أن ينكر عليه أحد، نظرًا لشذوذها؛ لأن\nالعادة اقتضت ألا تخطر الشواذ ببال الإنسان.\nفهذه الأوجه دلَّت على أن الحديث يحمل على ظاهره وهو:\nاشتراط الولي في النكاح في جميع نساء العالم دون تخصيص، وأن\nمن أوَّل الحديث إلى غير ذلك فتأويله فاسد.","vol":"3","page":1217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>المبحث الثالث في المجمل</span>\nوبشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريفه.\nالمطلب الثاني: أسباب الإجمال.\nالمطلب الثالث: دخول الإجمال في الأفعال.\nالمطلب الرابم: حكم المجمل.\nالمطلب الخامس: نصوص اختلف في كونها مجملة.\nالمطلب السادس: هل يجوز بقاء الجمل بدون بيان بعد وفاة النبي - ﷺ -؟\nالمطلب السابم: في المبيِّن، والمبيَّن، والبيان.","vol":"3","page":1219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>المطلب الأول\nتعريف المجمل</span>\nأولًا: المجمل لغة: المجموع، ومنه يقال: \" أجملت الشيء\nإجمالًا \": جمعته من غير تفصيل.\nويطلق لغة - أيضًا - على الخلط، ويطلق على المبهم، ويطلق\nعلى المحصل، ومنه قولهم: \" جملت الشيء \" إذا حصلته.\nثانيا: المجمل اصطلاحا هو: ما له دلالة على معنيين لا مزية\nلأحدهما على الآخر بالنسبة إليه.\nبيان التعريف:\nقولنا: \" ما له دلالة \" ليعم الأدلة القولية، والفعلية.\nوعبارة: \" على معنيين \" أخرجت النص؛ لأنه لا يدل إلا على\nمعنى واحد كما سبق.\nوعبارة: \" لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه \" أخرجت\nالظاهر وهو: دلالة اللفظ على معنيين هو في أحدهما أظهر كما\nسبق.","vol":"3","page":1221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>المطلب الثاني\nأسباب الإجمال</span>\nيرد الإجمال لأسباب كثيرة، من أهمها:\nالسبب الأول: الاشتراك في اللفظ المفرد - عند القائلين بامتناع\nتعميمه -.\nواللفظ المشترك قد يكون بين معنيين مختلفين مثل لفظ \" العين \"،\nفإنه متردد بين معان كثيرة، فهي تطلق على الشمس، وعين الإرواء،\nوالذهب، وغيرها.\nوقد يكون اللفظ مشتركا بين معنيين متضادين مثل لفظ: \" القرء \"\nفإنه متردد بين \" الحيض \" و\" الطهر \"، ولفظ \" الشفق \" فإنه متردد\nبين \" البياض \" و\" الحمر: \".\nالسبب الثاني: الاشتراك في اللفظ المركب مثل قوله تعالى:\n(أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، فإن الذي بيده عقدة النكاح مشترك\nبين أن يكون \" الزوج \"، وهو رأي أبي حنيفة والشافعي وأحمد في\nأصح الروايتين عنه.\nأو يكون الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وهو رأي الإمام\nمالك.\nالسبب الثالث: الاشتراك في الحرف، أي: لم يتضح المراد من\nالحرف مثل حرف \" مِنْ \" فهي مترددة بين أن تكون للتبعيض، أو\nتكون لابتداء الغاية في قوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)","vol":"3","page":1222},{"text":"، فلفظ \" من \" مترددة بين أن تكون لابتداء الغاية، فيكون\nمعناها: ابتدئوا المسح من الصعيد، وبين أن تكون للتبعيض فيكون\nالمعنى: امسحوا وجوهكم ببعض الصعيد.\nوكذلك \" الواو \" في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون) مترددة بين أن تكون عاطفة، فيكون الراسخون في العلم\nيعلمون تأويل الآيات على حسب علمهم، وبين أن تكون للابتداء،\nفيكون اللَّه ﷿ هو المتفرد بعلم التأويل، وقد فصلت ذلك في\nموضوع \" المحكم والمتشابه من القرآن الكريم \" فارجع إليه.\nالسبب الرابع: التصريف في اللفظ، والتصريف هو العلم الذي\nتُعرف به أحوال أبنية الكلام مثل لفظ \" المختار \"، فإن هذا اللفظ\nمتردد بين من وقع عليه الاختيار وبين من وقع منه الاختيار، أي:\nأنك إذا سمعت عبارة \" زيد المختار \"، فلا تدري هل زيد هو الذي\nاختار فيكون فاعلًا، أو زيد هو الذي أختير فيكون مفعولًا به.\nالسبب الخامس: التردد في مرجع وعود الضمير مثل ما روي عن\nالنبي - ﷺ - أنه قال: \" لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره \"\nفإن الضمير في عبارة: \" جداره \" يحتمل أن يعود إلى الغارز فيكون\nالمعنى: لا يمنعه جاره أن يفعل ذلك في جدار نفسه، ويحتمل أن\nيعود الضمير إلى الجار الآخر فيكون المعنى: لا يمنعه جاره أن يغرز\nخشبة في جدار ذلك الجار، وهو ما رجحه أكثر العلماء لقول أبي\nهريرة: \" ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أظهركم \"\nولو كان الضمير عائدًا إلى الغارز نفسه لما ذكر ذلك.\nالسبب السادس: التخصيص بالمجهول، مثل إذا قيل: \" اقتلوا\nالمشركين إلا بعضهم \"، وذلك لأن العام إذا خص بمجهول يصير\nالباقي محتملًا، فكان مجملًا.","vol":"3","page":1223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المطلب الثالث\nدخول الإجمال في الأفعال</span>\nالإجمال كما يكون في اللفظ، فإنه يكون في الفعل - وقد\nأشرت إلى ذلك في تعريف الإجمال - مثال ذلك: أن يفعل الرسول - ﷺ - فعلًا يحتمل وجهين متساويين، كما روي عنه - ﷺ -: \" أنه جمع بين الصلاتين في السفر \"، فإن هذا مجمل؛ لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو سفر قصير، فلا يجوز حمله على أحدهما دون\nالآخر إلا بدليل.","vol":"3","page":1224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المطلب الرابع حكم المجمل</span>\nاللفظ المجمل: يجب أن نتوقف فيه، فلا يجوز العمل به حتى\nيأتي دليل خارجي يدل على أن المراد هو أحد المعنيين، وذلك لأن\nاللفظ المتردد بين معنيين لا يخلو:\nإما أن يراد كل واحد منهما معا، وهذا باطل؛ لأنه يستحيل أن\nنعمل بمعنيين كل واحد منهما ضد الآخر.\nوإما أن لا يراد كل واحد منهما، وهذا باطل؛ لأنه يؤدي إلى\nخلو اللفظ عن المعنى، وهذا لا يتكلم به العقلاء.\nوإما أن يراد أحد المعنيين دون الآخر وهو الصحيح، لكننا لا\nنعرف المعنى المراد - من هذين المعنيين - إلا بدليل خارجي.","vol":"3","page":1225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المطلب الخامس\nنصوص اختلف في كونها مجملة</span>\nالنص الأول: قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم)\nاختلف فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن هذا النص لا إجمال فيه، وهو مذهب\nجمهور العلماء.\nواختلف أصحاب هذا المذهب هل هو ظاهر في مسح جميع\nالرأس أو مسح بعضه؛ على قولين:\nفقيل: إن هذا النص ظاهر في مسح بعض الرأس، وهو مذهب\nكثير من العلماء.\nوهو الحق؛ لأن الباء في اللغة أصل في الإلصاق، وعرف\nالاستعمال قد اقتضى إلصاق المسح باللمس فقط مع قطع النظر عن\nالكل والبعض، ولهذا لو قال قائل لغيره: \" امسح يدك بالمنديل \"\nلا يفهم أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع\nالمنديل، بل إن شاء بكله، وإن شاء ببعضه، فيخرج عن العهدة إذا\nفعل أحدهما.\nوقيل: إن هذا النص ظاهر في مسح جميع الرأس، وهو مذهب\nبعض العلماء.\nدليل هذا القول:\nأن الباء في اللغة أصل في الإلصاق، وقد دخلت على المسح","vol":"3","page":1226},{"text":"وقرنته بالرأس، واسم الرأس حقيقة في كله، لا بعضه، ولهذا لا\nيقال لبعض الرأس رأس فاقتضى ذلك مسح جميعه لغة.\nجوابه:\nإن هذا وإن كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع اللغة غير أن\nعرف الاستعمال الذي ذكرناه في دليلنا قد طرأ على الوضع اللغوي\nوخصصه.\nالمذهب الثاني: أن هذا النص مجمل، وهو مذهب جمهور\nالحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nأنه يتطرق إليه احتمالان وهما: \" احتمال مسح جميع الرأس \".\nوثانيهما: \" احتمال مسح بعضه \"، وليس أحدهما بأوْلى من\nالآخر، فكان مجملًا.\nجوابه:\nإن القول بالإجمال لا وجه له؛ لأننا إن نظرنا إلى عرف\nالاستعمال فهو ظاهر في مسح بعض الرأس وهو الحق - كما قلنا -\nوإن نظرنا إلى الوضع اللغوي الأصلي فهو ظاهر في مسح جميع\nالرأس.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، حيث إنه على المذهب الأول - وهو أنه لا\nإجمال فيه - يجوز العمل بما يقتضيه النص حال سماعنا له، أما\nعلى المذهب الثاني فلا يجوز العمل به، إلا إذا دلَّت قرينة على أن\nأحد المعنيين هو الصحيح.","vol":"3","page":1227},{"text":"النص الثاني: قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم)،\nو(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، وقوله: (أحل لكم الطيبات)، وما\nشابه تلك الآيات قد اختلف العلماء فيها، هل فيها إجمال؛ على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا إجمال فيها، بل هي مبينة، وهذا يقال في\nكل تحريم أو تحليل يضاف إلى الأعيان مثل تلك الآيات السابقة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي، لما ثبت من\nعرف أهل اللغة من أن تحريم أو تحليل كل عين فإنه ينظر فيها إلى ما\nهي معدة له، بيان ذلك:\nأنه لو قال قائل: \" حرمت عليك هذا الطعام \" أو \" حرمت\nعليك هذه الجارية \"، فإنه لا يتبادر إلى فهم أي عارف باللغة إلا\nتحريم الأكل، وتحريم الوطء - فقط - والأصل في كل ما يتبادر إلى\nالفهم أن يكون حقيقة إما بالوضع الأصلي، أو بعرف الاستعمال،\nوالإجمال ينتفي بكل واحد منهما، ولهذا فإن الإجمال منتف عند\nقول القائل: \" رأيت دابة \"؛ لأن المتبادر إلى الفهم منه ذوات الأربع\nبعرف الاستعمال، وإن كان على خلاف الوضع الأصلي.\nالمذهب الثاني: أن فيها إجمال.\nوهو مذهب بعض الحنفية كأبي الحسن الكرخي، وبعض\nالشافعية، وبعض الحنابلة كأبي يعلى.\nدليل هذا المذهب:\nأن الأعيان لا تتصف بالتحريم - مثلًا -، وإنما يحرم فعل ما\nيتعلق بالعين، أي: أن تحريم الأعيان لا يصح، وإنما الذي يحرم","vol":"3","page":1228},{"text":"أفعالنا في العين، وليس لأفعالنا ذكر في اللفظ، فلا نعلم ما هو\nالمحرم على الحقيقة في الآيتين السابقتين؛ أهو وطء الأم، أو\nاللمس، أو النظر إليها؛ ولا نعلم ما هو المحرم من الميتة أهو الأكل،\nأو اللمس، أو النظر، أو البيع؛ فلا نعلم - حقيقة - المراد من\nالتحريم والاحتمالات متعددة ومتساوية عند السامع، ولا بد من تقدير\nفعل، وليس بعضها أوْلى من بعض، ولا مرجح لأحدها فكان\nاللفظ مجملًا.\nجوابه:\nإن القول بالإجمال لا وجه له؛ لأن عرف الاستعمال دلَّنا على أن\nالمراد من تحريم الميتة هو الأكل، والمراد من تحريم الأم هو وطئها،\nفيكون هو المتبادر إلى الذهن؛ لما قلناه في الاستدلال من أن أهل\nاللغة قد تعارفوا على أن تحريم أو تحليل كل عين ينظر فيها إلى ما هي\nمعدة له.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، وتعليل ذلك قد سبق في النص الأول.\nالنص الثالث: قوله - ﷺ -:\n\"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان \"\nقد اختلف العلماء هل فيه إجمال أو لا؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا إجمال فيه، بل هو مبين، حيث إن المراد\nبه: رفع حكم الخطأ، ورفع حكم النسيان.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الصواب؛ لأنه إما أن يحمل\nعلى رفع صورة الخطأ وصورة النسيان وحقيقتهما، أو يحمل على\nرفع حكم الخطأ وحكم النسيان، ولا يمكن حمله على غيرهما.","vol":"3","page":1229},{"text":"أما الأول - وهو حمل اللفظ على رفع صورة الخطأ والنسيان\nوحقيقتهما - فهو ظاهر البطلان؛ حيث إن صورتهما وحقيقتهما\nواقعتان كثيرًا من الناس، فلو قلنا بأن صورتهما مرتفعتان للزم من\nذلك مخالفة الواقع، ويكون - حينئذ - كذبا، والرسول - ﷺ - ينزه ويجل من أن يتكلم بكلام يخالف الواقع.\nفإذا ثبت بطلان الأول ثبت الثاني وهو: أنه يُحمل الحديث على\nنفي ورفع حكم الخطأ وحكم النسيان، لا نفي ورفع صورتهما.\nالمذهب الثاني: أن في هذا النص إجمالًا.\nوهو مذهب أبي الحسين البصري، وأبي عبد اللَّه البصري.\nدليل هذا المذهب:\nأن المراد نفي حكم الخطأ والنسبان، وعند ذلك فإما أن يضمر نفي\nجميع أحكام النسيان، والخطأ، أو بعضها.\nوالأول - وهو نفي جميع الأحكام - لا يمكن؛ لأن الإضمار\nعلى خلاف الأصل، وإنما يصار إليه لدفع الضرورة اللازمة من\nتعطيل العمل باللفظ، فيجب الاقتصار فيه على أقل ما تندفع به\nالضرورة، وهو بعض الأحكام، ثم إن ذلك الحكم المضمر لا يمكن\nالقوِل بتعيينه؛ لعدم دلالة اللفظ عليه، فلم يبق إلا أن يكون غير\nمعين، وإذا كان كذلك فهو مجمل.\nجوابه:\nلا نسلم إضمار نفي جميع الأحكام في الحديث، بل نفي بعض\nالأحكام، بيانه:\nأن الحديث ليس بعام في جميع أحكامه من ضمان المتلفات،","vol":"3","page":1230},{"text":"ولزوم قضاء العبادة وغير ذلك، بل هو خاص فى نفي ورفع المؤاخذة\nوالعقاب، وهذا أخذناه من عرف الاستعمال عند أهل اللغة؛ فإنه لو\nقال. السيد لعبده: \" رفعت عنك الخطأ والنسيان \"، فإن العارف\nباللغة عند سماعه بذلك لا يتردد في أن مراده من ذلك: رفع\nالمؤاخذة والعقاب.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، وتعليل ذلك هو ما ذكرناه في بيان نوع\nالخلاف في النص الأول.\nمسألة: خلاف الجمهور هل الحكم - في الحديث السابق - عام\nوشامل أو هو خاص؛ على قولين:\nالقول الأول: أن الحكم المرفوع والمنفي في الحديث هو حكم\nخاص، وهو: الإثم والمؤاخذة - فقط -، وليس المراد هو نفي\nجميع أحكام الخطأ والنسيان، فلا يدخل ضمان المتلفات، ولا\nيدخل قضاء العبادات.\nقال بذلك كثير من المحققين منهم الغزالي، والآمدي.\nوهو الحق عندي؛ لأن الحكم المرفوع ليس على إطلاقه، بل\nالحكم الذي عرف بعرف الاستعمال قبل ورود الشرع إرادته بهذا\nاللفظ؛ حيث إن العارف بعرف أهل اللغة قبل ورود الشرع لا\nيتشكك ولا يتردد عند سماعه قول \"لسيد لعبده: (رفعت عنك الخطأ\nوالنسيان \" في أن مراده من ذلك: رفع المؤاخذة والعقاب، فكذلك\nهذا الحديث - وهو قوله - ﷺ -:\n\" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان \"،\nفإن العارف بعرف أهل اللغة عند سماعه لذلك، فإنه لا يتردد في أن\nمراده: رفع المؤاخذة والعقاب؛ قياسا على قوله تعالى:","vol":"3","page":1231},{"text":"(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، وقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم)، فإنا\nلم نجعل ذلك عاما، بل إن المحرم في الآية الأولى: الأكل فقط،\nوالمحرم في الآية الثانية: الوطء فقط، وهذا أخذناه من عرف\nالاستعمال - كما سبق - مع أنه لا بد من إضمار فعل في الآيتين،\nفكذلك قوله - ﷺ -:\n\"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان \"\nلا بد من إضمار حكم يضاف الرفع إليه كالفعل، ثم ينزل على ما يقتضيه\nعرف الاستعمال قبل الشرع وهو: المؤاخذة والعقاب.\nاعتراض على ذلك:\nقال معترض: إن المرفوع - كما أقررتم - هو حكم خاص وهو:\nالإثم والعقاب، فيلزم على هذا رفع دخول ضمان المتلفات فليرتفع؛\nلأنه يُعتبر من جملة المؤاخذات والعقوبات.\nجوابه:\nيمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: إنا لا نُسَلِّمُ أن الضمان من حيث هو ضمان\nعقوبة، ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون، وهما ليسا أهلًا\nللعقوبة، وكذلك يجب الضمان على المضطر في المخمصة إذا ممل\nمال غيره، مع أن الأكل واجب عليه حفظا لنفسه، والواجب لا\nعقوبة على فعله، وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى صف\nالكفار فأصاب مسلما مع أنه مأمور بالرمي، وهو مثاب عليه.\nالجواب الثاني: نسلم لكم أن الضمان عقاب، لكن عموم اللفظ\nقد خصص بعرف الاستعمال على نفي عقاب خاص وهو: نفي\nالإثم وعقاب الآخرة، وذلك أقرب الى الصواب من القول\nبالعموم.","vol":"3","page":1232},{"text":"القول الثاني: أن الحكم المرفوع والمنفي في الحديث هو: جميع\nأحكام الخطأ والنسيان، وهذا شامل للإثم، والعقاب، والضمان،\nوالقضاء، وهو قول بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، وبعض\nالحنابلة كأبي الخطاب، وابن قدامة.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لا بد من تقدير لفظ \" حكم \" في الحديث،\nفتكون العبارة - بعد التقدير -: \" رفع عن أمتي حكم الخطأ\nوالنسيان \"، فيكون اسم منكر أضيف إلى معرفة وهو: \" حكم\nالخطأ \"، وهذه صيغة من صيغ العموم، وهذا يقتضي رفع جميع\nأحكام الخطأ والنسيان، فيترتب على ذلك: أن من ترك عبادة خطأ\nأو نسيانا، أو إكراها لا يأثم بتركها ولا يعاقب، ولا يلزم قضاؤها،\nومن أتلف خطأ، أو نسيانا لا يأثم بذلك ولا يضمنه.\nجوابه:\nأنا نوافقكم على أن عبارة: \" حكم الخطأ والنسيان \" تفيد العموم\nلوجود صيغة من صيغ العموم، ولكن هذا العموم قد خُصص\nبعرف استعمال أهل اللغة، حيث إن العارف بعرف أهل اللغة\nيخصصه برفع الإثم والعقاب، والعرف من المخصصات المعروفة،\nوقد سبق بيان ذلك.\nالدليل الثاني: أن الشارع لو أراد نفي ورفع المؤاخذة والعقاب\nوالإثم فقط، لترتب على ذلك إبطال فائدة تخصيص الأُمَّة بالرفع\nوالنفي الوارد في الحديث؛ حيث إن الرسول - ﷺ - قال: \" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان \"،\nفقوله: \" عن أمتي \" يقتضي اختصاصها بهذه الرخصة، أي: أنا لو قلنا: إن النفي والرفع حكم مختص","vol":"3","page":1233},{"text":"بالإثم - فقط - فإنه لا يكون لهذه الأُمَّة مزية تميزت لها من غيرهما\nفي ذلك؛ لأن الناسي غير مكلف في الشرائع السابقة، فثبت: أن\nالمرفوع: الإثم، والضمان، ونحوهما.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ هذا، حيث إن الأُمَّة الإسلامية قد تميزت واختصت\nبعفو الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وإسقاط الإثم والعقوبة\nعن ذلك كله، وهذه الميزة لا توجد في الأمم السابقة، ويدل على\nذلك ما يلي:\nالأول: هذا الحديث، حيث إن ورود قوله: \" عن أمتي \" يفيد\nأن غيرها ليست كذلك.\nالثاني: أن قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)،\nوقوله تعالى: \" قد فعلت \" في الحديث القدسي، يدل دلالة\nواضحة على أن المؤاخذة بالخطأ والنسيان كانت معهودة على من قبلنا،\nلأنه لو كانت المؤاخذة مرفوعة عن كل أحد لما دعت ضرورة إلى\nذلك الدعاء، وإظهار الكرامة بالإجابة بقوله سبحانه: \" قد فعلت \"\nفظاهر الامتنان أنه خاص بنا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي قد أثر في بعض الفروع؛ حيث إنه يترتب\nعلى القول الأول - وهو: أن الحكم المرفوع خاص وهو: المؤاخذة\nوالعقاب فقط - أن الناسي والمخطئ يضمن ما أتلفه من أملاك\nالآخرين، ويقضي ما فاته من العبادات.\nأما على القول الثاني - وهو: أن الحكم المرفوع عام لجميع","vol":"3","page":1234},{"text":"أحكام الخطأ والنسيان - فإن الناسي، والمخطئ لا يضمن ما أتلفه من\nأملاك الآخرين، ولا يلزمه قضاء الفوائت من العبادات.\nالنص الرابع: قوله - ﷺ -:\n\" لا صلاة إلا بطهور \"، و\" لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب \"،\nو\" لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل \"،\nو\" لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل \"، و\" لا وضوء لمن لم يذكر\nاسم اللَّه عليه \"، ونحو ذلك،\nقد اختلف في ذلك هل فيه إجمال أو لا؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا إجمال في هذه النصوص وما شابهها.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لأنه إما أن يكون للشارع في هذه الأسماء\nعرف، أو لا.\nفإن كان الأول - وهو: أن الشارع له في هذه الأسماء عرف -\nفإنه يجب تنزيل كلام الشارع على عرفه، فيكون لفظه منزلا على\nنفي الحقيقة الشرعية، وهذا لا إجمال فيه؛ لأن نفي الحقيقة الشرعية\nممكن، وإن كان مسمى هذه الأمور بالوضع اللغوي غير منفي، فإذا\nجاءنا مثل هذه الأسماء - كالصوم، والصلاة، والوضوء،\nوالنكاح - فإنه يجب حملها على حقيقتها الشرعية، فإذا اختل ركن\nأو شرط فإله يصح نفيه حقيقة؛ لأن الشرعي هو التام الأركان\nوالشروط، ولهذا قال النبي - ﷺ - للمسيء في صلاته:\n\" ارجع فصل فإنك لم تصل \"،\nوإذا كانت الحقيقة هي المراد نفيها فلا يحتاج نفيها\nلإضمار حكم، فلا إجمال.\nوإن كان الثاني - وهو: أنه لا عرف للشارع في هذه الأسماء -","vol":"3","page":1235},{"text":"فإنها تنزل على الوضع اللغوي، وحينئذٍ لا إجمال فيها أيضا؛ لأن\nاللفظ ظاهر بعرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع في مثل هذه\nالأسماء والألفاظ بأن المتبادر إلى الفهم من نفي كل فعل كان متحقق\nالوجود، إنما هو نفي فائدته وجدواه ومنفعته، ومن ذلك قولهم:\n\"لا علم إلا ما نفع \"، و\" لا كلام إلا ما أفاد \"، و\" لا حكم إلا\nلله \"، و\" لا بلد إلا بسلطان \"، فيقال ذلك وإن كان العلم غير النافع\nيُسمى علمًا، والكلام غير المفيد يُسمى كلامًا، والحكم لغير الله\nيسمى حكمًا، والبلد بغير سلطان يسمى بلدًا، لكن نفي ذلك - في\nالأمثلة السابقة - لعدم فائدة العلم غير النافع، ولعدم فائدة الكلام،\nولعدم صحة الحكم لغير اللَّه، ولعدم فائدة البلد بدون سلطان؛\nحيث إنه لا فائدة من الحياة فيه.\nفكذلك هنا يحمل النفي في قوله: \" لا صلاة إلا بطهور \" على\nنفي الصحة؛ لانتفاء فائدة الصلاة بغير طهور.\nفالصلاة بلا طهور، والنكاح بلا ولي، والصلاة بدون فاتحة\nالكتاب، ونحو ذلك لا تفيد شيئًا، فانتفت صحتها، نظرًا لانتفاء\nفائدتها.\nيؤيد ذلك: أن هذا هو الظاهر؛ لأنه أقرب إلى موافقة دلالة\nاللفظ على النفي، لأنه إذا قال: \" لا صلاة إلا بكذا \" مثلًا، فقد\nدلَّ بدلالة المطابقة على نفي أصل الفعل، ودلَّ على صفته - وهي\nالصحة - بدلالة الالتزام، فإذا تعذر العمل بدلالة المطابقة تعين\nالعمل بدلالة الالتزام، تقليلًا لمخالفة الدليل.\nالمذهب الثاني: أن هذه النصوص مجملة.\nوهو مذهب كثير من الحنفية، واختاره القاضي أبو بكر، وأبو\nعبد اللَّه البصري، وأكثر المعتزلة.","vol":"3","page":1236},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأنه لا يمكن حمل هذا اللفظ على نفي صورة الفعل، وهو\nالصلاة، والصوم، والنكاح، وغير ذلك - مما ورد في الأحاديث\nالسابقة - وذلك لأن صورة الصلاة مثلًا يمكن إيجادها بغير طهور\nكصلاة المحدث، كذلك صورة النكاح والصوم والوضوء يمكن\nإيجادها بدون توفر شرطها، فلو نفي ذلك لكان خلفا.\nفتعين أن المراد بالنفي هنا: نفي الحكم، أي: نفي حكم الصلاة،\nونفي حكم الصوم، ونفي حكم النكاح، وهكذا.\nوالحكم متعدد ومتنوع إلى أنواع هي: \" الصحة \"، و\" الإجزاء\"،\nو\" الكمال \"، فلا نعلم هل المراد: لا صلاة صحيحة، أو لا صلاة\nمجزئة، أو لا صلاة كاملة، وهي متساوية عندنا، فلا حكم بأوْلى\nمن حكم، ولا مرجح لأحدها، فيكون اللفظ مترددًا بينهما\nبالتساوي، فيكون مجملًا.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ وجود إجمال في تلك النصوص؛ لأنا إن نظرنا إلى\nعرف الشارع في هذه الأسماء، فهو ظاهر في نفي الحقيقة الشرعية،\nوهو ممكن - كما قلنا سابقا -.\nوإن نظرنا إلى الوضع اللغوي فهو ظاهر في نفي الفائدة والجدوى\nوالمنفعة، وذلك بسبب عرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع،\nفيكون المراد هو: نفي الصحة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، وتعليل دلك هو ما ذكرناه في بيان نوع الخلاف\nفي النص الأول.","vol":"3","page":1237},{"text":"النص الخامس: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .\nاختلف فيه هل فيه إجمال أو لا؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا إجمال فيه لا من جهة \" اليد \"، ولا من\nجهة \"القطع \".\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ لأن لفظ \" اليد \" تطلق على الكل حقيقة،\nويذكر لفظ \" اليد \" للبعض عن طريق المجاز، وعلى هذا: لا تكون\nدلالة \" اليد \" على الكل مساوية لدلالتها على البعض.\nوكذلك لفظ \" القطع \" يطلق حقيقة على إبانة الشيء عما كان\nمتصلًا به، فإذا أضيف القطع إلى \" اليد \"، وكان مسمى اليد حقيقة\nفي جملتها إلى الكوع، فإنه يجب حمله على إبانة مسمى \" اليد \"\nوهو جملتها، وحيث أطلق قطع اليد عند إبانة بعض أجزائها عن\nبعض لا يكون حقيقة، بل تجوزًا.\nالمذهب الثاني: أن هذا النص فيه إجمال، حيث إن لفظ \" اليد \"\nولفظ \" القطع \" قد دخلهما الإجمال، وهو مذهب بعض الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nقالوا في بيان الإجمال في هذين اللفظين: إن لفظ \" اليد \" يطلق\nعلى كل اليد إلى المنكب، ويطلق على اليد إلى المرفق، ويطلق\nعلى اليد إلى الكوع، وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر،\nفكان لفظ \" اليد \" مجملًا.\nوكذلك لفظ \" القطع \" يطلق على إبانة العضو من العضو، وعلى","vol":"3","page":1238},{"text":"شق الجلد من العضو بالجرح من غير إبانة للعضو، فكان لفظ\n\"القطع \"مجملًا.\nجوابه:\nأنا قد بيَّنَّا أن إطلاق لفظ \" اليد \" على كل اليد إلى المنكب هو\nالإطلاق الحقيقي وهو الأصل، أما إطلاق اليد على بعض اليد فهو\nإطلاق مجازي، وهو \"خلاف الأصل.\nأما القطع فإنه يطلق على \" الإبانة \" حقيقة، وإطلاق القطع على\nالشق إطلاق مجازي؛ لأن مجرد شق الجلد لا يحقق القطع المعروف\nوهو فصل عضو عن عضو.","vol":"3","page":1239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>المطلب السادس\nهل يجوز بقاء المجمل بدون بيان بعد وفاة - ﷺ </span>-؟\nقلنا - فيما سبق -: إن حكم المجمل: التوقف حتى يرد البيان،\nفهل يجوز بقاؤه بدون بيان؛ لقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: التفصيل بين ما يتعلق به حكم تكليفي فلا يجوز،\nوغيره فيجوز، وهو الصواب.\nفإن كان المجمل يتعلق به حكم تكليفي لم يجز بقاؤه مجملًا؛ لأن\nتأخير بيانه تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة، وهذا لا يجوز.\nأما إذا لم يتعلق به حكم تكليفي: فإنه يجوز بقاؤه مجملًا؛ لعدم\nوجود ضرورة تدعو إلى بيانه.\nالمذهب الثاني: يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقا.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لا يترتب على فرض بقاء المجمل محال عقلًا، فكان جائزًا.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك، فإن بقاء المجمل بدون بيان يترتب عليه تأخير البيان\nعن وقت الحاجة، وهذا غير جائز اتفاقا - كما سيأتي بيانه -.\nالمذهب الثالث: لا يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقا.\nوهو مذهب كثير من العلماء.","vol":"3","page":1240},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن وظيفة الرسول - ﷺ - بيان المجمل كما بينها اللَّه تعالى بقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، فبقاء\nالمجمل بدون بيان تقصير بهذه الوظيفة، وإخلال بها وهو غير جائز.\nجوابه:\nالمقصود من هذه الآية: بيان الأحكام الشرعية التكليفية وما يتعلق\nبها، حتى يعبد الناس اللَّه ﷾ على بصيرة وهي: ما\nتدعو الحاجة إليها، أما ما لا تدعو الحاجة إليه، فلا يلحق الناس\nحرج فيما لو لم يعلموا بيانه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ لعدمِ تأثر الفروع به، والظاهر أن ذلك لم يقع؛\nحيث إن كل مجمل قد بين قبل الوفاة.","vol":"3","page":1241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>المطلب السابع في المبيَّن - بفتح الياء - والمبيِّن - بكسرها - والبيان</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: بيان المراد بالمبيَّن، والمبيِّن، والبيان.\nالمسألة الثانية: حكم من خص البيان بالمجمل فقط.\nالمسألة الثالثة: أقسام المبيَّن - بفتح الياء -.\nالمسألة الرابعة: أقسام المبيِّن - بكسر الياء -.\nالمسألة الخامسة: إذا ورد القول والفعل بعد المجمل وكل واحد منهما\nصالح للبيان، فأيهما الذي يقع به البيان؟\nالمسألة السادسة: هل يجب أن يكون البيان مساويا للمبيَّن، أو يجوز\nأن يكون أدنى منه؛ أو لا بد أن يكون أقوى منه؟\nالمسألة السابعة: بيان عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nالمسألة الثامنة: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت\nالحاجة؟\nالمسألة التاسعة: هل يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت نزولها إلى\nوقت الحاجة إليها؟","vol":"3","page":1243},{"text":"المسألة الأولى: بيان المر اد بالمبيَّن، والمبيِّن، والبيان:\nأولًا: بيان المراد بالمبيَّن - بفتح الياء -:\nالمبين - بفتح الياء -: اسم مفعول من التبيين، وهو الموضَّح\nوالمفسَّر.\nوالمبيَّن في الاصطلاح يطلق على إطلاقين:\nالإطلاق الأول: يطلق ويراد به: الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان\nوهو الواضح بنفسه.\nالإطلاق الثاني يطلق ويراد به ما وقع عليه البيان مما احتاج\nإليه، وهو الواضح بغيره، ويسفَى ذلك الغير مبيِّنا - بكسر الياء -.\nثانيًا: بيان المراد بالمبيِّن - بكسر الياء -:\nالمبيِّن - بكسر الياء - اسم فاعل من بيَّن، يبيِّن، فهو مبيِّن،\nأي: موضِّح لغيره، وهو الدليل المبيِّن - وسيأتي التفصيل فيه.\nثالثًا: بيان المراد بالبيان:\nالبيان: اسم مصدر \" بيَّن \"، والمصدر منه هو: التبيين، يقال:\nبيَّن، تبيينًا، وبيانا، نحو: كلم، تكليما، وكلاما.\nهذا من حيث اللغة.\nوالبيان في الاصطلاح هو: الدليل، والدليل هو: ما يتوصل\nبصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، وقد سبق شرح هذا التعريف\nفي أول الباب الثالث - الذي هو في أدلة الأحكام الشرعية ولا داعي\nلتكراره.","vol":"3","page":1245},{"text":"وكون المراد من البيان هو: الدليل هو الحق؛ لكونه شاملًا لبيان\nالإجمال، وما يدل على الحكم ابتداء - وهو واضح -؛ حيث إن\nما يدل على الحكم ابتداء من غير سابقة إجمال يُسمَّى بيانا: فمن\nذكر دليلًا لغيره ووضحه غاية الإيضاح يصح لغة وعرفا أن يقال: \"تم\nبيانه \"، أو يقال: \" هذا بيان حسن \" إشارة إلى الدليل المذكور،\nوالأصل في الإطلاق الحقيقة.\n***\nالمسألة الثانية: حكم من خَصَّ البيان بالمجمل فقط:\nإن بعض العلماء قد عرَّف البيان بتعريف يخص المجمل فقط.\nمنهم أبو بكر الصيرفي الذي عرَّف البيان بأنه: \" إخراج الشيء\nمن حيز الإشكال إلى حيز التجلي \".\nومنهم جمهور الفقهاء الذين عرفوا البيان بأنه: \" إظهار المراد\nبالكلام الذي لا يفهم منه المراد إلا به \" - كما نسبه إليهم أبو الحسن\nالماوردي - وكما وصفه ابن السمعاني بأنه أحسن الحدود.\nومعناه: أن البيان هو: الشيء الذي دلَّ على أن المراد من ذلك\nاللفظ المجمل هو ذلك المعنى المعين، فمثلًا: يرد لفظ \" القرء \"\nونحوه مما لا يستقل بنفسه في الدلالة على المعنى المراد، فما دلَّ على\nالمراد من ذلك اللفظ هو: البيان.\nوهذان التعريفان يختصان باللفظ المجمل - فقط - حيث إنهما\nيفيدان: أن اللفظ كان مشكلًا مترددًا بين معانٍ - وهو المجمل -\nفجاء بيانه.\nوهذا فيه تقييد للبيان، وحصره في صورة واحدة من صوره.","vol":"3","page":1246},{"text":"وهذا ضعيف؛ حيث إن البيان عام لما سبقه إجمال ولما جاء\nابتداء، وقلت ذلك؛ لأمور:\nالأمر الأول: أن الواقع يشهد أن الشخص إذا دلَّ غيره على شيء\nفإنه يقال له: \" بيَّنه له\"، ويوصف بأنه \" بيان حسن \"، فهذا يصح\nإطلاقه، وإن لم يكن قد سبقه لفظ مجمل، والأصل في الإطلاق\nالحقيقة.\nالأمر الثاني: أن النصوص الشرعية التي أوردت الأحكام ابتداء\nتسمى بيانًا، قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ)، وأراد به القرآن،\nفلا يشترط فيه أن يكون بيانا لمشكل.\nالأمر الثالث: أنه ليس من شرط البيان: أن يحصل التبيين والعلم\nبهذا البيان للمخاطب، فيصح أن يقال: \" بين له ذلك غير أنه لم\nيتبين ولم يعلم به \"، بل أن يكون بحيث إذا سمع وتؤمل وعرفت\nالمواضعة صح أن يعلم به، ويجوز أن يختلف الناس في تبيين ذلك\nوتعرفه.\nالمسألة الثالثة: أقسام المبيَّن - بفتح الياء -:\nالمبيَّن ينقسم إلى قسمين هما:\nالقسم الأول: المبيَّن بنفسه، وهو: الذي استقل بإفادة معناه من\nغير أن ينضم إليه قول أو فعل، ويُسمَّى بـ \" الواضح بنفسه \"، وهو\nنوعان:\nالنوع الأول: أن تكون إفادته للمراد بسبب راجع إلى اللغة، مثل\nقوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، فإن إفادته شمول علمه\nتعالى جميع الأشياء ثبت عن طريق اللغة من غير توقف.","vol":"3","page":1247},{"text":"النوع الثاني: أن تكون إفادته للمراد بسبب راجع إلى العقل مثل\nقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، حيث إن اللغة قد اقتضت طلب\nالسؤال من القرية، وهو غير ممكن عقلًا، بل المقصود هو طلب\nالسؤال من أهل القرية؛ لأن الأبنية لا يوجه إليها أسئلة.\nوسمي ذلك بالمبين بنفسه - وإن كان متوقفًا على العقل - لتعين\nالمضمر من غير توقف.\nففي هذين النوعين كأن المتكلم أورد اللفظ مبينا واضحه مفهوما غير\nمحتاج إلى غيره مشتق من \" متبين \".\nالقسم الثاني. المبين بغيره، وهو: الذي لا يستقل بإفادة معناه،\nبل يفتقر إلى دليل يبينه من قول أو فعل، وذلك الدليل يسمى مبيِّنا\n- بكسر الياء - وسيأتي الكلام عن هذا بالتفصيل إن شاء اللَّه في\nالمسألة التالية.\n***\nالمسألة الرابعة: أقسام المبيِّن - بكسر الياء -:\nالمبيِّن - بكسر الياء - قد يكون قولًا، وقد يكون فعلًا من\nالرسول - ﷺ -، وقد يكون كتابة، وقد يكون تركا للفعل، وقد يكون سكوتًا، وقد يكون إشارة، وإليك بيان ذلك:\nالقسم الأول: البيان بالقول، ويُسمَّى: البيان بالكلام، وهو:\nالتلفظ صراحة بالمراد.\nوالدليل على أنه يحصل بالقول والكلام البيان: الوقوع؛ حيث\nوقع ذلك في الشريعة، والأمثلة على ذلك كثيرة.\nومنها قوله تعالى: (إن اللَّه يأمركم أن تذبحوا بقرة) حيث إن","vol":"3","page":1248},{"text":"الله تعالى قد بيَّن المراد من ذلك بالقول والكلام، حيث قال:\n(إنها بقرة صفراء فاقع لونها)، وهذا بيان بقوله تعالى.\nومنها قوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)،\nوقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، حيث إن الرسول - ﷺ - قد بيَّن ذلك بالقول والكلام، حيث قال: \" فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر \"، وهو كثير في الشريعة - كما قلت -\nفالأحكام الواردة في الكتاب وجاء تفصيلها في السُّنَّة هي من هذا\nالقسم، وهو بيان بقوله - ﷺ -.\nالقسم الثاني: البيان بالفعل.\nاختلف العلماء في هذا القسم على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الفعل يكون مبينا كالقول.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لدليلين:\nالدليل الأول: الوقوع؛ حيث إنه لما نزل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، بيَّن النبي - ﷺ - بفعله كيفية الصلاة، وكيفية الحج، والوقوع دليل على صلاحية\nالفعل ليكون بيانا.\nالدليل الثاني: القياس؛ حيث إن الإجماع قد انعقد على كون\nالقول بيانا، فالفعل في إفادة المقصود أوْلى؛ لأن مشاهدة أفعال\nالصلاة - وأفعال الحج أدل على معرفة تفاصيلها من الأخبار عنها\nبالقول؛ حيث إن البيان بالكشف أظهر من البيان بالوصف، ولهذا\nكانت مشاهدة \" زيد \" في الدار أدل على معرفة كونه فيها من الأخبار\nعنه بذلك، ولهذا قيل: \" ليس الخبر كالمعاينة \"، وإذا جاز القول\nبيانا مع قصوره في الدلالة عن الفعل المشاهد، فكون الفعل بيانًا\nأوْلى.","vol":"3","page":1249},{"text":"المذهب الثاني: أن الفعل لا يصلح أن يكون بيانًا.\nوقد نسب هذا إلى أبي إسحاق الإسفراييني، وبعض العلماء.\nأدلتهم على ذلك:\nالدليل الأول: أن البيان بالفعل لم يقع في الشريعة، وهذا يدل\nعلى عدم صلاحيته ليكون بيانا لشيء، وما ذكرتموه من أن النبي - ﷺ - قد بيَّن بفعله كيفية الصلاة والحج فليس بصحيح؛ حيث إن بيان الصلاة قد حصل بقوله - ﷺ -:\n\"صلوا كما رأيتموني أصلي \"،\nوبيان الحج قد حصل بقوله لمجم: \"خذوا عني مناسككم \"،\nوهما قولان، وليسا بفعلين.\nجوابه:\nلا نسلم أن بيان الصلاة والحج قد حصل بالقول \" لأن قوله:\n\"صلوا كما رأيتموني أصلي \"، وقوله: \" خذوا عني مناسككم \"\nلم يتضمن تعريف شيء من أفعال الصلاة والمناسك، بل غايته: تعريف\nأن الفعل هو: البيان، أي: أن النبي - ﷺ - كأنه قال لهم: انظروا إلى فعلي في الصلاة والحج وافعلوا مثله، فكان فعله للصلاة من\nركوع وسجود، وقيام، وتسليم هو المبين لقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وفعله في الحج - من وقوف بعرفات - وطواف إفاضة، وسعي، ومبيت بمزدلفة ومنَى هو المبين لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) .\nالدليل الثاني لهم.: أن الفعل - وإن كان مشاهدًا - غير أن زمان\nالبيان به قد يطول، مما يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة،\nمع إمكان تعجيله بالقول، وتأخير البيان عن وقت الحاجة مع إمكانه\nلا يجوز.","vol":"3","page":1250},{"text":"جوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن البيان بالفعل فيه طول، بل قد\nيكون البيان بالقول أطول من البيان بالفعل، فلو بينا الصلاة بالقول\nللزم ذكر اشتمال كل ركعة من الأقوال والأفعال، وهذا أطول مما لو\nفعلناها أمام ذلك السائل عنها.\nالجواب الثاني: أنا لو سلمنا أن البيان بالفعل يأخذ وقتا أطول من\nالبيان بالقول، فليس في ذلك ما يدل على كونه غير صالح للبيان،\nكل ما في الأمر: أنه أطول من البيان بالقول.\nالمذهب الثالث: أن الفعل يحصل به البيان بشرط: الإشعار به\nمن مقال أو قرينة حال، وإن لم يوجد ذلك لا يحصل للمكلف\nالبيان، وهو مذهب المازري.\nدليل هذا المذهب:\nأن تلك القرينة قد ساعدت الفعل لبيان ذلك المجمل.\nجوابه:\nأن الخلاف في الفعل المجرد عن القرينة هل يصلح أن يكون بيانًا أو\nلا؟ أما ما وجدت فيه قرينة فلا خلاف فيه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف بين المذهب الأول والمذهبين الثاني والثالث خلاف معنوي؛\nحيث إنه يعمل بما دلَّ عليه الفعل بناء على المذهب الأول، أما على\nالمذهبين الثاني والثالث فلا يعمل به.\nوالخلاف بين المذهب الثاني والثالث خلاف لفظي؛ لأن النفي","vol":"3","page":1251},{"text":"والإثبات لم يتواردا على محل واحد؛ لأن أصحاب المذهب الثاني\nنفوا كون الفعل يحصل به البيان لعدم القرينة، أما أصحاب المذهب\nالثالث فقد أثبتوا ذلك لوجود القرينة.\nالقسم الثالث: البيان بالكتابة.\nدل على أنه يحصل البيان بالكتابة دليلان:\nالدليل الأول: الوقوع؛ حيث وقع ذلك؛ فإنه روي أن النبي - ﷺ - كتب إلى عماله في الصدقات، وكتابه الذي بعثه مع عمرو بن حزم إلى أهل اليمن، وبين فيه الفرائض والسق والديات، وكتابة الخلفاء\nمن بعده إلى عمالهم في الصدقات من غير نكير.\nالدليل الثاني: القياس على البيان بالقول، بيان ذلك:\nأن الكتابة تقوم مقام القول اللساني، والجامع: أن في كل منهما\nتأدية الذي في النفس.\nالقسم الرابع: البيان بترك الفعل.\nفالنبي - ﷺ - إذا ترك فعل شيء، فإنه يتبين من ذلك نفي وجوب ذلك الفعل؛ لأن - ﷺ - لا يقع في فعله محرم، ولا ترك واجب، فمتى ترك شيئًا دلَّ على عدم وجوبه، فمثلًا: ترك القعود للتشهد، والقيام من الركعة الثانية إلى الثالثة، والمضي في صلاته يدل على أن هذا القعود ليس بواجب.\nالقسم الخامس: البيان بالسكوت.\nالسكوت بعد السؤال عن حكم واقعة من الوقائع يعتبر من البيان،\nفإذا سئل النبي - ﷺ - عن حكم حادثة وواقعة، وسكت: دلَّ سكوته على أنه لا حكم للشرع في هذه الواقعة، وهذا يُعتبر بيانا لها.","vol":"3","page":1252},{"text":"يدل على ذلك: أن النبي - ﷺ - لا يُقرُّ على الخطأ، أي: لو كان سكوته عن بيان حكمها خطأ لبيَّن له اللَّه تعالى ذلك، فيكون\nسكوته بيانًا في أن هذه الواقعة لا حكم لها.\nالقسم السادس: البيان بالإشارة.\nالإشارة يحصل بها البيان دلَّ على ذلك دليلان:\nالدليل الأول: الوقوع؛ حيث روي: أن النبي - ﷺ - آلى من نسائه شهرًا، فلما بلغ تسعة وعشرين يوما دخل عليهن، فقيل له: إنك آليت شهرًا فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وأشار بأصابعه\nالعشر، وقبض إبهامه في الثالثة، يعني تسعًا وعشرين، فبيَّن - هنا -\nالشهر بالإشارة بأنه يكون - أحيانًا - ثلاثين يوما، وأحيانا تسعة\nوعشرين يومًا.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضًا -: إن الرسول - ﷺ - قد بيَّن الشهر بالقول الصريح، لا بالإشارة؛ حيث روي عنه - ﷺ - قوله: \" الشهر تسع وعشرين، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له \".\nجوابه:\nإن النبي - ﷺ - قد بيَّن ذلك مرة بالقول الصريح، وبيَّن مرة أخرى\nبالإشارة، مما يدل على جواز البيان بالإشارة.\nالدليل الثاني: القياس على البيان بالقول؛ حيث إن الإشارة تقوم\nمقام اللسان في التعبير عما يجول في النفس، فكانت بيانًا.","vol":"3","page":1253},{"text":"المسألة الخامسة: إذا ورد بعد لفظ مجمل قول وفعل، وكل\nواحد منهما صالح لأن يكون بيانا فأيهما الذي يقع به البيان؟\nللكلام عن هذه المسألة لا بد من تقسيمها إلى قسمين:\nالقسم الأول: يكون في اتفاق القول والفعل في الحكم.\nالقسم الثاني: يكون في اختلاف القول والفعل في الحكم.\nالقسم الأول: إذا اتفق القول والفعل في الحكم فلا يخلو:\nإما أن يُعلم تقدم أحَدهما أو يُجهل المتقدم.\nفإن علم تقدم أحدهما: فالمتقدم هو المبين - سواء كان قولًا أو\nفعلًا، وذلك لحصول المقصود به، والثاني مؤكد له.\nوإن جهل المتقدم منهما - أي: لا يعلم هل المتقدم القول أو\nالفعل؛ - فلا يخلو: إما أن يكونا متساويين في الدلالة، أو\nأحدهما أقوى في الدلالة من الآخر.\nفإن كانا متساويين في الدلالة، فأحدهما يكون هو المبين،\nوالآخر يكون مؤكدًا له من غير تعيين - أي: يختار المجتهد منهما\nدون تعيين -.\nوإن كانا مختلفين في قوة الدلالة - بأن كان القول أقوى وأرجح\nمن الفعل أو العكس - فقد اختلف العلماء أيهما الذي يُقدم؛ على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أن أحدهما يكون هو المبيّن، والآخر يكون مؤكدًا\nله من - غير تعيين - كما لو كانا متساوين - ولا فرق بين الراجح\nوالمرجوح.","vol":"3","page":1254},{"text":"وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ وذلك لحصول المقصود به.\nالمذهب الثاني: أن المرجوح والأضعف في الدلالة هو: المبيِّن،\nوالراجح والأقوى مؤكد له.\nوهو مذهب الآمدي وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنا لو جعلنا المبيِّن هو: الراجح والأقوى في الدلالة للزم من\nذلك تأخر المرجوح مما يجعله مؤكدًا للراجح، وهذا ممتنع؛ لأن\nالشيء لا يؤكد بما هو دونه في الدلالة، والبيان حاصل دونه، فكان\nالإتيان به غير مفيد، والشارع لا يأتي بما لا يفيد، أما إذا جعلنا\nالمرجوح والأضعف هو المقدم، فإن الإتيان بالراجح بعده يكون مفيدًا\nنظرًا لتأكيده لما تقدمه، ولا يكون معطلًا.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك؛ لأن امتناع تأكيد المرجوح للراجح يكون في المؤكد\nغير المستقل مثل: \" المفردات \"، أما المؤكد المستقل فإنه لا يمتنع فيه\nذلك، وذلك لأن الجمل تقوي بعضها بعضًا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي، لأن ما نظر إليه الجمهور يختلف عما نظر إليه\nالآمدي، فهم نظروا إليه على أنه من تاكيد الجمل، وهو جائز\nبالأضعف والأقوى، والآمدي نظر إليه على أنه من تكيد المفردات،\nفلذلك يمتنع.\nالقسم الثاني: فيما إذا لم يتفق القول والفعل في الحكم.\nإذا كان ما يفيده القول يخالف ما يفيده الفعل مثل ما ورد عن النبي - ﷺ -","vol":"3","page":1255},{"text":"أنه قال: \" من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي\nواحد عنهما حتى يحل منهما جميعًا \"،\nوهذا بيان لكيفية أداء القِران بالقول، وروى عليّ - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - طاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين،\nوقال: هكذا رأيت رسول اللَّه - ﷺ - صنع.\nفهنا قد اجتمع القول والفعل في بيان آية الحج، وهي قوله تعالى:\n(ولله على الناس حج البيت)، وقوله: (وأتموا الحج والعمرة لله)\nفبيَّن بالقول والفعل: قِران الحج والعمرة فأيهما المبيِّن؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن القول هو المبيِّن مطلقًا، أي: سواء تقدم\nالقول أو الفعل، أو لم يعلم شيء من ذلك.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن القول يدل بنفسه على\nالبيان، بخلاف الفعل، فإنه لا يدل على كونه بيانا إلا بواسطة دلالة\nالقول عليه: - أي: أن الفعل لا يدل إلا بواسطة انضمام القول\nإليه - والدال بنفسه أقوى من الدال بغيره.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: إن هذا مناقض لما قلتموه - هناك - من\nأن الفعل أقوى في البيان؛ لأن الشاهدة أدل.\nجوابه:\nأنا نقول: إن القول أقوى في الدلالة على الحكم، والفعل أدل\nعلى الكيفية: ففعل الصلاة أدل من وصفها بالقول؛ لأن فيه مشاهدة\nوأما استفادة وجوبها، أو ندبها أو غيرهما: فإن القول أقوى؛ نظرًا\nلصراحته.","vol":"3","page":1256},{"text":"المذهب الثاني: أن الفعل هو المبيِّن مطلقا، أي: سواء تقدم\nالقول أو الفعل.\nوهو مذهب بعض الشافعية.\nدليل هذا المذهب:\nأن الفعل أدل؛ لأن المشاهدة أقوى لما روي عن - ﷺ - أنه قال: \" ليس الخبر كالمعاينة \".\nجوابه:\nأنه لو كان البيان هو الفعل للزم من ذلك أن يكون القول معطلًا\nإن ورد متأخرًا عن الفعل، ويلزم منه - أيضا -: أن يكون الفعل\nنالصخا إن كان القول متقدما، ولا يلزم ذلك من مذهبنا؛ حيث إنا\nلما جعلنا القول هو المبيّن: حصل الجمع بين مقتضى القول والفعل،\nفيكون أوْلى.\nالمذهب الثالث: التفصيل، وهو:\nأنا إذا علمنا المتقدم من القول والفعل: فإن المتقدم هو المبيّن،\nسواء كان قولًا أو فعلًا.\nأما إذا لم نعلم المتقدم منهما: فإنه يجعل القول هو: المبيّن؟\nنظرًا لرجحانه؛ لأنه يدل بنفسه على البيان، بخلاف الفعل فإنه لا\nيدل إلا بانضمام شيء إليه، والدال بنفسه أقوى من الدال بغيره.\nوهذا مذهب أبي الحسين البصري.\nجوابه:\nأنه يلزم من هذا: أن يكون الفعل منسوخا بالقول إذا كان الفعل\nمتقدما، والأصل عدم النسخ.","vol":"3","page":1257},{"text":"المذهب الرابع: التفصيل من وجه آخر، وهو:\nإن لم يعلم تقدم القول أو الفعل، فإنه يجعل القول هو: المبيِّن؛\nنظرًا لدلالته بنفسه على البيان، بخلاف الفعل فإنه يحتاج إلى غيره\n- كما سبق بيانه -.\nأما إذا علم تقدم أحدهما فلا يخلو من أمرين:\nأحدهما: أن يعلم أن المتقدم هو القول، ففي هذه الحالة يكون\nالقول هو: المبيِّن؛ نظرًا لتقدمه، وقوته في الدلالة.\nثانيهما: أن يعلم أن المتقدم هو الفعل، ففي هذه الحالة يكون\nالفعل هو: المبين في حق الرسول - ﷺ - دون الأمَة، ويكون القول هو المبين في حق الأُمَّة - فقط -؛ عملًا بالدليلين - وهما القول والفعل -؛ إذ لو جعلنا الفعل - عند تقدمه - هو: المبيِّن في حق\nالرسول والأُمَّة معًا: للزم من ذلك: أن يكون القول مهملًا أو يكون\nناسخًا لوجوب الطواف الثاني والسعي الثاني، والإهمال والنسخ\nخلاف الأصل، وللتخلص من ذلك لا بد أن يكون الفعل مبينا\nللمجمل في حق الرسول، ويكون القول هو المبين في حق الأُمَّة؛\nعملًا بالدليلين، والجمع بينهما عند الإمكان أرجح من العمل بواحد\nمنهما وإهمال الآخر.\nجوابه:\nإن هذا التفريق بين الرسول - ﷺ - والأُمَّة في ذلك لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يعتد به، ولذلك يكون القول هو: المبيِّن\nمطلقًا - أي: سواء علمنا المتقدم، أو لم نعلمه؛ لفضل القول على\nالفعل بما ذكرناه سابقا.","vol":"3","page":1258},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة - وهي المذكورة في القسم الثاني - خلاف\nمعنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها ما ذكرناه من\nورود بيان قِران الحج والعمرة بالقول والفعل.\nفبناء على المذهب الأول: يكون الواجب على القارن طوافًا\nواحدًا وسعيا واحدًا، ويحمل فعله - ﷺ - على الاستحباب، أو أنه واجب مختص به.\nوبناء على المذهب الثاني: يكون الواجب على القارن طوافين\nوسعيين.\nوبناء على المذهب الثالث: يكون الواجب على القارن طوافين\nوسعيين إن علمنا أن المتقدم هو: الفعل، أما إذا علمنا أن المتقدم هو\nالقول أو جهلنا المتقدم منهما فيكون الواجب على القارن طوافًا\nوسعيًا واحدًا.\nوبناء على المذهب الرابع: يكون الواجب على القارن من الأُمَّة\nطوافا واحدًا وسعيا واحدًا، ويجب على الرسول - ﷺ - طوافين وسعيين.\n***\nالمسألة السادسة: هل يجب أن يكون البيان مساويا للمبيَّن،\nأو يجوز أن يكون أدنى منه في القوة، أو لا بد أن يكون أقوى منه؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يجوز البيان بالأدنى والمساوي، كما يجوز\nالبيان بالأقوى مطلقًا، أي: سواء كان بيانا لمجمل أو لغيره.","vol":"3","page":1259},{"text":"وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن المبيِّن\nأوضح من المبيَّن في الدلالة على المراد، فوجب العمل بالواضح وإن\nكان أدنى من المبيّن أو مساويا له، أي: أن الإتيان بما يوضح المجمل\nوإن كان أضعف منه من حيث الثبوت؛ لرجحانه بوضوح دلالته،\nوكذلك العمل بمخصص العام ومقيد المطلق جمعا بين الدليلين.\nالمذهب الثاني: يجب أن يكون المبيّن أقوى من المبين أو مساويا\nله، ولا يجوز أن يكون المبيّن أدنى من المبين، وذلك في بيان التغيير\n- وهو التخصيص للعام -.\nأما بيان التفسير - وهو بيان المجمل - فإنه يجوز فيه أن يكون المبيِّن\nأدنى من المبيَّن.\nوهو مذهب جمهور الحنفية وعلى رأسهم أبو الحسن الكرخي.\nدليل هذا المذهب:\nأما دليلهم في بيان التغيير، ففيه التفصيل التالي:\nأما دليل قولهم: \" يجب أن يكون البيان أقوى من المبين\" فهو:\nواضح؛ حيث إن البيان يكون راجحا على المبيّن، والعمل بالراجح\nواجب.\nأما دليل قولهم: \" يجب أن يكون البيان مساويا للمبين \"، فهو:\nأن البيان بالأدنى فيه عمل بالمرجوح وترك الراجح، وذلك خلاف ما\nيقتضيه العقل.\nأما دليلهم في بيان التفسير فهو دليل الجمهور في المذهب الأول.\nجوابه:\nأن قولكم في بيان التغيير: \" إن العمل بالأدنى فيه عمل بالمرجوح","vol":"3","page":1260},{"text":"وترك الراجح \" لا نسلمه؛ لأن العمل بالأدنى لا يلزم منه العمل\nبالمرجوح، وترك الراجح، بل يلزم منه: العمل بالمبيِّن - وهو\nالخاص - والعمل بما بقي بعد التخصيص - وهو المبيَّن: العام -\nوهذا فيه جمع بين دليلين قد ثبتا، وهو أوْلى من العمل بدليل - وهو\nالمبئن وهو العام - وترك دليل آخر - وهو المبيّن وهو الخاص - وإن\nكان أدنى فهو يسمى دليلًا.\nتنبيه: بعض العلماء قد نسب هذا المذهب إلى أبي الحسن\nالكرخي لوحده، وبعضهم حكاه بدون تفصيل بين بيان التفسير،\nوبيان التغيير، وهذا سهو منهم، والحق ما ذكرته، وقد بينت ذلك\nفي \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \".\nالمذهب الثالث: يجب أن يكون المبيِّن أقوى من المبين، فلا يجوز\nبالأدنى، ولا بالمساوي مطلقا، أي: سواء كان بيانا لمجمل أو لغيره\n، وهو مذهب بعض المالكية كابن الحاجب.\nدليل هذا المذهب:\nأن البيان بالمساوي فيه ترجيح لأحد المتساويين على الآخر بدون\nمرجح، وهو باطل، والبيان بالأدنى فيه عمل بالمرجوح وترك\nللراجح، وهو باطل - أيضا - فتعئن البيان بالأقوى.\nجوابه:\nإن هذا يؤدي إلى العمل بأحد الدليلين دون الآخر؛ لأن المبين\nالمساوي أو الأدنى يُعتبر دليلًا من أدلة الشرع، فلا يجوز تركه بدون\nعمل، لذلك يكون الأخذ بالدليل الذي هو أوضح في الدلالة على","vol":"3","page":1261},{"text":"المراد، وتخصيص العام وتقييد المطلق حال المساواة في قوة الدلالة\nأوْلى لما في ذلك من إعمال الدليلين؛ بخلاف مذهبكم.\nالمذهب الرابع: فيه تفصيل، بيانه:\nإن كان بيانا لمجمل، فيجوز أن يكون أقوى أو مساويًا أو أدنى من\nالمبيَّن.\nوإن كان بيانًا لعام - بأن خصَّصه - أو بيانًا لمطلق - بأن قيَّده -\nفيجب أن يكون المبيّن أقوى من المبيَّن - وهو العام والمطلق -.\nوهو مذهب الآمدي.\nدليل هذا المذهب:\nأما دليل بيان المجمل، وأنه يجوز كونه أقوى أو مساويا أو أدنى\nفهو دليلنا في المذهب الأول - وهو دليل الجمهور -.\nأما دليل بيان العام، وبيان المطلق، وأنه يجب أن يكون أقوى من\nالعام، والمطلق فهو: أن ترك العام والمطلق لا يكون بالمساوي؛ لأنه\nيلزم منه ترجيح بلا مرجح، ولا يكون بالأدنى؛ لأنه يلزم منه العمل\nبالمرجوح وترك الراجح، وكل منهما خلاف ما يقتضيه العقل،\nفتعين البيان بالأقوئ.\nجوابه:\nإن تخصيص العام وتقييد المطلق حال المساواة في قوة الدلالة، أو\nالأدنى أوْلى لما في ذلك من إعمال دليلين قد ثبتا، بخلاف التوقف\nبين المتساويين؛ لأنه يلزم منه ترك العمل بدليلين قد ثبتا، وبخلاف","vol":"3","page":1262},{"text":"القول بإلغاء البيان، فإن فيه العمل بأحد الدليلين دون الآخر مع أنه\nثابت شرعا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي في هذه المسألة، حيث إنه قد ترتب على المذهب\nالأول: جواز تخصيص وتقييد القطعي بالظني فيجوز تخصيص\nعموم القرآن والسُّنَّة المتواترة ومطلقهما بالدليل الظني كخبر الواحد،\nوالقياس.\nكما يجوز - بناء عليه - بيان المجمل القطعي بالظني كخبر الواحد\nوالقياس.\nوترتب على المذهب الثاني: عدم جواز تخصيص وتقييد القطعي\nبالظني، فلا يجوز تخصيص عموم القرآن والسُّنَّة المتواترة ومطلقهما\nبالدليل الظني كخبر الواحد والقياس.\nكما ترتب عليه - أيضا -: جواز بيان المجمل القطعي بالظني\nكخبر الواحد والقياس.\nوترتب على المذهب الثالث: عدم جواز تخصيص وتقييد القطعي\nبالقطعي ولا بالظني، ولا يجوز تخصيص وتقييد الظني إلا بالقطعي\n- فقط -.\nوكذلك ترتب عليه - أيضا -: عدم جواز بيان المجمل القطعي\nبالظني، فلا يُبين المجمل الظني إلا بالقطعي - فقط -.\nوترتب على المذهب الرابع: مثل ما ترتب على المذهب الثالث\nمن حيث التخصيص والتقييد.\nوترتب عليه - أيضا - مثل ما ترتب على المذهب الأول،","vol":"3","page":1263},{"text":"والثاني من حيث المجمل، ففي هذا وقع الخلاف بين المذهب الثالث\nوالرابع.\n***\nالمسألة السابعة: بيان أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة:\nلقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة\nإلى تنفيذ العمل - وهو وقت وجوب العمل بالخطاب -؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة يعتبر تكليفا بما لا\nيطاق وهو: لا يجوز؛ حيث لا قدرة للمكلف - حينئذ - على\nالامتثال.\nالدليل الثاني: أن وقت الحاجة وقت للأداء، فإذا لم يكن مبينا\nتعذر الأداء، فالبيان - إذن - ضرورة من الضروريات التي لا بد منها.\nمثل ما لو قال: \" حجوا هذا العام \"، ثم إذا جاء وقت الحج\nلم يبين لهم كيفية الحج وطريقته.\nوقد حكى إجماع العلماء على عدم الجواز - هنا - كثير من\nالعلماء كابن السمعاني، والباجي، والغزالى، والسمرقندي،\nوابن قدامة، وغيرهم.\nتنبيه: يلزم على مذهب القائلين بجواز تكليف ما لا يطاق أن\nيقولوا - هنا -: جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن هذه\nالمسألة فرد من أفراد جواز تكليف ما لا يطاق، فهنا وقع الخلاف،\nولكنه يصرف إلى الجواز العقلي، أما الوقوع فقد اتفق العلماء على\nعدمه.","vol":"3","page":1264},{"text":"المسألة الثامنة: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى\nوقت الحاجة - وهو وقت وجوب العمل بمقتضاه -؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت\nالحاجة مطلقًا، أي: سواء كان المراد بيانه له ظاهر يُفهم ويُعمل به\nكالعام والمطلق، أو ليس له ظاهر كالمجمل.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: العقل دلَّ على جواز تأخير البيان عن وقت\nالخطاب إلى وقت الحاجة مطلقًا، بيانه:\nأن هذا لا يترتب على فرض جوازه محال؛ لأن غاية ما في الأمر\nهو: جهل المكلَّف بما كُلِّف به مدة من الزمن، وهذا ليس بمحال،\nولا يؤدي إلى المحال فهو إذن جائز.\nالدليل الثاني: الوقوع، فقد وقع تأخير البيان عن وقت الخطاب\nإلى وقت الحاجة في الشريعة، والوقوع دليل الجواز، وإليك بيان\nالمواضع التي وقع فيها ذلك من الكتاب والسُّنَّة:\nالموضع الأول: قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) .\nفإن معنى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ): أنزلناه؛ لدلالة قوله: (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)،\nحيث أمر اللَّه تعالى نبيه بالاتباع بفاء التعقيب،\nولا يتصور ذلك قبل الإنزال لعدم معرفته به، وإنما يكون بعد الإنزال\nوإذا كان المراد بقوله: (قَرَأْنَاهُ) هو: الإنزال: فإن قوله:\n(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) يدل على تأخير البيان عن وقت الإنزال؛ لأن \" ثم \"\nللمهلة والتراخي.","vol":"3","page":1265},{"text":"اعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: إن المراد بالبيان المذكور في الآية: البيان\nالتفصيلي، وتراخي البيان التفصيلي عن وقت الخطاب مسلم لا نزاع\nفيه، إنما النزاع في البيان الإجمالي.\nجوابه -:\nإن تقييد البيان المذكور في الآية بالبيان التفصيلي تقييد بلا دليل،\nحيث ذكر البيان مطلقا، ولم يوجد ما يقتضي تقييده.\nالموضع الثاني: أن اللَّه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة؛ حيث\nقال: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)،\nفالله أمر بذبح بقرة معينة - غير منكرة -، ولكنه لم يعينها ويفصل في\nصفاتها إلا بعد أن سألوا عدة أسئلة متكررة، ودل على كون المأمور\nبه معينا أمران:\nأولهما: أن بني إسرائيل سالوا تعيينها، حيث قال تعالى - عنهم -:\n(ادع لنا ربك يبين لنا ما هي)، وقوله: (ما لونها)\nولو كانت منكرة لما احتيج إلى ذلك؛ لأنه بإمكانهم الخروج عن\nالعهدة بأي بقرة كانت.\nثانيهما: تعيين اللَّه للبقرة المطلوبة ووصفها بقوله:\n(إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين)،\nوقوله: (إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان)، والضمير في ذلك يصرف إلى ما أمروا به وجوبا، فهذا يدل على أن البقرة معينة، فثبت: أنه أخر بيان\nأوصاف البقرة المأمور بذبحها إلى وقت الحاجة؛ حيث إن البيان تأخر\nعن وقت الخطاب؛ فإنه لم يقترن بالخطاب بيان تفصيلي ولا إجمالي.","vol":"3","page":1266},{"text":"اعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: لا نُسَلِّمُ التمسك بهذه الآية؛ لأنه يلزم\nمنه جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ وذلك لأن بني إسرائيل عند\nالخطاب بهذه الآية كانوا محتاجين إلى البيان وهو باطل.\nجوابه:\nلا نسلم أن الآية تقتضي جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن\nالأمر يقتضي عدم الفور، وإنما يلزم ذلك لو كان الأمر مقتضيا\nللفور.\nاعتراض آخر:\nقال قائل - معترضا -: إنا لا نُسَلِّمُ أن البقرة كانت معينة؛ لأنها\nلو كانت معينة لما عنفهم اللَّه تعالى على السؤال عنها، لكنه عنفهم\nبقوله: (فذبحوها وما كادوا يفعلون) .\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أنه عنفهم على السؤال، بل على التواني\nوالتقصير في الذبح بعد البيان.\nالجواب الثاني: أنها لو كانت غير معينة لكان بإمكانهم الخروج\nعن العهدة بأي بقرة كانت.\nالموضع الثالث: قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)،\nثم جاء بيان ذلك في السُّنَّة: فأخَّر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها حتى بيَّن\nذلك جبريل ﵇ للنبي - ﷺ - وقال: \" يا محمد، هذا وقت","vol":"3","page":1267},{"text":"الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين \"، ثم بيَّن\nالرسول - ﷺ - لأُمَّته، فقال: \" صلوا كما رأيتموني أصلي \".\nوكذلك في قوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) بين الرسول - ﷺ - مقدار الواجب وصفته في الذهب والفضة، والمواشي، والعقارات،\nوالثمار، والزروع شيئًا فشيئًا.\nوكذلك الحج، فقد بيَّن الرسول - ﷺ - أفعال الحج وطريقته - بعد نزول آية الحج - وقال: \" خذوا عني مناسككم \".\nالموضع الرابع: قوله تعالى: (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم)،\nوهذا عام، ثم ورد بعد ذلك تخصيصه بقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى)، وجميع الأعذار الشرعية قد خصصت هذا العموم.\nالموضع الخامس: قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ)، وهو عام يشمل كل معبود، فقد\nقال ابن الرثعْرَى: لأخصمن محمدًا، فجاء إلى - ﷺ - وقال: \"أليس قد عبدت الملائكة، أليس قد عبد المسيح، أليس قد عبد عزير، فينبغي أن يكون هؤلاء حصب جهنم، فتوقف النبي - ﷺ - في الجواب \"\nثم أنزل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)، فخصصت بذلك الآية الأولى، فثبت بذلك تأخير بيان\nالعام الذي أريد به الخاص، وهو تأخير البيان عن وقت الخطاب.\nالموضع السادس: قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى)، ثم بيَّن النبي - ﷺ - أن ذلك\nالتقسيم بعد سلب القاتل، وأن المقصود بذي القربى هم: بنو هاشم،\nوبنو المطلب، وأن بني أمية، وبني نوفل، وبني عبد شمس","vol":"3","page":1268},{"text":"غير داخلين في ذوي القربى، فلما سئل عن ذلك قال: \" أنا وبنو\nالمطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، ولم نزل هكذا \"، وشبك\nبين أصابعه.\nفثبت أن قوله: \" ولذي القربى \" لم يبين إلا عند وقت الحاجة،\nفدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.\nالموضع السابع: قوله تعالى - لنوح ﵇ -:\n(احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)، ففهم\nنوح - ﵇ - أن ابنه من أهله، لكن لما أدرك ابن نوح الغرق\nورآه نوح - ﵇ - خاطب ربه قائلًا: (إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق)، فبيَّن اللَّه تعالى أنه عمل غير صالح، فهنا لم يبين الشارع ذلك وقت الخطاب، بل أخَّره إلى وقت الحاجة.\nالموضع الثامن: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، ثم خصَّص ذلك بعده بقوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .\nالموضع التاسع: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، ثم ورد\nتخصيصه بقوله ﵇: \" أحل لنا ميتتان ودمان \".\nوالأمثلة على وقوع تأخير البيان من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة\nفي الشريعة كثيرة جدًا تكاد لا تحصى، ولا سبيل إلى إنكاره، وإن\nاعترض بعضهم على بعض الأمثلة والاستشهادات؛ نظرًا لتطرق\nالاحتمال إليه بتقدير اقتران البيان به، فإنه لا يمكن أن يتطرق ذلك\nإلى جميع الأمثلة، وبالتالي لا يمكن إنكارها كلها،؛ من ادعى ذلك\nفهو معاند ومكابر، والمعاند والمكابر لا يعتد بقوله.\nالدليل الثالث: القياس على النسخ، بيان ذلك:","vol":"3","page":1269},{"text":"أن النسخ بيان وتخصيص في الأزمان، وهذا بيان في الأعيان،\nوالنسخ يجوز تأخيره باتفاق العلماء، بل هو واقع فيه.\nوعلى هذا: يجوز أن يرد لفظ يدل على تكرار الفعل على الدوام\nثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول ذلك الاعتقاد بلزوم الفعل على\nالدوام.\nوورود بيان نسخ الحكم بعد اعتقاد دوامه واقع لا شك فيه - كما\nسبق في النسخ - فإذا كان هذا جائزًا فإنه يجوز تأخير البيان مطلقا،\nولا فرق.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز تأخير البيان من وقت الخطاب إلى\nوقت الحاجة مطلقا، أي: سواء كان المراد بيانه له ظاهر يفهم\nويعمل كالعام والمجمل، أو ليس له ظاهر كالمجمل إلا النسخ\n- فقط - فيجوز فيه ذلك.\nوهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية - ونسب إلى\nالصيرفي منهم -.\nوهو مذهب جمهور الظاهرية، وجمهور المعتزلة، وبعض\nالمالكية، وبعض الحنابلة كغلام الخلال - عبد العزيز بن جعفر -\nوأبي الحسن التميمي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه يراد بالخطابات تفهيم السامع للمطلوب فيها\nلكي يعمل بها، وهذه هي فائدتها، والخطاب بالمجمل بدون\nتوضيحه وبيانه خطاب بما لا يفهم، والخطاب بما لا يفهم لا فائدة\nفيه، وما لا فائدة فيه يكون وجوده كعدمه، وهذا هو العبث الذي\nيتنزه الله عن الكلام به.","vol":"3","page":1270},{"text":"جوابه:\nلا نسلم عدم وجود الفائدة من الخطاب بالمجمل، حيث توجد\nفائدة في الخطاب به، وهي: معرفة أن هناك أمرًا أو نهيًا في الشريعة؛\nليعرف بذلك المكلف العازم على امتثال الأمر الذي ورد في هذا\nالخطاب المجمل، والمكلف العازم على ترك المنهي عنه الوارد في\nالمجمل إذا بُين له، فالمكلف العازم على الفعل في حالة الأمر،\nوالعازم على الترك في حالة النهي - بعد البيان - يستحق الثواب،\nويسقط عنه العقاب.\nفمثلًا: قوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) خطاب مجمل.\nومع ذلك فقد خاطبنا به الشارع؛ لوجود الفائدة فيه؛ حيث إننا\nعرفنا بهذا الخطاب ما يلي:\n١ - وجوب إيتاء حق الزرع،\n٢ - وقت دفع زكاة الزروع،\n٣ - أنه حق المال، فهنا المكلَّف يمكنه أن يعزم\nفيه على الامتثال، والاستعداد لذلك فيثاب على ذلك، ولو عزم\nعلى ترك إلامتثال لكان عاصيا.\nوكذلك قوله تعالى: (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح)، فإن\nهذا مجمل، ومع ذلك فإن فيه فائدة، وهي: أن يعرف المكلَّف\nإمكان سقوط المهر بين الزوج والولي.\nوكذلك قوله تعالى: (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، فهو\nمجمل، ومع ذلك ففيه فائدة وهي: أن يُعرف أن المطلقة تجب عليها\nعدة بعد زوجها الأول، فكل هذا لا يخلو عن أصل الفائدة، وإنما\nيخلو عن كمالها، وذلك غير بعيد، بل واقع في الشريعة.\nالدليل الثاني: قياس الخطاب بالمجمل بالخطاب بلفظ \" أبجد هوز \"،\nوهو يريد به وجوب الصلاة: فكما لا يجوز الخطاب","vol":"3","page":1271},{"text":"بأبجد هوز، فكذلك لا يجوز الخطاب بالمجمل بجامع: عدم\nالفائدة في كل منهما.\nجوابه:\nإن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الخطاب\nبالمجمل فيه فائدة وهو: قيام المكلف بالعزم على الفعل الذي سيبين\n- فيما بعد -، واستعداده لذلك، فلا يضر تأخير تفصيل البيان إلى\nوقت الحاجة.\nأما الخطاب بلفظ: \" أبجد هوز \"، وهو يريد وجوب الصلاة فلا\nيفيد شيئًا؛ لأنه تغيير للوضع، وقلب لحقائق الأمور، فافترقا.\nالدليل الثالث: أنه اتفق على أنه لا يجوز أن يخاطب الأعجمي\nبالعربية - لمن لا يفهمها - وسبب ذلك: أن الأعجمي لا يفهم لغة\nالعرب، فهو لم يسمع إلا اللفظ، دون معناه.\nفكذلك خطابه بالمجمل، دون بيانه لا يجوز؛ لأنه خطاب بما لا\nيفهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز تأخير بيانه إلى وقت الحاجة.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن قياسكم الخطاب بالمجمل على خطاب\nالأعجمي بالعربية قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لما ذكرناه\nسابقًا وهو: أن الخطاب بالمجمل يفيد قيام المكلَّف بالعزم على الفعل\nإذا بيَّن له تفاصيله، ويستعد لذلك، فلا يضر تأخيره.\nبخلاف خطاب الأعجمي بالعربية لمن لا يفهمها، فإنه لا يفيد\nشيئا أصلًا.","vol":"3","page":1272},{"text":"الجواب الثاني: أنه لا يمتنع مخاطبة الأعجمي بالعربية؛ قياسًا\nعلى مخاطبة المعدوم، بيان ذلك:\nأنا جوزنا كون المعدوم مخاطبا بالتكاليف الشرعية، وذلك على\nتقدير الوجود، أي: أنه مأمور بها إذا وجد وتوفرت فيه شروط\nالمكلَّف - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى - فإذا كان هذا جائزًا،\nفمن باب أَوْلى جواز مخاطبة - ﷺ - لجميع أهل الأرض من\nالعرب والعجم، ويشعرهم اشتمال هذا القرآن على أوامر يعرفهم بها\nالمترجم، فكما جاز أمر المعدوم على تقدير وجوده وتوفر شرط\nالتكليف، كذلك يجوز أمر الأعجمي بالعربية على تقدير وجود المبيِّن\nله، وهو: المترجم.\nالدليل الرابع: أنه لا خلاف في أنه لو قال: \" في خمس من\nالإبل شاة \"، وأراد به خمسًا من الغنم أو البقر، فإنه لا يجوز\nذلك؛ لأنه تجهيل في الحال، وإيهام الخلاف المراد، فكذلك قوله\nتعالى: (فاقتلوا المشركين) يوهم قتل كل مشرك، فإذا لم يُبين أنه\nمخصص فهو تجهيل في الحال، وكذلك لو قال: \" له عليّ عشرة \"\nوأراد بالعشرة سبعة فإنه لا يجوز؛ لأنه تجهيل، وإن كان ذلك جائزًا\nإن اتصل الاستثناء به بأن يقول: \" له عليّ عشرة إلا ثلاثة \"،\nوكذلك العموم قد وضع للاستغراق، فلا يجوز إرادة الخصوص به\nإلا بشرط وجود قرينة متصلة مبينة لذلك، فأما إرادة الخصوص بدون\nقرينة فهو تغيير للوضع.\nجوابه:\nإن ما ذكرتم صحيح لو كان العام نصا في إفادته للاستغراق،\nأي: لو كانت دلالة العام قطعية لكان ما ذكرتم صوابا، ولكن ليس","vol":"3","page":1273},{"text":"الأمر كذلك عند جمهور العلماء؛ لأن دلالة العام ظنية، حيث إن\nصيغ العموم تفيد العموم والخصوص، لكن إفادتها للعموم أرجح\n- كما سيأتي بيانه والاستدلال عليه في باب العموم -.\nوبناء على ذلك: فيجب على المكلَّف العمل باللفظ العام على\nعمومه إن تجرد عن القرينة المخصصة، وهو - في نفس الوقت -\nيحتمل أن يراد منه الخصوص، وينتظر أن ينبه على الدليل المخصص.\nأما إذا أراد بالعشرة: سبعة، وأراد بالإبل: البقر، ونحو ذلك،\nفهذا ليس من كلام العرب، وهو تغيير للوضع، وقلب لحقائق\nاللغة.\nالمذهب الثالث: التفصيل بين المجمل، والعام، والمطلق:\nفيجوز تأخير بيان المجمل، ولا يجوز تأخير بيان العام والمطلق.\nوهو مذهب أبي الحسن الكرخي، واختاره الدقاق من الشافعية\nوأبو الحسين البصري.\nدليل هذا المذهب:\nأن اللفظ العام يجب حمله على الحقيقة؛ فإذا ورد لفظ عام،\nفإنه يجب أن نعتقد العموم فيه، أما إذا ورد لفظ عام أريد به\nالخصوص ولم يبين مراده في ذلك، فإنه لا يجوز تأخير بيانه عق\nوقت الخطاب به؛ لأن ذلك يؤدي إلى القول بلزوم اعتقاد الشيء\nعلى خلاف ما هو عليه، ويفضي إلى ثبوت حكم في صورة غير\nمرادة - أصلًا - ولذا فلا يجوز تأخير بيان مثل هذا العموم لئلا يلزم\nمنه ما ذكرناه؛ بخلاف المجمل؛ حيث إن المجمل لا يفهم منه معنى\nمعين؛ لأن معانيه متساوية في الفهم، ولا يرجح أحدهما على الآخر\nإلا بقرينة.","vol":"3","page":1274},{"text":"جوابه:\nإن ذلك يبطل بالنسخ؛ لأن ما ذكرتموه موجود فيه، فالسامع\nيعتقد استمراره وعمومه، وهو اعتقاد جهل، كما أن له أن يخبر\nعنه، وقد جوزنا تأخيره، على أنه عندنا يعتقد عموم اللفظ العام\nبشرط عدم وجود ما يخصصه، وإذا ورد التخصيص علمنا أن\nالمخصوص لم يدخل في العموم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف - هنا - معنوي قد أثر في مسائل، منها ما يلي:\n١ - هل يجوز تأخير تبليغ الأحكام؟\nفمن أجاز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة أجاز\nللرسول - ﷺ - أن يؤخر التبليغ لما أوحي إليه من قرآن أو غيره إلى وقت الحاجة إليه.\nومن منع جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة:\nقال: لا يجوز للرسول - ﷺ - أن يؤخر التبليغ - وستأتي هذه المسألة.\n٢ - إذا عثر الفقيه على عموم القرآن، ثم عثر على خبر واحد\nيرفع بعض ذلك العموم، وعرف أن الآية متقدمة على الخبر، فهل\nيكون الخبر نسخًا للآية أو تخصيصا مثل: قوله تعالى:\n(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى)\nفإنها نزلت في غزوة بدر، وقال النبي - ﷺ - في غزوة حنين: \" من قتل قتيلًا فله سلبه \".\nفمن أجار تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة: قال\nبأن الخبر مخصص فيلزم الأخذ به.","vol":"3","page":1275},{"text":"ومن منع جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب: قال بأن الخبر\nيكون ناسخًا للآية، فلا يجوز الأخذ به، لأن خبر الواحد لا ينسخ\nالقرآن.\n***\nالمسألة التاسعة: هل يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت\nنزولها إلى وقت الحاجة إليها؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت نزولها\nإلى وقت الحاجة إليها.\nوهو مذهب الجمهور.\nوهو الحق، لما قلناه في المسألة السابقة وهو: جواز تأخير البيان\nمن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة مطلقا، حيث لا يترتب على\nفرض جوازه محال، وقد سبق بيانه.\nالمذهب الثاني: لا يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت نزولها إلى\nوقت الحاجة إليها، وهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه أمر بتبليغ كل الأحكام، والأمر المطلق\nيقتضي الفور، فيكون تأخير تبليغ الأحكام يؤدي إلى مخالفة الأمر\nبالتبليغ، ومخالفة الأمر لا يجوز، فيكون تأخير التبليغ غير جائز.","vol":"3","page":1276},{"text":"جوابه:\nنسلم لكم أن الأمر يقتضي الفور، ولكن توجد قرينة صرفته من\nإفادته للفور إلى كونه مفيدًا للتراخي، وهي: العقل؛ حيث إن\nالعقل دلَّ على جواز تأخير تبليغ الأحكام إلى وقت الحاجة؛ حيث\nلا يترتب على فرض جواز تأخيره ولا وقوعه محال؛ لأن كل ما في\nالأمر هو: جهل المكلَّف بما كُلِّف به مدة من الزمن، وهذا ليس\nبمحال، ولا يؤدي إلى المحال، فهو جائز.\nالمذهب الثالث: لا يجوز تأخير تبليغ القرآن، أما السُّنَّة فيجوز\nتأخير تبليغها، وهو مذهب فخر الدين الرازي، والآمدي.\nدليل هذا المذهب:\nإن القرآن هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل على الرسول - ﷺ -.\nجوابه:\nأنا لا نسلِّم التفريق بين القرآن والسُّنَّة؛ لأن كلًّا من القرآن\nوالسُّنَّة يطلق عليهما بأنهما منزلان، وعلى هذا فإذا كان القرآن يجب\nتبليغه فورًا، فكذلك بقية الأحكام الواردة في السُّنَّة؛ إذ لا فرق.\nوإذا وجب التبليغ لي جميع الأحكام فورًا، فإن هذا يكون إذا ورد\nالأمر مطلقًا، ولكن العقل هو الذي قيده؛ حيث دلَّ العقل على\nجواز تأخير التبليغ - كما قلنا سابقًا -.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ لأن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في\nالمسألة السابقة: فمن أجاز هناك تأخير البيان عن وقت الخطاب،\nأجاز هنا، ومن منع: منع هنا.","vol":"3","page":1277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>الفصل العاشر في حروف المعاني</span>\nوهي حروف يحتاج إليها؛ لأن معرفتها مهمة لسلامة استنباط\nالأحكام الشرعية من الأدلة؛ حيث إن كثيرًا من مسائل الفقه يتوقف\nفهمها على فهم معنى الحرف ومدلوله.\nوهذه الحروف التي سنذكرها ليست كلها من قبيل الحروف، بل\nبعضها من قبيل الأسماء والظروف، لكن أطلقوا عليها حروف المعاني\nتغليبًا، أو تشبيهًا لها بالحروف في البناء وعدم الاستقلال، وحروف\nالمعاني كثيرة، ولكني سأذكر ما تمس الحاجة إليه، وما وقع في تفسيرها\nبعض الخلاف في الباحث التالية:\nالمبحث الأول: في \" الواو \".\nالمبحث الثاني: في \" الفاء \".\nالمبحث الثالث: في \" ثم \".\nالمبحث الرابع: في \" أو \".\nالمبحث الخامس: \" في الباء \".\nالمبحث السادس: \" في \" اللام \".\nالمبحث السابع: في \" في \"\nالمبحث الثامن: في \" مِنْ \".","vol":"3","page":1279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المبحث الأول\nفي \" الواو </span>\"\nحرف الواو تأتي للمعاني التالية:\nأولًا: أنها تأتي عاطفة:\nواتفق على أنها تفيد الجمع.\nولكن اختلف العلماء هل تفيد الترتيب والمعية مع كونها تفيد\nالجمع على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنها لمطلق الجمع من غير إشعار بخصوصية المعية\nأو الترتيب، أي: أن الواو تدل على جمع المعطوف والمعطوف عليه\nفي حكم واحد من غير ملاحظة حصولهما معا، أو أن أحدهما قبل\nالآخر، فإذا وجد ترتيب أو معية، فإنما هو من خارج دلالة الواو.\nوهو مذهب أكثر أهل اللغة، وأكثر علماء الشريعة.\nوهو الحق، للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن أهل اللغة يستعملون الواو في أبنية يمتنع فيها\nالترتيب مثل قولهم: \" تقاتل زيد وعمرو \"، فلو كانت للترتيب لما\nحسن هذا؛ حيث لا ترتيب فيه؛ حيث إن المفاعلة إنما تصح عند\nصدور الفعلين دفعة واحدة، وكذلك قولهم: \" جاء زيد وعمرو\nقجله \"، فلو كانت \" الواو \" للترتيب: للزم التناقض؛ لأن قوله:\n\"قبله \" يقتضي تقديم مجيء عمرو، والواو تقتضي تأخيره، وإذا","vol":"3","page":1281},{"text":"استعملوه فيما يمتنع فيه الترتيب وجب أن يكون حقيقة في غير\nالترتيب؛ لأنها الأصل في الإطلاق، وإذا كان حقيقة في غير الترتيب:\nوجب أن لا يكون حقيقة في الترتيب؛ دفعا للاشتراك.\nالدليل الثاني: قوله ﵊: \" لا تقولوا ما شاء\nالله وشاء فلان قولوا: ما شاء اللَّه ثم شاء فلان \"، فلو كانت الواو\nللترتيب لما نهاه عن العطف بها، وأمرهم أن يأتوا بلفظ \" ثم \"،\nوهذا بدل على أن الواو لمطلق الجمع.\nالدليل الثالث: الاستقراء دلَّ على أن الواو لمطلق الجمع، بيانه:\nأنه بعد الاستقراء وتتبع كلام العرب والقرآن والسُّنَّة وجدنا أنها لا\nتأتي للمعية، ولا للترتيب، من ذلك قوله تعالى:\n(وادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة)، وقوله:\n(وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدًا)، فإن هاتين الآيتين وردتا في سورة واحدة وفي قصة واحدة فلو كانت الواو للترتيب لوقع تناقض بين الآيتين؛ لما فيه من جعل المتقدم متأخرًا، والمتأخر متقدما.\nالدليل الرابع: أنه احتج المبرد بقول حسان بن ثابت:\nوما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا ترام ومفخر\nبها ليل منهم جعفر وابن أمه ... . علي ومنهم أحمد المتخير\nفلو كانت الواو للترتيب لما قدم جعفر وعليا على النبي - ﷺ -.\nالدليل الخامس: قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)","vol":"3","page":1282},{"text":"فقدم عيسى على أيوب ويونس، ومعلوم أنهما كانا قبله، وكذلك\nقدم سليمان على داود، وقد أوحي إليه قبله، فلو كانت الواو\nللترتيب لما كان هذا.\nالدليل السادس: أنه لو قال: \" رأيت زيدًا وعمرًا \"، فإنه يسبق\nإلى الفهم السامع أنه رآهما معا، ولا يسبق إلى الفهم أنه رأى زيدًا\nقبل عمرو، وسبق الفهم يدل على الحقيقة، إذن الواو لا تكون\nللترتيب حقيقة.\nالدليل السابع: أن أهل اللغة قد فرقوا بين قولنا: \" جاء زيد\nوعمرو \"، وقولنا: \" جاء زيد ثم عمرو \"، فلو كانت الواو\nللترتيب لما كان بينهما فرق.\nالمذهب الثاني: أنها للجمع بقيد الترتيب، فإذا قال: \" جاء زيد\nوعمرو \" دلَّ على أن مجيء زيد قبل مجيء عمرو، وهو مذهب\nبعض أهل اللغة، وبعض الشافعية والحنفية والحنابلة.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن النبي - ﷺ - لما خرج إلى السعي قرأ قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله)، ثم قال: \" ونبدأ بما بدأ الله\nبه \"، فرتب النبي - ﷺ - الفعل على ما اقتضاه اللفظ، وهذا يدل على أن الواو للترتيب.\nجوابه:\nإنه على تقدير صحة الحديث: فإن الجواب واضح؛ إذ لو كانت\nالواو للترتيب لفهم الصحابة مدلولها، ولما احتاجوا إلى سؤال النبي\n- ﷺ -، حيث إن النبي - ﷺ - لم يقل ما قاله إلا بعد سؤال سائل.","vol":"3","page":1283},{"text":"الدليل الثاني: أنه لما قال سُحيم عبد بني الحسحاس:\nعميرة ودع إن تجهزت غازيًا ... كفى الشبيب والإسلام ناهيا\nقال له عمر بن الخطاب - ﵁ -: لو قدمت الإسلام\nعلى الشبيب لأجزتك.\nوجه الدلالة: أنه لو لم تكن الواو للترتيب لما أنكر عمر ذلك -\nوهو من أهل اللسان - فدل ذلك على أن الواو للترتيب.\nجوابه:\nإن هذا الإنكار إنما كان على وجه الأدب في تقديم الأهم في\nالذكر، لا لأن الواو تقتضي الترتيب؛ جمعا بين الأدلة.\nالمذهب الئالث: أنها للجمع بقيد المعية، وهو مذهب بعض\nالمالكية والحنابلة.\nدليل هذا المذهب: الوقوع؛ حيث وقع أن \" الواو \" قد جاءت\nبمعنى \" مع \" في كلام العرب، من ذلك قول أبي الأسود الدؤلي:\nلا تنه عن خلق وتأتي بمثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\nوقوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) .\nفإن الواو - هنا - قد استعملت بمعنى \" مع \"، والاستعمال دليل\nالحقيقة.\nجوابه:\nإن استعمال \" الواو \" في غير المعية أكثر، والكثرة يرجح بها،\nفتكون \" الواو \" لغير المعية، ولا تستعمل للمعية إلا بقرينة، وقد\nحصل هنا، فقد استعملت للمعية بقرينة، ولا نزاع عند دلالة\nالقرينة.","vol":"3","page":1284},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث تأثر بهذا الخلاف كثير من مسائل الفقه،\nومنها: أنه لو قال لزوجته: \" إن دخلت الدار وكلمت زيدًا فأنت\nطالق \".\nفيلزم على المذهب الأول: أنه لا يقع الطلاق حتى تدخل وتكلم،\nولا فرق في أيهما المقدم؛ لأن الواو لمطلق الجمع، وهو مذهب\nالشافعية والحنابلة، وهو الصحيح.\nويلزم على المذهب الثاني: أنها لا تطلق إلا إذا قدمت الدخول\nعلى الكلام؛ لأن الواو للترتيب.\nويلزم على المذهب الثالث أنها لا تطلق إلا إذا كانت تكلم زيدًا\nأثناء دخولها؛ لأن الواو للمعية.\nثانيا: أن الواو تأتي بمعنى \" مع \"، وتسمى؛ واو المفعول معه\nمثل: \" سرت والليل \"، ويكون ما بعدها منصوبا.\nثالثا: تأتي الواو بمعنى \" أو \" كقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)، وقوله: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع)\nرابعا: تأتي \" الواو \" للاستئناف، كقوله تعالى: (ثم قضى أجلًا وأجل مسمى عنده)، وقوله: (هل تعلم له سميا ويقول الإنسان)،\nوقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به)، وقد سبق بيانه في المحكم والمتشابه.\nخامسا: تأتي الواو بمعنى \" رب \" كقول الشاعر: جران العود:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس","vol":"3","page":1285},{"text":"أي: رب بلدة.\nسادسا: تأتي الواو للقسم مثل قوله تعالى: (والفجر وليال عشر) .\nسابعا: تأتي الواو بمعنى الحال مثل: \" جاء زيد وهو يضحك،.\nثامنًا: تأتي الواو بمعنى \" إذْ \" مثل قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا) إلى قوله: (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم)\nأي: إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم.\nوالواو عند التجرد تكون للعطف المتضمن مطلق الجمع كما قلنا\nفي الأول، ولا تستعمل في غير ذلك من المعاني إلا بقرينة.","vol":"3","page":1286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>المبحث الثاني حرف \" الفاء </span>\"\nتأتي للمعاني التالية:\nأولًا: أنها تأتي عاطفة، واختلف في كونها للترتيب والتعقيب\nعلى مذاهب:\nالمذهب الأول: أنها تأتي للترتيب، والتعقيب، وهو مذهب\nجمهور العلماء.\nوهو الحق؛ حيث إن \" الفاء \" تفيد أن ما بعدها ثبت له الحكم\nبعد ثبوته لما قبلها من غير مهلة، فإذا قلت: \" جاء زيد فعمرو \":\nأفاد هذا أن عمرًا ثبت له المجيء بعد زيد من غير تراخ بينهما في\nالزمن.\nوالترتيب إما أن يكون في الزمان مثل: قوله تعالى: (خلقك فسواك)، وقولك: \" ضربته فهلك \".\nوإما أن يكون الترتيب في الذكر، وهو عطف مفصل على مجمل\nكقوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)،\nوقوله: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)،\nوقوله: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ)، وكقولك: \" أعطى\nفأجزل \"، وقولك: \" خطب فأحسن \"، وهذا الوقوع دليل على\nأنها للترتيب.","vol":"3","page":1287},{"text":"وأما الدليل على أنها للتعقيب فهو وقوعها في جواب الشرط مثل\nقولك.: \" إن دخلت الدار فأنت طالق \" فالجواب - وهو الطلاق -\nيلي الشرط عقبه بلا مهلة.\nالمذهب الثاني: أن \" الفاء \" لا تدل على الترتيب.\nوهو محكي عن الفراء.\nدليل هذا المذهب:\nقوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) .\nوجه الدلالة: أن مجيء الباس إنما يكون قبل الهلاك، فهذا يدل\nعلى أن \" الفاء \" تأتي وهي لا تدل على الترتيب، وكذلك قوله\nتعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) .\nجوابه:\nإن في الكلام حذفًا تقديره: \" أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا \"،\nومثله الآية الأخرى، ولا شك أن إرادة الإهلاك سابقة على مجيء\nالبأس، ولا شك أن إرادة قراءة القرآن سابقة على قراءته، فتكون\nالفاء في النصين على أصلها من الترتيب والتعقيب.\nالمذهب الثالث: أن الفاء لا تدل على التعقيب.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nقوله تعالى: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ) .","vol":"3","page":1288},{"text":"وجه الدلالة: أن افتراء الكذب يكون في الدنيا، والإسحات\nبالعذاب أي: الاستئصال به يكون في الآخرة، وبينهما تراخ في\nالزمن، إذن: \" الفاء \" لا تكون للتعقيب.\nجوابه:\nإن الفاء في هذه الآية للتعقيب، وقد حصل لهم ذلك الإسحات\nفي الدنيا، بيان ذلك: لا تختلفوا على الله كذبا فيستأصلكم\nويهلككم هلاكا لا بقية فيه، فالافتراء والعذاب كلاهما في الدنيا؛\nلأن الاستئصال لا يكون في الآخرة، فتعقيب الافتراء بالاستئصال\nمتحقق في الدنيا مباشرة لمن لم يرجع منهم عن غيه، وقد حصل\nذلك لفرعون وقومه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث أثر ذلك في بعض الفروع الفقهية ومنها:\n١ - هل تجب استتابة المرتد؟\nيلزم على المذهب الأول - وهو: أن الفاء للترتيب والتعقيب -:\nأنه لا تجب استتابة المرتد؛ لقوله - ﷺ -:\n\"من بدل دينه فاقتلوه \"،\nفالفاء - هنا - للتعقيب بلا مهلة، وهي تقتضي الترتيب باتصال.\nويلزم على المذهب الثالث - وهو: أن الفاء لا تدل على\nالتعقيب -: أنه تجب الاستتابة؛ لأن الفاء ليست للتعقيب.\n٢ - لو قال: \" إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى\nفأنت طالق \"، فإنه يلزم على المذهب الأول: أنها لا تطلق حتى\nتدخل الدار الأولى قبل الثانية، فلو عكست لم تطلق؛ لأن الفاء\nللترتيب.","vol":"3","page":1289},{"text":"ويلزم على المذهب الثاني: أنها تطلق إذا دخلت الدار الثانية قبل\nالأولى؛ لأن الفاء ليست للترتيب.\nثانيا: وتأتي \" الفاء \" بمعنى \" الواو \" مثل قول امرئ القيس:\nبسقط اللوى بين الدخول فحومل\nو\" الفاء \" عند التجرد تستعمل حقيقة في العطف والترتيب\nوالتعقيب، ولا تستعمل في غيره إلا بقرينة.","vol":"3","page":1290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المبحث الثالث حرف \" ثُمَّ \" بضم الثاء وفتح الميم مع تشديدها</span>\nوهي تفيد التشريك في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه،\nوالترتيب بينهما بمهملة وتراخ فتقول: \" جاء زيد ثم عمرو \"، فأفاد\nهذا: اشتراك زيد وعمرو في المجيء، والترتيب بحيث كان مجيء\nعمرو بعد مجيء زيد، ومجيء عمر يكون متأخرًا عن مجيء زيد.\nوالدليل على أنها للتشريك، والترتيب بمهملة: الاستقراء والتتبع\nلكلام العرب، والنقل والاستعمال، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)، وقوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) .\nقال بعض العلماء: إنها لا تكون للترتيب، بدليل ورودها في\nبعض النصوص وهي لا تفيده، كقوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها)، حيث إن الجعل قبل خلقنا، وكقول\nأبي نواس:\nإن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده\nجوابه:\nإن هذا ورد مجازًا بقرينة السياق.\nوقال فريق آخر من العلماء: إنها لا تكون للمهلة بين المعطوفين\n- وحكي عن الفراء - بدليل قولك: \" أعجبني ما صنعت اليوم ثم\nما صنعت أمس أعجب \"، وكقول أبي داود جارية بن الحجاج:","vol":"3","page":1291},{"text":"كهز الرديني تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب\nفالاضطراب يأتي بعد الهز مباشرة بدون تراخ.\nجوابه:\nإن هذا خارج عن القاعدة، وهو مجاز.\nوالحق هو ما قلناه وهو أن \" ثم \" العاطفة للتشريك، والترتيب\nبمهلة، ويبنى على ذلك أحكامًا شرعية منها:\n١ - إذا قال: \" أنت طالق ثم طالق ثم طالق \"، فإنها تقع\nواحدة.\nولا يقع ما بعدها؛ لأنها بانت بالأولى، فلا تصادف الثانية\nوالثالثة محلًا؛ حيث إن \" ثم \" للترتيب، وهذا بخلاف \" الواو \".\n٢ - إذا قال: \" وقفت على أولادي ثم على أولادهم \"، فإنه لا\nيستحق أحد من البطن الثاني مع وجود أحد من البطن الأول.\n٣ - أنه يشترط الترتيب في أعضاء التيمم؛ حيث ورد في صفته:\n\" ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله - على الكفين -\nثم مسح وجهه \".","vol":"3","page":1292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المبحث الرابع حرف \" أوْ \" - بفتح الهمزة وتسكين الواو </span>-\nوهي تفيد أحد الشيئين أو الأشياء.\nوهي تقع بين اسمين كقولك: \" جاء زيد أو عمرو \"، وبين\nفعلين كقولك: \" خط الثوب أو ابن الجدار \".\nوإذا وردت في الإنشاء كالمثال السابق ففيه تفصيل:\nإن كان أمرًا: أفادت التخيير بينهما، وتحافظ على أصلها فتكون\nلأحد الشيئين أو الأشياء.\nوإن كان نهيا أو نفيا: أفادت العموم، وأفادت حظر كل واحد\nمنهما منفردًا، وحظرهما مجتمعين قولك: دالا تكلم زيدًا أو عمرًا،.\nوما قلناه - وهو أنها لأحد الشيئين أو الأشياء - هو الأصل في\nاستعمالها، وقد تستعمل لغير ذلك، ولكن بقرينة، وإليك بيان\nالمعاني التي تستعمل فيه \" أو \".\nأولًا: أنها تأتي للشك، وهي المختصة بالخبر كقولك: \" جاء\nزيد أو عمرو \"، ومنه قوله تعالى: (لبثنا يوما أو بعض يوم)،\nوهذا مذهب جمهور العلماء، ودليلهم: الاستقراء لكلام العرب.\nوحالف في ذلك كثير من الحنفية مستدلين بأن الكلام موضوع\nلإفهام السامع، وهو منتف في الشك.","vol":"3","page":1293},{"text":"جوابه:\nإن هذا التعليل لا يدفع مجيئها للشك، لأن الشك - أيضا -\nمعنى يقصد إفهامه بأن \" يخبر المتكلمُ المخاطب بأنه شاك في تعيين أحد\nالأمرين.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق الفريقين على أن \" أو \" في أصل\nالوضع لأحد الشيئين، ولاتفاقهم على أنه لو قال: \" رأيت زيدًا أو\nعمرًا \" أنه أخبر عن رؤية أحدهما، وأنه غير معين، وذلك يقتضي\nالشك، ولا يخرجها عن كونها لأحد الشيئين، وإذا كان المعنى\nمتفقا عليه، فلا خلاف حقيقي.\nثانيا: أنها تأتي للإباحة كقولك: \" جالس العلماء أو الأدباء \".\nثالثا: أنها تأتي للتخيير، وهي التي يمتنع فيه الجمع مثل:\n\"تزوج هندًا أو أختها \".\nأما الإباحة فيجوز الجمع بينهما.\nرابعا: أنها تأتي للإبهام، كقولك: \" قام زيد أو عمرو \" إذا\nكنت تعلم من هو القائم منهما، ولكن قصدت الإبهام على\nالمخاطب.\nوبهذا تعرف الفرق بين ذلك وبين الشك؛ حيث إن الشك لا\nيعلمه المتكلم والسامع، أما الإبهام فيعلمه المتكلم دون السامع.\nخامسا: أنها تأتي بمعنى \" الواو \"، فتكون لمطلق الجمع، ومنه\nقوله تعالى: (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ)،\nوقول الشاعر توبة الحميري مخاطبا ليلى الأخيلية:","vol":"3","page":1294},{"text":"وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها\nسادسًا: أنها تأتي للإضراب مثل \" بل \"، ومنه قوله تعالى:\n(وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) أي: بل يزيدون.\nسابعا: أنها تأتي بمعنى \" إلا \"، كقولك: \" لأقتلن الكافر أو\nيسلم \" أي: إلا أن يسلم.\nثامنًا: أنها تأتي بمعنى \" إلى \" كقولك: \" لألزمنك أو تقضيني حقي \".\nتاسعا: أنها تأتي للتفريق بين الأشياء والتقسيم بينها، كقولهم:\n\" الكلمة اسم، أو فعل، أو حرف \".\nعاشرًا: أنها تأتي بمعنى \" إن \" الشرطية، كقولك: \" لأضربنه\nعاش أو مات \".\nوهذه المعاني لا تفهم إلا بقرائن، والأصل هو المعنى الأول -\nوهو: أنها تفيد أحد الشيئين أو الأشياء، فإن كانت في أمر أفادت\nالتخيير بينهما، وإن كانت في نهي أفادت العموم وحظر كل واحد\nمنهما منفردًا أو هما معًا مجتمعين، وقد بني على ذلك بعض\nالأحكام الشرعية ومنها:\n١ - لو قال في النفي: \" واللهِ لا أكلم زيدًا أو عمرًا \"، فلو كلم\nواحدًا منهما أو كلمهما معًا: حنث.\n٢ - لو قال في الإثبات: \" واللهِ لأدخلن هذه أو هذه الدار \":\nبرَّ بدخول إحدى الدارين.\n٣ - لو قال: \" بع هذا أو هذا \"، فإن هذه وكالة صحيحة،\nوهي بمنزلة ما لو قال له: \" بع أحدهما \".","vol":"3","page":1295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>المبحث الخامس حرف \" الباء </span>\"\nتأتي لمعان هي كما يلي:\nأولًا: أنها تأتي للإلصاق، وهو: إضافة الفعل إلى الاسم،\nفيلصق به بعد ما كان لا يضاف إليه لولا دخولها مثل: \" مسحت\nبرأسي \"، وهو قسمان:\nالأول: إلصاق حقيقي كالمثال السابق، وقولنا: \" أمسكت بالقلم \".\nالثاني: إلصاق مجازي مثل: \" مررت بزيد \" حيث إن المرور لم\nيلصق به، وإنما ألصق بمكان بقرب من زيد.\nواستعمالها للإلصاق هو الحقيقة.\nثانيا: أنها تأتي بمعنى \" مِنْ \" التي للتبعيض، ومنه قول الشاعر\nأبي ذؤيب الهذلي:\nشَرِبتْ بماء البحر ثم ترفَّعَتْ ... مني لجج خضر لهن نشيج\nأي: بعض ماء البحر، ووروده في لغة العرب دليل على جواز\nذلك.\nوورودها هنا للتبعيض يرد على قول ابن جني: إن \" الباء \" لا\nتكون للتبعيض في لغة العرب.\nثالثا: أنها تأتي بمعنى الاستعانة، وهي: الداخلة على ألة الفعل\nمثل: \" قطعت بالسكين \"، و\" وصلت إليك بالسيارة \"، ومنه قوله\nتعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة)","vol":"3","page":1296},{"text":"رابعا: أنها تأتي بمعنى المصاحبة، وهي: التي يصلح في موضعها\n\" مع \" مثل قوله تعالى: (قد جاءكم الرسول بالحق) أي: مع\nالحق، وقولك: \" جاء زيد بسلاحه \"، و\" اشتريت الدار بمتاعه \".\nخامسا: أنها تأتي لتعدية الفعل اللازم وتسمى باء النقل، وهي:\nالقائمة مقام الهمزة في تصيير الفاعل مفعولًا مثل: قوله تعالى:\n(ذهب اللَّه بنورهم) أي: ذهب نورهم.\nسادسا: أنها تأتي بمعنى البدل مثل قوله - ﷺ -:\n\" لقد شهدت في دار عبد اللَّه بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم \" أي: ما أحب أن يكون لي بديلًا عنه حمر النعم.\nسابعا: أنها تأتي بمعنى \" عن \" للمجاوزة، وتكثر بعد السؤال\nمثل: قوله تعالى: (فاسأل به خبيرًا)، وقوله: (ويوم تشقق الأرض بالغمام) .\nثامنا: أنها تأتي للقسم مثل: \" بالله لأقومن \".\nتاسعا: أنها تأتي بمعنى \" إلى \" مثل: (وقد أحسن بي) أي: إلي.\nعاشرًا: أنها تأتي للتوكيد، وتقترن إما مع المبتدأ كقولك:\n\"بحسبك درهم \"، أو مع الخبر كقوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده)،\nأو مع المفعول كقوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)، وبعضهم يسميها: \" باء الزائدة \"، وهذا لا يجوز.\nحادي عشر: أنها تأتي بمعنى \" على \" مثل قوله تعالى:\n(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) أي: على قنطار، وعلى دينار.","vol":"3","page":1297},{"text":"ثاني عشر: أنها تأتي بمعنى \" في \" الظرفية الزمانية مثل قوله\nتعالى: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل) أي: وفي\nالليل، والليل زمان.\nثالث عشر: أنها تأتي بمعنى \" في \" الظرفية المكانية مثل قوله\nتعالى: (ولقد نصركم اللَّه ببدر) أي: في بدر.\nرابع عشر: أنها تأتي بمعنى السبب مثل قوله تعالى: (فكلًا أخذنا بذنبه)،\nوقوله: (ولم أكن بدعائك رب شقيا) .\nو\" الباء \" عند التجرد تستعمل للإلصاق حقيقة، ولا تستعمل في\nغيره من المعاني التي ذكرناها إلا بقرينة.","vol":"3","page":1298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>المبحث السادس\nحرف \" اللام \" الجارة</span>\nوتأتي لمعان هي كما يلي:\nأولًا: أنها تأتي للاختصاص مثل قولك: \" المال لزيد \"،\nو\"الباب للمسجد \".\nوتستعمل اللام للاختصاص حقيقة، ولا تستعمل لأي معنى من\nالمعاني الآتية إلا بقرينة، وهو قول كثير من علماء اللغة كابن يعيش\nوابن الخشاب.\nوبعض العلماء - كالجرجاني - جعلها للملك، ومتى ما\nاستعملت في غيره فبقرينة.\nوهذا ليس بصحيح، بل هي حقيقة للاختصاص - كما قلنا -؛\nلأمرين:\nالأول: أن الاختصاص معنى عام لجميع موارد استعمالها، وبأي\nمعنى استعملت لا تخلو منه.\nالثاني: أن الملك اختصاص، وليس كل اختصاص ملكا، أي:\nأن كل مالك مختص بملكه.\nثانيًا: أنها تأتي للملك مثل:. \" هذا المال لزيد \".\nثالثا: أنها تأتي للاستحقاق مثل: \" النار للكافرين \".\nوالفرق بين \" الاختصاص \" و\" الاستحقاق \" و\" الملك \": أن ما","vol":"3","page":1299},{"text":"صح أن يقع فيه التملك، وأضيف إليه ما ليس بمملوك له، فاللام\nمعه: لام الاختصاص مثل: \" الباب للمسجد \"، أما ما لا يصح له\nالتملك فاللام معه لام الاستحقاق مثل: \" النار للكافرين \"، أما\nما عدا ذلك فاللام: لام الملك.\nرابعًا: أنها تأتي للتعدية مثل قوله تعالى: (فهب لي من لدنك وليًا)،\nوقولك: (ما أضرب زيدًا لعمرو) .\nخامسا: أنها تأتي للصيرورة مثل قوله تعالى:\n(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)،\nوهذا عند البصريين، أما الكوفيون فيسمونها بلام \" كي \".\nسادسًا: أنها تأتي بمعنى التعليل مثل قوله تعالى:\n(لئلا يكون للناس على الله حجة)، وقوله: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) .\nوالفرق بين لام الصيرورة، ولام التعليل: أن لام التعليل تدخل\nعلى ما هو غرض لفاعل الفعل، ويكون مرتبا على الفعل، بخلاف\nلام الصيرورة فليس فيها إلا الترتيب.\nسابعًا: أنها تأتي بمعنى \" في \" مثل قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) أي: في يوم القيامة.\nثامنًا: أنها تأتي بمعنى \" من \": لقولك: \" سمعت له صراخا \"\nأي: منه.\nتاسعًا: أنها تأتي بمعنى \" على \" كقوله تعالى: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) أي: على الأذقان، وقوله - ﷺ -: لعائشة لما أرادت شراء\nبريرة فتعتقها: \" خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لن أعتق \"\nأي: اشترطي عليهم.","vol":"3","page":1300},{"text":"عاشرًا: أنها تأتي بمعنى التمليك مثل قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء)،\nوقولك: \" وهبت لزيد دينارًا \" أي: ملكت الصدقات الفقراء، وملكت الدينار زيدًا.\nحادي عشر: أنها تأتي بمعنى \" إلى \" مثل قوله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)\nأي: إليها.\nثاني عشر: أنها تأتي بمعنى: \" عند \" الزمانية مثل قوله تعالى:\n(أقم الصلاة لدلوك الشمس)، وقوله - ﷺ -:\n\"صوموا لرؤيته وأفطر والرؤيته \".","vol":"3","page":1301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>المبحث السابع في حرف \" في </span>\"\nتأتي للمعاني التالية:\nأولًا: أنها تأتي ظرفية مكانية كقولك: \" تعلمت في الكلية \"،\nوتأتي زمانية كقولك: \" زرتك في الصباح \".\nثانية: أنها تأتي بمعنى \" على \" التي هي للاستعلاء مثل قوله\nتعالى: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) .\nثالثًا: أنها تأتي للسببية والتعليل كقوله - ﷺ -:\n\"دخلت امرأة في هرة\".\nرابعا: أنها تأتي بمعنى \" إلى \"، ومنه قوله تعالى: (فردوا أيديهم في أفواههم)\nأي: إليها.\nخامسًا: أنها تأتي مؤكدة - وهي التي يفيد الكلام بدونها -\nكقوله تعالى: (وقال اركبوا فيها) أي: اركبوها.\nسادسًا: أنها تأتي بمعنى \" مع \"، كقوله تعالى: (ادخلوا في أمم قد خلت)\nأي: ادخلوا مع أمم.\nوأنكر بعض العلماء - كالبيضاوي - استعمال \"في \" لغير الظرفية.\nوالحق: أن \" في \" تستعمل حقيقة في الظرفية، ولا تستعمل في\nغيرها إلا مجازًا.","vol":"3","page":1302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المبحث الثامن في حرف \" مِنْ </span>\"\nترد لمعان هي كما يلي:\nأولًا.: أنها ترد لابتداء الغاية في المكان وفى الزمان، فمثال المكان:\nقولك: \" لك من الأرض من هذا إلى هذا \"، ومنه قوله تعالى:\n(سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام)، ومثال الزمان\nقولك: \" الامتحان يكون من السبت \"،\nومنه قوله تعالى: (ومن الليل فتهجد) .\nثانيًا: أنها ترد للتبعيض، وهي التي يكون منها لفظ \" بعض \"\nمثل: \" كل من هذا الطعام \"، و\" خذ من هذه الدراهم \".\nثالثًا: أنها ترد لتبيين الجنس، مثل: \" مشيت ميلًا من الأرض \"\nو\" أكلت شيئًا من الطعام \"، ومنه قوله تعالى:\n(فاجتنوا الرجس من الأوثان)، وقوله - ﷺ -:\n\"التمس ولو خاتمًا من حديد \".\nواختلف العلماء في \" من \" هل هي حقيقة في ابتداء الغاية،\nوالتبعيض والتبيين، أو هي حقيقة في البعض دون البعض الآخر؟\nعلى مذاهب ثلاثة: أصحها: أن \" من \" حقيقة في ابتداء الغاية؛\nلكثرة استعمالها فيه، والكثرة يُرجح بها، وعلى ذلك فلا تستعمل\nفي غير ابتداء الغاية من المعاني إلا مجازًا، فتحتاج إلى قرينة.\nرابعًا: أنها تأتي لتأكيد العموم - وهي الداخلة على نكرة لا\nتختص بالنفي، فمثلًا لو قال. \"ما جاءني رجل \" لاحتمل أن\nيكون قد نفى أنه جاءه رجل واحد.","vol":"3","page":1303},{"text":"ولكنه لم ينف أنه جاءه رجلان، بل يستطيع أن يقول: \" بل\nرجلان \"، لكن إذا وضعت \" من \" قبل لفظ \" رجل \"، وقال.:\n\"ما جاءني من رجل \" لا يمكن ذلك، وسيأتي ذلك - في باب العموم\nإن شاء اللَّه.\nخامسًا: أنها تأتي بمعنى \" على \"، ومنه قوله تعالى:\n(وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أفي: على القوم.\nسادسًا: أنها تأتي بمعنى \" الباء \"، ومنه قوله تعالى:\n(ينظرون من طرف خفي) أي: بطرف.\nثامنًا: أنها تأتي بمعنى البدل كقوله تعالى:\n(وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) أي: بدلكم.\nتاسعًا: أنها تأتي بمعنى \" في \" كقوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)\nأي: في الأرض.\nعاشرًا: أنها تأتي - بمعنى \" عند \" كقوله تعالى:\n(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي: عند اللَّه.\nحادي عشر: أنها تأتي للتعليك مثل قوله تعالى:\n(يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ)\nأي: لأجل الصواعق.","vol":"3","page":1304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الفصل الحادي عشر في الأوامر والنواهي</span>\nويشتمل على تمهيد، ومبحثين:\nأما التمهيد: فهو في بيان أهمية الأمر والنهي، وسبب تقديم الأمر.\nأما المبحثان فهما:\nالمبحث الأول: في الأمر.\nالمبحث الثاني: في النهي.","vol":"3","page":1305},{"text":"التمهيد في بيان أهمية الأمر والنهي، وسبب تقديم الأمر على النهي\nإن الأمر والنهي من أهم مباحث أصول الفقه؛ لأمرين:\nأولهما: أنهما أساس التكليف في توجيه الخطاب إلى المكلفين.\nثانيهما: أن معرفتهما تؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية بتفاصيلها\nوبها يتميز الحلال من الحرام.\nأما سبب تقديم الأمر على النهي فهو: أن الأمر: طلب إيجاد\nالفعل، أما النهي فهو: طلب الاستمرار على عدم الفعل، فقدم\nالإيجاد على العدم.","vol":"3","page":1307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>المبحث الأول في الأمر</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في تعريف الأمر.\nالمطلب الثاني: هل تشترط إرادة الآمر المأمور به؟\nالمطلب الثالث: هل للأمر صيغة موضوعة في اللغة؟\nالمطلب الرابع: هل الأمر حقيقة في الفعل؟\nالمطلب الخامس: فيما تستعمل فيه صيغة الأمر وهي: \" افعل \".\nالمطلب السادس: فيما تقتضيه صيغة الأمر - وهي: \" افعل \" -\nحقيقة إذا تجردت عن القرائن.\nالمطلب السابع: هل اقتضاء \" افعل \" للوجوب ثبت عن طريق\nالشرع أو اللغة؟\nالمطلب الثامن: بيان نوع القرينة التي تصرف الأمر من الوجوب إلى\nغيره.\nالمطلب التاسع: إذا ورد الأمر بعد النهي فماذا يقتضي؟\nالمطلب العاشر: الأمر المطلق هل يقتضي فعل الأمور به مرة أو التكرار؟","vol":"3","page":1309},{"text":"المطلب الحادي عشر: الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضى تكرار\nالأمور به بتكرار الشرط أو الصفة؟\nالمطلب الثاني عشر: إذا كرر لفظ الأمر بشيء واحد مثل: \" صل\nركعتين، صل ركعتين \"، فهل يقتضي التكرار؟\nالمطلب الثالث عشر: الأمر المطلق هل يقتضى فعل الأمور به على\nالفور أو لا؟\nالمطلب الرابع عشر: هل يسقط الواجب المؤقت بفوات وقته؟\nالمطلب الخامس عشر: امتثال الأمر هل يحصل به الإجزاء ويسقط\nالقضاء؟\nالمطلب السادص عشر: الأمر بالأمر بالشىء هل يكون أمرًا بذلك\nالشيء أو لا؟\nالمطلب السابع عشر: هل أمر النبي - ﷺ - المطلق أمر لأمته، وأمر الأمة هو أمر للنبى، وأمر واحد من الصحابة هو أمر لغيره؟\nالمطلب الثامن عشر: تعلق الأمر بالمعدوم.\nالمطلب التاسع عشر: هل يجوز الأمر من الله تعالى بما يعلم أن\nالمكلف لايتمكن من فعله؟","vol":"3","page":1310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>المطلب الأول في تعريف الأمر</span>\nالأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.\nبيان هذا التعريف:\nقوله: \" استدعاء \" أي: طلب، وهو جنس؛ حيث دخل فيه\nكل طلب سواء كان طلب فعل، أو طلب ترك، من المساوي، أو\nمن الأدنى، أو من الأعلى.\nقوله: \" استدعاء الفعل \" أخرج طلب الترك، وهو النهي.\nوقوله: \" بالقول \" أي: الصيغة، فخرج بذلك الإشارات\nوالرموز، وبعض الحركات، والفعل الذي يستدعي بغير قول، فإن\nهذه الأمور تسمى أمرًا مجازيا؛ لأن الطلب من لوازم الأمر\nالحقيقي، والصيغة من لوازم الطلب؛ بناء على أن الكلام حقيقة في\nالعبارات اللسانية، لا في المعاني النفسانية.\nوقوله: \" على وجه الاستعلاء \" معناه: أن يأتي الأمر متكيفا\nبكيفية الترفع على المأمور كأمر اللَّه للمخلوقين، وأمر السيد لعبيده،\nوأمر الأب لأولاده، وأمر السلطان لرعيته.\nفعبارة \" على جهة الاستعلاء \" أخرج طلب الفعل بالقول على\nجهة الدعاء والالتماس.\nوعلى هذا: فإنه يشترط في الأمر الاستعلاء - وهو: أن يجعل","vol":"3","page":1311},{"text":"الآمر نفسه في مرتبة أعلى رتبة من غيره، وإن لم يكن ذلك حاصلًا\nباعتبار الواقع.\nوهو مذهب بعض الشافعية كالآمدي، والرازي، وبعض المالكية\nكابن الحاجب، والباجي، والقرافي، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب،\nوابن قدامة، وبعض الحنفية كصدر الشريعة، وابن عبد الشكور.\nوهو الحق؛ لدليلين:\nأولهما: أن الرجل العظيم لو قال لغيره: \" افعل \" لا على سبيل\nالاستعلاء، بل على سبيل التضرع واللين، فإنه لا يقال: إنه أمر،\nولذلك نفى النبي - ﷺ - الأمر حينما قال لبريرة: \" ارجعي إلى زوجك.. \" فقالت: أتامرني يا رسول اللَّه؟\nقال: \" لا، إنما أنا شافع \"\nفهنا لم يكن ذلك القول أمرًا؛ لأنه صدر لا على سبيل الاستعلاء.\nثانيهما: أنه لو قال من هو أدنى رتبة لمن هو أعلى رتبة منه:\n\"افعل \" بصفة المستعلي، فانه يقال: \" إنه أمره \"، ولذلك يوصف\nهذا المستعلي بالجهل والحمق بسبب أمره، لمن هو أعلى منه.\nوهناك من اشترط في الأمر العلو - وهو: كون الأمر في نفسه\nأعلى رتبة ودرجة من المأمور، لذلك عرف الأمر بأنه: قول القائل\nلمن هو دونه: افعل.\nوهناك من لم يشترطهما - أي: لم يشترط في الأمر الاستعلاء\nولا العلو - لذلك عرف الأمر بأنه: القول الطالب للفعل مطلقا.\nوهناك من اشترطهما مع)، وقد فصلت ذلك في كتابي \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \".","vol":"3","page":1312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>المطلب الثاني هل تشتراط إرادة الآمر المأمور به</span>\nأي: هل تشترط إرادة فعل المأمور به والامتثال أو لا؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا تشترط إرادة الآمر المأمور به.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لذلك قلنا: إن الأمر\nهو: \" استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء \" مطلقا أي:\nسواء أراد الآمر إرادة المأمور به وامتثاله أو لا.\nوالأدلة على عدم اشتراط إرادة الآمر المأمور به هي كما يلي:\nالدليل الأول: أن اللَّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ابنه، ولم يرده؛\nلأنه لو أراده لوقع؛ لأن اللَّه تعالى فعال لما يريد.\nالاعتراضات التي وجهت إلى هذا الدليل والأجوبة عنها:\nالاعتراض الأول: أنه لم تثبت صيغة الأمر، فمن أين ثبت أن\nإبراهيم رأى في المنام صيغة الأمر؟\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن صيغة الأمر واضحة في النص، حيث قال\nتعالى: (يا أبت افعل ما تؤمر) .\nفإن قال قائل: إن الصيغة وهي: (افعل ما تؤمر) للمستقبل،","vol":"3","page":1313},{"text":"وهذا يعني أنه لم يؤمر حتى الآن، ولو أراد ذلك في الماضي لكان\nيقول: \" افعل ما أمرت \".\nفإنا نقول: إن فعل المضارع أحيانًا يأتي للماضي مثل قوله تعالى:\n(إني أراني أعصر خمرًا) أي: إني رأيت،، وهذا مثله، فالمراد:\nما أمرت به.\nالجواب الثاني: أن إبراهيم لو لم يؤمر لم يجز أن يأخذ ابنه،\nويضجعه للذبح؛ لأن ذلك حرام، فثبت أنه أمر وحيا في المنام.\nالاعتراض الثاني: أن إبراهيم لم يؤمر بالذبح الحقيقي، وإنما أمر\nبمقدماته من الاضطجاع والأخذ بالمدية، وقد فعل ذلك ووقع ما أراده\nالله تعالى.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن المأمور به الذبح، وحقيقة الذبح معروفة\nوهي: قطع مكان مخصوص معه تبطل الحياة.\nالجواب الثاني: أنه لو كان المأمور به: المقدمات - فقط -: لم\nيكن في ذلك بلاء مبين، ولا يحتاج فيه إلى الصبر؛ حيث قال\nتعالى: (إن هذا لهو البلاء المبين)، وقال: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) .\nالاعتراض الثالث: أنا نسلم أنه أمر بالذبح، وقد فعل وذبح،\nولكن اللَّه يلحم ما يشقه إبراهيم ويعيده كما كان، فوقع ما أمر الله\n-","vol":"3","page":1314},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه لو وقع الذبح، وكان يلتحم كما تقول: لما\nاحتاج إلى فداء؛ لأنه فعل المأمور به، ولا يجمع بين البدل والمبدل.\nالجواب الثاني: أنه - لو كان كما تقول لذكره اللَّه تعالى؛ لأنه من\nالآيات الباهرة.\nالاعتراض الرابع: أنه أمره بالذبح، ولكنه نهاه عنه.\nجوابه:\nهذا لا يجوز على قواعدكم - أيها المعتزلة -؛ لأن الأمر بالشيء\nيدل على حسن ذلك الشيء، ولا يجوز نهيه عن الحسن.\nالدليل - الثاني: أنه يحسن أن يقول الرجل لعبده: \" أمرتك بكذا\nولم أرده منك \"، ولو كان من شرط الأمر الإرادة لما حسن ذلك كما\nلا يحسن أن يقول الرجل لعبده: \" أردت منك كذا ولم أرده \"؛ لما\nفيه من التناقض.\nالدليل الثالث: أن العرب قد سموا من قال لعبده: \" افعل كذا \"\nآمرًا من قبل أن يعلموا إرادته، فلو كان من شرط الأمر الإرادة لم\nيجز للعرب أن يسموه بذلك إلا بعد علمهم لإرادته\nالمذهب الثاني: أنه تشترط إرادة الأمر المأمور به.\nوهو مذهب كثير من المعتزلة، لذلك عرفوا الأمر بأنه: إرادة\nالفعل بالقول على وجه الاستعلاء.","vol":"3","page":1315},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن صيغة الأمر ترد والمراد بها الأمر كقوله تعالى:\n(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) وترد والمراد بها الإباحة كقوله تعالى:\n(وإذا حللتم فاصطادوا) وترد والمراد بها التهديد كقوله تعالى:\n(اعملوا ما شئتم) وترد والمراد بها الهوان، كقوله تعالى: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) وترد والمراد بها غير ذلك من معاني \" افعل \"، ولا\nنميز الأمر من غير الأمر - مما تستعمل له صيغة افعل - إلا بالإرادة،\nفدل على أنها تشترط.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن الأمر يتميز عما ليس بأمر بالإرادة، وإنما الحق: أن\nالأمر يتميز عما ليس بأمر بالاستدعاء فقط، فإذا استدعى الآمر\nوطلب الفعل سمي آمرًا، سواء أراد وقوعه أو لم يرده.\nفأما بقية الصيغ - وهي الإباحة، والتهديد والهوان وغير ذلك -\nفلا يوجد فيه استدعاء، وعليه: فلا يكون أمرًا.\nالدليل الثاني: القياس، وبيانه:\nأن قول القائل: \" افعل كذا \" هو نفسه قول القائل: \" أريد منك\nكذا \"، ولا فرق بينهما عند العرب.\nجوابه: لا نُسَلِّمُ ذلك، بل بين العبارتين فرق من وجهين:\nالوجه الأول: إن قوله: \" أريد \" إخبار عن إرادته، وليس\nباستدعاء، ولهذا يدخله التصديق والتكذيب.\nأما قوله: \" افعل كذا \" استدعاء، ولهذا لا يدخله التصديق\nوالتكذيب.","vol":"3","page":1316},{"text":"الوجه الثانى: أن السيد لو قال لعبده: \" أريد منك كذا ولست\nأريده \" لأنكر ذلك، لكونه تناقضا وقبحًا، ولكنه لو قال لعبده:\n\"افعل كذا ولست أريده \" لا ينكر هذا.\nالدليل الثالث: قياس الأمر على النهي، بيان ذلك:\nأن النهي إنما يكون نهيًا لعلمنا أن الناهي يكرهه، فكذلك الأمر\nإنما يكون أمرًا لأن الآمر يريد المأمور به.\nجوابه:\nلا نسلم ما قلتموه في النهي؛ لأن النهي إنما كان نهيًا للزجر عن\nالفعل بالقول على وجه الاستعلاء، فكذلك الأمر إنما كان أمرًا\nلاستدعاء الفعل على وجه الاستعلاء.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لأن مآل كلام أصحاب المذهبين واحد؛\nحيث حصل الاتفاق على المعنى، فأصحاب المذهب الأول نظروا\nإلى السامع الذي يحمل كلام المتكلم على مراده، فيقول: مراد\nالمتكلم بصيغة الأمر: معناها الحقيقي، وهو طلب الفعل؛ نظرًا\nلعدم وجود صارف لهذا الأمر إلى غيره، ولو كان مراد المتكلم غيره\nلنصب قرينة تدل على ذلك، فكان إرادة غيره احتمالًا عقليا.\nوهذا هو معنى قول أصحاب المذهب الثاني فإنهم يقرون بأن\nالتهديد ليس معنى حقيقيا، بل هو احتمال عقلي لا يراد إلا عند\nإقامة دليل أو قرينة تدل على إرادته، فكان الخلاف لفظيا.","vol":"3","page":1317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>المطلب الثالث هل للأمر صيغة موضوعة في اللغة</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن للأمر صيغة موضوعة لغة له، وتدل عليه\nحقيقة بدون قرينة كدلالة سائر الألفاظ الحقيقية على موضوعاتها\nومعانيها، وهي صيغة فعل الأمر: \" افعل \" مثل: \" اكتب \".\nوالمضارع المجزوم بلام الأمر وهي: \" ليفعل \" كقوله تعالى:\n(فليحذر الذي يخالفون عن أمره) .\nواسم فعل الأمر مثل قوله تعالى: (عليكم أنفسكم) .\nوالمصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: (فضرب الرقاب) .\nوإنما تخصص صيغة \" افعل \" بالذكر؛ نظرًا لكثرة دورانها في\nالكلام.\nوهذا المذهب هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة\nالتالية:\nالدليل الأول: أن العرب قد وضعوا لما لا يحتاج إليه أسماء\nكالأسد، والهر، والسيف، والخمر، فمن باب أوْلى أن يضعوا\nصيغة للأمر تدلْ عليه؛ وذلك لأن الحاجة داعية إلى معرفة الأمر،\nلكثرة مخاطبات الناس به، فلا يمكن أن يتخاطبوا بغير صيغة، فدل\nهذا على أنهم وضعوا له صيغة وهو: \" افعل \".","vol":"3","page":1318},{"text":"الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: \" اسقنى ماء \"، فلم\nيسقه، فإنه يستحق - عند أهل اللغة - الذم والتوبيخ، فلو لم تكن\nهذه الصيغة موضوعة للاستدعاء لما استحق ذلك.\nالدليل الثالث: أنا نجد في العقل ضرورة أن من وجدت منه صيغة\n\" افعل \" يسمى آمرًا، أما إذا لم توجد منه هذه الصيغة، فإنه لا\nيسمى آمرًا، ولو كان الأمر أمرًا لقيامه في النفس لسمي من لم يوجد\nمنه ذلك آمرًا.\nالدليل الرابع: أن أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى أمر، ونهي،\nوخبر، واستخبار، فعبروا عن الأمرب \" افعل \"، وعبروا عن\nالنهي بـ \" لا تفعل \"، وعبروا عن الخبر ب \" زيد في الدار \"،\nوعبروا عن الاستخبار بقولهم: \" هل جاء زيد؛ \"، ولم يشترطوا\nلذلك أية قرينة، فدل على أن \" افعل \" للأمر بمجردها بدون قرينة.\nوهذا التقسيم قد اشتفاض بين أهل اللسان كاستفاضة سخاء حاتم،\nوشجاعة عنترة.\nالدليل الخامس: أنه يسبق إلى الفهم إذا أطلقت صيغة \" افعل \":\nأنها للأمر، ولا يسبق إلى الفهم إلا الحقيقة، أما غيره فلا يفهم إلا\nبواسطة قرينة، فلو كانت صيغة \" افعل \" مشتركة بين الأمر وغيره:\nلما سبق إلى فهمنا أن السيد إذا قال لعبده: \" افعل \" أن ذلك أمر،\nفلما سبق ذلك إلى فهمنا دلَّ على أنه حقيقة في الأمر مجاز في غيره،\nبخلاف الألفاظ المشتركة: فلو قال السيد لعبده: \" اصبغ الثوب \"،\nأو قال: \" ائت العين \": فلا يسبق إلى فهمنا لون دون لون،\nولا عين دون عين.","vol":"3","page":1319},{"text":"المذهب الثاني: أنه ليس للأمر صيغة في اللغة، وإنما صيغة \"افعل \"\nمشتركة بين الأمر وغيره، ولا يحمل على أحدهما إلا بقرينة.\nوهو مذهب أكثر الأشاعرة.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن هذه الصيغة - وهي: \" افعل \" - إما أن تثبت\nأنها للأمر عن طريق العقل، أو النقل.\nفإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق العقل، فهذا باطل؛ لأن\nالعقل لا مدخل له في اللغات، وإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن\nطريق النقل، فهذا باطل - أيضا -؛ لأن النقل قسمان: \" متواتر \"\nو\"آحاد\".\nفإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق التواتر فهذا باطل؛ لأنه لو\nثبت ذلك عن هذا الطريق: لعلمناه بالضرورة كما علمتموه، ولكننا\nلم نعلمه فثبت أنه لم تثبت أنها للأمر عن التواتر.\nوإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق الآحاد فهذا باطل؛ لأن\nالآحاد لا تثبت به قاعدة أصولية كهذه القاعدة وهي: أن \" افعل \"\nصيغة للأمر؛ حيث إن الآحاد لا يفيد إلا الظن، والقاعدة الأصولية\nقطعية، والظني لا يثبت القطعي، إذن: لا أصل لإثبات هذه\nالصيغة.\nجوابه: يجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أن هذا الدليل يقتضي المطالبة بالدليل على أن\n\"افعل \" صيغة للأمر، وهذا باطل؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أن المطالبة بالدليل ليس بدليل.","vol":"3","page":1320},{"text":"الأمر الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل فإنا قد أقمنا أدلة\nعلى أن هذه الصيغة للأمر، وذلك من إجماع عقلاء العرب وأهل\nاللسان على ذم العبد إذا خالف هذه الصيغة، والذم على المخالفة\nدليل على أنها تختص بالأمر، وأن أهل اللغة قد فرَّقوا بين الأمر\nوالنهي والخبر والاستخبار في أن كل واحد منها له صيغة تخصه،\nوأن \" افعل \" للأمر - كما سبق - وغير ذلك من الأدلة، ولا يمكن\nلكم أن تنكروا تلك الأدلة، ومن أنكرها فهو معاند.\nالجواب الثاني: قولكم: \" إن الظني لا يثبت القواعد الأصولية؛\nلأنها قطعية \" لا نسلمه، بل هذا فيه تفصيل:\nفإن كانت القاعدة علمية، فلا تثبت بالظني.\nوإن كانت القاعدة عملية أو وسيلة إلى العمل كهذه القاعدة، فإنها\nتثبت بالظني؛ قياسًا على الفروع.\nالجواب الثالث: أنا نقلب هذا الدليل عليكم: فأنتم قلتم: إن\n\"افعل \" مشتركة بين الأمر وغيره، فمن أين أثبتم ذلك: فإن قلتم:\nثبت ذلك عن طريق العقل فهذا باطل؛ لما سبق، وإن قلتم: ثبت\nذلك عن طريق النقل، فهذا باطل أيضًا؛ لما سبق، فأي جواب\nلكم يكون هو جوابنا.\nالدليل الثاني: أن هذه الصيغة - وهي: \" افعل \" - قد ترد\nوالمراد بها الأمر، وقد ترد والمراد بها الإباحة، وقد ترد والمراد بها\nالتعجيز، أو التهديد، وليس حملها على أحد هذه الوجوه بأوْلى\nمن حملها على الآخر، فوجب التوقف فيها حتى تأتي قرينة ترجح\nأحد الوجوه؛ قياسًا على \" اللون \".\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:","vol":"3","page":1321},{"text":"الجواب الأول: أنه إذا وردت صيغة \" افعل \"، وهي مجردة عن\nالقرائن فهي للاستدعاء، وهو: الأمر، ولا تحمل على غيره من\nالإباحة والتهديد والتعجيز وغيرها إلا بقرينة واضحة جلية.\nالجواب الثاني: أنكم قستم صيغة \" افعل \" على اللفظ المشترك\nمثل \" اللون \"، وهذا القياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث\nإن لفظ \" اللون \" لم يوضع لشيء معين، أما صيغة \" افعل \"، فإن\nالعرب قد وضعوها لشيء معين، وهو: الاستدعاء، فمثلًا: لو\nأمر السيد عبده بأن يقوم بتلوين ثوبه، فقام العبد فلوَّنه بأيِّ لون شاء\nفإنه لا يستحق الذم ولا التوبيخ؛ لأن \" اللون \" لفظ مشترك بين\nجميع الألوان، لكن لو أمره وقال: \" اسقني ماء \"، ولم يسقه فإنه\nيستحق الذم والتوبيخ، لأن \" افعل \" عند الإطلاق لا تحمل إلا على\nمعنى معين وهو: الاستدعاء.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، حيث إن أصحاب المذهب الأول يحملون\nصيغة \" افعل \" على أنها ظاهرة، وأن لها معنيان وهما: إفادتها\nللأمر، وعدم إفادتها له، وأنه يرجح إفادتها للاستدعاء والأمر بدون\nقرينة، ويعملون على ذلك.\nأما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يحملون لفظ \" افعل \" على أنه\nمجمل وأنه لا معنى له راجح: فالمعنيان السابقان لا يرجح أحدهما\nعلى الآخر إلا بمرجح خارجي: فلا يجوز عندهم العمل بأن \" افعل \"\nللأمر إلا بدليل خارجي يدل على أنه للأمر، وإلا: توقفوا.\nبيان منشأ الخلاف في هذه المسألة:\nإنا منشأ الخلاف في مسألة صيغة الأمر هو: خلافهم في مسألة","vol":"3","page":1322},{"text":"صفة لكلام، فمن ذهب إلى أن الكلام لفظي: قال: للأمر صيغة\nوهي \" افعل \"، وهم أصحاب المذهب الأول، ومن ذهب إلى أن\nالكلام نفسي قال: لا صيغة للأمر، ولا للنهي، ولا للعام، ولا\nللخاص - وهم أصحاب المذهب الثاني - وهم الأشاعرة -.\nفالأمر عند الأشاعرة: هو: اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم\nبالنفس المجرد عن الصيغة.\nوالصحيح الذي لا يجوز غيره: أن كلام اللَّه هو الذي نقرؤه\nبألفاظه ومعانيه، فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ دل\nعلى ذلك أدلة كثيرة منها:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)،\nفصرح - هنا - بأن الذي يسمعه ذلك المشرك المستجير هو: كلام الله\nبألفاظه ومعانيه.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) .\nفهنا: لم يكن ذلك المعنى القائم بالنفس الذي عبر عنه بالإشارة كلاما.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) مع قوله:\n(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ)، حيث أمر اللَّه تعالى مريم بالامتناع عن الكلام،\nولكن لما سألوها أن تبين لهم ذلك أشارت إليه، فلم يكن ذلك\nالمعنى القائم بنفسها الذي عبرت عنه بالإشارة كلاما.\nالدليل الرابع: قوله - ﷺ -:\n\"إن اللَّه عفا لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل به \"،\nفبين - هنا - أن المسلم إذا حدث نفسه بشيء من الأمور السيئة كقتل فلان، أو سبه، فإنه معفو عنه","vol":"3","page":1323},{"text":"شرعًا، إذا لم يتكلم أو يفعل، فهنا لم يسم حديث النفس وما\nيجول بالخاطر كلامًا.\nالدليل الخامس: أن أهل اللغة واللسان قد أجمعوا على أن الكلام\nينقسم إلى \" اسم \"، و\" فعل \"، و\" حرف \"، وكل واحد من هذه\nالأقسام تسمى كلمة، فالاسم: كلمة ينطق بها اللسان غير مقترنة\nبزمان، وهي تفيد كزيد، والفعل: كلمة ينطق بها اللسان مقترنة\nبزمان كقام، والحرف: كلمة ينطق بها اللسان لا تدل إلا مع غيرها\nمثل: \"إلى\".\nالدليل السادس: أن العقلاء - على اختلاف طبقاتهم - قد\nتعارفوا على تسمية الذي ينطق بلسانه: أنه متكلم، وتعارفوا\n- أيضًا - على تسمية من لم يتكلم: أنه ساكت، أو أخرس،\nفقولكم - أيها الأشاعرة -: \" إن الكلام معنى قائم بالنفس \"\nخالفتم ذلك، وسميتم الساكت أو الأخرس بأنه متكلم.\nالدليل السابع: أن الفقهاء قد أجمعوا: أن المسلم لو حلف أن لا\nيتكلم، ثم حدَّث نفسه بأشياء، ولم ينطق بلسانه فإنه لا يحنث،\nولو نطق بلسانه لحنث، ووجبت الكفارة.\nالدليل الثامن: أن الكلام لو كان معنى قائما في النفس - كما\nيقول الأشاعرة - للزم من ذلك التكرار الذي لا فائدة فيه في قوله\nتعالى: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله)، لأن - على\nزعمكم - عبارة: \" يقولون \" تدل على ما في النفس، فيكون\nقوله: (في أنفسهم) تكرارًا لا فائدة فيه، وهذا باطل، لأنه لا\nيوجد أي حرف في القرآن لا فائدة فيه، فإن قوله: (في أنفسهم)","vol":"3","page":1324},{"text":"دليل على أن ذلك القول في النفس وقيد بذلك، فلو لم يقيد بقوله:\n(في أنفسهم) لانصرف إلى الكلام باللسان.\nفبان من هذا: أن الأشاعرة لما قالوا: \" إن الكلام معنى قائم في\nالنفس \"، قد خالفوا ما جاء في الكتاب، والسُّنَّة، وإجماع أهل\nاللسان واللغة، وإجماع العقلاء فيما تعاليفوا عليه، وإجماع\nالفقهاء، ومن خالف ذلك فلا يعتد بقوله، والله أعلم.","vol":"3","page":1325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>المطلب الرابع هل الأمر حقيقة في الفعل</span>؟\nأي: إذا فعل الرسول - ﷺ - فعلًا فهل يدل هذا على أن المفعول مأمور به حقيقة؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الأمر ليس بحقيقة في الفعل.\nوهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأنه يوجد فرق بين\nالأمر والفعل من وجوه:\nالوجه الأول: من حيث الحد: فإن الأمر هو: الاستدعاء بالقول\nعلى وجه الاستعلاء.\nبخلاف الفعل فإنه لا يقال فيه ذلك، وإن نُقل هذا التعريف\nللفعل، فإنه يحتاج إلى دليل يُعتمد عليه، فيكون الأمر حقيقة في\nالقول المخصوص؛ لعدم الحاجة إلى دليل في ذلك، أما الفعل\nفنظرًا لاحتياجه إلى دليل فإنه يكون أمرًا مجازًا.\nالوجه الثاني: أن الآمر بالقول يُقال له: اَمر، بخلاف فاعل\nالفعل فإنه لا يقال له: إنه آمر بذلك الفعل.\nالوجه الثالث: أنه يُتصرف في القول فيقال: \" أمر، يأمر، أمرًا\nبخلاف الفعل فلا يقال لمن صلى أو صام: إنه أمر \".\nالوجه الرابع: أن الفعل يصح نفي الأمر عنه بخلاف القول،\nفتقول: \" فعل ذلك ولم يأمر به \"، ولكن لا يجوز قول ذلك في","vol":"3","page":1326},{"text":"القول، فلا يقال: \" أمر بذلك ولم يأمر به \"؛ لأنه يلزم منه\nالتناقض.\nالمذهب الثاني: أن الأمر حقيقة في الفعل كما هو حقيقة في القول.\nوهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الفقهاء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) .\nوجه الدلالة: أنه استعمل الأمر في الفعل، والاستعمال دليل\nالحقيقة، إذن الأمر حقيقة في الفعل، ويكون المعنى: وما فعلنا إلا واحدة.\nجوابه:\nأنه لا يراد أن: فعله كلمح بالبصر، وإنما المراد: أن من صفته\nوشأنه أنه إذا أراد شيئًا قال له: كن، فيقع ويكون كلمح البصر في\nالسرعة.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد) .\nوجه الدلالة: كما سبق في الدليل الأول.\nالجواب:\nأن المراد بقوله: (وما أمر فرعون برشيد) أي: وما قول فرعون\nبرشيد، ويدل على ذلك قوله - بعد ذلك -: (فاتبعوا أمر فرعون)\nوالاتباع إنما يكون حقيقة في القول، لا في الفعل.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ ويتبين أثره في فعل النبي - ﷺ -، فإنه يلزم على","vol":"3","page":1327},{"text":"المذهب الأول أنه إذا فعل الرسول - ﷺ - فعلًا أمام الصحابة، فإن هذا الفعل ليس بأمر لهم بأن يفعلوا مثله على الوجوب، أو على الندب\n- على الخلاف الآتي -، لأن النبي - ﷺ - قد يفعل الشيء وهو له خاصة، وقد يفعل الشيء على جهة النفل والفضل والندب، وقد يفعله سجية وخلقًا، أما إذا أمر بالقول فإن الأمر يؤخذ من هذا\nالقول فيكون للوجوب، أو الندب على الخلاف الذي سيأتي.\nويلزم على المذهب الثاني: أنه إذا فعل الرسول - ﷺ - شيئًا فإنه يكون أمرًا بفعله - وهذا الفعل يكون واجبا، أو مندوبًا - على\nالخلاف الذي سيأتي -.","vol":"3","page":1328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المطلب الخامس فيما تستعمل فيه صيغة الأمر - وهي: \" افعل </span>\" -\nلقد سبق أن قلنا: إن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على وجه\nالاستعلاء، وقلنا - أيضًا -: إن للأمر صيغة وهي: \" افعل \"،\nوينبغي أن تعلم هنا: أن صيغة \" افعل \" - أو ما يقوم مقامها - لا\nتستعمل للأمر فقط، ولا تستعمل للوجوب أو الندب، بل تستعمل\nلمعان أخر غير ذلك، وإليك بيان ذلك فيما يلي:\nالأول: الوجوب كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) .\nالثاني: الندب كقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا)،\nوالصارف له من الوجوب إلى الندب هو: أن النبي - ﷺ - لم ينكر على الصحابة الذين لم يكاتبوا العبيد الذين كانوا تحت أيديهم\nمع أن فيهم خيرًا للإسلام والمسلمين.\nالثالث: التأديب كقوله - ﷺ - لعمرو بن أبي سلمة -:\n\" يا غلام، سم اللَّه، وكل بيمينك، وكل مما يليك \".\nوبين الندب والتأديب عموم وخصوص، بيان ذلك:\nأن التأديب خاص بإصلاح الأخلاق وتحسينها، وهذا أعم من أن\nيكون من مكلف وغيره، أما الندب فهو خاص بالمكلفين، وهذا أعم\nمن أن يكون مختصا بإصلاح الأخلاق وغيرها.\nالرابع: الإرشاد كقوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم)\nوقوله: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) .","vol":"3","page":1329},{"text":"والفرق بينه وبين الندب أن المندوب مطلوب لمنافع الآخرة، لذلك\nيوجد فيه ثواب بخلاف الإرشاد، فإنه مطلوب لمنافع الدنيا لذلك لا\nثواب فيه.\nالخامس: الإباحة كقولك لشخص آخر: \" كل من بستاني \".\nالسادس: التهديد كقوله تعالى: (فاعبدوا ما شئتم من دونه)،\nوقوله: (اعملوا ما شئتم)، وسماه بعضهم بالوعيد، وسماه\nآخرون بالتقريع، وسماه فريق ثالث بالتوبيخ.\nالسابع: الإكرام كقوله تعالى: (ادخلوها بسلام آمنين)\nالثامن: الإهانة كقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم)\nوضابطه: أن يؤتى بلفظ دال على الإكرام، والمراد ضده.\nالتاسع: التعجيز كقوله تعالى: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ)،\nوقوله: (فأتوا بسورة من مثله)، وقوله: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)، وهو إنما يكون فيما لا قدرة للعبد عليه.\nالعاشر: السخرية مثل قوله تعالى: (كونوا قردة)، وسمي\nذلك بعضهم بالتسخير، وهذا لا يصح؛ لأن السخرية هو: الهزء\nكقوله تعالى: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون)،\nأما التسخير فهو نعمة وإكرام كقوله تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار) .\nالحادي عشر: الدعاء مثل قوله تعالى: (ربنا اغفر لي ولوالدي)\nوهذا لا يكون إلا من الأدنى إلى الأعلى على وجه الإحسان والتفضل.\nالثاني عشر: التسوية كقوله تعالى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا)","vol":"3","page":1330},{"text":"بعد قوله: (اصلوها) والمراد: أن هذه التصلية لكم سواء\nصبرتم أو لا، فالحالتان سواء، فيكون قوله تعالى - بعد ذلك -:\n(سواء عليكم) جملة مبينة ومؤكدة مبالغة في الحسرة عليهم.\nالثالث عشر: التمني كقوله - ﷺ -:\n\"كن أبا ذر \" أي: يتمنى أن يكون أبا ذر، وكقولك: \" كن فلانا كذا \" أي: أتمنى أن تكون يا فلان طالب علم، وأكثر الأصوليين يمثلون للتمني بقول امرئ القيس:\nألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل\nوهذا لا يصح؛ لأن المستعمل في التمني - في هذا البيت - هو\nصيغة الأمر مع لفظ: \" ألا \" لا الصيغة وحدها.\nالرابع عشر: الامتنان كقوله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم)،\nوسماه بعضهم بالإنعام.\nوالفرق بينه وبين الإباحة: أن الإباحة مجرد إذن، أما الامتنان فلا\nبد من اقترانه بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه.\nالخامس عشر: التكوين، كقوله تعالى: (كن فيكون)،\nوسماه بعضهم: \" كمال القدرة \".\nوالفرق بينه وبين السخرية: أن التكوين: سرعة الوجود من\nالعدم، وليس فيه انتقال إلى حال ممتهنة، بخلاف السخرية فإنه لغة\nالذل والامتهان.\nالسادس عشر: قرب المنزلة كقوله تعالى: (ادخلوا الجنة) .\nالسابع عشر: التحذير والإخبار عما يؤول إليه أمرهم كقوله تعالى:\n(تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) .\nالثامن عشر: الخبر كقوله ثعالى: (أسمع بهم وأبصر) أي:","vol":"3","page":1331},{"text":"سمعت وأبصرت، وكقول الرسول - ﷺ -:\n\"إذا لم تستح فاصنع ما شئت \"\nأي: إذا لم تستح صنعت ما شئت، حيث يصح في: جوابها الصدق والكذب.\nالتاسع عشر: التعجب كقوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) .\nوبعضهم مثل كذلك بقوله تعالى: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) أي: ما\nأسمعهم وأبصرهم، وهذا فيه بُعْد؛ لأنه يفهم منه الخبر كما سبق.\nالعشرون: الإنذار كقوله تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ) .\nوقد جعله بعضهم نوعًا من التهديد، ولكن هذا ليس بصحيح،\nحيث يوجد فرق بينه وبين التهديد من وجوه:\nالأول: أن التهديد عرفًا أبلغ في الوعيد والغضب من الإنذار.\nالثاني: أن الفعل المهدد عليه يكون ظاهر البطلان والتحريم، أما\nالإنذار فقد يكون كذلك، وقد لا يكون.\nالثالث: أن الإنذار يكون مقرونًا بالوعيد كالآية السابقة، وقوله\nتعالى: (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار)، أما التهديد، فقد\nيكون مقرونا بالوعيد، وقد لا يكون.\nالواحد والعشرون: الالتماس كقولك لنظيرك: \" أعطني كتابا \".\nالثاني والعشرون: المشورة كقوله تعالى: (ماذا تأمرون) .\nالثالث والعشرون: التصبر كقوله تعالى: (لا تحزن إن اللَّه معنا) .\nالرابع والعشرون: الاحتقار كقوله تعالى: (ألقوا ما أنتم ملقون) .\nوذلك في قصة موسى - ﵇ - يخاطب السحرة؛ وذلك","vol":"3","page":1332},{"text":"لأن السحر وإن عظم شأنه - عندهم - فإنه في مقابلة ما أتى به\nموسى - ﵇ - من المعجز حقير.\nوالفرق بينه وبين الإهانة: أن الإهانة تكون بالقول، أو بالفعل،\nأو بالتقرير كترك إجابته، أو نحو ذلك، لا بمجرد الاعتقاد،\nوالاحتقار قد يكون بمجرد الاعتقاد، يقال في مثل ذلك: احتقره،\nولا يقال: أهانه.\nالخامس والعشرون: التكذيب كقوله تعالى: (فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) .\nالسادس والعشرون: التحسير كقوله تعالى: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)، وقوله: (قل موتوا بغيظكم) .\nالسابع والعشرون: التفويض كقوله تعالى: (فاقض ما أنت قاض)،\nوسماه بعضهم بالتسليم، وسماه آخرون بالتحكيم.\nالثامن والعشرون: الاعتبار كقوله تعالى: (انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه)\n، وقوله: (قل سيروا في الأرض فانظروا)،\nحيث إن في ذلك عبرة لمن اعتبر، وبعضهم سماه: تذكير النعم.\nالتاسع والعشرون: إرادة الامتثال لأمر آخر، كقوله - ﷺ -: \"كن عبد اللَّه المقتول، ولا تكن عبد اللَّه القاتل، فالمقصود الاستسلام\nوالكف عن الفتن.\nالثلاثون: الاحتياط كقوله - ﷺ -:\n\"إذا قام أحدكم من النوم فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا \"\nبدليل قوله بعده: \" فإنه لا يدري أين باتت يده\"، فالأمر هنا للاحتياط؛ حيث إنه يحتمل أن تكون يده قد لاقت نجاسة من بدنه لم يعلمها، فليغسلها قبل إدخالها في الإناء؛ لئلا يفسد الماء الذي فيه.","vol":"3","page":1333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المطلب السادس فيما تقتضيه صيغة الأمر - وهي: \" افعل \" - حقيقة\nإذا تجردت عن القرائن</span>\nبعد أن عرفنا أن صيغة: \" افعل \" تستعمل في المعاني الثلاثين\nالسابقة، اختلف العلماء في هذه الصيغة إذا تجردت عن القرائن ماذا\nتقتضي حقيقة؛ على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن صيغة الأمر - وهي افعل - إذا تجردت عن\nالقرائن، فإنها تقتضي الوجوب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من\nالمعاني كالندب والإباحة والتهديد يكون مجازًا لا يحمل على أي\nواحد منها إلا بقرينة، وهو قول كثير من العلماء، وهو الحق،\nللأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)،\nهذا في سورة الأعراف، وقال تعالى في سورة الحجر:\n(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لما أمر الما، ئكة بالسجود سارعوا إلى\nذلك وامتنع إبليس عن السجود فوبخه وذمه، وأهبطه من الجنَة؛ إذ\nقوله تعالى: (ما منعك) استفهام إنكاري قصد به الذم والتوبيخ،\nولا يمكن أن يكون المقصود به الاستفهام الحقيقي؛ لأن الاستفهام","vol":"3","page":1334},{"text":"الحقيقي يصدر من الجاهل، وهذا منتف بحق الله تعالى، فالله عالم\nبالسبب الذي من أجله ترك السجود لآدم، فالله لا تخفى عليه خافية.\nفدل ذلك على أن مقتضى الأمر الوجوب؛ إذ لو لم يكن السجود\nواجبًا عليه لما استحق الذم والتوبيخ على تركه؛ لأنه لا يذم أحد إلا\nبسبب تركه لواجب، حيث إنا قلنا: إن الواجب هو: ما ذم تاركه\nمطلقا، فالصيغة - وهي: افعل - تقتضي الوجوب عند التجرد.\nما اعترض به على هذا الاستدلال:\nالاعتراض الأول: أنه يُحتمل أن يكون قد اقترن بتلك الصيغة قرينة\nتفيد الوجوب، فلذلك ذمَّه على ترك ذلك الواجب، وهذا لا\nيدخل في محل النزاع؛ لأن العلماء اتفقوا على أن الصيغة تفيد\nالوجوب إذا انضم إليها قرائن.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن ما قلتموه مجرد احتمال لا دليل عليه،\nوالاحتمال الذي لا دليل عليه لا يلتفت إليه؛ إذ لو قبلنا كل\nاحتمال - من غير أدلة - لما بقى لنا دليل في الشريعة، وهذا يؤدي\nإلى ترك الشريعة كلها، وهذا ظاهر البطلان، فإما أن تذكروا القرينة\nالتي تزعمونها حتى نختبرها، وأما أن تقبلوا ما قلناه.\nالجواب الثاني: أن الظاهر من النص في الآيتين يقتضي أن التوبيخ\nوالذم قد تعلقا بمجرد مخالفة الأمر بالسجود بدون قرينة بدليل قوله:\n(إذ أمرتك)، ولم يذكر قرينة أخرى بعد قوله:. (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ)، فهذا كله يدل على أنه","vol":"3","page":1335},{"text":"أمر مطلق لا قرينة معه، فدل ذلك كله على أن الذم والتوبيخ قد\nتعلقا بمجرد المخالفة.\nالاعتراض الثاني: أن إبليس ليس من الملائكة، فلا يدخل تحت\nالأمر بالسجود، فيدل هذا على أن توبيخه لمعنى آخر.\nجوابه.:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب - الأول: أن ظاهبر نص الآيتين يدل دلالة واضحة على أن\nإبليس من الملائكة، وأنهم قد سجدوا لآدم، ولم يسجد إبليس\nمعهم فوبخه على ترك السجود، فقال في الآية الأولى:\n(إلا إبليس لم يكن من الساجدين)، وقال في الآية الثانية:\n(إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين)، والأصل: أن يكون المستثنى\nمن جنس المستثنى منه، ولا يترك هذا الأصل إلا بدليل، ولا دليل.\nفدل ذلك على أن الذم تعلق بتركه السجود.\nالجواب الثاني: أن ابن عباس - ﵄ - وهو حبر\nالأُمَّة وترجمان القرآن قد روي عنه أنه قال: كان إبليس من أشراف\nالملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان\nالسماء الدنيا وسلطان الأرض \".\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه حذر الذين يخالفون الأمر بالفتنة والعذاب\nالأليم، وهذا يدل على أن الأمر المطلق للوجوب؛ لأن الوجوب\nهو: ما ذُمَّ على تركه مطلقا، أو هو: ما توعد بالعقاب على تركه","vol":"3","page":1336},{"text":"مطلقا، والمخالف هنا قد توعد بالعقاب؛ لأنه خالف أمر اللَّه وأمر\nرسوله وترك امتثاله، فيكون الأمر المطلق يقتضي الوجوب، فلو كان\nالأمر المطلق لا يقتضي الوجوب - بأن يقتضي الندب أو الإباحة أو\nالتوقف - لما حذر الشارع من مخالفته.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد ذمَّهم على تركهم فعل ما قيل لهم\nافعلوه، وهذا يدل على أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، لأنه هو\nالذي يذم على تركه، فلو كان الأمر يقتضي الندب لما ذمهم على\nترك المأمور به، كما لا يذم من رخص له في الترك.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه إذا قضى أمرًا لم يكن لأحد\nأن يتخير فيه، وجعل عصيانه ضلالًا، وإذا كانت مخالفة الأمر\nعصيانًا وضلالًا، فإن ذلك يقتضي وجوب امتثال الأمر، لئلا\nيعصي، فثبت أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب؛ لأنه لو لم يكن\nللوجوب لما جعل مخالفته عصيانًا وضلالًا.\nالاعتراض على هذا الاستدلال:\nقال المعترض فيه: إنما ورد هذا في القضاء، والقضاء هو:\nالإلزام، والإلزام واجب، ولذلك جعل مخالفه عاصيًا وضالًا، لا\nأنه قد جعل مخالف الأمر الصريح عاصيًا.","vol":"3","page":1337},{"text":"جوابه:\nيجاب على ذلك بأجوبة:\nالجواب الأول: أنه أراد صريح الأمر: فجعل مخالفة الأمر\nالصريح عصيانًا وضلالًا بدليل سبب نزول الآية، حيث ذكر أن سبب\nنزولها: أن النبي - ﷺ - أمر قومًا أن يزوجوا زيد بن حارثة - مولى رسول اللَّه - ﷺ - - فأبوا فنزلت تلك الآية.\nالجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن القضاء بمعنى الإلزام؛ لأنه لو كان\nالقضاء بمعنى الإلزام لما قيل: إن اللَّه تعالى قد قضى بالطاعات\n- كلها -؛ لأن النوافل طاعات، ولكنه لم يلزمها.\nالجواب الثالث: سلمنا أن القضاء بمعنى الإلزام، والقضاء دون\nمرتبة الأمر؛ لأن القضاء لا صيغة له، والأمر له صيغة، فإذا كان\nالقضاء لازمًا مع أنه دون مرتبة الأمر، فمن باب أولى أن يكون الأمر\nلازمًا.\nالدليل الخامس: أن - ﷺ - كان يصلي فمر به أبو سعيد بن المعلى فدعاه - ﷺ - وهو في الصلاة فلم يجبه أبو سعيد، فلما فرغ الرسول - ﷺ - من صلاته قال له: ما منعك أن تجيب وقد سمعت اللَّه تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسولِ إذا دعاكم) .\nوجه الدلالةِ أن الرسول - ﷺ - قد لامَ أبا سعيد على تركه للإجابة بعد أمر اللَّه تعالى بها بدليل قوله له: (ما منعك)، فدل على أن\nالأمر للوجوب، ولو لم يكن الأمر للوجوب لما لامه على ذلك؛\nلأن ما ليس بواجب لا يلام على تركه.","vol":"3","page":1338},{"text":"الاعتراض على ذلك:\nقال المعترض: إن النبي - ﷺ - لم يلمه، ولكنه أراد أن يُبين له أنه لا تقبح الاستجابة للنبي - ﷺ -، وهو في الصلاة، وأن النبي - ﷺ - يخالف غيره في ذلك.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك؛ لأن الظاهر من هذه القصة وقوله - ﷺ - يقتضي لزوم الإجابة، وهو في معنى الإخبار عن نفي العذر، وهذا يدل\nعلى أن الأمر للوجوب.\nالدليل السادس: قوله - ﷺ -: \" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة \".\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - جعل المشقة من لوازم الأمر، وإنما تكون المشقة لازمًا للأمر إذا كان للوجوب.\nأي: أن النبي - ﷺ - لما جعل المشقة من لوازم الأمر: نفي الأمر الذي فيه مشقة وهو: أمر الوجوب؛ لأنه يعاقب ويذم على تركه،\nوأثبت الأمر الذي ليس فيه مشقة وهو: أمر الندب؛ لأنه لا يذم ولا\nيعاقب على تركه.\nالدليل السابع: أن بريرة قد أعتقتها عائشة - ﵄ -\nفخيرها رسول اللَّه - ﷺ - بين مفارقة زوجها وعدم ذلك، فاختارت فراقه، وكان زوجها - وهو مغيث - يحبها، وكان يمشي خلفها في الأسواق وهو يبكي، فلما رأى النبي - ﷺ - ذلك: ذهب إلى بريرة فقال لها: \" لو راجعتيه فإنه أبو أولادك \"،\nفقالت: أتأمرني يا رسول اللَّه؟\nفقال: \" لا إنما أنا شافع \"، فقالت: لا حاجة لي فيه.","vol":"3","page":1339},{"text":"وجه الدلالة: أن النبي - ﷺ -\nنفى الأمر مع ثبوت شفاعته - ﷺ -\nالدالة على الندب، فدل على أن أمره للوجوب؛ لأنه لو أثبت\nالأمر: لوجب عليها الامتثال والرجوع إلى زوجها.\nالدليل الثامن: إجماع الصحابة - ﵃ - على أن\nالأمر يقتضي الوجوب؛ حيث إنهم كانوا يسمعون الأمر من الكتاب\nوالسُّنَّة، فيحملونه على الوجوب، ولهذا لم يرد عنهم أنهم سألوا\nالنبي - ﷺ - عن المراد بهذا الأمر،\nبل كانوا يحملون جميع الأوامر على الوجوب إلا إذا اقترن به قرينة تصرفه عن الوجوب، ولم ينكر بعضهم على بعض في ذلك، فكان إجماعا، وهذا ثبت في وقائع كثير:؛ ومنها:\nالواقعة الأولى: أنه لما روى أبو هريرة - ﵁ - عن\nالنبي - ﷺ - قوله: \" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا والثامنة بالتراب \"\nأجمع الصحابة على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات.\nالواقعة الثانية: أنهم استدلوا على وجوب الصلاة عند ذكرها\nبالأمر المطلق الوارد في قوله - ﷺ -:\n\"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها \".\nالواقعة الثالثة: أن أبا بكر - ﵁ - استدل على وجوب\nالزكاة على المرتدين بقوله تعالى: (وآتوا الزكاة)،\nوقال: \"والزكاة من حقها \" يقصد:. إن الزكاة من حق كلمة لا إله إلا اللَّه، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعًا.\nالواقعة الخامسة: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - استدل","vol":"3","page":1340},{"text":"على وجوب أخذ الجزية من المجوس بقوله - ﷺ -:\n\"سنوا بهم سُنَّة أهل الكتاب \"، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعا منهم.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضًا -: يُحتمل أن يكون الصحابة رجعوا في كل\nواقعة من تلك الوقائع إلى قرينة دلَّت على الوجوب، فكان\nالوجوب مستفاد من القرينة، لا من مطلق الصيغة، وهذا لا خلاف\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بأجوبة:\nالجواب الأول: أن ما ذكر هنا مجرد احتمال لا دليل عليه،\nوالاحتمال الذي لا دليل عليه لا يُعتد به؛ لأنا لو قبلنا كل احتمال\nبدون أدلة لما استقام لنا دليل في الشريعة، وبهذا تبطل الشريعة\nكلها، وهذا ظافر البطلان.\nالجواب الثاني: أن الظاهر من هذه الوقائع: أن الصحابة قد\nاحتجوا بنفس صيغة الأمر الواردة في تلك النصوص على الوجوب،\nولم يرجعوا إلى أي قرينة من القرائن، والظاهر يجب العمل به.\nالجواب الثالث: أنه لو كان هناك قرينة اعتمد عليها الصحابة في\nحمل الأمر على الوجوب: لما ترك - الصحابة - رضي الله - عنهم -\nنقلها؛ لأن نقل القرينة أوْلى من نقل لفظ الأمر؛ حيث إن في تركها\nتضييع للشريعة، ولا يمكن أن ينقل الصحابة الآلاف من الأحاديث،\nويتركوا بعض القرائن، فما قيل في الاعتراض اتهام للصحابة","vol":"3","page":1341},{"text":"بالتقصير، وهذا لا يجوز؛ لأن الصحابة اختارهم اللَّه لصحبة نبيه،\nوذلك لنقل هذه الشريعة - كلها - إلى من بعدهم بكل أمانة وإتقان.\nالجواب الرابع: أنه لم ينقل عن صحابي واحد في عهد النبي - ﷺ - أنه سأل عن مقتضى الأمر في حال من الأحوال،\nوهذا يدل على أنهم كانوا يفهمون من الأمر الوجوب، دون قرائن.\nالدليل التاسع: أن لفظة \" افعل \" تمنع من الإخلال بالفعل بدليل\nأن أهل اللغة يعقبون المعصية على الأمر بلفظ \" الفاء \" فيقولون:\n\"أمرتك فعصيتني \"، و\" قلت لك افعل فعصيتني \"، وقال تعالى:\n(أفعصيت أمري)، وقال: (لا يعصون اللَّه ما أمرهم)،\nوقال الشاعر الحصيني بن المنذر الرقاشي -\nلما نصح يزيد بن المهلب بأن لا يذهب إلى الحجاج بن يوسف،\nولكنه خالف نصيحته، وذهب إلى\nالحجاج فعز له - قال:\nأمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما\nفهنا جاءت المعصية عقب الأمر غير الممتثل بلفظ \" الفاء - التي\nهي للتعقيب - كما سبق في حروف المعاني - والمعصية توجب\nالعقوبة؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)،\nفدل هذا على أن المعصية إنما لزمت المأمور؛ لأجل إخلاله\nبما أمر به، وهذا يقتضي أن لفظة الأمر - وهي افعل - المجردة عن\nالقرائن تفيد الوجوب، ولو لم تكن مفيدة للوجوب لم نكن\nبمخالفة ذلك الأمر عاصين.\nالدليل العاشر: أن السيد لو أمر عبده قائلًا: \" اسقني ماء \"،\nفإن امتثل العبد بأن سقاه ماء، فإنه يستحق المدح، وإن لم يمتثل\n- بأن لم يسقه ماء - فإنه يستحق الذم والعقوبة، فرأى العقلاء من","vol":"3","page":1342},{"text":"أهل اللغة هذا السيد وهو يعاقب عبده، وسالوه عن سبب ذلك فقال\nلهم: إني أمرته بأن يسقيني ولم يفعل، فإن هؤلاء يتفقون معه على\nحسن لومه وعقابه؛، نظرًا لمخالفته الأمر، فدل ذلك على أنه ما\nاستحق الذم والعقوبة إلا لأنه ترك واجبًا؛ لأن الواجب هو الذي\nيذم على تركه مطلقا، فلو كان الأمر المطلقَ لا يقتضي الوجوب: لما\nاستحق العبد المخالف للأمر الذم والعقوبة؛ لأنه لا يعاقب إلا على\nترك واجب.\nالدليل الحادي عشر: إن قول القائل: \" افعل \" لا يخلو من أربعة\nأمور فقط هي كما يلي:\n١ - أن يقتضي المنع من الفعل.\n٢ - أن يقتضي التوقف.\n٣ - أن يقتضي التخيير بين القعل وعدمه.\n٤ - أن يقتضي أن يفعل لا محالة - وهو الوجوب -.\nأما الأول - وهو اقتضاؤه المنع من الفعل - فهو باطل؛ لأنه يكون\nمعنى \" افعل \": لا تفعل، وهذا نقيض فائدة اللفظ.\nأما الثاني - وهو: التوقف - فهو باطل؛ لأن قوله: \" افعل \"\nحث على الفعل فهو نقيض التوقف وهو: عدم الفعل.\nأما الثالث - وهو التخيير - فهو باطل؛ لأنه ليس للتخيير ذكر\nفي اللفظ، وإنما اللفط يتعلق بالفعل دون تركه.\nفلما بطل الثلاثة الأول: بقي الرابع وهو: أن \" افعل \" يقتضي\nأن يفعل لا محالة - وهو الوجوب -.\nالمذهب الثاني: أن صيغة الأمر - وهي \" افعل \" - إذا تجردت عن","vol":"3","page":1343},{"text":"القرائن تقتضي الندب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من المعاني\nكالوجوب والإباحة والتهديد وغيرها يكون عن طريق المجاز، لا\nيحمل على أي معنى منها إلا بقرينة.\nوهو مذهب بعض الشافعية، وكثير من المعتزلة، منهم أبو هاشم،\nواختاره بعض الفقهاء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن قوله: \" افعل \"، وقوله: \" أمرتكم \" يشترك\nالوجوب والندب فيه بشيء واحد، وهو: طلب الفعل واقتضاؤه،\nوأن فعل المأمور به خير من تركه، وهذا القدر المشترك بينهما معلوم\nمقطوع به، قدتيقنا منه.\nأما لزوم العقاب بترك فعل المأمور به فغير مقطوع به، بل مشكوك\nفيجب تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب؛ لأنا\nقطعنا فيه، وهو طلب الفعل من غير وعيد بالعقاب على الترك وهو:\nالندب.\nأما ما شككنا فيه، وهو: لزوم العقاب بترك المأمور به - وهو\nالوجوب - فإنا نتوقف فيه حتى يرد دليل من خارج.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن ما ذكرتموه إنما يستقيم لو كان الواجب ندبا\nوزيادة فتسقط الزيادة المشكوك فيها، ويبقى الأصل، وليس كذلك،","vol":"3","page":1344},{"text":"بل يدخل في حد الندب - كما سبق -: جواز تركه مطلقا،\nوجواز ترك الفعل لا يوجد في الوجوب.\nالجواب الثاني: أن هذا استدلال بالعقل على أنه يُحمل على\nالندب، وهو معارض باستدلالنا على أنه يحمل على الوجوب؛\nحيث إنا قد دللنا على ذلك بنصوص من الكتاب والسُّنَّة، وإجماع\nالصحابة، وإجماع أهل اللغة والعرف.\nوإذا تعارض الدليل النقلي مع الدليل العقلي، فإنه يُقدم الدليل\nالنقلي خاصة في مسألة لغوية كهذه المسألة.\nالدليل الثاني: أنه لو كان لفظ: \" افعل \" تقتضي الوجوب لما\nحسن أن يقول العبد لسيده والولد لوالده: \" اعطني درهما \"، فلما\nكافي الجميع يتخاطبون بينهم بذلك دلَّ على أنه لا يقتضي الوجوب.\nجوابه:\nأنا قلنا بأن لفظ \" افعل \" يستعمل في غير الوجوب - كما سبق\nبيانه - وهذا لا يكون إلا بقرينة، فإذا ورد هذا اللفظ - وهو:\n\"افعل \" من العبد، أو الابن، فإن العرب تصرفه عن الوجوب إلى\nمحمله، وهذا غير ممتتع؛ لأنه قد ورد على غير وجهه، فيكون قد\nصدر مجازًا، وهذا لا يخرج اللفظ عن حقيقته، ألا ترى أنهم\nيقولون للسخي: يا جواد، فلا يخرج ذلك عن الحقيقة.\nالدليل الثالث: أن السلطان قد يأمر بالقبيح والحسن، ويوصفان\nبأنهما مأمور بهما على الحقيقة، فلو اقتضى الأمر الوجوب: لكان\nإذا تناول القبيح جعله واجبًا.\nجوابه:\nنحن نقول: إنه لو أمر بالقبيح: لكان واجبًا هذا هو الأصل،","vol":"3","page":1345},{"text":"لكن منع من ذلك أصل آخر أقوى منه وهو: أن فوق هذا الآمر -\nوهو السلطان - آمر آخر وهو الله ﷿؛ حيث نهى عن ذلك -\nالقبيح، وامتثال أمره ألزم من امتثال أمر السلطان، فغلب نهيه على\nأمر ذلك الأدون - وهو السلطان - فلذلك سقط لزوم أمر هذا.\nالدليل الرابع: أنه ليس في الأمر لفظة الوجوب، فلم تقتضه.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا نقول لكم مثل ما قلتم لنا، وهو: إنه ليس\nفي الأمر لفظة الاستحباب فلم تقتضه - أيضا -.\nالجواب الثاني: أنه ليس كل ما ليس فيه لفظ معنى لا يقتضيه\nكالندب والوعيد والتهديد ليس هو في لفظة \" افعل \"، ومع ذلك\nهي مقتضية له بقرينة تدل عليه.\nالمذهب الثالث: أن صيغة الأمر \" افعل \" إذا تجردت عن القرائن\nتقتضي الإباحة حقيقة، ولا يحمل على غيرها من الوجوب أو\nالندب إلا بقرينة.\nوهو مذهب بعض الشافعية كما حكاه عنهم الأستاذ أبو إسحاق\nفي \" شرح الترتيب \".\nدليل هذا المذهب: أن درجات الأمر بالفعل ثلاث:\nفأعلاها: الثواب على الفعل، والعقاب على الترك، وهذا هو\nالو جوب.\nوأوسطها: الثواب على الفعل، وعدم العقاب على الترك،\nوهذا هو الندب.","vol":"3","page":1346},{"text":"وأدناها: عدم الثواب وعدم العقاب على الفعل والترك، وهذا\nهو الإباحة.\nفالثالث يفهم منه: جواز الإقدام على الفعل، وهو قدر مشترك\nبين المراتب الثلاث، وهو: الإباحة، فهي إذن: درجة متيقنة.\nأما الدرجتان الأولى والثانية - وهما الوجوب والندب - فإنه\nمشكوك فيهما، فنحن نحمل الأمر على ما تيقنا منه، وهو:\nالإباحة، ونترك ما شككنا فيه إلى أن ترد قرينة من خارج، فيكون\nالأمر المطلق يقتضي الإباحة.\nجوابه:\nإنكم جعلتم - هنا - الإباحة من درجات الأمر، وهذا ليس\nبصحيح؛ لوجود الفرق بين الإباحة والأمر من وجوه هي كما يلي:\nالوجه الأول: الفرق من جهة التعريف، فتعريف الأمر يختلف\nعن تعريف المباح، فقد عرفنا الأمر بأنه:\n\" استدعاء الفعل بالقول ... \" - كما سبق - وعرفنا المباح بأنه:\n\" ما أذن اللَّه في فعله وتركه غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه \"، فاتضح من ذلك:\nأن الأمر طلب واستدعاء، بخلاف الإباحة فإنها إذن في الفعل\nوإطلاق للفاعل من تقييده بأي شيء.\nالوجه الثاني: الفرق من جهة وضع اللغة؛ حيث إن اللغة\nوضعت لفظ \" افعل \" للأمر، ولفظ \" لا تفعل \" للنهي، ووضعت\nعبارة: \" إن شئت أفعل وإن شئت لا تفعل \" للإباحة، فإنا بمعرفتنا\nبوضع اللغة ندرك تفرقة بين هذه الصيغ والألفاظ: فلفظ: \" افعل \"\nيقتضي طلب شيء، ويمنع من الإخلال بالمأمور به، ولفظ: \" لا\nتفعل \" يقتضي النهي ويمنع من فعل المنهي عنه، ولفظ: \" إن شئتْ","vol":"3","page":1347},{"text":"افعل وإن شئت لا تفعل \" يفيد عدم الطلب، ولا يمنع المخاطب من\nالفعل ولا من الترك.\nالوجه الثالث: الفرق من جهة الضرورة؛ حيث إنا علمنا\nبالضرورة اختلاف معاني هذه الصيغ، وأنها ليست بألفاظ مترادفة،\nفصيغة: \" افعل \" وضعت للأمر، و\" لا تفعل \" وضعت للنهي،\nو\" إن شئت افعل وإن شئت فلا تفعل \"، وضعت للإباحة، فعلمنا\nالتفرقة بينها كما علمنا التفرقة بين \" قام \" و\" يقوم \"؛ حيث إن لفظ\n\" قام \" وضع للماضي، ولفظ \" يقوم \" وضع للمضارع والمستقبل.\nفإذا علمنا هذه الفروق بين الأمر والإباحة فكيف تجعلون الإباحة\nمن درجات الأمر بالفعل؟!\nالمذهب الرابع: التوقف في معنى صيغة \" افعل \" حتى يرد دليل أو\nقرينة تدل على المعنى المراد.\nوهو مذهب كثير من الأشاعرة، ونسب إلى أبي الحسن\nالأشعري، والقا ضي الباقلاني، والغزالي، وصحَّحه الآمدي.\nواختلف في تفسير ذلك: فمنهم من قال: معناه: أن الصيغة\nموضوعة لواحد من اثنين هما: الوجوب والندب، ولكن لا يدري\nعينه.\nْومنهم من قال: معناه: أننا لا ندري ما وضعت له الصيغة أهو\nالوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو التهديد، أو: أنها مشتركة\nبينها بالاشتراك اللفظي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن صيغة: \" افعل \" ترد والمراد بها الايجاب،","vol":"3","page":1348},{"text":"وترد والمراد بها الندب، وترد والمراد بها الإباحة، وترد والمراد بها\nالتهديد، وليس حملها على أحد فذه الوجوه بأوْلى من حملها على\nالوجه الآخر، فوجب التوقف فيها.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن هذه الصيغة - وهي افعل - إذا\nوردت مجردة عن القرائن تحتمل غير الوجوب، وإنما تحمل على غير\nالوجوب بقرينة قياسا على لفظة: \" أوجبت \"، فإنها لغة تحمل على\nالوجوب عند الإطلاق، وتحمل على غير الوجوب بسبب قرينة مثل\nقوله - ﷺ -: \"غسل الجمعة واجب على كل محتلم \".\nالجواب الثاني: أن ما قلتموه يبطل بأسماء الحقائق كالأسد\nوالحمار، فإنه يجوز استعمالهما في الرجل عند وجود القرينة، ثم\nهو حقيقة في الحيوان المفترس والحيوان البهيم عند الإطلاق.\nالدليل الثاني: أنها لو كانت صيغة \" افعل \" حقيقة في الوجوب\nأو الندب، أو الإباحة: لما حسن الاستفهام من المأمور بها: فيقول\nالسيد لعبده: \" اسقني ماء \" فيحسن من العبد أن يقول: هل أمرتني\nإلزاما أو ندبا؟\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن الاستفهام يحسن من المأمور بهذه\nالصيغة إذا تجردت عن القرينة.","vol":"3","page":1349},{"text":"الجواب الثاني: أنه قد يحصل استفهام من المأمور بها، ولكن هذا\nجاء احتياطا، ومنعا من اتساع الفهم.\nالدليل الثالث: أن استعمال صيغة \" افعل \" في الندب والإباحة\nأكثر من استعماله في الوجوب، ولا يجوز أن يكون موضوعا\nللوجوب مع استعماله في غيره أكثر.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أنه يستعمل في الندب والإباحة أكثر، بل\nإن استعمال لفظ \" افعل \" في الوجوب أكثر - كما مر من حمل\nالصحابة لهذه الصيغة على الوجوب، وكذا أهل اللغة -.\nالجواب الثاني: إن صح ما قلتموه وهو: أن استعمالها في الندب\nوالإباحة أكثر دليل على أن صيغة: \" افعل \" حقيقة فيهما، وليس\nبدليل على التوقف - كما زعمتم -.\nالجواب الثالث: أن هذا الدليل لا يمنع أن تكون صيغة: \" افعل \"\nحقيقة في الوجوب؛ لأنه لا يمتنع أن يكون اللفظ حقيقة في شيء\nويُستعمل في غيره أكثر، يدل على هذا: أن \" الغائط \" حقيقة في\nالمطمئن من الأرض، واستعماله فيما يخرج من الإنسان ممثر.\nوكذلك \" الراوية \" حقيقة في الجمل الذي يحمل المزادة،\nواستعماله في المزادة أكثر.\nوكذلك \" الوطء \" حقيقة في الدوس، واستعماله في الجماع أكثر.\nالدليل الرابع: إن كون هذه الصيغة وهي: \" افعل \" موضوعة\nللوجوب أو الندب أو الإباحة، إما أن يعلم عن طريق العقل، أو","vol":"3","page":1350},{"text":"النقل، وكل ذلك باطل، فلا دليل لكي على تعيين أحد هذه\nالأقسام، فتبقى صيغة \" افعل \" مشتركة بينها، فوجب التوقف،\nبيان ذلك:\nإن زعمتم أن العقل دلَّ على أحد هذه الأقسام، فهذا باطل؛ لأنه\nلا مدخل للعقل في اللغات.\nوإن زعمتم أن النقل دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل\n- أيضًا -؛ لأن النقل قسمان: \" متواتر \"، و\" آحاد \":\nفإن زعمتم أن المتواتر دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل؛\nلأن المتواتر لو أثبت ذلك لعلمناه مثل ما علمتموه، ولقلة التواتر.\nوإن زعمتم أن الآحاد دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل\nأيضا؛ لأن كون صيغة \" افعل \" للوجوب أو للندب قاعدة أصولية،\nوالقاعدة الأصولية قطعية، والآحاد ظني، والظني لا يقوى على\nإثبات القطعي، فثبت أنه لا دليل على تعيين أحد هذه الأقسام،\nإذن: يجب التوقف.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أن هذا الكلام مطالبة بالدليل، والمطالبة بالدليل\nليس بدليل.\nالجواب الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل: فإنا قد\nأثبتنا بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وإجماع\nالفقهاء، وأهل اللغة واللسان على أن صيغة \" افعل \" إذا تجردت عن\nالقرائن تقتضي الوجوب.","vol":"3","page":1351},{"text":"الجواب الثالث: نحن معكم بأن العقل لم يدل على أن \" افعل \"\nللوجوب، لأن العقل لا مدخل له في اللغات، ونحن معكم\n- أيضًا - على أن ذلك لم يثبت عن طريق التواتر، لقلة التواتر\nوندرته.\nولكن لا نوافقكم على أن الآحاد لا يثبت قاعدة أصولية مطلقا،\nبل في ذلك تفصيل: فإن كانت القاعدة الأصولية علمية - أي:\nليست وسيلة إلى العمل - فهذه لا تثبت بالآحاد.\nوإن كانت القاعدة الأصولية عملية - أي: هي وسيلة إلى العمل -\nفهذه تثبت بالآحاد، قياسا على العمل بخبر الواحد بالفروع.\nفهذه القاعدة - وهي اقتضاء صيغة \" افعل \" للوجوب - إن لم\nتثبت بأدلة قطعية، فلا أقل من أنها ثابتة بادلة ظنية، وهي: ما فهم\nمن الآيات والأحاديث الآحادية، وإجماع الصحابة السكوتي، وإذا\nكان الأمر كذلك فلا يجوز التوقف.\nهذه الأجوبة إنما تصح إذا كان سبب توقفهم هو: عدم ثبوت أدلة\nترجح أحد الأقسام.\nالدليل الخامس: قياس لفظ \" افعل \" على اللفظ المشترك كالعين\nوالقرء، فكما أنا لا ندري ما المقصود من لفظ \" العين \"، أهو:\nالمذهب، أو الشمس، أو الجارية، أو الباصرة، فكذلك لا ندري\nما المقصود بلفظ: \" افعل \" أهو: الوجوب أو الندب، أو الإباحة،\nفلذلك نتوقف فيها كما توقفنا في اللفظ المشترك.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن لفظ \" افعل \" مثل اللفظ المشترك، بل بينهما فرق","vol":"3","page":1352},{"text":"وهو: أن لفظ \" افعل \" يفهم منه ترجيح الفعل على الترك، وهذا\nقد أجمعتم معنا عليه، وبهذا خالف اللفظ المشترك كالعين، حيث\nإنه لايفهم منه معنى معين.\nوبناء على ذلك: فإنه يلزمكم أن تتوقفوا، بل تنزلوا الأمر على\nأقل ما يشترك فيه الوجوب والندب: وهو طلب الفعل، وأن فعله\nخير من تركه - وهذا هو الندب - أما ما زاد على ذلك - وهو:\nلزوم العقاب على الترك، فلكم أن تتوقفوا فيه، وعلى هذا يكون\nتوقفكم المطلق ظاهر البطلان.\nالدليل السادس: أن صيغة \" افعل \" لا تفيد شيئًا، وإنما هي\nمعنى قائم في النفس مشتركة بين الأمر وغيره، ولا يحمل على أي\nشيء إلا بقرينة.\nجوابه:\nإن هذا باطل؛ لأن واضع اللغة قد وضع كل لفظ لمعنى، هذا\nفي الأصل، فلا يوجد أي لفظ إلا وله معنى قطعي أو ظني.\nويلزم من كلامكم في دليلكم هذا ما يلي:\nأولها: أنه يسفه الواضع لهذه اللغة، وأنه يتكلم بكلام لا معنى\nلبما.\nثانيها: أن تلك الألفاظ لا فائدة فيها بمجردها، فيكون وضعها\nعبثا فهي لا تفيد شيئًا.\nثالثها: أن تقدير قرينة - هاهنا - كتقدير قرينة في سائر أنواع\nالأدلة من الكتاب والسُّنَّة، وهذا يبطلها كلها.\nأي: أنه إذا كانت صيغة \" افعل \" لا تفيد شيئًا إلا بقرينة،","vol":"3","page":1353},{"text":"فكذلك الآيات والأحاديث لا تفيد شيئًا إلا بقرائن؛ لأنها كلها ألفاظ،\nواشتراط القرينة هنا يجعل المسلم لا يعمل بأي لفظ إلا بقرينة، وهذا\nيبطل جميع الأدلة، وبذلك تخلو الألفاظ عن الفائدة، وتختل\nأوامر الشرع العامة، وهذا لا يقوله عاقل.\nوإذا كانت هذه الأمور تلزم من قولكم في دليلكم هذا: فإنه\nيكون باطلًا بلا شك.\nتنبيه: المذاهب في هذه المسألة أكثر مما ذكرت، لكن لم أذكر إلا\nالمهم منها؛ لتأثر الفروع الفقهية فيما ذكرته.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي وهو ظاهر، وأمثلة تأثر الفروع الفقهية بهذا\nالخلاف كثيرة، ومن ذلك:\n١ - اختلافهم في الإشهاد على المراجعة هل هو واجب أو لا؟\nفأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق\nللوجوب - يقولون: يجب الإشهاد على المراجعة؛ لقوله تعالى:\n(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)، فقالوا: إن المراد بالإمساك: المراجعة،\nوالإشهاد على المراجعة مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب، فإن\nترك الإشهاد فهو آثم.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق\nللندب - فإنهم يقولون: إن الإشهاد مندوب إليه، فإن ترك الإشهاد\nفلا إثم عليه؛ استدلالًا بقاعدتهم هنا.\nأما أصحاب المذهب الثالث - وهم القائلون: إن الأمر المطلق","vol":"3","page":1354},{"text":"للإباحة - فإنهم يقولون: إن الإشهاد مباح، فإن ترك الإشهاد أو\nفعله فلا إثم ولا أجر له.\nأما أصحاب المذهب الرابع - وهم القائلون: إن الأمر المطلق\nيتوقف فيه - فإنهم يقولون: لا يجوز أن يشهد حتى ترد قرينة تدل\nعلى وجوبه، أو عدم ذلك.\n٢ - إذا قال السيد لعبده أو الوالد لولده: \" اسقني ماء \".\nفأصحاب المذهب الأول قالوا: يجب عليه أن يسقيه، فإن لم\nيفعل عاقبه.\nوأصحاب المذهب الثاني والثالث والرابع قالوا: لا يجب عليه أن\nيسقيه وإن لم يفعل: لا يعاقب.\n٣ - هل الوعيد على الترك مأخوذ من نفس لفظ \" افعل \"؛\nفذهب أصحاب المذهب الأول إلى أن الوعيد على الترك مستفاد\nمن نفس صيغة \" افعل \".\nأما أصحاب المذاهب الأخرى فذهبوا إلى أن الوعيد على الترك\nمأخوذ من قرائن اقترنت بهذا الأمر.","vol":"3","page":1355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>المطلب السابع هل اقتضاء الفعل للوجوب ثبت عن طريق الشرع\nأو غير ذلك الطريق</span>؟\nلقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المطلب السابق - وهم\nالقائلون: إن الأمر المطلق يقتضي الوجوب - فيما بينهم هل اقتضى\nالأمر المطلق الوجوب بوضع الشرع أو اللغة، أو عن طريق العقل\nعلى مذاهب:\nالمذهب الأول: أن صيغة \" افعل \" اقتضت الوجوب بوضع اللغة،\nوهذا هو الحق لدليلين:\nالدليل الأول: أنه قد ثبت عن أهل اللغة تسمية من خالف مطلق\nالأمر عاصيًا وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذكر الأمر، وإذا كان الأمر\nكذلك فإنه يقتضي دلالة الأمر المطلق على الوجوب.\nالدليل الثاني: أن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء\nالجازم.\nالمذهب الثاني: أن صيغة \" افعل \" اقتضت الوجوب بوضع الشرع \"\nلأن النصوص الشرعية هي التي بيَّنت أن مخالف الأمر متوعد بالعقاب\nوالعذاب الأليم،. وبذلك يكون مطلق الأمر يقتضي الوجوب.\nالمذهب الثالث: أن صيغة \" افعل \" اقتضت الوجوب عن طريق\nالعقل؛ لأن العقل هو الذي ربط بين \" افعل \"، وبين معاقبة تارك\nالمامور به، ونتج عن هذا: أن افعل للوجوب.","vol":"3","page":1356},{"text":"جوابهما:\nيجاب عن المذهبين الثاني والثالث، ودليل كل واحد منهما بأن\nهذا كله راجع إلى اللغة وفهمها لو دققوا النظر.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ لأننا إذا قلنا: إن الأمر يقتضي الوجوب\nبوضع اللغة: وجب حمل الأمر على الوجوب، سواء كان ورد من\nالشارع أو غيره إلا ما خرج بدليل.\nأما إذا قلنا: إن الأمر اقتضى الوجوب من جهة الشرع أو العقل\nكان الوجوب مقصورًا على أوامر صاحب الشرع، والأوامر التي\nيقتضي العقل أنها للوجوب فقط.","vol":"3","page":1357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>المطلب الثامن بيان نوع القرينة التي تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره</span>\nلقد اتفق القائلون: \" إن الأمر المطلق يقتضي الوجوب \" على أنه\nلا يصرف عنه إلا بقرينة، ولكنهم اختلفوا في نوع هذه القرينة على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أن أيَّ قرينة قوية تصرف الأمر من الوجوب إلى\nغيره، وهذا مطلق، أي: سواء كانت نصًا، أو إجماعا، أو\nقياسًا، أو مفهومًا، أو فعلًا، أو مصلحة، أو ضرورة، أو سياق\nكلام، أو أية قرينة مقالية أو حالية تصلح أن تصرف الأمر من\nالوجوب إلى غيره، وهذا هو الحق؛ لأن القرينة مما ذكرنا تعتبر\nدليلًا شرعيًا، فلو لم نأخذ بها للزم من ذلك ترك دليل شرعي قد\nثبت، وهذا لا يجوز.\nالمذهب الثاني: أن القرينة التي يؤخذ بها لصرف الأمر من\nالوجوب إلى غيره هي: نص آخر، أو إجماع فقط.\nوهو مذهب الظاهرية وعلى رأسهم ابن حزم.\nدليل هذا المذهب:\nأن النص الآخر والإجماع دليلان يقويان على صرف الأمر من\nالوجوب إلى غيره، أما غيرهما من القرائن فليست في مستواهما من\nالقوة، فالعدول عن الوجوب بغيرهما انحراف عن الطريق الصحيح\nوتقول على اللَّه ورسوله، وخروج على مدلولات الخطاب في لغة\nالقرآن والسُّنَّة.","vol":"3","page":1358},{"text":"جوابه:\nلا نسلم أن غير النص والإجماع لا يصلح أن يكون قرينة تصرف\nالأمر من الوجوب إلى غيره، بل كل قرينة معتبرة شرعا تصلح أن\nتكون صارفة كما صلحت أن تكون دليلًا إلى حكم شرعي يعمل،\nولا فرق، فإن منعتم أن تكون أية قرينة صارفة فامنعوا أن تكون\nدليلًا، وهذا يلزم منه: ترك أكثر أدلة الشريعة، وهذا إبطال لها،\nوهذا لا يجوز.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\n١ - مكاتبة العبد الرقيق.\nفذهب الجمهور إلى أن مكاتبة الرقيق المسلم الذي فيه خير\nللإسلام مندوب إليها؛ والأمر الوارد في قوله تعالى:\n(فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا) مصروف من الوجوب إلى الندب؛\nلإقرار النبي - ﷺ - بعض الصحابة، حيث إنهم لم يعتقوا عبيدهم مع أن فيهم خيرًا للإسلام والمسلمين، ولأنه يترتب على ذلك تعطيل الملك وتحكم المماليك في المالكين.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم الظاهرية - فقالوا: إن المكاتبة\nواجبة، وعلى السلطان أن يجبر المالكين على المكاتبة؛ لأن الأمر\nالذي في الآية السابقة للوجوب، ولا يوجد صارف من النص، أو\nالإجماع له.\n٢ - وليمة العرس هل هي واجبة؟\nفأصحاب المذهب الأول يقولون: إن وليمة العرس ليست واجبة","vol":"3","page":1359},{"text":"والأمر الوارد في قوله - ﷺ - لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج -:\n\" أولم ولو بشاة \" مصروف عن الوجوب إلئ الندب؛ لأنه طعام\nلسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة.\nأما أصحاب المذهب الثاني وهم الظاهرية فيقولون: إن الوليمة\nواجبة؛ لأن الأمر الوارد في الحديث السابق مطلق، والأمر المطلق\nللوجوب، ولا يوجد صارف من نص أو إجماع.\n٣ - الأكل من هدي التطوع هل هو واجب أو لا؟\nأصحاب المذهب الأول - هم الجمهور - قالوا: إن الأكل من\nالهدي ليس بواجب بل هو مندوب، والأمر الوارد في قوله تعالى:\n(فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها) مصروف من الوجوب إلى الندب\nوالقرينة الصارفة هي أن الآية قد جاءت مبطلة لما كان عليه العرب\nفي جاهليتهم؛ حيث إنهم كانوا لا يأكلون من النسك، فأذن الله\nسبحانه في الأكل، وندب إليه؛ لما فيه من مخالفتهم.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم الظاهرية - فقد ذهبوا إلى أن\nالاكل واجب؛ لأنه مأمور به في الآية السابقة، والأمر يقتضي\nالوجوب ولا صارف له.","vol":"3","page":1360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>المطلب التاسع إذا ورد الأمر بعد النهي ماذا يقتضي</span>؟\nإذا وردت صيغة: \" افعل \" بعد الحظر - وهو النهي فماذا تقتضي؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنها تقتضي الإباحة.\nوهو مذهب كثير من العلماء منهم: الإمام مالك، وأحمد،\nوالشافعي في ظاهر كلامه، وهو اختيار بعض الحنفية، وأكثر الحنابلة\nوأكثر الفقهاء.\nوهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: الاستقراء والتتبع للأوامر الشرعية الواردة بعد\nالنهي، فإق بعد استقراء وتتبع الأوامر الواردة بعد النهي في النصوص\nالشرعية لم نجد أمرًا ورد بعد الحظر إلا والمراد به الإباحة، ومن ذلك\nقوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض)،\nوقوله: (فإذا تطهرن فأتوهن)، وقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا)،\nوقوله - ﷺ -:\n\"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها \"،\nوقوله: \"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي أما الآن فكلوا وادخروا \".\nما اعترض به على هذا الدليل:\nالاعتراض الأول: أن هذه المواضع قد حملت على الإباحة بدليل،\nوهو الإجماع.","vol":"3","page":1361},{"text":"جوابه:\nأنا لا نعلم دليلًا على حملها على الإباحة إلا ورودها بعد الحظر\nفقط، أما الإجماع فهو حادث بعد النبي - ﷺ -، والإباحة مستفادة من هذه الألفاظ في وقته.\nالاعتراض الثاني:\nأنه ورد أمر بعد حظر، والمراد به الوجوب كقوله تعالى:\n(فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين)\nجوابه:\nلا نسلم أن الوجوب مستفاد من هذه الآية، وإنما استفيد وجوب\nقتل المشركين بآيات أخر كقوله تعالى: (فإن قاتلوكم فاقتلوهم)،\nوقوله: (فقاتل في سبيل الله) .\nالدليل الثاني: العرف والعادة دلَّ على أن الأمر بعد الحظر للإباحة\nفلو قال السيد لعبده: \" لا أكل من هذا الطعام \"، ثم قال له بعد\nذلك: \" كل منه \"، فإن هذا الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة؛ لأنه\nلو لم يأكل لا يذم، ولو أكل لا يمدح، وهذا هو حد الإباحة.\nالمذهب الثاني: إذا وردت صيغة الأمر بعد النهي، فإنها تقتضي ما\nكانت تقتضيه قبل وجود النهي من وجوب، أو ندب، أو إباحة،\nأو يتوقف فيها على الخلاف السابق الذكر، أي: أن الأمر بعد النهي\nفي زلة الأمر المبتدأ، وهو مذهب أكثر المتكلمين، وأكثر الحنفية،\nوأكثر المعتزلة، وأكثر المالكية، وبعض الشافعية كالبيضاوي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول. أن أدلة إفادة الأمر المطلق للوجوب عامة وشاملة لما","vol":"3","page":1362},{"text":"تقدمه حظر ولغيره، ولم توجد قرينة تصرفه عن مقتضاه الحقيقي\nعندنا وهو الوجوب، فأشبهت بذلك صيغة الأمر التي لم يتقدمها\nنهي، فيكون تقدم النهي على الأمر لم تؤثر عليه.\nجوابه:\nنحن نقول: إن صيغة الأمر تقتضي الوجوب إذا كانت متجردة\nعن القرائن.\nأما إذا وجدت قرينة صارفة من حمله على الوجوب إلى غيره،\nفهذا يختلف.\nوهنا لا نُسَلِّمُ أن صيغة الأمر متجردة عن القرينة، بل تقدم النهي\nعلى الأمر قرينة دالة على أن المتكلم لم يستعمل صيغة الأمر للوجوب\nبل استعملها للإباحة -.\nأي: أن تقدم النهي على الأمر يعتبر قرينة صرفت الأمر من\nالوجوب إلى الإباحة.\nاعتراض على ذلك:\nقال بعضهم: إن النهي لا يفيد الإباحة بلفظه ولا بمعناه؛ لأن لفظ\nالنهي يقتضي المنع والتحريم، ومعناه لا يوجب ذلك؛ لأنه لا يمتنع\nأن يكون الشيء محرما، ثم يجعل واجبًا، فينسخ التحريم\nبالإيجاب.\nجوابه:\nنحن لا نقول: إن لفظ النهي فقط أفاد الإباحة، وإنما حصلت\nالإباحة به، وبما بعده من صيغة الأمر، كما لو استأذن العبد سيده","vol":"3","page":1363},{"text":"في فعل شيء، فقال له السيد: \" افعل \"، فإنا نحمله على الإباحة\nبشيئين هما: \" الاستئذان \"، و\" الأمر وهو قوله: افعل \".\nالدليل الثاني: قياس الأمر على النهي في ذلك، بيانه:\nكما أن النهي الوارد بعد الأمر يقتضي ما كان يقتضيه قبل الأمر\nوهو: التحريم كذلك الأمر الوارد بعد النهي يقتضي ما كان يقتضيه\nقبل النهي، وهو: الوجوب، ولا فرق.\nجوابه: يجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ الأصل المقاس عليه وهو قولكم: \" إن\nالنهي الوارد بعد الأمر يقتضى ما كان يقتضيه قبل الأمر وهو:\nالتحريم \"، بل إن النهي إذا ورد بعد الأمر فهو مقتض للكراهة\nوالتنزيه.\nالجواب الثاني: سلمنا أن النهي إذا ورد بعد الأمر يقتضي التحريم\n- كما قلتم -، فلا يجوز أن يقاس عليه الأمر الوارد بعد النهي،\nوذلك لوجود الفرق بينهما.\nووجه الفرق: أن النهي آكد؛ لأنه يقتضي قبح المنهي عنه، وذلك\nمحرم، بخلاف الأمر، فإنه: استدعاء للفعل، وقد يستدعي\nالشارع ما يوجبه، وما يستحبه، وقد يكون المراد به: الإذن بعد\nالمنع، وهو: الإباحة.\nويؤيد ذلك: أن النهي يقتضي التكرار، والفور، ولكنهم لا\nيقولون ذلك في الأمر.\nالمذهب الثالث: الوقف وعدم الجزم بشيء مع الوجوب أو الإباحة.","vol":"3","page":1364},{"text":"وهو مذهب إمام الحرمين.\nدليل هذا المذهب:\nأن الأدلة متعارضة بعضها يثبت المذهب الأول، وبعضهم يثبت\nالمذهب الثاني، ولا مرجح لواحد منها على الآخر، فالقول برأي\nمعين تحكم وترجيح بلا مرجح، وهو باطل، فوجب الوقف.\nجوابه:\nأنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة أدلتنا على أن الأمر بعد النهي\nللإباحة وضعف أدلة أصحاب المذهب الثاني، فوجب القول بالإباحة.\nبيان نوع هذا الخلاف:\nالخلاف معنوي كما هو ظاهر، حيث إنه لد أثر في كثير من\nالفروع الفقهية، ومنها:\n١ - حكم النظر إلى المخطوبة.\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: إن النظر إليها مباح؛ لأنه أمر بعد نهي؛ حيث\nنهي عن النظر إلى المرأة الأجنبية، ثم أمر بالنظر إليها في قوله - ﷺ -: \" اذهب فانظر إليها \".\nالقول الثاني: أن النظر إليها مندوب إليه؛ لأن الأمر وإن كان أمرًا\nبعد نهي لكنه معلل بعِلَّة تدل على أنه أريد بالأمر الندب، وهي:\nقوله - ﷺ -: \" فإنه أجدر أن يؤدم بينكما \".\nلعلك أيها القارئ تسأل وتقول: لمَ لم يحمل على الوجوب\nأخذًا بالمذهب الثاني الأصولي.","vol":"3","page":1365},{"text":"والجواب: أن هناك قرينة صرفته عن ذلك، وهو قوله:\n\" فإنه أجدر أن يؤدم بينكما \".\n٢ - حكم زيارة القبور.\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن زيارة القبور مباحة؛ لأن الرسول - ﷺ - قال:\n\"كنتم نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها \"، وهو أمر بعد نهي،\nوالأمر بعد النهي للإباحة.\nالقول الثاني: أن زيارة القبور مندوب إليها؛ لأن الأمر بزيارتها\nوإن كان بعد نهي، لكن الرسول - ﷺ - علله بأنها يذكر الموت والآخرة \"، وذلك أمر مطلوب شرعًا.","vol":"3","page":1366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>المطلب العاشر الأمر المطلق هل يقتضي فعل المأمور به\nمرة واحدة أو التكرار</span>؟\nإذا كان الأمر مقيدًا بمرة واحدة مثل قولك: \" اعط زيدًا درهما مرة\nواحدة \" أو مقيدًا بمرات كقولك: \" اعط زيدًا درهما ثلاث مرات \"\nفإن الأمر في هاتين الحالتين يكون مقيدًا لما قيد به من المرة أو المرات،\nوهذا بالاتفاق.\nأما إذا وردت صيغة الأمر وهي: \" افعل \" مطلقة، أي: مجردة\nعن القرائن، فهل تقتضي فعل المأمور به مرة واحدة، أو أنها تقتضي\nالتكرار؟\nاختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، أي: لا\nيقتضي إلا فعل المأمور به مرة واحدة - فقط -، فلو قال السيد\nلعبده: \" صم \"، فإنه يخرج عن العهدة وتبرأ ذمته بصوم يوم واحد\nفقط.\nوهو مذهب أكثر الحنفية والظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد،\nوهو اختيار كثير من الحنابلة كأبي الخطاب، وابن قدامة، ونُسب إلى\nاكثر العلماء والمتكلمين، وهو الحق عندي للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن قول القائل لغيره: \" ادخل الدار \" معناه: كن\nداخلًا، وبدخلة واحدة يوصف بأنه داخل، فكان ممتثلًا، وكان\nالأمر عنه ساقطًا.","vol":"3","page":1367},{"text":"اعتراض على هذا:\nقال قائل - معترضا -: هو بالدخلة الثانية يوصف بأنه داخل\n- أيضا - فالدخلة الثانية تكون داخلة تحت الأمر.\nجوابه:\nإنه بالدخلة الأولى يكون داخلًا على الكمال؛ لأن بها يسمى\nداخلًا على الإطلاق، فكمل بها فائدة الأمر، فاما الدخلة الثانية،\nفتكرار لفائدة الأمر بعد استكمالها.\nالدليل الثاني: قياس الأمر المطلق على اليمين، والنذر، والوكالة، والخبر.\nبيان ذلك:\n١ - أنة - لو حلف قائلًا: \" واللهِ لأصومن \"، فإنه يَبَر بصوم يوم\nواحد.\n٢ - أنه لو نذر قائلًا: \" لله علي أن أصوم \"، أو قال: \" لله\nعليّ أن أتصدق \"، فإنه يكون قد أوفى بنذره بصوم يوم واحد،\nوالتصدق بدرهم واحد مرة واحدة.\n٣ - أنه لو قال لوكيله: \" طلق زوجتي فلانة \" لم، يجز للوكيل\nأن يطلق أكثر من مرة واحدة.\n٤ - أنه لو أخبر عن نفسه، وقال: \" قد صمت \"، فإنه يكون\nصادقا لو صام يوما واحدًا، ولو قال: \" سوف أصوم \"، لكان\nصادقا بصوم يوم واحد.\nفإذا كانت هذه الأمور يكتفي فيها بمرة واحدة، ويخرج بفعل هذه\nالمرة عن العهدة، فكذلك الأمر المطلق، فإذا أمر الشخص أمرًا","vol":"3","page":1368},{"text":"مطلقا بشيء، فإن الواجب عليه فعل هذا الشيء مرة واحدة فقط،\nوتبرأ ذمته.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: إن الأمر في اليمين والتوكيل يقتضي\nالتكرار من جهة اللغة، ولكن تركنا مقتضى اللغة بالشرع، ولا يمتنع\nأن يكون اللفظ في اللغة يقتضي أمرًا، ثم يقرر الشرع فيه غير مقتضاه\nفي اللغة، كما لو حلف وقال: \" والله لا آكل الرؤوس \"، فإنه\nيعم في اللغة كل رأس، وفي الشرع يُحملَ على رؤوس الغنم.\nجوابه:\nلا نسلم أن الشرع يغير مقتضى اللغة، وإنما الشرع يُقرر اللغة،\nويضيف إليها حكما زائدًا، بدليل: أنه لو قال: \" افعل ذلك أبدًا \"\nأو قال: \" طلق زوجتي ما أملكه \": لم يقطعه الشرع عن مقتضاه\nفي اللغة، فلا يقطعه عن التكرار، أما مسألة الرؤوس فلا نسلمها؛\nحيث إنه يحمل على مقتضاه في اللغة.\nالدليل الثالث: أن السيد لو قال لعبده: \" ادخل الدار \".\nفإنه لو دخل مرة واحدة، ثم خرج: لخرج عن العهدة، ولا\nيجوز لومه، ولا توبيخه، ولو أن السيد لام عبده بسبب أنه لم\nيدخل مرة ثانية وثالثة لخطأه العقلاء من أهل اللغة؛ لأنه بدخوله مرة\nواحدة يكون قد امتثل الأمر، والصيغة لا دلالة فيها على العدد.\nالمذهب الثاني: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار.\nوهو مذهب بعض الشافعية كالأستاذ أبي إسحاق، وهو رواية عن\nالإمام أحمد، وهو اختيار بعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى، وهو\nقول جماعة من الفقهاء والمتكلمين.","vol":"3","page":1369},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن أبا بكر - ﵁ - قد قاتل من منع\nالزكاة، واستند في ذلك على قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)؛\nحيث إنه حمل هذا الأمر على أنه لا بد أن يتكرر، وكان ذلك\nبحضرة الصحابة، فكان ذلك إجماعًا منهم على أن الأمر يفيد\nالتكرار وإلا لما سكتوا على تلك المخالفة، ولما صح لأبي بكر\nمحاربة أهل الردة على ذلك؛ لكونهم قد امتثلوا دفع الزكاة في عهد\nالرسول - ﷺ -.\nجوابه:\nإن تكرار دفع الزكاة ثبت عن طريق قرينة وهي: كون النبي - ﷺ - قد أخذها منهم مرارًا في أعوام متعددة،\nوهذا خارج عن محل النزاع، لثبوت القرينة.\nالدليل الثاني: أن الأمر لا اختصاص له بزمان دون زمان؛ لأنه لا\nيوجد زمان أَوْلى من زمان آخر، فاقتضى إيقاع الفعل في جميع\nالأزمان.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك، بل الأمر يختص بأقرب الأزمان إليه؛ لأن الأمر\nيقتضي الفور، فيختص إيقاع الفعل بأقرب الأوقات إليه، فيكون\nمقتضى الأمر: افعله في أول الأوقات، فإن فات فافعله في الثاني،\nفإن فات الثاني فافعله في الثالث، وهكذا، فعلى هذا: لا يكون\nالأمر عامًا في جميع الأزمان.\n\"الدليل الثالث: قياس الأمر على النهي، بيانه:","vol":"3","page":1370},{"text":"أن الأمر كالنهي بجامع أن كلًّا منهما: استدعاء وطلب، فالنهي\nأفاد وجوب ترك الشيء، والأمر أفاد وجوب فعله.\nوالنهي اقتضى وجوب الترك أبدًا، فكذلك الأمر يجب أن يكون\nمثله بأن يقتضي الفعل أبدًا.\nجوابه:\nأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن\nالنهي يقتضي عدم الماهية، وعدمها إنما يكون بعدم الإتيان بها في أي\nفرد من أفرادها، بخلاف الأمر فإنه يقتضي طلب الماهية، والماهية\nتتحقق ولو بفرد من أفرادها، فمقتضى التكرار موجود في النهي،\nوليس موجودًا في الأمر.\nالدليل الرابع: أن الأمر يقتضي العزم والفعل، ثم إنه يقتضي\nالعزم على التكرار، فكذلك يقتضي الفعل على التكرار، ولا فرق.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه لا يمتنع أن يجب دوام العزم، دون دوام\nالفعل كما لو قال: \" صل مرة \"، فإن العزم والاعتقاد تجب\nاستدامته، ولا تجب استدامة الفعل، فإذا فعل الصلاة وصلى ركعتين\nبرأت ذمته، لكن دوام العزم والاعتقاد واجب.\nالجواب الثاني: أن قياس الفعل على الاعتقاد والعزم قياس فاسد؛\nلأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الاعتقاد والعزم على الفعل\nلم يجب بصيغة الأمر الواردة، وإنما يُستند في وجوبه إلى قيام\nالدلالة على صدق رسول اللَّه - ﷺ -، فإذا أخبر بالوجوب: وجب","vol":"3","page":1371},{"text":"اعتقاده، فإذا عرف المكلَّف الأمر فلم يعتقد وجوبه صار مكذبا له في\nخبره، فيصير كافرًا بذلك.\nبخلاف الفعل، فإنه يجب بصيغة الأمر، فإذا فعل ما يصح أن\nيعلم الآمر أنه ممتثل كفاه مثل: أن يقول: \" صل \" فيصلي المأمور\nركعتين - فقط - فيحسن أن يقول: \" قد صليت \".\nالمذهب الثالث: أن الأمر لا يدل على التكرار ولا على المرة\nالواحدة، وإنما يدل على طلب الماهية، والماهية كما تتحقق في المرة\nالواحدة تتحقق كذلك في غيرها، إلا أن المرة الواحدة ضرورية،\nوليست المرة مما وضع له الأمر.\nوهو مذهب بعض الشافعية كالإمام الرازي، والآمدي،\nوالبيضاوي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الأمر المطلق ورد استعماله في التكرار شرعا\nوعرفا، أما في الشرع فمثل قوله تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)\nأما في العرف فمثل قولك: \" أحسن إلى الناس \".\nوورد استعمال الأمر المطلق في المرة الواحدة شرعا وعرفا.\nأما في الشرع فمثل قوله ﵊: \" إن اللَّه كتب\nعليكم الحج فحجوا \".\nأما في العرف فمثل قول السيد لعبده: \" اشتر اللحم \".\nوالأصل في الاستعمال الحقيقة، فبطل أن يكون اللفظ حقيقة في\nواحد منهما مجازًا في الآخر؛ لأن المجاز خلاف الأصل،","vol":"3","page":1372},{"text":"ولا يجوز أن يقال: إنه وضع لكل واحد منهما حقيقة؛ لأن هذا يلزم\nمنه أن يكون الأمر المطلق مشتركا لفظيًا، والاشتراك خلاف الأصل،\nوتخلصًا من ذلك فإنه يقال: إن اللفظ - وهو لفظ الأمر المطلق -\nوضع للقدر المشترك بينهما، وهو طلب الماهية.\nجوابه:\nإذا كان الأمر المطلق وضع للقدر المشترك وهو طلب الماهية - كما\nزعمتم - فإنه يلزم من هذا: أنه إذا استعمل في المرة الواحدة، أو\nالتكرار يكون عن طريق المجاز؛ لأنه استعمال له في غير ما وضع\nله، وينتج من ذلك: تكثير المجاز، وهو خلاف الأصل.\nفوجب القول بأنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؛ تقليلًا\nللمجاز بقدر الإمكان.\nونظرًا لقوة أدلتنا على أن الأمر المطلق يقتضي المرة الواحدة،\nوضعف أدلة القائلين: إن الأمر يقتضي التكرار - كما سبق بيانه -\nفإن لفظ الأمر المطلق يقتضي المرة الواحدة حقيقة، ولا يحمل على\nأنه يقتضي التكرار إلا بقرينة، فيكون مجازًا فيه.\nالدليل الثاني: أنه يحسن السؤال من المأمور بهذه الصيغة، فإذا\nقال السيد لعبده: \" قم \"، فإنه يحسن من العبد أن يسأل ويقول:\nماذا تريد بأمرك هذا؛ هل تريد فعل المأمور به مرة، أو فعله أكثر من\nمرة؛ فهذا الاستفسار يدل على أنه لا يفهم من الصيغة المرة الواحدة ولا\nالتكرار، بل لا يفهم منها إلا طلب الماهية.\nجوابه:\nإن السؤال والاستفسار قد استحسن هنا طلبا لتأكيد العلم أو الظن:\n-","vol":"3","page":1373},{"text":"فالمأمور فهم عدم التكرار؛ ولكنه استفسر ليتأكد من ذلك، والتأكيد\nيكون؛ لئلا يتسع الفهم، أو طرد المجاز، لذلك يدخل في الخبر\nفيقول شخص: \" ختمت الليلة الماضية القرآن \"، فسمع السامع\nهذا، ولكنه أراد أن يتأكد فقال: \" ختمت القرآن الليلة الماضية؛ \".\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا فيه تفصيل:\nالخلاف الأول:\nوهو الخلاف بين أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن\nالأمر المطلق لا يقتضي التكرار - وبين أصحاب المذهب الثاني - وهم\nالقائلون: إن الأمر يقتضي التكرار - خلاف معنوي؛ حيث تأثر\nبهذا الخلاف بعض الفروع الفقهية، ومنها:\n١ - حكم السارق مرة ثانية.\nأصحاب المذهب الأول: يرون أن السارق إذا سرق مرة ثانية فلا\nتقطع يده اليسرى بدليل: أن الأمر في قوله تعالى:\n(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) لا يقتضي التكرار، ولا يحتمله، فلا\nتقع من الأيدي إلا يمين السارق فقط.\nأما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم قالوا: الأصل: أن تقطع يد\nالسارق اليسرى إذا سرق مرة ثانية؛ لأن الأمر في الآية السابقة يقتضي\nالتكرار، ولكن هناك قرينة منعت من العمل على هذا الأصل وهي:\nمراعاة حال السارق، وجعله ينتفع باليسرى.\n٢ - إذا وكل شخص شخصا آخر يطلاق امرأته فماذا يملك؟","vol":"3","page":1374},{"text":"لو قال شخص لشخص آخر: \" طلق زوجتي فلانة \"، فقد\nاختلف في ذلك.\nفأصحاب المذهب الأول يقولون: إنه لا يجوز للوكيل أن يطلق\nإلا مرة واحدة؛ لأن الأمر عندهم يقتضي المرة الواحدة.\nأما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قالوا: إنه يجوز للوكيل أن\nيطلق أكثر من طلقة؛ لأن الأمر عندهم يقتضي التكرار.\nالخلاف الثاني:\nوهو الخلاف بين أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن\nالأمر لا يقتضي التكرار -، وبين أصحاب المذهب الثالث - وهم\nالقائلون: إن - الأمر لا يقتضي التكرار، ولا المرة الواحدة -: فإن\nهذا الخلاف يمكن أن يكون لفظيا، ويمكن أن يكون معنويا.\nفيكون الخلاف لفظيا إذا نظرنا إلى أن أصحاب المذهبين قد اتفقا\nعلى أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فمقصد أصحاب المذهب\nالثالث هو: نفي التكرار والخروج عن العهدة بالمرة الواحدة ضرورة،\nوهو نفسه مقصد أصحاب المذهب الأول، فلا خلاف إذن.\nويكون الخلاف معنويًا إذا نظرنا إلى دلالة الأمر المطلق على المرة\nهل هي بطريق المطابقة أو الالتزام؟\nفبناء على المذهب الأول - وهو: أن الأمر المطلق يقتضي المرة\nالواحدة ولا يقتضي التكرار، فإن الأمر المطلق يدل على المرة الواحدة\nدلالة مطابقة.\nوبناء على المذهب الثالث - وهو: أنه لا يقتضي المرة ولا التكرار\nوإنما هو طلب الماهية، فإن الأمر المطلق يدل على المرة الواحدة دلالة\nالتزام: على اعتبار أنها لازمة للامتثال؛ إذ لا يحصل بأقل منها.","vol":"3","page":1375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المطلب الحادي عشر الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار\nالمأمور به بتكرار الشرط أو الصفة أو لا</span>؟\nأصحاب المذهب الثاني - في المطلب السابق - وهم القائلون: إن\nمطلق الأمر يقتضي التكرار - قالوا: إذا عُلِّق الأمرُ بشرط كقولك:\n\" إن قام زيد فقم \"، أو علق الأمر بصفة كقولك: \" اعط الناجح\nدرهمًا \"، فإنه يقتضي التكرار من باب أوْلى؛ لأنهم إذا قالوا: إن\nالأمر المطلق يقتضي التكرار، فإنه إذا علق بشرط أو صفة يقتضي\nالتكرار كلما تكرر الشرط، أو تكرر وجود الصفة.\nأما أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا\nيقتضي التكرار بل المرة الواحدة: فقد اختلفوا في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الأمر المعلق بالشرط أو الصفة لا يقتضي\nالتكرار.\nوهذا هو مذهب أكثر القائلين: إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار،\nوهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن العرف دلَّ على أن الأمر إذا علق بشرط، فإنه\nلا يتكرر بتكرر الشرط؛ فإنه لا يعقل منه إلا فعل مرة واحدة، بيانه:\nأن السيد إذا قال لعبده: \" إن دخلت السوق فاشتر تمرًا \"، فإنه لا\nيعقل منه تكرار شراء التمر، وإن تكرر دخوله السوق.","vol":"3","page":1376},{"text":"كذلك لو قال الرجل لزوجته: \" إن دخلت الدار فأنت طالق \"،\nفإنه لا يتكرر وقوع الطلاق بتكرر دخولها.\nوكذلك قوله لوكيله: \" طلق زوجتي إذا دخلت الدار \"، فإنه لا\nيعقل من هذا أن يطلقها كلما دخلت الدار، وإنما يطلقها مرة واحدة،\nوإن تكرر دخولها الدار.\nالدليك الثاني: أن أهل اللغة فرقوا بين قول القائل: \" اعط زيدًا\nدرهمًا إذا طلعت الشمس \"، وبين قوله: \" اعط زيدًا درهما كلما\nطلعت الشمس \" في أن العبارة الأولى تفيد أنه لا يتكرر الإعطاء\nبتكرر طلوع الشمس، وأن العبارة الثانية تفيد: أنه يتكرر الإعطاء\nبتكرر طلوع الشمس؛ بسبب كلمة \" كلما \"، فلو كان الأمر المعلق\nبشرط يقتضي التكرار بتكرار الشرط: لما كان بين العبارتين فرق.\nالدليل الثالث: قياس الأمر المعلق على شرط على الخبر المعلق\nعلى شرط، بيانه:\nأنه لو قال شخص: \" زيد يدخل الدار إن دخلها عمرو \"،\nفتكرر دخول عمرو، ودخلها زيد مرة واحدة، فإنه يكون صادقا\nبهذا الخبر، ولو لم يدخلها زيد إلا مرة واحدة.\nفكذلك لو قال لزيد: \" ادخل الدار إن دخلها عمرو \"، فلو كرر\nعمرو الدخول، ودخلها زيد مرة واحدة، فإنه يكون ممتثلًا للأمر،\nويخرج بها عن العهدة، ولا فرق بينهما.\nالمذهب الثاني: أن الأمر المعلق بالشرط أو الصفة يقتضي التكرار.\nوهو مذهب بعض القائلين: \" إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار \".\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: الوقوع؛ حيث إنه وقع ووجد في كتاب الله أوامر","vol":"3","page":1377},{"text":"معلقة بشروط وصفات تتكرر بتكرر الشروط والصفات من ذلك:\nقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم)، وقوله:\n(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، وقوله: (الزانية والزاني\nفاجلدوا)، فكلما قام المسلم إلى الصلاة فلا بد له من الوضوء،\nوكلما وجدت صفة السرقة في مسلم فإنه يجب قطع يده، وكلما\nوجدت صفة الزنى في مسلم فإنه يجب الجلد، فهنا تكرار الفعل\nبتكرر الشرط والصفة.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة..) يقتضي التكرار، حيث لا يقتضي تكرار الوضوء بتكرار\nالصلاة: فقد يصلي الإنسان عدة صلوات بوضوء واحد، وقد يتوضأ\nولا يصلي.\nالجواب الثاني: سلمنا أن فيما ذكر تكرار، ولكن هذا التكرار لم\nيعقل من ظاهر هذه الآيات، وإنما جاء هذا التكرار من أدلة خارجية\nكالإجماع أو القياس أو غيرهما.\nالجواب الثالث: أنه كما وجدتم في الشريعة أحكاما تقتضي\nالتكرار بتكرر الشرط، كذلك وجدنا في الشريعة أحكاما لا تقتضي\nالتكرار بتكرر الشرط وهو: الحج والعمرة، فإن الاستطاعة توجد،\nولا يجب الحج الثاني.\nالجواب الرابع: أنه تكرر الحد بتكرر السرقة والزنا لأنهما علتان،\nوالعلة يتبعها حكمها كلما وجدت.","vol":"3","page":1378},{"text":"الدليل الثاني: قياس التعليق بالشرط على التعليق بالعلَّة،\nوالجامع: أن كل واحد منهما سبب فيه، ثم الحكم يتكرر بَتكرر\nالعِلَّة، فكذلك يتكرر بتكرر الشرط.\nجوابه:\nهذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه يوجد فرق بين\nالعلَّة والشرط من حيث إن العلَّة تقتضي الحكم، وتدل عليه،\nوالشرط لا يدل على الحكم، ولا يقتضيه، فلم يتكرر بتكرره\nبدليل: ما قلنا سابقا وهو: أن من طلق امرأته بشرط دخول الدار لم\nيكن دخولها في المرة الثانية شرطا في الطلاق.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر هذا الخلاف في بعض الفروع\nالفقهية، ومنها:\n١ - لو قال لوكيله: \" إن دخلت زوجتي الدار فطلقها \"\nهل يتكرر الطلاق بتكرر الدخول؟\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يطلقها إلا طلقة واحدة، وإن تكرر الدخول.\nالقول الثاني: أنه يطلقها كلما تكرر دخولها، فإن دخلت ثلاث\nمرات يطلقها ثلاث مرات.\n٢ - هل تجب الصلاة على النبي - ﷺ - كلما ذكر؟\nاختلف في ذلك على أقوال:\nالقول الأول: أن الواجب هو: الصلاة على النبي مرة واحدة في\nالمجلس الذي يتكرر فيه ذكره عملًا بقوله - ﷺ -: \"بَعُد من ذكرت عنده فلم يصل علي \"","vol":"3","page":1379},{"text":"لأن الأمر المطلق بشرط لا يقتضي التكرار بتكرار الشرط.\nالقول الثاني: أن الواجب هو الصلاة على النبي - ﷺ - كلما ذكر في المجلس الواحد؛ لأن الأمر المطلق يقتضي التكرار بتكرار الشرط.\nالقول الثالث: أن الواجب هو الصلاة على النبي - ﷺ - مرة واحدة في العمر كله؛ لأن الأمر المعلق بشرط لا يقتضي التكرار بتكرار الشرط.","vol":"3","page":1380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>المطلب الثاني عشر إذا كرر لفظ الأمر بشيء واحد مثل: \" صل ركعتين\nصل ركعتين \" فهل يقتضي التكرار</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يقتضي التكرار، فلفظ الأمر الثاني لم يأت\nبجديد؛ حيث إنه دلَّ على ما دلَّ عليه لفظ الأمر الأول، ولفظ\nالأمر الأول اقتضى الوجوب، فلا يجوز حمل لفظ الأمر الثاني على\nواجب غيره.\nوهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب وابن\nقدامة، وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: قياس الأمر المكرر على النذر المكرر، والخبر\nالمكرر، واليمين المكرر، بيان ذلك:\nأنه لو كرر النذر وقال: \" لله علي أن أصوم، لله علي أن أصوم \"\nلم يجب عليه إلا صوم يوم واحد فقط، فلا أثر لتكرار اللفظ.\nكذلك لو قال: أإني قد تصدقت، إني قد تصدقت \"، فإنه\nيصدق لو لم يتصدق إلا مرة واحدة بدرهم واحد.\nكذلك لو قال في - اليمين: \" والله لأصومن والله لأصومن \"،\nفإنه يبر بصوم يوم واحد فقط، فلم يكن للفظ الأمر الثاني أثر، وقد\nوقع أن الرسول - ﷺ - قال:\n\" واللهِ لأغزون قريشا، واللهِ لأغزون قريشا، واللهِ لأغزون قريشًا \"،","vol":"3","page":1381},{"text":"فلم يكن لهذا التكرار من أثر؛ حيث إنه غزاهم غزوة واحدة وهي غزوة الفتح.\nفإذا كان الفعل لا يتكرر في هذه الأمور، فكذلك لفظ الأمر لا\nيقتضي تكرار الفعل ولا فرق.\nالدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: \" اسقني ماء اسقني ماء \"\nفإن لو أسقاه مرة واحدة فإنه يستحق المدح، ولو لامه السيد وقال\nله: \" اسقني مرات \" لانتقده عقلاء أهل اللغة، وذلك لأن الأمر وإن\nتكرر فإن الواجب الفعل مرة واحدة.\nالمذهب الثاني: أنه يقتضي التكرار.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المعتزلة\nكالقاضي عبد الجبار.\nدليل هذا المذهب:\nأن الغرض بالأمر هو: استدعاء الفعل؛ لأنه هو المطابق لصيغته،\nولا يخلو الأمر الثاني إما أن يكون قد فعل استدعاء للفعل الأول أو\nلغيره، فإن فعل لاستدعاء الأول فقد حصل الغرض بالأول، فالثاني\nيكون عبثا، فوجب حمله على فعل آخر؛ لئلا يكون عبثا.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ حمله على فعل آخر، بل يكون الأمر الثاني تأكيدًا\nللأول، والتأكيد. مقصود بلغة العرب والقرآن كقوله تعالى:\n(فسجد الملأئكة كلهم أجمعون) .\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، وهو ظاهر في بعض الفروج الفقهية، ومنها:","vol":"3","page":1382},{"text":"١ - أنه لو قال لوكيله: \" طلق زوجتي طلق زوجتى \"، فإنه لا\nيطلقها إلا مرة واحدة، لأن ذلك لا يقتضي التكرار.\n٢ - أنه لو قال لزوجته: \" طلقي نفسك طلقي نفسك \"، فإنها\nلا تطلق نفسها إلا بواحدة فقط، لأن ذلك لا يقتضي التكرار.\nهذا على المذهب الأول.\nأما على المذهب الثاني فيلزم منه: أنه يطلقها أكثر من طلقة وتطلق\nنفسها أكثر من طلقة.\nشروط كونه لا يقتضي التكرار:\nلقد مثلت لهذه المسألة بقول القائل: \" صل ركعتين صل ركعتين،\nمشيرًا إلى أنه يشترط في الأمر المكرر ما يلي:\n١ - أن يكون الفعلان من نوع واحد، فإن كانا من نوعين\nمختلفين مثل: \" صل ركعتين، صم يومين \" كان الأمران للتأسيس.\n٢ - أن يكون الفعل قابلًا للتكرار، فإن كان غير قابل للتكرار\nمثل: \" صم هذا اليوم صم هذا اليوم \"، فإنه يحمل على أن الثاني\nمؤكد للأول.\n٣ - أن لا يكون بين الأمرين حرف عطف، فإن كان بينهما\nعاطف مثل: \" صل ركعتين وصل ركعتين \" كان الأمران للتأسيس؛\nلأن العطف يقتضي المغايرة.","vol":"3","page":1383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>المطلب الثالث عشر الأمر المطلق هل يقتضي فعل المأمور به\nعلى الفور أو لا يقتضي ذلك</span>؟\nإن اقترن بالأمر قرينة تدل على أن المأمور يفعل المأمور به لا على\nالفور كأن يقول له: \" اخرج في أي وقت شئت \" فهو للتراخي\nاتفاقًا.\nوإن اقترن بالأمر قرينة تدل على أنه يفعل المأمور به على الفور كأن\nيقول له: \" اخرج الآن \"، فهو للفور اتفاقا.\nأما إذا لم يقترن بالأمر شيء يدل على الفور، ولا على غيره بأن\nجاء الأمر مطلقا كان يقول له: \" اسقني ماء لا أو \" صم \" أو \" قم \"\nفهل يقتضي الفور أو لا؟\nالقائلون: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار - وهو المذهب الثاني\nمن المطلب العاشر كما سبق بيانه - فإنهم يقولون: إن الأمر يقتضي\nالفور؛ لأنه من ضرورياته؛ لأن تكرار فعل المأمور به يلزم أن يفعل\nمن أول ما صدرت لفظة الأمر إلى ما لا نهاية له على حسب قدرة\nالمكلَّف.\nأما القائلون: إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار - كما هو مذهب\nكثير من العلماء وهو الذي رجحناه - فقد اختلفوا في الأمر المطلق\nهل يقتضي الفور أو لا؛ على مذاهب:","vol":"3","page":1384},{"text":"المذهب الأول: أن الأمر المطلق يقتضي الفور، ولا يجوز تأخيره\nإلا بقرينة.\nوهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، والجصاص، وجمهور\nالمالكية، وبعض الشافعية كأبي بكر الصيرفي، والقاضي أبي حامد\nالمروزي، والدقاق، وأكثر الحنابلة، وهو ظاهر مذهب الإمام\nأحمد، والإمام مالك، وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) .\nوجه الدلالة: أن في فعل الطاعة مغفرة، فتجب المسارعة إليها،\nوالمسارعة تقتضي إيقاع الفعل بعد صدور الأمر مباشرة.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: المراد بالآية التوبة من الذنوب، وهذا لا\nنزاع في أنه تجب المسارعة إله.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الآية خاصة بالتوبة، بل هي عامة\nللتوبة وغيرها من الطاعات.\nالجواب الثاني: سلمنا أن الآية خاصة بالتوبة من الذنوب، فإنها\nعبادة قد وجبت على الفور بمطلق الأمر، فيقاس على ذلك بقية\nالعبادات.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) .\nوجه الدلالة: أن الله تعالى قد مدح هؤلاء على المسارعة بفعل","vol":"3","page":1385},{"text":"الخيرات، فبناء على ذلك: يكون ترك المسارعة يذم عليه، وما يذم\nعلى تركه هو الواجب.\nالدليل الثالث: أن الأمر قد اقتضى الوجوب، فحمله على\nوجوب الفعل عقيبه واجب؛ لأمرين:\nأولهما: أنه إذا فعل المأمور به فور صدور صيغة الأمر يكون ممتثلًا\nللأمر بيقين، دون شك.\nثانيفما: أنه بمجرد تأخير الفعل يكون معرضًا نفسه لخطر عدم\nالقيام به، ودرءًا لذلك واحتياطًا فإنه تجب المبادرة إليه.\nالدليل الرابع: أن السيد إذا قال لعبده: \" اسقني ماء \"، فإن\nسقاه على الفور استحق المدح بالاتفاق، وإن تأخر في امتثال الأمر،\nولم يسقه فور صدور صيغة الأمر، فإنه يحسن من السيد ذمه\nوتوبيخه، فلما سأله عقلاء أهل اللغة عن سبب معاقبته لهذا العبد\nقال لهم: إني أعاقبه؛ لأنه خالف أمري وعصاني؛ حيث إني أمرته\nبأن يسقيني ماء، وتأخر في جلب الماء إلي، فهنا يُقبل منه هذا\nالعذر، ولا ينكر عليه، فهذا يدل على أن أهل اللغة قد اتفقوا على\nأن الأمر المطلق يقتضي الفور.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: نحن معكم أن الأمر هنا يقتضي الفور،\nلكن ذلك دلَّ عليه قرينة وهي: أن السيد لا يستدعي ماء إلا وهو\nعطشان فتأخره يضر به، فلذلك اقتضى التعجيل، وهذا ليس في\nمحل النزاع.\nجوابه:\nلا نسلم أن وجوب التعجيل ثبت عن طريق القرينة؛ لأن السيد","vol":"3","page":1386},{"text":"- لما سأله عقلاء اللغة عن سبب معاقبته - لم يعلل ذمه وتوبيخه\nبالعطش، وإنما علله بأنه أمره بشيء فأخره عنه وعصاه بذلك، فدل\nعلى أن لفظ الأمر يقتضي الفور.\nالدليل الخامس: أن صدور صيغة \" افعل \" هو سبب للزوم الفعل\nفيجب أن يقع الفعل عقيب صدوره، قياسًا على عقد البيع والطلاق\nوالموت، بيان ذلك:\nأن البائع إذا قال: \" بعتك هذه الدار بكذا \" ثم قال المشتري:\n\"قبلت \"، فإن ملكية الدار تنتقل فورًا إلى المشتري دون تأخير.\nكذلك الطلاق: فإن الزوج إذا قال: \" فلانة طالق \"، فإنه يقع\nفورًا.\nكذلك إذا مات إنسان فإن ميراثه ينتقل إلى الورثة مباشرة، وهكذا.\nفهذه الأمثلة وغيرها: الحكم يقع - عقيبها؛ لأنه أقرب الأوقات\nإليها، فكذلك الأمر يجب أن يقع الفعل في أقرب الأوقات إليه،\nوذلك لأن كل لفظ اقتضى معنى يجب أن يقع ذلك عقيبه.\nالدليل السادس: القياس على العزم، وبيان ذلك:\nأن الأمر يتضمن: \" الأمر بالفعل \"، و\" الأمر بالعزم عليه \"،\nو\" الأمر باعتقاد وجوبه \".\nوالعزم، واعتقاد وجوب الفعل واجبان على الفور.\nفيقاس عليهما: الفعل، بجامع أن الأمر صدر بهما جميعًا.\nفيجب - على هذا - فعل المأمور به على الفور.\nالمذهب الثاني: أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، بل يجوز تأخير\nفعله أي: أن الأمر المطلق يقتضي الامتثال من غير تخصيص بوقت.","vol":"3","page":1387},{"text":"وهو مذهب أكثر الحنفية، واختاره المغاربة من المالكية، وهو\nمذهب أكثر الشافعية، ونسب إلى الإمام الشافعي، وهو رواية عن\nالإمام أحمد.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قياس الزمان على الآلة، والمكان، والشخص،\nبيان ذلك:\nأن قولك: \" اقتل \" يلزم منه أمور ثلاثة: مكان يقتل فيه، وآلة\nيقتل بها، وشخص يقتل، وقلنا ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يفعل القتل\nبدون مكان، وآلة، وشخص يقتل، ويجزئ أي مكان وآية آلة،\nوأي شخص بدون تحديد، فيصير ممتثلًا بقتل أي شخص في أي\nمكان، وفي أية آلة.\nفكذلك الزمان لم تتعرض له صيغة الأمر، ولكنه. يلزم لامتثال\nالأمر؛ لأنه لا يمكن أن يمتثل الأمر إلا بزمن معين، فيصير المأمور\nممتثلًا إذا قتل بأي زمن، بدون تحديد.\nجوابه:\nإن قياس الزمان على الآلة، والمكان، والشخص قياس فاسد؛\nلأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من وجهين:\nالوجه الأول: أن عدم تعيين الزمان لإيقاع الفعل يؤدي إلى\nتفويته، وإضاعته، بخلاف عدم تعيين المكان والآلة والشخص، فإنه\nلا يؤدي إلى تفويته؛ لأنه قد يكون في الزمن الأول مصلحة، أو\nدرء مفسدة لا تكون في الزمن الثاني أو الثالث، فلو أخره لفات\nذلك، بخلاف المكان والآلة والشخص، فإن المصلحة لا تختلف\nباختلاف الأمكنة، والآلات، والأشخاص الكفار.","vol":"3","page":1388},{"text":"الوجه الثاني: أن الزمان الأول أوْلى لفعل المأمور به فيه؛ بدليل\nما بيَّنا وذكرنا من الاحتياط، وتحقيق الإيجاب، والسلامة من\nالخطر، والتيقن والقطع بأن المأمور قد خرج عن العهدة بخلاف\nالأمكنة، فإنه لا مزية لأحدها على الآخر، وكذلك الأشخاص لا\nمزية لأحدهم على الآخر، وكذا الآلات لا مزية لإحداها على\nالأخرى.\nالدليل الثاني: قياس الأمر على الخبر، بيان ذلك:\nأنه إذا قال: \" سأعطي زيدًا درهمًا \"، فإنه إخبار عن إيقاع الفعل\nفي المستقبل، ويكون ممتثلًا إذا أعطى زيدًا بأي وقت شاء بدون\nتحديد، فكذلك الأمر فلو قال: \" أعطني الكتاب \"، فإنه طلب\nالفعل في المستقبل بدون تعيين أي زمن له، ولهذا لما صد المشركون\nالمسلمين عام الحديبية قال عمر لأبي بكر - ﵄ -:\nأليس قد وعدنا اللَّه تعالى بالدخول بقوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) فكيف صدونا؛ فقال أبو بكر: \" إن الله\nتعالى وعدنا بذلك ولم يقل بأي وقت \"، فهذا كله يقتضي أن الخبر\nلا يقتضي الوقت الأول، فكذلك الأمر بجامع: أن الفعل فيهما\nيكون في المستقبل.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن قياس الأمر على الخبر قياس فاسد؛ لأنه قياس\nمع الفارق، والفرق بينهما من وجوه:\nالوجه الأول: أن الخبر يحتمل الصدق والكذب، أما الأمر فلا\nيحتمل ذلك؛ حيث إنه حث، ووجوب، واستدعاء.","vol":"3","page":1389},{"text":"الوجه الثاني: أن الخبر من الحكيم لا يوجد إلا بعد أن قد تيقن\nالحكيم أنه يكون المخبر على ما أخبر فيه، فلا غرر عليه في التأخير.\nأما الأمر، فإنه يلزم المأمور فعلًا لا يعلم أي وقت يوقعه، فكان\nإيقاعه في أول الوقت أحوط؛ لأمرين:\nأولهما: أن في التأخير خطر وغرر؛ لأنه ربما فاجأه الموت قبل\nالفعل فيأثم.\nثانيهما: أن الآمر لو أراد التأخير لأخر الأمر بالفعل.\nالوجه الئالث: أن مقصود الخبر أن يكون صدقا، وأي وقت أخبر\nبه وفعله تحقق المقصود، أما الأمر فالمقصود: الإيجاب، والإيجاب\nلا يتم إلا بالإيجاد، والتأخير إلى غير غاية، يلحقه بالنوافل، وهذا\nلا يجوز.\nالجواب الثاني: أن جميع الصحابة ومنهم عمر - رضي اللَّه عن\nالجميع - فهموا التعجيل، ولهذا امتنعوا من نحر الهدي، وإنما\nحمله أبو بكر على التراخي بقرينة: ثبوت صدق الرسول - ﷺ - وما يأتي به عن اللَّه، والتأخير والتراخي يجوز بقرينة، وهذا لا خلاف فيه، أما إذا تجرد عن القرائن فإنه يقتضي الفور.\nالدليل الثالث: قياس الأمر على اليمين، بيان ذلك:\nأنه لو قال: \" واللهِ لأصومن \"، فإنه يبر بيمينه إذا صام في أي\nوقت شاء، فكذلك الأمر، فإذا قال: \" افعل \"، فإن المأمور يكون\nممتثلًا إذا فعل المأمور به في أي وقت فعله.\nجوابه:\nإن قياسكم الأمر على اليمين قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،","vol":"3","page":1390},{"text":"ووجه الفرق\n: أن اليمين خير فيها بين أن يفعل، أو لا يفعل ويكفر،\nأما الأمر فإنه لم يخير المأمور بين الفعل وتركه.\nالدليل الرابع: أن المأمور يسمى ممتثلًا إذا فعل المأمور به في أي\nزمن، فتعيينكم الزمن الأول تحكم منكم لا دليل عليه.\nجوابه:\nإن قولنا: فعل المأمور به يجب أن يكون بعد صدور الأمر به\nمباشرة لم يكن بلا أدلة، بل بادلة من النقل والعقل وإجماع أهل\nاللغة واللسان كما سبق بيانه.\nالمذهب الثالث: التوقف في ذلك حتى يقوم دليل يرجح المراد هل\nالمقصود الفور، أو التأخير.\nوهو اختيار بعض الشافعية.\nدليل هذا المذهب:\nأن الأمر ورد استعماله في الفور مثل: الأمر بالإيمان، وورد\nاستعماله في التراخي كالأمر بالحج، والأصل في الاستعمال\nالحقيقة، فكان الأمر حقيقة في كل منهما على انفراد، فهو مشترك\nلفظي بين الفور والتراخي، فلا يفيد واحدًا بخصوصه إلا بقرينة،\nفإن لم توجد القرينة على أحدهما بخصوصه توقف في فهم المراد منه\nحتى تقوم القرينة.\nجوابه:\nإن قولكم: \" الأصل في الاستعمال الحقيقة \" إنما يصح إذا كان\nاللفظ لا يتبادر منه عند الإطلاق معنى من معانيه، أما إذا كان اللفظ\nيتبادر منه معنى بخصوصه، فلا يقال ذلك.","vol":"3","page":1391},{"text":"فلا يصح هذا القول فيما نحن فيه؛ لأن الأمر المطلق يتبادر منه\nعند الإطلاق خصوص الفور، فكان اللفظ حقيقة فيما يتبادر منه،\nمجازًا في غيره، والمجاز خير من الاشتراك اللفظي؛ وذلك لعدم\nاحتياجه إلى تعدد في الوضع والقرائن كما سبق.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذا معنوي؛ حيث تأثر بسبب هذا الخلاف كثير من\nمسائل الفروع، ومنها:\n١ - هل قضاء ما فات من رمضان يجب على الفور أو لا؟\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن القضاء يجب على الفور، وإذا أخره بدون عذر\nيأثم، ولا يجوز فعل النوافل من الصيام حتى يؤدي ما عليه من أيام\nرمضان.\nالقول الثاني: أن القضاء لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره\nبلا إثم، ويجوز فعل النوافل من الصيام وإن لم يقض ما عليه.\n٢ - هل يجب الحج فور استطاعة المسلم، أو يجوز تأخيره؛\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن الحج واجب على الفور، فلا يجوز تأخيره،\nفإن أخره لغير عذر فقد أثم؛ لقوله تعالى: (ولله على الناس حج\nالبيت)، والأمر للفور.\nالقول الثاني: أن الحج يجوز تأخيره بغير عذر؛ لأن الأمر لا\nيقتضي الفور.","vol":"3","page":1392},{"text":"٣ - إذا بلغ المال النصاب، وحال عليه الحول، فهل يجب\nإخراج الزكاة على الفور أو لا؟ على قولين:\nالقول الأول: أن الإخراج يجب على الفور، وإن أخر ذلك فهو\nآثم؛ لأن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وآتوا الزكاة) للفور.\nالقول الثاني: أن الإخراج لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره\nبدون إثم؛ لأن الأمر لا يقتضي الفور.","vol":"3","page":1393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المطلب الرابع عشر هل يسقط الواجب المؤقت بفوات وقته</span>؟\nإذا أمر الشارع بالفعل في وقت معين، فخرج الوقت ولم يُفعل\nفهل يجب القضاء بأمر جديد، أو يجب القضاء بالأمر السابق؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته، وعلى\nهذا: يكون القضاء يجب بالأمر السابق، ولا يحتاج إلى أمر\nجديد، فلو لم يصل الفجر في وقتها، وطلعت الشمس فإنه يقضيها\nبنفس الأمر الأول - وهو أمر الأداء -.\nوهذا هو مذهب كثير من الحنفية - كالبزدوي، والخبازي،\nوالنسفي، واختاره القاضي عبد الجبار بن أحمد من المعتزلة، وهو\nرواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب كثير من الحنابلة كالقاضي أبي\nيعلى، وابن قدامة، والحلواني، وهو الحق عندي؛ لأن الأمر أثبت\nوجوب العبادة في ذمة المكلف، وكل ما ثبت وجوبه في الذمة، فلا\nيمكن أن تبرأ الذمة منه إلا بشيئين هما:\nأولهما: أن تؤدى تلك العبادة.\nثانيهما: أن يبرئه من كان له حق عليه من الآدميين، فلا تسقط\nهذه العبادة إلا بأحد هذين الشيئين.\nوبخروج الوقت لم يحصل الأداء، ولا الإبراء، فلم يسقط الوجوب.\nفتكون الذمة مشغولة بهذا الوجوب، لا يزول هذا الشغل إلا\nبمزيل له، وهو أحد الشيئين السابقين فقط.","vol":"3","page":1394},{"text":"اعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: إن الوجوب إنما ثبت بشرط الوقت،\nفإذا خرج الوقت سقط الوجوب؛ لأن شرطه قد زال.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الأمر قد اقتضى الوجوب، والوقت ظرف\nلإيقاع الفعل فيه، وبعدم الظرف لا يسقط الوجوب.\nالجواب الثاني: أنه قد ثبت الوجوب بشرط الوقت، ولم يسقط\nبفوات الوقت، فلو قال: \" لله عليّ أن أتصدق يوم الجمعة بعشرة\nدراهم \"، فلم يتصدق يوم الجمعة لم يسقط عنه النذر، وكان من\nالواجب - على زعمكم -: أن يسقطه؛ لأن شرطه قد فات، فهنا\nالنذر يبقى في ذمته حتى يوفي به: خرج وقته أو لم يخرج.\nالمذهب الثاني: أن الواجب المؤقت يسقط بفوات وقته، ويحتاج\nفي القضاء إلى أمر جديد.\nأي: أن الأمر المؤقت إذا لم يفعله المكلَّف حتى خرج وقته، فإنه\nيحتاج في القضاء إلى أمر جديد.\nذهب إلى ذلك جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية\nوبعض الحنابلة كأبي الخطاب.\nوالمراد بالأمر الجديد هو: دليل منفصل مثل الإجماع، أو خطاب\nجلي على وجوب فعل مثل الفائت خارج الوقت، أو قياس.\nوليس المراد: أنه يتجدد عند فوات كل واجب الأمر بالقضاء؛\nلأن زمن الوحي قد انتهى.","vol":"3","page":1395},{"text":"دليل هذا المذهب:\nقياس الزمان على المكان والأشخاص، بيان ذلك:\nأن اللَّه أمر بالحج إلى مكان مخصوص.\nفقد قيدت الأوامر بصفات معينة لا يجوز التساهل بها، فلو حج\nلغير مكة لما صح ذلك الحج.\nفكذلك الأمر بعبادة إذا علق في وقت معين معناه: تخصيص هذه\nالعبادة بهذا الوقت، فمثلًا لا يجوز الصيام في غير رمضان ولا تجوز\nالصلاة بغير وقتها، قياسا على الأمكنة، والجامع: أن كلها قد\nقيدت المأمور بصفة معينة لا يجوز مخالفتها، ولا العدول عنها.\nفالعاري والمتجرد عن تلك الصفة لا يتناوله اللفظ، ولا يدخل في\nمفهومه، بل يبقى على ما كان قبل الأمر، فلو فات الوقت المحدد\nفإنه يسقط الواجب، ويحتاج إلى أمر جديد.\nجوابه:\nإن قياسكم الزمان على المكان قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق،\nحيث إنه يوجد فرق بين تعلق الأمر بزمان، وبين فعله بمكان معين،\nوالفرق بينهما من وجهين:\nالوجه الأول: أن الزمان يتعلَّق بعضه ببعض، فالزمان الثاني تابع\nللأول، فالواجب الذي ثبت في الزمن الأول - إذا لم يفعل - فإنه\nينسحب هذا الوجوب إلى الزمن الثاني، ثم الثالث وهكذا، ولا\nتبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه ولو في آخر العمر.\nبخلاف المكان فإنه لا ينسحب إلى مكان آخر، وما يجوز فعله\nفي مكان قد لا يجوز فعله في مكان آخر.\nالوجه الثاني: أن المكان لا يفوت، فأمكن الفعل فيه، فلا يعدل","vol":"3","page":1396},{"text":"إلى غيره إلا أن تعذر الفعل فيه بأن صار لجة بحر، فيجوز الفعل في\nغيره.\nبخلاف الزمان، فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ لأنه يلزم على المذهب الأول: أن قضاء\nالعبادة يجب بالدليل الذي وجب به أدائها، فيكون دليل القضاء هو\nنفسه دليل الأداء، فمن ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها يلزمه\nالقضاء بالأمر الأول بالنص، فيكون الأمر الأول اشتمل على أمرين\nهما: \" الفعل أداء \"، والثاني: \" الفعل قضاء إن فاته الأداء \".\nويلزم على المذهب الثاني عدم جواز قضاء العبادة بالدليل الذي\nوجب به أدائها، واختلف هؤلاء - أعني أصحاب المذهب الثاني -\nفيمن ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها هل يلزمه قضاؤها على\nقولين:\nالقول الأول: أنه لا يلزمه قضاؤها؛ لأن القضاء يحتاج ويفتقر\nإلى أمر جديد، ولم يرد فيه شيء.\nالقول الثاني: أنه يلزمه قضاء تلك الصلاة بعد خروج وقتها؛ لأنه\nورد دليل على وجوب القضاء بأمر جديد، واختلف هؤلاء في تعيين\nهذا الأمر الجديد عنى رأيين هما:\nالرأي الأول: أن الأمر الجديد هو قوله - ﷺ -:\n\"فدين اللَّه أحق بالقضاء\".\nالرأي الثاني: أن الأمر الجديد قياس تارك الصلاة عمدًا على\nالنائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما،\nوهو قوله - ﷺ -:\n\"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها \"،\nوتارك الصلاة مثله.","vol":"3","page":1397},{"text":"ْ<span data-type=\"title\" id=toc-208>المطلب الخامس عشر امتثال الأمر هل يحصل به الإجزاء ويسقط القضاء</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن امتثال الأمر يحصل به الإجزاء، ويسقط\nالقضاء.\nأي: أن الأمر يقتضي وقوع الإجزاء بفعل المأمور به إذا امتثل وفعل\nالمأمور على الصفات والشروط التي أمر الشارع بها.\nفالمكلف إذا أتى بالمأمور به على الوجه المشروع يستلزم الإجزاء.\nوهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن الأصل براءة الذمة من جميع التكاليف، فإذا\nأمر المكلف بفعل شيء فإن ذمته تكون مشغولة بهذا المأمور به، أي:\nأن الأمر اقتضى الوجوب في الذمة، ولا يمكن أن تبرأ ذمته إلا بأحد\nطريقين:\nالأول: أداء وفعل المأمور به على الوجه المشروع.\nالثاني: إبراء المكلف مما عليه من الديون - مثلًا - وهذا خاص\nبا لآدميين.\nفإذا كان المأمور به واجبًا مما أوجبه اللَّه عليه: فلا تبرأ ذمته، ولا\nيخرج عن العهدة إلا بالإتيان به وفعله، فإذا فعله على الوجه\nالمشروع تكون ذمته بذلك بريئة من هذا التكليف كما كانت في\nالأصل، فدل على أن امتثال الأمر يحصل به الإجزاء، وإسقاط\nالقضاء، وإبراء الذمة.","vol":"3","page":1398},{"text":"الدليل الثاني: أن المأمور بفعل شيء وفعله على الوجه المشروع إذا\nقيل له: \" هل فعلت ما أمرت به؟ \" حسن أن يقول: \" نعم\nفعلت \" ويكون خبره صدقا، فلو كان امتثال الأمر لا يحصل به\nالإجزاء وليس مسقطا للقضاء لكان خبره غير صدق.\nالدليل الثالث: أنه لو كان امتثال الأمر لا يحصل به الإجزاء ولا\nبسقط القضاء ولا يخرج عن العهدة: للزم من ذلك الامتثال طول\nعمرة: فمثلًا: لو قال: \" صم \" فامتثل المأمور وصام يوما واحدًا\n- كما اقتضت صيغة الأمر:: فإنه - مع الامتثال - يجب القضاء؛\nحيث إن الأمر لا زال متوجها إليه بصوم يوم كما كان متوجهًا إليه\nقبل الامتثال، فيكون فعل المأمور به لازما له طول عمره، وهذا\nخلاف ما أجمع عليه العلماء.\nالمذهب الثاني: أن امتثال الأمر لا يمنع من وجوب القضاء،\nفامتثال الأمر لا يسقط القضاء.\nوهو مذهب بعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار بن أحمد، وأبي\nهاشم..\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: إن قولنا: \" يجزئه \" معناه: أنه لا يجب عليه\nالقضاء، وقد علمنا أنه غير ممتنع أن يأمر الحكيم بفعل من الأفعال،\nويقول: إذا فعلتموه فقد فعلتم الواجب، واستحققتم الثواب،\nوعليكم القضاء، وهناك أمثلة في الشرع تؤيد ذلك، ومنها:\n١ - أن المسلم إذا فسد حجه فإنه مأمور بأن يكمله ويمضى فيه،\nمع أنه يجب عليه قضاؤه في السنة القادمة.\n٢ - أن المسلم قد أمر أن يصلي بغير طهارة إذا عدم الماء والتراب،\nثم يجب قضاء تلك الصلاة إذا وجد الماء أو التراب.","vol":"3","page":1399},{"text":"٣ - أن المسلم إذا ظن أنه على طهارة وهو في آخر الوقت، فإن\nالصلاة واجبة عليه، وهو مأمور بها، ومع ذلك فعليه قضاؤها إذا\nعلم أنه كان على غير طهارة.\n٤ - أن المكلَّف مأمور بالإمساك في الصوم الفاسد كأن يصوم يوما\nعلى أنه من شعبان، فتبين أنه من رمضان، فهذا إذا صامه فإنه يؤجر\nعليه، ومع ذلك يجب قضاؤه.\nجوابه:\nإن المأمور إذا فعل المأمور به على الوجه الشرعي: فإن ذلك يمنع\nلزوم القضاء؛ لأن القضاء للعبادة المؤقتة هو: فعلها بعد خروج\nوقتها المحدد شرعًا، ويكون ذلك لأحد أمرين هما:\n١ - إما لأن العبادة ما فعلت أصلًا.\n٢ - أو فعلت على وجه الفساد.\nوكل من الأمرين غير حاصل؛ لأن المأمور بالعبادة قد فعلها في\nوقتها بكمال شروطها على الوجه المشروع، فلم يُتصوَّر لزوم القضاء.\nأما إذا حصل أحد الأمرين فلا شك أنه يجب عليه القضاء، وإن\nكان فاعلًا له، فالحج الفاسد، والصوم الفاسد، والصلاة الفاسدة\nفلا نسلم أن القائم بها قد امتثل الأمر؛ لأنه لم يأت بها على ما\nاقتضاه الأمر؛ حيث إنه أوقعها فاسدة، فلم يأت بها على الوجه\nالشرعي، فيبقى التعبد الواجب بالأمر في ذمته، ولن تبرأ هذه الذمة\nمن الأمر إلا إذا تدارك الخلل، وقضاها على الوجه المشروع.\nأما إذا أتى بالحج والصوم والصلاة كاملة ومستوفية لجميع شروطها\nفإن ذمته تبرأ بذلك الإتيان والامتثال، فلا يعقل مع ذلك إيجاب\nالقضاء.\n-","vol":"3","page":1400},{"text":"الدليل الثاني: أن القضاء يجب بأمر جديد - كما هو مذهب أكثر\nالعلماء، كما قلنا سابقا - وإذا كان الأمر كذلك فلا دلالة للأمر على\nامتناع التكليف بمثل فعل ما أمر به، فلا يكون الأمر مقتضيا له.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن القضاء يجب بأمر جديد - كما هو\nمذهبنا كما سبق بيانه - حيث إننا قد صححنا: أن القضاء يجب\nبالأمر السابق، ولا يحتاج إلى أمر جديد.\nالجواب الثاني: إن سلمنا صحة أن القضاء يجب بأمر جديد، فإن\nالقضاء إنما سمي بذلك، لأنا نقضي العبادة التي فات وقتها، ولم\nنفعلها، لذلك قلنا في حقيقة القضاء: \" إنه فعل الشيء بعد خروج\nوقته شرعًا \"، وقد سبق بيانه، وهذا هو الذي نتفق معكم على\nتسميته قضاء، فإن لم يكن كذلك فلا يمكن أن نسميه قضاء.\nأما إذا وقع الفعل صحيحا لا خلل فيه ثم فعل مرة أخرى، فلا\nيُسمى ذلك قضاء.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي، لأنه إن كان المراد لزوم الإتيان بمثله فهي\nمسألة: \" الأمر المعلق يقتضي التكرار \"، والخلاف فيها كما سبق،\nوعلى هذا فالأول يجزئ عن الآخر.\nوإن كان المراد: أن الفعل الأول فيه خلل ولم يقع الموقع فهو غير\nمجزئ، ويجب القضاء بالاتفاق.","vol":"3","page":1401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>المطلب السادس عشر الأمر بالأمر بالشيء هل يكون\nأمرًا بذلك الشيء أو لا</span>؟\nومثاله: لو قال زيد لبكر: \" مر عمرًا بأن يشتري لي كذا \" فهل\nيكون زيدًا آمرًا عمرًا بشراء تلك السلعة؟\nاختلف في ذلك على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به ما لم يدل\nعليه دليل، أي: أن الأمر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من\nالأفعال لا يكون أمرًا لذلك الغير بذلك الأمر.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أنه لو كان الأمر بالأمر بالشيء أمرًا لذلك الغير:\nلكان ذلك مقتضاه لغة، ولو كان كذلك: لكان أمره - ﷺ - لأولياء الصبيان بقوله: \" مروهم بالصلاة لسبع \" أمرًا للصبيان بالصلاة من الشارع، ولكن هذا ليس أمرًا للصبيان من الشارع ولا إيجابا عليهم؛ لأن الأمر موجه نحو الأولياء؛ حيث إنه أمر تكليف، ولذلك يذم\nالولي بترك هذا الأمر شرعًا.\nوأيضا لو كان ذلك أمرًا. للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع،\nوهذا غير متصور في حق الصبيان؛ لعدم فهمهم لخطاب الشارع،\nولقوله ﵊: \" رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي\nحتى يبلغ.. \".\nالدليل الثاني: أنه يحسن أن يقول شخص للولي - الذي يرى أن","vol":"3","page":1402},{"text":"لطفله على طفل غيره شيئًا -: \" طالب بحقه \"، ويقول للمدعي\nعليه - إذا عرف أنه لا شيء على طفله -: \" لا تطعه ومانعه \"،\nولا يعد ذلك مناقضة في كلامه، ولو كان الأمر بالأمر بالشيء أمرًا\nلذلك الغير لوقع التناقض.\nوكذلك يحسن أن يقول السيد لعبده سالم: \" مر غانما بكذا \"،\nويقول لغانم: \" لا تطعه \"، ولا يعتبر ذلك مناقضة في كلامه، ولو\nكان ذلك أمرًا لغانم لكان كانه قال: \" أوجبت عليك طاعتي ولا\nتطعني \" وهو ظاهر التناقض.\nالمذهب الثاني: أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء من الآمر\nالأول.\nأي: أن الأمر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الأفعال يكون\nأمرًا لذلك الغير بذلك الفعل، وهو مذهب بعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن نافعا قد روى عن عبد اللَّه بن عمر أنه طلق\nامرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي - ﷺ - عن ذلك فقال له: \" مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله\nأن يطلق لها النساء \".\nوجه الدلالة: أن العلماء أجمعوا على أن ذلك كان واجبا على\nابن عمر مع أن الأمر ورد إليه من أبيه عمر الذي كان مأمورًا من قبل\nالرسول - ﷺ -، فهذا يدل على أن الأمر بالأمر بالشيء هو أمر بذلك الشيء، وإلا: لما وجب على ابن عمر ذلك.","vol":"3","page":1403},{"text":"جوابه:\nأن عمر وابنه - ﵄ - قد فهما أن مقصود رسول الله\n- ﷺ - التبليغ لعبد اللَّه، لا أن أباه يأمر من عند نفسه، ولا نزاع أنه إذا فهم التبليغ أن الثاني يكون مأمورًا بالأمر الأول.\nالدليل الثاني: أنا نقطع بأن اللَّه تعالى إذا أمر رسوله بأن يأمر\nالأُمَّة بشيء: أن الأُمَّة تكون مأمورة من اللَّه تعالى بذلك الشيء،\nوحيث ثبت القطع بهذا: كان الأمر بشيء أمرًا بذلك الشيء من\nالآمر الأول.\nجوابه:\nإن القطع الذي قلتموه - هنا - لم يأت من خصوص الأمر،\nوإنما جاء من جهة العلم بأن الرسول مبلغ عن اللَّه أوامره، فالرسول\n- ﷺ - ليس آمرًا، وإنما الآمر هو اللَّه تعالى.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إن هذا الخلاف قد أثر في بعض الفروع\nالفقهية، ومنها:\n١ - أن الرجل لو قال لابنه: قل لأمك: أنت طالق، فإن أراد\nالتوكيل فهذا واضح؛ فتطلق؛ لأن الابن يعتبر وكيلًا لأبيه في طلاق\nأمه.\nأما إذا لم يرد شيئًا:\nفإنه يلزم على المذهب الأول - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء\nليس أمرًا بذلك الشيء - فإنه لا يقع الطلاق.\nويلزم على المذهب الثاني - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء","vol":"3","page":1404},{"text":"أمر بذلك الشيء - فإن الطلاق يقع؛ لأنه يكون كانه أمر بالطلاق\nفينفذ.\n٢ - لو قال زيد لبكر: مر عمرًا أن يبيع هذه السلعة، ثم باعها\nالثالث - وهو عمرو - قبل إذن الثاني - وهو بكر - بأن سمع زيدًا\nيقول ذلك - فهل هذا البيع صحيح؟\nعلى المذهب الأول - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا\nبذلك الشيء - لا يكون هذا البيع صحيحا.\nأما على المذهب الثاني - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك\nالشيء - يكون هذا البيع صحيحا.","vol":"3","page":1405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>المطلب السابع عشر هل أمر النبي - ﷺ - المطلق أمر لأمته وأمر الأمَّة المطلق هو أمر للنبي - ﷺ -، وأمر واحد من الصحابة هو أمر لغيره</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الأمر للنبي - ﷺ - هو أمر لأمته، وأمر الأمة هو أمر للنبي - ﷺ -، وأمر واحد من الصحابة هو أمر لغيره، ولا يخرج أحد عن خطاب الآخر إلا بدليل.\nوهذا مذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية، وأكثر الحنابلة، وهو\nالمشهور من مذهب الإمام أحمد، وقال الإسنوي: \" إنه ظاهر كلام\nالشافعي \"، وهو الحق عندي، وللاستدلال على ذلك لا بد من\nذكر حالات هذه المسألة الثلاث، وذكر أدلة كل حالة ليكون ذلك\nأوضح في ذهن طالب العلم فأقول:\nالحالة الأولى: إذا خاطب اللَّه تعالى نبينا - ﷺ - بالأمر بفعل عبادة بلفظ ليس فيه تخصيص كقوله تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل)،\nو(يا أيها النبي اتق الله)، و(يا أيها المدثر قم فأنذر)، فإن أُمَّته\nتشاركه في حكم ذلك الأمر والفعل حتى يدل دليل على تخصيصه\nبذلك الحكم، ويدل على قولنا هذا ما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .","vol":"3","page":1406},{"text":"وجه الدلالة: أنه لو كان الرسول - ﷺ - منفردًا بما يتوجه إليه من الأوامر الشرعية لما كان لتخصيصه بذلك اللفظ فائدة.\nأي: أن الأصل والقاعدة: دخول الأُمَّة في الخطابات الموجهة إلى\nالنبي - ﷺ -، ويدل على ذلك: أن الشارع إذا أراد تخصيصه بشيء فإنه يبين ذلك مثل هذه الآية، أما إذا لم يبين فالأمر يعمه ويعم جميع الأمة.\nالدليل الثاني: أن بعض الصحابة يسأل الرسول - ﷺ - عن الأمر فيجيب عن حال نفسه، وهذا يدل على أنه لا فرق بينه وبينهم،\nومن ذلك:\n١ - ما روته عائشة - ﵂ -: أن رجلًا سأل النبي\n- ﷺ - قال: \" تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم \"، فقال الرسول - ﷺ -.: \" وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم \".\n٢ - ما روته أم سلمة - ﵂ -: أن امرأة قبلها زوجها\nوهو صائم فأتت النبي - ﷺ - فقالت له ذلك، فقال النبي - ﷺ -: \"ألا فأخبريها أني أفعل ذلك \".\nفلو كان الحكم مختصا به لم يصلح فعله أن يكون جوابا لهم.\nالدليل الثالث: أن الصحابة - ﵃ - إذا اختلفوا في\nحكم من الأحكام الشرعية، فإنهم يرجعون إلى أفعال النبي - ﷺ - كرجوعهم إلى فعله في الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال،\nونحو ذلك.\nفلو كان مخصوصا بحكم الشريعة لما صح رجوعهم إلى فعله\n- ﷺ -، فدل على مساواته بغيره في أحكام الشرع.","vol":"3","page":1407},{"text":"الدليل الرابع: أن النبي - ﷺ - أشار إلى ذلك،\nحيث قال: \" إنما أسهوا لأسن \"، فخطابه لا يختص به.\nالحالة الثانية: إذا توجه الخطاب بالأمر إلى الصحابة - رضي الله\nعنهم - والأمة فإن النبي - ﷺ - يدخل فيه كقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة)، وقوله ﵊: \"يا أيها الناس قد\nفرض عليكم الحج فحجوا \" دلَّ على ذلك دليلان هما:\nالدليل الأول: أن النبي - ﷺ - لما أمر الصحابة بالفسخ، قالوا: أتامرنا بالفسخ وأنت لا تفسخ، فقال: \" لو استقبلت من أمري ما\nاستدبرت لجعلتها عمرة، ولحللت كما تحلون \"،\nوفي رواية عن ابن عمر أنه قال: لما أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نحل بعمرة قلنا: فما يمنعك يا رسول اللَّه أن تحل معنا؛ قال: \" إني هديت ولبدت، فلا أحل حتى أنحر هديي \".\nوجه الدلالة: أن - ﷺ - لم ينكر عليهم سؤالهم، بل أقرهم عليه؛ لأنه يُعرف أن الصحابة أرادوا - بسؤالهم - أن يُفسر لهم\nانفراده عنهم بالحكم في هذه المرة، فلو لم يكن الرسول - ﷺ - داخلًا معهم في الخطابات الموجهة إليهم لما سألوه عن سبب عدم موافقته لهم، ولما أقرهم على ذلك، وبين لهم عذره وسبب عدم موافقته\nلهم في هذا الحكم الخاص.\nالدليل الثاني: قياس مشاركة الرسول - ﷺ - للصحابة على مشاركتهم له، بيان ذلك:\nأنه ثبت بالأدلة أن الأُمَّة يشاركون النبي - ﷺ - في الحكم الذي وجه إليه - كما سبق في الحالة الأولى - فكذلك يقاس عليه: أنه يشارك أمته في الأحكام الموجهة إليهم ولا فرق؛ لأنه لو ثبت حكم في حق","vol":"3","page":1408},{"text":"الصحابة انفردوا به دون - ﷺ - للزم من ذلك أن يثبت حكم خاص به دون الصحابة، وقد ثبت بطلان الأخير - وهو ثبوت حكم خاص به دون الصحابة - بالأدلة السابقة، وإذا بطل هذا فقد بطل الأول -\nوهو ثبوت حكم في حق الصحابة انفردوا به دون النبي - ﷺ -.\nوبذلك ثبت: أن الخطاب الموجه إلى - الصحابة يدخل فيه النبي\n- ﷺ -.\nالحالة الثالثة: إذا توجه الأمر إلى واحد من الصحابة فإنه يدخل\nغيره من الصحابة في ذلك الأمر، ويشمملهم حكمه مثل: \" رجم\nماعز \"، و\" قطع يد سارق رداء صفوان بن أمية \"، ودل على ذلك\nأدلة، ومنها:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة في أحكام الحوادث؛ حيث إن\nالصحابة - بعد وفاة النبي - ﷺ - كانوا يرجعون إلى ما قضى به النبي - ﷺ - على أعيان وأشخاص منهم، فيأخذون تلك الأحكام المعينة ويعممونها له ولهم كرجوعهم في حد الزاني إلى قصة ماعز، وفي دية الجنين إلى حديث حمل بن مالك، وفي المفوضة إلى قصة بروع بنت واشق، وفي السكنى والنفقة إلى حديث فاطمة بنت قيس،\nونحو ذلك، ولم يقل أحد من الصحابة: إن كل حكم خاص بمن\nخوطب به - فقط -؛ إذ لو كان لنقل، ولكن لم ينقل إلينا شيء\nمن ذلك، فكان ذلك إجماعا منهم على تساوي الجميع في تلك\nالأحكام.\nالدليل الثاني: أن قول الصحابي: \" نهى رسول الله - ﷺ - عن المزابنة \" أمر يعم الصحابي الذي رآهَ النبي - ﷺ - يبيع بالمزابنة، ويعم غيره، وهذا بإجماع الصحابة؛ حيث احتجوا بهذا على تحريم بيع","vol":"3","page":1409},{"text":"المزابنة، فلو كان الحكم مختصا بمن خوطب به فقط لما كان ذلك\nعاما لجميع الصحابة، ومن بعدهم إلى قيام الساعة.\nالدليل الثالث: أنه لو كان الحكم يختص بمن خوطب به من\nالصحابة فقط، دون غيره من الصحابة: لكان ذلك أصلًا يعرفه كل\nصحابي، وبناء عليه: لا يحتاج إلى أن - ﷺ - يخاطب بعض الصحابة ويخصصه بالخطاب، ويبين ذلك باللفظ مثل قوله لأبي بردة\nفي الجذع من الماعز: \" يجزيك، ولا يجزي عن أحد بعدك \"، فلو\nكان الصحابي يختص بما خوطب به لما كان لقوله: \" ولا يجزي\nلأحد بعدك \" فائدة.\nالدليل الرابع: قياس هذا على الألفاظ الواردة في الكتاب\nوالسُّنَّة، بيانه:\nأن الألفاظ الواردة في الكتاب والسُّنَّة من أوامر ونواهي إنما\nخوطب بها أصحاب النبي - ﷺ -،\nوأجمع العلماء على أن كل خطاب موجه إلى الصحابة فهو موجه إلى غيرهم في جميع العصور إلى قيام الساعة، وإذا كان الأمر كذلك فمن باب أوْلى أن يكون الخطاب الموجه إلى واحد من الصحابة يدخل فيه غيره من الصحابة.\nالمذهب الثاني: أنه إذا توجه الأمر إلى واحد - مما ورد في تلك\nالحالات - لم يدخل غيره فيه بإطلاقه، أي: أن الحكم يختص بمن\nتوجه إليه الأمر، ولا يدخل غيره فيه إلا بدليل يوجب التعميم.\nوهو مذهب أكثر الشافعية، وبعض الحنابلة كأبي الحسن التميمي،\nوأبي الخطاب.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قياس المتعبِّد على العبادة، بيان ذلك:","vol":"3","page":1410},{"text":"أنه لو ورد الأمر بعبادة لم يتناول هذا الأمر بمطلقه عبادة أخرى،\nفكذلك إذا توجه الأمر إلى شخص متعبَّد لم يدخل فيه متعبَّد آخر؛\nلأن الأمر يتناول العبادة والمتعبَّد بها، فكما لا يتعدى أحدهما لا\nيتعدى الآخر.\nجوابه:\nإن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن\nالله تعالى إذا أمر بعبادة، فإنه أراد أن تقام تلك العبادة بذاتها؛\nلمصلحة يعلمها، بخلاف المتعبَّد فإنه سبحانه إذا أمره بأن يفعل شيئا\nفإنه لا يقصده هو بالذات، ولكن يقصد جميع المكلَّفين، إذا لم\nيوجد دليل يخصصه؛ لأن النبي - ﷺ - مبعوث إلى الناس كافة، دون تخصيص بعض الأفراد دون بعض.\nالدليل الثاني: قياس لفظ الخصوص على لفظ العموم، بيانه:\nأن لفظ الخصوص ضد لفظ العموم، ثم إن لفظ العموم لا\nيُحمل على الخصوص بمطلقه، فكذلك لفظ الخصوص لا يحمل\nعلى العموم والاستغراق بمطلقه.\nجوابه:\nإن هذا - أيضا - قياس فاسد -؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه\nالفرق: أن الخطاب وإن وجه إلى شخص فإنه يعم جميع الأشخاص؛\nبناء على أن الشريعة عامة وشاملة لجميع المكلَّفين؛ حيث قال تعالى:\n(وما أرسلناك إلا كافة للناس)، وقال - ﷺ -:\n\" بعثت إلى الأحمر والأسود \".\nوأما لفظ العموم إذا ورد فإنه جاء على أصله، فلا يصرف عن\nهذا الأصل إلا بدليل.","vol":"3","page":1411},{"text":"الدليل الثالث: قياس كلام الشارع على كلام المكلَّفين، بيانه:\nأنه لا خلاف بين أهل اللغة: أن السيد إذا قال لعبد واحد من\nعبيده: \" افعل كذا وكذا \" لم يدخل بقية عبيده في ذلك الأمر،\nفكذلك إذا أمر اللَّه نبيه بأمر لم تدخل فيه الأُمَّة، وكذلك الأمر\nللصحابي الواحد لا يعم غيره من الصحابة.\nجوابه:\nإن هذا - أيضا - قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه\nالفرق: أن لفظ صاحب الشرع أدل على العموم من لفظ غيره\nبدليل: أنه لو قال اللَّه تعالى لنبيه، أو قال - ﷺ - لبعض أُمته: \"صم \" لأنك صليت \" دخل في ذلك كل مصل؛ اعتبارًا بتعليله، أما\nلو قال السيد لواحد من عبيده: \" اسقني ماء؛ لأنك صليت \" لم\nيدخل غيره من عبيده المصلين في ذلك، ولو قال: \" والله لا آكل\nالسكر؛ لأنه حلو \" لم يدخل في يمينه غيره من الحلويات، فكلام\nالشارع يختلف عن كلام المكلَّفين.\nبيان نوع الخلاف:\nلقد اختلف في الخلاف هنا هل هو معنوي أو لفظي على قولين:\nالقول الأول: إن الخلاف معنوي.\nوهو الحق؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن دخول\nالرسول - ﷺ - في الخطابات الموجهة إلى الأُمَّة، ودخول الأُمَّة في الخطابات الموجهة إلى الرسول - ﷺ -، ودخول بقية الصحابة في الخطاب الموجه إلى فرد منهم: ثبت عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرج كل واحد من هؤلاء عن خطاب الآخر إلا بدليل خارجي.","vol":"3","page":1412},{"text":"أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن كل خطاب مختص\nبمن وجه إليه ولا يدخل غيره إلا بدليل كقياس غير المخاطب على\nالمخاطب.\nفعلى المذهب الأول: يكون دخول غير المخاطب عن طريق عموم\nاللفظ والنص.\nوعلى المذهب الثاني: يكون دخول غير المخاطب عن طريق\nالقياس.\nوالفرق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس\nمن وجهين:\nالوجه الأؤل: أن الحكم الثابت عن طريق عموم اللفظ والنص\nأقوى من الحكم الثابت عن طريق القياس.\nالوجه الثاني: أن الحكم الثابت عن طريق عموم اللفظ والنص\nينسخ وينسخ به، أما الحكم الثابت عن طريق القياس فلا ينسخ ولا\nينسخ به؛ لأنه ثبت عن طريق الاجتهاد، والنسخ خاص بالنصوص.\nالقول الثاني: إن الخلاف لفظي، وهو ما أشار إليه إمام الحرمين.\nدليل هذا القول:\nأن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على أن الناس سواء في الشرع،\nولا فرق بين المخاطب وغير المخاطب إذا كان صالحًا له.\nواتفقوا - أيضًا - على أن الخطاب الموجه إلى الواحد خاص به\nعن طريق اللغة وااللسان.\nفإذا كان هذا متفقا عليه فلا خلاف في المعنى، بل في اللفظ.\n-","vol":"3","page":1413},{"text":"جوابه:\nإن جميع أصحاب المذهبين قالوا: إن غير المخاطب يدخل في\nالحكم الخاص، وهذا متفق عليه بشرط صلاحيته له.\nلكنهم اختلفوا هل هذا الدخول ثبت عن طريق عموم اللفظ\nوالنص أو قياس غير المخاطب على المخاطب.\nفأصحاب المذهب الأول يقولون: إن دخول غير المخاطب ثبت\nعن طريق اللفظ والنص، وأصحاب المذهب الثاني يقولون: إن\nدخول غير المخاطب ثبت عن طريق القياس، وفرق بينهما كما بينا.","vol":"3","page":1414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>المطلب الثامن عشر تعلق الأمر بالمعدوم</span>\nاتفق العلماء على أن المعدوم لا يطلب منه إيقاع المأمور به حال\nعدمه؛ لأن هذا محال، فلا يتعلق به الأمر ما دام معدوما تعلقا\nتنجيزيا.\nواتفقوا - أيضا - على أن المعدوم إذا وجد وهو مستكمل لشرائط\nالتكليف، فإنه يطلب منه إيقاع المأمور به، وأنه يتوجه إليه الخطاب،\nفيتعلق الأمر به.\nولكنهم اختلفوا في تعلق الأمر بالمعدوم الذي علم اللَّه - تعالى -\nأنه سيوجده مستكملًا لشرائط التكليف على مذهبين:\nالمذهب الأول: الأمر يتعلَّق بالمعدوم على تقدير وجوده، ووجود\nشروط التكليف فيه، فالأمر يتناول المعدومين الذين علم اللَّه تعالى\nأنهم سيوجدون على صفة التكليف.\nوهذا مذهب أكثر المالكية، وأكثر الشافعية، وأكثر الحنابلة،\nوكثير من الحنفية، ونسبه بعضهم إلى جمهور العلماء.\nوهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة والتابعين على أن الأمر متعلق\nبالمعدوم، بيانه:\nأن جميع الصحابة والتابعين كانوا يأخذون بأوامر اللَّه وأوامر رسوله - ﷺ -","vol":"3","page":1415},{"text":"ويطبقونها على من لم يوجد في زمان نزول تلك الأوامر،\nولم يحدث أن واحدًا امتنع من ذلك التطبيق؛ إذ لو حدث لنقل،\nووصلنا، ولكن لم يكن شيء من ذلك، فصار إجماعا منهم على\nأن الأوامر الشرعية تتناول من كان معدوما حال الخطاب بالأمر.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) .\nوجه الدلالة: أنه لا خلاف أنه أريد بذلك جميع أُمَّته، فقد\nخاطبهم وهم معدومين.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) .\nوجه الدلالة: أن المعدوم قد بلغه الأمر إذا وجد، فدل على أن\nالأمر يتعلق بالمعدوم.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا باتباع النبي - ﷺ -، ولا خلاف في أنا مأمورون باتباعه، ولم نكن حين نزول الآية موجودين،\nومع ذلك فقد توجه الأمر إلينا بالتكليف، ومن لم يتبع الرسول - ﷺ - فقد كفر؛ لأن مخالفة الرسول - ﷺ - هي مخالفة لله، ومخالفة اللَّه كفر.\nتنبيه: اختلف أصحاب هذا المذهب - وهم القائلون: إن الأمر\nمتعلق بالمعدوم - فيما بينهم - هل الأمر أمر إعلام، أو إلزام على\nأقوال ثلاثة:\nالقول الأول: الأمر المتعلق بالمعدوم أمر إعلام، وليس أمر إلزام.","vol":"3","page":1416},{"text":"القول الثاني: إن المعدوم ليس مأمورًا مباشرة، وإنما يتناوله تبعا.\nالقول الثالث: إن الأمر المتعلق بالمعدوم أمر إلزام، وهو الحق\nعندي؛ لأن أوامر الشرع في موضوعها ملزمة لا معلمة من غير\nإلزام، وليست مجرد تابعة.\nالمذهب الثاني: أن الأمر لا يتعلق بالمعدومين، ولا يتناولهم،\nوإنما يختص بالموجودين فقط.\nوهو مذهب بعض الحنفية كالجصاص، وأكثر المعتزلة.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن المعدوم لا يُعتبر شيئًا، فأمره هذيان وعبث لا\nفائدة فيه.\nجوابه:\nإن المعدوم يتعلق به الأمر بشرط: أن يكون في العلم أنه يوجد،\nوهذا غير محال.\nوأيضا فإن من عادة الناس أن يوصلوا إلى من يحدث من أولادهم\nبالنظر إلى وقوفهم، وصرفها في وجوه يعينها الواقف، وإن كان\nهؤلاء الأولاد في حال الوصاية معدومين، فهذا لا يمكن أن يكون\nهذيانا وعبثا.\nفالأمر تعلق بمأمور وجد في الثاني كما تعلقت الوصية بمن يحدث\nفي الثاني.\nالدليل الثاني: قياس الأمر مع المأمور على القدرة مع المقدور،\nبيانه:","vol":"3","page":1417},{"text":"أنه إذا كانت القدرة لا يمكن أن تكون مع عدم المقدور، فكذلك\nالأمر لا يمكن أن يكون مع عدم المأمور.\nجوابه:\nإن هذا القياس فاسد؛ لأنا لا نُسَلِّمُ الأصل المقاس عليه؛ حيث\nإن اللَّه سبحانه يوصف بأنه قادر قبل وجود المقدور، واذا بطل الأصل\nفإنه يبطل الفرع المقاس عليه، فيبطل دليلكم.\nالدليل الثالث: أن المعدوم يستحيل خطابه، وهو: توجيه الكلام\nإليه بحيث يفهم ذلك الكلام ويسمعه، فإذا استحالت مخاطبته:\nاستحال أن يكلف بامتثال الأمر وفعله.\nجوابه:\nإنا لما قلنا: إن الأمر يتعلق بالمعدوم: لم نقل ذلك مطلقا، بل\nبشرطين هما: \" أن يوجد \"، و\" أن يكون قد استكمل شروط\nالتكليف \" فخطابه بإيجاد الفعل حال عدمه مستحيل، أما توجيه\nْالأمر إليه بشرط الوجود فلا يكون مستحيلًا؛ لأنه يفعل في حال\nوجوده ما أمر به سابقا، وعلى هذا يصح أن يكون مأمورًا.\nيدل على ذلك: أن الولد يصير مكلفا بوصية والده الذي لم يراه،\nوملزما بها حتى إنه يوصف بالطاعة بالامتثال، ويوصف بالعصيان\nبالمخالفة.\nالدليل الرابع: قياسًا المعدوم على الصبي والمجنون، بيانه:\nأنه اتفق على عدم تعلق الأمر بالصبي والمجنون مع وجودهما،\nفمن باب أوْلى: أن لا يتعلق الأمر بالمعدوم، والجامع: عدم فهم\nالخطاب، وعدم معرفة الأمر والمأمور به، وأنه لا يقع منهم فعل\nصحيح.","vol":"3","page":1418},{"text":"جوابه:\nأنا قلنا: إنه يصح أن يؤمر المعدوم بشرط أن يزول العدم، مثل:\nالصبي والمجنون، فإنهما مأموران بشرط البلوغ والعقل.\nاعتراض على هذا الجواب:\nقال قائل - معترضًا -: هذا الجواب مخالف للنص وهو قوله\n- ﷺ -: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق ... \"، فكيف تزعم أن الصبي والمجنون مأموران مع\nأنهما قد رفع القلم عنهما بالنص؟!\nجوابه:\nإنه ليس المراد برفع القلم - في هذا الحديث - هو أنه لا يتوجه\nإلى الصبي والمجنون أي أمر، بل المراد برفع القلم - هنا - هو:\nرفع المأثم، ورفع الإيجاب المضيق.\nأي: أن الصبي والمجنون - في حال الصبا والجنون - لا يأثمان\nإذا تركا ذلك الأمر، وأن هذا الأمر المتوجه إليهما لا يراد منه التضييق\nعليهما بالتنفيذ فورًا، وإنما يوجه الأمر الآن، وامتثاله يكون بعد\nالبلوغ والإفاقة.\nيدل على ذلك: أنه قرن معهما النائم، فالنائم يتوجه إليه الأمر\nحال نومه، ولكن الامتثال يكون بعد استيقاظه، فكذلك الصبي\nوالجنون مثله.\nبيان نوع الخلاف:\nقد يبدو أن الخلاف لفظي لاتفاق أصحاب المذهبين على أن المعدوم\nمكلَّف إذا وجد وهو مستكمل لشروط التكليف.","vol":"3","page":1419},{"text":"ولكن الحق أن الخلاف معنوي؛ لأمرين:\nأولهما: أن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن الأمر للمعدومين\nثبت عن طريق النص واللفظ.\nأما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا أن الأمر للمعدومين ثبت\nعن طريق القياس.\nوفرَّق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس\nمن وجهين ذكرناهما فيما سبق.\nثانيهما: أن السيد لو خاطب عبيده قائلًا: \" ليقف كل واحد\nمنكم ساعة \"، ثم اشترى عبدًا جديدًا فهل يدخل في ذلك؟\nأصحاب المذهب الأول يقولون: نعم يدخل معهم بالنص.\nأما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يقولون: إنه لا يدخل معهم إلا\nبدليل.","vol":"3","page":1420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>المطلب التاسع عشر هل يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف\nلا يتمكن من فعله</span>؟\nمثل: إذا أمر اللَّه تعالى عبده بالحج هذا العام، وهو يعلم أن هذا\nالمأمور يموت في شوال - أي قبل الحج - فهل يجوز ذلك؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف\nلا يتمكن من فعل المأمور به.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن الأمَّة مجمعة على\nأن الصبي إذا بلغ فإنه يجب عليه أن يعلم ويعتقد كونه مأمورًا بشرائع\nالإسلام منهيًا عن الزنا والسرقة والقتل في الحال، فإذا عزم على\nفعل المأمور بها، وعزم على ترك المنهي عنها: يكون مثابا على ذلك\nمتقربا إلى اللَّه بذلك، وإن لم يحضره وقت صلاة أو زكاة، ولا\nحضر من يمكن قتله، أو الزنا بها، أو مال تمكن سرقته، ولكن\nيعلم نفسه أنه مأمور ومنهي بشرط التمكن؛ لأنه جاهل بعواتب\nأمره، وعلمه بأن اللَّه - تعالى - عالم بعاقبة أمره، وأنه لا يتمكن\nمن فعل المأمور به لا يدفع عنه وجوب هذا الاعتقاد.\nالمذهب الثاني: لا يجوز الأمر من الله - تعالى - بما يعلم أن\nالمكفَف لا يتمكن من فعل المأمور به.\nوهو مذهب المعتزلة.","vol":"3","page":1421},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن الأمر إذا قيد بشرط يؤدي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطا\nبما يوجد بعده، وهذا ممتنع، أي: يمتنع تعليق الأمر بشرط مستقبل؛\nلأن الشرط لا بد أن يكون حاصلًا مع المشروط، أو قبله.\nجوابه:\nإن هذا ليس شرطًا لوجود ذات الأمر، وقيامه بذات الأمر، بل\nالأمر موجود قائم بذات الأمر سواء وجد الشرط، أو لم يوجد،\nوإنما هو شرط لكون الأمر لازما واجب التنفيذ، وليس ذلك من\nشرط كونه موجودًا.\nولهذا قلنا: إن الأمر أمر للمعدوم بتقدير الوجود، وإن لم يبلغه\nبشرط بلوغه، فليس البلوغ شرطا لقيام نفس الأمر بذات الأمر، بل\nالبلوغ شرط لزوم التنفيذ.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\n١ - لو قال: \" إن شرعت في الصوم فزوجتي طالق \"، ثم\nشرع ومات في أثناء صوم أول يوم، فإنه بناء على المذهب الأول\nيلزمه الطلاق؛ لأن هذا صوم في الحال، وتمام ذلك مقيد بالشرط.\nأما على المذهب الثاني: فإنه لا يلزمه الطلاق؛ لأن بعض الصوم\nليس بصوم، والفاسد لا يحسب شيئًا.\n٢ - لو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء يوم من رمضان\nفإنه يلؤمها الصوم، ويجب عليها الشروع في ذلك اليوم الذي علم","vol":"3","page":1422},{"text":"الله أنها تحيض فيه؛ لأن المرخص في الإفطار لم يوجد، والأمر لا\nزال قائمًا، هذا على المذهب الأول.\nأما على المذهب الثاني: فإنه لا يلزمها أن تصوم ذلك اليوم؛ لأن\nبعض اليوم غير مأمور بصيامه.\nفوائد جواز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن - المكلف لا يتمكن من فعل\nالمأمور به:\nقد يقول قائل: أنتم قلتم: يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن\nالمكلَّف لا يتمكن من فعل المأمور به، فما فائدة ذلك؟\nأقول - في الجواب عن ذلك -: إن في ذلك فوائد، ومنها:\n١ - أن فيه استصلاحا لحاله يدعوه إلى فعل الطاعات، ويزجره\nعن فعل المعاصي.\n٢ - أن فيه إصلاحا لغير المأمور بحثٍّ أو زجر.\n٣ - أن في هذا امتحانا وابتلاء للمأمور ليشتغل بالاستعداد فيثاب\nعلى العزم على امتثال الأمر، ويعاقب على العزم على الترك.\nوهذه الفوائد هي نفس فوائد مسألة: \" جواز النسخ قبل التمكن\nمن الفعل \" التي سبقت في باب النسخ؛ لأن هذه المسألة فرع عن\nتلك، فكما قلنا: ْ يجوز النسخ قبل التمكن من الفعل، فكذلك\nيقال: يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف لا يتمكن من\nفعله.","vol":"3","page":1423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>المبحث الثاني في النهي</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في تعريف النهي.\nالمطلب الثاني: هل للنهي صيغة موضوعة في اللغة؟\nالمطلب الثالث: في ما تستعمل فيه صيغة \" لا تفعل \".\nالمطلب الرابع: فيما تقتضيه صيغة النهي وهي: \" لا تفعل \" حقيقة\nإذا تجردت عن القرائن.\nالمطلب الخامس: إذا ورد النهي بعد الأمر فماذا يقتضي؟\nالمطلب السادس: هل النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار؟\nالمطلب السابع: أحوال المنهي عنه.\nالمطلب الثامن: هل النهي عن الشيء أمر بضده؟\nالمطلب التاسع: هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه أو لا؟","vol":"3","page":1425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>المطلب الأول في تعريف النهي</span>\nأولًا: النهي لغة: المنع، ومنه سميت العقول نهى كقوله تعالى:\n(لِأُولِي النُّهَى)، وذلك لأن العقل ينهى صاحبه عن الوقوع فيما\nيخالف الصواب.\nثانيا: النهي في الاصطلاح هو: استدعاء ترك الفعل بالقول على\nجهة الاستعلاء.\nشرح التعريف:\nتولنا: \" استدعاء \" المراد به: الطلب، والطلب جنس يشمل:\nلا طلب الفعل وهو الأمر \"، و\" طلب الترك وهو النهي \".\nوقولنا: \" ترك الفعل \" أخرج الأمر؛ لأنه استدعاء الفعل كما\nسبق.\nوقولنا: \" بالقول \" أخرج الترك بالفعل كأن يُقيِّد عبده، ويمنعه\nعما يريد، والمقصود بهذا القول: \" صيغة النهي وهي: لا تفعل \"\nوليس المقصود أي شيء يدل على الكف مثل: \" كف \"، و\" ذر \"،\nو\" دع \"، و\" اترك \"، فإن هذه الألفاظ وإن كان مدلولها الترك إلا\nأنها ليست نواهي؛ لأن الترك قد دلَّ عليه بلفظ \" الكف \" ونحوه،\nوالنهي لا بد فيه من أن يدل على الترك لفظ غير الكف مثل: \" لا\nلفعل \".\nوقولنا: \" على جهة الاستعلاء \" أخرج صيغة النهي إذا صدرت","vol":"3","page":1427},{"text":"من المساوي مثل قول المساوي للمساوي: \" لا تضرب فلانا \"،\nويسمى شفاعة والتماسًا.\nوهذا اللفظ أخرج - أيضًا - صيغة النهي إذا صدرت من الأدنى\nمثل قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا) ويسمى دعاء.\nوقلنا: ينبغي أن تكون صيغة النهي واردة على جهة الاستعلاء؛\nلأن الأقل رتبة لو قال لمن هو أعلى رتبة: \" لا تفعل \" على وجه\nالاستعلاء يقال له: إنه \" نهاه \"، ولذلك يوصف بالجهل والحمق\nبسبب نهيه لمن هو أعلى منه رتبة.","vol":"3","page":1428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>المطلب الثاني هل للنهي صيغة موضوعة في اللغة</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن النهي له صيغة موضوعة في اللغة تدل بمجردها\nعليه، وهي: \" لا تفعل \".\nوهو مذهب كثير من العلماء وهو الحق عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: إجماع أهل اللغة على أن للنهي صيغة وهي: \" لا\nتفعل \"، بيانه:\nأن السيد لو قال لعبده: \" لا تدخل هذه الدار \"، فإنه يعقل منه\nكفه عن الدخول، وإذا دخلها فإنه يستحق العقوبة، ولو رآه العقلاء\nمن أهل اللغة وهو يعاقبه، وسألوه عن سبب معاقبته وقال: إني\nأعاقبه؛ لأنه عصاني: فقد نهيته عن دخول الدار بقولي: \" لا\nتدخل هذه الدار \" فدخلها: لوافقوه على أن العبد قد استحق تلك\nالعقوبة، دون منكر لذلك، فكان هذا إجماعا منهم على أن ذلك\nاللفظ وضمع للنهي.\nالدليل الثاني: أن أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى: \" أمر \"،\nو\"نهي \"، و\" خبر \"، و\" استخبار \"، وجعلوا للأمر: \" افعل \"،\nوجعلوا للنهي: \" لا تفعل \"، وللخبر: \" قد فعلت \"،\nوللاستخبار \" هل فعلت؟ \".\nالمذهب الثاني: أنه لا صيغة للنهي في اللغة، وإنما صيغة \"","vol":"3","page":1429},{"text":"\" لا تفعل \" مشتركة بين الأمر وغيره، ولا يحمل على أحدهما إلا\nبقرينة.\nوهو مذهب أكثر الأشاعرة؛ بناء على مذهبهم الفاسد: \" إن\nالكلام معنى قائم في النفس \" كما قالوا في الأمر.\nدليل هذا المذهب:\nأن هذه الصيغة ترد والمراد بها الكف عن الفعل، وترد والمراد بها\nالدعاء كقوله: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، وترد والمراد بها\nالإرشاد كقوله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)\nوترد والمراد بها غير ذلك، وليس أحد هذه المعاني بأوْلى من الأخرى\nولا يجوز ترجيح أحدها بلا مرجح، فوجب التوقف فيها حتى يرد\nدليل يبين المراد كاللفظ المشترك.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه إذا وردت صيغة: \" لا تفعل \"، وهي مجردة\nعن القرائن فلا يفهم منها إلا الكف عن الفعل، ولا نحمله على\nغيره من المعاني إلا بقرينة من شاهد الحال وغيره، فهي تكون حقيقة\nفي الاستدعاء وطلب الترك مجازًا في غيره، كلفظ \" الأسد \" المطلق\nفهو حقيقة في الحيوان المفترس، ولا يحمل على الرجل الشجاع إلا\nبقرينة.\nالجواب الثاني: إنكم قستم صيغة: \" لا تفعل \" على اللفظ\nالمشترك وهذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن اللفظ\nالمشترك كالعين لا يفهم منه معنى معين، أما صيغة: \" لا تفعل \"\nفإنه يفهم منها معنى معين وهو: طلب الترك.","vol":"3","page":1430},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ فأصحاب المذهب الأول يجعلون صيغة: \" لا\nتفعل \" من باب الظاهر؛ حيث إن لها معنيان: \" معنى راجح وهو\nطلب الترك \"، و\" معنى مرجوح وهو عدم إفادتها لذلك \"،\nفرجحوا إفادتها لطلب الترك وعملوا على ذلك بدون قرينة.\nأما أصحاب المذهب الثاني فإنهم جعلوا صيغة: \" لا تفعل \" من\nباب المجمل، وهو الذي لا معنى له راجح، ويترتب على ذلك:\nعدم العمل بصيغة: \" افعل \" إلا بقرينة.","vol":"3","page":1431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المطلب الثالث في ما تستعمل فيه صيغة \" لا تفعل </span>\"\nصيغة النهي وهي: \" لا تفعل \" تستعمل لمعان كثيرة هي كما يلي:\nالأول: التحريم كقوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله) .\nالثاني: الكراهة كقوله تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) .\nالثالث: الإرشاد كقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) .\nالرابع: الدعاء كقول تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) .\nالخامس: التقليل والاحتقار كقوله تعالى: (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم)، فهو قليل وحقير، بخلاف ما عند اللَّه.\nالسادس: بيان العاقبة: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ): أن عاقبة الجهاد: هي\nالحياة الأخروية السعيدة.\nالسابع: التسكين والتصبر كقوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) .\nالثامن: الشفقة كقوله - ﷺ -:\n\" لا تتخذوا الدواب كراسي \".\nالتاسع: اليأس كقوله تعالى: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) .\nالعاشر: الالتماس كقوله لمن هو في مرتبتك: \" لا تضرب فلانا \".\nالحادي عشر: التهديد كقول السيد لعبده: \" لا تفعل اليوم شيئًا \".","vol":"3","page":1432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>المطلب الرابع فيما تقتضيه صيغة النهي وهي: \" لا تفعل </span>\"\nحقيقة إذا تجردت عن القرائن\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن صيغة النهي - وهي: \" لا تفعل \" - تقتضي\nالتحريم حقيقة، ولا يحمل على غيره من المعاني السابقة إلا بقرينة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة - ﵃ - والتابعين؛\nحيث إنهم كانوا يستدلون على تحريم الشيء بصيغة النهي - وهي:\n\"لا تفعل \" - فيقولون: الزنا محرم؛ لقوله تعالى:\n(ولا تقربوا الزنا)، والقتل محرم ل قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم\nالله إلا بالحق)، والربا حرام لقوله تعالى: (ولا تأكلوا الربا)،\nونحو ذلك، فهم كانوا ينتهون عن ذلك بمجرد سماعهم لتلك\nالصيغة، ويعاقبون من يفعل المنهي عنه، واستدلالهم على التحريم،\nوانتهائهم عن المنهي عنه، ومعاقبتهم لمن يفعل المنهي عنه دليل واضح\nعلى أن الصيغة حقيقة في التحريم، فإذا استعملت في غيره كان ذلك\nمجازًا.\nالدليل الثاني: إجماع أهل اللغة واللسان، بيان ذلك:\nأن السيد إذا قال لعبده: \" لا تخرج من الدار \" فخرج، ثم\nعاقبه على خروجه، فإن العقلاء من أهل اللغة لا ينكرون على السيد","vol":"3","page":1433},{"text":"معاقبة عبده، فلو لم تكن صيغة \" لا تفعل \" تقتضي التحريم لما\nاستحق العقوبة بمخالفتها.\nالمذهب الثاني: أن صيغة النهي - وهي: \" لا تفعل \" تقتضي\nالكراهة التنزيهية، ولا يحمل على التحريم ولا على غيره إلا بقرينة.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن صيغة النهي وهي: \" لا تفعل \" ترد والمراد بها التحريم، وترد\nوالمراد بها الكراهة التنزيهية، والتحريم: طلب الترك والمنع من\nالفعل، والكراهة: طلب الترك مع عدم المنع من الفعل، فاشتركا\nفي شيء واحد وهو: طلبط الترك، فنحمله عليه؛ لأنه هو المتيقن،\nأما المنع من الفعل - وهو التحريم \"، فهو شيء زائد يحتاج إلى\nدليل.\nجوابه:\nهذا الدليل يفيد أنكم تطالبوننا بإثبات دليل على أنه يقتضي\nالتحريم - وهو المنع من الفعل - والمطالبة بالدليل ليس بدليل.\nوإن سلمنا أن المطالبة بالدليل دليل، فإنا قد بينا أن مقتضى صيغة\nالنهي التحريم بدليلين قد سبق ذكرهما، ولهذا كان المخالف لهذه\nالصيغة يستحق العقوبة، فلو كان النهي للتنزيه لما استحق مخالفها\nللعقوبة.\nالمذهب الثالث: التوقف حتى يرد دليل يبين المراد من تلك الصيغة.\nوهو لبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن كون صيغة: \" لا تفعل \" موضوعة للتحريم، أو الكراهة","vol":"3","page":1434},{"text":"التنزيهية إنما يعلم بدليل، ولم يثبت دليل من العقل، ولا من النقل\nعلى أحدهما، فيجب التوقف.\nجوابه:\nإن كان توقفكم جاء بسبب عدم ثبوت دليل على أن المراد بها\nالتحريم أو الكراهة، فهو باطل؛ لأنا قد أثبتنا أدلة من إجماع\nالصحابة، وإجماع أهل اللغة على أن صيغة \" لا تفعل \" للتحريم\nحقيقة.\nوإن كان توقفكم جاء بسبب تعارض أدلة المثبتين للتحريم، وأدلة\nالمثبتين للكراهة، وأنه لا مرجح لأحدهما على الآخر، فهذا باطل\n- أيضا -؛ لأن الدليل المثبت للتحريم أرجح من الدليل المثبت\nللكراهة، فيجب العمل به، والقول بالتحريم؛ لأن العمل بالراجح\nواجب، فيكون التوقف فيه مخالفة لهذا الدليل، وهذا لا يجوز.\nوإن كان توقفكم جاء بسبب: أن الصيغة لا تفيد شيئًا، فهذا\nباطل - أيضا - لأنه يلزم منه تسفيه واضع اللغة، وإخلاء الوضع\nعن الفائدة بمجرده.\nالمذهب الرابع: أن صيغة \" لا تفعل \" لفظ مشترك بين التحريم\nوالكراهة، فهي موضوعة لكل منهما بوضع مستقل، وهو لبعض\nالعلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن صيغة \" لا تفعل \" قد استعملت في التحريم، والكراهة،\nوالأصل في الاستعمال الحقيقة، فكان اللفظ حقيقة في كل منهما.\nجوابه:\nإن الاشتراك اللفظي ينقدح إذا كان اللفظ - وهو: \" لا تفعل \"","vol":"3","page":1435},{"text":"مترددًا بين التحريم والكراهة على السواء، ولا يتبادر منه واحد منهما\nبخصوصه عند الإطلاق، وهذا لم يحصل؛ لأن اللفظ عند إطلاقه\nيتبادر منه التحريم، فيكون حقيقة فيه؛ لأن الحقيقة هي التي تتبادر\nفي الذهن وتسبق إليه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي وهو ظاهر.\nفأصحاب المذهب الأول يقولون: إن الوعيد على فعل المنهي عنه\nمستفاد من نفس صيغة \" لا تفعل \"، فيعاقب على فعل المنهي عنه\nبدون قرائن.\nأما أصحاب المذهب الثاني، والثالث، والرابع، فإنهم يقولون:\nإن الوعيد على فعل المنهي عنه لا يستفاد من نفس الصيغة وهي:\n\" لا تفعل \"، وإنما هو مستفاد من قرائن احتفت بالصيغة، فلا يجوز\nللناهي أن يعاقب المنهي على فعل الشيء المنهي عنه إلا بدليل وقرينة.\nفمثلًا قوله - ﷺ -:\n\"ولا يبع بعضكم على بيع بعض \"،\nفإن النهي هنا للتحريم ابتداء عند أصحاب المذهب الأول،\nولا يصرف عنه إلى غيره إلا بقرينة.\nويكون النهي للكراهة ابتداء عند أصحاب المذهب الثاني، ولا\nيصرف عنه إلى غيره إلا بقرينة.\nوكان عند بقية المذاهب مجملًا لا يحمل على التحريم ولا على\nالكراهة إلا بقرينة.\nوكذلك قوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضا) تقول فيه كما\nسبق، وقل ذلك في كل نهي ورد مطلقا.","vol":"3","page":1436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>المطلب الخامس إذا ورد النهي بعد الأمر فماذا يقتضي</span>؟\nلقد سبق في مبحث الأمر أن قلنا: إن الأمر إذا ورد بعد النهي فقد\nاختلف فيه هل يقتضي الإباحة أو يقتضي الوجوب.\nولكن هنا عكس المسألة السابقة، والكلام عنها يحتاج إلى تفصيل\nهوكما يلي:\nالقائلون بأن صيغة الأمر بعد النهي للوجوب اتفقوا على أن النهي\nبعد الأمر للتحريم؛ لأن النهي يقتضي التحريم كما سبق بيانه،\nفوروده بعد الأمر لا يمنعه من إفادته للتحريم، فيجب العمل بالمقتضي\nالسالم عن المعارض، فتكون صيغة النهي الواردة بعد الأمر للتحريم\nكما لو وردت ابتداء.\nأما القائلون: إن صيغة الأمر الواردة بعد النهي للإباحة، فهم\nالذين اختلفوا في هذه المسألة وهي: \" ماذا تقتضى صيغة النهى بعد\nالأمر؛ \" على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن صيغة النهي الواردة بعد الأمر تقتضي التحريم.\nوهذا هو الحق، وهذا خلاف ما قلناه سابقًا في مسألة: \" الأمر\nالوارد بعد النهي \"، فقد قلنا هناك: إن الأمر الوارد بعد النهي\nيقتضي الإباحة، وهنا قلنا: إن النهي الوارد بعد الأمر يقتضي\nالتحريم، وذلك لوجود الفرق بينهما من وجوه:\nالوجه الأول: أن دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة الأمر","vol":"3","page":1437},{"text":"على الوجوب، ولا يلزم من العمل بما هو أقوى العمل بما هو\nأضعف، ولذلك يقول ﵇: \" ما اجتمع الحلال والحرام إلا\nغلب الحرام الحلال \".\nالوجه الثاني: أن الأصل في الأشياء العدم، فالقول بأن النهي\nبعد الأمر يقتضي التحريم فيه عمل بالأصل.\nالوجه الثالث: أن الشارع قد اعتنى بدرء المفاسد أشد من عنايته\nمن جلب المنافع والمصالح، فالقول بأن النهي بعد الأمر للتحريم فيه\nعمل بهذا الأصل.\nالمذهب الثاني: أن - صيغة النهي الواردة بعذ الأمر تقتضي الإباحة\n- مثل: صيغة الأمر الواردة بعد النهي؛ حيث قلنا: إنها تقتضي\nالإباحة.\nدليل هذا المذهب:\nأن تقدم الأمر على النهي يعتبر قرينة على أن الفعل مأذون فيه،\nوليس ممنوعًا، وبذلك تكون صيغة النهي ليس مرادًا منها - حقيقتها،\nبل تكون مجازًا في الإباحة لهذه القرينة.\nجوابه:\nإن هذا الدليل يفهم منه قياس \" النهي الوارد بعد الأمر \" على\n\"الأمر الوارد بعد النهي \"، وهذا لا يصح؛ لأن النهي الوارد بعد\nالأمر يختلف عن الأمر الوارد بعد النهي، فلو قال السيد لعبده: \"لا\nتدخل هذه الدار \"، ثم قال له: \" ادخلها \" هذا يعتبر إذنا بالدخول\nبعد أن حرم عليه الدخول.\nبخلاف ما لو قال له: \" ادخل هذه الدار \"، ثم قال له: \" لا تدخلها \"، فإنه يعتبر تحريما بعد وجوب.","vol":"3","page":1438},{"text":"ثم إن الذي يُبين الفرق ما ذكرنا فيما سبق من الوجوه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي كما هو ظاهر، فلو قال السيد لعبده: - \"ادخل\nهذه الدار \" ثم قال له: \" لا تدخلها \"، فإن دخلها بعد ذلك فهل\nيستحق العقوبة؛\nبناء على المذهب الأول: يستحق العقوبة بدون قرينة.\nوبناء على المذهب الثاني: لا يستحق العقوبة إلا بقرينة تستوحب\nذلك.","vol":"3","page":1439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>المطلب السادس هل النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه على الفور\nويقتضي التكرار، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق؛ لما يلي\nمن الأدلة:\nالدليل الأول: أن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل، وعدم\nالإتيان لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل الأزمنة،\nوبذلك يكون ترك الفعل مستغرقا جميع الأزمنة، ومن جملتها الزمن\nالذي يلي النهي مباشرة، فيكون النهي مفيدًا للتكرار كما هو مفيد\nللفور.\nالدليل الثاني: أن الناهي لا ينهى إلا عن قبيح، والقبيح يجب\nاجتنابه. على الفور، وفي كل وقت.\nالدليل الثالث: أن السيد لو قال لعبده: \" لا تدخل الدار \"،\nفإن ذلك يقتضي: أن لا يدخل الدار على الفور وعلى التكرار\nوالمداومة، وإن دخلها في أي وقت من الأوقات فإفه يستحق الذم\nوالعقوبة، ولو لم يكن مقتضيا لذلك لما استحق مخالفه الذم\nوالعقوبة.\nالمذهب الثاني: أن النهي لا يقتضي الفور، ولا يقتضي التكرار.\nوهو مذهب بعض العلماء.","vol":"3","page":1440},{"text":"دليل هذا المذهب:\nقياس النهي على الأمر، فكما أن الأمر لا يقتضي الفور ولا\nالتكرار، فكذلك النهي لا يقتضي الفور ولا التكرار، والجامع: أن\nكلًا منهما استدعاء وطلب.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه؛ لأن\nالأمر يقتضي الفور، وهذا ثبت بأدلة قد سبق بيانها.\nالجواب الثاني: سلمنا أن الأمر لا يقتضي الفور ولا التكرار،\nلكن قياس النهي عليه لا يصح؛ لأنه قياس فاسد؛ حيث إنه قياس\nمع الفارق، ووجه الفرق: أن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل،\nوعدم الإتيان لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل\nالأزمنة، ومن جملتها الزمن التالي لصدور صيغة النهي.\nأما الأمر فهو طلب الفعل، والفعل يتحقق ولو في مرة واحدة،\nفليس في الأمر ما يقتضي التكرار، فصح أن يقال: إنه لا يفيد\nالتكرار، وحيث كان لا يفيد التكرار فهو لا يفيد الفور.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف - هنا - لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على\nالمعنى، وإن اخلفوا في اللفظ والاصطلاح؛ إذ لا يمكن لأحد أن\nيقول: إن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه بعد صدور صيغة\nالأمر بفترة ولا يمكن لأحد أن يقول: يجب الانتهاء عن المنهي عنه\nمرة واحدة، ثم يعود لفعله، هذا لا يقوله أحد.","vol":"3","page":1441},{"text":"قد يقول قائل: ما دام الأمر كذلك إذن ما سبب قول أصحاب\nالمذهب الثاني: إن النهي لا يقتضي الفور ولا التكرار؟\nأقول - في الجواب عن ذلك -: إن سبب قولهم ذلك: أنهم\nلما استقرؤا النصوص وجدوا: أن النهي يرد مرة للدوام والتكرار\nكقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا)، ومرة يرد لخلافه كقول الطبيب:\n\" لا تشرب اللبن ولا تأكل السمك \".\nأما أصحاب الأول - وهم الجمهور القائلون: إن النهي يدل على\nالتكرار والدوام والعموم والفور مدة القيد في مثل قول الطبيب: \"لا\nتشرب اللبن ولا تأكل السمك \".\nوبناء على ذلك: يكون النهي للدوام مدة العمر في المطلق ومدة\nالقيد في المقيد، فهم نجعلوا النهي يقتضي التكرار ويريدون من ذلك\nمطلق الدوام الأعم من الدوام مدة العمر، ومن مدة القيد.\nفأصحاب المذهب الثاني نظروا إلى الإطلاق من جهة، ونظروا\nإلى التقييد من جهة أخرى، وغايروا بين النظرين، وهما واحد عند\nأصحاب المذهب الأول، فلا خلاف في المعنى، فيكون الخلاف\nلفظيا.","vol":"3","page":1442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>المطلب السابع أحوال المنهي عنه</span>\nالمنهي عنه له حالتان:\nالحالة الأولى: أن يكون المنهي عنه فعلًا واحدًا مثل: \" لا تدخل\nهذه الدار \"، فإن النهي هنا يقتضي ترك ذلك الواحد بعينه.\nالحالة الثانية: أن يكون المنهي عنه متعدد، وهذه الحالة لها ثلاث\nصور:\nالصورة الأولى: أن يكون كل فعل بخصوصه لا يجوز الإقدام\nعليه، وجاء بلفظ العطف \" الواو \" مثل: \" لا تقرب الزنا، ولا\nتأكل الربا \"، فإن النهي يقتضي عدم فعلها جميعها، كما لا يجوز\nفعلها منفردة.\nالصورة الثانية: أن يكون كل واحد منها يجوز فعله منفردًا، وجاء\nبلفظ العطف \" الواو \" مثل: \" لا تتزوج هندًا ولا أختها \"، فإن\nالنهي هنا يقتضي عدم فعلها مجتمعة، ولا يدل على ترك كل واحد\nمنها على انفراده؛ لأن الدليل قائم على جواز التزوج بكل واحدة\nمنها استقلالا.\nالصورة الثالثة: أن يكون كل واحد منها يجوز فعله منفردًا،\nوجاء بلفظ \" أو \" مثل: \" لا تدخل هذه الدار أو هذه الدار \"، فإن\nالنهي يقتضي المنع من دخول أحدهما لا بعينه؛ لأن لفظ \" أو \"\nللتخيير.\nوخالف في الصورة الثالثة المعتزلة، وقد ذكرت مذهبهم في كتابي\n\" إتحاف ذوي البصائر \" فارجع إليه إن شئت.","vol":"3","page":1443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>المطلب الثامن هل النهي عن الشيء أمر بضده</span>؟\nلقد سبق - في باب الحرام -: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده\nمن حيث المعنى على أصح الأقوال.\nوهذه المسألة عكس تلك المسألة، وهي: النهي عن الشيء هل\nهو أمر بضده؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد\nواحد، وإن كان له أضداد فهو أمر بأحدها، فإذا قال: \" لا تقم \"\nفهو أمر بالقعود.\nوهذا هو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق؛ لأن المنهي يتحتم عليه ترك المنهي عنه، ولا يمكنه ترك\nالمنهي عنه إلا بفعل ضده، وما تحتم فعله إلا لأنه مأمور به.\nالمذهب الثاني: أن النهي لا يكون أمرًا بضده، سواء كان له ضد\nواحد، أو أضداد، وهو لبعض الحنفية كالجرجاني، وبعض\nالمتكلمين.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لا يمكن أن يكون لفظ واحد أمرًا ونهيا.\nجوابه:\nنحن لم نقل: إن لفظ \" لا تفعل \" هي عين: \" افعل \"، بل إنا","vol":"3","page":1444},{"text":"نقول: إن النهي عن الشىء أمر بضده من جهة المعنى، كما قلنا:\nإن الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة المعنى، فهو مثل قولنا:\n\"زيد موجود في مكة\"، ومعناه: \" أنه ليس موجودًا في المدينة \"\nوهكذا.\nالدليل الثاني: أن الإنسان منهي عن قتل نفسه، وليس بمأمور\nبترك قتل نفسه؛ لأنه لا يثاب على ترك قتل نفسه، ولو كان مأمورًا\nبه لأثيب عليه.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك، بل هو مأمور بترك قتل نفسه، ويثاب على ذلك\nكما يعاقب على قتل نفسه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إن الرجل إذا قال لزوجته: \" إن\nخالفت أمري فأنت طالق \"، ثم قال لها: \" لا تقومي \" فقامت،\nفإنه يلزم على المذهب الأول: أنها تطلق؛ لأن النهي عن الشيء أمر\nبضده، ويلزم على المذهب الثاني: أنها لا تطلق؛ لأن النهي عن\nالشيء ليس أمرًا بضده.","vol":"3","page":1445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>المطلب التاسع هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه أو لا</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقا، أي سواء\nكان المنهي عنه عبادة، أو معاملة.\nوالمراد بالفساد: عدم ترتب الآثار.\nفأثر النهي في العبادات: عدم براءة الذمة.\nوأثر النهي في المعاملات: عدم إفادة الملك والحل.\nفإذا ورد النهي عن السبب المفيد حكما يقتضي فساده، سواء كان\nالنهي عنه لعينه، أو لغيره في العبادات، أو في المعاملات كالنهي\nعن البيع بعد النداء الثاني، والنهي عن بيع المزابنة، والنهي عن\nنكاح المتعة، والشغار، وبيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها.\nفالنهي عن كل ذلك يقتضي فسادها.\nوهذا مذهب كثير من العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة،\nوالظاهرية، وبعض الحنفية، وبعض المتكلمين.\nوهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن الشارع لا ينهى عن شيء إلا لأن المفسدة متعلقة\nبالمنهي عنه، أو لازمة له، فقد ثبت من استقراء وتتبع النصوص\nالشرعية: أن الشارع لا ينهى عن مصلحة، فلم يبق إلا أن نهيه عن","vol":"3","page":1446},{"text":"مفسدة، وإذا كانت الأشياء المنهي عنها فيها مفاسد، فسيلحق الناس\nمنها ضرر، وإعدام الضرر مناسب عقلًا وشرعًا، ولا يمكن ذلك إلا\nبقولنا: \" إن النهي يقتضي الفساد مطلقا \".\nالدليل الثاني: إجماع الصحابة - ﵃ -؛ حيث إنهم\nاستدلوا على فساد العقود بالنهي عنها، ومن أمثلة ذلك:\nأنهم استدلوا على فساد عقود الربا بالنهي الوارد في قوله عليه\nالصلاة والسلام: \" لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق،\nولا البر بالبر ... \"، واستدلوا على فساد نكاح المحرم في الحج\nبالنهي عنه الوارد في قوله - ﷺ -:\n\" لا ينكح المحرم ولا ينكح \"،\nوغير ذلك، فلو لم يكن النهي يقتضي الفساد لما استدلوا بتلك\nالنواهي على فساد الأمور المنهي عنها، ولم ينكر أحد هذا الاستدلال\nفكان إجماعا.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: لعلهم رجعوا إلى فساد ذلك بسبب قرينة\nدلَّت في الحال على ذلك الفساد.\nجوابه:\nلو كان هناك قرينة لذكرت، ونقلت كما نقل استدلالهم بتلك\nالنواهي، فلما لم ينقل شيء من ذلك: دلَّ على أنهم فهموا من\nالنهي الفساد مطلقًا.\nالدليل الثالث: أن النهي عن الشيء يقتضي ترك هذا الشيء المنهي\nعنه واجتنابه، والأمر بذلك الشيء يقتضي إيجاده وعدم تركه.\nوتركه وعدم تركه متناقضان، والشرع بريء من التناقض وما","vol":"3","page":1447},{"text":"يفضي إليه، ويلزم للتخلص من هذا التناقض - أن يقال: إن النهي\nيقتضي فساد المنهي عنه مطلقا.\nوالأمر يقتضي صلاح المأمور به.\nالمذهب الثاني: التفريق بين العبادات والمعاملات، بيانه:\nأن النهي عن العبادات يقتضي فسادها.\nأما النهي عن المعاملات فلا يقتضي فسادها.\nوهذا مطلقا أي: سواء كان النهي عن الشيء لعينه كالزنا، أو\nكان النهي عنه لغيره كالبيع عند النداء الثاني يوم الجمعة.\nوهو مذهب بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، وبعض المعتزلة\nكأبي الحسين البصري، وهو اختيار بعض الفقهاء.\nتنبيه: اختلف أصحاب هذا المذهب فيما بينهم هل النهي اقتضى\nالفساد مطلقا من جهة اللغة أو الشرع؛ على أقوال:\nالقول الأول: إن النهي اقتضى الفساد من جهة اللغة.\nالقول الثاني: إن النهي اقتضى الفساد من جهة الشرع.\nالقول الثالث: إن النهي اقتضى الفساد من جهة المعنى، وهو\nالصحيح عندي؛ لأن النهي يدل على قبح المنهي عنه وحظره، وهو\nمضاد للمشروعية.\nدليل هذا المذهب:\nأن العبادة طاعة، والطاعة عبارة عما يوافق الأمر، والأمر والنهي\nمتضادان، فما يوافق الأمر قربة وطاعة، وارتكاب النهي معصية،\nفلا يمكن أن يجتمعا في شيء واحد، بأن يكون هذا الشيء منهيا عنه","vol":"3","page":1448},{"text":"ومأمورًا به في حال واحدة، فهذا يجعل النهي عن العبادات يقتضي\nفسادها.\nوذلك بخلاف المعاملات، فإنها ليست قربة، فلا يناقض المقصود\nمنها ارتكاب النهي، فالنهي عن المعاملات لا يقتضي فسادها،\nفمثلًا: البيع وقت النداء الثاني يوم الجمعة صحيح يفيد الملك، لكن\nالبائع آثم لارتكابه المنهي عنه، فلا يوجد تناقض هنا.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ عدم تناقض ذلك، فقد بيَّنا تناقضهما في\nأدلتنا السابقة على مذهبنا.\nالجواب الثاني: سلمنا أن النهي قد لا يناقض الصحة، لكن\nالظاهر من النهي أنه يقتضي الفساد؛ للأدلة التي ذكرناها، والعمل\nبالظاهر واجب.\nوعلى فرض أنا خالفنا هذا الظاهر - وهو: أن النهي يقتضي\nالفساد - وقلنا بالصحة في بعض الفروع، فإن هذا كان بسبب قرينة\nصرفت اللفظ عن المعنى الراجح وهو الظاهر إلى المعنى المرجوح.\nوهذا لا يعني أنا عدلنا عن قاعدتنا وأصلنا - وهو: أن النهي\nيقتضي الفساد، بل نعمل على هذه القاعدة في مطلق النهي، قياسا\nعلى قولنا: إن مطلق النهي يقتضي التحريم، لكن لو وردت صيغة\nالنهي مع قرينة صرفتها من التحريم إلى الكراهة: عملنا بتلك القرينة،\nأما إذا تجرد النهي عن القرائن فإنه يقتضي التحريم، كذا هاهنا.\nالمذهب الثالث: التفريق بين ما نهي عنه لعينه، أو لغيره، بيانه:","vol":"3","page":1449},{"text":"إن كان النهي عن الشيء لعينه كالزنا والسرقة، فإنه يقتضي الفساد.\nوإن كان النهي عن الشيء لغيره كالبيع عند النداء الثاني في يوم\nالجمعة، فإنه لا يقتضي الفساد.\nهذا هو المذهب المنسوب للإمام أبي حنيفة والشافعي.\nدليل هذا المذهب:\nأن الشيء المنهي عنه لذاته ولعينه له جهة واحدة كالنهي عن الزنا\nوالكفر، والملاقيح والمضامين، وبيع الميتة، ونكاح المحارم، فهذه\nالتصرفات فاسدة قطعا؛ لعدم قابلية المحل للتصرف الشرعي، فلا\nيترتب عليها أي أثر شرعي.\nأما الشيء المنهي عنه لغيره كالنهي عن البيع عند النداء الثاني في\nيوم الجمعة، له جهتان، فيصح من جهة، ويأثم البائع من جهة\nأخرى، فالبيع صحيح؛ لتوفر شروط وأركان البيع ويأثم البائع،\nلوقوعه في هذا الوقت المنهي عنه، وعلى هذا: لا يقتضي النهي\nالفساد إذا كان النهي عن الشيء لغيره.\nكذلك يقال في الصلاة في الثوب الحرير، والصلاة في الثوب\nالمسروق، وصوم أيام التشريق.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا مخالف لعموم النص، وهو قوله - ﷺ -:\n\"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد \"؛ حيث إنه عام وشامل\nللمنهي عنه لعينه ولغيره، فهو يبين: أن المنهي عنه ليس عليه أمره","vol":"3","page":1450},{"text":"مطلقا، فيجب أن يكون مردودًا، وهذا يشمل ذاته.، وآثاره،\nومتعلقاته.\nالجواب الثاني: أنه لا فرق بين المنهي عنه لعينه، والمنهي عنه\nلغيره، وذلك لأن الشارع لا ينهى عن شيء إلا لوجود المفسدة في\nهذا الشيء المنهي عنه، ووجود هذه المفسدة إما قطعي - وهي\nالمفسدة الخالصة - أو ظني - وهي المفسدة الراجحة - والعمل\nبالقطعي والظني واجب، ولا يجوز العمل بالمرجوح؛ لأنه كالمعدوم\nلذا يجب اجتناب الشيء المنهي عنه مطلقا؛ نظرًا لوجود المفسدة فيه.\nالمذهب الرابع: أن النهي عن الفعل يقتضي صحة المنهي عنه،\nوهو اختيار أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وكثير من الحنفية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن مجرد صدور صيغة النهي يدل على تصور وقوع\nالمنهي عنه، فالنهي - مثلًا - عن صوم يوم النحر يدل على انعقاده،\nفلو استحال انعقاده في نفسه لما نهى عنه؛ لأن المحال لا ينهى عنه،\nأي: أن النهي عن غير المقدور عليه عبث، والعبث لا يليق\nبالحكيم، فلا يجوز أن يقال للمقعد: \" لا تطر \"، ولا يجوز أن\nيقال للأعمى: \" لا تبصر هذا القلم \"؛ لأن مثل ذلك عبث.\nجوابه:\nأنا نوافقكم بأن النهي يدل على تصور وقوع المنهي عنه عن طريق\nالحس وهي الأفعال، أما الصحة والفساد فهما حكمان شرعيان\nوضعيان لم يرد الأمر بهما، ولا النهي عنهما، يؤيد ذلك: سائر\nمناهي الشرع، فلم يرد فيها ذلك، بل إنا نحن وأنتم قد أجمعنا\nعلى إبطال كل ما نهى الشارع عنه، فقد أبطلنا بيع المحاقلة،","vol":"3","page":1451},{"text":"والمزابنة، والمنابذة، والملامسة، والربا، والصلاة أثناء الحيض،\nونحو ذلك، ولا مستند لذلك إلا النهي، فهذا يدل على أن النهي\nيقتضي الفساد والبطلان مطلقا.\nتنبيه: إن هذا المذهب بعيد جدًا؛ لأن النهي لا يدل على الصحة\nعن طريق اللغة، ولا عن طريق الشرع، ولا عن طريق الضرورة،\nفالمصير إليه تحكم ودعوى بلا دليل، بل الاستدلال بالنهى على فساد\nالشيء المنهي عنه أقرب من الاستدلال بالنهي على الصحة،\nوأصحاب هذا المذهب منعوا أن يكون النهي يدل على الفساد،\nفكيف منعوا أن يكون النهي يدل على الفساد مع قربه منه، ويجيزوا\nأن يكون النهي يدل على الصحة مع بعده؛ هذا بعيد وغريب.\nالمذهب الخامس: أن النهي لا يقتضي فسادًا، ولا صحة مطلقا.\nوهو مذهب بعض الفقهاء، وبعض المتكلمين.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لا يوجد دليل صحيح من العقل ولا من النقل يفيد أن النهي\nيقتضي الفساد، ولا يقتضي الصحة، ولا يوجد ما يفيد أنه يقتضي\nالصحة.\nأما كون الفاعل يأثم بفعل المنهي عنه، فذلك من دليل خارجي.\nجوابه:\nإن هذا الدليل متضمن للمطالبة بالدليل على الفساد، والمطالبة\nبالدليل على الصحة، وهذا باطل من وجهين:\nالوجه الأول: أن المطالبة بالدليل ليست بدليل.\nالوجه الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل، فإنا قد ذكرنا\nأدلة صريحة تدل على أن النهي يقتضي الفساد، ولا يصرفه عنه إلا","vol":"3","page":1452},{"text":"بقرينة، وأبطلنا أدلة المخالفين، وإذا كان النهي يقتضي الفساد، فإنه\nلا يقتضي الصحة بالضرورة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر ذلك في بعض الفروع الفقهية\nومنها:\n١ - أن نكاح المحرم فاسد؛ لأن النهي الوارد في قوله - ﷺ -: \" لا ينكح المحرم.. \" يقتضي الفساد، وهو مذهب جمهور العلماء.\nوذهب بعض العلماء إلى أنه لا يفسد، ولم يعملوا بهذه القاعدة\nوعملوا بأدلة أخرى، وهو مذهب الحنفية.\n٢ - من نذر صيام يوم العيد، فإن هذا النذر فاسد ولو صام لا\nيصح صومه، ولا يسقط القضاء عنه؛ لأنه نهي عن صوم يوم العيد\nوالنهي يقتضي الفساد؛ فلا يكون صوم يوم العيد مشروعا، وهو\nمذهب جمهور العلماء.\nوذهب بعض العلماء إلى أن النذر صحيح بأصله دون وصفه.\nوهو ما قاله الحنفية: فالناذر عندهم يجب عليه الفطر، والقضاء،\nلكن لو صام هذا اليوم صح صيامه مع التحريم، ولم يعملوا بتلك\nالقاعدة - وهي: أن النهي يقتضي الفساد، فالنهي عندهم لا ينافي\nالمشروعية.\nهذا آخر المجلد الثالث من كتاب: \" المهذب في علم أصول الفقه المقارن \"\nللشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة حفظه الله\nونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الرابع إن شاء الله\nوأوله \" العموم والخصوص \" وهو الفصل الثاني عشر من الباب الرابع","vol":"3","page":1453},{"text":"المجلد الرابع\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>الفصل الثاني عشر في العموم والخصوص</span>\nويشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: في العموم.\nالمبحث الثاني: في الخصوص.","vol":"4","page":1455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>المبحث الأول في العموم</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريف العام.\nالمطلب الثاني: بيان أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة.\nالمطلب الثالث: هل العموم من عوارض المعاني حقيقة أو لا؟\nالمطلب الرابع: في أقسام العام.\nالمطلب الخامس: هل للعموم صيغة في اللغة؟\nالمطلب السادس: صيغ العموم.\nالمطلب السابع: الجمع المنكر هل يفيد العموم إذا لم يقع في سياق\nالنفي؟\nالمطلب الثامن: هل نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة\nبينهما من كل الوجوه؟\nالمطلب التاسع: الفعل المتعدي إلى مفعول هل له عموم بالنسبة إلى\nمفعولاته أو لا؟\nالمطلب العاشر: دلالة العام هل هي قطعية أو ظنية؟\nالمطلب الحادي عشر: أقل الجمع ما هو؟\nالمطلب الثاني عشر: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟","vol":"4","page":1457},{"text":"المطلب الثالث عشر: حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد\nالعموم؟\nالمطلب الرابع عشر: حكاية الراوي لفعل النبي - ﷺ - بلفظ \"كان \" هل يفيد العموم؛ وأن هذا الفعل يتكرر منه - ﷺ - أو لا؟\nالمطلب الخامس عشر: هل يدخل العبد فى الخطاب المضاف إلى\nالناس والمؤمنين والأمَّة والمسلمين؟\nالمطلب السادس عشر: الجمع الذي فيه علامة التذكير هل يتناول\nالنساء؟\nالمطلب السابع عشر: العام بعد التخصيص هل هو حقيقة في الباقي\nأو يكون مجازًا؟\nالمطلب الثامن عشر: هل العام المخصوص حُجَّة في الباقي؟\nالمطلب التاسع عشر: هل يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد؟\nالمطلب العشرون: المخاطِب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم\nخطابه؟\nالمطلب الواحد والعشرون: هل يجب اعتقاد عموم اللفظ قبل\nالبحث عن المخصص؟\nالمطلب الثاني والعشرون: الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع هل\nيقتضي العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؟\nالمطلب الثالث والعشرون: هل المفهوم له عموم؟\nالمطلب الرابع والعشرون: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع\nوجود الاحتمال هل ينزل منزلة العموم في المقال؟","vol":"4","page":1458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>المطلب الأول تعريف العام</span>\nالعام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد.\nشرح التعريف:\nقولنا: \" اللفظ \" جنس يشمل كل ما يتلفظ به مما يتكون من\nحروف هجائية، سواء كان مهملًا، أو مستعملًا، عاما أو خاصا،\nمطلقا أو مقيدًا، مجملًا أو مفصلًا، حقيقة أو مجازًا.\nوالمقصود هنا باللفظ هو: اللفظ الواحد، لكن لم نذكر لفظ\n\"الواحد\" للعلم به.\nوقد عبَّرنا ب \" اللفظ \" لإخراج أمرين هما:\nالأمر الأول: العموم المعنوي، أو المجازي كقولنا: \" هذا مطر\nعام \"، فإن مثل ذلك لا يدخل في التعريف \"، وذلك لأن العموم\nالمعنوي لا يتحد الحكم فيه، بل يختلف - كما سيأتي بيانه - أما\nالعموم اللفظي - وهو ما نحن بصدده - فإن الحكم فيه متحد، أي:\nقولنا: \" أكرم الطلاب \" عام وشامل جميع الطلاب بدون تخصيص.\nالأمر الثاني: الألفاظ المركبة، أي: أن قولنا: \" اللفظ \" أخرج\nالشيء الذي أفاد العموم، ولكن بأكثر من لفظ كقولهم: \" ضرب\nزيد عمرًا \"، فإن العموم قد استفدناه من الفاعل وهو الضارب وهو\nزيد، والمفعول به، وهو المضروب وهو عمرو، والفعل وهو:\nالضرب، وكقولهم: \" كلام منتشر \".","vol":"4","page":1459},{"text":"قولنا: \" المستغرق \" أي: يشترط أن يكون هذا اللفظ مستغرقًا\nأي: متناولًا لما وضع له من الأفراد دفعة واحدة.\nوقد عبَّرنا بلفظ \" المستغرق \" لإخراج ما يلي:\nالأول: اللفظ المهمل مثل: \" ديز \"، حيث إنه لا يدخل في\nالتعريف؛ لأن الاستغراق فرع الاستعمال والوضع، والمهمل غير\nموضوع لمعنى وغير مستعمل، فمن باب أوْلى أنه لا يستغرق.\nالثاني: اللفظ المطلق مثل قوله تعالى: (فتحرير رقبة)، فإنه\nلا يدخل في التعريف، لأن اللفظ المطلق يتناول واحدًا لا بعينه -\nكما سيأتي -.\nأما اللفظ العام فإنه يتناول أفرادًا بأعيانهم.\nالثالث: النكرة في سياق الإثبات، حيث لا تدخل في التعريف،\nلأن النكرة وإن وضعت للفرد الشائع في جنسه إلا أنها لا تستغرق\nجميع ما وضعت له، أي: أنها لم تتناوله دفعة واحدة، وإنما\nتتناوله على سبيل البدل، فمثلًا: \" اضرب رجالًا \" معناه: حقق\nالضرب في أقل الجمع وهو: ثلاثة، فإذا ضربت ثلاثة رجال فإنك\nتخرج عن العهدة.\nقولنا: \" لجميع ما يصلح له \" معناه: ما وضع له اللفظ،\nفالمعنى الذي لم يوضع له اللفظ لا يكون اللفظ صالحًا له.\nفمثلًا لفظ \" مَنْ \" وضع للعاقل، ولفظ \" ما \" وضع لغير\nالعاقل، وهما من صيغ العموم - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه - فلا\nيمكن أن تستعمل \" من \" لغير العاقل، فنقول: \" اشتر من رأيته من\nالبهائم \"، ولا يمكن أن تستعمل \" ما \" للعاقل فتقول: \" أكرم ما\nرأيته من العلماء \".","vol":"4","page":1460},{"text":"إذن: قولنا: \" لجميع ما يصلح له \" قيد قصد منه تحقيق معنى\nالعموم.\nوقصد منه - أيضا - الاحتراز عن اللفظ الذي استعمل في بعض\nما يصلح له مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ)، فإن لفظ\n\" الناس \" صيغة من صيغ العموم، ولكن لم يقصد بها هنا العموم،\nبل قصد بها فرد واحد، وهو: نعيم بن مسعود، وقيل: طائفة من\nالأعراب استأجرتهم قريش، وقيل غير ذلك.\nقولنا: \" بحسب وضع واحد \" معناه: أن يكون اللفظ يدل على\nمعناه بحسب وضع واحد.\nوهذه العبارة أتى بها لإخراج أمرين هما:\nالأول: اللفظ المشترك؛ لأن المشترك هو اللفظ الدال على\nمعنيين، فكثر لا مزية لأحدها على الآخر مثل: \" العين \"، و\"القرء\"،\nأما اللفظ العام فهو اللفظ الواحد الموضوع لمعنى واحد، هذا المعنى\nعام.\nولهذا: نعمل باللفظ العام؛ لأن معناه واحد قد فهمناه.\nأما اللفظ المشترك، فلا نعمل به إلا بعد أن تأتي قرينة ترجح أحد\nالمعاني - كما سبق بيانه -.\nالثاني: اللفظ الصالح للحقيقة والمجاز مثل: \" الأسد \".\nاعتراض على هذا التعريف:\nقال قائل - معترضا -: إن العام عرف بالمستغرق، والمستغرق\nمرادف للعام، وتعريف الشيء بمرادفه دور، فكأنه قال: إن العام\nهو المستغرق، والمستغرق هو العام، والدور لا يصح في التعريفات.","vol":"4","page":1461},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الاستغراق مرادف للعموم؛ لأن\nالعموم لغة هو: الشمول، والشمول يختلف عن الاستغراق من\nجهة اللغة، فهما لفظان لكل منهما معنى يخالف الآخر، فلا\nترادف بينهما، وإن اشتركا في بعض اللوازم.\nالجواب الثاني: سلمنا أن الاستغراق مرادف للعموم، وهذا لا\nمانع منه، ويكون من الحد اللفظي الذي سبق أن ذكرناه في الباب\nالأول، فيجوز أن يعرف الشيء بلفظ يرادفه إذا كان أوضح منه، ولا\nشك أن لفظ \" الاستغراق \" أوضح من لفظ العام بالنسبة للسامع،\nفعرف به زيادة في البيان والإيضاح، فيكون كما نعرف الليث بأنه\nالأسد.","vol":"4","page":1462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>المطلب الثاني بيان أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة</span>\nاتفق العلماء على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة،\nوالعوارض جمع عارض، والعارض هو: الذي يذهب ويجيء،\nومنه سمي المال عرضا؛ لأنه يذهب ويجيء، قال تعالى:\n(تريدون عرض الدنيا) .\nفمعنى قولنا: \" إن العموم من عوارض الألفاظ \": أن العموم\nيلحق الألفاظ.\nوهو عرض لازم لما لحقه من الألفاظ، وهذا خاص ببعض\nالألفاظ، والمقصود بذلك صيغ العموم التي تدل على استغراق اللفظ\nبجميع الأفراد، فإذا قلنا: \" هذا اللفظ عام \"، فإن إضافة العموم\nإلى اللفظ ووصفه به حقيقة، وهذا كقولنا: \" هذا حيوان مريض \"،\nفإن إضافة المرض إليه حقيقة.\nإذن: العموم عارض للفظ قد يجيء إليه، وقد يزول عنه،\nوليس العموم داخل في حقيقة اللفظ: فمتى ما وجد اللفظ فهو\nعام، هذا ليس هو المقصود، وإنما المقصود ما ذكرنا.","vol":"4","page":1463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>المطلب الثالث هل العموم من عوارض المعاني حقيقة أو لا</span>؟\nلقد عرفنا أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، وهذا متفق\nعليه، ولكن العلماء اختلفوا هل العموم من عوارض المعاني حقيقة\nعلى مذاهب:\nالمذهب الأول: أن العموم ليس من عوارض المعاني حقيقة، بل\nهو من عوارضها مجازًا، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق\nعندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن من لوازم العام أن يكون اللفظ العام متحدًا،\nومع اتحاده يكون متناولًا لأمور متعددة من جهة واحدة: فالأفراد\nالذين تناولهم اللفظ يجب أن يكونوا متساوين في الحكم، فمثلًا\nقولك: \" أكرم الطلاب \" يجب أن يتساوى جميع الطلاب بالإكرام،\nفإكرام زيد يجب أن يكون مثل إكرام عمرو وبكر، وهكذا دون زيادة\nأو نقصان.\nأما لو قال: \" عم المدينة المطر \" - ونحو ذلك من أمثلة العموم\nالمعنوي أو المجازي - فهذا إطلاق مجازي متساهل فيه؛ لأن المطر قد\nيكون في بعض الوديان والأماكن أكثر من البعض الآخر، كذلك لو\nقال: \" عم القبيلة العطاء \" هو إطلاق مجازي؛ لأن الخليفة لا يمكن\nأن يعطي كل فرد من أفراد القبيلة مثل ما أعطى الآخر، فعطاء رئيس\nالقبيلة يختلف عن عطاء غيره، فاختلفوا في الحكم.\nبخلاف ألفاظ العموم، فإن الحكم متساو في جميع الأفراد،","vol":"4","page":1464},{"text":"فقوله تعالى: (أقيموا الصلاة)، فإن كل فرد يجب أن يصلي\nالظهر أربع ركعات، سواء كان رئيس القبيلة أو غيره.\nالدليل الثاني: أن العموم لغة هو شمول أمر واحد لمتعدد،\nوالمتبادر من الوحدة: الوحدة الشخصية، والمعاني ليست مشخصة،\nفلا توصف بالعموم، وإنما يوصف به ما يتحقق فيه الشخص وهو\nاللفظ، فإذا وصف المعنى بالعموم كان مجازًا.\nالمذهب الثاني: أن العموم من عوارض المعاني حقيقة، وهو\nاختيار ابن الحاجب.\nدليل هذا المذهب:\nأنه ورد استعمال العموم في المعاني كقولهم: \" عم الخليفة الناس\nبالعطاء \"، و\" عمهم المطر \"، و\" عمهم القحط \"، و\" هذا عطاء\nعام \" ونحو ذلك، وهذا قد شاع وذاع في لسان أهل اللغة،\nوالأصل في الاستعمال الحقيقة.\nجوابه:\nإنا لو قلنا: إن استعمال العموم في المعاني استعمالًا حقيقيًا، مع\nقولنا: إن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة للزم من ذلك أن يكون\nالعموم مشتركًا لفظيا بين الألفاظ والمعاني، والاشتراك خلاف\nالأصل، لكن لو قلنا: إن العموم من عوارض المعاني مجازًا، فإنا\nنكون قد تخلصنا من الاشتراك.\nفإن قلت: إن المجاز أيضًا خلاف الأصل - كما سبق -.\nأقول: إن المجاز مقدم على المشترك، فهو أوْلى أن يقال به.\nوالدليل على أن العموم من عوارض المعاني مجازًا: ما قلناه\n- فيما سبق - من أن لازم العام: أن يكون اللفظ واحدًا متناولًا\nلجميع الأفراد بنسب متساوية.","vol":"4","page":1465},{"text":"أما العموم المعنوي أو المجازي: فإنه يخالف هذا اللازم، فعطاء\nهذا الفرد غير عطاء ذلك الفرد، والمطر في هذا المكان غير المطر في\nذلك، فاختلفت النسبة، فنتج: عدم وجود لازم العام، فلم يكن\nعاماحقيقة.\nالمذهب الثالث: أن العموم ليس من عوارض المعاني حقيقة ولا\nمجازًا.\nدليل هذا المذهب:\nأن العموم لغة هو: شمول أمر واحد لمتعدد، وقد قلنا فيما\nسبق: إن الوحدة يتبادر منها الوحدة الشخصية، وهي لا تتحقق إلا\nفي الألفاظ، فالمعنى لا يوصف بالعموم حقيقة، ولا يوصف\n- أيضًا - مجازًا؛ لعدم العلاقة بين اللفظ والمعنى.\nجوابه:\nأن المعاني توصف بالعموم مجازًا، والعلاقة متحققة، وهي:\nعلاقة الدال بالمدلول.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ لأن الخلاف راجع إلى تفسير العموم ما هو وما\nالمراد به؟\nفإن أريد بالعموم: استغراق اللظ لمسمياته، فهو من عوارض\nالألفاظ خاصة، وهذا هو الحق.\nوإن أريد بالعموم شمول أمر لمتعدد مطلقا بدون النظر إلى تساوي\nالنسب أو لا، فهو من عوارض الألفاظ والمعاني معا.\nوإن أريد بالعموم: شمول مفهوم الأفراد فهو من عوارض المعاني\nخاصة.","vol":"4","page":1466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>المطلب الرابع أقسام العام</span>\nينقسم العام إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: عام من جهة اللغة، وهو: ما استفيد عمومه من\nجهة اللغة.\nأي: أن اللفظ قد وضع في اللغة للعموم، وهي صيغ العموم\nالتي سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه - وهو المقصود بباب العموم -.\nالقسم الثاني: العام من جهة العرف، وهو: ما استفيد عمومه\nمن جهة عرف أهل الشريعة، مع كون اللفظ لا يفيد العموم من\nجهة اللغة كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، فإن هذا اللفظ\nلو نظرنا إليه نظرة لغوية فإنه لا يعم، حيث إنه يفيد: تحريم الأكل\nفقط، ولكن عرف الفقهاء جعله مفيدًا لتحريم كل ما يتعلق بالميتة من\nأكلها، وجميع أنواع الانتفاعات.\nالقسم الثالث: العام من جهة العقل، وهو: ما استفيد عمومه\nمن جهة العقل، دون العرف واللغة، وهو ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: أن يكون اللفظ مفيدًا للحكم ولعلته، فيقتضي\nثبوت الحكم أينما وجدت العلة، كاللفظ المشتمل على ترتيب الحكم\nعلى الوصف كقولنا: \" حرم الخمر للإسكار \"، فهذا اللفظ لا يفيد\nالعموم من جهة اللغة، كل ما أفاده هو: أن الوصف عِلَّة للحكم\nفقط.","vol":"4","page":1467},{"text":"وإنما عم من جهة العقل؛ لأن العقل يحكم بأن العِلَّة كلما\nوجدت وجد المعلول، وكلما انتفت ينتفي المعلول، وعن طريق ذلك\nنقول: إن كل مسكر حرام، وبذلك يكون عموم هذا اللفظ ثابتًا\nبالعقل.\nالنوع الثاني: أن يكون المفيد للعموم: ما يرجع إلى سؤال السائل\nكما إذا سئل النبي - ﷺ - عمن جامع في نهار رمضان، فيقول النبي - ﷺ -: \"اعتق رقبة \"، فنعلم أنه يعم كل مجامع وهو مكلف.\nالنوع الثالث: مفهوم المخالفة كقوله ﵊: \" في\nسائمة الغنم الزكاة \"، فإنه يدل على أنه لا زكاة في كل ما ليس\nبسائمة.","vol":"4","page":1468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>المطلب الخامس هل للعموم صيغة في اللغة موضوعة له</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن للعموم صيغة في اللغة خاصة به، موضوعة\nله، تدل على العموم حقيقة، ولا تحمل على غيره إلا بقرينة،\nوهي أدوات الشرط والاستفهام، وكل اسم دخلت عليه \" أل \"\nالاستغراقية سواء كانت جمعًا أو مفردًا، وكل نكرة أضيف إلى\nمعرفة، وكل وجميع والنكرة في سياق النفي، والأسماء الموصولة،\nو\" واو \" الجمع، ولفظ \" سائر \" المشتقة من سور المدينة، وسيأتي\nبيان ذلك.\nوهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما سيأتي من\nالأدلة:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة - ﵃ - على أن تلك\nالصيغ للعموم، بيانه:\nأن الصحابة - ﵃ - وهم من بلغاء العرب\nوفصحائهم كانوا يجرون تلك الألفاظ والصيغ - السابق ذكرها\nعلى العموم إذا وردت في الكتاب والسنة، وكانوا - رضي الله\nعنهم - يحملونها على إفادتها للعموم، ولا يطلبون دليلًا على\nذلك، فكأن إفادتها لذلك أمر مسلم به، ولكنهم كانوا في\nاجتهاداتهم واستدلالاتهم - يطلبون دليل التخصيص، ليخصصوا به","vol":"4","page":1469},{"text":"العموم، فإن وجدوا المخصص أخذوا به، وإن لم يجدوا: أجروها\nعلى أصلها وعلى حقيقتها، وهو العموم، وكانوا يفعلون ذلك دون\nأن ينكر بعضهم على بعض، فكان إجماعا سكوتيا منهم على أن\nتلك الصيغ والألفاظ دلَّت بالوضع على العموم، وفعل الصحابة\nذلك عن طريق وقائع وقعت لهم، وإليك أمثلة لذلك:\nمنها: أنهم عملوا على أن قوله تعالى: (والسارق والسارقة)،\nوقوله: (الزانية والزاني) يفيد العموم بسبب وجود المفرد المحلى\nبأل الاستغراقية، فعملوا على أن جميع السارقين، وجميع السارقات،\nوجميع الزناة والزانيات يعاقبون بالعقاب الوارد في الآيات، دون\nنكير من أحد.\nومنها: أنهم تمسكوا بقوله ﵇:\n\" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه \"\nعلى عدم جواز قتال مانعي الزكاة حتى\nروى لهم أبو بكر قوله - ﷺ -: \"إلا بحقها \"، حيث إنه استثناء، والاستثناء يدل على أن المستثنى منه عام.\nومنها: احتجاج أبي بكر - ﵁ - على الأنصار لما\nقالوا: \" منا أمير ومنكم أمير \" بقوله - ﷺ -:\n\"الأئمة من قريش \".\nوالكل سلموا له هذا الاحتجاج، ولم ينكر عليه أحد.\nومنها: احتجاج علي - ﵁ - بقوله تعالى:\n(وأن تجمعوا بين الأختين) على تحريم الجمع بين الأختين، ولولا أن المثنى\nالمعرف بـ \" أل \" يفيد العموم لما صح هذا، أي: أنه يحرم الجمع بين\nالأختين، سواء كانتا حرتين أو أمَتين.\nومنها: أنه لما نزل قوله تعالى:","vol":"4","page":1470},{"text":"(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قالت الصحابة - ﵃ -: فأينا لم يظلم نفسه، فبين ﵇: أنه أراد به ظلم النفاق والكفر.\nومنها: قوله تعالى: (وذروا ما بقي من الربا) فيه ثلاث صيغ\nللعموم، وهي: \" واو الجمع في قوله: وذروا \"، و\" اسم\nالموصول في قوله: ما بقي \"، واسم المفرد المحلى بـ \" أل \" وهو قوله:\n\" الربا \"، فعمل الصحابة على أن كل ذلك يفيد العموم، والتقدير:\nليترك جمعكم كل الذي بقي من جميع أنواع الربا.\nومنها: قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم)، حيث يوجد فيه:\nواو الجمع، والجمع المنكر المضاف إلى المعرفة وهو: الكاف في\nقوله: \" أنفسكم \"، فعمل الصحابة على أن ذلك كله عام،\nوالتقدير: لا يجوز لكل واحد منكم أن يقتل نفسه.\nومنها: قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) .\nومنها: قوله - ﷺ -: \" لا تنكح المرأة على عمتها \"، وقوله: \" لا يرث القاتل \"،\nفعمل الصحابة على أن بهل ذلك يفيد العموم، دون نكير.\nومنها: أن فاطمة بنت النبي - ﷺ - قد جاءت إلى أبي بكر تطالبه بميراثها من أبيها محتجة بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)،\nحيث إن هذا عام يشمل جميع الأولاد وأنهم يرثون من آبائهم، فقال\nلها أبو بكر: إني سمعت الرسول - ﷺ - يقول:\n\" نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة \".\nفهنا لم ينكر عليها الاحتجاج بعموم الآية، وإنما أتى لها بمخصص\nيخرج أولاد الأنبياء عن بقية الأولاد، ويكون التقدير: أن جميع","vol":"4","page":1471},{"text":"الأولاد يرثون من آبائهم إلا أولاد الأنبياء، فإنهم لا يرثون أصلًا \"،\nولم ينكر ذلك أي صحابي، فكان إجماعا.\nومنها: أنه لما نزل قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)\nقال عبد اللَّه بن أم مكتوم: \" إني ضرير \"، فنزل قوله\nتعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)، ففهم عبد الله من الجمع المعرف بأل\nوهو: (القاعدون) العموم لذلك ذهب، وقد وافقه الرسول - ﷺ -، إذ لم ينكر عليه ذلك، بل سكت حتى نزل الاستثناء،\nوالاستثناء دليل على أن المستثنى منه عام.\nومنها: أن لبيد بن ربيعة لما قال - على مجمع من قريش -:\nألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل ... ... ... ... ... ...\nقال عثمان بن مظعون - ﵁ - وكان بين الحاضرين في\nمكة -: \" صدقت \".\nولما قال لبيد:\n... ... ... ... ... وكل نعيم لا محالة زائل\nقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول.\nوجه الدلالة: أنه لو لم تكن \" كل \" الواردة في الشطر الثاني\n- مفيدة للعموم لما صح هذا التكذيب، ولم ينكر ذلك أحد فكان\nإجماعًا سكوتيا.\nما اعترض به على هذا الدليل:\nالاعتراض الأول: أنه إن صح أن بعض الصحابة قد فهموا من\nتلك الصيغ العموم، فإنه لم يصح من جميعهم، والحُجَّة في فهم\nجميعهم، أما فهم بعضهم فلا حُجَّة فيه.","vol":"4","page":1472},{"text":"جوابه:\nإن بعض الصحابة الذين فهموا من تلك الصيغ العموم وعملوا\nعلى ذلك، لم ينكر عليهم الآخرون، إذ لو وجد إنكار لنقل،\nولكن لم ينقل إلينا شيء من ذلك، فكان إجماعًا سكوتيًا.\nالاعتراض الثاني: أنكم استدللتم بالإجماع السكوتي على أن تلك\nالصيغ للعموم.\nولا نسلم لكم أن الإجماع السكوتي يصلح لأن يحتج به في إثبات\nالأحكام.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا أثبتنا - في الباب الثالث فصل الإجماع -:\nأن الإجماع السكوتي حُجَّة تثبت به القواعد الأصولية، والأحكام\nالفرعية.\nالجواب الثاني: سلمنا أن الإجماع السكوتي ليس بحُجَّة في\nالشرعيات، لكنه حُجَّة في إثبات اللغويات؛ لأن الصحابة يعتبرون\nمن فصحاء العرب، وأعلم باللغة، واشتقاقاتها، واستعمالاتها،\nوصيغها، وموضوعاتها من غيرهم.\nالدليل الثاني: أن السيد لو أمر عبده وقال له: \" من دخل داري\nفأعطه درهمًا \" فأعطى العبد جميع الداخلين، فإنه يستحق المدح،\nوإن أعطى الجميع إلا واحدًا فإنه يستحق اللوم والذم، واستحقاقه\nللمدح في الحالة الأولى، وللذم في الحالة الثانية دليل على أن \"من \"\nالشرطية تفيد العموم.","vol":"4","page":1473},{"text":"الدليل الثالث: أن الشخص لو أخبر نجقال: \" ما رأيت اليوم\nأحدًا \"، والحقيقة: أنه رأى زيدًا، فإن خبره يكون مخالفة للواقع،\nوكذبا: فهو أخبر بصيغة عموم - وهي: النكرة في سياق النفي -\nأنه ما رأى أحدًا، فيقتضي هذا: أنه لم ير أيَّ إنسان، ولكن هذا\nخلاف الحقيقة؛ حيث إنه رأى زيدًا في الواقع، فيكون خبره كذبا\nونقضا، ومخالفا للواقع، فلو لم تفد النكرة في سياق النفي العموم\nلما صح تكذيبه.\nالدليل الرابع: أن القضاة والحكام والمفتين يبنون على أن تلك\nالصيغ والألفاظ تفيد العموم إذا نطق بها المتكلم، وعلى ذلك أمثلة:\nمنها: أن السيد لو قال: \" أعتقت عبيدي وإمائي \"، ثم بعد\nذلك مات مباشرة، فإنه يُحكم على أن جميع العبيد والإماء أحرار؛\nحيث إنه تكلم بصيغة من صيغ العموم وهي: الجمع المنكر المضاف\nإلى معرفة الوارد في قوله: \" عبيدي وإمائي \"، وعلى ذلك جاز لمن\nسمع هذا القول: أن يزوج عبيده، ويتزوج من إمائه بغير إذن\nالورثة؛ لأنهم بهذه الصيغة أصبحوا أحرارًا لا دخل لأحد بهم، ولو\nلم يكن الجمع المنكر المضاف إلى معرفة مفيدًا للعموم لما كان ذلك.\nومنها: لو قال السيد: \" العبيد الذين فى يدي ملك زيد \"، فإن\nالقاضي يحكم بأن جميع العبيد ملك لزيد؛ لأن السيد ذكر في كلامه\nصيغة عموم، وهي الجمع المعرف بـ \" أل \".\nومنها: لو قال زيد لعمرو: \" لي عليك ألف ريال \"، فقال\nعمرو: \" ما لك عليّ شيء \"، لكان هذا إنكارًا لجميع الألف؛\nلأنه عبر بصيغة عموم وهي: النكرة في سياق النفي.","vol":"4","page":1474},{"text":"والأمثلة على بناء الأحكام الشرعية على أمثال هذه العمومات في\nسائر اللغات لا يمكن حصرها.\nالاعتراض الذي وجه إلى أدلة الجمهور جميعًا - وهي الأربعة\nالسابقة الذكر -.\nقال قائل - معترضًا على ما سبق قوله في الأدلة السابقة الذكر -:\nإن مجرد اللفظ والصيغة لا تفيد العموم، ولكنها أفادت العموم فيما\nذكرتموه من الأمثلة بسبب قرائن اقترنت بها.\nأي: أنه يحتمل أن يكون بين الصحابة عرف أن هذه الصيغ تفيد\nالعموم، أو أن هناك أدلة أخرى - لم تصل إلينا - جعلتها للعموم،\nكذلك يحتمل أن يكون بين السيد وعبده تعارف وتفاهم على أنه إذا\nأمره بصيغة من تلك الصيغ، فإنه يمتثل على العموم، وكذلك الشأن\nعند القضاة والحكام، أو يكون عرف منتشر بين الناس في بلدة من\nالبلدان على ذلك.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أنه لو كان هناك قرائن جعلت تلك الصيغ للعموم\nلنقلت إلينا؛ لأن ما لا يتم الدليل إلا به لا يجوز للراوي ترك نقله،\nوحيث لم ينقل، ثبت أنه لم تكن قرائن.\nالجواب الثاني: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا\nبقريتة: للزم من ذلك عدم الاستدلال بأي آية، وبأي حديث، إلا\nإذا وردت قرينة تؤيد هذا الاستدلال، فنكون قد استفدنا الأحكام من\nالقرائن لا من النصوص، وهذا ظاهر البطلان؛ لأنه يؤدي إلى\nأمرين باطلين:","vol":"4","page":1475},{"text":"أولهما: تعطيل أكثر الآيات والأحاديث عن العمل، وهذا كفر\nظاهر.\nثانيهما: مخالفة إجماع العلماء؛ حيث أجمعوا على الاستدلال\nبمجرد الآية، والحديث بدون قرائن.\nالجواب الثالث: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا\nبقرينة للزم من ذلك: أن تخلو تلك الصيغ عن الفائدة؛ لأن القرينة\nهي التي جعلتها تفيد العموم، أما تلك الصيغ والألفاظ فلا تفيد\nشيئا، فيكون ذكرها في الكتاب والسُنَّة عبثا لا فائدة فيه، وهذا\nظاهر البطلان؛ لأنه يؤدي إلى الكفر.\nالجواب الرابع: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا\nبقرينة للزم من ذلك اضطراب واختلال الشريعة كلها: أوامرها\nونواهيها العامة؛ حيث يمكن لكل شخص أن لا يمتثل الأوامر العامة،\nولا ينتهي عن النواهي العامة؛ لأنه - على زعمكم - سيطلب\nالقرينة التي تدخله مع المأمورين، أو مع الذين قد نهوا، وهذا لم\nيقله أحد.\nالجواب الخامس: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا\nبقرينة للزم من ذلك: أن لا يصح من أحد أن يحتج بلفظ عام،\nكقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) في صورة خاصة، بيانه:\nأنا لو وجدنا شخصا لا يصلي، وقلنا له: لماذا لا تصلي؛ فقال:\nلأن اللَّه لم يأمرني بالصلاة، قلنا له: بل أمرك بقوله: \" أقيموا\nالصلاة \"، فقد ورد فيه صيغة عموم - وهي واو الجمع - فتشملك\nوغيرك إلى قيام الساعة، فلو كانت تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا\nبقرينة لكان يمكنه أن يقول: \" لم أعلم إني مراد بهذا الأمر، لأنه؛","vol":"4","page":1476},{"text":"لم ترد قرينة تدل على أني أدخل مع المأمورين، أو يقول: لا يوجد في\nاللفظ دلالة ولا قرينة تدل على أني مراد معهم، إذن لا يلزمني\nالامتثال.\nوقال هذا الشخص ذلك؛ لأن اللفظ العام لا يدل على الصورة\nالخاصة إلا بقرينة - على زعمكم - وهذا يبطل الشريعة كلها.\nالجواب السادس: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا\nبقرينة للزم من ذلك: أن لا يقدر أحد أن يأمر جماعة بأمر عام، ولا\nينهاهم بنهي عام، فمثلًا لو قال السيد لعبيده: \" اخرجوا من هذه\nالدار \"، فخرج بعضهم دون بعض، فيلزم على زعمكم: أنه لا\nيمكنه معاقبة الذين لم يمتثلوا الأمر؛ لأنه لم يبين قرينة تدل على أنه\nيجب عليهم الخروج، بل يلزم - على زعم المعترض - أن يقول:\nأنت يا فلان اخرج، وأنت يا فلان اخرج، وهكذا، حتى ينتهي\nالعدد، وهذا لا يمكن بل تستحيل الحياة مع ذلك.\nفبان من هذا الأجوبة الستة: أن قول المعترض: \" إن تلك الصيغ\nلا تفيد العموم إلا بقرينة \" ظاهر البطلان، وواضح الفساد.\nالمذهب الثاني: أنه لا صيغة للعموم معلومة، وتلك الصيغ ليست\nلعموم ولا لخصوص، بل هي مشتركة بينهما اشتراكا لفظيًا، أي:\nأن الجمع المعرف بـ \" أل \" - مثلًا - يفهم منها معنيان: \" العموم \"،\nو\"الخصوص \"، ولا يرجح أحدهما إلا بقرينة.\nوهو مذهب محكي عن أبي الحسن الأشعري.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: حسن الاستفهام والاستفسار من السامع لها يدل","vol":"4","page":1477},{"text":"على أنها لا تدل على العموم فقط، ولا على الخصوص فقط، بل\nتدل عليهما.\nأي: أن هذه الصيغ عند التكلم بها يحسن الاستفهام من المتكلم\nبها عما أراده منها، إذ يحسن أن يقال له: هل أردت بذلك البعض\nأو الكل، وحسن الاستفهام دليل على أن تلك الصيغ يفهم منها\nالعموم، والخصوص، فتكون حقيقة في كل منهما، فلو كانت\nللعموم فقط، أو للخصوص فقط: لما حسن الاستفهام.\nجوابه:\nلا نسلم أن حسن الاستفهام دليل على أن تلك الصيغ حقيقة في\nالخصوص والعموم، بل إن الاستفهام إنما حسن هنا لإزالة اللبس،\nولأجل احتياط المستفهم من كلام المتكلم، فقد يكون المتكلم غير\nمتنبه، أو أن الصيغة يجوز أن تحمل على الخصوص مجازًا، فيزول\nهذا اللبس بالاستفهام، وهذا الاستفهام أريد به التوكيد، ومعروف\nأن فائدة التوكيد هي: رفع اللبس عن ذهن السامع، وإزالة الاتساع\nفي الفهم وحمل اللفظ.\nوأيضا: فإن الاستفهام عن المراد ومن اللفظ لا يدل على ما ذكرتم؛\nبدليل: أن من قال: \" رأيت أسدًا \" يصح أن يقال له: أردت\nالرجل الشجاع، أو الحيوان المفترس؛ ومع ذلك لا يمكن أن يقول\nقائل: إن لفظ \" الأسد \" يستعمل حقيقة في الرجل الشجاع.\nالدليل الثاني: أنه لا نزاع في أن اللفظ مستعمل في العموم تارة\nكقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت)، واستعمل في\nالخصوص تارة أخرى كقوله تعالى: (الذين قال لهم الناس)،","vol":"4","page":1478},{"text":"والأصل في الاستعمال الحقيقة، فتكون تلك الصيغ حقيقة في\nالعموم والخصوص بالاشتراك اللفظي.\nجوابه:\nأن الأصل في الاستعمال الحقيقة محمول على ما إذا كان اللفظ\nمترددًا بين المعاني من غير أن يتبادر منه أحدها بخصوصه، وتلك\nالصيغ ليست من هذا؛ حيث إن العموم يتبادر إلى الفهم عند\nالإطلاق، فكانت حقيقة في العموم، مجازًا في الخصوص، وقلنا\nذلك؛ لأمرين:\nأولهما: أن العموم هو المتبادر إلى الفهم.\nثانيهما: تخلصا من الاشتراك اللفظي؛ حيث إنه خلاف الأصل،\nوقلنا بالمجاز - وإن كان خلاف الأصل - إلا أنه خير من الاشتراك\nوأَوْلى منه كما سبق في الفصل الثامن - وهو تعارض ما يخل\nبالفهم -.\nالمذهب الثالث: أن تلك الصيغ ليست حقيقة في العموم، وإنما\nهي حقيقة في الخصوص، مجاز في العموم.\nأي: أن تلك الصيغ يتبادر إلى الفهم منها الخصوص، ولا تحمل\nعلى العموم إلا بقرينة.\nوهو لبعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن دلالة تلك الصيغ على الخصوص متيقنة،\nودلالتها على العموم مشكوك فيها، وجعل اللفظ حقيقة في المتيقن\nأوْلى، لعدم احتمال الخطأ.","vol":"4","page":1479},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أن كون اللفظ دالًا على الشيء يقينا لا يدل على\nأنه مجاز في الزائد عليه بدليل: أن الجمع المذكر كالمسلمين يدل على\nالثلاثة - وهو أقل الجمع - يقينًا مع أنه ليس بمجاز في الزائد عليه\nوفاقًا.\nالجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن الحمل على العموم مشكوك فيه، بل\nقد غلب على ظننا بسبب أدلة قد سبق ذكرها من إجماع الصحابة،\nوغيره.\nالجواب الثالث: أن حمل تلك الصيغ على العموم أوْلى وأحوط؛\nلأن الحمل على العموم محصل لغرض المتكلم على التقديرين -\nأعني: إرادة العموم أو الخصوص، والحمل على الخصوص غير\nمحصل لغرض المتكلم، على تقدير إرادة العموم، فكان الحمل\nعليه أَوْلى.\nالدليل الثاني: أن هذه الصيغ لو كان للعموم للزم من استعمالها\nفي بعض الصور: الكذب، بيان ذلك:\nأن الشخص لو قال: \" رأيت العباد \"، و\" طفت البلاد \"،\nو\"لبست الثياب \"، و\" ركبت الخيول \"، و\" اشتريت العبيد \"،\nو\"أنفقت دراهمي \"، فإن تلك الصيغ لو كانت للعموم للزم من\nالكلام بها الكذب؛ ضرورة؛ لأنه يعلم قطعًا أنه ما رأى كل العباد،\nوأنه ما طاف كل البلاد، وأنه ما لبس جميع الثياب، وأنه ما ركب\nجميع الخيول، وأنه ما اشترى جميع العبيد الذين في الأرض، وأنه\nما أنفق كل دراهمه.","vol":"4","page":1480},{"text":"أما لو كانت للخصوص، فإنه لا يلزم من استعمال ذلك هذا\nالمحذور، فكان جعله حقيقة في الخصوص أوْلى.\nجوابه:\nلا نسلِّم لزوم الكذب فيما ذكرتموه من الأمثلة؛ لأنه يجوز أن يراد\nبها الخصوص بقرينة العقل، والعقل من المخصصات المعروفة، فلا\nيمكن عقلًا أن يرى جميع العباد، أو أن يطوف جميع البلاد،\nوهكذا.\nوحينئذٍ لا يلزم الكذب؛ لأن إرادة المجاز من اللفظ الصالح له\nليس بكذب، ولو قلنا: إن هذا كذب للزم أن يكون قول القائل:\n\"رأيت حمارًا \" - عندما رأى بليدًا - أن يكون ذلك كذبًا، وهذا لم\nيقله أحد.\nالمذهب الرابع: التوقف، بمعنى: إنا لا ندري أن تلك الصيغ\nحقيقة في العموم مجاز في الخصوص، أو العكس، وهو أنه حقيقة\nفي الخصوص مجاز في العموم.\nوهو مذهب حكي عن أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر الباقلاني.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن كون تلك الصيغ موضوعة للعموم، أو\nللخصوص إما أن يعلم عن طريق العقل، أو عن طريق النقل،\nوهذا كله باطل، بيان ذلك:\nإن زعمتم، أن العقل هو الذي أثبت أن تلك الصيغ للعموم أو\nللخصوص، فهذا باطل؛ لأن العقل لا مدخل له في اللغات؛\nوذلك لأن اللغات لا تثبت إلا بالنقل.","vol":"4","page":1481},{"text":"وإن زعمتم أن النقل هو الذي أثبت أن تلك الصيغ للعموم، أو\nللخصوص، فهذا باطل - أيضا -؛ لأن النقل قسمان: \" آحاد \"،\nو\" متواتر \".\nفإن زعمتم أن المتواتر هو الذي أثبت ذلك فهذا باطل؛ لأمرين:\nأولهما: لقلته وندرته.\nثانيهما: أنه لو كان الأمر كذلك لعلمناه كما علمتموه؛ لأن\nالمتواتر هو: ما علم ضرورة لكل الناس، لا أن تعلمه طائفة دون\nأخرى.\nوإن زعمتم أن الآحاد هو الذي أثبت ذلك فهذا باطل - أيضًا -؛\nلأن الآحاد لا يحتج به على إثبات القواعد الأصولية؛ لأن القواعد\nقطعية، والآحاد لا يفيد إلا الظن، والظني لا يقوى على إثبات\nالقطعي.\nفبان أنه لا دليل على أنها للعموم، ولا على أنها للخصوص،\nفوجب التوقف.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن حاصل هذا الدليل هو: أنكم تطالبوننا\nبالدليل على أن تلك الصيغ تفيد العموم، وهذا لا يستقيم ولا يصح؛\nلأمرين:\nأولهما: أن المطالبة بالدليل ليست بدليل، أي: أن مطالبتكم لنا\nبالدليل على أن تلك الصيغ تفيد العموم ليس بدليل لكم على أن\nتلك الصيغ لا تفيد العموم.","vol":"4","page":1482},{"text":"ثانيهما: على فرض أن المطالبة بالدليل تعتبر دليلًا، فإنا قد أثبتنا\nأدلة من إجماع الصحابة، وأهل اللغة، واستعمالاتهم على أن تلك\nالصيغ تفيد العموم بمجردها.\nالجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ لكم أن الآحاد لا يحتج به على إثبات\nالقواعد الأصولية، بل خبر الواحد يثبت تلك القواعد بشرط: أن\nتكون تلك القواعد وسيلة إلى العمل، قياسا على العمل بالآحاد في\nالفروع.\nفنتج: أن هذه الصيغ قد ثبتت بالآحاد؛ لأنها وسيلة إلى العمل.\nالدليل الثاني: أن الأدلة متعارضة، والاحتمالات متقاومة،\nوالجزم بواحد ترجيح بلا مرجح، ولو قدرنا أن يكون هناك مرجح،\nلكن لا نزاع أن هذا المرجح ليس بقاطع؛ حيث إنه يحتمل الخطأ،\nفوجب التوقف.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن الأدلة المثبتة للخصوص في قوة الأدلة المثبتة\nللعموم، بل إن أدلة القائلين: إن تلك الصيغ حقيقة في العموم أقوى\nمن أدلة المذاهب الأخرى - كما سبق بيانه - وإذا كان الأمر كذلك\nفإن كونها للعموم أرجح، والعمل بالراجح واجب، وحينئذٍ لا\nداعي لهذا التوقف.\nالمذهب الخامس: أن تلك الصيغ والألفاظ حقيقة في العموم في\nالأمر والنهي - فقط - ولا يعلم هل هي حقيقة أو مجاز في الأخبار.\nوهو مذهب لبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الأوامر والنواهي تكليف بعمل، فلو لم نعرف المراد بها لاقتضى","vol":"4","page":1483},{"text":"تكليف ما لا يطاق، فوجب حمل تلك الصيغ والألفاظ على أنها\nحقيقة في العموم.\nبخلاف الخبر من الوعد والوعيد، وغير ذلك، فإنه لا يقتضي\nوجوب شيء يحتاج أن يعمل به.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، بل إن تلك الصيغ والألفاظ حقيقة في العموم\nمطلقا، سواء كانت أمرًا أو نهيما أو خبرًا، ولا فرق بين الأوامر\nوالنواهي والأخبار.\nودلَّ على عدم التفريق بينهما ما يلي من الوجوه:\nالأول: أن الحال فيهما واحدة؛ حيث إنه يخاطب بالخبر لفائدة\nكالأمر، فالمكلف مطالب بالعلم بمراد الشارع منهما.\nالثاني: أن الطريق إلى إثبات أحدهما هو الطريق إلى إثبات\nالآخر، فالممتنع من أحد الأمرين يلزمه الامتناع من الآخر بدليل: أن\nأهل اللغة يستعملون الأمرين على وجه واحد.\nالثالث: أن الصحابة - ﵃ - كانوا يرجعون في\nأوامر اللَّه تعالى ونواهيه، وأخباره إلى ظاهر الخطاب، ولا يفرقون\nبينها.\nبيان نوع الخلاف:\nابخلاف - هنا - معنوي، وهو ظاهر، فأصحاب المذهب الأول -\nوهم الجمهور - يحملون أي صيغة من الصيغ السابقة على العموم\nبدون أي قرينة، ولا يحملونها على الخصوص إلا بقرينة، ويعملون\nعلى هذا بدون توقف، ولا يفرقون بين الأوامر والنواهي والأخبار.","vol":"4","page":1484},{"text":"أما أصحاب المذهب الثاني والرابع فهم لا يحملون تلك الصيغ\nعلى العموم ولا على الخصوص، ولا يعملون بشيء منهما حتى ترد\nقرينة ترجح أحد الأمرين، ولا يفرقون بين الأوامر والنواهي والأخبار.\nأما أصحاب المذهب الثالث: فهم يحملون أيَّ صيغة من الصيغ\nعلى أنها حقيقة في الخصوص بدون قرينة، ولا يحملونها على\nالعموم إلا بقرينة ويعملون على ذلك بدون توقف، ولا يفرقون في\nذلك بين الأوامر والنواهي والأخبار.\nأما أصحاب المذهب الخامس: فإنهم يفرقون: فإن كانت الصيغة\nوردت في سياق أمر أو نهي، فإنهم يحملونها على العموم، وإن\nوردت في سياق الإخبار، فإنهم يض وقفون.\nوطبق على ذلك قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)،\nفأصحاب المذهب الأول يقولون: إنه عام لجميع الناس دون استثناء.\nوأصحاب المذهب الثالث يقولون: إنه خاص لبعض الناس، ولا\nيحمل على جميع الناس إلا بقرينة.\nوأصحاب المذهب الثاني والرارج: لا يحملونه على العموم ولا\nعلى الخصوص حتى تأتي قرينة ترءجح أحدهما.\nوأصحاب المذهب الخامس يقولون: إنه عام؛ لأنه أمر، وهكذا.","vol":"4","page":1485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>المطلب السادس في صيغ العموم</span>\nبعد أن عرفنا أن للعموم صيغة في اللغة خاصة، موضوعة له، تدل\nعلى العموم حقيقة: نريد أن نبين في هذا المطلب تلك الصيغ، فأقول:\nهي كما يلي:\nالصيغة الأولى: أدوات الاستفهام.\nالصيغة الثانية: أدوات الشرط.\nالصيغة الثالثة: \" كل \" و\" جميع \".\nالصيغة الرابعة: الجمع المعرف بـ \" أل \".\nالصيغة الخامسة: الجمع المعرف بالإضافة.\nالصيغة السادسة: \" واو \" الجماعة.\nالصيغة السابعة: \" النكرة في سياق النفي \".\nالصيغة الثامنة: المفرد المحلى بـ \" أل \".\nالصيغة التاسعة: المفرد المعرف بالإضافة.\nالصيغة العاشرة: الاسم الموصول.\nالصيغة الحادية عشرة: \" سائر \" المشتق من سور المدينة.","vol":"4","page":1487},{"text":"وإليك بيان تلك الصيغ، مع الاستدلال على كل واحدة منها، وبيان\nالمتفق عليه والمختلف فيه منها.\nوقد ذكر بعضهم: أن الصيغ أكثر من هذا، ولكن كل ما ذكروه\nيرجع إلى ما ذكرناه، فأقول:","vol":"4","page":1488},{"text":"الصيغة الأولى: أدوات الاستفهام، وهي أنواغ:\nالنوع الأول: \" من \" المستعملة للعقلاء كقولك: \" من عندك من\nالطلاب؟ \".\nالنوع الثاني: \" ما \" المستعملة لغير العقلاء كقولك: \" ما عندك\nمن البهائم؟ \".\nالنوع الثالث: \" أي \" المستعملة للعقلاء كقولك: \" أي العلماء\nقابلت؟ \"، والمسنعملة لغير العقلاء كقولك: \" أي الدواب\nركبت؟ \".\nالنوع الرابع: \" متى \" الزمانية كقولك: \" متى تزورني؟ \".\nالنوع الخامس: \" أين \" المكانية كقولك: \" أين تذهب؛ \".\nالنوع السادس: \" أيان \" الزمانية كقوله تعالى: (يسألونك عن\nالساعة أيان مرساها)، وغير ذلك.\nدليل إفادة هذه الصيغة للعموم:\nدل على أن أدوات الاستفهام تفيد العموم: أن تلك الألفاظ\nوالصيغ إما أن تكون للعموم فقط، أو للخصوص فقط، أو لهما\nمعًا بالاشتراك اللفظي، أو لا تكون لكل واحد منهما، والكل باطل\nإلا الأول.\nبيان ذلك:\nأنه لا يصح أن تكون موضوعة للخصوص فقط، إذ لو كانت\nموضوعة له: لما حسن من المجيب أن يجيب بلفظ كل أو جميع؛\nلأن الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، لكن لا نزاع في ذلك،","vol":"4","page":1489},{"text":"فإذا قال: \" من عندك؟ \" يمكن للمجيب أن يقول: \" عندي جميع\nأو كل الطلاب \"، فلو كانت للخصوص لما صح ذلك.\nولا يصح أن تكون موضوعة للخصوص والعموم بالاشتراك\nاللفظي؛ لأنه يكون مجملًا، والمجمل لا يمكن أن يجاب عنه\nبجواب معين إلا بعد عدة استفهامات عن الأقسام الممكنة، فمثلًا إذا\nقال: \" من عندك؟ \"، فإذا كانت \" من \" مشتركة بين الخصوص\nوالعموم، فإن المجيب - لا بد أن يقول له: \" أتسألني عن الرجال\nأم عن النساء؟ \"، فإذا قال: أسألك عن الرجال، فلا بد أن\nتقول: أتسألني عن رجال العرب أو عن رجال العجم؟، فإذا قال:\nأسألك عن رجال العرب، فلا بد أن تقول: أتسألني عن رجال\nربيعة، أو مضر؟\nوهلم جرا إلى أن يأتي على جميع أحياء العرب\nوقبائلهم، ثم يأتي على جميع أصنافها من العلماء، والجهال،\nوالشيوخ، والكهول، والبيض، والسود، وغير ذلك.\nفثبت أنه لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات، لكنها غير\nواجبة؛ لأمرين:\nأولهما: أنه لا عام إلا وتحته عام آخر، وإذا كان كذلك: كانت\nالتقسيمات الممكنة غير متناهية، والسؤال عنها على سبيل التفصيل\nمحال.\nثانيهما: أنا علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان: أنهم\nيستقبحون مثل هذه الاستفهامات، فبطل كون تلك الصيغ موضوعة\nللعموم والخصوص بالاشتراك اللفظي.\nولا يصح أن لا تكون تلك الصيغ موضموعة للعموم","vol":"4","page":1490},{"text":"ولا للخصوص بالاتفاق؛ لأن هذا يؤدي إلى أنه يوجد في الكتاب\nوالسّنَّة ألفاظ لا تفيد شيئًا، وهذا غير ممكن.\nفلما بطلت الأقسام الثلاثة: لم يبق إلا الأول - وهو أنها\nموضوعة للعموم - وهو الصحيح.\n***\nالصيغة الثانية: أدوات الشرط، وهي أنواع:\nالنوع الأول: \" من \" المستعملة للعقلاء كقوله تعالى: (ومن\nيتوكل على اللَّه فهو حسبه) .\nالنوع الثاني: \" ما \" المستعملة لغير العقلاء كقوله تعالى:\n(ما عندكم ينفد) .\nالنوع الثالث: \" أي \" المستعملة للعقلاء كقوله - ﷺ -: \"أيما امرأة نكحت نفسها فنكاحها باطل \"،\nوالمستعملة لغير العقلاء كقولك:\n\"أي بهيمة رأيتها فاشترها \"،\nو\" أي \" عامة فيما تضاف إليه من\nالأشخاص، والأزمان، والأمكنة، والأطوال.\nالنوع الرابع: \" أين \" المكانية كقوله تعالى:\n(أينما تكونوا يدرككم الموت) .\nالنوع الخامس: \" متى \" الزمانية كقولك: \" متى تجلس أجلس \".\nونحو ذلك.\nالأدلة على إفادة تلك الصيغة للعموم:\nدل على أن أدوات الشرط تفيد العموم ما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: صحة الاستثناء مما دخلت عليه أداة الشرط، فيصح\nأن يقول: \" من دخل داري فأكرمه إلا زيدًا \"، والاستثناء يخرج من\nالكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن \" من \" الشرطية للعموم.","vol":"4","page":1491},{"text":"الدليل الثاني: إجماع الفقهاء وأهل اللسان على ترتب الأحكام\nالعامة إذا عبر بلفظ من هذه الألفاظ الشرطية، فمثلًا لو قال: \" من\nدخل من عبيدي هذه الدار فهو حر \"، فإن الفقهاء وأهل اللسان قد\nأجمعوا على أنه يعتق كل عبد له دخل الدار، ولهذا يجوز لكل من\nسمع هذا ورأى دخول العبد الدار أن يستخدمه، ويستأجره،\nويشتري منه ويبيع عليه، دون إجازة مولاه.\nالدليل الثالث: توجيه الاعتراض والذم إلى من خالف الأمر العام\nبها، وسقوطه عمن جرى على موجب العموم، فمثلًا لو قال\nالسيد لعبده: \" من دخل داري فأكرمه \"، فإن أكرم جميع الداخلين\nفإنه يستحق المدح والثواب، وإن أكرم بعض الداخلين فقط دون\nالبعض الآخر، فإنه يستحق الاعتراض من السيد، وذمه وعقوبته فلو\nجاء عقلاء أهل اللغة وهو يعاقبه فقالوا: لماذا تفعل به هذا؛ فقال\nلهم: إني قد أمرته بأمر عام، فلم ينفذ ذلك الأمر العام، فهنا\nيوافقونه على هذا الذم، وهذا يدل على أن أداة الشرط تفيد العموم.\nالصيغة الثالثة: \" كل \"، و\" جميع \":\nمثل قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)،\nوقوله: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) .\nوالفرق بين \" كل \" و\" جميع \":\nأن \" كل \" تقتضي الاستغراق والعموم مطلقا، سواء أضيفت إلى\nنكرة نحو قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) .\nأو أضيفت إلى معرفة وهي جمع كقولك: \" كل الرجال \".","vol":"4","page":1492},{"text":"أو أضيفت إلى معرفة وهي مفرد كقولك: \" كل غزال جميل \".\nولذلك كانت \" كل \" أصرح صيغ العموم؛ لشمولها العاقل\nوغيره، والمذكر والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع، وسواء ذكر\nالمضاف إليه كما سبق، أو حذف المضاف إليه نحو قوله تعالى:\n(كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) .\nأما \" جميع \" فهي مثل \" كل \" إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة\nفقط، فتقول: \" جميع الرجال \"، ولا تقول: \" جميع رجل \"،\nأما \" كل \" فيجوز ذلك.\nالأدلة على إفادة هذه الصيغة للعموم:\nدل على أنهما يفيدان العموم: ما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن أهل اللغة إذا أرادوا التعبير والغوص في\nالاستغراق، فإنهم يفزعون إلى استعمال لفظ \" كل \"، و\" جميع \"\nولو لم يفيدا العموم لما فزعوا إليهما وتركوا غيرهما.\nالدليل الثاني: أنه لما سمع عثمان بن مظعون قول لبيد:\n... ... ... ... ... وكل نعيم لا محالة زائل\nقال له: \" كذبت نعيم الجنة لا يزول \"، فلولا أن \" كل \" تفيد\nالعموم لما صح هذا التكذيب، وقد سبق هذا.\nالدليل الثالث: لو قال السيد: \" أعتقت كل - أو جميع -\nعبيدي وإمائي \"، ومات في الحال، ولم يعلم منه أمر آخر سوى\nهذه العبارة: فإن الفقهاء قد أجمعوا على أن جميع عبيده وإمائه قد\nعتقوا، ولهذا يجوز أن يتصرف معهم بأي نوع من أنواع التصرف\nبدون الرجوع إلى الورثة.\nالدليل الرابع: أن لفظ \" كل \" و\" بعض \" موضوع أحدهما","vol":"4","page":1493},{"text":"للعموم، والآخر موضوع للخصوص، و\"كل \" مقابل للبعض، واتفق\nعلى أن لفظ \" بعض \" للخصوص، فيكون لفظ \" كل \" للعموم.\nالدليل الخامس: سقوط الاعتراض عن المطيع بالأمر بهما،\nوتوجيهه على العاصي، بيانه:\nأن السيد لو قال لعبده: \" أكرم كل من دخل داري \"، فإن أكرم\nجميع الداخلين، فإنه يسقط الاعتراض عنه، ويستحق المدح، فلو\nقال السيد لعبده: \" أنت أفنيت دراهمي بإكرامك جميع الداخلين\nوإنما قصدت من عبارتي: إكرام العلماء فقط \"، فيقول العبد\n- مدافعًا عن نفسه -: \" أنت ما أمرتني بإكرام العلماء، وإنما أمرتني\nبإكرام جميع الداخلين \"، فعقلاء أهل اللغة يوافقون العبد على\nتصرفه، ويخالفون السيد، فلو لم تكن \" كل \" مفيدة للعموم لما\nصح ذلك.\nوكذلك لو أن العبد أعطى كل الداخلين إلا واحدًا، فقال له\nالسيد: لماذا لم تعطه؛ فقال العبد: لأنه جاهل - مثلًا - فإن العبد\nيستوجب التأديب من قبل السيد، ومن قبل عقلاء أهل اللغة، لأنه\nلم يمتثل الأمر على العموم، ولو لم تكن \" كل \" تفيد العموم لما\nصح ذلك.\n***\nالصيغة الرابعة: الجمع المعرف بـ \" أل \" مثل: \" الرجال \"\nو\" المسلمين \" و\" الناس \":\nإن كان هناك معهود، فإنه ينصرف إلى المعهود مثل قولهم:\n\"جمع الأمير الصاغة \"، وإن لم يكن هناك معهود، فقد اختلف\nالعلماء هل يفيد العموم أو لا؛ على مذهبين:","vol":"4","page":1494},{"text":"المذهب الأول: أنه يفيد العموم.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه لما قال بعض الأنصار: \" منا أمير ومنكم أمير \"\nقال أبو بكر - ﵁ -: إني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول:\n\" الأئمة من قريش \"، فسلم الأنصار ذلك وانسحبوا، ولو لم يدل\nالجمع المعرف بـ \" أل \" - وهو هنا \" الأئمة \" على العموم لما صحت تلك\nالدلالة، ولما انسحب الأنصار - ولما وافقه بقية الصحابة على ذلك،\nوقد سبق.\nالدليل الثاني: أنه لما عزم أبو بكر على قتال مانعي الزكاة، قال\nله عمر: أليس قال رسول اللَّه - ﷺ -:\n\"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه - فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها \"،\nفهنا قد احتج عليه بعموم لفظ \" الناس \"، ولم ينكر\nعليه أبو بكر ولا أحد من الصحابة إفادته للعموم، بل عدل أبو بكر\nإلى الاستثناء، فقال: أليس قد قال: \" إلا بحقها \"، وأن الزكاة\nمن حقها.\nالدليل الثالث: أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي العموم، كقوله\nتعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون)، فلو لم يفد العموم لما\nجاز تأكيده بـ كل، وبـ أجمع.\nالدليل الرابع: صحة الاستثناء من الجمع المعرف بـ \" أل \" فتقول.:\n\"أكرم الرجال إلا زيدًا\"، ولو لم يكن مفيدًا العموبم لما صح الاستثناء\nمنه.\nالدليل الخامس: الجمع المعرف أعلى في الكثرة من الجمع المنكر؛\nلأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف، ولا ينعكس: فيجوز أن تقول:","vol":"4","page":1495},{"text":"\" رجال من الرجال \"، ولا يجوز أن تقول: \" الرجال من رجال \"،\nومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع.\nالمذهب الثاني: أن الجمع المعرف بـ \" أل \" لا يفيد العموم، بل هو\nيحتمل العموم والخصوص، وهو مذهب قد حكي عن أبي هاشم\nالمعتزلي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن \" أل \" يحتمل أن تكون استغراقية، ويحتمل أن\nتكون عهدية، والاحتمالان متساويان، فيكون الجمع المعرف بأل\nمشتركا بين العموم والخصوص.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن \" أل \" للتعريف، فينصرف إلى ما يعرفه\nالسامع، فإن كان هناك عهد، فالسامع به أعرف، فيصرفه إليه،\nوإن لم يكن هناك عهد كان السامع أعرف بالكل من البعض؛ لأن\nالكل واحد، والبعض كثير مختلف، فيكون الجمع المعرف بـ أل\nمنصرفا إلى الكل.\nالجواب الثاني: إنما يقال ذلك: إذا كان لا يتبادر من الجمع\nالمعرف بـ \" أل \" أي معنى من المعنيين، وهذا غير صحيح هنا؛ لأنه يتبادر\nمن الجمع المعرف بـ \" أل \" الاستغراق، فيكون يقتضيه حقيقة، ولا يحمل\nعلى العهد إلا بقرينة.\nالدليل الثاني: أنه يقال: \" جمع الأمير العلماء \"، فإنه معلوم:\nأنه ما جمع جميع العلماء الذين على وجه الأرض، والأصل في","vol":"4","page":1496},{"text":"الكلام الحقيقة، فتكون هذه الألفاظ حقيقة فيما دون الاستغراق،\nفوجب أن لا تكون حقيقة في الاستغراق.\nجوابه:\nأن هذا القول صحيح، ولكنه مخصص بالعرف، فهو جمع\nالعلماء الذين يمكنه جمعهم عرفا، كما يقال: \" من دخل داري\nأكرمته \"، فإنه لا يتناول الملائكة واللصوص.\nالدليل الثالث: أنه لو كان الجمع المعرف بـ \" أل \" يفيد العموم: للزم\nأن يكون قولنا: \" رأيت كل الناس \" خطأ؛ لأنه تكرار للفظين\nيؤديان معنى واحدًا وهما: \" كل \"، و\" الناس \"، حيث يفيدان\nالعموم.\nوللزم أن يكون قولنا: \" رأيت بعض الناس \" خطأ؛ لأنه\nتناقض، حيث إن لفظ \" بعض \" مناقض للفظ: \" الناس \".\nجوابه:\nلا نسلم أن الأول يكون تكرارًا، بل يكون تأكيدًا.\nولا نسلم أن الثاني يكون نقضا، بل يكون تخصيصا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي وهو ظاهر، فإنه على المذهب الأول يكون\nلفظ \" الرجال \"، أو \" المؤمنون \" مفيدًا للعموم بدون قرائن، أما\nعلى المذهب الثاني فإنه لا يفيد العموم إلا بقرينة.\nفلو حلف ليصومن الأيام، فإنه بناء على المذهب الأول: يحمل","vol":"4","page":1497},{"text":"على جميع أيام العمر، وبناء \"على المذهب الثاني: لا يحمل على\nشيء حتى تأتي قرينة تبين المراد، وهكذا.\n***\nالصيغة الخامسة: الجمع المعرف بالإضافة يفيد العموم:\nدلَّ على ذلك ما يلي:\nالدليل الأول: صحة الاستثناء، فيجوز أن تقول: \" أكرم طلاب\nالكلية إلا زيدًا \".\nالدليل الثاني: لو قال: \" أعتقت عبيدي وإمائي \"، و\" طلقت\nنسائي \"، فإنه يعم جميع العبيد، والإماء، والنساء بإجماع العلماء.\nالدليل الثالث: سقوط الاعتراض عن المطيع بالأمر بهذه الصيغة\nوتوجهه على العاصي.\nوكل هذه الأدلة قد سبق بيانها.\n***\nالصيغة السادسة: \" واو \" الجمع تفيد العموم، فإذا أمر جمعا\nبصيغة الجمع فإنه يكون للعموم:\nيدل على ذلك: أن السيد لو قال لعبيده: \" قوموا \"، فإن قاموا\nجميعا، فإنهم يستحقون المدح، وإن قام بعضهم، دون بعض،\nفإن الذين قاموا يستحقون المدح، أما الذين لم يقوموا فإنهم\nيستحقون الذم والتأديب.\nفاستحقاق هؤلاء للمدح، وهؤلاء للذم دليل على أن الصيغة\nللعموم.","vol":"4","page":1498},{"text":"أثر هذه الصيغة:\nأنه لو قال - مثلًا - لوكلائه: \" أعطوا زيدًا مما في أيديكم\nعشرة\"، فإن كل واحد مأمور بإعطاءه شيئًا، ويفهم أيضا من كلامه:\nأن كل واحد مأمور بإعطاءه عشرة غير ما يعطيه صاحبه.\n***\nالصيغة السابعة: النكرة في سياق النفي هل تفيد العموم؟\nمثاله: \" لا أحد في الدار \"، أو \" ما قام أحد \" ونحو ذلك.\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: صحة الاستثناء من هذه النكرة، فيجوز أن تقول:\n\" لا رجل في الدار إلا زيدًا \"، و\" ما قام أحد إلا زيدًا \"،\nوالاستثناء دليل على أن المستثنى منه عام.\nالدليل الثاني: أنه لو لم تكن النكرة في سياق النفي تعم لما كان\nقول الموحد: \" لا إله إلا اللَّه \" نفيا لجميع الآلهة سوى اللَّه تعالى.\nالدليل الثالث: أن \" لا \" في قولهم: \" لا رجل في الدار \"\nمسماة بـ \" لا الجنس \"، وإنما ينتفي الجنس بانتفاء كل فرد من أفراده،\nوذلك يدل على أنه يفيد الاستغراق.\nالمذهب الثاني: أن النكرة في سياق النفي لا تفيد العموم إلا\nبشرط أن تكون النكرة مسبوقة بـ \" من \" الجارة، سواء كانت ظاهرة\nكقوله تعالى: (وما من إله إلا الله)، أو مقدرة كقوله: (لا إله إلا الله)، والتقدير: ما من إله يعبد بحق إلا اللَّه.","vol":"4","page":1499},{"text":"وهو مذهب بعض النحاة كأبي البقاء العكبري، وبعض اللغويين.\nدليل هذا المذهب:\nأن النكرة في سياق النفي إذا خلت من حرف \" من \" تكون غير\nصريحة في إفادتها للعموم؛ حيث يجوز الزيادة عليها فتقول مثلًا:\n\" ما عندي رجل بل رجلان \"، وهذا لا يؤدي إلى التناقض؛ حيث\nإنه قصد: أن ما عنده رجل واحد، بل عنده رجلان، لذلك لا تعم.\nأما إذا قال: \" ما عندي من رجل \"، فإنه يعم؛ لامتناع إثبات\nالزيادة عليه، فلا يمكنه أن يقول: \" ما عندي من رجل بل رجلان \"\nصمان قاله: وقع تناقض، ولا فرق بين الصورتين إلا إثبات \" منْ \"\nوعدمها، فدل على أن \" من \" هي المؤثرة في العموم.\nجوابه:\nيجاب عن هذا بجواب إجمالي، وتفصيلي:\nأما الجواب الإجمالي فهو أن يقال: إن هذا مخالف لإجماع\nالعلماء في الفقه والعقيدة.\nأما مخالفته لما أجمع عليه العلماء في الفقه، فهو أن العلماء قد\nأجمعوا على أن الشخص لو حلف وقال: \" والله لا آكل رغيفا \"\nفإنه يحنث إذا أكل رغيفين، وتجب عليه كفارة يمين، فلو كان قولكم\nصحيحا: لما حنث؛ حيث إنه يؤول - على زعمكم - بأنه حلف أن\nلا ياكل رغيفا واحدًا، ولم يحلف على أنه لا ياكل رغيفين.\nأما مخالضه لما أجمعت عليه الأُمَّة في العقيدة فبيانه أن يقال:\nلو كان يجوز أن يقال: \" ما عندي رجل بل رجلان \" لجاز أن\nيقال في قوله تعالى: (ولم تكن له صاحبة) بل صاحبتان.","vol":"4","page":1500},{"text":"ولجاز أن يقال في قوله تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)، بل\nيظلم اثنين، لأنه ورد فيها كلها نكرة، ولم يتوفر فيها شرطكم،\nوهو: كونها مسبوقة بـ مِن، لذلك ما تقتضي العموم على زعمكم،\nوهذا ظاهر البطلان، بل يؤدي إلى الكفر.\nأما الجواب التفصيلي فهو أن يقال: إن النكرة إذا أطلقت - أي:\nلم تقيد بأي قرينة - فإنها تكون مستعملة فيما وضعت له حقيقة،\nوهو العموم مثل قولنا: \"ما عندي رجل \"، و\" لا رجل في الدار\".\nأما إذا لم تطلق بل قيدت بقرينة، فإنها تكون لما اقتضته هذه\nالقرينة، فتكون لغير ما وضعت له، وهو المجاز، أي: الخصوص\nمثل قوله: \" ما عندي رجل بل رجلان \"، فقوله: \" بل رجلان \"\nقرينة لفظية صرفت اللفظ، وهي: النكرة في سياق النفي من كونها\nمفيدة للعموم إلى أنها للخصوص، فإذا زالت هذه القرينة، فإن\nالصيغة وهي: النكرة في سياق النفي تعود لما وضعت له أصلًا،\nوهو: العموم، قياسًا على أسماء الحقائق، فلو قال مثلًا: \" رأيت\nأسدًا \"، فإن السامع يحمل لفظ \" الأسد \" على ما وضع له حقيقة\nوهو: الحيوان المفترس، فإذا قال المتكلم: \" رأيت أسدًا يخطب \"\nفإن السامع يحمل لفظ \" الأسد \" على غير ما وضع له، وهو:\nالرجل الشجاع بسبب تلك القرينة، وهي لفظ \" يخطب \"، فلو\nزالت القرينة، فإن السامع يحمل لفظ \" الألممد \" على الحقيقة،\nوهو الحيوان المفترس.\nكذلك هنا: فإن لفظ \" بل رجلان \" إذا وجد لم تفد النكرة في\nسياق النفي العموم، وصارت للخصوص، وإذا عدم هذا اللفظ\nأفادت النكرة في سياق النفي العموم.","vol":"4","page":1501},{"text":"اعتراض على هذا الجواب:\nقال قائل - معترضًا -: إن كلامكم يدل على أن \" من \" الجارة لا\nتأثير لها في العموم، ووجودها في بعض الآيات، كقوله تعالى:\n(مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) لا فائدة منه، مما يؤدي إلى أن نقول: إن\nهناك حروفًا في القرآن قد وردت عبثا.\nجوابه:\nنحن لا نقول: إن لفظ: \" من \" لا فائدة لها، بل لها فائدة\nوهي: أنها مؤكدة للعموم، أي: أن النكرة في سياق النفي المسبوقة\nبـ \" من \" اَكد من النكرة في سياق النفي التي لم تسبق بـ \" من \"،\nوفائدة التوكيد في الكلام: رفع اللبس، وإزالة الاتساع في الفهم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\nما سبق من أنه إذا قال: \" والله لا آكل رغيفًا \"، فإنه بناء على\nالمذهب الأول يحنث إذا أكل رغيفًا فأكثر، وبناء على المذهب الثاني\nفإنه لا يحنث إذا اكل رغيفين.\n***\nالصيغة الثامنة: المفرد المحلى بـ \" أل \" هل يفيد العموم؛\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يفيد العموم.\nوهو مذهب كثير من العلماء وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: صحة الاستثناء من المفرد المحلى بال، وقد ورد\nذلك في القرآن كقوله تعالى: (إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا) .","vol":"4","page":1502},{"text":"فاستثنى اللَّه تعالى هذا الجم الغفير - وهم المؤمنون - من\nلفظ \" الإنسان \"، وهو مفرد محلى بـ أل، فلو لم يكن المفرد المحلى\nبـ أل مفيدًا للعموم لما جاز الاستثناء منه.\nالدليل الثاني: أنه يؤكد بما يؤكد به العموم، وقد ورد ذلك في\nقوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ)، فلفظ\n\"الطعام \" مفرد محلى بـ \" أل \"، وأكد بلفظ \" كل \"، فلو لم يكن المفرد\nالمحلى بـ \" أل \" مفيدًا للعموم لما جاز تاكيده بما يؤكد به العموم.\nالدليل الثالث: أنه ينعت بما ينعت به العموم، وورد ذلك بقوله\nتعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء)، فهنا\nقد نعت لفظ \" الطفل \" وهو مفرد محلى بـ \" أل \" بالجمع، وهو قوله:\n(الذين)، فلو لم يكن المفرد المحلى بـ \" أل \" مفيدًا للعموم: لما جاز\nذلك.\nالمذهب الثاني: أن المفرد المحلى بـ \" أل \" لا يفيد العموم.\nوهو مذهب كثير من العلماء كفخر الدين الرازي، وأكثر أتباعه،\nوأبي هاشم.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لو كان المفرد المحلى بـ \" أل \" يفيد العموم للزم أنه\nإذا قال: \" لبست الثوب \"، أو \" شربت الماء \" أنه لا يصدق إلا إذا\nلبس جميع ثياب العالم، وشرب جميع مياه الدنيا، وهذا لا يمكن،\nفدل على أن المفرد المحلى بـ \" أل \" لا يفيد العموم.\nجوابه:\nإن هذه الأقوال مفيدة للعموم، لكنها مخصصة بالعرف، ودليل","vol":"4","page":1503},{"text":"العقل، وهما مخصصان للعموم، فهو لم يلبس إلا الثوب المتعارف\nعليه أن يلبس، ولم يشرب إلا الماء الذي يرويه عرفا.\nالدليل الثاني: أن المفرد المحلى بـ \" أل \" لا ينعت بما ينعت به الجمع،\nفلا يقال: \" جاءني الطالب الفضلاء \"، فلو كان مفيدًا للعموم لجاز\nذلك.\nجوابه:\nأنا أثبتنا أن المفرد المحلى بـ \" أل \" ينعت بما ينعت به الجمع، وهذا ثبت\nعن طريق النقل من كتاب الله، ومن كلام العرب:\nأما الكتاب، فقد قال تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على\nعورات النساء) .\nأما كلام العرب فقد قالوا: \" أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم\nالبيض \"، فهنا قد نعت المفرد المحلى بـ \" أل \" وهو: \" الدينار \"،\nو\"الدرهم \" بالجمع، وهو \" الصفر \"، و\" البيض \"، ولم يقولوا:\n\" أهلك الناس الدينار الأصفر والدرهم الأبيض \" مما يدل على أن\nالمفرد المحلى بـ \" أل \" يفيد العموم، أما ما ذكرتموه فهو من إنشاءكم لا\nيقوى على معارضة ما ذكرناه.\nبيان نوع الخلاف:\nهذا الخلاف معنوي؛ حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها:\n١ - أنه لو قالت المرأة: \" قد أذنت للعاقد بهذا البلد أن يزوجني \"\nفإنه على المذهب الأول: يجوز لكل عاقد أن يزوجها، أما على\nالمذهب الثاني: فلا يجوز.\n٢ - أنه لو قال: \" إذا قدم الحاج فأنت طالق \".، فعلى المذهب","vol":"4","page":1504},{"text":"الأول: أنها لا تطلق إلا إذا قدم جميع حجاج هذه البلدة، فلو مات\nأحد حجاج هذه البلدة، أو لم يرجع فإنها لا تطلق.\nأما على المذهب الثاني: فإنها تطلق إذا قدم واحد من الحجاج.\n٣ - إذا نوى التيمم بتيممه الصلاة وأطلق، ولم ينو فرضًا ولا\nنفلًا - وقلنا: إن التيمم يبيح الصلاة ولا يرفع الحدث - فهل يتناول\nهذا التيمم الفرض والنفل؛ فبناء على المذهب الأول: أنه يتناول\nالأمرين، وبناء على المذهب الثاني: فإنه يتناول النفل فقط.\nالصيغة التاسعة: المفرد المعرف بالإضافة يفيد العموم:\nوهذا دلَّ عليه: صحة الاستثناء، فتقول مثلًا: \" أكرم عالم هذه\nالمدينة إلا زيدًا \"، والاستثناء دليل على أن المستثنى منه عام.\nأثر هذه الصيغة:\n١ - إذا قال: \" زوجتي طالق وعبدي حر \"، ولم ينو معينًا: فإن\nجميع زوجاته طوالق، وجميع عبيدء أحرار؛ استدلالًا بهذه القاعدة.\n٢ - إذا قال: \" وقفت هذه الدار على ولدي \"، فإنه يتناول\nجميع أولاده الذكور والإناث؛ بناء على هذه القاعدة.\n***\nالصيغة العاشرة: الاسم الموصول، سواء كان مفردًا كالذي،\nوالتي، أو مثنى كاللذين، أو جمعًا كاللذين، واللاتي، واللائي\nيفيد العموم:\nدل على ذلك ما يلي:\nالدليل الأول: صحة الاستثناء فتقول: \"أكرم الذي نجح إلا زيدًا\".","vol":"4","page":1505},{"text":"الدليل الثاني: سقوط الاعتراض من السيد لعبده إذا أمر بأمر فيه\nاسم موصول، وامتثل العبد أمر السيد، وتوجهه إذا لم يمتثل.\nوهذا إذا قال للعبد: \" أكرم الذي يدخل الدار \".\nوقد سبق بيان ذلك مرارًا.\n***\nالصيغة الحادية عشرة: \" سائر \":\nوهي المشتقة من سور المدينة، أي: الشامل.\nأما \" سائر \" التي بمعنى الباقي فليست من صيغ العموم، ومنه\nقوله - ﷺ - لغيلان الثقفي لما أسلم وتحته عشر من النسوة -: \" اختر منهن أربعًا وفارق سائرهن \" أي: باقيهن.\nويدل على أن \" سائر \" من صيغ العموم ما يلي:\nالدليل الأول: استعمال فصحاء العرب لها على أنها تفيد العموم\nكقول أبي العلاء المعري:\nأشرب العالمون حبك طبعا ... فهو فرض في سائر الأديان\nوقال:\nفظن بسائر الإخوان شرًا ... ولا تأمن على سر فؤادا\nالدليل الثاني: صحة الاستثناء، وقد ورد ذلك في قول ذي الرمة:\nمعرسا في بياض الصبح وقعته ... وسائر السير إلا ذاك منجذب.\nفسائر هنا بمعنى: جميع، بدليل أنه استثني منه.","vol":"4","page":1506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>المطلب السابع الجمع المنكر هل يفيد العموم إذا لم يقع في سياق النفي</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يفيد العموم، وهو مذهب أكثر العلماء،\nوهو الحق عندي؛ لأن الجمع المنكر صالح لكل مرتبة من مراتب\nالجماعة التي تبتدي من الثلاثة إلى العشرة، فيصح أن تقول:\n\"رجال ثلاثة وأربعة وخمسة\"، وهذا كله جائز، لكن لا تشير بذلك\nإلى أقل من ثلاثة، إذن الثلاثة لا بد منها، فثبت أنها تفيد الثلاثة\nفقط؛ لأنه أقل الجمع، ولا يحمل على ما زاد عليه إلا بدليل.\nالمذهب الثاني: أنه يفيد العموم.\nوهو مذهب الجبائي.\nدليل هذا المذهب:\nأن المرتبة المستغرقة لهذه المراتب إحدى مراتب الجمع المنكر،\nفيحمل عليها؛ لأنه أحوط، فإن ما عداها داخل فيها، أما هي فلا\nتدخل في غيرها، وما دام الجمع المنكر يصح حمله على المرتبة\nالمستغرقة لجميع المراتب كان عاما؛ لأنه يصدق عليه تعريف العام،\nوهو: أنه لفظ استغرق جميع ما يصلح له.\nجوابه:\nلا نسلم أن الأحوط هو حمل الجمع المنكر على المرتبة المستغرقة،","vol":"4","page":1507},{"text":"بل هذا ممنوع؛ لجواز أن يكون الأحوط هو حمله على أقل مراتبه،\nخصوصًا إذا وقع الجمع في جانب الأمر؛ لأن ذلك فيه براءة الذمة\nبخلاف حمله على المرتبة المستغرقة، فإن ذلك يكون شغل الذمة بما\nلم يقم الدليل على شغلها به، والأصل أن الذمة بريئة من\nالتكاليف.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، وهو ظاهر، فلو قال السيد لعبده: \" أكرم\nعلماء \"، فإنه بناء على المذهب الأول: يكرم العبد ثلاثة فقط وتبرأ\nذمته، وبناء على المذهب الثاني: فإنه لا تبرأ ذمة العبد إلا بعد أن\nيكرم جميع العلماء.","vol":"4","page":1508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>المطلب الثامن هل نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة\nبينهما من كل الوجوه</span>؟\nفمثلًا إذا قلنا: \" لا يستوي زيد وعمر \"، فهل هذا يقتضي نفي\nالمساواة في جميع الوجوه: في الكرم والعلم، والخلق، وغير ذلك\nأو هو: يقتضي نفي المساواة من بعض الوجوه - فقط - كالكرم،\nأو نحو ذلك؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة\nبينهما من كل الوجوه التي يمكن نفيها عنهما.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لأن هذا من قبيل النكرة في سياق النفي،\nوالنكرة في سياق النفي من صيغ العموم - كما سبق - وهي تفيد\nالعموم من جميع الوجوه.\nالمذهب الثاني: أن نفي المساواة بين الشيئين لا يقتضي نفي المساواة\nبينهما من كل الوجوه، بل من بعضها - فقط -.\nوهو مذهب بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والبيضاوي،\nوكثير من الحنفية.\nدليل هذا انذهب:\nأن نفي المساواة بين الشيئين يحتمل احتمالين هما:","vol":"4","page":1509},{"text":"الاحتمال الأول: نفي المساواة بينهما من كل الوجوه.\nالاحتمال الثاني: نفي المساواة بينهما من بعض الوجوه.\nومعلوم أن المقسم - وهو نفي المساواة - أعم من القسمين،\nوبذلك يكون نفي المساواة أعم، وكل واحد من القسمين أخص،\nوالأعم لا يدل على الأخص من حيث خصوصه، فلا يكون نفي\nالمساواة عامًا في نفيها من كل الوجوه.\nجوابه:\nنسلم أن الأعم لا يدل على الأخص في جانب الإثبات؛ لأن\nثبوت الأعم لا يعتبر ثبوتًا للأخص، فمثلًا: لو قال شخص:\n\"رأيت حيوانًا \" لا يدل على أنه رأى إنسانا.\nأما في جانب النفي فلا نسلم ما ذكرتموه، فإن الأعم يدل على\nالأخص، لأن المراد بالنفي هو: نفي الماهية، والماهية لا تنتفي إلا\nبانتفاء جميع أفرادها، فلو بقي فرد من أفرادها لتحققت الماهية فيه،\nوحينئذٍ لايتحقق ما قصد من اللفظ.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها:\nإذا قتل المسلمُ الكافر الذمي فهل يقتل المسلم به؟\nاختلف في ذلك على قولين -:\nالقول الأول: إن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي؛ لقوله تعالى:\n(لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة)، ونفي الاستواء\nيقتضي نفيه من جميع الوجوه، فلو قتل المسلم بالكافر: لحصل","vol":"4","page":1510},{"text":"بينهما استواء في القصاص، والذمي غير مساو للمسلم، بل هو أقل\nمنه في العصمة.\nالقول الثاني: أن المسلم يقتل بالكافر الذمي، واستدلوا بآثار،\nمنها: أن النبي - ﷺ - قتل مسلما بذمي وقال:\n\" أنا أحق من وفى بذمته \".\nولما قيل لهم: إن هذا ينافي نص الآية التي نفت المساواة بينهما،\nوهذا النفي عام للدنيا والآخرة.\nقالوا: إن المراد بنفي المساواة في الآية، هو: نفي المساواة من\nوجه واحد وهو: نفيها في الفوز بالجنة بدليل قوله:\n(أصحاب الجنة هم الفائزون) .\nفعند أصحاب القول الثاني: إن المساواة متحققة بين المسلم\nوالكافر الذمي في الدنيا، فالذمي دمه معصوم كالمسلم، فمن قتله\nقتل به، ولو كان مسلما.","vol":"4","page":1511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>المطلب التاسع الفعل المتعدي إلى مفعول هل له عموم\nبالنسبة إلى مفعولاته أو لا</span>؟\nالمسألة مفروضة فيما إذا كان الفعل متعديا، ولم يذكر مفعوله،\nووقع الفعل في سياق النفي كقوله: \" والله لا آكل \"، أو وقع في\nسياق الشرط كقوله: \" إن أكلت فأنتِ طالق \"، فهل يكون هذا\nعاما في جميع المأكولات أو لا؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يكون عامًا في جميع المأكولات، وإذا كان\nكذلك فإنه يقبل التخصيص؛ حيث إنه: إن نوى المتكلم مأكولًا\nمعينًا، فإنه لا يحنث بأكل غيره.\nوهذا مذهب جمهور العلماء وهو الحق، للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن الفعل من باب النكرة، والنكرة إذا وقعت في\nسياق النفي فإنها تعم، كذلك الفعل إذا وقع في سياق الشرط فإنه\nيعم، وقد سبق أنهما - أي: أن النكرة في سياق النفي،\nوالشروط - من صيغ العموم، إذن الفعل في سياق النفي، والشرط\nعام، ومتى ثبت عمومه فإنه يقبل التخصيص.\nالدليل الثاني: أن الفعل المنفي في قوله: \" والله لا آكل \" يقصد\nمنه نفي الماهية، والماهية - كما قلنا سابقًا - لا تنتفي إلا بانتفاء\nجميع أفرادها، حيث إنه لو بقي فرد لتحققت الماهية فيه، فيكون\nاللفظ - على هذا - عام، والعام يقبل التخصيص.","vol":"4","page":1512},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يكون عاما في جميع المأكولات، وإذا كان\nكذلك فإنه لا يقبل التخصيص، وهو مذهب كثير من الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nقياس الفعل المتعدي في مفعوله على الزمان والمكان، بيان ذلك:\nأنه لو عم الفعل المتعدي في مفعوله: للزم من ذلك: أن يعم\nكذلك في الزمان والمكان؛ قياسًا على ذلك، والجامع: أن كلًّا من\nهذه الأمور يعتبر لازمًا من لوازم الفعل، فالفعل المتعدي لا يتحقق\nإلا بمفعول، وهو كذلك لا يتحقق إلا في زمان ومكان، لكن الفعل\nالمتعدىِ لا يعم بالنسبة للزمان، ولا المكان، فلذلك لا يقبل\nالتخصيص فيها، فكذلك ما نحن فيه.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ عدم عموم الفعل في الزمان والمكان؛\nبل هو عام فيهما، وإذا كان كذلك فإنه يقبل التخصيص، فمن قال\nلزوجته: \" إن كلمت زيدًا فأنت طالق \"، ثم قال: \" قصدت\nالتكليم شهرًا \"، فإنه يقبل منه ذلك، ونقل هذا عن الإمام الشافعي\nوهذا صريح في عموم الزمان وقبوله التخصيص، والمكان مثله.\nالجواب الثاني: أن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،\nووجه الفرق: أن ذكر الفعل المتعدي يعتبر ذكرًا للمفعول به، فكأنه\nموجود في اللفظ، فإذا قال: \" والله لا آكل \"، فإن الأكل قد ذكر\nفي اللفظ، فيوصف بالعموم، ويرد عليه التخصيص، أما ذكر\nالفعل فلا يعتبر ذكرًا لزمانه ولا لمكانه، فلا يكون كل منهما مذكورًا\nفي اللفظ، فلا يوصفان بالعموم، ولذا لا يقبل التخصيص.\n-","vol":"4","page":1513},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، قد أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\n١ - لو قال: \" والله لا أضرب \" ونوى الضرب بالعصا مثلًا،\nفإنه لا يحنث بالضرب بالسوط أو غيره؛ لأن كلامه عام وخصصه\nبالنية، وهذا بناء على المذهب الأول.\nأما بناء على المذهب الثاني، فإنه يحنث بالضرب بأي آلة؛ لأن\nكلامه لا يعم؛ لذلك لا تقبل التخصيص.\n٢ - لو قال: \" إن أكلت فأنت طالق \"، ونوى أكلًا معينا\nكالتفاح، فإنها لا تطلق إذا أكلت البرتقال، أو غير التفاح؛ لأن\nكلامه عام، وخصصه بالنية؛ لأن العام يقبل التخصيص، هذا بناء\nعلى المذهب الأول.\nأما على المذهب الثاني: فإنها تطلق باكل أي أكل؛ لأن كلامه لا\nيعم، لذلك لا يقبل التخصيص.","vol":"4","page":1514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>المطلب العاشر دلالة العام هل هي ظثية أو قطعية</span>؟\nلقد قلنا: إن للعموم صيغًا مستعملة فيه تدل عليه، وهي تلك\nالصيغ التي ذكرناها، لكن هل إفادتها للعموم ظنية، أو قطعية؛\nأي: هل تلك الألفاظ والصيغ تدل على العموم مع احتمال أن\nالمقصود بها الخصوص، أو أنها تدل على العموم مع عدم احتمال\nالخصوص؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن دلالة العام ظنية، أي: أن تلك الصيغ\nوالألفاظ تدل على العموم والخصوص، لكن دلالتها على العموم\nأرجح من دلالتها على الخصوص.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن هذه الصيغ\nتستعمل للعموم كما سبق الاستدلال عليه - ومع ذلك فقد كثر\nإطلاقها وإرادة الخصوص كثرة لا تحصى حتى اشتهر قولهم: \" ما من\nعام إلا وقد خصِّص \" إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)،\nواستعمال تلك الألفاظ والصيغ في الخصوص كثيرًا تجعل دلالتها على\nالعموم ظنية؛ لأن احتمال إرادة الخصوص بها وارد وثابت بدليل،\nوهو ما سبق.\nالمذهب الثاني: أن دلالة العام قطعية، أي: أن تلك الصيغ\nوالألفاظ تدل على العموم دلالة قطعية، فلا يحتمل الخصوص.\nوهو مذهب أكثر. الحنفية.","vol":"4","page":1515},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن تلك الصيغ وضعت للعموم، دون الخصوص، فلا يفهم منها\nعند إطلاقها إلا ما وضعت له - وهو العموم -، واحتمال\nالخصوص منها احتمال عقلي مجرد عن الدليل، والاحتمال المجرد\nعن الدليل لا ينافي قطعية الدلالة.\nجوابه:\nلا نسلم أن احتمال الخصوص منها احتمال عقلي مجرد عن الدليل\nبل إرادة الخصوص منها هو احتمال ناشى عن دليل - وهو: كثرة\nاستعمالها في الخصوص حتى قيل: ما من عام إلا وقد خصص،\nوالاحتمال الناشئ عن دليل ينافي القطعية بالمدلول.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، له أثره؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول:\nفإن القياس وخبر الواحد يقويان على تخصيص العام؛ لأن دلالته\nعند هؤلاء ظنية، ودلالة خبر الواحد والقياس ظنية، والظني يقوى\nعلى تخصيص الظني.\nأما بناء على المذهب الثاني: فإن القياس وخبر الواحد لا يقويان\nعلى تخصيص العام؛ لأن دلالته عند هؤلاء قطعية، ودلالة القياس\nوخبر الواحد ظنية، والظني لا يقوى على تخصيص القطعي.\nوانبنى على ذلك بعض الفروع التي سيأتي ذكرها في المخصصات\nإن شاء اللَّه.","vol":"4","page":1516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>المطلب الحادي عشر أقل الجمع ما هو</span>؟\nلتحرير محل النزاع في هذه المسألة لا بد أن أذكر ما يلي:\nأولًا: ليس محل النزاع في هذه المسألة في معنى لفظ \" الجمع \"\nالمركب من \" ج، م، ع \"، وذلك لأن موضوع هذا اللفظ يقتضي\nضم شيء إلى شيء، وهذا منطبق على الاثنين والثلاثة، وما زاد\nبلا خلاف.\nثانيا: وليس محل لخلاف في لفظ \" الجماعة \" في غير صلاة،\nفإن أقله ثلاثة بلا خلاف.\nثالثًا: وليس محل الخلاف في تعبير الاثنين عن نفسيهما، أو\nالواحد عن نفسه بضمير الجمع، سواء كان ضمير المتكلم متصلًا\nكقوله: \"فعلنا\"، أو منفصلًا كقوله: \" نحن \".\nرابعًا: وليس محل الخاث ف مدلول مثل قوله تعالى:\n(فقد صغت قلوبكما)، وقول اسقائل: \" ضربت رؤوس الرجلين \"،\nو\"وطئت بطونهما \"، وذلك لأن التعبير عن عضوين من جسدين\nبلفظ الجمع يقصد منه التخفيف، فإنه لو قيل: \" قلباكما \" لثقل\nاجتماع ما يدل على التثنية فيما هو كالكلمة الواحدة مرتين.\nخامسا: وليس محل التخفيف هو الجمع المعرف بـ \" أل \" كالرجال،\nفإنه للاستغراق.\nإذن ما هو محل النزاع؟","vol":"4","page":1517},{"text":"محل النزاع هو: جمع القلة المنكر، وهي التي تكون على وزن\nأربعة أمور هي كما يلي:\n١ - أفعلة كأرغفة\n٢ - أفعل كأرجل.\n٣ - أفعال كأثواب\n٤ - فِعْلَة كصبية.\nوكذلك جمع المذكر السالم المنكر كمسلمين، وجمع المؤنث\nالسالم كـ \" مسلمات \".\nوكذلك جمع الكثرة المنكر كرجال.\nوكذلك \" واو الجمع \" مثل الواو في قوله: \" خرجوا \".\nفاختلف العلماء في أقل الجمع هل هو ثلاثة أو اثنان أو واحد على\nمذاهب هي كما يلي:\nالمذهب الأول: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ويطلق على الاثنين\nوالواحد مجازًا.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: ما روي عن ابن عباس - ﵄ - أنه\nدخل على عثمان - ﵁ - فقال له: إن الأخوين لا يردان\nالأم إلى السدس، إنما قال تعالى: (فإن كان له أخوة فلأمه السدس)، والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة، فقال عثمان:\n\"لا أستطيع أن أنقض أمرًا كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في\nالأمصار \".\nوجه الدلاله: أن ابن عباس - وهو من أرباب اللسان وأهل اللغة\nوالفصاحة والبلاغة، وترجمان القرآن وحبر الأمة - قد بيَّن أن أقل\nالجمع ثلاثة في اللغة، وعثمان - وهو أيضًا من أهل اللسان واللغة -","vol":"4","page":1518},{"text":"قد وافقه على ذلك، فلم ينكر عليه ذلك، وإنما اعتذر عنه بأنه ترك\nمقتضى اللسان في هذه المسألة الفرعية - وهي مسألة حجب الأم من\nالثلث إلى السدس - بسبب وجود قرينة صرفت اللفظ من كونه\nلثلاثة إلى كونه يحمل على اثنين، وهذه القرينة والدليل هو:\nإجماع من قبله على خلافه، فلما عدل عن ذلك بالإجماع دلَّ على\nصحة ما قاله ابن عباس من أن الأخوين ليسا بأخوة في لغة العرب،\nفدل على أن الجمع لا يطلق على الاثنين حقيقة، فدل على أن أقل\nالجمع ثلاثة حقيقة.\nما اعترض به على هذا الدليل:\nالاعتراض الأول: أن هذا الأثو ضعيف من حيث سنده؛ لأنه من\nرواية شعبة بن دينار، وهذا قد تكلم فيه أئمة الحديث، والحديث\nالضعيف لا يمكن أن يستدل به على إثبات قاعدة أصولية ككون أقل\nالجمع ثلاثة.\nجوابه:\nلا نسلم ضعف هذا الأثر؛ حيث إن الحاكم قد صحَّحه في\n\"المستدرك \"، فقال: \" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \"،\nوقد وافقه الذهبي على ذلك في \" تعليقه على المستدرك \"، ونقل\nالذهبي في \" ميزان الاعتدال \" أن أحمد بن حنبل قال في شعبة هذا:\nإنه ما به بأس.\nالاعتراض الثاني: على فرض صحة هذا الأثر، فإنه معارض بما\nأخرجه البيهقي في \" السنن الكبرى \"، والحاكم في \" المستدرك \" عن\nخارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه كان يقول. \" الإخوة في كلام\nالعرب أخوان فصاعدًا \".","vol":"4","page":1519},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أن هذا الأثر المنقول عن زيد بن ثابت قد ورد في\nسنده عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهذا الرجل قد تكلم فيه بعض\nأئمة الحديث، فقال الإمام أحمد بن حنبل: \" إنه مضطرب الحديث \"\nوقال يحيى بن معين: \" ابن أبي الزناد لا يحتج بحديثه \"، وهذا\nالكلام في هذا الرجل قد ضعَّف من هذا الأثر مما جعله لا يقوى\nعلى معارضة الأثر الوارد عن ابن عباس وعثمان.\nالجواب الثاني: على فرض صحة ما نقل عن زيد ومعارضته لما\nنقل عن ابن عباس وعثمان، فإنا نرجح الأثر المروي عن عثمان وابن\nعباس؛ وذلك نظرًا لكثرة وعظم مرتبة ابن عباس وعثمان - رضي\nالله عن الجميع - وعلمهما الواسع في الشريعة واللغة.\nالجواب الثالث: سلمنا صحة نسبة الأثر إلى زيد: فإنه يمكن\nالجمع بينه وبين الأثر المروي عن ابن عباس وعثمان بطرق، أحسنها:\nأن الأثر المروي عن عثمان وابن عباس يحمل على إطلاق اللغة\nبصورة عامة، فإنها تقتضي أن أقل الجمع ثلاثة في جميع أبواب\nالفقه، أما كلام زيد فإنه يحمل على أن الجمع يطلق علي الاثنين في\nهذه المسألة فقط، وهي: \" حجب الأم من الثلث إلى السدس\nبالأخوين \"، وهناك أجوبة أخرى وطرق للجمع قد ذكرتها في كتابي\n\" أقل الجمع عند الأصوليين \"، فارجع إليه.\nالدليل الثاني: قوله - ﷺ -:\n\"الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب \".\nوجه الدلالة: أن - ﷺ - قد فصل بين التثنية والجمع، وجعل","vol":"4","page":1520},{"text":"للاثنين اصطلاحًا خاصا دون الجمع، فعلم أن التثنية ليست بجمع\nحقيقة.\nالدليل الثالث: قوله - ﷺ -:\n\"الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم \".\nوجه الدلالة: نفس السابق.\nالدليل الرابع: أن الثلاثة تنعت بالجمع، والجمع ينعت بالثلاثة\nفيقال: \" ثلاثة رجال \"، و\" رجال ثلاثة \"، لكن التثنية لا تنعت\nبالجمع، ولا ينعت الجمع بالتثنية، فلا يقال \" اثنان رجال \"،\nولا يقال: \" رجال اثنان \"، فلو كان الاثنان أقل الجمع: لجاز نعت\nأحدهما بالآخر، لكن ذلك لا يجوز، فلا يكون الاثنان جمعا.\nالدليل الخامس: أن العرب جعلت مراتب الأعداد ثلاثة أقسام:\n\" الواحد \"، ثم \" التثنية \"، ثم \" الجمع \"، فقالوا: \" رجل \"،\nو\" رجلان \"، و\" رجال \".\nفلو كان الجمع يطلق على الاثنين حقيقة: لكانت مراتب الأعداد\nمنحصرة في ضربين هما: \" الواحد \"، و\" الجمع \"، وهذا مما لا\nيجوز؛ لأنه خلاف ما استقر عليه وضع لغة العرب.\nالدليل السادس: أن أهل اللغة قد فرَّقوا بين التثنية والجمع في\nالضمير المتصل، فقالوا في التثنية: \" فعلا \"، و\" افعلا \"، وقالوا\nفي الجمع: \" فعلوا \"، و\" افعلوا \"، فلو كان الجمع يطلق على\nالتثنية: لما فرقوا بينهما، ولقالوا لكل منهما: \" فعلوا \" أو \" افعلوا\"\nولكنهم لم يقولوا ذلك مما يدل على أن التثنية ليست بجمع، فينتج:\nأن أقل الجمع ثلاثة حقيقة.\nالدليل السابع: أن أهل اللغة قد فرقوا بين التثنية والجمع في","vol":"4","page":1521},{"text":"الضمير المنفصل، فقالوا في الجمع: \" هم فعلوا \"، وقالوا في\nالتثنية: \" هما فعلا \"، فلو كانت التثنية جمعا لما فرقوا بينهما في\nذلك، ولقالوا: \" هم فعلوا \" للجمع والتثنية.\nالدليل الثامن: أن أهل اللغة قد فرَّقوا بين التثنية والجمع بالتأكيد،\nفقالوا في الجمع: \" جاء الزيدون أنفسهم \"، وقالوا في التثنية:\n\"جاء الزيدان أنفسهما \"، فلو كان الجمع يطلق على التثنية وأن الاثنين\nأقل الجمع: لجاز تأكيد أحدهما بالآخر.\nالدليل التاسع: أن ما فوق الاثنين هو المتبادر إلى الفهم من صيغة\nالجمع، والتبادر إلى الفهم من علامات الحقيقة، بخلاف عدد\nالاثنين، فإنه لا يتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ الجمع، وهذا يدل\nعلى، أن الجمع يكون حقيقة في الزائد على الاثنين، وهو: الثلاثة\nفما فوقها، فيكون أقل الجمع ثلاثة.\nالمذهب الثاني: أن أقل الجمع اثنان حقيقة، ويطلق على الواحد\nمجازًا.\nوهو مذهب القاضي الباقلاني، والباجي، وابن الماجشون،\nوداود الظاهري، وابنه محمد، وأبي إسحاق الإسفراييني، وهو\nاختيار علي بن عيسى النحوي، ونفطويه، والخليل بن أحمد.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أطلق ضمير الجمع وهو الوارد\nبقوله: \" معكم \"، والمراد: موسى وهارون - ﵉ -","vol":"4","page":1522},{"text":"وهما اثنان، والمراد بالإطلاق الحقيقة، فلو لم يكن الاثنان جمعا لما\nأطلق عليهما ضمير الجمع وأرجعه إليهما.\nجوابه:\nإن الضمير الوارد في قوله: (معكم) لم يرجع إلى اثنين - كما\nزعمتم -، بل هو راجع إلى ثلاثة وهم: موسى، وهارون،\nوفرعون، والمقصود بالمعية هنا: هي: معية العلم، أي: أن اللَّه لما\nأمر موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون، فلما وصلوا إليه فهو معهم\nبالعلم لما يقولون - أي: مع موسى وهارون والذي ذهبوا إليه،\nوهو فرعون.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (عسى اللَّه أن يأتيني بهم جميعا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أطلق ضمير الجمع، وهو الوارد\nفي قوله: (بهم)، وأرجعه إلى اثنين، وهما: \" يوسف \"\nوشقيقه \" بنيامين \".\nفلو لم يكن الاثنان جمعا: لما جمع الضمير، ولقال: \" بهما\"،\nولكنه سبحانه لم يقل ذلك، بل قال: \" بهم \" مما يدل على أن\nالتثنية جمع، فيكون أقل الجمع اثنين.\nجوابه:\nإن الضمير في قوله: \" بهم \" لم يرجع إلى اثنين - كما زعمتم -\nبل رجع إلى ثلاثة، وهم: \" يوسف \"، و\" بنيامين \"، وأخيهم\nالأكبر: \" شمعون \" القائل: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) فيكون على وجهة.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ)","vol":"4","page":1523},{"text":"وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد استعمل لفظ \" الجمع \" في قوله:\n(إِذْ تَسَوَّرُوا) في الاثنين وهما الملكان، وهما الخصمان، بدليل\nقوله: (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) إلى قوله: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ)، فلو لم يكن الاثنان\nجمعا لما أرجع ضمير الجمع في (تَسَوَّرُوا) إليهما، فيكون أقل\nالجمع اثنين.\nجوابه:\nإن الضمير في قوله: (تَسَوَّرُوا) لم يرجع إلى اثنين، بل\nرجع إلى أكثر، حيث إنه يجوز أنه حضر مع جبريل وميكائيل\nجماعة من الملائكة، ورد الضمير بلفظ الجمع إلى الجميع، فقال:\n(إِذْ تَسَوَّرُوا) .\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا\nفأصلحوا بينهما) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد رد ضمير الجمع في قوله:\n(اقتتلوا) إلى التثنية، وهما: (الطائفتان)، فدل على أن التثنية\nجمع، فيكون أقل الجمع اثنين.\nجوابه:\nإن هذه الآية لا تصلح للاستدلال بها على أن أقل الجمع اثنان؛\nلأن المراد بالطائفة - هنا - الجمع، وليس المفرد، يؤيد ذلك سبب.\nنزول هذه الآية، حيث قال سعيد بن جبير: إن الأوس والخزرج كان\nبينهم على عهد رسول اللَّه - ﷺ - قتال بالسيف والنعال ونحوه، فأنزل اللَّه هذه الآية فيهم، وقال مجاهد: تقاتل حيان من الأنصار بالعصي والنعال فنزلت الآية، وقيل في سبب نزولها غير ذلك، وكل ما ذكر","vol":"4","page":1524},{"text":"من سبب يدل دلالة واضحة على أن المراد بالطائفة هنا هو جمع\nوليس مفردًا.\nالدليل الخامس: قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد جمع الضمير في قوله:\n(لِحُكْمِهِمْ) مع أن المراد به اثنان هما: \" سليمان \"، و\" داود \" مما\nيدل على أن صيغة الجمع تتناول الاثنين حقيقة، فيكون أقل الجمع\nاثنين.\nجوابه:\nإن ضمير الجمع الوارد في قوله: (لِحُكْمِهِمْ) لم يرجع إلى\nاثنين، بل هو راجع إلى أربعة وهم: الحاكمان وهما: \" داوود \"،\nو\" سليمان \"، والمحكوم له وهو صاحب الزرع، والمحكوم عليه\nوهو صاحب الغنم.\nاعتراض على هذا الجواب:\nقال قائل - معترضا -: سلمنا أن الحكم يضاف إلى الحاكم،\nلكن لا نُسَلِّمُ أن الحكم يضاف إلى المحكوم عليه أو له.\nجوابه:\nيجوز في لغة العرب نسبة الحكم إلى المحكوم عليه أوله عن طريق\nالمجاز، يقال للذي له قضية في محكمة: \" هل صدر حكمه؟ \"\nفمثل هذا الإطلاق يجوز لغة، ولا مانع منه، وهو محكوم له أو\nعليه، والقرآن نزل بلغة العرب.\nوهناك ستة أجوبة عن الاستدلال بهذه الآية قد ذكرتها في كتابي:","vol":"4","page":1525},{"text":"\" أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه \"، فارجع إليه إن\nشئت.\nالدليل السادس: قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد عبر عن الإخوة بالأخوين،\nوهذا يدل على أن التثنية جمع، فلو لم تكن التثنية جمعا لما قال\nذلك، فيدل على أن أقل الجمع اثنان.\nجوابه:\nالمراد بلفظ \" الأخوين \" هنا: الطائفتان، أو القبليتان، أو\nالجماعتان؛ لأن اسم الأخوين يقع على ذلك، قال الشاعر:\nفألحق بحلفك في قضاعة إنما ... قيس عليك وخندق إخوان\nفسمى القبيلتين أخوين.\nالدليل السابع: قوله - ﷺ -:\n\"الاثنان فما فوقهما جماعة \".\nوجه الدلالة: أن هذا نص في أن أقل الجمع اثنان؛ حيث إن\nالرسول - ﷺ - أخبر أن الاثنين جماعة، والرسول - ﷿ - من أهل اللغة، بل أبلغهم وأفصحهم، فلو نقل هذا عن واحد من الأعراب لكان حُجة، فعن صاحب الشرع أوْلى.\nجوابه: يجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا الحديث ضعيف؛ حيث روي هذا الحديث\nمن طرق كثيرة كلها ضعيفة، وقد بيَّنت هذه الطرق في كتابي \" أقل\nالجمع عند الأصوليين \"، وإليك بعضا من ذلك:\nأن في سنده: \" الربيع بن بدر \" قال عنه النسائي: \" متروك","vol":"4","page":1526},{"text":"الحديث \"، وقال يحى بن معين: \" ليس بشيء \"، وقال ابن أبي\nحاتم الرازي: \" الربيع بن بدر لا يشتغل به، ولا بروايته، فإنه\nضعيف الحديث \"، وقال ابن كثير في \" تحفة الطالب \": \" الربيع\nاتفق أئمة الجرح والتعديل على جرحه \".\nوقيل غير ذلك.\nوإذا كان كذلك فلا يصلح للاستدلال به على إثبات قاعدة أصولية\nوهي: أن أقل الجمع اثنان.\nالجواب الثاني: على فرض صحة هذا الحديث فإنه لا يدل على أن\nأقل الجمع اثنان مطلقا، بل يحمل على أن المراد حصول فضيلة\nالصلاة جماعة من حيث الحكم الشرعي، لا من حيث اللفظ\nاللغوي؛ لأن الشارع إنما يبين الأحكام التي بعث لبيانها لا اللغات\nالتي عرفت من غيره؛ لأن النبي - ﷺ - إنما بعث لبيان الشرعيات.\nوبهذا يكون هذا الحديث - إن صح - دليلًا لنا، لا لهم؛ حيث\nإنه لو كان الاثنان جمعا حقيقة: لما احتاج إلى البيان؛ لأنه يعرف\nذلك من اللغة ما يعرفه.\nالمذهب الثالث: أن أقل الجمع واحد حقيقة.\nوهو مذهب أبي حامد الإسفراييني، ونسبه بعضهم إلى إمام\nالحرمين، ولكن هذه النسبة ليست صحيحة كما بينت ذلك في كتابي\n\" أقل الجمع عند الأصوليين \".\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .","vol":"4","page":1527},{"text":"وجه الدلالة: أنه سبحانه وحده منزل الذكر، فإذا ثبتت العبارة\nبلفظ الجمع عن الواحد لم يستنكر حمل معلوم المخصص على\nالواحد حقيقة.\nجوابه:\nإن هذا ليس في محل النزاع؛ حيث قلنا: إن الواحد الذي يُعبِّر\nعن نفسه بلفظ الجمع، فإنه تعبير صحيح، لكن جاء عن طريق\nالمجاز.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) .\nوجه الدلالة: هو نفسه ما سبق.\nجوابه:\nهو نفس الجواب السابق.\nالدليل الثالث: أن إطلاق لفظ الجمع على الواحد قد ورد في\nكلام العرب، فمثلًا: إذا برزت امرأة لرجل واحد حَسُنَ من زوجها\nأن يقول - في توبيخها -: \" أتتبرجين للرجال يا لكعاء \"، وهو لم\nير إلا رجلًا واحدًا.\nجوابه:\nإنه لا يعني بلفظ \" الرجال \" رجلًا واحدًا، بل استعمل لفظ\nالجمع، وهو \" الرجال \" بدلًا من لفظ \" الواحد \"، لأن غرض\nالزوج لم يتعلق بذلك الرجل الواحد، بل تعلق غرضه بجنس\nالرجال لظنه أنها ما تبرجت لواحد إلا وقد تبرجت لغيره، فتبرجها\nلواحد سبب للإطلاق.","vol":"4","page":1528},{"text":"المذهب الرابع: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ويطلق على الاثنين\nمجازًا، ولا يطلق على الواحهد لا حقيقة ولا مجازًا.\nدليل هذا المذهب:\nأولًا: استدل أصحاب هذا المذهب على أن أقل الجمع ثلاثة\nجقيقة بأدلة أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور -.\nثانيا: واستدلوا على أنه يطلق على الاثنين مجازًا بما استدل به\nأصحات المذهب الأول؛ حيث إنهم يطلقون الجمع على الثلاثة،\nولا يمنعون من إطلاقه على الاثنين مجازًا.\nثالثًا: استدلوا على أن الجمع لا يطلق على الواحد مجازًا بقولهم:\nإن المجاز لا بد فيه من قرينة وعلاقة، ولا علاقة بين المعنى الحقيقي\n- وهو الثلاثة - والمعنى المجازي - وهو الواحد - فلا يصح إطلاق\nالجمع عليه مجازًا.\nجوابه:\nإن الجمع يطلق على الواحد مجازًا، كما في الواحد ينزل نفسه\nمنزلة الجمع كقوله: \" نحن فعلنا \"، وهذا معروف أنه مجاز - كما\nقلنا ذلك في المذهب الثالث -.\nوالعلاقة بين المعنى الحقيقي وهو: الجمع، والمعنى المجازي وهو:\nالواحد موجودة، وهي اليتعدد الصادق بالتعدد الواقعي كما في\nالجمع، والتعدد التقديري كما في الواحد الذي يقوم بما تقوم به\nالجماعة.\nالمذهب الخامس: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ولا يطلق على\nالاثنين حقيقة ولا مجازًا.","vol":"4","page":1529},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nأولًا: استدل أصحاب هذا المذهب على أن أقل الجمع ثلاثة\nحقيقة بما استدل به أصحاب المذهب الأول، وهم الجمهور.\nثانيًا: واستدلوا على أن الجمع لا يطلق على الاثنين لا حقيقة،\nولا مجازًا بالأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه لا علاقة بين الاثنين والجمع، وعند فقد العلاقة\nيمتنع المجاز، وذلك لأن المجاز لا بد فيه من العلاقة.\nجوابه:\nأن الجمع يطلق على الاثنين بطريق المجاز، والعلاقة بين الاثنين\nوالجمع موجودة وهي: التعدد الواقعي؛ حيث إن الاثنين فيهما\nتعدد، والجمع فيه تعدد كذلك.\nالدليل الثاني: أنه لو صح إطلاق الجمع على الاثنين، ولو\nمجازًا: لصح نعت التثنية بالجمع وبالعكس، لكن لا يجوز أن\nيقال: \" جاءني رجلان عالمون \"، ولا \" جاء رجال عالمان \".\nجوابه:\nإن العرب كانت تراعي صورة اللفظ محافظة للتماثل بين الصفة\nوالموصوف، فلهذا لم يجوزوا نعت المثنى بالجمع ولا العكس.\nوقد التزم بعضهم النعت مع الاختلاف مجازًا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، قد أثر في بعض المسائل الفقهية، ومنها:\n١ - لو حلف وقال: \" والله لا أكلم بني آدم \".","vol":"4","page":1530},{"text":"فإنه لا يحنث إلا إذا كلم ثلاثة؛ بناء على المذهب الأول وهو:\nأن أقل الجمع ثلاثة.\nوقيل: يحنث إذا كلم اثنين، بناء على المذهب الثاني وهو: أن\nأقل الجمع اثنان.\nويلزم على المذهب الثالث - وهو: أن أقل الجمع واحد: أنه\nيحنث إذا كلم واحدًا.\n٢ - الصلاة على الميت.\nقيل: لا بد أن يصلي عليه ثلاثة؛ بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.\nوقيل: يكفي أن يصلي عليه اثنان؛ بناء على أن أقل الجمع اثنان.\nوقيل: يكفي أن يصلي عليه واحد؛ بناء على أن أقل الجمع واحد.\n٣ - لو قال الزوج: \" إن تزوجت نساء فأمرأتى طالق \": لم\nتطلق إلا إذا تزوج ثلاث نسوة؛ بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.\nويلزم على المذهب الثاني - وهو: أن أقل الجمع اثنان -: إن\nامرأته تطلق إذا تزوج امرأتين.\nويلزم على المذهب الثالث - وهو؛ أن أقل الجمع واحد -: إن\nامرأته تطلق إذا تزوج امرأة واحدة.\n٤ - إذا نذر صوم أيام - ولم يبين مقصده - فإنه يلزمه ثلاثة أيام؛\nبناء على أن أقل الجمع ثلاثة.\nويلزمه يومان؛ بناء على أن أقل الجمع اثنان.\nويلزمه يوم واحد؛ بناء على أن أقل الجمع واحد.","vol":"4","page":1531},{"text":"٥ - لو قال لزوجته: \" أنت طالق طلقات \" - ولم يبين مقصده -\nفإنه يلزمه ثلاث طلقات، بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.\nويلزمه طلقتان، بناء على أن أقل الجمع اثنان.\nويلزمه طلقة واحدة؛ بناء على أن أقل الجمع واحد.\nوقد أفردت هذه المسألة بمصنف مستقل - لما رأيت أهميتها لطالب\nالعلم - سميته: \" أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه \" قد\nتوسعت بذكر المذاهب، وأدلتهم، والمناقشة، وأثر الخلاف الفقهي\nوالأصولي، فارجع إليه إن شئت فهو مطبوع بمجلد.","vol":"4","page":1532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>المطلب الثاني عشر هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب</span>؟\nإذا ورد لفظ عام على سبب خاص - واللفظ مستقل بنفسه دون\nسببه - فهل يسقط السبب عموم اللفظ أو لا؟\nفمثلًا إذا حدثت حادثة فوردت في حكمها آية أو حديث بلفظ عام\nمن الألفاظ، والصيغ السابقة الذكر، فهل يكون هذا الحكم خاصا،\nنظرًا إلى سببه، أو عامًا نظرًا إلى لفظه؛ أي: إن كان الجواب عاما\nوالسؤال خاصا، فهل خصوص السبب يخصص العام، أو لا؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.\nأي: أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يختص به، بل\nيكون عامًا لمن تسبَّب في نزول الحكم ولغيره.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من\nالأدلة:\nالدليل الأول: أن الحجة في لفظ الشارع:\nفإن أورد الشارع الحكم وهو مشتمل على صيغة من صيغ العموم\n- السابقة الذكر -: جعلنا الحكم عامًا سواء نزل ذلك الحكم\nبسبب، أو بغير سبب، وإن أورد الشارع الحكم بلفظ خاص:\nخصصنا ذلك الحكم.","vol":"4","page":1533},{"text":"فالمعتبر هو اللفظ، وقد أجمع العلماء على ذلك في بعض الصور.\nفمثلًا لو كان لرجل أربع نساء فقلن له: \" طلفنا جميعًا \"، فقال\nهو: فلانة طالق، فإنه لا تطلق إلا واحدة، وهي المعينة، فلم\nينظر إلى السؤال العام، بل نظرنا إلى لفظ الزوج.\nكذلك لو قالت واحدة منهن: \" طلقني \"، فقال: \" كل نسائي\nطوالق \"، فهنا: جميع نسائه يطلقن؛ حيث نظرنا إلى لفظ الزوج،\nولم ينظر إلى سبب هذا القول.\nالدليل الثاني: إجماع الصحابة - ﵃ - على تعميم\nالأحكام الواردة على أسباب خاصة، بيان ذلك:\nأن أكثر العمومات - قد وردت على أسباب خاصة، فمثلًا:\nآيات الظهار نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجته، وآيات\nاللعان نزلت في شأن عويمر العجلاني وزوجته، وقيل: إنها نزلت\nفي هلال بن أمية وزوجته، وآية السرقة قد نزلت في سرقة رداء\nصفوان بن أمية، وآية القذف نزلت في شأن عائشة - رضي اللَّه عن\nالجميع - والأمثلة كثيرة.\nوالصحابة - ﵃ - قد عمموا أحكام هذه الآيات من\nغير نكير، فدل على أن الأحكام لا تخصص بأسبابها، ولو كانت\nمخصصة بأسبابها: لكان إجماع الصحابة على التعميم خلاف\nالدليل، وهذا لم يقل به أحد.\nالدليل الثالث: أن المقتضي للعمل بالعموم موجود، وهو اللفظ\nالعام الذي يشمل السبب وغيره وضعا، والمانع له غير موجود؛\nحيث لا يوجد بين السبب والعام تنافي؛ نظرًا لإمكان العمل بالعام","vol":"4","page":1534},{"text":"في السبب وفي غيره، ومتى وجد المقتضي وانتفى المانع وجب العمل\nبالعام على عمومه؛ لوجود المقتضي السالم عن المعارض.\nالمذهب الثاني: أن العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ.\nأي: أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص يختص به.\nأي: أن خصوص السبب يخصص العام، ويجعله مرادًا به هذا\nالسبب بخصوصه، فلا يعمل بالعام على عمومه.\nوهو مذهب الإمام مالك في رواية عنه، واختاره بعض الشافعية\nكالمزني، والدقاق، والقفال، وحكي عن الإمام الشافعي، وحكي\nعن أبي ثور.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لو كان الخطاب الوارد على سبب عاما: لجاز\nإخراج السبب عن العموم بالاجتهاد، كما في غيره من الصور\nالداخلة تحت العموم ضرورة تساوي نسبة العموم إلى الكل، وهو\nخلاف الإجماع.\nفمثلًا: نزلت آية اللعان بسبب قصة عويمر العجلاني، وهي بلفظ\nعام، فإن حكم اللعان يختص بعويمر؛ لأنه لو لم يختص حكم\nاللعان به - وهو سبب نزوله - لجاز إخراج السبب - أي: إخراج\nعويمر - بالتخصيص كأي فرد من أفراد العموم، ولكنه لا يجوز\nإخراجه؛ لأن الآيات نزلت بشأنه أصلًا، وما دام أنه لا يخرج بأي\nحال، بينما غيره من الأفراد يجوز إخراجه، فثبت أن اللفظ مختص\nبسببه وهو عويمر.\nجوابه:\nإنا لما قلنا: إن الحكم الوارد بلفظ عام على سبب خاص يجب","vol":"4","page":1535},{"text":"تعميمه لما ورد بشأنه ولغيره، فإن هذا لا يلزم منه: جواز إخراج\nالسبب - وهو ما ورد الحكم بشأنه كعويمر في آيات اللعان - وذلك\nلأنه لا خلاف في أن كلام الشارع في آيات اللعان - مثلًا - هو بيان\nلحكم ما وقع لعويمر، ولكن هل هذه الآيات الواردة في اللعان بيان\nلعويمر خاصة، أو بيان له ولغيره مما شابه ذلك؛ هذا هو محل\nالنزاع.\nفعندنا: أن اللفظ الوارد في حكم اللعان يعم عويمر ويعم غيره،\nلكن الفرق بينه وبين غيره: أن اللفظ تناوله تناولًا قطعيا، وتناول\nغيره تناولًا ظنيا، لذلك قلنا - هناك -: إن دلالة العام ظنية، وما\nدام أن الخطاب في حق عويمر قطعي، فلا يمكن أن يخصص أو\nيخرج بحال، أما غيره فيجوز خصيصه بدليل معتبر.\nالدليل الثاني: أن الراوي حرص على نقل سبب نزول الحكم ولا\nفائدة من حرصه على نقل السبب إلا لأن الحكم مختص به، فلو كان\nالحكم عاما: لكان نقل السبب وعدم نقله سواء في عدم الفائدة.\nجوابه:\nلا نسلم ما قلتموه، بل إن لنقل الراوي للسبب فائدتان هما:\nالفائدة الأولى: امتناع إخراج السبب - وهو عويمر مثلًا - من\nآيات اللعان بحكم التخصيص بالاجتهاد، وذلك لأنه تناوله قطعا\n- فذكره للسبب ينبه على ذلك - وقد سبق بيان ذلك.\nالفائدة الثانية: معرفة أسباب نزول الآيات، وورود الأحاديث،\nوهذا يتضمن فوائد، منها:\nأولًا: معرفة سير الصحابة وما جرى بينهم، لنقتدي بالحسن من","vol":"4","page":1536},{"text":"الوقائع التي وقعت في عصرهم، والتأسي بصبرهم على ما ألم بهم\nمن مصائب.\nثانيًا: معرفة معاني النصوص الشرعية من الكتاب والسنَّة، فإن\nالعارف بسبب نزول هذه الآية أعلم بمراد الشارع من غير العارف.\nثالثا: معرفة مقاصد الشارع في كل آية أو حديث.\nرابعا: التوسع في علم الشريعة؛ حيث إن العالم بأسباب نزول\nالآيات أقدر على استنباط الأحكام منها من غيره.\nالدليل الثالث: أنه لو لم يكن للسبب تأثير في الحكم لما أخر\nالشارع بيان الحكم إلى حالة وقوع تلك الواقعة.\nأي: أن الشارع قد أنزل حكم الظهار - مثلًا - بعد وقوع حادثة\nأوس بن الصامت وزوجته مباشرة، وهذا يدل على أن حكم الظهار\nمختص بأوس وامرأته؛ إذ لو كان الحكم عامًا لأوس وزوجته\nوغيرهما لأنزل حكم الظهار قبل وقوع تلك الواقعة، أو أخره عن\nوقوع الحادثة، ولكن لم يفعل ذلك، فثبت أن نزول الحكم بهذا\nالوقت بالذات يدل على اختصاصه بالحادثة التي وقعت فيه.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أن قولكم - في هذا الدليل - تحكم على الله\nتعالى، وليس لنا التحكم عليه، وسؤاله: لمَ فعل كذا؛ ولِمَ لم\nيفعل كذا؛ وما فائدة نزول هذا في هذا الوقتَ؛ إلى آخر الأسئلة\nالتي لو سمح بمثلها لأدى إلى الكفر والظلال، فلا يجوز طلب\nالفائدة لأفعال اللَّه تعالى، فهو معلوم أنه لا يفعل شيئًا إلا وفيه فوائد","vol":"4","page":1537},{"text":"ومصالح: فقد يدركها بعض العلماء، أو يدرك بعضها، وقد لا\nيدركها فتكون تعبدية، فله سبحانه أن ينشئ التكليف في أي وقت\nشاء؛ لعلمه سبحانه أن مصلحة العباد والبلاد تقتضي ذلك، قال\nتعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) .\nالجواب الثاني: أن قولكم: \" إنه ما أخر بيان الحكم إلى وقوع\nالواقعة إلا لأن الحكم مختص بهذه الواقعة \" يلزم منه: أن يختص\nالرجم بماعز، واللعان بعويمر وزوجته، أو هلال وزوجته، والسرقة\nبمن نزلت فيهم؛ لأن اللَّه أخر بيان تلك الأحكام إلى وقوع وقائعهم،\nوذلك كله خلاف إجماع الصحابة، فيكون ظاهر البطلان.\nالجواب الثالث: على فرض أن سؤالكم صحيح: فإنا نقول - في\nالجواب عن ذلك -: إن اللَّه علم أن مصلحة العباد والبلاد تقتضي نزول\nاَيات اللعان - مثلًا - في هذا الوقت، فأراد إيقاع واقعة لينزل الحكم\nبشأنها، فأحدث واقعة عويمر مع زوجته، فأنزل آيات اللعان،\nلتكون حكما له ولغيره ممن شابهه.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا - لِمَ أحدث حادثة لأجل إنزال حكم اللعان،\nولِمَ لم ينزله ابتداء كغيره؟\nجوابه:\nإن اللَّه أحدث بعض الحوادث، وأنزل بشأنها أحكاما شرعية،\nلأمرين:\nأولهما: أن إنزال الحكم والجواب بعد حدوث الحادثة أوقع في\nالنفوس من إنزال الحكم ابتداء.","vol":"4","page":1538},{"text":"ثانيهما: ليعلم الناس أن الرسول - ﷺ - لم يأت بشيء من عنده، بل إن كل ما جاء به من القرآن والسُّنَّة هو من عند اللَّه وحده، قال\nتعالى: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ)، ولذلك\nكان يتوقف عن جواب بعض الأسئلة حتى ينزل به وحي.\nالدليل الرأبع: أن الحكم جواب، والواقعة والحادثة سؤال، ومن\nشرط الجواب: أن يكون مطابقا للسؤال لا يزيد عنه ولا ينقص، فلو\nكان الجواب عامًا والسؤال خاصا لم يكن الجواب مطابقا للسؤال،\nوالأصل المطابقة؛ لكون الزيادة عديمة التأثير فيما يتعلق به غرض\nالسائل.\nجوابه:\nإن أردتم بمطابقة الجواب للسؤال: الكشف عنه، وبيان حكمه،\nوأن يكون متناولًا له: فهذا نسلمه لكم، وقد وجد وحصل.\nأما إن أردتم بمطابقة الجواب للسؤال: أن يكون مطابقا له تمام\nالمطابة: بدون زيادة بعض البيانات لغير ما سئل عنه: فلا نسلم؛\nوذلك لأنه قد ثبت في الشريعة أن الشارع يسأل عن شيء فيجيب عنه\nوعن غيره، كما ورد أنه - ﷺ - لما سئل عن الوضوء بماء البحر قال:\n\" هو الطهور ماؤه الحل ميتته \"،\nفهنا قد تعرض لحل الميتة، ولم يكن مسؤولًا عنها.\nبيان نوع الخلاف:\nقد يبدو أن الخلاف - هنا - لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين\nعلى أن أحكام اللعان، والظهار، والسرقة، والرجم، وغيرها مما\nنزلت بسبب حوادث خاصة: هي عامة لمن نزلت بسببهم،\nولغيرهم، لكن أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور - قالوا:","vol":"4","page":1539},{"text":"أخذنا هذا العموم عن طريق اللفظ العام: ولم يلتفتوا إلى كونه نزل\nبسبب أو بغير سبب، أما أصحاب المذهب الثاني فقد قالوا: إن\nتلك الأحكام لا شك أنها عامة، لكن لم نأخذ عمومها عن طريق\nاللفظ العام الوارد في النص؛ لأن هذا اللفظ العام مختص بسببه،\nولكن أخذنا ذلك العموم عن طريق القياس، أي: قياس الحوادث\nالمشابهة على ما حدث لعويمر، وهلال، وأوس.\nكذلك لو نظرنا إلى الدلالة، فقد اتفق أصحاب المذهبين على أنها\nظنية؛ لأن دلالة العام ظنية، ودلالة القياس ظنية.\nولكن الحق: أن الخلاف معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول\nقصدوا أن تلك الأحكام قد ثبتت للحوادث المشابهة لما حدث لعويمر\nوأوس، وهلال عن طريق النص واللفظ.\nأما أصحاب المذهب الثاني فقد قصدوا: أن تلك الأحكام قد\nثبتت للحوادث المشابهة لعويمر وأوس عن طريق القياس.\nوالفرق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس\nمن وجهين هما:\nأولهما: أن الحكم الثابت عن طريق عموم النص أقوى من الحكم\nالثابت عن طريق القياس.\nثانيهما: أن الحكم الثابت عن طريق النص ينسخ، ويُنسخ به،\nأما الحكم الثابت عن طريق القياس فلا ينسخ، ولا ينسخ به - كما\nسبق بيانه -.","vol":"4","page":1540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>المطلب الثالث عشر حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد العموم</span>؟\nإذا حكى الصحابي ما شاهده من الحوادث بلفظ عام كقوله:\n\"نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن المزابنة،\nوأمر بوضع الجوائح، وقضى بالشفعة للجار،\nفهل يؤخذ بعموم قوله أو لا؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن قول الصحابي: أمر رسول اللَّه - ﷺ -، أو نهى، أو قضى، أو حكم يقتضي العموم، وهو مذهب كثير من\nالعلماء، واختاره سيف الدين الآمدي، وهو الحق عندي؛ لإجماع\nالصحابة ومن جاء بعدهم من علماء السلف والخلف على أن قوله\nيفيد العموم: فقد عرفنا - بالاستقراء والتتبع - أنهم كانوا يرجعون\nإلى هذه الألفاظ، ويحتجون بها في عموم الصور التي تحصل في\nأزما انهم: فقد قال ابن عمر - ﵄ -: \" كنا نخابر\nأربعين سنة حتى أخبرنا رافع أن - ﷺ - نهى عن المخابرة \"، وإذا رأى أحد منهم شخصا يبيع بالمزابنة أو المحاقلة منعوه مستدلين بقول\nالصحابي: \" نهى رسول اللَّه لمجيم عن المزابنة والمحاقلة، وكانوا\nيمنعون عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه مستدلين بقول الصحابي:\n\"نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه \"، وكذلك فقد أخذوا بقول الصحابي: \" أمر رسول اللَّه - ﷺ - بوضع الجوائح \"،\nوبقوله: \" رخص رسول اللَّه في السلم \"، وبقوله: \" رخص\nرسول اللَّه - ﷺ - في العرايا \"، وقوله: \" قضى رسول اللَّه - ﷺ -","vol":"4","page":1541},{"text":"بالشفعة للجار \"، وكانوا يفعلون ذلك، ويستدلون بتلك الألفاظ\nدون نكير من أحد، فصار هذا إجماعا منهم على الاحتجاج بمثل\nذلك في عموم الصور، وعلى العمل بها.\nالمذهب الثاني: أن قول الصحابي: أمر رسول اللَّه، أو نهى،\nأو قضى لا يفيد العموم.\nوهو مذهب أكثر العلماء.\nدليل أصحاب هذا المذهب:\nأن قول الراوي: أمر، أو نهى هو حكاية للراوي لما شاهده،\nوهذه الحكاية محتملة لاحتمالات هي كما يلي:\nالاحتمال الأول: أن يكون قد سمع لفظًا عامًا، فحكاه كما\nسمع.\nالاحتمال الثاني: أن يكون قد سمع لفظا خاصا فظنه عامًا،\nفحكاه على أنه عام.\nالاحتمال الثالث: أن يكون قد شاهد أمرًا خاصا، ولكنه فهم\nالعموم، فحكاه بصيغة العموم.\nوهذه الاحتمالات متساوية، فلا يرجح أحدها إلا بمرجح، ولا\nيوجد مرجح، فالتمسك بعموم هذا هو تمسك بتوهم العموم، لا\nبلفظ عرف عمومه، وقيل: إن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط\nبه الاستدلال.\nجوابه:\nإن هذه الاحتمالات تنقدح في الذهن، ولكن رجحنا إفادة ما\nيقوله للعموم، لأمرين:","vol":"4","page":1542},{"text":"أولهما: إجماع الصحابة ومن بعدهم من السلف والخلف - كما\nسبق بيانه -.\nثانيهما: أن الحاكي - وهو الصحابي - عربي فصيح عارف\nبدلالات الألفاظ، فهذا يبعد عنه احتمال أن يفهم ما ليس عاما أنه\nعام حتى يحكيه بصيغة العموم.\nوكذلك هو - أي: الحاكي وهو الصحابي - قد شهد اللَّه له\nورسوله بالعدالة، فهو ذو ورع ودين وتقوى، وهذا كله يمنعه من\nحكاية العموم، وهو غير متيقن له، لأنه يعلم أن ذلك يوقع الناس\nفي لبس دمابهام.\nوعلى فرض أن هذا الراوي الصحابي لم يقطع بالعموم، فلا\nيمكن أن ينقل ما يقتضي العموم إلا وقد ظهر له العموم، والغالب\nإصابته فيما ظنه ظاهرًا وراجحًا، والعمل - بالغالب الظاهر واجب،\nفيجب العمل بما ظهر منه، ومهما ظن صدق الراوي فيما نقله عن\nالنبي - ﷺ - وجب اتباعه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، بيان ذلك: أن أصحاب المذهبين قد اتفقا على\nأن النهي عن المزابنة، والمخابرة، والمحاقلة، والمنابذة، والملامسة،\nوالغرر، والأمر بوضع الجوائح، والقضاء بالشفعة فيما لم يقسم\n- إلى آخر ذلك عام وشامل للأشخاص الذين نهوا، وأمروا،\nوقضي في حقهم ولمن جاء بعدهم ممن شابههم.\nولكن اختلفوا في طريق ذلك: فأصحاب المذهب الأول قالوا:\nاستفدنا ذلك العموم عن طريق لفظ الصحابي ونصه، أما أصحاب","vol":"4","page":1543},{"text":"المذهب الثاني فقالوا: قد استفدنا تعميم الأحكام من دليل خارجي،\nوهو القياس، أي قياس غيرهم عليهم.\nوالفرق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس\nمن وجهين قد ذكرناهما في مسألة: \" هل العبرة بعموم اللفظ أو\nبخصوص السبب \".","vol":"4","page":1544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>المطلب الرابع عشر حكاية الراوي لفعل النبي - ﷺ - بلفظ \"كان \" هل يفيد العموم؛ وأن هذا الفعل يتكرر منه - ﷺ -، أو لا</span>؟\nإذا قال الراوي: \" كان النبي - ﷺ - يفعل كذا \"،\nفهل هذا يفيد العموم والتكرار أو لا؟\nاختلف فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن هذا يفيد العموم.\nوهو لبعض العلماء، وهو الحق؛ لأن الراوي إنما يحكي الفعل\nوالحادثة بلفظ \" كان \" إذا ثبت عنده تكرار ذلك الفعل، حيث لا\nيفهم من لفظ \" كان \" إلا التكرار في مخاطباتنا فتقول - مثلًا -:\n\"كان زيد يأتي هذه المكتبة \"، لا يمكن أن يقول ذلك إلا إذا كان زيد\nيتردد عليها أكثر من مرة.\nالمذهب الثاني: أن هذا لا يفيد العموم، وهو مذهب جمهور\nالعلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الفعل إنما يفيد الماهية من حيث هي بقطع النظر عن المرة أو\nالتكرار، وحيث لا موجب للتكرار، فلا يكون هذا القول دالًّا على\nالتكرار، بل يكون التكرار مستفادًا من دليل خارجي.\nجوابه:\nإن هناك موجبا للتكرار، وهو ما ذكرناه في دليلنا.","vol":"4","page":1545},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إن المعبر بلفظ \" كان \" يدل تعبيره على أن\nفعل - ﷺ - الذي حكاه هذا الراوي بلفظ \" كان \" متكرر؛ بناء على المذهب الأول.\nأما بناء على المذهب الثاني: فإن تعبيره بلفظ \" كان \" لا يدل على\nتكرار الفعل، بل يدل على المرة الواحدة فقط.\nولا شك أن ما تكرر وقوعه من فعله - ﷺ - أقوى مما وقع مرة واحدة.","vol":"4","page":1546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>المطلب الخامس عشر هل يدخل العبد في الخطاب المضاف إلى الناس\nوالمؤمنين، والأمة، والمسلمين</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن العبد يدخل تحت خطاب التكليف بالألفاظ\nالعامة المطلقة مثل: \" الناس \"، و\" المؤمنين \"، و\" المسلمين \"،\nو\"الأمة \"، فهو كالحر، فلا يخرج منها إلا بقرينة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن العبد من جملة\nمن يتناوله اللفظ؛ فهو من \" الناس \"، ومن \" المؤمنين \"، ومن\n\"المسلمين \"، ومن \" الأُمَّة \"، بدليل: أنه يوصف فيقال: هذا العبد\nمسلم، ومؤمن، ومن الناس، والأُمَّة، ولا يوجد مانع من دخوله\nلا شرعي ولا عقلي.\nالمذهب الثاني: أن العبد لا يدخل تحت تلك الخطابات إلا بدليل\nوقرينة تدخله، وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض المالكية.\nدليل هذا المذهب:\nأن أكثر الأوامر الشرعية لم يدخل العبد فيها كالأمر بصلاة الجمعة،\nوالأمر بالزكاة، والأمر بالحج، والأمر بالجهاد، ونحو ذلك، مما\nيدل على أن تلك الخطابات موجهة إلى كاملي التكليف، وهم\nالأحرار.","vol":"4","page":1547},{"text":"أي: أنه نظرًا إلى خروج العبد عن بعض التكاليف، فإنه لا\nيدخل ضمن الخطابات العامة إلا بدليل وقرينة.\nجوابه:\nإن خروج العبد عن بعض التكاليف لا يلزم منه: عدم دخوله في\nالخطابات العامة؛ لأن هذه التكاليف التي سقطت ورفعت عنه: قد\nسقطت ورفعت عنه لعذر، وهو: كونه رقيقا مما جعله فقيرًا مشتغلًا\nبخدمة سيده، فإذا زال هذا العذر - وهو الرق - عادت إليه\nالتكاليف كاملة، قياسًا على المريض والمسافر والحائض والنفساء،\nفإن هؤلاء تسقط عنهم بعض التكاليف كأداء صوم رمضان في وقته\nلعذر، وهو التلبس بالمرض، أو السفر، أو الحيض، أو النفاس،\nفإذا زال هذا العذر عاد إليهم هذا التكليف.\nوقياسًا على الحائض، والنفساء، حيث تسقط عنهما الصلاة في\nوقتها لعذر وهو: الحيض، والنفاس، ولا يقضيان، فإذا زال\nالحيض أو النفاس عاد إليهما وجوب الصلاة.\nولم يقل أحد: إن المريض، والمسافر، والحائض، والنفساء لا\nيدخلون تحت لفظ \" الناس \"، و\" المؤمنين \"، و\" المسلمين \"،\nو\" الأمَّة \"، وهم في حالة عذرهم، فكذلك العبد يدخل تحت لفظ\nالناس والمؤمنين، وغيرها من الخطابات، وهو في حالة الرق، ولا\nفرق بين العبد وهؤلاء، والجامع: أن كلًّا من العبد والمريض\nوالمسافر والحائض والنفساء قد زال عنه التكليف لعذر، وهو الرق\nبالنسبة للعبد، والمرض، والسفر، والحيض، والنفساء، فإذا زال\nهذا العذر عادت إلى هؤلاء جميعًا التكاليف كاملة.","vol":"4","page":1548},{"text":"اعتراض على هذا:\nقال قائل - معترضًا -: إن الصلاة والصيام قد سقطت عن\nالمسافر، والحائض، والمريض، والنفساء؛ نظرًا لوجود السبب\nالسقط وهو: وجود مشقة الجمع بين هذه التكاليف والمرض،\nوالسفر، والحيض، والنفاس، أما العبد فلا توجد هذه المشقة\nفيستطيع أن يصلي الجمعة، ويحج، ويزكي، ويجاهد، ومع ذلك\nفقد أسقطت عنه تلك التكاليف، فلم تسقط عنه تلك إلا لأنه لا\nيدخل تحت الخطابات الموجهة إلى الأحرار.\nجوابه:\nكذلك العبد قد أسقطت عنه هذه التكاليف لأسباب، وهي كما\nيلي:\nأما سبب سقوط صلاة الجمعة عمه فهو: أنه مأمور بخدمة سيده؛\nحيث إنه يعتبر من مال السيد، فلا بد أن يسخر لهذه الخدمة.\nوالخدمة لا تتم إلا إذا كان خادمًا في كل الأوقات، ومنها وقت\nصلاة الجمعة؛ حيث إنه يبقى في المنزل ويجهزه استعدادًا لقدوم سيده\nمن الصلاة، ثم إنه قد أخرج أبو داود: أن النبي - ﷺ - قال: \"الجمعة حق على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض \".\nفاستثناء هؤلاء يدل على أنهم يدخلون في الخطابات، كما دخل\nغيرهم، وإنما خرج العبد بالاستثناء؛ لما ذكرناه من السبب.\nأما سبب سقوط الزكاة عنه فهو: أن الزكاة تجب على من ملك\nنصابا وحال عليه الحول، والعبد لا يملك المال، بل كله مملوك؛","vol":"4","page":1549},{"text":"قياسًا على الحر الفقير الذي لا يملك نصابا، فإنه لا تجب عليه\nالزكاة، ومع ذلك فقد دخل تحت تلك الخطابات، فكذلك العبد.\nأما سبب سقوط الحج عنه فهو: ما قلناه في سبب سقوط صلاة\nالجمعة عنه.\nولأن الحج مشروط بالاستطاعة المالية، والعبد لا يملك شيئًا،\nلذلك سقط عنه الحج، قياسًا على الحر الذي لا يملك ما يحج به،\nفإنه يسقط عنه الحج، ومع ذلك يدخل تحت الخطابات، فكذلك\nالعبد.\nأما سبب سقوط الجهاد عنه فهو: أن رقبته مال، والمالية التي فيه\nللسيد، وفي الجهاد تعرض للتلف، والسيد له حفظ ماله من التلف.\nالمذهب الثالث: أن العبد لا يدخل في الخطابات العامة المتعلقة\nبحقوق الآدميين، أما الخطابات العامة المتعلقة بحقوق اللَّه، فيدخل.\nحكي هذا عن أبي بكر الجصاص.\nدليل هذا المذهب:\nأن العبد لا يملك فعل شيء من حقوق الآدميين كالعقود\nوالإقرارات، ونحو ذلك، فلم يدخل في الخطاب بها، أما حقوق\nالله فإنه يملك أن يتعبد اللَّه سبحانه.\nجوابه:\nإن العبد لم يمبك التصرف في العقود والإقرارات بسبب: كونه\nرقيقًا وملكًا لسيده، وهذا لا يمنع من دخوله في الخطاب بها وبغيرها،\nثم يخص بدليل، وذلك كصيغة العموم، فإنها تستغرق جميع\nالأفراد، وإن جاز أن يخصص فردًا، وتخصيص هذا الفرد لا يبطل","vol":"4","page":1550},{"text":"ما وضع له، وكذلك حقوق اللَّه تعالى يتوجه إليه الخطاب بها،\nوكثير منها لا يملك فعله - كما سبق بيانه - ومع ذلك لا يمنع دخوله\nتحت تلك الخطابات.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ وذلك لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن\nالعبد يدخل ضمن الخطابات الموجهة إلى الأحرار كالناس، والأُمَّة،\nوالمسلمين، والمؤمنين دخولًا أصليًا، ولا يخرج عن ذلك الخطاب إلا\nبدليل، وهي الأسباب التي ذكرناها سابقًا.\nأما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن العبد لا يدخل\nضمن تلك الخطابات أصلًا، وما دخل فيها فإنه دخل بدليل مثل\nالقياس.\nأما أصحاب المذهب الثالث فهم وافقوا أصحاب المذهب الأول\nبالنسبة لحقوق اللَّه تعالى، ووافقوا أصحاب المذهب الثاني بالنسبة\nلحقوق الآدميين.\nويلزم من ذلك: بناء على المذهب الأول أنه تجب على العبد صلاة\nالجمعة إذا أذن له سيده في حضورها؛ لأن المانع كان من جهة السيد\nوقد انتفى.\nوكذلك يلزم منه بناء على المذهب الأول: أنه يجب عليه الحج إذا\nأذن له سيده في دخول الحرم.\nأما على المذهب الثاني فإنه يلزم منه: أنه لا تجب عليه صلاة\nالجمعة، ولا الحج، ولو أذن له سيده؛ لأنه أصلًا لم يدخل تحت\nالتكاليف إلا بدليل خارجي.","vol":"4","page":1551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>المطلب السادس عشر الجمع الذي فيه علامة التذكير هل يتناول النساء</span>؟\nولبيان محل النزاع لا بد مما يلي:\nأولًا: إن كان الجمع خاصا بالذكور كلفظ \" الرجال \"، فإن\nالنساء لا يدخلن اتفاقا.\nثانيًا: إن كان الجمع خاصا بالإناث كالنساء، والبنات، فإن\nالرجال لا يدخلون بالاتفاق.\nثالثا: إن كان لفظ الجمع متناولًا للذكور والإناث لغة ووضعا\nكلفظ \" الناس \"، فهو يتناول الذكور والإناث بالاتفاق.\nرابعا: إن كان لفظ الجمع قد جاء بلفظ لا يتبين فيه التذكير، ولا\nالتأنيث مثل: أدوات الشرط والاستفهام، فإن هذا يتناول الذكور\nوالإناث اتفاقا.\nخامسا: إن كان الجمع قد ورد بلفظ قد تبين فيه علامة التذكير\nبشكل واضح كالجمع بالواو والنون مثل: \" المسلمين \"، أو\n\" المؤمنين \"، أو \" الصابرين \"، أو \" الشاكرين \"، أو جمع بضمير\nالجمع مثل قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)، و\"قاموا\"،\nو\" قعدوا \".\nفهذا هو الذي وقع فيه الخلاف هل تدخل النساء فيه أو لا؟\nعلى مذهبين:\nالمذهب الأول: أن النساء يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه علامة","vol":"4","page":1552},{"text":"التذكير كالمسلمين، والمؤمنين، واشربوا، وكلوا، وقاموا، ولا\nيخرجن إلا بدليل.\nوهو مذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وأكثر الحنابلة، وكثير\nمن الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الظاهرية\nكمحمد بن داود.\nوهو الحق عندي لدليلين:\nالدليل الأول: أن المألوف والمعتاد عند العرب أنه إذا اجتمع\nالذكور والإناث غلَّبوا جانب التذكير في ألفاظهم وخطاباتهم، ولو\nكان الذكر واحدًا.\nفمثلًا: إذا كان أمامك عدد من النساء، فإن اللغة تقتضي أن\nتقول: \" قمن \"، و\" اخرجن \" اتفاقًا.\nوإذا كان أمامك عدد من الرجال، فإن اللغة تقتضي أن تقول:\n\" قوموا \"، و\" اخرجوا \" اتفاقًا.\nوإذا كان أمامك عدد من الرجال وعدد من النساء - وهم\nمجتمعون - فإن الصحيح عند أهل اللغة أن تقول: \" قوموا \"،\nو\"اخرجوا \" بدليل: أنك لو قلت للرجال: \" قوموا \"،\nو\"اخرجوا\"، وللنساء \" قمن \"، و\" اخرجن \" لعده أهل اللغة،\nلكنة وعيًا، وغير موافق للقواعد اللغوية.\nفعلم من ذلك: أن الخطاب يصلح لهما، ويشتمل عليهما.\nوقد وقع تغليب المذكر على المؤنث في قوله تعالى: (قلنا اهبطوا\nمنها جميعًا)، والخاطبون ثلاثة: \" آدم \"، و\" حواء \"،\nو\"إبليس \"، فلو كانت النساء لا يدخلن لقيل لآدم وإبليس: \" اهبطا\"","vol":"4","page":1553},{"text":"ولحواء: \" اهبطي \"، ولكنه لم يقل ذلك، مما يدل على أن النساء\nيدخلن ضمن الخطاب الذي ظهرت فيه علامة جمع المذكر.\nوقاعدة التغليب معمول بها عند العرب، معمول بها في كلامهم،\nوالقرآن جاء بلغة العرب، والأمثلة على ذلك كفيرة:\nفمنها: تغليب جمع من يعقل إذا كان معه من لا يعقل كقوله\nتعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) .\nومنها: تغليب أحد الاسمين على الآخر؛ لأسباب هي:\nإما لشرف التذكير كقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ)،\nفإنه غلب هنا الأب على الأم، ومنه قول الفرزدق:\nأخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع\nفقوله: \" قمراها \" تغليب للفظ \" القمر \" على لفظ \" الشمس \"\nلكون القمر مذكراَّ، والشمس مؤنثا.\nوإما أن يغلب أحد الاسمين على الآخر لخفته كقولهم: \" دولة\nالعمرين \" يريدون أبا بكر وعمر - ﵄ -.\nوأما أن يغلب أحد الاسمين لكراهة النطق بالاسم الآخر كقول\nعائشة - ﵂ -: \" وما لنا عيش إلا الأسودان \"\nتريد: التمر والماء، والتمر أسود، والماء أبيض،\nفغلبت التمر الأسود مع أن كلاهما مذكر، ولكن العرب شأنها كراهة ذكر البياض، لإيهامه البرص، ولذلك تجدهم يسمون الأبيض أحمرًا،\nومنه قوله ﵊:\n\" بعثت إلى الأسود والأحمر \".\nالخلاصة: أن العرب ألف منهم تغليب شيء على شيء، وإذا","vol":"4","page":1554},{"text":"ألف ذلك كان كالقاعدة اللغوية، فمن تكلم بغير ذلك، فإنه لم\nيتكلم بلغتهم.\nالدليل الثاني: أن أكثر أوامر الشرع ونواهيه، وخطاباته العامة\nوردت بلفظ التذكير كقوله تعالى - في كثير من الآيات -: (يا أيها\nالذين آمنوا)، وقوله: (هدى للمتقين)،\nوقوله: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا)،\nوقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وآتوا الزكاة)،\nوقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا)، وقوله: (ولا تقتلوا النفس)،\nوقوله: (وذروا ما بقي من الربا)، وانعقد الإجماع على أن النساء\nيشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر والنواهي، وجميع الخطابات\nفلو كانت الصيغة خاصة بالذكور لكانت تلك التكاليف خاصة بهم\nفلا تتعداهم إلى النساء، وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأُمَّة.\nاعتراض على هذا:\nقال قائل - معترضًا -: إن النساء لم يدخلن في ذلك اللفظ،\nوإنما شاركن الرجال في الحكم بدليل غير اللفظ.\nجوابه:\nأنه لو كان هناك دليل خارجي لعلمناه، وما دمنا لم نعلمه فلا\nيثبت، ومدعيه يحتاج إلى إظهاره.\nالمذهب الثاني: أن النساء لا يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه\nعلامة التذكير كالمسلمين ونحوها إلا بدليل خارجي.\nوهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض المالكية كالباقلاني، وأكثر\nالشافعية، والأشاعرة، وبعض الحنابلة كالطوفي، وهو رواية عن\nالإمام أحمد.\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن اللَّه ميز النساء بألفاظ خاصة كالمسلمات،","vol":"4","page":1555},{"text":"والمؤمنات، ونون النسوة، فقال تعالى: (إن المسلمين والمسلمات ...)، فلو كن يدخلن ضمن الخطاب الذي ظهر فيه\nعلامة التذكير: لما حرص على تخصيصهن وتمييزهن بألفاظ خاصة،\nولاكتفى بخطاب التذكير، ولكنه لم يفعل ذلك، بل خص الذكور\nبخطاب والإناث بخطاب آخر مما يدل على أنهن لا يدخلن ضمن\nالخطابات التي ظهرت علامة التذكير فيها إلا بقرينة.\nجوابه:\nأن الشارع قد خص النساء بألفاظ كالمسلمات ونون النسوة للبيان،\nوالإيضاح، والتأكيد عليهن، وكونه يفعل ذلك لا يمنع من دخولهن\nفي اللفظ العام الصالح لهن، فقد ورد أنه يذكر لفظ عام لجميع\nالأفراد، ثم يخص بعض الأفراد بالذكر، ويعطف الخاص على العام\nللتأكيد عليه والاهتمام به مثل قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)، فلفظ \" الملائكة \" عام لجميع\nالملائكة، ويدخل جبريل وميكائيل، ومع ذلك فقد خصهما بالذكر،\nومثله قوله تعالى: (فاكهة ونخل ورمان)، فإن لفظ \" الفاكهة \"\nعام وشامل لجميع أنواع الفاكهة، ومنها الرمان، ومع ذلك فقد\nخصه بالذكر.\nفإذا جاز ذلك فإنه يكون جائزًا في قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات)، فيكون لفظ \" المسلمين \" عام للذكور والإناث،\nوعطف عليه \" المسلمات \" زيادة في التأكيد وتخصيصا للشيء بالذكر.\nالدليل الثاني: قياس الجمع على المفرد، بيان ذلك:\nأن الجمع هو ذكر الواحد ثلاث مرات.\nفقولنا: \" مسلمون \" هو تكرير لقولنا: \" مسلم ومسلم ومسلم \"","vol":"4","page":1556},{"text":"والمفرد وهو: \" المسلم \" لا يشمل المؤنث اتفاقًا، فكذلك الجمع لا\nيتناول المؤنث.\nجوابه:\nإن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن كلامنا في\nالجمع الذي فيه علامة التذكير، وليس كلامنا في المفرد، فالمفرد لا\nشك أنه لا تدخل النساء فيه، أما الجمع فيدخلن، ولا يمتنع أن\nيدخل الشيء في الشيء في حال الجمع، ولا يدخل في حال الإفراد.\nيؤيد هذا: أن من لا يعقل يدخل في جمع من يعقل، ولكنه لا\nيدخل من لا يعقل فيمن يعقل في حال الإفراد.\nالدليل الثالث: قياس الرجال على النساء، بيانه:\nكما أن الرجال لا يدخلون في جمع النساء، فكذلك النساء يجب\nأن لا يدخلن في جمع الرجال.\nجوابه:\nإن هذا القياس فاسد - أيضا -؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنا\nقلنا: إن النساء يدخلن ضمن الخطابات التي فيها علامة التذكير؛\nلأن اللغة وردت بذلك، ولم ترد بدخول الرجال في جمع التأنيث\n- كما سبق بيانه - وذلك لكون التذكير أقوى؛ حيث إن العرب\nغلبوا لفظ التذكير، ولم يغلبوا لفظ التأنيث لأسباب ذكرناها.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا:\nأن النساء دخلن في دلالة اللفظ الذي فيه علامة التذكير، ولا\nيخرجن إلا بدليل. أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن","vol":"4","page":1557},{"text":"النساء لم يدخلن في دلالة ذلك اللفظ ولا يعمهن، ولا يدخلن تحته\nوضمنه إلا بدليل كالقياس عليهم.\nوبناء على ذلك فقد اختلفوا في بعض الفروع، ومنها:\n١ - إذا قال لمن أمامه من الرجال والنساء: \"ملكتكم هذه الدار\".\nفإنه بناء على المذهب الأول: فإن النساء يشاركن الرجال في\nملكية هذه الدار، أما على المذهب الثاني: فإن النساء لا حق لهن\nفي هذه الدار.\n٢ - إذا صلَّت المرأة ودعت بدعاء فهل يكفيها أن تقول: \" وما أنا\nمن المشركين، وأنا من المسلمين \"، أو لا بد من ذكر جمع المؤنث؟\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: إنه يكفيها أن تقول ذلك؛ بناء على المذهب الأول.\nالقول الثاني: أنه لا بد أن تقول: \" وما أنا من المشركات، وأنا\nمن المسلمات \"، وإلا لما قبل دعاؤها، وهذا بناء على المذهب الثاني.\n٣ - إذا قال رجل لجمع من الرجال والنساء ومعهم زوجته - وهو\nيعلم بوجودها -: \" طلقتكم \"، فهل تطلق زوجته؟\nاختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنها تطلق؛ لأنها تدخل في خطاب الرجال، هذا\nبناء على المذهب الأول.\nالقول الثاني: أنها لا تطلق؛ لأنها لا تدخل في خطاب الرجال\nإلا بدليل، وقوله: \" طلقتكم \" خطاب رجال فلا تدخل فيه،\nفينبغي لأجل ذلك: ألا تطلق.","vol":"4","page":1558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>المطلب السابع عشر العام بعد التخصيص هل هو حقيقة\nفي الباقي أو يكون مجازًا</span>؟\nأي: اللفظ العام إذا خص منه أفراد هل يكون حقيقة في الباقي،\nأو يصير مجازًا فيما بقي بعد التخصيص؛ لقد اختلف العلماء في\nذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن العام إذا دخله التخصيص فإنه حقيقة فيما بقي\nبعد التخصيص مطلقا، أي: سواء كان المخصص متصلًا أو غير\nمتصل.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، وأكثر الحنابلة،\nوحكي عن الإمام أحمد، وهو الحق عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: قياس اللفظ العام بعد التخصيص على اللفظ قبل\nالتخصيص.\nبيانه: أن اللفظ العام متناول للباقي بعد التخصيص كما كان\nمتناولًا له قبل التخصيص، واستعمال اللفظ العام في الباقي قبل\nالتخصيص حقيقة اتفاقًا؛ لكون اللفظ متناولًا له، فيكون استعماله\nفي الباقي بعد التخصيص حقيقة كذلك، لوجود المقتضي للحقيقة،\nوهو اللفظ المتناول لهما.\nالدليل الثاني: أن المخصص قد أثر في المخصوص والمخرج فقط،\nولم يؤثر في الباقي بعد التخصيص فيبقى على ما هو عليه، بيان","vol":"4","page":1559},{"text":"ذلك: أن لفظ \" السارق \" - مثلًا - قد وضع لجميع السارقين،\nفلما جاء المخصص صرف دلالة لفظ \" السارق \" عن بعض\nالسارقين، وبين أن هذا البعض - كالمجنون والصبي - لا تقطع\nأيديهما إذا سرقا، وإذا صرفت دلالته عن هذين الشخصين، فإن\nدلالة اللفظ - وهو السارق - على الأفراد غير المخصوصين باقية لم\nتتغير، ومستمرة على ما هي حقيقة.\nفالمخصص لم يؤثر في الباقين، بل أثر في المخصص والمخرج،\nفتبقى دلالة اللفظ العام المخصوص حقيقة فيما بقي.\nيؤيد ذلك الاستثناء فإنه لو قال لعبده: \" أكرم الرجال إلا زيدًا \"،\nفإن الاستثناء خاص بزيد، والخطاب متعلق به، وقد أخرجه عن\nالإكرام، فالاستثناء - هنا - قد صرف دلالة اللفظ عن زيد فقط،\nولم يتعرض للرجال الباقين لا من قريب ولا من بعيد، فيبقى\nالخطاب موجه إليهم بالإكرام حقيقة، فتكون دلالته حقيقية عليهم.\nولا فرق بين القرينة المخصصة المتصلة والمنفصلة في ذلك، كما\nلاحظت من المثالين؛ لأن الشارع لم يفرق بينهما.\nالمذهب الثاني: أن العام إذا دخله التخصيص، فإنه يصير مجازًا\nفيما بقي بعد التخصيص مطلقًا، أي: سواء كان المخصص متصلًا أو\nغيرمتصل.\nوهو مذهب كثير من الحنفية، وكثير من الشافعية، وبعض الحنابلة\nكأبي الخطاب، وابن تيمية، وبعض المالكية كالقرافي، وابن\nالحاجب، وهو اختيار إمام الحرمين والغزالي.\nدليل هذا المذهب:\nأن حد المجاز هو: استعمال اللفظ في غير ما وضع له، ولفظ","vol":"4","page":1560},{"text":"العموم وضع أصلًا وحقيقة لاستغراق جميع الأفراد، فإذا استعمل\nاللفظ العام في بعض الأفراد صار ذلك اللفظ مستعملًا في غير ما\nوضع له، فصار مجازًا كما لو استعمل الحمار في الرجل البليد.\nجوابه:\nإنكم قستم ما نحن فيه على أسماء الحقائق إذا استعملت في غير ما\nوضعت له، فذكرتم أن هذا كاستعمال الحمار في الرجل البليد،\nوهذا لا يسلم لكم، فالعرب لم تضع اسم الحمار للرجل البليد\nحقيقة، واستعملوا لفظ العموم في البعض حقيقة.\nالمذهب الثالث: أن العام إذا دخله المخصص المتصل - كالشرط،\nوالاستثناء، والصفة، والغاية - فإنه يكون حقيقة في الباقي.\nوإن خص بمنفصل فإنه يصير مجازًا فيما بقي.\nوهو اختيار أبي الحسين البصري، ونسب إلى القاضي أبي بكر\nالبا قلاني.\nدليل هذا المذهب:\nأنه يوجد فرق بين العام المخصص بالمنفصل، والعام المخصص\nبالمتصل، وهو:\nأن العام إذا خصص بالمنفصل - كالعقل والنص - فإنه يكون قد\nأريد بذلك اللفظ العام غير ما وضع له بسبب قرينة، فمثلًا لو قال:\n\" أكرم العلماء \"، ثم قال: \" أريد الطوال \"، فإنه يتناول الباقي\nكما يتناول غيره، وهو ما خرج بالمخصص، فإذا استعمل في الباقي\nبعد التخصيص صدق عليه أنه مستعمل في بعض ما تناوله، فكان\nمجازًا.","vol":"4","page":1561},{"text":"أما العام إذا خصص بالمتصل كالاستثناء، فإنه يكون مقيدًا بهذا\nالمخصص، والمقيد بشيء لا يتناول غير ما قيد به، فالاستثناء -\nمثلًا - قد أثر في المخرج فقط - كما سبق - فيبقى اللفظ العام متناولًا\nللباقي حقيقة؛ لأنه يصدق عليه: أنه لفظ استعمل فيما تناوله لا في\nغير ما تناوله.\nجوابه:\nأنا لا نسلِّم التفريق بين التخصيص بالمنفصل والمتصل، فهما\nسواء، فقول القائل: \" أكرم العلماء \"، ثم قوله: \" أريد الطوال \"\nهو نفسه: \"أكرم العلماء إلا القصار\".\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن الأفراد\nالذين بقوا بعد التخصيص قد دلَّ عليهم اللفظ العام وتناولهم حقيقة،\nأي: دخلوا في عمومه بدون قرينة.\nأما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم قصدوا أن الأفراد الذين بقوا\nبعد التخصيص لا يدل عليهم اللفظ العام ولا يتناولهم إلا بقرينة.\nوكون اللفظ يدل على ما بقي بدون قرينة أقوى من كونه لا يدل\nعليهم إلا بقرينة.","vol":"4","page":1562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>المطلب الثامن عشر هل العام المخصوص حُجَّة في الباقي</span>؟\nاللفظ العام إذا دخله التخصيص وأخرج بعض أفراده - بعد\nالتخصيص - هل يبقى حُجَّة فيما لم يخص أو لا؟\nفمثلًا قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) عام في جميع الميتات\nوهي مثلًا خمس ميتات - وهي: ميتة البقر، وميتة الغنم، وميتة\nالإبل، وميتة السمك، وميتة الجراد - وجاءنا مخصص لهذا العموم\nوهو قوله - ﷺ -:\n\"أحل لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد.. \"،\nفأخرج السمك والجراد، فصار الباقي ثلاث ميتات\n- وهي: ميتة الإبل، والغنم، والبقر - فهل يحتج بقوله تعالى:\n(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) على ما بقي بعد التخصيص - وهي:\nالثلاث الميتات - أو لا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن اللفظ العام إذا دخله التخصيص يبقى حُجَّة\nفيما لم يُخص مطلقا، أي: سواء كان المخصص متصلًا أو منفصلًا.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة - ﵃ - على\nالاحتجاج بالعمومات، واكثرها قد خص، فلم يمنعهم خروج بعض\nالأفراد من أن يستدلوا باللفظ العام على ما بقي بعد التخصيص،\nولهذا صور كثيرة:","vol":"4","page":1563},{"text":"منها: احتجاج فاطمة - ﵂ - بعموم قوله تعالى:\n(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) على طلب حقها من ميراث أبيها، ولم\nينكر عليها أبو بكر ولا غيره من الصحابة ذلك، مع أنه مخصص\nبالكافر، والقاتل، والعبد، فإنهم قد استدلوا بعموم هذه الآية\nعلى ميراث الباقي بعد إخراج هؤلاء الثلاثة.\nومنها: قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)، وقوله: (والسارق والسارقة ...) فقد احتجوا بهما\nمع أنهما قد خصا بالمكره، والصبي، والمجنون، والجاهل.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة؛ حيث إن كلها تدل على إجماع الصحابة\nعلى الاحتجاج بالعموم المخصوص.\nالدليل الثاني: أن دلالة العام لا زالت على ما هي عليه لم تتغير\nبعد التخصيص، كما كانت قبل التخصيص، بيان ذلك:\nأن لفظ \" السارق \" مثلًا قد وضع لجميع السارقين؛ حيث إنه لفظ\nمفرد محلى بـ \" أل \"، فهو يفيد العموم - فهو يتناول كل سارق فتقطع\nيده، فلما جاء المخصص وأخرج بعض السارقين كالمجنون،\nوالصبي، ومن سرق ما دون النصاب، وبيَّن أن هؤلاء لا تقطع\nأيديهم وإن سرقوا، فإن هذا المخصِّص قد صرف اللفظ العام - وهو\nالسارق في قوله تعالى: (والسارق والسارقة ...) عن دلالته على\nهؤلاء، وإذا صرف المخصوص دلالة اللفظ عن هؤلاء، فإنه لم\nيصرفه عن دلالته على الباقي، ولم يتعرض للباقي لا من قريب، ولا\nمن بعيد، فيبقى اللفظ يدل على الباقي على ما كان سابقا، ويستمر\nعلى ذلك بدون تأثير، وهذا قياسًا على الاستثناء، فإذا قال:\n\"أكرم الطلاب إلا زيدًا \"، فإن الاستثناء خاص بزيد، وقد أخرجه","vol":"4","page":1564},{"text":"عن الإكرام، ولم يتعرض لبقية الطلاب، فيبقون على إكرامهم دون\nتغيير.\nالمذهب الثاني: أن اللفظ العام إذا دخله التخصيص لا يبقى حُجَّة\nفيما لم يخص مطلقًا، أي: سواء كان المخصص متصلًا أو منفصلًا،\nوهو ما ذهب إليه أبو ثور - إبراهيم بن خالد صاحب الشافعي -\nواختاره عيسى بن أبان الحنفي.\nدليل هذا المذهب:\nأن العام بعد التخصيص أصبح كل فرد من الأفراد الباقية يحتمل أن\nيخرج بالتخصيص، ويحتمل أن لا يخرج، ولا يمكن ترجيح أحد\nالاحتمالين، فيكون بقاء الأفراد مشكوكا فيه، والمشكوك لا حُجَّة فيه،\nفاللفظ العام بعد تخصيص بعض أفراده لا يبقى حُجَّة على الباقي.\nجوابه:\nأن احتمال خروج الأفراد الباقية - بعد التخصيص - لا يؤثر بالظن\nالغالب على كونها باقية على ما كانت؛ لأن الأصل البقاء، حتى\nيقوم دليل على خلاف ذلك، ومتى كانت دلالة العام على الباقي\nظنية وجب العمل به في الباقي؛ لأن العمل بالظن متعين وواجب.\nالمذهب الثالث: العام حُجَّة في الباقي إن خُمنَ بمتصل كالاستثناء\nوالغاية والصفة، ولا يكون حُجَّة في الباقي إن خُصَّ بمنفصل كالنص\nوالعقل.\nوهو مذهب أبي الحسن الكرخي.\nدليل هذا المذهب:\nأنه يوجد فرق بين العام المخصَّص بالمتصل، والعابم المخصَّص","vol":"4","page":1565},{"text":"بالمنفصل وهو: أن العام المخضَص بالمتصل لا يحتمل غير الأفراد\nالباقية، فيكون العام ظاهرًا في هؤلاء الأفراد، فيكون حُجَّة فيهم؛\nحيث إن العمل بالظاهر واجب.\nأما العام المخصَّص بالمنفصل فإنه متناول لما خرج كما هو متناول\nللباقي بعد الإخراج، وهذا يؤدي إلى جواز أن يخرج من الباقي\nبعض آخر بدليل لم يظهر لنا، فلا يكون العام ظاهرًا في الباقي،\nفلا يكون حُجَّة.\nجوابه:\nإن العام كان حُجَّة قبل أن يدخله التخصيص في كل الأفراد، نظرًا\nلكونه متناولًا لهؤلاء الأفراد، فيكون حُجَّة بعد التخصيص؛ لكونه\nلا يزال متناولًا لهؤلاء الأفراد الباقين، وذلك لأن المخصص قد أثر\nفي الأفراد المخرجين، أما الباقين فلم يتأثروا بهذا المخصِّص، فيبقى\nاللفظ العام دالًّا على الباقي كما كان وهذا مطلقا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن\nالباقي بعد التخصيص يعمل به؛ لأن دلالة اللفظ العام عليه ظاهرة،\nولا يحتاج الأمر إلى أي قرينة، أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم\nقصدوا: أن الباقي بعد التخصيص لا يعمل به إلا إذا جاءت قرينة\nتدل على وجوب العمل به.\nفمثلًا: قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)، وخصص منها: الصبي، والمجنون، والجاهل.\nفإن أصحاب المذهب الأول قالوا: يستدل بعموم الآية على ثبوت","vol":"4","page":1566},{"text":"حكم الزنى على الأفراد الباقية، فيجلدون إذا زنوا، دون الثلاثة\nالذي خصوا.\nأما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يتوقفون، ولا يستدلون بعموم\nاتلك الآية على إثبات حكم الزنى على الأفراد الباقية، ولا يثبت\nعليهم ذلك إلا بدليل خارجي.\n-","vol":"4","page":1567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>المطلب التاسع عشر هل يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يجوز أن يُخصَّص العام إلى أن يبقى واحد\nمطلقًا، أي: سواء كان العام جمعًا كالرجال، أو غير جمع مثل:\n\"من \"، و\"ما\".\nوهو مذهب الإمام مالك، وأكثر الحنفية، وبعض الشافعية،\nواكثر الحنابلة، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه واقع في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى:\n(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، ومنزل الذكر هو الله\nالواحد الأحد.\nومنه قوله تعالى: (أولئك مبرءون مما يقولون)، وأراد بذلك\nعائشة - ﵂ -، ومنه قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)، فقد عبر بلفظ العموم وهو:\n\"الناس \"، والمراد به واحد وهو: نعيم بن مسعود الأشجعي، كما\nذكره المفسِّرون.\nالدليل الثاني: أنه واقع عند أهل اللغة: فقد كتب عمر إلى سعد\nابن أبي وقاص - ﵄ - قائلًا: \" قد أنفذت إليك ألفي\nرجل \"، وكان قد أرسل إليه ألفًا من الرجال والقعقاع بن عمرو،","vol":"4","page":1568},{"text":"فهنا قد أطلق اسم الألف الأخرى وأراد بها واحدًا وهو القعقاع،\nولم ينكر عليه أحد.\nالدليل الثالث: أنه لفظ من ألفاظ العموم يجوز تخصيصه إلى\nالثلاثة، فجاز إلى ما دونها ولا فرق، قياسًا على \" من \"، فإنه\nيجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد، فتقول: \" من دخل داري من\nالطلاب فأكرمه إلا فلانًا وفلانا \"، حتى يبقى واحد، فكذلك غيرها\nولا فرق.\nالمذهب الثاني: التفصيل، بيانه:\nإن كانت الصيغة غير الجمع، فيجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد.\nوإن كانت الصيغة جمعًا، فإنه يجوز تخصيصها إلى أن يبقى\nثلاثة، ولا يجوز ما دون ذلك.\nوهو مذهب القفال، وأبي بكر الرازي.\nدليل هذا المذهب:\nأن هناك فرقًا بين الجمع وغيره، وهو: أن اسم الجمع حقيقة في\nالثلاثة فصاعدًا، لأنها أقل مراتب الجمع على الصحيح، واستعماله\nفيما دون الثلاث إخراج له عن موضوعه، فلا يجوز.\nأما في غير الجمع من صيغ العموم كأدوات الشرط والاستفهام،\nواللفظ المفرد، فيجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد \" لأنه أقل\nمراتبه نحو قوله: \" من نجح فله جائزة \"، وهو يريد شخصا واحدًا:\nجوابه:\nإنه لا فرق بين الصيغ عندنا؛ لما ذكرناه من الآيات والخبر، وهذا\nأثبت عندنا مما ذكرتموه من إنشاءكم.","vol":"4","page":1569},{"text":"المذهب الثالث: أنه لا يجوز أن يخصص العام إلى أن يبقى\nواحد، ولا أقل الجمع، بل الذي يجوز هو: أن يخصص العام إلى\nأن صبقى عدد يوصف بالجمع الكثير مطلقا، أي: سواء كان لفظ\nالعموم جمعا كالرجال، أو غير جمع كأدوات الشرط والاستفهام.\nإلا أن يستعمل ذلك اللفظ الواحد على سبيل التعظيم، كقوله\nتعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر) .\nوهو مذهب أبي الحسين البصري، واختاره فخر الدين الرازي،\nوبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لو جاز أن يكون الباقي بعد التخصيص ثلاثة فما دونها: لكان\nقول القائل: \" قتلت كل الناس \" وهو لم يقتل إلا ثلاثة فأقل: غير\nمستقبح عرفا؛ لكونه قد استعمل اللفظ فيما يصلح له، لكن هذا\nالقول مستقبح عرفًا؛ حيث إن أهل العرف يلومون هذا القائل،\nويستقبحون هذا القول منه، فدل على أن العام لا يصلح للثلاثة\nابتداء، فلا يصلح لها كذلك بعد التخصيص.\nجوابه:\nإنه عند وجود القرينة المخصصة، فإن أهل العرف لا يعيبونه، ولا\nيلومونه، ولا يستقبحون قوله ذلك.\nفيجوز أن يقول ذلك وإن قتل القليل، كما يجوز أن يقول\nالشخص العليل الذي يصف أمرًا للطبيب: \" أكلت اللحم \"، ويريد\nبه القليل.","vol":"4","page":1570},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه قد أثر في بعض الفروع الفقهية،\nومنها: ما إذا كان للرجل أربع نسوة، وقال: \" نسائي طوالق \"،\nثم قال؛ \" كنت أخرجت ثلاثا \"، فإنه يقبل بناء على المذهب\nالأول، حيث إن الباقية واحدة، ويجوز تخصيص العام إلى أن يبقى\nواحد.\nولا يقبل بناء على المذهب الثاني؛ لأن الصيغة جمع، والجمع لا\nيخصص إلى واحد.\nولا يقبل هذا؛ بناء على المذهب الثالث، لأن اسم النساء لا يقع\nعلى الواحدة.","vol":"4","page":1571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المطلب العشرون المخاطِب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم خطابه</span>؟\nإذا تكلم شخص وأمر، أو نهى، أو أخبر بأمر عام، أو نهي\nعام، أو خبر عام - فهل يكون المتكلم داخلًا في عموم هذا الخطاب\nلغة أو لا؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن المتكلم والمخاطب يدخل في عموم خطابه\nوكلامه مطلقا، أي: سواء كان الكلام أَمرًا أو نهيا أو خبرًا.\nوهو مذهب بعض الشافعية، وأكثر الحنابلة، ونسب إلى الأكثرين،\nوهو الحق؛ لأن السيد لو قال لعبده: \" من أحسن إليك فأكرمه \"،\nثم أحسن إليه السيد نفسه، فإن أكرمه فإنه يستحق المدح والثناء،\nوإن لم يكرمه، فإنه يستحق الذم واللوم، وهذا باتفاق العقلاء من\nأهل اللغة فاستحقاقه للمدح في الحالة الأولى، واستحقاقه للذم في\nالحالة الثانية دليل على أن السيد داخل في عموم خطابه، ومتناول\nله؛ فلو لم يكن الخطاب متناولًا للسيد، وأنه من جملة من أمر العبد\nبإكرامه لما استحق الذم لما لم يكرم السيد؛ لأن العبد لم يخالف ما\nأمر به، فدل ذلك على أن المتكلم يدخل في عموم كلامه.\nالمذهب الثاني: أن المتكلم والمخاطب لا يدخل في عموم كلامه\nوخطابه مطلقا، أي: سواء كان الخطاب أمرًا، أو نهيا، أو خبرًا.\nوهو لبعض العلماء.","vol":"4","page":1572},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) .\nوجه الدلالة: أنه لو كان المتكلم داخلًا في عموم كلامه، لكان\nهذا الكلام من اللَّه مقتضيا دخوله ﷾ ودخول صفاته،\nوهو باطل.\nجوابه:\nأنا لو نظرنا نظرة لغوية مجردة لاقتضى ذلك العموم، ولكن\nالقرينة قد خصصت المتكلم والمخاطِب - وهو اللَّه ﷿ -\nوالقرينة هنا هي العقل.\nالدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: \" من دخل داري فأعطه\nدرهمًا \"، فلو كان المتكلم داخلًا في عموم خطابه وكلامه: لكان\nهذا القول يقتضي دخول السيد في هذا الخطاب، فيكون العبد\nمأمورًا بإعطاء السيد إذا دخل؛ لأنه يوصف بأنه داخل، ومع ذلك\nفإن السيد لو دخل لا يحسن من العبد أن يعطيه درهمًا، وذلك في\nنظر العقلاء، ويجعل ذلك مستقبحًا منه؛ حيث إن العبد لو أعطى\nالسيد فكأن السيد قد أعطى نفسه؛ لأن العبد يأخذ الدراهم من\nسيده، وهذا لا يسمى عطاء، فدل ذلك على أن السيد ليس داخلًا\nفي عموم كلامه وخطابه.\nجوابه:\nنفس الجواب عن الدليل السابق، فنقول: إنا لو نظرنا إلى قول\nالسيد لعبده نظرة لغوية مجردة لوجدنا أن اللفظ عام، ولكنه\nمخصص بالقرينة، وهي: العقل؛ حيث إن السيد لا يُعطى؛ لأن\nالعقل منع أن يعطي الإنسان نفسه.","vol":"4","page":1573},{"text":"المذهب الثالث: الفرق بين الأمر وغيره، بيانه:\nإذا كان المتكلم والمخاطب آمرًا، فإنه لا يدخل في عموم كلامه\nوخطابه.\nوإن كان المتكلم والمخاطب غير آمر، فإنه يدخل في عموم كلامه\nوخطابه.\nوهو مذهب أبي الخطاب الحنبلي، وأبي الحسين البصري.\nأدلة هذا المذهب:\nأما الدليل على أن غير الآمر يدخل في عموم كلامه وخطابه،\nفهو دليل المذهب الأول.\nأما الدليل على أن المتكلم والمخاطب لا يدخل في عموم كلامه\nوخطابه إذا كان آمرًا، فهو يتكون من وجهين:\nالوجه الأول: أن المقصود والغرض من الآمر: أن يمتثل المأمور به\nويفعل، ولهذا يقول الممتثل للأمر: \" أطعت وامتثلت وفعلت \"،\nوهذا لا يكون إلا من الغير.\nالوجه الثاني: أن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول ممن هو\nدونه، والإنسان لا يتصور أن يكون دون نفسه، بل هو على نمط\nواحد ليس بعضه أدون من بعض، فلذلك لا توجد حقيقة الأمر هنا،\nفلم يجز أن يأمر العاقل نفسه.\nوبناء على هذين الوجهين: لا يدخل الآمر بالخطاب العام ضمن\nخطابه.\nجوابه:\nأن المتكلم والمخاطب يدخل تحت عموم خطابه وكلامه سواء كان\nآمرًا أو غير آمر.","vol":"4","page":1574},{"text":"والآمر في الوجهين اللذين ذكرهما أصحاب المذهب الثالث قد\nخرج من العموم بسبب القرينة، وهي: أن العاقل لا يأمر نفسه في\nالوجه الأول، ولا يطلب الامتثال من نفسه في الوجه الثاني.\nإذن: الآمر يدخل تحت عموم أمره، إلا أن القرينة قد خصصته\nوأخر جته، لما ذكرناه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إن مقصد أصحاب المذهب الأول: أن\nالأصل أن المتكلم - مطلقًا - يدخل في عموم كلامه ولا يخرج إلا\nبقرينة.\nأما أصحاب المذهب الثاني: فإن الأصل عندهم: أن المتكلم\n- مطلقا - لا يدخل في عموم كلامه، ولا يدخل إلا بقرينة.\nأما أصحاب المذهب الثالث، فقد فرقوا بين الآمر، وغيره،\nفالأصل في الآمر أنه لا يدخل في عموم كلامه.\nأما غير فالأصل أنه يدخل.\nوقد تأثر بذلك بعض الفروع الفقهية التي منها:\n١ - أنه لو قال المسلم: \" نساء المسلمين طوالق \"، فإن زوجته\nتطلق؛ بناء على المذهب الأول؛ لأن المتكلم يدخل في عموم كلامه.\nوكذلك تطلق بناء على المذهب الثالث؛ لأن الزوج ليس آمرًا،\nفيدخل في عموم كلامه.\nوبناء على المذهب الثاني: فإن زوجته لا تطلق؛ لأنه لا يدخل\nفي عموم كلامه.\n٢ - لو قال: \" عندي لورثة أبي ألف ريال \"، فإنه يدخل معهم","vol":"4","page":1575},{"text":"ويكون له نصيب منها عند أصحاب المذهب الأول، وكذلك يدخل\nعند أصحاب المذهب الثالث؛ لأنه خبر وليس بأمر، وهو يدخل في\nالخبر دون الأمر عندهم.\nوأما عند أصحاب المذهب الثاني فلا يدخل، وليس له نصيب\nمنها؛ لأن المخاطب والمتكلم لا يدخل في عموم كلامه.\n٣ - لو قال لزوجته: \" إن كلمت رجلًا فأنت طالق \"، فكلمت\nزوجها وقع الطلاق بناء على المذهب الأول، وكذلك بناء على\nالمذهب الثالث.\nولا يقع الطلاق؛ بناء على المذهب الثاني؛ لأن المتكلم لا يدخل\nتحت عموم كلاملى.\n٤ - لو وقف دارًا على الفقراء، ثم افتقر ذلك الواقف، فإنه\nيدخل معهم بناء على المذهب الأول، والثالث.\nولا يدخل معهم بناء على المذهب الثاني، وهكذا.","vol":"4","page":1576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>المطلب الواحد والعشرون هل يجب اعتقاد عموم اللفظ\nقبل البحث عن المخصص</span>؟\nإذا ورد لفظ من ألفاظ العموم - السابقة - فهل يجب على\nالسامع اعتقاد عمومه قبل أن يبحث عن المخصص، أو لا يجب\nاعتقاد عمومه إلا بعد البحث عن المخصص فلا يجد؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجب اعتقاد عموم اللفظ في حال علمنا به،\nوإذا اعتقد عمومه وجب العمل بذللث، إذا جاء وقت العمل به، قبل\nالبحث عن المخصص، وفي حين عملنا به فإن وجدنا مخصِّصا تركنا\nالعام واعتقدنا المخصص - وما بقي بعد التخصيص - إن بقي شيء -\nوإن لم نجد المخصِّص له نستمر في العمل بالعام.\nأي: يجب اعتقاد عموم اللفظ ؤبل ظهور المخصِّص، فإذا ظهر\nالمخصَّص تغير ذلك الاعتقاد.\nوهو مذهب أبي بكر الصيرفي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد،\nواختاره كثير من الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذه ابن عقيل، وابن\nقدامة، وأبي بكر عبد العزيز بن جعفر \" غلام الخلال \"، وبعض\nالحنفية.\nوهو الحق عندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن ترك التمسك با العام لاحتمال وجود المخصص:\nيلزم منه: ترجيح المرجوح على الراجح، وهو ممتنع، بيان ذلك:","vol":"4","page":1577},{"text":"أن اللفظ العام راجح؛ حيث إنه قد وجد وأثبت الحكم بلا شك\nفهو معلوم قطعًا، واحتمال وجود المخصص مرجوح؛ حيث إنه\nمجرد احتمال لا دليل عليه قد يثبت وقد لا يثبت، فكوننا نترك دليلًا\nقد ثبت - وهو اللفظ العام - من أجل احتمال وجود مخصّص هذا\nترجيح المرجوح على الراجح، وهذا ممتنع عقلًا.\nالدليل الثاني: أن الأصل عدم المخصص، وذلك يوجب ظن\nعدم المخصص، وهو يكفي في ظن إثبات الحكم باللفظ العام.\nالدليل الثالث: أن احتمال وجود الشيء لا يترك به الشيء الثابت\nبدليل عمل الصحابة - ﵃ - في النسخ: فقد كان\nالصحابة - رضوان اللَّه عليهم - يعتقدون بسبب كثرة ما نزل عليهم\nمن الناسخ والمنسوخ - أن كل حكم ينزل عليهم سينسخ فيما بعد،\nولكن هذا الاعتقاد لم يمنعهم من العمل بالحكم حال نزوله، فإذا\nنزل ما ينسخه تركوا المنسوخ، وعملوا بالناسخ.\nفكذلك هنا: يجب اعتقاد عموم اللفظ حال علمنا به، والعمل\nعلى ذلك وإن كنا نْحتمل وجود مخصص له، فإن ثبت هذا\nالمخصِّص تركنا العام وعملنا بالمخصص، وإن لم يثبت مخصِّص\nنستمر في العمل على العموم، وهذا فيه من الاحتياط ما يعلمه كل\nفطن.\nالدليل الرابع: القياس على أسماء الحقائق، بيانه:\nأنه لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد البحث عن المخصص: لما\nجاز التمسك باللفظ على حقيقته إلا بعد البحث هل يوجد ما يقتضي\nصرفه عن المجاز أو لا؛ بجامع: احتمال الخطأ، لكن لا يجب\nذلك -، بل نحمل لفظ \" الأسد \" على الحقيقة، وهو: الحيوان","vol":"4","page":1578},{"text":"المفترس، ونعمل على ذلك من غير بحث من أنه هل وجد ما يقتضي\nصرفه عنه أو لا؟ فكذلك هنا نعتقد عموم اللفظ، ونعمل على ذلك\nمن غير بحث عن وجود مخصص أو لا.\nالدليل الخامس: القياس على صيغة الأمر وصيغة النهي، بيان\nذلك:\nأن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، والنهي المطلق يقتضي التحريم،\nفإذا وردت صيغة من صيغ الأمر، فإنه يجب اعتقاد الوجوب ونعمل\nعلى ذلك، ولا يصرفنا عن هذا إلا صارف من قرينة أو دليل يبين أن\nالمراد غير الوجوب من الندب وغيره.\nوكذلك إذا وردت صيغة من صيغ النهي، فإنه يجب اعتقاد\nالتحريم ونعمل على ذلك ولا يصرفنا عن هذا إلا صارف من قرينة أو\nدليل يبين أن المراد غير التحريم من كراهة أو نحوه.\nفكذلك هنا فإنه إذا وردت صيغة من صيغ العموم، فإنه يجب\nاعتقاد عمومه، ونعمل على هذا الاعتقاد، ولا يصرفنا عن ذلك إلا\nصارف ومخصص يبين أن المراد غير العموم.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجب اعتقاد عموم اللفظ والعمل به حتى\nيبحث عن المخصص، فلا يجد ما يخصه.\nوهو مذهب ابن سريج، وهو اختيار بعض الحنابلة كأبي الخطاب،\nوهو مذهب أكثر العلماء من المالكية، والشافعية، وبعض الحنفية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن أفيَ صيغة من صيغ العموم - السابقة الذكر -\nلا تفيد العموم إلا بشرط وهو: عدم المخصص، وقبل طلب","vol":"4","page":1579},{"text":"المخصص يكون وجوده وعدمه مشكوكا فيه، والشك في الشرط\nيوجب الشك في المشروط، أي: إذا شككنا في وجود المخصص\nوعدم وجوده: فإن هذا يلزم منه أن نشك في هذا اللفظ هل أفاد\nالعموم أو لا؟\nإذن: حجته بالنسبة إلى كل فرد مشكوك فيها، والمشكوك فيه لا\nيعمل به.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن وجود المخصص وعدمه مشكوك فيه، بل عدمه\nعندنا أغلب على الظن، فيكون ظن حجية اللفظ العام أغلب،\nفعلى هذا يعتقد عمومه، ويجب العمل بذلك.\nالدليل الثاني: أن اللفظ العام يحتمل أن يكون مرادًا به العموم\nباعتبار أنه وضع لذلك لغة، واللفظْ عند إطلاقه يدل على ما وضع\nله.\nويحتمل أن يكون العموم غير مراد منه لوجود ما يخصصه؛ نظرًا\nلكثرة ورود التخصيص على العام حتي شاع قولهم: \" ما من عام\nإلا وقد خصص \".\nوالاحتمالان متساويان، فلو عمل بالعام قبل طلب المخصص لزم\nترجيح أحد المتساويين على الآخر، بدون مرجح، وهو باطل.\nإذن طلب الباحث للمخصص يريد بذلك ترجيح أحد الأمرين\nبمرجح، فإن وجد المخصص فقد ترجح الخصوص على العموم، وإن\nلم يجده فقد ترجح العموم على الخصوص؛ لأن عدم الوجدان دليل.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:","vol":"4","page":1580},{"text":"الجواب الأول: أنا نعمل بالأصل، والأصل هو عموم اللفظ،\nأما التخصيص فهو عارض له يحتاج إلى قرينة مخصِّصة، كما عملنا\nبأسماء الحقائق.\nفإن الأصل حمل الاسم - وهو الأسد مثلًا - على حقيقته، أما\nالمجاز، فهو عارض له يحتاج إلى قرينة.\nوبذلك يكون احتمال العموم راجحا على احتمال الخصوص\n- وليسا سواء كما زعمتم - فيعتقد عموم اللفظ، ويعمل على هذا\nالاعتقاد؛ لأن العمل بالراجح واجب.\nالجواب الثاني: أن كلامكم يؤدي إلى التوقف مما يؤدي إلى ترك\nالعمل بالدليل الثابت - وهو اللفظ العام - وذلك لأن الأدلة\nالمخصصة كثيرة وغير محصورة، فقد يجد المجتهد الدليل المخصص\nاليوم، وقد لا يجده اليوم، ويقول: سأبحث عنه في الغد،\nوهكذا حتى تذهب الأيام، وهو يؤمل نفسه بأنه سيجد مخصصا\nلهذا العموم، وبينما هو يفعل ذلك - يكون ذلك الدليل الثابت\n- وهو اللفظ العام - معطلًا عن العمل، وهذا لا يجوز.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن\nاللفظ العام يجب أن يُعمل به حال سماعنا إياه بدون قرائن.\nأما أصحاب المذهب الثاني فقد قصدوا: أن اللفظ العام لا يعمل\nبه إلا بقرينة، وهي: عدم وجود مخصص.\nوهذا يظهر في مسألة وهي: هل يجوز للحاكم أن يحكم بالبينة\nأو بالإقرار بدون الرجوع إلى الخصم أو الغريم؛، فبناء على المذهب","vol":"4","page":1581},{"text":"الأول: يجوز ذلك، وبناء على المذهب الثاني: لا يجوز؛ حيث\nإن العمل بذلك كالعمل بالدليل قبل الفحص عن المعارض، وهذا\nهو الذي أرجحه؛ لأن هناك مخصصا وهو: أن هذه الأمور لا بد\nفيها من مناقض.\nمسألة: هل يشترط القطع بعدم وجود المخصص للعمل\nباللفظ العام أو لا؟\nلقد اختلف أصحاب المذهب الثاني في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يشترط القطع بعدم وجود المخصص، بل\nيكفي أن يبحث المجتهد عن المخصص، ويستقصي في ذلك في\nمضانه، فإذا غلب على ظنه عدم وجود المخصص: حكم بأنه لا\nمخصص لهذا اللفظ العام، وحينئذ يجب العمل به.\nذهب إلى ذلك: ابن سريج، وإمام الحرمين، والغزالي، وأبو\nالخطاب، وأكثر أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: لا يجب\nاعتقاد عموم اللفظ والعمل به إلا بعد البحث عن المخصص، فلا\nيوجد -.\nدليل هذا القول:\nأنه لو اشترط القطع بعدم وجود المخصِّص للزم من ذلك تعطيل\nالعمل بالعمومات كلها؛ لكثرة الأدلة، وعدم انحصار الأصول\nوتفرقها، فيكفي أن يغلب على ظنه عدم وجود المخصص والعمل بما\nيغلب على الظن واجب.\nالقول الثاني: إنه يشترط القطع بعدم وجود المخصص.","vol":"4","page":1582},{"text":"أي: أن المجتهد يبحث عن المخصص، فإذا قطع بعدم وجوده،\nوسكنت نفسه بأنه لا دليل مخصص، فإنه يعمل باللفظ العام.\nوهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني.\nدليل هذا القول:\nأنه إذا كانت نفسه تشعر بدليل شذ عنه، وتردد فيه، وقال في\nنفسه: يمكن أن يوجد ذلك الدليل المخصص، ويمكن أن لا يوجد،\nفكيف يحكم بدليل ويعمل به - وهو اللفظ العام - يجوز أن يكون\nالحكم به حرامًا.\nجوابه:\nيمكن لأصحاب القول الأول أن يجيبوا عن ذلك بقولهم: إنه إذا\nبحث عن المخصص وغلب على ظنه عدم وجوده، فإنه يغلب على\nظنه أن هذا اللفظ عام، فيجب اعتقاد عمومه والعمل به؛ لأن\nالعمل بالظن الغالب واجب، ولا يقع في ذلك تردد؛ إذ لو اشترط\nالقطع في كل دليل: لما بقى دليل؛ لأن جل الأدلة ظنية.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ حيث اتفق أصحاب القولين على أنه يجب\nاعتقاد عموم اللفظ والعمل على ذلك، سواء علم قطعا أو ظنًا بعدم\nوجود المخصص؛ لأنه اتفق على العمل بالظن؛ حيث إن الصحابة\n- ﵃ - كانوا لا يفرقون بين الدليل القطعي، والدليل\nالظني في وجوب العمل.","vol":"4","page":1583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>المطلب الثاني والعشرون الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع هل يقتضي\nالعموم في كل من المضاف والمضاف إليه</span>؟\nمثال ذلك: قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، فهل\nتقتضي هذه الآية أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك؟\nأو أخذ الصدقة من نوع واحد من مال كل مالك؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع يقتضي\nالعموم في كل من المضاف والمضاف إليه، وهو مذهب جمهور\nالعلماء.\nوهو الحق؛ لأن الجمع المضاف من صيغ العموم، وضمير الجمع\nمن صيغ العموم - أيضًا - فإذا أضيف العام إلى العام اقتضى ذلك:\nالعموم في كل من المضاف والمضاف إليه عملًا بظاهر اللفظ.\nالمذهب الثاني: أن الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع لا\nيقتضي العموم في كل من المضاف والمضاف إليه.\nوهو مذهب جمهور الحنفية، وقد نسب إلى الكرخي، وهذه\nالنسبة غير صحيحة.\nدليل هذا المذهب:\nأن اللفظ دال على إيجاب صدقة منكرة محلها المال المضاف إلى","vol":"4","page":1584},{"text":"المالك، فإذا أخرج من نوع واحد صدقة، فقد أخرج من جملة\nالأموال، فلا يجب عليه الزيادة على ذلك، يؤيد ذلك: أن الرجل\nلو قال: \" لبس القوم ثيابهم \"، فإنه يفهم من ذلك أن كل واحد\nمنهم ليس ثوبه.\nفكذلك هنا: فإنه إذا أخذ الصدقة من جزء المال صدق أخذها من\nالمال، ولهذا فقد وقع الإجماع على أن كل درهم ودينار من دراهم\nودنانير المالك موصوف بأنه من ماله، ومع ذلك فإنه لا يجب أخذ\nالصدقة من خصوص كل درهم ودينار له؛ لعدم دلالة اللفظ عليه.\nجوابه:\nإن إضافة العام إلى العام لا بد أن يكون له فائدة، ولا فائدة له\nإلا اقتضائه العموم في المضاف والمضاف إليه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إنه يترتب على المذهب الأول: أنه يجب\nأخذ صدقة من كل نوع من أنواع المال لكل مالك، فعلى هذا\nالمذهب لا تكفي صدقة من نوع واحد من الأموال.\nويترتب على المذهب الثاني: أنه يكفي أخذ صدقة من نوع واحد\nمن جميع الأموال من كل مالك.","vol":"4","page":1585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>المطلب الثالث والعشرون هل المفهوم له عموم</span>؟\nالمفهوم ينقسم إلى قسمين:\nمفهوم موافقة وهو: ما كان حكم المسكوت عنه موافقًا لحكم\nالمنطوق به، كقولنا بتحريم ضرب الوالدين أخذًا من منطوق قوله\nتعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) .\nومفهوم مخالفة وهو: ما كان حكم المسكوت عنه مخالفا لحكم\nالمنطوق، كقولنا: المعلوفة من الغنم لا زكاة فيها أخذًا من قوله عليه\nالصلاة والسلام: \" في سائمة الغنم الزكاة \".\nفهل المفهوم في هذين القسمين يعم أو لا؟\nاختلف في ذلك على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يعم.\nأي: يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه إما على موافقة\nالمنطوق به أو على مخالفته، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق؛\nقياسًا على اللفظ، فكما أن اللفظ يثبت الحكم في جميع صور\nمسمياته، فكذلك مفهومه يثبت الحكم في جميع صور مسمياته،\nفالشارع لما قال؛ \" في سائمة الغنم زكاة \"، فقد تضمن ذلك القول\nقولًا آخر، وهو: أنه لا زكاة في المعلوفة، ولو صرح بذلك لكان\nعامًا.\nالمذهب الثاني: أن المفهوم لا يعم.","vol":"4","page":1586},{"text":"وهو اختيار الغزالي.\nدليل هذا المذهب:\nأن العموم من صفات اللفظ والنطق، والمفهوم ليس بلفظ،\nفلذلك لا يعم.\nجوابه:\nإن مفهوم الموافقة والمخالفة كالمنطوق، فلذلك قلنا في باب\nالنسخ: إنه ينسخ، ويُنسخ به، فكذلك هنا يدخله العموم كما دخل\nاللفظ ولا فرق.\nبيان نوع الخلاف:\nاختلف في هذا الخلاف هل هو معنوي، أو لفظي على قولين:\nالقول الأول: أن الخلاف معنوي، وهو الحق عندي؛ لأنه تأثر\nبهذا الخلاف بعض الفروع الفقهية، ومنها:\nأن قوله ﵊: \" إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس \"،\nفإن هذا النص قد دلَّ بمفهومه على أن ما دونهما ينجس بملاقاة\nالنجاسة، سواء تغير أو لا، كوثر بماء طاهر ولم يبلغ قلتين، أو\nلم يكاثر.\nهذا إذا كان للمفهوم عموم، وهو المذهب الأول.\nأما إذا قلنا: إن المفهوم لا عموم له، فإن الحديث لا يقتضي\nالنجاسة في هذه الصورة.\nالقول الثاني: أن الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأن الخلاف إن كان\nفي أدن مفهومي الموافقة والمخالفة يثبت فيهما الحكم في جميع ما سوى","vol":"4","page":1587},{"text":"المنطوق من الصور أو لا؟\nفالحق الإثبات، وهو مراد أصحاب\nالمذهب الأول، وأصحاب المذهب الثاني لا يخالفونهم في ذلك.\nوإن كان الخلاف في ثبوت الحكم فيهما بالمنطوق أو لا؛ فالحق\nالنفي، وهو مراد أصحاب المذهب الثاني، وأصحاب المذهب الأول\nلا يخالفونهم فيه، ولا ثالث - هنا - يمكن فرضه محلًا للنزاع.\nوالحاصل؛ أنه نزاع لفظي يعود إلى تفسير العام بأنه ما يستغرق في\nمحل النطق، أو هو: ما يستغرق في الجملة.\nجوابه:\nإن الخلاف في أن مفهومي الموافقة والمخالفة يثبت فيهما الحكم في\nجميع ما سوى المنطوق أو لا؟\nوأصحاب المذهب الأول يثبتون ذلك.\nأما أصحاب المذهب الثاني فهم لا يوافقونه، كما زعمتم، بل\nيخالفون ذلك، ويقولون: إن الحكم يثبت في صورة واحدة مخالفة\nللمنطوق فقط.","vol":"4","page":1588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المطلب الرابع والعشرون ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال هل ينزل منزلة العموم في المقال</span>؟\nمثاله: أن ابن غيلان الثقفي قد أسلم وتحته عشرة نسوة، فقال له\nالرسول - ﷺ -:\n\"أمسك أربعًا وفارق سائرهن \"،\nولم يسأله عن كيفية عقده عليهن في الجمع أو الترتيب،\nأي: لم يستفسر منه هل عقد على هذه النسوة بعقد واحد\nفي زمن واحد، أو عقد عليهن بعقود متعددة في أزمان مختلفة،\nفهل تركه السؤال عن ذلك يفيد العموم وينزل منزلة عموم المقال؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود\nالاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال..\nوهو مذهب الإمام الشافعي، وتبعه على ذلك كثير من العلماء،\nوهو الحق؛ لأن ترك الرسول - ﷺ - الاستفصال من الحاكي في حكايته مع قيام الاحتمال الذي من شأنه أن يؤثر في الحكم، فإن ذلك ينزل منزلة العموم في المقال، فيكون الحكم - وهو إمساك أربع ومفارقة\nالباقي - عام في جميع الأحوال، سواء كان العقد على هذه النسوة\nفي زمن واحد أو في أزمان متعددة.\nالمذهب الثاني: أن ذلك لا ينزل منزلة العموم في المقال.\nوهو مذهب أبي حنيفة، وبعض الشافعية.","vol":"4","page":1589},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن \" ترك الاستفصال.. \" ليس من صيغ العموم، فلا يقتضي\nالعموم، ثم إن. ما ذكره أصحاب المذهب الأول هو قضية خاصة،\nفلا يستدل بها على إثبات قاعدة عامة؛ لاحتمال أن يكون الرسول\nلمجيم قد عرف خصوص الحال؛ حيث إنه عارف بحال القائل - وهو\nأنه عقد عليهن بوقت واحد - فأجاب بناء على ذلك: لا؛ لأنه لا\nفرق بين تلك الحالة وغيرها في ذلك الحكم.\nجوابه:\nأن هذا ضعيف؛ لأن القاعدة ليست مفروضة في كون تارك\nالاستفصال عالما بشيء، وإنما هي مفروضة في قضية لا يعلم فيها\nتارك الاستفصال عن حال صاحب القضية مع احتمال اللفظ إياها،\nوظاهر الحديث يدل على أن الرسول - ﷺ -\nلا يعلم شيئًا عن زواج غيلان، هل هو بعقد واحد أو مختلف،\nوما قالوه من الاحتمال لا دليل عليه، فيبقى على ظاهره.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه ترتب على المذهب الأول: أن\nالشخص لو أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، فعليه أن يمسك أربعا\nمنهن فقط، ويفارق الباقي، فيختار منهن ما شاء، ويترك الباقي\nمطلقا، سواء كان العقد على هذه النسوة في زمن واحد، أو في\nأزمان متعددة؛ وهذا يتبين فيه سماحة الإسلام ويسره.\n- أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: \" إن ترك\nالاستفصال ... \" لا يفيد العموم - فهم بنوا الحكم على عدم وجود","vol":"4","page":1590},{"text":"هذه القاعدة، فقالوا: إن كان العقد عليهن في وقت واحد، فعليه\nأن يجدد عقد النكاح على أربع منهن على حسب اختياره.\nوإن كانت تلك العقود مرتبة - أي: كل واحدة عقد عليها بعد\nالأخرى: فعليه أن يمسك الأربع الأول، ويفارق ما عداهن، وذلك\nلأن العقود الأولى قد صادفت محلًا قابلًا للعقد، فكانت صحيحة،\nأما ما عداها فلم يصادف محلًا قابلًا للعقد، فكان باطلًا.","vol":"4","page":1591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>المبحث الثاني في الخصوص</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريف التخصيص.\nالمطلب الثاني: هل يجوز تخصيص العموم؟\nالمطلب الثالث: مخصصات العموم المنفصلة.\nالمطلب الرابع: مخصصات العموم المتصلة.","vol":"4","page":1593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>المطلب الأول تعريف التخصيص</span>\nالتخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده.\nالمراد من \" قصر العام \": قصر حكمه، وإن كان لفظ العام باقيًا\nعلى عمومه، لكن لفظًا لا حكما.\nوالمراد من قوله: \" على بعض أفراده \" أي: أن هذا العام\nيخصص ويكون المراد به بعض أفراده بسبب قرينة مخصصة.\nمثل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)،\nفقد أورد اللَّه تخصيص ذلك بقوله: (وأولات الأحمال أجلهن أن\nيضعن حملهن)، فهنا قد خصص الشارع المطلقة الحامل، وجعل\nعدتها وضع الحمل، فلم يبق لفظ العموم - وهو المطلقات - على\nعمومه، بل قصره على بعض أفراده.\nمثال آخر: إذا قال: \" أكرم الطلاب الناجحين \"، فهنا قد قصر\nهذا اللفظ العام - وهو: الطلاب - على أفراد معينة وهم الناجحون.\nوإذا قيل: هذا كلام مخصوص معناه: أنه قصر على بعض\nفائدته، وكان غرض المتكلم به: بعض ما وضع له.\nوالتخصيص يقرب من النسخ إلا أن بينهما فروقا قد ذكرتها في\nباب النسخ.","vol":"4","page":1595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>المطلب الثاني هل يجوز تخصيص العموم</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن تخصيص العموم يجوز مطلقا، أي: سواء\nكان اللفظ العام أمرًا، أو نهيًا، أو خبرًا.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: وقوعه في كتاب اللَّه وسُنَّة رسوله، والوقوع دليل\nالجواز.\nفمن أمثلة وقوعه في الأمر قوله تعالى: (والسارق والسارقة)\nوقوله: (والزانية والزاني ...) مع أنه ليس كل سارق يقطع، وكل\nزان يجلد.\nوقوله تعالى: (يوصيكم اللَّه في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)\nمع خروج الكافر، والعبد، والقاتل عنه.\nومن أمثلة وقوعه في النهي: قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)\nمع أن بعض القربان غير منهي عنه.\nومن أمثلة وقوعه في الخبر: قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)\nمع أنها لم تؤت السموات والأرض وملك سليمان، وقوله:\n(تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) مع أنها لم تدمر السموات والأرض والجبال.\nوأكثر العمومات الواردة في الآيات والأحاديث قد خصصت حتى","vol":"4","page":1596},{"text":"قيل: \" ما من عام إلا وقد خصص \" إلا قوله تعالى:\n(وهو بكل شيء عليم)، كما سبق بيانه،\nولو لم يكن التخصيص جائزًا لما وقع في الكتاب والسُّنَّة.\nالدليل الثاني: أنه لا معنى لتخصيص العموم سوى صرف اللفظ\nعن جهة العموم الذي هو حقيقة فيه إلى جهة الخصوص بطريق\nالمجاز، والتجوز غير ممتنع لذاته، ولهذا لو قدرنا وقوعه لم يلزم\nالمحال عنه لذاته، ولا بالنظر إلى وضع اللغة، ولهذا يصح من\nاللغوي أن يقول: \" زارني كل أهل البلد \"، وإن تخلف عنه\nبعضهم.\nالمذهب الثاني: التفريق بين الخبر وبين غيره.\nفيجوز تخصيص اللفظ العام إذا كان أمرًا أو نهيا، أما إذا كان\nخبرًا فلا يجوز، وهو لبعض الطوائف.\nدليل هذا المذهب:\nأما جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام أمرًا أو نهيا: فدليله:\nالوقوع كما سبق.\nأما عدم جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام خبرًا، فدليله: أنه\nلو جاز تخصيص الخبر للزم الكذب في الخبر، لما فيه من مخالفة\nالمخبر للخبر، وهو غير جائز كما في نسخ الخبر.\nجوابه:\nلا نسلم لزوم الكذب، ولا وهم الكذب بتقدير إرادة الخصوص\nوالمجاز، وقيام الدليل على ذلك، ولو لم يكن جائزًا للزم من ذلك\nأن يكون قول القائل: \" رأيت أسدًا \"، وهو يريد الرجل الشجاع","vol":"4","page":1597},{"text":"أن يكون كاذبا إذا تبينا أنه لم يرد الأسد الحقيقي، وليس كذلك\nبالإجماع، وعلى هذا قلنا بجواز نسخ الأخبار.\nالمذهب الثالث: التفريق بين الأمر، وغيره.\nفيجوز تخصيص اللفظ العام إذا كان غير أمر، أما إذا كان أمرًا\nفلا يجوز، وهو لبعض الطوائف.\nدليل هذا المذهب:\nأما جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام غير أمر، فدليله الوقوع\nكما سبق.\nأما عدم جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام أمرًا فدليله: أن\nالقول بجواز تخصيص الأمر يوهم البَداء - وهو ظهور المصلحة بعد\nخفائها - وهذا مستحيل على اللَّه تعالى، لذلك لا يجوز تخصيص\nالأمر.\nجوابه:\nلا نسلم إيهام البَداء؛ لأنا نعلم أن اللفظ في الأصل يحتمل\nالتخصيص، فقيام الدليل على وقوعه مبيِّن للمراد، وإنما يلزم البداء\nأن لو كان المخرج مرادًا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لأنه لا أحد ينكر أن بعض الأفراد مخرج عن\nدخولها تحت بعض الألفاظ العامة، ولكن بعضهم - وهم الجمهور\n- قد سموا ذلك بالتخصيص، وبعضهم سموه بغير ذلك، فالخلاف\n- إذن - بالتسمية.","vol":"4","page":1598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>المطلب الثالث في مخصِّصات العموم المنفصلة</span>\nلقد قلنا: إن التخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده، فيكون\nالمخصص هو: القاصر للعام على بعض أفراده، أي: هو فاعل\nالتخصيص فهو المخرج، وهو: إرادة المتكلم الإخراج.\nوالمخصص ينقسم إلى قسمين:\nمخصص منفصل وهو: ما يستقل بنفسه، بأن لا يكون مرتبطا بكلام\nآخر.\nومخصص متصل وهو: ما لا يستقل بنفسه، بل هو مرتبط بكلام\nآخر.\nوإليك الكلام عن المخصصات المنفصلة في المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: في التخصيص بالحس.\nالمسألة الثانية: في التخصيص بالعقل.\nالمسألة الثالثة: في تخصيص الكتاب بالكتاب.\nالمسألة الرابعة: في تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة: قولية أو\nفعلية.\nالمسألة الخامسة: في تخصيص السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة،\nوالآحادية بالآحادية.","vol":"4","page":1599},{"text":"المسألة السادسة: في تخصيص السُّنَّة المتواترة والآحادية بالكتاب.\nالمسألة السابعة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد.\nالمسألة الثامنة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بتقرير النبي - ﷺ -.\nالمسألة التاسعة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة بالإجماع.\nالمسألة العاشرة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بمفهوم الموافقة.\nالمسألة الحادية عشر: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بمفهوم المخالفة.\nالمسألة الثانية عشر: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بالقياس.\nالمسألة الثالثة عشرة: في تعارض الخاص مع العام.\nالمسألة الرابعة عشرة: قول الصحابي وفعله ومذهبه هل يخصص\nالعموم؟\nالمسألة الخامسة عشرة: العرف والعادة هل يخصص بها العموم؟\nالمسألة السادسة عشرة: هل يجوز تخصيص العام بذكر بعضه؟\nالمسألة السابعة عشرة: العام إذا قصد به المدح أو الذم هل يخصص\nالعام؟\nالمسألة الثامنة عشرة: عطف الخاص على العام هل يخصص العام؟","vol":"4","page":1600},{"text":"المسألة الأولى: في التخصيص بالحس:\nوهو الدليل المأخوذ من أحد الحواس الخمس، وهي: الرؤية\nالبصرية، أو السمع، أو اللمس، أو الذوق، أو الشم.\nوالحس قد أنجمع العلماء على جواز التخصيص به، دلَّ على\nذلك: الوقوع: حيث وقع أن الحس قد خصص اللفظ العام،\nوالوقوع دليل الجواز.\nمن أمثلة ذلك: قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بأمر ربها)،\nونحن نشاهد أشياء كانت حين هبوب الريح لم تدمرها كالجبال،\nوالسماء، والأرض.\nومن ذلك: قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)، ونحن\nنعلم أن هناك أشياء كثيرة لم تؤت منها بلقيس كالسموات،\nوالأرض، وأن ما كان في يد سليمان - ﵇ - لم يكن في\nيدها، وهو شيء.\n***\nالمسألة الثانية: في التخصيص بالعقل:\nالعقل هو: آلة إدراك الأشياء والتمييز بينها.\nوالعقل قد اختلف في جواز التخصيص به على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن العقل يجوز تخصيص العموم به.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليل الوقوع؛ حيث\nإنه قد وقع أن \"العقل خصَّص وأخرج بعض أفراد العام، وبين أنهم\nغير داخلين في عموم اللفظ، وهذا هو التخصيص، والوقوع دليل\nالجواز.","vol":"4","page":1601},{"text":"ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)،\nفإن لفظ \" الناس \" صيغة عموم - حيث إنها جمع معرف بـ \" أل \" -\nفيدخل فيه كل الأفراد، ولكن العقل اقتضى بنظره عدم دخول الصبي\nوالمجنون بالتكليف بالحج؛ لعدم فهمهما، بل هما من جملة الذين\nلا يخاطبون بخطاب التكليف.\nومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: (الله خالق كل شيء)، فإن\nلفظ \" كل \" قد تناول بعمومه لغة كل شيء مع أن ذاته وصفاته أشياء\nحقيقة، ومع ذلك فإنها لا تدخل في هذا العموم، وخرج ذلك\nبدلالة ضرورة العقل من عموم اللفظ، وذلك مما لا خلاف فيه بين\nالعقلاء، ولا نعني بالتخصيص غير ذلك.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز التخصيص بالعقل.\nذهب إلى ذلك طائفة من المتكلمين.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن دليل العقل متقدم وسابق في الوجود على أدلة\nالسمع، والمخصِّص ينبغي أن يكون متأخرًا عن المخصَّص، فلا\nيصلح أن يكون العقل مخصصا للعموم وهو متقدم.\nجوابه:\nأن العقل يجب أن يكون متأخرًا بالنظر إلى ذاته، أو بالنظر إلى\nصفته، وهو كونه مبينًا ومخصصًا.\nأما الأول - وهو: كون العقل متأخرًا بالنظر إلى ذاته - فنحن\nنسلم لكم أنه متقدم على النقل والسمع.\nأما الثاني - وهو: كون العقل متأخرًا بالنظر إلى صفته، وهو:","vol":"4","page":1602},{"text":"كونه مخصصا -: فلا نسلم أنه لا يتأخر، بل يكون متأخرًا عن\nالنقل والسمع؛ لأن العقل وإن كان متقدما في ذاته على الخطاب\nالعام غير أنه لا يوصف قبل ذلك بكونه مخصصا لا لم يوجد، وإنما\nيصير مخصصًا ومبينًا بعد وجود الخطاب، فيصير التخصيص من\nصفاته.\nوذلك لأن المخصص هو: الدليل المعرف لإرادة المتكلم بهذا\nاللفظ، وأنه أراد هذا التكلم بهذا اللفظ العام معنى خاصا، والعقل\nيدل على ذلك بعد وجود الخطاب العام وإن كان متقدما في ذاته على\nذلك الخطاب.\nالدليل الثاني: أن حقيقة التخصيص هي: إخراج بعض ما تناوله\nاللفظ عنه، ونحن نعلم بالضرورة أن المتكلم لا يريد بلفظه الدلالة\nعلى ما هو مخالف لصريح العقل، فلا يكون لفظه دالًّا عليه لغة،\nأي: لا يمكن تناول اللفظ لما يخالف صريح العقل، ومع عدم\nالدلالة اللغوية على الصورة المخرجة لا يكون تخصيصًا.\nفقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) نعلم منه ضرورة\nبالعقل أن الصبي والمجنون لا يدخلان تحت لفظ \" الناس \" أصلًا،\nفلا يكون متناولًا لهما لغة؛ لأنه لا يمكن أن يتناول البفظ لما يخالف\nصريح العقل، فلا يكون هذا اللفظ عاما أصلًا للصبي والمجنون،\nوبالتالي: لا يكون العقل مخصصا لهما.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك، بل يدخل غير المعقول، والمخالف لصريح العقل\nتحت اللفظ من حيث اللسان والوضع.","vol":"4","page":1603},{"text":"بيان نوع هذا الخلاف:\nالقد اختلف في ذلك على قولين:\nالقول الأول: إن الخلاف معنوي، وهو الحق؛ وذلك لأنه أثر\nفي مسألة من مسائل أصول الفقه وهي: \" العام بعد التخصيص هل\nهو حقيقة في الباقي، أو يكون مجازًا؛ \" - وقد سبقت في المبحث\nالأول -.\nفبناء على المذهب الأول: فإن تخصيص العموم بدليل العقل\nيجري فيه الخلاف السابق في تلك المسألة هل هو حقيقة في الباقي،\nأو مجاز.\nوبناء على المذهب الثاني - وهو: عدم جواز التخصيص بالعقل -\nفإن العام المخصوص بالعقل حقيقة بلا خلاف؛ لأن العقل لا\nيخصص أصلًا، فيبقى اللفظ على ما هو عليه حقيقة.\nالقول الثاني: إن الخلاف لفظي، واختاره بعض العلماء -\nكالباقلاني، وإمام الحرمين، والغزالي، وإلكيا الهراسي،\nوالقرافي، والتاج ابن السبكي، والإمام الرازي، وغيرهم -،\nودليلهم: أن المعنى قد اتفق أصحاب المذهبين عليه.\nولكن اختلف في تسميته تخصيصا.\nجوابه:\nأنه يفهم من أدلة أصحاب المذهب الثاني: أن الأفراد المخصوصين\nبالعقل لم يدخلوا في اللفظ العام أصلًا، فعلى مذهبهم: لا يوجد\nشيء يخصص بالعقل، فإذا لم يتناول اللفظ العام هؤلاء المخرجين","vol":"4","page":1604},{"text":"بالعقل، فإنه لا يصدق عليه تعريف التخصيص، وهو: قصر العام\nعلى بعض أفراده، فيكون الخلاف معنويًا.\nالمسألة الثالثة: في تخصيص الكتاب بالكتاب:\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، وهو\nمذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: الو قوع؛ والوقوع دليل الجواز.\nومثال الوقوع: أن قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)\nورد مخصصًا لقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) .\nأي: كل مطلقة تعتد بثلاث حيض إلا الحامل، فإنها تعتد بوضع\nالحمل ولو بعد ساعة من الطلاق، أو بعد سنة.\nمثال آخر: أن قوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) ورد مخصصا لقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) .\nأي: أنه لا يجوز نكاح الكافرات والمشركات إلا نساء أهل\nالكتاب، وهم اليهود والنصارى، فيجوز نكاحهن.\nالدليل الثاني: أن العام والخاص من الكتاب إما أن يعمل بهما معا\nأو لا يعمل بهما معا، أو يعمل بالعام دون الخاص، أو يعمل\nبالخاص وما بقي بعد التخصيص.","vol":"4","page":1605},{"text":"أما الأول - وهو العمل بالخاص والعام - فهو باطل؛ لأن فيه\nجمعًا بين متناقضين.\nأما الثاني - وهو: عدم العمل بهما معا - فهو باطل - أيضا -؛\nلأنه يستلزم ترك دليلين قد ثبتا، وهذا لا يجوز.\nوأما الثالث - وهو: أن يعمل بالعام دون الخاص - فهو باطل -\nأيضًا -؛ لأنه يستلزم ترك دليل بالكلية - وهو الخاص - وهذا لا\nيجوز.\nوأما الرابع - وهو: أن يعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص -\nفهو الصحيح؛ لأنه يستلزم إعمال الدليلين على حسب القدرة،\nوهذا أَوْلى من إبطال أحدهما بالكلية.\nالمذهب الثاني: أن الكتاب لا يخصص الكتاب، وهو مذهب\nبعض أهل الظاهر.\nدليل هذا المذهب:\nقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى فوض البيان إلى الرسول - ﷺ -، والبيان هو التخصيص، وذلك يقتضي: أن لا يحصل البيان\nوالتخصيص إلا بقوله - ﷺ -،\nولا يحصل بقول اللَّه تعالى.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابينْ:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنه يلزم من تفويض البيان إليه أن لا\nيحصل البيان منه تعالى، وهذا لأنه يجوز أن يفوض الشيء إلى","vol":"4","page":1606},{"text":"شخص، ويحصل ذلك الشيء من غيره، والفائدة في التفويض\nنصبه لذلك، لا أن غيره ممنوع منه.\nالجواب الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ أن المراد من الآية هو: البيان - كما\nذكرتم - بل المراد من الآية هو: إظهار ما نزل اللَّه، وإبلاغه إلى\nالأُفَة يدل على ذلك: أنا لو حملنا قوله تعالى: (لتبين للناس)\nعلى البيان، وهو: إزالة الإشكال لوقع تعارض بين تلك الآية،\nوقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)،\nوالتعارض خلاف الأصل، فوجب - للتخلص من هذا التعارض -\nحمل الآية التي استدللتم بها على التلاوة، والإبلاغ، وإذا كان المراد\nمن تلك الآية: الإبلاع، والتلاوة: لم يلزم من تفويض البيان إلى\nالرسول - ﷺ -: أنه لا يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على أن يكون عدة\nالحامل مطلقهَ هو: وضع حملها؛ لقوله تعالى:\n(وأولات الأحمال) مع أنه قال: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)،\nوللاتفاق على جواز نكاح نساء أهل الكتاب، لقوله تعالى:\n(والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ...) مع قوله تعالى:\n(ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)، لكن أصحاب المذهب الأول قالوا\nبأن هذا من باب تخصيص الكتاب بالكتاب، وأصحاب المذهب\nالثاني لم يجعلوه من هذا الباب، وإنما جعلوه من باب آخر وسموه\nباسم آخر.","vol":"4","page":1607},{"text":"المسألة الرابعة: في نخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة سواء\nكانت السُّنَّة قولية أو فعلية:\nهذا جائز بالاتفاق؛ لدليلين هما:\nالدليل الأول: الوقوع، والوقوع دليل الجواز.\nمثال تخصيص الكتاب بالسُّنَة القولية: قوله - ﷺ -:\n\" لا يرث القاتل \"، وقوله؛ \" لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم \"،\nفإنهما وردا مخصصين لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)\nأي: أن جميع الأولاد يرثون من آبائهم إلا القاتل لا يرث، والولد\nالكافر.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضًا -: إن هذين الحديثين ليسا بمتواترين، بل\nهما في مرتبة الآحاد، فكيف تقول: إنهما في مرتبة التواتر.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنهما في مرتبة الآحاد، بل كانا في\nمرتبة التواتر في زمن التخصيص، وهو زمن الصحابة - رضي الله\nعنهم - والعبرة بزمن التخصيص، لا بهذا الزمن.\nالجواب الثاني: على فرض أنهما في مرتبة الآحاد، وأن العبرة\nبهذا الزمن، فإن الآية قد خصصت بهما مع أنهما في مرتبة الآحاد،\nوإذا خصصت الآية بهما مع أنهما في مرتبة الآحاد، فمن باب أوْلى\nأن يخصص الكتاب بالمتواتر؛ لأن المتواتر أقوى من الآحاد.\nومثال تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة الفعلية: رجم ماعز بن مالك","vol":"4","page":1608},{"text":"قد خصص قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)، وأصبحت الآية قاصرة على الزاني البكر، والزانية البكر.\nالدليل الثاني: أن العام من الكتاب والخاص من السُّنَّة المتواترة\nدليلان قد ثبتا، فإما أن يعمل بهما معًا، أو لا يعمل بكل واحد\nمنهما، أو يعمل بالعام دون الخاص، أو يعمل بالخاص وما بقى بعد\nالتخصيص، والثلاثة الأولى باطلة، فيكون الرابع هو الصحيح كما\nبينا ذلك في تخصيص الكتاب بالكتاب.\nالمسألة الخامسة: في تخصيص السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة\nوتخصيص السّنَّة الآحادية بالآحادية:\nهذا قد اختلف فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن ذلك كله يجوز.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: وقوعه، والوقوع دليل الجواز، حيث إن قوله\n- ﷺ -: \" لا زكاة فيما دون خمسة أوسق \"\nورد مخصصا لقوله - ﷺ -:\n\" فيما سقت السماء الزكاة \".\nالدليل الثاني: أن العام من السُّنَّة المتواترة، والخاص منها دليلان\nقد ثبتا فإما أن نعمل بكل واحد منهما، أو لا نعمل بهما، أو نعمل\nبالعام دون الخاص، أو نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص\nوالثلاثة الأولى باطلة، فيكون الرابع هو الصحيح، وقد سبق بيان\nذلك في الدليل الثاني من أدلة تخصيص الكتاب بالكتاب.","vol":"4","page":1609},{"text":"وكذلك يقال في العام من الأحاد والخاص منها.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز تخصيص السُّنَّة بالسُّنَّة مطلقا.\nوهو لبعض الجلماء.\nدليل هذا المذهب:\nقوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - قد جعل مبيِّنا، فلا يحتاج كلامه إلى بيان.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أنه كما أن الكتاب يبين ويُخصص بعضه بعضا،\nفكذلك السُّنَّة تبين وتخصص بعضها البعض الآخر ولا فرق،\nبجامع: أن كلًّا منهما من اللَّه تعالى.\nالجواب الثاني: أن المقصود بالآية هو: إظهار ما نزل اللَّه وإبلاغه\nإلى الأُمَّة، وليس المراد: إزالة الإشكال، وبناء على ذلك فلا يصح\nالاستدلال بالآية على ما ذكرتموه، ثم إنه قد وقع، ولا يترتب على\nفرض وقوعه تنافي.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ حيث لم يترتب على هذا الخلاف أثر في\nالفروع، وأن تخصيص السُّنَّة بالسُّنَّة قد وقع، لكن أصحاب\nالمذهب الأول يسمونه تخصيصا وبيانا، وأصحاب المذهب الثاني لا\nيسمونه بذلك، وقد يجعلونه مبينا ومخصصا بأي مخصص غير\nالسُّنَّة.","vol":"4","page":1610},{"text":"المسألة السادسة: في تخصيص السُّنَّة المتواترة والآحادية بالكتاب:\nقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز تخصيص السُّنَّة المتواترة والآحادية\nبالكتاب.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .\nوجه الدلالة: أن السُّنَّة شيء من الأشياء، والتخصيص بيان،\nفيكون الكتاب مخصصا لها.\nالدليل الثاني: أن العام من السُّنَّة المتواترة والآحاد، والخاص من\nالكتاب دليلان قد ثبتا، فإما أن نعمل بكل واحد منهما، أو لا نعمل\nبكل واحد منهما، أو نعمل بالعام دون الخاص، أو نعمل بالخاص\nوما بقي بعد التخصيص، والثلاثة الأولى - كلها - باطلة، فيصح\nالرابع وهو المطلوب، وقد سبق بيان ذلك في الدليل الثاني من أدلة\nتخصيص الكتاب بالكتاب.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز تخصيص السُّنَّة المتواترة والآحاد\nبالكتاب، وهو مذهب بعض الشافعية، وقول بعض المتكلمين.\nدليل هذا المذهب:\nأن وصف الكتاب بكونه بيانًا للسُّنَّة يوهم بأنه تابع للسُّنَّة؛ لأن\nالبيان تابع، فوصما أن لا يجوز؛ لئلا يقع إيهام.","vol":"4","page":1611},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا نمنع ذلك؛ لأن الله تعالى قد وصف الكتاب\nبكونه (تبيانًا لكل شيء) في معرض المدح له، فلو كان كونه بيانًا\nلغيره يوهم بالتبعية لما كان ذلك صفة مدح.\nالجواب الثاني: على فرض تسليم ما قلتموه، فإن الإيهام زائل\nبما علم بالضرورة من كون القرآن أصلًا غير تابع لكل ما يقع بيانا له،\nوهو أقل رتبة منه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا أنه لو\nجاء عام من السُنَّة وجاء خاص من الكتاب، فإن العام يخصص\nبالخاص، ويعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص، أما أصحاب\nالمذهب الثاني فإنهم قصدوا أن العام من السُّنَّة لا يخصصه الخاص\nمن الكتاب، بل يكون له دلالة أخرى.\n***\nالمسألة السابعة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد:\nولقد اختلف فيه على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يجوز تخصيص العام من الكتاب والسُّنَّة\nالمتواترة بخبر الواحد مطلقًا.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة - ﵃ -؛ حيث إنه","vol":"4","page":1612},{"text":"كان البعض منهم يخصص العام من الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر\nالواحد، ولا ينكر عليه الاَخرون، فكان ذلك إجماعا على ذلك.\nومن أمثلة ذلك: أنهم خصصوا قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم)\nبما روى أبو بكر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة \"،\nوبقوله: \" لا يتوارث أهل ملتين مختلفتين \"،\nوهما خبران من أخبار الآحاد.\nومنها: أنهم خصصوا قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم)\nبما روي عنه ﵇ أنه قال: \" لا تنكح المرأة على عمتها ولا\nعلى خالتها \".\nومنها: أنهم خصصوا عموم قوله تعالى: (حتى تنكح زوجا غيره)\nبما روي أنه - ﷺ - قال لامرأة رفاعة:\n\" لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك \".\nومنها: أنهم خصصوا قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة)\nبما روى عنه ﵇ أنه قال في حق المجوس:\n\" سنوا بهم سُنَّة أهل الكتاب \"، ونحو ذلك مما لا يحصى كثرة.\nالدليل الثاني: أن العام من الكتاب والسُّنَّة المتواترة، والخاص\nمن خبر الواحد دليلان قد ثبتا، فإما أن نعمل بكل واحد منهما، أو\nلا نعمل بكل واحد منهما، أو نعمل بالعام ونترك الخاص، أو نعمل\nبالخاص وما بقي بعد التخصيص، والثلاثة الأولى باطلة، فيكون\nالرابع هو الصحيح على ما فصلناه في الدليل الثاني من أدلة\nتخصيص الكتاب بالكتاب.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة\nبخبر الواحد مطلقة.","vol":"4","page":1613},{"text":"وهو مذهب بعض الفقهاء وبعض المتكلمين.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة على رد خبر الواحد إذا خالف\nالكتاب؛ حيث روي أن عمر - ﵁ - رد خبر فاطمة بنت\nقيس فيما روته أن النبي - ﷺ - حين طلقها زوجها - لم يفرض لها النفقة ولا السكنى فقال - أي: عمر -: \" لا ندع كتاب ربنا وسُنَّة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، أنسيت أم ذكرت \" ولم\nينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعا.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نسلِّم حصول الإجماع الذي زعمتموه؛ لأن\nعمر قال ذلك وسمعه بعض الصحابة الموجودين في المدينة، أما بقية\nالصحابة وهم الذين خارج المدينة، فلم يسمعوا بهذا، فادعاء\nالإجماع بعيد جدًا.\nالجواب الثاني: على فرض حصول الإجماع، فإن عمر - رضي\nالله عنه - لم يرد خبرها لكونه خبر آحاد ولا يقوى على تخصيص\nالكتاب، ولكنه ردَّ خبرها؛ لأنه شك في حفظها بدليل قوله: \" لا\nْندري أنسيت أم ذكرت \"، فلو لم يكن هذا هو سبب رده لخبرها لما\nكان لهذه العبارة فائدة، ولا يمكن أن يأتي أي صحابي بعبارة لا فائدة\nمنها.\nأي: يلزم لتحصيل فائدة هذه العبارة أن نجعلها هي سبب رده.\nولو قلنا بأن سبب ردِّه هو: كون خبر الواحد لا يخصص الكتاب\nلما كان لهذه العبارة فائدة، وتكون عبثا، وهذا لا يجوز.","vol":"4","page":1614},{"text":"الدليل الثاني: أن الكتاب والسُّنَّة المتواترة مقطوع بهما، وخبر\nالواحد مظنون، فتقديمه على الكتاب والسُنَّة المتواترة تقديم المرجوح\nعلى الراجح، وهو ممتنع عقلًا.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن خبر الواحد وإن كان ظني الثبوت إلا أن\nدلالته على معناه - أقوى من دلالة العام من الكتاب والسُّنَّة\nالمتواترة -؛ لأن خبر الواحد خاص في مراده لا يحتمل غير المراد،\nأما العام فهو يحتمل، وإذا كان دلالة الخبر أقوى في الدلالة على\nمعناه من العام، فإنه يكون راجحًا عليه، والعمل بالراجح متعين.\nالجواب الثاني: أن هذا منقوض بالبراءة الأصلية، فإنها يقينية مع\nأنها تترك بخبر الواحد، فكذلك العام من الكتاب والسُنَّة المتواترة\nيترك بخبر الواحد.\nالدليل الثالث: قياس التخصيص على النسخ، بيان ذلك:\nأنه كما لا يجوز نسخ الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد،\nفكذلك لا يجوز تخصيصهما به؛ لأن النسخ تخصيص في الأزمان.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا القياس صحيح لو لم يرد دليل أقوى منه\nقد ألغى هذا القياس، وهو: الإجماع، فإن الصحابة قد أجمعوا\nعلى رد خبر الواحد إذا كان ناسخا للمقطوع، كما أجمعوا على\nقبوله إذا كان مخصصا له.","vol":"4","page":1615},{"text":"الجواب الثاني: سلمنا عدم حصول هذا الإجماع، لكن هذا\nالقياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن التخصيص\nأهون من النسخ، لأن التخصيص دفع، والنسخ رفع، والدفع\nأسهل من الرفع.\nالمذهب الثالث: التفصيل بين ما خُصَّ بقطعي، وبين ما خُصَّ\nبظني، بيانه:\nإن كان العام من الكتاب والسُّنَّة المتواترة قد خُصَّ بدليل متفق عليه\n- وهو الدليل القطعي -: فإنه يجوز تخصيصه بخبر الواحد.\nوإن كان العام منهما لم يخص بقطعي، فإنه لا يجوز تخصيصه\nبخبر الواحد، وهو مذهب عيسى بن أبان، وكثير من الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nأن ما دخله التخصيص بدليل قطعي صار مجازًا فيما بقي وصارت\nدلالة العام ظنية، وحينئذ يقوى خبر الواحد على تخصيصه؛ لأن\nكلا الأمرين مظنون، والظق يعارضه ظن مثله.\nأما إذا لم يدخله التخصيص أصلًا فهو باق على حقيقته في\nالاستغراق؛ حيث إن دلالة العام عند أكثر الحنفية قطعية وحينئذٍ لا يقوى\nخبر الواحد على تخصيصه، لأنه قطعي وخبر الواحد ظني، والظني\nلا يقوى على تخصيص القطعي.\nجوابه:\nإن هذا الكلام مبني على قاعدتكم - أي: قاعدة الحنفية وهي:\nأن دلالة العام قطعية - ونحن نخالفكم في هذه القاعدة؛ حيث قلنا\nهناك: إن دلالة العام ظنية، وهي أضعف من دلالة الخاص - وهو:","vol":"4","page":1616},{"text":"خبر الواحد -؛ حيث إن الخاص - كخبر الواحد - لا يقبل\nالتخصيص بخلاف العام، فإنه يقبل التخصيص ويرد عليه، فيكون\nخبر الواحد أقوى من العام، فإذا كان الأمر كذلك فإن خبر الواحد\nيقوى على تخصيص العام.\nالمذهب الرابع: التفصيل بين المخصَّص بالمتصل، وبين المخصَّص\nبغيره.\nبيانه: أن العام من الكتاب والسُّنَّة المتواترة إن لم يخص أصلاَّ أَو\nخص بمتصل كالشرط والغاية والاستثناء، فلا يخصصه خبر الواحد.\nأما إذا خص بمنفصل كالنص، أو القياس، أو الإجماع، فإن\nخبر الواحد يخصصه، وهو مذهب أبي الحسن الكرخي.\nدليل هذا المذهب:\nأن العام إذا لم يخصص أصلًا، فإن دلالته على الأفراد قطعية،\nفلا يقوى خبر الواحد على تخصيصه، وإن خص بالمخصص المتصل\nفإنه أيضا تكون دلالته قطعية؛ لأنه لا يحتمل غير ما قُيِّد به من\nالأفراد الموصوفة بالصفة، أو الشرط، ونحو ذلك، فتكون دلالته\nعلى الباقي قطعية، وإذا كانت دلالة العام قطعية، فإن خبر الواحد\nلا يقوى على تخصيصه.\nأما إذا خصص العام: بمنفصل كالنقل والقياس، فإنه يصبح ظني\nالدلالة على الباقي؛ لأنه يحتمل أن تخرج منه بعض الأفراد الباقية\nبدليل كما خرج بعض الأفراد في المرة الأولى، وإذا كان العام ظني\nالدلالة وخبر الواحد كذلك، فإنهما يتساويان في الظن، فيتعارضان،\nفيقدم - حينئذ - خبر الواحد؛ لأن فيه عملًا بالدليلين؛ لأنه يعمل","vol":"4","page":1617},{"text":"بالخاص، وما بقى بعد التخصيص، أما لو عملنا بالعام للزم إبطال\nدليل قد ثبت وهو الخاص، فلا يجوز.\nالمذهب الخامس: أن العام يعمل فيه فيما عدا الفرد الذي دلَّ عليه\nخبر الواحد الخاص، أما الفرد الخاص الذي دلَّ عليه خبر الواحد،\nفإنه يتعارض مع ما دلَّ عليه اللفظ العام، وحينئذ لا نرجح أحدهما\nعلى الآخر، ونتوقف حتى يرد دليل يرجح أحدفما، وهو مذهب\nالقاضي أبي بكر الباقلاني.\nدليل هذا المذهب:\nأن خبر الواحد والعام قد اجتمع في كل واحد منهما قطع من وجه\nوظن من وجه آخر، فوقفا موقفًا سواء، ولم يترجح أحدهما على\nالآخر.\nبيانه:\nأن خبر الواحد مقطوع الدلالة والمعنى، حيث إنه خاص، ولكنه\nمن جهة أخرى مظنون السند والأصل.\nواللفظ العام الوارد في الكتاب والسُّنَّة المتواترة مقطوع السند\nوالأصل، ولكنه من جهة أخرى مظنون المعنى والدلالة والشمول.\nفخبر الواحد قطعي الدلالة ظني الثبوت، والعام من الكتاب\nوالسُّنَّة المتواترة قطعي الثبوت ظني الدلالة، فكل واحد منهما قوي\nمن جهة وضعيف من جهة أخرى، فهما - إذن - متقابلان،\nومتساويان في القوة، وليس أحدهما بأوْلى من الآخر، ولا دليل\nعلى ترجيح أحدهما على الآخر، فوجب التوقف.","vol":"4","page":1618},{"text":"جوابه:\nإن خبر الواحد أرجح من العام؛ لما ذكرناه كثيرًا فيما سبق،\nوهو: أن العمل بالخاص - وهو ما دلَّ عليه خبر الواحد - فيه إعمال\nللدليلين.\nحيث يتضمن: العمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص من\nالعام، أما العمل بالعام ففيه إبطال للخاص - وهو ما دلَّ عليه خبر\nالواحد -، ومعروف أن إعمال الدليلين إن أمكن أوْلى من إعمال\nأحدهما دون الآخر.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع الفقهية،\nومنها:\nقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)،\nفقد خصَّصه أصحاب المذهب الأول بما روت عائشة - رضي الله\nعنها -: أن قوما قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا\nندري أذكر اسم اللَّه عليه أم لا؛ فقال: \" سموا عليه وكلوا \"، وما\nروي أنه قال: \" ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم اللَّه أو لم يذكر \"،\nونحوهما.\nفعند أصحاب المذهب الأول: أن التسمية سُنَّة، وأن متروك\nالتسمية عمدًا حلأل كله، وعموم تلك الآية قد خصص بما ذكرناه من\nأخبار الآحاد.\nأما عند أصحاب المذهب الثاني والثالث والرابع فلم يُخصِّصوا\nالآية السابقة بتلك الأحاديث، وقالوا: إن هذه الأحاديث ظنية،","vol":"4","page":1619},{"text":"ودلالة العام قطعية، والظني لا يخصص القطعي، وبناء على ذلك\nقالوا: أن متروك التسمية عمدًا ليس بحلال، ولا يجوز أكله؛ أخذًا\nبعموم الآية السابقة.\nأما أصحاب المذهب الخامس فقد توقفوا في ذلك حتى يأتي دليل\nيرجح أحدهما.\nالمسألة الثامنة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بتقرير النبي - ﷺ -.\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن التقرير يخصص العموم مطلقا، سواء كان\nاللفظ العام ورد في الكتاب أو السُّنَّة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن تقرير النبي - ﷺ - لذلك الواحد على ذلك الفعل، وسكوته عن الإنكار دليل واضح\nعلى جواز ذلك الفعل له، وإلا كان فعله منكرًا، ولو كان كذلك\nلاستحال من النبي - ﷺ - السكوت عنه، وعدم النكير عليه؛ لأنه لا يحل له الإقرار على الخطأ، وهو معصوم، وإذا لم ينكر عليه كان سكوته دليلًا من أدلة الشرع، وهو مقابل بالنص العام، إذن هما\nدليلان قد ثبتا، وحينئذ نقول: إما أن نعمل بكل واحد منهما، أو\nلا نعمل بواحد منهما، أو نعمل بالعام ونترك الخاص، أو نعمل\nبالخاص وما بقي بعد التخصيص، والثلاثة الأولى باطلة، فيصح\nالرابع وهو: أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعا بين\nالدليلين كما سبق بيانه في الدليل الثاني من أدلة تخصيص الكتاب\nبالكتاب.","vol":"4","page":1620},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يجوز تخصيص العموم بتقرير الرسول - ﷺ -.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن التقرير لا صيغة له، فلا يقع في مقابلة ما له صيغة، فلا\nيكون مخصصًا للعموم.\nجوابه:\nإن التقرير وإن كان لا صيغة له غير أنه حُجَّة قاطعة في جواز\nالفعل؛ نفيًا للخطأ عن النبي - ﷺ -،\nبخلاف العام، فإنه ظني محتمل للتخصيص، فيكون التقرير أقوى،\nوالأقوى يخصص الأضعف، فالتقرير يخصص العام.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، وهو واضح؛ حيث إنه لو وجد عام من\nالنص، وأقر - ﷺ - على فعل يخالف دلالة ذلك العام، فإن العام لا يكون حكمه متناولًا لهذا الفرد، بل يكون مرادًا به غيره، هذا\nعند أصحاب المذهب الأول.\nأما عند أصحاب المذهب الثاني: فإن العام يكون حكمه متناولًا\nلهذا الفرد وغيره؛ لأن التقرير لا يقوى على تخصيص العام عندهم.\n***\nالمسألة التاسعة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة بالإجماع:\nهذا جائز باتفاق العلماء المعتد بأقوالهم، دلَّ عليه ما يلي:\nالدليل الأول: الوقوع، والوقوع يدل على الجواز، بيانه:","vol":"4","page":1621},{"text":"أنه لما قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)، فإنهم خصصوا هذه الآية بالإجماع على أن العبد يجلد\nخمسين جلدة على النصف من الحر؛ قياسًا على الأمة، وبيانه:\nأن اللَّه تعالى قال: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، فهنا قد صرح بأن على الأمة\nنصف ما على الحرة، فيقاس على الأمة العبد، فيكون عليه نصف ما\nعلى الحر، وأجمعوا على هذا فخصص به قوله تعالى: (الزانية\nوالزاني..)، فتكون الآية مخصصة بالإجماع، وقد يكون مستند\nالإجماع غير ذلك القياس، لكن غير المجمعين لا يلزمهم البحث عن\nهذا المستند، بل يكفيهم الإجماع على التخصيص.\nالدليل الثاني: أن الإجماع أوْلى من عام الكتاب والسُّنَّة المتواترة؛\nلأنهما نصوص، والنص قابل للتأويل، والإجماع غير قابل لذلك،\nفيكون الإجماع أقوى، وحينئذ يخصص عام الكتاب والسُّنَّة\nالمتواترة.\nتنبيه: لا يجوز تخصيص الإجماع بالكتاب والسُّنَّة المتواترة،\nلاستحالة أن ينعقد الإجماع على خلاف الكتاب والسُّنَّة المتواترة.\n***\nالمسألة العاشرة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بمفهوم الموافقة:\nلقد اتفق العلماء على أن مفهوم الموافقة - وهو: دلالة اللفظ\nعلى ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه وموافقته له - يخصص\nالعموم من الكتاب والسُّنة، وذلك لأن مفهوم الموافقة دليل خاص","vol":"4","page":1622},{"text":"من أدلة الشرع، والعام دليل كذلك، فإذا تعارض الدليلان، فإنا\nنعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص؛ جمعا بين الدليلين، وهو\nأَوْلى من العمل بالعام، وترك الخاص، لأن فيه إهمال لدليل قد\nثبت، وقد سبق هذا مرارًا.\nمثاله: لو قال: \" كل من دخل داري فاضربه \"، ثم قال: \" إن\nدخل زيد فلا تقل له أف \"، فإن ذلك يدل على تحريم ضرب زيد\nوإخراجه من العموم.\n***\nالمسألة الحادية عشرة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بمفهوم المخالفة:\nلقد اختلف العلماء في مفهوم المخالفة - وهو: دلالة اللفظ على\nثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف لما دلَّ عليه المنطوق - هل\nيُخصص العام من الكتاب والسُّنَّة أو لا؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن مفهوم المخالفة يخصص العام من الكتاب\nوالسُّنَّة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لما ذكرناه من الدليل\nعلى جؤاز تخصيص العام بمفهوم الموافقة، وقد سبق.\nالمذهب الثاني: أن مفهوم المخالفة لا يخصص العام من الكتاب\nوالستُنَّة.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن العام منطوق به، والمنطوق أقوى من المفهوم؛ نظرًا لافتقار","vol":"4","page":1623},{"text":"المفهوم فى دلالته إلى المنطوق، وعدم افتقار المنطوق فى دلالته إلى\nالمفهوم.\nفيكون المفهوم أضعف، فلو خص العام به للزم من ذلك العمل\nبالأضعف وترك الأقوى، وهو خلاف المعقول.\nجوابه:\nنسلم لكم أن المفهوم أضعف من المنطوق، لكن الذي جعلنا\nنعمل بالمفهوم الخاص هو أنه لا يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقا؛\nحيث إنا نعمل به وما بقي بعد التخصيص، أما العمل بالعموم فإنه\nيلزم منه إبطال العمل بالمفهوم الخاص، ولا يخفى أن الجمع بين\nالدليلين ولو من وجه أَوْلى من العمل بظاهر أحدهما، وإبطال\nالآخر.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي.\nفإنه بناء على المذهب الأول، فإن مفهوم قوله - ﷺ -:\n\"فى سائمة الغنم زكاة \" يخصص عموم قوله غيهيم: \"فى أربعين شاة شاة \"،\nفتكون الزكاة واجبة فى الغنم السائمة فقط، أما المعلوفة فتخرج عن\nالوجوب، والذى أخرجها المفهوم.\nأما بناء على المذهب الثانى، فإن هذا المفهوم لا يخصص ذلك\nالعموم.\n****\nالمسألة الثانية عشرة في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بالقياس:\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:","vol":"4","page":1624},{"text":"المذهب الأول: أن القياس يخصص عموم الكتاب والسُّنَّة مطلقًا.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن القياس دليل شرعي خاص، والعام دليل\nشرعي، ولا يمكن أن نقدم العام على الخاص؛ لأنه يلزم منه إلغاء\nالخاص بالكلية، أما تقديم الخاص عليه، فلا يوجب ذلك، فكان\nتقديم الخاص - وهو القياس - أَوْلى.\nوقد سبق بيان ذلك كثيرًا.\nالدليل الثاني: أن صيغة العموم قد ضعفت بسبب كثرة تعرضها\nللتخصيص، وكثرة احتمالات دخول المخصصات عليها حتى قيل:\n\"ما من عام إلا وقد خص منه البعض \" فى حين أن القياس لا يحتمل\nذلك، والمحتمل أضعف من غير المحتمل، فيكون القياس أقوى من\nالعام، والقوي يخصص الضعيف.\nالمذهب الثاني: أن القياس لا يخصص عموم الكتاب والسُّنَّة\nمطلقًا.\nوهو مذهب بعض المعتزلة كالجبائي، وبعض الفقهاء، ووجه عند\nالإمام أحمد، واختاره بعض الحنابلة كأبي إسحاق بن شاقلا.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: حديث معاذ - ﵁ - حيث رتب الأدلة\nفكان الكتاب أولًا، ثم السُّنَّة، ثم الاجتهاد - ومنه القياس -\nفصوبه النبي - ﷺ -، فالقياس يعمل به بشرط: عدم وجود كتاب ولا سُنّة.","vol":"4","page":1625},{"text":"فلا يمكن على هذا تقديم القياس على عموم النص من الكتاب\nوالسئُنَة.\nفالفول بتخصحص عموم الكتاب والسُّنَّة بالقياس تقديم للقياس\nعلى الكتاب والسُّنَّة، وأنه خلاف النص فكان باطلًا.\nجوابه:\nأن كلامكم هذا يقتضي: أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنَة\nالمتواترة؛ لأن الكتاب متقدم عليها، وهذا باطل؛ حيث قلنا هناك:\nإنه يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة، فإذا جاز تخصيص\nالكتاب بالسُّنة المتواترة مع تأخرها في الرتبة عنه، فإنه يجوز\nتخصيص النص بالقياس مع تأخره عنه في الرتبة.\nالدليل الثاني: أن النص العام أصل - حيث إنه ثبت بكتاب أو\nسُنَّة - والقياس فرع لذلك النص العام؛ حيث إنه يلحق به،\nوالفرع لا يمكن أن يسقط أصله، أي: لو خصصنا النص العام\nبالقياس للزم من ذلك تقديم الفرع على الأصل، ولزم إسقاط الفرع\nللأصل، وهذا لا يجوز.\nجوابه:\nإنا لم نترك الأصل بفرعه، وإنما القياس هو فرع لنص آخر،\nوليس فرعا للنص المخصوص، والنص تارة يخصص بنص آخر،\nوتارة يخصص بمعقول نص آخر، ولا معنى للقياس إلا معقول النص.\nفمثلًا: لما قال الرسول - ﷺ -:\n\" لا تبيعوا البر بالبر \" قسنا عليه الأرز،\nوقلنا بأنه لا يجوز الربا فيه، قياسا على البر، خصصنا بهذا\nالقياس عموم قوله تعالى: (وأحل اللَّه البيع)، فهنا لم يخصص\nالأصل بفرعه.","vol":"4","page":1626},{"text":"الدليل الثالث: أن النصوص العامة تفيد ظن الحكم فائدة أقوى\nوأكثر من إفادة القياس لظن الحكم، فلا يجوز تقديم الأضعف\nوالأقل فائدة - وهو القياس - على الأقوى والأكئر فائدة - وهو\nالعموم -.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك على الإطلاق، بل قد تكون الظنون المستفادة من\nالقياس أقوى، وقد تكون الظنون المستفادة من العموم أقوى في نفس\nالمجتهد، إذن: لا يبعد أن يوجد قياس قوي أغلب على الظن من\nعموم ضعيف.\nالمذهب الثالث: الفرق بين القياس الجلي، والقياس الخفي، بيانه:\nإن كان القياس جليًا، فإنه يخصص العموم.\nوإن كان القياس خفيا، فإنه لا يخصص العموم.\nوهو مذهب ابن سريج، والإصطخري من الشافعية، وبعض\nالمتكلمين.\nثم اختلف هؤلاء في تفسير الجلي والخفي على أقوال:\nفقيل: إن الجلي هو قياس العِلَّة - وهو إثبات الحكم في الفرع\nبعفَة الأصل - ولا يوجد له إلا أصل واحد، والقياس الخفي هو:\nقيَاس الشبه وهو: تردد الفرع بين أصلين، ويكون شبهه بأحدهما\nأكثر فنلحق الفرع بأكثرهما شبها.\nوقيل: إن الجلي هو: ما يظهر فيه المعنى الجامع بين الأصل\nوالفرع، والقياس الخفي هو: ما كانت فيه العِلَّة مستنبطة من حكم\nالأصل، وقيل غير ذلك.","vol":"4","page":1627},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن القياس الجلي أقوى من عموم الكتاب والسُّنَّة، فيقوى على\nتخصيصه.\nأما القياس الخفي فهو أضعف من العموم فلا يقوى على تخصيصه.\nوعلى المجتهد اتباع الأقوى من الدليلين.\nجوابه:\nأنه لا فرق بينهما؛ حيث إن القياس الخفي دليل، فكان حكمه\nحكم القياس الجلي ولا فرق؛ حيث إنه من جنسه في تخصيص\nالعموم؛ قياسا على خبر الواحد: لما كان دليلًا كان حكمه حكم\nالجلي، وهو: خبر المتواتر في التخصيص.\nالمذهب الرابع: أن العام المخصوص يخصص بالقياس، أما غيره\nفلا، وهو مذهب عيسى بن أبان، وهو اختيار أكثر الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nأنا ما دخله التخصيص من اللفظ العام يصير مجازًا، فيكون بذلك\nضعيفا فيقوى القياس على تخصيصه.\nأما العام الذي لم يدخله التخصيص فهو باق على حقيقته في\nالاستغراق - حيث تكون دلالته قطعية - فلا يقوى القياس على\nتخصيصه؛ لأن القياس ظني فهو أضعف من القطعي.\nجوابه:\nأن هذا مبني على قاعدتكم، وهي: أن دلالة العام قطعية،\nونحن نخالفكم فيها، فإن دلالة العام عندنا ظنية - كما سبق بيان\nذلك - وإذا كانت كذلك، فإن القياس يقوى على تخصيص العام؛","vol":"4","page":1628},{"text":"لتساويهما في الدلالة، ولا فرق عندنا بين العام المخصوص، وبين\nغيره في ذلك.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إنه قد تأثر بهذا الخلاف بعض الفروع\nالفقهية، ومنها:\nأن قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) قد أجراه أصحاب\nالمذهب الثاني والثالث والرابع على عمومه، حيث إنهم قالوا: إن\nمن وجب عليه حد في النفس، ثم لجأ إلى الحرم لا يقتص منه داخل\nالحرم، ولكنه يلجأ إلى الخروج بعد إطعامه، وسقياه، ومعاملته،\nوكلامه حتى إذا خرج اقتص منه.\nوهذا مذهب الحنفية.\nأما أصحاب المذهب الأول فإنهم قالوا: إنه يُقتص منه،\nوخصَّصوا ذلك من عموم الآية السابقة بالقياس؛ حيث قاسوه على\nمن جنى في داخل الحرم، فإن قتله جائز أخذًا من قوله تعالى:\n(وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ)، وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح.\nالمسألة الثالثة عشرة: تعارض الخاص مع العام:\nإذا كان الخاص يثبت حكمًا في بعض أفراد العام، وهذا الحكم\nيخالف حكم العام كقول السيد: \" أكرم الطلاب \"، و\" لا تكرم","vol":"4","page":1629},{"text":"زيدًا \"، فما الحكم هنا؛ لقد اختلف العلماء في ذلك على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أن النص الخاص يخصص اللفظ العام مطلقا.\nأي: سواء علمنا تاريخ نزول كل واحد منهما، أو لم نعلم،\nوسواء تقدم العام على الخاص أو تأخر، أو جهل التاريخ فلا نعلم\nأيهما المتقدم والمتأخر؛ أو كانا متقارنين في النزول، أو غير ذلك.\nوهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق، لدليلين:\nالدليل الأول: أن الصحابة - ﵃ - كانوا إذا تعارض\nالعام مع الخاص، فإنهم يقدمون الخاص مطلقا ولا ينظرون إلى كون\nأحدهما متقدمًا أو متأخرًا ولا إلى غير ذلك، ومن أمثلة ذلك:\nقوله تعالى: (يوصيكم اللَّه في أولادكم)، فهذا النص عام\nيدل على أن جميع الأولاد يرثون من اَبائهم فخصصوه أولًا بما روي\nأن النبي - ﷺ - قال: \" لا يرث الكافر من المسلم، ولا المسلم من الكافر \"، فخرج الولد الكافر، فإنه لا يرث من أبيه المسلم،\nوخصصوه ثانيًا بما روي عنه - ﷺ - أنه قال: \" لا يرث القاتل \"، وخصصوه ثالثا بما رواه أبو بكر أن النبي - ﷺ - قال: \" نحن الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة \"، فخرج أولاد الأنبياء.\nوكذلك قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم)، فهو عام\nيدل على جواز الزواج - بغير المذكورات في الآية -: فيجوز - على\nذلك - الزواج بعمة الزوجة، وبخالتها، وبابنة أختها وابنة أخيها،\nولكن الصحابة قد خصصوا هذه الآية بما روي أن النبي - ﷺ - قال:","vol":"4","page":1630},{"text":"\"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها \"، فأخرج هذا الحديث\nأربع نساء -: خالة الزوجة، وعمتها، وابنة أختها، وابنة أخيها،\nونحو ذلك، مما لا يحصى عنهم ولم ينقل إلينا أنهم بحثوا هل العام\nنزل قبل الخاص، أو الخاص قبله، فدل على أن الخاص يخصص\nالعام مطلقا، سواء تقدم على العام، أو تأخر عنه، أو جهل\nالتاريخ.\nالدليل الثاني: أن تخصيص العام بالخاص فيه عمل بكل واحد من\nالدليلين معًا، وذلك لأن الخاص يعمل فيه فيما دلَّ عليه من الأفراد،\nوالعام يعمل به فيما بقي بعد التخصيص، وفي هذا جمع بين\nالدليلين - وهما العام والخاص -.\nوهو أَوْلى من أن يقال: إن المتأخر ينسخ المتقدم إن علم تاريخ\nنزولهما؛ لأنه يلزم منه إهمال وإبطال دليل قد ثبت.\nوهو أَوْلى من التوقف إن جهل التاريخ؛ لأنه يلزم منه: ترك\nدليلين قد ثبتا.\nفكان القول بأن الخاص يُخصِّص العام مطلقا هو الراجح؛ لئلا\nيلزم ترك وإبطال الدليلين أو أحدهما.\nالمذهب الثاني: الفرق بين أن يعلم تاريخ نزولهما، أو أن يجهل،\nأو يكون الخاص والعام مقترنين بيانه:\nإن علمنا أن الخاص نزل وورد بعد العام، فإن الخاص ينسخ\nالعام فنعمل بما دلَّ عليه الخاص.","vol":"4","page":1631},{"text":"وإن علمنا أن العام والخاص نزلا معًا، فإن الخاص يخصص العام\nكما سبق.\nوإن علمنا أن العام نزل وورد بعد الخاص، فإن العام يكون\nناسخًا للخاص، ويثبت الحكم لجميع الأفراد.\nوإن لم نعلم التاريخ، حيث لم نعلم تقدم أحدهما، ولا كون\nأحدهما مقارنًا للآخر، فإنا نتوقف عن العمل بكل واحد منهما حتى\nتأتي قرينة تدل على المراد.\nوهو مذهب جمهور الحنفية، وإمام الحرمين، والقاضي عبد الجبار.\nدليل هذا المذهب:\nأن ابن عباس - ﵄ - قال: \" كنا نأخذ الأحدث\nبالأحدث من أعمال رسول اللَّه - ﷺ - \".\nوجه الدلالة: أن هذا ظاهر أن المتأخر أوْلى بالعمل من المتقدم\nعند العلم أن أحدهما متأخر عن الآخر، ولم يفرق هذا الأثر بين أن\nيكون المتقدم الخاص، أو المتقدم العام، فيكون المتأخر منهما هو\nالمعمول به، فيكون المتأخر ناسخا للمتقدم.\nأما إذا علمنا مقارنة الخاص للعام، فلم يوجد مقتضى النسخ\n- وهو العلم بالتأخر - فيكون الخاص مخصصا للعام على ما سبق.\nأما إذا جهلنا التاريخ فلم نعلم المتقدم منهما فإنا نتوقف؛ لأن كلًا\nمن العام والخاص دلالته قطعية: فهما متساويان، فإذا عملنا\nبأحدهما دون الآخر نكون قد رجحنا واحدًا منهما بدون مرجح،\nوالترجيح بدون مرجح لا يجوز، فيلزمنا التوقف حتى يأتى دليل\nيرجح أحدهما.","vol":"4","page":1632},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أن هذا الأثر هو قول صحابي واحد، فيكون\nضعيف الدلالة.\nالجواب الثاني: على فرض صحته فإنا نحمله على ما إذا كان\nالأحدث خاصًا، فيخصص العام؛ جمعا بين الدليلين.\nالجواب الثالث: أنا لا نُسَلِّمُ تساوي الدليلين - العام والخاص -\nعند جهل التاريخ، بل هذا الزعم مبني على قاعدتكم وهي -: أن\nدلالة العام قطعية، وهذا لا نسلمه لكم، بل إن دلالة العام ظنية،\nوإذا كانت ظنية، فإن الخاص يكون أقوى من العام؛ لأن دلالة\nالخاص قطعية، وحينئذٍ يقوى الخاص على تخصيص العام.\nالجواب الرابع: أن العام والخاص إذا تعارضا فإن الخاص أرجح\n- وإن جهل التاريخ -؛ لأن العمل به فيه إعمال للدليلين معًا؛ حيث\nإنه يعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص من العام، أما إذا تركنا\nالعمل. به، ففيه ترك لأحدهما، والإعمال خير من الإهمال والترك.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن\nالخاص يخصص العام بدون البحث عن تأخر أحدهما أو تقدمه أو\nنحو ذلك، أما أصحاب المذهب الثاني فقد قصدوا: أنه إذا ورد\nخاص وعام، فإنهم يبحثون هل العام نزل قبل الخاص، أو\nالعكس، أو جهل ذلك، أو كانا مقترنين وكل قسم له حكم قد سبق\nبيانه، وقد انبنى على ذلك بعض الفروع الفقهية، ومنها؛","vol":"4","page":1633},{"text":"أن قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)،\nوقوله: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)\nإلى آخر آيات القصاص: فإنها تفيد العموم، سواء كان القاتل أو\nالمقتول مسلمًا أو كافرًا، وعلى هذا فإنه يجب القصاص على المسلم\nإذا قتل كافرًا مطلقًا، وهو من أفراد العموم.\nإلا أن أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور - قد خصَّصوا هذا\nالعموم وقالوا: إنه لا يقتل المسلم بالكافر الذمي، والمخصص لذلك\nأحاديث منها: \" ... ألا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده \"،\nوكذلك ما جاء فيما رواه أبو جحيفة قال: قلت لعليٍّ: هل عندكم\nشيء من الوحي ما ليس في القرآن؛ قال: لا، والذي فلق الحبة\nوبرأ النسمة إلا فهمًا يعطيه اللَّه رجلًا في القرآن، وما في هذه\nالصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؛ قال: العقل، وفكاك\nالأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر \".\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية - فلم يخصصوا تلك\nالآيات بتلك الأحاب يث الخاصة، وذهبوا إلى أن المسلم يقتل إذا قتل\nذميًا؛ وأوَّلوا الحديث بأن المراد: لا يقتل مسلم بكافر حربي - فقط -\nوللجمهور وللحنفية استدلالات أخرى يمكن أن تراجع في كتب\nالفروع.\n***\nالمسألة الرابعة عشرة: قول الصحابي وفعله ومذهبه هل يخصِّص العموم؟\nلقد اختلف فى ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن قول الصحابي ومذهبه لا يُخصص العموم.","vol":"4","page":1634},{"text":"وهو مذهب أكثر الشافعية، والمالكية، وكثير من العلماء، وهو\nالحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن العام دليل ظاهر فيما اقتضاه من التعميم، ولم\nيوجد له ما يصلح أن يكون معارضا له سوى فعل الصحابي وقوله،\nوهو غير صالح لمعارضته؛ حيث إن فعله غير مستند إلى نص يدل\nعلى أن المراد بذلك العام الخاص، بل يكون مستندًا إلى ما يظنه\nدليلًا أقوى منه، فيحتمل أن يكون دليلًا، ويحتمل أن لا يكون\nدليلًا، وبتقدير أن يكون دليلًا يحتمل أن يكون أقوى منه، ويحتمل\nأن لا يكون، وهذه الاحتمالات متساوية، ولا مرجح؛ أما العام\nفهو دليل لا يحتمل شيئًا، فيقدم غير المحتمل على المحتمل، وعليه:\nفلا يقوى قول الصحابي ومذهبه على تخصيص العام.\nالدليل الثانى: أن الواقع من الصحابة - ﵃ - يشهد\nبأن قول الصحابي لا يخصص العموم؛ حيث إنه كان الواحد منهم\nإذا سمع العموم من الكتاب والسُّنَّة، فإنه يترك قوله ومذهبه من\nأجل هذا العموم، وما نقل عن أحد منهم أنه خص عموما بقول\nنفسه، فهذا يدل على أن قوله أضعف من عموم كلام الشارع.\nفانظر مثلًا إلى ابن عمر، حيث ترك مذهبه لحديث رافع بن\nخديج في المخابرة، فروي أن ابن عصر قال: كنا نخابر أربعين سنة\nلا نرى بذلك بأسًا حتى أخبرنا رافع أن النبي - ﷺ -\nنهى عن المخابرة، فإذا كان ابن عمر قد ترك قوله ومذهبه، وهو من فقهاء الصحابة فغيره أوْلى بالترك.\nالمذهب الثاني: أن قول الصحابي ومذهبه يخصص به العموم.\nوهو مذهب الحنفية والحنابلة.","vol":"4","page":1635},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن قول الصحابي حُجَّة يقدم على القياس، وتخصيص العموم\nبالقياس جائز - كما سبق - فقول الصحابي المقدم عليه أَوْلى أن\nيخصص به.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا قلنا في الباب الثالث - في دليل قول\nالصحابي -: إن قول الصحابي حُجَّة إذا لم يعارض نصا من كتاب\nأو سُنَّة، أما إذا عارض ذلك فلا يحتج به.\nالجواب الثاني: أن قياسكم قول الصحابي على القياس، قياس\nفاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من وجهين:\nالوجه الأول: أن الاحتمالات تتطرق في قول الصحابي ومذهبه\nأكثر من تطرق الاحتمالات في القياس كما سبق بيانه في دليلنا الأول\nمن المذهب الأول، وكما سبق في دليلنا الثاني من المذهب الأول من\nمسألة تخصيص الكتاب والسُّنَّة بالقياس.\nالوجه الثاني: أن القياس ثبت اعتمادًا على أصل ثابت بكتاب أو\nسُنَة، فجاز التخصيص به لمعرفتنا للدليل الذي اعتمد عليه، أما\nقول الصحابي ومذهبه المخصص للعموم فلا نعرف مستنده لذلك\nرددناه، ونعمل بما ثبت وعلمناه، وهو العموم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث أثر هذا الخلاف في بعض الفروع، ومنها:\nأن ابن عباس - ﵄ - قد روى عن النبي - ﷺ - أنه","vol":"4","page":1636},{"text":"قال: \" من بدل دينه فاقتلوه \"، فهذا عام في الرجال والنساء، لكن\nروي عنه - أي: عن ابن عباس - أن مذهبه: أن المرأة إذا ارتدت لا\nتقتل، فهل يخصص عموم الحديث بمذهبه أو لا؛\nعلى المذهبْ الأول: لا يخصص عموم الحديث بقول ومذهب\nابن عباس وعليه: تقتل المرأة إذا ارتدت.\nوعلى المذهب الثاني: يخصص ذلك العموم بقول ابن عباس،\nوعلى ذلك: لا تقتل المرأة إذا ارتدت.\nوقد تكلمت عن مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف\nمخالفة كلية، أو مخالفة لبعضه من حيث تخصيصه في كتابي:\n\"مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف - دراسة نظرية تطبيقية -\nورجحت فيه: أنه لا يلتفت إلى قول ومذهب الصحابي، بل يعمل\nبعموم قول الشارع من الكتاب أو السُّنَّة، وذكرت أدلة كثيرة على\nذلك، وناقشت أدلة المخالفين، مع بيان نوع الخلاف هناك وتكثير\nالأمثلة، فراجعه إن شئت فهو مطبوع في مجلد ومنتشر في المكتبات\nالعامة والخاصة.\n***\nالمسألة الخامسة عشرُة: العرف والعادة هل يُخصَّص بها العموم؟\nللكلام عن هذه المسألة لا بد التفصيل الآتي:\nأولًا: إن كان الرسول - ﷺ - أوجب أو حرم\nأشياء بلفظ عام، ثم رأينا العرف والعادة جارية بترك بعضها،\nأو بفعل بعضها، فهل تؤثر تلك العادة في تخصيص ذلك العام حتى يقال: المراد من ذلك العام\nما عدا ذلك البعض الذي جرت العادة بتركه، أو بفعله أم لا تؤثر\nفي ذلك، بل هو باق على عمومه متناول لذلك الفعل ولغيره؛","vol":"4","page":1637},{"text":"الجواب فيه تفصيل:\n١ - إن علم أن العادة كانت حاصلة في عصر الرسول - ﷺ - مع علمه بها، وعدم منعهم عنها: كانت مخصصة، لكن المخصص في الحقيقة ليس العرف ولا العادة بل تقرير الرسول - ﷺ -.\n٢ - وإن علم أنها ما كانت حاصلة في عصره، أو ما علم بها،\nأو كان يمنعهم من ذلك، أو لم يثبت شيء من ذلك: فإنه لا يجوز\nالتخصيص بها؛ لأن أفعال الناس ليست بحُجَّة على الشرع.\n٣ - إذا فرضت العادة بحيث تكون مجمعًا عليها بأن يستمر عليها\nكل واحد من العلماء وغيرهم: كانت مخصصة، لكن المخصص\nفي الحقيقة هو الإجماع، وليست العادة والعرف.\nثانيا: إذا كانت العادة جارية بفعل معين كأكل طعام معين مثلًا،\nثم إنه سمع عن النبي - ﷺ - أنه نهاهم عنه بلفظ تناوله وغيره مثل قوله: \" نهيتكم عن أكل الطعام \"،\nفهل يكون النهي مقتصرًا على أكل ذلك الطعام فقط،\nأم يجري على عمومه، ولا تؤثر عادتهم في ذلك؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن العرف والعادة لا يخصص بها العموم.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن أفعال الناس\nوعاداتهم وأعرافهم لا تكون حُجَّة على الشرع، واللفظ عام، ولم\nيوجد له معارض، والعادات لا تصلح أن تكون معارضة؛ لما قدمنا،\nفوجب العمل بعموم اللفظ.\nالمذهب الثاني: أن العرف والعادة يخصص بها العموم.","vol":"4","page":1638},{"text":"وهو مذهب الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nأن العرف يُعتبر من أدلة الشريعة، فإذا دلَّ هذا الدليل على شيء\nخاص، وعارض عموم آية أو حديث، فإنا نعمل بالخاص وما بقي\nبعد التخصيص من العام؛ جمعًا بين الدليلين، وهو أوْلى من العمل\nبالعام وترك الخاص - الذي هو العرف -؛ لأنه يلزم منه: العمل\nبأحد الدليلين وترك الآخر.\nجوابه:\nنحن معكم أن العرف دليل من أدلة الأحكام، لكن بشرط أن لا\nيعارض نصًا من النصوص الشريعة، فإن عارضه: فلا يكون دليلًا،\nولا يؤخذ به.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\nما ذكرناه: أن الرسول - ﷺ - لو قال: \" نهيتكم عن أكل الطعام \"\nوكانت العادة جارية بأكل طعام معين كالأرز - مثلًا - فإنه على\nالمذهب الأول: فإن النهي يكون على جميع الأطعمة، ولا تؤثر\nعلى هذا العموم عادتهم.\nأما على المذهب الثاني، فإن النهي يكون مقتصرًا على أكل ذلك\nالطعام وهو الأرز فقط؛ لأن العادة مخصصة للعموم.\n***\nالمسألة السادسة عشرة: هل يجوز تخصيص العام بذكر بعضه؛\nمثال ذلك: قوله ﵇: \" أي إهاب دبغ فقد طهر \"،","vol":"4","page":1639},{"text":"فإنه عام في كل جلد غير مدبوغ؛ حيث إن الإهاب اسم لذلك،\nوقال ﵇ في شأن ميمونة: \" دباغها طهورها \"، فهل ذكر\nهذا يعتبر تخصيصا لذلك العام؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن المخصص يجب\nأن يكون منافيًا للعام، وذكر بعض العام بحكم العام غير مناف له،\nفحكمهما واحد فامتنع التخصيص؛ لعدم وجود ما يقتضيه.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز تخصيص العام بذلك الفرد المذكور.\nوهو مذهب قد نسب إلى أبي ثور - ﵀ - فيكون المراد من\nالإهاب جلد الشاة.\nدليل هذا المذهب:\nأن المفهوم مخصِّص كما سبق، وتخصيص الشيء بالذكر يدل\nعلى نفي الحكم عما عداه بطريق مفهوم المخالفة، وعلى ذلك:\nيكون تخصيص جلد الشاة بالذكر يدل على نفي ذلك الحكم عما\nعداه، وإذا ورد عام متناول لكل الجلود، فإنه يقع التعارض بينه\nوبين مفهوم ذلك الخاص، ويقع التنافي بينهما، إذن يكون المقتضي\nللتخصيص موجود، فيكون ذكر بعض العام مخصصا للعام،\nويحصر على هذا البعض المذكور فقط.\nجوابه:\nإن مفهوم المخالفة الذي قلنا بأنه مخصص هو: الذي اعتبر دليلًا\nمن أدلة الشرع، وهو: مفهوم الصفة ومفهوم الشرط والعدد وغيرها","vol":"4","page":1640},{"text":"من أنواع المفاهيم إلا مفهوم اللقب فليس بدليل، - لذلك لا يخصص\nالعام، وهذا الذي ذكرتموه هو من قبيل مفهوم اللقب، حيث إن\nذكر جلد الشاة إنما يدل على عدم ما عداه بطريق مفهوم اللقب، فلا\nيرد ذلك علينا.\nولو سلم أن مفهوم اللقب حُجَّة، لكنه في غاية الضعف، فلا\nيصلح أن يكون مقاومًا للعموم، فالتمسك بالعموم أوْلى.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع، ومنها ما سبق؛\nحيث إن أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور - قد أخذوا بعموم\nقوله ﵇: \" أيما إهاب دبغ فقد طهر \"، ولم يخصصوه بما\nروي أنه - ﷺ - مر على شاة ميمونة فوجدها ميتة،\nفقال: \" هلا أخذوا جلدها فانتفعوا به دباغها طهورها \"،\nوقالوا: إن كل جلد ميتة يطهر بالدباغ من غير فرق بين مأكول اللحم وغيره، وقالوا ذلك بناء على قاعدتهم.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهو: أبو ثور ومن تبعه - فإنهم\nقد خصصوا ذلك العموم بالحديث الخاص وهو حديث شاة ميمونة\nوقالوا: إن الحديث يحمل على الشاة دون غيرها من مأكول اللحم\n- كالبقر والإبل، قالوا ذلك بناء على قاعدتهم.\n***\nالمسألة السابعة عشرة: العام إذا قصد به المدح أو الذم هل\nيخصص ذلك العام؟\nمثال ذلك: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)","vol":"4","page":1641},{"text":"، فهل قصد الذم يخرج هذا اللفظ عن عمومه أو لا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: إن قصد الذم والمدح من اللفظ العام لا يخصص\nالعام، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق؛ لأن قصد المدح\nوالذم وإن كان مطلوبًا ومقصودًا للمتكلم، فلا يمنع ذلك من قصد\nالعموم معه؛ لأنه لا منافاة بين قصد المدح والذم وبين العموم، وقد\nأتى بالصيغة الدالة على العموم، وقصد المدح والذم ليس من\nمخصصاتها فتبقى على ما هي عليه مفيدة للعموم.\nالمذهب الثاني: أن قصد الذم والمدح من اللفظ العام، يخصص\nالعام، وهو محكي عن الإمام الشافعي.\nدليل هذا المذهب:\nأن اللفظ لم يقصد به العموم، وإنما قصد به المدح - فقط -\nمبالغة في الحث على الامتثال، أو قصد به الذم مبالغة في الزجر\nعنه، وما دام أنه لم يقصد باللفظ العموم فلا يكون عاما.\nجوابه:\nأنا لا نعلم مقصد الشارع، فقد يكون قد قصد الأمرين معا،\nفالاحتياط هو: الجمع بين المقصودين معا، وهو أوْلى من العمل\nبأحدهما وتعطيل الآخر.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ خيث أثر ذلك في بعض الاستدلالات من\nالنصوص، فبناء على المذهب الأول - وهو مذهب الجمهور -.\nفإن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)","vol":"4","page":1642},{"text":"يصلح للاستدلال به على وجوب زكاة الحلي لكون العموم مقصودًا والذم لم يخرج اللفظ عن العموم.\nوبناء على المذهب الثاني: فإن تلك الآية لا تصلح للاستدلال بها\nعلى وجوب زكاة الحلي، لكون العموم غير مقصود، بل المقصود\nفي ذلك هو والذم، وهو قد أخرج اللفظ عن عمومه.\n***\nالمسألة الثامنة عشرة: عطف الخاص على العام هل يخصص العام؟\nمثاله: قوله ﵇: \" لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهدٍ\nبعهده \".\nفهل يعمل على أن لفظ \" كافر \" عام وشامل لجميع الكفار:\nالذمي، والمستأمن، والحربي، فإذا قتل مسلم أحد هؤلاء الثلاثة،\nفإنه لا يقتل به قصاصا، أو أن قوله: \" ولا ذو عهد في عهده \"\nمعطوف عليه، وهو خاص بالمعاهد وهو: الذمي والمستأمن،\nفيخصص ذلك عموم لفظ \" كافر \"، فيكون المقصود: لا يقتل\nمسلم بكافر حربي فقط.\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن عطف الخاص على العام لا يخصص العموم.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن المقتضي للتعميم\nقائم، وهو اللفظ العام - وهو بالمثال: النكرة في سياق النفي -\nوالمعارض الموجود، وهو عطف الخاص عليه لا يصلح أن يكون","vol":"4","page":1643},{"text":"معارضا له؛ لأن مقتضى العطف هو الاشتراك بين المعطوف\nوالمعطوف عليه في أصل الحكم الذي عطف عليه، لا الاشتراك فيه\nمن جميع الوجوه، وإذا كان كذلك لم يكن عطف الخاص منافيا\nلتعميم المعطوف عليه، فلم يصلح معارضا له، وإذا وجد المقتضي\nللتعميم ولم يوجد المعارض له وجب القول بالتعميم.\nالمذهب الثاني: أن عطف الخاص على العام يخصص العموم.\nوهو مذهب الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nأن حرف العطف يجعل المعطوف والمعطوف عليه كالشىء الواحد،\nوذلك يقتضي التسوية بينهما في الحكم وتفاصيله.\nجوابه:\nنسلِّم أن حرف العطف يقتضي ذلك، لكن في الحكم العام، لا\nفي تفاصيل الحكم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث ترتب على هذا الخلاف أثر في بعض\nالفروع.\nومنها ما سبق: فعلى المذهب الأول: أن المسلم لا يقتل بالكافر\nالعام، أي: جميع الكافرين، سواء كانوا ذميين أو حربيين، وذلك\nلأن لفظ \" كافر \" نكرة في سياق نفي فاقتضت العموم، وقوله:\n\"ولا ذو عهد في عهده \" معطوف على لفظ \" لا يقتل \"، فيكون\nالتقدير، وأيضا لا يقتل ذو عهد، وهو ما يزال في عهده.\nوعلى المذهب الثاني: فإن المسلم يقتل بالذمي والمستأمن، أما","vol":"4","page":1644},{"text":"الكافر الحربي فلا يقتل به؛ لأن قوله: \" ولا ذو عهد في عهده \"\nخاص، وقد عطف على عام فيخصصه، فيكون التقدير: لا يقتل\nمسلم بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر حربي.\nوبما أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في كل المتعلقات: يكون\nقوله: \" لا يقتل مسلم بكافر \" مشاركا للمعطوف وهو: \" ولا ذو\nعهد في عهده بكافر حربي \"، وما دام أن المعطوف عليه قد قصد به\nالخاص وهو الحربي، فكذلك المعطوف يكون المقصود به الحربي؛\nحيث خصصناه به، فلا يقتل مسلم بكافر حربي، أما الذمي\nوالمستأمن إذا قتلهما المسلم فإنه يُقتل بهما.\nولا بد من قول ذلك حتى يكون لعبارة: \" ولا ذو عهد في عهده \"\nفائدة؛ حيث إن هذه العبارة ليس كلاما مستقلًا قصد به النهي عن\nقتل المعاهد ما دام في عهده؛ لأن هذا معلوم بقوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره)، فتكون هذه العبارة قد قصد بها بيان حكم القصاص عند قتل المستأمن.","vol":"4","page":1645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>المطلب الرابع في المخصصات المتصلة</span>\nوهي أنواع:\nالنوع الأول: الشرط.\nالنوع الثاني: الصفة.\nالنوع الثالث: الغاية.\nالنوع الرابع: الاستثناء.","vol":"4","page":1647},{"text":"النوع الأول من المخصصات المتصلة الشرط\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريفه.\nالمسألة الثانية: أقسامه.\nالمسألة الثالثة: صيغه.\nالمسألة الرابعة: أحكام التخصيص بالشرط.","vol":"4","page":1649},{"text":"المسألة الأولى: تعريفه:\nأولًا: الشرط لغة هو: العلامة - وهذا إذا كان بفتح الراء.\nولكن المراد به هنا: الشرط بتسكين الراء، وهو: الإلزام.\nثانيا: الشرط في الاصطلاح هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا\nيلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته.\nوقد سبق بيان ذلك في أقسام الحكم الوضعي في الباب الثاني.\n***\nالمسألة الثانية: أقسام الشرط:\nينقسم الشرط باعتبار وصفه إلى أربعة أقسام:\nالقسم الأول: الشرط العقلي، وهو: ما لا يوجد المشروط،\nولا يمكن عقلًا بدونه مثل: اشتراط الحياة للعلم؛ حيث إن العقل\nيحكم بأنه لا علم بلا حياة.\nالقسم الثاني: الشرط العادي، وهو ما يكون شرطًا عادة مثل:\nنصب السلم لصعود السطح، فإن العادة تقتضي: أنه لا يمكن لأي\nإنسان أن يصعد السطح إلا بوجود سلم يصعد عليه.\nالقسم الثالث: الشرط الشرعي، وهو ما جعله الشارع شرطا\nلبعض الأحكام كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة.\nالقسم الرابع: الشرط اللغوي، وهو: ما يذكر بصيغة التعليق\nوهي: \" إن \"، أو إحدى أخواتها كقولك لزوجتك: \" إن دخلت\nالدار فأنتِ طالق \"، فإن الطلاق - هنا - يقع عند دخولها..","vol":"4","page":1651},{"text":"ومثل قولك: \" إن جئتني أكرمتك \"، فإنه علق الإكرام بالمجيء،\nفهنا قد خصص الإكرام بالمجيء فقط، فلا فرق بين ذلك وبين أيِّ\nمخصص، فلا فرق بين تلك العبارة وبين قولك: \" لن أقوم\nبإكرامك إلا إذا جئتني \"، وهذا استثناء، وقولك: \" لن أكرمك\nحتى تأتيني \"، وهذه غاية، وكقولك فى الصفة: \" من أتاك\nفأكر مه \".\nوهناك تقسيمات أخرى للشروط قد ذكرتها في الحكم الوضعي في\nالباب الثاني.\n***\nالمسألة الثالثة: صيغ الشرط اللغوي:\nلما كان الشرط اللغوي هو المهم في هذا الباب، وهو التخصيص\nكان لا بد من بيان - باختصار - صيغ الشرط، وأصل الباب،\nفأقول:\nصيغ الشرط هي: \" إن \" المخففة، و\" إذا \"، و\" من \"، و\"ما\"\nو\" مهما \"، و\" حيثما \"، و\" أينما \"، و\" إذ ما \"، وأم هذه\nالصيغ: \" إن \" وقلنا ذلك لأمرين:\nأولهما: أتها حرف، وما عداها أسماء، والأصل في إفادة\nالمعاني إنما هي الحروف.\nثانيهما: أنها تستعمل في جميع صور الشرط، بخلاف أخواتها،\nفإن كل واحد منها تختص بمعنى لا يجري في غيره كقولهم: \" من \"\nلمن يعقل، و\" ما \" لغير العاقل، و\" أينما \" للمكان، وهكذا.","vol":"4","page":1652},{"text":"المسألة الرابعة: أحكام التخصيص بالشرط:\nالشرط مع المشروط له أحكام خاصة به، وهي:\nالحكم الأول: أنه يجب اتصاله بالمشروط اتصالا عاديا، بحيث\nلا يصح الفصل بينهما بالزمن فصلًا تحكم العادة فيه بأن الشرط غير\nتابع للمشروط.\nالحكم الثاني: يجوز تقديم الشرط وتأخيره، وإن كان وضعه\nالطبيعي هو صدر الكلام، والتقدم على المشروط لفظا لكونه متقدما\nعليه في الوجود طبعا.\nالحكم الثالث: أن الشرط الواقع بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى\nجميع الجمل مثل قولك: \" أكرم الرجال، وتصدق على المساكين إن\nدخلوا الدار \"، فكأنه قال: أكرم الرجال إن دخلوا الدار، وتصدق\nعلى المساكين إن دخلوا الدار.\nالحكم الرابع: أنه إذا اتحد الشرط والمشروط أو تعددا يختلف\nالحكم باختلاف آلة التعدد وهي \" الواو \"، و\" أو \"، وهذا يتبين\nفي حالات:\nالحالة الأولى: أن يتحد الشرط والمشروط مثل: \" إن دخل الدار\nفكرمه \"، فيتوقف المشروط على هذا الشرط وحده وجودًا وعدمًا.\nالحالة الثانية: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بالواو كقوله: \"إن\nنجحت تصدقت بدرهم وصمت يوما \"، فيقتضي الشرط الجمع بين\nالتصدق والصيام معا.\nالحالة الثالثة: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بلفظ \" أو \"\nكقولك: \" إن نجحت فإني سأتصدق أو أصوم يوما لا، فيقتضي\nالشرط حصول التصدق وحده، أو الصيام وحده.","vol":"4","page":1653},{"text":"الحالة الرابعة: أن يتعدد الشرط بحرف \" الواو \"، ويتحد\nالمشروط كقولك: \" إن نجحت وشفى أبي تصدقت بألف ريال \"\nفهنا لا يمكن أن يوجد المشروط - وهو التصدق بألف ريال - إلا بعد\nأن يحصل الشرطان معا وهما النجاح والشفاء.\nالحالة الخامسة: أن يتعدد الشرط بحرف \" الواو \"، ويتعدد\nالمشروط بحرف \" الواو \" أيضًا كقولك: \" إن نجحت وشفي أبي\nتصدقت بألف ريال وصمت يوما \" فيقتضي هذا: أنه لا يمكن وجود\nالمشروطين وهما التصدق والصيام إلا إذا وجد الشرطان وهما:\nالنجاح والشفاء معًا.\nالحالة السادسة: أن يتعدد الشرط بحرف الواو، ويتعدد المشروط\nبحرف \" أو \" كقولك: \" إن نجحت وشفي أبي تصدقت بألف ريال\nأو صمت يومًا \"، فهنا يكون حصول الشرطين وهما: النجاح\nوالشفاء مقتضيا حصول أحد المشروطين على التخيير، فإما التصدق\nأو الصيام.\nالحالة. السابعة: أن يتعدد الشرط بحرف \" أو \"، ويتحد المشروط\nكقولك: \" إن بني زيد الجدار أو نجح فأعطه درهمًا \"، فهنا لا بد من\nحصول أحد الشرطين حتى يحصل على الدرهم.\nالحالة الثامنة: أن يتعدد الشرط بلفظ \" أو \"، ويتعدد المشروط\nبحرف \" الواو \" كقولك: \" إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابا\nودرهما \"، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين وهما: البناء أو\nالنجاح، فإذا حصل أحدهما فإنه يستحق المشروطين معا وهما:\nالكتاب والدرهم.\nالحالة التاسعة: أن يتعدد الشرط بحرف \" أو \"، ويتعدد المشروط","vol":"4","page":1654},{"text":"بحرف \" أو \" أيضًا كقولك: \" إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابا\nأو درهما \"، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين - وهما البناء أو\nالنجاح، فإذا حصل أحدهما فإنه يستحق أحد الشروطين وهما:\nالكتاب، أو الدرهم.","vol":"4","page":1655},{"text":"النوع الثاني من المخصصات المتصلة الصفة\nويشتمل على مسألتين:\nالمسألة الأولى: تعريفها.\nالمسألة الثانية: أحكام التخصيص بالصفة.","vol":"4","page":1657},{"text":"المسألة الأولى: تعريف الصفة:\nالصفة هي: التابع المشتق الذي يقع نعتا للموصوف مثل:\n\"طالب ناجح \"، فلفظ \" ناجح \" قيد به اللفظ المطلق وهو:\n\"طالب \".\nوقيل: هو ما أشعر بمعنى يتصف به بعض أفراد العام كقولك:\n\"أكرِم الطلاب الناجحين \"، فلفظ \" الطلاب \" عام يشمل الناجحين\nوالراسبين.\nولما وصف الطلاب بالناجحين أخرج الطلاب الراسبين، فيكون\nالإكرام مقتصرًا على الناجحين فقط.\n***\nالمسألة الثانية: أحكام التخصيص بالصفة:\nالحكم الأول: يشترط في الصفة اتصالها بالموصوف، فلا يصح\nالفصل بينهما في الزمن.\nالحكم الثاني: أن الصفة إن وقعت بعد جملة كقولك: \" أكرم\nالطلاب الناجحين \"، فإن هذا الوصف يقتضي اختصاص الإكرام\nبالناجحين من الطلاب - فقط -، ولولا ذلك الوصف لعم الإكرام\nالناجحين وغير الناجحين من الطلاب، فالصفة أخرجت بعض ما\nكان داخلًا تحت اللفظ لولا الصفة.\nالحكم الثالث: أن الصفة إن وقعت بعد جمل كقولك: \" أكرم\nالعلماء، والتجار، والطلاب الطوال \"، فإن الصفة تعود إلى\nالجمل كلها، أي: أكرم الطوال من العلماء، والطوال من التجار،\nوالطوال من الطلاب.","vol":"4","page":1659},{"text":"وقيل: بل الصفة ترجع إلى أقرب مذكور - وهي الجملة الأخيرة -\nفيكون المراد: أكرم جميع العلماء والتجار والطوال من الطلاب،\nوالخلاف فيه كالخلاف في الاستثناء هل يرجع إلى الجملة الأخيرة،\nأو جميع الجمل فيما لو قال: \" أكرم العلماء والتجار والطلاب إلا\nالطوال \"، وسيأتي بالتفصيل إن شاء اللَّه.\nالحكم الرابع: أن الصفة إن وقعت قبل جمل كقولك: \" أكرم\nالطوال من العلماء والتجار \"، فإنها ترجع إلى الجميع، فيكون\nالمراد: أكرم الطوال من العلماء والطوال من التجار فقط، وهذا\nعلى الصحيح من أقوال العلماء.\nالحكم الخامس: أن الصفة إن وقعت وسطا بين جملتين مثل:\n\"أكرم العلماء الطوال والتجار \"، فإن الصفة ترجع إلى ما قبلها\nفقط، أما ما بعدها فلا ترجع إليه، والتقدير: اكرم العلماء الطوال،\nأما التجار فأكرمهم جميعًا طوالهم وقصارهم هذا على القول\nالراجح.\nوقال بعضهم: إن الصفة ترجع إلى الجملتين: إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.","vol":"4","page":1660},{"text":"النوع الثالث من المخصصات المتصلة الغاية\nويشتمل على مسألتين:\nالمسألة الأولى: تعريفها وألفاظها.\nالمسألة الثانية: أحكام التخصيص بالغاية.","vol":"4","page":1661},{"text":"المسألة الأولى: تعريفها، وألفاظها:\nالغاية في اللغة هي: طرف الشيء، ومنتهاه، وأقصاه.\nوالغاية في الاصطلاح هي: أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من\nأحرف الغاية مثل \" اللام \"، و\" حتى \"، و\" إلى \".\nو\" حتى \" تكون من ألفاظ الغاية إذا كانت جارة.\nأما إن كانت عاطفة فإنها لا تكون دالة على الغاية.\n***\nالمسألة الثانية: أحكام التخصيص بالغاية:\nالحكم الأول: أن الغاية إذا ذكرت بعد جملة واحدة فلها صورتان:\nالصورة الأولى: أن تكون الغاية واحدة كقولنا: \" أكرِم العلماء\nإلى أن يدخلوا الدار \"، فإن دخول الدار يقتضي اختصاص الإكرام\nبما قبل الدخول، وإخراج ما بعد الدخول من عموم اللفظ، ولولا\nذلك لعم الإكرام حالة ما بعد الدخول وما قبل الدخول.\nالصورة الثانية: أن تكون الغاية متعددة، وهذه لها حالتان:\nالحالة الأولى: أن تكون الغاية متعددة، وكانت على الجمع\nبحرف \" الواو \" كقولك: \" أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار\nويأكلوا الطعام \"، فإن ذلك يقتضي استمرار الإكرام إلى تمام الغايتين\nمعًا، وهما: دخول الدار، وأكل الطعام دون ما بعدهما.\nالحالة الثانية: أن تكون الغاية متعددة، وكانت على التخيير\nبحرف \" أو \" كقولك: \" أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار أو","vol":"4","page":1663},{"text":"السوق \"، فإن ذلك يقتضي استمرار الإكرام إلى تمام إحدى الغايتين\n- أيهما كانت - دون ما بعدها.\nالحكم الثاني: أن الغاية إذا ذكرت بعد جمل متعددة كقولك:\n\"أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار \"، فإن الغاية ترجع إلى\nالجملتين معًا، فإكرام العلماء يستمر إلى غاية دخولهم الدار،\nوإكرام التجار يستمر إلى غاية دخولهم الدار، هذا على الصحيح من\nأقوال العلماء.\nوقيل: إن الغاية - هنا - ترجع إلى أقرب مذكور، أى: إلى\nالجملة الأخيرة، فيكون التقدير على هذا: \" أكرم جميع العلماء\nمطلقًا: دخلوا أو لم يدخلوا، وأكرم التجار إلى أن يدخلوا الدار.\nوهذا الحكم يكون مطلقا، أي: سواء كانت الغاية واحدة كما\nمثلنا أو متعددة على الجمع كقولنا: \" أكرم العلماء والتجار إلى أن\nيدخلوا الدار أو السوق \"، وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في\nوقتها كقولنا: \" أكرم العلماء إلى أن تطلع الشمس \"، أو غير\nمعلومة الوقت كقولنا: \" أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار \".","vol":"4","page":1664},{"text":"النوع الرابع من المخصصات المتصلة الاستثناء\nويشتمل على مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريفه.\nالمسألة الثانية: صيغ الاستثناء وأدواته.\nالمسألة الثالثة: الفرق بينه وبين التخصيص بالمنفصل.\nالمسألة الرابعة: الفرق بينه وبين النسخ.\nالمسألة الخامسة: هل يشترط في الاستثناء اتصاله؟\nالمسألة السادسة: هل يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه؟\nالمسألة السابعة: الاستثناء من غير الجنس هل يسمى استثناء حقيقة أو\nمجازًا؟\nالمسألة الثامنة: حكم استثناء كل المستثنى منه.\nالمسألة التاسعة: هل يجوز استثناء الأكثر؟\nالمسألة العاشرة: هل يجوز استثناء النصف؟\nالمسألة الحادية عشرة: الاشتثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو هل\nيرجع إليها جميعًا، أو إلى الأخيرة فقط؟\nالمسألة الثانية عشرة: صور الاستثناءات المتعددة.","vol":"4","page":1665},{"text":"المسألة الأولى: تعريف الاستثناء:\nأولًا: الاستثناء لغة: مأخوذ من الثني، وهو: العطف من\nقوله: ثنيت الحبل أثنيه: إذا عطفت بعضه على بعض.\nوقيل: إن الثني هو: الصرف، يقال: \" ثنيته عن الشيء \" إذا\nصرفته عنه.\nثانيًا: الاستثناء اصطلاحا هو: قول متصل يدل بحرف إلا أو\nإحدى أخواتها على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول.\nشرح التعريف، وبيان محترزاته:\nقوله: \" قول \" أخرج المخصصات العقلية والحسية.\nوقوله: \" متصل \" أخرج بقية المخصصات المنفصلة السابقة الذكر.\nوالمراد: أن يكون الاستثناء متصلًا بالجملة غير منفصل عنها.\nوقوله: \" يدل \" أخرج الصيغ والألفاظ المهملة التي لا تدل على\nشيء.\nوقوله: \" بحرف إلا أو إحدى أخواتها \" أخرج أمرين:\nأولهما: المخصصات المتصلة الأخرى كالتخصيص بالشرط،\nوالصفة، والغاية السابقة الذكر، فإن لهذه المخصصات أدوات وصيغ\nتختلف عن أدوات الاستثناء.\nثانيهما: أخرج مثل قولهم: \" أكرم القوم دون زيد \" فإن هذا\nليس باستثناء لغة.\nوقوله: \" على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول \" معناه: أن\nالمذكور بعد أداة الاستثناء مخرج من القول الأول ولا يدخل تحته.","vol":"4","page":1667},{"text":"مثاله: قوله: \" نجح الطلاب إلا زيدًا \"، فقوله: \" إلا زيدًا \"\nقول متصل بما قبله من الكلام - وهو: \" نجح، الطلاب \"، ولكن\nهذا القول - بما فيه صيغة الاستثناء - دلَّ دلالة واضحة على أن\nالمذكور معه - وهو زيد - غير مراد بالقول الأول، حيث لا يشمله\nحكم النجاح.\n***\nالمسألة الثانية: صيغ الاستثناء وأدواته:\nأدوات وصيغ الاستثناء إحدى عشرة صيغة وهي: \" إلا \"، وهي\nأم الباب، و\" غير \"، و\" سوى \"، و\" ما عدا \"، و\" ليس \"،\nو\"لا يكون \"، و\" حاشا \"، و\" خلا \"، و\" سيما \"، و\" ما خلا \"، و\"عدا\".\nأما صيغة: \" إلا \" فهي حرف بالاتفاق.\nوأما صيغة: \" حاشا \" فهي حرف عند سيبويه، وهو الصحيح،\nويقال فيها: \" حاشى \"، و\" حشا \".\nوأما صيغة: \" لا يكون \" فهي فعل بالاتفاق.\nوأما صيغة: \" ليس \"، و\" ما عدا \"، و\" ما خلا \" فهي أفعال\nعلى الأصح.\nوأما صيغة: \" خلا \"، و\" عدا \" فهما مترددان بين الفعلية\nوالحرفية بحسب الاستعمال، فإن نصب ما بعدهما كانتا فعلين، وإن\nجر ما بعدهما كانتا حرفين.\nوأما صيغة: \" لا غير \"، و\" سوى \" فهما اسمان.","vol":"4","page":1668},{"text":"ويجوز في \" سوى \" ضم السين، وكسرها، والمد، فيقال:\n\"سواء\".\nوأما صيغة: \" لا سيما \" فاجتمع فيه حرف واسم.\n***\nالمسألة الثالثة: الفرق بين الاستثناء والتخصيص بالمنفصل:\nالفرق بينهما من وجهين:\nالوجه الأول: أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال فتقول: \" أكرم\nالطلاب إلا زيدًا \"، ولا يجوز أن تقول: \" أكرم الطلاب \"، ثم\nبعد مدة تقول: \" إلا زيدًا \"، وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء اللَّه.\nأما التخصيص بالمنفصل فلا يشترط فيه ذلك؟! إذ يجوز أن يأتي\nمتصلًا، ويأتي متراخيا ولا مانع من ذلك، وقد سبق بيان ذلك.\nالوجه الثاني: أن الاستثناء يتطرق إلى ما يدل على معناه دلالة\nظاهرة، وإلى ما نص على معناه فتقول: \" أكرم الطلاب إلا زيدًا \"\nوتقول: \" له علي عشرة دراهم إلا ثلاثة \".\nأما التخصيص بالمنفصل، فإنه لا يجوز في النص، وإنما يصح في\nالظاهر - وهو العام فقط - فيجوز أن يقال: \" أكرم الطلاب،،\nثم يقول: \" لا تكرم زيدًا \"؛ لأن دخول زيد في عموم الطلاب\nظني؛ حيث قلنا: إن دلالة العام ظنية، ولكن لا يقال: \" أكرم\nزيدًا وعمرًا وبكرًا \"، ثم بعد ذلك يقول: \" لا تكرم زيدًا \"، فإن\nقال ذلك فإنه يكون نسخًا، لا تخصيصا.","vol":"4","page":1669},{"text":"المسألة الرابعة: الفرق بين الاستثناء والنسخ:\nالفرق بينهما من أوجه:\nالوجه الأول: أن الاستثناء يشترط فيه اتصاله بالمستثنى منه؛ لأنه\nلايستقل بنفسه.\nأما النسخ فيشترط فيه: أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ؛\nحيث قلنا في تعريف النسخ: \" إنه رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم\nبخطاب متراخ عنه \"، وقلنا النسخ يشترط فيه الانفصال؛ لأن كلًا\nمن الناسخ والمنسوخ يستقل بنفسه.\nالوجه الثاني: أن الاستثناء مانع، والنسخ رافع، أي: أن\nالاستثناء يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ، ولولا هذا\nالاستثناء لدخل، فالاستثناء يمنع دخول المستثنى تحت لفظ المستثنى\nمنه.\nأما النسخ فهو يرفع ما دخل تحت اللفظ الوارد.\nالوجه الثالث: أن الاستثناء يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت\nاللفظ فتقول: \" أكرم الطلاب إلا زيدًا \"، ولكن لا يجوز أن يمنع\nالاستثناء جميع الأفراد من الدخول تحت اللفظ، فلا يجوز أن يقال:\n\" لي عليه عشرة إلا عشرة \".\nأما النسخ فيجوز أن يرفع جميع الحكم أحيانًا كرفع وجوب\nالصدقة بين يدي مناجاة النبي - ﷺ -.\nويجوز أن يرفع بعض الحكم كرفع بعض عدة المتوفى عنها زوجها،\nفقد كانت حولًا كاملًا، فنسخ ورفع بعضها حتى صارت أربعة أشهر\nوعشرًا.","vol":"4","page":1670},{"text":"وقد سبق بيان الفرق بين النسخ والتخصيص في الباب الثالث\nبصورة إجمالية فراجعه إن شئت.\n***\nالمسألة الخامسة: هل يشترط في الاستثناء الاتصال:\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يشترط - لصحة الاستثناء -: أن يكون\nالاستثناء متصلًا بالمستثنى منه، فلا يجوز الفصل بينهما.\nأي: أن يكون متصلًا بالكلام حقيقة مثل: \" نجح الطلاب إلا\nزيدًا \" بدون انقطاع، أو يكون في حكم المتصل بأن يكون انفصاله\nقبل أن يستوفى المتكلم غرضه من الكلام نحو: أن يسكت عن\nالاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريقه، أو سعال، أو ما أشبه ذلك.\nوهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه، فهو جزء من\nالكلام أتي به لإتمامه وإفادته، لذلك لا يفيد شيئًا إلا إذا اتصل به\nمباشرة، لكن لو انفصل الاستثناء عن المستثنى منه لم يكن ذلك\nالاستثناء متمما لذلك الكلام الأول، فمثلًا لو قال: \"أكرم الطلاب \"\nثم قال بعد شهر: \" إلا زيدًا \"، وقال: إني أردت به الاستثناء من\nالكلام الذي قلته منذ شهر: فإنه يقبح عند أهل اللغة، ويعدون ذلك\nلغوًا؛ لأن الكلام يورد لإفهام الغير وإفادته، وقوله: \" إلا زيدًا \"\nلا يفهم منه شيء، حيث إنه لا يرتبط بقوله: \" أكرم الطلاب \".\nوهذا قياسًا على الخبر مع المبتدأ، فكما أن الخبر لا يفيد شيئًا بدون\nالمبتدأ، والمبتدأ لا يفيد شيئًا بدون الخبر، فكذلك المستثنى لا يفيد\nشيئًا بدون المستثنى منه.","vol":"4","page":1671},{"text":"الدليل الثاني: أنه لو جاز الفصل في الاستثناء لما علم صدق\nصادق، ولا كذب كاذب؛ لأن من تكلم بكلام يحكم من خلاله أنه\nيكون كاذبًا قد يستثني، فلا يكون كاذبا، وهذا باطل؛ حيث يفضي\nإلى عدم استقرار الأمور، فلا تتم عقود، ولا تصح مواثيق ولا\nمعاملات، وهذا لا يمكن أن يقصده عاقل، لذلك لم يجز الفصل\nفي الاستثناء طلبًا للاستقرار ومعرفة حقائق الأمور.\nالمذهب الثاني: أنه لا يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، بل\nيجوز انفصال المستثنى عن المستثنى منه.\nوهو لبعض العلماء، وقد حكى عن ابن عباس، والحسن\nالبصري، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وغيرهم\n- وسيأتي ذكر خلافهم في مدة هذا الفصل -.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\" والله لأغزون قريشًا مرتين أو ثلاثًا \" ثم سكت، ثم قال: \" إن شاءَ اللَّه \"،\nولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لما فعله؛ لكونه مقتدى به.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه ليس المراد به الاستثناء - هنا -، وإنما المراد به\nأن الأفعال المستقبلية لا بد أن تقيد بمشيئة اللَّه - تعالى - امتثالًا لقوله\nتعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)،\nولقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) .\nالجواب الثاني: على فرض أن المراد به الاستثناء، فإن بسكوته قبل","vol":"4","page":1672},{"text":"الاستثناء يحتمل احتمالًا قويًا: أنه من السكوت الذي لا يحل\nبالاتصال الحكمي - كما ذكرنا فيما سبق - ويجب العمل على ذلك.\nالدليل الثاني: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول فجاز\nتأخيره كالنسخ، والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم.\nجوابه:\nإن قياسكم على النسخ، وعلى الأدلة المنفصلة المخصصة قياس\nفاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إنا أثبتنا فرقين بين الاستثناء\nوالمخصص المنفصل في المسألة الثالثة السابقة، وكذلك أثبتنا ثلاثة\nفروق بين الاستثناء والنسخ في المسألة الرابعة السابقة، ومع وجود\nالفرق فلا قياس.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إن المتكلم لو فصل بين المستثنى منه\nوالمستثنى، فإن المستثنى لا يؤثر على المستثنى منه إلا إذا فصله بشيء\nاضطر إليه كسعال ونحوه كما لو قال. \" عليّ ألف ريال استغفر الله\nإلا مائة \"، فإنه لا يصح الاستثناء، وذلك لأنه فصل بشيء يستطيع\nتركه، هذا بناء على المذهب الأول.\nأما بناء على المذهب الثاني، فإنه يصح الاستثناء، وقالوا: إنه\nفصل يسير فلم يؤثر، وقد رجحه بعض الشافعية، وإني أتعجب من\nذلك؛ حيث خالفوا في ذلك الأصل الذي قالوا به وهو: اشتراط\nالاتصال.\nتنبيه: المشترطون للاتصال - وهم أصحاب المذهب الأول - وهم\nالجمهور اتفقوا على أن ينوي المتكلم الاستثناء في الكلام، فلو لم\nيعرض له نية الاستثناء إلا بعد فراغ المستثنى منه لم يُعتد به.","vol":"4","page":1673},{"text":"تنبيه ثان: اختلف أصحاب المذهب الأول في موضع نية الاستثناء\nفقال أكثرهم: يُكتفى بوجود النية قبل فراغه، وهو الصحيح، وقال\nبعضهم: يعتبر وجود النية في أول الكلام.\nتنبيه ثالث: اتفق أصحاب المذهب الأول - وهم المشترطون\nللاتصال - على أنه لا يجوز تقدوم المستثنى في أول الكلام كقولك:\n\" إلا زيدًا قام القوم \"، وكذلك لا يجوز ولو تقدمه حرف نفي\nكقولك: \" ما إلا زيدًا في الدار أحد \"، وأما قول الشاعر:\nوبلدة ليس لها طوري ... ولا خلا الجن بها إنسي\nفهذا شاذ ولا يقاس عليه.\nتنبيه رابع: اختلف أصحاب المذهب الثاني - وهم المجوزون\nلانفصال المستثنى عن المستثنى منه - في وقت هذا الانفصال على\nأقوال:\nالقول الأول: أنه يجوز الانفصال شهرًا، وهو محكي عن ابن\nعباس - ﵄ -.\nالقول الثاني: أنه يجوز الانفصال سنة، وهو محكي عن ابن\nعباس - ﵄ -.\nالقول الثالث: أنه يجوز الانفصال وإن طال أبدًا، وهو محكي\nعن ابن عباس - ﵄ -.\nولكن الصحيح: أنه يؤول ما جاء عن ابن عباس - رضي الله\nعنهما - إن صح - على نسيان: \" إن شاء اللَّه \"، كما ورد ذلك\nعن بعض العلماء، كالإمام أحمد والقرافي وابن جرير.","vol":"4","page":1674},{"text":"القول الرابع: يجوز تأخير الاستثناء ما دام في المجلس، وهو\nالمروي عن الحسن البصري، وعطاء، وقد أومأ إليه الإمام أحمد.\nالقول الخامس: يجوز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه في اليمين\nفي زمن يسير إذا لم يخلط كلامه بغيره.\nالقول السادس: يجوز تأخير الاستثناء إلى أربعة أشهر.\nالقول السابع: يجوز تأخير الاستثناء لفظا، لكن مع إضمار\nالاستثناء متصلًا بالمستثنى منه، ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين\nالله تعالى، ونسب إلى بعض المالكية.\nالقول الثامن: يجوز تأخير الاستثناء إذا ورد معه كلامًا يدل على\nأن ذلك الاستثناء مما تقدم مثل: أن يقول: \" جاء الناس \"، ثم\nيقول بعد زمان: \" إلا زيدًا، وهو استثناء مما كنت قلت \".\n***\nالمسألة السادسة: هل يجوز تقديم المستثنى على المسثثنى منه؟\nلقد اختلف المشترطون للاتصال على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه إذا كان\nمتصلًا به، فيجوز أن تقول: \" ما جاءني إلا أخاك من أحد \"،\nو\"قام إلا زيدًا القوم \"، و\" القوم إلا زيدًا ذاهبون \"، و\" في الدار\nإلا زيدًا أصحابك \"، و\" ضربت إلا زيدًا القوم \"، ومنه قول\nالكميت بن زيد:\nفما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب\nوالتقدير: فما لي شيعة إلا أحمد، وما لي مشعب إلا مشعب\nالحق.","vol":"4","page":1675},{"text":"ومنه: قول كعب بن مالك للنبي - ﷺ - شعرًا:\nالناس ألب عليك فينا ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر\nوالتقدير: ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا، وهو قول\nجمهور العلماء.\nوهو الحق، لوروده في السماع كما سبق من الأبيات الشعرية.\nولأنه لا يخل بالفهم.\nالمذهب الثاني: لا يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، وهو\nلبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الأصل في المستثنى التأخير، والأصل في المستثنى منه التقديم،\nوإذا جاء المستثنى متقدما، فهو خلاف الأصل، فلا يُعتد به.\nجوابه:\nأن تقديم المستثنى على المستثنى منه لا يخل بالفهم، ولذلك جاز.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها أنه لو\nقال: \" له عليّ إلا عشرة مائة دينار \"، فإنه استثناء صحيح،\nويكون المتكلم مقرًّا بتسعين، بناء على المذهب الأول.\nأما عند أصحاب المذهب الثاني، فإن هذا لا يصح، ولم يقر\nبشيء.","vol":"4","page":1676},{"text":"المسألة السابعة: الاستثناء من غير الجنس هل يسمى استثناء\nحقيقة أو مجازًا؟\nلقد اتفق العلماء على أن الاستثناء من الجنس حقيقة، واختلفوا\nفي الاستثناء من غير الجنس هل هو استثناء حقيقة أو مجاز؛ على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: يشترط - لصحة الاستثناء -: أن يكون المستثنى\nمن جنس المستثنى منه، فلا يصح الاستثناء من غير الجنس فلا تقول:\n\" رأيت الناس إلا حمارًا \"؛ لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس،\nوإذا ورد ذلك - أي: ورد استثناء من غير الجنس - فهو مجاز،\nوليس بحقيقة.\nوهو مذهب كثير من العلماء.\nوهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن حقيقة الاستثناء تدل على ذلك، بيانه:\nأن الاستثناء هو: استفعال مأخوذ من الثني، ومنه تقول: \"ثنيت\nالشيء \": إذا عطفت بعضه على بعض، وتقول: \" ثنيت زيدًا عن\nرأيه \" إذا رددته، وحقيقة الاستثناء - بالمفهوم العام - هو: إخراج\nبعض ما تناوله اللفظ المستئنى منه.\nأى: بعد أن كان اللفظ متناولًا لجميع الأفراد ثناه الاستثناء عن\nالبعض، وهذا غير متحقق في قول القائل: \" رأيت الناس إلا\nحمارًا \"؛ لأن الحمار - وهو المستثنى - غير داخل في مدلول الناس\n- وهو المستثنى منه - حتى يقال بإخراجه وثنيه عنه، بل الجملة\nالأولى باقية بحالها لم تتغير، ولا تعلق للثاني بالأول أصلًا؛ لأنه\nذكر لفظ \" الحمار \" وهو ما لا دخول له في الكلام الأول - وهو","vol":"4","page":1677},{"text":"الناس - فلم تتحقق حقيقة الاستثناء؛ حيث إنه لم يصرف الكلام\nولا ثناه عن وجه استرساله، فلم يتحقق الاستثناء من اللفظ.\nاعتراض على هذا:\nقال قائل - معترضا -: إنه يصح الاستثناء بناء على ما وقع به\nالاشتراك من المعنى بين المستثنى والمستثنى منه؛ حيث إنهما يشتركان\nفي الحيوانية.\nجوابه:\nأنه لو جاز ذلك للزم منه جواز استثناء كل شيء من كل شيء\nضرورة: أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في معنى عام لهما،\nوليس كذلك.\nالدليل الثاني: أن الاستثناء من الجنس قد كثر استعماله كثرة شائعًا\nحتى إنه إذا أطلق يتبادر منه أنه من الجنس، والتبادر أمارة الحقيقة،\nفكان حقيقة في الاستثناء من الجنس، فإذا ورد استثناء من غير الجنس\nفقد ورد على خلاف الحقيقة، فيكون مجازًا.\nالدليل الثالث: أن الاستثناء من غير الجنس على غير وضع اللغة،\nفلو قال: \" رأيت العلماء إلا الكلاب \"، أو قال: \" قدم الحاج إلا\nالحمير \"، لكان ذلك مستهجنًا وعيبًا عند عقلاء أهل اللغة، وما هذا\nشأنه لا يكون وضعه مضافًا إلى أهل اللغة.\nالمذهب الثاني: أنه لا يشترط أن يكون المستثنى من جنس المستثنى\nمنه، بل إن الاستثناء من غير الجنس صحيح، ويكون حقيقة.\nوهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وبعض الشافعية، وبعض\nالمتكلمين، وبعض النحويين كابن جني.","vol":"4","page":1678},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن الاستثناء من غير الجنس قد استعمل في القرآن ولغة العرب،\nوالاستعمال يدل على الحقيقة، ومن أمثلة ذلك:\nالثال الأول: قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوًا إلا سلاما)\nفقد استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه.\nالثال الثاني: قوله تعالى: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فقد استثنى التجارة من الباطل،\nوهي ليست من جنس الباطل.\nالثال الثالث: قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ)\nفوقع استثناء الظن من العلم، وهو ليس من جنسه.\nالمثال الرابع: قوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ)، وإبليس لم يكن من\nجنس الملائكة؛ لقوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، والجن ليسوا من جنس الملائكة؛ لأنه كان مخلوقا من\nنار، قال تعالى: (خلقتني من نار)، والملائكة من نور، والنار\nغير النور، فلا يكون من جنسهم.\nالمثال الخامس: قول جران العود - عامر بن الحارث - شعرًا:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس.\nواليعافير والعيس ليست من جنس الأنيس، وذلك لأن \" اليعافير \"\nجمع يعفور \"، وهو ولد الظبية، ويطلق على ولد البقرة الوحشية -.،\nو\" العيس \" هي إبل بيض يخالط بياضها شقرة واصفرار.\nالمثال السادس: قول النابغة الذبياني:","vol":"4","page":1679},{"text":"ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\nوليس فلول السيوف عيبًا لأربابها، بل فخرًا لهم، وقد استثناها\nمن العيوب، وليست من جنسها.\nالمثال السابع: قول العرب: \" ما جاءني زيد إلا عمرو \"،\nوقولهم: \" ما زاد إلا ما نقص \"، وقولهم: \" وما بالدار من أحد\nإلا الوتد \"، فقد استثنوا هنا عمرًا من زيد، والنقص من الزيادة،\nوالوتد من أحد، وليست من جنسه.\nوالأمثلة على الاستثناء من غير الجنس كثيرة، كلها تدل على أنه\nورد استعمال ذلك في القرآن وكلام العرب: الشعر والنثر،\nوالاستعمال دليل الحقيقة، فيكون الاستثناء من غير الجنس صحيحًا،\nوهو حقيقة كالاستثناء من الجنس.\nجوابه:\nلا نسلم أن في هذه الأمثلة استثناء من غير الجنس، بل إن بعضها\nاستثناء من الجنس، والبعض الآخر لا يوجد فيه استثناء، فتكون\n\"إلأ للاستدراك، وإليك بيان ذلك:\nأما المثال الأول: وهو قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوًا إلا سلامًا) .\nوالمثال الثاني: وهو قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) .\nوقول - العرب: \" ما جاءني زيد إلا عمر \" من المثال السابع: فإن\n\" إلا \" في هذه الأمثلة بمعنى: \" لكن \".","vol":"4","page":1680},{"text":"والتقدير في الآية الأولى: لا يسمعون فيها لغوًا لكن يسمعون\nكلاما وسلاما.\nوالتقدير في الآية الثانية: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل لكن إذا\nكانت تجارة عن تراض منكم فكلوا.\nوالتقدير في المثال: \" ما جاءني زيد لكن جاءني عمرو \".\nأما بقية الأمثلة، فإن الاستثناء فيها من الجنس، وإليك بيان ذلك.\nأما المثال الثالث وهو قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ)،\nفإن هذا عام في كل ما يسمى علما، والظن يُسمى\nعلما، فتقول: \" هذا علم ظني \"، و\" هذا علم يقيني \"، ودليل\nذلك قوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات)، وأراد: إن\nظننتموهن؛ لاستحالة اليقين في ذلك.\nوقيل: إن \" إلا \" هنا بمعنى \" لكن \"، والتقدير: وما لهم به من\nعلم لكن اتبعوا الظن.\nأما المثال الرابع وهو قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس)، فهو استثناء من الجنس؛ لأن إبليس\nكان من الملائكة؛ لأمور ثلاثة:\nأولها: أن ذلك قول ابن عباس - وهو حبر الأمة وترجمان\nالقرآن -.\nثانيها: أن اللَّه تعالى قد استثناه من الملائكة، والأصل أن يكون\nمن جنسهم؛ للاتفاق على صحة الاستثناء من الجنس، والاختلاف\nفي غيره.\nثالثها: أنه لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان عاصيا للأمر","vol":"4","page":1681},{"text":"المتوجه إلى الملائكة؛ لكونه ليس منهم، ودلل على عصيانه بقوله:\n(إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) .\nفقولكم: \" إنه من الجن \" لا نسلمه؛ لما قلناه حيث إنه كان من\nالملائكة من قبيل يقال لهم: \" الجن \"؛ لأنهم كانوا خزان الجنان،\nوكان إبليس رئيسهم، وتسميته جنيًا لنسبته إلى الجنة، ويحتمل أن\nيكون قد سمي بذلك لاجتنانه واختفائه.\nأما المثال الخامس، وهو قول الشاعر: جران العود:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس\nفانه استثناء من الجنس؛ لأن اليعافير - وهي أولاد الضباء، أو\nأولاد البقر الوحشية، والعيس وهي الإبل مما يؤنس بها، فهي من\nجنس الأنيس، بل قد يحصل الأنس بالأبنية والأشجار فضلًا عن\nالحيوانات.\nأما المثال السادس وهو قول النابغة:\nولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\nفهو استثناء من الجنس؛ لأن فلول السيوف عيب في السيوف،\nوإن كان يسبب فلولها فخرًا ومدحة لأربابها، فهو في الجملة استثناء\nمن الجنس.\nوأما المثال السابع، وهي: الأقوال التي رويت عن العرب، فهي\nاستئناء من الجنس، فقولهم: \" ما زاد إلا ما نقص \" تقديره: \" ما\nزاد إلا الذي نقص \" أي: ينقص.\nوقولهم: \" ما بالدار من أحد إلا الوتد \" استثناء من الجنس؛\nلأن \" أحد \" يطلق على الجمادات كما يطلق على الآدمي.","vol":"4","page":1682},{"text":"وقال بعضهم: إن \" إلا \" في هذا المثال بمعنى \" لكن \"\nوهكذا تبين لك أيها المستدل أن الأمثلة التي زعمت أن الاستثنا من\nغير الجنس قد استعمل فيها أصبحت لا تصلح لما استدللت له،\nفبطل دليلك، ومن ثم يبطل مذهبك.\n* * *\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث ترتب على هذا الخلاف: أن من\nقال: إن الاستثناء من غير الجنس لا يصح، ولا يسمى استثناء حقيقة\n- وهم أصحاب المذهب الأول - فإنه لم يجوز التخصيص به، فلو\nأقر بشيء واستثنى من غير جنسه: كان استثناؤه باطلًا..،\nأما من قال: إن الاستثناء من غير الجنس يصح، ويسمى، استثناء\nحقيقة - وهم أصحاب المذهب الثاني - فإنه يجوز التخصيص به،\nفلو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه صحيحا، فإذا\nقال: \" عليّ لزيد ألف درهم إلا ثوبا \"، كان هذا صحيحا عند\nهؤلاء.\nأما عند أصحاب المذهب الأول فلا يصح هذا.\n* * *\nالمسألة الثامنة: حكم استثناء كل المستثنى منه:\nلقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز استثناء كل المستثنى منه،\nبحيث لا يبقى منه فرد، ولو فعل متكلم ذلك: لكان استثناؤه لغوًا،\nوكانت العبرة بما نطق به أولا.\nودليل ذلك: أن استثناء الكل يفضي إلى العبث؛ حيث ينفي بعد\nأن أثبت، وعلى هذا فلو قال: \" له عليّ عشرة إلا عشرة \"، فإن","vol":"4","page":1683},{"text":"العشرة تلزمه، كذلك لو قال: \" أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا \"، فإنه\nيلزمه الطلاق بالثلاث؛ لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه.\nلكن نقل ابن طلحة - أبو بكر عبد اللَّه بن طلحة البابري الإشبيلي\nالمالكي - في كتابه: \" المدخل في الفقه \" أن الرجل لو قال لامرأته:\n\" أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثا \"، ففيه قولان:\nالقول الأول: أنه استثناء ينفعه.\nوالثاني: أنه لا ينفعه، ويلزمه الثلاب، ويعد نادما.\nفعلى القول الأول: لا تطلق زوجته، وذلك يدل على صحة\nاستثناء الكل.\nولكن قال كثير من العلماء: إنه قول غريب وشاذ.\nولذلك لا يخرق ما أجمع العلماء عليه من أنه لا يجوز استثناء\nالكل، وهو الحق - لما قلنا فيما سبق - فلو استثنى الكل لكان هذا\nالاستثناء لغوًا، وكانت العبرة بما نطق به أولًا، فمن قال: \" له\nعليّ عشرة إلا عشرة \"، فإن هذا يعتبر لاغيا، فتلزمه العشرة التى\nأقر بها أولًا.\nوأثر هذه المسألة قد وضح من المثال السابق.\n***\nالمسألة التاسعة: هل يجوز استثناء الأكثر أو لا؟\nلقد اختلف العلماء في. ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز استثناء الأكثر، بل الذي يصح:\nاستثناء الأقل، أي: لا يجوز أن يكون المستثنى أكثر من الباقي بعد\nالاستثناء.","vol":"4","page":1684},{"text":"وهو مذهب أكثر نحاة البصرة، وأكثر الحنابلة، وبعض الحنفية\nكأبي يوسف، وبعض المالكية كابن الماجشون، والباقلاني.\nوهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن الاستثناء وأحكامه قد أخذناه عن طريق أهل\nاللغة، وأهل اللغة أنفسهم ذكروا أن المتكلم لو استثنى الأكثر لكان\nكلامه عيًا ولكنة.\nقال ابن جني: \" ولو قال قائل: هذه مائة إلا تسعين - ما كان\nمتكلما بالعربية، وكان كلامه عيا ولكنة.\nوقال القتبي - وهو ابن قتيبة -: يجوز أن يقول: \" صمت\nالشهر إلا يومًا \"، ولا يجوز أن يقول: \" صمت الشهر كله إلا\nتسعة وعشرين يوما \".\nوقال مثل ذلك ابن درستويه: عبد اللَّه بن جعفر النحوي.\nوقال أبو إسحاق الزجاج: لم يأت الاستثناء في كلام العرب إلا\nفي القليل من الكثير، فإذا كان هؤلاء الأئمة قد أنكروا استثناء\nالأكثر، فإنه يثبت أن استثناء الأكثر ليس من اللغة، فلا يجوز.\nولو جاز استثناء الأكثر لجاز في كل ما قبحه أهل اللغة وكرهه\nلسان العرب.\nالدليل الثاني: أن الاستثناء قد جرى في كلام العرب على خلاف\nالأصل؛ لأنه إنكار بعد إقرار، والأصل: عدم الإنكار، لكن لما\nكان الإنسان قد يغفل عن بعض ما أقر به أجيز استثناء القليل لدفع\nالضرر، وأما الأكثر فلا يُعقل أن يغفل عنه الإنسان، فلم يجز فيه\nالاستثناء جريا على الأصل في الكلام.","vol":"4","page":1685},{"text":"المذهب الثاني: أنه يجوز استثناء الأكثر.\nوهو لجمهور العلماء، فيجوز أن يقول: \" له علي عشرة إلا\nتسعة \"، فيكون مقرًا بواحد.\nِأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين)، وقال: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) .\nوجه الدلالة: أنه في الآيتين قد استثنى كل واحد منهما من الآخر،\nففي الآية الأولى قد استثنى العباد من الغاوين، وفي الآية\nالثانية قد استثنى الغاوين من العباد، فإن استووا فقد استثنى المساوي\nوإن تفاوتوا فأيهما كان أكثر فقد استثناه وأبقى الأقل، وهذا يدل على\nجوازه.\nعلى أن الغاوين أكثر من غير شك بدليل قوله تعالى:\n(وقليل في عبادي الشكور)، وقوله: (ولا تجد أكثرهم شاكرين)،\nوقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) .\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه لو ثبت أن أحد الفريقين أكثر من الآخر، وأنه\nاستثناء لم يكن قد استثنى الأكثر، بل استثنى الأقل في الموضعين،\nبيان ذلك:\nأما الآية الأولى، فإن هناك شواهد دلَّت على أنه استثنى الأقل؛\nحيث قال تعالى: (لأغوينهم أجمعين) يعني ولد آدم بدليل قوله","vol":"4","page":1686},{"text":"تعالى في سورة أخرى: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)\nثم استثنى في سورة أخرى قائلًا: (إلا عبادك منهم المخلصين)،\nوهم القليل المذكور، ولهذا قيده بلفظ \" منهم \"، فثبت أنه استثنى الأقل وأبقى الأكثر.\nأما الآية الثانية، فإن اللَّه تعالى قال فيها:\n(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)، فأضاف العباد إليه مطلقا،\nوذلك يقع على كل عبد له من مَلَك، وآدمي، وجني، ثم قال:\n(إلا من اتبعك من الغاوين)، والغاوون من جميع العباد هم الأقل؛ لأن الملائكة كلهم غير غاوين كما قال تعالى: (بل عباد مكرمون)، وهم أكثر\nالخلق، ويضاف إليهم من آمن من الإنس والجن، فيكونون أكثر من\nالغاوين، فثبت أنه استثنى الأقل، وأبقى الأكثر.\nالجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن \" إلا \" في الآيتين للاستثناء، بل هي\nبمعنى \" لكن \"، والتقدير يكون في الآية الأولى: \" ولكن عبادك\nالمخلصين لا أستطيع غوايته \"، والتقدير في الآية الثانية: \" ولكن\nمن اتبعك من الغاوين فإن جهنم موعدهم أجمعين \".\nأما الآية الأولى فظاهر فيها أن المراد\"بلفظ \" إلا \": \" لكن \".\nأما الآية الثانية وهي قوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك)، فظاهرها يفيد أنه استثناء - في السلطان، تقديره:\n\" إلا اتبعك من الغاوين، فإن لك عليهم سلطانا \"، وهذا لا يصح؛\nلأن الغاوين لا سلطان له عليهم - أيضا - دلَّ على ذلك قوله تعالى:\n(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي)، فأخبر أنه لا سلطان له على الغاوين - أيضا - فدل هذا على","vol":"4","page":1687},{"text":"أن تقدير الكلام: \" لكن من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم\nأجمعين \".\nالدليل الثاني: قياس الاستثناء على التخصيص بالمنفصل، بيان\nذلك:\nأنه كما يجوز إخراج أكثر ما تناوله اللفظ بالمخصصات المنفصلة.\nفكذلك يجوز إخراج أكثر ما تناوله اللفظ بالاستثناء، ولا فرق،\nبجامع: أن كلًا منهما يخرج من العموم ما لولاه لدخل.\nجوابه:\nإن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من\nوجهين:\nالوجه الأول: أن التخصيص بالمنفصل لا يختص بعبارة، فهو\nيصح بجميع أدلة العقل والنقل، ولا يقف على حرف مخصوص،\nأما الاستثناء فلا يجوز إلا بحروف مخصوصة، ولهذا يجوز\nتخصيص المعلوم من المجهول، والمجهول من المعلوم في المنفصل،\nولا يجوز ذلك في الاستثناء بالعدد.\nالوجه الثاني: أن من جنس التخصيص بالمنفصل ما يرفع الجملة\nوهو: النسخ؛ لأن التخصيص: تخصيص الأعيان، والنسخ:\nتخصيص الزمان، وليس من جنس الاستثناء ما يرفع الجملة؛ حيث\nلا يجوز استثناء الكل كما سبق.\nالدليل الثالث: قياس استثناء الأكثر على استثناء الأقل، بيانه:\nأنه كما يجوز استثناء الأقل وإبقاء الأكثر باتفاق، فكذلك يجوز","vol":"4","page":1688},{"text":"استثناء الأكثر وإبقاء الأقل، ولا فرق، بجامع: أن كلاَّ منهما فيه\nإخراج بعض ما شمله العموم.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،\nوالفرق بينهما من وجهين:\nالوجه الأول: أن استثناء الأقل هي لغة العرب، واستعمله أهل\nاللسان وصرحوا بجوازه، بخلاف استثناء الأكثر فقد نفوه وقبحوه\nكما سبق ذكر ذلك، فقياس ما قبحه أهل اللغة وأنكروه - وهو\nاستثناء الأكثر - على ما استحسنه أهل اللغة وأجازوه - وهو استثناء\nالأقل - لا يمكن عقلًا.\nالوجه الثاني: أن الاستثناء وضع للاختصار، أو للاستدراك،\nويحسن ذلك في الأقل، وليس في الحكمة وجود ذلك في الأكثر.\nالدليل الرابع: أن استثناء الأكثر قد ورد استعماله في قول الشاعر:\nأدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالحق قواما\nفهنا قد استثنى الشاعر تسعين من مائة، وهو استثناء الأكثر، فهذا\nالاستعمال دليل جوازه.\nجوابه:\nإن هذا البيت ليمس فيه استثناء لفظي؛ لأنه لم يأت فيه بأداة\nالاستثناء، وأدوات الاستثناء معروفة ومحصورة، ؤإنما ذكر نقصان\nالأكثر مما دخل تحت الاسم.","vol":"4","page":1689},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا قد اختلف العلماء فيه على قولين:\nالقول الأول: إن الخلاف معنوي، وهو الحق؛ لأنه قد أثر في\nبعض الفروع الفقهية، ومنها:\n١ - أنه لو قال لزوجته: \" أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين \" فقد\nاختلف العلماء في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف فى هذا\nالأصل.\nفبناء على قول أصحاب المذهب الأول - وهم المانعون من جواز\nاستثناء الأكثر - فإنه يلزم الزوج جميع المستثنى منه، وهي التطليقات\nالثلاث، ويكون الاستثناء لغوًا.\nوبناء على قول أصحاب المذهب الثاني - وهم المجيزون لاستثناء\nالأكثر - فإنه يلزم الزوج طلقة واحدة.\n٢ - إذا قال: \" له عليّ عشرة إلا تسعة \" فقد اختلف في الشيء\nالذي يلزم المقر - هنا -.\nفبناء على قول أصحاب المذهب الأول - وهم المانعون من استثناء\nالأكثر - فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغوًا،\nفتلزمه العشرة - كلها -.\nوبناء على قول أصحاب المذهب الثاني - وهم المجيزون استثناء\nالأكثر - فإنه يلزم المقر واحد فقط.\nالقول الثاني: إن الخلاف لفظي، وهو اختيار المازري، وعلل\nذلك بأن أصحاب المذهبين لم يخالفوا في الحكم، وإنما خالف أصحاب","vol":"4","page":1690},{"text":"المذهب الأول؛ لأن العرب لم تستعمل استثناء الأكثر، لكن العرب\nوإن لم تستعمله فلا يسقط حكم الاستثناء في الإقرار وغيره.\nجوابه:\nلا نسلم أن أصحاب المذهب الأول لم يخالفوا في الحكم، بل\nخالفوا في مسائل الإقرار، والطلاق، وغير ذلك؛ بناء على\nخلافهم في هذه القاعدة.\nالمسألة العاشرة: هل يجوز استثناء النصف:\nلقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المسألة السابقة - وهم\nالمانعون من استثناء الأكثر - في استثناء النصف على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز استثناء النصف، بل الذي يجوز\nاستثناء أقل من النصف.\nوهو مذهب الباقلاني، وأكثر الحنابلة، والخليل ابن أحمد،\nوالنضر بن شميل، وجمهور البصريين، وهو الحق؛ لما سبق من\nالدليلين المذكورين في المذهب الأول - وهو عدم جواز استثناء\nالأكثر - وهما يدلان على عدم جواز استثناء النصف.\nالمذهب الثاني: يجوز استثناء النصف، وأما الأكثر منه فلا يجوز.\nوهو اختيار بعض النحويين كابن درستويه النحوي، وبعض\nالحنابلة.\nدليل هذا المذهب:\nقوله تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلًا نصفه) .","vol":"4","page":1691},{"text":"وجه الدلالة: أنه هنا قد استثنى النصف، وليس هو بأقل من\nالمستثنى منه، بل هو مساوي له، وهو استدلال مبني على أن \"نصفه \"\nبدل من \" قليلًا \"، فيكون في حكم المستثنى من الليل، والتقدير:\n\" قم الليل إلا نصفه \".\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن لفظ \" نصفه \" كلام مبتدأ ليس باستثناء، وإنما\nالاستثناء في قوله: \" إلا قليلًا \".\nالجواب الثاني: أن \" نصفه \" ظرف للقيام فيه، ويكون \" نصفه \"\nبدل من الليل، والتقدير: \" قم الليل نصفه إلا قليلًا \"، أو تقول:\nالتقدير: \" قم نصف الليل إلا قليلًا \".\nإذن الآية لا تصلح للاستدلال بها على جواز استثناء النصف.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\n١ - أنه لو قال: \" له علي عشرة إلا خمسة \" فقد اختلف في\nالشيء الذي يلزم المقر - هنا -.\nفبناء على المذهب الأول - وهو عدم جواز استثناء النصف - فإنه\nيلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغوًا، فتلزمه العشرة\n- كلها -.\nوبناء على المذهب الثاني - وهو جواز استثناء النصف - فإنه يلزم\nالمقر خمسة فقط.","vol":"4","page":1692},{"text":"المسألة الحادية عشرة: الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة\nبالواو هل يرجع إليها جميعًا، أو يرجع إلى الأخيرة فقط؟\nمحل الخلاف في هذه المسألة إذا لم يكن هناك قرينة تدل على\nإرادة الجميع، أو قرينة تدل على أن المراد الجملة الأخيرة أو الأولى،\nفإن كان هناك قرينة وجب العمل بما تقتضي تلك القرينة.\nومثال الاستثناء الذي يعود إلى الجميع بقرينة: قوله تعالى:\n(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)،\nفإن الاستثناء هنا راجع إلى الجميع اتفاقا.\nوأيضًا يمكن أن يمثل لذلك بقوله تعالى:\n(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ...)، ثم قال في آخر الآية: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ...)، فإنه يرجع إلى الجميع اتفاقا.\nومثال الاستثناء الذي يرجع إلى الجملة الأولى بقرينة قوله تعالى:\n(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)،\nفالاستثناء هنا راجع إلى الجملة الأولى؛ لأن المعنى: فمن شرب منه\nفليس مني إلا من اغترف غرفة بيده فإنه مني، ولو كان الاستثناء\nراجعًا إلى الأخيرة لكان المعنى: ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من\nاغترف غرفة بيده، وهذا لا يراد.\nومثال الاستثناء الذي يرجع إلى الجملة الأخيرة بقرينة قوله تعالى:","vol":"4","page":1693},{"text":"(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا)، فإن الاستثناء راجع إلى الأخيرة؛ لأن تحرير الرقبة\nهو حق لله، فلا يسقط بإسقاطهم.\nوالنزاع واقع في الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو، أما\nإذا كان العاطف غيرها كالفاء، وثم، فإن الاستثناء يختص\nبالأخيرة، حيث إن الفاء وثم يقتضيان الترتيب كما سبق قوله في\nمعاني الحروف، أما الواو فلا تقتضي ذلك.\nإذن: اختلف العلماء في الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة\nبالواو هل يرجع إليها جميعًا، أو يرجع إلى الأخيرة فقط؛ على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يرجع إلى جميع الجمل.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: اتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل\nجملة يعتبر نوعًا من العي، والركاكة فيما لو أراد إرجاعه إلى الجميع\nكما لو قال: \" إن شرب زيد الخمر فاضربه إلا أن يتوب، وإن زنا\nفاضربه إلا أن يتوب \"، فإذا ثبت استقباح ذلك: فلم يبق - للتخلص\nمن ذلك - إلا أن يجعل استثناء واحدًا في آخر الجمل ويعود إلى\nجميعها فيقول: \" إن شرب زيد الخمر فاضربه، وإن زنا فاضربه إلا\nأن يتوب \".\nالدليل الثاني: القياس على الشرط، بيانه:\nكما أن الشرط إذا تعقب جملًا، فإنه يرجع إلى جميع الجمل،\nفتقول: \" نسائي طوالق، وعبيدي أحرار إن كلمت زيدًا \"،","vol":"4","page":1694},{"text":"فكذلك الاستثناء فإنه يرجع إلى جميعها، ولا فرق بينهما، والجامع:\nأن كلًّا منهما لا يستقل بنفسه، وأنهما يتعلقان بغيرهما من الكلام،\nولا بد من اتصالهما، فإذا ثبت شيء لأحدهما ثبت في الآخر.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا - على ذلك: إن قياسكم الاستثناء على\nالشرط قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن رتبة\nالشرط: أن يتقدم على الجزاء سواء تقدم على اللفظ أو تأخر،\nفكانه في المثال السابق قال: \" إن كلمت زيدًا فنسائي طوالق وعبيدي\nأحرار \".\nبخلاف الاستثناء فإنه لا يصلح أن يتقدم - كما سبق بيانه -.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: نحن لم نقس الاستثناء على الشرط مطلقا، بل\nقسنا الاستثناء على الشرط المتأخر، فإنه هنا لا فرق بينهما كما سبق.\nالجواب الثاني: على فرض تقدم الشرط فإنه يتعلق بجميع الجمل\nمثل ما إذا تأخر، فقولنا: \" إن كلمت زيدًا فنسائي طوالق وعبيدي\nأحرار \"، مثل قولنا: \" نسائي طوالق وعبيدي أحرار إن كلمت\nزيدأ\"، ولا فرق، فإذا كان الشرط متعلقا بجميع الجمل، سواء\nتقدم أو تأخر، فكذلك الاستثناء فإنه مساو للشرط في حال تأخره.\nالدليل الثالث: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة\nالجملة الواحدة، ولهذا فلا فرق بين قوله: \" اضرب الجماعة التي\nمنها قتلة وسراق وزناة إلا من تاب \"، وبين قوله: \" اضرب من قتل","vol":"4","page":1695},{"text":"وزنا وسرق إلا من تاب \"، فوجب اشتراكهما في عود الاستثناء إلى\nالجميع.\nالدليل الرابع: أن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من\nالجمل، وليس البعض أَوْلى من البعض، فوجب العود إلى الجميع\nكالعام.\nالمذهب الثاني: أن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة، ولا يرجع\nإلى جميع الجمل.\nوهو مذهب أبي حنيفة، وجمهور الحنفية، وبعض الحنابلة كالمجد\nابن تيمية، وكثير من الظاهرية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن العموم يثبت في كل صورة وجملة بيقين،\nوعود الاستثناء إلى جميعها مشكوك فيه، فلا يرفع اليقين بالشك.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن العموم لا يثبت قبل تمام الكلام، وما تم\nالكلام حتى أردف وأتى باستثناء يرجع إلى العموم.\nالجواب الثاني: يلزم من كلامكم هذا: أن لا يعود الشرط\nوالصفة على جميع الجمل - لما ذكروه من أن التعميم متيقن - مع أن\nأكثركم يسلم أن الشرط والصفة يعودان إلى جميع الجمل.\nالدليل الثاني: أن الجملة الثانية فاصلة بين الاستثناء والجملة\nالأولى، فلم يرجع الاستثناء إليها، كما لو فصل بينهما بقطع\nالكلام، وإطالة السكوت، أو بكلام آخر.","vol":"4","page":1696},{"text":"جوابه:\nلا نسلم أنه فصل؛ لأنا ذكرنا أنه لما عطف بعض الجمل على\nالبعض الآخر بالواو صارت الجمل كالجملة الواحدة.\nالدليل الثالث: أن الاستثناء لا يستقل بنفسه، ولا يفيد بمفرده،\nفوجب رده إلى ما قبله مباشرة، فإذا رد إلى ما قبله مباشرة، وهو\nالذي يليه، فقد استقل وأفاد، فإذا استقل وأفاد فلا حاجة إلى تعليقه\nبما قيل ذلك من الجمل؛ لأن تعليقه بذلك تعليق على الزيادة فيجري\nمجرى الكلام المستقل بغيره لا من ضرورة.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا قد جعلنا الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل التي\nقبله؛ نظرًا لصلاحيته لأن يرجع إليها، فلا نسلم أنه تعلق بما قبله\nضرورة.\nالجواب الثاني: أن كلامكم هذا يبطل بالشرط والصفة؛ لأنهما\nيتعلقان بجميع الجمل، فكذلك الاستثناء، ولا فرق، فلو قال:\n\"أكرم العلماء والتجار إن كانوا طوالا \"، أو قال: \" أكرم العلماء\nوالتجار الطوال \"، فإن ذلك يرجع إلى الجميع، فكذلك هنا.\nبيان نوع الحنلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إن هذا الخلاف قد أثر في بعض\nالفروع، ومنها:\n١ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا)","vol":"4","page":1697},{"text":"فإنه بناء على المذهب الأول فإن هذا الاستثناء راجع إلى الجملتين السابقتين معا، وهما الواردتان في قوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا)،\nوقوله: (وأولئك هم الفاسقون)، والتقدير: \" لا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلا الذين تابوا منهم فاقبلوا شهادتهم فيما بعد \"،\nوكذلك يقال: \" وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا، فلا يحكم عليهم بفسق \".\nأي: أنه على المذهب الأول: القاذف إذا تاب تقبل شهادته،\nوتعود إليه عدالته؛ بناء على أن الاستثناء يرجع إلى الجملتين السابقتين.\nأما أصحاب المذهب الثاني فإنهم أرجعوا الاستثناء إلى الجملة\nالأخيرة فقط، فلذلك قالوا: إن التوبة لا تسقط عدم قبول الشهادة،\nبل إن شهادته تبقى مردودة، ولكنها - أي: التوبة - ترفع عنه\nوصف الفسق.\n٢ - قوله - ﷺ -: \" لا يؤم الرجل في أهله، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه \".\nفإن الاستثناء على المذهب الأول يرجع إلى الجملتين السابقتين معا\nوهما: \" لا يؤم الرجل في أهله \"، و\" لا يجلس على تكرمته \".\nإذن يكون الإذن في الأمرين، أي: لا يؤم الرجل في أهله إلا\nبإذنه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.\nأما على المذهب الثاني، فإن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة\nفقط، وعلى ذلك يكون الإذن يشترط في جلوسه على تكرمته فقط،\nدون الإمامة في الصلاة، وهكذا تقول في كل ما يماثل ذلك.","vol":"4","page":1698},{"text":"المسألة الثانية عشرة: صور الاستثناءات المتعدِّدة:\nالصورة الأولى: أن يكون استثناء معطوف على ما قبله كقولك:\n\" علي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين \"، فترجع جميعها إلى العشرة،\nفيكون المقربة خمسة؛ لأن العطف يقتضي الشاركة بين المعطوف\nوالمعطوف عليه في الحكم، والعطوف خارج من المستثنى منه،\nفكذلك المعطوف عليه.\nالصورة الثانية: أن لا يعطف الاستثناء، ويكون الثاني مستغرقًا لا\nقبله كقولك: \" عليّ عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة \" فترجع جميعها إلى\nالعشرة وهو الأولى؛ لأن استغراق الثاني للأول يمنع من رجوعه إليه؛\nحيث قلنا: إن الاستثناء لا يستغرق.\nالصورة الثالثة: عدم وجود العطف، وعدم استغراق الثاني\nللأول كقولك: \" عليّ عشرة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة \" فهنا كل\nاستثناء يرجع إلى ما قبله مباشرة؛ لقربه منه فيختص به، فتكون\nالسبعة مستثناة من الثمانية، والثمانية مستثناة من العشرة، والستة\nمستثناة من السبعة، ويعمل في ذلك قاعدة: \" أن الاستثناء من النفي\nإثبات ومن الإثبات نفي \"، وتطبق المثال على هذه القاعدة فتقول:\nإن \" الثمانية \" منفية؛ لأننا قد استثنيناها من \" العشرة \" المثبتة.\nوتكون \" السبعة \" مثبتة؛ لأننا قد استثنيناها من \" الثمانية \" المنفية.\nوتكون \" الستة \" منفية؛ لأننا قد استثنيناها من \" السبعة \" المثبتة.\nفيلزمه على هذا ثلاثة فقط، قد تقول: كيف أخرجت ذلك؛\nنقول: إنه لا استثنى الثمانية من العشرة يكون الباقي اثنين.\nولما استثنى السبعة من الثمانية \" المنفية \" أي: التي نفاها عنه يكون\nبذلك قد أثبت السبعة، فإذا ضممت إلى السبعة الاثنين السابقين\nيكون جملة ما لزمه تسعة، فإذا أخرج من التسعة ستة بقي ثلاثة.","vol":"4","page":1699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>الفصل الثالث عشر المطلق والمقيد</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: تعريف المطلق.\nالمبحث الثاني: بيان في أي شيء يكون المطلق؛ والأمثلة على ذلك.\nالمبحث الثالث: تعريف المقيد.\nالمبحث الرابع: على أي شيء يطلق المقيد؟\nالمبحث الخامس: مقيدات المطلق.\nالمبحث السادس: إذا اجتمع مطلق ومقيد\nفهل يحمل المطلق على المقيد أو لا؟\nالمبحث السابع: إذا ورد لفظ مطلق، ثم قيده مرة، ثم قيده مرة\nثانية بخلاف التقييد الأول فما الحكم؟","vol":"4","page":1701},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>المبحث الأول تعريف المطلق</span>\nالمطلق لغة هو: الانفكاك من أي قيد: حسيا كان أو معنويًا،\nفمثال الحسي: قولهم: \" هذا الفرس مطلق \"، ومثال المعنوي:\nالإطلاق في الأدلة.\nالمطلق اصطلاحا: اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة\nشاملة لجنسه.\nفقولنا: \" اللفظ \" جنس يشمل كل ملفوظ به: مفيدًا أو غير مفيد.\nوقولنا: \" المتناول لواحد \" أخرج اللفظ غير المفيد، وأخرج\nألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد.\nوقولنا: \" لا بعينه \" أخرج أسماء الأعلام، وما مدلوله واحد\nمعين، والعام المستغرق.\nوقولنا: \" باعتبار حقيقة شاملة لجنسه \" أخرج المشترك، والواجب\nالمخير، فإن كلًّا منهما يتناول واحدًا لا بعينه باعتبار حقائق مختلفة.\nفمثلًا: قول السيد لعبده: \" أكرم طالبا \"، فإن هذا الأمر قد\nتناول واحدًا من الطلاب غير - معين، ومدلول هذا الأمر شائع في\nجنسه.\nأي: لا يوجد طالب معروف، أو جماعة من الطلاب معروفين\nبصفة معينة، بل الواجب على العبد اخحيار أي طالب ويكرمه،\nوتبرأ ذمة العبد.","vol":"4","page":1703},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>المبحث الثاني في أي شيء يكون المطلق؛ والأمثلة على ذلك</span>\nالمطلق يكون في أمور:\nالأول: أنه قد يكون في معرض الأمر كقولك: \" اعتق رقبة \"،\nأو \" أعط طالبًا جائزة \".\nالثاني: قد يكون في مصدر الأمر كقوله تعالى: (فتحرير رقبة) .\nالثالث: قد يكون في مصدر الخبر عن المستقبل كقوله عليه\nالسلام: \" لا نكاح إلا بولي \"، وكقولك: \" سأعتق رقبة \".\nلكن لا يمكن أن يكون الإطلاق في معرض الخبر المتعلق بالماضي\nكقولك: \" رأيت رجلًا \"، أو \" أعطيت طالبًا \"، أو \" أعتقت\nرقبة\"؛ لأن هؤلاء - وهم الرجل والطالب والرقبة - قد تعينوا\nبالضرورة، وهي ضرورة إسناد الرؤية إلى الرجل، وضرورة إسناد\nالعطية إلى الطالب، وضرورة إسناد الإعتاق إلى الرقيق.","vol":"4","page":1704},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>المبحث الثالث تعريف المقيد</span>\nالمقيد لغة: ما يقابل المطلق، وهو ما قيد بشيء من وصف أو\nشرط أو نحوه.\nوالمقيد اصطلاحا هو: المتناول لمعين، أؤ لغير معين موصوف بأمر\nزائد على الحقيقة الشاملة لجنسه.\nمثال ذلك: قولنا: \" أعط هذا الطالب \"، أو \" أعط الطالب\nالطويل \"، فقد قيدنا الطالب الأول بتعيينه بالإشارة إليه، وقيدنا\nالطالب الثاني بوصفه بالطول الذي أخرجه عن بقية الطلاب.","vol":"4","page":1705},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>المبحث الرابع على أي شيء يطلق المقيد</span>؟\nالتقييد يطلق باعتبارين:\nالأول: ما كان من الألفاظ دالًا على غير معين، ولكنه موصوف\nبوصف زائد على مدلوله المطلق، كقوله تعالى: (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)،\nوكقولك: \" أكرم الطالب الناجح \".\nالثاني: ما كان من الألفاظ الدالة على مدلول معين، أو ما تناول\nمعينًا كزيد وعمرو، وهذا الرجل.","vol":"4","page":1706},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>المبحث الخامس مقيدات المطلق</span>\nالمطلق والمقيد كالعام والخاص فيما ذكر من مخصصات العموم\nالمتصلة والمنفصلة، المتفق عليها، والمختلف فيها.\nفعلى هذا يجوز تقييد الكتاب بالكتاب، والسُّنَّة بالسُّنَّة، وتقييد\nالسُّنَّة بالكتاب و، والعكس، وتقيد المطلق بالإجماع، والقياس،\nوالمفاهيم، ونحو ذلك.","vol":"4","page":1707},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>المبحث السادس إذا اجتمع مطلق ومقيد فهل يحمل\nالمطلق على المقيد أو لا</span>؟\nهذا يختلف باختلاف أحوال ورودهما، ففي بعض الحالات لا\nيحمل المطلق على المقيد إذا وردا، وفي بعض الحالات يحمل،\nوإليك بيان ذلك:\nالحالة الأولى: أن لا يكون متعلِّق حكم المطلق هو عين متعلِّق\nحكم المقيد مثل أن يقول: \" أدوا الصلاة \"، ويقول: \" اعتقوا رقبة\nمؤمنة إذا حنثتم \" فهنا لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقا؛ لأنه لا\nيوجد مناسبة بينهما، ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلًا.\nالحالة الثانية: أن يكون متعلِّق حكم المطلق هو عين متعلّق حكم\nالمقيد.\nوهذه الحالة لها ست صور:\nالصورة الأولى: أن يكون متعلقهما واحدًا والسبب واحدًا، وكل\nواحد منهما أمرًا كقوله: اعتقوا رقبة إذا حنثتم، ثم يقول: اعتقوا\nرقبة مؤمنة إذا حنثتم، فهنا يحمل المطلق على المقيد، وكذا لو قال:\nاعتقوا رقبة مؤمنة، ثم قال: اعتقوا رقبة، وكذا لو لم نعلم تقدم\nأحدهما، ففي هذا كله يحمل الطلق على المقيد.\nدليل ذلك. أن الجمع بين الدليلين أَوْلى من إعمال أحدهما وترك","vol":"4","page":1708},{"text":"الآخر: فالعمل بالمقيد عمل بالمطلق ضرورة أن المطلق جزء من\nالمقيد، والآتي بالكل آت بالجزء، فيكون العمل بالمقيد عملًا\nبالدليلين، وأما العمل بالمطلق فليس عملًا بالمقيد؛ لأن الآتي بالجزء\nلا يكون آتيا بالكل، بل يكون تاركا للمقيد، فيكون العمل بالمطلق\nيستلزم ترك المقيد بالكلية.\nالصورة الثانية: أن يكون متعلق المطلق والمقيد واحدًا والسبب\nواحدًا، وكل واحد منهما نهيا مثل أن يقول: \" لا تعتق رقبة \"، ثم\nيقول مرة أخرى: \" لا تعتق رقبة كافرة في كفارة اليمين \"، فهنا فيه\nتفصيل:\nأن من يقول بأن المفهوم حُجَّة، وأنه يخصص به العموم فإنه\nيخصص النهي العام؛ لأن النهي في قوله: \" لا تعتق رقبة كافرة \"\nيدل على إجزاء المسلمة؛ لأنه مختص بالنهي عن الكافرة، وهو\nبمفهومه يدل على إجزاء المسلمة، وهذا بناء على جواز التخصيص\nبالمفهوم كما سبق بيانه.\nأما من لم يحتج بالمفهوم، فإنه لا يخصص النهي العام؛ لأنه لا\nموجب لذلك.\nالصورة الثالثة: أن يكون متعلق المطلق والمقيد واحدًا، والسبب\nواحدًا، ويكون أحدهما أمرًا والآخر نهيا، فإن المقيد يوجب تقييد\nالمطلق بضده، سواء كان المطلق أمرًا والمقيد نهيا كقوله: \" اعتق\nرقبة\"، ثم يقول: \" لا تعتق رقبة كافرة \"، أو كان المطلق نهيا،\nوالمقيد أمرًا كقوله: \" لا تعتق رقبة \"، ثم يقول: \" اعتق رقبة\nمؤمنة\".\nالصورة الرابعة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحدًا، وسبب","vol":"4","page":1709},{"text":"المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكل واحد منهما أمرًا كقوله تعالى\nفي كفارة الظهار: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)، وقوله في كفارة القتل:\n(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، فهنا الحكم واحد، وهو في\nوجوب إعتاق رقبة، وهو في المطلق والمقيد أمر، والسبب مختلف،\nحيث إن سبب عتق الرقبة في المطلق هو: الظهار، وسبب عتق\n- الرقبة في المقيد هو: القتل الخطأ، فهل يحمل المطلق على المقيد،\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: إن قام دليل نحو القياس على المقيد أو غيره حمل\nالمطلق على المقيد، وإن لم يقم دليل، فإن المطلق يبقى على\nإطلاقه، وهو مذهب جمهور الشافعية، ومنهم الإمام الشافعي،\nوالآمدي، وفخر الدين الرازي، وبعض المالكية كالقاضي أبي بكر\nالباقلاني، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب، وبعض المعتزلة كأبي\nالحسين البصري، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن القياس دليل شرعي عام في كل صورة إلا إذا\nفقد فيه ركن من أركانه، أو شرط من شروطه، وذلك لأن الأدلة\nعلى حجيته لم تفرق بين صورة وصورة، فإذا دلَّ القياس على حمل\nالمطلق على المقيد، فإنه يجب العمل على في لك عملًا بحجية القياس.\nالدليل الثاني: قياس تقييد المطلق على تخصيص العام بالقياس،\nبيانه:\nأنه كما أن العام يجوز تخصيصه بالقياس، فكذلك يجوز تقييد\nالمطلق بالقياس، والجامع: صيانة القياس عن الإلغاء، بل هذا\nأَوْلى \" لأن دلالة العام على كل الأفراد دلالة لفظية، ودلالة المطلق","vol":"4","page":1710},{"text":"على ذلك ليست لفظية، بل معنوية، ومعروف: أن الدلالة اللفظية\nأقوى من الدلالة المعنوية، فإذا كان القياس يخصص العام مع أن\nدلالته على الأفراد لفظية وهي قوية، فمن باب أوْلى جواز تقييد\nالمطلق بالقياس.\nالمذهب الثاني: أن المطلق يحمل على المقيد عن طريق اللغة\nواللفظ من غير حاجة إلى دليل آخر.\nوهو مذهب بعض الحنابلة كأبي يعلى، وبعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن المطلق في باب الشهادة، كقوله تعالى:\n(واستشهدوا شهيدين من رجالكم)، قد حمل على المقيد الوارد\nفي قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم)، ولذلك أجمع\nالعلماء على اعتبار العدالة في جميع الشهود، ومنها شهود المداينة\nمع أنه أطلق فيها هاهنا.\nوالجامع: تقديم المقيد الذي هو كالخاص على المطلق الذي هو\nكالعام.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن ذلك التقييد بحسب اللفظ، من غير\nدليل، بل هو بدليل وهو الإجماع والنص، وهو قوله تعالى:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، والقياس على\nالموضع الذي نص فيه على العدالة بجامع حصول الثقة بقولهم.","vol":"4","page":1711},{"text":"الجواب الثاني: أن هذا غير منضبط في كل شيء، فقد قيد في\nالوضوء بالمرافق، وأطلق بالتيمم، فلم نحمله عليه، فتقابلا.\nالدليل الثاني: أن حمل المطلق على المقيد هو لغة العرب،\nفالعرب تطلق الحكم في موضع، وتقيده في موضع آخر، فيحمل\nالمطلق على المقيد، وهذا له أمثلة كثيرة.\nمن ذلك: قوله تعالى: (والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات)، فحمل لفظ \" الحافظات \"\nو\" الذاكرات \" على \" الحافظين \" و\" الذاكرين \"، وقول الشاعر:\nنحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف\nوالتقدير: ونحن بما عندنا راضون، فحمل المطلق على المقيد لغة\nوغير ذلك من الأمثلة\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن جميع ما ذكروه حمل المطلق على المقيد\nبدليل، والدليل في تلك الأمثلة هو: العطف؛ لأن حكم المعطوف\nهو حكم المعطوف عليه.\nوهو واضح في الآيتين وبيت الشعر.\nالجواب الثاني: أن المطلق حمل على المقيد في تلك الأمثلة السابقة\nلدليل، وهو: أن أحد الكلامين غير مستقل بنفسه، ولا يفيد فائدة\nفحمل على الآخر لموضع الحاجة على حمل الكلام على فائدة.\nالمذهب الثالث: أنه لا يحمل المطلق على المقيد مطلقا، وهو قول\nأكثر الحنفية، وبعض الشافعية، وكثير من الحنابلة.","vol":"4","page":1712},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن حمل المطلق على القيد رفع لحكم المطلق، وذلك نسخ له،\nوالنسخ لا يثبت بالقياس.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن زوال الحكم كان بطريق النسخ، بل هو عندنا\nبطريق التقييد، ولهذا يكون الحكم كذلك لو كان المطلق والمقيد\nمقترنين في الورود، أو كان القيد متقدمًا، ولو كان بطريق النسخ لما\nكان كذلك؛ لأن من شروط النسخ أن يكون الناسخ متأخرًا عن\nالمنسوخ - كما سبق -.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ لأن بعض الفروع الفقهية قد تأثرت بهذا الخلاف،\nومنها:\nأنه قال تعالى في الظهار: (فتحرير رقبة)، وقال في آية قتل\nالخطأ: (فتحرير رقبة مؤمنة)، فعلى المذهب الأول والثاني:\nيحمل المطلق على القيد في هذه الصورة، فلا يجزي عند أصحاب\nهذين المذهبين في الكفارتين إلا الرقبة المؤمنة، وهو مذهب جمهور\nالعلماء.\nأما عند أصحاب المذهب الثالث - وهم الذين منعوا حمل المطلق\nعلى المقيد في هذه الصورة - فقد أعملوا المطلق على إطلاقه،\nوأعملوا المقيد على تقييده، ففي كفارة الظهار تجزئ عندهم الرقبة\nالكافرة عملًا بالإطلاق، وفي كفارة القتل الخطأ لا تجزئ إلا الرقبة\nالمؤمنة عملًا بالتقييد.","vol":"4","page":1713},{"text":"الصورة الخامسة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحدًا، وكل\nواحد منهما نهيًا، والسبب مختلف مثل أن يقول: \" لا تعتق رقبة \"\nفي كفارة الظهار، ثم يقول: \" لا تعتق رقبة كافرة \" في كفارة\nالقتل، في هذه الصورة تفصيل:\nفمن يحتج بالمفهوم وتقييد المطلق بالمقيد إن وجد دليل، فإنه\nيخصص النهي العام بالكافرة إن وجد دليل، وإن لم يوجد فلا\nيخصص، فمفهوم قوله: \" لا يعتق رقبة كافرة \" هو: اعتق رقبة\nمؤمنة، فالمفهوم هذا يخصص ويقيد قوله: \" لا تعتق رقبة \" أي:\nلا تعتق رقبة كافرة، فيكون المراد: اعتق رقبة مؤمنة.\nأما من لم يحتج بالمفهوم فلا يخصص النهي العام.\nالصورة السادسة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحدًا، ويكون\nأحدهما أمرًا، والآخر نهيًا، والسبب مختلف، فالمقيد يوجب تقييد\nالمطلق، سواء كان المطلق أمرًا مثل أن يقول: \" اعتق رقبة في كفارة\nالظهار \"، والمقيد نهيًا مثل قوله: \" لا تعتق رقبة كافرة في كفارة\nالقتل \"، أو بالعكس: أي يكون نهيا في المطلق كقوله: \" لا تعتق\nرقبة في كفارة الظهار \"، ويكون المقيد أمرًا كقوله: \" اعتق رقبة\nمؤمنة في كفارة القتل \".","vol":"4","page":1714},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>المبحث السابع إذا ورد لفظ مطلق، ثم قيده مرة، ثم قيده مرة ثانية\nبخلاف التقييد الأول، فما الحكم</span>؟\nالجواب يختلف باختلاف اتحاد السبب، أو اختلافه، فيكون الأمر\nعلى صورتين:\nالصورة الأولى: أن يتحد السبب في الإطلاق، والقيدين مثل\nقوله - ﷺ -:\n\"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب \"،\nوروي في حديث آخر: \" أولاهن بالتراب \":\nوروي في حديث آخر: \" أخراهن بالتراب \".\nفالحكم في هذه الصورة: أن يبقى المطلق على إطلاقه، ويتعارض\nالمقيدان؛ لأن التقييد في هذا متفق عليه، وليس إلحاقه بأحدهما أوْلى\nمن إلحاقه بالآخر، فيبقى على إطلاقه.\nالصورة الثانية: أن يختلف السبب مثل: إطلاقه في قضاء رمضان\nبقوله تعالى: (فعدة من أيام أُخر) من غير اشتراط التتابع\nوالتفريق، وقيد صوم التمتع بالتفريق، حيث قال تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ)، وقيد صوم\nكفارة الظهار بالتتابع بقوله تعالى: (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)،\nفالحكم في هذه الصورة: أن المطلق يقيد بالمقيد إذا دلَّ عليه قياس،\nأو دليل آخر، فيحمل على ما كان القياس عليه أولى، أو على ما\nكان دليل الحمل عليه أقوى.","vol":"4","page":1715},{"text":"أي: أن قضاء رمضان المطلق يحمل على الأقوى شبها به من\nصوم التمتع المفرق، أو صوم كفارة الظهار المتتابع، وإن لم يكن\nهناك تشابه بين المطلق وبين أحد هذين القيدين، فإنه يبقى على\nإطلاقه فيخير الإنسان في قضاء رمضان بين التتابع، والتفريق.","vol":"4","page":1716},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>الفصل الرابع عشر في المنطوق والمفهوم</span>\nاعلم أن اللفظ باعتبار طريق فهم دلالته على المعنى والحكم ينقسم\nإلى قسمين:\nالقسم الأول: المنطوق.\nالقسم الثاني: المفهوم.\nوإليك بيان ذلك في المبحثين التاليين:\nالمبحث الأول: في المنطوق.\nالمبحث الثاني: في المفهوم.","vol":"4","page":1717},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>المبحث الأول في المنطوق</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: تعريفه.\nالمطلب الثاني: أقسامه: \" منطوق صريح \"، و\"منطوق غير صريح \".\nالمطلب الثالث: أقسام المنطوق غير الصريح:\nالقسم الأول: دلالة الاقتضاء.\nالقسم الثاني: دلالة الإيماء.\nالقسم الثالث: دلالة الإشارة.","vol":"4","page":1719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>المطلب الأول تعريف المنطوق</span>\nالمنطوق في اللغة هو: الملفوظ به.\nواصطلاحا هو: ما دلَّ عليه اللفظ في محل النطق.\nأي: أن يكون حكمًا للمذكور وحالًا من أحواله، سواء ذكر\nذلك الحكم ونطق به أو لا، مثل: وجوب الزكاة في الغنم السائمة\nالذي دلَّ عليه منطوق قوله ﵇: \"في سائمة الغنم الزكاة \".","vol":"4","page":1721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>المطلب الثاني أقسام المنطوق</span>\nينقسم المنطوق إلى قسمين:\nالقسم الأول: منطوق صريح، وهو: ما وضع اللفظ له فيدل\nاللفظ عليه بالمطابقة أو التضمن، أي: أن المنطوق الصريح هو دلالة\nاللفظ على الحكم بطريق المطابقة، أو التضمن؛ حيث إن اللفظ قد\nوضع له.\nمثاله: قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، حيث دلَّ\nاللفظ بمنطوقه الصريح على نفي المماثلة بين البيع والربا، فالبيع\nجائز، والربا حرام، وهذا القسم يسميه الحنفية \" عبارة النص \"، أو\nدلالة العبارة، ويقصدون بها: دلالة اللفظ على المعنى المقصود منه\nالذي سيق له.\nالقسم الثاني: منطوق غير صريح، وهو: ما لم يوضع اللفظ\nله، بل يلزم مما وضع له.\nأي؛ أن المنطوق غير الصريح هو: دلالة اللفظ على الحكم\nبطريق الالتزام؛ إذ أن اللفظ مستلزم لذلك المعنى والحكم، فاللفظ\n- هنا - لم يوضع للحكم، ولكن الحكم فيه لازم للمعنى الذي\nوضع له ذلك اللفظ، فمثلًا قوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن\nوكسوتهن بالمعروف)، فالحكم المنطوق به بالصراحة هو: أن نفقة","vol":"4","page":1722},{"text":"الوالدات من رزق وكسوة واجبة على الآباء، فهذا هو المتبادر من\nظاهر اللفظ، وهذا هو ما سيقت الآية لأجله.\nولكن الآية دلَّت بالالتزام على أن النسب يكون للأب، لا للأم،\nوعلى أن نفقة الولد على الأب، دون الأم، فإن \" اللام \" لم يوضع\nلإفادة هذين الحكمين، ولكن كل منهما لازم للحكم المنصوص عليه\nفي الآية.\nوالالتزام معتبر في المنطوق غير الصريح، كما هو رأي كثير من\nالعلماء.","vol":"4","page":1723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>المطلب الثالث\nأقسام المنطوق غير الصريح</span>\nينقسم المنطوق غير الصريح إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: دلالة الاقتضاء.\nالقسم الثاني: دلالة الإيماء.\nالقسم الثالث: دلالة الإشارة.\nووجه الحصر في انقسام المنطوق غير الصريح إلى هذه الأقسام\nالثلاثة هو: أن المدلول عليه بالالتزام إما أن يكون مقصودًا للمتكلم\nمن اللفظ، أو لا يكون مقصودًا له.\nفإن كان الأول - وهو كونه مقصودًا للمتكلم - فذلك بحكم\nالاستقراء قسمان:\nأحدهما: أن يتوقف على المدلول صدق الكلام، أو صحته عقلًا\nأو شرعًا، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة الاقتضاء.\nثانيهما: أن لا يتوقف عليه ذلك، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة\nإيماء.\nوإن كان الثاني - وهو: أن لا يكون مقصودًا للمتكلم - فدلالة\nاللفظ عليه تسمى دلالة الإشارة، وإليك بيان هذه الأقسام الثلاثة فيما\nيلي:","vol":"4","page":1724},{"text":"القسم الأول\nدلالة الاقتضاء\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: تعريف دلالة الاقتضاء.\nالمسألة الثانية: أنواع المقتضَى - بفتح الضاد -\nالمسألة الثالثة: أركان الاقتضاء.\nالمسألة الرابعة: هل للمقتضى عموم؟","vol":"4","page":1725},{"text":"المسألة الأولى: تعريف دلالة الاقتضاء:\nدلالة الاقتضاء هي: دلالة اللفظ على معنى لازم مقصود للمتكلم\nيتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته العقلية، أو صحته الشرعية.\nوقيل: هي: ما كان المدلول فيه مضمرًا إما لضرورة صدق المتكلم\nوإما لصحة وقوع الملفوظ به.\nأي: أن المدلول فيه مضمر، ولم ينطق به، ولكن يكون من\nضرورة اللفظ.\n***\nالمسألة الثانية: أنواع المقتضَى - بفتح الضاد -:\nالمعنى الزائد الذي يستدعيه النص، والذي يتوقف صدف الكلام أو\nصحته العقلية أو الشرعية على تقديره ينقسم إلى ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: ما يتوقف عليه صدق الكلام.\nالنوع الثاني: ما يتوقف عليه صحة الكلام شرعًا.\nالنوع الثالث: ما يتوقف عليه صحة الكلام عقلا.\nوإليك بيان كل نوع مما سبق مع الأمثلة فأقول:\nالنوع الأول، وهو: ما يتوقف عليه صدق الكلام، أي: ما\nوجب تقديره ضرورة صدق الكلام.\nفلولا تقديره مقدما لكان الكلام كذبا، ومخالفًا للواقع والحقيقة.\nمثال ذلك: قوله ﵊: \" إن اللَّه رفع عن أمتي\nالخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه \"، فإن ظاهر هذا يدل على أن","vol":"4","page":1727},{"text":"كلًا من الخطأ والنسيان قد وضعا عن الأُمَّة، وأنهما لا يقعان فيها،\nوهذا لا يطابق الواقع؛ حيث إنه يقع من الأمَّة الخطأ والنسيان\nوالإكراه؛ لأن الأُمَّة ليست معصومة، والرسول لا يخبر إلا صدقًا،\nوعلى هذا لا بد - لأجل أن يكون الكلام صدقًا - من تقدير\nمحذوف، فتعئن أن نقدِّر شيئًا زائدًا - عن الذي استفدناه عن طريق\nعبارة النص - وهو: \" الإثم \" فيكون تقدير الكلام بعد هذا: \"رُفع\nعن أمتي إثم الخطأ، وإثم النسيان، وإثم ما استكرهوا عليه \".\nمثال آخر: قوله ﵊: \" لا صيام لمن لم يجمع\nالصيام من الليل \"، فإن ظاهر هذا النص يدل على نفي وجود ذات\nالصيام إلا بعزم ونية، وهذا لا يطابق الواقع؛ لأن ذات الصيام\nوصورته قد يقع بدون نية، فلا بد لصدق هذا الكلام من تقدير شيء\nزائد وهو: \" صحيح \"، فيكون تقدير الكلام بعد الزيادة: \" لا\nصيام صحيح لمن لم يجمع الصيام من الليل \".\nالنوع الثاني: ما توقف عليه صحة الكلام شرعا.\nأي:. ما وجب تقديره ضرورة تصحيح الكلام ص شرعا، فيمتنع\nوجود الملفوظ شرعا بدون ذلك المقتضى.\nمثال ذلك: قوله تعالى: (فمن كلان منكم مريضا أو على سفر\nفعدة من أيام أخر)، فظاهر هذا يدل على أن المسافر يصوم عدة من\nأيام أخر، سواء صام في سفره أو لم يصم، ولكن الشرع دلَّ على\nأن المسافر إذا أفطَر في سفره فعليه القضاء في أيام أخر، أما إذا صام\nفي سفره فلا موجب للقضاء عليه، فيكون التقدير - لأجل تصحيح\nالكلام شرعا - \" أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر \".\nمثال آخر: قول الإنسان لمن يملك عبدًا: \" اعتق عبدك عني وعلي","vol":"4","page":1728},{"text":"ثمنه \"، فهذا تصرف قولي، فما دلَّ بعبارة نصه لا يصح شرعا إلا\nبتقدير بيع سابق؛ إذ لا يجوز شرعًا عتق عبد الغير بدون ولاية أو\nوكالة.\nوبناء عليه: فإن صحة هذا التصرف شرعا تتوقف على ثبوت ملك\nمريد العتق أو لا، والشيء الذي يتصور ناقلًا لملكية العبد إلى من\nأراد عتقه - هنا - هو \" البيع \".\nفهذا هو المعنى الذي قصده مريد العتق، ولو لم ينطق به؛ لأنه\nقد فهم من مضمون قوله بدليل ذكره للثمن، فصار تقدير الكلام:\n\" بع عبدك هذا عليّ بألف ريال - مثلًا - وكن وكيلًا عني في عتقه \".\nفالمقتضى - هنا - هو \" البيع \"، وقدر مقدما ليستقيم ويصح\nالتصرف.\nالنوع الثالث: ما توقف عليه صحة الكلام عقلًا.\nأي: ما وجب تقديره ضرورة لتصحيح الكلام من جهة العقل،\nفيمتنع وجود الملفوظ عقلًا بدون ذلك المقتضى.\nمثاله: قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم)، فإن العقل\nيمنع من إضافة التحريم إلى ذات الأمهات، فوجب إضمار فعل\nيتعلق به الحكم - وهو هنا التحريم -، فوجب إضمار \" الوطء \"،\nنظرًا إلى أن العقل يقتضيه، فيكون التقدير: \" حرم عليكم وطء\nأمهاتكم \".\nمثال آخر: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، فإن العقل\nيمنع من إضافة الحكم إلى ذات الميتة، فوجب عقلًا إضمار فعل\nيتعلق به التحريم، وهو هنا \" الأكل \".","vol":"4","page":1729},{"text":"والأمثلة على ذلكْ كثيرة كقولك: \" حرمت عليك هذه الدار \"\nوالمقصود: دخول الدار، كذلك قولك: \" حرمت عليك هذا\nالطعام، أي: أكله، وهكذا.\n***\nالمسألة الثالثة: أركان الاقتضاء:\nلقد علمت من تعويف الاقتضاء، وأقسامه: أن دلالة الاقتضاء\nتتكون مما يلي:\n١ - المقتضِي - بكسر الضاد - وهو: النص، أو الكلام الذي\nيستلزم معنى مقدرًا ومقدما على المنطوق بلفظه ضرورة استقامة معناه،\nويسمى الحامل على التقدير والزيادة.\n٢ - المقتضَى - بفتح الضاد - وهو: المعنى المزيد المقدر الذي\nطلبه واستلزمه - ضرورة - كلام الشارع، أو المتكلم لتصحيحه،\nوليستقيم معناه شرعا أو عقلًا.\n٣ - الاقتضاء، وهو: النسبة بينهما، أي: أن استدعاء المنطوق\nنفسه لذلك المقدر لحاجته إليه، ولعدم استقامته إلا بذلك التقدير\nوالزيادة يسمى اقتضاء.\nفإذا توفرت هذه الأمور في الكلام المراد استخراج حكم شرعي\nمنه يكون ما ثبت به حكم المقتضى.\nوإن شئت المزيد عن الكلام عن \" دلالة الاقتضاء \" فراجع كتابي:\n\" دلالة الألفاظ على الأحكام عند الحنفية وأثرها الفقهي \".","vol":"4","page":1730},{"text":"المسألة الرابعة: هل للمقتضى عموم؟\nإذا كان المقتضى عاما يشمل أفرادًا كثيرين، ولم يقم دليل على\nتعيين واحد منها، فهل يقدر ما يعم تلك الأفراد، أو يقدر واحد\nمنها؛ لقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا عموم له.\nوهو مذهب الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، والآمدي.\nوهو الحق عندي؛ لأن ثبوت المقتضى كان للضرورة حتى إذا كان\nالكلام مفيدًا للحكم بدونه لم يصح إثباته لغة ولا شرعا.\nوإذا كان للضرورة فإن الضرورة تقدر بقدرها، ولا حاجة لإثبات\nالعموم فيه ما دام الكلام مفيدًا بدونه، ويبقى فيما وراء موضع\nالضرورة - وهو استقامة الكلام - فلا يثبت فيه العموم؛ قياسا على\nأكل الميتة، فإنه لما أبيح للضرورة قدر بقدرها، وهو سد الرمق\nفقط، وما وراء ذلك من الحمل والتناول حتى الشبع: فلا يثبت حكم\nالإباحة فيه.\nالمذهب الثاني: أن المقتضى له عموم..\nوهو مذهب بعض الشافعية، ونسب إلى الإمام الشافعي، وعليه\nكثير من العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن المقتضى بمنزلة المنصوص في ثبوت الحكم،\nحتى كان الحكم الثابت به بمنزلة الثابت بالنص لا بالقياس، فكذلك\nفي إثبات صفة العموم فيه، فيجعل كالمنصوص، فيجوز فيه العموم\nكما يجوز في النص.","vol":"4","page":1731},{"text":"جوابه:\nإن المقتضى تبع للمقتضي، فإنه شرطه ليكون مفيدًا، وشرط\nالشيء يكون تبعًا، فلو جعل المقتضى كالمنصوص لخرج من أن يكون\nتبعا، والعموم حكم صيغة النص خاصة، فلا يجوز إثباته في\nالمقتضى.\nالدليل الثاني: أن اللفظ في مثل قوله: \" رفغ عن أمتي الخطأ\nوالنسيان \" دال على رفع ذات الخطأ، وهذا متعذر، فوجا تقدير\nما هو أقرب إلى رفع الذات، وهو: رفع جميع الأحكام؛ لأنه إذا\nتعذر نفي الحقيقة وجب أن يصار إلى ما هو أقرب إلى الحقيقة، وهو\nهنا جميع الأحكام؛ لأن رفعها يجعل الحقيقة كالعدم، فكأن الذات\nقد ارتفعت حقيقة.\nجوابه:\nإن إضمار جميع الأحكام يلزم منه تكثير مخالفة الدليل المقتضي\nللأحكام، وهو وجود الخطأ والنسيان.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث ترتب على ذلك اختلافهم في بعض\nالفروع الفقهية، ومنها:\nأن من تكلم في صلاته ناسيا، أو مخطئا، أو ساهيًا، بطلت\nصلاته ولا إثم عليه، وعليه الإعادة، وهو قول أصحاب المذهب\nالأول - وهم القائلون: إن المقتضى لا عموم له - حيث قالوا: إن\nقوله - ﷺ -: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان \" لا عموم له، فيكون","vol":"4","page":1732},{"text":"المرفوع حكمًا واحدًا وهو: \" الإثم \" المقتضي للعقوبة في الآخرة،\nولم يرفع الحكم الدنيوي وهو: الإعادة.\nأما على قول أصحاب المذهب الثاني - وهو: أن للمقتضى\nعموما - فإن من تكلم في صلاته ناسيا أو مخطئًا فلا تبطل صلاته إذا\nكان الكلام قليلًا، واحتجوا بعموم المقتضى في قوله - ﷺ -: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ... \"،\nحيث قال هؤلاء: إن الحكم الذي عفي عنه عام شامل للحكم الدنيوي، وهو عدم البطلان، وللحكم الأخروي وهو: عدم الإثم والمؤاخذة.","vol":"4","page":1733},{"text":"القسم الثاني دلالة الإيماء\nوهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق\nالكلام ولا صحته عقلًا، أو شرعا، في حين أن الحكم المقترن\nبوصف لو لم يكن للتعليل لكان اقترانه به غير مقبول، ولا مستساغ.\nفذكر الحكم مقرونًا بوصف مناسب يفهم منه أن عِلَّة ذلك الحكم\nهو ذلك الوصف.\nمثل قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)\nفإن الحكم - وهو قطع يد السارق - رتبه الشارع على السرقة،\nفالآية قد أومأت إلى عِلَّة قطع اليد، وهي: السرقة.\nمثال آخر: قوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم) فإنه إيماء إلى\nأنهم ما صاروا في النعيم إلا لعِلَّة وهي: برهم.\nوكذلك قوله تعالى: (وإن الفجار لفي جحيم) فإنه إيماء إلى\nأنهم ما صاروا في الجحيم إلا لفجورهم.\nوكقولك: \" أكرم العلماء وأهن الفساق \" فيه إيماء إلى أن إكرام\nالعلماء لعلة وهي: العلم، وأن إهانة الفساق لعلة وهي: الفسق،\nويقاس على ذلك كل ما خرج مخرج المدح والذم.\nتنبيه: هذا القسم قد سماه بعضهم: دلالة الإيماء، وسماه بعض آخر\nبالتنبيه، وبعضهم سماه بفحوى الكلام، وبعضهم سماه بلحن الكلام.\nتنبيه آخر: دلالة الإيماء يتنوع إلى ستة أنواع، وهو من مسالك العلَّة\nالاجتهادية، وسيأتي الكلام عنها في باب القياس بالتفصيل إن شاء اللَّه.","vol":"4","page":1734},{"text":"القسم الثالث دلالة الإشارة\nوهي: دلالة اللفظ على لازم غير مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه\nصدق الكلام ولا صحته، فالحكم قد أخذناه - هنا - من إشارة\nاللفظ، لا من اللفظ نفسه.\nويعني به: ما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه، فكما أن\nالمتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس\nاللفظ فيسمى إشارة، فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به ويُبنى\nعليه.\nمثالهْ قوله تعالى ت (وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا)، فإن هذا\nيدل مع قوله: (وفصاله في عامين) على أن أقل مدة الحمل ستة\nأشهر، وهذه دلالة إشارة.\nوهذا الحكم غير مقصود من لفظ الآيتين، بل المقصود في الآية\nالأولى هو: حق الوالدة وما تقاسيه من الآلام في الحمل وفي\nالفصال، والمقصود في الثانية -: بيان أكثر مدة الفصال.\nولكن لزم منهما: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهذه دلالة\nإشا رة.\nمثال آخر: قوله تعالى: (فالآن باشروهن)، فإنه أباح\nالمباشرة إلى طلوع الفجر بقوله: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من\nالخيط الأسود)، وكان بيان ذلك هو: المقصود.","vol":"4","page":1735},{"text":"ومع ذلك فقد لزم منه: أن من جامع في ليل رمضان وأصبح جنبة\nلم يفسد صومه؛ لأن من جامع في آخر الليل لا بد من تأخر غسله\nإلى النهار، فلو كان ذلك مما يفسد صومه لما أبيح الجماع في آخر\nجزء من الليل، فهذا الحكم قد أخذ من دلالة الإشارة.\nإذن يكون المنطوق غير الصريح ثلاثة أقسام: اقتضاء النص،\nوإيماء النص، وإشارة النص، وهذا منهج الجمهور في تقسيمه، أما\nالحنفية فلا يخالفونهم في هذه الأسماء وأمثلتها إلا أنهم يخالفونهم\nفي أصل التقسيم.","vol":"4","page":1736},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>المبحث الثاني في المفهوم</span>\nوهو يشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في تعريف المفهوم، وبيان أقسامه.\nالمطلب الثاني: في مفهوم الموافقة.\nالمطلب الثالث: في مفهوم المخالفة.","vol":"4","page":1737},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>المطلب الأول تعريف المفهوم، وبيان قسميه</span>\nالمفهوم لغة: ما يستفاد من اللفظ، وهو اسم مفعول من الفهم،\nوهو: إدراك معنى الكلام، فالمفهوم - إذًا -: ما يدرك من الكلام\nويستفاد منه.\nوالمفهوم اصطلاحا هو: معنى يستفاد من اللفظ في غير محل\nالنطق.\nفقولنا: \" معنى يستفاد من اللفظ \" جنس يتناول المنطوق والمفهوم.\nوقولنا: \" في غير محل النطق \" يخرج المنطوق بقسميه: المنطوق\nالصريح، والمنطوق غير الصريح، فيختص التعريف للمفهوم.\nوالمفهوم ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: مفهوم الموافقة.\nالقسم الثاني: مفهوم المخالفة.\nوإليك بيان كل قسم فيما يلي.","vol":"4","page":1739},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>المطلب الثاني في مفهوم الموافقة</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: في تعريف مفهوم الموافقة.\nالمسألة الثانية: في أسماء مفهوم الموافقة.\nالمسألة الثالثة: في شروط مفهوم الموافقة.\nالمسألة الرابعة: هل دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية أو دلالة لفظية؟\nالمسألة الخامسة: هل مفهوم الموافقة له عموم؟\nالمسألة السادسة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث كونه أوْلى أو مساوبا.\nالمسألة السابعة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث القطعية والظنية.\nالمسألة الثامنة: حجية مفهوم الموافقة.","vol":"4","page":1741},{"text":"المسالة الأولى: في ثعريف مفهوم الموافقة:\nمفهوم الموافقة هو: ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت\nموافقا لمدلوله في محل النطق.\nأو تقول: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت\nعنه وموافقته له نفيا وإثباتا.\nمثل قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) فالمسكوت عنه - وهو\nتحريم ضرب الوالدين، وشتمهما - قد دلَّ عليه اللفظ المنطوق به\nوهو: تحريم التأفيف.\nفتقول: إذا كان مجرد التأفيف قد حرم، فمن باب أوْلى أن يحرم\nما لم ينطق به الشارع وهو: الضرب وكل ما هو أشد من التأفيف.\nالمسألة الثانية: أسماء مفهوم الموافقة:\nالاسم الأول: مفهوم الموافقة، وهذا عند الشافعية وجمهور\nالعلماء، وسموه بهذا، لأن مدلول اللفظ في محل السكوت موافق\nلمدلوله في النطق.\nالاسم الثاني: دلالة النص، وهذا عند الحنفية، ويقصدون بهذا\nما ثبت بمعنى النص لا اجتهادًا ولا استنباطًا.\nالاسم الثالث: دلالة الدلالة، وهذا عند بعض العلماء، ووجه\nذلك: أن الحكم فيها يؤخذ من معنى النص، لا من لفظه.\nالاسم الرابع: مفهوم الخطاب، وهذا عند ابن فورك، وأبي يعلى.","vol":"4","page":1743},{"text":"الاسم الخامس: القياس الجلي، وهذا عند الإمام الشافعي،\nووجه ذلك: أنه إلحاق المسكوت بالمنطوق لمعنى يقتضي ذلك.\nالاسم السادس: دلالة التنبيه الأولى.\nالاسم السابع: فحوى اللفظ، ويعبر عن ذلك بعضهم بفحوى\nالخطاب، ووجه ذلك: أن الحكم الذي يثبت بمنطوقه يثبت لغير\nالمذكور بروحه، ومعناه، ومعقوله.\nالاسم الثامن: لحن الخطاب، ويعبر بعضهم عنه بقوله: \" لحن\nالقول \".\nواختلف العلماء في \" الفحوى \"، و\" اللحن \" هل هما مترادفان\nأو بينهما فرق؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنهما اسمان مترادفان.\nوهو مذهب كثير من العلماء، وهو الصحيح عندي؛ لأن فحوى\nالكلام يقصد به معناه، وهذا هو اللحن، وهذا مستفاد من كلام\nالعرب، يقولون: \" عرفت ذلك في لحن كلامه \" أي: فحواه،\nوفيما يصرفه إليه من غير إفصاح به، ومنه قوله تعالى:\n(وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) أي: في مفهومه، وما يظهر لك بالفطنة.\nويقول العريب: \" تلاحن الرجلان \" إذا تكلم كل واحد منهما بما\nيفهمه عنه صاحبه، وقال الشاعر مالك بن أسماء الفزاري:\nمنطق صائب وتلحن أحيا ... نًا وأحلى الحديث ما كان لحنا\nأي: ما كان مفهومًا فحواه.","vol":"4","page":1744},{"text":"ومراد الشاعر: أن جاريته تتكلم بشيء وهي تريد غيره، وتعرض\nفي حديثها، فتزيله عن جهته، وذلك لفطنتها وذكائها.\nالمذهب الثاني: أنهما متباينان، أي: أن \" الفحوى \" غير\n\"اللحن \".\nواختلف أصحاب هذا المذهب في الفرق بينهما على أقوال:\nفقيل: فحوى الخطاب هو: ما كان المسكوت عنه أوْلى بالحكم\nمن المنطوق به، أما لحن الخطاب فهو: ما كان المسكوت عنه مساويا\nللمنطوق به، وهذا قول تاج الدين ابن السبكي وتبعه بعض\nالأصوليين.\nوقيل: إن الفحوى: ما نبه عليه اللفظ، أما اللحن فهو: ما\nلاح في اللفظ.\nجوابه:\nأنه لا دليل على هذا التفريق، وما لا دليل عليه، لا يُعتد به.\n***\nالمسألة الثالثة: شروط مفهوم الموافقة:\nالشرط الأول: وجود المعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت، بأن\nعرف المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه، وعرف وجوده في\nالمسكوت عنه بحيث لا يكون هذا المعنى المقصود أقل مناسبة في\nالمسكوت عنه من مناسبته للمنطوق به.\nفمثلًا قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) قد عرفنا أن المقصود من\nتحريم التأفيف هو: حماية الوالدين من الأذى وكفه عنهما، فيثبت\nهذا تحريم الضرب، والشتم، والسب، والقتل؛ لأن هذه الأمور","vol":"4","page":1745},{"text":"أشد إيذاء من مجرد التأفيف، ولولا هذه المعرفة لما لزم من تحريم\nالتأفيف تحريم الضرب والشتم والقتل وغيرها من أنواع الأذى؛ لأنه\nقد يقول الملك للجلاد إذا أمره بقتل منازع له في الملك أو غير ذلك:\n\" لا تقل له أف ولكن اقتله \"، لكون القتل أشد في دفع محذور\nالمنازعة من التأفيف.\nالشرط الثاني: أن يكون المسكوت أوْلى بالحكم من المنطوق به،\nأو مساويًا له، ومثال الأول: تحريم ضرب الوالدين أخذًا من النهي\nعن التأفيف لهما، وقد سبق، ومثال الثاني: تحريم إحراق مال\nاليتيم على أكله المنهي عنه بقوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال\nاليتامى ظلمًا)، فإن إحراقه مساوي لأكله ولا فرق.\nولقد اختلف العلماء في هذا الشرط، أي: هل يشترط في\nمفهوم الموافقة: أن يكون المسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق به\nأو لا يشترط ذلك، وتكفي المساواة؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط في مفهوم الموافقة كون المسكوت عنه\nأَوْلى بالحكم من المنطوق، بل تكفي المساواة بينهما: بأن يكون وجود\nمناط الحكم على قدر واحد من التوافر في المنطوق والمسكوت، فإن\nكان المسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق به، فهذا من باب أوْلى.\nلكن يشترط فيه: أن يكون المعنى في المسكوت عنه أقل مناسبة\nللحكم عن المنطوق به.\nوهذا مذهب الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، والبيضاوي.\nوهو الحق عندي؛ لأنا نعلم قطعا أنه ربما يفهم ثبوت الحكم في\nالمسكوت عنه من ثبوته للمنطوق به مع عدم أولويته بالحكم، وذلك\nالفهم مناط الحكم لغة من غير حاجة إلى إعمال الذهن. في البحث","vol":"4","page":1746},{"text":"عن هذا المناط، كما في تحريم إحراق مال اليتيم، أو تبذيره، فإنا\nقلنا ذلك أخذًا من تحريم أكله ظلمًا، حيث قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) .\nإذن: لا وجه لترك هذه الدلالة الدالة على ثبوت الحكم\nللمسكوت كفهم ثبوته للمنطوق بمجرد فهم اللغة، بل لا بد من\nإعمالها.\nوكل ما في الأمر أن الاحتجاج بمفهوم الموافقة الأولوي أقوى من\nالاحتجاج بالمفهوم المساوي، ويشتركان في أن كلًّا منهما يفهم من\nمعنى النص بمجرد فهم اللغة.\nلذلك جعلنا تعريف مفهوم المرافقة شاملًا للأولوي والمساوي.\nالمذهب الثاني: أنه يشترط في مفهوم الموافقة: كون المسكوت عنه\nأَوْلى بالحكم من المنطوق به، ولا يكتفي بمجرد التساوي في الحكم\nبين المنطوق والمفهوم.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه إذا كان المسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوق أمكن فهم\nاتحادهما في الحكم جزما؛ لأنه يبعد أن يكون هناك احتمال للتعبد في\nثبوت الحكم للمنطوق، أما في حالة المساواة فإنه يرد احتمال التعبد\nفي ثبوت الحكم للمنطوق، وهذا الاحتمال يمنع من إلحاق المسكوت\nبالمنطوق، فإن ألحق به مع قيام هذا الاحتمال: كان إلحاقًا بطريق\nالقياس، لا بطريق المفهوم.","vol":"4","page":1747},{"text":"جوابه:\nإن هذا الدليل نقل للمسألة عن محل النزاع، بيانه:\nأن محل النزاع هو إلحاق المسكوت بالمنطوق لاشتراكهما في معنى\nيدرك بمجرد معرفة اللغة، وكون المناط الذي يجمع بين المنطوق\nوالمسكوت مما يدرك لغة ينفي احتمال التعبد في ثبوت الحكم للمنطوف.\nبيان نوع الخلاف:\nلقد اختلف في الخلاف هنا هل هو معنوي، أو لفظي على قولين:\nالقول الأول: أن الخلاف معنوي، وهو الحق؛ حيث إنه ترتب\nعلى هذا الخلاف ما يلي:\n١ - أنه بناء على المذهب الأول: فإن مفهوم الموافقة ينقسم إلى\nنوعين وهما: مفهوم الموافقة الأولوي، ومفهوم الموافقة المساوي،\nولا يخفى ما في ذلك من سعة الاستدلال بالنص.\nأما بناء على المذهب الثاني، فإن مفهوم الموافقة نوع واحد،\nوهو: مفهوم الموافقة الأولوي، ولا يخفى ما في ذلك من التضييق\nبالاستدلال بالنصوص.\n٢ - أنه بناء على المذهب الأول - وهو: عدم اشتراط الأولوية -\nفإن ثبوت حكم المنطوق للمسكوت في حال المساواة إنما يكون بطريق\nالنص.\nأما بناء على المذهب الثاني - وهو: اشتراط الأولوية - فإن ثبوت\nحكم المنطوق للمسكوت عنه في حال المساواة إنما كان بطريق\nالقياس، لا بطريق النص.","vol":"4","page":1748},{"text":"وفرق بين ما تجري عليه أحكام القياس، وبين ما يأخذ حكم\nالمنصوص.\nفإن ما يؤخذ عن طريق النص أقوى مما يؤخذ عن طريق القياس.\nالقول الثاني: أن الخلاف لفظي يرجع إلى مجرد التسمية؛ حيث\nإنهم قد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في اللفظ؛ فالمشترطون\nللأولوية - وهم أصحاب المذهب الثاني - جعلوها شرطا للتسمية\nبمفهوم الموافقة، وأن المفهوم المساوي لا يسمى بالموافقة وإن كان مثل\nالأولوي من ناحية الاحتجاج به عن طريق القياس.\nجوابه:\nأنا نسلم أنه مثل الأولوي من حيث الاحتجاج به، ولكن يختلفان\nفي المعنى: فالأولوي يحتج به عن طريق اللفظ والنص؛ أما المساوي\nفإنه يحتج به عن طريق القياس، وفرق بين ما تجري عليه أحكام\nالقياس، وما تجري عليه أحكام النص.\nفالنص ينسخ ويُنسخ به، أما الكتياس فلا ينسخ ولا ينسخ به.\nوالقياس أضعف في الدلالة من الدلالة المأخوذة من النص، كما\nسبق بيانه أكثر من مرة.\nالمسألة الرابعة: هل دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية أو دلالة\nلفظية؟\nاختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:\nالمذهب الأول: أن دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية معنوية.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية كابن الحاجب، والقرافي","vol":"4","page":1749},{"text":"وبعض الشافعية كالآمدي، وتاج الدين ابن السبكي، وكثير من\nالحنابلة كأبي يعلى.\nوهو الحق عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن التنبيه بالأدنى على الأعلى، أو بأحد المتساويين\nعلى الآخر أسلوب عربي فصيح تستعمله العرب للمبالغة في تأكيد\nالحكم في محل السكوت، وهو أفصح عندهم من التصريح بحكم\nالمسكوت عنه.\nفمثلًا إذا قصدوا كون أحد الفرسين سابقا للآخر قالوا: \" هذا\nالفرس لا يلحق غبار هذا الفرس \"، وكان هذا التعبير عندهم أبلغ\nمن قولهم: \" هذا الفرس سابق لهذا الفرس \".\nالدليل الثاني: أن الحكم الثابت بمفهوم الموافقة مستند في فهمه إلى\nالمناط اللغوي، وهو المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه، فلم\nيتوقف فهمه على الاجتهاد والاستنباط والتأمل الدقيق، بل إنه عند\nسماع اللفظ والنص يتنبه الذهن من العارف باللغة، فينتقل مباشرة\nمن المنطوق إلى المسكوت انتقالا ذهنيا سريعا بدون توقف على\nمقدمات شرعية، أو استنتاجية.\nالمذهب الثاني: أن دلالة مفهوم الموافقة من قبيل القياس، وهو ما\nيُسمى بالقياس الجلي.\nوهو مذهب الإمام الشافعي، وأكثر الشافعية، ومنهم: إمام\nالحرمين، وأبو إسحاق الشيرازي، وفخر الدين الرازي، وبعض\nالحنفية، وبعض الحنابلة كأبي الحسن الجزري.\nدليل هذا المذهب:\nأن مفهوم الموافقة يدل على إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به؛\nلاشتراكهما في عِلَّة الحكم فانطبق عليه حد القياس.","vol":"4","page":1750},{"text":"أي: أنا لا نلحق المسكوت بالمنطوق إلا إذا عرفنا المعنى الذي\nسيق الكلام لأجله، فإذا سبق إلى الفهم هذا المعنى، ومقصد\nالشارع منه من غير تأمل طويل، فإنا نلحق المسكوت بالمنطوق.\nأما إذا لم نعرف ذلك المعنى فلا يجوز ذلك الإلحاق إجماعا،\nفمثلًا لو لم نعرف المعنى الذي سيق له الكلام في قوله تعالى:\n(فلا تقل لهما أف) من كف الأذى عن الوالدين لما قضينا بتحريم\nالشتم والضرب والقتل، فهنا قد اجتمعت أركان القياس، حيث إن\nالأصل هو: التأفيف، والفرع: الضرب، والعلَّة: الإيذاء في\nكل، والحكم: تحريم كل من القتل والشتم وغيرهًا من أنواع الأذى،\nوهذا هو بعينه القياس، فتكون دلالة مفهوم الموافقة قياسية.\nجوابه:\nإنكم جعلتم دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية، وهذا لا نسلمه؛\nلوجود الفرق بينهما من وجوه:\nاالوجه الأول: أن المعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت شرط\nلغوي لدلالة المنطوق على المسكوت، فلا يلزم من وجود هذا المعنى\nأن تكون الدلالة في محل النزاع دلالة قياسية، لأن قياس الفرع على\nالأصل من حيث المعقول، لا من حيث اللغة، وهو بخلاف مفهوم\nالموافقة كما قلنا.\nالوجه الثاني: أن الدلالة في مفهوم الموافقة ثابتة قبل استعمال\nالقياس، فإن كل أحد يعرف اللغة: فإنه يفهم من قوله: \" لا تقل\nله أف \"، لا تضربه، ولا تشتمه، ولا تقتله، ونحو ذلك من\nأنواع الأذى، سواء علم شرعية القياس أو لا.\nالوجه الثالث: أن الأصل في القياس أنه لا يجوز أن يكون جزءًا","vol":"4","page":1751},{"text":"من الفرع ومندرجًا تحته بالإجماع، بخلاف مفهوم الموافقة، فإنه قد\nيقع ذلك مثاله قوله تعالى: (فمن يعمل مثفال ذرة خيرًا يره)،\nفإن ذلك يدل بمفهوم الموافقة على أن ما زاد على الذرة حكمه حكم\nالذرة والذرة جزء من هذه الزيادة.\nالوجه الرابع: أن الفرع في القياس يشترط فيه أن يكون أدنى من\nالأصل، أما في مفهوم الموافقة فإنه يشترط أن يكون مساويًا للأصل،\nأو أعلى منه.\nبيان نوع الخلاف:\nلقد اختلف في نوع الخلاف هل هو لفظي أو معنوي على قولين:\nالقول الأول: أن الخلاف معنوي، وهو الحق عندي؛ لأنه قد\nترت على هذا الخلاف خلاف في بعض المسائل، ومنها:\n١ - من يرى أن دلالة مفهوم الموافقة لفظية قد تعامل مع ذلك مثل\nما لفعل مع الألفاظ: من أن اللفظ ينسخ وينسخ به، وهو أقوى من القياس.\nأما من يرى أن دلالة مفهوم الموافقة قياسية فقد عامل ذلك مثل ما\nيفعل مع القياس: من أنه لا ينسخ، ولا ينسخ به، وهو أضعف من\nدلالة الألفاظ.\nفلو قال قائل: هل يجوز النسخ بمفهوم الموافقة؟\nجوابه:\nإن الخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة:\nفمن قال: إن دلالة مفهوم الموافقة لفظية: قال يجوز النسخ به.\nومن قال: إن دلالة مفهوم الموافقة قياسية: قال: لا يجوز النسخ\nبه، وقد سبق بيان ذلك في النسخ.","vol":"4","page":1752},{"text":"٢ - عند تعارض مفهوم الموافقة مع القياس فإن مفهوم الموافقة\nيقدم على القياس عند من يرى أن دلالته لفظية، فيكون الحكم الذي\nاستفدناه عن طريق مفهوم الموافقة مقدما على الحكم الذي استفدناه\nعن طريق القياس.\n٣ - أن مفهوم الموافقة تثبت به العقوبات كالحدود، والقصاص،\nوالكفارات عند أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن دلالة\nمفهوم الموافقة لفظية؛ وذلك لأن هذه الدلالة لفظية خلت عن الشبهة\nفي دلالتها، وهذا عند الحنفية.\nأما إذا كانت دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية، فلا يُعتبر مفهوم\nالموافقة طريقا لإثبات ما يندري بالشبهات من الحدود والكفارات؛\nحيث إنها مقدرات، ولا مدخل للعقل أو الاجتهاد بالرأي في\nالمقدرات، هذا أيضًا عند الحنفية.\nأما عند الجمهور، فإن العقوبات من حدود وكفارات تثبت بمفهوم\nالموافقة، سواء كانت دلالته دلالة لفظية، أو من قبيل القياس،\nوهذا قد بينته بالتفصيل في كتابي \" إثبات العقوبات بالقياس \" فارجع\nإليه إن شئت، وسيأتي تفصيله في باب القياس إن شاء اللَّه تعالى.\nالقول الثاني: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له، وهو اختيار إمام\nالحرمين، والغزالي، والتفتازاني، وأمير بادشاه.\nدليل هذا القول:\nأن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على اعتبار هذا النوع من الدلالة،\nواتفقوا على الحكم، إلا أن أصحاب المذهب الأول جعلوه من\nالدلالة اللفظية، وأصحاب المذهب الثاني جعلوه من قبيل القياس\nالجلي، فالخلاف اعتباري اختلفت أنظار الفريقين إليه:","vol":"4","page":1753},{"text":"فمن نظر إلى المعنى الذي هو مناط الحكم، والذي كان واسطة\nإلحاق المسكوت بالمنطوق به يدرك بمجرد فهم اللغة دون حاجة إلى\nاستنباط واجتهاد: اعتبره من الدلالة اللفظية، وسماه مفهوم موافقة\nأو دلالة نص، وهو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول.\nومن نظر إلى إلحاق المسكوت بالمنطوق على أنه إلحاق فرع بأصل؛\nلاشتراكهما في عِلَّة جامعة سنهما: اعتبره من قبيل القياس الجلي،\nوهو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني.\nإذن: يكون الخلاف في التسمية، لا في المعنى، فيكون الخلاف\nلفظيًا.\nجوابه:\nأن من جعله من قبيل الدلالة اللفظية يقصدون أن مفهوم الموافقة\nيعامل معاملة الألفاظ من حيث إنه ينسخ ويُنسخ به، وأنه أقوى من\nالقياس، أما من جعله من قبيل القياس، فإنهم يقصدون أن مفهوم\nالموافقة يعامل معاملة القياس في أحكامه، فيكون الخلاف - على\nهذا - خلافًا معنويًا.\nالمسألة الخامسة: هل مفهوم الموافقة له عموم؟\nاختلف القائلون: إن دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية في مفهوم\nالموافقة هل له عموم؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن مفهوم الموافقة له عموم.\nوهو مذهب بعض الحنفية كابن الهمام، وبعض الشافعية، وبعض\nالحنابلة.\nوهو الحق عندي؛ لأنه يُعامل معاملة الملفوظ به، والملفوظ به قد","vol":"4","page":1754},{"text":"يكون عاما، وقد يكون خاصا، لذلك تجد مفهوم الموافقة - بناء\nعلى ذلك - ينسخ وينسخ به.\nالمذهب الثاني: أنه لا عموم لمفهوم الموافقة.\nوهو مذهب بعض الشافعية كالغزالي، وبعض الحنابلة، وجمهور\nالحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nأن العموم من أوصاف اللفظ، ولا لفظ في مفهوم الموافقة؛\nحيث إنه فحوى اللفظ ومعناه اللغوي.\nجوابه:\nأن مفهوم الموافقة هو كالملفوظ به سواء بسواء، بل قد يكون\nالحكم في المسكوت عنه أوْلى من الحكم في المنطوق به - كما قلنا\nفيما سبق، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنه يجري عليه ما يجري على\nالألفاظ.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي، لا ثمرة له؛ حيث لا تترتب عليه فائدة\nبالنظر إلى إثبات الحكم تحليلًا وتحريما: فمفهوم الموافقة يتحقق في\nجميع صور إيذاء الوالدين من قتل وضرب وشتم ونحو ذلك،\nفيكون حكمها التحريم، وذلك فهمناه من حرمة التأفيف في قوله\nتعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)، ولكن بعضهم قال: أخذنا ذلك\nمن عموم مفهوم الموافقة، والبعض الآخر يقول: أخذنا ذلك عن\nطريق عموم اللفظ المنطوق به.","vol":"4","page":1755},{"text":"المسألة السادسة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث كونه أَوْلى أو\nمساويًا:\nلقد سبق أن قلنا: إنه لا يشترط في مفهوم الموافقة: أن يكون\nالمسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق به، فيترتب على ذلك: أن\nمفهوم الموافقة ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: مفهوم موافقة أولوي.\nالقسم الثاني: مفهوم موافقة مساوي.\nأما القسم الأول - وهو: مفهوم الموافقة الأولوي - فهو: ما كان\nالمسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوق به، أي: أن المناسبة بين\nالمسكوت عنه وبين الحكم أقوى وأشد منها بين المنطوق وبين هذا\nالحكم، فيكون المسكوت عنه أوْلى منه بالحكم، وهو يسمى بالتنبيه\nبالأدنى على الأعلى، والأمثلة على ذلك كثيرة: منها: قوله تعالى:\n(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)، وقد سبق بيان ذلك، ومنها قوله تعالى:\n(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا)، فإن هذا تنبيه - وهو\nعدم أدائه للدينار - على الأعلى - وهو: عدم أدائه للأكثر من\nالدينار -، أي: إنه إذا كان لا يؤدي الدينار مع قلته، فإنه من باب\nأَوْلى أن لا يؤدي ما هو أكثر منه.\nالقسم الثاني: مفهوم الموافقة المساوي، وهو: ما كان المسكوت\nعنه مساويا للمنطوق به في الحكم.\nأي: أن المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم على قدر الناسبة\nالموجودة بين المنطوق وبين هذا الحكم.","vol":"4","page":1756},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك: تحريم إحراق مال اليتيم أو تبذيره؛ لأنه\nمساوي لأكله المحرم، وقد سبق بيان ذلك فلا داعي لتكراره.\nالمسألة السابعة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث القطعية\nوالظنية:\nينقسم من هذه الحيثية إلى قسمين:\nالقسم الأول: مفهوم موافقة قطعي.\nالقسم الثاني: مفهوم موافقة ظني.\nفالقسم الأول - وهو: مفهوم الموافقة القطعي - هو: ما كان فيه\nالمعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه معلومًا جزمًا.\nأما القسم الثاني - وهو مفهوم الموافقة الظني - فهو: ما كان فيه\nالمعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه راجحا على غيره.\nوهذا التقسيم على الرأي الذي رجحناه فيما سبق، وهو عدم\nاشتراط كون المسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوق به، فهو شامل\nللمساوي وللأولوي.\nوعلى هذا يكون إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق بطريق مفهوم\nالموافقة إما أن يكون قطعيا، أو ظنيا، وفي كل منهما إما أن يكون\nالمسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق، أو مساويا له، فكان\nمجموع ذلك أربعة أنواع:\nالنوع الأول: مفهوم موافقة قطعي أولوي.\nالنوع الثاني: مفهوم موافقة قطعي مساوي.","vol":"4","page":1757},{"text":"النوع الثالث: مفهوم موافقة ظني أولوي.\nالنوع الثالث: مفهوم موافقة ظني مساوي.\nوإليك أمثلة لكل نوع من تلك الأنواع:\nمثال النوع الأول - وهو: مفهوم الموافقة القطعي الأولوي - قوله\nتعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، فإنه يفهم من ذلك - قطعا ومن باب أَوْلى - أن من عمل\nمثقال جبل خيرًا أو شرًا فإنه سيراه، وهذا مما لا شك فيه، ولا\nيتطرق إليه احتمال.\nمثال آخر: قوله - ﷺ -:\n\"من أخذ شبرًا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين \"، فقد بين الشارع الوعيد الشديد لمن اغتصب شبرًا من الأرض، فإذا كان هذا الوعيد الشديد يقع على من اغتصب هذه المساحة القليلة، فإن اغتصاب ما هو أوسع منه مساحة أشد في الوعيد، وأدخل في الظلم، وقد نبَّه بالقليل والأدنى على الكثير والأعلى، وهذا لا يتطرق إليه احتمال.\nمثال النوع الثاني - وهو: مفهوم الموافقة القطعي المساوي -:\nقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)، فقد توعد الشارع من أكل مال\nاليتيم ظلمًا بالوعيد الشديد، وعلمنا بطريق المفهوم: أن من أحرق\nمال اليتيم أو أتلفها بأي صورة من صور الإتلاف، فإن عليه ذلك\nالوعيد، وهذا المفهوم الموافق المسكوت عنه مساو للمنطوق به في\nالحكم جزمًا.\nمثال النوع الثالث - وهو: مفهوم الموافقة الظني الأولوي - قوله\n- ﷺ -:\n\"أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها ... \".","vol":"4","page":1758},{"text":"فهو نص على منع التضحية بالعوراء، وبما أن العمى عور مرتين،\nفإن العمياء أَوْلى بالحكم المذكور في العوراء بجامع: أن هذا العور\nيسبب نقص في القيمة، فالعمياء أحرى بهذا المعنى.\nلكن قد يقول قائل: لماذا لم نقل: إن هذا من أمثلة مفهوم\nالموافقة القطعي الأولوي.\nجوابه:\nأن هذا المعنى الذي من أجله منع التضحية بالعوراء لم نجزم به،\nبل هو يغلب على ظننا؛ حيث إن هناك احتمالًا آخر وهو: أن يكون\nالمعنى الذي من أجله منع التضحية بالعوراء: أن العوراء مظنة الهزال\nوالضعف والسقام؛ لأن العوراء ناقصة البصر، لا ترى إلا ما قابل\nعينها المبصرة فقط، فيكون هذا مظنة لنقص رعيها، ونقص رعيها\nمظنة لهزالها، وهذا المعنى قد لا يوجد في العمياء؛ لأن صاحبها\nيعرف بعماها لذلك تجده يهتم بها ويعلفها، وقد يختار لها أجود\nالعلف وذلك مظنة السمن.\nمثال النوع الرابع - وهو مفهوم الموافقة الظني المساوي -: قوله\n﵊: \" من أعتق له شركا في عبد فكان له مال يبلغ\nثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق\nعليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق \".\nفهو يدل على سراية العتق في حق العبد، والعلماء قد ألحقوا\nالأمة بالعبد في هذا الحكم؛ لأنه يغلب على الظن عدم وجود الفرق\nبينهما في ذلك.\nقد يقول قائل: لماذا لم نجعل هذا من أمثلة مفهوم الموافقة القطعي\nالمساوي.","vol":"4","page":1759},{"text":"جوابه:\nالذي منعنا من ذلك: أنه يوجد احتمال وهو: أن يكون الشارع\nإنما نص على العبد في هذا الحديث لخصوصية في العبد لا توجد في\nالأمة وهي: أن العبد إذا عتق فإنه يزاول مناصب الرجال وأعمالهم\nما لا تزاوله الأنثى، ولو كانت حرة.\n***\nالمسألة الثامنة: حجية مفهوم الموافقة:\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن مفهوم الموافقة حُجَّة، وهو طريق لاستنباط\nالأحكام الشرعية.\nوهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف.\nوهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأولْ: إجماع الصحابة - ﵃ - حيث إنهم\nفهموا ذلك من خطاب اللَّه تعالى ورسوله، ومن مخاطباتهم - فيما\nبينهم -؛ وذلك في وقائع كثيرة، ومنها:\n١ - أنهم فهموا من قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ\nومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره): أن ما زاد على مثقال ذرة أولى منه\nفي أن الشخص يراه يوم القيامة.\n٢ - قول أبي بكر - ﵁ - في شان مانعي الزكاة:\n\"والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه - ﷺ - لقاتلتهم عليه \" فإن الصحابة قد فهموا من هذا: أنه إذا قاتلهم على عقال\nالبعير، فمن باب أوْلى أن يقاتلهم على ما فوقه.","vol":"4","page":1760},{"text":"الدليل الثاني: أن هذا الأسلوب من الدلالة معروف عند أهل\nاللغة قبل ورود الشرع، بل هو أبلغ في الدلالة من التصريح؛ حيث\nإفي العرب يرون ذلك ضربا من البلاغة، ونوعًا من التأكيد للحكم\nفي محل السكوت، وهم أهل اللسان، وأرباب البيان، وبلغتهم\nنزل القرآن، فإن الشارع ينزل خطاباته على الأصول اللغوية\nوأساليبها وعرفها في الفهم، وما هو حُجَّة لغة يجب اعتباره حُجَّة\nشرعا ما لم يقم دليل على أن الشارع أراد معنى خاصا.\nالدليل الثالث: تبادر فهم العقلاء، بيانه:\nأن العقلاء إذا سمعوا هذا التعبير من الكلام كقول السيد لعبده:\n\"لا تعط زيدًا درهمًا، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه، ولا\nتقل له أف \"، فإنه يتبادر إلى أذهانهم: امتناع إعطاء زيد ما فوق\nالدرهم، وامتناع الظلم إلى ما فوق الذرة، وامتناع أذيته فيما فوق\nالتعبيس، وفوق التأفيف كالشتم والضرب،\nقال ابن تيمية - ﵀ -:\n\" وجمهور العلماء يرون أن إنكار فهم تحريم الضرب من\nتحريم التأفيف من نقص العقل، والفهم، وأنه من باب السفسطة في\nجحد مراد المتكلم \".\nوقال شمس الدين الذهبي: \" ما فهم أحد قط من عربي ولا\nنبطي ولا عاقل ولا واع: أن النهي عن قول: \" أف \" للوالدين إلا\nوما فوقها أولى منها، وهل يفهم ذو حس سليم إلا هذا؛ وهل هذا\nإلا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأصغر على الأكبر \".\nالمذهب الثاني: أن مفهوم الموافقة ليس بحُجَّة.\nوهو مذهب ابن حزم وأكثر الظاهرية.","vol":"4","page":1761},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن مفهوم الموافقة ما هو إلا نوعا من القياس، والقياس باطل\nجملة وتفصيلًا - كما سيأتي تفصيل كلامهم فيه - فيكون مفهوم\nالموافقة ليس بحُجَّة مثله.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن مفهوم الموافقة من قبيل القياس،\nبل إن دلالته دلالة لفظية، كما سبق بيان ذلك بالتفصيل وما كانت\nدلالته لفظية، فإنه يكون حُجَّة كالنصوص.\nالجواب الثاني: على فرض أن مفهوم الموافقة من قبيل القياس،\nفإنه حُجَّة؛ لأن القياس حُجَّة على رأي جمهور العلماء.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث تأثرت في هذا كثير من الفروع الفقهية،\nوسيأتي ذكر ذلك؛ حيث إن الظاهرية جعلوا مفهوم الموافقة من قبيل\nالقياس، وهم ينكرون القياس وينفونه، والجمهور يثبتونه فتكون\nالأمثلة تنطبق على البابين، ولا داعي لتكرار ذلك.","vol":"4","page":1762},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>المطلب الثالث في مفهوم المخالفة</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: في تعريفه.\nالمسألة الثانية: في أسمائه.\nالمسألة الثالثة: في أنواعه وحجية كل نوع.\nالمسألة الرابعة: في شروطه.","vol":"4","page":1763},{"text":"المسألة الأولى: تعريف مفهوم المخالفة:\nهو: دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف\nللحكم الذي دلَّ عليه المنطوق نفيًا وإثباتًا.\nمثاله: قوله ﵇: \" في سائمة الغنم الزكاة \"، فإن\nاللفظ دلَّ بمنطوقه: أن الغنم السائمة فيها زكاة.\nودلَّ بمفهوم المخالفة: أن الغنم المعلوفة لا زكاة فيها.\nفاللفظ - وهو الغنم السائمة - دلَّ على ثبوت حكم للمسكوت\nعنه، وهو - هنا - الغنم المعلوفة - مخالف للحكم الذي دلَّ عليه\nالمنطوق - وهو وجوب الزكاة - وهذا الحكم المخالف هو: أن\nالمعلوفة لا زكاة فيها.\nوقيل: هو: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم\nعما عداه.\nومعنى ذلك: أنه إذا خص شيء بالذكر ونطق به وصرح بحكمه،\nفإنا نستدل بذلك على أن المسكوت عنه يخالفه في الحكم، فإن كان\nالمنطوق به قد أثبت حكمه، فالمسكوت عنه قد نفي عنه ذلك الحكم،\nوإن كان المنطوق به قد نفي حكمه، فالمسكوت عنه قد أثبت له ذلك\nالحكم.\nفقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)،\nفالمنطوق به: أن من قتل شيئًا وهو محرم متعمدًا فيجب عليه المثل،\nومفهوم المخالفة: أن من قتل شيئًا وهو محرم خطأ، فلا يجب عليه\nشيء.","vol":"4","page":1765},{"text":"وقوله - ﷺ -:\n\"الثيب أحق بنفسها من وليها \".\nفالمنطوق: أن الثيب أحق بنفسها في أمر النكاح.\nوالمفهوم: أن البكر وليها أحق منها في أمر النكاح.\nوقولك: \" اعط السائل لحاجته \" يفهم بمفهوم المخالفة: أن غير\nالمحتاج لا يعطى.\n***\nالمسألة الثانية: أسماء مفهوم المخالفة:\nمفهوم المخالفة يسمى بعدة أسماء عند العلماء، وهي كما يلي:\nالاسم الأول: مفهوم المخالفة، وهذا هو المشهور عند جمهور\nالعلماء في كتبهم.\nوسمي بذلك؛ لأنه استنتاج مجرد، غير مستند إلى منطوق،\nفيكون مفهومًا، أي: أن المفهوم منه يخالف المنطوق به حكما.\nالاسم الثاني: دليل الخطاب، وسمي بذلك لأحد أمور ثلاثة:\nالأول: سمي بذلك إما لأن دليله من جنس الخطاب.\nالثاني: أو سمي بذلك لأن الخطاب دال عليه.\nالثالث: أو سمي بذلك لمخالفته منطوق الخطاب.\nالاسم الثالث: تخصيص الشيء بالذكر، وهذا الاسم منتشر عند\nالحنفية، واعتبروا التمسك به من التمسكات الفاسدة - كما سيأتي\nذكره -","vol":"4","page":1766},{"text":"المسألة الثالثة في أنواع مفهوم المخالفة وبيان حجية كل نوع\nوهي كما يلي:\nالنوع الأول: مفهوم الصفة.\nالنوع الثاني: مفهوم الشرط.\nالنوع الثالث: مفهوم الغاية.\nالنوع الرابع: مفهوم العدد.\nالنوع الخامس: مفهوم الاستثناء.\nالنوع السادس: مفهوم الحصر بـ \" إنما \".\nالنوع السابع: حصر المبتدأ في الخبر.\nالنوع الثامن: مفهوم اللقب.\nوإليك بيان كل نوع:\nالنوع الأول: مفهوم الصفة:\nأولًا: بيان حجيته:\nإذا كان للمنصوص عليه صفتان، فعلق الحكم بإحدى الصفتين\nهل يدل هذا على نفي الحكم عما يخالفه في الصفة الأخرى؟\nأو تقول: الخطاب العام المعلق حكمه على صفة لا توجد في كل\nمدلول هل يدل على نفي ذلك الحكم عما انتفت عنه تلك الصفة؛\nكقوله ﵇: \" في الغنم السائمة زكاة \"، فهل يدل على نفي","vol":"4","page":1767},{"text":"الزكاة عن غير السائمة وهي المعلوفة أو لا؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين هما:\nالمذهب الأول: أنه يدل على النفي، أي: أن مفهوم الصفة حُجَّة.\nفإذا علق الحكم على صفة، فإن هذا يدل على نفي ذلك الحكم\nإذا انتفت تلك الصفة.\nوهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر\nأصحابهم، وبعض أهل العربية كأبي عبيدة - معمر بن المثنى - وهو\nاختيار أبي الحسن الأشعري، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن تخصيص الحكم بالصفة لا بدَّ له من فائدة\nصونًا للكلام عن اللغو، فإن لم يكن هناك فائدة سوى انتفاء الحكم\nعما عدا الموصوف بتلك الصفة وجب حمله عليه، وإن لم يحمل\nعليه: كان التخصيص بتلك الصفة لغوًا، وكلام الشارع يصان عن\nاللغو، ولأجل ذلك يحمل تخصيص الحكم بتلك الصفة على نفيه\nعند عدم تلك الصفة.\nالدليل الثاني: قياس تقييد الخطاب العام بالصفة على تقييده\nبالاستثناء، وقد ثبت أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات\nنفي، فكذا التقييد بالصفة يجب أن يفيد النفي فيما عدا الموصوف\nبتلك الصفة إن كان الكلام موجبا، أو بالعكس إن كان منفيا.\nالدليل الثالث: أن الحكم المرتب على الخطاب المقيد بالصفة\nمعلول بتلك الصفة؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية -\nكما سيأتي بيان ذلك في باب القياس - وانتفاء العلة يوجب انتفاء\nالحكم، فيلزم من ذلك انتفاء الحكم فيما انتفت عنه تلك الصفة.","vol":"4","page":1768},{"text":"الدليل الرابع: أنه روي عن أبي عبيد - القاسم بن سلام - أنه لما\nسمع قوله - ﷺ -: \" لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ \"، قال: إن من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته،\nوروي عنه - أيضا - أنه لما سمع قول - ﷺ -: \"مطل الغني ظلم \" قال: مطل غير الغني ليس بظلم، فأبو عبيد - وهو من فصحاء العرب وأهل اللغة - قد فهم أن تعليق الحكم وتخصيصه بصفة يدل على نفي ذلك الحكم عما\nإذا انتفت تلك الصفة عنه.\nالدليل الخامس: أن ابن عباس - ﵄ - قد منع\nتوريث الأخت مع وجود البنت مستدلًا بمفهوم المخالفة من قوله\nتعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)\nحيث - ﵁ - قد فهم من توريث الأخت مع عدم الولد:\nامتناع توريثها مع البنت؛ لأنها ولد، وهو من فصحاء العرب،\nوهو أفقه الناس في الدين، وأعلمهم بالتأويل، وترجمان القرآن.\nالدليل السادس: أنه لما روى أبو ذر قوله - ﷺ -:\n\"يقطع صلاة الرجل: الحمار، والكلب الأسود، والمرأة \"،\nقال له عبد اللَّه بن الصامت: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟\nوجه الدلالة: أن عبد اللَّه بن الصامت فهم من تخصيص الكلب\nالأسود بالحكم نفي هذا الحكم عن غيره، وأن الكلب الأبيض، أو\nالأحمر لا يقطع الصلاة، ولم ينكر عليه أبو ذر - راوي الحديث -\nبل قال: يا ابن أخي، سالت رسول اللَّه - ﷺ - كما سألتني فقال:\n\"الكلب الأسود شيطان \"، فقد فهم عبد اللَّه وأبو ذر من تعليق\nالحكم - وهو قطع الصلاة - على الكلب الموصوف بالسواد انتفاء\nالحكم عن غير الكلب الأسود، والنبي - ﷺ - لم ينكر ذلك، والنبي - ﷺ - أفصح العرب لسانا، وعبد الله وأبو ذر من فصحاء العرب.","vol":"4","page":1769},{"text":"الدليل السابع: أن العربي لو قال لوكيله: \" اشتر لي حصانا\nأسود \" لفهم منه: عدم شراء الأبيض، ولو أنه اشترى أبيض لم\nيكن ممثلًا، ولو قال لزوجاته: \" الداخلة منكن لهذه الغرفة طالق \"\nلطلقت كل واحدة تدخل هذه الغرفة، وفهم منه انتفاء الطلاق عند\nعدم الدخول.\nالمذهب الثاني: أنه لا يدل على النفي، أي: أن مفهوم الصفة\nليس بحُجَّة.\nفإذا علق الحكم على صفة، فإن هذا لا يدل على نفي ذلك\nالحكم إذا انتفت تلك الصفة، وهو مذهب أبي حنيفة، وأتباعه.\nوهو اختيار بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والآمدي، وابن\nشريح، وبعض المالكية كأبي بكر الباقلاني، وأكثر المعتزلة، وبعض\nأهل العربية كالأخفش.\nأدلة هذا المذهب: -\nالدليل الأول: أن المقيَّد بالصفة لو دلَّ على نفي الحكم عما عدا\nالموصوف بها: لما حسن الاستفهام عن الحكم فيه لا نفيا ولا إثباتا\nكما هو الواقع في مفهوم الموافقة، حيث إنه في مفهوم الموافقة لا\nيحسن الاستفهام فيه، فمثلًا لو قال السيد لعبده: \" لا تقل لزيد\nأف \" لا يحسن من العبد أن يسأل ويقول: هل أضربه؟\nولكنه في مفهوم الصفة - وهو من مفهوم المخالفة - يحسن فإنه\nلما قال - ﷺ -: \"في الغنم السائمة زكاة\" حسن أن يقال: هل في المعلوفة زكاة أو لا؟\nفهو إذًا غير دال على الحكم فيه لا نفيا ولا إثباتا.","vol":"4","page":1770},{"text":"جوابه:\nأن مفهوم الموافقة لم يحسن الاستفهام فيه؛ لأن دلالته قطعية،\nأما مفهوم الصفة فدلالته ظنية، لذلك حسن الاستفهام، فلا يلزم\nمن قبح الاستفهام في مفهوم الموافقة قبحه في مفهوم الصفة.\nأما إذا كانت دلالة مفهوم الموافقة ظنية - كما قلنا فيما سبق - فإن\nالسؤال حسن للتأكيد، والتأكيد يكون لإزالة الاتساع في الفهم،\nوهذا قلناه في باب العموم.\nالدليل الثاني: أن المقيد بالصفة لو كان دالًا على نفي الحكم عما\nعداه، فإما أن يعرف ذلك بالعقل، أو بالنقل، وهما باطلان.\nبيان ذلك:\nأنه إن زُعم أن ذلك معروف بالعقل فهو باطل؛ لأن العقل لا\nمدخل له في اللغات.\nوإن زعم أن ذلك معروف بالنقل فهو باطل أيضًا - لأن النقل\nقسمان: \" متواتر \"، و\" آحاد \":\nفإن زُعم أن ذلك معروف بالمتواتر فهذا باطل؛ لأنه لو كان\nمعروفًا بذلك، لاشترك الناس في علمه، ومنهم المخالف؛ نظرًا\nلاشتراكهم في أسباب العلم كسلامة الحاسة، ومخالطة أهل اللغة،\nوالاقتباس منهم، ولكنه لم يعلم بذلك، فبطل أن يكون معلوما من\nجهة التواتر.\nوإن زعم أن ذلك معروف بالآحاد، فعلى تقدير صحته وسلامته\nعن المعارض، فإنه غير كاف؛ لأنه لا يفيد إلا الظن، والظن لا\nيقوى على إثبات قاعدة أصولية كمفهوم الصفة، أي: لا يمكن\nإثبات مثل هذا الأصل الذي نزل عليه كلام اللَّه، وكلام رسوله بما لا\nيفيد إلا الظن.","vol":"4","page":1771},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: نسلم لكم أن هذا غير معروف بالعقل، ولا\nبالتواتر، ولكن لا نُسَلِّمُ قولكم: \" إن الظن لا يثبت القاعدة\nالأصولية \" على إطلاقه، ولكن في ذلك تفصيل، إليك بيانه:\nإن كانت القاعدة الأصولية علمية فنحن معكم بأنها لا تثبت\nبالظن، وإن كانت القاعدة الأصولية عملية، فإنها تثبت بالظن؛\nقياسا على إثبات الفروع العملية بالآحاد.\nالجواب الثاني: أنا نقلب ذلك عليكم، ونقول لكم مثل ما قلتم\nلنا درهو: أن مفهوم الصفة ليس بحُجَّة إما أن يعرف عن طريق العقل\nأو النقل، وكل ذلك باطل، وجوابكم هو جوابنا.\nالدليل الثالث: أن المقيد بالصفة لو كان دالًّا على نفي الحكم عما\nعدا الموصوف بالصفة لذل عليه إما من جهة صريح الخطاب، وإما\nمن جهة أن تخصيص الحكم بالصفة لا بد له من فائدة، ولا فائدة\nسوى نفي الحكم عندْ عدم الصفة، وإما من جهة أخرى، وكلها\nباطلة.\nبيان ذلك:\nإن قلتم: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة\nصريح الخطاب فهو باطل؛ لأنه ليس في الخطاب إلا إثبات الحكم\nفي الموصوف فقط.\nوإن قلتم: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة أن\nتخصيص الحكم بالصفة لا بد له من فائدة، ولا فائدة سوى نفي","vol":"4","page":1772},{"text":"الحكم عند عدم الصفة، فهذا باطل؛ لأن تخصيص الحكم بالصفة\nله فوائد كثيرة، ومنها:\nالفائدة الأولى: تكثير أبواب الاجتهاد، بيان ذلك:\nأن الشارع لو استوعب جميع محل الحكم، ونص على كل حكم\nلم يبق للاجتهاد مجال، ولكنه يخصص بعض الأحكام بالذكر\nويعلقها على أوصاف، ويخصص بعض الحوادث بالأحكام معللًا\nبعلة ظاهرة، أو غير ظاهرة مريدًا من ذلك أن يحصل النظر\nوالاجتهاد فيها، وبذلك الاجتهاد يحصل الثواب الجزيل للمجتهدين.\nالفائدة الثانية: عدم إخراج المذكور من عموم اللفظ، بيانه:\nأن الشارع قد ذكر هذا الشيء الموصوف تأكيدًا عليه، وللاحتياط\nمن أن يأتي بعض ألناس ويجتهد ويخرجه عن اللفظ بالتخصيص.\nفمثلًا لو قال: \" في الغنم زكاة \"، ولم يخصص \" السائمة \"\nبالذكر لجاز لأي مجتهد أن يخرج السائمة عن العموم بالاجتهاد،\nفخص \" السائمة \" بالذكر، لئلا تكون محلًّا للاجتهاد، وتكون\nغيرها محل الاجتهاد.\nالفائدة الثالثة: تأكيد الحكم في المسكوت عنه، بيانه:\nأنه إذا كان قد ذكر الحكم وهو معلق بتلك الصفة وذلك المعنى،\nفإنه إذا وجدت تلك الصفة وذلك المعنى في المسكوت، عنه بصورة\nأقوى، فإن حكم المنطوق به يكون للمسكوت من باب أوْلى مثل ما\nقلنا في مفهوم الموافقة.\nالفائدة الرابعة: أن يكون مقصود صاحب الشرع تكثير ألفاظ\nالنصوص ليكثر ثواب القارئ.","vol":"4","page":1773},{"text":"وغير ذلك من الفوائد.\nوإن قلتم: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة\nأخرى، فهذا باطل؛ لأن الأصل عدمه، فلا يمكن أن يصار إليه إلا\nلدليل يحققه.\nجوابه:\nنحن نقول: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة\nأنه لا بد للتخصيص من فائدة، لكن لا لأنه لا فائدة سوى نفي\nالحكم عما عدا الموصوف، بل لما ذكرتموه من الفوائد أيضا، ولكن\nهذه الفائدة التي ذكرناها - وهي: دلالة ذلك على نفي الحكم عما\nعدا الموصوف - هي الأسبق إلى الذهن والأقوى، فيكون الحمل\nعليه أَولى.\nأما الباقي مما ذكرتموه من الفوائد فهي تنقدح في الذهن، ولكن\nأضعف من انقداح الفائدة التي ذكرناها، فلا تمتنع، وقلنا ذلك\nتكثيرًا لفوائد الكلام؛ حيث إن تكثير فوائد الكلام أوْلى من الإقلال\nمنها.\nالدليل الرابع: قياس مفهوم الصفة على مفهوم اللقب، بيانه:\nأنه لو دلَّ تقييد الحكم بألصفة على نفي الحكم عما عدا الموصوف\nبها، لدلَّ تقييد الحكم بالاسم على نفيه عما عداه بجامع: التمييز؛\nحيث إن القصد من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عن غيره،\nفكذا المقصود من الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره، أو بجامع:\nصيانة التخصيص عن الإلغاء، أو بجامع: حمله على تكثير الفائدة.\nولكن تقييد الحكم بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه، فكذلك\nتقييد الحكم بالصفة لا يدل على نفيه عما عداه.","vol":"4","page":1774},{"text":"جوابه:\nأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن\nنفي الحكم في صورة التقييد بالصفة أسبق إلى الفهم من سائر\nالفوائد، وهو غير حاصل في صورة التقييد بالاسم.\nأي: أن شعور الذهن عند سماع اللفظ العام المقيد بالصفة\nالخاصة بما ليس له تلك الصفة أزم من شعوره بما يغاير مدلول اسم\n\"ما \" عند سماعه.\nوإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يلزم من دلالة مفهوم الصفة على\nالنفي دلالته على النفي في صورة التقييد بالاسم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ لأنه قد ترتب على هذا خلاف في بعض\nالفروع، ومنها إذا قال: \" وقفت هذا على أولادي الفقراء \"، فإن\nغير الفقراء لا يدخلون بناء على المذهب الأول.\nويدخل غير الفقراء بناء على المذهب الثاني.\nولهذا فروع كثيرة في أبواب الوقف، والوصايا، والنذور والأيمان\nوهو واضح ولا داعي لذكره.\nثانيًا: اختلف أصحاب المذهب الأول في أن تقييد الحكم بالصفة\nهل يدل على نص الحكم عما عداه مطلقا، سواء كان من جنس\nالمثبت فيه أو لم يكن من جنسه، أو يختص فيما إذا كان من جنسه،\nفمثلًا إذا قلنا: \" إن في سائمة الغنم الزكاة \" هل يدل ذلك على نفي\nالزكاة عن المعلوفة مطلقا، سواء كانت معلوفة الغنم أم الإبل، أم\nالبقر، أو يختص النفي بمعلوفة الغنم؟\nاختلف في ذلك على قولين:","vol":"4","page":1775},{"text":"القول الأول: إن تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي\nالحكم عما عدا الموصوف بها في ذلك الجنس لا غير.\nوهذا قول أكثر أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون بحجية\nمفهوم الصفة - وهو الحق عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن دلالة المفهوم تابعة لدلالة المنطوق، والتابع لا\nيزيد على المتبوع، ولا يتعداه.\nالدليل الثاني: أن دلالة المفهوم مخالفة لدلالة المنطوق، وهو لم\nيتناول إلا الجنس المذكور، فمخالفه كذلك لا يخالف إلا الجنس\nالمذكور؛ تحقيقا لمعنى المخالفة.\nالقول الثاني: أن تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي\nالحكم عما عدا الموصوف بها في ذلك الجنس وفي غيره.\nوهو قول الأقل من أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون\nبحجية مفهوم الصفة -.\nدليل هذا القول:\nأن الوصف المذكور في الحكم علَّة الحكم، فإذا انتفت العلَّة انتفى\nالحكم؛ لأن الأصل اتحاد العِلَّة.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الوصف المذكور علَّة الحكم؛ لأنه\nيحتمل أن يكون شرطًا له.\nالجواب الثاني: سلمنا أن الوصف المذكور علَّة الحكم، لكن\nيكون عِلَّة في الجنس المذكور ولا يكون عِلَّة مطلقا.","vol":"4","page":1776},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\nأنه لما قال الرسول - ﷺ -: \"في سائمة الغنم الزكاة \"، فإن مفهومه: أنه لا زكاة في معلوفة الغنم، أما معلوفة الإبل والبقر ففيها\nالزكاة؛ وهذا بناء على القول الأول - وهو: أن تقييد الحكم بالصفة\nفي جنس يدل على نفيه عما عداه في ذلك الجنس -.\nأما بناء على القول الثاني: فإنه لا زكاة في معلوفة الغنم والإبل\nوالبقر، لأن تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي الحكم عما\nعدا الموصوف بها في ذلك الجنس وفي غيره.\nثمالثما: صور مفهوم الصفة.\nمفهوم الصفة له صور وهي كما يلي:\nالصورة الأولى؛ أن يذكر اسم عام، ثم يذكر بعده وصف خاص\nمثل قوله - ﷺ -:\n\"في الغنم السائمة زكاة \" - وهو كما سبق -.\nالصورة الثانية: تخصيص الحكم بصفة عارضة، والمراد منها:\nتعليق الحكم على صفة لا تستقر، بل تطرأ أحيانا وتزول أحيانا\nأخرى مثل قوله - ﷺ -:\n\"الثيب أحق بنفسها من وليها \"،\nفهنا اقترن الحكم - وهو كون المرأة أحق بنفسها من وليها - بوصف - وهو\nالثيوبة - وهذا الوصف طارئ على المرأة.\nالصورة الثالثة: مفهوم التقسيم وهو: أن يذكر قسمين، ويذكر\nحكم أحد القسمين، فإن هذا يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم\nالآخر، مثل قوله - ﷺ -:\n\" الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن \"،\nفهنا قسم المرأة إلى قسمين:","vol":"4","page":1777},{"text":"الأول: \" ألي م \"، وهي التي فارقت زوجها وتسمى \" الثيب \".\nالثاني: \" بكر \"، وهي التي لم تتزوج.\nوجعل لكل قسم حكمًا معينًا، فحكم \" الأيم \" أنها أحق بنفسها،\nأي: تستأمر، وحكم البكر: أنها تستأذن.\nفتخصيص \" الأيم \" بأنها أحق بنفسها يدل على نفيه عن البكر،\nوتخصيص البكر بالاستئذان يدل على نفيه عن الأيم.\nالصورة الرابعة: مفهوم العِلَّة وهو: دلالة اللفظ المقيد بالعلة على\nثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي انتفت عنه تلك العِلَّة كقوله:\n\" حرمت الخمرة لإسكارها \"، فإن هذا يدل بمفهومه على أن ما لا\nإسكار فيه لا يحرم.\nالصورة الخامسة: مفهوم الحال، وهو دلالة اللفظ المقيد بحال من\nالأحوال على ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي عدمت فيه\nتلك الحال كقوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في\nالمساجد)، فحرمت المباشرة في حالة معينة وهي: الاعتكاف،\nودل بمفهومه المخالف: حل المباشرة إذا انتفى فيه تلك الحال.\nالصورة السادسة: مفهوم المكان، وهو: دلالة اللفظ الذي علق\nالحكم فيه بمكان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه\nالذي انتفى عنه ذلك كقوله تعالى: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) .\nالصورة السابعة: مفهوم الزمان، وهو: دلالة اللفظ الذي علق\nالحكم فيه بزمان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه\nالذي انتفى عنه ذلك الزمان كقوله تعالى:","vol":"4","page":1778},{"text":"(الحج أشهر معلومات)، فإنه يدل بمفهومه المخالف:\nعدم صحة الحج إذا وقع في غير زمانه.\nوكل هذه الصور تجمعها عبارة \" مفهوم الصفة \"، وكلها حُجَّة\nعندنا والأدلة على ذلك هي نفس الأدلة على حجية الصفة.\nالنوع الثاني: مفهوم الشرط:\nوالمراد هنا: الشرط اللغوي، دون الشرعي والعقلي، فالحكم\nالمعلق على شيء بكلمة \" إن \" هل هو عدم عند عدم ذلك الشيء أو\nلا؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن مفهوم الشرط حُجَّة.\nأي: يوجد الحكم بوجود الشرط، وينتفي الحكم إذا انتفى\nالشرط.\nوهو مذهب القائلين: لمفهوم الصفة، وبعض المنكرين له كابن\nسريج، وأبي الحسن الكرخي، وأبي الحسين البصري، والإمام\nفخر الدين الرازي.\nوهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أنه روي أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب:\nما لنا نقصر وقد أمنا، وقد قال تعالى: (فليس عليكم جناح أن\nتقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) .\nوجه الدلالة: أن أبا يعلى قد فهم من تخصيص القصر بحالة\nالخوف عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل\nقال: قد عجبت مما عجبت منه، فسألت - ﷺ - عن ذلك فقال:\n\" صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته \".","vol":"4","page":1779},{"text":"فيعلى وعمر قد فهما من تعليق إباحة القصر في حالة الخوف\nوجوب الإتمام في حالة الأمن، والنبي - ﷺ - لم ينكر هذا الفهم، بل أقره.\nما اعترض به على ذلك:\nالاعتراض الأول: أن أبا يعلى وعمر إنما عجبا؛ لأن الإتمام\nواجب بحكم الأصل، حيث إن الآيات أمرت بإتمام الصلاة، وإنما\nاستثنى حالة الخوف، وأباح فيها القصر لهذا العذر، وهو:\nالخوف، فبقيت حالة الأمن على ما هي عليه يجب فيها الإتمام،\nفثبت أنهما عجبا نظرًا لمخالفة الأصل.\nجوابه:\nلا يوجد في القرآن آية تدل على وجوب إتمام الصلاة بلفظها\nخاصة، ولهذا يقال: إن الأصل في الصلاة القصر، فروي عن\nعائشة - ﵂ - أنها قالت: \" كانت صلاة السفر والحضر\nركعتين فأقرَّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر \"، فدل على\nأنهما فهما وجوب الإتمام عند الأمن بسبب مفهوم الشرط.\nالاعتراض الثاني: أن الآية حُجَّة لنا؛ حيث لم يثبت انتفاء الحكم\nعند انتفاء الشرط، فيجوز القصر عند عدم الخوف.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن مفهوم الشرط قد دلَّ على منع القصر عند عدم\nالخوف، وإنما ترك العمل بمفهوم الشرط لدليل آخر أباح القصر ولو\nلم يوجد خوف؛ قياسًا على ظاهر العموم، فإنه يترك أحيانا لدليل\nآخر.","vol":"4","page":1780},{"text":"الجواب الثاني: أنه يحتمل أنه ذكر الشرط يبين فيه: أن السبب في\nنزول إباحة القصر كان الخوف، ثم عممت الإباحة كما في قوله\nتعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)،\nفبين أن ذلك سبب الارتهان، لا أنه شرط في الارتهان.\nالدليل الثاني: أن كتب النحو بأسرها ناطقة بأن كلمة \" إنْ \"\nتسمى عند أهل اللغة بحرف الشرط، والشرط هو: ما ينتفي الحكم\nعند انتفائه، فيقال: الطهارة شرط لصحة الصلاة، والحول شرط\nوجوب الزكاة، والاستطاعة شرط وجوب الحج، والحياة شرط العلم\nوالقدرة؛ فيلزم من انتفاء الطهارة، وانتفاء الحول، وانتفاء\nالاستطاعة، وانتفاء الحياة: انتفاء صحة الصلاة، ووجوب الزكاة،\nووجوب الحج، وانتفاء العلم والقدرة.\nفيكون انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط معنى عاما في جميع موارد\nاستعماله، فوجب جعله حقيقة فيه؛ دفعا للاشتراك، والتجوز.\nالمذهب الثاني: أن مفهوم الشرط ليس بحُجَّة.\nأي: أن أداة الشرط لا تدل على انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه،\nوإنما انتفاء المشروط عنذ انتفاء الشرط يعلم من البراءة الأصلية.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، والإمام مالك، واختاره أبو بكر\nالباقلاني، والغزالي، وأكثر المعتزلة منهم القاضي عبد الجبار، وأبو\nعبد اللَّه البصري، وهو مذهب الآمدي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الرجل لو قال لزوجته: \" إن دخلت الدار\nفأنت طالق \"، فإن هذا لا ينفي وقوع الطلاق بدون دخول الدار؛\nحيث إنه لو نجز أو علق بشيءآخر فإنه يقع.","vol":"4","page":1781},{"text":"جوابه:\nلا نسلم أنه لا ينتفي وقوع الطلاق بدون دخول الدار إذا نظرنا إلى\nقوله فقط.\nأما استدلالكم على قولكم بوقوع المنجز أو المعلق بتعليق آخر:\nفهذا استدلال غير صحيح؛ لأن ذلك غير المطلق بدخول الدار.\nالدليل الثاني: أن أداة الشرط لو دئَت على انتفاء المشروط عند\nانتفاء الشرط لكان قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) دالًا على أن الإكراه على الزنا غير حرام عند إرادة\nالزنا، أي: أن الآية - لم تدل على نفي حرمته عند إرادته، لكن\nالآية لا تدل على ذلك، وعليه: لا تكون أداة الشرط دالة على نفي\nالمشروط عند انتفاء الشرط.\nجوابه:\nأن تخصيص الشرط بالذكر هنا قد ظهر له فائدة أقوى من فائدة\nنفي الحكم عند انتفائه، وتلك الفائدة هي: التقبيح والتشنيع على\nهؤلاء الذين يكرهون الإماء على الزنا، ويحملونهن عليه مع أن\nالإماء أنفسهن لا رغبة لهن فيه، فتكون الآية - على ذلك - ليست\nمن باب مفهوم الشرط.\nبيان. نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية ومنها:\n١ - أن أصحاب المذهب الأول قالوا: إن الطلقة ثلاثا الحائل لا\nتجب النفقة عليها؛ أخذًا بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) فهنا قد جعلت","vol":"4","page":1782},{"text":"الآية النفقة للبائن بشرط أن تكون حاملًا، فينتفي الحكم عند انتفاء\nالشرط، فيثبت عدم وجوب النفقة للمطلقة ثلاثا الحائل.\nأما أصحاب المذهب الثاني فقد قالوا: تجب النفقة للمطلقة ثلاثًا\nمطلقا، أي: سواء كانت حاملًا أو حائلًا، ولم يأخذوا بمفهوم\nالشرط في هذه الآية، وقالوا: إذا كانت الآية قد صرحت بوجوب\nالنفقة للحامل، فهي ساكتة عن نفقة الحائل، فيبقى الحكم على\nأصله، وهو الوجوب للنفقة؛ لأن الزوجة قبل الطلاق كانت نفقتها\nواجبة على الزوج، فيستمر ذلك ما دامت في العدة.\nالنوع الثالث: مفهوم الغاية:\nمد الحكم إلى غاية ونهاية محددة بواسطة لفظ \" إلى \"، كقوله\nتعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل)، أو بلفظ \" حتى \"، كقوله\nتعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)، أو مد الحكم بصريح\nالكلام كقولك: \" صوموا صومًا آخره الليل \"، هل يدل على نفي\nالحكم فيما بعد الغاية أو لا؟\nلفد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن مفهوم الغاية حُجَّة.\nأي: أن الحكم إذا قيد بغاية، فإن ذلك يدل على نفي الحكم فيما\nبعد الغاية، فحكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها.\nوهو مذهب القائلين بمفهوم الشرط، وبعض المنكرين له كالقاضي\nأبي بكر، والقاضي عبد الجبار، والغزالي.\nوهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن ما بعد الغاية في مثل قوله تعالى:","vol":"4","page":1783},{"text":"(فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)،\nوقوله: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)\nليس كلامًا تامًا، ولا يستقل بنفسه؛ لأنه لو ابتدأ قائلًا: \" حتى\nتنكح زوجًا غيره \"، و\" حتى يطهرن \"، وسكت، لم يحسن\nالسكوت عليه، ولا يصح ذلك حتى يتعلق بما قبله، وهو قوله:\n(فلا تحل له)، وقوله: (ولا تقربوهن) .\nإذن: لا بد فيه من إضمار، وذلك الإضمار إما ضد ما قبله أو\nغيره.\nأما الثاني - وهو: أن يضمر غير الضد - فهو باطل؛ لأنه ليس\nفي الكلام ما يدل عليه عينًا.\nفتعيَّن الأول - وهو: \"إضمار الضد - فيكون تقدير الكلام في\nالمثال الأول: \" فلا تقربوهن حتى يطهرن فاقربوهن \"، وتقدير\nالكلام في المثال الثاني: \" حتى تنكح زوجا غيره فتحل له \"، فإذا\nثبت ذلك في هذه الصورة ثبت في غيرها لعدم القائل بالفرق.\nالدليل الثاني: أن ما بعد الغاية يقبح الاستفهام عنه، فلو قال\nالسيد لعبده: \" لا تعط زيدًا درهما حتى يقوم \"، و\" اضرب عمرًا\nحتى يتوب \"، فإنه يقبح من العبد أن يسأل ويقول: إذا قام هل\nأعطيه درهما؛ وإذا تاب هل أضربه؟\nوسبب هذا القبح هو: أن الجواب قد فهم بدون ذلك، فالسؤال يكون تحصيل حاصل، فلو لم يفهما لما قبح الاستفهام عنهما.\nالدليل الثالث: أن غاية الشيء: نهايته، ونهاية الشيء:\nمنقطعه، ومعروف أن الشيء إذا انقطع وانتهى صار خاصا بحكم،\nوصار ما بعده خاصا بحكم آخر، وهو ضده، وإن لم يكن ضده\nلم يتحقق مفهوم الغاية، ففي الأمثلة السابقة: ضد تحريم الزوجة","vol":"4","page":1784},{"text":"بعد الطلقة الثالثة هو: حلها بعد الزواج بزوج آخر، وضد وجوب\nالصوم في النهار هو: عدم وجوبه في الليل، وضد عدم قربان\nالزوجة قبل الطهر هو: حلها بعد الطهر.\nالمذهب الثاني: أن مفهوم الغاية ليس بحُجَّة.\nأي: أن الحكم إذا قيد بغاية فإنه لا يدل على نفي هذا الحكم فيما\nبعد الغاية، وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض الشافعية\nكالآمدي، وبعض المالكية كالباجي.\nدليل هذا المذهب:\nأن النطق واللفظ خاص بحكم ما قبل الغاية، أما ما بعد الغاية\nفهو مسكوت عنه: لم يتعرض له اللفظ والنطق لا بنفي، ولا\nبإثبات، فيبقى على النفي الأصلي، وهو الأصل فتبقى الذمة بريئة\nمن التكليف فيه.\nجوابه:\nنسلم لكم أن الأصل هو بقاء الذمة بريئة من التكاليف، ولكن إذا\nجاء دليل يغير هذه الحالة ويرفع هذا الأصل أخذنا به، وعندنا قد قام\nدليل على أن حكم ما بعد الغاية يكون ضد ما قبلها، وهي الأدلة\nالثلاثة السابقة الذكر.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا هو معنوي، حيث إنه أثر على بعض الفروع،\nومنها: الأمثلة السابقة.\nوأيضا: أن الغسل يجزئ عن الوضوء بدليل مفهوم الغاية في قوله\nتعالى: (حتى تغتسلوا)، فإن مفهومه: إن اغتسلتم فلكم أن","vol":"4","page":1785},{"text":"تقربوا الصلاة، فلولا أن الغسل يجزئ عن الوضوء لم يكن\nللمغتسل أن يقرب الصلاة.\nالنوع الرابع: مفهوم العدد:\nإذا خصص الحكم بعدد معين وقيد به، فهل يدل هذا على نفي\nذلك الحكم عن غير ذلك العدد، سواء كان ذلك الغير زائدًا عليه أو\nناقصًا عنه أو لا؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن مفهوم العدد حُجَّة.\nأي: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص يدل على نفي ذلك الحكم\nفيما عدا ذلك العدد، سواء كان زائدًا أو ناقصا.\nوهو مذهب أكثر القائلين بمفهوم المخالفة، وهو اختيار بعض\nالحنفية، وداود الظاهري، وبعض الشافعية، وعلى رأسهم الإمام\nالشافعي.\nوهو الحق عندي لكن بشرط وهو: أن لا يكون قد قصد بالعدد\nالتكثير أو المبالغة نحو قولك: \" جئتك ألف مرة ولم أجدك \".\nوالأدلة على حجية مفهوم العدد هي كما يلي:\nالدليل الأول: أن قتادة - ﵁ - قال:\nلما نزل قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، قال النبي - ﷺ -:\n\"قد خيرني ربي فواللهِ لأزيدن على السبعين \"، ففهم النبي - ﷺ - من الآية أن نفي المغفرة مقيد بالسبعين، فإذا زاد العدد عن السبعين فقد انتفى الحكم - وهو عدم المغفرة - رجاء أن يبدله بحكم آخر وهو المغفرة، ولذلك قال:\nلأزيدن على السبعين فيكون تخصيص الحكم بعدد \"، على نفي\nالحكم عن غير هذا العدد المعين.","vol":"4","page":1786},{"text":"ما اعترض به على هذا الدليل:\nالاعتراض الأول: أن هذا الحديث ضعيف لم يدون في الصحاح،\nوالحديث الضعيف لا يحتج به في إثبات قاعدة أصولية، قال ذلك\nأبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، وأشار إليه الغزالي.\nجوابه:\nإن هذا غير مسلَّم، بل أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب\nالتفسير، باب: قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ...) عن\nابن عمر - ﵄ - قال: لما توفى عبد اللَّه بن أُبي جاء\nابنه إلى رسول اللَّه - ﷺ - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول اللَّه - ﷺ - ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللَّه - ﷺ - فقال: يا رسول اللَّه، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: \"إنما خيرني اللَّه فقال:\n(استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ...)،\nوسأزيد على السبعين ... \"، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب\nفضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر، وأخرجه الترمذي،\nوالنسائي. إذن: يكون الحديث صحيحا؛ حيث إن أصح الأحاديث\nما اتفق عليه البخاري ومسلم، وهذا قد اتفق عليه البخاري ومسلم.\nالاعتراض الثاني: على فرض صحته، فإنه خبر واحد؛ وخبر\nالواحد لا يقوى على إثبات قاعدة أصولية كمفهوم العدد.\nجوابه:\nإن خبر الواحد يثبت القاعدة الأصولية إذا كانت وسيلة إلى العمل\nمثل هذه القاعدة، كما قلنا ذلك أكثر من مرة.","vol":"4","page":1787},{"text":"الدليل الثاني: أن الحكم لو ثبت فيما زاد على العدد المذكور لم\nيكن لذكر العدد فائدة، وكلام الشارع لا يجوز أن يعرى عن الفائدة\nما أمكن، كما لا يجوز أن يخلى ذكر الصفة، والشرط عن\nالفائدة، فثبت أن فائدة ذكر العدد هي: أن ينفى الحكم عما عدا\nالمقيد بعدد، وهذا هو مفهوم العدد.\nالدليل الثالث: أن الأمة قد عقلت من تحديد حد القاذفِ بثمانين\nنفي وجوب الزيادة، وعدم جواز النقصان.\nالمذهب الثاني: أن مفهوم العدد ليس بحُجَّة.\nأي: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص لا يدل على نفي ذلك\nالحكم فيما عدا ذلك العدد.\nوهو مذهب أبي حنيفة، وأكثر الحنفية، وأكثر الشافعية كالآمدي،\nوفخر الدين الرازي، وأكثر المعتزلة، وأكثر الظاهرية.\nدليل هذا المذهب:\nأن تعليق الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد، ولا عما\nنقص، لاحتمال أن يكون في تعليقه بذلك العدد فائدة سوى نفيه عما\nزاد أو نقص.\nجوابه:\nلا شك أنه توجد فوائد كثيرة في تعليق الحكم على العدد - كما\nقلنا فيما سبق - ولكن أقوى الفوائد انقداحا في الذهن وأقربها إليه\nهو: أنه يدل على نفي الحكم عما زاد أو نقص، وهذا هو مفهوم\nالعدد.\nتنبيه: أكثر الأدلة على حجية مفهوم الصفة والشرط تصلح","vol":"4","page":1788},{"text":"للاستدلال بها على حجية مفهوم العدد، وأكثر أدلة المخالفين فيهما\nتصلح للاستدلال بها على عدم حجية هذا المفهوم، والجواب نفس\nالجواب.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\n١ - أنه لو قال لوكيله: \" بع هذا الثوب بمائة ريال \"، فإن باع\nوكيله هذا الثوب بأكثر من مائة أو أقل فإنه لا يصح البيع؛ هذا بناء\nعلى المذهب الأول؛ لأن مفهوم العدد حُجَّة.\nأما على المذهب الثاني: فإنه لو باع بأكثر صح البيع؛ لأنه لا\nمفهوم للعدد.\n٢ - أن النجاسة إذا أصابت ما دون القلتين نجسته، وحمل\nالخبث؛ استدلالًا بمفهوم العدد من قوله - ﷺ -:\n\" إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث \".\nوبناء على المذهب الثاني فإن ما دون القلتين يحمل الخبث.\n٣ - أنه يجب الوضوء من ثلاث قطرات من الدم، بناء على\nالمذهب الأول؛ استدلالًا بمفهوم العدد من قوله - ﷺ -:\n\" ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دما سائلًا \"، بخلاف المذهب الثاني؛ حيث لا يقولون بمفهوم العدد.\nالنوع الخامس: مفهوم الاستثناء من النفي:\nلقد اختلف العلماء في الاستثناء من النفي هل هو إثبات أو لا؟\nمثل قوله: \" لا عالم في البلد إلا زيد \" على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الاستثناء له مفهوم، أي: أن الاستثناء من\nالنفي إثبات، فإذا قلنا: \" لا عالم في المدينة إلا زيد \"، فإنه يدل\nعلى نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون زيد عالما.","vol":"4","page":1789},{"text":"وهو مذهب جمهور العلماء، وأكثر منكري المفهوم.\nوهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن القائل: \" لا إله إلا اللَّه \" يُعتبر موحدًا مثبتا\nللألوهية لله تعالى، ونافيا لها عما سواه بالإجماع، ولو كان نافيا\nللألوهية عما سوى اللَّه تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى اللَّه تعالى لما\nكان ذلك توحيدًا لله تعالى؛ لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله\nتعالى، وذلك خلاف الإجماع.\nالدليل الثاني: أن كون الاستثناء من النفي إثباتا يتبادر إلى فهم كل\nسامع، فمثلًا لو قال: \" لا عالم إلا زيد \"، و\" لا فتى إلا علي \"،\nو\" لا سيف إلا ذو الفقار \"، فإنه يتبادر إلى ذهن كل سامع لغوي:\nأن هذا من أدل الألفاظ على علم زيد وفضله، ومن أدل الألفاظ\nعلى فتوة علي، وعلى أنه لا سيف قاطع إلا المسمى بذي الفقار.\nالدليل الثالث: أنه ثيت عن أهل اللغة أنهم قالوا: الاستثناء من\nالإثبات نفي، ومن النفي إثبات، وكلامهم حُجَّة؛ حيث إنهم أعلم\nالناس بما وضعت له الألفاظ، وبذلك يكون الاستثناء دالًا على ثبوت\nنقيض حكم المستثنى منه للمستثنى، فيكون الاستثناء من النفي إثباتا،\nومن الإثبات نفيًا.\nالمذهب الثاني: أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، فقولك: \"لا\nعالم إلا زيد \" لا يدل على كون زيد عالما.\nوهو مذهب أبي حنيفة، وأكثر أصحابه.\nدلبل هذا المذهب:\nأنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتًا لكان قوله ﵊:","vol":"4","page":1790},{"text":"\" لا صلاة إلا بطهور \"، وقوله: \" لا نكاح إلا بولي \"\nمقتضيا تحقق الصلاة عند وجود الطهارة، وتحقق النكاح عند وجود\nالولي؛ حيث إن الطهور والولي مستثنى من نفي الصلاة، ونفي\nالنكاح، والاستثناء من النفي إثبات - على زعمكم - فيلزم من ذلك\nصحة الصلاة عند وجود الطهارة، وصحة النكاح عند وجود الولي،\nوهذا ليس بصحيح باتفاق العلماء؛ لأن الطهارة قد تكون موجودة،\nومع ذلك لا تصح الصلاة؛ نظرًا لفقدان شرط آخر، وكذلك قد\nيوجد الولي، ومع ذلك لا يصح النكاح؛ نظرًا لفقدان شرط آخر،\nوهكذا.\nفإذا كان الأمر كذلك فليس الاستثناء من النفي إثبات، بل إن\nالاستثناء هو: إخراج المستثنى عن دخوله في المستثنى منه، وأنه غير\nمتعرض لنفيه ولا إثباته.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه يحتمل أن يكون قد قصد بهذين الحديثين وما\nشابههما: بيان أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وأن الولي\nشرط في صحة النكاح، فإن هذا لا يفيد ثبوت صحة الصلاة عند\nالطهارة، وثبوت صحة النكاح عند وجود الولي؛ قياسًا على قولنا:\n\" لا قضاء إلا بعلم وورع \"، فإن هذا القول لا يفيد ثبوت القضاء\nلكل ورع وعالم، وإنما يفيد اشتراط العلم والورع فيمن يتولى\nالقضاء.\nالجواب الثاني: أنه يحتمل أنه قد قصد بالحصر في هذين الحديثين\nالمبالغة والاهتمام بالشيء، وبيان أنه أهم شروطه؛ حيث إن أهم","vol":"4","page":1791},{"text":"شروط الصلاة: الطهارة، وأهم شروط النكاح: وجود الولي؛\nقياسًا على قول النبي - ﷺ -: \"الحج عرفة \".\nفهذا الحديث لم يقصد منه ثبوت الحج عند الوقوف، ونفيه عند\nعدم الوقوف؛ لأن الحج قد يبطل مع الإتيان بالوقوف؛ لكونه قد\nترك ركنًا آخر من أركانه، ولكنه ذكر ذلك لأن الوقوف بعرفة أهم\nأركان الحج.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ لأنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\n١ - إذا قال المقر: \" ليس له عليّ شيء إلا درهما \"، فإن\nأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الاستثناء من النفي\nإثبات - يوجبون على المقر درهمًا، لأن الاستثناء من النفي إثبات.\nوأما أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية - فلا يوجبون شيئا\nعلى المقر؛ لأن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، ويقولون: إن\nالمستثنى مسكوت عنه، لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات.\n٢ - إذا قال: \" والله لا آكل إلا هذا الرغيف \"، فإن على\nالمذهب الأول يحنث إن لم يأكل الرغيف؛ لأن الاستثناء من النفي\nإثبات.\nأما بناء على المذهب الثاني: فإنه إذا لم يأكل شيئًا من الرغيف\nفإنه لا يحنث؛ لأن الاستثناء من النفي ليس بإثبات.\nالنوع السادس:. مفهوم \" إنما \":\nهل تقييد الحكم بهذا اللفظ - وهو إنما - كقوله - ﷺ -: \"إنما الولاء لمن أعتق \": وقوله: \" إنما الأعمال بالنيات \"،","vol":"4","page":1792},{"text":"وقوله: \"إنما الربا في النسيئة \"\nيدل على الحصر، وإثبات الحكم، ونفيه عما عداه أو لا؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن \" إنما \" يدل على الحصر، وإثبات المذكور،\nونفي ما عداه، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن لفظة \" إنما \" مركبة من جزئين هما: \" إن \"\nالمشددة، و\" ما \".\nو\" إنَّ \" للإثبات مثل: \" إن زيدًا ناجح \".\nو\" ما \" للنفي مثل: \" ما زيد بناجح \".\nوإذا كانت \" إن \" للإثبات، و\" ما \" للنفي حال انفرادهما،\nفيجب استصحاب ذلك وإبقاء ما كان على ما كان في حال\nاجتماعهما في التركيب، إذن لفظ \" إنما \" موضوع للأمرين:\nللإثبات، والحصر، ونفي ما عدا المذكور.\nأي: أن لفظ \" إنما \" يفيد الإثبات إذا نظرنا إلى \" إنَّ \"، ويفيد\nالحصر ونفي ما عدا المذكور إذا نظرنا إلى \" ما \".\nالدليل الثاني: أن المتبادر إلى أفهام أهل اللغة والعارفين بأساليب\nاللغة العربية من لفظ \" إنما \" هو: الحصر، وإثبات المذكور ونفي ما\nعدا المذكور، فلم تستعمل في موضع من النصوص الشرعية، أو\nالأشعار العربية إلا ويحسن فيه الحصر والنفي، والأصل في\nالاستعمالِ الحقيقة، والأمثلة على ذلك كثيرة.\nومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، حيث حصر الله\nسبحانه نفسه في صفة الوحدة مع أنه له صفات كثيرة، ولكنه\nحصرها هنا باعتبار خاص، وهو المعلوم من سياق الآية، حيث قال","vol":"4","page":1793},{"text":"تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) .\nومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، فقد\nحصر الخشية على العلماء وإن كان يوجد من العباد من يخشاه\nسبحانه من غير العلماء، ولكنه حصر ذلك في العلماء؛ لكونهم\nأشد خشية لله بسبب علمهم بالآيات.\nومنها: قوله تعالى: (إنما أنا منذر)، فقد فسَّره بصريح الحصر\nفي غير موضع كقوله تعالى: (وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ)، وقوله: (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) .\nومنها: قوله - ﷺ -:\n\"إنما الأعمال بالنيات \"،\nوقد فسَّره بقوله: \" لا عمل إلا بنية \" وهو حصر.\nومنها: قول الفرزدق:\nأنا الضامن الراعي عليهم وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي\nفحصر المدافعة فيه أو في مثله.\nالمذهب الثاني: أن تقييد الحكم بلفظ \" إنما \" لا يدل على الحصر،\nبل يدل على إثبات الحكم المذكور - فقط - ولا يدل على نفي ما\nعداه.\nوهو مذهب أكثر الحنفية وبعض الشافعية كالآمدي، وبعض\nالحنابلة كالطوفي.\nدليل هذا المذهب:\nأن لفظ \" إنما \" مركبة من جزأين هما: \" إنَّ \" و\" ما \".\nو\" إنَّ \" للتأكيد.","vol":"4","page":1794},{"text":"و\" ما \" كافة، وليست نافية.\nأي: أن \" ما \" تكف \" إنَّ \" وأخواتها عن العمل فيما بعدها،\nوتقلبها من اختصاصها بالدخول على الأسماء - فقط - إلى دخولها\nعلى الفعل:\nفلفظ \" إنَّ \" مختصة بالدخول على الأسماء فقط فيقال: \" إن\nزيدًا مسافر \"، ولا تدخل على الأفعال فلا يقال: \" إنَّ قام زيد \".\nولكن لما وردت لفظة \" ما \" بعد \" إن \" أفادت أمرين:\nأولهما: أنها كفتها عن العمل.\nثانيهما: أنها جعلت \" إن \" تدخل على الفعل فتقول: \" إنما قام\nزيد\".\nوإذا كانت \" ما \" كذلك فليست نافية، ولا تدل على النفي\nكقولنا: \" إنما النبي محمد \"، فإن هذا يدل على إثبات النبوة\nلمحمد - ﷺ -، ولا تنفي النبوة عن غيره من الأنبياء.\nجوابه:\nلا نسلم ما ذكرتموه، لأن \" إنما \" تفيد الإثبات والنفي؛ لوجود ما\nيقتضيهما وهما: \" إنَّ. \" المؤكدة المثبتة، و\" ما \" النافية؛ قياسا على\nالاستثناء من النفي الذي هو إثبات، فكما أن قولنا: \" لا فتى إلا\nعلي\" يفيد نفي الفتوة عن غير علي، وتأكيد الفتوة لعليّ، فكذلك\nهنا فقولنا: \" إنما العالم زيد \" يفيد إثبات العلم الصحيح لزيد\nوالتأكيد على ذلك، ونفي العلم الصحيح عن غيره.\nأما قولكم: \" إنما \" النبي محمد، فهذا كلام من إنشاءكم، وهو","vol":"4","page":1795},{"text":"اختراع على اللغة لم يسمع به، فلا يقوى على معارضة ما ورد في\nالقرآن وكلام العرب.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث تأثرت بهذا الخلاف بعض الفروع الفقهية،\nومنها: لو أخبر مخبر قائلًا: \" إنما العالم زيد \"، فإن هذا يُفهم أن\nالعلم محصور على زيد، وأن غيره لا علم عنده، هذا بناء على\nالمذهب الاءول.\nأما على المذهب الثاني: فإن هذا لا يفيد الحصر، بل يفيد تأكيد\nالإثبات، فالعلم يوجد عند زيد وعند غيره.\nالنوع السابع: حصر المبتدأ في الخبر:\nقول الرسول - ﷺ -:\n\"الشفعة فيما لم يقسم \"، وقوله: \"تحريمها التكبير وتحليلها التسليم \"،\nوقولنا: \" العالم زيد \"، و\" صديقي زيد \"\nهل يدل ذلك على حصر الشفعة فيما لم يقسم، وعلى حصر\nتحريم الصلاة في التكبير، وتحليل الصلاة في التسليم، وعلى حصر\nالحلم في زيد، وعلى حصر الصداقة فى زيد أو لا؟\nاختلف العلماء\nفي ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن ذلك يدل على الحصر ويفيده.\nأي: أن ذلك يدل على حصر الشفعة فيما لم يقسم، وحصر\nالتحريم في التكبير، وحصر التحليل في التسليم، وحصر العلم\nوالصداقة في زيد.\nوهو مذهب كثير من العلماء منهم الغزالي، وإلكيا الهراسي،\nوابن قدامة.","vol":"4","page":1796},{"text":"وهو الحق عندي؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن أهل اللغة يُفرقون بين قول القائل: \" زيد\nصديقي \"، وبين قوله: \" صديقي زيد \" بأن الثاني يفيد الحصر،\nولولا أن الثاني يفيد الحصر لما حصلت التفرقة بينهما، فكل من قال\nبالتفرقة بينهما قال: إن تلك التفرقة بإفادة الحصر وعدم إفادته.\nالدليل الثاني: أن الاسم إذا دخلت عليه \" أل \" كقوله - ﷺ -:\n\"الشفعة فيما لم يقسم \"، أو أضيف إلى معرفة\nكقوله - ﷺ -: \"تحريمها التكبير وتحليلها التسليم \"، وقولنا: \" صديقي زيد \"، فإن هذا الاسم يفيد الاستغراق،\nوبالتالي فإن ذلك يفيد الحصر، وهو ظاهر فيه،\nبيان ذلك:\nأنه أفاد الحصر؛ لأن المحكوم به - وهو الخبر - يجب أن يكون\nمساويا للمحكوم عليه - وهو المبتدأ - أو أعم منه.\nفمثال المساوي: قولنا: \" الإنسان بشر \"، فالإنسان - هنا -\nوهو المبتدأ - محكوم عليه بأنه بشر - وهو الخبر - وهو مساوٍ له.\nومثال الأعم قولنا: \" الإنسان حيوان \"، فالإنسان هنا. وهو\nالمبتدأ - محكوم عليه \" بأنه حيوان وهو أعم من الإنسان، وإذا ثبت\nذلك فإن \" التحريم \" الوارد في حديث: \" تحريمها التكبير \" مبتدأ،\nو\" التكبير \" خبره، فيكون \" التكبير \" مساويا للتحريم، فينحصر\nالتحريم في التكبير كما حصرنا \" الإنسان \" في \" الحيوان \"، وكما\nحصرنا الإنسان في البشرية.\nوعلى ذلك: فإن التحريم يجب أن ينحصر في التكبير، والتحليل\nيجب أن ينحصر في التسليم، والشفعة يجب أن تنحصر فيما لم\nيقسم، والصداقة يجب أن تنحصر في زيد.","vol":"4","page":1797},{"text":"المذهب الثاني: أن ذدك لا يدل على الحصر ولا يفيده.\nأي: أن ذلك لا يدل على حصر الشفعة فيما لم يقسم، وحصر\nالتحريم في التكبير، وحصر التحليل في التسليم، وحصر العلم\nوالصداقة في زيد في الأمثلة السابقة.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، رالقاضي أبي بكر، وبعض المتكلمين.\nدليل هذا المذهب:\nأن مثل ذلك لو أفاد الحصر: لكان قول القائل: \" صديقي زيد\nوعمرو \" تناقضًا، لأن قوله: \" صديقي زيد \" يفيد الحصر - على\nزعمكم - وقوله: \" وعمرو \" يقتضي أن لا تكون صداقته منحصرة\nفي زيد، بل توجد فيه وفي عمرو، فثبت التناقض.\nجوابه:\nأننا قلنا: إن هذا يفيد الحصر إذا كان مجردًا عن القرائن، أما إذا\nاقترن به ما يغيره عنه، فلا يفيد الحصر \" لأجل هذه القرينة،\nو\"عمرو \" معطوف على \" زيد \" فهو يغيره، فيصير - حينئذ -\nالمعطوف والمعطوف عليه كأنه جملة واحدة، والمعطوف عليه بدون\nالمعطوف بعض الكلام، وبعض الكلام لا اقتضاء له على الانفراد،\nوهذا قياسًا على ما قلناه في الاستثناء، فإن المستثنى منه مع المستثنى\nجملة واحدة، فإن المستثنى منه لو لم يقترن بالمستثنى كان المستثنى منه\nتمام الكلام، وبتقدير الاقتران به يصير بعض الكلام.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث إن هذا الخلاف قد أثر في بعض الفروع،\nومنها ما سبق من الأمثلة، فإنه بناء على المذهب الأول، فإن","vol":"4","page":1798},{"text":"التحريم يجب أن ينحصر في التكبير، والتحليل يجب أن ينحصر في\nالتسليم، والشفعة يجب أن تنحصر فيما لم يقسم، والصداقة،\nوالعلم يجب أن ينحصرا في زيد، هذه القاعدة، ولكن إذا وجد\nدليل أو قرينة تدل على غير ذلك، فإنه يؤخذ بها.\nأما بناء على المذهب الثاني - وهو أن مثل هذا لا يفيد الحصر -\nفإنه يترتب على ذلك - في الأمثلة السابقة -: أن بعض الشفعة فيما\nلم يقسم، وبعض التحريم التكبير، وبعض التحليل التسليم،\nوبعض العلم عند زيد، وبعض الأصدقاء زيد.\nهذه القاعدة عندهم - في مثل هذا التعبير - ولكن إذا وجدت\nقرينة تدل على غير ذلك كأن تدل على أن التحرلي م منحصر في التكبير\nفإنه يؤخذ بها.\nالنوع الثامن: مفهوم اللقب:\nإذا قيد الحكم أو الخبر بالاسم فهل يدل على نفي الحكم عما عداه؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن مفهوم اللقب ليس بحُجَّة.\nأي: أنه إذا قيد الحكم أو الخبر باسم فلا يدل ذلك على نفي\nالحكم عما عداه، مطلقًا: أي: سواء كان هذا الاسم علمًا أو اسم\nجنس.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من\nالأدلة:\nالدليل الأول: أن تقييد الحكم بالاسم لو كان دليلًا على نفي\nالحكم عما عداه لكان قول القائل: \" عيسى رسول اللَّه \" كفرًا؛","vol":"4","page":1799},{"text":"لأنه يدل بمفهومه على أن محمدًا - ﷺ - وغيره من الأنبياء ليسوا برسل، وهذا كفر صريح.\nالدليل الثاني: أنه لو كان تقييد الحكم بالاسم يدل على نفي\nالحكم عما عداه لما حسن من الإنسان أن يخبر أن زيدًا يأكل إلا بعد\nعلمه أن غيره لم يأكل، وإلا كان مخبرًا بما يعلم أنه كاذب فيه، أو\nربما لا يأمن فيه من الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم\nعلمه بذلك دلَّ على عدم دلالته على نفي الأكل من غير زيد.\nالدليل الثالث: أنه لو كان تقييد الحكم بالاسم يدل على نفي\nالحكم عما عداه لأفضى ذلك إلى سد باب القياس، لأنه إذا قال\n- في حديث الأشياء الستة -: \" لا تبيعوا البر بالبر \" يجب أن لا\nيقاس الأرز عليه، لأن تخصيص البر بالذكر يوجب إباحة ربا الفضل\nفي غيره من الأرز وغيره، فلما كان هذا مانعًا من القياس الثابت\nوجب تركه.\nالمذهب الثاني: أن مفهوم اللقب حُجَّة.\nأي: أنه إذا قيد الحكم أو الخبر باسم، فإنه يدل على نفي الحكم\nعما عداه.\nوهو مذهب بعض المالكية، وبعض الشافعية كأبي بكر الدقاق،\nوبعض الحنابلة كأبي يعلى، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قياس تقييد الحكم بالاسم على تقييده بالصفة،\nفإن الصفة تميز الموصوف من غيره، وكذلك الاسم وضع لتمييز\nالمسمى من غيره، ثم إذا علق الحكم على صفة دلَّ على أن ما عداه","vol":"4","page":1800},{"text":"بخلافه، فكذلك إذا علق الحكم على الاسم، فإنه يدل على أن ما\nعداه بخلافه ولا فرق، فإذا قال: \"اعط هذا الكتاب لزيد\"، فإنه يفهم\nمنه: أنه لا يعطيه إلى عمرو، ولا إلى غيره، بل يعطى لزيد فقط.\nجوابه:\nأن قياسكم الاسم على الصفة قياس فاسد، لأنه قياس مع\nالفارق، والفرق بينهما من وجهين:\nأولهما: أن الصفة يجوز أن تكون علَّة يعلق الحكم عليها بخلاف\nالاسم فلا يجوز أن يكون عِلَّة، فلا يعلق الحكم عليه.\nثانيهما: أن الصفة تذكر مع اسم فلا تفيد إلا تخصيصه.\nبخلاف الاسم، فإنه يعدل عن اسم إلى اسم كل واحد منهما\nيقع به التعريف، فلا يوجب ذلك التخصيص.\nالدليل الثانيْ أنه لو تخاصم رجلان فقال أحدهما: \" أما أنا\nفليست أمي ولا أختي ولا زوجتي زانية \"، فإنه يتبادر إلى الفهم أنه\nينسب الزنا إلى أم خصمه، وأخته، وزوجته، ولذلك يجب حد\nالقذف على الأول عند بعض العلماء.\nجوابه:\nأن ذلك إن فهم منه، فإنما يفهم من قرينة حاله، وهي الخصومة،\nلا من دلالة مقاله.\nولو فرض ذلك في غير الخصومة، فنحن نمنع فهمه، لذلك لا\nيجوز إقامة حد القذف على القائل بذلك.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث إن بعض الفروع قد تأثرت بهذا الخلاف ومنها:","vol":"4","page":1801},{"text":"١ - أنه لو قال في الخصومة: \" إن زوجتي ليست بزانية \"، فإن\nهذا لا يعتبر قذفًا لزوجة خصمه عند أصحاب المذهب الأول؛ لأن\nمفهوم اللقب ليس بحجة، لذلك لا يجوز إقامة حد القذف على\nالقائل.\nأما بناء على المذهب الثاني، فإن هذا يعتبر قذفا لزوجة خصمه،\nفتجب إقامة حد القذف على القائل، لأن مفهوم اللقب حُجَّة.\n٢ - إذا أوصى بعين لزيد، ثم قال بعد ذلك: أوصيت بها\nلعمرو، فإنه بناء على المذهب الأول لا يُعتبر ذلك رجوعًا عن الوصية\nلزيد، بل يشرك بينهما؛ لأنه لا يفهم من كونه أوصى بها لزيد أنه ما\nأوصى بها لعمرو، ولا يجعل التعبير بالاسم الثاني دالًا على نفي\nغيره.\nأما أصحاب المذهب الثاني، فإنهم قالوا: يكون هذا رجوعًا عن\nالوصية لزيد، وتصح وصية عمرو، فيجعل التعبير بالاسم الثاني -\nوهو عمرو - دالًا على نفي غيره.\nالمسألة الرابعة: شروط مفهوم المخالفة:\nإنني لما قلت: إن مفهوم الصفة، والتقسيم، والغاية، والحال،\nوالمكان، والزمان، والشرط، والغاية، والعدد، والاستثناء،\nوالحصر بإنجا، وحصر المبتدأ في الخبر كلها حُجَّة ليس هذا على\nإطلاقه، بل يشترط في ذلك شروط هي كما يلي:\nالشرط الأول: أن لا يرجع حكم المفهوم المخالف على أصله","vol":"4","page":1802},{"text":"المنطوق به بالإبطال؛ لأن المفهوم فرع المنطوق، ولا يجوز أن يُقدم\nالفرع على الأصل، ويُسقطه.\nالشرط الثاني: أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه بالحكم، أو\nمساواته فيه للمنطوق، وإلا استلزم ثبوته في المسكوت عنه، فكان\nمفهوم موافقة، ولا يكون مفهوم مخالفة.\nالشرط الثالث: أن لا يوجد في المسكوت - المراد إعطاؤه حكما -\nدليل خاص يدل على نقيض حكم المنطوق، فإن وجد ذلك الدليل\nالخاص كان هو طريق الحكم المعمول به، لا المفهوم المخالف، كما\nقلنا في قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) إنه لم يعمل بمفهوم الشرط هنا؛\nحيث لم يثبت انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، فيجوز القصر عند\nعدم الخوف، وذلك لوجود دليل آخر قد أباح القصر ولو لم يوجد\nالخوف، وهو قوله - ﷺ -:\n\"صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته \".\nالشرط الرابع: أن يذكر القيد مستقلًا، فلو ذكر على وجه التبعية\nلشيء آخر فلا مفهوم له مثل قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، فتقييده بالمساجد لا مفهوم له؛ لأن المعتكف\nممنوع من المباشرة مطلقًا.\nالشرط الخامس: أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت\nعنه من جهة المخاطب.\nالشرط السادس: أن لا يكون القيد قد خرج مخرج الأغلب المعتاد\nكقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، وذلك لأن الخلع إنما يكون عند خوف عدم القيام بما","vol":"4","page":1803},{"text":"أمر اللَّه به من قبل كل من الزوجين، فلا يفهم منه: أنه عند عدم\nالخوف لا يجوز الخلع، فهذا الوصف لا مفهوم له، كذلك قوله\nتعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ)، فإن وصف الربائب\nبكونهن في الحجور جار وموافق للغالب لمن تزوج امرأة معها ابنتها،\nفإنه يربيها في بيته، فهذا الوصف لا مفهوم له؛ إذ لا يجوز للرجل\nأن يتزوج من ابنة امرأته، ولو تربت في غير بيته.\nالشرط السابع: أن لا يكون المقصود من القيد هو: المبالغة في\nالتكثير كقولك: \" جئتك ألف مرة \" - وقد سبق التنبيه عليه - فهذا\nلا مفهوم.\nالشرط الثامن: أن لا يكون المقصود من القيد: المبالغة في التنفير\nكقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة)\nفهذا لا مفهوم له، حيث لا يدل بالمفهوم المخالف: أن الربا القليل\nحلال، ولكن سيق هذا لبيان أن الربا كان جاريا على الأغلب\nوللتنفير منه.\nالشرط التاسع: أن لا يكون المقصود من القيد: الحث على\nالامتثال كقوله - ﷺ -:\n\" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت\nفوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا \"،\nفالوصف بالإيمان لا مفهوم له؛ لأنه سيق للحث على\nالامتثال لأوامر اللَّه في الإحداد ثلاث ليال على الميت، وليس\nالمقصود منه جواز ما زاد إن كانت لا تؤمن بالله.\nالشرط العاشر: أن لا يكون المقصود من القيد: إظهار الامتنان\nكقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا)،\nفإن هذا لا مفهوم له، لأنه سيق لإظهار المنة بطيب اللحم الطري،","vol":"4","page":1804},{"text":"وليس المقصود من ذلك الوصف - وهو قوله: (لَحْمًا طَرِيًّا) كون\nاللحم غير الطري ممتنع أكله.\nالشرط الحادي عشر: أن لا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد\nجوابًا لسؤال سائل، أو حادث معين، فإن كان كذلك فإنه لا يعمل\nبالمفهوم؛ لأن فائدة المنطوق قد وردت خاصة بذلك السؤال، أو\nالحادثة، كما لو سئل النبي - ﷺ - عن سائمة الغنم، فأجاب بوجوب الزكاة في سائمة الغنم، فإنه لا يدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها من هذا اللفظ.\nالشرط الثاني عشر: أن لا يكون الشارع قد ذكر القيد للقياس\nعليه، فإن وجد فيه شروط القياس - كلها - فلا مفهوم له، كقوله\n- ﷺ -: \"خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب الأسود، والحدبا \"،\nفلا مفهوم لذلك؛ حيث إن الشارع إنما ذكرهن لما فيهن من الأذى،\nفيجوز أن نلحق بهن كل ما فيه أذى.\nهذه أهم شروط مفهوم المخالفة.","vol":"4","page":1805},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>الباب الخامس في القياس</span>\nويشتمل على تمهيد، وأربعة فصول:\nأما التمهيد فهو في بيان أهمية القياس.\nأما الفصول فهي:\nالفصل الأول: في تعريف القياس.\nالفصل الثاني: في حجية القياس.\nالفصل الثالث: في أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها.\nالفصل الرابع: في قوادح القياس ومبطلاته، والاعتراضات عليه.","vol":"4","page":1807},{"text":"التمهيد في بيان أهمية القياس\nلقد قلنا في الباب الثالث: إن القياس هو رابع الأدلة المتفق عليها\nإجماعًا بعد الكتاب والسُّنَّة والإجماع، ولقد أخرته إلى هنا؛ لأنه\nيأتي بالمرتبة الرابعة بعد الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وما تفيده\nالنصوص والألفاظ من الأحكام، كما قال الشاعر:\nإذا أعيا الفقيه وجود نص ... تعلَّق لا محالة بالقياس\nفالمجتهد لا يلجأ إليه إلا بعد فقد النص من الكتاب والسُّنَّة أو\nالإجماع.\nومعرفة القياس من أهم شروط المجتهد؛ إذ لا يمكن أن يبلغ أحد\nالاجتهاد أو يستنبط حكما شرعيا لحادثة متجددة إلا بواسطة القياس.\nقال الإمام الشافعي - ﵀ -: \" من لم يعرف القياس فليس\nبفقيه \"، وقال الإمام أحمد - ﵀ -: \" لا يستغنى أحد عن\nالقياس \"، وأهمية القياس تتبين في أمور:\nالأول: أنه يُعوَّل على القياس في معرفة أسرار الأحكام،\nوالوقوف على الحكَم والمقاصد والعلل التي شرعت من أجلها\nالأحكام من جلب مَصالح أو درء مفاسد.\nالثاني: أن القياس هو المنهل العذب الذي نأخذ عن طريقه أحكام\nالوقائع والحوادث والقضايا المتجددة، وذلك لأنه من المعروف أن","vol":"4","page":1809},{"text":"النصوص قليلة ومتناهية، والحوادث والوقائع والقضايا المتجددة كثيرة\nغير متناهية، فالنصوص لا تقوى على مد كل واقعة وحادثة بحكم\nمنصوص عليه، فليس أمام المجتهد إلا القياس، وما يتعلق به من\nوجوه النظر والاستدلال، فكانت الحاجة إلى القياس لا تنقطع،\nوفوائده لا تنتهي ما دامت الحوادث والوقائع والقضايا تتجدد على\nمدى السنوات والقرون إلى قيام الساعة.\nالأمر الثالث: أن من عرف القياس معرفة دقيقة فإنه يغنيه عن\nمعرفة أكثر علوم الشريعة؛ حيث إنه إذا أراد أن يقيس على حكم من\nالأحكام ثبت بنص، فإنه لا بد أن يتأكد من ثبوت هذا النص، وأن\nيعرف تفاسير العلماء لهذا النص - سواء كانت آية أو حديثًا - وهل\nهو ناسخ أو منسوخ؟ وهل هو محكم أو متشابه؟ وهل هو حقيقة\nأو مجاز؟ وهل دلَّ على الحكم المقاس عليه بالمنطوق أو بالمفهوم؟\nوهل هو عام أو خاص؟ أو مطلق أو مقيد؟ أو هو أمر أو نهي؟ أو\nهو مجمل أو ظاهر أو نص؟ إلى آخر ما يتعلق بالنص،\nثم إذا كان الحكم مأخوذًا من حديث فإنه لا بد أن يعرف ما سبق، ويزيد معرفته لرجال الحديث، لأنه لا يجوز القياس على شيء مشكوك فيه،\nوهكذا، وهذا يشمل كل العلوم.\nالأمر الرابع: أن القياس باب من أبواب تعميم الأحكام الشرعية،\nحيث إنه إذا ثبت حكم من الأحكام وعرفنا عِلَّة ذلك الحكم،\nووجدنا تلك العلَّة في فروع أخرى، فإنا نلحق تلك الفروع بذلك\nالأصل ونعمم حكم الأصل ونجعله لتلك الفروع.","vol":"4","page":1810},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>الفصل الأول في تعريف القياس</span>\nوبشتمل على مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف القياس لغة.\nالمبحث الثاني: تعريف القياس اصطلاحا.","vol":"4","page":1811},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>المبحث الأول في تعريف القياس لغة</span>\nويشتمل على مطلبين هما:\nالمطلب الأول: فيما يطلق عليه لفظ \" القياس \" لغة.\nالمطلب الثاني: في خلاف العلماء في لفظ القياس هل يطلق على\n\"التقدير \" و\" المساواة \" حقيقة أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر.","vol":"4","page":1813},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>المطلب الأول فيما يطلق عليه لفظ \" القياس \" لغة</span>\nالقياس لغة يطلق على إطلاقين:\nالإطلاق الأول: يطلق على التقدير، والتقدير هو: أن يعرف\nقدر أحد الأمرين بواسطة معرفتنا لقدر الآخر مثل: قولنا: \" قست\nالثوب بالذراع \" أي: قدرت الثوب بالذراع.\nومنه قولهم: \" قاس الطبيب الجراحة \" أي: قدر الطبيب مدى\nغور ذلك الجرح بواسطة الميل، والميل هو: آلة تدخل في الجرح\nليرى هل هو عميق ووصل إلى العظم، أو أنه وسط، أو أنه\nسطحي لم يؤثر، وذلك من أجل تقدير أرش - الجناية.\nالإطلاق الثاني: يطلق القياس لغة على المساواة، سواء كانت\nالمساواة حسية كقولنا: \" قست النعل بالنعل \" أي: ساويت إحداهما\nبالأخرى، وقولنا: \" قست الثوب بالثوب \" أي: حاذيت وساويت\nأحدهما بالآخر.\nأو كانت المساواة معنوية كقولنا: \" فلان يقاس بفلان \" أي:\nيساويه في الفضل، والشرف، والعلم، وكقولنا: \" فلان لا يقاس\nلفلان \" أي: لا يساويه في الفضل والعلم.","vol":"4","page":1815},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>المطلب الثاني في خلاف العلماء في لفظ \" القياس \" هل هو حقيقة\nفي هذين المعنيين، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر</span>؟\nعلى مذاهب:\nالمذهب الأول: أن القياس مشترك معنوي بين \" التقدير \"،\nو\" المساواة \".\nأي: أنه حقيقة في التقدير، ويكون المطلوب به شيئين هما:\nالأول: معرفة مقدار الشيء مثل: \" قست الثوب كالذراع \".\nالثاني: التسوية في مقدار الشيء مثل: \" فلان لا يقاس بفلان \"\nأي: لا يساويه.\nفصار \" التقدير \" كلي تحته فردان:\nأحدهما: استعلام القدر نحو: \" قست الثوب بالذراع \".\nوالآخر: التسوية في المقدار نحو: \" فلان لا يقاس بفلان \".\nوهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن القياس إما\nأن يكون حقيقة في التقدير، مجازًا في المساواة، أو هو مشترك\nبينهما بالاشتراك اللفظي، أو بالاشتراك المعنوي، والأمر إذا دار بين\nالاشتراك اللفظي والاشتراك المعنوي قدم الاشتراك المعنوي، لأن\nالاشتراك اللفظي خلاف الأصل، لأنه يحتاج إلى قرينة تبين المراد من\nالمعنيين، وإذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز قدمت الحقيقة؛ لأن","vol":"4","page":1816},{"text":"المجاز خلاف الأصل؛ لأن المجاز يحتاج إلى قرينة، فتبين أن لفظ\nالقياس مشترك معنوي بين \" التقدير \" و\" المساواة \" - كما بيناه فيما\nسبق - لنسلم من الاشتراك اللفظي، والمجاز اللذين هما على خلاف\nالأصل.\nالمذهب الثاني: أن القياس في اللغة حقيقة في التقدير مجاز في\nالمساواة.\nوهو مذهب بعض العلماء كالآمدي.\nدليل هذا المذهب:\nأن المساواة لازمة للتقدير، والتقدير ملزوم، واستعمال اللفظ في\nذلك مجاز لغوي من باب إطلاق الملزوم على اللازم، وهو شائع\nمشهور - وقد سبق بيانه في مبحث المجاز -.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن المجاز خلاف الأصل؛ حيث إنه يحتاج\nفي دلالته إلى قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي الحقيقي بينما الحقيقة\nلا تحتاج إلى تلك القرينة، وما لا يحتاج مقدم على ما يحتاج.\nالمذهب الثالث: أن لفظ \" القياس \" مشترك لفظي بين \" التقدير \"\nو\" المساواة \".\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن لفظ \" القياس \" قد استعمله العرب في \" التقدير \"، واستعمله\nالعرب في \" المساواة \"، والأصل في الاستعمال الحقيقة.","vol":"4","page":1817},{"text":"جوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن الاشتراك اللفظي خلاف الأصل؛ لأمرين:\nأولهما: أن الأصل عدم تعدد الوضع، أي: أن الأصل: أن\nيكون اللفظ له معنى واحد، فإذا ورد لفظ له معنيان فهذا خلاف\nالأصل.\nثانيهما: أن المشترك اللفظي يحتاج في دلالته على أحد معنييه أو\nمعانيه إلى قرينة تعين المراد منه، وما لا يحتاج يقدم على ما يحتاج.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول يحملون لفظ\nالقياس على التقدير المتضمن معنى المساواة، ويحملونه على المساواة\nالمتضمن معنى التقدير بدون الحاجة إلى قرينة، أما أصحاب المذهب\nالثاني: فإنهم يحملونه على التقدير بدون قرينة، ولا يحملونه على\nالمساواة إلا بقرينة؛ لأنهم يفرقون بينهما، أما أصحاب المذهب\nالثالث: فإنهم لا يحملون لفظ القياس على شيء منهما إلا بقرينة،\nأي: أنهم يتوقفون حتى تثبت قرينة تبين المراد منه.\n* * *\nتنبيهان:\nالتنبيه الأول:\nالقياس يتعدى بـ \" على \" وهو كثير جدًا في الاستعمال، ومنه\nقولنا: \" النبيذ يقاس على الخمر \"، و\" الأرز يقاس على البر \".\nويتعدى بـ \" الباء \" قليلًا يقال: \" قاسه بالشيء \"، ومنه قولهم:\n\" قياس صب البول في الماء الراكد بالبول فيه \".","vol":"4","page":1818},{"text":"التنبيه الثاني:\nالقياس واوي، ويائي، وكل ذلك ورد عن العرب.\nفقد ورد: قاس، يقيس، قيسا، قياسا.\nوقد ورد: قاس، يقوس، قوسًا.","vol":"4","page":1819},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>المبحث الثاني في تعريف القياس اصطلاحا</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: هل يمكن تحديد القياس بحد حقيقي؟\nالمطلب الثاني: هل القياس دليل مستقل أو هو من فعل المجتهد؟\nالمطلب الثالث: نعريف القياس المختار، وبيانه بالشرح والأمثلة.","vol":"4","page":1821},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>المطلب الأول هل يمكن تحديد القياس بحد حقيقي</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يمكن تحديد القياس بحد حقيقي.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن القياس اعتباري\nاصطلاحي، تكون حقيقته على حسب ما يصطلح عليه أهل الفن،\nلذلك يمكن أن يحده كل مجتهد بحسب اعتباره واصطلاحه الذي رآه.\nالمذهب الثاني: أنه لا يمكن تحديد القياس بحد حقيقي، أي:\nيتعذر حد القياس بحد حقيقي، وهو اختيار إمام الحرمين وبعض\nالعلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن القياس يشتمل على حقائق مختلفة وهي: الأصل، والفرع،\nوالعِلَّة، والحكم في نفي وإثبات، وكل واحد من هذه الحقائق\nيشترط فيه شروط تختلف عن شروط الآخر، فلا يمكن جمع هذه\nْالحقائق وشروطها في حد واحد جامع مانع.\nوقالوا: ما وجد من تعريفات للقياس، فإنها ليست حدودًا\nحقيقية، بل هي رسوم، والرسوم غير الحدود.\nجوابه:\nلقد قلنا: إن القياس أمر اعتباري اصطلاحي، وبناء على ذلك","vol":"4","page":1823},{"text":"فإنه يمكن للمجتهد أن يجمع أركان القياس، والقيود التي يراها في\nتعريف واحد على حسب رأيه هو فقط.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لأن كلًّا من أصحاب المذهبين قد قام بتعريفه،\nلكن أصحاب المذهب الأول يسمون ذلك حدًا، وأصحاب المذهب\nالثاني يسمون ذلك رسما وليس بحد، فالخلاف في التسمية، أما\nالمعنى فهو متفق عليه.","vol":"4","page":1824},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>المطلب الثاني هل القياس دليل مستقل أو هو من فعل المجتهد</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن القياس من فعل المجتهد، لا يتحقق إلا\nبوجوده.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .\nوجه الدلالة: أن الاعتبار هو الإلحاق بعد النظر في وجوه الأدلة،\nولا شك أن ذلك من فعل المجتهد؛ يؤيده: أنه سبحانه أضاف\nالاعتبار إلى ذوي العقول البصيرة، فقال: \" فاعتبروا ... \".\nالدليل الثاني: حديث معاذ - ﵁ - حيث قال له النبي\n- ﷺ -: \"إن عرض عليك قضاء فبمَ تقضي؟ \"\nقال: بكتاب اللَّه، قال: \" فإن لم تجد؟ \"\nقال: بسنّة رسول الله - ﷺ -،\nقال: \" فإن\nلم تجد؛ \" قال: أجتهد رأيي، فصوبه النبي - ﷺ -.\nوجه الدلالة: أنه أضاف الاجتهاد إلى رأيه هو، والقياس من\nالرأي، فالقياس - إذن - يكون من فعل المجتهد.\nالدليل الثالث: أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى\nالأشعري كتابا جاء فيه: \" الفهم فيما جاءك مما ليس في قرآن ولا\nسُنَة، ثم قس الأمور عند ذلك \".","vol":"4","page":1825},{"text":"وجه الدلالة: أن عمر أمر أبا موسى بأن يلحق ما لم يرد في\nحكمه نص بما يشابهه مما ورد فيه نص، وليس هذا الإلحاق إلا من\nقبيل فعل المجتهد.\nالدليل الرابع: أن إلحاق الفرع بالأصل، وثبوت مثل حكم\nالأصل للفرع ليس بالأمر السهل، حيث إنه لا يجوز للمجتهد إلحاق\nهذا بذاك إلا بعد معرفة أن هذا الشيء شبيه بذلك الشيء، ومعرفة\nالعِلَّة في الأصل، والتحقق من وجودها في الفرع إلى غير ذلك من\nالأمور التي تشترط للقياس - كما سيأتي التفصيل فيه - وكل هذا من\nفعل المجتهد وهو القائس.\nالمذهب الثاني: أن القياس دليل مستقل كالكتاب والسُنَّة وضعه\nالشارع لمعرفة حكمه، سواء نظر فيه المجتهد أو لم ينظر، وليس\nفعلًا للمجتهد.\nوهو مذهب الآمدي، وابن الحاجب، والكمال ابن الهمام،\nوابن عبد الشكور، والأنصاري.\nدليل هذا المذهب:\nأن القياس وضعه الشارع ليعرف عن طريقه المجتهد حكم الله\n- تعالى - بواسطة النظر فيه؛ حيث إن دلالة القياس على الأحكام\nدلالة ذاتية وثابتة كالكتاب والسُّنَّة، سواء نظر المجتهد أو لم ينظر.\nجوابه:\nيجاب عنه بثلاثة أجوبة:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن القياس لا يدل على أي حكم","vol":"4","page":1826},{"text":"شرعي إلا بوجود مجتهد يبين هذه الدلالة، بواسطة تأكد هذا\nالمجتهد من وجود أركان القياس الأربعة، وتوفر شروط كل ركن.\nالجواب الثاني: أن قياسكم القياس على الكتاب والسُّنَّة فهو قياس\nفاسد، لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن دلالة الآية من\nالكتاب، والحديث من السُّنَّة على الحكم لا يشترط فيها توفر أركان\nأو شروط، أما القياس فيشترط ذلك، ولا يبين ذلك إلا المجتهد.\nالجواب الثالث: أن الآية أو الحديث يستدل المجتهدون بهما على\nحد سواء بخلاف القياس، فقد يستدل بعض المجتهدين بهذا القياس\nفي حين أن المجتهد الآخر - في تلك المسألة - يستدل بقياس آخر\nعلى رأي مخالف للأول مثل ما حصل بين ابن عباس، وزيد في\nمسألة \" هل الجد يحجب الإخوة؛ \"، فابن عباس - رضي الله\nعنهما - قد جعل الجد يحجب الإخوة، ودليله على ذلك:\nالقياس، حيث قاس الجد على ابن الابن بجامع: أن كلًّا منهما في\nمرتبة واحدة بالنسبة للميت، فقال: \" ألا يتقي اللَّه زيد يجعل ابن\nالابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا \" أي: أنه كما أن ابن الابن\nيحجب الإخوة، فكذلك ينبغي للجد أن يحجب الإخوة، ولا فرق\nبسبب الجامع السابق.\nأما زيد بن ثابت فإنه ورث الإخوة مع الجد، ودليله القياس،\nوهو قياس غير قياس ابن عباس، حيث قاس الأخ على الجد بجامع:\nأن كلًّا منهما قد أدلى بالأب، فالجد ما صار جدًا للميت إلا لأنه أب\nأبيه، والأخ ما ضار أخًا للميت إلا لأنه ابن أبيه، فإذا كان الجد\nيرث فكذلك الأخ.\nفهنا كل من ابن عباسٍ وزيد - ﵃ - قد استعمل","vol":"4","page":1827},{"text":"القياس واستدل به، ولكن استدلال واستعمال ابن عباس يختلف عن\nاستدلال واستعمال زيد، فهذا يبين أن القياس من فعل المجتهد،\nبخلاف الآية أو الحديث، فإن استدلال هذا المجتهد بها هو نفسه\nاستدلال المجتهد الآخر بها.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذا معنوي؛ حيث أثر في تعريفات الأصوليين\nللقياس.\nأي: أن عبارات الأصوليين في تعريف القياس قد اختلفت؛ بناء\nعلى اختلافهم في هذه المسألة.\nفمن أخذ بالمذهب الأول - وهو أن القياس من فعل المجتهد - فقد\nعبَّر - في تعريف القياس - بلفظ: \" حمل فرع على أصل \"، أو\n\" إثبات \"، أو \" إلحاق \"، أو \" تعدية \"، أو \" تسوية \"، أو \" رد \"\nأو نحو ذلك مما يفيد أن القياس من فعل المجتهد، ومكتسب منه؛\nحيث إن الحمل يحتاج إلى حامل، والإثبات يحتاج إلى مثبت،\nْوالإلحاق يحتاج إلى ملحق، والتعدية تحتاج إلى معدي، والتسوية\nتحتاج إلى مسوي، والرد يحتاج إلى راد، وهذا هو المجتهد وهو\nالقائس، وقد فعل ذلك الجمهور، ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني،\nوالغزالي، وناصر الدين البيضاوي، وتاج الدين ابن السبكي،\nوصدر الشريعة من الحنفية، وفخر الدين الرازي، وأبو إسحاق\nالشيرازي، وأبو الوليد الباجي، وغيرهم من جمهور السلف\nوالخلف.\nومن أخذ بالمذهب الثاني - وهو: أن القياس دليل مستقك، وهم\nالآمدي، وابن الحاجب، وابن عبد الشكور، وابن الهمام،","vol":"4","page":1828},{"text":"والأنصاري - فقد عبر عن القياس بأنه \" استواء \"، أو \" مساواة \"،\nأو نحو ذلك.\nوالمساواة صفة قائمة بالمنتسبين: \" الأصل \"، و\" الفرع \"، مما\nيعطينا علمًا بأن القياس ليس فعلًا للمجتهد، وكان مجرد عمله:\nإظهار حكم ما لم ينص عليه بطريق القياس بمساواته فيما نص عليه؛\nلاشتراكهما في عِلَّة حكم الأصل.\nأي: أن \" الأصل \"، و\" الفرع \" مستويان تمام التساوي، ولكن\nالمجتهد يظهر هذا الاستواء - فقط - كالآية هي تدل على حكم تلك\nالحادثة، والمجتهد أظهر لنا هذه الدلالة.","vol":"4","page":1829},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>المطلب الثالث تعريف القياس المختار، وبيانه بالشرح والأمثلة</span>\nلقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف القياس، والسبب في\nهذا الاختلاف هو: اختلافهم في القياس هل هو دليل مستقل أو هو\nمن فعل المجتهد؛ وقد سبق بيان ذلك، ونظرًا لأني لا أريد أن أدخل\nطالب العلم في متاهات قد لا يخرج منها إلا بشق الأنفس،\nوانسجامًا للمنهج الذي رسمته للسير عليه في هذا الكتاب، فإني\nاخترت تعريفًا للقياس أقرب للصحة من غيره في نظري، وهو:\nأن القياس: إثبات مثل حكم أصل لفرع لاشتراكهما في علَّة\nالحكم عند المثبت.\nبيانه وشرحه:\nقولنا: \" إثبات \" جنس يشمل كل إثبات، سواء كان إثباتا لمثل\nحكم الأصل في الفرع، وهو قياس المساواة - وهو الذي نحن\nبصدده -.\nأو كان إثباتًا لنقيض حكم الأصل في الفرع لنقيض العِلَّة فيه،\nرهو قياس العكس مثل قوله - ﷺ -:\n\"وفي بضع أحدكم صدقة \"،\nقالوا: يا رسول اللَّه، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟،\nقال: \" أرأيتم لو وضعها في حرام؛ \" أي: أكان يأثم؛ قالوا:\nنعم، قال: \"فمه \".","vol":"4","page":1830},{"text":"يعني: أنه كما أنه إذا وضعها في حرام يأثم، فكذلك إذا وضعها\nفي حلال، فإنه يؤجر.\nفهنا ثبت نقيض حكم الأصل - وهو الوطء في الحرام - في\nالفرع - وهو الوطء في الحلال - لنقيض العِلَّة وهي: افتراقهما في\nالحلال والحرام.\nومعنى \" الإثبات \": إدراك النسبة بين الفرع والأصل، والمراد به\nهنا: مطلق إدراك النسبة، سواء كان على جهة الإيجاب، أو جهة\nالنفي، وسواء كان على سبيل القطع، أو على سبيل الظن.\nوقلنا ذلك حتى يشمل القياس: القياس في المثبتات، وفي\nالمنفيات، وفي القطعيات، وفي الظنيات.\nفمثال القياس في المثبتات: قياس الضرب على التأفيف بجامع\nالإيذاء في كل فيكون حراما، فأثبتنا تحريم التأفيف في الضرب.\nومثال القياس في المنفيات قولهم: الكلب نجس، فلا يصح بيعه\nكالخنزير، فلما نفينا صحة بيع الخنزير نفينا صحة بيع الكلب؛ قياسًا\nعليه بجامع النجاسة في كل.\nومثال القياس في القطعيات: قياس الضرب على التأفيف في\nالحرمة بجامع الإيذاء، وقياس إحراق مال اليتيم على أكله بجامع\nالإتلاف.\nوقلنا:. إنه قطعي هنا؛ لأن الفرع أَولى بالحكم من الأصل، هو\nفي المثال الأول، أو مساوي له - كما هو في المثال الثاني -.\nومثال القياس في الظنيات: قياس الأرز على البر في حرمة الربا","vol":"4","page":1831},{"text":"بجامع كونه مكيلًا، وقلنا: إنه ظني؛ لأن الفرع ليس بأوْلى بالحكم\nمن الأصل، ولا هو بالمساوي له.\nوقولنا: \" مثل \" في التعريف، المثل لا يحتاج إلى تعريف؛ لأن\nتصوره بديهي؛ حيث إن كل عاقل يعرف بالضرورة: أن هذا الحار\nمثل ذلك الحار في كونه حارًا، وأنه يخالف البارد.\nولفظ: \" مثل \" أتى به في التعريف؛ لأمرين:\nأولهما: لإخراج قياس العكس؛ لأن قياس العكس هو: إثبات\nنقيض حكم الأصل في الفرع؛ لافتراقهما في عِلَّة الحكم.\nثانيهما: أنه ذكر للإشارة إلى أن الحكم الثابت في الفرع ليس هو\nعين الحكم الثابت في الأصل، وإنما هو مثله؛ وذلك لاستحالة قيام\nالواحد بالشخص بمحلين؛ لذلك يكون الحكم في الفرع أضعف من\nالحكم في الأصل؛ لأن المشبه ليس في قوة المشبه به.\nفقولنا: \" زيد كالأسد في الشجاعة \" لا يفهم من هذا أن شجاعة\nزيد في قوة شجاعة الأسد، وإنما تقارب ذلك.\nفكذلك هنا لما قلنا: إن النبيذ مثل الخمر في الإسكار، فينبغي أن\nيكون مثله في التحريم لا يفهم من هذا أن تحريم النبيذ - وهو الفرع -\nهو نفسه تحريم الخمر - وهو الأصل -، بل إن الحكم في الفرع\nأخف من الحكم في الأصل، فإثم شارب النبيذ أقل من إثم شارب\nالخمر؛ وذلك لأن تحريم الخمر ثبت بدليل قطعي وهو النص،\nوتحريم النبيذ ثبت بدليل ظني، وهو القياس، وما ثبت بدليل ظني\nأخف مما ثبت بدليل قطعي.\nقولنا: \" حكم أصل لفرع \" المراد بالحكم هو الحكم المطلق وهو:","vol":"4","page":1832},{"text":"نسبة أمر إلى آخر، وقلنا ذلك ليكون القياس شاملًا للقياس في\nالشرعيات، والقياس في اللغويات، والقياس في العقليات.\nوقال بعضهم: إن المراد بالحكم - هنا - هو الحكم الشرعي\nالعرف بأنه خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلَّفين اقتضاء أو تخييرًا أو\nوضعًا.\nوهذا ليس بصحيح؛ لأن تفسير الحكم بهذا يجعل القياس يختص\nبالشرعيات، وهذا تخصيص بدون مخصص قوي.\nوالمراد بالأصل هو: المقيس عليه، وهو: الحادثة التي ورد\nحكمها في النص والإجماع مثل؛ \" الخمر \"، و\" البر \"، و\"الهرة\".\nوالمراد بالفرع هو: المقيس، وهو الحادثة التي لم يرد حكمها في\nنص ولا إجماع مثل: \" النبيذ \"، و\" الأرز \"، و\" الفأرة \".\nقولنا: \" لاشتراكهما في عِلَّة الحكم \" اللام - هنا - سببية.\nومعنى اشتراكهما أي: اتحاد الأصل والفرع.\nوالعلَّة هي: الجامع بين الفرع والأصل، ويُسمَّى مناط الحكم.\nمثل: قياس النجيذ على الخمر بجامع: الإسكار، وقياس الأررْ\nعلى البر بجامع: الكيل أو الوزن، وقياس الفأرة على الهرة\nبجامع: أن كلًّا منهما يكثر التطواف في المنزل ويصعب التحرز منها.\nوالمراد بعِلَّة الحكم أي: عِلَّة حكم الأصل.\nوتقدير الكلام: أن القياس هو: إثبات مثل حكم أصل لفرع،\nهذا الإثبات جاء بسبب اتحاد الأصل والفرع في علَّة حكم الأصل لا\nبسبب آخر، لذلك تجد المجتهد يفكر أولًا في الحكم هل هو معلل،\nوهلً علته متعدية؛ ثم يفكر ثانيا هل توجد هذه العلة في جزئية من","vol":"4","page":1833},{"text":"الجزئيات؛ ثم يفكر ثالثًا في الإلحاق، ثم يفكر رابعا في نوع هذا\nالإلحاق، وهكذا - كما سيأتي التفصيل فيه إن شاء اللَّه تعالى -.\nوأتي بعبارة: \" لاشتراكهما في علَّة الحكم \" للاحتراز عن إثبات\nالحكم في الفرع بواسطة نصٍ أو إجماع، فلا يكون حكم الفرع ثابتا\nبالقياس، بل قد ثبت بذلك النص.\nمثال ثبوت حكم الفرع بالنص: ثبوت تحريم النبيذ بعموم قوله\n- ﷺ -: \"كل مسكر حرام \"، فمن أثبت تحريمه بهذا النص لا يجوز\nأن يقيسه على الخمر.\nومثال ثبوت حكم الفرع بالإجماع: ثبوت الإرث للخالة؛\nلإجماع الصحابة على ذلك، لا بسبب القياس على الخال الثابت\nإرثه بقوله ﵇: \" الخال وارث من لا وارث له \".\nقولنا: \" عند المثبت \" المراد بالمثبت: القائس، وهو المجتهد\nالذي تولى عملية القياس، سواء كان مجتهدأ مطلقا أم كان مجتهدًا\nبالمذهب، وليس المراد به: المقلد؛ لأن المقلد يأخذ الحكم من\nالمجتهد.\nوالمراد من هذا: أن إثبات مثل حكم الأصل للفرع بسبب\nاشتراكهما في عِلَّة حكم الأصل، هذا على حسب ما ظهر لذلك\nالمجتهد فقط دونَ غيره، لذلك قلنا فيما سبق: إن القياس من فعل\nالمجتهد؛ حيث إنه قد يثبت هذا المجتهد مثل حكم الأصل للفرع\nبسبب جامع بينهما في حين أن مجتهدًا آخر في عصره لا يرى ذلك.","vol":"4","page":1834},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>الفصل الثاني في حجية القياس، أو التعبد بالقياس</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: في بيان معنى الحجية، والتَّعبُّد.\nالمبحث الثاني: في تحرير محل النزاع.\nالمبحث الثالث: كل القياس حُجَّة عقلًا؛ أي: هل يجوز\nالتعبد بالقياس ويكون دليلًا من الأدلة على إثبات الأحكام؟\nالمبحث الرابع: النص على علَّة الحكم هل هو أمر بالقياس؟\nالمبحث الخامس: هل التنصيص على العلَّة يوجب الإلحاق\nعن طريق القياس، أوَ عن طريق اللفظ والعموم؟\nالمبحث السادس: في تقسيمات القياس.\nالمبحث السابع: فيما يجري فيه القياس، وما لا يجري.\nالمبحث الثامن: هل القياس من الدين؟","vol":"4","page":1835},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>المبحث الأول في بيان معنى الحجية، والتعبد</span>\nالحُجَّة هي الدليل والبرهان، ومعنى كون القياس حُجَّة: أنه دليل\nوبرهان نصبه الشارع لمعرفة بعض الأحكام، والمراد من قولنا:\nالقياس حُجَّة - كما قال فخر الدين الرازي - أنه إذا حصل للمجتهد\nظن بأن حكم هذه الصورة مثل حكم تلك الصورة فهو مكلف\nبالعمل به في نفسه، ومكلف بأن يفتي به غيره.\nوقول بعضهم: \" يجوز التعبد بالقياس \" هذه عبارة عن إيجاب\nالله تعالى العمل بمقتضى القياس، وذلك كإيجاب العمل بالكتاب\nوالسُّنَّة تماما، فيكون المكلَّف بالقياس - على هذا - المجتهد ومن\nيقلده.\nفالحكم الذي توصلنا إليه من خلال عملية القياس هو الذي نتعبد\nالله به، فنرجوا من اللَّه الثواب على العمل به، ونخاف منه العقاب\nعند ترك العمل به.\nفالحجية والتعبد متلازمان، بيان ذلك:\nأنه لا فائدة من حجية القياس سوى وجوب العمل بمقتضاه، ولا\nيمكن أن نعمل به إلا إذا كان حُجَّة.\nإذن: يجوز أن نُعبِّر عن هذا بالتعبد والحجية، ولا ضير في\nذلك، وهو منتشر في كتب الأصول.","vol":"4","page":1837},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>المبحث الثاني تحرير محل النزع</span>\nيتبين ذلك فيما يلي:\nأولًا: الأمور الدنيوية يجري القياس فيها بالاتفاق.\nوالمقصود بالأمور الدنيوية هي: التي لم يكن المطلوب بها حكما\nشرعيًا كمداواة الأمراض، والأدوية، والأسفار، مثل: أن يفقد\nالطبيب دواء لمرض معين - فيأتي الطبيب بدواء يشابهه في تأدية نفس\nالغرض \" والجامع: أن كلًّا منهما موافق لمزاج المرض المخصوص.\nومعنى كون القياس حُجَّة في ذلك: أنه ليس حُجَّة من قِبَل\nالشارع، حيث إنه حُجَّة صناعية اقتضتها صناعة الطب يسترشد بها\nالطبيب لمداواة الأمراض، واستمدادها من العقل، ومثل ذلك\nالأغذية فيجوز قياس غذاء على غذاء في تأدية عمل واحد.\nثانيًا: الأمور اللغوية كقياس النبش على السرقة، واللواط على\nالزنا. هذا اختلف العلماء في جريان القياس فيها على مذهبين - وقد\nسبق بيان ذلك -.\nثالثًا: الأمور الشرعية، وهو موضوع مبحث القياس، وإذا أطلق\nالقياس فالمراد به: القياس في الشرعيات، وقد اختلف في جواز هذا\nالقياس.\nوالخلاف لم يجر في كل قياس، بل إن الخلاف قد جرى في\nجزئية من القياس، وتتبين تلك الجزئية فيما يلي فأقول:","vol":"4","page":1838},{"text":"لقد علمت: أن القياس هو: إثبات مثل حكم أصل لفرع\nلاشتراكهما في علَّة الحكم عند المثبت، فلا بد - إذن - من أربعة\nأركان وهي: \" الأصل \"، و\" الفرع \"، و\" العِلَّة \"، و\" الحكم \".\nفالقياس إذن متوقف على مقدمتين هما:\nالمقدمة الأولى: أن يتأكد المجتهد أن الحكم في الأصل معلل بعِلَّة،\nوأنها متعدية.\nالمقدمة الثانية: أن يتأكد أن تلك العِلَّة حاصلة بتمامها في الفرع.\nفهنا ننظر إما أن تكون تلك المقدميتن قطعيتين، أو ظنيتين، أو\nالأولى قطعية، والثانية ظنية، أو العكس، فهذه أربعة أقسام، إليك\nبمانها:\nالقسم الأول: أن تكون المقدمتان قطعيتين، فهنا قد اتفق العلماء\nعلى أن القياس حُجَّة يجب العمل به، وإن كان بعضهم لا يسميه\nقياسًا.\nوهذا ينحصر في ست صور هي كما يلي:\nالصورة الأولى: أن ينص على العِلَّة نصا صريحًا كقوله - ﷺ -:\n\"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر \"،\nفهنا نص على العِلَّة وهي: البصر أو النظر،\nوالاطلاع على أسرار الناس، ولذلك شرع\nالحكم، وهو مشروعية الاستئذان، فيقاس على ذلك الاستماع،\nويمكن أن يمثل له بقوله - ﷺ -:\n\"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة \".\nالصورة الثانية: إيماء النص إلى العلَّة كقوله - ﷺ - في الهرة: \" إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات \"،\nفهنا قد نبَّه النص على العِلَّة وهي: \" كثرة التطواف وصعوبة التحرز منها \"،","vol":"4","page":1839},{"text":"فلذلك شرع الحكم، وهو طهارة سؤر الهرة، فيقاس عليها الفأرة\nلوجود نفس العِلَّة، وهي كثرة التطواف وصعوبة التحرز منها،\nفيكون حكم الفأرَة مثل حكم الهرة وهو طهارة سؤرها.\nومن العلماء من جعل هذه الصورة من الصورة الأولى وهو:\nالنص على العِلَّة.\nالصورة الثالثة: أن يجمع العلماء على العِلَّة كالحجر على الصبي\nلعلة ظاهرة، وهي: ضعف الإدراك عنده.\nالصورة الرابعة: أن يكون المسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوف\nبه كتحريم ضرب الوالدين قياسًا على تحريم التأفيف لهما بجامع\nالإيذاء - وقد سبق في مفهوم الموافقة -.\nالصورة الخامسة: أن يكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به\nكتحررم إحراق مال اليتيم قياسًا على تحريم أكله، بجامع الإتلاف في\nكل - وقد سبق بيانه في مفهوم الموافقة.\nويُسمى هذا بنفي الفارق بين الأصل والفرع كقياس العبد على الأَمَة\nأو العكس.\nالصورة السادسة: قياس النبي - ﷺ - مثل قوله لعمر - ﵁ - لما جاءه وقال له: يا رسول اللَّه، إني قبلت وأنا صائم،\nفقال رسول اللَّه - ﷺ -:\n\"أرأيت لو تمضمضت؛ \" يعني: قس القُبْلة على المضمضة.\nفاتفق العلماء على أن القياس يجوز في هذه الصور؛ نظرًا لأن\nالمقدمتين قد قطع بهما، وحينئذٍ يجب العمل بالقياس فيها.\nوالدليل على ذلك: الاستقراء والتتبع لكلام علماء الأصول","vol":"4","page":1840},{"text":"المحققين في تحرير محل النزاع، وفي أدلة المجوزين للقياس والمانعين\nمنه، حيث اتضح من خلال هذا الاستقراء أن الخلاف في القياس في\nغير تلك الصور الست، وإن ذكر بعضهم خلافا فيها فليس خلافا\nحقيقيًا يترتب عليه اختلاف في الحكم، فيكون خلافا لفظيا لا ثمرة\nله، وهو خلاف لا يضر ما دام أن الكل يقولون بوجوب العمل به.\nالقسم الثاني: أن تكون المقدمة الأولى قطعية، والثانية ظنية مثل\nقياس القاضي في حال الجوع والعطش على قضائه حال الغضب\nبجامع: اشتغال الفكر، وتشوشه عن فهم أدلة الخصمين.\nفهنا: قد أجمع العلماء على أن عِلَّة منع القاضي من القضاء حين\nالغضب هو ذلك التشوش الذي حصل في فكره، وهذه العِلَّة\nمقطوع بها، لذلك أجمع العلماء عليها، أما التشوش الحاصل عند\nالعطشان والجوعان والحاقن وما شابه ذلك لم يقطع به بل هو ظنيء\nالقسم الثالث: أن تكون المقدمة الأولى ظنية، والثانية قطعية\nكقياس التفاح على البر في حرمة ربا الفضل بعِلَّة كونه مطعومًا.\nفهنا: العلَّة في البر مظنونة لاحتمال أن تكون العِلَّة كونه مكيلًا،\nأو كونه موزونًا، أو كونه مقتاتا، أو كونه مدخرًا - حيث جرى\nالخلاف في ذلك -.\nلكن العلَّة في الفرع مقطوع بها وهو: كونه مطعوما؛ حيث لا\nيوجد عِلَّة سَواها في الفرع.\nالقسم الرابع: أن تكون المقدمتان ظنيتين كقياس النبيذ على الخمر،\nوالأرز على البر، والزبيب على التمر، وغير ذلك.","vol":"4","page":1841},{"text":"فالإسكار علَّة مظنونة في الأصل وهو الخمر، ومظنونة في الفرع،\nوهو النبيذ، ويقال مثل ذلك في باقي الأمثلة.\nوهذه الأقسام الثلاثة - وهو كون المقدمتين ظنيتين - أو إحداهما\nظنية والأخرى قطعية - قد اختلف العلماء فيها؛ لأن ذلك يفيد ظنية\nالقياس، والخلاف في القياس الظني، وتلك الظنية كما أنها متحققة\nبظنية المقدمتين معًا: فهي أيضًا متحققة بظنية إحداهما.","vol":"4","page":1842},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>المبحث الثالث هل القياس حُجَّة؛ أي: هل يجوز التعبد بالقياس\nويكون دليلًا من الأدلة على إثبات الأحكام أو لا</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب كثيرة، فبعضهم قال:\nيجوز عقلًا، ويجوز شرعا، وبعضهم قال: يجب عقلًا، ويجوز\nشرعا، وبعضهم قال: يجب عقلًا وشرعا، وبعضهم قال: يجوز\nعقلًا ولا يجوز شرعا، وبعضهم قال: لا يجوز عقلًا ولا شرعا،\nوقد بينت ذلك ببعض التفصيل في كتابي \" إتحاف ذوي البصائر بشرح\nروضة الناظر \" إلا أن هذه الأقوال والمذاهب وإن كثرت ترجِع إلى\nمذهبين هما \" أن القياس حُجَّة \"، و\" أن القياس ليس بحُجة \"،\nوإليك بيانهما:\nالمذهب الأول: أن القياس حُجَّة، أي: يجوز التعبد بالقياس\nعقلًا وشرعا، أي: أن القياس دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة\nلإثبات أحكام شرعية.\nوهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو الحق\nعندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة السكوتي على أن القياس يُعتبر\nدليلًا من الأدلة الشرعية.\nوالاستدلال بالإجماع أقوى من الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة هنا؛","vol":"4","page":1843},{"text":"لأنه لا يؤلي النسخ، ولا يحتمل التأويل بخلاف النص من الكتاب\nوالسُّنَّة، فإنه يقبل النسخ والتأويل، وما لا يقبل يُقدم على ما يقبل.\nلذلك قال فخر الدين الرازي: \" الإجماع هو الذي يعول عليه\nجمهور الأصوليين \" - أي: في حجية القياس -.\nوقال الآمدي: \" الإجماع أقوى الحجج في هذه المسألة \".\nوقال أكثر العلماء: إن إجماع الصحابة على العمل بالقياس يعد\nأقوى الأدلة على ثبوت حجيته ووجوب العمل به.\nوتقرير إجماع الصحابة على حجية القياس هو أن يقال: أجمع\nالصحابة - ﵃ - على إثبات الأحكام بالقياس وعلى أنه\nيعمل به، وما أجمع عليه الصحابة فهو حق، فالعمل بالقياس حق.\nوسأبين ذلك بوجوه أربعة:\nالوجه الأول: أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة - رضي الله\nعنهم - القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها،\nفقاموا بإلحاق المثل بالمثل بسبب جامع، والعادة تقتضي بأن اجتماع\nجمع كثير من الصحابة على العمل بالشيء لا يكون إلا بقاطع دال\nعلى العمل به.\nالوجه الثاني: أنه قد تكرر عمل أكثر الصحابة بالقياس عند عدم\nالنص وشاع وذاع، ولم ينكر ذلك أحد.\nالوجه الثالث: أنه لما لم ينكر بعض الصحابة على الآخرين قولهم\nبالقياس واستدلالهم به، فإن القول به يكون مجمعا عليه بين\nالصحابة، وهذا الإجماع صحيح.","vol":"4","page":1844},{"text":"الوجه الرابع: أن المجمع عليه بين الصحابة حُجَّة يجب العمل\nبمقتضاه.\nفالناتج من هذه الوجوه الأربعة: أن القياس حُجَّة، يجب العمل\nبه، وأنه مصدر من مصادر التشريع الإسلامي بعد الكتاب والسُنَّة\nوالإجماع.\nالأدلة على هذه الوجوه الأربعة:\nسأبين فيما يلي دليل كل وجه من تلك الوجوه الأربعة، وبعض\nالاعتراضات الموجهة إلى كل دليل، والجواب عنه فأقول:\nأما الوجه الأول - وهو: أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة\nالقول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها - فالدليل\nعليه: ما نقل عن الصحابة من الوقائع التي حكموا فيها بالقياس،\nوهذا كثير، ومن ذلك:\n١ - قياس الصحابة - ﵃ - خلافة أبي بكر على\nالإمامة في الصلاة، وقالوا في ذلك: \" رضيه رسول الله لديننا أفلا\nنرضاه لدنيانا \".\nوجه الدلالة: أنهم قاسوا الإمامة العظمى، وهي الخلافة على\nالإمامة الصغرى، وهي: الصلاة بجامع: الصلاحية في كل.\n٢ - اجتهاد أبي بكر - ﵁ - في أخذ الزكاة من منع\nدفع الزكاة بعد وفاة النبي - ﷺ - وقتالهم على ذلك، ووافقه الصحابة.\nوجه الدلالة: أن أبا بكر قاس خليفة رسول الله - ﷺ - على رسول الله - ﷺ - في أخذ الزكاة، وقتالهم عليها، بجامع: قيام كل منهما في تنفيذ أوامر الشريعة.","vol":"4","page":1845},{"text":"اعتراض على ذلك:\nأن أبا بكر لم يتمسك بالقياس، وإنما تمسك بالنص، وهو قوله\nتعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم)، فهنا الآية قد\nأمرت بالأخذ، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فيجب أن يؤخذ\nمن المسلمين الزكاة، فمن أطاع فلا إشكال، ومن عصى وأبى أن\nيؤديها فيجب قتاله؛ استنادأ إلى قاعدة: \" ما لا يتم الواجب إلا به\nفهو واجب \"، وأبو بكر نائب عن الرسول - ﷺ - فيجب أن يقاتلهم على ذلك، فيكون أبو بكر قد استدل بالنص على قتالهم، لا بالقياس.\nجوابه:\nأن قوله تعالى: (خذ من أموالهم) خطاب مع النبي - ﷺ -، فلا يتعدَّى إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل إلا القياس هنا.\nوقال بعض العلماء: إن أبا بكر قاتل من منع الزكاة؛ قياسًا على\nالصلاة، فكما أن الصلاة يُقاتل من تركها، فكذلك يقاتل من منع\nالزكاة بجامع: أن كلًّا منهما ركن من أركان الإسلام، وهذا ممكن\nلكن القياس الأول أَوْلى، وعليه الأكثر.\n٣ - أن أبا بكر - ﵁ - ورث أم الأم، وترك أم\nالأب، فقال له رجل يقال له عبد الرحمن بن سهل بن حارثة: \"لقد\nورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو\nكانت هي الميتة ورث جميع ما تركته، فرجع أبو بكر عن ذلك إلى\nالتشريك.\nوجه الدلالة: أن أبا بكر رجع عن إفراد أم الأم بالسدس إلى رأي","vol":"4","page":1846},{"text":"آخر، وهو تشريك أم الأم مع أم الأب بالسدس؛ قياسا لأم الأب\nعلى أم الأم.\n٤ - أن أبا بكر - ﵁ - قاس تعيين الإمام بالعهد إلى\nعمر على تعيينه بعقد الأُمَّة له بالخلافة بجامع: أن كلًّا منهما صادر\nممن هو أهل لذلك، فالأُمَّة عقدوا لأبي بكر بالخلافة لأنهم أهل\nلذلك، وأبو بكر أهل لذلك؛ لأنه نائب عنهم.\n٥ - ما روي عن عمر - ﵁ - أنه كتب إلى أبي موسى\nالأشعري كتابه المشهور، والذي جاء فيه: \" اعرف الأشباه والنظائر\nوقس الأمور برأيك \".\n٦ - ما روي عن عمر - أيضًا - أنه جلد أبا بكرة واثنين معه\nهما: نافع، وشبل بن معبد، حد القذف؛ حيث لم يكمل نصاب\nالشهادة على المغيرة بن شعبة بأنه زنى.\nوجه الدلالة: أن عمر قاس الشاهد في الزنا عند عدم تمام\nالنصاب على القاذف في وجوب الحد.\n٧ - ما روي عن عمر - أيضا - في مسألة المشركة - وهي:\nزوج وأم وأخوة الأم وأخوة أشقاء فحكم فيها بأن النصف للزوج،\nوالسدس للأم، والثلث للأخوة لأم، ولم يعط الإخوة الأشقاء\nشيئًا، فقال الإخوة الأشقاء: هب أن أبانا كان حمارًا، أو حجرًا\nألسنا من أم واحدة؛ فشرك بين الإخوة لأم والإخوة الأشقاء في قضاء\nآخر، فهنا قاس الإخوة الأشقاء على الإخوة لأم بجامع: اشتراكهم\nفي الإدلاء للميت بالأم.\n٨ - ما روي: أن عمر - ﵁ - قد أرسل إلى امرأة\nفأجهضت - أي: أسقطت جنينها - خوفا وفزعا من هيبته،","vol":"4","page":1847},{"text":"فاستشار الصحابة في ذلك، فقال - عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن\nعفان: إنما أنت مؤدب فلا شيء عليك، وقال له عليّ بن أبي\nطالب: أما المأثم فأرجو أن يكون محطوطًا عنك، وأرى أن عليك\nالدية فاتبع عمر رأي علي.\nوجه الدلالة: أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف قاساه على\nمؤدب امرأته وولده وغلامه، وقاسه علي على قاتل الخطأ.\n٩ - ما روي: أن عمر - ﵁ - كان مترددًا في قتل\nالجماعة بالواحد، فقال عليّ - ﵁ -: يا أمير المؤمنين،\nأرأيت لو أن نفرًا اشتركوا في سرقة أكنت تقطعهم؟\nقال: نعم، قال: فكذلك.\nوجه الدلالة: أنه قاس القتل على السرقة.\n١٠ - قال علي - ﵁ -: \" اجتمع رأي ورأي عمر\nفي أمهات الأولاد ألا يبعن، أما الآن فقد رأيت بيعهن \".\nوجه الدلالة: أن المسألة مختلف فيها: فمن ذهب إلى جواز بيع\nأمهات الأولاد قاسهن على الإماء وغيرهن من الممتلكات، ومن\nذهب إلى عدم جواز بيعهن قاسهن على الحرائر.\n١١ - ما روي عن علي أنه قال في حد شارب الخمر: \" إذا\nشرب سكر، وإذا سكر هذى، دماذا هذى افترى، فعليه حد\nالمفتري \".\nوجه الدلالة: أن عليا قاس شارب الخمر على القاذف بجامع:\nالافتراء.","vol":"4","page":1848},{"text":"١٢ - اختلاف ابن عباس مع زيد بن ثابت في توريث الإخوة مع\nفإن زيدًا قد ورث الإخوة مع الجد، ودليله: القياس؛ حيث\nقاس الأخ على الجد بجامع: أن كلًّا منهما قد أدلى إلى الميت بالأب.\nأما ابن عباس فقد أنكر على زيد ذلك وقال: \" ألا يتقي اللَّه زيد\nيجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا \"، حيث إنه يذهب\nإلى أن الجد يحجب الإخوة، ودليله: القياس، حيث قاس الجد\nعلى ابن الابن، فكما أن ابن الابن في منزلة الابن في حجبه\nللإخوة، فكذلك الجد في منزلة الأب في حجبه للإخوة.\n١٣ - اختلاف الصحابة في الخلع هل هو طلاق أو فسخ؛ فمن\nذهب إلى أنه طلاق - وهو ما روي عن عثمان - فإنه ألحقه بالطلاق\nقياسا عليه، فأعطاه حكمه، وجعله يهدم من عدده، ومن لم\nيذهب إلى أنه طلاق، فقد قال: إنه فسخ - وهو ما حكي عن ابن\nعباس - فلم يهدم عنده من عدد الطلاق شيئًا.\n١٤ - ما روي عن ابن عباس أنه قال في دية الأسنان: ألا اعتبرؤم\nذلك بالأصابع سواء وإن اختلفت منافعها.\nوجه الدلالة: أن ابن عباس قاس الأسنان على الأصابع في حكم\nالدية.\n١٥ - اختلاف الصحابة في مسألة \" الحرام \"، وهو قول الزوج\nلزوجته: \" أنت علي حرام \"، فبعضهم - وهو عليّ، وزيد،\nوابن عمر - ذهب إلى أنه في حكم التطليقات الثلاث.\nوبعضهم - وهو ابن مسعود - ذهب إلى أنه في حكم التطليقة\nالواحدة.","vol":"4","page":1849},{"text":"وبعضهم - وهو أبو بكر، وعمر، وعائشة - ذهب إلى أنه في\nحكم اليمين تلزم فيه الكفارة.\nوبعضهم - وهو ابن عباس - ذهب إلى أنه في حكم الظهار.\nوجه الدلالة: أن من قال: إنه طلاق ألحقه بالألفاظ الموضوعة\nللطلاق؛ لأنه لفظ يؤثر في تحريم الزوجة، وهو ليس من صريح\nالطلاق، وليس مما أجمعوا على أنه من كناياته، ثم من جعله ثلاثا\nفقد احتاط في الأمر، ومن جعله واحدة رجعية أخذ بالمتيقن، ومن\nجعله واحدة بائنة توسط.\nومن قال: إنه ظهار فقد ألحقه بصيغته لمشابهته له في افتضاء\nالتحرريم؛ لأنه ليس من الألفاظ الموضوعة له.\nومن قال: إنه يمين ألحقه باليمين، فأوجب عليه كفارته.\nهذا بعض ما نقل عن الصحابة من القول بالقياس والعمل به،\nوهي وإن كانت آحادًا فإنه لا يمتنع تواتر القدر المشترك بين التفاصيل،\nوهو: العمل بالقياس في الجملة.\nاعتراض على هذا الوجه - وهو: الوجه الأول -:\nما ذكرب م من الصور السابقة لا يفيد ذهاب الصحابة جميعًا إلى\nالقول بالقياس، وما رويتم عن بعض الصحابة لا تزيد رواتها مع ما\nشابهها على المائة والمائتين، وذلك لا يفيد القطع بالصحة؛ لاحتمال\nتواطؤ هذا القدر على الكذب.\nجوابه:\nأن هذه مكابرة ومعاندة، فإنه لا يشك عاقل في أن القدر المشترك\nمما ذكرنا أو لم نذكره مما شابهه متواتر، ومن اطلع على كتب السمر","vol":"4","page":1850},{"text":"والأخبار والمحدثين والفقهاء، فإنه يقطع بصحة ذلك، قال المزني\nصاحب الشافعي: \" الفقهاء من عصر الرسول - ﷺ - إلى يومنا هذا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم،\nوأجمعوا بأن نظير الحق حق، وأن نظير الباطل باطل، فلا يجوز\nلأحد إنكار القياس؛ لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها.\nأما الوجه الثاني - وهو: أنه لم يوجد من واحد من الصحابة\nإنكار أصل القياس - فالدليل عليه: أن القياس أصل عظيم في\nالشرع نفيًا وإثباتا، فلو أنكر بعضهم القياس لكان ذلك الإنكار\nمنقولًا إلينا، وهو أوْلى بالنقل من مسألة \" الحرام \"، و\" الجد\nوالإخوة \"، ونحوهما، ولو نقل لاشتهر ولوصل إلينا، فلما لم\nيصل إلينا: علمنا أنه لم يوجد إنكار أصل القياس.\nاعتراض على هذا الوجه - وهو الوجه الثاني -:\nلا نسلم ما قلتموه في هذا الوجه - وهو الوجه الثاني - بل ثبت\nالإنكار ووصل إلينا، فإنه نقل عن الصحابة إنكار الرأي تارة،\nوأخرى إنكار القياس، وثالثة ذم من أثبت الحكم غير مستند لكتاب\nأو سُنة، من ذلك:\n١ - أنه روي عن أبي بكر - ﵁ - أنه قال: \" أي\nسماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب اللَّه برأي \".\n٢ - ما روي عن عمر - ﵁ - أنه قال: \" إياكم\nوأصحاب الرأي فإنهم أعداء السق، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها\nفقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا \".\n٣ - أنه روي عن عمر - أيضا - قال: \" إياكم والمكايلة \"،\nقيل: ما المكايلة؛ قال: \" المقايسة \".","vol":"4","page":1851},{"text":"٤ - أن شريحًا قال: كتب عمر بن الخطاب - ﵁ -\nإليَّ قائلًا: \" أقض بما في كتاب اللَّه، فإن جاءك ما ليس في كتاب\n، لله فاقض بما في سُنَّة رسول اللَّه - ﷺ -،\nفإن جاءك ما ليس فيها فاقض بما أجمع عليه أهل العلم ... \".\n٥ - أنه روي عن علي أنه قال: \" لو كان الرأي أوْلى من السُّنَّة\nلكان باطن الخف أوْلى بالمسح من ظاهره \".\n٦ - أنه روي أن عليا قال - في مسألة الجنين -:\n\" إن اجتهدا فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشاك \" - يعني: عبد الرحمن بن\nعوف، وعثمان بن عفان - في قصة الجنين السابقة الذكر -.\n٧ - أنه روي أن عليا قال: \" من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم\nفليقل في الجد برأيه \".\n٨ - أنه روي أن ابن مسعود قال: \" يذهب قراؤكم وصلحاؤكم\nويتخذ الناس رؤساء جهالًا يقيسون الأمور برأيهم \"، وروي هذا عن\nابن عباس.\n٩ - أنه روي أن ابن عباس قال: \" من أحدث رأيا في كتاب الله\n﷿، ولم تمض به سُنَّة من رسول اللَّه - ﷺ - لم يدر على ما هو منه إذا لقي اللَّه تعالى \".\n١٠ - أنه روي أن ابن عباس قال: إن اللَّه تعالى قال لنبيه - ﷺ -: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)، ولم يقل: بما رأيت، ولو جعل\nلأحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لنبيه - ﷺ -.\n١١ - أنه روي أن ابن عباس قال: \" إياكم والمقاييس فإنما عبدت\nالشمس بالمقاييس \".","vol":"4","page":1852},{"text":"١٢ - أنه روي ابن عمر قال: \" السُّنَّة: ما سنَّه رسول اللَّه - ﷺ - لا تجعلوا الرأي سُنَّة للمسلمين \".\n١٣ - أنه روي أن ابن مسعود قال: \" إذا قلتم في دينكم بالقياس\nفقد أحللتم كثيرًا مما حرَّمه اللَّه، وحرَّمتم كثيرًا مما أحلَّه اللَّه \".\nفهذه الصور وما شابهها مما ورد عن الصحابة إنكارات صريحة\nللرأي والقياس، ونقلت إلينا، فإذا نظرنا إلى هذه الإنكارات منهم\nفإنه يثبت أنهم أنكروا أصل القياس؛ إذن لا إجماع على اعتباره.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين: \" جواب إجمالي \"، و\" جواب تفصيلي \".\nأما الجواب الإجمالي فنقول فيه: إن هذه الروايات الواردة في\nإنكار وذم القياس منقولة عمن نقل عنهم القول بالقياس والعمل به.\nإذن: التعارض بين النقلين ثابت فلا بد من دفعه.\nودفعه لا يمكن إلا بالتوفيق بين هذين النقلين؛ لأنه لا يمكن أن\nنترك النقلين معا؛ حيث إن فيه تركا لأمرين قد ثبتا شرعا، وهذا\nباطل.\nولا يمكن أن نعمل بهما معًا؛ لأنه يلزم من ذلك الجمع بين\nالنقيضين وذلك مستحيل.\nولا يمكن - أيضا - أن نعمل بأحد النقلين دون الآخر من غير قرينة\nترجح أحدهما.\nفلم يبق إلا التوفيق بينهما.\nوطريق التوفيق بينهما: أن نحمل ما نقل عنهم من العمل بالرأي","vol":"4","page":1853},{"text":"والقياس على القياس الصحيح، وهو: المستكمل لجميع شروط\nالاحتجاج به، والصادر من أهل الاجتهاد.\nأما ما نقل عنهم من إنكار وذم العمل بالرأي والقياس فنحمله على\nما كان صادرًا عن الجهال، ومن لم يصل إلى درجة الاجتهاد، وما\nكان مخالفا للنص، وما ليس له أصل يشهد له بالاعتبار، وما كان\nعلى خلاف القواعد الشرعية، وهذا هو المسمى بالقياس الفاسد.\nأما الجواب التفصيلي فهو: أن يجاب عن كل رواية من الروايات\nالمنقولة السابقة في ذم الرأي والقياس، فنقول على الترتيب السابق:\n١ - أما - قول أبي بكر - ﵁ -: \" أي سماء تظلني\nوأي أرض تقلني ... \"، فإنما أراد به قوله في تفسير القرآن،\nونحن نسلم أنه لا مجال للرأي في ذلك؛ لكونه مستندًا إلى محض\nالسمع عن النبي - ﷺ - وأهل اللغة.\n٢ - وأما قول عمر - ﵁ -:\n\" إياكم وأصحاب الرأي.. \"، فإنما قصد به ذم من ترك الموجود من الأحاديث، وعدل إلى الرأي والقياس مع أن العمل به مشروط بعدم النص.\n٣ - وأما قول عمر: \" إياكم والمكايلة \"، وفسر المكايلة بأنها\nالمقايسة، فإن المراد بالمقايسة التي حذر عمر عنها هي القابسة الفاسدة.\n٤ - وأما قول عمر لشريح: \" اقض بما في كتاب اللَّه.. \"\nفنقول فيه: إن القياس مما أجمع أهل العلم على العمل به.\n٥ - وأما قول علي: \" لو كان الرأي أوْلى من السُنَّة.. \"\nفالمقصود منه: أن الشريعة ليست كلها على ما يقتضيه القياس، بل\nبعضها تعبدي لا يجوز القياس فيه، وبعضها الآخر له عِلَّة يمكن أن\nيقاس عليه بسبب تلك العِلَّة.","vol":"4","page":1854},{"text":"٦ - وأما قول عليّ في الجنين: \" إن اجتهدا فقد أخطئنا.. \"،\nفإن عليا يبين في هذه المقالة: أنه ليس كل اجتهاد صوابا، وليس كل\nاجتهاد خطأ، فإنه قد يخطى المجتهد في اجتهاده.\n٧ - وأما قول علي: \" من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم ... \"\nفإنه يقصد الرأي المجرد، وهو غير المستند إلى أصل من كتاب أو\nسُنَة، فإن هذا لا يجوز.\n٨ - وأما قول ابن مسعود: \" يذهب قراؤكم وصلحاؤكم،\nويتخذ الناس رؤساء جهالًا يقيسون الأمور برأيهم \"، فالمراد منه:\nالقياس المذموم، وهو القياس الفاسد الصادر عن الجهال، ولهذا\nوصفهم بأنهم جهال.\n٩ - وأما قول ابن عباس: \" من أحدث رأيا في كتاب اللَّه \"،\nفإنه يحمل على الرأى المجرد عن اعتبار الشارع له.\n١٠ - وأما قول ابن عباس: \" إن اللَّه تعالى قال لنبيه: (وأن\nاحكم بينهم بما أنزل الله)، ولم يقل بما رأيت \"، فإن الحكم\nبالقياس هو حكم بما أنزل اللَّه؛ لأن اللَّه ﷿ أمر به بقوله:\n(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .\n١١ - وأما قول ابن عباس: \" إياكم والمقاييس.. \"، فإن المراد\nبالمقاييسِ هنا: المقاييس الفاسدة وهي التي لم تتوفر فيها شروط\nالقياس.\n١٢ - وأما قول ابن عمر: \" السُّنَّة: ما سنه رسول اللَّه - ﷺ -، ولا تجعلوا الرأي سُنَّة المسلمين \"،\nفإنه يفيد أن السُّنَّة هي: ما صدر عن النبي - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير، والرأي المعتبر من الشارع\nهو من السُنَّة؛ لأن السُنَّة دلَّت عليه بأحاديث سيأتي ذكرها - إن شاء اللَّه -","vol":"4","page":1855},{"text":"أما الرأي المجرد من اعتبار الشارع له فليس من السُّنَّة في شيء.\n١٣ - وأما قول ابن مسعود: \" إذا قلتم في دينكم بالقياس فقد\nأحللتم كثيرًا مما حرمه اللَّه ... \"، فالمقصود بالقياس هنا: القياس\nالفاسد، وهو الذي لم يستند إلى أصل، أو الصادر من الجاهل،\nأو المخالف للقواعد الشرعية.\nوالحاصل: أن هذه الأجوبة التفصيلية عن تلك النصوص مستفادة\nمن الجواب الإجمالي: فكل نص فيه ذم للقياس يُعنى به القياس\nالفاسد غير المعتبر شرعا، وهو الذي لم يستكمل شروط القياس،\nوكل نص فيه دليل على العمل بالقياس، وفيه مدح له، فإنه يُعنى به\nالقياس الصحيح، وهو المستكمل لشروط القياس.\nاعتراض على جوابنا هذا:\nقال قائل - معترضًا -: لا نُسَلِّمُ لكم هذا الجمع بين النقلين،\nبل يمكن الجمع عندنا بطريق آخر وهو: أن نعتبر أن القائل بالقياس\nانقلب منكرًا له في آخر أمره، وحينئذٍ يحصل الإجماع على إنكار\nالقياس، وهو ما ندعيه.\nجوابه:\nأن قولكم: إن القائل به انقلب منكرًا في آخر أمره لا دليل عليه،\nفيكون قولكم دعوى بلا دليل، فتكون دعواكم باطلة، فيجب\nالمصير إلى الجمع الذي ذكرناه؛ حيث إنه يعتبر من طرق الجمع بين\nالدليلين إذا تعارضا.\nأما الوجه الثالث - وهو: أنه لما لم ينكر بعض الصحابة على\nالآخرين قولهم بالقياس فقد انعقد الإجماع على صحته -.","vol":"4","page":1856},{"text":"فالدليل عليه: أن سكوتهم وعدم إنكارهم على القائلين بالقياس\nإما أن يكون عن خوف أو عن رضا.\nلا يمكن أن يكون سكوتهم عن خوف؛ لأمرين:\nأولهما: أن بعضهم خالف البعض الآخر في مسألة: \" الحرام \"\nو\" الخلع \"، و\" الجد والإخوة \"، و\" بيع أمهات الأولاد \"، وغيرها\nولو كان هناك خوف يمنعهم من إظهار ما في قلوبهم لما وقع ذلك\nالخلاف، فلا يعقل أن يكون سكوتهم عن مسائل أخرى عن خوف.\nثانيهما: أنا نعلم من حال الصحابة - ﵃ - شدة\nانقيادهم للحق، لا سيما فيما لا يتعلق به رغبة ولا رهبة في العاجل\nأصلًا، وذلك مانع قوي يمنع من حمل سكوتهم على الخوف.\nفثبت بذلك: أن سكوتهم كان عن رضا وعن موافقة، وذلك\nيوجب الإجماع على حجية القياس، وإلا لكانوا مجمعين على الخطأ.\nما اعترض به على هذا الوجه - وهو الوجه الثالث -:\nالاعتراض الأول: إذا كان سكوتهم لا عن خوف، فلا يلزم منه\nثبوت الإجماع على حجية القياس؛ لأنه يحتمل أن يكون سكوتهم\nلخفاء الدليل.\nجوابه:\nإن هذا بعيد، لأنهم عرفوا أن الشرع من عند اللَّه، فلو لم يكن\nالقياس مأذونا فيه: لكان القائس مشرعا، وحينئذٍ كانوا ينكرون عليه.\nالاعتراض الثاني: إذا كان سكوتهم لا عن خوف فلا يلزم منه\nثبوت الإجماع على حجية القياس، لأنه يحتمل أن يكون سكوتهم\nلأنهم في مهلة النظر، ولم يظهر لهم كون القياس حقا أو باطلًا.","vol":"4","page":1857},{"text":"جوابه:\nأن سكوتهم المستمر - بعد مدة تكفي للنظر - دليل واضح على أن\nهذا السكوت عن رضا وموافقة واقتناع.\nالاعتراض الثالث: أنه لا مانع من أن يكون سكوتهم عن إنكار\nالقياس ناتج عن خوف، لأن القائل بالقياس هم: أبو بكر،\nوعمر، وعلي، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، وزيد، ومعاذ\nمن أصحاب الدولة والسلطان ومن حولهم وحواشيهم وجلسائهم،\nفهؤلاء معهم الرغبة والرهبة، فشاع ذلك في الدهماء، وانقادت\nلهم العوام، فإنه يجوز للباقين السكوت تقية، أو لعلمهم أن\nإنكارهم غير مقبول، وكيف يقال: إن الخوف زائل وقد قال ابن\nعباس في مسألة العول - يقصد عمر -: \" هبته وكان والله مهيبا \"؟!\nجوابه:\nإن هذا طعن قبيح في حق الصحابة - ﵃ - وجهل\nبما كانوا عليه من الصلابة في الدين، بدليل الاستقراء والتتبع لجميع\nالوقائع التاريخية المستفيضة، حيث إنها تؤكد أن جميع الصحابة لا\nتأخذهم في اللَّه لومة لائم، وأنهم لا يمكن أن يروا منكرًا ويسكتوا\nعنه، ومن تلك الوقائع: ما ذكرناه من استدراكات بعض الصحابة\nعلى بعض، ومخالفة بعضهم لبعض.\nومن ذلك: خبر المرأة التي راجعت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب\nفي مسألة تحديد المهر حتى عدل عن رأيه إلى رأيها وقال: \" أصابت\nامرأة وأخطا عمر \".\nومن ذلك: ما قاله سلمان الفارسي لعمر بن الخطاب:\n\" لا سمع لك علينا ولا طاعة حتى تخبرنا من أين لك هذا الثوب؟ \"،","vol":"4","page":1858},{"text":"فأمر عمر ابنه عبد اللَّه بأن يجيب سلمان فأخبره أنه لما أصبح ثوب أبيه\nخلقًا فيه اثنتا عشرة رقعة، فقد تبرع بنصيبه من الثياب وضمه إلى\nثوب أبيه ليصنع منه ثوبًا يصلي فيه بالناس الجمعة ويستقبل به الوفود.\nومن ذلك: قول عبيدة السلماني لعليّ: \" رأيك مع الجماعة\nأحب إلينا من رأيك لوحدك \"، لما قال عليّ: \" اجتمع رأي ورأي\nعمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن \".\nثم إن الصحابة - ﵃ - اعتادوا على حرية الرأي،\nفلا يضيق أحد منهم برأي الآخر مهما كان مركزه أو سلطانه بدليل:\nأن رجلًا جاء إلى أمير المؤمنين عمر فساله عن حكم مسألة فأحاله إلى\nعليّ وزيد فأفتياه، ثم رأى عمر الرجل صاحب المسألة، فسأله عن\nقضاء عليّ وزيد فأخبره، فقال عمر: \" لو كنت أنا لقضيت بكذا \"\nفقال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؛ قال عمر: \" لو كنت أردك\nإلى كتاب الله أو سُنَّة نبيه لفعلت، ولكني أردك إلى رأي والرأي\nمشترك \".\nوأما قول ابن عباس: \" لقد هبته وكان واللهِ مهيبا \"، فإنه يجاب\nعنه: بأن الأمر أمر اجتهاد، ولو كان لدى ابن عباس دليل على\nمذهبه من الكتاب والسُّنَّة يؤكد ذلك المذهب لأعلنه، ولكنه الرأي.\nأما الوجه الرابع - وهو: أن المجمع عليه بين الصحابة حُجَّة يجب\nالعمل به - فهو صحيح لا ينبغي لعاقل أن يتردد فيه - وقد سبق\nالاستدلال على ذلك في باب الإجماع.\nما اعترض به على هذا الوجه - وهو الوجه الرابع -:\nالاعتراض الأول: سلمنا أن سكوتهم عن موافقة وعن رضا،","vol":"4","page":1859},{"text":"ولكن لا حُجَّة في إجماع الصحابة، لأنهم عدلوا عما أمروا به ونهوا\nعنه وتجبروا وتآمروا، وجعلوا الخلاف طريقا إلى أغراضهم حتى\nجرى بينهم ما جرى من الفتن والحروب.\nومثل هؤلاء لا يجوز الاحتجاج بأقوالهم.\nجوابه:\nإن هذا يعتبر من سخافات النظام والرافضة، ويجب على المسلم\nأن لا يلتفت لمثل هذه السخافات، حيث إنها تحط من قدر الصحابة،\nفإن ذلك زندقة وإلحاد في الدين.\nوكيف يقال فيهم مثل ذلك، والله ﷿ قد عدلهم ورضي\nعنهم، واختارهم لصحبة نبيه، فقال النبي - ﷺ -:\n\"إن اللَّه اختارني واختار لي أصحابًا وأصهارًا \"؟!\nالاعتراض الثاني: سلمنا معكم أن إجماع الصحابة على العمل\nبالقياس حُجَّة، لكن لم ينقل إلينا أنهم أجمعوا على العمل بجميع\nأنواع القياس، أو بنوع واحد معين منها، فما المانع من أن يكون\nإجماعهم على القياس الأولى وهو: أن يكون الفرع أوْلى بالحكم من\nالأصل، أو يكون إجماعهم على منصوص العلَّة، وهذان النوعان\nليسا محل النزاع، بل متفق على جريان القياس فيهما.\nجوابه:\nإن تخصيص ما أجمعوا عليه على هذين النوعين يحتاج إلى دليل\nولا دليل عندكم، وإذا لم يوجد دليل على التخصيص، فإن الأمر\nبالقياس يبقى على العموم، فيثبت أنهم أجمعوا على العمل بجميع\nأنواع القياس، وأنه لا فرق بينها، وهذا هو الظاهر من استقراء\nحالهم في الخلاف والاستدلال.","vol":"4","page":1860},{"text":"الاعتراض الثالث: سلمنا أن الصحابة أجمعوا على العمل بجميع\nأنواع القياس، فما المانع من أن يكون خاصا بهم: فلا يلزم من\nجواز العمل بالقياس للصحابة جوازه لمن بعدهم؛ لأن هناك فرقا بين\nالصحابة وغيرهم؛ ووجه الفرق:\nأن الصحابة شاهدوا الوحي والتنزيل، وكان معروفا منهم شدة\nاليقين والصلابة في الدين، وكثرة التحفظ، وبذل النفس والنفيس،\nوترك الأهل والأوطان في سبيل نصرة دين اللَّه وإقامته، وقد ورد في\nحقهم من الفضل والثناء في القرآن والسُّنَّة ما لم يرد في حق غيرهم.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه كما أن الكتاب والسُنَّة يحتج بهما كل شخص\nتوفرت فيه شروط الاجتهاد على إثبات الأحكام الشرعية في كل\nزمان، ولا فرق في ذلك بين فرد وفرد وشخص وشخص، فكذلك\nالقياس يحتج به كل شخص؛ لأنه لا قائل بالفرق بين الأزمان ولا\nبين الأشخاص من حيث الحجج الشرعية.\nالجواب الثاني: أن هذا الاعتراض مخالف للإجماع؛ وما خالف\nالإجماع فهو ساقط لا يعتد به، بيان ذلك:\nأن الناس افترقوا - بالنسبة للقياس - إلى فريقين فقط: فريق قائل\nبان القياس حُجَّة بالنسبة إلى جميع الأُمَّة، وفريق آخر قائل بأن\nالقياس ليس بحُجَّة بالنسبة إلى جميع الأمَّة، فاتفق الفريقان على نفي\nالتفصيل، فيكون القول بالتفصيل خرقا لهذا الإجماع.\nالاعتراض الرابع: سلمنا أن إجماع الصحابة حُجَّة، ولكنه إجماع","vol":"4","page":1861},{"text":"سكوتي -، والإجماع السكوتي لا يفيد إلا الظن، ومسألتنا قطعية؛\nحيث إنها قاعدة أصولية، والقطعي لا يستفاد من دليل ظني.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أنها قطعية، بل هي ظنية عندنا؛ لأن هذه المسألة\nعملية، والظن قائم مقام العلم في وجوب العمل بدليل: أنه لا\nفرق بين أن يعلم بالمشاهدة وجود الغيم الرطب المنذر بنزول المطر\nالذي يجب التحرز منه، وبين أن يخبر بوجود مثل هذا الغيم مخبر\nلمن لا يمكنه مشاهدة الغيم في أنه يلزمه التحرز منه، فكذا هاهنا لا\nفرق بين أن يتواتر النقل من الشرع في أنا مأمورون بالقياس، وبين أن\nيخبرنا به من يظن صدقه في وجوب العمل بالقياس، وإن لم نعلم\nصدق المخبر بذلك.\nهذا هو الدليل الأول من أدلة الجمهور على حجية القياس.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .\nوجه الدلالة من هذه الآية على أن القياس حُجَّة من طريقين:\nالطريق الأول: أن الاعتبار عند أهل اللغة هو تمثيل الشيء بغيره،\nوإجراء حكمه عليه، ومساواته به.\nوالله أمر بالاعتبار في قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا ...)، فيكون\nاللآصياس على هذا مأمور به، فيكون تقدير الآية: \" اعلموا أنكم إذا\nصرتم إلى الخلاف والشقاق ساوت حالكم حال بني النضير،\nواستحققتم من العقاب مثل الذي استحقوه، واللفظ عام في الاعتبار\nفوجب حمله على عمومه، والأمر بكل اعتبار إلا ما خصه الدليل،\nوإن كان السبب الذي ورد فيه من الأخبار عن بني النضير خاصًا \".","vol":"4","page":1862},{"text":"الطريق الثاني: أن القياس مجاوزة الحكم من الأصل إلى الفرع،\nوالمجاوزة اعتبار؛ لأن الاعتبار معناه العبور والانتقال من مكان إلى\nمكان آخر، والعبور هو المجاوزة يقال: \" عبرت هذا النهر \" أي:\nجزته واجتزته، وإذا كان الاعتبار مجاوزة، والقياس مجاوزة،\nفتكون النتيجة: أن القياس هو الاعتبار.\nوالاعتبار مأمور به بالآية، فتكون النتيجة أن القياس مأمور به.\nوالأمر للوجوب؛ لأنه لا توجد قرينة تصرف الأمر من الوجوب\nإلى غيره، فيكون القياس واجبا، والوجوب مستلزم للجواز، أي:\nإذا كان القياس واجبا، فمن باب أوْلى أن يكون جائزًا؛ لأن\nالوجوب جواز وزيادة.\nما اعترض به على هذا الدليل:\nالاعتراض الأول: لا نُسَلِّمُ أن المراد بالاعتبار هنا: القياس\nالشرعي؛ لأنه لو كان المراد بالاعتبار القياس لخالف أول الآية\nآخرها، وكان تقدير الآية: \" يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين\nفألحقوا الفروع بالأصول، أو قيسوا الذُّرَة على البر \"، وهذا في\nغاية الركاكة، ولا يليق بجلال القرآن.\nبل نقول: إن الاعتبار المأمور به هو الاتعاظ؛ حيث إنه هو الذي\nيتفق مع أول الآية وآخرها، ويكون المعنى: اتعظوا يا أولي العقول\nالسليمة بفعل هؤلاء حتى لاينزل بكم مثل ما نزل بهم.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن لفظ \" الاعتبار \" لفظ مشترك بين ثلاث معان:\nالقياس، والمجاوزة، والاتعاظ.","vol":"4","page":1863},{"text":"ونحن رجحنا أن يكون المراد بالاعتبار القياس لوجهين:\nالوجه الأول: أن كثيرًا من أهل اللغة ذكروا أن معنى الاعتبار\nالقياس مباشرة - كما سبق -.\nالوجه الثاني: أن كثيرًا من أهل اللغة ذكروا أن معنى الاعتبار\nالقياس بطريق غير مباشر؛ حيث قالوا: إن الاعتبار مجاوزة،\nوالقياس مجاوزة، إذن يكون القياس هو الاعتبار - كما سبق بيانه -.\nفنحن رجحنا أن يكون معنى المراد من الاعتبار: القياس بواسطة\nمساعدة اللغة لنا.\nالجواب الثاني: أن الذي لا يناسب صدر الآية هو الاعتبار بمعنى\nالقياس - فقط - ونحن لم نقل: إنه هو المأمور به، بل نقول: إن\nالمأمور به هو الاعتبار بمعنى المجاوزة، وهو القدر المشترك بين\nالاتعاظ والقياس، والمجاوزة هي: الانتقال من شيء إلى آخر،\nسواء كان انتقالًا من حال إلى آخر، كما في الاتعاظ، أو من أصل\nإلى فرع كما في القياس، فكل من القياس والاتعاظ فيه مجاوزة،\nفيكون معنى الآية: \" إنا فعلنا بهم ما فعلنا فقيسوا الأمور أنتم يا أولي\nالأبصار\"، فدخل في ذلك قياس أفعالنا على أفعالهم في وصول\nالجزاء، فيحصل الاتعاظ، وكذلك قياس الفروع على الأصول،\nفلا يلزم من كون صدر الآية غير مناسب للقياس بخصوصه عدم\nمناسبته للقدر المشترك لما فيه من معنى الاتعاظ.\nالاعتراض الثاني: نسلم أن المأمور به في الآية هو: الاعتبار الذي\nهو بمعنى المجاوزة، وأن المجاوزة كلي يشمل القياس والاتعاظ،\nحيث إنه مشترك بينهما، ولكن لا نُسَلِّمُ أن الآية مع هذا تثبت أن\nالقياس حُجَّة، لأن الأمر الكلي من حيث هو كلي لا دلالة فيه على","vol":"4","page":1864},{"text":"الجزئي بخصوصه، فالمجاوزة من حيث هي مجاوزة لا دلالة فيها\nعلى خصوص القياس، ولا توجد قرينة تدل على ذلك، فلا يلزم\nالأمر بالمجاوزة الأمر بالقياس.\nجوابه:\nنُسلم لكم أن الأمر بالكلي ليس أمرًا بكل جزئي بالنظر لذاته، من\nغير أن تنظم إليه قرينة تفيد العموم، أما إذا انضم إليه ما يفيد العموم\nفإنه يكون أمرًا بكل جزئي؛ لأن دلالة العام كلية، أي: مقصود بها\nالحكم على كل فرد فرد، وهنا وجد في الآية ما يقتضي العموم،\nوهو هنا الاستثناء، فإنه يصح أن يقال: اعتبروا إلا الاعتبار الفلاني\n- مثلًا -، وقلنا - فيما سبق -: إن الاستثناء معيار العموم،\nوحينئذ يكون عامًا، والأمر به أمر بكل جزئي، وبذلك يكون القياس\nمأمورًا به قصدًا، والعمل به واجبا، والوجوب يستلزم الجواز.\nالاعتراض الثالث: نسلم لكم أن الآية تفيد الأمر بالقياس، لكن\nلا يجوز التمسك بها؛ لأن دلالتها على الوجوب دلالة ظنية،\nوالظن لا يكتفى به في إثبات المسائل الأصولية؛ لشدة اهتمام الشارع\nبها.\nجوابه:\nإن القاعدة الأصولية إذا كانت وسيلة إلى العمل فإنها تثبت بالدليل\nالظني، فالقياس - إذن - يثبت بالأدلة الظنية؛ لأن المقصود من كون\nالقياس حُجَّة هو وجوب العمل به، لا مجرد اعتقاد وجوبه، فأي\nمسألة هي وسيلة إلى العمل فإنها تأخذ حكم المسائل العملية.\nالاعتراض الرابع؛ أن الآية تفيد الأمر بالقياس، ولكن الأمر قد\nيرد للوجوب، أو الندب، أو الإباحة، وغير ذلك من المعاني التي","vol":"4","page":1865},{"text":"ترد لها صيغة \" افعل \" - كما سبق - ولا قرينة قدل على أنها\nللوجوب دون الندب والإباحة، فحمل الأمر على الوجوب - هنا -\nهو ترجيح بدون مرجح.\nجوابه:\nأن الأمر إذا تجرد عن القرائن، فإنه يقتضي الوجوب دون غيره\n- عندنا كما سبق بيانه - ولا يصرف إلى غيره إلا بقرينة، ولا قرينة - هنا - تصرفه عن إفادة الوجوب.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) هذا ما استدل به الشافعي.\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد أقام مثل الشيء مقام الشيء،\nفدل ذلك على أن حكم الشيء يعطى لنظيره، وأن المتماثلين\nحكمهما واحد، وذلك هو القياس الشرعي.\nأو تقول في وجه الدلالة: إن اللَّه لما أوجب المثل ووكل تحقيقه في\nشيء خاص إلى اجتهادنا: كان إذنًا من - اللَّه تعالى بالاجتهاد مطلقا،\nفلزم من يقول بمشروعية الاجتهاد في تحقيق المناط أن يقول بمشروعية\nالاجتهاد القياسي.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، واستدل بتلك الآية ابن\nسريج.\nوجه الدلالة: أن المتنازع فيه لو ردوه إلى أولي الأمر - وهم\nالعلماء - لعلموا حكمه بالاستنباط، ولا معنى للاستنباط إلا\nالقياس، مأخوذ من استنبط الماء إذا أخرج من معدنه.","vol":"4","page":1866},{"text":"اعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: لا نُسَلِّمُ أن الاستنباط هو القياس، بل\nيمكن أن يكون المراد به ما هو أعم من القياس؛ حيث إنه يصح أن\nيقال: إن مستخرج الحكم من ظاهر النص يُسمى مستنبطا.\nجوابه:\nإن لفظة: \" الاستنباط \" لو دققنا النظر فيها لوجدنا أنها خاصة في\nالشيء الذي لا يستخرج إلا بصعوبة، فالشخص الذي يأتي بماء من\nبئر عميق يُسمَّى مستنبطا للماء، لكن الذي يأتي به من البحر أو\nالنهر، فإنه لا يُطلق عليه أنه مستنبط عرفا، فكذلك هنا فإن من\nاستخرج حكما بصعوبة ومشقة، فإنه يُطلق عليه أنه مستنبط، وهذا\nيحصل في القياس فقط، ومن عرف حكما من ظاهر نص كمعرفته\nلوجوب الصلاة من قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، فإنه لا\nيسمى مستنبطًا عادة وعرفا.\nالدليل الخامس: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) .\nوجه الدلالة: أن القياس هو في حقيقته تمثيل الشيء بالشيء،\nوتشبيه أحدهما بالآخر، فإذا جاز ذلك من اللَّه العالم بكل شيء\nالذي لا تخفى عليه خافية، فهو من المخلوق أوْلى بالجواز.\nوقد أكثر ابن القيم - ﵀ - من ذكر مثل هذهَ الآية التي فيها\nضرب اللَّه فيها لعباده الأمثال، وساقها للاستدلال بها على حجية\nالقياس.\nالدليل السادس: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) .","vol":"4","page":1867},{"text":"وجه الدلالة: أن العدل هو: التسوية بين المتماثلين في الحكم،\nولا شك أنه يتناول القياس؛ حيث إن فيه تسوية بين الفرع والأصل.\nالدليل السابع: قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قاسهم على الأمم السابقة في أنهم\nإن فعلوا مثل فعلهم من التكذيب نالهم ما نال السابقين من العاقبة\nالسيئة، فهنا أربعة أركان كاملة، فالأصل: الأمم السابقة، والفرع:\nالمخاطبون بالسير والنظر، والعِلَّة: التكذيب، والحكم: الهلاك.\nالدليل الثامن: حديث معاذ، وهو: أن النبي - ﷺ - لما بعث معاذًا إلى اليمن قاضيًا، قال: \" كيف تقضي إن عرض عليك قضاء؟ \"\nقال: بكتاب اللَّه ﷿، قال: \" فإن لم تجد؟ \" قال: بسُنَة\nرسول اللَّه، قال: \" فإن لم تجد؟ \" قال: أجتهد رأيي ولا آلو،\nفضرب رسول اللَّه على صدر معاذ ثم قال: \" الحمد لله الذي وفق\nرسول رسول اللَّه إلى ما يرضي اللَّه \".\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - صوَّب معاذًا على أخذ الأحكام عن طريق الاجتهاد، والقياس نوع من أنواع الاجتهاد، فيكون القياس دليلًا من أدلة التشريع.\nأو تقول - في وجه الدلالة -: إنه لو لم يكن القياس أصلًا\nودليلًا من أدلة الأحكام مطلقا لما صوب النبي - ﷺ - معاذًا على ما قال، ولما أقره؛ لأنه - ﷺ - لا يقر على خطأ، خصوصا في مثل هذا الأصل العظيم.\nما اعترض به على هذا الدليل:\nالاعتراض الأول: أن الحديث ضعيف، من حيث سنده، والحديث","vol":"4","page":1868},{"text":"الضعيف لا يمكن أن يستند إليه ويعتمد عليه في إثبات قاعدة أصولية\nكالقياس.\nبيان ذلك الضعف: أن الحديث رواه شعبة عن أبي عون، عن\nالحارث بن عمرو - ابن أخي المغيرة بن شعبة - عن أناس من أهل\nحمص من أصحاب معاذ بن جبل، عن معاذ.\nوالحارث بن عمرو مجهول لا يعرف، وأصحاب معاذ من أهل\nحمص مجهولون - أيضا -.\nقال الذهبي: \" تفرَّد به أبو عون - محمد بن عبد اللَّه الثقفي - عن\nالحارث، وما روى أحد عن الحارث غير أبي عون، فهو مجهول \".\nوهذه الجهالة في الحارث،؛ أصحاب معاذ تسببت في ضعف\nالحديث.\nجوابه:\nيجاب عنه باجوبة:\nالجواب الأول: أن حامل لواء هذا الحديث هو شعبة، وشعبة\nهذا قد أثنى عليه أهل الحديث، فقال بعضهم: \" إذا رأيت شعبة في\nإسناد حديث فاشدد يديك به \"، فتقوى الحديث برواية شعبة له.\nالجواب الثاني: أن الحديث قد انتشر بين رجال من أهل حمص\nمن أصحاب معاذ، وهذا يقوي الحديث؛ حيث إن أصحاب معاذ قد\nعرفوا بالعلم والدين والفضل والصدق، ولا يعرف في أصحابه متهم\nولا كذاب ولا مجروح، فانتشاره واشتهاره بينهم يقوي الحديث.\nالجواب الثالث: أن الحارث بن عمرو معدود من الثقات كما قاله","vol":"4","page":1869},{"text":"ابن حبان، والعبرة بالتجريح اتفاق أئمة الحديث، أما تجريح بعض\nأئمة الحدث لبعض الرواة، فهذا قل من يسلم منه.\nالجواب الرابع: على فرض ضعف الحدمث فقد تقوى بعدة شواهد\nموقوفة عن عمر، وابن مسعود، وزيد، وابن عباس، روى ذلك\nكله البيهقي في \" السنن الكبرى \" - بعد أن روى هذا الحديث -\nتقوية له، حيث قضى هؤلاء بما يدل عليه الحديث من الاجتهاد.\nالجواب الخامس: أن هذا الحديث روي عن طريق آخر بإسناد\nمتصل، ورجاله معروفون بالثقة، قال أبو بكر الخطيب: \" وقد\nقيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ،\nوهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة \".\nالجواب السادس: أن هذا الحديث وإن كان مرسلًا، فإن الأُمَّة قد\nتلقته بالقبول، والحديث المرسل إذا نقلته الأُمَّة بالقبول فإنه يعمل به\nويكون حُجَّة بالاتفاق.\nالاعتراض الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ أن النبي - ﷺ - قد صوَّب معاذًا على استعمال الاجتهاد عند عدم وجود نص؛ حيث روي الحديث برواية أخرى، وهي: أنه لما قال معاذ: \" اجتهد رأيي \"، قال له النبي\n- ﷺ -: \"اكتب إليّ وأكتب إليك ليس لأحد أن يقول أنا \"، فهنا - في هذه الرواية - لم يقره على الاجتهاد برأيه.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذه الرواية والزيادة غريبة وشاذة، فلا تقوى\nعلى معارضة روايتنا الصحيحة المشهورة.","vol":"4","page":1870},{"text":"الجواب الثاني: نسلم لكم صحة هذه الزيادة، ولكن يمكن الجمع\nبينها وبين روايتتا لأن نقول: إنه تحمل هذه الزيادة والرواية التي\nذكرتموها على ما إذا اتسمع الوقت للواقعة التي نزلت؛ حيث يمكن\nالصبر حتى يكاتب - ﷺ - وهو في المدينة.\nأما روايتنا فإنا نحملها على ما إذا ضاق الوقت، بحيث لا يمكن\nالصبر في معرفة حكم اللَّه فيها على ذهاب الكتاب إلى المدينة ورده.\nالاعتراض الثالث: أن هذا الحديث مناقض لقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، وقوله: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)،\nحيث قال النبي لمجيم لمعاذ: \" إذا لم تجد الحكم في الكتاب ... \"\nيقتضي هذا أن الكتاب لم يشتمل على جميع الأحكام.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن المقصود بالكتاب في الآيتين هو القرآن\nالكريم، بل هو اللوح المحفوظ، فلا تناقض.\nالجواب الثاني: سلمنا أن المراد به: القرآن الكريم، فلا يمكن أن\nيفهم أحد اشتمال القرآن على جميع الأحكام؛ لأن ظاهر القرآن\nيخلو من دقائق الحساب، وتفاريع الحيض، والوصايا، وأحكام\nالسائل التي اختلف فيها الصحابة كمسألة الجد والإخوة، والتحريم،\nوالخلع، وغير ذلك، فيتعين أن يكون المراد اشتماله عليها ابتداء،\nوهذا لا يناقض العمل بالقياس؛ لأنه لما أمر اللَّه بالقياس بقوله تعالى:\n(فاعتبروا) كان ما يستفاد منه مما اشتمل عليه بالواسطة.\nالاعتراض الرابع: أن تصويب النبي - ﷺ -\nلمعاذ العمل بالقياس كان","vol":"4","page":1871},{"text":"قبل نزول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فإن هذه الآية أفادت إكمال\nالدين وتمامه، فيكون القياس قبل نزول هذه الآية حُجَّة؛ لكون\nالنصوص غير وافية لجميع الأحكام، أما بعد إكمال الدين والتنصيص\nعلى جميع الأحكام، فلا يكون القياس حُجَّة؛ لعدم الحاجة إليه.\nجوابه:\nإن هذه الآية إنما تدل على كمال الدين من حيث أصوله، دون\nفروعه؛ لأن الواقع أن النصوص لم تتناول جميع الفروع؛ لعدم\nتناهيها، وبذلك تكون الحاجة ماسة إلى القياس لإثبات أحكام بعض\nالفروع التي لم ينص على حكمها، فيكون القياس حُجَّة.\nالاعتراض الخامس: أن معاذًا إنما قال: \" أجتهد رأيي \"، ولم\nيقل أقيس، والاجتهاد كما يكون في القياس فكذلك يكون في تحقيق\nالمناط، فترجيح أن المراد بالاجتهاد هو القياس ترجيح بلا مرجح.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه قال: \" أجتهد \"، والاجتهاد عام وشامل\nللقياس وغيره، فيكون - على هذا - القياس أحد جزئيات الاجتهاد\nفيدخل، بل القياس هو أعلى مراتب الاجتهاد، فدخوله أوْلى من\nدخول غيره.\nالجواب الثاني: أنه يوجد دليل يجعلنا نرجح أن المراد بذلك\nالقياس وهو: أن معاذًا ذكر الاجتهاد بعد النص من الكتاب والسُّنَّة،\nأي: أنه يجتهد فيما لا نص فيه، أما تحقيق المناط فمعروف أنه يعتمد\nعلى النص.\n-","vol":"4","page":1872},{"text":"الاعتراض السادس: أن النبي - ﷺ - قد أقر لمعاذ العمل به، فما المانع من أن يكون خصوصية له ﵁.\nجوابه:\nإن الأصل: أن يكون عاما غير مختص بمعاذ بدليل قوله - ﷺ -: \"قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة \"،\nفلا يختص بمعاذ إلا بدليل، ولا دليل صحيح عندنا،\nفيبقى العام على عمومه.\nالاعتراض السابع: أن الحديث خبر آحاد، فلا يفيد إلا الظن،\nوالظن لا يكتفى به على إثبات قاعدة أصولية كالقياس.\nجوابه:\nأن القاعدة الأصولية إذا كانت وسيلة إلى العمل، فإنها تثبت\nبالظن؛ قياسًا على الفروع - كما قلنا ذلك فيما سبق أكثر من مرة -\nهذا الدليل الثامن من الأدلة على أن القياس حُجَّة.\nالدليل التاسع: قوله - ﷺ -:\n\" لعن اللَّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها \".\nوجه الدلالة: أنه - ﷺ - حكم بتحريم أثمان الشحوم، قياسًا على أكلها المحرم بالنص.\nالدليل العاشر: قوله - ﷺ -:\n\"إنما أقضي بينكم برأي فيما لم ينزل علي فيه شيء\".\nوجه الدلالة: أنه دلَّ على أنه - ﷺ - يقضي برأيه، والقياس نوع من أنواع الرأي، فيكون حُجَّة.\nاعتراض على هذا:\nأن هذا خاص بالنبي - ﷺ -، حيث إن اللَّه سبحانه يخطأه إذا أخطأ، بخلاف غيره من العلماء، وعليه فيجوز له الاجتهاد دون غيره.","vol":"4","page":1873},{"text":"جوابه:\nإنه إذا جاز للنبي - ﷺ - الاجتهاد، فإنه يجوز لغيره من العلماء إذا فهموا المعنى الذي من أجله شرع الحكم المقاس عليه، ثم إن الخطأ\nمن المجتهد يؤجر عليه بأجر واحد.\nالدليل الحادي عشر: ما روي أن عمر بن الخطاب سأل النبي - ﷺ - عن قُبْلة الصائم فقال: \" أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ \"\nقلت: لا بأس بذلك، فقاق الرسول - ﷺ -: \"ففيم؟ \".\nوجه الاستدلال: أن هذا تنبيه على إلحاق القُبْلة بالمضمضة في عدم\nالإفطار، والجامع: أن كلًّا منهما مقدمة لما يفطر، ولكنه لا يفطر،\nفالمضمضة مقدمة للشرب، والقُبْلة مقدمة للإنزال، فتبين أن النبي\n- ﷺ - قد استعمل القياس، وذلك يوجب كون القياس حُجَّة.\nما اعترض به على هذا الدليل:\nالاعتراض الأول: أن هذا من أقيسة النبي - ﷺ -، فلا يدخل في محل النزاع؛ للاتفاق على جوازه.\nجوابه:\nإذا جاز له - ﷺ - أن يقيس، فإنه يجوز لغيره،\nوالجامع: فهم المعنى الذي من أجله شرع الحكم.\nالاعتراض الثاني: أن النبي - ﷺ - ذكر المضمضة - هنا - تقريبا لفهم عمر؛ لا لأجل قياس القُبْلة عليها.\nجوابه:\nإن المسألة في الحديث ليست من الأمور الصعبة التي تحتاج إلى تقريب\nلفهمه، فلو لم يكن المقصود من ذكر المضمضة التنبيه على أصل القياس\nلما كان لذكره فائدة، بل يكفي أن يقول: لا، القُبْلة لا تفطر.","vol":"4","page":1874},{"text":"الاعتراض الثالث: أن هذا خبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد إلا\nالظن، والظن لا يكتفى به على إثبات قاعدة أصولية كالقياس.\nجوابه:\nأن القياس قاعدة أصولية وسيلة إلى العمل، فيكتفى بإثبات ذلك\nبالدليل الظني؛ قياسا على الفروع.\nالدليل الثاني عشر: أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه - أحيانا - يذكر الحكم مقرونا بعلته، والتعليل يفيد تعدي الحكم أينما وجدت العِلَّة، وذلك هو نفس القياس.\nمن ذلك: قوله - ﷺ -:\n\"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة \"،\nوقوله ﵇ في حق المحرم الذي وقَصَتْه ناقته:\n\" لا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا\"،\nوقوله: \" كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها\nتذكركم الآخرة \"، وقوله - لما سئل عن بيع الرطب بالتمر -:\n\"أينقص الرطب إذا جف؟ \" قالوا: نعم، فقال: \" فلا إذن \"،\nوقوله: \" إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى\nيغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده \"، وقوله: \" إنها ليست\nبنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات \"، فتعليل الشارع\nلبعض الأحكام إنما هو لإرشاد الخلق إلى كيفية ربط الأحكام بعللها\nليلحقوا ما وجدت فيه تلك العلل بتلك الأحكام.\nاعتراض على هذا الدليل:\nأنه لا يلزم من تعليل الحكم المنصوص عليه بعلَّة: إلحاق غير\nالمنصوص به؛ لاشتراكهما في العِلَّة، بل يجوز أَن يكون التعليل","vol":"4","page":1875},{"text":"لبيان الباعث على الحكم؛ ليكون أقرب إلى الامتثال، ولهذا جاز\nالتعليل بالعِلَّة القاصرة التي لا قياس عليها.\nجوابه:\nأن الأصل في التعليل: أن يكون لتعدية الحكم، وذلك لا ينافي\nقصد بيان الباعث على الحكم؛ ليكون أقرب إلى الامتثال، فالتعليل\nيعم الأمرين، ولا يوجد مخصص لأحدهما.\nالدليل الثالث عشر: أنه لو لم نعمل بالقياس لأدى ذلك إلى خلو\nأكثر الحوادث بدون أحكام؛ لأمرين:\nأولهما: قلة النصوص.\nثانيهما: كثرة الحوادث والصور والجزئيات التي لا نهاية لها.\nفثبت أنه لا بد من القياس لإيجاد أحكام لتلك الحوادث المتجددة،\nوهذا فيه رد على أعداء الإسلام حيث قالوا: إن الإسلام غير قادر\nعلى إيجاد أحكام للحوادث المتجددة.\nالدليل الرابع عشر: أن المجتهد إذا غلب على ظنه أن حكم الأصل\nمعلل بعلَّة معينة، ثم وجد هذه العِلَّة في محل آخر - وهو الفرع -\nفإنه يحَصل عنده ظن غالب بأن حَكم الأصل متعدٍ إلى ذلك المحل\nالذي وجدت العِلَّة فيه، واحتمل عنده احتمالًا مرجوحا عدم تعدية\nحكم الأصل للفَرع، فالمجتهد أمامه أربعة أمور - لا خامس لها -\nوهي:\nالأول: إما أن يعمل بما غلب على ظنه، ويعمل بالاحتمال\nالمرجوح معا.\nالثاني: وإما أن لا يعمل بهما معا.","vol":"4","page":1876},{"text":"الثالث: وإما أن يعمل بالاحتمال المرجوح فقط ويترك العمل بما\nغلب على ظنه.\nالرابع: وإما أن يعمل بما غلب على ظنه فقط ويترك العمل\nبالاحتمال المرجوح.\nوكلها باطلة إلا الرابع، بيان ذلك:\nأما الأول - وهو: العمل بهما معًا - فهو محال؛ لأنه جمع بين\nمتناقضين، والجمع بين المتناقضين محال.\nأما الثاني - وهو: ترك العمل بهما معا - فهو محال - أيضا -؛\nلأنه رفع للنقيضين معًا، وخلو الشيء عن النقيضين محال.\nأما الثالث - وهو: العمل بالاحتمال بالمرجوح، وترك العمل\nبالظن الراجح - فهو خلاف المشروع والمعقول؛ لأنه عمل بالضعيف\nوترك للعمل بالقوي، وهذا لا يجوز شرعا ولا عقلًا.\nفلم يبق إلا الرابع، وهو العمل بالظن الراجح، والعمل\nبالراجح متعين؛ لأنه ثبت بعد استقراء أمور الشرع الجزئية والكلية أن\nالظن الراجح يجب العمل به، وهذا ما يفيده القياس، فكان العمل\nفي قتضى القياس واجبًا وهو المطلوب.\nهذا ما صح عندنا من الأدلة على حجية القياس، وأنه دليل من\nالأدلة الشرعية المعتمدة.\nالمذهب الثاني: أن القياس ليس بحُجَّة، ولا يجوز التعبد به عقلًا\nولا شرعا، أي: أن القياس لا يعتبر دليلًا من الأدلة الشرعية.\nوأصحاب هذا المذهب افترقوا إلى فريقين:\nالفريق الأول: أنكروه شرعا، أي: أن الأدلة الشرعية دلَّت على\nأن القياس ليس بحُجَّة وهم الظاهرية.","vol":"4","page":1877},{"text":"الفريق الثاني: أنكروه عقلًا، أي: أن معقول الشرع دلَّ على أن\nالقياس ليس بحجة، وهم النظام ومن تبعه.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) .\nوجه الدلالة: أن الآية أفادت نهي المؤمنين عن التقدم على الله\nوعلى رسوله بأي قول أو فعل، والقول بالقياس تقدم على الله\nورسوله؛ لأنه حكم بغير قولهما، فيكون منهيا عنه.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الآية لا تمنع من العمل بالقياس، بل ربما\nأوجبت العمل به؛ لأنها نهت عن العمل بغير كتاب اللَّه وسُنَّة\nرسوله، والعمل بالقياس عمل بكتاب اللَّه وسُنَّة رسوله من وجهين:\nالوجه الأول: أن من شروط الأصل - كما سيأتي إن شاء الله -:\nأن يكون ثابتا بكتاب أو سُنَّة، فلا يقاس إلا على ما ثبت بهما\nواختلف في القياس على المجمع عليه، فيكون العمل بالقياس عمل\nبالكتاب والسُّنَّة.\nالوجه الثاني: أن الكتاب والسُّنَّة قد ورد فيهما الأمر بالقياس في\nآيات وأحاديث كثيرة ذكرناها سابقا في أدلتنا على حجية القياس،\nفيكون العمل بالقياس عملًا بالكتاب والسُّنَّة.\nالجواب الثاني: أن عملنا بالقياس ليس فيه تقديم على الكتاب","vol":"4","page":1878},{"text":"والسُنَّة؛ لأننا لا نجري القياس فيما فيه نص من كتاب أو سُنَّة، بل\nنجريه فيما ليس فيه نص، وليس في ذلك تقديم عليهما.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)،\nوقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .\nوجه الدلالة: أن هذا دلَّ على أن الكتاب اشتمل على جميع\nالأحكام الشرعية، فما ليس في كتاب اللَّه وجب: أن لا يكون\nحمقا، وجاء ذكر السُّنَّة فكانت حقًا، وجاء ذكر الإجماع فكان حقًا،\nلكن لم يذكر القياس فوجب أن يبقى على النفي الأصلي، فلا يجوز.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أن الكتاب قد اشتمل على جواز القياس مباشرة\nبقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، وغيرها من الآيات\nالتي ذكرتها في الاستدلال على أن القياس حُجَّة، فيكون الأمر\nبالقياس قد ورد به الكتاب.\nالجواب الثاني: إن لم يُسلّم أن الكتاب قد دلَّ على جواز القياس\nمباشرة، فإنه دلَّ على ذلك بطريق غير مباشر؛ حيث إنه دلَّ على أن\nالسُّنَة حُجَّة بقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه)، وغيرها\nمن الآيات.\nودل على أن الإجماع حُجَّة بقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ..)، وغيرها من\nالآيات - كما سبق بيانه - وهما - أي: السُّنَّة والإجماع - قد دلا\nعلى أن القياس حُجَّة بواسطة الأحاديث التي ذكرناها أثناء استدلالنا","vol":"4","page":1879},{"text":"لحجية القياس، وبواسطة إجماع الصحابة السكوتي، وقد سبق\nبيانه.\nالجواب الثالث: إن لم يُسلَّم أن الكتاب قد دلَّ على جواز القياس\nمباشرة أو بطريق غير مباشر، فادعاء المستدل أن الكتاب قد اشتمل\nعلى جميع الأحكام الجزئية غير صحيح؛ لعدم وجود حكم في الجد\nوالإخوة، والتحريم، والمفوضة، والعول، والخلع، وغيرها مما\nاختلف الصحابة فيها.\nفإما أن يقال: إنه لا حكم لها، وإما أن يقال: إن لها حكما في\nالكتاب، وإما أن يقال: إن لها حكما وأخذناه عن طريق القياس.\nفإن زعم المستدل: أنه لا حكم لها، فهذا باطل؛ لأنه لا يوجد\nحادثة إلا ولها حكم في الإسلام، وإن ادعى أحد غير ذلك فقد كفر.\nوإن زعم المستدل: أن لها حكما ووجدناه في الكتاب، فهذا غير\nصحيح؛ إذ لو كان هناك حكم في الكتاب لما اختلف الصحابة فيها.\nفلم يبق إلا أن لها حكمًا وأخذناه عن طريق القياس، وهو\nالصحيح، وهو الذي أفتى به الصحابة.\nالدليل الثالث: قوله تعالى؛ (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) .\nوجه الدلالة: أن ثمرة القياس، وهو: ثبوت حكم الفرع مظنون\nلا معلوم، وكل مظنون لا يغني من الحق شيئًا منهي عن اتباعه،\nفحكم الفرع منهي عن العمل به، فيثبت عدم جواز تعبدنا بالقياس.\nجوابه:\nإن الظن المنهي عن اتباعه والذي لا يغني عن الحق شيئًا فيما يكون\nالعلم واليقين ضرورة له كالعقائد وأركان الإسلام، دون مطلق الظن،","vol":"4","page":1880},{"text":"وإلا انتقض بدلالات الكتاب والسُّنَّة على الأحكام، فإنها كلها\nظنية، ومع ذلك يجوز العمل بها بالإجماع.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .\nوجه الدلالة: أن الحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل اللَّه، وكل\nحكم لم ينزله اللَّه تعالى ابتداعا في الدين، وهذا منهي عنه،\nفالقياس منهي عنه.\nجوابه: -\nإن الحكتم بالقياس حكم بما أنزل اللَّه؛ لأمرين:\nأولهما: أن الله تعالى ورسوله قد دلَّ كلامهما في الكتاب والسُّنَّة\nعلى جواز الحكم بالقياس بواسطة تلك الآيات والأحاديث التي\nذكرناها أثناء استدلالنا على حجية القياس، وإذا كان الأمر كذلك\nفالحكم بالقياس يعتبر حبهما بما أنزل اللَّه.\nثانيهما: أن من شروط صحة القياس - كما سيأتي - أن يكون\nحكم الأصل ثابتا بكتاب أو سُنَّة، فلا يقاس إلا على ما ثبت بهما،\nفيكون العمل بالقياس عملًا بما هو مستنبط من المنزل، وكأنه حكم\nبالمنزل وهو الكتاب والسُّنَّة.\nالدليل الخامس: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) .\nوجه الدلالة: أن الآية دلَّت على أن الأُمَّة إذا تنازعت في شيء\nولم تعرف حكمه، فيجب أن تأخذ حكمه من الكتاب والسُّنَّة،\nفالحكم بالقياس ليس مردودًا إلى اللَّه ولا إلى رسوله، فيكون ذلك\nالماخوذ عن طريق القياس باطلًا.","vol":"4","page":1881},{"text":"جوابه:\nإن الحكم بالقياس حكم مردود إلى اللَّه ورسوله، أي: إلى\nالكتاب والسُّنَّة؛ لأمرين، قد ذكرتهما في جواب الدليل الرابع\nالسابق.\nثم إن هذه الآية حُجَّة عليكم لا لكم؛ حيث أبطلتم القياس من\nغير رد إلى قول اللَّه ولا إلى قول رسوله، ولا إلى ما استنبط منهما.\nالدليل السادس: ما روي عن النبي - ﷺ -:\n\"تعمل هذه الأُمَّة برهة بكتاب اللَّه، وبرهة بسُنَّة رسول اللَّه، وبرهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك ضلوا وأضلوا \".\nوجه الدلالة: أن الأُمَّة إذا عملت بالرأي، فإن عملهم به مذموم\nوموجب للضلال والإضلال، والقياس من الرأي، فيكون مذمومًا،\nوغير مشروع.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا الحديث ضعيف، والضعيف لا يستدل به\nعلى شيء، بيان الضعف: أنه كان من رواته عثمان بن عبد الرحمن\nالزهري، وهذا متفق على ضعفه كما قال الهيثمي، وكذلك من\nرواته جبارة بن المفلس، وهو ضعيف، كما قال ابن السبكي.\nالجواب الثاني: أن الحديث على فرض صحته، فإنه معارض\nبالأحاديث القوية التي استدللنا بها على حجية القياس السابقة،\nوحينئذ يجب الجمع بينهما، ووجه الجمع: أن يحمل هذا الحديث\nالذي ًا ستدل به المنكر للقياس على القياس الفاسد، وهو الذي","vol":"4","page":1882},{"text":"لم يستجمع شروط القياس، وتحمل الأحاديث الدالة على جواز القياس\nعلى القياس الصحيح، وهو المستجمع لشروط القياس، وعلى هذا\nفإنه يعمل بالدليلين.\nالدليل السابع: ما روي عن - ﷺ -:\n\"الحلال ما أحلَّ اللَّه والحرام ما حرَّم اللَّه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه \".\nوجه الدلالة: أن الحديث قد بين أقساما ثلاثة هي: \" حلال \"،\nو\" حرام \"، و\" مسكوت عنه لا يلحق بالحرام ولا بالحلال \"، فلو\nقلتم بالقياس فإما أن تلحقوا المسكوت عنه بالحرام، فيكون حراما\nبعد أن كان مباحًا، وهذا تحريم لما أحله اللَّه بالسكوت عنه.\nوإما أن تلحقوا المسكوت عنه بالواجب، ويكون تاركه آثما بعد\nأن كان مباحًا، وعليه: فالقياس يؤدي إلى تحريم الحلال وإيجاب\nالمباح، وهذا خلاف ما دلَّ عليه الحديث والشرع كله، فيكون\nالقياس باطلًا، لأنه يؤدي إلى باطل.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الحديث ضعيف، حيث إن من رواته سيف\nابن هارون البرجمي، ضعَّفه النسائي والدارقطني، كما نقله الذهبي،\nوالحديث الضعيف لا يصلح للاستدلال به على شيء.\nالجواب الثاني: على فرض صحة الحديث فإنا لا نُسَلِّمُ أن ما ثبت\nحكمه عن طريق القياس مسكوت عنه، فيكون معفوًا عنه، وإنما هو\nداخل فيما حرَّمه اللَّه، أو أوجبه؛ لأمرين:\nأولهما: أن الشارع لما علل الحكم في المنصوص على حكمه","vol":"4","page":1883},{"text":"جعل بهذا التعليل سريان حكمه في المسكوت عنه، فكان المسكوت\nعنه محكومًا فيه معنى بحكم اللَّه.\nثانيهما: أن دخول الواقعة في التحريم أو الإيجاب كما يعرف\nبدلالة اللفظ يعرف - أيضا - بالدلائل العامة التي تبينها مقاصد\nالشريعة في جملة نصوصها، وعامة أحوالها.\nالدليل الثامن: ما روي أن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\" تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيُحلون الحرام، ويحرمون الحلال \".\nوجه الدلالة: أن الحديث ظاهر في ذم من يقيس الأمور برأيه،\nبل جعل القائلين بالقياس والعاملين به خطرًا على الأُمَّة، وأنهم\nيسببون الفتنة التي ذمَّها اللَّه، وهذا يبطل القياس.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الحديث ضعيف، حيث قال يحمص بن معين:\nإن هذا الحديث ليس له أصل، والحديث الضعيف لا يصلح\nللاستدلال به.\nالجواب الثاني: على فرض صحة الحديث، لكنه معارض\nبالأحاديث التي دئَت على حجية القياس - وهي التي ذكرناها فيما\nسبق - فيجب - حينئذٍ - الجمع بينها، ووجه الجمع: أن نحمل\nهذا الحديث على القياس الفاسد، وهو الذي لم يستكمل شروط\nالقياس، وأن القائس ليس أهلًا للاجتهاد، ويؤيد ذلك قوله فيه:\n\"فيحملون الحرام، ويحرمون الحلال \"، ونحمل الأحاديث التي","vol":"4","page":1884},{"text":"دلَّت على العمل بالقياس على القياس الصحيح المستكمل لشروط\nالقياس.\nالدليل التاسع: ما روي عن - ﷺ - أنه قال:\n\" ما هلكت بنو إسرائيل حتى كثر فيهم المولدون: أبناء سبايا الأمم،\nفأخذوا في دينهم بالمقاييس فهلكوا وأهلكوا \".\nوجه الدلالة: الحديث بيق أن ذم بني إسرائيل كان بسبب القياس\nالذي استعملوه في دينهم، فمن فعل مثل ما فعلوا فقد استحق الذم\nمن اللَّه تعالى، أي: فمن استعمل القياس في معرفة الأحكام فقد\nاستحق الذم، فيكون استعمال القياس مذموما.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الحديث لم يصح؛ لأن في سنده سويدًا قال\nعنه الإمام أحمد: إنه متروك الحديث، وقال الشهاب البوصيري:\nإنه ضعيف، وفي سنده - أيضا - ابن أبي الرجال وهو متروك عند\nالنسائي، ومنكر الحديث عند البخاري، وإذا كان الحديث لم يصح\nفلا يصلح للاستدلال به.\nالجواب الثاني: على فرض صحة الحديث فإنه يحمل على القياس\nالفاسد، وهو الذي لم يستكمل شروط القياس، أو أن القائس لم\nيكن أهلًا للقياس، ويؤيد ذلك معنى الحديث؛ حيث إن معناه:\nإنهم لم يعرفوا الأشباه، ولم يدركوا الإمثال ونظائرها، بل قاسوا\nبالهوى والتعصب كما فعلوا في الشحوم حين حرمها الله عليهم،\nفجملوها وباعوها، وما هذا إلا ضلال لا يقول به عاقل.","vol":"4","page":1885},{"text":"وعلى هذا فالقياس الصحيح وهو المستكمل لشروط القياس،\nوفاعله من أهل الاجتهاد، وهو الذي يجري على حسب أمر الشارع\nلا يؤدي إلى ضلال، بل يؤدي إلى حق، والحق يجب اتباعه،\nفيكون القياس حُجَّة.\nالدليل العاشر: إجماع الصحابة السكوتي دلَّ على أن القياس\nليس بحُجَّة.\nبيان ذلك: أنه نقل عن بعض الصحابة ذم العمل بالقياس - وقد\nذكرنا عددًا من النصوص على ذلك أثناء الاعتراض على الوجه الثاني\nمن وجوه تقرير الإجماع عند الجمهور - وهم القائلون بحجية القياس\nوقد سبق -.\nقال المنكرون للقياس: ولم يظهر من واحد منهم الإنكار على\nذلك الذم، وذلك يدل على انعقاد الإجماع على فساد القياس،\nوعلى أن اللَّه لم يتعبدنا به.\nجوابه:\nلقد أجبنا عن ذلك بجوابين: \" جواب إجمالي \"، و\" جواب\nتفصيلي \".\nأما الجواب الأجمالي فقد سبق بالتفصيل، ولا مانع من أن أشير\nإليه هنا تذكرة للقارئ وهو: أن أقول: إن كل نص ورد فيه ذم\nللقياس والرأي وأهله: فالمقصود فيه القياس الفاسد، وهو الذي لم\nيستكمل شروط القياس، أو ورد من شخص ليس أهلًا للاجتهاد،\nوأن كل نص ورد فيه مدح للقياس فالمقصود فيه القياس الصحيح،\nإلى آخر ما قلناه هناك.","vol":"4","page":1886},{"text":"وأما الجواب التفصيلي فالمقصود منه: الجواب عن كل نص ونقل\nعن الصحابة فيه ذم للقياس، وقد سبق بيان ذلك هناك، ولا داعي\nلتكراره.\nالدليل الحادي عشر: إجماع العترة دلَّ على أن القياس ليس بحُجَّة\nوالمراد منهم: علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة الزهراء، والحسن\nوالحسين، بيان ذلك:\nأن المستدلين قالوا: كما نعلم بالضرورة - بعد مخالطة أصحاب\nالنقل - أن مذهب الأئمة الأربعة - وهم أبو حنيفة، ومالك،\nوالشافعي، وأحمد - القول بالقياس، فكذا نعلم بالضرورة أن\nمذهب أهل البيت كالصادق والباقر إنكار القياس؛ حيث انعقد\nإجماعهم على ذلك، وإذا ثبت أن آل البيت أجمعوا على إنكار\nالقياس ثبت أنه لا يجوز العمل به؛ لأن إجماعهم حُجَّة.\nوهذا قول الشيعة الإمامية.\nقال الحيدري: \" ومذهب أهل البيت معلوم متواتر عنهم قد نقله\nالخلف عن السلف في رد القياس، ورد من قال به \".\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن نقل الشيعة الإمامية إنكار القياس عن العترة\nمعارض بنقل الشيعة الزيدية عن العترة وجوب العمل بالقياس، قال\nيحيى الزيدي: \" إن أكثر أهل البيت قائلون بالقياس، وكيف يدعى\nإنكار القياس والإمام علي بن أبي طالب قد عمل بالقياس في فتاويه،\nوكذا من جاء من بعده من أئمة الشيعة \" اهـ.","vol":"4","page":1887},{"text":"فهنا ثبت أن النقلين متعارضان، فبطلت دعواهم أن العترة أجمعوا\nعلى إنكار القياس، وإذا كان النقلان متعارضين، فلا بد من الجمع\nبينهما، ووجه الجمع: أن نحمل قول من قال بعدم حجية القياس\nبأنه يقصد القياس الفاسد الذي لم يستكمل شروط القياس أو الصادر\nمن غير أهل الاجتهاد، ونحمل قول من قال بحجية القياس بانه\nيقصد القياس الصحيح الذي استكمل شروط القياس.\nالجواب الثاني: إن سلمنا صحة حصول إجماع العترة على إنكار\nلمقياس، فإنا لا نُسَلِّمُ أن إجماعهم حُجَّة على غيرهم عند المخالفة؛\nلأن العترة بعض المجتهدين، والإجماع ينبغي أن يتفق عليه كل\nالمجتهدين الموجودين في العصر الواحد؛ لأن العصمة ثبتت للكل،\nلا للبعض، فيكون قول الكل هو الحُجَّة، فيبطل - بذلك -\nدعواهم أن إجماع العترة حُجَّة.\nالدليل الثاني عشر: أن القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة بين\nالمجتهدين؛ لأن مقدماته ظنية، والظن سبيل الخلاف، لا سبيل\nالوفاق، والخلاف والمنازعة منهي عنهما؛ لقوله تعالى:\n(وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)،\nوبذلك يكون القياس منهيًا عنه، فيحرم العمل به.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول؛ أن الخلاف والمنازعة المنهي عنها في الآية المراد بها:\nالخلاف والمنازعة في الحروب وسياسة الأمَّة وإدارة شئونها؛ حيث إنها\nتوجب الفشل وتسبب الهزيمة أمام الأعداء، أما الخلاف والمنازعة في","vol":"4","page":1888},{"text":"الأحكام الشرعية، بحيث يرى مجتهد ما لا يراه الآخر لدليل ثبت\nعنده: فليس منهيًا عنها بدليل: ما اشتهر عن الصحابة أنهم اختلفوا\nفي مسائل كثيرة تكاد لا تحصى كمسألة الجد والإخوة، والخلع،\nوالتحريم، والعول، وغيرها، ولو كان الاختلاف والمنازعة منهيا\nعنها على الإطلاق: لكان الصحابة قد أخطأوا في ذلك، بل لكانت\nالأمَّة كلها مخطئة، وهذا ممتنع؛ لأن الأُمَّة معصومة عن الخطأ.\nالجواب الثاني: أنه بناء على اعتقادكم وهو: أن الظن سبيل\nالخلاف يكون كل ما أفاد الظن منهيا عنه؛ لأنه يؤدي إلى المنازعة،\nفيلزم على هذا: أن لا نعمل بظواهر النصوص، ولا خبر الواحد،\nولا الشهادة، ولا الأدلة العقلية، فتبطل بذلك أغلب أدلة الشرع،\nوهذا لا يقوله عاقل.\nالدليل الثالث عشر: أن القياس مبني على التعليل، والشريعة\nالإسلامية مبنية على التعبد والتحكم، فالقياس على هذا لا يمكن في\nالشريعة، لعدم التناسب بينهما.\nأما الدليل على أن القياس مبني على التعليل فهو قولكم: إن مدار\nالقياس على العلَّة، فإن وجدت عِلَّة الأصل في الفرع ألحقناه به،\nوإن لم توجد لا يجوز الإلحاق.\nوأما الدليل على أن الشريعة مبنية على التعبد والتحكم، فهو أنها\nتفرق بين المتماثلات في الحكم، وتجمع بين المختلفات في الحكم.\nأما التفرقة بين المتماثلات فمنها الصور التالية:\nالأولى: أن الشارع رخص في قصر الصلاة في الرباعية في حق\nالمسافر، دون الثلاثية والثنائية مع أن الصلوات متماثلة.","vol":"4","page":1889},{"text":"الثانية: أن الشارع فضل بعض الأزمنة والأمكنة على بعض:\nففضل ليلة القدر على سائر الأزمنة مع أنها متماثلة مع باقي الليالي،\nوفضل مكة والمدينة وبيت المقدس وعرفة وسائر المشاعر مع أن الأمكنة\nمتماثلة.\nالثالثة: أنه أوجب قضاء الصوم على الحائض والنفساء، ولم\nيوجب قضاء الصلاة عليهما مع أنهما متماثلين؛ حيث إن كلًّا منهما\nعبادة بل الصلاة أولى من الصوم بالمحافظة.\nالرابعة -: أنه فرض الغسل من المني وأبطل الصوم بإنزاله عمدًا،\nوهو طاهر، دون البول، وهو نجس.\nالخامسة: أنه حرم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا\nكانت حرة مع أنها لا تفق الشبان ألبتة، وأباح النظر إلى الأمَة الشابة\nالحسناء مع أنها تفق الشيخ الهرم.\nالسادسة: أنه أوجب قطع يد سارق القليل دون غاصب الكثير مع\nأنهما متماثلين، بل غاصب الكثير أوْلى بالقطع.\nالسابعة: أنه أوجب الجلد بالقذف بالزنا، دون القذف بالكفر مع\nأن القذف بالكفر أشد.\nالثامنة: أنه أوجب جلد قاذف الحر الفاسق، دون قاذف العبد\nالعفيف.\nالتاسعة: أنه قبل في القتل شاهدين، دون الزنى فإنه لا يقبل فيه\nإلا أربعة، مع أن القتل أشد من الزنى.\nالعاشرة: أنه أوجب غسل الثوب من بول الصبية، وأوجب\nالرش من بؤل الصبي.","vol":"4","page":1890},{"text":"الحادية عشرة: أنه فرق في العدة بين الموت والطلاق مع أن الرحم\nلايختلف فيهما.\nفكيف مع ذلك التفريق بين المتماثلات أن يقال بجواز القياس في\nالشريعة؟! إذ لو جاز القياس لألحق المثل بالمثل، ولكنه لم يفعل.\nأما الجمع بين المختلفات فمنها الصور التالية:\nالأولى: أن الشارع سوَّى بين قتل الصيد في الحج عمدًا والقتل\nخطأ في وجوب الضمان مع أنهما مختلفان.\nالثمانية: أنه سوَّى بين الصبية المتوفى عنها والكبيرة في العدة مع\nاختلافهما.\nالثمالثة: أنه سوَّى بين الماء والتراب؛ حيث جعل التراب كالماء مع\nوجود الاختلاف؛ حيث إن التراب لا ينظف، بل يزيد في تشويه\nالوجه.\nفبسبب هذه الصور أثبت النظام أن الشريعة فرقت بين المتماثلات\nوجمعت بين المختلفات في الحكم، وقال: إذا كان هذا هو حال\nهذه الشريعة، فلا مجال للعقل فيها، وبالتالي لا يسوغ استعمال\nالقياس فيها؛ لأنه مبني على تعقل المعنى الذي من أجله شرع\nالحكم، والعقل لا يمكنه إدراك مثل هذه الأمور.\nهذا هو الدليل الثالث عشر على عدم حجية القياس.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أن الأحكام أقسام ثلاثة:","vol":"4","page":1891},{"text":"القسم الأول: أحكام لم نعرف عللها، فهو تعبدي كعدد\nالصلوات والركعات.\nالقسم الثاني: أحكام قد تُردد في تعليله.\nالقسم الثالث: أحكام قد عرفنا عللها.\nونحن لم نقل بأن القياس جائز مطلقا، بل لا نقيس إلا بشروط\nمنها: قيام الدليل على أن الحكم معلل، ودليل على عين العِلَّة\nالمستنبطة، ودليل على وجود تلك العِلَّة في الفرع، والصور التي\nذكرها النظام لم تتوفر فيها هذه الأدلة، فلذلك لم يجر فيها\nالقياس، فيكون الاعتراض بها باطل، وعدم ظهور الحكمة فيها لمثل\nالنظام لا يجعلها دليلًا على أن كل أحكام الشريعة غير معللة،\nوبالتالي لم يصح الأخذ بالقياس عليها.\nالجواب الثاني: أن هذه الصور التي أراد النظام بسردها أن يثبت أن\nالشريعة جمعت بين المختلفات، وفرقت بين المتماثلات قليلة جدًا\nونادرة، وورود الصور النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في\nحصول الظن، كما أن الغيم الرطب إذا لم يمطر في حالة واحدة لا\nيقدح في ظن نزول المطر منه، فامتناع القياس في صور معدودة لا\nيقتضي امتناعه من أصله.\nالجواب الثالث: وهو الجواب التفصيلي عن كل صورة ذكرها\nالنظام فأقول:\nأولًا: ما ذكره من صور التفرقة بين المتماثلات، فالجواب عنها فيما\nيلي:\n- أما قوله في الصورة الأولى: \" إنه رخص في قصر الصلاة في\nالرباعية للمسافر دون الثلاثية والثنائية \"، فالجواب عنه: بأنه فرق","vol":"4","page":1892},{"text":"بينها، لقيام الفارق وهو: أن القصد من قصر الصلاة إنما هو\nالتخفيف على المسافر، والمحتاج للتخفيف إنما هو العدد الكثير المانع\nللمسافر من قضاء حوائجه كالرباعية، دون العدد القليل كالثنائية،\nفهي خفيفة على المسافر لا تمنعه من قضاء حوائجه.\nوأيضا: فإن الصلاة الثنائية لو قصرت لعادت إلى ركعة واحدة،\nوذلك ليس له نظير في أصل مشروعية الصلاة.\nأما الثلاثية فإنه لا يمكن قصرها؛ لأمور:\nأولها: أنه لا يمكن شطرها.\nثانيها: أنه لو حذف ثلثيها فإنه يبقى ركعة واحدة، وهذا مخل\nلها، وليس لذلك نظير في أصل مشروعية الصلاة.\nوثالثها: أنه لو حذف ثلثها، فإنه تبقى ركعتان، وهذا يخرجها\nعن حكمة مشروعيتها وترأ، فإنها شرعت ثلاثا، فتكون وتر النهار\nكما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\" وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب \".\nأما قوله في الصورة الثانية: \" إنه فضل بعض الأزمنة والأمكنة مع\nأنها متماثلة،، فالجواب عنه: أنه ليس المعنى المقتضي للتفضيل هو\nحقيقة الزمان والمكان كما توهم النظام، بل إن بعض الأزمنة وبعض\nالأمكنة فضلت لوجود ما يقتضي لذلك التفضيل من الأمور التي\nوقعت فيها: فليلة القدْر فضلت عن سائر الليالي؛ لأن القرآن نزل\nفيها، وجعلت ميعادًا لنزول الملائكة والروح فيها بإذن ربهم،\nففضلت عند الخلائق بسبب ما ينزل بها من النعم والرحمات،\nفكانت العبادة فيها أفضل حتى يكون حظ العبد فيها أوفر.","vol":"4","page":1893},{"text":"ومكة المكرمة فضلت؛ نظرًا لوجود المسجد الحرام والمشاعر\nالكريمة.\nوالمدينة فضلت؛ لأنها مكان هجرة الرسول - ﷺ -، وأهلها أول من بايعه على النصرة والمنعة، وفيها قبر أفضل الخلق نبينا محمد - ﷺ -.\nوفضل بيت المقدس؛ لأن فيه المسجد الأقصى، وهو أولى\nالقبلتين، ومجمع الأنبياء، والمكان الذي أسري النبي - ﷺ - إليه، وعرج منه إلى السماء.\nوفضلت عرفة؛ لأنه محل وقوف الجم الغفير من الخلائق\nمتجردين ملبين.\nفاتضح مما سبق أن التفضيل لا لأجل حقيقة الزمان والمكان، بل\nلوجود ما يقتضي ذلك التفريق، ونتيجة لذلك اختلف الحكم، فبطل\nما ادعاه النظام من أنها متساوية.\nوأما قوله في الصورة الثالثة: \" إنه أوجب قضاء الصوم على\nالحائض والنفساء دون قضاء الصلاة مع أنهما متماثلين \"، فالجواب\nعنه: أن إيجاب قضاء الصوم دون الصلاة ليس ذلك لزيادة العناية\nبالصوم دون الصلاة، بل السر في ذلك: أن الشارع نظر إلى المشقة\nوعدمها، والمصلحة وعدمها، بيان ذلك:\nأنه نظرًا لحصول المشقة الشديدة في قضاء الصلاة؛ لتكررها لم\nيوجب الشارع قضائها، ونظرًا لعدم المشقة في الصوم فإنه أوجب\nقضائها.\nوأيضا: فإن مصلحة الصلاة ستحصل فى زمن الطهر - لتكررها -\nفلم يوجب قضائها، وأما مصلحة الصوم فإنها لا تحصل - لعدم\nتكرره - فأوجب قضائه لتحصل المصلحة.","vol":"4","page":1894},{"text":"فثبت بذلك أن بين الصلاة والصوم فرقا اقتضى ذلك الاختلاف في\nالحكم، فبطل ما ادعاه النظام من كونهما متماثلين.\nوأما قوله في الصورة الرابعة: \" إنه أوجب الغسل من المني وأبطل\nالصوم بإنزاله عمدًا وهو طاهر، دون البول وهو نجس \"، فالجواب\nعنه: أن بين المني والبول فروقًا هي كما يلي:\nالأول: أن المني يخرج من جميع البدن، لذلك سماه اللَّه تعالى\nسلالة؛ لأنه يسيل من جميع البدن، وأما البول فهو فضيلة الطعام\nوالشراب المستحيلة في المعدة والمثانة، فتأثر البدن بخروج المني أعظم\nمن تأثره بخروج البول.\nالثاني: أن الجسم كله يحصل له ارتخاء وثقل وكسل عقب خروج\nالمني، والاغتسال بالماء يشده ويعيد إليه قوته، أما البول إذا خرج فلا\nيحدث في الجسم ذلك، فلا يحتاج إلى الاغتسال.\nالثالث: أن إيجاب الغسل من المني وإبطال الصوم بإنزاله عمدًا\nليس في ذلك حرج ومشقة؛ نظرًا لقلة ما يقع، أما البول فإنه لو\nأوجب اللَّه الغسل في كل مرة يبول فيها الإنسان لوقع الناس في حرج\nومشقة؛ نظرًا لكثرة ما يقع.\nفثبت أن المني يختلف عن البول فاقتضى ذلك اختلافهما في الحكم،\nفبطل ما ادعاه النظام في أنهما متماثلان.\nوأما قوله في الصورة الخامسة: \" إنه حرم النظر إلى العجوز\nالشوهاء إذا كانت حرة، وأباح النظر إلى الأمَة الحسناء \"، فالجواب\nعنه: أن الذي أوقع النظام في هذه الشبهة: أنه أخطأ في العِلَّة\nومقصد الشارع هنا؛ حيث توهم بأن السر؛ في ذلك الحكم هو القبح\nوالحسن في جزئيات النساء، وليس ذلك بصحيح، بل إن الحرة","vol":"4","page":1895},{"text":"حرَّم النظر إليها مهما كانت، دون الأمَة مهما كانت؛ لأنه يوجد\nفرق، وهو: أن المقصود من الأمَة الخدمة، وهي تستوجب التعرض\nللنظر، وتكون الأمَة معها مبتذلة؛ إذ لا يمكن أن تقوم بعملها تمام\nالقيام وهي متسترة، وليس المقصود من الأمَة التزوج والنكاح لما\nيترتب عليه استرقاق الولد، ولهذا لم يجز التزوج بأمَة الغير إلا فى\nحالة الضرورة القصوى، من أجل ذلك أباح النظر إليها، فلو حرم\nالنظر إلى الأمَة لوجد في ذلك مشقة شديدة.\nأما الحرة، فبما أنها قد أعدت للتزوج بها وإنكاحها، وهي\nالمقصودة للنسل والذرية، فإن ذلك كان داعيا إلى المحافظة عليها،\nوتكريمها وتحسينها أمام الرجال الأجانب بمنع النظر إليها؛ دفعًا للفتنة\nوحفظا للأنساب.\nفثبت بهذا أن بين الحرة والأمَة فرقا اقتضى اختلاف الحكم.\nفبطل - بهذا - ما قاله النظام من أنهما متماثلان.\nوأما قوله في الصورة السادسة: \" إنه أوجب قطع يد سارق القليل\nدون غاصب الكثير مع أنهما متماثلان \"، فالجواب عنه: أن بين\nالسرقة والغصب فرقا هو: أن السرقة أخذ مال الغير خفية من حرز\nمثله في وقت ليس للمال حارس، ولا مدافع، أي: أن السارق لا\nيمكن الاحتراز منه؛ حيث إنه ينقب الدور، ويهتك الحرز، ويكسر\nالقفل، ولا يستطيع صاحب المال الاحتراز بحفظ ماله بكثر من ذلك\nفلو لم يشرع قطع يده لكثرت السرقة وعظم الضرر، واشتدت المحنة\nبالناس؛ حيث يجمع شخص ماله بكل مشقة، ثم يأخذه شخص\nآخر بدون أدنى تعب.\nأما الغاصب فإنه يأخذ المال بمرأى من الناس، وبمرأى من صاحب","vol":"4","page":1896},{"text":"المال، فيمكن التحرز منه، ويمكن للناس أن يأخذوا على يديه،\nويقوموا بأخذ حق المظلوم والمغصوب، ويشهدوا أمام القضاء على\nاعتدائه.\nفثبت أن بين الغاصب والسارق فرقا اقتضى ذلك اختلاف الحكم\nفيهما، فبطل ما ادعاه النظام من أنهما متماثلان.\nوأما قوله في الصورة السابعة: \" إنه أوجب الجلد بالقذف بالزنى\nدون القذف بالكفر \"، فالجواب عنه: أن الذي جعل النظام يقول\nبذلك هو توهمه بأن السر في حد القذف كونه رماه بأمر محرم شرعا\nلذلك قال بأن القذف بالكفر أشد، فهو أوْلى بهذا الحد، وهذا\nليس بصحيح، بل بين القذف بالزنى والقذف بالكفر فرقان هما:\nالفرق الأول: أن جلد القاذف بالزنى في غاية المناسبة؛ حيث إنه\nلا سبيل إلى العلم بكذبه، فجعل الحد تكذيبا له، وتبرئة لعرض\nالمقذوف.\nالثاني: أن المقذوف بالزنى يلحقه من العار والشنار ما اللَّه به عليم\nلا سيما إدا كان المقذوف بالزنى امرأة، فإن العار والمعرة التي تلحقها\nبالقذف بين أهلها وتشعب ظنون الناس فيها، وكونهم بين مصدق\nومكذب: لا يمكن أن يلحقها مثله بالقذف بالكفر؛ حيث إن الكفر\nفيه تعاظم وجبروت وقوة بخلاف الزنا، فإن فيه خسة، ودناءة،\nوسفول، ولو خير شخص بين الزواج بكافرة لم تزن ولا يمكنها أن\nتفعل ذلك، وبين مسلمة قد زنت مرة واحدة، أو قيل عنها شيء في\nذلك لاختار الكافرة اليهودية أو النصرانية؛ وذلك لعظم الزنى في\nالشريعة وفي نفوس الأحرار من الناس؛ لكونه يخلط الأنساب،\nويسبب شك الزوج في هؤلاء الأولاد هل هم له أو لغيره طول عمره.","vol":"4","page":1897},{"text":"فثبت أن بين القذف بالزنى والقذف بالكفر فرقا، فاقتضى ذلك أن\nيختلف الحكم فيهما.\nوأما قوله في الصورة الثامنة: \" إنه أوجب جلد قاذف الحر الفاسق\nدون قاذف العبد العفيف \"، فالجواب عنه: أن الجلد ليس المعنى فيه\nمجرد العفة حتى يكون قاذف العبد العفيف أحق بهذا الحد، بل المعنى\nالذي اقتضى حد القذف هو: ما سبق قوله في جواب الصورة\nالسابعة من أن الزنى مستقبح في العادات، وأن العار الذي يلحق\nفاعله لا يستطيع أن يتحمله من كان عنده شيء من المروءة والشهامة\nوالشيمة، فلو ترك الناس يقذف بعضهم بعضا بهذا الأمر المستقبح\nدون إقامة الحد على القاذفين، لأدى ذلك إلى مفاسد لا تعد ولا\nتحصى، يقوم بتلك المفاسد الحاقدون والحاسدون الذين يريدون\nإسقاط وإهدار قيمة الآخرين، وإذهاب كرامتهم، وبما أن الحر\nأشرف من العبد خص بهذه المزية، دون العبد الذي هو نازل القدر\nشرعًا، فثبت أن ما ادعاه النظام غير صحيح.\nوأما قوله في الصورة التاسعة: \" إنه يقبل في القتل بشاهدين،\nدون الزنى لا بد فيه من أربعة \"، فالجواب عنه: أن هذا في غاية\nالحكمة والمصلحة، فكان الشارع قد احتاط للقصاص وللدماء كما\nاحتاط لحد الزنى، بيان ذلك:\nأن الشارع لو لم يقبل في القتل إلا أربعة شهود لتجرأ المعتدون\nعلى القتل، وضاعت أكثر الدماء.\nوأما الزنى فإنه قد بالغ في ستره، فلم يقبل فيه إلا أربعة شهود\nيشهد كل واحد منهم بما رآى شهادة يتنفى معها الاحتمال، وكذلك\nفي الإقرار به لم يكتف بأقل من أربع مرات؛ احتياطًا من الشارع في","vol":"4","page":1898},{"text":"إثباته، وحرصا على ستره، كما كره الشارع إظهاره والتكلم به،\nوتوعد من يحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا\nوالآخرة، وما ذلك إلا لما يلحق الشخص بالزنى من العار، بخلاف\nما يلحق القاتل.\nفثبت اختلافهما فاقتضى ذلك اختلافهما في الحكم، فبطل توهم\nالنظام.\nوأما قوله في الصورة العاشرة: \" إنه أوجب غسل الثوب من بول\nالصبية، - وأوجب الرش من بول الصبي مع تماثلهما لا، فالجواب\n- عنه: أنه نرق بينهما لوجود فروق هي كما يلي:\nالأول: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر؛ لما في الأنثى\nمن برودة ولما في الذكر من حرارة، والحرارة تخفف من نتن البول.\nالثاني: أن بول الصبية ينزل في مكان واحد فيسهل غسله، أما\nبول الصبي فإنه لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقًا، فيشق\nغسله.\nالثالث: أن الصبي يكثر حمل الرجال والنساء له، فالبلوى تعم\nببوله فيشق غسله، بخلاف الصبية.\nفلما ثبتت هذه الفروق بين الصبي والصبية اختلف الحكم، فبطل\nما ادعاه النظام من أنهما متماثلان.\nوأما قوله في الصورة الحادية عشرة: \" إنه فرق في العدة بين الموت\nوالطلاق مع أن الرحم لا يختلف فيهما \"، فالجواب عنه: أن\nالشارع فرق بين عدة المتوفى عنها وعدة المطلقة؛ لوجود الفارق\nبينهما وهو: أن صاحب النسب في حال الموت غير موجود،","vol":"4","page":1899},{"text":"فاحتيط له بأربعة أشهر وعشرًا، بخلاف المطلق؛ حيث إنه موجود،\nفتبين أنه ليس المقصود من العدة براءة الرحم فقط، ولما وجد هذا\nالفارق فرق الشارع بينهما في الحكم، فبطل ما ادعاه النظام من\nتماثلهما.\nثانيا: ما ذكره من صور الجمع بين المختلفات، فالجواب عنها فيما\nيلي:\nأما قوله - في الصورة الأولى -: \" إن الشارع قد سوى بين قتل\nالصيد في الحج عمدًا، والقتل خطأ في وجوب الضمان مع\nاختلافهما \"، فالجواب عنه: أن هذا من باب الحكم الوضعي؛\nحيث إن سبب الضمان وجد فيهما وهو: نفس الإتلاف، وإن افترقا\nفي الإثم، وربط الضمان بالإتلاف من باب ربط الأحكام باسبابها،\nوهذا في غاية العدل، فلو فرق بين المتعمد والمخطئ في الضمان\nلادعى المتلف الخطأ وعدم القصد والعمد، فتساويا في الحكم،\nفبطل ما ادعاه النظام من اختلافهما.\nوأما قوله - في الصورة الثانية -: \" إنه سوى بين الصبية المتوفى\nعنها والكبيرة في العدة مع اختلافهما \"، فالجواب عنه: أن هذا من\nباب سد الذرائع؛ بيان ذلك: أن الصبية لو استثنيت من وجوب\nالعدة لوقع أن تزوج البنت باعتقاد أنها صغيرة مع أن رحمها مشغول،\nفيحصل بذلك اختلاط في الأنساب، فاحتياطا للمحافظة على الأنساب\nوجدت العدة حتى على المتيقن من براءة رحمها، فيكون تساوي\nالصبية المتوفى عنها والكبيرة في العدة من باب الاحتياط، فبان من\nذلك عدم اختلافهما، فيكون ما ادعاه النظام من اختلافهما باطلًا.\nوأما قوله - في الصورة الثالثة -: \" إن الشارع قد سوى بين الماء","vol":"4","page":1900},{"text":"والتراب حيث جعل التراب كالماء مع وجود الاختلاف.\nفالجواب عنه: أنا لا نُسَلِّمُ أنه سوى بينهما، بل جعل التراب بدلا\nعن الماء عند فقده، وجعل التراب بديلًا عن الماء عند فقده؛ لأمور\nهي كما يلي:\nالأول: أنه عام ومتيسر، ويحصل عليه كل الناس بدون مشقة.\nالثاني: أن الشارع جمع الماء والتراب، وجعل منهما حياة كل\nحيوان؛ حيث أخرج منهما أقوات بني آدم، والحيوانات.\nالثالث: أن تكوين البشر من عنصرين: الماء والتراب.\nالرابع: أن في استعمال التراب عند فقد الماء رفع للحرج الذي\nيجده فاقد الماء، أو من يحتاج إلى شرب الماء إذا خاف على نفسه\nفي السفر أو الحضر.\nفاتضح من ذلك أن الماء والتراب يجتمعان في أمور لذلك جمع\nالشارع بينهما، وجعل التراب بد، عن الماء عند فقده.\nالدليل الرابع عشر: أن البراءة الأصلية معلومة، والحكم الثابت\nبالقياس لا يخلو إما أن يكون على وفق البراءة الأصلية، أو على\nخلافها.\nفإن كان الحكم الثابت بالقياس على وفق البراءة الأصلية، فإن\nالقياس غير مفيد؛ لأن الحكم حاصل بالبراءة الأصلية.\nوإن كان الحكم الثابت بالقياس على خلاف البراءة الأصلية، فهو\nممتنع؛ لأن الحكم الثابت بالقياس معارض للحكم الثابت بالبراءة\nالأصلية، والحكم الثابت بالبراءة الأصلية مقطوع به؛ لأن البراءة\nدليل قطعي، والحكم الثابت بالقياس مظنون؛ لأن القياس دليل ظني،\nوالظني إذا عارض القطعي كان الظني باطلًا، فيلزم كون القياس\nباطلًا.","vol":"4","page":1901},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الحكم الثابت بالقياس إذا وافق البراءة الأصلية\nفهو يفيد التأكيد والتقوية، كما يقال: \" دلَّ على هذا الحكم الكتاب\nوالسُّنَّة والإجماع \"، فلا نسلم لكم عدم الفائدة.\nأما إذا خالف الحكم الثابت عن طريق القياس البراءة الأصلية،\nفلا نسلم أن هناك مقطوعًا به عارض مظنونا؛ لأن المقصود هو\nاستمرار البراءة الأصلية، واستمرارها مظنون، فيكون مظنون قد\nعارض مظنونًا.\nالجواب الثاني: على فرض التسليم أن فيه مقطوعا به عارض\nمظنونًا، لكن هذا منقوض بمخالفة البراءة الأصلية بالنصوص الظنية\nكخبر الواحد، والعمومات، وجواز العمل بالفتوى، والشهادة،\nوتقويم المقومين، وجواز العمل بالظن بالأمور الدنيوية.\nالدليل الخامس عشر: أن القياس لا يفيد إلا الظن؛ لأنه يعتمد\nعلى مقدمات ظنية، وكل ما أفاد الظن يستحيل أن يتعبدنا اللَّه به؛ لأن الظن يؤدي بالمجتهدين إلى أن يحكموا حكما يمكن أن يكون\nمخالفا لحكم اللَّه، ويؤدي إلى التخبط في أحكام الله.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا معكم أن القياس يفيد الظن، ولكن ينبغي\nالتنبيه إلى أننا لا نقبل قياس كل أحد مطلقا، بل لا نقبل إلا قياس\nالمجتهد - وهو من توفرت فيه شروط المجتهد وهي كثيرة - فمن","vol":"4","page":1902},{"text":"توفرت فيه تلك الشروط وبحث ودقق في المسألة، ثم بعد ذلك\nخرج بحكم معين، فإن هذا هو حكم الله، وهو حكم ظني راجح،\nوالعمل به واجب.\nأما الشخص الذي لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد، فإن هذا لا\nيقبل منه شيء وإن جزم بالحكم الذي ذكره؛ لأنه ذكره لا عن نظر\nواستدلال، فيرد عليه جملة وتفصيلًا، حيث إنه هو يؤدي إلى حكم\nيحتمل أن يكون مخالفًا لحكم اللَّه.\nالجواب الثاني: أن هذا الدليل لهم منقوض بورود التعبد بالمظنون\nكأخبار الآحاد، والنصوص التي فيها إجمال، أو عموم أريد به\nخصوص، وقبول الشهادة، والاجتهاد في القبلة، وتقدير النفقات،\nوتقييم المتلفات، فإذا أجازوا التعبد بهذه الظنون فليجيزوا التعبد\nبالقياس، ولا فرق بينها بجامع: أن كلًّا منها لا يفيد إلا الظن.\nالدليل السادس عشر: أن إثبات القياس لا يخلو إما أن يكون عن\nطريق العقل أو طريق النقل، وكل الطريقين باطل، بيان ذلك:\nأنه إن قيل: إنه ثبت عن طريق العقل فهو باطل؛ لأن العقل لا\nمجال له في الشرعيات، وإن قيل: إنه ثبت عن طريق النقل فهو\nباطل؛ لأن النقل قسمان: \" متواتر \"، و\" آحاد \"، فإن زُعم أنه\nثابت عن طريق التواتر فهو باطل؛ لأنه لو كان لعرفناه كما عرفه\nذلك المثبت له، وإن زعم أنه ثابت عن طريق الآحاد فهذا باطل\n- أيضًا -؛ لأنه لا يجوز إثبات القواعد الأصولية بالآحاد.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنه لا يجوز إثبات القاعدة الأصولية","vol":"4","page":1903},{"text":"بخبر الواحد مطلقًا، بل إنه إذا كانت القاعدة وسيلة إلى العمل فإنه\nيجوز إثباتها بالآحاد؛ قياسًا على الفروع.\nالجواب الثاني: أنا قد أثبتنا القياس عن طريقين: أحدهما:\nالأخبار التي تلقتها الأُمَّة بالقبول، والأخبار التى تلقتها الأُمَّة بالقبول\nتكون بمنزلة التواتر في إيجاب العلم والعمل، والثاني: إجماع\nالصحابة - كما سبق بيانه -.\nالدليل السابع عشر: أنه لو كان التعبد بالقياس جائزًا لما تعارضت\nالأقيسة؛ لأن حجج اللَّه تعالى لا تتعارض ولا تتهافت، لكن\nالأقيسة قد عارض بعضها البعض الآخر؛ حيث ترى أحد المتنازعين\nمن أهل القياس يزعم أن قوله هو القياس الصحيح، ثم يأتي الآخر\nبقياس آخر يناقضه، ويزعم أنه هو القياس الصحيح.\nجوابه:\nإن سبب تعارض أقيستهم: اختلافهم في المعنى الذي علل به\nالحكم تبعا لاختلاف أنظارهم في فهمه، كما يختلفون في فهم\nالكتاب والسُّنَّة.\nالدليل الثامن عشر: أنه لو جاز التعبد بالقياس لكان على عليته\nدلالة، والدلالة إما أن تكون بالنص، وإما أن تكون بالعادات.\nفإن زعم أنه دلَّ عليها بالنص فهذا ليس في محل النزاع؛ لأن\nالنزاع فِيما كانت العلَّة مستنبطة، والمستنبطة غير المنصوصة.\nوإن زعم أنه دً عليها بالعادات، فهذا لا يجوز؛ لأن العادات لا\nتثبت الأحكام الشرعية، فلا تكون مثبتة لعللها.\nجوابه:\nلا نسلم هذا الحصر فيما ذكرتم؛ فإن هناك طردا أخرى يعرف بها","vol":"4","page":1904},{"text":"كون الوصف الجامع عِلَّة كا لإيماء، والتنبيه، والإجماع، والدوران،\nوالسبر، والتقسيم، والمناسبة - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه -.\nالدليل التاسع عشر: أن التحليل والتحريم أحكام شرعية،\nوالحكم خبر عن اللَّه، وأخبار اللَّه إنما تعلم بالتوقيف، لا بالقياس؛ القياس من فعل القائس، لا من توقيف الشارع، وربما أخطأ\nالقائس في الحكم، فكيف يكون حُجَّة مع هذا الاحتمال؟!\nجوابه:\nإن إثبات الحكم بالقياس أو نفيه يتوقف على ورود دليل من نص أو\nإجماع على التعبد به، فلما ورد دليل يدل على ذلك كان إخبارًا عن\nإثبات الحكم بالفرع.\nأي: أن الأحكام تعرف بالنص، وما عرف بالقياس فهو معروف\nبالنص، لأن النص دال على القياس، فما أدى إليه فهو مأخوذ من\nالنص، وإن كان التوصل إلى ذلك بضرب من الاستدلال والنظر.\nالدليل العشرون: أن التعبد بالقياس غير جائز في زمن النبي - ﷺ -؛ حيث إنه لم يكن حُجَّة فيه؛ لعدم جواز الاجتهاد في عصره، فبطل\nكونه متعبدًا به في سائر العصور.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الرسول - ﷺ -\nقد استعمل القياس في أحاديث كثيرة قد ذكرنا بعضها في أدلتنا، فهذا فيه دلالة على مشروعية القياس.\nالجواب الثاني: نسلم لكم أن القياس غير جائز في زمنه - ﷺ -، ولكن هذا لا يدل على عدم جوازه بعد زمنه، لأن الناس في زمنه","vol":"4","page":1905},{"text":"- ﷺ - لم يكونوا بحاجة إلى القياس، لكون الوحي لا زال ينزل بأحكام لحوادث، بخلاف ما بعده من الأزمان.\nالدليل الواحد والعشرون: أن أقوى عِلَّة عندكم هي: العِلَّة\nالمنصوص عليها ومع قوتها فإنها لا تقوى على إلحاق الفرع بالأصل،\nفلو قال السيد لوكيله: \" أعتق من عبيدي سالما؛ لأنه أسود \"،\nللزم من ذلك إعتاق سالم فقط، ولا يتعداه إلى كل أسود قياسا مع\nأن العِلَّة منصوص عليها، وهذا متفق عليه، فكذلك لو قال\nالشارع: \" حرمت الربا في البر؛ لأنه مطعوم \"، فإنه لا يتعدى\nذلك البر أبدًا إلى كل مطعوم، فلا يقاس عليه كل مطعوم، فإذا\nكانت العِلَّة المنصوص عليها لا توجب الإلحاق، فمن باب أوْلى أن\nالعِلَّة المستَنبطة لا توجب الإلحاق؛ لأنها أضعف منها.\nجوابه:\nيجاب عنه بأجوبة:\nالجواب الأول: أنكم قستم كلام الشارع على كلام المكلَّفين،\nوهذا لا يصح؛ لوجود الفرق بينهما.\nووجه الفرق: أنه لم يجز قياس غير سالم عليه بجامع السواد\nبالاتفاق؛ لأن هذا يخص الأملاك، والشارع قد قيد الأملاك\nحصولًا وزوالًا على ألفاظ قد تعبدنا اللَّه بها دون الإرادات، فلا\nيجوز القياس فيها كالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق،\nوالعتاق، هذه الأمور لا بد من أن يتلفظ المالك بلفظة واضحة تدل\nعلى مراده، فلو أن رجلًا قد أعطى آخر ثمنا لسلعة أضعاف ثمنها\nالأصلي، وظهر على صاحب السلعة علامات الفرح، ولكنه","vol":"4","page":1906},{"text":"لم يتكلم فإنه لا يصح البيع؛ لأنه لم يتلفظ بشيء، وهكذا القول في\nالعتق لا بد أن يقول: \" أعتقت فلان \"، وإلا لما صح العتق.\nوالسر في ذلك: أن اللَّه تعالى أراد حفظ مال المسلم، فلو أجاز\nالقياس في كلام المكلفين فيما يخص الأملاك لأصبح المسلم غنيا\nوأمسى فقيرًا.\nأما الشارع، فإن الأحكام تؤخذ من ألفاظه، ومقاصده،\nوسكوته، فلذلك يجوز أن نأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به\nبواسطة عِلَّة يستنبطها المجتهد.\nالجواب الثاني: أننا لو فكرنا في ذلك تفكيرًا لغويا مجردًا عن\nالشرع لجاز القياس على العلَّة المنصوص عليها كقولنا: \" لا تجالس\nزيدًا، فإنه مبتدع \"، فإنَّ اللغة تقتضي عدم مجالسة كل مبتدع،\nفكذا يجوز قياس كل أسود على سالم عن طريق اللغة، لكن الشرع\nقد منع من هذا القياس؛ لأنه تعبدنا بألفاظ فيما يخص الأملاك.\nالجواب الثالث: أنكم وقعتم فيما فررتم منه، حيث إنكم قد\nاستعملتم القياس لإبطال القياس، فقستم كلام الشارع على كلام\nالمكلفين، فإن كان القياس باطلًا عندكم، فإنه يبطل دليلكم هذا؛\nلأنه مبني عليه.\nالدليل الثاني والعشرون: أن الرسول - ﷺ - قد أوتي جوامع الكلم، ومع ذلك فإنه ذكر الأشياء الستة في حديث عبادة بن الصامت مع طوله، وترك عبارة: \" حرمت الربا في المكيل \" مع قصرها،\nفكيف يليق به ذكر الطويل الموهم وهو حديث الأشياء الستة، وترك\nالوجيز المفهم وهي عبارة: \" حرمت الربا في المكيل \"؟!\nفلو كان القياس جائزًا لما شق على نفسه بذكر هذه الأشياء بأعيانها\n-","vol":"4","page":1907},{"text":"ولقال: \" حرمت الربا في المكيل \"، فما ذكرها بأعيانها إلا لأنه لا\nيجوز الترابي فيها فقط، ولا يجوز القياس عليها.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن قولكم: \" كيف يليق به ... \" هذا تحكم\nعلى اللَّه وعلى رسوله، وهو لا يجوز؛ لأنه لو فتح مثل هذا\nلكثرت الاستفسارات عن الشريعة كلها، فيقال: لماذا طول في بعض\nالأحكام وفصل فيها، وبعضها الآخر اختصر؟ ولماذا لم يبين أن\nالقياس حُحة، أو أنه ليس بحُجَّة لينقطع النزاع، وهكذا.\nالجواب الثاني: على فرض جواز مثل هذه الأسئلة، فإنا نجيب\nعن ذلك فنقول: إنه ترك الوجيز المفهم إلى الطويل الموهم لغرض\nأراده وهو: الحث على طلب العلم والتشمير عن ساعد الجد لتبيين\nذلك للناس وتوضيحه،. وما ذلك إلا ليرفع الذين آمنوا والذين أوتوا\nالعلم درجات، ولتكون هذه النصوص محل تفكير وتدبر من قبل\nالمجتهدين إلى يوم القيامة، ولو أبان اللَّه كل شيء لحفظ ذلك، ولم\nيشتغل أحد بالتفكير فيها ولسد باب الاجتهاد.\nهذه أهم أدلة النكرين للقياس والجواب عنها فاتضح بذلك:\nأن القياس يعتبر دليلًا من أدلة الشريعة يحتج به على إثبات\nالأحكام الشرعية، ولقد أطلت في أدلة المثبتين، والنافين له والرد\nعليها، لأمرين:\nأولهما: أهمية القياس، حيث إن أكثر الأحكام الفقهية مبنية عليه،\nوقد بيَّنت ذلك في التمهيد.\nثانيهما: أن الأدلة من قِبَل المثتبتين للقياس، وأدلة النافين له","vol":"4","page":1908},{"text":"ومناقشتها تفيد القارئ معرفة واسعة لأسرار، وعلل، وحِكَم\nالأحكام الشرعية، مما يجعله متوسعًا في معرفته لمقاصد الشريعة،\nوهو مطلب مهم لكل طالب علم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في حجية القياس خلاف معنوي، قد أثر في كثير من\nالفروع الفقهية، ومنها:\n١ - إذا دخل اللبن إلى جوف الصبي - دون السنتين - عن طريق\nالأنف وهو السعوط، أو صب اللبن في الحلق ودخل الجوف، فإنه\nبناء على المذهب الأول: يحرم ويثبت الرضاع؛ قياسا على الْتقام\nالثدي، وعلة ذلك: أن كلًّا منهما يقوي العظم، وينبت اللحم،\nوهذا مذهب الجمهور.\nأما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم ذهبوا إلى أن ذلك لا يحرم،\nفلا يحرم عندهم إلا ما وصل إلى الجوف عن طريق الْتقام الثدي،\nولم يقولوا في ذلك بالقياس، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهو\nمذهب الظاهرية.\n٢ - إذا قال الزوج: \" أنت عليّ كظهر أختي \"، أو قال أي لفظ\nيشبه ذلك كقوله: أنت عليّ كيَدِ أمي، أو كرِجْلها، أو نحو ذلك\nمن تشبيه الزوجة بمن تحرم عليه، فإنه يحصل الظهار؛ قياسا على\nلفظ الظهار الصريح، وهو قوله: \" أنت عليّ كظهر أمي \" التي\nأجمع العلماء عليها، ولا فرق؛ حيث شبه ذلك بمن تحرم عليه،\nوهذا قول أصحاب المذهب الأول وهم: المثبتون للقياس.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم المنكرون للقياس فقد ذهبوا إلى","vol":"4","page":1909},{"text":"أنه لا يحصل الظهار إلا بقول الرجل لزوجته: \" أنت علي كظهر\nأمي \" دون غيرها من الصيغ، ولم يأخذوا بالقياس.\n٣ - ذهب أصحاب المذهب الأول - وهم المثبتون للقياس - إلى\nأن كل صنف يشابه الأصناف الستة الواردة في حديث عبادة بن\nالصامت وهي: الفضة، والذهب، والبر، والشعير، والملح،\nوالتمر، فإنه يجري فيه الربا كما جرى في هذه الأصناف، قياسا\nعليها، فيجري الربا في الأرز والذرة والعدس وغير ذلك، وهو\nمذهب الجمهور.\nأما أصحاب المذهب الثاني - وهم المنكرون للقياس - فإنهم\nقالوا: إن الربا لا يقع إلا في هذه الأصناف الستة فقط، ولا يتعدى\nحكم الربا إلى غيرها؛ بناء على عدم جواز القياس عندهم، فلا ربا\nعندهم في الأرز، والذرة.","vol":"4","page":1910},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>المبحث الرابع النص على عِلَّة الحكم هل هو أمر بالقياس أو لا</span>؟\nبيان المقصود بهذه المسألة: إذا ذكر الشارع وصفا صالحًا لتعليل\nالحكم به كقوله - ﷺ - في لحوم الأضاحي: \" كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة \"،\nأو قولك: \" حرمت الخمر لعلة الإسكار \"، فهل يُعد هذا أمرًا بإجراء القياس في كل ما توجد فيه هذه العِلَّة؟\nأي: أن الشارع إذا نص على علَّة الحكم في محل ثم وجد\nالمجتهد تلك العلَّة في محل آخر، هل يجب عليه أن يعدي الحكم\nإلى ذلك المحل الآخر الذي وجدت العِلَّة فيه، أو لا يجب على\nالمجتهد، ولا يكلف بتعدية الحكم إلى غير ذلك المحل الذي نص فيه\nعلى العِلَّة إلا إذا ورد فيه أمر يُفيد التعبد بالقياس.\nاختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن التنصيص على العِلَّة يفيد الأمر بالقياس مطلقا،\nأي: سواء كان التنصيص على العِلَّة َ في جانب الفعل بأن يكون\nالحكم إيجابًا أو ندبا، أو في جانبَ الترك بأن يكون الحكم تحريما أو\nكراهة.\nوهو مذهب أبي الخطاب الحنبلي، وأكثر الحنابلة، واختاره أبو\nإسحاق الشيرازي، وأبو بكر الجصاص، والكرخي، وأكثر الحنفية،\nوأبو الحسين البصري، وأشار إليه أحمد.","vol":"4","page":1911},{"text":"وهذا المذهب هو الحق عندي، للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه لو لم يجز القياس على العلَّة المنصوص عليها\nلم يكن للنص عليها فائدة؛ حيث لا فائدة لذكَرها في النص إلا\nالقياس عليها، وإلا لكان وجودها عبثًا.\nاعتراض:\nقال قائل - معترضًا -: إن هناك فائدة وهي: أن يعلمنا أنها عِلَّة،\nحيث عقلنا المعنى الذي من أجله شرع الحكم، ولا نقول بالتعميم\nإلا بدليل يدل عليه، وإذا كان المقصود هو العلم بالعِلَّة، فالعلم\nنفسه فائدة.\nجوابه:\nإنه يلزم على قولكم هذا أن يكون الأمر لا يفيد الوجوب أو\nالندب، وكذلك لا يفيد التحريم أو الكراهة، وإنما تكون فائدته أن\nيُعلم أنه أمر، أو نهي، وكذلك سائر أقسام الكلام.\nفيثبت: أنه لا فائدة في معرفة العِلَّة وذكرها إلا لنعرف المصلحة\nفيها، وإذا عرفت المصلحة لزمه العمل عليها أين وجدت من المحال،\nوإلا فذلك الحكم قد استفدناه بالنص، فلا فائدة في معرفة علته.\nالدليل الثاني: أن التنصيص على العِلَّة يفيد وجوب تعميم الحكم\nفي جميع المحال التي وجدت فيها تلكَ العِلَّة، مثل لو قال الله\nتعالى: \" أوجبت أكل السُّكَّر في كل يوم؛ لأَنه حلو \"، لكان ذلك\nتعليلًا لوجوبه في كل يوم؛ ولعلمنا أن الحلاوة - فقط - وجه\nالمصلحة في الوجوب في كل يوم؛ حيث قصر التعليل عليها، فإذا\nثبت ذلك علمنا: أن الحلاوة هي المؤثرة في المصلحة، وهي العلَّة،\nفوجب أكل كل شيء فيه حلاوة مثل: العسل.","vol":"4","page":1912},{"text":"مثال آخر: لو قال الطبيب: \" لا تأكل هذا لبرودته \"، فإنه\nيتبادر إلى الذهن: النهي عن كل ما توجد فيه هذه العِلَّة، وهي\nالبرودة.\nاعتراض على هذا:\nقال قائل - معترضًا -: إن التنصيص على العِلَّة لم يكن لأجل\nالإلحاق، بل لبيان الحكمة والمصلحة في كل حكم، وهذا يفيد\nالانقياد والقبول؛ حيث إن النفوس تميل إلى قبول ما عرفت فيه\nالحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع هذا الحكم أو ذاك.\nجوابه:\nإن - ﷺ - بعث لبيان الأحكام الشرعية التي يجب أن تتعبد بها الأُمَّة، ويعملوا بمقتضاها مصداقا لقوله تعالى: (وما خلقت الجن\nوالإنس إلا ليعبدون)، ولم يبعث لأجل التنبيه على أسرار الأحكام\nدون العمل بها.\nالمذهب الثاني: أن التنصيص على عِلَّة الحكم ليس أمرًا بالقياس\nمطلقًا، أي: سواء كان التنصيص علىَ العِلَّة في جانب الفعل، أو\nفي جانب الترك.\nوهو مذهب فخر الدين الرازي، والغزالي، والأستاذ أبي إسحاق\nالإسفراييني، والآمدي، ونسبه إلى أكثر الشافعية، ونسبه ابن\nالحاجب إلى الجمهور، واختاره جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب\nالمعتزليان، واختاره بعض الحنفية، وهو مذهب الشيعة الزيدية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الأحكام إنما شرعت لمصلحة المكلفين، وجوز","vol":"4","page":1913},{"text":"أن تكون المصلحة إذا نص على إيجاب أكل السكر؛ لأنه حلو أن\nتختص بالسكر دون غيره مما وجدت فيه الحلاوة كالعسل مثلًا،\nبدليل:. أن من تصدق على رجل؛ لأنه فقير لا يجب أن يتصدق على\nكل فقير، فكذلك هاهنا من أوجب عليه أن يأكل السكر؛ لأنه حلو\nلا يجب عليه أن يأكل كل حلو.\nجوابه:\nإنه إذا كانت العلَّة هي وجه المصلحة في الموضع المخصوص\nالمنصوص وجب تعلق الحكم بها أينما وجدت؛ لجواز أن تكون\nمصلحة - أيضًا - فيكون الإخلال بفعله مفسدة.\nالدليل الثاني: أن تعدية الحكم من محله إلى المحل الآخر لا بد\nله من دليل يدل عليه، وحيث لا يوجد دليل من أمر، أو إخبار من\nالشارع يدل على ذلك، فإن التنصيص على العلَّة لا يفيد وجوب\nالأمر بتعدية الحكم.\nجوابه:\nإن ثبوت تعليل الحكم بمنزلة الإخبار من الشارع بوجوب تعدية\nالحكم من المحل المنصوص عليه إلى المحل الآخر، وكأن الشارع لما\nنص على العِلَّة قال: يجب على المجتهد أن يعدي الحكم إلى كل ما\nتوجد فيه تلك العِلَّة؛ لوجود المصلحة فيه.\nالدليل الثالث: أن الإنسان إذا قال: \" أعتقت عبدي فلانا؛ لأنه\nأسود \"، أو قال: \" والله لا آكل السكر؛ لأنه حلو \": لم يلزمه\nعتق كل عبيده السود، ولا يحنث باكل أي حلو غير السكر، فلو\nكان التنصيص على العِلَّة يوجب تعدية الحكم من المحل المنصوص إلى\nجميع المواضع التي توجد فيه هذه العِلَّة: لوجب أن يعتق عليه كل","vol":"4","page":1914},{"text":"عبد له أسود، وللزمه أن يحنث باكل كل حلو، ولما لم يعتق كل\nعبد له أسود، ولم يحنث بأكل كل حلو دلَّ على التنصيص على\nالعِلَّة ليص أمرًا بالقياس.\nجوابه:\nإن الكلام هنا يخص ما يجعله صاحب الشرع عِلَّة، وليس ما\nيجعله البشر عِلَّة، بيان ذلك:\nأنه إنما لم يعتق عليه كل أسود، ولم يحنث بأكل كل حلو غير\nالسكر؛ لأن الواحد منا يجوز عليه التناقض والبَداء في أفعاله\nوأقواله، بخلاف صاحب الشرع، فإن المناقضة والبَداء عليه غير\nجائزة في أفعاله وأقواله في طرد عِلَّته وجريانها في أحكامها.\nالمذهب الثالث: أن التنصيص على العلَّة أمر بالقياس في جانب\nالترك في التحريم - فقط - أما التنصيص عَلى العِلَّة في جانب الفعل\nفليس أمرًا بالقياس، وإلى هذا التفصيل ذهب أبو عبد اللَّه البصري.\nمثال جانب الترك: ما إذا قال: \" حرمت الخمر لإسكارها \"\nفالتنصيص على العِلَّة - هنا - يفيد الأمر بالقياس.\nومثال جانب الفعل: ما إذا قال: \" تصدقت على زيد لفقره \"\nفالتنصيص على العِلَّة - هنا - لا يفيد إلا الأمر بالقياس.\nدليل هذا المذهب:\nأن تحريم الشيء وطلب تركه؛ لعلة يقتضي ترتب المفسدة على\nفعل ذلك الشيء لتلك العِلَّة، ومعروف أن التباعد عن هذه المفسدة\nلا يحصل إلا بترك جميع ما وجدت فيه هذه العِلَّة.\nأما إيجاب الشيء وطلب فعله لعلة تترتب عليها مصلحة،","vol":"4","page":1915},{"text":"فإن حصول هذه المصلحة لا يتوقف على فعل جميع ما يترتب عليه\nمثلها.\nقال ابن تيمية في \" المسودة \" - بعد ذكر رأي أبي عبد اللَّه البصري\nهذا -: الفرق بين التحريم والإيجاب في العِلَّة المنصوصة قياس\nمذهبنا في الأيمان وغيرها؛ لأن المفاسد يجب تركها كلها بخلاف\nالمصالح، فإنما يجب تحصيل ما يحتاج إليه، فإذا أوجب تحصيل\nمصلحة لم يجب تحصيل كل ما كان مثلها للاستغناء عنه بالأول،\nولهذا نقول بالعموم في باب الأيمان إذا كان المحلوف عليه تركا\nبخلاف ما إذا كان المحلوف عليه فعلًا \" اهـ.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن فعل كل خير ليس بواجب متى وجدت فيه المصلحة\nالتي أمر بالفعل لأجلها، بل الأمر الواجب كالنهي في طلب الخير\nودفع الضرر، فإيجاب كل شيء تحريم لضده، فترك الواجب كفعل\nالمنهي عنه يكون مشتملًا على ضرر يجب دفعه، وعلى هذا: يجب\nأن يكون حال الفعل والإيجاب كحال الترك والنهي، ولا فرق.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي لا ثمرة له؛ لأن الخلاف لم يتوارد على محل\nواحد؛ حيث إن ما أثبته كل فريق لا ينفيه الآخر، وما نفاه كل فريق\nلا يثبته الفريق الآخر، فأحد المذاهب يفرض الكلام في استقلال\nالتنصيص على العِلَّة بالوجوب بدون ضميمة شيء آخر معها،\nوالمذهب الآخر يفرضه في عدم استقلال التنصيص على العلَّة\nبالوجوب، وأنه لا بد أن ينضم إلى ذلك كون العِلَّة مناسبة، وهَذا","vol":"4","page":1916},{"text":"يقتضي أن النفي والإثبات في هذا الخلاف لم يتواردا على محل\nواحد، فكان الخلاف لفظيا.\nتنبيه: هذه المسألة مفروضة في حال عدم التعبد بالقياس، فلما\nورد التعبد بالقياس بالأدلة العقلية والنقلية تصبح هذه المسألة قليلة\nالجدوى لا نصيب لها من الواقع، وبخاصة بالنظر إلى المجتهد الذي\nيبحث في الأدلة التفصيلية، وما تدل عليه من أحكام، فإذا كان\nدليل وجوب العمل بالقياس ثابتا عنده، وقد نص الشارع على\nالعلَّة، فمما لا شك فيه أنه يجب عليه العمل به بعد توفر أركانه\nوشروط كل ركن، وبذلك لا يوجد تنصيص على العِلَّة لم ينضم\nإليه دليل يدل على التعبد، فتكون هذه المسألة فرضية، قصد منها\nالجلإل والمناظرة.\nوبعض العلماء قصد من إيرادها بعد حجية القياس إضافة دليل آخر\nيؤيد حجية القياس والعمل به في هذه المسألة، وهذا سائغ.","vol":"4","page":1917},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>المبحث الخامس هل التنصيص على العلَّة يوجب الإلحاق عن طريق\nالقياس، أو عن طَريق اللفظ والعموم</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن التنصيص على العِلَّة يوجب الإلحاق عن طريق\nالقياس فقط.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق عندي؛ لأننا لو نظرنا نظرة مجردة في قوله: \" حرمت\nالخمر لشدتها \"، فإنه لا يتناول إلا تحريمها خاصة، ولو لم يرد\nالتعبد بالقياس لاقتصرنا على ذلك، ولما جاز لنا إلحاق كل مشتد من\nنبيذ وغيره بالخمر، ولكن جاز إلحاق النبيذ وكل مشتد بالخمر بسبب\nورود التعبد بالقياس فقط.\nالمذهب الثاني: أن التنصيص على العِلَّة يوجب الإلحاق عن طريق\nاللفظ والعموم، لا بطريق القياس، وهو ما ذهب إليه النظام.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لا فرق في اللغة بين قوله: \" حرمت الخمرة لشدتها \" وبين\nقوله: \" حرمت كل مشتد \"، فإن القولين بمعنى واحد؛ فالنبيذ\nيدخل مع المشتدات كما دخل الخمر عن طريق العموم.","vol":"4","page":1918},{"text":"جوابه:\nلا نسلم ذلك؛ لأن قوله: \" حرمت الخمرة لشدتها \" لا تتناول\nمن حيث الوضع اللغوي إلا تحريم الخمرة المشتدة فقط، ولو لم يرد\nالتعبد بالقياس لاقتصرنا عليه، وكيف يصح ما تقولونه من الإلحاق\nعن طريق اللفظ والعموم، ولله تعالى أن ينصب شدة الخمر خاصة\nعِلَّة، ويكون فائدة ذكر العِلَّة زوال التحريم عند زوال الشدة.\nبيان نوع الخلاف:\nأن الخلاف هذا يمكن أن يكون لفظيا، ويمكن أن يكون معنويا\nفيكون الخلاف معنويا؛ لأن النظام قصد من كلامه: أن تحريم النبيذ\nثبت عن طريق اللفظ والنص، والجمهور قصدوا: أن تحريم النبيذ\nثبت عن طريق القياس.\nوالفرق بين ما ثبت عن طريق اللفظ والنص وبين ما ثبت عن\nطريق القياس من وجهين:\nالوجه الأول: أن الحكم الثابت عن طريق عموم النص أقوى من\nالحكم الثابت عن طريق القياس.\nالوجه الثاني أن الحكم الثابت عن طريق النص يَنسخ، ويُنسخ\nبه، أما الحكم الثابت عن طريق القياس فلا ينسخ ولا يُنسخ به؛\nلأنه ثبت عن طريق الاجتهاد، والنسخ لا يكون بالاجتهاد، كما\nسبق بيانه في باب النسخ.\nويمكن أن يكون الخلاف لفظيًا إذا نظرنا إلى الاتفاق على الحكم،\nوإلى الدلالة؛ بيان ذلك:\nأن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على تحريم النبيذ، ولكن اختلفوا\nفي طريق الوصول إليه:. فالنظام توصل إلى هذا التحريم عن طريق","vol":"4","page":1919},{"text":"عموم اللفظ، فهو يريد: أنه لما قال الشارع: \" حرمت الخمر؛\nلشدته \" أن المحرم جميع المشتدات، والنبيذ من المشتدات، إذن\nالنبيذ يدخل ضمن جزئيات المشتد.\nأما الجمهور فإنهم توصلوا إلى تحريم النبيذ عن طريق القياس\nوقالوا: إن النبيذ يلحق بالخمر بجامع الإسكار، ولو لم يرد التعبد\nبالقياس لما حرم النبيذ.\nكذلك لو نظرنا إلى الدلالة فإنا نقول: إن أصحاب المذهبين قد\nاتفقوا على أن تحريم النبيذ ثبت عن طريق دليل ظني، فالنظام أثبت\nذلك عن طريق العموم، ودلالة العموم ظنية، والجمهور أثبتوا ذلك\nعن طريق القياس، ودلالة القياس ظنية.","vol":"4","page":1920},{"text":"البحث السادس تقسيمات القياس\nإن هذا له علاقة قوية بحجية القياس من حيث معرفة مراتبه التي\nينشأ عنها اختلاف في قوة الاحتجاج به تبعًا لاختلاف تلك المراتب\nمن جهة القوة والضعف، لذلك نقول: إن القياس له تقسيمات\nعديدة هي كما يلي:\nالتقسيم الأول: ينقسم القياس من حيث القوة والضعف إلى\nقسمين:\n\" القياس الجلي \"، و\" القياس الخفي \".\nفالقسم الأولى، وهو القياس الجلي هو: ما كانت العِلَّة فيه\nمنصوصة أو غير منصوصة غير أن الفارق بين الأصل والفرع مقطوع\nبنفي تأثيره، وهو صادق بالقياس الأولى، والقياس المساوي.\nفقياس الأولى: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق\nبه كقياس تحريم ضرب الوالدين على تحريم التأفيف بجامع: الأذى\nفي كل منهما.\nوقياس المساوي: أن يكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به\nكقياس الأَمة على العبد في وجوب تقويم النصيب على معتق بعضها؛\nحيث لم نعلم وجود فارق بينهما سوى الذكورية والأنوثة، وهما لا\nيلتفت إليهما الشارع في أحكام العتق، ومثال آخر: قياس إحراق\nمال اليتيم على أكله بجامع الإتلاف.","vol":"4","page":1921},{"text":"أما القسم الثاني وهو: القياس الخفي فهو: ما كانت علَّته\nمستنبطة من حكم الأصل، واحتمال تأثير الفارق فيه قوي كقياس\nالنبيذ على الخمر بجامع الإسكار، وقياس القتل بالمثقل على القتل\nبالمحدد في وجوب القصاص بجامع: أن كلًّا منهما يعتبر قتلًا عمدًا\nعدوانًا.\nالتقسيم الثاني: ينقسم القياس من حيث القطع والظن إلى قسمين:\n\" قياس قطعي \"، و\" قياس ظني \".\nأما القسم الأول وهو: القياس القطعي فهو: ما قطع فيه بعلية\nالوصف في الأصل، وقطع بوجودها في الفرع، ويشمل القياس\nالأولى والقياس المساوي - كما سبق بيانه -.\nأما القسم الثاني وهو: القياس الظني فهو: ما كانت إحدى\nالمقدمتين فيه أو كلتاهما ظنية، أي: أنا ظننا ظنا غالبا أن هذه هي\nعلَّة الأصل، وقطعنا بوجودها في الفرع، أو أنا ظننا أن هذه هي\nعلَّة الأصل، وظننا وجودها في الفرع - كما ذكرنا ذلك في تحرير\nمحل النزاع، وهذا هو المقصود بباب القياس مثل: قياس النبيذ على\nالخمر بجامع الإسكار، وكقياس التفاح على البر بجامع الطعم.\nوهذا التقسيم لا ينفي قول بعضهم: \" إن القياس لا يكون إلا\nظنيًا \"، حيث إن مقصود هذا: أن القياس المختلف في حجيته لا\nيكون إلا كذلك، فلم ينف وجود القياس القطعي، وإنما حصر\nالخلاف في الظني.\nوالقياس القطعي قد اختلف في تسميته بذلك، فبعضهم سماه\nبذلك، وبعضهم سماه بمفهوم الموافقة بقسميه، وبعضهم سماه،\nبدلالة النص كما ذكرنا ذلك أثناء كلامنا عن المفهوم.","vol":"4","page":1922},{"text":"التقسيم الثالث: ينقسم القياس باعتبار ذكر نفس العِلَّة فيه أو ذكر\nما يدل عليها، أو عدم ذلك إلى ثلاثة أقسام: \" قياس عِلَّة \"،\nو\"قياس دلالة \"، و\" قياس في معنى الأصل \".\nأما القسم الأولى وهو: قياس العِلَّة فهو: ما صرح فيه بها،\nوذلك كقياس النبيذ على الخمر في الحرمة بجامع الإسكار، وقد\nيظهر وجه الحكمة معها كالفساد الذي في الخمر، وما فيها من الصد\nعن ذكر اللَّه، وقد لا يظهر، بل يستأثر اللَّه ﷿ به كالكيل\nوالوزن والاقتيات في تحريم الربا.\nوأما القسم الثانىِ وهو: قياس الدلالة فهو: ما جمع فيه بين\nالأصل والفرع بلازم العِلَّة، أو أثرها أو حكمها.\nفمثال ما جمع فيه بين الأصل والفرع بلازم العِلَّة: قياس النبيذ\nعلى الخمر في الحرمة بجامع الرائحة المشتدة في كل؛ حيث إن\nالرائحة المشتدة لازمة عادة أو عقلًا للإسكار.\nومثال الجمع بينهما بأثر العلَّة: قياس القتل بالمثقل على القتل\nبالمحدد في وجوب القصاص بجامع الإثم في كل؛ حيث إنه أثر\nالعِلَّة التي هي القتل العمد العدوان، وهو لازم شرعي.\nومثال الجمع بينهما بحكم العِلَّة: قياس قطع الجماعة بالواحد\nعلى قتلهم به بجامع: وجوب الدية عليهم فيما لو كان غير عمد،\nوهو حكم العلَّة التي هي القطع منهم خطأ في الصورة الأولى،\nوالقتل منهم خَطأ في الصورة الثانية، فقتل الجماعة بالواحد في\nالعمد ووجوب الدية بالقطع عليهم في الخطأ أمر ثابت من الشارع.\nوأما قطعهم به في العمد فلم يرد حكمه في النصوص الشرعية،","vol":"4","page":1923},{"text":"لذلك أثبتناه بما هو معلوم من الشارع وهو: وجوب الدية عليهم\nبالقطع فيما لو كان خطأ.\nوالجمع يلازم العِلَّة في هذا القسم أقوى من الجمع بأثرها،\nوالجمع بأثر العِلَّة أقوى من الجمع بحكمها.\nوأما القسم الثالث وهو القياس في معنى الأصل فهو: الذي لم\nيصرح فيه بالعلَّة، ولا يلازمها، ولا بأثرها، ولا بحكمها، وإنما\nجمع فيه بين الأصل والفرع بنفي الفارق كقياس صب البول في الماء\nعلى التبول فيه في المنع بجامع: عدم الفارق بينهما في مقصود المنع،\nوهو: تقذير الماء وإفساده وتنجيسه.\nوسبب تسمية هذا القسم بالقياس في معنى الأصل: أن الفرع فيه\nبمنزلة الأصل، حيث لم يوجد فارق بينهما.\nالتقسيم الرابع: ينقسم القياس إلى \" قياس أولى \"، و\" قياس\nمساو \"، و\" قياس أدنى \".\nأما القسم الأول - وهو: القياس الأولى - فهو: ما كان فيه\nثبوت الحكم في الفرع أولى من ثبوته في الأصل كقياس ضرب\nالوالدين على التأفيف لهما في الحرمة بجامع: الإيذاء، وكقياس\nالشاة العمياء على العوراء في عدم الاكتفاء بها في التضحية بجامع:\nوجود النقص المنافي للمقصود من الأضحية، وكقياس الجنون\nوالإغماء والسكر وكل ما أزال العقل على النوم في نقص الوضوء،\nفإن الأمور المذكورة أولى بالحكم من الأصل.\nوأما القسم الثاني - وهو: القياس المساوي - فهو: ما كان حكم\nالفرع فيه مثل حكم الأصل، وذلك كقياس إحراق مال اليتيم على\nأكله في التحرلي م بجامع: الإتلاف في كل من غير وجه حق،","vol":"4","page":1924},{"text":"وكقياس المرأة على الرجل في أنها إذا أفلست وعندها شيء لم تدفع\nثمنه، فإن صاحب المال يكون أحق به من غيره.\nوالقياس الأولى والقياس المساوي يسميان بالقياس الجلي،\nوبالقياس القطعي، وقد اختلف في تسميته قياسا كما سبق بيانه.\nأما القسم الثالث - وهو القياس الأدنى - فهو: ما عدا القسمين\nالسابقين.\nوهو المسمى بالقياس الخفي، وبالقياس الظني، وهو المقصود\nبالقياس عند الإطلاق، وهذا متفق على تسميته قياسا.\nوبعض العلماء ذكروا أقساما كثيرة لكني لم أذكرها هنا؛ لأنها إما\nإنها تدخل ضمن ما ذكرت، أو أنها تعتبر عن مسالك العلَّة،\nفوضعها هناك أولى - كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى -.","vol":"4","page":1925},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>المبحث السابع في ما يجري فيه القياس وما لا يجري فيه</span>\nلما فرغنا من حجية القياس، وبينا أن مذهب جمهور العلماء: أن\nالقياس حُجَّة: اختلف الجمهور - فيما بينهم - هل القياس حُجَّة في\nكل شيء، أو أن هناك بعض الأمور يجري فيها القياس، بينما هناك\nأمور لا يجري فيها القياس؛، فاختلفوا في ذلك، ولبيان ذلك\nبالتفصيل قد قسمت ذلك إلى الطالب التالية:\nالمطلب الأول: في القياس في العقوبات.\nالمطلب الثاني: في القياس في المقدرات.\nالمطلب الثالث: في القياس في الأبدال.\nالمطلب الرابع: في القياس في الرخص.\nالمطلب الخامس: في القياس في الأسباب والشروط والموانع.\nالمطلب السادس: في القياس في العبادات وما يتعلق بها.\nالمطلب السابع: في القياس في العاديات.\nالمطلب الثامن: في القياس في العقليات.\nالمطلب التاسع: في القياس في كل الأحكام.\nالمطلب العاشر: في القياس في الأمور التي لا يراد بها العمل.","vol":"4","page":1927},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>المطلب الأول في القياس في العقوبات</span>\nوالمراد من ذلك: الحدود والكفارات، فاختلف العلماء في جواز\nالقياس في الحدود والكفارات كقياس النباش على السارق، واللائط\nعلى الزاني، وقياس من أفطر في نهار رمضان بشرب على المجامع\nفي نهار رمضان في وجوب الكفارة، على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز إجراء القياس في هذه الأمور.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من\nالأدلة:\nالدليل الأول. عموم أدلة حجية القياس التي ذكرناها فيما سبق،\nومنها: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، والآيات\nالأخرى، وحديث معاذ والأحاديث التي ذكرناها معه، وإجماع\nالصحابة السكوتي، وغير ذلك، فإنها تدل دلالة واضحة على أن\nالقياس يجري في جميع الأحكام إذا استكملت جميع شروط القياس،\nفلم تفرق بين حكم وحكم، فالقول بأنه حُجَّة في بعض الأحكام\nدون بعض إما تخصيص للعام أو تقييد للمطلق، وقد اتفق العلماء\nعلى أنه لا يجوز تخصيص العام ولا تقييد المطلق إلا بدليل، وحيث\nإنه لا دليل لكل منهما، فتبقى أدلة القياس على عمومها وعلى\nإطلاقها، فيكون القياس يجري في جميع الأحكام المستكملة لشروط\nالقياس، فينتج من ذلك جريان القياس في الحدود والكفارات،\nوجميع المقدرات؛ لأنها من ضمن الأحكام.","vol":"4","page":1929},{"text":"اعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: إن أردتم أن أدلة القياس تدل على جريانه\nفي الأحكام الشرعية عند استكماله لشروطه، فهذا مسلم، ولكن لا\nنسلم إمكان حصولها في الحدود والكفارات لعدم إدراك العقل المعنى\nالذي من أجله شرع هذا الحد أو تلك الكفارة.\nجوابه:\nإن العقل يحكم بأنه لا يمتنع عقلًا أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة\nلمعنى معين مناسب للحكم، ثم يوجد ذلك المعنى في صورة أخرى.\nالدليل الثاني: أن خبر الواحد تثبت به الحدود والكفارات وإن كان\nطريقه غلبة الظن، ويجوز فيه الخطأ والسهو، فكذلك يجوز أن\nتثبت الحدود والكفارات بالقياس ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما\nيفيد الظن، ويجوز الخطأ والسهو في كل منهما.\nالدليل الثالث: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - استشار\nفي الخمر يشربها الرجل، فقال له عليّ: \" نرى أن نجلده ثمانين،\nفإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى \"، فجلد\nعمر شارب الخمر ثمانين جلدة، فهذا إلحاق شارب الخمر بالقاذف\nفي الحد قياسا؛ إذ ليس من قبيل الاجتهاد بالنص، ولا الإجماع،\nولا البراءة الأصلية، ولا غيرها من الأدلة سوى القياس، وشاع\nوذاع، ولم ينكره أحد فكان إجماعا، فينتج من ذلك: أن القياس\nيجوز في الحدود، وإذا جاز في الحدود فإنه يجوز - أيضًا - في\nالكفارات؛ لأنها أحكام مقدرة من قِبَل الشارع.\nالدليل الرابع: أن العمل بالقياس عمل بالظن الغالب، ونحن","vol":"4","page":1930},{"text":"مأمورون بأن نعمل به، وبذلك يكون إثبات الحدود والكفارات\nبالقياس عملًا بما أمرنا به من الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.\nالمذهب الثاني: لا يجوز القياس في الحدود والكفارات.\nوهو مذهب الحنفية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الحد شرع للردع والزجر عن المعاصي،\nوالكفارات وضعت لتكفير المأثم، وما يقع به الردع عن المعاصي،\nوما يتعلق به التكفير عن المأثم لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، فلا يجوز\nإثبات شيء من ذلك بالقياس، لأننا لا نعلم المصلحة التي من أجلها\nشرعت هذه الأمور.\nجوابه:\nإن هذا لو كان طريقًا في نفي القياس في الحدود والكفارات:\nلوجب أن يجعل مثل هذا طريقًا في نفي القياس في جميع الأحكام،\nكما فعله نفاة القياس حيث قالوا: \" إن الأحكام شرعت لمصلحة\nالمكلفين، والمصلحة لا يعلمها إلا اللَّه تعالى، فيجب أن لا يعمل\nفيها بالقياس \".\nولما بطل هذا في نفي القياس في جميع الأحكام: بطل في نفي\nالقياس في الحدود والكفارات، فينتج جواز القياس فيها.\nالدليل الثاني: أن الحدود والكفارات تشتمل على تقديرات لا\nتعقل معناها بالرأي كعدد المائة في الزنا، والثمانين في القذف،\nوالقياس لا يصح إلا إذا عقل المعنى الذي من أجله شرع الحكم،\nفلما لم نعقل ولم ندرك المعنى والعِلَّة في الحدود والكفارات","vol":"4","page":1931},{"text":"فلا يجوز جريانها بالقياس كأعداد الصلوات، وركعات كل صلاة،\nوأنصبة الزكوات.\nجوابه:\nإن الأحكام التي أدركنا العِلَّة التي من أجلها شرع الحكم يجري\nفيها القياس: فمن الممكن أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة لمعنى\nمناسب، ثم يوجد ذلك المعنى المناسب في شيء آخر، فتكون\nمعقولية التقدير غير ممتنعة، من أمثلة ذلك: قياس النباش على\nالسارق في القطع بجامع: أخذ مال غيره خفية من حرز مثله،\nوقياس القاتل عمدًا عدوانًا على القاتل خطأ في وجوب الكفارة\nبجامع: القتل بغير حق.\nوأما ما لا يدرك فيه المعنى المناسب، فلا خلاف في أنه لا يجوز\nالقياس فيه؛ لفقدانه ركنًا من أهم أركان القياس، وهي العِلَّة.\nالدليل الثالث: أن القياس يفيد الظن، والظن يدخله احتمال\nالخطأ فيكون شبهة، فلا يصح أن يثبت به الحد؛ لأن الحدود تدفع\nبالشبهات بقوله - ﷺ -:\n\" ادرؤا الحدود بالشبهات \".\nوكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، وقد يدخلها احتمال الخطأ،\nفتدفع بالشبهات، فينتج: أنه لا قياس في الحدود والكفارات.\nجوابه:\nلا نسلم أن مجرد الظن يكون شبهة يمنع من إجراء القياس في\nالحدود والكفارات مع ظهور الظن الغالب؛ لأنه لو كان مطلق الظن\nمانعا من إقامة الحد: لما وجب هذا الحد بالأدلة الظنية كاخبار\nالآحاد، وظواهر النصوص، والشهادات، وما شابه ذلك: فخبر","vol":"4","page":1932},{"text":"الواحد يجوز عليه الخطأ، ومع ذلك يثبت به الحد، والشهود يجوز\nعليهم الكذب والخطأ، ومع ذلك تقبل شهادتهم في الحدود،\nوكذلك يقبل تقويم المقوم في نصاب السرقة مع جواز الخطأ عليه،\nفإذا لم يكن الظن في هذه الأدلة مثيرة للشبهة، فكذلك القياس\nالظني لا يثير الشبهة، فيقبل القياس في الحدود والكفارات.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\n١ - أن من أفطر متعمدًا من غير عذر بأكل أو شرب، فعليه\nكفارة من جامع في نهار رمضان، وهو قول أصحاب المذهب\nالأول، ودليلهم: قياس الآكل والشارب عمدًا على المجامع في نهار\nرمضان بجامع: أن كلًّا منهما قد انتهك حرمة رمضان بقصد منه.\nوذهب بعض العلماء - وهو المذهب الثاني - إلى أنه لا كفارة\nعليه، ودليلهم على ذلك: حديث الأعرابي الذي قال للنبي\n- ﷺ -:\nإني واقعت أهلي في نهار رمضان، قال: \" اعتق رقبة \"، فإنه ورد\nفي الجماع في نهار رمضان، ولا يُعدَّى الحكم إلى كل إفطار، وهو\nما عليه كثير من العلماء.\n٢ - النباش - وهو من ينبش القبر فيأخذ ما في الأكفان - تقطع\nيده؛ قياسًا على السارق بجامع أخذ مال غيره من حرزه، وهو قول\nأصحاب المذهب الأول.\nوذهب أصحاب المذهب الثاني إلى أنه لا تقطع يد النباش؛ لعدم\nوجود دليل على ذلك، ولا يصح القياس في الحدود عند أصحاب\nهذا المذهب.\nتنبيه: لقد بحثت إثبات العقوبات بالقياس في مصنف مستقلِ\nفراجعه - إن شئت - فهو مطبوع متداول.","vol":"4","page":1933},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>المطلب الثاني القياس في المقدرات</span>\nالمراد من ذلك: أن يرد من الشارع تقدير بعدد في موضع يمكن\nإدراك المعنى الذي تعلق به هذا المقدار، ويوجد هذا المعنى في موقع\nآخر، فهل يتعلق به ذلك التقدير كما تعلق في الموضع الأول؛\nمثال ذلك: تقدير نصاب السرقة بثلاثة دراهم، وتقدير مدة\nالقصر للمسافر بأربعة أيام، وتقدير الحد في حد الزنى بمائة،\nوتقدير التسبيح بمائة، فهل يجوز القياس على ذلك؟\nلقد اختلف العلماء - في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز إثبات المقدرات بالقياس.\nوهو مذهب الباقلاني، والباجي، وأبي إسحاق الشيرازي،\nوإمام الحرمين، وأبي يعلى، وأبي الخطاب، وفخر الدين الرازي،\nوتاج الدين ابن السبكي، وهو الحق، لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: عموم أدلة حجية القياس للأحكام المقدرة، وغير\nالمقدرة، فتكون الأحكام المقدرة فردًا من أفراد ذلك العموم..\nالدليل الثاني: أن خبر الواحد تثبت به المقدرات، فكذلك تثبت\nبالقياس بجامع: أن كلًّا منهما ظنيا.\nالدليل الثالث: أن المقتضي للتعدية قد وجد في المقدرات، فينبغي\nأن يوجد القياس كسائر الأحكام.","vol":"4","page":1934},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس في المقدرات.\nوهو مذهب الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nأن التقديرات قد ثبتت على وجه لا يمكن إدراك وجه اختصاصها\nبذلك التقدير، دون ما هو أعلى أو أدنى، كما في تقدير نصب\nالزكوات، فكانت من الأمور التعبدية التي لا نعلم العِلَّة التي من\nأجلها شرعت، فلا يجري القياس فيها.\nجوابه:\nإننا في القياس ننظر إلى المعاني التي تعلَّقت بها تلك المقدرات،\nفإذا وجدنا ما يساوي هذا المعنى في محل آخر أثبتنا فيه ما كان ثابتا\nفي الأصل من حكم، دون تعرض إلى وجه اختصاص ذلك المعنى\nالمشترك بين الأصل والفرع بمقدار عينه الشارع، فالنظر إلى المعنى\nالمشترك، وإثبات الحكم له، وليس النظر إلى وجه الاختصاص\nبذلك المقدار لذلك المعنى.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي كما قلنا في إثبات العقوبات بالقياس؛ حيث\nإن أصحاب المذهب الثاني لم يقيسوا على المقدرات شيئًا آخر، بينما\nأصحاب المذهب الأول قد قاسوا على المقدرات وعملوا على ذلك\nالقياس.\nفإن قال قائل: إن الخلاف يشبه أن يكون لفظيا؛ حيث إن\nأصحاب المذهب الثاني قد أثبتوا التقدير فيها بالقياس.\nومن ذلك: تقدير المسح للرأس بثلاثة أصابع؛ قياسًا على مسح","vol":"4","page":1935},{"text":"الخف وتقدير الخرق الذي يعفى عنه في الخف بثلاثة أصابع؛ قياسًا\nعلى مسحه، وتقدير الدلاء التي تنزح من البئر حتى يحكم بطهارتها\nإذا وقع فيها فأرة بعشرين، وتقدير سن البلوغ بسبع عشرة.\nقلت - في الجواب عن ذلك -: إنهم قالوا: إن تلك المواضع\nوأمثالها إنما كان من باب الاجتهاد في تحقيق المناط، فلم ينظروا في\nالاجتهاد في أمور وردت فيها تقديرات من الشارع، كما في الحدود\nوعدد الركعات، وإنما في أمور لم يرد فيها تقدير، فقالوا: إنا إذا\nنظرنا في تعيين التقدير المناسب لها نجد أن التقدير لها متردد بين\nمرتبتين هما: \" المرتبة الدنيا \"، و\" المرتبة العليا \"، فنجتهد في\nتحديد المرتبة المتوسطة بينهما، وبذلك يتعين المقدار المناسب، فمثلًا،\nإنا قلنا: إدن سن البلوغ سبع عشرة هذا لم نتوصل إليه بالقياس، بل\nبالاجتهاد في تحفيق المناط، وطريقة ذلك:\nأن عندنا مرتبة دنيا هي عشر سنين لا يكون فيها بالغًا، ومرتبة\nعليا، وفي عشرون سنة يكون فيها بالغا، وبينهما مرتبة متوسطة\nمترددة، فنجتهد في تحديد هذه المرتبة وإزالة هذا التردد، وعلى\nضوئها يكون تقدير السن التي يحكم فيها بالبلوغ، ومثل ذلك مثل\nالاجتهاد في تحقيق المناط في تقدير مهر المثل، والئفقة، ونحو ذلك.\nوفرق بين الاجتهاد بتحقيق المناط، والاجتهاد بالقياس، حيث إن\nما ثبت بالاجتهاد بتحقيق المناط أقوى مما ثبت بالقياس.","vol":"4","page":1936},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>المطلب الثالث القياس في الأبدال</span>\nالمراد بإثبات الأبدال بالقياس: أن يرد من الشارع اعتبار أمر قائمًا\nمقام أمر لم يتمكن من طولب به من الإتيان به، مع إمكان إدراك\nالمعنى الذي تعلق به هذا الاعتبار، ويوجد هذا المعنى في محل آخر،\nفهل يحكم على ما وجد فيه هذا المعنى بكونه بدلًا كما حكم في\nالأول؛ مثل: المحصر إذا لم يجد هديًا هل ينتقل إلى الصوم؛ لأنه\nهدقي تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى الصوم؛ قياسا\nعلى سائر الهدايا؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: يجوز إثبات الأبدال بالقياس.\nوهو ما ذهب إليه أبو إسحاق الشيرازي، والباجي، وأبو يعلى\nالحنبلي.\nوهو الحق؛ للأدلة الثلاثة التي ذكرناها في إثبات المقدرات\nبالقياس، فراجعها من هناك.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز إثبات الأبدال بالقياس.\nوهو مذهب الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nهو نفس استدلالهم على أن المقدرات لا يجوز إثباتها بالقياس،\nفراجعه من هناك.","vol":"4","page":1937},{"text":"جوابه:\nوهو نفس الجواب الذي ذكرناه هناك.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث أثر في بعض الفروع، ومنها:\n١ - أن تارك الواجب في الحج إذا لم يجد الدم، فإنه ينتقل إلى\nالصوم؛ لأنه دَمٌ تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى\nالصوم؛ قياسًا على دمِ التطيب واللباس، هذا بناء على المذهب\nالأول، ومنع ذلك أصحاب المذهب الثاني؛ لأن هذا إثبات بدل\nبالقياس، وهو لا يجوز إثبات الأبدال بالقياس.\n٢ - المحصر إذا لم يجد هديًا، فإنه ينتقل إلى الصوم؛ لأنه\nهدي تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى الصوم، قياسًا\nعلى سائر الهدايا، هذا على المذهب الأول.\nأما أصحاب المذهب الثاني فلم يقولوا بذلك؛ نظرًا لأنهم يمنعون\nإثبات الأبدال بالقياس.","vol":"4","page":1938},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>المطلب الرابع في القياس في الرخص</span>\nهل يجوز القياس في الرخص كقياس الثلج على المطر في جواز\nالجمع بين الصلاتين بجامع أن كلًّا منهما يتأذى منه المسلم؟\nاختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز إثبات الرخص بالقياس، ولا مانع من\nذلك إذا عرفنا العِلَّة وتحققنا منها.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: عموم الأدلة المثبتة لحجية القياس من الإجماع\nوالكتاب والسُّنَّة والمعقول - كما سبق بيانه -؛ حيث إنها دلَّت على\nأن القياس يجري في جميع الأحكام الشرعية إذا عرفت العلَّة وتحققت\nفي الفرع ووجدت جميع شروط القياس، فإن تلك الأدلة لم تفرق\nبين حكم وحكم، وبما أن الرخصة حكم من الأحكام الشرعية،\nفإنها تدخل في هذا العموم.\nالدليل الثاني: أن الرخص تثبت بخبر الواحد، فكذلك تثبت\nبالقياس، ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما يفيد الظن، ويجوز الخطأ\nوالسهو في كل منهما.\nالمذهب الثاني: لا يجوز إجراء القياس في الرخص.\nوهو مذهب الحنفية، وقول للإمام مالك، وقول للإمام الشافعي.","vol":"4","page":1939},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بجواز القياس\nعليها يؤدي ويفضي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب أن لا يجوز.\nجوابه:\nإن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة\nذلك الدليل؛ عملًا بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب\nالشرع، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في\nصورة أخرى وجب أن يخالف الدليل بها - أيضًا - عملًا برجحانها -\nفنحن حينئذٍ قد اكثرنا موافقة الدليل لا مخالفته.\nالدليل الثاني: أن الرخص منح من اللَّه - تعالى - وعطايا فلا\nيتعدى بها عن مواضعها؛ حيث إن في قياس غير المنصوص على\nالمنصوص في الأحكام الاحتكام على المعطي في غير محل إرادته،\nوهذا لا يجوز، فينتج من ذلك: عدم جواز إثبات الرخص بالقياس.\nجوابه:\nإن مدار إجراء القياس على إدراك العلَّة والمعنى من شرع الحكم،\nوكون الرخص تتصف باليسر والتخفيف لا يمنع من إجراء القياس\nفيها، فمتى أدركنا العلَّة التي من أجلها شرعت تلك الرخصة،\nووجدنا تلك العلَّة في شَيء آخر، فإننا نعدي تلك الرخصة إلى ذلك\nالشيء؛ تكثير لمنح اللَّه، وحفظا لحكمة الوصف من الضياع.\nوقال إمام الحرمين - في الجواب عن ذلك الدليل -: هذا هذيان،\nفإن كل ما يتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من اللَّه تعالى، ولا\nيختص بها.","vol":"4","page":1940},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\n١ - أن الثلج تجمع من أجله الصلاتين؛ قياسا على المطر بجامع:\nأن كلًّا منهما يتأذى منه المسلم، هذا على المذهب الأول.\nوذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجمع بين الصلاتين من أجل\nالثلج، لأن الرخصة تخص المطر - فقط - ولا قياس في الرخص،\nولا يدخل الثلج في لفظ \" المطر \"، وهو رأي أصحاب المذهب\nالثاني.\n٢ - أن الإنسان إذا ركب دابة مسافة ميل، وخاف الغرق إن نزل\nأو خاف غيره من أسباب القتال، فإنه يصلي صلاة القتال، ولا\nيعيد؛ قياسًا على الصلاة في القتال بجامع: الخوف في كل، أي:\nكما رخص للمقاتل كذلك يرخص للراكب الخائف، هذا قول\nأصحاب المذهب الأول.\nوذهب بعض العلماء إلى أنه لا يصلي صلاة القتال، بل يؤدي\nالصلاة المعتادة؛ لأن الرخصة تخص المقاتل - فقط - ولا تتعدى إلى\nغيره؛ حيث إنه لا قياس في الرخص، وهو قول أصحاب المذهب\nالثاني.\nتنبيه: لقد تكلمت عن هذه المسألة في مصنف مستقل وسميته\n\"الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس \" فارجع إن شئت، فهو مطبوع\nمتداول.","vol":"4","page":1941},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>المطلب الخامس القياس في الأسباب والشروط والموانع</span>\nالمراد بالقياس في الأسباب هو: إثبات سببية وصف لحكم قياسا\nله على وصف ثبتت سببيته لحكم آخر.\nمثاله: قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص\nبجامع: القتل العمد العدوان، ولما كان السبب في وجوب\nالقصاص هو القتل بالمحدد، فإنه يكون القتل بالمثقل سببًا لوجوب\nالقتل.\nكذلك إيجاب الحد على اللائط قياسًا على الزاني بجامع إيلاج\nفرج في فرج محرم شرعًا، فلما كان الزنى سببًا لإيجاب الحد كذلك\nتكون اللواطة سببًا لإيجاب الحد.\nوالمراد بالقياس في الشروط هو: أنه لما كان معنى الشرط: ما\nيلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته:\nفإنا إذا وجدنا أمرًا من الأمور قد نص على شرطه ووجدنا ما يشاركه\nفي وجه الشرطية فيلحق به على وجه القياس ليكون شرطا لذلك\nالأمر الآخر المشارك، مثاله: أن الشارع قد اشترط لصحة الصلاة\nالاستنجاء من البول والغائط بالماء أو الحجر، والحجر إنما صح\nالاستنجاء به بدل الماء؛ لكونه قالعًا لعين النجاسة فيقاس عليه كل\nجامد يتوفر فيه هذا الوصف، وكقياس الوضوء على التيمم بجامع:\nتمييز العادة عن العبادة بكل منهما، والنية شرط في التيمم، فتكون\nشرطًا في الوضوء.\nوالمراد بالقياس في الموانع هو: أن المانع لما كان وجوده سببا لعدم\nالحكم، فإنه إذا وجد في شيء لم ينص عليه، فإنه يكون سببا","vol":"4","page":1942},{"text":"للحكم بعدم الحكم؛ قياسًا على وجوده في الصورة التي نص فيها\nعلى الحكم.\nمثاله: أن الشارع قد أسقط عن الحائض الصلاة؛ لوجود الحيض\nفيقاس عليه النفاس في وجوب إسقاط الصلاة عنها بجامع أن كلًا\nمنهما أذى وقذر يجب تنزيه المصلي منه.\nهذا المراد في القياس في الأسباب والشروط والموانع، وهو قد\nاختلف العلماء في جواز ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن القياس لا يجري فى الأسباب والشروط\nوالموانع.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض المالكية كابن الحاجب، وبعض\nالشافعية كفخر الدين الرازي، والآمدي، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن مدار القياس على العِلَّة والجامع بين الأصل\nوالفرع: فإن لم توجد العلة والجامع في - الأسباب والشروط\nوالموانع، فلا يجوز القياس وهو ظاهر؛ حيث فقد أهم ركن من\nأركان القياس وهو: العِلَّة.\nوإن وجدت العِلَّة والجامع بين الأصل والفرع، فلا فائدة في\nالقياس؛ لأن هذا الجامع يعتبر هو السبب أو الشرط أو المانع،\nويكون كل من الأصل والفرع فردًا من أفراد هذا السبب،. أو هذا\nالشرط، أو هذا المانع، وبذلك يكون الاشتغال بالقياس في\nالأسباب والشروط والموانع لا فائدة فيه.\nفمثلًا: لما قاس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع: القتل\nالعمد العدوان، فإنه جعل القتل العمد العدوان هو سبب وجوب\nالقصاص، فيكون القتل بالمثقل، والقتل بالمحدد فردين من أفراد\nالقتل العمد العدوان، فلا حاجة إذن للقياس.","vol":"4","page":1943},{"text":"وكذلك لما قاس الوضوء على التيمم بجامع: أن كلًّا منهما طهارة\nمقصودة يتميز بها العبادة عن العادة، فإنه جعل الطهارة التي تميز\nالعبادة عن العادة هي شرط صحة الصلاة، فيكون الوضوء والتيمم\nلزدين من أفراده، فلا حاجة مع هذا للقياس.\nوكذلك لما قاس النفاس على الحيض بجامع: أن كلًّا منهما أذى\nوقذر يجب تنزيه المصلي منه: جعل الأذى والقذر الذي يجب تنزيه\nالمصلي منه مانع لصحة الصلاة، فيكون الحيض والنفاس فردين من\nأفراده، فلا حاجة إذن للقياس.\nالدليل الثاني: أن إجراء القياس في الأسباب والشروط والموانع\nيؤول إلى إبطال الأصل المقيس عليه، ومن شروط القياس: ألا يعود\nالتعليل والقياس على الأصل بالإبطال، بيانه:\nأننا إذا ألحقنا السبب والشرط والمانع الذي لم ينص عليه بالسبب\nوالشرط والمانع المنصوص عليه لعلة وجامع جمع بين المنصوص عليه\n- من السبب أو الشرط أو المانع - وبين غير المنصوص عليه من\nالسبب أو الشرط أو المانع - فإن هذا سيؤول إلى أن السبب والشرط\nوالمانع في الأصل لم يكن هو ما نص عليه، وإنما هو معنى أوسع\nمنه، وفي هذا إبطال للأصل، وهو السبب والشرط والمانع\nالمنصوص عليه.\nولعلي أصور ذلك بالمثال: أنه لما قاس اللواط على الزنى في\nوجوب الحد؛ لوجود معنى مشترك بينهما وهو الجامع، وهو:\nإيلاج فرج في فرج محرم شرعا، فإن هذا يؤدي إلى أن الزنى لم\nيكن عِلَّة للحد، وإنما العلَّة هي معنى أوسع منه وهو: إيلاج قرج\nفي فرج محرم شرعا.\nكذلك لما قاس النفاس على الحيض في إسقاط الصلاة بجامع: أن","vol":"4","page":1944},{"text":"كلًا منهما أذى، فإن يؤدي ويفضي إلى أن الحيض لم يكن علَّة\nلإسقاط الصلاة، وإنما العِلَّة معنى أوسع منه وهو: وجود الأذَى\nوالقذر.\nالمذهب الثاني: أن القياس يجري في الأسباب والشروط والموانع.\nوهو مذهب بعض الحنفية كصدر الشريعة، وابن الهمام، وكثير\nمن الشافعية كالغزالي، وتاج الدين ابن السبكي، وابن برهان،\nوالحنابلة.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: عموم أدلة حجية القياس؛ حيث إنها لم تفرق بين\nحكم وحكم، والأسباب والشروط والموانع تُعتبر داخلة تحت هذا\nالعموم؛ لأنه يطلق عليها أحكام شرعية فيجري القياس فيها كما\nيجري في غيرها.\nجوابه:\nأنا نسلم لكم عموم أدلة حجية القياس، ولكن بشرط توفر جميع\nأركان القياس وشروط كل ركن، والأسباب والشروط والموانع\nتخصص من هذا العموم، فلا يجري فيها القياس؛ لأن إجراء\nالقياس في الأسباب والشروط والموانع يؤدي إلى أمرين باطلين:\nأولهما: أن إجراء القياس فيها لا فائدة فيه.\nتانيهما: أنه يؤدي إلى تغيير الأصل وإبطاله، وقد بيَّنت ذلك في\nالدليلين اللذين ذكرتهما فىِ مذهبنا.\nوهذان الأمران هما اللذان قد خصصا الأسباب والشروط والموانع\nوأخرجاها عن إجراء القياس فيها.","vol":"4","page":1945},{"text":"الدليل الثاني: أن خبر الواحد تثبت به الأسباب والشروط والموانع\nفكذلك تثبت الأسباب والشروط والموانع بالقياس بجامع: أن كلا\nمنهما يفيد الظن.\nجوابه:\nإن قياس القياس على خبر الواحد قياس فاسد؛ لأنه قياس مع\nالفارق، ووجه الفرق: أن إثبات الأسباب والشروط والموانع\nبالقياس يترتب عليه: أن هذا القياس يؤدي إلى إبطال الأصل، وهو\nالسبب والشرط والمانع المقيس عليه، وهذا لا يوجد في إثبات\nالأسباب والشروط والموانع بخبر الواحد.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول - وهم:\nالمانعون من إجراء القياس في الأسباب والشروط والموانع - بيَّنوا أن\nلا يكون كل من السببين سببا للحكم من حيث خصوصه، وإنما\nالسبب: القدر المشترك بينهما.\nوهذا المعنى لا ينكزه ولا ينفيه أصحاب المذهب الثاني - وهم:\nالمجوزون لإجراء القياس في الأسباب والشروط والموانع -؛ لأنهم\nإنّما قاسوا لأجل أن يثبتوا أن المقيس فرد من أفراد القدر المشترك\nكالمقيس عليه الذي دلَّ النص على سببيته، لا ليثبتوا أنه مستقل\nبالسببية بخصوصه.","vol":"4","page":1946},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>المطلب السادس القياس في العبادات وما يتعلَّق بها</span>\nالمراد بالعبادات هو: أعظم العبادات وأدخلها في باب التعبد\nكالصلوات وما شابهها، والزكوات، والصيام، والحج كإثبات\nصلاة بإيماء الحاجب قياسا على صلاة المومئ برأسه.\nولقد اختلف العلماء في جريان القياس في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز القياس في العبادات.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الحق؛ لعموم أدلة حجية القياس، فهي دلَّت على جواز\nالقياس في جميع الأحكام الفقهية ولم تفرق بين ما يخص العبادات\nأو المعاملات، والمرجع في ذلك هو: معرفة العلَّة التي من أجلها\nشرع الحكم، فمتى ما عرفناها في الحكم المنصوصَ على حكمه،\nووجدناها في الفرع، فإنه يصح القياس، مع استكمال شروط\nالقياس.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس في العبادات.\nوهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، وبعض المعتزلة كالجبائي،\nونسب إلى أبي حنيفة.\nدليل هذا المذهب:\nأن الصلاة بإيماء الحاجب وما شابه ذلك هي من الأمور الهامة التي","vol":"4","page":1947},{"text":"تتوفر الدواعي على نقلها، فلو كانت مشروعة لوجب على النبي\n- ﷺ - أن يبينها، وينقل ذلك أهل التواتر إلينا حتى يصير ذلك معلوما لنا قطعًا، ولما لم يحصل ذلك علمنا أن المصير إلى هذا القول باطل.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن عدم النقل لا يدل على عدم الوجدان، وعدم\nالوجدان لا يدل على العدم، كما أن العدم لا يدل على عدم الجواز.\nالجواب الثاني: أن هذا منتقض بوجوب الوتر عندهم، حيث إن\nالوتر واجب عندهم مع أنه لم يعلم وجوبه قطعا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي، لأن أصحاب المذهب الثاني - وهم:\nالمانعون من إجراء القياس في العبادات - مقصودهم: أن إثبات\nالحكم بالقياس ابتداء من غير أصل يقاس عليه، أو إثبات عبادة زائدة\nعلى العبادات الواردة في تلك الأصول ابتداء أو إثبات كيفية خاصة\nلتلك العبادات مما لا مجال للعقل فيه: غير صحيح.\nوهذا يوافقهم عليه أصحاب المذهب الأول - وهم المجوزون -.\nأما إجراء القياس مع توفر شروط القياس فهو صحيح، وهذا\nيؤيده الاستقراء والتتبع لكلام الفقهاء في جميع أبواب العبادات، فإنه\nمملوء بالقياسات في العبادات.","vol":"4","page":1948},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>المطلب السابع القياس في العاديات</span>\nما كان طريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره، وأقل الحمل\nوأكثره، هل يجوز إجراء القياس فيه؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجري القياس في الأمور العادية والخلقية.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن القياس - كما\nعلمنا سابقًا - مبني على إدراك العلَّة في الأصول والفروع، والأمور\nالعادية ترجع إلى العادة والخلقة تختلف باختلاف الأشخاص\nوالأمزجة، ولا يعرف أسبابها، فلا يجوز إثباتها بالقياس.\nالمذهب الثاني: أنه يجري القياس في الأمور العادية.\nوهو مذهب بعض العلماء، نقله أبو عبد اللَّه المحلي.\nدليل هذا المذهب:\nأن مدار القياس على إدراك المعنى الذي لأجله شرع الحكم، وهذه\nالأمور العادية والخلقية ممكن إدراك معناها.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ إدراك المعنى الذي لأجله شرع الحكم في الأمور\nالعادية؛ نظرًا لاختلاف عادات الناس، وأمزجتهم، وما يصلح لهذا\nقد لا يصلح لذاك وهكذا، فيصعب إدراك عِلَّة تجمع بين الأصل\nوالفرع، بل لا يمكن.","vol":"4","page":1949},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف لا شك أنه معنوي؛ حيث أثر في مسألة وهي:\nهل الحامل تحيض أو لا؟\nفمن ذهب إلى أن القياس يجري في الأمور العادية: أثبت أن\nالحامل تحيض وقال: لو منع الحمل دم الحيض لمنع دم الاستحاضة،\nألا ترى أن الصغر لما منع أحدهما منع الآخر، فكذلك الكبر.\nومن ذهب إلى أن القياس لا يجري في هذه الأمور قال: إن\nالحامل لا تحيض، وقال: لو كان الدم الذي ينزل من الحامل دم\nحيض لحرم به الطلاق، وانقضت به العدة، ولكن كل ذلك لم\nيصح، فلم يكن ما ينزل منها دم حيض.\nفإذا ثبت أن ما ينزل من الحامل هو دم حيض - كما قال الأولون\nهنا - فإنه يترتب على ذلك أحكام شرعية مثل: تحريم مس\nالمصحف، وامتناعها عن الصلاة، وامتناعها من مواصلة الصوم،\nوتحريم وطئها.","vol":"4","page":1950},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>المطلب الثامن القياس في العقليات</span>\nلقد اختلف في جريان القياس في الأمور العقلية على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز جريان القياس في العقليات، وهو:\nإلحاق الغائب بالشاهد، وله جامع عقلي يكون في أربعة أشياء هي:\nالعِلَّة، والحد، والشرط، والدليل.\nفمثال الجمع بالعلَّة: كون الشيء يصح أن يرى معللًا بالوجود\nشاهدًا، فكذا في الغائب بقصد قياس الباري ﷾ على\nخلقه في أنه يرى بجامع الوجود؛ حيث إنه عِلَّة الرؤية.\nومثال الجمع بالحد: قولك: حقيقة العالم شاهدًا من له العلم،\nفيجب طرد ذلك الحد غائبا بقصد إثبات العلم لله تعالى بالقياس على\nثبوت ذلك لخلقه مع الجزم باختلاف العلمين في الحقيقة والكيفية؛ إذ\nليس كمثله شيء.\nومثال الجمع بالشرط: قولك: العلم مشروط بالحياة شاهدًا،\nفكذلك غائبا، قالأصل هو الشاهد، والفرع هو: الغائب،\nوالجامع: كون كل منهما حيا، والحكم اتصاف كل منهما بالعلم\nوالإرادة، مع الاختلاف في الحقيقة.\nومثال الجمع بالدليل: قولك: الإحكام يدل على العلم والإرادة\nشاهدًا، فكذا غائبًا.\nوهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، وليس المقصود من","vol":"4","page":1951},{"text":"القياس هنا: استنباط كون اللَّه موجودًا أو عالما، فهذا قد ثبت بالنقل\nلمن آمن بالله وكتبه ورسله، ولكن المقصود هو: تقريب ذلك إلى\nالأذهان وتصوير هذه الأمور للسامع، ولا مانع من ضم دليل إلى\nدليل آخر ليحصل بذلك الترجيح، فيما لو وجد تعارض.\nالمذهب الثاني: لا يجوز جريان القياس في العقليات.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن القياس لا يفيد اليقين، والمطالب العقلية يقينية.\nجوابه:\nإن هذا الدليل يدل على عدم الحاجة إلى القياس، ولا يدل على\nامتناع القياس في الأمور العقلية، ثم إن ما أفاد القطع أو الظن سواء\nفي الشريعة.\nثم إننا أردنا في القياس التصوير والتقريب إلى الأذهان فقط - لا\nأخذ الحكم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ إذ أن تلك الأحكام العقلية والعقائدية ثابتة،\nسواء استعمل القياس أو لا، ولكن أصحاب المذهب الأول قالوا\nبجواز استعماله في العقليات من باب كثرة الاستدلال والاستئناس،\nوأما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم بيَّنوا أن تلك الأحكام ثابتة بدون\nقياس، فلا داعي له، فيكون استعماله عبثا، والعقل يمنع من\nالعبث.","vol":"4","page":1952},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>المطلب التاسع في القياس في كل الأحكام</span>\nهل القياس يجري في جميع الأحكام الشرعية بلا استثناء؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن القياس لا يجري في جميع الأحكام الشرعية.\nوهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق، للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أنه لو كان كل حكم يصح أن يثبت قياسا: للزم\nمن ذلك أن يكون حكم أصل القياس ثابتا بالقياس - أيضا - وكذلك\nحكم أصل أصله، ثم إن انتهى إلى أصل لا يتوقف على القياس\nعلى أصل آخر فهو خلاف الغرض، وإن لم ينته وتسلسل الأمر امتنع\nوجود قياس ما؛ وذلك لتوقفه على أصول لا نهاية لها.\nالدليل الثاني: أنه معلوم أنه يتعذر إجراء القياس في كثير من\nالأحكام كعدد الصلوات، وعدد ركعات كل صلاة، وعدد\nالطواف، والسعي، وأكثر مناسك الحج وما شابه ذلك مما لم نتمكن\nمن عقل معناه، وإدراك علته، ومدار القياس على تعقل المعنى الذي\nيعلل به الحكم في الأصل، وهذا لم ندرك علته.\nالدليل الثالث: أنا بينا في هذا الفصل عدم جواز إجراء القياس\nفي العاديات والأمور الخلقية، والأسباب والشروط والموانع، وهذا\nيبطل القول بإجراء القياس في كل الأحكام.","vol":"4","page":1953},{"text":"المذهب الثاني: أنه يجوز إجراء القياس في كل الأحكام.\nذهب إلى ذلك بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الأحكام الشرعية - كلها - من جنس واحد، وتدخل تحت\nحد واحد، وهو حد الحكم الشرعي، وحيث ثبت جريان القياس\nفي بعضها، فانه يثبت جريانه في بعضها الآخر؛ لأنهما متماثلان\nولا فرق بينهما.\nجوابه:\nلا نسلم أن جميع الأحكام متماثلة، بل بينها فرق؛ حيث إن\nبعضها قد يقترن بأمور تجعله يختلف عن بعضها الآخر، ويتميز عنه:\nفبعضها ندرك العِلَّة التي من أجلها شرع الحكم، فهذا يجوز فيه\nالقياس؛ لأن مدارَ القياس مبني على إدراك العِلَّة.\nوبعضها الآخر: لا ندرك تلك العِلَّة، فهذا لا يجوز القياس فيها\nمطلقًا.\nفثبت: أنه مع دخول كل الأحكام تحت حد واحد وهو الحكم\nالشرعي، وأنها كلها من اللَّه تعالى، فإنه يوجد بينها فرق من حيث\nإدراك العِلَّة وعدم ذلك - كما بينت -.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي هنا؛ لأن أصحاب المذهب الأول - إنما نفوا جريان\nالقياس في كل الأحكام بالفعل وإثبات جميعها به؛ بناء على أن من\nالأحكام ما تحقق لدينا عدم إدراك معناه، وإن إثبات جميعها به قد\nيؤدي إلى أن لا يثبت حكم منها بغيره، وذلك محال؛ لأنه يلزم منه\nالدور والتسلسل وهما باطلان.","vol":"4","page":1954},{"text":"أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم لما أجازوا جريان القياس في كل\nالأحكام، فإنهم قصدوا بتجويزه: أن كل حكم بالنظر لذاته،\nوبقطع النظر عن غيره صالح لأن يثبت بالقياس إذا أدرك معناه؛ بناء\nعلى رأي الجمهور وهو: أن جميع الأحكام لها علل ومعاني في\nالحقيقة والواقع، ولكننا أدركنا ذلك في بعض الأحكام، ولم ندرك\nعلل ومعاني الأحكام الأخرى.","vol":"4","page":1955},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>المطلب العاشر في القياس في الأمور التي لا يراد بها العمل</span>\nالأمور التي لا يتعلق بها عمل كدخول النبي - ﷺ - مكة عنوة أو صلحًا لا يجري فيه القياس.\nدليل ذلك: أن ما كان من هذا القبيل إنما يراد ليعرف ويعلم لا\nليعمل به، فطريق ذلك الرواية والسماع، ولا مجال للقياس في ذلك.\nتنبيه: بقي من موضوع ما يجري فيه القياس وما لا يجري:\nالقياس في اللغات هل يجوز أو لا يجوز، وهذا قد تكلمت عنه\nبالتفصيل في المبحث الرابع من الفصل الأول - من الباب الرابع\nالذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام، فارجع إليه إن شئت.","vol":"4","page":1956},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>المبحث الثامن هل القياس من الدين</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: - أن القياس دين، أي: يسمى دينا.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا بالقياس، وإذا أمرنا به،\nفإنا نكون متعبدين به، وإذا ثبت: أن اللَّه تعالى قد تعبدنا به، فإنه\nيكون من الدين.\nالدليل الثاني: أن من نزلت به حادثة، وكان فيها مجتهدًا لنفسه،\nوضاق عليه الوقت: وجب عليه أن يقيس وينظر، وإذا لم يضق\nعليه الوقت استحب له ذلك ليعد الجواب لوقت الحاجة، والواجب\nوالمستحب من الدين، فيصح بذلك أن يسمى القياس دينا.\nالمذهب الثاني: أن القياس لا يُسمى دينا، وليس منه.\nوهو مذهب أبي الهذيل العلاف.\nدليل هذا المذهب:\nأن القياس لا يطلق عليه اسم الدين؛ لأن اسم الدين يقع على ما\nهو ثابت مستمر، وكيف يسمى دينا، وهو فعل القائس.\nأي: أن القياس من فعل المكلف، وهو القائس، ولا يصح أن يكون\nالدين من فعل المكلف؛ إذ لو كان فعلًا للمكلف لم يعرف به الحكم.\nجوابه:\nنسلم أن القياس من فعل المكلف، ولكن اشترط أن يكون هذا","vol":"4","page":1957},{"text":"المكلف مجتهدًا - وهو من توفرت فيه شروط الاجتهاد - دون غيره،\nوالمجتهد يُعتبر مرجعًا لغير المجتهد في أحكام اللَّه تعالى؛ لمعرفته بها،\nفيكون كل ما يقوله من الدين والشرع، فإذا توصل إلى أن الأرز من\nالمطعومات قياسًا على البر، فإنه يحرم الربا فيه، فإن هذا من الدين\nوالشرع.\nولو لم يقبل قياس المجتهد ويعمل به لضاعت أكثر الشريعة؛ لأن\nأكثر الفروع مبنية على القياس، وغيره مما يجتهد فيه المجتهدون،\nفيعتبر كلامهم وقياساتهم من الدين الذي نتعبد اللَّه به، فنرجوا بذلك\nثواب اللَّه، ونخاف عقابه.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي، لا يترتب عليه أي أثر، لاتفاق أصحاب\nالمذهبين على أن القياس حُجَّة، فلم يرد عن أبي الهذيل، أو\nالجمهور مخالفة في حجية القياس، والعمل بمقتضاه، فالعمل به\nمتفق عليه.\nوإنما النزاع بين المذهبين جاء في تسمية ذلك دينا أو لا، فالجمهور\nسموه بذلك، وأبو الهذيل منع من هذه التسمية.\nفالخلاف إنما هو في مجرد التسمية فقط، فيكون الخلاف لفظيا.\nهذا آخر المجلد الرابع من كتاب: \" المهذب في علم أصول الفقه \" لفضيلة\nالشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة حفظه الله\nونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الخامس إن شاء الله\nوأوله: \" أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها \"\nوهو الفصل الثالث من الباب الخامس","vol":"4","page":1958},{"text":"المجلد الخامس\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>الفصل الثالث في أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها</span>\nويشتمل على تمهيد، ومباحث:\nأما التمهيد: فهو في تعريف الركن، وبيان أركان القياس إجمالًا.\nأما المباحث فهي:\nالمبحث الأول: في الأصل وحكمه وشروطهما وما يتعلق بهما.\nالمبحث الثاني: في الفرع وشروطه وما يتعلق به.\nالمبحث الثالث: في العلة وشروطها وما يتعلق بها.\n-","vol":"5","page":1959},{"text":"التمهيد في تعريف الركن، وبيان أركان القياس إجمالًا\nويشتمل على ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: في تعريف الركن لغة واصطلاحا.\nالمطلب الثاني: في بيان أركان القياس إجمالًا.\nالمطلب الثالث: في بيان أسباب عدم ذكر حكم الفرع من الأركان.","vol":"5","page":1961},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>المطلب الأول تعريف الركن</span>\nأولًا: تعريف الركن لغة:\nالركن لغة هو: أحد الجوانب التي يُستند إليها ويقوم بها، وركن\nالشيء جانبه الأقوى.\nثانيًا: تعريف الركن اصطلاحا:\nالركن اصطلاحًا: هو الداخل في حقيقة الشيء المحقق لماهيته،\nوقيل: هو: ما يتم به الشيء، وهو داخل فيه.\n- والماهية هي الحقيقة الكلية المعقولة.\nوقولهم: إن الركن داخل في الماهية معناه: أنه جزء من مفهومها\nيتوقف تعلقها على تعلقه.\nفيكون الفرق بين الركن والشرط: أن شرط الشيء: ما يتم به\nالشيء ويتوقف عليه، لكنه خارج عنه.\nفالركوع - مثلًا - ركن في الصلاة؛ لأن الصلاة تتوقف عليه مع\nأنه داخل فيها، والوضوء شرط لها؛ لأنها تتوقف عليه - أيضا -\nلكنه خارج عنها.","vol":"5","page":1963},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>المطلب الثاني في بيان أركان القياس إجمالًا</span>\nجمهور العلماء الذين قالوا بحجية القياس يعتبرون أركان القياس\nأربعة هي: الأول: الأصل، والثاني: الفرع، والثالث: العلَّة\nالجامعة بين الأصل والفرع، والرابع: حكم الأصل.\nفهذه الأركان لا يتم القياس إلا بها، فالقياس مجموع الأمور\nالأربعة.\nوقد قدم ذكر الأصل على غيره من الأركان؛ لأن الأصل يجب\nتقديمه دائما، وقدم الفرع على حكم الأصل؛ لأن الفرع مقابل\nللأصل، فناسب أن يذكر عقيبه لما بين الضدين من اللزوم في\nالذهن، وقدمت العلَّة على حكم الأصل؛ لأنها سبب بالنسبة له،\nولا شك أنه يقدم السبب على المسبب.","vol":"5","page":1964},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>المطلب الثالث في بيان أسباب عدم ذكر حكم الفرع من أركان القياس</span>\nلم يذكر حكم الفرع ضمن أركان القياس، لسببين:\nأولهما: أن حكم الفرع ثمرة القياس، وثمرة الشيء لا يصح أن\nتكون من أركانه.\nثانيهما: أن حكم الفرع لو عُدَّ منها لاقتضى توقف القياس عليه،\nفيكون دورًا، والمعلوم: توقف ثمرة القياس على القياس لا العكس.\nاعتراض على هذا:\nقال قائل - معترضًا -: لو أطلق لفظ \" حكم \" لكان أوْلى\nليشمل حكم الأصل وحكم الفرع.\nجوابه:\nإننا قيدنا لفظة: \" حكم \" بقولنا: \" حكم الأصل \"؛ لكون\nحكم الأصل هو السابق في ثبوته؛ حيث إن العلم به سابق على\nالعلم بحكم الفرع، فحكم الأصل هو الطريق إلى العلم بحكم\nالفرع؛ إذ لولاه لما ثبت للفرع حكم، فلو أطلقنا لفظة: \" حكم \"\nللزم تسوية السابق باللاحق والمتقدم بالمتأخر، ويكون حكم الفرع هو\nعين حكم الأصل، وهذا لا يجوز؛ لأننا قلنا في حقيقة القياس:\n\"إثبات مثل حكم أصل لفرع ... \"، فحكم. الفرع مثل حكم\nالأصل، وليس هو عينه، وقد بيَّنَّا ذلك أثناء شرحنا لتعريف القياس.","vol":"5","page":1965},{"text":"فلو قال الشارع: \" حرمت الخمر لإسكارها \" ثم قيس النبيذ\nعليها.\nفالأصل.: الخمر، والفرع: النبيذ، والجامع: الإسكار،\nوالحكم: التحريم الذي نص عليه، وعلم في الخمر قبل أن يعلم في\nالنبيذ، وليس تحريم النبيذ هو عين تحريم الخمر، بل إن الخمر أشد\nتحريمًا.","vol":"5","page":1966},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>المبحث الأول في الأصل وحكمه وشروطهما وما يتعلق بهما</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في بيان المراد بالأصل.\nالمطلب الثاني: في بيان المراد بحكم الأصل.\nالمطلب الثالث: هل حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالنص أو\nبالعِلَّة؟\nالمطلب الرابع: في اشتراط كون حكم الأصل شرعيا عمليا.\nالمطلب الخامس: في اشتراط كون حكم الأصل حكما ثابتا مستمرًا.\nالمطلب السادس: في اشتراط كون حكم الأصل معقول المعنى.\nالمطلب السابع: في اشتراط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولًا\nبعمومه حكم الفرع.\nالمطلب الثامن: هل يشترط قيام دليل على جواز القياس على الأصل؟\nالمطلب التاسع: هل يشترط في الأصل: أن يكون قد انعقد الأجماع\nعلى أن حكمه معلل، أو أن تثبت علته بالنص؟\nالمطلب العاشر: هل يجوز القياس على أصل محصور بعدد؟\nالمطلب الحادي عشر: اشتراط كون حكم الأصل معللًا بعلة معينة.","vol":"5","page":1967},{"text":"المطلب الثاني عشر: بيان أن حكم الأصل إذا كان ثابتا بنص فإنه\nيجوز القياس عليه.\nالمطلب الثالث عشر: حكم القياس على أصل ثابت عن طريق\nالإجماع.\nالمطلب الرابع محشر: هل يشترط في الأصل المقاس عليه: أن تجمع\nالأمة - كلها - عليه، أو يكفي اتفاق الخصمين؟\nالمطلب الخامس عشر: حكم القياس على الأصل الثابت عن طريق\nالقياس.\nالمطلب السادس عشر: إذا كان حكم الأصل منصوصا عليه، وقد\nاختلف فيه الخصمان، فهل يجوز القياس عليه؟\nالمطلب السابع عشر: هل يقاس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة\nالقياس؟","vol":"5","page":1968},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>المطلب الأول في بيان المراد بالأصل</span>\nلقد اختلف العلماء في المراد بالأصل على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الأصل هو: محل الحكم المشبه به.\nوهو مذهب كثير من العلماء وهو الحق؛ لأن الأصل هو: ما\nكان حكم الفرع مقتبسا منه، ومردودًا إليه، وهذا إنما يتحقق في\nمحل الحكم المقيس عليه، أو المشبه به.\nفمثلًا: حرم اللَّه تعالى الخمر بقوله تعالى: (إنما الخمر والميسر\nوالأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) فإذا قيس\nعليها النبيذ بجامع الإسكار، فإن النبيذ - على هذا - يكون محرما\nكالخمر، فالأصل فناا هو: الخمر الذي هو محل الحكم، ويكون\nالفرع هو النبيذ؛ حيث إن النبيذ مردود إلى نفس الخمر، فيأخذ مثل\nحكمه.\nالمذهب الثاني: أن الأصل هو: دليل الحكم، أي: نفس الدليل\nالدال على حكم الواقعة، فيكون الأصل في المثال السابق هو نفس\nالدليل الدال على تحريم الخمر وهي الآية.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الدليل هو الذي بني عليه الحكم وهو التحريم - هنا - فيكون","vol":"5","page":1969},{"text":"هو الأصل؛ لأنه مفتقر إليه، ولا يصح أن يكون المحل هو الأصل؛\nلأنه محتاج إلى غيره، وهو الدليل الذي أثبت الحكم فيه.\nالمذهب الثالث: أن الأصل هو: الحكم الثابت في المحل، وهو\nالتحريم في المثال السابق.\nوهو مذهب فخر الدين الرازي، وسراج الدين الأرموي.\nدليل هذا المذهب:\nأن الأصل هو: ما ابتنى عليه غيره، وكان العلم به موصلًا إلى\nالعلم أو الظن بغيره، وهذه الخاصية موجودة في الحكم لا في غيره؛\nلأن حكم الفرع لا يتفرع عن المحل، وكذا فقد يؤخذ الحكم عن دليل\nعقلي، أو مما هو معروف بالضرورة فيقاس عليه، ويتفرع منه حكم الفرع.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ نظرًا لصحة إطلاق الأصل على كل من هذه\nالمذاهب، ولا مانع من ذلك، بيان ذلك:\nأنه إذا كان معنى الأصل: ما يبنى عليه غيره، فإنه يمكن أن يكون\nالحكم أصلًا؛ لبناء الحكم في الفرع عليه، وهو مراد أصحاب\nالمذهب الثالث.\nوإذا كان الحكم في الخمر أصلًا فالنص الذي به معرفة الحكم يكون\nأصلًا للأصل، وعلى هذا: فأيُّ طريق عرف به حكم الأصل من نص\nأو إجماع أمكن أن يكون أصلًا، وهو مراد أصحاب المذهب الثاني.\nوكذلك الخمر فإنه إذا كان محلًا للفعل الموصوف بالحرمة فهو\n- أيضًا - أصل للأصل، فيمكن أن يكون أصلًا، وهو مراد أصحاب\nالمذهب الأول.","vol":"5","page":1970},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>المطلب الثاني في بيان المراد بحكم الأصل</span>\nحكم الأصل هو: الحكم الشرعي الذي ورد به نص من كتاب أو\nسُنَّة، أو إجماع في الأصل، ويراد: إثبات مثله في الفرع كحرمة\nالخمر، فإنا أثبتنا مثله في الفرع وهو النبيذ، وحرمة الربا في البر،\nفإنا أثبتنا مثله في الفرع وهو: الأرز أو الذرة.","vol":"5","page":1971},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>المطلب الثالث هل حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالنص أو بالعلة</span>؟\nقال العلماء: إن علَّة تحريم ربا التفاضل في الأرز هي: كونه\nمكيل جنس، قياسًا على البر، فهل الحكم في البر - وهو أحد\nالأصناف المنصوص عليها - ثابت بهذه العِلَّة أو بالنص؟\nلقد اختلف العلماء في هذا على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن حكم الأصل ثابت بالعِلَّة، لا بالنص.\nوهو مذهب المالكية، والشافعية، وبعض الحنفية، وهو الحق؛\nلأنه لو كان الحكم يثبت في محل النص بالنص، دون العِلَّة لامتنع\nجريان القياس بإلحاق الفرع بالأصل، والسبب في ذلك: أنه لا\nيتحقق القياس إلا إذا كان الحكم ثابتا في المنصوص عليه بالعلَّة حتى\nيمكن إثبات مثل ذلك الحكم بمثل تلك العِلَّة، فاما إذا كانَ الحكم\nثابتًا في الأصل بالنص، لا بالعلَّة، ولا نص في الفرع، ولم يثبت\nبالعِلَّة في الأصل لم يتصور إثبات مثل حكم الأصل بمثل الوصف\nالذي في الفرع، وينقطع نظام القياس - حينئذٍ -، ويكون الفرع\nغير مقاس على الأصل، لكن القياس صحيح بإجماع القائسين،\nفيكون إجماعهم على ذلك إجماعا على أن الحكم في الأصل ثابت\nبالعِلَّة.\nالمذهب الثاني: أن حكم الأصل ثابت بالنص، لا بالعلَّة.\nوهو مذهب كثر الحنفية، وكثر الحنابلة.","vol":"5","page":1972},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن حكم الأصل قد يثبت تعبُّدًا، فلو ثبت بالعلَّة\nلم يثبت مع عدمها.\nجوابه:\nإن كل الأحكام معللة، لكن بعض الأحكام قد أدركنا العِلَّة التي\nمن أجلها شرع الحكم، فإن كانت قاصرة لم نقس على ذلك، وإن\nكانت متعدية استعملنا القياس.\nأما البعض الآخر من الأحكام فلم ندرك العِلَّة التي من أجلها شرع\nالحكم، فلذلك قلنا: إن الحكم تعبدي، فالحكم التعبدي له عِلَّة قد\nثبت الحكم بها، لكن لم ندركها.\nالدليل الثاني: أن العِلَّة مستنبطة من حكم الأصل، ومتفرعة عليه\n، وتابعة له في الوجودَ، فلو كان الحكم ثابتًا بها، لكان الأصل\nثابتًا بما لا ثبوت له دون ثبوته، وهذا دور.\nجوابه:\nإنا لا نريد أن العِلَّة هي المعرفة للحكم بالنسبة إلينا؛ لأنها مستنبطة\nمنه، وأنها لا تعرف دون معرفته، وإنما نريد أنها المعرفة للمعنى\nالذي شرع لأجله الحكم، أي: أن العِلَّة دالة على أن الحكم لم\nيوجد هنا - مثلًا - إلا من أجل كذا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي، وذلك لأن قول أصحاب المذهب الأول - إن\nالحكم ثابت بالعلَّة - لا يريدون به أن العِلَّة معرفة له بالنسبةِ إلينا؛\nلأنها مستنبطة منه، وأنها لا تعرف دون معرفته.","vol":"5","page":1973},{"text":"وإنما يريدون أن هذه العِلَّة هي التي من أجلها شرع الشارع هذا\nالحكم في الاءصل.\nوقول أصحاب المذهب الثاني - وهو: أن الحكم ثابت بالنص -\nوأن العلَّة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست العِلَّة التي من\nأجلهًا شرع الحكم، وإنما أرادوا: أنها غير معرفة لحكم الأصل\nبالنسبة إلينا، ولم ينكر أصحاب المذهب الأول ذلك، فلا خلاف\nفي المعنى، بل في اللفظ.\nولقد ذكرت في كتابي \" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \" أن\nالعلماء اختلفوا في ذلك على قولين، ورجحت: أن الخلاف\nمعنوي، وأنا الآن أعدل عن ذلك الرأي، وأثبت هنا أن الخلاف\nلفظي؛ لما ذكرت.","vol":"5","page":1974},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>المطلب الرابع في اشتراط كون حكم الأصل حكمًا شرعيا عمليا</span>\nيشترط في حكم الأصل أن يكون حكما شرعيا عمليا قد ثبت\nبكتاب أو سُنّة، أو إجماع؛ لأن المراد فيه القياس الشرعي الذي\nيكون الغرض منه إثبات حكم شرعي في الفرع.\nوخرج بذلك: الحكم العقلي، والحكم اللغوي، والحكم\nالحسي، فعلى تقدير جريان القياس فيها، فإنه ليس قياسا شرعيا،\nبل عقليا، ولغويا، وحسيا.\nويستثنى من ذلك: ما إذا كان القياس لغويا، ويتوصل به إلى\nحكم شرعي، فإن هذا يعتبر داخلًا في الحكم الشرعي كقياس تسمية\nالنبش سرقة، واللواطة زنى، ليثبت بذلك القطع، والجلد أو الرجم.","vol":"5","page":1975},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>المطلب الخامس اشتراط كون حكم الأصل حكما ثابتا مستمرًا</span>\nيشترط في حكم الأصل الذي قصد تعديته إلى الفرع أن يكون\nثابتا مستمرًا في الأصل؛ لأنه إذا لم يكن ثابتا فيه بأن لم يشرع فيه\nأصلًا، أو أنه شرع فيه، لكنه نسخ، فإنه لا يجوز بناء حكم الفرع\nعليه؛ لأمرين:\nأولهما: أن كون الشيء مبنيا على الغير صفة له، وتحقق الصفة\nيستدعي تحقق الموصوف، فإذا لم يكن الموصوف ثابتا لم تكن\nالصفة ثابتة له.\nثانيهما: أنه إذا لم يكن الحكم في الأصل ثابتا أمكن توجيه المنع\nعليه، فلا يمكن للمستدل أن ينتفع به قبل إقامة الدليل على ثبوته.","vol":"5","page":1976},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>المطلب السادس اشتراط كون حكم الأصل معقول المعنى</span>\nيشترط في القياس: أن يكون حكم الأصل مدرك المعنى والعلَّة\nالتي لأجلها شرع هذا الحكم؛ لأن القياس مبني على إدراك العِلَّة؛\nحيث إن المراد منه تعدية الحكم من محل إلى محل بواسطة تعدي\nالعلَّة.\nأما ما لا يعقل معناه ولا تدرك عِلَّته كاعداد الصلوات، وركعات\nكل صلاة، وعدد السعي والطواف، فإنه لا يجوز القياس فيه.","vol":"5","page":1977},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>المطلب السابع اشتراط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولًا\nبعمومه حكم الفرع</span>\nفمثلًا: لو جعلنا دليل تحريم الخمر هو ما روي عن النبي - ﷺ -:\n\"كل مسكر حرام \"، فإنه لا يصح قياس النبيذ على الخمر هنا؛ لأن\nهذا النص قد تناول بعمومه النبيذ كتناوله للخمر، فالنبيذ محرم\nبالنص، لا بالقياس.","vol":"5","page":1978},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>المطلب الثامن هل يثشترط قيام دليل على جواز القياس على الأصل</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط في الأصل: أن يقوم دليل على\nجواز القياس عليه.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: عموم الأدلة المثبتة للقياس؛ حيث إنها أجازت\nالقياس على الأصل مطلقا، فلم تعتبر هذا الشرط.\nالدليل الثاني: أنا إذا ظننا كون حكم الأصل معللًا بوصف، ثم\nعلمنا أو ظننا حصوله في الفرع: حصل ظن أن حكم الفرع مثل\nحكم الأصل، والعمل بالظن واجب.\nالمذهب الثاني: أنه لا يقاس على الأصل إلا إذا قامت الدلالة على\nجواز القياس عليه.\nوهو مذهب عثمان البتي البصري.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه لم يورد دليلًا على ما زعمه، وما لا دليل\nعليه فإنه لا يعتمد ولا يعول عليه.\nالجواب الثاني: أن هذا معارض بالواقع من الصحابة - ﵃ -","vol":"5","page":1979},{"text":"حيث إنه من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم فإنه\nيعلم أنهم كانوا يقيسون الفرع على الأصل عند وجود ما يظن كونه\nعلَّة لحكم الأصل في الأصل ووجدها في الفرع وإن لم يقم دليل\nخَاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل، وجواز القياس عليه،\nوأصرح شيء في ذلك قول عمر لأبي موسى: \" اعرف الأشباه\nوالأمثال ثم قس الأمور برأيك \"، ولم يفصل.\nمن ذلك: أنهم اختلفوا في قول الرجل لامرأته: \" أنت علي\nحرام \"، فقاسه بعضهم على الطلاق، وبعضهم قاسه على الظهار،\nوبعضهم قاسه على اليمين، ولم ينقل نص خاص، ولا إجماع على\nالقياس على تلك الأصول.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني تصبح دائرة\nالقياس ضيقة جدًا، كما هو واضح.","vol":"5","page":1980},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>المطلب التاسع هل يشترط في الأصل أن يكون قد انعقد الإجماع\nعلى أن حكمه معلل، أو أن تثبت علته بالنص</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط في الأصل: أن يكون قد اتفق\nالعلماء على أن حكمه معلل، ولا يشترط - أيضا - أن تثبت علَّته\nبالنص، بل لو ثبت ذلك بالطرق الاجتهادية الظنية جاز القياس عليه.\nوهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للدليلين اللذين\nذكرتهما في \" أنه لا يشترط في الأصل أن يقوم دليل على جواز\nالقياس عليه \"، وهو المطلب السابق.\nالمذهب الثاني: أن ذلك يشترط فلا يقاس على أصل حتى يدل\nنص على عين علَّة ذلك الحكم، أو انعقد الإجماع على كون حكمه\nمعللًا.\nوهو مذهب بشر المريسي المعتزلي.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا المذهب لا دليل عليه، وما لا دليل عليه\nلا يعتمد عليه.\nالجواب الثاني: أن هذا معارض بالواقع من الصحابة والواقع من","vol":"5","page":1981},{"text":"فقهاء الإسلام، حيث إنه ثبت عن الصحابة - ﵃ -\nأنهم كانوا يقيسون الفرع على الأصل بواسطة عِلَّة اجتهادية مثل فعلهم\nفي مسألة: \" أنت عليّ حرام \"، فقاسه بعضهم على الطلاق بعلَّة\nتختلف عمن قاسه على اليمين.\nومثل فعلهم في \" مسألة الجد والإخوة \" وغيرها.\nوكذلك فقهاء الإسلام كثيرًا ما نراهم يختلفون في عِلَّة الأصل،\nفمثلًا: حرم التفاضل في بيع البر بالبر، وهذا ثابت بحديث الأشياء\nالستة، ولكن الفقهاء اختلفوا في العلَّة التي من أجلها حرم هذا\nالتفاضل على أقوال:\nفقيل: إن العِلَّة هي الطعم، وعليه يحرم التفاضل في كل مطعوم.\nوقيل: إن العِلَّة هي الاقتيات والادخار، وعليه فإنه يحرم التفاضل\nفيما يقتات وما يدخر كالأرز والذرة.\nوقيل: إن العلَّة هي الكيل أو الوزن، وعلى هذا: يحرم\nالتفاضل فيما يكال وَما يوزن ومع ذلك فقد جاز القياس.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، حيث إنه بناء على المذهب الثاني تكون دائرة\nالقياس ضيقة جدًا، لأن أكثر العلَل اجتهادية عقلية، فلو لم نعلل\nبتلك العلل لما بقي لنا قياس إلا في القليل النادر.","vol":"5","page":1982},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>المطلب العاشر هل يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين.\nأي: لا يشترط في الأصل: أن لا يكون محصورًا بالعدد، بل\nيجوز القياس على الأصل، سواء كان محصورًا أو لم يكن محصورًا.\nوهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لعموم أدلة حجية\nالقياس، فإنها لم تفرق بين الأصل المحصور بالعدد وبين الأصل غير\nالمحصور إذا أدركت عِلَّة حكم الأصل.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس على الأصل المحصور بالعدد.\nوهو مذهب بعض العلماء حتى إنهم قالوا: لا يجوز القياس على\nجواز قتل الفواسق الخمس في الحل والحرم؛ لأنهن محصورات في\nقوله ﵇: \" خمس يقتلن في الحل والحرم \".\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن مفهوم العدد حُجَّة، وذلك يدل على نفي\nالحكم عما عداه، أي: أن تخصيص ذلك بالذكر يدل على نفي\nالحكم عما عداه.\nجوابه: يجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه يمنع أن مفهوم العدد هنا حُجَّة.","vol":"5","page":1983},{"text":"الجواب الثاني: سلمنا أن مفهوم العدد حُجَّة هنا، لكن القياس\nأقوى منه هنا إذا فهم المعنى الذي لأجله شرع الحكم.\nالدليل الثاني: أن جواز القياس عليه يبطل الحصر، فلم يجز كما\nإذا كان القياس يرفع شيئًا من مدلولات النص الدال على حكم\nالأصل.\nجوابه:\nأنا نمنع أن القياس على الأصل المحصور يبطل الحصر، أو يرفع\nشيئا من مدلولات النص، بل إن القياس يزيد عليه أشياء بشرط\nالاتفاق مع المذكورات بالعلَّة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني لا يقاس على\nالخمس اللاتي يقتلن بالحل والحرم، ولا يقاس على الأشياء الستة في\nحديث عبادة بن الصامت.\nأما بناء على المذهب الأول فإنه يقاس على كل شيء إذا وجدت\nالعلَّة.","vol":"5","page":1984},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>المطلب الحادي عشر اشتراط كون حكم الأصل معللًا بعلة معينة</span>\nقد صرح بها\nلأن العلَّة المبهمة لا يعلم وجودها في الفرع، فلا يقال مثلًا:\nتجب الزكاة في الحلي للعِلَّة المقتضية لوجوبها في النقد.\n* * *","vol":"5","page":1985},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>المطلب الثاني عشر بيان أن حكم الأصل إذا كان ثابتا بنص\nفإنه يجوز القياس عليه</span>.\nلأن النص من الأدلة المثبتة للأصل؛ لأن الأصل ينبني عليه الفرع،\nويلحق به، ويعتمد عليه، والشيء الذي لم يثبت لا يتصور بناء غيره عليه.\nمثاله: قولنا: الخنزير إذا ولغ في الإناء، فإنه يغسل سبع مرات؛\nقياسا على الكلب بجامع: أن كلًّا منهما حيوان نجس، فإن منع\nأحدهم الحكم في ولوغ الكلب دللنا عليه بنص الحديث الذي هو\nقوله - ﷺ -:\n\"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا \".","vol":"5","page":1986},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>المطلب الثالث عشر حكم القياس على أصل ثبت عن طريق الإجماع</span>\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز القياس على أصل ثابت عن طريق\nالإجماع.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهذا هو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن الإجماع أصل ثابت تثبت به أحكام الشرع،\nفجاز القياس على الأصل الثابت به كالقياس على ما ثبت بالكتاب\nوالسُّنَّة.\nالدليل الثاني: أنه يجوز القياس على أصل ثابت بخبر الواحد،\nوهو يفيد الظن.، فمن باب أَوْلى أن يقاس على أصل ثابت\nبالإجماع؛ لأن الإجماع آكد من خبر الواحد.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس إلا على الأصل الثابت\nبالكتاب والسُّنَّة - فقط - ولا يجوز القياس على أصل ثابت\nبالإجماع مطلقًا.\nْوهو مذهب بعض الشافعية، وحكي عن بعض الحنابلة.\nدليل هذا المذهب:\nإنه إذا أجمع العلماء على أصل، فإن ذلك الإجماع أو الاتفاق","vol":"5","page":1987},{"text":"حصل عن دليل - وهو مستند الإجماع - فيجب طلب الدليل\nوالمستند، فإنه ربما كان نطقا يتناول الفرع فيغني عن القياس، وربما\nكان معنى لا يتعدى الحكم الذي ثبت بالإجماع، فلا يجوز القياس\nعليه.\nجوابه:\nإن الدليل الذي ثبت به الإجماع إن كان نطقًا يتناول الفرع: لم\nيمنع القياس، بل يقويه.\nوإن كان معنى لا يتعدى الحكم الذي ثبت بالإجماع لا يمنع أن\nيكون هناك معنى آخر يتعدى إلى الفرع فيقاس عليه.\nفإذا لم يوجد ما يمنع القياس على ما ثبت بالإجماع، فإنه يقاس\nعليه بشرط: معرفة العِلَّة، ولا داعي للنظر فى مستند الإجماع.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني فإنه لا يجوز\nإلا على ما شبت بدليلين هما: الكتاب والسُّنَّة، أما على المذهب\nالأول فإنه يقاس على الأصل الثابت بثلاثة أدلة: الكتاب، والسُّنَّة،\nوالإجماع، فتكون دائرة القياس عند أصحاب المذهب الثاني أضيق\nمن دائرة القياس عند أصحاب المذهب الأول، ويكون كل قياس\nالأصل فيه مجمع عليه باطلًا عند أصحاب المذهب الثاني.","vol":"5","page":1988},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>المطلب الرابع عشر هل يشترط في حكم الأصل المقاس عليه أن تجمع\nعليه كل الأمة، أو يكفي اتفاق الخصمين</span>؟\nلقد بيَّنت فيما سبق: أنه يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع،\nولكن اختلف العلماء هل يكفي اتفاق الخصمين أو يشترط اتفاق كل\nالأُمَّة؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يكفي اتفاق الخصمين، فلا يشترط أن يكون\nحكم الأصل المقيس عليه متفقا عليه من كل الأُمَّة؛ حيث إن\nالخصمين - المستدل والمعترض - إذا اتفقا على حكم الأصل، فإن\nالمناظرة تنضبط، ويكون لها فائدة، أما إن كان حكم الأصل مختلفًا\nفيه، فإن المعترض له أن ينازع فيه كما ينازع في الفرع، وهذا هو\nالحق؛ لما ذكرت.\nمثال ذلك: قياس الأرز على البر في تحريم ربا الفضل بجامع:\nالطعم، أو الكيل، فإن الحكم متفق عليه، وإن اختلف في العِلَّة\nكما سبق.\nالمذهب الثاني: أنه يشترط في حكم الأصل المقيس عليه: أن\nيكون متفقا عليه بين الأمَّة، ولا يكفي أن يكون الأصل متفقًا عليه بين\nالخصمين.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن حكم الأصل إذا لم تجمع عليه كل الأمَّة، فإنه يجوز للخصم","vol":"5","page":1989},{"text":"- وهو المعترض -: أن يعلل حكم الأصل بعلَّة قاصرة لا تتعدى إلى\nالفرع، وإن وافقه المستدل على هذا بطل القياس؛ لعدم وجود المعنى\nالجامع بين الأصل والفرع.\nوإن لم يوافقه المستدل على ذلك، بل علل المستدل بعلة أخرى\nمتعدية إلى الفرع: بطل القياس أيضا؛ لأن المعترض قد علل حكم\nذلك الأصل بعلة قاصرة، ومنع أن يكون ذلك الشيء الذي أتى به\nالمستدل عِلَّة للأصل.\nوبيَّن - أي: المعترض - عدم موافقته على أن العِلَّة في حكم\nالأصل تلك العلَّة المتعدية التي أوردها المستدل، وذكر أَن عِلَّة حكم\nالأصل هي التي لا تتعدى إلى الفرع.\nوسموا ذلك بالقياس المركب، وهو: أن يكون الحكم متفقا عليه\nبين الخصمين، لكن لعلتين مختلفتين، فكل واحد من الخصمين علل\nالحكم بعلة مخالفة لعلة الآخر، كما في قياس حلي البالغة على\nحلي الصبية؛ فإن عدم وجوب الزكاة في حلي الصبية متفق عليه بين\nالخصمين، لكن لعلتين مختلفتين، فإنه عند أحدهما: لعلَّة كونه\nحليا، وعند الآخر: لعِلَّة كونه ما، للصبية.\nجوابه:\nأنا لو عملنا بهذا الشرط، وهو إجماع كل الأُمَّة على حكم الأصل،\nفإن ذلك يفضي إلى ندرة الأصل وحكمه المقاس عليه، وبالتالي ندرة\nالقياس كله مما يؤدي إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، كما سبق.","vol":"5","page":1990},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>المطلب الخامس عشر حكم القياس على الأصل الثابت عن طريق القياس</span>\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: لا يجوز القياس على أصل ثبت عن طريق القياس.\nوهو مذهب جمهور العلماء، فلا يجوز قياس الذرة على الأرز\nالذي هو مقاس على البر.\nوهذا هو الحق؛ لأن العلَّة الجامعة بين الأصل الثاني - وهو في\nالمثال: البر - والأصل الأول - وهو الأرز - إن كانت موجودة في\nالفرع وهو: الذرة، فليقم القائس بقياس الفرع - وهو الذرة -\nعلى الأصل الثاني - وهو البر - مباشرة؛ لأن ذكر الأصل الأول\nيكون - حينئذٍ - تطويل من غير فائدة، وغير المفيد عبث يجب رده\nوعدم اعتباره.\nوإن كانت العِلَّة الجامعة بين الأصلين - الأصل الأول وهو الأرز،\nوالأصل الثاني وهو البر - غير موجودة في الفرع - وهو الذرة -:\nلم يجز قياس الذرة على الأصل الأول - وهو الأرز -؛ لأنه قد\nظهر أن حكم الأصل الأول - وهو الأرز - قد ثبت بعِلَّة غير\nموجودة في الفرع، وهذا يبطل القياس؛ لأن من شرط صحة\nالقياس: أن تكون عِلَّة الأصل وعِلَّة الفرع متساويتين.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز القياس على أصل ثبت بالقياس.","vol":"5","page":1991},{"text":"وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية، وكثير من الحنابلة،\nوهو اختيار أبي عبد اللَّه البصري.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لما ثبت الحكم في الفرع صار أصلًا في نفسه، فجاز أن يستنبط\nمنه عِلَّة، ويقاس عليه غيره كالنص نفسه، ولا فرق.\nجوابه:\nإن هذا يؤدي إلى إثبات حكم في الفرع بغير علَّة الأصل، وذلك\nلا يجوز.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، كما سبق من المثال.","vol":"5","page":1992},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>المطلب السادس عشر إذا كان حكم الأصل منصوصا عليه وقد اختلف\nفيه بين الخصمين فهل يجوز القياس عليه</span>؟\nلقد بيَّنت فيما سبق: أنه يجوز القياس على حكم الأصل\nالمنصوص عليه، واتفق عليه الخصمان، وبيَّنت أن الحكم الذي اتفق\nالخصمان عليه يجوز القياس عليه.\nلكن إذا نص على حكم أصل، ولكن اختلف الخصمان فيه،\nفهل يجوز القياس عليه؟\nلقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز القياس على الأصل وحكمه إذا كان\nمنصوصًا عليه، وإن خالف فيه أحد الخصمين، فلا ينظر إلى\nخلافه، وقد بيَّنا ذلك فيما سبق.\nمثاله: قولنا: إن الخنزير إذا ولغ في الإناء، فإنه يغسل ذلك\nالإناء سبع مرات؛ قياسا على الكلب بجامع: أن كلًّا منهما حيوان\nنجس.\nفإن منع الخصم في ولوغ الكلب - أي: فإن خالف الخصم في\nحكم الأصل - فإن المستدل يرد ويقول: إن غسل الإناء من ولوغ\nالكلب سبع مرات قد ثبت بالنص.، وهو قوله ﵇:\n\" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا \"،\nفيصح قياس الخنزير على الكلب، وإن خالف الخصم في الأصل وحكمه.","vol":"5","page":1993},{"text":"لكن صحة هذا مشروطة بأن يكون النص غير شامل للفرع، فإن\nكان شاملًا للفرع أخذنا حكمه من النص، ولا داعي للقياس.\nهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لأن الأصل\nوحكمه يعتبران من أركان القياس، فإذا خالف أحد في هذا الأصل،\nفيجوز للمستدل أن يثبته بدليل معتمد كالنص وغيره، وهذا حال\nجميع أركان القياس إذا خالف في أحدها بعض المعترضين، وليس\nطريق إثبات حكم الأصل مقصورًا على الاتفاق - فقط -، بل\nيكفي أي دليل يجعل المجتهد يغلب على ظنه أنه قد أثبت ذلك\nالحكم، والنص يغلِّب الظن، فيجب أن يثبت به الأصل وحكمه\nكالإجماع، لأن الفرق بينهما تحكم.\nاعتراض على هذا:\nقال قائل - معترضًا -: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تجوزوا\nالقياس على ما ثبت بالقياس، مع أن القياس يغلب على الظن أنه\nعبت للأصل.\nجوابه:\nإن الأصل عندنا لا يثبت بالقياس، لذلك لا يجوز القياس على ما\nثبت بالقياس، لأن العِلَّة الجامعة بين الأصل الأول والثاني إن كانت\nموجودة في الفرع، فلَيقم المستدل ويقيسه على الأصل الثاني مباشرة\nويكفيه، وإن لم تكن العلَّة موجودة في الفرع لم يصح القياس؛\nلأن القياس مبني على وجوَد العِلَّة، وهي هنا ليست كوجودة، لهذا\nالسبب منعنا القياس على ما ثبت بالقياس.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس على المختلف فيه وإن كان\nمنصوصا عليه.","vol":"5","page":1994},{"text":"وهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن القياس المختلف فيه بين الخصمين، يؤدي ويفضي إلى الانتقال\nمن مسألة إلى مسألة أخرى، بيان ذلك:\nأن المستدل إذا قاس على أصل مختلف فيه بين الخصمين، فإن\nالمعترض يمنع ذلك، ويقول: لا أسلم ثبوت ذلك الأصل بذلك\nالنص، فإن أثبت المستدل الأصل بدليل آخر كالمفهوم، أو الإجماع\nالسكوتي، أو نحوهما: جاز للمعترض أن يمنع الاستدلال بذلك،\nفيكون مختلفًا فيه، وهكذا إن حاول المستدل أن يثبت الأصل بأي\nدليل عارضه خصمه فيه، فينتقل الكلام من مسألة إلى مسألة أخرى،\nويبني الخلاف على الخلاف، وليس أحد الخصمين بأوْلى من الآخر\nفي ذلك، حيث إن كلًّا منهما قد بلغ درجة الاجتهاد.\nجوابه:\nإن الأصل وحكمه يثبت بالنص كغيره من أحكام الشريعة كثبوت\nالأحكام بأخبار الآحاد، والظواهر من النصوص، والمجتهد الذي\nيثبت حكمًا بأي نص يعمل به ويفتي به، ولا يضره مخالفة الخصم\nوعدم أخذه بذلك النص، فكذلك هنا فإنه يُثبت الأصل وحكمه بأي\nنصٍ صح عنده ويبني عليه أحكاما أخرى من قياس عليه، ونحو\nذلك.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، وهو واضح.","vol":"5","page":1995},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>المطلب السابع عشر هل يُقاس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة القياس</span>؟\nأو تقول: هل يقاس على حكم الأصل المعدول به عن سنن القياس؟\nالمراد من ذلك: أن الطريقة المعهودة في القياس الشرعي: كون\nذلك الحكم معللًا بعلَّة منصوصة أو مستنبطة، وكون تلك العلَّة\nموجودة في صور كثيرة، فإذا ورد حكم معدول به عن هذا فهَل\nيقاس عليه أو لا؟\nأقول - في الجواب عن ذلك -: إن الأحكام المشروعة أنواع،\nسأذكرها وأذكر منها الخارج عن قاعدة القياس، وغير الخارج،\nفأقول:\nالنوع الأول: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير أن يؤخذ من\nأصول أُخر، ولا يعقل معناها كأعداد الصلوات، وأعداد ركعات\nكل صلاة، ونصب الزكاة، ولِمَ جُعل الركوع مفردًا، والسجود\nمثنى؟ فهذا النوع لا يجوز القياس فيه؛ نظرًا لعدم وجود العِلَّة التي\nهي أهم ركن من أركان القياس.\nوهذا غير خارج عن قاعدة القياس؛ لأنه لم يسبقها عموم قياس\nيمنع منها، ولا يستثنى عن أصول أخر حتى يسمى بالخارج عن\nالقياس، ولكن بعض العلماء سماه بالخارج عن قاعدة القياس،\nوهذه التسمية مجاز.","vol":"5","page":1996},{"text":"النوع الثاني: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير أن يؤخذ ويقتطع\nمن أصول أُخر، وهي معقولة المعنى، لكنها عديمة النظير والمثيل.\nأي: لا يكون له نظير خارج عما يتناوله الدليل الدال على تلك\nالأحكام، فهذا لا يقاس عليها؛ نظرًا لتعذر الفرع الذي هو ركن\nمن أركان القياس.\nمن أمثلته: رخصة المسح على الخفين؛ فإنه معلل بعسر نزعه في\nكل وقت، وأن الحاجة ماسة إليه، ولكن لا يساويه في هذا المعنى\nشيء مما يشبهه من بعض الوجوه كالعمامة والقفازين، فلذلك لم\nيجز قياس شيء منها عليه، وهذا على مذهب من قال: لا يجوز\nالقياس على الرخص.\nوكذلك رخصة القصر لعذر السفر، فمانه معلل بالمشقة المخصوصة\nوهي غير حاصلة في حق غير المسافر، فإن الشقة مناسبة ظاهرة\nلذلك الحكم، ولا يمكن تعليله بمطلق المشقة، وإلا لوجب ثبوت\nالقصر في حق المريض.\nوكذلك مشروعية القسامة تجب على من لم يدع عليه ولي الدم\nالقتل، ولا تسقط بها عنهم الدية، ووجبت على عدد مخصوص،\nوجعل الخيار إلى ولي الدم فيمن يحلف، وهذا لا يوجد في غيره.\nوهذا غير خارج عن قاعدة القياس، لكن القياس هنا امتنع؛\nلعدم وجود الفرع - كما سبق قوله -.\nولذلك لا يصح ما يقوله بعض الفقهاء: إن توقيت الإجارة خارج\nعن قياس الأصول كالبيع والنكاح؛ لأنه ليس جعل أحدهما أصلًا\nوالآخر خارجًا عنه بأوْلى من العكس، بل كل واحد منها أصل\nبنفسه لانظير له.","vol":"5","page":1997},{"text":"النوع الثالث: ما شرع من الأحكام على وجه الاستثناء والاقتطاع\nعن القواعد العامة والأصول المقررة، ولا يحقل معناه، وهذا النوع\nلا يقاس عليه؛ نظرًا لفقد العِلَّة التي عليها مدار القياس.\nمن أمثلة ذلك: قبول شهادة خزيمة بمفرده لقوله - ﷺ -: \"من شهد له خزيمة فهو حسبه \"، وقوله لأبي بردة: هاني بن نيار الأنصاري\n- وقد ضحى بالجذع من المعز -:\n\" تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك \".\nوتسمية هذا النوع بالخارج عن قاعدة القياس تسمية حقيقية؛ حيث\nإن القاعدة: أن الجذع من المعز لا تجزئ، والقاعدة: أنه لا يقبل في\nالشهادة إلا شهادة اثنين.\nالنوع الرابع: ما شرع من الأحكام على وجه الاستثناء والاقتطاع\nعن القواعد العامة، وهو مخالف للأصول المقررة، وهو معقول\nالمعنى.\nمثل: مشروعية بيع العرايا - وهو بيع الرطب في رؤوس النخل\nبمثل قدره تمرًا عن طريق الخرص - فهذا على خلاف القاعدة وهي:\nالنهي عن بيع المزابنة - وهي: بيع التمر بالتمر - ونعلم أنه لم يشرع\nناسخا لبيع المزابنة، بل على وجه الاستثناء والاقتطاع عنها لحاجة\nالفقراء، فيقاس العنب على الرطب؛ لأنه في معناه.\nوكذلك: ما شرع من رد المصراة، ورد صاع من التمر معها بدل\nاللبن الموجود في ضرعها؛ فإن هذا لم يشرع لقاعدة ضمان المثليات\nبالمثل، والمتقومات بالقيمة، ولكنه على وجه الاستثناء من تلك\nالقاعدة؛ لعِلَّة وهي: الحاجة لذلك؛ حيث إن اللبن الكائن في\nالضرع لدى البيع اختلط باللبن الحادث بعده، ولا يمكن التمييز","vol":"5","page":1998},{"text":"بينهما، ولا يمكن معوفة القدر الموجود في الضرع عند البيع، وكان\nالأمر قد تعلق بمطعوم، لذلك خلَّص الشارع المتبايعين من المنازعة\nوالوقوع في ورطة الجهل بالتقدير بصاع من التمر، لاشتراكهما في\nوصف الطعام، ولتقاربهما في القيمة كما قدر دية الجنين بغرة عبد أو\nامَة، مع اختلاف الجنين بالذكورة والأنوثة، ولما فهمنا المعنى الذي\nلأجله شرع الحكم قسنا عليه غيره؛ حيث إنا نقول: لو ردَّ المصراة\nبعيب آخر غير التصرية رد معها أيضا صاعا من التمر بدل اللبن\nالموجود في الضرع.\nوهذا النوع قد اختلف فيه هل يجوز القياس عليه أو لا؟\nاختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:\nالمذهب الأول: أنه يجوز القياس عليه مطلقا وإن كان خارجا عن\nقاعدة القياس.\nهو مذهب كثير من الشافعية، والحنابلة، وبعض الحنفية.\nوهو الحق؛ لأنه حكم شرعي معقول المعنى، مُدرك العلَّة إما عن\nطريق النص، أو عن طريق الاستنباط، فجاز القياس عليه كالقياس\nعلى غيره من الأصول الغير المعدول به عن سنن القياس، والجامع:\nتوفر أركان القياس وشروط كل ركن.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس عليه.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن القياس على المعدول به عن سنن القياس تكثير لمخالفة الدليل؛\nلأن قياس الأصول يقتضي أن يكون حكم المعدول عن سنن القياس","vol":"5","page":1999},{"text":"كحكمه، لكن النص أخرجه عنه، فيبقى ما عداه على وفقه، فإخراج\nغيره عن حكمه تكثير لمخالفته، بخلاف القياس على الأصول الغير\nالمعدول به عن سق القياس؛ فإنه لا يلزم منه مخالفة الدليل.\nجوابه:\nإن الشارع إنما يخالف الدليل لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك\nالدليل؛ عملًا بالاستقراء، وتقديم الأرجح، وهو شأن صاحب\nالشرع، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في\nصورة أخرى: وجب أن يخالف الدليل بها - أيضا - عملًا\nبرجحانها، فنحن - حينئذٍ - قد أكثرنا موافقة الدليل لا مخالفته.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذا النوع معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية،\nومنها:\n١ - أنه على المذهب الأول: يجوز قياس العنب على الرطب،\nفيجوز بيع العنب بالزبيب، كما جاز بيع الرطب بالتمر.\nوعلى المذهب الثاني: لا يجوز ذلك.\n٢ - أنه على المذهب الأول: يجوز القياس على مسألة المصراة\nبخلاف المذهب الثاني.\nالنوج الخامس: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير اقتطاع عن\nأصول أخر، وهي معقولة المعنى، ولها نظير وفروع.\nفهذا اتفق القائلون بالقياس على أنه يجري فيه القياس.\nوهو قسم غير خارج عن قاعدة القياس باعتبار وجه من الوجوه.\nفهذه الأنواع الخمسة اختلف حكم القياس فيها بسبب اختلاف\nالأحكام فيها.","vol":"5","page":2000},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>المبحث الثاني في الفرع وشروطه وما يتعلق به</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في بيان المراد بالفرع.\nالمطلب الثاني: اشتراط كون العلَّة الموجودة في الفرع مثل علة حكم\nالأصل من غير تفاوت واختلاف.\nالمطلب الثالث: اشتراط عدم كون حكم الفرع منصوصا عليه أو\nمجمعًا عليه.\nالمطلب الرابع: اشتراط كون الحكم في الفرع مماثلًا لحكم الأصل في\nعينه أو جنسه.\nالمطلب الخامس: اشتراط عدم تقدم حكم الفرع على حكم الأصل.\nالمطلب السادس: هل يشترط أن تكون العِلَّة في الفرع معلومة قطعا؟\nالمطلب السابع: هل يشترط في حكم الفرع أن يكون مما ثبت بالنص\nجملة؟","vol":"5","page":2001},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>المطلب الأول بيان المراد بالفرع</span>\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الفرع هو الحل الذي لم ينص على حكمه\nكالنبيذ فإنه فرع، والخمر أصل؛ لأن الجميع مسكر.\nوهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لأن الفرع هو:\nالمفتقر إلى غيره، والمردود إليه، وهذا إنما يتحقق على الحل وهو\nالنبيذ؛ حيث إنه مقيس على الخمر ومشبه به بوجه شبه وهو:\nالإسكار، فلولا الخمر لا عرفنا حكم النبيذ.\nالمذهب الثاني: أن الفرع هو: حكم تلك الصورة المقيسة،\nفيكون الفرع - على هذا - تحريم النبيذ.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن حكم الصورة الثانية متفرج عن العِلَّة، والعلَّة متفرعة عن حكم\nالصورة الأولى، وفرع الفرع فرع لذلك الأصل، فصح أن يكون\nحكم الصورة الثانية فرعا.\nجوابه:\nإن هذا فيه تكلفا واضحا؛ حيث إن الفرع عند الإطلاق ينصرف\nإلى الفرع المباشر، لا إلى ما كان فرعا بواسطة.","vol":"5","page":2003},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ نظرًا لصحة إطلاق الفرع على كل من هذين\nالمذهبين، ولا مانع من ذلك؛ لكن إطلاقه على المذهب الثاني فيه\nبعض التكلف، فيكون الفرع على المذهب الأول أوْلى.\nفيكون - على هذا - الأصل هو المحل الذي ورد حكمه في\nالكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع كالخمر، والهرة، والصبي.\nوالفرع هو المحل الذي لم يرد حكمه في كتاب، ولا سُنَّة، ولا\nإجماع: كالنبيذ، والفأرة، والسفيه، بيان ذلك:\nأننا لما قسنا النبيذ على الخمر كان عندنا أربعة أركان:\nالأصل: الخمر، والفرع: النبيذ، والعِلَّة: الإسكار،\nوالحكم: التحريم.\nولما قسنا الفأرة على الهرة: كان عندنا أربعة أركان:\nالأصل: الهرة - الوارد حكمها بقوله - ﷺ -:\n\"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات \"،\nوالفرع: الفأرة، والعلَّة:\nكثرة التطواف وصعوبة التحرز منها، والحكم: طهارة سؤرَ كل\nمنهما.\nولما قسنا السفيه على الصبي كان عندنا أربعة أركان:\nالأصل: الصبي، حيث أجمع العلماء على أنه يحجر عليه -\nوالفرع: السفيه، والعِلَّة: ضعف التصرف، والحكم: الحجر\nعليهما.","vol":"5","page":2004},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>المطلب الثاني اشتراط كون العلَّة الموجودة في الفرع مثل علة حكم\nالأصل من غير تفاوت واختلاف</span>\nوذلك كالإسكار، فإنه موجود في الخمر، وموجود في النبيذ من\nغير اختلاف، لذلك ألحقنا النبيذ بالخمر، وكالطعم، فإنه موجود\nفي الأرز وفي البر من غير اختلاف وتفاوت، لذلك قسنا الأرز على\nالبر، والقتل العمد العدوان فإنه موجود في القتك بالمثقل، وموجود\nفي القتل بالمحدد من غير تفاوت، لذلك قسنا القتل بالمثقل على\nالقتل بالمحدد، وهكذا.\nفإن وجد تفاوت واختلاف فإنا ننظر:\nإن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق نقصان علَّة الفرع عن عِلَّة\nحكم الأصل كقول بعضهم: تجب الزكاة في مال الصبي؛ قياسا\nعلى مال المكلف بجامع: أن كلًّا منهما يملك ماله، فإن هذا لا\nيصح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن علَّة حكم الأصل تختلف\nعن علَّة الفرع؛ حيث إن علَّة الأصل - وهو البالغ -: أنه يملك\nماله بالقوة والفعل، أما عِلَّة الفرع فهي: إنه يملك ماله بالقوة فقط.\nوإن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق زيادة عِلَّة الفرع: فإن\nالقياس يصح، بل يكون الفرع أوْلى بالحكم من الأَصل، كما في\nقياس ضرب الوالدين على التأفيف لهما في التحريم بجامع الإيذاء\nفي كل، فإن الإيذاء في الضرب أشد.","vol":"5","page":2005},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>المطلب الثالث اشتراط عدم كون حكم الفرع منصوصا عليه\nأو مجمعا عليه</span>\nأي: يشترط في الفرع: أن يكون خاليًا عن نص من كتاب، أو\nسُنَّة، أو إجماع يصادم وينافي حكم القياس، فإذا كان النص أو\nالإجماع يخالف القياس فلا قياس، وإلا لزم تقديم القياس على\nالحكم الثابت بالنص والإجماع، هذا إذا كان النص أو الإجماع\nيخالف الحكم الذي ورد به القياس.\nأما إذا كان يوافق القياس فإنا ننظر:\nإن كان النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع بعينه هو\nالذي دلَّ على حكم الأصل، فالقياس باطل؛ لأن نسبة دلالة النص\nأو الإجماع على حكنم الفرع وحكم الأصل على السواء، فلا فرق\nبينهما، فليس جعل تلك الصورة أصلًا، والأخرى فرعا أوْلى من\nالعكس.\nوإن كان النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع غير\nالنص أو الإجماع الدال على حكم الأصل: فالقياس جائز عند أكثر\nالعلماء، وهو الحق، لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز؛\nلإفادة زيادة الظن.","vol":"5","page":2006},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>المطلب الرابع اشتراط كون الحكم في الفرع مماثلًا لحكم\nالأصل في عينه، أو جنسه</span>\nمثال المماثلة بينهما في العين: قياس القتل بالمثقل على القتل\nبالمحدد في وجوب القصاص في النفس بجامع: القتل العمد العدوان.\nفعين الحكم تعدى إلى الفرع، وهو قصاص النفس، فالحكم في\nالفرع هو الحكم في الأصل بعينه.\nومثال المماثلة بينهما في الجنس: قياس ثبوت ولاية النكاح على\nالثيب الصغيرة بالقياس على إثبات الولاية في مالها بجامع: الصغر:\nفقد تعدى جنس الولاية في الفرع، وهو جنس تحته ولاية المال،\nوولاية النفس، لأن ولاية النكاح من جنس ولاية المال، فإنهما سبب\nلنفاذ التصرف، وليست عينها لاختلاف التصرفين.\nوهذا الاشتراط واضح في تعريفنا للقياس، حيث قلنا:\n\" إن القياس: إثبات مثل حكم أصل لفرع \".","vol":"5","page":2007},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>المطلب الخامس اشتراط عدم تقدم حكم الفرع على حكم الأصل</span>\nيشترط: ألا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل مثل:\nأن يقال: الوضوء شرط للصلاة فتجب فيه النية كالتيمم، ومعلوم أن\nمشروعية التيمم متأخرة عن مشروعية الوضوء؛ فمشروعية الوضوء\nكانت قبل الهجرة، ومشروعية التيمم كانت بعد الهجرة في السنة\nالرابعة، وقيل: في الخامسة.\nواشترط ذلك: لأن ثبوت حكم الأصل الذي هو وجوب النية في\nالتيمم مقارن لعلته التي هي كونها شرطا في الصلاة، فإذا تقدم\nحكم الفرع كوجوب النية في الوضوء على حكم الأصل الذي هو\nوجوب النية في التيمم: لزم تقدمه على عِلَّته المقارنة لحكم الأصل،\nوهذا لا يصح.","vol":"5","page":2008},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>المطلب السادس هل يشترط أن تكون العِلَّة في الفرع معلومة قطعا</span>؟\nلقد اختلف العلماء فى ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك، بل يكفي ظن وجود العِلَّة\nفي الفرع.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لقوله تعالى: (فاعتبروا)\nحيث إنه عام، ولم يشترط فيه العلم القطعي، فتخصيصه بالقطعي\nتخصيص بلا مخصص، وهو باطل، فثبت أنه يدخل فيه العلم\nوالظن.\nالمذهب الثاني: أنه يشترط حصول العلَّة في الفرع معلوما، لا\nمظنونا.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه لا دليل على هذا المذهب، وما لا دليل عليه\nلا يعول عليه.\nالجواب الثاني: أن الظن غاية الاجتهاد فيما يقصد به العمل، فإذا\nحصل ظن كون الحكم معللًا بذلك الوصف، ثم حصل ظن ثبوت\nذلك الوصف في الفرع: حصل ظن أن الحكم في الفرع يماثل الحكم\nفي الأصل، والعمل بالظن واجب.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني فإن دائرة القياس\nتكون أضيق من العمل على المذهب الأول، وقد سبق ذكر ذلك.","vol":"5","page":2009},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>المطلب السابع هل يشترط في حكم الفرع: أن يكون مما ثبت بالنص جملة</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز القياس مطلقا.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لعموم حديث معاذ\nالسابق الذكر؛ حيث قال: \" أجتهد رأيي \"، فلم يفصل بين ما\nثبت حكم الفرع فيه على جهة الإجمال، وبين غيره، وأقره النبي\n- ﷺ - على ذلك، فدلَّ على أن القياس لا يشترط فيه تقدم نص مجمل على الفرع.\nالمذهب الثاني: يشترط لصحة القياس: أن يثبت حكم الفرع\nبالنص على جهة الإجمال.\nوهو ما ذهب إليه أبو هاشم، حيث نقل عنه أنه يذهب إلى\nوجوب تناول النصوص لحكم الفرع على جهة الإجمال، والقياس\nإنما هو للكشف عن مواضعها وانتزاع تفاصيلها، وذلك كميراث الجد\nمع الإخوة الثابت بنص إجمالي، ثم استعمل القياس لتفصيله،\nفلولا ورود ميراث الجد لما جاز القياس في توريثه مع الإخوة الدال\nعليه الإجماع وإطلاق قوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما\nالسدس)، وكذلك القول في سائر الفروع، فاما إثبات فرع لم\nيتناول حكمه نص على سبيل الجملة فلا يصح.","vol":"5","page":2010},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن الصحابة لم تستعمل القياس إلا في فروع قد ورد حكمها\nبنصوص على سبيل الإجمال، ألا ترى إلى قياسهم الجد على ابن\nالابن، وقياسهم حد شارب الخمر على حد القاذف في تعيين عدد\nالجلدات لورود حد القاذف بالنص بخلاف الشارب، وهذا على\nجهة الإجمال.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، بل إنه ثبت بعد تتبع واستقراء ما ورد من\nالأقيسة التي استعملها الصحابة - ﵃ - أنهم كانوا\nيستعملون القياس مطلقًا بدون أن يتقيدوا بهذا الشرط، من ذلك:\nأنهم استعملوا القياس في الكنايات في الطلاق، ومن ذلك: أنهم\nقاسوا من قال لزوجته: \" أنت عليّ حرام \" على الطلاق، وعلى\nالظهار، وعلى اليمين، وأنهم قاسوا العهد على العقد، وقاسوا\nالأخوة الأشقاء على الإخوة لأم في المشركة، وقاسوا المفوضة على\nالزوجة المدخول بها في استحقاق المهر ونحو ذلك، فثبت حكمه ولا\nنص في الفرع أصلًا لا جملة ولا تفصيلًا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ لما سبق.","vol":"5","page":2011},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>المبحث الثالث في العِلَّة وشروطها وما يتعلق بها</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في تعريف العِلَّة لغة وأسمائها.\nالمطلب الثاني: في تعريف العِلَّة اصطلاحا.\nالمطلب الثالث: في تقسيمات لمعِلَّة.\nالمطلب الرابع: في طرق ثبوت العلَّة \" مسالك العِلَّة \".\nالمطلب الخامس: هل يشثرط: أَن تكون العلَّة مناسبة مشتملة على\nحكمة قصدها الشارع من تَشريعه؟\nالمطلب السادس: هل يشترط أن تكون العِلَّة ظاهرة جلية، أو يجوز\nالتعليل بالوصف الخفي؟\nالمطلب السابع: حكم التعليل بالحكم الشرعي.\nالمطلب الثامن: بيان أنه يشترط في العِلَّة: أن لا تخالف نصا ولا\nإجماعا.\nالمطلب التاسع: حكم التعليل بالحكمة.\nالمطلب العاشر: هل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف\nالوجودي وتعليل الحكم العدمي بالوصف\nالوجودي، وتعليل الحكم العدمي بالوصف\nالعدمي، وتعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي؟","vol":"5","page":2013},{"text":"المطلب الحادي عشر: حكم التعليل بالوصف المركب.\nالمطلب الثاني عشر: حكم التعليل بأكثر من علة \" تعدد العلل \".\nالمطلب الثالث عشر: حكم تعليل حكمين أو أحكام بعلة واحدة.\nالمطلب الرابع عشر: هل الطرد دليل على صحة العِلَّة؟\nالمطلب الخامس عشر: في بيان أنه يشترط في الوصف المستنبط المعلل\nبه: أن لا يرجع على الأصل بإبطاله.\nالمطلب السادس عشر: حكم التعليل بالاسم الجرد.\nالمطلب السابع عشر: حكم التعليل بالوصف العرفي.\nالمطلب الثامن عشر: هل يجوز التعليل بالعِلَّة القاصرة؟\nالمطلب التاسع عشر: بيان أنه يشترط في العِلَّة أن لا تكون معارضة\nبعلة أخرى.\nالمطلب العشرون: تخصيص العِلَّة.","vol":"5","page":2014},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>المطلب الأول في تعريف العِلَّة لغة، وأسمائها</span>\nالعَلة - بفتح العين - هي: الضرة، وهي الزوجة الثانية،\nوسميت هذه بالضرة؛ لأنها تعل بعد صاحبتها من العلل الذي يعنى\nبها الشربة الثانية عند سقي الإبل، والأولى منهما تسمى النهل.\nأما العِلَّة - بكسر العين - فإنها تأتي بمعنى المرض، يقال: اعتل\nالعليل علة صعبة.\nولهذا سميت العلَّة في القياس بهذا الاسم؛ لأنها معنى يحل\nبالمحل فيتغير به حال المحل بلا اختيار، ومنه سمي المرض عِلَّة - كما\nقلنا -؛ لأن المرض إذا حل بشخص تغيرت حاله من النشاط إلى\nالضعف، ومن الصحة إلى السقم، ومن الفتوة إلى الوهن.\nوتسمى العِلَّة بالمناط، أي: مناظ الحكم، وهو متعلق الحكم من\nناط، ينوط، نوطًا، أي علَّق، يُعلِّق، تعليقا.\nفمناط الحكم: إذا أضاف الشرع الحكم إليه، وناطه به، ونصبه\nعلامة عليه، فحكم الفرع متعلق بتلك العلَّة: إن وجدت عِلَّة حكم\nالأصل في الفرع: وجد مثل حكم الأصل للفرع، وإن انتفَت العِلَّة\nانتفى الحكم.\nوتسمى العِلَّة: بالوصف المناسب الجامع بين الأصل والفرع.\nوتسمى العِلَّة بالمعنى الذي لأجله شرع الحكم.\nوتأتي بمعنى السبب، ولعل هذا هو المناسب للمعنى الاصطلاحي؛\nلأن العلة سبب في ثبوت الحكم في الفرع المطلوب إثبات الحكم له.","vol":"5","page":2015},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>المطلب الثاني في تعريف العِلَّة اصطلاحا</span>\nلقد عرفت العلَّة بتعريفات كثيرة، وأقربها إلى الصحة هو:\nالوصف المعرِّف للحَكم.\nالوصف معنى قائم بالموصوف.\nوينبغي أن يكون هذا الوصف: وصفا ظاهرًا منضبطا مجاوزًا\nفشتملًا على معنى مناسب للحكم.\nوالمراد بالظاهر: ما كان من أفعال الجوارح كشرب الخمر علة\nللحلد، والسرقة علة للقطع، والقتل العمد العدوان علة للقصاص،\nوهكذا.\nوقيدنا الوصف بكونه ظاهرًا لتخرج الصفات غير الظاهرة\nكالصفات الخفية كالرضى والسخط، كأن يعلل ثبوت البيع برضى\nالعاقدين، فهذا لا يجوز؛ لأنه وصف خفي غير ظاهر: حيث إن\nالوصف المعلل به يكون معرفا للحكم الشرعي، والخفي لا يصلح أن\nيكون معرفًا؛ نظرًا لخفائه، فهو محتاج إلى التعريف.\nاعتراض:\nقال قائل - معترضا -: إن الوصف الخفي يجوز التعليل به،\nفالوصف وإن كان خفيا، لكنه بدلالة الصيغ الظاهرة عليه كدلالة\nالإيجاب والقبول على الرضى: يكون من الأوصاف الظاهرة.","vol":"5","page":2016},{"text":"جوابه:\nالتعليل بالوصف الخفي وإن صح في بعض الأحكام؛ لقرينة،\nلكنه لا يصح في جميع الأحكام؛ لذلك يحصل اختلاف بين حكم\nوحكم، بخلاف الوصف الظاهر فلا يحصل فيه ذلك.\nوقيدنا الوصف بكونه منضبطا لبيان أن الوصف المعلل به ينبغي أن\nيكون مستقرًا على حالة واحدة لا يختلف باختلاف الأشخاص، ولا\nالأزمان، ولا الأحوال: فالسفر ثلاثة فراسخ علة إباحة الفطر في\nرمضان مطلقًا، أي: لجميع الأشخاص المكلَّفين كبيرًا أو صغيرًا،\nيتحمل المشاق أو لا يتحمل في صيف أو شتاء، في حالة مرض أو\nحالة صحة وفتوة.\nفيخرج بذلك الوصف غير المنضبط كالمشقة، فإنها غير منضبطة؛\nحيث إنها تختلف باختلاف الأزمان، والأشخاص، والأحوال،\nفلو عللنا إباحة الإفطار في رمضان بالمشقة لوقع اضطراب واختلاف\nبين الأشخاص والأزمان، فتجد بعض الناس يباح له الإفطار؛ لأنه\nيجد مشقة، وتجد آخر لا يفطر؛ لأنه لا يجد تلك المشقة التي\nوجدها الآخر، ولأبيح الإفطار في الشتاء دون الصيف أو العكس،\nوتجد من ركب الراحلة لا يباح له الإفطار؛ حيث إن السفر عليه\nأيسر، بينما الذي لا يملك الراحلة يباح له ذلك.\nإذن لا بد من اشتراط الانضباط في الوصف حتى يتحد الناس في\nالحكم وتسود العدالة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.\nوقيدنا الوصف بكونه مجاوزًا؛ لبيان أن هذا الوصف ينبغي أن\nيكون موجودًا في غير محل الحكمْ كالطعم: فإنه موجود في البر\nالذي هو محل الحكم، وموجود في غيره كالأرز والذرة، ومثل","vol":"5","page":2017},{"text":"القتل العمد العدوان: فإنه موجود في القتل بالحدد، وموجود في\nغيره كالقتل بالمثقل، ويُسمَّى ذلك الوصف \" علة متعدية \".\nوخرج بذلك العلَّة القاصرة - وهي التي توجد في محل الحكم\nولا توجد في غيره - كالسفر الذي هو علَّة إباحة الفطر في رمضان،\nوالنقدية في الذهب والفضة؛ حيث إنهمَا وصفان لا يوجدان في غير\nالسفر، وغير الذهب والفضة.\nوقيدنا الوصف بكونه مشتملًا على معنى مناسب للحكم لبيان أن\nهذا الوصف ينبغي أن يكون مشتملًا على الحكمة التي من أجلها شرع\nالحكم، فلا يجوز تعليل حكم بعِلَّة لا تناسب الحكم.\nوقولنا: \" المعرِّف \" معناه: أن يكون هذا الوصف دالًّا على\nوجود الحكم في محله، وأنه شُرع لهذا المعين.\nوخرج بذلك الشرط؛ لأنه ليس معرِّفا للمشروط؛ حيث إنه\nيصح وجود الشرط بدون وجود المشروط كالطهارة، فإنها شرط\nللصلاة، لكن قد توجد الطهارة، ولا توجد الصلاة، بخلاف\nالعلَّة فإنها لا يمكن أن توجد بدون المعلول، فإنه كلما وجدت السرقة\nوجد القطع، وكلما وجد الزنى وجد الجلد أو الرجم، وكلما وجد\nالقتل العمد العدوان وجد القصاص، وهكذا.\nوالمراد بلفظ \" الحكم \": الحكم الشرعي، أي: أن هذا الوصف\nقد عرفنا بالحكم الشرعي.\nوهذا احتراز عن الوصف المعرف لنقيض الحكم وهو: المانع.\nاعتراض على هذا التعريف:\nلقد قال قائل - معترضا -: إنه يلزم من هذا التعريف:","vol":"5","page":2018},{"text":"أنه لا فرق بين العلَّة والعلامة؛ حيث إنه يصدق على العلامة: أنها معرفة\nللحكم، وَهي ليست عِلَّة، مما يجعلنا أن نقول: إن التعريف غير\nمانع من دخول العلامة فيه.\nجوابه:\nإن الأحكام تضاف إلى عللها، لا إلى علاماتها، فالقصاص\nمضاف إلى علَّته وهي: القتل العمد العدوان، والرجم مضاف إلى\nعلَّته وهي: الزنى، ولا يضاف الحكم إلى العلامة، فالرجم لا\nيضَاف إلى الإحصان، لأنه علامته، بل يضاف إلى الزنى.\nتنبيه: لقد سبق في المسألة الرابعة من المطلب الأول من المبحث\nالرابع من الفصل الرابع من الباب الثاني ذكر تعريفات العلماء للعلَّة،\nوبيان أن الخلاف بينهم في تعريفها لفظي أثناء بحثنا للسبب من الحكم\nالوضعي، فلا داعي لإعادته فراجعه من هناك.\nوقد بينت ذلك بالتفصيل في كتابي \" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \"\nفراجعه فهو مطبوع متداول.","vol":"5","page":2019},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>المطلب الثالث في تقسيمات العِلَّة</span>\nتنقسم العِلَّة إلى عدة تقسيمات باعتبارت وحيثيات مختلفة هي كما\nيلي:\nالتقسيم الأول: العلَّة تنقسم من حيث هي إلى قسمين:\nالقسم الأول: العلًّة الشرعية وهي: التي تصير علة بجعل جاعل\nمثل: المكيل في البر، فإن المكيل موجود في البر قبل مجيء\nالشرع، لكن الشارع عده عِلَّة لتحريم ربا الفضل، والإسكار في\nالخمر، حيث إن الإسكار موجود في الخمر قبل مجيء الشرع،\nولكن الشارع عده عِلَّة لتحريم الخمر، وهكذا.\nالقسم الثاني: العِلَّة العقلية وهي: التي لا تصير عِلَّة بجعل\nجاعل، بل بنفسها مثل: الحركة من المتحرك، فإن الحركة علة على\nكون المتحرك متحركًا من جهة العقل.\nالتقسيم الثاني: العِلَّة تنقسم من حيث ثبوتها إلى قسمين:\nالقسم الأول: العِلَّة المنصوصة وهي: ما ثبتت بالنص.\nأي: ما نص الشارع عليها نصا صريحًا كقوله تعالى: (لئلا\nيكون للناس على اللَّه حجة)، وقوله - ﷺ -:\n\"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر \"،\nأو ما نص الشارع عليها نصا غير صريح كقوله - ﷺ -:\n\"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات \".","vol":"5","page":2020},{"text":"القسم الثاني: العِلَّة المستنبطة، وهي ما ثبتت باجتهاد المجتهدين\nكتعليل تحريم الخمر بالإسكار، وتعليل وجوب القصاص على القاتل\nبالمحدد بالقتل العمد العدوان، وهكذا.\nوهذان القسمان سيأتي التفصيل فيهما في مسالك العِلَّة إن شاء الله\nتعالى.\nالتقسيم الثالث: العِلَّة تنقسم من حيث تعديها وعدم ذلك إلى\nقسمين:\nالقسم الأول: العِلَّة المتعدية وهي: العلة التي توجد في محال\nوفروع غير المحل المنصوص عليه كالإسكار يوجد في الأصل وهو\nالخمر، ويوجد في غيره كالنبيذ وأي مسكر، والمكيل يوجد في\nالأصل وهو البر، ويوجد في غيره كالأرز والذرة.\nالقسم الثاني: العِلَّة القاصرة وهي: العِلَّة التي لا توجد إلا في\nالمحل المنصوص عليه، فلا تتجاوزه إلى غيره مثل: السفر؛ حيث\nإنه عِلَّة لقصر الصلاة، ولا يوجد في غيره، وكذلك الثمنية أو\nجوهرية الثمن؛ حيث إنه عِلَّة لتحريم الربا في النقدين، فإن هذا\nالوصف قاصر على النقدين فقط.\nالتقسيم الرابع: العِلَّة تنقسم من حيث لزوم الوصف أو عدم ذلك\nإلى قسمين:\nالقسم الأول: الوصف اللازم، وهو: الوصف المعلل به الذي\nيكون لازما للموصوف لا ينفك عنه مثل: كون البر مطعوما، فإنه\nيُعلل به تحريم ربا الفضل في البر، والطعم لازم للموصوف لا ينفك\nعنه.","vol":"5","page":2021},{"text":"القسم الثاني: الوصف غير اللازم، وهو: الوصف غير اللازم\nللموصوف، أي: ينفك عنه، وهو نوعان:\nالأول: الوصف الأصلي وهو: ما ثبت بمقتضى الخلقة والطبيعة\nكالتعليل بوصف البكارة في جواز إجبار البكر على الزواج.\nالثاني: الوصف الطارئ: كانقلاب العصير خمرًا، وإمكان\nزوال ذلك.\nالتقسيم الخامس: العِلَّة تنقسم من حيث توقف معلولها على\nشرط وعدم ذلك إلى قسمين:\nالقسم الأول: العلَّة المتوقفة على حصول شرط كقولنا: الزنا علَّة\nللرجم، لكن هذا الرجم لا يمكن إلا إذا توفر شرط وهو: كون\nالزاني محصنا، فالإحصان شرط لرجم الزاني.\nالقسم الثاني: العلَّة غير المتوقفة على حصول شرط كقولنا: الزنا\nعِلَّة للجلد، فإن هَذا الجلد يحصل من غير أن يتوقف على شرط\nالإحصان.\nالتقسيم السادس: العلَّة تنقسم من حيث الدفع والرفع بها إلى\nأربعة أقسام:\nالقسم الأول: الوصف اِلدافع للحكم والرافع له مثل: الرضاع،\nفإنه يدفع حل النكَاح، ويرفع النكاح إذا طرأ عليه.\nالقسم الثاني: الوصف الرافع للحكم، وغير الدافع له، مثل:\nالطلاق، فإنه يرفع حل الاستمتاع.، ولكنه لا يدفعه؛ نظرًا لجواز\nالنكاح بعده؛ حيث لا يكون الطلاق مانعا من وقوع نكاح جديد.\nالقسم الثالث: الوصف الدافع للحكم، وغير الرافع له مثل:","vol":"5","page":2022},{"text":"العدة، فإنها تدفع النكاح اللاحق؛ حيث إن العدة تمنع النكاح من\nغير الزوج، ولكنها لا ترفع النكاح السابق فهو موجود.\nالقسم الرابع: الوصف غير الدافع للحكم، وغير الرافع له،\nوهذا لا دخل له هنا؛ لأنَّ الدفع والرفع خاصان بالوصف المانع.\nالتقسيم السابع: العِلَّة تنقسم من حيث كونها مع الحكم ثبوتية،\nأو عدمية تنقسم إلى أربعة أقسام:\nالقسم الأول: العلة الثبوتية والحكم الثبوتي كإثبات الطعم علَّة\nلثبوت تحريم الربا في البر.\nالقسم الثاني: العِلَّة العدمية، والحكم العدمي كقولنا: عدم\nالرضا عِلَّة لعدم صحة اَلبيع.\nالقسم الثالث: العلَّة العدمية، والحكم الثبوتي كقولنا: عدم\nالفسخ في زمن الخيار عِلَّة لثبوت واستقرار الملك.\nالقسم الرابع: العلَّة الثبوتية، والحكم العدمي كقولنا: ثبوت\nالدين عِلَّة لعدم وجوبَ الزكاة.\nالتقسيم الثامن: العِلَّة من حيث نسبتها إلى المكلف وعدم ذلك\nتنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: عِلَّة من فعل المعَلف كقولنا: شرب الخمر عِلَّة\nلوجوب الحد، فإن الشرب فعل المكلف.\nالقسم الثاني: عِلَّة ليست من فعل المكلف كقولنا: البكارة عِلَّة\nفي ثبوت ولاية الإجبَار في النكاح.\nالتقسيم التاسع: العِلَّة من حيث تعدد أوصافها، وعدم ذلك\nتنقسم إلى قسمين:","vol":"5","page":2023},{"text":"القسم الأول: العِلَّة ذات الوصف الواحد كقولنا: الإسكار عِلَّة\nلتحريم الخمر.\nالقسم الثاني: العِلَّة ذات الأوصاف المتعددة، كقولنا: القتل\nالعمد العدوان عِلَّة لوجوب القصاص.","vol":"5","page":2024},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>المطلب الرابع في طرق ثبوت العِلَّة \" مسالك العِلَّة </span>\"\nعلة حكم الأصل تثبت بطرق ومسالك كثيرة، وهي تنقسم إلى\nقسمين:.\nالقسم الأول: إثبات العِلَّة عن طريق النقل.\nالقسم الثاني: إثبات العِلَّة عن طريق الاجتهاد.\nوإليك بيان كل قشم مع الأمثلة فأقول:","vol":"5","page":2025},{"text":"القسم الأول إثبات العلَّة عن طريق النقل\n\" مسالَك العِلَّة النقلية \"\nويشتمل على ما يلي:\nالطريق الأول: النص الصريح.\nالطريق الثاني: النص الظاهر.\nالطريق الثالث: الإجماع.\nوفيما يلي بيان كل طريق فأقول:","vol":"5","page":2026},{"text":"الطريق الأول: النص الصريح المثبت للعلية:\nوهو: ما وضع للتعليل من غير احتمال، فيكون قاطعا في تأثيره.\nأي: ما صرح فيه الشارع بكون الوصف علَّة أو سببا للحكم،\nفيقول - مثلًا -: \" اقطعوا يد السارق؛ لعلةَ كذا \"، أو \" لسبب\nكذا \"، أو \" لموجب كذا \"، أو \" لأجل كذا \"، أو \" من أجل\nكذا\"، أو \" لمؤثر كذا \".\nومن أمثلته: قولك: \" اقطعوا يد السارق؛ لعلة سرقته، أو\nلسبب سرقته \".\nومنه قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل)،\nوقوله ﵊: \" إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\"،\nوقوله: \" إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة \".\nوالخلاصة: أن أي صيغة موضوعة للتعليل، ولا تحتمل غيره تعد\nمن قبيل النص الصريح في التعليل.\nشرط التعليل بالنص الصريح:\nيشترط في صيغ النص الصريح في العلية: أن لا يقوم دليل يدل\nعلى أنه لم يقصد بها التعليل.\nفإن قام دليل على أن المتكلم لم يقصد التعليل الحقيقي فلا تكون\nصيغة للتعليل كما لو قلنا لشخص: لِمَ فعلت كذا؛ فقال: لأجل\nإني أردت، فإن هذه الصيغة وإن كانت صريحة في التعليل إلا أنها\nملغاة، حيث إن قرينة الحال هنا تنبي إلى أنه لم يقصد التعليل،\nولهذا يقال: إنه استعمل اللفظ في غير محله، فيكون مجازًا.","vol":"5","page":2027},{"text":"الطريق الثاني: النص الظاهر المثبت للعلية:\nوالمراد به: ما لا يكون فاطعا في تأثيره، فيكون يحتمل التعليل\nويحتمل غيره، ولكن التعليل به أرجح.\nوألفاظ النص الظاهر في العلية هي كما يلي:\n١ - لفظ \" كي \"، سواء كانت مجردة عن \" لا \"، كقوله\nتعالى: (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) أو كانت مقرونة بها كقوله تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) .\nويشترط فيها: أن تكون بمنزلة لام التعليل معنى وعملًا.\nوبعضهم جعلها من النص الصريح.\n٢ - لفظ \" اللام \"، كقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)،\nوقوله: (ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) .\n٣ - لفظ \" أنْ \" بفتح الهمزة، وتخفيف النون، ومنه قوله\nتعالى: (يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا)، ومنه قولك:\n\"جئت أن أعطى \" أي: للإعطاء.\n٤ - لفظ \" إنْ \" بكسر الهمزة، وتخفيف النون، وهي الشرطية،\nوالشروط اللغوية أسباب كقولك: \" إن تقم أقم معك \" يعني: علة\nقيامي هي: قيامك.\n٥ - لفظ \" أنَّ \" بفتح الهمزة وتشديد النون كقوله تعالى:\n(وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ)، ودخلها التعليل\nبسبب تقدير لام العِلَّة، والمراد: لئلا يرجعون.\n٦ - لفظ \" إن\" بكسر الهمزة، وتشديد النون، ومنه قوله","vol":"5","page":2028},{"text":"تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)،\nوقوله: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)،\nوقوله - ﷺ -:\n\"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات \"،\nوقوله في المحرم الذي وقصته ناقته فمات:\n\" اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه،\nفإن اللَّه يبعثه يوم القيامة ملبيًا \".\nو\" أنَّ \"، و\" إنَّ \" تكونان من ألفاظ النص الظاهر في العلية،\nسواء دخلت عليهما الفاء أو لا، فيقال: \" فأنَّ \" أو \" فإنَّ \".\n٧ - لفظ \" الباء \" كقوله تعالى: (إنكم ظلمتم أنفسكم\nباتخاذكم العجل)، وقوله: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله)،\nوقوله: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم) .\nوالباء تأتي للتعليل إذا كانت سببية، وهي التي تصلح في الغالب\nأن تحل اللام محلها.\n٨ - لفظ \" إذ \" بكسر الهمزة، وسكون الذال، كقوله تعالى:\n(ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون)\nأي: لأجل ظلمكم في الدنيا، وهي بمنزلة اللام،\nومنهم من قال: إنها للتعليل، ولكن هذا التعليل لم يستفد من لفظها،\nولكنه مستفاد من المعنى.\nوقال بعض العلماء: إنها لا تكون - للتعليل، ومعنى الآية هنا: إذ\nثبت ظلمكم.\n٩ - لفظ \" الفاء \" التي بمعنى السببية، ومثالها في النفي المحض\nقوله تعالى: (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا)، ومثالها في الطلب\nالمحض قوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) .","vol":"5","page":2029},{"text":"وبعضهم منع أن تكون الفاء للتعليل.\n١٠ - لفظ \" لعل \"، ومنه قوله تعالى: (اعبدوا ربكم الذي\nخلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون)، وهو مذهب الكوفيين.\nوبعضهم منع أن تكون \" لعل \" تفيد التعليل.\n١١ - لفظ \" حتى \" المرادفة للفظ \" كي \" كقوله تعالى: (ولا\nيزالون يقاتلونكم حتى يردوكم)، ومنه قولك: \" راجع دروسك\nحتى تنجح \"، ومنه قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين\nمنكم)، وقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) .\nولفظ \" حتى \" تحتمل أن تكون للاستثناء، ومنه قوله تعالى:\n(فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) .\n١٢ - ذكر المفعول له كقوله تعالى: (لأمسكتم خشية الإنفاق)،\nوقوله: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) .\n١٣ - لفظ \" إذن \"، ومنه قوله تعالى:\n(إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) .\nوالخلاصة: أن أي لفظ يحتمل التعليل، ويحتمل غيره احتمالًا\nمرجوحًا، أو أخذ التعليل من معنى النص لا من لفظه: فهو من\nقبيل النص الظاهر المثبت للعلية.\n***\nالطريق الثالث: الإجماع المثبت للعلية:\nوالمراد به: اتفاق مجتهدي العصر على أن هذا الوصف المعين علَّة\nللحكم المعين.","vol":"5","page":2030},{"text":"ومن أمثلة العِلَّة المجمع عليها: أن البكر الصغيرة يولى عليها،\nوالعِلَّة هي: الصغر اتفاقا، ويقاس عليها الثيب الصغيرة في وجوب\nالتولية عليها بجامع: الصغر.\nمثال آخر.: أن الأخ الشقيق مقدم في الإرث على الأخ لأب،\nوالعلَّة هي: امتزاج النسبين: نسب الأم ونسب الأب واختلاطهما\nإجماعا.\nويقاس على ذلك: تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في ولاية\nالنكاح، وتحمل العاقلة بجامع: امتزاج النسبين.\nمثال ثالث: أن الغاصب يضمن ما أتلف من مال، والعلَّة:\nكون التالف مالًا قد تلف تحت اليد العادية إجماعا.\nفيقاس على ذلك: السارق، فإنه يضمن ما أتلف - وإن قطعت\nيده - والعِلَّة: أنه مال تلف تحت اليد العادية.","vol":"5","page":2031},{"text":"القسم الثاني من أقسام طرق ثبوت العلَّة:\nثبوت العلَّة عن طريق الاجتهاد\n\" مسالكَ العِلَّة الاجتهادية \"\nويشتمل على ما يلي:\nالطريق الأول: الإيماء إلى العِلَّة.\nالطريق الثاني: المناسبة والإخالة.\nالطريق الثالث: السبر والتقسيم.\nالطريق الرابع: تنقيح المناط.\nالطريق الخا مس: الدوران.\nالطريق السادس: الوصف الشبهي \" الشبه \".","vol":"5","page":2033},{"text":"الطريق الأول في الإيماء إلى العِلَّة\nويشتمل على بيان الإيماء وهو التمهيد، وبيان أنواعه:\nأما التمهيد فهو في تعريف الإيماء، والفرق بينه وبين النص والظاهر\nعلى العلة.\nأما الأنواع فهي:\nالنوع الأول: أن يذكر الوصف، ثم يذكر الحكم بعده، وهو مقترن\nبالفاء.\nالنوع الثاني: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء والشرط.\nالنوع الثالث: أن يذكر الشارع حكما بعد سؤال سائل مباشرة.\nالنوع الرابع: أن يذكر الشارع وصفا مع حكم لو لم يكن الحكم\nمعللًا به لما كان لذكره فائدة.\nالنوع الخامس: أن يفرق الشارع بين أمرين بذكر صفة تشعر بأنها هي\nعلة التفرقة في الحكم.\nالنوع السادس: أن يأتي أمر الشارع أو نهيه في شيء ما، ثم يذكر\nفي أثنائه شيئًا آخر لو لم يقدر كونه علة لم يكن له\nتعلق بأول الكلام ولا بآخره.\nالنوع السابع: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا لأن يكون\nعلة لذلك الحكم.","vol":"5","page":2035},{"text":"التمهيد في تعريف الإيماء والفرق بينه وبين النص\nوالظاهر على العِلَّة\nأولًا: الإيماء لغة هو: بمعنى الإشارة، مأخوذ من \" وما إليه \"\n\"يمأ\"، و\" - مئا \"، ويأتي الإيماء بمعنى الإشارة بالرأس، أو باليد.\nوبعضهم يطلق على ذلك: \" الإيماء والتنبيه \"، وهما لفظان\nمتقاربان في المعنى لغة.\nثانيا: الإيماء اصطلاحا هو: اقتران وصف بحكم لو لم يكن هو\nأو نظيره للتعليل لكان بعيدًا، فيحمل على التعليل؛ دفعا للاستبعاد.\nويراد به: أن يكون التعليل مفهوما من لازم مدلول اللفظ وضعا.\nوالفرق بينه وبين النص الصريح والظاهر على العلية: أن النص\nالصريح على العلية يشترط فيه: أن يكون اللفظ موضوعا للتعليل،\nولا يحتمل غيره.\nوالنص الظاهر على العلية يشترط فيه: أن يترجح أن اللفظ\nموضوعا للتعليل مع احتمال غيره.\nأما الإيماء إلى العِلَّة فهو: أن اللفظ فيه لا يكون موضوعا للتعليل،\nوإنما يفهم التعليل منه من السياق، أو القرائن اللفظية الأخرى.","vol":"5","page":2037},{"text":"النوع الأول - من أنواع الإيماء -: أن يذكر الوصف ثم يذكر\nالحكم بعده وهو مقترن بالفاء:\nأولًا: بيان ذلك با لأمثلة والدليل:\nومن الأمثلة: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا)،\nوقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)\nوقوله؛ (قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض)، وقوله عليه\nالصلاة والسلام: \" من بدل دينه فاقتلوه \"،\nوقوله: \" من أحيا أرضا ميتة فهي له \".\nفإن في هذه الأمثلة دلالة على أن الوصف المتقدم - وهو السرقة،\nوالزنى، والأذى، وتبديل الدين، وإحياء الأرض - علَّة للحكم\nوهو: وجوب القطع، والجلد، والاعتزال، والقتل، وتمليك\nالأرض.\nودليل ذلك: أن الفاء ظاهرة في أنها للتعقيب، ولهذا فإنه لو\nقيل: \" جاء زيد فعمرو \"، فإن ذلك يدل على مجيء عمرو عقيب\nزيد من غير مهلة، فكذلك هنا فإن ذكر الحكم وهو مقترن بالفاء بعد\nوصف مباشرة يلزم منه أمران:\nأولهما: ثبوت الحكم عقيب ذلك الوصف من غير مهلة.\nثانيهما: السببية؛ لأنه لا معنى لكون الوصف سببا إلا ما ثبت\nالحكم عقيبه وبعده مباشرة.\nوليس ذلك قطعا، بل ثبت ذلك بالاجتهاد؛ لأن الفاء في اللغة\nترد بمعنى الواو في إرادة الجمع المطلق، وقد ترد بمعنى \" ثم \" في\nإرادة التأخير مع المهلة، غير أنها ظاهرة في التعقيب.","vol":"5","page":2038},{"text":"ثانيا: هل تشترط المناسبة للوصف المومأ إليه؟\nلقد اختلف العلماء في الحكم المترتب على الوصف هل يشترط\nلإشعاره بكون الوصف عِلَّة: أن يكون الوصف مناسبًا لذلك الحكم،\nأو لا يشترط ذلك؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا تشترط المناسبة للحكم.\nأي: أن ذكر الوصف أولا، ثم ذكر الحكم بعده، وهو مقرون\nبالفاء يدل على أن ذلك الوصف سبب وعلَّة لذلك الحكم مطلقا،\nأي: سواء كان ذلك الوصف مناسبًا للحكم، كقوله تعالى:\n(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، وما ذكر معه من الأمثلة،\nأو لم يكن مناسبًا للحكم كقوله - ﷺ -:\n\"من مس ذكره فليتوضأ \"،\nفإن عِلَّة وجوب الوضوء هي: مس الذكر، وإن لم نعلم مناسبة هذا\nالوصف لذلك الحكم.\nوهذا هو مذهب الغزالي، وفخر الدين الرازي، وابن الحاجب،\nوصفي الدين الهندي، وهو الحق؛ لأنا لو قلنا: إن الوصف المومأ\nإليه الخالي عن المناسبة لا يصلح أن يكون عِلَّة للحكم، فإنه يلزم\nعلى هذا القول أحد أمرين هما:\nالأمر الأول: إما أن لا يكون للحكم عِلَّة أصلًا.\nالأمر الثاني: إما أن تكون له عِلَّة أخرى غير ذلك الوصف.\nأط الأمر الأول - وهو: أن لا يكون للحكم عِلَّة أصلًا - فهو\nباطل لوجهين:\nالأول: أن الحكم بدون العِلَّة والحكمة عبث، والعبث محال على\nالله سبحانه.","vol":"5","page":2039},{"text":"الوجه الثاني: أن الحكم مع عِلَّته أكثر فائدة مما إذا لم يكن\nكذلك، ومما لا شك فيه أن حمل تصرفات الشارع على ما هو أكثر\nفائدة أوْلى وأليق، لا سيما إذا علمنا أن الغالب في تصرفات الشارع\nأن تكون على وفق تصرفات العقلاء والعرف.\nأما الأمر الثاني - وهو: أن تكون له علَّة أخرى غير ذلك\nالوصف فهو باطل - أيضا -؛ لأن ذلك الغيرَ معدوم، والأصل\nبقاء ما كان على ما كان.\nوعلى هذا: فإنه يتعين ذلك الوصف الخالي عن المناسبة علَّة\nللحكم.\nالمذهب الثاني: أنه تشترط المناسبة للحكم.\nأي: أن الوصف المذكور قبل الحكم المقرون بالفاء لا يدل على\nالعلية إلا إذا كان مناسبا لذلك الحكم، وهو لبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه قد استقبح عرفا أن يقال: \" أكرموا الجهال \"، وهذا\nالاستقباح إنما جاء من أن الجهل مانع من الإكرام، فالأمر بإكرام\nالجاهل إثبات للحكم مع قيام المانع وهو: الجهل، إذن لا بد أن\nيكون الوصف الدال على العلية مناسبا للحكم.\nجوابه:\nإن الجاهل قد يستحق الإكرام بسبب جهة أخرى غير جهله، كان\nيكون ذلك لكرمه، أو لشجاعته، أو لنسبه، فيتضح أن الجهل لا\nيكون مانعا من الإكرام.","vol":"5","page":2040},{"text":"ثالثًا: بيان أن كلام الراوي مثل كلام الشارع في ذلك:\nقول الراوي: \" سهى رسول اللَّه - ﷺ - فسجد\"،\nوقوله: \"رض يهودي رأس جارية فأمر به رسول اللَّه - ﷺ - أن يرض رأسه بين حجرين \"،\nوقوله: \" زنا ماعز فرجم \"،\nفإن هذا القول مثل كلام الشارع - السابق الذكر -.\nأي: أن الراوي إذا ذكر وصفًا ثم ذكر بعده حكما مقرونًا بالفاء،\nفإنه يُفهم أن ذلك الوصف سبب وعِلَّة لذلك الحكم.\nففي الأمثلة السابقة: يكون السهو هو علَّة وسبب السجود،\nويكون رض اليهودي رأس الجارية هو سببَ وعلَّة رض رأسه بين\nحجرين، ويكون الزنا هو سبب رجم ماعز، وهكذا في جميع\nالأمثلة المماثلة لذلك، كما قلنا فيما صدر من الشارع من غير فرق،\nإلا أن كلام الشارع - سواء كان من اللَّه أو من رسوله - أقوى في\nالدلالة على العلية والسببية من كلام الراوي؛ لأن كلام الشارع لا\nيتطرق إليه من الخلل والزلل والخطأ الذي يمكن أن يتطرق لكلام\nالراوي.\nأدلة ذلك:\nلقد دلَّ على أن كلام الراوي مثل كلام الشارع في فهم السببية\nوالعلية أدلة من أهمها:\nالدليل الأول: أن الراوي وهو الصحابي الذي شهد له اللَّه تعالى\nورسوله بالعدالة، وبذل النفس والنفيس لإعلاء كلمة اللَّه لا يمكن أن\nيُعبر بلفظ يفهم السببية والعلية إلا إذا كان الأمر كذلك حقيقة، ذلك\nلأنه يعلم - تمام العلم - أنه لو عبر بهذا اللفظ الذي يفهم السببية\nوهو ليس كذلك، فإنه يكون ملبسًا ومدلسا في دين اللَّه، ويعم","vol":"5","page":2041},{"text":"فساده؛ لأن هذه الشريعة عامة وشاملة لجميع المكلفين إلى قيام\nالساعة، وهذا كله يتنزه عنه الصحابى الذي اختاره اللَّه لصحبة نبيه،\nولنقل الشريعة كما هي إلى من بعده.\nالدليل الثاني: أن الصحابي لا يمكن أن يعبر بلفظ يفهم السببية\nوالعلية إلا إذا كان كذلك بحكم كونه من فصحاء العرب، وكونه\nعارفًا: لمواقع الكلام، ومجاري اللغة، وعالما بدلالات الألفاظ\nواشتقاقاتها، وأساليبها.\nرابعا: هل يشترط الفقه في الراوي الذي فهمنا\nمن كلامه السببية أو لا؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يشترط في الراوي: أن يكون فقيهًا.\nأي: أن الراوي الفقيه إذا ذكر وصفا ثم ذكر بعده حكما مقرونا\nبالفاء، فإنه يفهم أن ذلك الوصف سبب وعلة لذلك الحكم.\nوهو مذهب أكثر العلماء.\nوهو الحق؛ لأن احتمال الخطأ والوهم في كلام الراوي غير الفقيه\nأقوى من احتماله في كلام الراوي الفقيه.\nالمذهب الثاني: أنه لا يشترط ذلك، فالراوي إذا ذكر وصفا، ثم\nذكر بعده حكما مقرونا بالفاء، فإنه يفهم أن ذلك الوصف سبب\nوعلة لذلك الحكم مطلقا، أي: سواء كان الراوي فقيها، أو غير\nفقيه.\nوهو مذهب بعض العلماء.","vol":"5","page":2042},{"text":"دليل هذا المذهب:\nأن التعبير بلفظ يفهم منه السببية والعلية لا يقتبس من الفقه، ولكنه\nيستفاد من اللغة ودلالات الألفاظ، لذلك اشتراط الفقه من الراوي\nلامعنى له.\nجوابه:\nأن الراوي لو نقل إلينا نص اللَّه تعالى، أو نص رسوله - ﷺ - فنحن نوافقكم على هذا.\nأما إذا رأى عملأ عمله رسول اللَّه - ﷺ -، وأراد أن يعبر عنه بلفظه وأسلوبه الخاص، فلا بد أن يكون عالما ومدققا بدلالات الألفاظ\n- كما قلتم - وعالمًا بفقه الأحكام ومقاصد الأفعال، ومراد الشارع\nمن كلامه وفعله.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ فبناء على المذهب الأول: فإن كلام الراوي\nالفقيه في ذلك يفيد السببية والعلية بدون قرائن أخرى، أما كلام\nالراوي غير الفقيه فإنه لا يفهم السببية والعلية إلا بواسطة قرائن\nأخرى، وبناء على المذهب الثاني: فإن كلام الراوي يفيد السببية\nمطلقا وبدون قرائن.\n***\nالنوع الثاني - من أنواع الإيماء -: ترتيب الحكم على الوصف\nبصيغة الجزاء والشرط:\nفإذا وردت أداة من أدوات الشرط، فإن فعل الشرط يكون وصفا\nوعلة، وجواب الشرط يكون هو الحكم.","vol":"5","page":2043},{"text":"ومن أمثلته: قوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) .\nفورود الوصف وهو تقوى اللَّه - فعلًا للشرط \" من \" يدل على\nأنه عِلَّة وسبب للحكم وهو: إخراجه من الضيق الذي هو فيه.\nوأيضًا قوله - ﷺ -:\n\"من اتخذ كلبًا - إلا كلب ماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراطان \".\nفيكون هنا: سبب وعِلَّة نقصان أجره هو اتخاذه للكلب.\nووجه جعل ذلك من الإيماء إلى العِلَّة: أن الجزاء والجواب يتعقب\nفعل الشرط ويلازمه، ولا ينفك عنه، ومعروف: أن السبب يثبت\nالحكم عقيبه، ويوجد بوجوده.\nوهذا يعني: أن الشرط في مثل هذا المقام سبب للجزاء والجواب.\nتنبيه: بعض العلماء جعلوا هذا النوع من النص الظاهر على\nالعلَّة.\nوالحق أنه من ثبوت العِلَّة عن طريق الاجتهاد، من نوع الإيماء؛\nحيث يحتاج إلى بعض النظر والاستدلال.\nالنوع الثالث: أن يذكر الشارع حكما بعد سؤال سائل مباشرة\nفإن ذلك يغلِّب على الظن: كون ذلك السؤال عِلَّة لذلك الحكم:\nمثاله: حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي - ﷺ -، فقال: هلكت يا رسول اللَّه، قال: \" ماذا صنعت؟ \"\nقال: وقعت على أهلي في نهار رمضان،\nقال: \" اعتق رقبة.. \".\nأي: أسألك عن حكم ذلك، فلما قال له النبي - ﷺ -:","vol":"5","page":2044},{"text":"\"اعتق رقبة \" غلب على الظن: أن الوقاع - وهو الجماع في نهار رمضان -\nعامدًا عِلَّة لوجوب الكفارة.\nووجه كون الوقاع سببا وعِلَّة للحكم: أنه لما كان الحكم الذي\nذكره رسول اللَّه - ﷺ - جوابا عن سؤال الأعرابي، فإنه يتضمن أن يكون السؤال معادًا في الجواب تقديرًا، فكأنه قال له: إذا واقعت أهلك في نهار رمضان فكفِّر بكذا.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: إن ما ذكره الرسول - ﷺ - يحتمل أن يكون جوابًا عن سؤال الأعرابي، ويحتمل أن يكونه جوابا عن سؤال آخر، أو هو ابتداء كلام مستأنف، أو هو زجر للأعرابي عن الكلام،\nوإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.\nجوابه:\nإن هذه الاحتمالات قد تتصور عقلًا، لكنها ممتنعة هنا؛ لأن قول\nالرسول - ﷺ -: \"اعتق رقبة \" لو لم يكن جوابا عن سؤال الأعرابي: للزم خلو سؤال الأعرابي عن الجواب مما يؤدي إلى تأخير البيان عن\nوقت الحاجة، وهذا غير جائز اتفاقا.\nاعتراض على هذا الجواب:\nقال قائل - معترضا -: لا نُسَلِّمُ أنه يلزم منه تأخير البيان عن\nوقت الحاجة؛ لأنه يحتمل أن النبي - ﷺ - علم أنه لا حاجة للمكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت.","vol":"5","page":2045},{"text":"جوابه:\nأن الغالب في السؤال: أن يكون في وقت الحاجة، ونحن نعمل\nعلى الغالب الأعم، أما ما قلتموه - وإن كان محتملًا - لكنه\nمرجوح؛ لأنه نادر الوقوع، ولا يعمل على النادر.\n***\nالنوع الرابع: أن يذكر الشارع وصفا مع حكم، ولم يصرح\nبالتعليل به، ولكن لو لم يكن الحكم معللًا به لما كلان لذكره\nفائدة: -\nولذلك نقول: إن هذا يفيد العلية ظنا؛ لأمرين:\nأولهما: أنه لو لم يكن كذلك لكان ذكره لغوًا وعبثًا لا فائدة فيه.\nثانيهما: أنه إذا كان ذكر عديم الفائدة في كلام العقلاء لا يجوز،\nفعدم وروده في كلام الشارع أوْلى.\nفيجب تقدير الكلام على وجه مفيد، وذلك صيانة لكلام الشارع\nعن اللغو والعبث وعدم الفائدة.\nحالات هذا النوع:\nالحالة الأولى: أن يُسأل النبي - ﷺ - عن حكم شيء ما، فيسأل النبي - ﷺ - عن وصف له، وبعد إخباره بالوصف يقول حكمه فيه، فهذا يفيد أن ذلك الوصف الذي أخبروه به علَّة لذلك الحكم الذي نطق به بعده.\nمثاله: أن النبي - ﷺ - سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال ﵊: \" أينقص الرطب إذا جف؟ \"،\nفقالوا: نعم، فقال: \" فلا إذن \".","vol":"5","page":2046},{"text":"فقد دلَّ سؤاله واستكشافه عن نقصان الرطب عند الجفاف على أن\nهذا النقصان عِلَّة لعدم جواز بيعه رطبا.\nولو لم يفهم منه ذلك: لا كان للسؤال عنه وذكر الحكم بعده\nفائدة.\nالحالة الثانية: أن يتوجه سؤال إلى النبي - ﷺ - عن حكم واقعة معينة، فيذكر الرسول - ﷺ - حكم حادثة أخرى مشابهة لها منبها على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما، فيفيد أن ذلك الوصف عِلَّة لذلك الحكم.\nمثاله: أن امرأة من جهينة جاءت إلى الرسول - ﷺ - فقالت: يا رسول اللَّه، إن أمي أدركتها الوفاة وعليها فريضة الحج، فهل يجزئ أن أحج عنها؛ فقال: \" أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان\nيجزئ عنها؟ \" قالت: نعم، قال: \" فدين اللَّه أحق أن يقضى \".\nفهنا: قد ذكر النبي - ﷺ - نظير دين اللَّه، وهو دين الآدمي، ونبه على التعليل به؛ لكونه عِلَّة الانتفاع، ولو لم يكن قد ساقه لهذا الغرض - وهو التعليل به - لكان عبثا، ففهم من هذا: أن نظيره\nفي المسؤول عنه - وهو دين اللَّه وهو: الحج - كذلك عِلَّة لمثل ذلك\nالحكم، وهو النفع.\nالحالة الثالثة \" أن يذكر الشارع وصفا ظاهرًا في محل الحكم ابتداء\nمن غير سؤال، لو لم يكن هذا الوصف مؤثرأ في الحكم لكان ذكره\nعبثًا.\nمثاله: أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لابن مسعود بعد ما توضأ بماء نُبذت فيه تمرات لتجذب ملوحته: \" تمرة طيبة وماء طهور \"،\nفقد نبَّه - ﷺ - على تعليل الطهورية ببقاء اسم الماء عليه.","vol":"5","page":2047},{"text":"الحالة الرابعة: أن يذكر الشارع الحكم لدفع إشكال في محل\nآخر، ويردفه بوصف، فحينئذ يغلب على الظن: أن ذلك الوصف\nعِلَّة لذلك الحكم.\nمثاله: أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرة،\nفقال - ﷺ -:\n\"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات \".\nبيان ذلك: أنه حصل عند الناس إشكال وهو: أن النبي - ﷺ - لما رآه الناس قد امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب استشكلوا دخوله عند قوم آخرين وعندهم هرة، اعتقادًا منهم أن الكلب والهرة في الحكم سواء، فبين لهم - ﷺ -: أن الحكم مختلف، فإن الهرة طاهرة، وليست بنجسة، وعلَّة طهارتها: كثرة تطوافها وصعوبة التحرز منها، ولو لم يكن لذكر تطوافها عقيب الحكم أثر في\nالطهارة لما كان لذكره فائدة.\nتنبيه: ويمكن أن يعرف أن كثرة التطواف عِلَّة الطهارة سؤر الهرة\nبطريق النص الظاهر على العلية - كما سبق بيانه -.\n***\nالنوع الخامس: أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم:\nبأن يذكر صفة ما تشعر بأنها هي علَّة التفرقة في الحكم ما دام قد\nخصها بالذكر دون غيرها، فلو لم تكن علَّة لكان ذلك على خلاف\nما أشعر به اللفظ، وذلك فيه إلباس لا يمكن أن يرد من الشارع:\nوهذا يكون على حالتين:\nالحالة الأولى: أن يكون حكمهما مذكورًا في خطاب واحد،\nوتقع التفرقة فيما يلي:","vol":"5","page":2048},{"text":"١ - أن تقع التفرقة بلفظ الاستدراك كقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ)، فقد فرق\nبينهما في أن تعقيد الأيمان هي المؤثرة في المؤاخذة.\n٢ - أن تقع التفرقة بلفظ الاستثناء كقوله تعالى: (فنصف ما\nفرضتم إلا أن يعفون)، فقد فرق بين لزوم النصف وعدمه في\nضمن الاستثناء.\n٣ - أن تقع التفرقة بلفظ الغاية كقوله تعالى: (ولا تقربوهن\nحتى يطهرن)، فقد فرق في الحكم بين الطهر والحيض في جواز\nالقربان من عدمه.\n٤ - أن تقع التفرقة فيه باستئناف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته\nبعد ذكر الآخر كقوله - ﷺ -:\n\" للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم \"\nفهنا: فرق بين الراجل والفارس، ووجه الفرق بين الموصوفين في\nالحكم: هو ذكر وصفين هما الراجلية والفارسية.\n٥ - أن تقع التفرقة بلفظ الشرط والجزاء كقوله - ﷺ -\n: \" لا تبيعوا البر بالبر ... \" إلى قوله: \" فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد \"، فهنا: قد حصل التفريق بين منع بيع الجنس بجنسه\nمتفاضلًا، وبين جواز بيعه بغير جنسه، ولو لم يكن ذلك لعلية\nالاختلاف بين الأمرين، لكان بعيدًا عن المراد.\nالحالة الثانية: أن يكون حكم أحد الأمرين مذكورًا في هذا\nالخطاب كقوله - ﷺ -:\n\"القاتل لا يرث \"،\nفإن هذا مشعر بأن عِلَّة حرمانه من الإرث هو: القتل.","vol":"5","page":2049},{"text":"النوع السادس: أن يأتي أمر الشارع أو نهيه في شيء ما، ثم\nيذكر في أثناء هذا الأمر أو هذا النهي شيئًا آخر:\nلو لم يقدر لمحونه عِلَّة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له تعلق\nبالكلام لا بأوله، ولا بآخره مما قد يعتبر خبطا واضطرابًا في الكلام\nيتنزه الشارع عنه.\nمثاله: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) .\nفيفهم من هذا: أن عِلَّة النهي عن البيع هي: كونه مانعا من\nالسعي إلى الجمعة؛ لأننًا لا يمكن أن نقدر النهي عن البيع مطلقا،\nفإنه متناقض مع قوله تعالى: (وأحل اللَّه البيع)، ويكون خبطا في\nكلام الشارع واضطرابا فيه.\nفلم يبق إلا أن يكون النهي عن البيع في وقت محدد، وهو\nوقت: كونه شاغلًا عن السعي للجمعة.\n***\nالنوع السابع: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا لأن\nيكون عِلّة لذلك الحكم:\nكقوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم)\nفعِلَّة جعل الأبرار في الجنة هي: البر، وعِلَّة جعل الفجار في النار\nهي: فجورهم.\nوهذا الحكم عام في كلام الشارع، وكلام المكلَّفين، ولا فرق\nبينهما: فغالب كلام وألفاظ الشارع قد اعتبرت فيه المناسبة.\nوكذلك كلام المكلَّفين العقلاء قد اعتبرت فيه المناسبة، ومن ذلك","vol":"5","page":2050},{"text":"قولهم: \" أكرم العلماء وأهن الفساق \"، فهنا يفهم: أن علَّة إكرام\nالعلماء هي: العلم، وعِلَّة إهانة الفساق هي: الفسق.\nحالات هذا النوع:\nالحالة الأولى: الوصف الذي اعتبر وكان عِلَّة في نفسه وذاته كما\nمثلنا فيما سبق: فإن العلم هو بنفسه الوصف الذي اعتبر عِلَّة لإكرام\nالعلماء.\nالحالة الثانية: الوصف الذي اعتبر وكان اعتباره؛ لكونه يحتمل:\nأن العِلَّة ما تضمنه ذلك الوصف واشتمل عليه.\nومثاله: قوله - ﷺ -:\n\" لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان \".\nفهنا: نرى أن الشارع قد نهى عن القضاء مع الغضب، والعلَّة\nليست هي نفس الوصف المناسب - وهو الغضب - ولكن العلَّة\nهي: \" الدهشة المانعة من تركيز الفكر \"، التي تضمنها وصف\nالغضب.\nوسبب قولنا ذلك: أنا لما علمنا أن الغضب اليسير الذي لا يمنع\nمن استيفاء الفكر ولا يشوش عليه لا يمنع من القضاء، وأن الجوع\nالمبرح والألم المبرح ومدافعة الأخبثين يمنع من استيفاء الفكر وتركيزه:\nعلمنا أن عِلَّة المنع ليست هي الغضب، بل تشويش الفكر.\nوهذا ما ذهب إليه الغزالي، وفخر الدين الرازي، وكثير من\nالعلماء.\nأما كثير من العلماء فقد ذهبوا إلى أن علَّة النهي عن القضاء هي:\nنفس الغضب، فالغضب - عند هؤلاء - هي: العِلَّة المانعة من\nالقضاء؛ لأن فيه تشويشًا للفكر، واضطراب الحال يؤدي إلى عدم","vol":"5","page":2051},{"text":"العدل والإنصاف والدقة التي ينبغي للقاضي أن يكون حكمه على\nوفْقها، ولهذا تجدهم قد جعلوا الوصف - وهو الغضب - من أمثلة\nالحالة الأولى.\nوذكروا: أن الحديث وإن دلَّ بظاهره على أن مطلق الغضب علَّة\nإلا أن جواز القضاء مع الغضب اليسير يدل على أن مطلق الغضَب\nليس بعلَّة، بل المقصود بالغضب المانع من القضاء إنما هو الغضب\nالشديد الذي يشوش الفكر، ويمنع القاضي من استيفاء النظر والفكر.\nجوابه:\nأنا نمنع كون نفس الغضب هو العلَّة؛ لأن الحكم لما دار مع\nتشويش الفكر وجودًا وعدمًا، وانقطع عن الغضب وجوبًا وعدما،\nوليس بين التشويش والغضب ملازمة أصلًا؛ لأن تشويش الفكر قد\nيوجد حيث لا غضب، والغضب يوجد حيث لا تشويش، فعلمنا\nبذلك أنه ليس بينهما ملازمة، وحينئذٍ: نعلم أنه لا يمكن أن يكون\nالغضب عِلَّة، بل العِلَّة إنما هو التشويش - فقط -.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول يجوز قياس\nكل ما يشوش الفكر على الغضب كالجوع، والعطش، وحصر\nالبول، والألم، ونحو ذلك؛ حيث إن العِلَّة متعدية.\nأما بناء على المذهب الثاني - وهم القائلون: إن العِلَّة هي نفس\nالغضب - فلا يجوز القياس على الغضب غيره - حيث إن العلَّة\nعندهم قاصرة، فلا يجوز قياس الجوع والألم عليه.\nتنبيه: لا مانع من أن يكون مثال واحد ينطبق على أكثر من نوع\nمن أنواع الإيماء إلى العِلَّة، وحيمئذ يكون الإيماء فيه من عدة جهات\nبحسب جهة النظر فيه.","vol":"5","page":2052},{"text":"الطريق الثاني من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد\nثبوت العِلَّة بالمناسَبة والإخالة\nويشتمل على ما يلي:\nأولًا: تعريف المناسبة، وسبب تسميتها بالإخالة.\nثانيا: الدليل على أن المناسبة قفيد العلية.\nثالثًا: أقسام المناسب.\nرابعا: هل المناسبة تبطل بمعارضة مفسدة مساوية أو راجحة؟","vol":"5","page":2053},{"text":"أولًا: تعريف المناسبة وسبب تسميتها بالإخالة:\n١ - المناسب لغة يأتي بمعنى المشاكل للشيء، يقال:، ليس\nبينهما مناسبة \" أي: مشاكلة.\nويأتي لفظ \" ناسب \" بمعنى: أشرك في النسب، يقال: \" ناسبه \"\nأي: أشركه في نسبه.\nويطلق على الملائمة، ومنه قولهم: \" تلائم القوم والتأموا \" إذا\nاجتمعوا، واتفقوا، وتناسبوا.\n٢ - والمناسب في الاصطلاح هو: وصف ظاهر منضبط يحصل\nعقلًا من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا للعقلاء من\nحصول مصلحة أو دفع مفسدة.\nوالمراد بالمصلحة: اللذة ووسيلتها، والمراد بالمفسدة: الألم\nووسيلته.\nوكل من المصلحة والمفسدة يكون على البدن، والنفس، ويكون\nفي الدنيا والآخرة.\nوإنما أتي بعبارة: \" يصلح أن يكون مقصودًا للعقلاء \"؛ لأن\nالعاقل متى ما خير، فإنه مما لا شك فيه يختار المصلحة ودفع المفسدة.\nوأتي بلفظ: \" الظاهر المنضبط \"؛ لأن الخفي منه وغير المنضبط\nغير معتبر؛ لأنه غير معلوم، فلا يمكن أن يعرف الحكم به.\nوما خفي من الأوصاف يلجأ فيها إلى مظنتها الظاهرة المنضبطة.\nفمثلًا وجوب القصاص لم يُعلل بالعمد؛ لأن العمدية فيه خفية؛\nحيث إن القصد وعدمه من الأمور النفسية التي لا يدرك شيء منها،","vol":"5","page":2055},{"text":"وإنما علل القصاص وأنيط بما يلازم العمدية من الأعمال المخصوصة\nالتي يتحقق فيها العمدية، وهو القتل بأحد الآلات الجارحة،\nفصارت العِلَّة: \" القتل العمد العدوان \".\nكذلك: المشقة قد تظهر أنها مناسبة لترتب الحكم - وهو الإفطار\nفي السفر - عليها تحصيلًا للمصلحة المقصودة وهي التخفيف، لكن\nالمشقة لما كانت غير منضبطة؛ حيث إنها تختلف باختلاف الأزمان\nوالأشخاص: تعذر جعلها عِلَّة الحكم، وجعل نفس السفر هو\nالعِلَّة؛ لأنه مظنتها.\nوتسمى المناسبة بالإخالة؛ لأن بها يخال ويظن أن الوصف هو\nالعلَّة.\n***\nثانيًا: الدليل على أن المناسبة تفيد العلية:\nالدليل يتكون من مقدمتين، ونتيجة، وإليك بيان ذلك:\nالمقدمة الأولى: أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد.\nالمقدمة الثانية: أن هذا الحكم مشتمل على هذه الجهة من المصلحة.\nالنتيجة: أنه يغلب على الظن أنه إنما شرع الحكم الفلاني لأجل\nتلك المصلحة.\nوإليك الاستدلال على المقدمة الأولى، والثانية، والنتيجة فأقول:\nأما المقدمة الأولى - وهي: أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد -\nفإنه قد دلَّ عليها ما يلي:\nالدليل الأول: أن اللَّه تعالى حيم بإجماع المسلمين، ولا معنى\nلحكمته إلا أنه لا يفعل شيئًا إلا وفيه مصلحة؛ لأن هذا شأن الحكيم.","vol":"5","page":2056},{"text":"الدليل الثاني: قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم)، ومن\nمقتضى التكريم والتشريف الذي خلق اللَّه الإنسان عليه أن لا يكلف\nبما لا فائدة له فيه؛ لأن ذلك ينافي تكريمه وتشريفه، ومفهوم هذا:\nأنه لو كلف فإنه لا يكلف إلا بما فيه مصلحة.\nالدليل الثالث: أنه ثبت من استقراء النصوص الشرعية أن الله\nرحيم بعباده، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه أرسل الرُّسُل\nرحمة بالناس أجمعين، مما لا يقبل معه شك في أنه سبحانه أراد\nمصلحتهم، ولم يشرع ما فيه ضرر عليهم، وأنه تعالى لم يرد بعباده\nالعسر، وإنما أراد لهم اليسر، وكل هذا يدل بوضوح على أن\nالتكاليف بأسرها للمصالح؛ لأن تكليف الناس بما لا فائدة معه في\nغاية العسر والمشقة والحرج، وليس فيه رحمة، ولا رأفة، بل\nيتحقق معه من الضرر ما ينافي كونه رحيما رؤوفا بالعباد.\nالدليل الرابع: أن أحكام اللَّه: إما أن تكون مشروعة للإضرار\nبالعباد، أو مشروعة لا لمصلحة لهم، ولا له، أو مشروعة لمصلحة\nعباده.\nأما الأول - وهو كونها مشروعة للإضرار بالعباد - فهو باطل؛\nلأنه يكون بذلك ظالمًا، والظلم عليه سبحانه محال؛ لقوله تعالى:\n(وما الله يريد ظلما للعالمين)، وقوله: (وما ربك بظلام للعبيد)،\nولإجماع المسلمين على أن الظلم منتف عليه تعالى.\nوأما الثاني - وهو: كون الأحكام ليست مشروعة لمصلحة عباده\nولا له - فهو باطل - أيضًا -؛ لأنه يؤدي إلى القول بأنه شرعها\nعبثا، والعبث على اللَّه محال؛ لقوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا)،\nوقوله: (ربنا ما خلقت هذا باطلًا)، ولإجماع\nالمسلمين على أنه تعالى محال أن يوصف بالعبث.","vol":"5","page":2057},{"text":"فلم يبق إلا الثالث - وهو: أن اللَّه تعالى إنما شرع الأحكام\nلمصلحة العباد ونفعهم -.\nأما المقدمة الثانية - وهي: أن هذا الحكم مشتكل على هذه الجهة\nمن المصلحة - فالدليل عليها: أن القول بأن الحكم الفلاني مشروع\nللمصلحة الفلانية مبني على أننا وجدناه كذلك من اشتماله على تلك\nالمصلحة.\nوأما النتيجة - وهي: أنه غلب على الظن أنه إنما شرع الحكم\nالفلاني لأجل تلك المصلحة - فالدليل عليها أن يقال: إن الحكم لم\nيشرع إلا لمصلحة - كما سبق -، وهذه المصلحة إما أن تكون هي\nنفس المصلحة الظاهرة لنا، أو غيرها.\nأما الثاني - وهو: أن تكون غير المصلحة الظاهرة لنا - فهو\nباطل؛ لأن الأصل عدم مصلحة أخرى يضاف إليها الحكم.\nوإذا ثبت أن غير هذا الوصف ليس عِلَّة لهذا الحكم ثبت ظن\nغالب أن هذا الوصف هو العِلَّة لهذا الحكم.\n***\nثالثًا: أقسام المناسب من حيث تأثيره وعدم تأثيره:\nالمناسب بهذا الاعتبار ينقسم إلى خمسة أقسام هي كما يلي مرتبة\nعلى حسب القوة:\nالقسم الأول: المناسب المؤثر وهو: ما ظهر تأثير عين الوصف\nفي عين الحكم المتنازع فيه بالإجماع أو النص، أو ما ظهر تأثير عينه\nفي جنس الحكم.\nمثال ما ظهر تأثير عين الوصف في عين الحكم: أن الحرة الحائض","vol":"5","page":2058},{"text":"تسقط عنها الصلاة بالنص والإجماع لوصف مناسب وهو: مشقة\nالتكرار؛ حيث إن الصلاة تتكرر، فلو وجب قضاؤها لشق عليها\nذلك، فهنا قد ظهر تأثير عين الوصف - وهو المشقة - في عين\nالحكم وهو: سقوط الصلاة.\nفنقيس الأُمَّة على الحرة في ذلك؛ لأنهما يشتركان في مشقة\nالتكر ار.\nمثال آخر: أن الثيب الصغيرة تزوج لصغرها، ثم يبين أن عين\nالصغر ظهر تأثيره بالإجماع في الولاية في حق الابن، وفي ولاية\nالمال، فهنا قد ظهر عين هذا المعنى في عين هذا الحكم في محل\nآخر، فعدي ذلك الحكم بعينه - وهو الولاية - بتلك العِلَّة بعينها\n- وهو: الصغر - إلى محل النزاع، وهو الثيب الصغيرة.\nومثال ما ظهر تأثير عين الوصف في جنس الحكم: أن الأخ\nالشقيق مقدم على الأخ لأب في الميراث، فيقاس على ذلك تقديمه\nفي ولاية النكاح، فهنا: قد أثر امتزاج النسبين - وهو عين\nالوصف - في جنس الحكم وهو مطلق الولاية.\nالقسم الثاني: المناسب الملائم وهو:\nما ظهر تأثير جنس الوصف في جنس ذلك الحكم مثل: سقوط\nقضاء الصلاة إذا علل بالحرج والمشقة، فإن هذا من جنس معاني\nالشرع وملائم له إذا نظرنا إلى إسقاط الشرع كثيرًا من التكاليف\nبأنواع من الكلفة، كما هو الشأن في السفر والمرض.\nالقسم الثالث: المناسب الغريب وهو: الذي لم يظهر تأثيره ولا\nملائمته لجنس تصرفات الشرع مثل: أن المطلقة ثلاثا في مرض الموت\nترث، لأن الزوج قصد الإضرار بها، والفرار من ميراثها، فيعامل","vol":"5","page":2059},{"text":"بنقيض قصده على ما هو متبع في القواعد الشرعية، قياسا على\nالقاتل في عدم توريثه؛ لأنه استعجل الإرث بجامع وهو: أن كلًا\nمنهما قد استعجل أمرًا قبل أوانه، ومن استعجل أمرًا قبل أوانه\nعوقب بحرمانه.\nفتعليل حرمان القاتل بهذا الوصف لم يناسب جنسا من تصرفات\nالشرع، مع أنه يبدو مناسبا.\nتنبيه: لقد اختلف العلماء في المراد بالمناسب المؤثر، والملائم\nوالغريب اختلافا عظيما حتى أن بعض العلماء قد عرف المؤثر بما\nعرف به الآخرون الملائم، وعرف بعضهم الغريب بما عرف به\nالآخرون الملائم، وعرف بعضهم المؤثر تعريفا شاملًا لأنواع أربعة،\nوبعضهم حصره في نوعين وهكذا، وقد ذكرت بعضا من ذلك في\nكتابي \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \" فراجعه فهو مطبوع\nمتداول.\nالقسم الرابع: المناسب المرسل، وهو الذي لم يشهد له أصل\nمعين بالاعتبار، ولا بالإلغاء، وهو موضوع المصلحة المرسلة التي\nسبق الكلام عنها في الأدلة المختلف فيها.\nومثاله: قياس شارب الخمر على القاذف؛ حيث إن الناس لما\nاستحقروا الحد المشروع في الخمر جمع عمر بن الخطاب كثيرًا من\nالصحابة وشاورهم في الأمر، فقال علي - ﵁ -: \" من\nشرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى أن عليه\nحد المفتري \" فأخذوا بقوله؛ أخذًا بالمصلحة.\nالقسم الخامس: المناسب الملغى، وهو: الوصف الذي لم يشهد","vol":"5","page":2060},{"text":"له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه، وقد ظهر إلغاؤه، وإعراض\nالشارع عنه في جميع صوره.\nمثاله: أن بعض فقهاء الأندلس قد أفتى بأن على المجامع في نهار\nرمضان: كفارة وهي: صيام شهرين متتابعين، فهذا فيه مصلحة\nوهي: منع هذا المكثر من الجماع في نهار رمضان من فعله، ولكن\nهذه المصلحة قد خالف نصا وهو حديث الأعرابي الذي رتب الكفارة\nعلى ما يلي: عتق الرقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين،\nفإن لم يجد فإطعام ستين مسكين.\nلذلك اتفق العلماء على عدم الأخذ بهذا القسم.\n***\nرابعًا: هل المناسبة تبطل بمعارضة مفسدة مساوية أو راجحة؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المناسبة تبطل بمعارضة مفسدة مساوية أو راجحة.\nوهو مذهب الآمدي، وابن الحاجب، والصفي الهندي، وبعض\nالعلماء، ونسبه بعضهم إلى أكثر العلماء، وهو الحق عندي؛ للأدلة\nالتالية:\nالدليل الأول: أن المصلحة متى ما عورضت بمفسدة مساوية، أو\nراجحة، فإن العمل بالمصلحة حينئذِ لا يُعدُّ من المصلحة عند\nالعقلاء، بل يكون عبثا يخرجه العقل عن كونه مناسبا إلى كونه غير\nمناسب.\nالدليل الثاني: أن المفسدة إذا كانت مساوية للمصلحة أو راجحة\nعليها، فإن هذا يقتضي عقلًا أن لا مصلحة حينئذِ.","vol":"5","page":2061},{"text":"فلو أن رجلًا - مثلًا - اشترى ثوبًا بعشرة ريالات، ثم قال\nلوكيله: \" بع هذا الثوب بعشرة ريالات، أو بثمانية \"، فإن هذا\nالقول لا يقبل منه؛ لأنه يؤدي أن لا يربح، ولو فعل رجل ذلك\nلعد منه خروج عن تصرفات العقلاء.\nالدليل الثالث: استقراء أحكام الشريعة والعقل قد دلا على أن\nدفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، بيان ذلك:\nأنه بعد استقراء وتتبع الأحكام الشرعية وجدنا أنه عند تعارض\nالمفسدة مع المصلحة، فإنه يقدم دفع المفسدة على جلب المصلحة في\nكثير من الأمور.\nوالعقل حاكم في ذلك أيضًا؛ لأن في دفع المفسدة مصلحة أيضًا،\nوعلى هذا لا يجوز العمل بمصلحة معارضة بمفسدة مساوية لها أو\nراجحة عليها.\nالمذهب الثاني: أن المناسبة لا تبطل بمعارضة المفسدة مطلقا.\nوهو مذهب فخر الدين الرازي، والبيضاوي، وكثير من العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: الوقوع؛ حيث إنه قد ورد من الشارع ما يدل على\nإعمال المناسبتين المتعارضتين، وعدم بطلانهما بذلك التعارض.\nكالصلاة في الدار المغصوبة، فقد رتب عليها الثواب من حيث\nكونها صلاة، والعقاب من حيث كونها مغصوبة، وكذلك البيع\nوقت النداء الثاني للجمعة قد رتب عليه الملك؛ لأنه بيع صحيح\nالأركان، والعقاب؛ لأنه وقع في وقت النداء المنهي عنه.","vol":"5","page":2062},{"text":"ففي هذين المثالين نرى الشارع قد رتب على جهة المصلحة\nوالمفسدة مقتضاهما.\nجوابه:\nإن الكلام في مصلحة تعارضها مفسدة في شيء واحد، أما ما\nذكرتموه في المثالين فإنه ليس كذلك؛ حيث إن مفسدة الغصب لم\nتكن قد نشأت من الصلاة، بدليل: أنه يأثم إذا أشغل المغصوب\nواستعمله ولو لم يصل، وكذلك فإن مصلحة الصلاة لم تنشأ من\nالغصب بدليل: أن صلاته صحيحة إذا أداها في غير الأرض\nالمغصوبة، فلم يحصل التعارض بين مصلحة الصلاة، ومفسدة\nالغصب؛ حيث لا تعارض بين المقتضى الذاتي، والمقتضى الخارجي.\nالدليل الثاني: أن السلطان لو ظفر بجاسوس من أعدائه، فإنه\nيحسن منه أمران: \" عقابه \"، و\" العفو عنه \": فقد يعاقبه زجرًا\nلأمثاله وتأديبا لهم، وقد يحسن إليه ويعفو عنه إما لكشف أسرار\nعدوه عن طريق هذا الجاسوس، وإما أنه عفى عنه للاستهانة بعدوه،\nوفعل السلطان هذا لا يعد خارجًا به عن مقتضى المناسبة والحكمة،\nوسواء في ذلك ما إذا كانت المناسبتان متساويتين، أو إحداهما أرجح\nمن الأخرى.\nجوابه:\nلا نسلم أن هذا التصرف من السلطان حسن على الإطلاق، بل\nلا بد أن يفعل الأرجح منهما، ولو فعل المرجوح منهما لا يكون\nتصرفه وفعله موافقًا لتصرفات العقلاء، ولا يكون مناسبا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني - وهم\nالقائلون: بعدم بطلان المناسبة بمعارضة المفسدة الراجحة أو المساوية -","vol":"5","page":2063},{"text":"أرادوا من العلَّة الوصف المؤثر المعرف للحكم، ولم يريدوا جملة ما\nيتوقف عليه المعلول، ولا دخل لوجود الشرط، وعدم المانع في\nالتأثير اتفاقا، بل المؤثر نفس الوصف، وقد تخلف الحكم عنه،\nوهو موجود قطعا.\nأما أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون ببطلان المناسبة\nبمعارضة المفسدة الراجحة أو المساوية - فإنهم أرادوا من العِلَّة أنها\nجملة ما يتوقف عليه المعلول من وصف مؤثر معرف للحكم،\nووجود شرط وعدم مانع، ولا شك أن هذه الجملة تزول إذا تخلف\nالحكم لفقد شرط، أو وجود مانع.\nوهذا لا يمنع اتفاق أصحاب المذهبين على أن العِلَّة في غير موضع\nالتخلف تامة صحيحة يترتب عليها المعلول، وفي موضع التخلف\nغير تامة، والحكم معدوم، وهو لم يترتب على العِلَّة إلا أن العدم\nعند أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون ببطلان المناسبة - مضاف\nإلى عدم وجود العلَّة، أي: أن المناسبة لما بطلت بمعارضة مفسدة\nراجحة أو مساوية كأنها لم توجد.\nوالعدم عند أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون بعدم\nبطلانها - مضاف إلى وجود المانع، أو تخلف شرط.\nأي: أن المناسبة موجودة لم تبطل بمعارضة تلك المفسدة الراجحة،\nأو المساوية، ولكن لم يعمل بها؛ نظرًا لوجود مانع، أو تخلف شرط.\nإذن اتفق الفريقان على المعنى وهو: أنه لا يُعمل بالمناسبة المعارضة\nبمفسدة راجحة أو مساوية، ولكن اختلفوا في سبب عدم العمل.\nفأصحاب المذهب الأول قالوا: إن السبب هو: كون المناسبة\nمعارضة بالمفسدة فأسقطتها.\nوأصحاب المذهب الثاني قالوا: إن السبب هو: وجود المانع.","vol":"5","page":2064},{"text":"الطريق الثالث من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد\nئبوت العِلَّة بالسبر والتقسيم\nويشتمل على ما يلي:\nأولًا: تعريف السبر والتقسيم.\nثانيا: أسماء هذا الطريق.\nثالثا: أقسام التقسيم، وتعريف كل قسم، وشروطه، وبيان إفادة\nكل قسم للعلية.\nرابعا: بيان كيفية سبر الأوصاف غير الصالحة للعلية وحذفها\nوإبطالها.","vol":"5","page":2065},{"text":"أولأ: تعريف السبر والتقسيم:\n١ - السبر والتقسيم لغة:\nالسبر لغة: الأصل، واللون، والهيئة، والمنظر، ومنه قولهم:\n\" حسن السيرة \" أي: حسن الهيئة.\nوهو يطلق على الاختبار، ومنه قولهم: \" سبرت الجرح \" أي:\nنظرت ما غوره.\nوالتقسيم لغة هو: مأخوذ من قسم الشيء إذا جزأه وفرقه.\n٢ - السبر والتقسيم اصطلاحا:\nالسبر اصطلاحا هو: اختبار الوصف في صلاحيته وعدمها للتعليل\nوالتقسيم اصطلاحا هو: حصر الأوصاف المحتملة للتعليل بان\nيقال: العِلَّة إما كذا أو كذا.\n٣ - المراد بهذا الطريق هنا:\nالمراد بالسبر والتقسيم: حصر الأوصاف التي تحتمل أن يُعلل بها\nحكم الأصل في عدد معين، ثم إبطال ما لا يصح بدليل، فيتعين\nأن يكون الباقي عِلَّة.\nفمثلًا: أن يقول المجتهد: إن تحريم الربا في البر ثبت لعلة،\nوالعلة هذه يحتمل أن تكون: كونه مكيلًا، أو كونه مطعوما، أو\nكونه مقتاتا، أو كونه مدخرًا، أو كونه موزونا، أو كونه مالًا،\nوعجز عن استنباط عِلَّة أخرى فوق هذه العلل الست، فهذا يُسمَّى\nبالتقسيم.","vol":"5","page":2067},{"text":"ثم يبدأ بسبر واختبار تلك الأوصاف، وينظر فيها، ويسقط ما لم\nيجده مناسبا، وما لا يصلح لتعليل الحكم به بحيث يبقى ما يمكن\nالتعليل به وعجز عن إبطاله، وهو كونه مكيلًا - مثلًا - فهذا يُسمى\nبالسبر.\nمثال آخر: أن يقول المجتهد في ولاية الإجبار على النكاح: إن\nهذا الحكم إما أن يعلل بالصغر، أو يعلل بالبكارة.\nأما تعليل الإجبار على النكاح بالصغر فإنه باطل؛ لأنها لو كانت\nالعلَّة الضغر لثبتت ولاية الإجبار على الثيب الصغيرة؛ نظرًا لوجود\nنفسَ العلَّة فيها، وهذا مخالف لنص وهو قوله - ﷺ -:\n\"الثيب أحق بنفسها\"،\nوهو عام للثيب الصغيرة والكبيرة، فلم يبق إلا أن يعلل\nبالثاني وهو: البكارة.\n***\nثانيا: أسماء هذا الطريق:\nبعض العلماء يطلق عليه: \" السبر \" فقط، وبعضهم يطلق عليه\n\"التقسيم \" فقط، وبعض ثالث يطلق عليه \" السبر والتقسيم \" معا،\nوهذا هو المنتشر، وهو الصحيح؛ لأن هذا الطريق لثبوت العِلَّة\nيتكون منهما معا، فلا يغني السبر عن التقسيم، ولا يغني التقسيم\nعن السبر.\nاعتراض على عبارة: \" السبر والتقسيم \":\nقال قائل - معترضا -: إنه من خلال معرفتنا لتعريف السبر\nوالتقسيم، فإنه من الأنسب تقديم التقسيم على السبر في الذكر ما\nدام أنه متقدم عليه في الواقع ونفس الأمر، فيقال: \" التقسيم\nوالسبر؛ حيث إن التقسيم متقدم في الوجوب على السبر كما سبق في\nالتعريف، والأمثلة.","vol":"5","page":2068},{"text":"جوابه:\nإن التسمية الصحيحة هي: \" السبر والتقسيم \" كما صححنا ذلك؛\nلأمرين:\nأولهما: أن الأصل هو السبر؛ لأنه هو الذي يؤثر في معرفة\nالعلية، وأما التقسيم فقد وجد بسبب: أن السبر يحتاج إلى شيء\nيسبر.\nثانيهما: أن محل السبر هو التقديم على التقسيم في العمل،\nوذلك لأن المجتهد أولًا يسبر ويختبر المحل هل فيه أوصاف، أو هو\nتعبدي؛ ثم إذا أثبت أن فيه أوصافًا فإنه يحصر تلك الأوصاف،\nويقسمها، ثم يسبر ثانيًا، فقدم السبر في اللفظ باعتبار السبر الأول.\n***\nثالثًا: أقسام التقسيم:\nينقسم التقسيم إلى قسمين:\nالقسم الأول: التقسيم الحاصر، وهو ما يكون دائرًا بين النفي\nوالإثبات.\nوطريق معرفة العِلَّة فيه: أن يقوم المجتهد بحصر الأوصاف التي\nتنقدح في الذهن مما يمكن تعليل حكم الأصل فيه، ثم يختبرها\nبالأدلة والأمارات التي سلكت في اعتبار الوصف المنايسب للعلية،\nثم يبطل ما لا يصلح منها بواحد من طرق الإبطال والحذف التي\nستأتي - إن شاء اللَّه - فما يتبقى بعد هذا الحذف والإبطال يعتبر هو\nالوصف الذي يتعين للتعليل به عند المجتهد.","vol":"5","page":2069},{"text":"فمثلًا: يقول المجتهد في ولاية الإجبار على النكاح: إن هذا\nالحكم إما أن لا يكون معللًا بعلَّة أصلًا، أو يُعلل بالصغر، أو يعلل\nبالبكارة، أو يعلل بغيرهما.\nأما الأول - وهو: أن يكون الحكم غير معلل - فهو باطل\nبالإجماع؛ حيث أجمع العلماء على تعليل هذا الحكم.\nوأما الثاني - وهو أنه معلل بالصغر - فهو باطل أيضا؛ لأن\nالحكم لو كان معللًا بالصغر للزم عليه ثبوت ولاية الإجبار على الثيب\nالصغيرة، وهذا مخالف للنص، وهو قوله - ﷺ -:\n\"الثيب أحق بنفسها\".\nوأما الرابع - وهو أن الحكم معلل بغير الصغر والبكارة - فهو\nباطل بالإجماع؛ حيث أجمع العلماء على عدم وجود غير هذين\nالأمرين لتعليل الحكم بهما.\nفلم يبق إلا الثالث وهو: أن الحكم معلل بالبكارة.\nمثال آخر: أنه اختلف العلماء في جارية بين رجلين جاءت بولد\nفادعياه، فقال بعض الغلماء: بالرجوع إلى قول القائف، وقال\nآخرون: نقبل القرعة فيه، وقال فريق ثالث: بالتوقف، فلا ينسب\nالولد إلى واحد منهما، وقال فريق رابع: يثبت النسب منهما جميعًا.\nفإذا أفسدنا وأبطلنا الأقوال الثلاثة الأولى بأي طريق من طرق\nالإبطال، فإنه يصح القول الرابع، وهكذا في جميع الأمثلة.\nبيان أن هذا القسم يفيد العلية بالاتفاق:\nالتقسيم الحاصر يفيد العلية إما قطعًا، وإما ظنا.\nفيفيد العلية قطعا في حالة كون الحصر للأقسام وإبطال الأوصاف","vol":"5","page":2070},{"text":"غير الصالحة بطريق قطعي، وهذا قليل في الشرعيات، لكنه يكثر\nفي العقليات.\nويفيد العلية ظنا إذا كان الحصر وإبطال الأوصاف غير الصالحة،\nورد بطريق ظني، وهو كثير في الشرعيات، ومن أمثلته ما سبق.\nشروط هذا القسم:\nهذا القسم - وهو الحاصر - لا يصح ولا يُثبت العِلَّة إلا بشروط\nهي كما يلي:\nالشرط الأول: أن يكون حكم الأصل معللًا بالاتفاق؛ لأن الحكم\nإذا لم يجمع على تعليله وحصر المجتهد جميع علل هذا الحكم، فإنه\nلا يلزم من إبطال جميع تلك العلل صحة العِلَّة التي عجز عن إبطالها.\nالشرط الثاني: أن لا تكون العلَّة مركبة، أما إن كان هناك احتمال\nلتركيب العِلَّة: فإن إبطال بعض الأوصاف المحتملة غير كاف في\nالاستدلال لعلية المتبقي؛ لأن الساقط وإن صح أن لا يكون عِلَّة\nمستقلة، إلا أنه لا يزال الاحتمال قائما في أنه جزء من أجزاء العَلَّة\nبحيث إذا انضم إلى غيره يكون عِلَّة مستقلة، فلا بد - إذن - في\nمثل هذه الحالة من إبطال كون المجمَوع عِلَّة أو جزءا من العِلَّة.\nالشرط الثالث: أن يكون سبره حاصرًا بجميع الأوصاف التي يمكن\nأن تكون علَّة، واشترطنا ذلك لأنه إذا كان سبره لم يكن حاصرًا\nبجميع عللَ الحكم لجاز وجود عِلَّة لم يذكرها قد تكون هي العِلَّة\nالحقيقية لمشروعية الحكم، فيكون القياس خطأ.\nكيف يثبت المجتهد حصر العلل؟\nلقد ذكرنا في الشرط الثالث: أنه لا بد أن يكون سبره حاصرًا\nلجميع علل الحكم، ويثبت حصر العلل بأمرين:","vol":"5","page":2071},{"text":"الأمر الأول: أن يسلم الخصم - ويوافق على أن ما ذكره المستدل من\nالأوصاف هي الممكنة لأن تكون علَّة، ولا يوجد غيرها كانحصار\nعِلَّة تحريم الربا في البر بكونه مكيلًا، أو موزونا، أو مطعوما، أو\nمدخرًا، أو مقتاتا، وكانحصار عِلَّة وجوب الكفارة في الجماع في\nنهار رمضان في: \" جماع مكلَّف في نهار رمضان \"، أو في \" إفساد\nالصوم المحترم \"، وكانحصار عِلَّة الإجبار في النكاح في \" الصغر \"\nأو \" البكارة \".\nالأمر الثاني: أن لا يسلم الخصم ولا يوافق على هذا الحصر الذي\nذكره المستدل، فهنا ننظر إلى المستدل:\nفإن كان المستدل مجتهدًا فعليه السبر للأوصاف بقدر إمكانه،\nبحيث يعجز عن إيراد غير ذلك من الأوصاف والعلل.\nوإن كان المستدل مناظرًا - أي: أمامه خصم يناظره في مسألة ما -\nفإنه يكفيه أن يقول: هذا ما استطعت التوصل إليه من أوصاف\nوعلل، وقد بحثت فلم أجد غير ذلك، وعليك أيها الخصم أن\nيلزمك ما يلزمني إذا كنت تشاركني في الجهل بغير ذلك من الأوصاف.\nأما إن كنت مطلعا على وصف آخر غير ما ذكرت، فعليك التنبيه\nعليه وإظهاره لأنظر في صحته وفساده، فإن كتمان ذلك الوصف أو\nالعلَّة محرم، حيث إن من كتم ذلك إما أن يكون كاذبا وهو حرام،\nوإما أن يكون كاتما لدليل مست الحاجة إلى إظهاره وهو محرم أيضا،\nوكلاهما يتسببان في جعل هذا الخصم لا يعول على قوله، ولا يُعتد\nبما صدر عنه.\nالقسم الثاني - من أقسام التقسيم -: التقسيم المنتشر، وهو: ما","vol":"5","page":2072},{"text":"لا يكون دائرًا بين النفي والإثبات، أو كان دائرًا بينهما، ولكن\nالدليل على نفي عِلته فيما عدا الوصف المبين فيه ظني.\nوطريق معرفة العِلَّة فيه: أن يقال: الحكم إما أن يكون معللًا، أو\nلا يكون كذلك.\nأما كونه غير معلل فبعيد؛ لأن الغالب المألوف من الشارع - على\nحسب ما دلَّ عليه الاستقراء - أن أحكام اللَّه - كلها - معللة - كما\nسبق بيان ذلك -.\nوإذا ثبت أن الحكم معلل، فإن العِلَّة إما أن تكون غير ظاهرة لنا،\nأو تكون ظاهرة.\nأما كون العِلَّة غير ظاهرة لنا: فهو بعيد؛ لأمور هي كما يلي:\nالأمر الأول: أن الغالب في علل الأحكام إنما هو الظهور، وإذا\nوجد فرد منها غير ظاهر، فإنه يندرج تحت الأعم والأغلب على\nالظن، فيكون ظهورها أغلب على الظن.\nالأمر الثاني: أن الحكم إذا كان معقول المعنى كان على وفق المعتاد\nمن تصرفات العقلاء وأهل العرف، والأصل مطابقة الشرع للعقل\nوالعرف.\nالأمر الثالث: أن عدم ظهور العِلَّة يبطل فائدة التعليل؛ لأن\nفائدته التوسع في معرفة الأحكام، وانقياد المكلف لها، وتلقيها\nبالقبول ما دامت نفسه مطمئنة أن الحكم ملائم لطبيعته.\nوإذا ثبت أن عدم ظهور العلة بعيد: فإنه يكون الغالب ظهورها.\nوإذا كان الغالب ظهور العلة، فإنه يقال:","vol":"5","page":2073},{"text":"العلة إما هذا الوصف أو ذاك الوصف، أو الوصف الثالث إلى\nآخر الأوصاف التي تكون محتملة للتعليل في نظر المعلل.\nولما كان المعلل سليم الحس والعقل عدلا ثقة: فإنه يحصل غلبة\nالظن بانحصار صفات محل الحكم فيما ذكره من الأوصاف، ولم\nيجد سواها.\nثم بعد أن يُثبت حصر الأوصاف بالطريقة السابقة يسقط بعد ذلك\nبعضها عن درجة الاعتبار بدليل صالح يغلب على الظن منه عدم\nصلاحية ما أسقط للتعليل به، فيلزم من ذلك انحصار التعليل فيما\nاستبقاه؛ بناء على قولنا: يمتنع خلو محل الحكم عن عِلَّة ظاهرة.\nبيان أن هذا القسم يفيد العلية:\nهذا القسم يفيد العلية؛ وهو حُجَّة للمستدل وهو المجتهد الناظر -\nوهو: من بحث لنفسه، فما غلب على ظنه وجب عليه العمل به،\nولا يكون حُجَّة على الغير، وهو اختيار الآمدي، وبعض العلماء.\nوهو الحق؛ لأن هذا التقسيم - وهو: المنتشر - يثير غلبة الظن\nعند المجتهد، فيجب أن يتبع ما غلب على ظنه؛ لأن المجتهد مهما\nغلب على ظنه شيء: فإنه يجب أن ياخذ به.\nوبعض العلماء ذهبوا إلى أنه حُجَّة مطلقا للناظر، وهو المجتهد\nالمستدل، وللمناظر، وهو الخصم.\nوبعض العلماء ذهبوا إلى أنه حُجَّة في الأحكام العملية دون العلمية.\nوبعض العلماء ذهبوا إلى أنه ليس بحجة مطلقا.\nوقد ذكرت هذه المذاهب مع أدلتها في كتابي \" إتحاف ذوي البصائر\nبشرح روضة الناظر \"، فارجع إليه.","vol":"5","page":2074},{"text":"رابعا: بيان كيفية سبر الأوصاف غير الصالحة للعلية وحذفها\nوإبطالها:\nقلنا في تعربف السبر والتقسيم: إن المجتهد والمستدل يقوم باختيار\nعلَّة واحدة، ويعلل الحكم الشرعي بها، ويحذف العلل والأوصاف\nغير الصالحة للعلية، ويسلك في حذف تلك الأوصاف وإبطالها\nالمسالك الآتية:\nالمسلك الأول: الإلغاء، وهو: بيان أن الحكم في الصورة\nالفلانية ثابت بالوصف الذي استبقاه - فقط - دون غيره، ويتبين\nبهذا أن المحذوف من الأوصاف لا أثر له في الحكم؛ لأنه لو كان\nالمحذوف من الأوصاف له أثر في الحكم لما جاز إثبات الحكم بدونه.\nوكيفية ذلك: أن يقوم المجتهد ببيان أن الوصف الذي أبقاه للتعليل\nبه قد ثبت الحكم به في صورة من الصور من غير أن يقترن\nبالأوصاف التي تم إلغاؤها وحذفها، وهذا يوضح أن الوصف الذي\nأبقاه مستقل بالتعليل، وعند ظهور ذلك يمتنع إضافة الحكم في محل\nالتعليل إلى الوصف الذي تم حذفه، لأن في هذا إثباتا للحكم\nبوصف لم يثبت استقلاله، وإلغاء للوصف الذي ثبت استقلاله وهو\nممتنع.\nالمسلك الثاني: أن يكون الوصف المحذوف قد ألف من الشارع\nإلغاءه في جنس ذلك الحكم المعلل، وحيحئذ يكون إلغاؤه واجبًا وإن\nكان مناسبا.\nفمثلًا قوله - ﷺ -:\n\"من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه الباقي من نصيب شريكه \"،\nفهنا حذف العلماء وصف الذكورة وإن أمكن\nتقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق غير أنا لما عهدنا من","vol":"5","page":2075},{"text":"الشارع التسوية بين الذكر والأنثى في أحكام العتق ألغينا صفة الذكورة\nفي السراية، بخلاف ما عداه من الأحكام، حيث اعتبر الشارع\nوصف الذكورة في الشهادة والقضاء، والإمامة، وولاية عقد النكاح.\nالمسلك الثالث: الحذف وهو: أن يبين المجتهد - وهو: المستدل -\nأن ما يحذفه من الأوصاف من جنس الأوصاف التي عهدنا وألفنا\nوعرفنا من الشارع عدم الالتفات إليها في إثبات الأحكام كالأوصاف\nالطردية كالطول، والقصر، والسواد، والبياض، ونحو ذلك.\nالمسلك الرابع: عدم وجدان مناسبة بين الوصف والحكم.\nوبيانه: أن لا يجد المجتهد - وهو العدل الثقة المؤهل للنظر\nوالبحث - مناسبة بين الوصف والحكم أو ما يوهم المناسبة، وحينئذ\nلو قال: لم أجد فيه ذلك لصدق في كلامه، فيكون الوصف غير\nمناسب، فيلزم حذفه.","vol":"5","page":2076},{"text":"الطريق الرابع من طرق ثبوت العِلَّة بالاجتهافى\nثبوت العِلَّة عن طريق تنقيح المناط\nويشتمل على ما يلي:\nأولًا: تعريفه.\nثانيا: بيان أن تنقيح المناط يُعتبر من طرق ثبوت العِلَّة.\nثالثا: الفرق بين تنقيح المناط والسبر والتقسيم.\nرابعًا: الفرق بين تنقيح المناط وتخريج المناط، وتحقيقه.","vol":"5","page":2077},{"text":"أولًا: تعريف تنقيح المناط:\n١ - التنقيح لغة: التشذيب، والتهذيب، ومنه: \" تنقيح الجذع\nمن النخلة \" أي: تشذيبه حتى يُخلص من السعف والأغصان التي لا\nفائدة منها، ولا تؤثر على ثمرة النخلة، ويقال: \" نقح الشاعر\nقصيدته \" إذا هذبها وخلصها من الأبيات التي لا دخل لها في\nالموضوع.\nوالمناط مأخوذ من ناط الشيء ينوطه نوطا، أي: علقه، فالمناط\nما يتعلق به الشيء، يقال: نطت الحبل بالوتد أنوطه نوطًا: إذا\nعلقته به، ومنه: ذات أنواط وهي: الشجرة التي يعلق عليها\nالمشركون أسلحتهم، والمناط من أسماء العِلَّة، وقد سبق بيان ذلك.\n٢ - تنقيح المناط اصطلاحا هو: أن ينص الشارع على الحكم،\nويضيفه إلى وصف فيقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة،\nفيقوم المجتهد بحذف ما لا يصلح عِلَّة ليتسع الحكم.\nأو تقول هو: أن ينص الشارع على الحكم عقيب أوصاف يعرف\nفيها ما يصلح للتعليل، وما لايصلح للتعليل، فينقح المجتهد\nالصالح ويلغي ما سواه.\nفلا بد في تنقيح المناط من توفر شرطين:\nأولهما: أن يكون النص دالًّا عليه وصف خاص بالأصل، ويكون\nدور المجتهد حذف خصوص الأصل، وحينئذ يشترك الأصل والفرع\nفي الحكم معًا.\nثانيهما: أن يدل النص على علية أوصاف أخرى، ويقوم المجتهد\nبحذف ما لا دخل له في العلية ليصبح الباقي عِلَّة للحكم.","vol":"5","page":2079},{"text":"مثاله: حديث الأعرابي، وهو: أنه قد أتى أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: هلكت يا رسول اللَّه، قال: \" ما لك؟ \"\nقال: وقعت على امرأتي وأنا صائم،\nفقال النبي - ﷺ -: \"اعتق رقبة \".\nفهنا: قد أشار النص إلى أوصاف وهي: \" كون المواقع أعرابيا \"\nو\" كون الموطوءة زوجته \"، و\" كون الوقاع حصل في رمضان\nمعين \"، و\" كون الوقاع حصل في رمضان من مكلف \"، و\" كونه\nأفسد صوما محترمًا \".\nفحذف بعض العلماء جميع هذه الصفات إلا وصفا واحدًا هو:\n\"كونه واقع في نهار رمضان \"، فخصص الحكم بهذا الوصف،\nفأوجب الكفارة - على من واقع في نهار رمضان فقط، دون غيره،\nفتكون هذه العِلَّة قاصرة.\nوبعض العلماء الآخرين حذفوا جميع تلك الأوصاف إلا وصفا\nواحدًا هو؛ \" كونه أفسد صومًا محترما \"، لذلك أوجبوا الكفارة\nعلى كل من أفسد الصوم المحترم، سواء أفسده بالجماع، أو بالأكل\nوالشرب عمدًا بلا عذر، فتكون العِلَّة هنا متعدية.\nولا يجوز لأي عالم مهما كان أن يحذف أي وصف إلا بدليل\nشرعي مقبول، وقد بيَّنت الأدلة على حذف تلك الأوصاف بإسهاب\nفي كتابي \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \" فارجع إليه.\n***\nثانيا: بيان أن تنقيح المناط يعتبر طريقا من طرق ثبوت العِلَّة:\nمن دقق في تعريف تنقيح المناط، فإنه يجزم بأنه طريق من طرق\nإثبات العِلَّة، حيث إن حاصله: هو حصر العلل التي وردت في","vol":"5","page":2080},{"text":"النص الخاص بذلك الحكم، ثم اختبار وسبر تلك العلل من قبل\nالمجتهد فيحذف ويبطل ما لا يصلح أن يعلل به الحكم، فإذا أبطلها\nكلها إلا واحدة جعلها هي العِلَّة مثل ما قلناه في حديث الأعرابي\nالسابق الذكر، وهذا قريب من السبر والتقسيم.\nوبعض العلماء سماه بالاستدلال كالحنفية، وهم قد وافقوا\nالجمهور في طريقة حذف الأوصاف إلا وصفا واحدًا، فيكون\nالخلاف بيننا وبين الحنفية لفظيًا.\n***\nثالثا: الفرق بين تنقيح المناط والسبر والتقسيم:\nقد يقول قائل: إن حقيقة تنقيح المناط قريبة من حقيقة السبر\nوالتقسيم الذي هو الطريق الثالث من طرق ثبوت العلية، فهل هما\nواحد، أم بينهما فرق؟\nأقول: لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يوجد فرق بينهما.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لذلك جعلناه طريقا\nلإثبات العِلَّة غير طريق السبر والتقسيم.\nواختلف هؤلاء في وجه الفرق على أقوال:\nالقول الأول: أن تنقيح المناط خاص في الأوصاف التي دلَّ عليها\nظاهر النص، وهي محصورة بواسطة هذا الظاهر، أما السبر\nوالتقسيم فإنه خاص في الأوصاف المستنبطة الصالحة للعلية، ثم\nإلغاؤها إلا ما ادعي أنه عِلَّة، وهذا هو الحق عندي.","vol":"5","page":2081},{"text":"القول الثاني: إن تنقيح المناط اجتهاد في الحذف والتعيين معا، أما\nالسبر والتقسيم فهو اجتهاد في الحذف، فيتعين الباقي.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك، بل إن السبر والتقسيم لا بد فيه من الاجتهاد في\nالحذف، والتعيين؛ حيث لا يمكننا أن نعين هذه العِلَّة ونقول: إنها\nهي العِلَّة الحقيقية إلا بعد عدة اجتهادات فيها.\nالقول الثالث - في وجه الفرق بينهما -: إن السبر والتقسيم لابد\nفيه من تعيين الجامع والاستدلال على عليته، أما تنقيح المناط فإنه لا\nيجب فيه تعيين العِلَّة.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك، بل يجب تعيين العِلَّة في تنقيح المناط والاستدلال\nعليها، وإلا لما جاز العمل بها؛ لأنه لا يمكن ثبوت شيء بدون دليل\nفالمجتهد لا يمكنه أن يحذف أي عِلَّة، أو يعينها إلا بدليل.\nهذه أقوال جمهور العلماء القائلين بوجود الفرق بين تنقيح المناط،\nوالسبر والتقسيم.\nالمذهب الثاني: أنه لا فرق بين تنقيح المناط، وبين السبر والتقسيم؛\nلأن تنقيح المناط في الحقيقة:. استخراج للعِلَّة بالسبر.\nوهو مذهب إعام الحرمين.\nجوابه:\nلا نسلم ذلك، بل يوجد فرق بينهما كما سبق بيانه.\nثم لا نُسَلِّمُ أن تنقيح المناط هو: استخراج للعِلة بالسبر، بل هو","vol":"5","page":2082},{"text":"تعيين وصف من الأوصاف التي ذكرت في النص، وبيان أنه هو العِلَّة\nدون غيره من الأوصاف، فهو تعيين لا تخريج.\nأما السبر والتقسيم فهو خاص في العِلَّة المستنبطة المستخرجة فقط.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي؛ حيث اتفق أصحاب المذهبين على العمل بتنقيح\nالمناط على أنه طريق من طرق إثبات العِلَّة بالاجتهاد إلا أن أصحاب\nالمذهب الثاني أدخلوا تنقيح المناط ضمنَ السبر والتقسيم؛ حيث إن\nالسبر والتقسيم عندهم عام وشامل للمنصوصة والمستنبطة لذلك\nجعلوهما طريقًا واحدًا.\nأما أصحاب المذهب الأول، فإنهم فرَّقوا بين المنصوصة والمستنبطة،\nوجعلوا تنقيح المناط خاصا بالعلَّة المنصوص عليها ظاهرًا وجعلوا\nالسبر والتقسيم خاصًا بالعلَّة المستنبطة، وجعلوا ذلك طريقين لإثبات\nالعلَّة:\nطريق السبر والتقسيم وهو خاص بالمستنبطة.\nطريق تنقيح المناط وهو خاص بالمنصوصة.\nرابعًا: الفرق بين تنقيح المناط وتخريجه، وتحقيقه:\nالاجتهاد في العِلَّة ينحصر في ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: تحقيق المناط.\nالنوع الثاني: تنقيح المناط.\nالنوع الثالث: تخريج المناط.","vol":"5","page":2083},{"text":"وهذه الأنواع تختلف باختلاف ظهور العِلَّة وعدم ذلك، وإليك\nبيان كل نوع:\nأما النوع الأول - وهو: تحقيق المناط - فهو: أن المجتهد قد\nتحقق من وجود العِلَّة والمناط في الأصل، ولكنه يجتهد من تحقيق\nوجودها في الفرع، وآحاد الصور.\nأي: أنه اتفق على أن هذا الوصف هو عِلَّة حكم الأصل بنص،\nأو إجماع، فيقوم المجتهد بالتحقق والتأكد من وجود هذا الوصف\nفي الفرع - الذي يراد إلحاقه بالأصل -.\nإذن وظيفة المجتهد هنا سهلة؛ حيث إن عِلَّة الأصل موجودة،\nولكنه يتأكد من وجودها في الفرع بنوع اجتهاد.\nمثاله: الاجتهاد في القِبْلة؛ حيث إن استقبال القِبْلة معلوم بالنص،\nأما أن تكون جهة القبْلة هذه أو تلك عند الاختلاف فهو معلوم بنوع\nاجتهاد، حيث إنه لا يجتهد المجتهد - هنا - في وجوب القبْلة،\nولكنه يجتهد في هذه هل هي قِبْلة أم لا؟\nوكذلك: علل الشارع وجوب نفقة القريب بالكفاية، وهو ثابت\nبالنص، وهذا لا يجتهد فيه المجتهد، بل يجتهد في بعض الصور\nالفرعية، فيقول: الكفاية واجبة في النفقة، وهذا معلوم بالنص،\nوالرطل من الأكل يكفي هذا الشخص بعينه، إذن: يكون هو\nالواجب في نفقة القريب، وهذا معلوم بالاجتهاد.\nوكذلك: فإن الشارع قد علل قبول الشهادة بالعدالة، وهو\nمعلوم بالإجماع، والنص، أما تحقق العدالة في زيد أو عمرو، فإنه\nمعلوم بالاجتهاد.","vol":"5","page":2084},{"text":"وهذا لم يختلف العلماء فيه؛ لأن العِلة معلومة بنص أو إجماع.\nأما النوع الثاني - وهو: تنقيح المناط فهو: أن ينص الشارع على\nالعلة نصًا غير صريح، فيقوم المجتهد بالاجتهاد في تعيين عِلَّة حكم\nالأَصل وإبرازها، وحذف ما علق بها من أوصاف بأنواع من\nالاجتهادات، ثم يجتهد في تحقق هذه العِلَّة في الفرع - كما سبق\nبيانه.\nووظيفة المجتهد هنا أصعب من وظيفته في النوع الأول؛ حيث إنه\nيبذل جهدًا في إبراز عِلَّة الأصل وتعيينها في هذا النوع، ثم يجتهد\nمرة أخرى في تحققها في الفرع.\nأما النوع الأول: فلا يجتهد المجتهد في عِلَّة الأصل؛ لأنها منصوص\nعليها أو مجمعا عليها، ولكنه يجتهد فقطَ في تحققها في الفرع.\nأما النوع الثالث: وهو تخريج المناط فهو: أن ينص الشارع على\nحكم في محل، ولا يتعرض لمناطه وعلته لا صراحة ولا إيماء،\nفيقوم المجتهد باستنباط واستخراج عِلَّة حكم الأصل أولًا، ثم يتحقق\nمن وجود هذه العِلَّة في الفرع.\nووظيفة المجتهد في هذا النوع أصعب من وظيفته في النوعين\nالسابقين، بيان ذلك:\nأن العلَّة في النوع الأول منصوص عليها أو مجمع عليها، فهي\nواضحة هنا جلية، فيتحقق من وجودها في الفرع فقط لذلك سمي\nبتحقيق المناط، حيث يتحقق من وجود المناط والعِلَّة في الفرع فقط.\nأما العلَّة في النوع الثاني فهي منصوص عليها نصًا غير صريح،\nحيث أضيفَ الحكم إليها وإلى عدد من الأوصاف الأخرى، فيقوم\nالمجتهد بإبرازها عن غيرها وتعيينها وتهذيبها وحذف ما سواها، ثم\nيقوم بالتحقق من وجودها في الفرع لذلك سمي بـ \" تنقيح المناط \".","vol":"5","page":2085},{"text":"أما العِلَّة في النوع الثالث، فلم ينص عليها لا نصًا صريحًا ولا\nغير صريح، فيقوم المجتهد باستنباط عِلَّة حكم الأصل بأي طريق من\nطرق إثبات العلَّة كالمناسبة، أو الدورَان، أو السبر والتقسيم، أو\nالوصف الشبهي، ثم يقوم بالتأكد والتحقق من وجودها في الفرع،\nلذلك سمي هذا بتخريج المناط؛ لأن المجتهد أخرج العِلَّة من خفاء\nإلى وضوح.\nمثاله من الكتاب: قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر ...) فهنا\nقد نص الشارع على تحريم الخمر، ولم يتعرض هذا النص للعلة لا\nصراحة ولا إيماء، فقام المجتهد باستنباط العِلَّة بطريق المناسبة وقَال:\nإن عِلَّة تحريم الخمر: الإسكار بعد تدبر واخَتبار واستقصاء واستقراء\nوتتبع، ثم تأكد من وجودها في الفرع وهو النبيذ، قألحق النبيذ\nبالخمر بواسطة هذه العِلَّة.\nومثاله من السُّنَّة: قوله - ﷺ - -:\n\" لا تبيعوا البر بالبر إلا مثل بمثل ... \"\nفهنا لم يتضمن هذا النص لا صراحة ولا إيماء ما يدل على\nعلَّة تحريم الربا، لكن المجتهد استنبط العلَّة بالنظر والاجتهاد\nواستعمال طرق استنباط العلل، فقال: إن الربا في البر قد حرم،\nلكونه مكيلًا، أو مطعومًا، وهذه العِلَّة موجودة في الأرز، فيلحق\nالأرز بالبر في تحريم الربا فيهما بجامع الكيل أو الوزن.\nونظرًا لقلة اجتهاد المجتهد في النوعين الأول والثاني وهما:\nتخريج المناط وتنقيحه، فإنه قد اتفق على الاحتجاج بهما، وأقرَّ\nبهما أكثر منكري القياس.\nأما النوع الثالث - وهو: تخريج المناط فقد اختلف العلماء فيه،\nنظرًا إلى كثرة وظائف المجتهد، واعتماده على كثير من الظنون فيه،\nوهذا هو الاجتهاد القياسي الذي وقع الخلاف فيه.","vol":"5","page":2086},{"text":"الطريق الخامس من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد ثبوت العِلَّة بالدَوران\nويشتمل على ما يلي:\nأولًا: في تعريفه.\nثانيا: هل الدوران يفيد العلية؟","vol":"5","page":2087},{"text":"أولأ: في تعريف الدوران:\n١ - الدوران لغة: مأخوذ من دار الشيء يدور دورًا، ودورانا،\nأي: طاف، ومنه قولهم: \" يدور حول البيت \" إذا طاف به،\nوليس عنده طرف يقف عنده.\n٢ - الدوران اصطلاحًا هو: أن يوجد الحكم عند وجود الوصف\nوينعدم عند عدمه.\nمثاله: دوران حكم العصير مع وجود الإسكار وعدم وجوده،\nفإن عصير العنب قبل وجود الإسكار كان حلالًا، فلما حدث\nالإسكار: حرم، فلما زال الإسكار وصار خلا صار حلالًا.\nفهنا تلاحظ: أن الحكم - وهو التحريم - قد دار مع الإسكار\nوجودًا وعدمًا، فلما وجد وصف كونه مسكرًا وجد الحكم وهو\nالتحريم، ولما انتفى عنه وصف الإسكار انتفى عنه الحكم وهو:\nالتحريم.\nفقد دلنا هذا الدوران على أن العِلَّة في تحريم العصير إنما هي\nالسكر.\nويُسمَّى هذا ب \" الدوران الوجودي والعدمي \"، أو \" الدوران\nالمطلق \".\nأما إذا وجد الحكم عند وجود الوصف، ولا ينعدم الحكم عند\nعدم الوصف، فهذا يسمى: \" الدوران الوجودي \".\nأما إذا انعدم الحكم عند عدم الوصف، ولا يوجد الحكم عند\nوجود الوصف، فهذا يسمى: \" الدوران العدمي \".","vol":"5","page":2089},{"text":"ثانيًا: هل الدوران يفيد العلية؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الدوران يفيد العلية ظنا بشرط: عدم المزاحم،\nوعدم المانع.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: العادة والعقل، بيانه: أنا نجد العقلاء من الناس\nيفزعون في أمور الأدوية والأغذية إلى التجربة، فهم - على اختلاف\nعقائدهم ومللهم ومعادنهم ولغاتهم - يرون أن التجارل أثبتت أن\nالأثر الفلاني مما يعد صحة ونشاطا قد حصل عند استعمال هذا\nالدواء، أو ذاك الغذاء الفلاني وتكراره، ولم يحصل ذلك حالة\nانعدامه، فيستمسكون به عندما يريدون الحصول على ذلك الأثر،\nولولا غلبة ظنهم أن استعماله سبب لذلك الأثر لما فزعوا إليه عند\nإرادتهم له، ولم يفزعوا لغيره، فإذا كان الدوران دليل على صحة\nالعِلَّة العقلية هنا، فإنه يكون دليلًا على صحة العِلَّة الشرعية ولا فرق.\nالدليل الثاني: أدط الدوران يفيد العلية فى الأمور العادية والمألوفة،\nفإذا كان الأمر كذلك في الأمور العادية فمانه يفيد ظن العلية في\nغيرها؛ لعدم الفارق.\nفمثلًا: لو أن زيدًا قد دخل فرأينا عمرًا قد قام، فلما خرج زيد\nجلس عمرو، وتكرر ذلك فإنه يغلب على ظننا: أن العلَّة في قيام\nعمرو هي: دخول زيد.\nكذلك لو أن جماعة من الناس قد رأوا زيدًا يغضب عند مناداته\nبلقب مخصوص، ولا يغضب إذا دعي بغيره، وقد تكرر منه ذلك:","vol":"5","page":2090},{"text":"فإنه يحصل لهم الظن أنه إنما يغضب لكونه يُدعى بذلك اللقب\nالمخصوص.\nولهذا فإنهم لو سئلوا عن سبب غضبه، فمما لا شك فيه أنهم\nسيعللون ذلك بتلك المناداة، بل إن الصبيان لو علموا أمره فإنهم متى\nما أرادوا إغضابه، فإنهم لا يترددون في دعائه بذلك اللقب الذي\nيكون مدعاة لإثارة ذلك الغضب فيه، ولو سئلوا عن السبب لأجابوا\nبنفس الجواب أيضًا.\nولولا أن الدوران مفيد لظن العلية لما حصل لهم ذلك الظن، وإذا\nثبت أن الدوران يفيد ظن العلية في مثل هذه الصورة، فإنه يثبت\nذلك الظن في غيرهما؛ لأن الأصل أن يترتب الحكم على المقتضى،\nوالمقتضى لذلك الظن إنما هو الدوران، وهذا يعني: أن يثبت الظن\nحيث ثبت الدوران.\nالمذهب الثاني: أن الدوران يفيد العلية قطعا.\nوهذا مذهب قد حكي عن بعض المعتزلة، وقيل: إنهم إنما قالوا:\nإن الدوران يفيد القطع بالعلية عندما وجدوا أن الوصف مناسب كما\nهو الشأن في الإسكار الذي دارت معه حرمة عصير العنب.\nجوابه:\nلا يسلم أن ذلك يفيد العلية قطعًا؛ لأن مناسبة الوصف لا تمنع\nالاحتمال، ولا يستلزم العلية، نظرًا لجواز أن يكون وصف مناسب\nولا يكون هو العِلَّة بأن لا يعتبره الشارع في تعلق الحكم، ومع\nالاحتمال كيف يثبَت الفطع؟!\nالمذهب الثالث: أن الدوران لا يفيد العلية بمجرده لا قطعا ولا\nظنًا.","vol":"5","page":2091},{"text":"وهو مذهب بعض الشافعية كابن السمعاني، والآمدي، وبعض\nالمالكية كابن الحاجب، وهو اختيار أكثر الحنفية.\nدليل هذا المذهب:\nأن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية كدوران أحد\nالمتلازمين المتعاكسين، ومن ذلك المتضايفان كالأبوة والبنوة، فإنه\nكلما تحقق أحدهما تحقق الآخر، وكلما انتفى أحدهما انتفى الآخر،\nوليس أحدهما علَّة للآخر، فإذا كان الدوران قد يوجد من غير أن\nيكون عِلَّة دلَّ ذلك على عدم دلالته على العلية.\nجوابه:\nنحن لم نقل: إن الدوران يفيد ظن العلية مطلقا.\nبل اشترطنا لذلك شرطين هما: \" عدم المزاحم \"، و\" عدم\nالمانع \".\nأي: أننا نقول: إن الدوران الذي يفيد ظن العلية هو الذي لم\nيقم دليل على عدم علية المدار فيه، أي: الخالي عن المزاحم.\nوما ذكرتم من الصور التي تخلفت عنه العلية فيها ليس من\nالدوران الذي هو حُجَّة عندنا، لأنه ليس خاليا عن المزاحم ما دام\nالدليل قائما على عدم العلية فيه بين المدار والمدار، فلا يقدح هذا في\nالدوران الذي هو دليل على العلية عندنا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهبين الأول والثاني\nقالوا بإفادة الدوران للعلية بشرط: وجود الدوران مع عدم المزاحم\nوانتفاء الموانع، وصلاحية الوصف للعلية، وظهور المناسبة.","vol":"5","page":2092},{"text":"وأصحاب المذهب الثالث قالوا بعدم إفادة الدوران للعلية إذا لم\nتظهر معه مناسبة الوصف للعلية.\nوعلى هذا فقد اتفق أصحاب المذاهب على أن الدوران بمجرده\nليس مسلكًا مستقلًا لإثبات العِلَّة، بل لا بد أن يكون معه من المناسبة\nوغيرها مما يدل على العلية، فكان الخلاف لفظيا.","vol":"5","page":2093},{"text":"الطريق السادس من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد ثبوت العِلَّة بالوصف الشبَهي - وهو الشبه -\nويشتمل على ما يلي:\nأولًا: تعريفه.\nثانيا: هل الوصف الشبهي مثبت للعلية - وحجة؟\nثالثًا: غلبة الأشباه، أو قياس الأشباه.","vol":"5","page":2095},{"text":"أولًا: تعريف الوصف الشبهي:\n١ - الشبه لغة: هو المثل، والجمع: أشباه، وأشبه الشيء\nالشيء إذا ماثله.\n٢ - واصطلاحا هو: \" الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد\nالبحث التام عنها ممن هو أهله، ولكن ألف من الشارع الالتفات\nإليه في بعض الأحكام \".\nبيان هذا التعريف:\nلبيان هذا التعريف لا بد أن نقسم الوصف إلى قسمين:\nالقسم الأول: الوصف الذي ظهرت فيه المناسبة بعد البحث التام.\nالقسم الثاني: الوصف الذي لم تظهر فيه الناسبة بعد البحث التام.\nأما القسم الأول - وهو: الوصف الذي ظهرت فيه المناسبة بعد\nالبحث التام - فهو الوصف المناسب، وقد سبق الكلام عنه في\nالطريق الثاني من طرق ثبوت العِلَّة بالاجتهاد، وهو: \" المناسبة\nوالإخالة \".\nأما القسم الثاني - وهو: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد\nالبحث التام - فهو نوعان:\nالنوع الأول: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة، ولم يؤلف\nمن الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام، ويُسمى بالوصف\nالطر دي، وذلك كا لطول، والقصر، والسواد، والبياض، ويطلق\nعليه بـ: \" قياس الطرد \" كأن يقول قائل في طهارة الكلب: حيوان\nمألوف له شعر كالصوف، فكان طاهرًا كالخروف.","vol":"5","page":2097},{"text":"أو يقول قائل: حرمت الخمرة لكون لونها أحمرًا، أو لكونها\nمعبأة في زجاجات، أو يقول قائل: إن الأعرابي قد وجبت عليه\nالكفارة؛ لكونه طويلًا أو أسمرًا، أو نحو ذلك.\nأو يقول قائل: الخل مائع لا يصح أن تزال به النجاسة، وعلل\nذلك بقوله: إنه لا تبنى عليه القناطر، ولا يصطاد فيه السمك، ولا\nتجري فيه السفينة، فكان في ذلك كالدهن، فإنه لا تصح إزالة\nالنجاسة به بالاتفاق، بخلاف الماء فنظرًا لكونه تبنى عليه القناطر،\nويصطاد فيه السمك، وتجري فيه السفينة فإنه يصح أن تزال به\nالنجاسة.\nفإن تلك الأوصاف التي ذكرت في تلك الأمثلة السابقة أوصاف\nطردية لا مناسبة بينها وبين الحكم الشرعي؛ حيث إن الشارع لم\nيعتبرها، ولم يلتفت إليها، فهذا باطل عند جمهور العلماء.\nالنوع الثاني: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام\nلكن ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام.\nوهذا ما يسمى بـ \" الوصف الشبهي \".\nوسمي بالوصف الشبهي - أو الشبه -؛ لأنه أشبه الوصف\nالطردي من جهة، وأشبه الوصف المناسب من جهة أخرى.\nفهو قد أشبه الوصف الطردي من جهة أن المجتهد لم يقف على\nمناسبة بين هذا الوصف وبين الحكم رغم البحث والتقصي، فهنا ظن\nالمجتهد أنه غير معتبر كالوصف الطردي.\nوهو قد أشبه الوصف المناسب من جهة أن المجتهد قد وقف على\nاعتبار الشرع له في بعض الأحكام، فإن هذا يوجب على المجتهد أن\nيتوقف عن الجزم بانتفاء مناسبته، فهنا يظن المجتهد أنه معتبر.","vol":"5","page":2098},{"text":"فنجد الوصف الشبهي تردد بين أن يكون معتبرًا من وجه، وغير\nمعتبر من وجه آخر: فمن حيث إن المجتهد لم يقف على مناسبته بعد\nالبحث التام: ربما يجزم بعدم مناسبته.\nومن حيث إنه عهد من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام:\nفإن هذا ربما يوجب عليه التوقف عن هذا الجزم بعدم المناسبة.\nفهو في مرتبة تعتبر دون مرتبة المناسب، وفوق مرتبة الطردي،\nوفيه شبه منهما.\nمثاله.: قول بعضهم في الاستدلال على مسألة إزالة النجاسة\nالمتقدمة: طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة\nالحدث، فالجامع بينهما: كون كل منهما طهارة لأجل الصلاة.\nأما مناسبتها لتعيين الماء فيها فإنها غير ظاهرة بعد البحث، لكن\nعهد من الشارع الالتفات إليها في بعض الأحكام مثل: مس\nالمصحف، والطواف، وذلك يوهم اشتمالها على المناسبة.\n***\nثانيًا: هل الوصف الشبهي - أو الشبه - مثبت للعلية، وحجة؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الوصف الشبهي يعتبر طريقًا من طرق ثبوت\nالعلة، فهو حُجَّة.\nوهو مذهب الإمام الشافعي في ظاهر مذهبه، والإمام أحمد في\nرواية صحيحة عنه، وهو اختيار جمهور الشافعية، والحنابلة، وأكثر\nالفقهاء.\nوهو الحق؛ قياسا على الوصف المناسب، بيان ذلك:","vol":"5","page":2099},{"text":"أن الوصف المناسب أثبت العلة؛ لأنه يفيد غلبة الظن، فكذلك\nالوصف الشبهي يفيد الظن الغالب، فكان مفيدًا للعلة مثل الوصف\nالمناسب، فيكون حجة بجامع: إفادة كل واحد منهما للظن.\nوإنما قلنا: إن الوصف الشبهي يفيد ظن العِلَّة؛ لأن الحكم متى ما\nثبت في محل، ولم يعلم وجود وصف مناسب فيه، بل علم وجود\nوصف شبهي مع أوصاف طردية أخرى، فإن هذا لا يخلو من أمرين:\nالأمر الأول: أن يكون الحكم غير معلل بمصلحة أصلًا، وهذا\nبعيد؛ لأن الأحكام معللة بالمصالح؛ حيث إن أحكام الشرع لا\nتخلو من حكمة، فاحتمال كون الحكم لمصلحة وعلة ظاهرة أرجح\nمن احتمال كونه تعبديًا.\nالأمر الثاني: إذا ثبت أن الحكم معلل بمصلحة، فإن تلك\nالمصلحة لما لم تكن وصفا مناسبا مستقلًا، فإنها لا بد أن تكون\nموجودة ضمن الوصف الشبهي، أو ضمن الوصف الطردي - أي:\nلمصلحة ضمن أوصاف أخرى غير معتبرة عند الشارع -.\nأما وجود المصلحة ضمن الوصف الطردي فهو باطل؛ لأن\nالوصف الشبهي دائر بين أن يكون مستلزما للمناسبة، وبين أن يكون\nموهما للمناسبة بخلاف الوصف الطردي، فإنه لم يكن دائرًا بينهما،\nبل هو خال من المناسبة قطعا، ولا يوهم وجودها فيه.\nفاتضح بذلك أن احتمال اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة\nأغلب وأظهر من اشتمال الأوصاف الباقية عليها.\nفبان - من ذلك - أن ظن كون الوصف الشبهي متضمنا لتلك\nالمصلحة أكثر، فلا يجوز إسناد الحكم إلى الوصف الطردي؛ لأن","vol":"5","page":2100},{"text":"العمل المرجوح مع وجود الظن الراجح غير جائز، فثبت أن الحكم\nيثبت بالوصف الشبهي.\nإذن الوصف الشبهي يفيد ظن العلية؛ فيجب العمل به؛ لقيام\nالأدلة على أن العمل بالظن واجب.\nالمذهب الثاني: أن الوصف الشبهي لا يعتبر طريقا لثبوت العِلَّة\nفليس بحُجَّة.\nوهو مذهب المحققين من الحنفية، وبعض المالكية كالقاضي أبي\nبكر، وبعض الشافعية كأبي إسحاق المروزي، وأبي إسحاق\nالشيرازي، وبعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى، وهو رواية عن\nالإمام أحمد.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الوصف الشبهي إما أن يكون مناسبا، وإما أن\nيكون غير مناسب.\nفإن كان مناسبًا فهو مقبول باتفاق القائسين؛ لأنه قياس عِلَّة.\nوإن كان غير مناسب فهو مردود باتفاق القائسين؛ لأنه وصف\nطردي، والوصف الطردي مردود.\nجوابه:\nلا نسلم هذا الحصر، بل إن الوصف قسمان: \"وصف مناسب \"،\nو\" وصف غير مناسب \".\nوغير المناسب نوعان: \" وصف شبهي \"، و\" وصف طردي \"،\nوالمردود هو الوصف الطردي فقط؛ لعدم التفات الشارع إليه في","vol":"5","page":2101},{"text":"جميع الأحكام، أما الوصف الشبهي فهو مقبول، نظرًا لالتفات\nالشارع إليه في بعض الأحكام.\nالدليل الثاني: أن إجماع الصحابة - ﵃ - هو\nالدليل المعتمد في إثبات القياس، ولم يثبت أن الصحابة قد علَّلوا\nبالوصف الشبهي في قياساتهم، وما دام أن الصحابة لم يعملوا به،\nفلا يثبت.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أنكم لم تثبتوا بالأدلة على أن الصحابة لم يعملوا\nبالوصف الشبهي، وما لا دليل عليه لا يعتد به.\nالجواب الثاني: على فرض أن الصحابة لم يعملوا بذلك، فإنه لا\nيلزم من عدم عمل الصحابة بهذا النوع من الأوصاف والأقيسة عدم\nجواز العمل به، لجواز أن يدل عليه دليل آخر غير عملهم به.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي فيما يظهر لي راجع إلى التسمية فقط؛ حيث\nإن أصحاب المذهب الثاني يعملون بالوصف الذي يلتفت إليه الشارع\nفي بعض الأحكام ويعتبره، ولكنهم يدخلونه ضمن الوصف المناسب.\nأما إذا لم يلتفت إليه الشارع مطلقا فهو الطردي الذي لا يعتبر.\nوهذا موافق لما قاله أصحاب المذهب الأول، لكنهم جعلوا درجة\nمتوسطة بين الوصف المناسب، والوصف الطردي سموها بالوصف\nالشبهي؛ حيث إنه يشبه الوصف المناسب من جهة، ويشبه الوصف\nالطردي من جهة أخرى، وقد سبق بيان ذلك.","vol":"5","page":2102},{"text":"ثالثًا: كلبة الأشباه، أو \" قياس الأشباه \":\nوهو: أن يتردد فرع بين أصلين، ويكون شبهه بأحدهما أكثر\nفيلحق باكثرهما شبها به.\nومعناه: أن يكون الفرع - المطلوب بيان حكمه - قد ترد بين\nأصلين؛ لأنه يشبه كل واحد منهما ببعض الجوانب.\nفالمناط الموجود في الفرع قد وجد في كل واحد من الأصلين، إلا\nأنه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الأوصاف التي بها مشابهته\nللأصل الآخر، فيلحق الفرع بالأصل الذي شبهه به أكثر، فلو أن\nالفرع قد أشبه المبيح في ثلاثة أوصاف، وأشبه الحاضر في أربعة\nأوصاف، فإنا نلحق الفرع بالحاضر؛ لأنه أكثر شبها به.\nمثاله: العبد إذا قتل خطأ وزادت قيمته على دية الحر، فإنه\nيلاحظ فيه أمران:\nأولهما: كونه نفسا، وصورته صورة آدمي، فهو في ذلك يشبه\nالحر، وهذا يقتضي أن يدفع القاتل الدية، ولا يزاد على الدية\nالمفروضة في الحر.\nثانيهما: كونه مالأ متقوما، فهو في ذلك يشبه الحيوان كالفرس\nوغيره، وما إلى ذلك من الأموال المتقومة، وهذا يقتضي أنه يمكن أن\nيزاد في تعويضه على دية الحر.\nفالملاحظ في العبد المقتول خطأ أنه اجتمع مناطان متعارضان،\nوبالموازنة: نجد أن مشابهته للحر في كونه آدميا مكلفا يثاب على الخير\nويعاقب على الشر، ومشابهته للحيوان لأتعدو كونه مملوكا متقؤَما\nفي الأسواق، فهو بالحر أكثر شبها، فكان إلحاقه به أوْلى من إلحاقه","vol":"5","page":2103},{"text":"بالحيوان، أو غيره من الأموال المتقومة، وعلى ذلك فلا يزاد في\nقيمته على دية الحر، هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد.\nأما الشافعي فإنه ألحقه بالحيوان؛ حيث إنه أكثر شبها به من شبهه\nبالحر، لذلك تجب على القاتل قيمة العبد حتى ولو زادت على دية\nالحر.\nمثال آخر: \" المذي \" متردد بين البول والمني، فمن قال: إنه\nنجس قال: هو خارج من الفرج، ولا يخلق منه الولد، ولا يجب\nبه الغسل، فهو في ذلك يشبه البول أكثر من مشابهته للمنى، فيلحق\nبه فيكون نجسًا مثله.\nومن قال: إنه ظاهر: قال: هو خارج فيه نوع من الشهوة،\nويخرج أمامها فهو في ذلك يشبه المني.\nوالخلاصة: أنا نلحق الفرع بالأصل الذي يغلب على ظننا أنه\nيشبهه أكثر، لذلك سمي بـ \" غلبة الأشباه \"، أو \" قياس الأشباه \".\nتنبيه: بعض العلماء قد غرف قياس الأشباه، أو غلبة الأشباه\nبأنه: تردد فرع بين أصلين قد أشبه أحدهما في الحكم، وأشبه الآخر\nفي الصورة، وهو قريب من تعريفنا، ومثاله نفس المثال الأول الذي\nذكرناه.\nتنبيه آخر: كثير من العلماء يذهبون إلى أن قياس الأشباه أو غلبة\nالأشباه داخل في قياس الشبه، لذلك تجدهم عرفوا قياس الشبه\nبنفس تعريفنا لقياس الأشباه، أو غلبة الأشباه، وهذا ليس بصحيح.\nبل الحق: أن قياس الشبه هو الذي سميناه بـ \" الوصف الشبهى\"\nوهو يعتبر طريقًا من طرق إثبات العلة غير الوصف المناسب.","vol":"5","page":2104},{"text":"أما غلبة الأشباه، أو قياس الأشباه، فإنه يختلف عنه، فقد يوجد\nفيه الوصف المناسب، لكن تنازع الفرع فيه أصلان - كما ذكرت -\nفتدبر ذلك.\nولقد ذكرت هذا في هذا المكان، لبيان الفرق بينهما.\nونظرًا لاختلاف العلماء فيه، وخلطهم بين الأمرين، وأن الفرق\nبينهما دقيق جدًا، فإن ذلك قد غمض على بعض العلماء حتى قال\nبعضهم: \" لست أرى في مسائل الأصول مسألة أغمض من هذه \".","vol":"5","page":2105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>المطلب الخامس هل يشترط أن تكون العلَّة مناسبة أي: مشتملة على\nحكمة قصدها الشارع من تشريعه للحكم</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: يشترط أن تكون العِلَّة مشتملة على حكمة قصدها\nالشارع.\nوالمراد بالحكمة: تحصيل مصلحة، أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو\nتقليلها مثل: تعليل الترخص في قصر الصلاة بالسفر؛ لاشتماله\nعلى الحكمة المناسبة للتخفيف، وهي المشقة، ومثل: جعل الزنا\nعلَّة لوجوب الحد على الزاني؛ لاشتماله على حكمة مناسبة،\nوهي: اختلاط الأنساب.\nفلا بد أن تكون العلَّة وصفا مناسبا يغلب على ظن المجتهد فيه\nوجود المصلحة المقصودة للشارع من تشريع الحكم.\nفالإسكار - مثلًا - مناسب لتحريم الخمر، وإيجاب العقوبة على\nالسكران.\nوالمصلحة في ذلك حفظ عقول الناس.\nوقتل الوارث مورثه مناسب لحرمانه من الميراث؛ لأن ترتب\nالحرمان على ذلك القتل يحقق مصلحة هي: دفع العدوان عن من\nهو أوْلى الناس بالرعاية، والاحترام، والمحافظة عليه، وهو قريبه،","vol":"5","page":2106},{"text":"ولولا حرمان الوارث القاتل لمورثه الذي استعجل الشيء قبل أوانه؛\nلأدى إلى أن يقوم كثير من الناس بقتل مورثيهم استعجالًا لذلك\nالمال، وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى.\nوعلى ذلك فلا يجوز التعليل بالأمارة المجردة، وهي العلامة\nالمحضة أو الوصف الطردي.\nوالوصف الطردي هو: ما ليس من شأنه تعليق الحكم عليه،\nكأن يُعلل وجوب الحد في الزنى باسم الشخص الزاني، أو هيئته،\nأو نحو ذلك، أو يعلل تحريم الربا في البر بكونه من المزروعات أو\nنحو ذلك، أو يعلل حرمة الخمر بكونه شرابا أحمر، أو أنه عصير\nعنب، أو أنه يحفظ في أوزان خاصة.\nأو يعلل وجوب قطع يد السارق بكون السارق غنيا، أو نحو ذلك\nمن الأوصاف التي لا مناسبة بينها وبين الحكم.\nوهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن الحكم حينما\nأثبتناه في الفرع، فإنما أثبتناه بواسطة وصف غلب على ظننا أن حكم\nالأصل قد ثبت من أجله، وهذا غير متصوَّر في الأوصاف الطردية\nالمحضة، والأمارات غير المؤثرة.\nالمذهب الثاني: أنه لا يشترط ذلك، فيجوز أن يكون الوصف\nمناسبا، وغير مناسب، متضمنا لمصلحة مناسبة وغير متضمن لذلك،\nأي: يستوي المناسب وغيره.\nوهو مذهب الغزالي، وتبعه على ذلك كثير من الحنابلة.\nدليل هذا المذهب:\nأن الوصف أمارة على الحكم ومعرفا له، فيُعلل به، سواء كان","vol":"5","page":2107},{"text":"مناسبًا أو غير مناسب؛ لأنه معرف للحكم، فيصدق عليه تعريف\nالعلَّة.\nجوابه:\nإنه لو جاز تعليل الحكم بمجرد الأمارة لم تكن لها فائدة سوى\nتعريف الحكم، وذلك يفضي إلى لزوم الدور، بيانه: أن العلَّة\nمستنبطة من حكم الأصل فهي - إذن - فرع منه، وإذا صح القول\nبأنها لمجرد تعريف الحكم - فقط - كان الحكم متفرعا عنها، وذلك\nهو الدور، وهو ممنوع.\nونحن لما قلنا: إن العِلَّة هي: الوصف المعرِّف للحكم: قلنا:\nإن الوصف يُشترط فيه: أن يكون ظاهرًا، منضبطًا، مجاوزًا،\nمشتملًا على معنى مناسب للحكم، فلم يطلق ذلك الوصف فتدبر\nالتعريف الذي سبق للعِلَّة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف فيما يظهر لي لفظي؛ لأنا نريد في المذهب الأول: العِلَّة\nالتي نلحق الفرع بالأصل بسببها، فلا يمكن هذا الإلحاق إلا إذا كان\nالوصف مناسبا: غلب على ظننا وجود المصلحة المقصودة للشارع من\nتشريع الحكم، وهذا لا يخالفه أصحاب المذهب الثاني.\nوأصحاب المذهب الثاني يريدون العِلَّة المطلقة الشاملة للعِلَّة\nالمتعدية، أو العِلَّة القاصرة التي لا يمكن أنَ نلحق بواسطتها أي فرع\nفلم يتوارد كلام الفريقين على محل واحد.","vol":"5","page":2108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>المطلب السادس هل يشترط أن تكون العلَّة ظاهرة جلية أو يجوز\nالتعليل بالوصف الجلي والخفي</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يشترط أن تكون العِلَّة ظاهرة جلية.\nوهو مذهب المالكية، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض\nالحنابلة، وهو الحق؛ لأن المقصود من الوصف المعلل به إثبات\nالحكم في الفرع، ولا يمكن هذا إلا إذا كان هذا الوصف جليا ظاهرًا\nفي الأصل ويوجد في الفرع كما وجد في الأصل، أما إذا كان هذا\nالوصف خفيًا في الأصل فإنه لا يمكن إثبات الحكم بواسطته في الفرع\nفمثلًا لو قلنا: إن عِلَّة الملك في البيع هو: التراضي بين المتبايعين،\nفإن هذه العلَّة لا تصح؛ لأن الرضى من الأوصاف الخفية التي يتعذر\nالوقوف عليَها بنفسها، لذلك لا بد أن نعلل الملك في البيع بأمر\nظاهر يكون مظنة تحقيق الرضا في البيع وهو: الإيجاب والقبول من\nالطرفين، أو المعاطاة في الأشياء اليسيرة والحقيرة.\nفإن الإيجاب والقبول من الطرفين في الأشياء النفيسة والمعاطاة في\nالأشياء الحقيرة دليل على رضا المتعاقدين.\nالمذهب الثاني: أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز التعليل بالوصف\nالجلي والخفي، ولا فرق.\nوهو مذهب أكثر الحنفية.","vol":"5","page":2109},{"text":"تفسير الجلي والخفي من الأوصاف عند الحنفية:\nالمراد بالوصف الجلي عندهم: ما لا يحتاج إلى النظر الكثير\nكتعليل طهارة سؤر الهرة بكثرة التطواف وصعوبة التحرز منها المنبه\nعليه في قوله - ﷺ -:\n\"إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات \".\nوالمراد بالوصف الخفي عندهم: ما يحتاج إلى نظر كثير ودقة تأمل\nكالعلل التي يتطرق إليها الاحتمال كتعليل تحريم ربا الفضل في البر\nبالطعم، أو الاقتيات، وتعليل عررم الربا في الذهب والفضة\nبالثمنية، ونحو ذلك.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول إنما اشترطوا\nأن يكون الوصف ظاهرًا بنفسه أو بغيره، وهذا موافق لما أراده أكثر\nالحنفية؛ حيث بيَّنوا: إن الوصف الخفي يكتسب الظهور مما يقوم\nمقامه، فمثلًا الرضا بين المتعاقدين وإن كان خفيا، إلا أن دلالة صيغة\nالعقد الظاهرة عليه جعلته من الأوصاف الظاهرة التي يجوز التعليل\nبها، وعليه: فإن كل وصف يمكن الوقوف عليه بدليل يزيل خفاءه\nيصح نصبه أمارة وعِلَّة ما دام المقصود حاصلًا به، وهو التعريف\nبالحكم.\nفهذا الكلام منهم يدل على أن الوصف الظاهر هو الذي يعلل به،\nأما ما خفي فلا يعلم إلا بواسطة الوصف الظاهر، وهو موافق لما\nقلناه.","vol":"5","page":2110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>المطلب السابع حكم التعليل بالحكم الشرعي\nهل يجوز أن يكون الوصف المعلل به حكما شرعيا</span>؟\nمثاله: قول المجتهد في الذمي: يصح ظهاره؛ لأنه يصح طلاقه\nكالمسلم.\nمثال آخر: قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية؛ لأنهما\nطهران عن حدث.\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أننا قلنا: إن العِلَّة هي المعرف للحكم، ولا\nيستبعد أن يجعل حكما ما معرفًا لحكم آخر، كأن يقول الشارع:\n\"مهما رأيتم أني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية فاعلموا أني\nأثبت الحكم الفلاني فيها أيضا \".\nالدليل الثاني: أن الحكم قد يدور مع الحكم الآخر وجودًا وعدما،\nفتثبت عليته بذلك، كما ثبتت علة غيره؛ لأن الدوران طريق من\nطرق إثبات العِلَّة مطلقًا، أي: من غير فرق بين عِلَّة وعِلَّة - كما\nسبق بيانه -.\nفمثلًا: صحة ظهار الذمي توجد مع صحة طلاقه، فمن صح","vol":"5","page":2111},{"text":"طلاقه صح ظهاره، ومن لم يصح طلاقه لا يصح ظهاره، فتكون\nصحة طلاقه عِلَّة لصحة ظهاره.\nوكذلك: جواز رهن المشاع يوجد مع جواز بيعه وجودًا وعدما،\nفما صح بيعه صح رهنه، وما لم يصح بيعه لا يصح رهنه، فيكون\nجواز بيع المشاع عِلَّة لجواز رهنه.\nالدليل الثالث: أنه وقع في الشريعة تعليل الحكم الشرعي بالحكم\nالشرعي، والوقوع دليل الجواز، من ذلك أن امرأة من جهينة جاءت\nإلى النبي - ﷺ -\nفقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟\nقال: \" نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك\nدين أكنت قاضيته؟ اقضوا حق الله فالله أحق بالوفاء \".\nفهنا نبه الرسول - ﷺ - على أن العلَّة لصحة القضاء: كون الشيء صار دينًا في الذمة، فقد قاس - ﷺ - إجزاء الحج عن الغير بإجزاء قضاء الدين عنه بعلَّة كون المقضي دينًا، والدين حكم شرعي؛ لأنه لزوم أمر في الذمة، وهذا اللزوم معتبر شرعًا، مترتب على خطاب الله تعالى المتعلق بأداء الحق.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم\nالشرعي.\nوهو لبعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الحكم الذي جعل عِلَّة يحتمل فيه ثلاثة\nاحتمالات فقط هي:\nالاحتمال الأول: إما أن يكون مقارنًا للحكم.","vol":"5","page":2112},{"text":"الاحتمال الثاني: إما أن يكون متأخرًا عنه.\nالاحتمال الثالث: إما أن يكون متقدما عليه.\nأما الأول - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل عِلَّة مقارنا للحكم\nالذي جعل معلولًا - فإنه لا يصح التعليل به؛ لأَن جعل أحدهما\nعلَّة والآخر معلولًا تحكما؛ حيث إنه يحتمل أن يكون الحكم الذي\nجعله عِلَّة معلولًا، ويحتمل العكس، فلا مزية لأحدهما على\nالآخر، فالقطع بكون أحدهما عِلَّة والآخر معلولًا تحكم.\nأما الثاني - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل عِلَّة متأخرًا عن\nالحكم الذي جعل معلولًا - فإنه لا يصح التعليل به؛ لأن المتأخر لا\nيكون عِلَّة للمتقدم؛ نظرًا لوجود العلول بدون العِلَّة.\nأما الثالث - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل علَّة متقدما على\nالحكم الذي جعل معلولًا - فلا يصح التعليل به - أَيضا -؛ لأن\nالقول بجوازه يلزم عليه وجود العِلَّة مع تخلف معلولها عنها - وهو\nالحكم - وهذا نقض، والنقض من قوادح ومبطلات العِلَّة، وسيأتي\nإن شاء اللَّه، وبذلك اتضح أن التعليل بالحكم الشرعي غير جائز.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ قولكم في الأول والثاني، بيان ذلك:\nأن قولكم: \" إن الحكم المقارن لا يكون علَّة \" لا نسلمه، بل لا\nمانع من جعل الحكم علَّة للحكم المقارن له، ولا يكون في ذلك\nتحكم؛ لجواز أن يكون أَحد الحكمين مناسبًا، والآخر غير مناسب،\nفتكون المناسبة مرجحة لكون ذلك الحكم المناسب عِلَّة.\nوقولكم: \" إن الحكم المتأخر لا يكون عِلَّة للمتقدم \" لا نسلمه،","vol":"5","page":2113},{"text":"بل يكون الحكم المتأخر علَّة للحكم المتقدم؛ لأنا نقصد بالعلَّة\nالمعرف؛ لأن المعرف يجوز أَن يكون متأخرًا عن المعرف.\nالدليل الثاني: أن الشارع إذا أثبت حكمين في صورة واحدة معا،\nفليس أحدهما يتميز عن الآخر في الوجود والافتقار، والمعلومية،\nوعلى ذلك فليس جعل أحدهما عِلَّة للآخر أوْلى من العكس،\nوحينئذ:\n١ - إما أن لا يكون أحدهما عِلَّة للآخر، وهذا مطلوبنا.\n٢ - أو أن يجعل كل واحد منهما عِلَّة للآخر، فيلزم الدور.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ قولكم: \" إنه لا مزية لأحدهما على\nالآخر \"، بل قد توجد مزية من حيث إنه يجوز أن يكون أحد\nالحكمين مناسبا للآخر من غير عكس، أو يجوز أن يكون أحدهما\nأكثر مناسبة من الآخر، فيكون المناسب، أو الأكثر مناسبة هو\nالعلة.\nاَلجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أنه يلزم الدور إذا جعلنا كل واحد منهما\nعلَّة، وذلك لأن العلَّة هي المعرف، ولا مانع من أن يكون كل واحد\nمَن الشيئين معرفا للآخر.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني لا يجيزون\nالتعليل بالحكم الشرعي في الأمثلة السابقة، وكذلك مثل: قياس\nزكاة مال اليتيم بزكاة غيره في أنه مالك تام الملك، وقياس الرقبة\nالواجبة في الظهار على الرقبة الواجبة في القتل، وجعل الإيمان\nشرطًا فيهما باعتبار أن كل واحدة منهما كفارة.","vol":"5","page":2114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>المطلب الثامن بيان أن العلَّة يشترط فيها أن لا تخالف نصا أو إجماعًا</span>\nهذا قد اتفق العلماء عليه؛ لأن العلَّة مستنبطة من حكم الأصل\nالثابت بالنص أو الإجماع، فالعلَّة هي الوصف الذي دلَّنا عليه النص\nأو الإجماع، وإذا كان الأمرَ كذلك فلا يعقل أن يخالف العلَّة\nأصولها، وهو النص، أو الإجماع، وتكون علَّة صالحة لثبوت\nالحكم، فإذا علل أحدهم بعِلَّة تخالف نصا أو إجماعًا، فإنها\nمردودة.\nمثل: ما ورد عن بعض فقهاء الأندلس، حيث أفتى للملك الذي\nأكثر من الجماع في نهار رمضان بأنه يصوم شهرين متتابعين، وعلل\nذلك بسهولة العتق على مثل هذا الملك لما لديه من الأموال والجواري\nحيث لا يجد في ذلك أي نوع من المشقة، ولا يحقق الزجر الذي\nشرعت الكفارة من أجله، فألزمه بالصوم الذي هو يشق عليه،\nوأجدر بتحقق الزجر والردع لأمثاله.\nلكن هذه العِلَّة مردودة؛ لأنها مخالفة للنص، وهو حديث\nالأعرابي الذي رتب كفارة الجماع في نهار رمضان على ثلاث مراتب:\nأولها: عتق الرقبة، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام.","vol":"5","page":2115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>المطلب التاسع حكم التعليل بالحكمة</span>\nالحكمة لغة: ما تعلقت بها عاقبة حميدة، وهي: بخلاف السفه.\nوهي في الاصطلاح تطلق على ما يترتب على التشريع من جلب\nمصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها.\nفيكون الفرق بينها وبين العلَّة: أن العِلَّة هي الوصف الظاهر\nالمنضبط الذي جعله الشارع مناطَا لثبوت الحكم؛ حيث ربط الشارع\nبه الحكم وجودًا وعدمًا بناء على أنه مظنة لتحقيق المصلحة المقصودة\nللشارع من شرع الحكم.\nأما الحكمة فهي: المصلحة نفسها، ولذلك فإنها تتفاوت درجاتها\nفي الوضوح والانضباط.\nفمثلًا: أباح الشارع للمسافر قصر الصلاة، وعلل ذلك:\nبالسفر؛ حيث لا يختلف باختلاف الأفراد، ولا الأحوال فهو ظاهر\nمنضبط وهو مظنة للمشقة.\nوالحكمة هي: المصلحة التي قصدها الشارع.\nكذلك: أجاز الشارع - مثلًا - للشريك أن يتشفع في مال شريكه\nوالوصف المنضبط في ذلك: الشركة فتكون هي العِلّة.\nأما الوصف غير النضبط والذي يختلف باختلاف الأفراد والأحوال،\nوالذي قصده الشارع في التشريع، فإنه دفع الضرر عن الشريك\nالقديم من الشريك الجديد، وهذا هو حكمة التشريع.","vol":"5","page":2116},{"text":"ونظرًا لكون تلك الحكمة تختلف باختلاف الأفراد والأحوال،\nوقد تكون خفية، فإن العلماء قد اختلفوا هل يجوز تعليل الحكم بها\nأو لا يجوز؟ على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز التعليل بالحكمة.\nوهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن حكمة الحكم الغالب فيها الخفاء، وعدم\nالانضباط: فهي مختلفة باختلاف الأحوال، والأفراد، والأزمان،\nفمثلًا: المشقة التي هي حكمة مشروعية قصر الصلاة في السفر،\nوإباحة الإفطار في السفر تختلف باختلاف الأشخاص، فبعضهم\nيشعر بالمشقة عند أدنى تعب، وبعضهم لا يشعر بشيء مهما صعب\nالسفر، وبعضهم قد توسط، كذلك المسافر في الشتاء قد لا يشعر\nبالعطش، كمن سافر في الصيف، كذلك الراكب دابة أو سيارة،\nأو طائرة يختلف عن غير الراكب، فلو قلنا: إن المشقة هي العلَّة في\nالإفطار لترتب على ذلك: اختلاف الحكم باختلاف الأفراد وقوة\nتحملهم وعدم ذلك، وترتب عليه أيضا اختلاف الحكم باختلاف\nالأزمان، وترتب عليه - أيضًا - اختلاف الحكم باختلاف المركوب\nونحو ذلك، وهذا يجعل أحكام الشرع تختلف باختلاف الأفراد،\nوالأحوال، حتى أنك لتجد اثنين مسافرين: هذا يجوز له الإفطار،\nوهذا لا يجوز؛ نظرًا لاختلاف ظروفهما.\nويترتب عليه: لزوم البحث الشديد والنظر الدقيق لمعرفة مناط\nالحكم لهذا الشخص أو ذاك، وهذا فيه من التكليف ما اللَّه به عليم،\nوالكلفة خلاف حكمة التخفيف الذي جاءت به الأحكام الشرعية،\nوقد وجدنا الشارع رد الناس في مثل هذه الأمور - التي يختلف فيها\nالناس - إلى مظانها الظاهرة الجلية؛ دفعا للتخبط في الأحكام،","vol":"5","page":2117},{"text":"ونفيًا للحرج والمشقة والعسر، فرخص في القصر والفطر لعلَّة ظاهرة\nجلية لا تختلف باختلاف الأفراد والظروف وهي: مجرد السفر\nثمانين كيلو مترًا، ولم يعلق الترخص بالمشقة؛ لأنها مما يضطرب بها\nالناس ويختلفون فيها - كما قلنا -.\nويؤيد ذلك: أن الشارع لم يرخص للعمال في التحميل، أو\nالبناء في الفطر في الحضر مع أنهم يجدون من المشقة ما لا يجده\nالمسافرون.\nكذلك قلنا: إن حد الزنى وجب لعلة وهي: نفس الزنا، ولم\nنعلل بالحكمة وهي: اختلاط الأنساب؛ لأنا لو عللنا بوجوب الزنا\nباختلاط الأنساب لقال قائل: أنا أضمن أنه لا تختلط الأنساب بأن\nأزنى بامرأة لا زوج لها وهى موقوفة لا ترى الرجال ولا يرونها،\nوإذا كان الحكم يدور مع العِلة: إذا وجدت وجد الحكم وإذا عدمت\nعدم الحكم كما قلنا في الدوران: فإنه على هذا إذا وجد اختلاط\nالأنساب وجد الحكم، وهو تحريم الزنا والحد عليه، وإن لم يوجد\nاختلاط الأنساب فلا يوجد الحكم، فلا حد على الزاني.\nولكن العلماء قد اتفقوا على بطلان ذلك، وعللوا وجوب حد\nالزنا بعلة ظاهرة جلية وهي: نفس الزنا.\nكذلك: أوجب الشارع العدة لبراءة الرحم بالوطء الذي هو مظنة\nلشغل الرحم حتى لو كان صغيرة أو يائسة مما لا يتصور معها اختلاط\nالأنساب، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى.\nوهذا قياسا على ما ذكرناه في أن الصبي المميز غير مكلف؛ حيث\nإن الصبي وإن كان مفرقًا بين الخير والشر، والجيد والرديء،\nوالطيب والخبيث إلا أنا لا نقول بأنه مكلف؛ لأنا لا نعلم بالدقة متى","vol":"5","page":2118},{"text":"عرف ذلك، ولأن الصبيان يختلفون في ذلك باختلاف بيئاتهم،\nونوع التربية التي ربوا عليها مما يلزم منه: أن يقال: إن هذا الصبي\nمكلف، وذاك غير مكلف فيختلف الحكم باختلاف الصبيان.\nلكن الشارع قد وضع لنا حدًا إذا بلغه الصبي يكون مكلفًا لا\nيختلف فيه الصبيان وهو: حد البلوغ - وهو: خمسة عشر عاما،\nأو الاحتلام، أو الإنبات من قبل، وتزيد الصبية الحيض.\nكذلك هنا: فإن حكمة الحكم وهي المشقة مثلًا في السفر تختلف\nباختلاف الأشخاص والأقوال، فوضع لنا الشارع علامة ظاهرة جلية\nلا تختلف باختلاف الأشخاص والأقوال، وهي: السفر، فيكون\nالحكم واحدًا لجميع المكلفين.\nالدليل الثاني: أنه لو جاز التعليل بالحكمة: للزم تخلف الحكم\nعن علته، وهذا خلاف الأصل.\nفمثلًا لما قلنا بوجوب الحد على الزاني، فإما أن يعلل ذلك\nبالوصف المنضبط الظاهر وهو: الزنا، وإما أن يعلل ذلك بحكمته\nوهي: اختلاط الأنساب.\nلا يمكن أن نعلل بالثاني - وهو اختلاط الأنساب -؛ لأنه يلزم\nمنه التخلف في بعض الصور؛ حيث يتحقق اختلاط الأنساب بدون\nالزنا؛ كأن يأخذ إنسان أطفالأ صغارًا جدًا على حين غفلة من آبائهم\nوفرقهم حتى صاروا رجالًا، فلن يستطيع آباؤهم التعرف عليهم،\nفهنا قد تحققت الحكمة، وهي: اختلاط الأنساب، فينبغي على هذا:\nالقول بوجوب الحد على من أخذهم؛ لأنه حقق الحكمة، وهي:\nاختلاط الأنساب، وهذا لم يقل به أحد، فبان من هذا: أنه، قد","vol":"5","page":2119},{"text":"تخلف الحكم عن علَّته، وهو نقض مبطل للتعليل كما سيأتي إن شاء\nالله، فثبت أنه يعلل بالأول وهو الوصف الظاهر، وهو: الزنا.\nالدليل الثالث: أن الشارع قد علل الترخص في قصر الصلاة\nبالسفر نفسه حتى لو انتفت فيه المشقة كالسفر المريح بأي وسيلة، ولم\nيعلل ذلك بالحضر وإن اشتمل على المشقة، كما هو الشأن فيمن\nيلاقي المشاق في الأعمال الشاقة كعمال المصانع.\nفهنا وجدنا الشارع اعتبر المظان عند خلوها عن الحكمة.\nولو جاز التعليل بالحكمة لما وجدنا الشارع اعتبر تلك المظان؛ لأنه\nلا عبرة بها مع تحقق خلوها عن الحكمة، لكنه اعتبرها فدلنا ذلك\nعلى أن المعتبر المظنة دون الحكمة.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز التعليل بالحكمة مطلقا.\nوهو مذهب الغزالي، وفخر الدين الرازي، والبيضاوي، وبعض\nالعلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الحكمة - وهي: مقصود الشارع من شرع الحكم - هي أصل\nلذلك الوصف، فإذا جاز التعليل بالوصف المشتمل عليها، فإنه من\nباب أوْلى أن يجوز التعليل بالحكمة؛ لأنها أصل لذلك الوصف،\nولا يعقل أن يكون الأصل أقل درجة من فرعه.\nأي: إذا جاز التعليل بالفرع - وهو الوصف - فإنه من باب أوْلى\nإلى جواز التعليل بالأصل - وهي الحكمة.\nجوابه:\nإن قياس الحكمة على الوصف بالقياس الأولى لا نسلمه، بل هو\nقياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق:","vol":"5","page":2120},{"text":"أن الوصف المشتمل على الحكمة يجوز التعليل به؛ لأمرين:\nأولهما: اشتماله على الحكمة، ثانيهما: كونه ظاهرًا منضبطا.\nبخلاف الحكمة، فإنه لا يتوفر فيها الأمر الثاني؛ لعدم انضباطها\nغالبا - كما قلنا سابقا - حيث تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة،\nوالأشخاص كالمشقة.\nالمذهب الثالث: التفصيل، بيانه:\nإن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها، فإنه يجوز التعليل بها.\nوإن كانت الحكمة خفية مضطربة، فإنه لا يجوز التعليل بها.\nوهو ما ذهب إليه الآمدي، وابن الحاجب، والصفي الهندي،\nوكثير من الحنابلة.\nدليل هذا المذهب:\nأنا قلنا: إنه لا يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت خفية غير منضبطة\nلأمرين هما:\nأولهما: أن الحكمة الخفية المضطربة تختلف باختلاف الأشخاص\nوالأماكن، والأزمان والأحوال، ويعسر معرفة حكمة الحكم والحال\nهذه.\nثانيهما: أن التعليل بالحكمة الخفية المضطربة يفضي إلى العسر\nوالحرج في حق المكلَّف؛ حيث إنه سيكلف بالبحث عنها والاطلاع\nعليها، والنصوص تنفي العسر عن المكلفين.\nوقد سبق بيان هذين الأمرين في الدليل الأول من أدلة المذهب\nالأول، وهو أنه لا يجوز التعليل بالحكمة مطلقًا.","vol":"5","page":2121},{"text":"وقلنا: إنه يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة؛ لأن\nالوصف الظاهر المنضبط يصح التعليل به؛ لاشتماله على حكمة\nمقصودة للشارع، وهذا الوصف يعتبر فرعا لحكمته أقيم مقامها؛\nلأنه ظاهر منضبط، ومن الواضح أن العلماء لم يقولوا بصلاحية\nالوصف للعلية، إلا لأنه مظنة لتلك الحكمة المقصودة أصلًا في\nالتشريع، فإذا وجدنا الحكمة بهذه الصفة من الظهور والانضباط،\nفإنها تكون مساوية لذلك ألوصف بالظهور والانضباط، وعلى هذا\nفإن التعليل بها جائز.\nجوابه:\nإن الحكمة لو كانت ظاهرة منضبطة لجاز التعليل بها؛ لكنها غير\nظاهرة ولا يمكن أن تنضبط؛ لأنها - كما قلت مرارًا - تختلف\nباختلاف الأشخاص، والأماكن، والأحوال، والأزمان، فهي\nراجعة إلى دفع مفسدة، أو جلب مصلحة، وهذه الأمور تختلف\nباختلاف الناس وحاجاتهم ومصالحهم، ودفع المفاسد عنهم، وكل\nذلك مما يخفى ويزيد وينقص بحسب الأحوال والأشخاص، فإذا كان\nالأمر كذلك فلا تكون ظاهرة، ولا يمكن أن تنضبط إلا نادرًا، ولا\nيمكننا العلم بهذا النادر إلا بعد عسر وحرج، والعسر والحرج\nمرفوعان في الشريعة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي، فيما يظهر؛ لأن أصحاب المذاهب قد اتفقوا\nعلى الترخص للمسافر في قصر الصلاة وإباحة الفطر، ولم نجد\nواحدًا منهم قد نظر إلى تحقق المشقة وعدم تحققها، وهذا يجعل\nالخلاف لا أثر له.","vol":"5","page":2122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>المطلب العاشر هل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي\nوتعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، وتعليل\nالحكم العدمي بالوصف العدمي، وتعليل الحكم\nالوجودي بالوصف العدمي</span>؟\nهذا فيه تفصيل إليك بيانه:\nأما الأول - وهو: تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي -\nفهو جائز مثل: وجود تحريم الربا في البر، والعِلَّة وجود الطعم\nفيه، أو الكيل، أو الوزن.\nأما الثاني - وهو: تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي -\nفهو - أيضا - جائز مثل: وجود الدين عِلَّة لعدم وجوب الزكاة.\nأما الثالث - وهو: تعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي - فهو\nأيضًا جائز مثل: عدم الرضا علَّة لعدم صحة البيع، مثال آخر:\nعدم نفاذ التصرف بالنسبة للمجنون والعِلَّة: عدم العقل.\nأما الرابع - وهو: تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي -\nفهو مثل: قولنا: عدم الفسخ في زمن الخيار عِلَّة لثبوت واستقرار\nاللك: فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز ذلك.","vol":"5","page":2123},{"text":"وهو مذهب فخر الدين الرازي، وصفي الدين الهندي، وكثير\nمن العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن الدوران يدل على ذلك؛ حيث إن الحكم يدور\nمع بعض العدميات، فيقال: ثبت واستقر الملك لما عدم الفسخ في\nزمن الخيار، ولو وجد الفسخ في زمن الخيار لما ثبت الملك، كذلك\nتقول: عدم السبب الشرعي الناقل للملك موجب لحرمة الانتفاع بما\nوضعت اليد عليه، ووجود السبب الشرعي الناقل للملك مبيح\nللانتفاع به، وهذا هو الدور، والدور يفيد ظن العلية - كما قلنا\nفيما سبق - والعمل بالظن واجب.\nالدليل الثاني: أن العِلَّة هي: المعرف للحكم - كما قلنا في\nتعريف العلَّة - وهذا المعنى لا ينافي العدم؛ لأن العدم قد يكون\nمعرفا على وجود حكم ثبوتي، كما يكون معرفا لحكم عدمي.\nفمثلًا: عدم الشرط يعرفنا عدم المشروط، وعدم العِلَّة يعرفنا\nعدم المعلول، فكذلك العدم يعرفنا بوجود حكم ثبوتي، فعدم\nامتثال العبد لأوامر سيده يعرفنا غضبه عليه والغضب أمر وجودي.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف\nالعدمي.\nوهو مذهب الآمدي، وابن الحاجب، وكثير من الشافعية، وهو\nمذهب أكثر الحنفية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل م لأول: أنه اتفق على أنه يجب على المجتهد البحث عن\nعِلَّة الحكم بالسبر والتقسيم للأوصاف التي تصلح للعلية - كما سبق","vol":"5","page":2124},{"text":"بيانه - وهذا شيء يستطيعه المجتهد في الأوصاف الثبوتية، أما\nالأوصاف العدمية فإنها غير متناهية لذلك لا يجب عليه سبرها؛\nلعدم استطاعته على حصرها -، وهذا يدلنا على أن الأوصاف العدمية\nلا تصلح للعلية؛ إذ لو كانت واجبة لوجب على المجتهد سبرها\nشأنها في ذلك شأن الأوصاف الثبوتية؛ لأنه لا يجوز إهمال شيء مما\nيصح التعليل به.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ ما ذكرتموه، بل يجب على المجتهد سبر\nجميع العلل التي يمكن أن يعلل به الحكم، سواء كانت ثبوتية، أو\nعدمية، وإن لم يفعل المجتهد ذلك فلا يصلح للاجتهاد.\nالجواب الثاني: سلمنا عدم وجوب سبر الأوصاف العدمية على\nالمجتهد، فليس ذلك الحكم؛ نظرًا لعدم صلاحيتها للتعلل بها، بل\nإن ذلك سقط عن المجتهد لتعذره؛ حيث إن العدميات غير متناهية.\nالدليل الثاني: أنه يصح في الاستعمال اللغوي والعرفي أن يقول\nقائل - سائلًا -: \" أي شيء وجد حتى حدث هذا الأمر؟ \"،\nوهذا يفهم أنه لو لم يكن الحدوث متوقفا على وجود شيء: لكان\nلغوًا شأنه في ذلك شأن قول القائل: \" أي رجل مات حتى حدث\nلفلان هذا المال؟ \"، فإن حدوث المال غير متوقف على موت أحد،\nفكان سؤالًا فاسدًا.\nوهذا كله يفيد: أنه لا بد للحكم الثبوتي من عِلَّة وجودية\nوثبوتية، وهو يتضمن عدم جواز التعليل بالعدم.","vol":"5","page":2125},{"text":"جوابه:\nأنه لو سلم توقف حدوث ذلك الأمر على الأمر الوجودي، فإنه\nمعارض بما يدل على صحة تعليل الأمر الوجودي بالأمر العدمي،\nفيصح أن يقال: عاقب الوالد ولده؛ لأنه لم يمتثل أمره، وطرد زيد\nمن الكلية؛ لأنه لم ينجح، وهذا كله تعليل للأمر الوجودي بالأمر\nالعدمي.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف لفظي فيما يظهر لي؛ لأن أصحاب المذهب الثاني\nموافقون على تعليل الحكم الثبوتي والوجودي بالوصف العدمي، إلا\nأنهم لا يعبرون بالوصف العدمي، بل يعبرون بمفهومه، فمثلًا: لما\nقلنا: إن عدم الفسخ في زمن الخيار علَّة لثبوت الملك، قال أصحاب\nالمذهب الثاني: إن انتهاء زمن الخيارَ علَّة لثبوت الملك، وهكذا فلا\nخلاف في الحكم في اللفظ.","vol":"5","page":2126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>المطلب الحادي عشر حكم التعليل بالوصف المركب</span>\nالمراد بالوصف المركب: الوصف المتكون والمركب من عدة أجزاء\nكتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، أو تعليل وجوب\nالكفارة بوقاع مكلف في نهار رمضان، وهكذا.\nفهل يجوز التعليل بذلك؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على\nمذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء كما\nجاز التعليل بالوصف الواحد.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: قياس العِلَّة المركبة من عدة أوصاف على العِلَّة\nالمتكونة من وصف واحد، بيان ذلك:\nأن الوصف الواحد يغلب على الظن أنه علَّة بأحد طرق إثبات\nالعلَّة السابقة كدلالة طريق النص الصريح، أَو طريق الإيماء، أو\nطريق الإجماع، أو طريق المناسبة، أو السبر والتقسيم، أو تنقيح\nالمناط، أو الدوران، فكذلك الوصف المركب من عدة أجزاء يظن\nعليته بتلك الطرق؛ لأن ما يثبت به علية الوصف الواحد يصلح أن\nيثبت به علية الأوصاف المتعددة من غير فرق؛ لأن القول بالفرق لا\nدليل عليه، وما لا دليل عليه لا يعتمد عليه.\nالدليل الثاني: أن المصلحة قد لا تحصل إلا بعلة مركبة من","vol":"5","page":2127},{"text":"أوصاف؛ حيث إنه بعد الاستقراء والتتبع ثبت أن كثيرًا من الأحكام\nالشرعية يتوقف القول فيها على حصول أوصاف عديدة ليكمل\nالتناسب بين الوصف والحكم، فمثلًا لو اقتصرنا على وصف واحد\nلكان الحكم واسعًا لا يمكن حصره، فمثلًا لو قلنا: إن علَّة كفارة\nالوقاع هي: الوقاع فقط لدخل المكلف وغيره، ولو قلنا:إن العِلَّة\nهي: وقاع مكلَّف في نهار رمضان لحصر ذلك في هذا الشخص\nالموصوف بتلك الصفات.\nكذلك لو قلنا: إن عِلَّة وجوب القصاص هي: \" القتل \" فقط،\nلدخل قتل الخطأ، وقتل شبه العمد، ولما ناسب وجوب القصاص،\nولكن لما أضيف إليه كونه عمدًا عدوانًا حُصر الشخص الذي يجب\nعليه القصاص، وناسب الحكم.\nالدليل الثالث: وقوع التعليل بالوصف المركب في السنة، ومن\nما جاء في بعض الروايات: تعليل أحكام المستحاضة بأنه دم عرق\nانفجر، فعلل الدم بالانفجار، وهذا هو التركيب، والوقوع دليل\nالجواز.\nالمذهب الثاني: لا يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء.\nوهو مذهب بعض المعتزلة، وحكي عن أبي الحسن الأشعري.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لو صح التعليل بالوصف المركب من أجزاء، فعندنا احتمالات:\nالاحتمال الأول: إما أن تكون العلية قائمة بجزء غير معين.\nالاحتمال الثاني: إما أن تكون العلية قائمة بجزء معين.\nالاحتمال الثالث: إما أن تكون العلية قائمة بكل واحد منها.","vol":"5","page":2128},{"text":"الاحتمال الرابع: إما أن تكون العلية قائمة بمجموع الأجزاء.\nوكلها باطلة، بيان ذلك:\nأن الأول - وهو: كون العلية قائمة بجزء غير معين - باطل؛\nلأن العلية وصف موجود، والواحد لا بعينه لا وجود له، وغير\nالموجود لا يصح أن يقوم به الموجود.\nوأما الثاني - وهو: كون العلية قائمة بجزء معين - فهو باطل\n- أيضًا -؛ لأن قيام العلية بجزء معين يجعل الجزء المعين هو العِلَّة،\nفتكون العِلَّة مفردة، لا مركبة، وهو خلاف ما نحن بصدده.\nوأما الثالث - وهو: كون العلية قائمة بكل جزء من هذه\nالأجزاء - فهو باطل - أيضا -؛ لأنه يؤدي إلى جعل كل جزء عِلَّة\nمستقلة، فيكون كل واحد منها عِلَّة، ولا يكون المجموع هو العَلة\nكما هو المفروض في هذه المسألة.\nوأما الرابع - وهو: كون العلية قائمة بمجموع الأجزاء - فهو\nباطل؛ لأن ذلك يوجب قيام المتحد بالمتعدد أو اتحاد المتعدد، وهو\nقلب للحقائق.\nوإذا بطلت تلك الاحتمالات فإنه يمتنع قيام العلية بالوصف المركب.\nجوابه:\nإن هذا الدليل منتقض بالحكم على المتعدد من الألفاظ والحروف\nبأنه خبر أو استخبار، أو وعد أو وعيد، وما إلى ذلك من أقسام\nالكلام؛ لأن كونه خبرًا. زائد عليه، فإما أن يقوم كونه خبرًا بكل\nحرف، أو بمجموع الحروف.\nومنتقض بما يتجدد من الأعداد والهيئة الاجتماعية، فمثلًا: كل","vol":"5","page":2129},{"text":"واحد من العشرة ليس بعشرة، وعند اجتماعها يكون المجموع\nعشرة.\nفكذلك: كل واحد من أجزاء الوصف ليس هو العِلَّة، وعند\nاجتماعها يكون المجموع عشرة.\nالمذهب الثالث: يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء بشرط:\nأن لا يزيد على سبعة أجزاء.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأنه بعد الاستقراء والتتبع ثبت أن أجزاء الوصف هي سبعة،\nولذلك لا يزاد على ذلك، فإن زاد فلا يجوز التعليل به.\nجوابه:\nلا داعي لهذا التقييد بهذا العدد من الأجزاء؛ لعدم وجود الدليل\nالمقيد أو المخصص، وإن وجد في حالة واحدة، فالحالة الواحدة لا\nيقيد بها قاعدة عامة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا قد اختلف فيه على قولين:\nالقول الأول: أن الخلاف لفظي، وهو الحق؛ لأن أصحاب\nالمذاهب قد اتفقوا على أن الأجزاء لا بد منها في العلية، ولكن\nالخلاف وقع بينهم - بعد ذلك - في أنها هل هي أجزاء للعلة، أو\nأن واحدًا منها علة والباقي شروط فيها.\nفمن أجاز التعليل بالعلة المركبة - وهم أصحاب المذهب الأول\nوالثالث - جعل جميع الأجزاء علة.","vol":"5","page":2130},{"text":"ومن منع التعليل بالعلة المركبة من أوصاف تعلق بوصف واحد،\nوجعل الباقي شروطا لذلك الوصف.\nولا يترتب على الخلاف شيء بالنسبة لوجود باقي الأجزاء؛ حيث\nإنه لا بد منها، سواء كانت أجزاء أو شروطا.\nالقول الثاني: إن الخلاف معنوي، وهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا القول:\nأن لهذا الخلاف أثرًا وهو: أنه من أجاز التعليل بالوصف المركب\nمن أجزاء قالوا بعلية كل جزء، وبناء على ذلك فإنهم يشترطون\nالمناسبة في كل الأجزاء.\nأما من منع التعليل بالوصف المركب من أجزاء، فإنهم لا\nيشترطون المناسبة إلا في هذا الجزء الذي جعلوه عِلَّة، دون الباقي.\nجوابه:\nأن المناسبة تشترط في العِلَّة مطلقا، أي: سواء كانت وصفًا\nمفردًا، أو متعددًا مركبا، وليس هذا أثرًا للخلاف.","vol":"5","page":2131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>المطلب الثاني عشر حكم تعليل الحكم بأكثر من عِلَّة \" تعدد العِلَل </span>\"\nاتفق العلماء على جواز تعليل الحكم الواحد نوعًا المختلف شخصا\nبعلل مختلفة، كان تعلل إباحة قتل شخص بكونه مرتدًا، وتعلل\nإباحة قتل شخص آخر بكونه قاتلًا، وتعلل إباحة قتل شخص ثالث\nبكونه زانيا محصنا.\nواختلف العلماء في تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين\nمختلفتين، أو أكثر من ذلك مثل: تعليل حرمة وطء امرأة؛ بكونها\nمعتدة، وكونها حائضا، وتعليل وجوب القتل على مكلف بكونه\nزانيا وهو محصن، وبكونه قاتلًا، وبكونه مرتدًا، فهل يجوز\nذلك؟\nاختلف في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين فأكثر مطلقا.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن العلَّة هي: الوصف المعرف للحكم - كما\nقلنا في تعريف العِلَّة - ولَا مانع من اجتماع المعرفات والأمارات على\nشيء واحد، ولذلك قالوا: إن من لمس وبال، فإنه ينتقض وضوؤه\nبهما.\nالدليل الثاني: الاستقراء والتتبع دلَّ على جواز ذلك؛ حيث إنه\nبعد الاستقراء والتتبع للأحكام وأسبابها وجدنا إنه يمكن جدا أن يصدر\nمن شخص واحد في ساعة واحدة سببان يوجدان معا يوجبان قتله.","vol":"5","page":2132},{"text":"كالزنا والردة، ومن الممكن أن تحرم المرأة بسببين يوجدان معا\nكالحيض والإحرام، أو الإحرام والعدة، أو الحيض والعدة، أو\nتجتمع الثلاثة وهي: العدة والحيض والإحرام معا. كذلك لو جمع\nشخص بين لبق أخته ولبن زوجة أخيه، ثم سقاه لصبية دون السنتين،\nفإن تلك الصبية تحرم على ذلك الشخص بسببين معا وهما: \" أنه يعد\nعمها \"، و\" أنه خالها \".\nفكان عمها من جهة أنها رضعت من لبن زوجة أخيه الذي أصبح\nأبًا لها.\nوكان خالها من جهة أنها رضعت من لبن أخته التي أصبحت أمًّا\nلها.\nفاجتمع للتحريم سببان وعلتان معا، فهذا يدل على وقوع اجتماع\nالأسباب دفعة واحدة في حكم واحد، وهذا يدل على جوازه.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز مطلقا.\nوهو مذهب الآمدي، وتاج الدين ابن السبكي، ونسب إلى\nالقاضي أبي بكر الباقلاني.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن من شروط العلَّة: أن تكون مناسبة للحكم،\nوالقول بمناسبة الحكم الواحد لعلتين مختلفتين يقتضي أن الحكم مساو\nلهما، والقول بمساواته لهما يقتضي اختلافه مع نفسه؛ لأن مساوي\nالمختلفين مختلف، ولما استحال اختلافه مع نفسه نتج: عدم جواز\nتعليله بعلتين فأكثر مختلفة حتى لا يؤدي إلى المحال.","vol":"5","page":2133},{"text":"جوابه:\nنحن قلنا بجواز تعليل الحكم بعلتين أو أكثر بشرط مناسبتهما\nللحكم، فيجوز أن تكون العلتان قد اشتركتا في جهة واحدة،\nوحينئذٍ تتحقق المناسبة بينهما وبين الحكم في تلك الجهة، ويزول ما\nذكرتموه من الامتناع، إذن: لا مانع من القول بجواز تعليل الحكم\nبأكثر من عِلَّة.\nالدليل الثاني: أن تعليل الحكم بأكثر من علَّة يلزم منه أمور ثلاثة:\n\" إما تحصيل الحاصل \"، أو \" اجتماع المثلين \"، أو \" نقض العِلَّة \"\nوهذه الأمور الثلاثة كلها باطلة، فيكون التعليل بأكثر من علَّة لحكم\nواحد باطل.، بيانه:\nأن الحكم يحصل بأي علَّة من تلك العلَل المختلفة، وهذا لا بد\nمنه؛ لأنا لو لم نقل بذلك فإنه يلزم النقض من غير مانع، وهو\nباطل، وعلى هذا تكون العِلَّة الثانية إذا وجدت فلا يخلو:\nإما أن تقتضي أيضًا حصول نفس الحكم، وهذا هو تحصيل\nالحاصل.\nوإما أن تقتضي حكما آخر مماثلًا للحكم الأول، ويلزم على هذا\nاجتماع المثلين.\nوإما أن تقتضي حكما آخر غيرهما، أو لم تقتضي شيئًا، فيلزم\n- على هذا - النقض بدون مانع، وهو باطل.\nجوابه:\nأنا فسرنا العلَّة بأنها: المعرف للحكم، ولا مانع من اجتماع\nمعرفين للحكم الواحد - كما سبق بيانه - وعليه فلا يمتنع تحصيل","vol":"5","page":2134},{"text":"الحكم بعلتين فأكثر، أى: تحصيل الحكم بالعلَّة الأولى، والثانية،\nوغيرهما.\nوما ذكرتموه من امتناع تحصيل الحكم السابق تحصيله بالعلَّة الأولى\nمتصور إذا فسرت العِلَّة بالمؤثر؛ لأنه قد حصل الحكم بالمؤثر السابق\n- وهي العِلَّة الأولى - فلا معنى للمؤثر اللاحق - وهي العِلَّة\nالثانية -.\nالمذهب الثالث: التفصيل بين المنصوصة والمستنبطة، حيث يجوز\nتعدد العلل إذا كان منصوصا عليها، ولا يجوز تعدد العلل إذا كانت\nمستنبطة.\nوهو اختيار ابن فورك، وفخر الدين الرازي.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لو أعطى إنسان فقيرا قريبا له، فإنه:\nيحتمل أن يكون قد أعطاه لداعي الفقر فقط.\nويحتمل أن يكون قد أعطاه لداعي القرابة فقط.\nويحتمل أن يكون قد أعطاه لداعي الفقر والقرابة معا.\nويحتمل أن يكون قد أعطاه لا لفقره ولا لقرابته.\nوهذه الاحتمالات متنافية بدليل: أن كون الفقر مثلًا داعيا ينافي\nكون غير الفقر داعيا، أو جزءًا من الداعي.\nولما كانت متنافية، وكانت متساوية من حيث التعليل بها، فعندنا\nاحتمالان هما:\nالاحتمال الأول: إما أن تبقى على جهل التعليل بواحدة منها","vol":"5","page":2135},{"text":"المؤدي إليه التساوي، فلا يحصل الظن بواحد منها على التعيين،\nفلا يجوز أن يحكم بأنه عِلَّة.\nالاحتمال الثاني: وإما أن يترجح بعضها، وهذا الترجيح يحصل\nبأمرين هما: \" المناسبة \"، و\" الاقتران \"؛ لأن ذلك مشترك بين هذه\nالاحتمالات، وحينئذ تكون العلَّة هي الراجح منها دون المرجوح،\nوهذا يعني أنا نعلل الحكم بالراجح فقط، إذن لا يجوز تعدد\nالأوصاف في العلَّة المستنبطة، أما العلَّة المنصوصة فيجوز فيها ذلك؛\nللنص.\nجوابه:\nلا نسلِّم التفريق بين العلَّة المنصوصة والمستنبطة، بل كلاهما واحد\nفي جواز تعدد العلل، فإذا جاز في العلَّة المنصوصة محإنمه يحوز في\nالمستنبطة ولا فرق.\nثم المثال الذي ذكرتموه لا نسلمه؛ لأنا لا نُسَلِّمُ أن احتمال كون\nإعطائه لفقره مثلًا ينافي احتمال كونه أعطاه لفقهه فقط.\nالمذهب الرابع: عكس الثالث، وهو: أنه يجوز تعدد العلل في\nالمستنبطة، ولا يجوز في المنصوصة.\nوهو لبعض المذاهب.\nدليل هذا المذهب:\nقياس العلَّة المنصوصة على العِلَّة العقلية، فكما أنه لا يجوز\nاجتماع العلَل العقلية على معلول واحد، فكذلك العِلَّة الشرعية\nالمنصوصة بجامع: أن كلأ منهما قطعية؛ فالعقلية معروف أنها\nقطعية، والمنصوصة فإنها كانت قطعية؛ لأنه لم يعتبر غيرها.","vol":"5","page":2136},{"text":"وهذا بخلاف العِلَّة المستنبطة، فإنها لما كانت ظنية فإنه يصح أن\nيكون كل واحد منَ الوصفين - أو الأوصاف - عِلَّة كما أن سبب\nظن العلية حاصل في كل واحد من الوصفين.\nجوابه:\nلا نسلم ما ذكرتموه، فلا نسلم أن العلل المنصوص عليها كلها\nقطعية، بل أكثر العلل المنصوصة ظنية، حيث إن هناك من النصوص\nالدالة على علية الوصف آحاد، أو دلالة هذا النص على العِلَّة دلالة\nظنية وإن كان ثابتا عن طريق التواتر، وهذا أكثر العلل المنصوصة،\nوما وجد من العلل المنصوصة القطعية فهو قليل جدًا، ولا يمكن أن\nتثبت قاعدة أصولية والمستند صور قليلة، ويترك صورًا كثيرة لا يلتفت\nإليها.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذاهب على المعنى،\nواختلافهم في العبارة؛ لأنه لا يوجد أحد من أصحاب المذاهب يمنع\nقيام وصفين، كل واحدي منهما لو انفرد لاستقل بالحكم، لكن\nيقال: هل الحكم مضاف إليهما أم هو مضاف إلى كل واحد منهما؛\nولقد رجحت في كتابي: \" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \" أن\nالخلاف معنوي، وفصَّلت في ذلك، ولكن الآن أعدل عما قلته\nهناك إلى ما قلته هنا؛ لما سبق من التعليل.","vol":"5","page":2137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>المطلب الثالث عشر حكم تعليل حكمين أو أحكام بعِلَّة واحدة</span>\nلتحرير محل النزاع لا بد أن أقول: إن الأحكام لا تخلو من أمور:\nالأمر الأول: أن تكون العِلَّة الواحدة قد أثبتت أحكاما متماثلة،\nوهذا له صورتان:\nالصورة الأولى: أن تكون في ذات واحدة، وهذا غير جائز؛\nلاجتماع المثلين.\nالصورة الثانية: أن تكون في ذاتين، وهذا جائز كأن يحصل قتل\nبفعل زيد وعمرو، فيجب القصاص على كل واحد منهما، فهو\nحكم في ذاتين.\nالأمر الثاني: أن تكون العلَّة الواحدة قد أثبتت أحكاما مختلفة،\nولكنها غير متضادة، فإن هذا جائز، مثل: تحريم الصلاة والصوم\nومس المصحف، والعِلَّة واحدة وهي: الحيض.\nالأمر الثالث: أن تكون العِلَّة الواحدة قد أثبتت أحكاما مختلفة\nمتضادة مثل: القتل العمد العدوَان عِلَّة لوجوب القصاص، ولحرمان\nالقاتل من الميراث، وهذا الذي اختلفَ العلماء فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز تعليل حكمين فكثر بعِلَّة واحدة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن العِلَّة - كما قلنا\nفيما سبق - هي: المعرف للحكم، ولا مانع من أن يكون الوصف","vol":"5","page":2138},{"text":"الواحد معرفًا بحكمين أو أكثر، فيكون مناسبا لهما: فالقذف مثلًا\nعِلَّة لوجوب الحد على القاذف، وهو أيضًا عِلَّة لعدم قبول شهادته.\nوالقتل العمد العدوان عِلَّة لوجوب القصاص، وعِلَّة أيضًا لحرمان\nالقاتل من الميراث.\nوالغروب علَّة لجواز الفطر في رمضان، وعلَّة أيضا لوجوب صلاة\nالمغرب، وعِلَّة أيضا لصحة الحج.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز تعليل حكمين فأكثر بعِلَّة واحدة.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، وعليه فلا يصح أن يكون\nالوصف الواحد عِلَّة لحكمين.\nجوابه:\nهذا الكلام ليس على إطلاقه، بل ذلك يصح في الواحد الحقيقي\nمن جهاته، أما كلامنا هنا فيخص الجهات المختلفة، فالغروب -\nمثلًا - علامة وعِلَّة لجواز الفطر من جهة، وعلامة وعِلَّة لوجوب\nالمغرب من جهة أخرى.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي فيما يظهر لي؛ ذلك لأن أصحاب المذهب\nالثاني لا يخالفون في أن القتل العمد العدوان عِلَّة لوجوب\nالقصاص، وعلَّة - أيضا - لحرمان القاتل من الميراثَ؛ حيث لا\nيوجد ما يعلل به هذان الحكمان إلا هذه العِلَّة، فيكون الخلاف في\nاللفظ دون المعنى.","vol":"5","page":2139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>المطلب الرابع عشر هل الطرد دليل على صحة العِلَّة</span>؟\nالمراد من الطرد هو: الوصف الذي لم يعلم كونه مناسبا، ولا\nمستلزمًا للمناسب إذا كان الحكم حاصلًا مع الوصف في جميع\nالصور المغايرة لمحل النزاع.\nبيان محترزات التعريف:\nفقولنا: \" الوصف الذيْ لم يعلم كونه مناسبا \" أخرج الوصف\nالمناسب للحكم، وقد سبق بيانه.\nوقولنا: \" ولا مستلزما للمناسب \" أخرج الوصف الشبهي؛ لأن\nالوصف الشبهي قد التفت إليه الشارع في بعض الأحكام، فيكون\nفيه شبه من المناسب، وقد سبق بيان ذلك.\nوقولنا: \" إذا كان الحكم حاصلًا مع الوصف في جميع الصور\nالمغايرة لمحل النزاع \" أخرج الدوران؛ لأن الدوران هو: اقتران\nالحكم مع الوصف وجودًا وعدما، فإذا وجد الوصف وجد الحكم،\nوإذا عدم الوصف عدم الحكم - وقد سبق بيان الدوران -.\nأي: أن هذه العبارة تميز الطرد عن الدوران، فلو اقترن الحكم مع\nالوصف في صورة النزاع لكان دورانًا.\nفالفرق بين الطرد والدوران: أن الدوران: مقارنة الحكم مع\nالوصف وجودًا وعدمًا، والطرد: مقارنة الوصف في الوجود دون\nالعدم.","vol":"5","page":2140},{"text":"فاتضح من ذلك: الفرق بين الوصف الطردي، والوصف\nالمناسب، والوصف الشبهي، والدوران.\nوقد سبقت أمثلة الوصف الطردي أثناء كلامنا عن الوصف\nالشبهي، ومنها: قول بعضهم في نية الوضوء: عبادة يبطلها\nالحدث، وتشطر بعذر السفر فيشترط فيها النية كالصلاة.\nومنها: قول بعضهم في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر\nكالصوف، فكان طاهرًا كالخروف.\nفهل الطرد دليل على صحة العِلَّة؟\nوللجواب عن ذلك أقول: في ذلك تفصيل:\nفالقائلون بأن الدوران لا يكون دليلًا على صحة العلَّة، ولا يعتبر\nطريقًا لثبوت العلَّة كابن السمعاني، والآمدي، وابن الحاجب،.\nوأكثر الحنفية - كما سبق بيانه - يقولون بعدم اعتبار الطرد طريقا\nلصحة العِلَّة من باب أوْلى؛ لأن الطرد يتعلق بجانب الوجود فقط،\nلذلك سُمِّي بـ \" الدوران الوجودي \".\nأما الدوران فهو يتعلق بجانب الوجود والعدم معا - وقد تقدم\nالإشارة إلى ذلك أثناء تعريفنا للدوران، فمن نفى أن يكون الدوران\nطريقًا لثبوت العِلَّة: نفى أن يكودط الطرد دليلًا على ثبوتها وصحتها.\nأما القائلون بأن الدوران حُجَّة، وأنه دليل على صحة العلَّة - وهو\nقول أكثر العلماء، وهو الذي رجحناه - فإنهم اختلفوا في الطرد\nهل يصلح أن يكون دليلًا لصحة العِلَّة أو لا؟ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الطرد لا يصلح دليلًا على صحة العِلَّة مطلقا.\nوهو قول جمهور القائلين بحجية الدوران، وهو الحق؛ لدليلين:","vol":"5","page":2141},{"text":"الدليل الأول: أن أقل أحوال الدليل الشرعي: أن يوجب الظن،\nلأن مناط الأعمال في الشريعة ينقسم إلى معلوم ومظنون، وما لا\nيفيد العلم ولا الظن، فمعلق الحكم به متحكم - وهو الدعوى بلا\nدليل -، والتحكم ممنوع شرعا، وقد رأينا الطرد في علل لا يغلب\nعلى الظن تعلق الحكم بها واتباعه لها، فإذا ادعى الطارد الظن في\nأحدها تبين خطأوه، لأن للظن في العرف أسبابا كما أن للعلوم\nالنظرية طرقا مفضية إليها، فمن ادعى أن وراء هذا الجدار شخصا من\nغير أن يبني ظنه على سبب يقتضي ذلك: كان مخطئا، فكذلك\nالحال في الوصف الطردي لا يصلح سببا لظن الأحكام.\nالدليل الثاني: أن طرد العِلَّة لا يرجع في التحقيق إلا إلى تعليق\nالمعتل للحكم بها أينما وجدت، وذلك فعله وهو مخالف فيه، وإنما\nيجب تعليق الحكم بها إذا ثبت كونها عِلَّة بالدليل، ومتى لم يثبت\nذلك لم يجب تعليق الحكم بها في أي موضع، وإذا ثبت ذلك\nوجب تقدم العلم بكونها عِلَّة على طردها.\nالمذهب الثاني: أن الطرد يصلح دليلًا على صحة العِلَّة.\nوهو مذهب فخر الدين الرازي، والبيضاوي، والصيرفي، وابن\nالقصار.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن عدم الطرد يدل على فساد العلَّة، وهو\nالنقض، فيجب أن يكون وجود الطرد يدل على صحتها.\nجوابه:\nإن القائلين بتخصيص العِلَّة يمنعون ذلك - كما سيأتي بيانه -.","vol":"5","page":2142},{"text":"أما من لم يقل بتخصيص العلَّة فإنهم يقولون: إن الطرد شرط في\nصحة العِلَّة، ولذلك تفسد العلة بعدم الطرد، ولكن هذا لا يدل\nعلى أن وجوده دليل على صحتها، فلا يلزم من كون عدم الشرط\nيمنع الصحة: أن يكون وجوده موجبًا لها، يؤيد ذلك أمران:\nالأمر الأول: أن عدم الإحصان يمنع وجوب الرجم، ووجود\nالإحصان لا يوجب الرجم، كذلك: عدم الطهارة يمنع صحة\nالصلاة، ووجودها لا يوجب صحة الصلاة.\nالأمر الثاني: أن الشيء يجوز أن يثبت بمعنى ولا يثبت ضده بعدم\nذلك المعنى: فالحكم ثبتت صحته بالإجماع، ولا يثبت فساده\nبعدمه، فكذلك هنا: يجوز أن يثبت فساد العِلَّة لعدم الطرد، ولا\nتثبت صحتها لوجوده.\nالدليل الثاني: من الواقع؛ حيث إننا إذا رأينا مركوب القاضي\nعند باب الأمير، فإنه يغلب على ظننا كون القاضي في دار الأمير،\nوسبب ذلك: أن مقارنتهما في سائر الصور أفاد ظن مقارنتهما في\nهذه الصورة المعينة.\nجوابه:\nأن هذا ليس من قبيل قياس الطرد، بل من قبيل العمل بقرائن\nالأحوال، وترجيح احتمال على احتمال: فغلب على الظن وجود\nالقاضي في منزل الأمير عند النظر إليها واعتبارها.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين اتفقوا على أنه لا يمكن\nأن يُنكر الطرد إذا غلب على الظن، وأنه لا يمكن لأحد أن يتبع كل وصف\nلا يغلب على الظن، وإن أحالوا أطرادًا لا ينفك عن غلبة الظن.","vol":"5","page":2143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>المطلب الخامس عشر في بيان أنه يشترط في الوصف المستنبط المعلل به\nأن لا يرجع على الأصل بإبطاله</span>\nودليل هذا الشرط: أن العِلَّة لما كانت فرعا لهذا الحكم من حيث\nإنها مستنبطة منه، والفرع لا يجوز أن يعود على أصله بالإبطال؛\nلأنه يلزم منه: أن يرجع إلى نفسه بالإبطال - أيضا - باعتبار أن\nإبطال الأصل إبطال للفرع، فلا يجوز - إذن - أن يكون الوصف\nالمعلل به مبطلًا لحكم أصله أو جزء منه؛ لأن إبطال الشىء نفسه\nمحال.\nومن أمثلة العلَّة التي تعود على أصلها بالإبطال: ما ذكره بعض\nالمالكية من أن اتبَاع رمضان بصوم ستة أيام من غير شوال كاف في\nالمطلوب، ما دام أن المعنى موجود فيه وهو: أنه تكميل للسنة، ولا\nيخفى.\nوهذا التعليل مبطل لخصوص شوال الذي دلَّ عليه النص.\nومنها: أنه لما ورد قوله - ﷺ -:\n\"في كل أربعين شاة شاة \"\nعلل كثير من الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقراء، ولذلك\n- جوزوا إخراج قيمتها.\nوهذا التعليل - وهو: دفع الحاجة - يرفع وجوب الشاة بعينها مع\nأن الحديث صريح في وجوبها؛ لأن حاجة الفقير تندفع بقيمة الشاة\n- أيضًا - فتعليل هذا بهذه العِلَّة - وهي: دفع الحاجة - نقل وجوب\nالشاة بعينها إلى تخيير المزكي بين إخراج شاة بعينها، وبين قيمتها،\nوهذا التعليل قد محاد على أصله بالإبطال.","vol":"5","page":2144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>المطلب السادس عشر حكم التعليل بالاسم المجرد</span>\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز مطلقا التعليل بالاسم المجرد مثل:\nتعليل تحريم الخمر بكون العرب سمته خمرًا، وتعليل تحريم الربا في\nالمذهب بكونه ذهبًا.\nحيث إنا نعلم بالضرورة أن مجرد هذا اللفظ لا أثر له، فإن أريد\nبه تعليله بمسمى هذا الاسم، وهو: كونه مخامرًا للعقل مانعا عن\nإدراك حقائق الأمور، فإنه يكون تعليلًا بالوصف لا بالاسم، وإن\nأريد به غير ذلك فممنوع؛ لعدم أثره.\nوهو مذهب كثير من الشافعية، والمالكية، وهو الحق؛ لما ذكرناه\nولأن الاسم ليس وصفا ولا فيه معنى الوصف، فانتفت عنه حقيقة\nالعلَّة.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز التعليل بالاسم مطلقا.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، وكثير من الشافعية مثل قولهم:\nلا يجوز بيع الكلب المعلَّم؛ لأنه كلب فهو وغير المعلم في ذلك سواء،\nومثل قول آخرين في النبيذ: إنه يسمى خمرًا فيحرم كالمعتصر من\nالعنب، ومثل قول فريق ثالث في بول ما يؤكل لحمه: إنه بول\nكبول الآدمي.","vol":"5","page":2145},{"text":"جوابه:\nيجاب عنه: أننا عرفنا العلة بأنها الوصف المعرف للحكم والاسم\nليس وصفا، ولا فيه معنى الوصف.\nثم لو دققنا في تلك الأمثلة التي ذكرتموها وزعمتم أنها تعليل\nبمجرد الاسم، فإنا لا نجدها كذلك، بل فيها شبه بالوصف، حيث\nشبه الأسماء بالأوصاف.\nالمذهب الثالث: التفصيل بين الاسم المشتق، فيجوز التعليل به،\nوبين الاسم العلم واسم الجنس، فلا يجوز على خلاف بينهم.\nوهو مذهب كثير من المالكية، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية،\nوكثير من المعتزلة.\nبيان هذا المذهب ودليله:\nأن الاسم إذا كان مشتقا من فعل كالضارب، فإنه يجوز أن يكون\nعِلَّة، لأن الأفعال يجوز أن تجعل عللًا في الأحكام.\nأما إذا كان الاسم غير مشتق فهو نوعان:\nالنوع الأول: الاسم العَلَم كزيد وبكر: قد اتفق أصحاب المذهب\nالثالث على أنه لا يجوز التعليل به؛ لأن الأعلام غير لازمة؛ لجواز\nانتقالها.\nولأن العَلَم إنما جعل في موضع الإشارة على الشيء، والإشارة\nليس بعلَّة في أي حال من الأحوال، فينبغي أن يكون القائم مقامها\n- وهو العَلَم - كذلك.\nالنوع الثاني: اسم الجنس كالرجل، والمرأة، والفرس: قد\nاختلف فيه أصحاب المذهب الثالث على قولين:","vol":"5","page":2146},{"text":"القول الأول: إنه يجوز التعليل به، وهو مذهب المعتزلة،\nوعللوا ذلك: بأن هذا الاسم لازم غير منتقل.\nالقول الثاني: إنه لا يجوز التعليل به، وهو مذهب بعض\nالحنفية، وبعض الشافعية.\nوعللوا ذلك: بأن التعليل بالأسامي يشبه التعليل بالطرد،\nوالتعليل بالطرد فاسد - كما سبق بيانه.\nوإنما جوزوا التعليل بالأسامي المشتقة مع أنها أسامي؛ للاشتقاق\nالذي فيها لا بنفس الاسم.\nجوابه:\nإن كلامنا في الاسم المجرد، حيث إنا قلنا: إنه لا يجوز التعليل\nبه، أما الاسم الذي تضمن صفة كالاسم المشتق كالضارب، أو هو\nمستلزم للصفة، فإنه يجوز التعليل به؛ لأنه يؤدي إلى كونه تعليلًا\nبالوصف لا بالاسم.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي فيما يبدو لي؛ وذلك لأن أصحاب المذاهب قد\nاتفقوا على أن الاسم إذا كان وصفا، أو هو بمعنى الوصف، أو\nيفهم منه الوصف بأي شكل، فإنه يجوز التعليل به؛ لأن هذا تعليل\nبالوصف لا بالاسم.\nأما إذا كان الاسم لا يفهم منه الوصف، فإنه لا يجوز التعليل به؛\nلأن مجرد الاسم لا أثر له ولا يدل على معناه.\nويدلنا على ذلك: قول أصحاب المذهب الثالث: إنا جوزنا\nالتعليل بالأسامي المشتقة؛ للاشتقاق الذي فيها، لا بنفس الاسم.\nويؤيد ذلك - أيضًا -: الأمثلة التي ذكرها أصحاب المذهب الثاني\nفإنه يفهم من الاسم الذي عللوا به فيها الصفة ولو كان فهما بعيدًا.","vol":"5","page":2147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>المطلب السابع عشر حكم التعليل بالوصف العرفي</span>\nالوصف العرفي هو: الوصف الذي لا يختلف باختلاف الأزمان\nكالشرف والخسة والدناءة، والكمال، والنقصان.\nفهذه الأوصاف يجوز التعليل بها؛ لأن المناسبة التي هي الشرط\nالأساسي في التعليل موجودة في تلك الأوصاف العرفية، فمثلًا:\nالشرف يناسب التكريم، وتحريم الإهانة، ووجوب المحافظة،\nوالخسة تناسب إباحة الإهانة.\nولكن لا يجوز التعليل بتلك الأوصاف إلا بشرطين:\nالشرط الأول: أن يكون الوصف العرفي مطردًا: لا يختلف\nباختلاف الأوقات والأزمان، واشترط ذلك؛ لأمرين:\nأولهما: أن الحكم إذا لم يوجد في جميع صور ذلك الوصف\nوقد وجد الحكم معه وبدونه، فإن هذا يسمى بـ \" عدم التأثير \"،\nوهو من مبطلات العِلَّة؛ كما سيأتي إن شاء اللَّه.\nثانيهما: أن العرف لو لم يكن مطردًا لجاز أن يكون ذلك العرف\nحاصلًا في عصر غير حاصل في غيره، وهذا لا يجعله صالحا\nللتعليل به.\nالشرط الثاني: أن يكون الوصف العرفي مضبوطا متميزا عن غيره.\nواشترطنا ذلك؛ لأن القعليل بالشيء فرع تميزه عن غيره، ولا يتم\nذلك إلا عند تمام التصور للوصف المعلل به.","vol":"5","page":2148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>المطلب الثامن عشر هل يجوز التعليل بالعِلَّة القاصرة</span>؟\nتحرير محل النزاع:\nلقد سبق في المطلب الثالث الذي هو في تقسيمات العِلَّة: أن\nقلنا: إن العِلَّة من حيث تعديها وعدم ذلك تنقسم إلى قسمين: \" عِلة\nمتعدية \"، و\" علة قاصرة \".\nأما العِلَّة المتعدية فهي: ما يئبت وجودها في الأصل والفرع،\nأي: تتعدى من محل النص إلى غيره كالقتل العمد العدوان،\nوالزنا، والإسكار، والكيل \" وغير ذلك.\nأما العِلَّة القاصرة أو الواقعة، فهي التي يثبت وجودها في الأصل\nفقط، ولا تتعدى إلى الفرع، أي: لا تتعدى محل النص كالسفر\nالمبيح للفطر والقصر، والاستبراء للأُمَّة في أول حدوث ملكها\nللتعرف على براءة رحمها، والرمل في الأشواط الأول من الطواف؛\nلإظهار الجلد والنشاط للمشركين.\nواتفق العلماء على صحة التعليل بالعلَّة المتعدية، سواء كانت\nمنصوصة أو مستنبطة، ولا يمكن أن يختلفوَا فيها؛ لأن القياس لا يتم\nإلا بعِلَّة تتعدى إلى الفرع لتكون سببا في إلحاقه بالأصل.\nواتفق العلماء على صحة التعليل بالعلَّة القاصرة المنصوص عليها،\nأو المجمع عليها؛ لأن المنصوصة ليستَ محل اجتهاد واختلاف.\nأما العِلَّة القاصرة المستنبطة فقد اختلف العلماء في جواز التعليل بها\nعلى مذهبين:","vol":"5","page":2149},{"text":"المذهب الأول: أنه يجوز التعليل بالعلَّة القاصرة المستنبطة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن العِلَّة القاصرة المستنبطة كالعلَّة القاصرة المنصوص\nعليها أو المجمع عليها ولا فرق، فإذا جاز التعليل بالعلَّة القاصرة\nالمنصوص عليها أو المجمع عليها، فكذلك إذا استنبطت، فيجب أن\nتكون صحيحة، كما أننا لم نفرق بين العِلَّة المتعدية المنصوص عليها\nأو المجمع عليها وبين العِلَّة المتعدية المستنبطةَ.\nالدليل الثاني: أنه إذا كان الوصف القاصر مناسبا للحكم،\nوالحكم ثابت على وفقه، فإنه يغلب علىِ الظن كونه عِلَّة للحكم،\nأي: كونه معرفا للحكم، ولا معنى لصحة العِلَّة إلا ذلكَ.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز التعليل بالعلَّة القاصرة.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، وهو اختيار بعض الشافعية، ومال إليه\nأبو عبد اللَّه البصري من المتكلمين.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لا فائدة للتعليل إلا التعدية إلى الفرع، والعلة\nالقاصرة - كما سبق - لا تتعدى إلى الفرع، وما دام أنه يخلو\nالتعليل بالعلَّة القاصرة من التعدي فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه فلا\nيرد به الشرع، وبناء على ذلك فإنه يبطل التعليل بالعلَّة القاصرة.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن فائدة العِلَّة منحصرة بما ذكرتم من التعدي إلى\nالفرع، بل إن للعِلة فوائد هي كما يلي:\nالفائدة الأولى: أنه بسبب العِلة القاصرة يمكننا التعرف على أن","vol":"5","page":2150},{"text":"ذلك الحكم مطابق للحكمة والمصلحة، فتميل النفوس - بطبيعتها -\nإلى قبول ما عرفت الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع ذلك\nالحكم أكثر من قبولها للأحكام التي لم تعرف الحكمة والمصلحة التي\nمن أجلها شرع الحكم، وهذه فائدة عظيمة لمن تدبرها.\nالفائدة الثانية: لو ظهرت علَّة قاصرة، وعلَّة متعدية في حكم\nواحد، ولم يوجد دليل يرجح العلَّة المتعدية بالعلية، فإنه لا يجوز\nتعدية الحكم إلى الفرع؛ لأن وجود العلَّة القاصرة منع من ذلك؛\nفلولا وجود العِلَّة القاصرة لتعدى الحكم بتلك العِلَّة من غير توقف\nعلى دليل مرجح.\nالفائدة الثالثة: أن ثبوت العلَّة القاصرة دليل يستدل به المجتهد على\nاختصاص النص الأصلي بذلك الحكم، وحينئذ لا يشتغل المجتهد\nبالتعليل لأجل أن يعدي الحكم إلى الفرع، وذلك حينما عرف\nاختصاص الأصل به.\nالفائدة الرابعة: أن العلَّة القاصرة تفيد بمفهومها، فإذا ثبتت النقدية\nعِلَّة في النقدين، فإن عدَم النقدية مشعر بانتفاء تحريم الربا.\nالفائدة الخامسة: أن العارف للعلة القاصرة يحصل له أجران إذا\nامتثل الحكم: أجر قصد به الامتثال، وأجر قصد به فعل الفعل\nلأجل العِلَّة القاصرة من جلب مصلحة أو دفع مفسدة.\nالفائدة السادسة: أن العلَّة قد تكون في زمان قاصرة، لا فرع\nلها، ولكن قد يحدث هناكَ فرع في المعنى علق على العِلَّة نفسها،\nفحينئذٍ يقوم المجتهد بإلحاق ذلك بالمنصوص عليه.\nوهذه الفوائد قد اعترض على بعضها، ولكن هذه الاعتراضات\nضعيفة؛ لذلك لم أذكرها.","vol":"5","page":2151},{"text":"ثم لو سلمنا أن تلك الاعتراضات على بعضها صحيحة، فإنه لا\nيمكن أن يعترض عليها جميعها، ومن اعترض عليها جميعا، فإنه\nمعاند ومكابر، والمعاند والمكابر لا يعتد بقوله.\nالدليل الثاني: أن العِلَّة الشرعية أمارة، وإذا كانت أمارة فلا بد\nأن تكون كاشفة عن شيء ما، وهذا لا يتوفر في العِلَّة القاصرة،\nلأنها لا تكشف عن الأحكام، فلا يصح أن تكون أمارَة، وعليه فلا\nيصح أن تكون عِلَّة.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن العِلَّة لا تكشف عن شيء ما، بل تكشف عن المنع\nمن استعمال القياس، وعن الفوائد التي ذكرناها سابقا.\nالدليل الثالث: أن العلَّة القاصرة غير معلومة من طريقة الصحابة\n- ﵃ - فلًا تثبت؛ لأن القياس وتفاريعه إنما يتلقى من\nالصحابة، ويلزم من عدم المدرك عدم الحكم.\nجوابه:\nأن من استقرأ وتتبع ما نقل عن الصحابة، فإنه يجد أنهم - رضي\nالله عنهم - اجتهدوا في التوصل إلى أحكام الشريعة وأحكامها،\nوأسرارها بحسب الإمكان، والاطلاع على حكمة الحكم في الأصل\nوقاسوا بسبب بعض العلل، وتوقفوا في الأخرى.\nثم إن كون الصحابة لم يعتبروا العلل القاصرة، ولم يكن ذلك\nمن طريقتهم لا دليل عليه، وما لا دليل لا يعتد به.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ حيث إنه لا أثر له في الفروع الفقهية، حيث","vol":"5","page":2152},{"text":"إن أصحاب المذهبن قد اتفقوا على المعنى: فأصحاب المذهب الأول\nأرادوا - بالتعليل استخراج المناسب، فحكموا بصحة التعليل،\nوأصحاب المذهب الثاني أرادوا بالتعليل: القياس - هذا اصطلاح\nأكثر الحنفية -، والقاصرة - على هذا - ليست قياسا، بل هي إبداء\nحكمة، فلم تكن تعليلًا.\nأي: لا خلاف في المعنى؛ لأن مراد من أجاز التعليل بها:\nاستخراج المناسبة وإبداء الحكمة، وهذا لا يمنعه من لم يجز التعليل\nبها - وهم أصحاب المذهب الثاني -.\nومراد من منع التعليل بها: منع القياس والتعدية، وهذا لا\nيخالف فيه من أجاز التعليل بالعلَّة القاصرة.\nتنبيه: قلت هنا: إن الخلاف لفظي، إذ لا أثر له في الفروع،\nوقلت في كتابي \" الخلاف اللفظي \": إن الخلاف معنوي؛ حيث أثر\nفي أصول الفقه.","vol":"5","page":2153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>المطلب التاسع عشر بيان أنه يشترط في العلَّة التي عللنا بها:\nأن لا تكون معارضة بعلة أخرى تقتضي إبطالها</span>\nالعِلَّة قسمان: عِلَّة منصوصة، وعلة مستنبطة.\nأما العلة المنصوصة، فلا يمكن أن تتعارض مع غيرها من العلل؛\nلأن العِلَّة المنصوصة يجب الأخذ بها واتباعها، فلا يصح الانتقال\nمنها إلى مجموع العلل المستنبطة التي يمكن أن يعلل بها الحكم؛ لأن\nالمنصوصة ثبتت بالنص، والمستنبطة ثبتت بالاجتهاد، فكانت\nالمنصوصة أَوْلى من المستنبطة بالاعتبار، وكذلك الأمر في العلَّة\nالمجمع عليها لا يجوز الانتقال منها إلى غيرها.\nأما العِلَّة المستنبطة فإنه يمكن أن يقع بينها وبين غيرها تعارض:\nفإن عارضتها عِلَّة أخرى مستنبطة فإنا ننظر:\nإما أن تكون غير صالحة لتعليل الحكم بها، وهذا نعرفه عن طريق\nالسبر والتقسيم - الذي سبق بيانه -: فالعلة غير الصالحة للتعليل لا\nيتصور أن تعارض العِلَّة الصالحة.\nوإما أن تكون العلة المعارضة - بكسر الراء - صالحة لتعليل الحكم\nبها: فهذه العِلَّة المعَارضة - بكسر الراء - لها حالتان:\nالحالة الأولى: أن تكون العلتان متساويتين، أي: لا تتميز\nإحداهما عن الأخرى، فإن المجتهد في هذه الحالة يختار أي العلتين\nشاء.","vol":"5","page":2154},{"text":"الحالة الثانية: أن تكون إحدى العلتين أرجح من الأخرى، ففي\nهذه الحالة تقدم الراجحة على المرجوحة.\nوهذا ما قاله كثير من العلماء.\nوالأوْلى: أن لا يذكر هذا الشرط؛ لأمرين:\nأولهما: أن العلل وتعارضها وتقديم الأرجح منها، وإبطال\nبعضها يُعلم عن طريق السبر والتقسيم، كما بينا فيما سبق.\nثانيهما: أن هذا مما يخص التعارض بين المعاني الذي سيأتي بيانه\nإن شاء اللَّه في باب التعارض والترجيح.","vol":"5","page":2155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>المطلب العشرون تخصيص العِلَّة</span>\nقلنا: إن العِلَّة مطردة، ومعنى ذلك: أنه كلما ثبتت العِلَّة في\nمحل: ثبت بها الحكم، وهذا الاطراد هو بمثابة العموم؛ قياسا\nعلى اللفظ:\nفكما أن اللفظ الذي يشمل عددًا غير محصور يُسمى عاما، فكذا\nالعِلَّة التي تكون في محال كثيرة تسمى عِلَّة عامة من حيث وجودها\nفي كل هذه المواضع والمحال.\nوإذا كان اللفظ العام يرد عليه ما يخصصه - كما سبق بيانه -:\nفهل العلَّة التي ثبت وجودها في مواضعها، وتخلف حكمها في\nمواضع منها يصح أن يحمل هذا التخلف على التخصيص، وتبقى\nالعِلَّة ويبقى حكمها فيما عداه من المواضع والمحال، أو أن وجودها\nفي موضع دون حكمها يؤثر عليها، ويكون هذا دليلًا على أنها\nليست بعِلَّة؛ لأنها لو كانت عِلَّة صحيحة لثبت بها الحكم في جميع\nالمحال.\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب.\nالمذهب الأول: أنه يجوز تخصيص العِلَّة مطلقا، أي: سواء\nكانت منصوصة أو مستنبطة.\nوهو مذهب كثير من الحنفية كالكرخي، وصدر الشريعة،\nوالدبوسي، وبعض الشافعية، كصفي الدين الهندي، وبعض","vol":"5","page":2156},{"text":"الحنابلة كأبي الخطاب، وحكي عن الأئمة الثلاثة: أْبي حنيفة،\nومالك، والشافعي، وهو رواية للإمام أحمد.\nوهو مذهب المعتزلة، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: القياس على الأدلة اللفظية: فكما أن التخصيص\nلا يقدح في كون العام حُجَّة، فكذلك تخلف الحكم عن الوصف\nفي بعض المواضع لا يقدح في كون الوصف عِلَّة؛ لأنه يكون\nتخصيصا للعلَّة، والجامع: أن كلًّا من اللفظ اَلعام والعِلَّة دليل\nشرعي: فالعَام لفظ الشارع، والعِلَّة معنى لفظ الشارع.\nالدليل الثاني: أن العِلَّة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع،\nووجودها في موضع معَ تخلف الحكم عنها لا يخرجها عن كونها\nأمارة؛ لأنه ليس من حقيقة الأمارة ملازمة حكمها في كل موضع\nوحال، بدليل: أن الغيم الرطب أمارة على نزول المطر، وإن لم\nيكن المطر ملازما له في بعض الأحوال.\nالمذهب الثاني: لا يجوز تخصيص العِلَّة مطلقا، أي: سواء\nكانت منصوصة، أو مستنبطة.\nوهو مذهب بعض المالكية كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي\nعبد الوهاب، وبعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والأستاذ أبي\nإسحاق، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وبعض المعتزلة كأبي الحسين\nالبصري، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن العِلَّة لو صحت مغ تخلف الحكم عنها للزم\nمن ذلك ثبوت الحكم في المحل الذي وجدت فيه العلة؛ لأن من\nلازم كون العِلَّة صحيحة أن يثبت بها الحكم.","vol":"5","page":2157},{"text":"جوابه:\nلا نسلم أنه قولكم: إنه من لازم العِلَّة ثبوت الحكم بها؛ لأنه\nليس المراد بالعلَّة: ما يلزم الحكم لها مطلقا، وإنما المراد بالعلَّة: ما\nاشتمل على معنى مقصود للشارع من شرع الحكم ببعث المكلف على\nالامتثال، وهي بذلك المعنى يتوقف ثبوت الحكم بها على عدم المانع\nووجود الشرط، وحينئذٍ: لا يلزم من صحة العِلَّة ثبوت الحكم بها.\nالدليل الثاني: قياس العِلَّة الشرعية على العِلَّة العقلية، فكما أن\nالعِلَّة العقلية لا يجوز تخصَيصها، بل يلزم من ثبوتها في محل\nثبوت حكمها، فكذلك العِلَّة الشرعية لا يجوز تخصيصها: فيلزم\nمن ثبوتها ثبوت حكمها، وإلا لم تكن عِلَّة.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا القياس لا يصح؛ لانه قياس مع الفارق،\nووجه الفرق: أن العلَل العقلية علَل مقتضية للحكم بذاتها، أما\nالعلَل الشرعية فهي عَلَل بوضع الشرع لها، وقد يتخلف عنها\nحكمها.\nالجواب الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه وهي:\nالعِلَل العقلية، حيث إن العِلَل العقلية يتخلف عنها حكمها إذا وجد\nمانع مثل: تخلف الإحراق عن النار حيثما يكون الحطب رطبا لكون\nالرطوبة مانعة من الإحراق.\nالمذهب الثالث: أنه يجوز تخصيص العِلَّة إذا كانت منصوصة،\nأما إذا كانت العِلَّة مستنبطة فلا يجوز.","vol":"5","page":2158},{"text":"وهو مذهب أكثر الحنفية كالبزدوي، والسرخسي، وكثير من\nالمالكية كالباجي، وأكثر الشافعية، ومنهم: أبو إسحاق الشيرازي.\nدليل هذا المذهب:\nأن العِلَّة المنصوصة لفظ الشارع، واتباع مقتضى لفظه واجب،\nقإذا خص بعض ما تناولته العِلَّة، فإن ما عدا الصورة المخصوصة\nيبقى على حاله وهو الوجوب، بخلاف العِلَّة المستنبطة، فهي\nتكتسب اعتبارها بوجود حكمها معها في جميع المحال، فإذا تخلف\nعنها في محل تبين أنها ليست بعِلَّة كاملة، وإنما هي بعض العِلَّة.\nجوابه:\nإن هذا الدليل مبني على قصر اعتبار العِلَّة على وجودها في جميع\nالمحال مع حكمها، وهذا غير مسلم؛ لأحد أمرين:\nأحدهما: كون مسلك الاطراد غير معتبر لإثبات العِلَّة.\nثانيهما: أو أنه لا بد مع الاطراد من توفر كون الوصف مناسبا.\nالمذهب الرابع: عكس الثالث، وهو: أنه يجوز التخصيص إذا\nكانت العِلَّة مستنبطة، ولا يجوز إذا كانت العِلَّة منصوصة.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن العِلَّة التي ثبتت بالنص تتناول محل النقض بعمومها النصي،\nفتثبت فيه العِلَّة صريحا، فلا يقبل التخصيص؛ لأننا لو قلنا بجواز\nتخصيصه للزم من ذلك إبطال دلالة النص، بخلاف العِلَّة المستنبطة\nفإنها ثبتت بالاستنباط من قبل المجتهد؛ ودليلها اقتران الحكم بها مع","vol":"5","page":2159},{"text":"عدم المانع، ولا يصح تخلف الحكم عنها مع عدم وجود مانع، أو\nتخلف شرط.\nجوابه:\nأن العموم النصي إن كان قطعيا، فإنا نسلم أنه لا يقبل التخصيص\nكغيره من العمومات التي تدل على أفرادها دلالة قطعية، وهذا لا\nيختص بتخصيص العِلَّة، فيكون هذا خارجا عن محل النزاع.\nأما إن كان العموم ظاهرًا في الدلالة، فيجوز تخصيصه، ويقدر\nوجود مانع في محل التخلف.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي راجع إلى تفسير العِلَّة أهي موجبة أو مقتضية؛\nفمن فسرها على أنها مقتضية: فإنه أجاز تخصيصها؛ لأن كونها\nمقتضية يتوقف على اشتراط شروط، وانتفاء موانع، فربما تخلف\nعنها الحكم، ومفهوم هذا: أنه لا يرى تخصيصها في العِلَّة الموجبة\nالتي لا يتخلف عنها الحكم.\nومن فسر العِلَّة على أنها موجبة: فإنه لم يجز تخصيصها؛ لأن\nالموجبة هي التيَ لا يتخلف عنها الحكم، ومفهوم هذا: أنه يرى\nجواز تخصيصها في العِلَّة المقتضية التي ربما تخلف عنها الحكم.\nتنبيه: موضوع تخصيص العلَّة يُسمى عند بعض العلماء بالنقض\n- وهو وجود العِلَّة دون وجود حكمها - وقد اختلف العلماء في كون\n\" النقض قادحا للعِلَّة أو لا؛ وعندي أنه لا يصلح أن يكون قادحا للعِلَّة\nمطلقا كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه، لذلك جعلته هنا وسميته\nلاتخصيص العِلَّة \" كما فعل كثير من العلماء.","vol":"5","page":2160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>الفصل الرابع في قوادح القياس ومبطلاته</span>\nوالاعتراضات عليه\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: في قادح سؤال الاستفسار.\nالمبحث الثاني: في قادح منع الحكم في الأصل.\nالمبحث الثالث: في قادح منع وجود الوصف في الأصل.\nالمبحث الرابع: في قادح منع وجود الوصف في الفرع.\nالمبحث الخامس: في قادح منع وجود الوصف في الأصل والفرع.\nالمبحث السادس: في قادح منع كون الوصف عِلَّة.\nالمبحث السابع: في قادح التقسيم.\nالمبحث الثامن: في قادح النقض.\nالمبحث التاسع: في قادح التركيب.\nالمبحث العاشر: في قادح فساد الوضع.\nالمبحث الحادي عشر: في قادح فساد الاعتبار.","vol":"5","page":2161},{"text":"المبحث الثاني عشر: في قادح المعارضة في الأصل.\nالمبحث الثالث عشر: في قادح المعارضة في الفرع.\nالمبحث الرابع عشر: في قادح عدم التأثير.\nالمبحث الخامس عشر: في قادح الكسر.\nالمبحث السادس عشر: في قادح القلب.\nالمبحث السابع عشر: في قادح القول بالموجب.","vol":"5","page":2162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>المبحث الأول في سؤال الاستفسار</span>\nويشتمل على مطلبين هما:\nالمطلب الأول: في بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: كيفية الجواب عنه:\nأولًا: كيفية الجواب عن استفسار المعترض حينما\nيكون اللفظ مجملًا.\nثانيا: كيفية الجواب عن استفسار المعترض حينما\nيكون اللفظ غريبا.","vol":"5","page":2163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>المطلب الأول بيان المراد بسؤال الاستفسار</span>\nوهو: طلب معنى اللفظ؛ لإجمال فيه أو غرابة.\nومعنى ذلك: أن يطلب المعترض من المستدل بيان معنى اللفظ\nالذي أورده في قياسه.\nفيقول المعترض للمستدل: إنه ورد لفظ في قياسك يحتمل معنيين\nفي نظره، أو فيه غرابة فاطلب منك تفسيره وبيان المراد منه.\nوسؤال الاستفسار يقدم على جميع القوادح؛ لأن ما بعده من\nالقوادح فرع على فهم معنى اللفظ الوارد في القياس.\nوالصيغ التي يستعملها المعترض في هذا السؤال هي: صيغ\nالاستفهام كالهمزة، وأي، وهل، وأين، وكم، وكيف، ومن،\nومتى، وأشهر الصيغ في هذا الموضع هي: الهمزة، وما، وأي.","vol":"5","page":2165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>المطلب الثاني كيفية الجواب عن الاستفسار</span>\nأولًا: الجواب عن استفسار المعترض حينما يكون اللفظ\nمجملًا:\nإذا طلب المعترض من القائمس بيان المعنى الذي يريده من اللفظ\nالذي أورده في قياسه، فإن القائس يجيب عن ذلك بطرق هي:\nالطريق الأول: أن يمنع القائس كون اللفظ مجملًا: فيقول: إن\nاللفظ الذي أوردته لا يحتمل إلا معنى واحدًا، ويستشهد على ذلك\nبكلام أهل اللغة.\nمثاله: قال المستدل - وهو القائس - مستدلًا على أن الحيض مانعًا\nمن صحة الطواف -: قرء تحرم معه الصلاة، فيحرم معه الطواف؛\nقياسا عليها.\nفيقول المعترض: إن قياسك الطواف على الصلاة قد اشتمل على\nلفظ مجمل، وهو لفظ قرء -؛ لأنه يحتمل أن يراد به الحيض،\nويحتمل أن يراد به الطهر، فما الذي تريده منهما بهذا اللفظ؟.\nفيجيب المستدل - وهو القائس - بقوله: أنا أمنع كون لفظ:\n\"القرء \" يحتمل أكثر من معنى؛ لأنه لا يطلق إلا على معنى واحد\nهو: الحيض، ويورد من كلام أئمة اللغة ما يدل على ذلك.\nالطريق الثاني: أن يقر المستدل - وهو القائس - على أن اللفظ","vol":"5","page":2166},{"text":"يحتمل معنيين، ولكنه يُبين أن لفظه ظاهر في الدلالة على مقصوده\nومراده، ويبين أن ذلك ظاهر من جهة الشرع، أو من جهة العرف،\nأو من جهة اللغة، وإليك مثالًا لكل واحد:\nمثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر الدلالة على مراده\nشرعا: قوله: الوضوء قربة فوجبت له النية؛ قياسا على غيره من\nالقرب كالصلاة.\nفيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ مجمل - وهو:\nلفظ \" الوضوء \"؛ لأنه يحتمل أن يقصد به الوضوء اللغوي، أو\nالأفعال المخصوصة، وهو معنى شرعي، فأي المعنيين تريد بهذا\nاللفظ؟\nفيجيب المستدل بقوله: إن لفظ \" الوضوء \" الوارد في قياسي\nظاهر الدلالة على أن المراد به الأفعال المخصوصة شرعًا؛ لأن لفظ\n\"الوضوء\" لا يتبادر إلى الذهن عند إطلاقه إلا المعنى الشرعي.\nومثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر من جهة العرف:\nقوله: خروج الدم اليسير من المصلي لا ينقض وضوءه؛ لأن الدم\nاليسير معفو عنه؛ قياسا على ما لو كان خارج الصلاة.\nفيقول المعترض: قياسك هذا قد اشتمل على لفظ مجمل، وهو\nلفظ \" يسير \"؛ حيث يتفاوت المكلَّفون في تقدير هذا اليسير.\nفيجيب المستدل بقوله: إن ما أوردته في قياسي من لفظ \" اليسير \"\nظاهر الدلالة على أن المراد به اليسير في عرف أوساط المكلَّفين لا\nالغالين، ولا الجافين.\nومثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر من جهة اللغة:\nقوله: إذا حال عن الماء أسد جاز التيمم قياسا على فاقد الماء حقيقة.","vol":"5","page":2167},{"text":"فيقول المعترض: قياسك هذا قد اشتمل علر، لفظ مجمل وهو:\n\" أسد \"؛ لأنه يحتمل أن يراد به الحيوان المفترس، أو يراد به الرجل\nالشجاع، فما الذي تريده بهذا اللفظ؟\nفيجيب المستدل بقوله: إن لفظ \" الأسد \" ظاهر من حيث الوضع\nاللغوي على الحيوان المفترس وهي: دلالة حقيقية، ودلالته على\nالرجل الشجاع دلالة مجازية، لهذا قد اتضح أن المراد به الحقيقة\nوهو: الحيوان المفترس.\nالطريق الثالث: أن يفسر المستدل مراده باللفظ؛ بأن يسلم المستدل\nبالإجمال، ولا يدعي الظهور، وإنما يختار أحد المعنيين أو المعاني\nالمحتملة.\nمثاله: قول المستدل: المكره على القتل مختار للقتل فيقتص منه\nكغير المكره.\nفيقول المعترض: قد اشتمل هذا القياس على لفظ مجمل، وهو\nلفظ \" مختار \"؛ حيث إنه يحتمل أن يكون اسم فاعل، وهو القادر\nعلى القتل، أو أن يراد به الفاعل الراغب للقتل، فما المعنى الذي\nتريده منهما بهذا اللفظ؟\nفيجيب المستدل بقوله: إني أريد بهذا اللفظ الأول وهو: الفاعل\nالقادر على الإتيان بالفعل؛ حيث لا مانع له في بدنه وإن كان\nمحمولًا على هذا الفعل من خارج.","vol":"5","page":2168},{"text":"ْثانيا: كيفية الجواب عن الاستفسار حينما يكون اللفظ غريبا:\nيجيب المستدل عن استفسار المعترض في هذا بطرق هي كما يلي:\nالطريق الأول: أن يمنع المستدل كون اللفظ غريبا.\nمثاله: قال المستدل: لا تحل فريسة الكلب غير المعلم؛ لأنه\nوحش لم يروض فلا تحل فريسته؛ قياسا على الذئب.\nفيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ غريب وهو\nلفظ \" فريسته \"، فما الذي تريده بهذا اللفظ؟\nفيجيب المستدل بقوله: إني أمنع أن يكون لفظ \" الفريسة \" غريبا،\nبل هو معروف المعنى.\nالطريق الثاني: أن يُبَيِّن المستدل كون هذا اللفظ ظاهر المعنى،\nويبين أن ذلك ظاهر من جهة القرينة، أو جهة اللغة، أو جهة\nالعرف، وإليك مثالًا لكل واحد:\nمثال بيان المستدل: أن اللفظ ظاهر من جهة القرينة: قول\nالمستدل: طلَّة زوجت نفسها فلا يصح نكاحها كما لو لم يأذن وليها.\nفيقول المعترض: قد اشتمل قياسك على لفظ غريب، وهو لفظ\n\" طلَّة \"، فما المراد بهذا اللفظ؟\nفيجيب المستدل بقوله: إن هذا اللفظ - وهو: \" طلَّة \" - الوارد\nفي قياس ظاهر المعنى؛ حيث إن المراد به المرأة؛ لقرينة إسناد التزويج\nلها.\nومثال بيان المستدل: أن اللفظ ظاهر المعنى من جهة اللغة: قوله:\nلا يحل الأكل من الصيد الذي أكل منه الكلب المعلم؛ لأنه صيد\nجارحه لم ترض فلم يحل كغير المعلم.","vol":"5","page":2169},{"text":"فيقول المعترض: إنه ورد في قياسك لفظ غريب وهو: \" لم\nيرض \"، فما المراد من هذا اللفظ؟\nفيجيب المستدل بقوله: إن لفظ \" لم يرض \" ظاهر المعنى، على\nحسب الوضع اللغوي؛ حيث إنه من الرياضة.\nومثال بيان المستدل: أن اللفظ ظاهر المعنى من جهة العرف:\nقوله: القُبْلة من الصائم مبدأ مجرد عن الغاية، فلا تفسد الصوم\nكالمضمضة.\nفيقول المعترض: إنه ورد في قياسك هذا لفظان غريبان هما:\n\"مبدأ \"، و\" غاية \"، فما المراد بهما عندك؟\nفيجيب المستدل بقوله: إق لفظ \" مبدأ \"، و\" غاية \" ليسا بغريبين\nبل هما ظاهران عرفا عند المجتهدين المتخصصين بعلم المناظرة ومسائل\nالخلاف؛ حيث إن المراد بلفظ \" المبدأ \": السبب، والمراد بلفظ\n\" غاية \": المقصود.\nالطريق الثالث: أن يفسر المستدل مراده باللفظ، فيسلم كون اللفظ\nغريبًا، ويكتفي ببيان المعنى الذي يتضح به اللفظ.\nمثاله: قول المستدل: لا يحل صيد الكلب غير المعلم؛ لأنه\nخراش لم يُبْلَ، فلا تحل فريسته كالسيد.\nفيقول المعترض: إنه ورد في قياسك هذا ألفاظ غريبة وهي لفظ:\n\" خراش \"، ولفظ: \" لم يُبْلَ \"، ولفظ \" السيد \"، فما مرادك\nبهذه الألفاظ؟\nفيجيب المستدل بقوله: أريد بلفظ: \" خراش \": الكلب، وأريد\nبلفظ \" لم يُبْلَ \": أنه لم يجرب ويمتحن حتى يتعلم، وأريد بلفظ\n\" السيد \": الذئب.","vol":"5","page":2170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>المبحث الثاني في قادح منع الحكم في الأصل</span>\nويشتمل على مطلبين هما:\n\" المطلب الأول: في بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: في كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>المطلب الأول في بيان قادح منع الحكم في الأصل</span>\nالمراد منه: أن يمنع المعترض الحكم الذي يدير المستدل ثبوته في\nالأصل.\nمثاله: قول المستدل: الخل مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل\nالنجاسة قياسًا على الدهن، فهنا جعل المستدل - وهو القائس -\nالدهن أصلًا، والفرع: الخل، وحكم الأصل أن الدهن غير مزيل\nللنجاسة، والعِلَّة: أن كلًّا منهما مائع لا يرفع الحدث.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، فإن الدهن عندي\nمزيل للنجاسة.\nمثال آخر: قول المستدل: الخنزير حيوان نجس العين، فيوجب\nغسل الإناء من ولوغه سبعا؛ قياسا على الكلب.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، فالكلب عندي لا\nيغسل الإناء من ولوغه سبعا.\n* * *","vol":"5","page":2173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>المطلب الثاني كيفية الجواب عن منع الحكم في الأصل</span>\nإذا منع المعترض ثبوت الحكم في الأصل، وأراد المستدل الجواب\nعن هذا المنع، فإن الجواب يختلف باختلاف أحوال مذهب المعترض\nوهي:\nالحالة الأولى: أن يكون مذهب المعترض معلوما، وهو متحد مع\nمذهب المستدل.\nالحالة الثانية: أن يكون مذهب المعترض معلوما، وهو مختلف مع\nمذهب المستدل.\nالحالة الثالثة: أن يكون مذهب المعترض غير معلوم.\nوإليك بيان تلك الحالات مع أمثلتها:\nأما الحالة الأولى - وهي: كون مذهب المعترض معلوما متحدًا -\nفإن المستدل يجيب عن منعه للحكم في الأصل بثلاث طرق:\nالطريق الأول: أن يقوم المستدل بتفسير حكم الأصل بما يسلم به\nالمعترض:\nمثاله: قول المستدل: الإجارة عقد على منفعة، فبطل هذا العقد\nبموت المعقود له؛ قياسًا على النكاح.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، حيث إن النكاح لا\nيبطل بالموت، وإنما ينقضي وينتهي بالموت كالإجارة إذا انتهت مدتها،\nفإنه لا يقال: بطلت، وإنما يقال: انتهت وانقضت.\nفيجيب المستدل بقوله: إني أردت ببطلان العقد بالموت: أن يرتفع","vol":"5","page":2174},{"text":"بالموت: وحينئذ يسلم حكم المستدل من ورود المنع؛ لأنه لا خلاف\nبين المعترض والمسًتدل في أن العقد يرتفع بالموت.\nفهنا فسر المستدل حكم الأصل بتفسير يسلِّم به المعترض، وسبب\nذلك: أن مذهب المعترض معلوم متحد مع مذهب المستدل.\nالطريق الثاني: أن يُبيِّن المستدل محلا من المسألة متفقا عليه بينهما.\nمثاله: قول المستدل: لا تجب قراءة الفاتحة على المأموم؛ لأنه\nمأموم، فوجب أن يسقط عنه فرض القراءة؛ قياسا على ما إذا أدرك\nالمأموم الإمام، وهو راكع.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل؛ حيث إن المأموم إذا\nأدرك الإمام وهو راكع وأمكنه قراءة الفاتحة وإتمامها قبل فوات الركعة\nوجبت عليه قراءتها.\nفيجيب المستدل بقوله: لا خلاف بيننا وبينكم أنه إذا خاف فوات\nالركعة لم تجب عليه قراءة الفاتحة، وهذا يكفي أن تسلم به.\nالطريق الثالث: أن يورد المستدل دليلًا على ثبوت الحكم في\nالأصل.\nمثاله: قول المستدل: الوضوء عبادة يفسدها الحدث، فيكون\nالترتيب فيها واجبًا قياسًا على الصلاة.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، وهو وجوب\nالترتيب في الصلاة.\nفيجيب المستدل بقوله: إن الحكم في الأصل وهو وجوب الترتيب","vol":"5","page":2175},{"text":"في الصلاة ثبت بقوله لمجفه: \"صلوا كما رأيتموني أصلي \"،\nولم ينقل عنه - ﷺ -: أنه صلى إلا مرتبا،\nفدل على وجوب الترتيب.\nمثال آخر: قول المستدل: الخنزير حيوان نجس العين، فوجب\nغسل الإناء من ولوغه سبعا؛ قياسا على الكلب.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، فالكلب عندي لا\nيغسل من ولوغه سبعًا.\nفيجيب المستدل بقوله: لقد ثبت الحكم في الأصل بقوله - ﷺ -:\n\"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسنله سبع مرات \".\nوهذا على رأي جمهور العلماء، أي: أن المعترض إذا منع الحكم\nفي الأصل، فإن المستدل يثبت حكم الأصل بأي نوع من أنواع\nالأدلة، فإذا أثبت ذلك فإن قياسه صحيح.\nلكن هل ينقطع المعترض إذا أقام المستدل دليلًا على حكم الأصل\n- كما سبق -؟\nأقول - في الجواب عن ذلك -: إن المعترض لا ينقطع إذا أثبت\nالمستدل الحكم في الأصل؛ بل للمعترض أن يسعى إلى إبطال دليل\nالمستدل؛ لأن المستدل إذا علم أن المعترض لن يعترض عليه إذا أورد\nالدليل لإثبات الحكم في الأصل، فإنه يحتمل أن يورد المستدل دليلًا\nلا يصلح أن يكون مثبتا للحكم، وهذا يجعل المعترض لا يورد\nالاعتراض ابتداء؛ لأنه يعلم أنه سيقبل من المستدل أيمما دليل يثبت به\nالحكم في الأصل، وعلى هذا: لا يكون لمنع الحكم ابتداء معنى،\nومنعا لهذا الاحتمال، فللمعترض أن يسعى إلى إبطال دليل المستدل\nالذي أورده لإثبات الحكم في الأصل حتى يعجز، وهو رأي\nالآمدي، وابن الحاجب، وابن الهمام، وغيرهم.","vol":"5","page":2176},{"text":"وهناك رأي آخر في المسألة وهو: أن المعترض ينقطع إذا أقام\nالمستدل دليلًا على ثبوت الحكم في الأصل، ولا يجوز المعترض أن\nيعترض على ذلك، وهذا الرأي ضعيف لما قلناه.\nهذا الكلام عن الحالة الأولى - وهي: كون مذهب المعترض\nمعلومًا متحدًا -.\nأما الحالة الثانية - وهي: كون مذهب المعترض معلومًا وهو\nمختلف - فإن المستدل يجيب عن منعه للحكم في الأصل بالطرق\nالثلاث التي ذكرناها في الحالة الأولى، وهي: \" تفسير حكم\nالأصل بما يسلم به المعترض \"، و\" بيان محلًا من الحكم يسلم به\nالمعترض \"، و\" إقامة الدليل على حكم الأصل \"، والأمثلة نفس\nالأمثلة السابقة، لكن يراعى فيها أن الحكم مختلف فيه في المذهب.\nوتزيد هذه الحالة طريق رابع وهو: أن يبين المستدل أن الصحيح\nمن مذهب المعترض هو التسليم بحكم الأصل.\nمثاله: قول المستدل الشافعي: من أحرم بالحج نفلًا وعليه فرض،\nفإن إحرامه ينعقد فرضا؛ لأنه إحرام بالحج ممن عليه فرضه،\nفانصرف إحرامه إلى ما عليه من الفرض؛ قياسا على ما لو أحرم\nإحراما مطلقا.\nفيقول المعترض الحنفي: أنا أمنع الحكم في الأصل؛ حيث إن\nالإحرام الذي أطلق فيه النية أنه يكون تطوعا، وهذا قد نقله الحسن\nابن زياد عن أبي حنيفة.\nفيجيب المستدل بقوله: إن أبا الحسن الكرخي - وهو الذي ينقل\nالرواية الصحيحة عن أبي حنيفة - قد نقل عن أبي حنيفة التسليم\nبحكم الأصل، فإذا ثبت أنها الرواية الصحيحة، فإن المنع يبطل.","vol":"5","page":2177},{"text":"أما الحالة الثالثة - وهي: كون مذهب المعترض غير معلوم - فإن\nالمستدل يجيب عن منعه للحكم في الأصل بطريقين:\nالطريق الأول: أن يبين المستدل رأي إمام المعترض.\nهذا خاص فيما إذا كان رأي إمام مذهب المعترض موافقا لما يراه\nالمستدل.\nمثاله: قول المستدل: العيوب في النكاح تثبت الخيار، لأنها تمنع\nمعظم المقصود بالنكاح، فيثبت بها الخيار؛ قياسا على الجُب.\nفيقول المعترض: لا أعلم لإمام مذهبي رأيا في هذا.\nفينقل المستدل عن إمام مذهب المعترض ما يدل على أن تلك\nالعيوب تثبت الخيار.\nالطريق الثاني: أن يورد المستدل دليلًا على ثبوت الحكم في\nالأصل.\nمثاله: قول المستدل: من قتل بآلة غير السيف لم يقتص منه إلا\nبالسيف؛ لأنها آلة لا يقتص بها لو كان القتل بالسيف، فلم يجز\nالقصاص بها إذا كان القتل بها؛ قياسا على ما إذا سقى القاتل\nالمقتول خمرًا، فإنه لا يجوز أن يسقى القاتل خمرًا حتى يموت،\nوإنما يقتص منه بالسيف.\nفيقول المعترض: لا أعلم لإمام مذهبي رأيا في هذا، فلا يلزمني\nالتسليم به.\nفيجيب المستدل بقوله: إن الحكم في الأصل قد ثبت بقوله - ﷺ -: -\n\" لا قود إلا بالسيف \".","vol":"5","page":2178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>المبحث الثالث في قادح منع وجود الوصف في الأصل</span>\nويشتمل على مطلبين هما:\nالمطلب الأول: في بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: في كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>المطلب الأول في بيان منع وجود الوصف في الأصل</span>\nالمراد منه: أن يمنع المعترض وجود الوصف المعلل به في الأصل.\nوهذا له حالتان:\nالحالة الأولى: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل بناء\nعلى أصله هو.\nمثاله: قول المستدل: الكلب حيوان يغسل الإناء من ولوغه سبعا\nفلا يطهر جلده بالدباغ قياسا على الخنزير.\nفيقول المعترض: أنا أمنع، الوصف في الأصل؛ حيث إن الخنزير\nعندي لا يغسل الإناء من ولوغه سبعا.\nالحالة الثانية: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل بناء على\nأصل المستدل.\nمثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم\nيصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.\nفيقول المعترض: إن الوصف الذي تدعيه في الأصل غير موجود\nبناء على مذهبك؛ حيث يصح البيع بالكتابة، ولا يتعين بالقول.","vol":"5","page":2181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الأصل</span>\nالمعترض إذا منع وجود الوصف في الأصل، فإن جواب المستدل\nيختلف باختلاف الحالتين السابقتين.\nأما الحالة الأولى - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الأصل\nبناء على أصله هو - فإن المستدل يجيب عن هذا بأحد طريقين:\nالطريق الأول: أن يفسر لفظ الوصف على نحو يسلم به\nالمعترض.\nمثاله: قول المستدل: الوضوء عبادة يبطلها الحدث، فيشترط فيها\nالترتيب قياسا على الصلاة.\nفيقول المعترض: أنا أمنع وجود الوصف في الأصل، فالصلاة لا\nيبطلها الحدث الذي لم يتعمد عندي.\nفيجيب المستدل بقوله: أردت بقولي: \" يبطلها الحدث \": أن\nالحدث يمنع من إتمامها، وهذا مسلم به.\nالطريق الثاني: أن يأتي المستدل بدليل يثبت فيه وجود الوصف في\nالأصل.\nمثاله: قول المستدل: الكلب حيوان يغسل الإناء من ولوغه سبعا\nفلم يطهر جلده بالدباغ، قياسا على الخنزير.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الأصل، وهو غسل الإناء\nسبعًا من ولوغ الخنزير.","vol":"5","page":2182},{"text":"فيستدل المستدل - وهو القائس - على وجود الوصف في الأصل\nبقوله - ﷺ -:\n\"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا \"،\nفإذا وجب الغسل سبعا في الكلب وهو أدنى من الخنزير، فأولى أن\nيجب الغسل من ولوغ الخنزير.\nأما الحالة الثانية - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الأصل\nبناء على أصل المستدل - فإن المستدل يجيب عن هذا: بأن يفسر\nالمستدل لفظ الوصف بما يسلم به المعترض.\nمثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم\nيصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.\nفيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته في الأصل غير موجود فيه؛\nبناء على مذهبك؛ لأن البيع يصح عندك بالكتابة، ولا يتعين القول.\nفيجيب المستدل بقوله: أنا أردت بقولي: \" تتعلق صحته بالقول \"\nأي: أنه يصح بالقول، لا أني أريد أنه لا يصح إلا بالقول،\nفصحته بالقول لا تنفي صحته بغيره، وهي الكتابة.","vol":"5","page":2183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>المبحث الرابع في قادح منع وجود الوصف في الفرع</span>\nوهو يشتمل على مطلبين:\nالمطلب الأول: بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>المطلب الأول بيان قادح منع وجود الوصف في الفرع</span>\nالمراد منه: أن يمنع المعترض وجود الوصف المعلل به في الفرع.\nولهْ حالتان - أيضا - هما:\nالحالة الأولى: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الفرع بناء على\nأصله هو.\nمثاله: قول المستدل: يجوز الاستئجار على الحج؛ لأن الحج\nفعل يجوز أن يفعله الشخص عن غيره، فجاز أن يفعله عنه بأجرة؛\nقياسًا على الخياطة.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الفرع، فالحج لا تدخله\nالنيابة عندي.\nالحالة الثانية: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الفرع بناء على\nأصل المستدل.\nمثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم\nيصح تعليقه في الشعر؛ قياسا على البيع.\nفيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته في الفرع غير موجود فيه؛\nبناء على مذهبك؛ لأن الطلاق يصح عندك بالكتابة مع النية.","vol":"5","page":2187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الفرع</span>\nالمعترض إذا منع وجود الوصف في الفرع، فإن جواب المستدل\nيختلف باختلاف الحالتين السابقتين، وإليك بيان ذلك:\nأما الحالة الأولى - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الفرع\nبناء على أصله - فإن المستدل يجيب عن هذا بأحد طريقين:\nالطريق الأول: أن يُفسر المستدل لفظ الوصف بما يوافق عليه\nالمعترض.\nمثاله: قول المستدل: يجوز الاستئجار على الحج؛ لأن الحج\nفعل يجوز أن يفعله الشخص عن غيره، فجاز أن يفعله عنه بأجرة؛\nقياسًا على الخياطة.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الفرع، فالحج لا تدخله\nالنيابة عندي.\nفيجيب المستدل بقوله: إني أردت بقولي: \" يجوز أن يؤديه\nالإنسان عن غيره \" أنه يجوز أن يأمر شخص آخر أن ينوي الإحرام\nعنه، ويضيف التلبية بالحج إليه.\nالطريق الثاني: أن يقيم المستدل دليلًا يدل على وجود الوصف في\nالفرع.\nمثاله: قول المستدل: القتل بالمثقل قتل عمد عدوان، فوجب فيه\nالقصاص؛ قياسا على القتل بالمحدد.","vol":"5","page":2188},{"text":"فيقول المعترض: أنا أمنع وجود وصف العدوان في الفرع.\nفيجيب المستدل بقوله: إن وجود الوصف في الفرع ثبت بدليل\nوهو: تحريم الشارع للعدوان، كما قال تعالى: (ولا تعتدوا إن الله\nلا يحب المعتدين) .\nأما الحالة الثانية - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الفرع\nبناء على أصل المستدل - فإن المستدل يجيب عن هذا بتفسير لفظ\nالوصف في الفرع بما يسلم به المعترض.\nمثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم\nيصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.\nفيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته في الفرع غير موجود فيه\nبناء على مذهبك؛ حيث إن الطلاق يصح عندك بالكتابة مع النية.\nفيجيب المستدل بقوله: إني أردت بقولي: \" تتعلق صحته\nبالقول \" أي: يصح بالقول، لا أنه لا يصح إلا بالقول، فصحته\nبالقول لا تنفي صحته بغيره، وهي الكتابة.","vol":"5","page":2189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>المبحث الخامس في قادح منع الوصف في الأصل والفرع معا</span>\nوهو يشتمل على مطلبين هما:\nالمطلب الأول: في بيان المراد به.\nالمطلب الثاني: في كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>المطلب الأول في بيان المراد من منع الوصف في الأصل والفرع</span>\nالمراد: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل والفرع.\nوله حالتان:\nالحالة الأولى: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل والفرع\nبناء على أصله.\nمثاله: قول المستدل: التيمم لليدين يكون إلى المرفقين؛ لأنه\nطهارة بالصعيد، فوجب أن يستوعب فيها المحل كتطهير الوجه.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الأصل والفرع، فإن التيمم\nليس بطهارة في الأصل - الذي هو الوجه - وليس بطهارة في الفرع\n- الذي هو اليدان -؛ وذلك لأن الطهارة: ما طهر المحل ورفع\nالحدث، ونحن قد اتفقنا على أن التيمم لا يرفع الحدث، فوصفه\nبأنه طهارة غير حقيقي.\nالحالة الثانية: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل والفرع\nبناء على أصل المستدل.\nمثال ذلك: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول،\nفلم يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.\nفيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته لا يوجد في الأصل ولا في\nالفرع؛ بناء على مذهبك:\nفالأصل الذي هو البيع يصح عندك بالكتابة، ولا يتعين بالقول.\nوالفرع الذي هو الطلاق يصح عندك بالكتابة، ولا يتعين بالقول.","vol":"5","page":2193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>المطلب الثاني في كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الفرع والأصل</span>\nالمعترض إذا منع وجود الوصف فيهما، فإن جواب المستدل\nيختلف باختلاف الحالتين السابقتين، بيان ذلك:\nأما الحالة الأولى - وهي: منع المعترض وجود الوصف فيهما بناء\nعلى أصله هو - فإن المستدل يجيب عن ذلك سالكا أحد طريقين:\nالطريق الأول: أن يفسرْ المستدل لفظ الوصف بما يوافق عليه\nالمعترض.\nمثاله: قول المستدل: الكلب حيوان يغسل الإناء من ولوغه عددًا\nفلم يطهر جلده بالدباغ؛ قياسًا على الخنزير.\nفيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الأصل والفرع، فالغسل\nعددًا لا يجب في ولوغ الخنزير، ولا في ولوغ الكلب.\nفيجيب المستدل بقوله: عندكم أنه إذا غلب على الظن عدم طهارة\nالإناء بغسلة واحدة، فإن الغسل يكرر حتى تحصل غلبة الظن\nبالطهارة، وعندنا العدد معتبر في حالة غلبة الظن وعدمها، فيصح\n- على هذا - اعتبار العدد في الغسل من ولوغ الكلب في الجملة.\nالطريق الثاني: أن يقيم المستدل دليلًا على وجود الوصف في\nالأصل والفرع.","vol":"5","page":2194},{"text":"مثاله: المثال السابق؛ فإذا قال المعترض: أمنع الوصف في\nالأصل والفرع، فالكلب والخنزير لا يجب غسل الإناء من ولوغهما\nسبعا.\nفيستدل المستدل على وجود الوصف في الأصل والفرع بقوله - ﷺ -:\n\" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا \".\nفإذا نص على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا، وهو\nأدنى من الخنزير، فالخنزير أوْلى أن يجب فيه هذا الحكم.\nأما الحالة الثانية - وهي: منع المعترض وجود الوصف فيهما بناء\nعلى أصل المستدل - فإن المستدل يجيب عن ذلك سالكا طريقا واحدًا\nوهو: أن يفسر لفظ الوصف بما يسلم به المعترض.\nمثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم\nيصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.\nفيقول المعترض: ما ذكرته في قياسك من الوصف غير موجود في\nالأصل على مذهبك: فالبيع الذي هو الأصل يصح عندك بالكتابة\nولا يتعين بالقول.\nكذلك: ما ذكرته في قياسك من الوصف غير موجود في الفرع\nعلى مذهبك: فالطلاق - الذي هو الفرع - يصح عندك بالكتابة مع\nالنية، ولا يتعين بالقول.\nفيجيب المستدل بقوله: إني أردت بقولي: \" تتعلق صحته\nبالقول \": أنه يصح بالقول، لا أنه لا يصح إلا بالقول، فصحته\nبالقول لا تنفي صحته بغيره وهي الكتابة، وبهذا لا ينتفي الوصف\nعن الأصل والفرع.","vol":"5","page":2195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>المبحث السادس في قادح منع كون الوصف عِلَّة</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: في حجيته.\nالمطلب الثالث: في كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>المطلب الأول في بيان المراد منه</span>\nوالمراد منه: أن يمنع المعترض كون الوصف الذي ذكره المستدل عِلَّة\nللحكم.\nأي: أن المستدل إذا قاس الفرع على الأصل بجامع عِلَّة سماها\nوذكرها، فإن المعترض يقول: أنا أمنع كون هذا الوصف عِلَّة لهذا\nالحكم.\nأو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف عِلَّة للحكم؟\nولهذا يطلق بعض العلماء عليه مصطلح: المطالبة، أي:\nالمطالبة بتصحيح العِلَّة، أو إثبات كونها تصلح للعلية.\nوهو أهم قادح من قوادح العِلَّة؛ لأمرين:\nأولهما: عموم وروده على جميع ما يدعي أنه عِلَّة.\nثانيهما: كثرة الأدلة التي يثبت بها المستدل أن هذا الوصف عِلَّة.\nمثاله: قول المستدل: تقاس الفارة على الهرة، فيكون سؤر\nالفأرة طاهرًا كسؤر الهرة بجامع: كثرة التطواف في المنزل.\nفيقول المعترض: أنا أمنع كون كثرة التطواف علَّة لطهارة سؤر\nالهرة، أو يقول: ما الدليل على أن التطواف عِلَّة لطهاَرة سؤر الهرة.","vol":"5","page":2199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>المطلب الثاني حجيته</span>\nوهو حُجَّة، أي: أن للمعترض منع كون الوصف عِلَّة، وهو\nقول بعض الحنفية كالدبوسي، والسرخسي، وابن الهمام، وبعض\nالمالكية كابن الحاجب، والباجي، وبعض الشافعية كأبي إسحاق\nالشيرازي، وإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وتاج الدين ابن\nالسبكي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذيه: أبي الخطاب وابن\nعقيل، وهو الحق عندي؛ لأن إثبات الحكم في الفرع لا يمكن\nالاستناد في إثباته إلى مجرد وجود الحكم في الأصل؛ حيث إنه لا\nبد من عِلَّة جامعة بينهما، وهذه العِلَّة تكون مشتملة على معنى\nمقصود للشارع من شرع الحكم، حيثَ إننا قلنا: إن الأحكام مبنية\nعلى المصالح، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يُطالب المستدل بان\nيُبين تأثير هذا الوصف في الحكم الذي ذكره، ولا بد أن يشعر\nالمستدل بأنه سيطالب بذلك؛ لأن عدم شعوره بذلك سيؤدي إلى أن\nبعضهم سيتمسك بالأوصاف الطردية التي لا تشتمل على معنى\nمقصود للشارع - كما سبق بيانه - وهذا يفضي إلى التلاعب\nبالأحكام، فيضيع القياس، لأنه لم يفد الظن الذي من أجله صح\nالاعتماد عليه.\nوبعضهم قال: ليس للمعترض منع كون الوصف علَّة، وعللوا\nذلك بأن قبول منع كون الوصف عِلَّة يؤدى إلى التسلسل، وانتشار\nالكلام.","vol":"5","page":2200},{"text":"وهذا غير صحيح؛ لأن المستدل إذا أورد دليلًا يفيد الظن بكون\nهذا الوصف يصلح أن يكون عِلَّة، فلا مجال للتسلسل وانتشار\nالكلام، ويكون منع المعترض لهذَا الدليل بعد ذلك من العناد؛ لأنه\nمطالبة بعلية ما غلب على الظن كونه عِلَّة.","vol":"5","page":2201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>المطلب الثالث كيفية الجواب عن قادح منع كون الوصف عِلَّة</span>\nلما قلنا: إن للمعترض منع كون الوصف الذي ذكره المستدل عِلَّة\nللحكم، أي: للمعترض مطالبة المستدل بإقامة الدليل على كون\nالوصف عِلَّة، فإنه يجب على المستدك حينئذ أن يجيب عن هذا المنع\nبإثبات كون الوصف عِلَّة للحكم.\nويثبت كون الوصف يصلح لأن يكون عِلَّة بالطرق المثبتة للعلية،\nوهي مسألة العِلَّة التي ذكرناها فيما سبق، وهي: النص الصريح،\nوالنص الظاهر، والإجماع، والإيماء، والمناسبة، والإخالة،\nوالسبر والتقسيم، وتنقيح المناط، والدوران، والوصف الشبهي.\nمثال ذلك: قول المستدل: النباش يُقاس على السارق في وجوب\nقطع يده، والعِلَّة: أخذ المال بخفية.\nفيقول المعترض: أنا أمنع كون \" أخذ المال بخفية \" علة للقطع.\nأو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف - \" وهو أخذ المال\nبخفية\"عِلَّة؟\nفيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على كون هذا الوصف علة\nللقطع قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .\nوالسرقة: الأخذ بخفية، فقد ورد الحكم وهو مقرون بالفاء بعد\nالوصف مباشرة، وهذا من أنواع الإيماء إلى العِلَّة المعتبرة - كما سبق\nبيانه.","vol":"5","page":2202},{"text":"مثال آخر: قول المستدل: لا يباع العنب بالزبيب؛ لأن العنب إذا\nجف نقص، فلم يصح البيع قياسا على بيع الرطب بالتمر.\nفيقول المعترض: أنا أمنع كون النقصان بالجفاف علة لمنع البيع،\nأو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف علة للحكم؟\nفيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على كون وصف الجفاف علَّة\nلمنع البيع هو: أن الرسول - ﷺ -\nحينما سئل عن بيع الرطَب بالتمر - قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ \"\nقالوا: نعم، قال: \"فلا إذن \"\nأي: فلا تبيعوا الرطب بالتمر.\nفهنا: قد رتب الرسول - ﷺ - الوصف -\nوهو النقصان بالجفاف - على الحكم - وهو عدم جواز البيع -\nبما يدل بالإيماء على التعليل، وقد سبق بيان ذلك.\nمثال ثالث: قول المستدل: تجري على الصغير الولاية في\nالنكاح؛ لأنه صغير، فجرت عليه الولاية فيه؛ قياسا على الولاية في\nالمال.\nفيقول المعترض: أنا أمنع كون الصغر عِلَّة في ولاية المال، أو\nيقول: بين الدليل على كون هذا الوصف عِلَّة لهذا الحكم.\nفيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على ذلك هو: الإجماع.\nمثال رابع: قول المستدل: المطلقة طلاقا ثلاثا بائنا في مرض\nالموت ترث من زوجها معاملة له بنقيض قصده؛ قياسا على القاتل.\nفيقول المعترض: أنا أمنع كون المعاملة بنقيض المقصود علَّة في منع\nالقاتل من الإرث، أو يقول: ما الدليل على أن هذا الوَصف عِلَّة\nلهذا الحكم؟","vol":"5","page":2203},{"text":"فيجيب المستدل: الدليل على كون المعاملة بنقيض المقصود عِلَّة في\nمنع القاتل من الإرث هو: مناسبة هذا الوصف لهذا الحكم؛ َ حيث\nإن القاتل قتل مورثه لتعجيل حصوله على مال مورثه، فعاملناه جزاء\nتصرفه الممنوع بأن منعنا عنه هذا المال.\nوهكذا يثبت المستدل علية الوصف بأحد طرق ثبوت العِلَّة.\nموقف المعترض من ذلك:\nإن اقتنع المعترض بهذا الطريق أو المسلك، والدليل المثبت لعلية\nالوصف: صح قياس المستدل، وانقطع المعترض.\nوإن لم يقتنع المعترض فإن له أن ينظر في هذا الدليل أو المسلك\nالذي أقامه المستدل، ويعترض عليه إذا أمكنه ذلك بأن يورد\nالاعتراضات المناسبة لكل دليل أو مسلك من المسالك التي اعتمد\nعليها المستدل، وكأن المستدل قد أورد هذا الدليل ابتداء.\nفمثلًا: إذا استدل المستدل على كون الوصف يصلح أن يكون علَّة\nلهذا الحكم عن طريق الكتاب، فإن المعترض يورد عليه الاعتراضات\nالتي تورد على الاستدلال بالكتاب ابتداء، وإذا استدل عليها عن\nطريق السُّنَّة، فإن المعترض يورد عليها الاعتراضات التي تورد على\nالاستدلال بالسُّنَّة، وهكذا.\nففي المثال الأول السابق - وهو: قياس النباش على السارق -\nحيث إن المستدل استدل على كون الوصف - وهو أخذ المال بخفية -\nعِلَّة بقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، فقد\nيعترض المعترض بأحد الأمور التالية:\nفقد يقول - أي: المعترض -: إن هذه الآية منسوخة، والمنسوخ\nلا يستدل به.","vol":"5","page":2204},{"text":"وقد يقول المعترض: إنك أيها المستدل قد استدللت بالمفهوم\nالمخالف من الآية، وأنا لا أحتج بالمفهوم.\nوقد يقول المعترض: إنك أيها المستدل قد أوردت هذه الآية على\nقراءة لإثبات كون الوصف علَّة، وأنا عندي قراءة أخرى لا يمكن\nمعها إثبات كون الوصف عِلَّةَ.\nوهكذا في بقية الاعتراضات على الكتاب، ويقول ذلك أيضا في\nالسُّنَة، ويزيد: اعتراض المعترض على سند الحديث.\nموقف المستدل من ذلك:\nإن اقتنع المستدل بأحد هذه الاعتراضات: فإنه يبطل قياسه،\nولنقطع.\nوإن لم يقتنع، فإن عليه أن ينظر في هذه الاعتراضات، ويجيب\nعنها كل اعتراض بحسبه:\nفإن كان الاعتراض بالنسخ، فإن المستدل ينظر فيه من حيث تعيين\nالناسغ، وتاريخ النسخ، وإمكان الجمع.\nوإن كان الاعتراض بالمفهوم، فإن المستدل يبين حجية المفهوم\nبالأدلة، وهكذا.","vol":"5","page":2205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>المبحث السابع في قادح التقسيم</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: في حجيته.\nالمطلب الثالث: في شروطه.\nالمطلب الرابع: في بيان الفرق بينه وبين الاستفسار.\nالمطلب الخامس: في كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>المطلب الأول في بيان المراد منه</span>\nوالمراد منه: ترديد المعترض لفظ المستدل بين احتمالين - أو أكثر -\nمع منع أحدهما وتسليم الآخر، أو مع تسليمهما مع اختلاف ما\nيترتب عليهما.\nومعناه: إذا اشتمل قياس المستدل على لفظ محتمل لمعنيين أو\nأكثر، فإن للمعترض - إن استطاع -: أن يُردِّد بينهما بأن يقول:\nاللفظ الذي أوردته أيها المستدل في قياسك مُحتمل لمعنيين: أحدهما\nممنوع، والآخر: مسلَّم.\nأو يقول: إنه محتمل لمعنيين أسلم بهما، لكن يرد على أحدهما\nما لا يمكن الاحتجاج بهذا المعنى.\nمثاله: قول المستدل: لا تجب الزكاة في مال الصبي؛ لأنها عبادة\nفلم تجب عليه كسائر العبادات.\nفيقول المعترض: اشتمل قياسك هذا على لفظ \" عبادة \"، وهو\nمتردد بين معنيين:\nأحدهما: أنها عبادة محضة، وهذا ممنوع؛ لأن فيها جانب المؤنة.\nثانيهما: أنها عبادة غير محضة، وهذا مسلم، لكنه لا يفيدك في\nعدم وجوب الزكاة على الصبي؛ لأنها عبادة من جهة، ومؤنة من\nجهة أخرى: فهي - إذن - واجبة في ماله باعتبارها مؤنة كنفقة\nالزوجة والأقارب، والولي هو الذي يخرجها.","vol":"5","page":2209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>المطلب الثاني حجيته</span>\nهذا القادح حُجَّة، أي: أن للمعترض أن يورد التقسيم على قياس\nالمستدل، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن تحديد\nمراد المستدل من لفظ قياسه مطلوب منه، وبواسطة التقسيم يتوصل\nإلى بيان المراد، فكان مقبولًا.\nوبعض العلماء قالوا بعدم حجية هذا القادح؛ حيث إنه يغني عنه\nقادح الاستفسار.\nوهذا ليس بصحيح؛ لأن يين قادح التقسيم، وقادح الاستفسار\nفروقا سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه.","vol":"5","page":2210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>المطلب الثالث شروط التقسيم</span>\nليس كل ما يقوله المعترض من التقسيم مقبولًا، بل اشترط في\nالمقبول منه شروط هي كما يلي:\nالشرط الأول: أن يكون لفظ المستدل في قياسه مما يصح تردده بين\nاحتمالين أو أكثر؛ إذ لو لم يكن لفظه مترددًا لما كان للتقسيم فائدة؛\nلأنه سيحمل حينئذ على معناه الذي لا يحتمل غيره، ولو لم يكن ما\nيقول المعترض من الوجهين صحيحا: لكان عبثا.\nمثال ذلك: قول المستدل: المكره على القتل مختار للقتل،\nفيقتص منه كالمكرِه - بكسر الراء -.\nفيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ \" مختار \" وهو\nيحتمل معنيين:\nالأول: مختار بمعنى الفاعل الراغب في القتل، وهذا ممنوع.\nالثاني: مختار بمعنى الفاعل القادر على القتل، وهذا مسلم.\nهذا مثال ما توفر فيه هذا الشرط.\nأما مثال ما لم يتوفر فيه هذا الشرط فهو قول المستدل: النبيذ\nشراب مسكر، فكان حرامًا كالخمر.\nفيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ \" مسكر \"،\nوهو محتمل لثلاثة معان: \" مسكر بالمعنى الشرعي \"، و\" مسكر\nبالمعنى اللغوي \"، و\" مسكر بالمعنى العقلي \".","vol":"5","page":2211},{"text":"فهذا التقسيم لا يصح؛ حيث إنه لا يحتمله اللفظ.\nالشرط الثاني: أن يكون التقسيم حاصرًا لجميع المعاني التي\nيحتملها لفظ المستدل ما لم يحترز في إيراده.\nويمثل له بما سبق من قياس المكره - بفتح الراء - على المكرِه -\nبكسر الراء - السابق.\nأما إذا لم يكن التقسيم حاصرًا، فإنه لا يتم إيراده؛ لاحتمال أن\nيكون ذلك المعنى الذي لم يذكره المعترض هو مراد المستدل.\nفمثلًا لو قال المستدل: المرأة الحرة العاقلة يجوز لها ولاية عقد\nالنكاح؛ لأنها عاقلة، فصحت منها الولاية كالرجل.\nفيقول المعترض: لفظ \" عاقلة \" متردد بين معنيين:\nالأول: أنها عاقلة بمعنى أنها مجربة، وهذا ممنوع.\nالثاني: أنها عاقلة بمعنى أن لها حسن رأي وتدبير، وهذا مسلم.\nفهذا التقسيم غير حاصر؛ لاحتمال أن يورد المستدل المعنى الثالث\nلكونها عاقلة وهو: أن لها عقلًا غريزيا يمكن أن تدرك به المصالح\nوالمفاسد، ويكون هذا هو مراد المستدل فيبطل تقسيم المعترض.\nالشرط الثالث: أن يكون التقسيم مطابقا لما ذكره المستدل، فلا\nيورد المعترض زيادة على لفظ المستدل.\nويمثل له بما سبق من قياس الزكاة على سائر العبادات في أنها لا\nتجب على الصبي بجامع: أن كلًّا منهما عبادة.\nوكذلك: قياس المكره على المكره، ونحوهما.\nأما إذا كان التقسيم غير مطابق بأن زاد المعترض على ما ذكره","vol":"5","page":2212},{"text":"المستدل لم يصح ذلك منه، فيكون ذلك سببا في رد تقسيم المعترض؛\nحيث إن المستدل لم يذكر هذه الزيادة.\nمثال ذلك: قول المستدل: البكر البالغة لا تجبر على النكاح؛\nلأنها بالغة عاقلة؛ قياسًا على الثيب.\nفيقول المعترض: قولك: \" بالغة عاقلة \" مع كونها بكرًا، أو مع\nكونها ليست بكرًا: الأول: ممنوع، والثاني: مسلم.\nفإن هذا التقسيم فيه زيادة على ما ذكره المستدل من لفظه، حيث\nإن المستدل لم يتعرض في لفظه إلى ما ذكره المعترض، فإيراده لهذه\nالزيادة لا يلزم المستدل قبولها، فالمستدل له أن يقول: هذه زيادة\nعلى ما ذكرته فلا يلزمني.","vol":"5","page":2213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>المطلب الرابع في بيان الفرق بين التقسيم والاستفسار</span>\nلقد ذكر بعض العلماء: أن التقسيم لا يختلف عن قادح الاستفسار\nوهذا ليس بصحيح كما سبق.\nوشبين الفرق بينهما من وجهين:\nالوجه الأول: أن التقسيم يرد من المعترض حينما يكون اللفظ\nمترددًا بين احتمالين أو أكثر، أي: يرد حينما يكون اللفظ مجملًا\nفقط.\nأما الاستفسار فإنه يرد حينما يكون اللفظ مجملًا، وحينما يكون\nاللفظ غريبا.\nالوجه الثاني: أن المعترض في التقسيم يحكم على ما يحتمله لفظ\nالمستدل بأن هذا ممنوع، أو هو مسلم.\nأما المعترض في الاستفسار فلا يحكم على ما يحتمله لفظ المستدل.","vol":"5","page":2214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>المطلب الخامس في كيفية الجواب عن هذا القادح</span>\nالمستدل له: أن يجيب عن تقسيم المعترض بطرق هي كما يلي:\nالطريق الأول: أن يُبين المستدل أن لفظه الذي أورده في قياسه\nظاهر الدلالة على مراده، شرعا، أو عرفا.\nمثال بيان المستدل لمراده شرعا: قول المستدل: الوضوء طهارة\nقربة اشترطت لها النية كغيرها من القرب.\nفيقول المعترض: إن لفظ \" طهارة \" تحتمل معنيين:\nأحدهما: أنها طهارة قربة بمعنى النظافة من الخبث، وهذا ممنوع\nكونه من القرب التي هي عِلَّة في وجوب النية.\nثانيهما: أنها طهارة قربة بمعنى الأفعال المخصوصة التي هي\nالوضوء الشرعي، وهذا مسلم.\nفيجيب المستدل بقوله: إن لفظ انطهارة ظاهر الدلالة شرعا في أن\nالمراد به الوضوء الشرعي؛ لأنه هو المتبادر عند الإطلاق.\nومثال بيان المستدل لمراده عرفا: قول المستدل: لا ينقض الوضوء\nالدم اليسير الخارج من المصلي؛ لأنه معفو عنه؛ قياسا على ما لو\nكان خارج الصلاة.\nفيقول المعترض: إن لفظ \" اليسير \" احتمل ثلاث معان:","vol":"5","page":2215},{"text":"أحدها: اليسير في نظر الجافين.\nثانيهما: اليسير في نظر المغالين.\nثالثهما: اليسير في نظر المعتدلين.\nوالأول والثاني: ممنوعان.\nوالثالث: مسلم؛ لجريانه على منهج الشريعة.\nفيجيب المستدل بقوله: إن لفظ \" اليسير \" ظاهر الدلالة في أن\nالمراد به اليسير في نظر المعتدلين؛ لأن العرف يقتضي صرف مثل هذا\nالتقدير إليهم.\nالطريق الثاني: أن يختار المستدل المعنى الذي سلم به المعترض،\nفيقول به، فيندفع عنه مقتضئ التقسيم.\nمثاله: قول المستدل: المكرَه على القتل مختار للقتل فيقتص منه\nكالمكرِه.\nفيقول المعترض: لفظ \" مختار \" يحتمل معنيين:\nأولهما: أن المراد به الفاعل الراغب في القتل.\nثانيهما: أن المراد به الفاعل القادر على القتل.\nوالأول ممنوع، والثاني مسلم.\nفيجيب المستدل بقوله: أنا أختار المعنى الثاني وهو: الفاعل\nالقادر على القتل.","vol":"5","page":2216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>المبحث الثامن في قادح النقض</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في بيان المراد به، وأهميته.\nالمطلب الثاني: في حجيته.\nالمطلب الثالث: الحالات التي يرد عليها النقض وحكم كل حالة.\nالمطلب الرابع: هل على المستدل أن يحترز عن النقض في قياسه؟\nالمطلب الخامس: كيفية الجواب عن هذا القادح، وبيان موقف\nالمعترض من ذلك الجواب.","vol":"5","page":2217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>المطلب الأول في بيان المراد بالنقض، وأهميته</span>\nالمراد به: وجود العلة في موضع دون حكمها.\nويُسمى عند الحنفية: المناقضة.\nوالنقض يعتبر من أهم المباحث عند الأصوليين وأهل النظر\nوالجدل؛ نظرًا لكثرة حاجتهم إليه، وكثرة وجوده في المناظرات بين\nالعلماء.\nمثاله: قول المستدل - في حق من لم يبيت النية -: تعرى أول\nصومه عنها، - فلا يصح، فجعل عراء أول الصوم عن النية علة\nلبطلانه.\nفيقول المعترض: هذا منتقض بصوم التطوع، فإنه يصح بدون\nتبييت النية.\nفهنا قد وجدت العلة وهي: عراء أول الصوم عن النية قد وجدت\nفي صوم التطوع، وتخلف الحكم - وهو عدم صحة الصوم عنه -؛\nلأن الصوم في هذه الحالة صحيح.","vol":"5","page":2219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>المطلب الثاني حجيته</span>\nلقد اختلف العلماء في النقض هل يقدح في العلية أو لا؟\nعلى مذاهب:\nالمذهب الأول: أن النقض لا يقدح في العلية مطلقا فيما وراء\nمحل النقض، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة، وسواء كان\nالتخلف لمانع، أو لغير مانع.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، وكثير من المالكية، وبعض الحنابلة،\nوهو الحق؛ لأن تخلف الحكم عن الوصف في بعض الصور إما أن\nيكون عن دليل، أو لغير دليل.\nفإن كان التخلف لدليل يدل عليه: لم يقدح؛ لأن هذا الدليل\nيكون مخصِّصًا للدليل الذي دلَّ على العلية، والتخصيص جائز\nباتفاق؛ لأنه يرد على العام مطلقا، سواء كان العموم مستفادًا من\nاللفظ، أو من المعنى.\nوإن كان التخلف لغير دليل: فإن هذا التخلف لا يُعتبر، ولا يُعتدُّ\nبه لعدم وجود الدليل، والمعتبر هو الدليل الذي دلَّ على العلية،\nوبذلك لا يكون النقض قادحًا.\nالمذهب الثاني: أن النقض يعتبر قادحا للعلية مطلقًا.\nالمذهب الثالث: التفصيل بين العلَّة المنصوصة، فإن النقض لا\nيقدح فيها، وبين العلة المستنبطة، فإن النقض يقدح فيها.","vol":"5","page":2220},{"text":"المذهب الرابع: عكس الثالث.\nوهذه المذاهب قد سبق الكلام عنها بالتفصيل في \" تخصيص\nالعِلَّة\"، وهو المطلب العشرون من الفصل الثالث السابق.\nفنظرًا إلى أني لا أعتبر النقض قادحًا للعلية، فإنه يعتبر تخصيصا\nللعلة، وليس قادحا من قوادحها، لذلك قدمت الكلام عنه هناك.","vol":"5","page":2221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>المطلب الرابع الحالات التي يرد عليها النقض وحكم كل حالة</span>\nالحالة الأولى: أن يورد المعترض النقض بما يسلِّم به المستدل.\nوإيراد النقض بناء على ذلك صحيح؛ لأن على المستدل أن يفي\nبمقتضى علته، وهو: وجودها في جميع المحال، والمعترض يخبره\nبعدم وجودها في بعض المحال، وإذا بين له ذلك كانت العِلَّة منتقضة\nباعتراف المستدل، فلزمه النقض.\nمثاله: قول المستدل: الخل مائع مزيل للعين والأثر، فجاز أن\nيكون مطهرًا للمحل النجس؛ قياسًا على الماء.\nفيقول المعترض: هذا منتقض بالدهن، فهو مائع مزيل للعين\nوالأثر، ومع ذلك فإنه لا يطهر المحل النجس عندكم.\nالحالة الثانية: أن يورد المعترض النقض بناء على أصله هو الذي\nيسلم به، لا على ما يراه المستدل.\nوإيراد النقض بناء على ذلك قد اختلف فيه على مذهبين:\nأصحهما: عدم جواز إيراد المعترض النقض بناء على أصله؛ لأن\nالعلة التي أوردها المعلل حُجَّة على المعترض، والنقض الذي يورده\nالمعترض دعوى، ولا تنقض الحُجَّة بالدعوى.\nمثال ذلك: قول المستدل: لا يقتل المسلم بالذمي؛ لأنه كافر،\nفلا يقتل به المسلم؛ قياسًا على الحربي.","vol":"5","page":2222},{"text":"فيقول المعترض الحنفي: هذا منتقض على أصلي بالمعاهد، فهو\nكافر ويقتل به المسلم عندي.\nمثال آخر: قول المستدل: المتوفى عنها زوجها لا يجب لها\nالسكنى؛ لأنه لا نفقة لها؛ قياسا على الموطوءة بشبهة.\nفيقول المعترض الشافعي: هذا منتقض على أصلي بالمطلقة الحائل؛\nفإنه لا نفقة لها، ويجب لها السكنى.\nفلا يقبل هذا؛ لأن عِلَّة المستدل لا ترد بمجرد الدعوى.\nالحالة الثالثة: أن يورد المعترض النقض بناء على أصله هو، وبناء\nعلى أصل المستدل، أي: أنهما يُسَلِّمان بذلك معا.\nوإيراد النقض بناء على هذه الحالة صحيح؛ لأنه يلزم على أصل\nالمعترض والمستدل، فكل منهما يُسلم بهما.\nمثاله: قول المستدل: الأرز مكيل يحرم فيه التفاضل؛ قياسا على\nالبر.\nفيقول المعترض: هذا منتقض ببيع الجنسين فهما مكيلان، ويجوز\nالتفاضل بينهما.\nفيسلم كل من المعترض والمستدل، حيث يريان التعليل بالكيل\nوالجنس.","vol":"5","page":2223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>المطلب الرابع هل على المستدل أن يحترز عن النقض في قياسه</span>؟\nإذا أثبت المستدل حكما عن طريق القياس فهل عليه أن يورد في\nقياسه هذا ما يدفع عنه النقض من قِبَل أي معترض؟\nفمثلًا لو قال المستدل: الخل مائع، فجازت إزالة النجاسة به\nكالماء، فهل يورد المستدل في علته قيدًا يحترز به على النقض، فيقول\n- أي: المستدل -: الخل مائع طاهر - فيزيد لفظ \" طاهر \" في\nالعِلَّة؛ لئلا تنقض عِلَّته بأن يقول المعترض: إن هذا منتقض بالمائع\nالنجس؛ حيث إنه مائع، ولا تجوز إزالة النجاسة به، أو لا؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nأصحهما: أنه على المستدل أن يحترز عن النقض بذكر قيد يدفع\nعنه ورود النقض؛ لأن الاحتراز عن النقض فيه ضبط لمجرى الكلام،\nوبعد عن انتشار الكلام وتوسعه، وكثرة احتمالاته وحصر لمقصود\nالمستدل، فكان الالتزام به متعينا.\nوعلى هذا: فإنه لا بد أن يقول المستدل في العِلَّة - في المثال\nالسابق -: \" مائع طاهر \"؛ لئلا يكثر الكلام وهو يستطيع منع\nذلك.","vol":"5","page":2224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>المطلب الخامس بيان كيفية جواب المستدل عن هذا القادح</span>\nوبيان موقف المعترض من هذا الجواب\nإذا أورد المعترض صورة زعم فيها وجود عِلَّة المستدل مع تخلف\nالحكم عنها تنقض عِلة المستدل: فإن للمستدل أن يجيب عن ذلك\nبأحد الطرق التالية:\nالطريق الأول: أن يمنع المستدل وجود علته في تلك الصورة التي\nأوردها المعترض.\nمثال ذلك: قول المستدل: المضمضة في الغسل واجبة؛ لأن الفم\nعضو يجب غسله من النجاسة، فوجب غسله من الجنابة؛ قياسا\nعلى سائر الأعضاء.\nفيقول المعترض:. هذا منقوض بالعين فهي عضو يجب غسله من\nالنجاسة، ولا يجب غسله في الجنابة.\nفيجيب المستدل بقوله: العين عندي لا يجب غسلها من النجاسة،\nفلا يلزم النقض.\nمثال آخر: الوقف عقد نقل، فوجب أن يفتقر للقبول؛ قياسا\nعلى البيع.\nفيقول المعترض: هذا منتقض بالعتق فهو عقد ينتقل فيه الملك،\nولا يفتقر إلى القبول.","vol":"5","page":2225},{"text":"فيجيب المستدل بقوله: العتق عندي ليس بنقل، وإنما هو إسقاط\nكالطلاق، والإسقاط لا يفتقر للقبول بخلاف النقل والتمليك.\nموقف المعترض من الجواب بهذا الطريق:\nحينما يمنع المستدل وجود العلَّة في صورة النقض، فإنه يجوز\nللمعترض إقامة الدليل على وجَود العلَّة إذا تعين طريقا للمعترض\nلنقض العِلَّة؛ لأن فيه تحقيقا لفائدة المناظَرة.\nأما إذا لم يتعين طريقا للمعترض، بل وجد ما يحقق المقصود\nبطريق آخر، فلا يجوز له - أي: للمعترض - إقامة الدليل على\nوجود العلَّة في الصورة المنقوض بها علة المستدل؛ لأن الفائدة تتحقق\nبذلك الطريق الآخر.\nمثال ذلك: قول المستدل: الوضوء طهارة فتحتاج إلى النية\nكالتيمم.\nفيقول المعترض: هذا منتقض بإزالة النجاسة فهي طهارة، ولا\nتجب فيها النية.\nفججيب المستدل بقوله: أنا أمنع كون إزالة النجاسة طهارة.\nفيقيم المعترض الدليل على وجود الدليل على أن إزالة النجاسة\nطهارة، وهو قوله تعالى \" (وثيابك فطهر) .\nالطريق الثاني: أن يفسر المستدل لفظ علته، وهذا فيه التفصيل\nالآتي:\n١ - أن يفسر المستدل لفظ علته وله معنى واحد.\nمثاله: قول المستدل: الوضوء طهارة من حدث، فتفتقر إلى\nالنية؛ قياسا على التيمم.","vol":"5","page":2226},{"text":"فيقول المعترض: هذا منتقض بإزالة النجاسة، فهي طهارة ولا\nتحتاج إلى النية.\nفيجيب المستدل بقوله: إني قد ذكرتُ قيدًا في العِلَّة، وهو كونه\nحدثا، وإزالة النجاسة ليست عن حدث.\n٢ - أن يفسر المستدل لفظ علته وله معنيان.\nمثاله: قول المستدل: جمع الطلاق في القرء الواحد لا يكون\nمبتدعا؛ قياسًا على ما لو طلقفا ثلاثا في قرء واحد مع الرجعة بين\nالطلقتين.\nفيقول المعترض: إن هذا منتقض بما لو طلقها ثلاثا في الحيض،\nفهو جمع للطلاق في قرء واحد وهو بدعي.\nفيجيب المستدل بقوله: أنا أريد بالقرء: الطهر، لا الحيض.\n٣ - هل يفسر المستدل لفظ علته العام بالخاص؟\nقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز للمستدل أن يفسَّر اللفظ العام\nبالخاص.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن لفظ المستدل\nعام، ومقتضاه شمول جميع المحال؛ حيث إنه لازم له، فإذا أورد -\nعليه النقض فهو مورد على ما يلزمه، وإرادته الخاص بعد النقض\nزيادة في الوصف؛ ليدفع بها النقض، وهذا لا يصح.\nالمذهب الثاني: يجوز ذلك.\nوهو مذهب بعض العلماء.","vol":"5","page":2227},{"text":"دليل هذا المذهب:\nالقياس على الشارع، بيان ذلك:\nكما أن للشارع أن يطلق لفظا عاما ثم يخصه، فكذا المستدل ولا\nفرق.\nجوابه:\nهذا قياس باطل؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن\nللشارع النسخ، وله أن يذكر بعض العلَّة، ويترك الباقي إلى اجتهاد\nالمجتهد، وهذا لا يجوز في حق المسَتدل الذي يريد إثبات الحكم\nبعلته.\nالطريق الثالث: أن يزيد المستدل وصفا في علته.\nوهذا ليس بصحيح، فلا يجوز للمستدل أن يزيد وصفا في علته؛\nلأمرين:\nالأمر الأول: أن ما ذكره المستدل هو جميع العِلَّة، والنقض قد\nورد على جميع العلَّة، فإذا ذكر وصفا آخر للعِلَّة بعد ورود النقض:\nكان هذا انتقالًا إلى علَّة أخرى متكونة من العلَّة السابقة، ومن\nالوصف الذي زاده.\nالأمر الثاني: أن القول بجواز هذه الزيادة للمستدل إخلال بقواعد\nالجدل والمناظرات، وعدم الالتزام بضوابطها التي تقتضي إيراد\nالمستدل دليله كاملًا أمام المعترض.\nمثاله: قول المستدل: باع رجل مطعوما بمطعوم متفاضلًا، فهذا\nلا يجوز؛ قياسا على البر.","vol":"5","page":2228},{"text":"فيقول المعترض: هذا منتقض ببيع الأرز بالبر متفاضلًا.\nفيجيب المستدل بقوله: أنا أزيد وصفًا في العِلَّة، فأقول:\n\"مطعوم من جنس واحد \" حتى لا يرد هذا النقض.\nفهنا: لا يجوز للمستدل أن يزيد ذلك لما قلناه.\nالطريق الرابع: أن يمنع المستدل تخلف الحكم عن صورة النقض.\nإذا قال المعترض: إن قياسك هذا علته منقوضة؛ حيث إن العِلَّة\nقد وجدت ولم يوجد حكمها، فإن للمستدل أن يجيب بمنع كون\nالحكم متخلفا عن صورة النقض التي أوردها المعترض.\nمثاله: قول المستدل: الأرز ربوي، لأنه مطعوم قياسا على البر.\nفيقول المعترض: هذا منقوض بالتفاح فهو مطعوم، ولا يجري\nفيه الربا.\nفيجيب المستدل بقوله: أنا - أمنع تخلف الحكم عن الصورة التي\nأوردتها - أيها المعترض - وهي: التفاح -، لأن التفاح عندي\nربوي.\nالطريق الخامس: أن يُبين المستدل في صورة النقض التي أوردها\nالمعترض فوات شرط، أو وجود مانع.\nمثاله: قول المستدل: الحلي تجب فيه الزكاة، لأنه نصاب كامل\nحال عليه الحول، فوجبت فيه الزكاة قياسا على المضروب.\nفيقول المعترض: هذا منتقض بحلي غير البالغ، فهو نصاب\nكامل، وحال عليه الحول، ومع ذلك لا تجب فيه الزكاة.\nفيجيب المستدل بقوله: إن ما أوردته من صورة النقض قد تخلف\nعنها ما هو شرط، وهو: التكليف تغليبًا لمعنى العبادة.","vol":"5","page":2229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>المبحث التاسع في قادح التركيب</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: المراد منه.\nالمطلب الثاني: أقسامه.\nالمطلب الثالث: حجيته.\nالمطلب الرابع: كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>المطلب الأول بيان المراد منه</span>\nالمراد من قادح التركيب: أن يكون الحكم في الأصل ثابتا بطريق\nاتفق المستدل والمعترض عليه، مع منع المعترض كون الحكم ثابتا بعلة\nالمستدل: إما بمنع كونها عِلَّة، أو بمنع وجودها في الأصل.\nأي: أن حكم الأصل قد اتفق عليه المستدل والمعترض، وهذا\nالحكم معلل بعلَّة عند المستدل، ومعلل بعلَّة أخرى عند المعترض،\nفيمنع المعترض أن الحكم معلل بعلة المستدلَ إما بمنع كونها علَّة، أو\nبمنع وجودها في الأصل.","vol":"5","page":2233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>المطلب الثاني أقسام قادح التركيب</span>\nلقد اتضح من التعريف: أن المعترض يعترض على عِلَّة المستدل إما\nبمنع كون وصف المستدل عِلَّة للحكم، وإما بمنع وجود علَّة المستدل\nفي الأصل.\nولهذا ينقسم هذا القادح إلى قسمين:\nالقسم الأول: قادح التركيب في الأصل.\nالقسم الثاني: قادح التركيب في الوصف.\nأما القسم الأول - وهو قادح التركيب في الأصل - فهو: أن\nيتفق الخصمان - المستدل والمعترض - على حكم الأصل، ويعين كل\nواحد منهما علَّة تخصه، فيمنع المعترض كون وصف المستدل علَّة\nلحكم الأصل.\nمثاله: قول المستدل: المرتدة إنسان بدل دينه فتقتل كالمرتد.\nفيقول المعترض: الحكم عندي في الأصل هو قتل المرتد، لكن\nالعِلَّة لقتله هي: الجناية على المسلمين بتنقيص عددهم، وإعانة\nعدوهم عليهم، لا أنها تبديل الدين، وهذه العلَّة التي ذكرتها أنا لا\nتوجد في الفرع، فإن سلَّمت بها لم يتعد الحكَم إلى الفرع؛ لعدم\nوجودها فيه.\nأما القسم الثاني - وهو قادح التركيب في الوصف - فهو: أن","vol":"5","page":2234},{"text":"يتفق الخصمان - المستدل والمعترض - على حكم الأصل مع تعيين\nالمستدل عِلَّة لحكم الأصل، وتعيين المعترض عِلَّة أخرى مع منعه كون\nعِلَّة المستدل موجودة في الأصل.\nمثال ذلك: قول المستدل: إن الرجل لو قال: إن تزوجتُ فلانة\nفهي طالق: لم يقع طلاقه بعد العقد عليها؛ لأنه تعليق للطلاق قبل\nالنكاح فلا يقع؛ قياسا على ما لو قال: فلانة التي سأتزوجها طالق.\nفيقول المعترض: أنا أوافقك على حكم الأصل، وهو عدم وقوع\nالطلاق، ولكن العلَّة فيه هي كونه تنجيزًا لا تعليقا؛ حيث إنه نظرًا\nلكون هذه الصيغة تقتضي وقوع الطلاق في الحال، وهو لا يملك\nالطلاق في الحال، فإنها تكون لغوًا لا أثر له بعد العقد.\nأما ما ذكرته - أيها المستدل - من العِلَّة - وهي: كونه تعليقا -\nفغير موجود في الأصل.\nوسواء سلمت بما ذكرته من عِلَّة، أو أخذت بعلتك التي لا توجد\nفي الأصل، فإن الحكم لن يتعدى إلى الفرع؛ لأن علتي لا توجد\nفي الفرع، وعلتك لا توجد في الأصل.","vol":"5","page":2235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>المطلب الثالث حجية التركيب</span>\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nأصحهما: أن للمعترض إيراد القدح بالتركيب بأن يمنع علَّة\nالمستدل في الأصل الذي يتفق مع المستدل على حكمه، أو يمنع\nوجود عِلَّة المستدل في الأصل؛ وذلك لأن قادح التركيب ينبني على\nالخلاف في قياس التركيب، والخلاف في قياس التركيب متعلق\nبالأصل، والأصل يشتمل على العِلَّة والحكم، وإذا منع المعترض\nكلًا من العِلَّة والجكم، فإن للمستدل إقامة الدليل الدال على كون\nوصفه عِلَّة، وإقامة الدليل الدال على وجود وصفه في الأصل.\nاعتراض على هذا:\nقال قائل - معترضا -: إن المستدل إذا أقام الدليل على كون\nالوصف عِلَّة، أو أقام الدليل على وجود العلَّة في الأصل، فإن هذا\nانتقال عنَ المقصود.\nجوابه:\nإن فعل المستدل هذا ليس انتقالًا إلى المقصود، بل هو في صميم\nالمقصود وإثباته؛ حيث - إنه إثبات لما هو من مقدمات القياس، ودفاع\nعن دليله.","vol":"5","page":2236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>المطلب الرابع كيفية الجواب عن قادح التركيب</span>\nهذا فيه التفصيل الآتي:\nأولًا: الجواب عن قادح التركيب في الأصل:\nإن المعترض هنا يمنع كون وصف المستدل عِلَّة لحكم الأصل.\nوإذا كان الأمر كذلك فإن المستدل يجيب بنفس الجواب عن منع\nكون الوصف علَّة الذي سبق في المبحث السادس من هذا الفصل،\nوذلك بذكر المسالك والأدلة الدالة على كون الوصف عِلَّة.\nثانيًا: الجواب عن قادح التركيب في الوصف:\nالمعترض هنا يمنع وجود العِلَّة في الأصل، وإذا كان الأمر كذلك:\nفإن المستدل يجيب بنفس الجَواب عن منع وجود العلَّة في الأصل\nالذي سبق في المبحث الثالث من هذا الفصل، وذلكَ بذكر الأدلة\nمن الشرع أو العقل أو الحس على وجود العِلَّة في الأصل.","vol":"5","page":2237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>المبحث العاشر في قادح فساد الوضع</span>\nويشتمل على مطلبين هما:\nالمطلب الأول: بيان المراد منه وأقسامه.\nالمطلب الثاني: كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>المطلب الأول بيان المراد من قادح فساد الوضع وأقسامه</span>\nالمراد منه: أن يبين المعترض أن قياس المستدل لم يكن على الهيئة\nالصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم، وأن يكون ما جعله المستدل عِلَّة\nللحكم مشعرًا بنقيض الحكم المرتب عليه.\nويبين هدا التعريف من ذكر أقسامه والأمثلة لكل قسم، فأقول:\nينقسم قادح فساد الوضع إلى قسمين:\nالقسم الأول: أن يكون الجامع في قياس المستدل قد ثبت اعتباره\nفي نقيض الحكم الذي رتبه عليه المستدل بنص أو إجماع.\nمثال الأول - وهو ما كان المعنى الجامع قد ثبت اعتباره بنص في\nنقيض الحكم -: قول المستدل: يجوز بيع الرطب بالتمر؛ لأن\nالنقص يحصل بجفاف الرطب، فلا يمنع هذا صحة البيع؛ قياسا\nعلى بيع التمر الحديث بالتمر القديم.\nفيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأن الشارع قد رتب\nعلى العلَّة التي ذكرتها حكمًا هو نقيض ما رتبته عليها في قياسك،\nوذلك بالنص، وهو: أنه سئل النبي - ﷺ - عن بيع الرطب بالتمر، فقال: \" أينقص الرطب إذا يبس؟ \" قالوا: نعم،\nقال: \" فلا إذن \".","vol":"5","page":2241},{"text":"فهنا جعل النقص بالجفاف عِلَّة لمنع البيع، وعدم جوازه، وما\nجعله الشارع عِلَّة للمنع لا يجوز أن يجعل عِلَّة للجواز.\nومثال الثاني - وهو: ما كان المعنى الجامع قد ثبت اعتباره\nبإجماع في نقيض الحكم - قول المستدل: مسح الرأس مسح،\nفاستحب تكراره؛ قياسا على الاستجمار بالحجر.\nفيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأن الإجماع قد\nرتب على هذه العِلَّة التي ذكرتها حكما هو نقيض ما رتبته عليها من\nحكم، وذلك في مسح الخف، حيث لا يستحب فيه التكرار\nإجماعا مع أنه مسح.\nالقسم الثاني: أن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما هو ضد\nلما يقتضيه ذلك المعنى، وهذا يفهم من مقتضى أصول الشريعة،\nومعرفة مقاصدها كأن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما خفيفا\nمع أن هذا المعنى يقتضي التثقيل والتغليظ، أو يرتب عليه حكما\nواسعًا وهو يقتضي التضيق.\nفمثال الأول - وهو: أن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما\nخفيفا مع أنه يقتضي التغليظ - قول المستدل: من أفطر في نهار\nرمضان عامدًا، فلا كفارة عليه؛ لأنه أفطر بما يصح وقوعه من\nالواحد، فلا تجب عليه الكفارة، قياسا على ما لو أفطر في السفر.\nفيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك علَّقت على\nالمعنى الجامع الذي يقتضي التشديد والتغليظ حكما خفيفا؛ وذلك\nلأن الإفطار في نهار رمضان عمدًا إثمه عظيم وشديد، فيناسب أن\nتوجب عليه الكفارة تشديدًا وتغليظا حتى لا يعود لمثلها، ولا يكون\nمقتضيًا للتخفيف بسقوط الكفارة.","vol":"5","page":2242},{"text":"ومثال الثاني - وهو: أن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما\nواسعا مع أنه يقتضي التضييق - قول المستدل: الزكاة وجبت على\nوجه الارتفاق لدفع حاجة الفقير، فكان أداؤها على التراخي؛ قياسا\nعلى وجوب الدية على العاقلة.\nفيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك رتبت على\nالمعنى الذي يقتضي التضييق حكما بالتوسيع؛ حيث إن دفع الحاجة\nيناسب المبادرة، لا التراخي.","vol":"5","page":2243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح فساد الوضع</span>\nلقد ذكرنا قسمين لقادح فساد الوضع، والجواب عن هذا القادح\nيختلف باختلاف القسمين السابقين، فأقول:\nأولًا: الجواب عن القسم الأول: أن يورد المستدل من الأجوبة\nعلى النص والإجماع كما لو كان الاستدلال بهما ابتداء، فيقول\nمثلًا: إن النص هذا منسوخا.\nويقول - أي: المستدل -: إني لا أرى الاستدلال بهذه الآية أو\nذاك الحديث من الوجه الذي أوردته أيها المعترض، كأن يستدل\nالمعترض بالمفهوم المخالف من الآية أو الحديث، وهو لا يرى\nالاحتجاج به، أو يقول المستدل: إن الآية التي أتيت بها أيها\nالمعترض لها قراءة أخرى غير ما قرأت بها، أو يعترض بأن هذا\nالحديث مرسل، والحديث المرسل غير حجَّة، أو أن في السند رجلا\nغير ثقة، أو نحو ذلك.\nويقول في الإجماع: إن الإجماع الذي استندت إليه إجماع\nسكوتي، وهو ليس بحُجَّة عندي، أو نحو ذلك.\nمثال ذلك: قول المستدل: سؤر السبع نجس؛ لأنه سؤر سبع\nذي ناب، فكان نجسا كسؤر الكلب والخنزير.\nفيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك رتبت على\nالعلة ضد ما علقه الشارع عليها في قول الرسول - ﷺ -: \"الهر سبع \"\nفجَعل الرسول - ﷺ - كونه سبعا عِلَّة للطهارة.","vol":"5","page":2244},{"text":"فيجيب المستدل بقوله: هذه الرواية التي ذكر فيها التعليل بالسبعية\nرواية ضعيفة هذا من جهة السند.\nوهي غير صحيحة من جهة المتن؛ لأن التعليل بكونه سبعا منقوض\nبالحكم بنجاسة سؤر الكلب فهو سبع، وقد حكم الشارع بنجاسة\nسؤره بقوله - ﷺ -:\n\"إذا ولغ الكلب في إتاء أحدكم فليغسله سبعا \".\nمثال جواب المستدل على اعتراض المعترض بالإجماع: ما سبق\nمن أنه يستحب تكرار مسح الرأس؛ قياسا على الاستجمار بالحجر،\nفيقول المعترض: قياسك فاسد الوضع؛ لأن الإجماع قد رتب على\nهذه العِلَّة التي ذكرتها حكما نقيض ما رتبته عليها من حكم، وذلك\nفي مسح الخف، حيث لا يستحب فيه التكرار إجماعا مع أنه مسح.\nفيجيب المستدل بقوله: لم أرتب على هذه العِلَّة إلا ما تقتضيه،\nوما رتبته من حكم هو مقتضى الوصف فيما ذكرت أيها المعترض،\nفيستحب التكرار في مسح الخف، إلا أنه وجد مانع من التكرار؛\nحيث إن تكرار مسح الخف يؤدي إلى تلفه.\nثانيا: الجواب عن القسم الثاني - وهو: أن يبين المستدل أنه ما\nرتب على العِلَّة إلا ما تقتضيه -.\nمثاله: قول المستدل: القتل عمدًا معنى يوجب القتل، فلا\nيوجب الكفارة؛ قياسا على الردة.\nفيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك قد رتبت على\nالعلَّة التي تقتضي التشديد حكما بالتخفيف؛ حيث إن عظم الجناية،\nوهي: القتل يقتضي تشديد الحكم، لا تخفيفه بعدم إيجاب الكفارة.\nفيجيب المستدل بقوله: لم أرتب على العِلَّة إلا ما اقتضته، لا\nضد ذلك؛ لأن تشديد وتغليظ عقوبة الجناية بإيجاب القصاص قد\nبلغ الغاية في العقوبة، فلا يغلظ فيه بوجه آخر بإيجاب الكفارة.","vol":"5","page":2245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>المبحث الحادي عشر في قادح فساد الاعتبار</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: كيفية الجواب عنه.\nالمطلب الثالث: الفرق بينه وبين فساد الوضع.","vol":"5","page":2247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>المطلب الأول بيان المراد من قادح فساد الاعتبار</span>\nالمراد منه: أن يبين المعترض: أن الحكم الذي دلَّ عليه قياس\nالمستدل مخالفا لدليل من الكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع.\nفالقياس إذا خالف نصا من كتاب أو سُنَّة، أو خالف إجماعا،\nفإن القياس لا يعتبر؛ لأمرين:\nأولهما: إجماع الصحابة - ﵃ - فقد كانوا يقولون\nبالقياس ويستدلون ويقرون به، ويستخرجون أحكام بعض الحوادث\nالمتجددة عن طريقه، ولكن بشرط: أن لا يكون الحكم الثابت عن\nطريق القياس مخالفا لكتاب، أو سُنَّة، أو إجماع.\nثانيهما: حديث معاذ السابق الذكر في حجية القياس؛ حيث\nجعل القياس في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسُّنَّة، فصوبه النبي - ﷺ -.\nوقد سمي هذا بفساد الاعتبار؛ لأن اعتبار القياس مع النص\nوالإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد للأمرين\nالسابقين.","vol":"5","page":2249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>المطلب الثاني كيفية الجواب عن هذا القادح</span>\nإذا استدل المستدل على حكم حادثة بالقياس، ثم اعترض عليه\nالمعترض بقوله: إن قياسك هذا فاسد الاعتبار - أي: لا يعتبر -\nحيث إنه مخالف لنص، أو إجماع، فإن المستدل يجيب عن ذلك\nبإيراد المناقشات التي ترد على الاستدلال بالكتاب، أو السُّنَّة، أو\nالإجماع ابتداء، وذلك بالتفصيل التالي:\nأولًا: إذا قال المعترض: إن قياسك أيها المستدل قد خالف نصا\nمن الكتاب، وهي: قوله تعالى كذا، فإن المستدل يورد المناقشات\nالتي ترد على الاستدلال بالكتاب كما لو كان الاستدلال بالكتاب\nمبتدأ، فيقول: مثلًا: إن الآية التي زعمت بانها تعارض قياسي\nمنسوخة.\nأو يقول: إن الآية التي أوردتها أيها المعترض لها قراءة أخرى\nتوافق قياسي.\nأو يقوم المستدل بتأويل الآية بأن يحملها على معنى غير ظاهر\nبدليل يقتضي هذا الحمل، أو يقول: إن الآية دلَّت بعموم قد\nخصص، وهو لا يرى الاستدلال بالعموم الذي خصص، أو يبين -\nأي المستدل - أن هذه الآية معارضة بآية أخرى هي كذا، فتعارضت\nالآيتان، فلم يتم الاستدلال بهما، وسلم القياس، وهكذا إلى آخر\nالاعتراضات والمناقشات التي يمكن أن توجه إلى الاستدلال بالكتاب.","vol":"5","page":2250},{"text":"مثال ذلك: قول المستدل: صوم رمضان مفروض، فاشترط له\nتبييت النية، قياسا ضلى صوم القضاء.\nفيقول المعترض اقياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه يخالف نصا\nمن القرآن، وهو قوله تعالى: (والصائمين والصائمات) إلى\nآخر الآية، فهنا قد - أطلق الصيام، فيكون صحيحا دون تبييت النية.\nفيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع كون الآية ظاهرة الدلالة على\nصحة الصوم دون تبييت النية، حيث إن الصيام فيها مطلق، ونحن\nقيدناه بقوله - ﷺ -: \" لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل \".\nثانيًا: إذا قال المعترض: إن قياسك هذا - أيها المستدل - قد\nخالف نصا من السُّنَّة، وهو قوله - ﷺ - كذا: فإن المستدل يورد المناقشات التي ترد على الاستدلال بالسُّنَّة، كما لو كان الاستدلال بالسُّنَّة ابتداء، فيورد عليه نفس المناقشات التي ذكرناها في الاستدلال بالكتاب، ويزيد على ذلك المناقشات والاعتراضات على السند بأن يقدح في عدالة أو حفظ راوي الحديث، أو أن يثبت أن راوي\nالحديث قد خالف ما رواه، أو أن الرواية قد اختلفت، أو يثبت أن\nهذا الحديث الذي ذكره المعترض معارض بحديث آخر فيتساقطان،\nويسلم قياسه، وهكذا إلى آخر الاعتراضات والمناقشات التي يمكن أن\nتوجه إلى الاستدلال بالسُّنَّة.\nمثال ذلك: قول المستدل: لا يجوز السلم في الحيوان؛ لأنه غير\nمنضبط، قياسًا على السلم في المختلطات.\nفيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه قد خالف\nحديثا ثابتا عن - ﷺ - وهو: \" أنه رخص في السلم \"، فلفظ \"السلم \" عام في جميع ما يمكن أن يكون فيه، وذلك لوجود \" أل \"","vol":"5","page":2251},{"text":"الاستغراقية المفيدة للعموم، فيكون السلم فردا من أفراد هذا العموم،\nفيجوز السلم فيه.\nفيجيب المستدل بقوله: إن هذا الحديث يحمل على ما سوى\nالحيوان مما يمكن ضبطه من المكيل والموزون، دلَّ على هذا الحمل\nقوله - ﷺ -: \"من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم \".\nثالثا: إذا قال المعترض: إن قياسك - أيها المستدل - قد خالف\nإجماعا: فإن المستدل يورد المناقشات والاعتراضات التي ترد على\nالاستدلال بالإجماع كما لو كان الاستدلال بالإجماع ابتداء، فيورد\nعليه بأن لا يسلم أن هذا مجمع عليه، أو أن الطريق الذي ثبت به\nهذا الإجماع مشكوك فيه، أو أن هذا الإجماع إجماع سكوتي،\nوالإجماع السكوتي ليس بحُجَّة عنده، أو غير ذلك.\nمثال ذلك: قول المستدل: أن الرجل لا يجوز له أن يُغسِّل زوجته\nالمتوفاة؛ لأن الصلة التي بينه وبينها قد انقطعت، فلا يجوز نظره\nإليها؛ قياسا على الأجنبية.\nفيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه قد خالف الإجماع،\nوهو: أن عليا ﵁ قد غَسَّل فاطمة الزهراء بعد وفاتها،\nولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعًا على جواز ذلك.\nفيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع صحة سند هذا الإجماع، فلم\nيصح هذا عن علي ﵁.\nأو يقول: لو سلمت أن هذا وقع من علي، فإني لا أسلم كونه قد\nاشتهر وسمع به كل الصحابة حتى يكون سكوتهم عن الإنكار إجماعا.\nأوِ يقول: إن هذا ثبت عن طريق الإجماع السكوتي، وهو ليس\nبحُجَّة عندي.","vol":"5","page":2252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>المطلب الثالث الفرق بين قادح فساد الاعتبار وقادح فساد الوضع</span>\nبعض العلماء كالشيرازي وغيره - يجعل فساد الوضع وفساد\nالاعتبار من باب ترادف الألفاظ، فيجعل أحدهما مغنيا عن الآخر.\nوهذا ليس بصحيح، بل بينهما فرق؛ لذلك جعلت لكل واحد\nله منهما مبحثا خاصا به، ووجه الفرق واضح من خلال حقيقة كل\nواحد منهما.\nوبيانه:\nأنه إذا كان القياس على هيئة غير صالحة لأخذ الحكم منه مع أنه لم\nيخالف نصا من كتاب أو سُنَّة، ولم يخالف إجماعا: فإن هذا يرد\nعليه قادح فساد الوضع.\nوإذا كان القياس على هيئة صالحة لأخذ الحكم منه مع أنه مخالف\nلنص من كتاب أو سُنَّة، أو لإجماع: فإن هذا يرد عليه قادح فساد\nالاعتبار.\nوقد يجتمعان بأن يكون القياس على هيئة غير صالحة لأخذ الحكم\nمنه مع أنه قد خالف نصا أو إجماعا، فإن هذا يرد عليه القادحان\nمعا.","vol":"5","page":2253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>المبحث الثاني عشر في قادح المعارضة في الأصل</span>\nويشتمل على مطالب هي:\nالمطلب الأول: بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: بيان أنواعه.\nالمطلب الثالث: بيان حجيته.\nالمطلب الرابع: بيان أن المعترض لا يحتاج إلى دليل يشهد لوصفه\nالذي اعترض به.\nالمطلب الخامس: بيان أنه على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي\nاعترض به عن الفرع.\nالمطلب السادس: بيان كيفية الجواب عن هذا القادح.","vol":"5","page":2255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>المطلب الأول بيان المراد من قادح المعارضة في الأصل</span>\nالمراد به: أن يبين المعترض معنى في الأصل الذي ذكره المستدل\nيرى أنه العِلَّة غير ما ذكره المستدل، أو أنه جزء العِلَّة.\nأي: أن المعارضة في الأصل هي: أن يذكر المعترض عِلَّة أخرى\nفي الأصل المقيس عليه غير العِلَّة التي علل بها المستدل، ويدعي\nالمعترض أن الحكم في الأصل نشأ بالعلَّة التي ذكرها لا بالعلَّة التي\nذكرها المستدل، وهذه العِلَّة التي ذكرهًا المعترض معدومة في الفرع.\nمثاله: قول المستدل الحنفي - في عدم وجوب تبييت النية في\nصوم الفرض -: إن صوم الفرض صوم عين فيؤدى بالنية قبل\nالزوال؛ قياسا على صوم النفل.\nفيقول المعترض: ليس المعنى في الأصل - وهو صوم النفل - هو\nما ذكرت، بل المعنى فيه: أن النفل مبني على السهولة والتخفيف،\nولهذا جاز أداؤه بنية متاخرة من الشروع، وهذه العِلَّة لا توجد في\nالفرع، وهو - صوم الفرض - وعليه فلا يجوز قياسه على صوم\nالنفل.","vol":"5","page":2257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>المطلب الثاني بيان أنواع المعارضة في الأصل</span>\nقادح المعارضة في الأصل يتنوع من حيث استقلال العِلَّة التي يبديها\nالمعترض وعدم استقلالها إلى ثلاثة أنواع.\nالنوع الأول: أن يكون ما أبداه المعترض مستقلًا بالتعليل.\nمثاله: قول المستدل: لا يجوز بيع الفواكه متفاضلًا؛ قياسًا على\nالبر بجامع كونهما طعاما.\nفيقول المعترض: ليست العِلَّة فى الأصل كونه مطعوما، وإنما\nالعلَّة هي: كونه مدخرًا، وهذه العلة لا توجد في الفرع الذي هو\nالفَواكه؛ حيث إنها لا تدخر، وعليه: فلا يجوز قياس الفواكه على\nالبر.\nالنوع الثاني: أن يكون ما أبداه المعترض جزءا من العِلَّة.\nمثاله: قول المستدل: يجب القصاص على من قتل بالمثقل؛\nقياسا على من قتل بالمحدد، والعِلَّة الجامعة بينهما: القتل العمد\nالعدوان.\nفيقول المعترض: ليست العِلَّة في الأصل هي ما ذكرت، فقط،\nبل لا بد أن تزاد جزءًا وهو لفظ: \" بجارح \"، فتكون العِلَّة كاملة\nهي: القتل العمد العدوان بجارح، وهذه لا توجد فيَ الفرع،\nوهو القتل بالمثقل، وعليه: فلا يقاس على القتل بالمحدد.","vol":"5","page":2258},{"text":"النوع الثالث: أن يكون ما أبداه المعترض تقييدًا لعِلة المستدل\nالمطلقة.\nمثاله: قول المستدل: الذي يتحول من اليهودية إلى النصرانية،\nأو العكس فإنه يُقتل؛ لأنه بدَّل دينه، قياسا على المرتد.\nفيقول المعترض: ليست العِلَّة في الأصل على إطلاقها، بل إنا\nقلنا: إن المرتد يُقتل استدلالًا بقوله - ﷺ -:\n\"من بدَّل دينه فاقتلوه \"؛ حيث إنه خاص بتبديل الإسلام بالكفر فقط، وليست العِلَّة هي مطلق التبديل.","vol":"5","page":2259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>المطلب الثالث في حجية قادح المعارضة في الأصل</span>\nهذا القادح حُجَّة، فللمعترض إيراد المعارضة في الأصل على\nالتعريف السابق، وهذا هو مذهب جمهور العلماء وهو الحق؛\nلدليلين:\nالدليل الأول: أنه يحتمل أن يكون الوصف الذي ذكره المستدل\nعلة لحكم الأصل استقلالأ، ويحتمل أن يكون الوصف الذي ذكره\nالمعترض هو علَّة حكم الأصل استقلالًا، أو جزءا من العِلَّة،\nوالاحتمالان متسَاويان؛ حيث إن الوصفين متساوس في اقتضاء الحكم\nفترجيح أحدهما دون الآخر تحكم، وينتج من ذلك: أنه يجوز\nللمعترض إيراد المعارضة في الأصل، فإن استطاع المسمتذل الجواب\nعنه، وإلا يقدح هذا القادح القياس ويبطله.\nاعتراض:\nقال قائل - معترضا -: لا أسلم المساواة بين وصف المستدل\nوالوصف الذي أبداه المعترض، بل إن وصف المستدل يرجح على\nوصف المعترض؛ لأن اعتبار وصف المستدل يؤدي إلى توسيع دائرة\nالأحكام؛ لأنه يعدي الحكم إلى الفرع، وبخلاف وصف المعترض\n- الذي لا يوجد في الفرع - فإنه لا يعدي الحكم إلى الفرع.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:","vol":"5","page":2260},{"text":"الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ هذا الوجه الذي ذكرته لترجيح وصف\nالمستدل أن يكون عِلَّة - وهو توسيع دائرة الأحكام - لأمرين:\nأولهما: أن هذا ليس مسلكا لإثبات كون الوصف عِلَّة.\nثانيهما: أن هذا الاستدلال يؤدي إلى الدور؛ حيث يتوقف كونه\nعِلة على توسيع الأحكام، وتوسيع الأحكام يتوقف على كونه عِلَّة.\nالجواب الثاني: على فرض صحة هذا الوجه الذي ذكرته من وجه\nالترجيح، إلا أنه معارض بما يدل على ترجيح وصف المعترض،\nفالمعترض أيضا مجتهد قد أبدى لنا وصفا اعتبره هو عِلَّة الحكم، فإذا\nاعتبرنا وصف المستدل، ولم نقبل وصف المعترض، فقد تحكمنا\nوأثبتنا الحكم في الفرع، وإثبات حكم الفرع خلاف الأصل؛ لأن\nالأصل عدم الحكم في الفرع.\nالدليل الثاني: أن المستدل قد التزم بإيراد وصف يصح التعليل به،\nومن ضرورة صحة التعليل بأي وصف سلامته مما يعارضه، أي: من\nشروط الوصف الذي يصلح للتعليل به أن لا يعارضه شيء من\nالأوصاف الأخرى كما سبق بيانه في المطلب التاسع عشر من المبحث\nالثالث من الفصل الثالث.","vol":"5","page":2261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>المطلب الرابع بيان أن المعترض لا يحتاج إلى دليل يشهد لوصفه\nالذي اعترض به</span>\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن حاصل المعارضة\nهو نفي ثبوت الحكم في الفرع بالعِلَّة التي ذكرها المستدل، ويكفي\nالمعترض في تحقيق هذا النفي أن يثبت أن جملَّة المستدل غير مستقلة،\nولا يحتاج المعترض في إثبات أن ما أبداه من الوصف مستقل\nبالتعليل؛ لأن إثبات كون ما أبداه جزء العِلَّة يحقق المطلوب، فما\nأبداه المعترض قد لا يكون عِلَّة بل جزء منَ العلَّة - وحينئذ فهو لا\nيؤثر - من حيث هو - في أصَل، حتى يقال يحتاج إلى أصل ودليل\nيشهد له.","vol":"5","page":2262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>المطلب الخامس بيان أنه على المعترض بيان انتفاء الوصف\nالذي اعترض به عن الفرع</span>\nوهو مذهب الباجي، وبعض العلماء، وهو الحق؛ لأن مقصود\nالمعترض بإيراده للوصف الذي اعترض به على وصف المستدل هو:\nبيان الفرق بين الأصل والفرع، ولا يتم هذا المقصود إلا بنفي ما أبداه\nمن الوصف عن الفرع؛ لأنه لا يتم مقصوده إلا بذلك، فوجب\nعليه، من باب ما لا يتم الواجب إلا به.\nوقد ذكرت عددًا من الأمثلة على ذلك فيما سبق.","vol":"5","page":2263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>المطلب السادس بيان كيفية الجواب عن قادح المعارضة في الأصل</span>\nإذا أراد المستدل أن يجيب عن اعتراض المعترض بهذا القادح، فإنه\nيجيب بأحد الطرق التالية:\nالطريق الأول: أن يمنع المستدل وجود الوصف الذي أورده\nالمعترض في الأصل.\nمثاله: قول المستدل في وجوب القصاص من القاتل بالمثقل قياسا\nعلى القاتل بالمحدد بجامع: القتل العمد العدوان.\nفيقول المعترض: ليست العِلَّة كما ذكرت، بل هي: القتل العمد\nالعدوان بجارح.\nفيجيب المستدل: أنا أمنع كون وصف \" جارح \" يضاف إلى العِلَّة\nوهي: القتل العمد العدوان؛ حيث إن العبرة بإزهاق الروح عن\nطريق العمد العدوان.\nالطريق الثاني: أن يبين المستدل أن الوصف الذي أبداه المعترض\nملغى.\nمثاله: قول المستدل: لا يجوز بيع الأرز بالأرز متفاضلًا؛ قياسا\nعلى البر بجامع الطعم.\nفيقول المعترض: ليست العلَّة كما ذكرت، ولكن العلَّة في\nالأصل هي: كونه مطعوما، وكون لونه يميل للحمرة.","vol":"5","page":2264},{"text":"فيجيب المستدل بقوله: إن وصف الحمرة ملغى شرعا؛ لأنه وصف\nطردي لا يؤثر في الأحكام.\nالطريق الثالث: أن يبين المستدل أن ما ذكره قد استقل بالتعليل\nبظاهر نص أو إجماع، دون ما أبداه المعترض.\nمثال ذلك: قول المستدل: الأرز مطعوم، فيجري فيه الربا؛\nقياسا على البر.\nفيقول المعترض: العِلَّة عندي هي: كونه مكيلًا.\nفيجيب المستدل بقوله: إن هناك نصا قد دزَ على اعتبار التعليل\nبالطعم، وهو قوله - ﷺ -:\n\"الطعام بالطعام مثلًا بمثل \".\nالطريق الرابع: أن يبين المستدل استقلال وصفه بالتعليل، وذلك\nبإثبات الحكم في صورة دون وصف المعترض.\nمثاله: قول المستدل: إذا أمَّن العبد الحربي فإنه يجوز؛ لأنه أمان\nمن مسلم عاقل، فجاز قياسا على الحر.\nفيقول المعترض: العلَّة في الاصل عندي هي: الإسلام،\nوالعقل، والحرية؛ لأن الحرية تمكنه من إظهار مصالح الأمان أكمل.\nفيجيب المستدل بقوله: إن ما ذكرته من الإسلام والعقل مستقل\nبالتعليل، وذلك في صورة العبد الذي أذن له العبد في أن يقاتل،\nفيكون - على هذا - وصف الحرية ملغى.","vol":"5","page":2265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>المبحث الثالث عشر في قادح المعارضة في الفرع</span>\nويشتمل على مطالب هي كما يلي:\nالمطلب الأول: في بيان المراد منه وأقسامه.\nالمطلب الثاني: في بيان حجيته.\nالمطلب الثالث: في بيان كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>المطلب الأول في بيان المراد منه، وبيان أقسامه</span>\nالمراد من قادح المعارضة في الفرع: أن يُبين المعترض في الفرع ما\nيقتضي نقيض حكم المستدل في الفرع إما بنص، أو إجماع، أو\nبوجود وصف مانع للحكم، أو بفوات شرط للحكم.\nأقسام هذا القادح:\nلقد تبين من التعريف أن هذا القادح ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: معارضة قياس المستدل بالنص أو الإجماع.\nفيذكر المعترض دليلًا آكد من قياس المستدل من نص أو إجماع يدل\nعلى خلاف ما دلَّ عليه قياسه، فيتبين بذلك أن ما ذكره المستدل فاسد\nالاعتبار؛ نظرًا لمخالفة قياسه للنص أو الإجماع، وهذا مذكور في\nقادح فساد الاعتبار، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في المبحث الحادي\nعشر من هذا الفصل.\nالقسم الثاني: معارضة قياس المستدل بالوصف.\nومعناه: أن يقول المعترض: ما ذكرته أيها المستدل من الوصف\nوإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع إلا أن عندي وصفا آخر يقتضي\nنقيض الحكم الذي تريد إثباته.\nوهذا هو المراد من قادح المعارضة في الفرع.","vol":"5","page":2269},{"text":"وينبغي أن تتنبه إلى أن هذا الوصف الذي أبداه المعترض يحتاج إلى\nأصل يرد إليه، ويحتاج إلى أن يكون ثابتا، ولا بد أن يكون ثبوته\nبمسلك من المسالك المثبتة لعلية الوصف، ولا يشترط أن يكون\nبالمسلك الذي أثبت به المستدل علية وصفه.\nفالمعترض - في هذا - كالمستدل في كيفية إثباته لعلية الوصف،\nفكما أن المستدل يحتاج لإثبات علية وصفه، فكذلك المعترض.\nمثاله: قول المستدل: الوضوء طهارة عن حدث، فافتقرت إلى\nالنية؛ قياسًا على التيمم.\nفيقول المعترض: الوضوء طهارة بالماء، فلم تفتقر إلى النية؛\nقياسًا على إزالة النجاسة.\nفهنا المستدل قد استند إلى \" أصل \"، و\" عِلَّة \":\nفالأصل هو: التيمم، والعِلَّة هي: الطهارة من الحدث.\nوهو يرى: أن هذه العلَّة يشترك فيها الفرع - الذي هو الوضوء -\nوالأصل - الذي هو التيمم -، فيثبت في الفرع الحكم الثابت في\nالأصل وهو: وجوب النية.\nأما المعترض هنا فهو لم يسلم بهذا القياس، فأبدى في الفرع\nوصفًا آخر قد استند فيه إلى أصل آخر، وهذا الوصف هو: كونه\nطهارة بالماء، والأصل هو: إزالة النجاسة.\nوهذا الوصف الذي أبداه المعترض قد عارض به ثبوت حكم\nالمستدل في الفرع: فيقتضي وصف المعترض في الفرع عدم وجوب\nالنية، ويقتضي وصف المستدل وجوب النية، إذن اقتضى وصف\nالمعترض في الفرع ضد ما اقتضاه وصف المستدل. \"","vol":"5","page":2270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>المطلب الثاني بيان حجيته</span>\nقادح المعارضة في الفرع حُجَّة كقادح المعارضة في الأصل.\nأي: أن للمعترض إيراد المعارضة في الفرع - هو رأي جمهور\nالعلماء - وهو الحق؛ لأن مقصود المستدل إثبات حكم الأصل في\nالفرع بواسطة العلَّة المشتركة بينهما، وهذا المقصود لا يمكن أن يتم\nإلا إذا غلب على الظن عدم وجود المعارض لتلك العلَّة؛ حيث إنا\nقد بينا في المطلب التاسع عشر من المبحث الثالث من الفصل\nالثالث: أنه يشترط في العِلَّة عدم وجود ما يعارضها.","vol":"5","page":2271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>المطلب الثالث في بيان كيفية الجواب عن قادح المعارضة في الفرع</span>\nالمستدل يجيب عما أورده المعترض في المعارضة في الفرع بما يرد\nعلى المستدل من اعتراضات ابتداء.\nفيقول المستدل - مثلًا -: إن قياسك الذي عارضتني به فاسد\nالوضع، أو فاسد الاعتبار، أو علتك التي استندت إليها منقوضة،\nأو غير مؤثرة، أو الحكم في الأصل ممنوع، أو إلى آخر تلك\nالأجوبة التي ترد على المستدل ابتداء قدحا في قياسه.\nتنبيه: بعض العلماء ذكر بعد ذلك قادح الفرق وتكلم عنه على أنه\nقادح منفرد.\nوالحق: أنه لا يخرج عن قادح المعارضة في الأصل أو في الفرع\nلذلك ترك ذكره كثير من العلماء.\nوالجواب عنه لا يخرج عما ذكرناه في جواب المعارضة في الأصل\nوالفرع.","vol":"5","page":2272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>المبحث الرابع عشر في قادح عدم التأثير</span>\nويشتمل على ما يلي من المطالب:\nالمطلب الأول: بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: بيان أن هذا القادح خاص بقياس المعنى إذا كانت\nعلته مستنبطة.\nالمطلب الثالث: أقسامه.\nالمطلب الرابع: كيفية الجواب عنه.\nالمطلب الخامس: بيان سبب إفراد هذا القادح في هذا المبحث.","vol":"5","page":2273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>المطلب الأول بيان المراد من قادح عدم التأثير</span>\nالمراد منه: أن يبين المعترض أن الوصف الذي ذكره المستدل لا مناسبة\nفيه للحكم، ولا أثر له فيه فيبقى الحكم بدون ذلك الوصف.\nأي: أن تأثير العلَّة في الحكم معناه: انتفاء الحكم عند انتفاء\nالوصف في نفس المحل الذي ثبتت علية الوصف فيه، فيكون على\nهذا معنى عدم التأثير: وجود الحكم بدون الوصف في المحل الذي\nثبتت عليته فيه.\nمثاله: قول المستدل: الغائب مبيع غير مرئي فلا يصح بيعه\nكالطير في الهواء.\nفهنا: جعل المستدل العِلَّة في عدم صحة بيع الطير في الهواء:\nكونه غير مرئي ليلحق الغائب به في هذه العِلَّة.\nفيقول المعترض: هذه العلَّة لا تأثير لها في الأصل المقاس عليه،\n- وهو الطير -؛ لأن عدمَ الصحة يوجد في الطير ولو كان مرئيا؛\nحيث إنه معلوم أن الطير في الهواء لا يجوز بيعه، سواء كان مرئيا\nأو غير مرئي؛ لعدم القدرة على تسليمه، إذن يكون الوصف الذي\nذكره المستدل غير مؤثر في الحكم؛ لوجود الحكم بدونه.","vol":"5","page":2275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>المطلب الثاني بيان أن هذا القادح خاص بقياس المعنى\nإذا كانت علته مستنبطة</span>\nلقد اتضح من تعريف قادح عدم التأثير: أن معناه: أن الوصف\nلا مناسبة فيه للحكم، وهذا يجعل هذا القادح مختصا بقياس المعنى\nوهو: ما ثبتت فيه علية الوصف المشترك بين الأصل والفرع بالمناسبة؛\nحيث إنه هو الذي يشتمل على المناسب.\nأما غيره كقياس الشبه، فلا يتصور معه قادح عدم التأثير؛ لأن\nالمستدل بقياس الشبه لم يقيم قياسه فيه على المناسبة، فلا يمكن أن\nيرد عليه هذا القادح.\nكذلك هذا القادح خاص بالعلَّة المستنبطة الاجتهادية المختلف فيها،\nفلا يتصوَّر في العلَّة المنصوصة، ولا المستنبطة المجمع عليها، وذلك\nلأن كلًّا من المنصوصة والمجمع عليها لا بدَّ فيهما من المناسبة؛ صونا\nللنص والإجماع عن الخطأ، ومن هنا لا يصح أن يرد عليهما هذا\nالقادح، وهو عدم التأثير.\nأما المستنبطة فنظرًا لكونها واردة من المجتهد، ومن فعله واستنباطه\nفإنه يرد عليها هذا القادح، وهو عدم تأثيرها.","vol":"5","page":2276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>المطلب الثالث أقسام عدم التأثير</span>\nينقسم هذا القادح إلى أربعة أقسام:\nالقسم الأول: عدم التأثير في الوصف.\nالقسم الثاني: عدم التأثير في الأصل.\nالقسم الثالث: عدم التأثير في الحكم.\nالقسم الرابع: عدم التأثير في الفرع.\nأما القسم الأول - وهو: عدم التأثير في الوصف - فهو: أن\nيبين المعترض أن الوصف الذي أورده المستدل في قياسه طرديا، لا\nمناسبة فيه، ولا شبه.\nمثاله: قول المستدل: صلاة الصبح صلاة لا تقصر، فلا يقدم\nآذانها قبل وقتها، قياسا على صلاة المغرب.\nفيقول المعترض: إن الوصف الذي عللت به - وهو عدم القصر -\nإنما هو تعليل بوصف طردي لا مناسبة فيه لعدم التقديم بدليل: أن\nعدم التقديم للآذان موجود حتى في الصلاة التي تقصر.\nأما القسم الثاني - وهو: عدم التأثير في الأصل - فهو: أن يُبين\nالمعترض أن الوصف الذي علل به المستدل في الأصل الذي قاس عليه\nمستغنى \"عنه، ويذكر - أي: المعترض - وصفا آخر فيه مستقلًا\nبإثبات الحكم.","vol":"5","page":2277},{"text":"مثاله: قول المستدل: المبيع الغائب مبيع لم يره العاقد، فلا يجوز\nبيعه؛ قياسا على الطير في الهواء.\nفيقول المعترض: إن ما ذكرته من الوصف - وهو: عدم الرؤية -\nوإن كان مناسبًا لنفي الصحة، إلا أنه يغني عنه وصف عدم القدرة\nعلى التسليم، فيكون ما ذكرته وصفا غير مؤثر في حكم هذا\nالأصل؛ نظرًا لوجود وصف آخر يغني عنه؛ حيث إن المؤثر في\nالحكم هو وصف القدرة على التسليم، وعلى هذا: فإنه لو حصلت\nالرؤية ولم تتحقق القدرة على التسليم، فإن البيع لا يصح.\nأما القسم الثالث - وهو: عدم التأثير في الحكم - فهو: أن يُبين\nالمعترض أن المستدل قد ذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في الحكم\nالمعلل، أو تقول: معناه: أن تكون العِلَّة مشتملة على وصف\nمستغنى عنه في إثبات الحكم؛ حيث إن الحكم يثبت بدونه.\nمثاله: قول المستدل: صلاة الجمعة صلاة مفروضة، فلا تفتقر\nإلى إذن الإمام لإقامتها؛ قياسا على غيرها من الصلوات المفروضة.\nفيقول المعترض: إن وصف \" مفروضة \" الوارد في قياسك لا\nتأثير له في حكم الأصل، فلا حاجة إليه؛ حيث إنه لو حذف،\nفإن العِلَّة لا تنتقض؛ لأن الفرض والنفل في هذا سواء في أن كلًا\nمنهما لا يحتاج إلى إذن الإمام.\nمثال آخر: قول المستدل: المرتد ترك الصلاة بمعصية فقضاؤها\nيجب عليه؛ قياسا على السكران.\nفيقول المعترض: إن الوصف الذي ذكرته - وهو: المعصية - لا\nتأثير له في إثبات حكم الأصل؛ حيث إن السكران يجب عليه قضاء","vol":"5","page":2278},{"text":"الصلاة، وإن لم يكن عاصيا بسكره؛ كما لو شرب الخمر مكرها،\nأو شربه لإزالة لقمة قد غص بها.\nأما القسم الرابع - وهو: عدم التأثير في الفرع - فهو: أن يُبين\nالمعترض أن المستدل قد ذكر وصفا وإن كان مناسبا، إلا أنه لا يوجد\nفي جميع صور الفرع.\nمثاله: قول المستدل: المرأة التي تولت عقد نكاحها زوجت نفسها\nبغير إذن وليها وبغير كفء، فلم يصح نكاحها؛ قياسًا على ما لو\nزوجها وليها بغير كفء.\nفيقول المعترض: إن الوصف الذي ذكرته وهو: وصف الزواج\nبغير كفء وإن كان مناسبا لعدم صحة النكاح، إلا أنه لا يوجد في\nجميع صور الفرع وهو: تزويج المرأة انفسها مطلقا بكفء وبغير\nكفء.\nأي: أن كون الزواج من غير كفء لا أثر له؛ لأن النزاع واقع\nفيما إذا زوجت نفسها مطلقا: من الكفء أو من غير الكفء،\nوحكمهما سواء فلا أثر له.","vol":"5","page":2279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>المطلب الرابع كيفية الجواب عن قادح عدم التأثير</span>\nلقد قلنا: إن قادح عدم التأثير ينقسم إلى أربعة أقسام وهي:\nعدم التأثير في الوصف.\nعدم التأثير في الأصل.\nعدم التأثير في الحكم.\nعدم التأثير في الفرع.\nولكل قسم جواب، ولبيان ذلك لا بد من التفصيل الآتي:\nأولًا: قد تبين أن عدم التأثير في الوصف - وهو القسم الأول -\nمعناه: كون الوصف لا مناسبة فيه، ولا شبه، فيكون طرديا، وهو\nبهذا التفسير راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة الذي فصلنا\nالكلام عنه في المبحث السادس من هذا الفصل، فيكون - على\nهذا - الجواب عنه مثل الجواب عن قادح منع كون الوصف علَّة،\nفارجع إليه.\nثانيًا: قد تبين أن عدم التأثير في الأصل - وهو القسم الثاني -\nمعناه: كون الوصف الذي ذكره المستدل في الأصل مستغنى عنه\nبالوصف الذي أظهره المعترض، وهو بهذا التفسير راجع إلى قادح\nالمعارضة في الأصل بمعنى آخر؛ وذلك لأن المستدل يذكر وصفا،\nوالمعترض يذكر وصفا آخر، وقد فصلنا الكلام عن ذلك في المبحث","vol":"5","page":2280},{"text":"الثاني عشر من هذا الفصل، وعلى هذا يكون الجواب عن هذا\nالقسم هو نفس الجواب عن قادح المعارضة في الأصل.\nثالثًا: قد تبين أن عدم التأثير في الحكم - وهو القسم الثالث -\nمعناه: أن يذكر المستدل وصفة لا تأثير له في الحكم، وهو بهذا\nالتفسير راجع إلى القسم الأول - وهو: كون الوصف لا تأثير له\nوهو الطردي، وإذا كان راجعا إلى القسم الأول، والقسم الأول\n- كما قلنا - راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة، فيكون - على\nهذا - جوابه نفس جواب قادح منع كون الوصف عِلَّة.\nرابعا: قد تبين أن عدم التأثير في الفرع - وهو القسم الرابع -\nمعناه: اشتمال عِلَّة المستدل على وصف مقيد بصورة من محل\nالخلاف، بحيث لا تطرد العِلَّة معه في جميع صور محل الخلاف،\nوهو بهذا التفسير راجع إلى القسم الثالث - وهو عدم تأثير الوصف\nفي الحكم -، وذلك لأن الوصف الذي ورد مقيدًا بصورة جعل\nالعِلة لا تطرد معه في جميع صور الفرع، فكان الوصف مع وجوده\nغير مؤثر في الحكم في جميع صور الفرع، وإذا كان راجعا إلى\nالقسم الثالث، والقسم الثالث راجع - كما قلنا - إلى القسم\nالأول، والقسم الأول راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة: فيكون\n- على هذا - الجواب عن هذا القسم هو نفس الجواب عن قادح منع\nكون الوصف عِلَّة المذكور بالتفصيل في المبحث السادس من - هذا\nالفصل.\nوإليك مثالًا على طريقة الجواب عن هذا القادح وهو: قول\nالمستدل: المرأة المرتدة كفرت بعد إسنلام، فتستحق القتل قياسا على\nالرجل.","vol":"5","page":2281},{"text":"فيقول المعترض: قولك: \" كفرت بعد إسلام \" وصف لا تأئير له\nفي حكم الأصل وهو الرجل؛ لأن الرجل يقتل بالكفر وإن كان\nأصليًا.\nفيجيب المستدل بقوله: إن الوصف الذي ذكرته قد ثبت تأثيره\nبالنص، وهو قوله - ﷺ -:\n\" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:\nرجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغيرحق \".","vol":"5","page":2282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>المطلب الخامس بيان سبب إفراد هذا القادح في هذا المبحث</span>\nلو دققت النظر لوجدت أن الأقسام الأربعة قد انحصرت في\nقسمين فقط وهما:\nالقسم الأول: عدم التأثير في الوصف.\nالقسم الثاني: عدم التأثير في الأصل.\nأما القسم الأول: فهو راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة.\nوأما القسم الثاني: فهو راجع إلى قادح المعارضة في الأصل.\nفإذا كان الأمر كذلك، فما سبب إفراده بهذا المبحث؟\nأقول: إن سبب ذلك هو كثرة استعمال العلماء له على هذا\nالمصطلح في مناظراتهم ومجادلاتهم، ومناقشاتهم، ومحاوراتهم في\nالفروع، حيث إنهم كثيرًا ما يرددون قولهم: \" إن عدم التأثير\nموجب لفساد العِلَّة \".","vol":"5","page":2283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>المبحث الخامس عشر في قادح الكسر</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: بيان حجيته.\nالمطلب الثالث: بيان كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>المطلب الأول بيان المراد من قادح الكسر</span>\nالمراد منه: أن يُبين المعترض عدم تأثير أحد وصفي العِلَّة ونقض\nالوصف الآخر.\nومعناه؛ أن العِلَّة تكون مركبة من وصفين:\nأحدهما: لا تأثير له، أي: يوجد الحكم بدونه.\nالثاني: أنه منقوض، أي: يوجد، والحكم يتخلف عنه.\nفالكسر - على هذا - مركب من قادحين قد سبق الكلام عنهما،\nهما:\n١ - قادح النقض الذي سبق الكلام عنه في المطلب الثامن من\nهذا الفصل.\n٢ - قادح عدم التأثير الذي سبق الكلام عنه في المطلب الرابع\nعشر من هذا الفصل.\nمثاله: قول المستدل: لا يجوز بيع الغائب؛ لأنه مبيع مجهول\nالصفة عند العاقد حال العقد، فلم يصح؛ قياسًا على ما لو قال:\nبعتك ثوبا.\nفيقول المعترض: هذا القياس منكر بما لو عقد على امرأة لم يرها؛\nفإنها مجهولة الصفة عند العاقد حال العقد، ومع ذلك صح العقد.","vol":"5","page":2287},{"text":"فالعِلة في هذا القياس مركبة من وصفين هما: \" كونه مبيعا \"،\nو\" كونه مجهول الصفة \".\nوالمعترض لم يعتبر الوصف الأول - وهو: كونه مبيعا -؛ لأنه\nلا تأثير له عنده؛ حيث إن المرهون والمستأجر كالمبيع.\nأما الوصف الثاني - وهو: كونه مجهول الصفة - قد نقضه\nالمعترض بقوله: ليس كل مجهول الصفة لا يصح العقد عليه؛ حيث\nإنه يصح العقد على امرأة لم يرها.","vol":"5","page":2288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>المطلب الثاني بيان حجية قادح الكسر</span>\nهذا القادح حُجَّة، أي: للمعترض أن يوجه هذا القادح إلى عِلَّة\nالمستدل المتكونة من أوصاف، وهو مذهب البيضاوي، وأبي إسحاق\nالشيرازي، وأبي الوليد الباجي، وتاج الدين ابن السبكي،\nوالإسنوي، وفخر الدين الرازي، وهو الحق عندي؛ لأن العِلَّة إما\nأن تكون مجموع أوصاف، وإما أن تكون بعضا منها.\nأما كونها مجموع الأوصاف فباطل؛ لأن المعترض قد بين أن أحد\nهذه الأوصاف لا أثر له.\nفلم يبق إلا الاحتمال الثاني وهو كون بعض الأوصاف هو العلَّة،\nوالمعترض - في هذا القادح - قد أورد على الوصف الباقي النقض،\nفيكون باطلًا.\nاعتراض:\nقال قائل - معترضًا -: إن هذا القادح وهو الكسر يؤول في نهاية\nالأمر إلى النقض، فلا داعي لذكره منفردًا.\nجوابه: إنه يوجد فرق بينهما، والفرق من وجهين:\nالوجه الأول: أن الكسر وإن آل إلى النقض - وهو نقض ما ثبت\nأنه عِلَّة - إلا أنا لم نتوصل إلى ذلك إلا بعد أن سبقه مرحلة وهي:\nبيان عدم تأثير أحد الوصفين.\nالوجه الثاني: أن الكسر - كما اتضح من حقيقته - لا يكون إلا\nفي العِلَّة المركبة من وصفين أو أكثر.","vol":"5","page":2289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>المطلب الثالث في بيان كيفية الجواب عن قادح الكسر</span>\nيجيب المستدل عن هذا القادح بأحد طريقين هما:\nالطريق الأول: أن يبين المستدل أن ما أسقطه المعترض وصف مؤثر\nبدليل يقيمه على ذلك، أو أن يبين أن هذا الوصف هو مؤثر عنده\nفقط، بيان ذلك:\nإن أسقط المعترض وصفا مؤثرأ، فإن المستدل له أن يبين أن ما\nأسقطه من الوصف هو مؤثر بأن يقيم الدليل على كونه مؤثرا.\nمثاله: قول المستدل: إن كل ما تحقق فيه الطعم مطعوم جنس،\nفلا يجوز التفاضل في بيعه؛ قياسا على البر.\nفيقول المعترض: وصف الطعم الذي ذكرته منقوض ببيع الحنطة\nبالشعير فهما مطعومان، ولا يحرم التفاضل بينهما.\nفيجيب المستدل بقوله: إن الوصف الذي أسقطته وهو: \"الجنس \"\nهو وصف مؤثر قد ثبت ذلك بالدليل، وهو قوله - ﷺ -: \" فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد \"،\nوما دل عليه الدليل الشرعي الصحيح، فلا يجوز إسقاطه.\nوإن أسقط المعترض وصفا قد اختلف في تأثيره، فإن المستدل له\nأن يبين أن ما أسقطه المعترض هو مؤثر عنده، وإن لم يكن مؤثرا\nعند المعترض.","vol":"5","page":2290},{"text":"الطريق الثاني: أن يبين المستدل فرقا بين ما ذكره هو وبين ما أورده\nالمعترض في صورة الكسر.\nمثاله: ما سبق وهو: قياس المستدل بيع الغائب على ما لو قال:\nبعتك ثوبا.\nفقال المعترض؛ هذا منكسر بما إذا عقد على امرأة لم يرها.\nفيجيب المستدل بقوله: إن هناك فرقا بين ما أوردته من العلَّة، وما\nأوردته - أيها المعترض -، فالنكاح ليس كالبيع في الجهالة؛ لأن\nللجهالة في التأثير في عقد البيع ما ليس لها في عقد النكاح؛ حيث\nيثبت الخيار بعد الرؤية في عقد البيع، ولا يثبت في عقد النكاح.","vol":"5","page":2291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>المبحث السادس عشر في قادح القلب</span>\nويشتمل على مطالب هي:\nالمطلب الأول في بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: في بيان حجيته، وأنه من باب المعارضة، وليس من\nباب الإفساد.\nالمطلب الثالث: في بيان أنواعه.\nالمطلب الرابع: في بيان كيفية الجواب عنه.","vol":"5","page":2293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>المطلب الأول المراد من قادح القلب</span>\nالمراد منه: أن يبين المعترض حكما مخالفا لحكم المستدل بعِلَّة\nالمستدل وأصل المستدل.\nمثاله: قول المستدل: إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة،\nفلا تجوز إزالتها بغير الماء؛ قياسا على طهارة الحدث.\nفيقول المعترض: إزالة النجاسة: طهارة تراد لأجل الصلاة،\nفيجوز إزالتها بغير الماء؛ قياسا على طهارة الحدث.\nفهنا قد اتفق المستدل والمعترض في العلَّة والأصل - كما تلاحظ -\nولكن المستدل أورد قياسه لإثبات عدم جَواز إزالة النجاسة بغير الماء.\nأما المعترض فقد قلب على المستدل استدلاله، وقد استند إلى علَّة\nالمستدل وأصله؛ حيث أثبت بواسطتهما حكما في الفرع مخالفا\nللحكم الذي أثبته المستدل.","vol":"5","page":2295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>المطلب الثاني في بيان حجيته، وأنه معارضة</span>\nقادح القلب حُجَّة، أي: قادح في العِلَّة، وهو مذهب كثير من\nالعلماء، منهم الباقلاني، والآمدى، وفخر الدين الرازي، وإمام\nالحرمين، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو يعلى، وتلميذاه: أبو\nالخطاب، وابن عقيل، والدبوسى، والسرخسي، والقرافي،\nوالباجي، وغيرهم، وهو الحق؛ قياسا على الاستدلال بالنص\nالشرعي، فكما أن النص الشرعي يستعمله المستدل للاستدلال به\nعلى حكم شرعي، ويستعمله المعترض للاستدلال به على حكم آخر\nكما في قوله - ﷺ -:\n\" لا ضرر ولا ضرار \"،\nفقد استدل به المستدل على أن الغاصب لخشبة قد وضعها\nفي بنائه لا يؤمر بنقض بنائه لأجل ذلك المغصوب \" لأن في ذلك إضرارا به.\nواستدل المعترض - أيضا - بهذا النص على أن منع صاحب\nالخشبة المغصوبة منه لا يجوز؛ لأنها ملك له، ففي منعه حقه إضرار\nفإذا جازت المشاركة في الاستدلال من النص، جازت المشاركة\nفي الاستدلال بالعِلَّة، لأن النص أصل للقياس، والمعترض قد شارك\n- هنا - المستدل في عِلَّته.\nوإذا ثبت أن القلب قادح في العلة فهو من باب المعارضة، وليس","vol":"5","page":2296},{"text":"من باب الإفساد، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو الحق؛\nبدليل: أن القلب لو كان مفسدًا للعلَّة لما صح من المعترض إيراد\nالقلب؛ إذ كيف يستند المعترض إلى علَّة يرى أنها فاسدة، فالعلَّة\nعند المعترض في قادح القلب - كما قلنَا سابقا - صحيحة، ولكن\nاستعملها المستدل في غير وجهها، كما استعمل بعض المجتهدين\nالنص على غير وجهه الصحيح.","vol":"5","page":2297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>المطلب الثالث في بيان أنواعه</span>\nوهو يتنوع إلى أنواع، إليك بيانها:\nالنوع الأول: قلب الغرض منه إبطال مذهب المستدل صراحة، أو\nضمنا.\nمثال ما يبين المعترض فيه إبطال مذهب المستدل صراحة: قول\nالمستدل - على وجوب مسح ربع الرأس -: مسح الرأس ركن في\nالوضوء، فيكفي فيه أقل ما يطلق عليه الاسم كالوجه.\nفيقول المعترض: مسح الرأس ركن في الوضوء، فلا يكفي فيه\nالربع كالوجه.\nفكان هذا القياس مبطلًا لمذهب المستدل صراحة؛ حيث إن قياس\nالمعترض نتج عنه: أن مسح الرأس لا يكفي فيه الربع، وقياس\nالمستدل نتج عنه: أن مسح الربع يكفي.\nومثال ما يبين المعترض فيه إبطال مذهب المستدل ضمنا وإلزاما:\nقول المستدل - للاستدلال على اشتراط الصوم في الاعتكاف -:\nالاعتكاف لبث محض، فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة.\nفيقول المعترض: الاعتكاف لبث محض، فلا يشترط الصوم في\nصحته؛ قياسًا على الوقوف بعرفة.","vol":"5","page":2298},{"text":"فكما تلاحظ فإن المستدل أراد بقياسه: إثبات اشتراط انضمام أمر\nإلى الاعتكاف؛ حيث إن الاعتكاف بنفسه لا يكفي؛ كما هو الحال\nفي الوقوف بعرفة؛ حيث لا بد فيه من الإحرام، والأمر الذي يريد\nالمستدل أن ينضم إلى الاعتكاف هو الصوم إلا أنه لم يصرح به.\nوالمعترض - كما تلاحظ - قد صرح بالحكم الذي يريد إثباته؛\nفهو قلب على المستدل استدلاله باعتماده على أصل المستدل وعلته،\nمثبتا في الفرع حكما مخالفا لحكم المستدل، وهو بفعله هذا قد أبطل\nمذهب المستدل الذي لم يصرح به.\nالنوع الثاني: قلب التسوية وهو: أن يكون في الأصل حكمان:\nأحدهما: منتف عن الفرع بالاتفاق بين المعترض والمستدل، والحكم\nالآخر مختلف فيه بينهما، فإذا قام المستدل بإثبات ذلك المختلف فيه\nبالقياس على الأصل اعترضه المعترض بوجوب التسوية بين الحكمين\nفي الفرع بالقياس على الأصل، فيلزم من وجوب التسوية بينهما في\nالفرع إبطال مذهب المستدل.\nأي: أنه من لازم ثبوت هذه المساواة بين الحكمين في الفرع: أن\nلا يثبت الحكم الذي أراده المستدل في الفرع؛ لأنه بالمساواة التحق\nبالحكم المتفق على انتفائه عن الفرع.\nمثاله: قول المستدل - للاستدلال على وقوع طلاق المكرَه -:\nالمكرَه مكلف مالك للعصمة، فيقع عليه الطلاق؛ قياسا على\nالمختار.\nفيقول المعترض: المكرَه مكلف مالك للعصمة، فيستوي فيه\nإقراره بالطلاق، وإيقاع الطلاق؛ قياسا على المختار.","vol":"5","page":2299},{"text":"فهنا تلاحظ: أن الأصل الذي استند عليه المستدل في قياسه قد\nاشتمل على أمرين هما: \" الإقرار بالطلاق \"، و\" إيقاع الطلاق \".\nوحكم الأول - وهو الإقرار بالطلاق - فقد اتفق على نفيه المستدل\nوالمعترض، أي: اتفقا على أن المكرَه لا يؤخد بإقراره بالطلاق؛\nلسلب الاختيار عنه.\nأما حكم الثاني - وهو إيقاع الطلاق - فقد اختلف المستدل\nوالمعترض فيه.\nفالمستدل أراد بقياسه إثبات هذا الحكم - وهو إيقاع الطلاق في\nالفرع - وهو المكرَه - وهو قول الحنفي.\nوالمعترض - وهو الشافعي - بين المساواة بين الحكمين في الفرع،\nومن لازم التسوية بينهما: أن ينتفي الحكم هذا، وهو إيقاع الطلاق\nالذي أراد المستدل إثباته في الفرع - وهو المكرَه -.\nالنوع الثالث: قلب العِلَّة حكما والحكم عِلَّة، وهو: أن يورد\nالمستدل قياسه الذي اشتملَ على أصل وعِلَّة وحكم لإثبات ذلك\nالحكم في فرع يرى أنه وجدت فيه عِلَّة الأصل، فينظر المعترض في\nقياس المستدل، فيقلب ما كان عِلَّة إلى حكم، وما كان حكما إلى\nعلة؛ لبيان أن ما جعله المستدل علَّة لا يصح أن يكون عِلَّة؛ نظرا\nلصحة جعله حكما، فيلزم من ذلك: أن لا يثبت في الفرع الحكم\nالذي أراد المستدل إثباته فيه.\nمثال ذلك: قول المستدل: يصح ظهار الذمي؛ لأن من صح\nطلاقه صح ظهاره؛ قياسا على المسلم.\nفيقول المعترض: المسلم صح طلاقه؛ لأنه صح ظهاره.","vol":"5","page":2300},{"text":"فهنا المستدل - كما تلاحظ - أورد قياسه لإثبات أن الذمي إذا\nصدر منه الظهار، فإن ظهاره يقع صحيحا، والأصل الذي قاسه\nعليه هو السلم، والعِلَّة: صحة الطلاق، والحكم: صحة الظهار،\nوهذه العِلَّة قد وجدت في الفرع، وهو الذمي؛ حيث يصح طلاقه،\nفحينئذٍ يثبت فيه الحكم، وهو صحة الظهار.\nأما المعترض فإنه - كما تلاحظ - نظر إلى العِلة والحكم الذين قد\nاشتمل عليهما أصل المستدل فقلبهما، فجعل ما هو عِلَّة حكما، وما\nهو حكم علَّة؛ حيث جعل العِلَّة صحة الظهار، والحكم هو:\nحُجَّة الطلاق.\nفيلزم من هذا: أن لا يثبت في الفرع - الذي هو الذمي - الحكم\nالذي أراد المستدل إثباته فيه، فلا يصح الظهار منه؛ لأن العِلَّة التي\nاستند إليها المستدل لم تصح لإثبات ما أراده.","vol":"5","page":2301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>المطلب الرابع في بيان كيفية الجواب عن قادح القلب</span>\nيختلف جواب المستدل عن قادح القلب باختلاف أنواعه، ولبيان\nذلك لا بد من التفصيل الآتي:\nأولًا: الجواب عن النوع الأول:\nيكون جواب المستدل عن قادح القلب الذي يبديه المعترض في هذا\nالنوع بما يرد على العلَّة المبتدأة: فيورد المستدل من أوجه الجواب ما\nيورده على علَّة المعترض، كما لو كان المعترض قد جاء بعلَّة أخرى\nغير العِلَّة التي قد جاء بها المستدل، فله - أي: للمستدل - أن\nيجيب بعدم التأثير أو بفساد الوضع، أو بفساد الاعتبار، أو بمنع\nوجود العلَّة في الأصل، أو بمنع وجودها في الفرع، أو بترجيح علته\nعلى عِلَّة المعترض.\nمثال ذلك؛ قول المستدل: الرأس ممسوح، فلا يجب استيعابه\nبالمسح؛ قياسًا على الخف.\nفيقول المعترض: الرأس ممسوح، فلا يقدر مسحه بالربع؛ قياسا\nعلى الخف.\nفيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع الحكم في الأصل، وهو: أن\nمسح الخف لا يتقدر بالربع.","vol":"5","page":2302},{"text":"فهنا: المستدل قد منع الحكم الذي في الأصل؛ حيث اعتمد عليه\nالمعترض في قلبه قياس المستدل، وفعل ذلك المستدل لأجل أن يصح\nقياسه.\nثانيًا: الجواب عن النوع الثاني - وهو: قلب التسوية - يكون بما\nتقدم في النوع الأول.\nويزاد في الجواب عن هذا النوع: بأن يبين المستدل الفرق بين ما\nيرى المعترض أنهما متساويان.\nمثاله: نفس المثال السابق في النوع الثاني وهو: قياس المكرَه على\nالمختار في وقوع طلاق كل منهما بجامع: أن كلًّا منهما مكلف\nمالك.\nفيقول المعترض: المكرَه مكلف مالك للعصمة فيستوي فيه إقراره\nبالطلاق، وإيقاع الطلاق.\nفيجيب المستدل بقوله: أنا لا أسلم التسوية بين إيقاع الطلاق\nوالإقرار به؛ بل بينهما فرق، ووجه الفرق: أن الإقرار بالطلاق\nيدخله الصدق والكذب، أما الإيقاع به فإنه لا يحتمل ذلك، بل إذا\nوجد وقع.\nثالثا: الجواب عن النوع الثالث - وهو: قلب العِلَّة حكما،\nوقلب الحكم عِلَّة - يكون بما تقدم من الأجوبة عن النوع الأول، لا\nسيما الجواب بأن يرجح المستدل تعليله على تعليل المعترض بأحد\nأوجه الترجيح.\nمثاله: نفس المثال السابق في النوع الثالث وهو: أن يقيس\nالمستدل الذمي على المسلم في صحة الظهار منه بجامع: أن كلا\nمنهما يصح منه الطلاق.","vol":"5","page":2303},{"text":"فيقول المعترض: المسلم صح طلاقه؛ لأنه صح ظهاره.\nفيجيب المستدل بقوله: إن ما ذكرته من التعليل يرجح على ما\nذكرته - أيها المعترض - وسبب الترجيح: أن التعليل الذي ذكرته\nتكون العلَّة فيه متعدية؛ حيث إن تعليل صحة ظهار المسلم بصحة\nطلاقه، يجعل العِلَّة متعدية إلى الفرع الذي هو الذمي؛ حيث إن\nالذمي يصح طلاقه، فيصح ظهاره.\nأما التعليل الذي ذكرته - أيها المعترض - تكون العلَّة فيه قاصرة،\nفلا تتعدى إلى الفرع؛ حيث إنك - أيها المعترض - لما قلبت هذا\nالأصل بأن كانت صحة ظهار المسلم عِلَّة لصحة طلاقه، فهذا يجعل\nالعِلة غير متعدية للفرع، فلا يثبت فيه الحكم وهو صحة الظهار من\nالذمي.\nومعروف أن العِلَّة المتعدية أَوْلى من القاصرة؛ حيث إن فيه تعميما\nللأحكام الذي هو مقصد من مقاصد الشريعة؛ لأن الأصل تعميم\nالأحكام.","vol":"5","page":2304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>المبحث السابع عشر في قادح القول بالموجب</span>\nويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: بيان المراد منه.\nالمطلب الثاني: أنواعه، وبيان كيفية الجواب عن كل نوع.\nالمطلب الثالث: في بيان أنه لا يجوز للمعترض تغيير كلام المستدل.","vol":"5","page":2305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>المطلب الأول بيان المراد من قادح القول بالموجَب - بفتح الجيم </span>-\nالمراد منه: أن يسلم المعترض مقتضى قياس أو تعليل المستدل مع\nبقاء الخلاف بينهما في الحكم المتنازع فيه.\nمثاله: قول المستدل: يقتص ممن وجب عليه القصاص وإن كان\nقد لجأ إلى الحرم؛ لأنه قد وجد منه سبب جواز استيفاء القصاص،\nفكان استيفاؤه منه جائزًا.\nفيقول المعترض: أنا أقول بموجب تعليلك هذا، فاستيفاء\nالقصاص جائز عندي، لكن الخلاف بيني وبينك في جواز استيفائه\nفي الحرم، وليس في تعليلك ما يدل على جوازه.","vol":"5","page":2307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>المطلب الثاني أنواعه، وبيان كيفية الجواب عن كل نوع</span>\nيتنوع القول بالموجب إلى نوعين هما:\nالنوع الأول: ما يكون القول بالموجب فيه يرد على دليل يكون\nالمطلوب به إبطال مذهب الخصم.\nويعبر بعض العلماء عن ذلك بالقول بالموجب الذي يقع في جانب\nالنفي.\nوهو قسمان:\nالقسم الأول: أن يكون المطلوب نفي الحكم، فيكون اللازم من\nدليل المستدل نفي كون شيء معين موجبا لذلك الحكم.\nمثاله: قول المستدل: القتل بالمثقل لا تفاوت بينه وبين القتل\nبالمحدد إلا في آلة القتل، والآلة وسيلة للقتل، والتفاوت في\nالوسيلة لا يمنع من وجوب القصاص كالتفاوت في محل المتوسل إليه\nمثل كون المقتول صغيرًا، أو كبيرًا، أو غنيًا، أو فقيرًا.\nفيقول المعترض: نعم أنا أقول بموجبه وهو: أن التفاوت في\nالوسيلة لا يمنع من وجوب القصاص.\nلكن لِمَ لا يمتنع القصاص لشيء آخر غير التفاوت كوجود مانع\nاَخر، أو فقد شرط، أو عدم المقتضى؛ وما ذكرته أيها المستدل لا\nيقتضي امتناع شيء من ذلك.","vol":"5","page":2308},{"text":"القسم الثاني: أن يكون المطلوب نفي علية ما هو علَّة الحكم عند\nالخصم، ويكون اللازم من القياس نفي عليه ملزوم علته.\nمثاله: قول المستدل - في أن الإجارة لا تنفسخ بالموت -: إن\nالموت معنى يزيل التكليف، فلا تنفسخ فيه الإجارة؛ قياسًا على\nالجنون، فإنه كذلك.\nفيقول المعترض: أنا أقول بموجب دليلك وهو: أن الإجارة لا\nتنفسخ بالموت، وإنما ينفسخ عقده فقد حدث ما يقتضي ذلك، وهو\nزوال الملك، ولهذا قال العلماء: لو باع العين المستأجرة انفسخت\nالإجارة.\nكيف يجيب المستدل عن هذا النوع؟\nيجيب بأحد طريقين:\nالطريق الأول: أن يُبين المستدل لزوم حكم محل النزاع بوجود\nمقتضيه مما ذكره في دليله إن أمكنه بيانه كأن يقول المستدل في المثال\nالسابق: يلزم من كون التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص: وجود\nمقتضى القصاص، فيقول - أي المستدل -: إذا سلمت - أيها\nالمعترض -: أن تفاوت الآلة لا يمنع القصاص: فالقتل المزهق هو\nالمقتضي، والتقدير: أنه موجود.\nالطريق الثاني: أن يُبين المستدل أن النزاع إنما هو فيما يعرض له في\nالدليل إما بإقرار، أو اعتراف من المعترض بذلك.\nمثاله: قول المستدل: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.\nفيقول المعترض: أنا أسلم أن الدين لا يمنع الزكاة، لكن لِمَ\nقلت: إن الزكاة تثبت؟","vol":"5","page":2309},{"text":"فيجيب المستدل بقوله: إن هذا القول بالموجب لا يسمع؛ لأن\nمحل النزاع في هذه المسألة مشهور، وهو: - هل الزكاة تجب مع\nالدين؟ ومع الشهرة لا يقبل العدول عنها.\nالنوع الثاني: أن يكون المطلوب فيه إثبات الحكم في الفرع،\nويكون اللازم من دليل المستدل ثبوته في صورة ما من الجنس.\nمثاله: قول المستدل: تجب الزكاة في الخيل، لأنه حيوان تجوز\nالمسابقة عليه؛ قياسًا على الإبل.\nفيقول المعترض: أنا أقول بموجب دليلك، ومن هنا وجبت فيه\nزكاة التجارة، لكن النزاع ليس في زكاة التجارة، إنما هو في زكاة\nعينه، ودليلك أيها المستدل إنما يقتضي وجوب أصل الزكاة، ولا\nيلزم من إثبات المطلق إثبات جميع أنواعه.\nكيف يجيب المستدل عن هذا النوع؟\nيجيب المستدل بنفي أن يكون هذا من القول بالموجب بأن يقول في\nالمثال السابق: إن هذا ليس من القول بالموجب؛ لأن كلامنا في\nزكاة العين، والنزاع فيها، فحينما قلنا: تجب الزكاة فيها انصرف\nالذهن إليها؛ لأن الألف واللام للعهد، والمعهود ذهنا هنا هو زكاة\nالعين، وعلى ذلك: فإن ما قلته أيها المعترض ليس قولًا بالموجب.","vol":"5","page":2310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>المطلب الثالث في بيان أنه لا يجوز للمعترض تغيير كلام المستدل</span>\nلو أورد المعترض القول بالموجب بطريقة ووجه يغير كلام المستدل\nعن ظاهره: فإن هذا لا يجوز، ولا يتوجه إلى المستدل، بل يكون\nالمعترض قد تكلَّم في موضوع آخر، فانقطعت الصلة بينه وبين\nالمستدل.\nمثاله: قول المستدل - في إزالة النجاسة بالخل - مائع لا يرفع\nالحدث، فلا يزيل النجس، قياسا على المرق.\nفيقول المعترض: أنا أقول بموجب ذلك؛ فإن الخل النجس عندي\nلا يزيل النجاسة، ولا الحدث.\nفإن هذا الكلام من المعترض لا يتوجه ولا يصح؛ لأنه أورد القول\nبالموجب على وجه غيَّر فيه كلام المستدل؛ لأن المستدل يقصد الخل\nالطاهر، فهو المحل الذي تنازع العلماء فيه، والمعترض تكلم عن\nالخل النجس.","vol":"5","page":2311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>الباب السادس في الاجتهاد والتقليد</span>\nويشتمل على فصلين:\nالفصل الأول: في الاجتهاد.\nالفصل الثاني: في التقليد.","vol":"5","page":2313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>الفصل الأول في الاجتهاد</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: في تعريفه.\nالمبحث الثاني: في مجالاته ومواضعه.\nالمبحث الثالث: شروط المجتهد.\nالمبحث الرابع: حكم الاجتهاد.\nالمبحث الخامس: هل يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا\nعرف دقائقها، دون المسائل الأخرى؟\nوهو: \" تجزؤ الاجتهاد \".\nالمبحث السادس: هل يجوز الاجتهاد في زمان النبي - ﷺ -؟\nالمبحث السابم: هل يجوز الاجتهاد للنبي - ﷺ -؟\nالمبحث الثامن: هل وقع الاجتهاد من النبي - ﷺ -؟\nالمبحث التاسع: هل يجوز الخطأ على النبي - ﷺ - في اجتهاده؟\nالمبحث العاشر: هل كل مجتهد مصيب في الفروع أو المصيب واحد؟\nالمبحث الحادي عشر: هل كل مجتهد مصيب فى أصول الدين\nأو المصيب واحد؟","vol":"5","page":2315},{"text":"المبحث الثاني عشر: إذا تعارض عند المجتهد دليلان، وعجز\nعن الترجيح فماذا يفعل؟\nالمبحث الثالث عشر: هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة\nالواحدة قولين متضادبن في وقت واحد؟\nالمبحث الرابع عشر: المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة،\nولكن العلوم كلها حاصلة عنده،\nوعنده القدرة على الاجتهاد، فهل\nيجوز له أن يقلد غيره؟\nالمبحث الخامس عشر: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة\nلعلَّة ذكرها ووجدنا تلك العلَّة في مسَائل أخرى فما الحكم؟\nالمبحث السادس عشر: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة،\nولم يبين علته فيها، وتوجد مسألة تشبه تلك المسألة فما الحكم؟\nالمبحث السابع عشر: إذا نص المجتهد على مسألتين متشابهتين\nبحكمين مختلفين فهل يجوزنقل حكم إحداهما للأخرى؟\nالمبحث الثامن عشر: إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة\nروايتان مختلفتان، وصح هذا النقل فما الحكم؟","vol":"5","page":2316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>المبحث الأول في تعريف الاجتهاد</span>\nأولًا: الاجتهاد لغة هو: افتعال من الجهد - بالضم والفتح -\nوهو: الطاقة والوسع.\nوقال ابن الأثير: هو: بفتح الجيم: المشقة، وقيل: المبالغة\nوالغاية، وبالضم: الوسع والطاقة.\nويقال: \" اجتهد في الأمر \" أي: بذل ما في وسعه وطاقته في\nطلبه ليبلغ مجهوده، ويصل إلى نهايته.\nفالاجتهاد لغة: استفراغ الوسع، أي: غاية ما يقدر على\nاستفراغه لتحصيل أمر شاق.\nثانيا: الاجتهاد في الاصطلاح:\n١ - تعريف الاجتهاد الراجع إلى النظر إلى الاجتهاد باعتبار المعنى\nالمصدري الذي هو فعل المجتهد هو: \" بذل الفقيه ما في وسعه\nلتحصيل ظن بحكم شرعي عملي من دليل تفصيلي \".\nبيان التعريف ومحترزاته:\nقولنا: \" بذل \" جنس في التعريف، يشمل كل بذل مطلقا،\nأي: سواء كان من فقيه، أو غيره، وسواء كان في الأحكام، أو\nفي غيرها، وسواء كانت شرعية، أو لغوية، أو نحوية، أو منطقية\nأو حسابية، أو هِندسية، أو نحو ذلك.","vol":"5","page":2317},{"text":"فلما أضفنا لفظ \" بذل \" إلى لفظ \" الفقيه \" أخرج غير الفقيه مما\nسبق ذكره.\nوالمراد بالفقيه: المتهيئِ للفقه، ومن عنده ملكة استنباط، وقدرة\nعلى استخراج أحكام شرعية لحوادث متجددة.\nقولنا: \" ما في وسعه \" الوسع - كما قلت سابقا - هو: الجهد\nوالطاقة، ويعرف ذلك بالإحساس بالعجز عن زيادة البحث والنظر.\nقولنا: \" لتحصيل ظن \" قد أورد في التعريف؛ لبيان أن الاجتهاد\nلا يفيد إلا حكما ظنيًا.\nوأتي بعبارة: \" بحكم شرعي \" لإخراج الحكم اللغوي، أو\nالعقلي، أو الحسي، أو العرفي، أو التجريبي.\nوقلنا: \" عملي \" لبيان أن الاجتهاد يجري في الفروع - فقط -\nولا يجري في الأصول - وهي العقائد -.\nوقولنا: \" من دليل تفصيلي \" لبيان أن الفقيه يبذل جهده لاستنباط\nحكم شرعي فرعي من آية أو حديث، أو قياس، أو أيّ دليل من\nالأدلة المختلف فيها.\nوالخلاصة: أن المجتهد هو الفقيه، وقد بينت بالتفصيل الفقيه\nوالفقه في الفصل الأول من الباب الأول.\n٣ - تعريف الاجتهاد الراجع إلى النظر إلى المعنى الإسمي\nللاجتهاد - الذي هو وصف قائم بالمجتهد: \" إنه ملكة تحصيل\nالحجج على الأحكام الشرعية \".","vol":"5","page":2318},{"text":"فأورد لفظ \" ملكة \" لبيان أن صاحب الملكة يصدق عليه أنه مجتهد،\nسواء باشر عملية الاستنباط فعلًا أو لم يباشر.\nو\" تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية \" أي: تحصيل الدليل،\nأو الأمارة على الحكم، وهذا قريب من قولنا في التعريف السابق:\n\" لتحصيل ظن بحكم شرعي \".","vol":"5","page":2319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>المبحث الثاني مجالات الاجتهاد ومواضعه</span>\nالاجتهاد يكون في الظنيات فقط، وذلك يشمل الأقسام التالية:\nالقسم الأول: النص قطعي الثبوت، ظني الدلالة، وهذا يكون\nفي الآية، الذي دلَّ لفظها على الحكم دلالة ظنية، والحديث\nالمتواتر الذي دلَّ لفظه على الحكم دلالة ظنية، مثاله: قوله تعالى:\n(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، فهذا قطعي الثبوت؛\nلأنه قرآن، ولكنه ظني الدلالة؛ لأن لفظ \" القرء \" يحتمل أن يكون\nمعناه \" الحيض \"، ويحتمل أن يكون معناه: \" الطهر \"، فيجتهد\nالمجتهد للوصول إلى المراد من أحد المعنيين.\nالقسم الثاني: النص ظني الثبوت قطعي الدلالة، وهذا يكون في\nخبر الواحد الذي دلَّ على معناه دلالة قطعية، مثاله:\nقوله - ﷺ -:\n\"في كل خمس من الإبل شاة \"،\nفإن هذا نص قطعي الدلالة؛ لأنه\nلا يدل إلا على معنى واحد فقط، ولكنه ظني الثبوت؛ لأنه لم ينقل\nإلينا بطريق التواتر، فيجتهد المجتهد بالبحث عن سنده، وطريق\nوصوله إلينا، وحال رواته من العدالة والضبط.\nالقسم الثالث: النص ظني الثبوت والدلالة معا، وهذا يكون في\nخبر الواحد الدال على معناه دلالة ظنية، مثاله:\nقوله - ﷺ -:\n(لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب \"،\nفإن المجتهد يجتهد هنا في أمرين هما:","vol":"5","page":2320},{"text":"الأول: في سند الحديث، وطريق وصوله إلينا، وحال رواته من\nالعدالة والضبط.\nالثاني: في دلالة الحديث؛ لأن الحديث يحتمل معنيين هما: دالا\nصلاة صحيحة إلا بفاتحة الكتاب \"، و\" لا صلاة كاملة إلا بفاتحة\nالكتاب \".\nالقسم الرابع: الاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع، وهذا يكون\nفي حادثة لم يرد حكمها في نص ولا إجماع، فيبذل المجتهد ما في\nوسعه في تحصيل حكم لتلك الحادثة، وذلك باستعمال أدلة أرشده\nإليها الشارع مثل: القياس، والاستحسان، وقول الصحابي،\nوالمصالح المرسلة، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، والعرف،\nوسد الذرائع، ونحو ذلك.","vol":"5","page":2321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>المبحث الثالث شروط المجتهد</span>\nالاجتهاد لا يقبل ولا يعمل به ولا ينظر فيه إلا إذا صدر من شخص\nقد توفرت فيه شروط هي كما يلي:\nالشرط الأول: أن يكون عارفا بكتاب اللَّه تعالى وما يتعلَّق به:\nفإذا أراد المجتهد الاستدلال بآية على حكم حادثة، فإنه لا بد أن\nيعرف عنها ما يلي:\nأولًا: هل هي ناسخة أو منسوخة حتى لا يستدل بآية منسوخة.\nثانيا: سبب نزولها؛ لأنه يساعده على معرفة معنى الآية.\nثالثًا: أقوال الصحابة فيها؛ لأنهم أعرف بمعناها من غيرهم.\nرابعا: أقوال كبار التابعين فيها؛ لأنهم يقربون من الصحابة في\nذلك.\nخامسا: تفاسير علماء الشريعة وعلماء اللغة لها.\nسادسًا: معرفة ما يعارضها من ظواهر الآيات الأخرى، والأحاديث.\nسابعًا: معرفة نوع دلالتها هل دلَّت على الحكم بمنطوقها، أو\nمفهومها، ونوع هذا المنطوق، ونوع هذا المفهوم.\nولا يشترط حفظ القرآن كله، ولا يشترط حفظ آيات الأحكام\n- كما قال بعضهم - بل يكفيه أن يعرف مواقع آيات الأطعمة من\nالقرآن، وآيات الحدود منه، وآيات النكاح والطلاق والرضاع،","vol":"5","page":2322},{"text":"والنفقات، ونحو ذلك، حتى إذا نزلت حادثة في الأطعمة مثلًا\nيذهب إلى المواضع التي توجد فيها آيات الأطعمة، ويستدل على\nحكم حادثته بآية منها، بعد أن يطبق عليها ما ينبغي معرفته عنها.\nالشرط الثاني: أن يكون عارفا بسُنَّة رسوله - ﷺ -،\nفإذا أراد المجتهد الاستدلال بحديث على حكم حادثة، فإنه لا بد أن يعرف\nعنه مثل معرفته عن الآية تمامًا، وقد سبق ذلك.\nويزاد في الحديث: أن يعرف سند الحديث، وطريق وصوله إلينا،\nوحال رواته من العدالة والضبط، ومعرفة الصحيح من الأحاديث\nوالضعيف.\nولا يشترط حفظ الأحاديث كلها، ولا حفظ أحاديث الأحكام\n- كما قال بعضهم - بل يكفي معرفة ما تتعلق به الأحكام إجمالًا كما\nقال جمهور العلماء؛ ذلك لأن المجتهد الذي توفرت فيه جميع\nشروط المجتهد إذا لم يطلع على حديث مما يمكن أن يغيب عن ذهنه\nبعد البحث الجاد عن كل ما يتصل بموضوع اجتهاده من النصوص لا\nيمنعه ذلك من تحصيل الظن بالحكم الشرعي بدليل آخر، يؤيد ذلك\nالصحابة - ﵃ - فقد كانوا يجتهدون بالنوازل ويستدلون\nعلى ذلك بأدلة، ثم يظهر لهم بعد ذلك حديث يخالف اجتهادهم\nأو يوافقه.\nفمثال المخالفة: قول ابن عمر - ﵄ -: كنا نخابر\nأربعين سنة حتى أخبرنا رافع بن خديج بأن - ﷺ - قد نهى عن المخابرة.\nومثال الموافقة: أن ابن مسعود - ﵁ - قد قضى في","vol":"5","page":2323},{"text":"المفوضة بأن لها مهر مثيلاتها، ولها الميراث؛ وعليها العدة، فاخبره\nمعقل بن سنان الأشجعي أن هذا القضاء لك يا ابن مسعود هو قضاء\nالنبي - ﷺ - في بروع بنت واشق من جماعتنا،\nففرح ابن مسعود على أن قضاءه قد وافق قضاء الرسول - ﷺ -.\nوالأمثلة على خفاء بعض الأحاديث عن بعض الصحابة كثيرة.\nويقع هذا منهم، ولم يسلب ذلك منهم ملكة الاجتهاد، أو\nوصف الاجتهاد.\nالشرط الثالث: أن يكون عالِما بالمجمع عليه، والمختلف فيه.\nواشترط ذلك؛ لئلا يجتهد في مسألة قد أجمع العلماء على\nحكمها.\nولا يلزم أن يحفظ جميع مواقع الإجماع، بل في كل مسألة يفتي\nفيها ينبغي أن يعلم أن فتواه غير مخالفة للإجماع.\nوأما المختلف فيها من المسائل، فلا بد للمجتهد أن يعرف المسألة،\nوأدلة كل فريق.\nولقد كان الأئمة الأربعة ومن تبعهم يعرفون الاختلافات والمناظرات\nوالمحاورات التي جرت بين الصحابة، ومن جاء بعدهم ممن يُعتد\nبقولهم؛ لذا اهتم كثير من العلماء بهذا - وهو علم الخلاف -\nوألفوا فيه كالمحلى لابن حزم، والذخيرة للقرافي، والحاوي\nللماوردي، والمغني لابن قدامة، والمجموع شرح المهذب للنووي،\nوبداية المجتهد لابن رشد، والمبسوط للسرخسي، وغيرها.\nالشرط الرابع: أن يكون عالما بعلم أصول الفقه؛ حيث إنه يجعله\nعالِما بأن هناك أدلة متفقا عليها كالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع،","vol":"5","page":2324},{"text":"والقياس، وأن هناك أدلة مختلف فيها كالاستصحاب،\nوالاستحسان، وقول الصحابي، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع،\nوالعرف، وشرع من قبلنا، وأن هناك قواعد أصولية.\nويعرف أقسامها، وشروط كل دليل، وترتيبها، وفك التعارض\nبينها.\nالشرط الخامس: أن يكون عالما بالقياس، حيث إن أكثر من\nنصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه، وشروط كل ركن،\nوقوادحه، ونحو ذلك مما قلناه في باب القياس، قال الإمام الشافعي:\n\" من لم يعرف القياس فليس بفقيه \"، وقال الإمام أحمد: \" لا\nيستغني أحد عن القياس \"، وعرف بعضهم الاجتهاد بأنه القياس،\nوهذا كله يدل على أهمية القياس.\nالشرط السادس: أن يكون عالما باللغة العربية وقواعدها من لغة\nونحو، وبلاغة، وبديع، ومعرفة كل ما يتوقف عليه فهم الألفاظ؛\nلأن القرآن والسُّنَّة وردا بلغة العرب، ولا يمكن لأي شخص أن\nيعرف ما تدل عليه ألفاظهما إلا بمعرفته باللغة العربية.\nولا يشترط أن يتعمق في علم النحو واللغة، ومعرفة دقائق ذلك\nكسيبويه، أو الكسائي، أو الخليل بن أحمد، أو المبرد.\nوإنما ينبغي معرفة القدر الذي يفهم به خطاب العرب، وعاداتهم\nفي الاستعمال إلى حد يفرق بين صريح الكلام، وظاهره،\nومجمله، وحقيقته، ومجازه، وعامه، وخاصه، ومحكمه،\nومتشابهه، ومطلقه، ومقيده، ونصه، وفحواه، ولحنه، ومعرفة\nأي شيء يساعد على فهم الأحكام الشرعية من الألفاظ.\nويتفطن للمراد هل أريد باللفظ المعنى اللغوي له، أو العرفي، أو","vol":"5","page":2325},{"text":"الشرعي بقرائن السياق، والقرائن العقلية، وحال المتكلم،\nوالموضوع الذي قيل فيه، والغرض الذي سيق لأجله.\nالشرط السابع: معرفة مقاصد الشريعة بأن يفهم المجتهد مقاصد\nالشارع العامة من تشريع الأحكام، وأن يكون خبيرًا بمصالح الناس،\nوأحوالهم، وأعرافهم، وعاداتهم.\nالشرط الثامن: أن يكون عدلًا مجتنبا للمعاصي القادحة في\nالعدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه: فمن ليس\nبعدل فإنه لا تقبل فتواه، ولا يعمل بها الآخرون.\nأما هو في نفسه، فيجب عليه أن يعمل باجتهاده إذا توفرت فيه\nالشروط السابقة.\nسؤال: إن المجتهد الفاسق لو أظهر دليله، وكان دليلًا صالحا\nللاحتجاج به، فهل يجب الأخذ بقوله، والاعتماد عليه؟\nجوابه:\nإن كان المستمع لهذه الفتوى عالِما ومدركا لصحة الدليل، ووجه\nدلالته على الحكم فإنه يعمل بفتوى ذلك الفاسق؛ اعتمادًا على\nالدليل الصحيح الذي أظهره، وليس هذا اعتمادًا على اجتهاد المجتهد.\nوإن كان المستمع لهذه الفتوى لا يعلم ولا يدرك صحة الدليل الذي\nأظهره ذلك المجتهد الفاسق، فإنه لا يعمل بفتواه.","vol":"5","page":2326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>المبحث الرابع حكم الاجتهاد</span>\nإذا توفرت شروط المجتهد السابقة في شخص، فالاجتهاد في حقه\nيكون تارة فرض عين، وتارة فرض كفاية، وتارة مندوبا، وتارة\nمحرما، وإليك بيان ذلك:\nأولًا: يكون فرض عين في حالتين هما:\nالحالة الأولى: اجتهاد المجتهد في حق نفسه فيما نزل به؛ لأن\nالمجتهد لا يجوز له أن يقلد غيره في حق نفسه.\nالحالة الثانية: اجتهاد المجتهد في حق غيره إذا تعين عليه الحكم فيه\nبأن لا يوجد في العصر إلا هو، أو ضاق وقت الحادثة، فإنه يجب\nعلى الفور؛ لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت\nالحاجة، وهذا لا يجوز.\nثانيا: يكون الاجتهاد فرض كفاية عندما تنزل حادثة بأحد،\nفاستفتى العلماء، أو عين واحدًا أو طائفة، فإن الوجوب يكون\nفرضا علهيم جميعًا، وأخصهم بفرضه المخصوص بالسؤال عنها،\nفإن أجاب واحد منهم عنها سقط الفرض عن جميعهم، وإن أمسكوا\nمع ظهور الصواب لهم أثموا، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عذروا.\nثالثا: يكون الاجتهاد مندوبا إليه في حالتين هما:\nالحالة الأولى: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة\nحكمها قبل وقوعها.","vol":"5","page":2327},{"text":"الحالة الثانية: أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل نزولها.\nرابعا: يكون الاجتهاد محرما في حالتين هما:\nالحالة الأولى: أن يقع الاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من نص أو\nإجماع.\nالحالة الثانية: أن يقع ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد\nفيه؛ لأن نظره لا يوصله إلى الحق، فيفضي إلى الضلال، والقول\nفي دين اللَّه بغير علم.","vol":"5","page":2328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>المبحث الخامس هل يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف\nدقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب</span>؟\nوهي مسألة \" تجزؤ الاجتهاد \"\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين.\nالمذهب الأول: أنه يقبل اجتهاده فيها، أي: أنه يجوز تجزؤ\nالاجتهاد.\nفالشخص العارف لمسألة معينة وأدلتها، وطرق النظر فيها، وما\nيئعلق بها، فإنه يجوز أن يجتهد فيها، ويعمل باجتهاده.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nفمثلًا لو أحاط بمسألة المشركة - وهي: زوج، وذات سدس،\nوأخوة لأم، وأخوة أشقاء، فعرف كل ما يتصل وما يتعلق بها من\nمعرفة علم الفرائض، وأركانه، وشروطه، ثم اجتهد فيها فإنه يقبل\nاجتهاده ويعمل به، وإن كان جاهلًا بأي مسألة أخرى كان يكون\nجاهلًا بمسألة المفوضة، أو الجد والإخوة.\nوهذا هو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أنه لو كان العلم في جميع مسائل الفقه شرطا\nلبلوغ درجة الاجتهاد وشرطا لقبوله منه: لكان توقف بعض الصحابة","vol":"5","page":2329},{"text":"- ﵃ - وبعض الأئمة عن الفتيا في بعض المسائل وعدم\nقدرتهم على ذلك مخرجا لهم عن الاجتهاد.\nولكن الأمر ليس كذلك؛ حيث توقف بعض الصحابة عن الفتوى\nفي بعض المسائل، ومع ذلك لم يزل عنه وصف الاجتهاد، وكذلك\nسبق أن بيَّنا أن الإمام أبا حنيفة، ومالكا، والشافعي، وأحمد كانوا\nيكثرون من قولهم: \" لا أدري \"، ولم يكن ذلك مخرجا لهم عن\nدرجة الاجتهاد، بل كانوا يجتهدون في المسائل الأخرى فيقبل\nاجتهادهم فيها.\nالدليل الثاني: أن بعض مسائل الفقه لا صلة لها بالمسألة الأخرى،\nفالغفلة غن المسائل الأخرى لا تضره.\nفمثلًا: لا صلة لمسالة \" المشركة \" فى مسألة \" الجد والإخوة \"،\nفيتم اجتهاد المجتهد في مسألة المشركة بلا نقصان، فيقبل اجتهاده فيها.\nوكذلك من عرف مسألة \" قتل المسلم بالذمي \" وما ورد فيها من\nالآيات والأحاديث والآثار وأقوال السلف والخلف فيها، فإنه يقبل\nاجتهاده فيها، ولا يضره عدم معرفته بمسألة \" قتل الحر بالعبد \"\nوهكذا؛ لأن الاجتهاد تام.\nالمذهب الثاني: أنه لا يقبل اجتهاده فيها، أي: لا يجوز تجزؤ\nالاجتهاد ...\nوهو مذهب بعض الحنفية كملا خسرو، والفناري، وبعض\nالشافعية كالشوكاني.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: إن لم يحط بأدلة جميع مسائل الفقه لا يحصل له","vol":"5","page":2330},{"text":"عند البحث عن حكم مسألة ظن عدم المانع؛ لإمكان وجود ما يتصل\nبموضوعه في موضع آخر لم يطلع عليه وينظر فيه، ومن لا يحصل\nله ذلك الظن لا يتمكن من استخراج الحكم، إذن: لا يعتبر عمله\nاجتهادًا شرعيًا يصح أن يؤخذ به.\nجوابه:\nلما قلنا بقبول اجتهاد ذلك الشخص بمسألة معينة قد عرف دقائقها\nلم نقل ذلك مطلقًا، بل اشترطنا: أن يغلب على ظنه أنه قد أحاط\nبجميع ما يتعلَّق بتلك المسألة من أدلة، أما الاحتمالات التي لا دليل\nعليها فلا تؤثر على اجتهاده.\nالدليل الثاني: أنه لو جاز تجزئة الاجتهاد للزم أن يقال: نصف\nمجتهد، أو ثلثه، أو ربعه، ولم يقل بذلك أحد.\nجوابه:\nلا يلزم ذلك ولا يُسمَّى بنصف أو ثلث مجتهد، بل يسمى مجتهدًا\nفي ذلك البعض، وهو اجتهاد تام فيما اجتهد فيه، وإن كان قاصرًا\nبالنظر إلى من فوقه من المجتهدين.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني، فإن المجتهد\nقسم واحد وهو: المجتهد العام العارف لكل مسألة من مسائل الفقه\nبأدلتها غالبًا، فلا يعتد بقول غيره من المجتهدين الذين يختصون\nبمعرفة مسائل معينة.\nأما بناء على المذهب الأول فإن المجتهد قسمان:","vol":"5","page":2331},{"text":"القسم الأول: مجتهد خاص وهو: الشخص الذي يجتهد بمسألة\nمعينة، وقد سبق بيان ذلك.\nالقسم الثاني: مجتهد عام، وهو: العارف لغالب مسائل الفقه\nبأدلتها.\nوكل واحد منهما يقبل اجتهاده، ويُعتد به، ولا فرق بينهما.","vol":"5","page":2332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>المبحث السادس هل يجوز الاجتهاد في زمان - ﷺ </span>-؟\nلقد - اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد في زمان النبي - ﷺ - مطلقا.\nوهو مذهب أكثر المحققين من العلماء كالغزالي، والآمدي،\nوفخر الدين الرازي، ومحمد بن الحسن، والقاضي أبي بكر\nالباقلاني، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن - ﷺ - قد جاءه خصمان يختصمان فقال - ﷺ - لعمرو بن العاص: \" اقض بينهما يا عمرو \"، فقال عمرو: أنت أوْلى مني يا رسول اللَّه، قال: \" وإن كان \"،\nقال عمرو: فإن قضيت، بينهما فما لي؟\nقال: \" إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء\nفلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة \"\nوهذا صريح في جواز الاجتهاد في زمنه - ﷺ -.\nالدليل الثاني: أن - ﷺ - قال لعقبة بن عامر ولرجل من\nالصحابة: \" اجتهدا فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما\nفلكما حسنة \"، وهو في معنى الدليل الأول.\nالدليل الثالث: أن النبي - ﷺ -\nفوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ؛ حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم برأيه واجتهاده،\nفقال رسول اللَّه - ﷺ - له:\n\" لقد حكمت بحكم اللَّه فوق سبعة أرقعة \".","vol":"5","page":2333},{"text":"وجه اجتهاد سعد - ﵁ - فيهم هو: أحد أمرين:\nإما أنه قاسهم على المحاربين الذين قال اللَّه تعالى فيهم: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ)، والجامع:\nالفساد في كل؛ وذلك لموالاتهم قريشًا في وقعة الأحزاب، ونقضهم\nعهدهم.\nوإما أنه قاسهم على الأسرى الذين عوتبوا على فدائهم، وتبين أن\nقتلهم كان هو الحكم.\nوهذا يدل على وقوع الاجتهاد في زمان النبي - ﷺ -، والوقوع دليل الجواز مطلقًا.\nالدليل الرابع: أن بعض الصحابة - ﵃ - يروي عن\nالبعض الآخر الأخبار، والأحكام، والناسخ والمنسوخ، وكانوا\nيقبلون ذلك، ويعملون به، دون مراجعة النبي - ﷺ -، وهو بينهم، فكذلك يجوز لهم الاجتهاد في زمانه - ﷺ - دون مراجعته، ولا فرق.\nالدليل الخامس: أنه لا يلزم من فرض اجتهاد الصحابة في زمانه\n- ﷺ - محال، ولا يؤدي إلى مفسدة، وما كان كذلك فهو جائز، فيكون الاجتهاد في زمانه - ﷺ - جائزًا.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز الاجتهاد في زمان النبي - ﷺ.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن كثيرًا من الصحابة - ﵃ - قد\nرجعوا إلى النبي - ﷺ - يسألونه عن حكم وقائع قد حصلت لهم، ولو","vol":"5","page":2334},{"text":"كان الاجتهاد في زمانه - ﷺ - جائزًا: لاجتهدوا واستنبطوا أحكام حوادثهم بأنفسهم، ورجوعهم إليه دلَّ على أن الرجوع واجب، فالاجتهاد حرام.\nجوابه:\nإن رجوعهم إلى - ﷺ - في بعض الأمور لا يدل على منعهم من الاجتهاد بالكلية، أو أنه حرام، بل رجوعهم إليه يحتمل عدة\nاحتمالات هي:\nالأول: أنه يحتمل أنهم رجعوا إليه فيما لم يظهر لهم فيه وجه\nالحكم بالاجتهاد.\nالثاني: أنه يحتمل أنهم مخيرون بين الرجوع إليه، وبين\nالاجتهاد، فاختاروا الرجوع إليه.\nالثالث: أنه يحتمل أن الذي رجع إليه لم تتوفر فيه شروط\nالمجتهد.\nوإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.\nالدليل الثاني: أن الصحابة - ﵃ - يمكنهم معرفة\nالحكم عن طريق الوحي الصريح القاطع بالحكم، وإذا كان يمكنهم\nمعرفة الحكم معرفة قطعية، فلا يجوز ردهم إلى الاجتهاد المفيد للظن.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا الدليل منقوض بما ورد عن النبي - ﷺ -؛ حيث إنه قد تعبَّد بالقضاء بقول الشهود، والحكم بظاهر أقوالهم\nحتى قال - ﷺ -:\n\"إنكم لتختصمون إلي ولكل بعضكم يكون ألحن","vol":"5","page":2335},{"text":"بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع \"، فهنا يقضي\nالرسول - ﷺ - بالظن، وكان يمكن نزول الوحي، ويبين الحق صريحا وواضحا وقطعيًا في كل واقعة حتى لا يحتاج إلى رجم بالظن،\nوخوف الخطأ.\nالجواب الثاني: أنه إذا نزل الوحي بالنص، وثبت فإنا نحكم به،\nولكن إذا لم ينزل نص، فإنه يجوز الاجتهاد؛ لأن هذا الاجتهاد لا\nيضاد نصًا قاطعًا ثابتا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول يجوز\nالاجتهاد بين مياه تنجس بعضها، وهو على شاطئ البحر.\nأما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز ذلك.\nويجوز - أيضًا - الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان الصبر إلى\nاليقين.\nأما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز ذلك.","vol":"5","page":2336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>المبحث السابع هل يجوز للنبي - ﷺ - الاجتهاد</span>؟\nأولًا: اتفق العلماء على جواز الاجتهاد للنبي - ﷺ - في الأمور الدنيوية، ومنها أمور الحرب، بدليل وقوعه منه - ﷺ -؛ حيث صالح غطفان مقابل ثمار المدينة، ولم تتم هذه المصالحة بسبب مخالفة رؤساء أهل المدينة، ووقوعه في تأبير النخل - بعد قدومه المدينة.\nثانيًا: اتفق العلماء - أيضا - على جواز الاجتهاد للنبي - ﷺ - في تحقيق مناط الحكم، ومنه الأقضية، وفضل الخصومات، ونحو ذلك.\nثالثًا: اختلف العلماء في جواز اجتهاده - ﷺ - في غير ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد للنبي - ﷺ -.\nوهو قول جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: عموم قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)\nحيث إن اللَّه قد أمر أهل البصائر أن يعتبروا ويقيسوا الأشياء بما يماثلها\n- كما سبق بيان ذلك في باب القياس - وهو عام وشامل لجميع أهل\nالبصائر، ورسول اللَّه - ﷺ - أعلى أهل البصائر، وأرفعهم منزلة، فكان بالاعتبار أولى.\nالدليل الثاني: قياس نبينا - ﷺ - على داود وسليمان ﵉.\nبيانه:","vol":"5","page":2337},{"text":"أنه لما اعتدت غنم قوم على زرع آخرين، ذهب صاحب الزرع\nوصاحب الغنم يتخاصمان إلى داود - ﵇ - ليحكم بينهما،\nفحكم بينهما بحكم، وخالفه فيه سليمان - ﵇ - وحكم\n- أي: سليمان - بحكم آخر، فكان حكمهما بالاجتهاد، بدليل:\nأن سليمان لو لم يحكم بالاجتهاد لما قال تعالى: (ففهمناهما سليمان)،\nوما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد، لا بطريق الوحي.\nوإذا جاز لداود وسليمان - ﵉ - الاجتهاد، فإنه يجوز\nالاجتهاد لنبينا محمد - ﷺ - ولا فرق،\nوالجامع: النبوة في كل.\nالدليل الثالث: أن النبي - ﷺ - يشارك أُمَّته\nفيما لم يرد فيه تخصيص له، أو تخصيص لهم - كما سبق بيانه -،\nوالاجتهاد قد أمرت أُمَّته به لإيجاد أحكام شرعية للحوادث المتجددة،\nلكي تكون الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فهو يشارك أُمَّته في الاجتهاد، فيجوز له - ﷺ - الاجتهاد مثل غيره، وليس في العقل ما يحيله في حقه ويصححه في حقنا، ولهذا أوجب عليه وعلينا العمل باجتهادنا في مضار الدنيا ومنافعها.\nالدليل الرابع: أنه لا يلزم من فرض تعبده - ﷺ - بالاجتهاد محال عقلًا، ولا يؤدي إلى مفسدة، وكل ما كان كذلك كان جائزأ عقلًا، فتعبده بالاجتهاد جائز عقلًا.\nالدليل الخامس: وقوع الاجتهاد منه - ﷺ -، ولو لم يكن متعبدا بالاجتهاد لما وقع منه، فقد اجتهد في حوادث شتى، منها: اجتهاده\nفي أسرى بدر، حيث أخذ الفداء مقابل إطلاق الأسرى، وهذا\nبالاجتهاد، وستأتي أمثلة على ذلك في المسألة التالية.","vol":"5","page":2338},{"text":"المذهب الثاني: لا يجوز الاجتهاد للنبي - ﷺ -.\nوهو مذهب بعض الشافعية، وحكي عن أبي منصور الماتريدي من\nالحنفية، وهو ظاهر مذهب ابن حزم، واختاره أبو علي وابنه أبو\nهاشم.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الرسول - ﷺ - قادر على معرفة الحكم بالوحي الذي يفيد العلم قطعا وصريحا، وكل من كان قادرًا على العلم\nالقطعي لا يجوز له العمل بالظن، فلا يجوز للنبي - ﷺ - العمل بالظن الحاصل بالاجتهاد، فلا يجوز له الاجتهاد.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن النبي - ﷺ - كان قادرًا على معرفة الحكم بالوحي؛ لأن الوحي ليس في اختياره ينزل عليه متى شاء،\nولذلك قد يضطر إلى الاجتهاد في الأمور التي لا تقبل التأجيل.\nالدليل الثاني: إنه ثبت - فيما سبق في حجية السُّنَّة -: أن قول\nالنبي - ﷺ - نص قاطع، وحُجة قاطعة على من سمعه شفاها أو بلغه عن طريق التواتر، والاجتهاد لا يفيد إلا الظن.\nفهنا حصل تضاد بين قوله - ﷺ -، حيث قلنا بإفادته القطع، وبين اجتهاده حيث إنه لا يفيد إلا الظن، فالقطع غير الظن فكيف\nيجتمعان؟!\nجوابه:\nأنه لو قيل له: إن ظنك علامة على حكم اللَّه - تعالى - فيكون\nقد استيقن الظن والحكم معًا، فلا تنافي بين معرفته الحكم بالوحي،","vol":"5","page":2339},{"text":"ومعرفته إياه بالاجتهاد؛ لأنه - ﷺ - لما ظن الحكم بالاجتهاد فإنه يقطع بكونه حكم اللَّه في الحادثة.\nالدليل الثالث: لو جاز الاجتهاد للرسول - ﷺ -: لأجاب عن كل واقعة سئل عنها، ولما انتظر الوحي؛ لأن الاجتهاد هو الوسيلة لمعرفة الحكم فيما لا قاطع فيه، لكنه - ﷺ - توقف في اللعان والظهار، وانتظر الوحي، فهذا يدل على عدم جواز القياس.\nجوابه:\nإن توقف - ﷺ - عن الاجتهاد في بعض الوقائع والحوادث\nوانتظاره للوحي لا يلزم منه عدم تعبده بالاجتهاد في جميع الحوادث؛\nلأنا لا نقول: إن الرسول - ﷺ - يجتهد حال حدوث الحادثة، بل كان ينتظر الوحي، فإذا لم ينزل عليه وحي وخشي الفوات اجتهد.\nوعلى هذا، فإنه يحتمل أن يكون تأخره بسبب السعة في الوقت.\nويحتمل أن يكون بسبب أنه لم ينقدح في ذهنه اجتهاد الآن.\nويحتمل أن يكون بسبب توقفه؛ حيث إن بعض المسائل لا تقبل\nالاجتهاد، أو هي مما نهي فيه عن الاجتهاد.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إن هو إلا\nوحي يوحى) .\nوجه الدلالة: أن هذه الآية بينت أن كل ما ينطق به النبي - ﷺ - وحي، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يبقى للاجتهاد مجال، ولكان\nالاجتهاد في حقه نطقًا عن الهوى المنفي عنه بالآية الكريمة، فالضمير\nفي قوله تعالى: (إن هو) يرجع إلى النطق المذكور في الآية في\nضمن قوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) وهو عام.","vol":"5","page":2340},{"text":"جوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: لا نُسَلِّمُ عموم الآية، بل إن الآية وردت لرد ما\nكان يقوله الكفار بأن ما يأتي به - ﷺ - من القرآن ليس وحيا من عند اللَّه، بل هو افتراء منه على اللَّه - تعالى - فالضمير في قوله\nتعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) يرجع إلى القرآن، فيكون تقدير\nالآية كذا: أن النبي - ﷺ - لا ينطق فيما ينطق به من القرآن من هوى نفسه، ما القرآن إلا وحي يوحى إليه من اللَّه تعالى، فعلى هذا تنفي الآية: أن يتكلم الرسول - ﷺ - بغير القرآن، ولا تمنع الآية من ذلك.\nالجواب الثاني: سلمنا أن الآية عامة في جميع ما نطق به الرسول\n- ﷺ - من القرآن وغيره، إلا أن ذلك لا ينفي اجتهاده - ﷺ -؛ لأنه لو كان متعبدًا بالاجتهاد بواسطة الوحي لما كان اجتهاده نطقا عن الهوى، بل كان بالوحي، وما حكم به باجتهاده إما صواب من أول الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ أمره، لكن اللَّه تعالى يرشده إلى الصواب، أو يقره عليه، فلا يحتمل غير الحق.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه بجوز بناء على المذهب الأول أن\nيكتفي المجتهد بالاستدلال على حكم مسألة بدليل ظني مع أنه قادر\nعلى الاستدلال عليه بدليل قطعي.\nكما يجوز على هذا المذهب الاجتهاد في أوقات الصلاة والقِبْلة مع\nإمكان الصبر إلى اليقين.\nأما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز كل ذلك.","vol":"5","page":2341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>المبحث الثامن هل وقع الاجتهاد من النبي - ﷺ </span>-؟\nلقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المبحث السابع - وهم\nالقائلون: يجوز الاجتهاد للنبي - ﷺ - - فيما بينهم هل وقع الاجتهاد منه - ﷺ - أو لا؟ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الاجتهاد وقع من النبي - ﷺ -.\nوهو مذهب بعض الحنفية، وكثير من المالكية ومنهم ابن الحاجب،\nوكثير من الشافعية ومنهم: الآمدي، وفخر الدين الرازي، وكثير\nمن الحنابلة ومنهم: أبو الخطاب، وابن قدامة، وهو الحق عندي؛\nلما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن - ﷺ - قد استشار أبا بكر وعمر - ﵄ - في الأسرى يوم بدر، فأخذ برأي أبي بكر، حيث وافق\nرأيه رأي النبي - ﷺ - فأخذ الفداء مقابل إطلاق سراح الأسرى، فعاتبه الله تعالى بقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)،\nفحزن النبي - ﷺ - بعد نزول هاتين الآيتين.\nفلو لم يكن الرسول لمجييه قد وقع منه الاجتهاد وعمل به لما\nعوتب، لأنه لا عتاب على العمل بالوحي.\nالدليل الثاني: أن الرسول - ﷺ - لما أعلن فرضية الحج سأله الأقرع","vol":"5","page":2342},{"text":"ابن حابس - ﵁ -: لعامنا هذا أم للأبد؛ فقال - ﷺ -: \"هو للأبد، ولو قلت لعامنا لوجب \".\nوجه الدلالة: أنه لو لم يكن للرسول - ﷺ - الاختيار لما قال ما قال، وكون الاختيار له - ﷺ - في أن يقول:\n\" نعم \" ظاهره الاختيار بالاجتهاد،\nأي: له الحق في أن يقول ذلك بالاجتهاد.\nالدليل الثالث: أن النبي - ﷺ -\nلما أراد أن ينزل ببدر دون الماء، قال\nله الحباب بن المنذر: إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي\nوالمكيدة فأنزل بالناس دون الماء، لنحول بينه وبين العدو، فقال\nلهم: ليس بوحي، وإنما هو رأي واجتهاد، ورجع إلى قوله،\nورحل وذهب إلى الموضع الذي أشار به الحباب، فهذا صريح في\nوقوع الاجتهاد منه - ﷺ -.\nالدليل الرابع: أن النبي - ﷺ - لما قال بشأن مكة:\n\" لا يختلى خلاها، ولا يعتضد شجرها ... \"\nقال له العباس: إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا،\nفقال ﵇: \" إلا الإذخر \".\nفلم يقبل الرسول - ﷺ - قول العباس الطالب للتخفيف إلا بالاجتهاد ومعلوم أن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الاستثناء\nبالاجتهاد.\nاعتراض على هذا:\nقال قائل - معترضا -: إن هذا الدليل يحتمل احتمالات هي:\nالأول: أنه يحتمل أن الرسول - ﷺ - كان مأمورًا بالوحي بالاستثناء عندما يسأله العباس.\nالثاني: أنه يحتمل أن جبريل - ﵇ - كان حاضرًا،\nفأشار إليه بقبول طلب العباس.","vol":"5","page":2343},{"text":"الثالث: أنه يحتمل أن الرسول - ﷺ - كان يريد أن يستثني الإذخر فسبقه العباس.\nوإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول عام لجميع الاحتمالات وهو: أن هذه الاحتمالات\nمجرد تصورات لا دليل عليها، وما لا دليل عليه لا يعتد به.\nالجواب الثاني خاص في الاحتمال الثالث - وهو: كون النبي\n- ﷺ - كان يريد استثناء الإذخر فسبقه العباس - وهو: أنا لا نسلم ذلك؛ لأن المستثنى لا يجوز تأخيره عن المستثنى منه، حذرًا من\nالتلبيس، وقد انتقل الرسول - ﷺ - من الجملة التي تفيد حرمة قطع الإذخر من غير أن يستثني إلى أخرى وهي: \" ولا تحل ساقطتها إلا\nلمنشد، ومن قتل قتيلًا فهو بخير النظرين ... \"\nوحين ذاك قال العباس ما قال.\nالمذهب الثاني: أن الاجتهاد لم يقع من النبي - ﷺ -.\nوهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وكثير من المتكلمين.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لو وقع من النبي - ﷺ - الاجتهاد لاستفاض نقله؛ لكونه حادثًا غريبا بالنسبة له - ﷺ -، لكنه لم ينقل إلينا فلم يقع منه - ﷺ -.\nجوابه:\nأن الاجتهاد وقع منه - ﷺ -، واستفاض، ونقل إلينا بطرق مختلفة","vol":"5","page":2344},{"text":"تكفي لإثبات أن - ﷺ - اجتهد في أمور، وقد سبقت الأمثلة على ذلك، ولا يلزم عدم اطلاع بعض الناس عليها أنه لم يقع.\nالدليل الثاني: أنه لو وقع الاجتهاد من النبي - ﷺ - للزم من ذلك اختلاف اجتهاداته - كعادة المجتهدين - ولو اختلفت اجتهادات النبي - ﷺ - لاختلفت أحكامه التي يصدرها فيتهم بسبب ذلك بتغير رأيه، وبوضع الشريعة، لكنه لم تتغير أحكامه، ولم يتهم بذلك، فينتج أن لم يقع منه الاجتهاد.\nجوابه:\nأن اجتهاد النبي - ﷺ - ليس مثل اجتهادات غيره تتغير وتتبدل في قضايا متشابهة، بحيث يوجه إليه هذه التهمة، وعندما أخطأ في\nبعض اجتهاداته مما يكون سببا في تغيير نتائجها: نزل الوحي\nلتصحيح هذا الخطأ، فمنع السبب في توجيه تلك التهمة إليه - ﷺ -، وبذلك يكون مجتهدًا من غير أن يصدر منه ما يوجب هذا الاتهام، فلا يتخذ عدم توجيه هذه التهمة إليه ذريعة لإنكار اجتهاده.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على جواز اجتهاده\n- ﷺ -، وكونه وقع منه ذلك الاجتهاد أو لم يقع، فإنه لا يغير من المعنى والحكم شيئًا.","vol":"5","page":2345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>المبحث التاسع هل يجوز الخطأ في اجتهاد - ﷺ </span>-؟\nلقد اختلف أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الاجتهاد\nوقع منه - ﷺ - في جواز الخطأ في اجتهاده - ﷺ -.\nالمذهب الأول: أنه يجوز الخطأ في اجتهاده - ﷺ -.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - لما أذن للذين تخلفوا عن غزوة تبوك: بين اللَّه تعالى في هذه الآية خطأه في ذلك.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى\nحتى يثخن في الأرض) .\nوجه الدلالة: أن - ﷺ - لما أخذ المال عوضا عن أسرى بدر: بين اللَّه تعالى له أنه أخطأ بترك قتل هؤلاء الأسرى، حتى قال النبي\n- ﷺ -: \" لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر \"، وذلك لأن عمر بن الخطاب قد أشار بقتل الأسرى.\nالدليل الثالث: قوله ﵊: \" إنما أحكم بالظاهر\nوإنكم لتختصمون إليَّ، ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض،\nفمن قضيت له بشيء من مال أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة\nمن النار \".","vol":"5","page":2346},{"text":"وجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - قد بين هنا أنه يقضي بما لا يكون حقا في نفس الأمر، وهذا يدل على أنه يقع منه الخطأ في اجتهاده.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز الخطأ في اجتهاده - ﷺ -\nوهو مذهب بعض الشافعية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه - تعالى - قد أمرنا - هنا - باتباع حكم\nالرسول - ﷺ -، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لكنا قد أمرنا باتباع الخطأ، والشارع لا يمكن أن يأمر بذلك.\nجوابه:\nهذا منقوض بأن اللَّه - تعالى - قد أمر العامي باتباع قول المجتهد\nوالمفتي مع جواز خطئه، فلو كان ما ذكروه صحيحا للزم من ذلك:\nأن اللَّه تعالى أمر باتباع الخطأ، وهذا لا يقوله أحد.\nالدليل الثاني: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة: اتباع\nالرسول - ﷺ - في الأحكام الشرعية؛ إقامة لمصالح الخلق، فلو جاز الخطأ على النبي - ﷺ - في حكمه.: للزم من ذلك التردد في قوله، والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهذا محال.\nجوابه:\nإن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن اللَّه - تعالى -: أوامره،\nونواهيه، والمقصود من إظهار المعجزة: إظهار صدقه فيما يقوله من","vol":"5","page":2347},{"text":"الرسالة، والتبليغ عن اللَّه تعالى، وذلك مما لا يتصور خطأه فيه\nبالإجماع.\nبخلاف ما يحكم به عن اجتهاده، فإنه لا يقول فيه عن وحي،\nولا بطريق التبليغ، بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين، فتطرق\nالخطأ إليه في ذلك لا يوجب الإخلال بمعنى البعثة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لأن ما حكم به باجتهاده - ﷺ - إما أن يكون صوابا من أول الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ الأمر، لكن الله\nتعالى يرشده إلى الصواب، فهو صواب في نهاية الأمر.","vol":"5","page":2348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>المبحث العاشر هل كل مجتهد مصيب في الفروع أو المصيب واحد</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المصيب واحد من المجتهدين.\nوأصحاب هذا المذهب يُسمون بالمخطئة؛ حيث إنهم يرون: أن لله\nتعالى في كل حادثة حكما معينا، أصاب الحق من أصابه، وأخطأه\nمن أخطأه.\nفمثلًا: إذا حدثت حادثة في الفروع، ولم يوجد دليل قاطع في\nحكمها من نص، أو إجماع: فإنا نعلم أن لله تعالى فيها حكما\nشرعيا معينا، فيطلب المجتهدون ذلك الحكم بشتى أنواع الاجتهاد:\nفمن أدركه كان مصيبا، ومن لم يدركه كان مخطئا لا إثم عليه، ولا\nيقطع بخطأ واحد بعينه من المجتهدين، ولا يقطع بإصابة واحد بعينه.\nوهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة السكوتي، بيانه:\nأنه انتشرت عن الصحابة - ﵃ - وقائع ومسائل خطأ\nبعضهم بعضًا فيها، وصرخوا بلفظ الخطأ والإنكار، فلو كان كل\nمجتهد في ذلك مصيبا لم يخطئ بعضهم بعضا، بل كان يقول\nبعضهم لبعض: \" أنا مصيب وأنت مصيب \".\nوإليك بعض الأمثلة على ذلك:","vol":"5","page":2349},{"text":"١ - قول أبي بكر ﵁ - لما سئل عن الكلالة -:\n\"أقول فيها برأيى، فإن كان صوابا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمني،\nوأستغفر اللَّه، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: ما عدا الوالد\nوالولد \".\n٢ - قول عمر - ﵁ - في قضية قضاها -: \" والله ما\nيدري عمر أصاب أم أخطأ \".\n٣ - أنه لما كتب كاتب لعمر: \" هذا رأي اللَّه ورأي عمر \"\nقال له عمر: \" بئس ما قلت: اكتب: هذا مارآه عمر، فإن يكن\nصوابا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمن عمر \".\n٤ - قول ابن مسعود - ﵁ - لما سئل عن المفوضة:\nهل لها مهر؛ -: أقول فيها برأيى فإن كان صوابا فمن اللَّه، وإن\nكان خطأ فمن الشيطان: للمرأة مهر مثيلاتها ... \".\nففي هذه الأمثلة الأربعة قد بين كل من أبي بكر، وعمر، وابن\nمسعود أن الحق واحد قد يصيبه بعض المجتهدين، وأن غيره خطأ.\n٥ - أن عمر أرسل إلى امرأة فأفزعها فأجهضت، فاستشار عثمان\nابن عفان، وعبد الرحمن بن عوف فقالا: \" لا شيء عليك إنما أنت\nمؤدب \"، وكان عليّ في القوم ساكتا، فقال عمر: عزمت عليك\nيا أبا الحسن لتخبرني، فقال عليّ: \" إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا،\nوإن كانا ما اجتهدا فقد غشاك: عليك الدية \"، فقبل قوله، ولم\nينكر عليه عمر تخطئة عثمان وعبد الرحمن.\n٦ - أنه لما ورَّث زيد بن ثابت الإخوة مع الجد اعترض عليه ابن\nعباس - ﵃ - فقال: \" ألا يتقي اللَّه زيد، يجعل ابن","vol":"5","page":2350},{"text":"الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا \"، فلو كان كل مجتهد مصيبا لما\nأنكر على زيد، ولقال هو: هو مصيب، وأنا مصيب.\nفهذه الأمثلة والصور وإن لم تتواتر آحادها إلا أنه بمجموعها تفيد\nحصول التواتر عن طريق المعنى على أن الصحابة - ﵃ -\nقد اتفقوا على أن الحق واحد يصيبه بعض المجتهدين ويخطئه آخرون.\nما اعترض به على هذا الدليل:\nالاعتراض الأول: أن إنكار بعضهم على بعض لا يدل على أن\nالحق واحد، وأن بعض المجتهدين يصيبه، والبعض الآخر قد\nيخطئه، بل إن الواحد قد نسب الخطأ إلى الآخر في اجتهاده؛ نظرًا\nلأن الصحابي المخطئ لم يبلغ درجة الاجتهاد، لذلك أنكر عليه.\nجوابه:\nأن هذا الاعتراض ظاهر البطلان؛ لأن الصحابة الذين قد اتهموا\nبالخطأ في الاجتهاد، أو اتهموا أنفسهم: هم من كبار الصحابة\nالمجتهدين كأبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعثمان،\nوعبد الرحمن بن عوف، وعلي، كما سبق في الأمثلة، فإن كان\nهؤلاء لم يبلغوا درجة الاجتهاد وليسوا أهلًا له، فمن الذي بلغ\nدرجة الاجتهاد في نظر هذا المعترض؟!\nالاعتراض الثاني: أن الواحد قد نسب الخطأ إلى الآخر في\nاجتهاده؛ نظرًا لأن الصحابي المخطئ قد بلغ درجة الاجتهاد لكنه قد\nقصر في الاجتهاد، ولم يبذل قصارى جهده للوصول إلى الحق.\nجوابه:\nإن هذا ظاهر الفساد - أيضا -؛ لأنه سوء ظن في الصحابة","vol":"5","page":2351},{"text":"- ﵃ -، وأنهم فرَّطوا، وقصروا في النظر، وأفتوا\nبالخطأ مع استطاعتهم على الوصول إلى الصواب، وهذا فيه حكم\nبالجهل، وحكم بالهوى والتشهي المجرد، وهذا لا يمكن في صحابة\nقد اختارهم اللَّه لصحبة نبيه لمجيم، وعدَّلهم اللَّه ورسوله، وبذلوا\nالنفس والنفيس لأجل إعلاء كلمة اللَّه، ونصرة دينه.\nفهذا الاعتراض يدل على أن قائله جاهل بأحوال الصحابة وما هم\nعليه من التقوى والورع والزهد، وأنهم يتدافعون الفتوى، ولا يفتي\nأحدهم إلا بعد التروي والمكث الطويل، ومن كان جاهلًا بهذه\nالأحوال عن الصحابة، فلا يعتد بقوله.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (ففهمناها سليمان وكلًا آتينا حكما وعلما) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد بين أن المصيب واحد، وأن الحق\nفي قوله، وهو سليمان - ﵇ - فخصصه بفهم الحق في\nتلك الواقعة، وهذا يدل على عدم فهم داود - ﵇ - له،\nفلو كانا مصيبين معًا في الحكم لم يكن سليمان مختصا بفهمها.\nأي: لو استوى داود وسليمان - ﵉ - في إصابة\nالحكم لما كان تخصيص سليمان بالفهم مقيدا.\nوهذه الآية تدل - أيضا - على أن الإثم محطوط عن المجتهد\nالمخطئ؛ لأن اللَّه تعالى مدح كلًّا من داود وسليمان فى آخر الآية\nالسابقة.\nما افترض به على هذا الدليل:\nالاعتراض الأول: معروف أنه لا يجوز الخطأ على الأنبياء - عليهم","vol":"5","page":2352},{"text":"السلام - فكيف تجوز نسبة الخطأ إلى داود - ﵇ - وهو نبي\nمن الأنبياء؟\nجوابها:\nلقد قلنا - فيما سبق -: إنه يجوز الخطأ في اجتهاد النبي - ﷺ -، لكنه لا يقر عليه، وهو مذهب الجمهور، وقد ذكرت عدة أدلة على ذلك، وإذا جاز الخطأ إلى اجتهاده - ﷺ -، فإنه يجوز الخطأ في اجتهاد بقية الأنبياء ولا فرق.\nالاعتراض الثاني: أنه لا يوجد دليل يدل على أن داود قد حكم\nباجتهاده، ثم نسب إليه الخطأ، بل قد يكون داود قد حكم بنص،\nثم نسخ ذلك النص، فعلم سليمان بذلك النسخ، ولم يعلم داود\nفحكم فاصاب.\nجوابه:\nإن ظاهر الآية قد دلَّ على أن داود قد حكم بالاجتهاد؛ حيث قال\nتعالى: (ففهمناها)، وإنما يوصف بالفهم من سمع الشيء المشتبه\nففهمه بفكره عن طريق أمارات ودلائل ظهرت له.\nفلو حكم داود بالنص - كما زعم المعترض -: لما اختص سليمان\nبالفهم دونه؛ لأنهما لا يختلفان في ذلك؛ حيث إن من أخبر\nبالحكم، ولم يخبر به غيره: لا يقال: فهم دون غيره، وإنما يقال:\nسمع وأخبر، دون غيره.\nالاعتراض الثالث: أنه لو كان داود مخطئا في الحكم فإنه لا\nيمدح، بل يذم، ولكن اللَّه تعالى قد مدحه، فوصفه بأنه قد أوتي\nحكما وعلما، فثبت أن اجتهاده كان صوابا وعلما.","vol":"5","page":2353},{"text":"جوابه:\nأن اللَّه تعالى لما قال: (وكلا آتيناه حكما وعلما)، فإنه عمم\nذلك، فلم يقل: إنه آتاه حكمًا وعلما في هذه القضية، والحكومة،\nفيحتمل: أنه أتاه في غيرها.\nأو يكون \" كلًا آتيناه حكمًا وعلما \" بوجود الاجتهاد، وطرق\nالأحكام، ثم إن أحدهما فهم هذه الحكومة، والآخر لم يفهمها.\nالدليل الثالث: قوله - ﷺ -:\n\"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر \".\nوجه الدلالة: أن هذا صريح في أنه المجتهد يصيب ويخطئ،\nويؤجر المخطئ بأجر وثواب أقل من أجر المجتهد المصيب، فدل هذا\nعلى أن الحق واحد يصيبه المجتهد تارة، ويخطئه أخرى.\nالدليل الرابع: قوله - ﷺ -:\n\"إنما أحكم بالظاهر، وإنكم لتختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته منْ بعض، وإنما أقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار \".\nهذا الحديث يدل على أن المصيب واحد، وغير مخطئ من وجوه:\nالوجه الأول: أنه لو كان ما قضي به الرسول - ﷺ - هو الحكم عند الله - تعالى -: لما اختلف باختلاف لحن المتخاصمين، أو تساويهما في ذلك.\nالوجه الثاني: أنه لو كان ما قضى به النبي - ﷺ - هو مصيب فيه، وأنه حكم اللَّه - تعالى -: لما قال:\n\" قضيت له بشيء من حق أخيه \"،\nولما قال: \" إنما أقطع له قطعة من النار \"، حيث إنا نفهم","vol":"5","page":2354},{"text":"من ظاهر هاتين العبارتين أنه - ﷺ - يمكن منه الخطأ، فيعطي حق هذا لذاك، ولكنه لا يأثم في هذا الخطأ.\nالوجه الثالث: أن النبي - ﷺ - بيَّن أنه يقضي للإنسان بحق أخيه عن طريق الخطأ؛ لأنه يقضي بالظاهر، وقد يكون الظاهر خلاف\nالواقع، ولو كان المخطى في الاجتهاد يأثم لما فعله النبي - ﷺ -.\nالدليل الخامس: أن النبي - ﷺ - كان إذا بعث جيشا أوصاهم بقوله:\n\" إذا حاصرتم حصنا، أو مدينة، فطلبوا منكم أن تنزلوهم على\nحكم اللَّه فلا تنزلوهم على حكم اللَّه، فإنكم لا تدرون ما يحكم\nالله فيهم.. \".\nوجه الدلالة: أن هذا يدل على أن لله تعالى حكما في الحادثة،\nوأن هذا الحكم ليس هو ما يؤدي إليه الاجتهاد قطعا ويقينا.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: إنه نهى عن ذلك؛ مخافة أن يحكموا\nفينزل اللَّه - تعالى - حكما غير ذلك الذي حكموا به.\nجوابه:\nأن هذا الكلام من المعترض يدل على أن لله حكما قد يدركه\nالمجتهد، وقد يخطئه.\nالدليل السادس: أنه لو صح تصويب كل واحد من المجتهدين:\nلجاز لكل واحد من المجتهدين في القِبْلة أن يقتدي كل واحد منهما\nبصاحبه؛ لأن صلاة كل واحد صحيحة، فما المانع من الاقتداء بمن\nصلاته صحيحة؛ وكذلك لو اختلف مجتهدان في الماء الذي في هذا الإناء:","vol":"5","page":2355},{"text":"فقال أحدهما: إنه طاهر، وقال الآخر: إنه نجس، فإنه يجوز على\nمذهب المصوبة اقتداء كل واحد منهما بالآخر، ولكن هذا لا يجوز؛\nلاتفاق الأُمَّة على فساد هذا الاقتداء، فدل على أن الحق واحد.\nالدليل السابع: أن الأُمَّة مجمعة على جواز المناظرة بين المجتهدين؛\nلما في ذلك من الفوائد الكثيرة، ولو كان كل واحد من المتناظرين\nمصيبا فيما ذهب إليه لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة، وذلك لأن\nكل واحد يعتقد أن ما صار إليه خصمه حق، وأنه مصيب فيه.\nووجدت المناظرة إما لأجل معرفة أن ما صار إليه خصمه صواب،\nأو لرده عنه.\nفإن كان الأول ففيه تحصيل الحاصل، وإن كان الثاني فقصد كل\nواحد لرد صاحبه عما هو عليه مع اعتقاده أنه صواب يكون حراما.\nالمذهب الثاني: أن كل مجتهد في الفروع مصيب، وأن حكم الله\n- تعالى - لا يكون واحدًا معيتا، بل هو تابع لظن المجتهد،\nفحكم اللَّه - تعالى - في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده،\nوغلب على ظنه، وسمي أصحاب هذا المذهب بالمصوبة.\nوهو مذهب أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وبعض المتكلمين،\nوأكثر المعتزلة، ومنهم أبو الهذيل، وأبو علي، وابنه.\nدليل هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن القطع والترك بأمر اللَّه تعالى\nفهما صوابان مع كونهما ضدين.","vol":"5","page":2356},{"text":"جوابه:\nهذا من باب الواجب ألمخير؛ حيث خير اللَّه تعالى عباده بين قطع\nالنخل وعدمه، والعلمأء لم يمنعوا أن يرد الحكم من اللَّه تعالى\nبالتخيير في الأشياء، كما ورد التخيير بين خصال كفارة اليمين.\nوإنما منعوا أن يكون الحكم من المجتهد وضده من مجتهد آخر،\nكلاهما يكونان على صواب.\nالدليل الثاني: ما روي عن النبي - ﷺ -:\n\"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم \".\nوجه الدلالة: إن هذا الحديث يدل على أن كل واحد منهم على\nصواب في اجتهاده.\nجوابه:\nإن الحديث يحتمل عدة احتمالات هي كما يلي:\nالأول: أن المراد به أن العامي يقلد من أراد منهم.\nالثاني: أن المراد به أن أيهم اقتديتم واهتديتم في روايته - عني -\nأي: عن النبي - ﷺ -.\nالثالث: أن المراد به أن قول الواحد منهم حُجَّة إذا انفرد.\nواذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.\nاعتراض:\nقال قائل - معترضا -: إذا ثبت أن العامي يقلد من شاء دلَّ على\nأن الحق ليس في واحد، بل كل منهم على الحق.","vol":"5","page":2357},{"text":"جوابه:\nنحن جوَّزنا تقليد من شاء، ولم نشترط عليه تقليد من معه الحق؛\nلأنه لا طريق له إلى ذلك بأن يأخذ الحكم.\nالدليل الثالث: أنه لو كان الحق في واحد لما أجمع العلماء على\nجواز أن يقلد العامي من شاء من المجتهدين، فلما أجمعوا على ذلك\nدلَّ على أن كل مجتهد مصيب.\nجوابه:\nأن الحكم المجتهد فيه لا يوجد عليه دليل مقطوع به، وإلا فلو كان\nمع أحدهما دليل مقطوع به: لجاز أن يقال للمقلد: من أفتاك خلاف\nهذا فلا تقبله.\nوأجمع العلماء - أيضًا - على أن المجتهد إذا أخطا، فلا إثم على\nالمقلد له، وهو مصيب في تقليده، فلهذا لم يمنع.\nالدليل الرابع: قياس اختلاف الفقهاء على اختلاف القراء، فكما\nأن كل من قرأ بحرف نقول: إنه مصيب، والقارئ بحرف آخر\nنقول: إنه مصيب أيضا، فكذلك هنا.\nجوابه:\nأن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق:\nأن اختلاف القراء يرجع إلى نقل متواتر، وإعلام الشرع بأن\nالقرآن نزل على سبعة أحرف، ولا تناقض في ذلك، ولهذا كل\nواحد من القراء له أن يقرأ بحرفه، وحرف غيره في حالة واحدة.\nبخلاف مسألتنا التي نحن فيها، فإنه ليس لمجتهد أن يفتي بشىء\nوضده في حالة واحدة؛ لما في ذلك من التناقض.","vol":"5","page":2358},{"text":"الدليل الخامس: أنه لو أداه اجتهاده في وقت إلى جواز شيء،\nثم أداه اجتهاده في وقت آخر إلى تحريم ذلك الشيء: فلو قلنا بأن\nالحق واحد للزم من ذلك: أنه لا يجوز له أن يحكم بالثاني - وهو\nالتحريم -؛ لأن عنده أن ذلك خطأ؛ حيث إنه حكم بالأول.\nجوابه:\nإنه ثبت عنده أنه خطأ ظنا لا علما، وفي هذه الحال قد بأن له أنه\nصواب أيضا بالظن، وأن الأول خطأ، فحكم في كل حال بما أداه\nإليه اجتهاده أنه الحق، وصار كالحكم في مسألتين.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث ترتب على ذلك اختلاف في بعض\nالفروع الفقهية، ومنها: إذا صلى خلف من توضأ تاركا للنية، أو\nالترتيب، أو أي شيء مما اختلف فيه: فإنه تجب الإعادة على من\nيرى وجوب النية في الوضوء، أو الترتيب فيه بناء على المذهب\nالأول.\nأما بناء على المذهب الثاني، فإن الإعادة لا تجب على من يرى\nوجوب النية والترتيب في الوضوء؛ لأن كل مجتهد مصيب.","vol":"5","page":2359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>المبحث الحادي عشر هل كل مجتهد مصيب في أصول الدين\nأو المصيب واحد</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المصيب واحد في أصول الدين.\nوهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو الحق؛\nلأن كل قولين لا يجوز ورود الشرع بصحة كل واحد منهما: لم\nيجز أن يكونا صوابين كقول المسلمين بالتوحيد، وقول غيرهم بالتثنية\nوقول النصارى بالتثليث.\nالمذهب الثاني: أن كل مجتهد مصيب.\nوهو ما روي عن عبيد الله بن الحسن العنبري؛ حيث حكي عنه\nقوله: \" إن المجتهدين في الأصول من أهل القبْلة جميعهم مصيبون\nمع اختلافهم \"، وحكي أيضا عن الجاحظ.\nدليل هذا المذهب:\nقياس الأصول على الفروع، فإذا جاز أن يكون كل مجتهد مصيبا\nفي الفروع جاز مثله في الأصول، ولا فرق.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الأصل المقاس عليه لا نسلمه؛ حيث إنه\nليس كل مجتهد مصيبا في الفروع، بل المصيب واحد كما قلنا ذلك.","vol":"5","page":2360},{"text":"الجواب الثاني: على فرض تسليم الأصل المقاس عليه، فإن هذا\nالقياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الفرع ليس\nعليها أدلة قطعية، ويجوز أن يرد الشرع بحكمين متضادين فيها في\nحق شخصين كالصلاة تحرم على الحائض، وتجب على الطاهر،\nفلذلك جاز القول فيها: إن كل مجتهد مصيب، بخلاف الأصول،\nحيث إن عليها أدلة قاطعة، ولا يجوز أن يرد الشرع بحكمين\nمتضادين فيها، ولذلك لم يجز الحكم فيها ويقال: إن كل مجتهد\nمصيب.\nتنبيه: هذه المسألة تخص العقيدة، ولا صلة لها بأصول الفقه،\nوإنما ذكرتها هنا لأنها لها صلة بالمسألة السابقة.","vol":"5","page":2361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>المبحث الثاني عشر إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز\nعن الترجيح وتحيَّر فماذا يفعل</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن عليه التوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من\nالآخر بأي أمارة، فإن لم يعلم فإنه يسقطهما، ويعمل بالبراءة\nالأصلية، ولا يجوز التخيير بينهما، ولا العمل بأحدهما.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، والحنابلة، وهو الحق\nعندي؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن تخيير المجتهد في الأخذ بأحد الدليلين\nالمتعارضين عنده يؤدي إلى باطل، وما يؤدي إلى باطل فهو باطل؛\nوذلك لأن التخيير يلزم منه الجمع بين النقيضين؛ لأن التخيير هو\nتساوي الطرفين، وهو الإباحة، والمباح نقيض المحرم، فإذا تعارض\nدليل مبيح مع دليل محرم، فخيرنا المجتهد بين كونه محرما يأثم\nبفعله، وبين كونه مباحا لا إثم على فاعله: كان ذلك جمعا بين\nهذين المتناقضين، والجمع بينهما باطل.\nالدليل الثاني: أنه لو تعارض دليلان عند المجتهد، أحدهما\nيقضي بإيجاب الحكم، والآخر يقضي بإباحته، ثم ذهب المجتهد\nإلى المذهب الثاني - وهو: تخيير المجتهد بينهما - فقد تضمن هذا\nترجيح الدليل المبيح على الدليل الموجب بلا دليل، وهذا تحكم،\nوالتحكم باطل بالاتفاق.","vol":"5","page":2362},{"text":"المذهب الثاني: أنه إذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح\nأحدهما على الآخر عنده، فإنه يتخير بينهما، فإن شاء أخذ بهذا\nالدليل، وإن شاء أخذ بالدليل الآخر، ولا يرجح أحدهما على\nالآخر، ولا يجوز له التوقف.\nوهو مذهب بعض الحنفية كالجرجاني، والجصاص، وبعض\nالمعتزلة كأبي علي وابنه، وبعض المالكية كأبي بكر الباقلاني.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن أمام المجتهد احتمالات خمسة باطلة إلا واحد،\nوهي كما يلي:\nالاحتمال الأول: إما أن يعمل المجتهد بالدليلين معا؛ المثبت\nوالنافي، وهذا محال؛ لأنه جمع بين متناقضين.\nالاحتمال الثاني: وإما أن يسقط المجتهد الدليلين معا، فلا يعمل\nبهما وهو باطل؛ لأنه يؤدي إل تعطيل دليلين قد ثبتا. -\nالاحتمال الثالث: وإما أن يتوقف فلا يعمل بهما معا حتى يرد ما\nيرجح أحدهما، وهو باطل؛ لأن التوقف إلى غير غاية فيه تعطيل\nلدليلين قد ثبتا، ويمكن أن يكون الحكم في المسألة لا يقبل التأخير\nبأي حال.\nالاحتمال الرابع: وإما أن يرجح أحدهما فيعمل به، دون الآخر،\nوهو باطل؛ لأنه تحكم، أي: هو تعيين بلا دليل، وليس أحدهما\nبأوْلى من الآخر.\nالاحتمال الخامس: وإما أن يتخير بينهما، فيختار ما شاء منهما\nفيأخذه فيعمل به على طريقة الإباحة، وهذا هو الصحيح؛ وذلك","vol":"5","page":2363},{"text":"لكون كل واحد منهما في قوة الآخر، وليس أحدهما بأوْلى من\nالآخر، وهو مذهبنا.\nجوابه:\nلا نسلم صحة الاحتمال الخامس؛ لما ذكرناه من الدليلين السابقين\nعلى أن التخيير باطل.\nبل المسلم هو الاحتمال الثالث وهو: التوقف - وهو مذهبنا -\nوليس فيه تعطيلًا للدليلين، حيث إنا لا نقصد به التوقف المطلق،\nبل نقصد أن يتوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من الآخر، فإن\nلم يعلم فإنه يسقطهما، ويعدل إلى دليل آخر كالبراءة الأصلية؛\nقياسًا على القاضي إذا تعارضت عنده بينتان.\nومعروف أنه لا توجد أية حادثة إلا ويوجد لها دليل يدلنا على\nالحكم فيها؛ لأن اللَّه تعالى قد كلفنا بأن نوجد أحكاما شرعية لكل\nالحوادث المتجددة، ولا سبيل لإيجاد هذه الأحكام إلا بدليل شرعي،\nفلو لم يجعل دليلًا لذلك: كان هذا تكليفا بما لا يطاق.\nوالتوقف واقع في الشريعة في صور، ومنها:\n١ - أن المجتهد إذا سأله بعض المستفتين عن حكم مسألة لم يجد\nلها دليلًا يعتمد عليه من نقل، أو عقل، فإنه حينئذٍ يتوقف.\n٢ - أنه إذا حدثت حادثة للعامي، فلم يجد مجتهدًا يفتيه بها\nبحكم، فليس أمامه إلا التوقف، لأنه لا يعرف الأدلة حتى يجتهد\nلنفسه.\nالدليل الثاني: قياس المجتهد على العامي؛ حيث إن العامي إذا\nحدثت له حادثة، فسأل مجتهدًا عن حكمها فأفتاه بأن حكمها","vol":"5","page":2364},{"text":"الجواز، وسأل مجتهدا آخر فافتاه بأن حكمها التحريم: فإن العامي\nيختار أيهما شاء إما حكم الجواز، أو التحريم، ولا حرج عليه في\nذلك، فكذلك المجتهد إذا تعارض عنده دليلان يختار أيهما شاء ولا\nفرق بجامع: أن كلًّا منهما يتخير، فالعامي يتخير بين حكمين،\nوالمجتهد يتخير بين دليلين.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه وهو\nالعامي؛ حيث إن العلماء اختلفوا في العامي إذا أفتاه مجتهدان قد\nاختلفا في الحكم على أقوال:\nفقيل: إن العامي يتخير بين فتوى هذا، وفتوى ذاك، وهو رأي\nأكثر العلماء.\nوقيل: إن العامي ينظر في أعيان المجتهدين، فيقبل قول أدينهما،\nوأعلمهما، وهو مذهب كثير من الحنابلة، وبعض الشافعية.\nوقيل: إن العامي يأخذ بالأثقل والأغلظ من قولي المجتهدين؛\nاحتياطًا.\nوقيل: إن العامي يأخذ بالأسهل والأخف من قوليهما؛ لأن\nالشريعة جاءت باليسر.\nوقيل: إن العامي يأخذ بالأرجح دليلًا في اعتقاده.\nوقيل: إنه ينبغي أن يسأل مجتهدًا ثالثا.\nإذن الحكم في الأصل مختلف فيه، فلا يجوز لكم أن تقيسوا على\nأصل قد اختلف في حكمه.","vol":"5","page":2365},{"text":"الجواب الثاني: سلمنا أن الأصل المقاس عليه قد اتفق على حكمه\nوهو: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه\nقياس مع الفارق، ووجه الفرق:\nأن العامي ليس أهلًا للنظر في الأدلة، ولم يتعبَّده الشارع باتباع\nموجب ظنه.\nوكذلك فإن العامي لا يكلف بأن يرجح بين حكمي المجتهدين في\nحادثته.\nأما المجتهد فإنه يختلف عنه في ذلك؛ فإنه أهل للنظر في الأدلة،\nوقد تعبّده اللَّه باتباع موجب ظنه، وهو مكلف بترجيح أحد الدليلين\nإذا تعارضا.\nفأما إذا تعارض دليلان، ولم يجد مرجحا لأحدهما على الآخر،\nفإنه لم يغلب على ظنه ترجيح أحد الدليلين على الآخر؛ لأنه لا ظن\nله هنا، فحينئذٍ يجب عليه التوقف.\nالدليل الثالث: أن التخيير بين الحكمين في الشرع قد وقع في\nصور، ومنها:\n١ - التخيير بين خصال كفارة اليمين بين الإعتاق، أو الإطعام،\nأو الكسوة.\n٢ - أن من دخل الكعبة، فإنه يخير بأن يستقبل أي جدار أراد.\nووقوع التخيير في الشرع دليل على أن التخيير بين الدليلين بالنسبة\nللمجتهد ليس ببعيد ولا بمستنكر.\nجوابه:\nأنا لا ننكر أن التخيير قد ورد في الشرع كما ذكرتم من الأمثلة،","vol":"5","page":2366},{"text":"وهذا التخيير ليس فيه جمع بين نقيضين، فلم يمتنع عقلًا، فجاز\nعقلًا وشرعا.\nلكن الذي ننكره هو التخيير الذي يؤدي إلى الجمع بين النقيضين\nمثل: أن يتخير بين الواجب، وغير الواجب، والحرام، والمباح،\nفهذا لم يرد به الشرع، ويمتنع عقلًا؛ لأنه محال.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، وهو واضح؛ حيث إنه يجوز الاستدلال\nبالبراءة الأصلية على حكم حادثة قد ورد فيها دليلان متعارضان،\nوهذا بناء على المذهب الأول.\nأما بناء على المذهب الثاني: فإنه لا يجوز الاستدلال بالبراءة\nالأصلية عند تعارض الدليلين، بل يختار أحد الدليلين ويعمل به.","vol":"5","page":2367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>المبحث الثالث عشر هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة\nقولين متضادين في وقت واحد</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، فلا يجوز له أن يقول في\nالحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والإباحة في وقت واحد.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن الصحابة - ﵃ - قد تكلموا في\nفروع فقهية كثيرة - كما سبق في باب القياس - ولم يحك ويرو عن\nأحد منهم أنه قال في مسألة واحدة قولين متضادين في وقت واحد،\nمع أنه روي لنا آلاف من الآثار عنهم، وهذا يدل على عدم جوازه.\nالدليل الثاني: أن قول المجتهد في مسألة واحدة قولين متضادين\nفي وقت واحد لا يخلو من ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: إما أن يكونا صحيحين.\nالحالة الثانية: إما أن يكونا فاسدين.\nالحالة الثالثة: إما أن يكون أحد القولين صحيحًا، والقول الآخر\nفاسدًا.\nأما الحالة الأولى - وهي: كونهما صحيحين - فلا تصح؛ لأن\nالشيء لا يجوز أن يكون حلالًا حراما، ولا نفيا ولا إثباتا؛ حيث\nإنهما ضدان، ولا يمكن اجتماع الضدين.","vol":"5","page":2368},{"text":"أما الحالة الثانية - وهي: كونهما فاسدين - فلا تصح - أيضا -؛\nلأن القولين إذا كانا فاسدين، فإن القول بهما يكون حراما.\nأما الحالة الثالثة - وهي: كون أحدهما صحيحا والآخر فاسدا -\nفلا تصح - أيضا -؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون عالما بفساد القول\nالفاسد، وإما أن يكون غير عالم بذلك.\nأما الأول - وهو: كون المجتهد عالم بفساد الفاسد - فهذا لا\nيصح ولا يمكن؛ لأنه يبعد أن يقول مجتهد بقول فاسد يحرم على\nالأمة العمل به، فهذا تلبيس وتدليس لا يمكن أن يقوله مجتهد من\nمجتهدي أمة محمد - ﷺ -.\nوأما الثاني - وهو: كونه غير عالم بفساد الفاسد - فهذا قد اشتبه\nعليه الفاسد من غير الفاسد، ومثل هذا لا يكون مجتهدًا في المسألة؛\nحيث لم يعلم بحكم تلك المسألة، فلا يقبل منه شيء، فخرج\n- بهذا - عن المجتهدين.\nوإذا ثبت بطلان الحالات الثلاث فإنه يبطل قول المجتهد في حادثة\nواحدة بقولين في وقت واحد.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز أن يقول المجتهد في المسألة الواحدة\nقولين متضادين في وقت واحد.\nوهو محكي عن الشافعي، وبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله - ﷺ -:\n\"إن وليتم أبا بكر وليتم ضعيفا في بدنه قويا في أمر اللَّه تعالى،\nوإن وليتم عمر وليتم قويا في بدنه قويا في أمر اللَّه تعالى \".","vol":"5","page":2369},{"text":"وجه الدلالة: أن هذين قولان، ولم ينص على أحدهما.\nجوابه:\nأن النبي - ﷺ - لم يقل: ولُّوا فلانا، وإنما قال: \" إن وليتم فلانا فهو كذا، وإن وليتم فلانًا فهو كذا \" فهو يبين صفة كل واحد منهما.\nالدليل الثاني: أن عمر - ﵁ - جعل الأمر شورى في\nستة، ولم ينص على واحد منهم بعينه.\nجوابه:\nأن عمر - ﵁ - لم يقل: إن الخليفة بعدي فلان،\nوفلان، وإنما قال: لا أدري أحق بهذا الأمر من أحد هؤلاء الستة.","vol":"5","page":2370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>المبحث الرابع عشر المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم\nكلها حاصلة عنده، وعنده القدرة على الاجتهاد\nفهل يجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: لا يجوز له تقليد غيره مطلقا، أي: سواء مع\nضيق الوقت، أو سعته، لا فيما يخصه، ولا فيما يفتي به،\nوسواء كان المجتهد الآخر مثله في العلم، أو أقوى منه.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن تقليد من لم تثبت عصمته ولا يعلم بالحقيقة\nإصابته الحكم الشرعي، بل يجوز خطأوه، وتلبيسه لا يمكن أن يثبت\nإلا بنص أو قياس على منصوص، ولا يوجد هنا نص، ولا قياس؛\nلأن المنصوص عليه هو: أن العامي يقلد المجتهد؛ حيث إن المجتهد\nله أن يأخذ بنظر نفسه، وللعامي أن يأخذ بقول المجتهد، بيان ذلك:\nأما المجتهد فإنما جاز له الحكم بظنه؛ نظرًا لعجزه عن العلم\nالقطعي بالحكم، فالضرورة دعت إلى ذلك في كل مسألة ليس فيها\nدليل قاطع.\nأما العامي فإنما جاز له تقليد غيره؛ نظرًا لعجزه عن تحصيل العلم\nوالظن بنفسه.","vol":"5","page":2371},{"text":"والمجتهد غير عاجز، فلا يكون في معنى العاجز، فيجب عليه أن\nيطلب الحق بنفسه، ولا يساوى بالعامي.\nالدليل الثاثي: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .\nوجه الدلالة: أن المجتهد من أولي الأبصار الذين أمرهم الله\nتعالى بالاعتبار والاجتهاد، فلو جاز له تقليد غيره: لكان تاركا ما\nوجب عليه، وترك الواجب حرام، فكان تقليده لمجتهد آخر حراما.\nالدليل الثالث - وهو: خاص للاستدلال على أن المجتهد لا يقلد\nالآخر وإن كان مثله في العلم أو أقوى منه -: أن الواجب على\nالمجتهد أن ينظر في المسألة:\nفإن غلب على ظنه أن الحكم في المسألة كذا، ووافق ذلك ما\nغلب على ظن المجتهد الأقوى فحسن.\nوإن غلب على ظن المجتهد الأقل علما خلاف ما غلب على ظن\nالمجتهد الأقوى علما، فماذا ينفع كونه أقوى علما، وقد صار ما\nغلب على ظنه مزيفا وباطلًا عند المجتهد الأقل علما، والخطأ جائز\nعلى الأعلم، وظن المجتهد الأقل علما أقوى في نفسه من ظن غيره،\nوإن كان أعلم منه، وللمجتهد الأقل علما أن يأخذ بظن نفسه اتفاقا،\nولا يلزمه تقليد غيره وإن كان أعلم منه.\nويؤيد ذلك: أن الصحابة - ﵃ - قد سوغوا\nالخلاف لصغار الصحابة كابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير،\nوزيد، وغيرهم من أحداث الصحابة؛ حيث كانوا يخالفون كبار\nالصحابة كأبي بكر، وعمر، وعلي، وغيرهم.\nاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضا -: إن بعض الصحابة: مثل طلحة بن عبيد الله","vol":"5","page":2372},{"text":"والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن\nعوف لم ينقل عنهم أنهم نظروا في الأحكام، واجتهدوا فيها، مع\nظهور الخلاف في عدة مسائل كمسالة: الجد والإخوة، والعول،\nوالتحريم، ونحوها مما يدل على أنهم أخذوا بقول غيرهم من\nالصحابة الآخرين، وقلدوهم في ذلك.\nجوابه:\nأن ما ذكررم من الصحابة - ﵃ - وما ماثلهم كانوا لا\nيفتون ولا ينظرون في الأحكام؛ لأنهم اكتفوا بغيرهم من الصحابة،\nأما علمهم في حق أنفسهم فلم يكن إلا بما سمعوه من - ﷺ - من الكتاب والسّنَة، وعرفوه، فإن وقعت واقعة لم يعرفوا دليلها\nشاوروا غيرهم؛ ليعرفوا الدليل، لا لأجل التقليد.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر مطلقا.\nوهو مذهب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وهو رواية\nعن الإمام أحمد.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه قد أمر بالسؤال، وأدنى درجاته جواز اتباع\nالمسؤول، واعتقاد قوله، وليس المراد به من لم يعلم شيئًا أصلًا،\nبل المراد به من لم يعلم تلك المسألة، وسواء كان عاميا أو لم يجتهد\nفيها وإن كانت له أهلية الاجتهاد، فكان هذا داخلًا تحت عموم\nالآية.","vol":"5","page":2373},{"text":"جوابه:\nلا نسلم عموم الآية، بل هي خاصة بسؤال من ليس من أهل\nالعلم وهو العامي، فيكون المراد منها: أمر العوام بسؤال العلماء؛\nلأنه ينبغي أن يتميز السائل عن المسؤول، فمن هو من أهل العلم\nمسؤول، وليس بسائل، وكون حكم هذه المسألة غير حاضر في\nذهن المجتهد حال سؤال المستفتي عنه لا يخرجه عن كونه عالما؛ لأنه\nمتمكن من معرفة ذلك من غير أن يتعلم من غيره.\nوعلى هذا: لا يكون داخلًا تحت هذه الآية؛ لأن الآية لا دلالة\nلها على أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم، فإنه ليس المسؤول أوْلى\nبذلك السائل.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي\nالأمر منكم) .\nوجه الدلالة: أن المراد بأولي الأمر: العلماء، أي: أمر غير\nالعالم بحكم المسألة بطاعة العالم، وأدنى درجاته جواز اتباعه فيما\nهو مذهبه، وهو عام.\nجوابه:\nأنه اختلف في المراد بـ \" أولي الأمر \" هنا على قولين:\nالقول الأول: إن المراد بهم الولاة، وعلى هذا فإن طاعتهم واجبة\nعلى الجميع، ولا يجب على المجتهد اتباع وطاعة مجتهد آخر.\nالقول الثاني: أن المراد بهم: العلماء، وعلى هذا: وإن طاعتهم\nواجبة على العوام، فلا تصلح الآية للاستدلال بها على ما زعمتم.\nالدليل الثالث: أن المجتهد لا يقدر إلا على تحصيل ظن بالحكم،\nوظن غيره من المجتهدين مثل ظنه، فما المانع من اتباع - ظن غيره؟!\nإذ لا فرق.","vol":"5","page":2374},{"text":"جوابه:\nأنه إذا حصل ظن المجتهد في مسألة لا يجوز له أن يتبع ظن غيره،\nفكان ظنه أصلًا، وظن غيره بدلا منه، ولا يجوز العدول الأخذ\nبالبدل مع القدرة على إيجاد المبدل كما في سائر الأبدال والمبدلات.\nالمذهب الثالث: أنه يجوز أن يقلد المجتهد مجتهدا آخر أعلم منه\nإذا تعذر عليه الاجتهاد.\nوهو مذهب ابن سريج.\nالمذهب الرابع: يجوز أن يقلد المجتهد الواحد من الصحابة إذا كان\nقد ترجح في نظره على غيره ممن خالفه، وإن استووا في نظره فإنه\nيتخير في تقليد من شاء منهم، ولا يجوز تقليد من عدى الصحابة.\nوهو مذهب أبي علي الجبائي، وحكي عن الشافعي أنه قال بذلك.\nالمذهب الخامس: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد الواحد من الصحابة\nوالواحد من التابعين فقظ، دون من عداهم.\nالمذهب السادس: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر فيما\nيخصه، دون ما يفتي نجه.\nالمذهب السابع: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر مطلقا إذا\nخشي أن يفوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد.\nجواب عن تلك المذاهب:\nيقال في ذلك: إن صاحب كل مذهب قد قيد مذهبه بما سبق،\nولم يذكر دليلًا على هذا التقييد، لذلك لا يلتفت إلى ذلك ويبقي\nالأصل وهو: إطلاق عدم الجواز.","vol":"5","page":2375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>المبحث الخامس عشر إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلَّة قد ذكرها\nووجدنا تلك العِلَّة في مسائل أخرى فَما الحكم</span>؟\nأقول: إذا نص المجتهد في مسألة على حكم، وعلل بعِلَّة توجد\nفي مسائل أُخر - سوى المنصوص عليها -: فإن مذهبه في تلك\nالمسائل هو مذهبه في المسألة المعللة، سواء قلنا بتخصيص العِلَّة أو لم\nنقل؛ وذلك لأن هذا المجتهد يعتقد أن الحكم تابع للعِلَّة، أي:\nيوجد الحكم حيث وجدت العِلَّة، فمثلًا هو: اعتقد أن وجوب النية\nلعلة هي: \" الطهارة عن الحدَث \"، فكل ما وجدت هذه العِلَّة فيه:\nيجب أن يكون الحكم موجودًا فيه وهو: وجوب النية، فالوضوء\nطهارة عن حدث، والغسل عن المحيض طهارة عن حدث، إذًا\nيجب أن يوجد الحكم، وهو: وجوب النية، وهكذا.\nهذا إذا لم نقل بتخصيص العِلَّة.\nوإن قلنا بتخصيص العِلَّة: فإن نخصيص العِلَّة إذا قام على تخصيصها\nدليل فإنا نأخذ به، وإن لم يقم: فهي تبقى على عمومها كلفظ\nالعموم يدل على الشمول ما لم يخصه دليل.","vol":"5","page":2376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>المبحث السادس عشر إذا نص المجتهد على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر\nعِلَّة ذلك الحكم، ووجدنا مسألة أخرى تشبهها شبها</span>\nيجوز أن يخفى على بعض المجتهدين فإنه لا يجوز\nأن نجعل ذلك الحكم مذهبه في المسألة الأخرى\nأي: لا يجوز أن يحكم بحكم تلك المسألة المنصوص عليه،\nويجعل في المسألة الأخرى المشابهة.\nدل على ذلك دليلان:\nالدليل الأول: أن تلك المسألة المشابهة الأخرى لم يتناولها لفظ\nالمجتهد في المسألة الأولى، ولا أشار إليها لا من قريب، ولا من\nبعيد، ولم تخطر على بال ذلك المجتهد، ويمكن لو خطرت على\nباله، أو عرضت عليه لصار فيها إلى حكم آخر غير حكم المسألة\nالتي نص على حكمها.\nالدليل الثاني: أن الحكم الذي أثبته المجتهد في المسألة الأولى لو\nأثبتناه في مسألة أخرى تشبهها: للزم من ذلك: إثبات مذهب\nالمجتهد بالقياس بسبب علَّة مستنبطة، وهذا لا يجوز في كلام\nالمكلَّفين، بخلاف كلام الشَارع، فإنه يجوز كما سبق.\nالاعتراض على ذلك:\nقال قائل - معترضًا -: إن الشارع يجوز القياس على كلامه وإن","vol":"5","page":2377},{"text":"كانت العِلَّة مستنبطة، فكذلك المجتهد يجوز القياس على كلامه،\nولا فرق.\nجوابه:\nإن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن\nصاحب الشرع إذا حكم في مسألة، واستنبطنا عِلَّة ذلك الحكم،\nفإنه قد تعبدنا أن نجري حكمها في أي صورة وجدت فيها تلك العِلَّة.\nأما المجتهد فإنه لم يدلنا على ذلك، ويجوز أن يوجد فرق فيقع\nالخطأ، وصاحب الشرع لا يجوز عليه ذلك، فافترقا.","vol":"5","page":2378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>المبحث السابع عشر إذا نص المجتهد في مسألة على حكم ونص على مسألة\nأخرى تشبهها على حكم آخر فهل يجوز نقل حكم\nإحداهما وجعله في المسألة الأخرى أو لا</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز نقل حكم المسألة الأولى، وجعله في\nالثانية، ولا يجوز العكس.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: القياس على المسألة السابقة في المبحث السادس\nعشر، بيان ذلك:\nأنا قلنا - في المبحث السادس -: إنه إذا نص المجتهد على حكم\nفي مسألة معينة، ولم يبين علته فيها لا يجوز أن يجعل ذلك الحكم\nمذهبه في مسألة أخرى تشبهها قد سكت عن حكمها، فإذا كان هذا\nلا يجوز، فمن باب أوْلى أن لا نجعل مذهبه في مسألة قد نص على\nحكمها هو مذهبه في مسألة أخرى قد نص على حكم فيها مخالف\nللمسألة الأولى.\nالدليل الثاني: أن المذهب إنما يضاف إلى الإنسان إذا قاله ونص\nعليه، أو دلَّ عليه بدلالة تجري مجرى نصه من تنبيه وغيره، فإذا\nعدم شيء من ذلك لم يجز إضافته إليه.","vol":"5","page":2379},{"text":"وقد توجد من المجتهد نوع دلالة على حكم المسألة الأخرى،\nلكن هو قد نص على خلاف تلك الدلالة، وإذا تعارضت الدلالة\nبأي وجه من أوجه الدلالة مع النص الصريح، فإنه يقدم النص\nالصريح على الدلالة البعيدة.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز نقل حكم إحدى المسألتين وجعله في\nالأخرى.\nوهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية.\nدليل هذا المذهب:\nأن المجتهد إذا نص في إحدى المسالتين على حكم، ونص في\nنظيرتها على غيره، وجب حمل إحداهما على الأخرى بدليل: أن\nالله تعالى لما نص في كفارة القتل على الإيمان، وأطلق في كفارة\nالظهار، قسنا إحداهما على الأخرى، وشرطنا الإيمان فيهما،\nكذلك يقال في هذه المسألة.\nجوابه:\nهذا قياس المسألة التي نحن بصدد الكلام عنها على مسألة قد\nصرح بالحكم في إحدى المسألتين وسكت عن الأخرى، وهذا قياس\nفاسد؛ لأنه قياس مع الفارق.\nبيان ذلك: أنه قد صرح في الكفارة في إحدى المسألتين، وسكت\nفي الأخرى، فقسنا المسكوت على المنطوق.\nبخلاف مسألتنا، فإنه صرح في كل واحدة من المسألتين بخلاف\nالأخرى، فلا يجوز جعل حكم إحداهما على الأخرى، كما","vol":"5","page":2380},{"text":"ذكرنا ذلك في أن الشارع لما نص في صوم الظهار على التتابع، وفي\nصوم التمتع على التفريق لم نلحق إحداهما بالأخرى.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول لا يجوز أن\nيكون للمجتهد في جمل مسألة منهما قولان، ولا يكون هذا طريقا\nلمعرفة مذهب المجتهد.\nأما بناء على المذهب الثاني فإنه يجوز أن يكون للمجتهد في كل\nمسألة منهما قولان، ويكون هذا طريقا لمعرفة مذهب المجتهد.","vol":"5","page":2381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>المبحث الثامن عشر إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة\nروايتان مختلفتان وصح هذا النقل عنه</span>\nففيه التفصيل الآتي:\nأولًا: أنه لا يجوز أن يقول كل واحدة منهما في وقت واحد وفي\nحالة واحدة كما بينا ذلك في المبحث الثالث عشر.\nثانيا: إذا قال المجتهد هذين الحكمين المختلفين - في تلك المسألة\nفي حالتين فلا يخلو إما أن لا نعلم الرواية الأخيرة أو لا نعلم:\nفإن لم نعلم الرواية الأخيرة من هذا المجتهد، بحيث جهلنا تقدم\nإحداهما على الأخرى، فإنا ننظر في هاتين الروايتين: فإن كانت\nإحداهما أشبه من الأخرى بأصول ذلك المجتهد، فإنا نجعلها مذهبا\nله، وتكون الأخرى مشكوكًا فيها، ولا يعمل بالشك.\nوإن علمنا الرواية الأخيرة: فقد اختلف العلماء في ذلك على\nمذهبين:\nالمذهب الأول: أن الرواية الأخيرة عن هذا المجتهد هي مذهبه في\nالمسألة، وتكون الرواية الأولى قد رجع عنها، فلا تضاف إليه.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن الرواية الأولى\nكالمنسوخ، والرواية الثانية كالناسخ، فكما أن الصحابة يتركون\nالحكم المنسوخ إذا جاء بعده ما ينسخه ويعملوا بالناسخ، فكذلك هنا","vol":"5","page":2382},{"text":"فالروايتان حكمان مختلفان وردا من مجتهد واحد في مسألة واحدة\nفهما قولان متضادان، فالثاني منهما ترك للأول كالنصين الواردين من\nصاحب الشرع.\nفيفهم من نصه الأخير أنه رجع عن رأيه الأول؛ حيث إن المجتهد\nإذا أفتى شخصا بجواز شيء، ثم عاد وأفتاه بتحريمه فالظاهر أنه\nرجع عن الأول؛ لأن الحق عنده قي واحد.\nالمذهب الثاني: أن الرواية الأولى هي التي تكون مذهبا له إلا أن\nيصرح بالرجوع عنها.\nوهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحتابلة.\nدليل هذا المذهب:\nأن قول المجتهد في الرواية الأولى كان بالاجتهاد، وقوله في\nالرواية الثانية كان بالاجتهاد، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.\nولهذا روي عن عمر - ﵁ - أنه لما جاءته مسألة فيها\nأم، وزوج، وأخوة لأم، وأخوة أشقاء في عام لم يعط الإخوة\nالأشقاء شيئًا، فلما جاءت نفس المسألة بعد سنوات، أعطى الإخوة\nالأشقاء فقيل له: إنك في عام كذا وكذا لم تشرك الإخوة الأشقاء،\nفقال: \" فتلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما نقضي الآن \"،\nفلم يبطل عمر الاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني.\nجوابه:\nأن المجتهد إذا حكم في حق غيره ونفذ الحكم، ثم حكم بحكم\nآخر بعد ذلك بنفس المسألة، فإنه لا يجوز له الرجوع إلى هذا الغير\nويبطل حكمه فيه؛ لأن نقض الاجتهاد بالاجتهاد هنا يفضي إلى أن","vol":"5","page":2383},{"text":"لا يستقر حكم، وإلى وقوع الشغب بين الناس، وعدم وثوقهم\nبالمجتهدين، ولهذا فإنه لا يسوغ للحاكم أن ينقض حكم من سبقه إذا\nخالفه.\nوهذا لا يدخل في مسألتنا التي نحن بصددها، حيث إن هذه\nالمسألة تخص مذهب الإنسان إذا لم يتعلق به حق غيره، فإذا قال\nرأيا أولًا ثم عاد، وقال رأيًا آخر: علمنا أنه تبين له الحق فرضيه،\nوترك الأول، وبناء على هذا فإنا ننسب إليه الثاني، فلا يبقى الأول\nمذهبا له.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي كما هو ظاهر، فأصحاب المذهب الأول نسبوا\nإليه الرواية الثانية وجعلوها مذهبا له، والرواية الأولى تكون باطلة\nومنسوخة.\nأما أصحاب المذهب الثاني فإنهم نسبوا إليه الرواية الأولى\nوجعلوها مذهبا له، وتركوا الرواية الثانية.\nويترتب على هذا اختلاف مذهب هذا المجتهد.\nوما الذي ننسب إليه من الروايتين؟","vol":"5","page":2384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>الفصل الثاني في التقليد</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nْالمبحث الأول: تعريفه.\nالمبحث الثاني: هل يجوز التقليد في أصول الدين؟\nالمبحث الثالث: هل يجوز التقليد في الفروع؟\nالمبحث الرابع: بيان طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه.\nالمبحث الخامس: مجهول الحال هل يجوز تقليده؟\nالمبحث السادس: إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر فأيهم\nالذي يستفتيه العامي؟\nالمبحث السابع: إذا سأل العامي مجتهدين عن حكم حادثة،\nفحكم أحدهما بالجواز وحكم الاآخر\nبالتحريم، وأحدهما أفضل من الآخر فهل\nيعمل بحكم الأفضل أو يتخير؟\nالمبحث الثامن: إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد\nأصدرا فتواهما في جميع الأحوال،\nوأحدهما أفتى بحكم أخف من الحكم الذي\nأفتى به الآخر فأي الحكمين يأخذ به العامي؟","vol":"5","page":2385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>المبحث الأول تعريف التقليد</span>\nأولًا: التقليد لغة هو: جعل الشيء في عنق الدابة وغيرها حال\nكونه محيطا بهذا العنق، وهذا الشيء يسمى قلادة.\nفلفظ \" قلد \" - كما قال ابن فارس -: يدل على تعليق شيء\nعلى شيء.\nولا بد من كونه محيطا بالعنق؛ لأن الشيء إذا لم يكن محيطا\nبالعنق لا يسمى قلادة في عرف اللغة.\nثم بعد ذلك استعمل - استعارة - في تفويض الأمر إلى الشخص\nواتباعه في كل ما يقول.\nثانيا: التقليد اصطلاحا هو: قبول مذهب الغير من غير حُجَّة.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nلفظ \" قبول \" جنس يشمل قبوله مع العمل به، وعدم العمل به،\nفالمراد به: اعتقاد ذلك، ولو لم يعمل به لفسق.\nولفظ \" مذهب \" عام ما كان قولًا للمجتهد أو فعلًا له.\nونسب المذهب إلى الغير حتى يخرج به ما كان معلوما بالضرورة،\nولا يختص به ذلك الغير إذا كان من أقواله وأفعاله التي ليس له فيها\nاجتهاد، فإنها لا تسمى مذهبه.\nوأتي بلفظ \" من غير حُجَّة \" لبيان أنه يشترط في المقلد:","vol":"5","page":2387},{"text":"أن لا يعرف الدليل الذي اعتمد عليه ذلك الغير - وهو المجتهد - في\nحكمه، فخرج بهذا: المجتهد الذي وافق اجتهاده اجتهاد مجتهد آخر\nوعرف دليل ذلك المجتهد الآخر على حكمه، فإنه لا يسمى تقليدًا\nكما يقال: أخذ أحمد بمذهب أبي حنيفة في هذه المسألة، أو أخذ\nالشافعي بمذهب مالك.\nوسبب قولنا هذا: أن المجتهد وإن كان آخذًا بقول الغير، لكنه\nبسبب معرفته لدليل المجتهد الآخر حق المعرفة، وأخذه - حقيقة -\nبالدليل، لا يسمى مقلدًا، فيكون إطلاق الأخذ بمذهبه فيه تجوز.\nوبناء على هذا: فإن الرجوع إلى قول النبي - ﷺ -، والرجوع إلى الإجماعِ لا يسمى تقليدًا؛ لأن كلًّا من قول الرسول - ﷺ - والإجماع يعتبر حُجّة في نفسه.\nبخلاف فتوى المجتهد فإن قوله ليس بحُجَّة في نفسه، ولا يعتبر\nدليلًا على الحكم؛ لأنه فتواه تحتاج إلى دليل يعتمد عليه.","vol":"5","page":2388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>المبحث الثاني هل يجوز التقليد في أصول الدين</span>؟\nلقد اختلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن أصول الدين لا يجوز فيها التقليد.\nفلا يجوز التقليد في الأحكام التي تخص أصول الدين وهي:\nالمسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد كمعرفة اللَّه تعالى، ووحدانيته،\nوصحة الرسالة، ووجود اللَّه تعالى، وما يجوز عليه، وما يجب\nله، وما يستحيل عليه.\nفيحرم التقليد في هذه الأمور عند أكثر العلماء، وقالوا: يجب\nعلى الكل معرفة ذلك بغير تقليد؛ وهذا هو الحق؛ لما يلي من\nالأدلة:\nالدليل الأول: أن العلماء أجمعوا على وجوب معرفة اللَّه تعالى،\nولا تحصل بتقليد؛ لجواز كذب المخبر، واستحالة حصوله.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .\nوجه الدلالة: أن هؤلاء الكفار قد بئنوا لهم أنهم سيحملون\nخطاياهم، فرد اللَّه سبحانه عليهم قولهم، وكذبهم في ذلك، فدلَّ\nعلى أنه لا يصح التقليد في أصول الدين.","vol":"5","page":2389},{"text":"الدليل الثالث: قياس أصول الدين على أركان الإسلام، فكما\nأنه لا يجوز التقليد في أركان الإسلام وهو وجوب الصلاة،\nوالزكاة، والحج، والصوم، فأصول الدين من الوحدانية، والنبوة\nأوْلى بعدم الجواز.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز التقليد في أصول الدين.\nوهو محكي عن بعض الشافعية، وهو اختيار الحشوية.\nدليل هذا المذهب:\nأن المنع من التقليد في أصول الدين يؤدي إلى إضلال أكثر الناس،\nبيان ذلك:\nأن العامة - وهم أكثر الناس - لا يدركون الأدلة على الأسماء،\nوالصفات، ولا يعرفون كيفية ترتيبها، ولا الطريق الذي أخذ منه\nالتوحيد والنبوات، ولا يمكن لهم ذلك، فإذا كانوا لا يعرفون\nالأدلة، ويمنعون من تقليد غيرهم في ذلك أفضى ذلك إلى إضلالهم،\nوهذا لا يجوز، فوجب القول بجواز التقليد لهم، كما جاز لهم\nالتقليد في فروع الشريعة ولا فرق، والجامع: عدم معرفتهم لأدلة\nكل من الأصول والفروع.\nجوابه:\nأن العامي عارف بتلك الدلائل الخاصة بإثبات وحدانية اللَّه تعالى،\nوالأسماء والصفات كالعلماء في ذلك، وهو - أي العامي - وإن\nكان لا يقدر على أن يعبر عنه بالألفاظ الكلامية، فإن ذلك لا يضره\nفي معرفته؛ لأن ذلك عجز عن العبارة، لا عن المعنى المحصل\nللمعرفة، بيان ذلك:","vol":"5","page":2390},{"text":"أن العامي يشارك العلماء في معرفة اللَّه تعالى، وطرق التوحيد\nوالنبوات، فيعلم مما يدركه من صنائع اللَّه تعالى من السموات،\nوالأرضين، والشمس، والقمر، والنجوم، وسيرها، وثبوت\nالأرض على الماء مع أن البناء لا يثبت على الماء، وتنقل الإنسان في\nخلقه من النطفة إلى مراحل أخرى حتى وصل إلى إنسان سوي\nيصرف الأمور، وأن الشمس تطلع في موعدها، وتغرب في\nموعدها، وكذلك القمر، والنجوم دون تأخير أو تقديم، وأنه لو\nاجتمع الإنس والجن على أن ينفعوا إنسانا بشيء لم يكتبه اللَّه له فلن\nيستطيعوا ذلك، وأنه لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يكتبه الله\nعليه، فلن يستطيعوا ذلك، وأن هذا قائم مستمر لا فرق بين إنسان\nوآخر، أو زمان وآخر، ويعلم أن كل ذلك قد جرى بانتظام،\nواتساق أحوال، ولو كان لله تعالى شريك في ملكه، أو معه مدبر\nلفسد هذا النظام، ووقع الاختلاف، كما يشاهد في كل شريكين،\nكل ذلك يعلمه العامي بحسه، ويدركه بمجرد اختلاطه بالآخرين،\nبل لا أبالغ إذا قلت: إن من العوام من يدرك ذلك ويؤمن به إيمان@\nقويا أكثر من بعض من يسمى نفسه أنه متعلم.\nأما قياسكم أصول الدين على فروعه في ذلك فهو قياس مع\nالفارق؛ لأن أدلة الفروع كثيرة ومتنوعة، وتحتاج إلى دقة في النظر،\nبخلاف أدلة أصول الدين فهي قليلة، وواضحة وأكثرها يؤخذ من\nالواقع لذلك لا ينقطع عمر الإنسان ومعاشه فيها.\nوأيضا لا خطر ولا محذور في تقليد العامي للمجتهد في الفروع؛\nحيث إن الإثم محطوط عن المجتهد إذا أخطا، وهذا بخلاف أصول\nالدين.","vol":"5","page":2391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>المبحث الثالث هل يجوز التقليد في الفروع</span>؟\nفي ذلك تفصيل:\nأولًا: لقد أجمع العلماء على أن أركان الإسلام - وهي:\nالصوم، والصلاة، والزكاة، والحج - لا يجوز فيها الاجتهاد؛ لأنه\nثبت بالتواتر ونقلته الأُمَّة خلفا عن سلف، فمعرفة العامي فيها توافق\nمعرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار\nالتواتر من البلدان كالهند، والصين.\nثانيا: أما فروع الدين - غير ما سبق - كالبيوع، والأنكحة،\nوالعتاق، والحدود، والكفارات، وبعض جزئيات وتفاصيل\nالعبادات، ونحو ذلك من الأحكام الفقهية فقد اختلف الحلماء في\nذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز للعامي، أو طالب العلم الذي لم يبلغ\nدرجة الاجتهاد أن يقلد المجتهد، والأخذ بفتواه.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: الإجماع على جواز ذلك قبل ولادة ذلك المخالف؛\nحيث إن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم كانوا يُسألون عن\nالأحكام فيفتون، وكان السائل يتبع المجتهد والمفتي فيما يقول، وكان\nالعلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق\nالحكم، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير من أحد، فكان إجماعا\nعلى جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا.","vol":"5","page":2392},{"text":"الدليل الثاني: قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي\nالأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) .\nوجه الدلالة: أن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط\nوهم المجتهدون.\nالدليل الثالث: أنه لا خطر ولا محذور في تقليد العامي\nللمجتهد في الفروع؛ لأن المجتهد لو أخطأ فلا إثم عليه، بل له\nأجر، إذن لا خطر على المقلد في هذا.\nأما في أمور العقائد، فإن المجتهد إذا أخطأ فعليه إثم، كما بيَّنا\nهناك، لذلك جوزنا التقليد في الفروع، دون الأصول.\nالدليل الرابع: أن الإجماع قد انعقد أن العامي إذا نزلت به حادثة\nفإنه يلزمه فيها حكم شرعي، وهو بين أمرين لا ثالث لهما:\nالأمر الأول: إما أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال.\nالأمر الثاني: أو يعرف حكمها عن طريق التقليد.\nأما الأمر الأول فلا يمكن؛ لأنه إذا أراد معرفة حكم حادثته بنفسه\nفإنه لا بد أن يبدأ بتعلم العلم، فيعرف الأدلة، وكيفية ترتيبها،\nوالناسخ منها والمنسوخ، وأقوال العلماء في كل دليل، ومعرفة ما\nيعارض ذلك الدليل، وكيفية فك ذلك التعارض، وهذا كله إذا كان\nقابلًا للتعلم، وكذلك تعلم القياس وشروط كل ركن من أركانه،\nوهذه المعرفة لا يمكنه تحصيلها إلا في زمان طويل، قد يذهب عمره\nوهو لم يصل إلى حكم شرعي لحادثته، وكثير من أهل الحديث\nيعرفون صحيح الأحاديث وسقيمها، ثم لا يمكنهم الاجتهاد.\nإذن لا يمكن للعامي أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال.","vol":"5","page":2393},{"text":"فلم يبق إلا أن يعرف حكمها عن طريق تقليده لغيره من المجتهدين.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز التقليد في الفروع، بل يلزم العوام\nالاجتهاد والنظر في الدليل.\nوهو مذهب معتزلة بغداد، وبعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه قد لا يثق العامي بالمجتهد الذي أفتاه بأن لم\nيخلص بالاجتهاد أو نحو ذلك، فيكون فعله مفسدة، فيحتاج العامي\nأن يفهم دليل المجتهد ليزول شكه، ويكون واثقا من الحكم الذي\nقاله له المجتهد.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن المجتهد لو أخبر العامي بالدليل الذي اعتمد\nعليه، فإن هذا لا يفيد شيئًا؛ لأن العامي لا يعرف وضعه وطريقه\nوكيفية الاستفادة منه - كما قلنا ذلك فيما سبق -.\nالجواب الثاني: أن هذا الدليل منتقض بخبر الواحد، فإن العالم\nلا يأمن أن يكون المخبر قد كذب عليه، فيكون بأخذه ما جاء في\nالخبر والاستدلال به فاعلًا للمفسدة، ولكنه يأخذ المجتهد ممن توفرت\nشروط الراوي فيه ما يرويه.\nالدليل الثاني: قياس الفروع على الأصول، فكما أنه لا يجوز\nللعامي التقليد في أصول الدين، فكذلك لا يجوز في الفروع.\nجوابه:\nأن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ويفرق بينهما\nمن وجهين:","vol":"5","page":2394},{"text":"الوجه الأول: أن طرق مسائل أصول الدين من التوحيد،\nوالنبوات عقلية يحتاج الإنسان فيها إلى تنبيه يسير، فلا ينقطع عمر\nالإنسان ومعاشه فيها.\nأما الفروع فنظرا إلى كثرة أدلته، وتنوعها، وتشعبها، وتجدد\nالاجتهاد فيها، وأنه لا يتم إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها ومعرفتها\nإلا بطول بحث وسعة نظر واطلاع، وهذا يفضي إلى الانقطاع عن\nالمعاش الذي به قوام الدنيا.\nالوجه الثاني: أن مسائل الفروع يطلب فيها ما يغلب على ظنه أنه\nالحق، وذلك يحصل للعامي بقول المفتي وهو المجتهد، كما يحصل\nللعالم بخبر الواحد عن الرسول - ﷺ -.\nبخلاف مسائل الأصول، فلا بد من الجزم فيها.","vol":"5","page":2395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>المبحث الرابع بيان طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه</span>\nقلنا: إنه يجوز للعامي تقليد كل شخص غلب على ظنه أنه من\nأهل الاجتهاد، وأهل العدالة والتقوى، ولكن يرد سؤال وهو:\nكيف يعرف ذلك المجتهد أو المفتي؟\nأقول: يعرفه بطرق هي:\nالطريق الأول: انتصاب ذلك الشخص للفتيا بمشهد من أعيان\nالعلماء، دون أن ينكروا عليه.\nالطريق الثاني: أخذ الناس عنه، واجتماعهم على سؤاله والعمل\nبما يقول، دون منكر.\nالطريق الثالث: ما يظهر على ذلك الشخص المفتي من علامات\nوصفات الدين والتقوى، والعدالة والورع.\nالطريق الرابع: أن يخبره عدل ثقة عنده بأن هذا عالم عدل.\nفإذا توفر واحد من هذه الطرق، فإنه يغلب على ظنه أن هذا هو\nالذي ينبغي أن يقلد.\nأما إذا غلب على ظنه أن هذا الشخص ليس من أهل الاجتهاد،\nوأنه جاهل بأحكام الشريعة، فلا يجوز له أن يقلده، أو يأخذ عنه\nإجماعًا.","vol":"5","page":2396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>المبحث الخامس مجهول الحال هل يجوز تقليده</span>؟\nإذا لم يعرف العامي عن شخص أفيَ شيء، أي: لا يعرف عنه\nأنه عالم، ولا أنه جاهل فهل يجوز له تقليده، والأخذ عنه؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nْالمذهب الأول: أن مجهول الحال لا يجوز تقليده، ولا العمل\nبفتواه.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: القياس على الرسول - ﷺ -، وعلى الشاهد، وحال الراوي، بيان ذلك:\nكما أن الرسول لا يمكن أن تقبل الأُمَّة المبعوث إليهم قوله إلا بعد\nأن تعرف وتطلع على المعجزات التي يذكرها؛ إذ لو قبلت الأُمَّة كل\nمن ادَّعى النبوة بدون أدلة على ذلك لضاعت الحقيقة، ولكثر الذين\nيدَّعون النبوة كذبًا وزورًا، وكما أن القاضي يجب أن يعرف حال\nالشاهد من الصدق والعدالة، وكما أن الراوي للخبر يجب عليه أن\nيعرف حال رواته بالتفصيل.\nفكذلك يجب على العامي أن يعرف حال المجتهد والمفتي الذي\nيريد أن يقبل قوله، ويعمل به، والجامع: أن كلًّا من الرسول،\nوالشاهد، والراوي، والمجتهد: مُتبع فيما يقول، ويترتب عليه\nآثار.","vol":"5","page":2397},{"text":"الدليل الثاني: أنا لا نأمن أن يكون حال المسؤول كحال السائل\nفي العامية المانعة من قبول القول، بل قد يكون أجهل من السائل.\nواحتمال كونه أجهل من السائل قوي، لأن الأصل عدم العلم\nوالجهل؛ حيث إن الغالب إنما هم العوام.\nفلذلك لا بد أن يسأل عنه، فإن كان عالما قلَّده، وإلا فلا.\nالمذهب الثاني: أن مجهول الحال يجوز تقليده، واستفتاؤه،\nوليس على العامي البحث عنه.\nوهو لبعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن من عادة العوام إذا دخلوا بلدة يريدون الاستفسار والسؤال عن\nحكم حادثة حدثت لهم، فإنهم لا يبحثون عن عدالة من يسألونه،\nومن يستفتونه، ولا يسألون عن علمه، وهل هو قد بلغ درجة\nالاجتهاد أو لا؟ وهذا شائع وذائع لا يحتاج إلى برهان.\nجوابه:\nأنا لا نُسَلِّمُ أن عادة العوام تعتبر دليلًا من أدلة الشرع حتى تكون\nمثبتة لقاعدة من القواعد الأصولية، ولو جعلنا عادة العوام طريقا\nلإثبات القواعد لانهدمت أكثر الشريعة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، وهو واضح.","vol":"5","page":2398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>المبحث السادس إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر\nفأيهم الذي يستفتيه العامي</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن للعامي أن يسأل من شاء ممن غلب على ظنه أنه\nمن أهل الاجتهاد، ويتخير، ولا يلزمه أن يسال الأعلم والأفضل.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لإجماع الصحابة؛\nحيث إن الصحابة - ﵃ - فيهم الفاضل والمفضول من\nالمجتهدين، يتبين ذلك من بعض النصوص الواردة في ذلك كقوله\n- ﷺ -: \"عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ \"، وقوله: \" ... وأقضاكم عليّ، وأفرضكم زيد،\nوأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل \"، وكان فيهم العوام، ومن\nفرض ذلك: اتباع الفاضلين والأخذ بقولهم لا غير، ومع ذلك لم\nينقل عن أحد من الصحابة تكليف العوام الاجتهاد في أعيان\nالمجتهدين، ولم ينكر أحد منهم اتباع المفضول، وقبول قوله مع\nوجود الأفضل، فهذا يدل على أن العامي والمستمْتي له أن يتخير بين\nالفاضل والمفضول.\nالمذهب الثاني: أنه يلزم العامي أن يسأل الفاضل، ويترك المفضول،\nأي: أن العامي لا يتخير بين المجتهدين حتى يأخذ من شاء منهم، بل\nيلزمه الاجتهاد في أعيان المجتهدين من الأورع، والأدين، والأعلم.","vol":"5","page":2399},{"text":"وهو مذهب ابن سريج، والقفال، وبعض الشافعية، وبعض\nالحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وجماعة من المتكلمين.\nدليل هذا المذهب:\nقياس العامي على الأعمى عند الاختلاف في جهة القِبْلة؛ حيث\nإنه لو كان هناك ثلاثة رجال سافروا، وأحدهم أعمى، فلما\nحضرت الصلاة: اختلف المبصران في جهة القِبْلة:\nأحدهما يقول: إن جهة القبْلة كذا، والآخر يخالفه ويقول: إن\nجهة القِبْلة كذا، فإن الأعمَى يتبع أوثقهما في الدين والعدالة\nوالتقوى وأعلمهما بجهات القِبْلة.\nفكذلك هنا فإن العامي لا يتبع إلا أفضل المجتهدين دينًا وعلما ولا\nفرق.\nجوابه:\nأن هذا قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق فاسد، ووجه\nالفرق: أن المسألة المقاس عليها تختلف عن المسألة المقاسة وهي\nمسألتنا؛ حيث إن العامي لو سأل مجتهدين فاختلفا في الحكم،\nفأحدهما قال بجواز ذلك، والآخر قال بتحريمه، فإنا نوافق ونسلم\nأن العامي يأخذ بقول الأفضل منهما في علمه ودينه، وهذا ليس من\nمسألتنا - وستأتي بعد هذه -.\nأما المسألة التي نحن بصددها هي: إذا كان في البلد عدة\nمجتهدين بعضهم أفضل من بعفمن حيث العلم، فهل يسأل\nالعامي الأفضل أو المفضول؟","vol":"5","page":2400},{"text":"والخلاصة: أن الخلاف بين المسألتين: أن ما نحن فيه لم يسأل\nالعامي أيَّ مجتهد.\nأما المسألة الأخرى فهي: أن العامي قد سأل مجتهدين، وكل\nواحد منهما قد أفتاه بفتوى تخالف فتوى الآخر، وأحدهما أفضل\nمن الآخر، فأيهما الذي يتبع العامي؟","vol":"5","page":2401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>المبحث السابع إذا سأل العامي مجتهدين عن حكم حادثته فحكم أحدهما\nبأنه يجوز فيها كذا، وحكم الآخر بأنه لا يجوز فيها كذا</span>\nوأحدهما أفضل من الآخر من حيث العلم\nفهل يعمل بحكم الأفضل، أو يتخير؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن العامي يأخذ بقول وحكم الأفضل، ويترك\nقول وحكم المفضول.\nوهو مذهب بعض العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: قياس العامي على المجتهد، بيانه:\nأنه إذا تعارض عند المجتهد دليلان: أحدها يحرم، والآخر\nيجوز، فإن المجتهد يأخذ بأرجحهما وأقواهما في ظنه.\nفكذلك العامي يتبع ظنه في الترجيح بين المجتهدين المتفاضلين.\nأي: إن غلب على ظنه أن أحد المجتهدين أفضل من الآخر، فإنه\nيتبع الأفضل، ويترك المفضول.\nالدليل الثاني: أن العامي لا يشك في أن الصواب في أحد القولين،\nوهذا شيء يحس به في قريرة نفسه، فإنه لا بد أن يجتهد في أن\nيبعده عن هذا القول الخاطئ، ولا طريق له في ذلك إلا بأن يتبع\nالمجتهد الأفضل، ويترك المفضول.","vol":"5","page":2402},{"text":"المذهب الثاني: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن شاء أخذ\nبقول الأفضل، وإن شاء أخذ بقول المفضول.\nوهو مذهب كثير من العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن العامي لا يمكنه أن يعرف الأفضل منهما على\nالحقيقة، بل قد يغتر بالظواهر، فيقدم المفضول، ويعتقد أنه هو\nالأفضل، وذلك لأن معرفة أن هذا العالم أفضل من ذاك يحتاج إلى\nمعرفة أدلة كل واحد منهما على حكمه، وهذا ليس من شأن\nالعوام، ولا يمكنهم ذلك لو أرادوا، ولو جاز أن يعرف العامي أدلة\nكل واحد من المجتهدين: لجاز للعامي أن ينظر في مسألته بنفسه\nابتداء، دون أن يرجع إلى أي مجتهد.\nثم إن زيادة الفضل لا تؤثر؛ لأن المفضول - أيضا - من أهل\nالاجتهاد يُسأل ويفتي لو انفرد، فكذلك إذا كان معه غيره، ولا فرق.\nجوابه:\nأن العامي يعرف الأفضل بكل سهولة، حيث إنه يمكنه أن يعرف\nذلك بإحدى طرق:\nالطريق الأول: الأخبار: كأن يخبره العدل الثقة بأن فلانا هو\nأفضل علماء هذا العصر، أو يبلغه خبر عن طريق التواتر في ذلك.\nالطريق الثاني: بالمشاهدة، كأن يرى فلانا من المجتهدين يذعن له\nالعلماء الآخرون، ويبجلونه، ويقدمونه عليهم، ويقبلون ما يقول.\nالطريق الثالث: بالأمارات والقرائن، كأن يلاحظ عليه بعض\nالأمور التي تجعله يحكم - بغلبة الظن - أن هذا هو الأفضل.","vol":"5","page":2403},{"text":"أما قولكم: \" إن زيادة الفضل لا تؤثر \"، فليس بصحيح؛ بل\nإنها تؤثر في زيادة الاطمئنان على الحكم، وأنه بعيد عن الحكم\nالخاطئ.\nالدليل الثاني: إجماع الصحابة، حيث إنهم لا ينكرون على\nالعامة ترك النظر في أحوال العلماء، وأنهم لم يفرقوا بين الفاضل\nوالمفضول.\nجوابه:\nأن هذا الإجماع صحيح، ولكنه محمول على أنه لا يفاضل بين\nالمجتهدين قبل السؤال، فيكون هذا يصلح للاستدلال به على المذهب\nالأول من المسألة السابقة في المبحث السادس.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه لو اختلف مجتهدان في القبْلة،\nفإنه يقلد أوثقهما وأعلمهما بجهات القبْلة عنده، وهذا بناء على\nالمذهب الأول.\nأما على المذهب الثاني: فإنه يقلد من شاء منهما، ويتخير.\n* * *","vol":"5","page":2404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>المبحث الثامن إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد أصدرا فتواهما\nفي جميع الأحوال </span>- أي: لا يوجد أفضل ولا مفضول -\nوأحد المجتهدين قد أفتى بحكم شديد والآخر قد أفتى له\nبحكم خفيف فأي الحكمين يأخذ به العامي؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن شاء أخذ\nبالأخف، وإن شاء أخذ بالأشد.\nوهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: أن المجتهدين إذا تساويا عند العامي في جميع\nالأحوال، فإن قول أحدهما يساوي في القوة قول الآخر، فلا فرق\nبينهما، فليس قول أحدهما بأفضل وأقوى وأوْلى من قول الآخر؛\nفلا مجال للمفاضلة بينهما، ولو أراد أن يفاضل بينهما لما استطاع.\nالدليل الثاني: أنه للعامي أن يقلد أيهما شاء في الابتداء قبل\nالفتوى - كما قلنا في المبحث السادس - فكذلك له أن يختار قول\nأيهما شاء بعد الفتوى، ولا فرق في ذلك.\nالمذهب الثاني: أنه يجب على العامي الأخذ بالحكم الأشد.\nوهو مذهب بعض الشافعية، والخطيب البغدادي، وحكي عن\nالظاهرية، وهو اختيار القاضي عبد الجبار بن أحمد.","vol":"5","page":2405},{"text":"دليل هذا المذهب:\nما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\" الحق ثقيل قوي، والباطل خفيف، ولربما شهوة تورث حزنا طويلًا \".\nوجه الدلالة: أن هذا الحديث دلَّ على أن الحق في الأشد.\nجوابه:\nأن هذا الحديث معارض بقوله - ﷺ -:\n\" بعثت بالحنيفية السمحة السهلة \"،\nوبقوله: \" إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه \".\nوإذا تعارض الدليلان تساقطا، فيكون الصحيح هو أن يخير\nالعامي بينهما.\nالمذهب الثالث: أنه يجب عليه الأخذ بالحكم الأخف.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nقوله - ﷺ -:\n\"بعثت بالحنيفية السمحة السهلة \".\nووجه الدلالة: أنه بيَّن أن الحق في الأخف الأسهل.\nجوابه:\nأن هذا الحديث معارض بقوله - ﷺ -:\n\" الحق ثقيل، والباطل خفيف \".\nوإذا تعارض الدليلان تساقطا، فيكون الصحيح: أن يخير العامي\nبينهما كما قلنا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي كما هو واضح.","vol":"5","page":2406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>الباب السابع في التعارض والجمع والترجيح</span>\nويشتمل على ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: في التعارض.\nالفصل الثاني: في الجمع.\nالفصل الثالث: في الترجيح.","vol":"5","page":2407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>الفصل الأول في التعارض</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: تعريفه.\nالمبحث الثاني: شروطه.\nالمبحث الثالث: إذا ثبت تعارض دليلين فهل يُقدم الجمع أو الترجيح؟","vol":"5","page":2409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>المبحث الأول تعريف التعارض</span>\nأولًا: التعارض لغة: هو التقابل، وهذا قد يكون على سبيل\nالمماثلة والمساواة، ومن ذلك قولهم: \" عارضت فلانا في السير \"\nإذا سرت حياله.\nوقد يكون على سبيل الممانعة والمدافعة، ومن ذلك قولهم:\n\"عرض الشيء يعرض \": إذا انتصب وصار مانعا كالحجر في الطريق\nيمنع السالكين، ومنه قولهم: \" اعترض الشيء دون الشيء \" أي\nحال دونه.\nوهذا الثاني هو المناسب لمعنى التعارض في الاصطلاح كما سيأتي.\nثانيا: التعارض اصطلاحًا هو: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة.\nبيان التعريف:\nلفظ \" تقابل \" عام يشمل كل تقابل، فيدخل التقابل الواقع بين\nحكمين مختلفين كالوجوب والتحريم، ويدخل التقابل الواقع بين\nأقوال المجتهدين، ويدخل التقابل بين الدليلين.\nوعبارة: \" تقابل الدليلين \" أخرجت ما سبق إلا تقابل الدليلين.\nوعبارة: \" على سبيل الممانعة \" أتي بها لبيان أنه يشترط في\nالدليلين المتعارضين: أن يدل أحد الدليلين على غير ما يدل عليه\nالآخر كأن يدل أحدهما على الجواز، والآخر يدل على التحريم،\nفدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما\nمقابل الآخر، ومعارض له، ومانع منه.","vol":"5","page":2411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>المبحث الثاني شروط التعارض</span>\nليس كل تعارض بين دليلين صحيحًا، بل إن للتعارض الصحيح\nشروطًا هي كما يلي:\nالشرط الأول: أن يكون الدليلان متضادين تمام التضاد بأن يكون\nأحدهما يجوز، والآخر يحرم؛ لأن الدليلين إذا اتفقا في الحكم،\nفلا تعارض كما بينا.\nالشرط الثاني: أن يتساوى الدليلان في القوة، فلا تعارض بين\nدليلين تختلف قوتهما من ناحية الدليل نفسه، كأن يدل حديث\nمتواتر على تحريم شيء، ويدل حديث آحاد على جوازه، فهنا لا\nتعارض بينهما حيث يقدم الدليل المتواتر.\nوالتساوي بين الدليلين يجب أن يكون من جميع الوجوه:\nفلا بد من التساوي في الثبوت فلا تعارض بين متواتر وآحاد.\nولا بد من التساوي في الدلالة، فلا تعارض بين ما دلالته قطعية\nوما دلالته ظنية.\nولا بد من التساوي في عدد الأدلة، فلا تعارض بين دليلين\nظنيين، وبين دليل واحد ظني.\nالشرط الثالث: أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد؛ حيث\nإن اختلاف الزمن ينفي التعارض، ومن هنا قدم خبر: \" كان النبي - ﷺ - يصبح جنبًا وهو صائم \"","vol":"5","page":2412},{"text":"وقد روته إحدى زوجاته - ﷺ - على\nالخبر الذي رواه أبو هريرة: \" من أصبح جنبا فلا صوم له \".\nالشرط الرابع: أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد؛ لأن\nالتضاد والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين: فالنكاح مثلًا\nيوجب الحل في المنكوحة، والحرمة في أمها، إذن لا تعارض بين\nقوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)،\nوقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله: (وأمهات\nنسائكم)، وذلك لاختلاف من يقع عليها الحل ممن يقع عليها\nالتحريم.","vol":"5","page":2413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>المبحث الثالث إذا ثبت تعارض دليلين فهل يقدم الجمع أو الترجيح</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان هما:\nالمذهب الأول: أنه يُقدم الجمع بين المتعارضين بأي نوع من أنواع\nالجمع، فإن تعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإنه يرجح\nأحدهما على الآخر، وذلك بأي وجه من أوجه الترجيح، فإن تعذر\nعلى المجتهد الجمع والترجيح، فإنه ينظر في تاريخ ورود الدليلين\nالمتعارضين، فإن عرفه فإنه حينئذٍ ينسخ المتأخر المتقدم، فإن تعذر\nالجمع، والترجيح ومعرفة المتاخر من المتقدم، فإن المجتهد يحكم\nبسقوط الدليلين المتعارضين، ويرجع ويستدل على حكم الحادثة\nبالبراءة الأصلية، وكأن الدليلين المتعارضين غير موجودين.\nهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن الدليلين المتعارضين دليلان قد ثبتا، ويمكن\nاستعمالهما معا، وبناء أحدهما على الآخر، فلا يمكن إلغاؤهما،\nأو إلغاء واحد منهما إذا أمكن العمل بكل واحد منهما من وجه..\nالدليل الثاني: أنه فد ورد تقديم الجمع بين الدليلين عن ابن عباس\n- ﵄ - حيث إنه لما قرأ قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)، وقوله:. (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)\nقال - أى ابن عباس -: يُسألون في موضع، ولا يُسألون في\nموضع آخر، فقال - جامعا بينهما -: \" لا يسألهم ربهم هل","vol":"5","page":2414},{"text":"عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم: لِمَ\nعملتم كذا وكذا؟ \"، فهنا قدم الجمع على غيره.\nالدليل الثالث: أن الجمع بين الأدلة المتعارضة فيه تنزيههما عن\nالنقص؛ لأن الدليلين المتعارضين بالجمع يتوافقان، ويزال الاختلاف\nالمؤدي إلى النقص والعجز، بخلاف الترجيح فإنه يؤدي إلى إلغاء\nأحدهما وتركه؛ لأنه يوجب العمل بالراجح دون المرجوح، وكذلك\nالنسخ والتخيير، حيث إنه يترتب عليهما ترك أحد الدليلين،\nوكذلك إسقاط الدليلين معا يترتب عليه ترك العمل بهما معا.\nالمذهب الثاني: أنه يقدم الترجيح على الجمع، فقال أصحاب هذا\nالمذهب في تفصيل ذلك: إنه يقدم النظر في تاريخ ورودهما، فإن\nعلم أن أحدهما متقدم على الآخر، فإنه يحكم بأن المتأخر ناسخ\nللمتقدم، وإن تعذر معرفة تاريخ ورودهما: فإنه يرجح أحدهما\nعلى الآخر بأي وجه من وجوه الترجيح، فإن تعذر التاريخ\nوالترجيح: جمع بينهما إن أمكن؛ لأن إعمال الدليلين اللذين لا\nمرجح لأحدهما أوْلى من إهدارهما، فإن تعذر الجمع ترك العمل\nبهما، وعدل إلى الاستدلال إلى ما دونهما في الرتبة.\nوهذا مذهب الحنفية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - كانوا إذا\nأشكل عليهم حديثان، فإنهم يلجأون إلى الترجيح، وقد ثبت ذلك\nفي وقائع منها: أنهم رجحوا حديث عائشة - ﵂ -:\n\"إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل \" على حديث: \" إنما الماء من\nالماء\".","vol":"5","page":2415},{"text":"جوابه:\nهذا يدل على وجوب الترجيح بين الدليلين المتعارضين، وهذا لا\nنزاع فيه، ولكن النزاع في تقديم الجمع على الترجيح، أو العكس،\nوهذا الدليل لا يدل عل تقديم أحدهما على الآخر، ونحن نقول:\nإنه إذا تعذر الجمع لجأنا إلى الترجيح، فلما لم يمكن الجمع بين\nالحديثين السابقين، لجأوا إلى الترجيح.\nالدليل الثاني: أن العقلاء قد اتفقوا على أنه عند التعارض يقدم\nالراجح على المرجوح، واتفقوا - أيضا - على امتناع ترجيح\nالمرجوح، أو مساواته بالراجح.\nجوابه:\nأن النظر إلى الراجح من الأدلة والمرجوح منها، إنما يكون لدفع\nالتعارض بإسقاط أحدهما عن العمل، والأدلة بعد الجمع تكون\nمتوافقة، فلا تحتاج إلى الترجيح أصلًا.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، وهو ظاهر.","vol":"5","page":2416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>الفصل الثاني في الجمع</span>\nويشتمل على مبحثين هما:\nالمبحث الأول: تعريفه.\nالمبحث الثاني: شروطه.","vol":"5","page":2417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>المبحث الأول تعريف الجمع بين الأدلة المتعارضة</span>\nأولًا: الجمع لغة: هو تاليف التفرق، يقال: جمع الشيء عن\nتفرقة يجمعه جمعا فاجتمع، وتجمع القوم إذا التفوا حول بعض.\nثانيا: الجمع في الاصطلاح هو: الائتلاف بين الأدلة الشرعية\nوتوافقها؛ وبيان أن الاختلاف بينها غير موجود حقيقة.","vol":"5","page":2419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>المبحث الثاني شروط الجمع بين الأدلة المتعارضة</span>\nليس كل جمع بين دليلين متعارضين يصح، بل إن للجمع\nالصحيح شروطا هي كما يلي:\nالشرط الأول: أن يكون كل دليل من الدليلين المتعارضين ثابت\nالحجية، فلا يجوز الجمع بين دليلين ضعيفين؛ لأنهما ليسا بدليلين.\nالشرط الثاني: أن يكون كل دليل من الدليلين المتعارضين مساويا\nللآخر، فلا يجوز الجمع بين دليل قوي ودليل ضعيف، بل يصار\nهنا إلى ترجيح الأقوى.\nالشرط الثالث: إذا كان الجمع بين الدليلين بالتأويل البعيد:\nفلا يجوز أن يخرج هذا التأويل عن القواعد المقررة في اللغة.\nولا يجوز أن يخالف عرف الشريعة ومبادئها السامية.\nولا يجوز أن يخرج الكلام به إلى ما لا يليق بكلام الشارع.\nالشرط الرابع: أن يكون الجامع من أهل الاجتهاد والنظر الدقيق\nفي الشريعة.\nالشرط الخامس: ألا يخرج المجتهد بجمعه بين الدليلين عن حكمة\nالتشريع وسره، ولا يخالف بجمعه وتأويله الأحكام الشرعية المتفق\nعليها، أو المنصوص عليها نصا قاطعا، أو ما علم من الدين\nبالضرورة.","vol":"5","page":2420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>الفصل الثالث في الترجيح</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\nالمبحث الأول: تعريفه.\nالمبحث الثاني: أركانه.\nالمبحث الثالث: شروطه.\nالمبحث الرابع: هل الترجيح لا يوجد إلا إذا وجد التعارض،\nأو الترجيح لا يكون بين المتعارضين؟\nالمبحث الخامس: هل يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين أو لا؟\nالمبحث السادس: حكم العمل بالراجح من الدليلين.\nالمبحث السابع: هل يجوز الترجيح بكثرة الأدلة؟\nالمبحث الثامن: طرق الترجيح بين الأدلة.","vol":"5","page":2421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>المبحث الأول تعريف الترجيح</span>\nأولًا: الترجيح لغة هو: التمييل والتغليب، يقال: \" رجح الميزان \"\nإذا مال، ويقال: \" أرجح الميزان \" إذا أثقله حتى مال.\nثانيًا: الترجيح اصطلاحا هو: تقديم المجتهد لأحد الدليلين\nالمتعارضين؛ لما فيه من مزية معتبرة تجعل العمل به أوْلى من الآخر.\n***\nالمبحث الثاني\nأركان الترجيح\nلقد اتضح من تعريف الترجيح أركان الترجيح وهي باختصار:\nالركن الأول: وجود دليلين: راجح، ومرجوح.\nالركن الثاني: وجود المزية في أحد الدليلين المتعارضين، وهو\nالمرجح به.\nالركن الثالث: وجود المجتهد الذين يرجح أحدهما على الآخر.\nالركن الرابع: بيان المجتهد فضل ومزية الدليل الذي يريد ترجيحه\nعلى الآخر.","vol":"5","page":2423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>المبحث الثالث شروط الترجيح بين الدليلين</span>\nليس كل ترجيح بين دليلين متعارضين يصح، بل إن للترجيح\nالصحيح شروطًا هي كما يلي:\nالشرط الأول: أن يتعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإن\nأمكن الجمع فلا يصح ترجيح أحدهما على الآخر.\nالشرط الثاني: أن يكون الدليلان ظنيين، حيث إنه لا تعارض\nأصلًا بين دليلين قطعيين، وبين دليل قطعي، ودليل ظني، وبالتالي\nلا ترجيح هنا، بل لا بد أن يكون بين ظنيين؛ لأنهما قابلان\nللتفاوت.\nالشرط الثالث: أن يكون الدليلان متساويان في الحجية؛ فلا يصح\nترجيح ما كان حُجَّة على ما ليس بحُجَّة، بل لا يسمى ذلك بترجيح\nأصلًا.\nالشرط الرابع: أن يعلم المجتهد تحقق شروط المعارضة بين الدليلين.\nالشرط الخامس: أن يكون المرجح قويا، بحيث يجعل المجتهد\nيغلب على ظنه أن أحد الدليلين أقوى من الآخر.","vol":"5","page":2424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>المبحث الرابع هل الترجيح لا يوجد إلا إذا وجد التعارض\nأم الترجيح لا يكون بين المتعارضين</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الترجيح لا يوجد إلا بين الدليلين المتعارضين،\nويظهر ذلك وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في التعريف.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأنه لولا التعارض لما\nوجدت حاجة إلى الترجيح والبحث عنه بعد تعذر الجمع، ومعروف\nأن الترجيح من جملة ما يدفع به التعارض، ومعروف - أيضًا - أنه\nلم يلجأ المجتهد إلى الترجيح إلا من أجل التخلص من التعارض.\nالمذهب الثاني: أن الترجيح لا يوجد مع التعارض، ولا يشترط\nلتحقق الترجيح وجود التعارض، فيكون الترجيح مباينا للتعارض.\nوهو مذهب يعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن من شروط التعارض: استواء الدليلين من جميع الوجوه - كما\nسبق بيانه - والترجيح لا بد أن يكون لأحدهما فضل وزيادة،\nفالقول بالتعارض هو القول بتساوي الدليلين، والقول بترجيح\nأحدهما قول بعدم الساواة بينهما، فهما - إذن - قولان متناقضان.\nجوابه:\nأن استواء الدليلين شرط في التعارض العام بين الدليلين نفسيهما،\nوهذا لا يمنع من وجود جزئيات دقيقة في كل واحد من الدليلين\nيجعل أحدهما يرجح على الآخر، أو وجود مرجحات خارجية.","vol":"5","page":2425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>المبحث الخامس هل يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين أو لا</span>؟\nلقد اختلف العلماء في هذا على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين، سواء\nكانا نقليين، أو عقليين.\nوهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية كالغزالي، والآمدي،\nوبعض المالكية كابن الحاجب، وبعض الحنابلة، وهو الحق؛ لما يلي\nمن الأدلة:\nالدليل الأول: أن الترجيح لا بد أن يكون موجبا لتقوية أحد\nالدليلين المتعارضين على الآخر، والدليل المقطوع به غير قابل للزيادة\nوالنقصان، فلا يطلب فيه ترجيح.\nالدليل الثاني: أن الترجيح غير متصور في القطعي؛ لأنه إما أن\nيعارضه قطعي أو ظني.\nأما الأول - وهو احتمال معارضته بالدليل القطعى - فهو محال؛\nلأنه يلزم منه ما يلي:\nإما العمل بهما معا وهو باطل؛ لأنه جمع بين النقيضين.\nوإما عدم العمل بهما معا وهو باطل؛ لأنه ترك لدليلين قد ثبتا.\nوأما العمل بأحدهما دون الآخر وهو باطل؛ لأنه تحكم؛ حيث\nلا ترجيح مع التساوي.","vol":"5","page":2426},{"text":"أما الثاني - وهو احتمال معارضته بالدليل الظني - فهو محال،\nلعدم تصور التعارض بين دليل قطعي ودليل ظني.\nالدليك الثالث: أن الترجيح: تقوية، وهي: مستحيلة في\nالدلائل القطعية، حيث إن احتمال النقيض إن كان قائما في أحد\nالدليلين لم يكن يقينا، وإن لم يكن احتمال النقيض موجودًا فإنه\nتمتنع التقوية والترجيح.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز الترجيح بين الدليلين القطعيين.\nوهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية.\nدليل هذا المذهب:\nقياس الأدلة القطعية على الأدلة الظنية، بيان ذلك:\nأنه كما يجوز الترجيح بين الأدلة الظنية، فكذلك يجوز الترجيح\nبين الأدلة القطعية، ولا فرق، والجامع: أنها كلها أدلة من الشارع.\nجوابه:\nأن هذا القياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من\nوجوه:\nالوجه الأول: عدم التفاوت في أكثر القطعيات، بخلاف\nالظنيات، فإنه يوجد تفاوت في العلم بها.\nالوجه الثاني: أن مدلول القطعي متحقق، لعدم جواز تخلف\nالمدلول عنه بخلاف مدلول الظني.\nالوجه الثالث: أنه لا يحتمل النقيض في القطعي، دون الظني.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي، لا أثر له في الفروع.","vol":"5","page":2427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>المبحث السادس في حكم العمل بالراجح من الدليلين</span>\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجب العمل بالراجح من الدليلين المتعارضين.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: إجماع الصحابة - ﵃ - حيث إنهم\nكانوا يعملون بالراجح من الدليلين، ويتركون العمل بالدليل المرجوح\nوهذا ثبت في عدة صعور ووقائع منها:\n١ - أنهم عملوا بقوله - ﷺ -:\n\"إذا التقا الختانان فقد وجب الغسل \"\nوتركوا العمل بقوله: \" إنما الماء من الماء \".\n٢ - أنهم عملوا بحديث: \" أن النبي - ﷺ - كان يصبح جنبا وهو صائم \"، وتركوا العمل بقوله: \" من أدرك الصبح وهو جنب فلا\nصوم له \".\nالدليل الثاني: أن العرف يقتضي العمل بالراجح، وترك\nالمرجوح، فإذا كان ترجيح الراجح متعين عرفا، فكذا شرعا.\nالدليل الثالث: أنه لو لم نعمل بالراجح: للزم العمل بالمرجوح\nولا شك أن ترجيح المرجوح على الراجح ممتنع عقلًا، فلم يبق إلا\nالعمل بالراجح.","vol":"5","page":2428},{"text":"المذهب الثاني: أنه لا يجب العمل بالراجح، بل إنه يلزم التخيير\nأو التوقف.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الأدلة المتعارضة لا تزيد على البينات المتعارضة\nوالترجيح غير معتبر في البينات، فيقاس عليها الادلة المتعارضة،\nفكما أنه لا تقدم شهادة الأربعة على شهادة الاثنين، فكذلك لا يقدم\nدليل على دليل.\nجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابو:\nالجواب الأول: أن الحكم في الأصل المقاس عليه وهو: \" أن\nالترجيح غير معتبر في البينات \" مختلف فيه، حيث إنه معتبر عند\nبعض العلماء، ومنهم مالك.\nالجواب الثاني: أن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،\nووجه الفرق: أنه لو اعتبر الترجيح في البينات بكثرة العدد؛ لأدى\nإلى عدم انضباط الأمور، وامتداد الخصومة؛ حيث إن الخصم سياتي\nبشهود أكثر من شهود خصمه، وهكذا الآخر، ثم لا ينتهي الأمر،\nونظرا لذلك فإنه امتنع اعتبار الزيادة في البينات.\nبخلاف الأدلة المتعارضة، فكلما زاد ما يقوي دليلًا تقوى رجحانه.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .\nوجه الدلالة: أن اللَّه قد أمر بالاعتبار مطلقا من غير تفصيل، فلا\nوجه لوجوب العمل بالراجح، دون المرجوح.","vol":"5","page":2429},{"text":"جوابه:\nإن الآية تفيد الأمر بالاعتبار، وهو القياس - كما سبق بيانه - ولا\nتفيد ما ذكرتموه، فليس فيها ما ينافي القول بوجوب العمل\nبالراجح، حيث إن إيجاب العمل بأحد الدليلين لا ينافي إيجاب غيره.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي، كما هو واضح.","vol":"5","page":2430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>المبحث السابع هل يجوز الترجيح بكثرة الأدلة</span>؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: قياس الأدلة على الرواة، بيان ذلك:\nأن رواية الاثنين أقرب إلى الصحة وأبعد عن السهو والغلط من\nرواية الواحد؛ حيث إن الشيء عند الجماعة أحفظ منه عند الواحد،\nولهذا قال - ﷺ -: \"الشيطان مع الواحد،\nوهو مع الاثنين أبعد \"،\nفيجب تقديم ما كثرت رواته، وإذا كان كذلك فإنه يجب تقديم\nالحكم الذي كثرت أدلته.\nالدليل الثاني: أن النبي - ﷺ - لم يعمل بقول ذي اليدين: \"أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه \" حتى أخبره أبو بكر وبعض الصحابة.\nوجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - رجح بكثرة العدد.\nالدليل الثالث: أن الصحابة - ﵃ - كانوا يرجحون\nبكثرة العدد، من ذلك:\n١ - أن أبا بكر لم يعمل بخبر المغيرة: \" أن النبي - ﷺ - أطعم الجدة السدس \" حتى شهد معه محمد بن مسلمة.\n٢ - أن عمر لم يعمل بخبر: \" من استأذن ثلاثا ولم يؤذن له\nفليرجع \" حتى شهد مع الراوي بعض الصحابة، والأمثلة كثيرة.","vol":"5","page":2431},{"text":"الدليل الرابع: أن مخالفة الدليل خلاف الأصل؛ لأن الأصل في\nالدليل الإعمال، واستنباط الأحكام منه، فكثرة المخالفة أكثر\nمخالفة من قلتها، فإذا وجد في جانب دليلان، ووجد في جانب\nآخر دليل واحد: كان ترك العمل بالأول أكثر مخالفة ومحذورًا من\nالثاني، فيؤخذ بالأقل محذورًا، والأخف ضررًا.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز الترجيح بكثرة الأدلة، بل يشترط أن\nيكون المرجح به وصفًا للدليل المرجح، لا دليلًا مستقلا.\nوهو مذهب الحنفية.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قياس الأدلة على الشهادات، بيان ذلك:\nأنه لا ترجح الشهادة بكثرة العدد؛ حيث إن شهادة شاهدين\nوشهادة أربعة سواء، فإذا كان الأمر كذلك في الشهادة، فكذلك\nيمنع الترجيح بكثرة الأدلة.\nجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن الحكم في الأصل المقاس عليه وهو: \" عدم\nالترجيح في الشهادة بكثرة العدد \" مختلف فيه؛ حيث إن بعض\nالعلماء أثبتوا الترجيح في الشهادة بكثرة العدد، ومنهم الإمام مالك،\nولا قياس على أصل حكمه مختلف فيه.\nالجواب الثاني: سلمنا الحكم في الأصل وهو: \" أنه لا ترجح\nالشهادة بكثرة العدد \"، فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع\nالفارق، ووجه الفرق: أن الشارع منع الترجيح في الشهادة بكثرة\nالعدد ومقصوده سد باب الخصومات، حيث إنه يترتب على ذلك أن","vol":"5","page":2432},{"text":"يقول الخصم: أنا آتي بعدد أكثر من عدده، فيقول الآخر: وأنا\nأفعل كذلك، فلا تنتهي الخصومة.\nبخلاف الترجيح بكثرة الأدلة، فلا يكون فيه ذلك.\nالدليل الثاني: أنه لو جاز الترجيح بكثرة الأدلة، للزم من ذلك\nتقديم القياس على خبر الواحد عند تعارضهما، وهذا ليس\nبصحيح، إذ لو وجد مائة قياس، وعارضت تلك الأقيسة خبر واحد\nكان ذلك الخبر راجحا، كما لو كان القياس راجحا، ولو كان\nللكثرة أثر في قوة الظن لترجحت الأقيسة على الحديث الواحد.\nجوابه:\nإن اتحد أصل تلك الأقيسة المتعددة المعارضة للخبر: كانت كلها\nفي الحقيقة قياسًا واحدًا، وليست أقيسة متعددة، فإذا قدمنا الخبر\nعليها فإنا نقدمه على قياس واحد لا غير.\nوإن لم يتحد أصل تلك الأقيسة المتعددة فتكون مخالفة للقياس\nالمعارض للخبر في الأصل.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف معنوي؛ حيث إنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:\nإذا ادَّعى رجلان شيئًا وهو في يد أحدهما، وأقام كل منهما بيّنة،\nفإنه بناء على المذهب الأول: تقدم بيِّنة ذي اليد على بيِّنة الآخر؛\nلأنهما استويا في إقامة البيِّنة، وترجحت بينة ذي اليد لكون الشيء\nالمتنازع عليه معه.\nأما على المذهب الثاني: فإنه لا تسمع بيّنة ذي اليد؛ لأن اليد\nدليل مستقل بإثبات الحكم، فلا يصلح لترجيح بيِّنة؛ لأنها منفصلة\nعن البيِّنة.","vol":"5","page":2433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>المبحث الثامن في طرق الترجيح بين الأدلة</span>\nويشتمل على ما يلي من المطالب:\nالمطلب الأول: طرق الترجيح بين منقولين.\nالمطلب الثاني: طرق الترجيح بين معقولين.\nالمطلب الثالث: طرق الترجيح بين منقول ومعقول.","vol":"5","page":2435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>المطلب الأول في طرق الترجيح بين منقولين</span>\nالترجيح بين الدليلين المنقولين يشمل الكتاب والسُّنَّة، لكن\nالعلماء تكلموا في ذلك عن السُّنَّة فقط، دون الكتاب، والسبب\nفي ذلك: أن القرآن قد وصل إلينا وهو متكامل لا زيادة فيه ولا\nنقصان لا يشك في ذلك أيُّ مسلم، ونظرًا لكونه متواترًا في السند\nوالمتن، فإنه لا تعارض بين آية وأخرى، فلا ترجيح فيه لآية على\nأخرى للقطع بأن كله من عند اللَّه، وإن وجد تعارض بين آيتين في\nالدلالة، فإنه تعارض يستطيع أي طالب علم أن يفك هذا التعارض.\nوأما السُّنَّة - وإن كانت مثل القرآن في وجوب الاتباع والعمل\nبمدلولاتها - فنظرًا لكونها غير مقطوع بها من حيث السند والمتن فإنه\nيوجد تعارض فيها بين حديث وحديث آخر، وبالتالي لا بد من\nالترجيح بينهما، وطرق الترجيح.\nفالعلماء تكلموا عن طرق الترجيح في السُّنَّة لكون التعارض فيها\nيقع كثيرًا وغالبًا؛ بخلاف القرآن الكريم.\nوطرق الترجيح بين الأحاديث والأخبار تتنوع بحسب ما ترجع\nإليه، ولهذا جعلت الكلام عنها في المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: في طرق الترجيح التي ترجع إلى الرواة.\nالمسألة الثانية: في طرق الترجيح التي ترجع إلى قوة السند وضعفه.","vol":"5","page":2437},{"text":"المسألة الثالثة: في طرق الترجيح التي ترجع إلى متن الحديث.\nالمسألة الرابعة: في طرق الترجيح التي ترجع إلى الحكم.\nالمسألة الخامسة: في طرق الترجيح التي ترجع إلى أمر خارجي.\nوإليك بيان كل مسألة بكل طرقها، وبيان المتفق عليه والمختلف فيه\nمنها، فأقول:\nالمسألة الأولى: طرق الترجيح التي ترجع إلى الرواة:\nالطريق الأول: الترجيح بكون الراوي قريبًا من الرسول - ﷺ -.\nإذا تعارض خبران، وراوي أحدهما أقرب من رسول اللَّه - ﷺ - وقت سماع الحديث، فإن حديثه يرجح على ما كان راويه أبعد منه؛ لأن الراوي القريب أوعى للحديث من البعيد، وأكثر سماعا له منه،\nفيكون - أي: القريب - أبعد من احتمال الخطأ.\nمثاله: التعارض الحاصل بين رواية ابن عمر، وأنس بن مالك في\nحكاية تلبية الرسول - ﷺ - في حجة الوداع، فروى ابن عمر أنه نوى مفردًا - أي بالحج فقط -،\nوروى أنس: أنه - ﷺ - نوى قارنًا، أي:\nبالحج والعمرة معا.\nفهنا ترجح رواية ابن عمر؛ وذلك لأنه أقرب إلى النبي - ﷺ -؛ حيث إنه ورد في آخر الحديث أن ابن عمر قال: \" كنت آخذ بزمام ناقة رسول اللَّه - ﷺ -، يسيل علي لعابها \".\nالطريق الثاني: الترجيح بكبر سن الراوي.\nإذا تعارض خبران وراوي أحدهما أكبر من راوي الآخر، فإنه\nيرجح الحديث الذي راويه اكبر سنا على الحديث الآخر؛ لأمور:\nأولها: أن الغالب أن كبير السن يكون أقرب الناس مجلسا إلى","vol":"5","page":2438},{"text":"النبي - ﷺ -؛ لقوله - ﷺ -:\n\" لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلين أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم \".\nثانيها: أن محافظته على منصبه تحمله على تحرزه عن الكذب.\nثالثها: أن الغالب في الكبار أنهم يتحرزون عن الكذب،\nويحتاطون لدينهم، فلا ينقلون إلا ما كانوا متأكدين منه أكثر من\nالصغار.\nرابعها: أن الكبير أضبط للحديث من الصغير.\nويستثنى من هذه القاعدة: الصغيرة الذي يحترز لدينه ويتميز\nبالضبط أكثر من الكبير أو مثله.\nمثاله: نفس المثال في الطريق السابق، وهو تعارض حديث ابن\nعمر، مع حديث أنس، فأنا نرجح حديث ابن عمر؛ نظرًا لكبر\nسنه، لما ورد في آخر الحديث من قول ابن عمر: \" أن أنسا كان\nصغيرًا يلج على كنساء وهن متكشفات، وأنا آخذ بزمام ناقة رسول\nالله - ﷺ - يسيل عليّ لعابها \".\nالطريق الثالث: الترجيح بكون الراوي متأخر الإسلام.\nإذا تعارض خبران وراوي أحدهما كان متأخر الإسلام من الآخر،\nفايهما الذين يرجح؟\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يرجح حديث متأخر الإسلام.\nوهو مذهب أكثر الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة،\nوهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أن تأخره في الإسلام يدل على تأخره في روايته،","vol":"5","page":2439},{"text":"فهو يحفظ آخر الأمرين من رسول اللَّه - ﷺ -، فيكون الأخذ بخبره أوْلى.\nالدليل الثاني: أن ابن عباس قال: \" كنا ناخذ الأحدث فالأحدث\nمن أوامر رسول اللَّه - ﷺ - \"، وخبر متأخر الإسلام هو الأحدث، فيكون هو الأَوْلى.\nالدليل الثالث: أن رواية متقدم الإسلام تعتريها عدة احتمالات\nهي كما يلي:\nفيحتمل أن يكون خبره مما سمعه في آخر الأمر من رسول الله\n- ﷺ -، فيكون مساويًا لمتأخر الإسلام.\nويحتمل استماعه للخبر في أول الإسلام، فيكون متقدما في\nالزمان، مرجوحًا في العمل.\nويحتمل أن يكون المتقدم منسوخا بالمتأخر.\nوإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.\nلذلك نرجح حديث متأخر الإسلام على متقدمه.\nالمذهب الثاني: أنه يرجح خبر الراوي المتقدم في الإسلام.\nوهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالآمدي، وبعض\nالمالكية كابن الحاجب.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن المتقدم \"عاش حتى مات متأخر الإسلام متساويا\nله في الصحبة، إلا أن المتقدم يزيد عليه بالتقدم؛ لقوة أصالته،\nوسبق معرفته بالإسلام.","vol":"5","page":2440},{"text":"جوابه:\nأن سماع المتأخر متحقق التأخر، ولا يحتمل غير ذلك، أما\nسماع المتقدم فإنه يحتمل التقدم والتأخر، وما لا يحتمل مقدم على\nما يحتمل.\nالدليل الثاني: أن المتقدم قد يطلع على ما لا يطلع عليه المتأخر،\nفهو أوْلى؛ نظرًا لسبق معرفته، ولشدة احترازه عن الكذب صونا\nلمنصبه.\nجوابه:\nأن في رواية المتقدم احتمال، بخلاف الآخر.\nالمذهب الثالث: أنهما متساويان، فلا نرجح رواية على أخرى.\nوهو مذهب بعض العلماء.\nدليل هذا المذهب:\nأن كل واحد منهما قد اختص بمزية لا توجد في الآخر، فالأول\nقد اختص بمزية الأصالة والتقدم، واطلاعه على ما لم يطلع عليه\nالآخر في الإسلام، أما راوي الحديث الثاني فإنه مختص بكونه لا\nيروي في الغالب إلا آخر الأمرين عن رسول الله - ﷺ -، فكانت روايتهما سواء.\nجوابه:\nلا نسلم أن روايتهما سواء، بل إن رواية المتقدم تحتمل التقدم\nوالتأخر، وأما رواية المتأخر فلا تحتمل إلا التأخر فافترقا.\nالمذهب الرابع: التفصيل، وهو: إن كان التقدم في الإسلام\nموجودًا في زمن المتأخر، فلا ترجيح لواحد منهما على الآخر؛","vol":"5","page":2441},{"text":"نظرًا لجواز أن تكون رواية المتقدم في الإسلام متأخرة عن رواية المتأخر\nفيه، ويحتمل العكس من غير ترجيح، فلا يقدم أحدهما على\nالآخر.\nأما إذا علم أن المتقدم في الإسلام مات قبل إسلام المتأخر، أو\nعلم أن أكثر رواياته متقدمة على رواية المتأخر، فإن رواية المتأخر\nتكون أرجح؛ لأن ما علم تأخيرها على روايات المتأخر في الإسلام\nفهو متقدم ومرجح على روايات المتقدم في الإسلام، وما لم يعلم\nيكون نادرًا، والنادر يلحق بالغالب الكثير، وهو مذهب فخر الدين\nالرازي.\nجوابه:\nأن احتمال تقدم رواية الراوي المتقدم احتمال قوي وإن كان موجودًا\nفي زمن الراوي المتأخر، في حين أن هذا الاحتمال غير موجود في\nالراوي المتأخر، وما لا يحتمل مقدم على ما يحتمل.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، كما هو واضح.\nالطريق الرابع: الترجيح بكون الراوي كثير الصحبة.\nإذا تعارض خبران، وراوي أحدهما أكثر صحبة لرسول اللَّه - ﷺ - من راوي الخبر الآخر، فإنه يرجح الخبر الذي راويه أكثر صحبة؛\nلأمرين:\nأولهما: أن كثير المصاحبة للنبي - ﷺ - أعلم برواية الحديث، وأحفظ لها، وأكثر استيعابا لأقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وأعلم بمقاصد الشريعة.","vol":"5","page":2442},{"text":"ثانيهما: أن كثير الصحبة أقوى إيمانًا من غيره بسبب كثرة استماعه\nلمواعظه - ﷺ -، فيكون تجنبه عن الكذب أكثر وأشد.\nالطريق الخامس: الترجيح بكون الراوي سمع من غير حجاب.\nإذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبرين سمع الحديث من الراوي\nالأول من غير حجاب، وراوي الخبر الثاني المعارض له سمع الخبر\nمنه وبينهما حجاب، فإنه يرجح خبر الراوي الذي سمع من الراوي\nالأول من غير حجاب؛ لأن الرواية من غير حجاب شاركت الرواية\nالأخرى في السماع، وتزيد عليها بتعين عين المسموع منه، فيكون\nآمنًا من تطرق الخلل الموجود في الرواية الأخرى.\nلذلك ترجح رواية قاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة - رضي\nالله عنها - أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدًا على رواية الأسود بن\nيزيد عن عائشة: أن بريرة عتقت وزوجها حر؛ ويرجح ذلك لأن\nقاسم بن محمد قد سمع من عائشة بلا حجاب؛ لأنها عمته، أما\nالأسود فقد سمع عنها مع الحجاب.\nالطريق السادس: الترجيح بكون الراوي قد اتفق على عدالته.\nإذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبرين قد اتفق على عدالته،\nوراوي الخبر الآخر قد اختلف في عدالته: فإن الخبر الذي اتفق على\nعدالة راويه يرجح على الآخر، والعِلَّة في ذلك ظاهرة؛ حيث إن\nالمتفق عليه مقدم على المختلف فيه في كل شيء.\nلذلك يُرجح خبر بسرة بنت صفوان في نقض الوضوء من مس\nالذكر على خبر طلق بن عليّ الحنفي المعارض له المفيد عدم النقض\nمن مس الذكر؛ وذلك لأن خبر بسرة قد أخرجه مالك بإسناد ليس","vol":"5","page":2443},{"text":"فيه إلا عدل متفق على عدالته، وأما رواة خبر طلق فإنه قد اختلف\nفي عدالتهم.\nالطريق السابع: الترجيح بكون الراوي تتعلَّق القصة به، أو\nسفيرًا فيها.\nإذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبرين تتعلق القصة به، أو هو\nمباشر لها، أو سفير فيها دون راوي الخبر الآخر: فإنه يرجح خبر\nالراوي الذي تتعلق به القصة، أو كان سفيرًا فيها على الخبر الآخر،\nوذلك لأن الراوي الذي تتعلق به القصة والقضية، أو هو مباشر لها\nأو سفير فيها أعرف بتفاصيل الموضوع، وأعلم بالقضية من غيره،\nفتكون روايته أقرب إلى الصحة، فيكون أميل إلى قبولها.\nلذلك يرجح خبر ميمونة - ﵂ -: \" تزوجني رسول\nالله - ﷺ - ونحن حلالان بسرف \" على خبر ابن عباس - ﵄ -: \" أن رسول اللَّه - ﷺ - نكحها وهو محرم \"، وذلك لأن الراوية للأول هي التي عقد عليها، فهي أعرف بوقت عقدها، وتفاصيل الموضوع؛ لشدة اهتمامها به.\nثم يؤيد ذلك ما رواه أبو رافع - ﵁ -: \" أنه - ﷺ - نكحها وهما حلالان \"، فهذا يرجح على خبر ابن عباس؛ لأن أبا\nرافع كان سفيرًا بين النبي - ﷺ - وميمونة، كما ورد التصريح به في بعض الروايات، وهذا مذهب كثير من العلماء.\nأما الحنفية فإنهم رجحوا خبر ابن عباس في هذا، لأنه أفضل فى\nالحفظ، وأحسن في الضبط، وأعلم بالشريعة منه.\nوقد جرى في ذلك مناقشات واعتراضات في هذا، تجده مبسوطا\nفي كتب الفقه.","vol":"5","page":2444},{"text":"الطريق الثامن: الترجيح بكون الراوي فقيهًا.\nإذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبوين أفقه من راوي الخبر\nالآخر: فإنه يقدم الخبر الذي راويه أفقه على الخبر الآخر؛ وذلك\nلأن الراوي الفقيه أعرف بمدلولات الألفاظ، وأعلم باقتناص الأحكام\nالشرعية من الألفاظ، فهو - إذن - يميز بين ما يجوز وما لا يجوز،\nوبين ما يمكن حمله على ظاهره، وما لا يمكن فيه ذلك، فإذا سمع\nمثل ذلك فإنه يبحث عنه، وعن ما ليتعلق به من سبب نزوله ووروده\nحتى يطلع على ما يزول به الإشكال، بخلاف غير الفقيه، فليس\nكذلك \" حيث إنه يروي ما يسمعه، وقد يؤدي إلى حكم غير\nصحيح، أو إلى حكم مخالف لمقاصد الشريعة.\nإذن يكون احتمال الخطأ في كلام الفقيه أقل، ويكون أكثر ضبطًا،\nوأشد اعتناء بنقل الكلام.\nلذلك يرجح خبر عائشة - ﵂ -: \" أن النبي - ﷺ - كان يصبح جنبًا من غير احتلام ويصوم \" على خبر أبي هريرة - ﵁ -: \" من أصبح جنبا فلا صيام له \".\nالطريق التاسع؛ الترجيح بكون الراوي حسن الاعتقاد.\nإن الخبر الذي رواه راو حسن الاعتقاد يُرجح على الخبر الذي رواه\nمبتدع، لأن الثقة بكلام الراوي حسن الاعتقاد أكثر من غيره.\nلذلك يُرجح خبر قوله - ﷺ -:\n\"إن النبي - ﷺ - نهى عن صيام الدهر\"\nعلى الخبر الذي رواه إبراهيم بن يحيى: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: \" من صام الدهر فقد وهب نفسه لله \"؛ لأن إبراهيم بن يحيى\nكان مبتدعًا - كما قال كثير من العلماء -.","vol":"5","page":2445},{"text":"الطريق العاشر: الترجيح بكون الراوي ورعًا.\nإذا كان راوي أحد الخبرين أورع من راوي الخبر الآخر، وأشد\nاحتياطًا فيما يرويه: فإن خبره يرجح؛ لذلك الورع والاحتياط،\nفيكون كلامه أقل احتمالًا للخطأ.\nالطريق الحادي عشر: الترجيح بكون الراوي أعلم باللغة العربية.\nإذا كان راوي أحد الخبرين أعلم باللغة العربية من راوي الخبر\nالآخر: فإنه يرجح الخبر الذي رواه العالم باللغة العربية؛ لأمرين:\nأولهما: أن تطرق الخطأ إليه أقل.\nثانيهما: أن من كان كذلك إذا سمع خبرًا، وعرف أن فيه ما لا\nيحمل على ظاهره بحث عنه، وعن سبب وروده، وعن اشتقاقات\nكلماته حتى يزول الإشكال.\nفلذلك كان الوثوق برواياته أكثر.\nالطريق الثاني عشر: الترجيح بكون الراوي راجح العقل.\nإذا كان راوي أحد الخبرين أرجح عقلًا من راوي الخبر الآخر:\nفإنه يُرجح الخبر الذي رواه راجح العقل على من يختل عقله في\nوقت دون وقت؛ وذلك لتطرق احتمال روايته في وقت الخلل العقلي.\nلذلك رجح الحنفية خبر ابن عباس وهو: \" أنه - ﷺ - نكح ميمونة وهو محرم \" على خبر ميمونة ورافع:\n\" أنه نكحها وهما حلالان \"\nوعللوا ذلك بأن ابن عباس أرجح عقلًا، وأعلم وأضبط من راوي\nالخبر الثاني.\nالطريق الثالث عشر: الترجيح بالتزكية، وفيه تفصيل:\nأولًا: أن يكون المزكي لأحد الراويين أكثر من الآخر، فخبر","vol":"5","page":2446},{"text":"الراوي الذي زكاه الأكثر مرجح على خبر الأقل تزكية؛ لأنها أغلب\nعلى الظن.\nثانيا: أن يكون المزكي لأحد الراويين أعدل وأوثق ممن زكى راوي\nالخبر الآخر، فيرجح الخبر الذي زكى راويه الأعدل والأوثق.\nثالثا: أن تكون تزكية أحد الراويين بالحكم بشهادته، والآخر\nبالرواية عنه، فيرجح الخبر الذي حكم بشهادة راويه؛ لأن الاحتياط\nفي الشهادة فيما يرجع إلى أحكام الجرح والتعديل أكثر منه في الرواية\nلذلك قبلت رواية العبد، والواحد، والمرأة، دون شهادتهم\nلوحدهم.\nرابعا: أن تكون تزكية أحدهما بالعمل بروايته، والآخر بالرواية\nعنه، فيرجح الأول؛ لأن الغالب من العدل أنه لا يعمل برواية غير\nالعدل، بخلاف الرواية عنه؛ لأن قد يروي العدل عن شخص لو\nسئل عنه لسكت.\nخامسا: أن تكون تزكية أحدهما بصريح المقال، والآخر بالرواية\nعنه، أو بالعمل بروايته، أو بالحكم بشهادته فإنه يرجح الأول؛ لأن\nالرواية قد تكون عمن ليس بعدل، والعمل بما يوافق الرواية،\nوالعمل بالشهادة قد تكون بغيرها وهو موافق لها، بخلاف. التزكية\nبصريح المقال؛ فإنه لا يحتمل غير التزكية والتعديل.\nلذلك يرجح خبر بسرة في نقض الوضوء من مس الذكر على خبر\nطلق، وهو عدم النقض من ذلك؛ لأن الأول قد أخرجه الإمام\nمالك، وليس في سنده إلا من هو متفق عليه، وكثر المزكون له،\nوأما رواة خبر طلق فقد قل مزكوهم واختلف في تعديل بعضهم.\nالطريق الرابع عشر: الترجيح بالشهرة، وهذا فيه تفصيل:","vol":"5","page":2447},{"text":"أولًا: \" أن يكون راوي أحد الخبرين مشهورًا بالحفظ، والإتقان،\nوالضبط، دون راوي الخبر الآخر، فيرجح الراوي الأول، لأن\nشهرته في الضبط والحفظ والإتقان تؤدي إلى كئرة الثقة به، وقوة\nالاعتماد عليه، وقلة احتمال الخطأ والغلط منه.\nثانيًا: أن يكون راوي أحد الخبرين مشهور النسب أكثر من راوي\nالخبر الآخر، فيرجح الأول؛ لأن علو النسب والاشتهار به يسبب\nكثرة احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة.\nثالثًا: أن يكون راوي أحد الخبرين مشهورًا بدقة الإسناد أكثر من\nراوي الخبر الآخر، فيرجح الأول؛ لأن دقة الإسناد توجب علم\nالطمأنينة، فيكون قريبًا من اليقين.\nلذلك رجح العلماء خبر شعبة وهو: \" لا وضوء إلا من صوت\nأو ريح \" على خبر بقية بن الوليد الكلاعي عن محمد الخزاعي وهو:\n\" أن النبي - ﷺ - قال لمن قهقه في صلاته.. وأعد وضوءك \"، وذلك لأن شعبة مشهور بين الأئمة، بخلاف بقية فإنه مجهول.\nالطريق الخامس عشر: الترجيح بعدم الالتباس في اسم الراوي.\nإذا كان روي أحد الخبرين معروف الاسم، ولم يلتبس اسمه\nبأسماء الضعفاء، بينما راوي الخبر الآخر قد التبس اسمه بأسمائهم\nفإنه يرجح الأول؛ لأنه أبعد من الاضطراب والشك.\nالطريق السادس عشر: الترجيح بكون الراوي أكئر ملازمة للشيخ\nالمحدث.\nإذا كان راوي أحد الخبرين أكثر ملازمة للشيخ المحدث الذي يأخذ\nعنه الحديث، والآخر قليل الملازمة لذلك الشيخ، فإنه يرجح\nالأول؛ لأمرين:","vol":"5","page":2448},{"text":"أولهما: أن المحدث قد ينشط تارة فيسرد الحديث على وجهه،\nوقد يتكاسل في بعض الأوقات فيقتصر على بعضه، أو يرويه مرسلًا.\nثانيهما: أن من يكون جليسًا للمحدثين أكثر يكون أعرف بطرق\nالأحاديث، وشرائطها.\nالمسألة الثانية: طرق الترجيح التي ترجع إلى قوة السند\nوضعفه:\nالطريق الأول: الترجيح بكثرة الرواة.\nإذا كان رواة أحد الخبرين أكثر من رواة الخبر الآخر، فإن الخبر\nالذي رواته أكثر يرجح على الذي رواته أقل، وهو مذهب جمهور\nالعلماء من السلف والخلف، وهو الحق، للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن قول الجماعة أقوى في الظن، وأبعد عن السهو\nوالغلط والكذب.\nالدليل الثاني: أن الرسول - ﷺ - لم يعمل بقول ذي اليدين:\n\"أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه \" حتى أخبره بذلك أبو بكر\nوعمر.\nالدليل الثالث: أنه لما روى المغيرة بن شعبة - ﵁ -:\nأن النبي - ﷺ - قال: \" أطعموا الجدة السدس \"\nقال أبو بكر: من يشهد معك؛ فشهد معه محمد بن سلمة.\nالدليل الرابع: أن الناس اعتادوا على الميل والأخذ بالأقوى في\nأمورهم العادية كالتجارة والزراعة، ولا شك أن الخبر الذي رواته\nأكثر أقوى من الخبر الذي رواته أقل.","vol":"5","page":2449},{"text":"وبعض الحنفية خالفوا في ذلك وقالوا: إنه لا يرجح بكثرة الرواة.\nدليل هذا المذهب:\nقياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك:\nأن شهادة الشاهدين، والأربعة فكثر سواء، ولا فرق بينهما،\nكذلك خبر العدد في الرواية لا تؤثر في القبول وعدمه فيقبل الخبر\nسواء كثر الرواة، أو قلوا.\nجوابه:\nإن هذا - قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق يتبين من\nوجهين هما:\nالوجه الأول: أن الشهادة مقدرة في الشرع بعدد، فإذا وجد هذا\nالعدد وجب تعليق الحكم عليه، بخلاف الخبر فإنه غير منصوص\nعلى العدد فيه، فكان كلما كثر رواة الخبر كلما كان أقوى.\nالوجه الثاني: أن الشهادة قد حُدّدت بعدد معين لفصل الخصومات\nلأنه لو لم تحدد بعدد معين لقال الخصم: أنا سآتي بعدد أكثر مما أتى\nبه خصمي.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي، هو واضح، فأصحاب المذهب الثاني لا\nيفرقون بين خبر رواه عشرة، وخبر رواه ثلاثة، أما أصحاب المذهب\nالأول فهم يفرقون فيرجحون الأول، ويتركون الثاني.\nالطريق الثاني: ترجيح المتواتر على الآحاد والمشهور، وهو\nواضح.","vol":"5","page":2450},{"text":"الطريق الثالث: ترجيح الحديث المسند على الحديث المرسل على\nرأي الجمهور، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن الاعتماد في حجية الحديث على السند وصحة\nالسند، وهذا يكون بالعلم بحال رجاله ورواته، والعلم بذلك\nمتحقق في المسند، بخلاف المرسل، ولهذا تقبل شهادة الفرع إذا\nعرف شاهد الأصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلًا.\nالدليل الثاني: أن المرسل قد يكون بينه وبين الرسول - ﷺ - مجهول، وهذا الاحتمال منتف في المسند، فيرجح ما لا يحتمل على\nما يحتمل.\nالدليل الثالث: أن المسند متفق على حجيته، بخلاف المرسل فقد\nاختلف في حجيته.\nالدليل الرابع: أنهما قد تساويا في الحكم الذي أفاداه ويزيد المسند\nبالإسناد، وما زاده ذلك إلا قوة بين الراوي المجتهد وبين النبي - ﷺ -.\nالطريق الرابع: الترجيح بقلة الوسائط.\nإذا تعارض حديثان وأحدهما قليل الوسائط بين الراوي المجتهد\nوبين - ﷺ - ويسمى: \" عالي الإسناد \"، أما الآخر فهو كثير الوسائط، فإنه يرجح قليل الوسائط؛ لأنه كلما قلت الوسائط\nوالرواة كان أبعد عن احتمال الغلط والكذب، وأقوى في الظن\nاتصاله برسول اللَّه - ﷺ -.\nالطريق الخامس: الترجيح بالسلامة عن الاختلاف.\nإذا تعارض حديثان، لكن مسند أحدهما سالم من الاختلاف،\nوالآخر مما اختلف فيه، فإنه يرجح الأول؛ لأن الاتفاق يقوي\nالحديث دون الثاني؛ لأن الاختلاف يضعف الحديث.","vol":"5","page":2451},{"text":"المسألة الثالثة: طرق الترجيح التي ترجع إلى متن الحديث:\nالطويق الأول: الترجيح بقوة الدلالة.\nإذا تعارض خبران وأحدهما أقوى دلالة من الآخر؛ فإنه يرجح\nالأول؛ لقوة دلالته على الحكم.\nوإليك بيان ذلك:\nأولًا: يرجح الخبر الذي يحتمل احتمالات قليلة على الخبر الذي\nيحتمل احتمالات كثيرة، فاللفظ المشترك بين معنيين يرجح على\nاللفظ المشترك بين ثلاثة احتمالات؛ وذلك لأن كثرة الاحتمالات\nتضعف الدلالة.\nتانيًا: يرجح الخبر الخاص على العام، والمقيد على المطلق.\nثالنًْا: يرجح الخبر الدال على الحكم بالمنطوق على الخبر الدال\nعلى الحكم بالمفهوم الموافق والمخالف.\nرابعًا: يرجح الخبر الدال على الحكم بمفهوم الموافقة على الخبر\nالدال على الحكم بمفهوم المخالفة.\nخامسًا: يرجح الخبر الدال على الحكم بمفهوم الشرط على الخبر\nالدال على الحكم بمفهوم العدد، أو اللقب وهكذا.\nسادسًا: يرجح المتن الدال على الحكم مع ذكر العلَّة، على المتن\nالدال علوا الحكم بدون ذكر العِلَّة.\nسابعًا: يرجح الخبر الدال على العموم وباق على عمومه، على\nالخبر الدال على عموم مخصوص؛ لأن التخصيص يضعف دلالة\nاللفظ، لذلك قال بعضهم: إنه دلالة اللفظ بعد التخصيص على\nالباقي دلالة مجازية.","vol":"5","page":2452},{"text":"ثامنا: يرجح الخبر الذي لفظه فصيح على غيره، لكونه أقرب أن\nيكون لفظ - ﷺ -؛ حيث إنه ﵇ أفصح العرب فيبعد نطقه بغير الفصيح، وبذلك يظهر أن غير الفصيح مروي بالمعنى،\nفيكون من الراوي.\nالطريق الثاني: الترجيح بكون الخبر مرويا باللفظ:\nإذا تعارض خبران وأحدهما قد روي باللفظ، والآخر قد روي\nبالمعنى: فإنه يرجح الخبر الذي روي باللفظ؛ لأمرين:\nأولهما: أنه يكون أغلب على الظن بكونه من كلام الرسول - ﷺ -.\nثانيهما: أن المروي باللفظ متفق على جواز روايته، وعلى كونه\nحُجة، بخلاف المروي بالمعنى فقد اختلف فيه، والمتفق عليه مقدم\nعلى المختلف فيه.\nالطريق الثالث: الترجيح بكون لفظ الخبر مؤكدًا.\nإذا تعارض خبران، ولفظ أحدهما مؤكد، ولفظ الآخر غير\nمؤكد، فإنه يرجح الأول؛ لأن الثاني يتطرق إليه الاحتمال والتأويل\nبخلاف الأول، فإنه لا يحتمل ذلك.\nالطريق الرابع: الترجيح بكون اللفظ مستقلًا.\nإذا تعارض خبران وأحدهما قد أفاد الحكم المراد من غير حاجة إلى\nإضمار وتقدير، والآخر يحتاج إلى ذلك، فإنه يرجح الأول - وهو\nالذي لا يحتاج إلى شيء -؛ لأمرين:\nأحدهما: أن الأصل استقلال كل نص بالإفادة وأخذ الأحكام،\nوالإضمار خلاف الأصل.","vol":"5","page":2453},{"text":"ثانيهما: أن المستقل بنفسه معلوم المراد منه، والمحذوف منه ربما\nيلتبس عليه ما هو المضمر منه.\nالطريق الخامس: الترجيح بكون المتن سالما من الاضطراب.\nإذا تعارض خبران ومتن أحدهما سالم من الاضطراب، بخلاف\nالخبر الآخر، فإنه مضطرب، فإنه يرجح الأول - وهو السالم من\nالاضطراب -؛ لأمرين:\nأولهما: أن ما لا اضطراب فيه يدل على حفظ راويه، - وضبطه،\nوسوء حفظ الخبر الذي وجد فيه اضطراب.\nثانيهما: أن ما لا اضطراب فيه أشبه بقول الرسول - ﷺ -.\nالطريق السادس: الترجيح بكون الخير مرويا في ثنايا قصة\nمشهورة.\nإذا تعارض خبران، وأحدهما قد روي في ثنايا قصة مشهورة\nمعروفة عند أهل النقل، والخبر الآخر قد انفرد به الراوي وذكره بدون\nقصة: فإنه يرجح الأول، لأنه أقوى في النفوس وأقرب إلى السلامة\nمن الغلط مما يرويه المنفرد بدون قصة.\nالطريق السابع: الترجيح بكون الخبر قولًا.\nإذا تعارض خبران وأحدهما نقل قوله - ﷺ -،\nوالآخر نقل فعله، أو تقريره: فإنه يرجح قوله على فعله، وفعله على تقريره، وقد سبق بيان ذلك.\nالطريق الثامن: الترجيح بكون المتن قد تضمن نهيا.\nإذا تعارض خبران وأحدهما نهي وما في معناه من النفي، والآخر\nأمر وما في معناه، فإنه يرجح الخبر الذي فيه النهي؛ لأن الغالب في","vol":"5","page":2454},{"text":"النهي دفع المفسدة الموجودة في المنهي عنه، والغالب في الأمر\nبالشيء جلب المصلحة الموجودة في المأمور به، واهتمام العقلاء بدفع\nالمفاسد أكثر وأشد من اهتمامهم بجلب المصالح، يؤيد ذلك: أنه\nيجب دفع كل المفاسد، ولا يجب جلب كل المصالح.\n***\nالمسألة الرابعة: طرق الترجيح التي ترجع إلى الحكم:\nالطريق الأول: ترجيح درء الحد على الموجب له.\nإذا تعارض خبران: أحدهما يثبت الحد على عمل مخصوص،\nوالآخر ينفيه: فإنه يرجح الخبر الثاني - وهو: الذي ينفي الحد -؛\nلأمور:\nالأول: أن الحد ضرر، والضرر يزال؛ لقوله - ﷺ -:\n\" لا ضرر ولا ضرار في الإسلام \".\nالثاني: قوله - ﷺ -:\n\"ادرأوا الحدود بالشبهات \".\nفالحدود تدفع، وتزال بالشبهات، والحديث المعارض الذي ينفي\nالحد أقل درجته يورث الشبهة، فيدفع الحد بها، فيعمل بمقتضى\nالحديث النافي له.\nالثالث: أن ترك إقامة الحد على من يجب عليه الحد أوْلى من\nإقامة الحد على من ليس عليه؛ لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لأن يخطئ أحدكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة \".\nالطريق الثاني: ترجيح الخبر الناقل على الخبر المقرر لحكم الأصل.\nفإذا ورد خبران: أحدهما مبقي على البراءة الأصلية، ويوبجب\nالثاني النقل عنها، وذكر حكم جديد، فإنه يرجح الثاني؛ لأمرين:","vol":"5","page":2455},{"text":"أحدهما: أن الثاني يفيد التأسيس، والخبر الأول يفيد التأكيد\nوتقرير حكم الأصل، والتأسيس أوْلى من التأكيد.\nثانيهما: أنه يوجد في الخبر الثاني زيادة علم، بينما الأول لا\nيوجد فيه ذلك، والذي يفيد الزيادة مقدم على ما ليس كذلك.\nالطريق الثالث: ترجيح الوجوب على الإباحة، والكراهة،\nوالندب.\nإذا ورد خبران أحدهما يفيد إيجاب شيء، والثاني يفيد الندب،\nأو الكراهة، أو الإباحة، فإنه يرجح الأول - وهو المفيد للإيجاب -؛\nلأمرين:\nأولهما: أن تارك الواجب مستحق للعقاب، بخلاف تارك\nالمندوب، والكراهة، والإباحة.\nثانيهما: أن ترجيح الواجب أحوط لدين المسلم.\nالطريق الرابع: ترجيح الخبر المحرم، على الموجب.\nإذا تعارض خبران: أحدهما يدل على تحريم شيء، والآخر يدل\nعلى وجوب ذلك الشيء: فإنه يرجح الأول - وهو الدال على\nالتحريم -؛ لما سبق أن قلناه من أن الغالب أن التحريم لدفع المفسدة\nوالموجب إنما أوجب لمصلحة فيه، واهتمام الشارع بدرء المفاسد أكثر\nمن جلب المصالح، فلذلك يقدم المحرم على الموجب.\nالطريق الخامس: ترجيح ما يفيد التحريم على ما يفيد الإباحة.\nإذا تعارض دليلان أحدهما يفيد حرمة شيء، والآخر يفيد إباحته،\nفإن الأول - وهو ما يفيد الحرمة - يرجح؛ لأمور:\nأولها: أن في ترجيح لحرمة تقديمًا للتأسيس على التأكيد؛ حيث","vol":"5","page":2456},{"text":"إن تقديم المباح على الحرمة تبع للأصل، وهو أن الأصل في الأشياء\nالإباحة، فيكون الدليل لم يفد شيئا، بل أفاد نفس ما أفادته الإباحة\nالأصلية، فيكون جاء للتأكيد، فيكون تقديم المفيد للتحريم أوْلى؛\nنظرًا لقاعدة تقديم التأسيس على التأكيد.\nثانيها: ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\" ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال \".\nثالثها: أن العمل بمقتضى الحرام أحوط؛ لأن ملابسة الحرام توقع\nفي الإثم، بخلاف ملابسة المباح فلا توجب ذلك.\nالطريق السادس: ترجيح مثبت الطلاق والعتالتى على نافيهما.\nإذا تعارض حديثان أحدهما نافي للطلالتى والعتاق، ومبقي لعصمة\nالزوجية ولقيد العبودية، والثاني: موجب لتحقق الطلاق ورفع\nالعصمة، أو العتاق، ورفع العبودية، فإنا نرجح الثاني - وهو:\nتحقق الطلاق والعتاق، ورفع العصمة وملك اليمين -؛ لأمرين:\nأولهما: أن الأصل عدم القيد من العصمة والرق.\nثانيهما: أن المثبت عنده زيادة علم لا توجد عند النافي.\nالطريق السابع: ترجيح الأشد على الأخف.\nإذا تعارض دليلان: أحدهما: يفيد حكما أخف، والآخر يفيد\nحكمًا أشد وأشق: فقد اختلف العلماء في أيهما الرجح على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يرجح الخبر الأثقل الأشد.\nوهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن زيادة شدته ومشقته وثقله تدل على تأكد\nالمقصود، وفضله على الأخف الأيسر، فالمحافظة عليه أوْلى.","vol":"5","page":2457},{"text":"الدليل الثاني: أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لمصالح العباد،\nومصلحة العباد في الأشق والأثقل؛ لأنها أكثر أجرأ كما ورد عن\nالنبي - ﷺ -: \"ثوابك على قدر نصبك \"،\nوفي رواية: \" إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك \".\nالمذهب الثاني: أنه يرجح الدليل الأخف على الأشد.\nوهو مذهب تاج الدين الأرموي، وتلميذه البيضاوي.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن مبنى الشريعة على التخفيف؛ لقوله تعالى:\n(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) .\nجوابه:\nلا نسلم ذلك، بل إن الشريعة مبنية على ما يقتضيه مصلحة\nالعباد، ودفع المفسدة عنهم، وهذا يكون في الأشد والأغلظ والأخف\nوالأيسر، ثم إن الآية نزلت في حالة خاصة - وهي التخفيف في\nالقتال - فلا يستدل بها على إثبات قاعدة عامة.\nالدليل الثاني: أن التغليظ فيه ضرر، والضرر مزال عنا؛ لقوله\n- ﷺ -: \" لا ضرر ولا ضرار في الإسلام \".\nجوابه:\nلا نسلم أن التغليظ فيه ضرر، بل إن التغليظ إذا ورد فيه دليل\nصحيح، فإن فيه مصلحة كما بينا فيما سبق.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا معنوي له ثمرة كما هو واضح.","vol":"5","page":2458},{"text":"الطريق الثامن: ترجيح الخبر المحرم على الخبر - المفيد للكراهة.\nإذا تعارض دليلان: أحدهما يفيد حرمة شيء، والآخر يفيد\nكراهته: فإنه يرجح الأول - وهو المفيد التحريم -؛ لأن مفسدة\nالحرمة أشد من مفسدة الكراهة، فلذلك يرجح ما يفيد الحرمة احتياطا.\n***\nالمسألة الخامسة: طرق الترجيح التي ترجع إلى أمر خارجي:\nالطريق الأول: الترجيح بموافقة القرآن.\nإذا تعارض خبران، وأحدهما قد وافقته آية من الكتاب، دون\nالأخر: فإتا نرجح الأول - وهو الموافق للآية -؛ لأن الآية قد\nأفادت زيادة قوة في الظن في الخبر.\nالطريق الثاني: الترجيح بموافقة السُّنَّة.\nإذا تعارض خبران، وأحدهما يوافقه حديث آخر، دون الخبر\nالآخر، فإنه يرجح الأؤل - وهو الموافق لحديث آخر -؛ لأن\nالحديث الآخر قد أفاد زيادة قوة في الظن في الخبر الموافق له.\nالطريق الثالث: الترجيح بموافقة القياس.\nإذا اتفق خبران في كل شيء، إلا أن أحدهما قد وافقه قياس،\nدون الآخر، فإنه يرجح الأول - وهو الموافق للقياس -؛ لما قلناه؛\nلأن القياس قد أفاد زيادة قوة في الظن في الخبر الموافق له.\nالطريق الرابع: الترجيح بالعمل به.\nإذا تعارض خبران في كل الوجوه، إلا أن أحدهما قد عمل\nالصحابة أو التابعون، أو أهل العلم بمقتضاه، والآخر لم يعمل به\nهؤلاء، فإنه يرجح الأول - وهو الخبر المعمول به؛ لأمرين:","vol":"5","page":2459},{"text":"أولهما: أن عملهم به يدل على أنه كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -.\nثانيهما: احتمال أن عملهم به لقوته، وعدم عملهم بالآخر\nلضعفه.\nالطريق الخامس: الترجيح بتأخر الوقت.\nإذا تعارض خبران، وأحدهما قد اقترنت به قرائن تدل على تأخر\nوقته، ولم يقترن بالآخر ما يدل على ذلك: فإنه يرجح الأول -\nوهو: ما دلت قرائن على أنه متأخر -؛ لأن المتأخر يكون هو آخر\nالأمرين من النبي - ﷺ -، فيجب العمل به فيكون ناسخا للأول\nوالقرائن هى:\nأولًا: كون إحدى الروايتين مؤرخة بتأريخ مضيق، بخلاف\nالآخر، فتكون الرواية غير المؤرخة هي الراجحة، لاحتمال تأخرها\nفي الغالب.\nثانيًا: كون إحدى الروايتين ذكر فيها مكة، والأخرى ذكر فيها\nالمدينة، فإن ما ذكر فيها المدينة مرجح على الأخرى، نظرًا لتأخرها.\nثالثًا: أن يعلم أن أغلب رواية أحدهما بعد رواية الآخر غالبا،\nفيرجح المتأخر.\nالطريق السادس: الترجيح باشتمال الخبر على زيادة.\nإذا تعارض خبران، وأحدهما فيه زيادة لا توجد في الآخر: فإنه\nيرجح الخبر الذي اشتمل على الزيادة؛ لأمور:\nأولها: أن الراوي الذي في خبره الزيادة عنده زيادة علم لا توجد\nعند غيره.\nثانيها: أن دلالة الحديث الذي فيه زيادة دلالة ناطق، ودلالة\nالحديث الآخر دلالة ساكت، ودلالة الناطق مقدمة.","vol":"5","page":2460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>المطلب الثاني في طرق الترجيح بين معقولين</span>\nويشتمل على المسائل التالية:\nالمسألة الأولى: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأصل.\nالمسألة الثانية: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى العِلَّة.\nالمسألة الثالثة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الفرع.\nالمسألة الرابعة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأمور\nالخارجية.","vol":"5","page":2461},{"text":"المسألة الأولى: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى\nالأصل:\nالطريق الأول: إذا تعارض قياسان، وكان الأصل في أحدهما\nحكمه قطعي، وفي الآخر حكمه ظني: فإنه يرجح القياس الذي\nحكمه قطعي؛ لأن ما كان حكم أصله ظنيا يتطرق إليه الخلل،\nبخلاف ما كان حكمه قطعيا.\nالطريق الثاني: إذا تعارض قياسان، وحكم أحدهما قد جرى\nعلى وفق القياس، ومقتضى القواعد الكلية، وحكم القياس الآخر\nمعدول به عن سنن القياس، فإنه يرجح القياس الأول؛ لكونه أبعد\nعن التعبد، وأقرب إلى العقول وموافقة الدليل.\nالطريق الثالث: إذا تعارض قياسان وأحدهما يقتضي الإباحة،\nوالآخر يقتضي التحريم؛ فإنا نرجح القياس المقتضي للتحريم؛\nلأمرين:\nأولهما: أنه إذا اشتبه المباح بالمحظور غلب جانب الحظر.\nثانيهما: أن الخطأ في نفي هذه الأحكام أسهل من الخطأ في إثباتها.\nالطريق الرابع: إذا تعارض قياسان، أحدهما يثبت الحد،\nوالآخر يسقط الحد، فإنه يرجح القياس المفيد إسقاط الحد، وهو\nمذهب كثير من الشافعية، وهو الحق؛ لدليلين:\nالدليل الأول: قوله - ﷺ -:\n\"ادرأوا الحدود بالشبهات \"،\nوالقياس المعارض أقل درجاته أن يكون فيه شبهه، والشبهه تدرأ الحدود.\nالدليل الثاني: أن الحدود ضرر، والضرر منفي في الإسلام،\nلقوله - ﷺ -:\n\" لا ضرر ولا ضرار في الإسلام \".","vol":"5","page":2463},{"text":"الطريق الخامس: إذا تعارض قياسان أحدهما ينفي العتق، والآخر\nيثبت العتق، فإنه يرجح الثاني - وهو إثبات العتق -؛ لأمرين:\nالأول: أن العتق يتشوف إليه الشارع، دون الرق، فيقدم ما\nيتشوف إليه الشارع، وما يتفق مع مقاصد الشريعة، وأهداف\nالإسلام.\nالثاني: أن الأصل زوال قيد ملك اليمين وهو الأصل، فيكون\nالقياس الموافق لهذا الأصل هو المرجح.\nالطريق السادس: إذا تعارض قياسان، واتفق أهل القياس على\nتعليل أحدهما، بخلاف الآخر: فإنه يرجح الأول - وهو المتفق\nعلى تعليل حكم أصله -؛ لأن المتفق على تعليله مقدم على المختلف\nالطريق السابع: إذا تعارض قياسان، أحدهما قد اتفق على عدم\nنسخ حكم أصله، والآخر قد اختلف في نسخ حكم أصله، فإنه\nيرجح الأول؛ لأن النسخ يؤدي إلى الخلل في فهم المقصود.\n***\nالمسألة الثانية: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى العلة:\nالطريق الأول: إذا تعارض قياسان، وكانت علَّة أحدهما قاصرة،\nوعلة الآخر متعدية: فإنه ترجح العِلَّة المتعدية؛ لأن العِلَّة المتعدية أتم\nفائدة من العلَّة القاصرة، وأكثر منفعة؛ لأنها تفيد تعميم الأحكام،\nوهو الأصل.\nالطريق الثاني: إذا تعارض قياسان، أحدهما وجدت العِلَّة فيه\nبصورة قطعية، والآخر وجدت العلَّة فيه بصورة ظنية، فإنه يرجح\nالأول؛ لأن القاطع لا يحتمل غير العلية، بخلاف الظن.","vol":"5","page":2464},{"text":"الطريق الثالث: إذا تعارض قياسان، وكانت علَّة أحدهما منعكسة\n- أي: كلما عدم الوصف عدم الحكم -، وعلة الآخر ليست\nكذلك: فإنه يرجح الأول؛ لأن عدم الحكم عند عدم الوصف دليل\nاختصاص الحكم بالعِلَّة، وأكدت تعلقه به.\nالطريق الرابع: إذا تعارض قياس أحدهما جلي - وهو: ما علم\nفيه نفي الفارق بين الأصل والفرع -، والآخر خفي - وهو ما لم\nيعلم ذلك - فإنه يقدم الجلي؛ نظرًا لقوة الجلي.\nالطريق الخامس: إذا تعارض قياسان، أحدهما ثبتت عِلَّته عن\nطريق النص، والآخر عن طريق الإجماع، فإنه يرجح الثاني؛ لأن\nالإجماع لا يحتمل النسخ والتأويل، بخلاف النص.\nوكذلك النص يقدم على الإيماء.\nالطريق السادس: إذا تعارض قياسان أحدهما ثبتت عِلَّته عن\nطريق الإيماء بجميع أنواعه، والآخر ثبتت علَّته عن طريق غيره من\nالطرق الاجتهادية كالمناسبة، والدوران، فإَنه يرجح الأول؛ لأن\nالإيماء طريق أقوى من غيره، وما كان متفقا عليه أوْلى بالاتباع.\nوهكذا في جميع الطرق المثبتة للعلية - مسالك العلَّة - يقدم\nالأقوى على الأضعف: فيقدم الناسب على الدوران، والدوران\nعلى ما ثبتت عليته بالسبر والتقسيم، وهكذا.\nالطريق السابع؛ إذا تعارض قياسان، أحدهما علَّته عامة توجد\nفي جميع الأفراد، والآخر علَّته خاصة قد خرج منها بعض الأفراد،\nفإنه يرجح الأول؛ لكثرة فوائد عِلَّته.\nالطريق الثامن: إذا تعارض قياسان: أحدهما عِلَّته تقتضي","vol":"5","page":2465},{"text":"الاحتياط، والآخر عِلته تقتضي عدم ذلك: فإنه يرجح الأول، وهو\nواضح.\nالطريق التاسع: إذا تعارض قياسان: أحدهما يشهد لعلته أصلان\n- أي: يمكن استنباطها من أصلين - والآخر يشهد له أصل واحد،\nفإنه يرجح الأول؛ لأن ما يشهد له اثنان أقوى مما يشهد له واحد.\nالطريق العاشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما علَّته ناقلة - أى:\nمفيدة حكما شرعيا جديدًا - والآخر علَّته مبقية على الأصل، فإنه\nيرجح الأول - وهو القياس الذي عِلَّته ناقلة -؛ لأمرين:\nأولهما: أن الناقلة من قبيل المثبت، والأخرى من قبيل النافي،\nفيقدم المثبت على النافي؛ لأن فيها زيادة علم؛ قياسا على الخبرين.\nثانيهما: أن الناقلة تفيد حكما شرعيا، والأخرى لا تفيد شيئًا إلا\nما كان ثابتا قبل ذلك، فما كان مفيدًا حكما شرعيا جديدأ أوْلى؛\nقياسا على الخبرين المتعارضين.\nالطريق الحادي عشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما عِلته مفردة،\nوعلة الآخر مركبة من أوصاف، فإنه يرجح الأول؛ لأنه كلما كانت\nالعَلَّة أقل أوصافا كلما كان ذلك أقرب إلى القبول، وأقوى في\nالظن، وأقل اجتهادًا.\nالطريق الثاني عشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما علته وصفا\nمشتملًا على الحكمة، والآخر علَّته نفس الحكمة: فإنه يرجح\nالأول؛ لإجماع العلماء على صحةَ التعليل بالعلَّة، واختلافهم في\nجواز التعليل بالحكمة.","vol":"5","page":2466},{"text":"المسألة الثالثة: طرق الترجيح بين الأقيسة الثي ترجع إلى\nالفرع:\nالطريق الأول: إذا تعارض قياسان: أحدهما الفرع فيه مقطوع\nبوجود العلة فيه، والآخر مظنون بوجود العلة فيه: فيرجح ما كان\nالفرع مقطوعًا بوجود العِلَّة فيه؛ لأنه أغلب على الظن، وأبعد عن\nاحتمال.\nالطريق الثاني: إذا تعارض قياسان: أحدهما ورد الفرع فيه متأخر\nعن أصله، والآخر متقدم، فيرجح الأول؛ نظرًا لسلامته من\nالاضطراب، وبعده عن الاختلاف.\nالطريق الثالث: إذا تعارض قياسان مشتركان في عِلَّة الحكم أو\nجنسه، أو في العلَّة: فإنه يرجح القياس الذي كان الفرع فيه مشاركا\nللأصل في عين الحكم وعين العِلَّة، على القياس الذي كان الفرع فيه\nمشاركًا للأصل في جنس الحكم، وجنس العِلَّة؛ لأن التعدية باعتبار\nالاشتراك في المعنى الأخص أغلب على الظن من الاشتراك في المعنى\nالأعم.\n***\nالمسألة الرابعة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأمر\nالخارجي:\nالطريق الأول: إذا تعارض قياسان، أحدهما قد وافقه عمل أهل\nالمدينة؛ بخلاف الآخر، فإنه يرجح الأول؛ لأن موافقته لعمل أهل\nالمدينة قوى الظن به، بخلاف الآخر.","vol":"5","page":2467},{"text":"الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان: أحدهما قد وافقه ظاهر\nالكتاب أو السُّنَّة، بخلاف الآخر: فإنه يرجح الأول؛ لما سبق.\nالطريق الثالث: يرجح القياس الذي وافقه عمل الخلفاء الأربعة\nعلى القياس الذي لم يوافقه عملهم.\nالطريق الرابع: يرجح القياس الذي وافقه قياس آخر، على\nالقياس الذي لم يوافقه قياس آخر، وهذا على مذهب جمهور\nالعلماء؛ لما سبق ذكره.","vol":"5","page":2468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>المطلب الثالث في طرق الترجيح بين منقول ومعقول</span>\nالمنقول قسمان:\nالقسم الأول: منقول خاص.\nالقسم الثاني: منقول عام.\nأط القسم الأول - وهو: المنقول الخاص - فهو نوعان:\nالنوع الأول: أن يكون دالًّا على حكمه بالمنطوق.\nالنوع الثاني: أن يكون دالًّا على حكمه بالمفهوم.\nفإذا تعارض القياس مع النوع الأول - وهو: المنقول الخاص\nالذي دلَّ على حكمه بالمنطوق -: فإنه يرجح المنقول الخاص؛\nلأمرين:\nأولهما: أنه أصل بالنسبة إلى القياس.\nثانيهما: قلة تطرق الخلل إليه.\nوإن تعارض القياس مع النوع الثاني - وهو: المنقول الخاص\nالذي دلَّ على حكمه بالمفهوم - فهذا يختلف باختلاف قوة أنواع\nالمفاهيم، ويختلف بحسب اختلاف المجتهدين وما يقع في نفوسهم\nمن قوة الدلالة، وضعفها، وهذا لا يمكن ضبطه بقاعدة، لذلك\nيكون هذا موكولًا إلى نظر الناظرين في آحاد الصور.","vol":"5","page":2469},{"text":"أما القسم الثاني - وهو: المنقول العام -: إذا عارضه القياس\nفقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: أصحها: أن القياس\nيرجح على العام؛ لأنه يلزم من العمل بعموم ألعام إبطال دلالة\nالقياس مطلقا، ولا يلزم من العمل بالقياس إبطال العام مطلقا، بل\nكل ما يلزم منه تخصيصه بالقياس، أو تأويله، ومعروف أن الجمع\nبين الدليلين على وجه أوْلى من العمل بأحدهما دمابطال الآخر،\nوذلك لأن القياس - المعارض للعام - يتناول المتنازع فيه بخصوصه،\nوالمنقول يتناوله بعمومه، والخاص أقوى من العام.\nما اعترض به على هذا:\nالاعتراض الأول: أن العموم أصل للقياس، والقياس فرع،\nوالأصل مقدم على الفرع.\nجوابه:\nأن هذا الاعتراض إنما يلزم لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو\nأصل ذلك القياس المقدم عليه، ولكن الأمر ليس كذلك، حيث إن\nالقياس المقدم يجوز أن يكون فرعا لغيره.\nالاعتراض الثاني: أن تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى\nالقياس، فكيف مع ذلك يقدم القياس الكثير الخلل والاحتمالات\nعلى العام القليل الخلل والاحتمالات.\nجوابه:\nأن هذا الاعتراض معارض بمثله، فإن العام يحتمل أن يكون غير\nظاهر في العموم، فيكون الخلل فيه أكثر من احتمال الخلل في\nالقياس.","vol":"5","page":2470},{"text":"وإن كان العام ظاهرًا، فإنه يحتمل الخصوص، وهذا الاحتمال\nغالب على الشرع، من احتمال الغلط من المجتهد، يؤيد ما قلناه:\nقولهم: ما من عام إلا - قد خصص إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)\nأما القياس ولا يوجد فيه ذلك.\nهذا آخر المجلد الخامس، وهو آخر ما تيسر لي من الكتابة في هذا\nالكتاب الموسوم: \" المهذَّب في علم أصول الفقه المقارن - تحرير\nلمسائله ودراستها دراسة نظرية تطبيقية \" أرجو من اللَّه العلي القدير أن\nينفع به طلاب العلم، وأن يكون ذخيرة صالحة في الآخرة.\nوكان الفراغ منه مساء يوم الإثنين الموافق للسابع والعشرين من\nشهر رجب من عام ألف وأربعمائة وتسعة عشر من الهجرة النبوية\nالشريفة بمدينة الرياض حماها اللَّه.\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى اللَّه وسلم وبارك\nعلى أفضل خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nالأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة\nالأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية","vol":"5","page":2471},{"text":"الفهارس العامة","vol":"5","page":2472}]}