{"ً":{"ٌ":21543,"ٍ":"تطريز رياض الصالحين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"شروح الحديث/تطريز رياض الصالحين - آل مبارك - ت آل الحمد - ط دار العاصمة","files":["81160.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تطريز رياض الصالحين\nالمؤلف: فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (ت ١٣٧٦هـ)\nالمحقق: د. عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد\nالناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\nعدد الصفحات: ١٠٩٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":1226,"ٕ":7,"ٖ":1770155553,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة رياض الصالحين","level":1,"page":3},{"title":"١- باب الإخلاص وإحضار النية","level":2,"page":6},{"title":"٢- باب التوبة","level":2,"page":16},{"title":"٣- باب الصبر","level":2,"page":31},{"title":"٤- باب الصدق","level":2,"page":50},{"title":"٥- باب المراقبة","level":2,"page":54},{"title":"٦- باب التقوى","level":2,"page":63},{"title":"٧- باب في اليقين والتوكل","level":2,"page":66},{"title":"٨- باب الاستقامة","level":2,"page":75},{"title":"٩- باب التفكير في عظيم مخلوقات الله تعالى","level":2,"page":77},{"title":"١٠- باب المبادرة إلى الخيرات","level":2,"page":79},{"title":"١١- باب المجاهدة","level":2,"page":84},{"title":"١٢- باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر","level":2,"page":94},{"title":"١٣- باب في بيان كثرة طرق الخير","level":2,"page":98},{"title":"١٤- باب الاقتصاد في الطاعة","level":2,"page":110},{"title":"١٥- باب المحافظة على الأعمال","level":2,"page":119},{"title":"١٦- باب في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها","level":2,"page":121},{"title":"باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا فتح له باب الجدل وأغلق عنه باب العلم» .","level":2,"page":125},{"title":"١٧- باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى","level":2,"page":131},{"title":"١٨- باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور","level":2,"page":133},{"title":"١٩- باب فيمن سن سنة حسنة أو سيئة","level":2,"page":135},{"title":"٢٠- باب في الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة","level":2,"page":137},{"title":"٢١- باب التعاون على البر والتقوى","level":2,"page":139},{"title":"٢٢- باب النصيحة","level":2,"page":141},{"title":"٢٣- باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":143},{"title":"٢٤- باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف","level":2,"page":152},{"title":"٢٥- باب الأمر بأداء الأمانة","level":2,"page":154},{"title":"٢٦- باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم","level":2,"page":160},{"title":"٢٧- باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم","level":2,"page":169},{"title":"٢٨- باب ستر عورات المسلمين","level":2,"page":177},{"title":"٢٩- باب قضاء حوائج المسلمين","level":2,"page":178},{"title":"٣٠- باب الشفاعة","level":2,"page":180},{"title":"٣١- باب الإصلاح بين الناس","level":2,"page":181},{"title":"٣٢- باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين","level":2,"page":185},{"title":"٣٣- باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين","level":2,"page":191},{"title":"٣٤- باب الوصية بالنساء","level":2,"page":198},{"title":"٣٥- باب حق الزوج على المرأة","level":2,"page":203},{"title":"٣٦- باب النفقة على العيال","level":2,"page":206},{"title":"٣٧- باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد","level":2,"page":209},{"title":"٣٨- باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين","level":2,"page":211},{"title":"٣٩- باب حق الجار والوصية به","level":2,"page":213},{"title":"٤٠- باب بر الوالدين وصلة الأرحام","level":2,"page":217},{"title":"٤١- باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم","level":2,"page":229},{"title":"٤٢- باب فضل بر أصدقاء الأب","level":2,"page":232},{"title":"٤٣- باب إكرام أهل بيت رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":235},{"title":"٤٤- باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل","level":2,"page":237},{"title":"٤٥- باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم","level":2,"page":243},{"title":"٤٦- باب فضل الحب في الله والحث عليه","level":2,"page":251},{"title":"٤٧- باب علامات حب الله تعالى للعبد","level":2,"page":256},{"title":"٤٨- باب التحذير من إيذاء الصالحين","level":2,"page":259},{"title":"٤٩- باب إجراء أحكام الناس على الظاهر","level":2,"page":261},{"title":"٥٠- باب الخوف","level":2,"page":265},{"title":"٥١- باب الرجاء","level":2,"page":274},{"title":"٥٢- باب فضل الرجاء","level":2,"page":296},{"title":"٥٣- باب الجمع بين الخوف والرجاء","level":2,"page":298},{"title":"٥٤- باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقا إليه","level":2,"page":301},{"title":"٥٥- باب فضل الزهد في الدنيا","level":2,"page":306},{"title":"٥٦- باب فضل الجوع وخشونة العيش","level":2,"page":325},{"title":"٥٧- باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق","level":2,"page":347},{"title":"٥٨- باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه","level":2,"page":356},{"title":"٥٩- باب الحث على الأكل من عمل يده","level":2,"page":356},{"title":"٦٠- باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى","level":2,"page":358},{"title":"٦١- باب النهي عن البخل والشح","level":2,"page":367},{"title":"٦٢- باب الإيثار والمواساة","level":2,"page":368},{"title":"٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به","level":2,"page":371},{"title":"٦٤- باب فضل الغني الشاكر","level":2,"page":373},{"title":"٦٥- باب ذكر الموت وقصر الأمل","level":2,"page":375},{"title":"٦٦- باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر","level":2,"page":383},{"title":"٦٧- باب كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به","level":2,"page":384},{"title":"٦٨- باب الورع وترك الشبهات","level":2,"page":386},{"title":"٦٩- باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان","level":2,"page":391},{"title":"٧٠- باب فضل الاختلاط بالناس","level":2,"page":393},{"title":"٧١- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين","level":2,"page":394},{"title":"٧٢- باب تحريم الكبر والإعجاب","level":2,"page":399},{"title":"٧٣- باب حسن الخلق","level":2,"page":405},{"title":"٧٤- باب الحلم والأناة والرفق","level":2,"page":409},{"title":"٧٥- باب العفو والإعراض عن الجاهلين","level":2,"page":414},{"title":"٧٦- باب احتمال الأذى","level":2,"page":418},{"title":"٧٧- باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع","level":2,"page":419},{"title":"٧٨- باب أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم","level":2,"page":421},{"title":"٧٩- باب الوالي العادل","level":2,"page":424},{"title":"٨٠- باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية","level":2,"page":426},{"title":"٨١- باب النهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات","level":2,"page":430},{"title":"٨٢- باب حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير صالح وتحذيرهم من قرناء السوء والقبول منهم","level":2,"page":432},{"title":"٨٣- باب النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما","level":2,"page":433},{"title":"كتاب الأدب","level":1,"page":434},{"title":"٨٤- باب الحياء وفضله والحث على التخلق به","level":2,"page":434},{"title":"٨٥- باب حفظ السر","level":2,"page":435},{"title":"٨٦- باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد","level":2,"page":438},{"title":"٨٧- باب المحافظة على ما اعتاده من الخير","level":2,"page":440},{"title":"٨٨- باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء","level":2,"page":441},{"title":"٨٩- باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب","level":2,"page":442},{"title":"٩٠- باب إصغاء الجليس لحديث جليسه","level":2,"page":443},{"title":"٩١- باب الوعظ والاقتصاد فيه","level":2,"page":443},{"title":"٩٢- باب الوقار والسكينة","level":2,"page":446},{"title":"٩٣- باب الندب إلى إتيان الصلاة","level":2,"page":447},{"title":"٩٤- باب إكرام الضيف","level":2,"page":448},{"title":"٩٥- باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير","level":2,"page":450},{"title":"٩٦- باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر","level":2,"page":456},{"title":"باب الاستخارة والمشاورة","level":2,"page":459},{"title":"٩٨- باب استحباب الذهاب إلى العيد","level":2,"page":460},{"title":"٩٩- باب استحباب تقديم اليمين","level":2,"page":460},{"title":"كتاب آداب الطعام","level":1,"page":464},{"title":"١٠٠- باب التسمية في أوله والحمد في آخره","level":2,"page":464},{"title":"١٠١- باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه","level":2,"page":467},{"title":"١٠٢- باب ما يقوله من حضر الطعام","level":2,"page":467},{"title":"١٠٣- باب ما يقوله من دعي إلى طعام فتبعه غيره","level":2,"page":468},{"title":"١٠٤- باب الأكل مما يليه","level":2,"page":468},{"title":"١٠٥- باب النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما","level":2,"page":469},{"title":"١٠٦- باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع","level":2,"page":469},{"title":"١٠٧- باب الأمر بالأكل من جانب القصعة","level":2,"page":470},{"title":"١٠٨- باب كراهية الأكل متكئا","level":2,"page":471},{"title":"١٠٩- باب استحباب الأكل بثلاث أصابع","level":2,"page":472},{"title":"١١٠- باب تكثير الأيدي على الطعام","level":2,"page":474},{"title":"١١١- باب آداب الشرب واستحباب التنفس ثلاثا","level":2,"page":475},{"title":"١١٢- باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها","level":2,"page":477},{"title":"١١٣- باب كراهة النفخ في الشراب","level":2,"page":478},{"title":"١١٤- باب بيان جواز الشرب قائما","level":2,"page":478},{"title":"١١٥- باب استحباب كون ساقي القوم آخرهم شربا","level":2,"page":480},{"title":"١١٦- باب جواز الشرب","level":2,"page":480},{"title":"كتاب اللباس","level":1,"page":483},{"title":"١١٧- باب استحباب الثوب الأبيض، وجواز الأحمر والأخضر","level":2,"page":483},{"title":"١١٨- باب استحباب القميص","level":2,"page":487},{"title":"١١٩- باب صفة طول القميص والكم والإزار","level":2,"page":487},{"title":"١٢٠- باب استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعا","level":2,"page":493},{"title":"١٢١- باب استحباب التوسط في اللباس","level":2,"page":494},{"title":"١٢٢- باب تحريم لباس الحرير على الرجال","level":2,"page":494},{"title":"١٢٣- باب جواز لبس الحرير لمن به حكة","level":2,"page":496},{"title":"١٢٤- باب النهي عن افتراش جلود النمور والركوب عليها","level":2,"page":496},{"title":"١٢٥- باب ما يقول إذا لبس ثوبا جديدا أو نعلا أو نحوه","level":2,"page":497},{"title":"١٢٦- باب استحباب الابتداء باليمين في اللباس","level":2,"page":497},{"title":"كتاب آداب النوم","level":1,"page":498},{"title":"١٢٧- باب آداب النوم والاضطجاع","level":2,"page":498},{"title":"١٢٨- باب جواز الاستلقاء على القفا","level":2,"page":500},{"title":"١٢٩- باب آداب المجلس والجليس","level":2,"page":502},{"title":"١٣٠- باب الرؤيا وما يتعلق بها","level":2,"page":506},{"title":"كتاب السلام","level":1,"page":510},{"title":"١٣١- باب فضل السلام والأمر بإفشائه","level":2,"page":510},{"title":"١٣٢- باب كيفية السلام","level":2,"page":513},{"title":"١٣٣- باب آداب السلام","level":2,"page":515},{"title":"١٣٤- باب استحباب إعادة السلام","level":2,"page":516},{"title":"١٣٥- باب استحباب السلام إذا دخل بيته","level":2,"page":517},{"title":"١٣٦- باب السلام على الصبيان","level":2,"page":518},{"title":"١٣٧- باب سلام الرجل على زوجته","level":2,"page":518},{"title":"١٣٨- باب تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام","level":2,"page":519},{"title":"١٣٩- باب استحباب السلام إذا قام من المجلس","level":2,"page":520},{"title":"١٤٠- باب الاستئذان وآدابه","level":2,"page":520},{"title":"١٤١- باب بيان أن السنة إذا قيل للمستأذن: من أنت؟","level":2,"page":522},{"title":"١٤٢- باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى","level":2,"page":523},{"title":"١٤٣- باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه","level":2,"page":526},{"title":"كتاب عيادة المريض وتشييع الميت","level":1,"page":530},{"title":"١٤٤- باب عيادة المريض","level":2,"page":530},{"title":"١٤٥- باب ما يدعى به للمريض","level":2,"page":532},{"title":"١٤٦- باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله","level":2,"page":536},{"title":"١٤٧- باب ما يقوله من أيس من حياته","level":2,"page":536},{"title":"١٤٨- باب استحباب وصية أهل المريض","level":2,"page":537},{"title":"١٤٩- باب جواز قول المريض: أنا وجع، أو شديد الوجع","level":2,"page":538},{"title":"١٥٠- باب تلقين المحتضر: لا إله إلا الله","level":2,"page":539},{"title":"١٥١- باب ما يقوله بعد تغميض الميت","level":2,"page":539},{"title":"١٥٢- باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت","level":2,"page":540},{"title":"١٥٣- باب جواز البكاء على الميت بغير ندب ولا نياحة","level":2,"page":542},{"title":"١٥٤- باب الكف عن ما يرى من الميت من مكروه","level":2,"page":543},{"title":"١٥٥- باب الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه","level":2,"page":544},{"title":"١٥٦- باب استحباب تكثير المصلين على الجنازة","level":2,"page":545},{"title":"١٥٧- باب ما يقرأ في صلاة الجنازة","level":2,"page":546},{"title":"١٥٨- باب الإسراع بالجنازة","level":2,"page":549},{"title":"١٥٩- باب تعجيل قضاء الدين عن الميت","level":2,"page":550},{"title":"١٦٠- باب الموعظة عند القبر","level":2,"page":551},{"title":"١٦١- باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره","level":2,"page":552},{"title":"١٦٢- باب الصدقة عن الميت والدعاء له","level":2,"page":553},{"title":"١٦٣- باب ثناء الناس على الميت","level":2,"page":554},{"title":"١٦٤- باب فضل من مات له أولاد صغار","level":2,"page":555},{"title":"١٦٥- باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين","level":2,"page":557},{"title":"كتاب آداب السفر","level":1,"page":558},{"title":"١٦٦- باب استحباب الخروج يوم الخميس","level":2,"page":558},{"title":"١٦٧- باب استحباب طلب الرفقة","level":2,"page":559},{"title":"١٦٨- باب آداب السير والنزول والمبيت","level":2,"page":560},{"title":"١٦٩- باب إعانة الرفيق","level":2,"page":564},{"title":"١٧٠- باب ما يقول إذا ركب دابة للسفر","level":2,"page":566},{"title":"١٧١- باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها","level":2,"page":568},{"title":"١٧٢- باب استحباب الدعاء في السفر","level":2,"page":570},{"title":"١٧٣- باب ما يدعو إذا خاف ناسا أو غيرهم","level":2,"page":570},{"title":"١٧٤- باب ما يقول إذا نزل منزلا","level":2,"page":571},{"title":"١٧٥- باب استحباب تعجيل المسافر","level":2,"page":572},{"title":"١٧٦- باب استحباب القدوم على أهله نهارا","level":2,"page":572},{"title":"١٧٧- باب ما يقول إذا رجع وإذا رأى بلدته","level":2,"page":573},{"title":"باب استحباب ابتداء القادم بالمسجد","level":2,"page":574},{"title":"١٧٩- باب تحريم سفر المرأة وحدها","level":2,"page":574},{"title":"كتاب الفضائل","level":1,"page":576},{"title":"١٨٠- باب فضل قراءة القرآن","level":2,"page":576},{"title":"١٨١- باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان","level":2,"page":581},{"title":"١٨٢- باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن","level":2,"page":582},{"title":"١٨٣- باب الحث على سور وآيات مخصوصة","level":2,"page":586},{"title":"١٨٤- باب استحباب الاجتماع على القراءة","level":2,"page":596},{"title":"١٨٥- باب فضل الوضوء","level":2,"page":597},{"title":"١٨٦- باب فضل الأذان","level":2,"page":602},{"title":"١٨٧- باب فضل الصلوات","level":2,"page":606},{"title":"١٨٨- باب فضل صلاة الصبح والعصر","level":2,"page":608},{"title":"١٨٩ - باب فضل المشي إلى المساجد","level":2,"page":612},{"title":"١٩٠ - باب فضل انتظار الصلاة","level":2,"page":615},{"title":"١٩١ - باب فضل صلاة الجماعة","level":2,"page":616},{"title":"١٩٢ - باب الحث على حضور الجماعة في الصبح والعشاء","level":2,"page":620},{"title":"١٩٣ - باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبات","level":2,"page":621},{"title":"١٩٤ - باب فضل الصف الأول","level":2,"page":625},{"title":"١٩٥ - باب فضل السنن الراتبة مع الفرائض","level":2,"page":631},{"title":"١٩٦ - باب تأكيد ركعتي سنة الصبح","level":2,"page":633},{"title":"١٩٧ - باب تخفيف ركعتي الفجر","level":2,"page":634},{"title":"١٩٨ - باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر","level":2,"page":636},{"title":"١٩٩ - باب سنة الظهر","level":2,"page":638},{"title":"٢٠٠ - باب سنة العصر","level":2,"page":639},{"title":"٢٠١ - باب سنة المغرب بعدها وقبلها","level":2,"page":640},{"title":"٢٠٢- باب سنة العشاء بعدها وقبلها","level":2,"page":641},{"title":"٢٠٣- باب سنة الجمعة","level":2,"page":642},{"title":"٢٠٤- باب استحباب جعل النوافل في البيت","level":2,"page":643},{"title":"٢٠٥- باب الحث على صلاة الوتر","level":2,"page":645},{"title":"٢٠٦- باب فضل صلاة الضحى","level":2,"page":647},{"title":"٢٠٧- باب تجويز صلاة الضحى من ارتفاع","level":2,"page":648},{"title":"٢٠٨- باب الحث على صلاة تحية المسجد","level":2,"page":649},{"title":"٢٠٩- باب استحباب ركعتين بعد الوضوء","level":2,"page":650},{"title":"٢١٠- باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها","level":2,"page":650},{"title":"٢١١- باب استحباب سجود الشكر","level":2,"page":655},{"title":"٢١٢- باب فضل قيام الليل","level":2,"page":656},{"title":"٢١٣- باب استحباب قيام رمضان وهو التراويح","level":2,"page":666},{"title":"٢١٤- باب فضل قيام ليلة القدر وبيان أرجى لياليها","level":2,"page":667},{"title":"٢١٥- باب فضل السواك وخصال الفطرة","level":2,"page":670},{"title":"٢١٦- باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها","level":2,"page":674},{"title":"٢١٧- باب وجوب صوم رمضان","level":2,"page":682},{"title":"٢١٨- باب الجود وفعل المعروف والإكثار من الخير","level":2,"page":686},{"title":"٢١٩- باب النهي عن تقدم رمضان بصوم بعد نصف","level":2,"page":687},{"title":"٢٢٠- باب ما يقال عند رؤية الهلال","level":2,"page":688},{"title":"٢٢١- باب فضل السحور وتأخيره","level":2,"page":688},{"title":"٢٢٢- باب فضل تعجيل الفطر","level":2,"page":690},{"title":"٢٢٣- باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحه","level":2,"page":693},{"title":"٢٢٤- باب في مسائل من الصوم","level":2,"page":694},{"title":"٢٢٥- باب بيان فضل صوم المحرم وشعبان والأشهر الحرم","level":2,"page":695},{"title":"٢٢٦- باب فضل الصوم وغيره","level":2,"page":696},{"title":"٢٢٧- باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء","level":2,"page":697},{"title":"٢٢٨- باب استحباب صوم ستة أيام من شوال","level":2,"page":698},{"title":"٢٢٩- باب استحباب صوم الاثنين والخميس","level":2,"page":698},{"title":"٢٣٠- باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر","level":2,"page":699},{"title":"٢٣١- باب فضل من فطر صائما وفضل الصائم","level":2,"page":701},{"title":"كتاب الاعتكاف","level":1,"page":703},{"title":"٢٣٢- باب فضل الاعتكاف","level":2,"page":703},{"title":"كتاب الحج","level":1,"page":705},{"title":"٢٣٣- باب وجوب الحج وفضله","level":2,"page":705},{"title":"كتاب الجهاد","level":1,"page":710},{"title":"٢٣٤-[باب فضل الجهاد]","level":2,"page":710},{"title":"٢٣٥- باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة","level":2,"page":738},{"title":"٢٣٦- باب فضل العتق","level":2,"page":740},{"title":"٢٣٧- باب فضل الإحسان إلى المملوك","level":2,"page":741},{"title":"٢٣٨- باب فضل المملوك الذي يؤدي","level":2,"page":743},{"title":"٢٣٩- باب فضل العبادة في الهرج","level":2,"page":744},{"title":"٢٤٠- باب فضل السماحة في البيع والشراء","level":2,"page":745},{"title":"كتاب العلم","level":1,"page":750},{"title":"٢٤١- باب فضل العلم","level":2,"page":750},{"title":"كتاب حمد الله تعالى وشكره","level":1,"page":759},{"title":"٢٤٢- باب فضل الحمد والشكر","level":2,"page":759},{"title":"كتاب الصلاة على رسول الله - ﷺ -","level":1,"page":762},{"title":"٢٤٣- باب فضل الصلاة على رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":762},{"title":"كتاب الأذكار","level":1,"page":768},{"title":"٢٤٤- باب فضل الذكر والحث عليه","level":2,"page":768},{"title":"٢٤٥- باب ذكر الله تعالى قائما أو قاعدا ومضطجعا","level":2,"page":785},{"title":"٢٤٦- باب ما يقوله عند نومه واستيقاظه","level":2,"page":786},{"title":"٢٤٧- باب فضل حلق الذكر","level":2,"page":787},{"title":"٢٤٨- باب الذكر عند الصباح والمساء","level":2,"page":792},{"title":"٢٤٩- باب ما يقوله عند النوم","level":2,"page":797},{"title":"كتاب الدعوات","level":1,"page":801},{"title":"٢٥٠- باب فضل الدعاء","level":2,"page":801},{"title":"٢٥١- باب فضل الدعاء بظهر الغيب","level":2,"page":815},{"title":"٢٥٢- باب في مسائل من الدعاء","level":2,"page":816},{"title":"٢٥٣- باب كرامات الأولياء وفضلهم","level":2,"page":819},{"title":"كتاب الأمور المنهي عنها","level":1,"page":830},{"title":"٢٥٤- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان","level":2,"page":830},{"title":"٢٥٥- باب تحريم سماع الغيبة","level":2,"page":839},{"title":"٢٥٦- باب ما يباح من الغيبة","level":2,"page":841},{"title":"٢٥٧- باب تحريم النميمة","level":2,"page":845},{"title":"٢٥٨- باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس","level":2,"page":847},{"title":"٢٥٩- باب ذم ذي الوجهين","level":2,"page":848},{"title":"٢٦٠- باب تحريم الكذب","level":2,"page":849},{"title":"٢٦١- باب بيان ما يجوز من الكذب","level":2,"page":856},{"title":"٢٦٢- باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه","level":2,"page":858},{"title":"٢٦٣- باب بيان غلظ تحريم شهادة الزور","level":2,"page":861},{"title":"٢٦٤- باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة","level":2,"page":863},{"title":"٢٦٥- باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين","level":2,"page":866},{"title":"٢٦٦- باب تحريم سب المسلم بغير حق","level":2,"page":868},{"title":"٢٦٧- باب تحريم سب الأموات","level":2,"page":871},{"title":"٢٦٨- باب النهي عن الإيذاء","level":2,"page":871},{"title":"٢٦٩- باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر","level":2,"page":872},{"title":"٢٧٠- باب تحريم الحسد","level":2,"page":874},{"title":"٢٧١- باب النهي عن التجسس","level":2,"page":874},{"title":"٢٧٢- باب النهي عن سوء الظن بالمسلمين من غير ضرورة","level":2,"page":878},{"title":"٢٧٣- باب تحريم احتقار المسلمين","level":2,"page":879},{"title":"٢٧٤- باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم","level":2,"page":881},{"title":"٢٧٥- باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع","level":2,"page":882},{"title":"٢٧٦- باب النهي عن الغش والخداع","level":2,"page":883},{"title":"٢٧٧- باب تحريم الغدر","level":2,"page":884},{"title":"٢٧٨- باب النهي عن المن بالعطية ونحوها","level":2,"page":886},{"title":"٢٧٩- باب النهي عن الافتخار والبغي","level":2,"page":887},{"title":"٢٨٠- باب تحريم الهجران بين المسلمين","level":2,"page":888},{"title":"٢٨١- باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث","level":2,"page":891},{"title":"٢٨٢- باب النهي عن تعذيب العبد","level":2,"page":892},{"title":"٢٨٣- باب تحريم التعذيب بالنار","level":2,"page":896},{"title":"٢٨٤- باب تحريم مطل الغني بحق طلبه صاحبه","level":2,"page":898},{"title":"٢٨٥- باب كراهة عود الإنسان في هبة","level":2,"page":899},{"title":"٢٨٦- باب تأكيد تحريم مال اليتيم","level":2,"page":900},{"title":"٢٨٧- باب تغليظ تحريم الربا","level":2,"page":902},{"title":"٢٨٨- باب تحريم الرياء","level":2,"page":903},{"title":"٢٨٩- باب ما يتوهم أنه رياء وليس هو رياء","level":2,"page":908},{"title":"٢٩٠- باب تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية","level":2,"page":908},{"title":"٢٩١- باب تحريم الخلوة بالأجنبية","level":2,"page":912},{"title":"٢٩٢- باب تحريم تشبه الرجال بالنساء","level":2,"page":914},{"title":"٢٩٣- باب النهي عن التشبه بالشيطان والكفار","level":2,"page":916},{"title":"٢٩٤- باب نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بسواد","level":2,"page":917},{"title":"٢٩٥- باب النهي عن القزع","level":2,"page":918},{"title":"٢٩٦- باب تحريم وصل الشعر والوشم","level":2,"page":919},{"title":"٢٩٧- باب النهي عن نتف الشيب من اللحية","level":2,"page":922},{"title":"٢٩٨- باب كراهية الاستنجاء باليمين","level":2,"page":923},{"title":"٢٩٩- باب كراهة المشي في نعل واحدة أو خف واحد","level":2,"page":924},{"title":"٣٠٠- باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم","level":2,"page":925},{"title":"٣٠١- باب النهي عن التكلف","level":2,"page":927},{"title":"٣٠٢- باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب","level":2,"page":928},{"title":"٣٠٣- باب النهي عن إتيان الكهان","level":2,"page":932},{"title":"٣٠٤- باب النهي عن التطير","level":2,"page":938},{"title":"٣٠٥- باب تحريم تصوير الحيوان","level":2,"page":943},{"title":"٣٠٦- باب تحريم اتخاذ الكلب إلا","level":2,"page":947},{"title":"٣٠٧- باب كراهية تعليق الجرس في البعير","level":2,"page":948},{"title":"٣٠٨- باب كراهة ركوب الجلالة","level":2,"page":949},{"title":"٣٠٩- باب النهي عن البصاق في المسجد","level":2,"page":950},{"title":"٣١٠- باب كراهة الخصومة في المسجد","level":2,"page":952},{"title":"٣١١- باب نهي من أكل ثوما أو بصلا","level":2,"page":954},{"title":"٣١٢- باب كراهة الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب","level":2,"page":956},{"title":"٣١٣- باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة","level":2,"page":956},{"title":"٣١٤- باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي","level":2,"page":957},{"title":"٣١٥- باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدا","level":2,"page":960},{"title":"٣١٦- باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها","level":2,"page":961},{"title":"٣١٧- باب العفو عن لغو اليمين","level":2,"page":963},{"title":"٣١٨- باب كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقا","level":2,"page":964},{"title":"٣١٩- باب كراهة أن يسأل الإنسان بوجه الله - ﷿ -","level":2,"page":964},{"title":"٣٢٠- باب تحريم قول شاهان شاه للسلطان","level":2,"page":965},{"title":"٣٢١- باب النهي عن مخاطبة الفاسق","level":2,"page":967},{"title":"٣٢٢- باب كراهة سب الحمى","level":2,"page":967},{"title":"٣٢٣- باب النهي عن سب الريح","level":2,"page":969},{"title":"٣٢٤- باب كراهة سب الديك","level":2,"page":971},{"title":"٣٢٥- باب النهي عن قول [الإنسان]: مطرنا بنوء كذا","level":2,"page":971},{"title":"٣٢٦- باب تحريم قوله لمسلم: يا كافر","level":2,"page":972},{"title":"٣٢٧- باب النهي عن الفحش وبذاء اللسان","level":2,"page":973},{"title":"٣٢٨- باب كراهة التقعير في الكلام","level":2,"page":973},{"title":"٣٢٩- باب كراهة قوله: خبثت نفسي","level":2,"page":974},{"title":"٣٣٠- باب كراهة تسمية العنب كرما","level":2,"page":975},{"title":"٣٣١- باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل","level":2,"page":977},{"title":"٣٣٢- باب كراهة قول الإنسان: اللهم اغفر لي إن شئت","level":2,"page":977},{"title":"٣٣٣- باب كراهة قول: ما شاء الله وشاء فلان","level":2,"page":978},{"title":"٣٣٤- باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة","level":2,"page":979},{"title":"٣٣٥- باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها","level":2,"page":981},{"title":"٣٣٦- باب تحريم صوم المرأة تطوعا","level":2,"page":981},{"title":"٣٣٧- باب تحريم رفع المأموم رأسه من الركوع","level":2,"page":982},{"title":"٣٣٨- باب كراهة وضع اليد على الخاصرة في الصلاة","level":2,"page":982},{"title":"٣٣٩- باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام","level":2,"page":983},{"title":"٣٤٠- باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة","level":2,"page":983},{"title":"٣٤١- باب كراهة الالتفات في الصلاة لغير عذر","level":2,"page":984},{"title":"٣٤٢- باب النهي عن الصلاة إلى القبور","level":2,"page":984},{"title":"٣٤٣- باب تحريم المرور بين يدي المصلي","level":2,"page":985},{"title":"٣٤٤- باب كراهة شروع المأموم في نافلة","level":2,"page":986},{"title":"٣٤٥- باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام","level":2,"page":986},{"title":"٣٤٦- باب تحريم الوصال في الصوم","level":2,"page":988},{"title":"٣٤٧- باب تحريم الجلوس على قبر","level":2,"page":988},{"title":"٣٤٨- باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه","level":2,"page":988},{"title":"٣٤٩- باب تغليظ تحريم إباق العبد من سيده","level":2,"page":989},{"title":"٣٥٠- باب تحريم الشفاعة في الحدود","level":2,"page":990},{"title":"٣٥١- باب النهي عن التغوط في طريق الناس","level":2,"page":991},{"title":"٣٥٢- باب النهي عن البول ونحوه في الماء الراكد","level":2,"page":992},{"title":"٣٥٣- باب كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده","level":2,"page":993},{"title":"٣٥٤- باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام","level":2,"page":994},{"title":"٣٥٥- باب تحريم بيع الحاضر للبادي","level":2,"page":995},{"title":"٣٥٦- باب النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه","level":2,"page":998},{"title":"٣٥٧- باب النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه","level":2,"page":999},{"title":"٣٥٨- باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان","level":2,"page":1000},{"title":"٣٥٩- باب كراهة رد الريحان لغير عذر","level":2,"page":1000},{"title":"٣٦٠- باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة","level":2,"page":1001},{"title":"٣٦١- باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها الوباء","level":2,"page":1004},{"title":"٣٦٢- باب التغليظ في تحريم السحر","level":2,"page":1007},{"title":"٣٦٣- باب النهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار","level":2,"page":1010},{"title":"٣٦٤- باب تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة","level":2,"page":1011},{"title":"٣٦٥- باب تحريم لبس الرجل ثوبا مزعفرا","level":2,"page":1013},{"title":"٣٦٦- باب النهي عن صمت يوم إلى الليل","level":2,"page":1014},{"title":"٣٦٧- باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه","level":2,"page":1015},{"title":"٣٦٨- باب التحذير من ارتكاب","level":2,"page":1017},{"title":"٣٦٩- باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهيا عنه","level":2,"page":1019},{"title":"كتاب المنثورات والملح","level":1,"page":1022},{"title":"٣٧٠-[باب المنثورات والملح]","level":2,"page":1022},{"title":"٣٧١- باب الاستغفار","level":2,"page":1063},{"title":"٣٧٢- باب بيان ما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة","level":2,"page":1071}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468,"1,472":469,"1,473":470,"1,474":471,"1,475":472,"1,476":473,"1,477":474,"1,478":475,"1,479":476,"1,480":477,"1,481":478,"1,482":479,"1,483":480,"1,484":481,"1,485":482,"1,486":483,"1,487":484,"1,488":485,"1,489":486,"1,490":487,"1,491":488,"1,492":489,"1,493":490,"1,494":491,"1,495":492,"1,496":493,"1,497":494,"1,498":495,"1,499":496,"1,500":497,"1,501":498,"1,502":499,"1,503":500,"1,504":501,"1,505":502,"1,506":503,"1,507":504,"1,508":505,"1,509":506,"1,510":507,"1,511":508,"1,512":509,"1,513":510,"1,514":511,"1,515":512,"1,516":513,"1,517":514,"1,518":515,"1,519":516,"1,520":517,"1,521":518,"1,522":519,"1,523":520,"1,524":521,"1,525":522,"1,526":523,"1,527":524,"1,528":525,"1,529":526,"1,530":527,"1,531":528,"1,532":529,"1,533":530,"1,534":531,"1,535":532,"1,536":533,"1,537":534,"1,538":535,"1,539":536,"1,540":537,"1,541":538,"1,542":539,"1,543":540,"1,544":541,"1,545":542,"1,546":543,"1,547":544,"1,548":545,"1,549":546,"1,550":547,"1,551":548,"1,552":549,"1,553":550,"1,554":551,"1,555":552,"1,556":553,"1,557":554,"1,558":555,"1,559":556,"1,560":557,"1,561":558,"1,562":559,"1,563":560,"1,564":561,"1,565":562,"1,566":563,"1,567":564,"1,568":565,"1,569":566,"1,570":567,"1,571":568,"1,572":569,"1,573":570,"1,574":571,"1,575":572,"1,576":573,"1,577":574,"1,578":575,"1,579":576,"1,580":577,"1,581":578,"1,582":579,"1,583":580,"1,584":581,"1,585":582,"1,586":583,"1,587":584,"1,588":585,"1,589":586,"1,590":587,"1,591":588,"1,592":589,"1,593":590,"1,594":591,"1,595":592,"1,596":593,"1,597":594,"1,598":595,"1,599":596,"1,600":597,"1,601":598,"1,602":599,"1,603":600,"1,604":601,"1,605":602,"1,606":603,"1,607":604,"1,608":605,"1,609":606,"1,610":607,"1,611":608,"1,612":609,"1,613":610,"1,614":611,"1,615":612,"1,616":613,"1,617":614,"1,618":615,"1,619":616,"1,620":617,"1,621":618,"1,622":619,"1,623":620,"1,624":621,"1,625":622,"1,626":623,"1,627":624,"1,628":625,"1,629":626,"1,630":627,"1,631":628,"1,632":629,"1,633":630,"1,634":631,"1,635":632,"1,636":633,"1,637":634,"1,638":635,"1,639":636,"1,640":637,"1,641":638,"1,642":639,"1,643":640,"1,644":641,"1,645":642,"1,646":643,"1,647":644,"1,648":645,"1,649":646,"1,650":647,"1,651":648,"1,652":649,"1,653":650,"1,654":651,"1,655":652,"1,656":653,"1,657":654,"1,658":655,"1,659":656,"1,660":657,"1,661":658,"1,662":659,"1,663":660,"1,664":661,"1,665":662,"1,666":663,"1,667":664,"1,668":665,"1,669":666,"1,670":667,"1,671":668,"1,672":669,"1,673":670,"1,674":671,"1,675":672,"1,676":673,"1,677":674,"1,678":675,"1,679":676,"1,680":677,"1,681":678,"1,682":679,"1,683":680,"1,684":681,"1,685":682,"1,686":683,"1,687":684,"1,688":685,"1,689":686,"1,690":687,"1,691":688,"1,692":689,"1,693":690,"1,694":691,"1,695":692,"1,696":693,"1,697":694,"1,698":695,"1,699":696,"1,700":697,"1,701":698,"1,702":699,"1,703":700,"1,704":701,"1,705":702,"1,706":703,"1,707":704,"1,708":705,"1,709":706,"1,710":707,"1,711":708,"1,712":709,"1,713":710,"1,714":711,"1,715":712,"1,716":713,"1,717":714,"1,718":715,"1,719":716,"1,720":717,"1,721":718,"1,722":719,"1,723":720,"1,724":721,"1,725":722,"1,726":723,"1,727":724,"1,728":725,"1,729":726,"1,730":727,"1,731":728,"1,732":729,"1,733":730,"1,734":731,"1,735":732,"1,736":733,"1,737":734,"1,738":735,"1,739":736,"1,740":737,"1,741":738,"1,742":739,"1,743":740,"1,744":741,"1,745":742,"1,746":743,"1,747":744,"1,748":745,"1,749":746,"1,750":747,"1,751":748,"1,752":749,"1,753":750,"1,754":751,"1,755":752,"1,756":753,"1,757":754,"1,758":755,"1,759":756,"1,760":757,"1,761":758,"1,762":759,"1,763":760,"1,764":761,"1,765":762,"1,766":763,"1,767":764,"1,768":765,"1,769":766,"1,770":767,"1,771":768,"1,772":769,"1,773":770,"1,774":771,"1,775":772,"1,776":773,"1,777":774,"1,778":775,"1,779":776,"1,780":777,"1,781":778,"1,782":779,"1,783":780,"1,784":781,"1,785":782,"1,786":783,"1,787":784,"1,788":785,"1,789":786,"1,790":787,"1,791":788,"1,792":789,"1,793":790,"1,794":791,"1,795":792,"1,796":793,"1,797":794,"1,798":795,"1,799":796,"1,800":797,"1,801":798,"1,802":799,"1,803":800,"1,804":801,"1,805":802,"1,806":803,"1,807":804,"1,808":805,"1,809":806,"1,810":807,"1,811":808,"1,812":809,"1,813":810,"1,814":811,"1,815":812,"1,816":813,"1,817":814,"1,818":815,"1,819":816,"1,820":817,"1,821":818,"1,822":819,"1,823":820,"1,824":821,"1,825":822,"1,826":823,"1,827":824,"1,828":825,"1,829":826,"1,830":827,"1,831":828,"1,832":829,"1,833":830,"1,834":831,"1,835":832,"1,836":833,"1,837":834,"1,838":835,"1,839":836,"1,840":837,"1,841":838,"1,842":839,"1,843":840,"1,844":841,"1,845":842,"1,846":843,"1,847":844,"1,848":845,"1,849":846,"1,850":847,"1,851":848,"1,852":849,"1,853":850,"1,854":851,"1,855":852,"1,856":853,"1,857":854,"1,858":855,"1,859":856,"1,860":857,"1,861":858,"1,862":859,"1,863":860,"1,864":861,"1,865":862,"1,866":863,"1,867":864,"1,868":865,"1,869":866,"1,870":867,"1,871":868,"1,872":869,"1,873":870,"1,874":871,"1,875":872,"1,876":873,"1,877":874,"1,878":875,"1,879":876,"1,880":877,"1,881":878,"1,882":879,"1,883":880,"1,884":881,"1,885":882,"1,886":883,"1,887":884,"1,888":885,"1,889":886,"1,890":887,"1,891":888,"1,892":889,"1,893":890,"1,894":891,"1,895":892,"1,896":893,"1,897":894,"1,898":895,"1,899":896,"1,900":897,"1,901":898,"1,902":899,"1,903":900,"1,904":901,"1,905":902,"1,906":903,"1,907":904,"1,908":905,"1,909":906,"1,910":907,"1,911":908,"1,912":909,"1,913":910,"1,914":911,"1,915":912,"1,916":913,"1,917":914,"1,918":915,"1,919":916,"1,920":917,"1,921":918,"1,922":919,"1,923":920,"1,924":921,"1,925":922,"1,926":923,"1,927":924,"1,928":925,"1,929":926,"1,930":927,"1,931":928,"1,932":929,"1,933":930,"1,934":931,"1,935":932,"1,936":933,"1,937":934,"1,938":935,"1,939":936,"1,940":937,"1,941":938,"1,942":939,"1,943":940,"1,944":941,"1,945":942,"1,946":943,"1,947":944,"1,948":945,"1,949":946,"1,950":947,"1,951":948,"1,952":949,"1,953":950,"1,954":951,"1,955":952,"1,956":953,"1,957":954,"1,958":955,"1,959":956,"1,960":957,"1,961":958,"1,962":959,"1,963":960,"1,964":961,"1,965":962,"1,966":963,"1,967":964,"1,968":965,"1,969":966,"1,970":967,"1,971":968,"1,972":969,"1,973":970,"1,974":971,"1,975":972,"1,976":973,"1,977":974,"1,978":975,"1,979":976,"1,980":977,"1,981":978,"1,982":979,"1,983":980,"1,984":981,"1,985":982,"1,986":983,"1,987":984,"1,988":985,"1,989":986,"1,990":987,"1,991":988,"1,992":989,"1,993":990,"1,994":991,"1,995":992,"1,996":993,"1,997":994,"1,998":995,"1,999":996,"1,1000":997,"1,1001":998,"1,1002":999,"1,1003":1000,"1,1004":1001,"1,1005":1002,"1,1006":1003,"1,1007":1004,"1,1008":1005,"1,1009":1006,"1,1010":1007,"1,1011":1008,"1,1012":1009,"1,1013":1010,"1,1014":1011,"1,1015":1012,"1,1016":1013,"1,1017":1014,"1,1018":1015,"1,1019":1016,"1,1020":1017,"1,1021":1018,"1,1022":1019,"1,1023":1020,"1,1024":1021,"1,1025":1022,"1,1026":1023,"1,1027":1024,"1,1028":1025,"1,1029":1026,"1,1030":1027,"1,1031":1028,"1,1032":1029,"1,1033":1030,"1,1034":1031,"1,1035":1032,"1,1036":1033,"1,1037":1034,"1,1038":1035,"1,1039":1036,"1,1040":1037,"1,1041":1038,"1,1042":1039,"1,1043":1040,"1,1044":1041,"1,1045":1042,"1,1046":1043,"1,1047":1044,"1,1048":1045,"1,1049":1046,"1,1050":1047,"1,1051":1048,"1,1052":1049,"1,1053":1050,"1,1054":1051,"1,1055":1052,"1,1056":1053,"1,1057":1054,"1,1058":1055,"1,1059":1056,"1,1060":1057,"1,1061":1058,"1,1062":1059,"1,1063":1060,"1,1064":1061,"1,1065":1062,"1,1066":1063,"1,1067":1064,"1,1068":1065,"1,1069":1066,"1,1070":1067,"1,1071":1068,"1,1072":1069,"1,1073":1070,"1,1074":1071,"1,1075":1072,"1,1076":1073,"1,1077":1074,"1,1078":1075,"1,1079":1076,"1,1080":1077,"1,1081":1078,"1,1082":1079,"1,1083":1080,"1,1084":1081,"1,1085":1082,"1,1086":1083,"1,1087":1084,"1,1088":1085,"1,1089":1086,"1,1090":1087,"1,1091":1088,"1,1092":1089,"1,1093":1090,"1,1094":1091},"ٜ":{"1":[5,1094]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,849","1,850","1,851","1,852","1,853","1,854","1,855","1,856","1,857","1,858","1,859","1,860","1,861","1,862","1,863","1,864","1,865","1,866","1,867","1,868","1,869","1,870","1,871","1,872","1,873","1,874","1,875","1,876","1,877","1,878","1,879","1,880","1,881","1,882","1,883","1,884","1,885","1,886","1,887","1,888","1,889","1,890","1,891","1,892","1,893","1,894","1,895","1,896","1,897","1,898","1,899","1,900","1,901","1,902","1,903","1,904","1,905","1,906","1,907","1,908","1,909","1,910","1,911","1,912","1,913","1,914","1,915","1,916","1,917","1,918","1,919","1,920","1,921","1,922","1,923","1,924","1,925","1,926","1,927","1,928","1,929","1,930","1,931","1,932","1,933","1,934","1,935","1,936","1,937","1,938","1,939","1,940","1,941","1,942","1,943","1,944","1,945","1,946","1,947","1,948","1,949","1,950","1,951","1,952","1,953","1,954","1,955","1,956","1,957","1,958","1,959","1,960","1,961","1,962","1,963","1,964","1,965","1,966","1,967","1,968","1,969","1,970","1,971","1,972","1,973","1,974","1,975","1,976","1,977","1,978","1,979","1,980","1,981","1,982","1,983","1,984","1,985","1,986","1,987","1,988","1,989","1,990","1,991","1,992","1,993","1,994","1,995","1,996","1,997","1,998","1,999","1,1000","1,1001","1,1002","1,1003","1,1004","1,1005","1,1006","1,1007","1,1008","1,1009","1,1010","1,1011","1,1012","1,1013","1,1014","1,1015","1,1016","1,1017","1,1018","1,1019","1,1020","1,1021","1,1022","1,1023","1,1024","1,1025","1,1026","1,1027","1,1028","1,1029","1,1030","1,1031","1,1032","1,1033","1,1034","1,1035","1,1036","1,1037","1,1038","1,1039","1,1040","1,1041","1,1042","1,1043","1,1044","1,1045","1,1046","1,1047","1,1048","1,1049","1,1050","1,1051","1,1052","1,1053","1,1054","1,1055","1,1056","1,1057","1,1058","1,1059","1,1060","1,1061","1,1062","1,1063","1,1064","1,1065","1,1066","1,1067","1,1068","1,1069","1,1070","1,1071","1,1072","1,1073","1,1074","1,1075","1,1076","1,1077","1,1078","1,1079","1,1080","1,1081","1,1082","1,1083","1,1084","1,1085","1,1086","1,1087","1,1088","1,1089","1,1090","1,1091","1,1092","1,1093","1,1094"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"6":[3],"16":[4],"31":[5],"50":[6],"54":[7],"63":[8],"66":[9],"75":[10],"77":[11],"79":[12],"84":[13],"94":[14],"98":[15],"110":[16],"119":[17],"121":[18],"125":[19],"131":[20],"133":[21],"135":[22],"137":[23],"139":[24],"141":[25],"143":[26],"152":[27],"154":[28],"160":[29],"169":[30],"177":[31],"178":[32],"180":[33],"181":[34],"185":[35],"191":[36],"198":[37],"203":[38],"206":[39],"209":[40],"211":[41],"213":[42],"217":[43],"229":[44],"232":[45],"235":[46],"237":[47],"243":[48],"251":[49],"256":[50],"259":[51],"261":[52],"265":[53],"274":[54],"296":[55],"298":[56],"301":[57],"306":[58],"325":[59],"347":[60],"356":[61,62],"358":[63],"367":[64],"368":[65],"371":[66],"373":[67],"375":[68],"383":[69],"384":[70],"386":[71],"391":[72],"393":[73],"394":[74],"399":[75],"405":[76],"409":[77],"414":[78],"418":[79],"419":[80],"421":[81],"424":[82],"426":[83],"430":[84],"432":[85],"433":[86],"434":[87,88],"435":[89],"438":[90],"440":[91],"441":[92],"442":[93],"443":[94,95],"446":[96],"447":[97],"448":[98],"450":[99],"456":[100],"459":[101],"460":[102,103],"464":[104,105],"467":[106,107],"468":[108,109],"469":[110,111],"470":[112],"471":[113],"472":[114],"474":[115],"475":[116],"477":[117],"478":[118,119],"480":[120,121],"483":[122,123],"487":[124,125],"493":[126],"494":[127,128],"496":[129,130],"497":[131,132],"498":[133,134],"500":[135],"502":[136],"506":[137],"510":[138,139],"513":[140],"515":[141],"516":[142],"517":[143],"518":[144,145],"519":[146],"520":[147,148],"522":[149],"523":[150],"526":[151],"530":[152,153],"532":[154],"536":[155,156],"537":[157],"538":[158],"539":[159,160],"540":[161],"542":[162],"543":[163],"544":[164],"545":[165],"546":[166],"549":[167],"550":[168],"551":[169],"552":[170],"553":[171],"554":[172],"555":[173],"557":[174],"558":[175,176],"559":[177],"560":[178],"564":[179],"566":[180],"568":[181],"570":[182,183],"571":[184],"572":[185,186],"573":[187],"574":[188,189],"576":[190,191],"581":[192],"582":[193],"586":[194],"596":[195],"597":[196],"602":[197],"606":[198],"608":[199],"612":[200],"615":[201],"616":[202],"620":[203],"621":[204],"625":[205],"631":[206],"633":[207],"634":[208],"636":[209],"638":[210],"639":[211],"640":[212],"641":[213],"642":[214],"643":[215],"645":[216],"647":[217],"648":[218],"649":[219],"650":[220,221],"655":[222],"656":[223],"666":[224],"667":[225],"670":[226],"674":[227],"682":[228],"686":[229],"687":[230],"688":[231,232],"690":[233],"693":[234],"694":[235],"695":[236],"696":[237],"697":[238],"698":[239,240],"699":[241],"701":[242],"703":[243,244],"705":[245,246],"710":[247,248],"738":[249],"740":[250],"741":[251],"743":[252],"744":[253],"745":[254],"750":[255,256],"759":[257,258],"762":[259,260],"768":[261,262],"785":[263],"786":[264],"787":[265],"792":[266],"797":[267],"801":[268,269],"815":[270],"816":[271],"819":[272],"830":[273,274],"839":[275],"841":[276],"845":[277],"847":[278],"848":[279],"849":[280],"856":[281],"858":[282],"861":[283],"863":[284],"866":[285],"868":[286],"871":[287,288],"872":[289],"874":[290,291],"878":[292],"879":[293],"881":[294],"882":[295],"883":[296],"884":[297],"886":[298],"887":[299],"888":[300],"891":[301],"892":[302],"896":[303],"898":[304],"899":[305],"900":[306],"902":[307],"903":[308],"908":[309,310],"912":[311],"914":[312],"916":[313],"917":[314],"918":[315],"919":[316],"922":[317],"923":[318],"924":[319],"925":[320],"927":[321],"928":[322],"932":[323],"938":[324],"943":[325],"947":[326],"948":[327],"949":[328],"950":[329],"952":[330],"954":[331],"956":[332,333],"957":[334],"960":[335],"961":[336],"963":[337],"964":[338,339],"965":[340],"967":[341,342],"969":[343],"971":[344,345],"972":[346],"973":[347,348],"974":[349],"975":[350],"977":[351,352],"978":[353],"979":[354],"981":[355,356],"982":[357,358],"983":[359,360],"984":[361,362],"985":[363],"986":[364,365],"988":[366,367,368],"989":[369],"990":[370],"991":[371],"992":[372],"993":[373],"994":[374],"995":[375],"998":[376],"999":[377],"1000":[378,379],"1001":[380],"1004":[381],"1007":[382],"1010":[383],"1011":[384],"1013":[385],"1014":[386],"1015":[387],"1017":[388],"1019":[389],"1022":[390,391],"1063":[392],"1071":[393]},"ٟ":[],"numbers":{"1":7,"2":8,"3":9,"5":10,"4":9,"7":11,"6":10,"9":12,"8":11,"11":13,"10":12,"12":14,"13":17,"14":18,"16":19,"15":18,"19":20,"17":19,"18":19,"20":21,"21":22,"22":29,"23":30,"24":31,"25":33,"26":34,"28":35,"27":34,"30":36,"29":35,"31":39,"34":40,"32":39,"33":39,"36":41,"35":40,"39":42,"37":41,"38":41,"42":43,"40":42,"41":42,"43":44,"45":46,"46":47,"48":48,"47":47,"51":49,"49":48,"50":48,"53":50,"52":49,"54":51,"56":52,"55":51,"58":53,"57":52,"59":54,"60":56,"61":57,"62":58,"64":59,"63":58,"66":61,"67":62,"68":63,"69":65,"72":66,"70":65,"71":65,"74":68,"75":69,"77":70,"76":69,"78":71,"79":72,"81":73,"80":72,"83":74,"82":73,"84":75,"85":76,"87":80,"89":81,"88":80,"91":82,"90":81,"93":83,"92":82,"95":85,"96":86,"99":87,"97":86,"98":86,"101":88,"100":87,"103":89,"102":88,"106":90,"104":89,"105":89,"108":91,"107":90,"110":92,"109":91,"111":93,"112":96,"114":97,"113":96,"115":98,"117":99,"116":98,"118":100,"119":101,"121":102,"120":101,"124":103,"122":102,"123":102,"127":104,"125":103,"126":103,"129":105,"128":104,"132":106,"130":105,"131":105,"135":107,"133":106,"134":106,"137":108,"136":107,"139":109,"138":108,"142":111,"144":112,"143":111,"146":113,"145":112,"147":114,"150":115,"148":114,"149":114,"151":118,"152":119,"153":120,"154":121,"156":124,"157":125,"158":126,"161":127,"159":126,"160":126,"163":128,"162":127,"164":129,"166":130,"165":129,"168":132,"169":134,"171":135,"170":134,"172":136,"173":137,"174":138,"176":139,"175":138,"177":140,"181":141,"178":140,"179":140,"180":140,"182":142,"184":145,"186":146,"185":145,"188":147,"187":146,"189":148,"191":149,"190":148,"193":150,"192":149,"196":151,"194":150,"195":150,"197":152,"198":153,"199":155,"201":156,"200":155,"202":157,"203":160,"204":161,"206":162,"205":161,"209":163,"207":162,"208":162,"211":164,"210":163,"214":165,"212":164,"213":164,"215":166,"217":167,"216":166,"219":168,"218":167,"222":170,"225":171,"223":170,"224":170,"228":172,"226":171,"227":171,"229":173,"234":174,"230":173,"231":173,"232":173,"233":173,"236":175,"235":174,"239":176,"237":175,"238":175,"240":177,"242":178,"241":177,"244":179,"243":178,"246":180,"245":179,"248":182,"250":183,"249":182,"251":184,"252":185,"253":186,"255":187,"254":186,"257":188,"256":187,"259":189,"258":188,"260":192,"261":193,"263":194,"262":193,"265":195,"264":194,"268":196,"266":195,"267":195,"270":197,"269":196,"273":198,"271":197,"272":197,"274":199,"275":200,"277":201,"276":200,"279":202,"278":201,"281":203,"280":202,"282":204,"285":205,"283":204,"284":204,"288":206,"286":205,"287":205,"290":207,"289":206,"293":208,"291":207,"292":207,"296":209,"294":208,"295":208,"297":210,"298":211,"299":212,"302":213,"300":212,"301":212,"303":214,"306":215,"304":214,"305":214,"309":216,"307":215,"308":215,"312":218,"314":219,"313":218,"317":220,"315":219,"316":219,"319":221,"318":220,"321":222,"320":221,"323":223,"322":222,"326":224,"324":223,"325":223,"328":225,"327":224,"330":226,"329":225,"331":227,"334":228,"332":227,"333":227,"336":230,"338":231,"337":230,"341":232,"339":231,"340":231,"343":233,"342":232,"344":234,"345":235,"346":236,"347":237,"348":238,"349":239,"352":240,"350":239,"351":239,"355":241,"353":240,"354":240,"357":242,"356":241,"359":243,"358":242,"360":244,"362":245,"361":244,"364":246,"363":245,"367":247,"365":246,"366":246,"370":248,"368":247,"369":247,"372":249,"371":248,"373":251,"375":252,"374":251,"377":253,"376":252,"380":254,"378":253,"379":253,"382":255,"381":254,"384":256,"383":255,"386":257,"385":256,"387":258,"388":259,"389":260,"390":261,"391":262,"393":263,"392":262,"394":264,"395":265,"396":267,"397":268,"400":269,"398":268,"399":268,"402":270,"401":269,"405":271,"403":270,"404":270,"407":272,"406":271,"409":273,"408":272,"410":274,"412":277,"414":278,"413":277,"416":279,"415":278,"417":280,"418":281,"419":282,"421":283,"420":282,"422":284,"424":285,"423":284,"426":286,"425":285,"427":287,"429":288,"428":287,"431":289,"430":288,"433":290,"432":289,"435":291,"434":290,"436":292,"439":295,"440":296,"441":297,"443":300,"446":301,"444":300,"445":300,"447":302,"449":303,"448":302,"452":304,"450":303,"451":303,"454":305,"453":304,"456":306,"455":305,"457":308,"458":309,"460":310,"459":309,"463":311,"461":310,"462":310,"465":312,"464":311,"466":313,"468":314,"467":313,"470":315,"469":314,"472":316,"471":315,"473":317,"475":318,"474":317,"477":319,"476":318,"479":320,"478":319,"482":321,"480":320,"481":320,"484":322,"483":321,"486":323,"485":322,"489":324,"487":323,"488":323,"491":326,"492":327,"494":328,"493":327,"497":329,"495":328,"496":328,"498":330,"499":331,"501":332,"500":331,"503":334,"505":335,"504":334,"506":336,"509":337,"507":336,"508":336,"511":338,"510":337,"514":339,"512":338,"513":338,"517":340,"515":339,"516":339,"518":341,"519":342,"521":345,"522":348,"524":349,"523":348,"525":350,"527":351,"526":350,"529":352,"528":351,"531":353,"530":352,"534":354,"532":353,"533":353,"537":355,"535":354,"536":354,"538":356,"539":357,"544":359,"547":360,"545":359,"546":359,"551":361,"548":360,"549":360,"550":360,"554":362,"552":361,"553":361,"556":363,"555":362,"558":364,"557":363,"559":365,"561":366,"560":365,"563":368,"564":369,"566":370,"565":369,"567":371,"569":372,"568":371,"571":374,"573":375,"572":374,"574":380,"576":381,"575":380,"579":382,"577":381,"578":381,"581":383,"580":382,"583":384,"582":383,"586":385,"584":384,"585":384,"588":386,"587":385,"589":387,"590":388,"592":389,"591":388,"594":390,"593":389,"597":391,"595":390,"596":390,"598":392,"601":393,"599":392,"600":392,"602":396,"606":397,"603":396,"604":396,"605":396,"609":398,"607":397,"608":397,"611":399,"610":398,"612":401,"613":402,"616":403,"614":402,"615":402,"619":404,"617":403,"618":403,"621":405,"620":404,"622":406,"625":407,"623":406,"624":406,"628":408,"626":407,"627":407,"631":409,"629":408,"630":408,"632":411,"636":412,"633":411,"634":411,"635":411,"638":413,"637":412,"642":414,"639":413,"640":413,"641":413,"643":415,"644":416,"645":417,"647":418,"646":417,"648":419,"649":420,"652":421,"650":420,"651":420,"653":422,"655":423,"654":422,"657":424,"656":423,"659":425,"658":424,"662":426,"660":425,"661":425,"664":427,"663":426,"668":428,"665":427,"666":427,"667":427,"669":429,"671":430,"670":429,"674":431,"672":430,"673":430,"677":432,"675":431,"676":431,"679":433,"678":432,"681":434,"680":433,"684":435,"682":434,"683":434,"686":436,"685":435,"688":437,"687":436,"689":439,"691":440,"690":439,"692":441,"693":442,"697":443,"694":442,"695":442,"696":442,"699":444,"698":443,"702":445,"700":444,"701":444,"703":446,"704":447,"705":448,"706":449,"708":451,"709":452,"710":454,"712":456,"713":457,"715":458,"714":457,"718":459,"716":458,"717":458,"719":460,"721":461,"720":460,"722":462,"726":463,"723":462,"724":462,"725":462,"728":464,"727":463,"731":465,"729":464,"730":464,"734":466,"732":465,"733":465,"736":467,"735":466,"739":468,"737":467,"738":467,"741":469,"740":468,"744":470,"742":469,"743":469,"746":471,"745":470,"748":472,"747":471,"751":473,"749":472,"750":472,"754":474,"752":473,"753":473,"757":475,"755":474,"756":474,"759":476,"758":475,"762":477,"760":476,"761":476,"765":478,"763":477,"764":477,"769":479,"766":478,"767":478,"768":478,"773":480,"770":479,"771":479,"772":479,"775":481,"774":480,"778":482,"776":481,"777":481,"779":483,"780":484,"783":485,"781":484,"782":484,"786":486,"784":485,"785":485,"789":487,"787":486,"788":486,"792":488,"790":487,"791":487,"795":489,"793":488,"794":488,"797":490,"796":489,"799":492,"802":493,"800":492,"801":492,"803":494,"805":495,"804":494,"810":496,"806":495,"807":495,"808":495,"809":495,"813":497,"811":496,"812":496,"814":498,"817":499,"815":498,"816":498,"820":500,"818":499,"819":499,"822":501,"821":500,"825":502,"823":501,"824":501,"829":503,"826":502,"827":502,"828":502,"832":504,"830":503,"831":503,"835":505,"833":504,"834":504,"838":506,"836":505,"837":505,"840":507,"839":506,"842":508,"841":507,"845":511,"848":512,"846":511,"847":511,"851":513,"849":512,"850":512,"852":514,"855":515,"853":514,"854":514,"858":516,"856":515,"857":515,"860":517,"859":516,"862":518,"861":517,"865":519,"863":518,"864":518,"868":520,"866":519,"867":519,"870":521,"869":520,"873":522,"871":521,"872":521,"876":523,"874":522,"875":522,"878":524,"877":523,"881":525,"879":524,"880":524,"883":526,"882":525,"886":527,"884":526,"885":526,"890":528,"887":527,"888":527,"889":527,"892":529,"891":528,"894":530,"893":529,"897":531,"895":530,"896":530,"899":532,"898":531,"902":533,"900":532,"901":532,"904":534,"903":533,"907":535,"905":534,"906":534,"910":536,"908":535,"909":535,"912":537,"911":536,"914":538,"913":537,"917":539,"915":538,"916":538,"920":540,"918":539,"919":539,"922":541,"921":540,"925":542,"923":541,"924":541,"927":543,"926":542,"929":544,"928":543,"930":545,"934":546,"931":545,"932":545,"933":545,"935":547,"937":548,"936":547,"940":549,"938":548,"939":548,"942":550,"941":549,"945":551,"943":550,"944":550,"946":552,"948":554,"951":555,"949":554,"950":554,"953":556,"952":555,"955":557,"954":556,"956":558,"958":559,"957":558,"961":560,"959":559,"960":559,"963":561,"962":560,"966":562,"964":561,"965":561,"968":564,"970":565,"969":564,"972":566,"971":565,"973":567,"975":568,"974":567,"977":569,"976":568,"980":570,"978":569,"979":569,"982":571,"981":570,"984":572,"983":571,"986":573,"985":572,"988":574,"987":573,"991":576,"994":577,"992":576,"993":576,"996":578,"995":577,"998":579,"997":578,"999":580,"1002":581,"1000":580,"1001":580,"1004":582,"1003":581,"1005":583,"1006":584,"1008":585,"1007":584,"1009":586,"1010":587,"1011":588,"1015":589,"1012":588,"1013":588,"1014":588,"1016":590,"1018":591,"1017":590,"1020":593,"1021":594,"1022":595,"1023":596,"1024":598,"1027":599,"1025":598,"1026":598,"1029":600,"1028":599,"1031":601,"1030":600,"1032":602,"1034":603,"1033":602,"1036":604,"1035":603,"1038":605,"1037":604,"1040":606,"1039":605,"1042":607,"1041":606,"1045":608,"1043":607,"1044":607,"1048":609,"1046":608,"1047":608,"1050":610,"1049":609,"1052":611,"1051":610,"1053":612,"1056":613,"1054":612,"1055":612,"1057":614,"1060":615,"1058":614,"1059":614,"1063":616,"1061":615,"1062":615,"1066":617,"1064":616,"1065":616,"1067":618,"1069":619,"1068":618,"1071":620,"1070":619,"1074":621,"1072":620,"1073":620,"1075":622,"1077":623,"1076":622,"1078":624,"1081":625,"1079":624,"1080":624,"1083":626,"1082":625,"1086":627,"1084":626,"1085":626,"1089":628,"1087":627,"1088":627,"1090":629,"1093":630,"1091":629,"1092":629,"1095":631,"1094":630,"1098":632,"1096":631,"1097":631,"1100":633,"1099":632,"1103":634,"1101":633,"1102":633,"1105":635,"1104":634,"1108":636,"1106":635,"1107":635,"1111":637,"1109":636,"1110":636,"1113":638,"1112":637,"1117":639,"1114":638,"1115":638,"1116":638,"1121":640,"1118":639,"1119":639,"1120":639,"1124":641,"1122":640,"1123":640,"1126":642,"1125":641,"1128":643,"1127":642,"1129":644,"1132":645,"1130":644,"1131":644,"1135":646,"1133":645,"1134":645,"1139":647,"1136":646,"1137":646,"1138":646,"1141":648,"1140":647,"1144":649,"1142":648,"1143":648,"1146":650,"1145":649,"1147":651,"1149":652,"1148":651,"1153":653,"1150":652,"1151":652,"1152":652,"1156":654,"1154":653,"1155":653,"1158":655,"1157":654,"1160":657,"1162":658,"1161":657,"1164":659,"1163":658,"1167":660,"1165":659,"1166":659,"1171":661,"1168":660,"1169":660,"1170":660,"1173":662,"1172":661,"1176":663,"1174":662,"1175":662,"1178":664,"1177":663,"1182":665,"1179":664,"1180":664,"1181":664,"1186":666,"1183":665,"1184":665,"1185":665,"1189":668,"1193":669,"1190":668,"1191":668,"1192":668,"1196":670,"1194":669,"1195":669,"1198":671,"1197":670,"1202":672,"1199":671,"1200":671,"1201":671,"1205":673,"1203":672,"1204":672,"1206":675,"1208":676,"1207":675,"1209":677,"1211":679,"1214":680,"1212":679,"1213":679,"1215":682,"1216":683,"1217":684,"1220":685,"1218":684,"1219":684,"1222":686,"1221":685,"1224":687,"1223":686,"1226":688,"1225":687,"1230":689,"1227":688,"1228":688,"1229":688,"1232":690,"1231":689,"1235":691,"1233":690,"1234":690,"1237":692,"1236":691,"1239":693,"1238":692,"1241":694,"1240":693,"1244":695,"1242":694,"1243":694,"1247":696,"1245":695,"1246":695,"1250":697,"1248":696,"1249":696,"1254":698,"1251":697,"1252":697,"1253":697,"1257":699,"1255":698,"1256":698,"1260":700,"1258":699,"1259":699,"1264":701,"1261":700,"1262":700,"1263":700,"1267":702,"1265":701,"1266":701,"1268":703,"1270":704,"1269":703,"1271":705,"1272":706,"1274":707,"1273":706,"1278":708,"1275":707,"1276":707,"1277":707,"1283":709,"1279":708,"1280":708,"1281":708,"1282":708,"1285":712,"1287":713,"1286":712,"1291":714,"1288":713,"1289":713,"1290":713,"1294":715,"1292":714,"1293":714,"1296":716,"1295":715,"1298":717,"1297":716,"1300":718,"1299":717,"1303":719,"1301":718,"1302":718,"1305":720,"1304":719,"1309":721,"1306":720,"1307":720,"1308":720,"1311":722,"1310":721,"1314":723,"1312":722,"1313":722,"1316":724,"1315":723,"1317":725,"1319":726,"1318":725,"1323":727,"1320":726,"1321":726,"1322":726,"1325":728,"1324":727,"1330":729,"1326":728,"1327":728,"1328":728,"1329":728,"1332":730,"1331":729,"1335":731,"1333":730,"1334":730,"1339":732,"1336":731,"1337":731,"1338":731,"1342":733,"1340":732,"1341":732,"1344":734,"1343":733,"1346":735,"1345":734,"1347":736,"1350":737,"1348":736,"1349":736,"1352":738,"1351":737,"1354":739,"1353":738,"1357":740,"1355":739,"1356":739,"1358":741,"1360":742,"1359":741,"1362":743,"1361":742,"1365":744,"1363":743,"1364":743,"1367":745,"1366":744,"1368":746,"1369":747,"1373":748,"1370":747,"1371":747,"1372":747,"1376":751,"1378":752,"1377":751,"1381":753,"1379":752,"1380":752,"1386":755,"1388":756,"1387":755,"1390":757,"1389":756,"1393":760,"1394":761,"1397":763,"1401":764,"1398":763,"1399":763,"1400":763,"1403":765,"1402":764,"1406":766,"1404":765,"1405":765,"1408":769,"1410":770,"1409":769,"1413":771,"1411":770,"1412":770,"1415":772,"1414":771,"1418":773,"1416":772,"1417":772,"1419":774,"1422":775,"1420":774,"1421":774,"1424":776,"1423":775,"1427":777,"1425":776,"1426":776,"1430":778,"1428":777,"1429":777,"1432":779,"1431":778,"1434":780,"1433":779,"1435":781,"1437":782,"1436":781,"1439":783,"1438":782,"1442":784,"1440":783,"1441":783,"1444":785,"1443":784,"1446":786,"1445":785,"1447":788,"1448":790,"1450":791,"1449":790,"1451":794,"1453":795,"1452":794,"1456":796,"1454":795,"1455":795,"1458":797,"1457":796,"1461":798,"1459":797,"1460":797,"1463":799,"1462":798,"1465":803,"1466":804,"1470":805,"1467":804,"1468":804,"1469":804,"1472":806,"1471":805,"1475":807,"1473":806,"1474":806,"1476":808,"1479":809,"1477":808,"1478":808,"1481":810,"1480":809,"1483":811,"1482":810,"1487":812,"1484":811,"1485":811,"1486":811,"1489":813,"1488":812,"1491":814,"1490":813,"1494":816,"1497":817,"1495":816,"1496":816,"1500":818,"1498":817,"1499":817,"1503":822,"1504":824,"1506":825,"1505":824,"1507":826,"1509":827,"1508":826,"1510":829,"1511":832,"1514":833,"1512":832,"1513":832,"1517":834,"1515":833,"1516":833,"1519":835,"1518":834,"1522":836,"1520":835,"1521":835,"1523":837,"1526":838,"1524":837,"1525":837,"1528":840,"1530":841,"1529":840,"1531":843,"1533":844,"1532":843,"1535":845,"1534":844,"1536":846,"1539":847,"1537":846,"1538":846,"1540":848,"1542":849,"1541":848,"1544":850,"1543":849,"1545":851,"1547":859,"1549":860,"1548":859,"1550":862,"1551":863,"1552":864,"1554":865,"1553":864,"1557":866,"1555":865,"1556":865,"1559":869,"1562":870,"1560":869,"1561":869,"1564":871,"1563":870,"1566":872,"1565":871,"1567":873,"1569":874,"1568":873,"1570":875,"1571":877,"1573":879,"1574":880,"1576":881,"1575":880,"1577":882,"1579":883,"1578":882,"1581":884,"1580":883,"1584":885,"1582":884,"1583":884,"1586":886,"1585":885,"1588":887,"1587":886,"1590":888,"1589":887,"1591":889,"1595":890,"1592":889,"1593":889,"1594":889,"1597":891,"1596":890,"1599":892,"1598":891,"1600":893,"1603":894,"1601":893,"1602":893,"1606":895,"1604":894,"1605":894,"1609":896,"1607":895,"1608":895,"1610":897,"1611":898,"1612":899,"1613":900,"1614":901,"1615":903,"1616":904,"1617":905,"1620":907,"1621":908,"1622":910,"1624":911,"1623":910,"1626":912,"1625":911,"1628":913,"1627":912,"1630":914,"1629":913,"1632":915,"1631":914,"1634":916,"1633":915,"1635":917,"1638":918,"1636":917,"1637":917,"1640":919,"1639":918,"1642":920,"1641":919,"1644":921,"1643":920,"1646":922,"1645":921,"1647":923,"1649":924,"1648":923,"1652":925,"1650":924,"1651":924,"1655":927,"1657":928,"1656":927,"1659":929,"1658":928,"1661":930,"1660":929,"1663":931,"1662":930,"1666":932,"1664":931,"1665":931,"1669":934,"1671":935,"1670":934,"1673":937,"1674":939,"1676":941,"1678":943,"1680":944,"1679":943,"1684":945,"1681":944,"1682":944,"1683":944,"1687":946,"1685":945,"1686":945,"1688":947,"1690":948,"1689":947,"1692":949,"1691":948,"1693":950,"1694":951,"1696":952,"1695":951,"1698":953,"1697":952,"1701":954,"1699":953,"1700":953,"1702":955,"1705":956,"1703":955,"1704":955,"1707":957,"1706":956,"1708":958,"1709":959,"1712":960,"1710":959,"1711":959,"1714":961,"1713":960,"1717":962,"1715":961,"1716":961,"1719":963,"1718":962,"1720":964,"1724":965,"1721":964,"1722":964,"1723":964,"1725":967,"1727":969,"1728":970,"1730":971,"1729":970,"1732":972,"1731":971,"1734":973,"1733":972,"1737":974,"1735":973,"1736":973,"1740":975,"1738":974,"1739":974,"1741":976,"1742":977,"1745":978,"1743":977,"1744":977,"1746":979,"1747":980,"1749":981,"1748":980,"1751":982,"1750":981,"1753":983,"1752":982,"1755":984,"1754":983,"1758":985,"1756":984,"1757":984,"1759":986,"1761":987,"1760":986,"1764":988,"1762":987,"1763":987,"1768":989,"1765":988,"1766":988,"1767":988,"1770":990,"1769":989,"1771":991,"1772":992,"1773":993,"1774":994,"1775":995,"1778":996,"1776":995,"1777":995,"1779":997,"1781":998,"1780":997,"1783":999,"1782":998,"1785":1000,"1784":999,"1787":1001,"1786":1000,"1789":1002,"1788":1001,"1791":1004,"1792":1006,"1793":1009,"1794":1010,"1795":1011,"1796":1012,"1798":1013,"1797":1012,"1800":1014,"1799":1013,"1802":1015,"1801":1014,"1803":1016,"1805":1017,"1804":1016,"1806":1018,"1807":1020,"1808":1022,"1809":1026,"1811":1027,"1810":1026,"1812":1028,"1815":1029,"1813":1028,"1814":1028,"1816":1030,"1818":1031,"1817":1030,"1821":1032,"1819":1031,"1820":1031,"1823":1033,"1822":1032,"1826":1034,"1824":1033,"1825":1033,"1828":1035,"1827":1034,"1831":1036,"1829":1035,"1830":1035,"1832":1037,"1834":1038,"1833":1037,"1836":1039,"1835":1038,"1837":1040,"1839":1041,"1838":1040,"1842":1042,"1840":1041,"1841":1041,"1845":1043,"1843":1042,"1844":1042,"1847":1044,"1846":1043,"1849":1045,"1848":1044,"1851":1046,"1850":1045,"1852":1047,"1853":1048,"1855":1049,"1854":1048,"1858":1050,"1856":1049,"1857":1049,"1860":1051,"1859":1050,"1861":1052,"1864":1053,"1862":1052,"1863":1052,"1866":1054,"1865":1053,"1867":1057,"1868":1062,"1869":1066,"1872":1067,"1870":1066,"1871":1066,"1875":1068,"1873":1067,"1874":1067,"1876":1069,"1879":1071,"1880":1079,"1881":1080,"1883":1081,"1882":1080,"1884":1082,"1886":1083,"1885":1082,"1887":1084,"1888":1085,"1890":1086,"1889":1085,"1893":1087,"1891":1086,"1892":1086,"1895":1088,"1894":1087},"number_max":"1895","number_pages":{"7":"1","8":"2","9":"4","10":"6","11":"8","12":"10","13":"11","14":"12","17":"13","18":"15","19":"18","20":"19","21":"20","22":"21","29":"22","30":"23","31":"24","33":"25","34":"27","35":"29","36":"30","39":"33","40":"35","41":"38","42":"41","43":"42","44":"43","46":"45","47":"47","48":"50","49":"52","50":"53","51":"55","52":"57","53":"58","54":"59","56":"60","57":"61","58":"63","59":"64","61":"66","62":"67","63":"68","65":"71","66":"72","68":"74","69":"76","70":"77","71":"78","72":"80","73":"82","74":"83","75":"84","76":"85","80":"88","81":"90","82":"92","83":"93","85":"95","86":"98","87":"100","88":"102","89":"105","90":"107","91":"109","92":"110","93":"111","96":"113","97":"114","98":"116","99":"117","100":"118","101":"120","102":"123","103":"126","104":"128","105":"131","106":"134","107":"136","108":"138","109":"139","111":"143","112":"145","113":"146","114":"149","115":"150","118":"151","119":"152","120":"153","121":"154","124":"156","125":"157","126":"160","127":"162","128":"163","129":"165","130":"166","132":"168","134":"170","135":"171","136":"172","137":"173","138":"175","139":"176","140":"180","141":"181","142":"182","145":"185","146":"187","147":"188","148":"190","149":"192","150":"195","151":"196","152":"197","153":"198","155":"200","156":"201","157":"202","160":"203","161":"205","162":"208","163":"210","164":"213","165":"214","166":"216","167":"218","168":"219","170":"224","171":"227","172":"228","173":"233","174":"235","175":"238","176":"239","177":"241","178":"243","179":"245","180":"246","182":"249","183":"250","184":"251","185":"252","186":"254","187":"256","188":"258","189":"259","192":"260","193":"262","194":"264","195":"267","196":"269","197":"272","198":"273","199":"274","200":"276","201":"278","202":"280","203":"281","204":"284","205":"287","206":"289","207":"292","208":"295","209":"296","210":"297","211":"298","212":"301","213":"302","214":"305","215":"308","216":"309","218":"313","219":"316","220":"318","221":"320","222":"322","223":"325","224":"327","225":"329","226":"330","227":"333","228":"334","230":"337","231":"340","232":"342","233":"343","234":"344","235":"345","236":"346","237":"347","238":"348","239":"351","240":"354","241":"356","242":"358","243":"359","244":"361","245":"363","246":"366","247":"369","248":"371","249":"372","251":"374","252":"376","253":"379","254":"381","255":"383","256":"385","257":"386","258":"387","259":"388","260":"389","261":"390","262":"392","263":"393","264":"394","265":"395","267":"396","268":"399","269":"401","270":"404","271":"406","272":"408","273":"409","274":"410","277":"413","278":"415","279":"416","280":"417","281":"418","282":"420","283":"421","284":"423","285":"425","286":"426","287":"428","288":"430","289":"432","290":"434","291":"435","292":"436","295":"439","296":"440","297":"441","300":"445","301":"446","302":"448","303":"451","304":"453","305":"455","306":"456","308":"457","309":"459","310":"462","311":"464","312":"465","313":"467","314":"469","315":"471","316":"472","317":"474","318":"476","319":"478","320":"481","321":"483","322":"485","323":"488","324":"489","326":"491","327":"493","328":"496","329":"497","330":"498","331":"500","332":"501","334":"504","335":"505","336":"508","337":"510","338":"513","339":"516","340":"517","341":"518","342":"519","345":"521","348":"523","349":"524","350":"526","351":"528","352":"530","353":"533","354":"536","355":"537","356":"538","357":"539","359":"546","360":"550","361":"553","362":"555","363":"557","364":"558","365":"560","366":"561","368":"563","369":"565","370":"566","371":"568","372":"569","374":"572","375":"573","380":"575","381":"578","382":"580","383":"582","384":"585","385":"587","386":"588","387":"589","388":"591","389":"593","390":"596","391":"597","392":"600","393":"601","396":"605","397":"608","398":"610","399":"611","401":"612","402":"615","403":"618","404":"620","405":"621","406":"624","407":"627","408":"630","409":"631","411":"635","412":"637","413":"641","414":"642","415":"643","416":"644","417":"646","418":"647","419":"648","420":"651","421":"652","422":"654","423":"656","424":"658","425":"661","426":"663","427":"667","428":"668","429":"670","430":"673","431":"676","432":"678","433":"680","434":"683","435":"685","436":"687","437":"688","439":"690","440":"691","441":"692","442":"696","443":"698","444":"701","445":"702","446":"703","447":"704","448":"705","449":"706","451":"708","452":"709","454":"710","456":"712","457":"714","458":"717","459":"718","460":"720","461":"721","462":"725","463":"727","464":"730","465":"733","466":"735","467":"738","468":"740","469":"743","470":"745","471":"747","472":"750","473":"753","474":"756","475":"758","476":"761","477":"764","478":"768","479":"772","480":"774","481":"777","482":"778","483":"779","484":"782","485":"785","486":"788","487":"791","488":"794","489":"796","490":"797","492":"801","493":"802","494":"804","495":"809","496":"812","497":"813","498":"816","499":"819","500":"821","501":"824","502":"828","503":"831","504":"834","505":"837","506":"839","507":"841","508":"842","511":"847","512":"850","513":"851","514":"854","515":"857","516":"859","517":"861","518":"864","519":"867","520":"869","521":"872","522":"875","523":"877","524":"880","525":"882","526":"885","527":"889","528":"891","529":"893","530":"896","531":"898","532":"901","533":"903","534":"906","535":"909","536":"911","537":"913","538":"916","539":"919","540":"921","541":"924","542":"926","543":"928","544":"929","545":"933","546":"934","547":"936","548":"939","549":"941","550":"944","551":"945","552":"946","554":"950","555":"952","556":"954","557":"955","558":"957","559":"960","560":"962","561":"965","562":"966","564":"969","565":"971","566":"972","567":"974","568":"976","569":"979","570":"981","571":"983","572":"985","573":"987","574":"988","576":"993","577":"995","578":"997","579":"998","580":"1001","581":"1003","582":"1004","583":"1005","584":"1007","585":"1008","586":"1009","587":"1010","588":"1014","589":"1015","590":"1017","591":"1018","593":"1020","594":"1021","595":"1022","596":"1023","598":"1026","599":"1028","600":"1030","601":"1031","602":"1033","603":"1035","604":"1037","605":"1039","606":"1041","607":"1044","608":"1047","609":"1049","610":"1051","611":"1052","612":"1055","613":"1056","614":"1059","615":"1062","616":"1065","617":"1066","618":"1068","619":"1070","620":"1073","621":"1074","622":"1076","623":"1077","624":"1080","625":"1082","626":"1085","627":"1088","628":"1089","629":"1092","630":"1094","631":"1097","632":"1099","633":"1102","634":"1104","635":"1107","636":"1110","637":"1112","638":"1116","639":"1120","640":"1123","641":"1125","642":"1127","643":"1128","644":"1131","645":"1134","646":"1138","647":"1140","648":"1143","649":"1145","650":"1146","651":"1148","652":"1152","653":"1155","654":"1157","655":"1158","657":"1161","658":"1163","659":"1166","660":"1170","661":"1172","662":"1175","663":"1177","664":"1181","665":"1185","666":"1186","668":"1192","669":"1195","670":"1197","671":"1201","672":"1204","673":"1205","675":"1207","676":"1208","677":"1209","679":"1213","680":"1214","682":"1215","683":"1216","684":"1219","685":"1221","686":"1223","687":"1225","688":"1229","689":"1231","690":"1234","691":"1236","692":"1238","693":"1240","694":"1243","695":"1246","696":"1249","697":"1253","698":"1256","699":"1259","700":"1263","701":"1266","702":"1267","703":"1269","704":"1270","705":"1271","706":"1273","707":"1277","708":"1282","709":"1283","712":"1286","713":"1290","714":"1293","715":"1295","716":"1297","717":"1299","718":"1302","719":"1304","720":"1308","721":"1310","722":"1313","723":"1315","724":"1316","725":"1318","726":"1322","727":"1324","728":"1329","729":"1331","730":"1334","731":"1338","732":"1341","733":"1343","734":"1345","735":"1346","736":"1349","737":"1351","738":"1353","739":"1356","740":"1357","741":"1359","742":"1361","743":"1364","744":"1366","745":"1367","746":"1368","747":"1372","748":"1373","751":"1377","752":"1380","753":"1381","755":"1387","756":"1389","757":"1390","760":"1393","761":"1394","763":"1400","764":"1402","765":"1405","766":"1406","769":"1409","770":"1412","771":"1414","772":"1417","773":"1418","774":"1421","775":"1423","776":"1426","777":"1429","778":"1431","779":"1433","780":"1434","781":"1436","782":"1438","783":"1441","784":"1443","785":"1445","786":"1446","788":"1447","790":"1449","791":"1450","794":"1452","795":"1455","796":"1457","797":"1460","798":"1462","799":"1463","803":"1465","804":"1469","805":"1471","806":"1474","807":"1475","808":"1478","809":"1480","810":"1482","811":"1486","812":"1488","813":"1490","814":"1491","816":"1496","817":"1499","818":"1500","822":"1503","824":"1505","825":"1506","826":"1508","827":"1509","829":"1510","832":"1513","833":"1516","834":"1518","835":"1521","836":"1522","837":"1525","838":"1526","840":"1529","841":"1530","843":"1532","844":"1534","845":"1535","846":"1538","847":"1539","848":"1541","849":"1543","850":"1544","851":"1545","859":"1548","860":"1549","862":"1550","863":"1551","864":"1553","865":"1556","866":"1557","869":"1561","870":"1563","871":"1565","872":"1566","873":"1568","874":"1569","875":"1570","877":"1571","879":"1573","880":"1575","881":"1576","882":"1578","883":"1580","884":"1583","885":"1585","886":"1587","887":"1589","888":"1590","889":"1594","890":"1596","891":"1598","892":"1599","893":"1602","894":"1605","895":"1608","896":"1609","897":"1610","898":"1611","899":"1612","900":"1613","901":"1614","903":"1615","904":"1616","905":"1617","907":"1620","908":"1621","910":"1623","911":"1625","912":"1627","913":"1629","914":"1631","915":"1633","916":"1634","917":"1637","918":"1639","919":"1641","920":"1643","921":"1645","922":"1646","923":"1648","924":"1651","925":"1652","927":"1656","928":"1658","929":"1660","930":"1662","931":"1665","932":"1666","934":"1670","935":"1671","937":"1673","939":"1674","941":"1676","943":"1679","944":"1683","945":"1686","946":"1687","947":"1689","948":"1691","949":"1692","950":"1693","951":"1695","952":"1697","953":"1700","954":"1701","955":"1704","956":"1706","957":"1707","958":"1708","959":"1711","960":"1713","961":"1716","962":"1718","963":"1719","964":"1723","965":"1724","967":"1725","969":"1727","970":"1729","971":"1731","972":"1733","973":"1736","974":"1739","975":"1740","976":"1741","977":"1744","978":"1745","979":"1746","980":"1748","981":"1750","982":"1752","983":"1754","984":"1757","985":"1758","986":"1760","987":"1763","988":"1767","989":"1769","990":"1770","991":"1771","992":"1772","993":"1773","994":"1774","995":"1777","996":"1778","997":"1780","998":"1782","999":"1784","1000":"1786","1001":"1788","1002":"1789","1004":"1791","1006":"1792","1009":"1793","1010":"1794","1011":"1795","1012":"1797","1013":"1799","1014":"1801","1015":"1802","1016":"1804","1017":"1805","1018":"1806","1020":"1807","1022":"1808","1026":"1810","1027":"1811","1028":"1814","1029":"1815","1030":"1817","1031":"1820","1032":"1822","1033":"1825","1034":"1827","1035":"1830","1036":"1831","1037":"1833","1038":"1835","1039":"1836","1040":"1838","1041":"1841","1042":"1844","1043":"1846","1044":"1848","1045":"1850","1046":"1851","1047":"1852","1048":"1854","1049":"1857","1050":"1859","1051":"1860","1052":"1863","1053":"1865","1054":"1866","1057":"1867","1062":"1868","1066":"1871","1067":"1874","1068":"1875","1069":"1876","1071":"1879","1079":"1880","1080":"1882","1081":"1883","1082":"1885","1083":"1886","1084":"1887","1085":"1889","1086":"1892","1087":"1894","1088":"1895"}},"pages":[{"text":"تَألِيْفُ الفَقِيْر إِلَى اللهِ تَعَالَى وَتَبَارَكْ\n\nفَيْصَلْ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ آل مُبَارَك\n\n(١٣١٣ هـ - ١٣٧٦ هـ)","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة الشارح</span>\n\nالحمدُ لِلَّهِ الذَّي منَّ على الصالحين بذِكره وطاعَتِه، فَرَتَعوا في رياض الجنَّة لشُغْلِهم بمُراقَبَتِه وعِبَادَتِه.\nوَأشْهَدُ أنْ لا إِله إِلا اللهُ، وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه في ربوبيَّته وإلهيَّته وأسمائِهِ وصفاتِهِ، وأَشْهَدُ أَنَّ سيَّدَنَا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه من مخلوقاتِه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ: أهلِ دينِه ووُلاته وسلَّم تسليمًا.\nأما بعد: فإنَّ كتاب (رياض الصَّالحين) مِن أنفع الكتب المختصرة؛ لأنَّه مشتمل على أحاديث صحيحة وآيات كريمة، تَحُثُّ على سلوك الطُّرق الموصلة إلى الجنَّة، من الأعمال الصَّالحة، والآداب الباطنة والظَّاهرة، فَجَزى الله مؤلَّفه خيرًا، وغَفَر له، ولوالديه، ومشايخه، وسائر أحبابه، والمسلمين أجمعين.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة رياض الصالحين</span>\n\nقال المصنف رحمه الله تعالى:\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nالحمْدُ للهِ الواحدِ القَهَّارِ، العَزيزِ الغَفَّارِ، مُكَوِّرِ اللَّيْلِ على النَّهَارِ، تَذْكِرَةً لأُولي القُلُوبِ والأَبصَارِ، وتَبْصرَةً لِذَوي الأَلبَابِ واَلاعتِبَارِ، الَّذي أَيقَظَ مِنْ خَلْقهِ مَنِ اصطَفاهُ فَزَهَّدَهُمْ في هذهِ الدَّارِ، وشَغَلهُمْ بمُراقبَتِهِ وَإِدَامَةِ الأَفكارِ، ومُلازَمَةِ الاتِّعَاظِ والادِّكَارِ، ووَفَّقَهُمْ للدَّأْبِ في طاعَتِهِ، والتّأهُّبِ لِدَارِ القَرارِ، والْحَذَرِ مِمّا يُسْخِطُهُ ويُوجِبُ دَارَ البَوَارِ، والمُحافَظَةِ على ذلِكَ مَعَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ والأَطْوَارِ.\nأَحْمَدُهُ أَبلَغَ حمْدٍ وأَزكَاهُ، وَأَشمَلَهُ وأَنْمَاهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ البَرُّ الكَرِيمُ، الرؤُوفُ الرَّحيمُ، وأشهَدُ أَنَّ سَيَّدَنا مُحمّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ، وحبِيبُهُ وخلِيلُهُ، الهَادِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيمٍ، والدَّاعِي إِلَى دِينٍ قَويمٍ، صَلَوَاتُ اللهِ وسَلامُهُ عَليهِ، وَعَلَى سَائِرِ النَّبيِّينَ، وَآلِ كُلٍّ، وسَائِرِ الصَّالِحينَ.\n\nأَما بعد، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات (٥٦، ٥٧)] وَهَذا","vol":"1","page":6},{"text":"تَصْريحٌ بِأَنَّهُمْ خُلِقوا لِلعِبَادَةِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الاعْتِنَاءُ بِمَا خُلِقُوا لَهُ وَالإعْرَاضُ عَنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا بالزَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا دَارُ نَفَادٍ لا مَحَلُّ إخْلاَدٍ،\nوَمَرْكَبُ عُبُورٍ لا مَنْزِلُ حُبُورٍ، ومَشْرَعُ انْفصَامٍ لا مَوْطِنُ دَوَامٍ، فلِهذا كَانَ الأَيْقَاظُ مِنْ أَهْلِهَا هُمُ الْعُبَّادُ، وَأعْقَلُ النَّاسِ فيهَا هُمُ الزُّهّادُ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس (٢٤)] . والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ. ولقد أَحْسَنَ القَائِلُ:\nإِنَّ للهِ عِبَادًا فُطَنَا ...؟؟؟ ... طَلَّقُوا الدُّنْيَا وخَافُوا الفِتَنَا ...؟؟؟\nفَنَظَروا فيهَا فَلَمَّا عَلِمُوا ...؟؟؟؟ ... أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا ...؟؟؟؟\nجَعَلُوها لُجَّةً واتَّخَذُوا ...؟ ... صَالِحَ الأَعمالِ فيها سُفُنا ...؟؟؟\n\nفإذا كَانَ حالُها ما وصَفْتُهُ، وحالُنَا وَمَا خُلِقْنَا لَهُ مَا قَدَّمْتُهُ؛ فَحَقٌّ عَلَى الْمُكلَّفِ أَنْ يَذْهَبَ بنفسِهِ مَذْهَبَ الأَخْيارِ، وَيَسلُكَ مَسْلَكَ أُولي النُّهَى وَالأَبْصَارِ، وَيَتَأهَّبَ لِمَا أشَرْتُ إليهِ، وَيَهْتَمَّ بمَا نَبَّهتُ عليهِ. وأَصْوَبُ طريقٍ لهُ في ذَلِكَ، وَأَرشَدُ مَا يَسْلُكُهُ مِنَ المسَالِكِ، التَّأَدُّبُ بمَا صَحَّ عَنْ نَبِيِّنَا سَيِّدِ الأَوَّلينَ والآخرينَ، وَأَكْرَمِ السَّابقينَ واللاحِقينَ، صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيهِ وَعَلى سَائِرِ النَّبيِّينَ. وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة (٢)] وقد صَحَّ عَنْ رسولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ قالَ: ... «واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ»، وَأَنَّهُ قالَ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ» . وأَنَّهُ قالَ: «مَنْ دَعَا إِلى هُدىً كَانَ لَهُ\nمِنَ الأَجرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئًا»، وأَنَّهُ قالَ لِعَليٍّ - ﵁ -: «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» .","vol":"1","page":7},{"text":"فَرَأَيتُ أَنْ أَجْمَعَ مُخْتَصَرًا منَ الأحاديثِ الصَّحيحَةِ، مشْتَمِلًا عَلَى مَا يكُونُ طَرِيقًا لِصَاحبهِ إِلى الآخِرَةِ، ومُحَصِّلًا لآدَابِهِ البَاطِنَةِ وَالظَاهِرَةِ. جَامِعًا للترغيب والترهيب، وسائر أنواع آداب السالكين: من أحاديث الزهد ورياضات النُّفُوسِ، وتَهْذِيبِ الأَخْلاقِ، وطَهَارَاتِ القُلوبِ وَعِلاجِهَا، وصِيانَةِ الجَوَارحِ وَإِزَالَةِ اعْوِجَاجِهَا، وغَيرِ ذلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْعارفِينَ.\nوَألتَزِمُ فيهِ أَنْ لا أَذْكُرَ إلا حَدِيثًا صَحِيحًا مِنَ الْوَاضِحَاتِ، مُضَافًا إِلى الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُوراتِ. وأُصَدِّر الأَبْوَابَ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ بِآياتٍ كَرِيماتٍ، وَأَوشِّحَ مَا يَحْتَاجُ إِلى ضَبْطٍ أَوْ شَرْحِ مَعْنىً خَفِيٍّ بِنَفَائِسَ مِنَ التَّنْبِيهاتِ. وإِذا قُلْتُ في آخِرِ حَدِيث: مُتَّفَقٌ عَلَيهِ فمعناه: رواه البخاريُّ ومسلمٌ.\nوَأَرجُو إنْ تَمَّ هذَا الْكِتَابُ أنْ يَكُونَ سَائِقًا للمُعْتَنِي بِهِ إِلى الْخَيْرَاتِ حَاجزًا لَهُ عَنْ أنْواعِ الْقَبَائِحِ والْمُهْلِكَاتِ. وأَنَا سَائِلٌ أخًا انْتَفعَ بِشيءٍ مِنْهُ أنْ يَدْعُوَ لِي، وَلِوَالِدَيَّ، وَمَشَايخي، وَسَائِرِ أَحْبَابِنَا، وَالمُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ. وعَلَى اللهِ الكَريمِ اعْتِمادي، وَإِلَيْهِ تَفْويضي وَاسْتِنَادي، وَحَسبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.","vol":"1","page":8},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>١- باب الإخلاص وإحضار النية</span>\nفي جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية\n\nالإخلاص هو: إفراد الله ﷾ بالقَصْدِ، وهو أن يريد العبد بطاعته التقرُّب إلى الله دون شيء آخر.\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة (٥)] .\n\nأي: وما أُمِرَ أهل الكتاب وغيرهم إلا بِعِبَادة الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحنفاء هم: المائلون عن جميع الأديان إلى دين الإسلام.\n﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، أي: الملة المستقيمة.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج (٣٧)] .\n\nأي: لن يصل إلى الله لحوم الهدايا والضحايا، ولا دماؤها، ولكن يصله منكم النية والإِخلاص.\nقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يلطخون البيت بدماء البُدْن، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزلت هذه الآية.","vol":"1","page":9},{"text":"وَقالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران (٢٩)] .\n\nأي: فهو العالِم بخفيّات الصدور، وما اشتملت عليه من الإخلاص أو الرياء.\n\n[١] وعن أمير المؤمِنين أبي حَفْصٍ عمرَ بنِ الخطابِ بنِ نُفَيْلِ بنِ عبدِ العُزّى بن رياحِ بنِ عبدِ اللهِ بن قُرْطِ بن رَزاحِ بنِ عدِي بنِ كعب بنِ لُؤَيِّ بنِ غالبٍ القُرشِيِّ العَدويِّ - ﵁ - قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ: «إنّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكَحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْه» . مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. رَوَاهُ إمَامَا الْمُحَدّثِينَ، أبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعيلَ بْن إبراهِيمَ بْن المُغيرَةِ بنِ بَرْدِزْبهْ الجُعْفِيُّ البُخَارِيُّ، وَأَبُو الحُسَيْنِ مُسْلمُ بْنُ الحَجَّاجِ بْنِ مُسْلمٍ الْقُشَيريُّ النَّيْسَابُورِيُّ ﵄ فِي صحيحيهما اللَّذَيْنِ هما أَصَحُّ الكُتبِ المصنفةِ.\n\nهذا حديث عظيم، جليل القدر كثير الفائدة.\nقال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: ينبغي لكل من صنَّف كتابًا أن يبتدئ فيه بهذا الحديث، تنبيهًا للطالب على تصحيح النية.\nوقال الشافعي رحمه الله تعالى: يدخل في سبعين بابًا من العلم.\nوقال البخاري رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى، فدخل فيه: الإيمان، والوضوء، والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والأحكام.","vol":"1","page":10},{"text":"قوله: «إنما الأعمال بالنيات»، إنما للحصر، أي: لا يعتد بالأعمال بدون النية. «وإنما لكل امرئ ما نوى» .\nقال ابن عبد السلام: الجملة الأولى لبيان ما يعتبر مِنَ الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها. انتهى. والنية: هي القصد، ومحلها القلب.\nقوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله»، أي من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا. «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» .\nقال ابن دقيق العيد: نقلوا أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فلهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به.\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: من نوى بهجرته مفارقة دار الكفر وتزوج المرأة معًا، فلا تكون قبيحة ولا غير صحيحة، بل هي ناقصة بالنسبة إلى من كانت هجرته خالصة. والله أعلم.\n\n[٢] وعن أمِّ المؤمِنينَ أمِّ عبدِ اللهِ عائشةَ ﵂ قالت: قالَ رسول الله - ﷺ -: «يغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ» . قَالَتْ: قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ\nوَآخِرِهِمْ وَفِيهمْ أسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟! قَالَ: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيّاتِهمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. هذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.\n\nفي هذا الحديث: التحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم، وأن العقوبة","vol":"1","page":11},{"text":"تلزمه معهم، وأنه يعامل عند الحساب بقصده من الخير والشر. وفي حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا أنزل الله بقوم عذابًا، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم» .\n\n[٣] وعن عائِشةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النبي - ﷺ -: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَمَعناهُ: لا هِجْرَةَ مِنْ مَكّةَ لأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ إسلاَمٍ.\n\nقال الخطَّابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم؛ لقلة المسلمين بالمدينة، وحاجتهم إلى الاجتماع. فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد، والنية على من قام به، أو نزل به عدو.\nوقال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها؛ لما يترجى من دخول غيره في الإسلام.\nقال الحافظ: كانت الحكمة في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم إلى أن يرجع عن دينه.\n[٤] وعن أبي عبدِ اللهِ جابر بن عبدِ اللهِ الأنصاريِّ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - في غَزَاةٍ، فَقالَ: «إِنَّ بالمدِينَةِ لَرِجَالًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إلا كَانُوا مَعَكمْ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ» . وَفي روَايَة: «إلا شَرَكُوكُمْ في الأجْرِ» . رواهُ مسلمٌ.","vol":"1","page":12},{"text":"ورواهُ البخاريُّ عن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - فقال: «إنَّ أقْوامًا خَلْفَنَا بالْمَدِينَةِ مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلا وَاديًا، إلا وَهُمْ مَعَنَا؛ حَبَسَهُمُ العُذْرُ» .\n\nفي هذا الحديث: دليل على أن من صحت نيته، وعزم على فعل عمل صالح وتركه لعذر، أن له مثل أجر فاعله.\n\n[٥] وعن أبي يَزيدَ مَعْنِ بنِ يَزيدَ بنِ الأخنسِ - ﵃ - وهو وأبوه وَجَدُّه صحابيُّون قَالَ: كَانَ أبي يَزيدُ أخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ في الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فأَخذْتُها فَأَتَيْتُهُ بِهَا. فقالَ: واللهِ، مَا إيَّاكَ أرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلى رسولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «لكَ مَا نَوَيْتَ يَا يزيدُ، ولَكَ ما أخَذْتَ يَا مَعْنُ» . رواهُ البخاريُّ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن من نوى الصدقة على محتاج، حصل له ثوابها، ولو كان الآخذ ممن تلزمه نفقته، أو غير أهل لها، كما في قصة الذي تصدَّق على ثلاثة.\n\n[٦] وعن أبي إسحاقَ سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ مالِكِ بنِ أُهَيْب بنِ عبدِ منافِ ابنِ زُهرَةَ بنِ كلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤيٍّ القُرشِيِّ الزُّهريِّ - ﵁ - أَحَدِ\nالعَشَرَةِ المشهودِ لهم بالجنةِ - ﵃ - قَالَ: جاءنِي رسولُ اللهِ - ﷺ - يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي قَدْ بَلَغَ بي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مالٍ وَلا يَرِثُني إلا ابْنَةٌ لي، أفأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لا»، قُلْتُ: فالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فقَالَ: «لا»، قُلْتُ: فالثُّلُثُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ،","vol":"1","page":13},{"text":"والثُّلُثُ كَثيرٌ - أَوْ كبيرٌ - إنَّكَ إنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أغنِيَاءَ خيرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يتكفَّفُونَ النَّاسَ، وَإنَّكَ لَنْ تُنفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغي بِهَا وَجهَ اللهِ إلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِيِّ امْرَأَتِكَ»، قَالَ: فَقُلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أُخلَّفُ بعدَ أصْحَابي؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعملَ عَمَلًا تَبتَغي بِهِ وَجْهَ اللهِ إلا ازْدَدتَ بِهِ دَرَجةً ورِفعَةً، وَلَعلَّكَ أنْ تُخَلَّفَ حَتّى يَنتَفِعَ بِكَ أقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخرونَ. اللَّهُمَّ أَمْضِ لأصْحَابي هِجْرَتَهُمْ ولا تَرُدَّهُمْ عَلَى أعقَابهمْ، لكنِ البَائِسُ سَعدُ بْنُ خَوْلَةَ» . يَرْثي لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أنْ ماتَ بمَكَّة. مُتَّفَقٌ عليهِ.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية عيادة المريض.\nوفيه: الإنفاق على من تلزمه مؤنتهم، والحث على الإخلاص في ذلك.\nوفيه: أن من ترك مالًا قليلًا، فالاختيار له: ترك الوصية، وإبقاء المال للورثة، ومن ترك مالًا كثيرًا، جاز له الوصية بالثلث فما دون. والله أعلم.\n\n[٧] وعنْ أبي هريرةَ عبدِ الرحمنِ بنِ صخرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «إنَّ الله لا ينْظُرُ إِلى أجْسَامِكُمْ، ولا إِلى صُوَرِكمْ، وَلَكن ينْظُرُ إلى قُلُوبِكمْ» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: الاعتناء بحال القلب وصفاته، وتصحيح مقاصده، وتطهيره عن كل وصف مذموم؛ لأن عمل القلب هو المصحح للأعمال الشرعية، وكمال ذلك بمراقبة الله ﷾.\n\n[٨] وعن أبي موسى عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ الأشعريِّ - ﵁ - قَالَ: سُئِلَ ... رسولُ الله - ﷺ - عَنِ الرَّجُلِ يُقاتلُ شَجَاعَةً، ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً، ويُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذلِكَ في سبيلِ الله؟ فقال رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ قَاتَلَ","vol":"1","page":14},{"text":"لِتَكونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيَا، فَهوَ في سبيلِ اللهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقال ابن عباس: كلمة الله: «لا إله إلا الله» .\nوفي هذا الحديث: أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة.\nوفيه: ذم الحرص على الدنيا، وعلى القتال لحظ النفس في غير الطاعة.\nوفيه: أن الفضل الذي يورد في المجاهدين مختص بمن قاتل لإِعلاء دين الله.\nقال ابن أبي جمرة: إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه.\nقال الحافظ: القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب، وكل منها يتناوله المدح والذم، فلهذا لم يحصل الجواب بالإِثبات ولا بالنفي.\n\n[٩] وعن أبي بَكرَةَ نُفيع بنِ الحارثِ الثقفيِّ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: ... «إِذَا التَقَى المُسلِمَان بسَيْفَيهِمَا فالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ في النّارِ» . قُلتُ:\nيا رَسُولَ اللهِ، هذا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المقْتُولِ؟ قَالَ: «إنَّهُ كَانَ حَريصًا عَلَى قتلِ صَاحِبهِ» . مُتَّفَقٌ عليهِ.\n\nفي هذا الحديث: العقاب على من عزم على المعصية بقلبه، ووطَّن نفسه عليها.\n\n[١٠] وعن أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قالَ رَسُول الله - ﷺ -: «صَلاةُ الرَّجلِ في جمَاعَةٍ تَزيدُ عَلَى صَلاتهِ في بيتهِ وصلاته فِي سُوقِهِ","vol":"1","page":15},{"text":"بضْعًا وعِشرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أنَّ أَحدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضوءَ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ، لا يَنْهَزُهُ إِلا الصَلاةُ، لا يُرِيدُ إلا الصَّلاةَ: لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بها خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، فإِذا دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ في الصَّلاةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِي تَحْبِسُهُ، وَالمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيهِ، مَا لَم يُؤْذِ فيه، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ» . مُتَّفَقٌ عليه، وهذا لفظ مسلم.\nوقوله - ﷺ -: «يَنْهَزُهُ» هُوَ بِفَتْحِ اليَاءِ والْهَاءِ وبالزَّايِ: أَيْ يُخْرِجُهُ ويُنْهضُهُ.\n\nقوله: «لا يريد إلا الصلاة»، أي: في جماعة، وفيه: إشارة إلى اعتبار الإخلاص. وفي هذا الحديث: إشارة إلى بعض الأسباب المقتضية للدرجات، وهو قوله: «وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج\nإلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رُفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» .\nومنها: الاجتماع والتعاون على الطاعة، والألفة بين الجيران، والسلامة من صفة النفاق، ومن إساءة الظن به.\nومنها: صلاة الملائكة عليه، واستغفارهم له، وغير ذلك.\n\n[١١] وعن أبي العبَّاسِ عبدِ اللهِ بنِ عباسِ بنِ عبد المطلب ﵄، عن رَسُول الله - ﷺ - فيما يروي عن ربهِ ﵎ قَالَ: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَها اللهُ ﵎ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وَإنْ هَمَّ بهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إِلى سَبْع مئةِ ضِعْفٍ إِلى أَضعَافٍ كَثيرةٍ،","vol":"1","page":16},{"text":"وإنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلةً، وَإنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» . مُتَّفَقٌ عليهِ.\n\nهذا حديث شريف عظيم، بيَّن فيه النبي - ﷺ - مقدار ما تفضَّل الله به ﷿ على خلقه من تضعيف الحسنات، وتقليل السيئات. زاد مسلم بعد قوله: «وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» . «أو محاها، ولا يَهْلِك على الله إلا هالكٌ» .\nقال ابن مسعود: ويلٌ لمن غلبت وحداته عشراته.\nقال العلماء: إنَّ السيئة تعظم أحيانًا بشرف الزمان أو المكان، وقد تضاعف بشرف فاعلها وقوة معرفته، كما قال تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن\nيَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب (٣٠، ٣١)] .\n\n[١٢] وعن أبي عبد الرحمن عبدِ الله بنِ عمرَ بن الخطابِ ﵄، قَالَ: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ -، يقول: «انطَلَقَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ المَبيتُ إِلى غَارٍ فَدَخلُوهُ، فانْحَدرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقالُوا: إِنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ إِلا أنْ تَدْعُوا اللهَ بصَالِحِ أعْمَالِكُمْ.\nقَالَ رجلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كبيرانِ، وكُنْتُ لا أغْبِقُ قَبْلَهُمَا أهْلًا ولا مالًا، فَنَأَى بِي طَلَب الشَّجَرِ يَوْمًا فلم أَرِحْ عَلَيْهمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا","vol":"1","page":17},{"text":"غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُما نَائِمَينِ، فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَهُمَا وَأَنْ أغْبِقَ قَبْلَهُمَا أهْلًا أو مالًا، فَلَبَثْتُ - والْقَدَحُ عَلَى يَدِي - أنتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرِقَ الفَجْرُ والصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَميَّ، فاسْتَيْقَظَا فَشَرِبا غَبُوقَهُما. اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابِتِغَاء وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ، فانْفَرَجَتْ شَيْئًا لا يَسْتَطيعُونَ الخُروجَ مِنْهُ.\nقَالَ الآخر: اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمّ، كَانَتْ أَحَبَّ النّاسِ إليَّ - ... وفي رواية: كُنْتُ أُحِبُّها كأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النساءَ - فأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسِهَا فامْتَنَعَتْ منِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بها سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمئةَ دينَارٍ عَلَى أنْ تُخَلِّيَ بَيْني وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفعَلَتْ، حَتَّى إِذَا\nقَدَرْتُ عَلَيْهَا - وفي رواية: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَينَ رِجْلَيْهَا، قالتْ: اتَّقِ اللهَ وَلا تَفُضَّ الخَاتَمَ إلا بِحَقِّهِ، فَانصَرَفْتُ عَنْهَا وَهيَ أَحَبُّ النَّاسِ إليَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أعْطَيتُها. اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا.\nوَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ وأَعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ غيرَ رَجُل واحدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهبَ، فَثمَّرْتُ أجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنهُ الأمْوَالُ، فَجَاءنِي بَعدَ حِينٍ، فَقالَ: يَا عبدَ اللهِ، أَدِّ إِلَيَّ أجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أجْرِكَ: مِنَ الإبلِ وَالبَقَرِ والْغَنَمِ والرَّقيقِ، فقالَ: يَا عبدَ اللهِ، لا تَسْتَهْزِئْ بي! فَقُلْتُ: لا أسْتَهْزِئ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتَاقَهُ فَلَمْ يتْرُكْ مِنهُ شَيئًا. الَّلهُمَّ إنْ كُنتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابِتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحنُ فِيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ» . مُتَّفَقٌ عليهِ.","vol":"1","page":18},{"text":"في هذا الحديث: فضل الإخلاص في العمل، وأنه ينجي صاحبه عند الكرب.\nوفيه: فضل بر الوالدين وخدمتهما، وإيثارهما على الولد والأهل، وتحمُّل المشقة لأجلهما.\nوفيه: العفة والانكفاف عن الحرام مع القدرة.\nوفيه: فضل حسن العهد وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>٢- باب التوبة</span>\n\nقَالَ العلماءُ: التَّوْبَةُ وَاجبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْب، فإنْ كَانتِ المَعْصِيَةُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللهِ تَعَالَى لا تَتَعلَّقُ بحقّ آدَمِيٍّ فَلَهَا ثَلاثَةُ شُرُوط:\nأحَدُها: أنْ يُقلِعَ عَنِ المَعصِيَةِ.\nوالثَّانِي: أَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا.\nوالثَّالثُ: أنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يعُودَ إِلَيْهَا أَبَدًا. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوبَتُهُ.\nوإنْ كَانَتِ المَعْصِيةُ تَتَعَلقُ بآدَمِيٍّ فَشُرُوطُهَا أرْبَعَةٌ: هذِهِ الثَّلاثَةُ، وأنْ يَبْرَأ مِنْ حَقّ صَاحِبِها، فَإِنْ كَانَتْ مالًا أَوْ نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه، وإنْ كَانَت حَدَّ قَذْفٍ ونَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وإنْ كَانْت غِيبَةً استَحَلَّهُ مِنْهَا. ويجِبُ أنْ يَتُوبَ مِنْ جميعِ الذُّنُوبِ، فَإِنْ تَابَ مِنْ بَعْضِها صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ وبَقِيَ عَلَيهِ البَاقي.\nوَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكتَابِ والسُّنَّةِ، وإجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَى وُجوبِ التَّوبةِ.\n\nالتوبة: الرجوع عن معصية الله تعالى إلى طاعته، وطلب الاستحلال مِنَ المقذوف ونحوه إن بلغه ذلك، وإلا كفى الاستغفار، كما قال النبي - ﷺ -: «كفارةُ","vol":"1","page":19},{"text":"من اغتبته أن تسغفر له»\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور (٣١)] .\n(لعل) في الأصل للترجي، وفي كلام الله تعالى للتحقيق؛ لأنَّ وعده واقع والآية تدل على وجوب التوبة من الصغائر والكبائر.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح (١٠)] .\nوهذه الآية أيضًا تدل على وجوب الاستغفار من جميع الذنوب.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحا﴾ [التحريم (٨)] .\n\nقال عمر بن الخطاب ﵁: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن في الضرع.\n\n[١٣] وعن أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: سمعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: تحريض للأمة على التوبة والاستغفار.\nقال ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة، لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير.","vol":"1","page":20},{"text":"[١٤] وعن الأَغَرِّ بنِ يسار المزنِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلى اللهِ واسْتَغْفِرُوهُ، فإنِّي أتُوبُ في اليَومِ مئةَ مَرَّةٍ» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث أيضًا: وجوب التوبة والاستغفار، واستمرار ذلك في كل وقت، وعلى كل حال.\n\n[١٥] وعن أبي حمزةَ أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ - خادِمِ رسولِ الله - ﷺ - - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ» . مُتَّفَقٌ عليه.\nوفي رواية لمُسْلمٍ: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ» .\n\nفي هذا الحديث: محبة الله تعالى لتوبة عبده حين يتوب إليه، وأنه يفرح بذلك فرحًا شديدًا يليق بجلاله.\nوفيه: أنَّ ما قاله الإنسان في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به.\nوفيه: ضرب المثل بما يصل إلى الأفهام من الأمور المحسوسة.\nوفيه: بركة الاستسلام لأمر الله تعالى.","vol":"1","page":21},{"text":"[١٦] وعن أبي موسَى عبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ الأشْعريِّ - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ -، قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: طلب من اللطيف الرؤوف الغافر لعباده أن يتوبوا، ليتوب عليهم.\n\n[١٧] وعن أبي هُريرةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ اللهُ عَلَيهِ» . رواه مسلم.\n\nقبول التوبة مستمر ما دام بابها مفتوحًا، فإذا أغلق لم تقبل. قال الله تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام (١٥٨)]، يعني: إذا طلعت الشمس من مغربها، لم ينفع الكافر إيمانه، ولا العاصي توبته.\n\n[١٨] وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بنِ عمَرَ بنِ الخطابِ ﵄ عن النَّبي - ﷺ -، قَالَ: «إِنَّ الله - ﷿ - يَقْبَلُ تَوبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .\n\nالغرغرة: وصول الروح الحلقوم. قال الله تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء (١٨)]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر (٨٤، ٨٥)] .","vol":"1","page":22},{"text":"[١٩] وعن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ - ﵁ - أسْألُهُ عَن الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، فَقالَ: ما جاءَ بكَ يَا زِرُّ؟ فقُلْتُ: ابتِغَاء العِلْمِ، فقالَ: إنَّ المَلائكَةَ تَضَعُ أجْنِحَتَهَا لطَالبِ العِلْمِ رِضىً بِمَا يطْلُبُ. فقلتُ:\nإنَّهُ قَدْ حَكَّ في صَدْري المَسْحُ عَلَى الخُفَّينِ بَعْدَ الغَائِطِ والبَولِ، وكُنْتَ امْرَءًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - ﷺ - فَجئتُ أَسْأَلُكَ هَلْ سَمِعْتَهُ يَذكُرُ في ذلِكَ شَيئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَأْمُرُنا إِذَا كُنَّا سَفرًا - أَوْ مُسَافِرينَ - أنْ لا نَنْزعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيهنَّ إلا مِنْ جَنَابَةٍ، لكنْ مِنْ غَائطٍ وَبَولٍ ... ونَوْمٍ. فقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكرُ في الهَوَى شَيئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنّا مَعَ رسولِ اللهِ - ﷺ - في سَفَرٍ، فبَيْنَا نَحْنُ عِندَهُ إِذْ نَادَاه أَعرابيٌّ بصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فأجابهُ رسولُ الله - ﷺ - نَحْوًا مِنْ صَوْتِه: «هَاؤُمْ» فقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! اغْضُضْ مِنْ صَوتِكَ فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبي - ﷺ -، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هذَا! فقالَ: والله لا أغْضُضُ. قَالَ الأعرَابيُّ: المَرْءُ يُحبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَومَ القِيَامَةِ» . فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَابًا مِنَ المَغْرِبِ مَسيرَةُ عَرْضِهِ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكبُ في عَرْضِهِ أرْبَعينَ أَوْ سَبعينَ عامًا - قَالَ سُفْيانُ أَحدُ الرُّواةِ: قِبَلَ الشَّامِ - خَلَقَهُ الله تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ مَفْتوحًا للتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ. رواه الترمذي وغيره، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .\n\nقوله: «حك»، أي: أثَّر. والهوى: الحب.","vol":"1","page":23},{"text":"وفي الحديث: فضل حب الله ورسوله والأخيار أحياء وأمواتًا.\nوفيه: فضل العلم وأهله، وفي صحيح مسلم، قال أنس: «ما فرحنا فرحًا أشد ما فرحنا بقول النبي - ﷺ -: «المرء مع من أحب» . وقال أنس: «\nأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بعملهم» .\n\n[٢٠] وعن أبي سَعيد سَعْدِ بنِ مالكِ بنِ سِنَانٍ الخدريِّ - ﵁ - أنّ نَبِيَّ الله - ﷺ - قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناسًا يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا، مُقْبِلًا بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَمًا - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ» . مُتَّفَقٌ عليه.\nوفي رواية في الصحيح: «فَكَانَ إلى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا» .\nوفي رواية في الصحيح: «فَأَوحَى الله تَعَالَى إِلى هذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي،","vol":"1","page":24},{"text":"وإِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بيْنَهُما، فَوَجَدُوهُ إِلى هذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» . وفي رواية: «فَنَأى بصَدْرِهِ نَحْوَهَا» .\n\nفي هذا الحديث: فضل العلم على العبادة.\nوفيه: والهجرة من دار العصيان، ومقاطعة إخوان السوء، واستبدالهم بصحبة أهل الخير والصلاح.\nوفيه: دليل على أنَّ القاضي إذا تعارضت الأقوال عنده، يحكم بالقرائن.\nوفيه: أن الذنوب وإن عظمت، فعفو الله أعظم منها. وأن من صدق في توبته، تاب الله عليه، ولو لم يعمل خيرًا إذا عزم على فعله.\n\n[٢١] وعن عبدِ الله بن كعبِ بنِ مالكٍ، وكان قائِدَ كعبٍ - ﵁ - مِنْ بَنِيهِ حِينَ عمِيَ، قَالَ: سَمِعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ - ﵁ - يُحَدِّثُ بحَديثهِ حينَ تَخلَّفَ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كعبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رسولِ الله - ﷺ - في غَزْوَةٍ غزاها قط إلا في غزوة تَبُوكَ، غَيْرَ أنّي قَدْ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ؛ إِنَّمَا خَرَجَ رسولُ الله - ﷺ - والمُسْلِمُونَ يُريدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ الله تَعَالَى بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهمْ عَلَى غَيْر ميعادٍ. ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رسولِ الله - ﷺ - لَيلَةَ العَقَبَةِ حينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كَانَتْ بدرٌ أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا. وكانَ مِنْ خَبَري حينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ أنِّي لم أكُنْ قَطُّ أَقْوى ولا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عنْهُ في تِلكَ\nالغَزْوَةِ،","vol":"1","page":25},{"text":"وَالله ما جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا في تِلْكَ الغَزْوَةِ وَلَمْ يَكُنْ رسولُ الله - ﷺ - يُريدُ غَزْوَةً إلا وَرَّى بِغَيرِها حَتَّى كَانَتْ تلْكَ الغَزْوَةُ، فَغَزَاها رسولُ الله - ﷺ - في حَرٍّ شَديدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاستَقْبَلَ عَدَدًا كَثِيرًا، فَجَلَّى للْمُسْلِمينَ أمْرَهُمْ ليتَأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهمْ فأَخْبرَهُمْ بوَجْهِهِمُ الَّذِي يُريدُ، والمُسلِمونَ مَعَ رسولِ الله كثيرٌ وَلا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ (يُريدُ بذلِكَ الدّيوَانَ) قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلا ظَنَّ أنَّ ذلِكَ سيخْفَى بِهِ ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ الله، وَغَزا رَسُول الله - ﷺ - تِلْكَ الغَزوَةَ حِينَ طَابَت الثِّمَارُ وَالظِّلالُ، فَأنَا إلَيْهَا أصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رسولُ الله - ﷺ - وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ وطَفِقْتُ أغْدُو لكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهُ، فأرْجِعُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئًا، وأقُولُ في نفسي: أنَا قَادرٌ عَلَى ذلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمادى بي حَتَّى اسْتَمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأصْبَحَ رسولُ الله - ﷺ - غَاديًا والمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أقْضِ مِنْ جِهَازي شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيئًا، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بي حَتَّى أسْرَعُوا وتَفَارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَني فَعَلْتُ، ثُمَّ لم يُقَدَّرْ ذلِكَ لي، فَطَفِقْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَحْزُنُنِي أنِّي لا أرَى لي أُسْوَةً، إلا رَجُلًا مَغْمُوصًَا عَلَيْهِ في النِّفَاقِ، أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تَعَالَى ... مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى بَلَغَ","vol":"1","page":26},{"text":"تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - ﵁ -: بِئْسَ مَا قُلْتَ! واللهِ يا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلا خَيْرًَا،\nفَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. فَبَيْنَا هُوَ عَلى ذَلِكَ رَأى رَجُلًا مُبْيِضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ»، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأنْصَارِيُّ وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ.\nقَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ وأقُولُ: بِمَ أخْرُجُ مِنْ ... سَخَطِهِ ... غَدًَا؟ وأسْتَعِيْنُ عَلى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رأْيٍ مِنْ أهْلِي، فَلَمَّا قِيْلَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قّدْ أظَلَّ قَادِمًَا، زَاحَ عَنّي البَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَدًا، فَأجْمَعْتُ صدْقَهُ وأَصْبَحَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءهُ المُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرونَ إِلَيْه ويَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعًا وَثَمانينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلى الله تَعَالَى، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ. ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ»، فَجِئْتُ أمْشي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقالَ لي: «مَا خَلَّفَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنّي والله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا لَرَأيتُ أنِّي سَأخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ؛ لقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي والله لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليوم حَدِيثَ كَذبٍ تَرْضَى به عنِّي لَيُوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عَلَيَّ،","vol":"1","page":27},{"text":"وإنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى الله - ﷿ -، والله ما كَانَ لي مِنْ عُذْرٍ، واللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ: فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: «أمَّا هَذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ\nاللهُ فيكَ» . وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَة فاتَّبَعُوني فَقالُوا لِي: واللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هذَا لَقَدْ عَجَزْتَ في أنْ لا تَكونَ اعتَذَرْتَ إِلَى رَسُول الله - ﷺ - بما اعْتَذَرَ إليهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُول الله - ﷺ - لَكَ. قَالَ: فَوالله ما زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُّ أَنْ أرْجعَ إِلَى رسولِ الله - ﷺ - فأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قيلَ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُما؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبيع الْعَمْرِيُّ، وهِلاَلُ ابنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَينِ صَالِحَينِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فيهِما أُسْوَةٌ، قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي. ونَهَى رَسُول الله - ﷺ - عَنْ كَلامِنا أيُّهَا الثَّلاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ - أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا - حَتَّى تَنَكَّرَتْ لي في نَفْسي الأَرْض، فَمَا هِيَ بالأرْضِ الَّتي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأمّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانا وقَعَدَا في بُيُوتِهِمَا يَبْكيَان. وأمَّا أنَا فَكُنْتُ أشَبَّ الْقَومِ وأجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأشْهَدُ الصَّلاَةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رسولَ الله - ﷺ - فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نَفسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْه برَدِّ السَّلام أَمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريبًا مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي،","vol":"1","page":28},{"text":"حَتَّى إِذَا طَال ذلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ المُسْلِمينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدارَ حائِط أبي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وأَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَليَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ بالله هَلْ تَعْلَمُنِي\nأُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ - ﷺ -؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أمْشِي في سُوقِ الْمَدِينة إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ ... أهْلِ الشَّام مِمّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيَّ حَتَّى جَاءنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتبًا. فَقَرَأْتُهُ فإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنا أنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بدَارِ هَوانٍ وَلا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيضًا مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ إِذَا رسولُ ... رسولِ الله - ﷺ - يَأتِيني، فَقالَ: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - يَأمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ فَقالَ: لا، بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلا تَقْرَبَنَّهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ. فَقُلْتُ لامْرَأتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ فَكُوني عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الأمْرِ. فَجَاءتِ امْرَأةُ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ رسولَ الله - ﷺ - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ هِلاَلَ بْنَ أمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لا، وَلَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ» فَقَالَتْ: إِنَّهُ واللهِ ما بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَالله مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ","vol":"1","page":29},{"text":"كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَومِهِ هَذَا. فَقَالَ لي بَعْضُ أهْلِي: لَو اسْتَأْذَنْتَ رسولَ الله - ﷺ - في امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِن لاِمْرَأةِ هلاَل بْنِ أمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: لا أسْتَأذِنُ فيها رسولَ الله - ﷺ - وَمَا يُدْرِيني مَاذَا يقُول رسولُ الله - ﷺ - إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ! فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لَنا\nخَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلاَمِنا، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحالِ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. فآذَنَ رسولُ الله - ﷺ - النَّاسَ بِتَوْبَةِ الله - ﷿ - عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجْر فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ وَرَكَضَ رَجُلٌ ... إِلَيَّ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءني الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ بِبشارته، وَاللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُما، وَانْطَلَقْتُ أتَأمَّمُ رسولَ الله - ﷺ - يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجًا ... فَوْجًا يُهنِّئونَني بالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ. حَتَّى ... دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله - ﷺ - جَالِسٌ حَوْلَه النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ - ﵁ - يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَني وَهَنَّأَنِي، والله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرينَ غَيرُهُ - فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ -.\nقَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ","vol":"1","page":30},{"text":"مِنَ السُّرُور: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» فَقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُول الله أَمْ مِنْ عِندِ الله؟ قَالَ: «لا، بَلْ مِنْ عِنْدِ الله - ﷿ -»، وَكَانَ رسولُ الله - ﷺ - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رسولَ الله،\nإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولهِ. فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «أمْسِكَ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ ... لَكَ» . فقلتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيبَر. وَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنَّ الله تَعَالَى إِنَّمَا أنْجَانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ لا أُحَدِّثَ إلا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فوَالله مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمينَ أبْلاهُ الله تَعَالَى في صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - ﷺ - أحْسَنَ مِمَّا أبْلانِي الله تَعَالَى، واللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - ﷺ - إِلَى يَومِيَ هَذَا، وإنِّي لأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي الله تَعَالَى فيما بَقِيَ، قَالَ: فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيم وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ... [التوبة (١١٧: ١١٩)] قَالَ كَعْبٌ: واللهِ ما أنْعَمَ الله عَليَّ مِنْ نعمةٍ قَطُّ بَعْدَ إذْ هَدَاني اللهُ للإِسْلامِ أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدقِي رسولَ الله - ﷺ - أنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كما هَلَكَ الَّذينَ كَذَبُوا؛ إنَّ الله تَعَالَى قَالَ للَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فقال الله تَعَالَى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة (٩٥، ٩٦)]","vol":"1","page":31},{"text":"قَالَ كَعْبٌ: كُنّا خُلّفْنَا أيُّهَا الثَّلاَثَةُ عَنْ أمْرِ أُولئكَ الذينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رسولُ الله - ﷺ - حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وأرجَأَ رسولُ الله - ﷺ -\nأمْرَنَا حَتَّى قَضَى الله تَعَالَى فِيهِ بذِلكَ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَليْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخلُّفُنَا عن الغَزْو، وإنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجَاؤُهُ أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إِلَيْهِ فقبِلَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عليه.\nوفي رواية: أنَّ النَّبيّ - ﷺ - خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبْوكَ يَومَ الخَميسِ وكانَ يُحِبُّ أنْ يخْرُجَ يومَ الخمِيس.\nوفي رواية: وكانَ لا يقْدمُ مِنْ سَفَرٍ إلا نَهَارًا في الضُّحَى، فإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.\n\nفي هذا الحديث: أكثر من أربعين فائدة، منها: فضيلة الصدق، والحكم بالظاهر، وأنَّ القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ ضعيف الدين.\nوفيه: جواز هجران المذنب أكثر من ثلاث إذا ظهرت فائدته، ولم يترتب عليه مفسدة، واستحباب الصدقة عند التوبة. وبالله التوفيق.\n\n[٢٢] وَعَنْ أبي نُجَيد - بضَمِّ النُّونِ وفتحِ الجيم - عِمْرَانَ بنِ الحُصَيْنِ الخُزَاعِيِّ ﵄: أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَتْ رسولَ الله - ﷺ - وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فقالتْ: يَا رسولَ الله، أصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبيُّ الله - ﷺ - وَليَّها، فقالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فإذا وَضَعَتْ فَأْتِني» فَفَعَلَ فَأَمَرَ بهَا نبيُّ الله - ﷺ -، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. فقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُول الله وَقَدْ","vol":"1","page":32},{"text":"زَنَتْ؟ قَالَ: «لَقَدْ\nتَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفضَلَ مِنْ أنْ جَادَتْ بنفْسِها لله - ﷿ -؟!» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أنَّ الحد يكفر الذنب، وأنه يصلي على المرجوم.\nوفيه: بيان عظم التوبة، وأنها تَجُبُّ الذنب وإن عظم.\nوفي رواية: «ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضَّح الدم على وجه خالد فسبَّها، فسمع النبي - ﷺ - سبّه إياها، فقال: مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفر له، ثم أمر بها فصلى عليها ودُفنت» .\nقال النووي: فيه: أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، تكرار ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها. انتهى والله المستعان.\n\n[٢٣] وعن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: «لَوْ أنَّ لابنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وَادِيانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إلا التُّرَابُ، وَيَتْوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» . مُتَّفَقٌ عليه.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أنَّ الإِنسان لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره، إلا من لطف الله به. قال الله تعالى:\n﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ الآيات [المعارج (١٩: ٢٥)] .","vol":"1","page":33},{"text":"[٢٤] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ -، قَالَ: «يَضْحَكُ اللهُ ﷾ إِلَى رَجُلَيْنِ يقْتلُ أَحَدهُمَا الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا في سَبيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتلِ فَيُسْلِم فَيُسْتَشْهَدُ» . مُتَّفَقٌ عليه.\n\nختم المصنف الباب بهذا الحديث إشارة إلى أنَّ الإنسان ينبغي له أن يتوب من الذنب الذي اقترفه وإن كان كبيرًا، ولا يؤيسه ذلك من رحمة الله، فإن الله واسع المغفرة. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر (٥٣)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>٣- باب الصبر</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران (٢٠٠)] .\n\nالصبر ثلاثةُ أَنواع: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله. وقد أَمر الله تعالى بالصبر على ذلك كله.\nوقوله تعالى: ﴿وَصَابِرُوا﴾ أي: غالبوا الكفار بالصبر فلا يكونوا أَشدَّ صبرًا منكم، فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾ أي: أقيموا على الجهاد. قال - ﷺ -: «رباطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها» . وقال - ﷺ -: ... «أَلا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات»؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إِسباغ الوضوء على المكاره، وكَثْرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط، فذالكم الرباط» .","vol":"1","page":34},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة (١٥٥)]،\n\nعلى البلايا والرزايا بالذكر الجميل والثَواب الجزيل.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [الزمر (١٠)] .\n\nأي: بغيرِ مكْيالٍ، ولا وزن، فلا جزاء فوق جزاء الصبر.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى (٤٣)] .\nأي: مَنْ صبر فلم ينتصر لنفسه وتجاوز عن ظالمه، فإِن ذلك من الأمور المشكورة، والأفعال الحميدة.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة (١٥٣)]\n\nأي: استعينوا على طلب الآخرة بحبس النَّفْس عن المعاصي، والصبر على أداء الفرائض، فإنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: ثقيلة ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ أي: المؤمنين حقًّا.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ ... [محمد (٣١)]، وَالآياتُ في الأمر بالصَّبْر وَبَيانِ فَضْلهِ كَثيرةٌ مَعْرُوفةٌ.\n\nأي: ولنختبرنكم بالتكاليف حتى يتميز الصادق في دينه من الكاذب. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج (١١)] .","vol":"1","page":35},{"text":"وَالآيَاتُ في الأَمْرِ بِالصَّبْرِ وَبَيَانِ فَضْلهِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفةٌ.\nقيل: إنَّ الصبر ذُكِرَ في مئة موضع من القرآن.\n\n[٢٥] وعن أبي مالكٍ الحارث بن عاصم الأشعريِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ ... رسولُ الله - ﷺ -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمان، والحَمدُ لله تَمْلأُ الميزَانَ،\nوَسُبْحَانَ الله والحَمدُ لله تَملآن - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَينَ السَّماوات وَالأَرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدقةُ بُرهَانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والقُرْآنُ حُجةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ. كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائعٌ نَفسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُها» . رواه مسلم.\n\nقوله: «الطُّهُور شَطْرُ الإِيمان»، أي: نصفه؛ لأَن خِصال الإيمان قسمان: ظاهرة، وباطنة، فالطهور من الخصال الظاهرة، والتوحيد من الخصال الباطنة. قال - ﷺ -: «ما منكم من أَحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أَن لا إِله إِلا الله، وأَشهد أَن محمدًا عبده ورسوله، إِلا فتحت له أَبواب الجنة الثمانية يدخل في أَيِّها شاء» .\nقوله: «والحمد لله تملأ الميزان» أي: أَجرها يملأ ميزان الحامد لله تعالى. وفي الحديث الآخر: «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إِله إِلا الله ليس لها دون الله حجابٌ حتى تصل إِليه» .\nوسببُ عظم فضل هذه الكلمات: ما اشتملت عليه من التنزيه لله تعالى، وتوحيده، والافتقار إِليه.\nقوله: «والصلاة نورٌ» أي: لصاحبها في الدنيا، وفي القبر، ويوم القيامة. «والصدقة برهان» أي: دليلٌ واضح على صحة الإِيمان. ... «والصبر ضياء»، وهو النور الذي يحصل فيه نوعُ حرارة؛ لأَنَّ الصبر لا يحصل إِلا بمجاهدة النفس.","vol":"1","page":36},{"text":"«والقرآن حجةٌ لك أَو عليك» أي: إِن عملت به فهو حجة لك، وإلا فهو حجة عليك. قوله: «كل الناس يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقُها»\nأي: كل إِنسان يسعى، فمنهم من يبيع نفسه لله بطاعته فيعتقها من النار، ومنهم مَنْ يبيعها للشيطان والهوى فيهلكها.\nقال الحسن: «يا ابن آدم إنك تغدو وتروح في طلب الأَرباح، فليكن هَمُّك نفسك، فإِنك لن تربح مثلها أَبدًا» .\n\n[٢٦] وعن أبي سَعيد سعدِ بن مالكِ بنِ سنانٍ الخدري ﵄: أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَألوا رسولَ الله - ﷺ - فَأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألوهُ فَأعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِندَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أنْفْقَ كُلَّ شَيءٍ بِيَدِهِ: «مَا يَكُنْ عِنْدي مِنْ خَيْر فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ. وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْر» . مُتَّفَقٌ عليه.\n\nفي هذا الحديث: الحثُّ على الاستعفاف، وأَنَّ مَنْ رزقه الله الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا، فقد أعطاه خيرًا كثيرًا.\n\n[٢٧] وعن أبي يحيى صهيب بن سنانٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -:\n«عَجَبًا لأمْرِ المُؤمنِ إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خيرٌ ولَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلا للمُؤْمِن: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيرًا لَهُ، وإنْ أصَابَتْهُ ضرَاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فَضْلُ الشكر على السّرّاء والصبر على الضرّاء، فمن فعل ذلك حصل له خيرُ الدارين، ومَنْ لم يشكر على النعمة، ولم يصبر على المصيبة، فاته الأَجر، وحصل له الوِزْر.","vol":"1","page":37},{"text":"[٢٨] وعن أنَسٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ - ﷺ - جَعلَ يَتَغَشَّاهُ الكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: وَاكَربَ أَبَتَاهُ. فقَالَ: «لَيْسَ عَلَى أَبيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ» فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ! يَا أَبتَاهُ، جَنَّةُ الفِردَوسِ مَأْوَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، إِلَى جبْريلَ نَنْعَاهُ! فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: أَطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُول الله - ﷺ - التُّرَابَ؟! رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: جوازُ التوجع للميِّت عند احتضاره، وأَنه ليس من النياحة. ومناسبة إِيراده في باب الصبر: صبرُهُ - ﷺ - على ما هو فيه من سكرات الموت، وشدائده، ورضاه بذلك، وتسكين ما نزل بالسيدة فاطمة من مشاهدة ذلك بقوله: «لا كرب عَلَى أَبيكِ بَعْدَ اليَوْمِ» .\n\n[٢٩] وعن أبي زَيدٍ أُسَامَةَ بنِ زيدِ بنِ حارثةَ مَوْلَى رسولِ الله - ﷺ - وحِبِّه وابنِ حبِّه ﵄، قَالَ: أرْسَلَتْ بنْتُ النَّبيِّ - ﷺ - إنَّ ابْني قَد احْتُضِرَ فَاشْهَدنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرئُ السَّلامَ، ويقُولُ: «إنَّ لله مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعطَى وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِأجَلٍ مُسَمًّى فَلتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» فَأَرسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيهِ لَيَأتِينَّهَا. فقامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَرجَالٌ - ﵃ -، فَرُفعَ إِلَى رَسُول الله - ﷺ - ... الصَّبيُّ، فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَينَاهُ فَقالَ سَعدٌ: يَا رسولَ الله، مَا هَذَا؟ فَقالَ: «هذِهِ رَحمَةٌ جَعَلَها اللهُ تَعَالَى في قُلُوبِ\nعِبَادِهِ» وفي رواية: «فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":38},{"text":"وَمَعنَى «تَقَعْقَعُ»: تَتَحرَّكُ وتَضْطَربُ.\n\nفي هذا الحديث: جوازُ استحضار أهل الفضل للمحتضر لرجاء بركتهم ودعائهم، واستحباب إبرار القسم، وأمر صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع وهو مستشعر بالرضا مقاومًّا للحزن بالصبر، وفيه: جواز البكاء من غير نوح ونحوه.\n\n[٣٠] وعن صهيب - ﵁ -: أنَّ رسولَ الله - ﷺ -، قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فيمَنْ كَانَ قَبلَكمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ للمَلِكِ: إنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ؛ فَبَعثَ إِلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ، وَكانَ في طرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعدَ إِلَيْه وسَمِعَ كَلامَهُ فَأعْجَبَهُ، وَكانَ إِذَا أتَى السَّاحِرَ، مَرَّ بالرَّاهبِ وَقَعَدَ إِلَيْه، فَإذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذلِكَ إِلَى الرَّاهِب، فَقَالَ: إِذَا خَشيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإذَا خَشِيتَ أهلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ.\nفَبَيْنَما هُوَ عَلَى ذلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ فَقَالَ: اليَوْمَ أعْلَمُ السَّاحرُ أفْضَلُ أم الرَّاهبُ أفْضَلُ؟ فَأخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هذِهِ الدّابَّةَ حَتَّى يَمضِي النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَها ومَضَى النَّاسُ، فَأتَى الرَّاهبَ فَأَخبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ اليَومَ أفْضَل منِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى،\nوَإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإن ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ؛ وَكانَ الغُلامُ يُبْرىءُ الأكْمَهَ وَالأَبْرصَ، ويداوي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاء. فَسَمِعَ جَليسٌ لِلملِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فأتاه بَهَدَايا كَثيرَةٍ، فَقَالَ:","vol":"1","page":39},{"text":"مَا ها هُنَا لَكَ أَجْمعُ إنْ أنتَ شَفَيتَنِي، فَقَالَ: إنّي لا أشْفِي أحَدًا إِنَّمَا يَشفِي اللهُ تَعَالَى، فَإنْ آمَنْتَ بالله تَعَالَى دَعَوتُ اللهَ فَشفَاكَ، فَآمَنَ بالله تَعَالَى فَشفَاهُ اللهُ تَعَالَى، فَأَتَى المَلِكَ فَجَلسَ إِلَيْهِ كَما كَانَ يَجلِسُ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَنْ رَدّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيري؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الغُلامِ، فَجيء بالغُلاَمِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: أيْ بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرئ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وتَفْعَلُ وتَفْعَلُ! فَقَالَ: إنِّي لا أَشْفي أحَدًا، إِنَّمَا يَشفِي الله تَعَالَى. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهبِ؛ فَجِيء بالرَّاهبِ فَقيلَ لَهُ: ارجِعْ عَنْ دِينكَ، فَأَبَى، فَدَعَا بِالمِنْشَارِ فَوُضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرق رَأسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَليسِ المَلِكِ فقيل لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَوضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرِق رَأسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بالغُلاَمِ فقيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الجَبَل، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلا فَاطْرَحُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أكْفنيهمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بهِمُ الجَبلُ فَسَقَطُوا، وَجاءَ يَمشي إِلَى المَلِكِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهمُ الله تَعَالَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فاحْمِلُوهُ في قُرْقُورٍ وتَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ، فَإنْ\nرَجعَ عَنْ دِينِهِ وإِلا فَاقْذِفُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أكْفِنيهمْ بمَا شِئْتَ، فانْكَفَأَتْ بِهمُ السَّفينةُ فَغَرِقُوا، وَجَاء يَمْشي إِلَى المَلِكِ. فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فعلَ أصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانيهمُ الله تَعَالَى. فَقَالَ لِلمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بقَاتلي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعيدٍ وَاحدٍ وتَصْلُبُني عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ","vol":"1","page":40},{"text":"خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبدِ القَوْسِ ثُمَّ قُلْ: بسْم الله ربِّ الغُلاَمِ، ثُمَّ ارْمِني، فَإنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ قَتَلتَني، فَجَمَعَ النَّاسَ في صَعيد واحدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِسمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوقَعَ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، فَأُتِيَ المَلِكُ فقيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ والله نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ. قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ بأفْواهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وأُضْرِمَ فيهَا النِّيرانُ وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجعْ عَنْ دِينهِ فَأقْحموهُ فيهَا، أَوْ قيلَ لَهُ: اقتَحِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءت امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فيهَا، فَقَالَ لَهَا الغُلامُ: يَا أُمهْ اصْبِري فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ!» . رواه مسلم.\n«ذِروَةُ الجَبَلِ»: أعْلاهُ، وَهيَ - بكَسْر الذَّال المُعْجَمَة وَضَمِّهَا - و«القُرْقُورُ»: بضَمِّ القَافَينِ نَوعٌ مِنَ السُّفُن وَ«الصَّعيدُ» هُنَا: الأَرضُ البَارِزَةُ وَ«الأُخْدُودُ» الشُّقُوقُ في الأَرضِ كَالنَّهْرِ الصَّغير، وَ«أُضْرِمَ»: أوْقدَ، وَ«انْكَفَأتْ» أَي: انْقَلَبَتْ، وَ«تَقَاعَسَتْ»: تَوَقفت وجبنت.\nقال القُرطبي: اسم الغلام عبد الله بن ثامر. وذُكر عن ابن عباس أَن الملك كان بنجران.\nوفي هذا الحديث: إِثبات كرامة الأَولياء. وفيه: نصرُ مَنْ توكل على الله سبحانه، وانتصر وخرج عن حَوْل نفسه وقواها. وفيه: أَنَّ أَعمى القلب لا يبصر الحق. وفيه: بيان شرف الصبر والثبات على الدِّين.","vol":"1","page":41},{"text":"[٣١] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ - ﷺ - بامرأةٍ تَبكي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتّقِي الله واصْبِري» فَقَالَتْ: إِليْكَ عَنِّي؛ فإِنَّكَ لم تُصَبْ بمُصِيبَتي وَلَمْ تَعرِفْهُ، فَقيلَ لَهَا: إنَّه النَّبيُّ - ﷺ - فَأَتَتْ بَابَ النَّبيِّ - ﷺ -، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابينَ، فقالتْ: لَمْ أعْرِفكَ، فَقَالَ: «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ ... الأُولى» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية لمسلم: «تبكي عَلَى صَبيٍّ لَهَا» .\n\nفي هذا الحديث: أَن ثواب الصبر إِنَّما يحصل عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعدها، فإن صاحبها يسلو كما تسلو البهائم.\n\n[٣٢] وعن أبي هريرة - ﵁ -: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لعَبدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلا الجَنَّةَ» . رواه البخاري.\n\nهذا من الأحاديث القدسية، وفيه: أَنَّ مَنْ صبر على المصيبة واحتسب\nثوابها عند الله تعالى، فإنَّ جزاءه الجنَّة.\n[٣٣] وعن عائشةَ ﵂: أَنَّهَا سَألَتْ رسولَ الله - ﷺ - عَنِ الطّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا أنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تعالى رَحْمَةً للْمُؤْمِنينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُونِ فيمكثُ في بلدِهِ صَابرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أنَّهُ لا يصيبُهُ إلا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الشّهيدِ. رواه البخاري.","vol":"1","page":42},{"text":"في هذا الحديث: فَضْلُ الصبر على الأَقدار والاحتساب لثوابها.\nقال بعض العلماء: إِنَّ الصابر في الطاعون يأمن من فَتَّان القبر؛ لأَنه نظير المرابطة في سبيل الله. وقد صحَّ ذلك في المرابط كما في (مسلم) وغيره.\n\n[٣٤] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «إنَّ الله - ﷿ -، قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عبدي بحَبيبتَيه فَصَبرَ عَوَّضتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ» يريد عينيه، رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث القدسي: أَن من صبر على فقد بصره واحتسب أجره عند الله تعالى: عَوَّضه عن ذلك الجنة.\n\n[٣٥] وعن عطَاء بن أبي رَباحٍ قَالَ: قَالَ لي ابنُ عَباسٍ ﵄: ألا أُريكَ امْرَأةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّة؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هذِهِ المَرْأةُ السَّوداءُ أتتِ النَّبيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: إنّي أُصْرَعُ، وإِنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ الله تَعَالَى لي. قَالَ: «إنْ شئْتِ صَبَرتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإنْ شئْتِ دَعَوتُ الله تَعَالَى أنْ\nيُعَافِيكِ» فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إنِّي أتَكَشَّفُ فَادعُ الله أنْ لا أَتَكَشَّف، فَدَعَا لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":43},{"text":"في هذا الحديث: فَضْلُ الصبر على البلاء، وعظم ثواب مَنْ فَوَّض أَمره إلى الله تعالى.\n\n[٣٦] وعن أبي عبد الرحمنِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ - ﵁ - قَالَ: كَأَنِّي أنْظُرُ إِلَى رسولِ الله - ﷺ - يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِياءِ، صَلَواتُ الله وَسَلامُهُ عَلَيْهمْ، ضَرَبه قَوْمُهُ فَأدْمَوهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَومي، فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمونَ» . مُتَّفَقٌ علَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: فضلُ الصبر على الأَذي، ومقابلة الإِساءة والجهل بالإحسان والحِلْم ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ٣٥﴾ [فُصِّلت (٣٥)] .\n\n[٣٧] وعن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ ﵄، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قَالَ: «مَا يُصيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ، وَلا حَزَنٍ، وَلا أذَىً، وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوكَةُ يُشَاكُهَا إلا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَاياهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nو«الوَصَبُ»: المرض.\nفي هذا الحديث: أَنَّ الأمراض وغيرها من المؤذيات مُطهرةٌ للمؤمن من الذنوب، فَيَنْبَغِي الصَّبرُ على ذلك ليحصل له الأَجرُ، والمصاب مَنْ حُرِم الثواب.\n\n[٣٨] وعن ابنِ مسعودٍ - ﵁ - قَالَ: دخلتُ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - وهو يُوعَكُ، فقلت: يَا رسُولَ الله، إنَّكَ تُوْعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: «أجَلْ، إنِّي أوعَكُ كمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُمْ» . قلْتُ: ذلِكَ أن لَكَ أجْرينِ؟ قَالَ: «أَجَلْ، ذلِكَ كَذلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصيبُهُ أذىً، شَوْكَةٌ فَمَا فَوقَهَا إلا كَفَّرَ اللهُ بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحُطَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَ(الوَعْكُ): مَغْثُ الحُمَّى، وَقيلَ: الحُمَّى.\n\nأَجَلْ: جوابٌ مثل نعم، إِلا أَنَّه أَحسن من نعم في التصديق، ونعم، أَحسن في الاستفهام.\nوفي هذا الحديث: فضل الصبر على الأَمراض والأَعراض، وأَنها تُكَفِّر السيِّئات، وتحط الذنوب.","vol":"1","page":44},{"text":"وفي الحديث الآخر: «أّشدُّ الناس بلاءً الأَنبياء، ثم الأَمثل، فالأَمثل» .\n\n[٣٩] وعن أبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» . رواه البخاري.\nوَضَبَطُوا «يُصِبْ» بفَتْح الصَّاد وكَسْرها.\nفي هذا الحديث: أَنَّ المؤمن لا يخلو من عِلَّة أَو قلة، أَو ذلّة، وذلك خير له حالًا ومآلًا. قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة (١٥٥)] .\n\n[٤٠] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوتَ لضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ فاعلًا، فَليَقُلْ: اللَّهُمَّ أحْيني مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيرًا لِي، وَتَوفّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيرًا لي» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن تمنِّي الموت جزعًا من البلاء الدنيوي، بل يصبر على قدر الله ويسأَله العافية، ويفوِّض أَمره إِلى الله.\n\n[٤١] وعن أبي عبد الله خَبَّاب بنِ الأَرتِّ - ﵁ - قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى ... رسولِ الله - ﷺ - وَهُوَ متَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظلِّ الكَعْبَةِ، فقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا ألا تَدْعُو لَنا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجْعَلُ","vol":"1","page":45},{"text":"نصفَينِ، وَيُمْشَطُ بأمْشَاطِ الحَديدِ مَا دُونَ لَحْمِه وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ الله هَذَا الأَمْر حَتَّى يَسيرَ الرَّاكبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَموتَ ... لا يَخَافُ إلا اللهَ والذِّئْب عَلَى غَنَمِهِ، ولكنكم تَسْتَعجِلُونَ» . رواه البخاري.\nوفي رواية: «وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شدَّةً» .\n\nفي هذا الحديث: مَدْحُ الصبر على العذاب في الدين، وكراهة الاستعجال. قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ\nالَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة (٢١٤)] .\n\n[٤٢] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ حُنَينٍ آثَرَ رسولُ الله - ﷺ - نَاسًا في القسْمَةِ، فَأعْطَى الأقْرَعَ بْنَ حَابسٍ مئَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَة بْنَ حصن مِثْلَ ذلِكَ، وَأَعطَى نَاسًا مِنْ أشْرافِ العَرَبِ وآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ في القسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: واللهِ إنَّ هذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُريدَ فيهَا وَجْهُ اللهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لأُخْبِرَنَّ رسولَ الله - ﷺ -، فَأَتَيْتُهُ فَأخْبَرتُهُ بمَا قَالَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كالصِّرْفِ. ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لم يَعْدِلِ ... اللهُ وَرسولُهُ؟» ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبر» . فَقُلْتُ: لا جَرَمَ لا أرْفَعُ إِلَيْه بَعدَهَا حَدِيثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَقَوْلُهُ: «كالصِّرْفِ» هُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ المُهْمَلَةِ: وَهُوَ صِبْغٌ أحْمَر.\n\nفي هذا الحديث: استحبابُ الإِعراض عن الجاهل والصفح عن الأَذى والتأَسِّي بمن مضى من الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان (٦٣)] .","vol":"1","page":46},{"text":"[٤٣] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إِذَا أَرَادَ الله بعبدِهِ الخَيرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ في الدُّنْيا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبدِهِ الشَّرَّ أمْسَكَ عَنْهُ بذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يومَ القِيَامَةِ» .\nوَقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .\n\nفي هذا الحديث: الحثُّ على الصبر على ما تجري به الأَقدار، وأَنه خيرٌ للناس في الحال والمآل، فمن صبر فاز، ومن سخط فاته الأَجر وثبت عليه الوِزْر، ومضى فيه القدر.\n\n[٤٤] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ ابنٌ لأبي طَلْحَةَ - ﵁ - يَشتَكِي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصَّبيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ، قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أمُّ سُلَيم وَهِيَ أمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إليه العَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ منْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَتْ: وَارُوا الصَّبيَّ فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رسولَ الله - ﷺ - فَأخْبَرَهُ، فَقَالَ: «أعَرَّسْتُمُ اللَّيلَةَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا»، فَوَلَدَتْ غُلامًا، فَقَالَ لي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبيَّ - ﷺ -، وَبَعَثَ مَعَهُ بِتَمَراتٍ، فَقَالَ: «أَمَعَهُ شَيءٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، تَمَراتٌ، فَأخَذَهَا النَّبيُّ - ﷺ - فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا في فِيِّ الصَّبيِّ، ثُمَّ حَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبدَ الله. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية للبُخَارِيِّ: قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصارِ:","vol":"1","page":47},{"text":"فَرَأيْتُ تِسعَةَ أوْلادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَؤُوا القُرْآنَ، يَعْنِي: مِنْ أوْلادِ عَبدِ الله المَولُودِ.\nوَفي رواية لمسلمٍ: مَاتَ ابنٌ لأبي طَلْحَةَ مِنْ أمِّ سُلَيمٍ، فَقَالَتْ لأَهْلِهَا: لا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْه عَشَاءً\nفَأَكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا. فَلَمَّا أَنْ رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وأَصَابَ مِنْهَا، قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيتَ لو أنَّ قَومًا أعارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أن يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لا، فَقَالَتْ: فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ، قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تَرَكْتِني حَتَّى إِذَا تَلطَّخْتُ، ثُمَّ أخْبَرتني بِابْنِي؟! فانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى ... رسولَ الله - ﷺ - فَأخْبَرَهُ بِمَا كَانَ فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «بَارَكَ اللهُ في لَيْلَتِكُمَا»، قَالَ: فَحَمَلَتْ. قَالَ: وَكانَ رسولُ الله - ﷺ - في سَفَرٍ وَهيَ مَعَهُ، وَكَانَ رسولُ الله - ﷺ - إِذَا أَتَى المَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا فَدَنَوا مِنَ المَدِينَة، فَضَرَبَهَا المَخَاضُ، فَاحْتَبَسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ، وانْطَلَقَ ... رسولُ الله - ﷺ -. قَالَ: يَقُولَ أَبُو طَلْحَةَ: إنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ أَنَّهُ يُعْجِبُنِي أنْ أخْرُجَ مَعَ رسولِ الله - ﷺ - إِذَا خَرَجَ وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ وَقَدِ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى، تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أجدُ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا وَضَرَبَهَا المَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَلدَت غُلامًَا. فَقَالَتْ لِي أمِّي: يَا أنَسُ، لا يُرْضِعْهُ أحَدٌ حَتَّى تَغْدُو بِهِ عَلَى رسولِ الله - ﷺ -، فَلَمَّا أصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رسولِ الله - ﷺ -. وَذَكَرَ تَمَامَ الحَدِيثِ.","vol":"1","page":48},{"text":"في هذا الحديث: فَضْلُ الصبر والتسليم لأَمر الله تعالى، وأَنِّ مَنْ فعل ذلك رجي له الإِخلاف في الدنيا، والأَجر في الآخرة كما في الدُّعاء المأثور: «(اللهم أَجرني في مصيبتي، واخلف لِي خيرًا منها» .\nوفيه: التسلية عن المصائب، وتزين المرأَة لزوجها، واجتهادها في عمل مصالحه، ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورةُ إليها، ولم يترتب عليها إِبطالُ حق.\nوفيه: أَنَّ مَنْ ترك شيئًا لله عوضه اللهُ خيرًا منه.\n\n[٤٥] وعن أبي هريرةَ - ﵁ - أنّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَدِيدُ الَّذِي يَملكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«وَالصُّرَعَةُ»: بضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وأَصْلُهُ عِنْدَ العَرَبِ مَنْ يَصْرَعُ النَّاسَ كَثيرًا.\n\nفي هذا الحديث: مَدْح من يملك نفسه عند الغضب. قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران (١٣٤)] .\nوالغضب: جماع الشر، والتحرز منه جماع الخير، وقال رجل للنبي - ﷺ -: أوصني. قال: «لا تغضب»، فردَّد مرارًا. قال: «لا تغضب» .\nوقال عمر بن عبد العزيز: قد أَفْلح مَنْ عُصِم من الهوى، والغضب، والطمع.","vol":"1","page":49},{"text":"[٤٦] وعن سُلَيْمَانَ بن صُرَدٍ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ النَّبيّ - ﷺ -، وَرَجُلانِ يَسْتَبَّانِ، وَأَحَدُهُمَا قدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتَفَخَتْ أوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: «إنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ:\nأعُوذ باللهِ منَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، ذَهَبَ عنْهُ مَا يَجِدُ» . فَقَالُوا لَهُ: إنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: «تَعَوّذْ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: أن الشيطان هو الذي يثير الغضب ويشعل النار، وأن دواءه الاستعاذة. قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الاعراف (٢٠٠)] .\n\n[٤٧] وعن معاذِ بنِ أَنسٍ - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيظًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ ﷾ عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاءَ» . رواه أَبو داود والترمذي، وَقالَ: (حديث حسن) .\n\nرُوى أنَّ الحسين بن علي ﵄ كان له عبدٌ يقوم بخدمته ويقرب إليه طهره، فقرب إليه طهره ذات يوم في كُوز، فلما فَرَغ الحسين من طهوره رفع العبدُ الكوز من بين يديه، فأصاب فم الكوز رباعية الحسين فكسرها، فنظر إليه الحسين، فقال العبد: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ قال: قد كظمتُ غيظي. فقال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ . قال: قد عفوت عنك. قال: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى.","vol":"1","page":50},{"text":"[٤٨] وعن أبي هريرةَ - ﵁ -: أنَّ رَجُلًا قَالَ للنبي - ﷺ -: أوصِني. قَالَ: «لا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرارًا، قَالَ: «لا تَغْضَبْ» . رواه البخاري.\n\nهذه وصيةٌ وجيزة نافعة؛ لأَنَّ الغضب يجمع الشرَّ كله، وهو باب من من مداخل الشيطان. وفي الحديث دليلٌ على عظم مفسدة الغضب، وما\nينشأ منه؛ لأَنه يُخرج الإِنسان عن اعتداله فيتكلم بالباطل، ويفعل المذموم والقبيح.\n\n[٤٩] وعن أبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَا يَزَالُ البَلاَءُ بالمُؤمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ في نفسِهِ ووَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى الله تَعَالَى وَمَا عَلَيهِ خَطِيئَةٌ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حديث حسن صحيح) .\n\nفي هذا الحديث: أنَّ المصائبَ والمتاعب النازلة بالمؤمن الصابر من المرض، والفقر، وموت الحبيب، وتلف المال، ونقصه: مكفَّرات لخطاياه كلها.\n\n[٥٠] وعن ابْنِ عباسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أخِيهِ الحُرِّ بنِ قَيسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمرُ - ﵁ -، وَكَانَ القُرَّاءُ أصْحَابَ مَجْلِس عُمَرَ - ﵁ - وَمُشاوَرَتِهِ كُهُولًا كانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أخيهِ: يَا ابْنَ أخِي، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ فَاسْتَأذِنْ لِي عَلَيهِ، فاسْتَأذَن فَأذِنَ لَهُ عُمَرُ. فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: هِي يَا ابنَ الخَطَّابِ، فَواللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ","vol":"1","page":51},{"text":"وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالعَدْلِ. فَغَضِبَ عُمَرُ - ﵁ - حَتَّى هَمَّ أنْ يُوقِعَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ، إنَّ الله تَعَالَى قَالَ لِنَبيِّهِ - ﷺ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف (١٩٩)] وَإنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، واللهِ مَا جَاوَزَهاَ عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا، وكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. رواه البخاري.\nفي هذا الحديث: أَنَّه ينبغي لولي الأَمر مجالسة القراء والفقهاء ليذكروه إذا نسي، ويعينوه إذا ذكر. وفيه: الحِلْم والصفح عن الجهال.\nقال جعفر الصادق: ليس في القرآن آيةٌ أَجمع لمكارم الأخلاق من هذه. ورُوي أَنَّ جبريل قال للنبي - ﷺ -: «إِنَّ ربَّك يأمرك أن تصل مَنْ قطعك، وتُعطي مَنْ حرمك، وتعفوَ عَمَّن ظلمك» .\nوالخطاب له - ﷺ - يدخل في حكمه أُمَّته.\n\n[٥١] وعن ابن مسعود - ﵁ -: أن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّهَا سَتَكونُ بَعْدِي أثَرَةٌ وأُمُورٌ تُنْكِرُونَها!» قَالُوا: يَا رَسُول الله، فَمَّا تَأْمُرُنا؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسأَلُونَ الله الَّذِي لَكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«وَالأَثَرَةُ»: الانْفِرادُ بالشَّيءِ عَمنَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ.\n\nفي هذا الحديث: الصَّبْر على جَور الولاة، وإِن استأثروا بالأَموال، فإن الله سائلهم عما استرعاهم.\n\n[٥٢] وعن أبي يحيى أُسَيْد بن حُضَير - ﵁ -: أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ قَالَ:\nيَا رسولَ الله، ألا تَسْتَعْمِلُني كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلانًا، فَقَالَ:","vol":"1","page":52},{"text":"«إنكُمْ سَتَلْقَونَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوني عَلَى الحَوْضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«وَأُسَيْدٌ»: بضم الهمزة. «وحُضيْرٌ»: بحاءٍ مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة، والله أعلم.\n\nقيل: إِنَّ وجه المناسبة بين الجواب والسؤال أَنَّ من شأن العامل الاستئثار إِلا مَنْ عصم الله، فَأشفق عليه - ﷺ - مِن أَن يقع فيما يقع فيه بعضُ من يأتي\nبعده من الملوك، فَيَسْتأثر على ذوي الحقوق، وهذا من جملة معجزاته - ﷺ - فقد وقع كما أَخبر.\n\n[٥٣] وعن أبي إبراهيم عبدِ الله بن أبي أوفى ﵄: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - في بعْضِ أيامِهِ التي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ، انْتَظَرَ حَتَّى إِذَا مالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فيهمْ، فَقَالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسْأَلُوا الله العَافِيَةَ، فَإِذَا لقيتُمُوهُمْ فَاصْبرُوا، وَاعْلَمُوا أنّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيوفِ» .\nثُمَّ قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانصُرْنَا عَلَيْهمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وبالله التوفيق.\n\nفي هذا الحديث: الدعاء حال الشدائد، والخروج من الحول والقوة، والنهي عن تمنِّي لقاء العدو، والأَمر بالصبر والثبات عند اللقاء. وفيه: الحضُّ على الجهاد. وفيه: الجمع بين الأَخذ بالأَسباب، والتوكُّل على الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>٤- باب الصدق</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة (١١٩)] .\n\nأي: اتقوا الله بترك ما نهى عنه، وكونوا مع الصادقين في نياتهم وأعمالهم وأقوالهم.","vol":"1","page":53},{"text":"وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب (٣٥)] .\n\nأي: الصادقين في جميع الأحوال.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد (٢١)] .\n\nأي: لو صدقوا الله في الإيمان والطاعة.\nوأما الأحاديث:\n\n[٥٤] فالأول: عن ابن مسعود - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ -، قَالَ: «إنَّ الصِّدقَ يَهْدِي إِلَى البرِّ، وإنَّ البر يَهدِي إِلَى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ الله كَذَّابًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالبر: اسم جامع للخير كله. والفجور: الأعمال السيئة.\nقال القرطبي: حق على كل من فهم عن الله أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال. فمن كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضاء الغفار. وقد أرشد تعالى إلى ذلك كله بقوله عند ذكر أحوال الثلاثة التائبين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة (١١٩)] .\n\n[٥٥] الثاني: عن أبي محمد الحسن بنِ عليِّ بن أبي طالب ﵄ قَالَ: حَفظْتُ مِنْ رَسُول الله - ﷺ -: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى","vol":"1","page":54},{"text":"مَا لا يَرِيبُكَ؛ فإنَّ\nالصِّدقَ طُمَأنِينَةٌ، وَالكَذِبَ رِيبَةٌ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث صحيح» .\nقوله: «يَريبُكَ» هُوَ بفتح الياء وضمها: ومعناه اتركْ مَا تَشُكُّ في حِلِّهِ وَاعْدِلْ إِلَى مَا لا تَشُكُّ فِيهِ.\n\nمعنى هذا الحديث: يرجع إلى الوقوف عند الشبهات، ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه.\nوفيه إشارة إلى الرجوع إلى القلوب الطاهرة والنفوس الصافية عند الاشتباه، فإن نفس المؤمن جبلت على الطمأنينة إلى الصدق، والنفر من الكذب.\n\n[٥٦] الثالث: عن أبي سفيانَ صَخرِ بنِ حربٍ - ﵁ - في حديثه الطويلِ في قصةِ هِرَقْلَ، قَالَ هِرقلُ: فَمَاذَا يَأَمُرُكُمْ - يعني: النَّبيّ - ﷺ - قَالَ أبو سفيانَ: قُلْتُ: يقولُ: «اعْبُدُوا اللهَ وَحدَهُ لا تُشْرِكوُا بِهِ شَيئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، ويَأْمُرُنَا بالصَلاةِ، وَالصِّدْقِ، والعَفَافِ، وَالصِّلَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالصدق من أشرف مكارم الأخلاق، وهو محبوب عند الخالق والمخلوق.\nوالعفاف: الكف عن المحارم، وخوارم المروءة.\n\n[٥٧] الرابع: عن أبي ثابت، وقيل: أبي سعيد، وقيل: أبي الوليد، سهل بن حُنَيْفٍ وَهُوَ بدريٌّ - ﵁ -: أنَّ النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ سَأَلَ الله تَعَالَى\nالشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ الله مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ من نوى شيئًا من أعمال البرّ صادقًا من قلبه أُثيب عليه، وإن لم يتفق له ذلك.","vol":"1","page":55},{"text":"[٥٨] الخامس: عن أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «غَزَا نبيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهمْ فَقَالَ لِقَومهِ: لا يَتْبَعَنِّي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأةٍ وَهُوَ يُريدُ أنْ يَبْنِي بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلا أحَدٌ بَنَى بُيُوتًا لَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلا أحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَوْلادَها. فَغَزا فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ صَلاةَ العَصْرِ أَوْ قَريبًا مِنْ ذلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأمُورَةٌ وَأنَا مَأمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ، فَجَمَعَ الغَنَائِمَ فَجَاءتْ - يعني النَّارَ - لِتَأكُلَهَا فَلَمْ تَطعَمْها، فَقَالَ: إنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فَلْيُبايعْنِي مِنْ كُلِّ قَبيلةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يد رجل بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فَجَاؤُوا بِرَأْس مثل رأس بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَضَعَهَا فَجاءت النَّارُ فَأكَلَتْها. فَلَمْ تَحلَّ الغَنَائِمُ لأحَدٍ قَبْلَنَا، ثُمَّ أحَلَّ الله لَنَا الغَنَائِمَ لَمَّا رَأَى ضَعْفَنا وَعَجْزَنَا فَأحَلَّهَا لَنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«الخَلِفَاتُ» بفتحِ الخَاءِ المعجمة وكسر اللامِ: جمع خِلفة وهي الناقة ... الحامِل.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع ومحبةِ البقاء.\nوفيه: أنَّ الأمور المهمّة لا ينبغي أن تفوَّض إلا لحازم فارغ البال لها.\nقال القرطبي: نهي النبيُّ قومه عن اتباعه على أحد هذه الأحوال؛ لأنَّ أصحابها يكونون متعلقي النفوس بهذه الأسباب فتضعف عزائمهم، وتفتر رغباتهم","vol":"1","page":56},{"text":"في الجهاد والشهادة، وربّما يفرط ذلك التعلّق فيفضي إلى كراهة الجهاد وأعمال الخير.\nومقصود هذا النبي - ﷺ - تفرغهم من العوائق والاشتغال إلى تمنَّي الشهادة بنيِّة صادقة، وعزم حازم، ليتحصَّلوا على الحظ الأوفر والأجر الأكبر.\n\n[٥٩] السادس: عن أبي خالد حَكيمِ بنِ حزامٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «البَيِّعَانِ بالخِيَار مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإنْ صَدَقا وَبيَّنَا بُوركَ لَهُمَا في بيعِهمَا، وإنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بركَةُ بَيعِهِما» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: فضل الصدق والحث عليه، وذم الكذب والتحذير منه، وإنه سبب لذهاب البركة.\nوفيه: دليل على ثبوت خيار المجلس للبائع والمشتري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٥- باب المراقبة</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء (٢١٨، ٢١٩)] .\n\nيقول تعالى مخاطبًا لنبيه محمد - ﷺ - وتوكَّل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم إلى الصلاة، وتقلُّبك راكعًا وقائمًا وساجدًا وقاعدًا في الساجدين - أي: المصلين - يعني: يراك إذا صلَّيت منفردًا وإذا صلَّيت في جماعة.\nوالمراقبة هي أحد مقامَيْ الإحسان، وهو: أنْ تعبد الله كأنَّك تراه، فإنْ لم تكنْ تراه فإنه يراك.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم﴾ [الحديد (٤)] .","vol":"1","page":57},{"text":"أي: لا ينفكّ علمه عنكم. كم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة (٧)]\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران (٥)] .\n\nيخبر تعالى أنه يعلم غيبَ السماء والأرض لا يخفى عليه شيء من ذلك.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر (١٤)] .\n\nقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى. يعني: يرصد خلقه فيما يعملون، وسيجازي كلًا بسعيه في الدنيا والآخرة، وسيعرض الخلائقَ كلّهم عليه فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلًا بما يستحقّه، وهو المنزّه عن الظلم والجور.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ... (١٩)] .\nقال ابن كثير: يخبر ﷿ عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، ليحذر الناس علمه فيهم فيستحيوا من الله تعالى حقَّ الحياء، ويتَّقوه حقَّ تقواه ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه.\nوالآياتُ في الْبَابِ كَثيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.\nكقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء وَلا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس (٦١)] .\nوغيرها من الآيات.","vol":"1","page":58},{"text":"وأما الأحاديث:\n\n[٦٠] فالأول: عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ: بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُول الله - ﷺ - ذَاتَ يَومٍ، إذْ طَلَعَ عَلَينا رَجُلٌ شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيهِ أثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبيّ - ﷺ -، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيهِ إِلَى رُكْبتَيهِ، وَوَضعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ.\nوَقالَ: يَا مُحَمَّدُ، أخْبرني عَنِ الإسلامِ، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: ... «الإسلامُ: أنْ تَشْهدَ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيتَ إن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبيلًا» . قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقهُ!\nقَالَ: فَأَخْبرنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِر، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ» . قَالَ: صَدقت. قَالَ: فأَخْبرني عَنِ الإحْسَانِ. قَالَ: «أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ» .\nقَالَ: فَأَخْبِرني عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بأعْلَمَ مِنَ ... السَّائِلِ» . قَالَ: فأخبِرني عَنْ أمَاراتِهَا. قَالَ: «أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وأنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في البُنْيَانِ» .\nثُمَّ انْطَلقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَتَدْري مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ ورسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: «فإنَّهُ جِبْريلُ أَتَاكُمْ يعْلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":59},{"text":"ومعنى «تَلِدُ الأَمَةُ رَبَّتَهَا» أيْ سَيِّدَتَهَا؛ ومعناهُ: أنْ تَكْثُرَ السَّراري حَتَّى تَلِدَ الأَمَةُ السُّرِّيَّةُ بِنْتًا لِسَيِّدِهَا وبنْتُ السَّيِّدِ في مَعنَى السَّيِّدِ وَقيلَ غَيْرُ ذلِكَ. وَ«العَالَةُ»: الفُقَراءُ. وقولُهُ: «مَلِيًّا» أَيْ زَمَنًا طَويلًا وَكانَ ذلِكَ ثَلاثًا.\n\nهذا حديث عظيم، مشتمل على جميع الأعمال الظاهرة والباطنة. وعلومُ الشريعة راجعة إليه، فهو كالأمَّ للسُّنَّة. كما سُمَّيت الفاتحة: أم القرآن.\n\n[٦١] الثاني: عن أبي ذر جُنْدُب بنِ جُنادَةَ وأبي عبدِ الرحمنِ معاذِ بنِ جبلٍ ﵄ عن رسولِ الله - ﷺ - قَالَ: «اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ وَأتْبعِ\nالسَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حديث حسن) .\n\nهذه وصية عظيمة جامعة لحقوق الله تعالى وحقوق عباده، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ﴾ [النساء (١٣١)]، وتقوى الله تعالى: طاعته، بامتثال أمره واجتناب نهيه.\nوقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود (١١٤، ١١٥)] .\nوقال ابن المبارك: حُسْن الخُلُق: بسط الوجه، وبذلُ المعروف، وكفّ الأذى.\nوقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصّى به النبي - ﷺ - في هذا الحديث، فقال ﷿: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ","vol":"1","page":60},{"text":"وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران (١٣٣: ١٣٦)] .\n[٦٢] الثالث: عن ابنِ عباسٍ ﵄، قَالَ: كنت خلف النَّبيّ - ﷺ - يومًا، فَقَالَ: «يَا غُلامُ، إنِّي أعلّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَألْتَ فَاسأَلِ الله، وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ.\nوَاعْلَمْ: أنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيءٍ قَدْ كَتَبهُ اللهُ لَكَ، وَإِن اجتَمَعُوا عَلَى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلا بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحفُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .\nوفي رواية غيرِ الترمذي: «احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعرَّفْ إِلَى اللهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفكَ في الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ: أنَّ مَا أَخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبكَ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ: أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» .\n\nهذا الحديث أصل عظيم في مراقبة الله، ومراعاة حقوقه، والتفويض لأمره، والتوكل عليه، وشهود توحيده وتفرُّده، وعجز الخلائق كلَّهم وافتقارهم إليه.\n\n[٦٣] الرابع: عن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: إِنَّكُمْ لَتعمَلُونَ أعْمَالًا هي أدَقُّ في أعيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُول الله - ﷺ - مِنَ المُوبِقاتِ. رواه البخاري.\nوَقالَ: «المُوبقاتُ»: المُهلِكَاتُ.","vol":"1","page":61},{"text":"في هذا الحديث: كمال مراقبة الصحابة ﵃ لله تعالى، وكمال استحيائهم منه.\nوفيه: أنَّ الإنسان ينبغي له أن يحذر من صغار الذنوب، فلعلها تكون المهلكة له في دينه.\nكما يتحرز من يسير السموم خشية أن يكون فيها حتفه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر (٢٨)] .\nوفي الحديث: «إن المؤمن يرى ذنبه كأنه صخرة يخاف أن تقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كأنه ذباب مرّ على أنفه» .\n\n[٦٤] الخامس: عن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَغَارُ، وَغَيرَةُ الله تَعَالَى، أنْ يَأتِيَ المَرْءُ مَا حَرَّمَ الله عَلَيهِ» . متفق عَلَيهِ.\nو«الغَيْرةُ»: بفتحِ الغين، وَأَصْلُهَا الأَنَفَةُ.\n\nفي هذا الحديث: مراقبة الله تعالى والخوف من غضبه وعقوبته إذا انتُهكت محارمه.\n\n[٦٥] السادس: عن أبي هريرةَ - ﵁ -: أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ - ﷺ -، يقُولُ: «إنَّ ثَلاثَةً مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ: أبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، أَرَادَ اللهُ أنْ يَبْتَليَهُمْ فَبَعَثَ إِليْهمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسنٌ، وَجِلدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ؛ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِيَ لَونًا حَسنًَا وجِلْدًا حَسَنًا. فَقَالَ: فَأيُّ","vol":"1","page":62},{"text":"المَالِ أَحَبُّ إِليكَ؟ قَالَ: الإِبلُ - أَوْ قالَ: البَقَرُ شكَّ الرَّاوي - فَأُعطِيَ نَاقَةً\nعُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَاركَ الله لَكَ فِيهَا. فَأَتَى الأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذِرَني النَّاسُ؛ فَمَسَحَهُ فَذَهبَ عَنْهُ وأُعْطِيَ شَعرًا حَسَنًا. قالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِليْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقالَ: بَارَكَ الله لَكَ فِيهَا.\nفَأَتَى الأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ الله إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ؛ فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرهُ. قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِليْكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً والدًا، فَأَنْتَجَ هذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكانَ لِهذَا وَادٍ مِنَ الإِبلِ، وَلِهذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ.\nثُمَّ إنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيئَتِهِ، فَقَالَ: رَجلٌ مِسْكينٌ قَدِ انقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ في سَفَري فَلا بَلاغَ لِيَ اليَومَ إلا باللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذي أعْطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ، والجِلْدَ الحَسَنَ، وَالمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ في سَفَري، فَقَالَ: الحُقُوقُ كثِيرةٌ. فَقَالَ: كأنِّي اعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فقيرًا فأعْطَاكَ اللهُ!؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا المالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ الله إِلَى مَا كُنْتَ.\nوَأَتَى الأَقْرَعَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذا، وَرَدَّ عَلَيهِ مِثْلَ مَا رَدَّ هَذَا، فَقَالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ.\nوَأَتَى الأَعْمَى في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكينٌ وابنُ سَبيلٍ انْقَطَعتْ بِيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاَغَ لِيَ اليَومَ إلا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَركَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا في سَفري؟ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أعمَى فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوَاللهِ","vol":"1","page":63},{"text":"لا أجْهَدُكَ اليَومَ\nبِشَيءٍ أخَذْتَهُ للهِ - ﷿ -. فَقَالَ: أمْسِكْ مالَكَ فِإنَّمَا ابْتُلِيتُمْ. فَقَدْ رضي الله عنك، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nو«النَّاقةُ العُشَرَاءُ» بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامِل. قوله: «أنْتَجَ» وفي رواية: «فَنتَجَ» معناه: تولَّى نِتاجها، والناتج لِلناقةِ كالقابِلةِ للمرأةِ. وقوله: «وَلَّدَ هَذَا» هُوَ بتشديد اللام: أي تولى ولادتها، وَهُوَ بمعنى أنتج في الناقة، فالمولّد، والناتج، والقابلة بمعنى؛ لكن هَذَا لِلحيوان وذاك لِغيرهِ. وقوله: «انْقَطَعَتْ بي الحِبَالُ» هُوَ بالحاءِ المهملةِ والباءِ الموحدة: أي الأسباب. وقوله: «لا أجْهَدُكَ» معناه: لا أشق عليك في رد شيء تأخذه أَوْ تطلبه من مالي. وفي رواية البخاري: «لا أحمَدُكَ» بالحاءِ المهملة والميمِ ومعناه: لا أحمدك بترك شيء تحتاج إِلَيْه، كما قالوا: لَيْسَ عَلَى طولِ الحياة ندم: أي عَلَى فواتِ طولِها.\n\nفي هذا الحديث: التحذير من كفران النعم، والترغيب في شكرها، والاعتراف بها، وحمد الله عليها.\nوفيه: فضل الصدقة، والحث على الرفق بالضعفاء، وإكرامهم وتبليغهم مآربهم.\nوفيه: الزجرُ عن البخل؛ لأنه حمل صاحبه على الكذب وعلى جحد نعمة الله تعالى.\n[٦٦] السابع: عن أبي يعلى شداد بن أوس - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: ... «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بعدَ المَوتِ، والعَاجِزُ","vol":"1","page":64},{"text":"مَنْ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواهَا وَتَمنَّى عَلَى اللهِ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .\nقَالَ الترمذي وغيره من العلماء: معنى «دَانَ نَفْسَهُ»: حاسبها.\n\nالكَيِّس: العاقل، وهو الذي يمنع نفسه عن الشهوات المحرمة ويعمل بطاعة الله تعالى. والعاجز: هو التارك لطاعة الله المتمنِّي على الله. قال تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء (١٢٣، ١٢٤)] .\n\n[٦٧] الثامن: عن أبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ» . حديث حسن. رواه الترمذي وغيرُه.\n\nهذا الحديث أصل عظيمٌ من أصول الأدب.\nقيل للقمان: ما بلغ بك ما نرى؟ قال: صِدْقُ الحديث، وأداء الأمانة، وترْكُ ما لا يعنيني.\nوقال سهل بن عبد الله التُّسْتَري: مَن تكلَّم فيما لا يعنيه حُرم الصدق. ورُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أول من يدخل عليكم رجل من أهل ... الجنة»، فدخل عليهم عبد الله بن سلام، فقام إليه ناسٌ فأخبروه، وقالوا\nله: أخبرنا بأوثق عملك في نفسك؟ قال: إن عملي لضعيف، وأوثق ما أرجو به سلامة الصدر، وتركي ما لا يعنيني.\nقال الغزالي: حدُّ ما لا يعنيك في الكلام: أنْ تتكلَّم بما لو سَكَتَّ عنه لم تأثم، ولم تتضرر حالًا ولا مآلًا.","vol":"1","page":65},{"text":"[٦٨] التاسع: عن عُمَرَ - ﵁ - عَنِ النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «لا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ» . رواه أبو داود وغيره.\n\nأي: لا يُسأل بأي سبب ضرب امرأته، لإحتمال أنْ يكون السبب مما يُستحيا من ذكره، كالامتناع من التمكين، بل يترك ذلك إليه وإلى مراقبته لمولاه، إلا إن احتاج الأمر إلى الرفع إلى الحكام. قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء (٣٤)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٦- باب التقوى</span>\n\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران (١٠٢)] .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن (١٦)] . وهذه الآية مبينة للمراد مِنَ الأُولى.\nالتقوى: امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه حسب الطاقة، وأصلها في اللغة: اتخاذ وقاية تقيك مما تخافه وتحذره.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب (٧٠، ٧١)]، وَالآيات في الأمر بالتقوى كثيرةٌ معلومةٌ.\n\nقال ابن كثير: يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وأنْ يعبدوه عبادةً","vol":"1","page":66},{"text":"مَنْ كأنه يراه، وأنْ يقولوا قولًا سديدًا، أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأنْ يصلح لهم أعمالهم، أي: يوفِّقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل، يلهمهم التوبة منها.\nثم قال: ﴿وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب (٧١)]، وذلك أنه يُجار من نار الجحيم، ويصير إلى النعيم المقيم.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق (٢، ٣)] .\n\nقال ابن كثير: أي: ومن يتق الله فيما أمره به وتركَ ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله.\nوفي (المسند) عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال (٢٩)] والآيات في البابِ كثيرةٌ معلومةٌ.\n\nقال ابن إسحاق: فرقانًا: أي: فصلًا بين الحق والباطل.\nقال ابن كثير: فإنَّ من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وُفِّقَ لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سببَ نصره ونجاته، ومخرجه من أمور الدنيا،","vol":"1","page":67},{"text":"وسعادته يوم القيامة، وتكفير ذنوبه، وهو محوها وغفرها وسترها عن الناس، وسببًا لنيل ثواب الله الجزيل.\nوأما الأحاديث:\n\n[٦٩] فالأول: عن أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله، مَنْ أكرمُ النَّاس؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ» . فقالوا: لَيْسَ عن هَذَا نسألُكَ، قَالَ: ... «فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابنُ نَبِيِّ اللهِ ابنِ نَبيِّ اللهِ ابنِ خليلِ اللهِ» قالوا: لَيْسَ عن هَذَا نسألُكَ، قَالَ: «فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلوني؟ خِيَارُهُمْ في الجَاهِليَّةِ خِيَارُهُمْ في الإِسْلامِ إِذَا فقُهُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nو«فَقُهُوا» بِضم القافِ عَلَى المشهورِ وَحُكِيَ كَسْرُها: أيْ عَلِمُوا أحْكَامَ الشَّرْعِ.\nأي: أنَّ أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية هم أصحابها في الإِسلام إذا علموا أحكام الشرع.\n\n[٧٠] الثَّاني: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ\nالدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاء؛ فإنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إسرائيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ.\nرواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: التحذيرُ من الاغترار بالدنيا، والميل إلى النساء، فإنهما فتنة لكل مفتون.\n\n[٧١] الثالث: عن ابن مسعودٍ - ﵁ -: أنَّ النَّبيّ - ﷺ - كَانَ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسألُكَ الهُدَى، وَالتُّقَى، وَالعَفَافَ، وَالغِنَى» . رواه مسلم.\n\nالهدى: الرشاد.","vol":"1","page":68},{"text":"والتقى: امتثال الأوامر واجتناب النواهي.\nوالعفاف: التنزه عما لا يباح، وما لا يليق بالمروءة.\nوالغنى: غنى النفس، والاغتناء عما في أيدي الناس.\nوفيه: شرف هذه الخصال والالتجاء إلى الله في سائر الأحوال.\n\n[٧٢] الرابع: عن أبي طريفٍ عدِيِّ بن حاتمٍ الطائيِّ - ﵁ -، قَالَ: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ رَأَى أتْقَى للهِ مِنْهَا فَليَأتِ التَّقْوَى» . رواه مسلم.\nيعني أن من حلفَ على فعل شيء أو تركه، فرأى غيره خيرًا من التمادي على اليمين واتقى الله، فَعَلَهُ وَكفَّر عن يمينه.\n\n[٧٣] الخامس: عن أبي أُمَامَةَ صُدَيّ بنِ عجلانَ الباهِلِيِّ - ﵁ - قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَخْطُبُ في حجةِ الوداعِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا الله وَصلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا أُمَرَاءكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» . رواه الترمذي، في آخر كتابِ الصلاةِ، وَقالَ: (حديث حسن صحيح) .\n\nبدأ بالتقوى لأنها الأساس؛ لتناولها فعل سائر المأمورات، وترك سائر المناهي، وعطف عليها ما بعدها وهو من عطف العام على الخاص، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>٧- باب في اليقين والتوكل</span>\n\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب (٢٢)] .\n\nأي: ما زادهم الابتلاء إلا تصديقًا بوعد الله وتسليمًا لأمره.","vol":"1","page":69},{"text":"وَقالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران (١٧٣: ١٧٤)] .\nيمدح تعالى المؤمنينَ الذين استجابوا لله والرسول بأنَّ تخويف الناس لهم زادهم تصديقًا ويقينًا وقوة، وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾، أي: كافينا الله. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: الموكول إليه الأمور.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان (٥٨)] .\n\nوفيه: إشارة إلى أنَّ من توكل على غير الله فقد ضاع؛ لأنه يموت. قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص (٨٨)] .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم (١١)] .\n\nإذ هو الحي القيوم.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ [آل عمران (١٥٩)] .\n\nأي: إذا عزمت على إمضاء ما تريد بعد المشاورة، فتوكل على الله، أي: ثِقْ به لا بالمشاورة.\nوالآيات في الأمرِ بالتوكلِ كثيرةٌ معلومةٌ.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق (٣)]: أي كافِيهِ.\n\nفي هذه الآية والتي بعدها فضل التوكل وثمراته.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال (٢)] .","vol":"1","page":70},{"text":"أي: يفوضون أمورهم إليه. وهذه الآية صفة المؤمنين حقًّا.\nقال عمير بن حبيب: إنَّ للإِيمان زيادة ونقصانًا. قيل: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله ﷿ وحمدناه فذلك زيادته. وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه.\nوالآيات في فَضْلِ التَّوَكُّل كثيرةٌ مَعْرُوفَةٌ.\nوأما الأحاديث:\n\n[٧٤] فالأول: عن ابن عباس ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأيْتُ النَّبيّ ومَعَهُ الرُّهَيطُ، والنبي وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ، والنبيَّ ولَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِذْ رُفِعَ لي سَوَادٌ عَظيمٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي فقيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَومُهُ، ولكنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرتُ فَإِذا سَوادٌ عَظِيمٌ، فقيلَ لي: انْظُرْ إِلَى الأفُقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظيمٌ، فقيلَ لِي: هذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ ألفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ ولا عَذَابٍ»، ثُمَّ نَهَضَ فَدخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ في أُولئكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ولا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمْ الَّذينَ صَحِبوا رسولَ الله - ﷺ -، وَقالَ بعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ وُلِدُوا في الإِسْلامِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِالله شَيئًا - وذَكَرُوا أشيَاءَ - فَخَرجَ عَلَيْهِمْ رسولُ الله - ﷺ -، فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبَرُوهُ فقالَ: «هُمُ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ، وَلا يَسْتَرقُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ؛ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُون» فقامَ عُكَّاشَةُ بنُ محصنٍ، فَقَالَ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلني مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أنْتَ\nمِنْهُمْ» . ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":71},{"text":"«الرُّهَيْطُ» بضم الراء تصغير رهط: وهم دون عشرة أنفس، ... وَ«الأُفقُ» الناحية والجانب. و«عُكَّاشَةُ» بضم العين وتشديد الكاف وبتخفيفها، والتشديد أفصح.\n\nقوله: «لا يرقون ولا يسترقون»، أي: لا يرقون غيرهم بالرقية المكروهة ولا يطلبون من الغير أن يرقاهم توكُّلًا على الله. فالرقية مباحة ولا كراهة فيها إذا كانت بالقرآن أو الأدعية المعروفة. وقد قال - ﷺ -: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا» .\nقال القرطبي: الرقى والاسترقاء: ما كان منه برقى الجاهلية أو بما لا يُعرف فواجب اجتنابه على سائر المسلمين.\n\n[٧٥] الثاني: عن ابن عباس ﵄ أيضًا: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَليْك تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بعزَّتِكَ؛ لا إلهَ إلا أَنْتَ أنْ تُضلَّني، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَالجِنُّ والإنْسُ يَمُوتُونَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وهذا لفظ مسلم واختصره البخاري.\n\nقوله: «اللهم لك أسلمت»، أي: استسلمت لحكمك وأمرك، وسلمتُ: رضيتُ وآمنتُ وصدقتُ وأيقنتُ.\nوفي الحديث: الالتجاء إلى الله والاعتصام به، فمن اعتزَّ بغير الله ذلّ، ومن اهتدى بغير هدايته ضلّ، ومن اعتصم بالله تعالى وتوكَّل عليه عظُم وجلّ.\n\n[٧٦] الثالث: عن ابن عباس ﵄ أيضًا، قَالَ: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، قَالَهَا إِبرَاهيمُ - ﷺ - حِينَ أُلقِيَ في النَّارِ، وَقَالَها","vol":"1","page":72},{"text":"مُحَمَّدٌ - ﷺ - حِينَ قَالُوا: إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيْمانًا وَقَالُوا: حَسْبُنَا الله ونعْمَ الوَكيلُ. رواه البخاري.\nوفي رواية لَهُ عن ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ آخر قَول إبْرَاهِيمَ - ﷺ - حِينَ أُلْقِيَ في النَّارِ: حَسْبِي الله ونِعْمَ الوَكِيلُ.\n\nقوله: ﴿حسبنا الله﴾، أي: هو كافينا. ﴿ونعم الوكيل﴾، أي: الموكول إليه الأمور.\nورُوي أنَّ إبراهيم - ﷺ - لما أرادوا إلقاءه في النار، رفع رأسه إلى السماء فقال: «اللَّهُمَّ أنت الواحدُ في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس أحدٌ يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل» . فقال الله ﷿: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ .\n\n[٧٧] الرابع: عن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَقْوامٌ أفْئِدَتُهُمْ مِثلُ أفْئِدَةِ الطَّيرِ» . رواه مسلم.\nقيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رَقيقَةٌ.\nهذا الحديث أصلٌ عظيم في التوكل. وحقيقته: هو الاعتماد على الله ﷿ في استجلاب المصالح ودفع المضار.\nقال سعيد بن جبير: التوكُّل جماع الإِيمان.\nواعلم أنَّ التوكُّل لا ينافي السعي في الأسباب، فإنَّ الطير تغدو في طلب رزقها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللهِ ... رِزْقُهَا﴾ [هود (٦)] .","vol":"1","page":73},{"text":"قال يوسف بن أسباط: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكَّل توكُّل رجل لا يصيبه إلا ما كُتب له.\nوفي حديث جابر عن النبي - ﷺ -: «لن تموتَ نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حلَّ ودعوا ما حرم» .\n\n[٧٨] الخامس: عن جابر - ﵁ -: أَنَّهُ غَزَا مَعَ النبي - ﷺ - قِبلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُول الله - ﷺ - قَفَلَ معَهُمْ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ في وَادٍ كثير العِضَاه، فَنَزَلَ رَسُول الله - ﷺ - وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُول الله - ﷺ - تَحتَ سَمُرَة فَعَلَّقَ بِهَا سَيفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رسولُ الله - ﷺ - يَدْعونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: «إنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيفِي وَأنَا نَائمٌ فَاسْتَيقَظْتُ وَهُوَ في يَدِهِ صَلتًا، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: الله - ثلاثًا-» وَلَمْ يُعاقِبْهُ وَجَلَسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية قَالَ جَابرٌ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - بذَاتِ الرِّقَاعِ، فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لرسول الله - ﷺ -، فجاء رَجُلٌ مِنَ المُشْركينَ\nوَسَيفُ رَسُول الله - ﷺ - معَلَّقٌ بالشَّجَرَةِ فَاخْتَرطَهُ، فَقَالَ: تَخَافُنِي؟ قَالَ: «لا» . فَقَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «الله» .\nوفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في \" صحيحه \"، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟\nقَالَ: «اللهُ» . قَالَ: فَسَقَطَ السيفُ مِنْ يَدهِ، فَأخَذَ رسولُ الله - ﷺ - السَّيْفَ، فَقَالَ: «مَنْ يَمْنَعُكَ مني؟» . فَقَالَ: كُنْ خَيرَ آخِذٍ. فَقَالَ: «تَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وَأَنِّي رَسُول الله؟» قَالَ: لا، وَلَكنِّي أُعَاهِدُكَ أنْ","vol":"1","page":74},{"text":"لا أُقَاتِلَكَ، وَلا أَكُونَ مَعَ قَومٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبيلَهُ، فَأَتَى أصْحَابَهُ، فَقَالَ: جئتُكُمْ مِنْ عنْد خَيْرِ النَّاسِ.\nقَولُهُ: «قَفَلَ» أي رجع، وَ«الْعِضَاهُ» الشجر الَّذِي لَهُ شوك، و«السَّمُرَةُ» بفتح السين وضم الميم: الشَّجَرَةُ مِنَ الطَّلْح، وهيَ العِظَامُ مِنْ شَجَرِ العِضَاهِ، وَ«اخْتَرَطَ السَّيْف» أي سلّه وَهُوَ في يدهِ. «صَلْتًا» أي مسلولًا، وَهُوَ بفتحِ الصادِ وضَمِّها.\n\nفي هذا الحديث: قوة يقينهِ - ﷺ -، وتوكُّله على الله ﷿، وعفوه، وحلمه، ومقابلة السيئة بالحسنة، ومحاسن أخلاقه، وكمال كرمه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم (٤)] .\n\n[٧٩] السادس: عن عُمَر - ﵁ - قَالَ: سمعتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حديث حسن) .\nمعناه: تَذْهبُ أَوَّلَ النَّهَارِ خِمَاصًا: أي ضَامِرَةَ البُطُونِ مِنَ الجُوعِ، وَتَرجعُ آخِرَ النَّهَارِ بِطَانًا. أَي مُمْتَلِئَةَ البُطُونِ.\n\nأي: لو توكلتم على الله في ذهابكم ومجيئكم وتصرُّفكم لسهّل لكم رزقكم.\n\n[٨٠] السابع: عن أبي عُمَارة البراءِ بن عازب ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «يَا فُلانُ، إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فراشِكَ، فَقُل: اللَّهُمَّ أسْلَمتُ نَفْسي إلَيْكَ، وَوَجَّهتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وَفَوَّضتُ أَمْري إلَيْكَ، وَأَلجأْتُ ظَهري إلَيْكَ رَغبَةً وَرَهبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إلا","vol":"1","page":75},{"text":"إلَيْكَ، آمنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ؛ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنَّ مِتَّ مِنْ لَيلَتِكَ مِتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَإِنْ أصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية في الصحيحين، عن البراءِ، قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله - ﷺ -: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجِعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءكَ للصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيمَنِ، وَقُلْ ... وذَكَرَ نَحْوَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ» .\n\nفي هذا الحديث: فضل الاستسلام، والتفويض، والالتجاء إلى الله ﷿.\n\n[٨١] الثامِنُ: عن أبي بكرٍ الصِّديق - ﵁ - عبدِ اللهِ بنِ عثمان بنِ عامرِ بنِ عمر ابنِ كعب بنِ سعدِ بن تَيْم بنِ مرة بن كعبِ بن لُؤَيِّ بن غالب القرشي التيمي - ﵁ - وَهُوَ وَأَبُوهُ وَأُمُّهُ صَحَابَةٌ - ﵃ - قَالَ: نَظَرتُ إِلَى أَقْدَامِ المُشْرِكينَ وَنَحنُ في الغَارِ وَهُمْ عَلَى رُؤُوسِنا، فقلتُ: يَا رسولَ الله،\nلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيهِ لأَبْصَرَنَا. فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبا بَكرٍ باثنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: تنبيه على أنَّ من توكَّل على الله كفاه، ونصره، وأعانه، وكلأه وحفظه.\n\n[٨٢] التاسع: عن أم المُؤمنينَ أمِّ سَلَمَةَ وَاسمها هِنْدُ بنتُ أَبي أميةَ حذيفةَ المخزومية ﵂: أنَّ النَّبيّ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ، قَالَ: «بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أضِلَّ","vol":"1","page":76},{"text":"أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» حديثٌ صحيح، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحةٍ. قَالَ الترمذي: ... (حديث حسن صحيح) . وهذا لفظ أبي داود.\n\n[٨٣] العاشر: عن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ قَالَ ... - يَعْني: إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ -: بِسمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ، يُقالُ لَهُ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيطَانُ» . رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. وَقالَ الترمذي: (حديث حسن)، زاد أبو داود: «فيقول - يعني: الشيطان - - لِشيطان آخر: كَيفَ لَكَ بِرجلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟» .\n\nمعنى «لا حول ولا قوَّة إلا بالله»، أي: لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله. ولا قوَّة على الطاعات إلا بالله.\nورُوي عن ابن مسعود قال: كنت عند رسول الله - ﷺ - فقلتها. فقال: «تدري ما تفسيرها؟»، قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «لا حول عن معصية الله، ولا قوَّة على طاعة الله إلا بمعونة الله» . أخرجه البزّار.\nقال بعض العلماء: ولعل تخصيصه بالطاعة والمعصية؛ لأنهما أمران مهمان في الدين.","vol":"1","page":77},{"text":"[٨٤] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: كَانَ أَخَوانِ عَلَى عهد النَّبيّ - ﷺ - وَكَانَ أحَدُهُمَا يَأتِي النَّبيَّ - ﷺ - وَالآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أخَاهُ للنبي - ﷺ -، فَقَالَ: «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ» . رواه الترمذي بإسناد صحيحٍ عَلَى شرطِ مسلم.\n«يحترِف»: يكتسب ويتسبب.\n\nفي الحديث: تنبيهٌ على أنَّ من انقطع إلى الله كفاه مهماته.\nوأنَّ العبدَ يُرزق بغيره، كما في الحديث الآخر: «وهل ترزقون - أو قال: تنصرون - إلا بضعفائكم» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>٨- باب الاستقامة</span>\n\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود (١١٢)] .\n\nأي: استقم على دين ربك، والعمل به، والدعاء إليه.\nوالاستقامة: هي لزوم المنهج المستقيم.\nقال عمر ﵁: الاستقامة: أنْ تقوم على الأمر والنهي، ولا تروغ عنه روغان الثعلب.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت (٣٠: ٣٢)] .","vol":"1","page":78},{"text":"يخبر تعالى أنَّ من وحَّده واستقام على طاعته أنه آمن عند الموت ويوم القيامة، وأنَّ جزاءه الجنة. وقوله: ﴿نزلًا﴾ أي: رزقًا مهيَّأً.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف (١٣، ١٤)] .\n\nأي: استقاموا على التوحيد، واتباع الكتاب والسنة.\n\n[٨٥] وعن أبي عمرو، وقيل: أبي عَمرة سفيان بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، قُلْ لي في الإسْلامِ قَولًا لا أسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ. قَالَ: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِمْ» . رواه مسلم.\n\nهذا الحديث جمع معاني الإِسلام والإِيمان كلها، وهو على وفاق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ .\nقال بعض العارفين: مرجع الاستقامة إلى أمرين:\n* صحة الإيمان بالله.\n* واتباع ما جاء به رسول الله ظاهرًا وباطنًا.\nوقد قال النبي - ﷺ -: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» .\n\n[٨٦] وعن أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بعَمَلِهِ» قالُوا: وَلا","vol":"1","page":79},{"text":"أَنْتَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «وَلا أنا إلا أنْ يَتَغَمَّدَني الله برَحمَةٍ مِنهُ وَفَضْلٍ» . رواه مسلم.\nوَ«المُقَاربَةُ»: القَصدُ الَّذِي لا غُلُوَّ فِيهِ وَلا تَقْصيرَ، وَ«السَّدادُ»: الاستقامة والإصابة. وَ«يتَغَمَّدني»: يلبسني ويسترني.\nقَالَ العلماءُ: مَعنَى الاستقامَةِ لُزُومُ طَاعَةِ الله تَعَالَى، قالوا: وهِيَ مِنْ جَوَامِعِ الكَلِم، وَهِيَ نِظَامُ الأُمُورِ؛ وبِاللهِ التَّوفِيقُ.\n\nفي هذا الحديث: دلالةٌ على أنه ليس أحد من الخلْق يقدر على توفية حق الربوبية. لقوله - ﷺ -: «ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمة منه وفضل» .\nولكن الأعمال سببٌ لدخول الجنة. كما قال تعالى: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل (٣٢)]، والتوفيق للأعمال الصالحة من فضل الله ورحمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٩- باب التفكير في عظيم مخلوقات الله تَعَالَى</span>\nوفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورهما وتقصير النفس\nوتهذيبها وحملها عَلَى الاستقامة\n\nالتفكر في المخلوقات: كالعرش، والكرسي، والسماء والأرض يدل على كمال الخالق وعظمته.\nوفي الحديث: «ما السماء والأرض، وما بينهما في العرش إلا كحلقة أُلْقيتْ في فلاة من الأرض»، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر (٦٧)] .","vol":"1","page":80},{"text":"والتفكُّر في فناء الدنيا: يبعثه على الزهد فيها، والإِقبال على الآخرة.\nوالتفكُّر في أهوال الآخرة: يبعثه على فعل الطاعات، وترك المنهيات، وتقصير أمل النفس بذكر الموت، وتهذيبها من الأخلاق السيئة.\nوحملها على الاستقامة يورثها العز في الدنيا والآخرة.\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ (٤٦)] .\n\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين أنك مجنون: إنما أعظكم آمركم وأوصيكم بواحدة، هي: أن تقوموا لله من غير هوى ولا عصيبة مثنى وفرادى، أي: اثنين اثنين، وواحدًا واحدًا. ثم تتفكروا جميعًا في حال محمد - ﷺ - فتعلموا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ الآيات [آل عمران (١٩٠، ١٩١)] .\nالتفكر في المخلوقات أفضل العبادات.\nوفي بعض الآثار بينما رجلٌ مستلق على فراشه إذْ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم، فقال: «أشهد أن لك ربًّا وخالقًا اللَّهُمَّ اغفر لي» فنظر الله إليه فغفر له.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية (١٧: ٢١)] .","vol":"1","page":81},{"text":"يحثُّ تعالى على النظر إلى أنواع المخلوقات الدالة على وحدانيته، واقتداره على الخلق، والبعث، وغير ذلك، وخُصَّت هذه الأربع من بين المخلوقات، لأنها ظاهرة لكل أحد، وخُصَّت الإبل من بين المركوبات لأنها أعجب ما عند العرب.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ الآية [محمد (١٠)] .\n\nيحثُّ تعالى على المسير في الأرض، فينظروا آثار الأمم قبلهم واضمحلالهم بعد وجودهم، وكمال قوتهم، فيعلمون أنَّ الحيّ القيُّوم هو الله وأنَّ غيره فانٍ فلا يركنوا إلى الدنيا ولا يغترُّوا بها.\nوالآيات في الباب كثيرة.\nومن الأحاديث الحديث السابق: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ» .\n\nلفظ الحديث: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ من أتْبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني» .\nمعنى دان نفسه: حاسبها. فإنَّ محاسبته لها وعدم تركها هملًا إنما ينشأ عن تفكُّره في الدنيا وزوالها، وفي نفسه وانتقالها، كأنك بالدنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل، فيحاسب نفسه فيمنعها عمّا لا ينبغي، ويحملها على ما ينبغي. وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>١٠- باب المبادرة إلى الخيرات</span>\nوحثِّ من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات﴾ [البقرة (١٤٨)] .\n\nأي سارعوا إليها قبل فواتها.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران (١٣٣)] .","vol":"1","page":82},{"text":"يقول تعالى: بادروا إلى مغفرة من ربكم أعمال توجب المغفرة، كالإسلام، والتوبة، وأداء الفرائض، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وخصَّ العرض بالذكر؛ لأنَّ طول كل شيء غالبًا أكثر من عرضه، وأما طولها فلا يعلمه إلا الله.\nوأما الأحاديث:\n\n[٨٧] فالأولُ: عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «بَادِرُوا بِالأعْمَال فتنًا كقطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤمِنًا ويُصبحُ كَافِرًا، يَبيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: الحث على اغتنام الأعمال الصالحة قبل ظهور ما يمنعها.\n\n[٨٨] الثَّاني: عن أبي سِروْعَة - بكسر السين المهملة وفتحها - عُقبةَ بن الحارث - ﵁ - قَالَ: صَلَّيتُ وَرَاءَ النَّبيّ - ﷺ - بالمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيهمْ، فَرأى أنَّهمْ قَدْ عَجبُوا مِنْ سُرعَتهِ، قَالَ: «ذَكَرتُ شَيئًا مِنْ تِبرٍ عِندَنَا فَكَرِهتُ أنْ يَحْبِسَنِي فَأمَرتُ بِقِسْمَتِهِ» . رواه البخاري.\nوفي رواية لَهُ: «كُنتُ خَلَّفتُ في البَيْتِ تِبرًا مِنَ الصَّدَقةِ فَكَرِهتُ أنْ أُبَيِّتَهُ» . «التِّبْرُ»: قِطَعُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.","vol":"1","page":83},{"text":"في هذا الحديث: المبادرة لأداء القُرُبات، وفعل الخيرات.\n\n[٨٩] الثالث: عن جابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رجل للنبي - ﷺ - يَومَ أُحُد: أَرَأيتَ إنْ قُتِلتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: «في الجنَّةِ» فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ في يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: المبادرة إلى الخير، والمسارعة إليه.\nوفيه: ما كان الصحابة عليه من حب نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة ابتغاء مرضاة الله وثوابه.\n\n[٩٠] الرابع: عن أبي هريرة - ﵁ -، قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رسولَ الله، أيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْرًَا؟ قَالَ: «أنْ تَصَدَّقَ وَأنتَ صَحيحٌ\nشَحيحٌ، تَخشَى الفَقرَ وتَأمُلُ الغِنَى، وَلا تُمهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغتِ الحُلقُومَ قُلْتَ لِفُلان كذا ولِفُلانٍ كَذا، وقَدْ كَانَ لِفُلانٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«الحُلقُومُ»: مَجرَى النَّفَسِ. وَ«المَرِيءُ»: مجرى الطعامِ والشرابِ.\n\nفي هذا الحديث: فضل الصدقة في حال الصحة.\nوروى أبو داود وغيره عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لأن يتصدَّق المرءُ في حياته بدرهم خير له من أنْ يتصدق بمئة عند موته» .","vol":"1","page":84},{"text":"[٩١] الخامس: عن أنس - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - أخذ سيفًا يَومَ أُحُدٍ، فَقَالَ: «مَنْ يَأخُذُ منِّي هَذَا؟» فَبَسطُوا أيدِيَهُمْ كُلُّ إنسَانٍ مِنْهُمْ يقُولُ: أَنَا أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ يَأخُذُهُ بحَقِّه؟» فَأَحْجَمَ القَومُ فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ - ﵁ -: أنا آخُذُهُ بِحَقِّهِ، فأخذه فَفَلقَ بِهِ هَامَ المُشْرِكِينَ. رواه مسلم.\nاسم أبي دجانةَ: سماك بن خَرَشة. قوله: «أحجَمَ القَومُ»: أي توقفوا. وَ«فَلَقَ بِهِ»: أي شق. «هَامَ المُشرِكينَ»: أي رُؤُوسَهم.\n\nفي هذا الحديث: المبادرة إلى قتال المشركين بالجد إذا أمكن ذلك.\nوفي بعض السير عن الزبير قال: وجدت في نفسي حين سألت النبي - ﷺ - السيف فَمُنِعْتُهُ، وأعطاه أبا دجانة، فقلت: والله لأنظرن ما يصنع فاتّبعته، فأخذ عصابة حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. فخرج وهو يقول:\nأنا الذي عاهدني خليلي ...؟؟ ... ونحن بالسفح لدى النخيل ...؟؟؟\nأَلا أقوم الدهر في الكيول ...؟؟ ... أضرب بسيف الله والرسول ...؟؟\n\nفجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله.\n\n[٩٢] السادس: عن الزبير بن عدي، قَالَ: أتينا أنسَ بن مالك - ﵁ - فشكونا إِلَيْه مَا نلقى مِنَ الحَجَّاجِ. فَقَالَ: «اصْبرُوا؛ فَإنَّهُ لا يَأتي عَلَيْكُم زَمَانٌ إلا والَّذِي بَعدَهُ شَرٌّ مِنهُ حَتَّى تَلقَوا رَبَّكُمْ» سَمِعتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ - ﷺ -. رواه البخاري.","vol":"1","page":85},{"text":"في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يبادر لصالح الأعمال وإن لحقته المتاعب والمشاق، ولا يترقب الخلو عن ذلك.\nقال الشاعر:\nيا زمان بكيت منه، فلما ...؟؟ ... صرت في غيرِه بكيتُ عليه ...؟؟؟\n\nقال بعض العلماء: الوقت سيف إن لم تقطعه بصالح العمل ذهب عليك بلا فائدة. فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه.\n\n[٩٣] السابع: عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رَسُول الله - ﷺ -، قَالَ: «بادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إلا فَقرًا مُنسيًا، أَوْ غِنىً مُطغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفْندًا، أَوْ مَوتًا مُجْهزًا، أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ فالسَّاعَةُ أدهَى وَأَمَرُّ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حديث حسن) .\nفي هذه الحديث: الحث على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل الموانع الطارئة.\n\n[٩٤] الثامن: عَنْهُ: أن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يَومَ خيبر: «لأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَفتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيهِ» . قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: مَا أحبَبْتُ الإِمَارَة إلا يَومَئِذٍ، فَتَسَاوَرتُ لَهَا رَجَاءَ أنْ أُدْعَى لَهَا، فَدَعا رسولُ الله - ﷺ - عليّ بن أبي طالب - ﵁ - فَأعْطَاهُ إيَّاهَا، وَقالَ: «امْشِ وَلا تَلتَفِتْ حَتَّى يَفتَح اللهُ عَلَيكَ» . فَسَارَ عليٌّ شيئًا ثُمَّ وَقَفَ ولم يلتفت فصرخ: يَا رَسُول الله، عَلَى ماذا أُقَاتِلُ النّاسَ؟ قَالَ: «قاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إله إلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمدًا رسولُ الله، فَإِذَا","vol":"1","page":86},{"text":"فَعَلُوا ذلك فقَدْ مَنَعوا مِنْكَ دِمَاءهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بحَقِّهَا، وحسَابُهُمْ عَلَى الله» . رواه مسلم.\n«فَتَسَاوَرْتُ» هُوَ بالسين المهملة: أي وثبت متطلعًا.\n\nفي هذا الحديث: الحث على المبادرة إلى ما أمر به، والأخذ بظاهر الأمر وترك الوجوه المحتملات إذا خالفت الظاهر لأنَّ عليَّا وقف ولم يلتفت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>١١- باب المجاهدة</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِينَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت (٦٩)] .\n\nالمجاهدة: مفاعلة من الجهد، فإن الإنسان يجاهد نفسه باستعمالها فيما ينفعها، وهي تجاهده بضد ذلك.\nقال بعض العلماء: جهاد النفس هو الجهاد الأكبر. وجهاد العدو هو الجهاد الأصغر.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل (٨)]: أي: انْقَطِعْ إِلَيْه.\n\nيقول تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، أي: أكثر من ذكره، وأخلِص واجتهد في وقت فراغك.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر (٩٩)] .\n\nأي: الموت\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة (٧)] .\n\nفي هذا الآية تشويق لتقديم العمل الصالح بين يديه ليجد ثوابه عند قدومه على ربه.","vol":"1","page":87},{"text":"وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل (٢٠)] .\n\nأي ما أخرجتم لله خير لكم وأعظم أجرًا عند الله مما ادخرتم.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة (٢٧٣)] .\nيعني: فيجزيكم بخير منه.\nوالآيات في الباب كثيرة معلومة.\nوأما الأحاديث:\n[٩٥] فالأول: عن أبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ الله تَعَالَى قَالَ: مَنْ عادى لي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدي بشَيءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حَتَّى أحِبَّهُ، فَإذَا أَحبَبتُهُ كُنْتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشي بِهَا، وَإنْ سَأَلَني لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ» . رواه البخاري.\n«آذَنتُهُ»: أعلمته بأني محارِب لَهُ. «اسْتَعَاذَني» روي بالنون وبالباءِ.\n\nالولي: مَنْ تولى الله بالطاعة والتقوى، فإنَّ الله يتولاه بالحفظ والنصرة.\nوفي الحديث: الوعيد الشديد لمن عادى وليًّا من أجل طاعته لله ﷿.\nوأنَّ أحب العبادة إلى الله أداء فرائضه.\nوأنَّ من تقرَّب إلى الله بالنوافل أحبه، ونصره، وحفظه، وأجاب دعاءه، ورقاه من درجة الإِيمان إلى درجة الإِحسان، فلا ينطقُ بما يسخط الله، ولا تُحَرَّك جوارحه في معاصي الله.","vol":"1","page":88},{"text":"[٩٦] الثاني: عن أنس - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - فيما يرويه عن ربّه - ﷿ - قَالَ:\n«إِذَا تَقَربَ العَبْدُ إلَيَّ شِبْرًا تَقَربْتُ إِلَيْه ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَربْتُ مِنهُ بَاعًا، وِإذَا أتَانِي يَمشي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» . رواه البخاري.\n\nمعنى هذا الحديث: أنَّ من تقرَّب إلى الله بشيء من الطاعات ولو قليلًا قابله الله بأضعاف من الإِثابة والإِكرام، وكلما زاد في الطاعة زاده في الثواب، وأسرع برحمته وفضله.\n[٩٧] الثالث: عن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «نِعْمَتَانِ مَغبونٌ فيهما كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالفَرَاغُ» . رواه. البخاري.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ من لم يعمل في فراغه وصحته فهو مغبون. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن (٩)] .\nوفي الحديث: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك» .\n\n[٩٨] الرابع: عن عائشة ﵂: أنَّ النَّبيّ - ﷺ - كَانَ يقُومُ مِنَ اللَّيلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَصنَعُ هَذَا يَا رسولَ الله، وَقدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلا أُحِبُّ أنْ أكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، هَذَا لفظ البخاري.\nونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة.","vol":"1","page":89},{"text":"في هذا الحديث: أَخْذُ الإِنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإنْ أضرَّ ذلك ببدنه إذا لم يفض به إلى الملل. قال النبي - ﷺ -: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملوا» .\nوفيه: أنَّ الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان.\n[٩٩] الخامس: عن عائشة ﵂، أنَّها قَالَتْ: كَانَ رَسُول الله - ﷺ - إِذَا دَخَلَ العَشْرُ أَحْيَا اللَّيلَ، وَأيْقَظَ أهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ المِئْزَر. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوالمراد: العشر الأواخر مِنْ شهر رمضان. و«المِئْزَرُ»: الإزار، وَهُوَ كناية عن اعتزالِ النساءِ. وقيلَ: المُرادُ تَشْمِيرُهُ للِعِبَادةِ، يُقالُ: شَدَدْتُ لِهَذَا الأمْرِ مِئْزَري: أي تَشَمَّرْتُ وَتَفَرَّغْتُ لَهُ.\n\nفي هذا الحديث: الجِدُّ والاجتهاد في العبادة، خصوصًا في الأوقات الفاضلة، واغتنام صالح العمل في العشر الأواخر من رمضان؛ لأنَّ فيها ليلة خير من ألف شهر.\n\n[١٠٠] السادس: عن أبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعيفِ وَفي كُلٍّ خَيرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللهِ وَلا تَعْجَزْ. وَإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلا تَقُلْ لَوْ أنّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعلَ؛ فإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ» . رواه مسلم.\n\nالمؤمنُ القوي، هو من يقوم بالأوامر ويترك النواهي بقوة ونشاط، ويصبر على مخالطة الناس ودعوتهم، ويصبر على أذاهم.","vol":"1","page":90},{"text":"وفي الحديث: الأمر بفعل الأسباب والاستعانة بالله.\nوفيه: التسليم لأمر الله، والرضا بقدر الله.\n[١٠١] السابع: عَنْهُ: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «حُجِبَتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ، وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية لمسلم: «حُفَّتْ» بدل «حُجِبَتْ» وَهُوَ بمعناه: أي بينه وبينها هَذَا الحجاب فإذا فعله دخلها.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ الجنة لا تُنال إلا بالصبر على المكاره، وأنَّ النَّار لا يُنْجَى منها إلا بفطام النفس عن الشهوات المحرمة.\n\n[١٠٢] الثامن: عن أبي عبد الله حُذَيفَةَ بنِ اليمانِ ﵄، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيّ - ﷺ - ذَاتَ لَيلَةٍ فَافْتَتَحَ البقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المئَةِ، ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا في ركعَة فَمَضَى، فقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقرَأُ مُتَرَسِّلًا: إِذَا مَرَّ بآية فِيهَا تَسبيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ» فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ثُمَّ قَامَ قِيامًا طَويلًا قَريبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَكَانَ سُجُودُهُ قَريبًا مِنْ قِيَامِهِ. رواه مسلم.","vol":"1","page":91},{"text":"في هذا الحديث: فضلُ تطويل صلاة الليل، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ الزمر (٩)] .\n[١٠٣] التاسع: عن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيّ - ﷺ - لَيلَةً، فَأَطَالَ القِيامَ حَتَّى هَمَمْتُ بأمْرِ سُوءٍ! قيل: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أنْ أجْلِسَ وَأَدَعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: أنه ينبغي الأدب مع الأئمة، بأن لا يخالفوا بقول، ولا فعل مالم يكن حرامًا، فإن مخالفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السيء.\n\n[١٠٤] العاشر: عن أنس - ﵁ - عن رَسُول الله - ﷺ -، قَالَ: «يَتْبَعُ المَيتَ ثَلاَثَةٌ: أهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَملُهُ، فَيَرجِعُ اثنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ: يَرجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبقَى عَملُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: الحث على تحسين العمل ليكون أنيسه في قبره.\n\n[١٠٥] الحادي عشر: عن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبيّ - ﷺ -: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثلُ ذلِكَ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: الترغيب في قليل الخير وإن قلَّ، والترهيب عن قليل الشر وإن قل. وأنَّ الطاعة مقَّربة إلى الجنة، والمعصية مقرَّبة إلى النار، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة (٧، ٨)]\n\nفي هذا الحديث: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله يرفعه الله بها","vol":"1","page":92},{"text":"درجات، وأن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب.\n[١٠٦] الثاني عشر: عن أبي فِراسٍ ربيعةَ بنِ كعبٍ الأسلميِّ خادِمِ رَسُول الله - ﷺ -، ومن أهلِ الصُّفَّةِ - ﵁ -، قَالَ: كُنْتُ أبِيتُ مَعَ رسولِ الله - ﷺ - فآتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ: «سَلْنِي» فقُلْتُ: اسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ. فَقَالَ: «أَوَ غَيرَ ذلِكَ»؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: الحث على الإكثار من الصلاة، وأنه يوجب القرب من الله تعالى، ومرافقة النبي - ﷺ - في الجنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾\n[النساء (٦٩)]، وقال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق (١٩)] .\n\n[١٠٧] الثالث عشر: عن أبي عبد الله، ويقال: أَبُو عبد الرحمن ثوبان - مولى رَسُول الله - ﷺ - - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: ... «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ للهِ سَجْدَةً إلا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرجَةً، وَحَطَّ عَنكَ بِهَا خَطِيئةً» . رواه مسلم.\n\nسبب رواية ثوبان لهذا الحديث: أن معدان بن طلحة قال: أتيت ثوبان فقلت: أخبرني بعمل أعمل به يدخلني الله به الجنة؟ - أو قال بأحب الأعمال إلى الله - فسكتَ، ثم سأله، فسكت، ثم سأله الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: «عليك بكثرة السجود ...» . الحديث.\nوفي آخره: فلقيت أبا الدرداء فسألته، فقال لي مثل ما قال ثوبان.","vol":"1","page":93},{"text":"[١٠٨] الرابع عشر: عن أَبي صَفوان عبد الله بنِ بُسْرٍ الأسلمي - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «خَيرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .\n«بُسْر» بضم الباء وبالسين المهملة.\n\nفي هذا الحديث: فضلُ طول العمر إذا أُحسن فيه العمل.\nوفي بعض الروايات: «وشركم من طال عمره وساء عمله» .\n\n[١٠٩] الخامس عشر: عن أنس - ﵁ -، قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ - ﵁ - عن قِتالِ بدرٍ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله، غِبْتُ عَنْ أوّل قِتال قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِن اللهُ أشْهَدَنِي قِتَالَ المُشركِينَ لَيُرِيَنَّ اللهُ مَا أصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ انْكَشَفَ المُسْلِمونَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاءِ - يعني: أصْحَابهُ - وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاءِ - - يَعني: المُشركِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلهُ سَعدُ بْنُ مُعاذٍ، فَقَالَ: يَا سعدَ بنَ معاذٍ، الجَنَّةُ وربِّ الكعْبَةِ إنِّي أجِدُ ريحَهَا منْ دُونِ أُحُدٍ. قَالَ سعدٌ: فَمَا اسْتَطَعتُ يَا رسولَ الله مَا صَنَعَ!\nقَالَ أنسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمانينَ ضَربَةً بالسَّيفِ، أَوْ طَعْنةً بِرمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَمَثَّلَ بِهِ المُشْرِكونَ فما عَرَفهُ أَحَدٌ إلا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ.","vol":"1","page":94},{"text":"قَالَ أنس: كُنَّا نَرَى أَوْ نَظُنُّ أن هذِهِ الآية نزلت فِيهِ وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب (٢٣)] إِلَى آخِرها. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقوله: «لَيُرِيَنَّ اللهُ» روي بضم الياء وكسر الراء: أي لَيُظْهِرَنَّ اللهُ ذلِكَ للنَّاس، وَرُويَ بفتحهما ومعناه ظاهر، والله أعلم.\n\nفي هذا الحديث: جواز الأخذ بالشدة في الجهاد وبذل المرء نفسه في طلب الشهادة، والوفاء بالعهد.\n\n[١١٠] السادس عشر: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري - ﵁ - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيءٍ كَثيرٍ، فقالوا: مُراءٍ، وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فقالُوا: إنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا! فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة (٧٩)] . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَ«نُحَامِلُ» بضم النون وبالحاء المهملة: أي يحمل أحدنا عَلَى ظهره بالأجرة ويتصدق بِهَا.\n\nقوله: (لما نزلت آية الصدقة) قال الحافظ: كأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ الآية [التوبة (١٠٣)] .\nقوله: «وجاء رجل فتصدَّق بصاع»، وكان تحصيله له بأن أجّر نفسه على النزع من البئر بصاعين من تمر، فذهب بصاع لأهله وتصدَّق بالآخر.\nوفي هذا: أنَّ العبد يتقرب إلى الله بجهده وطاقته، وحسب قدرته واستطاعته.","vol":"1","page":95},{"text":"[١١١] السابع عشر: عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أَبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر جندب بن جُنادة - ﵁ -، عن النَّبيّ - ﷺ - فيما يروي عن اللهِ ﵎، أنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُلْمَ عَلَى نَفْسي وَجَعَلْتُهُ بيْنَكم مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا.\nيَا عِبَادي، كُلُّكُمْ ضَالّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاستَهدُوني أهْدِكُمْ.\nيَا عِبَادي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلا مَنْ أطْعَمْتُهُ فَاستَطعِمُوني أُطْعِمْكُمْ.\nيَا عِبَادي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُهُ فاسْتَكْسُونِي أكْسُكُمْ.\nيَا عِبَادي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيلِ وَالنَّهارِ وَأَنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُوني أغْفِرْ لَكُمْ.\nيَا عِبَادي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفعِي فَتَنْفَعُوني. يَا عِبَادي، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ في مُلكي شيئًا.\nيَا عِبَادي، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذلِكَ من مُلكي شيئًا.\nيَا عِبَادي، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُوني فَأعْطَيتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْألَتَهُ مَا نَقَصَ ذلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلا كما يَنْقصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ.\nيَا عِبَادي، إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيرًا فَلْيَحْمَدِ الله وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ» .\nقَالَ سعيد: كَانَ أَبُو إدريس إِذَا حَدَّثَ بهذا الحديث جَثا عَلَى رُكبتيه.","vol":"1","page":96},{"text":"رواه مسلم.\nوروينا عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀، قَالَ: لَيْسَ لأهل الشام حديث أشرف من هَذَا الحديث.\nهذا حديث جليل شريف، وهو من الأحاديث القدسية التي يرويها النبي - ﷺ - عن الله ﷿.\nوفي هذا الحديث: قبح الظلم وأن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم.\nوأنَّ الله تعالى يحب أن يسأله العباد ويستغفروه.\nوأنَّ ملكه لا يزيد بطاعة الخلق ولا ينقص بمعصيتهم.\nوأن خزائنه لا تنفذ ولا تنقص.\nوأن ما أصاب العبد من خير فمن فضل الله تعالى، وما أصابه من شر فمن نفسه وهواه.\nوهو مشتمل على قواعد عظيمة في أصول الدين وفروعه وآدابه، وغير ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>١٢- باب الحث عَلَى الازدياد من الخير في أواخر العمر</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر (٣٧)] .\nقَالَ ابن عباس والمُحَقِّقُونَ: أَو لَمْ نُعَمِّرْكُمْ سِتِّينَ سَنَةً؟ وَيُؤَيِّدُهُ الحديث الَّذِي سنذْكُرُهُ إنْ شاء الله تَعَالَى، وقيل: معناه ثماني عَشْرَة سَنَةً، وقيل: أرْبَعينَ سَنَةً، قاله الحسن والكلبي ومسروق ونُقِلَ عن ابن عباس أيضًا. وَنَقَلُوا أنَّ أَهْلَ المدينَةِ كانوا إِذَا بَلَغَ أَحَدُهُمْ أربْعينَ سَنَةً تَفَرَّغَ للعِبادَةِ، وقيل: هُوَ البُلُوغُ.\nوقوله تَعَالَى: ﴿وجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ قَالَ ابن عباس والجمهور:","vol":"1","page":97},{"text":"هُوَ النَّبيّ - ﷺ -، وقيل: الشَّيبُ، قاله عِكْرِمَةُ وابن عُيَيْنَة وغيرهما. والله أعلم.\n\nقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر (٣٧)] .\nهذا توبيخ من الله تعالى لأهل النار. يقول: أَوَ مَا عشتم في الدنيا أعمارًا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم.\nقال قتادة: اعلموا أنَّ طول العمر حجَّة، فنعوذ بالله أنْ نُعيَّر بطول العمر، قد نزلت هذه الآية: ﴿أَوَ لَم نُعَمِركُم مَّا يَتَذَكَّرُ﴾، وأنَّ فيهم لابن ثماني عشرة سنة.\nوعن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله تعالى فيه: ﴿أَوَ لَم نُعَمِركُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيِه مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ .\nوقال الشاعر:\nإذا بلغ الفتى ستين عامًا ...؟؟ ... فقد ذهب المسرة والفتاء ...؟؟؟\nوعن قتادة: ﴿وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ احتج عليهم بالعمر والرسل.\nوقرأ عبد الرحمن بن زيد: ﴿هَذَا نَذِيُرُ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ .\nوالشيب، نذير أيضًا؛ لأنه يأتي في سن الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سِنِّ الصبا الذي هو سِنُّ اللهو واللعب. قال الشاعر:\nرأيت الشيب من نذر المنايا ...؟؟ ... لصاحبه وحسبك من نذير ...؟؟؟","vol":"1","page":98},{"text":"[١١٢] وأما الأحاديث فالأول: عن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «أعْذَرَ الله إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً» . رواه البخاري.\nقَالَ العلماء: معناه لَمْ يَتْرُكْ لَهُ عُذرًا إِذْ أمْهَلَهُ هذِهِ المُدَّةَ. يقال: أعْذَرَ الرجُلُ إِذَا بَلَغَ الغايَةَ في العُذْرِ.\n\nالمعنى: أنَّ الله تعالى لم يُبْقِ للعبد اعتذارًا. كأن يقول: لو مُدَّ لي في الأجل لفعلت ما أُمرت به. فينبغي له الاستغفار والطاعة، والإقبال على الآخرة بالكلية.\n\n[١١٣] الثاني: عن ابن عباس ﵄، قَالَ: كَانَ عمر - ﵁ - يُدْخِلُنِي مَعَ أشْيَاخِ بَدرٍ فكأنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ في نفسِهِ، فَقَالَ: لِمَ يَدْخُلُ هَذَا معنا ولَنَا أبْنَاءٌ مِثلُهُ؟! فَقَالَ عُمَرُ: إنَّهُ منْ حَيثُ عَلِمْتُمْ! فَدعانِي ذاتَ يَومٍ فَأدْخَلَنِي مَعَهُمْ فما رَأيتُ أَنَّهُ دعاني يَومَئذٍ إلا لِيُرِيَهُمْ، قَالَ: مَا تقُولُون في قولِ الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ [النصر: ١] .\nفَقَالَ بعضهم: أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نَصَرنَا وَفَتحَ عَلَيْنَا، وَسَكتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيئًا. فَقَالَ لي: أَكَذلِكَ تقُول يَا ابنَ عباسٍ؟ فقلت: لا. قَالَ: فما تقول؟ قُلْتُ: هُوَ أجَلُ رَسُول الله - ﷺ - أعلَمَهُ لَهُ، قَالَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامةُ أجَلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر (٣)] .\nفَقَالَ عمر - ﵁ -: مَا أعلم مِنْهَا إلا مَا تقول. رواه البخاري.","vol":"1","page":99},{"text":"في هذا الحديث: فضل ابن عباس وسِعة علمه، وكمال فهمه، وتأثير لإجابة دعوة النبي - ﷺ - أنْ يفقٌهه الله في الدين، ويعلمه التأويل.\nفكم من صغير لاحظته عناية ...؟؟ ... من الله فاحتاجت إليه الأكابر ...؟؟؟\n\n[١١٤] الثالث: عن عائشة ﵂، قَالَتْ: مَا صلّى رَسُول الله - ﷺ - صلاةً بَعْدَ أنْ نَزَلتْ عَلَيهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول فِيهَا: «سُبحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية في الصحيحين عنها: كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يُكْثِرُ أنْ يقُولَ في ركُوعِه وسُجُودهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»، يَتَأوَّلُ القُرآنَ.\nمعنى: «يَتَأَوَّلُ القُرآنَ» أي يعمل مَا أُمِرَ بِهِ في القرآن في قوله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ .\nوفي رواية لمسلم: كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يُكثِرُ أنْ يَقُولَ قَبلَ أنْ يَمُوتَ:\n«سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ أسْتَغْفِرُكَ وَأتُوبُ إلَيْكَ» . قَالَتْ عائشة:\nقُلْتُ: يَا رَسُول الله، مَا هذِهِ الكَلِماتُ الَّتي أرَاكَ أحْدَثْتَها تَقُولُهَا؟ قَالَ: «جُعِلَتْ لي عَلامَةٌ في أُمَّتِي إِذَا رَأيْتُها قُلتُها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ ... إِلَى آخِرِ السورة.\nوفي رواية لَهُ: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يُكثِرُ مِنْ قَولِ: «سبْحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ أسْتَغفِرُ اللهَ وأتُوبُ إِلَيْهِ» . قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، أَراكَ تُكثِرُ مِنْ قَولِ سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدهِ أسْتَغْفِرُ اللهَ وأتُوبُ إِلَيْه؟ فَقَالَ: «أخبَرَني رَبِّي أنِّي سَأرَى عَلامَةً في أُمَّتي فإذا رَأيْتُها أكْثَرْتُ مِنْ قَولِ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمدهِ أسْتَغْفرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْه فَقَدْ رَأَيْتُهَا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكّة، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي","vol":"1","page":100},{"text":"دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾» .\n\nفي هذا الحديث: مواظبته - ﷺ - على التسبيح والتحمد والاستغفار في ركوعه وسجوده، وأشرف أوقاته وأحواله.\nوفيه: خضوعه - ﷺ - لربه وانطراحه بين يديه، ورؤية التقصير في أداء مقام العبودية، وحق الربوبية.\nوفيه: الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر.\n\n[١١٥] الرابع: عن أنس - ﵁ - قَالَ: إنَّ اللهَ - ﷿ - تَابَعَ الوَحيَ عَلَى ... رسولِ الله - ﷺ - قَبلَ وَفَاتهِ حَتَّى تُوُفِّيَ أكْثَرَ مَا كَانَ الوَحْيَ عَلَيِّه. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nالحِكمة في كثرة الوحي عند وفاته - ﷺ -، لتكمل الشريعة فلا يبقى مما يوحى إليه بشيء. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة (٣)] .\nوكان خلقه - ﷺ - القرآن يعمل بما فيه.\n\n[١١٦] الخامس: عن جابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: تحريضٌ للإِنسان على حسن العمل، وملازمة الهَدْي المحمدي في سائر الأحوال، والإِخلاص لله تعالى في الأقوال والأعمال، ليموت على تلك الحالة الحميدة فيُبعث كذلك، وبالله التوفيق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>١٣- باب في بيان كثرة طرق الخير</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة (٢١٥)] .","vol":"1","page":101},{"text":"فيجزيكم عليه.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ [البقرة (١٩٧)] .\n\nفلا يُضيِّعه.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة (٧)] .\n\nيعني: يرى جزاءه في الآخرة.\nقال سعيد بن جبير: كان المسلمون يَرَوْن أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، وكان آخرون يَرون أنْ لا يُلامون على الذنب اليسير: الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأشباهها. فنزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة (٧، ٨)] .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية (١٥)] .\nوالآيات في الباب كثيرة.\n\nكقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل (٩٧)] وغيرها.\nوأما الأحاديث فكثيرة جدًا وهي غيرُ منحصرةٍ فنذكُرُ طرفًا مِنْهَا:\n\n[١١٧] الأول: عن أبي ذر جُنْدبِ بنِ جُنَادَةَ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، أيُّ الأعمالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «الإيمانُ باللهِ وَالجِهادُ في ... سَبيلِهِ» . قُلْتُ: أيُّ الرِّقَابِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «أنْفَسُهَا عِنْدَ أهلِهَا وَأكثَرهَا ثَمَنًا» . قُلْتُ: فإنْ لَمْ أفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ» . قُلْتُ: يَا رَسُول الله، أرأيْتَ إنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ العَمَلِ؟ قَالَ: ... «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فإنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» . مُتَّفَقٌ عليه.","vol":"1","page":102},{"text":"«الصَّانِعُ» بالصاد المهملة هَذَا هُوَ المشهور، وروي «ضائعًا» بالمعجمة: أي ذا ضِياع مِنْ فقرٍ أَوْ عيالٍ ونحوَ ذلِكَ، «وَالأَخْرَقُ»: الَّذِي لا يُتقِنُ مَا يُحَاوِل فِعلهُ.\nفي هذا الحديث: بيان كثرة طرق الخير، وأن الإنسان إذا عجز عن خصلة من خصال الخير قدر على الأُخرى، فإذا عجز عن ذلك كفَّ شرّه عن الناس. وما لا يُدرك كلّه لا يترك جُلُّه.\n\n[١١٨] الثاني: عن أبي ذر أيضًا - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «يُصْبحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى منْ أَحَدِكُمْ صَدَقةٌ: فَكُلُّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحمِيدةٍ صَدَقَة، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأمْرٌ بِالمعرُوفِ صَدَقةٌ، ونَهيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقةٌ، وَيُجزئُ مِنْ ذلِكَ رَكْعَتَانِ يَركَعُهُما مِنَ الضُّحَى» .\nرواه مسلم.\n«السُّلامَى» بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل.\n\nقال في القاموس: المفاصل: مفاصل الأعضاء، الواحد منها كَمَنْزِلٍ. والمِفْصَلُ: كمِنْبَرٍ. اللسان.\nوفي هذا الحديث: فضيلة التسبيح وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنَّ الصدقة تكون بغير المال من جميع أنواع فعل المعروف والإِحسان.\nوفيه: فضل صلاة الضحى، وأنها تكفي من صدقات الأعضاء؛ لأنَّ الصلاة عمل لجميع أعضاء الجسد، وتنهى عن الفحشاء والمنكر.","vol":"1","page":103},{"text":"[١١٩] الثالث: عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ في مَحَاسِنِ أعْمَالِهَا الأذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّريقِ،\nوَوَجَدْتُ في مَسَاوِئِ أعمَالِهَا النُّخَاعَةُ تَكُونُ في المَسْجِدِ لا تُدْفَنُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: التنبيه على فضل كل ما نفع الناس أو أزال عنهم ضررًا. وأنَّ القليل من الخير والشر مكتوب على العبد، قال الله تعالى: ... ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ... [الزلزلة (٧، ٨)] .\n\n[١٢٠] الرابع: عَنْهُ: أنَّ ناسًا قالوا: يَا رَسُولَ الله، ذَهَبَ أهلُ الدُّثُور بالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوَالِهِمْ، قَالَ: «أَوَلَيسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ: إنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقةً، وَكُلِّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالوا: يَا رسولَ اللهِ، أيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أجْرٌ؟ قَالَ: «أرَأيتُمْ لَوْ وَضَعَهَا في حَرامٍ أَكَانَ عَلَيهِ فِيهَا وِزرٌ؟ فكذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا في الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» . رواه مسلم.\n«الدُّثُورُ» بالثاء المثلثة: الأموال وَاحِدُهَا: دثْر.\n\nفي هذا الحديث: فضل التنافس في الخير، والحرص على العمل الصالح، وجبر خاطر من لا يقدر على الصدقة، ونحوها، وترغيبه فيما يقوم مقامها من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.\nوفيه: أنَّ فعل المباحات إذا قَارنَهُ بنيَّة صالحة يؤجر عليه العبد.","vol":"1","page":104},{"text":"[١٢١] الخامس: عَنْهُ، قَالَ: قَالَ لي النَّبيّ - ﷺ -: «لا تَحْقِرنَّ مِنَ المَعرُوفِ شَيئًا وَلَوْ أنْ تَلقَى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَليقٍ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: الحثُّ على فعل المعروف قليلًا كان أو كثيرًا، بالمال، أو الخُلُق الحسن.\n\n[١٢٢] السادس: عن أبي هريرةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَينَ الاثْنَينِ صَدَقةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وبكلِّ خَطْوَةٍ تَمشيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُميطُ الأذَى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nورواه مسلم أيضًا من رواية عائشة ﵂، قَالَتْ: قَالَ ... رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسان مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وثلاثمئة مفْصَل، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وحَمِدَ الله، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ الله، وَاسْتَغْفَرَ الله، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَريقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظمًا عَن طَريقِ النَّاسِ، أَوْ أمَرَ بمَعْرُوف، أَوْ نَهَى عَنْ منكَر، عَدَدَ السِّتِّينَ والثَّلاثِمئَة فَإنَّهُ يُمْسِي يَومَئِذٍ وقَدْ زَحْزَحَ نَفسَهُ عَنِ النَّارِ» .\n\nالسُّلاَمَى: المِفْصل. فيصبح على ابن آدم كل يوم ثلاثمئة وستون صدقة بعدد مفاصله. فمن أتى بعددها من الطاعات الفعلية والقولية فقد أدّى شكر الله فيها.\n[١٢٣] السابع: عَنْهُ، عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى المسْجِد أَوْ ... رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":105},{"text":"«النُّزُلُ»: القوت والرزق وما يُهيأُ للضيف.\n\nفي هذا الحديث: فضل المشي إلى صلاة الجماعة في المسجد.\n\n[١٢٤] الثامن: عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لا تَحْقِرنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شاةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقَالَ الجوهري: الفرسِن منَ البَعيرِ كالحَافِرِ مِنَ الدَّابَةِ قَالَ: وَرُبَّمَا اسْتُعِيرَ في الشَّاةِ.\n\nفي هذا الحديث: الحث عى صلة الجارة ولو بظلف شاة، وفي معناه الحديث الآخر: «إذا طبختَ مرقةً فأكْثِر ماءَها، وتعاهد جيرانك» .\n\n[١٢٥] التاسع: عَنْهُ، عن النَّبيّ - ﷺ -، قَالَ: «الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبعُونَ أَوْ بِضعٌ وسِتُونَ شُعْبَةً: فَأفْضَلُهَا قَولُ: لا إلهَ إلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عَنِ الطَّريقِ، والحياءُ شُعبَةٌ مِنَ الإيمان» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«البِضْعُ» من ثلاثة إِلَى تسعة بكسر الباء وقد تفتح. وَ«الشُّعْبَةُ»: القطعة.\n\nشعب الإيمان: هي الأعمال الشرعية، وهي تتفرع عن أعمال القلب وأعمال اللسان، وأعمال البدن.\n[١٢٦] العاشر: عَنْهُ: أنَّ رَسُول الله - ﷺ -، قَالَ: «بَينَما رَجُلٌ يَمشي بِطَريقٍ اشْتَدَّ عَلَيهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبُ مِنَ العَطَشِ مِثلُ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ","vol":"1","page":106},{"text":"أمْسَكَهُ بفيهِ حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» قالوا: يَا رَسُول اللهِ، إنَّ لَنَا في البَهَائِمِ أَجْرًا؟ فقَالَ: «في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية للبخاري: «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ، فأدْخَلَهُ الجَنَّةَ» وفي رواية لهما: «بَيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يقتلُهُ العَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إسْرَائِيل، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا ... بِهِ» .\n«المُوقُ»: الخف. وَ«يُطِيفُ»: يدور حول «رَكِيَّةٍ»: وَهِي البئر.\n\nفي هذا الحديث: فضْل الإِحسان إلى الحيوان، وأنه سبب لمغفرة الذنوب ودخول الجنة.\n\n[١٢٧] الحادي عشر: عَنْهُ، عن النَّبيّ - ﷺ -، قَالَ: «لَقدْ رَأيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَرِيقِ كَانَتْ تُؤذِي المُسْلِمِينَ» . رواه مسلم.\nوفي رواية: «مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لأُنْحِيَنَّ هَذَا عَنِ المُسْلِمينَ لا يُؤذِيهِمْ، فَأُدخِلَ الجَنَّةَ» .\nوفي رواية لهما: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشي بِطَريقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوكٍ عَلَى الطريقِ فأخَّرَه فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» .\n\nفي هذا الحديث: فضيلة كل ما نفع المسلمين وأزال عنهم ضررًا، وأنَّ ذلك سبب للمغفرة ودخول الجنة.\n\n[١٢٨] الثاني عشر: عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْن الجُمُعَةِ وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الحَصَا فَقَدْ لَغَا» . رواه مسلم.","vol":"1","page":107},{"text":"معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام: أنَّ الحسنةَ بعشر أمثالها.\nوفي الحديث الآخر: إشارة إلى الحث على إقبال القلب والجوارح على الخطبة، واجتناب العبث.\n\n[١٢٩] الثالث عشر: عَنْهُ: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ، أَو المُؤمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَينهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيهِ كُلُّ خَطِيئَة كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مشتها رِجْلاَهُ مَعَ المَاء أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فضل الوضوء، وأنه يمحو خطايا الجوارح ويكفر الذنوب.\n[١٣٠] الرابع عشر: عَنْهُ، عن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّراتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: سعة رحمة الله تعالى، وأنَّ المدوامة على الفرائض تكفر الصغائر من الذنوب، وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم (٣٢)] .\n\n[١٣١] الخامس عشر: عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «ألا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":108},{"text":"إسباغ الوضوء: استيعاب أعضائه بالغسل. وسُمِّيت هذه الثلاث رباطًا؛ لأنَّ أعدى عدو للإنسان نفسه، وهذه الأعمال تسدُّ طرق الشيطان والهوى عن النفس، فإن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر.\n\n[١٣٢] السادس عشر: عن أبي موسى الأشعرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«البَرْدَانِ»: الصبح والعصر.\n\nوجه تخصيصهما بالذكر عن سائر الصلوات: أنَّ وقت الصبح يكون عند لذّة النوم، ووقت العصر يكون عند الاشتغال، وأنَّ العبد إذا حافظ عليهما كان أشد محافظة على غيرهما.\n[١٣٣] السابع عشر: عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: عظيم فضل الله، وأنَّ من كان له عمل دائم فتركه لعذر صحيح، أنه يكتب له مثل عمله.\n\n[١٣٤] الثامن عشر: عن جَابرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» رواه. البخاري، ورواه مسلم مِنْ رواية حُذَيفة - ﵁ -.\n\nفي هذا الحديث: أن كل ما يفعل الإنسان من أعمال البرَّ والخير فهوصدقة يُثاب عليها.","vol":"1","page":109},{"text":"[١٣٥] التاسع عشر: عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إلا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةً، وَلا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إلا كَانَ لَهُ صَدَقَةً» . رواه مسلم.\nوفي رواية لَهُ: «فَلا يَغْرِسُ المُسْلِمُ غَرْسًا فَيَأْكُلَ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلا دَابَّةٌ وَلا طَيْرٌ إلا كَانَ لَهُ صَدَقة إِلَى يَومِ القِيَامةِ» .\nوفي رواية لَهُ: «لا يَغرِسُ مُسْلِمٌ غَرسًا، وَلا يَزرَعُ زَرعًا، فَيَأكُلَ مِنهُ إنْسَانٌ وَلا دَابَةٌ وَلا شَيءٌ، إلا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً» .\nوروياه جميعًا من رواية أنس - ﵁ -.\nقوله: «يَرْزَؤُهُ» أي ينقصه.\nفي هذا الحديث: سعة كرم الله تعالى، وأنَّه يثيب على ما بعد الحياة، كما يثيب عليه في الحياة، وأنَّ ما أخذ من الإنسان بغير عمله فهو صدقة له.\n\n[١٣٦] العشرون: عَنْهُ، قَالَ: أراد بنو سَلِمَةَ أَن يَنتقِلوا قرب المسجِدِ فبلغ ذلِكَ رسولَ الله - ﷺ -، فَقَالَ لهم: «إنَّهُ قَدْ بَلَغَني أنَّكُمْ تُرِيدُونَ أنْ تَنتَقِلُوا قُربَ المَسجِد؟» فقالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُول اللهِ قَدْ أَرَدْنَا ذلِكَ. فَقَالَ: «بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، ديَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ» . رواه مسلم.\nوفي روايةٍ: «إنَّ بِكُلِّ خَطوَةٍ دَرَجَةً» . رواه مسلم.\nورواه البخاري أيضًا بِمَعناه مِنْ رواية أنس - ﵁ -.\nوَ«بَنُو سَلِمَةَ» بكسر اللام: قبيلة معروفة مِنَ الأنصار - ﵃ -، وَ«آثَارُهُمْ»: خطاهُم.","vol":"1","page":110},{"text":"في هذا الحديث: أنَّ المشي إلى المسجد من الحسنات التي تُكتب لصاحبها. ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس (١٢)] .\n\n[١٣٧] الحادي والعشرون: عن أبي المنذِر أُبيِّ بنِ كَعْب - ﵁ -، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لا أعْلَمُ رَجلًا أبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ، فَقيلَ لَهُ أَوْ فَقُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ في الظَلْمَاء وفي الرَّمْضَاء؟ فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أنَّ مَنْزِلي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ إنِّي أريدُ أنْ يُكْتَبَ لِي\nمَمشَايَ إِلَى المَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أهْلِي فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذلِكَ كُلَّهُ» . رواه مسلم.\nوفي رواية: «إنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ» .\n«الرَّمْضَاءُ»: الأرْضُ التي أصابها الحر الشديد.\n\nفي هذا الحديث: دليل على فضل تكثير الخطا إلى الذهاب إلى المسجد، وأنه يكتب له أجر ذهابه إلى المسجد ورجوعه إلى أهله.\n\n[١٣٨] الثاني والعشرون: عن أبي محمد عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن العاصِ\n﵄، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أرْبَعُونَ خَصْلَةً: أعْلاَهَا مَنيحَةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَة مِنْهَا؛ رَجَاءَ ثَوَابِهَا وتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلا أدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الجَنَّةَ» . رواه البخاري.\n«المَنيحَةُ»: أنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا لِيَأكُلَ لَبَنَهَا ثُمَّ يَرُدَّهَا إِلَيْهِ.\n\nقوله: «أربعون خصلة» . أي: من البِرّ دون منيحة العنز، كالسلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق، ونحوذلك من أعمال الخير، قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة (٧)] .","vol":"1","page":111},{"text":"[١٣٩] الثالث والعشرون: عن عَدِي بنِ حَاتمٍ - ﵁ - قَالَ: سمعت النَّبيّ - ﷺ - يقول: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بشقِّ تَمْرَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية لهما عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَينَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَى إلا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرى إلا مَا قَدَّمَ، وَيَنظُرُ بَيْنَ يَدَيهِ فَلا يَرَى إلا\nالنَّار تِلقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» .\n\nفي هذا الحديث: الحضُّ على الزيادة من صالح العمل، والتقليل من سيء العمل، وأنَّ الصدقة حجاب عن النار، ولو قَلَّت بمال، أو كلام.\n\n[١٤٠] الرابع والعشرون: عن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: ... «إنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» . رواه مسلم.\nوَ«الأَكْلَةُ» بفتح الهمزة: وَهيَ الغَدْوَةُ أَو العَشْوَةُ.\n\nفي هذا الحديث: بيان فضل الحمد عند الطعام والشراب، وهذا من كرم الله تعالى، فإنه الذي تفضَّل عليك بالرزق، ورضي عنك بالحمد.\n\n[١٤١] الخامس والعشرون: عن أَبي موسى - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ -، قَالَ:\n«عَلَى كلّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» قَالَ: أرأيتَ إنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالَ: أرأيتَ إن لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ» قَالَ: أرأيتَ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، قَالَ: «يَأمُرُ","vol":"1","page":112},{"text":"بِالمعْرُوفِ أوِ الخَيْرِ» قَالَ: أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: الحثُّ على اكتساب ما تدعو إليه حاجة الإنسان من طعام، وشراب، وملبس، ليصون به وجهه عن الناس، واكتساب ما يتصدق به ليحصل له الثواب الجزيل.\nوفيه: فضل إعانة المحتاج والمضطر، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.\nوفيه: فضل الأمر بالمعروف والخير.\nوفيه: أنَّ الإمساك عن الشرّ صدقةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>١٤- باب الاقتصاد في الطَّاعَة</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه (١، ٢)] .\n\nأي: لتتعب\nالاقتصادُ: التوسُّط في العبادة إبقاء للنفس، ودفعًا للملل؛ لأنَّ النفس كالدابة إذا رَفق بها صاحبها حصل مراده، وإن أتعبها انقطعت.\nقال الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله - ﷺ - قام به هو وأصحابه فقال المشركون من قريش: ما أُنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى. فأنزل الله تعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ [طه (١: ٣)] .\nقال قتادة: لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورًا ودليلًا إلى الجنة.\nقال مجاهد: هي كقوله: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل (٢٠)] . وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة.","vol":"1","page":113},{"text":"وَقالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة (١٨٥)] .\n\nنزلت هذا الآية في جواز الفطر في السفر، وهي عامة في جميع أمور الدين كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج (٧٨)] .\n\n[١٤٢] وعن عائشة ﵂: أنَّ النَّبيّ - ﷺ - دخل عَلَيْهَا وعِندها امرأةٌ، قَالَ: «مَنْ هذِهِ؟» قَالَتْ: هذِهِ فُلاَنَةٌ تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا. قَالَ: «مهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَواللهِ لا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَ«مهْ»: كَلِمَةُ نَهْي وَزَجْر. ومَعْنَى «لا يَمَلُّ اللهُ»: لا يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَنْكُمْ وَجَزَاء أَعْمَالِكُمْ ويُعَامِلُكُمْ مُعَامَلةَ المَالِّ حَتَّى تَمَلُّوا فَتَتْرُكُوا، فَيَنْبَغِي لَكُمْ أنْ تَأخُذُوا مَا تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيهِ لَيدُومَ ثَوابُهُ لَكُمْ وَفَضْلُهُ عَلَيْكُمْ.\n\nقال ابن الجوزي: إنما أحَبَّ العمل الدائمَ؛ لأنَّ مداوم الخير ملازم للخدمة.\nوقال المصنف: بدوام القليل تستمر الطاعة، بالذكر، والمراقبة والإخلاص، والإقبال على الله.\n\n[١٤٣] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبيّ - ﷺ -، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبيّ - ﷺ -، فَلَمَّا أُخْبِروا كَأَنَّهُمْ","vol":"1","page":114},{"text":"تَقَالُّوهَا وَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ - ﷺ - قدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخَّرَ. قَالَ أحدُهُم: أمَّا أنا\nفَأُصَلِّي اللَّيلَ أبدًا. وَقالَ الآخَرُ: وَأَنَا أصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ. وَقالَ الآخر: وَأَنا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أتَزَوَّجُ أبَدًا. فجاء رسولُ الله - ﷺ - إليهم، فَقَالَ: «أنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا واللهِ إنِّي لأخْشَاكُمْ للهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أصُومُ وَأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالخشية: خوفٌ مقرون بمعرفة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر (٢٨)] . وكان النبي - ﷺ - يفطر ليتقوَّى على الصوم، وينام ليتقوَّى على القيام، ويتزوَّج لكسر الشهوة وإعفاف النفس.\nوفي الحديث: النهي عن التعمُّق في الدين والتشبه بالمبتدعين.\n\n[١٤٤] وعن ابن مسعود - ﵁ -: أنّ النَّبيّ - ﷺ -، قَالَ: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» . قالها ثَلاثًا. رواه مسلم.\n«المُتَنَطِّعونَ»: المتعمقون المتشددون في غير موضِعِ التشديدِ.\n\nالمتنطَّع: المتكلَّف في العبادة بما يشق فعله ولا يلزمه، والخائضُ فيما لا يعنيه وفيما لا يبلغه عقله.\n\n[١٤٥] عن أَبي هريرةَ - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّيْنُ إلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» . رواه البخاري.\nوفي رواية لَهُ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، القَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا» .","vol":"1","page":115},{"text":"قوله: «الدِّينُ»: هُوَ مرفوع عَلَى مَا لَمْ يسم فاعله. وروي منصوبًا وروي «لن يشادَّ الدينَ أحدٌ» . وقوله - ﷺ -: «إلا غَلَبَهُ»: أي غَلَبَهُ الدِّينُ وَعَجَزَ ذلِكَ المُشَادُّ عَنْ مُقَاوَمَةِ الدِّينِ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. وَ«الغَدْوَةُ»: سير أولِ النهارِ. وَ«الرَّوْحَةُ»: آخِرُ النهارِ. وَ«الدُّلْجَةُ»: آخِرُ اللَّيلِ.\nوهذا استعارة وتمثيل، ومعناه: اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللهِ - ﷿ - بِالأَعْمَالِ في وَقْتِ نَشَاطِكُمْ وَفَرَاغِ قُلُوبِكُمْ بِحَيثُ تَسْتَلِذُّونَ العِبَادَةَ ولا تَسْأَمُونَ وتبلُغُونَ مَقْصُودَكُمْ، كَمَا أنَّ المُسَافِرَ الحَاذِقَ يَسيرُ في هذِهِ الأوْقَاتِ ويستريح هُوَ وَدَابَّتُهُ في غَيرِهَا فَيَصِلُ المَقْصُودَ بِغَيْرِ تَعَب، واللهُ أعلم.\n\nمعنى الحديث: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه، فتوسطوا من غير إفراط، ولا تفريط، وقاربوا إن لم تستطيعوا العمل بالأكمل، فاعملوا ما يقرب منه، وأبشروا بالثواب على العمل الدائم وإنْ قل، واستعينوا على تحصيل العبادات بفراغكم ونشاطكم، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح (٧، ٨)] .\n\n[١٤٦] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: دَخَلَ النَّبيُّ - ﷺ - المَسْجِدَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الحَبْلُ؟» قالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ. فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «حُلُّوهُ، لِيُصلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nفي هذ الحديث: الحث على الاقْتِصاد في العبادة، والنهي عن التعمُّق فيها، والأمر بالإقبال عليها بنشاط، وجواز تنفُّل النساء في المسجد إذا أمنت الفتنة.","vol":"1","page":116},{"text":"[١٤٧] وعن عائشة ﵂: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّومُ، فإِنَّ أحدكم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: أمر الناعس في الصلاة أنْ ينصرف منها، يعني: بعدما يتمها خفيفة.\n\n[١٤٨] وعن أَبي عبد الله جابر بن سمرة ﵄، قَالَ: كُنْتُ أصَلِّي مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - الصَّلَوَاتِ، فَكَانتْ صَلاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. رواه مسلم.\nقوله: «قَصْدًا»: أي بين الطولِ والقِصرِ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب القصد في الصلاة، والخطبة وجميع الأمور.\n\n[١٤٩] وعن أبي جُحَيْفَة وَهْب بنِ عبد اللهِ - ﵁ - قَالَ: آخَى النَّبيُّ - ﷺ - بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبي الدَّرْداءِ، فَزارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرداءِ فَرَأى أُمَّ الدَّرداءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ: مَا شَأنُكِ؟ قَالَتْ: أخُوكَ أَبُو الدَّردَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ في الدُّنْيَا، فَجاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ لَهُ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أنا بِآكِلٍ حَتَّى تَأكُلَ فأكل، فَلَمَّا كَانَ اللَّيلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّردَاءِ يَقُومُ فَقَالَ لَهُ:\nنَمْ، فنام، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ لَهُ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ من آخِر اللَّيلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُم الآن، فَصَلَّيَا جَمِيعًا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيكَ حَقًّا، فَأعْطِ","vol":"1","page":117},{"text":"كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبيَّ - ﷺ - فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «صَدَقَ سَلْمَانُ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية المؤاخاة في الله، وزيارة الإخوان، والمبيت عندهم، وجواز مخاطبة الأجنبية للحاجة، والنصح للمسلم، وتنبيه من غفل، وفضل قيام آخر الليل، وجواز النهي عن المستحبات إذا خشي أنَّ ذلك يفضي إلى السآمة والملل، وتفويت الحقوق المطلوبة، وكراهية الحمل على النفس في العبادة، وجواز الفطر من صوم التطوع للحاجة والمصلحة.\n\n[١٥٠] وعن أَبي محمد عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو بن العاصِ ﵄، قَالَ: أُخْبرَ النَّبيُّ - ﷺ - أنِّي أقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيلَ مَا عِشْتُ. فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «أنتَ الَّذِي تَقُولُ ذلِكَ؟» فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بأبي أنْتَ وأمِّي يَا رسولَ الله. قَالَ: «فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، فإنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا وَذَلكَ مِثلُ صِيامِ الدَّهْرِ» قُلْتُ: فَإِنِّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَومًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ» قُلْتُ: فَإنِّي أُطِيقُ أفضَلَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَومًا وَأفْطِرْ يَومًا فَذلِكَ صِيَامُ دَاوُد - ﷺ -، وَهُوَ أعْدَلُ الصيامِ» .\nوفي رواية: «هُوَ أفْضَلُ الصِّيامِ» فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطيقُ أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا أفضَلَ مِنْ ذلِكَ»، قال: وَلأنْ أكُونَ قَبِلْتُ الثَّلاثَةَ الأَيّامِ الَّتي قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أحَبُّ إليَّ مِنْ أهْلي وَمَالي.\nوفي رواية: «أَلَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وتَقُومُ اللَّيلَ؟» قُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُول الله، قَالَ: «فَلا تَفْعَلْ: صُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ؛ فإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنَيكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ","vol":"1","page":118},{"text":"حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإنَّ بِحَسْبِكَ أنْ تَصُومَ في كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، فإنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذلِكَ صِيَامُ الدَّهْر» فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُول الله، إنِّي أجِدُ قُوَّةً، قَالَ: «صُمْ صِيَامَ نَبيِّ الله دَاوُد وَلا تَزد عَلَيهِ» قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ دَاوُد؟ قَالَ: «نِصْفُ الدَّهْرِ» فَكَانَ عَبدُ الله يقول بَعدَمَا كَبِرَ: يَا لَيتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَة رَسُول الله - ﷺ -.\nوفي رواية: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهرَ، وَتَقْرَأُ القُرآنَ كُلَّ لَيْلَة؟» فقلت: بَلَى، يَا رَسُول الله، وَلَمْ أُرِدْ بذلِكَ إلا الخَيرَ، قَالَ: «فَصُمْ صَومَ نَبيِّ اللهِ دَاوُد، فَإنَّهُ كَانَ أعْبَدَ النَّاسِ، وَاقْرَأ القُرْآنَ في كُلِّ شَهْر» قُلْتُ: يَا نَبيَّ اللهِ، إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟ قَالَ: «فاقرأه في كل عشرين» قُلْتُ: يَا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلِكَ؟ قَالَ: «فَاقْرَأهُ في كُلِّ عَشْر» قُلْتُ: يَا نبي اللهِ، إنِّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟ قَالَ: «فاقْرَأهُ في كُلِّ سَبْعٍ وَلا تَزِدْ عَلَى ذلِكَ» فشدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ وَقالَ لي النَّبيّ - ﷺ -: «إنَّكَ لا تَدرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ» قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى\nالَّذِي قَالَ لي النَّبيُّ - ﷺ -. فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ قَبِلتُ رُخْصَةَ نَبيِّ الله - ﷺ -.\nوفي رواية: «وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» .\nوفي رواية: «لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ» ثلاثًا.\nوفي رواية: «أَحَبُّ الصِيَامِ إِلَى اللهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُد، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى صَلاةُ دَاوُدَ: كَانَ ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وَلا يَفِرُّ إِذَا لاقَى» .","vol":"1","page":119},{"text":"وفي رواية قال: «أنْكَحَني أَبي امرَأةً ذَاتَ حَسَبٍ وَكَانَ يَتَعَاهَدُ كنَّتَهُ - - أي: امْرَأَةَ وَلَدِهِ - فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا. فَتقُولُ لَهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أتَيْنَاهُ. فَلَمَّا طَالَ ذلِكَ عَلَيهِ ذَكَرَ ذلك للنَّبيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «القِنِي بِهِ» فَلَقيتُهُ بَعد ذلك، فَقَالَ: «كَيْفَ تَصُومُ؟» قُلْتُ: كُلَّ يَومٍ، قَالَ: «وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟» قُلْتُ: كُلَّ لَيْلَةٍ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أهْلِهِ السُّبُعَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ، يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ ليَكُونَ أخفّ عَلَيهِ باللَّيلِ، وَإِذَا أَرَادَ أنْ يَتَقَوَّى أفْطَرَ أيَّامًا وَأحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ كرَاهِيَةَ أنْ يَترُكَ شَيئًا فَارَقَ عَلَيهِ النَّبيَّ - ﷺ -.\nكل هذِهِ الرواياتِ صحيحةٌ، مُعظمُها في الصحيحين، وقليل مِنْهَا في أحدِهِما.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أنَّ أفضل الصيام صوم يوم وإفطار يوم وكراهة الزيادة على ذلك.\nقال الخطابي: محصل قصة عبد الله بن عمرو: أنَّ الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبّده بأنواعٍ من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصَّر في غيره، فالأَوْلى الاقتصاد فيه ليتبقى بعض القوة لغيره.\nقال الحافظ: وفي قصة عبد الله بن عمرو من الفوائد: بيان رفق رسول الله - ﷺ - بأمته، وشفقته عليهم، وإرشاده إياهم إلى ما يصلحهم، وحثّه إياهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمُّق في العبادة لما يخشى من إفضائه إلى الملل أو ترك البعض، وقد ذم الله تعالى قومًا لا زموا العبادة ثم فرطوا فيها.\nوفيه: جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أنَّ محل ذلك عند أمن الرياء. انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":120},{"text":"[١٥١] وعن أبي رِبعِي حنظلة بنِ الربيعِ الأُسَيِّدِيِّ الكاتب أحدِ كتّاب\nرَسُول الله - ﷺ -، قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكر - ﵁ - فَقَالَ: كَيْفَ أنْتَ يَا حنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ! قَالَ: سُبْحَانَ الله مَا تَقُولُ؟! قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُول الله - ﷺ - يُذَكِّرُنَا بالجَنَّةِ وَالنَّارِ كأنَّا رَأيَ عَيْنٍ فإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُول الله - ﷺ - عَافَسْنَا الأَزْواجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بكر - ﵁ -: فَوَالله إنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فانْطَلَقْتُ أَنَا وأبُو بَكْر حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُول الله - ﷺ -. فقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُول اللهِ! فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ والجَنَّةِ كأنَّا رَأيَ العَيْن فإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْواجَ وَالأَوْلاَدَ\nوَالضَّيْعَاتِ نَسينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونونَ عِنْدِي، وَفي الذِّكْر، لصَافَحَتْكُمُ الملائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وسَاعَةً» ثَلاَثَ مَرَات. رواه مسلم.\nقولُهُ: «رِبْعِيٌّ» بِكسر الراء. وَ«الأُسَيِّدِي» بضم الهمزة وفتح السين وبعدها ياء مكسورة مشددة. وقوله: «عَافَسْنَا» هُوَ بِالعينِ والسينِ المهملتين أي: عالجنا ولاعبنا. وَ«الضَّيْعاتُ»: المعايش.\n\nقوله - ﷺ -: «ساعة وساعة»، أي: ساعة لأداء العبودية، وساعة للقيام بما يحتاجه الإنسان.\nقال بعض العارفين: الحال التي يجدونها عند النبي - ﷺ - وفي الذكر ... مواجيد، والمواجيد تجيء وتذهب، وأما المعرفة، فهي ثابتة لا تزول.","vol":"1","page":121},{"text":"وفي حديث أبي ذر المشهور: «وعلى العاقل أنْ يكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكَّر فيها في سمع الله إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من مطعم ومشرب» . وبالله التوفيق.\n\n[١٥٢] وعنِ ابن عباس ﵄، قَالَ: بينما النَّبيُّ - ﷺ - يخطب إِذَا هُوَ برجلٍ قائم فسأل عَنْهُ، فقالوا: أَبُو إسْرَائيلَ نَذَرَ أنْ يَقُومَ في الشَّمْسِ وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِل، وَلا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبيّ - ﷺ -: «مُرُوهُ، فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» . رواه البخاري.\nفي هذا الحديث: دليل على أنَّ من تقرَّب إلى الله تعالى بعمل لم يتعبده الله به، أنه لا يلزمه فعله، وإنْ نذره.\nومن نذر عبادة مشروعة لزمه فعلها.\nوفي الحديث الآخر: «من نذر أنْ يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>١٥- باب المحافظة عَلَى الأعمال</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد (١٦)] .\n\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾، يعني ألم يحن.\nقيل: نزلت في شأن الصحابة لما أكثروا المزاح.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد (٢٧)] .","vol":"1","page":122},{"text":"الرهبانية التي ابتدعوها: رفض النساء: واتخاذ الصوامع.\nوفيه: تنبيه على أنَّ مَن أوجب على نفسه شيئًا لزمه.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل (٩٢)] .\n\nوهي امرأة حمقاء من أهل مكة، كانت تغزل طول يومها ثم تنقضه.\nقال الخازن: والمعنى: أن هذه المرأة لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك من نقص عهده لا تركه، ولا حين عاهد وفَى به. انتهى.\nوالآية عامة في كل من أبطل عمله.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر (٩٩)] .\n\nأي: دُمْ على عبادة ربك حتى يأيتك الموت.\nوَأَمَّا الأَحاديث فمنها:\nحديث عائشة: وَكَانَ أَحَبُّ الدِّين إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيهِ. وَقَدْ سَبَقَ في البَاب قَبْلَهُ.\n\n[١٥٣] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبهِ مِنَ اللَّيلِ، أَوْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وَصَلاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيلِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أنَّ كل وَرْدٍ من قول أو فعل، يفوت الإنسان أنه يثبت له أجره إذا قضاه كاملًا.","vol":"1","page":123},{"text":"[١٥٤] وعن عبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «يَا عبدَ اللهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلان، كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من خير، وكراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبة.\n[١٥٥] وعن عائشة ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُول الله - ﷺ - إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِنَ اللَّيلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهارِ ثنْتَيْ عَشرَةَ رَكْعَةً. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: دليل على مشروعية قضاء صلاة الليل، وكذلك سائر النوافل.\nوفي الحديث: «من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح، أو ذكر» رواه أبو داود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>١٦- باب في الأمر بالمحافظة عَلَى السنة وآدابها</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر (٧)] .\n\nفي هذا الآية دليل على وجوب امتثال أوامره ونواهيه - ﷺ -\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم (٣، ٤)] .","vol":"1","page":124},{"text":"أي: لا يقول الرسول - ﷺ - إلا حقًّا، وليس عن هوى ولا غرض؛ لأنَّ ما يقوله وحيٌ من الله ﷿.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران (٣١)] .\n\nنزلت هذه الآية حين ادَّعى أهل الكتاب محبَّة الله فمن ادَّعى محبة الله وهو على غير الطريقة المحمدية فهو كاذب في نفس الأمر.\nقال بعض العلماء: ليس الشأن أن تحِب إِنما الشأن أن تُحَبَّ.\nقال الحسن البصري: زعم قوم أنهم يحبُّون الله فابتلاهم الله بهذه الآية.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِر﴾ [الأحزاب (٢١)] .\n\nالأُسوة: الاقتداء به - ﷺ - في أقواله، وأفعاله، وأحواله.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء (٦٥)] .\n\nسبب نزول هذه الآية: أنَّ رجلًا من الأنصار خاصمه الزبير في شراج الحرة كانا يسقيان به كلاهما، وكان الزبير الأعلى. فقال رسول الله - ﷺ -: «اسقِ يَا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب الأنصاري فقال: يَا رسول الله، أن كان ابن عمِتك، فَتَلَوَّن وجه رسول الله - ﷺ - ثم قال للزبير: «اسقِ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر، فاستوعى رسول الله - ﷺ - حينئذ حق الزبير، وكان رسول الله - ﷺ - أشار على الزبير برأي أراد سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله - ﷺ - استوعى للزبير حقه، في صريح الحكم. قال الزبير: «والله ما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا","vol":"1","page":125},{"text":"شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء (٦٥)] .\nقال ابن كثير: يُقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكم الرسول - ﷺ - في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يَجِبُ الانقياد له ظاهرًا وباطنًا. كما ورد في الحديث: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء (٥٩)] .\nقَالَ العلماء: معناه إِلَى الكتاب والسُنّة.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء (٨٠)] .\n\nأي: من يطع الرسول فيما أمر به فقد أطاع الله؛ لأنَّ الله أمر بطاعته وإتباعه.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى (٥٢)] .\n\nيعني: دين الإسلام.\n\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور (٦٣)] .\n\nفي هذه الآية: وعيد شديد لمن خالف أمر النبي - ﷺ -، إما فتنة في الدنيا أو عذاب في الآخرة.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب (٣٤)] .","vol":"1","page":126},{"text":"في هذه الآية: أمرٌ لنساء النبي - ﷺ - أن لا ينسيَنَّ هذه النعمة الجليلة القدر وهي ما يُتلى في بيوتهن من كتاب الله تعالى، وسنَّة رسوله - ﷺ -.\nوالآيات في الباب كثيرة.\n\nأي: في باب المحافظة على السنة والاقتداء به - ﷺ - واتباعه.\nوَأَما الأحاديث:\n\n[١٥٦] فالأول: عن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ واخْتِلافُهُمْ عَلَى أنْبيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بشيءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nهذا الحديث له سبب، وهو أنه - ﷺ - خطب وقال: «يا أيها النَّاس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا»، فقال رجلٌ: أكُلُّ عام يا رسول الله؟ فسكتَ حتى قالها مرارًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو قلت: نعم. لوجبت، ولما استطعتم»، ثم قال: «دعوني ما تركتكم..» الحديث.\nوهو من قواعد الإسلام المهمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر (٥٩)] . وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن (١٦)] .\nويُستفاد منه: كراهة كثرة المسائل من غير ضرورة.\nقال مالك رحمه الله تعالى: «المِراء والجدال يذهب بنور العلم من قلب الرجل» .\nوفي بعض الآثار: «إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العلم، وأغلق عنه","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرًّا فتح له باب الجدل وأغلق عنه باب العلم» </span>.\n\n[١٥٧] الثاني: عن أَبي نَجيحٍ العِرباضِ بنِ سَارية - ﵁ - قَالَ: وَعَظَنَا\nرسولُ اللهِ - ﷺ - مَوعظةً بَليغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رسولَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنَا، قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تَأمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافًا كَثيرًا، فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة» . رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .\n«النَّواجذُ» بالذال المعجمةِ: الأنيَابُ، وَقِيلَ: الأضْراسُ.\n\nالخلفاء الراشدون هم: أبو بكر وعمر وعثمان، وعلي ﵃.\nوفي الحديث: التمسُّك بالسنَّة في الاعتقاد والأعمال والأقوال، والتحذير من البِدع، وهي ما أُحْدث في الدين مما لا أصل له في الشريعة.\nقوله: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة» . هاتان الكلمتان تَجْمَعَان سعادة الدنيا والآخرة.\nقال الحسن: والله لا يستقيم الدِّينُ إلا بالأُمراء وإن جاروا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون.","vol":"1","page":128},{"text":"[١٥٨] الثَّالثُ: عَنْ أَبي هريرةَ - ﵁ -: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إلا مَنْ أبَى» . قيلَ: وَمَنْ يَأبَى يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: أعظم بشارة للطائعين من هذه الأمة، وأن كُلّهم يدخلون الجنة إلا من عصى الله ورسوله واتَّبع شهواته وهواه، قال الله تعالى ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ... [النازعات (٣٧: ٤١)] .\n\n[١٥٩] الرابع: عن أَبي مسلم، وقيل: أَبي إياس سَلمة بنِ عمرو بنِ الأكوع - ﵁ - أنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُول الله - ﷺ - بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينكَ» قَالَ: لا أسْتَطيعُ. قَالَ: «لا استَطَعْتَ» . مَا مَنَعَهُ إلا الكِبْرُ فمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية الأكل باليمين، وكراهة الأكل بالشمال مع عدم العذر.\n[١٦٠] الخامس: عن أَبي عبدِ الله النعمان بن بشير ﵄، قَالَ: سمعت رَسُول الله - ﷺ - يقول: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية لمسلم: كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يُسَوِّي صُفُوفَنَا حتى كأنَّما يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ. ثُمَّ خَرَجَ يَومًا فقامَ حَتَّى كَادَ أنْ يُكَبِّرَ فرأَى رَجلًا بَاديًا صَدْرُهُ، فَقَالَ: «عِبَادَ الله، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» .","vol":"1","page":129},{"text":"في هذا الحديث: وعيدٌ شديد على من لم يسوَّ الصفوف، والحثّ على تسويتها، وجواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة.\n\n[١٦١] السادس: عن أَبي موسى - ﵁ - قَالَ: احْتَرقَ بَيْتٌ بالمَدِينَةِ عَلَى أهْلِهِ مِنَ اللَّيلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رسولُ الله - ﷺ - بشَأنِهِمْ، قَالَ: «إنَّ هذِهِ النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ، فَأطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: الأمر بإطفاء النار عند الرقاد، لما يخشى من الاحتراق ويدخل فيه نار السراج وغيره، إلا أنْ يُؤْمَن الضرر.\n\n[١٦٢] السابع: عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ مِنَ الهُدَى والعِلْم كَمَثَلِ غَيثٍ أَصَابَ أرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أمسَكَتِ المَاء فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَربُوا مِنْهَا وَسَقُوا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ طَائفةً مِنْهَا أخْرَى إنَّمَا هِيَ قيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في\nدِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ بمَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«فَقُهَ» بضم القافِ عَلَى المشهور وقيل بكسرِها: أي صار فقيهًا.\n\nقال القرطبي: هذا مثل ضربه النبي - ﷺ - لما جاء به من الدين، وشبّه السامعين له بالأرض المختلفة.","vol":"1","page":130},{"text":"فمنهم: العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها.\nومنهم: الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، غير أنه لم يعمل بنوافله أو لم يتفقَّه فيما جمع، لكنه أدَّاه لغيره فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله: «نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي، فأدَّاها كما سمعها» .\nومنهم: من يسمع العلم فلا يحفظه، ولا يعمل به، ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة، أو الملساء التي لا تقبل الماء، أو تفسده. انتهى مُلخَّصًا.\nوالحاصل أنَّ الناس في الدِّين ثلاثة أقسام:\nقوم عَلِموا وعَمِلوا، وهم عامة المؤمنين.\nوقوم علموا وعملوا وعلَّموا، وهم العلماء.\nوقوم لم يعملوا، وهم الكفار والفاسقون.\n[١٦٣] الثامن: عن جابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الجَنَادِبُ والفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخذٌ بحُجَزكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأنْتُمْ تَفَلَّتونَ مِنْ يَدَيَّ» . رواه مسلم.\n«الجَنَادِبُ»: نَحوُ الجرادِ وَالفَرَاشِ، هَذَا هُوَ المَعْرُوف الَّذِي يَقَعُ في النَّارِ. وَ«الحُجَزُ»: جَمْعُ حُجْزَة وَهِيَ مَعْقدُ الإزَار وَالسَّراويل.\n\nشبَّه - ﷺ - تساقطَ الجاهلينَ والمخالفينَ بمعاصيهم، وشهواتهم في نار الآخرة وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إيّاهم بتساقط الفَرَاش في نار الدنيا، لهواه وضعف تمييزه، وكلاهما ساع في هلاك نفسه لجهله.","vol":"1","page":131},{"text":"[١٦٤] التاسع: عَنْهُ أنَّ رَسُول الله - ﷺ - أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: «إنَّكُمْ لا تَدْرونَ في أَيِّها البَرَكَةُ» . رواه مسلم.\nوفي رواية لَهُ: «إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأخُذْهَا، فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، وَلْيَأكُلْهَا وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بالمنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أصَابعَهُ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي في أيِّ طَعَامِهِ البَرَكَةُ» .\nوفي رواية لَهُ: «إنَّ الشَّيطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيءٍ مِنْ شَأنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإذَ سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمْ اللُّقْمَةُ فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذَىً، فَلْيَأكُلْهَا وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ» .\nفي هذا الحديث: الحث على كسر النفس بالتواضع، وأخْذ اللقمة الساقطة، ولا يدعها كما يفعله بعض المتْرفين استكبارًا والأمر بلَعْق الأصابع والصحفة.\n\n[١٦٥] العاشر: عن ابن عباس ﵄، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُول الله - ﷺ - بِمَوعِظَةٍ، فَقَالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ مَحْشُورونَ إِلَى الله تَعَالَى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء (١٠٤)] .\nألا وَإنَّ أَوَّلَ الخَلائِقِ يُكْسى يَومَ القِيَامَةِ إبراهيمُ - ﷺ -، ألا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرجالٍ مِنْ أُمَّتي فَيُؤخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشَّمالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أصْحَابِي. فَيُقَالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأقُولُ كَما قَالَ العَبدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قولِهِ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة (١١٧، ١١٨)] فَيُقَالُ لِي: إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«غُرْلًا»: أي غَيرَ مَخْتُونِينَ.","vol":"1","page":132},{"text":"قال الخطابي: فيه إشارة إلى قلَّة عدد من وقع لهم ذلك، وإنما وقع ذلك لبعض جفاة الأعراب، ولم يقع لأحد من الصحابة المشهورين.\n\n[١٦٦] الحادي عشر: عن أَبي سعيد عبد الله بن مُغَفَّلٍ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رَسُول الله - ﷺ - عَنِ الخَذْفِ، وقالَ: «إنَّهُ لا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلا يَنْكَأُ العَدُوَّ، وإنَّهُ يَفْقَأُ العَيْنَ، وَيَكْسِرُ السِّنَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: أنَّ قَريبًا لابْنِ مُغَفَّل خَذَفَ فَنَهَاهُ، وَقالَ: إنَّ رَسُول الله - ﷺ - نَهَى عَن الخَذْفِ، وَقَالَ: «إنَّهَا لا تَصِيدُ صَيدًا» ثُمَّ عادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أنَّ رسولَ الله - ﷺ - نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ عُدْتَ تَخذفُ!؟ لا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا.\n\nالخذف: رمي الحصى بالسبابة والإبهام، أو بالسبابتين.\nوفيه: هجران أهل البدع والفسوق، ومُنَابِذِي السنَّة مع العلم.\n\n[١٦٧] وعَن عابس بن رَبيعة، قَالَ: رَأيْتُ عُمَرَ بن الخطاب - ﵁ - يُقَبِّلُ الحَجَرَ - يَعْنِي: الأسْوَدَ - وَيَقُولُ: إني أَعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ، وَلَولا أنِّي رَأيْتُ رسولَ الله - ﷺ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الإتباع فيما لم يكشف عن معانيه، وهي قاعدة عظيمة في إتِّباع النبي - ﷺ - فيما يفعله، ولو لم نعلم الحكمة فيه.\nوفيه: دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحَجَر خاصية ترجع إلى ذاته.\nوفيه: بيان السُّنَنِ بالقول، والفعل، وأنَّ الإمام إذا خشِيَ على أحد من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>١٧- باب وجوب الانقياد لحكم الله تعالى</span>\nوما يقوله من دُعِيَ إلى ذلك وأُمر بمعروف أو نُهي عن منكر.\nقال الله تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]\n\nأقسم ﷾ أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكٌم رسول الله - ﷺ - فيما له وعليه، كما قال - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواهُ تبعًا لما جئت ... به» .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور (٥١)] .\n\nيخبر تعالى أن قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى حكم الله وحكم رسوله خلاف قول المنافقين، فإن المنافقين إذا دعوا إلى حكم الله ورسوله أعرضوا، وإن كان الحق لهم أتوا. وأما المؤمنون فيقولون: سمعنا وأطعنا سواءً كان الحق لهم أو عليهم.\nوفيه من الأحاديث: حديث أَبي هريرة المذكور في أول الباب قبله، وهو قوله: «إذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَاجْتَنِبُوه ...» الحديث..\nوغيره من الأحاديث فِيهِ.\n\nالدالَّة على وجوب طاعة الله ورسوله.","vol":"1","page":134},{"text":"[١٦٨] عن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول الله - ﷺ -: ﴿للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ الآية [البقرة (٢٨٤)] .\nاشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى أصْحَابِ رَسُول الله - ﷺ -، فَأتَوا رَسُول الله - ﷺ - ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أيْ رسولَ الله، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةَ والجِهَادَ والصِّيامَ والصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِهِ الآيَةُ وَلا نُطيقُها. قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكتَابَينِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا سَمِعنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ» [قَالُوا: سمعنا وأَطعنا غفرانك ربنا وإِليك المصير] .\nفَلَمَّا اقْتَرَأَهَا القومُ، وَذَلَّتْ بِهَا ألْسنَتُهُمْ أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى في إثرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة (٢٨٥)] فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأنزَلَ الله - ﷿ -: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ: نَعَمْ ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ: نَعَمْ ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ قَالَ: نَعَمْ ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ: نَعَمْ. رواه مسلم.","vol":"1","page":135},{"text":"قال السدي: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة (٢٨٦)] طاقتها وحديث النفس مما لا يطيقون.\nوفي الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>١٨- باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور</span>\n\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلال﴾ [يونس (٣٢)] .\n\nأي: لأنهما ضِدَّان وبترك الحق يقع الضلال، والحق ما جاء به الكتاب والسنة.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ [الأنعام (٣٨)] .\n\nقال البغوي: الكتاب: اللوح المحفوظ.\nوقيل: المراد بالكتاب: القرآن.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء (٥٩)] أيِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.\n\nذكر تعالى في أول هذه الآية الأمر بطاعة الله، وطاعة رسوله، وأولي الأمر، ثم قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء (٥٩)]، فإذا اختلف العلماء في حكم من الأحكام قُدَّم الأقرب إلى الدليل من القرآن والحديث.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام (١٥٣)] .","vol":"1","page":136},{"text":"الصراط المستقيم: الإسلام. والسُّبُل المتفرقة: هي البدع.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران (٣١)] .\n\nقال الحسن البصري: زعم قومٌ محبة الله فابتلاهم الله بهذه الآية.\nوَالآياتُ في البَابِ كَثيرةٌ مَعلُومَةٌ.\nوَأَمَّا اَلأحادِيثُ فَكَثيرَةٌ جدًا، وَهيَ مَشْهُورَةٌ فَنَقْتَصِرُ عَلَى طَرَفٍ مِنْهَا:\n\n[١٦٩] عن عائشة ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ أحْدَثَ في أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيهِ أمرُنا فَهُوَ رَدٌّ» .\n\nهذا الحديث: من أصول الدين وقواعده، فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهيّ عنها، وفي ردِّ المحدثاث وجميع المنهيّات.\n\n[١٧٠] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ ... عَينَاهُ، وَعَلا صَوتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأنَّهُ مُنْذِرُ جَيشٍ، يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» وَيَقُولُ: «بُعِثتُ أنَا والسَّاعَةُ كَهَاتَينِ» وَيَقْرِنُ بَيْنَ أُصبُعَيهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ خَيْرَ الحَديثِ كِتَابُ الله، وَخَيرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَة ضَلالَةٌ» ثُمَّ يَقُولُ: «أنَا أوْلَى بِكُلِّ مُؤمِنٍ مِنْ نَفسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإلَيَّ وَعَلَيَّ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":137},{"text":"محدثات الأمور ما لم يكن معروفًا في الكتاب والسنة ولا أصل له فيهما.\nوعن العرباض بن سَارية - ﵁ - حدِيثه السابق في بابِ المحافظةِ عَلَى السنةِ.\nوفيه: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنَّتي ...» إلخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>١٩- باب فيمن سن سنة حسنة أَوْ سيئة</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان (٧٤)] .\n\nأي: أئمة يُقْتَدى بنا في الخير، ولنا نفع متعد إلى غيرنا.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء (٧٣)] .\n\nلما صبروا على أوامر الله ومصائبه، فبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين.\n\n[١٧١] عن أَبي عمرو جرير بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: كنا في صَدْرِ ... النَّهَارِ عِنْدَ رَسُول الله - ﷺ - فَجَاءهُ قَومٌ عُرَاةٌ مُجْتَابي النِّمَار أَوْ العَبَاء، مُتَقَلِّدِي السُّيُوف، عَامَّتُهُمْ من مضر بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُول الله - ﷺ - لما رَأَى بِهِمْ مِنَ الفَاقَة، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: «﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ ... رَقِيبًا﴾، والآية الأُخْرَى التي في آخر الحَشْرِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرهمِهِ، مِنْ ثَوبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشقِّ تَمرَةٍ»","vol":"1","page":138},{"text":"فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعجَزُ عَنهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ\nتَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأيْتُ كَومَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأيْتُ وَجْهَ ... رَسُول الله - ﷺ - يَتَهَلَّلُ كَأنَّهُ مُذْهَبَةٌ. فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُهَا، وَأجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدَهُ، مِنْ غَيرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورهمْ شَيءٌ، وَمَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أوْزَارِهمْ شَيءٌ» . رواه مسلم.\nقَولُهُ: «مُجْتَابِي النِّمَارِ» هُوَ بالجيم وبعد الألِف باءٌ مُوَحَّدَةٌ، والنِّمَارِ جَمْعُ نَمِرَةٍ وَهِيَ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ مُخَطَّطٌ. وَمَعْنَى «مُجْتَابِيهَا»، أي: لاَبِسيهَا قَدْ خَرَقُوهَا في رُؤوسِهِم. وَ«الجَوْبُ» القَطْعُ، ومِنْهُ قَولُهُ تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي نَحتُوهُ وَقَطَعُوهُ. وَقَولُهُ: «تَمَعَّرَ» هُوَ بالعين المهملة: أيْ تَغَيَّرَ. وَقَولُهُ: «رَأَيْتُ كَوْمَينِ» بفتح الكافِ وَضَمِّهَا: أي صُبْرَتَيْنِ. وَقَولُهُ: «كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ» هُوَ بالذال المُعْجَمَةِ وفتح الهاءِ والباءِ الموحَّدةِ قالَهُ القاضي عِيَاضٌ وَغَيرُهُ وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: «مُدْهُنَةٌ» بدَال مهملة وَضَمِّ الهاءِ وبالنونِ وكذا ضبطه الحميدي. والصحيح المشهور هُوَ الأول. والمراد بهِ عَلَى الوجهين: الصفاءُ والاستنارة.\n\nسبب تَمَعُّرِ وَجْه رسول الله - ﷺ -، شدَّة احتياج هؤلاء مع عدم مواساة الأغنياء لهم، مما يدفع ضررهم، ولهذا استنار وجهه حين حصل ما يسدّ فاقتهم.\n[١٧٢] وعن ابنِ مسعود - ﵁ - أن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ مِنْ نَفْس تُقْتَلُ ظُلْمًا إلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوْلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأَنَّهُ كَانَ أوَّلَ مَنْ سَنَّ القَتلَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":139},{"text":"ابن آدم المذكور: هو قابيل. والمقتول: هابيل. وهما المذكوران في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ الآيات [المائدة (٢٧)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٢٠- باب في الدلالة عَلَى خير والدعاء إِلَى هدى أَوْ ضلالة</span>\n\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص (٨٧)] .\n\nأي: ادع الناس إلى ربك بتوحيده وطاعته.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة﴾ [النحل (١٢٥)] .\n\nالحكمة: القرآن، أي: ادع إلى دين الله بآيات القرآن ومواعظه، بلين ورفق وحُسْن خطاب.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة (٢)] .\n\nوهذا الأمر عام في جميع الطاعات.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران (١٠٤)] .\n\nفيه: إشارة إلى أنَّ الدعاة إلى الخير أفضل الأمَّة.\n[١٧٣] وعن أَبي مسعود عُقبةَ بنِ عمرو الأنصاري البدري - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ» . رواه مسلم.\n\nوأوله عن أبي مسعود قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إني أبدِع بي فاحملني. قال: «ما عندي» . قال رجل: يَا رسول الله، أنا أدلّه على من يحمله، فقال رسول الله - ﷺ -: «من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله» .","vol":"1","page":140},{"text":"[١٧٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّ رَسُول الله - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدَىً، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَه، لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أجُورِهمْ شَيئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ، كَانَ عَلَيهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيئًا» . رواه مسلم.\n\nيشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت (١٢، ١٣)] .\n\n[١٧٥] وعن أَبي العباس سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يوم خَيبَر: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رجلًا يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيهِ، يُحبُّ اللهَ وَرَسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ»، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أيُّهُمْ يُعْطَاهَا. فَلَمَّا أصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رسولِ الله - ﷺ - كُلُّهُمْ يَرْجُو أنْ يُعْطَاهَا. فَقَالَ: «أينَ عَلِيُّ بنُ أَبي طالب؟» فقيلَ: يَا رسولَ الله، هُوَ يَشْتَكي عَيْنَيهِ. قَالَ: «فَأَرْسِلُوا إِلَيْه» فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رسولُ الله - ﷺ - في\nعَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ فَبَرِئَ حَتَّى كأنْ لَمْ يكُن بِهِ وَجَعٌ، فأعْطاهُ الرَّايَةَ. فقَالَ عَليٌّ - ﵁ -: يَا رَسُول اللهِ، أقاتِلُهمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بسَاحَتهمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإسْلاَمِ، وَأخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَالله لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقوله: «يَدُوكُونَ»: أي يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ. وقوله: «رِسْلِكَ» بكسر الراءِ وبفتحها لغتانِ، والكسر أفصح.","vol":"1","page":141},{"text":"في هذا الحديث: بيانُ فضل الدعاء إلى الهدى، وعظيمِ أجر من اهتدى بسببه أحد.\n\n[١٧٦] وعن أنس - ﵁ -: أن فتىً مِنْ أسلم قَالَ: يَا رَسُول الله، إنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ وَلَيْسَ معي مَا أتَجَهَّز بِهِ، قَالَ: «ائتِ فُلاَنًا فإنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ» فَأتَاهُ، فَقَالَ: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - يُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ: أعْطني الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ، فَقَالَ: يَا فُلاَنَةُ، أعْطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلا تَحْبِسي مِنْهُ شَيئًا، فَواللهِ لا تَحْبِسِين مِنْهُ شَيئًا فَيُبَاركَ لَكِ فِيهِ. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ من نوى صرف شيء في خير وتعذَّر عليه، استُحبَّ له بذلك في خير آخر. ومناسبة الحديث للترجمة دلالته - ﷺ - لذلك المنقطع على ذلك الذي تجهز ثم مرض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٢١- باب التعاون عَلَى البر والتقوى</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة (٢)] .\nيأمر تعالى عباده المؤمنين بالتعاون على الطاعات وترك المعاصي.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر (١: ٣)] .\nقَالَ الإمام الشافعي - ﵀ - كلامًا معناه: إنَّ النَّاسَ أَوْ أكثرَهم في غفلة عن تدبر هذِهِ السورة.\n\nصرَّح بكلام الشافعي شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقال: قال الشافعي رحمه الله تعالى: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم. يعني أنها تضمنت أحوال الناس، فأخبر تعالى أنَّ الناس كلهم في خسار إلا مَنْ آمن وعمل صالحًا وصبر.","vol":"1","page":142},{"text":"[١٧٧] وعن أَبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - قَالَ: قَالَ\nرسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا في سَبيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازيًا في أهْلِهِ بِخَيرٍ فَقَدْ غَزَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ مَن أعان على فعل خير كان له مثل أجر عامله.\n\n[١٧٨] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ -: أن رَسُول الله - ﷺ - بعث بعثًا إِلَى بني لِحْيَان مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَالَ: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالأجْرُ بَيْنَهُمَا» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: دلالة على أنَّ الغازي والخالف له بخير، أجرهما سواء.\n\n[١٧٩] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - لَقِيَ رَكْبًا بالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟» قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنتَ؟ قَالَ: «رَسُول الله»، فرفعت إِلَيْه امرأةٌ صبيًا، فَقَالَتْ: ألِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: دليل على صحة حج الصبي وثبوت أجر وليِّه، ولا تجزيه عن حجة الإسلام.\n\n[١٨٠] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - أنَّه قَالَ: «الخَازِنُ المُسْلِمُ الأمِينُ الَّذِي يُنفِذُ مَا أُمِرَ بِهِ فيُعْطيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أحَدُ المُتَصَدِّقين» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: «الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ» وضبطوا «المُتَصَدِّقَينِ» بفتح","vol":"1","page":143},{"text":"القاف مَعَ كسر النون عَلَى التثنية، وعكسه عَلَى الجمعِ وكلاهما صحيح.\n\nنبّه - ﷺ - بقوله: «كاملًا موفرًا طيبة بها نفسه» . على ما هو الغالب على خزان المال من الطمع والعبوس والحسد، فمن فعل ذلك فهو أبخل البخلاء، ومن دفعه كاملًا بغير تكدير فله أجر المعطي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٢٢- باب النصيحة</span>\n\nقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات (١٠)] .\nفي التعبير بالأُخوَّة إيماء إلى تأكيد النصيحة.\nوَقالَ تَعَالَى: إخبارًا عن نوحٍ - ﷺ -: ﴿وَأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف (٦٢)] .\nوعن هود - ﷺ -: ﴿وَأنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف (٦٨)] .\nقال بعض العلماء: علامة النصيحة ثلاث: اغتمام القلب بمصائب المسلمين، وبذل النصح لهم وإرشادهم إلى مصالحهم وإنْ جهلوا وكَرِهُوْهُ.\nوأما الأحاديث:\n\n[١٨١] فالأول: عن أَبي رُقَيَّةَ تَمِيم بن أوس الداريِّ - ﵁ -: أنَّ النَّبيّ - ﷺ -، قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحةُ» قلنا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» . رواه مسلم.\n\nهذا الحديث: عليه مدار الإسلام، والنصيحةُ عماد الدين وقوامه.\nفالنصيحة لله: الإيمان به، ونفي الشريك عنه، ووصفه بصفات الكمال، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه، والبعض فيه، وشكره على نعمه.\nوالنصيحة لكتابه: الإيمان بأنه تنزيله، وتلاوته، والعمل به، وتفهم علومه، وأمثاله.","vol":"1","page":144},{"text":"والنصيحة لرسوله: تصديقه، وطاعته ونصرُ سنته.\nوالنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم، وتنبيههم، وتذكيرهم برفق، وترك الخروج عليهم، والدعاء لهم.\nوالنصيحة لعامتهم: إرشادهم لمصالحهم في دينهم ودنياهم، وإعانتهم، وستر عوراتهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفق.\n\n[١٨٢] الثاني: عن جرير بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: بَايَعْتُ رسولَ الله - ﷺ - عَلَى إقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: وجوب النصيحة، وهي لازمة على قدر الحاجة، إذا علم الناصح أنه يُقبل نصحه وأمن على نفسه المكروه.\n\n[١٨٣] الثالث: عن أنس - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «لا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحبُّ لِنَفْسِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أنه لا يؤمن المسلم حتى يحب لأخيه من الخير والطاعات ما يحب لنفسه.\nقال ابن الصلاح: وهذا قد يُعَدُّ من الصعب الممتنع، وليس كذلك. إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه. والقيام بذلك يحصل بأنْ يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، بحيث لا ينقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك يسهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل، عافانا الله من ذلك آمين.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>٢٣- باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران (١٠٤)] .\nالمعروف: كل فعل يعرف حسنه بالشرع، والعقل، والمنكر ضد ذلك.\nقال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾، منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nقال البغوي: والخير: الإسلام.\nقال في «جامع البيان»: أمة: جماعة يدعون الناس إلى الخير، إتباع القرآن وسنَّة رسول الله - ﷺ - وعلى آله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عطف الخاص على العام لشرفه؛ لأنَّ الخير أعمّ.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾ [آل عمران (١١٠)] .\n\nأي: كنتم يَا أمة محمد خير أمة أنفع الناس للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فمن تحقق فيه هذا الوصف فهو من أفضل الأمة.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف (١٩٩)] .\n\nأي: خذ العفو من أخلاق الناس كقبول أعذارهم، والمساهلة معهم، والصبر عليهم، ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، المعروف ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ . لا تقابل السفه بالسفه.","vol":"1","page":146},{"text":"وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة (٧١)] .\nيخبر تعالى أنَّ المؤمنين أنصارٌ يتعاونون على العبادة، ويتبادرون إليها يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ضد وصف المنافقين فإنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة (٧٨، ٧٩)] .\n\nقال ابن عباس: لُعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد - ﷺ - في القرآن.\nوفي حديث ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده لتأمُرُنّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم» .\n\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف (٢٩)] .\n\nأي: إذا بينت لكم الحق فلا أبالي بإيمان من آمن، وكفر من كفر.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر﴾ [الحجر (٩٤)] .\n\nأي: اجهر بما أمرك الله بتبليغه.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف (١٦٥)] .","vol":"1","page":147},{"text":"أول الآية: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء ...﴾ الآية. نزلت في أصحاب السبت، وهي عامة في كل من فعل مثل فعلهم.\nوَالآيات في الباب كثيرة معلومة.\nوأما الأحاديث:\n\n[١٨٤] فالأول: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ» . رواه مسلم.\n\nهذا الحديث: دليل على وجوب تغيير المنكر بحسب القدرة.\nقال الإمام أحمد: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح.\nوقال: الناس محتاجون إلى مداراة ورفق، الأمر بالمعروف بلا غلطة، إلا رجل معلن بالفسق فلا حرمة له، وقال أيضًا: يأمر بالرفق، فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب، فيكون يريد أنْ ينتصر لنفسه.\n\n[١٨٥] الثاني: عن ابن مسعود - ﵁ -: أن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ نَبيٍّ بَعَثَهُ اللهُ في أمَّة قَبْلِي إلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأصْحَابٌ يَأخُذُونَ بِسنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلبِهِ فَهُوَ مُؤمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلسَانِهِ فَهُوَ مُؤمِنٌ، وَلَيسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ الإيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَل» . رواه مسلم.","vol":"1","page":148},{"text":"الحواريٌّون: الأصفياء، الناصرون.\nوفي الحديث: دليل على تفاوت مراتب الإيمان، وأنَّ عدم إنكار القلب دليل على ذهاب الإيمان منه، ولهذا قال ابن مسعود: هلكت إنْ لم يعرف قلبك المعروف، وينكر المنكر.\nوفي سنن أبي داود: عن النبي - ﷺ - قال: «إذا عُملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» .\n\n[١٨٦] الثالث: عن أبي الوليدِ عبادة بن الصامِت - ﵁ - قَالَ: بَايَعْنَا\nرَسُول الله - ﷺ - عَلَى السَّمْعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ إلا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِيهِ بُرْهَانٌ، وَعَلَى أنْ نَقُولَ بالحَقِّ أيْنَمَا كُنَّا لا نَخَافُ في اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«المَنْشَطُ وَالمَكْرَهُ» بفتح ميمَيْهِما: أي في السهل والصعب. وَ«الأثَرَةُ»: الاختِصاص بالمشترَكِ وقد سبق بيانها. «بَوَاحًا» بفتح الباءِ الموحدة بعدها واو ثُمَّ ألف ثُمَّ حاءٌ مهملة: أي ظاهِرًا لا يحتمل تأويلًا.\n\nفي هذا الحديث: دليل عل وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإنْ جاروا، وأنه لا يجوز الخروج عليهم ما لم يظهروا كفرًا واضحًا لا يحتمل التأويل.\n\n[١٨٧] الرابع: عن النعمان بن بشير ﵄ عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ في حُدُودِ اللهِ وَالوَاقعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَومٍ","vol":"1","page":149},{"text":"اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ\nفَصَارَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا جَميعًا، وَإنْ أخَذُوا عَلَى أيدِيهِمْ نَجَوا وَنَجَوْا جَميعًا» . رواه البخاري.\n«القَائِمُ في حُدُودِ اللهِ تَعَالَى» معناه: المنكر لَهَا، القائم في دفعِها وإزالتِها، وَالمُرادُ بالحُدُودِ: مَا نَهَى الله عَنْهُ. «اسْتَهَمُوا»: اقْتَرَعُوا.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أن عقوبة المعاصي، تَعُمّ إذا تُرك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال (٢٥)] .\n\n[١٨٨] الخامس: عن أُمِّ المؤمنين أم سلمة هند بنت أَبي أمية حذيفة ﵂، عن النَّبيّ - ﷺ - أنه قَالَ: «إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعرِفُونَ وتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالوا: يَا رَسُول اللهِ، ألا نُقَاتِلهم؟ قَالَ: «لا، مَا أَقَامُوا فيكُمُ الصَّلاةَ» . رواه مسلم.\nمعناه: مَنْ كَرِهَ بِقَلْبهِ وَلَمْ يَسْتَطِعْ إنْكَارًا بِيَدٍ وَلا لِسَانٍ فقَدْ بَرِئَ مِنَ الإِثْمِ، وَأَدَّى وَظيفَتَهُ، وَمَنْ أَنْكَرَ بحَسَبِ طَاقَتِهِ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ هذِهِ المَعْصِيَةِ وَمَنْ رَضِيَ بِفِعْلِهِمْ وَتَابَعَهُمْ فَهُوَ العَاصِي.\nفي هذا الحديث: دليل على وجوب إنكار المنكر على حسب القدرة، ولا يجوز الخروج على وُلاة الأمر، إلا إذا تركوا الصلاة، لأنها الفارقة بين الكفر والإسلام.","vol":"1","page":150},{"text":"[١٨٩] السادس: عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنتِ جحش ﵂: أن النَّبيّ - ﷺ - دخل عَلَيْهَا فَزِعًا، يقول: «لا إلهَ إلا الله، وَيلٌ للْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِثلَ هذِهِ»، وحلّق بأُصبُعيهِ الإبهامِ والتي تليها، فقلتُ: يَا رَسُول الله، أنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقال الحافظ: والمراد بالشر ما وقع بعده - ﷺ - من قتل عثمان، ثم توالت الفتن حتى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكَلَة.\nوالمراد بالردم: السد الذي بناه ذو القرنين. انتهى.\nوفي الحديث: بيان شؤم المعاصي والتحريض على إنكارها، وأنها إذا كثرت فقد يحصل الهلاك العام، وإنْ كثر الصالحون.\n\n[١٩٠] السابع: عن أَبي سعيد الخُدري - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ في الطُّرُقَاتِ!» فقالوا: يَا رَسُول الله، مَا لنا مِنْ مجالِسِنا بُدٌّ، نتحدث فِيهَا. فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «فَإذَا أبَيْتُمْ إلا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّريقَ حَقَّهُ» . قالوا: وما حَقُّ الطَّريقِ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهيُ عن المُنْكَرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nفي هذ االحديث: استحباب ترك الجلوس في الطريق، وأنَّ مَنْ جلس فعليه القيام، بما ذكر من غض البصر عما لا يحل، وكف الأذى بفعل أو قول، وإذا رأى ما يعجبه فليقل: ما شاء الله، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.","vol":"1","page":151},{"text":"وورد في بعض الأحاديث زيادات على ما ذكر\nوجمعها بعض العلماء في أبيات فقال:\nجمعت آداب من رام الجلوس على الطريق ... من قول خير الخلق إنسانا\nافش السلام وأحسن في الكلام وشمّت ...؟؟ ... عاطسًا وسلامًا رد إحسانا ...؟؟\nفي العمل عاون ومظلومًا أعن وأغِث ... لهفان اِهْدِ سبيلًا، واهدِ حيرانا\nبالعرف أمُرْ وانهَ عن منكر وكف أذى ...؟؟ ... وغضّ طرفًا وأكثر ذكر مولانا ...؟؟\n\n[١٩١] الثامن: عن ابن عباس ﵄: أن رَسُول الله - ﷺ - رأى خاتَمًا مِنْ ذهبٍ في يدِ رجلٍ فنَزعه فطرحه، وَقالَ: «يَعْمدُ أحَدُكُمْ ... إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا في يَدِهِ!» فقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَمَا ذهب ... رَسُول اللهِ - ﷺ -: خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ. قَالَ: لا والله لا آخُذُهُ أبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رسولُ الله - ﷺ -. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: إزالة المنكر باليد للقادر عليه، وأنَّ النهي عن خاتم الذهب للتحريم.\nوفيه: المبالغة في امتثال أمر النبي - ﷺ - واجتناب نهيه، ولهذا ترك الرجل أخذ الخاتم، وأخذُه جائز للانتفاع به.\n[١٩٢] التاسع: عن أَبي سعيد الحسن البصري: أن عائِذَ بن عمرو - ﵁ - دخل عَلَى عُبَيْدِ اللهِ بنِ زياد، فَقَالَ: أي بُنَيَّ، إني سمعت رَسُول الله - ﷺ -، يقول: «إنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَةُ» فَإِيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ: اجلِسْ فَإِنَّمَا أنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أصْحَابِ مُحَمَّد - ﷺ -، فَقَالَ: وهل كَانَتْ لَهُم نُخَالَةٌ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفي غَيْرِهِمْ. رواه مسلم.\n\nالحطمة: العنيف في رعيته لا يرفق بها في سوقها، ومرعاها، وشربها.","vol":"1","page":152},{"text":"وفي هذا الحديث: أمر الأمراء بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفق.\nوفيه: فضل الصحابة ﵃.\nوفي الحديث المشهور: «أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم» .\n\n[١٩٣] العاشر: عن حذيفة - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُوْنَهُ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حديث حسن) .\n\nفي هذا الحديث: أنه إذا لم يُنْكَر المنكر عمَّ شؤمه وبلاؤه بجَوْر الولاة أو تسليط الأعداء، أو غير ذلك.\n\n[١٩٤] الحادي عشر: عن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: ... «أفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .\n[١٩٥] الثاني عشر: عن أَبي عبدِ الله طارِقِ بن شِهاب البَجَليِّ الأَحْمَسِيّ - ﵁ -: أنَّ رجلًا سأل النَّبيّ - ﷺ - وقد وضع رِجله في الغَرْزِ: أيُّ الجِهادِ أفضلُ؟ قَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ» . رواه النسائي بإسناد صحيح.\n«الغرز» بغين معجمة مفتوحة ثُمَّ راء ساكنة ثُمَّ زاي: وَهُوَ ركاب كَوْرِ الجملِ إِذَا كَانَ من جلد أَوْ خشب وقيل: لا يختص بجلد وخشب.","vol":"1","page":153},{"text":"إنما كان ذلك أفضل الجهاد لأنَّه يدل على كمال يقين فاعله، وقوَّة إيمانه، حيث تكلَّم بالحق عند هذا السلطان الجائر، ولم يخف من بطشه بل باع نفسه وقدَّم أمر الله.\n\n[١٩٦] الثالث عشر: عن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ أوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ الله ودَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الغَدِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وَشَريبَهُ وَقَعيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ ضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ» ثُمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ - إِلَى قوله - ﴿فاسِقُونَ﴾ [المائدة (٧٨: ٨١)] .\nثُمَّ قَالَ: «كَلا، وَاللهِ لَتَأمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، وَلَتَأخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأطِرُنَّهُ عَلَى الحَقِّ أطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّه عَلَى الحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ ليَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: (حديث حسن) .\nهَذَا لفظ أَبي داود، ولفظ الترمذي، قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ في المَعَاصي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهمْ، وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَربَ اللهُ قُلُوبَ بَعضِهِمْ بِبعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسانِ دَاوُد وعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بما عَصَوا وَكَانُوا يَعتَدُونَ» فَجَلَسَ رَسُول الله - ﷺ - وكان مُتَّكِئًا، فَقَالَ: «لا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأطِرُوهُمْ عَلَى الحَقِّ أطْرًا» .","vol":"1","page":154},{"text":"قوله: «تَأطِرُوهم»: أي تعطفوهم. «ولتقْصُرُنَّهُ»: أي لتحبِسُنَّه.\n\nهؤلاء الملعون جمعوا بين فعل المنكر والتجاهرَ به.\nوفي الحديث: وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنهي عن مجالسة أهل المعاصي.\n\n[١٩٧] الرابع عشر: عن أَبي بكر الصديق - ﵁ - قَالَ: يَا أيّها النَّاس، إنّكم لتَقرؤُون هذِهِ الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة (١٠٥)] .\nوإني سمعت رَسُول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يأخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» . رواه أَبُو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة.\n\nمعناه: أنكم تقرؤون هذه الآية وتتوهَّمون أن من فعل ما أُمر به وترك ما نُهي عنه في نفسه أنْ لا حرج عليه في عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يَجِب كما في الحديث الآخر: «يَا أيها الناس، مُروا بالمعروف، وتناهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًّا مطاعًا، وهوًى متَّبعًا، ودنيا مُؤثرة، وإعجاب كلُّ ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، ودع عنك العوام» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>٢٤- باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف</span>\nأَوْ نهى عن منكر وخالف قوله فعله\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة (٤٤)] .\n\nفي هذا الآية: توبيخ وتقريع لمن أمر بالطاعة ولم يفعل.","vol":"1","page":155},{"text":"وفيها: تنبيه على أنَّ ذلك خلاف العقل.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف (٢، ٣)] .\n\nالمقت: أشد البغض.\nوَقالَ تَعَالَى إخبارًا عن شعيب - ﷺ -: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود (٨٨)] .\nأي: ما أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أرتكبه.\nقال الشاعر:\nلا تَنْه عن خُلُقٍ وتأتيَ مثله ...؟؟ ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيما ...؟؟؟\n\n[١٩٨] وعن أَبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة ﵄، قَالَ: سمعت رَسُول الله - ﷺ - يقول: «يُؤْتَى بالرَّجُلِ يَوْمَ القيَامَةِ فَيُلْقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتَابُ بَطْنِهِ فَيدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ في الرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْه أهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلانُ، مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُ تَأمُرُ بالمعْرُوفِ وَتنهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيقُولُ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ، وأنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقوله: «تَنْدلِقُ» هُوَ بالدالِ المهملةِ، ومعناه تَخرُجُ. وَ«الأَقْتَابُ»: الأمعاءُ، واحدها قِتْبٌ.\n\nفي هذا الحديث: وعيدٌ شديد لمن خالف قوله فعله، وأنَّ العذاب يُشَدَّدُ على العالِم إذا عصى أعظم من غيره، كما يضاعف له الأجر إذا عمل بعلمه.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>٢٥- باب الأمر بأداء الأمانة</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ... [النساء (٥٨)] .\nسبب نزول هذه الآية: أنَّ النبي - ﷺ - أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، وهي عامة في كل الأمانات.\nوقال ابن عباس وغيره: نزلت في الأمراء وأنْ يؤدوا الأمانة فيما ائتمنهم الله من أمر رعيته.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب (٧٢)] .\n\nقال ابن عباس: الأمانة: الفرائض التي افترضها الله على العباد.\nوقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ...﴾ قال: فلما عُرضت على آدم، قال: أي رب وما الأمانة؟ ! قال: قيل: إنْ أدَّيتها جُزيت، وإنْ ضيَّعتها عوقبت. قال: أي رب حملتها بما فيها؟ قال: فما مكث في الحنة إلا قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس، حتى عمل بالمعصية فأُخرجَ منها.","vol":"1","page":157},{"text":"[١٩٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «آيةُ المُنافقِ ثلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعدَ أخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ» .\n\nالحديث: دليل على أنَّ هذه الخصال من علامات النفاق.\nوفي حديث عبد الله بن عمرو: «أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَنْ كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتُمِنَ خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر» .\n\n[٢٠٠] وعن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قَالَ: حدثنا رَسُول الله - ﷺ - حدِيثَينِ قَدْ رأيْتُ أحَدَهُمَا وأنا أنتظرُ الآخر: حدثنا أن الأمانة نَزلت في جَذرِ قلوبِ الرجال، ثُمَّ نزل القرآن فعلموا مِنَ القرآن، وعلِموا من السنةِ.\nثُمَّ حدّثنا عن رفع الأمانة، فَقَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبهِ، فَيَظَلُّ أثَرُهَا مِثلَ الوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّومَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبهِ، فَيَظَلُّ أثَرُهَا مِثلَ أَثَرِ المَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبرًا وَلَيسَ فِيهِ شَيءٌ» ثُمَّ أخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ «فَيُصْبحُ النَّاسُ يَتَبَايعُونَ، فَلا يَكَادُ أحدٌ يُؤَدّي الأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إنَّ في بَني فُلانٍ رَجُلًا أمينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أعْقَلَهُ! وَمَا في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّة مِن خَرْدَل مِنْ إيمَان» .","vol":"1","page":158},{"text":"وَلَقدْ أتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أيُّكُمْ بَايَعْتُ: لَئن كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عليَّ دِينهُ، وَإنْ كَانَ نَصْرانِيًّا أَوْ يَهُودِيًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا اليَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايعُ مِنْكُمْ إلا فُلانًا وَفُلانًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقوله: «جَذْرُ» بفتح الجيم وإسكان الذال المعجمة: وَهُوَ أصل الشيء وَ«الوكت» بالتاء المثناة من فوق: الأثر اليسير. وَ«المَجْلُ»\nبفتح الميم وإسكان الجيم: وَهُوَ تَنَفُّطٌ في اليدِ ونحوها من أثرِ عمل وغيرِهِ. قوله: «مُنْتَبرًا»: مرتفِعًا. قوله: «ساعِيهِ»: الوالي عَلَيهِ.\n\nيعني: أنَّ الأمانة نزلت في القلوب بالفطرة، ثم نزل القرآن شفاء من الجهل، نور على نور، وقول حذيفة: حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثين - يعني: في الأمانة -، وهذا أحدهما.\nوالثاني قوله: ثم حدثنا عن رفع الأمانة، ولا تقبض الأمانة إلا بسوء العمل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد (١١)] .\n\n[٢٠١] وعن حُذَيفَة وأبي هريرة ﵄ قالا: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «يَجمَعُ اللهُ ﵎ النَّاسَ فَيَقُومُ المُؤمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الجَنَّةُ، فَيَأتُونَ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيهِ، فَيقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الجَنَّةَ، فَيقُولُ: وَهَلْ أخْرَجَكُمْ مِنَ الجَنَّةِ إلا خَطيئَةُ أبيكُمْ ! لَسْتُ بِصَاحِبِ ... ذلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْراهيمَ خَلِيل اللهِ.\nقَالَ: فَيَأتُونَ إبرَاهِيمَ فَيَقُولُ إبراهيم: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ إِنَّمَا كُنْتُ خَليلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمَدُوا إِلَى مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ الله تَكليمًا. فَيَأتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لستُ بِصَاحِبِ ذلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسى كلمةِ اللهِ ورُوحه، فيقول عيسى: لستُ بصَاحبِ ذلِكَ.","vol":"1","page":159},{"text":"فَيَأتُونَ مُحَمَّدًا - ﷺ - فَيَقُومُ فَيُؤذَنُ لَهُ، وتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَيَقُومانِ جَنْبَتَي الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أوَّلُكُمْ كَالبَرْقِ» قُلْتُ: بأبي وَأمِّي،\nأيُّ شَيءٍ كَمَرِّ البَرقِ؟ قَالَ: «ألَمْ تَرَوا كَيْفَ يمُرُّ وَيَرْجِعُ في طَرْفَةِ عَيْن، ثُمَّ كَمَرّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَأَشَدِّ الرِّجَال تَجْري بهمْ أعْمَالُهُمْ، وَنَبيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّراطِ، يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أعْمَالُ العِبَادِ، حَتَّى يَجِيء الرَّجُلُ لا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إلا زَحْفًا، وَفي حَافَتي الصِّراطِ كَلاَلِيبُ معَلَّقَةٌ مَأمُورَةٌ بِأخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمُكَرْدَسٌ في النَّارِ» وَالَّذِي نَفْسُ أَبي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، إنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا. رواه مسلم.\nقوله: «وراء وراء» هُوَ بالفتح فيهما. وقيل: بالضم بلا تنوين ومعناه: لست بتلك الدرجة الرفيعة، وهي كلمة تذكر عَلَى سبيل التواضع. وقد بسطت معناها في شرح صحيح مسلم، والله أعلم.\n\nهذا حديث جليل القدر، مشتمل على فوائد كثيرة، والشاهد من الحديث للترجمة قوله: \" وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط \".\nوذلك لعظم أمرهما وكبر موقعهما، فمن أدَّى الأمانة ووصل الرحم نجا.\n\n[٢٠٢] وعن أَبي خُبيب - بضم الخاء المعجمة - عبد الله بن الزبير ﵄، قَالَ: لَمَّا وَقفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَل دَعَانِي فَقُمْتُ إِلَى جَنْبه، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إنَّهُ لا يُقْتَلُ اليَومَ إلا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإنِّي لا أراني إلا سَأُقْتَلُ اليوم مظلومًا، وإنَّ مِنْ أكبرَ هَمِّي لَدَيْنِي، أفَتَرَى","vol":"1","page":160},{"text":"دَيْننا يُبقي من مالِنا شَيئًا؟ ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ، بعْ مَا لَنَا وَاقْضِ دَيْنِي، وَأوْصَى بِالثُّلُثِ وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ، يعني لبني عبد الله بن الزبير ثُلُثُ الثُّلُث. قَالَ: فَإنْ فَضَلَ مِنْ\nمَالِنَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّينِ شَيء فَثُلُثُه لِبَنِيكَ. قَالَ هِشَام: وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللهِ قَدْ وَازى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ خُبيبٍ وَعَبَّادٍ، وَلهُ يَوْمَئذٍ تِسْعَةُ بَنينَ وَتِسْعُ بَنَات.\nقَالَ عَبدُ الله: فَجَعلَ يُوصينِي بدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، إنْ عَجَزْتَ عَن شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِنْ عَلَيهِ بِمَوْلاَيَ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا دَرَيْتُ مَا أرَادَ حَتَّى ... قُلْتُ: يَا أبَتِ مَنْ مَوْلاَكَ؟ قَالَ: الله. قَالَ: فَوَاللهِ مَا وَقَعْتُ في كُرْبةٍ مِنْ دَيْنِهِ إلا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ فَيَقْضِيَهُ. قَالَ: فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ وَلَم يَدَعْ دِينَارًا وَلا دِرْهمًا إلا أرَضِينَ، مِنْهَا الغَابَةُ وإحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بالمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بالبَصْرَةِ، ودَارًا بالكُوفَةِ، ودَارًا بمِصْرَ.\nقَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ أنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأتِيهِ بالمال، فَيَسْتَودِعُهُ إيَّاهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لا، وَلَكِنْ هُوَ سَلَفٌ إنِّي أخْشَى عَلَيهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا وَليَ إمَارَةً قَطُّ وَلا جِبَايَةً، ولا خراجًا، وَلا شَيئًا إلا أنْ يَكُونَ في غَزْوٍ مَعَ رسولِ الله - ﷺ - أَوْ مَعَ أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - ﵃ -، قَالَ عَبدُ الله: فَحَسَبْتُ مَا كَانَ عَلَيهِ مِن الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ ألْفيْ ألْفٍ وَمئَتَي ألْف ! فَلَقِيَ حَكِيمُ بنُ حِزَام عَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أخِي، كَمْ عَلَى أخي مِنَ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمْتُهُ وَقُلْتُ: مِئَةُ ألْف. فَقَالَ حَكيمٌ: واللهِ مَا أرَى أمْوَالَكُمْ تَسَعُ هذِهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أرَأيْتُكَ إنْ كَانَتْ ألْفَي ألف وَمائَتَيْ ألْف؟ قَالَ: مَا أرَاكُمْ تُطيقُونَ هَذَا، فَإنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بي.\nقَالَ: وَكَانَ الزُّبَيرُ قَد اشْتَرَى الغَابَةَ بِسَبْعِينَ ومئة ألف، فَبَاعَهَا","vol":"1","page":161},{"text":"عَبدُ اللهِ بِألْفِ ألْف وَسِتّمِئَةِ ألْف، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيرِ شَيْء فَلْيُوافِنَا بِالغَابَةِ، فَأتَاهُ عَبدُ اللهِ بنُ جَعفَر، وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيرِ أرْبَعمئةِ ألْف، فَقَالَ لعَبدِ الله: إنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكمْ؟ قَالَ عَبدُ الله: لا، قَالَ: فَإنْ شِئتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إنْ إخَّرْتُمْ، فَقَالَ عَبدُ الله: لا، قَالَ: فَاقْطَعُوا لِي قطْعَةً، قَالَ عَبدُ الله: لَكَ مِنْ ها هُنَا إِلَى هَا هُنَا. فَبَاعَ ... عَبدُ اللهِ مِنهَا فَقَضَى عَنْهُ دَينَه وَأوْفَاهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أرْبَعَةُ أسْهُم وَنِصْفٌ، فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَة وَعنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَالمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاويَةُ: كَمْ قُوِّمَتِ الغَابَةُ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْم بمئَة ألف، قَالَ: كَمْ بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَ: أرْبَعَةُ أسْهُم وَنصْفٌ، فَقَالَ المُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيرِ: قَدْ أخَذْتُ مِنْهَا سَهمًا بِمئَةِ ألف، قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أخَذْتُ مِنْهَا سَهْمًا بمئَةِ ألْف. وَقالَ ابْنُ زَمْعَةَ: قَدْ أخَذْتُ سَهْمًا بِمئَةِ ألْف، فَقَالَ مُعَاويَةُ: كَمْ بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَ: سَهْمٌ ونصْفُ سَهْم، قَالَ: قَدْ أخَذْتُهُ بخَمْسِينَ وَمئَةِ ألْف. قَالَ: وَبَاعَ عَبدُ الله بْنُ جَعفَر نَصيبهُ مِنْ مَعَاوِيَةَ بستِّمِئَةِ ألْف.\nفَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، قَالَ بَنُو الزُّبَيرِ: اقسمْ بَينَنَا ميراثَنا، قَالَ: وَاللهِ لا أقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أنَادِي بالمَوْسم أرْبَعَ سنينَ: ألا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيرِ دَيْنٌ فَلْيَأتِنَا فَلْنَقْضِهِ. فَجَعَلَ كُلّ سَنَةٍ يُنَادِي في المَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضَى أرْبَعُ سنينَ قَسَمَ بيْنَهُمْ وَدَفَعَ الثُّلُثَ. وَكَانَ للزُّبَيْرِ أرْبَعُ نِسْوَةٍ،\nفَأصَابَ كُلَّ امرَأةٍ ألْفُ ألف وَمِئَتَا ألْف، فَجَميعُ مَالِه خَمْسُونَ ألف ألْف وَمِئَتَا ألْف. رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: دليل على عِظَم الأمانة، وأنَّ مَن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، وأنَّ مَن استعان بالله أعانه.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>٢٦- باب تحريم الظلم والأمر بردِّ المظالم</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر (١٨)] .\n\nالحميم: القريب المشفق.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج (٧١)] .\nوأمّا الأحاديث فمنها: حديث أبي ذر - ﵁ - المتقدم في آخر باب المجاهدة.\n\nوالشاهد منه: قوله تعالى: «يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا» .\n\n[٢٠٣] وعن جابر - ﵁ -: أن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» . رواه مسلم.\nالشحّ: البخل مع الحرص على طلب المال من غير وجهه المأذون فيه، كما في الحديث الآخر: «إنَّ الله حرَّم عليكم عقوق الأمَّهات، ووأد البنات، ومنعًا، وهات» .","vol":"1","page":163},{"text":"[٢٠٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أهْلِهَا يَومَ القِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ للشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أنَّ الشاة الجمّاء تقتص يوم القيامة من ذات القرن، وبعد القصاص تكون البهائم ترابًا، فيقول الكافر: يَا ليتني كنتُ ترابًا.\nوفيه: تنبيه على أنَّ المظلوم يقتص من ظالمه يوم القيامة، ويؤخذ له حقه.\n\n[٢٠٥] وعن ابن عمر ﵄، قال: كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ حَجَّةِ الوَدَاعِ، والنَّبيُّ - ﷺ - بَيْنَ أظْهُرِنَا، وَلا نَدْرِي مَا حَجَّةُ الوَدَاعِ حَتَّى حَمِدَ اللهَ رَسُول الله - ﷺ - وَأثْنَى عَلَيهِ ثُمَّ ذَكَرَ المَسْيحَ الدَّجَّال فَأطْنَبَ في ذِكْرِهِ، وَقَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبيٍّ إلا أنْذَرَهُ أُمَّتَهُ أنْذَرَهُ نُوحٌ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنَّهُ إنْ يَخْرُجْ فِيكُمْ فَما خَفِيَ عَليْكُمْ مِنْ شَأنِه فَلَيْسَ يَخْفَى عَليْكُم، إنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بأعْوَرَ وإنَّهُ أعْوَرُ عَيْنِ اليُمْنَى، كَأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ.\nألا إنَّ الله حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءكُمْ وَأمْوَالَكُمْ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بلدكم هذا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلّغْتُ؟» قالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ... «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثلاثًا «وَيْلَكُمْ - أَوْ وَيْحَكُمْ -، انْظُروا: لا تَرْجعُوا\nبَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» . رواه البخاري، وروى مسلم بعضه.\n\nفي هذا الحديث: وعيدٌ شديد على القتال بغير حق، كما في الحديث الآخر: \" إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار \". قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ ! قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» .","vol":"1","page":164},{"text":"[٢٠٦] وعن عائشة ﵂: أن رَسُول الله - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قيدَ شِبْرٍ مِنَ الأرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سبْعِ أرَضينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: تأكيد تحريم غصب الأرض، وأنَّ من أخذ شيئًا منها ظلمًا عُذَّب بحمله يوم القيامة في عنقه.\nوفي الحديث الآخر: «من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه، خُسف به يوم القيامة إلى سبع أَرَضين» .\nوفيه: دليل على أنَّ الأرضين السبع طباق، كالسموات.\n\n[٢٠٧] وعن أَبي موسى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ الله لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود (١٠٢)] مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفيه: الوعيد الشديد للظالم، وإنْ أُمْهِل على ظلمه، ولم يُعاجل بالعقوبة، فإن الله تعالى (يمهل ولا يهمل) . قال الله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف (١٨٣)] .\n[٢٠٨] وعن معاذ - ﵁ - قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ: «إنَّكَ تَأتِي قَوْمًا مِنْ أهلِ الكِتَابِ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا الله، وَأنِّي رسولُ الله، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ قَدِ افْتَرضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: التنبيه على المنع من الظلم.","vol":"1","page":165},{"text":"وفيه: إشارة إلى أن أخذ كرائم الأموال ظلم، إلا إنْ رضي صاحبها.\nوفيه: أنَّ دعوة المظلوم مقبولة، كما في الحديث الآخر: «دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه» .\n\n[٢٠٩] وعن أبي حُمَيدٍ عبد الرحمن بن سعد السَّاعِدِي - ﵁ - قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنَ الأزْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَقَامَ رسولُ الله - ﷺ - عَلَى المِنْبَرِ فَحَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: «أمَّا بَعدُ، فَإِنِّي أسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ منْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلانِي اللهُ، فَيَأتِي فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذا هَدِيَّةٌ أُهْدِيتْ إلَيَّ، أفَلا جَلَسَ في بيت أبِيهِ أَوْ أُمِّهِ حَتَّى تَأتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إنْ كَانَ صَادِقًا، واللهِ لا يَأخُذُ أحَدٌ مِنْكُمْ شَيئًا بِغَيرِ حَقِّهِ إلا لَقِيَ الله تَعَالَى، يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلا أعْرِفَنَّ أحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بَعيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ\nشَاةً تَيْعَرُ» . ثُمَّ رفع يديهِ حَتَّى رُؤِيَ عُفْرَةُ إبْطَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» ثلاثًا مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أنَّ هدية العمال راجعة إلى بيت المال، وأنَّ ما أخذه بغير حقه يجيء به يحمله يوم القيامة تعذيبًا له وزيادة في فضيحته.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران (١٦١)] .\n\n[٢١٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلمَةٌ لأَخِيه، مِنْ عِرضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قبْلَ أنْ لا يَكُونَ دِينَار وَلا دِرْهَمٌ؛ إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ","vol":"1","page":166},{"text":"مَظْلمَتِهِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيهِ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: الأمر بالاستحلال، ورد المظالم في الدنيا، وإلا أخذ المظلوم لحقه وافيًا في الآخرة.\n\n[٢١١] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «المُسْلِمُ منْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أن من كف لسانه ويده عن المسلمين أنه كامل الإسلام، ومن هجر ما نهى الله عنه فهو المهاجر حقًا، فاشتمل هذا الحديث على جوامع من معاني الكلم والحكم.\n[٢١٢] وعنه - ﵁ - قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَل النَّبيِّ - ﷺ - رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «هُوَ في النَّارِ» فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْه، فَوَجَدُوا عَبَاءةً قَدْ غَلَّهَا. رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: تحريم الغلول قليله وكثيره، وهو من الكبائر بالإجماع.\n\n[٢١٣] وعن أَبي بكْرة نُفَيْع بن الحارث - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًَا، مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَة، وذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ","vol":"1","page":167},{"text":"جُمَادَى وَشعْبَانَ، أيُّ شَهْر هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَننَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «ألَيْسَ ذَا الحِجَّةِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَأيُّ بَلَد هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسْمِهِ. قَالَ: «ألَيْسَ البَلْدَةَ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَأيُّ يَوْم هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بغَيرِ اسْمِهِ. قَالَ: «ألَيسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى.\nقَالَ: «فَإنَّ دِمَاءكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عليكم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقُونَ رَبَّكُمْ فَيَسْألُكُمْ عَنْ أعْمَالِكُمْ، ألا فَلا تَرْجعوا بعدي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض، ألا لَيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أنْ يَكُونَ أوْعَى لَهُ مِنْ بَعْض\nمَنْ سَمِعَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «ألا هَلْ بَلَّغْتُ، ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالمراد بالزمان: السنة\nوفيه: إشارة إلى بطلان النسيء؛ لأن أهل الجاهلية إذا احتاجوا إلى الحرب في المحرم استحلوه، وجعلوا المحرم صفر، وأحلوا رجب وجعلوا المحرم شعبان، وبنوا عليه حساب حجهم.\nوفي الحديث: تأكيد تحريم دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم.\nوفيه: الأمر بتبليغ العلم ونشره.\n\n[٢١٤] وعن أَبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي - ﵁ -: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «مَن اقْتَطَعَ حَقَّ امْرئ مُسْلِم بيَمينه، فَقدْ","vol":"1","page":168},{"text":"أوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ الجَنَّةَ» فَقَالَ رَجُلٌ: وإنْ كَانَ شَيْئًا يَسيرًا يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: «وإنْ كَانَ قَضيبًا مِنْ أرَاك» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد على من حلف بيمين كاذبة ليقطع بها حق مسلم.\n\n[٢١٥] وعن عَدِيّ بن عَميْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سمعت رَسُول الله - ﷺ - يقول: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَل، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولًا يَأتِي به يَومَ القِيَامَةِ» فَقَامَ إليه رَجُلٌ أسْوَدُ مِنَ الأنْصَارِ، كَأنِّي أنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: «وَمَا لَكَ؟» قَالَ: سَمِعْتكَ تَقُولُ كَذَا وكَذَا، قَالَ: «وَأَنَا أقُولُه الآنَ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ\nفَلْيَجِئْ بقَليله وَكَثيره، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد، وزجر أكيد في الخيانة من العامل، وأنه من الكبائر.\n\n[٢١٦] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيبَر أقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ أصْحَابِ النَّبيِّ - ﷺ -، فقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ، وفُلانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فقالوا: فُلانٌ شَهِيدٌ. فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «كَلا، إنِّي رَأيْتُهُ في النَّار في بُرْدَةٍ غَلَّهَا - أَوْ عَبَاءة -» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: تأكيد تحريم الغلول، وأنه من الكبائر.","vol":"1","page":169},{"text":"[٢١٧] وعن أَبي قتادة الحارث بن ربعي - ﵁ - عن رَسُول الله - ﷺ -: أَنَّهُ قَامَ فيهم، فَذَكَرَ لَهُمْ أنَّ الجِهَادَ في سبيلِ الله، وَالإِيمَانَ بالله أفْضَلُ الأعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أرَأيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سبيلِ الله، تُكَفَّرُ عَنّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - ﷺ -: «نَعَمْ، إنْ قُتِلْتَ في سبيلِ اللهِ، وَأنْتَ صَابرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيرُ مُدْبر» ثُمَّ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: أرَأيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سبيلِ الله، أتُكَفَّرُ عَنّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «نَعمْ، وَأنْتَ صَابرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيرُ مُدْبِرٍ، إلا الدَّيْنَ؛ فإنَّ جِبريلَ قَالَ لي ذلِكَ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: تعظيم شأن الدَّيْنِ.\nوفيه: تنبيه على أن الجهاد والشهادة لا تكفر حقوق الآدميين.\n\n[٢١٨] وعن أبي هُريرةَ - ﵁ -: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: «أتدرونَ مَنِ المُفْلِسُ؟» قالوا: المفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرهَمَ لَهُ ولا مَتَاع، فَقَالَ: «إنَّ المُفْلسَ مِنْ أُمَّتي مَنْ يأتي يَومَ القيامَةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزَكاةٍ، ويأتي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وهَذَا مِنْ حَسناتهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُه قَبْل أنْ يُقضى مَا عَلَيهِ، أُخِذَ منْ خَطَاياهُم فَطُرِحَتْ عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: أن المفلس حقيقة من أخذ غرماؤه أعماله الصالحة.","vol":"1","page":170},{"text":"[٢١٩] وعن أم سلمة ﵂: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّمَا أنا بَشَرٌ، وَإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أسْمعُ، فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ فَإِنَّما أقطَعُ لَهُ قِطعةً مِنَ النَّارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«ألْحَن» أي: أعلم.\n\nفي هذا الحديث: بيان أن النبي - ﷺ - لا يعلم من الغيب إلا ما علَّمَهُ الله، وأنه يقضي بين الخصوم بما ظهر له من الحجة.\nوفيه: أنَّ حكم الحاكم لا يحل حرامًا في نفس الأمر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة (١٨٨)] .\n[٢٢٠] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -:\n«لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِنْ دِينهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» . رواه البخاري.\n\nالفسحة: السِّعَة. أي: لا يزال في رجاء رحمة من الله على ما ارتكبه من الذنوب، فإذا أصاب الدم الحرام ضاقت عليه المسالك.\nورُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: «مَن أعانَ على من قتل مؤمن ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله» .\n\n[٢٢١] وعن خولة بنتِ عامر الأنصارية وهي امرأة حمزة - ﵁ - وعنها، قَالَتْ: سمعت رَسُول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ رِجَالًا","vol":"1","page":171},{"text":"يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ الله بغَيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ القِيَامَةِ» . رواه البخاري.\n\nالتخوض: التصرف بالباطل.\nففيه: أنَّ التصرف في بيت المال لا يجوز بمجرد التشهي.\nوفي رواية الترمذي من حديث خولة بنت قيس بن قَهْد: «إنَّ هذا المال حلوة خضرة، مَنْ أصابه بحقه بُوْرِكَ له فيه، ورُبَّ مُتخوضٍ فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٢٧- باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم</span>\nوالشفقة عليهم ورحمتهم\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه﴾ ... [الحج (٣٠)] .\n\nتعظيم حرمات الله، تركُ ما نهى الله عنه.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج (٣٢)] .\n\nشعائر الله: الهدايا، وفرائض الحج ومواضع نسكه، والآيةُ عامَّة في جميع شعائر الدين.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر (٨٨)] .\n\nأي: ألِنْ جَانِبك، وتواضع لهم وارفق بهم.","vol":"1","page":172},{"text":"وَقالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة (٣٢)] .\n\nقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، أي: توجب القصاص. ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾، كالشرك، وقطع الطرق.\nوثبت بالسُّنَّة رجم الزاني المحصن، وقتل تارك الصلاة ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾، أي: تسبب لبقاء حياتها بعفو، أو منع عن القتل، أو استنقاذ ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ .\nوفيه: تعظيم إثم قاتل النفس وتعظيم أجر من أحياها.\n\n[٢٢٢] وعن أَبي موسى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «المُؤْمِنُ للْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًَا» وشبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: الحضُّ على معاونة المؤمن ونصرته، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة (٢)] .\n\n[٢٢٣] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ مَرَّ في شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنا، أَوْ أَسْوَاقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ، أَوْ لِيَقْبِضْ عَلَى نِصَالِهَا بكَفّه؛ أنْ يُصِيبَ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْء» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: الأمر بالقبض على نصال النبل، ومثله جفر السيف والسكين والحربة، ونحو ذلك. وأخذ الرصاصة من البندق والفرد مخافة أنْ يصيب أحدًا.\n\n[٢٢٤] وعن النعمان بن بشير ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ، مَثَلُ الجَسَدِ","vol":"1","page":173},{"text":"إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nفي هذا الحديث: تعظيمُ حقوق المسلمين، والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضًا.\n\n[٢٢٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَبَّلَ النَّبيُّ - ﷺ - الحَسَنَ بْنَ عَليٍّ ﵄، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِس، فَقَالَ الأقْرَعُ: إن لِي عَشرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَدًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ: «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ!» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n[٢٢٦] وعن عائشة ﵂، قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الأعْرَابِ عَلَى رسولِ الله - ﷺ -، فقالوا: أتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قالوا: لَكِنَّا والله مَا نُقَبِّلُ! فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أَوَ أَمْلِك إنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْ قُلُوبِكُم الرَّحْمَةَ» ! . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: الشفقة على الأولاد، وتقبيلهم ورحمتهم.\n\n[٢٢٧] وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ لا يَرْحَم النَّاسَ لا يَرْحَمْهُ الله» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nخصَّ الناس بالرحمة، اهتمامًا بهم وإلا فالرحمة مطلوبة لسائر الحيوانات قال - ﷺ -: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» .","vol":"1","page":174},{"text":"[٢٢٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ للنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإن فيهِم الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبيرَ، وَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: «وذَا الحَاجَةِ» .\n\nالتخفيف والتطويل من الأمور الإِضافية يرجع إلى فعل النبي - ﷺ -، فلا حجة فيه للنقارين.","vol":"1","page":175},{"text":"[٢٢٩] وعن عائشة ﵂، قَالَتْ: إنْ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - لَيَدَعُ العَمَلَ، وَهُوَ يُحبُّ أنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ خَشْيَةَ أنْ يَعمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ علَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: كمال شفقته - ﷺ - على أمته، كما ترك الخروج في الليلة الرابعة من رمضان حتى طلع الفجر، وقال: «ما منعني إلا خشية أنْ تفرض عليكم فتعْجَزوا عنها» .\n\n[٢٣٠] وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبيُّ - ﷺ - عنِ الوِصَال رَحمَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «إنّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أبيتُ يُطْعمُني رَبِّي وَيَسقِيني» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nمَعنَاهُ: يَجْعَلُ فِيَّ قُوَّةَ مَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن الوصال شفقة بهم.\nوفي الحديث الآخر: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السَّحَر» .\n[٢٣١] وعن أَبي قَتادةَ الحارثِ بن رِبعِي - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاة، وَأُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأسْمَع بُكَاءَ الصَّبيِّ فَأَتَجَوَّزَ في صَلاتي كَرَاهية أنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: شفقته - ﷺ -، ومرعاة أحوال الكبير منهم والصغير.\n\n[٢٣٢] وعن جندب بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ في ذِمَّةِ الله فَلا يَطْلُبَنَّكُمُ الله مِنْ ذِمَّته بشَيءٍ، فَإنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ منْ ذمَّته بشَيءٍ يُدْركْهُ، ثُمَّ يَكُبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ» . رواه مسلم.\n\nذمة الله: أمانه وعهده.\nوفي رواية: «من صلَّى صلاة الصبح في جماعة» . وكأنها خُصَّت بذلك، لأنها أول النهار الذي هو وقت ابتداء انتشار الناس في حوائجهم.\nوفي الحديث: وعيد شديد لمن تعرض للمصلين بسوء.\n\n[٢٣٣] وعن ابن عمر ﵄ أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ، وَلا يُسْلمُهُ. مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه، كَانَ اللهُ في حَاجَته، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nفي هذا الحديث: حضّ المسلمين على التعاون، وشفقة بعضهم على بعض، وترك ظلمهم، وقضاء حوائجهم، وتفريج كرباتهم، وستر عوراتهم وإدخال السرور عليهم.","vol":"1","page":176},{"text":"وفي بعض الآثار: (الخلق عيال الله وأحبّهم إلى الله أرفقهم لعياله) .\n\n[٢٣٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «المُسْلِمُ أخُو\nالمُسْلِمُ، لا يَخُونُهُ، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِم حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالهُ وَدَمُهُ، التَّقْوى ها هُنَا، بحَسْب امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِم» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .\n\nفي هذا الحديث: تحريم دم المسلم وماله، وعرضه، وتحريم خُذْلانه وخيانته وحقرانه، وأن يحدِّثه كذبًا.\nوفيه: أن التقوى في القلب.\n\n[٢٣٥] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لا تَحَاسَدُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْع بَعْض، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَانًا، المُسْلِمُ أخُو المُسْلم: لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، التَّقْوَى ها هُنَا - ويشير إِلَى صدره ثلاث مرات - - بحَسْب امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ» . رواه مسلم.\n«النَّجْشُ»: أنْ يزيدَ في ثَمَنِ سلْعَة يُنَادَى عَلَيْهَا في السُّوقِ وَنَحْوه، وَلا رَغْبَةَ لَهُ في شرَائهَا بَلْ يَقْصدُ أنْ يَغُرَّ غَيْرَهُ، وهَذَا حَرَامٌ.\nوَ«التَّدَابُرُ»: أنْ يُعْرضَ عَنِ الإنْسَان ويَهْجُرَهُ وَيَجْعَلهُ كَالشَيءِ الَّذِي وَرَاء الظَّهْر وَالدُّبُر.","vol":"1","page":177},{"text":"في هذا الحديث: تحريم الحسد وهو تمنِّي زوال نعمة المحسود. والحسدُ اعتراض على الله تعالى في فعله.\nوفيه: تحريم النجش؛ لأنه غش وخداع.\nوفيه: النهي عن التباغض والتدابر، والنهي عن البيع على البيع، ومثله الشراء على الشراء، بغير إذنه في زمن الخيار؛ لأن ذلك من دواعي النفرة والتباغض.\nوفيه: أنَّ التقوى إنما تحصل بما يقع في القلب من خشية الله ومراقبته.\n\n[٢٣٦] وعن أنس - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «لا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لنَفْسِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ الإيمان الكامل لا يحصل حتى يحب للمسلم من الطاعات والمباحات ما يحب لنفسه؛ لأنَّ المؤمنين كالجسد الواحد.\nوفيه: التحريضُ على التواضع ومحاسن الأخلاق، ولا يحصل ذلك إلا بالمجاهدة، لأنَّه خلاف الهوى.\n\n[٢٣٧] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «انْصُرْ أخَاكَ ظَالمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رجل: يَا رَسُول اللهِ، أنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أرَأيْتَ إنْ كَانَ ظَالِمًا\nكَيْفَ أنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تحْجُزُهُ - أَوْ تمْنَعُهُ - مِنَ الظُلْمِ فَإِنَّ ذلِكَ نَصرُهُ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: من وجيز البلاغة، ومعناه: أنَّ الظالم مظلوم في نفسه؛ لأنه ظَلَمَ نفسه بعدم ردعها عن الظلم، فوجب نصره لذلك. .\n\n[٢٣٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَريض، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَة، وتَشْميتُ العَاطِسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":178},{"text":"وفي رواية لمسلم: «حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ: إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ، وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» .\n\nفي هذا الحديث: بيان حق المسلم على المسلم، فمنها: واجب، ومنها: مندوب. ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، والله أعلم.\n\n[٢٣٩] وعن أَبي عُمَارة البراءِ بن عازب ﵄، قَالَ: أمرنا\nرَسُول الله - ﷺ - بسبع، ونهانا عن سبع: أمَرَنَا بعيَادَة المَرِيض، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وتَشْمِيتِ العَاطسِ، وَإبْرار المُقْسِم، ونَصْرِ المَظْلُوم، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلامِ، ونَهَانَا عَنْ خَواتِيمٍ أَوْ تَخَتُّمٍ بالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بالفِضَّةِ، وَعَن الميَاثِرِ الحُمْرِ، وَعَن القَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الحَريرِ والإسْتبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: وَإنْشَادِ الضَّالَّةِ في السَّبْعِ الأُوَل.\n«المَيَاثِرُ» بياء مثَنَّاة قبل الألفِ، وثاء مُثَلَّثَة بعدها: وهي جَمْعُ ميثَرة، وهي شيء يُتَّخَذُ مِنْ حرير وَيُحْشَى قطنًا أَوْ غيره، وَيُجْعَلُ في السَّرْجِ وَكُور البَعير يجلس عَلَيهِ الراكب. «القَسِّيُّ» بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة: وهي ثياب تنسج مِنْ حرير وَكتَّانٍ مختلِطينِ. «وَإنْشَادُ الضَّالَّةِ»: تعريفها.\n\nقوله: أمرنا بسبع، أي: سبع خصال، وهي من حقوق المسلمين بعضهم على بعض.\nقوله: ونهانا عن سبع، أي: سبع خصال.","vol":"1","page":179},{"text":"الأولى: المياثر الحمر، فإن كانت من حرير فالنهي للتحريم سواء كانت حمرًا أو غير حمر، وإن كانت من غير، فالنهي للتنزيه.\nوالقَسِيّ: ثياب مخلوطة بحرير، فإذا كان غير الحرير هو الأغلب جاز عند الجمهور.\nوالإِستبرق والديباج: صنفان من الحرير، وعطفهما عليه من عطف الخاص على العام، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>٢٨- باب ستر عورات المسلمين</span>\nوالنهي عن إشاعتها لغير ضرورة\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة﴾ [النور (١٩)] .\nهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة بالإفك.\nوهي عامة في كل من رمى المحصنين والمحصنات.\nوالعذاب الأليم: هو حد القذف في الدنيا، وفي الآخرة بالنار.\n\n[٢٤٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «لا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا في الدُّنْيَا إلا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: الحثّ على ستر المسلم، خصوصًا من كان غير معروف بالشرّ.\n\n[٢٤١] وعنه قَالَ: سمعت رَسُولَ الله - ﷺ - يقول: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافى إلا المُجَاهِرِينَ، وَإنّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيهِ، فَيقُولُ: يَا فُلانُ، عَمِلت البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصبحُ يَكْشِفُ ستْرَ اللهِ عَنْه» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":180},{"text":"المجاهر: الذي يظهر معصيته فيتحدَّث بها، وهو استخفاف بحقِّ الله تعالى.\n\n[٢٤٢] وعنه عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّانِيَةَ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْل مِنْ شَعَر» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«التثريب»: التوبيخ.\n\nفيه: المسارعة لمفارقة أرباب المعاصي، ويلزمه تبيين العيب للمشتري، ولعلها تتعفف عنده؛ لأنَّه يرجى تبديل الحال عند تبديل المحل.\n[٢٤٣] وعنه قَالَ: أُتِيَ النَّبيّ - ﷺ - برجل قَدْ شَرِبَ خَمْرًا، قَالَ: «اضْربُوهُ» . قَالَ أَبُو هريرة: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعضُ القَومِ: أخْزَاكَ الله، قَالَ: «لا تَقُولُوا هكَذا، لا تُعِينُوا عَلَيهِ الشَّيْطَانَ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ الضرب باليد، والنعل، والثوب يجزئ في حد الخمر.\nوفيه: كراهة الدعاء عليه بالخزي ونحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٢٩- باب قضاء حوائج المسلمين</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج (٧٧)] .\n\nهذه الآية عامة في جميع أفعال الخير البدنية، والمالية، وغيرها كصلة الأرحام ومكارم الأخلاق، أي: افعلوا كل ذلك راجين الفلاح من فضل الله.","vol":"1","page":181},{"text":"[٢٤٤] وعن ابن عمر ﵄ أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يُسْلِمُهُ. مَنْ كَانَ في حَاجَة أخِيه، كَانَ اللهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن ظلم المسلم وإهانته.\nوفيه: فضل قضاء حاجته، وتفريج كربته، وستر عورته.\nوفيه: أنَّ الله يعامل العبد بما يعامل به الخلق، كما في الحديث المشهور: «الراحمون يرحمهم الله الرحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَنْ في ... السماء» .\n\n[٢٤٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّر عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله عَلَيهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، والله في عَونِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَونِ أخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَريقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقًا إِلَى الجَنَّةِ. وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيت مِنْ بُيُوتِ اللهِ تَعَالَى، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِندَهُ. وَمَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِع بِهِ نَسَبُهُ» . رواه مسلم.\n\nهذا حديث عظيم، جليل، جامع لأنواع من العلوم، والقواعد، والآداب، والفضائل، والفوائد، والأحكام.","vol":"1","page":182},{"text":"وفيه: إشارة إلى أنَّ الجزاء من جنس العمل.\nوفيه: فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسَّر من علم، أو مال أو نصح أو دلالة على خير، وفضل التيسير على المعسر.\nوفيه: فضل إعانة المسلم بما يقدر عليه؟\nوفيه: فضل العلم الديني، وأنه سبب لدخول الجنة.\nوفيه: فضل الاجتماع على مدارسة القرآن خصوصًا في المساجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>٣٠- باب الشفاعة</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ ... [النساء (٨٥)] .\n\nالشفاعة الجائزة: هي السؤال بقضاء حاجة أو عفو عن زلة.\n\n[٢٤٦] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - قَالَ: كَانَ النَّبيّ - ﷺ - إِذَا أتاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أقبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي الله عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أحبَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: «مَا شَاءَ» .\n\nفي هذا الحديث: الحضُّ على الخير، والتسبُّب إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير، ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على تبيين حاله للرئيس.\nوفيه: أنَّ الثواب حاصلٌ بالشفاعة، سواء حصل المشفوع به أم لا، وأنَّه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لم منع.\n\n[٢٤٧] وعن ابن عباس ﵄ في قِصَّةِ برِيرَةَ وَزَوْجِهَا، قَالَ: قَالَ لَهَا النَّبيُّ - ﷺ -: «لَوْ رَاجَعْتِهِ؟» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ تَأمُرُنِي؟ قَالَ: «إنَّمَا أَشْفَع» . قَالَتْ: لا حَاجَةَ لِي فِيهِ. رواه البخاري.","vol":"1","page":183},{"text":"في هذا الحديث: استحباب شفاعة الحاكم في الرفق بالخصم، وأنَّ الأَمَة إذا أُعتقت تحت عبد فلها الخيار، وأنَّ المرء إذا خُيِّر بين مباحين، فاختار ما ينفعه لم يُلَمْ، ولو أضرَّ ذلك برفيقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>٣١- باب الإصلاح بَيْنَ الناس</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء (١١٤)] .\n\nالمعروف: كل ما يستحسنه الشرع. وخصَّ الإصلاح لشرفه.\nقال الواحدي: هذا مما حثَّ عليه رسول الله - ﷺ -، فقال لأبي أيُّوب الأنصاري: «ألا أَدُلُّك على صدقة هي خير لك من حمر النعم» . قال: نعم يَا رسول الله. قال: «تصلح بين الناس إذا فسدوا، وتقرَّب بينهم إذا تباعدوا» .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء (١٢٨)] .\n\nأي: من الفرقة. وهذه الآية نزلت في الصلح بين المرأة وزوجها، وهي عامة في كل شيء فيه خصومة ونزاع.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال (١)] .\nهذه الآية نزلت حين اختلف الصحابة في غنائم بدر. وهي عامة في كل ما يقع فيه النزاع والاختلاف الذي يورث الشحناء؛ لأنَّ فساد ذات البين مضرة بالدين والدنيا.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ... [الحجرات (١٠)] .","vol":"1","page":184},{"text":"هذه الآية نزلت حين اقتتل بعضُ الصحابة بالسعف والنعال، ثم أخذوا السلاح، فأصلح بينهم النبي - ﷺ -. وهي عامة في كل نزاع يقع بين المسلمين.\n\n[٢٤٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَينِ صَدَقَةٌ، وَتُعينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمشِيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَتُميطُ الأَذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nومعنى «تَعدِلُ بينهما»: تُصْلِحُ بينهما بالعدل.\n\nالسُّلامى: عظام البدن ومفاصله. قال النبي - ﷺ -: «خلق الإنسان على ستين وثلاثمئة مفصل» .\nوفي الحديث: تجديد هذه الصدقات كل يوم شكرًا لله تعالى على ما أنعم به من العافية.\nوفي الحديث الآخر: «إنَّ الصدقة تدفع البلاء» .\n\n[٢٤٩] وعن أمِّ كُلْثُوم بنت عُقْبَة بن أَبي مُعَيط ﵂، قَالَتْ: سمِعتُ رسول الله - ﷺ - يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيرًا، أَوْ يقُولُ خَيْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية مسلم زيادة، قَالَتْ: وَلَمْ أسْمَعْهُ يُرْخِّصُ في شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُهُ النَّاسُ إلا في ثَلاثٍ، تَعْنِي: الحَرْبَ، وَالإِصْلاَحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثَ المَرْأةِ زَوْجَهَا.","vol":"1","page":185},{"text":"في هذا الحديث: دليل على جواز الكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس في ذلك، وجواز الكذب على المرأة بما لا يبطل حقها، كأن يقول: أنت كذا وكذا، وأنا أحبك، ونحو ذلك. والتورية أحسن، فإن النبي - ﷺ - إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها.\n\n[٢٥٠] وعن عائشة ﵂ قَالَتْ: سَمِعَ رسولُ الله - ﷺ - صَوْتَ خُصُومٍ بِالبَابِ عَاليةً أصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَر وَيَسْتَرْفِقُهُ في شَيءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: والله لا أفْعَلُ، فَخَرجَ عَلَيْهِمَا رسولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «أيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟»، فَقَالَ: أَنَا يَا رسولَ اللهِ، فَلَهُ أيُّ ذلِكَ أحَبَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nمعنى «يَسْتَوضِعُهُ»: يَسْأَلهُ أنْ يَضَعَ عَنْهُ بَعضَ دَيْنِهِ. «وَيَسْتَرفِقُهُ»: يَسأَلُهُ الرِّفْقَ. «وَالمُتَأَلِّي»: الحَالِفُ.\n\nقوله: (فلهُ، أي: ذلك أحب) .\nوفي رواية لابن حبان: «إن شئت وضعت ما نقصوا، وإنْ شئت من رأس المال» . فوضع ما نقصوا.\nوفي أول الحديث دخلت امرأة على النبي - ﷺ - فقالت: إني ابتعتُ أنا وابني من فلان تمرًا فأحصيناه. (والذي أكرمك بالحق ما أحصينا منه إلا ما نأكله في بطوننا، أو نطعمه مسكينًا، وجئنا نستوضعُه ما نقصنا ...) الحديث.\nقال الحافظ: وهي غير قصة كعب بن مالك وخصمه عبد الله بن أبي حدرد.\nوفي الحديث: الحض على الرفق بالغريم، والإحسان إليه بالوضع، والزجر عن الحلف على ترك الخير.","vol":"1","page":186},{"text":"وفيه: الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللفظ ورفع الصوت.\n\n[٢٥١] وعن أَبي العباس سهل بن سَعد الساعِدِيّ - ﵁ - أنَّ رَسُول الله - ﷺ - بَلَغَهُ أنَّ بَني عَمرو بن عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ، فَخَرَجَ رسولُ الله - ﷺ - يُصْلِحُ بَينَهُمْ في أُنَاس مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُول الله - ﷺ - وَحَانَتِ الصَّلاة، فَجَاءَ بِلالٌ إِلَى أَبي بكر ﵄، فَقَالَ: يَا أَبا بَكْر، إنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَدْ حُبِسَ وَحَانَتِ الصَّلاةُ فَهَلْ لَكَ أنْ تَؤُمَّ النَّاس؟ قَالَ: نَعَمْ، إنْ شِئْتَ، فَأقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ، وتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ، وَجَاءَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَمشي في الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ في الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ في التَّصْفيقِ، وَكَانَ أَبُو بكرٍ - ﵁ - لا يَلْتَفِتُ في صَّلاتِه، فَلَمَّا أكْثَرَ النَّاسُ في التَّصْفيقِ الْتَفَتَ، فإِذَا رَسُول الله - ﷺ -، فَأَشَارَ إِلَيْه رسولُ الله - ﷺ - فَرَفَعَ أَبُو بَكْر - ﵁ - يَدَهُ فَحَمِدَ اللهَ، وَرَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءهُ حَتَّى قَامَ في الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَصَلَّى للنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «أيُّهَا\nالنَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ في الصَّلاةِ أخَذْتُمْ في التَّصفيق؟! إِنَّمَا التَّصفيق للنِّساء. مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ الله، فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أحدٌ حِينَ يقُولُ: سُبْحَانَ الله، إلا الْتَفَتَ. يَا أَبَا بَكْر: مَا مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّي بالنَّاسِ حِينَ أشَرْتُ إلَيْكَ؟»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغي لابْنِ أَبي قُحَافَةَ أنْ يُصَلِّي بالنَّاسِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول الله - ﷺ -. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nمعنى «حُبِسَ»: أمْسَكُوهُ لِيُضَيِّفُوهُ.","vol":"1","page":187},{"text":"في هذا الحديث: السعي في الإصلاح بين الناس، وجواز الصلاة بإمامين، وجواز الالتفات للحاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٣٢- باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف (٢٨)] .\n\nنزلت هذه الآية حين قالت أشراف قريش للنبي - ﷺ -: نحِّ هؤلاء - يعني فقراء المسلمين - حتى نجالسك.\n\n[٢٥٢] وعن حارثة بن وهْبٍ - ﵁ - قَالَ: سمعت رَسُولَ الله - ﷺ - يقولُ: «ألا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيف مُتَضَعَّف، لَوْ أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«العُتُلُّ»: الغَلِيظُ الجَافِي. «وَالجَوَّاظُ»: بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة: وَهُوَ الجَمُوعُ المَنُوعُ، وَقِيلَ: الضَّخْمُ المُخْتَالُ في مِشْيَتِهِ، وَقِيلَ: القَصِيرُ البَطِينُ.\n\nفي هذا الحديث: بيان أن أكثر أهل الجنة الضعفاء، وأكثر أهل النار المتكبرون. وروي عن ابن عباس مرفوعًا: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: الجواظ، والعتل، والجعظري» . قيل: وما الجواظ: قال: الجَمُوع المنوع، البخيلُ بما في يديه. والجعظري: الفَظُّ على ما ملكت يمينه، والغليظ لقرابته وجيرانه وأهل بيته. والعتل: الشرس الخلق، الرحب الجوف، الأكول الشروب، الغشوم الظلوم» .","vol":"1","page":188},{"text":"[٢٥٣] وعن أَبي عباس سهل بن سعد الساعِدِيِّ - ﵁ - قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَىالنَّبيّ - ﷺ - فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٌ: «مَا رَأيُكَ في هَذَا؟»، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا واللهِ حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وَإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ. فَسَكَتَ رسولُ الله - ﷺ - ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ رسولُ الله - ﷺ -: «مَا رَأيُكَ في هَذَا؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ لا يُنْكَحَ، وَإنْ شَفَعَ أنْ لا يُشَفَّعَ، وَإنْ قَالَ أنْ لا يُسْمَعَ لِقَولِهِ. فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلءِ الأرْضِ مِثْلَ هَذَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقوله: «حَرِيٌّ» هُوَ بفتح الحاءِ وكسر الراء وتشديد الياءِ: أي حَقيقٌ. وقوله: «شَفَعَ» بفتح الفاءِ.\nيشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ... [الحجرات (١٣)] .\n\n[٢٥٤] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: فِيَّ الجَبَّارُونَ وَالمُتَكَبِّرُونَ. وَقَالتِ الجَنَّةُ: فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ، فَقَضَى اللهُ بَيْنَهُمَا: إنَّكِ الجَنَّةُ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَنْ أشَاءُ، وَإنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أشَاءُ، وَلِكلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فضل الضعفاء والمساكين العاملين بطاعة الله التاركين لمعاصيه.","vol":"1","page":189},{"text":"[٢٥٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّهُ لَيَأتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ ذا القدر والجاه في الدنيا إذا لم يكن ذا تقوى، فليس له قدر عند الله.\nوفي الحديث الصحيح: «ولا ينفعُ ذا الجد منك الجد» .\nوفي الحديث الآخر: «إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .\n\n[٢٥٦] وعنه: أنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا، أَوْ فَقَدَهُ رسولُ الله - ﷺ -، فَسَأَلَ عَنْهَا، أو عنه، فقالوا: مَاتَ. قَالَ: «\nأَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ» فَكَأنَّهُمْ صَغَّرُوا أمْرَهَا، أَوْ أمْرهُ، فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ أو قَبْرِهَا» فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ هذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءةٌ ظُلْمَةً عَلَى أهْلِهَا، وَإنَّ اللهَ تعالى يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاتِي عَلَيْهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقوله: «تَقُمُّ» هُوَ بفتح التاءِ وضم القاف: أي تَكْنُسُ. «وَالقُمَامَةُ»: الكُنَاسَةُ، «وَآذَنْتُمُونِي» بِمد الهمزة: أيْ: أعْلَمْتُمُونِي.\n\nفي هذا الحديث: أنّ القبور لا ينورها إلا الأعمال الصالحة، أو الشفاعة المقبولة.\nوفيه: فضل تنظيف المساجد، والترغيب في شهود جنائز أهل الخير، ومشروعية الصلاة على قبر الميت لمن لم يصل عليه.","vol":"1","page":190},{"text":"[٢٥٧] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «رُبَّ أشْعَثَ أغبرَ مَدْفُوعٍ بالأبْوابِ لَوْ أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «مدفوع بالأبواب»، أي أبواب الملوك والأمراء لحقارة قدره عندهم، ولو حلف يمينًا بحصول أمر طمعًا في كرم الله لأبره، إكرامًا له بإجابة سؤاله، وصيانته من الحنث في يمينه. كما قال أنس بن النضر: لا والله لا تُكسر ثنية الربيع، فقال النبي - ﷺ -: «يا أنس كتاب الله: القصاص»، فرضي القوم أجمعون، فقال النبي - ﷺ -: «إنّ من عباد الله مَن لو أقسم على الله لأبره» .\n[٢٥٨] وعن أسامة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَأصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أنَّ أصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ. وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«وَالْجَدُّ»: بفتح الجيم: الحَظُّ وَالغِنَى. وَقوله: «مَحْبُوسُونَ» أيْ: لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ بَعْدُ في دُخُولِ الجَنَّةِ.\n\nفي هذا الحديث: فضل الفقراء الصابرين على الضَّرَّاء، والشاكرين على السراء، وأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء.\nوفيه: أنَّ الذين يؤدَّون حقوق المال، ويسلمون من فتنته هم الأقلُّون، وأنَّ الكفار يدخلون النار ولا يُحبسون عنها.\nوفيه: أن عامة من يدخل النار النساء لإكثارهن اللَّعْن. وكفر العشير.","vol":"1","page":191},{"text":"[٢٥٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلا ثَلاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: أيْ رَبِّ أمِّي وَصَلاتِي، فَأقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الغَدِ أتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: أيْ رَبِّ أمِّي وَصَلاتِي، فَأقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ المُومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ بَنُو إسْرائِيل جُرَيْجًا\nوَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ، قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُريج، فَأتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا ... شَأنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بهذِهِ البَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ. قَالَ: أيْنَ الصَّبيُّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ فَقَالَ: دَعُوني حَتَّى أصَلِّي، فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرفَ أتَى الصَّبيَّ فَطَعنَ في بَطْنِهِ، وَقالَ: يَا غُلامُ مَنْ أبُوكَ؟ قَالَ: فُلانٌ الرَّاعِي، فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَب. قَالَ: لا، أعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعلُوا.\nوبَينَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ منْ أُمِّهِ فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ","vol":"1","page":192},{"text":"حَسَنَةٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَل ابْنِي مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى ثَدْيه فَجَعَلَ يَرتَضِعُ»، فَكَأنِّي أنْظُرُ إِلَى رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ يَحْكِي ارْتضَاعَهُ بِأصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ في فِيه، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قَالَ: «وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُم يَضْرِبُونَهَا، ويَقُولُونَ: زَنَيْتِ سَرَقْتِ، وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. فَقَالَتْ أمُّهُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَل ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَركَ الرَّضَاعَ ونَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مثْلَهَا، فَهُنَالِكَ تَرَاجَعَا الحَديثَ، فَقَالَتْ: مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمَرُّوا بهذِهِ الأمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ سَرَقْتِ، فقلتُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا؟! قَالَ: إنَّ ذلك الرَّجُل\nكَانَ جَبَّارًا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَإنَّ هذِهِ يَقُولُونَ: لها زَنَيْتِ، وَلَمْ تَزْنِ وَسَرقْتِ، وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«المُومسَاتُ» بِضَمِّ الميمِ الأُولَى، وَإسكان الواو وكسر الميم الثانية وبالسين المهملة؛ وهُنَّ الزَّواني. وَالمُومِسَةُ: الزَّانِيَةُ. وقوله: «دَابَّةٌ فَارِهَةٌ» بِالفَاءِ: أي حَاذِقَةٌ نَفيسةٌ. «وَالشَّارَةُ» بالشين المعجمة وتخفيف الرَّاءِ: وَهيَ الجَمَالُ الظَّاهِرُ في الهَيْئَةِ والمَلبَسِ. ومعنى «تَراجَعَا الحَديث» أي: حَدَّثت الصبي وحَدَّثها، والله أعلم.\n\nكان جريج في أول أمره تاجرًا، وكان يزيد مرة، وينقص أخرى. فقال: ما في هذه التجارة خير، لأَلْتمَسَنَّ تجارة خيرًا من هذه، فبنى صومعة وترهَّب فيها. رواه أحمد.","vol":"1","page":193},{"text":"وفي حديث مرفوع: «لو كان جريج عالمًا لعلم أنَّ إجابته أمه أولى من صلاته» .\nوفي الحديث: إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع.\nوفيه: أنّ صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن.\nوفيه: إثبات كرامات الأولياء.\nوفي الحديث أيضًا: أنّ نفوس أهل الدنيا تقف مع الخيال الظاهر، بخلاف أهل الحقيقة. كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *\nوَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص (٧٩، ٨٠)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٣٣- باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين</span>\nوالمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم\nوالتواضع معهم وخفض الجناح لهم\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر (٨٨)] .\nأي: ليَّن جانبك. وهذا خطاب للنبي - ﷺ - محرضًا له على مكارم الأخلاق، ومحاسنها، وهو عام لجميع أمته. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب (٢١)] .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف (٢٨)] .","vol":"1","page":194},{"text":"أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - أن يحبس نفسه مع الذين يعبدون الله في سائر الأوقات، وأنْ لا يجاوزهم ناظرًا إلى غيرهم من ذوي الهيئات.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى (٩)] .\n\nأي: لا تغلبه بالظلم، وكُن له كالأب الرحيم.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى (١٠)] .\n\nأي: لا تزجره، ولكن أعطه، أو رده ردًا جميلًا.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون (١: ٣)] .\n\nالاستفهام للتعجب من المكذب بالجزاء والبعث.\nقوله: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، أي: يدفعه دفعًا عنيفًا، ولا يحض أهله وغيرهم. على طعام المسكين.\n\n[٢٦٠] وعن سعد بن أَبي وَقَّاص - ﵁ - قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ للنَّبيِّ - ﷺ -: اطْرُدْ هؤلاء لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، وَكُنْتُ أنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلالٌ وَرَجُلاَنِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ في نفس رَسُول الله - ﷺ - مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفسَهُ، فَأنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ... [الأنعام (٥٢)] . رواه مسلم.\n\nفي بعض كتب التفسير أنهم لما عرضوا ذلك على النبي - ﷺ - فقالوا له: اجعل لنا يومًا ولهم يومًا، فَهَمَّ النبيُّ - ﷺ - بذلك فأنزل الله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام (٥٢)]، فنهاه عن طردهم ووصفهم","vol":"1","page":195},{"text":"بأحسن أوصافهم، وأمر بأن يصبر نفسه معهم فكان رسول الله - ﷺ - إذا رآهم يقول: «مرحبًا بالذين عاتبني الله فيهم» . وإذا جالسهم لم يقم عنهم، حتى يكونوا هم الذين يبدأون بالقيام.\n\n[٢٦١] وعن أَبي هُبَيرَة عائِذ بن عمرو المزنِي وَهُوَ مِنْ أهْل بيعة الرضوان ... - ﵁ - أنَّ أبا سُفْيَانَ أتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبلاَلٍ في نَفَرٍ، فقالوا: مَا\nأخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِنْ عَدُوِّ الله مَأْخَذَهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - أتَقُولُون هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيدِهِمْ؟ فَأتَى النَّبيَّ - ﷺ -، فَأخْبَرهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَعلَّكَ أغْضَبتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبتَ رَبَّكَ» فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: يَا إخْوَتَاهُ، أغْضَبْتُكُمْ؟ قالوا: لا، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أُخَيَّ. رواه مسلم.\nقولُهُ: «مَأْخَذَهَا» أيْ: لَمْ تَسْتَوفِ حقها مِنْهُ. وقوله: «يَا أُخَيَّ»: رُوِي بفتحِ الهمزةِ وكسرِ الخاءِ وتخفيف الياءِ، وَرُوِيَ بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياءِ.\n\nكان إتيان أبي سفيان المدينة، وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، وقول أبي بكر تألفًا لأبي سفيان.\nوفي هذا الحديث: احترام الصالحين واتقاء ما يؤذيهم أو يغضبهم.\n\n[٢٦٢] وعن سهل بن سعد - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أَنَا وَكَافلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ هَكَذا» . وَأَشارَ بالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا. رواه البخاري.\nو«كَافلُ اليَتيم»: القَائِمُ بِأمُوره.","vol":"1","page":196},{"text":"قال ابن بطال: حقٌ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به، فيكون رفيق النبي - ﷺ - في الجنة.\n\n[٢٦٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «كَافلُ اليَتيِم لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ في الجَنَّةِ» . وَأَشَارَ الرَّ اوِي وَهُوَ مَالِكُ بْنُ أنَس بالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى. رواه مسلم.\nوقوله - ﷺ -: «اليَتِيمُ لَهُ أَوْ لِغَيرِهِ» مَعْنَاهُ: قَريبُهُ، أَو الأجْنَبيُّ مِنْهُ، فالقَريبُ مِثلُ أنْ تَكْفَلهُ أمُّهُ أَوْ جَدُّهُ أَوْ أخُوهُ أَوْ غَيرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ، والله أعْلَمُ.\n\nقال النووي: هذه الفضيلة تحصل لمن كفل اليتيم من مال نفسه، أو مال اليتيم، بولاية شرعية.\n\n[٢٦٤] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لَيْسَ المِسْكينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا المِسكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية في الصحيحين: «لَيْسَ المِسكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، وَالتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غنىً يُغْنِيه، وَلا يُفْطَنُ لهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ» .\n\nأي: ليس المسكين الممدوح من المساكين، الأحق بالصدقة والأحوج بها سوى المتعفف.","vol":"1","page":197},{"text":"قال الخطابي: إنما نفى - ﷺ - المسكنة عن السائل الطواف، لأنه تأتيه الكفاية، وقد تأتيه الزكاة فتزول خصاصته، وإنما تدوم الحاجة فيمن لا يسأل ولا يعطى.\n\n[٢٦٥] وعنه، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالمُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ» وَأحسَبُهُ قَالَ: «وَكالقَائِمِ الَّذِي لا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ الَّذِي لا يُفْطِرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nالأرملة: المرأة التي لا وزج لها. والأرامل: المساكين من رجال ونساء، والساعي عليهما، وهو المكتسب لهما بما يمونهما به.\n\n[٢٦٦] وعنه، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» . رواه مسلم.\nوفي رواية في الصحيحين، عن أَبي هريرة من قوله: «بئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدْعَى إِلَيْهَا الأغْنِيَاءُ ويُتْرَكُ الفُقَراءُ» .\n\nالوليمة: الطعام المتخذ للعرس، وتقع على كل دعوة تتخذ لسرور حادث، كختان ونحوه.\nوفي الحديث: مراعاة الفقراء، والتلطف بهم، وإجابة الداعي.\n\n[٢٦٧] وعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْن حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ» وضَمَّ أصَابِعَهُ. رواه مسلم.","vol":"1","page":198},{"text":"«جَارِيَتَيْنِ» أيْ: بنتين.\n\nفي هذا الحديث: الثواب العظيم لمن قام على البنات بالمؤونة والتربية حتى يتزوجن.. وكذلك الأخوات.\n\n[٢٦٨] وعن عائشة ﵂، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ وَمَعَهَا ابنتان لَهَا، تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحدَةٍ، فَأعْطَيْتُهَا إيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْها ولَمْ تَأكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرجَتْ، فَدَخَلَ النَّبيُّ - ﷺ -\nعَلَينَا، فَأخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «مَنِ ابْتُليَ مِنْ هذِهِ البَنَاتِ بِشَيءٍ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِترًا مِنَ النَّارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقال القرطبي: يفيد هذا الحديث بعمومه أن الستر من النار يحصل بالإحسان إلى واحدة من البنات، فإذا عال زيادة على الواحدة فيحصل له زيادة على السترِ السبق مع النبي - ﷺ - إلى الجنة كما في الحديث السابق.\n\n[٢٦٩] وعن عائشة ﵂، قَالَتْ: جَاءتني مِسْكينةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأطْعَمْتُها ثَلاثَ تَمرَات، فَأعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرَفَعتْ إِلَى فِيها تَمْرَةً لِتَأكُلها، فَاسْتَطعَمَتهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتي كَانَتْ تُريدُ أنْ تَأكُلَهَا بَيْنَهُما، فَأعجَبَنِي شَأنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لرسولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: «إنَّ الله قَدْ أوْجَبَ لَهَا بها الجَنَّةَ، أَوْ أعتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فضل الإثيار على النفس، ورحمة الصغار، ومزيد الإحسان والرفق بالبنات وأن ذلك سبب لدخول الجنة والعتق من النار.","vol":"1","page":199},{"text":"[٢٧٠] وعن أَبي شُرَيحٍ خُوَيْلِدِ بن عمرو الخزاعِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبيّ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَينِ: اليَتِيم وَالمَرْأةِ» . حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد.\nومعنى «أُحَرِّجُ»: أُلْحِقُ الحَرَجَ وَهُوَ الإثْمُ بِمَنْ ضَيَّعَ حَقَّهُمَا، وَأُحَذِّرُ مِنْ ذلِكَ تَحْذِيرًا بَليغًا، وَأزْجُرُ عَنْهُ زجرًا أكيدًا.\nأنما حرج النبي - ﷺ - حق اليتيم والمرأة، لأنهما لا قوة لهما ولا ملجأ إلا إلى الله تعالى.\n\n[٢٧١] وعن مصعب بن سعد بن أَبي وقَّاص ﵄، قَالَ: رَأى سعد أنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبيّ - ﷺ -: «هَلْ تُنْصرُونَ وتُرْزَقُونَ إلا بِضُعَفَائِكُمْ» . رواه البخاري هكذا مُرسلًا، فإن مصعب بن سعد تابعيٌّ، ورواه الحافظ أَبُو بكر البرقاني في صحيحه متصلًا عن مصعب عن أبيه - ﵁ -.\n\nقال ابن بطال: تأويل الحديث أنَّ الضعفاء أشد إخلاصًا في الدعاء وأكثر خشوعًا في العبادة، لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا.\n[٢٧٢] وعن أَبي الدَّرداءِ عُويمر - ﵁ - قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يقول: «ابْغُوني الضُّعَفَاء، فَإنَّمَا تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ، بِضُعَفَائِكُمْ» . رواه أَبُو داود بإسناد جيد.","vol":"1","page":200},{"text":"الضعفاء: صعاليك المسلمين، أي ائتوا بهم لأستعين بهم.\nوفي رواية:: «ابغوني في الضعفاء» .\nوفي أحاديث الباب: الانقطاع إلى الله سبحانه وإعانة الفقراء، وإغاثة المنقطعين وعدم رؤية النفس، والحذر من التعرُّض لإيذاء أحد من الضعفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٣٤- باب الوصية بالنساء</span>\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ [النساء (١٩)] .\n\nالمعاشرة بالمعروف: حُسْن الخلق. أي: أجملوا بالقول والفعل معهن.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء (١٢٩)] .\n\nمعنى الآية: أنَّ الرجال لا يستطيعون العدل بين النساء من جميع الوجوه؛ لأنه لا بُدَّ من التفاوت في المحبة والشهوة، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه، فلا تميلوا كل الميل إلى واحدة فتتركوا الأخرى كالمعلقة، لا ذات بعل ولا مطلقة.\n\n[٢٧٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وَإنَّ أعْوَجَ مَا في الضِّلَعِ أعْلاهُ، فَإنْ ذَهَبتَ تُقيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإنْ تَرَكْتَهُ، لَمْ يَزَلْ أعْوجَ، فَاسْتَوصُوا بالنِّساءِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية في الصحيحين: «المَرأةُ كالضِّلَعِ إنْ أقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإن اسْتَمتَعْتَ بِهَا، اسْتَمتَعْتَ وفِيهَا عوَجٌ» .","vol":"1","page":201},{"text":"وفي رواية لمسلم: «إنَّ المَرأةَ خُلِقَت مِنْ ضِلَع، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَريقة، فإن اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفيهَا عوَجٌ، وإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَها، وَكَسْرُهَا طَلاَقُهَا» .\nقوله: «عَوَجٌ» هُوَ بفتح العينِ والواوِ.\nالعوج: بفتحتين في الأجساد، وبكسر العين في المعاني فالصواب الكسر، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف (١)]\nوفي الحديث: إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم ﵉، وأن طبيعة المرأة الاعوجاج فلا بد من الصبر عليهن والرفق بهن.\n\n[٢٧٤] وعن عبد الله بن زَمْعَةَ - ﵁ - أنَّهُ سَمِعَ النَّبيّ - ﷺ - يَخْطُبُ، وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَهَا، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «﴿إِذ انْبَعَثَ أشْقَاهَا﴾ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزيزٌ، عَارِمٌ مَنيعٌ في رَهْطِهِ»، ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ، فَوعَظَ فِيهنَّ، فَقَالَ: «يَعْمِدُ أحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأتَهُ جَلْدَ العَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَومِهِ» ثُمَّ وَعَظَهُمْ في ضَحِكِهمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، وَقالَ: «لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟!» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«وَالعَارِمُ» بالعين المهملة والراء: هُوَ الشِّرِّيرُ المفسِدُ، وقوله: «انْبَعَثَ»، أيْ: قَامَ بسرعة.\n\nفي هذا الحديث: إيماء إلى جواز الضرب اليسير للنساء، بحيث لا يحصل معه النفور، لأن المجامعة إنما تستحسن مع الرغبة في العشرة فيستبعد وقوع الضرب الشديد، والمضاجعة في يوم واحد من عاقل.","vol":"1","page":202},{"text":"[٢٧٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ»، أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ» . رواه مسلم.\nوقولُهُ: «يَفْرَكْ» هُوَ بفتح الياءِ وإسكان الفاء وفتح الراءِ معناه: يُبْغِضُ، يقالُ: فَرِكَتِ المَرأةُ زَوْجَهَا، وَفَرِكَهَا زَوْجُهَا، بكسر الراء يفْرَكُهَا بفتحها: أيْ أبْغَضَهَا، والله أعلم.\n\nأي ليس لمؤمن أن يبغض زوجته المؤمنة، لأنه إن وجد منها خلقًا يكرهه، كسوء خلق، رضي منها خلقًا يحبه، كالعفاف والمعاونة، ونحو ذلك.\n\n[٢٧٦] وعن عمرو بن الأحوصِ الجُشَمي - ﵁ - أنَّهُ سَمِعَ النَّبيّ - ﷺ - في حَجَّةِ الوَدَاعِ يَقُولُ بَعْدَ أنْ حَمِدَ الله تَعَالَى، وَأثْنَى عَلَيهِ وَذَكَّرَ وَوَعظَ، ثُمَّ قَالَ: «ألا وَاسْتَوصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذلِكَ إلا أنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِع، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فإنْ أطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيهنَّ سَبيلًا؛ ألا إنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا؛ فَحَقُّكُمْ عَلَيهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ؛ ألا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ في كِسْوَتِهنَّ وَطَعَامِهنَّ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .\nقوله - ﷺ -: «عَوان» أيْ: أسِيرَاتٌ جَمْع عَانِيَة، بالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وَهِيَ الأسِيرَةُ، والعاني: الأسير. شَبَّهَ رسولُ الله - ﷺ - المرأةَ في دخولِها تَحْتَ حُكْمِ الزَّوْجِ بالأَسيرِ «وَالضَّرْبُ المبَرِّحُ»: هُوَ الشَّاقُ الشَّدِيد","vol":"1","page":203},{"text":"وقوله - ﷺ -: «فَلا تَبْغُوا عَلَيهنَّ سَبِيلًا» أيْ: لا تَطْلُبُوا طَريقًا تَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيهِنَّ وَتُؤْذُونَهُنَّ بِهِ، والله أعلم.\nحق الزوج على المرأة الاسمتاع، وأن تحفظه في نفسها وماله، فإنْ نشزت أو أساءت العشرة هجرها في المضجع، فإن أصرَّت ضَرَبَها ضربًا غير مبرح، بأنْ لا يجرحها ولا يكسر لها عظمًا، ويجتنب الوجه والمقاتل، وحق المرأة على الزوج نفقتُها وكسوتها عند عدم النشوز.\n\n[٢٧٧] وعن معاوية بن حيدة - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، مَا حق زَوجَةِ أَحَدِنَا عَلَيهِ؟ قَالَ: «أنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلا تَضْرِبِ الوَجْهَ، وَلا تُقَبِّحْ، وَلا تَهْجُرْ إلا في البَيْتِ» . حديثٌ حسنٌ رواه أَبُو داود، وَقالَ: معنى «لا تُقَبِّحْ»: لا تقل: قبحكِ الله.\n\nفي هذا الحديث: وجوب إطعام المرأة وكسوتها، والنهي عن تقبيحها وضرب وجهها، وجواز هجرها في البيت تأديبًا لها.\n\n[٢٧٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أكْمَلُ المُؤمِنِينَ إيمَانًا أحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وخِيَارُكُمْ خياركم لِنِسَائِهِمْ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: دليل على أنّ حسن الخلق من أفضل الأعمال.\nوفيه: الحث على معاملة الزوجة بالإحسان إليها، وطلاقة الوجه، وكف الأذى عنها، والصبر على أذاها.","vol":"1","page":204},{"text":"[٢٧٩] وعن إياس بن عبد الله بن أَبي ذباب - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لا تَضْرِبُوا إمَاء الله» . فجاء عُمَرُ - ﵁ - إِلَى رسولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أزْوَاجِهِنَّ، فَرَخَّصَ في ضَرْبِهِنَّ، فَأطَافَ بآلِ رَسُول الله - ﷺ - نِسَاءٌ كَثيرٌ يَشْكُونَ أزْواجَهُنَّ، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لَقَدْ أطَافَ بِآلِ بَيتِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كثيرٌ يَشْكُونَ أزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أولَئكَ بخيَارِكُمْ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\nقوله: «ذَئِرنَ» هُوَ بذَال مُعْجَمَة مفْتوحَة، ثُمَّ هَمْزة مَكْسُورَة، ثُمَّ راءٍ سَاكِنَة، ثُمَّ نُون، أي: اجْتَرَأْنَ، قوله: «أطَافَ» أيْ: أحَاطَ.\n\nضرب المرأة يكون من حرج الصدر، وضيق النفس، وذلك خلاف حسن الخلق الذي هو من أوصاف الخيار، ولهذا قال - ﷺ -: «ليس أولئك بخياركم» .\n\n[٢٨٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» . رواه مسلم.\n\nقال القرطبي: فُسِّرت: المرأة الصالحة في الحديث بقوله: «التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسِهَا وماله» .","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>٣٥- باب حق الزوج عَلَى المرأة</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ﴾ ... [النساء (٣٤)] .\nيخبر تعالى أنَّ الرجالَ قوَّامون على النساء، قيام الوُلاة على الرعايا بما فضلهم الله به عليهن من كمال العقل، والدين والقوة، وبما أعطوهن من المهر والنفقة.\nثم أخبر أنَّ الصالحات منهن مطيعات لله، ولأزواجهن، حافظات لفروجهن.\nوأما الأحاديث فمنها حديث عمرو بن الأحوص السابق في الباب قبله.\n\nوفيه: «فحقكم عليهن: أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون» .\n\n[٢٨١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امرَأتَهُ إِلَى فرَاشِهِ فَلَمْ تَأتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية لهما: «إِذَا بَاتَت المَرأةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ» .\nوفي رواية قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأتَهُ إِلَى فِرَاشهِ فَتَأبَى عَلَيهِ إلا كَانَ الَّذِي في السَّمَاء سَاخطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنها» .","vol":"1","page":206},{"text":"في هذا الحديث: دليل على تحريم امتناع المرأة إذا طلبها زوجها للجماع، وأنه يوجب سخط الله عليها، ولهذا لعنتها الملائكة.\n[٢٨٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أيضًا: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ أنْ تَصُومَ وزَوْجُهَا شَاهدٌ إلا بإذْنِهِ، وَلا تَأذَنَ في بَيْتِهِ إلا بِإذنِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ وهذا لفظ البخاري.\n\nلا يجوز للمرأة أن تصوم نفلًا إلا بإذن زوجها، وكذلك قضاء رمضان إذا لم يضق الوقت، قالت عائشة: (كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان للشغل برسول الله - ﷺ -) .\n\n[٢٨٣] وعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «كلكم رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: وَالأمِيرُ رَاعٍ، والرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أهْلِ بَيتِهِ، وَالمَرْأةُ رَاعِيةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجها وَوَلَدهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالراعي: هو الحافظ المؤتَمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه، ومسؤول هل قام بما يجب لرعيته أو لا؟\n\n[٢٨٤] وعن أَبي علي طَلْق بن علي - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ زَوْجَتهُ لحَاجَتِهِ فَلْتَأتِهِ وَإنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُور» . رواه الترمذي والنسائي، وَقالَ الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .","vol":"1","page":207},{"text":"الحديث: دليل على وجوب طاعة الزوج وتقديمه على شغلها.\n[٢٨٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لأحَدٍ لأمَرْتُ المَرأةَ أنْ تَسْجُدَ لزَوجِهَا» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: دليل على تعظيم حق الزوج على المرأة وسبب هذا الحديث ما رواه أبو داود عن قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فقلت: رسول الله أحق أنْ يسجد له. قال: فأتيت النبي - ﷺ - فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت رسول الله أحق أن يُسجد لك، قال: «أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد لي»، فقال: لا. قال: «فلا تفعلوا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» .\n\n[٢٨٦] وعن أم سَلَمَة ﵂، قَالَتْ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «أيُّمَا امْرَأةٍ مَاتَتْ، وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: الحثُّ على سعي المرأة فيما يرضي زوجها، وتجنّب ما يسخطه لتفوز بالجنة.\n\n[٢٨٧] وعن معاذ بن جبل - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «لا تُؤْذِي امْرَأةٌ زَوْجَهَا في الدُّنْيَا إلا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ العِينِ لا تُؤذِيهِ قَاتَلكِ اللهُ ! فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ يُوشِكُ أنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .","vol":"1","page":208},{"text":"الدخيل: الضيف والنزيل؛ وعبرت بذلك لأن مدة المقام بالدنيا وإن طالت فهي يسيرة بالنظر إلى الآخرة التي لا أَمَد لها.\n\n[٢٨٨] وعن أسامة بن زيد ﵄ عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفيه: دليل على أن الافتتان بالنساء أشد من سائر الشهوات، لعدم الاستغناء عنهن، وقد يحمل حبهن على تعاطي ما لا يحل للرجل وترك ما ينفعه في أمور دينه ودنياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٣٦- باب النفقة عَلَى العيال</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ [البقرة (٢٣٣)] .\n\nأي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن، سواءً كُنَّ في عصمته أو مطلقات بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار بحسب قدرته.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق (٧)] .\n\nهذه الآية نزلت في الإنفاق على المرضعة، وهي عامة في جميع النفقات الواجبة.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُه﴾ [سبأ (٣٩)] .\nأي: يعوِّضه عاجلًا أو آجلًا.\n\n[٢٨٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «دِينَارٌ أنْفَقْتَهُ في سَبيلِ اللهِ، وَدِينار أنْفَقْتَهُ في رَقَبَةٍ، وَدِينارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ","vol":"1","page":209},{"text":"عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أنْفَقْتَهُ عَلَى أهْلِكَ، أعْظَمُهَا أجْرًا الَّذِي أنْفَقْتَهُ عَلَى أهْلِكَ» . رواه مسلم.\n\nفيه: أنّ النفقة الواجبة أعظم أجرًا من المندوبة.\n\n[٢٩٠] وعن أَبي عبد الله، ويُقالُ لَهُ: أَبو عبد الرحمن ثَوبَان بن بُجْدُد مَوْلَى رسول الله - ﷺ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفقُهُ الرَّجُلُ: دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدينَارٌ يُنْفقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ في سَبيلِ الله، وَدِينارٌ يُنْفقُهُ عَلَى أصْحَابهِ في سَبيلِ اللهِ» . رواه مسلم.\n\nقدَّم في هذا الحديث النفقة على العيال في الذكر، اهتمامًا بذلك لأنه أشرف الأنواع.\n\n[٢٩١] وعن أمِّ سَلمَة ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، هَلْ لِي أجرٌ فِي بَنِي أَبي سَلَمَة أنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكتهمْ هكَذَا وَهكَذَا إنَّمَا هُمْ بَنِيّ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، لَكِ أجْرُ مَا أنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفيه: دليل على ثبوت الأجر على نفقة العيال وغيرهم، ولو كان ذلك لازمًا بالطبع.\n[٢٩٢] وعن سعد بن أَبي وقاص - ﵁ - في حديثه الطويل الَّذِي قدمناه في أول الكتاب في باب النِّيَةِ: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ لَهُ: «وإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إلا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فيِّ امرأتِك» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":210},{"text":"في هذا الحديث: أنّ كل شيء قصد به وجه الله تعالى يثاب عليه فاعله، ولو كان من الملاعبة.\n\n[٢٩٣] وعن أَبي مسعود البدري - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسِبُهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفيه: أنّ النفقة على الأهل وإن كانت واجبة فهي له صدقة إذا احتسبها.\n\n[٢٩٤] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «كَفَى بِالمَرْءِ إثْمًَا أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» . حديث صحيح رواه أَبُو داود وغيره.\nورواه مسلم في صحيحه بمعناه، قَالَ: «كَفَى بِالمَرْءِ إثْمًَا أنْ يحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» .\n\nفيه: عظم إثم من منع نفقة زوجته أو ولده، أو غيرهم ممن تلزمه نفقتهم وكذلك دوابه.\n[٢٩٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إلا مَلَكانِ يَنْزلاَنِ، فَيقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تلَفًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nأيهم الخَلَفُ في هذا الحديث، ليتناول المال والثواب وغيرهما، والتَلَفُ يتناول ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال.","vol":"1","page":211},{"text":"[٢٩٦] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ» . رواه البخاري.\n\nاليد العليا: يد المعطي. والسفلى: هي السائلة.\nقال الحافظ: ومحصل ما في الأحاديث أن أعلى الأيدي: المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة والمانعة.\nوفي الحديث: وجوب البداءة بمن تلزمه مؤنته، وأن خير الصدقة ما كان بالفاضل عن كفايته، ومن يمونه.\nوفيه: الحث على الاستعفاف والاستغناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٣٧- باب الإنفاق مِمَّا يحبُّ ومن الجيِّد</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران (٩٢)] .\nيقول تعالى: لن تنالوا كمال الخير الذي يسرع بكم إلى دخول الجنة حتى تنفقوا مما تحبون من أموالكم.\nوقال عطاء: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾، أي: شرف الدين والتقوى حتى تتصدَّقوا وأنتم أصحَّاء أشحَّاء.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة (٢٦٧)] .\n\nقال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه،","vol":"1","page":212},{"text":"ونهاهم عن التصدُّق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه، فإن الله طيِبٌ لا يقبل إلا طيِّبًا.\n\n[٢٩٧] عن أنس - ﵁ - قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ - ﵁ - أكْثَرَ الأنْصَار بالمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْل، وَكَانَ أَحَبُّ أمْوالِهِ إِلَيْه بَيْرَحَاء، وَكَانتْ مُسْتَقْبلَةَ المَسْجِدِ وَكَانَ رَسُول الله - ﷺ - يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّب. قَالَ أنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رسولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إنَّ الله تَعَالَى أنْزَلَ عَلَيْكَ: ... ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ تَعَالَى، أرْجُو بِرَّهَا، وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله تَعَالَى، فَضَعْهَا يَا رَسُول الله حَيْثُ أرَاكَ الله، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «بَخ! ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ، ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَهَا في\nالأقْرَبينَ»، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يَا رَسُول الله، فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أقَارِبِهِ، وبَنِي عَمِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقوله - ﷺ -: «مالٌ رابحٌ»، رُوِيَ في الصحيحين «رابحٌ» و«رايحٌ» بالباء الموحدة وبالياءِ المثناةِ، أي: رايح عَلَيْكَ نفعه، وَ«بَيرَحَاءُ»: حديقة نخلٍ، وروي بكسرِ الباءِ وَفتحِها.\n\nفي هذا الحديث: دليل على فضل إنفاق أحب الأموال على أقرب الأقارب، وأن النفقة عليهم أفضل من الأجانب.\nوفيه: جواز دخول أهل الفضل للحوائط والبساتين، والاستظلال بظلها، والأكل من ثمرها، والراحة، والتنزه، إذا علم رضا المالك.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>٣٨- باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين</span>\nوسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى ونهيهم عن المخالفة وتأديبهم\nومنعهم من ارتكاب مَنْهِيٍّ عَنْهُ\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه (١٣٢)] .\n\nفي هذه الآية: دليل على وجوب أمر الإنسان أهله بطاعة الله تعالى، خصوصًا الصلاة. وكان عمر بن الخطاب إذا استيقظ من الليل أقام أهله للصلاة، وتلا هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم (٦)] .\nيأمر تعالى بطاعته، وترك معصيته، وأمر أهله بذلك، والقيام عليهم، وتأديبهم وتعليمهم، لينجو من النار العظيمة التي وقودها العُصاة من بني آدم وحجارة الكبريت.\n\n[٢٩٨] عن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: أخذ الحسن بن علي ﵄ تَمْرَةً مِنْ تَمْر الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا في فِيهِ، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «كَخْ كَخْ إرْمِ بِهَا، أمَا عَلِمْتَ أنَّا لا نَأكُلُ الصَّدَقَةَ» !؟ . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: «أنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» .\nوقوله: «كَخْ كَخْ» يقال: بإسكان الخاء، ويقال: بكسرها مَعَ التنوين وهي كلمة زجر للصبي عن المستقذراتِ، وكان الحسن - ﵁ - صبِيًّا.\n\nفي هذا الحديث: دليل على منع الصبي عما يحرم على المكلف.","vol":"1","page":214},{"text":"[٢٩٩] وعن أَبي حفص عمر بن أَبي سلمة عبد الله بن عبد الأسدِ ربيبِ رسول الله - ﷺ - قَالَ: كُنْتُ غلاَمًا في حجر رَسُول الله - ﷺ - وَكَانَتْ يَدي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لي رَسُول الله - ﷺ -: «يَا غُلامُ، سَمِّ الله تَعَالَى، وَكُلْ بيَمِينكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتي بَعْدُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«وَتَطِيشُ»: تدور في نواحِي الصحفة.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية تأديب الصبي وتعليمه.\n[٣٠٠] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: سمعت رَسُول الله - ﷺ - يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتهِ: الإمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ رَاعٍ في أهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأةُ رَاعِيَةٌ في بيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ في مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفيه: أن كل أحد مسؤول عَمَّنْ تَحتَ يده من آدمي وغيره.\n\n[٣٠١] وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدهِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مُرُوا أوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أبْنَاءُ سَبْعِ سِنينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في المضَاجِعِ» . حديث حسن رواه أَبُو داود بإسناد حسن.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية أمر الأولاد، ذكورًا كانوا أو إناثًا بالصلاة إذا بلغوا سبع سنين، وهو سِنُّ التمييز، وتأديبهم عليها إذا بلغوا عشر سنين، والتفريق بينهم في المضاجع حينئذٍ لأنها تنتشر فيها الشهوة.","vol":"1","page":215},{"text":"[٣٠٢] وعن أَبي ثُرَيَّةَ سَبْرَةَ بن معبدٍ الجُهَنِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ» . حديث حسن رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nولفظ أَبي داود: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ» .\nيجب على الولي أمر الصبي بالصلاة ليتمرن عليها ويعتادها فلا يتركها إذا بلغ إنْ شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٣٩- باب حق الجار والوصية بِهِ</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء (٣٦)] .\n\nيأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له، والإحسان بالوالدين، والأقارب، والأيتام والمساكين، والجيران، وهم ثلاثة:\nفجارٌ له ثلاثة حقوق: وهو الجار المسلم القريب.\nوجارٌ له حقان: حق الجوار، وحق الإسلام.\nوجار له حق الجوار: وهو الكافر.\nوالصاحب بالجنب: قيل: المرأة. وقيل الرفيق في السفر. وقيل: الذي يصحبك رجاء نفعك.\nوالآية تعمّ الجميع، وابن السبيل: المسافر، والضيف، وما ملكت أيمانكم: يعني العبيد، والإماء.\nثم قال تعالى بعد ما ذكر من الحقوق: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء (٣٦)] .","vol":"1","page":216},{"text":"لأن المتكبِّر يمنع الحق.\nقال أبو رجاء: لا تجد سيِّيء الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، ولا عاقًا إلا وجدته جَبَّارًا شقيًا.\n\n[٣٠٣] وعن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَا زَالَ جِبْريلُ يُوصِيني بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُورِّثُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا تعظيم حق الجار، والاعتناء به، والاهتمام بشأنه.\n\n[٣٠٤] وعن أَبي ذر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأكثِرْ مَاءهَا، وَتَعَاهَدْ جيرَانَكَ» . رواه مسلم.\nوفي رواية لَهُ عن أَبي ذر، قَالَ: إنّ خليلي - ﷺ - أوْصَاني: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًَا فَأكْثِرْ مَاءها، ثُمَّ انْظُرْ أهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأصِبْهُمْ مِنْهَا بِمعرُوفٍ» .\n\nالأمر بإكثار ماء المرقة ليكثر الائتدام بها.\nوفي الحديث: الحضّ على تعاهد الجيران ولو بالقليل، لما يترتب على ذلك من المحبة والأُلفة، ولما يحصل به من المنفعة ودفع المفسدة، لأن الجار قد يتزوج القتار فيتحرى لهدية جاره.\n\n[٣٠٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قَالَ: «واللهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لا يُؤْمِنُ!» قِيلَ: مَنْ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «الَّذِي لا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ!» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":217},{"text":"وفي رواية لمسلم: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ لا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» .\n«البَوَائِقُ»: الغَوَائِلُ والشُّرُورُ.\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد لمن أخاف جاره أو خادعه على أهله أو ماله.\n\n[٣٠٦] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «يَا نِسَاء المُسْلِمَاتِ، لا تَحْقِرَنَّ جَارةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاة» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفيه: الحثُ على فعل المعروف بين الجيران وإنْ قل.\n\n[٣٠٧] وعنه: أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدَارِهِ»، ثُمَّ يقُولُ أَبُو هريرة: مَا لِي أرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضينَ! وَاللهِ لأرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أكْتَافِكُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nرُوِيَ «خَشَبَهُ» بالإضَافَة وَالجمع. وَرُويَ «خَشَبَةً» بالتنوين عَلَى الإفرادِ. وقوله: مَا لي أراكم عَنْهَا مُعْرِضينَ: يَعْني عَنْ هذِهِ السُّنَّة.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن المشاحنة بين الجيران وندبهم إلى التساهل والتسامح فيما ينفع الجار من وضع خشب وإجراء ماء. ونحو ذلك مما ينفع الجار، ولا يضر بالمالك.\n\n[٣٠٨] وعنه أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَاليَومِ الآخرِ، فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":218},{"text":"[٣٠٩] وعن أَبي شُرَيْح الخُزَاعيِّ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ» . رواه مسلم بهذا اللفظ، وروى البخاري بعضه.\nهذا الحديث: من قواعد الإسلام، لأن جميع آداب الخير تتفرع منه وآكدها حق الجوار.\n[٣١٠] وعن عائشة ﵂ قَالَت: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، إنَّ لِي جارَيْنِ، فإلى أيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أقْرَبِهِمَا مِنكِ بَابًا» . رواه البخاري.\nفيه: دليل على تقديم الأقرب من الجيران بابًا على الأبعد منهم.\n\n[٣١١] وعن عبدِ الله بن عمرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ الله تَعَالَى خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيرُ الجِيرَانِ عِنْدَ الله تَعَالَى خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: الحث على الإحسان إلى الجيران، وكف الأذى عنهم والانبساط إليهم.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>٤٠- باب بر الوالدين وصلة الأرحام</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء (٣٦)] .\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَام﴾ [النساء (١)] .\n\nأي: اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لينجيكم من عذابه، واتقوا الأرحام لا تقطعوها.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ الآية [الرعد (٢١)] .\n\nهذه الآية عامة في صلة الأرحام، والإحسان إليهم وإلى الفقراء والمحاويج وبذل المعروف.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت (٨)] .\n\nأي: برًّا بهما وعطفًا عليهما.\nنزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقَّاص لما أسلم، وكان بارًّا بأمه، فقالت أمه: ما هذا الدين! والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنتَ عليه، أو أموت، فمكثت كذلك أيَّامًا، فجاءها سعد فقال: يَا أمَّاه لو أن لك مئة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني، فكلي إن شئتِ، أو اتركي، فلما أيست منه أَكَلَت وشَرِبَت، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فنهى تعالى عن طاعتهما في المعصية وأمر ببرهما، لما قال في الآية الأُخرى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان (١٥)] .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ إلا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا","vol":"1","page":220},{"text":"وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء (٢٣، ٢٤)] .\n\nيأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له، والإحسان إلى الوالدين، وبرهما، والعطف عليهما خصوصًا عند كبرهما، وضعفهما، فإنهما قد ربَّياه، وعطفا عليه، وهو صغير ضعيف.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك﴾ [لقمان (١٤)] .\n\nقال ابن عيينة: من صلَّى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في إدبار الصلوات فقد شكر لهما.\n\n[٣١٢] وعن أَبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قَالَ: سألت النبي - ﷺ -: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ في سبيلِ الله» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالحديث: دليل على أنّ الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، وأن بر الوالدين أفضل من الجهاد.\n[٣١٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إلا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا، فَيَشْتَرِيهُ فَيُعْتِقَهُ» . رواه مسلم.\n\nوفيه: تعظيم حق الوالدين، وأن الولد لو فعل من البر ما فعل لا يكافئه إلا بعتقه.","vol":"1","page":221},{"text":"[٣١٤] وعنه أيضًا - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nصلة الرحم واجبة وقطعها معصية كبيرة وهي درجات بعضها أرفع من بعض.\n\n[٣١٥] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مُقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعةِ، قَالَ: نَعَمْ، أمَا تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ، ثُمَّ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «اقْرَؤُوا إنْ شِئْتمْ: ... ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد (٢٢، ٢٣)] مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية للبخاري: فَقَالَ الله تَعَالَى: «مَنْ وَصَلَكِ، وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ، قَطَعْتُهُ» .\nفي هذا الحديث: تعظيم شأن الرحم، وفضلِ واصلها، وعظيم إثم قاطعها، والرحم: قرابات الرجل من جهة والديه وإن علوا، وأولاده وإن نزلوا، وما يتصل بالطرفين من الأعمام والأخوال وأولادهم.\n\n[٣١٦] وعنه - ﵁ - قَالَ: جاء رجل إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَنْ أحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»","vol":"1","page":222},{"text":"قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ... «أبُوكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: يَا رَسُول الله! مَنْ أَحَقُّ بحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ أدْنَاكَ أدْنَاكَ» .\n«وَالصَّحَابَةُ» بمعنى: الصحبةِ. وقوله: «ثُمَّ أباك» هكذا هُوَ منصوب بفعلٍ محذوفٍ، أي: ثُمَّ بُرَّ أبَاكَ. وفي رواية: «ثُمَّ أبوك»، وهذا واضح.\n\nفي هذا الحديث: تأكيد حق الأم، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان (٨)] .\n\n[٣١٧] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «رغِم أنفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ مَنْ أدْرَكَ أبَويهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَحَدهُما أَوْ كِليهمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ» . رواه مسلم.\nفيه: البشارة لمن برَّ بوالديه بدخول الجنة، خصوصًا عند كبرهما وَضُعْفِهما.\n\n[٣١٨] وعنه - ﵁ - أن رجلًا قَالَ: يَا رَسُول الله! إنّ لِي قَرابةً أصِلُهُمْ وَيَقْطَعُوني، وَأُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إلَيَّ، وَأحْلَمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكأنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذلِكَ» . رواه مسلم.\n«وَتُسِفُّهُمْ» بضم التاء وكسرِ السين المهملة وتشديد الفاءِ و«المَلُّ» بفتح الميم، وتشديد اللام وَهُوَ الرَّمادُ الحَارُّ: أيْ كَأنَّمَا تُطْعِمُهُمُ الرَّمَادَ","vol":"1","page":223},{"text":"الحَارَّ، وَهُوَ تَشبِيهٌ لِمَا يَلْحَقَهُمْ من الإثم بما يلحَقُ آكِلَ الرَّمَادِ الحَارِّ مِنَ الأَلمِ، وَلا شَيءَ عَلَى هَذَا المُحْسِنِ إلَيهمْ، لكِنْ يَنَالُهُمْ إثمٌ عَظيمٌ بتَقْصيرِهم في حَقِّهِ، وَإدْخَالِهِمُ الأَذَى عَلَيهِ، وَاللهُ أعلم.\n\nفي الحديث: أنَّ هذه الخصال هي سبب إعانة هذا الواصل وتأييده وتوفيقه، وتسديده، ونصره عليهم.\n\n[٣١٩] وعن أنسٍ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «من أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، ويُنْسأَ لَهُ في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nومعنى «ينسأ لَهُ في أثرِهِ»، أي: يؤخر لَهُ في أجلِهِ وعمرِهِ.\n\nفيه: أن صلة الرحم تزيد في الرزق والعمر، بالتوفيق والبركة، وقد قال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد (٣٨، ٣٩)] .\n[٣٢٠] وعنه قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأنْصَارِ بالمَدينَةِ مَالًا مِنْ نَخل، وَكَانَ أحَبُّ أمْوَاله إِلَيْهِ بَيْرَحاء، وَكَانَتْ مسْتَقْبَلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ ... رَسُول الله - ﷺ - يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّب، فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران (٩٢)]\nقَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رسولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! إنَّ الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ تعالى، أرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله تَعَالَى، فَضَعْهَا يَا رَسُول الله! حَيْثُ أرَاكَ الله. فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «بَخ! ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ، ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ! وقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإنِّي أرَى","vol":"1","page":224},{"text":"أنْ تَجْعَلَهَا في الأقْرَبينَ»، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يَا رَسُول الله! فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوسبق بيان ألفاظِهِ في باب الإنْفَاقِ مِمَّا يحب.\n\nفي هذا الحديث: أنّ أفضل الصدقة ما كان على الأقارب؛ لأنها صدقةٌ وصِلة.\n\n[٣٢١] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: أقبلَ رَجُلٌ إِلَى نَبيِّ الله - ﷺ -، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الهِجْرَةِ وَالجِهَادِ أَبْتَغي الأجْرَ مِنَ الله تَعَالَى. قَالَ: «فَهَلْ لَكَ مِنْ وَالِدَيْكَ أحَدٌ حَيٌّ؟» . قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلاهُمَا. قَالَ: «فَتَبْتَغي الأجْرَ مِنَ الله تَعَالَى؟» . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:\n«فارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ، فَأحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وهذا لَفْظُ مسلِم.\nوفي رواية لَهُمَا: جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَأذَنَهُ في الجِهَادِ، فقَالَ: «أحَيٌّ وَالِداكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفيهِمَا فَجَاهِدْ» .\n\nفي هذا الحديث تقديم برِّ الوالدين على الهجرة والجهاد.\n\n[٣٢٢] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئ، وَلكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» . رواه البخاري.\nوَ«قَطَعَتْ» بِفَتح القَاف وَالطَّاء. وَ«رَحِمُهُ» مرفُوعٌ.\n\nالناس ثلاثة: واصل، ومكافئ، وقاطع.\nفالواصل: من يبدأ بالفضل.\nوالمكافئ: من يرد مثله.\nوالقاطع: من لا يتفضل ولا يكافئ، فالكامل من يصل من قطعه.","vol":"1","page":225},{"text":"[٣٢٣] وعن عائشة قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي، وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي، قَطَعَهُ اللهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي الحديث: تعظيم شأن الرحم، ووعِد من وصلها بوصل الله، ووعيد من قطعها بقطعه.\n\n[٣٢٤] وعن أم المؤمنين ميمونة بنتِ الحارث ﵂: أنَّهَا أعْتَقَتْ وَليدَةً وَلَمْ تَستَأذِنِ النَّبيَّ - ﷺ -، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا\nفِيهِ، قَالَتْ: أشَعَرْتَ يَا رَسُول الله! أنِّي أعتَقْتُ وَليدَتِي؟ قَالَ: «أَوَ فَعَلْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «أما إنَّكِ لَوْ أعْطَيْتِهَا أخْوَالَكِ كَانَ أعْظَمَ لأجْرِكِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أن عطية القريب أفضل من العتق إذا كانوا محتاجين.\nوفيه: صحة تصرف الزوجة في مالها بغير إذن زوجها.\n\n[٣٢٥] وعن أسماءَ بنتِ أَبي بكر الصديق ﵄، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشركةٌ في عَهْدِ رسولِ الله - ﷺ -، فاسْتَفْتَيْتُ ... رَسُول الله - ﷺ -، قُلْتُ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أفَأصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَقَولُهَا: «رَاغِبَةٌ» أيْ: طَامِعَةٌ فِيمَا عِنْدِي تَسْألُني شَيْئًا؛ قِيلَ: كَانَتْ أُمُّهَا مِن النَّسَبِ، وَقيل: مِن الرَّضَاعَةِ، وَالصحيحُ الأول.","vol":"1","page":226},{"text":"في الحديث: جواز صلة القريب المشرك، ويشهد لذلك قوله تعالى ... ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان (١٥)] .\n\n[٣٢٦] وعن زينب الثقفيةِ امرأةِ عبدِ الله بن مسعود ﵁ وعنها، قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ»، قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عبد الله بنِ مسعود، فقلتُ لَهُ: إنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ اليَدِ، وَإنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَدْ أمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ فَأْتِهِ، فَاسألهُ، فإنْ كَانَ ذلِكَ يْجُزِئُ عَنِّي وَإلا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ. فَقَالَ\nعبدُ اللهِ: بَلِ ائْتِيهِ أنتِ، فانْطَلَقتُ، فَإذا امْرأةٌ مِنَ الأنْصارِ بِبَابِ ... رسولِ الله - ﷺ - حَاجَتي حَاجَتُها، وَكَانَ رَسُول الله - ﷺ - قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيهِ المَهَابَةُ، فَخَرجَ عَلَيْنَا بِلاَلٌ، فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُول الله - ﷺ -، فَأخْبرْهُ أنَّ امْرَأتَيْنِ بالبَابِ تَسألانِكَ: أُتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أزْواجِهمَا ... وَعَلَى أيْتَامٍ في حُجُورِهِما؟، وَلا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، فَدَخلَ بِلاَلٌ عَلَى رَسُول الله - ﷺ -، فسأله، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ هُمَا؟» قَالَ: امْرَأةٌ مِنَ الأنْصَارِ وَزَيْنَبُ. فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أيُّ الزَّيَانِبِ»؟ قَالَ: امْرَأةُ عبدِ الله، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لَهُمَا أجْرَانِ: أجْرُ القَرَابَةِ وَأجْرُ الصَّدَقَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: أن الصدقة على القريب إذا كان محتاجًا أفضل من الصدقة على البعيد.\n\n[٣٢٧] وعن أَبي سفيان صخر بنِ حرب - ﵁ - في حديثِهِ الطويل في قِصَّةِ هِرَقْلَ: أنَّ هرقْلَ قَالَ لأبي سُفْيَانَ: فَمَاذَا يَأمُرُكُمْ بِهِ؟","vol":"1","page":227},{"text":"يَعْنِي النبي - ﷺ - ... قَالَ: قُلْتُ: يقول: «اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، واتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأمُرُنَا بِالصَّلاةِ، وَالصّدْقِ، والعَفَافِ، والصِّلَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشرك، وعن عوائد الجاهلية المخالفة للشرع.\nوفيه: الأمر بالصلاة، والصدقة والعفاف، وصلة الأرحام.\n[٣٢٨] وعن أَبي ذرّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا القِيرَاطُ» . وفي رواية: «سَتَفْتَحونَ مِصْرَ وَهِيَ أرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا القِيراطُ، فَاسْتَوْصُوا بأهْلِهَا خَيْرًا؛ فَإنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» . وفي رواية: «فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمة ورحمًا»، أَوْ قَالَ: «ذِمَّةً وصِهْرًا» . رواه مسلم.\nقَالَ العلماء: «الرَّحِمُ»: الَّتي لَهُمْ كَوْنُ هَاجَرَ أُمِّ إسْمَاعِيلَ - ﷺ - مِنْهُمْ، «وَالصِّهْرُ»: كَوْن مَارية أمِّ إبْراهيمَ ابن رَسُول الله - ﷺ - مِنْهُمْ.\n\nفي هذا الحديث: علامة من علامة النبوة، لكون الصحابة فتحوا مصر بعد النبي - ﷺ -.\nوفيه: الوصية بحفظ الذمة وصلة الرحم.\n\n[٣٢٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: لما نزلت هذِهِ الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء (٢١٤)]","vol":"1","page":228},{"text":"دَعَا رَسُول الله - ﷺ - قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ، وَقالَ: «يا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤيٍّ، أنقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بن كَعْبٍ، أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَاف أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يَا بني عبد المطلب، انقذوا أنفسكم من النار، يَا فَاطِمَةُ، أنْقِذي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ. فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا، غَيْرَ أنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأبُلُّهَا بِبِلالِهَا» . رواه مسلم.\nقوله - ﷺ -: «بِبِلالِهَا» هُوَ بفتح الباء الثانيةِ وكسرِها، «وَالبِلاَلُ»: الماءُ. ومعنى الحديث: سَأصِلُهَا، شَبّه قَطِيعَتَهَا بالحَرارَةِ تُطْفَأُ بِالماءِ وهذِهِ تُبَرَّدُ بالصِّلَةِ.\n\nفي الآية والحديث: دلالة على البداءة بإنذار الأقربين عمومًا وخصوصًا، وقوله - ﷺ -: «فإني لا أملك لكم من الله شيئًا»، أي: لا تتكلوا على قرابتي فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله بكم.\n\n[٣٣٠] وعن أَبي عبد الله عمرو بن العاص ﵄ قَالَ: سمعت رَسُول الله - ﷺ - جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ، يَقُولُ: «إنَّ آل بَني فُلاَن لَيْسُوا ... بِأولِيَائِي، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ المُؤْمِنينَ، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أبُلُّهَا بِبلاَلِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللفظ للبخاري.\n\nقوله - ﷺ -: «إنما وليي الله»، أي: هو ناصري والذي أتولاه في جميع الأمور. كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم (٤)] .","vol":"1","page":229},{"text":"ومعنى الحديث: لست أخص قرابتي ولا فصيلتي الأدنين بولاية دون المسلمين.\n\n[٣٣١] وعن أَبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري - ﵁ - أنَّ رجلًا قَالَ: يَا رَسُول الله، أخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ. فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «تَعْبُدُ الله، وَلا تُشْرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ، وتَصِلُ الرَّحمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nفي الحديث: دليل على أنّ من وحّد الله، وقام بأركان الإسلام، ووصل رَحِمَهُ دخل الجنة.\n\n[٣٣٢] وعن سلمان بن عامر - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أفْطَرَ أحَدُكُمْ فَلْيُفْطرْ عَلَى تَمْرٍ؛ فَإنَّهُ بَرَكةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا، فالمَاءُ؛ فَإنَّهُ طَهُورٌ»، وَقالَ: «الصَّدَقَةُ عَلَى المِسكينِ صَدَقةٌ، وعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nأي: في الصدقة على القريب ثوابان جليلان، ثواب الصدقة، وثواب صلة الرحم.\n\n[٣٣٣] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأةٌ، وَكُنْتُ أحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لي: طَلِّقْهَا، فَأبَيْتُ، فَأتَى عُمَرُ - ﵁ - النَّبيّ - ﷺ -، فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبيّ - ﷺ -: «طَلِّقْهَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .","vol":"1","page":230},{"text":"في هذا الحديث: امتثال أمر الأب إذا أمر ولده بطلاق امرأته.\n\n[٣٣٤] وعن أَبي الدرداءِ - ﵁ - أن رجلًا أتاه، فقَالَ: إنّ لي امرأةً وإنّ أُمِّي تَأمُرُنِي بِطَلاقِهَا؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ -، يقول: «الوَالِدُ أوْسَطُ أبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإنْ شِئْتَ، فَأضِعْ ذلِكَ البَابَ، أَو احْفَظْهُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nفيه: استحباب طاعة الأم إذا أمرته بطلاق امرأته، ولم ترض إلا بذلك وهو من البر، وإن لم يطلقها فليس بعقوق.\n\n[٣٣٥] وعن البراءِ بن عازب ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: ... «الخَالةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: أن الخالة بمنزلة الأم في البر لأنها تقرب منها في الحنوِّ والشفقة ومعرفة ما يصلح الولد.\nوفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة؛ مِنْهَا حديث أصحاب الغار، وحديث جُرَيْجٍ وقد سبقا، وأحاديث مشهورة في الصحيح حذفتها اختِصَارًا، وَمِنْ أهَمِّهَا حديث عَمْرو بن عَبسَة - ﵁ - الطَّويلُ المُشْتَمِلُ عَلَى جُمَلٍ كَثيرةٍ مِنْ قَواعِدِ الإسْلامِ وآدابِهِ، وَسَأذْكُرُهُ بتَمَامِهِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى في باب الرَّجَاءِ، قَالَ فِيهِ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبيّ - ﷺ - بمَكَّةَ - يَعْني: في أوَّلِ النُّبُوَّةِ - فقلتُ لَهُ: مَا أنْتَ؟ قَالَ: «نَبيٌّ»، فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: «أرْسَلنِي اللهُ تَعَالَى»، فقلت: بأيِّ شَيءٍ أرْسَلَكَ؟ قَالَ: «أرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ وَكَسْرِ الأَوثَانِ، وَأنْ يُوَحَّدَ اللهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيء ...» وَذَكَرَ تَمَامَ الحَدِيث. والله أعلم.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>٤١- باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد (٢٢، ٢٣)] .\nيقول تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ﴾، أي: فلعلكم إن توليتم، أي: أعرضتم عن الدين، وفارقتم أحكام القرآن أن تفسدوا في الأرض بالمعصية، والبغي، وسفك الدماء، وتقطِّعوا أرحامكم.\nقال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، أولئك الذين لعنهم الله، فأصمهم، وأعمى أبصارهم عن الحق، وهذا نهي من الله تعالى عن الإفساد في الأرض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد (٢٥)] .\n\nلما ذكر تعالى السعداء الذين يوفون بعهد الله، ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أنْ يوصل، ذكر الأشقياء الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وهي عامة في الرحم وغيرها من أمور الدين، ويفسدون في الأرض بالمعاصي أولئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء (٢٣، ٢٤)] .","vol":"1","page":232},{"text":"في هذه الآية الكريمة: الأمر ببرّ الوالدين، والنهي عن عقوقهما، والأدب في ذلك.\n\n[٣٣٦] وعن أَبي بكرة نُفَيع بن الحارث - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» - ثلاثًا - قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُول الله! قَالَ: «الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ»، وكان مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ألا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ» . فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالذنوب: فيها صغائر وكبائر. فالكبيرة: ما توعّد صاحبها بغضب أو لعنة أو نار.\nقوله: (وكان متكئًا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور» . سبب الاهتمام به، سهولة وقوع الناس فيه، وتهاونهم به، والحوامل عليه كثيرة من العداوة والحسد وغير ذلك؛ ولأن مفسدته متعدية إلى الغير.\nوأما الشرك فإنه ينبو عنه القلب السليم، والعقوق يصرف عنه الطبع.\nوقوله: (حتى قلنا: ليته يسكت)، أي: شفقة عليه.\n\n[٣٣٧] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «الكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْس، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ» . رواه البخاري.\n«اليمين الغموس»: التي يحلفها كاذبًا عامدًا، سميت غموسًا؛ لأنها تغمس الحالِفَ في الإثم.\nالاقتصار على هذه الأربع لكونها أعظم الكبائر إثمًا، وأشدِّها جُرمًا، ومن ذلك السبع الموبقات.","vol":"1","page":233},{"text":"[٣٣٨] وعنه أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مِنَ الكَبَائِر شَتْمُ الرَّجُل وَالِدَيهِ» . قالوا: يَا رَسُول الله، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أبَاه، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: «إنَّ مِنْ أكْبَرِ الكَبَائِرِ أنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ!»، قِيلَ: يَا رَسُول الله! كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟! قَالَ: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أباهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ» .\n\nقوله: (هل يشتم الرجل والديه؟) استفهامُ استبعاد أنْ يصدر ذلك من ذي دين أو عقل، فأخبر - ﷺ - أن ذلك يقع بالتسبب في سبِّهما.\n\n[٣٣٩] وعن أَبي محمد جبيرِ بن مطعم - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» . قَالَ سفيان في روايته: يَعْنِي: قَاطِع رَحِم. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفيه: وعيد شديد لمن قطع رحمه.\nوفيه: عظم إثم قاطع الرحم.\n\n[٣٤٠] وعن أَبي عيسى المغيرة بن شعبة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأمَّهَاتِ، وَمَنْعًا وهاتِ، وَوَأْد البَنَاتِ، وكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإضَاعَةَ المَالِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقوله: «مَنْعًا» مَعنَاهُ: مَنْعُ مَا وَجَب عَلَيهِ، وَ«هَاتِ»: طَلَبُ مَا لَيْسَ لَهُ. وَ«وَأْد البَنَاتِ» مَعنَاهُ: دَفنُهُنَّ في الحَيَاةِ، وَ«قيلَ وَقالَ» مَعْنَاهُ: الحَديث بكُلّ مَا يَسمَعهُ، فيَقُولُ: قِيلَ كَذَا، وقَالَ فُلانٌ كَذَا مِمَّا لا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ،","vol":"1","page":234},{"text":"وَلا يَظُنُّهَا، وَكَفَى بالمَرْءِ كذِبًا أنْ يُحَدّثَ بكُلِّ مَا سَمِعَ. وَ«إضَاعَةُ المَال»: تَبذِيرُهُ وَصَرفُهُ في غَيْرِ الوُجُوهِ المأذُونِ فِيهَا مِنْ مَقَاصِدِ الآخِرةِ وَالدُّنْيَا، وتَرْكُ حِفظِهِ مَعَ إمكَانِ الحِفظِ. وَ«كَثْرَةُ السُّؤَال»: الإلحَاحُ فيما لا حَاجَة إِلَيْهِ.\nاقتصر في الحديث على عقوق الأمّهات، مع تحريم عقوق الآباء أيضًا، لأن الاستخفاف بهن أكثر لضعفهن وعجزهن، وينبه على تقديم برِّهن على برِّ الأب في التلطف ونحو ذلك.\nومنعًا وهات: أي: منع ما أمر بإعطائه وطلب ما لا يستحق.\nوفي الباب أحاديث سبقت في الباب قبله كحديث: «وأقْطَعُ مَنْ قَطَعَك»، وحديث: «مَنْ قَطَعني قَطَعهُ الله» .\nقوله: (وفي الباب)، أي: في تحريم العقوق والقطيعة أحاديث كثيرة تدل على تحريم عقوق الوالدين وقطيعة الرحم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٤٢- باب فضل بر أصدقاء الأب</span>\nوالأم والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه\n\n[٣٤١] عن ابن عمر ﵄: أن النبي - ﷺ - قَالَ: «إنّ أبَرَّ البرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أبيهِ» .\n[٣٤٢] وعن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄: أنَّ رَجُلًا مِنَ الأعْرَابِ لَقِيَهُ بطَريق مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيهِ عبدُ الله بْنُ عُمَرَ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأسِهِ، قَالَ ابنُ دِينَار: فَقُلْنَا لَهُ: أصْلَحَكَ الله، إنَّهُمُ الأعرَابُ وَهُمْ يَرْضَوْنَ","vol":"1","page":235},{"text":"باليَسير، فَقَالَ عبد الله بن عمر: إن أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بنِ الخطاب - ﵁ - وإنِّي سَمِعتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ أبرَّ البِرِّ صِلَةُ الرَّجُلِ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ» .\nوفي رواية عن ابن دينار، عن ابن عمر: أنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأسَهُ، فَبيْنَا هُوَ يَومًا عَلَى ذلِكَ الحِمَارِ إِذْ مَرَّ بِهِ أعْرابيٌّ، فَقَالَ: ألَسْتَ فُلاَنَ بْنَ فُلاَن؟ قَالَ: بَلَى. فَأعْطَاهُ الحِمَارَ، فَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا، وَأعْطَاهُ العِمَامَةَ وَقالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأسَكَ، فَقَالَ لَهُ بعضُ أصْحَابِهِ: غَفَرَ الله لَكَ أعْطَيْتَ هَذَا الأعْرَابيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيهِ، وعِمَامةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأسَكَ؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعتُ رَسُول الله - ﷺ -، يَقُولُ: «إنَّ مِنْ أبَرِّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبيهِ بَعْدَ أنْ يُولِّيَ» وَإنَّ أبَاهُ كَانَ صَديقًا لعُمَرَ - ﵁ -.\nرَوَى هذِهِ الرواياتِ كُلَّهَا مسلم.\n\nفي هذا الحديث: الحث على إكرام أصدقاء أبيه، ويقاس عليه أصدقاء الأم وسائر الأقارب.\n\n[٣٤٣] وعن أَبي أُسَيد - بضم الهمزة وفتح السين - مالك بن ربيعة الساعدي - ﵁ - قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُول الله - ﷺ - إذ جَاءهُ رَجُلٌ مِنْ\nبَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ! هَلْ بَقِيَ مِنْ برِّ أَبَوَيَّ شَيء أبرُّهُما بِهِ بَعْدَ مَوتِهمَا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا، والاسْتغْفَارُ لَهُمَا، وَإنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِما، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتي لا تُوصَلُ إلا بِهِمَا، وَإكرامُ صَدِيقهمَا» . رواه أَبُو داود.","vol":"1","page":236},{"text":"الحديث دليل على أنَّ الدعاء للوالدين من البر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء (٢٤)] .\nوفيه: الحث على صلة الأرحام وإكرام أصدقاء الوالدين وتنفيذ وصيتهما.\n\n[٣٤٤] وعن عائشة ﵂ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبيِّ - ﷺ - مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَة ﵂، وَمَا رَأيْتُهَا قَطُّ، وَلَكِنْ كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ، ثُمَّ يقَطِّعُهَا أعْضَاء، ثُمَّ يَبْعثُهَا في صَدَائِقِ خَديجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيَا امرأة إلا خَديجَةَ ! . فَيَقُولُ: «إنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لي مِنْهَا وَلَدٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: وإنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ، فَيُهْدِي في خَلاَئِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ.\nوفي رواية: كَانَ إِذَا ذبح الشاة، يقولُ: «أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أصْدِقَاءِ خَديجَةَ» .\nوفي رواية: قَالَت: اسْتَأذَنتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِد أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُول الله - ﷺ -، فَعرَفَ اسْتِئذَانَ خَديجَةَ، فَارتَاحَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَالةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» .\nقولُهَا: «فَارتَاحَ» هُوَ بالحاء، وفي الجمعِ بَيْنَ الصحيحين للحُميدِي: «فارتاع» بالعينِ ومعناه: اهتم بهِ.\n\nفي هذا الحديث: دليل على حُسن عهد الصاحب، وحفظ وده، ورعاية حرمته وإكرام صديقه في حياته، وبعد موته.","vol":"1","page":237},{"text":"[٣٤٥] وعن أنس بن مالك - ﵁ - قَالَ: خرجت مَعَ جرير بن عبد الله البَجَليّ - ﵁ - في سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُني، فَقُلْتُ لَهُ: لا تَفْعَل، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأيْتُ الأنْصَارَ تَصْنَعُ برسول الله - ﷺ - شيئًا آلَيْتُ أنْ لا أصْحَبَ أحَدًا مِنْهُمْ إلا خَدَمْتُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nوكان جرير أسنَّ من أنس، وجرير سيد بجيلة، فكان يخدم أنسًا إكرامًا للنبي - ﷺ -، وإحسانًا للمنتسب إلى خدمته، ففيه: دليل على إكرام المحسن، وإن كان أصغر منه.\nوفيه: تواضع جرير وفضيلته ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٤٣- باب إكرام أهل بيت رَسُول الله - ﷺ </span>-\nوبيان فضلهم\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب (٣٣)] .\n\nهذه الآية نزلت في نساء النبي - ﷺ - كما يدل عليه السياق.\nوالرجس: الذنب المدنس للعرض وهو الإثم.\nوأما ذريته فيدخلون من باب أولى، كما في حديث واثلة بن\nالأسقع: جاء رسول الله - ﷺ - ومعه علي، وحسن، وحسين ﵃ آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدنى عليًّا وفاطمة ﵄ وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا كل واحد منهما على فخذه، ثم لفَّ عليهم ثوبه، ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق ...» . رواه أحمد.","vol":"1","page":238},{"text":"وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ... [الحج (٣٢)] .\n\nسبب نزول هذه الآية في الهدايا وفرائض الحج، وهي عامة في جميع شعائر الدين.\n\n[٣٤٦] وعن يزيد بن حَيَّانَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أنَا وحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَة، وَعَمْرُو بن مُسْلِم إِلَى زَيْد بْنِ أرقَمَ - ﵃ - فَلَمَّا جَلسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْن: لَقَدْ لقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأيْتَ رَسُول الله - ﷺ -، وسمعتَ حديثَهُ، وغَزوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثيرًا، حَدِّثْنَا يَا\nزَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رسولِ الله - ﷺ - قَالَ: يَا ابْنَ أخِي، وَاللهِ لقد كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهدِي، وَنَسيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أعِي مِنْ رسولِ الله - ﷺ -، فما حَدَّثْتُكُمْ، فَاقْبَلُوا، ومَا لا فَلا تُكَلِّفُونيهِ. ثُمَّ قَالَ: قام رَسُول الله - ﷺ - يَومًا فينا خَطِيبًا بمَاء يُدْعَى خُمًَّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَحَمِدَ الله، وَأثْنَى عَلَيهِ، وَوعظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أمَّا بَعدُ، ألا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشِكَ أنْ يَأتِي رسولُ ربِّي فَأُجِيبَ، وَأنَا تارك فيكم ثَقَلَيْنِ: أوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ، فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكتابِ الله، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ الله، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأهْلُ بَيْتِي أُذكِّرُكُمُ الله في أهلِ بَيْتي، أذكرُكُمُ الله في أهل بيتي» فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أهْلُ بَيتهِ يَا زَيْدُ، أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أهْلِ بَيتهِ، وَلكِنْ أهْلُ بَيتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عقيل وَآلُ جَعفَرَ وآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هؤلاء حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. رواه مسلم.","vol":"1","page":239},{"text":"وفي رواية: «ألا وَإنّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَليْنِ: أحَدُهُما كِتَابُ الله وَهُوَ حَبْلُ الله، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلالَة» .\n\nفي هذا الحديث: الحث على التمسك بالقرآن والتحريض على العمل به والاعتصام به.\nوفيه: تأكيد الوصاية بأهل البيت، والعناية بشأنهم وإكرامهم.\n[٣٤٧] وعن ابن عمر ﵄، عن أَبي بكر الصديق - ﵁ - مَوقُوفًا عَلَيهِ - أنَّهُ قَالَ: ارْقَبُوا مُحَمدًا - ﷺ - في أهْلِ بَيْتِهِ. رواه البخاري.\nمعنى «ارقبوه»: راعوه واحترموه وأكرموه، والله أعلم.\n\nفي أثر أبي بكر ﵁ دليل على معرفة الصحابة ﵃ بحق أهل بيت رسول الله - ﷺ - وتوقيرهم واحترامهم، فمن كان من أهل البيت مستقيمًا على الدين متبعًا لسنة رسول الله - ﷺ - فكان له حقّان: حق الإسلام وحق القرابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٤٤- باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل</span>\nوتقديمهم عَلَى غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مَزِيَّتِهِم\n\nالتوقير: التبجيل.\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر (٩)] .\n\nأي: لا يستوي الموحد والمشرك، والعالم والجاهل، ولا القانت والعاصي، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص (٢٨)] .","vol":"1","page":240},{"text":"[٣٤٨] وعن أَبي مسعودٍ عقبةَ بن عمرو البدري الأنصاري - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «يَؤُمُّ القَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإنْ كَانُوا في القِراءةِ سَوَاءً، فأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً،\nفَإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلا يُؤمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ، وَلا يَقْعُدْ في بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلا بِإذْنهِ» . رواه مسلم.\nوفي رواية لَهُ: «فَأقْدَمُهُمْ سِلْمًا» بَدَلَ «سِنًّا»: أيْ إسْلامًا. وفي رواية: «يَؤُمُّ القَومَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، وَأقْدَمُهُمْ قِراءةً، فَإنْ كَانَتْ قِرَاءتُهُمْ سَوَاءً فَيَؤُمُّهُمْ أقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَواء، فَليَؤُمُّهُمْ أكْبَرُهُمْ سِنًّا» .\nوالمراد «بِسلطانهِ»: محل ولايتهِ، أَو الموضعِ الَّذِي يختص بِهِ «وتَكرِمتُهُ» بفتح التاءِ وكسر الراءِ: وهي مَا ينفرد بِهِ من فِراشٍ وسَريرٍ ونحوهِما.\n\nقال القرطبي: تأول أصحاب الحديث بأن الأقرأ في الصدر الأول هو الأفقه، لأنهم كانوا يتفقهون مع القراءة، فلا يوجد قارئ إلا وهو فقيه، وكان مِنْ عُرْفهم تسمية الفقهاء بالقراء. وقد قَدَّمَ النَّبيُّ - ﷺ - الصدِّيقَ على أُبَيّ مع قوله: «أقرؤكم أُبَيّ» .\nوفي الحديث: فضل الهجرة.","vol":"1","page":241},{"text":"[٣٤٩] وعنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلاةِ، ويَقُولُ: «اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِني مِنْكُمْ أُولُوا الأحْلاَمِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . رواه مسلم.\nوقوله - ﷺ -: «لِيَلِني» هُوَ بتخفيف النون وليس قبلها ياءٌ، وَرُوِيَ بتشديد النُّون مَعَ يَاءٍ قَبْلَهَا. «وَالنُّهَى»: العُقُولُ. (وَأُولُوا الأحْلام): هُم البَالِغُونَ، وقَيلَ: أهْلُ الحِلْمِ وَالفَضْلِ.\n\nفي الحديث: تقديم الأفضل فالأفضل إلى الأمام لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام عن السهو والغلط.\n\n[٣٥٠] وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لِيَلِني مِنْكُمْ أُولُوا الأحْلام وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ثَلاثًا «وَإيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأسْوَاق» . رواه مسلم.\n\nهيشات الأسواق: المنازعة، والخصومات واللغط، وارتفاع ... الأصوات.\n\n[٣٥١] وعن أَبي يَحيَى، وقيل: أَبي محمد سهلِ بن أَبي حَثْمة - بفتح الحاءِ المهملة وإسكان الثاءِ المثلثةِ - الأنصاري - ﵁ - قَالَ: انطَلَقَ عَبدُ اللهِ بنُ سهْلٍ وَمُحَيِّصَة بن مَسْعُود إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ يَومَئذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عبدِ اللهِ بنِ سهل وَهُوَ يَتشَحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبدُ الرحمن بنُ سهل وَمُحَيِّصَةُ وحوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبيّ - ﷺ -، فَذَهَبَ عَبدُ الرحمن يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» وَهُوَ أحْدَثُ القَوم، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: «أتَحْلِفُونَ وتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟ ...» وذكر تمام الحديث. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":242},{"text":"وقوله - ﷺ -: «كَبِّرْ كَبِّرْ» معناه: يتكلم الأكبر.\n\nفي الحديث: استحباب تقديم أهل الفضل والسنِّ، ولو كان الحق للصغير.\n\n[٣٥٢] وعن جابر - ﵁ - أن النَّبيّ - ﷺ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُد يَعْنِي في القَبْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: «أيُّهُما أكْثَرُ أخذًا للقُرآنِ؟» فَإذَا أُشيرَ لَهُ إِلَى أحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ. رواه البخاري.\n\nفي الحديث: تقديم الأكثر حفظًا للقرآن على ما دونه في القبر للحاجة، وكذلك غيره، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة (١١)] .\n\n[٣٥٣] وعن ابن عمر ﵄: أن النبي - ﷺ - قَالَ: «أرَانِي فِي المَنَامِ أتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءنِي رَجُلانِ، أحَدُهُما أكبر مِنَ الآخرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأصْغَرَ، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتهُ إِلَى الأكْبَرِ مِنْهُمَا» . رواه مسلم مسندًا، ورواه البخاري تعليقًا.\n\nفي الحديث: تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام، وهذا ما لم يترتب القوم، فإن ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن.\nوفيه: جواز استعمال سواك الغير بإذنه.\n\n[٣٥٤] وعن أَبي موسى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ مِنْ إجْلالِ اللهِ تَعَالَى: إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ القُرآنِ غَيْرِ الغَالِي فِيهِ،\nوَالجَافِي عَنْهُ، وَإكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِط» . حديث حسن رواه أَبُو داود.\n\nفيه: إكرام هؤلاء الثلاثة مما يرضاه الله تعالى ويثيب عليه.","vol":"1","page":243},{"text":"[٣٥٥] وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - ﵃ - قَالَ: قَالَ ... رَسُول الله - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبيرِنَا» . حديث صحيح رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nوفي رواية أبي داود: «حَقَّ كَبيرِنَا» .\n\nفيه: الوعيد لمن لا يرحم الصغير، ولا يُجلّ الكبير، وذوي القدر.\n\n[٣٥٦] وعن ميمون بن أَبي شَبيب ﵀: أنَّ عائشة ﵂ مَرَّ بِهَا سَائِلٌ، فَأعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ، فَأقْعَدَتهُ، فَأكَلَ، فقِيلَ لَهَا في ذلِكَ؟ فقَالتْ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» . رواه أبو داود. لكن قال: ميمون لم يدرك عائشة. وقد ... ذكره مسلم في أول صحيحه تعليقًا فقال: وذكر عن عائشة ﵂ قالت: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننزل الناس منازلهم، وَذَكَرَهُ الحَاكِمُ أَبُو عبد الله في كتابه «مَعرِفَة عُلُومِ الحَديث» . وَقالَ: «هُوَ حديث صحيح» .\nفيه: الحضّ على مُرَاعَاة مقادير الناس، ومراتبهم، ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض، فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ويعطي كل ذي حق حقه.\nوهذا الحديث: مما أدَّب به النبي - ﷺ - أمته من التعظيم والإكرام لذوي القدر.","vol":"1","page":244},{"text":"[٣٥٧] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْن، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أخِيهِ الحُرِّ بنِ قَيسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمرُ - ﵁ - وَكَانَ القُرَّاءُ أصْحَاب مَجْلِس عُمَرَ وَمُشاوَرَتِهِ، كُهُولًا كاَنُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أخيهِ: يَا ابْنَ أخِي، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ، فَاسْتَأذِنْ لِي عَلَيهِ، فاسْتَأذَن له، فَإذِنَ لَهُ عُمَرُ - ﵁ - فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: هِي يَا ابنَ الخَطَّابِ، فَواللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ - ﵁ - حَتَّى هَمَّ أنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ، إنَّ الله تَعَالَى قَالَ لِنَبيِّهِ - ﷺ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ . وَإنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ. واللهِ مَا جَاوَزَهاَ عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عليه، وكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: تقديم أولي الفضل على من عداهم، وإن كانوا دونهم في السن والنسب.\nوفيه: أنه ينبغي لولي الأمر مجالسة القراء، والفقهاء، ليذكروه إذا ... نسي، ويعينوه إذا ذكر.\nوفيه: الحلم عن الجهال والصبر على أذاهم.\nقال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.\n\n[٣٥٨] وعن أَبي سعيد سَمُرة بنِ جُندب - ﵁ - قَالَ: لقد كنت عَلَى عَهْدِ رَسُول الله - ﷺ - غُلامًا، فَكُنْتُ أحْفَظُ عَنْهُ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ القَوْلِ إلا أنَّ ها هُنَا رِجَالًا هُمْ أسَنُّ مِنِّي. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":245},{"text":"في هذا الحديث: الأدب مع الكبار من أهل العلم.\n\n[٣٥٩] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَا أكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إلا قَيَّضَ الله لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّه» . رواه الترمذي، وَقالَ: ... «حديث غريب» .\n\nفيه: أن الجزاء من جنس العمل.\nوفيه: إيماء إلى الوعد بطول عمر المُكرِم حتى يبلغ ذلك السن. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٤٥- باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم</span>\nوطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ إِلَى قوله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾؟ [الكهف (٦٠، ٦٦)] .\nفي هذه الآيات استحباب زيارة أهل الخير في أماكنهم، ومصاحبتهم ومجالستهم، والتواضع معهم، والرحلة في طلب العلم، واستزادة العالم من العلم، وتواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه في المرتبة، واستحباب الرفيق في السفر، وأنه لا بأس بالاستخدام واتخاذ الخادم.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف (٢٨)] .\n\nهذا أمر من الله تعالى لنبيّه محمد - ﷺ - أن يحبس نفسه مع الذين يعبدون الله في هذه الأوقات، وأن لا يجاوزهم ناظرًا إلى غيرهم من ذوي الهيئات، فإن مصاحبتهم سبب إلى دخول الجنات.","vol":"1","page":246},{"text":"[٣٦٠] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ أَبُو بكر لِعُمَرَ ﵄ بَعْدَ وَفَاةِ رسولِ الله - ﷺ -: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أيْمَنَ ﵂ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَيْهَا، بَكَتْ، فَقَالا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ أمَا تَعْلَمِينَ أنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لرَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَتْ: إني لا أبْكِي إني لا أَعْلَم أنَّ مَا عِنْدَ الله تَعَالَى خَيْرٌ لرسول الله - ﷺ -، ولَكِنْ أبكي أنَّ الوَحْيَ قدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّماءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى البُكَاءِ، فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا. رواه مسلم.\n\nأم أيمن: مولاة لرسول الله - ﷺ - أنكحها زيد بن حارثة واسمها بركة، وهي أم أسامة بن زيد وكان - ﷺ - يكرمها، وكان عندها كالولد.\nوفي هذا الحديث: زيارة الصالح لمن هو دونه، وزيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره.\nوفيه: البكاء حزنًا على فراق الصالحين.\n\n[٣٦١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ -: «أنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًَا لَهُ في قَريَة أُخْرَى، فَأرْصَدَ الله تَعَالَى عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أتَى عَلَيهِ، قَالَ: أيْنَ تُريدُ؟ قَالَ: أُريدُ أخًا لي في هذِهِ القَريَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيهِ مِنْ نِعْمَة تَرُبُّهَا عَلَيهِ؟ قَالَ: لا، غَيْرَ أنِّي أحْبَبْتُهُ في الله تَعَالَى، قَالَ: فإنِّي رَسُول الله إلَيْكَ بَأنَّ الله قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أحْبَبْتَهُ فِيهِ» . رواه مسلم.\nيقال: «أرْصَدَهُ» لِكَذَا: إِذَا وَكَّلَهُ بِحِفْظِهِ، وَ«المَدْرَجَةُ» بِفْتْحِ الميمِ والرَّاءِ: الطَّرِيقُ، ومعنى (تَرُبُّهَا): تَقُومُ بِهَا، وَتَسْعَى في صَلاحِهَا.\n\nفي هذا الحديث: دليل على عظم فضل الحب في الله والتزاور فيه.","vol":"1","page":247},{"text":"قال - ﷺ -: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» .\n\n[٣٦٢] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أخًا لَهُ في الله، نَادَاهُ مُنَادٍ: بِأنْ طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلا» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن»، وفي بعض النسخ: ... «غريب» .\n\nفي هذا الحديث: وعد الله تعالى للزائر فيه بأن يطهره من ذنوبه، ويعظم أجره ويدخله الجنة.\n[٣٦٣] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قَالَ: «إِنَّمَا مَثلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وَإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n(يُحْذِيكَ): يُعْطِيكَ.\n\nفي هذا الحديث: الحث على مجالسة أهل الخير، والتحذير من مجالسة أهل الشر.\nوفيه: الحكم بطهارة المسك.","vol":"1","page":248},{"text":"[٣٦٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَربَتْ يَدَاك» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nومعناه: أنَّ النَّاسَ يَقْصدونَ في العَادَة مِنَ المَرْأةِ هذِهِ الخِصَالَ الأرْبَعَ، فَاحْرَصْ أنتَ عَلَى ذَاتِ الدِّينِ، وَاظْفَرْ بِهَا، وَاحْرِصْ عَلَى صُحْبَتِها.\n\nالحسب: طيب الأصل. وكل واحد من هذه الأربع مما يقصده المتزوج.\nوفي الحديث: الحث على صاحبة الدين، لأن الحسن البالغ يخاف بسببه من فساد المرأة، أو إفسادها، والمال ربما أطغاها. وأما الدين فهو الحبل الذي لا ينقطع.\n[٣٦٥] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبيّ - ﷺ - لِجبريل: «مَا يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورنَا أكثَر مِمَّا تَزُورَنَا؟» فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم (٦٤)] رواه البخاري.\n\nفيه: طلب الصديق من صديقه كثرة زيارته، إذا لم يكن مانع من شغل أو غيره.\n\n[٣٦٦] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «لا تُصَاحِبْ إلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلا تَقِيٌّ» . رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد لا بأس بِهِ.\n\nفيه: النهي عن موالاة الكفار، ومودتهم، ومصاحبتهم.\nوفيه: الأمر بملازمة الأتقياء، ودوام مخالطتهم، وترك مخالطة الفجار، ومؤاكلتهم، وهذا في طعام الدعوة، لا إطعام الحاجة.","vol":"1","page":249},{"text":"[٣٦٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أن النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَليَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» . رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح، وَقالَ الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالخليل: الصديق. وأقل درجات الصداقة، النظر بعين المساواة، والكمال. رؤية الفضل للصديق. وروي: (لا خير في محبة من لا يرى مَا لَكَ مثل ما يرى له) .\n[٣٦٨] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - أن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: قال: قيل للنبي - ﷺ -: الرَّجُلُ يُحبُّ القَومَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» .\n\nفي هذا الحديث: الحث على محبة الصالحين، لأن من أحبّهم دخل معهم الجنة، والمعية تحصل بمجرد الاجتماع وإنْ تفاوتت الدرجات.\n\n[٣٦٩] وعن أنس - ﵁ - أنَّ أعرابيًا قَالَ لرسول الله - ﷺ -: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَا أعْدَدْتَ لَهَا؟» قَالَ: حُبَّ الله ورسولهِ، قَالَ: ... «أنْتَ مَعَ مَنْ أحْبَبْتَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وهذا لفظ مسلم.\nوفي رواية لهما: مَا أعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثيرِ صَوْمٍ، وَلا صَلاَةٍ، وَلا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ.","vol":"1","page":250},{"text":"الساعة: القيامة. وقوله - ﷺ -: «ما أعددت لها» . من أسلوب الحكيم؛ لأنه سأل عن الوقت فقيل له: ما لَكَ ولها، إنما يهمك التزود لها والعمل بما ينفعك فيها. فطرح الرجل ذكر أعماله، ونظر إلى ما في قلبه من محبة الله ورسوله فقدمه بين يديه.\n\n[٣٧٠] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: جاء رجلٌ إلى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله، كَيْفَ تَقُولُ في رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقوله: «ولم يلحق بهم» . ولابن حبان: «ولا يستطيع أن يعمل بعملهم» .\n\n[٣٧١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «النَّاسُ مَعَادِنٌ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلاَمِ إِذَا فَقهُوا، وَالأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، ومَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» . رواه مسلم.\nوروى البخاري قوله: «الأَرْوَاحُ ...» إلخ مِنْ رواية عائشة ﵂.\n\nقوله: «معادن»، أي: أصول. فكل معدن يخرج منه ما في أصله. وكل إنسان يظهر منه ما فيه من خسة، أو شرف، فإذا انضم الدين إلى الشرف الأصلي فقد حاز الشرف.\nقوله: «والأرواح جنود مجندة»، أي: جموع مجتمعة، وأنواع مختلفة، فما تشاكل منها في الخير أو الشر حنّ إلى شكله.\nوروي: «أن الأرواح خلقت قبل الأجسام، فكانت تلتقي وتتشام فلما","vol":"1","page":251},{"text":"حلت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول، فتميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى الأشرار.\n\n[٣٧٢] وعن أُسَيْر بن عمرو، ويقال: ابن جابر وَهُوَ - بضم الهمزة وفتح السين المهملة - قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - ﵁ - إِذَا أتَى عَلَيهِ أمْدَادُ أهْلِ اليَمَنِ سَألَهُمْ: أفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أتَى عَلَى أُوَيْسٍ - ﵁ - فَقَالَ\nلَهُ: أنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِر؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ، فَبَرَأْتَ مِنْهُ إلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَكَ وَالِدةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: «يَأتِي عَلَيْكُمْ أُويْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أمْدَادِ أهْلِ اليَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ إلا موْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالدةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَل» فَاسْتَغْفِرْ لي فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أيْنَ تُريدُ؟ قَالَ: الكُوفَةَ، قَالَ: ألا أكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أكُونُ في غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أشْرَافِهِمْ، فَوافَقَ عُمَرَ، فَسَألَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، فَقَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ البَيْتِ قَليلَ المَتَاع، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يقولُ: «يَأتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أمْدَادٍ مِنْ أهْلِ اليَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إلا مَوضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، فَإنِ اسْتَطْعتَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَافْعَلْ» فَأتَى أُوَيْسًا، فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أنْتَ أحْدَثُ عَهْدًا بسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لي. قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أنْتَ أحْدَثُ عَهْدًا بسَفَرٍ","vol":"1","page":252},{"text":"صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لي. قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ. رواه مسلم.\nوفي رواية لمسلم أيضًا عن أُسَيْر بن جابر - ﵁ - أنَّ أهْلَ الكُوفَةِ وَفَدُوا عَلَى عُمَرَ - ﵁ - وَفِيهمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ ها هُنَا أَحَدٌ مِنَ القَرَنِيِّينَ؟ فَجَاءَ ذلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ عمرُ: إنَّ رَسُول الله - ﷺ -\nقَدْ قَالَ: «إنَّ رَجُلًا يَأتِيكُمْ مِنَ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لا يَدَعُ باليَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَدَعَا الله تَعَالَى، فَأذْهَبَهُ إلا مَوضِعَ الدِّينَارِ أَو الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ» .\nوفي رواية لَهُ: عن عمر - ﵁ - قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ» .\nقوله: «غَبْرَاءِ النَّاسِ» بفتح الغين المعجمة، وإسكان الباءِ وبالمد: وهم فُقَرَاؤُهُمْ وَصَعَالِيكُهُمْ وَمَنْ لا يُعْرَفُ عَيْنُهُ مِنْ أخلاطِهِمْ «وَالأَمْدَادُ» جَمْعُ مَدَدٍ: وَهُمُ الأَعْوَانُ وَالنَّاصِرُونَ الَّذِينَ كَانُوا يُمدُّونَ المُسْلِمِينَ في الجهَاد.\n\nفي هذا الحديث: طلب الدعاء من الصالحين وإنْ كان الطالبُ أفضل.\nوفيه: معجزة للنبي - ﷺ - لما فيه من الإخبار بالأمر قبل وقوعه. وذكر أويسًا باسمه، وصفته، وعلامته، واجتماعه بعمر، وفيما فعل عمر ﵁ تبليغ الشريعة ونشر السنة، والإقرار بالفضل لأهله، والثناء على من لا يخشى عليه عجب بذلك.\nقال القرطبي: كان أويس من أولياء الله المخلصين المختفين الذين لا يؤبه لهم، ولولا أن رسول الله - ﷺ - أخبر عنه، ووصفه ونعته بنعته، وعلامته، لَمَا عرفه","vol":"1","page":253},{"text":"أحد وكان موجودًا في حياة النبي - ﷺ - وآمن به وصدقه ولم يَلْقه، ولا كاتبه، فلم يُعَد من الصحابة.\n[٣٧٣] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ: اسْتَأذَنْتُ النَّبيَّ - ﷺ - في العُمْرَةِ، فَأذِنَ لِي، وَقالَ: «لا تَنْسَنا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ» فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا\nوفي رواية: وَقالَ: «أشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ في دُعَائِكَ» .\nحديث صحيح رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: دليل على استحباب طلب المقيم من المسافر، ووصيته له بالدعاء في مواطن الخير، ولو كان المقيم أفضل من المسافر.\n\n[٣٧٤] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يزور قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَأتي مَسْجِد قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ رَاكبًا، وَمَاشِيًا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.\n\nمسافة ما بين مسجد قباء ومسجد النبي - ﷺ - فرسخ، وهو ثلاث أميال.\nوفي الحديث: استحباب زيارة مسجد قباء اقتداء بالرسول - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٤٦- باب فضل الحب في الله والحث عَلَيهِ</span>\nوإعلام الرجل من يحبه، أنه يحبه، وماذا يقول لَهُ إِذَا أعلمه\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح (٢٩)] إِلَى آخر السورة.","vol":"1","page":254},{"text":"أي: غلاظ على من خالف الدين ويتراحمون فيما بينهم. كما قال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة (٥٤)] .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر (٩)] .\n\nالمراد بالدار: المدينة. والآية نزلت في الأنصار لأنهم لزموا المدينة، والإيمان وتمكنوا فيهما قبل.\n\n[٣٧٥] وعن أنسٍ - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سَوَاهُمَا، وَأنْ يُحِبّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أنْ أنْقَذَهُ الله مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nحلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أغراض الدنيا.\n\n[٣٧٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأ في عِبَادَةِ الله - ﷿ -، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابّا في اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيهِ وتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إنِّي أخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nقوله: «سبعة يظلّهم الله [في ظِلّه]»، أي: ظل عرشه.","vol":"1","page":255},{"text":"وفي الحديث: الحثُ على هذه الخصال والتخلُّق بها.\nوقد نظمها بعضهم فقال:\nأناسٌ روينا في الصحيحين سبعة ...؟؟ ... يظلهم الرحمن في برد ظله ...؟؟؟\nمحبٌّ، عفيف، ناشئ، متصدق ...؟؟ ... وباكٍ، مُصّلٍّ، والإِمام بِعَدْلِه\n؟؟\n\nوقد أورد بعضهم الخصال التي توجب إظلال الله لأصحابها، فبلغها تسعة وثمانين، منها الجهاد، وإنظار المعسر، والصبر، وحسن الخلق، وكفالة اليتيم، والصدق، والنصح، وترك الزنا، والحلم، وحفظ القرآن، وعيادة المرضى، وإشباع جائع، وصلة الرحم، ومحيي سنَّة للنبي - ﷺ - وبناء مسجد، ومعلم دين.\n\n[٣٧٧] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنّ الله تَعَالَى يقول يَوْمَ القِيَامَةِ: أيْنَ المُتَحَابُّونَ بِجَلالِي؟ اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلِّي» . رواه مسلم.\n\nسؤال الله تعالى عن المتحابين مع علمه بمكانهم، لينادي بفضلهم في ذلك الموقف.\n\n[٣٧٨] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بينكم» . رواه مسلم.\nفيه: الحث على إفشاء السلام، وبذله لكل مسلم عرفته أو لم تعرفه، وفي إفشائه أُلفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم مع ما فيه من التواضع.\n\n[٣٧٩] وعنه عن النَّبيّ - ﷺ -: «أنَّ رَجُلًا زَارَ أخًا لَهُ في قَرْيَةٍ أخْرَى، فَأرصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا ...» وذكر الحديث إِلَى قوله: «إنَّ الله قَدْ أحبَّكَ كَمَا أحْبَبْتَهُ فِيهِ» . رواه مسلم، وقد سبق بالباب قبله.","vol":"1","page":256},{"text":"فيه: فضل الحب في الله لما يؤول به إلى محبة الله للعبد، ومن أحبه الله فقد فاز فوزًا عظيمًا.\nوفي الدعاء المأثور: (اللهم ارزقني حبك، وحب من يحبك والعمل الذي يقربني إلى حبك) .\n\n[٣٨٠] وعن البرَاءِ بن عازب ﵄، عن النَّبيّ - ﷺ - أنَّهُ قَالَ في الأنصار: «لا يُحِبُّهُمْ إلا مُؤمِنٌ، وَلا يُبْغِضُهُمْ إلا مُنَافِقٌ، مَنْ أحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ الله، وَمَنْ أبْغَضَهُمْ أبْغَضَهُ الله» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nيُسمى الأوس والخزرج الأنصار لنصرهم الإسلام، وإيواء أهله، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة (١٠٠)] .\n[٣٨١] وعن معاذ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ -، يقول: «قَالَ الله - ﷿ -: المُتَحَابُّونَ في جَلالِي، لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: دليل على أن لهؤلاء العباد منازل شريفة عظيمة في الآخرة، ولا يلزم من ذلك أنْ يكونوا أفضل من الأنبياء، وإنما أُريد بذلك بيان فضلهم وشرفهم عند الله تعالى.","vol":"1","page":257},{"text":"[٣٨٢] وعن أَبي إدريس الخولاني ﵀، قَالَ: دخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ فَإذَا فَتَىً بَرَّاق الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ، أَسْنَدُوهُ إِلَيْه، وَصَدَرُوا عَنْ رَأيِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَل - ﵁ -. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ، هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بالتَّهْجِيرِ، ووَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فانْتَظَرتُهُ حَتَّى قَضَى صَلاتَهُ، ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللهِ إنّي لأَحِبُّكَ لِله، فَقَالَ: آلله؟ فَقُلْتُ: اللهِ، فَقَالَ: آللهِ؟ فَقُلْتُ: اللهِ، فَأخَذَنِي بِحَبْوَةِ رِدَائِي، فجبذني إِلَيْهِ، فَقَالَ: أبْشِرْ! فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يقول: «قَالَ الله تَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتي لِلْمُتَحابين فيَّ، وَالمُتَجَالِسينَ فيَّ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَالمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ» . حديث صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح.\nقوله: «هَجَّرْتُ» أيْ بَكَّرْتُ، وَهُوَ بتشديد الجيم قوله: «آلله فَقُلْت: الله» الأول بهمزة ممدودة للاستفهام، والثاني بلا مد.\nفيه: تنبيه على أنَّ الأدب لمن جاء إلى مشغول بطاعة الله تعالى إن لا يلهيه عما هو فيه.\nوفيه: أن الأدب قَصْدُ الإنسان من قِبَلِ وجهه.\nوفيه: فضل التحابّ والتجالس والتزاور في الله.\n\n[٣٨٣] وعن أَبي كَرِيمَةَ المقداد بن معد يكرب - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أخَاهُ، فَليُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: «حديث حسن صحيح غريب» .\n\nفيه: استحباب إخبار المحبوب في الله بحبه، لتزداد المحبة والأُلفة.","vol":"1","page":258},{"text":"[٣٨٤] وعن معاذ - ﵁ - أن رَسُول الله - ﷺ - أخذ بيدهِ، وَقالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ، إنِّي لأُحِبُّكَ، ثُمَّ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» . حديث ... صحيح، رواه أَبُو داود والنسائي بإسناد صحيح.\n\nفيه: فضل معاذ. قال بعضهم: لما صحت محبة معاذ للنبي - ﷺ - جازاه بأعلا منها كما هو عادة الكرام.\n\n[٣٨٥] وعن أنس - ﵁ - أنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبيِّ - ﷺ - فَمَرَّ به رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أنِّي لأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبيّ - ﷺ -: «أأعْلَمْتَهُ؟» قَالَ: لا. قَالَ: «أعْلِمْهُ» فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّكَ في الله، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أحْبَبْتَنِي لَهُ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\nفيه: دليل على استحباب إظهار المحبة في الله، والدعاء لفاعل الخير مثل عمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٤٧- باب علامات حب الله تَعَالَى للعبد</span>\nوالحث عَلَى التخلق بِهَا والسعي في تحصيلها\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران (٣١)] .\n\nفي هذه الآية: وعدٌ من الله ﷿ بالمحبة، والرحمة، وغفران الذنوب، لمن اتبع محمدًا - ﷺ -.\nقال الحسن البصري: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي","vol":"1","page":259},{"text":"اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة (٥٤)] .\n\nهذا من الكائنات التي أخبر الله بها قبل وقوعها، وقد ارتد العرب في آخر عهد رسول الله - ﷺ - بنو مدلج، ورئيسهم العنسي، وبنو حنيفة ورئيسهم مسيلمة، وبنو أسد ورئيسهم طليحة.\nوفي عهد الصديق، فزارة وغطفان، وبنو سليم، وبنو يربوع، وبعض تميم، قوم سجاح زوجة مسيلمة، وكِنْدة، وبنو بكر بن وائل، وكفى الله أمرهم على يد الصديق ﵁.\nوفي إمرة عمر، غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر وسار إلى الشام.\nوقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، قيل: هم أهل اليمن؛ لما روي أنه ﵇ أشار إلى أبي موسى، وقال: «هم قوم هذا» .\n\n[٣٨٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ الله تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى ليَ وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِهَا، وَرجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإنْ سَألَنِي أعْطَيْتُهُ، وَلَئِن اسْتَعَاذَنِي لأعِيذَنَّهُ» . رواه البخاري.\nمعنى «آذنته»: أعلمته بأني محارِب لَهُ. وقوله: «استعاذني» رُوِيَ بالباءِ ورُوِيَ بالنون.\n\nالولي: هو من تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.","vol":"1","page":260},{"text":"وفي الحديث: وعيد شديد لمن عادى وليًّا من أولياء الله.\nوفيه: أنّ أحب الأعمال إلى الله أداء فرائضه، وأنَّ كثرة النوافل توجب محبة الله للعبد، وقربه، فيرتقي إلى درجة الإحسان، فيمتلأ قلبه بمعرفة الله تعالى، وعظمته، وخوفه، ورجائه، فإن نطق: نطق بالله، وإنْ سمع: سمع به، وإنْ نظر نظر به، وإنْ بطش: بطش به. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل (١٢٨)] .\n[٣٨٧] وعنه عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ تَعَالَى العَبْدَ، نَادَى جِبْريلَ: إنَّ الله تَعَالَى يُحِبُّ فُلانًا، فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبريلُ، فَيُنَادِي في أَهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا، فَأحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأرْضِ» . متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريلَ، فقال: إنّي أُحِبُّ فلانًا فأحببهُ، فيحبُّهُ جبريلُ، ثمَّ ينادي في السماءِ، فيقول: إنَّ اللهَ يحبُّ فلانًا فأحبوهُ، فيحبُّهُ أهلُ السماءِ، ثمَّ يوضعُ لهُ القبولُ في الأرضِ، وَإِذَا أبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْريلَ، فَيَقُولُ: إنّي أُبْغِضُ فُلانًا فَأبْغِضْهُ. فَيُبغِضُهُ جِبريلُ ثُمَّ يُنَادِي في أَهْلِ السَّماءِ: إنَّ الله يُبْغِضُ فُلانًا فَأبْغِضُوهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ في الأَرْضِ» .\n\nالمراد بالقبول، الحب للعبد في قلوب أهل الدين والخير، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم (٩٦)] .\nوالبغضاء: شدة البغض.","vol":"1","page":261},{"text":"[٣٨٨] وعن عائشة ﵂: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - بعث رجلًا عَلَى سَريَّة فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ في صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ ﴿قُل هُوَ الله أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذلِكَ لرسول الله - ﷺ -، فَقَالَ: «سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذلِكَ»؟ فَسَألُوهُ فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمنِ فَأَنَا أُحِبُّ أنْ أقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أخْبِرُوهُ أنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nفيه: دليل على أنَّ من أحب هذه السورة لأجل أنها صفة الله، أحبه الله.\nوعلى جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس والاستكثار منه، أن الجزاء يترتب بحسب النية والقصد، وجواز الجمع بين سورتين غير الفاتحة في ركعة واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>٤٨- باب التحذير من إيذاء الصالحين</span>\nوالضعفة والمساكين\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب (٥٨)] .\n\nفي هذه الآية: التحذير من إيذاء المؤمنين بغير جناية استحقوا بها الإيذاء.\nوفي الحديث: قيل: يَا رسول الله! ما الغيبة؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره» . قال: أرأيت إنْ كان فيه ما أقول. قال: «إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى (٩، ١٠)] .\n\nأي: لا تقهر اليتيم على مالِه فتذهب بحقه لضعفه، قال النبي - ﷺ -: «خير","vol":"1","page":262},{"text":"بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه، وشرُّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُساء إليه» .\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، أي: لا تنهره ولا تزجره إذا سألك.\nقال قتادة: رُدَّ السائلَ برحمة ولين.\nوقال إبراهيم بن أدهم: نِعْم القوم السُّؤال، يحملون زادنا في الآخرة.\nوقال ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، أي: فلا تكن جبَّارًا ولا متكبِّرًا، ولا فحَّاشًا، ولا فظَّا على الضعفاء من عباد الله.\nوأما الأحاديث، فكثيرة مِنْهَا:\nحديث أَبي هريرة - ﵁ - في الباب قبل هَذَا: «مَنْ عَادَى لِي وَليًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ» .\nومنها حديث سعد بن أَبي وقاص - ﵁ - السابق في باب ملاطفة اليتيم، وقوله - ﷺ -: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبْتَ رَبَّكَ» .\n\nأي: وكلا الحديثين يدلان على تحريم إيذاء الصالحين، والضعفة، والمساكين بخصوصهم، ومثلهم سائر المؤمنين لحرمة الإيمان وشرفه.\n\n[٣٨٩] وعن جندب بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ، فَهُوَ في ذِمَّةِ الله، فَلا يَطْلُبَنَّكُمُ الله","vol":"1","page":263},{"text":"مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ مَنْ يَطْلُبُهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «من صلَّى الصبح»، أي: في جماعة. كما في رواية أُخرى لمسلم. وكأنها إنما خصت بذلك لأنها أول النهار الذي هو وقت انتشار الناس في حوائجهم.\nوفي الحديث: غاية التحذير عن التعريض لمن صلَّى الصبح المستلزم لصلاة بقية الخمس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٤٩- باب إجراء أحكام الناس عَلَى الظاهر</span>\nوسرائرهم إِلَى الله تَعَالَى\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم﴾ [التوبة (٥)] .\n\nقال السيوطي: لم يكتف في تخلية السبيل بالتوبة من الشرك حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. واستدل به الشافعي على قتل تارك الصلاة، وقتال مانع الزكاة.\n\n[٣٩٠] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: ... «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلهَ إلا الله، وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَيُقيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إلا بحَقِّ الإسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله تَعَالَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقال الخطابي وغيره: المرادُ بهذا أهل الأوثان، ومشركوا العرب ومن","vol":"1","page":264},{"text":"لا يؤمن دون أهل الكتاب، ومَنْ يُقر بالتوحيد، فلا يكتفي بعصمته بقوله: (لا إله إلا الله) . إذا كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده.\n[٣٩١] وعن أَبي عبدِ الله طارِق بن أشَيْم - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ -، يقول: «مَنْ قالَ لا إلهَ إلا الله، وَكَفَرَ بما يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله تَعَالَى» . رواه مسلم.\n\nقوله: «من قال لا إله إلا الله»، أي: مع قرينتها وهي: محمد رسول الله، «وكفر بما يعبد من دون الله»، أي: أيَّ معبود كان، «حرم ماله ودمه»، على المسلمين «وحسابه» في صدقه وكذبه على الله تعالى.\n\n[٣٩٢] وعن أَبي معبد المقداد بن الأسْود - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ لرسول الله - ﷺ -: أرَأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الكُفَّارِ، فَاقْتتَلْنَا، فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَها، ثُمَّ لاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أسْلَمْتُ لِلهِ، أأقْتُلُهُ يَا رَسُول الله بَعْدَ أنْ قَالَهَا؟ فَقَالَ: «لا تَقْتُلهُ» فَقُلْتُ: يَا رَسُول الله، قَطَعَ إحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ ذلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا؟! فَقَالَ: «لا تَقتُلْهُ، فإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ، وَإنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ التي ... قَالَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nومعنى «أنه بمنزلتك» أي: معصوم الدم محكوم بإسلامه. ومعنى ... «أنك بمنزلته» أي: مباح الدمِ بالقصاص لورثتهِ لا أنه بمنزلته في الكفر، والله أعلم.\n\nفي الحديث: دليل على أنّ كل من صدر عنه ما يدل على الدخول في الإسلام من قول أو فعل حكم بإسلامه، حتى يتبيَّن منه ما يخالفه، وقد حكم - ﷺ - بإسلام بني خزيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد بقولهم: صبأنا\nصبأنا، ولم يحسنوا","vol":"1","page":265},{"text":"أن يقولوا: أسلمنا. فلما بلغ ذلك النبي - ﷺ - قال: ... «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» . ثم واداهم.\nقوله: «لا تقتل فإن قتلته فإنه بمنزلتك» قبل أنْ تقتله وإنّك بمنزلته قبل أنْ يقول كلمته التي قال.\nزاد البخاري في هذا الحديث أنه ﵇ قال للمقداد: «إذا كان المؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، كذلك كنت تخفي إيمانك بمكة» .\nقوله: «ومعنى أنك بمنزلته»، أي: مباح القصاص لورثته.\nالظاهر أنه لا يلزمه قصاص، ولكن تلزمه دية، لأن النبي - ﷺ - لم يقتل المقداد ولا أسامة، وودي الذين قتلهم خالد بن الوليد. والله أعلم.\n\n[٣٩٣] وعن أُسَامة بن زيدٍ ﵄، قَالَ: بعثنا رَسُول الله - ﷺ - إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَصَبَّحْنَا القَوْمَ عَلَى مِيَاهِهِمْ، وَلَحقْتُ أنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشَيْنَاهُ، قَالَ: لا إلهَ إلا الله، فَكفَّ عَنْهُ الأَنْصَاري، وطَعَنْتُهُ برُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، بَلَغَ ذلِكَ النَّبيَّ - ﷺ - فَقَالَ لِي: «يَا أُسَامَة، أقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إلهَ إلا اللهُ؟!» قُلْتُ: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا كَانَ متعوِّذًا، فَقَالَ: «أقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إلهَ إلا اللهُ؟!» فما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمنْيَّتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ قَبْلَ ذلِكَ اليَوْمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أقالَ: لا إلهَ إلا اللهُ وقَتَلْتَهُ»؟! قُلْتُ: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِن السِّلاحِ، قَالَ: «أَفَلا شَقَقْتَ","vol":"1","page":266},{"text":"عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أمْ لا؟!» فمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أنِّي أسْلَمْتُ يَوْمَئذٍ.\n(الحُرَقَةُ) بضم الحاءِ المهملة وفتح الراءِ: بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَةَ: القَبِيلةُ المَعْرُوفَةُ. وقوله: «مُتَعَوِّذًا»: أيْ مُعْتَصِمًا بِهَا مِنَ القَتْلِ لا معْتَقِدًا لَهَا.\n\nفي هذا الحديث: دليل على جريان الأحكام على الأسباب الظاهرة دون الباطنة الخفية.\n\n[٣٩٤] وعن جندب بن عبد الله - ﵁ - أنَّ رَسُول الله - ﷺ - بَعَثَ بَعْثًا مِنَ المُسْلِمينَ إِلَى قَومٍ مِنَ المُشرِكينَ، وَأنَّهُمْ التَقَوْا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ المُشْركينَ إِذَا شَاءَ أنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُل مِنَ المُسْلِمينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَأنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ. وَكُنَّا نتحَدَّثُ أنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيهِ السَّيفَ، قَالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، فَقَتَلهُ، فَجَاءَ البَشيرُ إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَسَألَهُ وَأخبَرَهُ، حَتَّى أخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَألَهُ، فَقَالَ: «لِمَ قَتَلْتَهُ؟» فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ، أوْجَعَ في المُسلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلانًا وفلانًا، وسمى لَهُ نَفرًا، وَإنِّي حَمَلْتُ عَلَيهِ، فَلَمَّا رَأى السَّيفَ، قَالَ: لا إلهَ إلا اللهُ. قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَكَيفَ تَصْنَعُ بلا إلهَ إلا اللهُ، إِذَا جَاءتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟» قَالَ: يَا رَسُول الله، اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: «وكَيفَ تَصْنَعُ بِلا إلهَ إلا الله إِذَا جَاءتْ يَوْمَ\nالقِيَامَةِ؟» فَجَعَلَ لا يَزِيدُ عَلَى أنْ يَقُولَ: «كَيفَ تَصْنَعُ بِلا إلهَ إلا الله إِذَا جَاءتْ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «فكيف تصنع بلا إله إلا الله»، أي: من يشفع لك، ومن يحاج عنك ويجادل إذا جيء بكلمة التوحيد.\nوقيل: كيف قتلت من قالها وقد حصل له ذمة الإسلام وحرمته.","vol":"1","page":267},{"text":"[٣٩٥] وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود قَالَ: سَمِعْتُ عمر بن الخطاب - ﵁ - يقولُ: إنَّ نَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ في عَهْدِ رَسُول الله - ﷺ -، وَإنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإِنَّمَا نَأخُذُكُمُ الآن بما ظَهَرَ لَنَا مِنْ أعمَالِكُمْ، فَمَنْ أظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أمَّنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْء، اللهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإنْ قَالَ: إنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ. رواه البخاري.\n\nقال المهلّب: هذا إخبار من عمر عما كان الناس عليه في عهد رسول الله - ﷺ - وعما صار بعده، ويؤخذ منه أن العدل من لم توجد منه ريبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٥٠- باب الخوف</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة (٤٠)] .\n\nالرهبة: الخوف، أي: خافون خوفًا معه تحرز فيما تأتون وتذرون.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج (١٢)] .\n\nأي: أن بطشه وانتقامه من أعدائه لشديد عظيم قوي.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود (١٠٢: ١٠٦)] .\n\nقوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾، أي: ومثل ذلك الأخذ للأمم الماضين ﴿أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ .\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران (٢٨)] .","vol":"1","page":268},{"text":"أي: يخوفكم عقابه. وفي ذلك غاية التحذير.\nقال الحسن البصري: من رأفته بهم حذَّرهم بنفسه.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ * مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس (٣٤: ٣٧)] .\n\nأي: يشغله عن شأن غيره.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج (١، ٢)] .\n\nفيرهقهم هوله بحيث تطير قلوبهم، ويذهب تمييزهم.\nوَقالَ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن (٤٦)] .\n\nأي: من خاف مقام ربه بين يديه للحساب، فامتثل أوامره، وترك نواهيه، فله جنتان، أي: لكل إنسان جنتان.\nوفي الحديث المتفق عليه: أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» .\nوعن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، وفي قوله ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن (٦٢)]، جنتان من ذهب للمقربين، وجنات من ورق لأصحاب اليمين.","vol":"1","page":269},{"text":"وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور (٢٥: ٢٨)] .\n\nيقول تعالى: وأقبل أهل الجنة يتحادثون وهم على طعامهم وشرابهم، ويتساءلون عن أحوالهم في الدنيا، قالوا ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾، خائفين من العذاب ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾، أي: عذاب النار، ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ نخلص\nله العبادة، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، أي: اللطيف بعباده الصادق في وعده، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين.\nوَالآيات في الباب كثيرة جدًا معلومات والغرض الإشارة إِلَى بعضها وقد حصل:\nوأما الأحاديث فكثيرة جدًا فنذكر مِنْهَا طرفًا وبالله التوفيق:\n\n[٣٩٦] عن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: حدثنا رَسُولُ الله - ﷺ - وَهُوَ الصادق المصدوق: «إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أربَعِينَ يَومًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. فَوَالَّذِي لا إلهَ غَيْرُهُ إنَّ أحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وبيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ فَيدْخُلُهَا، وَإنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: إثبات القدر، وأن جميع ما في الكون من نفع أو ضر بقضاء وقدر.","vol":"1","page":270},{"text":"وفيه: إيماء إلى عدم الاغترار بصور الأعمال، لأن الأعمال بالخواتيم، نسأل الله حسن الخاتمة.\n[٣٩٧] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «يُؤتَى بِجَهَنَّمَ يَومَئذٍ لَهَا سَبْعُونَ ألفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» . رواه مسلم.\n\nقوله: «يومئذٍ»، أي: يوم يقوم الناس للحساب، ويشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿كَلا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر (٢١: ٢٤)] .\n\n[٣٩٨] وعن النعمان بن بشير ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ أهْوَنَ أهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ يوضعُ في أخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ. مَا يَرَى أنَّ أَحَدًا أشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَأنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقوله: «أهل النار»، أي: الكفار، لأنهم أهلها الخالدون فيها أبدًا، وأما العصاة فإن الله يعذب فيها من يشاء منهم، ثم يدخله الجنة.\n\n[٣٩٩] وعن سمرة بن جندب - ﵁ - أنَّ نبيَّ الله - ﷺ - قَالَ: «مِنْهُمْ مَنْ تَأخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيهِ، وَمنْهُمْ مَنْ تَأخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيهِ، وَمنْهُمْ مَنْ تَأخُذُهُ إِلَى حُجزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأخُذُهُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ» . رواه مسلم.\n«الحُجْزَةُ»: مَعْقِدُ الإزار تَحْتَ السُّرَّةِ، وَ«التَّرْقُوَةُ» بفتح التاءِ وضم القاف: هي العَظمُ الَّذِي عِنْدَ ثَغْرَةِ النَّحْرِ، وَللإنْسَانِ تَرْقُوتَانِ في جَانبَي النَّحْرِ.","vol":"1","page":271},{"text":"قوله: «منهم»، أي: من أهل النار.\nوفيه: أنّ عذاب بعضهم أشد من بعض، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف (١٩)] .\n\n[٤٠٠] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «يَقُومُ النَّاس لِرَبِّ العَالَمينَ حَتَّى يَغِيبَ أحَدُهُمْ في رَشْحِهِ إِلَى أنْصَافِ أُذُنَيهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَ«الرَّشْحُ»: العَرَقُ.\n\nقيل: سبب هذا العرق تراكم الأحوال وتزاحم حرّ الشمس والنار، كما جاء أنّ جهنم تدير أهل المحشر فلا يكون لأهل الجنة طريق إلا الصراط فيكون الناس في ذلك العرق على قدر أعمالهم.\n\n[٤٠١] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: خطبنا رَسُول الله - ﷺ - خطبة مَا سَمِعْتُ مِثلها قطّ، فَقَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ، لَضحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيتُمْ كَثِيرًا» فَغَطَّى أصْحَابُ رَسُول الله - ﷺ - وَجُوهَهُمْ، وَلَهُمْ خَنَينٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية: بَلَغَ رَسُول الله - ﷺ - عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ فَخَطَبَ فَقَالَ: ... «عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَمْ أرَ كَاليَومِ في الخَيرِ وَالشَّرِّ وَلَوْ تَعْلَمونَ مَا أعلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» فَمَا أتَى عَلَى أصْحَابِ رَسُول الله - ﷺ - يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ، غَطَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ.\n«الخَنِينُ» بالخاءِ المعجمة: هُوَ البُكَاءُ مَعَ غُنَّة وانتِشَاقِ الصَّوْتِ مِنَ الأنْفِ.\nفي هذا الحديث: الحثُّ على البكاء، والتحذير من إكثار الضحك، واستحباب تغطية الوجه عند البكاء.","vol":"1","page":272},{"text":"[٤٠٢] وعن المقداد - ﵁ - قَالَ: سمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ -، يقول: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ» . - قَالَ سُلَيْم بنُ عامِر الراوي عن المقداد: فَوَاللهِ مَا أدْرِي مَا يعني بالمِيلِ، أمَسَافَةَ الأرضِ أَمِ المِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ العَيْنُ؟ -: «فَيكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أعْمَالِهِمْ في العَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، ومنهم من يكون إِلَى ركبتيه، ومنهم مَنْ يَكُونُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إلْجَامًا» . وَأَشَارَ رَسُول الله - ﷺ - بيدهِ إِلَى فِيهِ. رواه مسلم.\n\nالميل عند العرب: مقدار مدّ البصر من الأرض، وعند أهل الهيئة: ثلاثة آلاف ذراع، وعند المحدثين: أربعة آلاف ذراع. ولكن أهل الهيئة يقولون: الذراع اثنتان وثلاثون أصبعًا. والمحدثون يقولون: أربع وعشرون أصبعًا، واتفقوا على أن مقدار الميل ست وتسعون ألف أصبع فالمتحصل أربعة آلاف ذراع.\n\n[٤٠٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأرضِ سَبْعِينَ ذِراعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nومعنى «يَذْهَبُ في الأرضِ»: ينزل ويغوص.\n\nقيل: سبب العرق في المحشر شدة كرب يوم القيامة وأهوالها.\n[٤٠٤] وعنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - إذْ سمع وجبة، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: «هذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ في النَّارِ مُنْذُ سَبْعينَ خَريفًا، فَهُوَ يَهْوِي في النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِها فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتَهَا» . رواه مسلم.","vol":"1","page":273},{"text":"الوجبة: السقطة مع الهدة، يقال: وجب الحائط ونحوه، أي سقط.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج (٣٦)] .\nوفي الحديث: أن الإنسان إذا سئل عما لا علم له به أن يكل العلم فيه إلى الله ﷾.\nوفيه: أن قعر النار تحت الأرض السابعة.\n\n[٤٠٥] وعن عدي بن حاتم - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَى إلا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرَى إلا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلا يَرَى إلا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقوله: «ليس بينه وبينه ترجمان»، المراد أن الله يكلمه بلا واسطة.\nوفي الحديث: الحث على الصدقة، والاستكثار من الأعمال الصالحة.\n\n[٤٠٦] وعن أَبي ذر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ، وأَسمعُ ما لا تَسمعُون، أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوضِعُ أرْبَع أصَابعَ إلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا للهِ تَعَالَى. والله لَوْ\nتَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بالنِّساءِ عَلَى الفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأرُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nوَ«أطَّت» بفتح الهمزة وتشديد الطاءِ و«تئط» بفتح التاءِ وبعدها همزة مكسورة، وَالأطيط: صوتُ الرَّحْلِ وَالقَتَبِ وَشِبْهِهِمَا، ومعناه: أنَّ","vol":"1","page":274},{"text":"كَثرَةَ مَنْ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ العَابِدِينَ قَدْ أثْقَلَتْهَا حَتَّى أطّتْ. وَ«الصُّعُدات» بضم الصاد والعين: الطُّرُقات: ومعنى: «تَجأَرُون»: تَستَغيثُونَ.\n\nقوله: «لو تعلمون ما أعلم»، أي: من عظمة جلال الله تعالى، وشدة انتقامه، «لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»، أي: خوفًا من سطوة الجبار ﷾.\nوفيه: إيماء إلى أن المطلوب من العبد أنْ لا ينتهي به الخوف إلى اليأس والقنوط، بل يكون عنده بعض الرجاء فيعمل معه البر، ويكون عنده من الخوف ما ينزجر به عن الْمُخَالَفَة.\n\n[٤٠٧] وعن أَبي برزة - براء ثُمَّ زاي - نَضْلَة بن عبيد الأسلمي - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أفنَاهُ؟ وَعَنْ عِلمِهِ فِيمَ فَعَلَ فيه؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفيمَ أنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسمِهِ فِيمَ أبلاهُ؟» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nقوله: «لا تزول قدما عبد»، أي: من موقفه للحساب حتى يسأل عن عمره فيما أفناه أفي طاعة أم معصية، وعن عمله فيم عمله لوجه الله تعالى خالصًا أو رياء وسمعة.\nوعن ماله من أين اكتسبه، أَمِنْ حلال أو حرام؟ وفيما أنفقه أفي البر والمعروف أو الإسراف والتبذير؟ وعن جسمه فيما أبلاه أفي طاعة الله أو معاصيه؟ .\n\n[٤٠٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قرأ رَسُول الله - ﷺ -:","vol":"1","page":275},{"text":"﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة (٤)] ثُمَّ قَالَ: «أتَدْرونَ مَا أخْبَارهَا»؟ قالوا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: «فإنَّ أخْبَارَهَا أنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلّ عَبْدٍ أَوْ أمَةٍ بما عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا تَقُولُ: عَملْتَ كَذَا وكَذَا في يَومِ كَذَا وكَذَا فَهذِهِ أخْبَارُهَا» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: دليل على أن الأرض تنطق بما عمل عليها، ونظيره، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت (١٩: ٢١)] .\n\n[٤٠٩] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «كَيْفَ أنْعَمُ! وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ، وَاسْتَمَعَ الإذْنَ مَتَى يُؤمَرُ بالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ» فَكَأنَّ ذلِكَ ثَقُلَ عَلَى أصْحَابِ رسولِ الله - ﷺ - فَقَالَ لَهُمْ: «\nقُولُوا: حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n«القَرْنُ»: هُوَ الصُّورُ الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ كذا فسَّره رَسُول الله - ﷺ -.\n\nقوله: «كيف أنعمُ»، أي: كيف أطيب عيشًا، وقد قرب أمر الساعة.\nوفيه: حث لأصحابه على الوصية لمن بعدهم بالتهيؤ لها.","vol":"1","page":276},{"text":"[٤١٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ خَافَ أدْلَجَ، وَمَنْ أدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ. ألا إنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَالِيَةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ الله الجَنَّةُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nوَ«أدْلَجَ»: بإسكان الدال ومعناه سار من أول الليلِ. والمراد التشمير في الطاعة، والله أعلم.\n\nقوله: «أدلج»، أي: هرب في أول الليل، ومن أدلج بلغ المنزل الذي يأمن فيه البيات. قال العاقولي: هذا مثل طالب الآخرة، وكون الشيطان على طريقه، فإنْ تبتّل بالطاعة، وصبر أيامه القلائل أمن من الشيطان.\n\n[٤١١] وعن عائشة ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» قُلْتُ: يَا رَسُول الله الرِّجَالُ وَالنِّساءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعضُهُمْ إِلَى بَعْض؟! قَالَ: «يَا عائِشَةُ، الأمرُ أشَدُّ مِنْ أنْ يُهِمَّهُمْ ذلِكَ» .\nوفي رواية: «الأَمْرُ أهمُّ مِنْ أنْ يَنْظُرَ بَعضُهُمْ إِلَى بَعض» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«غُرلًا» بِضَمِّ الغَينِ المعجمة، أيْ: غَيرَ مَختُونينَ.\n\nفي هذا الحديث: عظم هول يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج (١، ٢)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٥١- باب الرجاء</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا","vol":"1","page":277},{"text":"تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر (٥٣)] .\n\nالرجاء: تعليق القلب بمحبوب في المستقبل، والفرق بينه وبين التمنِّي، أنَّ التمنِّي يصاحبه الكسل، والرجاء يبعث على صالح العمل.\nويطلقُ الرجاء على الخوف، ومنه قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح (١٣)]، أي لا تخافون له عظمة حتى تتركوا عصيانه.\nوقال ابن عباس: لا تُعَظِّمون الله حقَّ عظمته، أي: لا تخافون من بأسه ونقمته.\nوقال الحسن: لا تعرفون له حقًّا، ولا تشكرون له نعمة.\nورُوي عن النبي - ﷺ - أنه قرأ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر (٥٣)]، ولا يبالي [إنه هو الغفور رحيم] .\nقال ابن كثير: نزلت هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة.\nوروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين، كانوا قد أسلموا، ثم فُتِنوا وعُذِّبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفًا، ولا عدلًا أبدًا، قومٌ أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عُذِّبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات.\nوما روي من خصوص نزولها في جماعة لا ينفي عمومها، لأنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.","vol":"1","page":278},{"text":"ورُوي عن ابن عمر قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله - ﷺ - نقول: ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة، حتى نزلت ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد (٣٣)]، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئًا من الكبائر، قلنا: قد هلك، فنزلت هذه الآية، فكففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحدًا أصاب منها شيئًا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئًا رجونا له؟\nوقال تعالى: ﴿وهل يجازى إلا الكفور﴾ .\nوفي القراءة الأخرى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ .\nأي: عاقبناهم بكفرهم، وهل نجازي إلا الكفور؟\nوقال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور.\nوقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور\nوقال مقاتل: وهل يكافؤ بعمله السِّيئ إلا الكفور لله في نعمه.\nوقال بعض العلماء: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسُّر في اللذة، لا يصادف لذو حلالًا إلا جاءه ما ينغصه إياها.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه (٤٨)] .\nأي العذاب اللازم على من كذَّب بآيات الله، وأعرض عنها.\nوقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف (١٥٦)] .\nأي: وسعت في الدنيا البرَّ والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة.\nقال ابن عباس: لما نزلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء. فقال الله ﷾: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ","vol":"1","page":279},{"text":"الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف (١٥٦)]، فتمناها اليهود والنصارى فجعلها الله لهذه الأمة، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف (١٥٧)] الآية.\n\n[٤١٢] وعن عبادة بن الصامتِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ شَهِدَ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمدًا عَبْدهُ ورَسُولُهُ، وَأنَّ عِيسى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ، وَأنَّ\nالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية لمسلم: «مَنْ شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ النَّارَ» .\n\nفي هذا الحديث: بشارة لأهل التوحيد بدخول الجنة، وعدم الخلود في النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء (٤٨)] .\n\n[٤١٣] وعن أَبي ذر - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبيّ - ﷺ -: «يقول الله - ﷿ -: مَنْ جَاء بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا أَوْ أزْيَد، وَمَنْ جَاءَ بالسَيِّئَةِ فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أغْفِرُ. وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيني بِقُرَابِ الأرْض خَطِيئةً لا يُشْرِكُ بِي شَيئًا، لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغفِرَةً» . رواه مسلم.\nمعنى الحديث: «مَنْ تَقَرَّبَ» إلَيَّ بطَاعَتِي «تَقَرَّبْتُ» إِلَيْهِ بِرَحْمَتِي وَإنْ زَادَ زِدْتُ «فَإنْ أتَاني يَمْشِي» وَأسرَعَ في طَاعَتي «أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: صَبَبْتُ عَلَيهِ الرَّحْمَةَ وَسَبَقْتُهُ بِهَا وَلَمْ أحْوِجْهُ إِلَى المَشْيِ الكَثِيرِ في","vol":"1","page":280},{"text":"الوُصُولِ إِلَى المَقْصُودِ «وقُرَابُ الأَرضِ» بضم القافِ، ويقال: بكسرها والضم أصح وأشهر ومعناه: مَا يُقَارِبُ مِلأَهَا، والله أعلم.\n\nهذا من الأحاديث القدسية.\nوفيه: أن الجزاء على قدر العمل السيِّئ، وأن العمل الصالح يضاعف لفاعله.\nقال القرطبي: هذه الجمل أمثال ضربت لمن عمل من الطاعات، وقصد به التقرب إلى الله تعالى، تدل على أنه تعالى لا يضيع أجر محسن، وإن قلَّ عمله، بل يقبله ويثبته مضاعفًا.\n\n[٤١٤] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: جاء أعرابي إِلَى النَّبيّ - ﷺ - فَقَالَ:\nيَا رَسُول الله، مَا الموجِبَتَانِ؟ قَالَ: «مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بالله شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: بشارة للموحدين بدخول الجنة، ابتداء مع الفائزين أو بعد تمحيصهم بالنار.\n\n[٤١٥] وعن أنس - ﵁ - أن النَّبيّ - ﷺ - ومعاذ رديفه عَلَى الرَّحْل، قَالَ: ... «يَا مُعَاذُ» قَالَ: لَبِّيْكَ يَا رَسُول الله وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُول الله وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ» قَالَ: لَبِّيْكَ يَا رَسُول الله وسَعْدَيْكَ، ثَلاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إلا حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّار» قَالَ: يَا رَسُول الله، أفَلا أخْبِرُ بِهَا النَّاس فَيَسْتَبْشِروا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» فأخبر بِهَا مُعاذٌ عِنْدَ موتِه تَأثُّمًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":281},{"text":"وقوله: «تأثُّمًا» أي خوفًا مِنْ الإثم في كَتْم هَذَا العلم.\nقوله: «صدقًا من قلبه»، هذا: القيد لإخراج شهادة اللسان إذا لم يطابقها الجنان، كالمنافقين.\nقوله: (ألا أُخبر بها الناس فيستبشروا، قال: «إذًا يتكلوا» .)، ... أي: يتركوا العمل، ويتكلوا على ذلك، فيأثموا بترك الواجب، ويفوتهم أعالي المنازل بترك المستحب، فأشار إلى معاذ بالترك، لأنه رأى المصلحة في ذلك أتم من الإعلام.\nوفيه: أن العالم يراعي المصلحة في كتمان العلم ونشره.\n\n[٤١٦] وعن أَبي هريرة - - أَوْ أَبي سعيد الخدري ﵄ - شك الراوي - ولا يَضُرُّ الشَّكُّ في عَين الصَّحَابيّ؛ لأنَّهُمْ كُلُّهُمْ عُدُولٌ - قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزوَةُ تَبُوكَ، أصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فقالوا: يَا رَسُول الله، لَوْ أذِنْتَ لَنَا فَنَحرْنَا نَواضِحَنَا فَأكَلْنَا وَادَّهَنَّا؟ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «افْعَلُوا» فَجاء عُمَرُ - ﵁ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِن ادعُهُمْ بفَضلِ أزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادعُ الله لَهُمْ عَلَيْهَا بِالبَرَكَةِ، لَعَلَّ الله أنْ يَجْعَلَ لهم في ذلِكَ البَرَكَةَ. فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «نَعَمْ» فَدَعَا بِنَطْع فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفضلِ أزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجيءُ بكَفّ ذُرَة وَيَجيءُ الآخر بِكَفّ تمر وَيجيءُ الآخرُ بِكِسرَة حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النّطعِ مِنْ ذلِكَ شَيء يَسيرٌ، فَدَعَا رَسُول الله - ﷺ - عليه بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا في أوعِيَتِكُمْ» فَأَخَذُوا في أوْعِيَتهم حَتَّى مَا تَرَكُوا في العَسْكَرِ وِعَاء إلا مَلأوهُ وَأَكَلُوا حَتَّى شَبعُوا وَفَضَلَ فَضْلَةٌ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ\nوَأنّي رَسُولُ الله، لا يَلْقَى الله بِهِما عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنِ الجَنَّةِ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":282},{"text":"في هذا الحديث: حسن الأدب في خطاب الكبار، وأنه لا ينبغي للإمام أن يأذن للعسكر في تضييع دوابهم، إلا إذا رأى مصلحة أو خاف مفسدة ظاهرة.\nوفيه: تقديم الأهم فالأهم، وارتكاب أخف الضررين دفعًا لأشدهما.\nوفيه: أن المؤمن لا بدَّ له من دخول الجنة إمَّا ابتداء مع الناجين أو بعد إخراجه من النار.\n\n[٤١٧] وعن عِتْبَانَ بن مالك - ﵁ - وَهُوَ مِمَّن شَهِدَ بَدرًا، قَالَ: كنت أُصَلِّي لِقَوْمِي بَني سَالِم، وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءتِ الأَمْطَار، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مسْجِدِهم، فَجِئتُ رسولَ الله - ﷺ - فقلت لَهُ: إنّي أنْكَرْتُ بَصَرِي وَإنَّ الوَادِي الَّذِي بَيْنِي وبَيْنَ قَومِي يَسيلُ إِذَا جَاءتِ الأمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ فَوَدِدْتُ أنَّكَ تَأتِي فَتُصَلِّي في بَيْتِي مَكَانًا أتَّخِذُهُ مُصَلّى، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «سَأفْعَلُ» .\nفَغَدَا عليّ رسولُ الله - ﷺ - وَأَبُو بكر - ﵁ - بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، وَاسْتَأذَنَ رَسُول الله - ﷺ - فَأذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: «أيْنَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» فَأشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أُحبُّ أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُول الله - ﷺ - فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَصَلَّى رَكعَتَينِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزيرَةٍ تُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أهلُ الدَّارِ أنَّ رَسُول الله - ﷺ - في\nبَيْتِي فَثَابَ رِجالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ في البَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ لا أرَاهُ! فَقَالَ رَجُلٌ: ذلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ الله ورسولَهُ، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لا تَقُلْ ذلِكَ، ألا تَرَاهُ قَالَ: لا إلهَ إلا الله يَبْتَغي بذَلِكَ وَجهَ الله تَعَالَى» فَقَالَ: اللهُ ورسُولُهُ أعْلَمُ أمَّا نَحْنُ فَوَاللهِ مَا نَرَى وُدَّهُ وَلا حَدِيثَهُ إلا إِلَى المُنَافِقينَ! فَقَالَ","vol":"1","page":283},{"text":"رَسُول الله - ﷺ -: «فإنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إلهَ إلا الله يَبْتَغِي بذَلِكَ وَجْهَ الله» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَ«عِتْبَان»: بكسر العين المهملة وإسكان التاءِ المثناةِ فَوق وبعدها باءٌ موحدة. وَ«الخَزِيرَةُ» بالخاءِ المعجمةِ والزاي: هِيَ دَقيقٌ يُطْبَخُ بِشَحم. وقوله: «ثَابَ رِجَالٌ» بِالثاءِ المثلثةِ: أيْ جَاؤُوا وَاجْتَمَعُوا.\n\nقال الحافظ في (فتح الباري): وفي هذا الحديث من الفوائد: إمامة الأعمى، وإخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهته، ولا يكون من الشكوى، والتخلف عن الجماعة في المطر والظلمة، ونحو ذلك، واتخاذ موضع معين للصلاة.\nوأما النهي عن إيطان موضع من المسجد، ففيه حديث رواه أبو داود، وهو محمول على ما إذا استلزم رياء، ونحوه.\nوفيه: إجابة الفاضل دعوة المفضول، واستصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أنّ المستدعي لا يكره ذلك، وأن اتخاذ مكان في البيت للصلاة لا يستلزم وقفيته، ولو أطلق عليه اسم المسجد.\nوفيه: أن لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد، وأنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد، وترجم عليه البخاري: «صلاة النوافل جماعة»، انتهى ملخصًا من شرح باب المساجد في البيوت.\n\n[٤١٨] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ: قدِم رَسُول الله - ﷺ - بسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَى، إِذْ وَجَدَتْ صَبيًا في السَّبْيِ أخَذَتْهُ فَألْزَقَتهُ بِبَطْنِهَا فَأَرضَعَتْهُ، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أتَرَوْنَ هذِهِ المَرْأةَ طَارِحَةً وَلَدَها في النَّارِ؟» قُلْنَا: لا وَاللهِ. فَقَالَ: «للهُ أرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هذِهِ بِوَلَدِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":284},{"text":"هذا الحديث ذكره البخاري في باب رحمة الولد، وتقبيله، ومعانقته، بلفظ: قدم على النبي س سبي، فإذا امرأة من السبي تحلب سديها، تسقي إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته.\nقوله: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها» . قال ابن أبي جمرة: لفظ العباد عام، ومعناه خاص بالمؤمنين، وهو كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف (١٥)] .\nوفيه: إشارة إلى أنه ينبغي للمرء أن يجعل تعلقه في جميع أموره بالله وحده.\n\n[٤١٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لَمَّا خَلَقَ الله الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابٍ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ ... غَضَبي» .\nوفي رواية: «غَلَبَتْ غَضَبي» وفي رواية: «سَبَقَتْ غَضَبي» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة أنّ قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم بغير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا بالاستحقاق. فالرحمة تشمل الشخص جنينًا ورضيعًا وفطيمًا، وناشئًا، قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق ذلك.\n\n[٤٢٠] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: «جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ، فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأنْزَلَ في الأرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذلِكَ الجُزءِ يَتَرَاحَمُ الخَلائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابّةُ حَافِرهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أنْ تُصِيبَهُ» .","vol":"1","page":285},{"text":"وفي رواية: «إنّ للهِ مئَةَ رَحمَةٍ، أنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجنِّ وَالإنس وَالبهائِمِ وَالهَوامّ، فبها يَتَعاطَفُونَ، وبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعينَ رَحْمَةً يرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَة» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nورواه مسلم أيضًا مِنْ رواية سَلْمَانَ الفارِسيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ\nرَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ للهِ تَعَالَى مِئَة رَحْمَةٍ فَمِنْهَا رَحْمَةٌ يَتَرَاحمُ بِهَا الخَلْقُ بَيْنَهُمْ، وَتِسْعٌ وَتِسعُونَ لِيَومِ القِيَامَةِ» .\nوفي رواية: «إنَّ الله خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ مَئَةَ رَحْمَةٍ كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّماءِ إِلَى الأرْضِ، فَجَعَلَ مِنْهَا في الأرضِ رَحْمَةً فَبِهَا تَعْطفُ الوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْض، فَإذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أكملَهَا بِهذِهِ الرَّحمَةِ» .\n\nالرحمة رحمتان: رحمة من صفات الذات، ورحمة من صفات الفعل.\nقال القرطبي: مقتضي هذا الحديث، أن الله علم أن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مئة نوع، فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحد انتظمت به مصالحهم، وحصلت به مرافقتهم، فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي، فبلغت مئة.\nوقال ابن أبي جمرة: في الحديث إدخال السرور على المؤمنين، لأن العادة أنّ النفس يكمل فرحها بما وهب لها، إذا كان معلومًا مما يكون موعودًا.\nوفيه: الحث على الإيمان، واتساع الرجاء في رَحَمَات الله تعالى المدخرة.\n\n[٤٢١] وعنه عن النَّبيّ - ﷺ - فيما يحكِي عن ربهِ ﵎، قَالَ:","vol":"1","page":286},{"text":"«أذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ الله ﵎: أذنَبَ عبدي ذَنبًا، فَعَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأذْنَبَ، فَقَالَ: أيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبي، فَقَالَ ﵎: أذنَبَ عبدِي ذَنبًا، فَعَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأذْنَبَ، فَقَالَ: أيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبي، فَقَالَ ﵎: أذنَبَ عبدِي ذَنبًا،\nفَعَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوقوله تَعَالَى: «فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ» أيْ: مَا دَامَ يَفْعَلُ هكذا، يُذْنِبُ وَيَتُوبُ أغفِرُ لَهُ، فَإنَّ التَّوْبَةَ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا.\n\nهذا الحديث: أخرجه البخاري في باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح (١٥)]، من كتاب التوحيد.\nقال القرطبي: يدل هذا الحديث على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله، وسعة رحمته وحلمه، وكرمه.\n\n[٤٢٢] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَذَهَبَ الله بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَومٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ الله تَعَالَى، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» . رواه مسلم.\n\n[٤٢٣] وعن أَبي أيوب خالد بن زيد - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ -، يقول: «لَوْلا أنَّكُمْ تُذْنِبُونَ، لَخَلَقَ الله خَلْقًا يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرونَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":287},{"text":"قال ابن مالك: ليس هذا تحريضًا للناس على الذنوب، بل كان صدوره لتسلية الصحابة، وإزالة شدة الخوف عن صدورهم، لأن الخوف كان غالبًا عليهم حتى فرّ بعضهم إلى رؤوس الجبال للعبادة، وبعضهم اعتزل النساء.\nوفي الحديث: تنبيه على رجاء مغفرة الله تعالى، وتحقق أنّ ما سبق في علمه تعالى كائن، لأنه سبق في علمه أنه يغفر للعاصي، فلو قدر عدم عاصٍ لخلق الله من يعصيه فيغفر له.\n\n[٤٢٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: كُنَّا قُعُودًا مَعَ رَسُول الله - ﷺ -، مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ ﵄، في نَفَرٍ فَقَامَ رَسُول الله - ﷺ - مِنْ بَيْنِ أظْهُرِنَا، فَأبْطَأَ عَلَيْنَا فَخَشِينَا أنْ يُقتطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا فَقُمْنَا فَكُنْتُ أوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَخَرَجْتُ أبْتَغِي رسولَ الله - ﷺ -، حَتَّى أتَيْتُ حَائِطًا للأنْصَارِ ... وَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى قوله: فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «اذهَبْ فَمَن لَقِيتَ وَرَاءَ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله، مُسْتَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: البشارة بدخول الجنة للموحدين، إما ابتداء مع الفائزين، أو بعد دخول النار لمن يغفر له من العاصين.\n\n[٤٢٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ النَّبيّ - ﷺ - تَلا قَولَ الله - ﷿ - في إبراهيم - ﷺ -: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم (٣٦)] الآية، وقَالَ عِيسَى - ﷺ -: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة (١١٨)] فَرَفَعَ يَدَيهِ وَقالَ: «اللَّهُمَّ أُمّتي","vol":"1","page":288},{"text":"أُمّتي» وبَكَى، فَقَالَ الله - ﷿ -: «يَا جِبْريلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟» فَأتَاهُ جبريلُ فسأله، فَأخْبَرَهُ رسولُ الله - ﷺ -، بِمَا قَالَ - وَهُوَ أعْلَمُ - فَقَالَ اللهُ\nتَعَالَى: «يَا جِبريلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمّدٍ، فَقُلْ: إنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمّتِكَ وَلا نَسُوءكَ» . رواه مسلم.\n\nقوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم (٣٦)] .\nقال البيضاوي: فيه دليل على أنّ كل ذنب، فللَّه أن يغفره حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره.\nوفي الحديث: كمال شفقته - ﷺ - على أمته، واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم.\nوفيه: البشارة العظيمة لهذه الأمة، وهو من أرجى الأحاديث.\n\n[٤٢٦] وعن معاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبيِّ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى الله؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: «فإنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أنْ يَعْبُدُوهُ، وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا» فقلتُ: يَا رَسُول الله، أفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقال البخاري في كتاب الرقاق، باب: من جاهد نفسه في طاعة الله ﷿، وذكر الحديث بنحوه.","vol":"1","page":289},{"text":"قال بعض العلماء: جهاد المرء نفسه، هو الجهاد الأكمل، وهو أربع مراتب: حملها على تعلم أمور الدين، ثم حملها على العمل بذلك، ثم حملها على تعليم من لا يعلم، ثم الدعاء إلى توحيد الله.\nقال القرطبي: حق العباد على الله ما وعدهم به من الثواب والجزاء.\nوقال ابن رجب: قال العلماء: يؤخذ من مَنْع معاذٍ من تبشير الناس لئلا ييتكلوا. أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس، لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ فلم يزدد إلا اجتهادًا في العمل.\nوقيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، وليس من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.\n\n[٤٢٧] وعن البراءِ بن عازب ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: ... «المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا الله وَأنّ مُحَمّدًا رَسُول الله، فذلك قوله تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾» [إبراهيم (٢٧)] . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقال ابن عباس ﵄: من دام على الشهادة في الدنيا يلقِّنه الله تعالى إياها في قبره.\n\n[٤٢٨] وعن أنس - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنّ الكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً، أُطعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا المُؤْمِنُ فَإنَّ الله يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ في الآخِرَةِ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ» .","vol":"1","page":290},{"text":"وفي رواية: «إنَّ الله لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسنَةً يُعْطَى بِهَا في الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا في الآخِرَةِ. وَأَمَّا الكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ للهِ تعالى في\nالدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أفْضَى إِلَى الآخرَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» . رواه مسلم.\n\nيشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى (٢٠)] .\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل (٩٧)] .\n\n[٤٢٩] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْم خَمْسَ مَرَّات» . رواه مسلم.\n«الغَمْرُ»: الكَثِيرُ.\n\nشبه - ﷺ - الدَّنَسَ المعنوي بالدنس الحسي، فكما أن الاغتسال كل يوم خمس مرات يذهب الوسخ، فكذلك الصلوات الخمس تذهب الذنوب. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود (١١٤، ١١٥)] .\n\n[٤٣٠] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أرْبَعونَ رَجُلًا لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيئًا، إلا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: الحث على تكثير عدد المصلين على الجنازة، رجاء أن يغفر الله للميت، بدعائهم وشفاعتهم.","vol":"1","page":291},{"text":"[٤٣١] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - في قُبَّة نَحْوًَا مِنْ أربَعِينَ رجلًا، فَقَالَ: «أتَرْضَونَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ؟» قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «أتَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهلِ الجَنَّةِ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بيَدِهِ، إنِّي لأَرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ وذلك أنَّ الجنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ومَا أنْتُم في أهْلِ الشِّركِ إلا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ في جلدِ الثَّورِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّودَاءِ في جلدِ الثَّورِ الأحْمَر» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقوله - ﷺ -: «إني لأرجو» قال العلماء: كل رجاء جاء عن الله أو عن النبي - ﷺ - فهو كائن.\nقال القرطبي: وهذه الطماعية قد حققت له بقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى (٥)]، وبقوله: إنا سنرضيك في ... أمتك.\n\n[٤٣٢] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ دَفَعَ اللهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِم يَهُوديًا أَوْ نَصْرانِيًا، فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ» .\nوفي رواية عَنْهُ، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ المُسْلِمينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَال الجِبَالِ يَغْفِرُهَا الله لَهُمْ» . رواه مسلم.\nقوله: «دَفَعَ الله إِلَى كُلِّ مُسْلِم يَهُوديًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِن النَّارِ» مَعنَاهُ مَا جَاءَ في حديث أَبي هريرة - ﵁ -:","vol":"1","page":292},{"text":"«لِكُلِّ أَحَدٍ مَنْزلٌ في الجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ في النَّارِ، فَالمُؤْمِنُ إِذَا دَخَلَ الجَنَّةَ خَلَفَهُ الكَافِرُ في النَّارِ؛ لأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ بِكفْرِهِ» ومعنى «فِكَاكُكَ»: أنَّكَ كُنْتَ معْرَّضًا لِدُخُولِ النَّارِ، وَهَذَا فِكَاكُكَ؛ لأنَّ الله تَعَالَى، قَدَّرَ للنَّارِ عَدَدًا يَمْلَؤُهَا، فَإذَا دَخَلَهَا الكُفَّارُ بِذُنُوبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، صَارُوا في مَعنَى الفِكَاك للمُسْلِمِينَ، والله أعلم.\n\nمعنى الحديث: أن الله تعالى يغفر ذنوب المسلمين، بفضله، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم، فيدخلهم النار بعملهم.\nقال عمر بن عبد العزيز: هذا الحديث أرجى حديث للمسلمين.\n\n[٤٣٣] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «يُدْنَى المُؤْمِنُ يَوْمَ القِيَامَة مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيهِ، فَيُقَرِّرُهُ بذُنُوبِهِ، فيقولُ: أتعرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أتَعرفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فيقول: رَبِّ أعْرِفُ، قَالَ: فَإنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيا، وَأنَا أغْفِرُهَا لَكَ اليَومَ، فَيُعْطَى صَحيفَةَ حَسَنَاتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n«كَنَفَهُ»: سَتْرُهُ وَرَحْمَتُهُ.\n\nهذا الحديث من أرجى الأحاديث لمن لم يجاهر بذنوبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء (٤٨)] .\n[٤٣٤] وعن ابن مسعود - ﵁ - أنَّ رَجُلًا أصَابَ مِن امْرَأة قُبْلَةً، فَأتَى النَّبيَّ - ﷺ - فَأخْبَرَهُ، فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ","vol":"1","page":293},{"text":"النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ [هود (١١٤)] فَقَالَ الرجل: أَليَ هَذَا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «لجميعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nقوله: أنزل الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ - كذا هو بحذف الواو، والتلاوة بإثباتها - وفي رواية: فتلا عليه رسول الله - ﷺ -: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ ... الآية.\nقال ابن عباس: معناه الصلوات الخمس مكفرة الذنوب إذا اجتنبت الكبائر.\n\n[٤٣٥] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: جاء رجل إِلَى النَّبيّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى مَعَ رَسُول الله - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ، قَالَ: يَا رَسُول الله، إنِّي أصَبْتُ حَدًّا فَأقِمْ فيَّ كِتَابَ الله. قَالَ: «هَلْ حَضَرْتَ مَعَنَا الصَّلاةَ»؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «قَدْ غُفِرَ لَكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوقوله: «أصَبْتُ حَدًّا» مَعنَاهُ: مَعْصِيَةً تُوجِبُ التَّعْزيرَ، وَلَيْسَ المُرَادُ الحدّ الشَّرعيَّ الحَقِيقيَّ كَحَدِّ الزِّنَا وَالخمر وَغَيرِهِمَا، فإنَّ هذِهِ الحُدودَ لا تَسْقُطُ بالصَّلاةِ، وَلا يَجُوزُ للإمَامِ تَرْكُهَا.\n\nقال البخاري: باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه. وذكر الحديث بنحوه.\nقال الحافظ: وقد اختلف نظر العلماء في هذا الحكم، فظاهر ترجمة البخاري حمله على من أقر بحد ولم يفسره، فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب.\nوقال الخطابي: في هذا الحديث أنه لا يكشف عن الحدود بل يدفع، مهما أمكن، وقد استحب العلماء تلقينَ من أقرّ بموجب الحد بالرجوع عنه.\nوجزم النووي وجماعة: أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر.","vol":"1","page":294},{"text":"وقال صاحب (الهدي): أصح المسالك فيه أن الحد يسقط بالتوبة. انتهى ملخصًا.\n\n[٤٣٦] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ الله لَيرْضَى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» . رواه مسلم.\n«الأَكْلَة»: بفتح الهمزة وهي المرةُ الواحدةُ مِنَ الأكلِ كَالغَدوَةِ وَالعَشْوَةِ، والله أعلم.\n\nفي هذا الحديث: غاية الكرم من المولى ﷾، أن يتفضل على عبده بالرزق، فإذا حمده رضي عنه.\n\n[٤٣٧] وعن أَبي موسى - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيلِ ليَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: أن الله تعالى يقبل التوبة من عباده ليلًا ونهارًا ما لم يغرغره الموت، أو تطلع الشمس من مغربها. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام (١٥٨)] .\n\n[٤٣٨] وعن أَبي نجيح عمرو بن عَبَسَة - بفتح العين والباءِ - السُّلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ وأنَا في الجاهِلِيَّةِ أظُنُّ أنَّ النَّاسَ","vol":"1","page":295},{"text":"عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أخْبَارًا، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَقَدِمْتُ عَلَيهِ، فإِذَا رسولُ الله - ﷺ - مُسْتَخْفِيًا، جرَآءُ عَلَيهِ قَومُهُ، فَتَلَطَّفَتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيهِ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أنْتَ؟ قَالَ: «أنا نَبيٌّ» قُلْتُ: وما نبيٌّ؟ قَالَ: «أرْسَلَنِي الله» قُلْتُ: وبأيِّ شَيْء أرْسَلَكَ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأرْحَامِ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأنْ يُوَحَّدَ اللهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْء» قُلْتُ له: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: «حُرٌّ وَعَبْدٌ» ومعه يَوْمَئذٍ أَبُو بكرٍ وبلالٌ ﵄، قُلْتُ: إنّي مُتَّبِعُكَ، قَالَ: «إنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ ذلِكَ يَومَكَ هَذَا، ألا تَرَى حَالي وحالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنِ ارْجعْ إِلَى أهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بي قَدْ ظَهرْتُ فَأتِنِي» قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أهْلِي وقَدِمَ رَسُول الله - ﷺ - المَدِينَةَ وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة حَتَّى قَدِمَ نَفَرٌ مِنْ أهْلِي المَدِينَةَ، فقلتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ المَدِينَةَ؟ فقالوا: النَّاس إلَيهِ سِرَاعٌ، وَقَدْ أرادَ قَومُهُ قَتْلَهُ، فلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذلِكَ، فقَدِمْتُ المدينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيهِ\nفقلتُ: يَا رَسُول الله أَتَعْرِفُني؟ قَالَ: «نَعَمْ، أنْتَ الَّذِي لَقَيْتَنِي بمكّةَ» قَالَ: فقلتُ: يَا رَسُول الله، أخْبِرنِي عَمَّا عَلَّمَكَ الله وأَجْهَلُهُ، أخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاَةِ؟ قَالَ: «صَلِّ صَلاَةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ اقْصُرْ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ، فَإنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيطَان، وَحينَئذٍ يَسجُدُ لَهَا الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإنَّ الصَلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمْحِ، ثُمَّ اقْصُرْ عَنِ الصَّلاةِ، فَإنَّهُ حينئذ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فإذَا أقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ، فَإنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّي العصرَ، ثُمَّ اقْصرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فإنَّهَا تَغْرُبُ بينَ قَرْنَيْ شَيطانٍ، وَحِينَئذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكُفّارُ» .","vol":"1","page":296},{"text":"قَالَ: فقلتُ: يَا نَبيَّ الله، فالوضوءُ حدثني عَنْهُ؟ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءهُ، فَيَتَمَضْمَضُ وَيسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ، إلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه مِنْ أطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يديهِ إِلَى المِرفقَيْن، إلا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أنَامِلِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأسَهُ، إلا خرّتْ خطايا رأسِهِ من أطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يغسل قدميه إِلَى الكعْبَيْنِ، إلا خَرَّتْ خَطَايَا رِجلَيْهِ مِنْ أنَاملِهِ مَعَ الماءِ، فَإنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ الله تَعَالَى، وأثنى عَلَيهِ ومَجَّدَهُ بالَّذي هُوَ لَهُ أهْلٌ، وَفَرَّغَ قلبه للهِ تَعَالَى، إلا انْصَرفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كهيئته يَومَ وَلَدتهُ أُمُّهُ» .\nفحدث عَمرُو بن عَبسَة بهذا الحديث أَبَا أُمَامَة صاحِب رَسُول الله - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَة: يَا عَمْرُو بنُ عَبسَة، انْظُر مَا تقولُ ! في مقامٍ واحدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَة، لقد كَبرَتْ سِنّي، وَرَقَّ\nعَظمِي، وَاقْتَرَبَ أجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أنْ أكْذِبَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَلا عَلَى رَسُول الله - ﷺ -، لَوْ لَمْ أسمعه مِنْ رَسُول الله - ﷺ -، إلا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاثًا - حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّات - مَا حَدَّثْتُ بِهِ أبدًا، وَلكنِّي سمعتُهُ أكثَر من ذلِكَ. رواه مسلم.\nقوله: «جُرَآءُ عَلَيهِ قَومُه» هُوَ بجيم مضمومة وبالمد عَلَى وزنِ عُلماءَ، أيْ: جَاسِرونَ مُستَطِيلُونَ غيرُ هائِبينَ، هذِهِ الرواية المشهورةُ، ورواه الحُمَيْدِيُّ وغيرُهُ «حِرَاءٌ» بكسر الحاء المهملة، وَقالَ: معناه غِضَابٌ ذَوُو غَمّ وهَمّ، قَدْ عِيلَ صَبرُهُمْ بِهِ، حَتَّى أثَّرَ في أجسامهم، من","vol":"1","page":297},{"text":"قولِهِم: حَرَى جسمهُ يَحْرَى، إِذَا نَقَصَ مِنْ ألمٍ أَوْ غَمٍّ ونحوهِ، والصَّحيحُ أنَّهُ بالجيمِ.\nقوله - ﷺ -: «بَيْنَ قَرنَيْ شيطان» أيْ ناحيتي رأسِهِ والمرادُ التَّمْثيلُ، وَمعْنَاهُ: أنه حينئذٍ يَتَحرَّكُ الشَّيطَانُ وَشيعَتُهُ، وَيتَسَلَّطُونَ.\nوقوله: «يُقَرِّبُ وَضوءهُ» معناه يُحضِرُ الماءَ الَّذِي يَتَوضّأ بِهِ، وقوله: «إلا خَرَّت خطايا» هُوَ بالخاءِ المعجمة: أيْ سقطت، ورواه بعضُهم ... «جَرَت» بالجيم، والصحيح بالخاءِ وَهُوَ رواية الجمهور. وقوله: «فينْتَثرُ» أيْ يَستخرجُ مَا في أنفهِ مِنْ أذىً والنَّثْرَةُ: طَرَفُ الأنْفِ.\n\nفي هذا الحديث: الحث على صلة الأرحام لأن الله تعالى قرنها بالتوحيد.\nوفيه: مشروعية الصلاة في كل وقت، إلا أوقات النهي.\nوفيه: فضل إسباغ الوضوء، وأنّ من صلَّى صلاة لا يحدث فيها نفسه غفرت له ذنوبه.\n[٤٣٩] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أرادَ الله تَعَالَى رَحمةَ أُمَّةٍ، قَبَضَ نَبيَّهَا قَبْلَها، فَجعلهُ لَهَا فَرطًا وسلَفًا بَيْنَ يَديْهَا، وإذَا أرادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأهلكَها وَهُوَ يَنظُرُ، فَأقرّ عَينَهُ بهلاكِها حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوا أمْرَهُ» . رواه مسلم.\n\nقد وعد الله الصابرين على المصائب بالأجور. قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ... [البقرة (١٥٥ - ١٥٧)] .\nوقال - ﷺ -: «من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته فِيَّ» . وبالله التوفيق.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>٥٢- باب فضل الرجاء</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى إخبارًا عن العبدِ الصالِحِ: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلى اللهِ إنَّ اللهَ بَصِيرٌ بالعِبَادِ فَوَقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر (٤٤، ٤٥)] .\n\nيُخبر تعالى عن مؤمن آل فرعون حين دعاهم إلى التوحيد، وتصديق موسى، ونهاهم عن الشرك، فتوعَّدوه أنَّه قال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر (٤٤)] . أي: وأتوكل عليه، وأستعين، فيعصمني عن كل سوء، ﴿إن اله بصير بالعباد﴾، فيهدي من يستحق الهداية ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾، ما أرادوا به من الشر.\nقال قتادة: نجا مع موسى وكان قبطيًّا.\n[٤٤٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ الله - ﷿ -: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنا معه حَيْثُ يَذْكُرنِي، وَاللهِ، للهُ أفْرَحُ بِتَوبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بالفَلاَةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ» متفقٌ عليه، وهذا لفظ إحدى روايات مسلم. وتقدم شرحه في الباب قبله.\nورُوِيَ في الصحيحين: «وأنا معه حين يذكرني» بالنون، وفي هذه الرواية «حيث» بالثاء وكلاهما صحيح.\n\nقوله ﷿: «أنا عند ظن عبدي بي»، أي في الرجاء، وأمل العفو، «وأنا معه»، أي: بالرحمة، والتوفيق، والإِعانة، والنصر، ... «حيث ذكرني في نفسه أو في الملأ» .","vol":"1","page":299},{"text":"وفي الحديث: لطف الله بعباده، وفرحه بتوبتهم، وأن من تقرب إليه بطاعته، تقرب إليه بإحسانه، وفضله، وجزائه المضاعف.\n\n[٤٤١] وعن جابر بن عبد الله ﵄: أنه سمع رسول الله - ﷺ - قبلَ مَوْتِه بثَلاثَةِ أيّام، يقولُ: «لا يَمُوتَنّ أحَدُكُمْ إلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله - ﷿ -» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: الحث على حسن الظن بالله تعالى، والتحذير من القنوط خصوصًا عند الخاتمة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنتُم\nمُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران (١٠٢)]، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في مرض موته:\nولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ...؟؟ ... جعلت الرجَاء مني لعفوك سُلَّما ...؟؟؟\nتعاظمني ذنبي فلما قرنته ...؟ ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما ...؟؟\n\n[٤٤٢] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «قَالَ الله تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغت ذُنُوبُك عَنَانَ السماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايا، ثُمَّ لَقَيْتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بقُرَابِها مَغْفِرَةً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n«عَنَانُ السَّماءِ» بفتح العين، قيل: هو مَا عَنَّ لَكَ مِنْهَا، أيْ: ظَهَرَ إِذَا رَفَعْتَ رَأسَكَ، وقيل: هو السَّحَابُ. وَ«قُرابُ الأَرض» بضم القاف، وقيل: بكسرها، والضم أصح وأشهر، وَهُوَ: مَا يقارب مِلأَهَا، والله أعلم.","vol":"1","page":300},{"text":"في هذا الحديث: بشارة عظيمة، وحلم، وكرم عظيم.\nقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وأسواقكم، ومجالسكم، وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة.\nوقال قتادة: إن هذا القرآن يدّلكم على دائكم ودوائكم، فأمَّا داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار.\nقال بعضهم:\nأستغفر الله مما يعلمُ اللهُ ...؟؟ ... إِنَّ الشقيَّ لَمن لا يرحمُ اللهُ ...؟؟؟\nمَا أحلمَ الله عمن لا يراقبه ...؟؟ ... كلٌّ مسيء ولكن يحلم اللهُ ...؟؟\nفاستغفر الله مما كان من زلل ...؟؟ ... طوبى لِمَنْ كف عما يكره اللهُ ...؟؟؟\nطوبى لِمَن حسنت منه سريرته ...؟؟ ... طوبى لِمَنْ ينتهي عما نهى الله ...؟؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٥٣- باب الجمع بين الخوف والرجاء</span>\nاعْلَمْ أنَّ المُخْتَارَ لِلْعَبْدِ في حَالِ صِحَّتِهِ أنْ يَكُونَ خَائفًا رَاجِيًا، وَيَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ سَواءً، وفي حَالِ المَرَضِ يَتَمَحَّضُ الرَّجاءُ، وقواعِدُ الشَّرْع مِنْ الكِتَابِ والسُّنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مُتظاهِرَةٌ عَلَى ذلك.\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلا يَأمَنُ مَكْرَ الله إلا القَوْمُ الخَاسِرونَ﴾ [الأعراف (٩٩)] .\nوقال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف (٨٧)] .\n\nالخوف يزجر العبد عن المعاصي، والرجاء يبعثه على الطاعات فلا يأمن العقوبة، ولا يقنط من الرحمة.","vol":"1","page":301},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهٌ﴾ [آل عمران (١٠٦)] .\nأي: تبيض وجوه المؤمنين يوم القيامة، وتسوّد وجوه الكافرين.\nوقال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنَّة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفرقة.\nوقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام (١٦٥)] .\n\nفي هذا ترهيب وترغيب، وكل ما هو آت قريب.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار (١٣، ١٤)] .\n\nالأبرار: الذين برُّوا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله، واجتناب معاصيه، والفجار بضدِّ ذلك.\nوقال تَعَالَى: ﴿فَأمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة (٦، ٩)] .\n\nأي: من رجحت حسناته على سيِّئاته فهو من أهل الجنة، ومن رجحت سيِّئاته على حسناته فهو من أهل النار.\nوالآيات في هذا المعنى كثيرةٌ معلومة. فَيَجْتَمعُ الخَوفُ والرجاءُ في آيَتَيْنِ مُقْتَرِنَتَيْنِ أَو آيات أَو آية.\n\n﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر (٢٣)] .","vol":"1","page":302},{"text":"[٤٤٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤمِنُ مَا عِنْدَ الله مِنَ العُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ الله مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أحَدٌ» . رواه مسلم.\n\nيشهد لهذا الحديث: قوله تعالى: ﴿اعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف (١٥٦)] الآية.\n\n[٤٤٤] وعن أَبي سعيد الخدرِيِّ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا وُضِعَتِ الجنازةُ واحْتَمَلَهَا النَّاسُ أَوِ الرِّجَالُ عَلَى أعناقِهِمْ، فَإنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قالتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قالتْ: يَا وَيْلَهَا! أَيْنَ يَذْهَبُونَ بها؟ يَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ شَيْءٍ إلا الإنْسانُ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ» . رواه البخاري.\n\nقولها: «قدموني قدموني»، هو اشتياق إلى ما أعده الله للمؤمن من نعيم القبر وما بعده، وقول الآخر: (يَا ويلها، أين يذهبون بها»، هو جزع وتحسر من الفاجر، ورهبة مما أُعد له من عذاب القبر وما بعده.\n\n[٤٤٥] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «الجَنَّةُ أقْرَبُ إِلى أحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذلك» . رواه البخاري.\n\nفيه: أن الطاعة موصلة إلى الجنة، وأن المعصية مقربة إلى النار.\nوفي الحديث الآخر: «إن الرجل يتكلم بالكلمة ما يظن أنْ يبلغ ما بلغت،","vol":"1","page":303},{"text":"يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار» . فينبغي للمؤمن أن لا يزهد في القليل من الخير بالفعل والقول، وأن يجتنب الشر قليله وكثيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٥٤- باب فضل البكاء من خشية الله تَعَالَى وشوقًا إِليه</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء (١٠٩)] .\n\nأي: يزيدهم سماع القرآن إيمانًا وخضوعًا لله ﷿، كما قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم (٥٨)] .\nوفي الحديث: «حُرَّمت النار على ثلاثة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله» .\nوقال تَعَالَى: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ [النجم (٥٩، ٦٠)] .\n\nيخبر تعالى عن المشركين أنهم ينكرون القرآن، ويستهزؤون به، ولا يبكون، بخلاف المؤمنين، فإنهم إذا سمعوا القرآن زادهم إيمانًا واقشعرت جلودهم، ولانت قلوبهم، وبكوا لما فيه من الوعد والوعيد.\n\n[٤٤٦] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ لِي النَّبيُّ - ﷺ -: «اقْرَأْ عليَّ القُرْآنَ» قلت: يَا رسول اللهِ، أقرأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيرِي» . فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سورةَ النِّسَاءِ، حَتَّى جِئْتُ إِلى\nهذِهِ الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئْنَا بِكَ","vol":"1","page":304},{"text":"عَلَى هؤُلاءِ شَهيدًا﴾ [النساء (٤١)] قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» . فَالَتَفَتُّ إِلَيْهِ فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفَان. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال البخاري: باب البكاء عند القرآن، وأورد الحديث.\nقال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين، وشعار الصالحين.\nقال الحافظ: بكى - ﷺ - رحمة لأمته، لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيمًا فقد يفضي إلى تعذيبهم، والله أعلم.\nوفي الحديث: استحباب عرض القرآن على الغير، وجواز الأمر بقطع القرآن للمصلحة.\n\n[٤٤٧] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: خطب رسول الله - ﷺ - خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، فقال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَليلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالَ: فَغَطَّى أصْحَابُ رسول الله - ﷺ - وُجُوهَهُمْ، وَلَهُمْ خَنِينٌ. متفقٌ عَلَيْهِ. وَسَبقَ بَيَانُهُ في بَابِ الخَوْفِ.\nفي هذا الحديث: بيان أن من كان بالله أعرف كان منه أخوف قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر (٢٨)] .\n\n[٤٤٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في\nسبيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: فضل البكاء من خشية الله تعالى، لأن الخشية تحمله على","vol":"1","page":305},{"text":"امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فلا يدخلها بوعده الصادق إلا تحلة القسم.\n\n[٤٤٩] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابّا في الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقال: إنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُه مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا ففاضت عَيْنَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[٤٥٠] وعن عبد الله بن الشِّخِّير - ﵁ - قَالَ: أتيتُ رسولَ الله - ﷺ - وَهُوَ يُصَلِّي ولِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ.\nحديث صحيح رواه أَبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح.\n\nفي هذا الحديث: دليل على كمال خوفه - ﷺ -، وخشيته لربه، وذلك ناشئ عن عظيم الرهبة والإِجلال لله ﷾.\n[٤٥١] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ - لأُبَي بن كعب - ﵁ - «إنَّ الله - ﷿ - أَمَرَنِي أنْ أقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَروا ...﴾ قَالَ: وَسَمَّانِي لك؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَبَكَى أُبَيٌّ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي.","vol":"1","page":306},{"text":"بكاء أُبَيّ ﵁ فرحًا، وخشوعًا، وخوفًا من التقصير، واستحقارًا لنفسه، قيل: الحكمة في تخصيصها بالذكر لأن فيها ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾، وفي تخصيص أُبَيّ التنويه به في أنه أقرأ الصحابة.\nوقال ابن كثير: قرأها عليه رسول الله - ﷺ - قراءة إبلاغ، وتثبيت، وإنذار، لا قراءة تعلم واستذكار، كما قرأ على عمر بن الخطاب سورة الفتح يوم الحديبية.\n\n[٤٥٢] وعنه قَالَ: قَالَ أَبو بكر لِعُمَرَ، ﵄، بعد وفاة رسول الله - ﷺ -: انْطَلِقْ بِنَا إِلى أُمِّ أيْمَنَ ﵂ نَزورُهَا، كَمَا كَانَ رسول الله - ﷺ - يَزُورُها، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فقالا لها: مَا يُبْكِيكِ؟ أمَا تَعْلَمِينَ أنَّ مَا عِنْدَ الله تَعَالَى خَيرٌ لرسولِ الله - ﷺ -! قالت: إني لا أبكي أني لا أَعْلَمُ أنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لرسولِ الله - ﷺ -، وَلكِنِّي أبكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَد انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ؛ فَهَيَّجَتْهُما عَلَى البُكَاءِ، فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا. رواه مسلم، وقد سبق في بابِ زِيارَةِ أهلِ الخَيْرِ.\n\nأم أيمن مولاة لرسول الله - ﷺ - وهي أم أسامة بن زيد.\nوفي الحديث: جواز البكاء حزنًا على فراق الصالحين، وفقد العلم.\n[٤٥٣] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ برسول الله - ﷺ - وَجَعُهُ، قِيلَ له في الصَّلاَةِ، فقال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» . فقالت عائشة ﵂: إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، فقال: «مُرُوهُ فَليُصَلِّ» .\nوفي رواية عن عائشة، ﵂، قالت: قلت: إنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ. متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":307},{"text":"فيه: دليل على استحباب البكاء عند قراءة القرآن، قال الله تعالى: ... ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال (٢)] .\n\n[٤٥٤] وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أنَّ عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - أُتِيَ بطعام وكان صائِمًا، فقال: قُتِلَ مُصْعَبُ بن عُمَيْر - ﵁ - وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يوجَدْ له مَا يُكَفَّنُ فيهِ إلا بُرْدَةٌ إنْ غُطِّيَ بِهَا رَأسُهُ بَدَتْ رِجْلاهُ؛ وَإنْ غُطِّيَ بِهَا رِجْلاَهُ بَدَا رَأسُهُ، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَو قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - قَدْ خَشِينا أنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبكِي حَتَّى تَرَكَ الطعَام. رواه البخاري.\n\nهذا البكاء من مزيد خوفه من الله تعالى، وشدة خشيته، وعدم نظره إلى عمله.\n[٤٥٥] وعن أَبي أُمَامَة صُدَيِّ بن عجلان الباهلي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إِلى اللهِ تَعَالَى مِنْ قطْرَتَيْنِ وَأثَرَيْنِ: قَطَرَةُ دُمُوع مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَقَطَرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ في سَبيلِ اللهِ. وَأَمَّا الأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ في ... سَبيلِ اللهِ تَعَالَى، وَأَثَرٌ في فَريضةٍ مِنْ فَرائِضِ الله تَعَالَى» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: فضل البكاء من خشية الله، والجهاد في سبيل الله، وكثرة الخطا إلى المساجد.\nوفي الباب أحاديث كثيرة منها:","vol":"1","page":308},{"text":"[٤٥٦] حديث العرباض بن سارية - ﵁ - قَالَ: وعظنا رسول الله - ﷺ - مَوعظةً وَجلَتْ منها القُلُوبُ، وذرِفت منها الْعُيُونُ. وقد سبق في باب النهي عن البدع.\n\nلفظ الحديث: «وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإِنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإِياكم ومحدثات الأمور، فإِن كل محدثة بدعة» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٥٥- باب فضل الزهد في الدنيا</span>\nوالحث عَلَى التقلل منها، وفضل الفقر\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيهَا أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس (٢٤)] .\n\nأصل الزهد الرضا عن الله ﷿، قال النبي - ﷺ -: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنَّعه الله بم أتاه» .\nوسُئل الزهري عن الزاهد، فقال: من لم يغلب الحرام صبره، ومن لم يشغل الحلال شكره.\nوهذه الآية مثلٌ ضَرَبَهُ الله تعالى لزينة الدنيا، وسرعة زوالها، وفنائها.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ","vol":"1","page":309},{"text":"فَاخْتَلَطَ بهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف (٤٥، ٤٦)] .\n\nقال عليّ بن أبي طالب ﵁: المال والبنون حرث الدنيا، والأعمال الصالحاتُ حرثُ الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوام.\nوقال تَعَالَى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ\nيَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله ورِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ [الحديد (٢٠)] .\n\nالكفار أشد إعجابًا بزهرة الدنيا، وأما المؤمن فإذا رأى معجبًا انتقل فكره إلى قدره الله، وعلم أنه زائل، وقال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .\nوقوله تعالى: ﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران (١٨٥)]، أي: كمتاع يدلس به على المستام فيُغَر ويشتريه، فمن اغترَّ بها وآثرها فهو مغرور.\nوقال تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلْنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المآبِ﴾ [آل عمران (١٤)] .\n\nفي هذه الآية تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة.\nوقال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الْدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر (٥)] .\n\nأي: لا يذهلكم التمتع بالدنيا عن طلب الآخرة، والسعي لها، ولا يغرنكم الشيطان بأن يمنِّيكم المغفرة مع الإصرار على المعصية.","vol":"1","page":310},{"text":"قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف (١٦٩) .\nوقال تَعَالَى: ﴿ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ * كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر (١: ٥)] .\n\nأي: لو تعلمون علمًا يقينًا لما ألهاكم شيء عن طلب الآخرة، حتى صرتم إلى المقابر.\n\nوقال تَعَالَى: ﴿وَمَا هذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَا إلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت (٦٤)] .\n\nأي: لو كانوا يعلمون لم يؤثروا الدنيا على الآخرة، التي هي الحياة الحقيقة الدائمة، فإن الدنيا سريعة الزوال، ونعيمها لهو ولعب، كما يبتهج به الصبيان ساعة، ثم يتفرَّقون عنه لاغيين متعبين.\nوالآيات في الباب كثيرة مشهورة.\nوأما الأحاديث فأكثر مِنْ أن تحصر فننبِّهُ بطرف منها عَلَى مَا سواه.\n\n[٤٥٧] عن عمرو بن عوف الأنصاري - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ - بَعَثَ أَبَا عبيدة بنَ الجَرَّاح - ﵁ - إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا، فَقَدِمَ بمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بقُدُومِ أَبي عُبيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلاَةَ الفَجْرِ مَعَ رسولِ الله - ﷺ - فَلَمَّا صَلَّى رسولُ الله - ﷺ -، انْصَرفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رسولُ الله - ﷺ - حِيْنَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أظُنُّكُمْ سَمعتُمْ أنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟» فقالوا: أجل،","vol":"1","page":311},{"text":"يَا رسول الله، فقال: «أبْشِرُوا وَأَمِّلْوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوالله مَا الفَقْرَ أخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلكِنِّي أخْشَى عليكم أنْ تُبْسَط\nالدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أهْلَكَتْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nبلاد البحرين: بين البصرة وهَجَرْ، وسميت (البحرين)، لاجتماع البحر العذب والملح فيها، فإن الماء العذب تحت البحر، فإذا حفر الحاجز بينهما نبع العذب وارتفع.\nقوله: فتنافسوها كما تنافسوها. التنافس أول درجات الحسد.\nوفي رواية عند مسلم: «تنافسون ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون» .\nقال ابن بطال: فيه: أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها.\n\n[٤٥٨] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قَالَ: جلس رسولُ الله - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فقال: «إنَّ ممَّا أخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nزهرة الدنيا: زينتها وبهجتها.\nقال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه (١٣١)] .\n\n[٤٥٩] وعنه أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ","vol":"1","page":312},{"text":"وَإنَّ الله تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ» . رواه مسلم.\nقوله: «خضرة حلوة»، أي: جامعة بين الوصفين المحبوبين للبصر والذوق، كالفاكهة.\nوفي الحديث: التحذير من فتنة المال، وفتنة النساء.\n\n[٤٦٠] وعن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلا عَيْشَ الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nهذا الكلام قاله النبي - ﷺ - في أشد أحواله، لما رأى تعب أصحابه في حفر الخندق، وقاله في أسرِّ الأحوال أيضًا لما رأى كثرة المؤمنين في يوم عرفة، لبيك إن العيش عيش الآخر، أي الحياة الدائمة التي لا حزن فيها ولا تعب.\n\n[٤٦١] وعنه عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاَثَةٌ: أهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ: فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى معه وَاحِدٌ: يَرْجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ وَيبْقَى ... عَمَلُهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالغالب أنّ المرء إذا مات تبعه أهله، وما احتيج إليه من ماله في تجهيزه، وإذا دفن رجعوا ودخل عمله معه في قبره، كما في حديث البراء. «ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح» . الحديث.\n\n[٤٦٢] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يُؤْتَى بِأنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيَا مِنْ","vol":"1","page":313},{"text":"أهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا وَاللهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأشَدِّ النَّاسِ بُؤسًَا في الدُّنْيَا مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فَيُقَالُ\nلَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأيْتَ بُؤسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقُولُ: لا وَاللهِ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلا رَأيْتُ شِدَّةً قَطُّ» . رواه مسلم.\n\nفيه: أن عذاب الآخرة ينسي نعيم الدنيا، وأن نعيم الآخرة ينسي شدَّة الدنيا.\nقال الله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون (١١٢: ١١٤)] .\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر (٣٤، ٣٥)] .\n[٤٦٣] وعن المُسْتَوْرِد بن شَدَّاد - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إلا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ!» . رواه مسلم.\n\nمثَّل - ﷺ - زمان الدنيا في جانب زمان الآخرة، ونعيمها بنسبة الماء الملاصق بالأصبع إلى البحر، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ [التوبة (٣٨)] .\n\n[٤٦٤] وعن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - مَرَّ بالسُّوقِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ:","vol":"1","page":314},{"text":"«أَيُّكُم يُحِبُّ أنْ هَذَا لَهُ بِدرْهَم؟» فقالوا: مَا نُحِبُّ أنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ ثُمَّ قَالَ:\n«أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟» قَالُوا: وَاللهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا، أنَّهُ أسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ ميِّتٌ! فقال: «فوَاللهِ للدُّنْيَا أهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ» . رواه مسلم.\nقوله: «كَنَفَتَيْهِ» أيْ: عن جانبيه. وَ«الأَسَكُّ»: الصغير الأذُن.\n\nفيه: أن الدنيا عند الله أذل وأحقر من التيس الصغير الأصمع الميت عند الناس، قال النبي - ﷺ -: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه وعالمًا ومتعلمًا» .\n\n[٤٦٥] وعن أَبي ذر - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبي - ﷺ - في حَرَّةٍ ... بِالمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ، فقال: «يَا أَبَا ذَرٍّ» قلت: لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله. فقال: «مَا يَسُرُّنِي أنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا تَمْضي عَلَيَّ ثَلاَثَةُ أيّامٍ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إلا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إلا أنْ أقُولَ بِهِ في عِبَادِ الله هكذا وَهَكَذَا وَهكَذَا» عن يَمِينِهِ وعن شِمَالِهِ وَعَنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ سَارَ، فقال: «إنَّ الأَكْثَرينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلا مَنْ قَالَ بالمَالِ هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا» عن يمينِهِ وعن شِمَالِهِ وِمنْ خَلْفِهِ «وَقَلِيلٌ مَا هُمُ» . ثُمَّ قَالَ لي: «مَكَانَكَ لا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيكَ» ثُمَّ انْطَلَقَ في سَوادِ","vol":"1","page":315},{"text":"اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوتًا، قَدِ ارْتَفَع، فَتَخَوَّفْتُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ عَرَضَ للنَّبيِّ - ﷺ -، فَأرَدْتُ أنْ آتِيهِ فَذَكَرتُ قَوْله: «لا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ» فلم أبْرَحْ حَتَّى أتَاني، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوتًا تَخَوَّفْتُ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ لَهُ، فقال: «وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟» قلت: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ جِبريلُ أتَانِي. فقال: مَنْ\nمَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، قلت: وَإنْ زَنَى وَإنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإنْ زَنَى وَإنْ سَرَقَ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ البخاري.\n\nاشتمل هذا الحديث: على فوائد كثيرة، وقواعد عظيمة.\nوفيه: البشارة بعدم خلود المسلم في النار وإن عمل الكبائر، فإن تاب منها في الدنيا لم يدخل النار إلا تحلة القسم، وإن لم يتب فأمره إلى الله إن شاء غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ [النساء (١١٦)] .\n\n[٤٦٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، لَسَرَّنِي أنْ لا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاَثُ لَيالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إلا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[٤٦٧] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أجْدَرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلم.\nوفي رواية البخاري: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ وَالخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَل مِنْهُ» .\n\nهذا الحديث: جامع لمعاني الخير.\nوفيه: دواء كل داء من الحسد وغيره.","vol":"1","page":316},{"text":"وفي الحديث الآخر: «رحم الله عبدًا نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله وشكره، وفي دينه إلى من هو فوقه، فجد واجتهد» .\nوعن عمرو بن شعيب مرفوعًا: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا: من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضَّله به، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، وأما من نظر في دنياه إلى من هو فوقه وآسف على ما فاته، فإنه لا يكتب شاكرًا ولا صابرًا» .\nقال بعض السلف: صاحبت الأغنياء فكنت لا أزال في حزن، فصحبت الفقراء فاسترحت.\nوفي حديث مرفوع: «أقلوا الدخول على الأغنياء، فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله» .\n\n[٤٦٨] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: ذم الحرص على الدنيا، حتى يكون عبدًا لها، رضاه وسخطه لأجلها.\n\n[٤٦٩] وعنه - ﵁ - قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ سَبعِينَ مِنْ أهْلِ الصُّفَّةِ، مَا منهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ: إمَّا إزارٌ، وَإمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوها في","vol":"1","page":317},{"text":"أعنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْن، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَراهِيَةَ أنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رواه البخاري.\nفي هذا الحديث: أن الدنيا لو كانت مكرَّمة عند الله، لخصَّ أصفياءه بِهَا، فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب.\n\n[٤٧٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ» . رواه مسلم.\n\nمعنى ذلك: أن الدنيا سجن المؤمن بالنسبة إلى ما أعد له من النعيم، وجنة الكافر بالنسبة إِلى ما أعد له من العذاب وأيضًا فإن المؤمن ممنوع من الشهوات المحرمة، والكافر منهمك فيها، وقد قال النبي - ﷺ -: «حُفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» .\nوعن أبي سهل الصعلوكي الفقيه، وكان ممن جمع رياسة الدين والدنيا، أنه كان في بعض مواكبه إذْ خرج عليه يهودي، بثياب دنسة، فقال: ألستم تزعمون أن نبيكم قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وأنا كافر وترى حالي، وأنت مؤمن وترى حالك، فقال له: إذا صرت غدًا إلى عذاب الله كانت هذه جنتك، وإذا صرت أنا إلى النعيم، ورضوان الله صار هذا سجني، فعجب الناس من فهمه وسرعة جوابه.\n\n[٤٧١] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: أخذ رسول الله - ﷺ - بِمَنْكِبَيَّ، فقال: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ، أَو عَابِرُ سَبيلٍ» .\nوَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄، يقول: إِذَا أمْسَيتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رواه البخاري.\nقالوا في شَرْحِ هَذَا الحديث معناه: لا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلا تَتَّخِذْهَا","vol":"1","page":318},{"text":"وَطَنًا، وَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِطُولِ البَقَاءِ فِيهَا، وَلا بِالاعْتِنَاءِ بِهَا، وَلا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا إلا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَريبُ في غَيْرِ وَطَنِهِ، وَلا تَشْتَغِلْ فِيهَا بِمَا لا يَشْتَغِلُ بِهِ الغَرِيبُ الَّذِي يُريدُ الذَّهَابَ إِلَى أهْلِهِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.\n\nفي هذا الحديث: الحضُّ على تقصير الأمل، والمبادرة إلى العمل، وترك التراخي والكسل.\nفي الحديث الآخر: «اغتنم خمسًا فبل خمس شبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك.\n\n[٤٧٢] وعن أَبي العباس سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي - ﷺ -، فقال: يَا رسولَ الله، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أحَبَّنِي اللهُ وَأحَبَّنِي النَّاسُ، فقال: «ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبّك اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبّك النَّاسُ» . حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.\n\nاشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين فإذا عمل بهما أحبه الله وأحبه الناس.\nوالزهد: هو القناعة بما أعطاك الله، والتعفف عن أموال الناس، وكان عمر يقول على المنبر: إنَّ الطمع فقر وإنَّ اليأس غنى.\nوقال أيوب السختياني: لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان، العفة عما","vol":"1","page":319},{"text":"في أي الناس، والتجاوز عما يكون منهم.\nوفي الحديث المرفوع: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» .\nوقال الشافعي رحمه الله تعالى:\nوما هي إلا جيفة مستحيلة ...؟؟ ... عليها كلاب هَمُّهُن اجتذابها ...؟؟؟\nفإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها ...؟؟ ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها ...؟؟\n\n[٤٧٣] وعن النعمان بن بشير ﵄، قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - ﵁ - مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ رسول الله - ﷺ - يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأ بِهِ بَطْنَهُ. رواه مسلم.\n«الدَّقَلُ» بفتح الدَّال المهملة والقاف: رديءُ التمرِ.\n\nفيه: زهده - ﷺ - وصبره، وحقارة الدنيا عنده، فإن الله تعالى خيره في أنْ يكون ملكًا نبيًا أو عبدًا نبيًا فاختار أن يكون عبدًا، وقال: «يا رب، أجوع يومًا وأشبع يومًا، فإذا جعت سألتك، وإذا شبعت شكرتك» .\n\n[٤٧٤] وعن عائشة ﵂، قالت: تُوفي رسول الله - ﷺ -، وَمَا في بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلا شَطْرُ شَعِيرٍ في رَفٍّ لي، فَأكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nقولها: «شَطْرُ شَعير» أيْ: شَيْءٌ مِنْ شَعير،، كَذَا فَسَّرَهُ التُرْمذيُّ.\n\nفي هذا الحديث: إعراضه - ﷺ - عن الدنيا، وعدم النظر إليها.","vol":"1","page":320},{"text":"وفيه: استحباب عدم كيل القوت توكلًا على الله، وثقة به فإن تكثير الطعام القليل من أسرار الله الخفية، ولا يخالف هذا الحديث: «كيِّلوا طعامكم يبارك لكم فيه» .\nقال الحافظ: الكيل عند المبايعة محبوب من أجل تعلق حق المتبايعين وأما الكيل عند الإنفاق فالباعث عليه الشح؛ فلذا كُرِه.\n\n[٤٧٥] وعن عمرو بن الحارث أخي جُوَيْرِيّة بنتِ الحارِث أُمِّ المُؤْمِنِينَ، ﵄، قَالَ: مَا تَرَكَ رسولُ الله - ﷺ - عِنْدَ مَوْتِهِ دِينارًا، وَلا دِرْهَمًا، وَلا عَبْدًا، وَلا أَمَةً، وَلا شَيْئًا إلا بَغْلَتَهُ الْبَيضَاءَ الَّتي كَانَ يَرْكَبُهَا، وَسِلاَحَهُ، وَأرْضًا جَعَلَهَا لاِبْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً. رواه البخاري.\n\nفيه: أن الإماء والعبيد الذين ملكهم النبي - ﷺ - في حياته لم يبقوا على ملكه بعد وفاته، فمنهم من أعتقه، ومنهم من مات قبل وفاته - ﷺ - وقد قال ... النبي - ﷺ - «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» .\n\n[٤٧٦] وعن خَبابِ بن الأَرَتِّ - ﵁ - قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى، فَوَقَعَ أجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأكُل منْ أجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ - ﵁ -، قُتِلَ يَوْمَ أُحُد، وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ، بَدَتْ رِجْلاَهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ، بَدَا رَأسُهُ\n، فَأمَرَنَا رسول الله - ﷺ -، أنْ نُغَطِّي رَأسَهُ،","vol":"1","page":321},{"text":"وَنَجْعَل عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الإذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدِبُهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.\n«النَّمِرَةُ»: كِساءٌ مُلَوَّنٌ مِنْ صوف. وَقَوْلُه: «أيْنَعَتْ» أيْ: نَضِجَتْ وَأَدْرَكَتْ. وَقَوْلُه: «يَهْدِبها» هُوَ بفتح الياءِ وضم الدال وكسرها لغتان: أيْ: يَقْطُفهَا وَيَجْتَنِيهَا، وهذه استعارة لما فتح الله تَعَالَى عليهم من الدنيا وتمكنوا فِيهَا.\n\nفي هذا الحديث: ما كان عليه السلف من الصدق في وصف أحوالهم.\nوفيه: أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار.\nوفيه: أن الكفن يكون ساترًا لجميع البدن.\n\n[٤٧٧] وعن سهلِ بن سعد الساعدي - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: حقارة الدنيا عند الله تعالى، ولهذا ملَّكها تعالى في الغالب للكفار والفساق لهوانهم عليه، وحَمَى منها في الغالب الأنبياء والصالحين لئلا تُدَنَّسَهُم.\n\n[٤٧٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ -، يقول: «أَلا إنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إلا ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، وَمَا وَالاهُ، وَعالِمًا وَمُتَعَلِّمًا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nفيه: ذم ما أشغل من الدنيا عن ذكر الله وطاعته، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون (٩)]، وأما ما أعان على طاعة الله من الدنيا فليس بمذموم، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء","vol":"1","page":322},{"text":"الزَّكَاةِ﴾ [النور (٣٧)]، وفي حديث مرفوع: «لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر» .\n\n[٤٧٩] وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالضيعة: العقار الذي يحتاج إلى عمل، والمراد لا تتوغلوا في ذلك فترغبوا عن صلاح آخرتكم وتشتغلوا في طلب الدنيا فلا تشبعوا منها.\n\n[٤٨٠] وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: مَرَّ عَلَيْنَا رسولُ الله - ﷺ - وَنَحْنُ نعالِجُ خُصًّا لَنَا، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقُلْنَا: قَدْ وَهَى، فَنَحَنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ: «مَا أرَى الأَمْرَ إلا أعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ» .\nرواه أَبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم، وقال الترمذي: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nالخُصُّ: بيت يعمل من القصب ونحوه.\nوفيه: شاهد لحديث ابن عمر: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح» .\n[٤٨١] وعن كعب بن عياض - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول","vol":"1","page":323},{"text":"الله - ﷺ -، يقول: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وفِتْنَةُ أُمَّتِي: المَالُ» . رواه الترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقوله: «فتنة»، أي: ابتلاء واختبار. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء (٣٥)]، وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال (٢٨)] .\n\n[٤٨٢] وعن أَبي عمرو، ويقالُ: أَبو عبدِ الله، ويقالُ: أَبو ليلى عثمان ابن عفان - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ في سِوَى هذِهِ الخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الخُبز وَالماء» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .\nقَالَ الترمذي: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُد سُلَيْمَانَ بنَ سَالمٍ البَلْخيَّ، يقولُ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْن شُمَيْل، يقولُ: الجِلْفُ: الخُبْز لَيْسَ مَعَهُ إدَامٌ، وقال غَيْرُهُ: هُوَ غَليظُ الخُبُزِ. وقَالَ الهَرَوِيُّ: المُرادُ بِهِ هنَا وِعَاءُ الخُبزِ، كَالجَوَالِقِ وَالخُرْجِ، والله أعلم.\n\nالحق هنا: ما يستحقه الإِنسان لاحتياجه إليه في كُنه من الحر والبرد، وستر بدنه، وسد جوعته، وما سوى ذلك فهو من حظوظ النفس لا من حقوقها.\nقال بعض الزهاد:\nلَقِرْص شعير ثافل غير مالح ...؟؟ ... بغير إدام والذي خلق النجوى ...؟؟؟\nمع العزِّ في بيتي وطاعة خالقي ...؟؟ ... ألذُّ على قلبي من المنِّ والسلوى ...؟؟\n\n[٤٨٣] وعن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ - بكسر الشينِ والخاء المشددة المعجمتين - ﵁ -، أنه قَالَ: أتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ -، وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ","vol":"1","page":324},{"text":"التَّكَاثُرُ﴾ قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مالي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إلا مَا أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ»؟! . رواه مسلم.\n\nأي ليس لك من مالك إلا ما انتفعت به في دنياك، بأكل أو لبس أو ادخرته لآخرتك، وما سوى ذلك فهو لورثتك.\nقال بعض السلف: اجعل ما عندك ذخيرة لك عند الله، واجعل الله ذخيرة لأولادك.\n\n[٤٨٤] وعن عبدِ الله بن مُغَفَّل - ﵁ - قَالَ: قَالَ رجل للنبي - ﷺ -:\nيَا رسولَ الله، وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ له: «انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ؟» قَالَ: وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلاَثَ مَرَّات، فَقَالَ: «إنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا، فإنَّ الفَقْرَ أسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّني مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n«التجفافُ» بكسرِ التاءِ المثناةِ فوقُ وَإسكانِ الجيمِ وبالفاءِ المكررة: وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُهُ الفَرَسُ، لِيُتَّقَى بِهِ الأَذَى، وَقَدْ يَلْبَسُهُ الإنْسَانُ.\n\nلما كان - ﷺ - أزهد الناس في الدنيا، كان المحب التابع له متّصف بذلك لقوة الرغبة، وصدق المحبة فالمرء مع من أحب، ومولى قوم منهم في العسر واليسر\nفمن أحب أن يكون معهم في نعيم الآخرة فليصبر كما صبروا في الدنيا. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران (١٤٢)] .\n\n[٤٨٥] وعن كعب بن مالك - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بِأفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى","vol":"1","page":325},{"text":"المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: الحذر من الحرص على المال والشرف، فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة، ورزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، وقال النبي - ﷺ -: «يَا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإِمارة فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها» .\n\n[٤٨٦] وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قَالَ: نَامَ رسول الله - ﷺ - عَلَى حَصيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً. فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إلا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: الإِرشاد إلى ترك الاهتمام بِعَمارة الدنيا، والحث على الاعتناء بعمارة منازل الآخرة، وأن الدنيا دار عبور إلى دار الحبور.\n[٤٨٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يدْخُلُ الفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمئَةِ عَامٍ» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .\n\nفيه: فضل الفقير الصابر على الغني الشاكر، لأن الأغنياء يحبسون للحساب.\n\n[٤٨٨] وعن ابن عباس وعِمْرَانَ بن الحُصَيْنِ - ﵃ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: ... «اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفُقَرَاءَ،","vol":"1","page":326},{"text":"وَاطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا النِّسَاءَ» . متفقٌ عَلَيْهِ من رواية ابن عباس، ورواه البخاري أيضًا من رواية عِمْرَان بن الحُصَيْن.\n\nفيه: التحريض على ترك التوسع في الدنيا.\nوفيه: التحريض للنساء على المحافظة على أمر الدين ليسلمن من النار.\n\n[٤٨٩] وعن أسامة بن زيد ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَأصْحَابُ الجَدِّ مَحبُوسُونَ، غَيْرَ أنَّ أصْحَابِ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِم إِلَى النَّارِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوَ«الجَدُّ»: الحَظُّ والغِنَى. وقد سبق بيان هَذَا الحديث في باب فَضْلِ الضَّعفَة.\n\nأصحاب النار هنا: هم الخالدون فيها، وهم الكفار، قال الله تعالى: ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى﴾ [الليل (١٥)]، وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ\nكَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر (٧١)]، وقال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن (٥٥)] .\n\n[٤٩٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nيشهد لهذا البيت قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص (٨٨)]، كان لبيد من فحول شعراء الجاهلية، وهو من هوازان، وَفَدَ على رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":327},{"text":"فأسلم، وحسن إسلامه، وكان من المعمرين، عاش فوق مئة سنة، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، ولم يقل شعرًا بعد إسلامه، وكان يقول: أبدلني الله به القرآن إلا بيتًا واحدًا:\nما عاتب المرءَ الكريم كنفسه ...؟؟ ... والمرء يصلحه القرين الصالح ...؟؟؟\n\nقال الشافعي:\nولولا الشعر بالعلماء يُزري ...؟؟ ... لكنت اليوم أشعرَ من لبيد ...؟؟؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٥٦- باب فضل الجوع وخشونة العيش</span>\nوالاقتصار عَلَى القليل من المأكول والمشروب والملبوس\nوغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ منْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم (٥٩، ٦٠)] .\n\nأي: خلف من بعد الذين أثنى الله عليهم من الأنبياء والصالحين، خلفُ سوء، أضاعوا الصلاة بتركها أو تأخيرها عن وقتها: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ مالوا إلى زخارف الدنيا ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ شرًّا وخسرانًا.\nوقال تَعَالَى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُريدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَواب اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًَا﴾ [القصص (٧٩: ٨٠)] .\n\nقيل: إنَّ قارون خرج على بغلة شهباء عليه الأُرْجُوَان، وعليها سُرْج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيِّه؟\nوقال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لًتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر (٨)] .\nأي: إذا ألهاكم عن الشكر.","vol":"1","page":328},{"text":"وعن زيد بن أسلم مرفوعًا: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يعني: شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم.\nوقال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُريدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُريدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء (١٨)]\nأي: من كانت همَّته مقصورة على الدنيا عجلنا له فيها ما نشاء من البسط، والتقتير، لمن يريد أن نفعل به ذلك، ثم جعلنا له في الآخرة جهنم يصلاها مذمومًا، مدحورًا، مطرودًا، مبعدًا.\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» . رواه أحمد.\nوالآيات في الباب كثيرةٌ معلومةٌ.\n\nأي: في فضل التقلل من الدنيا، والترغيب في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى (٢٠)]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص (٦٠)] .\n\n[٤٩١] وعن عائشة ﵂، قالت: مَا شَبعَ آلُ مُحَمّد - ﷺ - مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية: مَا شَبعَ آلُ محَمّد - ﷺ - مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ البُرِّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ.","vol":"1","page":329},{"text":"فيه: إعراضه - ﷺ - عن الدنيا، وزهده فيها.\nوفيه: تحريض لأمته على الزهد فيها، والإعراض عما زاد على الحاجة منها، ولا منافاة فيه وبين حديث أنه - ﷺ - يدخر لأهله قوت سنة، لأنه كان يفعل ذلك في آخر حياته، فيخرجه في الحوائج تعرض عليه.\n[٤٩٢] وعن عروة عن عائشة ﵂، أنّها كَانَتْ تقول: وَاللهِ، يَا ابْنَ أُخْتِي، إنْ كُنَّا لنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ، ثُمَّ الهِلالِ، ثُمَّ الهِلالِ: ثَلاَثَةُ أهلَّةٍ في شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ في أبْيَاتِ رسول الله - ﷺ - نَارٌ قط. قُلْتُ: يَا خَالَةُ، فَمَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قالت: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إلا أنَّهُ قَدْ كَانَ لرسول الله - ﷺ - جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رسول الله - ﷺ - مِنْ ألْبَانِهَا فَيَسْقِينَا. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال الحافظ: وفي هذا الحديث ما كان فيه الصحابة من التقلل من الدنيا في أول الأمر.\nوفيه: فضل الزهد، وإيثار الواجد للمعدوم، والاشتراك فيما في الأيدي.\nوفيه: جواز ذكر المرء ما كان فيه من الضيق بعد أن يوسع الله عليه، تذكيرًا بنعمته وليتأس به غيره.\n\n[٤٩٣] وعن أَبي سعيد المقبُريِّ عن أَبي هريرة - ﵁ - أَنَّهُ مَرَّ بِقَومٍ بَيْنَ أيدِيهمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ فَأبَى أنْ يأْكُلَ. وقال: خرج رسول الله - ﷺ - مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعيرِ. رواه البخاري.\n«مَصْلِيَّةٌ» بفتح الميم: أيْ مَشْوِيَّةٌ.\n\nفيه: أن من شأن المُحب أن يتبع آثار محبوبه، ويأتم بها.","vol":"1","page":330},{"text":"[٤٩٤] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: لَمْ يَأكُلِ النَّبيُّ - ﷺ - عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا أكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ. رواه البخاري.\nوفي رواية لَهُ: وَلا رَأى شَاةً سَمِيطًا بعَيْنِهِ قَطُّ.\nالخِوان: ما يؤكل عليه الطعام بدون أن يخفض الآكل رأسه، وهو بدعة جائزة. والخبز المرقق: هو الأرغفة الواسعة الرقيقة. والسميط: ما أزيل شعره وشوي بجلده. وقطّ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على الضم.\n\n[٤٩٥] وعن النعمان بن بشير ﵄، قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ نَبيَّكُمْ - ﷺ -، وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ. رواه مسلم.\n«الدَّقَلُ»: تَمْرٌ رَدِيءٌ.\n\nقوله: (لقد رأيت نبيكم)، فيه: حث المخاطبين على الاقتداء به، والإعراض عن الدنيا مهما أمكن.\n\n[٤٩٦] وعن سهلِ بن سعد - ﵁ - قَالَ: مَا رَأى رسول الله - ﷺ - النَّقِيَّ مِنْ حِين ابْتَعَثَهُ الله تَعَالَى حَتَّى قَبضَهُ الله تَعَالَى. فقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ لَكُمْ في عَهدِ رسول الله - ﷺ - مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأى رسول الله - ﷺ - مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فيَطيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ. رواه البخاري.\nقَوْله: «النَّقِيّ» هُوَ بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياءِ: وَهُوَ الخُبْزُ الحُوَّارَى، وَهُوَ: الدَّرْمَكُ. قَوْله: «ثَرَّيْنَاهُ» هُوَ بثاء مثلثة، ثُمَّ راء مشددة، ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاة من تَحْت ثُمَّ نون، أيْ: بَللْنَاهُ وَعَجَنَّاهُ.","vol":"1","page":331},{"text":"قال في القاموس: والحُوَّاري بضم الحاء وتشديد الواو، وفتح الراء: الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق، وكل ما حُوّر، أي: بُيّض من طعام.\n\n[٤٩٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: خرجَ رسولُ الله - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ... لَيْلَةٍ، فَإذَا هُوَ بأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَقَالَ: «مَا أخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُما هذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالا: الجُوعُ يَا رسول الله. قَالَ: «وَأنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما، قُوما» فقَامَا مَعَهُ، فَأتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإذَا هُوَ لَيْسَ في بيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ المَرْأَةُ، قالت: مَرْحَبًَا وَأهلًا. فقال لَهَا رسول الله - ﷺ -: «أيْنَ فُلانُ؟» قالت: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لنَا المَاءَ. إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رسول الله - ﷺ - وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ للهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أكْرَمَ أضْيَافًا مِنِّي، فَانْطَلَقَ فَجَاءهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رسول الله - ﷺ -: «إيْاكَ وَالْحَلُوبَ» فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ العِذْقِ وَشَرِبُوا. فَلَمَّا أنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رسول الله - ﷺ - لأَبي بَكْر وَعُمَرَ ﵄: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أصَابَكُمْ هَذَا النَّعيمُ» . رواه مسلم.\nقولُهَا: «يَسْتَعْذِبُ» أيْ: يَطْلُبُ المَاءَ العَذْبَ، وَهُوَ الطَّيِّبُ. وَ«العِذْقُ» بكسر العين وإسكان الذال المعجمة: وَهُوَ الكِباسَةُ، وَهِيَ\nالغُصْنُ. وَ«المُدْيَةُ» بضم الميم وكسرها: هي السِّكِّينُ. وَ«الْحَلُوبُ»: ذاتُ اللَّبَن.\nوَالسُّؤالُ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ سُؤَالُ تَعْدِيد النِّعَم لا سُؤَالُ تَوْبيخٍ وتَعْذِيبٍ، والله أعلَمُ.\nوَهَذَا الأَنْصَارِيُّ الَّذِي أَتَوْهُ هُوَ، أَبُو الْهَيْثَم بْنُ","vol":"1","page":332},{"text":"التَّيِّهَانِ، كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا في رواية الترمذي وغيره.\n\nفي هذا الحديث: فوائد كثيرة منها: جواز الضيافة للمقيم إذا احتاج إليها، وجواز ترحيب المرأة بالضيفان، وإنزال الناس منازلهم، واستحباب ترك ذبح الحلوب إذا وجد غيرها، والنهي عن ذبحها نهي إرشاد لا كراهة فيه.\nوعن ابن عباس مرفوعًا: «إذا أصبتم مثل هذا، فضربتم بأيديكم فقولوا: بسم الله وببركة الله، وإذا شبعتم فقولوا: الحمد لله الذي أشبعنا، وأروانا، وأنعم علينا، وأفضل، فإن هذا كفاف هذا.\nقال ابن القيم: كل أحد يُسأل عن تنعمه الذي كان فيه، هل ناله من حل أو لا؟ وإذا خلص من ذلك يسأل هل قام بواجب الشكر فاستعان به على الطاعة أو لا؟\n\n[٤٩٨] وعن خالد بن عُمَيْر العَدَوِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ، وَكَانَ أمِيرًا عَلَى البَصْرَةِ، فَحَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ\nالإنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أنَّ الحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا، لا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَاللهِ لَتُمْلأَنَّ أَفَعَجِبْتُمْ؟! وَلَقدْ ذُكِرَ لَنَا أنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسيرَةُ أرْبَعِينَ عَامًا، وَليَأتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ رَأيْتُنِي سَابعَ سَبْعَةٍ مَعَ رسول الله - ﷺ -، مَا لَنَا طَعَامٌ إلا وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَتْ","vol":"1","page":333},{"text":"أشْدَاقُنَا، فَالتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا أصْبَحَ اليَوْمَ مِنَّا أحَدٌ إلا أَصْبَحَ أمِيرًا عَلَى مِصرٍ مِنَ الأَمْصَارِ، وَإنِّي أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا، وَعِنْدَ اللهِ صَغِيرًا.\nرواه مسلم.\nقَوْله: «آذَنَتْ» هُوَ بِمَدّ الألف وذال معْجمةٍ غير مشدَّدة، أيْ: أعْلَمَتْ. وَقَوْلُه: «بِصُرْم» هُوَ بضم الصاد، أيْ: بِانْقِطَاعِهَا وَفَنَائِهَا. ... وَقوله: «ووَلَّتْ حَذَّاءَ» هُوَ بحاءٍ مهملة مفتوحة، ثُمَّ ذال معجمة مشدّدة، ثُمَّ ألف ممدودة، أيْ: سريعة. وَ«الصُّبَابَةُ» بضم الصاد المهملة وهي: البَقِيَّةُ اليَسِيرَةُ. وَقَوْلُهُ: «يَتَصَابُّهَا» هُوَ بتشديد الباء قبل الهاء، أيْ: يجمعها. وَ«الْكَظِيظُ»: الكثير الممتلىءُ. وَقَوْلُه: «قَرِحَتْ» هُوَ بفتح القاف وكسر الراء، أيْ صار فِيهَا قُروح.\nفي هذا الحديث: فوائد كثيرة، من الترغيب والترهيب، والوعظ والتذكير، وعمق النار، وسعة الجنة وغير ذلك.\n\n[٤٩٩] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - قَالَ: أخْرَجَتْ لَنَا عَائِشَةُ ﵂ كِسَاءً وَإزارًا غَلِيظًا، قالَتْ: قُبِضَ رسول الله - ﷺ - في هَذَيْنِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: إعراضه - ﷺ - عن الدنيا، واكتفاؤه بما تيسر من اللباس.\nوفيه: تهييج للمتبعين سبيله على ذلك.\n\n[٥٠٠] وعن سعد بن أَبي وقاص - ﵁ - قَالَ: إنِّي لأَوَّلُ رجل من الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ الله، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رسول الله - ﷺ - مَا لَنَا طَعَامٌ إلا وَرَقُ الْحُبْلَةِ، وَهذَا السَّمُرُ، حَتَّى إنْ كَانَ أحَدُنَا","vol":"1","page":334},{"text":"لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خَلْطٌ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n«الحُبْلَة» بضم الحاء المهملة وإسكان الباءِ الموحدةِ: وَهِيَ وَالسَّمُرُ، نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنْ شَجَرِ الْبَادِيَةِ.\n\nقوله: «إلا ورق الحُبْلة وهذا السَّمُرُ» في رواية للبخاري: «إلا الحبلة وورق السمر»: وهذه الغزوة تسمى غزوة الخبط.\nوفيه: ما كان الصحابة عليه من الضيق في أول الإسلام امتحانًا ليظهر صدقهم، قال الله تعالى: ﴿آلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت (١: ٣)] .\nقال الشاعر:\nلولا اشتعال النار في جزل الفضاء ...؟؟ ... ما كان يعرف طيب نشر العود ...؟؟؟\n\n[٥٠١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمّدٍ قُوتًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nقَالَ أهْلُ اللُّغَةِ وَالغَرِيبِ: مَعْنَى «قُوتًا» أيْ: مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ.\n\nمعنى الحديث: طلب الكفاف، فإن القوت ما يقوت البدن، ويكف عن الحاجة، وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغنى والفقر.\n\n[٥٠٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: وَاللهِ الَّذِي لا إِلهَ إلا هُوَ، إنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَإنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطنِي مِنَ الْجُوعِ. وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَومًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ بِي النبي - ﷺ -، فَتَبَسَّمَ حِيْنَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي وَجْهِي وَمَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول الله، قَالَ:","vol":"1","page":335},{"text":"«الْحَقْ» وَمَضَى فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأذَنَ، فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ، فَوَجَدَ لَبَنًَا في قَدَحٍ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟» قَالُوا: أهْدَاهُ لَكَ فُلانٌ - أَو فُلانَةٌ - قَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قلتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول اللهِ، قَالَ: «الْحَقْ إِلَى أهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي» قَالَ: وَأهْلُ الصُّفَّة أضْيَافُ الإِسْلاَمِ، لا يَأوُونَ علَى أهْلٍ وَلا مَالٍ وَلا عَلَى أحَدٍ، وَكَانَ إِذَا أتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أتَتْهُ هَدِيَّةٌ أرْسَلَ إلَيْهِمْ، وَأصَابَ مِنْهَا، وأشْرَكَهُمْ فِيهَا. فَسَاءنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ في أهْلِ الصُّفَّةِ! كُنْتُ أحَقُّ\nأنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أتَقَوَّى بِهَا، فَإذَا جَاءُوا وَأمَرَنِي فَكُنْتُ أنَا أُعْطِيهِمْ؛ وَمَا عَسَى أنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ. وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رسوله - ﷺ - بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأقْبَلُوا وَاسْتَأذَنُوا، فَأَذِنَ ... لَهُمْ وَأخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، قَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول الله، قَالَ: «خُذْ فَأعْطِهِمْ» قَالَ: فَأخَذْتُ القَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُل فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ -، وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأخَذَ الْقَدَحَ فَوضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إليَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ» . قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول الله، قَالَ: «بَقيتُ أنَا وَأنْتَ» قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رسول الله، قَالَ: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ» فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ «اشْرَبْ» فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ» حَتَّى قُلْتُ: لا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أجِدُ لَهُ","vol":"1","page":336},{"text":"مَسْلكًا! قَالَ: «فَأرِنِي» فَأعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ الله، وَسَمَّى وَشَرِبَ الفَضْلَةَ. رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث من الفوائد: استحباب الشرب من قعود.\nوفيه: معجزة عظيمة من علامات النبوة.\nوفيه: جواز الشبع.\nوفيه: أنّ كتمان الحاجة والتلويح بها أولى من إظهارها.\nوفيه: كرم النبي - ﷺ - وإيثاره على نفسه، وأن ساقي القوم آخرهم شربًا.\nوفيه: استحباب الحمد على النعم والتسمية عند الشرب.\n[٥٠٣] وعن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُنِي وَإنِّي لأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رسولِ الله - ﷺ - إِلَى حُجْرَةِ عائِشَةَ ﵂ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، فَيَجِيءُ الجَائِي، فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي، وَيَرَى أنِّي مَجْنُونٌ وَمَا بِي مِنْ جُنُونٍ، مَا بِي إلا الْجُوعُ. رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: صبر الصحابة ﵃ على الفقر والجوع تتميمًا لهجرتهم إلى الله ورسوله.\nوفيه: ثباتهم على دينهم بخلاف من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه.\n[٥٠٤] وعن عائشة ﵂، قالت: تُوُفِّي رسول الله - ﷺ - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِي في ثَلاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِير. متفق عَلَيْهِ.\nقال العلماء: الحكمة في عدوله - ﷺ - عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود، إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذْ ذاك طعام فاضل عن حاجتهم، أو خشي أنهم لا يأخذون ثمنًا فلم يرد التضييق عليهم.","vol":"1","page":337},{"text":"وذكر ابن الطلاع: أن أبا بكر إِفْتَكَّ الدرع بعد النبي - ﷺ -.\n\n[٥٠٥] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: رَهَنَ النَّبيُّ - ﷺ - دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - بخُبْزِ شَعِيرٍ وَإهَالَة سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا أصْبَحَ لآلِ مُحَمّدٍ صَاعٌ وَلا أمْسَى» وَإنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أبيَات. رواه البخاري.\n«الإهالَةُ» بكسر الهمزة: الشَّحْمُ الذَّائِبُ. وَ«السَّنِخَةُ» بالنون والخاء المعجمة: وَهِيَ المُتَغَيِّرَةُ.\nفيه: إعراضه - ﷺ - عن المشتهيات، واجتزاؤه بما يسد الحاجة من القوت.\nوفيه: تسلية لذوي الفقر والحاجة من أمته.\nقوله: وإنهم لتسعة أبيات.\nقال الحافظ: ومناسبة ذكر أنس لهذا القدر مع ما قبله، الإشارة إلى سبب قوله - ﷺ - هذا، وأنه لم يقله متضجِّرًا، ولا شاكيًا، وإنما قاله معتذرًا عن إجابة دعوى اليهودي، ولرهنه درعه.\nوفي الحديث: جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم.\nواستنبط منه جواز معاملة مَنْ أكْثَرُ ماله حرام.\nوفيه: جواز بيع السلاح، ورهنه، وإجازته، وغير ذلك من الكافر ما لم يكن حربيًا.\nوفيه: ما كان عليه النبي - ﷺ - من التواضع، والزهد في الدنيا، والتقلل منها","vol":"1","page":338},{"text":"مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادخار، والصبر على ضيق العيش.\nوفيه: فضيلة لأزواجه وصبرهن معه على ذلك.\n\n[٥٠٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ ردَاءٌ، إمَّا إزَارٌ وَإمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا في أعْنَاقِهِم مِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْن، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رواه البخاري.\nفيه: فضيلة الصحابة ﵃، وصبرهم على الفقر، وضيق الحال، والاجتزاء من اللباس على ما يستر العورة، وقد أثابهم الله على ذلك فاستخلفهم في الأرض، ومكّن لهم دينهم وبدلهم من بعد فقرهم غنىً، ومن بعد خوفهم أمنًا مع ما أعد الله لهم في الآخرة من الثواب في الجنة.\n\n[٥٠٧] وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ فِرَاشُ رسول الله - ﷺ - مِنْ أُدْمٍ حَشْوُهُ مِنْ لِيفٌ. رواه البخاري.\n\nفيه: عدم مبالاته - ﷺ - بمستلذات الدنيا، كما قال: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي في الدنيا كراكب قَال في ظل دوحة، ثم راح، وتركها» .\n\n[٥٠٨] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رسول الله - ﷺ - إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أدْبَرَ الأَنْصَاريُّ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَا أخَا الأنْصَارِ، كَيْفَ أخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟»","vol":"1","page":339},{"text":"فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟» فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ، وَلا خِفَافٌ، وَلا قَلاَنِسُ، وَلا قُمُصٌ، نَمْشِي في تِلك السِّبَاخِ، حَتَّى جِئْنَاهُ، فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْله حَتَّى دَنَا رسول الله - ﷺ - وَأصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ. رواه مسلم.\n\nفيه: تواضعه - ﷺ - واستحباب السؤال عن المريض وعيادته.\nوفيه: دلالة على الاقتصار على قليل الملبوس.\nوفيه: إكرام الوفد، وإنزال الناس منازلهم.\n[٥٠٩] وعن عِمْرَان بنِ الحُصَيْنِ ﵄ عن النبي - ﷺ - أنّه قَالَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» قَالَ عِمْرَانُ: فَمَا أدْري قَالَ النبي - ﷺ - مَرَّتَيْنِ أَو ثَلاَثًا «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهمُ السَّمَنُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالقرن: أهل زمان واحد متقارب، وقرنه - ﷺ - هم أصحابه، ثم قرن التابعين، ثم أتباع التابعين، ثم فشت البدع، وامتحن أهل العلم، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وكثرة شهادة الزور، والخيانة، واتباع الشهوات، ولا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه.\n\n[٥١٠] وعن أَبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ أنْ تَبْذُلَ الفَضْلَ خَيرٌ لَكَ، وَأنْ تُمسِكَهُ شَرٌ لَكَ، ولا تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدأ بِمَنْ تَعُولُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nأي: بذلك الفضل خير لك في الدنيا والآخرة، وإمساكه شر لك لعدم أداء","vol":"1","page":340},{"text":"الحقوق، واشتغال القلب عن التوجه إلى الله، ولا تلام على إمساك ما يكفيك، ويسد حاجتك، وابدأ في الإنفاق بحق من تعول.\n\n[٥١١] وعن عُبيْدِ الله بنِ محْصن الأَنصَارِيِّ الخطميِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا في سربِهِ، مُعَافَىً في جَسَدِهِ،\nعِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .\n«سِربه»: بكسر السين المهملة: أي نَفْسه، وَقِيلَ: قَومه.\n\nيشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش (٣، ٤)]، فإذا كان المسلم آمنًا في محله، صحيحًا عنده من القوت ما يكفه عن سؤال الناس، فهو في نعمة عظيمة.\n\n[٥١٢] وعن عبد الله بن عَمْرو بنِ العاص ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «قَدْ أفْلَحَ مَنْ أسْلَمَ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ» . رواه مسلم.\n\nقال القرطبي: معنى الحديث أنّ من حصل له ذلك فقد حصل على مطلوبه، وظفر بمرغوبه في الدارين.\n\n[٥١٣] وعن أَبي محمدٍ فضَالَة بن عبيدٍ الأنصاريِّ - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إلى الإسْلاَمِ، وَكَانَ","vol":"1","page":341},{"text":"عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنِعَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nالكفاف: هو الكفاية من غير زيادة ولا نقص.\n[٥١٤] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَبيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا، وَأهْلُهُ لا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبزَ الشَّعيرِ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: صبره - ﷺ - على الجوع.\nوفيه: فضيلة لأزواجه بصبرهن على ذلك.\n\n[٥١٥] وعن فُضَالَةَ بن عبيدٍ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ، يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ في الصَّلاةِ مِنَ الخَصَاصَةِ - وَهُمْ أصْحَابُ الصُّفَّةِ - حَتَّى يَقُولَ الأعْرَابُ: هؤُلاء مَجَانِينٌ. فَإذَا صلَّى رسول الله - ﷺ - انْصَرَفَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، لأَحْبَبْتُمْ أنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .\n«الخَصَاصَةُ»: الفَاقَةُ وَالجُوعُ الشَّدِيدُ.\n\nفي هذا الحديث: الحث على الصبر على الفقر، وضيق العيش، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف (٩٠)] .\n\n[٥١٦] وعن أَبي كريمة المقدام بن معد يكرِبَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ ... رسولَ الله - ﷺ -، يقول: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاء شَرًّا مِنْ","vol":"1","page":342},{"text":"بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كانَ لا مَحالةَ فثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسه» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n«أكُلاَتٌ» أيْ: لُقَمٌ.\nقيل: إن كسرى سأل طبيبًا، ما الداء الذي لا دواء له؟ قال: إدخال الطعام على الطعام، وسأله عن الحمية، قال: الاقتصاد في كل شيء، فإذا أكل فوق المقدار ضيق على الروح.\n\n[٥١٧] وعن أَبي أُمَامَة إياسِ بن ثعلبةَ الأَنْصَارِيِّ الحارثي - ﵁ - قَالَ: ذَكَرَ أصْحَابُ رسول الله - ﷺ - يَومًا عِنْدَهُ الدُّنْيَا، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «ألا تَسْمَعُونَ؟ ألا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ، إنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» يَعْنِي: التَّقَحُّلَ. رواهُ أَبو داود.\n«البَذَاذَةُ» - بالباءِ الموحدةِ والذالين المعجمتين - وَهِيَ رَثَاثَةُ الهَيْئَةِ وَتَرْكُ فَاخِرِ اللِّبَاسِ. وَأَمَّا «التَّقَحُّلُ» فبالقافِ والحاء: قَالَ أهْلُ اللُّغَةِ: المُتَقَحِّلُ هُوَ الرَّجُلُ اليَابِسُ الجِلْدِ مِنْ خُشُونَةِ العَيْشِ وَتَرْكِ التَّرَفُّهِ.\n\nإنما كانت البذاذة من الإيمان لما تؤدي إليه من كسر النفس والتواضع، قال عيسى ﵇: جودة الثياب خيلاء القلب.\nوعوتب علي ﵁ في إزار مرقوع، فقال: يقتدي به المؤمن ويخشع له القلب.\nوهذا يدل على استحباب ذلك إذا لم يكن فيه رياء، ولا حيلة على الدنيا.\nوبالجملة فالمحبوب التوسط في كل شيء.","vol":"1","page":343},{"text":"وقال بعض العارفين - لما أنكر عليه جمال هيئته -: يا هذا، هيأتي هذه تقول الحمدُ لله، وهيأتكم هذه تقول: أعطوني من دنياكم.\n[٥١٨] وعن أَبي عبد الله جابر بن عبد الله ﵄، قَالَ: بَعَثَنَا رسول الله - ﷺ - وَأمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ - ﵁ - نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبو عُبيدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَقيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبي، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصيِّنَا الخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالماءِ فَنَأكُلُهُ. قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، فَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُول الله - ﷺ -، وفي سبيل الله وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا، فَأقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَنَحْنُ ثَلاَثُمِئَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، وَلَقَدْ رَأيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِن وَقْبِ عَيْنِهِ بِالقِلاَلِ الدُّهْنَ وَنَقْطَعُ مِنْهُ الفِدَرَ كالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبو عُبَيْدَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأقْعَدَهُمْ في وَقْبِ عَيْنِهِ وَأخَذَ ضِلْعًا مِنْ أضْلاَعِهِ فَأقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتهَا وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ أَتَيْنَا رسول الله - ﷺ - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقٌ أخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟» فَأرْسَلْنَا إِلَى رسول الله - ﷺ - مِنْهُ فَأكَلَهُ. رواه مسلم.\n«الجِرَابُ»: وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ بِكَسرِ الجيم وفتحها والكسر أفْصَحُ. قَوْلُهُ: «نَمَصُّهَا» هو بفتح الميم، وَ«الخَبَطُ»: وَرَقُ شَجَرٍ مَعْرُوفٍ تَأكُلُهُ الإبِلُ. وَ«الكَثِيبُ»: التَّلُّ مِنَ الرَّمْلِ، وَ«الوَقْبُ»: بفتح","vol":"1","page":344},{"text":"الواو وَإسكان القافِ وبعدها بَاءٌ موحدةٌ وَهُوَ نُقْرَةُ العَيْنِ. وَ«\nالقِلاَلُ»: الجِرار. وَ«الفِدَرُ» بكسرِ الفاءِ وفتح الدال: القِطَعُ. «رَحَلَ البَعِيرَ» بتخفيف الحاءِ: أيْ جَعَلَ عَلَيْهِ الرَّحْلِ. «الوَشَائِقُ» بالشينِ المعجمةِ والقاف: اللَّحْمُ الَّذِي اقْتُطِعَ لِيُقَدَّدَ مِنْهُ، والله أعلم.\n\nفي هذا الحديث: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، والصبر على الجوع، وخشونة العيش.\nوفيه: كرامة له - ﷺ - حيث كفى الواحد منهم نهاره ثمرة واحدة.\nوفيه: حِل ميتة حوت البحر.\n\n[٥١٩] وعن أسماء بنتِ يزيد ﵂، قالت: كَانَ كُمُّ قَمِيصِ رسول الله - ﷺ - إِلَى الرُّصْغِ. رواه أَبو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n«الرُّصْغُ» بالصاد وَالرُّسْغُ بالسينِ أيضًا: هُوَ المَفْصِلُ بَيْنَ الكفِّ والسَّاعِدِ.\n\nقيل: حكمة الاقتصار على الرصغ، أنه متى جاوز اليد شق على لابسه، ومتى قصر عنه تأذي الساعد ببروزه للحر والبرد، وخير الأمور أوساطها.\n\n[٥٢٠] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: إنَّا كُنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا إِلَى النبي - ﷺ -، فقالوا: هذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ في الخَنْدَقِ. فَقَالَ: «أنَا نَازِلٌ» ثُمَّ قَامَ، وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاَثَة أيّامٍ لا نَذُوقُ ذَوَاقًا فَأخَذَ النبي - ﷺ - المِعْوَلَ، فَضَرَبَ فَعَادَ كَثيبًا أهْيَلَ أَو أهْيَمَ، فقلت: يَا رسول الله، ائْذَنْ لي إِلَى البَيْتِ، فقلتُ لامْرَأتِي: رَأيْتُ","vol":"1","page":345},{"text":"بالنَّبيِّ\n- ﷺ - شَيئًا مَا في ذَلِكَ صَبْرٌ فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقالت: عِنْدي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ، فَذَبَحْتُ العَنَاقَ وَطَحَنْتُ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ في البُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النبي - ﷺ -، وَالعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ، وَالبُرْمَةُ بَيْنَ الأثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ تَنْضِجُ، فقلتُ: طُعَيْمٌ لي، فَقُمْ أنْتَ يَا رسول اللهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ، قَالَ: «كَمْ هُوَ»؟ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: «كثيرٌ طَيِّبٌ قُل لَهَا لا تَنْزَع البُرْمَةَ، ... وَلا الخبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حتى آتِي» فَقَالَ: «قُومُوا»، فقام المُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا فقلتُ: وَيْحَكِ جَاءَ النبيُّ - ﷺ - وَالمُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ ومن مَعَهُمْ! قالت: هَلْ سَألَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «ادْخُلُوا وَلا تَضَاغَطُوا» فَجَعَلَ يَكْسرُ الخُبْزَ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَيُخَمِّرُ البُرْمَةَ وَالتَّنُّور إِذَا أخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزعُ، فَلَمْ يَزَلْ يِكْسِرُ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَ مِنْهُ، فَقَالَ: «كُلِي هَذَا وَأهِدي، فَإنَّ النَّاسَ أصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية قَالَ جابر: لَمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ رَأيْتُ بالنبيِّ - ﷺ - خَمَصًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأتِي، فقلت: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإنّي رَأيْتُ برسول الله - ﷺ - خَمَصًا شَديدًا، فَأخْرَجَتْ إلَيَّ جِرَابًا فِيه صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بَهِيمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنتِ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغي، وَقَطَعْتُهَا في بُرْمَتها، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رسول الله - ﷺ -، فقالت: لا تَفْضَحْنِي برسول الله - ﷺ - وَمَنْ مَعَهُ، فَجئتهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رسول الله، ذَبَحْنَا بهيمَة لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ رسول الله - ﷺ -، فَقَالَ: «يَا أهلَ الخَنْدَقِ: إنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُؤْرًا فَحَيَّهَلا بِكُمْ» فَقَالَ\nالنبي - ﷺ -:","vol":"1","page":346},{"text":"«لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلا تَخْبزنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أجِيءَ» فَجِئْتُ، وَجَاءَ النبي - ﷺ - يَقْدُمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأتِي، فقالَتْ: بِكَ وَبِكَ! فقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لي. فَأخْرَجَتْ عَجِينًا، فَبسَقَ فِيهِ وَبَاركَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنا فَبصَقَ فيها وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: «ادْعِي خَابزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلا تُنْزِلُوها» وَهُم ألْفٌ، فَأُقْسِمُ بِالله لأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطّ كَمَا هِيَ، وَإنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ.\nقَوْله: «عَرَضَتْ كُدْيَةٌ» بضم الكاف وإسكان الدال وبالياء المثناة تَحْتَ، وَهِيَ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ صُلْبَةٌ مِنَ الأرضِ لا يَعْمَلُ فِيهَا الفَأسُ، ... وَ«الكَثيبُ» أصْلُهُ تَلُّ الرَّمْل، وَالمُرَادُ هُنا: صَارَتْ تُرابًا نَاعِمًا، وَهُوَ مَعْنَى «أهْيَلَ» . وَ«الأَثَافِيُّ»: الأحجَارُ الَّتي يكُونُ عَلَيْهَا القِدْرُ، وَ«تَضَاغَطُوا»: تَزَاحَمُوا. وَ«المَجَاعَةُ»: الجُوعُ، وَهُوَ بفتح الميم. وَ«الخَمَصُ»: بفتح الخاء المعجمة والميم: الجُوعُ، وَ«انْكَفَأتُ»: انْقَلَبْتُ وَرَجَعْتُ. و«البُهَيْمَةُ» بضم الباء، تصغير بَهْمَة وَهيَ، العَنَاقُ، بفتح العين. وَ«الدَّاجِنُ»: هِيَ الَّتي ألِفَتِ البَيْتَ: وَ«السُّؤْرُ» الطَّعَامُ الَّذِي يُدْعَى النَّاسُ إِلَيْهِ؛ وَهُوَ بالفَارِسيَّة. وَ«حَيَّهَلا» أيْ تَعَالُوا. وَقَوْلُهَا «بك وَبكَ» أيْ خَاصَمَتْهُ وَسَبَّتْهُ، لأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أنَّ الَّذِي عِنْدَهَا لا يَكْفِيهمْ، فَاسْتَحْيَتْ وَخَفِيَ عَلَيْهَا مَا أكْرَمَ الله ﷾ بِهِ نَبِيَّهُ - ﷺ - مِنْ هذِهِ المُعْجِزَةِ الظَّاهِرَةِ وَالآية البَاهِرَةِ. «بَسَقَ» أيْ: بَصَقَ؛ وَيُقَالُ أيْضًا: بَزَقَ، ثَلاث لُغاتٍ. وَ«عَمَدَ» بفتح الميم، أيْ: قَصَدَ. وَ«اقْدَحي»\nأيْ: اغْرِفِي؛ وَالمِقْدَحَةُ: المِغْرَفَةُ. وَ«تَغِطُّ» أيْ: لِغَلَيَانِهَا صَوْتٌ، والله أعلم.\n\nفي هذا الحديث: معجزة النبي - ﷺ -، وفضيلة لأصحابه ﵃، حيث صبروا معه على الجوع والحرب، فأثابهم الله على ذلك بأن استخلفهم في","vol":"1","page":347},{"text":"الأرض، ومكّن لهم دينهم، وبدّلهم من بعد خوفهم أمنًا، مع ما أعد لهم من الثواب في الجنة.\n\n[٥٢١] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ أَبو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رسول الله - ﷺ - ضَعيفًا أعْرِفُ فيه الجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأخْرَجَتْ أقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أخَذَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أرْسَلَتْني إِلَى رسولِ الله - ﷺ -، فَذَهَبتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رسولَ الله - ﷺ -، جَالِسًا في المَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهمْ، فَقَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «أرْسَلَكَ أَبو طَلْحَةَ؟» فقلت: نَعَمْ، فَقَالَ: «ألِطَعَامٍ؟» فقلت: نَعَمْ، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «قُومُوا» فَانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رسول الله - ﷺ - بالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ؟ فَقَالَتْ: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. فَانْطَلَقَ أَبو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رسولَ الله - ﷺ -، فَأقْبَلَ رسول الله - ﷺ - مَعَهُ حَتَّى دَخَلا، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَأتَتْ بِذلِكَ الخُبْزِ، فَأمَرَ بِهِ رسول الله - ﷺ - فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أمُّ سُلَيْمٍ عُكّةً فَآدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ\nرسول الله - ﷺ - مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشْرَةٍ» فأذنَ لَهُمْ فَأكَلُوا حتى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشْرَةٍ» فأذِنَ لهم فَأكَلُوا حتى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشْرَةٍ» فأذِنَ لهم.\nحَتَّى أكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا أَو ثَمَانُونَ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية: فَمَا زَالَ يَدْخُلُ عَشرَة، وَيخرجُ عشرةٌ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ","vol":"1","page":348},{"text":"أحَدٌ إلا دَخَلَ، فَأكَلَ حَتَّى شَبعَ، ثُمَّ هَيَّأهَا فَإذَا هِيَ مِثْلُهَا حِيْنَ أكَلُوا مِنْهَا.\nوفي رواية: فَأَكَلُوا عَشرَةً عَشرةً، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أكَلَ النبيُّ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ وَأهْلُ البَيْتِ، وَتَرَكُوا سُؤْرًا.\nوفي رواية: ثُمَّ أفْضَلُوا مَا بَلَغُوا جيرانَهُمْ.\nوفي رواية عن أنس، قَالَ: جِئتُ رسولَ الله - ﷺ - يومًا، فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أصْحَابِه، وَقَدْ عَصَبَ بَطْنَهُ، بِعِصَابَةٍ، فقلتُ لِبَعْضِ أصْحَابِهِ: لِمَ عَصَبَ رسولُ الله - ﷺ - بَطْنَهُ؟ فقالوا: مِنَ الجوعِ، فَذَهَبْتُ إِلَى أَبي طَلْحَةَ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ بِنْت مِلْحَانَ، فقلتُ: يَا أبتَاهُ، قَدْ رَأيْتُ رسول الله - ﷺ - عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَألْتُ بَعْضَ أصْحَابِهِ، فقالوا: من الجُوعِ. فَدَخَلَ أَبو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّي، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيءٍ؟ قالت: نَعَمْ، عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ، فَإنْ جَاءنَا رسول الله - ﷺ - وَحْدَهُ أشْبَعْنَاهُ، وَإنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ ... وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.\nفي هذا الحديث: معجزة ظاهرة للنبي - ﷺ -.\nوفيه: فطنة أم سليم ورجحان عقلها.\nوفيه: استحباب أكل صاحب الطعام وأهله بعد فراغ الضيفان، وإطعام جيرانهم.\nوفيه: جواز تسمية زوج الأم أبًا.\nوفيه: ما كان عليه الصحابة من الاعتناء بأحوال رسول الله - ﷺ - مع ما هم فيه من ضيق العيش يومئذٍ.\nوفيه: اجتزاؤهم بالقوت، وترك ما زاد عليه من شهوة النفس وحظها ﵃.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>٥٧- باب القناعة والعَفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق</span>\nوذم السؤال من غير ضرورة\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾\n[هود (٦)] .\n\nأي: هو المتكفل بأرزاق المخلوقات في البر والبحر.\nقال مجاهد: ما جاءها من رزق فمن الله ﷿.\nوقال تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا﴾ [البقرة (٢٧٣)] .\nأي: الأَوْلى بالصدقات الفقراء المقيمون على طاعة الله، المتعففون عن السؤال.\nقال علي بن أبي طالب ﵁: استغن عمن شئت تكن نَظِيرَهُ، وأفضِل على من شئت تكن أميرَه، واحتج إلى من شئت تكن أسيره.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان (٦٧)] .\n\nأي: الإنفاق بين الإسراف والإقتار هو القوام الذي تقوم به معيشة الإنسان بحسب حاله، وخير الأمور أوساطها.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات (٥٦، ٥٧)] .\n\nأي: ما خلق الله الجن والإنس إلا لأجل عبادته وحده، لا شريك له، وليس محتاجًا إليهم كما يحتاج السادة إلى عبيدهم، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذَّبه أشد العذاب.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله تعالى:","vol":"1","page":350},{"text":"يَا ابن آدم، تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى، وأسدّ فقرك، وإلا تفعل، ملأتُ صدرك شغلًا، ولم أسد فقرك» . رواه أحمد.\nوفي بعض الكتب الإلهية: ابن آدم خلقتك لعبادتي، فلا تلعب، وتكفَّلت برزقك فلا تتعب، فاطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل خير، وإنْ فتّك فاتك كل خير، وأنا أحب إليك من كل شيء» .\nوَأَمَّا الأحاديث، فتقدم معظمها في البابينِ السابقينِ، ومما لَمْ يتقدم:\n\n[٥٢٢] عن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ الغِنَى عَن كَثرَةِ العَرَض، وَلكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«العَرَضُ» بفتح العين والراءِ: هُوَ المَالُ.\n\nأي: ليس حقيقة الغنى كثرة المال مع الحرص، وإنما الغني من استغنى بما آتاه الله، وقنع به، وإنما كان الممدوح غنى النفس، لأنها حينئذٍ تكفّ عن بث المطامع فتعز.\nوقال الشاعر:\nومن ينفق الساعاتِ في جمع ماله ...؟؟ ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر ...؟؟؟\n\nوقال بعض العارفين:\nرضينا بقسمة الجبار فينا ...؟؟ ... لنا علم وللجهل مالُ ...؟؟؟؟\nفإن المال يفنى عن قريب ...؟؟؟ ... وإن العلم كنز لا يزال ...؟؟\n\n[٥٢٣] وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ:","vol":"1","page":351},{"text":"«قَدْ أفْلَحَ مَنْ أسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وقَنَّعَهُ الله بِمَا آتَاهُ» . رواه مسلم.\n\nالكفاف: ما كف عن السؤال مع القناعة.\nوفي الحديث: شرف هذه الحال على الفقر المسهي، والغنى المطغي.\n[٥٢٤] وعن حكيم بن حزام - ﵁ - قَالَ: سألتُ رسول الله - ﷺ - فَأعْطَانِي، ثُمَّ سَألْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَألْتُهُ فَأعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيم، إنَّ هَذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أخَذَهُ بإشرافِ نَفسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَاليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى» . قَالَ حكيم: فقلتُ: يَا رسول الله، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا أرْزَأُ أحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - يَدْعُو حَكيمًا لِيُعْطِيَه العَطَاء، فَيَأبَى أنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ - ﵁ - دَعَاهُ لِيُعْطِيَه فَأَبَى أنْ يَقْبَلَهُ. فقالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكيمٍ أنّي أعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَهُ اللهُ لَهُ في هَذَا الفَيء فَيَأبَى أنْ يَأخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكيمٌ أحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النبي - ﷺ - حَتَّى تُوُفِّي. متفقٌ عَلَيْهِ.\n«يَرْزَأُ» بِراءٍ ثُمَّ زايٍ ثُمَّ همزة؛ أيْ: لَمْ يَأخُذْ مِنْ أحَدٍ شَيْئًا، وَأصْلُ الرُّزءِ: النُّقْصَان، أيْ: لَمْ يَنقُص أحَدًا شَيْئًا بالأخذِ مِنْهُ، وَ«إشْرَافُ النَّفْسِ»: تَطَلُّعُهَا وَطَمَعُهَا بالشَّيْء. وَ«سَخَاوَةُ النَّفْسِ»: هِيَ عَدَمُ الإشرَاف إِلَى الشَيء، وَالطَّمَع فِيهِ، وَالمُبَالاَةِ بِهِ وَالشَّرَهِ.\n\nقال الحافظ: إنما امتنع حكيم من أخذ العطاء، مع أنه حقه، لأنه خشي","vol":"1","page":352},{"text":"أن يقبل من أحد شيئًا، فيعتاد الأخذ فيتجاوز به إلى ما لا يريده ففطمها عن ذلك وترك ما لا يريبه خوفَ ما يريبه.\n[٥٢٥] وعن أَبي بردة عن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - في غَزاةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنقِبَت أقدَامُنَا وَنَقِبَت قَدَمِي، وسَقَطت أظْفَاري، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أرْجُلِنا الخِرَقَ، فَسُمِّيَت غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ عَلَى أرْجُلِنَا مِنَ الخِرَقِ، قَالَ أَبُو بُردَة: فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الحَدِيثِ، ثُمَّ كَرِه ذَلِكَ، وقال: مَا كُنْتُ أصْنَعُ بِأنْ أذْكُرَهُ! قَالَ: كأنَّهُ كَرِهَ أنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أفْشَاهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: ما كان فيه الصحابة ﵃ من الشدة والضيق، فصبروا حتى كانت العقبى الطيبة لهم في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا ... يُوقِنُونَ﴾ [السجدة (٢٤)] .\nوفيه: كراهية إفشاء العمل الصالح إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة.\n\n[٥٢٦] وعن عمرو بن تَغْلِبَ - بفتح التاء المثناة فوق وإسكان الغين المعجمة وكسر اللام - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - أُتِي بِمالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَّمَهُ، فَأعْطَى رِجَالًا، وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلغَهُ أنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ أثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أمَّا بعْدُ، فَواللهِ إنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَأدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أدَعُ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنِّي إنَّمَا أُعْطِي أقْوَامًا لِمَا أرَى في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالهَلَعِ، وَأكِلُ أقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ في قُلُوبِهم مِنَ\nالغِنَى وَالخَيْرِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ»","vol":"1","page":353},{"text":"قَالَ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ: فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أنَّ لِي بِكَلِمَةِ رسول الله - ﷺ - حُمْرَ النَّعَم. رواه البخاري.\n«الهَلَعُ»: هُوَ أشَدُّ الجَزَعِ، وقيل: الضَّجَرُ.\n\nفي هذا الحديث: ائتلاف من يخشى جزعه، أو يرجى بسبب إعطائه طاعة من يتبعه.\nوفيه: أن الرزق في الدنيا ليس على قدر درجة المرزوق في الآخرة.\nوفيه: أن الناس جُبلوا على حب العطاء، وبغض المنع، والإسراع إلى إنكار ذلك قبل الفكرة في عاقبته، إلا من شاء الله.\nوفيه: أن المنع قد يكون خيرًا للمنوع، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة (٢١٦)] .\nوفيه: الاعتذار إلى من ظن ظنَّا والأمر بخلافه.\n\n[٥٢٧] وعن حكيم بن حزام - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ الله، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغنهِ الله» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم أخصر.\n\nاليد العليا: المنفقة؛ والسفلى: السائلة، ومعنى: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، أي: أفضلها ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال، ومن يستعفف عن سؤال الناس «يعفه الله»، أي: يرزقه العفة، ومن يستغن ولا يسأل الناس يغنه الله.\n[٥٢٨] وعن أَبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر","vol":"1","page":354},{"text":"بن حرب - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا تُلْحِفُوا في الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللهِ لا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأنَا لَهُ كَارهٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أعْطَيْتُهُ» . رواه مسلم.\n\nفيه: النهي عن الإلحاح في السؤال، وأنه لا يبارك له فيما أُعطي، وقد قال الله تعالى مادحًا أقوامًا لتعففهم: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة (٢٧٣)] .\n\n[٥٢٩] وعن أَبي عبدِ الرحمن عوف بن مالِك الأَشْجَعِيِّ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رسول الله - ﷺ - تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «ألا تُبَايِعُونَ رسولَ الله - ﷺ -» وَكُنَّا حَديثِي عَهْدٍ ببَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رسولَ اللهِ، ثمَّ قالَ: «ألا تُبَايِعُونَ رسولَ اللهِ» فَبَسَطْنا أيْدينا، وقلنا: قدْ بايعناكَ يا رسول الله فَعَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «عَلَى أنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَتُطِيعُوا الله» وأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيفَةً «وَلا تَسْألُوا النَّاسَ شَيْئًا» . فَلَقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ أُولئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوطُ أحَدِهِمْ فَمَا يَسأَلُ أحَدًا يُنَاوِلُهُ إيّاهُ. رواه مسلم.\n\nفيه: الحث على مكارم الأخلاق، والترفع عن تحمل منن الخلق، وتعظيم الصبر على مضض الحاجات، والاستغناء عن الناس، وعزّة النفس.\nوفيه: التمسك بالعموم لأنهم نهوا عن سؤال الناس أموالهم، فحملوه على عمومه.\nوفيه: التنزه عن جميع ما يسمى سؤالًا وإنْ كان حقيرًا.\n\n[٥٣٠] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: «لا","vol":"1","page":355},{"text":"تَزَالُ الْمَسْأَلةُ بأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«المُزْعَةُ» بضم الميم وإسكان الزايِ وبالعينِ المهملة: القِطْعَةُ.\n\nفيه: النهي عن السؤال من غير ضرورة، وأنه يحشر يوم القيامة ووجهه عظم لا لحم عليه.\n\n[٥٣١] وعنه أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَاليَدُ العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال الحافظ: وللطبراني بإسناد صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعًا: «يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي» .\n\n[٥٣٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ سَألَ النَّاسَ تَكَثُّرًا فإنَّمَا يَسْألُ جَمْرًا؛ فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» . رواه مسلم.\n\nفيه: تحريم السؤال من غير حاجة ظاهرة، وأنه كلما كثر سؤاله كثر عذابه.\n[٥٣٣] وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ المَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إلا أنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطانًا أَوْ في أمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .","vol":"1","page":356},{"text":"«الكد»: الْخَدْشُ وَنَحْوُهُ.\n\nفيه: قبح السؤال، ورخص في سؤال السلطان، لأن للسائل في بيت المال حق وكذلك السؤال للضرورة.\n\n[٥٣٤] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأنْزَلَهَا بالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أنْزَلَهَا باللهِ، فَيُوشِكُ اللهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح غريب) .\n«يُوشِكُ» بكسر الشين: أيْ يُسْرعُ.\n\nقال وَهْبُ بْن مُنَبِّهٍ لرجل يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يغلق عنك بابه، وتدع من يفتح لك بابه.\n\n[٥٣٥] وعن ثوبان - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ تَكَفَّلَ لِي أنْ لا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، وَأتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟» فقلتُ: أنَا، فَكَانَ لا يَسْأَلُ أحَدًا شَيْئًا. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\n[٥٣٦] وعن أَبي بِشْرٍ قَبيصَةَ بنِ المُخَارِقِ - ﵁ - قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأتَيْتُ رسولَ الله - ﷺ - أسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أقِمْ حَتَّى تَأتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأمُرَ لَكَ\nبِهَا» ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبيصةُ، إنَّ المَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلا لأَحَدِ ثلاثَةٍ: رَجُلٌ تحمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَها، ثُمَّ يُمْسِكُ،","vol":"1","page":357},{"text":"وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قوامًا مِنْ عَيش - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُولَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَى مِنْ قَوْمِه: لَقَدْ أصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ. فَحلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يصيب قوامًا من عيش، أَوْ قَالَ: سدادًا من عيشِ، فما سِوَاهُنَّ مِنَ المسألَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ، يَأكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» . رواه مسلم.\n«الحَمَالَةُ» بفتح الحاءِ: أنْ يَقَعَ قِتَالٌ وَنَحْوُهُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ، فَيُصْلِحُ إنْسَانٌ بَيْنَهُمْ عَلَى مَالٍ يَتَحَمَّلُهُ وَيَلْتَزِمُهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَ«الجَائحةُ» الآفَةُ تُصيبُ مَالَ الإنْسَانِ. وَ«القَوَامُ» بكسر القاف وفتحهَا: هُوَ مَا يَقُومُ بِهِ أمْرُ الإنسَان مِنْ مَال ونحوِهِ. وَ«السِّدَادُ» بكسر السين: مَا يَسُدُّ حَاجَةَ الْمَعْوِزِ وَيَكْفِيهِ، وَ«الفَاقَةُ»: الفَقْرُ. وَ«الحِجَى»: العَقْلُ.\n\nفي هذا الحديث: تحريم السؤال إلا في غُرْم، أو جائحة، أو فاقة.\n\n[٥٣٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ المسكينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلكِنَّ المِسكينَ الَّذِي لا يَجِدُ غِنىً يُغْنِيهِ، وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْألَ النَّاسَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nأي: ليس المسكين الكامل المسكنة الممدوح هذا الطوَّاف، ولك المسكين المتعفف الذي لا يجد غني يغنيه عن المسألة، ولا يُفطن له، لكتم\nحاله، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس، ولا يستطيع ضربًا في الأرض، ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ .","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>٥٨- باب جواز الأخذ من غير مسألة وَلا تطلع إليه</span>\n\n[٥٣٨] عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر عن عمر - ﵃ - قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يُعْطيني العَطَاءَ، فَأقُولُ: أعطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إِلَيْهِ مِنّي. فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءكَ مِنْ هَذَا المَال شَيْءٌ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإنْ شِئْتَ كُلْهُ، وَإنْ شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا لا، فَلا تُتبعهُ نَفْسَكَ» قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبدُ الله لا يَسألُ أحَدًا شَيْئًا، وَلا يَرُدُّ شَيْئًا ... أُعْطِيَه. متفقٌ عَلَيْهِ.\n(مُشرف): بالشين المعجمة: أيْ متطلع إِلَيْهِ.\n\nقال البخاري: باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة، ولا إشراف نفس ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات (١٩)] .\nوذكر الحديث: قال الحافظ: وفي الحديث أنَّ للإمام أنْ يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهًا وإن كان غيره أحوج إليه منه، وإن ردَّ عطية الإمام ليس من الأدب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٥٩- باب الحث عَلَى الأكل من عمل يده</span>\nوالتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله﴾ [الجمعة (١٠)] .\n\nهذا أمر إباحة بعد النهي عن البيع، وكان عراك بن مالك إذا صلَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللَّهُمَّ إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين.","vol":"1","page":359},{"text":"[٥٣٩] وعن أَبي عبد الله الزبير بن العَوَّام - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لأَنْ يَأخُذَ أحَدُكُمْ أحبُلَهُ ثُمَّ يَأتِيَ الجَبَلَ، فَيَأْتِيَ بحُزمَةٍ مِنْ حَطَب عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيكُفّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ النَّاسَ، أعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» . رواه البخاري.\n\n[٥٤٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ أحدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: الحضُّ على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشاق، لما يدخل على السائل من ذل السؤال، وعلى المسؤول من الحرج.\n\n[٥٤١] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «كَانَ دَاوُدُ - ﵇ - لا يَأكُلُ إلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» . رواه البخاري.\nكان داود ﵇ ملكًا نبيًّا، وكان ينسج الدروع ويبيعها، ولا يأكل إلا من ثمنها.\n\n[٥٤٢] وعنه أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «كَانَ زَكرِيّا - ﵇ - نَجَّارًا» . رواه مسلم.\n\nفيه: جواز الصنائع، وأن النجارة صناعة فاضلة وأنها لا تسقط المروءة.\n\n[٥٤٣] وعن المقدام بنِ مَعْدِ يكرِبَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ -","vol":"1","page":360},{"text":"قَالَ: «مَا أكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أنْ يَأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِه، وَإنَّ نَبيَّ الله دَاوُدَ - ﵇ - كَانَ يَأكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» . رواه البخاري.\n\nالاكتساب لا ينافي التوكل، فقد كان للجنيد دكان في البزازين، وكان يرخي ستره عليه، فيصلي ما بين الظهر والعصر، وكان إبراهيم بن أدهم يكثر الكسب وينفق منه ضرورته، ويتصدق بباقيه، وكان أحب طرقه إليه حفظ البساتين وخدمتها، لأنه تتم له فيها الخلوة.\nوفي الحديث الآخر: أن النبي - ﷺ - سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: «عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٦٠- باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقةً بالله تعالى</span>\n\nالكرم: الإنفاق بطيب نفس، والجود: الإنفاق فيما يعظم خطره ونفعه.\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ (٣٩)] .\nأي: ما أنفقتم في رضا الله ﷿ فهز يخلفه في الدنيا بالمال، أو بالقناعة، وفي الآخرة بالجزاء المضاعف، قال الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة (٢٤٥)] .\nوقال تَعَالَى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة (٢٧٢)] .\n\nأي: ما تنفقوا من خير فثوابه لأنفسكم، فلا تمنُّوا به، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله.","vol":"1","page":361},{"text":"قال عطاء: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله.\n﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ثوابه. ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أي: لا تنقصون.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة (٢٧٣)] .\n\nأي: فيجازيكم بقدره.\n\n[٥٤٤] وعن ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nومعناه: يَنْبَغي أنْ لا يُغبَطَ أحَدٌ إلا عَلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ.\nالحكمة: العلم. وضابطها ما منع الجهل، وزجر عن القبيح، والعلم النافع هو القرآن والسنَّة.\n\n[٥٤٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «أيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أحبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» قالوا: يَا رسول اللهِ، مَا مِنَّا أحَدٌ إلا مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: ... «فإنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أخَّرَ» . رواه البخاري.\n\nفيه: التحريض على ما يمكن تقديمه من المال في وجوه البر لينتفع به في الآخرة.\n\n[٥٤٦] وعن عَدِيِّ بن حَاتِمٍ أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: أن الصدقة تقي من النار، ولو كانت قليلة، وفي الحديث الآخر: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار» .","vol":"1","page":362},{"text":"[٥٤٧] وعن جابرٍ - ﵁ - قَالَ: مَا سُئِلَ رسول الله - ﷺ - شَيْئًا قَطُّ، فقالَ: لا. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nكان - ﷺ - لا ينطق بالرد فإن كان عنده المسؤول، وساغ الإعطاء أعطى وإلا وعد كما قال تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء (٢٨)] .\n[٥٤٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبحُ العِبَادُ فِيهِ إلا مَلَكَانِ يَنْزلانِ، فَيَقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: الحض على الإنفاق ورجاء قبول دعوة الملك.\n\n[٥٤٩] وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ - قَالَ: «قَالَ الله تَعَالَى: أنفِق يَا ابْنَ آدَمَ يُنْفَقْ عَلَيْكَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالإنفاق الممدوح: ما كان في الطاعات، وعلى العيال والضيفان.\n\n[٥٥٠] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رَجُلًا سَألَ رسول الله - ﷺ -: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالمراد: الإطعام على وجه الصدقة، والهدية، والضيافة، ونحو ذلك.\nوقوله: «وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» . المراد به: إفشاء السلام على من لقيت.\nوفيه: حض على ائتلاف القلوب واستجلاب مودتها.","vol":"1","page":363},{"text":"[٥٥١] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أرْبَعُونَ خَصْلَةً: أعْلاهَا مَنِيحةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بخَصْلَةٍ مِنْهَا؛ رَجَاءَ ثَوَابهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلا أدْخَلَهُ الله تَعَالَى بِهَا الجَنَّةَ» . رواه البخاري. وقد سبق بيان هَذَا الحديث في باب بَيَانِ كَثْرَةِ طُرُقِ الخَيْرِ.\nفي هذا الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على فعل الخير ولو كان قليلًا، كما قال النبي - ﷺ -: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» .\nقال ابن بطال: ومعلوم أنه - ﷺ - كان عالمًا بالأربعين، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك خشية أنْ يكون التعيين لها مزهدًا في غيرها من أبواب البر.\n\n[٥٥٢] وعن أَبي أُمَامَة صُدّيِّ بن عَجْلانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ أن تَبْذُلَ الفَضلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأن تُمْسِكَه شَرٌّ لَكَ، وَلا تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» . رواه مسلم.\n\nالفضل: ما زاد على ما تدعو إليه حاجة الإنسان لنفسه ولمن يمونه من زوجة، وعبد، ودابة، وقريب؛ فلا يلام على إمساك ما يكف به الحاجة لذلك.\n\n[٥٥٣] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: مَا سُئِلَ رسول الله - ﷺ - عَلَى الإسْلاَمِ شَيْئًا إلا أعْطَاهُ، وَلَقَدْ جَاءهُ رَجُلٌ، فَأعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ","vol":"1","page":364},{"text":"جَبَلَيْنِ، فَرجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أسْلِمُوا فإِنَّ مُحَمَّدًا يُعطِي عَطَاءَ مَن لا يَخْشَى الفَقْر، وَإنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُريدُ إلا الدُّنْيَا، فَمَا يَلْبَثُ إلا يَسِيرًا حَتَّى يَكُونَ الإسْلاَمُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم ترغيبًا في الإسلام.\nوفيه: كمال معرفته - ﷺ - بدواء كل داء.\n\n[٥٥٤] وعن عمر - ﵁ - قَالَ: قسم رسول الله - ﷺ - قَسْمًا، فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، لَغَيْرُ هؤلاَءِ كَانُوا أحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ: «إنَّهُمْ خَيرُونِي أنْ يَسألُوني بالفُحْشِ، أَوْ يُبَخِّلُونِي، وَلَسْتُ بِبَاخِلٍ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: ما كان عليه - ﷺ - من عظيم الخلق، والصبر، والحلم، والإعراض عن الجاهلين.\n\n[٥٥٥] وعن جبير بن مطعم - ﵁ - قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْن، فَعَلِقَهُ الأعْرَابُ يَسْألُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَة، فَخَطِفَت رِدَاءهُ، فَوَقَفَ النَّبيُّ - ﷺ -، فقال: «أعْطُوني رِدَائي، فَلَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هذِهِ العِضَاهِ نَعَمًا، لَقَسَمْتُهُ بَينَكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلا كَذّابًا وَلا جَبَانًا» . رواه البخاري.\n«مَقْفَلَهُ» أيْ: حَال رُجُوعِه. وَ«السَّمُرَةُ»: شَجَرَةٌ. وَ«العِضَاهُ»: شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ.\n\nفي هذا الحديث: ذم البخل، والكذب، والجبن.\nوفيه: ما كان عليه - ﷺ - من الحلم وحسن الخلق، والصبر على جفاة","vol":"1","page":365},{"text":"الأعراب، وجواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة.\n[٥٥٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلا عِزًّا، وَمَا تَواضَعَ أحَدٌ لله إلا رَفَعَهُ اللهُ - ﷿ -» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: أن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده، لما تدفعه عنه الصدقة من الآفات، وتنزل بسبها البركات.\nوفيه: أن من عُرِف بالعفو والصفح ساد وعظم في قلوب الناس، وأن من تواضع رفعه الله في الدنيا والآخرة.\n\n[٥٥٧] وعن أَبي كبشة عمرو بن سعد الأنماري - ﵁ - أنّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «ثَلاَثَةٌ أُقْسمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إلا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسألَةٍ إلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقرٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - وَأُحَدِّثُكُمْ حَديثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: «إنَّمَا الدُّنْيَا لأرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًَّا، فَهذا بأفضَلِ المَنَازِلِ.","vol":"1","page":366},{"text":"وَعَبْدٍ رَزَقهُ اللهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي مَالًا لَعَمِلتُ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بنيَّتِهِ، فأجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ الله مَالًا، وَلَمَ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخبطُ في مَالِهِ بغَيرِ عِلْمٍ، لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا، فَهذَا بأَخْبَثِ المَنَازِلِ. وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا وَلا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي\nمَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقوله: «ما نقص مال عبد من صدقة» . يشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ (٣٩)] .\nقوله: «ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا»، يشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى (٤٣)] .\nقوله: «ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر» وهذا مشاهد بالحس ويشهد له قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر (١٥)] .\nقوله: «إنما الدنيا لأربعة ...» إلخ فالأول عَلِمَ وعَمِلَ صالحًا. والثاني: عَلِمَ وعزم على العمل الصالح لو قدر، فأجرهما سواء والثالث: لم يعْلَمْ ولم يعمَلْ في ماله صالحًا. والرابع: لم يعلَمْ وعزم على العمل السيِّئ، لو قدر على مال فوزهما سواء.\nوقال بعض العارفين:\nأربعة تعجبت من شأنهم ...؟؟ ... فالعينُ في فكرتهم ساهرة ...؟؟؟\nفواحد دنياه مبسوطة ...؟؟ ... قد أوتي الدنيا مع الآخرة ...؟؟\nوآخر دنياه مقبوضة ...؟؟؟؟ ... وبعدها آخرة وافرة ...؟؟؟؟؟\nوثالث دنياه مبسوطة ...؟؟ ... ليست له من بعده آخرة ...؟؟؟\nورابع أسقط من بينهم ...؟؟ ... ليست له دنيا ولا آخرة ...؟؟؟\n\nقال الله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء (٢١)] .\n\n[٥٥٨] وعن عائشة ﵂: أنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قالت: مَا بَقِيَ مِنْهَا إلا كَتِفُها. قَالَ: «بَقِيَ","vol":"1","page":367},{"text":"كُلُّهَا غَيْرُ كَتِفِهَا» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .\nومعناه: تَصَدَّقُوا بِهَا إلا كَتِفَها. فَقَالَ: بَقِيَتْ لَنَا في الآخِرَةِ إلا كَتِفَهَا.\n\nفيه: تحريض على الصدقة والاهتمام بها، وألا يكثر المرء ما أنفقه فيها.\n\n[٥٥٩] وعن أسماء بنت أَبي بكرٍ الصديق ﵄، قالت: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «لا تُوكِي فَيُوكي الله عَلَيْكِ» .\nوفي رواية: «أنفقي أَوِ انْفَحِي، أَوْ انْضَحِي، وَلا تُحصي فَيُحْصِي اللهُ عَلَيْكِ، وَلا تُوعي فَيُوعي اللهُ عَلَيْكِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوَ«انْفَحِي» بالحاء المهملة، وَهُوَ بمعنى «أنفقي» وكذلك «انْضحي» .\n\nفي هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل، وأن من منع ما عنده من المال قطع الله عنه مادة الرزق، وهذا مفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ (٣٩)] .\nوفيه: الحث على الإنفاق في وجوهه ثقة بالله تعالى.\n[٥٦٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يَقولُ: «مَثَل البَخيل وَالمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَديد مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلا يُنْفِقُ إلا سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُو أثرَهُ، وأمَّا البَخِيلُ، فَلا يُريدُ أنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إلا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوسِّعُهَا فَلا تَتَّسِعُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":368},{"text":"وَ«الجُبَّةُ»: الدِّرْعُ؛ وَمَعنَاهُ أنَّ المُنْفِقَ كُلَّمَا أنْفَقَ سَبَغَتْ، وَطَالَتْ حَتَّى تَجُرَّ وَرَاءهُ، وَتُخْفِيَ رِجْلَيْهِ وَأثَرَ مَشْيِهِ وَخطُوَاتِهِ.\n\nالقبض والشح من جبلة الإنسان قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الإنسَانُ ... قَتُورًا﴾ [الإسراء (١٠٠)]، والنفقة تستوعب عيوبه.\nوفي الحديث: وعدٌ للمنفق بالبركة والصيانة من البلاء والبخيل بضد ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ... [الحشر (٩)] .\n\n[٥٦١] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ تَصَدَّقَ بعَدلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ إلا الطَّيبَ، فَإنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«الفَلُوُّ» بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، ويقال أيضًا: بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو: وَهُوَ المُهْرُ.\n\nفيه: أن الله لا يقبل الصدقة إلا من الكسب الطيب، وهو الحلال. وفي رواية: «ولا يصعد إلى الله إلا الطيب.\nقوله: «بيمينه» . قال الترمذي: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهًا ولا نقول كيف، هكذا رُوي عن مالك، وابن عيينة، وابن المبارك، وغيرهم.\n\n[٥٦٢] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحَابَةٍ، اسقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأفْرَغَ مَاءهُ في حَرَّةٍ، فإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَت","vol":"1","page":369},{"text":"ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فإذَا رَجُلٌ قَائمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمسحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، ما اسمُكَ؟ قال: فُلانٌ للاسم الذي سَمِعَ في السَّحابةِ، فقال له: يا عبدَ الله، لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوتًْا في السَّحابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ لاسمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا، فَقَالَ: أمَا إذ قلتَ هَذَا، فَإنِّي أنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأردُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» . رواه مسلم.\n«الحَرَّةُ» الأَرْضُ المُلَبَّسَةُ حجَارَةً سَوْدَاءَ. وَ«الشَّرْجَةُ» بفتح الشين المعجمة وإسكان الراءِ وبالجيم: هي مَسِيلُ الماءِ.\n\nفي هذا الحديث: أن الصدقة تنتج البركة والمعونة من الله.\nوفي الحديث الآخر: «ما نقصت صدقة من مال بل تزيده، بل تزيده» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٦١- باب النهي عن البخل والشح</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَمَا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل (٨: ١١)] .\nالبخل: معروف، والشح أبلغ من البخل؛ لأنه يبخل بما عنده، ويطلب ما ليس له. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَا مَنْ بَخِلَ﴾، أي: بالإنفاق في الخيرات، ﴿وَاسْتَغْنَى﴾، أي: بالدنيا عن الآخرة، ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى﴾، أي: بالجزاء في الدار الآخرة، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ نهيئه ﴿لِلْعُسْرَى﴾ لطريق الشر، وهي الأعمال السيِّئة الموجبة للنار، ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾ الذي يبخل به ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ إذا مات، وهو في جهنم.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن (١٦)] .","vol":"1","page":370},{"text":"أي: ومن سلم من الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم، ﴿فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، أي: الفائزون.\nقال ابن زيد وغيره: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برئ من شح النفس.\nوقال ابن مسعود: شح النفس: أكل مال الناس بالباطل. أما منع الإنسان ماله فبخل، وهو قبيح.\nقال ابن عطية: شح النفس فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده.\nوأما الأحاديث فتقدمت جملة مِنْهَا في الباب السابق.\n\n[٥٦٣] وعن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ\nقَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» . رواه مسلم.\n\nأي: استحلوا ما حرم الله عليهم حرصًا على المال، كما احتالوا على ما حرم الله عيهم من الشحوم، فأذابوها فباعوها واحتالوا لصيد السمك فحبلوا له يوم الجمعة وأخذوه يوم الأحد، وغير ذلك مما استحلوا به محارمهم وسفكوا به دماءهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٦٢- باب الإيثار والمواساة</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾\n[الحشر (٩)] .\n\nيعني: فاقة وحاجة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ... [الدهر (٨)] . إلى آخر الآيات","vol":"1","page":371},{"text":"يعني: ويطعمون الطعام وهم يحبونه، ويشتهونه، مسكينًا، ويتيمًا، وأسيرًا، وإن كان كافرًا، لوجه الله تعالى لا لحظ النفس، وخوفًا من عذاب يوم القيامة، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم، ولقاهم نضرة في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم، وجزاهم بما صبروا على ترك الشهوات، وأداء الواجبات جنةً وحريرًا.\n[٥٦٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: إنِّي مَجْهُودٌ، فَأرسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقالت: وَالَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ، ثُمَّ أرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثلَ ذَلِكَ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ. فَقَالَ النبي - ﷺ -: «مَنْ يُضيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا يَا رسولَ الله، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: أكرِمِي ضَيْفَ رسول الله - ﷺ -.\nوفي روايةٍ قَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقَالَتْ: لا، إلا قُوتَ صِبيَانِي. قَالَ: فَعَلِّليهم بِشَيْءٍ وَإذَا أرَادُوا العَشَاءَ فَنَوِّمِيهمْ، وَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأطْفِئي السِّرَاجَ، وَأريهِ أنَّا نَأكُلُ. فَقَعَدُوا وَأكَلَ الضَّيْفُ وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «لَقَدْ عَجبَ الله مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nهذا الحديث: أخرجه البخاري في التفسير، وفي فضائل الأنصار.\nوفيه: استحباب الإيثار على النفس ولو كان محتاجًا، وكذلك على العيال إذا لم يضرهم.\n\n[٥٦٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاَثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاَثَةِ كَافِي الأربَعَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":372},{"text":"وفي رواية لمسلمٍ عن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَة يَكْفِي الثَّمَانِية» .\nالمراد بذلك: الحض على المكارم، والتقنع بالكفاية، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، وإدخال رابع أيضًا بحسب من يحضر.\nوعند الطبراني: «كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين» . الحديث. فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ من بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما زاد زادت البركة.\nوفيه: إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة.\nوفيه: أنه ينبغي للمرء أن لا يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء.\n\n[٥٦٦] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصرِفُ بَصَرَهُ يَمينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ» . فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المالِ مَا ذكر حَتَّى رَأيْنَا أنَّهُ لا حَقَّ لأحَدٍ مِنَّا في فَضْلٍ. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: الأمر بالمواساة من الفاضل، وهو كحديث: إنك يا ابن آدم إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول.","vol":"1","page":373},{"text":"[٥٦٧] وعن سهل بن سعدٍ - ﵁ - أنَّ أمْرَأةً جَاءَتْ إِلَى رسول الله - ﷺ - بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فَقَالَتْ: نَسَجْتُها بِيَدَيَّ لأَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبيُّ - ﷺ - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإنَّهَا إزَارُهُ، فَقَالَ فُلانٌ: اكْسُنِيهَا مَا أحْسَنَهَا! فَقَالَ:\n«نَعَمْ» فَجَلَسَ النَّبيُّ - ﷺ - في المَجْلِسُ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَواهَا، ثُمَّ أرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ: فَقَالَ لَهُ الْقَومُ: مَا أحْسَنْتَ! لَبِسَهَا النَّبيُّ - ﷺ - مُحتَاجًَا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَألْتَهُ وَعَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلًا، فَقَالَ: إنّي وَاللهِ مَا سَألْتُهُ لألْبِسَهَا، إنَّمَا سَألْتُهُ لِتَكُونَ كَفنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: جواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه.\nوفيه: حسن خلق النبي - ﷺ - وسعة جوده وقَبول الهدية.\n\n[٥٦٨] وعن أَبي موسى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بالمَديِنَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إنَاءٍ وَاحدٍ بالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأنَا مِنْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«أرْمَلُوا»: فَرَغَ زَادُهُمْ أَوْ قَارَبَ الفَرَاغَ.\n\nفي الحديث: فضيلة الأشعريين، وفضيلة الإيثار، والمواساة، وفضيلة خلط الأزواد عند الحاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك بِهِ</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين (٢٦)] .\n\nيعرف ذلك مما قبل الآية هو قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ *","vol":"1","page":374},{"text":"وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ\nلَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين (١٨: ٢٦)]، أي: فليتسابق المتسابقون، كقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات (٦١)] .\n\n[٥٦٩] وعن سَهْلِ بن سَعدٍ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - أُتِيَ بِشَرابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقَالَ لِلغُلاَمِ: «أتَأذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هؤُلاء؟» فَقَالَ الغُلامُ: لا وَاللهِ يَا رسولَ الله، لا أُوْثِرُ بِنَصِيبي مِنْكَ أحَدًا. فَتَلَّهُ رسولُ الله - ﷺ - في يَدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n«تَلَّهُ» بالتاءِ المثناة فوق: أيْ وَضَعَهُ. وَهذَا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄.\n\nفي الحديث: أن سنَّة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن.\nوفيه: أن من استحق شيئًا لم يدفع عنه إلا بإذنه.\nقال ابن الجوزي: وأنه استأذن الغلام دون الأعرابي في الحديث الآخر؛ لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه بترك استئذانه.\n\n[٥٧٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا أيُّوبُ - ﵇ - يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْثِي في ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ - ﷿ -: يَا أيُّوبُ، ألَمْ أكُنْ أغْنَيتكَ عَمَّا تَرَى؟! قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لا غِنى بي عن بَرَكَتِكَ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة.","vol":"1","page":375},{"text":"وفيه: جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر.\nقال بعض العلماء: إنما حرص عليه أيوب ﵇ لأنه قريب عهد بربه، كما حسر نبينا - ﷺ - ثوبه حين نزل المطر، وقيل: لأنه نعمة جديدة خارقة للعادة، وكل ما نشأ عنها فهو بركة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٦٤- باب فضل الغَنِيّ الشاكر</span>\nوهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بِهَا\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسْرَى﴾ [الليل (٥: ٧)] .\n\nأي: أعطى ماله لوجه الله، واتقى محارمه، وصدق بالحسنى، أي: المجازاة، فسنيسِّره، نهيِّئه في الدنيا لليسرى، أي: للخلة التي توصله إلى اليسرى، والراحة في الآخرة، وهي الأعمال الصالحة.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل (١٧: ٢١)] .\n\nأي: وسيجنب النار الأتقى، أي: من اتقى الشرك والمعاصي؛ الذي يعطي ماله في طاعة الله، يطلب تزكية نفسه طلبًا لمرضاة الله، ولسوف يرضى حين يرى جزاءه في الآخرة، وهذه الآيات نزلت في أبي بكر ﵁، وهي عامة في جميع المؤمنين.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي وَإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة (٢٧١)] .\n\nأي: إنْ تبدوا الصدقات فَنِعْمَ ما أبديتم، وإنْ تعطوها مع إخفاء الفقراء فهو خير لكم.","vol":"1","page":376},{"text":"قال ابن عباس ﵄: السر في التطوع أفضل من العلانية، والفريضة علانيتها أفضل.\nوقال تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران (٩٢)] .\n\nأي: لن تنالوا كمال الخير حتى تنفقوا من المال الذي تحبونه، وما تنفقوا من شيء فإنَّ الله به عليم فيجازيكم بحسبه.\nوالآيات في فضلِ الإنفاقِ في الطاعاتِ كثيرة معلومة.\n\nكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة (٢٧٤)]، وغيرها من الآيات المعروفة.\n\n[٥٧١] وعن عبدِ الله بن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ. وتقدم شرحه قريبًا.\nفيه: أن شكر المال؛ إنفاقه في وجوه الطاعات، وأن شكر العلم العمل به وتعليمه.\n\n[٥٧٢] وعن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":377},{"text":"«الآناء»: السَّاعاتُ.\n\nأي: لا ينبغي أن يغبط أحد إلا في هذين الخصلتين.\n\n[٥٧٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ فُقَراءَ المُهَاجِرينَ أتَوْا رسول الله - ﷺ -، فَقَالُوا: ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى، وَالنَّعِيم المُقيم، فَقَالَ: ... «وَمَا ذَاك؟» فَقَالوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيَعْتِقُونَ وَلا نَعْتِقُ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «أفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أحَدٌ أفْضَلَ مِنْكُمْ إلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمِدُونَ وَتُكَبِّرُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً» فَرَجَعَ فُقَرَاء المُهَاجِرِينَ إِلَى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أهلُ الأمْوالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثلَهُ؟ فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وَهَذا لفظ رواية مسلم.\n«الدُّثُور»: الأمْوَالُ الكَثِيرَةُ، وَالله أعلم.\nفي هذا الحديث: فضل الغني على الفقير إذا استوت أعماله وأعمال الفقير البدنية.\nوفيه: أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف، أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل.\nوفيه: أن العمل السهل قد يدرِك به صاحبه فضل العمل الشاق، وأن العمل القاصر قد يساوي المتعدِّي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٦٥- باب ذكر الموت وقصر الأمل</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ","vol":"1","page":378},{"text":"الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَياةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران (١٨٥)] .\n\nفي هذه الآية: وعد للمصدقين والمتقين ووعيد للمكذبين والعاصيين، وأن الفائز من نجي من النار، وأدخل الجنة، وأنَّ من اغترَّ بالدنيا فهو مغرور خاسر.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًَا وَمَا تَدْري نَفْسٌ بأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان (٣٤)] .\n\nقال قتادة: أشياء استأثر الله بهنَّ فلم يطلع عليهنَّ ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة، أو في أي شهر، ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلًا أو نهارًا، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾، أذكر أم أنثى،\nأحمر أو أسود، وما هو، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ أخير أم شرّ، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت، لعلك الميت غدًا، لعلك المصاب غدًا، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، أي ليس من أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر، أم في بر، أو سهل، أو جبل.\nوروى الطبراني عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما جعل الله منية عبد بأرض إلا جعل الله له فيها حاجة» .","vol":"1","page":379},{"text":"وقال أعْشَى همدان:\nفَمَا تَزُود مِمّا كَانَ يَجْمَعَه ...؟؟ ... سِوَى حنُوط غادة البَيْن مَع خرق ...؟؟؟\nوَغَيْرُ نَفْحَةِ أَعْوَاد تَشِب لَهُ ...؟؟ ... وَقُلْ ذَلِكَ من زَادَ لمُنْطَلَق ...؟؟؟؟\nلا تَأسِين عَلَى شَيْء فَكُل فَتَى ...؟؟ ... إِلَى مَنْيَتِهِ سَيّار فِي عَنَق ...؟؟؟\nوَكُلّ مَنْ ظَنّ أَنَّ المَوْت يُخْطِئُهُ ...؟؟ ... مُعَلّل بِأَعَالِيل من حمق ...؟؟؟\nبِأَيّمَا بَلْدَةٍ تقدر منْيَته ...؟؟ ... إِلا يَسِير إِلَيْهَا طائعًا شبق ...؟؟؟\n\nوقال تَعَالَى: ﴿فَإذَا جَاءَ أجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف (٣٤)] .\n\nأي: إذا جاء وقت انقضاء أعمارهم لا يتأخرون عنه، ولا يتقدمون.\nوقال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أمْوَالُكُمْ وَلا أوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولئِكَ هم الْخَاسِرُونَ * وَأنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَريبٍ\nفَأصَّدَّقَ وأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون (٩: ١١)] .\n\nفي هذه الآيات: النهي عن الاشتغال بالأموال، والأولاد عن طاعة الله، والأمر بالإنفاق قبل الموت، والحض على المبادرة بالأعمال الصالحة، والتوبة قبل حضور الأجل.\nوقال تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي أعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يبْعَثُونَ * فَإذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَومَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأولئِكَ الَّذِينَ خَسرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وَجَوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿... كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْئَلِ العَادِّينَ * قَالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُم تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون (٩٩: ١١٥)] .","vol":"1","page":380},{"text":"قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، أي: ردوني إلى الدنيا ﴿لَعَلّي أعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا﴾، ردع عن طلب الرجعة، واستبعاد لها ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾، لا محالة، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾، أي: أمامهم، ﴿بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ\nيبْعَثُونَ﴾، ﴿فَإذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل للبعث ﴿فَلا أنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، أي لا تنفع، ﴿يَومَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ﴾، أي: لا يسأل قريب قريبه، بل يفرح أن يجب له حق ولو على ولده.\n﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: موازين أعماله، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالنجاة والدرجات، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأولئِكَ الَّذِينَ خَسرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وَجَوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ أي: عابسون، وهم الكفار، ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ . وأما المسلمون فمن خفت موازين حسناته فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ومصيره بعد ذلك إلى الجنة.\n﴿قَالُوا﴾، أي الكفار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا﴾، نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما هم بِصَدَدِهِ من العذاب، وقيل: المراد السؤال عن مدة لبثهم في القبور؛ لأنهم أنكروا البعث.\nفقيل لهم لما قاموا من القبور: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾، ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْئَلِ العَادِّينَ﴾، أي: الحاسبين، وهم الملائكة، ﴿قَالَ إنْ\nلَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾، أي: ما لبثتم فيها إلا زمانًا قليلًا، ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُم تَعْلَمُونَ﴾، أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾، لعبًا وباطلًا. ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾، أي: في الآخرة للجزاء، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾، أي: تقدس، أن يخلق شيئًا عبثًا لا لحكمة، فإنه الملك الحق المنزَّه عن ذلك ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ ... الْكَرِيمِ﴾ .","vol":"1","page":381},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِم الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد (١٦)] .\nوَالآيات في الباب كَثيرةٌ معلومة.\n\n﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ ألم يحن، أي: أما آن للمؤمنين ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهم، وتنقاد له.\nقال ابن عباس: إنَّ الله استبطأ المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن.\nورُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن أول ما يرفع من الناس الخشوع» .\nوقال ابن مسعود: إنَّ بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، اخترعوا كتابًا من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وكَانَ الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، فقالوا: تعالوا ندعوا بني إسرائيل\nإلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه، ومن كره أن يتابعنا قتلناه، ففعلوا ذلك.\nورُوي عن ابن المبارك أنه في صباه حرك العود ليضربه، فإذا به قد نطق بهذه الآية، فتاب ابن المبارك، وكسر العود، وجاءه التوفيق والخشوع.\n﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله، وقد قال النبي - ﷺ -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» .","vol":"1","page":382},{"text":"[٥٧٤] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: أخذ رسول الله - ﷺ - بِمِنْكَبي، فَقَالَ: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، يقول: إِذَا أمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أصْبَحتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رواه البخاري.\n\nالإنسان في الدنيا غريب ووطنه الحقيقي الجنة، وهي التي أنزل الله بها الأبوين ابتداء، وإليها المرجع إن شاء الله تعالى بفضل الله ورحمته، وهو مسافر في الدنيا بالأعمال الصالحة، وترك الأعمال السيئة، والمسافر لا يأخذ من المتاع إلا ما تدعوا إليه ضرورته، فإن الدنيا دار ممر، والآخرة هي دار المقر، فتزودوا من ممركم لمقركم، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع، وإن الآخرة هي دار القرار.\nقال الشارح محمد بن علان رحمه الله تعالى:\nإذا أمسيت فابتدئ الفلاحا ...؟؟ ... ولا تهمله تنتظر الصباحا ...؟؟؟\nوتب مما جنيت فكم أناسًا ...؟؟ ... قَضَوا نحبًا وقد باتوا صحاحًا ...؟؟\n\n[٥٧٥] وعنه أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبيتُ لَيْلَتَيْنِ إلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ، هَذَا لفظ البخاري.\nوفي روايةٍ لمسلمٍ: «يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ» قَالَ ابن عمر: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ ذَلِكَ إلا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.\n\nفيه: استحباب الوصية، واستحباب كتابتها، فإن كان عليه دين أو عنده أمانة وجب كتابتها.","vol":"1","page":383},{"text":"وفيه: أنه لا ينبغي للمسلم أن يغفل عن الموت والاستعداد له.\n\n[٥٧٦] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: خَطَّ النَّبيُّ - ﷺ - خُطُوطًا، فَقَالَ: «هَذَا الإنْسَانُ، وَهَذَا أجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ جَاءَ الخَطُّ الأَقْرَبُ» . رواه البخاري.\n\n[٥٧٧] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: خَطَّ النَّبيُّ - ﷺ - خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا في الوَسَطِ خَارِجًَا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي في الْوَسَطِ مِنْ جَانِبهِ الَّذِي في الوَسَط، فَقَالَ: «هَذَا الإنْسَانُ، وَهذَا أجَلُهُ مُحيطًا بِهِ - أَوْ قَدْ أحَاطَ بِهِ - وَهذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أمَلُهُ، وَهذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإنْ أخْطَأَهُ هَذَا، نَهَشَهُ هَذَا، وَإنْ أخْطَأَهُ هَذَا، نَهَشَهُ هَذَا» . رواه البخاري.\nذُكر فيه صور كثيرة، وأقربها هكذا -، فالخط الأوسط هو الإِنسان، والمربع: أجله، والصغار: الآفات تعرض له، والخارج من المربع أمله.\nوفي الحديث: التحريض على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل.\n\n[٥٧٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «بَادِرُوا بِالأعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إلا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنَىً مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًَا مُفْسدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًَا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأمَرُّ»؟! . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .","vol":"1","page":384},{"text":"في الحديث: الأمر بالمسارعة إلى الأعمال الصالحة، قبل حصول واحدة من هذه النوازل التي تذهل الإِنسان من التوجُّه إلى العبادات.\n\n[٥٧٩] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعْنِي: المَوْتَ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nهاذم اللذات بالمعجمة، أي: قاطعها. وروي بالمهملة أي مزيلها من أصلها.\nوفي حديث أنس مرفوعًا: «أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها ... عليه» .\n[٥٨٠] وعن أُبَيِّ بن كعبٍ - ﵁ - كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ قَامَ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اذْكُرُوا اللهَ، جَاءتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ» قُلْتُ: يَا رسول الله، إنِّي أُكْثِرُ الصَّلاَةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاَتِي؟ قَالَ: «مَا ... شِئْتَ» قُلْتُ: الرُّبُع، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ: فَالنِّصْف؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ: فالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ: أجعَلُ لَكَ صَلاَتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: «إذًا تُكْفى هَمَّكَ، وَيُغْفَر لَكَ ذَنْبكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: تنبيه الناس من سِنَةِ الغفلة وتحريضهم على الطاعات.","vol":"1","page":385},{"text":"والراجفة: هي النفخة الأولى.\nوالرادفة: الثانية.\nقال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر (٦٨)] .\nوقوله - ﷺ -: «جاء الموت بما فيه» . أي: من الأهوال عند الاحتضار، وفي القبر وأهواله.\nوقوله: فكم أجعل لك من صلاتي، أي: من دعائي.\nوفيه: جواز ذكر الإنسان صالح عمله، لغرض كالاستفتاء ونحوه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٦٦- باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر</span>\n\n[٥٨١] عن بُرَيْدَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُوروها» . رواه مسلم.\n\nالنهي عن زيارة القبور كان في أول الإِسلام، لقرب عهدهم بالجاهلية وكلماتها القبيحة، وأفعالهم التي كانوا يألفونها عند القبور، فلما علموا أحكام الشرع أمرهم بزيارتها لأنها تذكر الآخرة.\nوروى الحاكم عن أنس مرفوعًا: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها فإنها ترق القلب، وتُدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا ... هَجْرًا» .\n\n[٥٨٢] وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ رسول الله - ﷺ - كلَّما كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رسول الله - ﷺ - يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى البَقِيعِ","vol":"1","page":386},{"text":"فَيقولُ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، غَدًا مُؤَجَّلْونَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ» . رواه مسلم.\n\n[٥٨٣] وعن بريدة - ﵁ - قَالَ: كَانَ النبيُّ - ﷺ - يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ أنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أهلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُسلمينَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ للاَحِقونَ، أسْألُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ» . رواه مسلم.\n[٥٨٤] وعن ابن عباسٍ ﵄، قَالَ: مرَّ رسول الله - ﷺ - بِقُبورٍ بالمدِينَةِ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، أنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحنُ بالأثَرِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذه الأحاديث: استحباب زيارة القبور والدعاء لأهلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٦٧- بابُ كراهة تمنّي الموت بسبب ضُرّ نزل بِهِ</span>\nوَلا بأس بِهِ لخوف الفتنة في الدين\n\n[٥٨٥] عن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَتَمَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ، إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ البخاري.","vol":"1","page":387},{"text":"وفي رواية لمسلم عن أَبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ، وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَهُ؛ إنَّهُ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإنَّهُ لا يَزِيدُ المُؤْمِنَ عُمُرُهُ إلا خَيْرًا» .\n\n[٥٨٦] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ أصَابَهُ، فَإنْ كَانَ لا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أحْيِني مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَت الوَفَاةُ خَيرًا لي» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذه الأحاديث: النهي عن تمني الموت لضرٍّ أصابه من مرض، أو فقر أو نحو ذلك، وإنما كره تمنيه حينئذٍ لأنه يشعر بعدم الرضا بالقضاء.\nوفي الحديث الآخر: «خيركم من طال عمره وحسن عمله» .\n\n[٥٨٧] وعن قيسِ بن أَبي حازم، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّاب بن الأرَتِّ - ﵁ - نَعُودُهُ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ، فَقَالَ: إنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا، وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا، وَإنَّا أصَبْنَا مَا لا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إلا التُّرَابَ وَلولا أنَّ النبي - ﷺ - نَهَانَا أنْ نَدْعُوَ بالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ. ثُمَّ أتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ، فَقَالَ: إنَّ المُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إلا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ في هَذَا التُّرَابِ. متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ رواية البخاري.\n\nفيه: جواز الكي، والنهي عن الدعاء بالموت، وجواز دفن المال إذا أعطى حقه الواجب فيه.\nوفيه: كراهة البناء من غير حاجة.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>٦٨- باب الورع وترك الشبهات</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور (١٥)] .\n\nالورع: ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس. والشبهات: ما لم يتضح وجه حله ولا حرمته.\nقال حسان بن أبي سنان: ما رأيتُ شيئًا أهون من الورع: (دع ما يريبك إلى ما يريبك) . وهذه الآية نزلت في قصة عائشة حين رماها أهل الإفك، فقال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم\nبِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور (١٥)]، أي: تظنون أنه سهل لا إثم فيه، ووزره عظيم.\nوقال النبي - ﷺ -: «إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار بُعْدَ مَا بين المشرق والمغرب» .\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر (١٤)] .\n\nقال الكلبي: عليه طريق العباد لا يفوته أحد.\nوقال ابن عباس: يرى ويسمع ويبصر ما تقول وتفعل وتهجس به العباد.\nقال ابن كثير: يعني يرصد خلقه فيما يعملون ويجازي كلا بسعيه.\n\n[٥٨٨] وعن النعمان بن بشيرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبَهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ","vol":"1","page":389},{"text":"الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ألا وَإنَّ لكُلّ مَلِكٍ حِمَىً، ألا وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ القَلْبُ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وروياه مِنْ طرقٍ بِألفَاظٍ متقاربةٍ.\n\nهذا الحديث: أصل عظيم من أصول الشريعة، وأجمع العلماء على عظم موقعه، وكثرة فوائده.\nقوله: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه»، فيه إشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.\nقال بعض العلماء: المكروه: عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح: عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر من المباح تطرق إلى المكروه.\nقوله: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلح الجسد كله»، أي: إذا صلح القلب بالإِيمان والعرفان، صلح بالأعمال والأحوال.\nوما أحسن قول القائل:\nوإذا حلت العناية قلبًا ...؟؟ ... نشطت للعبادة الأعضاءُ ...؟؟؟\n\nفالقلب كالملك، والأعضاء كالرعية، وبصلاح الملك تصلح الرعية، وبفساده تفسد.\n\n[٥٨٩] وعن أنسٍ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: ... «لَوْلا أنِّي أخَافُ أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَة لأَكَلْتُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالحديث ذكره البخاري في باب ما يتنزه من الشبهات.\nوفي الحديث: أنه ينبغي للإِنسان إذا شك في إِباحة شيء أن لا يفعله ما لم يُفْضِ إلى التنطع وأن الشيء التافه يجوز التقاطه من غير تعريف. ورأى عمر","vol":"1","page":390},{"text":"﵁ رجلًا ينادي على عنبة التقطها، فضربه بالدِّرَّة وقال: إنَّ من الورع ما يمقت الله عليه.\nوقال البخاري: باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات. وذكر حديث عبد الله بن زيد قال: شكي إلى النبي - ﷺ - الرجل يجد في الصلاة شيئًا أيقطع الصلاة؟ قال: «لا حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» . وحديث\nعائشة ﵂: أن قومًا قالوا: يَا رسول الله إنَّ قومًا يأْتوننا باللحم لا ندري أَذكروا اسم الله عليه أَم لا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «سَمَّوا الله عليه وكلوه» .\nقال بعض العلماء: قد أُتي النبي - ﷺ - بجبنة وجبة، فأكل ولبس ولم ينظر لاحتمال مخالطة الخنزير لهم، ولا إِلى صُوفِها من مذبوح أو ميتة. ولو نظر أَحدٌ للاحتمال المذكور لم يجد حلالًا على وجه الأرض. وقال بعضهم: لا يتصور الحلال بيقين إلا في ماء المطر النازل من المساء الملتقي باليد.\n\n[٥٩٠] وعن النَّواسِ بن سمعان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «البِرُّ: حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» . رواه مسلم.\n«حَاكَ» بِالحاءِ المهملةِ والكافِ: أيْ تَرَدَّدَ فِيهِ.\n\nقوله: «البر حسن الخلق» . أي: التخلق بالأخلاق الحميدة، كطلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى، والرفق، والعدل، والإنصاف، والإِحسان، والإِثْمُ هو ما أَثَّر في القلب ضيقًا ونفورًا، وكراهية، وهذا يرجع إِليه عند الاشتباه إِذا كانت الفتوى بمجرد ظن من غير دليل شرعي.\n\n[٥٩١] وعن وَابِصَةَ بن مَعبدٍ - ﵁ - قَالَ: أتَيْتُ رَسُول","vol":"1","page":391},{"text":"الله - ﷺ - فَقَالَ: ... «جئتَ تَسْألُ عَنِ البِرِّ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البرُّ: مَا اطْمَأنَّت إِلَيْهِ النَّفسُ، وَاطْمأنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالإثْمُ: مَا حَاكَ في\nالنَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أفْتَاكَ النَّاسُ وَأفْتُوكَ» . حديث حسن، رواه أحمد والدَّارمِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا.\n\nوهذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأَن (البر) كلمة جامعة لجميع أفعال الخير، (والإثم) كلمة جامعة لجميع أَفعال الشر.\n\n[٥٩٢] وعن أَبي سِرْوَعَةَ - بكسر السين المهملة وفتحها - عُقبَةَ بنِ الحارِثِ - ﵁ - أنَّهُ تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إهَابِ بن عزيزٍ، فَأتَتْهُ امْرَأةٌ، فَقَالَتْ: إنّي قَدْ أرضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي قَدْ تَزَوَّجَ بِهَا. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أعْلَمُ أنَّك أرضَعْتِنِي وَلا أخْبَرْتِني، فَرَكِبَ إِلَى رسول الله - ﷺ - ِ بِالمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ: فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «كَيْفَ وَقَد قِيلَ»؟ فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. رواه البخاري.\n«إهَابٌ» بكسر الهمزة وَ«عَزيزٌ» بفتح العين وبزاي مكررة.\n\nفي هذا الحديث: الحض على ترك الشبه والأخذ بالأحوط في الأمور.\n\n[٥٩٣] وعن الحسن بن علي ﵄ قَالَ: حَفِظتُ من ... رسول الله - ﷺ -: «دَعْ مَا يريبُكَ إِلَى ما لا يَرِيبُكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nمعناه: اتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِيهِ، وَخُذْ مَا لا تَشُكُّ فِيهِ.\n\nفيه: إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه.","vol":"1","page":392},{"text":"[٥٩٤] وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ لأبي بَكر الصديق - ﵁ - غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيءٍ، فَأكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بكر: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإنْسَانٍ في الجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الكَهَانَةَ، إلا أنّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي، فَأعْطَانِي بِذلِكَ هَذَا الَّذِي أكَلْتَ مِنْهُ، فَأدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ. رواه البخاري.\n«الخَرَاجُ»: شَيْءٌ يَجْعَلُهُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ يُؤدِّيهِ إلى السيد كُلَّ يَومٍ، وَباقِي كَسْبِهِ يَكُونُ لِلْعَبْدِ.\n\nالكهانة بكسر الكاف: مصدر تكهن، وبالفتح: مصدر كهن، أي قضى له بالغيب. وفي «الورع» لأحمد عن ابن سيرين: (لم أعلم أحدًا استقاء من طعام غير أبي بكر، فإنه أتي بطعام فأكل منه، ثم قيل له: جاء به ابن النعيمان، قال: وأطعمتموني كهانة ابن النعيمان، ثم استقاء) . قال الحافظ: إنما قاء أبو بكر لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن.\n\n[٥٩٥] وعن نافِع أن عُمَرَ بن الخَطّاب - ﵁ - كَانَ فَرَضَ لِلمُهَاجِرينَ الأَوَّلِينَ أرْبَعَةَ الآفٍ وَفَرَضَ لابْنِهِ ثَلاَثَة آلافٍ وَخَمْسَمئَةٍ، فَقيلَ لَهُ: هُوَ مِنَ المُهَاجِرينَ فَلِمَ نَقَصْتَهُ؟ فَقَالَ: إنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أبَواهُ. يقول: لَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ. رواه البخاري.\n\nهذا الحديث: دليلٌ على شدَّة وروع عمر بن الخطاب ﵁.\n[٥٩٦] وعن عَطِيَّةَ بن عُروة السَّعْدِيِّ الصحابيِّ - ﵁ -","vol":"1","page":393},{"text":"قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا يَبْلُغُ الْعَبدُ أنْ يَكُونَ منَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأسَ بِهِ، حَذَرًا لِمَّا بِهِ بَأسٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nأي: لا يصل إلى درجة الموصوفين بكمال التقوى حتى يترك ما لا شبهة فيه خشية وقوعه في المكروه والحرام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٦٩- باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان</span>\nأَو الخوف من فتنة في الدين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها\n\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مبِينٌ﴾ [الذاريات (٥٠)] .\n\nقال البغوي: ففروا إلى الله: فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإِيمان والطاعة. قال ابن عباس: فروا منه إليه وعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله.\nوقال ابن كثير: ففروا إلى الله، أي: الجئوا إليه، واعتمدوا في أُموركم عليه.\nقال الشارح: فجمعت لفظة «ففروا» التحذير والاستدعاء. ويُنظر إلى هذا المعنى قوله - ﷺ -: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» .\nقال الحسين بن الفضل: من فر إلى غير الله لم يمتنع من الله.\n[٥٩٧] وعن سعد بن أَبي وقاص - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ الله يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيّ الْخَفِيَّ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":394},{"text":"والمُرَادُ بـ «الغَنِيّ» غَنِيُّ النَّفْسِ، كَمَا سَبَقَ في الحديث الصحيح.\n\nالخفي: الخامل المشتغل بعبادة ربِّه وأُمور نفسه.\n\n[٥٩٨] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أيُّ النَّاسِ أفْضَلُ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبيلِ اللهِ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ» .\nوفي رواية: «يَتَّقِي اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: فضل العزلة عند خوف الفتنة، ولا ينافيه حديث: «خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه» . ونحوه، لأَن هذا يختلف بحسب الأوقات، والأشخاص، والأحوال.\n\n[٥٩٩] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ، وَمَواقعَ الْقَطْر يَفِرُّ بِدينِهِ مِنَ الفِتَنِ» . رواه البخاري.\nو«شَعَفُ الجِبَالِ»: أعْلاَهَا.\n\nفي هذا الحديث: أيضًا دليلٌ على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه.\n[٦٠٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إلا رَعَى الْغَنَمَ» فَقَالَ أصْحَابُهُ: وأنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» . رواه البخاري.\n\nالمراد بالقيراط هنا: جزء من الدينار والدرهم.","vol":"1","page":395},{"text":"وفيه: تواضعه - ﷺ - واعترافه بنعمة الله عليه، والحكمة في رعي الأَنبياء الغنم ليتمرَّنوا بذلك على سياسة الأُمة.\n\n[٦٠١] وعنه عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لهم رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ في سَبيلِ الله، يَطيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزعَةً، طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي القَتْلَ، أَوْ المَوْتَ مَظَانَّه، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ ... في رَأسِ شَعَفَةٍ مِنْ هذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطنِ وَادٍ مِنْ هذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَيُؤتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يأتِيَهُ اليَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إلا فِي خَيْرٍ» . رواه مسلم.\n«يَطِيرُ»: أيْ يُسْرعُ. وَ«مَتْنُهُ»: ظَهْرُهُ. وَ«الهَيْعَةُ»: الصوتُ للحربِ. وَ«الفَزعَةُ»: نحوه. وَ«مَظَانُّ الشَيْءِ»: المواضعُ الَّتي يُظَنُّ وجودُهُ فِيهَا. وَ«الغُنَيْمَة» بضم الغين: تصغير الغنم. وَ«الشَّعَفَةُ» بفتح الشين والعين: هي أعلى الجَبَل.\n\nفيه: فضيلة القتل أو الموت في سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران (١٥٧)] .\nوفيه: فضيلة اعتزال الناس عند وقوع الفتنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٧٠- باب فضل الاختلاط بالناس</span>\nوحضور جُمَعِهم وجماعاتهم، ومشاهد الخير،\nومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء وصبر عَلَى الأذى\n\nاعْلم أنَّ الاختلاط بالنَّاسِ عَلَى الوجهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ المختارُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رسول الله - ﷺ - وسائر الأنبياء صلواتُ اللهِ وسلامه","vol":"1","page":396},{"text":"عَلَيْهِمْ، وكذلك الخُلفاءُ الرَّاشدون، ومن بعدَهُم مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ومن بَعدَهُم من عُلَماءِ المُسلمين وأَخْيَارِهم، وَهُوَ مَذْهَبُ أكثَرِ التَّابِعينَ وَمَنْ بَعدَهُمْ، وبه قَالَ الشافعيُّ وأحمدُ وأكثَرُ الفقهاءِ ﵃ أجمعين. ... قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة (٢)] .\n\nففي الاختلاط: الاجتماع للتعاون على البر، أي: فعل المأمورات، كالجمعة والجماعات وإقامة الشرائع، وفيه التعاون على التقوى عن المنهيات وترك المحرمات.\nوالآيات في معنى مَا ذكرته كثيرة معلومة.\n\nكقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران (١٠٤)]،\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف (٤)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٧١- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ... [الشعراء (٢١٥)] .\n\nأي: ألن جانبك للمؤمنين وارفق بهم.\nوقال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ ... [المائدة (٥٤)] .\n\nوقد ارتد قبائل من العرب في عهده - ﷺ - وفي خلافة أبي بكر فقاتلهم أبو بكر والصحابة ﵃. ولما نزلت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾","vol":"1","page":397},{"text":"[المائدة (٥٤)]، أشار - ﷺ - إلى أبي موسى الأشعري وقال: «هم هذا وقومه» . يعني أهل اليمن.\nوقال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ... (١٣)] .\n\nالشَّعْب: رأس القبائل، كمضر، والقبيلة: كتميم، أي: جعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا لا لتفاخروا.\nوقال النبي - ﷺ -: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم منسأة في الأجل» .\nوقال تَعَالَى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم (٣٢)] .\n\nأي: لا تمدحوها ولا تفخروا بأعمالكم.\nوفي الحديث الصحيح: «إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا كذا، وكذا، والله حسيبه. ولا أُزكِّي على الله أحدًا» .\nوقال تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عنكم جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ... [الأعراف (٤٨، ٤٩)] .\n\nالأعراف: السُّوْرُ المضروب بين الجنة والنار، وأصحابه رجال تساوت حسناتهم وسيآتهم يقولون لأهل النار: ما أغنى عنكم مالكم ولا تكبركم، ولا منعكم ذلك عن دخول النار، وهؤلاء الضعفاء الذين كنتم تسخرون منهم","vol":"1","page":398},{"text":"وتحقرونهم في الدنيا وأقسمتم أن الله لا يُدخلهم الجنة، أدخلهم الله إيَّاها برحمته.\n[٦٠٢] وعن عِيَاضِ بنِ حمارٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ، وَلا يَبْغِي أحَدٌ عَلَى أحَدٍ» . رواه مسلم.\n\nالتواضع: الانكسار والتذلُّل، وضده: التكبر والرَّفع، ومَنْ تواضع لله رفع الله قدره، وطيَّب ذِكْرَه، ورفع درجته في الآخرة.\n\n[٦٠٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زادَ اللهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إلا رَفَعَهُ اللهُ» . رواه مسلم.\n\n[٦٠٤] وعن أنس - ﵁ - أنَّهُ مَرَّ عَلَى صبيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ النبيُّ - ﷺ - يفعله. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: تدريب الصبيان على أداب الشريعة، وطرح رداء الكبر والتواضع، ولين الجانب.\n\n[٦٠٥] وعنه قَالَ: إن كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إمَاءِ المَدينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النَّبيِّ - ﷺ - فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءتْ. رواه البخاري.\n\nفي الحديث: مزيد تواضعه - ﷺ -، والتحريض على ذلك.","vol":"1","page":399},{"text":"[٦٠٦] وعن الأَسْوَدِ بن يَزيدَ، قَالَ: سَأَلْتُ عائشةُ ﵂ مَا كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قالت: كَانَ يَكُون في مِهْنَةِ أهْلِهِ - يعني: خِدمَة أهلِه - فإذا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ. رواه البخاري.\nجاء ذلك مفسرًا في بعض الروايات: كان في بيته في مهنة أَهله يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعلِّف ناضحه، ويعقل البعير، ويأكل مع الخادم ويحمل بضاعته إلى السوق. ففي ذلك مزيد فضله، وكمال تواضعه - ﷺ -.\n\n[٦٠٧] وعن أَبي رِفَاعَةَ تَميم بن أُسَيْدٍ - ﵁ - قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسولِ الله - ﷺ - وَهُوَ يخطب، فقلت: يَا رسول الله، رَجُلٌ غَريبٌ جَاءَ يَسْألُ عن دِينهِ لا يَدْرِي مَا دِينُهُ؟ فَأقْبَلَ عَليَّ رسولُ اللهِ - ﷺ -، وتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسيٍّ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأتَمَّ آخِرَهَا. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: استحباب تلطف السائل.\nوفيه: كمال تواضعه - ﷺ - ورفقه بالمسلمين وشفقته عليهم.\n\n[٦٠٨] وعن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كَانَ إِذَا أكَلَ طَعَامًا، لَعِقَ أصَابِعَهُ الثَّلاَثَ. قَالَ: وقال: «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِط عنها الأَذى، وليَأكُلْها وَلا يَدَعْها لِلشَّيْطان» وأُمِرْنا أن نُسْلُتَ","vol":"1","page":400},{"text":"القَصْعَةُ، قَالَ: «فإنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَة» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: رد على من كره لعق الأصابع استقذارًا. قال الخطابي: عاف قَوْمٌ - أَفْسد قلوبهم - الرَّفه لعقها، وزعموا أَنه مستقبح، كأنهم لم يعلموا أَن الطعام الذي علق بالأَصابع جزءٌ ما أَكلوه وليس فيه أَكثر من مصها بباطن الشفة. انتهى.\nقلت: إنما يستقذر اللعق أَثناء الأَكل.\nوفيه: استحباب أَكل لقمته الساقطة كسرًا لنفسه، وتواضعًا لربه، والتماسًا للبركة.\n\n[٦٠٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَا بَعَثَ الله نَبِيًّا إلا رَعَى الغَنَمَ» قَالَ أصْحَابُهُ: وَأنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: تنبيه على التواضع. وأَن تعاطي الكامل ما فيه كسر النفس لا يخل بمروءته.\n\n[٦١٠] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُراعٍ أَوْ ذِرَاعٍ لأَجَبْتُ، ولو أُهْدِيَ إِلَيَّ ذراعٌ أَوْ كُراعٌ لَقَبِلْتُ» . رواه البخاري.\n\nقال الحافظ: خصَّ الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الخطير والحقير، لأَن الذراع كانت أَحب إِليه من غيرها، والكراع لا قيمة لَهُ.\nوقال ابن بطال: أَشار النبي - ﷺ - إِلى الحض على قبول الهدية وإن قلَّت، لئلا يمتنع الباعث من الهدية لاحتقار الشيء، فحض على ذلك لما فيه من التآلف.","vol":"1","page":401},{"text":"وفي الحديث: إجابة الداعي، وإن قل المدعو إليه، وفي ذلك كله تحريض على التواضع، وحث على تعاطي ما يبعث على التآلف ويغرس الوداد.\n[٦١١] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: كَانَتْ ناقةُ رسول الله - ﷺ - العضْبَاءُ لا تُسْبَقُ، أَوْ لا تَكَادُ تُسْبَقُ، فَجَاءَ أعْرَابيٌّ عَلَى قَعودٍ لَهُ، فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: «حَقٌّ عَلَى اللهِ أنْ لا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إلا وَضَعَهُ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: التزهيد في الدنيا، وإغماض الطرف عن زهرتها.\nقال ابن بطال: فيه هوان الدنيا على الله، والتنبيه على ترك المباهاة والمفاخرة.\nوفيه: الحث على التواضع، وطرح رداء الكبر، والإِعلام بأن أُمور الدنيا ناقصة غير كاملة.\nوفيه: ما كان عليه - ﷺ - لحسن خلقه من إِذهاب ما يشق على أَصحابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>٧٢- باب تحريم الكبر والإعجاب</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص (٨٣)] .\n\nالعلوّ: الكبر. والفساد: المعاصي، يعني من تَرك ذلك فله الجنة.\nوقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء (٣٧)] .\nأي: بطرًا، وكبرًا، وخيلاء، كمشي الجبارين ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾، أي: لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها، ﴿وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾، أي: لا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها بكبرك.\nوفي الصحيح عن النبي - ﷺ - قال: «بينما رجل يمشي في من كان قبلكم","vol":"1","page":402},{"text":"وعليه بردان يتبختر فيهما إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» .\nورأى البختري العابد رجلًا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته. فقال له: يَا هذا، إنَّ الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته. قال: فتركها الرجل بعده.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان (١٨)] .\nومعنى «تُصَعِّر خَدَّكَ لِلنَّاسِ»: أيْ تُمِيلُهُ وتُعرِضُ بِهِ عَنِ النَّاسِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ. وَ«المَرَحُ»: التَّبَخْتُرُ.\n\nقال ابن عباس: يقول لا تتكبَّر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلَّموك.\nوقال قتادة: ولا تحقرن الفقراء، ليكن الفقير والغني عندك سواء.\nورُوي عن ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «رب ذي طمرين لا يُؤْبَهُ له، لو أقسم على الله لأَبَره. لو قال: (اللَّهُمَّ إني أسألك الجنة لأعطاه الله الجنة ولم يعطه من الدنيا شيئًا» .\nوقال عبد الله بن المبارك:\nألا رب ذي طمرين في منزل غدا ...؟؟ ... زرابيه مبثوثة ونمارقه ...؟؟؟؟\nقد اطردت أنواره حول قصره ...؟؟ ... وأشرق والتفت عليه حدائقه ...؟؟\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ لتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ","vol":"1","page":403},{"text":"اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص (٧٦)] ... إِلَى قَوْله تَعَالَى: ... ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص (٨١)] .\n\nكان قارون ابن عم موسى، آمن به ثم لحقه الزهو والإِعجاب فبغى على موسى وقومه. وكانت مفاتح خزائنه تثقل الجماعة الكثيرة. والفرح المنهي عنه هو انهماك النفس، والأثر، والإِعجاب. وقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص (٧٧)] . بأن تصرفه في مرضاة الله ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ . من مأكل، وملبس، ومشرب وغيرها من المباحات.\nوفي الحديث عن النبي - ﷺ - قال: «ليس لك يَا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» . ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ . بالمعاصي إن الله لا يحب المفسدين. قال: أي: لما وعظه قومه أخذته العزَّة بالإِثم. ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص (٧٨)]، أي: علم بالتجارة، ووجوه تثمير المال وعَلِمَ الله أني أهل له ففضَّلني به عليكم.\nقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص (٧٨)] . أي: سؤال استعلام، فإنه تعالى مطلع عليهم وإنما يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ.\nوقوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص (٨١)] ... إلى آخر القصة. ففيها شؤم البغي، وسوء مصرع الكبر والإِعجاب ومحبة الدنيا.\n\n[٦١٢] وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّة مِنْ كِبْرٍ!» فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":404},{"text":"«بَطَرُ الحَقِّ»: دَفْعُهُ وَرَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ، وَ«غَمْطُ النَّاسِ»: احْتِقَارُهُمْ.\n\nفي هذا الحديث: تحريم الكبر، والوعيد الشديد على مرتكبه. وإن الجمال إذا لم يكن على وجه الفخر والخيلاء والمباهاة بل على سبيل إِظهار نعمة الله لا يدخل في الكبر.\n\n[٦١٣] وعن سلمة بن الأكوع - ﵁ - أنّ رَجُلًا أكَلَ عِنْدَ رسول الله - ﷺ - بشمالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بيَمِينِكَ» قَالَ: لا أسْتَطِيعُ! قَالَ: «لا اسْتَطَعْتَ» مَا مَنَعَهُ إلا الكِبْرُ. قَالَ: فما رفَعها إِلَى فِيهِ. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: جواز الدعاء على من قصد الخروج عن أَحكام الشريعة عمدًا.\n[٦١٤] وعن حارثة بن وهْبٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا أُخْبِرُكُمْ بأهْلِ النَّار: كلُّ عُتُلٍ جَوّاظٍ مُسْتَكْبرٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وتقدم شرحه في بابِ ضعفةِ المسلمين.\n\nالعتل: الغليظ الجافي، والجواظ: الجموع المنوع، والمستكبر: المختال الفخور.\n\n[٦١٥] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «احْتَجّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَت النَّارُ: فيَّ الْجَبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ. وقالتِ الجَنَّةُ: فيَّ ضُعفاءُ الناس ومساكينُهُم، فقضى اللهُ بَينهُما: إنكِ الجنّةُ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِك مَنْ أشَاءُ، وَإنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أَن غالب أَهل النار الجبارون والمتكبرون،","vol":"1","page":405},{"text":"وأَن غالب أَهل الجنة الضعفاء، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف (٤٨، ٤٩)] .\n\n[٦١٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nالبطر: الفرح مع قلّة القيام بحق النعمة، وصرفها إلى غير وجهها، والبطر والخيلاء، والزهو، والكبر، والتبختر كلها بمعنى واحد، وهي حرام، وأمَّا الطرب فهو خفَّة مع فرح.\nوالحديث دليل على أَن الإِسبال حرام إِذا كان على وجه الخُيلاء والبطر، وإلا فيكره.\n\n[٦١٧] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «ثَلاَثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَة، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» . رواه مسلم.\n«العَائِلُ»: الفَقِيرُ.\n\nسبب تخصيص، هؤلاء بهذا الوعيد، وإن كان لا يعذر أَحد بذنب، لأَن الشيخ قد ضعفت دواعي الشهوة فيه، والملك لا يخشى من أَحد من رعيته، والفقير قد عدم المال، وهو الداعي فصارت هذه الخصال الثلاث عزيزة في هؤلاء الثلاثة، فكان عذابهم أَشد من عذاب غيرهم.\n\n[٦١٨] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَقُولُ الله تعالى: العِزُّ","vol":"1","page":406},{"text":"إزَاري، والكبرياءُ رِدائي، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ» . رواه مسلم.\n\nالعز والكبرياء صفتان مختصتان بالله ﷿ لا يشاركه فيهما غيره، كما لا يشارك الرجل في إزاره وردائه، فمن ادعى العز والكبرياء فقد نازع الله في ملكه ومن نازع الله عذبه.\n[٦١٩] وعنه أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمشِي في حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ رَأسَهُ، يَخْتَالُ فِي مَشْيَتهِ، إِذْ خَسَفَ اللهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ في الأَرضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«مُرَجِّلٌ رَأسَهُ»: أيْ مُمَشِّطُهُ، «يَتَجَلْجَلُ» بالجيمين: أيْ يَغُوصُ وَيَنْزِلُ.\n\nقال قتادة: يتجلجل في الأَرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها إِلى يوم القيامة.\nقيل: إنما فعل به ذلك تدريجًا ليدوم عليه العذاب فيكون أَبلغ في نكايته وإِهانته.\n\n[٦٢٠] وعن سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ في الجبَّارِين، فَيُصيبَهُ مَا أصَابَهُمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n«يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ» أيْ: يَرْتَفِعُ وَيَتَكبَّرُ.\n\nقال العاقولي: الباء في (يذهب بنفسه) للتعدية، أي: يرفع نفسه ويعتقدها","vol":"1","page":407},{"text":"عظيمة مرتفعة المقدار على الناس، ويجوز أَن تكون للمصاحبة أَي يوافقها على ما تريد من الاستعلاء.\nقلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات (٣٧: ٣٩)] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٧٣- باب حسن الخلق</span>\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم (٤)] .\n\nحسن الخلق: بسط الوجه وبذل المعروف، وكفُّ الأذى. وقال علي: الخلق العظيم آداب القرآن. وقال - ﷺ -: «بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق» .\nوقال تَعَالَى: ﴿وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران (١٣٤)] الآية.\n\nأي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه وعفوا عمَّن أساء إليهم.\nقال الثوري: الإِحسان أن تُحسن إلى المسيء.\nوفي الحديث عن النبي - ﷺ -: «ثلاث أُقسم عليهنَّ: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوا إلا عِزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه» .\n\n[٦٢١] وعن أنس - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - أحْسَنَ النَّاس خُلُقًا. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nكان حسن الخلق غريزة في النبي - ﷺ - جبله الله عليها، واكتسابًا من القرآن، ولهذا قال - ﷺ -: «أَدبني ربي فأَحسن تأديِبِي» .","vol":"1","page":408},{"text":"[٦٢٢] وعنه قَالَ: مَا مَسِسْتُ دِيبَاجًا وَلا حَرِيرًا ألْيَنَ مِنْ كَفِّ ... رسولِ اللهِ - ﷺ -، وَلا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وَلَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ - ﷺ - عَشْرَ سنين، فما قَالَ لي قَطُّ: أُفٍّ، وَلا قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَه؟ وَلا لشَيءٍ لَمْ أفعله: ألا فَعَلْتَ كَذا؟. متفقٌ عَلَيْهِ.\nقوله: (ألين من كف رسول الله - ﷺ -)، وورد في حديث آخر: أَنه شعث الكف والقدمين، فقيل: إن اللين بحسب أَصل الخلقة والخشونة لعرض عمل.\nوفي الحديث: كمال خلقه - ﷺ - وتسليمه للقدر.\n\n[٦٢٣] وعن الصعب بن جَثَّامَةَ - ﵁ - قَالَ: أهديتُ رسولَ الله - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عَلَيَّ، فَلَمَّا رأى مَا في وجهي، قَالَ: «إنّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أنّا حُرُمٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: الحكم بالعلامة، لقوله: (فلما رأى ما في وجهي) .\nوفيه: جواز رد الهداية لعلة، والاعتذار عن ردها تطيبًا لقلب المهدي.\n\n[٦٢٤] وعن النَّوَاس بنِ سمعان - ﵁ - قَالَ: سألتُ رسولَ الله - ﷺ - عن البِرِّ وَالإثم، فَقَالَ: «البِرُّ: حُسنُ الخُلقِ، والإثمُ: مَا حاك في صدرِك، وكَرِهْتَ أن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» . رواه مسلم.\n\nالبر: الطاعة، والإِثم: المعصية، حسن الخلق يقتدر به صاحبه على فعل المحاسن وترك المساوئ، والإِثم يذم صاحبه، والنفس بطبعها تحب المدح، وتكره الذمَّ.","vol":"1","page":409},{"text":"[٦٢٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: لَمْ يكن رسولُ الله - ﷺ - فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا، وكان يَقُولُ: «إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nالفحش: ما يشتد قبحه من الأَقوال والأَفعال. والتفحش: تكلّف ذلك، أي: ليس ذا فحش في كلامه وأَفعاله.\nوقوله: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» . لأَن حسن الخلق يدعو إِلى المحاسن، وترك المساوئ.\n\n[٦٢٦] وعن أَبي الدرداءِ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n«البَذِيُّ»: هُوَ الَّذِي يتكلَّمُ بِالفُحْشِ ورديء الكلامِ.\n\nفي هذا الحديث: فضيلة حسن الخلق، لأَنه يورث لصاحبه محبة الله، ومحبة عباده.\nوفيه: قبح الفحش والبذاءة، لأَنه يورث البغض من الله وعباده.\n\n[٦٢٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: سُئِلَ رسولُ الله - ﷺ - عَنْ أكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «تَقْوَى اللهِ وَحُسنُ الخُلُقِ»، وَسُئِلَ عَنْ أكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» . رواه الترمذي، وقال: ... «حديث حسن صحيح» .\n\nالتقوى تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه.","vol":"1","page":410},{"text":"[٦٢٨] وعنه، قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَانًا أحسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nكلما كان العبد أَحسن أَخلاقًا كان أَكمل إيمانًا.\nوقوله: «وخياركم خياركم لنسائهم» . وذلك بالبشاشة وطلاقه الوجه، وكف الأَذى، وبذل الندى، والصبر على إيذائها. وفي رواية: «إِن أكمل المؤمنين إيمانًا أَحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله» .\n\n[٦٢٩] وعن عائشة ﵂، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ» . رواه أَبُو داود.\n\nفي هذا الحديث: فضيلة حسن الخلق، وأَنه يبلغ صاحبه أَعْلى الدرجات. وبسط الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى.\n\n[٦٣٠] وعن أَبي أُمَامَة الباهِليِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أنَا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَض الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ، وَإنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n«الزَّعِيمُ»: الضَّامِنُ.","vol":"1","page":411},{"text":"في هذا الحديث: استحباب ترك الجدال، وفي بعض الآثار: (إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العلم، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرًا فتح له باب الجدل، وأَغلق عنه باب العلم) .\nوفيه: الحث على التخلق بحسن الخلق وترك الكذب.\n\n[٦٣١] وعن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ، وَأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ، أحَاسِنَكُم أخْلاَقًا، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهقُونَ» قالوا: يَا رسول الله، قَدْ عَلِمْنَا «الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ»، فمَا المُتَفَيْهقُونَ؟ قَالَ: ... «المُتَكَبِّرُونَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\n«الثَّرْثَارُ»: هُوَ كَثِيرُ الكَلاَمِ تَكَلُّفًا. وَ«المُتَشَدِّقُ»: المُتَطَاوِلُ ... عَلَى النَّاسِ بِكَلاَمِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَلءِ فِيهِ تَفَاصُحًا وَتَعْظِيمًا لِكَلامِهِ، ... وَ«المُتَفَيْهِقُ»: أصلُهُ مِنَ الفَهْقِ وَهُوَ الامْتِلاَءُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلأُ فَمَهُ بِالكَلاَمِ وَيَتَوَسَّعُ فِيهِ، ويُغْرِبُ بِهِ تَكَبُّرًا وَارْتِفَاعًا، وَإظْهَارًا للفَضيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ.\n\nوروى الترمذي عن عبد الله بن المباركِ ﵀ في تفسير حُسْنِ الخُلُقِ، قَالَ: «هُوَ طَلاَقَةُ الوَجه، وَبَذْلُ المَعروف، وَكَفُّ الأذَى» .\nقال الحافظ: حسن الخلق: اختيار الفضائل، وترك الرذائل، وقد جمع جماعة محاسن الأخلاق في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف (١٩٩)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>٧٤- باب الحلم والأناة والرفق</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ﴾ [آل عمران (١٣٤)] .","vol":"1","page":412},{"text":"في هذه الآية تحريض على التخلُّق بالإِحسان إلى الناس من العفو عنهم وكظم الغيظ، وغير ذلك.\nوقال تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ﴾ ... [الأعراف (١٩٩)] .\n\nقال مجاهد: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، يعني: من أخلاق الناس من غير تجسُّس.\nوقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، أي المعروف، وكل ما يعرفه الشرع، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه.\nقال الشعبي: لما أنزل الله ﷿ على نبيه - ﷺ - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قال: «ما هذا يَا جبريل؟» قال: «إنَّ الله أمرك أن تعفو عمَّن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» .\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت (٣٤، ٣٥)] .\nقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإِساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم كأنه وليٌّ حميم.\nوقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى (٤٣)] .\n\nأي: من صبر على الأذى ولم يجاز على السيئة، فإن ذلك من عزم الأمور المشكورة التي أمر الله بها.","vol":"1","page":413},{"text":"[٦٣٢] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ - لأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: «إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأنَاةُ» . رواه مسلم.\n\nالحلم والأناة من صفات العقلاء. وسبب قول النبي - ﷺ - ذلك للأشج. ما جاء في حديث الوفد، أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إِلى النبي - ﷺ -، وأقام الأَشج عند رحالهم فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أَحسن ثيابه ثم أَقبل إلى النبي - ﷺ - فقربه وأَجلسه إلى جانبه. ثم قال لهم النبي - ﷺ -: «تبايعوني على أَنفسكم، وقومكم» . فقال القوم: نعم. فقال الأشج: يَا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه. نبايعك على أَنفسنا، ونرسل من يدعوهم. فمن أتبعنا كان منَّا، ومن أَبى قاتلناه. قال: «صدقت، إن فيك خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله. الحلم، والأناة»، قال: يَا رسول\nالله، أكانا فِيَّ أم حدثًا، قال: «بل قديم» . قال: الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله.\n\n[٦٣٣] وعن عائشة ﵂، قالت: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[٦٣٤] وعنها أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطي عَلَى الرِّفق، مَا لا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» . رواه مسلم.\n\n[٦٣٥] وعنها أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ في شَيْءٍ إلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إلا شَانَهُ» . رواه مسلم.\n\nالرِّفق: لين الجانب بالقول والفعل، والأَخذ بالأَسهل، وهو ضد العنف،","vol":"1","page":414},{"text":"وهو الشدة والمشقة، فصاحب الرفق يدرك حاجته أَو بعضها، وصاحب العنف لا يدركها، وإِن أَدركها فبمشقة، وحريٌّ أن لا تتم.\n\n[٦٣٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: بَال أعْرَابيٌّ في المسجدِ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيَقَعُوا فِيهِ، فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «دَعُوهُ وَأرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» . رواه البخاري.\n«السَّجْلُ» بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وَهِيَ الدَّلو الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً، وَكَذلِكَ الذَّنُوبُ.\nفي هذا الحديث: الرفق في إنكار المنكر، وتعليم الجاهل.\nوفي رواية ابن ماجة: فقال الأعرابي بعد أَن فقه: بأَبي وأُمي - ﷺ -، فلم يؤنب ولم يسب، فقال: «إِن هذا المسجد لا يُبال فيه، وإِنما بُني لذكر الله، والصلاة فيه» .\nوفي الحديث أيضًا: نجاسة بول الآدمي، ووجوب تنزيه المسجد، وأَنه يكتفي في ذلك بصب الماء عليها من غير تحجير.\n\n[٦٣٧] وعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nاليسر: ضد العسر. قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج (٧٨)] . وقال النبي - ﷺ -: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» والتعسير يوجب التنفير.","vol":"1","page":415},{"text":"[٦٣٨] وعن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ» . رواه مسلم.\n\nفيه الحث على الرفق في جميع الأمور، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران (١٥٩)] .\n\n[٦٣٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رَجُلًا قَالَ للنبيِّ - ﷺ -: أوْصِني. قَالَ: «لا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لا تَغْضَبْ» . رواه البخاري.\nالغضب: جماع الشر، وباب من مداخل الشيطان الثلاثة وهي: الغفلة، والشهوة، والغضب. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: قد أفلح من عصم من الهوى، والغضب، والطمع.\n\n[٦٤٠] وعن أَبي يعلى شَدَّاد بن أوسٍ - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الله كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإذَا قَتَلْتُم فَأحْسِنُوا القِتْلَة، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَه، وَلْيُرِح ذَبِيحَتَهُ» . رواه مسلم.\n\nمعنى إِحسان القتلة: أَن لا يقصد التعذيب للمقتول وإِحسان الذبحة أن يرفق بالبهيمة عند الذبح. قال الإِمام أحمد: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أَنها تعرف ربها، وتعرف أَنها تموت.\n\n[٦٤١] وعن عائشة ﵂ قالت: مَا خُيِّرَ رسول الله - ﷺ - بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلا أَخَذَ أيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إثمًا، فَإنْ كَانَ إثمًا، كَانَ","vol":"1","page":416},{"text":"أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَمَا انْتَقَمَ رسول الله - ﷺ - لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ، إلا أن تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله، فَيَنْتَقِمَ للهِ تَعَالَى. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب الأَخذ بالأَيسر في أُمور الدين والدنيا إذا لم يكن فيه معصية.\nوفيه: استحباب ترك الانتقام للنفس كما في الحديث: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا» .\nوفيه: ما كان عليه - ﷺ - من الحلم والصبر والقيام بالحق، والصلابة في الدين. وهذا هو الخلق الحسن قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم (٤)] .\n\n[٦٤٢] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «ألا أخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار؟ تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ، هَيّنٍ، لَيِّنٍ، سَهْلٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: استحباب ملاطفة الناس، وتسهيل الجانب لهم وقضاء حوائجهم.\nوفي الحديث الآخر: «إنكم لا تسعون الناس بأَرزاقكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>٧٥- باب العفو والإعراض عن الجاهلين</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ﴾ ... [الأعراف (١٩٩)] .\n\nوذلك لأنَّ في الإِعراض عن الجاهل إخمادًا لشره.\nقال الشافعي رحمه الله تعالى:\nقالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم ... إن الجواب لباب الشر مفتاح","vol":"1","page":417},{"text":"فالعفو عن جاهل أو أحمق أدب ...؟؟ ... نعم وفيه لصون العرض إصلاح ...؟؟\n\nوقال تَعَالَى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر (٨٥)] .\nأي: عاملهم معاملة الحليم الصفوح.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ ... [النور (٢٢)] .\n\nنزلت في شأن الصدِّيق ﵁ لما آلى أن لا ينفق على مسطح لرميه عائشة بالإِفك. فقال أبو بكر: بلى يَا رب، إني أُحبُّ أن تغفر لي، فرجع إلى مسطح ما كان يعطيه قبل.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ﴾ [آل عمران (١٣٤)] .\n\nفيه: أن العفو من صفات المحسنين.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ... [الشورى (٤٣)] .\n\nأي: من صبر على الأذى وعفا.\nوالآيات في الباب كثيرة معلومة.\n\nكما قال تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى (٤٠)]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ [النحل (١٢٦)] .. وغير ذلك.\n\n[٦٤٣] وعن عائشة ﵂: أنها قالت للنبي - ﷺ -: هَلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ","vol":"1","page":418},{"text":"أشَدُّ مَا\nلَقيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيْلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْني إِلَى مَا أرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأنا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلا وأنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا أنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبريلُ - ﵇ -، فَنَادَاني، فَقَالَ: إنَّ الله تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَد بَعَثَ الله إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ سَمِع قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأنا مَلَكُ الجِبال، وَقَدْ ... بَعَثَنِي رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ، إنْ شئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ» . فَقَالَ النبي - ﷺ -: «بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«الأخْشَبَان»: الجَبَلان المُحيطان بمكَّة. وَالأخشبُ: هُوَ الجبل الغليظ.\n\nلما مات أَبو طالب توجه النبي - ﷺ - إلى الطائف وطلب منهم أَن يؤوه حتى يبلغ رسالة ربِّه فردوا عليه أقبح رد فرجع - ﷺ - وهو مهموم إِذ فاته ما طلب منهم فلم ينتبه إلا وهو بقرن الثعالب، وهو قرن المنازل ميقات أَهل نجد.\nوفي الحديث: بيان شفقة النبي - ﷺ - على قومه، وعفوه عنهم، ومزيد صبره وحلمه قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء (١٠٧)]، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران (١٥٩)] .\n[٦٤٤] وعنها قالت: مَا ضَرَبَ رسولُ الله - ﷺ - شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأةً وَلا خَادِمًا، إلا أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إلا أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى. رواه مسلم.","vol":"1","page":419},{"text":"في هذا الحديث: حسن خلقه - ﷺ -، وحلمه، وصبره، وعفوه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب (٢١)] .\n\n[٦٤٥] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ أمشي مَعَ رسول الله - ﷺ - وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَبذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدةً، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ - ﷺ -، وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُر لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ. فَالتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: مزيد حُسْن خُلُقِهِ - ﷺ - وصبره على سوء أَدب هذا الأَعرابي الجافي، وحلمه - ﷺ - فإنه عفا عن جنايته عليه، وزاد على العفو بالبشر والعطاء.\nقال الشاعر:\nبشاشة وجه المرء خير من القِري ... فكيف من يعطي القِري وهو يضحك\nوفي رواية البيهقي: (ثم قال: يَا محمد مُر لِيَ من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا من مال أَبيك. فسكت النبي - ﷺ - ثم قال: «المال مال الله وأَنا عبده» .\nوذكر في (الشفاء) أنه حمل له على بعير شعيرًا، وعلى الآخر تمرًا.\n\n[٦٤٦] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: كأني أنظر إِلَى رسول الله - ﷺ - يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنبياءِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُه عَلَيْهِمْ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، ويقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":420},{"text":"في هذا الحديث: زيادة الفضل بعد الصفح بالدعاء لهم، والاعتذار عنهم.\n\n[٦٤٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ الشَّديدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nوالصُّرَعة: الذي يصرع الناس ويغلبهم.\nوالصُّرْعة: بالسكون الذي يصرعه الناس، أي: ليس القوي المحمود الذي يصرع الناس ويغلبهم، إنما المحمود الذي يغلب نفسه، ويملكها عند الغضب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>٧٦- باب احتمال الأذى</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران (١٣٤)] .\nكظم الغيظ: حبس النفس عن مرادها من الانتقام. والعفو عن الناس: ترك مؤاخذتهم في ذلك. وفيه: إيماء إلى أن من كان متَّصفًا بهذه الصفات فهو من المحسنين.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ... [الشورى (٤٣)] .\n\nأي: صبر على الإِيذاء وصفح عمن آذاه. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾، أي: ما ذكر ﴿لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أي: المأمور بها شرعًا.\nوفي الباب: الأحاديث السابقة في الباب قبله.\n\nأي: الأحاديث المذكورة في باب العفو، والإِعراض عن الجاهلين تدخل في باب احتمال الأذى.","vol":"1","page":421},{"text":"[٦٤٨] وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رسول الله، إنّ لي قَرَابةً أصِلُهم وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إلَيَّ، وَأحْلُمُ عَنهم وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ! فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكأنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ تَعَالَى ظَهيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» . رواه مسلم.\nوقد سَبَقَ شَرْحُهُ في بَابِ صلة الأرحام.\n\nفي هذا الحديث: الحض على الصبر على الإِيذاء خصوصًا من الأَقارب، وأن من كان كذلك أعانه المولى ﷾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>٧٧- باب الغضب إِذَا انتهكت حرمات الشّرع</span>\nوالانتصار لدين الله تعالى\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ... [الحج (٣٠)] .\n\nأي: ومن يجتنب معاصي الله ومحارمه فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل.\nقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به، وحرم التفريط فيه.\nوقال الليث: حرمات الله ما لا يحل انتهاكها.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنْ تَنْصُرُوْا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد (٧)] .\n\nأي: إن تنصروا دين الله، وتقوموا به ينصركم على عدوكم ويكف بأسهم.\nوفي الباب حديث عائشة ﵂ السابق في باب العفو.\n\nوالمراد منه قولها: وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله تعالى.","vol":"1","page":422},{"text":"[٦٤٩] وعن أَبي مسعود عقبة بن عمرو البدري - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: إنِّي لأَتَأخَّرُ عَن صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا! فَمَا رَأيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - غَضِبَ في مَوْعِظَةٍ قَطُّ أشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئذٍ؛ فَقَالَ\n: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأيُّكُمْ أمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ؛ فَإنَّ مِنْ وَرَائِهِ الكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَذَا الحَاجَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي الحديث: جواز الغضب في التعليم للمصلحة إذا لم يترتب على ذلك مفسدة.\nوفيه: استحباب التخفيف مع الإِتمام، وليس فيه حجة للنقارين، فإن التخفيف أمر نسبي راجع إلى فعل النبي - ﷺ -.\n\n[٦٥٠] وعن عائشة ﵂، قالت: قَدِمَ رسولُ الله - ﷺ - مِنْ سَفرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رسول الله - ﷺ - هتكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجهُهُ، وقال: «يَا عائِشَةُ، أشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بخَلْقِ اللهِ!» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«السَّهْوَةُ»: كَالصُّفَّةِ تَكُونُ بَيْنَ يدي البيت. وَ«القِرام» بكسر القاف: سِتر رقيق، وَ«هَتَكَه»: أفْسَدَ الصُّورَةَ الَّتي فِيهِ.\n\nالتماثيل: جمع تمثال، وهي الشيء المصور سواء كان شاخصًا أو نقشًا، أو نسجًا، أو دهانًا.\nقوله: «الذين يضاهون بخلق الله»، أي يشبهون ما يضعونه بما يصنعه الله.\nوفي الحديث: تحريم التصوير واستعماله.\n\n[٦٥١] وعنها أن قرَيشًا أهَمَّهُمْ شَأنُ المَرأَةِ المخزومِيَّةِ الَّتي سَرَقَتْ، فقالوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رسول الله - ﷺ -؟ فقالوا: مَنْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ إلا","vol":"1","page":423},{"text":"أُسَامَةُ\nابنُ زَيْدٍ حِبُّ رسول الله - ﷺ -؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: ... «أتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله»؟! ثُمَّ قامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا أهْلَك مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ الله، لَوْ أَنَّ فَاطمَةَ بِنْتَ مُحمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعتُ يَدَهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان.\nوفيه: أن شرف الجاني لا يسقط الحد عنه، وأن أحكام الله تعالى يستوي فيها الشريف والوضيع.\n\n[٦٥٢] وعن أنس - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - رَأى نُخَامَةً في القبلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ في وَجْهِهِ؛ فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إن أحدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، وَإنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبيْنَ القِبلْةِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أحَدُكُمْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» ثُمَّ أخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلُ هكذا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوَالأمرُ بالبُصَاقِ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ هُوَ فِيما إِذَا كَانَ في غَيْرِ المسجِدِ، فَأمَّا في المسجدِ فَلا يَبصُقُ إلا في ثَوْبِهِ.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن البصاق قبل القبلة، إذا كان يصلي لأنه يناجي ربه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٧٨- باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم</span>\nوالشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال\nمصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ... [الشعراء (٢١٥)] .","vol":"1","page":424},{"text":"أمر الله تعالى نبيه محمدًا - ﷺ - أن يلين جانبه لمن اتبعه من المؤمنين، وقد أمر الله المؤمنين أن يقتدوا به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب (٢١)] .\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل (٩٠)] .\n\nيأمر تعالى بالعدل، وهو القسط والإِنصاف، وبالإِحسان إلى الناس، وبِصِلة الرحم، وينهى عن الفحشاء، وهي ما قبح من قولٍ أو فعلٍ، وعن المنكر: وهو ما ينكره الشرع، وعن البغي وهو العدوان على الناس.\nقال بعض العلماء: لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لصدق عليه أنه تبيانٌ لكل شيء وهدىً ورحمةٌ.\n\n[٦٥٣] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتهِ: الإمَامُ رَاعٍ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أهلِهِ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ في\nبَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ في مال سيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: وجوب القيام بحق الرعية وإرشادهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، وردعهم عن ما يضرهم في دينهم ودنياهم.\n\n[٦٥٤] وعن أَبي يعلى مَعْقِل بن يَسارٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَستَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّة» . متفقٌ عليه.","vol":"1","page":425},{"text":"وفي رواية: «فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّة» .\nوفي رواية لمسلم: «مَا مِنْ أميرٍ يلي أمور المُسْلِمينَ، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ، إلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ» .\n\nفي هذا الحديث: وعيدٌ شديد لمن ولي أمر المسلمين ثم خانهم وغشهم وقدم مصلحته على مصلحتهم.\n\n[٦٥٥] وعن عائشة ﵂، قالت: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول في بيتي هَذَا: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارفُقْ بِهِ» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: التنبيه لولاة الأُمور على السعي في مصالح الرعية، والجهد في دفع ضررهم، وما يشق عليهم من قولٍ أو فعل، وعدم الغفلة عن أحوالهم.\n\n[٦٥٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «كَانَتْ بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُم الأَنبِيَاء، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيكُونُ بَعْدِي خُلفَاءُ فَيَكثرُونَ»، قالوا: يَا رسول الله، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّل فَالأَوَّل، ثُمَّ أعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، وَاسْأَلُوا الله الَّذِي لَكُمْ، فَإنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» متفقٌ عليه.\n\nفيه: إيماء إلى أنه لا بد للرعية ممن يقوم بأمرها ويحملها على الحق، وينصف المظلوم من ظالمه.\nوفيه: الأَمر بوفاء بيعة الخلفية وطاعته، وقتال من بغى عليه، والصبر على ظلمه.","vol":"1","page":426},{"text":"[٦٥٧] وعن عائِذ بن عمرو - ﵁ - أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُبَيْد اللهِ بن زيادٍ، فَقَالَ لَهُ: أيْ بُنَيَّ، إنِّي سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ -، يقول: «إنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَةُ» فإيَاكَ أن تَكُونَ مِنْهُمْ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالحطمة: العنيف بالبهائم في رعيها، ضرب مثلًا لوالي السوء الذي لا يرفق بالناس ولا يرحمهم. وفي الحديث مشروعية نصيحة الأُمراء.\n[٦٥٨] وعن أَبي مريم الأزدِيِّ - ﵁ - أنّه قَالَ لِمعاوية - ﵁ - سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ وَلاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فجعل معاوية رجلًا عَلَى حوائج النَّاسِ. رواه أَبُو داود والترمذي.\n\nفي الحديث: وعيدٌ شديدٌ لمن احتجب عن الرعية ولم يقض حوائجهم، سواء كان ملكًا، أو وزيرًا، أو قاضيًا، أو أميرًا، أو مديرًا، أو من دونهم ممن له ولاية على شيء من أُمور المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>٧٩- باب الوالي العادل</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل (٩٠)] الآية.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَأَقْسِطُوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات (٩)] .\n\nأي: اعدلوا وأنصفوا كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء (١٣٥)] .","vol":"1","page":427},{"text":"[٦٥٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأ في عِبادة الله تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بالمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللهِ اجتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ، فَقَالَ: إنّي أخافُ اللهَ، وَرَجُلٌ\nتَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: فضل هؤلاء السبعة، وأشرفهم، الإِمام العادل، وفي معناه جميع الولاة.\n\n[٦٦٠] وعن عبدِ اللهِ بن عَمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ: الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأَهْلِيْهِم وَمَا وَلُوْا» . رواه مسلم.\n\nفيه: فضل العدل في جميع الأُمور، وعظم ثواب فاعله.\n\n[٦٦١] وعن عوفِ بن مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ -، يقول: «خِيَارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ. وشِرَارُ أئِمَّتِكُم الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ!»، قَالَ: قُلْنَا: يَا رسول اللهِ، أفَلا نُنَابِذُهُم؟ قَالَ: «لا، مَا أقَامُوا فِيْكُمُ الصَّلاَةَ. لا، مَا أقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ» . رواه مسلم.\nقَوْله: «تصلّون عَلَيْهِمْ»: تدعون لَهُمْ.\n\nفي هذا الحديث: تعظيم الصلاة، وأنه لا يحوز الخروج على الإِمام المقيم","vol":"1","page":428},{"text":"للصلاة، وفي حديث عبادة: «لا إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان»، وفي حديث أُم سلمة: قالوا: يَا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة» .\n[٦٦٢] وعن عِياضِ بن حِمارٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «أهلُ الجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلطانٍ مُقْسِطٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحيمٌ رَقِيقُ القَلْبِ لكُلِّ ذي قُرْبَى ومُسْلِمٍ، وعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذو عِيالٍ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فضل الوالي العادل القائم بطاعة الله ﷾.\nوفيه: ثواب الواصل والرحيم بالمسلمين، وفضل المحتاج المتعفف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>٨٠- باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية</span>\nوتحريم طاعتهم في المعصية\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء (٥٩)] .\n\n﴿أَطِيعُوا اللهَ﴾، أي: اتبعوا كتابه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، أي: خذوا بسنته، ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\n\n[٦٦٣] وعن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «عَلَى المَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ والطَّاعَةُ فِيمَا أحَبَّ وكَرِهَ، إلا أنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيةٍ، فَإنْ أُمِرَ بِمَعْصِيةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: وجوب السمع والطاعة والانقياد لقول ولي الأمر، سواء كان موافقًا لمراد المأمور، أو مخالفًا له إلا في معصية الله.","vol":"1","page":429},{"text":"[٦٦٤] وعنه قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رسولَ الله - ﷺ - عَلَى السَّمعِ والطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا: «فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nوفيه: أن وجوب السمع والطاعة على قدر الاستطاعة قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن (١٦)] .\n\n[٦٦٥] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ -، يقول: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» . رواه مسلم.\nوفي رواية لَهُ: «وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ مُفَارِقٌ لِلجَمَاعَةِ، فَإنَّهُ يَمُوتُ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» .\n«المِيتَةُ» بكسر الميم.\n\nفيه: وعيد شديد على من خرج على الإِمام ولم يَنْقَدْ له، ووجوب بيعة الإِمام.\n\n[٦٦٦] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «اسْمَعُوا وأطِيعُوا، وَإنِ استُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشيٌّ، كأنَّ رأْسَهُ زَبيبةٌ» . رواه البخاري.\n\nكان أهل الجاهلية يأنفون من الدخول تحت الطاعة خصوصًا العرب، فأخبرهم النبي - ﷺ - أن ذلك واجبٌ لكل أمير ولو أنه حقير.\n[٦٦٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ في عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأثَرَةٍ عَلَيْكَ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":430},{"text":"فيه: وجوب السمع والطاعة للأمراء على كل حال ولو اختصوا بالمال دون مستحقيه فإن الله سائلهم عن ذلك.\n\n[٦٦٨] وعن عبدِ اللهِ بن عمرو ﵄ قَالَ: كنا مَعَ رسول الله - ﷺ - في سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءهُ، وَمِنّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ في جَشَرِهِ، إذْ نَادَى مُنَادِي رسولِ الله - ﷺ -: الصَّلاةَ جَامِعَةً. فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رسولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلِي إلا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُم شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ. وَإنَّ أُمَّتَكُمْ هذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا في أوَّلِهَا، وَسَيُصيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتنَةٌ يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الفتنَةُ فَيقُولُ المُؤْمِنُ: هذه مُهلكتي، ثُمَّ تنكشفُ، وتجيء الفتنةُ فيقولُ المؤمنُ: هذِهِ هذِهِ. فَمَنْ أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأتِهِ منيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أنْ يُؤتَى إِلَيْهِ. وَمَنْ بَايَعَ إمَامًا فَأعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إن استَطَاعَ، فإنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنْقَ الآخَرِ» . رواه مسلم.\nقَوْله: «يَنْتَضِلُ» أيْ: يُسَابِقُ بالرَّمْي بالنَّبل والنُّشَّاب. وَ«الجَشَرُ»: بفتح الجيم والشين المعجمة وبالراء، وهي: الدَّوابُّ الَّتي تَرْعَى وَتَبِيتُ\nمَكَانَهَا. وَقَوْلُه: «يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا» أيْ: يُصَيِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًَا رقيقًا: أيْ خَفِيفًا لِعِظَمِ مَا بَعْدَهُ، فالثَّانِي يُرَقّقُ الأَوَّلَ. وقيل مَعنَاهُ يُشَوِّقُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ بتحسينهَا وَتَسويلِهَا، وقيل: يُشبِهُ بَعْضُها بَعضًا.","vol":"1","page":431},{"text":"قوله - ﷺ -: «وإن أمَّتكم هذه جعل عافيتها في أولها» . قال القرطبي: المراد به زمان الخلفاء، الثلاثة إلى قتل عثمان فهذه كانت أزمنة اتفاق هذه الأمة واستقامة أمرها وعافية دينها، فلما قتل عثمان هاجت الفتن ولم تزل ولا تزال إلى يوم القيامة.\nقوله: «وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» . قال النووي: هذا من جوامع كلمه - ﷺ -، وبدائع حكمه. وهذه قاعدة ينبغي الاعتناء بها، وهي أن الإِنسان يلتزم ألا يفعل مع الناس إلا ما يحب أن يفعلوه.\nوفي الحديث: وجوب طاعة الإمام وقتال من خرج عليه.\n\n[٦٦٩] وعن أَبي هُنَيْدَةَ وَائِلِ بن حُجرٍ - ﵁ - قَالَ: سَألَ سَلَمَةُ بن يَزيدَ الجُعفِيُّ رسولَ الله - ﷺ - فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أرأيتَ إنْ قامَت عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسألُونَا حَقَّهُم، وَيمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأعْرَضَ عنه، ثُمَّ سَألَهُ، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «اسْمَعْوا وَأَطِيعُوا، فإنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حملْتُمْ» . رواه مسلم.\n\nفيه: وجوب السمع والطاعة للأمراء وإن لم يقوموا بحق الرعية.\n\n[٦٧٠] وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا!» قالوا: يَا رسول الله، كَيْفَ تَأمُرُ\nمَنْ أدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالأثرة: استئثار ولاة الأمر بالأموال على المستحقين فيها. وقد ظهر ذلك، فهو من جملة معجزاته - ﷺ -.","vol":"1","page":432},{"text":"وفيه: دليل على عدم التعرُّض للأئمة - وإن جاروا - والاعتماد على مكافأة الله تعالى.\n\n[٦٧١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أطَاعَنِي فَقَدْ أطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أطَاعَنِي، وَمَنْ يَعصِ الأميرَ فَقَدْ عَصَانِي» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي الحديث: وجوب طاعة الأمراء، وتحريم معصيتهم، وقد قال الله تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء (٨٠)] .\n\n[٦٧٢] وعن ابن عباسٍ ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَره مِنْ أمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: الحث على الصبر على جور الولاة، ولزوم طاعتهم وعدم الخروج عليهم.\n[٦٧٣] وعن أَبي بكرة - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ أهانَ السُّلطَانَ أَهَانَهُ الله» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nوفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح. وَقَدْ سبق بعضها في أبواب.\n\nفيه: وعيدٌ شديدٌ على من استخف بشأن السلطان ولم يسمع له ولم يطع لأمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>٨١- باب النهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات</span>\nإذا لَمْ يتعين عليه أَوْ تَدْعُ حاجة إِلَيْهِ\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلوًّا في","vol":"1","page":433},{"text":"الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ للمُتَّقِينَ﴾ [القصص (٨٣)] .\n\nالعلو: التكبُّر والاستكبار، والفساد: المعاصي والظلم.\n\n[٦٧٤] وعن أَبي سعيدٍ عبدِ الرحمنِ بن سَمُرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «يَا عَبْدَ الرَّحمن بن سَمُرَةَ، لا تَسْأَلِ الإمَارَةَ؛ فَإنّكَ إن أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن سؤال الإِمارة وأن من سألها لا يعان عليها وكذلك غيرها من الولايات. وروى ابن المنذر عن أنس رفعه: «من طلب\nالقضاء واستعان عليه بالشغماء وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُكره عليه أنزل الله له ملكًا يسدده»\nفيه: استحباب التكفير عن اليمين وفعل الخير قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة (٢٢٤)] .\n\n[٦٧٥] وعن أَبي ذرٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إنِّي أرَاكَ ضَعِيفًا، وَإنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي. لا تَأمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» . رواه مسلم.\n\nفيه: أن العاجز عن القيام بحقوق الإِمارة وتنفيذ أُمورها لا يجوز له أن يدخل فيها، وكذلك العاجز عن إصلاح مال اليتيم.\n\n[٦٧٦] وعنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، ألا تَسْتَعْمِلُني؟ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنّها أمانةٌ، وَإنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلا مَنْ أخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» . رواه مسلم.","vol":"1","page":434},{"text":"قال القرطبي: ووجه ضعفه عنها: أن الغالب على أبي ذر، الزهادة في الدنيا، والإِعراض عنها، ومن كان كذلك لم يعتن بمصالح الدنيا ولا بأموالها، وبمراعتها تنتظم مصالح الدين ويتم أمره.\n\n[٦٧٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإمَارَةِ، وَسَتَكونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه البخاري.\nفيه: كراهة الحرص على الإِمارة.\nقال بعض السلف: أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة. يعني: لمن لم يقم بحقها ولم يعدل فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٨٢- باب حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور عَلَى اتخاذ وزير صالح وتحذيرهم من قرناء السوء والقبول منهم</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿الأَخِلاءُ يَوْمَئذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ ... [الزخرف (٦٧)] .\n\nقال ابن كثير: أي: كل صداقة وصحبة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله ﷿، فإنه دائم بدوامه.\nقلت: والصحبة ثلاث درجات: الأُولى: للدنيا، فهذه تزول بزوال سببها. الثانية: صحبةٌ على المعاصي، فإنها تنقلب عداوةً. الثالثة: صحبة الدين، فإنها تبقي في الدنيا والآخرة.\n\n[٦٧٨] عن أَبي سعيدٍ وأبي هريرة ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَليفَةٍ إلا كَانَتْ","vol":"1","page":435},{"text":"لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأمُرُهُ بالمَعْرُوفِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأمُرُهُ بالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: الحث على اتخاذ وزراء صالحين لولاة الأمور. وأن من سعادة ولي الأمر صلاح جلسائه، ومن شقاوته فساد جلسائه.\nوقد قال الشاعر:\nلا تسل عن المرء وسل عن قرينه ...؟؟ ... فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي ...؟؟؟\n\n[٦٧٩] وعن عائشة ﵂، قالت: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إِذَا أرَادَ اللهُ بِالأَمِيرِ خَيْرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صدقٍ، إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإنْ ذَكَرَ أعَانَهُ، وَإِذَا أرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ عَلَى شرط مسلم.\n\nفيه: الحث على اتخاذ وزير صالح، وأن ذلك من علامة سعادة الوالي، والتحذير من وزير السوء، وأنه علامة على شقاوة الوالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٨٣- باب النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما</span>\nمن الولايات لمن سألها أَوْ حرص عليها فعرَّض بها\n\n[٦٨٠] عن أَبي موسى الأشعريِّ - ﵁ - قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - أنَا وَرَجُلانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أحَدُهُمَا: يَا رسول الله، أمِّرْنَا عَلَى بَعْض مَا ولاكَ اللهُ - ﷿ -، وقال الآخَرُ مِثلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إنَّا وَاللهِ لا نُوَلِّي هَذَا العَمَلَ أحَدًا سَألَهُ، أَوْ أحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nسؤال الولاية والحرص عليها يشعر بأنه لم يَسعَ في ذلك لنفع الإِسلام والمسلمين، وإنما سعى لنفع نفسه بجمع الدنيا، وفي ذلك إهلاك له، وإفساد لأمر الناس دنيا وأُخرى.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>كِتَاب الأَدَب</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٨٤- باب الحياء وفضله والحث على التخلق به</span>\n\n[٦٨١] عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله - ﷺ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَار وَهُوَ يَعِظُ أخَاهُ في الحَيَاءِ، فَقَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «دَعْهُ، فَإنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالأدب: الأخذ بمكارم الأخلاق. والحياء: من الأدب وهو من الإيمان. قال النبي - ﷺ -: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» .\n\n[٦٨٢] وعن عمران بن حصينٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية لمسلمٍ: «الحياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» أَوْ قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ» .\n\nالحياء يكف صاحبه عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحثه على مكارم الأخلاق ومعاليها. قال بعض السلف: رأيت المعاصي نذالة فتركتها مروءةً، فاستحالت ديانةً.\n\n[٦٨٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «الإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً: فَأفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إلهَ إِلا","vol":"1","page":437},{"text":"الله، وَأدْنَاهَا إمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«البِضْعُ» بكسر الباءِ ويجوز فتحها: وَهُوَ مِنَ الثَّلاَثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ.\nوَ«الشُّعْبَةُ»: القِطْعَةُ وَالْخَصْلَةُ. وَ«الإمَاطَةُ»: الإزَالَةُ. وَ«الأَذَى»: مَا يُؤْذِي كَحَجَرٍ وشوك وَطِينٍ ورماد وَقَذَرٍ وَنَحْو ذَلِكَ.\n\nالإيمان: يطلق على جميع أمور الدين من اعتقاد القلب، وقول اللسان، وفعل الجوارح.\n\n[٦٨٤] وعن أَبي سعيدٍ الخدري - ﵁ - قال: كَانَ رسول الله - ﷺ - أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، فَإذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ في وَجْهِه. متفقٌ عَلَيْهِ.\nقَالَ العلماءُ: حَقِيقَةُ الحَيَاءِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ القَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ في حَقِّ ذِي الحَقِّ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبي القاسم الْجُنَيْدِ ﵀، قَالَ: الحَيَاءُ: رُؤيَةُ الآلاءِ - أيْ النِّعَمِ - ورُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ، فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى حَيَاءً. وَالله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٨٥- بابُ حفظ السِّر</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء (٣٤)] .\n\nذكر الآية في حفظ السر لأنه مما يعتاد التعاهد على كتمانه إما لفظًا أو بقرينة الحال.\n[٦٨٥] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ مِنْ أشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي","vol":"1","page":438},{"text":"إِلَى الْمَرْأةِ وتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» . رواه مسلم.\n\nالإفضاء: مباشرة البشرة، وهو كناية عن الجماع. وفي الحديث وعيدٌ شديدٌ على من ذكر تفاصيل ما يقع بيينه وبين امرأته حال الجماع.\n\n[٦٨٦] وعن عبدِ الله بن عمر ﵄: أنَّ عمرَ - ﵁ - حِيْنَ تأيَّمَتْ بِنْتُهُ حَفْصَةُ، قَالَ: لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ - ﵁ -، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: إنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ؟ قَالَ: سأنْظُرُ فِي أمْرِي. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أنْ لا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصديق - ﵁ -، فقلتُ: إنْ شِئْتَ أنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بنْتَ عُمَرَ، فَصَمتَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -، فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا! فَكُنْتُ عَلَيْهِ أوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثَ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا النبي - ﷺ - فَأنْكَحْتُهَا إيَّاهُ. فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِيْنَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ فقلتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرْجِعَ إِلَيْك فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلا أنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أنَّ النبيَّ - ﷺ - ذَكَرَهَا، فَلَمْ أكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله - ﷺ - وَلَوْ تَرَكَهَا النَّبيُّ - ﷺ - لَقَبِلْتُهَا. رواه البخاري.\nقوله: «تَأَيَّمَتْ» أيْ: صَارَتْ بِلا زَوْجٍ، وَكَانَ زَوْجُهَا تُوُفِّيَ - ﵁ -. ... «وَجَدْتَ»: غَضِبْتَ.\n\nفي هذا الحديث: عرض الإنسان موليته على أهل الخير.\nوفيه: كتم السر والمبالغة في إخفائه.\n\n[٦٨٧] وعن عائشة ﵂ قالت: كُنَّ أزْوَاجُ النَّبيِّ - ﷺ -","vol":"1","page":439},{"text":"عِنْدَهُ، فَأقْبَلَتْ فَاطِمَةُ ﵂ تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشيتُها مِنْ مشْيَةِ ... رسول الله - ﷺ - شَيْئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، وقال: «مَرْحَبًا بابْنَتِي»، ثُمَّ أجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكتْ بُكَاءً شَديدًا، فَلَمَّا رَأى جَزَعَهَا، سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ، فقلتُ لَهَا: خَصَّكِ رسولُ الله - ﷺ - مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بالسِّرَارِ، ثُمَّ أنْتِ تَبْكِينَ! فَلَمَّا قَامَ رسولُ الله - ﷺ - سَألْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رسولُ الله - ﷺ -؟ قالت: مَا كُنْتُ لأُفْشِي عَلَى رسول الله - ﷺ - سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رسول الله - ﷺ - قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الحَقِّ، لَمَا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رسول الله - ﷺ -؟ فقالتْ: أمَّا الآن فَنَعَمْ، أمَّا حِيْنَ سَارَّنِي في المَرَّةِ الأُولَى فأخْبَرَنِي أنّ جِبْريلَ كَانَ يُعَارِضُهُ القُرآنَ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَأنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإنِّي لا أُرَى الأجَلَ إِلا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أنَا لَكِ، فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأيْتِ، فَلَمَّا رَأى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ، أمَا تَرْضَيْنَ أنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤُمِنِينَ، أَوْ سَيَّدَةَ نِساءِ هذِهِ الأُمَّةِ؟» فَضَحِكتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأيْتِ. متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلم.\n\nفي الحديث: تقديم المؤانسة قبل الإخبار بالأمر.\nوفيه: أن جزاء الصبر على قدر عظم المصيبة.\nوفيه: لطف المولى سبحانه من تعقيب الكسر بالجبر، والحزن بالفرح، والعسر باليسر.\nوفيه: حفظ السر.\n\n[٦٨٨] وعن ثَابِتٍ عن أنس - ﵁ - قال: أتَى عَلَيَّ رسول الله - ﷺ - وَأنَا ألْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَسَلمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَني فِي حاجَةٍ، فَأبْطَأتُ","vol":"1","page":440},{"text":"عَلَى أُمِّي. فَلَمَّا جِئْتُ، قالت: مَا حَبَسَكَ؟ فقلتُ: بَعَثَني رسولُ الله - ﷺ - لِحَاجَةٍ، قالت: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إنَّهاَ سرٌّ. قالت: لا تُخْبِرَنَّ بِسرِّ رسول الله - ﷺ - أحَدًا، قَالَ أنَسٌ: وَاللهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أحَدًا لَحَدَّثْتُكَ بِهِ يَا ثَابِتُ. رواه مسلم وروى البخاري بعضه مختصرًا.\n\nفي الحديث: حسن خلقه - ﷺ -.\nوفيه: أن حفظ السر يختلف باختلاف الأحوال، فتارةً يجوز إفشاؤه بعد الموت كما في حديث عائشة وفاطمة، وتارة لا يفشي. ولفظ البخاري عن أنس: (أسر النبي - ﷺ - سرًا فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني أمي أم سليم فما أخبرتها به) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٨٦- باب الوفاء بالعهد وَإنجاز الوَعد</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء (٣٤)] .\n\nأي: أوفوا بالعهد الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملون بها فإنَّ كلًا من العهد والعقد مسؤول عنه صاحبه: هل وفَّى به أم لا؟\nوقال تَعَالَى: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل (٩١)] .\n\nيأمر تعالى بالوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأَيمان المؤكدة، ولهذا قال: ﴿وَلا تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل (٩١)] .\nوقال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة (١)] .\n\nقال ابن عباس: يعني: العهود: يعني: ما أحلَّ الله، وما حرَّم، وما حدَّ في القرآن كله ولا تغدروا، ولا تنكثوا.\nوقال زيد بن أسلم: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.","vol":"1","page":441},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف (٢، ٣)] .\n\nالمقت: أشد البغض. وفي الآية وعيٌد شديدٌ لمخالف الوعد، وناكث العهد.\n\n[٦٨٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nزَادَ في روايةٍ لمسلم: «وإنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ» .\n\n[٦٩٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ\nكَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالنفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو نوعان: اعتقادي، ... وعملي. فالاعتقادي: هو النفاق الأكبر، وصاحبه مع الكفار مخلد معهم في النار. قال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [التوبة (٦٧، ٦٨)] .\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلًا﴾ [النساء (١٤٢)] إلى آخر الآيات. والنفاق العملي: هو النفاق الأصغر وهو من كبائر الذنوب.","vol":"1","page":442},{"text":"[٦٩١] وعن جابر - ﵁ - قال: قَالَ لي النبيُّ - ﷺ -: «لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أعْطَيْتُكَ هكَذَا وَهَكَذَا» فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَينِ حَتَّى قُبِضَ النبي - ﷺ - فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أمَرَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رسول الله - ﷺ - عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأتِنَا، فَأتَيْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ: إنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ لي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا، فَإذَا هِيَ خَمْسُ مِئَةٍ، فَقَالَ لِي: خُذْ مِثْلَيْهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.\nلما كان النبي - ﷺ - أولى الناس بمكارم الأخلاق أدى أبو بكر مواعيده عنه، ولم يسأله البينة على ما ادَّعاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>٨٧- باب المحافظة عَلَى مَا اعتاده من الخير</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنْفُسِهِمْ﴾ . [الرعد (١١)] .\n\nأي: لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يُغِّيروا ما بأنفسهم فيعصوا ربهم.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكَاثًا﴾ [النحل (٩٢)] .\nوَ«الأنْكَاثُ»: جَمْعُ نِكْثٍ، وَهُوَ الْغَزْلُ المَنْقُوضُ.\n\nقال مجاهد وغيره: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. قال: كانوا يخالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز فنهوا عن ذلك. والآية تتناول نقض سائر العهود؛ لأن القرآن يعم بلفظه ولا يُقْصَرُ على سبب نزوله، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ... [محمد (٣٣)] .","vol":"1","page":443},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد (١٦)] .\nقال ابن عباس: مالوا على الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله.\nقال البغوي: والمعنى أنَّ الله ﷿ ينهى المؤمنين أن يكونوا - في صحبة القرآن - كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر.\nوقال تَعَالَى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد (٢٧)] .\n\nقال ابن كثير: أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله ﷿.\n\n[٦٩٢] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «يَا عبْدَ الله، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من خير، وكراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبةً.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٨٨- باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوَجه عند اللقاء</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ﴾ [الحجر (٨٨)] .\n\nأي: لين جانبك، وتواضع للمؤمنين\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران (١٥٩)] .","vol":"1","page":444},{"text":"أي: لو كنت عنيفًا قاسي القلب لنفروا عنك.\n\n[٦٩٣] وعن عدي بن حاتمٍ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nأي: اتخذوا ما يقيكم من النار ولو كان يسيرًا من مال، أو خلق حسن.\n\n[٦٩٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ بعض حديث تقدم بطولِه.\n\nالكلمة الطيبة: كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والشفاعة الحسنة، والإصلاح بين الناس ونحو ذلك.\n\n[٦٩٥] وعن أَبي ذَرٍّ - ﵁ - قال: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أنْ تَلْقَى أخَاكَ بوَجْهٍ طَلْيقٍ» . رواه مسلم\n\nالوجه الطليق: هو المتهلل بالبشر والابتسام.\nقال الشاعر:\nبَشَاشَةُ وَجْهِ المَرْءِ خَيْرٌ مِنَ القِرَى ... فَكَيْفَ بِمَنْ يُقْرِي القِرَى وَهُوَ يَضْحَكُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٨٩- باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب</span>\nوتكريره ليفهم إذا لَمْ يفهم إِلا بذلك\n\n[٦٩٦] عن أنسٍ - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةً أعَادَهَا ثَلاَثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا. رواه البخاري.","vol":"1","page":445},{"text":"قال ابن بطال: إنما كان تكرار الكلام والسلام إذا خشي أن لا يفهم عنه، أو لا يسمع سلامه.\nوفيه: أن الثلاث غاية ما يقع فيه البيان.\n[٦٩٧] وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ كَلاَمُ رسول الله - ﷺ - كَلامًا فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُهُ. رواه أَبُو داود.\nأي: أن كلامه - ﷺ - بيِّن ظاهر لكل من سمعه ليس فيه تعقيد ولا تطويل. قال - ﷺ -: «أعطيتُ جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا» . انتهى. وجوامع الكلم أن تجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٩٠- باب إصغاء الجليس لحديث جليسه</span>\nالذي ليس بحرام\nواستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه\n\n[٦٩٨] عن جرير بن عبدِ اللهِ - ﵁ - قال: قَالَ لي رسول الله - ﷺ - في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» ثُمَّ قَالَ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: الأمر بالإنصات للعلماء والأمراء.\nوفيه: وعيدٌ شديدٌ في التقاتل بين المسلمين، واجتناب الأسباب المؤدية إلى ذلك من التقاطع، والتحاسد، والتباغض، والتدابر والتظالم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٩١- بابُ الوَعظ والاقتصاد فِيهِ</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبيلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل (١٢٥)] .","vol":"1","page":446},{"text":"في هذه الآية: الأمر بالدعاء إلى دين الله، وتوحيده بالقرآن، وما فيه من المواعظ بلين ورفق من غير تغليظ، ولا تعنيف، ولهذا قال: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل (١٢٥)] .\n\n[٦٩٩] وعن أَبي وائلٍ شقيقِ بن سَلَمَةَ، قَالَ: كَانَ ابنُ مَسْعُودٍ - ﵁ - يُذَكِّرُنَا في كُلِّ خَمِيسٍ مرة، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ، لَوَدِدْتُ أنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: أمَا إنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أنَّي أكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُمْ، وَإنِّي أتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ رسول الله - ﷺ - يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. متفقٌ عَلَيْهِ.\n«يَتَخَوَّلُنَا»: يَتَعَهَّدُنَا.\nالموعظة: الوعظ، وهو الترغيب في ثواب الله لمن أطاعه، والترهيب من عقابه لمن عصاه.\nوفي الحديث: مراعاة الأوقات في التذكير، لأن النفوس من طبعها الملل مما يداوم عليه وإن كان محبوبًا لها.\n\n[٧٠٠] وعن أَبي اليقظان عمار بن ياسر ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ طُولَ صَلاَةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقههِ، فأطِيلُوا الصَّلاَةَ وَأقْصِرُوا الْخُطْبَةَ» . رواه مسلم\n«مَئِنَّةٌ» بميم مفتوحة ثُمَّ همزة مكسورة ثُمَّ نون مشددة، أيْ: عَلاَمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى فِقْهِهِ.\n\nإنما كان قصر الخطبة علامة على فقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على حقائق المعاني، وجوامع الألفاظ فيتمكن من التعبير بالكلام الجزل المفيد.\n[٧٠١] وعن مُعاوِيَة بن الحكم السُّلَمي - ﵁ - قال: بَيْنَا","vol":"1","page":447},{"text":"أنَا أُصَلّي مَعَ رسول الله - ﷺ - إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي القَوْمُ بِأبْصَارِهِمْ! فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ، مَا شَأنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأيديهم عَلَى أفْخَاذِهِمْ! فَلَمَّا رَأيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لكِنّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلّى رسول الله - ﷺ - فَبِأبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَني، وَلا ضَرَبَنِي، وَلا شَتَمَنِي. قَالَ: «إنَّ هذِهِ الصَّلاَةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَقِراءةُ القُرْآنِ»، أَوْ كَمَا قَالَ رسول الله - ﷺ -. قلتُ: يَا رسول الله، إنّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالإسْلاَمِ، وَإنَّ مِنّا رِجَالًا يَأتُونَ الْكُهّانَ؟ قَالَ: «فَلا تَأتِهِمْ» قُلْتُ: وَمِنّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟ قَالَ: «ذَاكَ شَيْء يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ فَلا يَصُدَّنَّهُمْ» . رواه مسلم.\n«الثُكْلُ» بضم الثاءِ المُثلثة: المُصيبَةُ الفَجِيعَةُ. «مَا كَهَرَنِي» أيْ: مَا نَهَرَنِي.\n\nقوله: «إنما هي التسبيح»، أي: إنما الكلمات الصالحة فيها التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ونحو ذلك.\nوفي رواية: إنما هو، أي: الذي يصلح في الصلاة التسبيح ونحوه.\nوفي الحديث: أن من تكلم جاهلًا لا تبطل صلاته.\nوفيه: النهي عن إتيان الكهان، والنهي عن التطير، وعن العمل بالطيرة.\n[٧٠٢] وعن العِرْباض بن ساريَةَ - ﵁ - قال: وَعَظَنَا رسول الله - ﷺ - مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ ... وَذَكَرَ","vol":"1","page":448},{"text":"الحَدِيثَ وَقَدْ سَبَقَ بِكَمَالِهِ في باب الأمْر بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّة، وَذَكَرْنَا أنَّ التَّرْمِذِيَّ، قَالَ: (إنّه حديث حسن صحيح) .\n\nفي الحديث: استحباب الموعظة بما يحرك القلوب من الكلام الجزل الجامع البليغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٩٢- باب الوقار والسكينة</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًَا﴾ [الفرقان (٦٣)] .\n\nالهون: السيكنة والوقار، أي: يمشون متواضعين غير أشرين، ولا مرحين، ولا متكبِّرين.\nقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا.\nوقال الحسن البصري: إنَّ المؤمنين قوم ذلل ذلت منهم والله الأسماع، والأبصار، والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى وما بالقوم من مرض وإنهم والله لأصحّاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة. فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجندَ ولكن أبكاهم الخوف من النار أنه من لم يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه عن الدنيا حسرات. ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قلَّ علمه، وحضر عذابه.\nقال ابن كثير: والمراد بالهون هنا: لسكينة والوقار، وليس المراد أنهم يمشون كالمرض تصنُّعًا ورياء. فقد كان سيِّد ولد آدم - ﷺ - إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له.\n[٧٠٣] وعن عائشة ﵂ قالت: مَا رَأيْتُ رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":449},{"text":"مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى تُرَى مِنهُ لَهَوَاتُهُ إنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n«اللَّهْوَاتُ» جَمْعُ لَهَاةٍ: وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتي في أقْصى سَقْفِ الْفَمِ.\n\nكان النبي - ﷺ - يبتسم ويضحك ولا يبالغ في الضحك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٩٣- باب الندب إِلَى إتيان الصلاة</span>\nوالعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ﴾ ... [الحج (٣٢)] .\n\nأي: تعظيم أوامر الله ناشئ من تقوى قلوبهم.\n\n[٧٠٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَلا تَأتُوهَا وَأنْتُمْ تَسْعَونَ، وَأتُوهَا وَأنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أدْرَكْتُم فَصَلُّوا وَمَا فَاتكُمْ فَأَتِمُّوا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nزاد مسلِمٌ في روايةٍ لَهُ: «فَإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلاَةِ فَهُوَ في صَلاَةٍ» .\n\nقال النووي: السكينة: التأني في الحركات، واجتناب العبث والوقار في الهيئة كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات.\nقوله: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا»، أي: أكملوا ما بقي من صلاتكم.","vol":"1","page":450},{"text":"[٧٠٥] وعن ابن عباس ﵄: أنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النبيُّ - ﷺ - وَرَاءهُ زَجْرًا شَديدًا وَضَرْبًا وَصَوْتًا للإِبْلِ، فَأشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ، وقال: «أيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ، فَإنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بالإيضَاعِ» رواه البخاري، وروى مسلم بعضه.\n«الْبِرُّ»: الطَّاعَةُ. وَ«الإيضَاعُ» بِضادٍ معجمةٍ قبلها ياءٌ وهمزةٌ مكسورةٌ، وَهُوَ: الإسْرَاعُ.\n\nأي: أن البر ليس بالعجلة وإنما هو بالخضوع، والخشوع والاستكانة لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٩٤- باب إكرام الضيف</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًَا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ ألا تَأكُلُونَ﴾ [الذاريات (٢٤: ٢٧)] .\n\nقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾، فيه تعظيم لشأن هذا الحديث، وتنبيه على أنه إنما عرف ذلك بالوحي، ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا﴾، أي: نسلم عليكم سلامًا. قال: ﴿قَالَ سَلامٌ﴾، أي: عليكم ﴿قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾، أي: أنتم قوم لا نعرفكم، ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾، أي: انسل خفيةً في سرعة، ﴿فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾، وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة فإنه جاء بطعام بسرعة من حيث لا يشعرون وأتى بأفضل ما وجد من ماله ووضعه بين أيديهم، وقال: ألا تأكلون؟ على سبيل العرض والتلطف.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ في ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود (٧٨)] .","vol":"1","page":451},{"text":"﴿وَجَاءهُ﴾، أي: لوطًا ﴿قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يسرعون إليه عجلة لنيل مطلوبهم من أضيافه. ﴿وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: يأتون الرجال، يعني هذه عادتهم من قبل. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي﴾، أي: فتزوَّجوهن واتركوا أضيافي.\nوقال الشيخ ابن سعدي: ﴿وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾، يريدون فعل الفاحشة بأضياف لوط. فقال: ﴿يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، لعلمه أنه لا حق بهم فيهن كما عرض سليمان للمرأتين حين اختصما في الولد. فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. ومن المعلوم أنه لا يقع ذلك، وهذا مِثْلُه. ولهذا قال قومه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود (٧٩)]، وأيضًا يريد بعض العذر من أضيافه.\n\n[٧٠٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nإكرام الضيف تلقيه بطلاقة الوجه، وتعجيل قراه.\nوفيه: أن إكرام الضيف، وصلة الرحم، وقول الخير، والصمات عن الشر من الإِيمان.\n[٧٠٧] وعن أَبي شُرَيْح خُوَيْلِدِ بن عَمرو الخُزَاعِيِّ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ» قالوا: وَمَا جَائِزَتُهُ؟ يَا رسول الله، قَالَ: «يَوْمُهُ","vol":"1","page":452},{"text":"وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية لِمسلمٍ: «ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يُقِيمَ عِنْدَ أخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ» قالوا: يَا رسول الله، وَكيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: «يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلا شَيْءَ لَهُ يُقْرِيه بِهِ» .\n\nقال العلماء: المطلوب من المضيف أن يبالغ في إكرام الضيف اليوم الأول وليلته، وفي باقي اليومين يأتي له بما تيسر من الإِكرام.\nوفي الحديث: الحث على النظر إلى حال المضيف، والتخفيف عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٩٥- باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْ عبادِ الذينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فيتَّبِعُونَ أَحْسَنهُ﴾ [الزمر (١٧، ١٨)] .\n\nالتبشير: الإِخبار بما يَسرُّ، ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾، أي: القرآن، ... ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، أي: يعملون بما فيه.\nوقال السدي: أحسن ما يؤمرون به. وقيل: أحسن الأُمور الخير فيها، كالعفو عن الظالم والعفو عن نصف الصداق، والعفو عن المعسر.\nوقال تَعَالَى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ . [التوبة (٢١)] .\n\nهذه أعظم بشارة؛ لأنَّ الرب ﷿ هو المبشر، والمبشر به الجنة، والخلود فيها، والرضوان من الله، والمبشرون المؤمنون.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتي كُنْتُم تُوعَدُونَ﴾ . [فصلت (٣٠)] .\n\nوهذه بشارة الملائكة للمؤمنين عند الموت.\nوقال تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات (١٠١)] .","vol":"1","page":453},{"text":"وهو إسماعيل ﵇.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلَقدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إبْراهِيمَ بِالبُشْرَى﴾ [هود (٦٩)] .\nوقال تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود (٧١)] .\n\nقال ابن كثير: فضحكت سارة استبشارًا بهلاك قوم لوط، لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإِياس.\nوقال تَعَالَى: ﴿فَنَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران (٣٩)] .\n\nقيل: سُمِّي محل الصلاة محرابًا لأنَّ المصلي يحارب فيه الشيطان. وقال تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمسِيحُ﴾ [آل عمران (٤٥)] الآية.\n\nقيل: سُمِّي عيسى ﵇ كلمة لأنه كان بـ (كُنْ) .\nوالآيات في الباب كثيرة معلومة.\nوأما الأحاديث فكثيرةٌ جِدًّا وهي مشهورة في الصحيح، مِنْهَا:\n\n[٧٠٨] عن أَبي إبراهيم، ويقال: أَبُو محمد، ويقال: أَبُو معاوية عبد اللهِ ابن أَبي أوفى ﵁: أنّ رسول الله - ﷺ - بَشَّرَ خَدِيجَةَ ﵂ ببَيْتٍ في الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيهِ، وَلا نَصَبَ. متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":454},{"text":"«القَصَبُ»: هُنَا اللُّؤْلُؤُ الْمُجَوَّفُ. وَ«الصَّخَبُ»: الصِّياحُ وَاللَّغَطُ. وَ«النَّصَبُ»: التَّعَبُ.\n\nفي هذا الحديث: فضل خديجة ﵂.\nوفيه: أن الجنة لا تعب فيها؛ لأنها منزل تشريف وإجلال لا دار تكليف وأعمال.\n[٧٠٩] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - أنَّهُ تَوَضَّأ في بَيْتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: لأَلْزَمَنَّ رسول الله - ﷺ - وَلأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا، فَجَاءَ الْمَسْجِدَ، فَسَألَ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: وجَّهَ ها هُنَا، قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أثَرِهِ أسْألُ عَنْهُ، حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أريسٍ، فَجَلَسْتُ عِندَ البَابِ حتَّى قضى رسول الله - ﷺ - حاجتهُ وتوضأ، فقمتُ إليهِ، فإذا هو قد جلسَ على بئرِ أريسٍ وتوَسَّطَ قُفَّهَا، وكشَفَ عنْ ساقيهِ ودلاهُما في البئرِ، فسلمتُ عَليهِ ثمَّ انصَرَفتُ، فجلستُ عِندَ البابِ، فَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ بَوَّابَ رسولِ اللهِ - ﷺ - الْيَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - فَدَفَعَ الْبَابَ، فقلتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فقُلتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهبْتُ، فقلتُ: يَا رسول الله، هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَستَأْذِنُ، فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» فَأقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لأَبي بَكْرٍ: ادْخُلْ وَرسول الله - ﷺ - يُبَشِّرُكَ بِالجَنَّةِ، فَدَخَلَ أَبُو بَكرٍ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَمينِ ... النَّبيِّ - ﷺ - مَعَهُ في القُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ في البِئْرِ كَمَا صَنَعَ رسول الله - ﷺ - وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَجَلَسْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ أخِي يَتَوَضَّأ وَيَلْحَقُنِي، فقلتُ: إنْ يُرِدِ الله بِفُلانٍ – يُريدُ أخَاهُ – خَيْرًا يَأتِ بِهِ.\nفَإذَا إنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَاب، فقلتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بن الخَطّابِ، فقلتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رسول الله - ﷺ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ يَسْتَأذِنُ؟ فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ» فَجِئْتُ عُمَرَ، فقلتُ: أَذِنَ وَيُبَشِّرُكَ رسول الله - ﷺ - بِالجَنَّةِ، فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رسول الله - ﷺ - في القُفِّ عَنْ يَسَارِهِ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ في البِئرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ، فَقُلتُ: إنْ يُرِدِ اللهُ بِفُلاَنٍ خَيْرًا – يَعْنِي أخَاهُ – يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إنْسَانٌ فَحَرَّكَ الْبَابَ.","vol":"1","page":455},{"text":"فَقُلتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بن عَفَّانَ. فقلتُ: عَلَى رِسْلِكَ، وجِئْتُ النَّبيَّ - ﷺ - فأخْبَرْتُهُ، فقالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ» فَجِئْتُ، فقلتُ: ادْخُلْ وَيُبَشِّرُكَ رسولُ الله - ﷺ - بِالجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصيبُكَ، فَدَخَلَ فَوجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ، فجلس وِجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخرِ. قَالَ سَعيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nوزاد في رواية: وأمرني رسولُ الله - ﷺ - بحفظِ الباب. وَفيها: أنَّ عُثْمانَ حِيْنَ بَشَّرَهُ حَمِدَ اللهَ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: اللهُ المُسْتَعانُ.\nوَقَوْلُه: «وَجَّهَ» بفتحِ الواوِ وتشديد الجيمِ. أيْ: تَوَجَّهَ. وَقَوْلُه: «بِئْر أَرِيْسٍ» هُوَ بفتح الهمزة وكسرِ الراءِ وبعدها ياءٌ مثناة من تحت ساكِنة ثُمَّ سِين مهملة وَهُوَ مصروف ومنهم من منع صرفه، وَ«القُفُّ» بضم القاف وتشديد الفاءِ: وَهُوَ المبنيُّ حول البئر. قَوْلُه: «عَلَى رِسْلِك» بكسر الراء عَلَى المشهور، وقيل: بفتحِهَا، أيْ: ارفق.\n\nفي هذا الحديث: حسن ثمرة لزوم الأدب.\nوفيه: حسن الأدب في الاستئذان.","vol":"1","page":456},{"text":"وفيه: الصبر على توقيع المصيبة وحمد الله تعالى على السراء والضراء\nوفيه: التبشير بالخير.\n[٧١٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رسول الله - ﷺ - وَمَعَنَا أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ ﵄ في نَفَرٍ، فَقَامَ رسولُ الله - ﷺ - مِنْ بَيْنِ أظْهُرِنَا فَأبْطَأ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أبْتَغِي رسول الله - ﷺ - حَتَّى أتَيْتُ حَائِطًا للأنصَارِ لِبَني النَّجَارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أجِدُ لَهُ بَابًا؟ فَلَمْ أجِدْ! فَإذَا رَبيعٌ يَدْخُلُ في جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَهُ – وَالرَّبِيعُ: الجَدْوَلُ الصَّغِيرُ – فَاحْتَفَزْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رسول الله - ﷺ - فَقال: «أَبُو هُرَيْرَةَ؟» فقلتُ: نَعَمْ، يَا رسول اللهِ، قَالَ: «مَا شأنُكَ؟» قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأبْطَأتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، ففزعنا، فَكُنْتُ أوّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأتَيْتُ هَذَا الحَائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وهؤلاء النَّاسُ وَرَائِي. فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيرَةَ» وَأعْطَانِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أنْ لا إله إِلا الله مُسْتَيْقِنًَا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ ...» وَذَكَرَ الحديثَ بطوله. رواه مسلم.\n«الرَّبِيعُ»: النَّهْرُ الصَّغَيرُ، وَهُوَ الجَدْوَلُ - بفتح الجيمِ - كَمَا فَسَّرَهُ في الحديث. وَقَوْلُه: «احْتَفَزْتُ» روِي بالراء وبالزاي، ومعناه بالزاي: تَضَامَمْتُ وتَصَاغَرْتُ حَتَّى أمْكَنَنِي الدُّخُولُ.\nفي هذا الحديث: بشارةٌ عظيمةٌ لأهل التوحيد. وأن من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه فله الجنة.\n\n[٧١١] وعن ابن شِمَاسَة، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بنَ العَاصِ - ﵁ - وَهُوَ في سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الجِدَارِ،","vol":"1","page":457},{"text":"فَجَعَلَ ابْنُهُ، يَقُولُ: يَا أبَتَاهُ، أمَا بَشَّرَكَ رسولُ الله - ﷺ - بكَذَا؟ أمَا بَشَّرَكَ رسولُ الله - ﷺ - بِكَذَا؟ فَأقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إنَّ أفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أنْ لا إلهَ إِلا الله، وَأنَّ مُحَمَّدًا رسول اللهِ، إنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أطْبَاقٍ ثَلاَثٍ: لَقَدْ رَأيْتُنِي وَمَا أحَدٌ أشَدُّ بُغضًا لرسولِ الله - ﷺ - مِنِّي، وَلا أحَبَّ إليَّ مِنْ أنْ أكُونَ قدِ اسْتَمكنتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُه، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تلكَ الحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإسلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النبي - ﷺ - فقُلْتُ: ابسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعُك، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟» قلتُ: أردتُ أنْ أشْتَرِطَ، قَالَ: «تَشْتَرِط مَاذا؟» قُلْتُ: أنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: «أمَا عَلِمْتَ أن الإسلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأن الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبلَهَا، وَأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» وَمَا كَانَ أحدٌ أحَبَّ إليَّ مِنْ رسول الله - ﷺ - وَلا أجَلَّ في عَيني مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطيقُ أن أملأ عَيني مِنْهُ؛ إجلالًا لَهُ، ولو سئلت أن أصفه مَا أطقت، لأني لَمْ أكن أملأ عيني مِنْهُ، ولو مُتُّ عَلَى تِلْكَ الحالِ لَرجَوْتُ أن أكُونَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ.\nثُمَّ وَلِينَا أشْيَاءَ مَا أدْرِي مَا حَالِي فِيهَا؟ فَإذَا أنَا مُتُّ فَلا تَصحَبَنِّي نَائِحَةٌ وَلا نَارٌ، فَإذا دَفَنْتُمُونِي، فَشُنُّوا عَليَّ التُّرابَ شَنًّا، ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأنْظُرَ مَا أُرَاجعُ بِهِ رسُلَ رَبّي. رواه مسلم.\nقَوْله: «شُنُّوا» رُوِي بالشّين المعجمة والمهملةِ، أيْ: صُبُّوه قَليلًا قَليلًا، والله سبحانه أعلم.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ المؤمن لا تفارقه خشية الله ولو عمل من الصالحات ما عمل، كما قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون (٦٠)] .","vol":"1","page":458},{"text":"وفيه: إثبات فتنة القبر، وسؤال الملكين، واستحباب المكث بعد القبر، والدعاء له.\nوفيه: كراهة استصحاب النار للميت إلا أن تدعو إليها حاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>٩٦- باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر</span>\nوغيره والدعاء لَهُ وطلب الدعاء مِنْهُ\n\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قَالَ لِبَنيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إلهَكَ وَإلهَ آبَائِكَ إبْراهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحاقَ إلهًَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ... [البقرة (١٣٢، ١٣٣)] .\nقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾، أي: بالملة، وكلمة الإِخلاص لا إله إلا الله ﴿إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾، ووصى بها أيضًا يعقوب بنيه فقالا: ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّينَ﴾، أي: دين الإسلام، ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، أي: دوموا على الإسلام حتى تموتوا. وقالت اليهود للنبي - ﷺ -: ألستَ تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟ فردَّ الله عليهم بقوله ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قَالَ لِبَنيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إلهَكَ وَإلهَ آبَائِكَ إبْراهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحاقَ إلهًَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، وإسماعيل عم يعقوب، فهو من التغليب.\nوأما الأحاديث:\n\n[٧١٢] حديث زيد بن أرقم - ﵁ - الَّذِي سبق في بَابِ إكرام أهْلِ بَيْتِ رسول الله - ﷺ - قَالَ: قَامَ رسول الله - ﷺ - فِينَا خَطِيبًا، فَحَمِدَ الله، وَأثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أمَّا بَعْدُ، ألا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يَأتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ، أوَّلَهُمَا: كِتَابُ اللهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ","vol":"1","page":459},{"text":"وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي» رواه مسلم، وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ.\n\nفي هذا الحديث: الحث على التمسُّك بكتاب الله، والاعتصام بحبله.\nوفيه: التمسُّك بمحبَّة أهل بيت رسول الله - ﷺ -.\n[٧١٣] وعن أَبي سليمان مالِك بن الحُوَيْرِثِ - ﵁ - قَالَ: أَتَيْنَا رسول الله - ﷺ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رسولُ الله - ﷺ - رَحِيمًا رَفيقًا، فَظَنَّ أنّا قد اشْتَقْنَا أهْلَنَا، فَسَألَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أهْلِنَا، فَأخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أهْلِيكُمْ، فَأقِيمُوا فِيهمْ، وَعَلِّمُوهُم وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِي حِيْنِ كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا في حِيْنِ كَذَا، فَإذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أكْبَرُكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nزاد البخاري في رواية لَهُ: «وَصَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» .\nقَوْلُه: «رحِيمًا رَفِيقًا» رُوِيَ بِفاءٍ وقافٍ، وَرُوِيَ بقافينِ.\n\nفي الحديث: ما يدل على تساويهم فِي الأَخذ عنه - ﷺ - ومدة الإِقامة عنده، فلم يبق إلا السن، فلهذا قال: «وليؤمكم أكبركم»، وأما الأذان: فالقصد منه الإِعلام بدخول وقت الصلاة، فاستوى فيه الكامل وغيره، فلهذا قال: «فليؤذن لكم أحدكم» .\n\n[٧١٤] وعن عمرَ بن الخطاب - ﵁ - قال: اسْتأذَنْتُ النَّبيَّ - ﷺ - في العُمْرَةِ، فَأذِنَ، وقال: «لا تَنْسَانَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ» فقالَ كَلِمَةً ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا.\nوفي رواية قَالَ: «أشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ في دُعَائِكَ» . رواه أَبُو داود","vol":"1","page":460},{"text":"والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: مزيد تواضعه - ﷺ - والحث على سؤال الدعاء من سائر المسلمين، وإن كان السائل أفضل.\n[٧١٥] وعن سالم بنِ عبدِ الله بنِ عمر: أنَّ عبدَ اللهِ بن عُمَرَ ﵄، كَانَ يَقُولُ للرَّجُلِ إِذَا أرَادَ سَفَرًا: ادْنُ مِنِّي حَتَّى أُوَدِّعَكَ كَمَا كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يُوَدِّعُنَا، فَيَقُولُ: «أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ، وَأمَانَتَكَ، وَخَواتِيمَ عَمَلِكَ» رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ غريب) .\n\n[٧١٦] وعن عبدِ الله بن يزيدَ الخطْمِيِّ الصحابيِّ - ﵁ - قال: كَانَ ... رسولُ الله - ﷺ - إِذَا أرَادَ أنْ يُوَدِّعَ الجَيشَ، قَالَ: «أسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكُمْ، وَأمَانَتَكُمْ، وَخَواتِيمَ أعْمَالِكُمْ» حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بإسناد صحيح.\n\nفي الحديث: كمال فضله - ﷺ - وتوديعه لأصحابه مع علو مقامه، وذكر الدين، لأن السفر مظنة التساهل في أمره والأمانة: التكاليف الشرعية، وذكر خواتيم الأعمال اهتمامًا بشأنها؛ لأن الأعمال بالخواتيم.\n\n[٧١٧] وعن أنسٍ - ﵁ - قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي - ﷺ - فَقَالَ: يَا رسولَ الله إنّي أُرِيدُ سَفَرًا، فَزَوِّدْنِي، فَقَالَ: «زَوَّدَكَ الله التَّقْوَى» قَالَ: زِدْنِي قَالَ: «وَغَفَرَ ذَنْبَكَ» قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: استحباب مجيء المسافر لأصحابه، وسؤاله دعاءهم، وعلم - ﷺ - بقرينة حال السائل أن مراده الإِمداد بالدعاء، فلذا قال: «زودك الله التقوى» .\n\n٩٧-","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>باب الاستِخارة والمشاورة</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران (١٥٩)]، وقال تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى (٣٨)] أيْ: يَتَشَاوَرُونَ فِيهِ.\nالاستخارة: سؤال خير الأمرين من الله تعالى. وفي المشاورة تطييب لقلوب الأصحاب، واستظهار رأي قد يخفى.\n\n[٧١٨] وعن جابر - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في الأمُورِ كُلِّهَا كَالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أحَدُكُمْ بِالأمْرِ، فَلْيَركعْ ركْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ ليقل: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وأسْألُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيْمِ، فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أعْلَمُ، وَأنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لِي في دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أمْرِي» أَوْ قَالَ: «عَاجِلِ أمْرِي وَآجِلِهِ، فاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ. وَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي في دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي» أَوْ قَالَ: «عَاجِلِ أمْرِي وَآجِلِهِ؛ فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أرْضِنِي بِهِ» قَالَ: «وَيُسَمِّيْ حَاجَتَهُ» رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: استحباب الاستخارة في الأمور كلها. وورد في بعض الآثار (ما ندم من استخار الله وشاور المخلوقين) . وفي كلام الحكمة: أن الناس ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا رجل، فالرجل من كان له رأي ويستشير. ونصف الرجل من كان له رأي ولا يستشير، أو ليس له رأي ويستشير. والناقص من لا رأي له، ولا يتشير.","vol":"1","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>٩٨- باب استحباب الذهاب إِلَى العيد</span>\nوعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق، والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة\n[٧١٩] عن جابر - ﵁ - قال: كَانَ النبي - ﷺ - إِذَا كَانَ يومُ عيدٍ خَالَفَ الطَّريقَ. رواه البخاري.\nقَوْله: «خَالَفَ الطَّريقَ» يعني: ذَهَبَ في طريقٍ، وَرَجَعَ في طريقٍ آخَرَ.\n\nقيل: يستحب أن يجعل الطريق للذهاب حيث لا يخشى الفوات.\n\n[٧٢٠] وعن ابن عُمَرَ ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَريق الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَريقِ الْمُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ، دَخَلَ مِن الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. متفقٌ عَلَيْهِ.\nثنية العليا: هي المسماة الآن ريع الحمول، والسفلى: الشبيكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>٩٩- باب استحباب تقديم اليمين</span>\nفي كل مَا هو من باب التكريم\n\nكالوضوءِ وَالغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالنَّعْلِ وَالخُفِّ وَالسَّرَاوِيلِ وَدُخولِ الْمَسْجِدِ، وَالسِّوَاكِ، وَالاكْتِحَالِ، وَتقليم الأظْفار، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الإبْطِ، وَحلقِ الرَّأسِ، وَالسّلامِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَالأكْلِ، والشُّربِ، وَالمُصافحَةِ، وَاسْتِلاَمِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، والخروجِ منَ الخلاءِ، والأخذ والعطاء وغيرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ في معناه. ويُسْتَحَبُّ تَقديمُ","vol":"1","page":463},{"text":"اليسارِ في ضدِ ذَلِكَ، كالامْتِخَاطِ وَالبُصَاقِ عن اليسار، ودخولِ الخَلاءِ، والخروج من المَسْجِدِ، وخَلْعِ الخُفِّ والنَّعْلِ والسراويلِ والثوبِ، والاسْتِنْجَاءِ وفِعلِ المُسْتَقْذرَاتِ وأشْبَاه ذَلِكَ.\n\nالجامع لهذا أنه يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التطييب والتكريم، وتقديم اليسرى في كل ما هو من باب الإهانة والاستقذار.\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بيَمينِهِ فَيْقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيْه﴾ [الحاقة (١٩)] الآيات، وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أصْحَابُ المَيْمَنَةِ * وَأَصْحابُ المَشْئَمَةِ مَا أصْحَابُ المَشْئَمَةِ﴾ [الواقعة (٨، ٩)] .\n\nعن أبي عثمان قال: المؤمن يُعطى كتابه بيمينه في ستر من الله، فيقرأ سيَّئاته، فكلما قرأ سيئَّة تغيَّر لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه. ثم ينظر فإذا سيَّائته قد بُدِّلت حسنات. قال فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ﴾ .\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة (٢٥)] قال ابن السائب: تُلوى يده اليسرى خلف ظهره، ثم يُعطى كتابه.\nوقال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة (٨، ٩)] .\nقال ابن عباس: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أُخرجت الذرية من صلبه، وأصحاب المشأمة: هم الذين كانوا على شمال آدم.\nوقال الحسن: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله. وأصحاب المشأمة: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.\n\n[٧٢١] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسولُ الله - ﷺ -","vol":"1","page":464},{"text":"يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في شَأنِهِ كُلِّهِ: في طُهُورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَتَنَعُّلِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم، واستحباب استعمال اليسرى في ما كان من باب الاستقذار. قال الشارح، ويكون إمساك السواك باليد اليمنى.\n[٧٢٢] وعنها قالت: كَانَتْ يَدُ رسول الله - ﷺ - اليُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتِ يده الْيُسْرَى لِخَلائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أذَىً. حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بإسنادٍ صحيحٍ.\n\nالأذى: كالامتخاط، والاستنجاء، ونحو ذلك.\n\n[٧٢٣] وعن أم عطية ﵂: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ لهن في غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ ﵂: «ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: استحباب التيامن في غسل الميت كاستحبابه في غسل الحي.\n\n[٧٢٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدأْ بِالشِّمَالِ. لِتَكُنْ اليُمْنَى أوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرُهُمَا تُنْزَعُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: استحباب البداءة باليمين في لبس النعل، وبالشمال في نزعها ويقاس على ذلك لبس الثوب، والسراويل ونحوها.\n\n[٧٢٥] وعن حفصة ﵂: أنَّ رسول الله - ﷺ - كَانَ","vol":"1","page":465},{"text":"يجعل يَمينَهُ لطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ يَسَارَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ. رواه أَبُو داود وغيره.\n\n[٧٢٦] وعن أَبي هُريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا لَبِسْتُمْ، وَإِذَا تَوَضَّأتُمْ، فَابْدَأوا بأيَامِنِكُمْ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح.\n\nفيه: مشروعية البداءة بغسل اليد اليمنى قبل اليسرى في الوضوء، وكذلك في الرجلين.\n[٧٢٧] وعن أنس - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - أتى مِنىً، فَأتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أتَى مَنْزِلَهُ بِمِنَىً ونحر، ثُمَّ قَالَ لِلحَلاقِ: «خُذْ» وأشَارَ إِلَى جَانِبهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية: لما رمَى الجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ، نَاوَلَ الحَلاقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأنْصَارِيَّ - ﵁ -، فَأعْطَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فَقَالَ: «احْلِقْ»، فَحَلَقَهُ فَأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» .\n\nفيه: البدء بيمين المحلوق. وفيه: فضيلة أبي طلحة، وهو زوج أم سليم، وهو الذي حفر قبر النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>كتاب آداب الطعام</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>١٠٠- باب التسمية في أوله والحمد في آخره</span>\n\n[٧٢٨] وعن عُمَرَ بنِ أبي سَلمة ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينكَ، وكُلْ مِمَّا يَليكَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: الأمر بالتسمية عند الأكل، والأكل باليمين، ومن الجانب الذي يليه.\n\n[٧٢٩] وعن عائشة ﵂، قالت: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى، فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى في أوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بسم اللهِ أوَّلَهُ وَآخِرَهُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: أن من نسي التسمية عند أول الطعام أنه يقول إذا ذكر: بسم الله أوله وآخره.\n[٧٣٠] وعن جابرٍ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقولُ: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ لأَصْحَابِهِ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ؛ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أدْرَكْتُم المَبيتَ وَالعَشَاءَ» . رواه مسلم","vol":"1","page":467},{"text":"فيه: أن الذكر يطرد الشيطان، فإن الشيطان يشارك الإنسان في كل شيء، قال لله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الإسراء (٦٤)] .\n\n[٧٣١] وعن حُذَيْفَةَ - ﵁ - قال: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - طَعَامًا، لَمْ نَضَعْ أيدِينَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءتْ جَارِيَةٌ كَأنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا في الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رسولُ الله - ﷺ - بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيّ كأنَّمَا يُدْفَعُ، فَأخَذَ بِيَدهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسمُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَإنَّهُ جَاءَ بهذِهِ الجارية لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بهذا الأعرَابيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأخذْتُ بِيَدِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ يَدَيْهِمَا» ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى وَأكَلَ. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: التأدب مع الرئيس، وتعليم الجاهل والأخذ على يده.\n[٧٣٢] وعن أُمَيَّةَ بن مَخْشِيٍّ الصحابيِّ - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - جَالِسًَا، وَرَجُلٌ يَأكُلُ، فَلَمْ يُسَمِّ اللهَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلا لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ، قَالَ: بِسْمِ اللهِ أوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النبي - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: «مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسمَ اللهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ» . رواه أَبُو داود والنسائي.\n\nفيه: أن من لم يسم أكل معه الشيطان، فإذا سمى قاء الشيطان ما أكله.\n\n[٧٣٣] وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يَأكُلُ طَعَامًا في سِتَّةٍ مِنْ أصْحَابِهِ، فَجَاءَ أعْرَابِيٌّ، فَأكَلَهُ بلُقْمَتَيْنِ. فَقَالَ ...","vol":"1","page":468},{"text":"رسولُ الله - ﷺ -: «أما إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: أنه إذا لم يسم على الطعام نزعت منه البركة.\n\n[٧٣٤] وعن أَبي أُمَامَة - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ، قال: ... «الْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَاركًَا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلا مُوَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنَىً عَنْهُ رَبَّنَا» . رواه البخاري.\n\nمعنى: «غير مَكْفِيٍّ»: أنه يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، ومعنى: «ولا مستغنى عنه»: أن كل خلقه محتاجون إليه كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر (١٥)] .\nقال الخطابي: المراد بهذا الدعاء كله الباري ﷾، والضمير يعود إليه. وقال صاحب \" المطالع \": الضمير يعود على الطعام: قال الحربي: المكفي الإناء المقلوب للاستغناء عنه.\n[٧٣٥] وعن معاذِ بن أنسٍ - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أكَلَ طَعَامًَا، فَقال: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا الطعام، وَرَزَقنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقوله: «من غير حول مني»، أي: حيلة، ولا قوة، قيل: (أشار به إلى طريقي التحصيل للطعام، فإن القوي يحصله ظاهرًا بقوته، والضعيف بحيلته. فأشار به إلى أن حصول ذلك بمحض الفضل من الله تعالى. ورواه أحمد بزيادة: «","vol":"1","page":469},{"text":"ومن لبس ثوبًا فقال: الحمد الله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقد من ذنبه وما تأخر» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>١٠١- باب لا يَعيبُ الطّعام واستحباب مَدحه</span>\n\n[٧٣٦] وعن أَبي هُريرة - ﵁ - قال: مَا عَابَ رسولُ الله - ﷺ - طَعَامًَا قَطُّ، إن اشْتَهَاهُ أكَلَهُ، وَإنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي تعييب الطعام كسر لقلب صاحبه، وفي مدحه الثناء على الله ﷾ وجبر لقلب صاحبه.\n\n[٧٣٧] وعن جابر - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سَأَلَ أهْلَهُ الأُدْمَ، فقالوا: مَا عِنْدَنَا إِلا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ، ويقول: «نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ، نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: مدح التأدم بالخل. قال في القاموس: الخل ما حمض من عصير العنب وغيره نافع للمعدة، واللثة، والقروح الخبيثة، والحكة، ونهش الهوام، وأكل الأفيون، وحرق النار وأوجاع الأسنان وبخار حاره للاستقساء وعسر السمع والدوي والطنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>١٠٢- باب مَا يقوله من حضر الطعام</span>\nوهو صائم إِذَا لَمْ يفطر\n[٧٣٨] عن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":470},{"text":"قَالَ العلماءُ: معنى «فَلْيُصَلِّ»: فَلْيَدْعُ، ومعنى «فَلْيطْعَمْ»: فَلْيَأْكُلْ.\n\nالمراد بالصوم هنا صيام التطوع.\nوفي الحديث: الأمر بإجابة الداعي، واستحباب الأكل والإفطار، إن جبر قلب الداعي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>١٠٣- باب مَا يقوله من دُعي إِلَى طعام فتبعه غيره</span>\n\n[٧٣٩] عن أَبي مسعود البَدْريِّ - ﵁ - قال: دعا رَجُلٌ النَّبِيَّ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنعَهُ لَهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ البَابَ، قَالَ النَّبيّ - ﷺ -: «إنَّ هَذَا تَبِعَنَا، فَإنْ شِئْتَ أنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإنْ شِئْتَ رَجَعَ» . قَالَ: لا، بل آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ الله. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال الشارح: هذا لا يخالف ما جاء في حديث آخر من اتباعه - ﷺ - أنسًا ﵁ لما دعاه الخياط للضيافة، لأن هذا محمول على ما إذا لم يعلم برضا رب المنزل فبخلاف ما إذا كان واثقًا برضاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>١٠٤- باب الأكل مِمَّا يليه</span>\nووعظه وتأديبه من يسيء أكله\n\n[٧٤٠] عن عمر بن أَبي سَلمَة ﵄، قَالَ: كُنْتُ غُلامًا في حِجْرِ رسولِ الله - ﷺ - وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لي رسولُ الله - ﷺ -: «يَا غُلامُ، سَمِّ اللهَ تَعَالَى، وَكُلْ بِيَمينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nقَوْله: «تَطِيشُ» بكسرِ الطاء وبعدها ياءٌ مثناة من تَحْت، معناه: تتحرك وتمتد إِلَى نَوَاحِي الصَّحْفَةِ.\n\nفي هذا الحديث: آداب الأكل والأمر بالأكل مما يليه إذا كان لونًا واحدًا.","vol":"1","page":471},{"text":"[٧٤١] وعن سلمةَ بن الأَكْوَع - ﵁ - أنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ - بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ» قَالَ: لا أسْتَطِيعُ. قَالَ: «لا اسْتَطَعْتَ» ! مَا مَنَعَهُ إِلا الكِبْرُ! فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. رواه مسلم.\n\nدعا عليه - ﷺ - لما رأى من عناده وكبره عن الانقياد للحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>١٠٥- باب النّهي عن القِرَانِ بين تمرتين ونحوهما</span>\nإِذَا أكل جماعة إِلا بإذن رفقته\n\n[٧٤٢] عن جَبَلَة بن سُحَيْم، قَالَ: أصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ مَعَ ابن الزُّبَيْرِ؛ فَرُزِقْنَا تَمْرًا، وَكَانَ عبدُ الله بن عمر ﵄ يَمُرُّ بنا ونحن نَأكُلُ، فَيقُولُ: لا تُقَارِنُوا، فإنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عنِ الاقرَانِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِلا أنْ يَسْتَأذِنَ الرَّجُلُ أخَاهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال العلماء: إن كان يعلم رضا الشركاء بقرنه بينهما جاز مع الكراهة والنهي عن القرآن من حسن الأدب في الأكل.\nقوله: (نهى عن الإقران): قال ابن الأثير: كذا روي، والأصل القران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>١٠٦- باب مَا يقوله ويفعله من يأكل وَلا يشبع</span>\n\n[٧٤٣] عن وَحْشِيِّ بن حرب - ﵁ - أنَّ أصحابَ رسول الله - ﷺ - قالوا: يَا رسولَ اللهِ، إنَّا نَأكُلُ وَلا نَشْبَعُ؟ قَالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ» قالوا: نَعَمْ. قال: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» رواه أَبُو داود.\n\nفيه: أنَّ البركة تنزل مع الجماعة. زاد الطبراني من حديث ابن عمر: «فإن","vol":"1","page":472},{"text":"طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>١٠٧- باب الأمر بالأكل من جانب القصعة</span>\nوالنهي عن الأكل من وسطها\n\nفِيهِ: قَوْله - ﷺ -: «وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» . متفق عَلَيْهِ كما سبق.\n[٧٤٤] وعن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «البَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطعَامِ؛ فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ، وَلا تَأكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقال الشافعي: فإن أكل مما يملي غيره أو من رأس الطعام أثم بالفعل الذي فعله، إذا كان عالمًا بنهي النبي - ﷺ -.\n\n[٧٤٥] وعن عبد الله بن بُسْرٍ - ﵁ - قال: كَانَ للنَّبِيِّ - ﷺ - قَصْعَةٌ يُقَالُ لَهَا: الغَرَّاءُ يَحْمِلُهَا أرْبَعَةُ رجالٍ؛ فَلَمَّا أضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَى أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ؛ يعني وَقَدْ ثُردَ فِيهَا، فَالتَفُّوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا رسولُ الله - ﷺ -. فَقَالَ أعرابيٌّ: مَا هذِهِ الجِلْسَةُ؟ قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّ اللهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَريمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا»، ثُمَّ قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا، وَدَعُوا ذِرْوَتَها يُبَارَكْ فِيه» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيد.\n«ذِرْوَتها»: أعْلاَهَا بكسر الذال وضمها.\n\nقوله: (الغراء): قال المنذر: سميت غراء لبياضها بالألية والشحم، أو لبياض برها، أو لبياضها باللبن. وقال غيره: سميت بذلك لنفاسة ما فيها،","vol":"1","page":473},{"text":"أو لكثرة ما تسعه. وروى أحمد من حديث ابن بسر قال: كان للنبي - ﷺ - جفنة لها أربع حلق.\nوقوله: (جثًا) أي: قعد على ركبتيه جالسًا على ظهور قدميه.\nوفيه: استحباب هذه الجلسة عند ضيق المجلس وأن الأكل من الجوانب مع ذكر الله تعالى سبب لحصول البركة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>١٠٨- باب كراهية الأكل متكئًا</span>\n[٧٤٦] عن أَبي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بن عبد الله - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا آكُلُ مُتَّكِئًا» رواه البخاري.\nقَالَ الخَطَّابِيُّ: المُتَّكئُ هُنَا: هُوَ الجالِسُ مُعْتَمِدًا عَلَى وِطَاءٍ تحته، قَالَ: وأرادَ أنَّهُ لا يَقْعُدُ عَلَى الوِطَاءِ وَالوَسَائِدِ كَفِعْل مَنْ يُريدُ الإكْثَارَ مِنَ الطَّعَام، بل يَقْعُدُ مُسْتَوفِزًا لا مُسْتَوطِئًا، وَيَأكُلُ بُلْغَةً. هَذَا كلامُ الخَطَّابيِّ، وأشارَ غَيْرُهُ إِلَى أنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ المائِلُ عَلَى جَنْبِه، والله أعلم.\n\nكان النبي - ﷺ - لا يأكل متربعًا، ولا على جنب، فأما الأكل متكئًا على جنب فهو فعل أهل الكبر وهو مكروه، والأكل متربعًا جائز.\n\n[٧٤٧] وعن أنس - ﵁ - قال: رَأَيْتُ رسول الله - ﷺ - جَالِسًا مُقْعِيًا يَأكُلُ تَمْرًا. رواه مسلم.\n«المُقْعِي»: هُوَ الَّذِي يُلْصِقُ أَلْيَتَيْهِ بالأرض، وَيَنْصِبُ سَاقَيْهِ.\n\nالإقعاء: هنا الاحتباء.","vol":"1","page":474},{"text":"وفيه: تواضعه - ﷺ - غاية التواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>١٠٩- باب استحباب الأكل بثلاث أصابع</span>\nواستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها\nواستحباب لعق القصعة وأخذ اللقمة الَّتي تسقط منه وأكلها\nوجواز مسحها بعد اللعق بالكف والقدم وغيرهما\n\nيستحب لعق الأصابع بعد فراغه من الأكل. وأما لعقها في أثناء الأكل فمكروه؛ لأنه يعيدها إلى الطعام وعليها أثر ريقه.\n\n[٧٤٨] عن ابن عباس ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: ... «إِذَا أكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلا يَمْسَحْ أَصَابِعَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَها» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nأي: يلعقها هو، أو يلعقها أهله، أو ولده، أو خادمه ومن لا يستقذر منه. قال الخطابي: عاب قوم أفسد عقلهم الطرفه، فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح.\n\n[٧٤٩] وعن كعب بن مالك - ﵁ - قال: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يَأكُلُ بثَلاَثِ أصابعَ، فإذا فَرَغَ لَعِقَهَا. رواه مسلم.\n\nيستحب الأكل بثلاث أصابع إذا كان الطعام غير مائع. وما ورد أن النبي - ﷺ - أكل بخمس فمحمول على بيان الجواز.\n\n[٧٥٠] وعن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: «إنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَةُ» . رواه مسلم","vol":"1","page":475},{"text":"قيل: أن البركة هنا والله أعلم ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى. ويقوي على الطاعة وغير ذلك. وقد تكون العلة هنا أن لا يتهاون بقليل الطعام أي الباقي في آخر القصعة، أو الساقط.\n\n[٧٥١] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أحَدِكُمْ، فَلْيأخُذْهَا فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَان، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بالمِنْدِيل حَتَّى يَلْعَقَ أصَابِعَهُ، فَإنَّهُ لا يَدْري في أيِّ طَعَامِهِ البَرَكَةُ» . رواه مسلم.\n\nفي الحديث: استحباب إماطة التراب ونحوه عن اللقمة إذا سقطت، وأكلها تحرصًا على البركة، وحملًا للنفس على التواضع ومعاملة للشيطان بنقيض قصده.\n[٧٥٢] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فإذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أحَدِكُمْ فَلْيَأخُذْهَا فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا وَلا يَدَعْهَا للشَّيْطَانِ، فإذا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أصابِعَهُ، فإنَّهُ لا يَدْري في أيِّ طعامِهِ البَرَكَةُ» . رواه مسلم.\n\nفيه: التحذير من الشيطان، والتنبيه على ملازمته الإنسان في سائر تصرفاته، فينبغي أن يتأهب ويحترز منه ولا يغتر بما يزينه له ليلهيه عن ذكر الله تعالى.\n\n[٧٥٣] وعن أنسٍ - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - إِذَا أكَلَ طَعَامًا، لَعِقَ أصَابِعَهُ الثَّلاَثَ، وقال: «إِذَا سقَطَتْ لُقْمَةُ أحَدِكُمْ","vol":"1","page":476},{"text":"فَلْيُمِطْ عنها الأذى، وَليَأكُلْهَا، وَلا يَدَعْها لِلْشَّيْطَان» وأمَرَنا أن نَسْلُتَ القَصْعَةَ، وقال: ... «إنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَةُ» . رواه مسلم.\n\nقوله: (لعق أصابعه الثلاث)، أي: إذا اقتصر بالأكل عليها كما هو غالب أكله - ﷺ -، وأما إذا أكل بالخمس فيلعق الجميع.\n\n[٧٥٤] وعن سعيد بنِ الحارث: أنّه سأل جابرًا - ﵁ - عنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَقَالَ: لا، قَدْ كُنَّا زَمَنَ النبيِّ - ﷺ - لا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ من الطَّعامِ إِلا قليلًا، فإذا نَحْنُ وجَدْنَاهُ، لَمْ يَكُنْ لنا مَنَادِيلُ إِلا أكُفَّنا، وسَواعِدَنَا، وأقْدامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّي وَلا نَتَوَضَّأُ. رواه البخاري.\n\nفي الحديث: دليل على عدم وجوب الوضوء من أكل ما مسته النار بطبخ ونحوه، وجواز مسح وَضَرِ الطعام بعد اللعق بأطراف البدن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>١١٠- باب تكثير الأيدي عَلَى الطعام</span>\n[٧٥٥] عن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «طَعَامُ الاثنينِ كافِي الثلاثةِ، وطَعَامُ الثَّلاَثَةِ كافي الأربعة» . متفق عَلَيْهِ.\n\nالمراد بهذا الحديث: الحض على المكارمة، والتقنع بالكفاية.\nوفيه: استحباب الاجتماع على الطعام وإن الجمع كلما كثر زادت البركة. وعند الطبراني: «كلوا جميعًا ولا تفرقوا، طعام الواحد يكفي الاثنين» .\n\n[٧٥٦] وعن جابر - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":477},{"text":"يقول: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» . رواه مسلم.\n\nيعني إذا اجتمعوا كفاهم. وعند الطبراني عن ابن عمر بلفظ «طعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية، فاجتمعوا عليه ولا تفرقوا» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>١١١- باب آداب الشرب واستحباب التنفس ثلاثًا</span>\nخارج الإناء وكراهة التَّنَفُّس في الإناء واستحباب إدارة\nالإناء عَلَى الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ\n\n[٧٥٧] عن أنس - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - كَانَ يَتَنَفَّسُ في الشَّرابِ ثَلاثًا. متفق عَلَيْهِ.\nيعني: يتنفس خارجَ الإناءِ.\n\nفيه: استحباب التنفس في الشراب ثلاثًا، ويجوز بنفس واحد كما ورد في بعض الرويات.\n\n[٧٥٨] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ البَعِيرِ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلاَثَ، وَسَمُّوا إِذَا أنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أنْتُمْ رَفَعْتُمْ» . رواه الترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حسن) .\n\nالنهي عن الشرب من نفس واحد للتنزيه. قال عمر بن عبد العزيز: إنما نهي عن التنفس داخل الإناء. أما من لم يتنفس فإن شاء فليشرب بنفسٍ واحد.\nوفي الحديث: الأمر بالتسمية عند الشراب، والحمد عند الفراغ.","vol":"1","page":478},{"text":"[٧٥٩] وعن أَبي قَتَادَة - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهَى أنْ يُتَنَفَّسَ في الإناءِ. متفق عَلَيْهِ.\nيعني: يتنفس في نفس الإناءِ.\n\nالنهي عن التنفس في الشرب كالنهي عن النفخ في الطعام والشراب لئلا يتقذر به من البزاق أو أثر رائحة كريهة تعلق بالماء.\n\n[٧٦٠] وعن أنس - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بماءٍ، وَعَنْ يَمِينهِ أعْرَابيٌّ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْر - ﵁ -، فَشَرِبَ، ثُمَّ أعْطَى الأعْرابيَّ، وقال: «الأيْمَنَ فالأيْمَنَ» متفق عَلَيْهِ.\nقَوْله: «شِيب» أيْ: خُلِطَ.\nكانت العادة جارية بتقديم الأيمن في الشرب وغيره، فبيَّن النبي - ﷺ - بفعله وقوله أن تلك العادة لم يغيرها الشرع، وأن السنَّة تقديم الأيمن وإن كان الأيسر أفضل منه.\n\n[٧٦١] وعن سهلِ بن سعدٍ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - أُتِيَ بِشرابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أشْيَاخٌ، فَقَالَ للغُلامِ: «أتَأْذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هؤُلاَءِ؟» فَقَالَ الغُلامُ: لا واللهِ، لا أُوثِرُ بنَصيبي مِنْكَ أَحَدًا. فَتَلَّهُ رسول الله - ﷺ - في يَدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nقَوْله: «تَلَّهُ» أيْ وَضَعَهُ. وهذا الغلامُ هُوَ ابْنُ عباس ﵄.\nقال ابن الجوزي: إنما استأذن الغلام دون الأعرابي، لأنه لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه بترك استئذانه بخلاف الغلام.","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>١١٢- باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها</span>\nوبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم\n[٧٦٢] عن أَبي سعيدٍ الْخُدْريِّ - ﵁ - قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ. يعني: أن تُكْسَرَ أفْواهُها، وَيُشْرَبَ مِنْهَا. متفق عَلَيْهِ.\n\nسبب النهي أن رجلًا شرب من سقاء فانساب في بطنه جيان، فنهى رسول الله - ﷺ - عن اختناث الأسقية.\n\n[٧٦٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - أن يُشْرَبَ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ أَوْ القِرْبَةِ. متفق عَلَيْهِ.\n\n[٧٦٤] وعن أم ثابتٍ كَبْشَةَ بنتِ ثابتٍ أُختِ حَسَّانَ بن ثابتٍ ﵄، قالت: دخل عَلَيَّ رسولُ الله - ﷺ - فَشَرِبَ مِنْ فيِّ قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا، فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nوإنّما قَطَعَتْهَا: لِتَحْفَظَ مَوْضِع فَمِ رسول الله - ﷺ - وَتَتَبَرَّكَ بِهِ، وتَصُونَهُ عَن الابْتِذَال. وهذا الحديث محمولٌ عَلَى بيان الجواز، والحديثان السابقان لبيان الأفضل والأكمل، والله أعلم.\n\nفي الحديث: دليل على بيان أن النهي عن الشرب من فم القربة، وعن القيام حال الشرب ليس على سبيل التحريم بل على سبيل التنزيه. أو أنه فعل ذلك لعدم إمكان الشرب حينئذٍ إلا كذلك.","vol":"1","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>١١٣- باب كراهة النفخ في الشراب</span>\n\n[٧٦٥] عن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نَهَى عَن النَّفْخ في الشَّرَاب، فَقَالَ رَجُلٌ: القَذَاةُ أراها في الإناءِ؟ فَقَالَ: «أهرقها» . قَالَ: إنِّي لا أرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحدٍ؟ قَالَ: «فَأَبِنِ القَدَحَ إِذًَا عَنْ فِيكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n[٧٦٦] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ - ﷺ - نهى أن يُتَنَفَّسَ في الإناءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nالنهي عن النفخ في الإناء والتنفس فيه لئلا يقذر الشراب أو الطعام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>١١٤- باب بيان جواز الشرب قائمًا</span>\nوبيان أنَّ الأكمل والأفضل الشرب قاعدًا\nفِيهِ حديث كبشة السابق.\n\nدخل عَلَيَّ رسول الله - ﷺ - فشرب من فِيٍّ قربة معلقة.\n\n[٧٦٧] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: سَقَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - مِنْ زَمْزَمَ، فَشَربَ وَهُوَ قَائِمٌ. متفق عَلَيْهِ.\n\nفيه: جواز الشرب قائمًا لعذر. قيل: إنما شرب النبي - ﷺ - قائمًا لضيق المحل عن التمكن من الجلوس للشرب.\n\n[٧٦٨] وعن النَّزَّالِ بن سَبْرَةَ - ﵁ - قال: أَتَى عَلِيٌّ - ﵁ - بَابَ الرَّحْبَةِ بماءٍ، فَشَربَ قائِمًا، وقال: إنِّي رَأَيْتُ رسولَ","vol":"1","page":481},{"text":"الله - ﷺ - فَعَلَ كما رَأَيْتُمُوني فَعَلْتُ. رواه البخاري.\n\nفيه: دليل على جواز الشرب قائمًا في بعض الأحيان.\n\n[٧٦٩] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: كُنَّا نَأكُلُ عَلَى عهدِ رسول الله - ﷺ - وَنَحْنُ نمشِي، وَنَشْرَبُ ونَحْنُ قِيامٌ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ صَحيحٌ) .\n\nهذا محمول على أنه جائز، أي لا يحرم وإن كان منهيًا عنه، فالنهي فيه للتنزيه.\n\n[٧٧٠] وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّهِ - ﵁ - قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - يَشْرَبُ قَائِمًا وقَاعِدًا. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nوهذا أيضًا محمول عند الجمهور على بيان الجواز أو أن ضرورة ضيق المحل حملته على ذلك. وأما شربه - ﷺ - قاعدًا فهو الأكثر.\n[٧٧١] وعن أنس - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ -: أنه نَهى أن يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا. قَالَ قتادة: فَقُلْنَا لأَنَسٍ: فالأَكْلُ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَشَرُّ - أَوْ أخْبَثُ - رواه مسلم.\nوفي رواية لَهُ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - زَجَرَ عَن الشُّرْب قائِمًا.\n\nقال الحافظ: وإنما جعل الأكل شرًا لطول زمانه بالنسبة لزمان الشرب.\n\n[٧٧٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «","vol":"1","page":482},{"text":"لا يَشْرَبَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئ» . رواه مسلم\n\nالنهي محمول على التنزيه، والتقيؤ محمول على الاستحباب إذا لم يكن الشرب قائمًا لعذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>١١٥- باب استحباب كون ساقي القوم آخرهم شربًا</span>\n\n[٧٧٣] عن أَبي قتادة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «ساقي القوم آخِرُهُمْ شُرْبًا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقال النووي: هذا أدب من آداب ساقي الماء واللبن ونحوهما وفي معناه من يفرق على الجماعة مأكولًا كلحم وفاكهة وغيرهما، فليكن المفرق آخرهم تناولًا منه لنفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>١١٦- باب جواز الشرب</span>\nمن جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة\nوجواز الكرع\n- وَهُوَ الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناء ولا يد -\nوتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل\nوالطهارة وسائر وجوه الاستعمال\n\n[٧٧٤] عن أنس - ﵁ - قال: حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فقامَ مَن كَانَ قَريبَ الدَّارِ إِلَى أهْلِهِ، وبَقِيَ قَوْمٌ، فأُتِيَ رسول الله - ﷺ - بِمَخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَصَغُرَ المخْضَبُ أنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قالوا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وزيادة. متفق عَلَيْهِ، هذه رواية البخاري.\nوفي رواية لَهُ ولمسلم: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - دَعَا بإناءٍ مِنْ ماءٍ، فَأُتِيَ بقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ماءٍ، فَوَضَعَ أصابعَهُ فِيهِ. قَالَ أنسٌ: فَجَعلْتُ أنْظُرُ","vol":"1","page":483},{"text":"إِلَى الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْن أصَابِعِهِ، فَحَزَرْتُ مَنْ تَوضَّأ منه مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانينَ.\n\nفي الحديث: علم من أعلام النبوة. والرحراح: الواسع المنبسط قريب القعر.\nوفيه: جواز الوضوء من إناء الخشب ونحوه.\n\n[٧٧٥] وعن عبد الله بن زيد - ﵁ - قال: أتَانَا النبيُّ - ﷺ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْر فَتَوَضَّأَ. رواه البخاري.\n«الصُّفْر»: بضم الصاد، ويجوز كسرها، وَهُوَ النُّحاس، و«التَّوْر»: كالقدح، وَهُوَ بالتاء المثناة من فوق.\n\nفيه: جواز الوضوء في إناء الصفر ونحوه.\n\n[٧٧٦] وعن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِن الأَنْصَارِ، وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ باتَ هذِهِ اللَّيْلَةَ في شَنَّةٍ وَإلا كَرَعْنَا» . رواه البخاري.\n«الشنّ»: القِربة.\n\nفي الحديث: جواز الكرع للحاجة إليه.\n\n[٧٧٧] وعن حذيفة - ﵁ - قال: إنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهَانَا عَن الحَرِير، وَالدِّيباجِ، والشُّربِ في آنِيَة الذَّهَب والفِضَّةِ، وقال: «هي لَهُمْ في الدُّنْيَا، وهِيَ لَكُمْ في الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":484},{"text":"الديباج: نوع من الحرير، وعطفه عليه من عطف العام على الخاص.\nوفيه: تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، ولبس الحرير، وأن ذلك للكفار في الدنيا، وللمؤمن في الآخرة.\n[٧٧٨] وعن أُمِّ سلمة ﵂: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ، إنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية لمسلم: «إنَّ الَّذِي يَأكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ وَالذَّهَبِ» .\nوفي رواية لَهُ: «مَنْ شَرِبَ في إناءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارًَا مِنْ جَهَنَّم» .\n\nفيه: الوعيد الشديد في استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب ويقاس على ذلك سائر الاستعمالات.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>كتَاب اللّبَاس</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>١١٧- باب استحباب الثوب الأبيض، وجواز الأحمر والأخضر</span>\nوالأصفر والأسود،\nوجوازه من قطن وشعر وصوف وغيرها إِلا الحرير\n\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَاري سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف (٢٦)] .\n\nقوله: ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾، أي: خلقنا لكم، ولما كان بقضاء سماوي، وأسباب من السماء. قال: ﴿وَأَنزَلْنَا﴾ وسُمِّيت العورة سوأة؛ لأنه يسوء انكشافها. والريش: ما يتجمَّل به ظاهرًا. وعن عليَّ مرفوعًا أنه لبس ثوبًا، فقال حين لبسه: «الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمَّل به في الناس، وأُواري به عورتي» . رواه الإمام أحمد.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل (٨١)] .\n\nقوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي: والبرد اكتفاء بدلالة قرينة عليه بالأولى. ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾، أي: حربكم كالدروع ونحوها.\n[٧٧٩] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: ... «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ البَيَاضَ؛ فَإنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .","vol":"1","page":486},{"text":"في الحديث: استحباب لبس البياض، وأنه أطيب من غيره من سائر الألوان.\n\n[٧٨٠] وعن سَمُرَة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «الْبَسُوا البَيَاضَ؛ فَإنَّهَا أطْهَرُ وَأطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . رواه النسائي والحاكم، وقال: «حديث صحيح» .\n\nقوله: «فإنها أطهر»، أي لأنها لنقائها يظهر ما يخالطاها من الدنس وإن قل.\nوقوله: «أطيب»، أي: لسلامتها غالبًا عن الخيلاء\n\n[٧٨١] وعن البراءِ - ﵁ - قال: كَانَ رسول الله - ﷺ - مَرْبُوعًا، وَلَقَدْ رَأيْتُهُ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأيْتُ شَيْئًا قَطُّ أحْسَنَ مِنْهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالحلة: ثوبان من جنس واحد.\nقوله: «حمراء»: قال الحافظ ابن حجر: هي ثياب ذات خطوط.\n\n[٧٨٢] وعن أَبي جُحَيفَةَ وَهْب بن عبد الله - ﵁ - قال: رَأيتُ النبيَّ - ﷺ - بِمكّةَ وَهُوَ بالأبْطَحِ في قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدمِ، فَخَرَجَ بِلاَلٌ بِوَضُوئِهِ، فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ، فَخَرَجَ النبيُّ - ﷺ - وعليه حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأنِّي أنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، فَتَوَضّأ وَأذَّنَ بِلاَلٌ، فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ فَاهُ ها هُنَا وَهَا هُنَا، يقولُ يَمِينًا وَشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ لا يُمْنَعُ. متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":487},{"text":"«العنَزة» بفتح النون: نحو العُكازَة.\n\nفي الحديث: جواز لبس الأحمر.\nوفيه: مشروعية السترة للمصلي، وأن المار من ورائها لا يضر المصلي.\nوفيه: مشروعية الالتفات في الأذان يمينًا عند قوله: حي على الصلاة، وشمالًا عند قوله: حي على الفلاح.\n\n[٧٨٣] وعن أَبي رمْثَة رفَاعَةَ التَّيْمِيِّ - ﵁ - قال: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - وعليه ثوبانِ أخْضَرَان. رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح.\n\nفي الحديث: جواز لبس الأخضر\nقال ابن بطال: الثياب الخضر من لباس أهل الجنة، وكفى بذلك شرفًا.\n\n[٧٨٤] وعن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاء. رواه مسلم.\n\nفي الحديث: جواز لبس الأسود.\n\n[٧٨٥] وعن أَبي سعيد عمرو بن حُرَيْثٍ - ﵁ - قال: كأنّي أنْظُرُ إِلَى رسول الله - ﷺ - وعليه عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ. رواه مسلم.\nوفي روايةٍ لَهُ: أنَّ رسول الله - ﷺ - خَطَبَ النَّاسَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.","vol":"1","page":488},{"text":"فيه: استحباب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين.\n\n[٧٨٦] وعن عائشة ﵂ قالت: كُفِّنَ رسول الله - ﷺ - في ثلاثةِ أثْوَاب بيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n«السَّحُولِيَّة» بفتح السين وضمها وضم الحاء المهملتين: ثيابٌ تُنْسَبُ إِلَى سَحُول: قَرْيَة باليَمنِ «وَالكُرْسُف»: القُطْنُ.\n\nهذا أفضل الكفن من العدد للرجال، ومن الألوان للرجال والنساء.\n\n[٧٨٧] وعنها قالت: خرج رسول الله - ﷺ - ذات غَدَاةٍ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مرَحَّلٌ مِنْ شَعرٍ أسْوَد. رواه مسلم.\n«المِرْط» بكسر الميم: وَهُوَ كساءٌ وَ«المُرَحَّلُ» بالحاء المهملة: هُوَ الَّذِي فِيهِ صورةُ رحال الإبل، وهِيَ الأَكْوَارُ.\n\nفي الحديث: جواز تصوير ما لا روح فيه، وجواز لبسه ولبس الشعر.\n\n[٧٨٨] وعن المغيرة بن شُعْبَةَ - ﵁ - قال: كُنْتُ مَعَ رسول الله - ﷺ - ذاتَ لَيْلَةٍ في مسير، فَقَالَ لي: «أمَعَكَ مَاءٌ؟» قلتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى في سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَأفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أخْرَجَهُمَا مِنْ أسْفَلِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأسِهِ، ثُمَّ أهْوَيْتُ لأَنْزَعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» وَمَسحَ عَلَيْهِمَا. متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":489},{"text":"وفي رواية: وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الكُمَّيْنِ.\nوفي رواية: أنَّ هذِهِ القَضِيَّةَ كَانَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.\n\nفي الحديث: استحباب الإبعاد لقضاء الحاجة، وجواز لبس الصوف.\nوفيه: مشروعية مسح الخفين إذا لبسهما على طهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>١١٨- باب استحباب القميص</span>\n\n[٧٨٩] عن أُمِّ سَلَمَة ﵂ قالت: كَانَ أحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رسول الله - ﷺ - الْقَمِيص. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقيل: وجه أحبية القميص أنه أستر للأعضاء من الإزار، والرداء لأنه أقل مؤنة، وأخف على البدن، ولابسه أكثر تواضعًا. وروي أنه كان قميص رسول الله - ﷺ - قطنًا قصير الطول والكمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>١١٩- باب صفة طول القميص والكُم والإزار</span>\nوطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء\nوكراهته من غير خيلاء\n[٧٩٠] عن أسماءَ بنتِ يزيد الأنصاريَّةِ ﵂، قالت: كَانَ كُمُّ قَمِيص رسول الله - ﷺ - إِلَى الرُّسْغِ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nالرسغ: مفصل الساعد والكف. قال ابن الجزري: فيه دليل أن لا يجاوز بكم القميص الرسغ. وأما غير القميص فالسنَّة أن لا بجاوز رؤوس الأصابع.\n\n[٧٩١] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ جَرَّ","vol":"1","page":490},{"text":"ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رسول الله، إنَّ إزاري يَسْتَرْخِي إِلا أنْ أَتَعَاهَدَهُ، فَقَالَ لَهُ رسول الله - ﷺ -: «إنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاءَ» . رواه البخاري وروى مسلم بعضه.\n\nفيه: وعيدٌ شديدٌ لمن سحب ثوبه تكبرً وإعجابًا بنفسه.\nوفيه: أن من وقع له ذلك بغير قصد لا محظور فيه، وأن الأحكام تختلف بسحب النية.\n\n[٧٩٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إزاره بَطَرًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nإنما ذكر الإزار، لأنهم كانوا إذ ذاك يلبسون الإزار والأردية، والوعيد الشامل لجميع أنواع الثياب.\n\n[٧٩٣] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَا أسْفَل مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإزْارِ فَفِي النار» رواه البخاري.\n\nقال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكنى بالثوب عن لابسه. ومعناه: أن ما دون الكعب من القدم يعذب عقوبة. ومحل الكراهة إذا لم يكن عذر من جروح في قدمه ونحوها.\n[٧٩٤] وعن أَبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فقَرأها رسول الله - ﷺ - ثلاثَ مِرار، قَالَ أَبُو ذرٍّ: خَابُوا","vol":"1","page":491},{"text":"وَخَسِرُوا! مَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: «المُسْبِلُ، وَالمنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكاذِبِ» . رواه مسلم\nوفي رواية لَهُ: «المُسْبِلُ إزَارَهُ» .\n\nفيه: الوعيد الشديد لهؤلاء الثلاثة.\n\n[٧٩٥] وعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «الإسْبَالُ في الإزار، وَالقَمِيصِ، وَالعِمَامةِ، مَنْ جَرَّ شَيْئًا خُيَلاءَ لَمْ ينْظُرِ الله إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه أَبُو داود والنسائي بإسناد صحيح.\n\nفيه: أن الوعيد شامل لجميع الملبوسات.\n[٧٩٦] وعن أَبي جُرَيٍّ جابر بن سُلَيْم - ﵁ - قال: رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيهِ، لا يَقُولُ شَيْئًا إِلا صَدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالوا: رسولُ الله - ﷺ -. قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رسول الله – مرّتين – قَالَ: «لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ، عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ المَوْتَى، قُلْ: السَّلامُ عَلَيْكَ» قَالَ: قُلْتُ: أنْتَ رسول اللهِ؟ قَالَ: «أنَا رسول الله الَّذِي إِذَا أصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَه عَنْكَ، وَإِذَا أصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أَوْ فَلاَةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ، فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ» قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ. قَالَ: «لا تَسُبَّنَ أحَدًا» قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا، وَلا عَبْدًا، وَلا بَعِيرًا، وَلا شَاةً، «ولا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وأَنْ تُكَلِّمَ أخَاكَ وَأنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ، إنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإنْ أبَيْتَ فَإلَى الكَعْبَينِ،","vol":"1","page":492},{"text":"وَإيَّاكَ وَإسْبَالَ الإزَار فَإنَّهَا مِنَ المخِيلَةِ. وَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المَخِيلَةَ؛ وَإن امْرُؤٌ شَتَمَكَ وعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ» . رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: أن الإزار يكون رفعه من نصف الساق إلى الكعبين. وأن الإسبال لا يجوز لأنه من الاختيال، والكبر، والإعجاب.\n[٧٩٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: بينما رَجُلٌ يُصَلَّي مسبلٌ إزَارَهُ، قَالَ لَهُ رسول الله - ﷺ -: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأ» فَذَهَبَ فَتَوَضّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: ... «اذْهَبْ فَتَوَضّأ» فَقَالَ لَهُ رجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، مَا لَكَ أمَرْتَهُ أنْ يَتَوَضّأَ ثُمَّ سَكَتَّ عَنْهُ؟ قَالَ: «إنّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إزَارَهُ، وَإنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مُسْبلٍ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح عَلَى شرط مسلم.\n\nيقال: إنما أمره بإعادة الوضوء ليكون مكفرًا لذنبه كما ورد أن الطهور مكفر للذنوب ولم يأمره بإعادة الصلاة لأنها صحيحة، وإن لم تقبل.\n[٧٩٨] وعن قيس بن بشر التَّغْلِبيِّ، قَالَ: أخْبَرَني أَبي - وكان جَلِيسًا لأَبِي الدرداء - قَالَ: كَانَ بِدمَشْق رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النَّبيِّ - ﷺ - يقال لَهُ سهل بن الْحَنْظَلِيَّةِ، وَكَانَ رَجُلًا مُتَوَحِّدًا قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ، إنَّمَا هُوَ صَلاَةٌ، فإذا فَرَغَ فَإنَّمَا هُوَ تَسْبِيحٌ وَتَكْبيرٌ حَتَّى يَأتي أهْلَهُ، فَمَرَّ بنا وَنَحْنُ عِنْدَ أَبي الدَّرداء، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدرداءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ.","vol":"1","page":493},{"text":"قَالَ: بَعَثَ رسول الله - ﷺ - سَرِيَّةً فَقَدِمَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَلَسَ في المَجْلِسِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ رسول الله - ﷺ - فَقَالَ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ: لَوْ رَأيْتَنَا حِيْنَ التَقَيْنَا نَحْنُ وَالعَدُوُّ، فَحَمَلَ فُلانٌ وَطَعَنَ، فَقَالَ: خُذْهَا مِنِّي، وَأنَا الغُلاَمُ الغِفَاريُّ، كَيْفَ تَرَى في قَوْلِهِ؟ قَالَ: مَا أرَاهُ إِلا قَدْ بَطَلَ أجْرُهُ.\nفَسَمِعَ بِذلِكَ آخَرُ، فَقَالَ: مَا أرَى بِذلِكَ بَأسًا، فَتَنَازَعَا حَتَّى سَمِعَ رسول الله - ﷺ - فَقال: «سُبْحَانَ الله؟ لا بَأسَ أنْ يُؤجَرَ وَيُحْمَدَ» فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاء سُرَّ بِذلِكَ، وَجَعَلَ يَرْفَعُ رَأسَهُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: أنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُول الله - ﷺ -؟ فيقول: نَعَمْ، فما زال يُعِيدُ عَلَيْهِ حَتَّى إنّي لأَقُولُ لَيَبْرُكَنَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، قَالَ: فَمَرَّ بِنَا يَوْمًا آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ لنا رسول الله - ﷺ -: «المُنْفِقُ عَلَى الخَيْلِ، كَالبَاسِطِ يَدَهُ بالصَّدَقَةِ لا يَقْبضُهَا»، ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَومًا آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيمٌ الأسَديُّ! لولا طُولُ جُمَّتِهِ وَإسْبَالُ إزَارِهِ!» فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا فَعَجَّلَ، فَأَخَذَ شَفْرَةً فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَرَفَعَ إزارَهُ إِلَى أنْصَافِ سَاقَيْهِ. ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إخْوانِكُمْ، فَأصْلِحُوا رِحَالكُمْ، وَأصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأنَّكُمْ شَامَةٌ في النَّاسِ؛ فإِنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّش» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسنٍ، إِلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثِيقِهِ وَتَضْعِيفِهِ، وَقَدْ روى لَهُ مسلم.\nفي هذا الحديث: أن إطالة الجمة والإسبال تدافع المدح وتمانع الرفعة","vol":"1","page":494},{"text":"الدينية لأن ذلك منهيٍّ عنه على سبيل الحرمة تارةً، والكراهة أخرى.\nوفيه: جواز قول الإنسان في الحرب: أنا ابن فلان إذا كان شجاعًا ليرهب عدوه، وأنه لا مانع من حصول الحمد والأجر.\nوفيه: طلب العلم والاستزادة منه. وأن المرء في مقام التعلم إلى اللحد.\nوفيه: طلب حسن الهيئة وجمال الزي والاحتراز من ألم المذمة، وطلب راحة الإخوان، واستجلاب قلوبهم ليأنس بهم فلا يستقذروه ولا يستثقلوه.\n\n[٧٩٩] وعن أَبي سعيد الخدريِّ - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إزْرَةُ المُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلا حَرَجَ - أَوْ لا جُنَاحَ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، فمَا كَانَ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ فَهُوَ في النَّارِ، وَمَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ.\n\nقوله: «إزرة المسلم إلى نصف الساق»، وعند ابن ماجة: «إزرة المؤمن»، أي: الهيئة المستحبة في اتزار المؤمن إلى نصف الساق، لأن ذلك أطهر لبعده عن احتمال وصول النجس، وأطيب لبعده عن الكبر وقربه من التواضع، ولا كراهة في إرخائه إلى ما فوق الكعبين، ويحرم إرخاء الثياب تحت الكعبين.\n\n[٨٠٠] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: مررتُ عَلَى رسولِ الله - ﷺ - وفي إزَارِي استرخاءٌ، فَقَالَ: «يَا عَبدَ اللهِ ارْفَعْ إزَارَكَ» فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ: «زِدْ» فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أتَحَرَّاهَا بَعْدُ. فَقَالَ بَعْضُ القَوْم: إِلَى أينَ؟ فَقَالَ: إِلَى أنْصَافِ السَّاقَيْنِ. رواه مسلم.\n\nفيه مزيد اعتناء ابن عمر بالسنة، وملازمته للاتباع.\n[٨٠١] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ","vol":"1","page":495},{"text":"اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَ شِبْرًا» قالت: إِذًَا تَنْكَشِفُ أقْدَامُهُنَّ. قَالَ: «فَيرخِينَهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: الإذن للنساء في إطالة أذيالهن من القمص، والأزر والخمر وغيرها بحيث يسلبن قدر ذراع من أذيالهن إلى الأرض لتكون أقدامهن مستورة.\nوفيه: النهي عن الزيادة على الذراع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>١٢٠- باب استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعًا</span>\nقَدْ سَبَقَ في بَابِ فَضْل الجُوعِ وَخشُونَةِ العَيْشِ جُمَلٌ تَتَعَلَّقُ بهذا الباب.\n\nمنها حديث أبي هريرة: رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم من رجل عليه رداء، إِما إِزار، وإِما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، منها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين.\nومنها حديث عائشة: كان فراش رسول الله - ﷺ - من أدم حشوه ليف.\nوحديث أبي أمامة مرفوعًا: «البذاذة من الإيمان»، وهي رثاثة الهيئة، وترك فاخر اللباس.\n\n[٨٠٢] وعن معاذ بن أنسٍ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاس تَوَاضُعًا للهِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، دَعَاهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ","vol":"1","page":496},{"text":"عَلَى رُؤوسِ الخَلائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أيِّ حُلَلِ الإيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: فضيلة من ترك الفاخر من اللباس تواضعًا وثوابه؛ لأنَّ من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن تواضع لله رفعه في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>١٢١- باب استحباب التوسط في اللباس</span>\nوَلا يقتصر عَلَى مَا يزري بِهِ لغير حاجة وَلا مقصود شرعي\n\n[٨٠٣] عن عمرو بن شعيب عن أبيهِ عن جَدِّهِ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُرَى أثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالتوسط في اللباس ممدوح، لأن الرفيع شهرة، والداني دناءة، والأعمال بالمقاصد. فإن لبس النفيس تحدثًا بنعمة الله، والداني للتواضع، فهو مأجور، وإن لبس النفيس تكبرًا وفخرًا، والدنيء رياءً فهو مأزور، ويروى عن الشاذلي أنه قال لفقير - كان لابس ثوب مرقع أنكر عليه لبس نفيس ... الثياب –: يا هذا، ثيابي تقول للناس: الحمد لله، وثيابك تقول لهم: أعطوني من مالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>١٢٢- باب تحريم لباس الحرير عَلَى الرجال</span>\nوتحريم جلوسهم عَلَيْهِ واستنادهم إِلَيْهِ\nوجواز لبسه للنساء\n\n[٨٠٤] عن عمر بن الخَطَّابِ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإنَّ مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: تحريم لبس الحرير على الرجال، وفيه الوعيد الشديد على من لبسه.","vol":"1","page":497},{"text":"[٨٠٥] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ مَنْ لا خَلاَقَ لَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية للبخاري: «مَنْ لا خَلاَقَ لَهُ في الآخِرَةِ» .\nقَوْله: «مَنْ لا خَلاقَ لَهُ» أيْ: لا نَصِيبَ لَهُ.\n\n[٨٠٦] وعن أنس - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: الوعيد الشديد على من لبس الحرير.\n[٨٠٧] وعن علي - ﵁ - قال: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - أخَذَ حَريرًا، فَجَعَلَهُ في يَمِينهِ، وَذَهَبًَا فَجَعَلَهُ في شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ هذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُور أُمّتي» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسنٍ.\n\n[٨٠٨] وعن أَبي موسى الأشْعَري - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «حُرِّمَ لِبَاسُ الحَرِير وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لإنَاثِهِمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذين الحديثين: جواز لبس الحرير والذهب للنساء.\n\n[٨٠٩] وعن حُذَيْفَةَ - ﵁ - قال: نَهَانَا النَّبيُّ - ﷺ - أنْ نَشْرَبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وأنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وعَنْ لُبْس الحَريرِ وَالدِّيبَاج، وأنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. رواه البخاري.","vol":"1","page":498},{"text":"خص الأكل والشرب بالذكر، لأنهما أغلب أنواع الاستعمال، وإلا فسائر استعمال الذهب والفضة حرام.\nوفيه: تحريم الجلوس على الحرير، وهو قول الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>١٢٣- باب جواز لبس الحرير لمن بِهِ حكة</span>\n\n[٨١٠] عن أنسٍ - ﵁ - قال: رَخَّصَ رسولُ الله - ﷺ - لِلزُّبَيْرِ وعَبْدِ الرَّحْمن ابن عَوْفٍ ﵄ في لُبْس الحَريرِ لِحَكَّةٍ بِهِما. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: جواز لبس الحرير للضرورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>١٢٤- باب النهي عن افتراش جلود النمور والركوب عَلَيْهَا</span>\n\n[٨١١] عن معاوية - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا تَرْكَبُوا الخَزَّ وَلا النِّمَارَ» . حديث حسن، رواه أَبُو داود وغيره بإسناد حسن.\nالخز نوعان: فنوع معمولٌ من الحرير، وهو حرام. وأما المعمول من الصوف فيحمل النهي فيه على التنزيه لأجل التشبه بالعجم.\n[٨١٢] وعن أَبي المليح عن أبيه - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ. رواه أَبُو داود والترمذيُّ والنسائيُّ بأسانِيد صِحَاحٍ.\nوفي رواية للترمذي: نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أنْ تُفْتَرَشَ.\nفيه: النهي عن استعمال جلود السباع لما فيها من الخيلاء.","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>١٢٥- باب مَا يقول إِذَا لبس ثوبًا جديدًا أَوْ نعلًا أَوْ نحوه</span>\n[٨١٣] عن أَبي سعيد الخدْريِّ - ﵁ - قال: كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوبًا سَمَّاهُ باسْمِهِ - عِمَامَةً أَوْ قَميصًا أَوْ رِدَاءً - يقولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أسْأَلكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nفي هذا الحديث: استحباب الدعاء عند اللباس وحمد الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>١٢٦- باب استحباب الابتداء باليمين في اللباس</span>\nهَذَا الباب قَدْ تقدم مقصوده وذكرنا الأحاديث الصحيحة فِيهِ.\nتقدم ذلك في باب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم، ومن ذلك أن يدخل يده اليمنى في كمها قبل إدخال اليسرى، ويدخل رجله اليمنى في كل من الخف والنعل والسراويل قبل إدخال اليسرى.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>كتَاب آداب النَّوم</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>١٢٧- باب آداب النَّوم والاضطجاع</span>\nوالقعود والمجلس والجليس والرؤية\n[٨١٤] عن البَراءِ بن عازِبٍ ﵄، قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا أوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَن، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نفسي إلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وَألْجَأتُ ظَهْرِي إلَيْك، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأ وَلا مَنْجا مِنْكَ إِلا إلَيكَ، آمَنْتُ بكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ» . رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب الأدب من صحيحه.\n\n[٨١٥] وعنه قَالَ: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأ وُضُوءكَ لِلْصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَن، وَقُلْ ...» وذَكَرَ نَحْوَهُ، وفيه: «وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب الوضوء عند النوم، واستحباب هذا ... الدعاء، لأنه إن مات مات على الفطرة، وإن أصبح أصاب خيرًا.\n\n[٨١٦] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النبيُّ - ﷺ - يُصَلِّي","vol":"1","page":501},{"text":"مِنَ اللَّيْلِ إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَةً، فَإذا طَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَن حَتَّى يَجيءَ الْمُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: استحباب الضجعة بعد سنة الفجر لمن كان تهجد بالليل، ليقوم إلى الفرض بنشاط.\n\n[٨١٧] وعن حُذَيْفَةَ - ﵁ - قال: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - إِذَا أخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أمُوتُ وَأحْيَا» وَإِذَا اسْتَيْقَظ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَ مَا أمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُشُورُ» . رواه البخاري.\nقيل: إنما كان - ﷺ - يختار الأيمن لأنه كان يحب التيمن في شأنه كله، ولأنه يكون أخف للنوم، ولأن النوم أخو الموت، قال الله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ ... يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر (٤٢)] .\n\n[٨١٨] وعن يَعيشَ بن طِخْفَةَ الغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبي: بينما أَنَا مُضْطَجِعٌ في الْمَسْجِدِ عَلَى بَطْنِي إِذَا رَجُلٌ يُحَرِّكُنِي برجلِهِ، فَقَالَ: «إنَّ هذِهِ ضجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ» . قَالَ: فَنظَرْتُ فَإذَا رسولُ الله - ﷺ -. رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.\n\nفي هذا الحديث: كراهية الاضطجاع على البطن.\n\n[٨١٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًَا لَمْ يَذْكُرِ الله فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضجَعًا لا يَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسن.","vol":"1","page":502},{"text":"«التِّرَةُ»: بكسر التاء المثناة من فوق، وَهِيَ: النقص، وقِيلَ: التَّبعَةُ.\nفي هذا الحديث: كراهة الغفلة واستحباب الذكر في كل حالة. وفي رواية أحمد والنسائي: وما مشى أحدكم ممشى لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة.\nقال الله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران (١٩٠، ١٩١) .\nوقال تعالى ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف (٢٠٥)]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>١٢٨- باب جواز الاستلقاء عَلَى القفا</span>\nووضع إحدى الرِّجلين عَلَى الأخرى إِذَا لم يخف انكشاف العورة\nوجواز القعود متربعًا ومحتبيًا\n\n[٨٢٠] عن عبدِ اللهِ بن زيد ﵁: أنَّه رأى رسولَ الله - ﷺ - مُسْتَلْقِيًا في الْمَسْجِدِ، وَاضِعًا إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالاحتباء: ضم الظهر مع الساقين بثوب، أو بيد، وكان أكثر جلوسه - ﷺ - محتبيًا.\nوفي الحديث: جواز الاستلقاء، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخش انكشاف العورة.\n\n[٨٢١] وعن جابر بن سَمُرَة - ﵁ - قال: كَانَ النبيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى الفَجْرَ تَرَبَّعَ في مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاء.","vol":"1","page":503},{"text":"حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بأسانيد صحيحة.\n\nفي الحديث: جواز الجلوس متربعًا، أو استحباب الذكر بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس.\n\n[٨٢٢] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: رأيتُ رسول الله - ﷺ - بفناءِ الكَعْبَةِ مُحْتَبِيًا بِيَدَيْهِ هكَذا، وَوَصَفَ بِيَدَيْهِ الاحْتِبَاءَ، وَهُوَ القُرْفُصَاءُ. رواه البخاري.\n\nالقرفصاء: أن يجلس على أليته ويلصق بطنه بفخذيه، ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبي بثوب.\n\n[٨٢٣] وعن قَيْلَةَ بنْتِ مَخْرَمَةَ ﵂، قالت: رأيتُ النَّبيَّ - ﷺ - وَهُوَ قَاعِدٌ القُرْفُصَاءَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ رسولَ الله المُتَخَشِّعَ في الجِلْسَةِ أُرْعِدْتُ مِنَ الفَرَقِ. رواه أَبُو داود والترمذي.\n\nفي هذا الحديث: استحباب التخشع في الجلوس.\nقيل: إن القرفصاء أن يجلس على ركبتيه منكبًا، ويلصق بطنه بفخذيه وبباطن كفيه، وهي جلسة االأعراب.\n\n[٨٢٤] وعن الشَّريدِ بن سُوَيْدٍ - ﵁ - قال: مَرَّ بي رسولُ الله - ﷺ - وَأَنَا جَالِسٌ هكَذَا، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ اليُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَّكَأتُ عَلَى أَليَةِ يَدي، فَقَالَ: «أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ؟!» رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.\n\nفي هذا الحديث: كراهة هذه الجلسة، والمنع عن التشبه باليهود في هيآتهم.","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>١٢٩- باب آداب المجلس والجليس</span>\n\n[٨٢٥] عن ابن عمر ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا يُقِيمَنَّ أحَدُكُمْ رَجُلًا مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلكِنْ تَوَسَّعُوا وَتَفَسَّحُوا» وكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن إقامة الرجل من مجلسه الذي سبق إليه\nوفيه: استحباب التفسح والتوسع.\nوفيه: مزيد وروع ابن عمر.\n\n[٨٢٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . رواه مسلم\n\nفيه: أن من قام من مجلسه لعذر ثم عاد إليه فهو أحق، سواء ترك فيه متاعًا أو لا.\n\n[٨٢٧] وعن جابر بن سَمُرَة ﵄، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النبي - ﷺ - جلَسَ أحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: استحباب الجلوس حيث ينتهي به المجلس، سواء كان في صدر المحل أو أسفله، كما كان - ﷺ - يفعله.\n[٨٢٨] وعن أَبي عبد الله سَلْمَان الفارسي - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ","vol":"1","page":505},{"text":"مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيب بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَينِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: استحباب الغسل والطيب يوم الجمعة، وكراهة التفريق بين الاثنين.\nوفيه: أن من فعل ذلك وانصت في الخطبة غُفر له.\n\n[٨٢٩] وعن عمرو بن شُعَيْب عن أبيهِ عن جَدِّهِ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلا بإذْنِهِمَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nوفي رواية لأبي داود: «لا يُجْلَسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إِلا بِإذْنِهِمَا» .\n\nفي هذا الحديث: النهي عن الجلوس بين الاثنين بغير رضاهما.\n\n[٨٣٠] وعن حذيفة بن اليمان - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ. رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسن.\nوروى الترمذي عن أبي مِجْلَزٍ: أنَّ رَجُلًا قَعَدَ وَسَطَ حَلْقَةٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَوْ لَعَنَ اللهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ. قَالَ الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: النهي عن الجلوس وسط الحلقة من غير حاجة كساقٍ، ومعلم ونحو ذلك.\n[٨٣١] وعن أَبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «خَيْرُ المَجَالِسِ أوْسَعُهَا» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح عَلَى شرط البخاري.","vol":"1","page":506},{"text":"في هذا الحديث: استحباب سعة المجلس لما فيه من راحة الجالسين.\n\n[٨٣٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ جَلَسَ في مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nاللغط: الكلام الذي فيه جلبة واختلاط، وإنما ترتب على هذا الذكر مغفرة ما كسب في ذلك المجلس لما فيه من تنزيه الله سبحانه والثناء عليه بإحسانه والشهادة بتوحيده، ثم سؤال المغفرة منه وهو الذي لا يخيب سائلًا صادقًا.\n\n[٨٣٣] وعن أَبي بَرْزَة - ﵁ - قال: كَانَ رسول الله - ﷺ - يقولُ بأَخَرَةٍ إِذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلا أنتَ أسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إليكَ» . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، إنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلًا مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى؟ قَالَ: «ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ في المَجْلِسِ» . رواه أَبُو داود، ورواه الحاكم أَبُو عبد الله في \" المستدرك \" من رواية عائشة ﵂ وقال: (صحيح الإسناد) .\n\nإذا ختم الإنسان المجلس بهذا الذكر كان كفارة لما يكون في المجلس من لغط ونحوه. وإن كان مجلس ذكر كان كالطابع عليه، وكان خيرًا على خير.\n[٨٣٤] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رسول","vol":"1","page":507},{"text":"الله - ﷺ - يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهؤلاء الدَّعَواتِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ به عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بأسْمَاعِنا، وَأَبْصَارِنَا، وقُوَّتِنَا مَا أحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوارثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلا تَجْعَلْ مُصيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالخشية: هي الخوف مع معرفة جلال المخشي منه، ولذا اختصت بالعلماء بالله تعالى قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر (٢٨)]، وهذا الدعاء جامع لخيري الدنيا والآخرة.\n\n[٨٣٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ الله تَعَالَى فِيهِ، إِلا قَامُوا عَنْ مِثْل جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةٌ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.\n\nوذكر جيفة الحمار زيادة في التنفير، وإيماء إلى أن تارك الذكر بمثابة الحمار المضروب به المثل في البلادة، إذ غفل بما هو فيه من الترهات، ولذائذ المحاورات عن ذكر رب الأرض والسماوات.\n[٨٣٦] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا الله تَعَالَى فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ فِيهِ، إِلا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةٌ؛ فَإنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\n[٨٣٧] وعنه عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُر الله","vol":"1","page":508},{"text":"تَعَالَى فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًَا لا يَذْكُرُ الله تَعَالَى فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ» . رواه أَبُو داود.\nوَقَدْ سبق قريبًا، وشَرَحْنَا (التِّرَة) فِيهِ.\n\nالترة: النقص، وقيل التَّبِعَة.\nوفي الحديث: ذم الغفلة عن الذكر، واستحبابه في كل حال من الأحوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>١٣٠- باب الرؤيا وَمَا يتعلق بها</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم (٢٣)] .\n\nيقول تعالى: ومن آياته الدالة على توحيده وقدرته منامكم بالليل والنهار، وذلك لما فيه من إذهاب الشعور والإِدرك حتى يصير النائم كالميت ثم يستيقظ منه فيعود له إدراكه وشعوره كما كان قبله، والرؤيا لا تكون إلا في النوم.\n\n[٨٣٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبوَّةِ إِلا المُبَشِّرَاتِ» . قالوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» . رواه البخاري.\n\nمعناه: أن الوحي انقطع بموته - ﷺ - فلم يبق منه إلا الرؤيا الصالحة، أي: الصادقة.\n[٨٣٩] وعنه: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤيَا المُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية: «أصْدَقُكُمْ رُؤْيَا، أصْدَقُكُمْ حَدِيثًا» .\n\nقوله: «إذا اقترب الزمان»، أي: قربت القيامة. قال ابن أبي جمرة:","vol":"1","page":509},{"text":"أن المؤمن حينئذٍ يكون غريبًا فيقل أنيسة، فيكرم بالرؤيا الصادقة.\nوقال السيوطي: لأن أكثر العلم ينقص حينئذٍ، وتَنْدّرِسَ معالم الديانة فيكون الناس على مثل الغرة محتاجين إلى مُذَكِّر ومُجَدِّد لما دَرَسَ من الدين كما كانت الأمم تُذَكَّرُ بالأنبياء.\n\n[٨٤٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ رَآنِي في المَنَامِ فَسَيَرَانِي في اليَقَظَةِ - أَوْ كَأنَّما رَآنِي في اليَقَظَةِ - لا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: بشارة لمن رأى النبي - ﷺ - في الرؤيا أنه يراه يوم القيامة.\nوفيه: أن الشيطان لا يتمثل في صورته - ﷺ -.\n\n[٨٤١] وعن أَبي سعيدٍ الخدرِيِّ - ﵁ - أنَّه سَمِعَ النبي - ﷺ - يقول: «إِذَا رَأى أحَدُكُمْ رُؤيَا يُحِبُّهَا، فَإنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا - وفي رواية: فَلا يُحَدِّثْ بِهَا إِلا مَنْ يُحِبُّ - وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فإنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ؛ فَإنَّهَا لا تَضُرُّهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: طلب الحمد عند حدوث النعم، وتجدد المنن فذلك سبب لدوامها.\nوفيه: أنه لا يخبر بالرؤيا الحسنة إلا من يحب، لأن العدو ربما يحملها على بعض ما تحتمله، لأنها لأول عابر.\nوفي رواية الترمذي: «ولا تحدث بها إلا لبيبًا، أو حبيبًا، وإذا رأى","vol":"1","page":510},{"text":"الرؤيا القبيحة فلا يفسرها، ولا يخبر بها أحدًا» .\n\n[٨٤٢] وعن أَبي قَتَادَة - ﵁ - قال: قَالَ النبيُّ - ﷺ -: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ - وفي رواية: الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ - مِنَ اللهِ، وَالحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَن شِمَالِهِ ثَلاَثًا، وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فإنَّهَا لا تَضُرُّهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«النَّفْثُ»: نَفْخٌ لَطِيفٌ لا رِيقَ مَعَهُ.\n\nقال القاضي عياض: أمر بالنفث طردًا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة تحقيرًا له، واستقذارًا، وخص بها اليسار لأنها محل الأقذار.\n\n[٨٤٣] وعن جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا رَأى أحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًَا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاَثًا، وَلْيَتَحَوَّل عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» . رواه مسلم\n\nالتحول: تفاؤل يتحول الحال من الرؤيا القبيحة إلى الرؤيا الحسنة.\nوجاء من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصلِّ، ولا يحدث به الناس» . متفق عليه.\n\n[٨٤٤] وعن أَبي الأسقع واثِلةَ بن الأسقعِ - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّ مِنْ أعْظَمِ الفِرَى أنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيرِ أبِيهِ، أَوْ يُرِي عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولَ عَلَى رسول الله - ﷺ - مَا لَمْ يَقُلْ» رواه البخاري.","vol":"1","page":511},{"text":"في هذا الحديث: أن هذه الخصال الثلاث من أعظم الكذب لأن المنتسب إلى غير أبيه يدَّعي أن الله خلقه من ماء فلان، والكذب في الرؤيا كذب على الله، لأنها جزء من النبوة، وعن ابن عباس مرفوعًا: «من تحلم بحلم لم يره كُلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل» .\nوالكذب على الرسول - ﷺ - كذب في الدين.\nوفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ -: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» .\n* * *","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>كتَاب السَّلاَم</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>١٣١- باب فضل السلام والأمر بإفشائه</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أهْلِهَا﴾ [النور (٢٧)] .\n\nيأمر تعالى عباده المؤمنين أن لا يدخلوا بيوت غيرهم حتى يستأذنوا ويسلموا.\nوقال أبو موسى الأشعري وحذيفة: يستأذن على ذوات المحارم، ومثله، عن الحسن فإن كانوا في دار واحدة يتنحنح، ويتحرك أدنى حركة.\nوقال تَعَالَى: ﴿فَإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور (٦١)] .\n\nقال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فسلِّم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\nقال قتادة: وحُدِّثنا أنَّ الملائكة ترد عليه.\nوقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، قال: حسنة جميلة.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ ... [النساء (٨٦)] .\n\nالرد واجب، والزيادة سُنَّة، فإذا قال مثلًا: السلام عليكم، قال: وعليكم السلام ورحمة الله.","vol":"1","page":513},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ الْمُكرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا﴾ [الذاريات (٢٤، ٢٥)] .\n\n﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، فيه: تعظيم لشأن الحديث، وتنبيه على أنه إنما عرفه بالوحي.\nوقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلامًا﴾، أي: نسلم عَلَيْكُمْ سلامًا. قال: ﴿سَلامٌ﴾، أي: عليكم سلام.\n\n[٨٤٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أيُّ الإسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nإطعام الطعام من خير خصال الإِسلام لما فيه من دفع الحاجة عن الفقير، وجلب المحبة، والتآلف، وكذلك إفشاء السلام لما فيه من التآلف وجلب المحبة أيضًا والإِبعاد عن الكبر.\n\n[٨٤٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ - ﷺ - قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولئِكَ - نَفَرٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ جُلُوس - فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ؛ فَإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيتِكَ من بعدك. فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فقالوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. في رواية: وعليك السلام ورحمة الله.\nوفي الحديث: مشروعية الزيادة في الرد على الابتداء.\n[٨٤٧] وعن أَبي عُمَارة البراءِ بن عازِبٍ ﵄، قَالَ: أمرنا رسول الله - ﷺ - بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ","vol":"1","page":514},{"text":"العَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعيفِ، وَعَوْنِ المَظْلُومِ، وَإفْشَاءِ السَّلاَمِ، وَإبْرَارِ المُقسِمِ. متفقٌ عَلَيْهِ، هَذَا لفظ إحدى روايات البخاري.\n\nفيه: الأمر بإِفشاء السلام، أي: إشاعته وإظهاره.\n\n[٨٤٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ» . رواه مسلم\n\nإشاعة السلام وإذاعته سبب للتوادد ودخول الجنة.\n\n[٨٤٩] وعن أَبي يوسف عبد الله بن سلام - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، أفْشُوا السَّلاَمَ، وَأطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأرْحَامَ، وَصَلُّوا والنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَم» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: إنَّ هذه الخصال من أسباب دخول الجنة. قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر (٤٦)] .\n[٨٥٠] وعن الطُّفَيْل بن أُبَيِّ بن كعبٍ: أنَّه كَانَ يأتي عبد الله بن عمر، فيغدو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ، قَالَ: فإذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ عَبدُ الله عَلَى سَقَّاطٍ وَلا صَاحِبِ بَيْعَةٍ، وَلا مِسْكِينٍ، وَلا أحَدٍ إِلا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عبد الله بنَ عُمَرَ يَوْمًا، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بالسُّوقِ، وَأنْتَ لا تَقِفُ عَلَى البَيْعِ،","vol":"1","page":515},{"text":"وَلا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ، وَلا تَسُومُ بِهَا، وَلا تَجْلِسُ في مَجَالِسِ السُّوقِ؟ وَأقُولُ: اجْلِسْ بِنَا ها هُنَا نَتَحَدَّث، فَقَالَ: يَا أَبَا بَطْنٍ – وَكَانَ الطفَيْلُ ذَا بَطْنٍ – إنَّمَا نَغْدُو مِنْ أجْلِ السَّلاَمِ، فنُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقيْنَاهُ. رواه مالك في المُوطَّأ بإسنادٍ صحيح.\n\nفي هذا الحديث: استحباب دخول السوق لأجل إفشاء السلام ونشره، وذكر الله تعالى لكون الأسواق محل الغفلة، وقد جاء في حديث: «ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>١٣٢- باب كيفية السلام</span>\n\nيُسْتَحَبُّ أنْ يَقُولَ المُبْتَدِئُ بالسَّلاَمِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَيَأتِ بِضَميرِ الجَمْعِ، وَإنْ كَانَ المُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا، وَيقُولُ المُجيبُ: وَعَلَيْكُمْ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، فَيَأتِي بِوَاوِ العَطْفِ في قَوْله: وَعَلَيْكُمْ.\n\nكمال السلام يأتي بضمير الجمع ليعم من يحضره من الملائكة، وإن أفرد الضمير جاز.\n[٨٥١] عن عِمْرَان بن الحصين ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي - ﷺ - فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «عَشْرٌ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: «عِشْرُونَ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَركَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ثَلاثُونَ» . .رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .","vol":"1","page":516},{"text":"في هذا الحديث: أن زيادة الحسنات بزيادة التحية.\n\n[٨٥٢] وعن عائشةَ ﵂، قالت: قَالَ لي رسولُ الله - ﷺ -: «هَذَا جِبريلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمَ» . قالت: قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nوهكذا وقع في بعض رواياتِ الصحيحين: «وَبَرَكاتُهُ» وفي بعضها بحذفِها، وزِيادةُ الثقةِ مقبولة.\n\nفي هذا الحديث: جواز سلام الرجل الأجنبي على المرأة عند أمن الريبة، وزاد البخاري في روايته: أنها قالت: ترى ما لا نرى يَا رسول الله.\n\n[٨٥٣] وعن أنسٍ - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا تكلم بِكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثَلاثًَا حَتَّى تُفهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سلم عَلَيْهِمْ ثَلاَثًا. رواه البخاري.\nوهذا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الجَمْعُ كَثِيرًا.\n\nفي هذا الحديث: كمال حسن خلقه - ﷺ - ومزيد شفقته، والاقتصار على الثلاث في الكلام إشعار بأن مراتب الفهم كذلك: أعلى، وأوسط، وأدنى. ومن لا يفهم في ثلاث لا يفهم ولو زيد على ذلك.\n[٨٥٤] وعن المِقْدَادِ - ﵁ - في حدِيثهِ الطويل، قَالَ: كُنَّا نَرْفَعُ للنَّبيِّ - ﷺ - نَصِيبَهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ اليَقْظَانَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: أن المسلِّم على النيام لا يرفع صوته بحيث يوقظ النائم","vol":"1","page":517},{"text":"بل يجعل صوته بين الجهر والإِخفات.\n\n[٨٥٥] وعن أسماء بنتِ يزيد ﵂: أنَّ رسول الله - ﷺ - مَرَّ في المَسْجدِ يَوْمًا، وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَألْوَى بِيَدِهِ بالتسْلِيمِ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nوهذا محمول عَلَى أنَّه - ﷺ - جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالإشَارَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أنَّ في رِوَايةِ أَبي داود: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا.\n\nفي هذا الحديث: جواز الإِشارة بالسلام مع التلفظ به ليتنبه المسلَّم عليه.\n\n[٨٥٦] وعن أَبي جُرَيٍّ الهُجَيْمِيِّ - ﵁ - قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فقلتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رسول الله. قَالَ: «لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ؛ فإنَّ عَلَيْكَ السَّلاَمُ تَحِيَّةُ المَوتَى» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح)، وَقَدْ سبق لفظه بِطُولِهِ.\n\nفي هذا الحديث: نهي المبتدئ بالسلام عن قوله: عليك السلام، لأن ذلك تحيَّة الموتى. وقد ورد عنه - ﷺ - تقديم لفظ السلام على الموتى حين قال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» فهو أحسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>١٣٣- باب آداب السلام</span>\n[٨٥٧] عن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَليلُ عَلَى الكَثِيرِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية للبخاري: «والصغيرُ عَلَى الكَبيرِ» .","vol":"1","page":518},{"text":"قال المهلب: تسليم الماشي لتشبيهه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع، وتسليم القليل لأجل حق الكثير لأن حقهم أعظم.\nقوله: «والصغير على الكبير» . قال ابن بطال: وذلك لأن الصغير مأمور بتوقير الكبير والتواضع له.\n\n[٨٥٨] وعن أَبي أُمَامَة صُدَيِّ بن عجلان الباهِلي - ﵁ - قال: قَالَ ... رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّ أَوْلى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأهُمْ بِالسَّلامِ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ.\nورواه الترمذي عن أَبي أُمَامَةَ - ﵁ -، قِيلَ: يَا رسول الله، الرَّجُلانِ يَلْتَقِيَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ؟، قَالَ: «أَوْلاَهُمَا بِاللهِ تَعَالَى» . قَالَ الترمذي: «هَذَا حديث حسن» .\n\nصار البادئ بالسلام أولى بالله لما صنع من المبادرة إلى طاعة الله والمسارعة إليها. وروى البيهقي في \" شعب الإِيمان \" عن ابن مسعود يرفعه: «إذا مر الرجل بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل لأنه ذكرهم السلام وإن لم يردوا عليه رد عليه ملأ خير منهم وأطيب» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>١٣٤- باب استحباب إعادة السلام</span>\nعَلَى من تكرر لقاؤه عَلَى قرب بأن دخل ثم خرج ثُمَّ دخل في الحال، أَو حال بينهما شجرة ونحوها\n[٨٥٩] عن أَبي هريرة - ﵁ - في حديثِ المسِيءِ صلاته: أنّه","vol":"1","page":519},{"text":"جَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النبي - ﷺ - فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النبي - ﷺ - حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: دليل على استحباب إعادة السلام في مثل ذلك.\n\n[٨٦٠] وعنه عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ، أَوْ جِدَارٌ، أَوْ حَجَرٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ» . رواه أَبُو داود.\n\nالمراد بالحيلولة: ما يمنع الرؤية بحيث يعد فاصلًا عرفيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>١٣٥- باب استحباب السلام إِذَا دخل بيته</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور (٦١)] .\n\nهذه الآية عامة في جميع البيوت، فإذا دخل بيتًا فيه أهله فليسلِّم عليهم. وإذا دخل بيته فليسلِّم على أهله. وإذا دخل بيتًا خاليًا فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\n\n[٨٦١] وعن أنسٍ - ﵁ - قال: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أهْلِكَ، فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ، وعلى أهْلِ","vol":"1","page":520},{"text":"بَيْتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: الأمر بالسلام إذا دخل بيته لتناله بركة التحية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>١٣٦- باب السلام عَلَى الصبيان</span>\n\n[٨٦٢] عن أنس - ﵁ - أنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَفْعَلُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nفيه: استحباب السلام على الصبيان وتدريبهم على تعلم السنن، وتأديبهم بآداب الشريعة.\nوفيه: حسن خلقه - ﷺ - وتواضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>١٣٧- باب سلام الرجل على زوجته</span>\nوالمرأة من محارمه وعلى أجنبية وأجنبيات لا يخاف الفتنة بهن وسلامهن بهذا الشرط\n\n[٨٦٣] عن سهل بن سعدٍ - ﵁ - قال: كَانَتْ فِينَا امْرَأةٌ - وفي رواية: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ - تَأخُذُ مِنْ أصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي القِدْرِ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ، وَانْصَرَفْنَا، نُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَدِّمُهُ إلَيْنَا. رواه البخاري.\nقَوْله: «تُكَرْكِرُ» أيْ: تَطْحَنُ.\n\nالسلق: بقل معروف. قال في \" القاموس \": يجلو، ويحلل، ويلين، ويفتح ويسر النفس نافع للنِّقْرِسِ والمفاصل.\n\n[٨٦٤] وعن أُم هَانِىءٍ فاخِتَةَ بنتِ أَبي طالب ﵂،","vol":"1","page":521},{"text":"قالت: أتيت النبيَّ - ﷺ - يَوْمَ الفَتْحِ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ ... وَذَكَرَتِ الحديث. رواه مسلم.\n\nوجه الدليل من هذا الحديث تقريره - ﷺ - إذ لو حرم سلام الأجنبية مطلقًا لبينه لها فإذا أمنت الفتنة فلا كراهة في السلام منها وعليها.\n\n[٨٦٥] وعن أسماءَ بنتِ يزيدَ ﵂، قالت: مَرّ عَلَيْنَا النّبيُّ - ﷺ - فِي نِسوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن)، وهذا لفظ أَبي داود.\nولفظ الترمذي: أنَّ رسول الله - ﷺ - مَرَّ في المَسْجِدِ يَوْمًا، وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَأَلْوَى بِيَدِهِ بالتَّسْلِيمِ.\n\nفيه: جواز التسليم على الأجنبيات إذا أمنت الفتنة بهن أو منهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>١٣٨- باب تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام</span>\nوكيفية الرد عليهم\nواستحباب السلام عَلَى أهل مجلسٍ فيهم مسلمون وكفار\n\n[٨٦٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا تَبْدَأُوا اليَهُودَ وَلا النَّصَارَى بالسَّلامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيق فَاضطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن ابتداء الكافر بالسلام، وهو قول الجمهور قطعًا للتواد، وجوز بعض العلماء ابتداءهم به لضرورة وحاجة وسبب.\n\n[٨٦٧] وعن أنسٍ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال النووي: اتفق العلماء على الرد على أهل الكتب إذا سلموا. لكن لا يقال: وعليكم السلام.","vol":"1","page":522},{"text":"بل يقال: عليكم، أو: وعليكم. انتهى.\nووجه هذا الحديث: ما جاء في حديث آخر: «أن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم، فقولوا: وعليكم» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوالسام: الموت.\n[٨٦٨] وعن أُسَامَة - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أخْلاَطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكينَ - عَبَدَة الأَوْثَانِ - واليَهُودِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِم النبيُّ - ﷺ -. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية السلام على المجلس الذي فيه مسلمون وكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>١٣٩- باب استحباب السلام إِذَا قام من المجلس</span>\nوفارق جلساءه أَوْ جليسه\n[٨٦٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا انْتَهى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأحَقّ مِنَ الآخِرَةِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nفيه: مشروعية السلام عند دخول المجلس، وعند القيام منه.\nقال الطيبي: قيل: كما أن التسليمة الأولى إخبار عن سلاماتهم من شره عند الحضور، فكذا الثانية إخبار عن سلامتهم من شره عند الغيبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>١٤٠- باب الاستئذان وآدابه</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور (٢٧)] .","vol":"1","page":523},{"text":"الاستئذان: طلب الأذن في الدخول على من بالمنزل.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُم الحُلُمَ فَلْيَسْتَأذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور (٥٩)] .\n\nلما رخص تعالى للمماليك والصبيان أن يدخلوا بغير استئذان إلا في ثلاثة أوقات، أمر الأطفال إذا بلغوا أن يستأذنوا في كل وقت.\n\n[٨٧٠] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: ... «الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فَإنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلا فَارْجِعْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: الأمر بالانصراف بعد الثلاث قيل: إن الأولى للتنبيه والثانية للتعريف والثالثة ليأذن به ويتركه ومن لم ينتبه عند الثالثة لا ينتبه غالبًا.\n\n[٨٧١] وعن سهلِ بنِ سعدٍ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَرِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: أنه لا يجوز للمستأذن أن ينظر من خلل الباب إلى البيت.\n[٨٧٢] وعن رِبْعِيِّ بن حِرَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أنَّهُ اسْتَأذَنَ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - وَهُوَ في بيتٍ، فَقَالَ: أألِج؟ فَقَالَ رسول الله - ﷺ - لِخَادِمِهِ: «أُخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمهُ الاسْتِئذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُل؟» فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُل؟ فَأذِنَ لَهُ النَّبيُّ - ﷺ - فدخلَ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nقوله: (أأدخل) بهمزتين.\nقال الشارح: وظاهره أن المتكلم مخير بين تحقيق الهمزة، وإبدال الثانية ألفًا وتسهيليها.","vol":"1","page":524},{"text":"قلت: وتجوز بهمزةٍ واحدةٍ.\n\n[٨٧٣] عن كِلْدَةَ بن الحَنْبل - ﵁ - قال: أتَيْتُ النبي - ﷺ - فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُل؟» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: الأمر بالمعروف واستدراك السنن، وعدم التساهل فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>١٤١- باب بيان أنَّ السنة إِذَا قيل للمستأذن: من أنت</span>؟\nأن يقول: فلان، فيسمي نفسه بما يعرف به من اسم أَوْ كنية\nوكراهة قوله: «أنا» ونحوها\n\n[٨٧٤] عن أنس - ﵁ - في حديثه المشهور في الإسراءِ، قَالَ: قَالَ ... رسول الله - ﷺ -: «ثُمَّ صَعَدَ بي جِبْريلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فقِيلَ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، ثُمَّ صَعَدَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَسَائِرِهنَّ وَيُقَالُ فِي بَابِ كُلِّ سَمَاءٍ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: جِبْريلُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nفي هذا الحديث: أن المستأذن يسمي نفسه باسمه المعروف، إذا قيل: من هذا؟\n\n[٨٧٥] وعن أَبي ذرٍّ - ﵁ - قال: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإذَا رسول الله - ﷺ - يَمْشِي وَحْدَهُ، فَجَعَلْتُ أمْشِي فِي ظلِّ القمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي، فَقال: ... «مَنْ هَذَا؟» فقلتُ: أَبُو ذَرٍّ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nأجاب أبو ذرّ بما اشتهر به من كنيته، لأنه بها أعرف منها باسمه.","vol":"1","page":525},{"text":"[٨٧٦] وعن أُمِّ هانئ ﵂، قالت: أتيتُ النَّبيَّ - ﷺ - وَهُوَ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: «مَنْ هذِهِ؟» فقلتُ: أنا أُمُّ هَانِئٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nأجابت أم هانيء بكنيتها لشهرتها بذلك. ووجه الدلالة من الحديثين تقريره - ﷺ - على ذلك.\n\n[٨٧٧] وعن جابر - ﵁ - قال: أتَيْتُ النبيَّ - ﷺ - فَدَقَقْتُ البَابَ، فَقَالَ: «مَنْ ذَا؟» فَقُلتُ: أَنَا، فَقَالَ: «أنَا، أنَا!» كَأنَّهُ كَرِهَهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.\nفي هذا الحديث: أن دق الباب بقوم مقام الاستئذان.\nوفيه: كراهة قول المستأذن: أنا، ومثله: إنسان، أو شخص أو صديق لعدم حصول غرض السائل بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>١٤٢- باب استحباب تشميت العاطس إِذَا حمد الله تَعَالَى</span>\nوكراهة تشميته إذا لَمْ يحمد الله تَعَالَى\nوبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب\n\nالتشميت، بالشين المعجمة وبالسين المهملة، فمعنى شمته: دعا له أن يجمع شمله. والتسميت بالمهملة: التبريك، يقال: سمته: إذا دعا له بالبركة.\nوقال أبو بكر ابن العربي: تكلم أهل اللغة في اشتقاق اللفظين، ولم يبينوا المعنى فيه، وهو بديع. وذلك أنَّ العاطس ينحل كل عضو في رأسه، وما يتصل به من العنق ونحوه، فكأنه إذا قيل له يرحمك الله، كان معناه: أعطاك رحمةً يرجع بها بدنك إلى حاله قبل العطاس، ويقيم على حاله من غير تغيير، فإن كان التسميت بالمهملة فمعناه رجع كل عضو إلى سمته الذي كان عليه، وإن كان بالمعجمة فمعناه: صان الله شوامته، أي: قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال.","vol":"1","page":526},{"text":"[٨٧٨] عن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الله يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ الله تَعَالَى كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءبَ أحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» . رواه البخاري.\n\nالعطاس: يكون غن خفة البدن، وانفتاح المسام، وعدم الغاية في الشبع، فيستدعي النشاط للعبادة، والتثاؤب يكون عن غلبة البدن، وثقله مما يكون ناشئًا عن كثرة الأكل والتخليط فيه، فيستدعي الكسل.\nقال الحليمي: الحكمة في مشروعية الحمد للعاطس أن العطاس يدفع الأذى عن الدماغ الذي فيه قوة الفكرة، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس فناسب أن تقابل هذه النعمة بالحمد لله.\nقال الحافظ ابن حجر: ولا أصل لما اعتاده كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله: الحمد لله رب العالمين.\n[٨٧٩] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ ... للهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله. فإذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَليَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» . رواه البخاري.\n\nقيل: الحكمة في إفراد الدعاء للعاطس وجمعه للمجيب، أن الرحمة مدعو بها للعاطس وحده مما أصابه مما تنحل به أعصابه ويضر سمتها لولا الرحمة من الله، وأما الهداية فمدعو بها لجميع المؤمنين، ومنهم المخاطب.\n\n[٨٨٠] وعن أَبي موسى - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول","vol":"1","page":527},{"text":"الله - ﷺ - يقولُ: «إِذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإنْ لَمْ يَحْمَدِ الله فَلا تُشَمِّتُوهُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يشمت.\n\n[٨٨١] وعن أنس - ﵁ - قال: عَطَسَ رَجُلانِ عِنْدَ النبي - ﷺ - فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ فَلَمْ تُشَمِّتْنِي؟ فَقَالَ: «هَذَا حَمِدَ الله، وَإنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ الله» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: إكرام من فعل طاعة، وترك من تركها، وحكي عن الأوزاعي أنه عطس رجل بحضرته فلم يحمد الله فقال له الأوزاعي، كيف تقول إذا عطست؟ فقال: أقول الحمد لله. فقال له: يرحمك الله.\n\n[٨٨٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ - أَوْ غَضَّ - بِهَا صَوْتَهُ. شك الراوي. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: استحباب وضع الثوب على فمه وأنفه إذا عطس لئلا يخرج منه شيء يؤذي جليسه، ولا يلوي عنقه.\nقال ابن العربي: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجًا للأعضاء.\nورُوِيَ من حديث عبادة مرفوعًا: «إذا تجشى أحدكم أو عطس فلا يرفع بهما الصوت، فإن الشيطان يحب أن يرفع بهما الصوت» .","vol":"1","page":528},{"text":"[٨٨٣] وعن أَبي موسى - ﵁ - قال: كَانَ اليَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ رسول الله - ﷺ - يَرْجُونَ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُم الله، فَيَقُولُ: «يَهْدِيكُم اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nكان اليهود يعلمون نبوته - ﷺ - ورسالته باطنًا وإن أنكروها ظاهرًا حسدًا وعنادًا.\nقال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [البقرة (١٤٦)] .\nوفيه: أن الكافر لا يقال له: يرحمك الله بل يقال: يهديكم الله ويصلح بالكم.\n\n[٨٨٤] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا تَثَاءبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ؛ فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» . رواه مسلم.\n\nفيه: استحباب وضع اليد على الفم عند التثاؤب، لأن الشيطان يدخل الجوف مع التثاؤب. وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة: «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه ولا يعوي فإن الشيطان يضحك منه» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>١٤٣- باب استحباب المصافحة عِنْدَ اللقاء وبشاشة الوجه</span>\nوتقبيل يد الرجل الصالح وتقبيل ولده شفقة\nومعانقة القادم من سفر وكراهية الانحناء\n\n[٨٨٥] عن أَبي الخطاب قتادة، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أكَانَتِ","vol":"1","page":529},{"text":"المُصَافَحَةُ في أصْحَابِ رسولِ الله - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ. رواه البخاري.\n\nفيه: دليل على مشروعية المصافحة؛ لأن الإجماع السكوتي حجة.\n[٨٨٦] وعن أنس - ﵁ - قال: لَمَّا جَاءَ أهْلُ اليَمَنِ قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «قَدْ جَاءكُمْ أهْلُ اليَمَنِ» . وَهُمْ أوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالمُصَافَحَةِ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nالمصافحة: مما يؤكد المحبة، وأهل اليمن ألين قلوبًا وأرق أفئدةً.\n\n[٨٨٧] وعن البراءِ - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمَينِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أنْ يَفْتَرِقَا» . رواه أَبُو داود.\n\nفي هذا الحديث: تأكيد أمر المصحافة، والحث عليها لإِخبار الصادق - ﷺ - أنه يغفر للمتصافحين في مقامهما.\n\n[٨٨٨] وعن أنس - ﵁ - قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أينحَنِي لَهُ؟ قَالَ: «لا» . قَالَ: أفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: «لا» . قَالَ: فَيَأخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: استحباب المصافحة والنهي عن الانحناء، وأما المعانقة فتشرع للقادم من السفر.\n\n[٨٨٩] وعن صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ - ﵁ - قال: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبيِّ، فَأتَيَا رسول الله - ﷺ - فَسَألاهُ عَنْ تِسْعِ","vol":"1","page":530},{"text":"آياتٍ بَيِّنَاتٍ ... فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى قَوْلهِ: فقَبَّلا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ. رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحةٍ.\nلفظ الحديث عند الترمذي، فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا للفرار يوم الزحف، وعليكم خاصةً، أيها اليهود ألا تعدوا في السبت.\nقال الطيبي: كان عند اليهود عشر كلمات: تسع منها مشتركة بينهم وبين المسلمين، وواحدة مختصة بهم، فسألوا عن التسع المشتركة، وأضمروا ما كان مختصًا بهم. فأجابهم - ﷺ - عما سألوه، وعما أضمروه ليكون أدل على معجزاته. انتهى.\nوفيه: جواز تقبيل يد الرجل الصالح.\n\n[٨٩٠] وعن ابن عمر ﵄ قِصَّة قَالَ فِيهَا: فَدَنَوْنَا مِنَ النَّبيِّ - ﷺ - فَقَبَّلْنَا يَدَه. رواه أَبُو داود.\n\nوحاصل القصة أنهم كانوا في سرية ففروا، فأتوا النبي - ﷺ - وقالوا: نحن الفارون. فقال: «بل أنتم الكارهون» . وفي رواية: فقال: «أنا فئة المسلمين» .\n\n[٨٩١] وعن عائشة ﵂ قالت: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ المَدِينَةَ وَرسولُ الله - ﷺ - في بَيتِي، فَأتَاهُ فَقَرَعَ البَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ النبيُّ - ﷺ - يَجُرُّ ثَوْبَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: استحباب قصد القادم أول قدومه إلى من يعز عليه.\nوفيه: جواز الاسئذان بالقرع.\nوفيه: استحباب المعانقة والتقبيل للقادم من الأصحاب والأقارب.","vol":"1","page":531},{"text":"[٨٩٢] وعن أَبي ذَرٍّ - ﵁ - قال: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «لا تَحقِرَنَّ منَ الْمَعرُوف شَيْئًا، وَلَوْ أنْ تَلْقَى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْيقٍ» . رواه مسلم\n\nفي هذا الحديث: استحباب طيب الكلام، وبشاشة الوجه، وفعل المعروف وإن قل.\n[٨٩٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَبَّلَ النبيُّ - ﷺ - الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ ﵄، فَقَالَ الأقْرَعُ بن حَابِسٍ: إنَّ لِي عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَدًَا. فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ!» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nوفيه: استحباب تقبيل الأطفال شفقة ورحمة.\n* * *","vol":"1","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>كتاب عيَادة المريض وَتشييع المَيّت</span>\nوالصّلاة عليه وَحضور دَفنهِ وَالمكث عِنْدَ قبرهِ بَعدَ دَفنه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>١٤٤- باب عيادة المريض</span>\n\n[٨٩٤] عن البَرَاءِ بن عازِبٍ ﵄، قَالَ: أمَرَنَا رسولُ الله - ﷺ - بعِيَادَةِ الْمَريضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلاَمِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nعيادة المريض سنة مؤكدة. ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس عنده، وينفس له في أجله، ويذكر له فضل الصبر، ويدعو له.\n\n[٨٩٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلاَمِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nوفي رواية لمسلم: «حق المسلم على المسلم ست» . وزاد: «وإذا استنصحك. فانصح له» .\n[٨٩٦] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّ اللهَ - ﷿ - يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ","vol":"1","page":533},{"text":"تَعُدْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أطْعِمُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أسْقِيكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمينَ؟! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تَسْقِهِ! أمَا أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي!» . رواه مسلم\n\nقوله: (لوجدتني عنده)، أي: بالعلم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ... [المجادلة (٧)] .\nقوله: «أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي»، أي: ثوابه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل (٢٠)] .\nوفيه: دليل أنَّ الحسنات لا تضيع، وأنها عند الله بمكان.\n[٨٩٧] وعن أَبي موسى - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «عُودُوا المَريضَ، وَأطْعِمُوا الجَائِعَ، وَفُكُّوا العَانِي» . رواه البخاري.\n«العاَنِي»: الأسيرُ.\n\nقال في \" النهاية \": العاني: الأسير، وكل من ذل واستكان وخضع.\n\n[٨٩٨] وعن ثوبان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إنَّ المُسْلِمَ","vol":"1","page":534},{"text":"إِذَا عَادَ أخَاهُ المُسْلِمَ، لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» . قِيلَ: يَا رَسولَ الله، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا» . رواه مسلم.\n\nفيه: فضل عيادة المريض، وثواب العائد، ولما كانت العيادة مفضية إلى مخارف الجنة سميت بها، والجنا: ما يجتني من الثمر.\n\n[٨٩٩] وعن عليّ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوة إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n«الخَريفُ»: الثَّمرُ الْمَخْرُوفُ، أيْ: الْمُجْتَنَى.\n\nالصلاة من الملائكة: الاستغفار والدعاء، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم﴾ [غافر (٧، ٨)] .\n[٩٠٠] وعن أنسٍ - ﵁ - قال: كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النبي - ﷺ - فَمَرِضَ، فَأتَاهُ النَّبيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أسْلِمْ» فَنَظَرَ إِلَى أبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ؟ فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ، فَأسْلَمَ، فَخَرَجَ النبي - ﷺ - وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أنْقَذَهُ منَ النَّارِ» رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: جواز عيادة الكافر للمصلحة.\nوفيه: بركة صحبة الصالحين وظهور ثمرتها دنيا وأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>١٤٥- باب مَا يُدعى به للمريض</span>\n\n[٩٠١] عن عائشة ﵂: أنَّ النبي - ﷺ - كَانَ إِذَا اشْتَكى الإنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ النَّبيُّ - ﷺ - بِأُصْبُعِهِ","vol":"1","page":535},{"text":"هكَذا - وَوَضَعَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة الرَّاوي سَبَّابَتَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَها - وقال: «بِسمِ اللهِ، تُرْبَةُ أرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بإذْنِ رَبِّنَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي بعض الروايات: أن النبي - ﷺ - كان يبل أصبعه ويضعها أعلى لأرض ليلتزق بها التراب.\nوفيه: إشارة إلى أن أول خلق الإِنسان من تراب، ثم من نطفة.\n\n[٩٠٢] وعنها أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يَعُودُ بَعْضَ أهْلِهِ يَمْسَحُ بِيدِهِ اليُمْنَى، ويقولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أذْهِب البَأسَ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفاؤكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقمًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «لا يغادر سقمًا»، أي: لا يترك مرضًا. وفائدة التقييد به أنه قد يحول الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر متولد منه مثلًا، فكأنه يدعو بالشفاء المطلق، لا بمطلق الشفاء.\n[٩٠٣] وعن أنسٍ - ﵁ - أنه قَالَ لِثابِتٍ ﵀: ألا أرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسول الله - ﷺ -؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَأسِ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي، لا شَافِيَ إِلا أنْتَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقمًا» . رواه البخاري.\n\nفيه: دليل على جواز الرقية من كل الآلم، وأنه كان أمرًا فاشيًا معلومًا بينهم وأجمع العلماء على جواز الرقية إذا كانت بكلام الله تعالى، أو ... بأسمائه، أو بصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره. وسئل ابن عبد السلام","vol":"1","page":536},{"text":"عن الحروف المقطعة فمنع منها ما لا يعرف لئلا يكون كفرًا.\n\n[٩٠٤] وعن سعدِ بن أَبي وقاصٍ - ﵁ - قال: عَادَنِي رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا» . رواه مسلم.\n\nكرر الدعاء - ﷺ - لمزيد الاهتمام والاعتناء.\nوفي الحديث: «إن الله يحب المُلحِّين في الدعاء» .\n\n[٩٠٥] وعن أَبي عبدِ الله عثمان بنِ أَبي العاصِ - ﵁ -: أنّه شَكَا إِلَى رسول الله - ﷺ - وَجَعًا، يَجِدُهُ في جَسَدِهِ، فَقَالَ لَهُ رسول الله - ﷺ -: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَألَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بسم اللهِ ثَلاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أعُوذُ بِعِزَّةِ الله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أجِدُ وَأُحَاذِرُ» . رواه مسلم.\n\nقال الطيبي: تعوذ من مكروه ووجع، ومما يتوقع حصوله في المستقبل.\n[٩٠٦] وعن ابن عباسٍ ﵄ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْهُ أجَلُهُ، فقالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أسْأَلُ اللهَ العَظيمَ، رَبَّ العَرْشِ العَظيمِ، أنْ يَشْفِيَكَ، إِلا عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن)، وقال الحاكم: «حديث صحيح عَلَى شرط البخاري» .","vol":"1","page":537},{"text":"فيه: استحباب الدعاء للمريض بهذا الدعاء وتكريره سبع مرات.\nوفيه: أن الأجل إذا حضر لم يرده شيء.\n\n[٩٠٧] وعنه: أنَّ النبي - ﷺ - دَخَلَ عَلَى أعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَنْ يَعُودُهُ، قَالَ: «لا بَأسَ؛ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ» . رواه البخاري.\n\nتمام الحديث: فقال الأعرابي: بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور قال النبي - ﷺ -: فنعم إذًا.\n\n[٩٠٨] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ -: أن جِبريلَ أتَى النبي - ﷺ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: بِسْمِ الله أرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، بِسمِ اللهِ أُرقِيكَ. رواه مسلم.\n\nفي الحديث: جواز الإِخبار بالمرض على طريق بيان الواقع من غير تضجر ولا تبرم.\nوفيه: تنبيه على أن الرقى لا ينبغي أن تكون إلا بأسماء الله وأوصافه وذكره، فببركة ذلك يرتفع ما يؤذن في رفعه من الضرر.\n[٩٠٩] وعن أَبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: أنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رسول الله - ﷺ - أنّه قَالَ: «مَنْ قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ وَاللهُ أكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ، فَقَالَ: لا إلهَ إِلا أنَا وأنَا أكْبَرُ. وَإِذَا قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: يقول: لا إلهَ إلا أنَا وَحْدِي لا شَريكَ لِي. وَإِذَا قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، قَالَ: لا إلهَ إِلا أنَا","vol":"1","page":538},{"text":"لِيَ المُلْكُ وَلِيَ الحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ: لا إله إِلا اللهُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ، قَالَ: لا إلهَ إِلا أنَا وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بي» وَكَانَ يقُولُ: «مَنْ قَالَهَا في مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nمعنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله وحده منفردًا في ذاته وأوصافه، لا شريك له في ربوبيته، وإلاهيته. ومعنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونة الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>١٤٦- باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله</span>\n\n[٩١٠] عن ابن عباسٍ ﵄: أنَّ عليَّ بْنَ أَبي طالب - ﵁ -، خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رسول الله - ﷺ - في وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فقالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الحَسَنِ، كَيْفَ أصْبَحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: أصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارئًا. رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: استحباب السؤال عن حال المريض إذا عسر الوصول إليه.\nوفيه: أنه ينبغي لمن يُسأل عن حال المريض أن يجيب بما يشعر بخفة مرضه، وقرب عافيته.\nوفي رواية: فقال العباس: (والله إني لأرى رسول الله - ﷺ - سيتوفى من وجعه هذا، وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت ...) الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>١٤٧- باب مَا يقوله مَن أيس من حياته</span>\n\n[٩١١] عن عائشة ﵂، قالت: سَمِعْتُ النبيَّ - ﷺ - وَهُوَ","vol":"1","page":539},{"text":"مُسْتَنِدٌ إلَيَّ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي، وأَلْحِقْنِي بالرَّفِيقِ الأَعْلَى» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: تنبيه على أن سؤال المغفرة والرحمة لا يغفل عنه المستيقظ خصوصًا في مثل هذه الحال، لأنها حالة الانتقال، وساعة الارتحال. وقد قال النبي - ﷺ -: «اعملوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله» . قالوا: ولا أنت يَا رسول الله. قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» .\n\n[٩١٢] وعنها قالت: رَأيتُ رسولَ الله - ﷺ - وَهُوَ بِالمَوْتِ، عِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ في القَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بالماءِ، ثُمَّ يَقُولُ: ... «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى غَمَرَاتِ المَوْتِ وَسَكَرَاتِ المَوْتِ» رواه الترمذي.\nفيه: استحباب عدم الغفلة عن الذكر والدعاء في كل حال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>١٤٨- باب استحباب وصية أهل المريض</span>\nومن يخدمه بالإحسان إليه واحتماله والصبر عَلَى مَا يشق من أمره\nوكذا الوصية بمن قرب سبب موته بحد أَوْ قصاص ونحوهما\n[٩١٣] عن عِمْران بن الحُصَيْنِ ﵄: أنَّ أمْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَت النَّبِيَّ - ﷺ - وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا رسول الله، أصَبْتُ حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا رسولُ الله - ﷺ - وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإذَا وَضَعَتْ فَأتِنِي بِهَا» فَفَعَلَ، فَأمَرَ بِهَا النبي - ﷺ - فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أمَرَ بِهَا فَرُجِمَت، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. رواه مسلم.","vol":"1","page":540},{"text":"في هذا الحديث: مشروعية الصلاة على المقتول حدًا، وإن الحد طهرة له من دنس الذنوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>١٤٩- باب جواز قول المريض: أنَا وجع، أَوْ شديد الوجع</span>\nأَوْ مَوْعُوكٌ أَوْ وارأساه ونحو ذلك. وبيان أنَّه لا كراهة في ذلك\nإِذَا لَمْ يكن عَلَى وجه التسخط وإظهار الجزع\n\n[٩١٤] عن ابن مسعود - ﵁ - قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسسْتُهُ، فَقلتُ: إنَّكَ لَتُوعَكُ وَعَكًا شَديدًا، فَقَالَ: «أجَلْ، إنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: جواز إخبار المريض لمن سأله بما يجده من الألم، وأنه كلما اشتد وجعه عظم أجره.\n\n[٩١٥] وعن سعدِ بن أَبي وقاصٍ - ﵁ - قال: جَاءني رسولُ الله - ﷺ - يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فقلتُ: بَلَغَ بِي مَا تَرَى، وَأنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إِلا ابْنَتِي.. وذَكر الحديث. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالشاهد من الحديث تقرير النبي - ﷺ - سعدًا على قوله: (بلغ بي من الوجع ما ترى)، ولو كان منهيًّا عنه لنهاه.\n[٩١٦] وعن القاسم بن محمد قَالَ: قالت عائشةُ ﵂: وَارَأسَاهُ! فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «بَلْ أنَا، وَارَأسَاهُ!» ... وذكر الحديث. رواه البخاري.\n\nفيه: جواز مثل ذلك إذا لم يكن على وجه التسخط والجزع.","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>١٥٠- باب تلقين المحتضر: لا إله إِلا اللهُ</span>\n\n[٩١٧] عن معاذ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ كَانَ آخِرَ كَلامِهِ لا إلهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه أَبُو داود والحاكم، وقال: (صحيح الإسناد) .\n\nفيه: فضل كلمة التوحيد، وأن من قالها عند موته دخل الجنة.\nوفي حديث علي بن أبي طالب: «من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله لم يدخل النار» .\nوفي حديث آخر: «من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله وحده لا شريك له هدمت ما كان قبلها من الذنوب والخطايا» .\n\n[٩١٨] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إلهَ إِلا اللهُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: الأمر بتلقين المحتضر لا إله إلا الله. زاد ابن حبان من حديث أبي هريرة: «فإنه من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله دخل لجنة يومًا من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه» .\nوينبغي أن يكون الملقن رفيقًا لئلا يضجره ولا يكرر عليه التلقين إلا أن يتكلم بعد ذلك فيعيد تلقينه برفق. ولا يجوز إشغاله بالوصية وهو في الموت كما يفعله الجهال؛ لأنَّ ذلك يشغله عن الشهادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>١٥١- باب مَا يقوله بعد تغميض الميت</span>\n[٩١٩] عن أُم سلمة ﵂، قالت: دَخَلَ رسولُ الله - ﷺ -","vol":"1","page":542},{"text":"عَلَى أَبي سَلَمة وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ، تَبِعَهُ البَصَرُ» فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أهْلِهِ، فَقَالَ: «لا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ إِلا بِخَيْرٍ، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ يَؤمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» . ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَة، وَارْفَعْ دَرَجَتْهُ في المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبهِ في الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: استحباب تغميض الميت لئلا يتشوه منظره، واستحباب الدعاء له، ووصية أهله بالصبر والدعاء له بالخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>١٥٢- باب ما يقال عند الميت وَمَا يقوله من مات له ميت</span>\n\n[٩٢٠] عن أُم سَلَمة ﵂ قالت: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا حَضَرتُمُ المَرِيضَ أَو المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإنَّ المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ»، قالت: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سلَمة أتَيْتُ النبي - ﷺ - فقلت: يَا رسولَ الله، إنَّ أَبَا سَلَمَة قَدْ مَاتَ، قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ، وَأعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبى حَسَنَةً» فقلتُ، فَأعْقَبنِي اللهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ: مُحَمَّدًا - ﷺ -. رواه مسلم هكَذا: «إِذَا حَضَرتُمُ المَريضَ، أَو المَيِّتَ»، عَلَى الشَّكِّ، ورواه أَبُو داود وغيره: «الميت» بلا شَكّ.\n\nفي هذا الحديث: البداءة بالنفس في الدعاء.\nوفيه: حصول ثمرة الامتثال.\n[٩٢١] وعنها قالت: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: إنّا للهِ وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أُجِرْنِي في","vol":"1","page":543},{"text":"مُصِيبَتي وَاخْلفْ لِي خَيرًا مِنْهَا، إِلا أَجَرَهُ اللهُ تَعَالَى في مُصِيبَتِهِ وَأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» قالت: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَة قلتُ كَمَا أمَرَني رسول الله - ﷺ - فَأخْلَفَ اللهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ رسولَ الله - ﷺ -. رواه مسلم.\n\nقوله: «إلا أجره الله»، بفتح الهمزة من غير مد، وبمدها لغتان، أي: أثابه.\n\n[٩٢٢] وعن أَبي موسى - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فيقولونَ: نَعَمْ. فيقولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَة فُؤَادِهِ؟ فيقولونَ: نَعَمْ. فيقولُ: فمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فيقولونَ: حَمدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فيقول اللهُ تَعَالَى: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالإضافة في قوله تعالى: (عبدي)، للتشريف جبرًا لما أصابه من المصيبة وتشريفًا له لصبره على أقضية ربه.\n\n[٩٢٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «يقولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤمِن عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْل الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلا الجَنَّةَ» . رواه البخاري.\n\nصفيه: حبيبه من زوج، وولد، وقريب، وصديق.\n[٩٢٤] وعن أسَامَة بن زَيدٍ ﵄، قَالَ: أرْسَلَتْ إحْدى بَنَاتِ النَّبيِّ - ﷺ - إِلَيْهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أنَّ صَبِيًَّا لَهَا - أَوْ ابْنًا - في المَوْتِ فَقَالَ للرسول: «ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأخْبِرْهَا أنَّ للهِ تَعَالَى مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأجَلٍ مُسَمّى، فَمُرْهَا، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» ... وذكر تمام الحديث. متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":544},{"text":"في هذا الحديث: الوصية بالصبر عند المصيبة قبل وجودها ليستعد لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>١٥٣- باب جواز البكاء عَلَى الميت بغير ندب وَلا نياحة</span>\nأمَّا النِّيَاحَةُ فَحَرَامٌ وَسَيَأتِي فِيهَا بَابٌ فِي كِتابِ النَّهْيِ، إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَأمَّا البُكَاءُ فَجَاءتْ أحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وَأنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ، وَهِيَ مُتَأَوَّلَةٌ ومَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ أوْصَى بِهِ، وَالنَّهْيُ إنَّمَا هُوَ عَن البُكَاءِ الَّذِي فِيهِ نَدْبٌ، أَوْ نِيَاحَةٌ.\n\nأجمع العلماء على أنَّ البكاء الذي يعذب به هو مجرد النياحة لا مجرَّد دمع العين ونحوه.\nوالدَّليلُ عَلَى جَوَازِ البُكَاءِ بِغَيْرِ نَدْبٍ وَلا نِياحَةٍ أحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا:\n\n[٩٢٥] عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - عاد سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَمَعَهُ عَبدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوفٍ، وَسَعدُ بْنُ أَبي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ - ﵃ - فَبَكَى رسول الله - ﷺ - فَلَمَّا رَأى القَوْمُ بُكَاءَ رسولِ الله - ﷺ - بَكَوْا، فَقَالَ: «ألا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ الله لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَينِ، وَلا بِحُزنِ القَلبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهذَا أَوْ يَرْحَمُ» وَأشَارَ إِلَى لِسَانِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nفيه: دليل على جواز البكاء، والحزن، وتحريم الندب، والنياحة والتسخط.\n\n[٩٢٦] وعن أُسَامَة بن زَيدٍ ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - رُفِعَ إِلَيْهِ ابنُ ابْنَتِهِ وَهُوَ فِي المَوتِ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رسول الله - ﷺ - فَقَالَ لَهُ سَعدٌ: مَا هَذَا يَا رسولَ الله؟! قَالَ: «هذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى في","vol":"1","page":545},{"text":"قُلُوبِ ... عِبَادِهِ، وَإنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nسعد هذا هو ابن عبادة كما تقدم في الحديث في باب الصبر.\n\n[٩٢٧] وعن أنسٍ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - دَخَلَ عَلَى ابْنِهِ إبْرَاهيمَ - ﵁ - وَهُوَ يَجُودُ بِنَفسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رسولِ الله - ﷺ - تَذْرِفَان. فَقَالَ لَهُ عبدُ الرحمنِ بن عَوف: وأنت يَا رسولَ الله؟! فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ» . ثُمَّ أتْبَعَهَا بأُخْرَى، فَقَالَ: «إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلب يَحْزنُ، وَلا نَقُولُ إِلا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إبرَاهِيمُ لَمَحزُونُونَ» . رواه البخاري، وروى مسلم بعضه. والأحاديث في الباب كثيرة في الصحيح مشهورة، والله أعلم.\n\nقوله: «فقال: يَا ابن عوف، إنها رحمة» .\nوفي رواية: فقلت: يَا رسول الله، تبكي أو لم تنه عن البكاء! فقال: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت نغمة لهو ولعب. ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه، وشق جيوب. ورنة شيطان؛ إنما هذه رحمة، ومن لا يَرْحَم لا يُرْحَم» . قال ابن المنيِّر: فيه أنه - ﷺ - بين أن مثل هذا لا يدخل تحت القدرة، ولا يكلف العبد الانكفاف عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>١٥٤- باب الكف عن مَا يُرى من الميت من مكروه</span>\n[٩٢٨] عن أَبي رافع أسلم مولى رسول الله - ﷺ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ مَيتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ أربَعِينَ مَرَّة» . رواه الحاكم، وقال: صحيح عَلَى شرط مسلم.","vol":"1","page":546},{"text":"قوله: «فكتم عليه»، أي: ما رأى منه من تغير لون، أو تشويه صورة، أو نحو ذلك. ولأحمد من حديث عائشة مرفوعًا: «من غسل ميتًا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>١٥٥- باب الصلاة عَلَى الميت وتشييعه وحضور دفنه</span>\nوكراهة اتباع النساء الجنائز\nوَقَدْ سَبَقَ فَضْلُ التَّشْييعِ.\n\nأي: في كتاب عيادة المريض في حديث البراء: «أمرنا بسبع إلى أن قال: واتباع الجنائز. وبقوله في حديث أبي هريرة: «حق المسلم على المسلم خمس: رد الإِسلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» .\n\n[٩٢٩] عن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيراطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ» قِيلَ: وَمَا القِيرَاطانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي حديث للطبراني: «من تبع جنازة كتب له ثلاثة قراريط» . قال في «فتح الباري»: الإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلق بالميت في تجهيزه، وغسله، وجميع ما يتعلقق به: فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط. وذكر القيراط تقريبًا للفهم، وفي حديث واثلة بن عدي: ... «كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد» .","vol":"1","page":547},{"text":"[٩٣٠] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإنَّهُ يَرْجعُ مِنَ الأَجْرِ بِقيراطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ، فَإنَّهُ يَرْجِعُ بِقيرَاطٍ» . رواه البخاري.\n\nقوله: «إيمانًا واحتسابًا»، أي: تصديقًا بالوعد واحتسابًا للأجر.\n\n[٩٣١] وعن أم عطية ﵂، قالت: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. متفقٌ عَلَيْهِ.\nومعناه: وَلَمْ يُشَدَّدْ في النَّهْيِ كَمَا يُشَدَّدُ في المُحَرَّمَاتِ.\n\nقولها: (نهينا)، أي: نهانا رسول الله - ﷺ -. والمراد جماعة النساء.\nقال القرطبي: ظاهر سياق حديث أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>١٥٦- باب استحباب تكثير المصلين عَلَى الجنازة</span>\nوجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر\n\n[٩٣٢] عن عائشة ﵂، قالت: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَا مِنْ مَيتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِئَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلا شُفِّعُوا فِيهِ» . رواه مسلم.\n\n[٩٣٣] وعن ابن عباسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيقومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أرْبَعُونَ","vol":"1","page":548},{"text":"رَجُلًا لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» . رواه مسلم.\n\nلا مخالفة بين هذا الحديث والذي قبله، لأن مفهوم العدد غير حجة على الصحيح، أو أن الله أخبره بما جاء فيمن صلَّى عليه مئة ثم زاد الفضل من الله تعالى بحصول مثل ذلك فيمن صلَّى عليه أربعون فأخبر به، والله أعلم.\n[٩٣٤] وعن مرثدِ بن عبدِ الله اليَزَنِيِّ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بن هُبَيْرَة - ﵁ - إِذَا صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ، فَتَقَالَّ النَّاس عَلَيْهَا، جَزَّأَهُمْ عَلَيْهَا ثَلاَثَةَ أجْزَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ ... أوْجَبَ» رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقوله: «فقد أوجب»، أي: وجبت له الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>١٥٧- باب مَا يقرأ في صلاة الجنازة</span>\nيُكَبِّرُ أرْبَعَ تَكبِيرَاتٍ، يَتَعوَّذُ بَعْدَ الأُولَى، ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النبي - ﷺ - فيقول: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ. وَالأفْضَلُ أنْ يُتَمِّمَهُ بقوله: كَمَا صَلَّيتَ عَلَى إبرَاهِيمَ - إِلَى قَوْله - إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَلا يَفْعَلُ مَا يَفْعَلهُ كَثيرٌ مِنَ العَوامِّ مِنْ قراءتِهِمْ: ﴿إنَّ اللهَ وَمَلائِكَته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ﴾ [الأحزاب (٥٦)] الآية، فَإنَّهُ لا تَصحُّ صَلاَتُهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الثَّالِثَةَ، وَيَدعُو للمَيِّتِ وَللمُسْلِمِينَ بِمَا سَنَذكُرُهُ مِنَ الأحاديث إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ وَيَدْعُو. وَمِنْ أحْسَنِهِ: «اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلا تَفْتِنَّا بَعدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ» . وَالمُخْتَارُ أنه يُطَوِّلُ الدُّعاء في الرَّابِعَة خلافَ مَا يَعْتَادُهُ أكْثَرُ النَّاس،","vol":"1","page":549},{"text":"لحديث ابن أَبي أَوْفى الذي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاء اللهُ تَعَالَى.\n\nالدعاء بعد الرابعة جائز.\nقال في الإنصاف»: ظاهر كلام المصنف أنه لا يدعو بشيء بعد الرابعة وهو صحيح، وإنما يقف قليلًا بعدها ليكبر آخر الصفوف، وهذا المذهب نقله الجماعة، وعنه: يقف ويدعو، اختاره أبو بكر وغيره. قال في «مجمع البحرين»: هذا أظهر الروايتين، وعنه: يخلص الدعاء للميت.\nفَأمَّا الأَدْعِيَةُ المَأثُورَةُ بَعْدَ التَّكبِيرَةِ الثالثة، فمنها:\n\n[٩٣٥] عن أَبي عبد الرحمن عوف بن مالك - ﵁ - قال: صَلَّى رسول الله - ﷺ - عَلَى جَنازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ، وَهُوَ يقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّه مِن الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَس، وَأبدلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأهْلًا خَيرًا مِنْ أهْلِهِ، وَزَوْجًَا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأدْخِلهُ الجَنَّةَ، وَأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمنْ عَذَابِ النَّارِ» حَتَّى تَمَنَّيتُ أن أكُون أنَا ذَلِكَ الْمَيِّت. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية الدعاء للميت، وجواز الجهر به ولو سمعه من يليه.\n[٩٣٦] وعن أَبي هريرة وأبي قتادة وَأبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه - وأبوه صَحَابيٌّ - ﵃ - عن النبيِّ - ﷺ -: أنَّهُ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرنَا وَكَبيرنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وشَاهِدنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأحْيِهِ عَلَى الإسْلاَمِ،","vol":"1","page":550},{"text":"وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوفَّهُ عَلَى الإيمَان، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلا تَفْتِنَّا بَعدَهُ» . رواه الترمذي من رواية أَبي هريرة والأشهلي. ورواه أَبُو داود من رواية أَبي هريرة وأبي قتادة. قَالَ الحاكم: «حديث أَبي هريرة صحيح عَلَى شرط البخاري ومسلم»، قَالَ الترمذي: «قَالَ البخاري: أجمع رواياتِ هَذَا الحديث رواية الأشْهَلِيِّ، قَالَ البخاري: وأصح شيء في هَذَا الباب حديث عَوْفِ بن مَالِكٍ» .\n\nفي هذا الحديث: جواز الدعاء لعامة المسلمين في الصلاة على الميت.\n\n[٩٣٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ، فَأخْلِصُوا لَهُ الدُّعاء» . رواه أَبُو داود.\n\nقال العلقمي: إخلاص الدعاء للميت أن يدعى له بخصوصه، وإن كان طفلًا.\n\n[٩٣٨] وعنه عن النبيِّ - ﷺ - في الصَّلاَةِ عَلَى الجَنَازَةِ: «اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا، وَأنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأنتَ هَدَيْتَهَا للإسْلاَمِ، وَأنتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأنْتَ أعْلَمُ بِسرِّهَا وَعَلاَنِيَتِهَا، جِئنَا شُفَعَاءَ لَهُ، فَاغْفِرْ لَهُ» . رواه أَبُو داود.\n[٩٣٩] وعن وَاثِلَة بنِ الأَسْقَعِ - ﵁ - قال: صَلَّى بِنَا رسول الله - ﷺ - عَلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنَّ فُلانَ ابْنَ فُلانٍ في ذِمَتِّكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ، وَعذَابَ النَّار،","vol":"1","page":551},{"text":"وَأنْتَ أهْلُ الوَفَاءِ وَالحَمْدِ؛ اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ» . رواه أَبُو داود.\n\nقال الطيبي: الحبل: العهد والأمان والذمة، أي هو في كنف حفظك.\n\n[٩٤٠] وعن عبدِ الله بنِ أبي أَوْفى ﵄: أنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةِ ابْنَةٍ لَهُ أرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، فَقَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ يَسْتَغْفِرُ لَهَا وَيَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: كَانَ رسول اللهِ - ﷺ - يَصْنَعُ هكَذَا.\nوفي رواية: كَبَّرَ أرْبَعًا فَمَكَثَ سَاعَةً حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُكَبِّرُ خَمْسًا، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ... إنِّي لا أزيدُكُمْ عَلَى مَا رأيْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يَصْنَعُ، أَوْ: هكَذَا صَنَعَ رسول الله - ﷺ -. رواه الحاكم، وقال: «حديث صحيح» .\n\nيؤخذ من هذا الحديث: استحباب الدعاء للميت بعد الرابعة.\nقوله: «ثم سلم عن يمينه وعن شماله»، قال في «الإنصاف»: الصحيح من المذهب وجوب التسليمة الأولى، وعليه الأصحاب. وعنه: ثنتان، وهي من المفردات. انتهى.\nوالراجح وجوب الأولى وجواز الثانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>١٥٨- باب الإسراع بالجنازة</span>\n[٩٤١] عن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «أسْرِعُوا بالجَنَازَةِ، فَإنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":552},{"text":"وفي روايةٍ لمسلمٍ: «فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْهِ» .\n\nالمراد: الإسراع فوق المشي المعتاد، ودون الخبب، وأن لا يشق على من تبعها ولا يحرك الميت.\n\n[٩٤٢] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: كَانَ النبي - ﷺ - يقُولُ: «إِذَا وُضِعَت الجَنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعنَاقِهمْ، فَإنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قالتْ: قَدِّمُونِي، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قَالَتْ لأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلا الإنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإنسَانُ لَصَعِقَ» . رواه البخاري.\n\nقوله: «قالت لأهلها: يَا ويلها»، الويل: كلمة تقال عند العذاب أو خوفه.\nقال النووي: هذا من حسن الآداب والتصرفات وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى بضمير الغيبة لقبح صورة اللفظ الواقع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>١٥٩- باب تعجيل قضاء الدَّين عن الميت</span>\nوالمبادرة إِلَى تجهيزه إلا أن يموت فجأة فيترك حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُه\n\n[٩٤٣] عن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضى عَنْهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: الحث على الإسراع بقضاء الدين عن الميت.\n[٩٤٤] وعن حُصَيْنِ بن وَحْوَحٍ - ﵁ - أنَّ طَلْحَةَ بْنَ البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵄ مَرِضَ، فَأتَاهُ النَّبيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ، فَقَالَ: «إنِّي لا أرى طَلْحَةَ إِلا قَدْ حَدَثَ فِيهِ المَوْتُ، فآذِنُوني بِهِ وَعَجِّلُوا بِهِ، فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لجِيفَةِ","vol":"1","page":553},{"text":"مُسْلِمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانِيْ أهْلِهِ» . رواه أَبُو داود.\n\nفي هذا الحديث: الأمر بالمبادرة إلى تجهيز الميت. وروي أنه توفي ليلًا فقال: ادفنوني ليلًا. والحقوني بربي ولا تدعو رسول الله - ﷺ - فإني أخاف عليه من اليهود أن يصاب في سببي. فأخبر رسول الله - ﷺ - حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره وصف الناس معه ثم رفع يديه. وقال: «اللهم ألق طلحة وأنت تضحك إليه، وهو يضحك إليك» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>١٦٠- باب الموعظة عند القبر</span>\n\n[٩٤٥] عن عَلِيٍّ - ﵁ - قال: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ في بَقيعِ الغَرْقَدِ، فَأتَانَا ... رسولُ الله - ﷺ - فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إِلا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ» . فقالوا: يَا رسولَ الله، أفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابنَا؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا؛ فكلٌّ مُيَسرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ...» وذكَر تَمَامَ الحديث. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالموعظة: هي التذكير بعذاب الله الزاجر عن مخالفته، وبثوابه الباعث على طاعته تعالى. والمخصرة: عصا ذات رأس معوج.\nقوله: «فنكس» بتخفيف الكاف وتشديدها، أي: طأطأ رأسه، وذلك يكون عند التفكر والتدبر.\nوفي الحديث: استحباب الموعظة عند القبر لأن رؤية الميت، وذكر الموت يرقق القلب، ويذهب غلظته.","vol":"1","page":554},{"text":"وفيه: الإيمان بالقدر.\nوفيه: أن كلًا ميسر لما خلق له، من سعادة أو شقاوة.\nوفيه: الأمر بالعمل وعدم الاتكال على الكتاب السابق، ولهذا لما قالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة» . ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل (٥، ١٠)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>١٦١- باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره</span>\nساعة للدعاء لَهُ والاستغفار والقراءة\n\n[٩٤٦] وعن أَبي عمرو - وقيل: أَبُو عبد الله، وقيل: أَبُو ليلى - عثمان بن عفان - ﵁ - قال: كَانَ النبيُّ - ﷺ - إِذَا فُرِغَ مِن دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، وقال: «اسْتَغْفِرُوا لأخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإنَّهُ الآنَ يُسألُ» . رواه أَبُو داود.\n\nفيه: مشروعية الدعاء للميت بعد دفنه بالتثبيت؛ لأنه يُسأل حينئذٍ عن ربه ودينه ونبيه.\n\n[٩٤٧] وعن عمرو بن العاص - ﵁ - قال: إِذَا دَفَنْتُمُونِي، فَأقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقَسَّمُ لَحمُهَا حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي. رواه مسلم. وَقَدْ سبق بطوله.","vol":"1","page":555},{"text":"قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَيُسْتَحَبُّ أنْ يُقْرَأ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ القُرآنِ، وَإنْ خَتَمُوا القُرآنَ عِنْدَهُ كَانَ حَسَنًَا.\n\nيشرع الوقوف عند قبر الميت بعد دفنه والدعاء له بالتثبيت. ويباح التلقين، وتركه أولى. وأما القراءة فلا بأس بها عند القبر، والأولى تركها اقتداءً بالسلف الأول، والأحاديث في ذلك ضعيفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>١٦٢- باب الصدقة عن الميت والدعاء لَهُ</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ [الحشر (١٠)] .\n\nهذه الآية نزلت في الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة. ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم يقولون ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: غشًّا وحسدًا وبغضًا. واستدل المصنف بهذه الآية على طلب الدعاء للميت، ويُقاس به الصدقة عنه.","vol":"1","page":556},{"text":"[٩٤٨] وعن عائشة ﵂: أنَّ رجلًا قَالَ للنبيِّ - ﷺ -: إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: دليل على أن الصدقة عن الميت يصل أجرها إليه.\n\n[٩٤٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقةٍ جَاريَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . رواه مسلم.\n\nفيه: دليل على أن عمل ابن آدم ينقطع بعد الموت، لقوله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم (٣٩)] .\nقال ابن كثير: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداؤها، إلى الموتى لأنه ليس من عملهم، ولا كسبهم.\nوأما حديث: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، فهي في الحقيقة من سعيه وكده وعمله. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>١٦٣- باب ثناء الناس عَلَى الميت</span>\n[٩٥٠] عن أنسٍ - ﵁ - قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «وَجَبَتْ» . ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى، فَأثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ النبي - ﷺ -: «وَجَبَتْ» . فَقَالَ عمر بن الخطاب - ﵁ -: مَا","vol":"1","page":557},{"text":"وَجَبَت؟ فَقَالَ: «هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبتْ لَهُ الجَنَّةُ، وهَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّار، أنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأَرضِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالنهي عن ذكر مساوي الموتى في غير الكافر، والمنافق، والمتجاهر بالفسق للتحريم، فانطلاق الألسنة بالثناء الحسن من المؤمنين علامة على صلاح العبد، وانطلاق الألسنة بالثناء القبيح علامة على فساده.\n\n[٩٥١] وعن أَبي الأسْوَدِ الديلي، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّاب - ﵁ - فَمَرَّتْ بِهمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بَأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ عُمر: وَجَبَتْ، قَالَ أَبُو الأسودِ: فقلتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أمْيرَ المُؤمِنينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كما قَالَ النبي - ﷺ -: «أيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيرٍ، أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ» فقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ؟ قَالَ: «وَثَلاثَةٌ» فقلنا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ» . ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَن الواحِدِ. رواه البخاري.\nفيه: فضل الثناء على الميت بخير، إذا كان يعلم ذلك منه، وعند أحمد: «ما من مسلم تشهد له أربعة أبيات من جيرانه الأدنين إلا قال الله تعالى: قد قبلت علمهم فيه. وغفرت له ما لا يعلمون» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>١٦٤- باب فضل من مات لَهُ أولاد صغار</span>\n\n[٩٥٢] عن أنسٍ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثَةٌ لَمْ يَبْلُغوا الحِنْثَ إِلا أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":558},{"text":"الحنث: الحلم، وعبر بالحنث عن البلوغ، لأن الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه، وخص الصغير بذلك، لأن الشفقة عليه أعظم، والحب له أشد، والرحمة له أكثر، فإن البالغ يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة.\n\n[٩٥٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمينَ ثَلاَثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لا تَمسُّهُ النَّارُ إِلا تَحِلَّةَ القَسَمِ» . متفقٌ ... عَلَيْهِ.\nوَ«تَحِلَّةُ القَسَمِ» قول الله تَعَالَى: ﴿وَإنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ وَالوُرُودُ: هُوَ العُبُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ، عَافَانَا اللهُ مِنْهَا.\n\nقال الخطابي: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخل مجتازًا، ويكون ذلك الجواز بقدر ما يحلل به الرجل يمينه.\nوفي رواية عند الطبراني: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل» . يعني الجواز على الصراط.\n[٩٥٤] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قَالَ: جَاءتِ امْرأةٌ إِلَى رسول الله - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رسولَ الله، ذَهبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ، قَالَ: «اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا» فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ النبيُّ - ﷺ - فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأةٍ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنَ الوَلَدِ إِلا كَانُوا لَهَا","vol":"1","page":559},{"text":"حِجَابًا مِنَ النَّارِ» . فقالتِ امْرَأةٌ: وَاثْنَينِ؟ فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «وَاثْنَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالولد يشمل الذكر والأنثى، والكبير والصغير، وخُصت الثلاثة بالذكر لأنها أول مراتب الكثرة، والحديث يتناول ما فوق الثلاثة بالأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>١٦٥- باب البكاء والخوف عِنْدَ المرور بقبور الظالمين</span>\nومصارعهم وإظهار الافتقار إِلَى الله تَعَالَى\nوالتحذير من الغفلة عن ذلك\n\n[٩٥٥] عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ لأصْحَابِهِ - يعْني لَمَّا وَصَلُوا الحِجْرَ - دِيَارَ ثَمُودَ -: «لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ المُعَذَّبِينَ إِلا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لا يُصِيبُكُمْ مَا أصَابَهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي روايةٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ رسولُ الله - ﷺ - بِالحِجْرِ، قَالَ: «لا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أنْ يُصِيبَكُمْ مَا أصَابَهُمْ، إِلا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ» ثُمَّ قَنَّع رسول الله - ﷺ - رَأسَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أجَازَ الوَادِي.\nأي: لا تدخلوها إلا حال الاعتبار الباعث على البكاء لا على سبيل التفرج خشية أن يصيبكم ما أصابهم من إهمال أمر الله فيحل بكم عقابه.","vol":"1","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>كتَاب آداب السَّفَر</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>١٦٦- باب استحباب الخروج يوم الخميس</span>\nواستحبابه أول النهار\n\n[٩٥٦] عن كعب بن مالك - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ يَوْمَ الخَمِيس، وَكَانَ يُحِبُّ أنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَميسِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية في لأبي داود: لقَلَّمَا كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يَخْرُجُ إِلا في يَوْمِ الخَمِيسِ.\n\nفي الحديث: استحباب الخروج إلى السفر يوم الخميس، وأنه لا كراهة في ذلك.\n\n[٩٥٧] وعن صخر بن وَداعَةَ الغامِدِيِّ الصحابيِّ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي في بُكُورِهَا» وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًَا بَعَثَهُمْ مِنْ أوَّلِ النَّهَارِ. وَكَانَ صَخْرٌ تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ أوَّلَ النَّهَار، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .","vol":"1","page":561},{"text":"في هذا الحديث: استحباب السفر أول النهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>١٦٧- باب استحباب طلب الرفقة</span>\nوتأميرهم عَلَى أنفسهم واحدًا يطيعونه\n\n[٩٥٨] عن ابن عمرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لَوْ أنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مِنَ الوحدَةِ مَا أعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» ! . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: كراهية المسير بالليل للمنفرد، لما يلحقه من ضرر الوحدة الديني والدنيوي.\n[٩٥٩] وعن عمرِو بن شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدهِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلاَثَةُ رَكْبٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحةٍ، وقال الترمذي: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقال الخطابي: معناه أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، وهو شيء يحمل عليه الشيطان ويدعوه إليه. فقيل لذلك أن فاعله شيطان، وكذا الاثنان ليس معهما ثالث.\nوقوله: «والثلاثة ركب»، أي: إذا وجد ذلك تعاضدوا وتعاونوا على نوائب السفر. ودفع ما فيه من الضرر، وأمنوا من خيانة بعضهم.\n\n[٩٦٠] وعن أَبي سعيد وأبي هُريرة رضي اللهُ تَعَالَى عنهما قالا: قَالَ\nرسولُ الله - ﷺ -: «إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ في سَفَرٍ فَليُؤَمِّرُوا أحَدَهُمْ» حديث حسن، رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسن.","vol":"1","page":562},{"text":"فيه: استحباب تأمير أحد المسافرين فيما يتعلق بالسفر وما يعرض فيه والأولى ولاية الأجود رأيًا لأن التأمير إنما طلب للمصالح ودفع المفاسد.\n\n[٩٦١] وعن ابن عبّاسٍ ﵄ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «خَيْرُ الصَّحَابَةِ أرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أرْبَعُمِئَةٍ، وَخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ ألْفًا مِنْ قِلةٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقيل: فائدة تخصيص الأربعة أن واحدًا يكون أميرًا، والثاني حافظًا للرجل، واثنان معاونان. والسرية هي القطعة من الجيش تغير وترجع إليه.\nوقوله: «من قلة»، أي قلة عدد بل لسبب آخر من عُجبٍ أو غيره.\nزاد العسكري: «وخير الطلائع أربعون» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>١٦٨- باب آداب السير والنزول والمبيت</span>\nوالنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب\nومراعاة مصلحتها وأمر من قصّر في حقها بالقيام بحقها\nوجواز الإرداف عَلَى الدابة إِذَا كانت تطيق ذلك\n\n[٩٦٢] عن أَبي هُريرةَ - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الخِصْبِ، فَأعْطُوا الإبلَ حَظَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ في الجدْبِ، فَأسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأوَى الهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» . رواه مسلم.\nمَعنَى «أعْطُوا الإبِلَ حَظَّهَا مِنَ الأرْضِ» أيْ: ارْفُقُوا بِهَا في السَّيْرِ لِتَرْعَى في حَالِ سَيرِهَا، وَقوله: «نِقْيَهَا» هُوَ بكسر النون وإسكان","vol":"1","page":563},{"text":"القاف وبالياءِ المثناة من تَحْت وَهُوَ: المُخُّ، معناه: أسْرِعُوا بِهَا حَتَّى تَصِلُوا المَقصِدَ قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ مُخُّهَا مِنْ ضَنْك السَّيْرِ. وَ«التَّعْرِيسُ»: النُزولُ في اللَّيلِ.\n\n[٩٦٣] وعن أَبي قتادة - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأسَهُ عَلَى كَفِّهِ. رواه مسلم.\nقَالَ العلماءُ: إنَّمَا نَصَبَ ذِرَاعَهُ لِئَلا يَسْتَغْرِقَ في النَّومِ، فَتَفُوتَ صَلاَةُ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ عَنْ أوَّلِ وَقْتِهَا.\n\nقوله: «اضطجع على يمينه»، النوم على اليمين أشرف جهة، ولئلا يستغرق في النوم لكون القلب يكون حينئذٍ معلقًا فلا ينغمر في النوم.\n\n[٩٦٤] وعن أنس - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ، فَإنَّ الأرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» . رواه أَبُو داود بإسناد حسن.\n«الدُّلْجَةُ»: السَّيْرُ في اللَّيْلِ.\nتقطع الدواب من المسافة في الليل خصوصًا آخره ما لا تقطعها في ... النهار، لنشاطها ببرود الليل، وبركة آخره. قال الشاعر:\n؟؟ ... عند الصباح يحمد القوم السري ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى\n\n[٩٦٥] وعن أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ - ﵁ - قال: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا في الشِّعَابِ وَالأوْدِيَةِ. فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّ تَفَرُّقكُمْ فِي هذِهِ الشِّعَابِ وَالأوْدِيَةِ إنَّمَا ذلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ!» فَلَمْ يَنْزِلُوا","vol":"1","page":564},{"text":"بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. رواه أَبُو داود بإسناد حسن.\n\nيعني: أن التفرق ناشئ من وسواس الشيطان وإغوائه، وذلك أن المراد من الرفقة دفع ما يعرض في السفر، والتعاون على نوائبه، والتفرق مانع من ذلك.\n\n[٩٦٦] وعن سهل بن عمرو - وقيل: سهل بن الربيع بن عمرو - الأنصاري المعروف بابن الحنظلِيَّة، وَهُوَ من أهل بيعة الرِّضْوَانِ - ﵁ - قال: مَرَّ رسولُ الله - ﷺ - بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا الله في هذِهِ البَهَائِمِ المُعجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nسميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم.\nوفي هذا الحديث: الأمر بتقوى الله فيها. ونص على صفتها بأنها معجمة للاستعطاف عليها، ومزيد الشفقة بها، ولأنها لا تقدر على الفرار، ولا الشكوى إلا إلى الله. وقد ورد في بعض الآثار: أن الملك يمسح خاصرتها كل ليلة، فإن كانت شابعة دعى لصاحبها بالبركة، وإن كانت جائعة دعا عليه بالفقر وهذا مشاهد بالحس.\n[٩٦٧] وعن أَبي جعفر عبد الله بن جعفر ﵄، قَالَ: أردفني رسولُ الله - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، وَأسَرَّ إليَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رسولُ الله - ﷺ - لِحاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ. يَعنِي: حَائِطَ نَخْلٍ. رواه مسلم هكَذَا مُختصرًا.\nوزادَ فِيهِ البَرْقاني بإسناد مسلم - بعد قَوْله: حَائِشُ نَخْلٍ - فَدَخَلَ","vol":"1","page":565},{"text":"حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، فَإذا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأى رَسولَ الله - ﷺ - جَرْجَرَ وذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأتَاهُ النَّبيُّ - ﷺ - فَمَسَحَ سَرَاتَهُ - أيْ: سِنَامَهُ - وَذِفْرَاهُ فَسَكَنَ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الجَمَلُ؟» فَجَاءَ فَتَىً مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: هَذَا لِي يَا رسولَ الله. فَقَالَ: «أفَلا تَتَّقِي اللهَ في هذِهِ البَهِيمَةِ الَّتي مَلَّكَكَ اللهُ إيَّاهَا؟ فَإنَّهُ يَشْكُو إلَيَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ» . رواه أَبُو داود كرواية البرقاني.\nقَوْله «ذِفْرَاهُ»: هُوَ بكسر الذال المعجمة وإسكان الفاءِ، وَهُوَ لفظ مفرد مؤنث. قَالَ أهل اللغة: الذِّفْرى: الموضع الَّذِي يَعْرَقُ مِن البَعِيرِ خَلف الأُذُنِ، وَقوله: «تُدْئِبهُ» أيْ: تتعِبه.\n\nفي هذا الحديث: معجزة من معجزات النبي - ﷺ - الدالة على صدقة.\nوفيه: تواضعه - ﷺ - وكمال شفقته، ومزيد رحمته.\nوفيه: جواز قولهم: رب هذا الجمل، ورب الإبل، يعني مالكها.\nوفي رواية لأحمد: فقال النبي - ﷺ -: «انظر لمن هذا الجمل» . قال: فخرجت ألتمس صاحبه، فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته له. فقال: «ما شأن جملك هذا»؟ فقال: ما شأنه لا أدري، والله ما شأنه عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره، ونقسم لحمه. قال: «فلا تفعل» .\nقوله: «أفلا تتق الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه يشكوا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه» .\nوفي رواية لأحمد: «شاكيًا كثرة العمل، وقلة العلف» .\nقال الأزهري: البهيمة في اللغة معناها المبهمة عن العقل، والتمييز.","vol":"1","page":566},{"text":"والمعنى: ألا تتقي الله في ما لا لسان له فتشكو ما بها من جوع، وعطش، ومشقة.\n\n[٩٦٨] وعن أنس - ﵁ - قال: كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا، لا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلَّ الرِّحَال. رواه أَبُو داود بإسناد عَلَى شرط مسلم.\nوَقَوْلُه: «لا نُسَبِّحُ»: أيْ لا نُصَلِّي النَّافِلَةَ، ومعناه: أنَّا - مَعَ حِرْصِنَا عَلَى الصَّلاَةِ - لا نُقَدِّمُهَا عَلَى حَطِّ الرِّحَالِ إرَاحَةِ الدَّوَابِّ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب إراحة البهائم بالحط عنها قبل الاشتغال بعبادة أو غيرها لما لحقها من التعب.\nوفيه: استحباب التنفل في السفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>١٦٩- باب إعانة الرفيق</span>\nفي الباب أحاديث كثيرة تقدمت كحديث: «وَاللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ» . وحديث: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَة» وَأشْبَاهِهِما.\n[٩٦٩] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: بَيْنَمَا نَحْنُ في سَفَرٍ إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا","vol":"1","page":567},{"text":"ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ»، فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَهُ، حَتَّى رَأيْنَا، أنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. رواه مسلم.\n\nقوله: (فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا)، أي: ينظر من يتوسم فيه الإعانة فعرف النبي - ﷺ - أنه محتاج، فأمر بمواساته ومواساة غيره من المحتاجين لمن كان عنده فضل من طعام أو غيره.\n\n[٩٧٠] وعن جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -: أنَّهُ أرَادَ أنْ يَغْزُوَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، إن مِنْ إخْوَانِكُمْ قَوْمًا لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ، وَلا عَشِيرةٌ، فَلْيَضُمَّ أحَدكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاَثَةَ، فَمَا لأَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلا عُقْبةٌ كَعُقْبَةٍ» يَعْني أحَدهِمْ، قَالَ: فَضَمَمْتُ إلَيَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً مَا لِي إِلا عُقْبَةٌ كَعقبة أحَدِهِمْ مِنْ جَمَلِي. رواه أَبُو داود.\n\nقوله: «فليضم أحدكم إليه الرجلين والثلاثة»، أي: على حسب القدرة والحال من اليسار والإعسار.\n\n[٩٧١] وعنه قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَتَخَلَّفُ في المَسير، فَيُزْجِي الضَّعِيف، وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُ. رواه أَبُو داود بإسناد حسن.\n\nقوله: (يزجي)، أي، يسوق.\nوفيه: استحباب الإعانة للرفيق بالسوق به، وإردافه، والدعاء له وغير ذلك مما يحتاجه.\nوفيه: استحباب التخلف وراء الرفقة لإعانتهم فيما يعرض لهم.","vol":"1","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>١٧٠- باب مَا يقول إذا ركب دَابَّة للسفر</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف (١٢: ١٣)] .\n\nقال طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة، أو سفينة أن يقول ذلك، ويتذكَّر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى.\n\n[٩٧٢] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلبُونَ. اللهُمَّ إنا نسألكَ في سفرنا هذا البرّ والتَّقوى، ومنَ العملِ ما ترضى، اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ. اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَلِيفَةُ في الأهْلِ. اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المَنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ في المالِ وَالأَهْلِ» . وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» . رواه مسلم\nقَوْلُهُ «مُقْرِنِينَ»: مُطِيقِينَ. وَ«الوَعْثَاءُ» بفتحِ الواوِ وَإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثة وبالمد وَهِيَ: الشِّدَّةُ. وَ«الكَآبَةُ» بِالمَدِّ، وَهِيَ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ مِنْ حُزْنٍ وَنَحْوهِ. وَ«المُنْقَلَبُ»: المَرْجِعُ.\nقوله: «اللهم أنت الصاحب في السفر»، أي: الملازم بالعناية والحفظ من الحوادث والنوازل: «والخليفة في الأهل» أي: المعتمد عليه والمفوض إليه حضورًا وغيبة.\nوفي الحديث: استحباب هذا الدعاء عند ركوب المسافر.","vol":"1","page":569},{"text":"[٩٧٣] وعن عبد الله بن سَرجِسَ - ﵁ - قال: كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ، وَدَعْوَةِ المَظْلُومِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ في الأَهْلِ وَالمَالِ. رواه مسلم.\nهكذا هُوَ في صحيح مسلم: «الحَوْر بَعْدَ الكَوْنِ» بالنون، وكذا رواه الترمذي والنسائي، قَالَ الترمذي: وَيُرْوَى «الكوْرُ» بالراءِ، وَكِلاهما لَهُ وجه.\nقَالَ العلماءُ: ومعناه بالنون والراءِ جَميعًا: الرُّجُوعُ مِنَ الاسْتِقَامَةِ أَوِ الزِّيَادَةِ إِلَى النَّقْصِ. قالوا: ورِوايةُ الرَّاءِ مَأخُوذَةٌ مِنْ تَكْوِيرِ العِمَامَة وَهُوَ لَفُّهَا وَجَمْعُهَا. ورواية النون، مِنَ الكَوْنِ، مَصْدَرُ كَانَ يَكُونُ كَونًَا: إِذَا وُجِدَ وَاسْتَقَرَّ.\n\nقوله: «من الحور بعد الكون» استعاذة من الهبوط بعد الرفعة، لأن السفر مظنة التفريط والظلم. ورواية الرَّاء استعاذة من النقض بعد الإبرام.\n[٩٧٤] وعن عَلِي بن ربيعة، قَالَ: شهدت عليَّ بن أَبي طالب - ﵁ - أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكَابِ، قَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا، قَالَ: الحَمْدُ للهِ ثم قال: سبحان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنينَ، وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، ثُمَّ قَالَ: الحمْدُ للهِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أكْبَرُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ إنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقيلَ: يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، مِنْ أيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: رَأيتُ النبيَّ - ﷺ - فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فقُلْتُ: يَا رسول اللهِ، مِنْ أيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: «إنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبدِهِ","vol":"1","page":570},{"text":"إِذَا قَالَ: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: «حديث حسن» . وفي بعض النسخ: «حسن صحيح» . وهذا لفظ أَبي داود.\n\nقوله: ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا» هو الصواب.\nوفي بعض النسخ: «الحمد الله الذي يسخر لنا هذا» . والذي رأيته في سنن أبي داود هو الموافق لما في الآية.\nوفي هذا لحديث: استحباب هذا الذكر عند ركوب الدابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>١٧١- باب تكبير المسافر إِذَا صعد الثنايا وشبهها</span>\nوتسبيحه إِذَا هبط الأودية ونحوها\nوالنهي عن المبالغة برفع الصوتِ بالتكبير ونحوه\n\n[٩٧٥] عن جابر - ﵁ - قال: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. رواه البخاري.\n[٩٧٦] وعن ابن عمرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - وجيُوشُهُ إِذَا عَلَوا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nقال المهلب: تكبيره - ﷺ - عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله ﷿، وعندما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء، وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس، فإن بتسبيحه في بطن الحوت نجّاه الله من الظلمات. فسبح النبي - ﷺ - في بطون الأودية لينجيه الله منها.","vol":"1","page":571},{"text":"[٩٧٧] وعنه قَالَ: كَانَ النَّبي - ﷺ - إِذَا قَفَلَ مِنَ الحَجِّ أَوْ العُمْرَةِ، كُلَّمَا أوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلاثًَا، ثُمَّ قَالَ: «لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية لمسلم: إِذَا قَفَلَ مِنَ الجيُوشِ والسَّرَايَا أَو الحَجِّ أَو العُمْرَةِ.\nقَوْلهُ: «أوْفَى» أيْ: ارْتَفَعَ، وَقَوْلُه: «فَدْفَدٍ» هُوَ بفتح الفائَينِ بينهما دال مهملة ساكِنة، وَآخِره دال أخرى وَهُوَ: «الغَليظُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرضِ» .\n\nقوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، أي هو المتفرد في إلهيَّته وربوبيته، ولا يشبه أحد.\nوفي الحديث: استحباب هذا الذكر لكل قادم من سفر.\n[٩٧٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رجلًا قَالَ: يَا رسول الله، إنّي أُريدُ أنْ أُسَافِرَ فَأوْصِني، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كلِّ شَرَفٍ» . فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ البُعْدَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقوله: «اللهم فاطوِ له البعد»، هذا الذي رأيته في (جامع الترمذي) بغير ياء. قال في \" مجمع البحار \"، أي: يسِّر له السير بمنح القوة لمركوبه، وأن لا يرى ما يتعبه.\n\n[٩٧٩] وعن أَبي موسى الأشعريِّ - ﵁ - قال: كنّا مَعَ النبيِّ - ﷺ - في سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا أشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا وَارتَفَعَتْ","vol":"1","page":572},{"text":"أصْوَاتُنَا، فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فَإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غَائِبًا، إنَّهُ مَعَكُمْ، إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«ارْبَعُوا» بفتحِ الباءِ الموحدةِ أيْ: ارْفُقُوا بِأَنْفُسِكُمْ.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن المبالغة في رفع الصوت بالذكر، لأنه سبحانه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، وهو السميع البصير العليم الخبير. وأما الجهر بالذكر من غير مبالغة فهو مطلوب إذا أمن الرياء ولم يؤذ به نحو نائم أو مصلٍّ. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء (١١٠)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>١٧٢- باب استحباب الدعاء في السفر</span>\n[٩٨٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «ثلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَات لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nوليس في رواية أَبي داود: «عَلَى وَلَدِهِ» .\n\nفي هذا الحديث: استحباب إكثار الدعاء في السفر، لأنه مظنة الإجابة.\nوفيه: النهي عن الظلم والعقوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>١٧٣- باب مَا يدعو إِذَا خاف ناسًا أَوْ غيرهم</span>\n\n[٩٨١] عن أَبي موسى الأشعريِّ - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: «اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ» . رواه أَبُو داود والنسائي بإسنادٍ صحيحٍ.","vol":"1","page":573},{"text":"في هذا الحديث: أن من اعتصم بالله تعالى ولجأ إليه كفاه كيد الأَعادي والحساد.\nقال الله تعالى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة (١٣٧)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>١٧٤- باب مَا يقول إِذَا نزل منْزلًا</span>\n\n[٩٨٢] عن خولة بنتِ حَكِيمٍ ﵂ قالت: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: استحباب التعوذ بصفات الله تعالى إذا نزل منزلًا في سفر، أو حضر. وأن من قال ذلك عصم من كل شر.\n[٩٨٣] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا سَافَرَ فَأقْبَلَ اللَّيْلُ، قال: «يَا أرْضُ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللهُ، أعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ، أعُوذُ بالله مِنْ شَرِّ أسَدٍ وَأسْوَدٍ، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ البَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» . رواه أَبُو داود.\nوَ«الأَسْوَدُ»: الشَّخْصُ، قَالَ الخَطَّابِيُّ: وَ«سَاكِنُ البَلَدِ»: هُمُ الجِنُّ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الأرْضِ. قَالَ: وَالبَلَد مِنَ الأرْضِ: مَا كَانَ مَأْوَى الحَيَوانِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِنَاءٌ وَمَنَازلُ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أنَّ المُرَادَ: «بِالوَالِدِ» إبليسُ: «وَمَا وَلَدَ»: الشَّيَاطِينُ.\nقوله: «وأعوذ بك من أسد وأسود» . قيل: إنما أراد الاستعاذة لعظم شر ما بعدها بالنسبة لما قبلها. وقيل: الأسود الحية العظيمة وهي أخبث الحيات.","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>١٧٥- باب استحباب تعجيل المسافر</span>\nالرجوع إِلَى أهله إِذَا قضى حاجته\n[٩٨٤] عن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإذَا قَضَى أحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أهْلِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«نَهْمَتهُ»: مَقْصُودهُ.\n\nقوله: «يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه» .\nقال النووي: أن يمنعه كمالها لما فيه من المشقة، والتعب، ومقاساة الحر والبرد ومفارقة الأهل والوطن، وخشونة العيش. والمقصود من الحديث: الحث على استحباب الرجوع للأهل بعد قضاء الوطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>١٧٦- باب استحباب القدوم عَلَى أهله نهارًا</span>\nوكراهته في الليل لغير حاجة\n[٩٨٥] عن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أطال أحَدُكُمُ الغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقَنَّ أهْلَهُ لَيْلًا» .\nوفي روايةٍ: أنَّ رسول الله - ﷺ - نَهَى أنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أهْلَهُ لَيْلًا. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: كراهة القدوم ليلًا إذا لم يُعلمهم بوصوله لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة.\nوقال البخاري: باب لا يطرق أهله ليلًا إذا أطال الغيبة مخافة أن يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم.","vol":"1","page":575},{"text":"[٩٨٦] وعن أنسٍ - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - لا يَطْرُقُ أهْلَهُ لَيْلًا، وَكَانَ يَأتِيهمْ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. متفقٌ عَلَيْهِ.\n«الطُّرُوقُ»: المَجيءُ فِي اللَّيْلِ.\n\nمقتضى قوله: «إذا أطال أحدكم الغيبة»، توهم عدم كراهة الطروق ليلًا مع قصر السفر ومقتضى الحديث التعميم.\nقال الشارح: ويمكن الجمع بأنه إن كان بحيث لا يتعب الزوجة وتتوقع امرأته إتيانه مدة غيبته لقصرها، فلا بأس بالطروق ليلًا وإلا فهو كالطويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>١٧٧- باب مَا يقول إِذَا رجع وإذا رأى بلدته</span>\n\nفِيهِ حَدِيثُ ابنِ عمرَ السَّابِقُ في باب تكبيرِ المسافِر إِذَا صَعِدَ الثَّنَايَا.\n\n[٩٨٧] وعن أنس - ﵁ - قال: أقْبَلْنَا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا المَدِينَةَ. رواه مسلم.\n\nالآيب: الراجع، أي: نحن آيبون، قال الله تعالى ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء (٢٥)] .\nوقوله: «تائبون» فيه إشارة إلى التقصير في العبادة، وقاله - ﷺ - على سبيل التواضع وتعليمًا لأمته.\nقوله: فيه حديث ابن عمر السابق. ولفظه: (كان النبي - ﷺ - إذا قفل من الحج أو العمرة كلما أوفى على ثنية، أو فدفد كبر ثلاثًا، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده» .\n\n١٧٨-","vol":"1","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>باب استحباب ابتداء القادم بالمسجد</span>\nالذي في جواره وصلاته فيه ركعتين\n\n[٩٨٨] عن كعب بن مالِك - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب الصلاة في المسجد عند قدومه ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة الله عليه في سلامته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>١٧٩- باب تحريم سفر المرأة وحدها</span>\n\n[٩٨٩] عن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا يَحِلُّ ... لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «تؤمن بالله واليوم الآخر»، خص المؤمنة بالذكر، لأن صاحب الإيمان هو الذي ينتفع بخطاب الشارع، وينقاد له.\nوفي هذا الحديث: النهي عن سفر المرأة بغير محرم وإن ذلك حرام.\n\n[٩٩٠] وعن ابن عباس ﵄: أنَّهُ سَمِعَ النبي - ﷺ - يقول: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلا تُسَافِرُ المَرْأةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، إنَّ امْرَأتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإنِّي اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nقال الموفق: والمحرم زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب، أو سبب مباح.","vol":"1","page":577},{"text":"قال الحافظ: واستدل بالحديث على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، وهو إجماع في غير الحج والعمرة. والخروج من دار الشرك.\nومنهم من جعل ذلك من شرائط الحج.\nقال أبو الطيب الطبري: الشرائط التي يجب بها الحج على الرجل يجب بها على المرأة، فإذا أرادت أن تؤديه فلا يجوز لها إلا مع محرم، أو زوج أو نسوة ثقات. انتهى. والله أعلم.\nقوله: «لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» . وفي الحديث الآخر: «لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما.\nوفي الصحيحين من حديث عقبة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إياكم والدخول على النساء» . فقال رجل: يَا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو: الموت» .\nقال النووي: المراد به أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه، وهو أولى بالمنع من الأجنبي والفتنة به أمكن لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلو بها من غير نكير عليها بخلاف الأجنبي والله أعلم، انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>كتَاب الفَضَائِل</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>١٨٠- باب فضل قراءة القرآن</span>\n\n[٩٩١] عن أَبي أُمَامَةَ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ؛ فَإنَّهُ يَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ» . رواه مسلم\n\nفي هذا الحديث: الأمرُ بتلاوة القرآن، وأنَّه يشفع لأصحابه، أي أهْلِهِ القارئين له، المتمسِّكين بِهَدْيِهِ، القائمين بما أمر به، والتاركين لما نهي عنه.\n\n[٩٩٢] وعن النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: «يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالقُرْآنِ وَأهْلِهِ الذينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ في الدُّنْيَا تَقْدُمُه سورَةُ البَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا» . رواه مسلم.\nفيه: فضيلة لمن حفظ سورة البقرة، وسورة آل عمران وعمل بهما.\n\n[٩٩٣] وعن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: أكبرُ فضيلةٍ لمن حفظ القرآن وعمل به، وعلمه النَّاس، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت (٤٩)] .","vol":"1","page":579},{"text":"وقال - ﷺ -: «من قرأ القرآن فقد استدرج النبوَّة بين جنبيه، غيرَ أنَّه لا يُوحى إليه» . انتهى.\nفإذا حاز خير الكلام، وتسبَّبَ مع ذلك أن يكون غيره مثله فقد أُلحق ببعض درجات الأنبياء، وكان من جملة الصِّدِّيقين القائمين بحقوق الله تعالى، وحقوقِ عباده.\n\n[٩٩٤] وعن عائشة ﵂ قالت: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أجْرَانِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكرام البررة: هم الملائكة. قال البخاري: وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته، كالسفير الذي يصلح بين القوم.\nوذكر الحديث بلفظ: «مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له، مع السَّفَرة الكرام البَرَرَة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران» .\nوقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، أي خلقهم كريم، حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارَّة طاهرة كاملة. ومن ها هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرَّشاد.\n[٩٩٥] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ: رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ: لا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثلُ المُنَافِقِ الَّذِي يقرأ القرآنَ كَمَثلِ الرَّيحانَةِ: ريحُهَا","vol":"1","page":580},{"text":"طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثلِ الحَنْظَلَةِ: لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nشَبَّهَ المؤمن القارئ بالأُتْرُجَّةِ لِما اشتملت عليه من الخواص الموجودة فيها مع حسن المنظر، وطيب الطعم، ولين المَلْمس، ويستفيد المتناول لها بعد الالتذاذ بها طيب النكهة، ودباغ المعدة، وقوة الهضم، فاشتركت فيها الحواس الأربع: الشَّمُّ، والبَصَرُ، والذَّوْقُ، واللَّمْسُ.\nوشَبَّهَ المؤمن غير القارئ بالتمرة لاشتماله على الإيمان كاشتمال التمرة على الحلاوة.\nوشبَّه المنافق بالرَّيْحانة لطيب تلاوته، وخبث عمله، وشبَّه المنافق الذي لا يقرأ بالحنظلة، وهي الشجرة الخبيثة.\nقال الحافظ: وفي الحديث فضيلةُ حامل القرآن، وضربُ المَثَلِ للتقريب للفهم. وإن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه.\n\n[٩٩٦] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخرِينَ» . رواه مسلم\n\nيعني من عمل بالقرآن رفعه الله في الدنيا والآخرة، ومن ضيَّع حدوده وضعه الله وإنْ كان شريفًا.\n[٩٩٧] وعن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا حَسَدَ إِلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاء اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«والآنَاءُ»: السَّاعَاتُ.","vol":"1","page":581},{"text":"قوله: «لا حسد»، أي: لا غبطة تنبغي إلا في هذه الخَصْلتين، وهي من جنس. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة (١٤٨)] .\nقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين (٢٦)] .\nوقال البخاري: باب اغتباط صاحب القرآن، وذكر الحديث بلفظ: «لا حسد إلا على اثنتين، رجل آتاه الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالًا فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار» .\nقال الحافظ: وهو عند مسلم من وجه آخر: «وقام به آناء الليل وآناء النهار» . والمراد بالقيام به، العمل به تلاوةً وطاعةً. ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلمي: «رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتَّبع ما فيه» .\n\n[٩٩٨] وعن البراءِ بن عازِبٍ ﵄، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُه يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أصْبَحَ أتَى النَّبيَّ - ﷺ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلقُرْآنِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«الشَّطَنُ» بفتحِ الشينِ المعجمة والطاءِ المهملة: الحَبْلُ.\n\nالمراد بالسكينة في هذا الحديث: الملائكة.\nوقيل: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان.\nوقيل: هي روح من الله، وقيل غير ذلك.\nقال النووي: والمختار أنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة.","vol":"1","page":582},{"text":"[٩٩٩] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَرَأ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، لا أقول: ألم حَرفٌ، وَلكِنْ: ألِفٌ حَرْفٌ، وَلاَمٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: أنَّ قارئ القرآن يُعطى بكل حرف عشر حسنات لكل قارئ. وأما الضابط المتقن فله عشرون حسنة، كما في رواية البيهقي من حديث ابن عمر: «من قرأ القرآن فأعرب في قراءته، كان له بكل حرف منه عشرون حسنة، ومن قرأ بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات» .\n\n[١٠٠٠] وعن ابن عباسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الَّذِي لَيْسَ في جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَالبَيْتِ الخَرِبِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: التحريض على حفظ القرآن، أو بعضه ليكون جوفه عامرًا به.\n\n[١٠٠١] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا، فَإنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آية تَقْرَؤُهَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: أنَّ حافظ القرآن الملازم لتلاوته وتدبره، والعمل به أنه","vol":"1","page":583},{"text":"يصعد في درج الجنة حتى يبلغ منزلته على قدر عمله وحفظه، وبالله التوفيق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>١٨١- باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان</span>\n[١٠٠٢] عن أَبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «تعاهدوا هَذَا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبلِ فِي عُقُلِهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: الحضُّ على قراءة القرآن، والمواظبة على تلاوته.\n\n[١٠٠٣] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: ... «إنَّمَا مَثَلُ صَاحبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أمْسَكَهَا، وَإنْ أطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال البخاري: باب استذكار القرآن وتعاهده، وذكر حديث ابن عمر المذكور، وحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت، وكيت، بل نُسِّيَ. واستذكروا القرآن فإنه أشدُّ تَفَصَّيًا من صدور الرجال من النَّعَم» .\nخصّ الإِبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإِنسيّ نفورًا وفي تحصيلها حيث كان نفورها صعوبة.\nقوله: «بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نُسِّي» .\nقال عياض: أولى ما يتأول عليه ذم الحال لا ذمّ القول، أي: بئس الحال حال من حفظه ثم غفل عنه حتى نسيه.\nقال ابن بطال: هذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل (٥)] .","vol":"1","page":584},{"text":"وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر (١٧)]، فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له، ومن أعرض عنه تفلَّتَ منه.\nقال الحافظ: وفي هذه الأحاديث الحضُّ على محافظة القرآن بدوام دراسته، وتكرار تلاوته، وضرب الأمثال لإِيضاح المقاصد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>١٨٢- باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن</span>\nوطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها\n[١٠٠٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nمَعْنَى «أَذِنَ الله»: أي اسْتَمَعَ، وَهُوَ إشَارَةٌ إِلَى الرِّضَا والقَبولِ.\n\nقال البخاري: باب من لم يتغنَّ بالقرآن، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت (٥١)]، وذكر الحديث بمعناه.\nالتغنِّي بالقرآن: تحسين الصوت بقراءته، وقيل: الاستغناء به، وقيل: التحزُّن به. وقيل: التشاغل به، وقيل: التلذذ به والاستحلاء له.\nوقيل: أن يجعله هجيراه كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء كعادة العرب، فلما نزل القرآن أحبَّ النبي - ﷺ - أن يكون هجيراهم القراءة مكان التغني والترنم.","vol":"1","page":585},{"text":"وفي رواية عند الطحاوي: «حسن الترنُّم بالقرآن» .\nوفي حديث عقبة بن عامر رفعه: «تعلموا القرآن وتغنوا به وأفشوه» .\nوقال عبيد بن عمير: كان داود ﵇ يتغَّن حين يقرأ، ويَبْكِي، ويُبْكِي.\nقال الحافظ: والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات. وهو أنه يحسّن به صوته جاهرًا به، مترنمًا على طريق التحزن، مستغنيًا به عن غيره من الأخبار، طالبًا به غنى النفس، راجيًا به غنى اليد، وقد نظمت ذلك في بيتين:\n؟؟ ... تغنَّ بالقرآن حسن به الصوت ... حزينًا جاهرًا رنَّم\nواستغن عن كتب الألى طالبًا ... غنى يد والنفس ثم الزمِ\n\nولاشكَّ أنَّ النُّفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنُّم أكثر من ميلها لمن لا يترنَّم؛ لأن للتطرب تأثيرًا في رقة القلب، وإجراء الدمع. وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك.\nقال النووي: أجمع العماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفًا، أو أخفاه حرم. انتهى ملخصًا.\n\n[١٠٠٥] وعن أَبي موسى الأَشعري - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ لَهُ: «لَقدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية لمسلمٍ: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ لَهُ: «لَوْ رَأيْتَنِي وَأنَا أسْتَمِعُ لِقِراءتِكَ الْبَارِحَةَ» .\n\nقوله: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة» . جواب «لو» محذوف، أي:","vol":"1","page":586},{"text":"لسرَّك ذلك، فقال أبو موسى: يا رسول الله، لو أعلم أنك تسمعه لحبَّرته لك تحبيرًا.\nوفيه: دليل على استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وأن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، كما يستحب عند التعليم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك، كما في حديث عبد الله بن مغفل: رأيت ... النبي - ﷺ - يقرأ وهو على ناقته وهي تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح قراءة لينة، يقرأ وهو يرجَّع.\nقال ابن أبي جمرة: معنى الترجيع: بتحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.\n\n[١٠٠٦] وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ - ﷺ - قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذ الحديث: استحباب تحسين الصوت بالقراءة في الصلاة وغيرها.\n\n[١٠٠٧] وعن أَبي لُبَابَةَ بشير بن عبد المنذر - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ. ومعنى «يَتَغَنَّى»: يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ.\nقال البخاري: باب من لم يتغنَّ بالقرآن.\nقال الحافظ: هذه الترجمة لفظ حديث أورده المصنف في الأحكام بلفظ: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» . انتهى.","vol":"1","page":587},{"text":"وروى الحاكم وغيره: «زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا» . وروى عبد الرزاق وغيره: «لكل شيء حَلية، وحلية القرآن الصوت الحسن» . قالوا: فإن لم يكن حسن الصوت؟ قال: ... «يحسَّنه ما استطاع» .\n\n[١٠٠٨] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قال: قَالَ لِي النَّبيُّ - ﷺ -: «اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ»، فقلتُ: يَا رسولَ الله، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى جِئْتُ إِلَى هذِهِ الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ . قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين، وشعار الصالحين.\nقال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء (١٠٩)]، ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم (٥٨)] .\nوفي الحديث: استماع قراءة القرآن والإصغاء إليه، والتدبر فيها واستحباب طلب القراءة من الغير ليستمع له، وهو أبلغ في التفهُّم والتدبَّر من قراءته بنفسه.\nوفيه: التواضع لأهل العلم والفضل، ورفع منزلتهم.\nقال ابن بطال: إنما بكى - ﷺ - عند تلاوة هذه الآية، لأنه مثَّل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء.","vol":"1","page":588},{"text":"قال الحافظ: والذي يظهر أنه بكى رحمه لأمته، لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملِهم، وعملهم قد لا يكون مستقيمًا، فقد يفضي إلى تعذيبهم والله أعلم.\nوعن سعيد بن المسيب قال: ليس من يوم إلا يعرض على النبي - ﷺ - أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>١٨٣- باب الحث عَلَى سور وآيات مخصوصة</span>\n\n[١٠٠٩] عن أَبي سَعِيدٍ رَافِعِ بن الْمُعَلَّى - ﵁ - قال: قَالَ لي رسولُ اللهِ - ﷺ -: «أَلا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآن قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟» فَأخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أرَدْنَا أنْ نَخْرُجَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ قُلْتَ: لأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ؟ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أن الفاتحة أعظم سورة في القرآن.\nوفي حديث أبي هريرة: «أتحبُّ أن أعلمك سورًة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها» .\nقال العلماء: وإنما كانت أعظم سورة؛ لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن، ولذا سميت بأم القرآن.\nقال الحسن البصري: إنَّ الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن، ثم أودع علومه في الفاتحة. فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسيره.","vol":"1","page":589},{"text":"وقال علي ﵁: لو شئت أن أوقر على الفاتحة سبعين وقرًا لأمكنني ذلك.\nقوله: «هي السبع المثاني»، أي؛ لأن الفاتحة سبع آيات، وسميت الفاتحة مثاني لأنها تثنى في الصلاة في كل ركعة، ولاشتمالها على قسمين: ثناء، ودعاء.\nوقوله: «والقرآن العظيم»، قال الخطابي: فيه دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم، وأن الواو ليست بالعاطفة التي تفصل بين الشيئين، وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ... [الرحمن (٦٨)]، وقوله: ﴿وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة (٩٨)] .\nقال الحافظ: وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله: «والقرآن العظيم» محذوف الخبر، والتقدير: ما بعد الفاتحة مثلًا فيكون وصف الفاتحة، انتهى بقوله: «هي السبع المثاني»، ثم عطف قوله: «والقرآن العظيم»، أي: ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعايةً لنظم الآية، ويكون التقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة. انتهى.\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: السبع المثاني: هي فاتحة الكتاب. والقرآن العظيم: سائر القرآن.\n\n[١٠١٠] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ في: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» .\nوفي روايةٍ: أن رسول الله - ﷺ - قَالَ لأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَقْرَأَ بِثُلُثِ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ» . فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ","vol":"1","page":590},{"text":"يَا رسولَ الله؟ فَقَالَ: «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ﴾: ثُلُثُ الْقُرْآنِ» رواه البخاري.\n\nقوله: «ثلث القرآن»، أي باعتبار معانيه؛ لأن القرآن أحكامٌ، وأخبارٌ، وتوحيدٌ، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد خالصًا، ولهذا سميت بسورة الإخلاص، وفيها اسمان من أسماء الله تعالى يتضمنان جميع أوصاف الكمال وهما: (الأحد الصمد)، وفيها نفي الكفؤ لله المتضمن لنفي الشيبه والنظير.\n[١٠١١] وعنه: أنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» رواه البخاري.\n\n[١٠١٢] وعن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ في: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ «إنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» . رواه مسلم.\n\n[١٠١٣] وعن أنس - ﵁ - أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إني أُحِبُّ هذِهِ السُّورَةَ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ﴾ قَالَ: «إنَّ حُبَّهَا أدْخَلَكَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nورواه البخاري في صَحِيحِهِ تعليقًا.\n\nفي هذه الأحاديث: فضل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ﴾ . وجواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه، والاستثكار من قراءته، ولا يعد ذلك هجرانًا ... لغيره.\n\n[١٠١٤] وعن عقبة بن عامِر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «ألَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ هذِهِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ ﴿قُلْ أَعْوذُ بِرَبِّ","vol":"1","page":591},{"text":"الفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾» . رواه مسلم.\n\nقوله: «لم يُرَ مثلهن»، أي: في التعويذ. وقد استعاذ بهما - ﷺ - لما سَحَرَهُ لبيد بن الأعصم، فذهب عنه ذلك بالكلية.\n\n[١٠١٥] وعن أَبي سَعِيدٍ الخُدريِّ - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يَتَعَوَّذُ مِنَ الجَانِّ، وَعَيْنِ الإنْسَانِ، حَتَّى نَزَلَتْ المُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا، أخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nفي هذا الحديث: فضل المُعَوِّذَتَين لاشتمالهما على الجوامع في المستعاذ به، والمستعاذ منه.\nوعن عائشة ﵂: أنَّ النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه كلَّ ليلة جمع كفَّيه، ثم نَفَثَ فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات» . رواه البخاري.\nوفي رواية: «كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها» .\nوقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أنَّ الرقية لا تؤثر بذاتها. وقال - ﷺ -: «لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك» .","vol":"1","page":592},{"text":"[١٠١٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مِنَ القُرْآنِ سُورَةٌ ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nوفي رواية أَبي داود: «تَشْفَعُ» .\n\nفي هذا الحديث: فضل سورة تبارك، لافتتاحها بعظائم عَظَمَتِهِ، ثم بباهِرِ قدرته، وإتقانِ صنعته، ثم بذمِّ من نازع في ذلك، أو أعرض عنه، ثم بذكرِ عقابهم، وما له عليهم من النِّعم.\n\n[١٠١٧] وعن أَبي مسعودٍ البَدْرِيِّ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخر سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nقِيلَ: كَفَتَاهُ الْمَكْرُوهَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ.\n\nقال الحافظ: وقيل: معناه أجزأتاه فيما تعلق بالاعتقاد، لما اشتملتا عليه من الإِيمان والأعمال إجمالًا، ثم ذكر أقوالًا أخرى، قال: ويجوز أن يراد جميع ما تقدم والله أعلم.\nوعن أبي مسعود رفعه: «من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة» .\nوعن النعمان بن بشير رفعه: «أن الله كتب كتابًا، وأنزل منه آيتين، ختم بهما سورة البقرة، لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال» . أخرجه الحاكم وصححه.","vol":"1","page":593},{"text":"[١٠١٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقرَةِ» . رواه مسلم\n\nقوله: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر»، أي: لا تجعلوها كالمقابر لا يصلى فيها، ولكن صلوا في بيوتكم تطوعًا واقرؤا فيها؛ لأن الشيطان يفر من قراءة القرآن خصوصًا سورة البقرة.\n\n[١٠١٩] وعن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْري أيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ»؟ قُلْتُ: الله ورسوله أعلم قال: يا أبا المنذر أَتَدْري أيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ»؟ قُلْتُ: ﴿اللهُ لا إلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وقال: «لِيَهْنِكَ العِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: منقبة جليلة لأُبَيٍّ.\nوفيه: جواز مدح الإِنسان في وجهه، إذا أمن عليه الإِعجاب، وكان فيه مصلحة، كإظهار علمه ونحو ذلك.\nوفيه: فضل آية الكرسي، لما اشتملت عليه من إثبات ربوبية الله، وألوهيته وأسمائه، وصفاته، وتنزيهه عن النقائص.\nقال ابن كثير: وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة.\nفقوله: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ إخبار بأنه المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق.","vol":"1","page":594},{"text":"﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القيِّم لغيره.\n﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾: أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة، ولا ذهول عن خلقه.\n﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾: إخبار أنَّ الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.\n﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ﷿، أنه لا يتجاسر أحد أن يشفع لأحد عنده، إلا بإذنه له في الشفاعة.\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليلٌ على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها.\n﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء﴾، أي: لا يطَّلع أحد من علم الله على شيء إلا ما أعلمه الله ﷿ وأطلعه عليه.\n﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ . قال ابن عباس: (كرسيه) علمه. وعنه: (الكرسي) موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره، وعنه: لو أن السماوات السبع، والأرضين السبع، بسطن، ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كُنَّ في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المسافة.\nوقال ابن جرير: حدثني يوسف أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني يوسف، أخبرني أبي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» . قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما الكرسيُّ في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض» .\nوقوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يثقله ولا يكترثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومَنْ بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه.\n﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد (٩)] .\nوهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود، فيها طريقة","vol":"1","page":595},{"text":"السلف الصالح، إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه. انتهى ملخصًا.\n\n[١٠٢٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: وَكَّلَنِي رسولُ الله - ﷺ - بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَام، فَأخَذْتُهُ فقُلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رسول الله - ﷺ - قَالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَليَّ عِيَالٌ، وَبِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأصْبَحْتُ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَا أَبَا هُريرة، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قُلْتُ: يَا رسول الله، شَكَا حَاجَةً وَعِيَالًا، فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ. فَقَالَ: «أمَا إنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَعَرَفْتُ أنَّهُ سَيَعُودُ، لقولِ رسول الله - ﷺ - فَرَصَدْتُهُ، فَجاء يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَقُلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رسول الله - ﷺ - قَالَ: دَعْنِي فَإنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ لا أعُودُ، فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فَأصْبَحْتُ فَقَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «يَا أَبَا هُريرة، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قُلْتُ: يَا رسول الله، شَكَا حَاجَةً وَعِيَالًا، فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ.\nفَقَالَ: «إنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَرَصَدْتُهُ الثَّالثَة، فَجاء يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رسول الله - ﷺ - وهذا آخِرُ ثلاثِ مَرَّاتٍ أنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ! ثُمَّ تَعُود! فَقَالَ: دَعْنِي فَإنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فَإنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأصْبَحْتُ، فَقَالَ لي رسولُ الله - ﷺ -: «مَا فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟» قُلْتُ: يَا رسول الله، زَعَمَ أنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا،","vol":"1","page":596},{"text":"فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، قَالَ: «مَا هِيَ؟» قُلْتُ: قَالَ لي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَة الكُرْسِيِّ مِنْ أوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآية: ﴿اللهُ لا إلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة ٢٥٥] وقال لِي: لا يَزَالُ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَنْ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «أمَا إنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ: لا. قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ» . رواه البخاري.\nفي هذا الحديث: فضل آية (الكرسي)، وأن قراءتها تطرد الشياطين، وأن الحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا ينتفع بها، وتؤخذ عنه فيُنتفَع بها، وأن الكذَّاب قد يصدق، وأن الشيطان من شأنه أن يكذب، وأنه قد يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته، وأن الجِنَّ يأكلون من طعام الإِنس ويتكلمون بكلامهم.\nوفيه: قبول العذر والستر على من يظن به الصدق.\nوعند النسائي من حديث معاذ بن جبل: ضم إليَّ رسول االله - ﷺ - تمر الصدقة، فكنت أجد فيه كل يوم نقصانًا، فشكوت ذلك إِلى رسول الله - ﷺ - فقال لي: «هو عمل الشيطان فارصده» فرصدته، فأقبل في صورة فيل، فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب في غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت عليَّ ثيابي فأخذته فالتفت يداي على وسطه فقلت: يا عدو الله وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته وكانوا أحق به منك، لأرفعنَّك إلى رسول الله - ﷺ - فيفضحك، قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيالٍ، وما أتيتك إلا من نصيبين، ولو أصبت شيئًا دونه ما أتيتك، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم، فلما نزلت عليه آيتان تفرقنا منها، فإن خليت سبيلي علمتكهما. قلت: نعم. قال: آية الكرسي وآخر سورة البقرة من قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ ...﴾ إلى آخرها.\n\n[١٠٢١] وعن أَبي الدرداءِ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» .","vol":"1","page":597},{"text":"وفي رواية: «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الكَهْفِ» . رواهما مسلم.\n\nالمراد: أنّ حفظ عشر هذه الآيات من سورة الكهف يكون عاصمًا من فتنة المسيح الدَّجَّال، الذي يخرج في آخر الزمان مدَّعيًا الألوهية لخوارق تظهر على يديه.\nوروى أحمد عن أنس الجهني، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من قرأ أوَّل سورة الكهف وآخرها كانت له نورًا من قدمه إِلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا ما بين السماء والأرض» .\nوعن أبي سعيدٍ عن النبي - ﷺ -: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين» . أخرجه الحاكم وصححه.\nوعن عليّ مرفوعًا: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إِلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدَّجَّال عُصم منه» . رواه الضِّياء المقدسي في المختارة.\n\n[١٠٢٢] وعن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: بَيْنَمَا جِبْريلُ - ﵇ - قَاعِدٌ عِنْدَ النبي - ﷺ - سَمِعَ نَقيضًا مِنْ فَوقِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَوْمَ وَلَمْ يُفْتَحْ قَطٌّ إِلا اليَوْمَ، فنَزلَ منهُ مَلكٌ، فقالَ: هذا مَلكٌ نَزلَ إلى الأرضِ لم ينْزلْ قطّ إلا اليومَ فَسَلَّمَ وقال: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤتَهُمَا نَبيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلا أُعْطِيتَه. رواه مسلم.\n(النَّقِيضُ): الصَّوْتُ.\n\nالنقيض: الصوت.\nقوله: «فاتحة الكتاب»، سُمِّيت بذلك لأنه يُفتح بها في المصاحف فتُكتب","vol":"1","page":598},{"text":"قبل جميع السور، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وسُمِّيت أُمُّ القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن: من الثناء على الله تعالى، والتعبُّد بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وعلى ما فيها من ذكر الذات والصفات والفعل، واشتمالها على ذكر المبدأ والمعاد والمعاش.\nولها أسماء أخرى: الكنز، والوافية، والشافية، والكافية، وسورة الحمد، والحمد لله، وسورة الصلاة، وسورة الشفاء، والأساس، وسورة الشكر، وسورة الدعاء.\nقوله: «لن تقرأ بحرف منها إِلا أعطيته»، كما في حديث أبي هريرة: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي ...» الحديث.\nوكما في الحديث الآخر: «ربنا لا تؤاخذنا إِنْ نسينا أو أخطأنا، قال الله: قد فعلت ...» الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>١٨٤- باب استحباب الاجتماع عَلَى القراءة</span>\n\n[١٠٢٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بينهم، إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: استحباب الاجتماع على القراءة لما فيه من تعظيم القرآن، وإظهار شعاره بتكثير مجالسه، وخصوصًا المساجد، لأنها أفضل المواضع وأشرفها.","vol":"1","page":599},{"text":"وفيه: فضل مدارسة القرآن، ولهذا كان جبريل يلقى النبي - ﷺ - فيدارسه القرآن.\nوفيه: بيان ثواب المجتمعين لقراءة القرآن، وأعلاه ذكر الله لهم فيمن عنده من الملائكة قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة (١٥٢)]، وقال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت (٤٥)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>١٨٥- باب فضل الوضوء</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُريدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة (٦)] .\nيأمر تعالى عباده المؤمنين إذا أرادوا القيام إلى الصلاة وهم محدثون أن يتوضؤوا، فيغسلوا وجوههم وأيديهم إلى المرافق، فيدخلوها في الغسل، ويمسحوا برؤوسهم، ويغسلوا أرجلهم، وإن كانوا جنبًا أن يغتسلوا، وإن كان أحدٌ منهم مريضًا يخاف ضررًا من استعمال الماء كفاه التيمم، أو كان مسافرًا وخاف العطش جاز له التيمم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾، أي: جامعتموهن ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، أي: طاهرًا، ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة (٦)] .\nوعن عمار بن ياسر ﵄ قال: بعثني النبي - ﷺ - في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، قتمرَّغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي - ﷺ - فذكرت ذلك له، فقال: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا» ثم ضرب بيديه الأرض ضربةً واحدةً، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه. متفق عليه.","vol":"1","page":600},{"text":"﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾، أي: ضيق، ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾ من الأحداث والذنوب: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمته فيزيدها عليكم.\n\n[١٠٢٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًَّا مُحَجَّلينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالغرة: في الوجه، والتحجيل: في اليدين والرجلين.\nقال الحافظ: وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد - ﷺ -.\nوقوله: «محجلين» من التحجيل، وهو بياض يكون في قوائم الفرس، والمراد به هنا: النور أيضًا.\n\n[١٠٢٥] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ خليلي - ﷺ - يقول: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: التحريض على إطالة الغرة والتحجيل، وإطالة الغرة: أن يغسل جميع وجهه طولًا وعرضًا. وإطالة التحجيل: أن يغسل يديه حتى يشرع في العضدين، ويغسل رجليه حتى يشرع في الساقين.\n\n[١٠٢٦] وعن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «من تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُج مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":601},{"text":"في هذا الحديث: الحثُّ على الاعتناء بتعلم شروط الوضوء وسننه وآدابه، والعمل بذلك.\n\n[١٠٢٧] وعنه قَالَ: رَأيتُ رسول الله - ﷺ - تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأ هكَذَا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلاَتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى المَسْجدِ نَافِلَةً» . رواه مسلم.\n\nصفة الوضوء الذي ذكره عثمان، أنه دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا، ثم قال: «رأيت النبي - ﷺ - توضأ نحو وضوئي هذا» . ثم قال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه» . رواه البخاري ومسلم.\nوفيه: الحث على دفع الخواطر المتعلقة بأشغال الدنيا وجهاد النفس في ذلك، والترغيب في الإِخلاص، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود (١١٤، ١١٥)] .\n\n[١٠٢٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ - أَو المُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَو مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ المَاءِ، أَو مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًَّا مِنَ الذُّنُوبِ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":602},{"text":"المراد بتكفير الخطايا هنا الصغائر لقول النبي - ﷺ -: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» .\n[١٠٢٩] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - أتى المقبرة، فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَومٍ مُؤْمِنِينَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أنَّا قَدْ رَأَيْنَا إخْوانَنَا» . قالوا: أوَلَسْنَا إخْوَانَكَ يَا رسول الله؟ قَالَ: «أنْتُمْ أصْحَابِي، وَإخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأتُوا بَعْدُ» . قالوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسولَ الله؟ فَقَالَ: «أرَأيْتَ لَوْ أنَّ رَجُلًا لَهُ خَيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «فإنَّهُمْ يَأتُونَ غُرًّا مُحَجَّلينَ مِنَ الوُضُوءِ، وأنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: جواز تمني الخير، ولقاء الفضلاء. وليس في هذا الحديث نفيًا لأخوة الصحابة، ولكن ذكر مزيتهم بالصحبة. أي فأنتم أخوة صحابة والذين لم يأتوا بعد ليسوا بصحابة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات (١٠)] .\nوفيه: بشارة لهذه الأمة بأن واردهم إلى الماء هو محمد - ﷺ -. والفرط: هو المتقدم إلى الماء، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف (١٩)] . والحوض: الكوثر.\n\n[١٠٣٠] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «ألا أَدُّلُكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «","vol":"1","page":603},{"text":"إسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ؛ فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ؛ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» . رواه مسلم.\nإسباغ الوضوء في المكاره: إتمامه في نحو برد وقلَّة ماء، وأصل الرباط، الحبس على الشيء، فكأنه حبس نفسه على هذه الطاعة.\nوفي الحديث: استحباب إسباغ الوضوء، والتردد إلى المسجد، واستحباب الجلوس فيه للعبادة.\n\n[١٠٣١] وعن أَبي مالك الأشعري - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: ... «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ» . رواه مسلم.\nوَقَدْ سبق بطوله في باب الصبر.\n\nقوله: «الطهور شطر الإيمان»، أي: نصفه، لأن خصال الإيمان قسمان: ظاهرةٌ، وباطنةٌ. فالطهور من الخصال الظاهرة، والتوحيد من الخصال الباطنة. وقد جمع ذلك في حديث عمر بن الخطاب كما سيأتي.\nوفي البابِ حديث عمرو بن عَبَسَة - ﵁ - السابق في آخر باب الرَّجَاءِ، وَهُوَ حديث عظيم؛ مشتمل عَلَى جمل من الخيرات.\n\nالشاهد من حديث عمرو بن عبسة: (فقلت: يَا رسول الله، فالوضوء حدِّثْني عنه فقال: «ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق، ويستنثر، إلا خرت خطايا وجهه، وفيه، وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمر الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه، إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين، إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإنْ هو قام فصلَّى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجَّده بالذي هو له","vol":"1","page":604},{"text":"أهل، وفرغ قلبه لله تعالى، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» .) .\n[١٠٣٢] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلغُ – أَوْ فَيُسْبِغُ – الوُضُوءَ، ثُمَّ يقول: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» . رواه مسلم.\nوزاد الترمذي: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» .\n\nجمع في هذا الحديث بين طهارة الظاهر بالوضوء، وطهارة الباطن بالتوحيد، وسؤال التوبة، والتطهر من الذنوب والآثام، وأخبر - ﷺ - أن ثواب هذا العمل دخول الجنة من أي أبوابها شاء، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>١٨٦- باب فضل الأذان</span>\n\n[١٠٣٣] عن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ والصَّفِ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، ولو يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«الاسْتِهَامُ»: الاقْتِرَاعُ، وَ«التَّهْجِيرُ»: التَّبْكِيرُ إِلَى الصَّلاةِ.\n\nقوله: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول»، أي: من الخير والبركة. «ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه»، أي: على ما ذكر من الأذان والصف الأول.: «لاستهموا عليه»، أي: اقترعوا.\nقال العلماء: في الحض على الصف الأول، المسارعة إلى خلاص الذمة","vol":"1","page":605},{"text":"والسبق لدخول المسجد والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكن قدَّامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين، والصف الأول عند الكعبة هو الذي يلي الإمام على الصحيح، وإن كان أبعد من الكعبة.\n\n[١٠٣٤] وعن معاوية - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقولُ:\n«المُؤَذِّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْناقًا يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «أطول االناس أعناقًا»، قال النضر بن شميل: إذا ألجم الناسَ العرقُ يوم القيامة طالت أعناقهم، لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق.\nوقيل: معناه أنهم سادة ورؤساء، والعرب تصف السادة بطول العنق.\n\n[١٠٣٥] وعن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحْمنِ بن أَبي صَعصعة: أنَّ أَبَا سَعيد الخدريَّ - ﵁ - قَالَ لَهُ: «إنِّي أرَاكَ تُحبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ فَإذَا كُنْتَ في غَنَمِك - أَوْ بَادِيتِكَ - فَأذَّنْتَ للصَّلاَةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مدى صَوْتِ المُؤذِّنِ جِنٌّ، وَلا إنْسٌ، وَلا شَيْءٌ، إِلا شَهِدَ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ» . قَالَ أَبُو سَعيدٍ: سمعتُهُ مِنْ رَسولِ الله - ﷺ -. رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: دليل على استحباب أذان المنفرد ورفع الصوت بالنداء، وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: «المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس»، والسر في هذه الشهادة مع أنها تقع عند عالم الغيب والشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلوّ الدرجة، وكما أن الله يفضح بالشهادة قومًا فكذلك يكرم بالشهادة آخرين.","vol":"1","page":606},{"text":"وفيه: أن حب الغنم والبادية ولا سيما عند نزول الفتنة، من عمل السلف الصالح.\n[١٠٣٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا نُودِيَ بالصَّلاَةِ، أدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأذِينَ، فَإذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ للصَّلاةِ أدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا واذكر كَذَا - لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُر مِنْ قَبْلُ - حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«التَّثْوِيبُ»: الإقَامَةُ.\n\nفي هذا الحديث: بيان فضيلة الأذان وأنه يطرد الشيطان، وفي صحيح مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه أنه قال: «إذا سمعت صوتًا فناد بالصلاة» .\nقال ابن الجوزي: على الأذان هيبة يشتدّ انزعاج الشيطان بسببها، لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به بخلاف الصلاة، فإِنَّ النفس تحضر فيها، فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة.\nقال ابن بطال: يشبه أن يكون الزَّجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذِّن المؤذن من هذا المعنى، لئلا يكون متشبِّهًا بالشيطان، الذي يفرّ عند سماع الأذان. والله أعلم.\n\n[١٠٣٧] وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ،","vol":"1","page":607},{"text":"ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإنَّه مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الوَسِيلَةَ؛ فَإنَّهَا مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأرْجُو أنْ أكونَ أنَا هُوَ، فَمَنْ سَألَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: استحباب مجاوبة المؤذن بمثل ما يقول في كل كلمة من الأذان إلا الحيعلة فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، كما في حديث معاوية.\nوروى النسائي من حديث أمِّ حبيبة: أنه - ﷺ - كان يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يسكت.\nقال الطيبي: معنى الحيعلتين: هلمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى ... عاجلًا، والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته.\nفيه: استحباب الصلاة على النبي - ﷺ - والدعاء له بالوسيلة.\n\n[١٠٣٨] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ، فَقُولُوا كَمَا يَقُولُ المُؤذِّنُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[١٠٣٩] وعن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ، وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًَا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتي يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه البخاري.\n\nالمقام المحمود: هو شفاعة النبي - ﷺ - عند الله ﷿ في القضاء بين","vol":"1","page":608},{"text":"خلقه حين يتأخر عنها آدم وأولوا العزم من الرسل.\n\n[١٠٤٠] وعن سعدِ بن أَبي وقَّاصٍ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنَّه قَالَ: «مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَه إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإسْلامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فضيلة هذا الذكر إذا سمع الأذان.\n[١٠٤١] وعن أنس - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «الدُّعَاءُ لا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإقَامَةِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: الحث على الدعاء بين الأذان والإقامة، وأن هذا الوقت من أوقات الإجابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>١٨٧- باب فضل الصلوات</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ﴾ ... [العنكبوت (٤٥)] .\n\nقال البغوي: الفحشاء: ما قبح من الأعمال، والمنكر: ما لا يُعرف في الشرع. قال ابن مسعود وغيره: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعدًا. وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: «إنَّ فلانًا يصلِّي","vol":"1","page":609},{"text":"بالليل، فإذا أصبح سرق، فقال: «إنه سينهاه ما تقول» . رواه أحمد.\n\n[١٠٤٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول:\n«أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ نَهْرًَا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرنهِ شَيْءٌ؟» قالوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرنهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[١٠٤٣] وعن جابرٍ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ» . رواه مسلم.\n«الغَمْرُ» بفتح الغين المعجمة: الكثير.\nشبه - ﷺ - الصلوات بالنهر الجاري، والخطايا بالدرن الذي يغسله الماء، فالصلوات تكفر صغائر الذنوب دون كبائرها؛ لأن الماء لا يغسل الجذام ونحوه، ولهذا قال - ﷺ -: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» .\n\n[١٠٤٤] وعن ابن مسعود - ﵁ - أنَّ رَجُلًا أصَابَ مِن امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأتَى النبيَّ - ﷺ - فَأخْبَرَهُ فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود (١١٤)] فَقَالَ الرَّجُلُ أَلِيَ هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":610},{"text":"قوله: (فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ﴾، في رواية عند أحمد ومسلم: فقرأ عليه: «أقم الصلاة»، وأوله: قال جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت، فلم يقل رسول الله - ﷺ - شيئًا، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه ولو ستر على نفسه، فأتبعه رسول الله - ﷺ - ثم قال: «ردوه عليَّ» فردوه، فقرأ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود (١١٤)] .\n\n[١٠٤٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغشَ الكَبَائِرُ» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: دليل على أن أعمال البر تكفر الذنوب الصغائر.\nقال الله تعالى ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء (٣١)] .\n\n[١٠٤٦] وعن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاَةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءها؛ وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا، إِلا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوب مَا لَمْ تُؤتَ كَبِيرةٌ، وَذلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: تنبيه على تعميم تكفير الطاعات للصغائر كل زمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>١٨٨- باب فضل صلاة الصبح والعصر</span>\n\n[١٠٤٧] عن أَبي موسى - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":611},{"text":"(البَرْدَانِ): الصُّبْحُ والعَصْرُ.\n\nسُمِّيا البردين؛ لفعلهما وقت البرد، ووجه تخصيصهما بالذكر عن سائر الصلوات أن وقت الصبح يكون عند لذَّة النوم، ووقت العصر يكون [عند] الاشتغال، وأن العبد إذا حافظ عليهما كان أشد محافظة على غيرهما.\nوفيه: إيماء إلى حسن خاتمة مصليهما بوفاته على الإسلام.\n\n[١٠٤٨] وعن أَبي زهير عُمارة بن رُؤَيْبَةَ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» يعني: الفَجْرَ والعَصْرَ. رواه مسلم.\n\nتخصيصها بذلك أنَّ وقت الصبح يكون عند النوم ولذَّته، ووقت العصر عند الاشتغال بتتمات أعمال النهار. ففي صلاتهما دليلٌ على خلوص النفس من الكسل ومحبتها للعبادة، ويلزم من ذلك إتيانه ببقية الصلوات الخمس.\nقال الله تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور (٣٦: ٣٨)] .\n\n[١٠٤٩] وعن جُنْدُبِ بن سفيان - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ في ذِمَّةِ اللهِ، فَانْظُرْ يَا ابْنَ آدَمَ، لا يَطْلُبَنَّكَ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: التحذير عن التعرض للمصلين، وأذاهم بغير حق. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب (٥٨)] .","vol":"1","page":612},{"text":"[١٠٥٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيجْتَمِعُونَ في صَلاَةِ الصُّبْحِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ - وَهُوَ أعْلَمُ بِهِمْ - كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادي؟ فَيقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «يتعاقبون فيكم»، في رواية للبخاري: «الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» . ولابن خزيمة: «إنَّ لله ملائكة يتعاقبون» .\nقوله: «فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم»، قيل: الحكمة في سؤالهم استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخبر، واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة من خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة (٣٠)] .\nقال الحافظ: وفي الحديث، الإشارة إلى عِظَمِ هاتين الصلاتين لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة، والإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد أورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذٍ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله، والله أعلم.\n\n[١٠٥١] وعن جرير بن عبد الله البَجَليِّ - ﵁ - قال: كُنَّا عِنْدَ النبيِّ - ﷺ - فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: «إنَّكُمْ سَتَرَونَ رَبَّكُمْ كَمَا","vol":"1","page":613},{"text":"تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رواية: «فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ» .\n\nقال المهلب: خصَّ هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما، ورفعهم أعمال البلاد، لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم.\nقال العلماء: ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعت، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى.\n[١٠٥٢] وعن بُرَيْدَة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» . رواه البخاري.\n\nقال البخاري: باب من ترك صلاة العصر، وذكر الحديث عن أبي المليح، قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإن النبي - ﷺ - قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» .\nقال الحافظ: قيل: خص يوم الغيم بذلك؛ لأنه مظنة التأخير، إما لمتنطع يحتاط لدخول الوقت فيبالغ في التأخير حتى يخرج الوقت، أو لمتشاغلٍ بأمر آخر فيظن بقاء الوقت، فيسترسل في شغله إلى أن يخرج الوقت.\nقوله: «من ترك صلاة العصر»، في رواية: «متعمدًا» .\nقال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون (٤، ٥)] .","vol":"1","page":614},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم (٥٩)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>١٨٩ - باب فضل المشي إلى المساجد</span>\n\n[١٠٥٣] عن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ غَدَا إلى المَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أوْ رَاحَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالمراد بالغدو هنا: الذهاب إلى المسجد. وبالرواح: الرجوع إلى المنزل، والنُّزُل: المكان الذي يهيأ للنزول فيه.\nوفي الحديث: فضل إتيان المساجد للصلاة، والعبادة، والعلم، والذكر.\nقال بعض العلماء: عادة الناس تقديم طعام لمن دخل بيتهم، والمسجد بيت الله تعالى فمن دخله أيّ وقتٍ كان من ليلٍ أو نهارٍ أعطاه الله تعالى أجره من الجنة، لأنه أكرم الأكرمين، ولا يضيع أجر المحسنين.\n[١٠٥٤] وعنه: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَضَى إلى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، لِيَقْضِي فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خُطُواتُهُ، إحْدَاهَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فضل المشي إلى المساجد لأداء الصلاة المكتوبة.\n\n[١٠٥٥] وعن أُبيّ بن كعبٍ - ﵁ - قال: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ لا أَعْلمُ أَحَدًا أبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَتْ لا تُخْطِئُهُ صَلاَةٌ،","vol":"1","page":615},{"text":"فَقيلَ لَهُ: لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبَهُ في الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ، قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أنَّ مَنْزِلِي إلى جَنْبِ المَسْجِدِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إلى المَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إذَا رَجَعْتُ إلى أهْلِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لكَ ذَلِكَ كُلَّه» . رواه مسلم.\n\nقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أعمالهم ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ [يس (١٢)]، خطايا بأرجلهم.\n\n[١٠٥٦] وعن جابر - ﵁ - قال: خَلَت البِقاعُ حولَ المَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلمَةَ أنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النبي - ﷺ - فَقَالَ لَهُمْ: «بَلَغَنِي أنَّكُم تُريدُونَ أنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ؟» قالوا: نعم، يا رَسُول اللَّهِ، قَدْ أرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: «بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُم تُكْتَبْ آثارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثارُكُمْ» . فقالوا: مَا يَسُرُّنَا أنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا. رواه مسلم، وروى البخاري معناه من رواية أنس.\nقال البخاري: باب احتساب الآثار، وذكر حديث أنس: أن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم، فينزلوا قريبًا من النبي - ﷺ - قال: فكره رسول الله - ﷺ - أن يعروا المدينة، فقال: «ألا تحتسبون آثاركم» .\nقال مجاهد: خطاهم: آثارهم، والمشي في الأرض بأرجلهم.\nقال الحافظ: وفي الحديث أن أعمال البر إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات.\nوفيه: استحباب السكنى بقرب المسجد، إلا لمن حصلت به منفعة أخرى أو أراد تكثير الأرجل بكثرة المشي. انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":616},{"text":"[١٠٥٧] وعن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: «إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أجْرًا في الصَّلاةِ أبْعَدُهُمْ إلَيْهَا مَمْشىً، فَأَبْعَدُهُمْ، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإمَامِ أعظَمُ أجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنَامُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: أن الصلاة مع الجماعة ولو تأخرت أفضل من صلاته منفردًا في أول الوقت.\n\n[١٠٥٨] وعن بُريدَة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «بَشِّرُوا المَشَّائِينَ في الظُّلَمِ إلى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ.\n\nفي هذا الحديث: بُشارة عظيمةٌ للمحافظين على صلاة الجماعة ليلًا ونهارًا.\n\n[١٠٥٩] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «ألا أدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ»؟ قَالُوا: بَلَى يا رَسُول اللهِ؟ قَالَ: «إسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» . رواه مسلم.\nسُمِّيت هذه الخصال الثلاث رباطًا، لأنها مجاهدة للنفس، فلزموها من أعظم الجهاد؛ لأن الإنسان إذا غلب نفسه فاز، وإن غلبته خاب.\nقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ ... [الشمس (٩، ١٠)] .","vol":"1","page":617},{"text":"[١٠٦٠] وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إذا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بالإيمَانِ، قال اللهُ - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾» الآية. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: دلالة واضحة على أنَّ معاودة المسجد لصلاة الجماعة من الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>١٩٠ - باب فضل انتظار الصلاة</span>\n\n[١٠٦١] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَزَالُ أحَدُكُمْ في صَلاَةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمنَعُهُ أنْ يَنقَلِبَ إلى أهلِهِ إلا الصَّلاةُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[١٠٦٢] وعنه - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» . رواه البُخَارِيُّ.\n\nقال البخاري: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وذكر حديث أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدِث، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في الصلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة» .","vol":"1","page":618},{"text":"قال الحافظ: قوله: «لا يزال أحدكم في صلاة»، أي: في ثواب الصلاة، لا في حكمها، لأنه يحل له الكلام وغيره مما مُنِع في الصلاة.\nقوله: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه»، هو مطابق لقوله تعالى: ... ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى (٥)]، قيل السرُّ فيه أنهم يَطَّلعون على أفعال بني آدم وما فيها من المعصية والخلل في الطاعة، فيقتصرون على الاستغفار لهم من ذلك.\n\n[١٠٦٣] وعن أنس - ﵁ - أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَخَّرَ لَيْلَةً صَلاَةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صَلَّى، فَقَالَ: «صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا في صَلاَةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا» . رواه البُخَارِيُّ.\n\nفي هذا الحديث: فضل انتظار الصلاة، وأن منتظر الجماعة في صلاة ولو تأخرت عن أول وقتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>١٩١ - باب فضل صلاة الجماعة</span>\n\n[١٠٦٤] عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: ... «صَلاَةُ الْجَمَاعَة أفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[١٠٦٥] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَلاةُ الرَّجُلِ في جَمَاعةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتهِ وفي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًَا، وَذلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، لا يُخرِجُهُ إلا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا","vol":"1","page":619},{"text":"دَرَجَةٌ، وَحُطَّتْ عَنهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ في مُصَلاهُ، مَا لَمْ يُحْدِث، تقولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ في صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ» . متفقٌ عَلَيهِ، وهذا لفظ البخاري.\nقوله: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجة» .\nقال الترمذي: عامة من رواه قالوا: خمسًا وعشرين درجةً، إلا ابن عمر فإنه قال: سبعًا وعشرين. انتهى.\nوقد جُمِعَ بينهما بأن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وفضل الله واسع. وقيل السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية، لأن في الجهرية الإنصات عند قراءة الإمام، والتأمين عند تأمينه.\nوفي حديث أبي هريرة: إشارة إلى بعض الأسباب المقتضية للدرجات، وهو قوله: «وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» .\nومنها: الاجتماع والتعاون على الطاعة، والألفة بين الجيران، والسلامة من صفة النفاق، ومن إساءة الظن به.\nومنها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، وغير ذلك، والله أعلم.\n\n[١٠٦٦] وعنه قَالَ: أَتَى النبيَّ - ﷺ - رَجُلٌ أعْمَى، فقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَّمَا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأجِبْ» . رواه مسلم","vol":"1","page":620},{"text":"[١٠٦٧] وعن عبدِ الله - وقيل: عَمْرو بن قَيسٍ - المعروف بابن أُمّ مكتوم المؤذن - ﵁ - أنَّه قال: يا رَسُول اللهِ، إنَّ المَدينَةَ كَثيرةُ الهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ. فَقَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: «تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الفَلاحِ، فَحَيَّهلًا» . رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.\nومعنى «حَيَّهَلًا»: تعال.\nفي هذا الحديث: دليلٌ على وجوب حضور الجماعة لمن سمع النداء بالصلاة، وفيه تأكيد طلب الجماعة واحتمال خفيف التعب في حصولها، وذلك أن الغالب على من قربت داره من المسجد أنه يقل لحاق الضرر به.\nوأما قصة عتبان التي في الصحيح، فإنما سأل الترخيص عند وجود مانع من حيلولة السيل بينه وبين مسجد قومه مع ضعف بصره.\n\n[١٠٦٨] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤذَّنَ لهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهمْ» . متفقٌ عَلَيهِ.\n\nهذا الحديث: يدل على وجوب الصلاة في الجماعة.\nوفيه: تقديم التهديد على العقوبة، وسر ذلك أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة.\nوفيه: جواز أخذ أهل الجرائم على غرة.\nوفيه: الرخصة للإمام في ترك الجماعة لمثل ذلك.\nوقال البخاري: باب وجوب صلاة الجماعة.\nوقال الحسن: إن منعته أمُّه عن العِشَاء في الجماعة شفقة عليه لم يطعها،","vol":"1","page":621},{"text":"وذكر الحديث وزاد في آخره: «والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنَّهُ يجد عَرْقًا سمينًا أو مِرْمَاتَين حسنَتَيْنِ لشهد العشاء» .\n[١٠٦٩] وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: مَنْ سَرَّهُ أنْ يَلْقَى اللهَ تَعَالَى غدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكم - ﷺ - سُنَنَ الهُدَى، وَإنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى، وَلَوْ أنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ في بُيُوتِكم كَمَا يُصَلِّي هذا المُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّة نَبِيِّكُم لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤتَى بهِ، يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ في الصَّفِّ. رَوَاهُ مُسلِم.\nوفي رواية لَهُ قَالَ: إنّ رَسُول اللهِ - ﷺ - عَلَّمَنَا سُنَنَ الهُدَى؛ وإنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى الصَّلاَةَ في المَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ.\n\nالسنة: الطريقة، وليس المراد بها هنا التي دون الواجب في الاصطلاح.\nوفي الحديث: وجوب صلاة الجماعة في المسجد، وأنَّ من ترك ذلك فهو ضال.\n\n[١٠٧٠] وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيةٍ، وَلا بَدْوٍ، لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إلا قَد اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِم الشَّيْطَانُ. فَعَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَة» . رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.\nشبه - ﷺ - استيلاء الشيطان على المنفرد عن الجماعة وتمكنه منه، باستيلاء الذئب على المنفردة عن الغنم.","vol":"1","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>١٩٢ - باب الحث عَلَى حضور الجماعة في الصبح والعشاء</span>\n[١٠٧١] عن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ، فَكَأنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» . رواه مسلم.\nوفي رواية الترمذي عن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: قال رَسُول اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَهِدَ العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفَ لَيلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى العِشَاءَ وَالفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ» . قَالَ الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nالمراد: أن مجموع صلاتي العشاء والصبح جماعة، كقيام الليل كلِّه، وصلاة كلٍّ منهما جماعة كقيام نصف الليل. وخصّهما بالذكر لثقلهما على النفوس لأن صلاة الفجر في وقت طيب النوم ولذته، وصلاة العشاء في غلبة الظلمة والحديث مع الأهل والأصدقاء.\n\n[١٠٧٢] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا في العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًَا» . متفقٌ عَلَيهِ. وقد سبق بِطولِهِ.\n\nأي: لو يعلم المتخلفون عن صلاة الجماعة ما في العتمة والصبح من الأجر، لأتوا المسجد لصلاة الجماعة ولو حَبْوًا على الركب والأيدي.\n\n[١٠٧٣] وعنه قَالَ: قال رَسُول اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ صَلاَةٌ أثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» . متفقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":623},{"text":"في هذا الحديث: دليل على أن عدم حضور الجماعة في صلاة الفجر والعشاء من علامات النفاق.\nوفيه: إيماءٌ على عظم ثواب الآتي إليهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>١٩٣ - باب الأمر بالمحافظة عَلَى الصلوات المكتوبات</span>\nوالنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهنّ\nقال الله تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة (٢٣٨)] .\n\nأي: داوموا عليهنَّ.\nقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون (١، ٩)] .\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ [المعارج (٣٤، ٣٥)] .\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة (٥)] .\n\nاستنبط العلماء من هذه الآية أنَّ من ترك الصلاة كسلًا قُتِل حدًا إن لم يتب، وأما من جَحَد وجوبها فهو كافر بالكتاب والسنَّة، وحَدّه القتل بإجماع العلماء.\n\n[١٠٧٤] وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: سألت رَسُول اللهِ - ﷺ - أيُّ الأعْمَالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيهِ.\n\nقوله: «الصلاة على وقتها»، أي: أداؤها في وقتها، فلا تصح الصلاة قبل دخول وقتها، ولا تقبل بعد خروجه.","vol":"1","page":624},{"text":"[١٠٧٥] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: قال رَسُول اللهِ - ﷺ -: «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» . متفقٌ عَلَيهِ.\n\nقوله: «بني الإِسلام على خمس»، أي: دعائم.\nوفي رواية: «على خمسة»، أي: أركان.\nوهذا الحديث: أصل عظيم في معرفة الإِسلام.\nقال عطاء الخرساني: الدِّين خمس لا يقبل الله منهن شيئًا دون شيء: بشهادة أن لا إِله إِلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت، هذه واحدة.\nوالصلوات الخمس: عمود الدين، لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة.\nوالزكاة: طهور من الذنوب، ولا يقبل الله الإِيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء الثلاث ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدًا لم يقبل الله منه الإِيمان ولا الصلاة ولا الزكاة.\nفمن فعل هؤلاء الأربع ثم تسير له الحج فلم يحج، ولم يوص بحجته ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها.\n\n[١٠٧٦] وعنه قَالَ: قال رَسُول اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إلا بِحَقِّ الإسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» . متفقٌ عَلَيهِ.\n\nهذا حديث عظيم وقاعدة من قواعد الدين، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة (٥)] .","vol":"1","page":625},{"text":"قال الخطَّابي وغيره: المراد بهذا أهل الأوثان ومشركوا العرب، ومن لا يؤمن دون أهل الكتاب، ومن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله: ... (لا إله إلا الله) إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده.\nقوله: «إلا بحق الإِسلام»، أي: شرائعه، كما قاتل الصحابة ﵃ مانعي الزكاة بعدما مات النبي - ﷺ - وقال أبو بكر: والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلهم على منعها.\nوكما ذكر العلماء، أنه إذا اتفق أهل بلد على ترك الأذان، كان للإِمام قتالهم؛ لأن الأذان من شعائر الإِسلام. وقال النبي - ﷺ -: «لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث» ... الحديث.\n\n[١٠٧٧] وعن معاذٍ - ﵁ - قال: بَعثنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلى اليَمَنِ، فَقَالَ: «إنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْل الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إلى شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإنْ هُمْ أطاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالهِمْ، واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَينَهَا وبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» . متفقٌ عَلَيهِ.\n\nقوله - ﷺ -: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب» . هي كالتوطئة للتوصية لتستجمع همته؛ لأن مخاطبتهم ليست كمخاطبة الجهال.","vol":"1","page":626},{"text":"وفي الحديث: البداءة بالشهادتين؛ لأن ذلك أصل الدين.\nوفيه: البداءة بالأهم فالأهم.\nوفيه: دليل على جواز إخراج الزكاة في صنف واحد.\nوفيه: تنبيه على المنع من جميع الظلم. والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم، الإِشارة إلى أن أخذها ظلم.\nوفيه: الدعاء إلى التوحيد قبل القتال، وتوصية الإِمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها.\n\n[١٠٧٨] وعن جابرٍ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ والكفر، تَرْكَ الصَّلاَةِ» . رواه مسلم.\nالصلاة: هي الحد الفاصل بين الإِسلام والكفر.\n\n[١٠٧٩] وعن بُرَيْدَة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» . رواه التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقال البيضاوي: الضمير للمنافِقِيْنَ.\nوقال الطيبي: يمكن أن يقال: الضمير عام فيمن بايع رسول الله - ﷺ - بالإِسلام مؤمنًا كان أو منافقًا.\nوفي الحديث: تعظيم شأن الصلاة وأن من تركها فهو كافر.\n\n[١٠٨٠] وعن عبد الله بن شقيق التَّابِعيِّ المتفق عَلَى جَلاَلَتِهِ ﵀، قَالَ: كَانَ أصْحَابُ محَمَّدٍ - ﷺ - لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأعْمَالِ تَرْكُهُ","vol":"1","page":627},{"text":"كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاَةِ. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ في كِتابِ الإيمان بإسنادٍ صحيحٍ.\n\nالحديث: دليل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، واختلف العلماء هل يجب القتل لترك الصلاة واحدة أو أكثر. فالجمهور أنه يقتل لترك صلاة واحدة. قال أحمد بن حنبل: إذا دعي إلى الصلاة فامتنع، وقال: لا أصلي حتى خرج وقتها، وجب قتله. وقال الشافعي: من ترك الصلاة كسلًا حتى أخرجها عن وقت الضرورة يقتل حدًا، إن لم يتب.\n\n[١٠٨١] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رَسُول اللهِ - ﷺ -: «إنَّ أوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ، فَإنْ صَلَحَتْ، فَقَدْ أفْلَحَ وأَنْجَحَ، وَإنْ فَسَدَتْ، فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُ - ﷿ -: انْظُرُوا هَلْ لِعَبدي من تطوّعٍ، فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ؟ ثُمَّ تَكُونُ سَائِرُ أعْمَالِهِ عَلَى هَذَا» . رواه التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nفي هذا الحديث: الحثُّ على إتقان الفرائض، والاهتمام بمصححاتها، وترك مفسداتها، والحضُّ على إكثار النوافل لتكون جابرة لخلل الفرائض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>١٩٤ - باب فضل الصف الأول</span>\nوالأمر بإتمام الصفوف الأُوَل وتسويتها والتراصّ فِيهَا\n\n[١٠٨٢] عن جابر بن سَمُرَة ﵄ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ... رسول الله - ﷺ - فَقال: «ألا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟» فَقُلنَا: يَا رَسُول اللهِ، وَكَيفَ تُصَفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":628},{"text":"الصفُّ الأول: هو الذي يلي الإِمام، وفي المسجد الحرام من بحاشية محل الطواف، دون من تقدم عليه إلى الكعبة في غير جهة الإمام.\nقوله: «يتمون الصفوف الأُوَل»، أي: لا يشرعون في صف حتى يُكمل ما قبله.\n\n[١٠٨٣] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا» . متفقٌ عَلَيهِ.\n\nفي هذا الحديث: عِظَمُ ثواب الأذان، وثواب الصف الأول.\n\n[١٠٨٤] وعنه قَالَ: قال رَسُول اللهِ - ﷺ -: «خيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أوَّلُهَا» . رواه مسلم.\n\n«خير صفوف الرجال أولها»: لسبقهم إلى الفضيلة، «وشرها آخرها»: لتأخرهم. و«خير صفوف النساء آخرها»: لبعدهن عن الرجال، و«شرها أولها»: لقربهن من الفتنة.\n[١٠٨٥] وعن أبي سعيد الخدرِيِّ - ﵁ - أنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - رأى في أصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا فَأتَمُّوا بِي، وَلْيَأتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: الحثُّ على التسابق إلى الطاعة، وإلى معالي الأمور","vol":"1","page":629},{"text":"والأخلاق، والزجر عن الميل إلى الدعة والرفاهية، والتأخر عن الطاعات.\n\n[١٠٨٦] وعن أبي مسعود - ﵁ - قال: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلاَةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَووا ولا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الأحْلاَمِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . رواه مسلم.\n\nالأحلام: جمع حِلْم، وهو: الأناة والتثبت. والنُّهى: العقول.\n\n[١٠٨٧] وعن أنس - ﵁ - قال: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ» . متفقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية للبخاري: «فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلاَةِ» .\n\nقال البخاري: بابٌ إقامةُ الصف من تمام الصلاة، وذكر حديث أبي هريرة: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه وأقيموا الصف في الصلاة، فإنَّ إقامة الصف من أحسن الصلاة»، ثم ذكر حديث أنس.\nوفيه: دليلٌ على وجوب تسوية الصفوف.\n\n[١٠٨٨] وعنه قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَأقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» . ... رواه البُخَارِيُّ بلفظه، ومسلم بمعناه.\nوفي رواية للبخاري: وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ.","vol":"1","page":630},{"text":"لفظ مسلم: «أتموا الصفوف فإني أراكم من وراء ظهري» .\nقال الشارح: ولا ينافي هذا الحديثُ حديثَ: «لا أعلم ما وراء جداري» لأن هذا خاص بحالة الصلاة، لأنه - ﷺ - لما حصل له فيها قرة العين بما أفيض عليه فيها من غايات القرب المختص بها التي لا يوازيه فيها غيره، صار بدنه الشريف كالمرآة الصافية التي لا تحجب ما وراءها.\n\n[١٠٨٩] وعن النعمان بن بشير ﵄ قَالَ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» . متفقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية لمسلم: أنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - كَانَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ حَتَّى رَأى أنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَومًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللهِ، لتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» .\n\nالقِدْح: السهم قبل أن يراش وينصل. والقداح: جمع قدح، وهي خشب السهام حين تبرى وتنحت وتهيأ للرمي، وهي مما يطلب فيها التحرير وإلا كان السهم طائشًا.\nوفي الحديث: دليل على وجوب تسوية الصفوف، وعلى جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من الحاجة.\nوفيه: مراعاة الإمام لرعيته والشفقة عليهم، وتحذيرهم من المخالفة.\nقوله: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم»، أي: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن؛ لأن تقدم الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب، الداعي إلى القطيعة.","vol":"1","page":631},{"text":"[١٠٩٠] وعن البراءِ بن عازِبٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إلى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا، وَيَقُولُ: «لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» . وكانَ يَقُولُ: «إنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأُوَلِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.\n\n[١٠٩١] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أقيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ المَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِينوا بِأيْدِي إخْوانِكُمْ، ولا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ للشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللهُ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح.\n\nفي هذا الحديث: الحث على وصل الصفوف وتكميلها، والزجر عن قطعها.\nقوله: «ولينوا بأيدي إخوانكم»، أي: إذا قدموكم أو أخروكم حتى يستوي الصف.\n\n[١٠٩٢] وعن أنس - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأعْنَاقِ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ، كَأَنَّهَا الحَذَفُ» . حديث صحيح رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسنادٍ عَلَى شرط مسلم.\n«الحَذَفُ» بحاء مهملةٍ وذالٍ معجمة مفتوحتين ثُمَّ فاء وهي: غَنَمٌ سُودٌ صِغَارٌ تَكُونُ بِاليَمَنِ.","vol":"1","page":632},{"text":"نبه - ﷺ - بهذا االقسم العظيم على تأكيد التراص بين الصفوف، والتقارب لعظم فائدتهما، وهي منع دخول الشيطان بينهم، المستلزم لتسلطه وإغوائه، ووسوسته، حتى يفسد عليهم صلاتهم، وخشوعهم الذي هو روح الصلاة.\n[١٠٩٣] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أتِمُّوا الصَّفَّ المُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.\n\nفي هذا الحديث: الحث على إتمام الصفوف الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ.\n\n[١٠٩٤] وعن عائشة ﵂، قالت: قال رَسُول اللهِ - ﷺ -: ... «إنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسنادٍ عَلَى شرط مسلم، وفيه رجل مُخْتَلَفٌ في تَوثِيقِهِ.\n\nفي هذا الحديث: فضل الوقوف في ميمنة الإمام.\nقال البخاري: باب ميمنة المسجد والإمام وذكر حديث ابن عباس رضي لله عنهما، قال: «قمت ليلة أصلي عن يسار النبي - ﷺ - فأخذ بيدي حتى أقامني عن يمينه» .\nقال الحافظ: وكأنه أشار إلى ما أخرجه النِّسائي بإسناد صحيح، عن البراء قال: «كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ - أحببنا أن نكون عن يمينه» .\nولأبي داود بإسناد حسن عن عائشة مرفوعًا: «إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف» . انتهى.\nومحل ذلك إذا لم تتعطل ميسرة الإمام، وإلا فتوسيط الإمام أفضل كما في الحديث الآخر: «وسطوا الإِمام وسُدُّا الخلل» .","vol":"1","page":633},{"text":"[١٠٩٥] وعن البراء - ﵁ - قال: كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُول اللهِ - ﷺ - أحْبَبْنَا أنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ قِني عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ - أو تَجْمَعُ - عِبَادَكَ» . رواه مسلم.\n\nلا مخالفة بين هذا الحديث وحديث ابن ماجة: «من عمَّر ميسرة المسجد كُتب له كفلان من الأجر»، وذلك أنه - ﷺ - لما حثَّ على التيامن تعطلت الميسرة فقال ذلك.\n[١٠٩٦] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رَسُول اللهِ - ﷺ -: «وَسِّطُوا الإمَامَ، وَسُدُّوا الخَلَلَ» . رواه أبُو دَاوُد.\n\nفي هذا الحديث: الأمرُ بتوسيط الإِمام قدّام الصف، وسدّ فُرَجِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>١٩٥ - باب فضل السنن الراتبة مع الفرائض</span>\nوبيان أقلها وأكملها وما بينهما\n\n[١٠٩٧] عن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ حَبِيبَةَ رملة بِنْتِ أبي سُفْيَانَ رَضِيَ للهُ عَنهما، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي للهِ تَعَالى كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيرَ الفَرِيضَةِ، إلا بَنَى الله لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ، أو إلا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: الحث على صلاة التطوع، والمواظبة على هذا العدد المذكور كل يوم.","vol":"1","page":634},{"text":"[١٠٩٨] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رسول الله - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتْينِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَينِ بَعدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَينِ بَعدَ العِشَاءِ. متفقٌ عَلَيهِ.\n\nسكت عن ركعتي الصبح لما جاء عنه في الصحيح. وحدثتني حفصة: «أن النبي - ﷺ - كان يركع ركعتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر»، فالسنن المؤكدة عشر.\nوفي رواية: فأما المغرب والعشاء والفجر والجمعة ففي بيته.\nقال الحافظ: والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد، وإنما كان - ﷺ - يتشاغل بالناس في النهار غالبًا، وبالليل يكون في بيته غالبًا.\nقال ابن دقيق العيد: وفي تقديم السنن على الفرائض وتأخيرها عنها معنى لطيف مناسب: أما في التقديم؛ فلأن الإنسان يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها، فتتكيف النفس في ذلك بحال عديدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو روحها، فإذا قدمت السنن على الفريضة تأنَّست النفس بالعبادة، وتكيفت بحالة القرب من الخشوع، فيدخل في الفرائض على حالة حسنة. وأما السنن المتأخرة، فلما ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض.\n\n[١٠٩٩] وعن عبد الله بن مُغَفَّلٍ - ﵁ - قال: قال رَسُول اللهِ - ﷺ -: «بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاَةٌ، بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاَةٌ، بَيْنَ كل أذانين صلاة» . قال في الثَّالِثةِ: «لِمَنْ شَاءَ» . متفقٌ عَلَيهِ.","vol":"1","page":635},{"text":"المُرَادُ بِالأَذَانيْنِ: الأذَانُ وَالإقَامَةُ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب الصلاة بين الأذان والإقامة، وهذا عام مخصوص، فإن الوقت الذي بعد طلوع الفجر لا يصلى فيه إلا راتبة الفجر أو تحية المسجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>١٩٦ - باب تأكيد ركعتي سنّةِ الصبح</span>\n\n[١١٠٠] عن عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ لا يَدَعُ أرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\nقال الداودي: وقع في حديث ابن عمر أن قبل الظهر ركعتين، وفي حديث عائشة أربعًا، وهو محمول على أن كل واحد منهما وَصَف ما رأى.\nوقال الحافظ: كان تارة يصلي ركعتين، وتارة يصلي أربعًا.\nوقال الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها.\n\n[١١٠١] وعنها قالت: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أشَدَّ تَعَاهُدًَا مِنهُ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ. متفقٌ عَلَيهِ.\n[١١٠٢] وعنها عن النبي - ﷺ - قَالَ: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدنْيَا وَمَا فِيهَا» . رواه مسلم وفي رواية: «لَهُمَا أحَبُّ إليَّ مِنَ الدنْيَا جَمِيعًا» .\n\nفي هذا الحديث: دليلٌ على تأكيد ركعتي الفجر وعِظَم ثوابهما.","vol":"1","page":636},{"text":"[١١٠٣] وعن أبي عبد الله بلالِ بن رَبَاح - ﵁ - مُؤَذِّن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أنَّهُ أتَى رسول الله - ﷺ - لِيُؤْذِنَه بِصَلاةِ الغَدَاةِ، فَشَغَلَتْ عَائِشَةُ بِلالًا بِأَمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ، حَتَّى أصْبَحَ جِدًّا، فَقَامَ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ، وَتَابَعَ أذَانَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ رسول الله - ﷺ - فَلَمَّا خَرَجَ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَأخْبَرَهُ أنَّ عَائِشَةَ شَغَلَتْهُ بِأمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ حَتَّى أصْبَحَ جِدًّا، وَأنَّهُ أبْطَأَ عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ، فَقَالَ - يَعْنِي النَّبيَّ - ﷺ -: «إنِّي كُنْتُ رَكَعْتُ رَكْعْتَي الفَجْرِ» فقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ أصْبَحْتَ جِدًّا؟ فقَالَ: «لَوْ أصْبَحْتُ أكْثَرَ مِمَّا أصْبَحْتُ، لَرَكَعْتُهُمَا، وَأحْسَنْتُهُمَا وَأجْمَلْتُهُمَا» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.\n\nفي هذا الحديث: أن ركعتي الفجر لا تترك قبل الفرض ولو أسفر جدًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>١٩٧ - باب تخفيف ركعتي الفجر</span>\nوبيان مَا يقرأ فيهما وبيان وقتهما\n\n[١١٠٤] عن عائشة ﵂: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإقَامَةِ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ. متفقٌ عَلَيهِ.\nوفي روايَةٍ لَهُمَا: يُصَلِّي رَكْعَتَي الفَجْرِ، إذا سمع الأذان فَيُخَفِّفُهُمَا حَتَّى أقُولَ: هَلْ قَرَأَ فِيهما بِأُمِّ القُرْآنِ.\nوفي رواية لمسلم: كَانَ يُصلِّي رَكْعَتَي الفَجْرِ إذَا سَمِعَ الأذَانَ وَيُخَفِّفُهُمَا.\nوفي رواية: إذَا طَلَعَ الفَجْرُ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب تخفيف ركعتي الفجر.","vol":"1","page":637},{"text":"[١١٠٥] وعن حفصة ﵂: أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إذَا أذَّنَ المُؤَذِّنُ لِلْصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. متفقٌ عَلَيهِ.\nوفي رواية لمسلم: كَانَ رسول الله - ﷺ - إذَا طَلَعَ الفَجْرُ لا يُصَلِّي إلا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.\n\nاختلف في حكمة تخفيف ركعتي الفجر، فقيل: ليبادر إلى صلاة الصبح في أول الوقت. وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما كان يصنع في صلاة الليل ليدخل في الصلاة بنشاط.\n\n[١١٠٦] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صلاةِ الغَدَاةِ، وَكَأنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ. متفقٌ عَلَيهِ.\n\nالمراد بالأذان هنا: الإقامة، والمعنى: أنه كان يسرع في ركعتي الفجر إسراع من يسمع إقامة الصلاة.\n\n[١١٠٧] وعن ابن عباسٍ ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ في رَكْعَتَي الفَجْرِ في الأُولَى مِنْهُمَا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية الَّتي في البقرة، وفي الآخِرَةِ مِنْهُمَا: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .\nوفي رواية: وفي الآخِرَةِ الَّتي في آل عِمْران: ﴿تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ . رواهما مسلم.","vol":"1","page":638},{"text":"قوله: ﴿وَاشْهَدْ بِأنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا وهم من أحد الرواة في الآية، ولفظها ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران (٦٤)] .\n\n[١١٠٨] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قرأ في رَكْعَتَي الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ . رَوَاهُ مُسلِمٌ.\n\n[١١٠٩] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: رَمَقْتُ النبي - ﷺ - شَهْرًا فَكَانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ . رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذه الأحاديث: استحباب قراءة هاتين السورتين في ركعتي الفجر والمداومة على ذلك، واستحباب قراءة: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ﴾ [البقرة (١٣٦)] الآية، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية، في بعض الأحيان إتباعًا للسنَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>١٩٨ - باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر</span>\nعَلَى جنبه الأيمن والحث عليه\nسواءٌ كَانَ تَهَجَّدَ بِاللَّيْلِ أمْ لا\n\n[١١١٠] عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النبيُّ - ﷺ - إذَا صَلَّى ركعتي الفجر، اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَن. رَوَاهُ البُخَارِي.","vol":"1","page":639},{"text":"في هذا الحديث: استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر لمن تهجَّد بالليل ليستريح من التعب، ويتنشط لصلاة الفجر.\n[١١١١] وعنها قالت: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاَةِ العِشَاءِ إلَى الفَجْرِ إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الفَجْرُ، وَجَاءهُ المُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، هكَذَا حَتَّى يأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ. رَوَاهُ مُسلِم.\nقَوْلُهَا: «يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» هكَذَا هو في مسلمٍ ومعناه: بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْن.\n\n[١١١٢] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: «إذا صَلَّى أحَدُكُمْ رَكْعَتَي الفَجْرِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ» . رواه أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقال ابن القيم في (الهدي): وسمعت ابن تيمية يقول: هذا ليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه.\nوعن ابن جريج، أن عائشة ﵂ كانت تقول: إن النبي - ﷺ - لم يكن يضطجع لسنَّة، ولكنه كان يدأب ليلته فيستريح. قال: وكان ابن عمر يحصبهم إذا رآهم يضطجعون على أيمانهم.","vol":"1","page":640},{"text":"وقد غلا في هذه الضجعة طائفتان فأوجبها جماعة من أهل الظاهر، وكرهها جماعة من الفقهاء، وتوسط فيها مالك وغيره فلم يروا بأسًا لمن فعلها راحة، وكرهوها لمن فعلها استنانًا. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>١٩٩ - باب سنة الظهر</span>\n\n[١١١٣] عن ابن عمر ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا. متفقٌ عَلَيهِ.\nالأربع المذكورة في هذا الحديث من الرواتب العشر.\n\n[١١١٤] وعن عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ لا يَدَعُ أرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب المداومة على أربع ركعاتٍ قبل الظهر.\n\n[١١١٥] وعنها قالت: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي في بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ المَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ العِشَاءِ، وَيَدْخُلُ بَيتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسلِم.\n\nفي هذا الحديث: مداومته - ﷺ - على أربع ركعات قبل الظهر مع الرواتب.\n\n[١١١٦] وعن أُمّ حَبِيبَةَ ﵂ قالت: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ... «مَنْ حَافَظَ عَلَى أرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى","vol":"1","page":641},{"text":"النَّارِ» . رواه أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: فضل المحافظة على هذه السنَّة.\n\n[١١١٧] وعن عبد الله بن السائب - ﵁ - أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي أرْبَعًا بَعْدَ أنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وقَالَ: «إنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيها أبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أنْ يَصْعَدَ لِي فيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ» . رواه التِّرمِذِيُّ وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: استحباب أربع ركعات بعد الزوال.\n[١١١٨] وعن عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إذا لَمْ يُصَلِّ أربَعًا قَبلَ الظُّهْرِ، صَلاهُنَّ بَعْدَهَا. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: مشروعية قضاء الرواتب والاهتمام بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>٢٠٠ - باب سنة العصر</span>\n\n[١١١٩] عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: كَانَ النبيُّ - ﷺ - يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَفْصلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: مشروعية أربع ركعات قبل العصر واستحباب التسليم بينهن.\n\n[١١٢٠] وعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرءًا صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أرْبَعًا» . رواه أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .","vol":"1","page":642},{"text":"هذا الحديث يتناول فعلها موصولة ومفصولة.\nوفيه: إيماء إلى التبشير لمصليها بالموت على الإِسلام.\n\n[١١٢١] وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي قَبلَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح.\n\nلا مخالفة بين هذا الحديث وحديثه السابق؛ لأنه كان يصليها تارة أربعًا وتارةً ركعتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>٢٠١ - باب سنة المغرب بعدها وقبلها</span>\nتقدم في هذه الأبواب حديثُ ابن عمر وحديث عائشة، وهما صحيحان: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي بَعدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ.\n\nهذه الركعتان من الرواتب العشر.\n[١١٢٢] وعن عبد الله بن مُغَفَّل - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ» قال في الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ» . رواه البُخَارِيُّ.\n\nفي هذا الحديث: الحضُّ والتحريض على الاهتمام بها.\nوفي رواية: «ثم قال في الثالثة لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس ... سنة، أي: عزيمة لازمة.\n\n[١١٢٣] وعن أنس - ﵁ - قال: لَقَدْ رَأيْتُ كِبَارَ أصْحَابِ رسول الله - ﷺ - يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِندَ المَغْرِبِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.","vol":"1","page":643},{"text":"قوله: «يبتدرون السواري عند المغرب» . وفي لفظ: «يصلون ركعتين قبل االمغرب» . ولم يكن بين الأذان والإِقامة شيء.\n\n[١١٢٤] وعنه قَالَ: كُنَّا نصلِّي عَلَى عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ المَغْرِبِ، فَقِيلَ: أكَانَ رسولُ الله - ﷺ - صَلاهما؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. رواه مسلم.\n\nتقريره - ﷺ - على العبادة يدل على استحبابها.\n\n[١١٢٥] وعنه قَالَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فَإذَا أذَّنَ المُؤَذِّنُ لِصَلاَةِ المَغْرِبِ، ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ الغَريبَ لَيَدْخُلُ المَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أنَّ الصَّلاَةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا. رواه مسلم.\n\nهذه الأحاديث: واردة فيمن كان جالسًا في المسجد قبل غروب الشمس، وأما الذي يجيء بعد الغروب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد كما ورد ذلك في الحديث الصحيح.\nوقال البخاري: باب الصلاة قبل المغرب، وذكر حديث ابن مغفل، وحديث مرثد بن عبد الله اليزني قال: (أتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -. قلت: فما الذي يمنعك الآن؟ قال: الشغل) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>٢٠٢- باب سنة العشاء بعدها وقبلها</span>\nفِيهِ حديث ابن عمر السابق: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ","vol":"1","page":644},{"text":"العِشَاءِ، وحديث عبد الله بن مُغَفَّلٍ: «بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاةٌ» متفق عَلَيْهِ. كما سبق.\n\nالركعتان بعد العشاء من السنن الرواتب المؤكدة، واللتان قبلها من السنن المستحبات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>٢٠٣- باب سنة الجمعة</span>\n\nفِيهِ حَديث ابن عمر السابق أنَّه صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمعَةِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[١١٢٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُم الجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أرْبعًا» . رواه مسلم.\n\n[١١٢٧] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ لا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ في بَيْتِهِ. رواه مسلم.\n\nقال البخاري: باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها، وذكر حديث ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين.\nقال الحافظ: لم يذكر البخاري شيئًا في الصلاة قبلها، والذي يظهر أنه أشار إلى ما رواه أبو دود عن نافع قال: (كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل","vol":"1","page":645},{"text":"الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدِّث أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك) .\nوقال ابن التين: لعل البخاري أراد إثباتها قياسًا على الظهر.\nقال الحافظ: وأقوى ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا: «ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان»، ومثله حديث عبد الله بن مغفل: «بين كل أذانين صلاة» . انتهى ملخصًا.\nقوله: «إذا صلَّى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا» . اقتصاره - ﷺ - على ركعتين لا ينافي مشروعية الأربع. قال ابن عربي: إن أمره - ﷺ - لمن يصلي بعد الجمعة بأربع، لئلا يخطر على بال جاهل أنه صلَّى ركعتين لتكملة الجمعة، ولئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>٢٠٤- باب استحباب جعل النوافل في البيت</span>\nسواء الراتبة وغيرها والأمر بالتحول للنافلة من موضع\nالفريضة أَو الفصل بينهما بكلام\n\n[١١٢٨] عن زيد بن ثابت - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ أفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ إِلا المَكْتُوبَةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: الحث على صلاة النافلة في البيت لتعود بركة الصلاة عليه وعلى أهل بيته.","vol":"1","page":646},{"text":"[١١٢٩] وعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلاَتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nأي: لا تجعلوا بيوتكم كالقبور بعدم الصلاة فيها. ولفظ النَّسائي، والترمذي: «صلوا في بيوتكم ولا تتركوا النوافل فيها» .\n\n[١١٣٠] وعن جابر - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا قَضَى أحَدُكُمْ صَلاَتَهُ في مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلاَتِهِ؛ فَإنَّ اللهَ جَاعِلٌ في بَيْتِهِ مِنْ صَلاَتِهِ خَيْرًا» . رواه مسلم.\nفيه: إيماء إلى طلب الإكثار من النوافل.\n\n[١١٣١] وعن عمر بن عطاءٍ: أنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ ابن أُخْتِ نَمِرٍ يَسأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ في الصَّلاَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، صَلَّيْتُ مَعَهُ الجُمُعَةَ في المَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإمَامُ، قُمْتُ في مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إلَيَّ، فَقال: لا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ. إِذَا صَلَّيْتَ الجُمُعَةَ فَلا تَصِلْهَا بِصَلاةٍ حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ؛ فَإنَّ رسولَ الله - ﷺ - أمَرَنَا بِذلِكَ، أن لا نُوصِلَ صَلاَةً بِصَلاَةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ. رواه مسلم.\n\nالمقصورة: الحجرة، وأول من عملها معاوية حين ضربه الخارجيُّ.\nقال القاضي: واختلفوا في المقصورة فأجازها كثير من السلف وصلَّوا فيها.","vol":"1","page":647},{"text":"وفي الحديث: النهي عن وصل النافلة بالفريضة قبل الكلام، والتحول من موضعها. وفيه: لزوم الأدب مع أهل الفضل، وحسن الإنكار.\nقال الشافعي: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه جهرًا فقد فضحه وشانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>٢٠٥- باب الحث عَلَى صلاة الوتر</span>\nوبيان أنه سنة مؤكدة وبيان وقته\n\n[١١٣٢] عن عليٍّ - ﵁ - قال: الوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَصَلاَةِ المَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سَنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أهْلَ القُرْآنِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: أن الوتر سنَّة مؤكدة وليس بفرض.\nقال الخطابي: تخصيصه أهل القرآن بالأمر به يدل على عدم وجوبه.\n[١١٣٣] وعن عائشة ﵂ قالت: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رسول الله - ﷺ - مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَمِنْ أوْسَطِهِ، وَمِنْ آخِرِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: جواز الوتر فيما بين صلاة العشاء، إلى طلوع الفجر.\n\n[١١٣٤] وعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: استحباب صلاة الوتر بعد جميع صلاة الليل.","vol":"1","page":648},{"text":"[١١٣٥] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «أوْتِرُوا قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا» . رواه مسلم.\n\nآخر وقت الوتر الاختياري طلوع الفجر، ووقت الضرورة إلى صلاة الفجر لقول النبي - ﷺ -: «من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح أو ذكر» .\n\n[١١٣٦] وعن عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي صَلاَتَهُ باللَّيْلِ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإذَا بَقِيَ الوِتْرُ، أيْقَظَهَا فَأوْتَرتْ. رواه مسلم.\nوفي روايةٍ لَهُ: فَإذَا بَقِيَ الوِتْرُ، قَالَ: «قُومِي فَأوتِري يَا عائِشَةُ» .\n\nفيه: طلب المبادرة بالوتر لئلا يغلب عليه كسل النوم فيفوته الوتر.\n\n[١١٣٧] وعن ابن عمرَ ﵄: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالوِتْرِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: الأمرُ بالمبادرة بفعل الوتر قبل طلوع الفجر.\n[١١٣٨] وعن جابر - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ خَافَ أنْ لا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيلِ، فَإنَّ صَلاَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وذَلِكَ أفْضَلُ» . رواه مسلم.\n\nصلاة آخر الليل أفضل من أوله لشهود الملائكة لها، ولقول النبي - ﷺ -: «","vol":"1","page":649},{"text":"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر. فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» .\nفإذا أوتر وأراد أن يصلي آخر الليل جاز له ذلك.\nولا يوتر ثانية لقول النبي - ﷺ -: «لا وتران في ليلة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>٢٠٦- باب فضل صلاة الضحى</span>\nوبيان أقلها وأكثرها وأوسطها، والحث عَلَى المحافظة عَلَيْهَا\n\n[١١٣٩] عن أَبي هريرة - ﵁ - قال: أوْصَانِي خَلِيلي - ﷺ - بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأنْ أُوتِرَ قَبْلَ أنْ أرْقُدَ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nوَالإيتَارُ قَبْلَ النَّوْمِ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لا يَثِقُ بِالاسْتِيقَاظِ آخِرَ اللَّيْلِ فَإنْ وَثِقَ، فَآخِرُ اللَّيْلِ أفْضَلُ.\n\nأوصاه - ﷺ - بالوتر أول الليل احتياطًا؛ لأنه قد لا يقوم آخر الليل فيفوته الوتر، وأوصاه بصيام ثلاثة أيام لأن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، وأوصاه بركعتي الضحى، لأنهما أقل ما يحصل به صلاته.\n[١١٤٠] وعن أَبي ذَرٍّ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «يُصْبحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدكُمْ صَدَقَةٌ: فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِن الضُّحَى» . رواه مسلم.","vol":"1","page":650},{"text":"السُلامى: المفصل.\nوفي الحديث: كمال شرف هذه الصلاة؛ لأنها تكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء، فإن الصلاة عملٌ لجميع أعضاء الجسد.\n\n[١١٤١] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى أرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ الله. رواه مسلم.\n\nفي الحديث: إثبات صلاة الضحى بفعل النبي - ﷺ - كما ثبت بقوله.\n\n[١١٤٢] وعن أُمِّ هَانِىءٍ فاختة بنت أَبي طالب ﵂، قالت: ذَهَبْتُ إِلَى رسول الله - ﷺ - عَامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، وَذَلِكَ ضُحىً. متفقٌ عَلَيْهِ. وهذا مختصرُ لفظِ إحدى روايات مسلم.\n\nعُلم باستقراء الأحاديث أنه - ﷺ - لم يزد على الثمان في صلاة الضحى، ولم يرغب في أكثر من اثنتي عشرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>٢٠٧- باب تجويز صلاة الضحى من ارتفاع</span>\nالشمس إِلَى زوالها والأفضل أن تُصلَّى عِنْدَ\nاشتداد الحر وارتفاع الضحى\n\n[١١٤٣] عن زيد بن أَرْقَم - ﵁ - أنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، فَقَالَ: أمَا لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ الصَّلاَةَ في غَيْرِ هذِهِ السَّاعَةِ أفْضَلُ، إنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «صَلاَةُ الأَوَّابِينَ حِيْنَ تَرْمَضُ الفِصَالُ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":651},{"text":"«تَرْمَضُ» بفتح التاء والميم وبالضاد المعجمة، يعني: شدة الحر.\nوَ«الفِصَالُ» جَمْعُ فَصِيلٍ وَهُوَ: الصَّغيرُ مِنَ الإبِلِ.\n\nالأوَّابون: الرجَّاعون من الذنوب والغفلة، إلى التوبة والاستغفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>٢٠٨- باب الحث عَلَى صلاة تحية المسجد</span>\nوكراهة الجلوس قبل أن يصلي ركعتين في أي وقت دخل\nوسواء صلَّى ركعتين بنية التَّحِيَّةِ أَوْ صلاة فريضة أَوْ سنة راتبة أَوْ غيرها\n\n[١١٤٤] عن أَبي قتادة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: دليل على استحباب صلاة تحية المسجد، واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب.\nقال الطحاوي: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها.\nقال الحافظ: هما عمومان تعارضا: الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة فلا بد من تخصيص أحد العمومين، انتهى.\nوالأحوط أنه لا يصلي التحية بعد صلاة العصر، ولا صلاة الفجر؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد الصبح والعصر.\n\n[١١٤٥] وعن جابرٍ - ﵁ - قال: أَتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - وَهُوَ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":652},{"text":"في هذا الحديث: أمرُ من دخل المسجد بصلاة ركعتين وإنْ جلس، كما روى مسلم من حديث أبي قتادة: أنه دخل المسجد فوجد النبي - ﷺ - جالسًا بين أصحابه، فجلس معهم، فقال له: «ما منعك أن تركع»؟ . قال: رأيتك جالسًا والناس جلوس، قال: «فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>٢٠٩- باب استحباب ركعتين بعد الوضوء</span>\n[١١٤٦] عن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ لِبِلاَلٍ: «يَا بِلاَلُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإسْلاَمِ، فَإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ»؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أرْجَى عِنْدي مِنْ أَنِّي لَمْ أتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أنْ أُصَلِّي. متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ البخاري.\n«الدَّفُّ» بالفاءِ: صَوْتُ النَّعْلِ وَحَرَكَتُهُ عَلَى الأَرْضِ، واللهُ أعْلَم.\n\nفي هذا الحديث: استحباب الصلاة بعد كل وضوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>٢١٠- باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لَهَا</span>\nوالتطّيب والتبكير إِلَيْهَا والدعاء يوم الجمعة والصلاة\nعَلَى النبي - ﷺ -. فِيهِ بيان ساعة الإجابة\nواستحباب إكثار ذكر الله تعالى بعد الجمعة\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ، وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ، وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة (١٠)] .\n\nعن قتادة في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة (٩)] . قال: فالسعي: أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها. وكان عمر بن الخطاب يقرأ: فامضوا إلى ذكر.","vol":"1","page":653},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ يعني: الرزق. وهذا أمر إباحة.\nقال ابن عباس: إن شئت فاخرج، وإن شئت فاقعد، وإن شئت فصلِّ إلى العصر، وكان عراك بن مالك ﵁، إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللَّهُمَّ إني أجبت دعوتك، وصلَّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، أي: في حال بيعكم، وشرائكم، وأخذكم، وإعطائكم، ولا تشغلكم الدنيا عما ينفعكم في الآخرة، ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، أي: تفوزون.\n\n[١١٤٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «خَيْرُ يَومٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فضل يوم الجمعة على بقية الأسبوع.\nوفيه: بيان ما وقع فيه وما سيقع من الأمور العظام. وفي رواية: «وفيه قبض، وفيه تقوم الساعة» .\n\n[١١٤٨] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ أتَى الجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وأنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ وَزِيادَةُ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الحَصَى، فَقَدْ لَغَا» . رواه مسلم.\n\nقوله: «وزيادة ثلاثة أيام»، لأن الحسنة بعشر أمثالها.\nوقوله: «من مس الحصى فقد لغا» أي: ومن لغا فلا جمعة له.","vol":"1","page":654},{"text":"وفي الحديث: النهي عن العبث في حال الخطبة.\nوفيه: إشارة إلى الحض على إقبال القلب والجوارح على الخطبة.\n\n[١١٤٩] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّراتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» . رواه مسلم.\nيشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء (٣١)] .\n[١١٥٠] وعنه وعن ابن عمر - ﵃ -: أنهما سَمعَا رسول الله - ﷺ - يقولُ عَلَى أعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونَنَّ مِنَ الغَافِلِينَ» . رواه مسلم.\nفيه: وعيد شديد لمن ترك الجمعة لغير عذر شرعي.\n[١١٥١] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: الأمر باغتسال يوم الجمعة لمن أتى إليها.\n\n[١١٥٢] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nالمراد بِالمُحْتَلِمِ: البَالِغُ. وَالمُرادُ بِالوُجُوبِ: وُجُوبُ اخْتِيارٍ، كَقولِ الرَّجُلِ لِصَاحِبهِ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ. واللهُ أعلم.","vol":"1","page":655},{"text":"في هذا الحديث: مشروعية الاغتسال يوم الجمعة، ويتأكد على من له عرق، أو ريح يتأذى به الناس.\n[١١٥٣] وعن سَمُرَةَ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فبِها وَنِعْمَتْ وَمَن اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أفْضَلُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقوله: «فبها ونعمت»، أي: فبالرخصة أخذ، ونعمت الرخصة.\nوفيه: دليل على أن غسل الجمعة ليس بفرض، وهو قول الجمهور.\n[١١٥٤] وعن سَلمَان - ﵁ - قال: قَالَ رسول اللهِ - ﷺ -: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِن طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: استحباب الغسل، والتنظيف والتطيب يوم الجمعة، واستحباب التبكبير لئلا يتخطى رقاب الناس ولا يُفَرَّق بينهم. واستحباب الصلاة قبل الجمعة. ومشروعية الإنصات إذا خطب الإمام.\nوفيه: الوعد بالمغفرة لمن فعل ذلك.\n\n[١١٥٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَن اغْتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ في الساعة الأولى فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في الساعة الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ","vol":"1","page":656},{"text":"الرَّابِعَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ، حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nقَوْله: «غُسْلُ الجَنَابَةِ» أيْ غُسلًا كغُسْلِ الجَنَابَةِ في الصِّفَةِ.\n\nراح: أي ذهب، وأول الساعات ارتفاع الشمس.\nقوله: «فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة»، لفظ مسلم: «فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر» .\nولابن خزيمة: «على كل باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الأول فالأول» . وفي الحلية: «إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور وأقلام من نور» ولابن خزيمة: «فيقول بعض الملائكة لبعض: ما حبس فلانًا؟ فيقول: اللَّهُمَّ إن كان ضالًا فاهده، وإن كان فقيرًا فأغنه، وإن كان مريضًا فعافه» .\n\n[١١٥٦] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: «فِيهَا سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْألُ اللهَ شَيْئًا، إِلا أعْطَاهُ إيّاهُ» . وَأشَارَ بيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: الحثُّ على الاجتهاد في الصلاة، والدعاء يوم الجمعة.\n\n[١١٥٧] وعن أَبي بُرْدَةَ بن أَبي موسى الأشعريِّ - ﵁ - قال: قَالَ عبد الله بن عمر ﵄: أسَمِعْتَ أبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رسول الله - ﷺ - في شأنِ سَاعَةِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ:","vol":"1","page":657},{"text":"سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «هِيَ مَا بَيْنَ أنْ يَجْلِسَ الإمَامُ إِلَى أنْ تُقْضَى الصَّلاةُ» . رواه مسلم.\n\nقال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها، حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال، قول عبد الله بن سلام: أنها آخر ساعة بعد العصر.\nقال الشارح: ولا يشكل على كلٍَّ من القولين. قوله: «يصلي» لأن المراد أنه منتظرها، وهو في حكم المصلي كما أجاب به ابن سلام ﵁.\n\n[١١٥٨] وعن أوس بن أوسٍ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ مِنْ أفْضَلِ أيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَأكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ؛ فَإنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\nفي الحديث: دليل على استحباب تكثير الصلاة على النبي - ﷺ - يوم الجمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>٢١١- باب استحباب سجود الشكر</span>\nعِنْدَ حصول نعمة ظاهرة أَو اندفاع بلية ظاهرة\n\n[١١٥٩] عن سعد بن أَبي وقاص - ﵁ - قال: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله - ﷺ - مِنْ مَكّةَ نُريدُ المَدِينَةَ، فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ عَزْوَرَاءَ نَزَلَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا الله سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، فَمَكَثَ طَويلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا - فَعَلَهُ ثَلاثًَا - وقال: «إنِّي سَألتُ رَبِّي، وَشَفَعْتُ لأُمَّتِي، فَأعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأسِي، فَسَألْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، فَأعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا","vol":"1","page":658},{"text":"لِرَبِّي شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأسِي، فَسَألْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، فَأعْطَانِي الثُّلثَ الآخَرَ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي» . رواه أَبُو داود.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية سجود الشكر.\nوفيه: استحباب رفع اليدين في الدعاء.\nوفيه: تكرير السجود بتكرر المقتضي له.\nوفيه: بشارة بأن جميع المؤمنين لا يخلدون في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>٢١٢- باب فضل قيام الليل</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء (٧٩)] .\n\nالتهجُّد: الصلاة في الليل وقراءة القرآن بعد النوم.\nوقوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾، أي: واجب عليك دون الأمة، قاله، ابن عباس.\nوالمقام المحمود: مقام الشفاعة يوم القيامة يحمده به الأولون والآخرون.\nوقال تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ﴾ [السجدة (١٦)] الآية.\nأي: يقومون لصلاة الليل وهم المتهجِّدون، وفي حديث معاذ عن ... النبي - ﷺ - ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة (١٦، ١٧)] الآية.\nوروى البغوي وغيره: أنَّ النبي - ﷺ - قال: من صلَّى العشاء في جماعة، كان كمن قام نصف ليلة، ومن صلَّى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» .","vol":"1","page":659},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات (١٧)] .\n\nأي: كان هجوعهم قليلًا من الليل.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يَا أبا أسامة، صفة لا أجدها فينا، ذكر الله تعالى قومًا فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، ونحن والله قليلًا من الليل ما نقوم، فقال له أبي ﵁: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ.\n\n[١١٦٠] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النبيُّ - ﷺ - يَقومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا، يَا رَسُولَ الله، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ؟ قَالَ: «أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» ! . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوَعَن المُغِيرَةِ بن شُعبة نَحْوهُ متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nهذا السؤال من عائشة عن حكمة التشمر والدأب في الطاعة، وهو مغفور له، فبين - ﷺ - أنه فعل ذلك شكرًا لله ﷿.\n[١١٦١] وعن علي - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ لَيْلًا، فَقَالَ: «أَلا تُصَلِّيَانِ؟» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«طَرَقَهُ»: أتَاهُ لَيْلًا.\n\nوفي هذا الحديث: فضل صلاة الليل، لإيقاظه - ﷺ - لعلي وفاطمة من نومهما للصلاة، واختياره لهما تلك الفضيلة على الدعة والسكون.","vol":"1","page":660},{"text":"[١١٦٢] وعن سالم بن عبدِ الله بن عمر بن الخطاب - ﵃ - عن أبيِهِ: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ» . قَالَ سالِم: فَكَانَ عَبدُ اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَنامُ مِنَ اللَّيلِ إِلا قَلِيلًا. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nهذا الحديث: له قصة، وهي أن ابن عمر قال: إن رجالًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله - ﷺ - فيقصونها على رسول الله - ﷺ - فيقول فيها رسول الله - ﷺ - ما شاء الله، وأنا غلام حديث السَّنَّ وبيتي المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء.\nفلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم فيَّ خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحدٍ منهما مقمعة من حديد يقبلا بي إلى جهنم وأنا بينهما، أدعوا الله: اللَّهُمَّ أعوذ بك من جهنم، ثم أُراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد. فقال: لن تراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرن البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالًا معلقين بالسلاسل رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات يمين، فقصصتها على حفصة فقصّتها حفصة على رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: «إن عبد الله رجل صالح» . فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة. وفي رواية: قال النبي - ﷺ -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» .\n\n[١١٦٣] وعن عبد الله بن عَمرو بن العاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَا عَبدَ اللهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ؛ كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":661},{"text":"فيه: كراهة قطع ما يعتاده الإنسان من أعمال البر لغير عذر.\n\n[١١٦٤] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قال: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبيِّ - ﷺ - رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أصْبَحَ، قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ في أُذُنَيْهِ» - أَوْ قَالَ: «في أُذُنِهِ» -. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: أن إهمال حق الله إنما ينشأ عن تمكن الشيطان من الإنسان، حتى يحول بينه وبين الأعمال الصالحة. قيل: كان رجل يكذب بهذا الحديث فنام حتى االفجر فقام والبول يسيل من أذنه.\n[١١٦٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أحَدِكُمْ، إِذَا هُوَ نَامَ، ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ، فَإن اسْتَيقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإنْ تَوَضّأ، انْحَلّتْ عُقدَةٌ، فَإنْ صَلَّى، انْحَلَّتْ عُقَدُهُ، فَأصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإلا أصْبحَ خَبيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«قافية الرَّأس»: آخِرُهُ.\n\nفي هذا الحديث: الحثُّ على قيام الليل، وعسف النفس حتى تذل وتخرج من وثاق الشيطان.\n\n[١١٦٦] وعن عبد الله بن سلام - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «أيُّهَا النَّاسُ: أفْشُوا السَّلامَ، وَأطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَمٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .","vol":"1","page":662},{"text":"في هذا الحديث: بشارة لمن فعل ذلك بدخول الجنة ابتداء بغير حساب ولا عذاب.\n\n[١١٦٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ: صَلاَةُ اللَّيْلِ» . رواه مسلم.\n\nفي صلاة الليل فوائد كثيرة، وخصائص في غيرها.\nمنها: أنه وقت السكون، والخشوع، والخضوع، مع ما فيه من البعد عن الرياء.\nومنها: نزول الرب ﷾ إلى السماء الدينا.\nومنها: تواطؤ القلب واللسان على القراءة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل (٦)] .\n[١١٦٨] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «مثنى مثنى»، أي: ركعتان، ركعتان، أي: يسلم من كل ركعتين، ويوتر بركعة واحدة، ويجوز الوصل كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة.\n\n[١١٦٩] وعنه قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[١١٧٠] وعن أنس - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لا يُفْطِرَ مِنْهُ","vol":"1","page":663},{"text":"شَيْئًا، وَكَانَ لا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيلِ مُصَلِّيًا إِلا رَأيْتَهُ، وَلا نَائِمًا إِلا رَأيْتَهُ. رواه البخاري.\n\nقال الحافظ: لم يكن لتهجده وقت معين بل بحسب ما يتيسر له القيام.\n\n[١١٧١] وعن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً - تَعْنِي في اللَّيلِ - يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ المُنَادِي للصَلاَةِ. رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية تطويل صلاة الليل في قيامها وركوعها وسجودها.\n[١١٧٢] وعنها قالت: مَا كَانَ رسول الله - ﷺ - يَزيدُ - في رَمَضَانَ وَلا في غَيْرِهِ - عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصَلِّي أرْبَعًا فَلا تَسْألْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أرْبَعًا فَلا تَسْألْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا. فَقُلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أتَنَامُ قَبْلَ أنْ تُوتِرَ؟ فَقال: «يَا عَائِشَة، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلْبِي» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: أنه - ﷺ - يديم التهجُّد في رمضان وفي غيره، ولكنه إذا أراد الزيادة أطال الصلاة.\nوفيه: أنه لا ينبغي النوم قبل الوتر، إلا لمن وثق بالقيام.","vol":"1","page":664},{"text":"[١١٧٣] وعنها أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يَنَامُ أوّلَ اللَّيلِ، وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: أن غالب أحواله - ﷺ - نوم أول الليل وقيام آخره.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل (١: ٤)] .\n\n[١١٧٤] وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْر سوءٍ! قيلَ: مَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أنْ أجِلْسَ وَأدَعَهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية تطويل القيام في صلاة الليل.\n[١١٧٥] وعن حذيفة - ﵁ - قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ البَقرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المئَةِ، ثُمَّ مَضَى، فقلتُ: يُصَلِّي بِهَا في رَكْعَةٍ فَمَضَى، فقلتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقرَأُ مُتَرَسِّلًا: إِذَا مَرَّ بآيةٍ فِيهَا تَسبيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ» فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» ثُمَّ قَامَ طَويلًا قَريبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَكَانَ سجُودُهُ قَريبًا مِنْ قِيَامِهِ. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية التطويل في جميع أركان صلاة الليل،","vol":"1","page":665},{"text":"قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر (٩)] .\n\n[١١٧٦] وعن جابر - ﵁ - قال: سُئِلَ رسولُ الله - ﷺ - أيُّ الصَّلاَةِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ القُنُوتِ» . رواه مسلم.\nالمراد بـ «القنوتِ»: القِيام.\n\nفي هذا الحديث: دليل على فضل تطويل القيام في صلاة الليل؛ لأنه محل قراءة القرآن، ولأن النبي - ﷺ - كان يطول القيام في الليل، أكثر من تطويل السجود.\n[١١٧٧] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ صَلاةُ دَاوُدَ، وَأحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَومًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nكان عبد الله بن عمرو من المتعبِّدين، فأخبر النبي - ﷺ - أنه كان يقول: والله لأصومنَّ النهار، ولأقومنَّ الليل ما عشت، فقال له النبي - ﷺ -: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، ونم وقم ...» الحديث.\nقال الخطابي: محصل قصة عبد الله بن عمرو، أنَّ الله لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصَّر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه، ليستبقى بعض القوة في غيره.\nقال الحافظ: وفيها: النهي عن التعمق في العبادة لما يخشى من إفضائه إلى الملل أو ترك البعض.","vol":"1","page":666},{"text":"قال المهلب: كان داود ﵇ يجم نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: هل من سائل فأعطيه سؤاله، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل.\nوفيه: من المصلحة، استقبال صلاة الصبح وإذكار النهار بنشاط.\n\n[١١٧٨] وعن جابر - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ في اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْألُ الله تَعَالَى خَيْرًا مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلا أعْطَاهُ إيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» . رواه مسلم.\n\nفيه: الحثُّ على ادعاء في الليل، رجاء مصادفة ساعة الإِجابة وأحرى ما تكون في النصف الأخير.\n[١١٧٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلاَةَ بركْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» . رواه مسلم.\n\nقيل: الحكمة في هذه الركعتين إذهاب ما قد يبقى في الجسد من كسل النوم.\n\n[١١٨٠] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. رواه مسلم.\n\nثبتت هذه السنة بقول النبي - ﷺ - وبفعله.\n\n[١١٨١] وعنها ﵂ قالت: كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِن اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشرَةَ ركْعَةً. رواه مسلم.\n\nفيه: استحباب قضاء الفوائت من النوافل المؤقتة، وكانت صلاته - ﷺ - بالليل إحدى عشرة ركعة.","vol":"1","page":667},{"text":"[١١٨٢] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فيما بَيْنَ صَلاَةِ الفَجْرِ وصلاة الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأنَّمَا قَرَأهُ مِنَ اللَّيْلِ» . رواه مسلم.\n\nفيه: استحباب تدارك ما فات من النفل المؤقت.\n\n[١١٨٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى وَأيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإنْ أبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا المَاءَ، رَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ وَأيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإن أبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\nفي هذا الحديث: الحثُّ على التعاون على الطاعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه (١٣٢)] .\n\n[١١٨٤] وعنه وعن أَبي سعيدٍ ﵄ قالا: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا - أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، كُتِبَا في الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nفي هذا الحديث: فضيلة أمر الرجل أهله بصلاة النوافل والتطوعات كما في الفرض.\nوفي: مشروعية الجماعة فيها.\n\n[١١٨٥] وعن عائشة ﵂: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ في الصَّلاَةِ، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا","vol":"1","page":668},{"text":"صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: الندب إلى الرقاد إذا غلبه النعاس؛ لأن لب الصلاة الخشوع فيها، والحضور مع الله ﷿، وإنما يكون ذلك مع النشاط وصحة اللُّب، وسلامته من الكسل.\n\n[١١٨٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ القُرْآنَ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَلْيَضْطَجِع» . رواه مسلم.\n\nاستعجم: التبس، والمعنى: أن غلبة النعاس عليه تمنعه من تدبر القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>٢١٣- باب استحباب قيام رمضان وَهُوَ التراويح</span>\n\n[١١٨٧] عن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nالتراويح سنة، وهي عشرون ركعةً أو أقل أو أكثر، وعشر ركعات إذا خشع فيها ورتل القراءة، أحسن من العشرين بلا خشوع ولا تدبر.\n\n[١١٨٨] وعنه - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يُرَغِّبُ في قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أنْ يَأمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فيقولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رواه مسلم.\n\nفيه: فضل صلاة التراويح، وأنها ليست بواجب. ولهذا صلاها رسول الله - ﷺ - ثلاث ليال، فلما كثر الناس في الثالثة حتى غص المسجد، تركها خوفًا من أن تفرض عليهم.","vol":"1","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>٢١٤- باب فضل قيام ليلة القدر وبيان أرجى لياليها</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر (١)] إِلَى آخرِ السورة.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، أي: القرآن، ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، أي: الفضل والشرف، وهي ليلة يقدِّر الله فيها أمر السنَّة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة.\nقيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدَّر لله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: نعم، قيل: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سَوْقُ المقادير التي خلقها إلى المواقيت تنفيذ القضاء المقدَّر.\nقال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزَّة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة.\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ تعظيم لشأنها.\n﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، أي: العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر.\n﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾، أي: جبريل فيها.\n﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ مع نزول البركة والرحمة.\n﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، أي: لأجل كل أمر قُدِّر في تلك السنة.\n﴿سَلامٌ هِيَ﴾، أي: ليلة القدر، سلام وخير من كلها ليس فيها شر.\nوقال مجاهد: يعني أن ليلة القدر سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أن يحدث فيها أذى.\n﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، أي: إلى مطلع الفجر.\nوقال الشعبي: تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد حتى يطلع الفجر.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الآياتِ [الدخان (٣)] .\n\nوتمامها: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا","vol":"1","page":670},{"text":"مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *﴾ [الدخان (٣: ٦)] .\n\n[١١٨٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: أن من قام ليلة القدر مؤمنًا بها ومحتسبًا العمل فيها، أنه يرجى له مغفرة ذنوبه.\n\n[١١٩٠] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رِجالًا مِنْ أصْحَابِ النبيِّ - ﷺ - أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المَنَامِ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: ... «أرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ في السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال الحافظ: في الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية، بشرط أن لا تخالف القواعد الشرعية.\n[١١٩١] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يُجَاوِرُ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، ويقول: «تَحرَّوا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخرِ منْ رَمَضانَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «يجاور»، أي: يعتكف في العشر الأواخر يتحرى ليلة القدر فيها.\n\n[١١٩٢] وعنها ﵂: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوَتْرِ مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» . رواه البخاري.","vol":"1","page":671},{"text":"قوله: «في الوتر» أي: الحادية والعشرين، والثالثة، والخامسة، والسابعة، والتاسعة.\nقال الحافظ: ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخير منه، ثم في أوتاره لا في ليلة بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها. وقال بعد ما ذكر الاختلاف فيها على ستة وأربعين قولًا: وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وإنما تنتقل، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبعة وعشرين.\n\n[١١٩٣] وعنها ﵂ قالت: كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا دَخَلَ العَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ، أحْيَا اللَّيْلَ، وَأيْقَظَ أهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ المِئزَرَ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب إحياء ليالي العشر بالصلاة والذكر والفكر وأنواع العابدات.\nوفيه: استحباب إيقاظ الأهل، وبذل الجهد في الطاعة، واعتزال النساء في ليالي العشر ليتقوَّى على العبادة.\n\n[١١٩٤] وعنها قالت: كَانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَجْتَهِدُ في رَمَضَانَ مَا لا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ، وَفِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْهُ مَا لا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ. رواه مسلم.\n\nفيه: دليل على استحباب زيادة الاجتهاد بالعمل في رمضان على غيره من الشهور، وفي العشر الأواخر منه على العشرين لكون ليلة القدر فيها.\n[١١٩٥] وعنها قالت: قُلْتُ: يَا رسول الله، أرَأيْتَ إنْ عَلِمْتُ أيُّ","vol":"1","page":672},{"text":"لَيلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنّي» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: إيماء إلى أن أهم المطالب، انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب، وطهارته من دنس العيوب.\nقال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد، وفي التماسها بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها، كما تقدم نحوه في ساعة الجمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>٢١٥- باب فضل السواك وخصال الفطرة</span>\n\n[١١٩٦] عن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالسواك سنة بالإجماع. وهو مشروع في كل وقت، ويتأكَّد عند الصلاة، والوضوء، وقراءة القرآن، والانتباه من النوم، وتغير الفم.\nقوله: «لأمرتهم» يعني أمر إيجاب. وللنسائي: «لفرض عليهم السواك مع كل وضوء» .\n\n[١١٩٧] وعن حُذَيْفَةَ - ﵁ - قال: كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا قَامَ مِن الليل يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n«الشَّوْصُ»: الدَّلْكُ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب السواك عند القيام من النوم؛ لأنه مقتضي لتغير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة. والسواك آلة تنظيفه.","vol":"1","page":673},{"text":"[١١٩٨] وعن عائشة ﵂ قالت: كُنَّا نُعِدُّ لِرسولِ الله - ﷺ - سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوضَّأُ وَيُصَلِّي. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية السواك قبل الوضوء.\n[١١٩٩] وعن أنس - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ في السِّوَاكِ» . رواه البخاري.\n\nفيه: الترغيب في السواك، لمبالغته - ﷺ - في بيان فضله.\n\n[١٢٠٠] وعن شريح بن هانئٍ، قَالَ: قلت لعائشة ﵂: بأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قالت: بِالسِّوَاكِ. رواه مسلم.\n\nفيه: ندب السواك عند دخول المنزل.\n\n[١٢٠١] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: دَخلتُ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلمٍ.\n\nفي رواية: أتيتُ النبي - ﷺ - وهو يستاك بسواك رطب. قال: وطرف السواك على لسانه وهو يقول: «أع أع»، والسواك في فيه كأنه يتهوع.\nقال الحافظ: ويستفاد منه مشروعية السواك على اللِّسان طولًا، أما الأسنان فالأحب فيها أن تكون عرضًا.","vol":"1","page":674},{"text":"وفيه: تأكيد السواك، وأنه لا يختص بالأسنان، وأنه من باب التنظيف والتطيب، لا من باب إزالة القاذورات، لكونه - ﷺ - لم يختف به، وبَوَّبُوا عليه استياك الإمام بحضرة رعيته.\n\n[١٢٠٢] وعن عائشة ﵂ أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ للرَّبِّ» . رواه النسائي وابنُ خُزَيْمَةَ في صحيحهِ بأسانيدَ صحيحةٍ. وذكر البخاري ﵀ في صحيحه هذا الحديث تعليقًا بصيغة الجزم وقال: وقالت عائشة ﵂.\n\nفي هذا الحديث: فضل السواك، وفي السواك فوائد دينية ودنيوية. وذكر بعض العلماء، أن السواك يورث السعة والغنى، ويطيب النهكة، ويشد اللثة، ويسكن الصداع، ويذهب وجع الضرس.\n[١٢٠٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، وَنَتْفُ الإبطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«الاستحْدَادُ»: حَلقُ العَانَةِ، وَهُوَ حَلْقُ الشَّعْرِ الَّذِي حَولَ الفَرْجِ.\n\nالفطرة: الجِبِلَّة التي خلق الله الناس عليها، وجبل طباعهم عليها والمراد هنا: السنَّة القديمة التي اختارها الأنبياء.\nوالحصر في قوله: «الفطرة خمسٌ» مبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة. كقوله: «الدين النصيحة»، و«الحج عرفة» .\n\n[١٢٠٤] وعن عائشة ﵂ قالت: قَالَ رسول الله - ﷺ -: ... «عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ","vol":"1","page":675},{"text":"المَاءِ، وَقَصُّ الأظْفَارِ، وَغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَنَتف الإبْطِ، وَحَلْقُ العَانَةِ، وَانْتِقَاصُ المَاءِ» قَالَ الرَّاوِي: وَنَسِيْتُ العَاشِرَةَ إِلا أنْ تَكُونَ المَضمَضَةُ. قَالَ وَكِيعٌ - وَهُوَ أحَدُ رُواتِهِ - انْتِقَاصُ المَاءِ: يَعْنِي الاسْتِنْجَاءِ. رواه مسلم.\n«البَرَاجِم» بالباء الموحدةِ والجِيم: وهي عُقَدُ الأَصَابِعِ، وَ«إعْفَاءُ اللِّحْيَةِ» مَعْنَاهُ: لا يَقُصُّ مِنْهَا شَيْئًا.\n\nقال العلماء: ويكره في اللِّحية خصال، بعضها أشد قبحًا من بعض: خضابها بالسواد، وتبييضها بالكبريت، ونتفها وتصفيفها طاقة فوق طاقة، والزيادة فيها، والنقص منها بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين، أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس، وعقدها، وضفرها، وحلقها.\n\n[١٢٠٥] وعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «أحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأعْفُوا اللِّحَى» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nقوله: «أحفوا الشوارب» . قال النووي: أي: أحفوا ما طال منها على الشفتين، و«أعفوا اللِّحى»، أي: وفروا.\nقال النووي: حصل من مجموع روايات هذا اللفظ في الصحيحين خمس روايات: «أعفوا»، و«أوفوا»، و«أرخوا»، و«أرجوا»، ... و«وفروا» . ومعناها كلها: تركها على حالها.\nوعن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» رواه أحمد، والنسائي، والترمذي.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «جزُّوا الشوارب","vol":"1","page":676},{"text":"وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوعن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ -: «خالفوا المشركين وفِّروا اللِّحى، وأحفوا الشوارب» . متفق عليه. وكان ابن عمر إذا حجَّ أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه.\nوعن عائشة ﵂، أنَّ النبي - ﷺ - أبصر رجلًا وشاربه طويل، فقال: «ائتوني بمقص وسواك»، فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه.\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: (وقَّت لنا رسول الله - ﷺ - في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة) . رواه الخمسة إلا ابن ماجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>٢١٦- باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وَمَا يتعلق بِهَا</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة (٤٣)] .\n\nفي هذه الآية: دليل على عظم شأن الزكاة لقرن إعطائها بإقامة الصلاة.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة (٥)] .\n\nقوله: ﴿حُنَفَاء﴾، أي: مائلين عن كل دين باطل إلى دين الملَّة المستقيمة وهو الإسلام.\nوقال تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة (١٠٣)] .","vol":"1","page":677},{"text":"هذه الآية: نزلت في أبي لبابة وأناس من الصحابة تأخروا عن الجهاد كسلًا، وهي عامة في جميع المؤمنين.\nوقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، أي: ادع لهم، ولهذا يستحب للساعي أن يقول للمتصدق: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت.\nوعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي - ﷺ - إذا أُتي بصدقة قوم صلَّى عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهُمَّ صلِّ على آل أبي أوفى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n[١٢٠٦] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «بُنِيَ الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإقَامِ الصَّلاَةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nهذا الحديث: أصل عظيم في معرفة الإِسلام، وقوله: «على خمس»، أي: دعائم، وفي رواية: «خمسة أركان» .\nوالشهادتان خصلة واحدة، فمثَّل الإِسلام بالبنيان الذي لا يثبت إلا على خمس دائم، وبقية خصاله كتتمة البنيان.\nقال عطاء الخرساني: الزكاة طهور من الذنوب، ولا يقبل الله الإِيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة.\n[١٢٠٧] وعن طَلْحَةَ بن عبيد الله - ﵁ - قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله - ﷺ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأسِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رسول الله - ﷺ - فَإذا هُوَ يَسألُ عَنِ","vol":"1","page":678},{"text":"الإسْلاَم، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «خَمْسُ صَلَواتٍ في اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: «لا، إِلا أنْ تَطَّوَّعَ» فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «وَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لا، إِلا أنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رسول الله - ﷺ - الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا، إِلا أنْ تَطَّوَّعَ» فَأدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لا أُزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا أنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «أفْلَحَ إنْ صَدَقَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي رواية للبخاري قال: فأخبره رسول الله - ﷺ - بشرائع الإِسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا.\nقال النووي: أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه كان مفلحًا.\n[١٢٠٨] وعن ابن عباس - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - بعث مُعاذًا - ﵁ - إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَأنِّي رسول اللهِ، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أن اللهَ تَعَالَى، افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، وتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nبدأ بالدعاء إلى الشهادتين لأنهما أساس الإِسلام.\nوفيه: البداءة بالأهم فالأهم.\nوفيه: جواز إخراج الزكاة في صنف واحد.","vol":"1","page":679},{"text":"وفيه: أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإِضافة الصدقة إلى المال.\nولم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث؛ لأن الكلام في الدعاء إلى الإِسلام، فاكتفىى بالأركان الثلاثة لأن كلمة الإِسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإِنسان من حب المال، فإذا أذعن لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل بالنسبة إليها، والله أعلم.\n\n[١٢٠٩] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا رسول الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِني دِمَاءهُمْ وَأمْوَالَهُمْ، إِلا بِحَقِّ الإسْلاَمِ، وَحِسَابُهُم عَلَى الله» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يمتنع قتالهما فيقتل بإخراج الصلاة عن وقت الضرورة إن لم يتب، ويقاتل الإِمام تاركي الزكاة إذا منعوا من أدائها.\nوفيه: أن من أتى بالشهادتين والتزم أحكام الإِسلام جرت عليه أحكام المسلمين سواء كان في الباطن كذلك أم لا، لأن الشريعة إنما تجري على الظواهر، ولا تنفر عما في القلوب.\n\n[١٢١٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: لَمَّا تُوُفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقال عُمَرُ - ﵁ -: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولوُا لا إلهَ إِلا اللهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي","vol":"1","page":680},{"text":"مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بين الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ. وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤدُّونَهُ إِلَى رسول الله - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلا أنْ رَأيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة»، أهل الردة صنفان: صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصنف منعوا الزكاة. وإنما أراد عمر الصنف الثاني.\nقال الحافظ: والمراد بالفرق: من قرأ بالصلاة، وأنكر الزكاة جاحدًا أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما قاتلهم الصِّدِّيق ولم يعذرهم بالجهل؛ لأنهم نصبوا القتال، فجهَّز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصروا قاتلهم.\nقال المازري: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة فألزمه الصديق بمثله في الزكاة لورودهما في الكتاب والسنَّة موردًا واحدًا.\nقال الحافظ: فمن صلَّى عصم نفسه، ومن زكَّى عصم ماله، فإن لم يصل قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل.\nقوله: (عقالًا)، وفي رواية: (عناقًا)، قال البخاري: وهي أصح.\nقال عياض: واحتج بذلك من يجيز أخذ العناق في زكاة الغنم إذا كانت كلها سخالًا، وهو أحد الأقوال. وقيل: إنما ذكر العناق. مبالغة في التقليل. وقيل: العقال: يطلق على صدقة عام.\nوعن ابن وهب: أنه الفريضة من الإِبل. وقيل: المراد بالعقال: الحبل الذي","vol":"1","page":681},{"text":"يُعقل به البعير، والمراد به المبالغة، والحاصل أنهم متى منعوا شيئًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - ولو قل فقد منعوا شيئًا واجبًا، إذ لا فرق في منع الواجب وجحده بين القليل والكثير.\n\n[١٢١١] وعن أَبي أيُّوب - ﵁ -: أنّ رَجُلًا قَالَ للنبيِّ - ﷺ -: أخْبِرْنِي بعمل يُدْخِلُنِي الجَنَّة، قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ، لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: أن من وحَّد الله، وقام بأركان الإِسلام، ووصل رحمه، دخل الجنة.\n\n[١٢١٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّ أعْرَابيًا أتَى النبي - ﷺ - فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الجَنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَالَ: وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا أزيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النبيُّ - ﷺ -: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nفيه: أن من قام بالواجبات دخل الجنة، وإن لم يقم بالمندوبات.\n\n[١٢١٣] وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: بايَعْتُ النبيَ - ﷺ - عَلَى إقَامِ الصَّلاَةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي رواية: قال: (بايعت النبي - ﷺ - على السمع والطاعة فلقنني: فيما استطعت، والنصح لكل مسلم) .","vol":"1","page":682},{"text":"قال القاضي عياض: اقتصر على الصلاة والزكاة لشهرتهما، ولم يذكر الصوم وغيره لدخول ذلك في السمع والطاعة.\nقال القرطبي: كانت مبايعة النبي - ﷺ - لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد، أو توكيد أمر، فلذلك اختلفت ألفاظهم.\n[١٢١٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ، وَلا فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ في يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ فَيَرَى سَبيلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ» قيل: يَا رسولَ الله، فالإبلُ؟ قَالَ: «وَلا صَاحِبِ إبلٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَومَ وِرْدِهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أوْفَرَ مَا كَانَتْ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، في","vol":"1","page":683},{"text":"يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضى بَيْنَ العِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ» قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ، فَالبَقَرُ وَالغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلا صَاحِبِ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بقَاعٍ قَرْقَرٍ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلا جَلْحَاءُ، وَلا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بقُرُونها، وَتَطَؤُهُ بِأظْلاَفِهَا، كُلَّمَا مرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، في يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَة حَتَّى يُقْضى بَيْنَ العِبَادِ، فَيَرى سَبيِلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ» قيل:\nيَا رسول الله فالخَيْلُ؟ قَالَ: «الخَيلُ ثَلاَثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ. فَأمَّا الَّتي هي لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ ربطها رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أهْلِ الإسْلاَمِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأمَّا الَّتي هي لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبيلِ الله، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ في ظُهُورِهَا، وَلا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأمَّا الَّتي هي لَهُ أجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبيلِ الله لأهْلِ الإسْلاَمِ في مَرْجٍ، أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ المَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَات وكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أرْوَاثِهَا وَأبْوَالِهَا حَسَنَات، وَلا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا، وَأرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلا يُرِيدُ أنْ يَسْقِيهَا إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ» قِيلَ: يَا رسولَ اللهِ فالحُمُرُ؟ قَالَ: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ في الحُمُرِ شَيْءٌ إِلا هذِهِ الآية الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾» . [الزلزلة (٧، ٨) متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلم.\n\nقوله: «حتى يرى سبيله إِما إِلى الجنة وإِما إِلى النار»، أي: يعذب بماله الذي منع زكاته خمسين ألف سنة، فإِن كان مسلمًا دخل الجنة بعد ذلك، وإن كان كافرًا خلد في النار مع أهلها.\nقوله: «ومن حقها حلبها يوم وردها»، أي: ورودها الماء ليسقي من ألبانها للمارة والواردين. ومن ذلك الأمر بالصَّرَامِ نهارًا ليحضره المحتاج وكراهته ليلًا، وقد قال تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام (١٤١)] .\nقال ابن عمر: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة.","vol":"1","page":684},{"text":"وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه.\nقوله: «الخيل ثلاثة»، أي: لها أحكام ثلاثة فلا زكاة فيها ولا في الحمر إلا ما كان للتجارة، ففيه زكاة العروض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>٢١٧- باب وجوب صوم رمضان</span>\nوبيان فضل الصيام وَمَا يتعلق بِهِ\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُم الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر﴾ . [البقرة (١٨٣، ١٨٥)] .\n\nقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، أي: فرض.\nقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة (١٨٤)]، كانوا مخيَّرين في أول الإسلام بين الصيام والإطعام، ثم نسخ بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة (١٨٥)] .\nوَأما الأحاديث فقد تقدمت في الباب الَّذِي قبله.\n\nأي: الأحاديث الدالة على وجوب صوم رمضان، كقوله - ﷺ -: «بُني الإسلام على خمس ...» الحديث، وغيره.\n[١٢١٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «قَالَ اللهُ - ﷿ -: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَام، فَإنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإذَا كَانَ يَومُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ. وَالذِي نَفْسُ","vol":"1","page":685},{"text":"مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أفْطَرَ فَرِحَ بفطره، وَإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ روايةِ البُخَارِي.\nوفي روايةٍ لَهُ: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ، وَشَهْوَتَهُ مِنْ أجْلِي، الصِّيَامُ لي وَأنَا أجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا» .\nوفي رواية لمسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يضاعَفُ، الحسنةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ. قَالَ الله تَعَالَى: إِلا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ؛ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أجْلِي. للصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» .\n\nفي هذا الحديث: فضل الصيام، وأن الله يجزي الصائم بغير حساب.\nوفيه: شرف الصوم عند الله تعالى.\nقوله: «والصيام جنة»، أي: وقاية من النار.\nقال ابن العربي: إنما كان جُنَّة من النار، لأنه إمساك عن الشهوات، والنَّار محفوفة بها.\n[١٢١٦] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ» . قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -: بِأبي أنْتَ وَأُمِّي يَا رسولَ اللهِ! مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ","vol":"1","page":686},{"text":"ضَرورةٍ، فهل يُدْعى أحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبوَابِ كُلِّهَا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، وَأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «فمن كان من أهل الصلاة» إلى آخره، أي: صلاة التطوع، وصيام التطوع، وصدقة التطوع.\nوفي الحديث: منقبة عظيمة لأبي بكر ﵁.\n\n[١٢١٧] وعن سهل بن سعد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ مِنْهُ أحدٌ غَيْرُهُمْ، يقال: أيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لا يَدخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «لا يدخل منه أحد غيرهم»، كرر نفي دخول غيرهم منه تأكيدًا.\nزاد النسائي: «من دخله لم يظمأ أبدًا» .\n\n[١٢١٨] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا في سَبِيلِ اللهِ إِلا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nقال ابن الجوزي: إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد.\nوقال القرطبي: «سبيل الله»، طاعة الله، فالمراد من صام قاصدًا وجه الله.\n\n[١٢١٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":687},{"text":"قوله: «إيمانًا واحتسابًا»، أي: مصدقًا محتسبًا ثوابه عند الله تعالى.\n\n[١٢٢٠] وعنه - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِحَتْ أبْوَاب الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ النَّارِ، وَصفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي رواية للنسائي: «وتغل فيه مردة الشياطين» .\nقال القرطبي: فإن قيل: كيف ترى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا؟ فالجواب: أنها إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفَّد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم، والمقصود تقليل الشرور فيه. وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية.\n\n[١٢٢١] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ، فَأكمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ البخاري.\nوفي رواية مسلم: «فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا» .\n\nفي هذا الحديث: دليل على أنه لا يجب صوم رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.\nواختلفت الروايات عن الإمام أحمد فيما إذا حال دون منظر الهلال غيمٌ أو قتر، فعنه: يجب صومه، وعنه: أن الناس تبع للإمام، وعنه: لا يجب صومه قبل رؤية هلاله، أو إكمال شعبان.","vol":"1","page":688},{"text":"واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: هو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه. وعنه: صومه منهي عنه، وهذا الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة.\nوقال البخاري: باب قول النبي - ﷺ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» . وقال - ﷺ -: «يا عمار، من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>٢١٨- باب الجود وفعل المعروف والإكثار من الخير</span>\nفي شهر رمضان والزيادة من ذَلِكَ في العشر الأواخر منه\n\n[١٢٢٢] وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدَ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حِيْنَ يَلْقَاهُ جِبْريلُ، وَكَانَ جِبْريلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَ رسول الله - ﷺ - حِيْنَ يَلْقَاهُ جِبرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِن الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالمرسلة: أي: المطلقة، يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح. وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح جميع ما تهب عليه.\nوفي الحديث من الفوائد: الحثُّ على الجود في كل وقت، والزيادة في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان.\n\n[١٢٢٣] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا دَخَلَ العَشْر أحْيَا اللَّيْلَ، وَأيْقَظَ أهْلَهُ، وَشَدَّ المِئْزَرَ. متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":689},{"text":"في هذا الحديث: دليل على استحباب الزيادة من العمل في العشر الأواخر من رمضان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>٢١٩- باب النهي عن تقدم رمضان بصوم بعد نصف</span>\nشعبان إِلا لمن وصله بما قبله أَوْ وافق عادة لَهُ بأن كَانَ\nعادته صوم الاثنين والخميس فوافقه\n\n[١٢٢٤] عن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُم رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلا أنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَومَهُ، فَليَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال العلماء: معنى الحديث: «لا تستقبلوا رمضان بصيام» . على نيّة الاحتياط لرمضان.\n\n[١٢٢٥] وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمضَانَ، صُومُوا لِرُؤيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ فَأكْمِلُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n«الغَيايَةُ» بالغين المعجمة وبالياءِ المثناةِ من تَحْت المكررةِ، وهي: السحابة.\n\nقال الترمذي: والعمل عل هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان.\nقال الحافظ: والحكمة في ذلك أن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم.","vol":"1","page":690},{"text":"[١٢٢٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ فَلا تَصُومُوا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n[١٢٢٧] وعن أَبي اليقظان عمارِ بن يَاسِرٍ ﵄، قَالَ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ - ﷺ -. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nفي هذا الحديث: تحريم صيام يوم الشك، وهو آخر يوم من شعبان سواء كان في ليلة غيم أو لا، وهو قول أكثر أهل العلم، وخصه بعضهم بغير ما في ليلة غيم، والأول أصح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>٢٢٠- باب مَا يقال عند رؤية الهلال</span>\n[١٢٢٨] عن طلحة بن عبيدِ اللهِ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَأى الهلاَلَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأمْنِ وَالإيمانِ، وَالسَّلاَمَةِ وَالإسْلاَمِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، هِلالُ رُشْدٍ وخَيْرٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nفي هذا الحديث: مشروعية الدعاء عند رؤية الهلال، وقد ورد في ذلك أدعية مشهورة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>٢٢١- باب فضل السحور وتأخيره</span>\nمَا لَمْ يخش طلوع الفجر\n[١٢٢٩] عن أنس - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «تَسَحَّرُوا؛ فَإنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":691},{"text":"البركة في السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتباع السنَّة ومخالفة أهل الكتاب، والتقوِّي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبُّب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة.\n\n[١٢٣٠] وعن زيدِ بن ثابتٍ - ﵁ - قال: تَسَحَّرْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاَةِ. قِيلَ: كَمْ كَانَ بينهما؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسين آيةً. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال المهلب وغيره: كان النبي - ﷺ - ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه، فيشق على بعضهم. ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضًا على بعضهم، وقد يفضي إلى ترك صلاة الصبح.\nوفيه: الاجتماع على السحور.\nوفيه: تقدير الأوقات بأعمال البدن.\n[١٢٣١] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: كَانَ لرسولِ الله - ﷺ - مُؤَذِّنَانِ: بِلاَلٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنْ بِلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» . قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلا أنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي الحديث: دليل على جواز أذان الأعمى إذا كان له من يخبره.\nوفيه: جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر؛ لأن الأصل بقاء الليل، وجواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه، ويستحب أن لا يؤذن","vol":"1","page":692},{"text":"قبل الفجر، إلا أنْ يكون معه مؤذن آخر يؤذن إذا أصبح، كفعل بلال، وابن أمِّ مكتوم اقتداء برسول الله - ﷺ -.\n\n[١٢٣٢] وعن عمرو بن العاص - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وصِيَامِ أهْلِ الكِتَابِ، أكْلَةُ السَّحَرِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: التصريح بأن السحور من خصائص هذه الأمة، وأن الله تعالى تفضل به علينا، كما تفضل بغيره من الرخص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>٢٢٢- باب فضل تعجيل الفطر</span>\nوَمَا يفطر عَلَيْهِ، وَمَا يقوله بعد إفطاره\n\n[١٢٣٣] عن سهل بن سعد - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nزاد أحمد عن أبي ذر: «وأخروا السحور»، وفي رواية: «لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم» .\nقال الحافظ: ومن البدع المنكرة إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، يفعلونه للاحتياط في العبادة، وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت، زعموا فأخر الفطر، وعجلوا السحور، وخالفوا السنَّة. فلذلك قل عنهم الخير وكثر فيهم الشر، والله المستعان.\n\n[١٢٣٤] وعن أَبي عطِيَّة قَالَ: دَخَلْتُ أنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عائشة ...","vol":"1","page":693},{"text":"﵂، فَقَالَ لَهَا مَسْرُوق: رَجُلاَنِ مِنْ أصْحَابِ محمد - ﷺ - كِلاَهُمَا لا يَألُو عَنِ الخَيْرِ؛ أحَدُهُمَا يُعَجِّلُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ؟ فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ - يعني: ابن مسعود - فَقَالَتْ: هكَذَا كَانَ رسولُ اللهِ يَصْنَعُ. رواه مسلم.\nقَوْله: «لا يَألُو» أيْ: لا يُقَصِّرُ في الخَيْرِ.\n\nفيه: استحباب تعجيل المغرب والإفطار، إذا تحقق غروب الشمس.\n\n[١٢٣٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «قَالَ اللهُ - ﷿ -: أحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أعْجَلُهُمْ فِطْرًا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nسبب محبة الله لمعجلي الفطر متابعة السنَّة.\nقال الله تعالى ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران (٣١)] .\n\n[١٢٣٦] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إِذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ ها هُنَا، وَأدْبَرَ النهارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أفْطَر الصَّائِمُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nقال ابن دقيق العيد: الإقبال والإدبار متلازمان، وقد يكون أحدهما أظهر للعين في بعض المواضع، فيستدل بالظاهر علىالخفي، كما لو كان في جهة المغرب ما يستر البصر عن إدراك الغروب، وكان المشرق ظاهرا بارزًا فيستدل بطلوع الليل على غروب الشمس.","vol":"1","page":694},{"text":"[١٢٣٧] وعن أَبي إبراهيم عبدِ الله بنِ أَبي أوفى ﵄، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ لِبَعْضِ القَوْمِ: «يَا فُلاَنُ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، فَقَالَ: يَا رسول الله، لَوْ أمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: إنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ فَشَرِبَ رسول الله - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ قَدْ اللَّيْلَ أقْبَلَ مِنْ ها هُنَا، فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ» . وَأشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nقَوْله: «اجْدَحْ» بِجيم ثُمَّ دال ثُمَّ حاءٍ مهملتين، أيْ: اخْلِطِ السَّويقَ بِالمَاءِ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب تعجيل الفطر، وإنما توقف الصحابي احتياطًا واستكشافًا عن حكم المسألة.\nوفيه: تذكير العالم بما يخشى أن يكون نسيه، وترك المراجعة له بعد ثلاث.\nوفيه: أن الغروب متى تحقق كفى، وأن الأمر الشرعي أبلغ من الحسي، وأن العقل لا يقضي على الشرع.\n\n[١٢٣٨] وعن سلمان بن عامر الضَّبِّيِّ الصحابي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أفْطَرَ أحَدُكُمْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ؛ فإنَّهُ طَهُورٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nقوله: «فليفطر على تمر»، زاد الترمذي: «فإنه بركة» والحكمة فيه: أنه إِن وجد في المعدة فضلة أزالها وإلا كان غذاء، وأنه يجمع ما تفرق من ضوء البصر بسبب الصوم.","vol":"1","page":695},{"text":"[١٢٣٩] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يُفْطِرُ قَبْلَ أنْ يُصَلِّي عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nتتمة: عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى» . رواه أبو داود.\nوعن معاذ بن زهرة قال: أن النبي - ﷺ - كان إذا أفطر قال: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت» . رواه أبو داود مرسلًا. وورد في بعض الآثار: «اللَّهُمَّ إني صمت لوجهك، وأفطرت على رزقك، أسألك يا واسع المغفرة أن تغفر لي ذنوبي، وأن تعتق رقبتي من النار» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>٢٢٣- باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحه</span>\nعن المخالفات والمشاتمة ونحوها\n[١٢٤٠] عن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالرفث: الكلام الفاحش: والصخب: الخصام والصياح. وهذا ممنوع في كل وقت، ولكنه يتأكد للصائم.","vol":"1","page":696},{"text":"قوله: «ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني صائم» . ولابن خزيمة: «فإن سابك أحدٌ، فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس» .\nقال الروياني: إن كان في رمضان فليقل بلسانه، وإن كان في غيره فليقله في نفسه.\n[١٢٤١] وعنه قَالَ: قَالَ النبيُّ - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» . رواه البخاري.\n\nفي رواية: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل» .\nوفي هذا الحديث: التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وأن الله لا يقبل صوم صاحبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>٢٢٤- باب في مسائل من الصوم</span>\n\n[١٢٤٢] عن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَأكَلَ، أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا لم يفسد صومه.\nوفيه: لطف الله بعباده، والتيسر عليهم، ورفع المشقة والحرج عنهم. وعند ابن خزيمة وغيره: «من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة» .\n\n[١٢٤٣] وعن لَقِيط بن صَبِرَةَ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، أخْبِرْني عَنِ الوُضُوءِ؟ قَالَ: «أسْبغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ،","vol":"1","page":697},{"text":"وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ، إِلا أنْ تَكُونَ صَائِمًا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: استحباب إسباغ الوضوء، وتخليل الأصابع، والمبالغة في الاستنشاق إلا للصائم فتُكره المبالغة خشية وصول الماء إلى حلقه.\n\n[١٢٤٤] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسول الله - ﷺ - يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: دليل على صحة الصوم من الجنب سواءً كان عامدًا أو ناسيًا، وسواء كان صيامه فرضًا أو تطوعًا.\nوفيه: دليل على جواز تأخير الغسل إلى بعد طلوع الفجر، ويقاس على ذلك الحائض. والنفساء إذا انقطع دمها ليلًا ثم طلع الفجر قبل اغتسالها صح صومها.\n\n[١٢٤٥] وعن عائشة وأم سلمة ﵄ قالتا: كَانَ رسول الله - ﷺ - يُصْبحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: جواز تأخير الغسل إلى بعد طلوع الفجر سواء كان من جماع أو احتلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>٢٢٥- باب بيان فضل صوم المحرم وشعبان والأشهر الحرم</span>\n\n[١٢٤٦] عن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ الله المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعدَ الفَرِيضَةِ: صَلاَةُ اللَّيْلِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فضل صيام شهر عاشوراء، وفضل صلاة الليل.","vol":"1","page":698},{"text":"[١٢٤٧] وعن عائشة ﵂ قالت: لَمْ يكن النبي - ﷺ - يَصُومُ مِنْ شَهْرٍ أكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ.\nوفي رواية: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلًا. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «كان يصوم شعبان كله»، أي: معظمه.\nوفيه: فضل صيام شعبان.\n[١٢٤٨] وعن مُجِيبَةَ البَاهِليَّةِ عن أبيها أَوْ عمها: أنه أتى رسول الله - ﷺ - ثُمَّ انطَلَقَ فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ - وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهيئَتُهُ - فَقَالَ: يَا رسولَ الله أمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: «وَمَنْ أنْتَ»؟ قَالَ: أَنَا الباهِليُّ الَّذِي جِئْتُك عام الأَوَّلِ. قَالَ: «فَمَا غَيَّرَكَ، وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الهَيْئَةِ!» قَالَ: مَا أكَلْتُ طَعَامًا مُنْذُ فَارقتُكَ إِلا بِلَيْلٍ. فَقَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «عَذَّبْتَ نَفْسَكَ!» ثُمَّ قَالَ: «صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَيَومًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» قَالَ: زِدْنِي، فَإنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: «صُمْ يَوْمَيْن» قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ» قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «صُمْ مِنَ الحُرُم وَاتركْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتركْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتركْ» . وقال بأصابِعه الثَّلاثِ فَضَمَّها، ثُمَّ أرْسَلَهَا. رواه أَبُو داود.\nوَ«شَهْر الصَّبر»: رَمَضَان.\nالأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>٢٢٦- باب فضل الصوم وغيره</span>\nفي العشر الأول من ذي الحجة\n\n[١٢٤٩] عن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ أيَّامٍ، العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هذِهِ الأَيَّام»","vol":"1","page":699},{"text":"يعني أيام العشر. قالوا: يَا رسولَ اللهِ، وَلا الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ؟ قَالَ: «وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ» . رواه البخاري.\n\nزاد أبو داود: من حديث ابن عمر: «فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير، فإن صيام يوم منها يعادل صيام سنة، والعمل فيها بسبع مئة ضعف» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>٢٢٧- باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء</span>\n[١٢٥٠] عن أَبي قتادة - ﵁ - قَالَ: سُئِلَ رسول الله - ﷺ - عن صَومِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ» . رواه مسلم.\n\nفيه: فضيلة صيام يوم عرفة، وأنه يكفر السيئات.\n\n[١٢٥١] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - صَامَ يَومَ عاشوراءَ وَأمَرَ بِصِيامِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nفيه: استحباب صوم يوم عاشوراء، وأنه سنَّة.\n[١٢٥٢] وعن أَبي قتادة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئِلَ عَنْ صِيامِ يَوْمِ عَاشُوراءَ، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ» . رواه مسلم.\nفيه: فضيلة صيام يوم عاشوراء، وأنه يكفر السيئات.\n\n[١٢٥٣] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «","vol":"1","page":700},{"text":"لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» . رواه مسلم.\n\nفيه: استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء مخالفةً لأهل الكتاب، لأنهم كانوا يصومون اليوم العاشر فقط ويقولون إنه يومٌ نجى الله فيه بني إسرائيل من فرعون وقومه، فقال النبي - ﷺ -: «نحن أحقُّ بموسى»، فصامه وأمر الناس بصيامه، وقال: «خالفوا اليهود صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>٢٢٨- باب استحباب صوم ستة أيام من شوال</span>\n[١٢٥٤] عن أَبي أيوب - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» . رواه مسلم.\n\nالحديث: دليل على استحباب صوم ستة أيام من شوال سواء كانت متوالية أو متفرقة. وعن ثوبان ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «من صام رمضان فشهره بعشر، ومن صام ستة أيام الفطر فذلك صيام السنة» . رواه أحمد والنَّسائي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>٢٢٩- باب استحباب صوم الاثنين والخميس</span>\n[١٢٥٥] عن أَبي قتادة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئِلَ عَنْ صَومِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، فَقَالَ: «ذَلِكَ يَومٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَومٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» . رواه مسلم.\n\nقوله: (سئل عن صوم يوم الاثنين)، أي: عن حكمه إيثاره بالصوم عن باقي الأيام، فأخبر - ﷺ - أن ذلك لأجل مولده فيه، ومبعثه.\n\n[١٢٥٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «","vol":"1","page":701},{"text":"تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَومَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأنَا صَائِمٌ» رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن)، ورواه مسلم بغير ذِكر الصوم.\n\nلفظ مسلم: «تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدًا بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا» .\n[١٢٥٧] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يَتَحَرَّى صَومَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيس. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nفيه: استحباب صيام الاثنين والخميس لعظم فضلهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>٢٣٠- باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر</span>\nوالأفضل صومُها في الأيام البيض وهي الثالثَ عشر والرابعَ عشر والخامسَ عشر، وقِيل: الثاني عشر، والثالِثَ عشر، والرابعَ عشر، والصحيح المشهور هُوَ الأول.\n\n[١٢٥٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: أوْصاني خَلِيلي - ﷺ - بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأنْ أُوتِرَ قَبْلَ أنْ أنَامَ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nيستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، سواء كانت البيض أوالسود أو الغرر.\n[١٢٥٩] وعن أَبي الدرداءِ - ﵁ - قَالَ: أوصاني حَبِيبي - ﷺ - بِثَلاثٍ لَنْ أدَعَهُنَّ مَا عِشتُ: بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاَةِ","vol":"1","page":702},{"text":"الضُّحَى، وبِأنْ لا أنَامَ حَتَّى أُوتِرَ. رواه مسلم.\n\nفيه: استحباب المداومة على صيام ثلاثة أيام، وصلاة الضحى.\nوفيه: استحباب الوتر قبل النوم لمن لا يثق بقيامه آخر الليل.\n\n[١٢٦٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «صَوْمُ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nأي: لأن الحسنة بعشر أمثالها.\n\n[١٢٦١] وعن مُعاذة العدوية: أنها سألت عائشةَ ﵂: أكَانَ رسول الله - ﷺ - يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثة أيَّامٍ؟ قالت: نَعَمْ. فقلتُ: مِنْ أيِّ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قالت: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أيِّ الشَّهْرِ يَصُومُ. رواه مسلم.\n\nفيه: إيماء إلى أن المراد حصول مثل ثواب صوم الشهر باعتبار تضاعف الحسنة عشرًا، وذلك حاصل بأي ثلاثة كانت.\n\n[١٢٦٢] وعن أَبي ذر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثًا، فَصُمْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَأرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\n[١٢٦٣] وعن قتادة بن مِلْحَان - ﵁ - قَالَ: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يَأمُرُنَا بِصِيَامِ أيَّامِ البِيضِ: ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ. رواه أَبُو داود.","vol":"1","page":703},{"text":"في هذين الحديثين: التنصيص على أيام البيض.\n[١٢٦٤] وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - لا يُفْطِرُ أيَّامَ البِيضِ في حَضَرٍ وَلا سَفَرٍ. رواه النسائي بإسنادٍ حسن.\n\nفيه: استحباب المداومة على صيام البيض في الحضر والسفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٢٣١- باب فضل من فطَّر صائمًا وفضل الصائم</span>\nالذي يؤكل عنده ودعاء الآكل للمأكول عنده\n\n[١٢٦٥] عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا، كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُنْقَصُ مِنْ أجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: فضيلة تفطير الصائم، وفي حديث سلمان: «يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطَّر صائمًا على تمرة، أو شربة ماء، أو مذْقة لبن» .\n\n[١٢٦٦] وعن أُمِّ عُمَارَةَ الأنصارِيَّةِ ﵂ أنَّ النبيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ طَعَامًا، فَقَالَ: «كُلِي» فَقَالَتْ: إنِّي صَائِمَةٌ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الصَائِمَ تُصَلِّي عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّى يَفْرغُوا» . وَرُبَّمَا قَالَ: «حَتَّى يَشْبَعُوا» رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .","vol":"1","page":704},{"text":"في هذا الحديث: زيارة أهل الفضل أتباعهم، ولو كان المزور امرأة إذا أمنت الفتنة والتهمة.\nوفيه: إكرام الضيف.\n\n[١٢٦٧] وعن أنسٍ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - جَاءَ إِلَى سعد بن عبادة - ﵁ - فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَأكَلَ، ثُمَّ قَالَ النبي - ﷺ -: «أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ؛ وَأكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\nفي هذا الحديث: إحضار ما سهل، وأنه لا ينافي الجود.\nوفيه: استحباب الدعاء من الضيف عند فراغ الأكل.\n* * *","vol":"1","page":705},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>كتَاب الاعْتِكَاف</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>٢٣٢- باب فضل الاعتكاف</span>\n\n[١٢٦٨] عن ابن عمر ﵄ قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالاعتكاف: لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وهو قربة.\nقال الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة (١٢٥)] .\nوقال تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة (١٨٧)]، وهو مشروع بالكتاب والسنَّة والإجماع.\n\n[١٢٦٩] وعن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال ابن دقيق العيد: فيه استحباب مطلق الاعتكاف، واستحبابه في رمضان بخصوصه، وفي العشر الأواخر بخصوصها.\nوفيه: دليل على استواء الرجل والمرأة في هذا الحكم. انتهى.","vol":"1","page":706},{"text":"والمقصود من الاعتكاف جمع القلب بالخلوة عن الناس، والإقبال على الله تعالى والتنعم بذكره وعبادته.\n\n[١٢٧٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: كَانَ النبيُّ - ﷺ - يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا. رواه البخاري.\n* * *","vol":"1","page":707},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>كتَاب الحَجّ</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>٢٣٣- باب وجوب الحج وفضله</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران (٩٧)] .\nالحج في اللغة: القصد. وفي الشرع: القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة (١٩٦)] .\nوالأصل في وجوبه الكتاب والسنَّة والإجماع، وهو أحد أركان الإسلام.\nوالسبيل: الزاد والراحلة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، قال ابن عباس: ومن جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه.\nوقال سعيد بن المسيّب: نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب.\nوقال السدي: هو من وجد ما يحج به، ثم لم يحج حتى مات فهو كفر به.\nوقال عمر بن الخطاب ﵁: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه مات يهوديًا أو نصرانيًا.\n\n[١٢٧١] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «","vol":"1","page":708},{"text":"بُنِي الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلاَةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[١٢٧٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: خَطَبَنَا رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُم الحَجَّ فَحُجُّوا» فَقَالَ رَجُلٌ: أكُلَّ عَامٍ يَا رَسولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا. فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» ثُمَّ قَالَ: «ذَرُوني مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا أمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْءٍ فَدَعُوهُ» . رواه مسلم.\nفيه: دليل على أنه لا يجب الحج إلا مرة واحدة في العمر على كل مكلف مستطيع. وهذا الحديث من قواعد الإسلام المهمة، ومما أُوتيه - ﷺ - من جوامع الكلم، ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام.\n\n[١٢٧٣] وعنه قَالَ: سُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ - أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «إيمَانٌ بِاللهِ وَرسولِهِ» قيل: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبرُورٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n«المبرور» هُوَ: الَّذِي لا يرتكِبُ صاحِبُهُ فِيهِ معصيةً.\n\nفي هذا الحديث: أن عمل القلب أفضل من عمل الجوارح.\nوفيه: أن الجهاد أفضل من نافلة الحج.","vol":"1","page":709},{"text":"[١٢٧٤] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالرفث: الجماع، ومقدماته بالفعل والقول.\nوقال عطاء: الرفث: قول الرجل للمرأة في الإحرام إذا أحللت أصبتك.\nوقال ابن عباس: الفسوق: المعاصي. وقيل: الرفث: الفحش، والقول القبيح.\nوقال الشارح: فلم يرفث: فلم يلغ.\n\n[١٢٧٥] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الجَنَّةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالحج المبرور: هو الذي لا لغو فيه ولا معصية.\nوفي الحديث: دليل على مشروعية العمرة في كل وقت، وأنه لا كراهة في تكرارها.\n\n[١٢٧٦] وعن عائشة ﵂ قَالَت: قُلْتُ: يَا رسول الله، نَرَى الجِهَادَ أفْضَلَ العَمَلِ، أفَلا نُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: «لَكُنَّ أفْضَلُ الجِهَادِ: حَجٌّ مَبْرُورٌ» . رواه البخاري.\n\nفيه: دليل على أن الحج من أفضل الجهاد، وأنه من سبيل الله.\n[١٢٧٧] وعنها أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أكْثَرَ مِنْ أن يَعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» . رواه مسلم.\n\nفيه: فضل يوم عرفة، وأنه يرجى فيه استجابة الدعاء وغفران الذنوب.","vol":"1","page":710},{"text":"[١٢٧٨] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً - أَوْ حَجَّةً مَعِي» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: فضيلة العمرة في رمضان.\n\n[١٢٧٩] وعنه: أنَّ امرأة قالت: يَا رسول الله، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ في الحَجِّ، أدْرَكَتْ أَبي شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أفَأحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالحديث: دليل على جواز حج المرأة عن الرجل، والحج عن المعضوب: وهو الكبير العاجز أو المريض الذي لا يرجى برؤه.\n\n[١٢٨٠] وعن لقيط بن عامر - ﵁ - أنَّه أتى النبي - ﷺ - فَقَالَ: إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ، وَلا العُمْرَةَ، وَلا الظَّعَنَ؟ قَالَ: «حُجَّ عَنْ أبِيكَ وَاعْتَمِرْ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: دليل على جواز النيابة عن المعضوب في النسك المفروض.\n\n[١٢٨١] وعن السائب بن يزيد - ﵁ - قَالَ: حُجَّ بي مَعَ رسول الله - ﷺ - في حَجةِ الوَدَاعِ، وَأنَا ابنُ سَبعِ سِنينَ. رواه البخاري.\n\nفيه: جواز إحجاج الصبي قبل البلوغ.\n[١٢٨٢] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لَقِيَ رَكْبًا بالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟» قالوا: المسلِمُونَ. قالوا: مَنْ أنْتَ؟ قَالَ: «رسولُ اللهِ» . فَرَفَعَتِ امْرَأةٌ صَبيًّا، فَقَالَتْ: ألِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":711},{"text":"الحديث: دال على أنه يصح حج الصبي سواء كان مميزًا أم لا، حيث فعل وليه عنه ما يفعل الحاج، وإلى هذا ذهب الجمهور، ولكنه لا يجزئه عن حجة الإسلام، وصفة إحرام الولي عنه أن يقول بقلبه: جعلته محرمًا.\n\n[١٢٨٣] وعن أنسٍ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكانت زَامِلَتهُ. رواه البخاري.\n\nقوله: «على رحل»، أي: على قتب الراحلة، وكانت – أي الراحلة – زاملته.\nوالزاملة: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع.\nولابن ماجة: (حج النبي - ﷺ - على رحل رثٍّ، وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، ثم قال: «اللهم اجعله حجًا لا رياءً فيه ولا سمعة» .\n\n[١٢٨٤] وعن ابن عباسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظُ، ... وَمَجِنَّةُ، وَذُو المَجَازِ أسْوَاقًا في الجَاهِلِيَّةِ، فَتَأثَّمُوا أن يَتَّجِرُوا في المَوَاسِمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة (١٩٨)] في مَوَاسِمِ الحَجِّ. رواه البخاري.\n\nقال أبو عبيد: عكاظ: صحراء مستوية لا جبل فيها ولا علم، وهي بَيْنَ نجد والطائف، وكان يقام بها السوق في ذي القعدة نحوًا من نصف شهر، ثم يأتون موضعًا دونه إلى مكة، يقال له: سوق مجنة، فيقام فيه السوق إلى آخر الشهر، ثم يأتون موضعًا قريبًا منه يقال له: ذو المجاز فيقام فيه السوق إلى يوم التروية، ثم يصدرون إلى منى. انتهى.\nوفي الحديث: دليل على أن التجارة في الحج لا تنافي صحته، وأن البيع والشراء فيه جائز.\n* * *","vol":"1","page":712},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>كتَاب الجِهَاد</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>٢٣٤-[باب فضل الجهاد]</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة (٣٦)] .\n\nالجهاد: هو مقاتلة الكفرة لإعزاز الدين.\nوفي هذه الآية: تحضيضٌ للمسلمين على محاربة المشركين، وبشارة لهم بالنصر.\nوقال تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة (٢١٦)] .\n\nقال ابن كثير: هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام.\nوقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استُعين أن يعين، وإذا استُغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه، قعد.\nوقال تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بأَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة (٤١)] .","vol":"1","page":713},{"text":"في هذه الآية: الأمر بالنفي إلى جهاد الكفار، والأمر بإنفاق المال في ذلك.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة (١١١)] .\n\nهذا أعظم عقد، وأربح تجارة، وأصدق وعد، وأعظم بشارة، وأوفى عهد.\nقال قتادة: ثامنهم الله ﷿، فأغلى ثمنهم.\nوقال عمر ﵁: إنَّ الله ﷿ بايعك وجعل الصفقتين لك.\nوقال الحسن: اسعوا إلى بيعة ربيحة، بايع الله بها كل مؤمن.\nوقال الله تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء (٩٥، ٩٦)] .\n\nفي هذه الآية: فضل الجهاد والحث عليه، أي: ليس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر، والمؤمنون المجاهدون سواء، غير أولي الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين؛ لأنَّ العذر أقعدهم.\n﴿فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، قيل: أراد بالقاعدين ههنا: أولي الضرر؛ لأنَّ المجاهد باشر الجهاد مع النيّة، وأُلي الضرر كانت لهم نية، ولكنهم لم يباشروا.\n﴿وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾، يعني: على القاعدين من غير عذر ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .\nوقال تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ","vol":"1","page":714},{"text":"كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِن اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤمِنينَ﴾ [الصف (١٠: ١٣)] .\n\nأي: بشَّر يَا محمد المجاهدين بالجنة في الآخرة، والنصر في الدنيا. والنجاة من عذاب الله.\nوالآيات في الباب كثيرةٌ مشهورةٌ.\n\nأي: الآيات في وجوب الجهاد وفضله كثيرة في القرآن واضحة.\nوأما الأحاديث في فضل الجهاد فأكثر من أنْ تحصر، فمن ذلك:\n\n[١٢٨٥] عن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: سُئِلَ رسول الله - ﷺ -: أيُّ الأَعْمَال أفْضَلُ؟ قَالَ: «إيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» . قيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجهادُ في سَبيلِ اللهِ» . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: أن الجهاد أفضل من نافلة الحج.\n\n[١٢٨٦] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، أيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» . قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ» . قلتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال الطبري: خص ﵊ هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات.","vol":"1","page":715},{"text":"[١٢٨٧] وعن أَبي ذرّ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، أيُّ العَمَلِ أفْضلُ؟ قَالَ: «الإيمَانُ بِاللهِ، وَالجِهَادُ في سَبِيلهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: فضل الجهاد؛ لأنه قرنه بالإِيمان بالله.\n\n[١٢٨٨] وعن أنس - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لَغَدْوَةٌ في سَبيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالغُدوة: سير أول النهار. والروحة: سير آخره.\n\n[١٢٨٩] وعن أَبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: أيُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مُؤْمنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبيلِ اللهِ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ في شِعبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: فضل المؤمن المجاهد، وفضل العزلة إذا خاف الفتنة.\n\n[١٢٩٠] وعن سهل بن سعد - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ في سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ الغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحدبث: فضل الرباط، وهو ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين.","vol":"1","page":716},{"text":"[١٢٩١] وعن سَلمَانَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإنْ مَاتَ فيه أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ» . رواه مسلم.\nقوله: «وأُجري عليه رزقه» أي: برزق من الجنة كما يرزق الشهداء.\n[١٢٩٢] وعن فَضَالَةَ بن عُبَيْد - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلا المُرَابِطَ فِي سَبيلِ اللهِ، فَإنَّهُ يُنْمى لَهُ عَمَلهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيُؤَمَّنُ مِنْ فِتْنَةَ القَبْرِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: فضيلة الرباط، وأن المرابط لا ينقطع عمله بالموت.\n\n[١٢٩٣] وعن عثمان - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبيلِ اللهِ، خَيْرٌ مِنْ ألْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقال ابن بزيزة: لا تنافي بينه وبين حديث: «خير من صيام شهر» .\nقال البيهقي: القصد من هذا ونحوه الإخبار بتضعيف أجر المرابط على غيره، ويختلف ذلك بحسب اختلاف حال الناس نيةً وإخلاصًا، وباختلاف الأوقات.","vol":"1","page":717},{"text":"[١٢٩٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «تَضَمَّنَ الله لِمَنْ خَرَجَ في سَبيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إِلا جِهَادٌ في سَبيلِي، وَإيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَيَّ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إِلَى مَنْزِلهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِمَا نَالَ مِنْ أجْرٍ، أَوْ غَنيمَةٍ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ في سَبيلِ اللهِ، إِلا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ كُلِم؛ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ ريحُ مِسْكٍ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا أنْ أَشُقَّ عَلَى المُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو في سَبيلِ اللهِ أبدًا، وَلكِنْ لا أجِدُ سَعَةً فأحْمِلُهُمْ وَلا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي.\nوَالَّذِي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أنْ أغْزُوَ في سَبيلِ اللهِ، فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أغْزُوَ فَأُقْتَلَ» . رواه مسلم، وروى البخاري بعضه.\n«الكَلْمُ»: الجَرْحُ.\n\nقال الحافظ: قوله: «تضمن الله وتكفل الله، وانتدب الله» بمعنى واحد، ومحصله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾، وذلك التحقيق على وجه الفضل منه ﷾.\n\n[١٢٩٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَم في سَبيِلِ الله إِلا جَاءَ يَومَ القِيَامةِ، وَكَلْمُهُ يدْمَى: اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ ريحُ مِسكٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":718},{"text":"قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك، أن يكون معه شاهد بفضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى.\n[١٢٩٦] وعن معاذٍ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ الله من رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا في سَبِيلِ اللهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَغزَرِ مَا كَانَتْ: لَونُها الزَّعْفَرَانُ، وَريحُها كَالمِسْكِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح) .\n\nالفُوَاقُ: ما بين الحلبتين، وهو كناية عن قليل الجهاد.\nوفيه: بشارة لمن جاهد في سبيل الله، طلبًا لمرضاة الله بالموت على الإسلام.\n\n[١٢٩٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ رسولِ الله - ﷺ - بِشِعبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَة، فَأعْجَبَتْهُ، فَقَالَ: لَو اعْتَزَلْتُ النَّاسَ فَأقَمْتُ في هَذَا الشِّعْبِ، وَلَنْ أفْعَلَ حَتَّى أسْتَأْذِنَ رسول الله - ﷺ - فذكَرَ ذَلِكَ لرسول الله - ﷺ - فَقَالَ: «لا تَفعلْ؛ فَإنَّ مُقامَ أَحَدِكُمْ في سَبيلِ اللهِ أفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ في بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا، أَلا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ، وَيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ؟ أُغْزُوا في سَبيلِ الله، من قَاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nوَ«الفُوَاقُ»: مَا بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ.","vol":"1","page":719},{"text":"في هذا الحديث: الحض على الجهاد في سبيل الله، وأنه أفضل من نوافل العبادة.\n[١٢٩٨] وعنه قَالَ: قيل: يَا رسولَ اللهِ، مَا يَعْدلُ الجهادَ في سَبِيلِ ... اللهِ؟ قَالَ: «لا تَسْتَطِيعُونَهُ» فَأعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لا تَسْتَطِيعُونَهُ» ! ثُمَّ قَالَ: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبيلِ اللهِ كَمَثلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانتِ بآياتِ الله لا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلا صَلاَةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ المُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلمٍ.\nوفي رواية البخاري: أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رسول الله، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ؟ قَالَ: «لا أجِدُهُ» ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتقومَ وَلا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلا تُفْطِرَ»؟ فَقَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟! .\n\nفيه: أنه لا يعدل الجهاد شيء من نوافل العبادات.\n\n[١٢٩٩] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ بعِنَانَ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي القَتْلَ وَالمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ في غُنَيْمَةٍ في رَأسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذَه الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِن هَذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَيُؤتي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأتِيَهُ اليَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلا في خَيْرٍ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":720},{"text":"في هذا الحديث: استحباب الاستعداد للجهاد في سبيل الله، واستحباب العزلة.\n[١٣٠٠] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّ في الجنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ» . رواه البخاري.\n\nفيه: عظيم فضل المجاهد وعظم عناية الله به.\n\n[١٣٠١] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإسْلاَمِ دينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ»، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رسولَ اللهِ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بِهَا العَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَينِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ» . قَالَ: وَمَا هيَ يَا رسول الله؟ قَالَ: «الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، الجهَادُ في سَبيلِ اللهِ» . رواه مسلم.\n\nقال القرطبي: الدرجة: المنزلة الرفيعة، ويراد بها غرف الجنة ومراتبها التي أعلاها الفردوس.\n\n[١٣٠٢] وعن أَبي بكر بن أَبي موسى الأشعريِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبي - ﵁ - وَهُوَ بَحَضْرَةِ العَدُوِّ، يقول: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ أبْوَابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ» . فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الهَيْئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا","vol":"1","page":721},{"text":"مُوسَى أأنْتَ سَمِعْتَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَجَعَ إِلَى أصْحَابِهِ، فَقَالَ: أقْرَأُ عَلَيْكُم السَّلاَمَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَألْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى العَدُوِّ فَضَربَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ. رواه مسلم.\nقوله: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف» . قال القرطبي: هو من الكلام النفيس الجامع الموجز، المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدو، واستعمال السيوف، والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المتقاتلين.\n\n[١٣٠٣] وعن أَبي عبسٍ عبد الرحمن بن جَبْرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «ما اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» . رواه البخاري.\n\nفيه: بشارة للمجاهد بالنجاة من النار. وعند أحمد وغيره من حديث معاذ «ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات الآخرة بعد الصلاة المفروضة، كجهاد في سبيل الله» .\n\n[١٣٠٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ في سَبيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: بشارة بالنجاة من النار لمن خشي الله تعالى، وللمجاهدين في سبيل الله.","vol":"1","page":722},{"text":"[١٣٠٥] وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «عَيْنَانِ لا تَمسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبيلِ اللهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالخشية: الخوف الناشئ عن تعظيم ومعرفة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ .\n[١٣٠٦] وعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازيًا في سَبيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازيًا في أهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: أن من أعان مؤمنًا على عمل فله مثل أجر العامل.\n\n[١٣٠٧] وعن أَبي أُمَامَة الباهلي - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ في سَبِيلِ اللهِ وَمَنيحَةُ خَادِمٍ في سَبِيلِ اللهِ، أَوْ طَرُوقَةُ فَحلٍ في سَبِيلِ اللهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: أن أفضل الصدقات والعواري ما كان في الجهاد.\n\n[١٣٠٨] وعن أنس - ﵁ -: أن فَتَىً مِنْ أسْلَمَ، قَالَ: يَا رسولَ اللهِ، إنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِيَ مَا أَتَجهَّزُ بِهِ، قَالَ: «ائْتِ فُلانًا فَإنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ» فَأتَاهُ، فَقَالَ: إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ، ويقول: أعْطِني الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ. قَالَ: يَا فُلاَنَةُ، أعْطِيهِ","vol":"1","page":723},{"text":"الَّذِي كُنْتُ تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلا تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئًا، فَوَاللهِ لا تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئًا فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ. رواه مسلم.\n\nفيه: أن من أخرج شيئًا في وجه من وجوه الخير، ثم عرض له ما يمنعه أنه يستحب له صرفه في مثله من أبواب الخير.\n\n[١٣٠٩] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - بَعَثَ إِلَى بَنِي لَحْيَانَ، فَقَالَ: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أحَدُهُمَا، وَالأجْرُ بَيْنَهُمَا» . رواه مسلم.\nوفي روايةٍ لَهُ: «لِيَخْرُجَ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ» ثُمَّ قَالَ للقاعد: «أيُّكُمْ خَلَفَ الخَارِجَ في أهْلِهِ وَمَالِهِ بِخيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أجْرِ الخَارِجِ» .\n\nفيه: أن من خَلَّف الغازي في أهله وماله بخير، فله نصف أجر الغازي من غير أن ينقص من أجره شيء.\n\n[١٣١٠] وعن البَراءِ - ﵁ - قال: أتَى النبيَّ - ﷺ - رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بالحَدِيدِ، فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ؟ قَالَ: «أسْلِمْ، ثُمَّ قَاتِلْ» . فَأسْلَمَ، ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ. فَقَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا» . متفقٌ عَلَيْهِ. وهذا لفظ البخاري.\n\nفيه: أن الأعمال بالخواتيم.","vol":"1","page":724},{"text":"[١٣١١] وعن أنس - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ» .\nوفي رواية: «لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: فضل الشهادة وحقارة الدنيا، وعبر بالتمني؛ لأن الرجوع إلى الدنيا محال.\n\n[١٣١٢] وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «يَغْفِرُ اللهُ لِلْشَّهِيدِ كُلَّ شَيْءٍ إِلا الدَّيْنَ» . رواه مسلم.\nوفي روايةٍ له: «القَتْلُ في سبيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شيءٍ إلا الدَّيْن» .\n\nفي حديث ابن مسعود عند أبي نعيم: «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها، إلا الأمانة، والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع» .\n[١٣١٣] وعن أَبي قتادة - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ فِيهِم فَذَكَرَ أنَّ الجِهَادَ في سَبيلِ اللهِ، وَالإيمَانَ بِاللهِ، أفْضَلُ الأعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، أرأيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ اللهِ، أتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لهُ رسول الله - ﷺ -: «نَعَمْ، إنْ قُتِلْتَ في","vol":"1","page":725},{"text":"سَبيلِ الله وَأنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ»، ثُمَّ قَالَ رسول الله - ﷺ -: «كيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: أرَأيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ اللهِ، أتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «نَعَمْ، وَأنْتَ صَابرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيرُ مُدْبِرٍ، إِلا الدَّيْنَ فَإنَّ جِبْريلَ - ﵇ - قَالَ لِي ذَلِكَ» . رواه مسلم.\n\nفيه: فضيلة عظيمة للمجاهد، وهي تكفير خطاياه كلها، إلا حقوق الآدميين.\n\n[١٣١٤] وعن جابر - ﵁ - قال: قَالَ رَجُلٌ: أيْنَ أنَا يَا رسول الله إنْ قُتِلْتُ؟ قَالَ: «في الجَنَّةِ» . فَألْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. رواه مسلم.\n\nكان ذلك يوم أُحُد.\nقال الشارح: أجابه - ﷺ - بالبتِّ؛ لأنه علم منه الإِخلاص في الجهاد، ومن قتل كذلك دخل الجنة.\n[١٣١٥] وعن أنس - ﵁ - قال: انْطَلَقَ رسولُ الله - ﷺ - وَأصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا المُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ المُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا يَقْدمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أكُونَ أنَا دُونَهُ» . فَدَنَا المُشْرِكُونَ، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالأرْضُ» قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بن الحُمَامِ الأنْصَارِيُّ - ﵁ -: يَا رسولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالأرْضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: بَخٍ بَخٍ؟ فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَولِكَ بَخٍ بَخٍ؟» قَالَ: لا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِلا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أهْلِهَا، قَالَ: «فَإنَّكَ مِنْ أهْلِهَا» . فَأخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا","vol":"1","page":726},{"text":"حَييتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هذِهِ إنّهَا لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. رواه مسلم.\n«القَرَن» بفتح القاف والراء: هُوَ جُعْبَةُ النشَّابِ.\n\nقوله: «لا يقدمنَّ أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه» المراد: النهي عن الاستبداد في شيء دون أمره - ﷺ -.\nوفي الحديث: المسارعة إلى الشهادة.\n[١٣١٦] وعنه قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - أن ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَا القُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُمْ: القُرّاءُ، فِيهِم خَالِي حَرَامٌ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالمَاءِ، فَيَضَعُونَهُ في المَسْجِدِ، وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ، وَلِلفُقَرَاءِ، فَبَعَثَهُمُ النبي - ﷺ - فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أنْ يَبْلغُوا المَكَانَ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا، وَأتَى رَجُلٌ حَرامًا خَالَ أنَسٍ مِنْ خَلْفِهِ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أنْفَذَه، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّ إخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا وَإنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلم.\n\nقوله: «فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان»، أي: مكان أبي براء ابن ملاعب الأسنَّة، عرض لهم عدو الله عامر بن الطفيل، واستصرخ عليهم بني عامر فأبَوا أن يجيبوه، وقالوا: لا نخفر أبا براء وقد عقد لهم جوازًا، فاستصرخ عليهم رعلًا، وذكوان، وعصية، فأجابوه فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم","vol":"1","page":727},{"text":"في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم فقاتلوهم فقتلوهم في معرك الحرب.\n[١٣١٧] وعنه قَالَ: غَابَ عَمِّي أنسُ بنُ النَّضْرِ - ﵁ - عن قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللهُ أشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ وانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي اعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاءُ - يعني: أصْحَابَهُ - وَأبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاءِ - يَعنِي: المُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا سَعَدَ بنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ، إنِّي أجِدُ ريحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ! قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رسولَ اللهِ مَا صَنَعَ! قَالَ أنسٌ: فَوَجدْنَا بِهِ بِضعًا وَثَمَانِينَ ضَربَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنَةً برُمح أَوْ رَمْيةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَمَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أحَدٌ إِلا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أنسٌ: كُنَّا نَرَى - أَوْ نَظُنُّ - أنَّ هذِهِ الآية نَزَلتْ فِيهِ وَفي أشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ المُؤمِنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ إِلَى آخرها [الأحزاب (٢٣)] . متفقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ سبق في باب المجاهدة.\n\nقوله: «إني أجد ريحها من دون أُحُد» يحتمل أنه نشق ريح الجنة حقيقة، ويحتمل أنه استحضر الجنة فصور أنها في ذلك الموضع. والمعنى: أني لأعلم أن الجنة تكتب بالشهادة فأنا مشتاق لها.\n[١٣١٨] وعن سَمُرَة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجرةَ فَأدْخَلاَنِي دَارًا هِيَ أحْسَنُ وَأَفضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أحْسَنَ مِنْهَا، قالا: أمَّا هذِهِ الدَّارُ فَدَارُ","vol":"1","page":728},{"text":"الشُّهَدَاءِ» . رواه البخاري، وَهُوَ بعض من حديث طويل فِيهِ أنواع العلم سيأتي في باب تحريم الكذب إنْ شاء الله تَعَالَى.\n\nفيه: أن منزل الشهداء في الجنة أحسن المنازل.\n\n[١٣١٩] وعن أنس - ﵁ - أنَّ أمَّ الرُّبيعِ بنتَ البَرَاءِ وهي أُمُّ حَارِثة بن سُرَاقَةَ، أتَتِ النبي - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رسولَ اللهِ، ألا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ - وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ - فَإنْ كَانَ في الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ في البُكَاءِ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ حَارِثَةَ إنَّهَا جِنَانٌ في الجَنَّةِ، وَإنَّ ابْنَكِ أصابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى» . رواه البخاري.\n\nكان قولها قبل تحريم النوح؛ لأن تحريمه كان بعد غزوة أُحد.\n\n[١٣٢٠] وعن جابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النبي - ﷺ - وقَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَذَهَبْتُ أكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ فَنَهَانِي قَوْمِي، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «مَا زَالتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nتظليل الملائكة تشريف له. وفي رواية للبخاري: «ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه» .\n\n[١٣٢١] وعن سهل بن حنيف - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ سَألَ اللهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» . رواه مسلم.\n[١٣٢٢] وعن أنس - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا ولو لَمْ تُصِبْهُ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":729},{"text":"في هذين الحديثين: أن من نوى شيئًا من أعمال البر صادقًا من قلبه، أثيب عليه وإن لم يتفق له ذلك.\n\n[١٣٢٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ القَتْلِ إِلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ القَرْصَةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقوله: «من مسِّ القَرَصة»، أي: قرصة نحو النملة من كل مؤلم ألمًا خفيفًا، سريع الانقضاء، لا يعقب علة ولا سقمًا.\nقال العاقولي: القرصُ: الأخذ بأطراف الأصابع. وأدخل عليها أداة الحصر. دفعًا لما يتوهم أنَّ ألمه أعظم من ألمها.\n\n[١٣٢٤] وعن عبد الله بن أَبي أوْفَى ﵄: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - في بَعْضِ أيَّامِهِ الَّتي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ في النَّاسِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُموهُمْ فَاصْبِروا؛ وَاعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ» . ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأحْزَابِ، أهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية» . قال ابن بطال: حكمة النهي أنه لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن.\nقال الحافظ: وفي الحديث: استحباب الدعاء عند اللقاء، ووصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم، ومراعاة نشاط النفوس لفعل الطاعة، والحث على سلوك الأدب.","vol":"1","page":730},{"text":"[١٣٢٥] وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ، أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ وَعِنْدَ البَأسِ حِيْنَ يُلْحِمُ بَعْضُهُم بَعضًَا» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nقوله: «حين يلحم بعضهم بعضًا»، أي: يتقاربون. وروي بالجيم، أي كأن كلًا يلجم صاحبه بالسلاح.\n\n[١٣٢٦] وعن أنس - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا غَزَا، قَالَ: «اللَّهُمَّ أنْتَ عَضْديِ وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: الخروج من حول العبد وقوته، والاعتماد على الله ﷾.\n\n[١٣٢٧] وعن أَبي موسى - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَافَ قَومًا، قَالَ: «اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهمْ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nفيه: التحصن بالله تعالى، والالتجاء إليه فيما ينزل بالإنسان.\n\n[١٣٢٨] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: ... «الخَيْلُ مَعقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nسميت خيلًا لا ختيالها، وهو إعجابها بنفسها مرحًا.\n\n[١٣٢٩] وعن عروة البارِقِيِّ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قَالَ: «الخَيْلُ مَعقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ: الأجْرُ، وَالمَغْنَمُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":731},{"text":"وعند الطبراني من حديث جابر: «الخيل معقود في نواصيها الخير واليمن إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، قلدوها، ولا تقلدوها الأوتار»، زاد أحمد: «فامسحوا بنواصيها وادعوا لها بالبركة» .\nوعند البرقاني: «والإبل عزٌ لأهلها والغنم بركة» .\nقال عياض: في هذا الحديث مع وجيز لفظه، من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن، مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير.\n\n[١٣٣٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إيمَانًَا بِاللهِ، وَتَصْدِيقًَا بِوَعْدِهِ، فَإنَّ شِبَعَهُ، وَرَيَّهُ ورَوْثَهُ، وَبَوْلَهُ في مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: فضل النفقة على الخيل المحتبسة في سبيل الله.\nوفيه: أن النية يترتب عليها الأجر.\n\n[١٣٣١] وعن أَبي مسعود - ﵁ - قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ - ﷺ - بِنَاقةٍ مَخْطُومَةٍ فَقَالَ: هذِهِ في سَبيلِ اللهِ. فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُ مئَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» . رواه مسلم.\n\nهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة ٢٦١] .","vol":"1","page":732},{"text":"[١٣٣٢] وعن أَبي حمادٍ - ويقال: أَبُو سعاد، ويقال: أَبُو أسدٍ، ويقال: أَبُو عامِر، ويقال: أَبُو عمرو، ويقال: أَبُو الأسود، ويقال: أَبُو عبسٍ - عُقبة بن عامِر الجُهَنيِّ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، يقول: «﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]، أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «ألا إن القوة الرمى»: أي: هو أعظم أنواعها نكاية في العدو، وأنفعها في الحرب.\n[١٣٣٣] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُونَ، وَيَكْفِيكُمُ اللهُ، فَلا يَعْجِز أَحَدُكُمْ أنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» . رواه مسلم.\n\nفيه: الندب إلى الرمي والتمرن عليه.\n\n[١٣٣٤] وعنه: أنَّه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ عُلِّمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، أَوْ فَقَدْ عَصَى» . رواه مسلم.\n\nهذا تشديد عظيم في نسيان الرمي بعد علمه. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من علم الرمي ونسيه فهي نعمة جحدها» .","vol":"1","page":733},{"text":"[١٣٣٥] وعنه - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ اللهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الوَاحِدِ ثَلاَثَةَ نَفَرٍ الجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِي بِهِ، ومُنْبِلَهُ. وَارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ تَرْكَبُوا. وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عُلِّمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا» أَوْ قَالَ: «كَفَرَهَا» . رواه أَبُو داود.\n\nفي هذا الحديث: فضيلة الرمي، وأنه من اللهو المستحب. وآخر الحديث: «ليس من اللهو ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله» . أي: ليس ذلك من اللهو المكروه.\n\n[١٣٣٦] وعن سَلَمة بن الأكَوعِ - ﵁ - قال: مَرَّ النَّبيُّ - ﷺ - عَلَى نَفَرٍ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ: «ارْمُوا بَنِي إسماعِيلَ فَإنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا» رواه البخاري.\n\nفيه: الحث على الرمي، والاقتداء بالآباء في الأفعال المحمودة.\n[١٣٣٧] وعن عمرو بن عبسة - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ رَمَى بِسَهمٍ في سَبيلِ الله فَهُوَ لَهُ عِدْلُ مُحَرَّرَةٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقوله: «عدل محررة»، أي: مثل رقبة معتقة.\n\n[١٣٣٨] وعن أَبي يحيى خُرَيْم بن فاتِكٍ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أنْفَقَ نَفَقَةً في سَبيلِ اللهِ كُتِبَ لَهُ سَبْعُ مِئَةِ ضِعْفٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .","vol":"1","page":734},{"text":"وروى أحمد وغيره عن أبي عبيدة عن النبي - ﷺ - قال: «من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبع مئة ضعف، ومن أنفق على نفسه أو على أهله، أو أعاد مريضًا، أو أماط أذى عن الطريق، فهي حسنة بعشر أمثالها، والصوم جُنَّة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله في جسده فهو له حطةٌ» .\n\n[١٣٣٩] وعن أَبي سعيد - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبيلِ اللهِ إِلا بَاعَدَ اللهُ بِذلِكَ اليَوْمِ وَجهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرْيفًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالخريف هنا: العام، والفضل المذكور محمول على من لم يضعفه الصوم عن الجهاد.\n\n[١٣٤٠] وعن أَبي أُمَامَة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا في سَبيلِ اللهِ جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كما بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nأخرج أحمد وغيره، عن العباس بن عبد المطلب، قال: (كنا عند النبي - ﷺ - فقال: «أتدرون كم بين السماء والأرض»؟ قلنا: الله أعلم ورسوله، قال: «بينهما مسيرة خمس مئة سنة ...» .) الحديث.\n[١٣٤١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بغَزْوٍ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":735},{"text":"قال القرطبي: في الحديث: أن من لم يتمكن من عمل الخير ينبغي له العزم على فعله إذا تمكن منه، ليكون بدلًا عن فعله، فأما إذا خلا عنه ظاهرًا وباطنًا، فذلك شأن المنافق الذي لا يعمل الخير ولا ينويه، خصوصًا الجهاد الذي أعز الله به الإسلام، وأظهر به الدين.\n\n[١٣٤٢] وعن جابر - ﵁ - قال: كنا مَعَ النبيِّ - ﷺ - في غَزاةٍ فقال: «إنَّ بِالمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ المَرَضُ» .\nوفي رواية: «حَبَسَهُمُ العُذْرُ» .\nوفي رواية: «إِلا شَرَكُوكُمْ في الأجْرِ» . رواه البخاري من رواية أنس، ورواه مسلم من رواية جابر واللفظ لَهُ.\n\nقال العيني: فيه: أن من حبسه العذر عن أعمال البر مع نيته فيها يكتب له أجر العامل بها.\n\n[١٣٤٣] وعن أَبي موسى - ﵁ - أنَّ أعرابيًا أتى النبيَّ - ﷺ - فَقال: يَا رسولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ ليُرَى مَكَانُهُ؟\nوفي رواية: يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً.\nوفي رواية: وَيُقَاتِلُ غَضَبًا، فَمَنْ في سبيل الله؟ فقالَ رسولُ اللهِ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ في سَبيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالحاصل: أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب. وكلٌّ منها يتناوله المدح والذم،","vol":"1","page":736},{"text":"فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي.\nوفي الحديث: أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة.\nوفيه: ذم الحرص على الدنيا، وعلى القتال، لحض النفس في غير الطاعة.\nوفيه: أن الفضل الذي ورد في المجاهدين مختص بمن قاتل لإعلاء دين الله.\nقال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله، لم يضره ما انضاف إليه.\n\n[١٣٤٤] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ، إِلا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورهُمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلا تَمَّ أجُورهُمْ» . رواه مسلم.\n\nمعناه: أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، كما قال بعض الصحابة: فمنا من سلم ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها.\n\n[١٣٤٥] وعن أَبي أُمَامَة - ﵁ - أنَّ رجلًا قَالَ: يَا رسولَ اللهِ، ائْذَنْ لي في السِّيَاحَةِ فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «إنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ - ﷿ -» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ.\n\nالسياحة: مفارقة الوطن والذهاب في الأرض.\nوقال ابن المبارك: عن ابن لهيعة: أخبرني عمارة بن غزية، أن السياحة ذكرت عند رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: «أبدلنا الله بذلك، الجهاد في سبيل الله، والتكبير على كل شرف» .","vol":"1","page":737},{"text":"وقال ابن عباس وغيره: السائحون، الصائمون.\nوقال عكرمة: السائحون هم طلبة العلم.\nقال ابن كثير: ومن أفضل الأعمال، الصيام وهو ترك الملاذ من ... الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة ها هنا، ولهذا قال: ... ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة (١١٢)]، كما وصف أزواج النبي - ﷺ - بذلك في قوله تعالى: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم (٥)]، أي صائمات، وكذا الركوع والسجود وهما عبارة عن الصلاة، ولهذا قال: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ﴾ [التوبة (١١٢)]، وهم مع ذلك ينفعون خلق الله، ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه ... علمًا وعملًا، فقاموا عبادة الحق، ونصح الخلق، ولهذا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف (١٣)]، إلى أن قال:\nوليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن، والزلازال في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم، يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» .\n\n[١٣٤٦] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ.\n«القَفْلَةُ»: الرُّجُوعُ، وَالمراد: الرُّجُوعُ مِنَ الغَزْوِ بَعدَ فَرَاغِهِ؛ ومعناه: أنه يُثَابُ في رُجُوعِهِ بعد فَرَاغِهِ مِنَ الغَزْوِ.","vol":"1","page":738},{"text":"في هذا الحديث: أن أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله بعد غزوه، كأجره في إقباله إلى الجهاد، كما يكتب أثر الماشي إلى المسجد، ورجوعه إلى أهله.\n[١٣٤٧] وعن السائب بن يزيد - ﵁ - قال: لَمَّا قَدِمَ النبيُّ - ﷺ - مِنْ غَزْوَةِ تَبُوك تَلَقَّاهُ النَّاسُ، فَتَلَقّيتُهُ مَعَ الصِّبْيَانِ عَلَى ثَنيَّةِ الوَدَاعِ. رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح بهذا اللفظ.\nورواه البخاري قَالَ: ذَهَبنا نَتَلَقَّى رسولَ اللهِ - ﷺ - مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ.\n\nثنية الوداع: موضع بقرب المدينة، سمّيت بذلك لأن المسافر كان يشيع إليها ويودع عندها.\n\n[١٣٤٨] وعن أَبي أُمَامَة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غَازيًا في أهْلِهِ بِخَيرٍ، أصَابَهُ اللهُ بِقَارعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nفيه: الوعيد لمن لم يجاهد بنفسه أو ماله.\n\n[١٣٤٩] وعن أنس - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُمْ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.\n\nفيه: وجوب الجهاد بالمال، والنفس، واللسان، قال الله تعالى: ... ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة (٤١)] .","vol":"1","page":739},{"text":"[١٣٥٠] وعن أَبي عمرو - ويقالُ: أَبُو حكيمٍ - النُّعْمَانِ بن مُقَرِّن - ﵁ - قَالَ: شَهِدْتُ رسول الله - ﷺ - إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ من أوَّلِ النَّهَارِ أخَّرَ القِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: أن أحسن أوقات القتال أول النهار وبعد زوال الشمس لبرد الوقت.\nقال ابن رَسْلاَن: وحربه عند هبوب الرياح استبشار بما نصره الله من الرياح، وهذا مفهوم من قوله: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» .\n\n[١٣٥١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال ابن بطال: حكمة النهي، أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن.\nوقال الصدِّيق: لأن أعافى فأشكر، أحب إليَّ من أن أبتلى فأصبر.\nوكان عليٌّ يقول: لا تدعُ إلى المبارزة، فإذا دعيت فأجب تنصر، فإن الداعي باغٍ.","vol":"1","page":740},{"text":"[١٣٥٢] وعنه وعن جابرٍ ﵄: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «الحَرْبُ خَدْعَةٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: خدعة، بتثليث الخاء.\nوفي الحديث: جواز استعمال الحيلة في الحرب مهما أمكن.\nقال المهلب: الخِدَاع في الحرب جائز كيفما أمكن، إلا بالأيمان والعهود والصريح بالأمان، فلا يحل شيء من ذلك.\nقال بعض أهل السير: قال النبي - ﷺ - هذا الكلام يوم الأحزاب لنعيم بن مسعود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>٢٣٥- باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة</span>\nويغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار\n\n[١٣٥٣] عن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالمطعون: وهو الذي مات بالطاعون.\nوالمبطون: من مات بمرض البطن.\nوالغريق: من مات بالغرق.\nوصاحب الهدم: من مات تحته.\nوالشهيد في سبيل الله: المقاتل إيمانًا واحتسابًا.","vol":"1","page":741},{"text":"[١٣٥٤] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ ... فِيكُمْ؟» قالوا: يَا رسولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ: «إنَّ شهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًَا لَقَليلٌ» ! قالوا: فَمَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: ... «مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في سَبيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في البَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالغَرِيقُ شَهِيدٌ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «ومن مات في سبيل الله فهو شهيد»، أي: مات بسبب غير القتال، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران (١٥٧)] .\n\n[١٣٥٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم، أن للرجل أن يدفع (من أراد أن يأخذ ماله أو شيئًا منه ظلمًا)، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان، للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه.\nوعند النسائي: «من قتل دون ماله مظلومًا فله الجنة» .\n\n[١٣٥٦] وعن أَبي الأعْوَر سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل، أحَدِ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهُمْ بِالجَنَّةِ - ﵃ - قال: سَمِعْتُ رسول","vol":"1","page":742},{"text":"الله - ﷺ - يقول: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قتِلَ دُونَ دِينهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nالحديث: دليل على جواز المقاتلة، لمن قصد أحد هؤلاء الخصال بغير حق.\n\n[١٣٥٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، أرَأيتَ إنْ جَاءَ رجلٌ يُرِيدُ أخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأنْتَ شَهِيدٌ» قَالَ: أَرَأيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ» . رواه مسلم.\n\nالأمر بالمقاتله للإباحة، وجميع من ذكر من الشهداء يُغَسَّلون ويُصلَّى عليهم، إلا شهيد المعركة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>٢٣٦- باب فضل العتق</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد (١١: ١٣)] .\n\n﴿اقْتَحَمَ﴾: دخل وتجاوز بشدة، جعل الأعمال الصالحة عقبة، وعملها اقتحامًا لها، لما فيه من مجاهدة النفس، أي: فلم يشكر الإنسان تلك النعم بأعمالها في الحسنات.\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، أي: لم تدر كُنْه صعوبتها وثوابها.\n﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: تفسير للعقبة، أي: تخليصها من الرق.\n﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، أي: مجاعة.\n﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: وخص العتق والإطعام، لما فيهما من النفع المعتدي.","vol":"1","page":743},{"text":"[١٣٥٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْها، عُضْوًا مِنْهُ في النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ ... بِفَرْجِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nفيه: أنه ينبغي أن يكون العتيق كاملًا ليحصل الاستيعاب، وعتق الذكر أفضل، لحديث «أيما امرئ مسلم أعتق امرءًا مسلمًا كان فكاكه من النار، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاك من النار»، رواه الترمذي.\nولأبي داود: «أيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فكاكها من النار» .\n\n[١٣٥٩] وعن أَبي ذرٍ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، أيُّ الأعمَالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «الإيمَانُ بِاللهِ، وَالجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ» قَالَ: قُلْتُ: أيُّ الرِّقَابِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «أنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأكْثَرُهَا ثَمَنًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالحديث: دليل على أنَّ ما كثرت قيمته واغتبط به سيده فعتْقهُ أفضل من غيره، وقد قال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران (٩٢)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>٢٣٧- باب فضل الإحسان إِلَى المملوك</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء (٣٦)] .","vol":"1","page":744},{"text":"يأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له؛ لأنه الخالق الرازق، وأنْ لا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته، ويوصي بالإحسان إلى الوالدين والأقربين، واليتامى، والمساكين، والجيران، والضيوف، والأرقاء؛ لأنَّ الرقيق ضعيف الحليلة أسير في أيدي الناس.\nوعن أبي رجاء الهروي قال: لا تجد سيِّء الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، وتلا: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء (٣٦)]، ولا عاقَّا إلا وجدته جبَّارًا شقيَّا، وتلا: ... ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم (٣٢)] .\n\n[١٣٦٠] وعنِ المَعْرُورِ بن سُوَيْدٍ قَالَ: رَأيْتُ أَبَا ذَرٍ - ﵁ -، وَعَلَيهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلاَمِهِ مِثْلُهَا، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أنَّهُ سَابَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رسول الله - ﷺ - فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِليَّةٌ هُمْ إخْوَانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أيديكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «فعيّره بأمه»، قال له: يا ابن السوداء.\nقوله: «فيك جاهلية»، أي: خلق من أخلاق الجاهلية، وهي ما قبل الإسلام، سُمّوا به لكثرة جهالاتهم.\nقوله: «هم إخوانكم وخولكم»، أي: لأنتم وهم أولاد آدم. وخولكم، أي: خدمكم.\nوفي الحديث: الندب إلى مساواة المماليك في الطعام واللباس، وإنْ كان الاستئثار جائزًا إذا لم ينقصهم عن عادة البلد.\n\n[١٣٦١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَتَى أحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ","vol":"1","page":745},{"text":"أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ؛ فَإنَّهُ وَلِيَ عِلاَجَهُ» . رواه البخاري.\n«الأُكْلَةُ» بضم الهمزة: هِيَ اللُّقْمَةُ.\nفيه: الأمر بالتواضع، وعدم الترفع على المسلم، ويلتحق بالرفيق من في معناه من أجير وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>٢٣٨- باب فضل المملوك الَّذِي يؤدي</span>\nحق الله تعالى وحق مواليه\n\n[١٣٦٢] عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّ العَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\n[١٣٦٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ المُصْلِحِ أجْرَانِ»، وَالَّذِي نَفْسُ أَبي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ لَوْلا الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ وَالحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي، لأَحْبَبْتُ أنْ أَمُوتَ وَأنَا مَمْلُوكٌ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال الحافظ: وإنما استثنى أبو هريرة هذه الأشياء؛ لأن الجهاد والحج يشترط فيهما إذن السيد، وكذلك بر الأم فقد يحتاج فيه إلى إذن السيد في بعض وجوهه، بخلاف بقية العبادات البدنية.\n\n[١٣٦٤] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «المَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، وَالنَّصِيحَةِ، وَالطَّاعَةِ، لهُ أجْرَانِ» . رواه البخاري.","vol":"1","page":746},{"text":"[١٣٦٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلاثَةٌ لَهُمْ أجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أدَّى حَقَّ الله، وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَأدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا؛ فَلَهُ أَجْرَانِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nفي هذا الحديث: فضل هؤلاء الثلاثة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ... ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص (٥٢، ٥٤)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>٢٣٩- باب فضل العبادة في الهرج</span>\nوَهُوَ: الاختلاط والفتن ونحوها\n\n[١٣٦٦] عن مَعْقِلِ بن يسار - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «العِبَادَةُ في الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إليَّ» . رواه مسلم.\n\nقال النووي: سبب كثرة فضل العبادة في الهرج، أنَّ الناس يغفلون ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد.\nقال القرطبي: المتمسك في ذلك الوقت، والمنقطع إليها، المنعزل عن الناس، أجره كأجر المهاجر إلى النبيِّ - ﷺ -؛ لأنه ناسبه من حيث أن المهاجر فرَّ بدينه ممن يصده عنه للاعتصام بالنبيِّ - ﷺ - وكذا هذا المنقطع للعبادة فرَّ من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو في الحقيقة قد هاجر إلى ربه، وفرّض من جميع خلقه.","vol":"1","page":747},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>٢٤٠- باب فضل السماحة في البيع والشراء</span>\nوالأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي\nوإرجاح المكيال والميزان\nوالنهي عن التطفيف وفضل إنظار الموسِر المُعْسِرَ والوضع عَنْهُ\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة (٢١٥)] . أي فيجزيكم عليه قليلًا كان أو كثيرًا.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُم﴾ [هود (٨٥)] .\nيقول تعالى حكايةً لمَّا قال شعيب لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾، أي: الكيل والوزن (بِالْقِسْطِ) بالعدل والسوية. ﴿وَلا تَبْخَسُوا﴾ تنقصوا النَّاسَ أَشْيَاءهُم، تعميم بعد تخصيص، وقيل: كانوا مكاسين.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين (١: ٦)] .\n\nقال الزَّجَّاج: إنما قيل ينقص المكيال والميزان: مطفف؛ لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.\nقال نافع: كان ابن عمر يمرُّ بالبائع فيقول: اتَّقِ الله، أوفِ الكيل والوزن، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة، حتى إنّض العرق ليلجمهم إلى أنصاف إذانهم.\n\n[١٣٦٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبيَّ - ﷺ - يَتَقَاضَاهُ فَأغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أصْحَابُهُ، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «دَعُوهُ، فَإنَّ","vol":"1","page":748},{"text":"لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا» ثُمَّ قَالَ: «أعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ» . قالوا: يَا رسولَ اللهِ، لا نَجِدُ إِلا أمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: «أعْطُوهُ، فإنَّ خَيْرَكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «فإن لصاحب الحق مقالًا»، أي: صولة الطلب، وقوة الحجة.\nوفي الحديث: جواز المطالبة بالدَّين إذا حل أجله.\nوفيه: حسن خلق النبي - ﷺ - وعظم حلمه، وتواضعه، وإنصافه، وأنّ مَنْ عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق.\nوفيه: جواز استقراض الحيوان والسلم فيه.\nوفيه: جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد.\n\n[١٣٦٨] وعن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» . رواه البخاري.\n\nقال البخاري: باب السهولة والسماحة في البيع، ومن طلب حقَّا فليطلبه في عفاف. وذكر الحديث.\nقوله: «فليطلبه في عفاف»، أي: عما لا يحل من قولٍ أو فعل، أشار بهذا إلى ما أخرجه الترمذي وغيره، عن ابن عمر، وعائشة، مرفوعًا: ... «من طلب حقَّا فليطلبه في عفافٍ، وافٍ أو غير وافٍ» .\nوفي الحديث: الحضُّ على السماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم.","vol":"1","page":749},{"text":"[١٣٦٩] وعن أَبي قتادة - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يُنَجِّيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» . رواه مسلم.\n\nهذا مقتبس من مشكاة قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة (٢٨٠)] .\n\n[١٣٧٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nيدخل في التجاوز: الإنظار، والوضيعة، وحسن التقاضي.\n[١٣٧١] وعن أَبي مسعود البدريِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: ... «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الخَيْرِ شَيْءٌ، إِلا أنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِرًا، وَكَانَ يَأمُرُ غِلْمَانَهُ أنْ يَتَجَاوَزُوا عَن المُعْسِر. قَالَ اللهُ - ﷿ -: نَحْنُ أَحَقُّ بذلِكَ مِنْهُ؛ تَجَاوَزُوا عَنْهُ» . رواه مسلم.\n\n[١٣٧٢] وعن حذيفة - ﵁ - قَالَ: أُتَي اللهُ تَعَالَى بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ في الدُّنْيَا؟ قَالَ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ ... حَدِيثًا﴾ قَالَ: يَا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَايعُ النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الجَوَازُ، فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأُنْظِرُ","vol":"1","page":750},{"text":"المُعْسِرَ. فَقَالَ الله تَعَالَى: «أنَا أَحَقُّ بِذا مِنْكَ تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي» فَقَالَ عُقْبَةُ بن عامِر، وأبو مسعودٍ الأنصاريُّ ﵄: هكَذا سَمِعْنَاهُ مِنْ فيِّ رسولِ الله - ﷺ -. رواه مسلم.\n\nقال البخاري: باب من أنظر موسرًا. وذكر حديث حذيفة، قال: قال النبي - ﷺ -: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، قالوا: أعَمِلْتَ من الخير شيئًا؟ قال: كنت آمر فِتْياني أنْ يُنْظِرُوا المعسر ويتجاوزوا عن الموسر» .\nوقال أبو مالك عن ربعي: كنت أيسر على الموسر، وانظر المعسر.\nوقال أبو عوانة عن عبد الملك عن ربعي: أُنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر.\nوقال ابن أبي هند عن ربعي: فأقبل من الموسر، وأتجاوز عن المعسر.\n[١٣٧٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أظَلَّهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: عظم ثواب من أخّر مطالبة المعسر، أو وضع دَيْنِه.\n\n[١٣٧٤] وعن جابر - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - اشْتَرَى مِنْهُ بَعِيرًا، فَوَزَنَ لَهُ فَأرْجَحَ. متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: استحباب الرجحان في الوزن.\n\n[١٣٧٥] وعن أَبي صَفْوَان سُويْدِ بنِ قيسٍ - ﵁ - قَالَ: جَلَبْتُ أنَا وَمَخْرَمَةُ العَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ، فَجَاءنا النبي - ﷺ - فَسَاوَمَنَا","vol":"1","page":751},{"text":"بسَرَاوِيلَ، وَعِنْدِي وَزَّانٌ يَزِنُ بِالأجْرِ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ - لِلْوَزَّانِ: «زِنْ وَأرْجِحْ» . رواه أَبُو داود، والترمذي وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nهَجَر: بفتحتين بلد معروف، وهو قصبة البحرين.\nوفي المثل: كمبضع تمرٍ إلى هَجَر.\n\n***","vol":"1","page":752},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>كتَابُ العِلم</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>٢٤١- باب فضل العلم</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًَا﴾ [طه (١١٤)] .\n\nهذا من أعظم أدلة شرف العلم، وعظمه، إذ لم يؤمر - ﷺ - أنْ يسأل ربه الزيادة إلا منه.\nوروى الترمذي وغيره، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وارزقني علمًا ينفعني، وزدني علمًا، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار» .\nوقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر (٩)] .\n\nهذا استفهام إنكار في معنى النفي، أي: لا استواء بينهم.\nوقال تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ... دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة (١١)] .\n\nأي: ويرفع الله العلماء من المؤمنين درجات بما جمعوا من العلم والعمل.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر (٢٨)] .\n\nوقال ابن عباس: يريد إنما يخافني مِنْ خلقي، مَنْ عَلِمَ جبروتي، وعزَّتي، وسلطاني.\nوقال ابن مسعود: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية.","vol":"1","page":753},{"text":"وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه. ثم تلا: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إن الله عزيز غفور﴾ [فاطر (٢٨)] .\n\n[١٣٧٦] وعن معاوية - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقَّه في الدين على سائر العلم.\nقال الحافظ: ومفهوم الحديث: أنَّ من لم يتفقّه في الدين، أي: يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع، فقد حُرِمَ الخير.\n\n[١٣٧٧] وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا حَسَدَ إِلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\nوالمراد بالحسدِ: الغِبْطَةُ، وَهُوَ أنْ يَتَمَنَّى مِثله.\n\nقال البخاري: باب الاغتباط في العلم والحكمة. وقال عمر: «تفقُّهوا قبل أنْ تسودوا» . وذكر الحديث.\nوالحسد المذكور في الحديث: هو الغبطة، وليس من الحسد المذموم الذي هو تمنّي زوال النعمة عن المنعم عليه، والمراد بالحكمة هنا: القرآن. وقيل: كل ما منع من الجهل، وزجر عن القبيح.","vol":"1","page":754},{"text":"[١٣٧٨] وعن أَبي موسى - ﵁ - قال: قَالَ النبيُّ - ﷺ -: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصَابَ أرْضًا؛ فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبةٌ قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ، وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أجَادِبُ أمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ؛ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كلأً، فَذلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأسًَا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال البخاري: باب فضل من علم وعلَّمَ. وذكر الحديث.\nقوله: «أجادب»، هي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء وجمع - ﷺ - في المثل بين الطائفتين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها.\n\n[١٣٧٩] وعن سهل بن سعد - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ لِعَلِيٍّ - ﵁ -: «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفيه: فضل نشر العلم والدعوة إلى الإسلام.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف (١٠٨)] .\n[١٣٨٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلا","vol":"1","page":755},{"text":"حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: الحضُّ على تعليم القرآن.\nقال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ ... [الأنعام (١٩)]، وتحريم الكذب على رسول الله - ﷺ - والوعيد على ذلك بالنار، وهو من الكبائر.\nقوله: «وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» . قال الحافظ: أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدم منه - ﷺ - الزجر عن الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية، خشية الفتنة. ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك؛ لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار.\n\n[١٣٨١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فضل طلب العلم الديني، وأنّ الله تعالى يوفّق طالبه لسلوك طريق الجنة.\n\n[١٣٨٢] وعنه أَيضًا - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» . رواه مسلم.\n\nفيه: فضل الدعوة إلى الهدى، ولو بإبانته وإظهاره، قليلًا كان أو كثيرًا، وأن الداعي له مثل أجر العامل، وذلك من عظيم فضل الله وكمال كرمه.\n[١٣٨٣] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ","vol":"1","page":756},{"text":"عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . رواه مسلم.\n\nالحديث: دليل على أنه ينقطع أجر كل عمل بعد الموت، إلا هذه الثلاث فإنه يجري ثوابها بعد الموت لدوام نفعها.\nالأولى: الصدقة الجارية، كالوقف ونحوه.\nالثانية: علم ينتفع به كالتعليم والتصنيف.\nالثالثة: دعاء الولد الصالح.\n\n[١٤٨٤] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلا ذِكْرَ الله تَعَالَى، وَمَا وَالاهُ، وَعَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nقَوْله: «وَمَا وَالاَهُ»: أيْ طَاعة الله.\n\nالملعون من الدنيا، ما ألهى عن طاعة الله.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون (٩)] .\n\n[١٣٨٥] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ خَرَجَ في طَلَبِ العِلْمِ كَانَ في سَبيلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nوجه مشابهة طلب العلم بالجهاد في سبيل الله، أنه إحياء للدين، وإذلال للشيطان وإتْعابٌ للنفس، وكسر للهوى واللذة.","vol":"1","page":757},{"text":"قال البخاري: باب الخروج في طلب العلم، ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهرٍ إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد. وذكر حديث ابن عباس في سفر موسى ﵇ إلى الخضر.\nوفيه: ما كان عليه الصحابة من الحرص على تحصيل السنن النبوية.\nقيل لأحمد: رجل يطلب العلم، يلزم رجلًا عنده علم كثير، أو يرحل؟ قال: يرحل يكتب عن علماء الأمصار، فيشام الناس ويتعلّم منهم.\n\n[١٣٨٦] وعن أَبي سعيدٍ الخدري - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لَنْ يَشْبَعَ مُؤْمِنٌ مِنْ خَيْرٍ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي وقال: ... (حديث حسن) .\n\nقوله: «لن يشبع المؤمن من خير»، أي: من كل مُقَرَّبٍ إلى الله تعالى، وأشرفها العلم الديني.\nوفي بعض الآثار: «اثنان لا يشبعان ولا يستويان: طالب علم، وطالب دنيا»\n\n[١٣٨٧] وعن أَبي أُمَامَة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أدْنَاكُمْ» .\nثُمَّ قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأهْلَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي النَّاسِ الخَيْرَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .","vol":"1","page":758},{"text":"فيه: عِظَمُ شرف العلماء الذين تعلموا العلم، وقاموا بحقه من عمل، أو نفع، أو هداية، أو غير ذلك من حقوق العلم النافع، وأنهم بمنزلة الأنبياء.\n[١٣٨٨] وعن أَبي الدرداء - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإنَّ المَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الحيتَانُ في المَاءِ، وَفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي.\n\nقوله: «وإن العلماء ورثة الأنبياء»، أي: في العلم، والعمل، والكمال، ولا يتم ذلك إلا لمن صفى علمه، وعمله، فسَلِمَ من الإخلاد إلى الشهوات الخافضة.\nقال الحسن: من طلب العلم يريد ما عند الله، كان خيرًا له مما طلعت عليه الشمس.\nوقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.\n\n[١٣٨٩] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقوله: «نضر الله امرءًا»، أي: نعَّمه. والنضارة في الأصل: حسن الوجه والبريق. وإنما أراد حسن خلقه وقدره. قاله في النهاية.\nقال بعضهم: إني لأرى في وجوه أهل الحديث نضرة. أشار به إلى إجابة الدعوة لهم.","vol":"1","page":759},{"text":"وفيه: فضيلة للضابط الحافظ ألفاظ السنَّة.\nوروى الشافعي وغيره: (نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها، فَرُبَّ حاملِ فقهٍ غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه) .\n[١٣٩٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: عِظَم وعيدِ من كتم العلم الشرعي لغرض دنيوي.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة (١٧٤)] .\n\n[١٣٩١] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ - ﷿ - لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . يَعْنِي: رِيحَهَا. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nفيه: وعيد شديد لمن تعلّم علوم الدين، ولا يقصد بذلك إلا الدنيا.\nقال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود (١٥، ١٦)] .\n[١٣٩٢] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄،","vol":"1","page":760},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «إنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزعهُ مِنَ النَّاسِ، وَلكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأفْتوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأضَلُّوا» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال البخاري: باب كيف يُقْبَض العلم.\nوكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله - ﷺ - فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، ولا تَقْبَلْ إلا حَدِيثَ رسول الله - ﷺ - ولتفشوا العلم، ولِتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا. وذكر الحديث.\nقال الحافظ: وفيه: الحث على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهلة.\nوفيه: أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذم من يقدم عليها بغير علم، وقال البخاري أيضًا: باب رفع العلم وظهور الجهل. وقال ربيعة: لا ينبغي لأحدٍ عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه، وذكر حديث أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنّ من أشراط الساعة أنْ يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا» .\nقال الحافظ: ومراد ربيعة: أنَّ من كان فيه فهم وقابلية للعلم، لا ينبغي له أنْ يهمل نفسه فيترك الاشتغال به، لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم.\nأو مراده: الحثّ على نشر العلم في أهله، لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم.\nأو مراده: أن يشهر العالم نفسه، ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه.\nوقيل: مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يهين نفسه بأنْ يجعله عرضًا للدنيا. وهذا معنى حسن، لكن اللائق بتبويب المصنف، ما تقدم، انتهى. والله أعلم.","vol":"1","page":761},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>كتَاب حَمد الله تَعَالَى وَشكره</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>٢٤٢- باب فضل الحمد والشكر</span>\nالحمد أعم من الشكر، وقيل: الحمد باللسان قولًا، وبالأركان فعلًا.\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ... [البقرة (١٥٢)] .\n\nقال ابن عباس: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمعونتي.\nوعن زيد بن أسلم: أن موسى ﵇ قال: يَا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني.\nوعن ابن عباس في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، قال: ذكر الله إيَّاكم أكبر من ذكركم إياه.\nوفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: «من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خيرٍ منهم» .\nوقال تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم (٧)] .\n\nأي: لئن شكرتم نعمتي، وأَطَعتموني لأزيدنكم في النعمة.","vol":"1","page":762},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ﴾ [الإسراء (١١١)] .\nوقال ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [يونس (١٠)] .\n\nعن كثير من السلف: أن أهل الجنة كلما اشتهوا شيئًا قالوا: سبحانك اللَّهُمَّ، فيأتيهم الملك بما يشتهون، ويسلِّم عليهم، فيردُّون عليه. وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ [يونس (١٠)]، فإذا أكلوا، وحمدوا الله. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .\nوقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام (١)] .\nوقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر (٧٥)] .\nقال ابن عباس: افتتح الله الخلق بالحمد، وختمه بالحمد.\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص (٧٠)] .\n\n[١٣٩٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ. فَقَالَ جِبريل: الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلفِطْرَةِ لَوْ أخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. رواه مسلم.\n\nقال النووي: فسروا الفطرة هنا، بالإسلام والاستقامة، ومعناه والله أعلم: اخترت علامة للإسلام والاستقامة، وجعل اللَّبَن علامة ذلك، لكونه سهلًا طيبًا طاهرًا سائغًا للشاربين، سليم العاقبة. والخمر أم الخبائث، جالبة لأنواع من الشر، حالًا ومآلًا.","vol":"1","page":763},{"text":"[١٣٩٤] وعنه: عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدأُ فِيهِ بِالحَمْدُ للهِ فَهُوَ أقْطَعُ» . حديث حسن، رواه أَبُو داود وغيره.\n\nقوله: «كل أمر ذي بال»، أي: ذي شأن يُهتم به شرعًا. «لا يبدأ فيه بالحمد لله فهوأقطع»، أي: ناقص البركة.\n\n[١٣٩٥] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدي؟ فَيقولون: نَعَمْ، فيقول: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ؟ فيقولون: نَعَمْ، فيقول: ماذا قَالَ عَبْدِي؟ فَيقولون: حَمدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فيقُولُ اللهُ تَعَالَى: ابْنُوا لِعَبْدي بَيتًا في الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالولد هنا شامل للبالغ، وغيره، والذكر، والأنثى. وسمي ثمرةً لكونه بمنزلة خلاصة الخلاصة.\nوفيه: كمال فضل الصبر على فقد الصفيّ. كما في حديث الآخر: ... «ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صفيّه من الدنيا فاحْتَسَبَ إلا الجنة» .\n\n[١٣٩٦] وعن أنس - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله لَيرْضَى عَنِ العَبْدِ يَأكُلُ الأَكْلَةَ، فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَة، فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: بيان فضل الحمد عند الطعام والشراب، وهذا من كرم الله تعالى، فإنه الذي تفضَّل عليك بالرزق، ورضي عنك بالحمد.","vol":"1","page":764},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>كتاب الصَّلاة عَلَى رَسُول الله - ﷺ </span>-\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>٢٤٣- باب فضل الصلاة عَلَى رسول الله - ﷺ </span>-\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب (٥٦)] .\n\nأمر الله كل مؤمن بالصلاة والسلام على النبي - ﷺ - ووطأ قبله بالإخبار عنه تعالى، وعن ملائكته الكرام، بأنهم دائمون على ذلك.\nقال أبو العالية: صلاة الله تعالى: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء.\nوقال ابن عباس: يصلون: يبركون.\nوروي عن سفيان الثوري، وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة. وصلاة الملائكة: الاستغفار.\nقال ابن كثير: والمقصود من هذه الآية، أنَّ الله ﷾ أخبر عبادة بمنزلة عبده ونبيّه في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأنَّ الملائكة تصلّي عليه.\nثم أمر تعالى أهل العالم السُّفْلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العَالَمِيْن: العلوي والسفلي جميعًا.","vol":"1","page":765},{"text":"[١٣٩٧] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄: أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» . رواه مسلم.\n\nالحديث: رواه أحمد أيضًا عن أبي موسى بلفظ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً واحدةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات» .\n\n[١٣٩٨] وعن ابن مسعود - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَومَ القِيَامَةِ أكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاَةً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقوله: «أولى الناس بي»، أي: أخص أمتي بي، وأقربهم مني، وأحقهم بشفاعتي يوم القيامة، أكثرهم علَّي صلاة.\n\n[١٣٩٩] وعن أوس بن أوس - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّ مِنْ أفْضَلِ أيَّامِكُمْ يَومَ الجُمُعَةِ، فَأكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» . فَقَالُوا: يَا رسول الله، وَكَيفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟! قَالَ: يقولُ بَلِيتَ. قَالَ: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.\n\nفي هذا الحديث: استحباب كثرة الصلاة على النبي - ﷺ - يوم الجمعة.\n\n[١٤٠٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «","vol":"1","page":766},{"text":"رَغِمَ أنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: استحباب الصلاة عليه - ﷺ - إذا ذكر، وذم من لم يصلِّ عليه إذا ذُكِرَ عنده.\n[١٤٠١] وعنه - ﵁ -: قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.\n\nأول الحديث: «لا تجعلوا بيتوكم قبورًا»، أي: لا تعطلوها عن الصلاة فيها، فتكونَ بمنزلة القبور، فأمر بتحرِّي العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى، ومن تشبه بهم من هذه الأمة.\nقوله: «ولا تجعلوا قبري عيدًا» . العيد: ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان.\nقوله: «وصلوا عَلَيَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» . يشير بذلك إلى أنَّ ما ينالني منكم من الصلاة والسلام، يحصل مع قربكم من قبري، وبعدكم فلا حاجة لكم إلى اتخاذه عيدًا.\n\n[١٤٠٢] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.\n\nعن سهيل بن أبي صالح، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عند القبر، فناداني – وهو في بيت فاطمة ﵂ يتعشَّى – فقال: هَلُمَّ إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي - ﷺ - فقال: إذا دخلت المسجد","vol":"1","page":767},{"text":"فسلم. ثم قال: إنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا»، «ولا تتخذوا بيتوكم مقابر»، «وصلوا عَلَيَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم»، «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ما أنتم ومَنْ بالأندلس إلا سواء. رواه سعيد بن منصور.\n[١٤٠٣] وعن عليّ - ﵁ - قال: قَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقوله: «البخيل»، أي: كامل البخل.\nوفي رواية: «البخيل كل البخل من ذُكِرْت عنده فلم يصل عَلَيَّ» .\n\n[١٤٠٤] وعن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ - ﵁ - قال: سَمِعَ رسول الله - ﷺ - رَجُلًا يَدْعُو في صَلاَتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ الله تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النبي - ﷺ - فَقَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «عَجِلَ هَذَا» ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ - أَوْ لِغَيْرِهِ -: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النبي - ﷺ - ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: استحباب بدء الدعاء بالحمد لله، والصلاة على نبيه - ﷺ -.\n\n[١٤٠٥] وعن أَبي محمدٍ كعبِ بن عُجْرَة - ﵁ - قال: خَرَجَ عَلَيْنَا النبي - ﷺ - فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ،","vol":"1","page":768},{"text":"فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجْيدٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: (قد علمنا كيف نسلم عليك)، أي: بما علمهم في التشهد من قولهم: السَّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.\n[١٤٠٦] وعن أَبي مسعودٍ البدري - ﵁ - قال: أتَانَا رسول الله - ﷺ - وَنَحنُ في مَجْلِسِ سَعدِ بن عُبَادَةَ - ﵁ -، فَقَالَ لَهُ بَشْيرُ بْنُ سَعدٍ: أمَرَنَا الله تَعَالَى أنْ نُصَلِّي عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رسول الله - ﷺ - حَتَّى تَمَنَّيْنَا أنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلاَمُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «كما صليت على إبراهيم» . «وكما باركت على إبراهيم» . وقع للبخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء في ترجمة إبراهيم ﵇، من حديث كعب بن عجرة بلفظ: «كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم» . وكذا قوله: «كما باركت» ... .\n\n[١٤٠٧] وعن أَبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ - ﵁ - قال: قالوا: يَا رسولَ الله كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى","vol":"1","page":769},{"text":"مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجِيدٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقوله: «وعلى أزواجه» . زوجاته - ﷺ -: إحدى عشرة، توفي منهن اثنتان على عهده، ومات عن تسع.\n«وذريته»، أي: جميع أولاده، وبناته، وذريتهن.","vol":"1","page":770},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>كتاب الأذْكَار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>٢٤٤- باب فَضلِ الذِّكْرِ وَالحَثِّ عليه</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلذِكْرُ الله أكْبَرُ﴾ [العنكبوت (٤٥)] .\n\nأي: ذكر الله أفضل الطاعات.\nوقال ابن عباس: يقول ولذكر الله أكبر إذا ذكروه من ذكرهم إياه.\nوقال تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة (١٥٢)] .\n\nقال ابن عباس: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمعونتي.\nوفي الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» .\nوقال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾ [الأعراف (٢٠٥)] .\n\nقال مجاهد: أَمَرَ أن يذكروه في الصدور، وبالتضرع إليه في الدعاء، والاستكانة، دون رفع الصوت، والصياح بالدعاء.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًَا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال (٤٥)] .\n\nقال قتادة: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون عند الضرب بالسيوف.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ... ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب (٣٥)] .","vol":"1","page":771},{"text":"يخبر الله تعالى أنه هيَّأ لهؤلاء المذكورين مغفرة منه لذنوبهم، وثوابًا عظيمًا، وهو الجنة.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب (٤١، ٤٢)] .\nأشار بذلك للآيات بعد الرغبة في الذكر لما اشتملت عليه من صلاة الله وملائكته على الذاكرين، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب (٤٣، ٤٤)] .\nوَالآيَاتُ فِي البَابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.\nأي: وكثرتها تمنع من استيعابها، دفعًا للتطويل، وفيما ذكر كفاية لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.\n\n[١٤٠٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العظيمِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: بيان سعة رحمة الله بعباده، حيث يجزي على العمل القليل بالثواب الجزيل.\n\n[١٤٠٩] وعنه - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلا إلهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أكْبَرُ، أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «سبحان الله» . التسبيح: التنزيه لله عما لا يليق به. والحمد: الثناء عليه بنعوت الكمال. ولا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله. والتكبير: التعظيم.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر (٦٧)] .","vol":"1","page":772},{"text":"[١٤١٠] وعنه: أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَالَ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ؛ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، في يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِي، وَلَمْ يَأتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلا رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْهُ» .\nوقال: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، في يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: بيان فضل الذكر، وسعة رحمة الله تعالى ومغفرته.\n\n[١٤١١] وعن أَبي أيوب الأنصاريِّ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَالَ لا إلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ. كَانَ كَمَنْ أعْتَقَ أرْبَعَةَ أنْفُسٍ منْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي الحديث: دليل على أن الكافر الأصلي من ولد إسماعيل يرق كالكافر الأصلي من غيرهم، وخص ولد إسماعيل ﵇ لشرفهم.\n\n[١٤١٢] وعن أَبي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لي رسولُ الله - ﷺ -: «ألا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلاَمِ إِلَى اللهِ؟ إنَّ أَحَبَّ الكَلاَمِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» . رواه مسلم.\n\nالواو: واو الحال، أي: أسبحه متلبسًا بحمدي له من أجل توفيقه لي،","vol":"1","page":773},{"text":"فكانت سبحان الله وبحمده أحب الكلام إلى الله، لاشتمالها على التقديس والتنزيه، والثناء بأنواع الجميل.\n[١٤١٣] وعن أَبي مالك الأشعري - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: ... «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، وَالحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «الطُّهور شطر الإيمان»، أي: نصفه؛ لأن خصال الإيمان قسمان: ظاهرة، وباطنة، فالطهور من الخصال الظاهرة، والتوحيد من الخصال الباطنة، ولهذا قال - ﷺ -: «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» .\nقوله: «والحمد لله تملأ الميزان»، أي: عِظَم أجرها يملأ ميزان الحامد لله تعالى.\nقوله: «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات والأرض»، أي: لو كان جسمين لملآ ما ذكر، ففيه عظم فضلهما وعلوِّ مقامهما.\n\n[١٤١٤] وعن سعد بن أَبي وقاصٍ - ﵁ - قال: جَاءَ أعْرَابيٌّ إِلَى رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلاَمًا أقُولُهُ. قَالَ: «قُلْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، اللهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالِمينَ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ» قَالَ: فهؤُلاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» . رواه مسلم.","vol":"1","page":774},{"text":"الذكر ثناء ودعاء، كما في سورة الفاتحة؛ ولهذا قال الأعرابي للجمل الأولى: فهؤلاء لربي فما لي؟ أي: فأي شيء أدعو به مما يعود لي بنفعٍ ديني أو دنيوي، فأمره أن يطلب من الله المغفرة، والرحمة، والهداية، والرزق.\n[١٤١٥] وعن ثَوبانَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًَا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ» قِيلَ لِلأوْزَاعِيِّ - وَهُوَ أحَدُ رواة الحديث -: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تقول: أسْتَغْفِرُ الله، أسْتَغْفِرُ الله. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية الاستغفار بعد الصلاة.\nوفيه: إيماء إلى أنه ينبغي عدم النظر لما يأتي به العبد من الطاعة، فذلك مزيد للقول، والتكرار للمبالغة في رؤية النقص فيما جاء به من العبادة.\n\n[١٤١٦] وعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالجدُّ: الحظ والغنى، أي: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه، إنما ينفعه عنايتك به، وما قدمه من صالح العمل.\nقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء (٨٨، ٨٩)] .\n[١٤١٧] وعن عبدِ الله بن الزُّبَيْرِ رضي الله تَعَالَى عنهما أنَّه كَانَ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ، حِيْنَ يُسَلِّمُ: «لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ","vol":"1","page":775},{"text":"المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، لا إلهَ إِلا اللهُ، وَلا نَعْبُدُ إِلا إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لا إلهَ إِلا اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ» . قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَكَانَ رسول الله - ﷺ - يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية التهليل خلف الصلاة المكتوبة.\n\n[١٤١٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ فُقَراءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ذَهَبَ أهْلُ الدُّثورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أمْوَالٍ، يَحُجُّونَ، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ. فَقَالَ: «ألا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُون أَحَدٌ أفْضَلَ مِنْكُمْ إِلا منْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، خَلْفَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ» . قَالَ أَبُو صالح الراوي عن أَبي هريرة، لَمَّا سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِنَّ قَالَ: يقول: سُبْحَان اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ واللهُ أكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنهُنَّ كُلُّهُنَّ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ. متفقٌ عَلَيْهِ.\nوزاد مسلمٌ في روايته: فَرَجَعَ فُقَراءُ المُهَاجِرينَ إِلَى رسول الله - ﷺ - فقالوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أهْلُ الأمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ؟ فَقَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» .\n«الدُّثُورُ» جمع دَثْر - بفتح الدال وإسكان الثاء المثلثة - وَهُوَ: المال الكثير.","vol":"1","page":776},{"text":"في هذا الحديث: فضيلة الذكر.\nوفيه: أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيب بنفس الفاضل لئلا يقع الخلاف.\nوفيه: التوسعة في الغبطة، والفرق بينها وبين الحسد المذموم.\nوفيه: المسابقة إلى الأعمال المحصِّلة للدرجات العالية، لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم.\nوفيه: أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاق.\nوفيه: أن العمل القاصر قد يساوي المتعدي.\n\n[١٤١٩] وعنه عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ الله في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وحَمِدَ اللهَ ثَلاثًا وَثَلاَثِينَ، وَكَبَّرَ الله ثَلاثًا وَثَلاَثِينَ، وقال تَمَامَ المِئَةِ: لا إلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» . رواه مسلم.\n\nالحديث: دليل على استحباب هذا الذكر عقب الصلوات المكتوبة.\n\n[١٤٢٠] وعن كعب بن عُجْرَةَ - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ:\n«مُعَقِّباتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلاثٌ وَثَلاثونَ تَسْبِيحَةً. وَثَلاثٌ وثَلاَثونَ تَحْمِيدَةً، وَأرْبَعٌ وَثَلاَثونَ تَكْبِيرَةً» . رواه مسلم.\n\nسميت معقبات؛ لأنها تفعل مرة بعد مرة.\n[١٤٢١] وعن سعد بن أَبي وقاص - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ يَتَعَوَّذُ دُبُرَ الصَّلَواتِ بِهؤُلاءِ الكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعوذُ بِكَ","vol":"1","page":777},{"text":"مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» . رواه البخاري.\n\nالجُبْن: ضعف القلب، وهو ضد الشجاعة، والبخل: ضد السخاء.\nوأرذل العمر: الهرم. وعن عليّ ﵁، أنه خمس وسبعون سنة، ففيه ضعف القوى، وسوء الحفظ، وقلة العلم.\nوفتنة الدنيا: الابتلاء بالغنى، أو الفقر المشغل عن طاعة الله تعالى.\nوفتنة القبر: سؤال منكر ونكير، فيثبت الله المؤمن، ويضل المنافق.\nقال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم (٢٧)] .\n\n[١٤٢٢] وعن معاذ - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - أخذ بيده، وقال:\n«يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ» فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَة تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nفي هذا الحديث: شرف لمعاذ ﵁، وفي الدعاء بهذه الألفاظ القليلة مطالب الدنيا والآخرة.\n[١٤٢٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أرْبَعٍ، يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية الاستعاذة بالله من هذه الأربع لعظم الأمر فيها وشدة البلاء في وقوعها.","vol":"1","page":778},{"text":"[١٤٢٤] وعن عليٍّ - ﵁ - قال: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ، وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إِلا أنْتَ» . رواه مسلم.\n\nقال البيهقي: قدَّم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخَّر من شاء عن مراتبهم وثبطهم بمحنها.\nفي هذا الحديث: خضوع النبي - ﷺ - لربه، وأداؤه لحق مقام العبودية، وحثٌ للأمة على الاستغفار.\n\n[١٤٢٥] وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ النبيُّ - ﷺ - يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب هذا الذكر في حال الركوع والسجود.\nقال النووي: ومعنى «وبحمدك»، أي: وبتوفيقك لي، وهدايتك، وفضلك عليَّ، سبحتك لا بحولي وقوتي.\nففيه: شكر الله تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إليه تعالى، وأن كل الأفضال له.\n[١٤٢٦] وعنها أنَّ رسول الله - ﷺ - كَانَ يقولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ... «سبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":779},{"text":"قال في القاموس: وسبوح قدوس، ويفتحان، من صفاته تعالى؛ لأنه يُسَبَّحُ وَيُقَدَّسُ.\nوقال في «النِّهاية»: يرويان بالضم والفتح، والفتح أقيس، والضم أكثر استعمالًا، وهو من أبنية المبالغة، والمراد بهما التنزيه.\nقال الشارح: وهما اسمان وضعا للمبالغة في النزاهة والطهارة عن كل ما لا يليق بجلاله تعالى، وكبريائه، وعظمته، وأفضاله، أي: ركعوي وسجودي لمن هو البالغ في النزاهة والطهارة، المبلغَ الأعلى.\n\n[١٤٢٧] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: «فَأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ - ﷿ -، وَأمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» . رواه مسلم.\n\nفيه: استحباب تعظيم الله في الركوع، وكثرة الدعاء في السجود.\n\n[١٤٢٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» . رواه مسلم.\n\nفيه: استحباب كثرة الدعاء في السجود، ولأنه من مواطن الإجابة.\n\n[١٤٢٩] وعنه: أنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ في سجودِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ: دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":780},{"text":"فيه: التضرع إلى الله تعالى، وطلبه المغفرة من جميع الذنوب، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح (١: ٣)] .\n\n[١٤٣٠] وعن عائشة ﵂ قالت: افْتَقَدْتُ النبي - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَتَحَسَّسْتُ، فإذا هُوَ راكِعٌ - أَوْ سَاجِدٌ - يقولُ: «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لا إلهَ إِلا أنت» وفي روايةٍ: فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ في المَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «لا أحصي ثناءً عليك»، أي: لا أطيق أن أحصره.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم (٣٤)] .\n«أنت كما أثنيت على نفسك»، بقولك: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية (٣٦، ٣٧)] .\nوغيرها من الآيات والأحاديث القدسية.\n[١٤٣١] وعن سعد بن أَبي وقاصٍ - ﵁ - قَالَ: كنا عِنْدَ رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: «أيعجزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكْسِبَ في كلِّ يومٍ ألْفَ حَسَنَةٍ!» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ ألفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: «يُسَبِّحُ مِئَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ ألْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ ألفُ خَطِيئَةٍ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":781},{"text":"قَالَ الحُمَيْدِيُّ: كذا هُوَ في كتاب مسلم: «أَوْ يُحَطُّ» قَالَ البَرْقاني: ورواه شُعْبَةُ وأبو عَوَانَة، وَيَحْيَى القَطَّانُ، عن موسى الَّذِي رواه مسلم من جهتِهِ فقالوا: «ويحط» بغير ألِفٍ.\n\nفي هذا الحديث: سعة فضل الله ورحمته، قال الله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام (١٦٠)] .\n\n[١٤٣٢] وعن أَبي ذر - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: «يُصْبحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقةٌ: فَكُلُّ تَسْبيحَةٍ صَدَقةٌ، وَكُلُّ تَحْميدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وأمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيجْزئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» . رواه مسلم.\n\nالسُّلامى: هي المفاصل والأعضاء، قال النبي - ﷺ -: «خلق الله ابن آدم على ستين وثلاثِ مئةِ مفصل» .\nقوله: «ويجزي من ذلك ركعتان يركعها من الضحى» .\nقال ابن دقيق العيد: أي: يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان، فإن الصلاة عملٌ لجميع أعضاء الجسد.\n[١٤٣٣] وعن أم المؤمنين جُويْريَةَ بنت الحارِث ﵂: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - خرجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِيْنَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ في مَسْجِدِها، ثُمَّ رَجَعَ بَعدَ أنْ أضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فقالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى","vol":"1","page":782},{"text":"الحالِ الَّتي فَارقَتُكِ عَلَيْهَا؟» قالت: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» . رواه مسلم.\nوفي روايةٍ لَهُ: «سُبْحانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ الله رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ» .\nوفي رواية الترمذي: «ألا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهَا؟ سُبحَانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبحَانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبحَانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ الله رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ الله زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرشِهِ، سُبْحَانَ الله زِنَةَ عَرشِهِ، سُبْحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ» .\n\nفيه: شرف هذا الذكر بأي صيغة من صيغه المذكورة.\nوفيه: دليل على فضل هذه الكلمات الجوامع، والأحسن الإتيان بجميع ما ذكر في هذه الروايات.\n\n[١٤٣٤] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ» . رواه البخاري.\nورواه مسلم فَقَالَ: «مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، وَالبَيْتِ الَّذِي لا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ» .\n\nقال العيني: وجه الشبه بين الذكر والحي: الاعتداد والنفع والضرر","vol":"1","page":783},{"text":"ونحوهما، وبين تارك الذكر والميت: التعطيل في الظاهر، والبطلان في الباطن.\n\n[١٤٣٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: «يقول الله تَعَالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرنِي في ملأٍ ذَكرتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nالحديث: دليل على فضل الذكر سرًا وعلانية، وأن الله مع ذاكره برحمته، ولطفه، وإعانته، والرضا بحاله، وهذه معية خاصة.\nكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ ... [النحل (١٢٨)] .\n\n[١٤٣٦] وعنه قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «سَبَقَ المُفَرِّدُونَ» قالوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ؟ يَا رسولَ الله قال: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كثيرًا والذَّاكِرَاتِ» . رواه مسلم.\nوَرُوي: «المُفَرَدُونَ» بتشديد الراءِ وتخفيفها والمشهُورُ الَّذِي قَالَهُ الجمهُورُ: التَّشْديدُ.\n\nقال في القاموس: وَفَرَدَ تفريدًا، تفقّه واعتزل الناس، وخلا لمراعاة الأمر والنهي. ومنه: «طوبى للمفرِّدين، وسبق المفرِّدون» . وهم المهتزون بذكر الله تعالى، وهم أيضًا الذين هلكت لذَّاتهم وبقوا هُم.\nوقال في النهاية: سبق المفرِّدون. وفي رواية: «طوبى للمفرِّدين» . قيل: وما المفرِّدون؟ قال: «الذين اهتزوا في ذكر الله تعالى» .","vol":"1","page":784},{"text":"يقال: فرد برأيه، وأفرد وفرَّد، واستفرد، بمعنى: انفرد به.\nوقيل: فرد الرجل إذا تفقه واعتزل الناس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي.\nوقيل: هم الهرمى الذين هلك أقرانهم من الناس، وبقوا يذكرون الله.\nقال الشارح: واللفظان وإنْ اختلفا في الصيغة، فإن كل واحد منهما في المعنى قريب من الثاني إذ المراد المستخلصون لعبادة الله المتخلون لذكره عن الناس، المعتزلون فيه، المتبتلون إليه.\n\n[١٤٣٧] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله - ﷺ - يقولُ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ: لا إلهَ إِلا اللهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nلا إله إلا الله، هي أفضل ما قاله النبيون، وهي كلمة التوحيد والإخلاص. وقيل: هي اسم الله الأعظم.\n\n[١٤٣٨] وعن عبد الله بن بسر - ﵁ - أنَّ رجلًا قَالَ: يَا رسولَ الله، إنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَليَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيءٍ أَتَشَبثُ بِهِ قَالَ: «لا يَزالُ لِسَانُكَ رَطبًا مِنْ ذِكْرِ الله تعالى» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nرطوبة اللسان بالذكر، عبارة عن مداومته، وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران (١٩٠، ١٩١)] .\nقال الحسن: أحب عباد الله إلى الله أكثرهم له ذكرًا، وأتقاهم قلبًا.\nوقيل لبعض الصالحين: ألا تستوحش وحدك؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: «أنا جليس من ذكرني» .","vol":"1","page":785},{"text":"[١٤٣٩] وعن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «من قَالَ: سُبْحان الله وبِحمدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن) .\nيشهد لهذا الحديث قوله - ﷺ - في حديث الإِسراء عن إبراهيم ﵇: «إن الجنة قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» .\n\n[١٤٤٠] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لَقِيْتُ إبْرَاهِيمَ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ أقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلاَمَ، وَأَخْبِرْهُمْ أنَّ الجَنَّةَ طَيَّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الماءِ، وأنَّهَا قِيعَانٌ وأنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، وَلا إلهَ إِلا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nتراب الجنة المسك والزعفران، وإذا طابت التربة وعذب الماء كان الغرس أطيب وأفضل.\nوالقيعان: جمع قاع، وهو المكان الواسع المستوي من الأرض.\nقال العاقولي: معنى تقرير الكلام أنَّ الجنة ذات قيعان، وذات أشجار، فما كان قيعانًا فغراسه سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.\n\n[١٤٤١] وعن أَبي الدرداءِ - ﵁ - قال: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «ألا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أعْمالِكُمْ، وأزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وأرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيرٍ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أن تَلْقَوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ؟» قَالَوا: بَلَى، قَالَ: «ذِكر الله تَعَالَى» . رواه الترمذي، قَالَ الحاكم أَبُو عبد الله: «إسناده صحيح» .","vol":"1","page":786},{"text":"هذا الحديث: يدل على أنّ الذكر أفضل من الصدقة والجهاد.\n[١٤٤٢] وعن سعد بن أَبي وقاص - ﵁ - أنَّه دخل مَعَ رسُولِ الله - ﷺ - عَلَى امْرأةٍ وَبَيْنَ يَدَيْها نَوىً - أَوْ حَصَىً - تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: «أَلا أُخْبِرُكِ بما هُوَ أيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا - أَوْ أفْضَلُ -» فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ في السَّمَاءِ، وسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ في الأرْضِ، وسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وسُبحَانَ الله عَدَدَ مَا هو خَالِقٌ، واللهُ أكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، والحَمْدُ للهِ مِثْلَ ذَلِكَ؛ وَلا إلَهَ إِلا اللهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ مِثْلَ ذَلِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: دليل على أنَّ التسبيح بغير الأصابع جائز. لأن النبي - ﷺ - لم ينهها عن ذلك، لكنه دلّها على ما هو أفضل منه.\n\n[١٤٤٣] وعن أَبي موسى - ﵁ - قَالَ: قَالَ لي رسولُ الله - ﷺ -: «ألا أدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟» فقلت: بلى يَا رسولَ الله قَالَ: «لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقال النَّووي: المعنى أنَّ قائلها يحصِّل ثوابًا نفيسًا يُدَّخر له في الجنة، وهي كلمة استسلام، وتفويض. وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا، ولا له حيلة في دفع شر، ولا في جلب خير إلا بإرادة الله تعالى.\nقوله: «لا حول ولا قوَّة إلا بالله»، قال الشارح: أي، لا تحويل للعبد عن معصية الله، ولا قوَّة له على طاعة الله، إلا بتوفيق الله.","vol":"1","page":787},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>٢٤٥- باب ذكر الله تَعَالَى قائمًا أَوْ قاعدًا ومضطجعًا</span>\nومحدثًا وجنبًا وحائضًا إِلا القرآن فَلا يحل لجنب وَلا حائض\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران (١٩٠، ١٩١)] .\n\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هذه في ارتفاعها واتِساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها، وما فيهما من الآيات العظيمة المشاهدة.\n﴿وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما وتقارضهما، الطول والقصر.\n﴿لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ﴾ أي: العقول الذكية.\n﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾، أي: في جميع أحوالهم.\n﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، أي: ما فيهما من الحِكَم الدالة على عظمة الخالق، وقدرته، وتوحيده، وحكمته.\nوقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله ﷿ حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة.\n\n[١٤٤٤] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسُولُ الله - ﷺ - يَذْكُرُ اللهَ تعالى عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. رواهُ مسلم.\n\nفيه: مشروعية الذكر على كل حال طاهرًا أو مُحْدثًا.\n\n[١٤٤٥] وعن ابن عباسٍ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لَوْ أنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقوله: «لم يضره» . في رواية: «لم يضره الشيطان أبدًا»، أي: لم يسلّط عليه","vol":"1","page":788},{"text":"لأجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء (٦٥)] .\nوقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الإسراء (٦٤)] .\nقال مجاهد: إن الذي يجامع ولا يسمّي، يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه.\nقيل للبخاري: من لا يحسنها بالعربية يقولها بالفارسية؟ قال: نعم.\nوفي الحديث: استحباب التسمية والدعاء والمحافظة على ذلك في كل حال، حتى في حالة الملاذ.\nوفيه: الاعتصام بذكر الله ودعائه من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من جميع الأسواء.\nوفيه: إشارة إلى أنّ الشيطان ملازم لابن آدم لا ينطرد عنه إلا إذا ذكر الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>٢٤٦- باب مَا يقوله عِنْدَ نومه واستيقاظه</span>\n\n[١٤٤٦] عن حُذَيفَةَ وأبي ذرٍ ﵄ قالا: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - إِذَا أوَى إِلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا وَأموتُ» وَإذَا اسْتَيقَظَ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بعْدَ مَا أماتَنَا وإِلَيْهِ النُّشُورُ» . رواه البخاري.\n\nالنوم أخو الموت، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر (٤٢)] .","vol":"1","page":789},{"text":"وفي الحديث: استحباب هذا الذكر عند الاضطجاع، وعند الانتباه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>٢٤٧- باب فضل حِلَقِ الذكر</span>\nوالندب إِلَى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر\n\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تريد زينة الحياة الدنيا﴾ ... [الكهف (٢٨)] .\nأي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويسألونه بكرةً وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء.\nيقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي - ﷺ - أنْ يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، فنهاه الله عن ذلك.\nوعن سعد بن أبي وقاص قال: كنَّا مع النبي - ﷺ - ستة، فقال المشركون للنبي - ﷺ -: اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقع، فحدَّث نفسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام (٥٢)] . أخرجه مسلم.\nوقوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .\nقال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم، يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.\n﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾، أي: شغل عن الدِّين، وعبادة ربه بالدنيا.\n﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، في طلب الشهوات ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، أي: ضياعًا.","vol":"1","page":790},{"text":"[١٤٤٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ للهِ تَعَالَى مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدُوا قَوْمًَا يَذْكُرُونَ اللهَ - ﷿ -، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِم إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْألُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أعْلَم -: مَا يقولُ عِبَادي؟ قَالَ: يقولون: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، فيقول: هَلْ رَأَوْنِي؟ فيقولونَ: لا واللهِ مَا رَأَوْكَ. فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْني؟! قَالَ: يقُولُونَ: لَوْ رَأوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وأكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا. فَيقُولُ: فماذا يَسْألونَ؟ قَالَ: يقُولُونَ: يَسْألُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يقولُ: وَهل رَأَوْها؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يقول: فَكيفَ لَوْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لَوْ أنَّهُمْ رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وأشدَّ لَهَا طَلَبًا، وأعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يقولون: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ؛ قَالَ: فيقولُ: وَهَلْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ مَا رَأوْهَا. فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْهَا؟! قَالَ: يقولون: لَوْ رَأوْهَا كانوا أشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وأشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. قَالَ: فيقولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم، قَالَ: يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ: فِيهم فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» . متفق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":791},{"text":"وفي رواية لمسلمٍ عن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قَالَ: «إن للهِ مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبُّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ، قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ الدُّنْيَا، فإذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمْ اللهُ - ﷿ - وَهُوَ أعْلَمُ -: مِنْ أيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبادٍ لَكَ في الأرْضِ: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْألُونَكَ. قَالَ: وَمَاذا يَسْألُونِي؟ قالوا: يَسْألُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لا، أَيْ رَبِّ. قَالَ: فكيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتي؟! قالوا: ويستجيرونكَ. قَالَ: ومِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأوْا نَاري؟ قالوا: لا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟! قالوا: وَيَسْتَغفِرُونكَ؟ فيقولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَألُوا، وَأجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فيقولون: ربِّ فيهمْ فُلانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إنَّمَا مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فيقُولُ: ولهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَومُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» .\n\nالذكر يتناول الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، وتلاوة الحديث، ودراسة العلم الديني.\nقوله: «فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم» . قيل: من حكم السؤال إقرار الملائكة أنَّ في بني آدم المسبحين والمقدسين، فيكون كالاستدراك لما سبق من قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ [البقرة (٣٠)]\nقوله: «فضلًا» منضبط بوجوه: أشهرها ضم أَوَّلَيه، وبضم، ففتح، أخره ألف","vol":"1","page":792},{"text":"ممدودة جمع فاضل. ومعناه على جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة، وغيرهم من المرتبين مع الخلائق.\nقال الحافظ: وفي الحديث: فضل الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل عليهم إكرامًا لهم، وإنْ لم يشاركهم في أصل الذكر.\nوفيه: محبة الملائكة لبني آدم، واعتناؤهم بهم.\nوفيه: أنّ السؤال قد يصدر ممن هو أعلم بالمسؤول عنه من المسؤول، لإظهار العناية بالمسؤول عنه، والتنويه بقدره، والإعلان بشرف منزلته.\n\n[١٤٤٨] وعنه وعن أَبي سعيدٍ ﵄ قالا: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ - ﷿ - إِلا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ؛ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «لا يقعد قوم يذكرون الله» .\nوفي حديث أبي هريرة: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتْلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» . السكينة هنا: الطمأنينة والوقار.\nقوله: «وذكرهم الله فيمن عنده»، أي: في الملأ الأعلى. كما في الحديث الآخر: «وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» .\n[١٤٤٩] وعن أَبي واقدٍ الحارث بن عوف - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ - بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ، والنَّاسُ مَعَهُ، إذْ أقْبَلَ ثَلاثَةُ","vol":"1","page":793},{"text":"نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رسُولِ اللهِ - ﷺ - وَذَهَبَ واحِدٌ؛ فَوَقَفَا عَلَى رسولِ الله - ﷺ -. فأمَّا أحَدُهُما فَرَأَى فُرْجةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأمَّا الآخرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأمَّا الثَّالثُ فأدْبَرَ ذاهِبًا. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَالَ: «ألا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأوَى إِلَى اللهِ فآوَاهُ اللهُ إِلَيْهِ. وَأمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَى فَاسْتَحْيَى اللهُ مِنْهُ، وأمّا الآخَرُ، فَأعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.\n\nقال البخاري: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وذكر الحديث.\nوفيه: فضل ملازمة حِلَقِ العلم والذكر، وجلوس العالم، والذكر في المسجد.\nوفيه: الثناء على المستحيي، والجلوس حيث ينتهي به المجلس.\nوفيه: جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة.\n[١٤٥٠] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - قَالَ: خرج معاوية - ﵁ - عَلَى حَلْقَةٍ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا","vol":"1","page":794},{"text":"أجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ. قَالَ: آللهِ مَا أجْلَسَكُمْ إِلا ذاك؟ قالوا: مَا أجْلَسَنَا إِلا ذَاكَ، قَالَ: أما إنِّي لَمْ اسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسولِ الله - ﷺ - أَقَلَّ عَنْهُ حَديثًا مِنِّي: إنَّ رسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أجْلَسَكُمْ؟» قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا للإسْلاَمِ؛ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: «آللهِ مَا أجْلَسَكُمْ إِلا ذَاكَ؟» قالوا: واللهِ مَا أجْلَسَنَا إِلا ذَاكَ. قَالَ: «أمَا إنِّي لَمْ أسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، ولكِنَّهُ أتَانِي جِبرِيلُ فَأخْبَرَنِي أنَّ الله يُبَاهِي بِكُمُ المَلاَئِكَةَ» . رواه مسلم.\n\nقوله: قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذلك، أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم» .\nقال الشارح: وحذف المصنف جوابهم، وهو في مسلم ولفظه: فقالوا: (والله ما أجلسنا إلا ذلك)، وهو من قلم الناسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>٢٤٨- باب الذكر عِنْدَ الصباح والمساء</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًَا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾ [الأعراف (٢٠٥)] .\nقَالَ أهلُ اللُّغَةِ: «الآصَالُ»: جَمْعُ أصِيلٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ العَصْرِ وَالمَغْرِبِ.\n\nقال ابن كثير: يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيرًا.\n﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾، أي: رغبة ورهبة، وبالقول. ولهذا قال: ... ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ . وهكذا يستحب أن يكون الذكر، لا يكون نداءً وجهرًا بليغًا. انتهى ملخصًا.\nوقال مجاهد وغيره: أمر أن يذكروه في الصدور، وبالتضرع إليه في الدعاء، والاستكانة دون رفع الصوت، والصياح بالدعاء.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه (١٣٠)] .\n\nقيل: المراد من التسبيح: الصلاة المكتوبة. وقيل: على ظاهره.","vol":"1","page":795},{"text":"والصواب: أن الآية عامة للصلاة، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وجميع الذكر.\nوعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله - ﷺ - فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإنْ استطعتم أنْ لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا» . ثم قرأ هذه الآية.\nوقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالأِبْكَارِ﴾ [غافر (٥٥)] .\nقَالَ أهلُ اللُّغَةِ «العَشِيُّ»: مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِهَا.\n\nقال: ابن كثير: وقوله ﵎: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غافر (٥٥)]، هذه تهييج للأمة على الاستغفار. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... بِالْعَشِيِّ﴾، أي: في أواخر النهار، وأوائل الليل.\n﴿وَالْإِبْكَارِ﴾، وهي أوائل النهار، وأواخر الليل.\nوقال تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسْبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ ...﴾ الآية [النور (٣٦، ٣٧)] .\nقال ابن عباس: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض.\n﴿أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، قال: مجاهد: أن تبنى.\nوقال الحسن: أي: تعظم لا يذكر فيها الخنا من القول.\n﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، قال ابن عباس: يتلى فيها كتابه.\n﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾، أي: يُصَلَّ له فيها.","vol":"1","page":796},{"text":"﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ .\nفيه: إشعار بهممهم السامية، وعزائمهم العالية التي بها صاروا عمّارًا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وذكره.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ [ص (١٨)] .\n\nقال ابن كثير: أي أنَّه تعالى سخَّر الجبال تسبِّح مع داود عند إشراق الشمس، وآخر النهار، كما قال ﷿: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ (١٠)]، وكذلك كانت الطير تسبِّح بتسبيحه، وترجِّع بترجيعه، إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء، فسمعه وهو يترنَّم بقراءة الزبور ولا يستطيع الذهاب، بل يقف في الهواء ويسبح معه، وتجيبه الجبال الشامخات، ترجع معه وتسبح تبعًا له.\n\n[١٤٥١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ قَالَ حِيْنَ يُصْبِحُ وَحينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، مِئَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأتِ أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلا أحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ» . رواه مسلم.\n\nفيه: إيماء إلى أن الاستكثار من هذا الذكر محبوب إلى الله تعالى.\n[١٤٥٢] وعنه قَالَ: جَاءَ رجلٌ إِلَى النبي - ﷺ - فَقَالَ: يَا رسولَ الله مَا لَقِيْتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي البَارِحَةَ! قَالَ: «أمَا لَوْ قُلْتَ حِيْنَ أمْسَيْتَ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ: لَمْ تَضُرَّك» . رواه مسلم.\n\nقال القرطبي: منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه، فلم يضرني شيء إلى أنْ تركته فلدغتني عقرب ليلًا، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات.","vol":"1","page":797},{"text":"[١٤٥٣] وعنه عن النبي - ﷺ - أنَّه كَانَ يقولُ إِذَا أصْبَحَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أصْبَحْنَا، وَبِكَ أمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإلَيْكَ النُّشُورُ» . وإذا أمسَى قَالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أمْسَيْنَا، وبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ. وَإلْيَكَ النُّشُورُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقال في «النهاية»: «وإليك النشور»، يقال: نشر الميت ينشر نشورًا، إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله: أي أحياه.\nقوله: «وإليك المصير»، أي: إليك المرجع.\n\n[١٤٥٤] وعنه: أنَّ أَبَا بكرٍ الصديق - ﵁ - قَالَ: يَا رسول الله مُرْني بِكَلِمَاتٍ أقُولُهُنَّ إِذَا أصْبَحْتُ وإذا أمْسَيْتُ، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ؛ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إِلا أنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَّرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ» قَالَ: «قُلْهَا إِذَا أصْبَحْتَ، وإذَا أمْسَيْتَ، وإذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nزاد الترمذي من طريق آخر: «وأن نقترف على أنفسنا سوءًا، أو نجره إلى مسلم» .\nوفي هذا الحديث: استحباب هذا الذكر عند الصباح والمساء وعند النوم.\n\n[١٤٥٥] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ نبيُّ الله - ﷺ - إِذَا أَمْسَى قَالَ: «أَمْسَيْنَا وأمْسَى المُلْكُ للهِ، والحَمْدُ للهِ، لا إلهَ إِلا اللهُ","vol":"1","page":798},{"text":"وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ» قَالَ الراوي: أَرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: «لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدير، رَبِّ أسْألُكَ خَيْرَ مَا في هذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا في هذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ، وَسُوءِ الكِبَرِ، رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ، وَعَذَابٍ في القَبْرِ»، وَإذَا أصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أيضًا «أصْبَحْنَا وأصْبَحَ المُلْكُ للهِ» . رواه مسلم.\n\nفيه: استحباب هذا الذكر في الصباح والمساء.\n\n[١٤٥٦] وعن عبد الله بن خُبَيْب - بضم الخاء المعجمة - ﵁ - قَالَ: قَالَ لي رَسولُ الله - ﷺ -: «اقْرَأْ: قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، والمُعَوِّذَتَيْنِ حِيْنَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبحُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ تَكْفيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: استحباب قراءة المعوذات في المساء والصباح.\n\n[١٤٥٧] وعن عثمان بن عفان - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ في صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأرْضِ وَلا في السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، إِلا لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nرُوي أن أبان بن عثمان راوي الحديث، عن أبيه، كان قد أصابه طرف فالج، فجعل رجل ينظر إليه، فقال له أبان: أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذٍ ليمضي الله عليّ قدره.","vol":"1","page":799},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>٢٤٩- باب مَا يقوله عِنْدَ النوم</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماوَاتِ والأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ﴾ الآيات [آل عمران (١٩٠، ١٩١)] .\n\n[١٤٥٨] وعن حُذَيْفَةَ وأبي ذرٍّ ﵄: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِراشِهِ، قَالَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا وأَمُوتُ» . رواه البخاري.\n\nفيه: استحباب هذا الذكر عند النوم.\n\n[١٤٥٩] وعن عليٍّ - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ لَهُ ولِفَاطِمَةَ ﵄: «إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا - أَوْ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا - فَكَبِّرا ثَلاَثًا وَثَلاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، واحْمِدا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ» وفي روايةٍ: التَّسْبيحُ أرْبعًا وثلاثينَ، وفي روايةٍ: التَّكْبِيرُ أرْبعًا وَثَلاَثينَ. متفق عَلَيْهِ.\n\nقال بعض العلماء: بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه، من شغل ونحوه.\nقلت: ويشهد لهذا سبب هذا الحديث، وهو أن فاطمة سألت النبي - ﷺ - خادمًا، فذكر لها هذا الذكر، وقال: «إنه خير لكما من خادم» .\n[١٤٦٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَليَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إزَارِهِ فإنَّهُ لا","vol":"1","page":800},{"text":"يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبي، وَبِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإنْ أَرْسَلْتَهَا، فاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفيه: استحباب نفض الفراش قبل الاضطجاع لئلا يكون دخل فيه حية، أو عقرب، أو غيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر، وقد قال الله تعالى: ... ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر (٤٢)] .\n\n[١٤٦١] وعن عائشة ﵂: أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا أخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ في يَدَيْهِ، وَقَرَأَ بالمُعَوِّذَاتِ، ومَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ. متفق عَلَيْهِ.\nوفي رواية لهما: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ إذا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرأَ فيهِما: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ﴾، وَ﴿قَلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، وَ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ مَسَحَ بِهِما مَا استْطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بهما عَلَى رَأسِهِ وَوجْهِهِ، وَمَا أقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. متفق عَلَيْهِ.\nقَالَ أهلُ اللُّغَةِ: «النَّفْثُ» نَفْخٌ لَطِيفٌ بِلا رِيقٍ.\n\nالمعوِّذات: «قل هو الله أحد»، والمعوذتين، كما فسره في الرواية الأخرى.\nوالنفث: شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل.\n\n[١٤٦٢] وعن البراءِ بنِ عازبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إِذَا أَتَيتَ مَضْجعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأيْمَن، وَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوضْتُ أَمْرِي إليكَ،","vol":"1","page":801},{"text":"وأَلْجَأتُ ظَهرِي إلَيْكَ، رَغْبَةً وَرهْبَةً إليكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إليكَ، آمَنْتُ بِكِتابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ، فإنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقوله: «أسلمت نفسي إليك»، أي: جعلتها منقادة لك، تابعة لحكمك.\nو«فوَّضت أمري إليك»، أي: رددته إليك.\nو«ألجأت ظهري إليك»، أي: اعتمدت عليك في أموري كلها.\nو«ورغبةً ورهبةً إليك»، أي: خوفًا من عقابك وطمعًا في ثوابك.\nو«لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك»، أي: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجا إلا إليك.\nو«آمنت بكتابك الذي أنزلت» يعني: القرآن وجميع الكتب السماوية.\nو«وبنبيّك الذي أرسلت» . وفي رواية: أنَّه قرأها البراء فقال: و«وبرسولك الذي أرسلت» . فقال النبي - ﷺ -: «قل: وبنبيّك الذي أرسلت» .\nو«فإن متَّ متَّ على الفطرة»، أي: الدين. وفي رواية: «وإن أصبحت أصبت خيرًا، واجعلهنَّ آخر ما تقول ليكون ختمًا حسنًا» .\n\n[١٤٦٣] وعن أنس - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وكفَانَا وآوانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ لَهُ وَلا مُؤْوِيَ» . رواه مسلم.\nفيه: تعداد العبد للنعم على نفسه، والنظر إلى من جعلهم الله دونه، فهو أجدر أن لا يزدري نعمة الله عليه.\n\n[١٤٦٤] وعن حذيفة - ﵁ - أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ، وَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ قِني","vol":"1","page":802},{"text":"عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nورواه أَبُو داود؛ من رواية حَفْصَةَ ﵂، وفيهِ أنه كَانَ يقوله ثلاث مراتٍ.\n\nهذا منه - ﷺ - خضوع لمولاه، وأداء لحق مقام الربوبية، وتنبيه للأمة أنْ لا يأمنوا مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.","vol":"1","page":803},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>كتَاب الدَّعَوات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>٢٥٠- باب فضل الدعاء</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر (٦٠)] .\n\nقال البغوي: أي اعبدوني دون غيري، أجبكم، وأثبكم، وأغفر لكم، فلمَّا عَبَّرَ عن العبادة بالدعاء، جعل الإِثابة استجابة، وساق بسنده حديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول على المنبر: «إنَّ الدعاء هو العبادة» .\nوروى أبو يعلى عن الحسن عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي - ﷺ - فيما يروي عن ربه ﷿ قال: «أربع خصال، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي.\nفأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئًا.\nوأما التي لك عليَّ: فما عملت من خير جزيتك به.\nوأما التي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعليَّ الإِجابة.\nوأما التي بينك وبين عبادي: فارض لهم ما ترضى لنفسك» .\nوقال تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ... [الأعراف (٥٥)] .","vol":"1","page":804},{"text":"أي: المتجاوزين.\nقال أبو مجلز: هم الذين يسألون منازل الأنبياء.\nوقال ابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت، والنداء بالدعاء والصياح.\nوقال ابن جرير: ﴿تَضَرُّعًا﴾: تذلُّلًا واستكانة لطاعته. و﴿خُفْيَةً﴾ . يقال: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين بواحدنيته وربوبيته، فيما بينكم وبينه لا جهارًا ومرآةً.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبَادِي عَنِّي فإنِّي قَريبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [البقرة (١٨٦)] .\n\nعن معاوية بن حيدة، أنَّ أعرابيًّا قال: يَا رسول الله، أقريبٌ ربنا فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾ .\nوعن ابن عباس قال: قال يهود أهل المدينة: يَا محمد، كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمس مئة عام، وأن غلظ كل سماء مثل ذلك، فنزلت هذه الآية.\nقال ابن كثير: والمراد أنه تعالى لا يجيب دعاء داعٍ ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء. ففيه: ترغيب في الدعاء وأنه لا يضيع لديه تعالى.\nوعن أبي سعيد، أنَّ النبي - ﷺ - قال: «ما من مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل الله له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» . قالوا: يَا رسول الله! إذًا نكثر. قال: «الله أكثر» . رواه أحمد.","vol":"1","page":805},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل (٦٢)] .\n\nأي: من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضرّ المضرورين سواه.\n﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ﴾، أي: خلفًا بعد سلف\n﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ يقدر على ذلك ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ .\n[١٤٦٥] وعن النعمان بن بشيرٍ ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nيعني: أن الدعاء هو خالص العبادة كما في حديث أنس عند الترمذي، أن النبي - ﷺ - قال: «الدعاء مخُّ العبادة» . والمعنى أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء، كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخِّ.\nقال القاضي عياض: أي: هو العبادة الحقيقة التي تستأهل أنْ تسمى عبادة، لدلالته على الإقبال على الله، والإعراض عما سواه.\nوقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ... [الجن (١٨)] .\nوقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر (٦٠)] .\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف (٥، ٦)] .","vol":"1","page":806},{"text":"[١٤٦٦] وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ رسُولُ الله - ﷺ - يَسْتَحِبُّ الجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ. رواه أَبُو داود بإسناد جيدٍ.\n\nأي: يستحب الدعاء الجامع للمهمات والمطالب، فيكون قليل المبنى، جليل المعنى.\n\n[١٤٦٧] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: كَانَ أكثرُ دعاءِ النبيّ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» . متفق عَلَيْهِ.\nزاد مسلم في روايتهِ قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا أرادَ أنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا، وَإِذَا أرادَ أنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ.\n\nيدخل في الحسنة، كل خير ديني ودنيوي، وصرف كل شر.\n\n[١٤٦٨] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الهُدَى، والتُّقَى، والعَفَافَ، والغِنَى» . رواه مسلم.\n\nالهدى: ضد الضلالة. والتقى: امتثال الأوامر واجتناب النواهي. والعفاف: الكف عن المعاصي والقبائح. والغنى: الاستغناء عن الحاجة إلى الناس.\n\n[١٤٦٩] وعن طارق بن أَشْيَمَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبيُّ - ﷺ - الصَّلاَةَ ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بِهؤلاَءِ الكَلِمَاتِ: «","vol":"1","page":807},{"text":"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِني، وَعَافِني، وَارْزُقْنِي» . رواه مسلم.\nوفي روايةٍ له عن طارق: أنَّه سمع النبي - ﷺ - وأتاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رسول اللهِ كَيْفَ أقُولُ حِيْنَ أسْأَلُ رَبِّي؟ قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِني، وارْزُقْنِي، فإنَّ هؤلاَءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ» .\n\nبدأ بالمغفرة لكونها كالتخلية، لما فيها من التنزيه من إقذار المعاصي، وعقبها بالرحمة لكونها كالتحلية، وعطف عليها الهداية، عطف خاص على عام، وبعد تمام المطالب سأل الله العافية ليقدر على الشكر، وطلب الرزق لتستريح نفسه عن الهم بتحصيله.\n\n[١٤٧٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبنَا عَلَى طَاعَتِكَ» . رواه مسلم.\n\nأي: صرّف على طاعتك قلوبنا، فلا تنزعها بعد الهدى.\nوأول الحديث قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه كيف يشاء» . ثم قال: «اللَّهُمَّ مصرِّف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك» .\n\n[١٤٧١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ البَلاَءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي روايةٍ قَالَ سفيان: أَشُكُّ أنِّي زِدْتُ واحدةً مِنْهَا.\n\nالجهد: المشقة. وكل ما أصاب الإنسان من شدة المشقة، وما لا طاقة له بحمله، ولا يقدر على دفعه عن نفسه، فهو من جهد البلاء.","vol":"1","page":808},{"text":"﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة (٢٨٦)]، قيل: إن التي زاد فيها سفيان هي شماتة الأعداء، وهذا دعاء جامع للتعوذ من شر الدنيا والآخرة.\n\n[١٤٧٢] وعنه قَالَ: كَانَ رسُولُ الله - ﷺ - يقول: «اللَّهُمَّ أصْلِحْ لِي دِيني الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِي، وأصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتي فِيهَا مَعَاشِي، وأصْلِحْ لِي آخِرتِي الَّتي فِيهَا مَعَادي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» . رواه مسلم.\n\nهذا من الأدعية الجوامع، فإن الله تعالى إذا وفق العبد للقيام بآداب الدين، ورزقه من الحلال كفافًا، ووفقه للإخلاص، وحسن الخاتمة، وأطال عمره على طاعته، ووقاه من الفتن، فقد حصل له سعادة الدنيا والآخرة.\n\n[١٤٧٣] وعن علي - ﵁ - قال: قَالَ لي رسولُ الله - ﷺ -: «قُلْ: اللَّهُمَّ اهْدِني، وسَدِّدْنِي» .\nوفي رواية: «اللَّهمَّ إنِّي أسْألُكَ الهُدَى والسَّدَادَ» . رواه مسلم.\nوفي مسلم زيادة: «واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم» . الهدى: هنا الرشاد، وسداد العمل: تقويمه على السنَّة.\n\n[١٤٧٤] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يقولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ، وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ، والهَرَمِ، والبُخْلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ» .\nوفي رواية: «وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":809},{"text":"العجز: عدم القدرة على الخير. والكسل: التثاقل عنه. والجبن: الخوف، وضعف القلب، وهو ضد الشجاعة.\nوالهرم: الكِبَر والضعف في العقل. والبخل: ضد السخاء.\nقوله: «وأعوذ بك من عذاب القبر»، أي: العذاب الكائن فيه.\nوفي الحديث: «القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، فإن حسن فما بعده أحسن، وإن قبح فما بعده أقبح» .\nقوله: «وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات»، أي: الحياة والموت.\n«وَضَلَعِ الدَّيْنِ»، أي: ثقله وشدته.\nقال بعض السلف: ما دخل همُّ الدين قلبًا إلا ذهب من العقل ما لا يعود إليه.\nوقوله: «وغلبة الرجال» . فيه: إشارة إلى التعوذ من أن يكون مظلومًا أو ظالمًا.\n\n[١٤٧٥] وعن أَبي بكر الصديق - ﵁ -: أنَّه قَالَ لرسُولِ الله - ﷺ -: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ في صَلاَتِي، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي روايةٍ: «وفي بيتي» وَرُوِيَ: «ظلمًا كثيرًا» ورُوِي: «كبيرًا» بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة؛ فينبغي أنْ يجمع بينهما فيقال: كثيرًا كبيرًا.\nأي: ينبغي أنْ يحتاط فيجمع بين الروايتين.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأحسن أن يؤتى بالدعاء على إحدى الروايتين، ويعاد ثانيًا باللفظ الآخر.","vol":"1","page":810},{"text":"[١٤٧٦] وعن أَبي موسى - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه كَانَ يدْعُو بِهذا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وإسرافِي في أمْرِي، وَمَا أنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي؛ وَخَطَئِي وَعَمْدِي؛ وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، وَمَا أنتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ، وأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفيه: استحباب الاستغفار بهذا الدعاء.\nقال بعض السلف: حسنات الأبرار سيئات المقربين.\nوقال بعضهم: هفوات الطبع البشري لا يسلم منها أحد. والأنبياء وإنْ عصموا من الكبائر لم يعصموا من الصغائر.\n\n[١٤٧٧] وعن عائشة ﵂: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يقول في دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ ومنْ شَرِّ مَا لَمْ أعْمَلْ» . رواه مسلم.\n\nقال الشارح: استعاذ - ﷺ - من أنْ يعمل في المستقبل من الزمان ما لا يرضاه الله تعالى. فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.\nوقيل: استعاذ من أن يصير معجبًا بنفسه في ترك القبائح، وسأل أن يرى ذلك من فضل الله عليه، لا بحوله وقوته. وهذا تعليم منه - ﷺ - لأمته، وأداءٌ لحق الربوبية، وتواضعًا للحضرة الإلهية.\n[١٤٧٨] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: كَانَ مِن دعاءِ رسُولِ الله - ﷺ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوالِ نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ","vol":"1","page":811},{"text":"عَافِيَتِكَ، وفُجَاءةِ نِقْمَتِكَ، وَجَميعِ سَخَطِكَ» . رواه مسلم.\n\nفُجَاءة: بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة. وروي بفتح الفاء وسكون الجيم.\nخص فجاءة النقمة بالاستعاذة؛ لأنها أشد من أن تصيبه تدريجًا.\n\n[١٤٧٩] وعن زيد بن أرقم - ﵁ - قَالَ: كَانَ رسُولُ الله - ﷺ - يقول: ... «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، والبُخْلِ والهَرَمِ، وَعَذابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ؛ وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ؛ وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجابُ لَهَا» . رواه مسلم.\n\nالعلم الذي لا ينفع، هو الذي لا يعمل به.\nوقيل: هو الذي لا يهذب الأخلاق الباطنة، فيسري منها إلى الأفعال الظاهرة وأنشد:\n؟؟ ... يا من تباعد عن مكارم خلقه ... ليس التفاخر بالعلوم الزاخرة\nمن لم يهذّب علمُه أخلاقَه ... لم ينتفع بعلومه في الآخرة\n\n[١٤٨٠] وعن ابن عباس ﵄ أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وإلَيْكَ حَاكَمْتُ. فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أعْلَنْتُ، أنتَ المُقَدِّمُ، وأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إِلا أنْتَ» .\nزَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: «وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ» . متفق عَلَيْهِ.\nفي هذا الحديث: كمال الرجوع إلى الله تعالى، والركون إليه في الأحوال كلها، والاعتصام بحبله، والتوكل عليه.","vol":"1","page":812},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق (٣)] .\nقال بعضهم:\n؟؟ ... إذا لم يعنك الله فيما تريده ... فليس لمخلوق إليه سبيل\nوإن هو لم يرشدك في كل مسلك ... ضللت ولو أن السماك دليل\n\n[١٤٨١] وعن عائشة ﵂: أنَّ النبيّ - ﷺ - كَانَ يدعو بِهؤُلاءِ الكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ الغِنَى وَالفَقْرِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح)؛ وهذا لفظ أَبي داود.\n\nقوله: «من فتنة النار»، أي: الفتنة المسبب عنها النار.\nقوله: «ومن شر الغنى»، أي: الشر المرتب عليه، كالكبر والعجب، والشره، والحرص، والجمع للمال من الحرام، والبخل، والشح.\n«وشر الفقر»: كالتضجر، والتبرم من القدر، والوقوع في المساخط بسببه.\n\n[١٤٨٢] وعن زياد بن عِلاَقَةَ عن عمه، وَهُوَ قُطْبَةُ بنُ مالِكٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ النبيّ - ﷺ - يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأخْلاَقِ، وَالأعْمَالِ، والأهْواءِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالأخلاق المنكرة، كالعجب، والكبر، والخيلاء، والفخر، والحسد، والتطاول، والبغي، ونحو ذلك.\nوالأعمال المنكرة، كالزنى وشرب الخمر، وسائر المحرمات.\nوالأهواء المنكرة، كالاعتقادات الفاسدة، والمقاصد الباطلة.\nزاد الترمذي: (والأدواء) . وهي الأدواء المنكرة، كالبرص، والجنُونِ والجذام، وسيِّء الأسقام.","vol":"1","page":813},{"text":"[١٤٨٣] وعن شَكَلِ بن حُمَيدٍ - ﵁ - قَالَ: قلتُ: يَا رسولَ الله، علِّمْنِي دعاءً أَدْعُو بِهِ، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\n[. . .] () أن تواقعه في المعاصي، أو لا يستعملها في الطاعات.\n\n[١٤٨٤] وعن أنس - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البَرَصِ، والجُنُونِ، والجُذَامِ، وَسَيِّيءِ الأسْقَامِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيحٍ.\n\nعطف سيء الأسقام على ما قبله، من عطف العام على الخاص.\n\n[١٤٨٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الجُوعِ، فَإنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وأعوذُ بِكَ منَ الخِيَانَةِ، فَإنَّهَا بِئْسَتِ البِطَانَةُ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nفيه: مشروعية الاستعاذة من الجوع لأنه يضعف القوى، ويخل بوظائف العبادة، والاستعاذة من الخيانة؛ لأنها من علامات النفاق.\n\n[١٤٨٦] وعن عليّ - ﵁ - أنَّ مُكَاتبًا جاءهُ فَقَالَ: إنِّي عَجِزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأعِنِّي، قَالَ: ألا أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ عَلَّمَنِيهنَّ رسُولُ الله - ﷺ - لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلٍ دَيْنًا أدَّاهُ اللهُ عَنْكَ؟ قَالَ: قُلْ: «اللَّهُمَّ\n_________\n(١) [كلمة مطموسة في الأصل] . كذا قال محقق الكتاب.","vol":"1","page":814},{"text":"اكْفِني بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِواكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: استحباب الدعاء بهؤلاء الكلمات.\n[١٤٨٧] وعن عِمْرَانَ بن الحُصَينِ ﵄: أنَّ النبيّ - ﷺ - عَلَّمَ أبَاهُ حُصَيْنًا كَلِمَتَيْنِ يَدْعُو بهما: «اللَّهُمَّ ألْهِمْني رُشْدِي، وأعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسي» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nأي: ألهمني بالتوفيق للأعمال الصالحة المقربة إليك. و«أعذني»: أي: أعصمني من شر نفسي فإنها الداعية لحتفي وطردي.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف (٥٣)] .\n\n[١٤٨٨] وعن أَبي الفضل العباس بن عبد المطلب - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله عَلِّمْني شَيْئًا أسْألُهُ الله تَعَالَى، قَالَ: «سَلوا الله العَافِيَةَ» فَمَكَثْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلتُ: يَا رسولَ الله عَلِّمْنِي شَيْئًا أسْألُهُ الله تَعَالَى، قَالَ لي: «يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رسول اللهِ، سَلُوا الله العَافِيَةَ في الدُّنيَا والآخِرَةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: إرشاد إلى أنه ينبغي لكل أحد سؤال العافية في الدنيا بالسلامة من الأسقام، والمحن، والآلام. والآخرة بالعفو عن الذنوب، وإنالة المطلوب.\nوروى الترمذي عن أنس: أنَّ رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أيُّ الدعاء أفضل؟ قال: «سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة» . ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك. ثم أتاه","vol":"1","page":815},{"text":"في اليوم الثالث، فقال له مثل ذلك. قال: «فإذا أُعطيتَ العافية في الدنيا، وأُعطيتها في الآخرة، فقد أفلحتَ» .\n[١٤٨٩] وعن شَهْرِ بن حَوشَبٍ قَالَ: قُلْتُ لأُمِّ سَلَمة ﵂، يَا أمَّ المؤمِنينَ، مَا كَانَ أكثْرُ دعاءِ رَسُولِ الله - ﷺ - إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ قالت: كَانَ أكْثَرُ دُعائِهِ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: خضوع منه - ﷺ - لربه وتضرعٌ إليه، وإرشاد الأمة إلى سؤال ذلك، وإيماء إلى أن العبرة بالخاتمة.\nزاد الترمذي في آخره، قالت: فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دعائك: يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك. فقال: «يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، من شاء أقام، ومن شاء أزاغ» . فقال: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران (٨)] .\n\n[١٤٩٠] وعن أَبي الدرداءِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «كَانَ مِنْ دُعاءِ دَاوُدَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أحَبَّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وأهْلِي، وَمِنَ الماءِ البارِدِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nخص الماء البارد بالذكر، لشدة ميل النفس ونزعها إليه زمن الصيف، فهو أحب المستلذات إليها.\nوفي الحديث: مشروعية الصلاة والسلام على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.","vol":"1","page":816},{"text":"[١٤٩١] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «ألِظُّوا بـ (يَاذا الجَلاَلِ والإكْرامِ)» . رواه الترمذي، ورواه النسائي من رواية ربيعة بن عامِرٍ الصحابي، قَالَ الحاكم: «حديث صحيح الإسناد» .\n«ألِظُّوا»: بكسر اللام وتشديد الظاء المعجمة، معناه: الزَمُوا هذِهِ الدَّعْوَةَ وأكْثِرُوا مِنْهَا.\n\nقيل: إن اسم الله الأعظم هو: يَا ذا الجلال والإكرام.\nوعن معاذ بن جبل قال: قد سمع النبي - ﷺ - رجلًا يقول: يَا ذا الجلال والإكرام. فقال: «قد استجيب لك فسل» . رواه الترمذي.\n\n[١٤٩٢] وعن أَبي أُمَامَةَ - ﵁ - قَالَ: دعا رسُولُ الله - ﷺ - بدُعاءٍ كَثيرٍ، لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا؛ قُلْنَا: يَا رسول الله، دَعَوْتَ بِدُعاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ: «ألا أدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ؟ تقول: اللَّهُمَّ إنِّي أسَألُكَ مِنْ خَيْر مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ محمَّدٌ - ﷺ -؛ وأعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا استَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، وأنتَ المُسْتَعانُ، وَعَليْكَ البَلاَغُ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفي هذا الحديث: مشروعية رفع الصوت بالدعاء بما يسمعه الجليس، وأنه لا يدخل في الجهر المنهي عنه.\n\n[١٤٩٣] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: كَانَ من دعاءِ رسُولِ الله - ﷺ -: ... «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ","vol":"1","page":817},{"text":"مَغْفِرَتِكَ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ» . رواه الحاكم أَبُو عبد الله، وقال: «حديث صحيح عَلَى شرط مسلمٍ» .\n\n«موجبات رحمة الله»: امتثال أمره، واجتناب نهيه.\nقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف (١٥٦)] .\n«وعزائم مغفرتك»: أي: الظفر «بالجنة» . «والنجاة»: أي: الخلاص من النار.\nقال الشارح: وفي ختم المصنف الباب بهذا الدعاء إيماءٌ إلى أن المطلوب من الأدعية كغيرها من الأعمال، وهو أداء العبودية لحق الربوبية، طلب النجاة من النار، ودخول الجنة.\nقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران (١٨٥)] .\nوقال الشاعر:\n؟؟ ... إن ختم الله برضوانه ... فكل ما لا قيته سهل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>٢٥١- باب فضل الدعاء بظهر الغيب</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ جَاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمَانِ﴾ [الحشر (١٠)] .\n\nلما ذكر الله تعالى السابقين من المهاجرين والأنصار، أثنى على التابعين منهم بإحسان، بدعائهم للمؤمنين الغائبين عنهم حال الدعاء.\nوقال تَعَالَى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذنْبِكَ وَلِلْمُؤمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ﴾ [محمد (١٩)] .\n\nأَمَرَهُ الله تعالى بالاستغفار للجميع منهم الحاضرين والغائبين.","vol":"1","page":818},{"text":"وقال تَعَالَى إخْبَارًا عَن إبْرَاهِيمَ - ﷺ -: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤمِنِينَ يَومَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾ [إبراهيم (٤١)] .\n\nكان استغفاره لأبيه أولًا كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة (١١٤)] .\n\n[١٤٩٤] وعن أَبي الدرداء - ﵁ -: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلمٍ يدعُو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ إِلا قَالَ المَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ» . رواه مسلم.\n[١٤٩٥] وعنه أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يقول: «دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: فضل الدعاء للمسلم بظهر الغيب، وأنه يحصل للداعي مثلها، وأن دعوته لا ترد، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعوا لنفسه دعا لأخيه المسلم بتلك الدعوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>٢٥٢- باب في مسائل من الدعاء</span>\n\n[١٤٩٦] وعن أسَامة بن زيد ﵄ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفاعِلهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيرًا، فَقَدْ أبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: مشروعية الدعاء لمن فعل المعروف حسِّيًّا أو معنويًّا.","vol":"1","page":819},{"text":"[١٤٩٧] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ وَلا تَدعُوا عَلَى أوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أموَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسألُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ» . رواه مسلم.\n\nفيه: النهي عن الدعاء على من ذُكِر، لئلا يوافقوا ساعة استجابة فيستجاب.\n\n[١٤٩٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أقْرَبُ مَا يكونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأكْثِرُوا الدُّعَاءَ» . رواه مسلم.\n\nفيه: الندب إلى كثرة الدعاء في السجود، كما في الحديث الآخر: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فَقَمِنٌ أنْ يستجاب لكم» .\n[١٤٩٩] وعنه أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ: يقُولُ: قَدْ دَعْوتُ رَبِّي، فَلَمْ يسْتَجب لِي» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي روايةٍ لمسلمٍ: «لا يَزالُ يُسْتَجَابُ لِلعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ، أَوْ قَطيعَةِ رحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ» قيل: يَا رسولَ اللهِ مَا الاستعجال؟ قَالَ: ... «يقول: قَدْ دَعوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أرَ يسْتَجِيبُ لي، فَيَسْتحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» .\n\nالاستحسار: الإعياء، والله سبحانه يجيب دعوة الداع إذا دعاه، فأما أن يعجلها في الدنيا، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.\nوقال ابن جريج: إنَّ دعوة موسى وهارون على فرعون لم تظهر إجابتها إلا بعد أربعين سنة.","vol":"1","page":820},{"text":"[١٥٠٠] وعن أَبي أمامة - ﵁ - قَالَ: قيل لِرسولِ اللهِ - ﷺ -: أيُّ الدُّعاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nإنما كان جوف الليل أقرب للإجابة لكمال التوجُّه، وفقد العلائق والعوائق، وكذلك إدبار الصلوات؛ لأن الصلاة مناجاة العبد لربه، ومحل مسألته من فضله، وبعد تمام العمل، يظهر الأمل.\n\n[١٥٠١] وعن عُبَادَةَ بنِ الصامت - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا عَلَى الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو الله تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إِلا آتَاهُ اللهُ إيَّاها، أَوْ صَرفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: إِذًا نُكْثِرُ قَالَ: «اللهُ أكْثَرُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nورواه الحاكم من روايةِ أَبي سعيدٍ وزاد فِيهِ: «أَوْ يَدخِرَ لَهُ مِن الأَجْرِ مثْلَها» .\n\nفيه: استحباب كثرة الدعاء، وانتظار الإجابة واحتساب ذلك.\n\n[١٥٠٢] وعن ابنِ عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ يقولُ عِنْدَ الكَرْبِ: «لا إلهَ إِلا اللهُ العَظِيمُ الحَليمُ، لا إلهَ إِلا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظيمِ، لا إلهَ إِلا اللهُ رَبُّ السَّمَاواتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: إن الدواء من الكرب توحيد الله ﷿، وعدم النظر إلى غيره أصلًا.\nقال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي، قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم","vol":"1","page":821},{"text":"أكتب الحديث عنه، وهناك شيخ يقال له: أبو بكر بن علي، عليه مدار الفتيا فَسُعِيَ به عند السلطان فحبسه، فرأيت النبي - ﷺ - في المنام وجبريل ﵇ عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي النبي - ﷺ -: قل: لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في (صحيح البخاري) حتى يفرج الله عنه. قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يكن إلا قليلًا حتى أخرج من السجن.\nوقال الحسن البصري: أرسل إليَّ الحجاج فقلتهن، فقال: والله ما أرسلت إليك إلا وأنا أريد أنْ أقتلك، فلأنت اليوم أحب من كذا وكذا، فسل حاجتك.\nقال العيني: اشتملت الجملة الأولى على التوحيد الذي هو أصل التنزيهات، وعلى العظمة التي تدل على القدرة العظيمة.\nوحكمة تخصيص الحليم بالذكر، أنّ كرب المؤمن غالبًا إنما هو نوع من التقصير في الطاعات، أو غفلة في الحالات، وهذا يشعر برجاء العفو المقلل للحزن.\nواشتملت الجملة الثانية على التوحيد، والربوبية، وعظم العرش.\nووجه تكرير الرب بالذكر من بين سائر الأسماء الحسنى، هو كونه مناسبًا لكشف الكرب الذي هو مقتضى التربية.\nووجه تخصيص العرش بالذكر، كونه أعظم أجسام العالم، فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى.\nوخص السموات والأرض بالذكر؛ لأنهما من أعظم المشاهدات. انتهى. ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>٢٥٣- باب كرامات الأولياء وفضلهم</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿ألا إنَّ أوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى في الحَيَاةِ","vol":"1","page":822},{"text":"الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس (٦٢: ٦٤)] .\n\nالكرامة: إحدى الخوارق للعادات، والولي هو المطيع لله، فكل من كان تقيًّا كان لله وليًّا.\nقال ابن عباس وغيره: أولياء الله الذين إذا رُؤُا ذُكِرَ الله.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ من عباد الله عبادًا يغبطهم الأنبياء والشهداء» . قيل: من هم يَا رسول الله، لعلَّنا نحبهم؟ قال: «هم قوم تحابّوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» . ثم قرأ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس (٦٢)]، رواه ابن جرير وغيره.\nوعن أبي الدرداء ﵁: عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس (٦٤)]، قال: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» . رواه أحمد.\nوقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [فصلت (٣٠: ٣٢)] .\nوقوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ﴾ [يونس (٦٤)]، أي: لا تغيير لقوله، ولا خلف لوعده، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس (٦٤)] .","vol":"1","page":823},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم (٢٥، ٢٦)] .\n\nهذا من خوارق العادة، وهي كرامة لمريم ﵍، وأشار بقوله ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم (٢٩، ٣٠)] إلى تكلم عيسى ومخاطبته لقومها، ومحاورته عنها، من ولادته إرهاصًا لنبوته، وكرامةً لها.\nوقال تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكرِيّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالت هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران (٣٧)] .\n\nقيل: كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء. في قصة مريم عدة كرامات، منها: حبلها من غير ذَكَر، وحصول الرطب الطري من الجذع اليابس، ودخول الرزق عندها في غير أوان حضور أسبابه، وهي لم تكن نبية.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّيءْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقًا * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف (١٦، ١٧)] .\n\nقال بعض المفسرين: صرف الله عنهم الشمس بقدرته، وحال بينهم وبينها؛ لأنَّ باب الكهف على جانب لا تقع الشمس إلا على جنبه، فيكون كرامة لهم كما قال: ذلك من آيات الله إذا أرشدهم إلى ذلك الغار، وصرف عنهم الأضرار.\nوفي لبثهم ثلاث مئة وأزيد، نيامًا أحياء من غير آفة، مع بقاء القوة العادية بلا غذاء ولا شراب من جملة الخوارق.","vol":"1","page":824},{"text":"[١٥٠٣] وعن أَبي محمد عبد الرحمن بن أَبي بكرٍ الصديق ﵄: أنَّ أَصْحَابَ الصُّفّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ مَرَّةً: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ، فَلْيَذْهَبْ بثَالِثٍ، وَمنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ» أَوْ كما قَالَ، وأنَّ أَبَا بكرٍ - ﵁ - جَاءَ بِثَلاَثَةٍ، وانْطَلَقَ النبيّ - ﷺ - بعَشَرَةٍ، وأنَّ أَبَا بَكرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النبي - ﷺ - ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ، فجاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ. قالت له امْرَأتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أضْيَافِكَ؟ قَالَ: أوَ ما عَشَّيْتِهمْ؟ قالت: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَذَهَبتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وقالَ: كُلُوا لا هَنِيئًا وَاللهِ لا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، قَالَ: وايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلا ربا من أسفلِها أكثرَ منها حتى شبعوا، وصارتْ أكثرَ مما كانتْ قبلَ ذلكَ، فنظرَ إليها أبو بكر فقالَ لامرأتِهِ: يا أختَ بني فراسٍ ما هذا؟ قالت: لا وقُرَّةِ عيني لهي الآنَ أكثرُ منها قبلَ ذلكَ بثلاثِ مراتٍ! فأكل منها أبو بكرٍ وقال: إنَّما كانَ ذلكَ من الشيطانِ، يعني: يمينَهُ. ثم أكلَ منها لقمةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَمَضَى الأجَلُ، فَتَفَرَّقْنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ.\nوَفِي رِوَايةٍ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لا يَطْعَمُهُ، فَحَلَفَت المَرْأَةُ لا تَطْعَمُهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ. - أَو الأَضْيَافُ - أنْ لا يَطْعَمُهُ أَوْ يَطْعَمُوهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ! فَدَعَا بالطَّعَامِ فَأكَلَ وأكَلُوا، فَجَعَلُوا","vol":"1","page":825},{"text":"لا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلا رَبَتْ مِنْ أسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَني فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرْةِ عَيْنِي إنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ أنْ نَأكُلَ، فَأكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النبي - ﷺ - فَذَكَرَ أنَّهُ أكَلَ مِنْهَا.\nوَفِي رِوايَةٍ: إنَّ أَبَا بكْرٍ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ: دُونَكَ أضْيَافَكَ، فَإنِّي مُنْطلقٌ إِلَى النبي - ﷺ - فَافْرُغْ مِنْ قِراهُم قَبْلَ أنْ أَجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمنِ، فَأَتَاهُمْ بما عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا؛ فقالوا: أين رَبُّ مَنْزِلِنا؟ قَالَ: اطْعَمُوا، قالوا: مَا نحنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا، قَالَ: اقْبَلُوا عَنْا قِرَاكُمْ، فَإنَّهُ إنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا، لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ فأبَوْا، فَعَرَفْتُ أنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَأخْبَرُوهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحمنِ، فَسَكَتُّ: ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ، فَسَكَتُّ، فَقال: يَا غُنْثَرُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوتِي لَمَا جِئْتَ! فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أضْيَافَكَ، فقالُوا: صَدَقَ، أتَانَا بِهِ، فَقَالَ: إنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي والله لا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ الآخَرُونَ: واللهِ لا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ مَا لَكُمْ لا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هَاتِ طَعَامَكَ، فَجَاءَ بِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، الأولَى مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. متفق عَلَيْهِ.\nقَوْله: «غُنْثَرُ» بغينٍ معجمةٍ مَضمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ ثاءٍ مثلثةٍ وَهُوَ: الغَبِيُّ الجَاهِلُ. وقولُهُ: «فَجَدَّعَ» أَيْ شَتَمَهُ، والجَدْعُ القَطْعُ. قولُه «يَجِدُ عَليّ» هُوَ بكسرِ الجِيمِ: أيْ يَغْضَبُ.\n\nفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لأبي بكر ﵁.","vol":"1","page":826},{"text":"[١٥٠٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لَقَدْ كَانَ فيما قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ، فَإنْ يَكُ في أُمَّتِي أحدٌ فإنَّهُ عُمَرُ» . رواه البخاري.\nورواه مسلم من رواية عائشة.\nوفي روايتهما قَالَ ابن وهب: «محَدَّثُونَ» أيْ مُلْهَمُونَ.\n\nالمُحْدَّث: الرجل الصادق الظن، وهو مَنْ أُلْقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى. وعند الترمذي: «إن الله جعل الحق على لسان عمر ... وقلبه» .\nوفي حديث آخر: «لو كان نبي بعدي لكان عمر» .\nوفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لعمر ﵁.\nوعن ابن عمر قال: بينا عثمان يخطب إذ قام إليه جهجاه الغفاري، فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته، فدخلت شظية في ركبته، فوقعت فيها الأكلة.\nوعن الحسن بن علي قال: قال علي: إنَّ رسول الله - ﷺ - مسح ظهري الليلة في منامي، فقلت يا رسول الله: ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ قال: «ادع عليهم» . قلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني. فخرج فضربه الرجل. رواهما ابن سيد الناس.\nففي هذين كرامة للخليفتين ﵄.\n\n[١٥٠٥] وعن جابر بنِ سُمْرَةَ ﵄، قَالَ: شَكَا أهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا يعني: ابنَ أَبي وقاص - ﵁ -، إِلَى عمر بن الخطاب - ﵁ - فَعَزَلَهُ، واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوا حَتَّى","vol":"1","page":827},{"text":"ذَكَرُوا أنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إسْحَاقَ، إنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعَمُونَ أنَّكَ لا تُحْسِنُ تُصَلِّي، فَقَالَ: أَمَّا أنا واللهِ فَإنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رسولِ الله - ﷺ - لا أُخْرِمُ عَنْها، أُصَلِّي صَلاَةَ العِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ في الأُخْرَيَيْنِ.\nقَالَ: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إسْحَاقَ، وأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا - أَوْ رِجَالًا - إِلَى الكُوفَةِ يَسْأَلُ عَنْهُ أهْلَ الكُوفَةِ، فَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ، فَقال: أمَا إذْ نَشَدْتَنَا فَإنَّ سَعْدًا كَانَ لا يَسِيرُ بالسَّرِيَّةِ وَلا يَقْسِمُ بالسَّوِيَّةِ، وَلا يَعْدِلُ في القَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: أمَا وَاللهِ لأَدْعُونَّ بِثَلاَثٍ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ.\nقَالَ عَبدُ الملكِ بن عُمَيْرٍ الراوي عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ: فَأنا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وإنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوارِي فِي الطُّرُقِ فَيَغْمِزُهُنَّ. متفق عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لسعد بن أبي وقاص ﵁.\n[١٥٠٦] وعن عروة بن الزبير: أنَّ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيلٍ - ﵁ - خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتُ أوْسٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، وادَّعَتْ أنَّهُ أخَذَ شَيْئًا مِنْ أرْضِهَا، فَقَالَ سعيدٌ: أنا كُنْتُ آخُذُ شَيئًا مِنْ أرْضِهَا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رسول الله - ﷺ -؟! قَالَ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -؟","vol":"1","page":828},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «مَنْ أخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أرْضِينَ» فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لا أسْألُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ سعيد: اللَّهُمَّ إنْ كَانَتْ كاذِبَةً، فَأعْمِ بَصَرَها، وَاقْتُلْهَا في أرْضِها، قَالَ: فَما ماتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَيْنَما هِيَ تَمْشِي في أرْضِهَا إذ وَقَعَتْ في حُفْرَةٍ فَماتَتْ. متفق عَلَيْهِ.\nوفي روايةٍ لِمُسْلِمٍ عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عُمَرَ بِمَعْنَاهُ، وأنه رآها عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الجُدُرَ تقولُ: أصابَتْنِي دَعْوَةُ سَعيدٍ، وأنَّها مَرَّتْ عَلَى بِئرٍ في الدَّارِ الَّتي خَاصَمَتْهُ فِيهَا، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانتْ قَبْرَها.\n\nفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لسعيد بن زيد ﵁.\n[١٥٠٧] وعن جابر بن عبد الله ﵄، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أُحُدٌ دعَانِي أَبي من اللَّيلِ فَقَالَ: مَا أُرَاني إِلا مَقْتُولًا في أوْلِ مَنْ يُقْتَلُ من أصْحَابِ النبي - ﷺ - وإنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رسول الله - ﷺ - وإنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ في قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أنْ أتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فإذا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذنِهِ، فَجَعَلْتُهُ في قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لعبد الله أبي جابر ﵄.\n\n[١٥٠٨] وعن أنس - ﵁ - أنَّ رجلين مِنْ أصحاب النبي - ﷺ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النبي - ﷺ - في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ","vol":"1","page":829},{"text":"بَيْنَ أَيْديهِمَا. فَلَمَّا افْتَرَقَا، صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أتَى أهْلَهُ.\nرواهُ البُخاري مِنْ طُرُقٍ؛ وفي بَعْضِهَا أنَّ الرَّجُلَيْنِ أُسَيْدُ بنُ حُضير، وَعَبّادُ بنُ بِشْرٍ ﵄.\n\nفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لأسيد بن حضير، وعبّاد بن بشر ﵄.\n[١٥٠٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: بعث رسول الله - ﷺ - عَشْرَة رَهْطٍ عَيْنًا سَرِيَّة، وأمَّرَ عَلَيْهَم عاصِمَ بنَ ثَابِتٍ الأنْصَارِيَّ - ﵁ -، فانْطلقوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بالهَدْأةِ؛ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ؛ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْل يُقالُ لَهُمْ: بَنُو لحيانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَريبٍ مِنْ مِئَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وأصْحَابُهُ، لَجَؤا إِلَى مَوْضِعٍ، فَأَحاطَ بِهِمُ القَوْمُ، فَقَالُوا: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأيْدِيكُمْ وَلَكُمُ العَهْدُ وَالمِيثَاقُ أنْ لا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أحَدًا. فَقَالَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ: أَيُّهَا القَوْمُ، أَمَّا أنا، فَلا أنْزِلُ عَلَى ذِمَّةِ كَافِرٍ: اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ - ﷺ - فَرَمُوهُمْ بِالنّبْلِ فَقَتلُوا عَاصِمًا، وَنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ عَلَى العَهْدِ والمِيثاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ، وَزَيدُ بنُ الدَّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أطْلَقُوا أوْتَارَ قِسِيِّهِمْ، فَرَبطُوهُمْ بِهَا. قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أوَّلُ الغَدْرِ واللهِ لا أصْحَبُكُمْ إنَّ لِي بِهؤُلاءِ أُسْوَةً، يُريدُ القَتْلَى، فَجَرُّوهُ وعَالَجُوهُ، فأبى أنْ يَصْحَبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، وانْطَلَقُوا بِخُبَيبٍ، وزَيْدِ ابنِ الدَّثِنَةِ، حَتَّى بَاعُوهُما بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ؛ فابْتَاعَ بَنُو الحارِثِ بن عامِرِ بنِ نَوْفَلِ بنِ عبدِ مَنَافٍ خُبيبًا، وكان خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ.\nفَلِبثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أسيرًا حَتَّى أجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ، فاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الحَارثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ","vol":"1","page":830},{"text":"بِهَا فَأعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ، فَوَجَدتهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخْذِهِ وَالموسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ. فَقَالَ: أَتَخَشَيْنَ أن أقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ! قالت: واللهِ مَا رَأيْتُ أسيرًا خَيرًا مِنْ خُبَيْبٍ، فواللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَومًا يَأكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ في يَدِهِ وإنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ خُبَيْبًا. فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ في الحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ: واللهِ لَوْلا أنْ تَحْسَبُوا أنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ: اللَّهُمَّ أحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلهُمْ بِدَدًَا، وَلا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا. وقال:\n؟؟ ... فَلَسْتُ أُبَالِي حِيْنَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أيِّ جَنْبٍ كَانَ للهِ مَصْرَعِي\nوَذَلِكَ في ذَاتِ الإلَهِ وإنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ\n\nوكان خُبَيبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلاَةَ. وأخْبَرَ - يعني: النبيّ - ﷺ - أصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بنِ ثَابتٍ حِيْنَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ أن يُؤْتَوا بِشَيءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وكَانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمائِهِمْ، فَبَعَثَ الله لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِروا أنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا. رواه البخاري.\nقولُهُ: «الهَدْأَةُ»: مَوْضِعٌ، «والظُّلَّةُ»: السَّحَابُ. «والدَّبْرُ»: النَّحْلُ. وَقَوْلُهُ: «اقْتُلْهُمْ بِدَدًا» بِكَسْرِ الباءِ وفتحِهَا، فَمَنْ كَسَرَ قَالَ هُوَ جمع بِدَّةٍ بكسر الباء وهي النصيب ومعناه: اقْتُلْهُمْ حِصَصًا مُنْقَسِمَةً لِكُلِّ واحدٍ مِنْهُمْ نَصيبٌ، وَمَنْ فَتَحَ قَالَ معناهُ: مُتَفَرِّقِينَ في القَتْلِ واحدًا بَعْدَ واحِدٍ مِنَ التَّبْدِيد.","vol":"1","page":831},{"text":"قال في «القاموس»: الدَّبَر، بالفتح: جماعة النحل والزنابير، ويكسر فيهما.\nوفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لخبيب وعاصم بن ثابت ﵄.\nوفي الباب أحاديث كثيرةٌ صَحيحةٌ سَبَقَتْ في مَوَاضِعِها مِنْ هَذَا الكِتَابِ، مِنْهَا حديثُ الغُلامِ الَّذِي كَانَ يأتِي الرَّاهِبَ والسَّاحِرَ، ومنْها حَدِيثُ جُرَيْج، وحديثُ أصْحابِ الغَارِ الذين أطْبِقَتْ عَلَيْهِم الصَّخْرَةُ، وَحديثُ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَ صَوْتًا في السَّحَابِ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَالدلائِل في البابِ كثيرةٌ مشهُورةٌ، وباللهِ التَّوفيقِ.\n\nقال النووي: اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات كرامات الأولياء، وأنها واقعة موجودة مستمرة في الأعصار، ويدل عليه دلائل العقول وصرائح النقول.\n\n[١٥١٠] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: مَا سَمِعْتُ عمر - ﵁ - يقولُ لِشَيءٍ قَطُّ: إنِّي لأَظُنُّهُ كَذَا، إِلا كَانَ كَمَا يَظُنُّ. رواه البخاري.\n\nقيل للإمام أحمد بن حنبل: ما بال الكرامات في زمن الصحابة قليلة بالنسبة لما يروى عمن بعدهم من الأولياء؟ ! فقال: أولئك كان إيمانهم قويًا فما احتاجوا إلى زيادة يقوي بها إيمانهم، وغيرهم ضعيف الإيمان في عصره فاحتاج إلى تقويته بإظهار الكرامة، والله أعلم.","vol":"1","page":832},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>٢٥٤- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات (١٢)] .\n\nفي هذه الآية: النهي عن الغيبة، وهي ذكرك المسلم بما يكره، وإن كان ذلك فيه.\nقال ابن كثير: والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة. كقوله - ﷺ - لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» . وكقوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس ﵂، وقد خطبها معاوية، وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه»، وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها ﵎ بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال ﷿: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ... [الحجرات (١٢)]، أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا.\nوهذا من التنفير عنها، والتحذير منها. كما قال - ﷺ - في العائد في هبته: «كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه» . وقد قال: «ليس منا مثل السوء» .","vol":"1","page":833},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء (٣٦)] .\n\nقال ابن عباس: يقول: لا تقل.\nوقال قتادة: لا تقل رأيتُ ولمْ تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم. فإنَّ الله تعالى سائلك عن ذلك كله.\nوقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ﴾ [ق: ١٨] .\n\nأي: ما يتكلم من كلام إلا وله حافظ يكتبه.\nقال ابن عباس: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، قال: يكتب كلما يتكلم به من خير أو شر حتى إنه ليُكْتَبُ قوله: أكلت. شربت. ذهبت. جئت. رأيت. حتى إذ كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد (٣٩)] .\nوقال الحسن البصري: وتلا هذه الآية: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق (١٧)]، يَا ابن آدم، بسطتْ لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك. أما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيِّآتك. فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُوِيَتْ صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة. فعند ذلك يقول تعالى ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء (١٣، ١٤)]، ثم يقول: عدل - والله - من جعلك حسيب نفسك.\nاعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلا كَلاَمًا ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلاَمُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلاَمُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ،","vol":"1","page":834},{"text":"وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسَّلاَمَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.\n\nقال النبي - ﷺ -: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .\n[١٥١١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.\nوهذا الحديث صَريحٌ في أنَّهُ يَنْبَغي أنْ لا يَتَكَلَّمَ إِلا إِذَا كَانَ الكلامُ خَيرًا، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، ومَتَى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحَةِ، فَلا يَتَكَلَّم.\n\nيعني: من كان يؤمن الإيمان الكامل، المنجي من عذاب الله، الموصل إلى رضوان الله، فليقل خيرًا أو ليصمت؛ لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده، ورجا ثوابه، واجتهد في فعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.\n\n[١٥١٢] وعن أَبي موسى - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ أَيُّ المُسْلمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nهذا الحديث: أن من سَلِم المسلمون من أذاه، أنه من أفضلهم، وخص اللسان واليد بالذكر، لغلبة صدور الأمر عنهما، فالقول باللسان، والفعل باليد.\n\n[١٥١٣] وعن سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» . متفق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":835},{"text":"في هذا الحديث: أنَّ من حفظ لسانه وفرجه عن الحرام دخل الجنة.\n\n[١٥١٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّه سمع النبيَّ - ﷺ - يقول: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . متفق عَلَيْهِ.\nومعنى: «يَتَبَيَّنُ» يَتَفَكِّرُ أنَّها خَيْرٌ أم لا.\nفي هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أنْ لا يكثر الكلام، وأن لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وأن يحترز من الكلام حين الغضب؛ لأنه يتكلم عند الغضب بما يضره في دينه ودنياه.\nوفي حديث أبي ذر، عن النبي - ﷺ - فيما يروي عن صحف إبراهيم ﵇: «وعلى العاقل أنْ يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه» .\n\n[١٥١٥] وعنه عن النبيّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ» . رواه البخاري.\n\nقوله: «ما يلقى لها بالًا»، أي، لا يصغى إليها، ولا يجعل قلبه نحوها.\n\n[١٥١٦] وعن أَبي عبد الرحمن بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى","vol":"1","page":836},{"text":"يَومِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» . رواه مالك في المُوَطَّأ، والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\nقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في قوله - ﷺ - في هذا الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» . إنها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم يرضيه بها فيسخط الله ﷿، ويزيّن له باطلًا يريده من إراقة دم، أو ظلم مسلم ونحوه مما ينحط به في حبل هواه، فيبعد من الله وينال سخطه، وكذا الكلمة التي يرضى بها الله ﷿ عند السلطان ليصرفه عن هواه، ويكفه عن معصيته التي يريدها يبلغ بها أيضًا رضوانًا من الله لا يحتبسه.\n\n[١٥١٧] وعن سفيان بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله حدِّثني بأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ: «قلْ: رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، مَا أخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nالاستقامة: هي امتثال الأومر واجتناب المناهي. والحديث مقتبس من مشكاة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت (٣٠)] .\nوفيه: أن أعظم ما يهلك الإنسان لسانه.\nقال العاقولي: أسند الخوف إلى اللسان لأنه زمام الإنسان.\n\n[١٥١٨] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ","vol":"1","page":837},{"text":"اللهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلقَلْبِ! وإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ تعالى القَلْبُ القَاسِي» . رواه الترمذي.\n\nالذكر: هو الثناء على الله تعالى، ودعاؤه، و(أشرف الذكر): القرآن.\nوقسوة القلب: غلظة وعدم تأثره بالمواعظ، فلا يأتمر بخير ولا ينزجر عن شر.\n[١٥١٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nأي: من حبس لسانه عن الشر، وأجراه في الخير، وحفظ فرجه عن الحرام دخل الجنة.\n\n[١٥٢٠] وعن عقبة بن عامرٍ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقيل: هذا الجواب من أسلوب الحكيم، فإن السؤال عن حقيقة النجاة والجواب بسببها لأنه أهم.\n\n[١٥٢١] وعن أَبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإنَّما نَحنُ بِكَ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» . رواه الترمذي.\nمعنى: «تُكَفِّرُ اللِّسَانَ»: أيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.\n\nقوله: «فإنما نحن بك»، أي: مجازون بما يصدر عنك.","vol":"1","page":838},{"text":"قال الطيبي: الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إن في الجسد مضغة» . أن اللسان خليفة القلب وترجمانه، وأن الإنسان عبارة عن القلب واللسان، والمرء بأصغريه.\n[١٥٢٢] وعن مُعَاذٍ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «لَقَدْ سَألتَ عَنْ عَظيمٍ، وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أدُلُّكَ عَلَى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ثُمَّ تَلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة (١٦، ١٧)] ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأَمْرِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ» قُلْتُ: بَلَى يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «رَأسُ الأمْر الإسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ الجِهادُ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ!» قُلْتُ: بلَى يَا رَسولَ اللهِ، فَأخَذَ بِلِسانِهِ قال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» قُلْتُ: يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح)، وَقَدْ سبق شرحه في باب قبل هَذَا.\n\nفي هذا الحديث: دليل على أنَّ الأعمال سبب لدخول الجنة.","vol":"1","page":839},{"text":"وفيه: إشارة إلى أنَّ التوفيق كله بيد الله ﷿، ولما رتب دخول الجنة على واجبات الإسلام، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل.\nوفيه: دليل على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض، وأن كف اللسان إلا عن الخير هو أصل الخير.\n[١٥٢٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ»؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أخَاكَ بِما يَكْرَهُ» قِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فقد اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: أن حقيقة الغيبة ذكر الإنسان بما فيه من المكروه.\n\n[١٥٢٤] وعن أَبي بَكْرة - ﵁ - أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إنَّ دِماءكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: تحريم التعرض لدم مسلم، أو ماله، أو عرضه، بما لم يأذن به الشارع.\n\n[١٥٢٥] وعن عائشة ﵂، قالت: قُلْتُ للنبيّ - ﷺ -: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا. قَالَ بعضُ الرواةِ: تَعْنِي قَصيرَةً، فقالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» ! قالت: وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَانًا فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنْسانًا وإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .","vol":"1","page":840},{"text":"ومعنى: «مَزَجَتْهُ» خَالَطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نَتْنِها وَقُبْحِهَا. وهذا مِنْ أبلَغِ الزَّواجِرِ عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . [النجم (٣، ٤)] .\nقولها: وحكيت له إنسانًا، أي: حكت له بالفعل حركة إنسان يكرهها.\nقال العاقولي: قوله: «ما أحب أني حكيت إنسانًا»، أي: فعلت مثل فعله. يقال: حكاه وحاكاه. وأكثر ما استعمل المحاكاة في القبيح، وهو في الغيبة المحرمة، كأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا، وغير ذلك من الهيئات يحكي بذلك صاحبها.\n\n[١٥٢٦] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَومٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ بها وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: هؤُلاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ!» . رواه أَبُو داود.\n\nفائدة: روى الإمام أحمد أنه قيل: يا رسول الله، إنَّ فلانة وفلانة صائمتان، وققد بلغتا الجهد. فقال: «ادعهما» . فقال لإحداهما: ... «قيئي» . فقاءت لحمًا، ودمًا عبيطًا، وقيحًا. والأخرى مثل ذلك. ثم قال: «صامتا عما أحل لله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما الأخرى فلم يزالا يأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا» .\n\n[١٥٢٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: تغليظ تحريم دم المسلم، وتحريم عرضه، وتحريمم ماله.","vol":"1","page":841},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>٢٥٥- باب تحريم سماع الغيبة</span>\nوأمر من سمع غيبةً مُحرَّمةً بِرَدِّها والإنكارِ عَلَى قائلها\nفإنْ عجز أَوْ لَمْ يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ... (٥٥)] .\n\nأي: إذا سمعوا القبيح من القول أعرضوا عنه تكرُّمًا وتنزُّهًا.\nوقال تَعَالَى: ﴿والَّذينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون (٣)] .\nأي: معرضون عن كل ما لا يعنيهم من قول أو فعل.\nوقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء (٣٦)] .\n\nقال ابن كثير: أي يُسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه، وعما عمل فيها. وفي الدعاء المأثور: (اللهم إني أعوذ بك من شرّ سمعي، وشرّ بصري، وشرّ لساني، وشرّ قلبي، وشرّ مَنِيِّي) .\nوقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَومِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام (٦٨)] .\n\nقال قتادة: نهاه الله أنْ يُجلس مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها، فإن نسي فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين.\nوقال السدي: فإذا ذكرت فقم.\nوقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال المسلمون: كيف نقعد في","vol":"1","page":842},{"text":"المسجد الحرام، ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدًا؟ ! . فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم﴾ [الأنعام (٦٩)]، أي: من إثم الخائضين ﴿مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى﴾ [الأنعام (٦٩)]، أي: ذكروهم وعظوهم بالقرآن ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام (٦٩)] الخوض إذا وعظتموهم، فرخص في مجالستهم على الوعظ.\n\n[١٥٢٨] وعن أَبي الدرداء - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أخيهِ، رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَومَ القيَامَةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: ثواب من رد عن عرض أخيه المسلم قبل الوقوع في الغيبة أو بعده.\n[١٥٢٩] وعن عِتبَانَ بنِ مَالكٍ - ﵁ - في حديثه الطويل المشهور الَّذِي تقدَّمَ في بابِ الرَّجاء قَالَ: قام النبيّ - ﷺ - يُصَلِّي فَقَالَ: «أيْنَ مالِكُ بنُ الدُّخْشُمِ»؟ فَقَالَ رَجُلٌ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللهَ ولا رَسُولهُ، فَقَالَ النبيّ - ﷺ -: «لا تَقُلْ ذَلِكَ ألا تَراهُ قَدْ قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ يُريدُ بِذَلكَ وَجْهَ اللهِ! وإنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ يَبْتَغي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ» . متفق عَلَيْهِ.\n«وَعِتْبان» بكسر العين عَلَى المشهور وحُكِيَ ضَمُّها وبعدها تاءٌ مثناة مِن فوق ثُمَّ باءٌ موحدة. و«الدُّخْشُم» بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين المعجمتين.\n\nفي هذا الحديث: رد الغيبة والإنكار على قائلها.","vol":"1","page":843},{"text":"وفيه: تنبيه على أنَّ العمل الصالح لا ينفع منه إلا ما أريد به وجه الله تعالى، وأداء عبوديته، والتقرب به إليه.\n\n[١٥٣٠] وعن كعب بن مالك - ﵁ - في حديثه الطويل في قصةِ تَوْبَتِهِ وَقَدْ سبق في باب التَّوبةِ. قَالَ: قَالَ النبيُّ - ﷺ - وَهُوَ جالِسٌ في القَومِ بِتَبُوكَ: ... «مَا فَعَلَ كَعبُ بن مالكٍ؟» فَقَالَ رَجلٌ مِنْ بَنِي سَلمَةَ: يَا رسولَ الله، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعاذُ بنُ جبلٍ - ﵁ -: بِئْسَ مَا قُلْتَ، والله يَا رسولَ الله مَا علمنا عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا، فَسَكَتَ رسُولُ الله - ﷺ -. متفقٌ عَلَيْهِ.\n«عِطْفَاهُ»: جَانِبَاهُ، وهو إشارةٌ إلى إعجابِهِ بنفسِهِ.\n\nفي هذا الحديث: إقرار النبي - ﷺ - لإِنكار معاذ على من فعل غيبة، أو تلبس بها، وتشريعًا لمثله بالرد على المغتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>٢٥٦- باب مَا يباح من الغيبة</span>\nاعْلَمْ أنَّ الغِيبَةَ تُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحيحٍ شَرْعِيٍّ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إِلَيْهِ إِلا بِهَا، وَهُوَ سِتَّةُ أسْبَابٍ:\nالأَوَّلُ: التَّظَلُّمُ، فَيَجُوزُ لِلمَظْلُومِ أنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ والقَاضِي وغَيرِهِما مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ، أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى إنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ، فيقول: ظَلَمَنِي فُلاَنٌ بكذا.\nالثَّاني: الاسْتِعانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وَرَدِّ العَاصِي إِلَى الصَّوابِ، فيقولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتهُ عَلَى إزالَةِ المُنْكَرِ: فُلانٌ يَعْمَلُ كَذا، فازْجُرْهُ عَنْهُ ونحو ذَلِكَ ويكونُ مَقْصُودُهُ التَّوَصُّلُ إِلَى إزالَةِ المُنْكَرِ، فَإنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا.","vol":"1","page":844},{"text":"الثَّالِثُ: الاسْتِفْتَاءُ، فيقُولُ لِلمُفْتِي: ظَلَمَنِي أَبي أَوْ أخي، أَوْ زوجي، أَوْ فُلانٌ بكَذَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَمَا طَريقي في الخلاصِ مِنْهُ، وتَحْصيلِ حَقِّي، وَدَفْعِ الظُّلْمِ؟ وَنَحْو ذَلِكَ، فهذا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ، ولكِنَّ الأحْوطَ والأفضَلَ أنْ يقول: مَا تقولُ في رَجُلٍ أَوْ شَخْصٍ، أَوْ زَوْجٍ، كَانَ مِنْ أمْرِهِ كذا؟ فَإنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ مِنْ غَيرِ تَعْيينٍ، وَمَعَ ذَلِكَ، فالتَّعْيينُ جَائِزٌ كَمَا سَنَذْكُرُهُ في حَدِيثِ هِنْدٍ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\nالرَّابعُ: تَحْذِيرُ المُسْلِمينَ مِنَ الشَّرِّ وَنَصِيحَتُهُمْ، وذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:\nمِنْهَا جَرْحُ المَجْرُوحينَ مِنَ الرُّواةِ والشُّهُودِ وذلكَ جَائِزٌ بإجْمَاعِ المُسْلِمينَ، بَلْ وَاجِبٌ للْحَاجَةِ.\nومنها: المُشَاوَرَةُ في مُصاهَرَةِ إنْسانٍ أو مُشاركتِهِ، أَوْ إيداعِهِ، أَوْ مُعامَلَتِهِ، أَوْ غيرِ ذَلِكَ، أَوْ مُجَاوَرَتِهِ، ويجبُ عَلَى المُشَاوَرِ أنْ لا يُخْفِيَ حَالَهُ، بَلْ يَذْكُرُ المَسَاوِئَ الَّتي فِيهِ بِنِيَّةِ النَّصيحَةِ.\nومنها: إِذَا رأى مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى مُبْتَدِعٍ، أَوْ فَاسِقٍ يَأَخُذُ عَنْهُ العِلْمَ، وخَافَ أنْ يَتَضَرَّرَ المُتَفَقِّهُ بِذَلِكَ، فَعَلَيْهِ نَصِيحَتُهُ بِبَيانِ حَالِهِ، بِشَرْطِ أنْ يَقْصِدَ النَّصِيحَةَ، وَهَذا مِمَّا يُغلَطُ فِيهِ. وَقَدْ يَحمِلُ المُتَكَلِّمَ بِذلِكَ الحَسَدُ، وَيُلَبِّسُ الشَّيطانُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ويُخَيْلُ إِلَيْهِ أنَّهُ نَصِيحَةٌ فَليُتَفَطَّنْ لِذلِكَ.\nوَمِنها: أنْ يكونَ لَهُ وِلايَةٌ لا يقومُ بِهَا عَلَى وَجْهِها: إمَّا بِأنْ لا يكونَ صَالِحًا لَهَا، وإما بِأنْ يكونَ فَاسِقًا، أَوْ مُغَفَّلًا، وَنَحوَ ذَلِكَ فَيَجِبُ ذِكْرُ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ ولايةٌ عامَّةٌ لِيُزيلَهُ، وَيُوَلِّيَ مَنْ يُصْلحُ، أَوْ يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُ لِيُعَامِلَهُ بِمُقْتَضَى حالِهِ، وَلا يَغْتَرَّ بِهِ، وأنْ يَسْعَى في أنْ يَحُثَّهُ عَلَى الاسْتِقَامَةِ أَوْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ.","vol":"1","page":845},{"text":"الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ كالمُجَاهِرِ بِشُرْبِ الخَمْرِ، ومُصَادَرَةِ النَّاسِ، وأَخْذِ المَكْسِ، وجِبَايَةِ الأمْوَالِ ظُلْمًا، وَتَوَلِّي الأمُورِ الباطِلَةِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ العُيُوبِ، إِلا أنْ يكونَ لِجَوازِهِ سَبَبٌ آخَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.\nالسَّادِسُ: التعرِيفُ، فإذا كَانَ الإنْسانُ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ، كالأعْمَشِ، والأعرَجِ، والأَصَمِّ، والأعْمى، والأحْوَلِ، وغَيْرِهِمْ جاز تَعْرِيفُهُمْ بذلِكَ، وَيَحْرُمُ إطْلاقُهُ عَلَى جِهَةِ التَّنْقِيصِ، ولو أمكَنَ تَعْريفُهُ بِغَيرِ ذَلِكَ كَانَ أوْلَى، فهذه ستَّةُ أسبابٍ ذَكَرَهَا العُلَمَاءُ وأكثَرُها مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَدَلائِلُهَا مِنَ الأحادِيثِ الصَّحيحَةِ مشهورَةٌ.\n\nوقد جمع هذه الأسباب بعض العلماء فقال:\n؟؟ ... القَدْحُ ليس بغيبةٍ في ستةٍ ... متظلّمٍ، ومعرّفٍ، ومحذّرٍ\nومجاهر بالفسق، ثمت سائلٌ ... ومن استعان على إزالة منكرٍ\n\nفمن ذَلِكَ:\n\n[١٥٣١] عن عائشة ﵂: أنَّ رجلًا اسْتَأذَنَ عَلَى النبي - ﷺ - فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، بِئسَ أخُو العَشِيرَةِ؟» . متفق عَلَيْهِ.\nاحتَجَّ بِهِ البخاري في جوازِ غيبَة أهلِ الفسادِ وأهلِ الرِّيبِ.\n\nقيل: إنَّ الرجل: عيينة بن حصن، وقيل: مخرمة بن نوفل.\n\n[١٥٣٢] وعنها قالت: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَا أظُنُّ فُلانًا وفُلانًا يَعْرِفانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا» . رواه البخاري. قَالَ: قَالَ اللَّيْثُ بن سعدٍ أحَدُ","vol":"1","page":846},{"text":"رُواة هَذَا الحديثِ: هذانِ الرجلانِ كانا من المنافِقِينَ.\n\nقيل: إنه - ﷺ - قال ذلك مبينًا لما أخفياه من النفاق، لئلا يلتبس ظاهرُ حالهما على من يجهل أمرهما.\n\n[١٥٣٣] وعن فاطمة بنتِ قيسٍ ﵂، قالت: أتيت النبي - ﷺ - فقلتُ: إنَّ أَبَا الجَهْم وَمُعَاوِيَةَ خَطَبَانِي؟ فَقَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «أمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ، وأمَّا أَبُو الجَهْمِ، فَلا يَضَعُ العَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي رواية لمسلم: «وَأمَّا أَبُو الجَهْمِ فَضَرَّابٌ لِلنِّساءِ» وَهُوَ تفسير لرواية: «لا يَضَعُ العَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» وقيل: معناه: كثيرُ الأسفارِ.\n\nقال الشارح: والأول أولى؛ لأن الروايات يفسر بعضها ببعض، وإن كان لا مانع من الجمع.\n\n[١٥٣٤] وعن زيد بن أرقم - ﵁ - قَالَ: خرجنا مَعَ رسُولِ الله - ﷺ - في سَفَرٍ أصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عبدُ اللهِ بن أُبَيّ: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رسولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى يَنْفَضُّوا، وقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَأَتَيْتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأخْبَرْتُهُ بذلِكَ، فَأرْسَلَ إِلَى عبدِ الله بن أُبَيِّ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ: مَا فَعلَ، فقالوا: كَذَبَ زيدٌ رَسُولَ الله - ﷺ - فَوَقَعَ في","vol":"1","page":847},{"text":"نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ حَتَّى أنْزلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ تَصْدِيقِي: ﴿إِذَا جَاءكَ المُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون (١)] ثُمَّ دعاهُمُ النبيّ - ﷺ - لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ. متفق عَلَيْهِ.\n\nقوله: فاجتهد يمينه، أي: حلف وأكَّد الأيمان بتكراره.\n\n[١٥٣٥] وعن عائشة ﵂، قالت: قالت هِنْدُ امْرَأةُ أَبي سفْيَانَ للنَّبيِّ - ﷺ -: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفيني وولَدِي إِلا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ؟ قَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلدَكِ بِالمَعْرُوفِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nالشحُّ: البخل مع حرص.\nوفي هذا الحديث: جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء، ونحو ذلك. وجواز سماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء.\nوفيه: وجوب نفقة الزوجة، وأنها مقدرة بالكفاية.\nوفيه: اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>٢٥٧- باب تحريم النميمة</span>\nوهو نقل الكلام بَيْنَ الناس عَلَى جهة الإفساد\n\nقال في القاموس: النمُّ: التوريش والإغراء ورفع الحديث إشاعة له وإفسادًا، وتزيين الكلام بالكذب.\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَميمٍ﴾ [القلم (١١)] .\n\nقال البغوي: ﴿هَمَّازٍ﴾ مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والغيبة.","vol":"1","page":848},{"text":"وقال الحسن: هو الذي يغمز بأخيه في المجلس. كقوله: همزه.\n﴿مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾: قتات يسعى بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم.\nوقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق (١٨)] .\n\nأي: حافظ حاضر أينما كان.\nقال الحسن: إنَّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائط، وعند جِمَاعِهِ.\n\n[١٥٣٦] وعن حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد للنمّام، وزجر عن النميمة.\n\n[١٥٣٧] وعن ابن عباسٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - مرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبيرٍ! بَلَى إنَّهُ كَبِيرٌ: أمَّا أَحَدُهُمَا، فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وأمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» . متفق عَلَيْهِ. وهذا لفظ إحدى روايات البخاري.\nقَالَ العلماءُ معنى: «وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبيرٍ» أيْ: كَبيرٍ في زَعْمِهِمَا. وقِيلَ: كَبيرٌ تَرْكُهُ عَلَيْهِمَا.\n\nفي هذا الحديث: إثبات عذاب القبر، ووجوب إزالة النجاسة مطلقًا، والتحذير من ملابستها.\nوفيه: أنَّ النميمة من الكبائر.\n[١٥٣٨] وعن ابن مسعود - ﵁ -: أن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ مَا العَضْهُ؟ هي النَّمَيمَةُ؛ القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":849},{"text":"«العَضْهُ»: بفتح العين المهملة، وإسكان الضاد المعجمة، وبالهاء عَلَى وزن الوجهِ، ورُوِي «العِضةُ» بكسر العين وفتح الضاد المعجمة عَلَى وزن العِدَة، وهي: الكذب والبُهتان، وعلى الرِّواية الأولى: العَضْهُ مصدرٌ يقال: عَضَهَهُ عَضهًا، أيْ: رماهُ بالعَضْهِ.\n\nقال في «النهاية»: القالة: كثرة القول، وإيقاع الخصومة بين الناس بما يحكى للبعض عن البعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>٢٥٨- باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس</span>\nإِلَى ولاة الأمور إِذَا لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ حاجة كخوف مفسدة ونحوها\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة (٢)] .\n\nقال ابن كثير: يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات، وهو التقوى، وينهاهم عن التَّناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم.\nوفي الباب الأحاديث السابقة في الباب قبله.\n\n[١٥٣٩] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «لا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فإنِّي أُحِبُّ أنْ أخْرُجَ إِلَيْكُمْ وأنَا سَليمُ الصَّدْرِ» . رواه أَبُو داود والترمذي.\n\nفي هذا الحديث: الحث على الستر، وإقالة ذوي الهيآت عثراتهم.\nقوله: «فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»، أي: وذلك إنما","vol":"1","page":850},{"text":"يتحقق عند عدم سماع ما يؤثر في النفس حرارة، أو أثرًا ما، بحسب الطبع البشري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>٢٥٩- باب ذمِّ ذِي الوَجْهَيْن</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ القَولِ وكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحيطًا﴾ . [النساء (١٠٨)] .\n\nيعني: قوله: ﴿هَا أَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء (١٠٩، ١١٠)] .\n\n[١٥٤٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعادِنَ: خِيَارُهُم في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا، وتَجِدُونَ خِيَارَ النَّاسِ في هَذَا الشَّأنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الوَجْهَينِ، الَّذِي يَأتِي هؤُلاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nالمعادن: الأصول.\nقوله: «وتجدون خيار الناس في هذا الشأن»، أي: الخلافة والإمارة. أشدهم كراهية له. كما في حديث عبد الرحمن بن سمرة: «وإنك إن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها» .\nوالمراد: بذي الوجهين: من يأتي كل طائفة، ويظهر لهم أنه منهم، ومخالف للآخرين متبغض لهم.\n\n[١٥٤١] وعن محمد بن زيدٍ: أنَّ ناسًا قالوا لِجَدِّهِ عبدِ اللهِ بن عمر ﵄: إنَّا نَدْخُلُ عَلَى سَلاَطِيننَا فَنَقُولُ لَهُمْ بِخِلاَفِ","vol":"1","page":851},{"text":"مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ. قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ هَذَا نِفَاقًا عَلَى عَهْدِ رسُولِ الله - ﷺ -. رواه البخاري.\n\nيعني من أعمال المنافقين، إذ الصدق في الحضرة، والغيبة، شأن المؤمنين الصادقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>٢٦٠- باب تحريم الكذب</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء (٣٦)] .\n\nأي: لا تقل: رأيتُ ولم تر، وسمعتُ ولم تسمع، ﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء (٣٦)] .\nوقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق (١٨)] .\n\nأي: حافظ حاضر.\n\n[١٥٤٢] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا» . متفق عَلَيْهِ.\n\nمصداق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار (١٣، ١٤)] .\nوفيه: الحثُّ على تحرِّي الصدق، وهو قصده، والاعتناء به، والتحذير من الكذب والتساهل فيه، فإِنه إِذا تساهل فيه، أكثر منه، فعرف به، فكتب.\n\n[١٥٤٣] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ","vol":"1","page":852},{"text":"خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا أؤْتُمِنَ خانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» . متفق عَلَيْهِ.\nوَقَدْ سبق بيانه مَعَ حديث أَبي هريرة بنحوه في «باب الوفاءِ بالعهدِ» .\n\nقوله: «وإذا خاصم فجر»، أي، بالأيمان الكاذبة، والدعاوي الباطلة.\n[١٥٤٤] وعن ابن عباس ﵄، عن النبيّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ أنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْن وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَديثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بنافِخٍ» . رواه البخاري.\n«تَحَلم»: أيْ قَالَ إنَّه حلم في نومه ورأى كذا وكذا، وَهُوَ كاذب. و«الآنك» بالمدّ وضم النون وتخفيف الكاف: وَهُوَ الرَّصَاصُ المذاب.\n\nقوله: «من تحلَّم بحلم لم يره كُلِّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل» .\nوفي رواية: «عُذِّب حتى يعقد بين شعيرتين» . رواه أحمد.\nلأنَّ الكذب في المنام، كذب على الله، فإِنَّ الرؤيا جزء من أجزاء النبوَّة.\nقوله: «ومن استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون، صُبَّ في أذنيه الآنك يوم القيامة» .\nفيه: وعيد شديد، والجزاء من جنس العمل.\nقوله: «ومن صور صورة عُذِّب وكُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ» .\nقال ابن أبي جمرة: مناسبة الوعيد للكاذب في منامه وللمصور، أن","vol":"1","page":853},{"text":"الرؤيا خلق من خلق الله تعالى، وهو صورة معنوية، فأدخل لكذبه صورة معنوية لم تقع، كما أدخل المصور في الوجود صورة ليست بحقيقة؛ لأن الصورة الحقيقية هي التي فيها الروح، فكلف صاحب الصورة بتكليفه أمرًا شديدًا، وهو أن يتم ما خلقه بزعمه، فينفخ الروح فيه.\nووقع عند كل منهما بأن يعذب حتى يفعل ما كُلِّف وليس بفاعل، وهو كناية عن دوام تعذيب كل منهما.\nقال: والحكمة في هذا الوعيد، أن الأول: كذب على جنس النبوة.\nوالثاني: نازع الخالق في قدرته.\n[١٥٤٥] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «أَفْرَى الفِرَى أنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا» . رواه البخاري.\nومعناه: يقول: رأيتُ، فيما لَمْ يَرَهُ.\n\nقوله: «أفرى الفرى»، أي: أعظم الكذبات.\nقال ابن بطال: الفرية: الكذبة العظيمة التي يتعجب منها.\nقال الحافظ: ومعنى نسبة الرؤيا إلى عينيه مع أنهما لم يريا شيئًا أنه أخبر عنهما بالرؤية، وهو كاذب.\n[١٥٤٦] وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رسُولُ اللهِ - ﷺ - مِمَّا يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟» فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللهُ أنْ يَقُصَّ، وإنَّهُ قَالَ لنا ذَات غَدَاةٍ: «إنَّهُ أَتَانِيَ اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وإنَّهُمَا قَالا لِي: انْطَلِقْ، وإنِّي انْطَلَقتُ مَعَهُمَا، وإنَّا أَتَيْنَا","vol":"1","page":854},{"text":"عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيَثْلَغُ رَأسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأخُذُهُ فَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأسُهُ كَما كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأوْلَى!» قال: «قُلْتُ لهما: سُبْحانَ اللهِ! مَا هَذَان؟ قَالا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَديدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأتِي أحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، ومِنْخَرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجانبِ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بالجَانِبِ الأوَّلِ، فَمَا يَفْرَغُ مِنْ ذَلِكَ الجانبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الجانبُ كما كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي المرَّةِ الأُوْلَى» قَالَ: «قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا هذانِ؟ قالا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ» فَأَحْسِبُ أنَّهُ قَالَ: ... «فإذا فِيهِ لَغَطٌ، وأصْواتٌ، فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فإذا فِيهِ رِجَالٌ وَنِساءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا\nهُمْ يَأتِيِهمْ لَهَبٌ مِنْ أسْفَلَ مِنْهُمْ، فإذا أتاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا. قَالَ: قُلْتُ: مَا هَؤلاءِ؟ قَالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ» حَسِبْتُ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «أَحْمَرُ مِثْلُ الدَّمِ، وَإِذَا في النَّهْرِ رَجُلٌ سابحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كثيرةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابحُ يَسْبَحُ، مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ، فَيَفْغَرُ لَهُ فاهُ، فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَينْطَلِقُ فَيَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ، فَغَرَ لَهُ فَاهُ، فَألْقَمَهُ حَجَرًا، قُلْتُ لهُما: مَا هذانِ؟ قالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا","vol":"1","page":855},{"text":"عَلَى رَجُلٍ كَريهِ المرْآةِ، أَوْ كَأكْرَهِ مَا أنتَ رَاءٍ رجُلًا مَرْأىً، فإذا هُوَ عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا.\nقُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ قالا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَي الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَويلٌ لا أَكادُ أَرَى رَأسَهُ طُولًا في السَّماءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلدانٍ رَأيْتُهُمْ قَطُّ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ وَمَا هؤلاءِ؟ قالا لي: انْطَلقِ انْطَلقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا إِلَى دَوْحَةٍ عَظيمةٍ لَمْ أَرَ دَوْحَةً قَطُّ أعْظمَ مِنْهَا، وَلا أحْسَنَ! قالا لي: ارْقَ فِيهَا، فارْتَقَيْنَا فِيهَا إِلَى مَدينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبنٍ ذَهَبٍ وَلَبنٍ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ المَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاها، فَتَلَقَّانَا رِجالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كأَحْسَنِ مَا أنت راءٍ! وَشَطْرٌ مِنْهُمْ كأقْبَحِ مَا أنتَ راءٍ! قالا لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا في ذَلِكَ النَّهْرِ، وَإِذَا هُوَ نَهْرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كأنَّ ماءهُ المَحْضُ في البَيَاضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ. ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا في أحْسَنِ صُورَةٍ» قَالَ: «قالا لِي: هذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وهذاك مَنْزِلُكَ، فسَمَا بَصَري صُعُدًا، فإذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ البَيضاءِ، قالا لي: هذاكَ مَنْزلكَ؟ قلتُ لهما: باركَ اللهُ فيكُما، فذَراني فأدخُلَه. قالا لي: أمَّا الآنَ فَلا، وأنتَ دَاخِلُهُ، قُلْتُ لَهُمَا: فَإنِّي رَأيتُ مُنْذُ اللَّيْلَة عَجَبًا؟ فما هَذَا الَّذِي رأيتُ؟ قالا لي: أمَا إنَّا سَنُخْبِرُكَ: أَمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأسُهُ","vol":"1","page":856},{"text":"بالحَجَرِ، فإنَّهُ الرَّجُلُ يَأخُذُ القُرآنَ فَيَرفُضُهُ، ويَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكتُوبَةِ.\nوأمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، ومِنْخَرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فإنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الكِذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ. وأمَّا الرِّجَالُ والنِّسَاءُ العُراةُ الَّذِينَ هُمْ في مثْلِ بناءِ التَّنُّورِ، فَإنَّهُمُ الزُّنَاةُ والزَّواني، وأما الرجلُ الذي أتيتَ عَليهِ يَسْبَحُ في النهرِ، ويلقم الحجارةَ، فإنَّهُ آكلُ الربا، وأمَّا الرَّجُلُ الكَريهُ المرآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فإنَّهُ مالكٌ خازِنُ جَهَنَّمَ، وأمَّا الرَّجُلُ الطَّويلُ الَّذِي في الرَّوْضَةِ، فإنَّهُ إبراهيم - ﷺ - وأمَّا الولدان الَّذِينَ حَوْلَهُ، فكلُّ مَوْلُودٍ ماتَ عَلَى الفِطْرَةِ» وفي رواية البَرْقانِيِّ: «وُلِدَ عَلَى الفِطْرَةِ» فَقَالَ بعض المُسلمينَ: يَا رسولَ الله، وأولادُ المُشركينَ فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «وأولادُ المشركينَ، وأما القومُ الذينَ كانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبيحٌ، فإنَّهُمْ قَومٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، تَجاوَزَ الله عنهم» . رواه البخاري.\nوفي روايةٍ لَهُ: «رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتيَانِي فأخْرَجَانِي إِلَى أرْضٍ مُقَدَّسَةٍ» ثُمَّ ذَكَرَهُ وقال: «فَانْطَلَقْنَا إِلَى نَقْبٍ مثلِ التَّنُّورِ، أعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأسْفَلُهُ واسِعٌ؛ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نارًا، فإذا ارْتَفَعَتِ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادُوا أنْ يَخْرُجُوا، وَإِذَا خَمَدَتْ! رَجَعُوا فِيهَا، وفيها رِجالٌ ونِساءٌ عراةٌ» . وفيها: «حَتَّى أتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ» ولم يشكَّ «فِيهِ رَجُلٌ قائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهْرِ وعلى شطِّ النَّهرِ رجلٌ، وبينَ يديهِ حِجارةٌ، فأقبلَ الرجلُ الذي في النَّهرِ، فَإذَا أرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ في فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ جَعَلَ يَرْمِي في فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيْرَجِعْ كما كَانَ» . وفيها: «فَصَعِدَا بي الشَّجَرَةَ، فَأدْخَلاَنِي دَارًا لَمْ أرَ قَطُّ أحْسَنَ مِنْهَا، فيهَا","vol":"1","page":857},{"text":"رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ» .\nوفيها: «الَّذِي رَأيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالكِذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ»، وَفِيهَا: «الَّذِي رَأيْتَهُ يُشْدَخُ رَأسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بالنَّهارِ، فَيُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، والدَّارُ الأولَى الَّتي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤمِنِينَ، وأمَّا هذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَداءِ، وأنا جِبْرِيلُ، وهذا مِيكائيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأسِي، فإذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحابِ، قالا: ذاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أدْخُلُ مَنْزِلي، قالا: إنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَهُ أتَيْتَ مَنْزِلَكَ» . رواه البخاري.\nقَوْله: «يَثلَغ رَأسَهُ» هُوَ بالثاءِ المثلثةِ والغينِ المعجمة، أيْ: يَشدَخُهُ وَيَشُقُّهُ. قولهُ: «يَتَدَهْدَهُ» أيْ: يَتَدَحْرجُ. و«الكَلُّوبُ» بفتح الكاف وضم اللام المشددة، وَهُوَ معروف. قَوْله: «فَيُشَرْشِرُ»: أيْ: يُقَطِّعُ. قَوْله: «ضَوْضَوا» وَهُوَ بضادين معجمتين: أيْ صاحوا. قَوْله: «فَيَفْغَرُ» هُوَ بالفاء والغين المعجمة، أيْ: يفتح. قَوْله «المَرآة» هُوَ بفتح الميم، أيْ: المنظر. قَوْله: «يَحُشُّها» هُوَ بفتح الياءِ وضم الحاء المهملة والشين المعجمة، أيْ: يوقِدُها. قَوْله: «رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ» هُوَ بضم الميم وإسكان العين وفتح التاء وتشديد الميم، أيْ: وافية النَّباتِ طَويلَته.","vol":"1","page":858},{"text":"قَولُهُ: «دَوْحَةٌ» وهي بفتحِ الدال وإسكان الواو وبالحاءِ المهملة: وهي الشَّجَرَةُ الكَبيرةُ. قَوْلهُ: «المَحْضُ» هُوَ بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة وبالضَّادِ المعجمة، وَهُوَ: اللَّبَنُ. قَوْلهُ «فَسَمَا بَصَري» أيْ: ارْتَفَعَ. و«صُعُدًا» بضم الصاد والعي، أيْ: مُرْتَفعًا. وَ«الربَابَةُ» بفتح الراءِ وبالباء الموحدة مكررةً، وهي: السَّحابَة.\n\nفي هذا الحديث: أن بعض العصاة يعذبون في البرزخ.\nوفيه: التحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة، وعن رفض القرآن لمن يحفظه، وعن الزنا، وأكل الربا، وتعمد الكذب.\nوفيه: أن من استوت حسناته وسيآته، يتجاوز الله عنه، اللهم تجاوز عنا برحمتك يَا أرحم الراحمين.\nقال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة (١٠٢)] .\nقال ابن هبيرة: لما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه ولسانه على الكذب بترويج باطله، وقعت المشاركة بينهم في العقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>٢٦١- باب بيان مَا يجوز من الكذب</span>\nاعلَمْ أنَّ الكَذِبَ، وإنْ كَانَ أصْلُهُ مُحَرَّمًا، فَيَجُوزُ في بَعْضِ الأحْوَالِ بِشُروطٍ قَدْ أوْضَحْتُهَا في كتاب: «الأَذْكَارِ»، ومُخْتَصَرُ ذَلِكَ: أنَّ الكلامَ وَسيلَةٌ إِلَى المَقَاصِدِ، فَكُلُّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِغَيْرِ الكَذِبِ يَحْرُمُ الكَذِبُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ إِلا بالكَذِبِ، جازَ","vol":"1","page":859},{"text":"الكَذِبُ. ثُمَّ إنْ كَانَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المَقْصُودِ مُبَاحًا كَانَ الكَذِبُ مُبَاحًا، وإنْ كَانَ وَاجِبًا، كَانَ الكَذِبُ وَاجِبًا. فإذا اخْتَفَى مُسْلِمٌ مِنْ ظَالِمٍ يُريدُ قَتْلَهُ، أَوْ أَخذَ مَالِهِ وأخفى مالَه وَسُئِلَ إنْسَانٌ عَنْهُ، وَجَبَ الكَذِبُ بإخْفَائِه. وكذا لو كانَ عِندَهُ وديعَةٌ، وأراد ظالمٌ أخذها، وجبَ الكذبُ بإخفائها. وَالأحْوَطُ في هَذَا كُلِّهِ أن يُوَرِّيَ. ومعْنَى التَّوْرِيَةِ: أنْ يَقْصِدَ بِعِبَارَتِهِ مَقْصُودًا صَحيحًا لَيْسَ هُوَ كَاذِبًا بالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وإنْ كَانَ كَاذِبًا في ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وبالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَفْهَمُهُ المُخَاطَبُ، وَلَوْ تَرَكَ التَّوْرِيَةَ وَأطْلَقَ عِبَارَةَ الكَذِبِ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ في هَذَا الحَالِ.\nوَاسْتَدَل العُلَمَاءُ بِجَوازِ الكَذِبِ في هَذَا الحَالِ بِحَديثِ أُمِّ كُلْثُومٍ ﵂، أنها سمعتْ رسُولَ الله - ﷺ - يقول: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا» . متفق عَلَيْهِ.\nزاد مسلم في رواية: قالت أُمُّ كُلْثُومٍ: وَلَمْ أسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلا في ثَلاَثٍ، تَعْنِي: الحَرْبَ، والإصْلاَحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَديثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحديثَ المَرْأَةِ زَوْجَهَا.\nقال البخاري: باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، وذكر حديث أم كلثوم، أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يَقُولُ: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا» .\nقال الحافظ: قوله: «فينمي» بفتح أوله وكسر الميم، أي: يبلّغ. تقول: نميت الحديث أنميه، إذا بلَّغته على وجه الإصلاح، وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت: نمَّيته بالتشديد، كذا قاله الجمهور.","vol":"1","page":860},{"text":"قوله: «أو يقول خيرًا»: هو شك من الراوي. قال العلماء: المراد هنا أنه يخبر بما علمه من الخير، ويسكت عما علمه من الشر. وما زاده مسلم في آخره: «ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاث» فذكرها وهي: الحرب، وحديث الرجل لامرأته، والإصلاح بين الناس، إلى أنْ قال: قال الطبري: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح.\nوقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة أو ما ليس فيه مصلحة.\nوقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقًا، وحملوا الكذب المراد على التورية والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس. وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين.\nويعد امرأته بعطية شيء، ويريد إن قدَّر الله ذلك.\nواتفقوا على أنِّ المراد بالكذب في حق المرأة والرجل، إنما هو فيما لا يسقط حقًا عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أولها.\nوكذا في الحرب في غير التأمين.\nواتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختفٍ عنده، فله أن ينفي كونه عنده، ويحلف على ذلك، ولا يأثم والله أعلم. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>٢٦٢- باب الحثّ عَلَى التثبت فيما يقوله ويحكيه</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء (٣٦)] .\n\nأي: لا تقل.\nوقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق (١٨)] .\nأي: حافظ، حاضر.","vol":"1","page":861},{"text":"[١٥٤٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قَالَ: «كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» . رواه مسلم.\n\nأي: كفاه ذلك كذبًا، فإنه قد استكثر منه.\nقال النووي: ومعنى الحديث والآثار المذكورة في الباب: الزجر عن التحدث بكل ما سمع، فإنه يسمع الصدق والكذب، فإن حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن.\nومذهب أهل الحق: الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ... عليه، ولا يشترط فيه العَمْد، لكن التعمد شرط للإثم.\n\n[١٥٤٨] وعن سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَديثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبينَ» . رواه مسلم.\n\nقال البخاري: باب إثم من كذب على النبي - ﷺ -، وذكر حديث علي ﵁، قال النبي - ﷺ -: «لا تكذبوا عليَّ فإنه من كذَّب عليَّ فليلج النار» .\nوحديث الزبير ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار» .\nوحديث أنس: أن النبي - ﷺ - قال: «من تعمَّد عليَّ كذبًا فليتبوأ مقعده من النار» .\nوحديث سلمة بن الأكوع: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» .","vol":"1","page":862},{"text":"وحديث أبي هريرة: «ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» .\nقال الحافظ: قوله: «ولا تكذبوا عليَّ» . هو عام في كل كاذب، مطلق في كل نوع من الكذب. ومعناه: لا تنسبوا الكذب إليَّ، وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب.\nوقالوا: نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دروا أن تقويله - ﷺ - ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى.\n[١٥٤٩] وعن أسماء ﵂: أنَّ امْرأةً قالت: يَا رسولَ الله، إنَّ لِي ضَرَّةً فهل عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِيني؟ فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» . متفق عَلَيْهِ.\n«وَالمُتَشَبِّعُ»: هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الشَّبَعَ وَلَيْسَ بِشَبْعَان. ومعناهُ هُنَا: أنْ يُظْهِرَ أنَّهُ حَصَلَ لَهُ فَضيلَةٌ وَلَيْسَتْ حَاصِلَةً. «وَلابِسُ ثَوْبَي زُورٍ» أيْ: ذِي زُورٍ، وَهُوَ الَّذِي يُزَوِّرُ عَلَى النَّاسِ، بِأنْ يَتَزَيَّى بِزِيِّ أهْلِ الزُّهْدِ أَو العِلْمِ أَو الثَّرْوَةِ، لِيَغْتَرَّ بِهِ النَّاسُ وَلَيْسَ هُوَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ. وَقَيلَ غَيرُ ذَلِكَ واللهُ أعْلَمُ.\n\nقال البخاري: باب المتشبع بما لم ينل، وما ينهى من افتخار الضرة. وذكر الحديث.\nقال الحافظ: أشار بهذا إلى ما ذكر أبو عبيد في تفسير الخبر: قال: قوله: «المتشبّع»، أي: المتزين بما ليس عنده يتكثر بذلك، ويتزين بالباطل،","vol":"1","page":863},{"text":"كالمرأة تكون عند الرجل ولها ضرة، فتدَّعي من الحظوة عند زوجها أكثر مما عنده، تريد بذلك غيظ ضرتها. وكذلك هذا في الرجال.\nقال: وأما قوله: «كلابس ثوبيَ زور»، فإنه الرجل يلبس الثياب المشبهة لثياب الزهاد، يوهم أنه منهم ويُظهر من التخشع والتقشف أكثر مما في قلبه منه.\nقال: وفيه وجه آخر: أن يكون المراد بالثياب الأنفس. كقولهم: فلان نقي الثوب، إذا كان بريئًا من الدنس. وفلان دنس الثوب، إذا كان مغموصًا عليه في دينه.\nوقال الخطابي: الثوب مثل، ومعناه، أنه صاحب زور وكذب، كما يقال لمن وصف بالبراءة من الأدناس: طاهر الثوب. والمراد به نفس الرجل.\nوقال أبو سعيد الضرير: المراد به أن شاهد الزور قد يستعير ثوبين يتجمل بهما ليوهم أنه مقبول الشهادة.\nقال الحافظ: وهذا نقله الخطابي عن نعيم بن حماد قال: كان يكون في الحي الرجل له هيئة وشارة، فإذا احتيج إلى شهادة زور لبس ثوبيه، وأقبل فشهد، فقبل لنبل هيئته، وحسن ثوبيه، فيقال: أمضاها بثوبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>٢٦٣- باب بيان غلظ تحريم شهادة الزُّور</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج (٣٠)] .\n\nأي: الكذب والبهتان، ومنه شهادة الزور.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء (٣٦)] .\n\nأي: لا تقل، ودخل تحت عمومه شهادة الزور.\nوقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق (١٨)] .\n\nأي: حافظ حاضر.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لبالمِرْصَادِ﴾ [الفجر (١٤)] .","vol":"1","page":864},{"text":"قال ابن كثير: قال ابن عباس: يسمع ويرى، يعني: يرصد خلقه فيما يعملون. ويجازي كلًا بسعيه في الدنيا والآخرة. وسيُعرض الخلائق كلهم عليه. فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلًا بما يستحقه، وهو المنزَّه عن الظلم والجور.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان (٧٢)] .\n\nقال البغوي: قال الضحاك وأكثرالمفسرين: يعني الشرك.\nوقال عليّ بن أبي طلحة: يعني شهادة الزور. وكان عمر بن الخطاب يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه، ويطوف به في السوق إلى أن قال: وأصل الزور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق.\n\n[١٥٥٠] وعن أَبي بَكْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «ألا أُنَبِّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبَائِرِ»؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رسولَ اللهِ. قَالَ: «الإشْراكُ باللهِ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» وكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ألا وَقولُ الزُّورِ وشهادة الزُّورِ» . فما زال يُكَرِّرُهَا حَتَّى قلنا: لَيْتَهُ سَكَتَ. متفق عَلَيْهِ.\nقوله: وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور، وشهادة الزور» .\nقال الحافظ: يُشعر بأنه اهتم لذلك حتى جلس بعد أن كان متكئًا، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه، وعظم قبحه، وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور، وشهادة الزور أسهل وقوعًا على الناس، والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع. وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة، كالعدواة والحسد وغيرهما. فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه.","vol":"1","page":865},{"text":"قوله: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.\nأي: شفقة عليه وكراهية لما يزعجه.\nوفي الحديث: تحريم شهادة الزور، وفي معناها كل ما كان زورًا، من تعاطي المرء ما ليس له أهلًا.\nقال القرطبي: شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل، من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا منها، ولا أكثر فسادًا بعد الشرك بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>٢٦٤- باب تحريم لعن إنسان بعينه أَوْ دابة</span>\n\n[١٥٥١] عن أَبي زيدٍ ثابت بن الضَّحَّاك الأنصاريِّ - ﵁ -، وَهُوَ من أهلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلاَمِ كاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَما قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فيما لا يَمْلِكُهُ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ ... كَقَتْلِهِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nالملة: الدين والشريعة.\nقال عياض: يستفاد منها أن الحالف المتعمد، إن كان مطمئن القلب بالإيمان وهو كذاب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قال معتقدًا لليمين بتلك الملة لكونها حقًا، كفر. وإن قالها لمجرد التعظيم لها، احتمل.\nوعن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رفعه: «من قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يعد إلى الإسلام سالمًا» . أخرجه النَّسائي وصححه.","vol":"1","page":866},{"text":"قوله: «ومن قتل نفسه بشيء عُذِّب به يوم القيامة» .\nقال ابن دقيق العيد: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنيات الدنيوية.\nويؤخذ منه أنَّ جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله تعالى فلا يتصرف فيها إلا بما أذن الله له فيه.\nقوله: «وليس على رجل نذر فيما لا يملك»، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» . رواه الخمسة.\nوعن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: «من نذر نذرًا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لم يطقه، فكفارته كفارة يمين» . رواه أبو داود، وابن ماجة.\nقوله: «لعْن المؤمن كقتله» . أي: لأنه إذا لعنه، فكأنه دعا عليه بالهلاك. وقيل: يشبهه في الإثم. والله أعلم.\n\n[١٥٥٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لَعَّانًا» . رواه مسلم.\n\nأي: ليس من شأنه كثرة اللَّعن. وعند الترمذي من حديث ابن عمر بلفظ: «لا يكون المؤمن لعَّانًا» .\n\n[١٥٥٣] وعن أَبي الدرداءِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «لا يَكُونُ اللَّعَانُونَ شُفَعَاءَ، وَلا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه مسلم.\n\nقيل: لأنهم فسقة. والفاسق لا تقبل شفاعته، ولا شهادته.","vol":"1","page":867},{"text":"[١٥٥٤] وعن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تَلاَعَنُوا بِلَعْنَةِ اللهِ، وَلا بِغَضَبِهِ، وَلا بِالنَّارِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: تحريم الدعاء بلعنة الله، وغضب الله، أو النار.\n\n[١٥٥٥] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ، وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الفَاحِشِ، وَلا البَذِيِّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالطعَّان: أي: الوقّاع في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما. الفحّاش: ذو الفحش في كلامه وفعاله.\nقال في (النهاية): البذاء: المباذاة وهي المفاحشة. وقال في (المصباح): بذا على القوم يبذو، سفه أو فحش في منطقه، وإن كان كلامه صدقًا.\n\n[١٥٥٦] وعن أَبي الدرداء - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «إنَّ العَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا، صَعدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّماءِ، فَتُغْلَقُ أبْوابُ السَّماءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأرْضِ، فَتُغْلَقُ أبْوابُهَا دُونَها، ثُمَّ تَأخُذُ يَمينًا وَشِمالًا، فَإذا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فإنْ كَانَ أهْلًا لِذلِكَ، وإلا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا» . رواه أَبُو داود.\n\nفي هذا الحديث: قبح اللعن وشناعته.\nقوله: «إذا لعن شيئًا» . حيوانًا كان أو جمادًا.","vol":"1","page":868},{"text":"[١٥٥٧] وعن عمران بن الحُصَيْنِ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا رسُولُ اللهِ - ﷺ - في بَعْضِ أسْفَارِهِ، وَامْرأةٌ مِنَ الأنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رسُولُ الله - ﷺ - فقالَ: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا؛ فَإنَّهَا مَلْعُونَةٌ» . قَالَ عمْرانُ: فَكَأنِّي أَرَاهَا الآنَ تَمْشِي في النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أحَدٌ. رواه مسلم.\n\n[١٥٥٨] وعن أَبي بَرْزَةَ نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الأَسْلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ القَوْمِ. إِذْ بَصُرَتْ بِالنبيِّ - ﷺ - وَتَضَايَقَ بِهِمُ الجَبَلُ فَقَالَتْ: حَلْ، اللَّهُمَّ الْعَنْهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ» . رواه مسلم.\nقَوْله: «حَلْ» بفتح الحاء المهملة وَإسكانِ اللام: وَهِيَ كَلِمَةٌ لِزَجْرِ الإبِلِ.\nوَاعْلَمْ أنَّ هَذَا الحَدِيثَ قَدْ يُسْتَشكَلُ مَعْنَاهُ، وَلا إشْكَالَ فِيهِ، بَلِ المُرَادُ النَّهْيُ أنْ تُصَاحِبَهُمْ تِلْكَ النَّاقَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِهَا وَذَبْحِهَا وَرُكُوبِهَا فِي غَيْرِ صُحْبَةِ النبي - ﷺ - بَلْ كُلُّ ذَلِكَ وَمَا سِوَاهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ جائِزٌ لا مَنْعَ مِنْهُ، إِلا مِنْ مُصَاحَبَةِ النَّبيِّ - ﷺ - بِهَا؛ لأنَّ هذِهِ التَّصَرُّفَاتِ كُلَّهَا كَانَتْ جَائِزَةً فَمُنِعَ بَعْض مِنْهَا، فَبَقِيَ البَاقِي عَلَى مَا كَانَ، واللهُ أَعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>٢٦٥- باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود (١٨)] .\nعَنِ ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ... «يدنو","vol":"1","page":869},{"text":"أحدكم من ربه حتى يضع كَنَفَه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا فيقول: نعم. فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطي كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾» [هود (١٨)] . رواه البخاري ومسلم.\nوقال تَعَالَى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف (٤٤)] .\n\nقال ابن كثير: أي أَعْلَمَ مُعْلِم، ونادى منادٍ أنَّ لعنةُ اللهِ على الظالمين، أي: مستقرة عليهم.\nوَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَعنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ» وَأنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا» وأنَّهُ لَعَنَ المُصَوِّرِينَ، وأنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ غيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ» أيْ حُدُودَهَا، وأنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ»، وأنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيهِ» وَ«لَعَنَ اللهُ من ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»،","vol":"1","page":870},{"text":"وَأنَّه قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَة والنَّاسِ أجْمَعينَ»، وأنَّه قَالَ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وعُصَيَّةَ: عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ» وهذِهِ ثَلاَثُ قَبَائِلَ مِنَ العَرَبِ. وأنَّه قَالَ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وأنهُ «لَعَنَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّساءِ والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجالِ» .\nوَجَميعُ هذِهِ الألفاظِ في الصحيح؛ بعضُها في صَحيحَيّ البُخاري ومسلمٍ، وبعضها في أحَدِهِمَا، وإنما قصدت الاختِصَارَ بالإشارةِ إِلَيها، وسأذكر معظمها في أبوابها من هَذَا الكتاب، إن شاء الله تَعَالَى.\n\nأي: وكلُّ هذه الأحاديث تدل على جواز لعن أهل المعاصي على سبيل العموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>٢٦٦- باب تحريم سب المسلم بغير حق</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب (٥٨)] .\n\nقال ابن كثير: ينسبون إليهم ما هم برآء منه، لم يعملوه، ولم يفعلوه. وهذا البهت الكبير، أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والنقص لهم.\nوعن أبي هريرة: أنه قيل: يَا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: «ذِكْرُكَ أخاكَ بما","vol":"1","page":871},{"text":"يكره» . قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه» . رواه الترمذي.\n\n[١٥٥٩] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقال النووي: السبُّ في اللغة: الشتم والتكلم في عرض الإِنسان بما يعيبه، والظاهر أن المراد من قتاله المقاتلة المعروفة.\n\n[١٥٦٠] وعن أَبي ذرٍ - ﵁ - أنهُ سَمِعَ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقول: «لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالفِسْقِ أَوِ الكُفْرِ، إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كذَلِكَ» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: تفسيق من رمى غير الفاسق بالفسق، وتكفير من رمى المؤمن بالكفر، كما في الحديث الآخر: «من رمى رجلًا بالكفر أو قال عدوّ الله وليس كذلك، إلا حار عليه» .\n[١٥٦١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «المُتَسَابَّانِ مَا قَالا فَعَلَى البَادِي منهُما حَتَّى يَعْتَدِي المَظْلُومُ» . رواه مسلم.\n\nقال النووي: معناه أن إثم السباب الواقع بينهما يختص بالبادئ منهما، إلا أن يجاوز الثاني قدر الانتصار، فيؤذي الظالم بأكثر مما قاله.","vol":"1","page":872},{"text":"وفيه: جواز الانتصار ولا خلاف فيه، وتظاهر عليه الكتاب والسنة، ومع ذلك فالصبر والعفو أفضل كما قال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى (٤٣)]، وكحديث: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا» .\n\n[١٥٦٢] وعنه قَالَ: أُتِيَ النبي - ﷺ - بِرَجُلٍ قَدْ شرِبَ قَالَ: «اضربوهُ» قَالَ أَبُو هريرةَ: فَمِنَّا الضارِبُ بيَدِهِ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أخْزَاكَ اللهُ! قَالَ: «لا تَقُولُوا هَذَا، لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَان» . رواه البخاري.\n\nفي هذا الحديث: جواز إقامة حد الخمر بالضرب بغير السوط.\nقال النووي: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال، والأصح جوازه بالسوط.\nقال الحافظ: وتوسط بعض المتأخرين فعين السوط للمتمردين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء، ومن عداهم بحسب ما يليق بهم. انتهى.\nوزاد أبو داود في رواية: ثم قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: «بكِّتوه» فأقبلوا عليه. يقولون له: ما اتقيت الله ﷿؟ ما خشيت الله جل ثناؤه، ما استحييت من رسول الله - ﷺ -؟ ثم أرسلوه.\n\n[١٥٦٣] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَومَ القِيَامَةِ، إِلا أَنْ يَكُونَ كما قَالَ» . متفق عَلَيْهِ.\nفي هذا الحديث: إظهار كمال العدل.","vol":"1","page":873},{"text":"وفي رواية: «من قذف مملوكه وهو بريء مما قاله جلد يوم القيامة حدًّا، إلا أن يكون كما قال» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>٢٦٧- باب تحريم سب الأموات</span>\nبغير حق ومصلحةٍ شرعية\n\nوَهُوَ التَّحْذِيرُ مِنَ الاقْتِدَاء بِهِ في بِدْعَتِهِ، وَفِسْقِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِيهِ الآيةُ والأحاديثُ السَّابِقَةُ في البَابِ قَبْلَهُ.\n\n[١٥٦٤] وعن عائشة ﵂ قالت: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» . رواه البخاري.\n\nوروى الترمذي عن المغيرة نحوه، لكن قال: «فتؤذوا الأحياء» .\nوالحديث دليل على تحريم سبِّ الأموات. قال ابن رشد: إن سبّ الكافر محرم، إذا تأذى به الحيُّ المسلم، ويحل إذا لم يحصل به أذية. وأما المسلم فيحرم، إلا إذا دعت إليه الضرورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>٢٦٨- باب النهي عن الإيذاء</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب (٥٨)] .\n\n[١٥٦٥] وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاصِ ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ» . متفق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":874},{"text":"أي: المسلم الكامل من كفَّ لسانه ويده عن المسلمين، والمهاجر الكامل من ترك المعاصي.\n\n[١٥٦٦] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» . رواه مسلم.\nوَهُوَ بعض حديثٍ طويلٍ سبق في بابِ طاعَةِ وُلاَةِ الأمُورِ.\n\nهذا الحديث: كقوله تعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران (١٠٢)]، أي: استقيموا على الإِسلام.\nقوله: «وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»، أي: يحسن معاملتهم بالبشر، وكف الأذى، وبذل النَّدى، كما يحب ذلك منهم له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>٢٦٩- باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات (١٠)] .\nأي: وشأن الأخوة التواصل. قال تعالى في مدح المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ [الرعد (٢١)] .\nوقال تَعَالَى: ﴿أذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنينَ أعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرينَ﴾ [المائدة (٥٤)] .\n\nأي: عاطفين على المؤمنين، خافضين لهم أجنحتهم، متغلِّبين على الكافرين.\nوقال تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح (٢٩)] .\n\nقال ابن كثير: يخبر تعالى عن محمد - ﷺ -، أنه رسوله حقًّا بلا شك ولا","vol":"1","page":875},{"text":"ريب. فقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾، وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه ﵃، فقال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾، كما قال ﷿: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة (٥٤)]، وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًّا بالأخيار.\n[١٥٦٧] وعن أنس - ﵁ - أنَّ النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقوله: «لا تباغضوا»، أي: لا تفعلوا ما يؤدي إلى التباغض، من التحاسد، والتدابر، والتتقاطع.\nقوله: «ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه»، أي: بالإِعراض عنه، وترك السلام عليه فوق ثلاث. أُغْتُفِرت الثلاث لأن حِدَّة المزاج قد تدعوا للهجر في زمنها.\nوفي رواية: «فمن هجر فوق ثلاث، فمات دخل النار» .\n\n[١٥٦٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الإثْنَيْنِ ويَوْمَ الخَمْيِسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلا رَجُلًا كَانَتْ بينهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ فَيُقَالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا! أَنْظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصْطَلِحَا!» . رواه مسلم.\nوفي روايةٍ لَهُ: «تُعْرَضُ الأعْمالُ في كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وإثْنَيْن» وذَكَرَ نَحْوَهُ.\n\nقوله: «انظروا هذين حتى يصلحا»، أي: أخّروا غفرانهم، وكرره للتأكيد اهتمامًا بأمره.","vol":"1","page":876},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>٢٧٠- باب تحريم الحسد</span>\n\nوَهُوَ تمني زوالُ النعمة عن صاحبها، سواءٌ كَانَتْ نعمة دينٍ أَوْ دنيا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء (٥٤)] .\n\nقال قتادة: المراد بالناس العرب. حَسَدَهم اليهود على النبوة، وما أكرمهم الله تعالى بمحمد - ﷺ -، والحسد من الأخلاق المذمومة.\nويُروى أن إبليس قال لنوح ﵇: اثنتان أُهلك بهما بني آدم: الحسد، وبالحسد لعنت وجعلت شيطانًا رجيمًا، والحِرص، أبيح آدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه بالحرص.\nوفِيهِ حديثُ أنسٍ السابق في الباب قبلَهُ.\n\nأي: وفي باب تحريم الحسد قوله - ﷺ -: «لا تحاسدوا» .\n\n[١٥٦٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالحَسَدَ؛ فَإنَّ الحَسَدَ يَأكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» أَوْ قَالَ: «العُشْبَ» . رواه أَبُو داود.\n\nفي هذا الحديث: إيماء إلى سرعة إبطال الحسد للحسنات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>٢٧١- باب النَّهي عن التجسُّس</span>\nوالتَّسَمُّع لكلام من يكره استماعه\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات (١٢)] .\n\nأي: لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب (٥٨)] .","vol":"1","page":877},{"text":"قال الشارح: الآية مطابقة لعجز الترجمة؛ لأن المتجسس على المعايب مؤذ لصاحبها بما اكتسب لمّا أخفى ذلك ولم يتجاهر به، نُهي عن التطلع إلى أمره والتوصل إليه، طالبًا للستر بحسب الإمكان.\n[١٥٧٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، ولا تحسَّسوا وَلا تَجَسَّسُوا وَلا تَنَافَسُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمْ. المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى ها هُنَا التَّقْوَى ها هُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ. إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أجْسَادِكُمْ، وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ» .\nوَفِي رواية: «لا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوانًا» .\nوفي رواية: «لا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوانًا» وَفِي رِواية: «لا تَهَاجَرُوا وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» . رواه مسلم بكلّ هذِهِ الروايات، وروى البخاريُّ أكْثَرَهَا.\n\nقوله - ﷺ -: «إياكم والظنَّ» . قال القرطبي: أي: التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم بفاحشة من غير ظهور مقتضيها، ولذا عطف عليه: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾،","vol":"1","page":878},{"text":"وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة، فيريد تحققه فيتجسس ويبحث فنهي عن ذلك، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾ الآية [الحجرات (١٢)] .\nودل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال: ابحث لأتحقق، قيل له: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ . فإن قال: تحققت من غير تجسس، قيل له: ﴿وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ .\nقوله - ﷺ -: «ولا تحسسوا، ولا تجسسوا» إحداهما: بالجيم. والأخرى: بالحاء المهملة.\nقال الخطابي: أي: لا تجسسوا عن عيوب الناس ولا تتبعوها. وأصله بالمهملة من الحاسة، إحدى الحواس الخمس، وبالجيم من الجس بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الحواس الخمس، فتكون التي بالحاء أعم.\nوقيل: هما بمعنى وذكر الثاني تأكيدًا كقولهم بعدًا وسحقًا.\nوقيل: بالجيم، البحث عن العورات، وبالمهملة استماع حديث القوم.\nوقيل: بالجيم، البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يكون في الشر، وبالمهملة عما يدرك بحاسة العين أو الأُذن، ورجَّحه القرطبي.\nقوله: «ولا تنافسوا»، أي: في أمور الدنيا، فأما أمور الآخرة فقد أمر الله بالتنافس في أعمالها. قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين (٢٦)] .\nقوله - ﷺ -: «ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم»، أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخوة من التآلف والتحابب، وترك هذه المنهيات.\nقوله: «المسلم أخو المسلم»، لاجتماعهما في الإسلام. «لا يظلمه في نفسٍ، ولا مال، ولا عرض» . «ولا يخذله»، أي: «لا يترك نصرته، وإعانته» . «ولا يحقره»، أي: يهينه ولا يعبؤ به.\n«التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا» ويشير إلى صدره، أي: «أن محلها القلب.» «بحسب امرئ من الشر» لعظمه وشدته عند الله. «لأن يحقر أخاه","vol":"1","page":879},{"text":"المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله» .\nقوله: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» . قال الله تعالى في ذم المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ الآية [المنافقون (٤)] .\nوفي رواية عند مسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» . فإذا كان العمل خالصًا لله تعالى صوابًا على سنة رسوله - ﷺ - قَبِلَهُ الله.\nقوله: «ولا تناجشوا»، النجش: الزيادة في السلعة لا لرغبة، بل ليضر غيره ويخدعه.\nقوله: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض» . ومثله الشراء على شرائه، والسوم على سومه، بعد استقرار الثمن والرضا به.\n\n[١٥٧١] وعن معاوية - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول: «إنَّكَ إنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ المُسْلِمينَ أفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أنْ تُفْسِدَهُمْ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nفي هذا الحديث: كراهة التجسس عن عورات المسلمين، واكتشاف ما يخفونه منها.\n\n[١٥٧٢] وعن ابن مسعود - ﵁ -: أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا فُلاَنٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا، فَقَالَ: إنَّا قَدْ نُهِيْنَا عَنِ التَّجَسُّسِ، ولكِنْ إنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ، نَأخُذ بِهِ. حديث حسن صحيح، رواه أَبُو داود بإسنادٍ عَلَى شَرْطِ البخاري ومسلم.\n\nقوله: «إنا قد نهينا عن التجسس» .","vol":"1","page":880},{"text":"قال الشارح: يحتمل أن يكون مراده النهي عن ذلك في القرآن أو السنة. أي سمعه من النبي - ﷺ - أيضًا، إن يظهر لنا شيء نأخذ به ونعامله بمقتضاه من حدٍ أو تعزير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>٢٧٢- باب النهي عن سوء الظنّ بالمسلمين من غير ضرورة</span>\nقال الشارح: وقوله: «من غير ضرورة» . مُخْرج لما أن دعت إليه كأن وقف مواقف التهم، أو بدا عليه علامة الريب.\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات (١٢)] .\n\nقال ابن كثير: يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظنّ، وهو التهمة، والتخون للأهل، والأقارب، والناس، في غير محله؛ لأنَّ بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليجتنب كثيرًا منه احتياطًا. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ولا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا.\nوقال سفيان الثوري: الظنُّ ظنَّان: أحدهم إثم، وهو أن تظن وتتكلم به، والآخر ليس بإِثم، وهو أن تظن ولا تتكلم.\nقال الحافظ: المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب من غير دليل.","vol":"1","page":881},{"text":"[١٥٧٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>٢٧٣- باب تحريم احتقار المسلمين</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَومٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيْمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات (١١)] .\nوقال تَعَالَى: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لمزَةٍ﴾ [الهمزة (١)] .\nقال ابن كثير: ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «الكبر بَطَرُ الحق، وغمص الناس» . ويُروى: «وغمط الناس» . والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتَقَر أعظم قَدْرًا عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه - المحتقر له -. ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَومٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾، فنص على نهي الرجال، وعطف بنهي النساء.\nوقوله ﵎: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾، أي: لا تلمزوا الناس. والهمّاز اللمّاز من الرجال مذموم ملعون. كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾، والهمز بالفعل، واللمز بالقول. كما قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ [القلم (١١)]، أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاغيًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة. وهي اللمز بالمقال.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات (١١)]، أي: لا تداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها.\nوعن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾، قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدًا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يَا رسول الله، إنه","vol":"1","page":882},{"text":"يغضب من هذا. فنزلت: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ . رواه أحمد. انتهى ملخصًا.\nوقال عكرمة: هو قول الرجل للرجل يَا فاسق. يَا منافق. يَا كافر.\nوقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يُسْلم فيقال له بعد إسلامه: يَا يهودي. يَا نصراني. فنهوا عن ذلك.\nوقال عطاء: هو أن تقول لأخيك: يا كلب، يا حمار، يا خنزير.\nورُوي عن ابن عباس قال: التنابز بالألقاب، أنْ يكون الرجل عمل السيئات، ثم تاب عنها، فنهي أنْ يعيّر بما سلف من عمله.\n﴿بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾، أي: بئس الاسم أنْ يقول له يَا يهودي، أو يَا فاسق، بعدما آمن وتاب.\nوقيل: معناه أنَّ من فعل ما نهي عنه من السُّخرية، واللمز، والنبز، فهو فاسق. وبئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان فلا تفعلوا ذلك، فتستحقوا اسم الفسوق، ومن لم يتب من ذلك فأولئك هم الظالمون.\n\n[١٥٧٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ» . رواه مسلم، وَقَدْ سبق قريبًا بطوله.\n\nقال الشارح: «بحسب»، أي: كافي، «امرئٍ»، أي: إنسان، «من الشر أن يحقر أخاه المسلم»، أي: وذلك لعظمه في الشر، كافٍ له عن اكتساب آخر، ولا يخفى ما فيه من فظاعة هذا الذنب، والنداء عليه بأنه غريق في الشر، حتى إنه لشدته فيه يكفي من تلبس به عن غيره.\n\n[١٥٧٥] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ!» فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ","vol":"1","page":883},{"text":"الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنةً، فَقَالَ: «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» . رواه مسلم.\nومعنى «بَطَرُ الحَقِّ» دَفْعُه، «وغَمْطُهُمْ»: احْتِقَارُهُمْ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ أوْضَحَ مِنْ هَذَا في باب الكِبْرِ.\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد للمتكبرين.\nوفيه: أن التجمل إذا لم يكن على وجه الخيلاء غير مذموم بل مستحب.\n[١٥٧٦] وعن جُندب بن عبدِ الله - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ، فَقَالَ اللهُ - ﷿ -: مَنْ ذا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ! إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأحْبَطْتُ عَمَلَكَ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: التحذير من احتقار أحد من المسلمين، وإن من كان الرعاع، فإن الله تعالى أخفى سره في عباده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>٢٧٤- باب النهي عن إظهار الشماتة بِالمُسْلِم</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات (١٠)] .\n\nأي: وشأن الأُخوة أن يتحرك الأخ لما يلحق أخاه من الضرر.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ [النور (١٩)] .\n\nهذه الآية نزلت في عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه المنافقين، الذين قذفوا عائشة ﵂ وهي بريئة، وهي عامة في جميع المؤمنين.\nوعن ثوبان عن النبي - ﷺ - قال: «لا تؤذوا عباد الله، ولا تعيِّروهم، ولا تطلبوا","vol":"1","page":884},{"text":"عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته» .\n\n[١٥٧٧] وعَن وَائِلَةَ بن الأسقع - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللهُ وَيَبْتَلِيكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: النهي عن إظهار الشماتة بما نزل بأخيه المسلم، بل شأن المؤمن التألم بما يتألم منه أخوه، والفرح بما يفرح به.\nوفي الباب حديث أَبي هريرة السابق في باب التَّجسُّس: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ ...» الحديث.\n\nأي: فدخل فيه ذلك لما فيه من التعرض لإِيذائه، والتوصل إلى القدح في عرضه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>٢٧٥- باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب (٥٨)] .\nقال الشارح: ولا شبهة في أنَّ الطعن في النسب من أعظم أنواع الأذى، فالآية تشمله شمولًا بيِّنًا.\n[١٥٧٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «اثْنَتَان في النَّاسِ هُمَا بهم كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":885},{"text":"في هذا الحديث: وعيد شديد.\nوفيه: تغليظ تحريم النياحة، وتحريم الطعن في النسب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>٢٧٦- باب النهي عن الغش والخداع</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب (٥٨)] .\n\nأي: ومن أشد الإِيذاء الغش، لما فيه من تزيين غير المصلحة والخديعة، لما فيها من إيصال الشر إليه من غير علمه.\n\n[١٥٧٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . رواه مسلم.\nوفي رواية لَهُ: أنَّ رسول الله - ﷺ - مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أصابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أصَابَتهُ السَّمَاءُ يَا رسول الله. قَالَ: «أفَلا جَعَلْتَهُ فَوقَ الطَّعَامِ حَتَّى يرَاهُ النَّاسُ! مَنْ غشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» .\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد على من بغى على المسلمين وخرج عن جماعتهم وبيعتهم.\nوفيه أيضًا: وعيد شديد لمن غشهم. ومن الغش خلط الجيد بالرديء، ومزج اللبن بالماء، وترويج النقد الزغل.\nوفي حديث ابن مسعود: «والمكر والخداع في النار» .\n\n[١٥٨٠] وعنه: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا تَنَاجَشُوا» . متفق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":886},{"text":"[١٥٨١] وعن ابن عمر ﵄ أنَّ النبي - ﷺ - نَهى عن النَّجْشِ. متفق عَلَيْهِ.\n\nفيه: دليل على تحريم النجش، وهو أن يسوم السلعة بأكثر ثمنها، وليس قصده أن يشتريها بل يريد أن يضر غيره.\n\n[١٥٨٢] وعنه قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ الله - ﷺ - أنَّهُ يُخْدَعُ في البُيُوعِ؟ فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ بَايَعْتَ، فَقُلْ: لا خِلاَبَةَ» . متفق عَلَيْهِ.\n«الخِلاَبَةُ» بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ وباءٍ موحدة، وهي: الخديعة.\n\nالحديث: دليل على ثبوت خيار الغبن إذا اشترط ذلك. وزاد الدارقطني والبيهقي: «ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيتها فأمسك»، فبقي حتى أدرك زمن عثمان، فكان إذا اشترى شيئًا فقيل له: إنك غبنت فيه، رجع فيشهد له الرجل من الصحابة، أنَّ النبي - ﷺ - قد جعله بالخيار ثلاثًا فيرد له دراهمه.\n\n[١٥٨٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ، أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا» . رواهُ أَبُو داود.\n«خَبب» بخاءٍ معجمة، ثُمَّ باءٍ موحدة مكررة: أيْ أفْسده وخدعه.\n\nفيه: تحريم التخبيب، وهو إفساد المرأة على زوجها، فيقع بينهما الشقاق والتنافر، وكذا المملوك؛ لأن من شأن المؤمنين التعاون والتناصر على الحق، وهذا بخلافه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>٢٧٧- باب تحريم الغدر</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بالْعُقُودِ﴾ [المائدة (١)] .","vol":"1","page":887},{"text":"قال ابن عباس وغيره: يعني العهود.\nقال ابن جرير: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحِلْف وغيره.\nوفي رواية عن ابن عباس: يعني ما أحل الله، وما حرم، وما فرض، وما حد في القرآن كله، ولا تغدروا، ولا تنكثوا.\nوقال زيد بن أسلم: أوفوا بالعقود هي ستة: عهد الله، وعقد الحِلْف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسئُولًا﴾ [الإسراء (٣٤)] .\n\nقال ابن كثير: ﴿أَوْفُواْ بِالْعَهْدِ﴾، أي: الذي تُعاهِدون عليه الناس، والعقود التي تُعاملون بها، فإن العهد والعقد كل منهما يُسأل صاحبه عنه.\n\n[١٥٨٤] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَها: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفيه: أن الغدر من صفات المنافقين، وكذا بقية الخصال.\n\n[١٥٨٥] وعن ابن مسعودٍ، وابن عمر، وأنس - ﵃ - قالوا: قَالَ النَّبيّ - ﷺ -: «لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ: هذِهِ غَدْرَةُ فلانٍ» . متفق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":888},{"text":"[١٥٨٦] وعن أَبي سعيدٍ الخدريّ - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ أِسْتِهِ يومَ القِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدَرِ غَدْرِهِ، ألا وَلا غَادِرَ أعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أمِيرِ عَامَّةٍ» . رواه مسلم.\n\nنشر اللواء زيادة في فضيحة الغادر وشناعة أمره، وشهرته بذلك عند الخلق يوم القيامة.\nوفي هذه الأحاديث: بيان غلظ تحريم الغدر، ولاسيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير.\n\n[١٥٨٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ الله تَعَالَى: ثَلاَثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أعْطَى بي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًَّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أجْرَهُ» . رواه البخاري.\n\nقيل: الحكمة في كون الله تعالى خصمهم، أنهم جنوا على حقه سبحانه، وحق عباده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>٢٧٨- باب النهي عن المنِّ بالعطية ونحوها</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأذَى﴾ [البقرة (٢٦٤)] .\n\nيخبر تعالى أنَّ الصدقة تُبْطل بما يتبعها من المنّ والأذى، فما يغني ثوابه الصدقة بخطيئة المنّ والأذى. والمنّ: تعداد النعمة على المنعم عليه. والأذى: كالتعيير بالسؤال والحاجة.\nوقال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أنْفَقُوا مَنًّا وَلا أذىً﴾ [البقرة (٢٦٢)] .","vol":"1","page":889},{"text":"قال زيد بن أسلم: حظَّر الله على عباده المنّ بالصنيعة، واختصَّ به صفة لنفسه؛ لأنه من العباد تعيير وتكدير، ومن الله إفضال وتذكير.\n\n[١٥٨٨] وعن أَبي ذَر - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «ثَلاَثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثلاثَ مِرارٍ: قَالَ أَبُو ذرٍ: خَابُوا وخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: «المُسْبِلُ، والمَنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكَاذِبِ» . رواه مسلم.\nوفي روايةٍ لَهُ: «المُسْبِلُ إزَارَهُ» يَعْنِي: المُسْبِلَ إزَارَهُ وَثَوْبَهُ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ لِلخُيَلاَءِ.\n\nفي هذا الحديث: غلظ تحريم ثلاث هذه الخصال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>٢٧٩- باب النهي عن الافتخار والبغي</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم (٣٢)] .\n\nأي: لا تبرئوها عن الآثام ولا تمدحوها بحسن أعمالها.\n﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، أي: برَّ وأطاع، وأخلص العمل لله تعالى.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ﴾ [الشورى (٤٢)] .\n\nأي: إنما السبيل بالمعاقبة على الذين يبدؤون بالظلم.\n﴿وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، أي: يعملون فيها بالمعاصي.\n\n[١٥٨٩] وعن عياضِ بن حمارٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ","vol":"1","page":890},{"text":"اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ تَعَالَى أوْحَى إلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أحَدٍ، وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أحَدٍ» . رواه مسلم.\nقَالَ أهلُ اللغةِ: البغيُ: التَّعَدِّي والاستطالَةُ.\n\nفي هذا الحديث: الأمر بالتواضع، والنهي عن التفاخر.\n\n[١٥٩٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الرجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أهْلَكُهُمْ» . رواه مسلم.\nوالرواية المشهورة: «أهْلَكُهُمْ» بِرَفعِ الكاف وروي بنصبها: وذلكَ النْهيُ لِمنْ قَالَ ذَلِكَ عُجْبًا بِنَفْسِهِ، وتَصَاغُرًا للنَّاسِ، وارْتِفاعًا عَلَيْهِمْ، فَهَذَا هُوَ الحَرامُ، وَأمَّا مَنْ قَالَهُ لِما يَرَى في النَّاسِ مِنْ نَقْصٍ في أمرِ دِينِهم، وقَالَهُ تَحَزُّنًا عَلَيْهِمْ، وعَلَى الدِّينِ، فَلا بَأسَ بِهِ. هكَذَا فَسَّرَهُ العُلَماءُ وفَصَّلُوهُ، وَمِمَّنْ قَالَهُ مِنَ الأئِمَّةِ الأعْلامِ: مالِكُ بن أنس، وَالخَطَّابِيُّ، والحُميدِي وآخرونَ، وَقَدْ أوْضَحْتُهُ في كتاب: (الأذْكار) .\n\nقال مالك: إذا قال ذلك تحزُّنًا عليهم لما يرى في الناس - يعني في أمر دينهم - فلا أرى به بأسًا. وإذا قال ذلك عجبًا بنفسه، وتصاغرًا للناس فهو المكروه الذي ينهى عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>٢٨٠- باب تحريم الهجران بين المسلمين</span>\nفوق ثلاثة أيام\nإِلا لبدعة في المهجور، أَوْ تظاهرٍ بفسقٍ أَوْ نحو ذَلِكَ\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات (١٠)] .\n\nأي: والتهاجر والتقاطع خلاف مقتضى الأُخوة.","vol":"1","page":891},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة (٢)] .\n\nومنه قطيعه المسلم وهجرانه بلا سبب شرعي.\n\n[١٥٩١] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَث» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن التقاطع والتهاجر. والعمل بهذا الحديث من أعظم الأسباب الموصلة للتآلف بين المسلمين، وقلة الشحناء.\n[١٥٩٢] وعن أَبي أيوبَ - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ: يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وخَيْرُهُما الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفيه: تحريم الهجر بعد ثلاثة أيام، والثناء على البادئ بالسلام.\n\n[١٥٩٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ في كلِّ اثْنَيْنِ وَخَمْيسٍ، فَيَغْفِرُ اللهُ لِكُلِّ امْرِئٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا، إِلا امْرَءًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيقُولُ: اتْرُكُوا هذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد للمتشاحنين.\n\n[١٥٩٤] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقولُ: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيَسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":892},{"text":"«التَّحْرِيشُ»: الإفْسَادُ وتَغييرُ قُلُوبِهِمْ وتَقَاطُعُهُم.\n\nقال الأصمعي: حد جزيرة العرب هو أطراف ما بين عدن أبين إلى الشام طولًا. وأما العرض فمن جُدَّة وما والاها من شاطئ البحر إلى ريف العراق.\nوقال بعض العلماء: جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن.\nوقال صاحب «المُحْكَم»: إِنما سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ بحر فارس، وبحر الحبش، ودجلة، والفرات قد أحاطت بها.\nوقوله: و«لكن في التحريش بينهم»، أي: يسعى في إيقاع الخصومات، والشحناء، والحروب، والفتن، ونحوها بينهم.\nوهذا الحديث: من معجزات النبوة، لكونه وقع كما أخبر - ﷺ -.\n[١٥٩٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ» . رواه أَبُو داود بإسناد عَلَى شرط البخاري ومسلم.\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد.\nوفيه: دليل على أنَّ الهجر من كبائر الذنوب.\n\n[١٥٩٦] وعن أَبي خِراشٍ حَدْرَدِ بنِ أَبي حَدْرَدٍ الأسلميِّ. ويقالُ: السُّلمِيّ الصحابي - ﵁ -: أنَّه سمع النبي - ﷺ - يقولُ: «مَنْ هَجَرَ أخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nفي هذا الحديث: وعيديد شديد لمن هجر سَنَة، وأن ذلك كإراقة دم المهجور فيِ الإثم.","vol":"1","page":893},{"text":"[١٥٩٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنًّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوقَ ثَلاَثٍ، فإنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاَثٌ، فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإنْ رَدَّ ﵇ فَقَدِ اشْتَرَكَا في الأجْرِ، وَإنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإثْمِ، وَخَرَجَ المُسَلِّمُ مِنَ الهِجْرَةِ» . رواه أَبُو داود بإسناد حسن. قَالَ أَبُو داود: «إِذَا كَانَتْ الهِجْرَةُ للهِ تَعَالَى فَليسَ مِنْ هَذَا في شَيْءٍ» .\n\nقال الخطابي: هذا في هجر الرجل أخاه لعتب وموجدة، فرخص له في مدة الثلاث. فأما هجران الوالد الولدَ والزوج الزوجة، ومن كان من معناهما، فلا يضيق عليهما أكثر من ثلاث، وقد هجر النبي - ﷺ - نساءه شهرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>٢٨١- باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث</span>\nبغير إذنه إِلا لحاجةٍ وَهُوَ أن يتحدثا سرًا\nبحيث لا يسمعهما\nوفي معناه [مَا] إِذَا تحدثا بلسان لا يفهمه\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة (١٠)]\nقال ابن كثير: أي إنما النجوى، وهي المساررة حيث يتوهم مؤمن بها سوءًا ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة (١٠)]، أي: لِيَسؤهم.\nوليس ذلك بضارهم شيئًا إلا بإذن الله، ومن أحسَّ من ذلك شيئًا فليستعذ بالله، وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله.\n\n[١٥٩٨] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا كانُوا ثَلاثَةً، فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ» . متفق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":894},{"text":"ورواه أَبُو داود وزاد: قَالَ أَبُو صالح: قُلْتُ لابنِ عُمرَ: فَأرْبَعَةً؟ قَالَ: لا يَضُرُّكَ.\nورواه مالك في (الموطأ): عن عبد الله بن دينارٍ، قَالَ: كُنْتُ أنَا وابْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بنُ عُقْبَةَ الَّتي في السُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يُنَاجِيَهُ، وَلَيْسَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي، فَدَعَا ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً، فَقَالَ لِي وَللرَّجُلِ الثَّالِثِ الَّذِي دَعَا: اسْتَأْخِرَا شَيْئًا، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقُولُ: «لا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ» .\n\n[١٥٩٩] وعن ابن مسعود - ﵁ - أنَّ رسول اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً، فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أجْلِ أنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفيه: النهي عن التناجي، إلا أن يكونوا أربعة فما فوق؛ لأنه يؤذي الواحد ويحزنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>٢٨٢- باب النهي عن تعذيب العبد</span>\nوالدابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي\nأَوْ زائد عَلَى قدر الأدب\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَبِالوَالِدَيْنِ إحْسانًا وَبِذي القُرْبَى واليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ والصَّاحِبِ بالجَنْبِ وابْنِ السَّبيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء الآية (٣٦)] .\n\nقال ابن كثير: أي مختالًا في نفسه، معجبًا متكبرًا فخورًا على الناس،","vol":"1","page":895},{"text":"يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض.\nقال مجاهد: يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمة وهو قليل الشكر لله.\n\n[١٦٠٠] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» . متفق عَلَيْهِ.\n«خَشَاشُ الأرضِ» بفتح الخاءِ المعجمة وبالشينِ المعجمة المكررة، وهي: هَوَامُّها وَحَشَرَاتُهَا.\n\nفي هذا الحديث: تحريم حبس الحيوان وإجاعته.\n\n[١٦٠١] وَعَنْهُ: أنَّهُ مَرَّ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إنَّ رسولَ الله - ﷺ - لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا. متفق عَلَيْهِ.\n«الغَرَضُ» بفتحِ الغَين المعجمة والراءِ وَهُوَ الهَدَفُ وَالشَّيءُ الَّذِي يُرْمَى إِلَيْهِ.\n\nفيه: أن تعذيب الحيوان من غير سبب شرعي من الكبائر.\n[١٦٠٢] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: نهى رسُولُ الله - ﷺ - أن تُصْبَرَ البَهَائِمُ. متفق عَلَيْهِ. ومعناه: تُحْبَسُ لِلقَتْلِ.\n\nفي هذا الحديث: تحريم صبر البهائم.\nقال العلقمي: هو أن يمسك الحي، ثم يرمي بشيء حتى يموت.","vol":"1","page":896},{"text":"[١٦٠٣] وعن أَبي عليٍّ سويدِ بن مُقَرِّنٍ - ﵁ - قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ مَا لَنَا خَادِمٌ إِلا وَاحِدَةٌ لَطَمَهَا أصْغَرُنَا فَأَمَرَنَا رسولُ الله - ﷺ - أنْ نُعْتِقَهَا. رواه مسلم.\nوفي روايةٍ: «سَابعَ إخْوَةٍ لِي» .\n\nحكمة الأمر بعتقها، ليكون كفارة لضربها.\nففيه: غلظ تعذيب المملوك والاعتداء عليه.\n\n[١٦٠٤] وعن أَبي مسعودٍ البدْرِيِّ - ﵁ - قال: كُنْتُ أضْرِبُ غُلامًَا لِي بالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ» فَلَمْ أفْهَمِ الصَّوْتِ مِنَ الغَضَبِ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رسولُ الله - ﷺ - فإذا هُوَ يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أنَّ اللهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلامِ» . فَقُلتُ: لا أضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا.\nوَفِي روايةٍ: فَسَقَطَ مِنْ يَدِي السَّوْطُ مِنْ هَيْبَتِهِ.\nوفي روايةٍ: فَقُلتُ: يَا رسولَ الله، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ: «أمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» . رواه مسلم بهذه الروايات.\n\nفيه: تحريم ضرب المملوك من غير موجب شرعي.\n\n[١٦٠٥] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ ضَرَبَ غُلاَمًَا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ، فإنَّ كَفَارَتَهُ أنْ يُعْتِقَهُ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":897},{"text":"قال القاضي عياض: أجمعوا على أن الإعتاق غير واجب، وإنما هو مندوب.\nوفي الحديث: الرفق بالمماليك إذا لم يذنبوا، أما إذا أذنبوا، فقد رخص - ﷺ - بتأديبهم بقدر إثمهم، ومتى زاد يؤخذ بقدر الزيادة.\n\n[١٦٠٦] وعن هِشام بن حكيمِ بن حِزَامٍ ﵄: أنَّه مَرَّ بالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الأَنْبَاطِ، وَقَدْ أُقيِمُوا في الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الزَّيْتُ! فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قيل: يُعَذَّبُونَ في الخَرَاجِ - وفي رواية: حُبِسُوا في الجِزْيَةِ - فَقَالَ هِشَامٌ: أشهدُ لَسَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: «إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاس في الدُّنْيَا» . فَدَخَلَ عَلَى الأمِيرِ، فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا. رواه مسلم.\n«الأنباط» الفلاحون مِنَ العَجَمِ.\n\nفيه: تحريم تعذيب الناس حتى الكفار بغير موجب شرعي.\n\n[١٦٠٧] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: رأى رسولُ الله - ﷺ - حِمَارًا مَوْسُومَ الوَجْهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «واللهِ لا أسِمُهُ إِلا أقْصَى شَيْءٍ مِنَ الوَجْهِ» وأمَرَ بِحِمَارِهِ فَكُوِيَ في جَاعِرَتَيْهِ، فَهُوَ أوَّلُ مَنْ كَوَى الجَاعِرَتَيْنِ. رواه مسلم.\n«الجَاعِرَتَانِ»: نَاحِيَةُ الوَرِكَيْنِ حَوْلَ الدُّبُرِ.\n\nفي هذا الحديث: تحريم الوسم في الوجه.\n\n[١٦٠٨] وعنه: أنَّ النبيَّ - ﷺ - مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ في وَجْهِهِ، فَقَالَ: «لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":898},{"text":"وفي رواية لمسلم أَيضًا: نهى رسول الله - ﷺ - عَنِ الضَّرْبِ في الوَجْهِ، وَعَنِ الوَسْمِ في الوَجْهِ.\n\nفي هذا الحديث: تحريم وسم الوجه، وضرب الوجه من البهائم والآدميين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>٢٨٣- باب تحريم التعذيب بالنار</span>\nفي كل حيوان حَتَّى النملة ونحوها\n\n[١٦٠٩] عن أَبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: بعثنا رسولُ الله - ﷺ - في بَعْثٍ فَقَالَ: «إنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلانًا» لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا «فَأَحْرِقُوهُمَا بالنَّارِ» ثُمَّ قَالَ رسولُ الله - ﷺ - حِيْنَ أرَدْنَا الخرُوجَ: «إنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أنْ تُحْرِقُوا فُلانًا وفُلانًا، وإنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِهَا إِلا الله، فإنْ وَجَدْتُمُوهُما ... فاقْتُلُوهُما» . رواه البخاري.\n\nقال البخاري: باب لا يعذب بعذاب الله. وذكر الحديث.\nوحديث عكرمة: أن عليَّا ﵁ حرّق قومًا. فبلغ ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «لا تعذبوا بعذاب ... الله»، ولقتلتهم كما قال النبي - ﷺ -: «من بدَّل دينه فاقتلوه» .\nقال الحافظ: واختلف السلف في التحريق، فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقًا، وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما.\nوقال المهلب: ليس هذا النهي فيه للتحريم، بل على سبيل التواضع.\nقال الحافظ: وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم.\nوفيه: كراهة قتل مثل البرغوت بالنار.","vol":"1","page":899},{"text":"قوله: «لا تعذبوا بعذاب الله» . هذا أصرح في النهي من الذي قبله. انتهي ملخصًا.\n[١٦١٠] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قَالَ: كنَّا مَعَ رسول الله - ﷺ - في سَفَرٍ، فانْطَلَقَ لحَاجَتِهِ، فَرَأيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءتِ الحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَعْرِشُ فَجَاءَ النَّبيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هذِهِ بِوَلَدِهَا؟، رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْها» . ورأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا، فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هذِهِ؟» قُلْنَا: نَحْنُ. قَالَ: «إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَذِّبَ بالنَّارِ إِلا رَبُّ ... النَّارِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\nقَوْله: «قَرْيَةُ نَمْلٍ» مَعْنَاهُ: مَوضْعُ النَّمْلِ مَعَ النَّمْلِ.\n\nقال أبو داود: باب في كراهية حرق العدو بالنار، وذكر الحديثين.\nقال الخطابي: هذا إنما يكره إذا كان الكافر أسيرًا قد ظفر به، وحصل في الكف. وقد أباح رسول الله - ﷺ - أن تضرم النار على الكفار في الحرب، وقال لأسامة: «اغز على أبنا صباحًا، وحرق» .\nورخَّص سفيان الثوري والشافعي في أن يرمى أهل الحصون بالنيران، إلا أنه يستحب أن لا يرموا بالنار ما داموا يطاقون، إلا أن يخافوا من ناحيتهم الغلبة فيجوز حينئذ أن يقذفوا بالنار.\nوقال على حديث ابن مسعود: وفيه دلالة على أن تحريق بيوت الذنابير مكروه، وأما النمل فالعذر فيه أقل. وذلك أن ضرره قد يمكن أن يزال من غير إحراق\nوقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ نبيًّا من الأنبياء نزل على قرية نمل، فقرصته نملة، فأمر بالنمل فأحرقت، فأوحي إليه ألا نملة واحدة» .","vol":"1","page":900},{"text":"قال: والنمل على ضربين: أحدهما مؤذٍ ضَرَّار فَدَفْعُ عاديته جائز، والضرب الآخر: لا ضرر فيه وهو الطوال الأرجل لا يجوز قتله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>٢٨٤- باب تحريم مطل الغني بحقٍّ طلبه صاحبه</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أهْلِهَا﴾ ... [النساء (٥٨)] .\n\nذكر كثير من المفسرين: أنَّ هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة حين أخذ منه النبي - ﷺ - مفتاح الكعبة يوم الفتح، وهي عامة في جميع الأمانة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوقال تَعَالَى: ﴿فَإن أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمَانَتَهُ﴾ ... [البقرة (٢٨٣)] .\n\nأي: فإن أمن بعضكم من غير رهن، ولا إشهاد، فليؤد الذي اؤتمن أمانته مقابلة لائتمانه.\nوالأمر بأداء الأمانة حكم عام يدخل فيه ما ذكر وغيره، كالودائع وغيرها.\n\n[١٦١١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَع» . متفق عَلَيْهِ.\nمعنى «أُتبع»: أُحِيل.\n\nمليء: بالهمز وقد سهل، هو الغني.\nقال الحافظ: ومناسبة هذه الجملة للتي قبلها، أنه لما دل على أن مطل الغني ظلم، عقبه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء، لما في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنه قد تكون مطالبة المحال عليه سهلة على المحتال دون المحيل، واستدل به على اعتبار رضى المحيل والمحتال دون المحال عليه. انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":901},{"text":"قال في (الاختيارات): والحوالة على ماله في الديوان إذن في الاستيفاء فقط والمختار الرجوع ومطالبته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>٢٨٥- باب كراهة عود الإنسان في هبة</span>\nلَمْ يُسلِّمها إِلَى الموهوب لَهُ\nوفي هبة وهبها لولده وسلمها أَوْ لَمْ يسلمها\nوكراهة شرائه شَيْئًا تصدّق بِهِ من الَّذِي تصدق عَلَيْهِ\nأَوْ أخرجه عن زكاة أَوْ كفارة ونحوها\nوَلا بأس بشرائه من شخص آخر قَدْ انتقل إِلَيْهِ\nقوله: باب كراهية عود الإِنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له. قَيَّدَها بذلك لأنها بعد التسليم لا يحل الرجوع فيها، إِلا الوالد فيما يعطي ولده.\n\n[١٦١٢] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: ... «الَّذِي يَعُودُ في هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ في قَيْئِهِ» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي رواية: «مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ في صَدَقَتِهِ، كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ في قَيْئِهِ فَيَأكُلُهُ» .\nوفي روايةٍ: «العائِدُ في هِبَتِهِ كالعائِدِ في قَيْئِهِ» .\n\nالتشبيه بالكلب للاستقذار والتنفير، وهو ظاهر في تحريم الرجوع في الصدقة والهبة. وفي لفظ: «ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه»، وهذا أبلغ في الزجر عن ذلك.\nقال ابن دقيق العيد: وقع التشديد في التشبيه من وجهين: أحدهما: تشبيه الراجع بالكلب. والثاني: تشبيه المرجوع فيه بالقيء.","vol":"1","page":902},{"text":"[١٦١٣] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ في سَبيلِ اللهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِندَهُ، فَأَرَدْتُ أن أشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النبي - ﷺ - فَقَالَ: «لا تَشْتَرِهِ وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وإنْ أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَإنَّ العَائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ في قَيْئِهِ» . متفق عَلَيْهِ.\nقَوْله: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبيلِ الله» مَعنَاهُ: تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى بَعْضِ المُجَاهِدِينَ.\n\nسُمِّي الشراء عودًا في الصدقة؛ لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>٢٨٦- باب تأكيد تحريم مال اليتيم</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَونَ سَعِيرًا﴾ [النساء (١٠)] .\nروى ابن مردوديه عن أبي برزة مرفوعًا: «يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم نارًا» . قيل: يَا رسول الله، ومن هم؟ قال: «ألم تر أنَّ الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾» .\nوروي أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُحَرِّجُ مال الضعيفين، المرأة واليتيم» .","vol":"1","page":903},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلا بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ [الأنعام (١٥٢)] .\n\nأي: بطريقة هي أحسن الطرق، كحفظهِ وتثميره.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإخْوَانُكُمْ واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة (٢٢٠)] .\n\nعن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَلا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام (١٥٢)]، و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء (١٠)]، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ... عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة (٢٢٠)]، فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم.\n[١٦١٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ!» قالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ باللهِ، والسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلا بالحَقِّ، وأكلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ» . متفق عَلَيْهِ.\n«المُوبِقَاتِ»: المُهْلِكات.\n\nقال النووي: هذا الحديث فيه: أن أكبر المعاصي الشرك بالله، وهو ظاهر لا خفاء فيه. وأن القتل بغير حق يليه. وما سواهما فلها تفاصيل وأحكام","vol":"1","page":904},{"text":"تعرف مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال، والمفاسد المرتّبة عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>٢٨٧- باب تغليظ تحريم الربا</span>\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بأنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأولئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ - إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة (٢٧٥، ٢٧٨)] .\n\nالربا: حرام بالكتاب والسنة والإِجماع. وهو أنواع، بعضها أشد من بعض، وهو من أكبر الكبائر، ومن استحله فهو كافر، مخلد في النار.\nقال ابن كثير: وقوله: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾، أي: لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبته في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أنَّ المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم يأكل أموال الناس بالباطل.\nوذكر زيد بن أسلم وغيره: أنَّ هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الحاهلية، فلما جاء الإِسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاوروا. وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإِسلام بكسب الإِسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله - ﷺ - فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله - ﷺ - إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة (٢٧٨، ٢٧٩)]، فقالوا: نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا، فتركوه كلهم.","vol":"1","page":905},{"text":"قال ابن عباس: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.\nوأما الأحاديث فكثيرة في الصحيح مشهورة، مِنْهَا حديث أَبي هريرة السابق في الباب قبله.\n\n[١٦١٥] وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: لَعَنَ رسول الله - ﷺ - آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ. رواهُ مسلم.\nزاد الترمذي وغيره: وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ.\n\nفي هذا الحديث: تغليظ شديد؛ لأنه إذا لعن الكاتب والشاهدان، مع أنه لا يصيبهما منه شيء، فلأن يلعن المباشر له من آخذٍ أو معط بالأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>٢٨٨- باب تحريم الرياء</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... حُنَفَاءَ﴾ . [البينة (٥)] .\n\nأي: ما أُمروا إلا بإخلاص العبادة لله، موحدين حنفاء، مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإِسلام، ويقيموا الصلاة المكتوبة في أوقاتها، ويؤتوا الزكاة عند محلها، وذلك الذي أُمروا به.\n﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة (٥)]، أي: الملة والشرعية المستقيمة.\nوقال تَعَالَى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة (٢٦٤)] .\n\nأي: لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمَنِّ والأذى، كما تبطل صدقة من راءي بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له.\n\n﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة (٢٦٤)]، يريد أنَّ الرياء يبطل الصدقة،","vol":"1","page":906},{"text":"ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين.\nثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة (٢٦٤)] .\nوفيه: إيماء إلى أنَّ الرياء من صفة الكفار، فعلى المؤمن أن يحذر منها.\nوقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [النساء (١٤٢)] .\n\nقال ابن كثير: يراؤون الناس: أي: لا إخلاص لهم، ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلَّفون كثيرًا عن الصلاة، التي لا يُرون فيها غالبًا، كصلاة العشاء، وصلاة الصبح.\nوقوله: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلًا﴾ [البقرة (١٤٢)]، أي: في صلاتهم لا يخشعون، ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون.\nوروى الإِمام أحمد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس فيرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا» .\n\n[١٦١٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقولُ: «قَالَ الله تَعَالَى: أنَا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» . رواه مسلم.\n\nفيه: أن الرياء من الشرك، وهو يحبط ثواب العمل الذي قارنه.","vol":"1","page":907},{"text":"[١٦١٧] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ أَولَ النَّاسِ يُقْضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ! فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قال: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ! وَقَرَأتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ؛ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأعْطاهُ مِنْ أصْنَافِ المَالِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قال: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ، ولكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ! فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ في النَّارِ» . رواه مسلم.\n«جَرِيءٌ» بفتح الجيم وكسر الراء والمد: أيْ شُجَاعٌ حَاذِقٌ.\n\nيشهد لهذا الحديث قوله تعالى:\n﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود (١٥، ١٦)] .","vol":"1","page":908},{"text":"[١٩١٨] وعن ابن عمر ﵄: أن نَاسًا قَالُوا لَهُ: إنَّا نَدْخُلُ عَلَى سَلاَطِيننَا فَنَقُولُ لَهُمْ بِخِلاَفِ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِندِْهِمْ؟ قَالَ ابنُ عُمَرَ ﵄: كُنَّا نَعُدُّ هَذَا نِفاقًا عَلَى عَهْدِ رسول الله - ﷺ -. رواه البخاري.\n\nقال البخاري: باب ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك. وذكر الحديث. وحديث أبي هريرة: «إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» .\nقال القرطبي: إنما كان ذو الوجهين شر الناس؛ لأن حاله حال المنافق. إذ هو متملق بالباطل وبالكذب، ومدخلٌ للفساد بين الناس.\n\n[١٦١٩] وعن جُندب بن عبد اللهِ بن سفيان - ﵁ - قَالَ: قَالَ النبيُّ - ﷺ -: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ، وَمَنْ يُرائِي يُرائي اللهُ بِهِ» . متفق عَلَيْهِ.\nورواه مسلم أَيضًا من رواية ابن عباس ﵄.\n«سَمَّعَ» بتشديد الميم، ومعناه: أظهر عمله للناس رِياءً. «سَمَّعَ اللهُ بِهِ» أيْ: فَضَحَهُ يَومَ القِيَامَةِ. ومعنى: «مَنْ رَاءى» أيْ: مَنْ أظْهَرَ لِلنَّاسِ العَمَلَ الصَّالِحَ لِيَعْظُمَ عِنْدَهُمْ. «رَاءى اللهُ بِهِ» أيْ: أظْهَرَ سَرِيرَتَهُ عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ.\n\nقال الحافظ: ولابن المبارك من حديث ابن مسعود: «من سمّع","vol":"1","page":909},{"text":"سمَّع الله به، ومن رَاءى رَءاى الله به، ومن تطاول تعاظمًا خفضه الله، ومن تواضع تخشعًا رفعه الله» .\nوفي الحديث: استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة.\nقال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل، مَنْ يظهره ليقتدى به، أو لينتفع به ككتابة العلم.\nومنه حديث: «لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» .\nقال الطبري: كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم، ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدى بهم.\nقال: فمن كان إمامًا يستن بعمله، عالمًا بما لله عليه، قاهرًا لشيطانه، استوى ما ظهر من عمله وما خفي، لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقه أفضل. وعلى ذلك جرى عمل السلف.\nفمن الأول: حديث أنس قال: سمع النبي - ﷺ - رجلًا يقرأ ويرفع صوته بالذكر فقال: «إنه أواب» . قال: فإذا هو المقداد بن الأسود. أخرجه الطبري.\nومن الثاني: حديث أبي هرير قال: قام رجل يصلي فجهر بالقراءة، فقال له النبي - ﷺ -: «لا تسمعْني وأسْمِع ربك» . أخرجه أحمد.\n[١٦٢٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ - ﷿ - لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ","vol":"1","page":910},{"text":"عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ» يَعْنِي: رِيحَهَا. رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ والأحاديث في الباب كثيرةٌ مشهورةٌ.\nفيه: وعيد شديد لمن تعلم العلم الشرعي لأجل الدنيا فقط.\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>٢٨٩- باب مَا يتوهم أنَّه رياء وليس هُوَ رياء</span>\n[١٦٢١] وعن أَبي ذرٍ - ﵁ - قَالَ: قِيلَ لِرسولِ الله - ﷺ -: أرَأيْتَ الرَّجُلَ الَّذِي يَعْمَلُ العَمَلَ مِنَ الخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِنِ» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: أنّ مَنْ أخلص العمل لله تعالى أطلق الله الألسنة بالثناء عليه، وأنه من جملة أولياء الله ﷿.\nقال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس (٦٢، ٦٤)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>٢٩٠- باب تحريم النظر إِلَى المرأة الأجنبية</span>\nوالأمرد الحسن لغير حاجة شرعية\n\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ﴾ [النور (٣٠)] .\n\nقال ابن كثير: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عمَّا حرَّم عليهم، فلا ينظروا إلا لما أباح لهم النظر إليه، وأنْ يغمضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على مُحرَّم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا. كما رَوَاهُ مُسْلِمٌ في صحيحه من حديث جرير","vol":"1","page":911},{"text":"بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي - ﷺ - عن نظرة الفجأة، فأمرني أنْ أصرف بصري.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء (٣٦)] .\n\nأي: يسأل المرء عن سمعه، وبصره، وفؤاده.\nوفي الحديث: «اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من شر سمعي، وشر بصري، وشر لساني، وشر قلبي، وشر منيِّي» .\nوقال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر (١٩)] .\nقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتَهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به، وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ودَّ أنْ لو اطلع على فرجها.\nوقال تَعَالَى: ﴿إنَّ رَبكَ لَبِالمِرْصَادِ﴾ [الفجر (١٤)] .\n\nقال ابن عباس: يعني بحيث يرى، ويسمع، ويبصر ما تقول، وتفعل، وتهجس به العباد.\nقال ابن كثير: يعني يرصد خلقه فيما يعملون ويجازي كلًا بعمله في الدنيا والأُخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلًا بما يستحقه،، وهو المنزَّه عن الظلم والجور.","vol":"1","page":912},{"text":"[١٦٢٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْن آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكُ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ: العَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِناهُ الكَلاَمُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، والقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ» . متفق عَلَيْهِ. هَذَا لفظ مسلمٍ، ورواية البخاري مختصرَةٌ.\n\nقال ابن بطال: كل ما كتب الله على العبد وسبق في علمه القديم فلا يستطيع العبد من دفعه، إلا أنه يُلام إذا وقع فيما نهى الله عنه؛ لأن الله نهاه عن المحرمات، وأقدره على اجتنابها والتمسك بالطاعة، فلما وقع في المحرم الممنوع منه وقع في اللَّوْم.\nقوله: «العينان زناها النظر ...» إلخ. قال ابن بطال: أطلق على كل مما ذكر (زنًى) لكونه من دواعيه، وذلك كله من اللمم الذي تفضل الله بغفره إذا لم يكن للفرج تصديق بها، فإذا صدق الفرج كان ذلك كبيرة.\n[١٦٢٣] وعن أَبي سعيد الخُدريِّ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إيّاكُمْ والجُلُوس فِي الطُّرُقَاتِ» ! قالوا: يَا رسولَ الله، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا. فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «فَإذَا أبَيْتُمْ إِلا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّريقِ يَا رسولَ اللهِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، والأمرُ بالمَعْرُوفِ، والنَّهيُ عنِ المُنْكَرِ» . متفق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":913},{"text":"[١٦٢٤] وعن أَبي طلحة زيد بن سهل - ﵁ - قَالَ: كُنَّا قُعُودًا بالأفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَجَاءَ رسولُ اللهِ - ﷺ - فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ وَلِمَجَالسِ الصُّعُدَاتِ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ» فقُلْنَا: إنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأسٍ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ، وَنَتَحَدَّثُ. قَالَ: «إمَّا لا فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ البَصَرِ، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَحُسْنُ الكَلاَمِ» . رواه مسلم.\n«الصُّعُدات» بضمِ الصاد والعين: أيْ الطُّرقَاتِ.\n\nفي هذا الحديث: استحباب ترك الجلوس في الطريق، وأن من جلس فعليه القيام بما ذكر من غض البصر عما لا يحل نظره، وكف الأذى بفعل أو قول، وإذا رأى ما يعجبه فليقل: ما شاء الله. ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.\nوورد في بعض الأحاديث زيادات على ذلك، وجمعها بعض العلماء في أبيات، فقال:\nجمعت آداب من رام الجلوس على الـ ... طريق من قول خير الخلق إنسانا\nأفشِ السلام، وأحسن في الكلام ... وشَمَِّت عاطسًا وسلامًا رُدَّ إحسانا\nفي العمل عاون ومظلومًا أعنْ وأغث ... لهفانَ اهدِ سبيلًا واهد حيرانا\nبالعرف مر وانْه عن منكر وكف أذى ... وغضّ طرفًا وأكثر ذكر مولانا\n[١٦٢٥] وعن جرير - ﵁ - قَالَ: سألت رسول الله - ﷺ - عن نَظَرِ الفَجْأَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ» . رواه مسلم.\n\nالفجأة: البغتة من غير قصد إلى النظر.\nوروى أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ - لعلي: «لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة» .","vol":"1","page":914},{"text":"[١٦٢٦] وعن أُم سَلَمَة ﵂، قالت: كنتُ عِنْدَ رسول الله - ﷺ - وعندهُ مَيْمُونَة، فَأقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أنْ أُمِرْنَا بِالحِجَابِ فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «احْتَجِبَا مِنْهُ» فَقُلْنَا: يَا رسولَ اللهِ، ألَيْسَ هُوَ أعْمَى! لا يُبْصِرُنَا، وَلا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «أفَعَمْيَاوَانِ أنتُما أَلَسْتُمَا ... تُبْصِرَانِهِ»؟! . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nقال الشارح: فيه مبالغة في الستر لأمهات المؤمنين، لكريم مقامهن ﵅. أما غيرهن من النساء فلا يجب عليها الحجاب لحضور الأعمى، وإنما حرم عليها النظر إليه إذا كان أجنبيًّا منها، ونظرُ عائشة إلى لعب الحبشة في المسجد، لم يكن لأبدانهم إنما هو للعبهم وآلاتهم.\n\n[١٦٢٧] وعن أَبي سعيد - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلا المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ، وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلا تُفْضي المَرْأةُ إِلَى المَرْأَةِ في الثَّوْبِ الواحِدِ» . رواه مسلم.\n\nفيه: تحريم النظر إلى العورات، ولو مع اتحاد الجنس، وكذا المباشرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>٢٩١- باب تحريم الخلوة بالأجنبية</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فاسْألُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب (٥٣)] .\n\nقال البغوي: أي من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر","vol":"1","page":915},{"text":"إلى امرأة من نساء رسول الله - ﷺ -، منتقبة أو غير منتقبة. انتهى.\nوأما غيرهن من النساء، فالحجاب في حقهن مستحب لا واجب.\n\n[١٦٢٨] وعن عقبة بن عامر - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ!» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أفَرَأيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ!» . متفق عَلَيْهِ.\n«الحَمْو»: قَريبُ الزَّوْجِ كَأخِيهِ، وابْنِ أخِيهِ، وَابْنِ عَمِّهِ.\n\nقوله: «الحمو الموت» . قال النووي: المراد به في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد الأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم، وابن الأخت، ونحوهم ممن يحل لها تزويجه لو لم تكن متزوجة.\nوجرت العادة بالتساهل فيه فيخلو الأخ بامرأة أخيه. فشبّه بالموت وهو أولى بالمنع من الأجنبي، فإن الخلوة بقريب الزوج أكثر من الخلوة بغيره. والشر يتوقع منه أكثر من غيره، والفتنة به أمكن، لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة بها من غير نكير عليها، بخلاف الأجنبي.\n\n[١٦٢٩] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لا يَخْلُونَّ أَحَدكُمْ بامْرَأَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . متفق عَليْهِ.\n\nفي رواية الطبراني والبيهقي: «لا يخلونّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا مع ذي محرم» . وأخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة بلفظ: «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما» .","vol":"1","page":916},{"text":"[١٦٣٠] وعن بُريدَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «حُرْمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، مَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ القَاعِدِيْنَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ المُجَاهِدِينَ في أهْلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلا وَقَفَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شَاءَ حَتَّى يَرْضى» ثُمَّ التَفَتَ إلَيْنَا رسولُ اللهِ - ﷺ - فَقال: «مَا ظَنُّكُمْ»؟ . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: غلظ إثم الخالف للمجاهد في أهله بالخيانة، وأنه يأخذ من حسناته ما شاء، وطبعُ الإِنسانِ الحرصُ، والظن أنه لا يترك من حسناته شيئًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>٢٩٢- باب تحريم تشبه الرجال بالنساء</span>\nوتشبه النساء بالرجال في لباس وحركة وغير ذَلِكَ\n\n[١٦٣١] عن ابن عباس ﵄، قَالَ: لَعَنَ رسُولُ اللهِ - ﷺ - المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاَتِ مِنَ النِّسَاءِ.\nوفي رواية: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّسَاءِ، والمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجَالِ. رواه البخاري.\n\nالمخنثين: بصيغة اسم الفاعل، وبصيغة اسم المفعول من يشبه خلقه النساء في حركاته وكلماته وإنْ كان ذلك خلقيًّا فلا لوم عليه، وعليه تكلف إزالته، فإن تمادى عليه ولم يتكلف إزالته ذم. وإنْ كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم.\nقال ابن حبيب: المخنث هو المؤنث من الرجال، وإنْ لم تعرض منه الفاحشة، مأخوذ من التكسر في المشي ونحوه.\nقوله: «المتشبيهن من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» .","vol":"1","page":917},{"text":"قال الحافظ: قال القرطبي: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في لبس وزينة مختصات بهن، ولا العكس. وقال ابن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبيه في كل شيء، لكن عرف من أدلة أخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوهما، إلا التشبه في أمور الخير.\nواللعن: يدل على أنَّ ما ذكر من الكبائر.\nوالحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، كما أشار إليه - ﷺ - في لعن الواصلات بقوله: «المغيرات خلق الله» . انتهى ملخصًا.\n\n[١٦٣٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: لَعَنَ رسُولُ الله - ﷺ - الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ المَرْأَةِ، والمَرْأَةَ تَلْبِسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nفيه: وعيد شديد لمن لبس لباس المرأة تشبهًا بها، وكذا عكسه.\n\n[١٦٣٣] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «صِنْفَانِ مِنْ أهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَومٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وإنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا ... وَكذَا» . رواه مسلم.\nمعنى «كَاسِيَاتٌ» أيْ: مِنْ نِعْمَةِ اللهِ «عَارِيَاتٌ» مِنْ شُكْرِهَا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: تَسْتُرُ بَعْضَ بَدَنِهَا، وَتَكْشِفُ بَعْضَهُ إظْهارًا لِجَمَالِهَا وَنَحْوِهِ.","vol":"1","page":918},{"text":"وَقِيلَ: تَلْبَسُ ثَوبًا رَقِيقًا يَصِفُ لَوْنَ بَدَنِهَا. وَمَعْنَى «مائِلاَتٌ»، قِيلَ: عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَمَا يَلْزَمُهُنَّ حِفْظُهُ «مميلاَتٌ» أيْ: يُعَلِّمْنَ غَيْرَهُنَّ فِعْلَهُنَّ المَذْمُومَ. وَقِيلَ: مَائِلاَتٌ يَمْشِينَ مُتَبَخْتِرَاتٍ، مُمِيلاَتٌ لأَكْتَافِهِنَّ، وقيلَ: مائلاتٌ يَمْتَشطنَ المِشْطَةَ المَيلاءَ: وهي مِشطةُ البَغَايا، و«مُميلاتٌ» يُمَشِّطْنَ غَيْرَهُنَّ تِلْكَ المِشْطَةَ. «رُؤوسُهُنَّ كَأسْنِمَةِ البُخْتِ» أيْ: يُكَبِّرْنَهَا وَيُعَظِّمْنَهَا بِلَفِّ عِمَامَةٍ أَوْ عِصَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا.\nقوله: «قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس»، أي: يضربونهم ظلمًا.\n«ونساء كاسيات عاريات»، أي: يسترن بعض أبدانهن ويكشفن بعضها.\n«مائلات مميلات»، أي: تشبهًا بالمختال من الرجال.\nقال النووي: وهذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع هذان الصنفان وهما موجودان في هذا الزمان.\nوقال القاضي عياض: «مائلات مميلات»، أي: مائلات إلى الرجال مميلات بما يبدينه من زينتهن وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>٢٩٣- باب النهي عن التشبه بالشيطان والكفار</span>\n[١٦٣٤] عن جابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تَأكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَأكُلُ بِالشِّمَالِ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":919},{"text":"في هذا الحديث: النهي عن الأكل بالشمال.\nوفيه: التصريح بأن الشيطان يأكل.\n[١٦٣٥] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَأكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا» . رواه مسلم.\n\nوفيه: النهي عن التشبه بالشيطان، فإنه لاستقذاره وخساسته يستعمل الخسيس في النفيس.\n\n[١٦٣٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارى لا يَصْبغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ» . متفق عَلَيْهِ.\nالمُرَادُ: خِضَابُ شَعْرِ اللَّحْيَةِ والرَّأسِ الأبْيَضِ بِصُفْرَةٍ أَوْ حُمْرَةٍ؛ وأمَّا السَّوَادُ، فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ في البَابِ بَعْدَهُ، إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\n\nفيه: استحباب صبغ الشعر، وكان النبي - ﷺ - يصبغ شعره بالحناء والكتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>٢٩٤- باب نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بسواد</span>\n\n[١٦٣٧] عن جابر - ﵁ - قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ والِدِ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄، يَومَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «غَيِّرُوا هَذَا وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":920},{"text":"في هذا الحديث: الأمر بتغير الشيب بالصبغ واجتناب السواد.\nوقال البخاري: باب الخضاب. وذكر حديث أبي هريرة.\nقال الحافظ: الخضاب: تغيير لون مشيب الرأس واللحية. ولأحمد بسند حسن عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله - ﷺ - على مشيخة من الأنصار بيضٌ لحاهم، فقال: «يا معشر الأنصار، حمَّروا وصفَّروا، وخالفوا أهل الكتاب» .\nإلى أن قال: «والأولى كراهة الصبغ بالسواد» .\nومنهم من فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، فأجازه لها دون الرجل. انتهى. يعني إذا لم تدلس به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>٢٩٥- باب النهي عن القَزَع</span>\nوَهُوَ حلق بعض الرأس دون بعض\nوإباحة حَلْقِهِ كُلّهِ للرجل دون المرأة\n\n[١٦٣٨] عن ابن عمر ﵄ قَالَ: نهَى رسول الله - ﷺ - عن القَزَعِ. متفق عَلَيْهِ.\n\n[١٦٣٩] وعنه قَالَ: رأَى رسُولُ اللهِ - ﷺ - صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ شَعْرِ رَأسِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وقال: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ ... كُلَّهُ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح عَلَى شرط البخاري ومسلم.\n\nقال النووي: وقد أجمع العلماء على كراهة القزع، إلا أنْ يكون لمداواة ونحوها.","vol":"1","page":921},{"text":"قال الحافظ: واختلف في علة النهي، فقيل: لكونه يشوه الخلقة. وقيل لأنه زي الشيطان. وقيل: لأنه زي اليهود. وقد جاء هذا في رواية لأبي داود.\n\n[١٦٤٠] وعن عبد الله بن جعفر ﵄: أنَّ النبي - ﷺ - أمْهَلَ آلَ جَعْفَر ثَلاَثًا ثُمَّ أتَاهُمْ فَقَالَ: «لا تَبْكُوا عَلَى أخِي بَعْدَ اليَوْمِ» ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي» فَجِيءَ بِنَا كَأنَّا أفْرُخٌ فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الحَلاقَ» فَأمرَهُ، فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح عَلَى شرط البخاري ومسلم.\n\nفي هذا الحديث: إباحة حلق رؤوس الصبيان.\n\n[١٦٤١] وعن عليٍّ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رسُولُ اللهِ - ﷺ - أنْ تَحْلِقَ المَرْأةُ رَأسَهَا. رواه النسائي.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن حلق شعر رأس المرأة ما لم تدع إليه حاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>٢٩٦- باب تحريم وصل الشعر والوشم</span>\nوالوشر وهو تحديد الأسنان\nقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ الآية [النساء (١١٧، ١١٩)] .\n\nقال قتادة: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾، يعني: تشقيقها، وجعله سِمَةً وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة.","vol":"1","page":922},{"text":"وقال عكرمة: فليغيرن خلق الله بالخصاء، والوشم، وقطع الآذان، حتى حرم بعضهم الخصاء، وجوزه بعضهم في البهائم؛ لأنَّ فيه غرضًا ظاهرًا.\nوقال ابن عباس: خَلْقُ الله: دين الله.\nوعن عياض بن حمار قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله ﷿: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحَرَّمَت عليهم ما أحللت لهم» . رواه مسلم.\n\n[١٦٤٢] وعن أسماءَ ﵂: أنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبيَّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ ابْنَتِي أصَابَتْهَا الحَصْبَةُ، فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا، وإنّي زَوَّجْتُهَا، أفَأَصِلُ فِيهِ؟ فقالَ: «لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالمَوْصُولَةَ» . متفق عليه.\nوفي روايةٍ: «الوَاصِلَةَ، والمُسْتوْصِلَةَ» .\nقَوْلُهَا: «فَتَمَرَّقَ» هو بالراءِ ومعناهُ: انْتَثَرَ وَسَقَطَ. «وَالوَاصِلَةُ»: التي تَصِلُ شَعْرَهَا، أو شَعْرَ غَيْرِهَا بِشَعْرٍ آخَرَ. «وَالمَوْصُولَةُ»: التي يُوصَلُ شَعْرُهَا.\n«والمُسْتَوْصِلَةُ»: التي تَسْألُ مَنْ يَفْعَلُ ذلك لها.\nوعن عائشة ﵂ نَحوهُ. متفق عليه.\n\nفي هذا الحديث: أنَّ وصل الشعر من الكبائر.\n[١٦٤٣] وعن حُميدِ بنِ عبد الرحْمنِ: أنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - عامَ حَجَّ على المِنْبَرِ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ في يَدِ حَرَسِيٍّ فَقَالَ: يَا أهْلَ المَدِينَةِ أيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟! سَمِعتُ النبي - ﷺ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ","vol":"1","page":923},{"text":"هذِهِ، ويقُولُ: «إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حينَ اتَّخَذَ هَذِه نِسَاؤُهُمْ» . متفق عليه.\n\nفي هذا الحديث: اعتناء الخلفاء وسائر ولاة الأمور بإنكار المنكر، وإشاعة إزالته، وتوبيخ من أهمل إنكاره ممن يتوجه عليه.\nوفيه: حسن التحذير، فإن السعيد من وعظ بغيره.\nوفيه: معاقبة العامة بظهور المنكر.\n\n[١٦٤٤] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - لَعَنَ الوَاصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والوَاشِمَةَ والمُسْتَوشِمَةَ. متفق عليه.\n\nفيه: أن الوشم من الكبائر، والرجل في ذلك كالمرأة.\n\n[١٦٤٥] وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَاتِ وَالمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ الله، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ في ذَلِكَ فَقَالَ: وَمَا لِي لا ألْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ؟ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر (٧)] . متفق عليه.\nالمُتَفَلِّجَةُ هيَ: الَّتي تَبْرُدُ مِنْ أسْنَانِهَا لِيَتَبَاعَدَ بَعْضُهَا منْ بَعْضٍ قَلِيلًا، وتُحَسِّنُهَا وَهُوَ الوَشْرُ.\nوَالنَّامِصَةُ: [هِيَ] الَّتي تَأخُذُ مِنْ شَعْرِ حَاجِبِ غَيْرِهَا، وتُرَقِّقُهُ لِيَصِيرَ حَسَنًا. وَالمُتَنَمِّصَةُ: الَّتي تَأمُرُ مَنْ يَفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ.\n\nفيه: أنَّ هذه المذكورات من الكبائر.","vol":"1","page":924},{"text":"قال النووي: هذا الفعل حرام على الفاعلة وعلى المفعول بها، لهذه الأحاديث، ولأنه تغيير لخلق الله، ومحله إن فعلته للحُسْن. أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب فلا بأس.\nقال البخاري في كتاب اللباس: باب وصل الشعر. وذكر حديث معاوية، وأبي هريرة، وعائشة، وأسماء، وابن عمر.\nقال الحافظ: قوله: وتناول قُصَّة من شعر. القُصَّة: الخصلة من الشعر.\nوفي رواية قتادة عند مسلم: نهى عن الزور. قال قتادة: يعني ما تكثر به النساء أشعارهن من الخِرَق.\nوهذا الحديث حجة للجمهور، ويؤيده حديث جابر: زجر رسول الله - ﷺ - أن تصل المرأة بشعرها شيئًا آخر. أخرجه مسلم.\nوذهب الليث، ونقله أبو عبيدة عن كثير من الفقهاء: أن الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر، وأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة وغيرها، فلا يدخل في النهي.\nوأخرج أبو داود بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: لا بأس بالقرامل. وبه قال أحمد. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>٢٩٧- باب النهي عن نتف الشيب من اللحية</span>\nوالرأس وغيرهما، وعن نتف الأمرد شعر لحيته عند أول طلوعه\n\n[١٦٤٦] عن عمرو بن شعيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ؛ فَإنَّهُ نُورُ المُسْلِمِ يَوْمَ القِيَامَةِ»","vol":"1","page":925},{"text":"حديث حسن، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي بأسانيد حسنة، قال الترمذي: ... (هو حديث حسن) .\n\nفيه: النهي عن نتف الشيب. وعند أحمد: «لا تنتفوا الشيب فإنه نور الإسلام ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام، إلا كتب الله له بها حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» .\n\n[١٦٤٧] وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ علَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . رواه مسلم.\nقال النووي: هذا الحديث مما ينبغي أنْ يعتنى بحفظه، واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>٢٩٨- باب كراهية الاستنجاء باليمين</span>\nومس الفرج باليمين عند الاستنجاء من غير عذر\n\n[١٦٤٨] وعن أبي قتادة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا بَالَ أَحَدُكُمْ، فَلا يَأخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإنَاءِ» . متفق عليه.\nوفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة.\n\nفيه: النهي عن إمساك الذكر باليمين عند البول. وعن إزالة الأذي باليمين.\nوفيه: النهي عن التنفس في الإناء، أي: داخله؛ لأن التنفس فيه مستقذر، وربما أفسد على غيره. وأما إذا أبانَ الإِناء، وتنفس خارجه فهو السنة.","vol":"1","page":926},{"text":"وعن عائشة ﵂ قالت: كانت يد النبي - ﷺ - اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى. رواه أبو داود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>٢٩٩- باب كراهة المشي في نعل واحدة أو خف واحد</span>\nلغير عذر وكراهة لبس النعل والخف قائمًا لغير عذر\n\n[١٦٤٩] عن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قال: «لا يَمشِ أحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيَنْعَلْهُمَا جَمِيعًا، أو لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا» .\nوفي رواية: «أو لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا» . متفق عليه.\n\nفيه: النهي عن المشي في النعل الواحدة؛ لما فيه من التشويه والمثلة، ومخالفة الوقار، ولأن المنتعلة تصير أرفع من الأخرى، فيعسر مشيه وربما كان سببًا لعثاره.\n\n[١٦٥٠] وعنه قال: سمعت رسولَ الله - ﷺ - يقول: «إذا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكمْ، فَلا يَمْشِ في الأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا» . رواهُ مسلم.\n\nالشِسْعُ: أحد السيور الذي في صدر النعل المشدودة في الزمام.\nوالزمام: هو السير الذي يعقد فيه الشِّسْع.\n[١٦٥١] وعن جابر - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِمًا. رواه أبو داود بإسناد حسن.\n\nهذا الحديث: محمول على ما إذا احتاج في الانتعال إلى الاستعانة باليد في إدخال سيورها في الرِّجل، لئلا يصير حينئذٍ على هيئة قبيحة، أما إذا لم يحتج","vol":"1","page":927},{"text":"فيه إلى الاستعانة بها، فلا كراهة في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>٣٠٠- باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم</span>\nونحوه سواء كانت في سراج أو غيره\n\n[١٦٥٢] عن ابن عمر ﵄ عن النبيِّ - ﷺ - قال: «لا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ» . متفق عليه.\n\nفيه: النهي عن ترك النار في البيت عند النوم، لئلا يشتعل البيت على صاحبه.\n\n[١٦٥٣] وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: احْتَرَقَ بَيْتٌ بالمَدِينَةِ عَلَى أهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِشَأنِهِم، قالَ: «إنَّ هذِهِ النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإذا نِمْتُمْ، فَأطْفِئُوهَا» متفق عليه.\n\nفيه: حكمة النهي وهي خشية الاحتراق\nقوله: «إنَّ هذه النار عدو لكم» .\nفي رواية البخاري: «إن هذه النار إنما هي عدو لكم» .\nقال الحافظ: هكذا أورده بصيغة الحصر مبالغة في تأكيد ذلك.\nقال ابن العربي: معنى كون النار عدوَّا لنا، أنها تنافي أبداننا وأموالنا منافاة العدو، وإن كانت لنا بها منفعة، لكن لا يحصل لنا منها إلا بواسطة، فأطلق أنها عدو لنا، لوجود معنى العداوة فيها. والله أعلم.\n[١٦٥٤] وعن جابر - ﵁ - عن رسولِ اللهِ - ﷺ - قال: «غَطُّوا الإنَاءَ، وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ. وَأطْفِئُوا السِّرَاجَ، فإنَّ","vol":"1","page":928},{"text":"الشَّيْطَانَ لا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلا يَفْتَحُ بَابًا، وَلا يَكْشِفُ إنَاءً. فإنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلا أنْ يَعْرُضَ عَلَى إنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللهِ، فَلْيَفْعَل، فإنَّ الفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أهْلِ البَيْتِ بَيْتَهُمْ» . رواه مسلم.\n«الفُويْسِقَةُ»: الفَأرَةُ، «وَتُضْرِمُ»: تُحْرِقُ.\n\nفي رواية البخاري: «خمروا الآنية، وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح، فإن الفويسقة ربما جرَّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت» .\nقال القرطبي: في هذه الأحاديث أن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره وفيه نار فعليه أنْ يطفئها قبل نومه، أو يفعل بها ما يؤمن به الاحتراق.\nوكذا إن كان في البيت جماعة فإنه يتعين على بعضهم، وأحقهم بذلك آخرهم نومًا، فمن فرّط في ذلك كان للسنَّة مخالفًا، ولأدائها تاركًا.\nثم أورد حديث ابن عباس، قال: جاءت فأرة فَجَرَّت الفتيلة فألقتها بين يدي النبي - ﷺ - على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال النبي - ﷺ -: «إذا نمتم فأطفئوا سراجكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فيحرقكم» .\nوقال ابن دقيق العيد: إذا كانت العلة في إطفاء السراج الحذر من جرِّ الفويسقة الفتيلة، فمقتضاه أنَّ السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليها الفأرة لا يمنع إيقاده. وأما ورود الأمر بإطفاء النار مطلقًا فقد يتطرق منها مفسدة أخرى غير جرِّ الفتيلة، كسقوط شيء من السراج إلى شيء من المتاع فيحرقه، فيحتاج إلى الاستيثاق من ذلك، فإذا استوثق بحيث يؤمن معه الإِحراق فيزول الحكم بزوال علته. انتهى ملخصًا.\nوفي الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدينية والدنيوية، حراسة الأنفس","vol":"1","page":929},{"text":"والأموال، من أهل العبث والفساد، ولاسيما الشياطين.\nوفيه: أن ذكر اسم الله تعالى يطرد الشيطان، كما ورد في الرواية الأخرى: «خَمِّر إناءك واذكر اسم الله، وأغلق بابك واذكر اسم الله» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>٣٠١- باب النهي عن التكلف</span>\nوهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه بمشقة\n\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص (٨٦)] .\n\nيقول تعالى لنبيّه - ﷺ -: قُلْ يَا محمد لهؤلاء المشركين ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ﴾ على هذا البلاغ، وهذا النصح أجرًا تعطونيه من أموالكم.\n﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، أي: ما أزيد على ما أرسلني الله به، ... ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام (١٩)] .\n\n[١٦٥٥] وعن عمر - ﵁ - قال: نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ. رواه البخاري.\n\nالتكلف: كل فعل أو قول لا مصلحة فيه، وهو مضر بالعقل أو البدن، أو الدِّين.\n\n[١٦٥٦] وعن مسروقٍ، قال: دَخَلْنَا على عبدِ اللهِ بْنِ مَسعُودٍ - ﵁ - فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْيَقُلْ: اللهُ أعْلَمُ، فَإنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لا يَعْلَمُ: اللهُ أعْلَمُ. قالَ","vol":"1","page":930},{"text":"اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص (٨٦)] . رواه البخاري.\n\nقال الحافظ: وقوله: «إن من العلم أنْ يقول لما لا يعلم: الله أعلم»، أي: أن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لما اشتهر من أن القول فيما لا يعلم، قسم من التكلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>٣٠٢- باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب</span>\nونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور\n\n[١٦٥٧] عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال النَّبِيّ - ﷺ -: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» .\nوَفِي روايةٍ: «مَا نِيحَ عَلَيْهِ» . متفق عليه.\n\nفيه: أن الميت يعذب بنياحة أهله عليه، إذا كان النوح من عادتهم، ولا أوصاهم بتركه.\n\n[١٦٥٨] وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» . متفق عليه.\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد لمن فعل ما ذكر.\nوالمراد بدعوى الجاهلية: ما يقولونه عند موت الميت، كقولهم: واجبلاهُ، واسنداهْ واسيداه، والدعاء بالويل والثبور.\nقال الحافظ: وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره. وكأن","vol":"1","page":931},{"text":"السبب في ذلك مَا تَضَمَّنَهُ من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين.\n\n[١٦٥٩] وَعَنْ أبي بُرْدَةَ قال: وَجعَ أبو مُوسَى، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أهْلِهِ، فَأَقْبَلَتْ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ: أنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رسُولُ اللهِ - ﷺ - إنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - بَرِيءٌ مِنَ الصَّالِقَةِ، والحَالِقَةِ، والشَّاقَّةِ. متفق عليه.\n«الصَّالِقَةُ»: الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالنِّيَاحَةِ والنَّدْبِ. «وَالحَالِقَةُ»: الَّتِي تَحْلِقُ رَأسَهَا عِنْدَ المُصِيبَةِ. «وَالشَّاقَّةُ»: الَّتي تَشُقُّ ثَوْبَهَا.\n\nقال الحافظ: الصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء.\nوفي الحديث: دليل على تحريم هذه الأفعال.\n[١٦٦٠] وعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: سمعتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ» . متفق عليه.\n\nقال البخاري: باب قول النبي - ﷺ -: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» .\nإذا كان النوح من سنته، لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم (٦)] . وقال النبي - ﷺ -: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته» . فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة ﵂: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ﴾ [الأنعام (١٦٤)] .\nوهو كقوله: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذنوبًا ﴿إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر (١٨)]، وما يرخص من البكاء في غير نَوْح. وقال النبي - ﷺ -: «لا تقتل نفس ظلمًا","vol":"1","page":932},{"text":"إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سنّ القتل» .\n\n[١٦٦١] وعن أُمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْبَةَ - بِضَمِّ النون وفتحها - ﵂، قالت: أخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِندَ البَيْعَةِ أنْ لا نَنُوحَ. متفق عليه.\n\nقال البخاري: باب ما ينهى من النوح والبكاء، والزجر عن ذلك. وذكر حديث عائشة في قصة قتل جعفر. وحديث أم عطية ولفظه: أخذ علينا النبي - ﷺ - عند البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة.\nقال الحافظ: قوله: باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك، قال ابن المنير: عطف الزجر على النهي للإشارة إلى المؤاخذة الواقعة في الحديث، بقوله: «فاحثُ في أفواههن التراب» .\nقال الحافظ: وفي حديث أم عطية مصداق ما وصفه النبي - ﷺ - بأنهن ناقصات عقل ودين.\n[١٦٦٢] وعن النعمان بن بشير ﵄، قال: أُغْمِيَ عَلَى عَبدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ - ﵁ -، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ تَبْكِي، وَتَقُولُ: وَاجَبَلاهُ، ... وَاكَذَا، وَاكَذَا: تُعَدِّدُ عَلَيْهِ. فقالَ حِينَ أفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إلا قِيلَ لِي أنْتَ كَذَلِكَ؟! . رواه البخاري.\n\nفيه: بيان صورة تعذيب من لم يرض بالنوح، بل يقال له ذلك على سبيل التقريع والتوبيخ.","vol":"1","page":933},{"text":"[١٦٦٣] وعن ابن عمر ﵄، قال: اشْتَكَى سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ - ﵁ - شَكْوَى، فَأتاهُ رسُولُ الله - ﷺ - يَعُودُهُ مَعَ عَبدِ الرَّحمنِ بْنِ عَوفٍ، وَسَعْدِ بن أبي وقَّاصٍ، وعبدِ اللهِ بن مسعودٍ - ﵃ -. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، وَجَدَهُ في غَشْيَةٍ فَقالَ: «أقَضَى؟» قالوا: لا يا رسول اللهِ، فَبكَى رسولُ اللهِ - ﷺ - فَلَمَّا رَأى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبيِّ - ﷺ - بَكَوْا، قال: «ألا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلكِنْ يُعَذِّبُ بِهذَا» - وَأشَارَ إلَى لِسَانِهِ - أو يَرْحَمُ» . متفق عليه.\n\nفيه: أنَّ البكاء والحزن الخاليين عن التضجر والتبرم بالقدر لا عقاب فيهما، وأنَّ العقاب والثواب يتعلق باللسان.\n\n[١٦٦٤] وعن أبي مالك الأشعري - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: ... «النَّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِربَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» . رواه مسلم.\n\nفيه: وعيد شديد للنائحة، وأنَّ النوح من كبائر الذنوب.\n[١٦٦٥] وعن أَسِيد بن أبي أَسِيدٍ التابِعِيِّ، عن امْرَأةٍ مِنَ المُبَايِعاتِ، قالت: كان فِيما أخَذَ عَلَيْنَا رسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي المَعْرُوفِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْنَا أنْ لا نَعْصِيَهُ فِيهِ: أنْ لا نَخْمِشَ وَجْهًَا، وَلا نَدْعُوَ وَيْلًا، وَلا نَشُقَّ جَيْبًا، وأنْ لا نَنْثُرَ شَعْرًا. رواه أبو داود بإسناد حسن.\n\nقولها: ولا ندع ويلًا، أي: كأنْ تقول: يا ويلاه.","vol":"1","page":934},{"text":"[١٦٦٦] وعن أبي موسى - ﵁ - أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قال: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَاجَبَلاَهُ، واسَيِّدَاهُ، أو نَحْوَ ذلِكَ إلا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أهكَذَا كُنْتَ؟» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n«اللَّهْزُ»: الدَّفْعُ بِجُمْعِ اليَدِ فِي الصَّدْرِ.\n\nقوله: أهكذا كنت. يقولان له ذلك تقريعًا وتوبيخًا.\n\n[١٦٦٧] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» . رواه مسلم.\n\nفيه: تغليظ تحريم النياحة، والطعن في النسب الثابت شرعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>٣٠٣- باب النَّهي عن إتيان الكُهّان</span>\nوالمنجِّمين والعُرَّاف وأصحاب الرمل\nوالطوارق بالحصى وبالشعير ونحو ذلك\n\n[١٦٦٨] عن عائشة ﵂، قالت: سأل رسُولَ اللهِ - ﷺ - أنَاسٌ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَيءٍ» فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ إنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أحْيَانًا بِشَيءٍ، فَيَكُونُ حَقًّا؟ فقالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مئَةَ كَذْبَةٍ» . متفق عليه.\nوفي رواية للبخاري عن عائشة ﵂: أنَّها سمعتْ","vol":"1","page":935},{"text":"رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «إنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِي العَنَانِ - وَهُوَ السَّحَابُ - فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّماءِ، فَيَسْتَرِقُ الشَّيْطَانُ السَّمْع، فَيَسْمَعُهُ، فَيُوحِيَهُ إلَى الكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» .\nقَولُهُ: «فَيَقُرُّهَا» هو بفتح الياء وضم القاف والراء، أي: يُلْقِيها، «والعَنانِ» بفتح العين.\n\nالكاهن: من يخبر عن المغيبات، والتنجيم: نوع من الكهانة. والعرافة: نوع من التنجيم، وأصحاب الرمل والطوارق من الكهان، وقد كذبهم الشرع، ونهى عن تصديقهم وإتيانهم.\nقال الخطابي: هؤلاء الكهان فيما عُلم بشهادة الامتحان قومٌ لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطبائع نارية، فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم، ويستفتونهم في الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات.\nقوله: «فقال: ليس بشيء»، أي: ليس قولهم بشيء يعتمد عليه.\nقال الحافظ: قوله: «فَيقرَّها» بفتح أوله وثانيه وتشديد الراء، أي: يصبها.\nوفي رواية: «فيقرقرها»، أي: يرددها.\nوفي الحديث: بقاء استراق الشياطين السمع، لكنه قل وندر حتى كاد يضمحل بالنسبة لما كانوا فيه من الجاهلية.\nوفيه: النهي عن إتيان الكهان.\nقال القرطبي: يجب على من قدر على ذلك من محتسب وغيره، أن يقيم من يتعاطى شيئًا من ذلك من الأسواق، وينكر عليهم أشد النكر، وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن ينسب إلى العلم، فإنهم غير راسخين في العلم، بل من الجهال لما فيه في إتيانهم من المحذور.","vol":"1","page":936},{"text":"[١٦٦٩] وعن صَفِيَّةَ بِنتِ أبي عُبيدٍ، عن بعض أزواجِ النبي - ﷺ - ورَضِيَ اللهُ عنها، عن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عنْ شَيْءٍ فَصَدَّقَهُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أرْبَعِينَ يَومًا» . رواه مسلم.\n\nالعرَّاف: من جملة أنواع الكُهَّان.\nقال الخطابي وغيره: العرَّاف: الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق، ومكان الضالة. ونحوهما.\nقوله: «لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» . قال الشارح: لأنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئةً في سقوط الَفرْضِ عنه.\n\n[١٦٧٠] وعَنْ قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ - ﵁ - قال: سمعتُ رسُولَ الله - ﷺ - يقولُ: «العِيَافَةُ، وَالطِّيَرَةُ، والطَّرْقُ، مِنَ الجِبْتِ» . رواه أبو داود بإسناد حسن.\nوقال: «الطَّرْقُ» هُوَ الزَّجْرُ: أيْ زَجْرُ الطَّيْرِ وَهُوَ أنْ يَتَيَمَّنَ أو يَتَشَاءمَ بِطَيَرَانِهِ، فإنْ طَارَ إلَى جِهَةِ اليَمِين، تَيَمَّنَ، وإنْ طَارَ إلَى جِهَةِ اليَسَارِ، تَشَاءمَ. قال أبو داود: «والعِيَافَةُ»: الخَطُّ.\nقالَ الجَوْهَريُّ في الصِّحَاحِ: الجِبْتُ كَلِمَةٌ تَقَعُ عَلَى الصَّنَمِ وَالكاهِنِ والسَّاحِرِ وَنَحْوِ ذلِكَ.\n\nقوله: «من الجبت» . قال الشارح: أي: من الكفر، إن استحل ذلك أو من السحر والكهانة وقد حذّر منها.","vol":"1","page":937},{"text":"[١٦٧١] وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُوم، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ ما زَادَ» . رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n\nقوله: «من اقتبس علمًا من النجوم» .\nقال الشارح: أي: ما ينشأ من الحوادث عن سيرها، أمّا علمُ الوقت والقبلة فليسا مرادين هنا.\nقوله: «فقد اقتبس شعبة»، أي: قطعة من السحر، أي: وهو من باب الكبائر، وقد يكون كفرًا. «زاد»: أي: من السحر. «ما زاد»: أي: من علوم النجوم.\nقال الخطابِّي: علم النجوم المنهي عنه: هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع، وستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وتغيير السعر، وما في معناها مما يزعمون إدراكه من الكواكب في مجاريها وافتراقها، ويدعون أنَّ لها تأثيرًا في السلفيات، وأنها تجري على ذلك، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاطٍ لعلم قد استأثر الله تعالى به، لا يعلم الغيب سواه.\nوأما علم النجوم الذي يدرك بالمشاهدة والخبر، كالذي يعرف به الزوال، ويعلم به جهة القبلة، فغير داخل فيما نهي عنه؛ لأن مدار ذلك على ما يشاهد من الظل في الأول، والكواكب في الثاني. انتهى ملخصًا.\n\n[١٦٧٢] وعن مُعاوِيَةَ بنِ الحَكَمِ - ﵁ - قال: قلتُ: يا رسُولَ اللهِ إنِّي حديثُ عَهْدٍ بالجاهِليَّةِ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ تَعَالَى بالإسْلاَمِ، وإنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأتُونَ الكُهَّانَ؟ قال: «فَلا تأتِهِمْ»","vol":"1","page":938},{"text":"قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟ قَالَ: «ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلا يَصُدُّهُمْ» قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ؟ قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» . رواه مسلم.\n\nفيه: تحريم المجيء إلى الكهان.\nقوله: ومنا رجال يتطيرون؟ قال: «ذلك شيء يجدونه في صدورهم» .\nقال الشارح: أي أمر خلقي بحسب الطبع، لا يكلفون برفعه، إنما يكلفون أن لا يعملوا بقضيته، كما قال: فلا يصدهم، أي لا يعيقهم ذلك عما خرجوا له، فإن الفاعل هو الله ﷾، ولا أثر لغيره في شيء ألبتة.\nقوله: ومنا رجال يخطّون؟ قال: «كان نبِيٌّ من الأنبياء يخط فمن وافق خطة فذاك» .\nقال في النهاية: قال ابن عباس: الخط: هو الذي يخطه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانًا، فيقول له: اقعد حتى أخط لك. وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى الأرض رخوة فيخط فيها خطوطًا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابنَيْ عيان أسرعا البيان، فإن بقي خطان فهما علامة النجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة.\nوقال الحربي: الخط: هو أن يخط ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهن بشعير أو نوى، ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة.\nقلت: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن، ولهم فيه أوضاع، واصطلاح، وأسام. وعمل كثير، ويستخرجون به الضمير وغيره، وكثيرًا ما يصيبون فيه. انتهى كلام النهاية.\nوقال الخطابي: الكهانة على أصناف، منها ما يتلقونه من الجن، إلى أنْ","vol":"1","page":939},{"text":"قال: ثالثها: ما يستند إلى ظن، وتخمين، وحدث، فهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة، مع كثرة الكذب فيه. رابعها: ما يستند إلى التجربة والعادة، فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك.\nومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعْتضد بعضهم في ذلك بالزجر، والطرق، والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعًا.\nوقال الخطابي أيضًا: وأما قوله: «فمن وافق خطه فذاك» . فقد يحتمل أنْ يكون معناه الزجر عنه إذا كان من بعده لا يوافق خطه، ولا ينال حظه من الصواب؛ لأن ذلك إنما كان آية لذلك النبي، فليس لمن بعده أنْ يتعاطاه طمعًا في نيله. والله أعلم.\n[١٦٧٣] وعن أَبي مَسعودٍ البدريِّ - ﵁ - أنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكاهِنِ. متفق عَلَيْهِ.\n\nقوله: «نهى عن ثمن الكلب» . قال الحافظ: ظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عام في كل كلب؛ معلمًا كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومن لازمِ ذلك أنْ لا قيمة على متلفه وبذلك قال الجمهور. انتهى.\nوقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره. لما روى النسائي عن جابر، قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب إلا كلب صيد.\nقوله: «ومهر البغي»: هو ما تُعْطاه على الزنى، وسُمِّي مهرًا على سبيل المجاز، وهو حرام؛ لأنه في مقابلة حرام.\nقوله: «وحلوان الكاهن»: وهو ما يعطاه على كهانته.","vol":"1","page":940},{"text":"قال الحافظ: هو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل. وفي معناه التنجيم، والضرب بالحصا، وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون من استطلاع الغيب.\nوالكهانة: ادّعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجني السمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أُذن الكاهن.\nوالكاهن: لفظ يطلق على العرّاف، والذي يضرب بالحصا، والمنجم، ويطلق على من يقوم بأمر آخر، ويسعى في قضاء حوائجه.\nوقال الخطابيِّ: الكهنة: قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فأَلِفَتْهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور، وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>٣٠٤- باب النهي عن التَّطَيُّرِ</span>\n\nفِيهِ الأحاديث السابقة في الباب قبله.\n\nالطَّيَرَة: هي التشاؤم بالشَّيْء.\nقال الحافظ: وأصل التطيُّر أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنة تيمَّن به، واستمر. وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع. وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمونه: السانح والبارح. فالسانح: ما ولاك ميامنه. والبارح: بالعكس. وكانوا يتيمَّنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح؛ لأنَّه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه.\nوليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو","vol":"1","page":941},{"text":"تكلف بتعاطي ما لا أصل له، إذْ لا نطق للطير ولا تميز. وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر الطير ويتمدح بتركه.\nقال شاعر منهم:\n؟؟ ... الزجر والطير والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقْفال\n\nوقال آخر:\n؟؟ ... لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع\n\nوكان أكثرهم يتطيَّرون ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالبًا لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.\nوقد أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أنس رفعه: «لا طيرة، والطيرة على من يتطير» .\nوأخرج عبد الرازق عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن النبي - ﷺ -: «ثلاثة لا يَسْلَمُ منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغِ، وإذا ظننت فلا تحقق» . انتهى ملخصًا.\n\n[١٦٧٤] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُني الفَألُ» قالُوا: وَمَا الفَألُ؟ قَالَ: «كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ» . متفق عَلَيْهِ.\n\n[١٦٧٥] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ. وإنْ كَانَ الشُّؤمُ في شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ، وَالمَرْأَةِ، والفَرَسِ» . متفق عَلَيْهِ.\nقال البخاري: باب لا عدوى. وذكر حديث ابن عمر، وأنس.","vol":"1","page":942},{"text":"وحديث أبي هريرة: «لا توردوا الممرض على المُصِحِّ» . وحديثه أيضًا: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا عدوى» . فقام أعرابي فقال: أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء، فيأتيها البعير الأجرب فتجرب؟ قال النبي - ﷺ -: «فمن أعدى الأول» .\nوقال أيضًا: باب الجذام. وذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، وفِرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد» .\nقال الحافظ: وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه، قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه رسول الله - ﷺ -: «إنا قد بايعناك فارجع» .\nقال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر: أنَّ النبي - ﷺ - أكل مع مجذوم، وقال: «ثقةً بالله، وتوكلًا عليه» . قال: مذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ.\nوالصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أنْ لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحملِ الأمر باجتنابه والفرارِ منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز.\nوقال القرطبي: إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن إيراد الممرض على المصح، مخافةَ الوقوع، فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد العدوى، أو مخافة تشويش النفوس، وتأثير الأوهام، وهو نحو قوله: «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد» . وإنْ كنا نعتقد أنَّ الجذام لا يُعْدي، لكنا نجد في أنفسنا نفرة وكراهية لمخالطته،","vol":"1","page":943},{"text":"حتى لو أكره إنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته لتأذّت نفسه بذلك، فحينئذ فالأولى للمؤمن أنْ لا يتعرض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة، فيجتنب طرق الأوهام، ويباعد أسباب الآلام، مع أنه يعتقد أنْ لا ينجي حذرٌ من قدر. والله أعلم. انتهى ملخصًا.\nقوله: «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل» . قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة» . «وإنْ كان الشؤم في شيء، ففي الدار، والمرأة، والفرس» .\nقال الشارح: خص هذه الثلاث بالذكر لطول ملازمتها، ولأنها أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه منها شيء تركه، واستبدل به غيره.\nوللحاكم: «ثلاث من الشقاء: المرأة تراها تسوؤك، أو تحمل لسانها عليك، والدابة تكون قطوفًا فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تلحق أصحابك. والدار تكون ضيقة قليلة المرافق» .\n\n[١٦٧٦] وعن بُريْدَةَ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ لا يَتَطَيَّرُ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nقوله: كان لا يتطير، أي: من أي شيء، بل يتوكل على الله.\n\n[١٦٧٧] وعن عُروة بن عامر - ﵁ - قال: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسولِ اللهِ - ﷺ - فقالَ: «أحْسَنُهَا الفَألُ. وَلا تَرُدُّ مُسْلِمًا فإذا رَأى أحَدُكُمْ ما يَكْرَهُ، فَليْقلْ: اللَّهُمَّ لا يَأتِي بِالحَسَناتِ إلا أنْتَ، وَلا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إلا أنْتَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بِكَ» . حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح.","vol":"1","page":944},{"text":"قال البخاري: باب الفأل. وذكر حديث أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: «لا طيرة. وخيرها الفأل» . قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟! قال: ... «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» .\nوحديث أنس عن النبي - ﷺ - قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، الكلمة الحسنة» .\nقال الحافظ: وأخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة رفعه: كان يعجبه الفأل، ويكره الطيرة.\nوأخرج الترمذي من حديث حابس التميمي أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: ... «العين حق، وأصدق الطيرة الفأل» .\nقال الخطابي: الفرق بين الفأل والطيرة. أنَّ الفأل من طريق حُسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء، فلذلك كُرهت.\nقال ابن بطال: جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة، والأنس بها، كما جعل فيهم الارتياح بالنظر الأنيق، والماء الصافي، وإنْ كان لا يملكه، ولا يشربه.\nوأخرج الترمذي وصححه من حديث أنس: أن النبي - ﷺ - كان إذا خرج لجاجته يعجبه أنْ يسمع يا نجيح، يا راشد.\nوأخرج أبو داود بسند حسن عن بريدة، أن النبي - ﷺ - كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا يسأل عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإن كره اسمه رؤي كراهة ذلك في وجهه.\nوقال الطيبي: معنى الترخص في الفأل، والمنع من الطيرة، لو رأى شيئًا","vol":"1","page":945},{"text":"فظنه حسنًا محرضًا على طلب حاجته فليفعل ذلك، وإن رآه بضد ذلك فلا يقبله، بل يمضي لسبيله، فلو قبل وانتهى عن المضي فهو الطيرة التي اختصت بأن تستعمل في الشؤم، والله أعلم. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>٣٠٥- باب تحريم تصوير الحيوان</span>\nفي بساط أو حجر أو ثوب أو درهم\nأو دينار أو مخدة أو وسادة وغير ذلك\nوتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة\n[١٦٧٨] عن ابن عمر ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: «إنَّ الَّذينَ يَصْنَعُونَ هذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» . متفق عليه.\n\nفيه: تحريم التصوير، وأنه من كبائر الذنوب.\n\n[١٦٧٩] وعن عائشة ﵂، قالت: قَدِمَ رسُولُ الله - ﷺ - مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرامٍ فِيهِ تَمَاثيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - تَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وقال: «يَا عائِشَةُ، أشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِندَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ!» قَالَتْ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنهُ وِسَادَةً أوْ وِسَادَتَيْنِ. متفق عليه.\n«القِرامُ» بكسرِ القاف هو: السِّتْرُ. «وَالسَّهْوَةُ» بفتح السينِ المهملة وهي: الصُّفَّةُ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ البَيْتِ، وقيلَ: هِيَ الطَّاقُ النَّافِذُ في الحائِطِ.\n\nفيه: تحريم استعمال الصور، ولو كانت غير مجسمة، وجواز استعمالها إذا قطعت.","vol":"1","page":946},{"text":"[١٦٨٠] وعن ابن عباس ﵄، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَيُعَذِّبُهُ في جَهَنَّمَ» . قال ابن عباس: فإنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنعِ الشَّجَرَ وَمَا لا رُوحَ فِيهِ. متفق عليه.\n\nفيه: جواز تصوير ما لا روح فيه من الشجر، والأبنية ونحوها.\n\n[١٦٨١] وعنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا، كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَومَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» . متفق عليه.\n\nتكليفه بنفخ الروح فيما صور، تعجيزًا له، وتوبيخًا.\n[١٦٨٢] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «إنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» . متفق عليه.\n\nقال الخطابي: إنما عظمت عقوبة المصور؛ لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر، إليها يفتن، وبعض النفوس إليها تميل.\n\n[١٦٨٣] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «قال اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟","vol":"1","page":947},{"text":"فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» . متفق عليه.\n\nقال الحافظ: المراد بالذرة: النملة، والغرض تعجيزهم تارة بتكليفهم خلق حيوان، وهو أشد، وأخرى بتكليفهم خلق الجماد وهو أهون، ومع ذلك لا قدرة لهم على ذلك.\n\n[١٦٨٤] وعن أبي طلحة - ﵁ - أنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: «لا تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتًا فيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ» . متفق عليه.\n\nقال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها روح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن.\n\n[١٦٨٥] وعن ابن عمر ﵄ قال: وَعَدَ رسُولَ اللهِ - ﷺ - جِبْرِيلُ أنْ يَأتِيَهُ، فَرَاثَ عَلَيْهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَخَرَجَ فَلَقِيَهُ جِبريلُ فَشَكَا إلَيهِ، فَقَالَ: إنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ. رواهُ البُخاري.\n«راث»: أبْطَأَ، وهو بالثاء المثلثة.\n\nقال القرطبي: واختلف في المعنى الذي في الكلب، حتى منع الملائكة من دخول البيت الذي هو فيه، فقيل: لكونها منجسة العين، وقيل: لكونها من الشياطين، وقيل: لأجل النجاسة التي تتعلق بها.\n[١٦٨٦] وعن عائشة ﵂، قالت: واعدَ رسولَ الله ِ - ﷺ -","vol":"1","page":948},{"text":"جبريلُ ﵇، في سَاعَةٍ أنْ يَأتِيَهُ، فَجَاءتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأتِهِ! قَالَتْ: وَكَانَ بِيَدِهِ عَصًا، فَطَرَحَهَا مِنْ يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «ما يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلا رُسُلُهُ» ثُمَّ التَفَتَ، فإذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ. فقالَ: «يا عائشة! مَتَى دَخَلَ هَذَا الكَلْبُ؟» فَقُلْتُ: واللهِ مَا دَرَيْتُ بِهِ، فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءهُ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فقال رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَعَدْتَنِي، فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأتِني» فقالَ: «مَنَعَنِي الكَلْبُ الَّذِي كانَ في بَيْتِكَ، إنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ» . رواه مسلم.\n\nقال الحافظ: وحديث أبي هريرة في السنن، وصححه الترمذي، وابن حبان أتم سياقًا ولفظه،: أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أنْ أكون دخلت، إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه ثماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُرْ برأس التمثال الذي على الباب يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر فيقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله - ﷺ -.\n\n[١٦٨٧] وعن أبي الهَيَّاجِ حَيَّانَ بِن حُصَيْنٍ، قال: قال لي عَليُّ بن أبي طالب - ﵁ -: ألا أبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ أن لا تَدَعَ صُورَةً إلا طَمَسْتَهَا، وَلا قَبْرًا مُشْرفًا إلا سَوَّيْتَهُ. رواه مسلم.","vol":"1","page":949},{"text":"في هذا الحديث: وجوب طمس الصور، وهدم القبور المشرفة.\nوقال البخاري: باب نقض الصور. وذكر حديث عائشة، أنَّ النبي - ﷺ - لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب، إلا نقضه. وحديث أبي هريرة: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة» . الحديث.\nقال الحافظ: والذي يظهر أنه استنبط نقض الصور التي تشترك مع الصليب في المعنى، وهو عبادتهم من دون الله، فيكون المراد بالصور في الترجمة خصوصًا ما يكون من ذوات الأرواح.\nقال ابن بطال: في هذا الحديث دلالة على أنه - ﷺ - كان ينقض الصورة، سواءً كانت ممّا له ظل، أم لا، وسواء كانت مما توطأ أم لا، سواء في الثياب، وفي الحيطان، وفي الفرش، والأوراق وغيرها. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>٣٠٦- باب تحريم اتخاذ الكلب إلا</span>\nلصيد أو ماشية أو زرع\n\n[١٦٨٨] عن ابن عمر ﵄، قال: سمعتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إلا كَلْبَ صَيْدٍ أوْ مَاشِيَةٍ فَإنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطَانِ» . متفق عليه.\nوفي رواية: «قِيرَاطٌ» .\n\n[١٦٨٩] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أمْسَكَ كَلْبًا، فَإنَّهُ ينْقُصُ كُلَّ يَومٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ إلا كَلْبَ حَرْثٍ أوْ مَاشِيَةٍ» . متفق عليه.","vol":"1","page":950},{"text":"وفي رواية لمسلم: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلا مَاشِيَةٍ وَلا أرْضٍ، فَإنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ» .\n\nقال ابن عبد البر: في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية، وكذلك الزرع، وكراهة اتخاذها لغير ذلك، إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر اتخاذها، لجلب المنافع ودفع المضار قياسًا، فتتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة، لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة لِلْبَيْتِ الذي هو فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>٣٠٧- باب كراهية تعليق الجرس في البعير</span>\nوغيره من الدواب\nوكراهية استصحاب الكلب\nوالجرس في السفر\n\n[١٦٩٠] عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لا تَصْحَبُ المَلاَئِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أوْ جَرَسٌ» . رواه مسلم.\n\n[١٦٩١] وعنه: أنَّ النبي - ﷺ - قال: «الجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ» . رواه مسلم.\n\nقال البخاري: باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل. وذكر حديث أبي بشير الأنصاري ﵁، أنه كان مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، فأرْسِل رسولك: «لا تبقينَّ في رقبة بعير قلادة، من وتَر أو قلادة إلا قطعت» .\nقال الحافظ: قوله: باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل، أي: من الكراهة. وقيّده بالإبل لورود الخبر فيها بخصوصها.","vol":"1","page":951},{"text":"والذي يظهر: أنَّ البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، فقد أخرجه الدارقطني بلفظ: «لا تبقين قلادة من وتر ولا جرس في عنق بعير إلا قطع» . ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك.\nوقد روى أبو داود والنَّسائي من حديث أبي وهب رفعه: «اربطوا الخيل وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار» . فدل على أن الاختصاص للإبل، فلعل التقييد بها في الترجمة للغالب.\nوروى مسلم عن أبي هريرة رفعه: «الجرس مزمار الشيطان» . وهو دال على أنَ الكراهة فيه لصوته؛ لأن فيها شبهًا بصوت الناقوس وشكله.\nقال النووي وغيره: الجمهور على أنَّ النهي للكراهة، وأنها كراهة تنزيه، وقيل: للتحريم. وقيل: يمنع منه قبل الحاجة، ويجوز إذا وقعت الحاجة. وعن مالك: تختص الكراهة من القلائد بالوتر، ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين، هذا كله في تعليق التمائم وغيرها، مما ليس فيه قرآن ونحوه.\nفأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه، فإنه إنما يجعل للتبرك به، والتعوذ بأسمائه، وذكره. وكذلك لا نهي عما يُعَلَّق لأجل الزينة ما لم يبلغ الخيلاء، أو السرف، واختلفوا في تعلق الجرس أيضًا.\nثالثها: يجوز بقدر الحاجة. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>٣٠٨- باب كراهة ركوب الجَلالة</span>\nوهي البعير أو الناقة التي تأكل العَذِرَة\nفإنْ أكلت علفًا طاهرًا فطاب لَحمُهَا، زالت الكراهة\n\n[١٦٩٢] عن ابن عمر ﵄، قال: نهَى رسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الجَلالَةِ في الإبِلِ أنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا. رواه أبو داود بإسناد صحيح.","vol":"1","page":952},{"text":"وفي رواية: نهى رسول الله - ﷺ - عن الجلالة وألبانها.\nالجلالة: هي التي تأكل العذرة والنجاسات. وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه، وقال: «حتى تعلف أربعين ليلة» . ولأبي داود: «أنْ يركب عليها، وأن يشرب ألبانها» .\nوالحديث: دليل على تحريم الجلالة سواء كانت من الإبل أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج. وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثة أيام، ولم يرَ مالك بأسًا بأكلها من غير حبس. وحمل الجمهور النهي على التنزيه.\nقال في (الإفصاح): واختلفوا في أكل لحم الجلالة، وشرب لبنها، وأكل بيضها. فقال مالك وأبو حنيفة والشافعية: يباح ذلك وإنْ لم تحبس، مع استحبابهم حبسها، وكراهيتهم لأكلها دون حبسها.\nوقال أحمد: يحرم، إلا أنْ يحبس الطير ثلاثة أيام. رواية واحدة عنه.\nواختلفت الرواية عنه في الإبل، والبقر، والغنم. فروي عنه ثلاثة أيام، كالطير وهو الأظهر، والثانية: أربعون يومًا. انتهى.\nقال في (الاختيارات): وما يأكل الجيف فيه روايتان. الجلالة، وعامة أجوبة أحمد ليس فيها تحريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>٣٠٩- باب النهي عن البصاق في المسجد</span>\nوالأمر بإزالته منه إذا وجد فيه\nوالأمر بتنزيه المسجد عن الأقذار\n[١٦٩٣] عن أنس - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: «البُصاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» . متفق عليه.","vol":"1","page":953},{"text":"والمرادُ بِدَفْنِهَا إذَا كَانَ المَسْجِدُ تُرَابًا أوْ رَمْلًا ونَحْوَهُ فَيُوَارِيهَا تَحْتَ تُرَابِهِ. قالَ أبُو المحاسِنِ الرُّويَانِي مِنْ أصحابِنا في كِتَابِهِ (البحر) وقِيلَ: المُرَادُ بِدَفْنِهَا إخْراجُهَا مِنَ المَسْجِدِ، أمَّا إِذَا كَانَ المَسْجِدُ مُبَلَّطًا أَوْ مُجَصَّصًا، فَدَلَكَهَا عَلَيْهِ بِمَدَاسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثيرٌ مِنَ الجُهَّالِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَفْنٍ، بَلْ زِيَادَةٌ فِي الخَطِيئَةِ وَتَكْثِيرٌ لِلقَذَرِ في المَسْجِدِ، وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أنْ يَمْسَحَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ غَيرِهِ أَوْ يَغْسِلَهُ.\n\nالحديث: دليل على أنَّ البصاق في المسجد خطيئة، فينبغي لمن بدره ذلك أنْ يبصق في ثوبه أو خارج المسجد، وإن كان في الصلاة بصق في ثوبه.\n\n[١٦٩٤] وعن عائشة ﵂: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى في جِدَارِ القِبْلَةِ مُخَاطًا، أَوْ بُزَاقًا، أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ. متفق عَلَيْهِ.\n\nوفي حديث أنس: أن النبي - ﷺ - رأى نخامةً في القبلة، فحكها بيده، ورؤي منه كراهة، وقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن في قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه» . ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه، ورد بعضه على بعض. قال: «أو يفعل هكذا» .\n[١٦٩٥] وعن أنس - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ هذِهِ المَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيءٍ مِنْ هَذَا البَوْلِ وَلا القَذَرِ، إنَّمَا هي لِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَقِراءةِ القُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: وجوب تنزيه المسجد عن النجاسات والأقذار، ويؤخذ منه تنزيه المسجد ندبًا عن البصاق، والنخامة، وأوساخ البدن الطاهرة.","vol":"1","page":954},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>٣١٠- باب كراهة الخصومة في المسجد</span>\nورفع الصوت فِيهِ ونشد الضالة والبيع والشراء\nوالإجارة ونحوها من المعاملات\n\n[١٦٩٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ -: أنَّه سمعَ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً في المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها اللهُ عَلَيْكَ، فإنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا» . رواه مسلم.\n\nالحديث: دليل على تحريم السؤال عن الضالة في المسجد، والأمر بالإنكار على فاعل ذلك، وتعليمه بقوله: «لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» .\n\n[١٦٩٧] وعنه: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا رَأيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ في المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لا أرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فَقُولُوا: لا رَدَّهَا الله عَلَيْكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالحديث: دليل على تحريم البيع والشراء في المسجد.\nوفيه: الأمر بالإنكار على من فعل ذلك بقوله: «لا أربح الله تجارتك» .\nوقال البخاري: باب ذكر البيع والشراء على المنير في المسجد. وذكر قصة بريرة.\nقال الحافظ: مطابقة هذه الترجمة لحديث الباب من قوله: «ما بال أقوام يشترطون» . فإن فيه إشارة إلى القصة المذكورة. وقد اشتملت على بيع وشراء، وعتق وولاء، والفرق بين جريان ذكر الشيء والإخبار عن حكمه، أن ذلك حق وخير، وبيّن مباشرة العقد، فإن ذلك يفضي إلى اللفظ المنهي عنه. انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":955},{"text":"[١٦٩٨] وعن بُريَدَةَ - ﵁ - أنَّ رَجُلًا نَشَدَ في المَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الجَمَلِ الأَحْمَرِ؟ فَقَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا وَجَدْتَ؛ إنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» . رواه مسلم.\n\nأي: إنما بنيت المساجد للصلاة، والذكر، ونشر العلم.\n\n[١٦٩٩] وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّهِ - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَن الشِّراءِ والبَيْعِ في المَسْجِدِ، وَأنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ؛ أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالحديث: دليل على كراهة الشعر في المسجد، وهو محمول على القبيح منه، وما يشغل أهل المسجد.\nوقال البخاري: باب الشعر في المسجد. وذكر حديث حسان يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعت النبي - ﷺ - يقول: يَا حسان، أجب عن رسول الله - ﷺ -: «اللَّهم أيده بروح القدس»؟ . قال أبو هريرة: نعم.\nقال الحافظ: قوله باب الشعر في المسجد، أي: ما حكمه.\nوالجمع بينه وبين أحاديث النهي أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه ما سلم من ذلك. انتهى ملخصًا.\n[١٧٠٠] وعن السائبِ بن يزيد الصحابي - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ في المَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رضي الله","vol":"1","page":956},{"text":"عنه - فَقَالَ: اذْهَبْ فَأتِنِي بِهذَينِ، فَجِئْتُهُ بِهِمَا، فَقَالَ: مِنْ أيْنَ أَنْتُمَا؟ فَقَالا: مِنْ أهْلِ الطَّائِفِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أهْلِ البَلَدِ، لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أصْوَاتَكُمَا في مَسْجِدِ رَسُولِ الله - ﷺ -! . رواه البخاري.\n\nفيه: كراهة رفع الصوت في مسجد المدينة، ومثله المسجد الحرام، والأقصى، ويلحق بها سائر المساجد.\nوقال البخاري: باب رفع الصوت في المساجد. وذكر الحديث.\nوحديث كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دَيْنًا له عليه في عهد رسول الله - ﷺ - في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله - ﷺ - وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله - ﷺ - حتى كشف سجف حجرته، ونادى: «يا كعب بن مالك، يا كعب» . قال: لبيك يا رسول الله! فأشار بيده أنْ ضع الشطر من دَيْنِك. قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله - ﷺ -: «قم فاقضه» .\nقال الحافظ: قوله باب رفع الصوت في المسجد. أشار بالترجمة إلى الخلاف في ذلك، فقد كرهه مالك مطلقًا، سواء كان في العلم أم في غيره، وفرَّق غيره بين ما يتعلق بغرض ديني، أو نفع دنيوي، وبين مالك فائدة فيه، وساق البخاري حديث عمر الدال على المنع، وحديث كعب الدال على عدمه إشارة منه إلى أنَّ المنع فيما لا منفعة فيه، وعدمه فيما تلجئ الضرورة إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>٣١١- باب نهي من أكل ثومًا أَوْ بصلًا</span>\nأَوْ كراثًا أَوْ غيرها مِمَّا لَهُ رائحة كريهة\nعن دخول المسجد قبل زوال رائحته إِلا لضرورة\n[١٧٠١] عن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ - يعني: الثُّومَ - فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي روايةٍ لمسلم: «مساجدنا» .","vol":"1","page":957},{"text":"[١٧٠٢] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ فَلا يَقْرَبَنَّا، وَلا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا» . متفق عَلَيْهِ.\n\n[١٧٠٣] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ النبيُّ - ﷺ -: «مَنْ أكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزلنا، أو فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي روايةٍ لمسلم: «مَنْ أكَلَ البَصَلَ، والثُّومَ، والكُرَّاثَ، فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» .\n\nقال البخاري: باب ما جاء في الثوم النيء، والبصل، والكراث، وقول النبي - ﷺ -: «من أكل الثوم أو البصل من الجوع أو غيره فلا يقربن ... مسجدنا» . وذكر الأحاديث.\nقال الحافظ: وتقييده بالنيء حملٌ منه للأحاديث المطلقة في الثوم على غير النضيج منه.\nقال الخطابي: توهم بعضهم أنَّ أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله، إذا حُرِم فضل الجماعة.\nقال الحافظ: ولا تعارض بين امتناعه - ﷺ - من أكل الثوم وغيره مطبوخًا، وبين إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخًا، فقد علل ذلك بقوله: «إني لست كأحد منكم» .\n[١٧٠٤] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنَّه خَطَبَ يومَ الجمْعَةِ فَقَالَ في خطبته: ثُمَّ إنَّكُمْ أيُّهَا النَّاسُ تَأكُلُونَ شَجَرتَيْنِ","vol":"1","page":958},{"text":"مَا أرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَيْن: البَصَلَ، وَالثُّومَ. لَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ الله - ﷺ - إِذَا وَجدَ ريحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ في المَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلَى البَقِيعِ، فَمَنْ أكَلَهُمَا، فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: كراهية أكل البصل والثوم نيئًا، وجواز أكلهما مطبوختين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>٣١٢- باب كراهة الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب</span>\nلأنَّه يجلب النوم فيفوت استماع الخطبة\nويخاف انتقاض الوضوء\n\n[١٧٠٥] عن مُعاذِ بن أنس الجُهَنِيِّ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الحِبْوَةِ يَومَ الجُمعَةِ وَالإمَامُ يَخْطُبُ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقالا: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقال في (النهاية): الاحتباء: أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما فيه مع ظهره، ويشده عليه. وقد يكون الاحتباء باليد عوض الثوب. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>٣١٣- باب نهي من دخل عَلَيْهِ عشر ذي الحجة</span>\nوأراد أنْ يضحي عن أخذ شيء من\nشعره أَوْ أظفاره حَتَّى يُضحّي\n\n[١٧٠٦] عن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قالت: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ... «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإذَا أَهَلَّ هِلاَلُ ذِي الحِجَّةِ، فَلا يَأخُذَنَّ من شَعْرِهِ وَلا مِنْ أظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» . رواه مسلم.\n\nقال الشارح: «فلا يأخذن» ندبًا، وصرفه عن الجواب قول عائشة: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ - ثم يقلدها هو بيده، فلا يحرم عليه شيء أحله الله تعالى له","vol":"1","page":959},{"text":"حتى ينحر الهدي. ومحل الكراهة عند عدم الحاجة. انتهى ملخصًا.\nوقال البخاري: باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء. وذكر حديث مسروق أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إنَّ رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر فيوصي أنْ تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس؟ قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ - فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس.\nقال الحافظ: واستدل الداودي به على أنَّ الحديث المرفوع: «إذا دخل عشر ذي الحجة فمن أراد أنْ يضحي فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره» . يكون منسوخًا بحديث عائشة، أو ناسخًا.\nقال ابن التين: ولا يحتاج إلى ذلك لأن عائشة أنكرت أنْ يصير محرمًا بمجرد بعثه الهدي، ولم تتعرض على ما يستحب في العشر خاصة، من اجتناب إزالة الشعر والظفر.\nثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودي، وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة.\nقال الحافظ: لا يلزم من دلالته على عدم اجتناب ما يشترطه المحرم على المضحي أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر لغير المحرم، والله أعلم. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>٣١٤- باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي</span>\nوالكعبة والملائكة والسماء والآباء\nوالحياة والروح والرأس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة، وهي من أشدها نهيًا\n\n[١٧٠٧] عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا،","vol":"1","page":960},{"text":"فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي رواية في الصحيح: «فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلا يَحْلِفْ إِلا بِاللهِ، أَوْ لِيَسْكُتْ» .\n\nقال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع.\nوعن عكرمة قال: قال عمر: حدثت قومًا حدثيًا، فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم» . فالتفتُّ فإذا رسول الله - ﷺ - يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم» . رواه ابن أبي شيبة.\nقال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.\n\n[١٧٠٨] وعن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بِآبَائِكُمْ» . رواه مسلم.\n«الطَّواغِي»: جَمْعُ طَاغِيَةٍ، وهِيَ الأصنَامُ. وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «هذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ» أيْ: صَنَمُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ. وَرُوِيَ في غير مسلم: ... «بِالطَّوَاغِيتِ» جَمعُ طَاغُوت، وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَالصَّنَمُ.\n\nقال الحافظ: من حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه، سواء كان المخلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة، كالأنبياء والملائكة، والعلماء والصلحاء، والملوك، والآباء والكعبة.\nأو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد. أو يستحق التحقير والإَذلال كالشياطين، والأصنام، وسائر من عُبِد من دون الله.","vol":"1","page":961},{"text":"[١٧٠٩] وعن بُريدَةَ - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.\n\nقال الخطابي: سَبَبُهُ أنَّ اليمين لا تنعقد إلا بالله تعالى، أو بصفاته، وليست منها الأمانة، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنُهوا عنه لما يوهمه الحلف بها من مساواتها لأسماء الله وصفاته.\nوقال ابن رسلان: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالحج والصوم ونحوهما.\n[١٧١٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلاَمِ، فَإنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهُوَ كمَا قَالَ، وإنْ كَانَ صَادِقًا، فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإسْلاَمِ سَالِمًا» . رواه أَبُو داود.\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد وتهديد أكيد لمن حلف بملة غير الإسلام كاذبًا أو صادقًَا.\n[١٧١١] وعن ابن عمر ﵄: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يقُولُ: لا وَالكَعْبَةِ، قَالَ ابنُ عُمَرَ: لا تَحْلِفْ بَغَيْرِ اللهِ، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فقد كَفَرَ أَوْ أشْرَكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\nوفَسَّرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قولَهُ: «كفَرَ أَوْ أشْرَكَ» عَلَى التَّغْلِيظِ، كما روي أنَّ النبيَّ - ﷺ - قَالَ: «الرِّياءُ شِرْكٌ» .","vol":"1","page":962},{"text":"الرياء والحلف بغير الله من الشرك الأصغر الذي لا يخرج عن الإسلام.\nوفي الحديث: الزجر عن الحلف بغير الله ﷿، لا نبي ولا غيره، وما ورد في القرآن من القسم بغير الله فذلك يختص بالله ﷿.\nقال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق. وأما قوله - ﷺ -: «أفلح وأبيه إنْ صدق» . فهذا اللفظ كان يجري على ألسنة العرب من غير أنْ يقصدوا به القسم. وقيل: يقع في كلامهم للتأكيد لا للتعظيم.\nقال الماوردي: لا يجوز لأحد أنْ يُحَلِّف أحدًا بغير الله لا بطلاق، ولا عتاق، ولا نذر، وإذا حَلَّف الحاكم أحدًا بشيء من ذلك وجب عزله لجهله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>٣١٥- باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدًا</span>\n[١٧١٢] عن ابن مسعودٍ - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيرِ حَقِّهِ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ الله - ﷿ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران (٧٧)] . متفق عَلَيْهِ.\n\nفيه: وعيد شديد، وتهديد أكيد لمن حلف كاذبًا عامدًا.\nقال ابن بطال: إنَّ الله خص العهد بالتقدمة على سائر الأَيمان فدل على تأكيد الحلف به.\n\n[١٧١٣] وعن أَبي أُمَامَة إياس بن ثعلبة الحارثي - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ","vol":"1","page":963},{"text":"اللهُ لَهُ النَّارَ. وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رسولَ اللهِ؟ قَالَ: «وإنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أرَاكٍ» . رواه مسلم\n\nفيه: وعيد شديد لمن أخذ حق غيره، ولو قليلًا بيمين كاذبة.\n\n[١٧١٤] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاصِ ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «الكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ» . رواه البخاري.\nوفي روايةٍ لَهُ: أنَّ أعْرابِيًا جَاءَ إِلَى النبي - ﷺ - فَقَالَ: يا رسولَ اللهِ مَا الكَبَائِرُ؟ قَالَ: «الإشْرَاكُ بِاللهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذا؟ قَالَ: «اليَمِينُ الغَمُوسُ» قلتُ: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ!» يعني بِيَمِينٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ.\nسُمِّيت اليمين الكاذبة غموسًا، لأنها تغمس الحالف في الإثم ثم تغمسه في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>٣١٦- باب ندب من حلف عَلَى يَمينٍ فرأى غيرها</span>\nخيرًا مِنْهَا أنْ يفعل ذَلِكَ المحلوف عَلَيْهِ\nثُمَّ يُكَفِّر عن يمينه\n\n[١٧١٥] عن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» . متفق عَلَيْهِ.\n\n[١٧١٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمينٍ، فَرَأى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ","vol":"1","page":964},{"text":"يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . رواه مسلم.\n\n[١٧١٧] وعن أَبي موسى - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إنِّي واللهِ إنْ شاءَ اللهُ لا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيرًا مِنْهَا إِلا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقال عياض: اتفقوا على أنَّ الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث.\nوقال المازري: للكفارة ثلاث حالات:\nأحدها: قبل الحلف، فلا تجزئ اتفاقًا.\nثانيها: بعد الحلف والحنث، فتجزئ اتفاقًا.\nثالثها: بعد الحلف وقبل الحنث، ففيه الخلاف. انتهى. والجمهور على جوازها قبل الحنث.\n\n[١٧١٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ في يَمِينِهِ في أهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ أنْ يُعْطِي كَفَّارَتَهُ الَّتي فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ» . متفق عَلَيْهِ.\nقَوْلهُ: «يَلَجّ» بفتح اللام وتشديد الجيم أيْ: يَتَمَادَى فِيهَا، وَلا يُكَفِّرُ، وَقَولُهُ: «آثَمُ» هُوَ بالثاء المثلثة، أيْ: أَكْثَرُ إثْمًا.\n\nقال الحافظ: يلِج بكسر اللام، ويجوز فتحها من اللَّجاج، وهو أن يتمادى في الأمر، ولو تبين له خطؤه.\nقال النووي: معنى الحديث: أنَّ من حلف يمينًا تتعلق بأهله بحيث","vol":"1","page":965},{"text":"يتضرَّرون بعدم حنثه فيه، فينبغي أنْ يحنث، فيفعل ذلك الشيء، ويكفر عن يمينه، فإنْ قال: لا أحنث، بل أتورع عن ارتكاب الحنث خشية الإثم فهو مخطئ بهذا القول، بل استمراره على عدم الحنث وإقامة الضرر لأهله، أكثر إثمًا من الحنث.\nوقال البيضاوي: المراد أنَّ الرجل إذا حلف على شيء يتعلق بأهله، وأصرّ عليه، كان أدخل في الوزر وأفضى إلى الإِثم من الحنث؛ لأنه جعل الله عرضة ليمينه.\nقال الحافظ: وفي الحديث: أنَّ الحنث في اليمين أفضل من التمادي، إذا كان في الحنث مصلحة، ويختلف بإختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على فعل الواجب، أو تركِ حرام فيمينه طاعة، والتمادي واجب، والحنث معصية، وعكسه بالعكس.\nويستنبط من معنى الحديث: أنَّ ذكر الأهل خرج مخرج الغالب، وإلا فالحكم يتناول غير الأهل إذا وجدت العلة. والله أعلم. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>٣١٧- باب العفو عن لغو اليمين</span>\nوأنَّه لا كفارة فِيهِ، وَهُوَ مَا يجري عَلَى اللسان بغير\nقصد اليمين كقوله عَلَى العادة: لا والله، وبلى والله، ونحو ذَلِكَ\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة (٨٩)] .\n\nيعني: فمن لم يجد إحدى الخصال الثلاث المخير فيها، فليصم ثلاثة أيام متتابعة.\n\n[١٧١٩] وعن عائشة ﵂ قالت: أُنْزِلَتْ هذِهِ الآية: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ﴾ في قَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللهِ، وَبَلَى واللهِ. رواه البخاري.\nقال البخاري: باب: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة (٢٢٥)] . وذكر الحديث.","vol":"1","page":966},{"text":"وعن أبي قلابة: لا والله. وبلى والله. لغة من لغات العرب، لا يراد بها اليمين، وهي من صِلاة الكلام.\nوعن عائشة: لغو اليمين، القوم يتدارؤون، يقول أحدهم: لا والله، وبلى والله. وكلا والله. ولا يقصد الحلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>٣١٨- باب كراهة الحلف في البيع وإنْ كان صادقًا</span>\n\n[١٧٢٠] عن أبي هريرةَ - ﵁ - قال: سَمِعتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: ... «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» . متفق عليه.\n\nقوله «للكسب»: أي للنماء والزيادة المقصودة منها، وفي رواية: ... «للبركة» .\n\n[١٧٢١] وعن أبي قتادة - ﵁ -: أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «إيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ، فَإنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ» . رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن الحلف في البيع، وإن كان صادقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>٣١٩- باب كراهة أنْ يسأل الإنسان بوجه الله - ﷿ </span>-\nغير الجنة، وكراهة منع من سأل بالله تعالى وتشفع به\n\n[١٧٢٢] عن جابر - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ الا الجَنَّةُ» . رواه أبو داود.\n\n[١٧٢٣] وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ، فَأعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللهِ، فأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ، فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ما","vol":"1","page":967},{"text":"تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَد كَافَأْتُمُوهُ» . حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي بأسانيد الصحيحين.\nفيه: كراهة السؤال بوجه الله ﷿، واستحباب إعطاء من سأل بالله تعالى.\nقال الشارح: قوله: «لا يسأل»، بالجزم، على النهي التنزيهي، وبالرفع، خبر بمعنى النهي. قال الحليمي: هذا النهي يدل على أنَّ السؤال بالله يختلف، فإن كان السائل ظنّ أنَّ المسؤول إذا سأله بالله تعالى اهتز لإِعطائه، واغتنمه جاز له سؤاله بالله تعالى، وإنْ كان ممن يتلوى ويتضجر، ولا يأمن أنْ يرد فحرام عليه أنْ يسأله، وأما المسؤول فينبغي إذا سئل بوجه الله أنَّ لا يمنع ولا يرد السائل، وأن يعطيه بطيب نفس وانشراح صدر لوجه الله تعالى. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>٣٢٠- باب تحريم قول شاهان شاه للسلطان</span>\nوغيره لأن معناه ملك الملوك\nولا يوصف بذلك غير الله ﷾\n\n[١٧٢٤] وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قال: «إنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ - ﷿ - رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ» . متفق عليه.\nقال سُفيانُ بن عُيَيْنَةَ: «مَلِكُ الأَمْلاَكِ» مِثْلُ: شَاهِنشَاهِ.\n\nقال البخاري: باب أبغض الأسماء إلى الله. وذكر الحديث.\nقال الحافظ: كذا ترجم بلفظ: «أبغض» . وقد ورد بلفظ: «أخبث» . وبلفظ: «أغيظ» . وبلفظ: «أكره» .\nقوله: «أخنى» من الخنا، وهو الفحش في القول، ووقع في رواية: (أخنع) من الخنوع، وهو الذل.","vol":"1","page":968},{"text":"وأخرج مسلم عن أحمد بن حنبل قال: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع فقال: أوضع.\nقال عياض: معناه أنه أشد الأسماء صغارًا.\nوعند الطبراني: «اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك الأملاك»، واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم، لورود الوعيد الشديد، ويلتحق به ما في معناه، مثل: خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء. وهل يلتحق به من تسمَّى قاضي القضاة، أو حاكم الحكام؟\nاختلف العلماء في ذلك.\nومن النوادر: أن القاضي عز الدين ابن جماعة رأى أباه في المنام، فسأله عن حاله؟ . فقال: ما كان عليَّ أضرّ من هذا الاسم، فأمر الموقعين أنْ لا يكتبوا له في السجلات قاضي القضاة، بل قاضي المسلمين.\nوقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: يلتحق بملك الأملاك، قاضي القضاة وإن كان اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سَلِمَ أهل المغرب من ذلك، فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة.\nقال: وفي الحديث مشروعية الأدب في كل شيء؛ لأن الزجر عن ملك الأملاك، والوعيد عليه يقتضي المنع منه مطلقًا، سواء أراد من تسمّى بذلك أنه ملك على ملوك الأرض، أم على بعضها، سواء كان محقًا في ذلك أم مبطلًا، مع أنه لا يخفى الفرق بين من قصد ذلك وكان فيه صادقًا، ومن قصده وكان فيه كاذبًا. انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":969},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>٣٢١- باب النهي عن مخاطبة الفاسق</span>\nوالمبتدع ونحوهما بِسَيِّد ونحوه\n\n[١٧٢٥] عن بُريَدَةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «لا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، فَإنَّهُ إنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ - ﷿ -» . رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.\n\nقال الشارح: الفاسق: من أصرَّ على معصية صغيرة، أو أتى كبيرة. والمبتدع: الخارج عن اعتقاد الحق الذي جاء به الكتاب والسنَّة إلى ما يزينه الشيطان، ومحل النهي ما لم يخشَ ضررًا على نفسه، أو أهله، أو ماله. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>٣٢٢- باب كراهة سب الحمّى</span>\n[١٧٢٦] عن جابر - ﵁ - أنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - دخلَ على أُمِّ السَّائِبِ، أو أُمِّ المُسَيّبِ فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ - أو يَا أُمَّ المُسَيَّبِ - تُزَفْزِفِينَ؟» قَالَتْ: الحُمَّى لا بَارَكَ اللهُ فِيهَا! فَقَالَ: «لا تَسُبِّي الحُمَّى فَإنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الكِيْرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . رواه مسلم.\n«تُزَفْزِفِينَ» أيْ تَتَحَرَّكِينَ حَرَكَةً سَريعَةً، وَمَعْنَاهُ: تَرْتَعِدِين. وَهُوَ بِضَمِّ التاء وبالزاي المكررة والفاء المكررة، وَرُوِيَ أيضًا بالراء المكررة والقافينِ.\n\nفيه: النهي عن سبّ الحُمَّى لما فيه من التبرّم والتضجر من قدر الله تعالى، مع ما فيها من تكفير السيئات، وإثبات الحسنات.","vol":"1","page":970},{"text":"وقال البخاري: باب الحُمَّى من فيح جهنم. وذكر حديث ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «الحُمَّى من فيح جهنم، فاطفؤها بالماء» .\nقال الحافظ: والحُمَّى أنواع: قال الخطابي: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث بأنْ قال: اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك؛ لأنه يجمع المسام ويحقن البخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف.\nقال الخطابي: وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحُمَّى بالماء، وإنما قصد النبي - ﷺ - على وجه ينفع، فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحُمَّى، ما صنعته أسماء بنت الصديق، فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئًا من الماء بين يديْه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها.\nوقال المازري: ولا شك، إنَّ علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيل، والأطباء مجمعون على أنَّ المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السنّ، والزمان، والعادة، والغذاء المتقدم، والتأثير المألوف، وقوة الطباع. قال: ويحتمل أن يكون لبعض الحميات دون بعض، في بعض الأماكن دون بعض، لبعض الأشخاص دون بعض.\nقال الحافظ: يحتمل أنْ يكون مخصوصًا بأهل الحجاز وما والاهم إذا كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدة الحرارة، وهذه ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا؛ لأن الحُمَّى حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان غرضية: وهي الحادثة عن ورم، أو حركة، أو إصابة حرارة لشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك.","vol":"1","page":971},{"text":"ومرضية: وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخف جميع البدن. فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم؛ لأنها تقع غالبًا في يوم، ونهايتها إلى ثلاث.\nوإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية فهي حمى دقٍّ، وهي أخطرها.\nوإن كان تعلقها بالأخلاط، سُمِّيت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة. وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإِفراد والتركيب، فيجوز أنْ يكون المراد النوع الأول، فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد، وشرب المبرد بالثلج وبغيره، ولا يحتاج صاحبها إلى علاج آخر.\nوقد نزَّل ابن القيم حديث ثوبان مرفوعًا: «إذا أصاب أحدكم الحُمَّى، وهي قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جار، ويستقبل جريته وليقل: باسم الله، اللَّهمَّ اشف عبدك، وصَدِّقْ رسولك. بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمْس، وإلا فسبْع، وإلا فتسعٌ فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله» .\nقال الترمذي: غريب.\nقال ابن القيم: هذه الصفة تنفع في فصل الصيف في البلاد الحارة في الحُمَّى العرضية، أو الغب الخالصة التي لا ورم معها، ولا شيء من الأعراض الرديئة، والمواد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، ووفور القوى في ذلك الوقت، لكونه عقب النوم والسكون وبرد الهواء.\nقال: والأيام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحرارة الأمراض الحادة غالبًا، ولاسيما في البلاد الحارة. والله أعلم. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>٣٢٣- باب النهي عن سب الريح</span>\nوبيان ما يقال عند هبوبها\n\n[١٧٢٧] عن أبي المنذِرِ أُبي بن كعب - ﵁ - قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ","vol":"1","page":972},{"text":"إنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفي هذا الحديث: النهي عن سبّ الريح؛ لأنها مسخرة فيما خلقت له، واستحباب هذا الدعاء عند هبوبها.\n\n[١٧٢٨] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: ... «الرِّيحُ مِنْ رَوحِ اللهِ، تَأتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأتِي بِالعَذَابِ، فَإذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا باللهِ مِنْ شَرِّهَا» . رواه أبو داود بإسناد حسن.\nقوله - ﷺ -: «مِنْ رَوْحِ اللهِ» هو بفتح الراء: أي رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ.\n\nفيه: النهي عن سبّ الريح لأنها مأمورة بما تجيء به من رحمة لمن أراد الله رحمته، أو عذابٍ لمن أراد الله عذابه.\n[١٧٢٩] وعن عائشة ﵂ قالت: كان النَّبِيُّ - ﷺ - إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» . رواه مسلم.\n\nقال البخاري: باب قول النبي - ﷺ -: «نُصِرتُ بالصَّبَا» . وذكر حديث ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: «نصرت بالصبا، وأهلكت عادٌ بالدَّبُور» .\nفائدة: الرياح أربع:\nالصبا: وهي حارة يابسة.\nوالدَّبُور: وهي باردة رطبة.","vol":"1","page":973},{"text":"والجنوب: وهي حارة رطبة.\nوالشمال: وهي باردة يابسة، وهي ريح الجنة، وأي ريح هبَّت بين جهتين فهي النكباء.\nقال الحافظ: الصبا يقال لها: القبول؛ لأنها تقابل باب الكعبة، إذ مهبّها من مشرق الشمس. وضدها الدبور وهي التي أهلكت بها قوم عاد.\nومن لطيف المناسبة كون القبول نصرت أهل القبول، وكون الدبور أهلكت أهل الإِدبار. ولما علم الله رأفة نبيه - ﷺ - بقومه رجاء أنْ يسلموا سلّط عليهم الصبا، فكانت سبب رحيلهم عن المسلمين لمّا أصابهم بسببها من الشدَّة، ومع ذلك فلم تهلك منهم أحدًا، ولم تستأصلهم. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>٣٢٤- باب كراهة سب الديك</span>\n\n[١٧٣٠] عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ - ﵁ - قال: قال رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإنَّهُ يُوِقِظُ لِلصَّلاَةِ» . رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n\nقال الشارح: أي: لا يحمل أحدكم إيقاظ الديك له بصوته، على سبّه، إذ فوّت عليه لذيذ منامه؛ لأن ما يدعو إليه من الإِيقاظ للصلاة خير مما فاته من لذة النوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>٣٢٥- باب النهي عن قول [الإنسان]: مُطِرنا بنَوء كذا</span>\n[١٧٣١] عن زيد بن خالد - ﵁ - قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ - ﷺ - صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَّةِ في إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا","vol":"1","page":974},{"text":"انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فقالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ؟» قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قال: «قالَ: أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوَاكِبِ، وأَما مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا، فَذلكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» . متفق عليه.\nوَالسَّماءُ هُنَا: المَطَرُ.\n\nقوله: «فذلك كافر بي»، أي: كفرًا حقيقيًّا إنِ اعتقد أنَّ النجم موجد للمطر حقيقة، وإلا فكافر للنعمة إنْ لم يعتقد ذلك؛ لأنه أسند ما لله لغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>٣٢٦- باب تحريم قوله لمسلم: يا كافر</span>\n\n[١٧٣٢] عن ابن عمر ﵄، قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ... «إذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، فَإنْ كانَ كَمَا قَالَ وَإلا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» . متفق عليه.\n\n[١٧٣٣] وعن أبي ذرٍّ - ﵁ -: أنَّه سَمِعَ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «مَنْ دَعَا رَجُلًا بالكُفْرِ، أو قالَ: عَدُوَّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذلكَ إلا حَارَ عَلَيْهِ» . متفق عليه.\n«حَارَ»: رَجَعَ.\n\nقال ابن دقيق العيد: هذا وعيد عظيم لمن كفَّر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنَّة، وأهل الحديث، لما اختلفوا في العقائد فغلظوا على مخالفيهم. وحكموا بكفرهم، والحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها، فإنه حينئذ يكون مكذبًا للشرع. انتهى.","vol":"1","page":975},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>٣٢٧- باب النهي عن الفحش وبذاء اللسان</span>\n\n[١٧٣٤] عن ابن مسعودٍ - ﵁ - قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ، وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الفَاحِشِ، وَلا البَذِيِّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nالطعَّان: العياب للناس، واللَّعَّان: كثير اللَّعن، والفحش: القول السِّيء.\nوالبذاء: السفه والفحش في النطق وإن كان صادقًا، وعطفه على الفاحش من عطف العام على الخاص.\n\n[١٧٣٥] وعن أنسٍ - ﵁ - قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا كَانَ الفُحْشُ فِي شَيْءٍ إلا شَانَهُ، وَمَا كَانَ الحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إلا زَانَهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: استحباب الحياء وذم الفحش؛ لأن صاحب الحياء يدع ما يلام على فعله، والفاحش لا ينظر لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>٣٢٨- باب كراهة التقعير في الكلام</span>\nوالتشدُّق فيه وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللُّغة\nودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم\n\n[١٧٣٦] عن ابن مسعود - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلاَثًا. رواه مسلم.\n«المُتَنَطِّعُونَ»: المُبَالِغُونَ فِي الأمُورِ.\n\nقال الخطابي: المتنطعون: هم المتعمقون في الشيء المتكلف البحث","vol":"1","page":976},{"text":"عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلون فيما لا يعنيهم، الخائضون فيما لا تبلغه عقولهم.\n\n[١٧٣٧] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: «إنَّ اللهَ يُبْغِضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ» . رواه أبو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nقال في (النهاية): أي الذي يتشدَّق بلسانه في الكلام ويلفه، كما تَلُفُّ البقرة الكلأ بلسانها لفًا.\n[١٧٣٨] وعن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قال: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَومَ القِيَامَةِ، أحَاسِنكُمْ أَخْلاَقًَا، وإنَّ أَبْغَضَكُمْ إلَيَّ، وأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَومَ القِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . وقد سبق شرحه في بَابِ حُسْنِ الخُلُقِ.\n\nالثرثار: كثير الكلام. والمتشدق: المتكلم بملأ فمه تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه. والمتفيهق: المتكبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>٣٢٩- باب كراهة قوله: خَبُثَتْ نَفْسي</span>\n\n[١٧٣٩] عن عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - قال: «لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسي، وَلكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسي» متفق عليه.","vol":"1","page":977},{"text":"قالَ العُلَمَاءُ: مَعْنَى «خَبُثَتْ»: غَثَتْ، وَهُوَ مَعْنَى: «لَقِسَتْ» وَلَكِنْ كَرِهَ لَفْظَ الخُبْثِ.\n\nقال الخطابي: فعلَّمهم الأدب في النطق، وأرشدهم إلى استعمال اللفظ الحسن، وهجران القبيح منه.\nوقال البخاري: باب لا يقل خَبُثَتْ نفسي. وذكر الحديث.\nقال الحافظ: قال الخطابي: تبعًا لأبي عبيد: لقست، وخبثت بمعنى واحد، وإنما كره - ﷺ - من ذلك اسم الخبث، فاختار اللفظة السالمة من ذلك، وكان من سنته تبديل الاسم القبيح بالحسن.\nوقال غيره: معنى لقست، غشت وهو يرجع أيضًا إلى معنى خبثت.\nوقال ابن بطال: هو على معنى الأدب، وليس على سبيل الإيجاب.\nوقال ابن أبي حمزة: النهي عن ذلك، للندب، والأمر بقوله: لقست، للندب أيضًا.\nقال: ويؤخذ من الحديث: استحباب مجانبة الألفاظ القبيحة والأسماء، والعدول إلى ما لا قبيح فيه، والخبث واللقس وإنْ كان المعنى المراد يتأدى بكل منهما، لكن لفظ الخبث قبيح، ويجمع أمورًا زائدة على المراد بخلاف اللقس، فإنه يختص بامتلاء المعدة. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>٣٣٠- باب كراهة تسمية العنب كرمًا</span>\n\n[١٧٤٠] عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، فَإنَّ الكَرْمَ المُسْلِمُ» . متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.","vol":"1","page":978},{"text":"وفي رواية: «فَإنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤمِنِ» . وفي رواية للبخاري ومسلم: «يَقُولُونَ الكَرْمُ، إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ» .\n\n[١٧٤١] وعن وائلِ بنِ حُجرٍ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا تَقُولُوا: الكَرْمُ، وَلكِنْ قُولُوا: العِنَبُ، والحَبَلَةُ» . رواه مسلم.\n«الحَبَلَةُ» بفتح الحاء والباء، ويقال أيضًا بإسكان الباء.\n\nقال البخاري: بابُ قول النبي - ﷺ -: «إنما الكَرْمُ قلب المؤمن»، وقد قال: «إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة» . كقوله: «إنما الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب» . كقوله: «لا ملك إلا الله» . فوصفه بانتهاء الملك، ثم ذكر الملوك أيضًا فقال ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل (٣٤)] . وذكر الحديث.\nقال الحافظ: غَرضُ البخاري أنَّ الحصر ليس على ظاهره، وإنما المعنى: أن الأحق باسم الكرم قلب المؤمن، ولم يرد أن غيره لا يسمى كرمًا، كما أن المراد بقوله: «إنما المفلس» . من ذكر، ولم يرد أن من يفلس في الدنيا لا يسمى مفلسًا.\nوبقوله: «إنما الصرعة» . كذلك: وكذا قوله: «لا مَلِكَ إلا الله» . لم يرد أنه لا يجوز أنْ يسمى غيره ملكًا، وإنما أراد الملك الحقيقي، وإنْ سمّي غيره ملكًا، إلى أنْ قال: قال الخطابي: ما ملخصه:\nأنَّ المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمها، ولأن في تبقية هذا الاسم لها تقرير لما كانوا يتوهمونه من تكرم شاربها، فنهى عن تسميتها كرمًا. وقال: «إنما الكرم قلب المؤمن» . لما فيه من نور الإيمان، وهدى الإسلام. انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":979},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>٣٣١- باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل</span>\nإلا أن يحتاج إلى ذلك لغرض شرعي كنكاحها ونحوه\n\n[١٧٤٢] عن ابن مسعودٍ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُبَاشِرِ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، فَتَصِفَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا» . متفق عليه.\n\nقال القاضي عياض: هو الدليل لمالك في سد الذرائع، فإن الحكمة في النهي خشية أنْ يعجب الزوج بالوصف المذكور، فيفضي ذلك إلى تطليق الواصفة، أو إلى الافتنان بالموصوفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>٣٣٢- باب كراهة قول الإنسان: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ</span>\nبل يجزم بالطلب\n\n[١٧٤٣] عن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول اللهِ - ﷺ - قال: «لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ، لِيَعْزِم المَسْأَلَةَ، فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ» . متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم: «وَلكِنْ لِيَعْزِمْ وَلْيُعَظمِ الرَّغْبَةَ فَإنَّ اللهَ تَعَالَى لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» .\n\n[١٧٤٤] وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «إذا دَعَا أحَدُكُمْ فَلْيَعْزِم المَسْأَلَةَ، وَلا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ، فَأَعْطِنِي، فَإنَّهُ لا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» . متفق عليه.\nقال البخاري: باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له. وذكر الحديث.\nقال ابن بطال: في الحديث: أنه ينبغي للداعي أنْ يجتهد في الدعاء،","vol":"1","page":980},{"text":"ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريمًا. وقال ابن عيينة: لا يمنعنّ أحد الدعاء ما يعلم في نفسه، يعني: من التقصير. وقال الداودي: معنى قوله: «ليعزم المسألة» أن يجتهد ويَلحّ، ولا يقل: إن شئت، كالمستثني، ولكن دعاءَ البائسِ الفقير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>٣٣٣- باب كراهة قول: ما شاء اللهُ وشاء فلان</span>\n\n[١٧٤٥] عن حُذَيْفَةَ بنِ اليمانِ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلاَنٌ؛ وَلكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ شَاءَ فُلاَنٌ» . رواه أبو داود بإسناد صحيح.\n\nقال البخاري: باب لا يقول: ما شاء الله وشئت، وهل يقول: إنا بالله، ثم بك. وذكر حديث: أبرص، وأقرع، وأعمى.\nقال الحافظ: هكذا بتّ الحكم في الصورة الأولى، وتوقّف في الصورة الثانية، وسببه أنها وإنْ كانت وقعت في حديث الباب الذي أورده مختصرًا، لكن إنما وقع ذلك من كلام الملك على سبيل الامتحان للمقول له، فتطرّق إليه الاحتمال.\nوكأنه أشار بالصورة الأولى إلى ما أخرجه النَّسائي وصححه من طريق عبد الله بن يسار عن قتيلة، أن يهوديًّا أتى النبي - ﷺ - فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئتَ، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي - ﷺ - إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة. وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت، إلى أنْ قال: وحكى ابن التين، عن أبي جعفر الداودي، قال: ليس في الحديث الذي ذكره نهيٌ عن القول المذكور في الترجمة.\nوقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة (٧٤)] .","vol":"1","page":981},{"text":"وقال الله تعلى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ... (٣٧)] . وغير ذلك.\nوتعقَّبه بأن الذي قال أبو جعفر ليس بظاهر؛ لأن قوله: ما شاء الله وشئت، تشريك في مشيئة الله تعالى. وأما الآية فإنما أخبر الله تعالى أنه أغناهم، وأن رسوله أغناهم، وهو من الله حقيقة؛ لأنه الذي قدِّر ذلك، ومن الرسول حقيقة باعتبار تعاطي الفعل، وكذا الإنعام: أنعم الله على زيد بالإسلام، وأنعم عليه النبي - ﷺ - بالعتق، وهذا بخلاف المشاركة في المشيئة، فإنها منصرفة لله تعالى في الحقيقة، وإذا نسبت لغيره فبطريق المجاز.\nوقال المهلب: إنما أراد البخاري أنَّ قوله: ما شاء الله ثم شئت. جائز مستدلًا بقوله: إنا بالله ثم بك، وقد جاء هذا المعنى عن النبي - ﷺ -، وإنما جاز بدخول: «ثم» لأن مشيئة الله سابقة على مشيئة خلقه، ولما لم يكن الحديث المذكور على شرطه، استنبط من الحديث الصحيح الذي على شرطه ما يوافقه. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>٣٣٤- باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة</span>\nوالمُرادُ بِهِ الحَديثُ الذي يَكُونُ مُبَاحًا في غَيرِ هذا الوَقْتِ، وَفِعْلُهُ وَتَرْكُهُ سواءٌ. فَأَمَّا الحَديثُ المُحَرَّمُ أو المَكرُوهُ في غير هذا الوقتِ، فَهُوَ في هذا الوقت أشَدُّ تَحريمًا وَكَرَاهَةً. وأَمَّا الحَديثُ في الخَيرِ كَمُذَاكَرَةِ العِلْمِ وَحِكايَاتِ الصَّالِحِينَ، وَمَكَارِمِ الأخْلاَقِ، والحَديث مع الضَّيفِ، ومع طالبِ حَاجَةٍ، ونحو ذلك، فلا كَرَاهَة فيه، بل هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وكَذَا الحَديثُ لِعُذْرٍ وعَارِضٍ لا كَراهَةَ فِيه. وقد تظاهَرَتِ الأحَاديثُ الصَّحيحةُ على كُلِّ ما ذَكَرْتُهُ.\n\n[١٧٤٦] عن أبي بَرْزَةَ - ﵁ - أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كان يكرهُ النَّومَ قَبْلَ العِشَاءِ والحَديثَ بَعْدَهَا. متفقٌ عليه.","vol":"1","page":982},{"text":"فيه: دليل على كراهة الأمرين.\nوروى الحافظ المقدسي من حديث عائشة مرفوعًا: «لا سَمَرَ إلا لثلاثة، مصلٍّ، أو مسافر، أو عروس» .\nقال النووي: واتفقت العلماء على كراهة الحديث بعدها، إلا ما كان في خير.\n\n[١٧٤٧] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى العِشَاء في آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قال: «أرأيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِه؟ فَإنَّ عَلَى رَأسِ مِئَةِ سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ علَى ظَهْرِ الأرْضِ اليَومَ أحَدٌ» . متفق عليه.\n\nفيه: دليل على جواز الحديث بعد العشاء إذا كان في الخير.\nوفيه: معجزة للنبي - ﷺ -، فقد أجمع العلماء على أنَّ أبا الطفيل، عامر بن واثلة آخر الصحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه: أنه مات سنة مئة وعشر، وذلك رأس مئة سنة من مقالته - ﷺ -.\n\n[١٧٤٨] وعن أنس - ﵁ - أنَّهم انتظروا النبي - ﷺ - فَجَاءهُمْ قَريبًا مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فَصَلَّى بِهِمْ - يَعْنِي: العِشَاءَ - ثمَّ خَطَبنا فقالَ: «ألا إنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا، ثُمَّ رَقَدُوا، وَإنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاَةَ» . رواه البخاري.\n\nفيه: جواز التكلم بالخير، بل ندبه بعد صلاة العشاء.","vol":"1","page":983},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>٣٣٥- باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها</span>\nإِذَا دعاها ولم يكن لَهَا عذر شرعي\n\n[١٧٤٩] عن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأبَتْ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي رواية: «حَتَّى تَرْجعَ» .\n\nالفراش: كناية عن الجماع.\nوفي رواية عند مسلم: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها» .\nولابن خزيمة من حديث جابر رفعه: «ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة، العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصح، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>٣٣٦- باب تحريم صوم المرأة تطوعًا</span>\nوزوجها حاضر إِلا بإذنه\n\n[١٧٥٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإذْنِهِ، وَلا تَأذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلا بِإذْنِهِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: تحريم صوم المرأة تطوُّعًا، إلا بإذن الزوج.","vol":"1","page":984},{"text":"وعند الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: «فإن فعلت لم يقبل منها» . وهذا في غير قضاء رمضان إذا تضايق الوقت.\nوفي الحديث: أنَّ حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>٣٣٧- باب تحريم رفع المأموم رأسه من الركوع</span>\nأَو السجود قبل الإمام\n[١٧٥١] عن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «أمَا يَخْشَى أحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ قَبْلَ الإمَامِ أنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأسَهُ رَأسَ حِمَارٍ! أَوْ يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» . متفق عَلَيْهِ.\nقوله: «أما» استفهام توبيخ.\nوفيه: وعيد شديد لمن سابق الإمام.\nوفيه: وجوب متابعة الإمام.\nوفي الحديث: كمال شفقته - ﷺ - بأمته وبيانه لهم من الأحكام، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب.\nقال الحافظ: ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام، لكونه توعّد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات، ومع الإثم، فالصحيح صحة الصلاة وإجزؤها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>٣٣٨- باب كراهة وضع اليد عَلَى الخاصرة في الصلاة</span>\n[١٧٥٣] عن أَبي هريرة - ﵁ - قال: نُهِيَ عن الخَصْرِ في الصَّلاَةِ. متفق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":985},{"text":"الخاصرة: هي الشاكلة. والحكمة في النهي عن الاختصار أنه فعْل اليهود، وقد نهينا عن التشبّه بهم. وقيل: لأنه ينافي الخشوع. وقيل لأنه فعل المتكبرين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>٣٣٩- باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام</span>\nونفسه تتوق إِلَيْهِ أَوْ مَعَ مدافعة الأخبثين:\nوهما البول والغائط\n\n[١٧٥٣] عن عائشة ﵂، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: «لا صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ» . رواه مسلم.\nوفي رواية: «إذا أقيمت الصلاة، وحضر العشاء، فابدؤوا بالعشاء» .\nوفيه: دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت، ولو فاتته الجماعة، ولا يجوز اتخاذ ذلك عادة.\nقال ابن دقيق العيد: ومدافعة الأخبثين، إما أنْ تؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط أو لا، فإن أدّى إلى ذلك امتنع دخول الصلاة معه، وإن دخل واختل الركن أو الشرط فسدت الصلاة بذلك الإخلال، وإن لم يؤد إلى ذلك فالمشهور فيه الكراهة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>٣٤٠- باب النهي عن رفع البصر إِلَى السماء في الصلاة</span>\n[١٧٥٤] عن أنس بن مالك - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا بَالُ أقْوامٍ يَرْفَعُونَ أبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ في صَلاَتِهِمْ» ! فَاشْتَدَّ قَولُهُ في ... ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخطفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» ! . رواه البخاري.\nفي هذا الحديث: دليل على تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة؛ لأنه ينافي الخشوع.\nقال القاضي عياض: واختلفوا في غير الصلاة في الدعاء، فكرهه قوم، وجوزه الأكثرون.","vol":"1","page":986},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>٣٤١- باب كراهة الالتفات في الصلاة لغير عذر</span>\n[١٧٥٥] عن عائشة ﵂، قالت: سألت رسُولَ الله - ﷺ - عَنِ الالتفَاتِ في الصَّلاَةِ، فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ العَبْدِ» . رواه البخاري.\n\nالاختلاس: الأَخْذُ بسرعة على غفلة.\nوالحديث يدل على كراهة الالتفات في الصلاة إذا كان التفاتًا لا يبلغ إلى استدبار القبلة بصدره، أو عنقه كله، وإلا كان مبطلًا للصلاة، وسبب كراهته نقصان الخشوع.\n\n[١٧٥٦] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «إيَّاكَ والالتِفَاتَ فِي الصَّلاَةِ، فَإنَّ الالتفَاتَ في الصَّلاَةِ هَلَكَةٌ، فَإنْ كَانَ لا بُدَّ، فَفِي التَّطَوُّعِ لا في الفَريضَةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .\n\nفيه: دليل على أنَّ الاهتمام بالفرض والاعتناء به، فوق الاعتناء بالنفل.\nقوله: «فإن الالتفات في الصلاة هلكة»، أي: سبب الهلاك،\nوذلك لأن من استخفّ بالمكروهات وواقعها، وقع في المحرمات، فأهلك نفسه بتعريضها للعقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>٣٤٢- باب النهي عن الصلاة إِلَى القبور</span>\n\n[١٧٥٧] عن أَبي مَرْثَدٍ كَنَّازِ بْنِ الحُصَيْنِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «لا تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، وَلا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» . رواه مسلم.","vol":"1","page":987},{"text":"في هذا الحديث: النهي عن الصلاة إلى القبور، والقعود عليها.\nقال الشافعي: وأكره أنْ يُعَظَّم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه.\nقال صاحب (الاختيارات) شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا تصح الصلاة في المقبرة، ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سدٌ لذريعة الشرك.\nوذكر طائفة من أصحابنا: أنَّ القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم بوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور وهو الصواب، إلى أنْ قال: والمذهب الذي عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة المصورة، والصلاة فيها، وكل مكان فيه تصاوير أشد كراهة. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>٣٤٣- باب تحريم المرور بَيْنَ يدي المصلِّي</span>\n\n[١٧٥٨] عن أَبي الجُهَيْمِ عبد اللهِ بن الحارِثِ بن الصِّمَّةِ الأنْصَارِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قَالَ الراوي: لا أدْرِي قَالَ: أرْبَعينَ يَومًا، أَوْ أرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أرْبَعِينَ سَنَةً. متفق عَلَيْهِ.\n\nفيه: دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي، ولا فرق بين مكة وغيره على الصحيح، واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة.\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا صلى أحدكم","vol":"1","page":988},{"text":"فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطًا، ثم لا يضره مَنْ مَرَّ بين يديه» . رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>٣٤٤- باب كراهة شروع المأموم في نافلة</span>\nبعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة\nسواء كَانَتْ النافلة سنة تلك الصلاة أَوْ غيرها\n\n[١٧٥٩] عن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلا صَلاَةَ إِلا المَكْتُوبَةَ» . رواه مسلم.\nقال البخاري: باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. وذكر حديث ابن بحينة، أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - لاث به الناس، وقال له رسول الله - ﷺ -: «آلصبحَ أربعًا! آلصبح أربعًا» .\nقال الحافظ: فيه: منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة، وفائدة التكرار تأكيد الإنكار.\nقال النووي: الحكمة فيه: أنْ يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>٣٤٥- باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام</span>\nأَوْ ليلته بصلاة من بين الليالي\n\n[١٧٦٠] عن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلا تَخُصُّوا يَومَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ","vol":"1","page":989},{"text":"مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي صَومٍ يَصُومُهُ أحَدُكُمْ» . رواه مسلم.\n\nفيه: النهي عن تخصيص يوم الجمعة بصوم.\nقال الطيبي: سبب النهي أنَّ الله استأثر يوم الجمعة بعبادة، فلم ير أنْ يخصه العبد بسوى ما يخصه الله به.\nوقال النووي: في الحديث نهي صريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة، واحتج به العلماء على كراهة الصلاة المسماة بالرغائب.\n\n[١٧٦١] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «لا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلا يَومًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفيه: التصريح بالنهي عن إفراده بالصوم، وأنْ لا نَهى عند ضم صوم يوم قبله، أو بعده إليه.\n\n[١٧٦٢] وعن محمد بن عَبَّادٍ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا - ﵁ -: أنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ صَومِ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. متفق عَلَيْهِ.\n[١٧٦٣] وعن أُمِّ المُؤمِنِينَ جويرية بنت الحارث ﵂: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وهِيَ صَائِمَةٌ، فَقَالَ: «أصُمْتِ أمْسِ»؟ قالت: لا، قال: «تُرِيدِينَ أنْ تَصُومِي غَدًا؟» قالتْ: لا. قَالَ: ... «فَأَفْطِرِي» . رواه البخاري.\n\nفيه: استحباب الفطر إذا كان الصوم مكروهًا.","vol":"1","page":990},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>٣٤٦- باب تحريم الوصال في الصوم</span>\nوَهُوَ أنْ يصوم يَومَينِ أَوْ أكثر وَلا يأكل وَلا يشرب بينهما\n\n[١٧٦٤] عن أَبي هريرة وعائشة ﵄: أنَّ النبيَّ - ﷺ - نهى عن الوِصَالِ. متفق عَلَيْهِ.\n\n[١٧٦٥] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: نَهَى رسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الوِصَالِ. قالوا: إنَّكَ تُواصِلُ؟ قَالَ: «إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» . متفق عَلَيْهِ. وهذا لفظ البخاري.\n\nفي الحديث: دليل على كراهة الوصال، وهو أن لا يفطر بين اليومين. ولمسلم عن أبي سعيد: «فأيكم أراد أنْ يواصل فليواصل إلى السحر» .\nوفيه: دليل على جوازه إلى السحر إذا لم يشقّ عليه، ولم يضعفه عن العبادة.\nوقوله: «إني أُطعم وأُسقى»، أي: يعطيني الله قوة الآكل والشارب، ويفيض عليَّ ما يسد مسد الطعام والشراب، ومن له أدنى ذوق وتجربة بعبادة الله والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه، ومشاهدته، يعلم استغناء الجسم بغذا القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني، ولا سيما الفَرِح المسرور بمطلوبه الذي قرَّت عينه بمحبوبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>٣٤٧- باب تحريم الجلوس عَلَى قبر</span>\n\n[١٧٦٦] عن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لأنْ يَجْلِسَ أحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ، فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» . رواه مسلم.\nفي هذا الحديث: كراهة الجلوس على القبر، وكذا الاتكاء عليه، وأما التغوُّط والبول عليه فحرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>٣٤٨- باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه</span>\n\n[١٧٦٧] عن جابر - ﵁ - قَالَ: نَهَى رسولُ الله - ﷺ - أن يُجَصَّصَ القَبْرُ، وأنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأنْ يُبْنَى عَلَيْهِ. رواه مسلم.","vol":"1","page":991},{"text":"في هذا الحديث: النهي عن تجصيص القبور والبناء عليها، والنهي عن الجلوس عليها وإهانتها، ولا تعظم بالبناء والتجصيص؛ لأن ذلك يجر إلى اتخاذها مساجد وعبادتها، وهذا هو الوسط بين الغلوّ والجفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>٣٤٩- باب تغليظ تحريم إباق العبد من سيده</span>\n\n[١٧٦٨] عن جرير - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» . رواه مسلم.\n\nقال النووي: الذمة تكون في اللغة: العهد، وتكون: الأمانة. ومنه قوله - ﷺ -: «يسعى بذمتهم أدناهم» . و«من صلى الصبح فهو في ذمة الله ﷿» . و«لهم ذمة الله ورسوله» .\n\n[١٧٦٩] وعنه عن النبيِّ - ﷺ -: «إِذَا أَبَقَ العَبْدُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ» . رواه مسلم.\nوفي روايةٍ: «فَقَدْ كَفَرَ» .\n\nفيه: وعيد شديد على من أبق من سيده.","vol":"1","page":992},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>٣٥٠- باب تحريم الشفاعة في الحدود</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأخُذْكُمْ بِهِمَا رَأفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور (٢)] .\n\nقال مجاهد: ﴿وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطَّل.\nقال الشارح: وقدم المؤنث هنا على المذكر عكس ما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة (٣٨)]؛ لأنَّ مدار الزنى على الشهوة، وهي منهن أتم، ومدار السرقة على الغلبة وهي فيهم أبين، فقدم ما هو أليق به وأتم.\n\n[١٧٧٠] وعن عائشة ﵂: أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتي سَرَقَتْ، فقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ فقالوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى؟!» ثُمَّ قَامَ فاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيِهمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي روايةٍ: فَتَلوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: «أتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ» !؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ المَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا.\nهذه القصة وقعت في غزوة الفتح.","vol":"1","page":993},{"text":"قوله: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» . أراد المبالغة في إثبات إقامة الحد على كل مكلف، وترك المحاباة في ذلك.\nقال الشافعي: ذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة.\nوعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضادَّ الله في أمره» . رواه أحمد، وأبو داود.\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب» . رواه أبو داود.\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>٣٥١- باب النهي عن التغوط في طريق الناس</span>\nوظلِّهم وموارد الماء ونحوها\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَد احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب (٥٨)] .\n\nفي هذه الآية: وعيدٌ شديد على من آذى المؤمنين بقول أو فعل.\n\n[١٧٧١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ» قالوا: وَمَا اللاعِنَانِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ في ظِلِّهِمْ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «اتقوا اللاعِنَيْن»، أي: الأمرين الجالبين للَّعن.\nولفظ أبي داود: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» .","vol":"1","page":994},{"text":"ولفظ أحمد: «اتقوا الملاعن الثلاث، أن يقعد أحدكم في ظل يستظل به أو في طريق، أو نقع ماء» .\nوأخرج الطبراني: النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة، وضفة النهر الجاري.\nفالذي تحصَّل من الأحاديث المذكورة ستة مواضع منهيٌ عن التبرز فيها: قارعة الطريق، والظل، والموارد، ونقع الماء، وتحت الأشجار المثمرة، وجانب النهر.\nوفي مراسيل أبي داود من حديث مكحول: نهى رسول الله - ﷺ - عن أنْ يبال بأبواب المساجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>٣٥٢- باب النهي عن البول ونحوه في الماء الراكد</span>\n\n[١٧٧٢] عن جابر - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أنْ يُبَالَ في المَاءِ الرَّاكِدِ. رواه مسلم.\n\nفيه: دليل على النهي عن البول في الماء الراكد؛ لأنه ينجسه إنْ كان قليلًا، ويقذره إنْ كان كثيرًا.\nوفي رواية: «لا يغْتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب» .\nقال الحافظ: النهي عن البول في الماء لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه لئلا يلبسه الطهورية، وهذا كله محمول على الماء القليل عند أهل العلم.","vol":"1","page":995},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>٣٥٣- باب كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده</span>\nعلى بعض في الهبة\n\n[١٧٧٣] عن النعمان بن بشير ﵄: أنَّ أباه أتَى بِهِ رسُولَ اللهِ - ﷺ - فقال: إنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلامًا كَانَ لِي، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «أكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟» فقال: لا، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ... «فَأرْجِعهُ» .\nوفي روايةٍ: فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفَعَلْتَ هذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟» قال: لا، قال: «اتَّقُوا الله واعْدِلُوا فِي أوْلادِكُمْ» فَرَجَعَ أبي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ.\nوفي روايةٍ: فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا بَشيرُ ألَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟» قالَ: نَعَمْ، قال: «أكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هذَا؟» قال: لا، قال: ... «فَلا تُشْهِدْنِي إذًا فَإنِّي لا أشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» .\nوفي روايةٍ: «لا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» .\nوفي رواية: «أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِي!» ثُمَّ قال: «أيَسُرُّكَ أنْ يَكُونُوا إلَيْكَ في البِرِّ سَواءً؟» قال: بَلَى، قال: «فَلا إذًا» . متفق عليه.\nالحديث: دليل على وجوب التسوية بين الأولاد.\nوفيه: الندب على التآلف بين الأخوة، وترك ما يورث العقوق للآباء.\nوفيه: مشروعية استفصال الحاكم والمفتي، وجواز تسمية الهبة: صدقة.\nقوله: «أشْهِدْ على هذا غيري» . المراد به التوبيخ.\nوفي حديث جابر عند مسلم: «فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق» .\nوفيه كراهة تحمل الشهادة فيما ليس بمباح، وأنَّ للإمام أن يحتمل الشهادة.","vol":"1","page":996},{"text":"قال الشارح: أما لو فضل ذا الحجة أو الطاعة أو البارِّ به على الغني، أو العاصي، أو العاق، فلا كراهة، وإنما كره عند عدم العذر لما فيه من إيحاش المفضل عليه، وربما كان سببًا لعقوقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>٣٥٤- باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام</span>\nإلا على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام\n[١٧٧٤] عن زينب بنتِ أبي سلمة ﵄، قالت: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ زَوجِ النبي - ﷺ - حِينَ تُوُفِّيَ أبُوهَا أبُو سُفْيَانَ بن حرب - ﵁ -، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةُ خَلُوقٍ أوْ غَيرِهِ، فَدَهَنَتْ مِنهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: واللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على مَيِّتٍ فَوقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إلا علَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًا» .\nقالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بنْتِ جَحْشٍ ﵂ حينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ ثُمَّ قَالَتْ: أمَا وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيرَ أنِّي سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على مَيِّتٍ فَوقَ ثَلاَثٍ، إلا علَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًا» . متفق عليه.\n\nفيه: دليل على تحريم الإحداد على غير الزوج، ووجوب الإحداد في المدة المذكورة على الزوج.\nقال ابن بَطَّال: الإحداد: امتناع المرأة المتوفي عنها [زوجها] من الزينة","vol":"1","page":997},{"text":"كلها من لباس، وطيب، وغيرهما، وكل ما كان من دواعي الجماع، وأباح الشرع للمرأة أنْ تحد على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لوعة الحزن، ويهجم من ألم الوجْد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>٣٥٥- باب تحريم بيع الحاضر للبادي</span>\nوتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه\nوالخِطبة على خطبته إلا أنْ يأذن أو يردّ\n\n[١٧٧٥] عن أنس - ﵁ - قالَ: نهَى رسُولُ اللهِ - ﷺ - أنْ يَبيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وإنْ كانَ أخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ. متفق عليه.\n\nصورة بيع الحاضر للبادي: أنْ يحمل البدوي أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعر يومه، ويرجع، فيأتيه البلدي فيقول: ضعه عندي لأبيعه على التدريج بزيادة سِعْر، وذلك إضرار بأهل البلد.\n\n[١٧٧٦] وعن ابن عمر ﵄ قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تَتَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إلَى الأَسْوَاقِ» . متفق عليه.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن تلقي الركبان لما يحصل به من الغرَرِ على الجالب، والضرر على أهل السوق.\nوروى مسلم عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تلقَّوا الجلب فمن تلقى فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار» .\n\n[١٧٧٧] وعن ابن عباس ﵄ قال: قالَ رسُولُ الله - ﷺ -: «لا تَتَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» . فقالَ لَهُ طَاووسٌ: مَا قوله: «لا يَبع حَاضِرٌ لِبَادٍ»؟ قال: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. متفق عليه.","vol":"1","page":998},{"text":"السمسار: الدلال.\nقال البخاري: باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ وهل يعينه أو ينصحه؟ وقال النبي - ﷺ -: «إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له» .\nقال الحافظ: قال ابن المنير وغيره: حمل البخاري النهي عن بيع الحاضر للبادي على معنى خاص، وهو البيع بالأجر. أخذ من تفسير ابن عباس، وقوى ذلك بعموم أحاديث: «الدين النصيحة» . لأن الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالبًا، وإنما غرضه تحصيل الأجرة، فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادي بغير أجرة من باب النصيحة. انتهى.\nوعن جابر مرفوعًا: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل فلينصح له» . رواه البيهقي.\n\n[١٧٧٨] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: نَهَى رسولُ الله - ﷺ - أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلا تَنَاجَشُوا وَلا يَبِيع الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أخْيِهِ، وَلا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ، وَلا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إنائِهَا.\nوفي رواية قال: نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لِلأعْرَابِيِّ، وَأَنْ تَشْتَرِطَ المَرْأةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا، وأنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ على سَوْمِ أخِيهِ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ والتَّصْرِيَةِ. متفق عليه.\n\nقوله: «ولا تناجشوا» . النجش: هو الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها، ليقع غيره فيها.","vol":"1","page":999},{"text":"قال البخاري: وقال ابن أبي أوفى: الناجش: آكل الربا، خائن، وهو خداع باطل لا يحل، قال النبي - ﷺ -: «الخديعة في النار، ومن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» .\nقوله: «ولا يبع الرجل على بيع أخيه. نفيٌ بمعنى النهي.\nقال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء، وهو أنْ يقول من اشترى سلعة في زمن الخيار: افسخ لأبيعك بأنقص.\nوأما السوم فصورته: أن يأخذ ليشتريه فيقول: ردّه لأبيعك خيرًا منه بثمنه أو مثله بأرخص. ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر.\nقوله: «ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إناءها» .\nوفي حديث آخر: «لا يحل للمرأة تسأل طلاق زوجة الرجل»، أي: سواء كانت ضرتها أو أجنبية.\nقوله: «ونهى عن التصرية» . التصرية: ترك حَلْبِ الدابة ليجتمع اللبن في ضرعها، فيتوهم كثرة لبنها، حرم لما فيه من الغش والخديعة.\nوقال النبي - ﷺ -: «ولا تصروا الإبل والغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها إنْ رضيها أمسكها، وإنْ سخطها ردّها وصاعًا من تمر، وهو بالخيار ثلاثًا» .\n\n[١٧٧٩] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قال: «لا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ إلا أنْ يَأذَنَ لَهُ» . متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.\n\n[١٧٨٠] وعن عقبة بن عامر - ﵁ - أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قال: «المُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ، فَلا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أخِيهِ","vol":"1","page":1000},{"text":"وَلا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ حَتَّى يذَرَ» . رواه مسلم.\nفيه: تحريم البيع على البيع، والخطبة على الخطبة، إلا أنْ يأذن، أو يترك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>٣٥٦- باب النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه</span>\nالتي أذن الشرع فيها\n\n[١٧٨١] عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ تعالى يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا، ويَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثًا: فَيَرْضَى لَكُمْ أنْ تَعْبُدُوهُ، وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإضَاعَةَ المَالِ» . رواه مسلم، وتقدم شرحه.\n[١٧٨٢] وعن ورَّادٍ كاتب المغيرة بْنُ شُعْبَةَ، قال: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ في كِتابٍ إلَى مُعَاوِيَةَ - ﵁ - أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» وَكَتَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإضَاعَةِ المَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ. متفق عليه، وسبق شرحه.\n\nقوله: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، أي: لا ينفع ذا الحظ حظه وإنما ينفع العمل الصالح.\n«وإضاعة المال»: بذله في غير مصلحة دينية ولا دنيوية.\n«وكثرة السؤال»: تكلف المسائل التي لا تدعو الحاجة إليها، وسؤال الناس أموالهم من غير ضرورة.","vol":"1","page":1001},{"text":"«ومَنْعٍ وهَاتِ»، أي: منع ما أمر ببذله، وسؤال ما ليس له.\nوالعقوق محرم في حق الوالدين جميعًا، وخص الأمهات بالذكر إظهارًا لعظم حقهن.\n«وقيل، وقال» يعني الكلام فيما لا يعني الإنسان، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>٣٥٧- باب النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه</span>\nسواء كان جادًا أو مازحًا، والنهي عن تعاطي السيف مسلولًا\n\n[١٧٨٣] عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسولِ اللهِ - ﷺ - قال: «لا يُشِرْ أحَدُكُمْ إلَى أخِيهِ بِالسِّلاحِ، فَإنَّهُ لا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَع فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» . متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «مَنْ أشَارَ إلَى أخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَنْزعَ، وَإنْ كَانَ أخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ» .\nقوله - ﷺ -: «يَنْزع» ضُبِطَ بالعين المهملة مع كسر الزاي، وبالغين المعجمة مع فتحها، ومعناهما مُتَقَارِبٌ، وَمَعنَاهُ بالمهملةِ يَرْمِي، وبالمعجمةِ أيضًا يَرْمِي وَيُفْسِدُ. وَأصْلُ النَّزْعِ: الطَّعْنُ وَالفَسَادُ.\n\nفي هذا الحديث: النهي عن الإشارة بالسلاح، ولو كان هازلًا.\n\n[١٧٨٤] وعن جابر - ﵁ - قال: نهى رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا. رواه أبو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n\nفيه: النهي عن تناول السيف، وهو مسلول. وفي معناه البندق إذا كانت الرصاصة فيها.","vol":"1","page":1002},{"text":"قال الشارح: قال ابن رسلان: يقال: تعاطيت السيف إذا تناولته.\nقال تعالى: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر (٢٩)]، أي: تناول الناقة بسيفه فعقرها.\nوفي الحديث: كراهة تناوله لأن المتناول قد يخطئ في تناوله، فيخرج يده أو شيئًا من جسده فيتأذى بذلك ويحصل الفساد. وفي معنى السيف السكين فلا يرميها والحد من جهته، والأدب في تناولها أنْ يمسك النصل المحدود في يده من جهة قفاه، ويجعل المقبض إلى جهته ليتناولها بالنصال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>٣٥٨- باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان</span>\nإلا لعذر حتى يصلي المكتوبة\n[١٧٨٥] عن أبي الشَّعْثَاءِ قالَ: كُنَّا قُعُودًا مَع أبي هريرة - ﵁ - في المَسْجِدِ، فَأَذَّن المُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ المَسْجِدِ يَمْشِي، فَأَتْبَعَهُ أبُو هُريرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ، فقال أبو هريرة: أمَّا هذَا فَقَدْ عَصَى أبا القَاسِمِ - ﷺ -. رواه مسلم.\nفيه: كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، كمرض أو حاجة داعية للخروج كالحدث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>٣٥٩- باب كراهة رد الريحان لغير عذر</span>\n[١٧٨٩] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ، فَلا يَرُدَّهُ، فَإنَّهُ خَفيفُ المَحْمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ» . رواه مسلم.\n\nقال القرطبي: أشار إلى قبول عطية الطِّيب؛ لأنه لا مؤنة لحمله ولا منة","vol":"1","page":1003},{"text":"للخلق في قبوله لجريان عادتهم بذلك.\nوفي الحديث: الترغيب في استعمال الطيب، وعرضه على من يستعمله لا سيما عند حضور الجمعة والجماعات ونحوهما.\n[١٧٨٧] وعن أنس بن مالكٍ - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ لا يَرُدُّ الطِّيبَ. رواه البخاري.\nقال البخاري: باب من لم يرد الطيب. وذكر الحديث.\nقال الحافظ: كأنه أشار إلى النهي عن ردّه ليس على التحريم، وقد ورد ذلك في بعض طرق حديث الباب وغيره.\nوأخرج الترمذي من مراسيل أبي عثمان النهدي: «إذا أعطي أحدكم الرَّيحان فلا يرده فإنه خرج من الجنة» . انتهى ملخصًا.\nوروى الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: «ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن» . وقد نظم بعضهم ما يسن قبوله فقال:\n؟؟ ... عن المصطفى سبع يُسن قبولها ... إذا ما بها قد أتحف المرء خلان\nحلوى وألبان ودهن وسادة ... ورزق لمحتاج وطيب وريحان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>٣٦٠- باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة</span>\nمن إعجاب ونحوه، وجوازه لمن أمِنَ ذلك في حقه\n[١٧٨٨] وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ في المِدْحَة، فقالَ: «أهْلَكْتُمْ - أوْ قَطَعْتُمْ - ظَهْرَ الرَّجُلِ» . متفق عليه.","vol":"1","page":1004},{"text":"«وَالإطْرَاءُ»: المُبَالَغَةُ فِي المَدْحِ.\n\nقال البخاري: باب ما يكره من التمادح، وذكر الحديث والذي بعده.\n[١٧٨٩] وعن أبي بكرة - ﵁ - أنَّ رجلًا ذُكِرَ عند النبي - ﷺ - فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فقال النبيّ - ﷺ -: «وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» يَقُولُهُ مِرَارًا: «إنْ كَانَ أحَدُكُمْ مَادِحًا لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إنْ كَانَ يَرَى أنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللهُ، وَلا يُزَكّى عَلَى اللهِ أحَدٌ» . متفق عليه.\n\nقوله: «والله حسيبه» أي: محاسبه على عمله. والمعنى: فليقل: أحسب أن فلانًا كذا إن كان يحسب ذلك منه، والله يعلم سره؛ لأنه هو الذي يجازيه. ولا يقل: أتيقن، ولا أتحقق جازمًا بذلك، ولا يزكى على الله أحد، فإنه لا يعلم بواطن الأمور إلا الله.\nقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم (٣٢)] .\n\n[١٧٩٠] وعن همام بن الحارث عن المِقْدَادِ - ﵁ - أنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمانَ - ﵁ -، فَعَمِدَ المِقْدَادُ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَجَعَلَ يَحثو في وَجْهِهِ الحَصْبَاءَ. فقالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأنُكَ؟ فقال: إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: ... «إذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» . رواه مسلم.\nقال الغزالي: آفة المدح في المادح أنه قد يكذب، وقد يرائي الممدوح بمدحه، ولا سيما إن كان فاسقًا أو ظالمًا. فقد جاء في حديث أنس رفعه: «إذا مُدِحَ الفاسق غضب الرب» . أخرجه أبو يعلى، وابن أبي الدنيا، وفي سنده ضعف. وقد يقول ما لا يتحققه مما لا سبيل له إلى الاطلاع عليه، ولهذا قال - ﷺ -: «","vol":"1","page":1005},{"text":"فليقل: أحسب» وذلك كقوله: إنه وَرعٌ ومتقٍ وزاهدٌ، بخلاف ما لو قال: رأيته يصلي، أو يحج، أو يزكي، فإنه يمكن الاطلاع على ذلك، ولكن تبقى الآفة على الممدوح، فإنه لا يأمن أن يحدث فيه المدح كِبْرًا أو إعجابًا. فإن سلم المدح من هذه الأمور لم يكن به بأس.\nقال ابن عيينة: من عرف نفسه لم يضره المدح.\nوقال بعض السلف: إذا مُدِحَ الرجل في وجهه، فليقل: اللَّهُمَّ اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون. انتهى ملخصًا من (فتح الباري) .\nفهذهِ الأحاديث في النَهي، وجاء في الإباحة أحاديث كثيرة صحيحة.\nقال العلماءُ: وطريق الجَمْعِ بين الأحاديث أنْ يُقَالَ: إنْ كان المَمْدُوحُ عِنْدَهُ كَمَالُ إيمانٍ وَيَقينٍ، وَرِيَاضَةُ نَفْسٍ، وَمَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِحَيْثُ لا يَفْتَتِنُ، وَلا يَغْتَرُّ بِذَلِكَ، وَلا تَلْعَبُ بِهِ نَفْسُهُ، فَليْسَ بِحَرَامٍ وَلا مَكْرُوهٍ، وإنْ خِيفَ عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ هذِهِ الأمورِ، كُرِهَ مَدْحُهُ في وَجْهِهِ كَرَاهَةً شَديدَةً، وَعَلَى هَذا التَفصِيلِ تُنَزَّلُ الأحاديثُ المُخْتَلِفَةُ فِي ذَلكَ.\nوَمِمَّا جَاءَ فِي الإبَاحَةِ قَولُهُ - ﷺ - لأبي بكْرٍ - ﵁ -: «أرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» . أيْ مِنَ الَّذِينَ يُدْعَونَ مِنْ جَمِيعِ أبْوابِ الجَنَّةِ لِدُخُولِهَا.\nوَفِي الحَدِيثِ الآخر: «لَسْتَ مِنْهُمْ»: أيْ لَسْتَ مِنَ الَّذِينَ يُسْبِلُونَ أُزُرَهُمْ خُيَلاَءَ.\nوَقالَ - ﷺ - لعُمَرَ - ﵁ -: «مَا رَآكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إلا","vol":"1","page":1006},{"text":"سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» .\nوالأحاديثُ في الإباحة كثيرةٌ، وقد ذكرتُ جملةً مِنْ أطْرَافِهَا في كتاب (الأذكار) .\n\nقال البخاري: باب من أثنى على أخيه بما يعلم.\nوقال سعد: ما سمعت النبي - ﷺ - يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام، وذكر حديث ابن عمر أنَّ رسول الله - ﷺ - حين ذكر في الإزار ما ذكر، قال أبو بكر: يا رسول الله، إنَّ إِزاري يسقط من إحدى شقَّيه. قال: «إِنَّك لست منهم» .\nقال الحافظ: قوله: باب من أثنى على أخيه بما يعلم، أي فهو جائز، ومستثنى من الذي قبله، والضابط: أن لا يكون في المدح مجازفة، ويؤمن على الممدوح الإعجاب والفتنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>٣٦١- باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها الوباء</span>\nفرارًا منه وكراهة القدوم عليه\nقال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء (٧٨)] .\nوقال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة (١٩٥)] .\n\nفي هاتين الآيتين: شاهد لقوله - ﷺ -: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض، فلا تقدموا عليه. وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» .\n[١٧٩١] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ عمرَ بن الخطاب - ﵁ - خرج إلى الشَّامِ حَتَّى إذا كَانَ بسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ - أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وأصْحَابُهُ - فَأخْبَرُوهُ أنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ.","vol":"1","page":1007},{"text":"قَال ابن عباس: فقال لي عمر: ادْعُ لِي المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأخْبَرَهُمْ أنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بالشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلا نَرَى أنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعضهم: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وأصْحَابُ رسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلا نَرَى أنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاء. فقال: ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي الأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبيلَ المُهَاجِرينَ، وَاخْتَلَفُوا كاخْتِلاَفِهِمْ، فقال: ارْتَفِعُوا عَنِّي.\nثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ ها هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُريشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلاَنِ، فَقَالُوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ - ﵁ - في النَّاسِ: إنِّي مُصَبحٌ عَلَى ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عليْهِ، فقال أبو عبيدة بن الجراح - ﵁ -: أفِرارًا مِنْ قَدَرِ الله؟ فقالَ عُمرُ - ﵁ -: لو غَيْرُكَ قَالَهَا يا أبا عبيدَةَ! - وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلاَفَهُ - نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إلى قَدَرِ اللهِ، أرَأيْتَ لَو كَانَ لَكَ إبِلٌ، فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيسَ إنْ رَعَيْتَ الخصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، وَإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ - ﵁ - وَكَانَ مُتَغَيِّبًا في بَعْضِ حاجَتِهِ، فقالَ: إنَّ عِنْدِي من هَذَا علمًا، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بأرْضٍ فَلا تَقْدِمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأرْضٍ وَأنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنْهُ» فحمِدَ اللهَ تَعَالَى عمرُ - ﵁ - وانصَرَفَ. متفق عَلَيْهِ.\nو«العُدْوَة»: جانِب الوادِي.","vol":"1","page":1008},{"text":"[١٧٩٢] وعن أسامة بن زيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأرْضٍ، وأنْتُمْ فِيهَا، فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقال البخاري: ما يذكر في الطاعون، وذكر حديث أسامة وابن عباس.\nقال الحافظ: قوله: «لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه»، هم: خالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو ابن العاص. وكان أبو بكر قد قسم البلاد بينهم، وجعل أمر القتال إلى خالد، ثم رده عمر إلى أبي عبيدة.\nوكان عمر قسم الشام أجنادًا: الأردن جند، وحمص جند، ودمشق جند، وفلسطين جند، وقنسرين جند، وجعل على كل جند أميرًا. ومنهم من قال: إن قنسرين كانت مع حمص، فكانت أربعة، ثم أفردت قنسرين في أيام يزيد بن معاوية، إلى أن قال:\nوفي هذا الحديث: جواز رجوع من أراد دخول بلدة فعلم أن بها الطاعون، وأن ذلك ليس من الطيرة، وإنما هو من منع الإِلقاء إلى التهلكة.\nوقال البخاري أيضًا: باب من خرج من أرض لا تلائمه، أي: لا توافقه. وذكر فيه قصة العرنيين.\nقال الحافظ: وكأنه أشار إلى أن الحديث الذي أورده في النهي عن الخروج من الأرض التي وقع فيها الطاعون ليس على عمومه، وإنما هو مخصوص بمن خرج فرارًا مِنْه.\nوأَيَّد الطحاوي صنيع عمر بقصة العرنيين، فإن خروجهم من المدينة كان","vol":"1","page":1009},{"text":"للعلاج لا للفرار، وهو واضح من قصتهم؛ لأنهم شكوا وخم المدينة، وأنها لم توافق أجسامهم. وكان خروجهم من ضرورة الواقع؛ لأن الإبل التي أمروا أن يتداووا بألبانها وأبوالها واستنشاق روائحها، ما كانت تتهيأ إقامتها بالبلد، وإنما كانت في مراعيها، فلذلك خرجوا. وقد لحظ البخاري ذلك فترجم: من خرج من الأرض التي لا تلائمه.\nويدخل فيه ما أخرجه أبو داود من حديث فروة بن مُسَيْك، قال: قلت: يا رسول الله، إن عندنا أرضًا يقال لها أبين، هي أرض ريفنا وميرتنا، وهي وبئة. فقال: «دعها عنك، فإن من القرف التلف» .\nقال ابن قتيبة: القرف: القرب من الوباء.\nوقال الخطابي: ليس في هذا إثبات العدوى، وإنما هو من باب التداوي، فإن استصلاح الأهوية من أنفع الأشياء في تصحيح البدن وبالعكس. انتهى ملخصًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>٣٦٢- باب التغليظ في تحريم السحر</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الآية. [البقرة (١٠٢)]\n\nقال البخاري: باب السحر وقول الله تعالى: ﴿وَلكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الآية.\nقال الحافظ: قال الراغب وغيره: السحر يطلق على معان:\nأحدها: ما لطف ودق، ومنه سحرت الصبي: خادعته، واستملته.","vol":"1","page":1010},{"text":"الثاني: ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة له، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى ... ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه (٦٦)] .\nالثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ .\nالرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب، واستنزال روحانيتها بزعمهم.\nواختلف في السحر، فقيل: هو تخيل فقط، ولا حقيقة له.\nقال النووي: والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء.\nقال الحافظ: وفي هذه الآية: بيان أصل السحر الذي يعمل به اليهود، ثم هو مما وضعته الشياطين على سليمان بن داود ﵇، ومما أنزل على هاروت وماروت بأرض بابل. وقد استُدِلَّ بهذه الآية على أنَّ السحر كفر ومتعلمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه، وهو التعبُّد للشياطين أو الكواكب.\nوأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة، فلا يكفر به من تعلمه أصلًا.\nقال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر، فهو كفر وإلا فلا. وأما تعلمه وتعليمه، فحرام. فإن كان فيه ما يقتضي الكفر، كفر واستتيب منه، وإلا يقتل، فإن تاب، قُبلت توبته. وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر، عُزِّر.\nوعن مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق.\nقال عياض: وبقول مالك قال أحمد، وجماعة من الصحابة والتابعين.\nقال الحافظ: وفي إيراد المصنف – أي البخاري – هذه الآيةَ إشارةٌ إلى","vol":"1","page":1011},{"text":"اختيار الحكم بكفر الساحر، لقوله فيها: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء، إلا وذلك الشيء كفر.\nوكذا قوله في الآية على لسان الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾، فإن فيه إشارة إلى أنَّ تعلُّم السحر كفر، فيكون العمل به كفرًا. وهذا كله واضح على ما قرَّرته من العمل ببعض أنواعه. انتهى ملخصًا.\n\n[١٧٩٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» . قالوا: يَا رسولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ باللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ؛ وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nالموبقات: المهلكات.\nقال الله تعالى: ﴿مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة (٧٢)] .\nوقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ [البقرة (١٠٢)]، أي: من نصيب.\nوقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء (٩٣)] .\nوقال - ﷺ -: «من قتل معاهدًا، لم يرح رائحة الجنة» .","vol":"1","page":1012},{"text":"وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة (٢٧٥)] .\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء (١٠)] .\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال (١٥، ... ١٦)] .\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور (٢٣)] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>٣٦٣- باب النهي عن المسافرة بالمصحف إِلَى بلاد الكفار</span>\nإِذَا خيف وقوعه بأيدي العدوّ\n\n[١٧٩٤] عن ابن عمر ﵄ قَالَ: نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ يُسَافَرَ بالقُرْآنِ إِلَى أرْضِ العَدُوِّ. متفق عَلَيْهِ.\n\nقال الشارح: النهيُ محمول على التحريم، لئلا يتمكنوا منه فيهينوه. أما إذا أمن ذلك، فيكره حمله سدًا للذريعة، وأخذًا بالأحوط.\nوقال البخاري: باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو. وكذلك يروى عن محمد بن بشر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -. وتابعه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -. وقد سافر النبي - ﷺ -","vol":"1","page":1013},{"text":"وأصحابه في أرض العدو، وهم يعلمون القرآن، ثم ساق الحديث.\nقال الحافظ: أما رواية محمد بن بشر، فوصلها إسحاق بن راهويه في: (مسنده)، ولفظه: (كره رسول الله - ﷺ - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو) . والنهي يقتضي الكراهة؛ لأنه لا ينفك عن كراهة لتنزيه، أو التحريم.\nقوله: (وقد سافر النبي - ﷺ - وأصحابه في أرض العدو، وهم يعلمون القرآن)، أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالقرآن السفر بالمصحف خشية أن يناله العدو، لا السفر بالقرآن نفسه. وادعى المهلب: أن مراد البخاري بذلك تقوية لقول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة، فيجوز في تلك دون هذه، والله أعلم. انتهى ملخصًا.\nوقال البخاري أيضًا: باب هل يشرد المسلم أهل الكتاب، أو يعلمهم الكتاب.\nقال الحافظ: أورد فيه طرفًا من حديث ابن عباس في شأن هرقل، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف: فمنع من تعليم الكافر القرآن، ورخص أبو حنيفة، واختلف قول الشافعي. والذي يظهر أن الراجح التفصيل بين من يرجي منه الرغبة في القرآن، والدخول فيه مع الأمن منه أن يتسلط بذلك إلى الطعن فيه، وبين من يتحقق أن ذلك لا ينجع فيه، أو يظن أنه يتوصل بذلك إلى الطعن في الدين، والله أعلم. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>٣٦٤- باب تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة</span>\nفي الأكل والشرب والطهارة\nوسائر وجوه الاستعمال\n\n[١٧٩٥] عن أُمِّ سلمة ﵂: أنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ، إنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . متفق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":1014},{"text":"وفي رواية لمسلم: «إنَّ الَّذِي يَأكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ» .\n\nفي هذا الحديث: أن الأكل أو الشرب في آنية الذهب أو الفضة من كبائر الذنوب.\n\n[١٧٩٦] وعن حُذَيفَةَ - ﵁ - قَالَ: إنَّ النبيَّ - ﷺ - نهانا عنِ الحَريِرِ وَالدِّيبَاجِ وَالشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وقالَ: «هُنَّ لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَهِيَ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي رواية في الصحيحين عن حُذيْفَةَ - ﵁ -: قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: «لا تَلْبسُوا الحَرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ وَلا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَلا تَأكُلُوا في صِحَافِهَا» .\n\nالديباج: صنف نفيس من الحرير، وعطفه عليه من عطف الخاص على العام.\nوفي الحديث: تحريم لبس الحرير من الديباج وغيره على الذكور.\nوفيه: تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على مكلف رجلًا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لهن في شيء.\nقوله: «هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة»، أي: الكفار يستعملونها في الدنيا، وهي لكم في الآخرة مكافأة لكم على تركها في الدنيا، ويمنعها من يستعملها في الدنيا جزاء لهم على معصيتهم.\n\n[١٧٩٧] وعن أنس بن سِيِرين قَالَ: كنتُ مَعَ أنس بن مالك - رضي","vol":"1","page":1015},{"text":"الله عنه -، عِنْدَ نَفَرٍ مِنَ المَجُوسِ؛ فَجِيءَ بفَالُوذَجٍ عَلَى إنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَلَمْ يَأَكُلْهُ، فَقِيلَ لَهُ: حَوِّلْهُ، فَحَوَّلَهُ عَلَى إناءٍ مِنْ خَلَنْجٍ وَجِيءَ بِهِ فَأَكَلَهُ. رواه البيهقي بإسناد حسن.\n«الخَلَنْج»: الجفْنَةُ.\n\nفيه: أن طريق حل تناول ما في إناء النقدين أن يحوِّل منه إلى آخر، ويستعمل من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>٣٦٥- باب تحريم لبس الرجل ثوبًا مزعفرًا</span>\n\n[١٧٩٨] عن أنس - ﵁ - قَالَ: نَهَى النبيُّ - ﷺ - أنْ يَتَزَعْفَرَ الرجُل. متفق عَلَيْهِ.\n\n[١٧٩٩] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: رأى النَّبيُّ - ﷺ - عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «أُمُّكَ أمَرَتْكَ بِهَذا؟» قلتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قال: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا» .\nوفي رواية، فَقَالَ: «إنَّ هَذَا مِنْ ثِيَابِ الكُفَّارِ فَلا تَلْبَسْهَا» . رواه مسلم.\nقال البخاري: باب النهي عن التزعفر للرجال، وذكر حديث أنس بلفظ: (نهى النبي - ﷺ - أن يتزعفر الرجل) ثم قال: باب الثوب المزعفر وذكرحديث ابن عمر قال: (نهى النبي - ﷺ - أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بورس، أو بزعفران) .\nقال الحافظ: قوله: (باب النهي عن التزعفر للرجال)، أي: في الجسد؛","vol":"1","page":1016},{"text":"لأنه ترجم بعده: باب الثوب المزعفر. وقيده بالرَّجُل ليخرج المرأة.\nواختُلف في النهي عن التزعفر، هل هو لرائحته لكونه من طيب النساء، أو للونه فيلتحق به كل صفرة؟ وقد نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله. وأرخص في المعصفر؛ لأنني لم أجد أحدًا يحكي عنه إلا ما قال علي: (نهاني، ولا أقول نهاكم) .\nقال البيهقي: قد ورد ذلك عن غير علي، وساق حديث عبد الله بن عمرو قال: (رأى عليَّ النبي - ﷺ - ثوبين معصفرين، فقال: «إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسهما» . أخرجه مسلم. وفي لفظ له: فقلت: أغسلهما. قال: «لا بل أحرقهما» .\nقال البيهقي: فلو بلغ ذلك الشافعي، لقال به إتباعًا للسنَّة، كعادته. والكراهة لمن تزعقر في بدنه أشد من الكراهة لمن تزعفر في ثوبه. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>٣٦٦- باب النهي عن صمت يوم إلَى الليل</span>\n\n[١٨٠٠] عن عليٍّ - ﵁ - قَالَ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلاَمٍ، وَلا صُمَاتَ يَومٍ إِلَى اللَّيْلِ» . رواه أَبُو داود بإسناد حسن.\nقَالَ الخَطَّابِيُ في تَفسيرِ هَذَا الحديث: كَانَ مِنْ نُسُكِ الجَاهِلِيَّةِ الصُّمَاتُ. فَنُهُوا في الإسْلاَمِ عَن ذَلِكَ وأُمِرُوا بالذِّكْرِ وَالحَدِيثِ بالخَيْرِ.\n[١٨٠١] وعن قيس بن أَبي حازم، قَالَ: دَخَلَ أَبُو بكر الصِّدِّيق - ﵁ - عَلَى امْرأَةٍ مِنْ أحْمَسَ يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ، فَرَآهَا لا تَتَكَلَّمُ.","vol":"1","page":1017},{"text":"فَقَالَ: مَا لَهَا لا تتكلمُ؟ فقالوا: حَجَّتْ مصمِتةً، فقالَ لها: تَكَلَّمِي، فَإنَّ هَذَا لا يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الجَاهِليَّةِ، فَتَكَلَّمَتْ. رواه البخاري.\nقال ابن قدامة في (المغني): (ليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه واحتج بحديث أبي بكر وحديث علي، وإن نذر ذلك لم يلزمه الوفاء به) . وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفًا انتهى.\nقال الشيخ أبو إسحاق في (التنبيه): ويكره صمت يوم إلى الليل.\nقال في (الفتح): والأحاديث الواردة في فضل الصمت لا تعارض ما جزم به في (التنبيه) من الكراهة لاختلاف المقاصد في ذلك.\nوالصمت المرغَّب فيه: ترك الكلام في الباطل، وكذا المباح إن جر إلى شيء من ذلك.\nوالصمت المنهيُّ عنه: ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوعب الطرفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>٣٦٧- باب تحريم انتساب الإنسان إِلَى غير أَبيه</span>\nوَتَولِّيه إِلَى غير مَواليه\n\n[١٨٠٢] عن سعد بن أَبي وقاص - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ، فالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nفي هذا الحديث: وعيد شديد لمن انتسب إلى غير أبيه.","vol":"1","page":1018},{"text":"[١٨٠٣] وعن أَبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أبِيهِ، فَهُوَ كُفْرٌ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nالمراد: من رَغِبَ عن نسب أبيه عالمًا مختارًا، فهو حرام، وقد فعل فعلًا شبيهًا بفعل أهل الكفر، وليس المراد حقيقة الكفر، الذي يخلد صاحبه في النار، فهو كفر دون كفر.\n[١٨٠٤] وعن يزيد بن شريكِ بن طارِقٍ، قَالَ: رَأيتُ عَلِيًّا - ﵁ - عَلَى المِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يقُولُ: لا واللهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ نَقْرؤُهُ إِلا كِتَابَ اللهِ، وَمَا في هذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإذَا فِيهَا أَسْنَانُ الإبِلِ، وَأشْيَاءُ مِنَ الجَرَاحَاتِ، وَفِيهَا: قَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المَدينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلًا. ذِمَّةُ المُسْلِمينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلًا. وَمَن ادَّعَى إِلَى غَيرِ أَبيهِ، أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيرِ مَوَاليهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ؛ لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلًا» . متفق عَلَيْهِ.\n«ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ» أيْ: عَهْدُهُمْ وأمَانَتُهُمْ. «وأخْفَرَهُ»: نَقَضَ عَهْدَهُ. «وَالصَّرْفُ»: التَّوْبَةُ، وَقِيلَ الحِيلَةُ. «وَالعَدْلُ»: الفِدَاءُ.","vol":"1","page":1019},{"text":"في هذا الحديث: تكذيب للرافضة الذين زعمو أنه - ﷺ - خص عليًّا عن سائر الناس بعلم لم يطلعوا عليه.\nوفيه: التصريح في تغليظ تحريم الانتساب إلى غير أبيه، وانتماء المعتق إلى غير مواليه لما فيه من كفر النعمة، وتضييع حقوق الإرث، والولاء، والعقل، وغير ذلك، مع ما فيه من القطيعة والعقوق.\n[١٨٠٥] وعن أَبي ذَرٍّ - ﵁ -: أنَّه سَمِعَ رَسُولَ الله - ﷺ - يقول: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَلَيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بالكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُو اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلا حَارَ عَلَيْهِ» . متفق عَلَيْهِ، وهذا لفظ رواية مسلم.\nقال الحافظ: وفي الحديث تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والادعاء إلى غيره. وقيد في الحديث بالعلم، ولا بد منه في الحالتين إثباتًا ونفيًا، لأن الإثم إنما يترتب على العالم بالشيء المتعمد له.\nوفيه: جواز إطلاق الكفر على المعاصي لقصد الزجر.\nويؤخذ منه تحريم الدعوى بشيء ليس هو للمدعي، فيدخل فيه الدعاوي الباطلة كلها: مالًا، وعلمًا، وتعالمًا، ونسبًا، وحالًا، وصلاحًا، ونعمة، وولاء، وغير ذلك. ويزداد التحريم بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>٣٦٨- باب التحذير من ارتكاب</span>\nما نهى الله - ﷿ - أَو رسوله - ﷺ - عنه\nقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور (٦٣)] .","vol":"1","page":1020},{"text":"الفتنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة. وإذا ورد هذا الوعيد في مخالفة أمر الرسول والإعراض عنه، فعن أمر الحق أحقُّ.\nوقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران (٣٠)] .\nأي: يخوِّفكم عقوبته على ارتكاب المنهي، ومخالفة المأمور، وهذا غاية التَّحذير.\nوقال تعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج (١٢)] .\n\nقال ابن عباس: إنْ أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة لشديد.\nوقال تعالى: ﴿وَكَذِلكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود (١٠٢)] .\n\nقال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود (١٠٢)] .\n[١٨٠٦] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَغَيْرَة اللهِ، أنْ يَأْتِيَ المَرْءُ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ» . متفق عليه.\nقال الحافظ: على قوله - ﷺ -: «يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته» .\nالغيرة في اللغة: [تَغَيُّرٌ] يحصل من الحمية والأنفة، وأصلها في الزوجين والأهلين، كل ذلك محال على الله تعالى؛ لأنه منزه عن كل تغير ونقص، فيتعين حمله على المجاز.\nفقيل: لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم، وزجرُ من يقصد إليهم أطلق عليه ذلك، لكونه منع من فعل ذلك، وزجر فاعله وتوعده، فهو من باب تسمية الشيء بما يترتب عليه.","vol":"1","page":1021},{"text":"وقال ابن فوْرك: المعنى ما أحد أكثر زجرًا عن الفواحش من الله.\nوقال غيره: غيرة الله ما يغير من حال المعاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة، أو في أحدهما.\nومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد (١١)] .\nوقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين: إما ساكت، وإما مؤول، على أن المراد بالغيرة شدة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة. انتهى.\nقلت: والصواب في مثل هذا إمراره كما ورد، فتفسيره تلاوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>٣٦٩- باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهيًا عنه</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ [فصلت (٢٠٠)] .\n\nقال البغوي: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ﴾، أي: يصيبك ويعتريك ويعرض لك من الشيطان (نزغ) نخسة، والنزغ من الشيطان: الوسوسة.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: لما نزلت هذه الآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ... [الأعراف (١٩٩)]، قال النبي - ﷺ -: «كيف يَا رب، والغضب»، فنزل: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾، أي: استَجِرْ بِاللهِ إنَّهُ سميعٌ عليم.\nوقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف (٢٠١)] .\n\nقال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة، فيذكر الله تعالى، فيكظم الغيظ.\nوقال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب، فيذكر الله فيدعه.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، أي: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر.","vol":"1","page":1022},{"text":"قال السدِّي: إذا زلوا، تابوا.\nوقال مقاتل: إنَّ المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان، تذكَّر وعرف أنه معصية، فأبصر فنزع عن مخالفة الله.\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلينَ﴾ [آل عمران (١٣٥، ... ١٣٦)] .\n\nيثني تعالى على المتقين الذين إذا صدر منهم ذنب، أتبعوه بالتوبة والاستغفار.\nوقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ... [النور (٣١)] .\nأي: توبوا من التقصير في أوامره ونواهيه. قال النبي - ﷺ -: «كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون» .\n\n[١٨٠٧] وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قال: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ في حَلفِهِ: بِاللاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إلَهَ إلا اللهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبهِ: تَعَالَ أُقَامِركَ فَلْيَتَصَدَّقْ» . متفق عليه.\n\nقال البخاري: بَابٌ لا يَحْلِفُ بالَّلاتِ وَالْعُزَّى ولا بالطواغيت.\nقال الحافظ: الطواغيت جمع طاغوت، وعطفه على الَّلاتِ وَالْعُزَّى لاشتراك الكل في المعنى. وإنما أمر الحالف بذلك بقول: لا إله إلا الله، لكونه تعاطي صورة تعظيم الصنم حيث حلف به.","vol":"1","page":1023},{"text":"قال جمهور العلماء: من حلف بالَّلاتِ والْعُزَّى أو غيرهما من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا، فأنا يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو من النبي - ﷺ -، لم تنعقد يمينه، وعليه أن يستغفر الله، ولا كفارة عليه.\nوقال البغوي: في هذا الحديث دليل على أن لا كفارة على من حلف بغير الإسلام وإن أثم به، لكن تلزمه التوبة؛ لأنه - ﷺ - أمره بكلمة التوحيد، فأشار إلى أن عقوبته تختص بذنبه. ولم يوجب عليه في ماله شيئًا، وإنما أمره بالتوحيد؛ لأن الحلف بالَّلاتِ والْعُزَّى يضاهي الكفار، فأمره أن يتدارك بالتوحيد.\nوقال الطيبي: الحكمة في ذكر القمار بعد الحلف باللات: أن من حلف باللات وافق الكفار في حلفهم، فأمر بالتوحيد. ومن دعا إلى المقامرة وافقهم في لعبهم، فأمره بكفارة ذلك بالتصدق.\nقال: وفي الحديث: أن من دعا إلى اللعب، فكفارته أن يتصدق، ويتأكد ذلك في حق من لعب بطريق الأولى. انتهى ملخصًا.\n* * *","vol":"1","page":1024},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>كتَاب المنثُورَات وَالمُلَحِ</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>٣٧٠-[بَابُ الْمَنْثُوْرَاتِ وَالْمُلَحِ]</span>\n\nالمنثورات: الأحاديث التي لا تتقيَّد بباب خاص.\nوالملح: جمع مُلحة: ما يُستملح ويُستعذب من الأحاديث.\n\n[١٨٠٨] عن النواس بن سمعان - ﵁ - قال: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ. فَلَمَّا رُحْنَا إلَيْهِ، عَرَفَ ذلِكَ فِينَا، فَقالَ: «مَا شَأنُكُمْ؟» قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ الغَدَاةَ، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فقالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفنِي عَلَيْكُمْ، إنْ يَخْرُجْ وَأنَا فِيكُمْ، فَأنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ؛ وَإنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجيجُ نَفْسِهِ، واللهُ خَلِيفَتي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. إنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كَأنّي أُشَبِّهُهُ بعَبْدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقْرَأ عَلَيْهِ فَواتِحَ سُورَةِ الكَهْفِ؛ إنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمالًا، يَا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا» قُلْنَا: يَا رسُولَ اللهِ، وَمَا لُبْثُهُ في الأرْضِ؟ قال: «أرْبَعُونَ يَومًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمْعَةٍ، وَسَائِرُ أيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ» قُلْنَا:","vol":"1","page":1025},{"text":"يَا رَسُولَ اللهِ، فَذلكَ اليَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أتَكْفِينَا فِيهِ صَلاَةُ يَوْمٍ؟ قَال: «لا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» .\nقُلْنَا: يا رسولَ اللهِ، وَمَا إسْراعُهُ في الأرْضِ؟\nقال: «كَالغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأتِي عَلَى القَوْمِ، فَيدْعُوهُم فَيُؤمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرىً وَأسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وأمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأتِي القَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَولَهُ، فَيَنْصَرفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جِزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ، فَيُقْبِلُ، وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلِكَ إذْ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى المَسيحَ ابْنَ مَرْيَمَ - ﷺ - فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إذا طَأطَأَ رَأسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ، فَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي إلى حَيثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأتِي عِيسَى - ﷺ - قَومًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلِكَ إذْ أوْحَى اللهُ تَعَالَى إلى عِيسَى - ﷺ -: أنِّي قَدْ أخْرَجْتُ عِبَادًا لي لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إلى الطُّورِ.\nوَيَبْعَثُ اللهُ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أوائِلُهُمْ عَلَى بُحيرَةِ طَبَريَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بهذِهِ مَرَّةً ماءٌ، وَيُحْصَرُ نَبيُّ اللهِ عِيسَى - ﷺ - وأصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ","vol":"1","page":1026},{"text":"رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِئَةِ دينَارٍ لأَحَدِكُمُ اليَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى - ﷺ - وأصْحَابُهُ - ﵃ - إلى اللهِ تَعَالَى، فَيُرْسِلُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ النَّغَفَ في رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى - ﷺ - وأصْحَابُهُ - ﵃ - إلى الأرْضِ، فَلا يَجِدُونَ في الأرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إلا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتَنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى - ﷺ - وَأصْحَابُهُ - ﵃ - إلى اللهِ تَعَالَى، فَيُرْسِلُ اللهُ تَعَالَى طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْتِ، فَتَحْمِلُهُمْ، فَتَطْرَحُهُمْ حَيثُ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ - ﷿ - مَطَرًا لا يُكِنُّ مِنهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَقَةِ، ثُمَّ يُقَالُ للأرْضِ: أنْبِتي ثَمَرتكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأكُلُ العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقَحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أنَّ اللّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكْفِي الفِئَامَ مِنَ النَّاسِ؛ وَاللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكْفِي القَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكْفِي الفَخِذَ مِنَ النَّاسِ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى ريحًا طَيِّبَةً فَتَأخُذُهُمْ\nتَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ؛ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيها تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ» . رواه مسلم.\nقولهُ: «خَلَّةً بَينَ الشَّامِ والعِراَقِ»: أي طَرِيقًا بَيْنَهُمَا. وقولُهُ: «عَاثَ» بالعين المهملة والثاء المثلثة، وَالعَيْثُ: أَشَدُّ الفَسَاد. «وَالذُّرَى»: بضم الذال المعجمة وهو أعالي الأسْنِمَةِ وهوَ جَمعُ ذِروةٍ بضمِ الذالِ وكَسْرها «","vol":"1","page":1027},{"text":"وَاليَعَاسِيبُ»: ذُكُورُ النَّحْلِ. «وَجِزْلَتَيْنِ»: أيْ قِطْعَتَيْنِ، «وَالغَرَضُ»: الهَدَفُ الَّذي يُرْمَى إلَيْهِ بالنَّشَّابِ، أيْ: يَرْمِيهِ رَمْيَةً كَرَمْيَةِ النَّشَّابِ إلى الهَدَفِ. «وَالمَهْرُودَةُ» بالدال المهملة والمعجمة، وهي: الثَّوْبُ المَصْبُوغُ. قَولُهُ: «لا يَدَانِ»: أيْ لا طَاقَةَ. «وَالنَّغَفُ»: دُودٌ. «وَفَرْسَى»: جَمْعُ فَرِيسٍ، وَهُوَ القَتِيلُ. وَ«الزَّلَقَةُ»: بفتح الزاي واللام وبالقاف، ... وَرُوي: الزُّلْفَةُ بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء وهي المِرْآةُ. ... «وَالعِصَابَةُ»: الجَمَاعَةُ. «وَالرِّسْلُ» بكسرِ الراء: اللَّبَنُ. «وَاللِّقْحَةُ»: اللَّبُونُ. «وَالفِئَامُ» بكسر الفاء وبعدها همزة ممدودة: الجماعةُ. ... «وَالفَخِذُ» مِنَ النَّاسِ: دُونَ القَبِيلَة.\n\nقوله: «غير الدجال أخوفني عليكم» .\nقال النووي: كذا في جميع نسخ بلادنا بالنون، وكذا نقله عياض رواية الأكثرين. قال: ورواه بعضهم بحذفها، وهما لغتان صحيحتان، معناهما واحد. ومعنى الحديث: أخوف مخوفاتي عليكم.","vol":"1","page":1028},{"text":"قوله: «ويبعث الله يأجوج ومأجوج» . هما أمتان عظيمتان يخرجون حين يفتح الله سدهم، ويجعله دكًا.\n[١٨٠٩] وعن رِبعِيِّ بنِ حِرَاشٍ، قال: انطلقت مع أبي مسعود الأنصاري إلى حُذَيفَةَ بن اليمان - ﵃ -، فقال له أبو مسعود: حَدِّثْنِي ما سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في الدَّجَّالِ، قال: «إنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ، وإنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تُحْرِقُ، وأمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ. فَمَنْ أدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقَعْ فِي الَّذي يَراهُ نَارًا، فَإنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ» . فقال أبو مسعود: وَأنَا قَدْ سَمِعْتُهُ. متفق عليه.\n\nقال النووي: قال العلماء: هذا من جملة فتنه التي امتحن الله بها عباده، يحق الحق، ويبطل الباطل، ثم يفضحه بعدُ، ويظهر عجزه.\n[١٨١٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ في أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أرْبَعِينَ، لا أدْرِي أرْبَعِينَ يَومًا أو أرْبَعِينَ شَهْرًا، أو أرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللهُ تَعالَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - ﷺ - فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيسَ بَينَ اثْنَينِ عَدَاوةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ - ﷿ -، ريحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيرٍ أو إيمَانٍ إلا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لو أنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ، لَدَخَلَتْهُ عَلَيهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ،","vol":"1","page":1029},{"text":"فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيْرِ، وأحْلامِ السِّبَاعِ، لا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فيَقُولُ: ألا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تأمُرُنَا؟ فَيَأمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأوْثَانِ، وَهُمْ في ذلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَلا يَسْمَعُهُ أحَدٌ إلا أصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، وَأوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبِلِهِ فَيُصْعَقُ ويُصْعَقُ النَّاسُ حولهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ - أو قال: يُنْزِلُ اللهُ - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أو الظِّلُّ، فَتَنْبُتُ مِنهُ أجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقالُ: يا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: أخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً\nوتِسْعِينَ؛ فَذَلِكَ يَومٌ يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَومَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» . رواه مسلم.\n«اللِّيتُ»: صَفْحَةُ العُنُقِ. وَمَعْنَاهُ يَضَعُ صَفْحَةَ عُنُقِهِ وَيَرْفَعُ صَفْحَتَهُ الأُخْرَى.\n\nقوله: لا أدري أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين سنة» .\nقال الحافظ: والجزم بأنها أربعون يومًا مقدَّم على هذا الترديد.\n\n[١٨١١] وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَيسَ مِنْ بَلَدٍ إلا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إلا مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ؛ وَلَيْسَ نَقْبٌ مِنْ","vol":"1","page":1030},{"text":"أنْقَابِهِمَا إلا عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ صَافِّينَ تَحْرُسُهُمَا، فَيَنْزِلُ بالسَّبَخَةِ، فَتَرْجُفُ المَدِينَةُ ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ، يُخْرِجُ اللهُ مِنْهَا كُلَّ كافِرٍ وَمُنَافِقٍ» . رواه مسلم.\n\nقال الحافظ: يجمع بينه وبين حديث: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال» . بأن الرعب المنفي: الخوف والفزع، حتى لا يحصل لأحد فيها بسبب الإِرفاق، وهو إشاعة مجيئه، وأنه لا طاقة لأحد به، فيسارع حينئذٍ إليه من يتصف بالنفاق أو الفسق، فظهر حينئذٍ تمام أنها تنفي خبئها.\n\n[١٨١٢] وعنه - ﵁ - أنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قال: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ ألْفًا عَلَيْهِم الطَّيَالِسَةُ» . رواه مسلم.\n\nالطيالسة: جمع طيلسان، وهو الثوب الذي له علم، وقد يكون كساء.\n\n[١٨١٣] وعن أم شريكٍ ﵂: أنها سَمِعَتِ النبي - ﷺ - يقولُ: «لينْفِرَنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِي الجِبَالِ» . رواه مسلم.\n\n[١٨١٤] وعن عمران بن حُصينٍ ﵄ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ» . رواه مسلم.\nوذلك أنه لا ينجو من فتنته إلا النذر اليسير.\nقال الحافظ: وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية من (الحلية) بسند صحيح إليه، قال: (لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنى عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة) .","vol":"1","page":1031},{"text":"وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه من بعض أهل الكتاب.\n[١٨١٥] وعن أبي سعيدٍ الخدري - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤمِنِينَ فَيَتَلَقَّاهُ المَسَالِحُ: مَسَالِحُ الدَّجَّال. فَيقُولُونَ لَهُ: إلى أيْنَ تَعْمِدُ فَيَقُولُ: أعْمِدُ إلى هذَا الَّذِي خَرَجَ. فَيَقُولُونَ لَهُ: أوَمَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ فَيقُولُ: مَا بِرَبِّنَا خَفَاءٌ! فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ. فَيقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ألَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أنْ تَقْتُلُوا أحَدًا دُونَهُ، فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إلى الدَّجَّالِ، فَإذَا رَآهُ المُؤْمِنُ قالَ: يا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ هذَا الدَّجَّال الَّذي ذَكَرَ رَسُولُ الله - ﷺ -؛ فَيَأمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَبَّحُ؛ فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ. فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْبًا، فَيقُولُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ المَسِيحُ الكَذَّابُ! فَيُؤْمَرُ بِهِ، فَيُؤْشَرُ بِالمنْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ القِطْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُمْ، فَيَسْتَوِي قَائِمًا. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: ما ازْدَدْتُ فِيكَ إلا بَصِيرَةً. ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ لا يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ؛ فَيَأخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيَجْعَلُ اللهُ مِا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا، فَلا يَسْتَطِيعُ إلَيهِ سَبيلًا، فَيَأخُذُهُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ، فَيَحْسَبُ النَّاسُ أَنَّهُ قَذَفَهُ إلَى النَّارِ، وَإنَّمَا أُلْقِيَ فِي الجَنَّةِ» .\nفَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «هذا أعْظَمُ النَّاس شَهَادَةً عِندَ رَبِّ العَالَمِينَ» . رواه مسلم. وروى البخاري بعضه بمعناه.\n«المسالِح»: هُمُ الخُفَرَاءُ والطَّلائِعُ.","vol":"1","page":1032},{"text":"قوله: هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين، أي: لأنه قال الحق عند الظالم الكاذب الجائر.\nقوله: وروى البخاري بعضه بمعناه، ولفظه: «يأتي الدجال وهو محرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فيدخل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذٍ رجل، وهو خير الناس أو من خيار الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثه، فيقول: أرأيتم إن قتلت هذا، ثم أحييته، هل تشكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه، فيقول والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط ... عليه» .\n[١٨١٦] وعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: ما سألَ أَحَدٌ رسولَ الله - ﷺ - عَن الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَألْتُهُ؛ وإنَّهُ قَالَ لِي: «مَا يَضُرُّكَ» قُلْتُ: إنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ. قالَ: «هُوَ أهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلكَ» . متفق عليه.\nقال عياض: معناه هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلًا للمؤمنين، ومشككًا لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويرتاب الذين في قوبهم مرض.\n[١٨١٧] وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلا وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، ألا إنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ رَبَّكُمْ - ﷿ - لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر» . متفق عليه.\nقوله: «ما من نبي إلا وقد أنذر قومه الأعور الكذاب»، وذلك لأنهم علموا بخروجه وشدة فتنته، وتوهم كل نبي إدراك أمته، فأنذرهم منه.","vol":"1","page":1033},{"text":"قوله: «مكتوب بين عينيه ك ف ر» . هذا لفظ رواية مسلم. ولفظ البخاري: «وإن بين عينيه مكتوبًا كافر» . وفي رواية: «يقرؤه كل مؤمن، كاتب وغير كاتب» .\n[١٨١٨] وَعَن أبي هريرةَ - ﵁ - قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «ألا أُحدِّثُكمْ حديثًا عن الدجالِ ما حدَّثَ بهِ نبيٌّ قَومَهُ! إنَّهُ أعورُ، وَإنَّهُ يجيءُ مَعَهُ بِمِثالِ الجنَّةِ والنَّارِ، فالتي يقولُ إنَّها الجَنَّةُ هي النَّار» . متفقٌ عليهِ.\nقوله: «فالتي يقول: إنها الجنة هي النار» . أي: وبالعكس، واكتفى بما ذكر لدلالته عليه.\n[١٨١٩] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ، فَقَالَ: «إنَّ اللهَ لَيْسَ بِأعْوَرَ، ألا إنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» . متفق عليه.\nقوله: «طافية» بياء غير مهموزة، أي: بارزة، وبعضهم بالهمز، وهي التي ذهب ضوءها.\nقال الحافظ: والذي يتحصل من مجموع الأحاديث أن الصواب ترك همز طافية.\n\n[١٨٢٠] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ مِنْ وَرَاء الحَجَرِ وَالشَّجَرِ. فَيَقُولُ الحَجَرُ وَالشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ هذَا يَهُودِيٌّ","vol":"1","page":1034},{"text":"خَلْفِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ؛ إلا الغَرْقَدَ فإنَّهُ مِنْ شَجَرِ اليَهُودِ» . متفق عليه.\nقال النووي: الغرقد نوع من شجر الشوك، معروف ببلاد بيت المقدس، وهناك يكون قتل الدجال واليهود. وقال الدينوري: إذا عظمت العوسجة، صارت غرقدًا.\n\n[١٨٢١] وعنه - ﵁ - قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرجُلُ بالقَبْرِ، فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هذَا القَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ، ما بِهِ إلا البَلاَءُ» . متفق عليه.\n\nقوله: «فيتمرغ عليه» . أي: يتقلب على القبر مما أصابه من الأنكاد الدنيوية، وذلك لاستراحة الميت من نصب الدنيا وعنائها.\n\n[١٨٢٢] وعنهُ - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يُقْتَتَلُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِئَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَيَقُولُ كُلُّ رجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِّي أنْ أكُونَ أنَا أنْجُو» .\nوَفي رواية: «يُوشِكُ أنْ يَحْسِرَ الفُرَاتُ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلا يَأخُذْ مِنْهُ شَيْئًا» . متفق عليه.\n\nقوله: «فمن حضره، فلا يأخذ منه شيئًا» .\nقال الشارح: وذلك لأنه لا يصل إليه أحد إِلا بعد التقاتل، فلا يصل إليه حتى يقتل عددًا، وقد يقتل هو، وإذا لم يتوجه إليه وامتثل النهي، سلم في نفسه، وسلم منه غيره.","vol":"1","page":1035},{"text":"[١٨٢٣] وعنهُ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لا يَغْشَاهَا إلا العَوَافِي يُريد - عَوَافِي السِّبَاعِ والطَّيرِ - وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ المَدِينَةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وُحُوشًا، حَتَّى إذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الودَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهمَا» . متفق عليه.\n\nقوله: «يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي»، يعني في آخر الزمان.\nوقال القاضي: إنه جرى في العصر الأول، فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت حين نقلت الخلافة إلى الشام والعراق.\n\n[١٨٢٤] وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: «يكُونُ خَلِيفَةٌ مِنْ خُلَفَائِكُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَحْثُو المَالَ وَلا يَعُدُّهُ» . رواه مسلم.\n\n[١٨٢٥] وعن أبي موسى الأشعريِّ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: «لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ فَلا يَجِدُ أَحَدًا يَأخُذُهَا مِنهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، فلا يجد أحدًا يأخذها منه» . قال الشارح: وذلك لإِخراج الأرض كنوزها وفيضان المال.","vol":"1","page":1036},{"text":"[١٨٢٦] وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا، فَوَجَدَ الَّذِي اشْتَرَى العَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى العَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ، إنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ وَلَمْ أشْتَرِ الذَّهَبَ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الأَرْضُ: إنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قالَ أحَدُهُما: لِي غُلاَمٌ، وقالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ قال: أنْكِحَا الغُلاَمَ الجَارِيَةَ، وأنْفِقَا عَلَى أنْفُسِهمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا» . متفق عليه.\n\nالعقار: كل ملك ثابت له أصل، كالدار، والنخل، والأرض.\nوفي هذا الحديث: تورع البائع والمشتري، وإنصاف الحاكم بينهما، وعدم طمعه.\n\n[١٨٢٧] وعنهُ - ﵁ -: أنَّه سمعَ رسُول الله - ﷺ - يقولُ: «كانت امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بابْنِ إحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وقالتِ الأخرَى: إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَا إلى دَاوُدَ - ﷺ - فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد - ﷺ - فَأَخْبَرَتَاهُ. فَقالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أشُقُّهُ بَيْنَهُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لا تَفْعَلْ! رَحِمَكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ للصُّغْرَى» . متفق عليه.\n\nقال القرطبي: الذي ينبغي أن يقال: إن قضاء دواد به لها لسبب اقتضى ترجيح قولها عنده، إذ لا بينة لإِحداهما.","vol":"1","page":1037},{"text":"وقال ابن الجوزي: استنبط سليمان لما رأى الأمر محتملًا، فأجاد وكلاهما حكم بالاجتهاد. ودلت هذه القصة: أن الفطنة والفهم موهبة من الله تعالى لا تتعلق بكبر سن ولا صغره.\n\n[١٨٢٨] وعن مِرداس الأسلمي - ﵁ - قال: قال النبيُّ - ﷺ -: «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ أوِ التَّمْرِ لا يُبَالِيهُمُ اللهُ بَالَةً» . رواه البخاري.\n\nالحُثالة: الرديء من كل شيء.\nقال الخطابي: أي لا يرفع لهم قدرًا، ولا يقيم لهم وزنًا.\nقال ابن بطال: وفي الحديث أن موت الصالحين من أشراط الساعة.\nوفيه: الندب إلى الاقتداء بأهل الخير، والتحذير من مخالفتهم.\n\n[١٨٢٩] وعن رفاعة بن رافع الزُّرَقِيِّ - ﵁ - قال: جاء جبريل إلى النبيّ - ﷺ - قال: مَا تَعُدُّونَ أهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قال: «مِنْ أفْضَلِ المُسْلِمِينَ» أوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. قال: وَكَذلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلائِكَةِ. رواه البخاري.\n\nفيه: عظيم فضل أهل بدر، وعدتهم ثلاث مئة وثلاثة عشر، عدة الذين جاوزوا النهر مع طالوت، وقد رتبهم أصحاب الطبقات، فقالوا: أفضل الصحابة الصديق، فعمر فعثمان، فعلي، فباقي الستة فأهل بدر.\n\n[١٨٣٠] وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: ... «إذَا أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى بِقَومٍ عَذَابًا، أصَابَ العَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ» . متفق عليه.","vol":"1","page":1038},{"text":"يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال (٢٥)]، فإذا نزل العذاب، عم البر والفاجر، ويبعثون على نياتهم.\n[١٨٣١] وعن جابر - ﵁ - قال: كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إلَيْهِ النَّبيُّ - ﷺ - يَعْنِي فِي الخُطْبَةِ - فَلَمَّا وُضِعَ المِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلجِذْعِ مِثْلَ صَوْتِ العِشَارِ، حَتَّى نَزَلَ النبي - ﷺ - فَوضَعَ يَدَهُ عَلَيهِ فَسَكَنَ.\nوَفِي روايةٍ: فَلَمَّا كَانَ يَومُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبيُّ - ﷺ - عَلَى المِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أنْ تَنْشَقَّ.\nوفي رواية: فصَاحَتْ صِيَاحَ الصَّبيِّ، فَنَزَلَ النبي - ﷺ - حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إلَيهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبي الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قال: ... «بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذَّكْرِ» . رواه البخاري.\n\nقال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي نقلها الخلف عن السلف.\nقال الحافظ: وفي الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان بل كأشرف الحيوان.\nوفيه: تأكيد لقول من يحمل: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ ... [الإسراء (٤٤)] . على ظاهره.\nوقال الشافعي: ما أعطى الله نبيًا مثل ما أعطى محمدًا - ﷺ - فقد أعطى عيسى إحياء الموتى، وأعطى محمدًا حنين الجذع، حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك.","vol":"1","page":1039},{"text":"[١٨٣٢] وعن أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ جُرثومِ بنِ ناشر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا» حديث حسن. رواه الدارقطني وغيره.\nقال ابن سمعان: هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين وفروعه. من عمل به، فقد حاز الثواب، وأمن من العقاب؛ لأن من أدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه، فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدين.\nوأخرج البزار في (مسنده) والحاكم من حديث أبي الدرداء ﵁: أنَّ النبي - ﷺ - قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم، فهو حرام. وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم (٦٤)] .\n\n[١٨٣٣] وعن عبد الله بن أبي أَوْفَى ﵄، قالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسولِ اللهِ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأكُلُ الجَرَادَ.\nوَفِي رِوَايةٍ: نَأكُلُ مَعَهُ الجَرَادَ. متفق عليه.\n\nقال البخاري: باب أكل الجراد، وذكر الحديث.\nقال الحافظ: وخلقة الجراد عجيبة، فيها عشرة من الحيوانات، ذكر بعضها ابن الشهرزوري في قوله:\n؟؟ ...","vol":"1","page":1040},{"text":"لها فخذا بكر، وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم\nحبتها أفاعي الرمل بطنًا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم\n\nقيل: وفاته عين الفيل، وعنق الثور، وقرن الإبل، وذنب الحية، وهو صنفان طيار، ووثاب. واختلف في أصله، فقيل: أنه نثرة حوت، فذلك كان أكله بغير ذكاة، وهذا ورد في حديث ضعيف، ولو صح لكان فيه حجة لمن قال: لا جزاء فيه إذا قتله المحرم. وإذا ثبت فيه الجزاء، دل على أنه بَرِّيّ.\nوجمهور العلماء على خلافه، وقد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية، إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته.\nووافق مطرف منهم الجمهور في أنه لا يفتقر إلى ذكاة لحديث ابن عمر: «أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال» .\nونقل النووي: الإِجماع على حل أكل الجراد، لكن فصَّل ابن العربي في لا يؤكل، لأنه ضرر محض وهذا إن ثبت أنه يضر أكله بأنه يكون فيه سمية تخصه دون غيره من جراد البلاد تعين استثناؤه، والله أعلم. انتهى ملخصًا.\n\n[١٨٣٤] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: «لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ [وَاحِدٍ] مَرَّتَيْنِ» . متفق عليه.\n\nقوله: «لا يلدغ» خبر بمعنى الأمر.\nوفيه: الحض على الجزم، والحذر من الغفلة.\nوقال أبو عبيد: لا ينبغي للمؤمن إذا نكب من وجه أن يعود إليه.\nقال ابن بطال: وفيه: أدب شريف أدب به النبي - ﷺ - أمته، ونبههم كيف يحذرون مما يخافون من سوء عاقبته.\n\n[١٨٣٥] وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثَلاَثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ","vol":"1","page":1041},{"text":"يَومَ القِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بسِلْعَةً بَعْدَ العَصْرِ فَحَلَفَ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لا يُبَايِعُهُ إلا لِدُنْيَا فَإنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى وَإنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ» . متفق عليه.\n\nقوله: «ورجل بايع رجلًا بسلعة بعد العصر»، خص العصر لعظيم الإثم فيه، واليمين الفاجرة محرمة في كل وقت، وكان السلف يحلفون بعد العصر تغليظًا لليمين، وقد قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ [المائدة ١٠٦] .\n[١٨٣٦] وعنه عن النبيّ - ﷺ - قال: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ» قالوا: يَا أبَا هُرَيْرَةَ أرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قالَ: أبَيْتُ، قَالُوا: أرْبَعُونَ سَنَةً؟ قال: أبَيْتُ. قالُوا: أرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قالَ: أبَيْتُ. «وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسَانٍ إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ، ثُمَّ يُنَزِّلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ» . متفق عليه.\n\nقوله: «بين النفختين»، أي: نفخة الصعق، ونفخة البعث.\nقال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر (٦٨)] .\nقوله: «أبيت» قال النووي: مراده الامتناع من الجزم بل الذي يجزم به أنها أربعون، وقد جاءت مفسرة من رواية غيره في غير مسلم: «أربعون سنة» .\nقوله: «إلا عجب الذَّنب»، هو بفتح العين المهملة وسكون الجيم، أي العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب، وهو رأس العصعص.","vol":"1","page":1042},{"text":"[١٨٣٧] وعنه قال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَومَ، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسولُ اللهِ - ﷺ - يُحَدِّثُ، فَقالَ بَعْضُ القَومِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إذَا قَضَى حَدِيثَهُ قالَ: أيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» قال: هَا أنا يَا رسُولَ اللهِ. قال: «إذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» قال: كَيفَ إضَاعَتُهَا؟ قال: «إذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» . رواه البخاري.\nقال ابن المنير: ينبغي أن يجعل هذا الحديث أصلًا في أخذ الدروس، والقراءة، والحكومات، والفتاوى عند الازدحام على السبق.\nقوله: «إذا وسّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة» .\nقال في (النهاية): أي أسند وجعل في غير أهله، يعني إذا سود وشرف غير المستحق للسيادة والشرف.\nوقيل: هو من الوسادة، أي: إذا وضعت وسادة الملك والأمر والنهي لغير مستحقها، وتكون «إلى» بمعنى اللام.\n\n[١٨٣٨] وعنه: أنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإنْ أصَابُوا فَلَكُمْ، وإنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» . رواه البخاري.\n\nقال البخاري: باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه، وذكر الحديث.\nقال الحافظ: قوله: «يصلون»، أي: الأئمة. إلى أن قال: وروى أبو داود من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «من أمّ الناس، فأصاب الوقت، فله ولهم» .","vol":"1","page":1043},{"text":"وفي رواية أحمد: «فإن صلوا الصلاة لوقتها، وأتموا الركوع والسجود، فهي لكم ولهم» .\nقال ابن المنذر: هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت، فسدت صلاة من خلفه. انتهى ملخصًا.\n\n[١٨٣٩] وعنه - ﵁ - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قالَ: خَيْرُ النَّاسِ للنَّاسِ يَأتُونَ بِهِمْ في السَّلاسِلِ فِي أعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإسْلاَمِ.\n\n[١٨٤٠] وعنه عن النبيّ - ﷺ - قال: «عَجِبَ اللهُ - ﷿ - مِنْ قَومٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلاسِلِ» . رواهما البخاري.\nمعناه: يُؤْسَرُونَ وَيُقَيَّدُونَ ثُمَّ يُسْلِمُونَ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ.\n\nقوله: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» .\nقال ابن كثير: المعنى خير الأمم، وأنفع الناس للناس. وفي حديث درة بنت أبي لهب مرفوعًا: «خير الناس أقرؤهم وأفقههم في دين الله، وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر» .\n[١٨٤١] وعنه عن النبيّ - ﷺ - قال: «أَحَبُّ البِلادِ إلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأبْغَضُ البِلاَدِ إلَى اللهِ أسْوَاقُهَا» . رواه مسلم.\n\nقوله: «أحب البلاد إلى الله مساجدها»؛ لأنها البيوت الذي أذن الله أن","vol":"1","page":1044},{"text":"ترفع ويذكر فيها اسمه بالتسبيح، والصلاة والذكر، وتلاوة القرآن، وسبب بغضه للأسواق أنها محل للفحش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، ونحو ذلك.\n\n[١٨٤٢] وعن سلمان الفارسي - ﵁ - من قولهِ قال: لا تَكُونَنَّ إن اسْتَطَعْتَ أوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصبُ رَايَتَهُ. رواه مسلم هكذا.\nورواه البرقاني في صحيحهِ عن سلمان قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا. فِيهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ» .\n\nقوله: «فيها باض الشيطان وفرخ»، أي: استوطنها وأحبها لكونه محل المعاصي من الغش، والخداع، والأيمان الكاذبة، والأفعال المنكرة ونحوها.\n\n[١٨٤٣] وعن عاصمٍ الأحوَلِ، عن عبدِ اللهِ بن سَرْجِسَ - ﵁ - قال: قلتُ لِرسولِ اللهِ - ﷺ -: يا رسولَ اللهِ، غَفَرَ اللهُ لَكَ، قال: «وَلَكَ» . قال عاصمٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أسْتَغْفرَ لَكَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قال: نَعَمْ وَلَكَ، ثُمَّ تَلا هذِهِ الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد (١٩)] . رواه مسلم.\n\nقوله: قلت لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، غفر الله لك، قال: «ولك» .\nفيه: مكافأة للحسنة بأحسن منها.\n[١٨٤٤] وعن أبي مسعودٍ الأنصاري - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» . رواه البخاري.","vol":"1","page":1045},{"text":"يعني: أن هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين.\nوفيه: تهديد ووعيد لمنزوع الحياء، فإن الحياء يكف صاحبه عن ارتكاب القبائح، ودناءة الأخلاق، ويحثه على مكارم الأخلاق ومعاليها.\nقال بعض السلف: رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة فاستحالت ديانة.\n\n[١٨٤٥] وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قال: قالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاء» . متفق عليه.\n\nأي: أول القضايا يوم القيامة يقضى فيها القضاء في الدماء التي وقعت بين الناس في الدنيا. وعند النسائي: «أول يحاسب عليه العبد صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» .\nقال الحافظ: وفي الحديث: عظم أمر الدماء، فإن البداءة إنما تكون بالأهم، والذنب يعظم بحسب المفسدة وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك. انتهى.\nوقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة (٣٠)] .\n\n[١٨٤٦] وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: ... «خُلِقَتِ المَلاَئِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ من نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» . رواه مسلم.\n\nقال ابن عباس: المارج: اللهب الذي يعلو النار، فيختلط بعضه ببعض: أحمر، وأصفر، وأخضر.","vol":"1","page":1046},{"text":"وقد قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن (١٤، ١٥)] .\n\n[١٨٤٧] وعنها ﵂ قالت: كان خُلُقُ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - القُرْآن. رواهُ مسلم في جملة حديث طويل.\n\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم (٤)] .\nقال العوفي عن ابن عباس: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام.\nوقال عطية: لعلى أدب عظيم. وعن جبير بن نفير قال: (حججت فدخلت على عائشة ﵂، فسألتها عن خلق رسول الله - ﷺ -، فقالت: كان خلق رسول الله - ﷺ - القرآن) .\nقال ابن كثير: ومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا، سجية له، وخلق تطبعه، وترك طبعه الجبلي. فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم من الحياء، والكرم، والشجاعة، والصفح، والحلم، وكل خلق جميل.\n\n[١٨٤٨] وعنها قالت: قال رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ» . فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أكَراهِيَةُ المَوتِ، فَكُلُّنَا نَكْرَهُ المَوتَ؟ قال: «لَيْسَ كَذَلِكَ، ولكِنَّ المُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وإنَّ الكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذابِ اللهِ وَسَخَطهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وكَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ» . رواه مسلم.","vol":"1","page":1047},{"text":"هذا الحديث: رواه الطبراني عن معاوية وزاد: (قالوا: يَا رسول الله، كلنا نكره الموت. قال: «ليس ذلك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا احتضر جاء البشير من الله بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله، فأحب الله لقاءه، وأن الفاجر إذا احتضر، جاءه ما هو صائر إليه من الشر، فكره لقاء الله، فكره الله لقاءه» .) .\n\n[١٨٤٩] وَعَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ ﵂، قالتْ: كان النبيُّ - ﷺ - مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، فَمَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأنْصَارِ ﵄، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبيَّ - ﷺ - أسْرَعَا. فقال - ﷺ -: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» فَقَالا: سُبْحانَ اللهِ يَا رسولَ اللهِ، فقالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإنِّي خَشِيْتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا - أَوْ قَالَ: شَيْئًا -» . متفق عليه.\n\nفي هذا الحديث: دليل على جواز زيارة المرأة للمعتكف والتحدث معه، والمشي مع الزائر، وجواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة.\nوفيه: التحرز من التعرض لسوء الظن.\n[١٨٥٠] وعن أبي الفضل العباس بن عبد المطلب - ﵁ - قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَومَ حُنَيْن، فَلَزِمْتُ أنا وأبو سُفْيَانَ بن الحارثِ بن ... عبد المطلب رَسُول الله - ﷺ - فَلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ، فَلَمَّا التَقَى المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ، وَلَّى المُسْلِمُونَ","vol":"1","page":1048},{"text":"مُدْبِريِنَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبلَ الكُفَّارِ، وأنا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أكُفُّهَا إرَادَةَ أنْ لا تُسْرِعَ، وأبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فقالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «أيْ عَبَّاسُ، نَادِ أصْحَابَ السَّمُرَةِ» .\nقالَ العَبَّاسُ - وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا - فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أيْنَ أصْحَابُ السَّمُرَةِ، فَوَاللهِ لَكَأنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ البَقَرِ عَلَى أَوْلاَدِهَا، فقالوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالكُفَّارُ، وَالدَّعْوَةُ في الأنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، ثُمَّ قَصُرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: «هَذَا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ»، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ»، فَذَهَبْتُ أنْظُرُ فَإذَا القِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيما أرَى، فَواللهِ مَا هُوَ إلا أنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا. رواه مسلم.\n«الوَطِيسُ» التَّنُّورُ، ومعناهُ: اشْتَدَّتِ الحَرْبُ. وقوله: «حَدَّهُمْ» هو بالحاء المهملة: أيْ بَأْسَهُمْ وَشِدَّتَهُمْ.\n\nقوله: (ثُمَّ أَخَذَ رسول الله - ﷺ - حصياتٍ، فرمى بهنَّ وجوهَ الكفارِ، ثم قال: «انهزموا وربِّ مُحَمَّدٍ» .) .\nفيه: معجزة له كما قال تعالى في قصة بدر: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال (١٧)] .\n[١٨٥١] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طَيِّبًا، وإنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ","vol":"1","page":1049},{"text":"المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ. فقالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون (٥١)] .\nوقال تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ... [البقرة (١٧٢)] .\nثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، ومَلبسُهُ حرامٌ، وَغُذِّيَ بالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ.؟ رواه مسلم.\n\nهذا الحديث: قاعدة من قواعد الإسلام وأصول الأحكام.\nوفيه: إشارة إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته.\nقيل: إن اللدعاء جناحين: أكل الحلال، وصدق المقال.\n\n[١٨٥٢] وعنه - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلاَثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» . رواه مسلم.\n«العَائِلُ»: الفَقِيرُ.\nالزنى، والكذب، والكبر، حرام على كل أحد، وخص هؤلاء الثلاثة بالوعيد؛ لأن الشيخ ضعفت شهوته عن الوطء الحلال، فكيف بالحرام! وكمل عقله ومعرفته بطول ما مر عليه من الزمان، وإنما يدعو إلى الزنى غلبة الشهوة، وقلة المعرفة، وضعف العقل الحاصل من الشباب، والإمام لا يخاف من أحد وإنما يحتاج إلى الكذب من يريد مصانعة من يحذره، والعائل قد عدم المال الذي هو سبب الفخر والخيلاء، فكان إقدامهم على المعصية من المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى.","vol":"1","page":1050},{"text":"[١٨٥٣] وعنهُ - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ» . رواه مسلم.\n\nقال السيوطي: هو على ظاهره، ولها مادة إلى الجنة.\n\n[١٨٥٤] وعنه قال: أخَذَ رسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِي فَقَالَ: «خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَومَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فيها الجِبَالَ يَومَ الأحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَومَ الإثْنَينِ، وَخَلَقَ المَكْرُوهَ يَومَ الثُّلاَثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأربِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوابَّ يَومَ الخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ - ﷺ - بَعْدَ العَصْرِ مِنْ يَومِ الجُمُعَةِ في آخِرِ الخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ فِيمَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ» . رواه مسلم.\n\nقوله: (أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي) طلب للتيقظ من الغفلة إن كانت.\nقال البغوي: على قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف (٥٤)] . أراد به في مقدار ستة أيام؛ لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء.\nوقيل: ستة أيام الآخرة، وكل يوم كألف سنة. وقيل: كأيام الدنيا.\nقال سعيد بن جبير: كان الله ﷿ قادرًا على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام تعليمًا لخلقه التثبت والتأني في الأمور.\nوقال ابن كثير: وأول الستة الأيام الأحد، فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق. ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعًا، والله أعلم، انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":1051},{"text":"[١٨٥٥] وعن أَبي سليمان خالد بن الوليد - ﵁ - قَالَ: لَقَدِ انْقَطَعتْ في يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَّةٌ. رواه البخاري.\n\nمؤتة: موضع بقرب الشام، وكانت في جمادى سنة ثمان.\n\n[١٨٥٦] وعن عمرو بن العاص - ﵁ -: أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أصَابَ، فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ وَاجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقوله: «فله أجران»، أي: أجر لاجتهاده، وأجر لإصابته.\nقوله: «وإن حكم واجتهد فأخطأ، فله أجر»، أي: لاجتهاده. وقد قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء (٧٩)] .\n\n[١٨٥٧] وعن عائشة ﵂: أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالمَاءِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقيل: الخطاب خاص بأهل الحجاز، وما والاهم إذ كانت أكثر الحميات تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدة الحرارة، وهذه ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا.\nقال ابن القيم: فالخطاب وإن كان لفظًا عامًا، إلا أن المراد به خاص. وأخرج ابن أبي شيبة عن الأسود قال: سألت عائشة عن النشرة، فقالت: ما تصنعون بهذا؟ فهذا الفرات إلى جانبكم من أصابه نفس، أو سم، أو سحر، فليأت الفرات، فليستقبل، فينغمس فيه سبع مرات.","vol":"1","page":1052},{"text":"[١٨٥٨] وعنها ﵂ عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَومٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» . متفق عَلَيْهِ.\nوَالمُخْتَارُ جَوَازُ الصَّومِ عَمَّنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ لِهَذَا الحَدِيثِ، وَالمُرادُ بالوَلِيِّ: القَرِيبُ وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية الصيام عن الميت، فيتخير الولي بين الصيام والإطعام.\n[١٨٥٩] وعن عوف بن مالِك بن الطُّفَيْلِ: أنَّ عائشة ﵂، حُدِّثَتْ أنَّ عبدَ اللهِ بن الزبير ﵄، قَالَ في بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أعْطَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها: واللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، قالَتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا! قالوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُوَ للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أنْ لا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا، فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِيْنَ طَالَتِ الهِجْرَةُ. فَقَالَتْ: لا، واللهِ لا أشْفَعُ فِيهِ أبدًا، وَلا أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيرِ كَلَّمَ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعبدَ الرحْمَنِ بْنَ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وقَالَ لَهُمَا: أنْشُدُكُمَا اللهَ لَمَا أدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَإنَّهَا لا يَحِلُّ لَهَا أنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي، فَأقْبَلَ بِهِ المِسْوَرُ، ... وَعَبدُ الرحْمَنِ حَتَّى اسْتَأذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالا: السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أنَدْخُلُ؟ قالت عَائِشَةُ: ادْخُلُوا.\nقالوا: كُلُّنَا؟ قالتْ: نَعَمْ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلا تَعْلَمُ أَنَّ معَهُمَا ابْنَ الزُّبَيرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيرِ الحِجَابَ فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ ﵂، وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي، وَطَفِقَ المِسْوَرُ، وَعَبدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولانِ: إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ","vol":"1","page":1053},{"text":"الهِجْرَةِ؛ وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَة مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ، طَفِقَتْ تُذَكرُهُمَا وَتَبْكِي، وَتَقُولُ: إنِّي نَذَرْتُ وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيرِ، وأعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعدَ ذَلِكَ فَتَبكِي حَتَّى تَبِلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا. رواه البخاري.\n\nقوله: «وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة»، وذلك من مزيد ورعها، وإلا فالواجب رقبة واحدة.\n\n[١٨٦٠] وعن عُقْبَةَ بن عامِرٍ - ﵁ - أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ إِلَى قَتْلَى أُحُدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنينَ كَالمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ إِلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ: «إنِّي بَيْنَ أيْدِيكُمْ فَرَطٌ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وإنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ، وإنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، أَلا وإنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنْ أخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أنْ تَنَافَسُوهَا» قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. متفق عَلَيْهِ.\nوفي رواية: «وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أنْ تَنَافَسُوا فِيهَا، وَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» . قَالَ عُقْبَةُ: فكانَ آخِرَ مَا رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى المِنْبَرِ.\nوفي روايةٍ قَالَ: «إنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وإنِّي واللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وإنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأرْضِ، وإنِّي واللهِ مَا أخَافُ عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا» .","vol":"1","page":1054},{"text":"وَالمُرَادُ بِالصَّلاَةِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ: الدُّعَاءُ لَهُمْ، لا الصَّلاَةُ المَعْرُوفَةُ.\n\nفيه: النهي عن التنافس في الدنيا، فإن التنافس فيها سبب للهلاك الديني والدنيوي.\n\n[١٨٦١] وعن أَبي زيد عمرِو بن أخْطَبَ الأنصاريِّ - ﵁ - قَالَ: صلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الفَجْرَ، وَصَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّى حَضَرَتِ العَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا. رواه مسلم.\n\nفيه: معجزة له - ﷺ - بخرق الأوقات، والمباركة فيها، حتى اتسعت لنشر ذلك كله، وذكره.\n\n[١٨٦٢] وعن عائشة ﵂، قالت: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ» . رواه البخاري.\nالحديث دليل على وجوب النذر في الطاعة، وإن نذر المعصية لا ينعقد. ولأبي داود من حديث ابن عباس مرفوعًا: «من نذر نذرًا لم يسمه، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين» .\n\n[١٨٦٣] وعن أمِّ شَرِيكٍ ﵂: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أمرها بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ وقال: «كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إبْرَاهِيمَ» . متفق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":1055},{"text":"[١٨٦٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا في الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً دُونَ الأولَى، وَإنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً» .\nوفي رواية: «مَنْ قَتَلَ وَزَغًَا في أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وفي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وفي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ» . رواه مسلم.\nقَالَ أهلُ اللُّغة: «الوَزَغُ» العِظَامُ مِنْ سَامَّ أَبْرَصَ.\n\nالأمر بقتل الأوزاغ لعظم ضررها مع ما فيها من عداوة خيار العباد، وهو وإن لم يكن لنفخه تأثير في النار، إلا أن فيه إظهارًا للعداوة.\nقال النووي: اتفقوا على أن الوزغ من الحشرات المؤذية، وأمر النبي - ﷺ - بقتله، وحث عليه لكونه من المؤذيات.\nوأما سبب تكثيره في قتله بأول ضربة، ثم ما يليها، فالمقصود به الحث على المبالغة بقتله، والاعتناء به، وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة، فإنه إذا أراد أن يضربه ضربات، ربما انفلت وفات قتله.\n[١٨٦٥] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا في يَدِ زَانِيَةٍ؛ فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ! لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فوَضَعَهَا في يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ؟","vol":"1","page":1056},{"text":"فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وعلى غَنِيٍّ! فَأُتِيَ فقيل لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سارقٍ فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وأمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ عَنْ زِنَاهَا، وأمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا آتَاهُ اللهُ» . رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه.\n\nقال البخاري: باب إذا تصدق على غني، وهو لا يعلم. وذكر الحديث.\nقال الحافظ: أي فصدقته مقبولة.\nوفيه: أن نية المتصدق إذا كانت صالحة، قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع.\nوفيه: فضل صدقة السر، وفضل الإخلاص، واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع في الموقع. وأن الحكم للظاهر حتى يتبين سواه، وبركة التسليم، والرضا، وذم التضجر بالقضاء، كما قال بعض السلف: لا تقطع الخدمة، ولو ظهر لك عدم القبول. انتهى ملخصًا.\n[١٨٦٦] وعنه قَالَ: كنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في دَعْوَةٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وقال: «أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاس مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لا يُطِيقُونَ وَلا يَحْتَمِلُونَ، فَيقُولُ النَّاسُ: أَلا تَرَوْنَ إلى مَا أنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ، ألا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أبُوكُمْ آدَمُ، وَيَأتُونَهُ فَيقُولُونَ: يَا آدَمُ أنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ","vol":"1","page":1057},{"text":"فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وأمَرَ المَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وأسْكَنَكَ الجَنَّةَ، ألا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغْنَا؟ فَقَالَ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأتُونَ نوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أهلِ الأرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا، ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، ألا تَرَى إِلَى مَا بَلَغْنَا، ألا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَيقُولُ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي،\nاذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إبْرَاهِيمَ، فَيَأتُونَ إبْرَاهِيمَ فَيقُولُونَ: يَا إبْرَاهِيمُ، أنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيقُولُ لَهُمْ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّي كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذبَاتٍ؛ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأتُونَ مُوسَى فَيقُولُونَ: يَا مُوسَى أنَتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرسَالاَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فيقُولُ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي؛ اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى. فَيَأتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أنْتَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقُولُ عِيسَى: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ،","vol":"1","page":1058},{"text":"وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -. فيأتون مُحَمَّدًا - ﷺ -» .\nوفي روايةٍ: «فَيَأتُونِي فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أنتَ رَسُولُ اللهِ وخَاتَمُ الأنْبِياءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأسَكَ، سَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأرْفَعُ رَأْسِي، فَأقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأبْوَابِ» . ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقوله: «إني كذبت ثلاث كذبات»: اثنان منها في الله، وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات (٨٩)]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء (٦٣)] . وأما الثالثة فهي قوله لسارة: أختي، يعني في الإسلام، وليست بكذب حقيقة، لكن لما كانت بصورة الكذب سماها كذبًا.\nقال النووي: الحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم، ومن بعده في الابتداء، ولم يلهموا سؤال نبينا محمد - ﷺ - إظهار فضيلته، وحصل غرضهم، فهو النهاية في ارتفاع المنزلة، وكما القرب، وعظيم الإدلال والأنس.\nوفيه: تفضيله - ﷺ - على جميع المخلوقين.","vol":"1","page":1059},{"text":"قوله: «إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى» . شك من الراوي.\nهجر: هي قاعدة البحرين، وهي الأحساء، وبصرى: مدينة معروفة، بينها وبين مكة شهر.\n\n[١٨٦٧] وعن ابن عباس ﵄، قال: جَاءَ إبراهيم - ﷺ - بِأُمِّ إسْماعِيلَ وَبِابْنِهَا إسْمَاعِيل وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعهَا عِنْدَ البَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوقَ زَمْزَمَ في أعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَاكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أمُّ إسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهذَا الوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أنِيسٌ وَلا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، قَالَتْ لَهُ: آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إذًا لا يُضَيِّعُنَا؛ ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ - ﷺ - حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرُونَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم (٣٧)] .\nوَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ، وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى - أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ - فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ في الأرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أحَدًا. فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِي، رَفَعَت طَرفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسَانِ المَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِي، ثُمَّ أتَتِ المَرْوَةَ","vol":"1","page":1060},{"text":"فَقَامَتْ عَلَيْهَا، فَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابن عباس ﵄: قَالَ النبيُّ - ﷺ -: «فَلذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا»، فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهْ - تُريدُ نَفْسَهَا - ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أسْمَعْتَ إنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ [فَأَغِثْ]، فَإذَا هِيَ بِالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ - أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ - حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ في سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ. وفي رواية: بِقَدَرِ مَا تَغْرِفُ.\nقَالَ ابن عباس ﵄: قَالَ النبيُّ - ﷺ -: «رَحِمَ اللهُ أُمَّ إسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ – أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ - لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا» قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإنَّ ها هُنَا بَيْتًا للهِ يَبْنِيهِ هَذَا الغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وإنَّ اللهَ لا يُضَيِّعُ أهْلَهُ، وكان البَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمٍ، أَوْ أهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمٍ مُقْبِلينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءَ، فَنَزلُوا في أسْفَلِ مَكَّةَ؛ فَرَأَوْا طَائِرًا عائِفًا، فَقَالُوا: إنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بهذا الوَادِي وَمَا فِيهِ مَاء. فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ، فَإذَا هُمْ بِالمَاءِ. فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ؛ فَأَقْبَلُوا وَأُمُّ إسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فقالوا: أتَأذَنِينَ لَنَا أنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ في المَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ.\nقَالَ ابن عباس: قَالَ النبيُّ - ﷺ -: «فَألْفَى ذَلِكَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ، وهي","vol":"1","page":1061},{"text":"تُحِبُّ الأنْسَ» فَنَزَلُوا، فَأرْسَلُوا إِلَى أهْلِهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِهَا أهْلَ أبْيَاتٍ وَشَبَّ الغُلاَمُ وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِيْنَ شَبَّ، فَلَمَّا أدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأةً مِنْهُمْ: وَمَاتَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إبْرَاهِيمُ بَعْدَما تَزَوَّجَ إسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إسْمَاعِيلَ؛ فَسَأَلَ امْرَأتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خرَجَ يَبْتَغِي لَنَا - وفي روايةٍ: يَصِيدُ لَنَا - ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ؛ وَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإذَا جَاءَ زَوْجُكِ اقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءكُمْ مِنْ أحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءنا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي: كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا في جَهْدٍ وَشِدَّةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أنْ أقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أنْ أُفَارِقَكِ! الْحَقِي بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأتِهِ فَسَألَ عَنْهُ.\nقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا قَالَ: كَيفَ أنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللهِ تعالى. فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ، قَالَ: فمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَت: الماءُ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ. قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ، قَالَ: فَهُمَا لا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلا لَمْ يُوَافِقَاهُ.","vol":"1","page":1062},{"text":"وَفِي رواية: فجاء فَقَالَ: أيْنَ إسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتْ امْرأتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ؛ فَقَالَتْ امْرَأتُهُ: ألا تَنْزِلُ، فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ؟ قَالَ: وَمَا طَعَامُكُمْ وَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: طَعَامُنَا اللَّحْمُ وَشَرَابُنَا المَاءُ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرابِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو القاسم - ﷺ -: بَرَكَةُ دَعوَةِ إبْرَاهِيمَ. قَالَ: فإذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ وَمُرِيِهِ يُثَبِّتُ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إسْمَاعِيلُ قال: هَلْ أتاكُمْ مِنْ أحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أتانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَألَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرتُهُ، فَسَألَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ. قَالَ: فَأوْصَاكِ بِشَيءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَيَأمُرُكَ أَنْ تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكَ أبِي، وأنْتِ العَتَبَةُ، أمَرَنِي أنْ أُمْسِكَكِ. ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعدَ ذَلِكَ وإسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَريبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ وَالوَلَدُ بِالوَالدِ.\nقَالَ: يَا إسْمَاعِيلُ، إنَّ اللهَ أمَرَنِي بِأمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أمَرَكَ رَبُّكَ؟ قالَ: وَتُعِينُنِي، قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإنَّ اللهَ أمَرَنِي أَنْ أَبْنِي بَيْتًا ها هُنَا، وأشَارَ إِلَى أكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْمَاعِيلُ يَأتِي بِالحِجَارَةِ وَإبْرَاهِيمُ يَبْنِي حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحجارة وَهُمَا يَقُولاَنِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة (١٢٧)] .\nوفي روايةٍ: إنَّ إبْرَاهِيمَ خَرَجَ بِإسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إسْمَاعِيلَ، مَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إبْرَاهِيمُ إِلَى أهْلِهِ، فَاتَّبَعَتْهُ","vol":"1","page":1063},{"text":"أُمُّ إسْماعيلَ حَتَّى لَمَّا بَلَغُوا كَدَاءَ نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ: يَا إبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قَالَ: إِلَى اللهِ، قَالَتْ: رَضِيْتُ باللهِ، فَرَجَعَتْ وَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشِّنَّةِ وَيَدُرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا، حَتَّى لَمَّا فَنِيَ المَاءُ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا. قَالَ: فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا، فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ هَلْ تُحِسُّ أحدًا، فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، فَلَمَّا بَلَغَتِ الوَادِي سَعَتْ، وأتَتِ المَرْوَةَ، وَفَعَلَتْ ذَلِكَ أشْوَاطًَا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ الصَّبِيُّ، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَإذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ، كَأنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ، فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُهَا فَقَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أحَدًا، فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا، فَنَظَرَتْ ونظَرتْ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، حَتَّى أتَمَّتْ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ، فَإذَا هِيَ بِصَوْتٍ، فَقَالَتْ: أَغِثْ إنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَإذَا جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ بِعقِبِهِ هَكَذَا، وَغَمَزَ بِعَقِبِهِ عَلَى الأرْضِ، فَانْبَثَقَ المَاءُ فَدَهِشَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ، فَجَعَلَتْ تَحْفِنُ ... وَذَكَرَ الحَديثَ بِطُولِهِ، رواه البخاري بهذه الروايات كلها.\n«الدَّوْحَةُ» الشَّجَرَةُ الكَبِيرَةُ. قولُهُ: «قَفَّى»: أيْ: وَلَّى. ... «وَالْجَرِيُّ»: الرَّسُولُ. «وَألْفَى»: معناه وَجَدَ. قَولُهُ: «يَنْشَغُ»: أيْ: يَشْهَقُ.\n\nأم إسماعيل: اسمها هاجر، قبطية، وهبها لسارة ملك مصر الذي أراد سارة فمنعه الله منها، ووهبتها سارة لإبراهيم.\nوفي الحديث: استحباب استقبال القبلة حال الدعاء، والتحريض للمقيم بمكة على عبادة المولى.\nقوله: «فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته» . أخرج الفاكهي من","vol":"1","page":1064},{"text":"حديث علي بسند حسن: «إن إبراهيم كان يزور هاجر وإسماعيل كل شهر على البراق، يغدو غدوة ثم يأتي مكة، ثم يرجع فيقيل في منزله في الشام» .\nوفي الحديث: وقوع الطلاق بالكناية، وكنى عن المرأة بعتبة الباب لما فيها من الصفات الموافقة لها، وهي حفظ الباب، وصون ما في داخله، وكونها محل الوطء، ولهذا قال إسماعيل لزوجته الحقي بأهلك.\nوفيه: استحباب مفارقة من لا صبر لها عند تعاور الشدائد، وبر الوالد وتنفيذ أمره والمسارعة إليه.\nقوله: «فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد» أي: من الاعتناق والمصافحة وغير ذلك. وكان عمر إبراهيم يومئذٍ مئة سنة، وعمر إسماعيل ثلاثين سنة.\nقوله: «فعند ذلك رفع القواعد»، أي: الأساس من البيت، ورفع البناء عليها.\n\n[١٨٦٨] وعن سعيد بن زيد - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» . متفق عَلَيْهِ.\n\nقال البخاري: بابُ المنُّ شفاء للعين، وذكر الحديث.\nقال الحافظ: والكمأة: نبات لا ورق لها ولا ساق، توجد في الأرض من غير أن تزرع، وهي كثيرة بأرض العرب، وتوجد بالشام ومصر، فأجوده ما كانت أرضه رملة قليلة الماء، ومنها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة، وهي باردة رطبة في الثانية، رديئة للمعدة بطيئة للهضم. وإدمان أكلها يورث القولنج، والسكتة، والفالج، وعسر البول. والرطب منها أقل ضررًا من اليابس، وإذا دفنت في الطين الرطب، ثم سلقت بالماء والملح والسعتر، وأكلت بالزيت والتوابل الحارة قل ضررها. ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفَّتها، فلذلك كان ماؤها شفاء للعين.\nقال الخطابي: إنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة؛ لأنها من الحلال","vol":"1","page":1065},{"text":"المحض الذي ليس في اكتسابه شبهة.\nقال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد، وأكحل به، فإنه يقوي الجفن، ويزيد الروح الباصرة حدة وقوة، ويدفع عنها النوازل. انتهى ملخصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>٣٧١- باب الاستغفار</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد (١٩)] .\n\nقال ابن كثير: وقوله ﷿: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد (١٩)]، هنا إخبار بأنه لا إله إلا الله، ولا يتأتى كونه آمرًا بعلم ذلك، ولهذا عطف عليه قوله ﷿: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ... وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد (١٩)] .\nوفي الصحيح: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي هزلي، وجديِّ، وخطئي، وعمدي وكل ذلك عندي» .\nوقال البغوي: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾، أمر بالاستغفار مع أنه مغفور له لتستن به أمته، وذكر حديث الأغر المزني، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مئة مرة» .\nوقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء (١٠٦)] .\n\nقال ابن كثير: وقد روى ابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس: «","vol":"1","page":1066},{"text":"أنَّ نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله - ﷺ - في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجلًا من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله - ﷺ -، فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إليها، فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبي الله ليلًا، فقالوا: يا نبيَّ الله، إنَّ صاحبنا بريء، وإنَّ صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علمًا، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك.\nفقام رسول الله - ﷺ - فبرَّأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء (١٠٥، ١٠٧)] .\nوقال البغوي: وقال مقاتل: إنَّ زيد بن السمين أودع درعًا عند طعمة فجحدها طعمة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، بالأمر والنهي والفصل. ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾، بما علمك الله، وأوحى إليك. ﴿وَلا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ﴾، طعمة. ﴿خَصِيمًا﴾، معينًا مدافعًا عنه. ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ﴾، مما همت به من معاقبة اليهودي.\nوقال مقاتل: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ﴾، من جدالك عن طعمة. ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ .\nوقَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر (٣)] .\n\nقالت عائشة ﵂: (ما صلَّى رسول الله - ﷺ - صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول فيها: «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، اللَّهُمَّ اغفر لي» .) .\nوقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾","vol":"1","page":1067},{"text":"إلَى قَولِهِ - ﷿ -: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران (١٥: ١٧)] .\n\nفي هذه الآية: فضل الاستغفار في وقت السحر؛ لأنه وقت إجابة.\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء (١١٠)] .\n\nفي هذه الآية: عرض التوبة على المذنب، وحثِّه عليها، وإلا يتعاظم ذنبه، فإنه صغير في جنب عفو الله وفضله.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال (٣٣)] .\n\nعن ابن عباس قال: (كان المشركون يطوفون بالبيت، ويقولون: لبيك اللَّهُمَّ لبيك، لبَّيك لا شريك لك، فيقول النبي - ﷺ -: «قدٍ، قد» . ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. ويقولون: غفرانك غفرانك، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال (٣٣)] .\nقال ابن عباس: كان فيهم أمانان: النبي - ﷺ -، والاستغفار، فذهب النبي - ﷺ -، وبقى الاستغفار.\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران (١٣٥)] .\n\nأخرج أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: حدثني أبو بكر الصديق - وصدق أبو بكر -: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «ما من رجل يذنب ذنبًا، ثم يقوم فيتطهر، فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله عزَّ","vol":"1","page":1068},{"text":"وجلّ إلا غفر له»، ثم تلا ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ [آل عمران (١٣٥)] .\nوالآيات في الباب كثيرة معلومة.\n\n[١٨٦٩] وعن الأَغَرِّ المزني - ﵁ - أنَّ رسُول اللهِ - ﷺ - قال: «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وإنِّي لأَسْتَغفِرُ اللهَ في اليَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ» . رواه مسلم.\n\nقال في (فتح الباري): قال عياض: المراد بالغين فترات عن الذكر الذي شأنه أن يداوم عليه. فإذا فتر عنه لأمر ما، عُدَّ ذلك ذنبًا، فاستغفر منه، وقيل: هو شيء يعزي القلب من حديث النفس.\n\n[١٨٧٠] وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سَمعتُ رَسُول اللهِ - ﷺ - يقولُ: ... «وَاللهِ إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأتُوبُ إلَيْهِ فِي اليَومِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» . رواه البخاري.\n\nفيه: تحريض على التوبة، والاستغفار.\n\n[١٨٧١] وعنه - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَذَهَبَ اللهُ تَعَالَى بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَومٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ تَعَالَى، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» . رواه مسلم.\nفيه: أن الله تعالى يحب التوبة والإنابة، ولهذا ابتلي آدم بالذنب، ليتوب","vol":"1","page":1069},{"text":"وينيب وينكسر. قال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه (١٢١، ١٢٢)] .\n\n[١٨٧٢] وعن ابن عمر ﵄ قال: كُنَّا نَعُدُّ لرسولِ اللهِ - ﷺ - في المَجْلِسِ الواحِدِ مئَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» . رواه أبو داود والترمذي، وقال: «حديث صحيح» .\n\nفيه: زيادة في الخضوع لله.\nوفيه: إيماء إلى أن من أدب الدعاء أن يختم الداعي دعاءه بما يناسبه من أسماء الله تعالى.\n\n[١٨٧٣] وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقهُ مِنْ حَيثُ لا يَحْتَسِبُ» . رواه أبو داود.\n\nوفيه: أن نفع الاستغفار يعود بحوز مطلوب الدنيا والآخرة.\n\n[١٨٧٤] وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ قَالَ: أسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ الحَيُّ القَيُومُ وَأتُوبُ إلَيهِ، غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وإنْ كانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» . رواه أبو داود والترمذي والحاكم، وقال: «حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم» .","vol":"1","page":1070},{"text":"في هذا الحديث: أن من استغفر الله وتاب إليه، غفرت ذنوبه كلها، صغائرها وكبائرها.\n[١٨٧٥] وعن شَدَّادِ بْنِ أَوسٍ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إلهَ إلا أنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنْتَ. وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي، فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ، وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ» . رواه البخاري.\n«أبوءُ» بباءٍ مَضمومةٍ ثم واوٍ وهمزة ممدودة ومعناه: أقِرُّ وَأعْتَرِفُ.\n\nقال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة كلها، استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور.\nقوله: «وأنا على عهدك ووعدك» .\nقال الخطابي: يريد أنا على ما عاهدتك عليه، وواعدتك من الإيمان، وإخلاص الطاعة لك ما استطعت. انتهى. يريد بذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ... [الأعراف (١٧٢)] .\nقال الحافظ: وفي قوله: «ما استطعت» إعلام لأمته أن أحدًا لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله ولا الوفاء بكمال طاعة الله، والشكر على النعم، فرفق الله بعباده ولم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم.","vol":"1","page":1071},{"text":"قال ابن أبي جمرة: جمع - ﷺ - في هذا الحديث من بديع المعاني، وحسن الألفاظ ما يحق أن يسمى به سيد الاستغفار.\nففيه: الإِقرار لله وحده بالألوهية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذ عليه، والرجاء بما وعد به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها وإضافة الذنب إلى نفسه ورغبته في المغفرة، وإعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا الله.\n\n[١٨٧٦] وعن ثوبان - ﵁ - قال: كانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ اللهَ ثَلاَثًا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَاذَا الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ» قيلَ لِلأوْزَاعِيِّ - وَهُوَ أَحَدُ رُوَاتِهِ -: كَيفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قال: يقُولُ: أسْتَغْفِرُ اللهَ، أسْتَغْفِرُ اللهَ. رواه مسلم.\n\nفي هذا الحديث: مشروعية الاستغفار بعد الصلاة ثلاث مرات: وفيه: إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة مولاه، لما يعرض له من الوسواس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركًا لذلك.\n[١٨٧٧] وعن عائشة ﵂ قالت: كان رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ مَوْتِهِ: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، أسْتَغفِرُ اللهَ، وأتوبُ إلَيْهِ» متفق عليه.\nتقدم في باب الازدياد من الخير أواخر العمر، وذلك امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر (٣)] .\n[١٨٧٨] وعن أنس - ﵁ - قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ","vol":"1","page":1072},{"text":"السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي، يا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بِقُرابِهَا مَغْفِرَةً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .\n«عَنَانَ السَّمَاءِ» بفتح العين: قِيلَ هُوَ السَّحَابُ، وَقِيلَ: هُوَ مَا عَنَّ لَكَ مِنْهَا، أيْ ظَهَرَ. «وَقُرَابُ الأرْضِ» بضم القاف، ورُوي بكسرِها، والضم أشهر. وَهُوَ ما يُقَارِبُ مِلأَها.\n\nهذا من الأحاديث القدسية.\nوفيه: فضل الدعاء والرجاء.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر (٦٠)] . وقال النبي - ﷺ -: «الدعاء مخّ العبادة» . والرجاء يتضمن حسن الظن بالله، والله تعالى يقول «أنا عند ظن عبدي بي» .\nوفيه: الحث على الاستغفار. قال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وأسواقكم، ومجالسكم، وأينما كنتم فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة.\nوقال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار.\nوقال إبليس لعنه الله: أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله، والاستغفار.\nقال بعض العارفين:\n؟؟ ... أستغفر الله مما يعلم الله ... إنَّ الشقي لمن لا يرحم الله\nما أحلم الله عمن لا يراقبه ... كلٌّ مسيء ولكن يحلم الله\nفاستغفر الله مما كان من زلل ... طوبى لمن كف عما يكره الله\nطوبى لمن حسنت منه سريرته ... طوبى لمن ينتهي عما نهى الله","vol":"1","page":1073},{"text":"[١٨٧٩] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي - ﷺ - قال: «يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، وأكْثِرْنَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ؛ فَإنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» قالت امرأةٌ مِنْهُنَّ: مَا لَنَا أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ» قالت: ما نُقْصَانُ العَقْلِ وَالدِّينِ؟ قال: «شَهَادَةُ امْرَأتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ، وَتَمْكُثُ الأَيَّامَ لا تُصَلِّي» . رواه مسلم.\n\nقوله: «وتكفرن العشير»، أي: تنسين معروف الزوج وجميله.\nوفي الحديث الآخر: «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا يسيرًا، قالت: ما رأيت منك خيرً قط» .\nقوله: ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» .\nاللب: العقل الخالص وذلك لعظم كيدهنَّ، وقوة حيلهنَّ. قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ .\nوفي الحديث: استحباب وعظ النساء، وتعلميهنَّ أحكام الإِسلام وتذكيرهنَّ بما يجب عليهنَّ وحثَّهنَّ على الصدقة والاستغفار.\nوفيه: أن الصدقة والاستغفار من دوافع العذاب.\nوفيه: بذل النصيحة والإخلاص للمحتاجين ولو كان الطالب غير محتاج، واستدل به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها أو على مقدار معين. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>٣٧٢- باب بيان مَا أعدَّ اللهُ تَعَالَى للمؤمنين في الجنة</span>\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورُهِمْ مِنْ غِلٍّ إخْوانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا","vol":"1","page":1074},{"text":"يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر (٤٥: ٤٨)] .\nالجنات: البساتين. وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ﴾، أي: سالمين من الآفات، مسلم عليكم ﴿آمِنِينَ﴾، أي: من كل خوف وفزع، ولا تخشوا من إخراج، ولا انقطاع، ولا فناء، وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾، الغل: الشحناء والعدواة، والحقد، والحسد.\nوعن أبي أمامة: قال: «لا يدخل الجنة مؤمن، حتى ينزع الله ما في صدره من غل، حتى ينزع منه مثل السبع الضاري» .\nوفي الصحيح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «يخلص المؤمن من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة.\nوقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾، أي: تعب ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ .\nقال البغوي: هذه أنص آية في القرآن على الخلود.\nوقال ابن كثير، وقوله: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾، يعني المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين: «إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب» ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾، كما جاء في الحديث: «يقال: يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحوا، فلا تمرضوا أبدًا. وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدًا. وإن لكم أن تقيموا، فلا تظعنوا أبدًا» . وقال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ... [الكهف (١٠٨)] .\nوقال تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ *","vol":"1","page":1075},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف (٦٨: ٧٣)] .\n\nقال ابن كثير: وقوله ﵎: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، ثم بشرهم، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، أي: آمنت قلوبهم وبواطنهم، وانقادات لشرع الله جوارحهم وظواهرهم.\nقال المعتمر بن سليمان:، عن أبيه: إذا كان يوم القيامة، فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحد منهم إلا فزع، فينادي منادٍ: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، فيرجوها الناس كلهم. قال: فيتبعها ... ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، قال: فييأس الناس منها غير المؤمنين ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تتنعمون وتسعدون ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾، أي: زبادي آنية الطعام: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾، وهي آنية الشراب، أي: من ذهب لا خراطيم لها، ولا عرى، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾، أي: طيب الطعم والريح، وحسن المنظر.\nثم ذكر أحاديث، منها: ما رواه أحمد: حدثنا حسن، هو ابن موسى، حدثنا مسكين بن عبد العزيز، حدثنا أبو الأشعث الضرير، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من له لسبع درجات، وهو على السادسة، وفوقه السابعة. وإن له لثلاث مئة خادم، ويغدى عليه ويراح كل يوم ثلاث مئة صحفة»، ولا أعلمه قال: إلا من ذهب، «في كل صحفة لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره. ومن الأشربة ثلاثة مئة إناء، في كل إناء لون ليس في الآخر. وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره. وإنه ليقول: يَا رب، لو آذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم لم ينقص","vol":"1","page":1076},{"text":"مما عندي شيء. وإن له من الحور العين لاثنين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهن لتأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض» .\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدُونَ﴾، أي: لا تخرجون عنها، ولا تبغون عنها حولًا. ثم قيل لهم على وجه التفضل والامتنان: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: أعمالكم الصالحة كانت سببًا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحدًا عمله الجنة، ولكن برحمة الله وفضله. وإنما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات.\nوقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من جميع الأنواع: ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: مهما اخترتم وأردتم. ولما ذكر الطعام والشراب، ذكر بعده الفاكهة، لتتم النعمة والغبطة. والله تعالى أعلم، انتهى ملخصًا.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان (٥١: ٥٧)] .\n\nقال ابن كثير: إن المتقين، أي: لله في الدنيا ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: في الآخرة، وهو الجنة، قد آمنوا فيها من الموت، والخروج من كل هم وحزن، وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده، وسائر الآفات والمصائب ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، وهذا في مقابلة ما الأشقياء فيه من شجرة الزقوم وشرب الحميم.\nوقوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ﴾ وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما فيه بريق ولمعان، وذلك كالرياش وما يلبس على أعالي القماش ﴿مُّتَقَابِلِينَ﴾، أي: على سرر لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره.","vol":"1","page":1077},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحور العين الحسان، اللاتي لم يطمثهنَّ إنس قبلهم ولا جان، كأنهن الياقوت والمرجان. وذكر حديث أنس: «لو أن حوراء بزقت في بحر لجي لعذب ذلك الماء، لعذوبة ريقها» .\nوقوله ﷿: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: مهما طلبوا من أنواع الثمار أحضر لهم، وهم آمنون من انقطاعه، وامتناعه، بل يحضر إليهم كلما أرادوا.\nوقوله: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ هذا استثناء يؤكد النفي، فإنه استثناء منقطع، ومعناه: أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا.\nكما ثبت في الصحيحين، أن رسول الله - ﷺ - قال: «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم يقال: يَا أهل الجنة، خلود فلا موت. ويَا أهل النار خلود فلا موت» . وذكر أحاديث منها:\nما رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اتقى الله دخل الجنة، ينعم فيها ولا ييأس، ويحيا فيها فلا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» .\nوحديث جابر ﵁ قال: قيل: يَا رسول الله، هل ينام أهل الجنة؟ فقال - ﷺ -: «النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون» .\nوقوله تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، أي: مع هذا النعيم العظيم المقيم، وقد وقاهم وسلمهم ونجاهم وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم، فحصل لهم المطلوب، ونجاهم من المرهوب ولهذا قال ﷿: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، أي: إنما كان هذا بفضله عليهم، وإحسانه إليهم.","vol":"1","page":1078},{"text":"كما ثبت في الصحيح، عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: «اعملوا وسدّدوا، وقاربوا، واعلموا أنَّ أحدًا لن يدخله عمله الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال - ﷺ -: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» .\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين (٢٢: ٢٨)] .\nقال ابن كثير: ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾، أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضل عميم. ﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾، وهي السرر تحت الحجال، ينظرون في ملكهم، وما أعطاهم الله من الخير، والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد.\nوقيل: معناه على الأرائك ينظرون إلى الله ﷿، وهذا مقابل لما وصف به أوئك الفجار: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ . فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله ﷿، وهم عى سررهم وفرشهم. كما تقدم في حديث ابن عمر: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاهم لمن ينظر إلى الله ﷿ في اليوم مرتين» .\nوقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾، أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم، أي: صفة الرأفة، والحشمة، والسرور، والدّعة، والرياسة، مما هم فيه من النعيم العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾، أي: يسقون من خمر من الجنة، والرحيق: من أسماء الخمر. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن وقتادة، وابن زيد.","vol":"1","page":1079},{"text":"قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حثنا زهير، عن سعد أبي المجاهد الطائي، عن عطية بن سعيد العوفي، عن أبي سعيد الخدري، أراه قد رفعه إلى النبي - ﷺ -، قال: «أيما مؤمن سقى مؤمنًا شربة ماء على ظمأ سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيّما مؤمن كسا مؤمنًا ثوبًا على عري كساه الله من خضر الجنة» .\nوقال ابن مسعود في قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، أي: خلطه مسك.\nوقال العوفي: عن ابن عباس: طيَّب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها مسك، ختم بمسك. كذا قال قتادة والضحاك.\nوقال إبراهيم والحسن: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، أي: عاقبته مسك.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي الدرداء ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، قال: شراب أبيض مثل القصَّة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلًا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها.\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، قال: طيبه مسك.\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون وليتباهى ويتكاثر ويسبق إلى مثله المستبقون، وليتباهى ويتكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون كقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات (٦١)] .\nوقوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾، أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف، من تسنيم، أي: شراب يقال له: تسنيم، وهو: أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه. قاله أبو صالح، والضحاك. ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾، أي: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا. قاله","vol":"1","page":1080},{"text":"ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وقتادة وغيرهم. انتهى.\nوقال ابن كثير: - أيضًا - على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان (٥، ٦)]، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة.\nقال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل، ولهذا قال ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، أي: هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفًا، بلا مزج، ويروون بها.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا﴾، أي: ويسقون، يعني الأبرار أيضًا في هذه الأكواب كأسًا، أي: خمرًا كان مزاجها زنجبيلًا، فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور، وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة، ومن هذا تارة.\nوأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صرفًا، وقد تقدم قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، وقال ها هنا: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾، أي: الزنجبيل عين في الجنة، تسمى سلسبيلًا.\nقال عكرمة: اسم عين في الجنة.\nوقال قتادة: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ عين: سلسة مستقيد ماؤها.\nوحكى ابن جيرير، عن بعضهم: أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق. واختار هو أنها تعم ذلك كله، وهو كما قال: انتهى ملخصًا.\nوالآيات في الباب كثيرة معلومة.\nأي: والآيات القرآنية فيما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة كثيرة في القرآن قال الله تعالى ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر (٢٠)] .","vol":"1","page":1081},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا * جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا﴾ [النبأ (٣١: ٣٦)]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة (٧، ٨)] .\nوقال تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ [ص: (٤٩: ٥٤)] .\nوقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، إلى قوله تعالى: ... ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الآيات الرحمن (٤٦، ٦٢)] .\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًا ظَلِيلًا﴾ . [النساء (٥٧)] .\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف (٤٢، ٤٣)] .\nوقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر (٧٣: ٧٥)] .\n\n[١٨٨٠] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «يَأكُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ فِيهَا، وَيَشْرَبُونَ، وَلا يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يَمْتَخِطُونَ، وَلا","vol":"1","page":1082},{"text":"يَبُولُونَ، وَلكِنْ طَعَامُهُمْ ذَلِكَ جُشَاءٌ كَرَشْحِ المِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ» . رواه مسلم.\n\nقال ابن الجوزي: لما كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال، لم يكن فيها أذى ولا فضلة تستقذر، بل يتولد عن تلك الأغذية أطيب ريح وأحسنه.\nوقوله: «يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس» .\nقال القرطبي: وجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه، ولا بد له منه، فجعل تنفسهم تسبيحًا، وسببه: أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب، وامتلأت بحبه، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره.\n[١٨٨١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة (١٧)]» . متفق عَلَيْهِ.\n\nمعناه: أن الله تعالى أعد لعباده الصالحين في الجنة نعيمًا غير ما أطلعهم عليه، وأخبرهم به.\n\n[١٨٨٢] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إضَاءةً، لا يَبُولُونَ، وَلا يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يَتْفُلُونَ، وَلا يَمْتَخِطُونَ. أمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الأُلُوَّةُ -","vol":"1","page":1083},{"text":"عُودُ الطِّيبِ - أزْوَاجُهُمُ الحُورُ العيْنُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» . متفق عَلَيْهِ.\nوفي رواية للبخاري ومسلم: «آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ، لا اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ، وَلا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبُ وَاحِدٍ، يُسَبِّحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيًا» .\nقوله: «عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ واحدٍ» . رواه بعضهم بفتح الخاء وإسكان اللام وبعضهم بضمهما وكلاهما صحيح.\n\nقوله: «لا يبولون، ولا يتغوَّطون، ولا يتفلَّون، ولا يتمخَطون» .\nقال الحافظ: قد اشتمل ذلك على نفي جميع النقص عنهم.\nقوله: «ولكل واحد منهم زوجتان»، أي: من بنات آدم سوى الحور.\n\n[١٨٨٣] وعن المغيرةِ بن شعبة - ﵁ - عن رسُولِ الله - ﷺ - قال: «سألَ مُوسَى - ﷺ - رَبَّهُ: ما أدْنَى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قال: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وأخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيقُولُ: رَضِيْتُ رَبِّ، فَيقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَيقُولُ في الخامِسَةِ. رَضِيْتُ رَبِّ، فَيقُولُ: هذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ: رَبِّ فَأَعْلاَهُمْ مَنْزِلَةً؟ قالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ؛ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ","vol":"1","page":1084},{"text":"عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» . رواه مسلم.\n\nقوله: «ولك ما اشتهت نفسك، ولذّت عينك»، هذا شامل لكل أحد من أهل الجنة. قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف (٧١)] .\n[١٨٨٤] وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «إنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ. رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيقُولُ اللهُ - ﷿ - له: اذْهَبْ فادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجِعُ، فَيقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى ! فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ - له: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فيأتِيهَا، فَيُخيَّلُ إليهِ أنَّها مَلأى، فيَرْجِعُ. فَيَقولُ: يا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأى، فيقُولُ اللهُ - ﷿ - لَهُ: اذهبْ فَادخُلِ الجنَّةَ. فَإنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشرَةَ أَمْثَالِهَا؛ أوْ إنَّ لَكَ مِثْلَ عَشرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، فَيقُولُ: أتَسْخَرُ بِي، أَوْ تَضْحَكُ بِي وَأنْتَ المَلِكُ» قال: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فَكَانَ يقولُ: «ذلِكَ أَدْنَى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً» . متفق عليه.\n\n[١٨٨٥] وعن أبي موسى - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: «إنَّ لِلمُؤْمِنِ فِي الجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها في السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا. لِلمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ فَلا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا» متفق عليه.\n«المِيلُ»: سِتة آلافِ ذِراعٍ.","vol":"1","page":1085},{"text":"في رواية لمسلم: «عرضها ستون ميلًا» .\nقال النووي: ولا معارضة بينهما، فعرضها في مساحة أرضها، وطولها في العلو متساويان.\n[١٨٨٦] وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكبُ الجَوَادَ المُضَمَّرَ السَّريعَ مِئَةَ سَنَةٍ مَا يَقْطَعُها» . متفق عليه.\nوروياه في الصحيحين أيضًا من رواية أبي هريرة - ﵁ - قال: «يَسيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّها مئةَ سَنَةٍ مَا يَقْطَعُها» .\n\nفي هذا الحديث: بيان سعة الجنة.\nقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد (٢١)] .\nوقال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران (١٣٣)] .\nقال البغوي: أي: عرضها كعرض السماوات والأرض، أي: سعتها. وإنما ذكر العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأكثر والأغلب أكثر من عرضه. يقول: هذه صفةُ عَرْضِها فكيف طولها.\nقال الزهري: إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذ على التمثيل، لا أنها كالسماوات والأرض لا غير معناه كعرض السماوات والأرضين السبع عند ظنكم.\nوسئل أنس بن مالك ﵁، عن الجنة أفي السماء أم في الأرض؟","vol":"1","page":1086},{"text":"فقال: أي أرضٍ وسماء تسع الجنة! فقيل: فأين هي؟ قال: فوق السماوات السبع تحت العرش.\nقال قتادة: كانوا يرون الجنة فوق السماوات السبع تحت العرش، وأن جهنم تحت الأرضين السبع. انتهى ملخصًا.\nويشهد لهذا ما ثبت في الصحيح: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن» .\nوكذلك ما رواه الترمذي، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «في الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، منها تفجّر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى» .\n\n[١٨٨٧] وعنه عن النبيِّ - ﷺ - قال: «إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِن فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُق مِنَ المَشْرِقِ أو المَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قالُوا: يا رسول الله؛ تِلْكَ مَنَازِلُ الأنبياء لا يَبْلُغُها غَيْرُهُمْ قال: «بَلَى والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ» . متفق عليه.\n\nقوله: «كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب»، أي: أهل الجنة متفاوتوا المنازل بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم، كالنجوم.\nقال القرطبي: شبه رؤية الرائي في الجنة صاحب الغرفة، برؤية الرائي الكوكب المضيء الباقي في جانب الشرق أو الغرب في الاستضاءة مع البعد،","vol":"1","page":1087},{"text":"وفائدة ذكر المشرق والمغرب بيان الرفعة، وشدة البعد. والمراد بالأفق: السماء.\n\n[١٨٨٨] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: «لَقَابُ قَوْسٍ أَحَدِكم مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وتَغْرُبُ» متفق عليه.\n\nأي: هذا القدر من الجنة خير مما في الدنيا أجمع، لنفاسته ولدوامه وبقائه، كما في الحديث الآخر: «وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها» .\n[١٨٨٩] وعن أنس - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّ في الجَنَّةِ سُوقًا يَأتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ. فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو في وُجُوهِهِم وَثِيَابِهِمْ، فَيَزدَادُونَ حُسنًا وَجَمَالًا فَيَرْجِعُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ، وَقَد ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لقدِ ازْدَدْتُمْ حُسْنًا وَجَمَالًا! فَيقُولُونَ: وَأنْتُمْ وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمالًا» ! . رواه مسلم.\n\nقال النووي: المراد بالسُّوق هنا، مجتمع لهم يجتمعون فيه كما يجتمع الناس في الدنيا في أسواقها، أي: تعرض الأشياء على أهلها، فيأخذ كل منهم ما أراد.\nوقوله: «يأتونها كل جمعة»، أي: في مقدار كل أسبوع لفقد الشمس والليل والنهار.\nوقوله: «فتهب عليهم ريح الشمال – بفتح الشين وكسرها – فتحثو في وجوههم وثيابهم»، حذف المفعول لتعميم ما تحثو به من النعيم.\nفيزدادون حسنًا وجمالًا. عطف الجمال على الحسن، من عطف الخاص على العام.","vol":"1","page":1088},{"text":"[١٨٩٠] وعن سهل بن سعد - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءونَ الغُرَفَ فِي الجَنَّةِ كَمَا تَتَرَاءونَ الكَوكَبَ فِي السَّمَاءِ» متفق عليه.\nقال الشارح: هو بمعنى حديث أبي هريرة السابق، إلا أن في ذلك أن الترائي لأهل الغرف، وفي هذا نفس الغرف وهما متلازمان.\n[١٨٩١] وعنه - ﵁ - قال: شَهِدْتُ مِنَ النبيّ - ﷺ - مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الجَنَّةَ حَتَّى انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ في آخِرِ حَدِيثِهِ: «فيهَا مَا لا عَينٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ ... أَعْيُنٍ﴾ [السجدة (١٦: ١٧)] . رواه البخاري.\n\nقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة (١٦)] . أي: يتهجدون بالليل يدعون ربهم خوفًا وطمعًا.\nوعن أبي الدرداء، وأبي ذر، وعبادة بن الصامت ﵃: هم الذين يصلون العشاء الآخرة، والفجر في جماعة.\n\n[١٨٩٢] وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: «إذَا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يُنَادِي مُنَادٍ: إنَّ لَكُمْ أنْ تَحْيَوْا، فَلا تَمُوتُوا أَبَدًا، إنَّ لَكُمْ أنْ تَصِحُّوا، فلا تَسْقَمُوا أبدًا، وإنَّ لَكمْ","vol":"1","page":1089},{"text":"أنْ تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبدًا، وإنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا، فَلا تَبْأسُوا أَبَدًا» . رواه مسلم.\n\nإذا أمن ابن آدم من هذه الأربع، كمّل عيشه: السقم، والبؤس، والهرم، والموت، وهي منتفية في الجنة.\n\n[١٨٩٣] وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: «إنَّ أدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِن الجَنَّةِ أنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى فَيقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيتَ؟ فيقولُ: نَعَمْ، فيقُولُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ ما تَمَنَّيتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» . رواه مسلم.\n\nفيه: أن الله تعالى يعطي عباده في الجنة ما يتمنون، ويزيدهم من فضله.\n[١٨٩٤] وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّ الله - ﷿ - يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيقولُونَ: لَبَّيكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ في يَديْكَ، فَيقُولُ: هَلْ رَضِيتُم؟ فَيقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى يَا رَبَّنَا وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أحدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيقُولُ: ألا أُعْطِيكُمْ أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟ فَيقُولُونَ: وَأيُّ شَيءٍ أفْضَلُ مِنْ ذلِكَ؟ فَيقُولُ: أُحِلُّ عَلَيكُمْ رِضْوَانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أبَدًا» . متفق عليه.\n\nيشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة (٧٢)] .","vol":"1","page":1090},{"text":"[١٨٩٥] وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَنَظَرَ إلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَقَالَ: «إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيَانًا كما تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» متفق عليه.\n\nفي هذا الحديث: إثبات رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة، ويشهد لهذا الحديث وغيره، قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ... [القيامة (٢٢، ٢٣)] .\nقوله: «عيانًا»، أي: معاينة.\nقوله: «لا تضامون في رؤيته»، أي: لا يصيبكم ضيم من زحام ونحوه حال رؤيته. ورُوي: «لا تَضَامُّون» . من التضام، أي: لا تتضامنون، وذلك لوضوح المرئي وظهوره.\n[١٨٩٦] وعن صُهيب - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللهُ ﵎: تُريدُونَ شَيئًا أَزيدُكُمْ؟ فَيقُولُونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ ألَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَى رَبِّهِمْ» . رواه مسلم.\n\nيشهد لهذا الحديث وغيره، قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس (٢٦)] .\nقال ابن كثير: يخبر تعالى أنَّ لمن أحسن العمل في لدنيا بالإيمان، والعمل الصالح، الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن (٦٠)] .","vol":"1","page":1091},{"text":"وقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وزيادة على ذلك أيضًا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم. فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقونها بعملهم بل بفضله، ورحمته.\nوقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم، عن أبي بكر الصديق، وغيره. وذكر حديث صهيب وغيره.\nمنها: ما رواه ابن جرير، وغيره من حديث أبي بن كعب، أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن قول الله ﷿: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: «الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله ﷿» .\nقال الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ في جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فيها سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ... [يونس (٩، ١٠)] .\n\nقال ابن كثير: هذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ما أمروا به، فعملوا الصالحات بأنه سيهديهم بإيمانهم، أي: بسبب إيمانهم في الدنيا، يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم حتى يجوزوه، ويخلصوا إلى الجنة.\nإلى أن قال: وقوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: (١٠)] .\nقال ابن جريج: أخبرت أن قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ قال: إذا مر بهم الطير قالوا: سبحانك اللهم، وذلك دعواهم، فيأتيهم الملك بما يشتهونه، فيسلم عليهم فيردون عليه، فذلك قوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ .","vol":"1","page":1092},{"text":"قال: فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إلى أن قال:\nوقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا فيه دلالة على أنه تعالى هو المحمود أبدًا، المعبود على طل المدا، ولهذا حمد نفسه عند ابتداء ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: (١)]، ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: (١)] إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها، وأنه المحمود في الأولى والآخرة، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، في جميع الأحوال، ولهذا جاء في الحديث: «أن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس»، وإنما يكون ذلك كذلك لما يرون من تزايد نعم الله عليهم، فتكرر، وتعاد، وتزاد، فليس لها انقضاء ولا أمد، فلا إله إلا هو، ولا ربّ سواه.\n\nالحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِي لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبيِّ الأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأزوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كما صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وعلى آلِ إبْراهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبيِّ الأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كما بَاركْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إبراهيم في العالَمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.\n\nقال المؤلِّفُ:\nفَرَغْتُ مِنْهُ يَوْمَ الإثْنَيْنِ رَابِعَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَسِتِّ مِئَةٍ\nبِدِمشق.\n\nختم المصنف رحمه الله تعالى كتابه بهذه الآية، والصلاة على النبي - ﷺ - وآله، إشارة إلى أنه لا مهتدي إلا من هداه مولاه، وأنه لا سبيل إلى الهداية إلا من طريق محمد - ﷺ -.","vol":"1","page":1093},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، وإلى ما أعدّ الله لأهلها فيها، ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفّها بالمكاره، ثم قال: يَا جبريل اذهب فانظر إليها، قال: فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. قال: فلما خلق الله النار قال: يَا جبريل اذهب فانظر إليها، قال: فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات. ثم قال: يَا جبريل، اذهب فانظر إليها، قال: فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها» . رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى:\nوما ذاك إلا غيرة أن ينالها ... سوى كفئها، والرب بالخلق أعلم\nوإن حجبت عنَّا بكل كريهة ... وحفّت بما يؤذي النفوس ويؤلم\nفلله ما في حشوها من مسرة ... وأصناف لذات بها يتنعم","vol":"1","page":1094}]}