{"ً":{"ٌ":21814,"ٍ":"شرح حديث جابر في صفة حجة النبي لابن عثيمين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"شروح الحديث/شرح حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم - العثيمين - ط دار المحدث","files":["70706.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شرح حديث جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حجة النبي ﷺ\nالمؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١هـ)\nالناشر: دار المحدث للنشر والتوزيع، الرياض\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ\nعدد الصفحات: ١٣٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":57,"ٕ":7,"ٖ":1770153789,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم اللجنة العلمية","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"نص الحديث","level":1,"page":4},{"title":"شرح الحديث","level":1,"page":10},{"title":"قوله: «فخرجنا معه»","level":2,"page":10},{"title":"وقوله: «حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء»","level":2,"page":10},{"title":"وقوله: «فولدت أسماء بنت عميس»","level":2,"page":10},{"title":"وقوله: «وأحرمي»","level":2,"page":11},{"title":"وقوله: «وصلى رسول الله ﷺ في المسجد»","level":2,"page":12},{"title":"وقوله: «ثم ركب القصواء»","level":2,"page":12},{"title":"وقوله: «حتى إذا استوت به على البيداء»","level":2,"page":12},{"title":"وقوله: «نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك»","level":2,"page":12},{"title":"وقوله «وهو يعرف تأويله»","level":2,"page":12},{"title":"وقوله: «ثم أهل بالتوحيد»","level":2,"page":13},{"title":"وقوله: «اللهم»","level":2,"page":15},{"title":"قوله: «لبيك»","level":2,"page":15},{"title":"وقوله «لا شريك لك»","level":2,"page":16},{"title":"وقوله «إن الحمد والنعمة لك»","level":2,"page":16},{"title":"وقوله: «النعمة»","level":2,"page":19},{"title":"وقوله: «النعمة لك»","level":2,"page":19},{"title":"وقوله: «والملك لا شريك لك»","level":2,"page":19},{"title":"وقوله: «استلم الركن»","level":2,"page":22},{"title":"وقوله: «فرمل ثلاثا ومشى أربعا»","level":2,"page":26},{"title":"وقوله «ثم نفذ إلى مقام إبراهيم»","level":2,"page":27},{"title":"وقوله: «فقرأ) واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى (»","level":2,"page":28},{"title":"وقوله «فجعل المقام بينه وبين البيت»","level":2,"page":29},{"title":"وقوله: «فصلى»","level":2,"page":29},{"title":"وقوله: «ثم رجع إلى الركن فاستلمه»","level":2,"page":31},{"title":"وقوله: «ثم خرج من الباب إلى الصفا»","level":2,"page":31},{"title":"وقوله: «فلما دنا من الصفا»","level":2,"page":31},{"title":"وقوله: «أبدأ بما بدأ الله به»","level":2,"page":33},{"title":"وقوله: «فرقي الصفا»","level":2,"page":33},{"title":"وقوله: «حتى رأى البيت»","level":2,"page":33},{"title":"وقوله: «وحد الله»","level":2,"page":33},{"title":"وقوله: «وكبره وقال لا إله إلا الله»","level":2,"page":34},{"title":"وقوله: «وحده لا شريك له»","level":2,"page":34},{"title":"وقوله: «وله الحمد»","level":2,"page":34},{"title":"وقوله: «وهو على كل شيء قدير»","level":2,"page":35},{"title":"وقوله: «لا إله إلا الله وحده»","level":2,"page":35},{"title":"وقوله: «أنجز وعده»","level":2,"page":35},{"title":"وقوله: «ونصر عبده»","level":2,"page":35},{"title":"وقوله: «وهزم الأحزاب وحده»","level":2,"page":36},{"title":"وقوله: «ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات»","level":2,"page":36},{"title":"وقوله: «ثم نزل إلى المروة»","level":2,"page":36},{"title":"وقوله: «حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى»","level":2,"page":37},{"title":"وقوله: «سعى»","level":2,"page":37},{"title":"وقوله: «حتى إذا صعدتا»","level":2,"page":37},{"title":"وقوله: «ففعل على المروة كما فعل على الصفا»","level":2,"page":39},{"title":"وقوله: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة»","level":2,"page":40},{"title":"وقوله: «فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟»","level":2,"page":41},{"title":"وقوله: «وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: «صدقت صدقت. ماذا قلت حين فرضت الحج»","level":2,"page":41},{"title":"قوله: «قدم علي من اليمن»","level":2,"page":41},{"title":"وقوله: «ببدن النبي ﷺ»","level":2,"page":41},{"title":"وقوله: «فأنكر ذلك عليها»","level":2,"page":42},{"title":"وقوله: «فقالت: إن أبي أمرني بهذا»","level":2,"page":42},{"title":"وقوله: «فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه»","level":2,"page":42},{"title":"وقوله: «فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت صدقت»","level":2,"page":42},{"title":"وقوله: «ماذا قلت حين فرضت الحج»","level":2,"page":42},{"title":"وقوله: «قال فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة»","level":2,"page":44},{"title":"قوله: «جماعة»","level":2,"page":44},{"title":"وقوله: «فلما كان يوم التروية»","level":2,"page":44},{"title":"وقوله: «توجهوا إلى منى»","level":2,"page":44},{"title":"وقوله: «إلى منى»","level":2,"page":45},{"title":"وقوله: «وركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر»","level":2,"page":46},{"title":"وقوله: «فأجاز حتى أتى عرفة»","level":2,"page":47},{"title":"وقوله: «فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها»","level":2,"page":47},{"title":"وقوله: «فوجد القبة»","level":2,"page":49},{"title":"وقوله: «حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له»","level":2,"page":49},{"title":"وقوله: «فرحلت له»","level":2,"page":49},{"title":"وقوله: «فأتى بطن الوادي»","level":2,"page":49},{"title":"وقوله: «فخطب الناس»","level":2,"page":50},{"title":"وقوله: «في شهركم هذا»","level":2,"page":50},{"title":"وقوله: «في بلدكم هذا»","level":2,"page":50},{"title":"وقوله: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع»","level":2,"page":50},{"title":"وقوله: «ودماء الجاهلية موضوعة»","level":2,"page":51},{"title":"وقوله: «وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث»","level":2,"page":51},{"title":"وقوله: «فقال كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل»","level":2,"page":51},{"title":"وقوله: «وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»","level":2,"page":51},{"title":"وقوله: «ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه»","level":2,"page":53},{"title":"وقوله: «فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح»","level":2,"page":53},{"title":"وقوله: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»","level":2,"page":54},{"title":"وقوله: «بالمعروف»","level":2,"page":54},{"title":"وقوله: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله»","level":2,"page":55},{"title":"وقوله: «وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون»","level":2,"page":56},{"title":"وقوله: «ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر»","level":2,"page":56},{"title":"وقوله: «ولم يصل بينهما شيئا»","level":2,"page":57},{"title":"وقوله: «ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس»","level":2,"page":58},{"title":"وقوله: «فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات»","level":2,"page":58},{"title":"وقوله: «وجعل حبل المشاة بين يديه»","level":2,"page":58},{"title":"وقوله: «واستقبل القبلة»","level":2,"page":59},{"title":"وقوله: «فلم يزل واقفا»","level":2,"page":59},{"title":"وقوله: «فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس»","level":2,"page":59},{"title":"وقوله: «وذهبت الصفرة قليلا»","level":2,"page":60},{"title":"وقوله: «حتى غاب القرص»","level":2,"page":60},{"title":"وقوله: «وأردف أسامة خلفه»","level":2,"page":60},{"title":"وقوله: «ودفع وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى يا أيها الناس السكينة السكينة وكلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد»","level":2,"page":61},{"title":"وقوله: «السكينة السكينة»","level":2,"page":62},{"title":"وقوله: «وكلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد»","level":2,"page":62},{"title":"وقوله: «حتى أتى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين»","level":2,"page":62},{"title":"وقوله: «بأذان واحد وإقامتين»","level":2,"page":63},{"title":"وقوله: «ولم يسبح بينهما شيئا»","level":2,"page":63},{"title":"وقوله: «ثم اضطجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة»","level":2,"page":64},{"title":"قوله: «ثم اضطجع»","level":2,"page":64},{"title":"وقوله: «ثم اضطجع حتى طلع الفجر»","level":2,"page":64},{"title":"وقوله: «وصلى الفجر»","level":2,"page":65},{"title":"وقوله: «حين تبين له الصبح»","level":2,"page":65},{"title":"وقوله: «ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام»","level":2,"page":66},{"title":"وقوله: «فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله»","level":2,"page":66},{"title":"وقوله: «فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس»","level":2,"page":66},{"title":"وقوله: «حتى أسفر جدا»","level":2,"page":67},{"title":"وقوله: «فدفع قبل أن تطلع الشمس»","level":2,"page":67},{"title":"وقوله: «وأردف الفضل بن عباس»","level":2,"page":67},{"title":"وقوله: «حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا»","level":2,"page":68},{"title":"وقوله: «ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى»","level":2,"page":71},{"title":"وقوله: «التي تخرج على الجمرة الكبرى»","level":2,"page":72},{"title":"وقوله: «حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة»","level":2,"page":72},{"title":"وقوله: «فرماها بسبع حصيات»","level":2,"page":72},{"title":"وقوله: «فرماها بسبع حصيات»","level":2,"page":73},{"title":"وقوله: «يكبر مع كل حصاة»","level":2,"page":75},{"title":"وقوله: «كل حصاة منها مثل حصى الخذف»","level":2,"page":75},{"title":"وقوله: «رمى من بطن الوادي»","level":2,"page":76},{"title":"وقوله: «ثم انصرف إلى المنحر فنحر»","level":2,"page":76},{"title":"وقوله: «ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت»","level":2,"page":77},{"title":"وقوله: «فصلى بمكة الظهر»","level":2,"page":79},{"title":"وقوله: «فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه»","level":2,"page":80},{"title":"من فوائد هذا الحديث","level":1,"page":81}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135},"ٜ":{"1":[5,139]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"4":[3],"10":[4,5,6,7],"11":[8],"12":[9,10,11,12,13],"13":[14],"15":[15,16],"16":[17,18],"19":[19,20,21],"22":[22],"26":[23],"27":[24],"28":[25],"29":[26,27],"31":[28,29,30],"33":[31,32,33,34],"34":[35,36,37],"35":[38,39,40,41],"36":[42,43,44],"37":[45,46,47],"39":[48],"40":[49],"41":[50,51,52,53],"42":[54,55,56,57,58],"44":[59,60,61,62],"45":[63],"46":[64],"47":[65,66],"49":[67,68,69,70],"50":[71,72,73,74],"51":[75,76,77,78],"53":[79,80],"54":[81,82],"55":[83],"56":[84,85],"57":[86],"58":[87,88,89],"59":[90,91,92],"60":[93,94,95],"61":[96],"62":[97,98,99],"63":[100,101],"64":[102,103,104],"65":[105,106],"66":[107,108,109],"67":[110,111,112],"68":[113],"71":[114],"72":[115,116,117],"73":[118],"75":[119,120],"76":[121,122],"77":[123],"79":[124],"80":[125],"81":[126]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا كثيرا.\nأما بعد:\nفإن هذا الكتاب يحتوي على شرحٍ لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى لحديث جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حجة النبي ﷺ.\nوقد جاء هذا الشرح ضمن الدروس العلمية التي كان يعقدها فضيلته رحمه الله تعالى في «بلوغ المرام» و«صحيح مسلم» بالجامع الكبير في مدينة عنيزة.\nورغبة في تقديمه إلى القارئ المتطلع إلى معرفة المسائل والأحكام الفقهية في مناسك الحج والعمرة كما وردت عن رسول الله ﷺ، وتسهيلًا لتناوله، تَمَّ إخراج هذا الشرح مفردًا.\nوقد عهدت مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية إلى الشيخ مساعد بن عبد الله السلمان - أثابه الله -","vol":"1","page":5},{"text":"بالعمل لإعداد هذا الكتاب للنشر، وتخريج أحاديثه وآثاره، فجزاه الله خيرًا.\nنسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موافقًا لمرضاته، نافعًا لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويضاعف له المثوبة والأجر، ويعلي درجته في المهديين، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\n\nاللجنة العلمية\nفي مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية\n٢٥/١٠/١٤٢٤هـ","vol":"1","page":6},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله تعالى حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإن من شروط العبادة الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ وهما الركنان الأساسيان في كل عبادة فلا تقبل عبادة بشرك ولا تقبل عبادة ببدعة فالشرك ينافي الإخلاص والبدعة تنافي الإتباع ولا تتحقق المتابعة إلا بمعرفة الصفة والكيفية التي أدى النبي ﷺ العبادة عليها ومن ثم احتاج العلماء ﵏ إلى بيان صفات العبادات فبينوا صفة الوضوء وصفة الصلاة وصفة الزكاة وصفة الصيام وصفة الحج وغير ذلك حتى يعبد الناس الله ﷿ على شريعة محمد ﷺ.\nفحديث جابر ﵁ الطويل المشهور في صفة حج النبي ﷺ الذي جعله بعض العلماء عمدة صفة الحج","vol":"1","page":7},{"text":"وجعله منسكا (١) كاملا لأن جابرا ﵁ ضبط حج الرسول ﷺ من أوله إلى آخره. فذكر ﵁:\n«أنَّ رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» . فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به فأهلَّ بالتوحيد «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» .\n_________\n(١) قال النووي رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح مسلم ٨/٤٠٢: حديث جابر حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه ورواه أبو داود كرواية مسلم قال القاضي وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا وصنف فيه ابن المنذر جزءًا وخرج من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا لو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه. أ. هـ.","vol":"1","page":8},{"text":"وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلون به فلم يَرُدَّ رسول الله ﷺ عليهم شيئا منه. ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. قال جابر ﵁: لسنا ننوي إلا الحج - لسنا نعرف العمرة - حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵊ فقرأ) وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى «١) فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ: كان يقرأ في الركعتين) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (، و) قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (، ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ «٢) «أبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم دعا بين ذلك. قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: «لو\n_________\n(١) سورة البقرة: آية ١٢٥.\n(٢) سورة البقرة: آية ١٥٨.","vol":"1","page":9},{"text":"أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أَسُقِ الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة» .\nفقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: «دخلت العمرة في الحج» مرتين «لا بل لأبد أبد» وقدم عليٌ من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكان عليٌ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه. فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها. فقال: «صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج؟» قال قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك. قال: «فإن معي الهدي فلا تحل» قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة. قال فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج. وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما","vol":"1","page":10},{"text":"كانت قريش تصنع في الجاهلية.\nفأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس «اللهم اشهد! اللهم اشهد» ثلاث مرات.\nثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات","vol":"1","page":11},{"text":"وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى «أيها الناس السكينة السكينة» كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيمًا فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلًا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف.\nرمى من بطن الوادي ثم انصرف","vol":"1","page":12},{"text":"إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بيده ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: «انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» فناولوه دلوا فشرب منه» (١) .\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحج باب حجة النبي ﷺ (١٢١٨) وأبو داود في كتاب المناسك باب صفة حجة النبي صلى الله علبه وسلم (١٩٠٥)، وابن ماجه في كتاب المناسك باب حجة النبي ﷺ (٣٠٧٤) .","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>شرح الحديث</span>\nقال جابر ﵁: «إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله فخرجنا معه» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>قوله: «فخرجنا معه» </span>كان ذلك في الخامس والعشرين من ذي القعدة في يوم السبت بعد أن أعلم الناس في خطبة الجمعة كيف يحرمون وسئل ماذا يلبس المحرم وأوضح للناس مبادئ النسك. وبقي في ذي الحليفة وبات بها وفي اليوم التالي اغتسل ولبس ثياب إحرامه ثم أحرم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>وقوله: «حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء» </span>أتى بحرف (الفاء) لأنها معطوفة على جملة هي جواب الشرط يعني: حتى إذا أتينا ذا الحليفة نزل وصار كذا وكذا فولدت.\nوذو الحليفة ميقات أهل المدينة وتعرف الآن بأبيار علي وهي مكان بينه وبين المدينة نحو تسعة أميال وبينه وبين مكة عشر مراحل وسمي بذي الحليفة لكثرة هذا الشجر فيه وهي شجرة الحَلْفَاءِ وهي معروفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>وقوله: «فولدت أسماء بنت عميس» </span>وهي زوجة أبي بكر","vol":"1","page":14},{"text":"﵁ ولدت محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى النبي ﷺ كيف تصنع فقال لها: «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» فأمرها بالاغتسال للإحرام وليس لرفع الحدث لأن الحدث لازال باقيا وأمرها أن تستثفر بثوب يعني تتعصب به وتشد عليها ثوبا حتى لا يخرج شيء من هذا الدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>وقوله: «وأحرمي» </span>وأطلق لها الإحرام وقد أحرم الناس من ذي الحليفة على وجوه ثلاثة منهم من أحرم بالحج ومنهم من أحرم بالعمرة ومنهم من أحرم بالحج والعمرة. ولم يقل لها النبي ﷺ: «افعلي ما يفعل الحاج» كما قال لعائشة ﵂ لأنها إنما أرسلت تسأل عن قضية معينة وهي الإحرام كيف تحرم؟.\nوقد أصابها ما أصابها ولم تسأله عن بقية النسك ولهذا أخطأ ابن حزم (١) ﵀ حيث قال: إن النفساء يجوز لها أن تطوف بالبيت بخلاف الحائض واستدل لقوله بأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (٢) .\nولو كان الطواف بالبيت ممنوعا بالنسبة للنفساء لبينه النبي\n_________\n(١) أنظر المحلي ٥/ ١٨٩.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحيض / باب الأمر بالنفساء إذا نفسن (٢٩٤)، ومسلم في كتاب الحج، / باب بيان وجوه الإحرام (٢٩١٠)","vol":"1","page":15},{"text":"ﷺ فأجاب الجمهور بأن المرأة لم تسأل عما تفعل في النسك وإنما تسأل ماذا تصنع عند الإحرام فبين لها النبي ﷺ كيف تصنع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>وقوله: «وصلى رسول الله ﷺ في المسجد» </span>يعني مسجد ذي الحليفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>وقوله: «ثم ركب القصواء» </span>هو لقب ناقته وله ناقة تسمى العضباء وقد ذكر ابن القيم ﵀ في أول زاد المعاد (١) ما يلقب من دوابه صلوات الله وسلامه عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>وقوله: «حتى إذا استوت به على البيداء» </span>يعني علت به على البيداء. والبيداء جبل صغير طرف ذي الحليفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>وقوله: «نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك» </span>أي أنهم كثير وقد قدروا بنحو مائة ألف الذين حجوا مع رسول الله ﷺ يعني لم يبق من الصحابة ﵃ إلا أربعة وعشرون ألفا وإلا فكلهم حجوا معه لأنه أعلن ﵊ للناس أنه سيحج فقدم الناس كلهم من أجل أن ينظروا إلى حج النبي ﷺ ويقتدوا به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>وقوله «وهو يعرف تأويله» </span>المراد بالتأويل هنا التفسير\n_________\n(١) ١/١٢٣.","vol":"1","page":16},{"text":"فإن أعلم الخلق بمعاني كلام الله تعالى هو رسول الله ﷺ ولهذا قال العلماء ﵏ يرجع في التفسير إلى القرآن الكريم ثم إلى السنة ثم إلى أقوال الصحابة ثم إلى كلام التابعين الذين أخذوا عن الصحابة ﵃.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>وقوله: «ثم أهل بالتوحيد» </span>أي رفع صوته بالتوحيد قائلا:\n«لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» رفع صوته بهذه الكلمات العظيمة التي سماها جابررضي الله عنه توحيدًا لأنها تضمنت التوحيد والإخلاص.\nولبيك كلمة إجابة والدليل على هذا ما ورد في الصحيح «أن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك» (١) وتحمل معنى الإقامة من قولهم ألبَّ بالمكان: أي أقام فيه فهي متضمنة للإجابة والإقامة. الإجابة لله والإقامة على طاعته ولهذا فسرها بعضهم بقوله: لبيك أي أنا مجيب لك مقيم على طاعتك وهذا تفسير جيد.\nفإذا قال قائل: أين النداء من الله حتى يلبيه المحرم؟\nقلنا: هو قوله تعالى) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء/ باب قصة يأجوج ومأجوج (٣٣٤٨) وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان/ باب قوله \" يقول الله لآدم\" (٢٢٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"1","page":17},{"text":"رِجَالًا «١) أي أعلم الناس بالحج أو ناد فيهم بالحج و) يَأْتُوكَ رِجَالًا (أي: على أرجلهم وليس المعنى ضد الإناث والدليل على أنهم على أرجلهم ما بعدها) وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (.\nوهذه قاعدة مفيدة في التفسير (فإنه قد يعرف معنى الكلمة بما يقابلها) .\nومثلها قوله تعالى: وهو أخفى من الآية التي معنا:) فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا «٢) فمعنى ثبات: متفرقون مع أن ثبات يبعد جدا أن يفهمها الإنسان بهذا المعنى لكن لما ذكر بعدها) أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (علم أن المراد بالثبات المتفرقون.\nوالتثنية في التلبية هل المقصود بها حقيقة التثنية أي أجبتك مرتين أو المقصود بها مطلق التكثير؟\nالجواب: المقصود بها الثاني لأن المعنى إجابة بعد إجابة وإقامة بعد إقامة فالمراد بها مطلق التكثير أي: مطلق العدد وليس المراد مرتين فقط.\nولهذا قال النحويون: إنها ملحقة بالمثنى وليست مثنى حقيقة لأنه يراد بها الجمع والعدد الكثير.\n_________\n(١) سورة الحج: آية ٢٧.\n(٢) سورة النساء: آية ٧١.","vol":"1","page":18},{"text":"ولماذا جاءت بالياء الدالة على أنها منصوبة؟\nقالوا: لأنها مصدر لفعل محذوف وجوبا لا يجمع بينه وبينها والتقدير ألببت إلبابين لك.\nألببت يعني: أقمت بالمكان إلبابين.\nلكن حصل فيها حذف حرف الهمزة وصارت لبابين بعد حذف الهمزة.\nثم قيل: تحذف أيضا الباء الثانية فنقول لبيك والياء علامة للإعراب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>وقوله: «اللهم» </span>معناها: يا الله لكن حذفت ياء النداء وعوض عنها الميم وجعلت الميم أخيرا ولم تكن في مكان الياء تبركا بذكر اسم الله ابتداءً وعوض عنها الميم لأن الميم أدل على الجمع ولهذا كانت الميم من علامات الجمع.\nفكأن الداعي جمع قلبه على ربه ﷿ لأنه يقول يا الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>قوله: «لبيك» </span>الثانية من باب التوكيد اللفظي ولم يتغير عن لفظ الأول لكن له معنى جديد فيكرر ويؤكد أنه مجيب لربه مقيم على طاعته: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، لأنك تجيب الله ﷿ وكلما أجبته ازددت إيمانًا به وشوقًا إليه فكان التكرير مقتضى الحكمة ولهذا ينبغي لك أن تستشعر - وأنت تقول: لبيك - نداء الله ﷿ لك","vol":"1","page":19},{"text":"وإجابتك إياه لا مجرد كلمات تقال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>وقوله «لا شريك لك» </span>أي: لا شريك لك في كل شيء وليس في التلبية فقط لأنه أعم، أي: لا شريك لك في ملكك ولا شريك لك في ألوهيتك ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك ولا شريك لك في كل ما يختص بك.\nومنها إجابتي هذه الإجابة فأنا مخلص لك فيها، ما حججت رياءً ولا سمعة ولا للمال ولا لغير ذلك إنما حججت لك ولبَّيت لك فقط.\nوقوله: «لا شريك لك» إعرابها: لا نافية للجنس، وشريك: اسمها، ولك خبرها، والنافية للجنس أعم من النافية لمطلق النفي لأن النافية للجنس تنفي أي شيء من هذا بخلاف ما إذا قلت لا رجلٌ في البيت بالرفع فهذه ليست نافية للجنس بل هذه لمطلق النفي.\nولهذا يجوز أن تقول لا رجلٌ في البيت بل رجلان، لكن لو قلت: لا رجلَ في البيت بل رجلان صاح عليك العالمون بالنحو وقالوا: هذا غلط لا يصح أن تقول لا رجلَ في البيت بل رجلان فتنفي الجنس أولا ثم تعود وتثبت ولكن إن شئت فقل لا رجلَ في البيت بل أنثى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>وقوله «إن الحمد والنعمة لك» </span>يقال: بكسر همزة إن ورويت بالفتح. فعلى رواية فتح الهمزة «أن الحمد لك»","vol":"1","page":20},{"text":"تكون الجملة تعليلية أي: لبيك لأن الحمد لك فصارت التلبية مقيدة بهذه العلة أي: بسببها والتقدير لبيك لأن الحمد لك.\nأما على رواية الكسر: «إن الحمد لك» فالجملة استئنافية وتكون التلبية غير مقيدة بالعلة بل تكون تلبية مطلقة بكل حال، ولهذا قالوا: إن رواية الكسر أعم وأشمل فتكون أولى أي: أن تقول: إن الحمد والنعمة لك، ولا تقل: أن الحمد والنعمة لك، ولو قلت ذلك لكان جائزًا.\nوالحمد والمدح يتفقان في الاشتقاق أي في الحروف دون الترتيب ح- م - د موجودة في الكلمتين فهل الحمد هو المدح أو بينهما فرق؟\nالجواب: الصحيح أن بينهما فرقًا عظيمًا لأن الحمد مبني على المحبة والتعظيم.\nوالمدح لا يستلزم ذلك فقد يبنى على ذلك وقد لا يبنى وقد أمدح رجلًا لا محبة له في قلبي ولا تعظيم ولكن رغبة في نواله فيما يعطيني مع أن قلبي لا يحبه ولا يعظمه.\nأما الحمد فإنه لا بد أن يكون مبنيًا على المحبة والتعظيم ولهذا نقول في تعريف الحمد: هو وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا، ولا يمكن لأحد أن يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله ﷿.\nوقول بعضهم: الحمد هو الثناء بالجميل الاختياري، أي:","vol":"1","page":21},{"text":"أن يثني على المحمود بالجميل الاختياري. ويفعله اختيارًا من نفسه، تعريف غير صحيح، يبطله الحديث الصحيح: «أن الله قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم قال: أثنى عليَّ عبدي» (١) فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد لأن الثناء تكرار الصفات الحميدة، وأل في الحمد للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع وعلى دفع الضرر، وعلى حصول الخير الخاص والعام، كلها لله على الكمال كله.\nوقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه «بدائع الفوائد» (٢) بحثًا مستفيضًا حول الفروق بين (المدح - والحمد) وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس، وقال كان شيخنا- ابن تيمية - إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب ولكنه كما قيل:\nتألق البرق نجديًا فقلت له.... إليك عني فإني عنك مشغول\nأي أن شيخ الإسلام ﵀ مشغول بما هو أهم من\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة / باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (٣٩٥) عن أبي هريرة ﵁.\n(٢) ٢/ ٩٢-٩٦ \"","vol":"1","page":22},{"text":"البحث في كلمة في اللغة العربية، وأسرار اللغة العربية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>وقوله: «النعمة» </span>أي الإنعام، فالنعمة لله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>وقوله: «النعمة لك» </span>كيف تتعدى باللام؟ مع أن الظاهر أن يقال: النعمة منك؟\nالجواب: النعمة لك يعني التفضل لك فأنت صاحب الفضل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>وقوله: «والملك لا شريك لك» </span>الملك شامل لملك الأعيان وتدبيرها وهذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له فإذا تأملت هذه الكلمات وما تشتمل عليه من المعاني الجليلة وجدتها أنها تشتمل على جميع أنواع التوحيد وأن الأمر كما قال جابر ﵁ «أهلَّ بالتوحيد» . والصحابة ﵃ أعلم الناس بالتوحيد.\nفقوله «الملك» من توحيد الربوبية، والألوهية من توحيد الربوبية أيضا لأن إثبات الألوهية متضمن لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مستلزم لإثبات الألوهية ولهذا لا تجد أحدًا يوحد الله في ألوهيته إلا وقد وحده في ربوبيته، لكن من الناس من يوحد الله في ربوبيته ولا يوحده في ألوهيته وحينئذ نلزمه ونقول: إذا وحدت الله في الربوبية لزمك أن توحده في الألوهية ولهذا فإن عبارة العلماء ﵏ محكمة: حيث قالوا (توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد","vol":"1","page":23},{"text":"الألوهية وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية) .\nونأخذ توحيد الأسماء والصفات من قوله «إن الحمد والنعمة» .\nفالحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.\nوالنعمة من صفات الأفعال، فقد تضمنت توحيد الأسماء والصفات.\nومن أين نعرف أنه بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل؟\nالجواب: من قوله «لا شريك لك» لأن التمثيل شرك والتعطيل شرك أيضا والمعطل لم يعطل إلا حين اعتقد أن الإثبات تمثيل فمثَّل أولا وعطَّل ثانيا والتحريف والتكييف متضمنان التمثيل والتعطيل.\nوبهذا تبين أن هذه الكلمات العظيمة مشتملة على التوحيد كله ومع الأسف أنك تسمع بعض الناس في الحج أو العمرة يقولها وكأنها أنشودة، لا يأتون بالمعنى المناسب تقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) .\nلكنهم يقفون على (إن الحمد والنعمة لك) ثم يقولون: (والملك لا شريك لك) .","vol":"1","page":24},{"text":"مسألة: فهل لنا أن نزيد على ما ورد عن النبي ﷺ من التلبية التي رواها جابر ﵁؟\nنقول: نعم فقد روى الإمام أحمد في المسند: أن النبي ﷺ كان يقول: «لبيك إله الحق» (١) و«إله الحق» من إضافة الموصوف إلى صفته أي: لبيك أنت الإله الحق.\nوكان ابن عمر ﵄ يزيد: «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل» (٢) .\nفلو زاد الإنسان مثل هذه الكلمات فلا بأس، اقتداء بعبد الله بن عمر ﵄، لكن الأولى ملازمة ما ثبت عن النبي ﷺ.\nوهل لهم أن يكبروا بدل التلبية إذا كان في وقت التكبير كعشر ذي الحجة؟\nالجواب: نعم، لقول أنس ﵁ «حججنا مع النبي ﷺ منا المكبر ومنا المهل» (٣) وهذا يدل على أنهم ليسوا يلبون التلبية الجماعية ولو كانوا يلبون التلبية الجماعية\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٢/ ٤٧٦، وأخرجه النسائي في كتاب المناسك / باب كيف التلبية ٥/١٦١ عن أبي هريرة ﵁.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج/ باب التلبية ١١٨٤.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الحج / باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة (١٦٥٩) ومسلم في كتاب الحج/ باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات (١٢٨٥) .","vol":"1","page":25},{"text":"لكانوا كلهم مهلين أو مكبرين لكن بعضهم يكبر، وبعضهم يهل، وكل يذكر ربه على حسب حاله.\nمسألة: قال العلماء ﵏: وينبغي أن يذكر نسكه في التلبية، فإذا كان في العمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، وفي الحج: لبيك اللهم حجًا، وفي القران: لبيك اللهم عمرة وحجًا.\nثم قال جابر ﵁: «حتى إذا أتينا البيت» يعني الكعبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>وقوله: «استلم الركن» </span>أي الحجر الأسود. وأطلق عليه اسم الركن لأنه في الركن، والاستلام قال العلماء ﵏ أن يمسحه بيده وليس أن يضع يده عليه لأن الوضع ليس فيه استلام بل لابد من المسح، والمسح يكون باليد اليمنى لأن اليد اليمنى تقدم للإكرام والتعظيم.\nوهل يقبله؟ نقول: نعم لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقبله (١) لكن يقبله محبةً لله ﷿ وتعظيمًا له لا محبةً للحجر لكونه حجرًا ولا يتبرك به أيضًا كما يصنعه بعض الجهال فيمسح يده بالحجر الأسود ثم يمسح بها بدنه أو\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الحج / باب الرمل في الحج (١٦٠٥) ومسلم في الحج / باب استحباب تقبيل الحجر الأسود (١٢٧٠) عن عمر بن الخطاب ﵁..","vol":"1","page":26},{"text":"يمسح صبيانه الصغار تبركًا به فإن هذا من البدع.\nولهذا لما قبّل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الحجر الأسود قال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك» (١) فأفاد ﵁ بهذا أنه مجرد تعبد واتباع للرسول ﷺ. إذًا فتقبيلنا للحجر الأسود هو محبةٌ لله ﷿ وتعظيمٌ له ومحبة للقرب منه ﷾. فإن شق الاستلام والتقبيل فإنه يستلمه بيده ويقبل يده (٢) .\nوهذا بعد استلامه ومسحه لا أنه يقبل يده بدون مسح وبدون استلام فإن شق اللمس أشار إليه (٣) . وإذا أشار إليه فإنه لا يقبل يده.\nكل هذه الصفات وردت عن النبي ﷺ وهي مرتبة حسب الأسهل.\nفأعلاها استلام اليد وتقبيل الحجر ثم استلام باليد مع\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الحج / باب الرمل في الحج (١٦٠٥) ومسلم في الحج / باب استحباب تقبيل الحجر الأسود (١٢٧٠) عن عمر بن الخطاب ﵁..\n(٢) لما روى نافع قال: \" رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله\" أخرجه مسلم في الحج / باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف (٣٠٤٥) .\n(٣) أخرجه البخاري في الحج / باب التكبير عند الركن (١٦١٣) من حديث ابن عباس ﵄ قال: \" طاف رسول الله ﷺ على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء كان عنده ويكبر \".","vol":"1","page":27},{"text":"تقبيلها، ثم استلام بعصًا ونحوه مع تقبيله إن لم يكن فيه أذية، والسنة إنما وردت في هذا للراكب فيما نعلم ثم إشارة.\nفالمراتب صارت أربعًا تفعل أولًا فأول بلا أذية ولا مشقة.\nمسألة: كيفية الإشارة؟ هل الإشارة كما يفعل العامة أن تشير إليه كأنما تشير في الصلاة أي: ترفع اليدين قائلًا الله أكبر؟ الجواب: لا بل الإشارة باليد اليمنى. كما أن المسح يكون باليد اليمنى. ولكن هل تشير وأنت ماشٍ والحجر على يسارك، أم تستقبله؟ الجواب: روي عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إنك رجل قوي فلا تزاحم فتؤذي الضعيف إن وجدت فرجة فاستلم وإلا فاستقبله وهلل وكبر» (١) قال: «وإلا فاستقبله» فالظاهر: أنه عند الإشارة يستقبله ولأن هذه الإشارة تقوم مقام الاستلام والتقبيل والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبلًا له بالضرورة لكن إن شق أيضًا مع كثرة الزحام فلا حرج أن يشير وهو ماشٍ.\nويقول عند محاذاته ما ورد عن النبي ﷺ ومنه عند ابتداء الطواف «بسم الله والله أكبر» (٢) «اللهم إيمانًا بك وتصديقًا\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد ١/٢٨، وعبد الرزاق (٨٩١٠)، والبيهقي ٥/٨٠ عن سعيد بن المسيب عن عمر ﵁.\n(٢) أخرجه البيهقي ٥/٧٩ عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا استلم الركن قال: \" بسم الله والله أكبر\".","vol":"1","page":28},{"text":"بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ» (١) كما كان ابن عمر ﵄ يقول ذلك.\nأما في الأشواط الأخرى فإنه يكبر كلما حاذى الحجر اقتداءً برسول الله ﷺ (٢) . إذًا الحجر الأسود له سنتان: سنة فعلية وسنة قولية.\nوأما الركن اليماني فيستلمه بلا تقبيل ولا تكبير ولا إشارة إليه عند التعذر. لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ. والقاعدة الفقهية الأصولية الشرعية: (أن كل ما وجد سببه في عهد الرسول ﷺ ولم يفعله فالسنة تركه) وهذا قد وجد سببه فالركن اليماني كان الرسول ﷺ يستلمه ولم يكن يكبر وعلى هذا فلا يسن التكبير عند استلامه.\nمسألة: وهل يستلمهما في آخر شوط؟\nالجواب: يستلم الركن اليماني ولا يستلم الحجر الأسود لأنه إذا مر بالركن اليماني مر وهو في طوافه. وإذا انتهى إلى الحجر الأسود انتهى طوافه. ولهذا لا يستلم الحجر الأسود ولا يكبر أيضًا في آخر شوط. لأن التكبير تابع للاستلام ولا\n_________\n(١) أخرجه البيهقي ٥/٧٩ وابن أبي شيبة ٤/١٠٥ وعبد الرزاق (٨٨٩٨) عن ابن عباس ﵄.\n(٢) سبق تخريجه رقم ٢٢.","vol":"1","page":29},{"text":"استلام الآن والتكبير في أول الشوط، وليس في آخر الشوط.\nمسألة: ماذا يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود؟\nالجواب: يقول «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» .\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: (والمناسبة في ذلك أن هذا الجانب من الكعبة هو آخر الشوط وكان النبي ﷺ يختم دعاءه غالبا بهذا الدعاء) .\nوأما الزيادة «وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار» فهذه لم ترد عن النبي ﷺ ولا ينبغي للإنسان أن يتخذها تعبدًا لله لكن لو دعا بها لم ينكر عليه لأن هذا محل دعاء.\nولكن كونه يجعله مربوطا بهذه الجملة (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) غير صحيح وروي عن النبي ﷺ أنه كان يقول أيضًا: «اللهم إني أسألك العفو والعافية» ولكنه حديث ضعيف (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>وقوله: «فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا» </span>قال العلماء ﵏: الرمل هو سرعة المشي مع مقاربة الخطا.\nوالظاهر أن مرادهم مع تقارب الخطا أي أن الإنسان لا يمد\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في المناسك / باب فضل الطواف (٢٩٥٧) عن أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":30},{"text":"خطوه لأن العادة في الإنسان إذا أسرع تكون خطوته أبعد. لكن يسرع ولا يمد خطوه بل يكون طبيعيا وليس الرمل هو هز الكتفين كما يفعله الجهال.\n«ثلاثًا» أي: ثلاثة أشواط «ومشى أربعًا» يعني أربعة أشواط مشى على عادته بدون إسراع. ويسن له الإضطباع في الطواف وهو: أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر والحكمة من ذلك: الاقتداء برسول الله ﷺ (١) وإظهار القوة والنشاط إذ هو أنشط للإنسان مما لو التحف والتف بردائه.\nمسألة: وهل الإضطباع مثل الرمل يكون في الأشواط الثلاثة أو يكون في جميع الأشواط؟\nالجواب: نقول يكون في جميع الأشواط.\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>وقوله «ثم نفذ إلى مقام إبراهيم» </span>يدل على أن هناك زحاما، وفي رواية ثم تقدم إلى مقام إبراهيم والجمع بينهما أنه نفذ متقدما إلى مقام إبراهيم ليصلي خلفه.\nومقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه الصلاة\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد ٤/٢٢٣ وأبو داود في المناسك / باب الاضطباع في الطواف (١٨٨٣)، والترمذي في الحج / باب أن النبي صلى الله عليه طاف مضطبعًا (٨٥٩) وابن ماجه في المناسك / باب الاضطباع (٢٩٥٤) عن أبي يلعي بن أمية ﵁.","vol":"1","page":31},{"text":"والسلام يرقى عليه لما ارتفع جدار الكعبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>وقوله: «فقرأ) وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى </span>(» قرأ ذلك في حال نفوذه إشارة إلى أنه إنما فعل ذلك امتثالا لأمر الله تعالى في قوله) وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى «١) وهذا أمر مطلوب منا عندما نفعل العبادات أن نستشعر بأننا نقوم بها امتثالا لأمر الله تعالى لأن شعور الإنسان عندما يفعل العبادة بأنه يفعلها امتثالا لأمر الله تعالى فإن هذا مما يزيد في إيمانه ويجد لها لذة وهذه هي نية المعمول له. بخلاف الذي يفعل العبادة وهو غافل عن هذا المعنى فإن العبادة تكون كالعادة، ولهذا قال المتكلمون على النيات إن النية نوعان نية العمل ونية المعمول له والأخيرة أعظم مقاما من الأولى لأن نية العمل تأتي ضرورة فما من إنسان عاقل يقوم بعمل إلا وقد نواه وقصده حتى قال بعض العلماء ﵏ لو كلفنا الله عملًا بلا نية لكان من تكليف مالا يطاق. لكن المقام الأسنى والأعلى نية المعمول له التي تغيب عنا كثيرًا.\nوقوله تعالى:) وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى (استدل بعض العلماء ﵏ باستشهاد النبي ﷺ بهذه الآية على أن ركعتي الطواف واجبة وهذا له حظ من النظر لأن النبي ﷺ فسر به الآية الدالة على الوجوب للأمر بها ولهذا لا ينبغي\n_________\n(١) سورة البقرة: آية ١٢٥.","vol":"1","page":32},{"text":"للإنسان أن يدع الركعتين بعد الطواف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>وقوله «فجعل المقام بينه وبين البيت» </span>المقام أي مقام إبراهيم جعله بينه وبين الكعبة.\nوهذا يشعر بأن المقام في مكانه الحالي لأنه لو كان لاصقا بالبيت كما في الرواية المشهورة ما احتاج أن يقول جعل بينه وبين البيت لأن المقام لاصق بالبيت.\nوهذه المسألة اختلف فيها المؤرخون وأكثر المؤرخين على أنه كان في أول الأمر لاصقا بالبيت ثم زحزح ولكن الذي يظهر أنه من الأصل في مكانه هذا.\nومقام إبراهيم جعل الله فيه آية وهي أثر قدمي إبراهيم ﵊ وقد شهده أوائل هذه الأمة شهدوا أثر القدم ولكنه انمحى وزال لكثرة مسه من الناس. وقد أشار إلى هذا أبو طالب في قوله:\nوموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>وقوله: «فصلى» </span>يعني ركعتين. واعلم أن المشروع في هاتين الركعتين التخفيف وأن يقرأ فيهما بـ) قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (و) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (وأنه ليس\n_________\n(١) البداية والنهاية ٣/ ٤٣.","vol":"1","page":33},{"text":"قبلهما دعاء وليس بعدهما دعاء.\nوالحكمة من تخفيفهما أن تفسح المجال لمن هو أحق منك فالناس ينتهون من الطواف أرسالًا فإذا انتهى الطائفون وأنت حاجز هذا المكان تطيل الصلاة فمعناه أنك حجزت مكانًا لمن هو أحق منك فلا تطل الصلاة ثم إنه قد يكون المطاف مزدحما فيحتاج الطائفون إلى المكان الذي أنت فيه أيضا فمن ثم خفف النبي ﷺ الصلاة واختار أن يقرأ بعد الفاتحة بسورتي الكافرون والإخلاص) قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (و) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (لأن إمام الحنفاء هو صاحب هذا المقام وهو إبراهيم ﵊ الذي قال الله لنبيه محمد ﷺ:) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «١) .\nوالحكمة في قراءة هاتين السورتين أن فيهما التوحيد كله بنوعيه التوحيد الخبري والتوحيد الطلبي العملي فالتوحيد الخبري في) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (والعملي الطلبي في) قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (.\nوهل للمقام دعاء؟\nالجواب: ليس للمقام دعاء ولا دعاء قبل الركعتين ولا بعدهما ولكن المشكلة أن مثل هذه البدع صارت كأنها قضايا\n_________\n(١) سورة النحل: الآية ١٢٣.","vol":"1","page":34},{"text":"مسلمة مشروعة حتى إن الحاج ليرى أن حجه ناقص إذا لم يفعل هذا وكل هذا بسبب تقصير العلماء أو قصورهم وإلا فمن الممكن أن يعطى هؤلاء الحجاج مناسك من بلادهم توجههم للطريق الصحيح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>وقوله: «ثم رجع إلى الركن فاستلمه» </span>يعني استلم الحجر الأسود ولم يقبله ولم يرد عن النبي ﷺ أنه أشار إليه وعلى هذا فيكون هنا استلام بلا تقبيل ولا إشارة إليه عند التعذر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>وقوله: «ثم خرج من الباب إلى الصفا» </span>يعني بعد أن صلى الركعتين خلف المقام رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب أي من باب المسجد إلى الصفا ومن المعلوم أنه سيختار الباب الذي يلي الصفا. والصفا هو الجبل الذي يكون أمام الحجر الأسود من الكعبة أو يميل قليلا إلى الركن اليماني.\nوهو جبل معروف يسمى جبل أبي قبيس (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>وقوله: «فلما دنا من الصفا» </span>يعني قرب منه. «قرأ) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (أبدأ بما بدأ الله به» .\n_________\n(١) الصفا بالفتح والقصر. والصفا والصفوان والصفواء كله العريض من الحجارة الملس. جمع صفاة ويكتب بالألف ويثنى صفوان. ومنه الصفا والمروة وهما جبلان بين بطحاء مكة والمسجد. أما الصفا فمكان مرتفع من جبل أبي قبيس بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق. معجم البلدان ٣/٤٦٧.","vol":"1","page":35},{"text":"وفائدة هذه القراءة إشعار نفسه بأنه إنما اتجه إلى السعي امتثالًا لما أرشد الله إليه في قوله:) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ «١) وليعلم الناس أنهم إنما يسعون بين الصفا والمروة من أجل أنهما من شعائر الله، وليعلم الناس أيضا أنه ينبغي للإنسان إذا فعل عبادة أن يشعر نفسه أنه يفعلها طاعة لله ﷿ كما لو توضأ الإنسان فينبغي أن يستشعر عند وضوئه أن يتوضأ امتثالا لقوله تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ «٢) . ويشعر أيضا أنه يتوضأ كأن النبي ﷺ أمامه يتبعه في وضوئه وهكذا جميع العبادات فإذا استشعر الإنسان عند فعل العبادة أنه يفعلها امتثالا لأمر الله فإنه يجد لها لذةً وأثرًا طيبًا.\nوقوله: قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) يحتمل أنه قرأ الآية كلها وكان السلف يعبرون ببعض الآية عن جميعها، ويحتمل أنه لم يقرأ إلا هذا فقط الذي هو محل الشاهد، وهو كون الصفا والمروة من شعائر الله وكون الصفا هو الذي يبدأ به، وهذا هو المتعين وذلك لأن الأصل أن الصحابة ﵃ ينقلون كل ما سمعوا وإذا لم يقل: حتى ختم الآية أو حتى أتم الآية فإنه يقتصر على ما نقل فقط.\n_________\n(١) سورة البقرة: آية ١٥٨.\n(٢) سورة المائدة: آية ٦.","vol":"1","page":36},{"text":"وقوله (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الشعائر جمع شعيرة وهي النسك أو العبادة المتميزة عن غيرها بتعظيم الله ﷿.\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>وقوله: «أبدأ بما بدأ الله به» </span>لأن الله بدأ بالصفا فقال:) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ (وفيه إشارة إلى أن الله إذا بدأ بشيء كان دليلًا على أنه مقدم إلا بدليل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>وقوله: «فرقي الصفا» </span>أي: عليه وهذا الرقي ليس بواجب وإنما هو سنة وإلا لو وقف على حد الصفا من أسفل حصل المقصود لقوله تعالى) فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا «١) وحد الواجب الآن هو حد هذه الأسياخ التي جعلوها للعربات وعلى هذا فلا يجب أن يصعد ويتقدم ولا سيما في أيام الزحام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>وقوله: «حتى رأى البيت» </span>أي: الكعبة «فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>وقوله: «وحد الله» </span>أي: نطق بتوحيده ولعله قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الله أكبر. والنفي هنا نفي للإله الحق أي: لا إله حق إلا الله وأما الآلهة التي تعبد من دون الله فليست بحق كما\n_________\n(١) سورة البقرة: آية ١٥٨.","vol":"1","page":37},{"text":"قال تعالى) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ «١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>وقوله: «وكبره وقال لا إله إلا الله» </span>يحتمل أنه زائد على قوله فوحد الله أو أنه تفسير له. لكن وردت السنة بأنه يكبر ثلاث تكبيرات ولكنه ليس كتكبير الجنازة كما يتوهم بعض العامة حيث يقول الله أكبر بيديه يشير بها كما يشير بها في الصلاة هذا خطأ. لكن يرفع يديه ويكبر ثلاثًا ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>وقوله: «وحده لا شريك له» </span>وحده تأكيد للإثبات و«لا شريك له» تأكيد للنفي واستفدنا توحده بالملك من تقديم الخبر «له الملك» لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. والملك يشمل ملك الذوات أي الأعيان وملك التصرف والله ﷾ مالك لكل ما في السموات والأرض مالك للتصرف فيهما لا شريك له في ملكه ولا في تدبيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>وقوله: «وله الحمد» </span>يعني أنه يحمد على كمال صفاته وعلى كمال إنعامه وإحسانه وكذلك على كمال تصرفه وأفعاله. وأعقب به قوله «له الملك» ليفيد أن ملكه ملك\n_________\n(١) سورة الحج: آية ٦٢.","vol":"1","page":38},{"text":"يحمد عليه فما كل من ملك شيئا وتصرف فيه يحمد على تصرفه لكن الله ﷿ يحمد على ملكه وتصرفه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>وقوله: «وهو على كل شيء قدير» </span>كل شيء فالله تعالى قادر عليه إن كان موجودًا فهو قادر على إعدامه وتغييره وإن كان معدومًا فهو قادر على إيجاده. والقدرة: صفة يتمكن بها من الفعل بدون عجز وهي أخص من القوة من وجه وأعم من وجه لأن القوة يوصف بها من له إرادة ومن لا إرادة له فيقال: حديد قوي وإنسان قوي وأما القدرة فلا يوصف بها إلا من كان ذا إرادة فيقال الإنسان قدير ولا يقال الحديد قدير لكن القوة أخص لأنها قدرة وزيادة ولهذا نقول: كل قوي ممن له قدرة فهو قادر ولا عكس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>وقوله: «لا إله إلا الله وحده» </span>كرر ذلك لأن باب التوحيد أمر مهم ينبغي تكراره ليثبت ذلك في قلبه وهو مع ذلك يؤجر عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>وقوله: «أنجز وعده» </span>يعني: بنصر المؤمنين فأنجز للرسول ﷺ ما وعده قال الله تعالى) لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ «١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>وقوله: «ونصر عبده» </span>هذا اسم جنس يشمل كل عبد من عباد الله قائم بأمر الله فإنه منصور قال الله تعالى) إِنَّا لَنَنْصُرُ\n_________\n(١) سورة الفتح: آية ٢٧.","vol":"1","page":39},{"text":"رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ «١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>وقوله: «وهزم الأحزاب وحده» </span>الأحزاب جمع حزب وهم الطوائف الذين تحزبوا على الباطل وتجمعوا عليه) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ «٢) .\nفهزمهم الله وحده ومثال على ذلك قصة الأحزاب الذين تجمعوا لحرب النبي ﷺ وحاصروه في المدينة وهم نحو عشرة آلاف نفر ومع ذلك هزمهم الله وحده أرسل عليهم ريحًا وجنودًا فقلقلتهم حتى انهزموا. وهل المراد بهزيمة الأحزاب في قوله «وهزم الأحزاب وحده» ما جرى في عام الخندق أو ما هو أعم!؟ نقول ما هو أعم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>وقوله: «ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات» </span>يعني قال هذا الذكر ثم يدعو ثم يقوله مرة أخرى ثم يدعو ثم يقوله مرة ثالثة ثم ينزل لأنه قال: «ثم دعا بين ذلك» والبينية تقتضي أن يكون محاطًا بالذكر من الجانبين فيكون الدعاء مرتين والذكر ثلاث مرات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>وقوله: «ثم نزل إلى المروة» </span>أي مشى إلى المروة متجهًا إليها.\n_________\n(١) سورة غافر: آية ٥١.\n(٢) سورة الصف: آية ٨.","vol":"1","page":40},{"text":"والمروة هي الجبل المعروف بقعيقعان (١) وهما جبلان معروفان في مكة أحدهما أبو قبيس والثاني قعيقعان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>وقوله: «حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى» </span>بطن الوادي هو مجرى السيل ومكانه ما بين العلمين الأخضرين الآن وكان في عهد النبي ﷺ مسيل المياه النازلة من الجبال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>وقوله: «سعى» </span>أي: ركض ركضًا شديدًا حتى إن إزاره لتدور به من شدة السعي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>وقوله: «حتى إذا صعدتا» </span>يعني ارتفع عن بطن الوادي «مشى حتى أتى المروة» وإنما فعل ذلك اقتداءً بأم إسماعيل ﵂ فإن أم إسماعيل لما وضعها إبراهيم ﵊ هي وولدها في هذا المكان وجعل عندهما ماء وتمرا فجعلت الأم تأكل من التمر وتشرب من الماء وترضع الطفل فنفد التمر والماء وجاعت الأم وعطشت ونقص لبنها فجاع الطفل فجعل الطفل يصيح ويتلوى من\n_________\n(١) قعيقعان: بالضم ثم الفتح بلفظ تصغير: وهو اسم جبل بمكة قيل إنما سمي بذلك لأن قطوراء وجرهم لما تحاربوا قعقعت الأسلحة فيه، وعن السدي أنه قال: سمي الجبل الذي بمكة قيقعان لأن جرهم كانت تجعل فيه قسيها وحرابها ودرقها فكانت تقعقع فيه، والواقف على قيقعان يشرف على الركن العراقي إلا أن الأبنية قد حالت بينهما. معجم البلدان ٤/ ٤٣٠.","vol":"1","page":41},{"text":"الجوع فأمه من أجل الأمومة رحمته وخرجت إلى أدنى جبل إليها تستمع لعلها تسمع أحدًا أو ترى أحدا فصعدت الصفا وجعلت تستمع وتنظر فلم تجد أحدًا فرأت أقرب جبل إليها بعد الصفا المروة فاتجهت إليه تمشي وهي تنظر إلى الولد فلما نزلت بطن الوادي احتجب الولد عنها فجعلت تركض ركضا شديدا من أجل أن تلاحظ الولد فلما صعدت من المسيل مشت حتى أتت المروة ففعلت ذلك سبع مرات وهي في أشد ما تكون من الشدة لا بالنسبة إليها جائعة عطشى فقط ولا بالنسبة إلى الولد فقط وعند الشدة يأتي الفرج فبعث الله ﷿ جبريل فضرب بعقبه أو جناحه الأرض في مكان زمزم فنبع الماء بشدة فجعلت أم إسماعيل تحجر الماء تخشى أن يضيع من شدة شفقتها قال النبي ﷺ يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عينًا معينًا. ولكن لا شك أن هذا من حكمة الله ﷿ ووجه ذلك أنه لو كانت عينا معينا في هذا المكان وقرب الكعبة لصار فيها مشقة على الناس ولكن من نعمة الله ﷿ أن صار الأمر كما أراد الله ﵎.\nلكنها حجرتها ثم شربت من هذا الماء فكان هذا الماء طعامًا وشرابًا وجعلت تسقي الولد والحديث ذكره البخاري مطولا (١) فهذا أصل السعي كما قال النبي ﷺ فلذلك سعى\n_________\n(١) أخرجه البخاري كتاب الأنبياء، باب (يزفون) النسلان في المشي (٣٣٦٤) .","vol":"1","page":42},{"text":"الناس.\nوالمهم أن النبي ﷺ لما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى من أجل أن الناس إنما سعوا من أجل سعي أم إسماعيل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>وقوله: «ففعل على المروة كما فعل على الصفا» </span>لم يذكر جابر ﵁ ماذا يقوله الرسول ﷺ في بقية سعيه ولكن قد بين النبي ﷺ أن السعي لذكر الله فقال: «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (١) . فأي ذكر تذكر الله به فهو خير سواء بالقرآن أو بالتسبيح أو بالتهليل أو بالتكبير أو بالتحميد أو بالدعاء فأي شيء تذكر الله به فإنك قد حصلت على المطلوب.\nوهل ينافي ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الجواب: لا، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الذكر لأنه تذكير للخلق بما شرع الله لهم.\nوقوله: «ففعل على المروة كما فعل على الصفا» يعني من الصعود والدعاء والمقام، فعل النبي ﷺ ذلك سبع مرات\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في المناسك / باب الرمل (١٨٨٨) . والترمذي في الحج / باب ما جاء في كيف يرمي الجمار (٩٠٢) . والدارمي في المناسك / باب الذكر بعد رمي الجمار (٢٧٩) .","vol":"1","page":43},{"text":"فلما كان آخر طواف على المروة نادى وهو على المروة وأمر الناس من لم يسق الهدي منهم أن يجعلوا نسكهم عمرة فجعلوا يراجعون النبي ﷺ حتى قالوا: الحل كله يا رسول الله قال: الحل كله قالوا: نخرج إلى منى وذكر أحدنا يقطر منيًا يعني من جماع أهله قال: افعلوا ما آمركم به فلولا أن معي الهدي لأحللت معكم فأحلوا ﵃. أما النبي ﷺ ومن ساق الهدي فلم يحلوا ثم نزلوا بالأبطح (١) في ظاهر مكة فلما كان يوم التروية خرجوا إلى منى فمن كان منهم باقيًا على إحرامه فهو مستمر في إحرامه ومن كان قد أحل أحرم بالحج من جديد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>وقوله: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة» </span>هل يقال أن النبي ﷺ تمنى خلاف الواقع أو يقال إن هذا خبر مجرد الجواب: الثاني. فالنبي ﷺ لم يتمنَ لأنه يعلم أن هذا هو الأفضل أعني قرانه، لكنه قال للصحابة ﵃ هكذا لتطيب نفوسهم ويحلوا برضى.\n_________\n(١) الأبطح: بالفتح ثم السكون وفتح الطاء والحاء المهملة هو كل مسيل فيه دقاق الحصى فهو أبطح والأبطح يضاف إلى مكة وإلى منى لأن المسافة بينه وبينها واحدة وربما كان إلى منى أقرب وهو المحصب.. معجم البلدان ١/٥٦.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>وقوله: «فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد</span>؟» قوله «فقام سراقة» كان هذا عند المروة والسياق الذي في صحيح البخاري (١) ﵀ كان عند العقبة فما الجمع بينهما؟ نقول الجمع بينهما: ربما أن سراقة ﵁ أعاد السؤال مرة ثانية إما لأنه نسي ما قاله عند المروة وإما لزيادة التأكد وهذا يقع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>وقوله: «وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثيابًا صبيغًا، واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: «صَدَقتْ صَدَقتْ. ماذا قلت حين فَرضْتَ الحج» </span>قال: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>قوله: «قدم علي من اليمن» </span>أي وصل إلى مكة والنبي ﷺ في الأبطح. والسبب في ذهابه إلى اليمن لأن النبي ﷺ أرسله إلى اليمن للدعوة إلى الله وأخذ الزكوات منهم وغير ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>وقوله: «ببدن النبي ﷺ» </span>أي ببعضها لأن بعضها جاء بها علي ﵁ وبعضها جاء بها الرسول ﷺ كما يأتي في آخر الكلام.\nوقوله: «فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب العمرة / باب عمرة التنعيم (١٧٨٥) ولفظه \" فأمر عبد الرحمن بن أبى بكر أن يخرج عائشة إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقي النبي ﷺ بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: \" لا بل للأبد\".","vol":"1","page":45},{"text":"ثيابًا صبيغًا» أي ثوبًا جميلًا وكأنها متهيئة لزوجها ﵄.\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>وقوله: «فأنكر ذلك عليها» </span>لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج.\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>وقوله: «فقالت: إن أبي أمرني بهذا» </span>أي أخبرته أن أباها ﷺ أمرها بهذا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>وقوله: «فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه» </span>التحريش في الأصل التهييج والإغراء كما يحرش بين البهائم وكما يحرش بين الناس ولهذا يقال حرش فلان على فلان أي هيج غيره عليه وأغراه به. فذهابه للنبي ﷺ لغرضين الغرض الأول التحريش على فاطمة ﵂ لماذا تحل، والثاني الاستفتاء هل عملها صحيح أو غير صحيح؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>وقوله: «فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت صدقت» </span>يعني أمرتها بهذا وكرر ذلك توكيدا لأن المقام يقتضي ذلك. فقوله «صدقت» أي فيما قالت أني أمرتها به. وإنما أمرها النبي ﷺ كما أمر غيرها لأنها لم تسق الهدي فحلت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>وقوله: «ماذا قلت حين فرضت الحج» </span>أي سأل النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ ماذا قال حين فرض الحج","vol":"1","page":46},{"text":"قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسولك قال: إن معي الهدي فلا تحل.\nففي هذا دليل على مسألة خاصة بعلي ﵁، وعلى مسألة عامة للمسلمين.\nأما المسألة الخاصة بعلي فهو ذكاؤه ﵁ وفطنته وحرصه على التأسي برسول الله ﷺ حيث أحرم بما أحرم به الرسول ﷺ.\nأما المسألة العامة فهي جواز مثل هذا أي أنه يجوز للإنسان أن يقول لبيك أو أحرمت بما أحرم به فلان ممن يثق بعلمه ودينه مع أنه سيكون مجهولًا له حتى يصل إلى فلان.\nفإذا قال أحرمت بما أحرم به فلان وكان فلان قارنًا فهل لهذا إذا لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة؟\nالجواب: نعم لأنه لو أحرم به من أول فإننا نأمره أن يحل بعمرة فكيف إذا كان مقتديًا بغيره، ولكن علي بن أبي طالب ﵁ أشركه النبي ﷺ في هديه وجعل منه نصيبا. ولهذا قال معي الهدي فلا تحل.\nوظاهر هذه العبارة أن من أحرم بمثل ما أحرم به فلان وكان فلان قد ساق الهدي ولم يحل فإن الثاني لا يحل لكن هذا مقيد بما إذا كان الثاني قد ساق الهدي أو مشاركًا له فيه كما سيأتي في سياق الحديث أن النبي ﷺ أشرك عليًا رضي","vol":"1","page":47},{"text":"الله عنه في هديه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>وقوله: «قال فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة» </span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>قوله: «جماعة» </span>أي مجموع الهدي و(مائة) بالألف ولكن هذه الألف لا ينطق بها والناطق بها يعتبر لاحنًا بل يقال مئة كما يقال فئة بدون نطق الألف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>وقوله: «فلما كان يوم التروية» </span>«يوم» بالرفع مع أنه ظرف زمان لأنه هنا سلبت منه الظرفية فـ «يوم» هنا فاعل «كان» وكان هنا تامة وليست ناقصة فلا تحتاج إلى اسم وخبر والمعنى: لما جاء يوم التروية توجهوا إلى منى.\nويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة وسمي بذلك لأن الناس يتروون فيه الماء لما بعده يعني يستسقون فيه الماء ليوم عرفة وأيام منى. ومن هذا اليوم إلى آخر أيام التشريق لكل يوم من هذه الأيام الخمسة اسم خاص فالثامن يوم التروية والتاسع يوم عرفة والعاشر يوم النحر والحادي عشر يوم القر والثاني عشر يوم النفر الأول والثالث عشر يوم النفر الثاني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>وقوله: «توجهوا إلى منى» </span>الضمير يعود على النبي ﷺ وأصحابه توجهوا من الأبطح لأن النبي ﷺ نزل هناك في الأبطح ولم يذكر جابر ﵁ أن أحدًا من الصحابة","vol":"1","page":48},{"text":"﵃ جاء إلى البيت وأحرم منه ولو أن أحدًا فعل ذلك لبينه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>وقوله: «إلى منى» </span>منى: اسم مكان معروف وسميت بهذا الاسم لكثرة ما يمنى فيها من الدماء. أي: يراق من الدماء وهي من حيث الإعراب مصروفة فنقول: منىً بالتنوين. وحدُّها شرقًا وغربًا من وادي محسر إلى جمرة العقبة. ومن الشمال والجنوب قال العلماء ﵏: كل سفوح الجبال الكبيرة ووجوهها التي تتجه إلى منى من منى. وبناء على هذا تكون منى واسعة جدًا وتسع الحجاج لو أنها نظمت تنظيمًا تامًا مبنيًا على العدل. لكن بعض الناس يتخذ مكانًا واسعًا يسع أكثر من حاجته.\nمسألة: توجد مشكلة في الوقت الحاضر. يقول بعض الناس أنا لا أجد أرضًا بمنى إلا بأجرة فهل يجوز لي أن أستأجر أرضا في منى؟\nفالجواب: نعم يجوز والإثم على المؤجر الذي أخذ المال بغير حق أما المستأجر فلا إثم عليه. ولهذا قال فقهاء الحنابلة ﵏: لا يجوز تأجير بيوت مكة ولكن إذا لم يجد بيتا إلا بأجرة دفع الأجرة والإثم على المؤجر وبيوت منى وأرضها من باب أولى لأن منى مشعر محدود محصور، فأين يذهب الناس إذا استولى عليها من يقول: أنا لا أُنزل فيها الناس إلا","vol":"1","page":49},{"text":"بأجرة؟!\nأما مكة فيمكن أن ينزل الإنسان بعيدا ولكن منى وعرفة ومزدلفة مشاعر كالمساجد، لا يجوز لأحد إطلاقًا أن يبني فيها بناءً يؤجره ولا أن يختط أرضًا ويؤجرها فإن فعل فالناس معذورون يبذلون الأجرة والإثم على الذي أخذها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>وقوله: «وركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر» </span>صلى بمنى خمس صلوات كل صلاة في وقتها بدون جمع لأنه لو كان يجمع لبينه جابر ﵁ فإن الجمع خلاف الأصل ولما لم ينبه عليه علم أن صلاة النبي ﷺ هذه الصلوات الخمس صلاة مفرودة كل صلاة في وقتها، الظهر والعصر والعشاء قصرًا لحديث أنس الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ خرج عام حجة الوداع ولم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة (١) وأنس ﵁ له خبرة بأحوال النبي ﷺ لأنه خادمه.\nوقوله: «أمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما\n_________\n(١) قال أنس ﵁: \" خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين، ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، أخرجه البخاري في كتاب تقصير الصلاة / باب ما جاء في التقصير (١٠٨١) ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٣) .","vol":"1","page":50},{"text":"كانت قريش تصنع في الجاهلية» قريش لحميتها الجاهلية وتعصبها لا تقف يوم عرفة إلا في مزدلفة تقول نحن أهل الحرم فلا نخرج إلى الحل وأما بقية الناس فيقفون في عرفة لكن النبي ﷺ جدد الحج على مشاعر إبراهيم ﵊.\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>وقوله: «فأجاز حتى أتى عرفة» </span>أجاز بمعنى تعدى يعني جاوز مزدلفة إلى عرفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>وقوله: «فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها» </span>أجاز النبي ﷺ حتى أتى عرفة وكان قد أمر أن تضرب له قبة بنمرة (١) وهي قرية قرب عرفة فضربت له القبة بنمرة فنزل بها حتى زالت الشمس وهذا النزول فيه استراحة بعد التعب من المشي من منى إلى عرفة لأن هذه هي أطول مسافة في الحج - من منى إلى عرفة - فبقي النبي ﷺ هناك واستراح.\nوظاهر السياق أن نمرة من عرفة لأنه قال: «حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة» وهذا يدل على أن نمرة من عرفة وأنها جزء منها فتكون نمرة اسم لمكان معين من\n_________\n(١) نمرة: بفتح أوله وكسر ثانيه أنثى النمر، ناحية بعرفة نزل بها النبي ﷺ وقيل الحرم من طريق الطائف على طرف عرفه من نمرة على أحد عشر ميلًا وقيل نمرة الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من الملزمين تريد الموقف. معجم البلدان ٥/ ٣٥٢.","vol":"1","page":51},{"text":"عرفة.\nوهذا أحد القولين لأهل اللغة وأهل الفقه فإن أهل اللغة وأهل الفقه اختلفوا هل نمرة من عرفة أم لا؟\nفجزم النووي ﵀ (١) وجماعة بأنها ليست من عرفة وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ وهذا هو الصواب لأن النبي ﷺ أذن ببناء الخيمة فيها ولو كانت مشعرًا لم يأذن ببناء الخيمة فيها ولهذا ما بني له خيمة في عرفة ولا بني له خيمة في منى حتى إنه يروى أنه قيل له ألا نبني لك خيمة في منى فقال: (لا منى مناخ من سبق) (٢) هكذا روي عنه وكونه يأذن أن يبنى له خيمة في نمرة يدل على أنها ليست من المشاعر وإلا لما أذن فيها.\nوأما قوله «حتى أتى عرفة» فمعناه بيان لمنتهى تجاوزه وأنه لم يقف بمزدلفة كما كانت قريش تفعل بل تجاوزها حتى بلغ عرفة التي هي موقف الناس كما قال الله تعالى:) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ «٣) والناس يفيضون من عرفة ولهذا لم يقل: «فوجد القبة قد ضربت بها في نمرة» .\n_________\n(١) أنظر شرح مسلم للنووي ٨/ ٤١١.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد ٦/١٨٧، ٢٠٧. وأبو داود في المناسك / باب تحريم مكة (٢٠١٩) والترمذي في الحج / باب ما جاء إن منى مناخ من سبق (٨٨١) وابن ماجه في المناسك / باب النزول بمنى (٣٠٠٦) .\n(٣) سورة البقرة: آية ١٩٩.","vol":"1","page":52},{"text":"وذهب آخرون إلى أنها من عرفة وهو قول جماعة من أهل الفقه ومن أهل اللغة أيضا كما في القاموس (١) وسيأتي إن شاء الله ما يترتب على هذا الخلاف من الحكم في الفوائد.\nفإن قال قائل: أين تقع نمرة؟ قلنا: تقع نمرة على حدود الحرم عند الجبل الذي يكون على يمينك وأنت سائر إلى عرفة من الطريق الذي يخرج على المسجد ويقولون إن نمرة عند أعلام الحرم وهذا ما جزم به الأزرقي ﵀ صاحب تاريخ مكة (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>وقوله: «فوجد القبة» </span>القبة خيمة من صوف أو غيره ضربت للرسول ﷺ فنزل بها واستراح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>وقوله: «حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له» </span>زاغت: بمعنى مالت إلى الغرب والقصواء اسم ناقته التي حج عليها صلوات الله وسلامه عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>وقوله: «فرحلت له» </span>أي جعل رحلها عليها وفيه دليل على أنه قد نزل الرحل عنها لأنه استراح من أول النهار إلى زوال الشمس وهذه مدة طويلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>وقوله: «فأتى بطن الوادي» </span>يعني وادي عرنة نزل فيه عليه\n_________\n(١) ٤/ ٤٤٢.\n(٢) أخبار مكة ٢ / ٢٠٢.","vol":"1","page":53},{"text":"الصلاة والسلام لأنه أسهل من الأرض الجرداء إذ إن مجرى الوادي سهل لين. ففي هذا دليل على طلب السهل في النزول ولكن لا يبيت الإنسان في مجاري السيول لأن السيول قد تأتي بدون شعور فيكون في ذلك ضرر ولهذا نهي عن الإقامة فيها، أما إقامة النبي ﷺ هنا فإنها إقامة قصيرة يسيرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>وقوله: «فخطب الناس» </span>خطبهم خطبة عظيمة بليغة قرر فيها قواعد الإسلام (١) فقال ﵊: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» أكد التحريم ﵊ تحريم الدماء والأموال بهذا التأكيد كحرمة يومكم هذا وهو يوم عرفة فإنه يوم حرام لأنه من جملة أيام الحج والناس فيه محرمون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>وقوله: «في شهركم هذا» </span>يعني شهر ذي الحجة لأنه من الأشهر الحرم بل هو أوسط الأشهر الحرم الثلاثة المقترنة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>وقوله: «في بلدكم هذا» </span>يعني مكة فإنه لا شك أنه أعظم البلاد حرمة هي مكة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>وقوله: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» </span>يعني موضوع تحت القدم وهذا كناية عن إبطاله وإهانته لأن الناس جرت العادة أن الشيء المكرم يقال على\n_________\n(١) قال شيخنا محمد ﵀ قد شرحها الشيخ عبد الله بن حميد ﵀ في رسالة صغيرة مفيدة.","vol":"1","page":54},{"text":"الرأس والمهان يقال تحت القدم.\nوالمعنى أنها باطلة مهينة لا عبرة بها. وهذا عام في جميع أمور الجاهلية كلطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية وغير ذلك. وعلى هذا فيكون كل أمور الجاهلية قد محيت بهذا الحديث ولا اعتماد عليها ولا رجوع إليها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>وقوله: «ودماء الجاهلية موضوعة» </span>أي الدماء التي حصلت بين أهل الجاهلية كلها موضوعة لا حكم لها ولا قصاص ولا دية ولا شيء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>وقوله: «وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث» </span>يعني ابن عمه ﵊ وضعه الرسول ﷺ لأنه أولى الناس به، أولى بالمؤمنين من أنفسهم فوضعه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>وقوله: «فقال كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل» </span>فهذا قريب النبي ﷺ ابن عمه أهدر النبي ﷺ دمه وجعله موضوعا يعني فلا يطالب به، كل هذا لئلا يعود الناس إلى أمور الجاهلية فيطالبون ما كان بينهم من أمور الجاهلية من دماء أو أموال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>وقوله: «وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» </span>.\nكل ربا الجاهلية موضوع أبطله النبي ﷺ وأول ما أبطل من الربا ربا أقاربه ربا عباس بن عبد المطلب ﵁ وكان","vol":"1","page":55},{"text":"غنيًا يرابي فوضع النبي ﷺ رباه كله، وهذا تحقيق لقوله تعالى:) وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ «١) .\nثم انتقل ﷺ إلى قضية المرأة التي كانت في الجاهلية مظلومة، وكان الرجال يستعبدون النساء حتى تصل بهم الحال إلى أن يمنعوهن من الميراث ويقولون لا إرث للمرأة الإرث للرجال لأنهم هم الذين يذودون عن البلاد ويحمون الأعراض.\nأما المرأة فليس لها ميراث، ولكن الإسلام حكم بالعدل في النساء وأعطاهن حقهن.\nمن ذلك إعلان النبي ﷺ هذه الخطبة في قوله «فاتقوا الله في النساء» أي لا تظلموهن ولا تقصروا في حقوقهن ولا تعتدوا عليهن. وقوله: «فإنكم أخذتموهن بأمان الله» أي أمانة عندكم لا يجوز الغدر فيها ولا الخيانة. وقوله: «واستحللتم فروجهن بكلمة الله» كقوله تعالى) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ «٢) فهذه من كلمات الله التي استحل بها الرجلُ فرجَ امرأته.\n_________\n(١) سورة البقرة: آية ٢٧٩.\n(٢) سورة المؤمنون: آية ٥ - ٦.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>وقوله: «ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه» </span>هذا من حق الزوج على زوجته أن لا توطئ فراشه أحدًا يكرهه. والمراد بالفراش ما هو أعم من فراش النوم فيدخل في ذلك فراش البيت ويدخل في ذلك أيضًا ما كان وسيلة إليه كإدخال أحد بيت زوجها وهو يكرهه سواء كان من أقاربها أو من الأباعد فلا يحل للمرأة أن تدخل أحدًا بيت زوجها وهو لا يرضى بذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>وقوله: «فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح» </span>يعني إذا أدخلن في بيوتكم من تكرهونه فاضربوهن. وهنا قال ﷺ اضربوهن وفي القرآن الكريم يقول الله ﵎:) وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ «١) والفرق بينهما أن الآية قال الله فيها) وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ (وأما هذا الحديث فقد وقعت المفسدة محققة منها فتضرب على ما مضى إصلاحا للمستقبل، الإصلاح هو قوله) فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (. لكن هذا تأديب وتعزير على ما وقع من المرأة حيث أوطأت فراش زوجها من يكرهه لكنه ضرب غير مبرح أي غير شديد ولا جارح لجسدها، بل هو ضرب خفيف يحصل به التأديب وبيان سلطة الرجل عليها.\n_________\n(١) سورة النساء: آية ٣٤.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>وقوله: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» </span>الرزق العطاء وهو ما يقوم به البدن من طعام وشراب. وقوله: «وكسوتهن» أي ما يستر به ظاهر الجسد فهو على الزوج لكن بالمعروف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>وقوله: «بالمعروف» </span>أي بما يتعارفه الناس مما يكون على الزوج الغني حسب غناه والفقير حسب فقره.\nواختلف العلماء ﵏ هل المعتبر حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما.\nفالمشهور من المذهب أن المعتبر حالهما. والقول الثاني أن المعتبر حال الزوج. والقول الثالث أن المعتبر حال الزوجة. والصواب أن المعتبر حال الزوج لقول الله تعالى) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ «١) فالغنية مع الغني نفقتها نفقة غني والفقيرة مع الفقير نفقتها نفقة فقير والمتوسطة مع المتوسط نفقتها نفقة المتوسط وهذا واضح تتفق فيه الأقوال.\nوالغنية مع الفقير نفقة فقير على القول بأن المعتبر حال الزوج، ونفقة غني على القول بأن المعتبر حال الزوجة ونفقة متوسط على القول بأن المعتبر حالهما لكن الصحيح أن\n_________\n(١) سورة الطلاق: آية ٧.","vol":"1","page":58},{"text":"المعتبر حال الزوج.\nويفهم من هذا الحديث أنه لا نفقة للزوج على الزوجة ولو كانت غنية وهو فقير لأن النبي ﷺ أعلن في هذا المجمع أن الإنفاق على الزوج خلافًا لابن حزم ﵀ حيث قال إذا كان الزوج فقيرًا والزوجة غنية فإنه يلزمها أن تنفق عليه لعموم قوله تعالى:) وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ «١) والزوجة وارث للزوج فيلزمها أن تنفق عليه. فيقال نعم فيما إذا كان الإنفاق من أجل المواساة أما إذا كان معاوضة فلا يمكن أن نلزم الزوجة بالإنفاق على زوجها لأن المستمتع الزوج. ولهذا سمي المهر أجرًا كأنه دفعه المستأجر إلى الأجير فالإنفاق عليها معاوضة وليس من باب المواساة. أما لو كان من باب المواساة كالإنفاق بين الأقارب فنعم يجب على الغني أن ينفق على الفقير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>وقوله: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» </span>هذا فيه بيان بعد الإجمال والبيان بعد الإجمال من أساس البلاغة لأن الشيء إذا جاء مجملًا تشوفت النفوس إلى بيانه فقد قال: ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعده فتتشوف النفوس ما هذا؟ فقال ﷺ «كتاب الله» يعني هو كتاب الله وهو القرآن الكريم وأضيف إلى الله لآن الله هو الذي أنزله وهو\n_________\n(١) سورة البقرة: آية ٢٣٣.","vol":"1","page":59},{"text":"الذي تكلم به وسمي كتابًا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة وفي الصحف التي بأيدينا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>وقوله: «وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون» </span>يسألون عن النبي ﷺ يوم القيامة هل بلغكم رسولي؟. وإنما يسألُ الناس عن ذلك إقامة للحجة عليهم وإلا فالرب ﷿ يعلم أن رسوله بلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه عليه فهو شبيه بقوله تعالى:) وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ «١) هي لا تسأل لأجل أن تعذب ولكنه توبيخ لمن وأدها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>وقوله: «ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر» </span>أذن يعني أمر بالأذان وكذلك في الإقامة لأن مؤذنه إذ ذاك بلال رضي اله عنه أمره أن يؤذن بعد الخطبة ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر وكان ذلك يوم جمعة ولكن لم يصل الجمعة لأنه ليس من هدي الرسول ﷺ أن يقيم الجمعة في السفر ومن أقام الجمعة في السفر فهو مبتدع وصلاته باطلة وهذا يدل على قصور نظر بعض الناس الذين قالوا إن الجمعة واجبة في الحضر والسفر.\nفإن قال قائل: ما الدليل على أنها لا تجب في السفر مع أن ما وجب في السفر وجب في الحضر وما وجب في الحضر وجب في السفر؟\n_________\n(١) سورة التكوير: آية ٨ - ٩.","vol":"1","page":60},{"text":"فالجواب: هذا النبي ﷺ يصلي في السفر وكم مر عليه من جمعة؟\nكثير ومع ذلك لم ينقل عنه حديث صحيح ولا ضعيف أنه كان يقيم الجمعة في السفر فمن أقام الجمعة في السفر فهو مبتدع بلا شك مخالف لهدي النبي ﷺ وصلاته باطلة. فهذا النبي ﷺ في أعظم جمع اجتمع به في أمته في حجة الوداع أتت عليه الجمعة وهو في أفضل يوم وهو يوم عرفة ومع ذلك ما أقام الجمعة ولو كانت مشروعة فهل يدعها الرسول ﷺ؟ !\nأبدًا لا يمكن فلما لم يفعلها مع وجود السبب المقتضي لها علم أنها ليست مشروعة وأنها ليست من دين الله ولهذا بدأ بالخطبة قبل الأذان وصلاة الجمعة يبدأ بالأذان قبل الخطبة وأيضا يقول: «فصلى الظهر» وهذا صريح ثم «أقام وصلى العصر» وكان ذلك يوم الجمعة وهذا بخلاف المسافر المقيم في بلد تقام فيه الجمعة فإن ظاهر النصوص وجوبها عليه لعموم الأدلة ولأنه قد يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا لكن إن تضرر بالتأخر للجمعة أو خاف فوت رفقته فهو معذور في تركها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>وقوله: «ولم يصل بينهما شيئا» </span>لأنه ليس من المشروع أن يتطوع الإنسان براتبة الظهر في السفر ولهذا ما صلى النبي ﷺ راتبة الظهر التي بعدها كما لم يصل التي قبلها.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>وقوله: «ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس» </span>قوله: «ركب» أي من مكانه الذي صلى فيه ركب ناقته «حتى أتى الموقف» (أل) هنا للعهد الذهني أي الموقف الذي اختار أن يقف فيه وإلا فإن عرفة كلها موقف كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» (١) لكن أتى الموقف الذي اختار أن يقف فيه وهو شرقي عرفة عند الصخرات. والحكمة من ذهاب النبي ﷺ إلى ذلك الموقف لأنه والله أعلم كان ﵊ من عادته أن يكون في أخريات القوم يتفقد من احتاج إلى معونة أو مساعدة أو ما شابه ذلك وليس هذا من أجل اختصاص هذا المكان المعين بخصيصة بل كل عرفة موقف ولهذا قال: وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>وقوله: «فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات» </span>يعني يلي الصخرات. وهي معروفة إلى الآن لا تزال موجودة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>وقوله: «وجعل حبل المشاة بين يديه» </span>حبل المشاة قال\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحج / باب ما جاء أن عرفة كلها موقف ٢/ ٨٩٣ وأبو داود في كتاب المناسك / باب الصلاة بجمع ١/٤٤٩ والترمذي في أبواب الحج / باب ما جاء في أن عرفة كلها موقف ٤/١٢٠.","vol":"1","page":62},{"text":"العلماء ﵏: إنه طريقهم الذي يمشون معه وسمي حبلا لأنه كان رملا والأقدام تؤثر فيه فالطريق الذي أثرت فيه الأقدام كأنه حبل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>وقوله: «واستقبل القبلة» </span>يدعو الله ﷿ رافعًا يديه مبتهلًا إلى الله ﷿ بالذكر والدعاء والإنابة والخشوع حتى إنه سقط زمام راحلته فأمسكه بإحدى يديه وهو رافع الأخرى. وهذا يدل على تأكد رفع اليدين هنا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>وقوله: «فلم يزل واقفا» </span>المراد بالوقوف هنا المكث، لا الوقوف على القدمين، فالقاعد يعتبر واقفًا والوقوف قد يراد به السكون لا القيام ومعلوم أن الراكب على البعير جالس عليها ليس واقفًا عليها.\nوهل الأفضل أن يقف راكبًا. أو أن يقف غير راكب؟ سيأتي ذلك في الفوائد إن شاء الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>وقوله: «فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس» </span>لم يزل واقفًا منذ أن وصل إلى موقفه بعد الصلاة وبعد المسير من عرنة إلى الموقف حتى غربت الشمس ولم يمل ولم يتعب من طول القيام ولكن الله ﷿ أعانه على طاعته عونًا لم يحصل لأحد مثله ﵊.\nثم إنه في هذا الموقف سئل عن رجل وقصته ناقته وهو واقف بعرفة ومات فقال ﷺ «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه","vol":"1","page":63},{"text":"في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» (١) .\nفقوله: «وكفنوه في ثوبيه» يعني ثياب الإحرام فلا يكفن بغيرها، ولو تيسر أن يكفن بغيرها بل الأفضل والسنة أن يكفن بها لأنه سيخرج من قبره يوم القيامة يقول: لبيك اللهم لبيك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>وقوله: «وذهبت الصفرة قليلًا» </span>يعني لم تذهب نهائيا بل ذهبت قليلا لأنه إذا غابت الشمس واستحكم غروبها قلت الصفرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>وقوله: «حتى غاب القرص» </span>هذا تأكيد لقوله: «حتى غربت الشمس» لأنه قد يتوهم واهم أن المراد بغروب الشمس غروب بعضها فأكد ذلك بقوله: «حتى غاب القرص» ويفهم منه كون الجو صحوًا ليس فيه سحاب يحول بين الناس ورؤية الشمس عند غروبها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>وقوله: «وأردف أسامة خلفه» </span>أردف أسامة بن زيد ﵁ ولم يردف كبار الصحابة ﵃ ولا أقاربه أو كبار أقاربه.\nمسألة: هل يلزم من إرداف النبي ﷺ لأسامة ﵁ أن يكون أفضل من غيره؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الجنائز / باب الكفن في ثوبين (١٢٦٥) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":64},{"text":"الجواب: لا يلزم من فضيلة أسامة ﵁ بهذه الخصيصة أن يكون أفضل من غيره مطلقًا، لأن الفضل منه ما هو مقيد ومنه ما هو مطلق فأفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر ﵁.\nولكن لا يلزم أن يفضله غيره في بعض الخصائص كما قال ﵊ لعلي بن أبي طالب ﵁: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي هذه خصيصة لم تكن لغيره ﵁.\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>وقوله: «ودفع وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى يا أيها الناس السكينة السكينة وكلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد» </span>القصواء ناقته شنق لها الزمام يعني خنقه وضيقه وجذبه لكيلا تسرع حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ومورك الرحل هو الذي يضع الراكب رجله عليه إذا تعب أو ملّ من الركوب وهو يقول للناس بيده اليمنى يا أيها الناس السكينة السكينة لأنه جرت عادة الناس منذ زمن طويل أنهم عند الدفع يندفعون ويسرعون يتبادرون النهار من جهة ولأن الإنسان خلق من عجل وصفته العجلة قال الله تعالى:) خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ «١) وقال تعالى) وَكَانَ\n_________\n(١) سورة الأنبياء: آية ٣٧.","vol":"1","page":65},{"text":"الْأِنْسَانُ عَجُولًا «١) فأصل إمداده وإعداده كله عجلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>وقوله: «السكينة السكينة» </span>بالنصب أي الزموا السكينة يعني لا تسرعوا لا تعجلوا وقد جاء في حديث آخر «فإن البر ليس بالإيضاع» (٢) يعني ليس بالسرعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>وقوله: «وكلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد» </span>يعني إذا أتى دعثًا أو رملًا أرخى لها قليلًا حتى تصعد رأفة بالبعير لأنه لو شنق لها الزمام وأمامها شيء مرتفع وفيه شيء من الدعث والرمل صعب عليها فيرخي لها النبي ﷺ قليلا حتى تصعد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>وقوله: «حتى أتى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين» </span>المزدلفة من الإزدلاف وهو القرب وتسمى جمعًا لأن الناس يجتمعون فيها بعد الوقوف بعرفة وكانوا أيضًا يجتمعون بها من قبل لما كانت قريش لا تخرج إلى عرفة بل تقف في مزدلفة وتقول: إننا أهل الحرم فلا نخرج عنه.\nفصلى النبي ﷺ بها المغرب والعشاء جمع تأخير؛ لأنه ﷺ كان واقفًا في أقصى عرفة من الناحية الشرقية ثم دفع حتى\n_________\n(١) سورة الإسراء: آية ١١.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحج / باب أمر النبي ﷺ عند الإفاضة وإشارته إليهم بالسوط (١٦٧١) .","vol":"1","page":66},{"text":"أتى المزدلفة. وبين عرفة ومزدلفة مسافة كثيرة والرسول ﷺ قد شنق للقصواء الزمام وهو يقول للناس: السكينة السكينة وهذه المسافة لا شك أنها ستستوعب مدة صلاة المغرب فلم يصل إلا بعد دخول وقت صلاة العشاء لا سيما وأنه وقف في أثناء الطريق وبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا كما في حديث أسامة ﵁ (١) .\nإذًا جَمْعُ الرسول ﷺ كان جمعَ تأخير ولهذا قال العلماء ﵏ يسن أن يجمع في مزدلفة جمع تأخير وقيد بعضهم ذلك فقال: إن لم يوافها وقت المغرب يعني فإن وافاها وقت المغرب فإنه يصلي المغرب في وقتها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>وقوله: «بأذان واحد وإقامتين» </span>وهذا هو الصحيح في الجمع أنه أذان واحد للصلاتين جميعا وإقامتان، لكل صلاة إقامة، والمؤذن بلال ﵁ فالأذان للإعلام بحضور وقت الصلاة وهو للمجموعتين وقت واحد. والإقامة للإعلام بالقيام للصلاة ولكل صلاة قيام خاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>وقوله: «ولم يسبح بينهما شيئًا» </span>يسبح أي: يصلي والصلاة تسمى تسبيحًا من باب إطلاق البعض على الكل وأطلق التسبيح عليها لأن التسبيح ركن فيها أو واجب فيها\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الوضوء / باب إسباغ الوضوء (١٣٩) ومسلم في الحج / باب الإفاضة من عرفات (١٢٨٠) .","vol":"1","page":67},{"text":"وهنا قاعدة مهمة مفيدة وهي أنه إذا عبر عن العبادة ببعضها كان ذلك دليلا على أن هذا البعض واجب فيها إذًا لم يسبح أي: لم يتنفل بينهما بشيء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>و<span data-type=\"title\" id=toc-103>قوله: «ثم اضطجع </span>حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة» </span>.\nقوله: «ثم اضطجع» أي نام ﵊ حتى طلع الفجر وهذا من حسن رعايته لنفسه تحقيقا لقوله ﷺ: «إن لنفسك عليك حقا» (١) ومعلوم أن من عمل كعمل الرسول ﷺ فلا بد أن يتعب ويحتاج إلى الراحة وإلى النوم. والنوم إذا كان لرعاية النفس كان الإنسان مأجورًا عليه.\nفالرسول ﷺ أقام بنمرة ودفع منها حين زالت الشمس وخطب الناس وصلى وذهب إلى الموقف ووقف ولم ينم ﷺ ثم مشى من عرفة إلى مزدلفة كل هذا يحتاج إلى طاقة وراحة فاضطجع ﷺ ولم يتهجد تلك الليلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>وقوله: «ثم اضطجع حتى طلع الفجر» </span>لم يذكر جابر ﵁ الوتر فهل النبي ﷺ لم يوتر؟ قد يقول قائل: إنه لم يوتر لأن جابرًا كان متتبعًا لأفعال النبي ﷺ وقد يقال: إن\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب / باب صنع الطعام، والتكلف للضيف (٦١٣٩)، والترمذي في كتاب الزهد / باب حدثنا محمد بن بشار (٢٥٢٦) .","vol":"1","page":68},{"text":"جابرًا ﵁ سكت عنه لأنه لا يدري ولهذا لما لم يتنفل بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء نفى وقال: لم يسبح بينهما شيئا فلما لم ينف الوتر دل على أن جابرًا ﵁ لم يحط به علما وعلى هذا فنرجع إلى الأحاديث الدالة على أن الرسول ﷺ لم يكن يدع الوتر حضرًا ولا سفرًا وعليه فنقول يوتر إن شاء قبل أن ينام وإن شاء في آخر الليل حسب قوته ونشاطه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>وقوله: «وصلى الفجر» </span>لم يذكر جابر ﵁ أيضا سنة الفجر فهل الرسول ﷺ لم يصلها؟ نقول لو كان عند جابر ﵁ علم بأنه لم يصلها لنفاها كما نفى الصلاة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فإذا كان حديث جابر ﵁ لا يدل على نفيها فإن حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيح أنه لم يكن يدعهما أي الركعتين قبل الفجر حضرًا ولا سفرًا (١) يفيد أن الإنسان يصلي الركعتين في فجر يوم العيد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>وقوله: «حين تبين له الصبح» </span>يعني ظهر واتضح لأنه لا تجوز الصلاة مع الشك في الصبح بل لا بد أن يتبين فإن كان\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب التهجد. باب تعاهد ركعتي الفجر. (١١٦٩) ولفظه: \" لم يكن النبي ﷺ من النوافل أشد منه تعاهدًا على ركعتي الفجر \".","vol":"1","page":69},{"text":"ثَمَّ غيم فإذا غلب على ظنه أنه خرج الفجر صلى كما سنذكره في الفوائد إن شاء الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>وقوله: «ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام» </span>هذا يدل على أن النبي ﷺ لم يكن مبيتُه في مزدلفة في نفس المشعر الحرام بل في مكان آخر ولهذا لما صلى الفجر أمر بالقصواء فرحلت له ثم أتى المشعر الحرام. والمشعر الحرام هو المكان الذي فيه المصلى الآن في مزدلفة وسمي مشعرًا حرامًا لأنه داخل الحرم فهل هناك مشعر حلا ل فيكون الوصف للقيد أو ليس هناك مشعر حلال فيكون الوصف لبيان الواقع؟\nالجواب: قال العلماء ﵏ بل هناك مشعر حلال وهو عرفة وهو أعظم مشاعر الحج فإذا لدينا مشعر حرام وهو مزدلفة ومشعر حلال وهو عرفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>وقوله: «فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله» </span>استقبل القبلة يعني جعل وجهه إلى القبلة «ودعاه» الضمير يعود على الله.\nفإذا قال قائل لم يسبق له ذكر؟ نقول: هذا معلوم بالذهن والمعلوم بالذهن كالمعلوم بالذكر.\nأما الدعاء فمعروف هو طلب الحاجة وأما التكبير فقول الله أكبر والتهليل قول لا إله إلا الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>وقوله: «فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس» </span>لم يزل واقفا يعني على بعيره لقوله فيما سبق","vol":"1","page":70},{"text":"«ركب حتى أتى» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>وقوله: «حتى أسفر جدا» </span>يعني إسفارًا بالغًا ليس مجرد إسفار بل انتشر السفر وبان وظهر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>وقوله: «فدفع قبل أن تطلع الشمس» </span>أي لم ينتظر طلوع الشمس فسار من مزدلفة ليخالف المشركين لأن المشركين كانوا ينتظرون في مزدلفة إلى أن تطلع الشمس وكانوا يقولون: «أَشْرِقْ ثَبِيْر كيما نُغير» أيْ: كي نغير وندفع فخالفهم النبي ﷺ في الدفعين الدفع من عرفة والدفع من مزدلفة فمن عرفة دفع بعد الغروب ومن مزدلفة دفع قبل الشروق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>وقوله: «وأردف الفضل بن عباس» </span>وذلك حين دفع من مزدلفة إلى منى يوم العيد والنبي ﷺ أردف في دفعه من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد ﵄ وأردف في دفعه من مزدلفة إلى منى الفضل بن عباس ﵄ وهؤلاء ليسوا من كبار القوم فأسامة ابن مولى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فلم يختر النبي ﷺ أشراف القوم ووجهاءهم ليردفهم على ناقته بل اختار من صغار القوم في السن واختار المولى يردفه من عرفة إلى مزدلفة لأن الرسول ﷺ لا يعتني بمظاهر التعظيم ولا تهمه بل كان من عادته ﵊ أن يكون في أخريات القوم يتفقدهم وينظر من يحتاج إلى أمر. وقصة جابر في جمله واضحة فإن جابر بن","vol":"1","page":71},{"text":"عبد الله ﵄ كان معه جمل ضعيف لا يمشي يقول: فلحقني رسول الله ﷺ فضربه ودعا له فسار الجمل سيرا لم يسر مثله قط حتى صار الجمل يكون في مقدمة القوم وجابر يرده لأن الرسول ﷺ دعا له فقال له النبي ﷺ أتبيعني إياه؟ قال: نعم قال بعنيه بأوقية. والأوقية أربعون درهما قال: لا فقال: بعنيه فباعه فاشترط أن يحمله إلى أهله في المدينة فأعطاه النبي ﷺ شرطه فلما وصلا إلى المدينة دفع إليه النبي ﷺ الثمن وقال له: خذ جملك ودراهمك هو لك (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>وقوله: «حتى أتى بطن محسر فحرك قليلًا» </span>يعني حرك ناقته ﵊ حين بلغ بطن محسر (٢) . ومحسر واد عظيم يفصل بين مزدلفة ومنى وبهذا نعرف أن ما بين المشاعر أودية.\nفبين المشعر الحرام والمشعر الحلال واد وهو وادي عرنة. وبين المشعرين الحرامين منى ومزدلفة واد وهو وادي\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الشروط / باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة (٢٧١٨) ومسلم في المساقاة / باب بيع البعير واستثناء ركوبه (١٢٢٢) .\n(٢) مٌحَسِّر: بالضم ثم بالفتح وكسر السين المشددة. وراء هو اسم الفاعل من الحسر وهو بين منى ومزدلفة وليس من منى ولا المزدلفة بل هو واد برأسه، معجم البلدان ٥/ ٧٤.","vol":"1","page":72},{"text":"محسر.\nواختلف العلماء ﵏ في سبب الإسراع فقال بعضهم: أسرع لأن بطن الوادي يكون لينا يحتاج لأن يحرك الإنسان بعيره لأن مشي البعير على الأرض الصلبة أسرع من مشيه على الأرض الرخوة فحرك من أجل أن يتساوى سيرها في الأرض الصلبة وسيرها في الأرض الرخوة. وعلى هذا فالملاحظ هنا هو مصلحة السير فقط.\nوقيل: أسرع لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل فينبغي أن يسرع لأن المشروع للإنسان إذا مر بأراضي العذاب أن يسرع كما فعل النبي ﷺ (حين مر بديار ثمود في غزوة تبوك زجر الناقة ﵊ وقنع رأسه وأسرع) (١) وبعض الناس اليوم يتخذ هذه الأماكن أعني ديار ثمود سياحة ونزهة - والعياذ بالله - مع أن رسول الله ﷺ أسرع فيها وقال: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم» ففي عملهم خطر عظيم لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء بهذه الصفة فقلبه يكون غير لين فيكون قاسيا مع مشاهدته آثار العذاب وحينئذ يصيبه ما أصابهم من التكذيب\n_________\n(١) أخرجه البخاري في المغازي / باب نزول النبي ﷺ الحجر (٤٤١٩) ومسلم في الزهد والرقائق باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين (٢٩٨٠) عن ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":73},{"text":"والتولي. هذا معنى الحديث وليس المراد أن يصيبكم العذاب والزجر الحسي فقد يراد به العذاب والزجر المعنوي وهو أن يقسو قلب الإنسان فيكذب بالخبر ويتولى عن الأمر.\nوالذين يذهبون إلى النزهة أو الفرجة، الظاهر أنهم للضحك أقرب منهم للبكاء. فنسأل الله لنا ولهم العبرة والهداية.\nوتعليل إسراع النبي ﷺ في وادي محسر بذلك فيه نظر لأن أصحاب الفيل لم يهلكوا هنا بل في مكان يقال له المغمس (١) حول الأبطح وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي أمية بن أبي الصلت:\nحبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور\nوقال بعض العلماء ﵏: إن النبي ﷺ أسرع لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم. فأراد النبي ﷺ أن يخالفهم كما خالفهم في الخروج من عرفة وفي الخروج من مزدلفة ولعل هذا أقرب التعاليل ولهذا قال الله تعالى) فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا\n_________\n(١) المٌغَمّس: بالضم ثم الفتح وتشديد الميم وفتحها اسم مفعول من غمست الشيء في الماء إذا غيبته فيه: موضع قرب مكة في طريق الطائف. معجم البلدان ٥/١٨٨.","vol":"1","page":74},{"text":"هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (ثم قال) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا «١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>وقوله: «ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى» </span>في منى ثلاثة طرق في عهد النبي ﷺ، شرقي وغربي ووسط فسلك النبي ﷺ الطريق الوسطى بين الطريقين وإنما سلكها لأنها كانت أقرب إلى رمي جمرة العقبة ولأنها هي التي تخرج على جمرة العقبة قصدًا ليرميها حين وصوله إلى منى ولهذا رماها النبي ﷺ قبل أن يذهب إلى رحله وينزل من بعيره رماها وهو على بعيره وكان معه أسامة وبلال ﵄ أحدهما يقود راحلته والثاني يظلله بثوب يستره من الحر حتى رمى الجمرة صلوات الله وسلامه عليه.\nقال أهل العلم: وإنما بادر بذلك لأن رمي جمرة العقبة تحية منى، فهي بمنزلة ركعتي المسجد.\nولم يذكر جابر ﵁ من أين لقط حصى الجمرات ولكن نعلم أنه لم يلقطها من مزدلفة لأنه اضطجع حتى طلع الفجر ثم ذهب إلى المشعر الحرام ثم دفع منها لكن هل لقطها من الطريق أو لقطها حين وقف على الجمرة، حديث ابن\n_________\n(١) سورة البقرة: آية ١٩٨-٢٠٠.","vol":"1","page":75},{"text":"عباس (١) ﵄ في هذا محتمل أنه لقطها من الطريق أو لقطها حين وقف على الجمرة الله أعلم.\nوعلى كل حال فالذي ينبغي أن يكون الإنسان مستعدًا بالحصى حتى إذا وصل إلى الجمرة رماها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>وقوله: «التي تخرج على الجمرة الكبرى» </span>وصفها بالكبرى بالنسبة لما قبلها من الجمرات وهي الأولى والوسطى فإنها كبرى بالنسبة لهما وهي أوسعهن حوضا لكن نظرا لكونها في الجبل لم يكن حوضها دائرًا عليها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>وقوله: «حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة» </span>وهي الكبرى، وهي شجرة معروفة في ذلك الزمن لكنها الآن ليست موجودة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>وقوله: «فرماها بسبع حصيات» </span>رمى الجمرة بسبع حصيات، والجمرة سميت بذلك من قولهم تجمر القوم إذا اجتمعوا لأن الناس يجتمعون عليها للرمي. وقيل: إنها من الجمار وهي الحصى الصغار لأنها ترمى بها. ويمكن أن نقول: إنها سميت بذلك مراعاة للمعنيين جميعا لأن الناس\n_________\n(١) وهو (أن النبي ﷺ أمر ابن عباس أن يلقط الحصى وهو يقول للناس: بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين) أخرجه النسائي في الحج / باب التقاط الحصى / ٥/٢٦٨ وابن ماجه في المناسك / باب قدر حصى الرمي (٣٠٢٩) وأحمد ١/٢١٥ - ٣٤٧.","vol":"1","page":76},{"text":"يتجمرون عندها أي يتجمعون ولأنها ترمى بالجمار أي بالحصى الصغار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>وقوله: «فرماها بسبع حصيات» </span>قد يفهم منه: أنه لا بد أن يرمي الشاخص (العمود القائم) ولكنه غير مراد بل المقصود أن تقع الحصاة في الحوض، سواء ضربت العمود أم لم تضربه.\nورمي الجمرات الحكمة منه: إقامة ذكر الله ﷿ كما في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (١) ولهذا يشرع أن يكبر عند رمي كل حصاة من أجل أن يعظم الله تعالى بلسانه كما هو معظم له بقلبه، لأن رمي الجمرات على هذا المكان أظهر ما فيه من المعنى المعقول هو التعبد لله وهذا كمال الانقياد إذ إن الإنسان لا يعرف معنى معقولًا واضحًا في رمي هذه الحصى في هذا المكان سوى أنه يتعبد لله ﷿ بأمر وإن كان لا يعقل معناه على وجه التمام تعبدًا لله تعالى وتذللًا له، وهذا هو كمال الخضوع لله ﷿ ولهذا كان في رمي الجمار تعظيم لله باللسان وبالقلب. أما ما اشتهر عند الناس من أنهم يرمون الشياطين في هذه الجمرات فهذا لا أصل له، وإن كان قد روي عن ابن عباس\n_________\n(١) سبق تخريجه رقم ٤١.","vol":"1","page":77},{"text":"﵄ بسند ضعيف أنه قال: (الشيطان ترمون) (١) فإنما يقصد بذلك إن صح عنه هذا الخبر أو هذا الأثر فالمراد أنكم تغيضون الشيطان برميكم هذه الجمرات حيث تعبدتم لله ﷿ بمجرد أن أمركم به من غير أمر معقول لكم على وجه التمام.\nوما قيل أيضًا إن صح- من أن إبراهيم ﵊ كان الشيطان يعرض له في هذه المواقف ليحول بينه وبين تنفيذ أمر الله تعالى بذبح ولده فكان إبراهيم ﵊ يرميه بهذه الجمرات (٢) فإنه لا يستلزم أن يكون رمينا رميًا لإبليس لأن إبليس لم يتعرض لنا في هذه الأماكن، ونظير هذا أن السعي إنما شرع من أجل ما جرى لأم إسماعيل ﵂ ومعلوم أن تردد أم إسماعيل بين الصفا والمروة سببه طلب الغوث لعلها تجد من يكون حولها ويسقيها ويطعمها ونحن في سعينا لا نسعى لهذا الغرض. فكذلك رمي الجمرات، حتى لو صح أن إبراهيم عليه الصلاة\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك في المناسك حديث (١٧١٣) من قول ابن عباس ﵄ ولفظه (الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون) .\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك في المناسك الحديث (١٧١٣) وأخرجه البيهقي في الحج باب ما جاء في بدء الرمي حديث (٩٦٩٣) ولفظه: \"لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات ثم ساخ في الأرض\".","vol":"1","page":78},{"text":"والسلام كان يرمي الشيطان بهذه الجمرات مع أنه بعيد، لأن الله ﷿ جعل لنا دواء نرمي به الشيطان إذا عرض لنا وهو أن نستعيذ بالله منه) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «١) . إذًا الحكمة من رمي الجمرات هو كمال التعبد لله تعالى والتعظيم لأمره، ولهذا يحصل ذكر الله بالقلب واللسان.\nفإن قال قائل: لماذا لم تكن خمسًا أو ثلاثًا أو تسعًا أو إحدى عشرة حصاة؟\nفالجواب: هذا ليس لنا الحق في أن نتكلم فيه كما أنه ليس لنا الحق أن نقول لماذا كانت الصلوات الخمس سبع عشرة ركعة؟ ولماذا لم تكن الظهر ستًا والعصر ستًا والعشاء ستًا مثلًا؟\nنقول: هذا لا تدركه عقولنا وليس لنا فيه إلا مجرد التعبد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>وقوله: «يكبر مع كل حصاة» </span>والمعية تقتضي المصاحبة فيكبر عندما يرمي ويقذف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>وقوله: «كل حصاة منها مثل حصى الخذف» </span>حصى الخذف حصى صغير ليس بكبير، والخذف: هو أن تجعل الحصاة على ظفر الإبهام وتجعل فوقها السبابة. وقدر العلماء\n_________\n(١) سورة فصلت: آية ٣٦.","vol":"1","page":79},{"text":"﵏ بأنه بين الحمص والبندق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>وقوله: «رمى من بطن الوادي» </span>أي رمى الجمرة من بطن الوادي لا من الجبل. وكانت جمرة العقبة فيما سبق قبل هذه التوسعة والتعديلات كانت في سفح جبل وتحتها وادٍ هو مجرى الشعيب وفوقها جبل لكنه ليس بالرفيع وهي لاصقه في نفس الجبل. فجاء النبي ﷺ من بطن الوادي ورماها ولم يأتها من فوق؛ وعلى هذا تكون السنة أن يرميها من هذه الجهة فيجعل مكة عن يساره ويجعل منى عن يمينه كما فعل عبد الله بن مسعود ﵁ وقال هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (١) ولكن إذا كان محاولة الوصول إلى الجمرة من هذه الناحية فيه مشقة على الإنسان ولو رماها من وجه آخر لم يكن فيه مشقة وصار أخشع له وأبلغ في الطمأنينة كان رميه من الجهة الأخرى أفضل بناء على القاعدة المعروفة أن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بمكانه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>وقوله: «ثم انصرف إلى المنحر فنحر» </span>يعني بعد أن رمى جمرة العقبة انصرف إلى المنحر أي مكان نحر الإبل وكذلك\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الحج / باب رمي الجمار من بطن الوادي (١٧٤٧) ومسلم في الحج / باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادي (١٢٩٦) .","vol":"1","page":80},{"text":"ذبح الشاء والمعز، وكان ﵊ قد أهدى مائة بدنة فنحر منها ثلاثًا وستين بيده وأعطى علي بن أبي طالب ﵁ فنحر الباقي وأمره أن يتصدق بلحومها وجلالها وجلودها وأمر أن يؤخذ من كل بعير قطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها تحقيقا لقوله تعالى) فكلوا منها «١) قال العلماء ﵏: وفي نحره ثلاثًا وستين بعيرًا مناسبة لسنوات عمره الشريف فإنه ﷺ مات وله من العمر ثلاث وستون سنة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>وقوله: «ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت» </span>لم يذكر جابر ﵁ حلق الرسول ﷺ ولكن ثبت (٢) أنه حلق بعد نحره وحل من إحرامه وتطيب ونزل إلى مكة فطاف ولا يلزم من عدم ذكر جابر ﵁ لذلك أن لا يكون النبي ﷺ فعله إذ لا يلزم أن يعلم جابر ﵁ ولا غيره بكل ما يفعله الرسول ﷺ لكن تكمل أفعال الرسول ﷺ بعضها ببعض مما رواه الصحابة ﵃ جميعًا.\nوقوله: «ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت» أي نزل إليه فطاف به سبعة أشواط ولم يسع بين الصفا والمروة\n_________\n(١) سورة الحج: آية ٢٨.\n(٢) عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة، ونحر نسكه وحلق.. الحديث أخرجه مسلم في الحج / باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق (١٣٠٥) .","vol":"1","page":81},{"text":"لأنه كان قارنا وقد سعى بعد طواف القدوم ولم يسع أصحابه الذين كانوا معه الذين لم يحلوا بل طافوا طوافًا واحدًا أما الذين حلوا فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس (١) ﵄ أنه لما كان عشية يوم التروية أمرهم النبي ﷺ فأحرموا فلما أنهوا المناسك طافوا بالبيت وبالصفا والمروة هكذا جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ وهو صريح في أنهم طافوا بالبيت وبالصفا والمروة وكذلك ثبت في الصحيح من حديث عائشة (٢)\nرضي\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج / باب قوله تعالى \"ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام\" (١٥٧٢) ولفظه (أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ: اجعلوا إحلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي) .\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحج / باب طواف القارن (١٦٣٨) ولفظه: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا) وأخرجه مسلم في كتاب الحج / باب بيان وجوه الإحرام. وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقرن، (١٢١١) ولفظه: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا إلى منى لحجهم..وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا) .","vol":"1","page":82},{"text":"الله عنها أن الذين أحرموا بالعمرة سعوا بين الصفا والمروة مرتين. وما دام عندنا حديثان صحيحان في أن المتمتع يطوف ويسعى مرتين فإن حديث جابر ﵁ يتعين أن يحمل على الذين لم يحلوا. وما ذهب إليه جماعة من أهل العلم ﵏ ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في أن المتمتع يكفيه سعي واحد قول ضعيف ويتبين لنا أن الإنسان مهما بلغ من العلم والفهم فإنه لا يسلم من الخطأ لأنه لا معصوم إلا من عصم الله ﷿ والإنسان يخطي ويصيب.\nوحديث ابن عباس وعائشة ﵄ كلاهما في البخاري ومثل هذا لا يخفى على شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه ﵀ من حفاظ الحديث حتى قال بعضهم كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بصحيح ولكن الإنسان بشر فالصواب بلا شك أن المتمتع يلزمه طوافان وسعيان والقياس يقتضي ذلك؛ لأن العمرة انفردت وفصل بينها وبين الحج حل كامل وأحرم الإنسان بالحج إحراما جديدا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>وقوله: «فصلى بمكة الظهر» </span>أي صلى الظهر يوم العيد بمكة وهذا من البركة العظيمة في أعماله ﷺ حيث دفع من مزدلفة حين أسفر جدا على الإبل ودفع بسكينة إلا في بطن محسر ورمى جمرة العقبة وذبح الإبل وحلق ولبس ونزل مكة وصلى بها الظهر في هذه المدة الوجيزة مع أن الذي يظهر والله","vol":"1","page":83},{"text":"أعلم أن حجه كان في زمن الربيع تساوي الليل والنهار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>وقوله: «فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه» </span>أي: بعدما طاف للإفاضة أتى ماء زمزم فشرب منه. فالمشهور عند أهل العلم ﵏ أنه شرب من ماء زمزم تعبدًا، ولهذا قالوا: يسن بعد طواف الإفاضة أن يشرب من ماء زمزم.\nوقال بعض أهل العلم: إنه شرب منه لا للتعبد به وإنما هو لحاجة النبي ﷺ إليه.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>من فوائد هذا الحديث</span>\n١- أن حجة النبي ﷺ كانت في السنة العاشرة من الهجرة لقوله «ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج» فإن قال قائل لماذا لم يحج النبي ﷺ في السنة التاسعة أو في السنة الثامنة أو في السنة السابعة مثلا؟ قلنا أما ما قبل الثامنة فلا يمكن أن يحج لأنها قبل الفتح وكانت مكة تحت سيطرة المشركين وقد ردوه عن العمرة فكيف عن الحج؟!.\nوأما في السنة الثامنة بعد الفتح فكان مشتغلا ﵊ بالجهاد فإنه لم يفرغ من ثقيف إلا في آخر ذي القعدة.\nوأما في السنة التاسعة فقيل إنه لم يحج لأن هذا العام كان عام الوفود. فإن العرب كانوا ينتظرون فتح مكة ولما فتحت مكة انتظروا أيضا القضاء على ثقيف لأنهم أمة لهم قوة فلما قضى عليهم ﵊ أذعنت العرب وصاروا يأتون أفواجا إلى رسول الله ﷺ في المدينة فكان في المدينة ليلتقي هؤلاء الوفود يعلمهم دينهم ﵊.\nوسبب آخر أنه في السنة التاسعة حج المشركون مع المسلمين فأراد النبي ﷺ أن يكون حجه خالصًا للمسلمين ولهذا أذن في التاسعة ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف","vol":"1","page":85},{"text":"بالبيت عريان. هذا إذا ما قلنا إن الحج فرض في التاسعة وإن قلنا إنه فرض في العاشرة فلا إشكال.\n٢- أن ميقات أهل المدينة ذا الحليفة. لقوله (فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة) .\n٣- أن الصحابة ﵃ من أحرص الناس على طلب العلم ذكورهم وإناثهم لقوله: (فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع) .\n٤- أن طلب العلم لا يختص بالرجال فكما أن الرجل يشرع له طلب العلم بل يتعين عليه إذا كانت عبادته لا تقوم إلا به فإنه يتعين عليه فكذلك المرأة ولا فرق.\n٥- أنه يستحب الغسل للإحرام للرجال والنساء حتى من لا تصلي فإنها تغتسل لقوله ﷺ لأسماء بنت عميس: «اغتسلي» فأمرها أن تغتسل. وإذا كانت النفساء وهي لا تصلي تؤمر بالغسل فكذلك من سواها.\nفإذا لم يجد المحرم الماء أو تعذر عليه استعماله لمرض أو غيره فهل يتيمم؟\nالمشهور عند أهل العلم ﵏ أنه يتيمم قالوا لأن هذه طهارة مشروعه فإذا تعذرت عدلنا إلى التيمم كالاغتسال للواجب وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لا يسن التيمم","vol":"1","page":86},{"text":"لأن هذا اغتسال ليس عن جنابة حتى يحتاج الإنسان فيه إلى رفع الحدث إنما هو اغتسال للتنظف والتنشط لهذا العمل فإذا لم يجد الماء فإنه لا يتيمم. وعلى كل حال إن تيمم الإنسان فلا بأس لأنه قال به من قال من أهل العلم.\n٦- أن الحيض أو النفاس لا يمنع انعقاد الإحرام كما لا يمنع دوامه بدليل قوله: «وأحرمي» . وبناء على ذلك فإن المرأة إذا وصلت إلى الميقات وهي حائض أو أصابها حيض فلا تقل: لن أحرم حتى أطهر بل نقول: أحرمي.\n٧- جواز الإحرام ممن عليه جنابة. وجه ذلك أنه أمر النفساء أن تحرم والنفاس موجب للغسل.\n٨- أنه ينبغي التلبية إذا استوى على البيداء لقوله: (حتى إذا استوت به على البيداء أهل بالتوحيد) . وهذه المسألة اختلف فيها العلماء ﵏ فمنهم من أخذ بحديث جابر ﵁ وقال لا يلبي إلا إذا استوت به على البيداء.\nومنهم من قال: يلبي إذا صلى قبل أن يركب (١) .\nومنهم من قال: بل يلبي إذا ركب كما دل عليه حديث ابن\n_________\n(١) \" لأن النبي ﷺ أهل دبر الصلاة\" أخرجه الإمام أحمد ١/٢٨٥ والترمذي في الحج / باب ما جاء متى أحرم النبي ﷺ ٨١٩، والنسائي في الحج / باب العمل في الإهلال ٥/١٦٢ عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":87},{"text":"عمر ﵄ الثابت في الصحيح (١)\nوللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال سلكوا منها مسلكين: فمنهم من سلك مسلك الترجيح ومنهم من سلك مسلك الجمع.\n\nفالذين سلكوا مسلك الترجيح بعضهم رجح الإحرام من حين أن يصلي وبعضهم رجح الإحرام إذا استوى على ناقته إذا ركب وبعضهم قال: إذا استوت به على البيداء.\nأما من سلك مسلك الجمع وهو المروي عن عبد الله بن عباس ﵄ كما رواه الحاكم وغيره فقال: إنه لا منافاة بين هذه الأمور الثلاثة لأن من الناس من سمع النبي ﷺ يلبي حين صلى فقال: إنه لبى حين صلى ومنهم من سمعه يلبي حين ركب فقال: لبى حين ركب ومنهم من سمعه يلبي حين استوت به على البيداء فقال: لبى حين استوت به على البيداء) (٢) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج / باب من أهل حين إستوت به راحلته قائمة (١٥٥٢) ولفظه (أهل النبي ﷺ حين استوت به راحلته قائمة) . وأخرجه مسلم في الحج / باب التلبية وصفتها ووقتها (١١٨٤) ولفظه: (ثم استوت به الناقة قائمة عند مسجد الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات) .\n(٢) أخرجه الإمام أحمد ١/٢٦٠ وأبو دادو في المناسك / باب في وقت الإحرام (١٧٧٠) وضعفه المنذري في تهذيب السنن (١٦٩٦) .","vol":"1","page":88},{"text":"ولولا ما قيل في سند هذا الحديث لكان وجهه ظاهرًا، لأنه يجمع بين الروايات.\nولكن الأحسن والأرفق بالناس أن لا يلبي حتى يستوي على ناقته لأنه قد يحتاج إلى شيء فقد يكون نسي أن يتطيب مثلا وقد يتأخر في الميقات بعد أن يصلي الركعتين (ركعتي الوضوء) أو الصلاة المفروضة مثلا فالأرفق به أن تكون تلبيته إذا استوى على ناقته وإن لبى قبل ذلك فلا حرج.\n٩- أن الإنسان لا ينقل إلا ما بلغه علمه فإن جابرًا ﵁ لم ينقل ما نقله عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أهل حين استوى على ناقته بل قال حتى إذا استوت به على البيداء وهذا بعد ما ذكره عبد الله بن عمر ﵄.\n١٠- مشروعية رفع الصوت بالتلبية لقول النبي ﷺ «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» (١) فينبغي للرجل أن يرفع صوته امتثالًا لأمر النبي ﷺ واتباعًا لسنته وسنة أصحابه فقد قال جابر ﵁ كنا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في المناسك / باب كيفية التلبية (١٨١٤) والترمذي في الحج / باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية (٨٢٩) والنسائي في المناسك / باب رفع الصوت بالإهلال (٢٧٥٣) وابن ماجه في المناسك / باب رفع الصوت بالتلبية (٢٩٢٢) .","vol":"1","page":89},{"text":"نصرخ بذلك صراخًا (١) ولا يسمع صوت الملبي من حجر ولا مدر ولا شجر إلا شهد له يوم القيامة فيقول: أشهد أن هذا حج ملبيًا. ومع الأسف أن كثيرًا من الحجاج لا يرفعون أصواتهم بالتلبية إلا نادرًا فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال لأصحابه وقد كبروا في سفر معه «أيها الناس اربعوا على أنفسكم - أي: هونوا عليها - فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٢) .\nقلنا: لكن التلبية لها شأن خاص لأنها من شعائر الحج فيصوت بها. أو يقال إن أمر النبي ﷺ أن يهونوا على أنفسهم لأنهم كانوا يرفعون رفعًا شديدًا يشق عليهم. وأما المرأة فتسر بها، لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن تصفق، لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة - وإن لم يكن عورة - يخشى منه الفتنة، ولهذا\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الحج / باب التقصير في العمرة (١٢٤٨) عن جابر وأبي سعيد الخدري ﵄ ولفظه: (قالا: قدمنا مع النبي ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخًا) .\n(٢) أخرجه البخاري في الجهاد / باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء / باب استحباب خفض الصوت بالذكر (٢٧٠٤) عن أبي موسى ﵁ واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":90},{"text":"نقول: المرأة تلبي سرًا بقدر ما تسمع رفيقتها ولا تعلن.\nوهذا من الأحكام التي تخالف فيه المرأة الرجل. وهي كثيرة، لأنها كما خالفته خلقة وفطرة خالفته حكمًا، والله ﷿ - حكيم، أحكامه الشرعية مناسبة لأحكامه القدرية.\nمسألة: اختلف العلماء - ﵏ - هل يلبي وهو ماكث أو لا يلبي إلا وهو سائر؟\nالجواب: من العلماء من قال إنه يلبي وهو سائر فقط. وأما إذا كان ماكثًا أي: نازلًا في عرفات أو مزدلفة أو منى فإنه لا يلبي، لأن التلبية معناها الإجابة وهي لا تتناسب مع المكث، إذ إن المجيب ينبغي أن يتقدم إلى من يجيبه لا أن يجيب وهو باق، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأنه لا يلبي إلا في حال السير بين المشاعر، ومنهم من: يقول يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، سواءً كان ماكثًا أم سائرًا.\n١١- مشروعية رفع الصوت بالتلبية من حين الإحرام. وقد اختلف أهل العلم ﵏ في التلبية ورفع الصوت بها جمهور العلماء إلى أنها سنة. وقال بعض العلماء إنها أي التلبية واجبة؛ وهل يجب بتركها دم على قولين وقال آخرون إنها ركن لا ينعقد الإحرام إلا بها كتكبيرة الإحرام في","vol":"1","page":91},{"text":"الصلاة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ينعقد بالنية مع التلبية أو سوق الهدي وهو قول الإمام أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد وقال ابن حزم إن التلبية ورفع الصوت بها فرض فمن لم يلب في شيء من حجه أو عمرته أو لبى ولم يرفع صوته فلا حج له ولا عمرة.\n١٢- مشروعية تعيين النسك في التلبية فإذا كان في العمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، وفي الحج يقول: لبيك اللهم حجًا، وفي القران يقول: لبيك اللهم عمرة وحجًا.\n١٣- أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر أنه في مجيئه إلى مكة وإحرامه أنه إنما يفعل ذلك تلبية لدعاء الله قال الله تعالى) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ «١) فالأذان بأمر الله يعتبر أذانًا من الله فإذا كان الله هو الذي أذن فأنا أجيبه وأقول: لبيك اللهم لبيك ... .. الخ.\n١٤- أن التلبية توحيد خالص لأن الإنسان يقول لبيك اللهم لبيك، ولبيك هذه جواب. جواب دعوة ولهذا إذا دعي أحدنا فقيل يا فلان قال للداعي لبيك وهي بصيغة التثنية ولكن المراد التكرار ومن ثم يقول النحويون إنها ملحقة بالمثنى لأن لفظها لفظ تثنيه ومعناها التكثير. والتلبية هي الإجابة فكأنك\n_________\n(١) سورة الحج: آية ٢٧.","vol":"1","page":92},{"text":"تقول يا رب إجابة لك بعد إجابة. وتكرر توكيدًا.\n١٥- الثناء على الله ﷿ بالحمد والنعمة فإنه هو المتفضل ﷿ بذلك) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (.\n١٦- انفراد الله بالملك لقوله (لك والملك لا شريك لك) .\n١٧- جواز الزيادة على تلبية النبي ﷺ لأنه ﷺ كان يسمعهم يزيدون ولا ينكر عليهم. وممن زاد في التلبية عمر وابنه ﵄ لبيك وسعديك والرغباء إليك والعمل، وكما قال أنس ﵁ منا المهل ومنا المكبر وكان النبي ﷺ يسمعهم ولا يرد عليهم شيئا. لكن لزوم تلبية النبي ﷺ أفضل وأتم في التأسي.\n١٨- أن الناس كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج بل إن العرب في الجاهلية يرونها من أفجر الفجور ويقولون لا يمكن أن تأتي إلى مكة بعمرة وحج بل لا بد أن تأتي بعمرة في سفر وحج في سفر وهم ينظرون إلى ذلك من ناحية اقتصادية حتى يكثر الزوار والحجاج وتكون الأسواق أكثر اشتغالا.\n١٩- أنه ينبغي للإنسان الحاج أو المعتمر أن يبادر حين الوصول إلى مكة إلى الذهاب إلى المسجد ليطوف لأن هذا هو المقصود ولا ينبغي أن يجعل غير المقصود مقدمًا بل المقصود ينبغي أن يكون مقدمًا على كل شيء.","vol":"1","page":93},{"text":"٢٠ - حرص الصحابة ﵃ على العلم بأفعال النبي ﷺ ليتبعوه فيها.\n٢١ - مشروعية البداءة في الطواف بالحجر الأسود فإن بدأ بدونه مما يلي الباب لم يعتد بالشوط.\n٢٢ - مشروعية استلام الحجر الأسود عند ابتداء الطواف لقوله (حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن) .\n٢٣ - مشروعية تقبيل الحجر الأسود في الطواف. وأما تقبيل غيره من الجمادات والأحجار فبدعة.\n٢٤ - مشروعية استلام الحجر الأسود والركن اليماني في الطواف بالبيت. ولا يشرع استلام غيرهما من أركان الكعبة أو جدرانها سوى هذين الركنين.\n٢٥ - أن السنة كما تكون بالفعل تكون كذلك بالترك فإذا وجد سبب الفعل في عهد النبي ﷺ ولم يفعله دل هذا على أن السنة تركه.\n٢٦ - مشروعية الأضطباع في جميع الطواف وهل يبقى مضطبعًا بعد الطواف أو لا؟ الصحيح أنه لا يبقى مضطبعًا. وأن الإنسان يستر منكبه من حين أن يفرغ من طوافه.\nوقال بعض العلماء ﵏: بل إنه يبقى مضطبعًا في السعي. ولكن الصحيح الأول.","vol":"1","page":94},{"text":"٢٧ - مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم دون الأربعة الباقية.\nفإن قلت: ما الحكمة من الرمل في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى دون الأربعة الباقية؟\nفالجواب: أن الحكمة في ذلك تذكير المؤمنين بأصل هذا الرمل لأن أصله أن النبي ﷺ قاضى أهل مكة في غزوة الحديبية على أن يرجع من العام القادم معتمرا. وأهل مكة أعداء للرسول ﷺ وأصحابه، والعدو يحب الشماتة بعدوه فلما قدم النبي ﷺ للعمرة قال بعضهم لبعض دعونا نجلس هنا ننظر إلى هؤلاء القوم الذين وهنتهم حمى يثرب كيف يطوفون. لأن عندهم أن هؤلاء قوم أصابهم المرض وأنهك قواهم يريدون بذلك الشماتة وجلسوا في شمالي الكعبة من جهة الشمال وهم ينظرون فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا ليظهروا الجلد والقوة والنشاط ليغيظوا الكفار وإغاظة الكفار أمر مقصود لله ﷿ كما قال تعالى:) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ «١) وقال\n_________\n(١) سورة الفتح: آية ٢٩.","vol":"1","page":95},{"text":"تعالى:) وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ «١) أراد النبي ﷺ من قومه أن يغيظوا الكفار لكنه أمرهم أن\nيرملوا من الحجر إلى الركن اليماني دون ما بين الركنين لأنهم بين الركنين يختفون عن المشركين وأراد الرسول ﷺ أن يرفق بأصحابه ولهذا جعل الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى لأن الثلاثة أقل من الأربعة فاعتبر الأقل في جانب الصعوبة ثم إن اختيار الثلاثة دون الأربعة فيه القطع على وتر والله ﷾ إذا تأملنا مشروعاته وجدنا غالبها مقطوعًا على وتر. ففي كون الرمل خاصًا بالأشواط الثلاثة الأولى فائدتان:\nالأولى: اعتبار الأخف في باب المشقة.\nالثانية: القطع على وتر.\nأما في حجة الوداع فقد رمل النبي ﷺ في الأشواط الثلاثة كلها من الحجر إلى الحجر لأن العلة التي من أجلها شرع الحكم وهو إغاظة الكفار الذين كانوا يشاهدون قد انقطعت فصار الرمل من الحجر إلى الحجر عبادة محضة ولم يكن القصد منه الإغاظة لأن الإغاظة انتهت.\nولكن هل الطائف يذكر في هذه الحال حال النبي ﷺ وأصحابه حين قدموا في عمرة القضاء أو يذكر المعنى الأصلي\n_________\n(١) سورة التوبة: آية ١٢٠.","vol":"1","page":96},{"text":"المقصود وهو إغاظة الكفار أو الأمرين؟\nإذا تذكر الأمرين فهو خير، يعني يتذكر أن الرسول ﷺ وأصحابه فعلوا ذلك فيقتدي بهم ولا سيما فعله في حجة الوداع وأيضا يذكر أن من شأن المسلم أن يفعل ما يغيظ الكفار\n٢٨ - مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من الحجر إلى الحجر لأن النبي ﷺ فعل ذلك وأن السنة المشي في الأربعة الباقية. فإن قال قائل: إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة وبين أن أمشي مع القرب فأيهما أقدم؟\nالجواب: قدم الأول فارمل ولو بعدت عن الكعبة (لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة بزمانها أو مكانها) وهذه القاعدة لها أمثلة:\nمثال ذلك: لو أن رجلًا حين دخل عليه وقت الصلاة وهو حاقن أو بحضرة طعام فهل الأولى أن يقضي حاجته ويأكل طعامه ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها؟ أو العكس؟\nالجواب: الأول فهنا راعينا نفس العبادة دون أول الوقت لأنه إذا صلى فارغ القلب مقبلًا على صلاته كانت الصلاة أكمل.\nمثال آخر: لو أن شخصًا أراد أن يصلي في الصف الأول","vol":"1","page":97},{"text":"وحوله ضوضاء وتشويش أو حوله رجل له رائحة كريهة تشغله فهل الأولى أن يتجنب الضوضاء والرائحة الكريهة ولو أدى ذلك إلى ترك الصف الأول؟ أو أن يصف في الصف الأول مع وجود التشويش أو الرائحة الكريهة؟\nفالجواب: لاشك أن الأولى تجنب التشويش وترك الصف الأول لأن هذا يتعلق بذات العبادة.\n٢٩ - أن الطواف بالبيت سبعة أشواط كاملة. فلو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح. كما لو نقص شيئًا من الصلاة فإنها لا تصح.\n٣٠ - أنه تسن الصلاة خلف المقام بعد الطواف ومعلوم أن الركعتين خلف المقام قريبًا منه أفضل من كونها بعيدًا عنه أو ليست خلفه. لكن إذا لم يتيسر للإنسان أن يصلي خلف المقام قريبًا منه فليصل خلف المقام بعيدًا منه فإن لم يتيسر فليصل في أي مكان من المسجد لأن المطلوب منه شيئان: الأول: الصلاة والثاني: كونها خلف المقام.\nفإن تعذر المكان بقيت مشروعية الصلاة وليس من شرط الصلاة أن تكون خلف المقام حتى نقول إذا تعذر خلف المقام سقطت الصلاة.\n٣١ - أنه ينبغي للإنسان بعد أن يصلي الركعتين أن يرجع إلى الركن فيستلمه لفعل النبي ﷺ.","vol":"1","page":98},{"text":"ولكن هل هذا مشروط بما إذا أراد السعي بعد الطواف؟\nالجواب: نعم هذا في الطواف الذي يكون بعده سعي ينبغي أن يتقدم إلى الركن بعد الركعتين فيستلمه أما الطواف الذي ليس بعده سعي كطواف الوداع مثلا وطواف الإفاضة لمن سعى بعد طواف القدوم فإنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه رجع إلى الركن فاستلمه.\n٣٢ - أنه ينبغي المبادرة بالسعي بعد الطواف بدون تأخير وهذا على سبيل الأفضلية وليس على سبيل الوجوب ولهذا قال العلماء ﵏: إن الموالاة بين الطواف والسعي سنة وليست بشرط فلو طاف في أول النهار وسعى في آخره فلا بأس لكن الأفضل الموالاة.\n٣٣ - أنه ينبغي أن يخرج من باب الصفا لأنه أيسر، ولو كان المسجد الحرام فيما سبق له أبواب دون المسعى يخرج منه الناس وأما الآن فيتجه إلى جهة الصفا.\n٣٤ - أنه ينبغي إذا دنا من الصفا أن يتلو الآية) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ «١) اقتداء برسول الله ﷺ وليشعر نفسه أنه إنما سعى لأنه من شعائر الله وتعظيمًا لشعائر الله ﷿ وحرماته.\n_________\n(١) سورة البقرة آية ١٥٨.","vol":"1","page":99},{"text":"٣٥ - أنه ينبغي أن يقول: أبدأ بما بدأ الله به ليتحقق بذلك الامتثال. ولا يقال هذا الذكر إلا إذا أقبل على الصفا من بعد الطواف فلا يقال بعد ذلك لا عند المروة ولا عند الصفا في المرة الثانية لأنه ليس ذكرا يختص بالصعود وإنما هو ذكر يبين أن ابتداء الإنسان من الصفا إنما هو لتقديم الله له.\n٣٦ - أن ما بدأ الله به فهو أولى بالتقديم ولهذا بدأ النبي ﷺ بالصفا لأن الله بدأ به.\n٣٧ - أنه ينبغي صعود الصفا حتى يرى البيت فيستقبله وهو واضح من قوله: «فرقي الصفا حتى رأى البيت» .\n٣٨ - أنه ينبغي في هذه الحال أن يوحد الله ويكبره ويقول الذكر ويدعو بين الأذكار التي يقولها ثلاث مرات وقد ورد عن النبي ﷺ حينئذ رفع يديه رفع دعاء وليس رفع إشارة كما يفعل في الصلاة.\n٣٩ - أن السنة أن يمشي ما بين الصفا إلى طرف الوادي الشرقي ثم يسعى من طرف الوادي الشرقي إلى طرفه الشمالي ثم يمشي إلى المروة.\n٤٠ - أن الإسراع في كل المسعي ليس بمشروع.\n٤١ - أنه ينبغي الإسراع في بطن الوادي لفعل الرسول ﷺ وبطن الوادي الآن جعل له علم منصوب (عمود أخضر) فإذا وصلته فابدأ بالإسراع.","vol":"1","page":100},{"text":"٤٢ - أنه ينبغي لك وأنت تسعى أن تستشعر بأنك في ضرورة إلى رحمة الله ﷿ كما كانت أم إسماعيل ﵂ في ضرورة إلى رحمة الله ﷾ فكأنك تستغيث به ﵎ من آثار الذنوب وأوصابها.\n٤٣ - أن الإسراع في السعي مشروع في كل الأشواط السبعة لأن جابرًا ﵁ لم يستثن شيئًا منه بخلاف الرمل في الطواف فمشروع في الثلاثة الأولى.\nوفرق آخر هو أن الإسراع في السعي في جزء منه والرمل في الطواف في جميع الأشواط الثلاثة فهذان فرقان.\nالفرق الثالث: أن الإسراع في السعي أشد من الرمل في الطواف لأن الرسول ﷺ كان يسرع جدًا بخلاف الطواف فإنه يرمل والرمل إسراع المشي دون الخبب يعني: دون الركض الشديد.\n٤٤ - أن اختتام الأشواط السبعة يكون بالمروة. وعند الاختتام هل يقف ويدعو؟\nالجواب: لا؛ لأن الدعاء والذكر إنما هو في ابتداء الشوط وليس في انتهائه فإذا انتهى من المروة فلينصرف ولا يقف للدعاء، كما قلنا في الطواف فإن التكبير يكون عند ابتداء الشوط لا عند انتهائه.\n٤٥ - أن الأيدي لا ترفع حال الذكر والدعاء لا في السعي","vol":"1","page":101},{"text":"ولا في الطواف لأن الذين وصفوا طواف النبي ﷺ ودعاءه فيه (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) لم يذكروا رفع اليدين وكونهم يذكرون رفع اليدين على الصفا وعلى المروة يدل على أن ما عدا ذلك ليس فيه رفع.\n٤٦ - جواز قول (لو) إذا كان لقصد الإخبار لقوله (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت) .\n٤٧ - حسن تعليم النبي ﷺ ودعوته إلى الحق.\n٤٨ - مشروعية فسخ نية الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا إلا أن يسوق الهدي.\n٤٩ - أن من فسخ نية الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا فإنه يتحلل بالعمرة تحللًا كاملًا.\nفإن قلت: هل يجوز أن يفسخ الإنسان الحج إلى عمرة ليتحلل منها وينصرف إلى أهله.\nفالجواب: لا. لأنه إنما أمر بفسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا. والمتمتع أفضل ولم يرخص له أن يفسخ الحج إلى عمرة ليتحلل عن قرب ويرجع إلى أهله.\n٥٠- أن الحج يمتاز عن غيره من العبادات بجواز تغيير النية فيه. فنجد الرجل يحرم بالحج ثم يقلبه إلى عمرة ليصير متمتعًا ويصح ويحرم بالعمرة أولًا ثم يضيق عليه الوقت فيدخل الحج عليها ليصير قارنًا ويصح.","vol":"1","page":102},{"text":"كما أن الحج يخالف غيره في النية بأنه لو نوى الخروج منه لم يخرج منه بينما العبادات الأخرى يخرج منها. وإذا فعل محرمًا في العبادات الأخرى تبطل العبادة كما لو أكل أو شرب في الصلاة أو تكلم فيها. لكن في الحج، المحظورات فيه لا تبطله إلا الجماع قبل التحلل الأول يفسده ويجب المضي فيه وقضاؤه من السنة الأخرى بخلاف غيره من العبادات.\n٥١ - أن التمتع أفضل الأنساك لأن النبي ﷺ أمر به من لم يسق الهدي ولأنه أكثر عملًا لأنه يأتي بأفعال العمرة كاملة وأفعال الحج كاملة ولأنه أيسر لمن قدم مكة في وقت مبكر حيث يتمتع بالحل فيما بين العمرة والحج. إلا لمن ساق الهدي فالقران أفضل لتعذر التمتع في حقه فالتمتع في حق من ساق الهدي لا يمكن لأنه لا يمكن أن يحل.\nولكن هل الأفضل أن يسوق الهدي ويقرن أو الأفضل أن لا يسوق الهدي ويتمتع؟\nفي هذا خلاف بين العلماء ﵏ منهم من قال الأفضل أن لا يسوق الهدي ويتمتع لأن النبي ﷺ قال لأصحابه: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم.\nومنهم من قال سوق الهدي والقران أفضل لأن هذا فعل النبي ﷺ ولأنه أظهر في إظهار الشعائر. لأن الإنسان يأتي","vol":"1","page":103},{"text":"بالهدي معه يسوقه وهذا لا شك أن فيه من إظهار الشعائر ما ليس فيمن لم يسق الهدي. وأجابوا عن قوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت أنه قال ذلك من أجل أن يطيب قلوب أصحابه وأنه يقول لو علمت بأن الأمر سيبلغ منكم ما بلغ حتى يشق عليكم هذه المشقة ما سقت الهدي ولأحللت معكم. وكان رسول الله ﷺ يترك الاختيار مراعاة لأصحابه كما ترك الجهاد ﵊ في كل سرية مراعاة لأصحابه الذين لا يستطيعون أن يصاحبوه في كل سرية وليس عنده ما يحملهم عليه. وكما ترك الصيام مراعاة لأصحابه فقالوا إن قوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لهذا المعنى.\nوعندي أن الأقرب في هذا التفصيل فإن كانت السنة في سوق الهدي مندثرة فالقران أفضل وإلا فالتمتع أفضل.\n٥٢ - أن من ساق الهدي ليس له إلا القران.\n٥٣ - أنه لا يشترط لسوق الهدي أن يكون من بلده.\n٥٤ - أن التعليم يكون بالقول وبالفعل لقوله: «فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: «دخلت العمرة في الحج»» وأخذ منه بعض المعاصرين التعليم على السبورة لأن السبورة ترسم للإنسان العلم. والعلم إذا رسم للإنسان يكون أدعى لثباته في النفس إذ الإنسان لا يزال يستحضر هذه الصورة فتبقى في ذهنه.","vol":"1","page":104},{"text":"٥٥ - أنه ينبغي للمحلين بمكة أن يدفعوا إلى منى في اليوم الثامن محرمين بالحج لأن النبي ﷺ وأصحابه دفعوا إليها ولا ينبغي أن يدفع إليها قبل اليوم الثامن على طريق التنسك والعبادة لأن الرسول ﷺ وأصحابه لم يدفعوا قبل اليوم الثامن.\n٥٦ - أن أعمال الحج تبتدئ من ضحى اليوم الثامن ويتفرع على ذلك ثلاث فوائد:\n٥٧ - منها أنه فيما نرى لا يشرع التمتع لمن قدم مكة بعد أوان أعمال الحج فمثلا لو جئت بعد الظهر في اليوم الثامن فليس هناك تمتع لأن الله يقول:) فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ «١) فمنتهى التمتع الحج وأفعال الحج تبتدئ باليوم الثامن إذًا فلا حاجة للتمتع ونقول: إن شروعك في الحج ودخولك فيه في هذه الحال أفضل من العمرة فإما أن تفرد وإما أن تقرن أما التمتع فقد زال وقته الآن.\n٥٨ - ومنها أنه لا يشرع لمن أراد الإحرام يوم التروية أن يذهب إلى البيت أي المسجد الحرام ويحرم من المسجد بدليل أن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ذلك والترك مع وجود السبب سنة يعني إذا وجد سبب الشيء في عهد الرسول ﷺ ولم يفعل كانت السنة تركه وهذا سببه موجود ولم يذهب\n_________\n(١) سورة البقرة آية ١٩٦.","vol":"1","page":105},{"text":"واحد من الصحابة ليحرم من المسجد فدل ذلك على أن السنة أن يحرموا من أماكنهم التي هم نازلون فيها.\n٥٩ - ومنها أنه ينبغي أن تكون صلاة الظهر يوم التروية في منى هذا هو الأفضل ويتفرع على ذلك ثلاث فوائد:\n٦٠ - منها أنه يتبين حرمان قوم من الناس يريدون الحج ويبقون في أماكنهم فإذا كان بعد العصر أحرموا بالحج وخرجوا إلى منى نقول هذا وإن كان جائزًا لكن الإنسان حرم نفسه لأن بقاءه في منى في ذلك اليوم أفضل من بقائه في المسجد الحرام وغيره.\nولهذا لما كان يوم التروية هذا العام يوم الجمعة صار كثير من الحجاج يتساءلون هل الأفضل أن نصلي الجمعة في المسجد الحرام ثم نخرج إلى منى أو الأفضل أن نخرج إلى منى في الصباح في الضحى ونصلي الظهر في منى؟\nوالجواب: الثاني أفضل لأن بقاءك في منى عبادة وأنت ما جئت من بلادك إلا لأجل هذه العبادة.\n٦١ - ومنها أن الصلاة في منى لا تجمع لأن جابرًا ﵁ لم يذكر أن النبي ﷺ جمع فدل هذا على أنه صلاها على الأصل أي بدون جمع.\nوهل يستفاد من حديث جابر ﵁ أن الصلاة في منى تقصر؟","vol":"1","page":106},{"text":"الجواب: لا يستفاد لكن نستفيده من حديث أنس بن مالك ﵁ (١) .\n٦٢ - ومنها أنه ينبغي المكث في منى حتى تطلع الشمس ولا يسن الدفع قبل طلوع الشمس لقوله: «ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس» وهو كذلك فإن دفع بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فلا إثم عليه لكن الأفضل أن يتأخر.\n٦٣ - قوة النبي ﷺ في دين الله حيث لم يتبع قومه في الوقوف في مزدلفة بل أجاز حتى أتى عرفة.\n٦٤ - أن الدين شَرْع وتوقيف وليس عادة؛ دليله أن النبي ﷺ لم يتبع العادة في ذلك بل اتبع ما اقتضته شريعة الله ﷾.\n٦٥ - أن نمرة من عرفة بناء على أحد القولين ويتفرع على ذلك فائدتان:\n٦٦ - منها أنه لو وقف أحد بنمرة بعد زوال الشمس ولم يدفع إلا بعد الغروب أجزأه الحج ولم أر من صرح به مع أن هذا هو مقتضى هذا القول ولازمه. أما إذا قلنا إن نمرة ليست من عرفة وهو الصحيح كما قلنا فالأمر فيها واضح أنه من وقف فيها لا يجزئه ولا حج له.\n_________\n(١) سبق تخريجه رقم ٤٢.","vol":"1","page":107},{"text":"٦٧ - أنه ينبغي أن ينزل الحاج بنمرة قبل الوقوف بعرفة والدليل فعل النبي ﷺ فلو قال قائل: أفلا يمكن أن يكون النبي ﷺ نزل بها من باب السهولة لأنه أسمح لوقوفه حتى يستريح ويستعد للوقوف كما قالت عائشة ﵂ في نزوله في المحصب (١) بعد الحج؟\nقلنا: الأصل التعبد في جميع أفعال الحج إلا ما قام الدليل على أنه ليس من باب التعبد وأيضا فيمكن أن الرسول ﷺ يستريح إذا نزل في عرفة.\n٦٨ - جواز استخدام الإنسان غيره لا سيما إذا كان كبيرًا أو ذا سلطة والدليل: «أمر بالقصواء فرحلت له» فإن قوله أمر ... فرحلت يدل على أنه ﷺ ما باشر ترحيلها وإنما أمر فرحلت له، وهذا لا ينافي نهي النبي ﷺ أن يسأل الناس شيئًا لأن هناك فرقًا بين أن تسأل شخصًا شيئًا ويرى أن له منّة عليك وبين أن تسأل شخصًا شيئًا ويرى أن المنّة منك عليه وما يجري من النبي ﷺ من هذا الباب كل يفرح أن النبي ﷺ يأمره ثم هو زعيم أمته ﵊ فيأمر على وجه السلطة\n_________\n(١) المحصب: بالضم ثم الفتح وصاد مهملة مشددة، اسم مفعول من الحصباء أو الحصب وهو الرمي بالحصى وهي صغار الحصى وكباره: وهو موضع فيما بين مكة ومنى وهو إلى منى أقرب. معجم البلدان ٥/٧٤.","vol":"1","page":108},{"text":"وعلى وجه الإمرة.\n٦٩- إعلان الأحكام الشرعية عن طريق الخطابة. والخطابة أحد المجالات التي بها تنشر الدعوة فإن الدعوة تنشر بطرق متعددة منها الخطابة والكتابة والمشافهة وغير ذلك.\n٧٠ - حرص النبي ﷺ على تبليغ أمته فإنه كان لا يخفي تبليغ الأحكام بل يعلنها إعلانًا بواسطة الخطابة.\n٧١ - استحباب الخطبة يوم عرفة لأن النبي ﷺ خطب الناس فيستحب أن يخطب الإمام أو نائبه الناس يوم عرفة ويستحب أن يحرص على الأقوال التي قالها النبي ﷺ في تلك الخطبة ليقتدي بالرسول ﷺ في أصل الخطبة وفي موضوعها وكلماتها.\n٧٢ - أن الخطبة يوم عرفة قبل الأذان لقوله: «ثم أذن ثم أقام» .\n٧٣ - أن الربا موضوع كله ولا يؤخذ مهما كان فالربا الثابت في ذمم الناس يجب وضعه ولا يجوز أخذه حتى وإن عقد قبل إسلام العاقد أو قبل جهله. أما ما قبض من قبل من ربا وأكل وأتى الإنسان موعظة من الله فلا يلزمه تقويمه والتخلص منه لكن ما بقي في ذمم الناس فإنه لا تتم التوبة منه إلا إذا تركه ولم يقبضه.","vol":"1","page":109},{"text":"٧٤ - بيان عدل النبي ﷺ وهو ظاهر من قوله «وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع» فأول ما قضى عليه من أمر الجاهلية ما كان يتصل بأقاربه وهذا كما قال في الحديث الصحيح «وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١) وهكذا يجب على الإنسان أن يكون قائما لله بالعدل لا يفرق بين قريب وبعيد أو غني وفقير أو قوي وضعيف. الناس في حكم الله واحد لا يتميز أحد منهم بشيء إلا بما ميزه الله به.\n٧٥ - وفيه الإشارة إلى أن الذي يتولى طلب الرزق وحصول الكسوة هو الرجل لقوله (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) . أما المرأة فشأنها أن تبقى في بيتها لإصلاح حالها وحال زوجها وحال أولادها وهذا ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم.\n٧٦ - أن القرآن عصمة؛ إذا اعتصم به الإنسان عصم من الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة كما قال تعالى:) فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى «٢) أي لا يضل في الدنيا\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الحدود / باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع (٦٧٨٨) ومسلم في الحدود / باب قطع يد السارق الشريف (١٦٨٨) عن عائشة ﵂.\n(٢) سورة طه: آية ١٢٣.","vol":"1","page":110},{"text":"ولا يشقى في الآخرة.\n٧٧ - وفيه الحث على الاعتصام بكتاب الله والرجوع إليه وأن به العصمة من كل سوء فإن قال قائل: ما تقولون في السنة التي لم تكن موجودة في القرآن بعينها؟\nقلنا: كل سنة سنها الرسول ﷺ فهي موجودة في القرآن قال تعالى:) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «١) وقال تعالى:) وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ «٢) وقال تعالى:) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «٣) وقال تعالى:) النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ «٤) فكل سنة سنها الرسول ﷺ فهي من القرآن لكن ليس من اللازم أن ينص عليها بعينها.\n٧٨ - اعتراف الصحابة ﵃ بالجميل للنبي ﷺ لقوله «نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت» وهذه الشهادة التي شهدها الصحابة ﵃ يجب على كل مؤمن أن يشهدها فنحن نشهد أنه قد بلغ وأدى ونصح ﵊.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: آية ٢١.\n(٢) سورة الحشر: آية ٧.\n(٣) سورة آل عمران: آية ٣١.\n(٤) سورة الأعراف: آية ١٥٨.","vol":"1","page":111},{"text":"٧٩ - استشهاد الله تعالى على العباد بأن الرسول ﷺ بلغ.\n٨٠ - إثبات علو الله ﷿. وجه الدلالة الإشارة إلى السماء وعلو الله الذاتي قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.\n٨١ - جواز الإشارة إلى مكان الله ﷿ وهو في السماء ولكن هل هذا المكان محيط به؟\nالجواب: لا. بل وسع كرسيه السموات والأرض، فهو ﷾ فوق سماواته، على عرشه، عليٌّ على خلقه بذاته وصفاته، لقوله تعالى:) وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ «١) .\n٨٢ - إثبات علم الله ﷿ وسمعه وبصره حيث كان يرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكتها إلى الناس.\n٨٣ - تكرار الأمر الهام ثلاث مرات حتى وإن كان المخاطب قد سمع فإنه يكرر لا من أجل إفهام المخاطب ولكن من أجل الاهتمام بهذا الشيء.\n٨٤ - أنه لا يشرع للمسافر أن يصلي راتبة الظهر لقوله: «ولم يصل بينهما شيئا» .\n٨٥ - أن الصلاتين المجموعتين المشروع فيهما أن تكونا\n_________\n(١) سورة البقرة: آية ٢٥٥.","vol":"1","page":112},{"text":"متواليتين لقوله: «ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا» والموالاة بين المجموعتين إذا كان الجمع جمع تقديم شرط عند أكثر الفقهاء ﵏ إلا أنه لا بأس أن يفصل بوضوء خفيف أو استراحة قصيرة ثم يستأنف الصلاة ثانية أما إذا كان الجمع جمع تأخير فالموالاة ليست بشرط.\nوذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ إلى أن الموالاة بين المجموعتين ليست بشرط لا في جمع التقديم ولا في جمع التأخير وقال: يجوز في جمع التقديم أن يصلي الظهر مثلًا ثم يتوضأ أو يستريح أو يتغدى ونحوه ثم يصلي العصر وقال: إن الجمع هو من باب ضم الصلاة إلى الأخرى في الوقت لا في الفعل فإذا جاز الجمع صار الوقتان وقتًا واحدًا وليس معنى الجمع ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى بالفعل بل ضمها إلى الأخرى بالوقت وعلى هذا فلا تشترط الموالاة في جمع التقديم كما لا تشترط في جمع التأخير ولكن لا شك أن الموالاة بينهما مشروعة كما دل عليه هذا الحديث.\n٨٦ - استحباب الوقوف للإمام في موقف النبي ﷺ لأن النبي ﷺ وقف عند الصخرات خلف جبل عرفة لقوله\n_________\n(١) الفتاوى ٢٤/٥٤.","vol":"1","page":113},{"text":"«ثم ركب حتى أتى الموقف» وأما غير الإمام فإنهم يقفون في أماكنهم لقول النبي ﷺ: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» (١) ولأن الأصل الاقتداء بالنبي ﷺ في كيفية العبادة وزمانها ومكانها وجه ذلك: أن نبه على أن وقوفه في هذه الأماكن لا يسن فيه الأسوة أو لا تجب فيه الأسوة لقوله (وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف) وكذلك يقال في مزدلفة.\n٨٧ - بيان تيسير النبي ﷺ على أمته حيث لم يلزمهم بل ولم يندبهم إلى أن يتحروا مكان وقوفه ونحره لا في عرفة ومزدلفة ولا في منى.\n٨٨ - أنه لا يشرع صعود الجبل ولا الصلاة فيه ولا الصلاة عنده لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك والأصل في العبادات التوقيف حتى يقوم دليل على مشروعيتها.\nوبه نعرف ضلال كثير من الناس الذين يقصدون الجبل ويصعدون عليه ويصلون وربما يضعون الحجارة بعضها على بعض لتكون علمًا وربما يعلقون الخرق ويكتبون الأوراق لإثبات أنهم بلغوا هذا المكان وكل هذا من البدع والواجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على ذلك وأن يبينوا أنهم إلى الوزر أقرب منهم إلى الأجر في مثل هذه الأعمال.\n٨٩ - أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل لأن النبي ﷺ\n_________\n(١) سبق تخريجه رقم ٥٦.","vol":"1","page":114},{"text":"وقف راكبًا وقال: «خذوا عني مناسككم» (١) .\nوقال بعض العلماء ﵏: بل الوقوف على غير الراحلة أفضل.\nواختار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀ التفصيل في ذلك وقال: إنه يختلف باختلاف الحاج وما ذهب إليه هو الصحيح فإذا كان الإنسان يحتاج إلى أن يكون راكبًا ليراه الناس ويسألوه وينتفعوا بعلمه وقف راكبًا أفضل وكذلك إن كان أخشع له وأحضر لقلبه فيقف راكبًا أفضل وإذا كان الأمر بالعكس صار الحكم بالعكس أيضا فهو يختلف باختلاف أحوال الناس.\n٩٠ - مشروعية استقبال القبلة حال الدعاء يوم عرفة ورفع اليدين والإكثار من الدعاء ومن الذكر لقول النبي ﷺ «خير الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (٣)، وينبغي له أن يحرص على الأذكار\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحج / باب استحباب رمي جمرة العقبة ٢/٩٤٣ وابو داود كتاب المناسك / باب رمي الجمار ١/٤٥٦ والنسائي في المناسك / باب الركوب إلى الجمار ٥/ ٢١٩. وابن ماجه في المناسك / باب الوقوف بجمع ٢/١٠٠٦.\n(٢) أنظر الفتاوى ٢٦/١٣٢.\n(٣) أخرجه الترمذي في الدعوات / باب في دعاء يوم عرفة (٣٥٨٥) عن عبد الله بن عمرو ﵄ والإمام أحمد ٢/٢١٠ عن عبد الله بن عمر ﵄ ولفظه: \"كان دعاء رسول الله ﷺ يوم عرفة لا إله إلا الله ... \" وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.","vol":"1","page":115},{"text":"والأدعية الواردة عن النبي ﷺ، فإنها من أجمع الأدعية وأنفعها فيقول:\nاللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك رب مآبي ولك رب تراثي.\nاللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر.\nاللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح.\nاللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيءٌ من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه.\nاللهم لا تجعلني بدعائك ربي شقيا، وكن بي رؤوفًا رحيمًا يا خير المسؤولين ويا خير المعطين.\nاللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا.","vol":"1","page":116},{"text":"اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر.\nاللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.\nاللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ومن درك الشقاء ومن سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء.\nاللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا.\nاللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر.\nاللهم غسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.\nفالدعاء يوم عرفة خير الدعاء.\nقال النبي ﷺ: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة» . كما في الحديث السابق. وإذا لم يحط بالأدعية الواردة عن رسول الله ﷺ، دعا بما يعرف من الأدعية المباحة.\nفإن قال قائل: الوقت طويل لا سيما في أيام الصيف وربما","vol":"1","page":117},{"text":"يلحق الإنسان ملل، لأنه لو بقي يدعو من بعد صلاة الظهر والعصر المجموعة إليها إلى الغروب لحقه ملل. فهل اشتغاله بغير الدعاء والذكر مما هو مباح جائز؟\nالجواب: نعم وربما يكون مطلوبًا إذا كان وسيلة للنشاط والإنسان بشر يلحقه الملل، فلا حرج أن يستريح إما بنوم أو بقراءة قرآن أو بمذاكرة مع إخوانه أو بمدارسة القرآن أو في أحاديث تتعلق بالرحمة والرجاء والبعث والنشور وأحوال الآخرة حتى يلين ويرق قلبه والإنسان طبيب نفسه في هذا المكان، لكن ينبغي أن يغتنم آخر النهار بالدعاء ويتفرغ له تفرغًا كاملًا.\n٩١ - وجوب الوقوف بعرفة حتى تغرب الشمس لأن النبي ﷺ وقف حتى غربت الشمس وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (١) ولأن الدفع قبل غروب الشمس مخالفة لهدي النبي ﷺ وموافقة لهدي المشركين لأن المشركين كانوا ينتظرون فإذا قربت الشمس إلى الغروب دفعوا من عرفة فخالفهم النبي ﷺ. ولأن في ذلك نقصًا في الوقوف الذي هو الركن ومعلوم أن الأركان أفضل من الواجبات والواجبات أفضل من السنن لأنه كلما تأكدت العبادة كانت أفضل لقوله تعالى في الحديث القدسي «وما تقرب إلي عبدي بشيء\n_________\n(١) سبق تخريجه رقم ١٠٢.","vol":"1","page":118},{"text":"أحب إلي مما افترضته عليه» (١) .\nويدل أيضًا على أن ذلك للوجوب تأخر النبي ﷺ حتى تغرب الشمس لأنه لو دفع قبل أن تغرب لكان أيسر فلما عدل عن ذلك إلى البقاء حتى غربت الشمس دل على أن الدفع قبل هذا محرم ولو كان جائزًا لفعله النبي ﷺ لأنه أيسر.\n٩٢ - أنه ينبغي لإمام الناس أو من ينيبه أن يحث الناس على السكينة فرجال المرور مثلًا ينوبون مناب الإمام في تدبير الناس وتنظيم السير والأمر بالسكينة لأن النبي ﷺ نظم السير في قوله: «السكينة السكينة» فإن هذا نوع من تنظيم السير.\n٩٣ - أنه ينبغي للإمام بل يجب على الإمام أن يكون أول من يبادر إلى ما يأمر به ودليله أن الرسول ﷺ دفع وقد شنق للقصواء الزمام وما كان ليقول للناس السكينة السكينة وهو تاركها تمشي بسرعة، بل هو أول من يفعل ذلك ﵊ وهكذا الإمام الذي يقتدي به سواء كان إمامًا في التنفيذ أو إمامًا في العلم فإنه يجب عليه أن يتحرى اتباع الرسول ﷺ لأنه يقتدى به فأي فعل يفعله سوف يقتدى به الناس، والناس في هذا المقام بالنسبة إلى القدوة بين أمرين بين محتج بفعله على ما يهواه وبين محتج عليه بمخالفته وبينهما فرق فالإنسان الذي له هوى ولا يريد اتباع السنة يحتج بتقصير\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الرقائق / باب التواضع (٦٥٠٢) .","vol":"1","page":119},{"text":"القدوة على تقصيره فيقول مثلًا: هذا فلان لا يفعل هذا وهذا فلان فعل هذا مثلا والإنسان الذي يريد من المقتدى به أن يتبع السنة يحتج بفعله وتهاونه بالسنة عليه ولا يحتج بفعله على ما يفعله هذا المتكاسل فهذا أمر ينبغي لطلبة العلم أن يتفطنوا له لأن طالب العلم يقتدى به ويؤخذ عليه ما لا يؤخذ على غيره ليس كعامة الناس ولهذا كثير ما تأمر الناس بشيء ثم يقولون لك فلان يفعله من طلبة العلم يحتج بفعله حتى وإن كان هذا الرجل قد تبين له أن الحق بخلافه، لكن يريد أن يدافع عن نفسه ولو بالباطل كما هو ظاهر.\n٩٤ - حسن رعاية النبي ﷺ لما استرعاه الله حتى في البهائم؛ وجه ذلك أنه كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لناقته قليلًا فإن هذا من حسن رعايته لها ورأفته بها ﷺ فرسول الله ﷺ أحسن الرعاية في البشر حيث يقول السكينة السكينة وأحسن الرعاية في البهيمة حيث يرخي لها قليلًا حتى تصعد إذا أتى حبلًا من الحبال.\n٩٥ - أن المشروع للحاج أن لا يصلى المغرب والعشاء إلا في مزدلفة. لأن النبي ﷺ أخر ذلك إلى مزدلفة ووجه هذا: أن المشروع في حق المسافر إذا جد به السير ألا يقف فيقطع سيره. ولهذا كان من هدي الرسول ﷺ أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى العصر. وإن ارتحل بعد أن تزيغ","vol":"1","page":120},{"text":"الشمس قدم العصر إلى الظهر حتى يكون سيره مستمرا متواصلا.\nنقول: هذا هو السنة حتى لو تأخر الإنسان. إلا إذا تأخر حتى انتصف الليل فإنه يجب عليه أن يصلي صلاة العشاء قبل منتصف الليل وصلاة المغرب أيضًا وذلك لأن منتهى صلاة العشاء نصف الليل فلا يجوز أن يؤخرها إلى ما بعد نصف الليل.\nفإن قال قائل: افرض أنني حبست في سير السيارات ولم أستطع الرجوع ولا التقدم ولا الخروج يمينا أو شمالا؟\nنقول: من أمكنه أن ينزل من الركاب فلينزل ويصلي يمينًا أو شمالًا قبل أن يخرج الوقت، ومن لم يمكنه فليصل ولو على ظهر السيارة ويأتي بما يستطيع من الواجبات على حسب حاله. ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى ما بعد نصف الليل، لأن القول الراجح أنه لا وقت للعشاء بعد منتصف الليل.\n٩٦ - أن الجمع يكون جمع تأخير لأن النبي ﷺ جَمَعَ جَمْعَ تأخير ولكن هل هذا مراد؟ أو لأن سير النبي ﷺ كان متواصلًا إلى أن دخل وقت العشاء؟\nالذي يظهر الثاني، لأن هذا هو هدي النبي ﷺ وبناء على ذلك لو أن الإنسان وقف في أثناء الطريق وصلى فإن القول الذي عليه جمهور أهل العلم أن صلاته صحيحة خلافًا لبعض","vol":"1","page":121},{"text":"الظاهرية كابن حزم (١) ﵀ حيث قال: لا تصح صلاة المغرب والعشاء في ليلة مزدلفة إلا بمزدلفة، واستدل بقول النبي ﷺ لأسامة ﵁، لما توضأ النبي ﷺ قال: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: «الصلاة أمامك» (٢) .\nولكن رأي الجمهور هو الصحيح.\nفإن وصل في وقت صلاة المغرب فما المشروع في حقه؟\nقيل: المشروع أن يؤخر أيضًا لأن النبي ﷺ أخر الصلاة.\nوقيل: المشروع أن يقدم الجمع بين الصلاتين لأن النبي ﷺ صلى من حين وصل إلى مزدلفة، وكون الجمع يكون تأخيرًا لأن هذا وقع اتفاقًا، لأن سير الرسول ﷺ كان بعيدًا وبطيئًا، لأنه على الإبل، فأما إذا كان في السيارات وقد وصل في وقت المغرب فليصل متى وصل ولو كان تقديمًا، والحقيقة أن الدليلين متجاذبان.\nفقد نقول: إن المشروع أن يبادر بالصلاة متى وصل، لأن هذا كالتحية لمزدلفة كما قلنا في منى أن التحية لها الرمي.\nوقد يقال: إن الإنسان يؤخر اقتداء برسول الله ﷺ.\nولكن قد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله\n_________\n(١) أنظر المحلي ٥/١٢١.\n(٢) سبق تخريجه رقم ٦١.","vol":"1","page":122},{"text":"عنه أنه قدم مزدلفة عشاءً أو قريبًا من العشاء فأذن وصلى المغرب، ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أذن فصلى العشاء (١) وهذا يدل على أنه ﵁ لما وصل في هذا الوقت رأى ألا يجمع وأن يصلي المغرب ويتعشى ثم يصلي العشاء وحدها، والدليل على أنه صلى العشاء وحدها أنه أذن لها، ولو كانت مجموعة إلى الأولى لم يؤذن. وبناء على هذا الذي ورد عن ابن مسعود ﵁ نقول: من وصل مبكرًا فليصل المغرب ثم لينتظر حتى يأتي العشاء فيؤذن ويصلي العشاء؟\nفإن قال الحاج: الأيسر لي والأسهل عليّ أن أصلي المغرب من حين أن أصل وأصلي معها العشاء وأستريح فهل تبيحون لي ذلك؟\nفالجواب: نعم نبيح له ذلك لأنه مسافر، والصحيح أن المسافر له الجمع، وإن كان نازلًا فنقول: لك أن تجمع الآن إذا كان أيسر لك كما هو الغالب، لأن بعض الناس يكون محتاجًا إلى البول، فيحب أن يصلي المغرب والعشاء ويستريح فإذا كان هذا أريح له أو أريح لأصحابه أيضا حتى لو فرضنا أنه هو بنفسه يحب أن يصلي المغرب وحدها، والعشاء وحدها في الوقت، ولكن رأى أن أصحابه أيسر لهم فلا حرج\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج / باب من أذن وأقام لكل واحدة من الصلاتين (١٦٧٥) .","vol":"1","page":123},{"text":"أن يتبع أصحابه في الأيسر اقتداء برسول الله ﷺ حيث اتبع الأيسر لأصحابه في الصيام مع محبته للصيام.\n٩٧ - أنه لا يشرع للمسافر أن يصلي راتبة المغرب، لأن النبي ﷺ لم يصل راتبة المغرب في السفر كما لم يصل للظهر، وكذلك للعشاء. أما راتبة الفجر فلم يكن يدعها لا حضرًا ولا سفرًا.\n٩٨ - أنه لا يشرع ليلة مزدلفة تهجد ولا قراءة ولا شيء من العبادات التي تمنع من النوم، إذ لو كان هذا مشروعًا لفعله النبي ﷺ تبليغًا للشرع أو لأرشد الأمة إليه بقوله، فلما لم يحصل هذا ولا ذاك علم بأنه ليس بمشروع.\nفإن قال قائل: إذا لم يستطع الإنسان أن ينام في مزدلفة ليلة العيد بسبب إزعاج السيارات - مثلًا - هل له أن يشتغل بالذكر والدعاء والصلاة؟\nنقول له: نعم اذكر الله، وأما الصلاة فإن كان لا يراه أحد فلا بأس، وإن كان يرى فلا، لأنه لو رآه أحد وهي ليلة مباركة اقتدى به، ولا يعلم أنه معذور ولا سيما إذا كان طالب علم ومحل اقتداء.\n٩٩ - أنه لا تجوز صلاة الفجر ولا غيرها حتى يتبين دخول الوقت. لقوله: «صلى الفجر حين تبين له الصبح» .\n١٠٠ - أنه ينبغي المبادرة في صلاة الفجر ليلة المزدلفة،","vol":"1","page":124},{"text":"دليله «حتى تبين» يعني من حين ما تبين صلى، وهو دليل على أن المشروع في الفجر ليلة المزدلفة أن يبادر بها مبادرة غير المبادرة المعتادة المعروفة.\nأما ما يفعله بعض الناس اليوم من كونهم يؤذنون إذا مضى ثلثا الليل، من حين يمضي ثلثا الليل تسمع المؤذنين للفجر، فهذا خطأ عظيم والحكومة وفقها الله لم تقصر، كانت تطلق المدفع في تلك الليلة فلا عذر لأحد لكن هؤلاء المساكين تجد الواحد منهم ينام قليلًا ثم يمل من النوم ووقت الفجر عنده إذا قام من النوم، متى ما قام فهذا وقت الفجر، أو أنهم يحبون أن يتعجلوا ويمشوا إلى منى، وأيا كان فإن الواحد منا إذا سمع أحدًا يؤذن للفجر قبل الوقت يجب أن ينبهه حتى لا يصلي الفجر قبل وقتها فتفوت عليه فريضة من فرائض الصلوات لكن الغالب على هؤلاء الجهل.\n١٠١ - مشروعية الأذان والإقامة في الحضر وفي السفر، وهل هذه المشروعية على سبيل الوجوب؟\nالجواب: نعم على سبيل الوجوب، فيجب الأذان في السفر والحضر، والإقامة في الحضر والسفر وقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث ﵁ ومن معه: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم» (١) وهم وافدون إلى\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان / باب الأذان للمسافرين (٦٣١) ومسلم في كتاب المساجد / باب من أحق بالإمامة (٦٧٤)","vol":"1","page":125},{"text":"رسول الله ﷺ مسافرون فأمرهم بالأذان، مع أنهم مسافرون، فالمسافرون عليهم الأذان كما على المقيمين.\nوهل عليهم صلاة الجماعة؟\nالجواب: نعم، ومن هنا نأخذ فائدة أيضًا:\n١٠٢ - مشروعية صلاة الجماعة في الحضر والسفر، وهي على الوجوب، فيجب على المسافر صلاة الجماعة كما يجب على المقيم ولا فرق، بل قد أوجب الله صلاة الجماعة في حال القتال، وقتال الرسول ﷺ كان كله في السفر.\n١٠٣ - قصد المشعر الحرام (١) والوقوف عنده في صبيحة يوم العيد؛ لأن النبي ﷺ ركب وقصد المشعر الحرام، ولكن هل هذا على سبيل الوجوب؟\nالجواب: لا؛ لأن النبي ﷺ قال: «وقفت هاهنا وجمع كلها موقف» (٢) فكل مزدلفة موقف، ولا يلزمك أن تشد الرحل إلى المشعر الحرام لتقف عنده.\n١٠٤ - أنه ينبغي التفرغ بعد صلاة الفجر يوم العيد للدعاء والتكبير والتهليل والذكر إلى أن يقرب طلوع الشمس،\n_________\n(١) المشعر الحرام: هو في قوله تعالى: \"فاذكروا الله عند المشعر الحرام\" وهو في مزدلفة وجمع يسمى بهما جميعًا. معجم البلدان ٥/١٥٦.\n(٢) سبق تخريجه رقم (٥٦) .","vol":"1","page":126},{"text":"والدليل: «فدعاه وكبره وهلله ولم يزل واقفا حتى أسفر جدًا» إذًا فيسن التفرغ للدعاء والذكر في هذه المدة إلى أن يسفر جدًا.\n١٠٥ - تواضع النبي ﷺ حيث أردف الفضل بن عباس ﵄ دون أشراف القوم وأردف في دفعه من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد ﵁ وهو مولى.\n١٠٦ - جواز الإرداف على الدابة، لأن الإرداف لو كان حرامًا ما أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس ولكن يشترط لذلك أن تكون الدابة قوية وقادرة على تحمل الرديف، فإن كانت هزيلة ضعيفة والإرداف يشق عليها فإن ذلك لا يجوز لقول النبي ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (١) .\n١٠٧ - عدم جواز نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية كما استدل به النووي وغيره من أهل العلم لأن النبي ﷺ صرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. ولكن إذا كان لشهوة فهو حرام بلا شك وإذا كان لغير شهوة فإن الذي تدل عليه النصوص الأخرى أنه لا يجوز له النظر إليها وأنه يجب عليها أن تحتجب لئلا ينظر إليها.\n١٠٨ - مشروعية تغيير المنكر باليد لقوله: «فجعل النبي\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الصيد والذبائح / باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة (١٩٥٥) .","vol":"1","page":127},{"text":"ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر» .\n١٠٩ - جواز التغيير قبل الأمر لأن الرسول ﷺ جعل يصرف وجهه دون أن يقول له التفت أو اصرف وجهك. وعلى هذا فينظر الإنسان هل الأصلح أن يأمر أولًا ثم يغير أو أن يغير أولًا قبل أن يأمر فيرجع ذلك إلى ما فيه المصلحة.\n١١٠ - أنه ينبغي الإسراع في بطن محسر، وهو الوادي الذي بين مزدلفة ومنى؛ لأن النبي ﷺ أسرع فيه. والأصل فيما فعله في هذه العبادة أنه من التعبد وليس من العادة حتى يتبين أنه عادة. والظاهر أنه لا يمكن الإسراع الآن؛ لأن الإنسان محبوس بالسيارات فلا يمكن أن يتقدم أو يتأخر وربما ينحبس في نفس المكان فيعجز أن يمشي ولكن نقول: هذا شيء بغير اختيار الإنسان فينوي بقلبه أنه لو تيسر له أن يسرع لأسرع وإذا علم الله من نيته هذا فإنه قد يثيبه على ما فاته من الأجر والثواب.\n١١١ - أنه ينبغي للإنسان القادم إلى منى من مزدلفة أن يسلك أقرب الطرق إلى جمرة العقبة، لفعل النبي ﷺ، وهكذا ينبغي للإنسان في أسفاره أن يسلك أقرب الطرق إلى حصول مقصوده.\n١١٢ - أنه ينبغي المبادرة برمي الجمرة بحيث لا يقدم عليها نسكًا ولا تنزيل رحل ولا نزولًا في مكان، بل يبادر بها","vol":"1","page":128},{"text":"أول ما يقدم وهذا هو الأفضل.\n١١٣ - أن من رخص له أن يدفع من مزدلفة في آخر الليل له أن يبدأ بالجمرة جمرة العقبة فيرميها حين وصوله، وأما ما ورد عن النبي ﷺ من النهي عن هذا في قوله: «أبني لا ترموا حتى تطلع الشمس» (١) فقد ضعفه كثير من أهل العلم ﵏، وإن صح فإنه يحمل على الاستحباب لا على الوجوب. وإلا فكل من جاز له الدفع من مزدلفة جاز له الرمي، وإلا لما استفاد شيئا، فكيف يرخص له أن يدع نسكًا من المناسك التي نص القرآن عليها ويبقى في منى ساكنًا حتى طلوع الشمس.\n١١٤ - أن غسل حصى رمي الجمار بدعة لأن النبي ﷺ لم يغسله ولم يأمر به أصحابه.\n١١٥ - أنه لا رمي في يوم العيد إلا لجمرة العقبة، لأن النبي ﷺ لم يرم سواها، فلو رمى الإنسان الثلاث لكان مبتدعًا، وإن رماها جهلًا فليس عليه شيء.\n١١٦ - مشروعية الرمي راكبًا ما لم يكن في ذلك أذية.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك / باب التعجيل من جمع ١/٤٥٠. والنسائي في كتاب المناسك / باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس ٥/٢٢٠ وابن ماجه في كتاب المناسك / باب من تقدم من جمع ٢/١٠٠٧ وأحمد ١/٢٣٤ - ٣١١ - ٣٤٣.","vol":"1","page":129},{"text":"١١٧ - أنه يجب أن يرمي الجمار رميًا، فلا يجزئ الوضع بل لا بد من الرمي.\nوهل يشترط أن يرفع يده حتى يرى بياض إبطه؟\nالجواب: لا، ولكن يرمي قذفا فلو أخذ الحصاة ووضعها في الحوض وضعًا فإن ذلك لا يجزئ.\n١١٨ - أنه لا بد من سبع حصيات لقوله «فرماها بسبع حصيات» فلو رمى بخمس أو بثلاث أو بأربع لم يجزئ.\nولكن رخص بعض أهل العلم ﵏ (١) بجواز الرمي بخمس أو ست، قال: لأن الصحابة ﵃ كانوا ينصرفون من الرمي، فيقول بعضهم رميت بخمس، وبعضهم بست، وبعضهم بسبع، ولا ينكر أحد على أحد، ولكن لا شك أن الأحوط أن لا يقتصر على ما دون السبع، لأن هذا هو هدي النبي ﷺ.\n١١٩ - أنه لا يجوز الزيادة على السبع لقوله: «فرماها بسبع حصيات» .\n١٢٠ - أنه لا بد أن تكون السبع متعاقبات لقوله: «رماها بسبع» فإن ظاهره أن كل واحدة تكون مرمية، فلابد أن تكون متعاقبات ولهذا قال «يكبر مع كل حصاة» وهذا كالنص\n_________\n(١) انظر المغني ٥/٣٣٠.","vol":"1","page":130},{"text":"الصريح على أنه لابد من التعاقب، فلو رماها دفعة واحدة لم يجزئه إلا واحدة ولا يجزئه السبع هذا ما لم يكن قصد التعبد وهو يعلم أن الرسول ﷺ رمى سبعا متعاقبة، فإن نوى التعبد مع علمه بأن الرسول ﷺ رمى بسبع متعاقبة فإن ذلك لا يجزئ لأنه صريح بمخالفة السنة، فيكون عملا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودا، ولو رماها سبعًا من شدة الزحام دفعة واحدة تكون واحدة\nفإن قال قائل: ألستم في الحدود تقولون إن المريض إذا كان لا يحتمل أن يضرب ضربًا متعاقبًا بالسوط فإنه يجمع ضغثًا من النخل ويضرب به مرة واحدة؟\nفالجواب: أن هذا قام عليه الدليل، وهو أيضا من باب العقوبة، والعقوبة ينبغي فيها التخفيف إذا لم يستطع، بخلاف هذا، فهو عبادة، ولهذا لا يجوز للمريض الذي يشق عليه أن يصلي أربعا أن يصلي ركعتين.\n١٢١ - أنه يستحب التكبير عند الرمي وأن يكون مع كل حصاة.\n١٢٢ - أنه لا يستحب البسملة هنا، وإن كان بعض الناس يسمي فيقول: بسم الله والله أكبر.\n١٢٣ - أنه لا يسن أن يقول ما يقوله العامة اللهم رضا للرحمن وغضبًا للشيطان؛ فإن هذا لم يرد عن النبي ﷺ،","vol":"1","page":131},{"text":"ومن باب أولى أنه لا يسن في هذه الحال سب الشيطان ولعنه وما أشبه ذلك من الكلمات التي يقولها جهال الناس.\n١٢٤ - ضلال من يرمي بالأحجار الكبيرة أو بالنعال أو بالمظلات أو ما أشبه ذلك مما يفعله الجهال، وكل هذا من اعتقادهم أنهم يرمون الشيطان.\n١٢٥ - أنه لا يجزئ الرمي بغير الحصى، فلو رمى بذهب لم يجزئه؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع، ولو رمى بمدر (وهو الطين المجفف) لم يجزئه، ولو رمى بقطعة من الإسمنت فإنه لا يجزئ، ولو رمى بجص أو بخشب أو بأي مادة من المواد أو معدن من المعادن سوى الحصى فإنه لا يجزئ، لأن النبي ﷺ رمى بحصى.\n١٢٦ - أنه لا يجزئ الرمي بالحصاة الكبيرة ولا الصغيرة جدًا، أما الصغيرة التي دون حصى الخذف لكن ليست صغيرة جدًا فإنها تجزئ، والكبيرة لا تجزئ لقوله: «كل حصاة منها مثل حصى الخذف» فالنبي ﷺ رمى بهذا وقال: «خذوا عني مناسككم» (١) بل رفع إليه ابن عباس ﵄ حصيات فأخذها بكفه وجعل يحركها ويقول: «بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين» (٢) .\n_________\n(١) سبق تخريجه رقم ١٠٢.\n(٢) سبق تخريجه رقم ٦٩.","vol":"1","page":132},{"text":"١٢٧ - أنه يسن رمي جمرة العقبة من بطن الوادي لقوله: «رمى من بطن الوادي» .\n١٢٨ - أنه يسن استقبال جمرة العقبة لا القبلة عند الرمي، خلافًا لمن قال: إنه يستقبل القبلة ويجعل الجمرة عن يمينه ويرمي من اليمين، فإن هذا ليس بصحيح، لأنه خلاف موقف رسول الله ﷺ من وجه، ومن وجه آخر أنه في زمننا هذا متعذر.\nفإن قال قائل: أليس الأصل في العبادات استقبال القبلة؟\nفالجواب: إن سلمنا أن هذا هو الأصل فقد دل الدليل على عدمه في هذه المسألة.\n١٢٩ - أنه لا يشرع الوقوف للدعاء بعد رمي جمرة العقبة.\n١٣٠ - أن النحر بعد الرمي لقوله: «ثم انصرف إلى المنحر فنحر» .\n١٣١ - أنه ينبغي لذوي الأمر أن يرتبوا المكان للحجاج بحيث يجعلوا للنحر مكانًا خاصًا لقوله: «ثم انصرف إلى المنحر» لأنه إذا جعل للنحر مكانًا خاصًا سلم الناس من الروائح الكريهة والتلويث والأذى وغير ذلك فإذا جعل للنحر منحر خاص، فذلك أسلم وأقرب إلى الإحاطة بهذا الأذى والقذر.","vol":"1","page":133},{"text":"١٣٢ - أنه ينبغي للإنسان أن ينحر هديه بيده لقوله: «فنحر» فإذا قال قائل: ألا يمكن أن يكون قوله: «فنحر» أي أمر من ينحر؟\nقلنا: هذا ممكن، ولكن الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أن يكون الفاعل مباشرًا للفعل، ولهذا جاء التفصيل في حديث جابر ﵁ المذكور أنه ﷺ نحر ثلاثًا وستين بيده وأعطى عليًا ﵁ فنحر الباقي، وهكذا ينبغي للإنسان أن ينحر هديه وأضحيته بيده، لأن ذلك أتبع للسنة وأشد طمأنينة للقلب أن تكون ذبحتها على الوجه المشروع ولأن هذا عبادة فينبغي للإنسان أن يفعله بنفسه ويتفرع منها:\n١٣٣ - خطأ الفكرة السائدة بين الناس اليوم وهو أن المقصود من الأضحية هو اللحم ولهذا تجدهم يرسلون الدراهم إلى البلاد النائية البعيدة بدلًا عن الأضحية ويقولون هم أحوج منا.\nنقول: ليس المقصود من الأضحية هو اللحم، المقصود هو التقرب إلى الله بالذبح هذا أهم شيء في الأضحية أن تذبحها أنت بنفسك تذللًا لله ﷿ وتعظيمًا له وتقربًا إليه فإن لم تستطع فوكل من يذبح كما وكل النبي ﷺ ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ أن يذبح ما بقي من هديه، ثم إذا ذبحت وتقربت إلى الله فإن شئت فكل وإن شئت فتصدق","vol":"1","page":134},{"text":"بها كلها.\nولهذا لما نزلت بالمسلمين فاقة في إحدى السنوات لم يقل تصدقوا بالطعام أو تصدقوا بالدراهم بل قال: اذبحوا لكن لا تدخروا فوق ثلاث. وفي العام الثاني لما زالت الفاقه قال: كلوا وادخروا ما شئتم.\nفالمهم أنه يجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على أن الذبح نفسه عبادة عظيمة؛ ولهذا قرنه الله بالصلاة في قوله «فصل لربك وانحر» فلا ينبغي أن ترسل الشعائر تقام هناك وتترك الشعيرة هنا ولهذا كان من حكمة الله أن البلاد غير مكة تقام فيها هذه الشعيرة وهي التقرب إلى الله بالذبح لكن في مكة هدي وفي غيرها أضاحٍ.\nوإذا كان يحب أن ينفع إخوانه في الجهة الأخرى فليرسل إليهم دراهم صدقة تطوعًا لله ﷿. فهذه مسألة ينبغي أن يتنبه لها.\n١٣٤ - وفيه دليل على تأكد الأكل من الهدي، لأنه ﵊ أمر من كل بدنه بقطعة وكان يكفيه أن يأخذ من بدنه واحدة يأكل ما شاء لكن تحقيقا لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾ (١) .\n_________\n(١) سورة الحج: آية ٢٨.","vol":"1","page":135},{"text":"١٣٥ - أنه يجوز التوكيل في ذبح الهدي، لأن الرسول ﷺ وكل علي بن أبي طالب ﵁ أن ينحر الباقي، ولكن لا ينبغي التوكيل إلا إذا دعت الحاجة إليه، إما لكثرة الهدي أو لكون الذبح يشغله عما هو أهم، لأن الرسول ﵊ لا شك أن حاجات الناس تتعلق به في الاستفتاء وغيره، فلهذا لما نحر ثلاثًا وستين أعطى عليًا ﵁ فنحر الباقي وهو سبع وثلاثون بعيرًا.\n١٣٦ - مشروعية إهداء الإبل لأن النبي ﷺ أهدى إبلًا مائة بعير وأشرك عليًا ﵁ في هديه.\n١٣٧ - وفيه دليل على كرم النبي ﷺ حيث أهدى مائة بدنة عن سبعمائة شاة. وكثير من الناس اليوم يشق عليه إهداء شاة واحدة حتى إنه يختار النسك المفضول على الفاضل تفاديًا للهدي.\n١٣٨ - أنه ينبغي أن يفيض إلى مكة ليطوف ضحى يوم النحر، لأن الرسول ﷺ أفاض ضحى يوم النحر قبل أن يصلي الظهر بعد أن أكل من لحم هديه، لأنه أمر من كل بدنة بقطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها.\n١٣٩ - أنه ينبغي أن يصلي الظهر يوم العيد بمكة؛ لأن الرسول ﷺ صلى الظهر بمكة، لكن قد ثبت في الصحيحين","vol":"1","page":136},{"text":"أنه صلاها بمنى (١)، فاختلف العلماء في هذا:\nفمنهم من سلك طريق الترجيح، ومنهم من سلك طريق الجمع، والصحيح سلوك طريق الجمع، لأن الحديثين كلاهما صحيح بلا شك، وإذا صح الحديثان وأمكن الجمع لم يعدل إلى الترجيح. والجمع بينهما ممكن بأن يقال: إن الرسول ﷺ صلى الظهر بمكة ثم خرج إلى منى فوجد بعض أصحابه لم يصل فصلى بهم إمامًا، فتكون صلاته في منى معادة، كما كان يفعل معاذ ﵁ مع قومه، يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة (٢) .\n١٤٠ - أن الله تعالى قد ينزل البركة للإنسان في وقته، بحيث يفعل في الوقت القصير ما لا يفعل في الوقت الكثير، وهذا شيء مشاهد، ومن أعظم ما يعينك على هذا أن تستعين بالله ﷿ في جميع أفعالك بأن تجعل أفعالك مقرونة بالاستعانة بالله حتى لا توكل إلى نفسك لأنك إن وكلت إلى\n_________\n(١) اخرجه مسلم في الحج / باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر (١٣٠٨) عن ابن عمر ﵄ ولفظه: \"أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر. ثم رجع فصلى الظهر بمنى\".\n(٢) أخرجه البخاري في الأدب / باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا (٦١٠٦) وأخرجه مسلم في الصلاة / باب القراءة في العشاء (٤٦٥) عن جابر بن عبد الله ﵄.","vol":"1","page":137},{"text":"نفسك وكلت إلى ضعف وعجز، وإن أعانك الله فلا تسأل عما يحصل لك من العمل والبركة فيه.\n١٤١ - أنه ينبغي الشرب من ماء زمزم، لأن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم.\nفإن قال قائل: هل يفعل شيئا آخر غير الشرب كالرش على البدن أو على الثوب أو أن يغسل به أثوابًا يجعلها لكفنه كما كان الناس يفعلون ذلك من قبل؟\nفالجواب: لا. فنحن لا نتجاوز في التبرك ما ورد عن النبي ﷺ وهذا لم يرد عن النبي ﷺ فلا نتجاوز إليه بل ما ثبت عن النبي ﷺ أخذنا به وإلا فلا.\n١٤٢ - أنه ينبغي على من شرب من ماء زمزم أن يتضلع منه لأن هذا الماء خير، وقد ورد حديث في ذلك لكن فيه نظر وهو (أن آية ما بين أهل الإيمان والنفاق التضلع من ماء زمزم) (١) وذلك لأن ماء زمزم ليس عذبًا حلوًا بل يميل إلى الملوحة والإنسان المؤمن لا يشرب من هذا الماء الذي يميل إلى الملوحة إلا إيمانًا بما فيه من البركة فيكون التضلع منه دليلًا على الإيمان.\n١٤٣ - وفيه أن أفعال النبي ﷺ أسوة؛ لقوله لبني عبد\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في المناسك / باب الشرب من ماء زمزم (١٠١٧) .","vol":"1","page":138},{"text":"المطلب: «انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» لأنه لو نزع لكان سنة يأخذ بها الناس وحينئذ يغلبونهم على السقاية.\n١٤٤ - وفيه تواضع النبي ﷺ حين شرب من الدلو الذي يشرب منه الناس، ناولوه دلوًا فشرب منه ﵊ وظاهر الحال أنه شرب قائمًا فقيل شرب قائمًا لضيق المكان وقيل إنه شرب قائمًا من أجل أن يتضلع منه أي من ماء زمزم لأن الإنسان إذا شرب قائما تضلع من الماء أكثر والله أعلم.\nالمهم أن هذا الحديث من أطول الأحاديث في صفة حج النبي ﷺ ولهذا جعله الشيخ الألباني (١) - حفظه الله - أصلًا لصفة حج النبي ﷺ وبنى منسكه المعروف المشهور على هذا وزاد فيه ما زاد.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين\n_________\n(١) هو العلامة المحدث المحقق محمد بن ناصر الدين الألباني ولد عام ١٣٣٢هـ في مدينة أشقودرة عاصمة ألبانيا آنذاك ونشأ في أسرة فقيرة ومن بيت علم، وكان رحمه الله تعالى حريصًا جدًا على العمل بالسنة ومحاربة البدعة ودعوة الناس إلى منهج السلف الصالح توفي ﵀ عصر يوم السبت الثاني والعشرون من جمادى الآخرة لعام ١٤٢٠هـ","vol":"1","page":139}]}